عمدة القاري شرح صحيح البخاري
بدر الدين العيني
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي أوضح وُجُوه معالم الدّين وأفضح وُجُوه الشَّك بكشف النقاب عَن وَجه الْيَقِين بالعلماء المستنبطين الراسخين والفضلاء الْمُحَقِّقين الشامخين الَّذين نزهوا كَلَام سيد الْمُرْسلين مميزين عَن زيف المخلطين المدلسين وَرفعُوا مناره بِنصب العلائم وأسندوا عمده بأقوى الدعائم حَتَّى صَار مَرْفُوعا بِالْبِنَاءِ العالي المشيد وبالأحكام الموثق المدمج الْمُؤَكّد مسلسلا بسلسة الْحِفْظ والإسناد غير مُنْقَطع وَلَا واه إِلَى يَوْم التناد وَلَا مَوْقُوف على غَيره من المباني وَلَا معضل مَا فِيهِ من الْمعَانِي (وَالصَّلَاة) على من بعث بِالدّينِ الصَّحِيح الْحسن وَالْحق الصَّرِيح السّنَن الْخَالِي عَن الْعِلَل القادحة والسالم من الطعْن فِي أدلته الراجحة مُحَمَّد المستأثر بالخصال الحميدة والمجتبى الْمُخْتَص بالخلال السعيدة وعَلى آله وَصَحبه الْكِرَام مؤيدي الدّين ومظهري الْإِسْلَام وعَلى التَّابِعين بِالْخَيرِ وَالْإِحْسَان وعَلى عُلَمَاء الْأمة فِي كل زمَان مَا تغرد قمرى على الْورْد والبان وناح عندليب على نور الأقحوان (وَبعد) فَإِن عانى رَحْمَة ربه الْغنى أَبَا مُحَمَّد مَحْمُود بن أَحْمد الْعَيْنِيّ عَامله ربه ووالديه بِلُطْفِهِ الْخَفي يَقُول أَن السّنة إِحْدَى الْحجَج القاطعة وأوضح المحجة الساطعة وَبهَا ثُبُوت أَكثر الْأَحْكَام وَعَلَيْهَا مدَار الْعلمَاء الْأَعْلَام وَكَيف لَا وَهِي القَوْل وَالْفِعْل من سيد الْأَنَام فِي بَيَان الْحَلَال وَالْحرَام الَّذين عَلَيْهِمَا مَبْنِيّ الْإِسْلَام فصرف الإعمار فِي اسْتِخْرَاج كنوزها من أهم الْأُمُور وتوجيه الأفكار فِي استكشاف رموزها من تعمير العمور لَهَا منقبة تجلت عَن الْحسن والبها ومرتبة جلت بالبهجة والسنا وَهِي أنوار الْهِدَايَة ومطالعها ووسائل الدِّرَايَة وذرائعها وَهِي من مختارات الْعُلُوم عينهَا وَمن متنقدات نقود المعارف فضها وعينها ولولاها لما بَان الْخَطَأ عَن الصَّوَاب وَلَا تميز الشَّرَاب من السراب وَلَقَد تصدت طَائِفَة من السّلف الْكِرَام مِمَّن كساهم الله تَعَالَى جلابيب الْفَهم والأفهام ومكنهم من انتقاد الْأَلْفَاظ الفصيحة المؤسسة على الْمعَانِي الصَّحِيحَة وأقدرهم على الْحِفْظ بالحفاظ من الْمُتُون والألفاظ إِلَى جمع سنَن من سنَن سيد الْمُرْسلين هادية إِلَى طرائق شرائع الدّين وَتَدْوِين مَا تفرق مِنْهَا فِي أقطار بِلَاد الْمُسلمين بتفرق الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الحاملين وَبِذَلِك حفظت السّنَن وَحفظ لَهَا السّنَن وسلمت عَن زيغ المبتدعين وتحريف الجهلة المدعين فَمنهمْ الْحَافِظ الحفيظ الشهير الْمُمَيز النَّاقِد الْبَصِير الَّذِي شهِدت بحفظه الْعلمَاء الثِّقَات وَاعْتَرَفت بضبطه الْمَشَايِخ الْأَثْبَات وَلم يُنكر فَضله عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن وَلَا تنَازع فِي صِحَة تنقيده اثْنَان الإِمَام الْهمام حجَّة الْإِسْلَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أسْكنهُ الله تَعَالَى بحابيح جنانه بعفوه الْجَارِي وَقد دون فِي السّنة كتابا فاق على أَمْثَاله وتميز على أشكاله ووشحه بجواهر الْأَلْفَاظ من دُرَر الْمعَانِي ورشحه بالتبويبات الغريبة المباني بِحَيْثُ قد أطبق على قبُوله بِلَا خلاف عُلَمَاء الأسلاف والأخلاف فَلذَلِك أصبح الْعلمَاء الراسخون الَّذين تلألأ فِي ظلم اللَّيَالِي أنوار قرائحهم الوقادة واستنار على صفحات الْأَيَّام آثَار خواطرهم النقادة قد حكمُوا بِوُجُوب مَعْرفَته وأفرطوا فِي قريضته ومدحته ثمَّ
تصدى لشرحه جمَاعَة من الْفُضَلَاء وَطَائِفَة من الأذكياء من السّلف النحارير الْمُحَقِّقين وَمِمَّنْ عاصرناهم من المهرة المدققين فَمنهمْ من أَخذ جَانب التَّطْوِيل وشحنه من الأبحاث بِمَا عَلَيْهِ الِاعْتِمَاد والتعويل وَمِنْهُم من لَازم الِاخْتِصَار فِي الْبَحْث عَمَّا فِي الْمُتُون ووشحه بجواهر النكات والعيون وَمِنْهُم من أَخذ جَانب التَّوَسُّط مَعَ سوق الْفَوَائِد ورصعه بقلائد الفرائد وَلَكِن الشَّرْح أَي الشَّرْح مَا يشفي العليل ويبل الأكباد ويروي الغليل حَتَّى يرغب فِيهِ الطلاب ويسرع إِلَى خطبَته الْخطاب سِيمَا هَذَا الْكتاب الَّذِي هُوَ بَحر يتلاطم أمواجا رَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِيهِ أَفْوَاجًا فَمن خَاضَ فِيهِ ظفر بكنز لَا ينْفد أبدا وفاز بجواهره الَّتِي لَا تحصى عددا وَقد كَانَ يختلج فِي خلدي أَن أخوض فِي هَذَا الْبَحْر الْعَظِيم لأفوز من جواهره ولآليه بِشَيْء جسيم وَلَكِنِّي كنت أستهيب من عَظمته أَن أَحول حوله وَلَا أرى لنَفْسي قابلية لمقابلتها هوله ثمَّ إِنِّي لما رحلت إِلَى الْبِلَاد الشمالية الندية قبل الثَّمَانمِائَة من الْهِجْرَة الأحمدية مستصحبا فِي أسفاري هَذَا الْكتاب لنشر فَضله عِنْد ذَوي الْأَلْبَاب ظَفرت هُنَاكَ من بعض مَشَايِخنَا بِغَرَائِب النَّوَادِر وفوائد كاللآلي الزواهر مِمَّا يتَعَلَّق باستخراج مَا فِيهِ من الْكُنُوز واستكشاف مَا فِيهِ من الرموز ثمَّ لما عدت إِلَى الديار المصرية ديار خير وَفضل وأمنية أَقمت بهَا بُرْهَة من الخريف مشتغلا بِالْعلمِ الشريف ثمَّ اخترعت شرحا لكتاب مَعَاني الْآثَار المنقولة من كَلَام سيد الْأَبْرَار تصنيف حجَّة الْإِسْلَام الجهبذ الْعَلامَة الإِمَام أبي جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَلامَة الطَّحَاوِيّ أسْكنهُ الله تَعَالَى من الْجنان فِي أحسن المآوي ثمَّ أنشأت شرحا على سنَن أبي دَاوُد السجسْتانِي بوأه الله دَار الْجنان فعاقني من عوائق الدَّهْر مَا شغلني عَن التتميم وَاسْتولى على من الهموم مَا يخرج عَن الْحصْر والتقسيم ثمَّ لما انجلى عني ظلامها وتجلى عَليّ قتامها فِي هَذِه الدولة المؤيدية وَالْأَيَّام الزاهرة السّنيَّة ندبتني إِلَى شرح هَذَا الْكتاب أُمُور حصلت فِي هَذَا الْبَاب (الأول) أَن يعلم أَن فِي الزوايا خبايا وَأَن الْعلم من منايح الله عز وَجل وَمن أفضل العطايا (وَالثَّانِي) إِظْهَار مَا منحني الله من فَضله الغزير وإقداره إيَّايَ على أَخذ شَيْء من علمه الْكثير وَالشُّكْر مِمَّا يزِيد النِّعْمَة وَمن الشُّكْر إِظْهَار الْعلم للْأمة (وَالثَّالِث) كَثْرَة دُعَاء بعض الْأَصْحَاب بالتصدي لشرح هَذَا الْكتاب على أَنِّي قد أملتهم بسوف وَلَعَلَّ وَلم يجد ذَلِك بِمَا قل وَجل وخادعتهم عَمَّا وجهوا إِلَيّ بأخادع الالتماس ووادعتهم من يَوْم إِلَى يَوْم وَضرب أَخْمَاس لأسداس وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن أَنْوَاع الْعُلُوم على كَثْرَة شجونها وغزارة تشعب فنونها عز على النَّاس مرامها واستعصى عَلَيْهِم زمامها صَارَت الْفَضَائِل مطموسة المعالم مخفوضة الدعائم وَقد عفت أطلالها ورسومها واندرست معالمها وَتغَير منثورها ومنظومها وزالت صواها وضعفت قواها (كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصَّفَا ... أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر) وَمَعَ هَذَا فَالنَّاس فِيمَا تعبت فِيهِ الْأَرْوَاح وهزلت فِيهِ الأشباح على قسمَيْنِ متباينين قسم هم حسدة لَيْسَ عِنْدهم إِلَّا جهل مَحْض وَطعن وقدح وعض لكَوْنهم بمعزل عَن انتزاع أبكار الْمعَانِي وَعَن تفتيق مَا رتق من المباني فالمعاني عِنْدهم تَحت الْأَلْفَاظ مستورة وأزهارها من وَرَاء إِلَّا كمام زاهرة منظورة (إِذا لم يكن للمرء عين صَحِيحَة ... فَلَا غروان يرتاب وَالصُّبْح مُسْفِر) وصنف هم ذَوُو فَضَائِل وكمالات وَعِنْدهم لأهل الْفضل اعتبارات المنصفون اللاحظون إِلَى أَصْحَاب الْفَضَائِل وَالتَّحْقِيق وَإِلَى أَرْبَاب الفواضل والتدقيق بِعَين الإعظام والإجلال والمرفرفون عَلَيْهِم أَجْنِحَة الأكرام والأشبال والمعترفون بِمَا تلقنوا من الْأَلْفَاظ مَا هِيَ كالدر المنثور والأرى المنشور وَالسحر الْحَلَال وَالْمَاء الزلَال وَقَلِيل مَا هم وهم كالكثير فالواحد مِنْهُم كالجم الْغَفِير فَهَذَا الْوَاحِد هُوَ المُرَاد الغارد وَلَكِن أَيْن ذَاك الْوَاحِد ثمَّ إِنِّي أَجَبْتهم بِأَن من تصدى للتصنيف يَجْعَل نَفسه هدفا للتعسيف ويتحدث فِيهِ بِمَا فِيهِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ وينبذ كَلَامه بِمَا فِيهِ التقبيح والتشويه فَقَالُوا مَا أَنْت بِأول من عورض وَلَا بِأول من كَلَامه قد نوقض فَإِن هَذَا دَاء قديم وَلَيْسَ مِنْهَا سَالم إِلَّا وَهُوَ سليم فالتقيد بِهَذَا يسد أَبْوَاب الْعُلُوم عَن فتحهَا وَإِلَّا كتراث بِهِ يصد عَن التَّمْيِيز بَين محَاسِن الْأَشْيَاء وقبحها (هَذَا) وَلما لم يرتدعوا عَن سُؤَالهمْ وَلم أجد بدا عَن آمالهم شمرت ذيل الحزم عَن سَاق الْجَزْم وأنخت مطيتي.
وحللت حقيبتي وَنزلت فِي فنَاء ربع هَذَا الْكتاب لَا ظهر مَا فِيهِ من الْأُمُور الصعاب وَأبين مَا فِيهِ من المعضلات وأوضح مَا فِيهِ من المشكلات وَأورد فِيهِ من سَائِر الْفُنُون بِالْبَيَانِ مَا صَعب مِنْهُ على الأقران بِحَيْثُ أَن النَّاظر فِيهِ بالأنصاف المتجنب عَن جَانب الاعتساف أَن أَرَادَ مَا يتَعَلَّق بالمنقول ظفر بآماله وَأَن أَرَادَ مَا يتَعَلَّق بالمعقول فَازَ بِكَمَالِهِ وَمَا طلب من الكمالات يلقاه وَمَا ظفر من النَّوَادِر والنكات يرضاه على أَنهم قد ظنُّوا فِي قُوَّة لإبلاغهم المرام وَقدره على تَحْصِيل الْفَهم والأفهام ولعمري ظنهم فِي معرض التَّعْدِيل لِأَن الْمُؤمن لَا يظنّ فِي أَخِيه إِلَّا بالجميل مَعَ أَنِّي بالتقصير لمعترف وَمن بَحر الْخَطَايَا لمغترف وَلَكِنِّي أتشبه بهم متمنيا أَن تكون لي حلية فِي ميادينهم وشجرة مثمرة فِي بساتينهم على أَنِّي لَا أرى لنَفْسي منزلَة تعد من مَنَازِلهمْ وَلَا لذاتي منهل مورد يكون بَين مناهلهم وَلَكِنِّي أَرْجُو والرجاء من عَادَة الحازمين الضابطين واليأس من عَادَة الغافلين القانطين ثمَّ أَنِّي قدحت أفكاري بزناد الذكاء حَتَّى أورت أنوارا انكشفت بهَا مستورات هَذَا الْكتاب وتصديت لتجليته على منصة التَّحْقِيق حَتَّى كشف عَن وَجهه النقاب وَاجْتَهَدت بالسهر الطَّوِيل فِي اللَّيَالِي الطَّوِيلَة حَتَّى ميزت من الْكَلَام مَا هِيَ الصَّحِيحَة من العليلة وخضت فِي بحار التدقيق سَائِلًا من الله الْإِجَابَة والتوفيق حَتَّى ظَفرت بدرر استخرجتها من الأصداف وبجواهر أخرجتها من الغلاف حَتَّى أَضَاء بهَا مَا أبهم من مَعَانِيه على أَكثر الطلاب وتحلى بهَا مَا كَانَ عاطلا من شُرُوح هَذَا الْكتاب فجَاء بِحَمْد الله وتوفيقه فَوق مَا فِي الخواطر فائقا على سَائِر الشُّرُوح بِكَثْرَة الْفَوَائِد والنوادر مترجما بِكِتَاب (عُمْدَة الْقَارِي فِي شرح البُخَارِيّ) ومأمولي من النَّاظر فِيهِ أَن ينظر بالإنصاف وَيتْرك جَانب الطعْن والاعتساف فَإِن رأى حسنا يشْكر سعى زَائِره ويعترف بِفضل عاثره أَو خللا يصلحه أَدَاء حق الْأُخوة فِي الدّين فَإِن الْإِنْسَان غير مَعْصُوم عَن زلل مُبين (فَإِن تَجِد عَيْبا فسد الخللا ... فجل من لَا عيب فِيهِ وَعلا) فالمنصف لَا يشْتَغل بالبحث عَن عيب مفضح والمتعسف لَا يعْتَرف بِالْحَقِّ الموضح (فعين الرِّضَا عَن كل عيب كليلة ... وَلَكِن عين السخط تبدي المساويا) فَالله عز وَجل يرضى عَن الْمنصف فِي سَوَاء السَّبِيل ويوفق المتعسف حَتَّى يرجع عَن الأباطيل ويمتع بِهَذَا الْكتاب الْمُسلمين من الْعَالمين العاملين فَإِنِّي جعلته ذخيرة ليَوْم الدّين وأخلصت فِيهِ بِالْيَقِينِ وَالله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ على كل شَيْء قدير وبالإجابة لدعانا جدير وَبِه الْإِعَانَة فِي التَّحْقِيق وَبِيَدِهِ أزمة التَّوْفِيق أما إسنادي فِي هَذَا الْكتاب إِلَى الإِمَام البُخَارِيّ رَحمَه الله فَمن طَرِيقين عَن محدثين كبيرين (الأول) الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة مفتي الْأَنَام شيخ الْإِسْلَام حَافظ مصر وَالشَّام زين الدّين عبد الرَّحِيم بن أبي المحاسن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الْعِرَاقِيّ الشَّافِعِي أسْكنهُ الله تَعَالَى بحابيح جنانه وكساءه جلابيب عَفوه وغفرانه توفّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الثَّامِنَة من شعْبَان من سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ فَسَمعته عَلَيْهِ من أَوله إِلَى آخِره فِي مجَالِس مُتعَدِّدَة آخرهَا آخر شهر رَمَضَان الْمُعظم قدره من سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بِجَامِع القلعة بِظَاهِر الْقَاهِرَة المعزية حماها الله عَن الْآفَات بِقِرَاءَة الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور الأشموني الْحَنَفِيّ رَحمَه الله بِحَق سَمَاعه لجَمِيع الْكتاب من الشَّيْخَيْنِ أبي عَليّ عبد الرَّحِيم بن عبد الله بن يُوسُف الْأنْصَارِيّ وقاضي الْقُضَاة عَلَاء الدّين عَليّ بن عُثْمَان بن مصطفى بن التركماني مُجْتَمعين قَالَ الأول أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ بن يُوسُف الدِّمَشْقِي وَأَبُو عمر وَعُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن رَشِيق الربعِي وَأَبُو الطَّاهِر إِسْمَاعِيل بن عبد الْقوي بن أبي الْعِزّ بن عزوان سَمَاعا عَلَيْهِم خلا من بَاب الْمُسَافِر إِذا جد بِهِ السّير تعجل إِلَى أَهله فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج إِلَى أول كتاب الصّيام وخلا من بَاب مَا يجوز من الشُّرُوط فِي الْمكَاتب إِلَى بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد وخلا من بَاب غَزْو الْمَرْأَة فِي الْبَحْر إِلَى دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْإِسْلَام فَأَجَازَهُ مِنْهُم قَالُوا أخبرنَا هبة الله بن عَليّ بن مَسْعُود البوصيري وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَامِد الأرتاحي قَالَ البوصيري أَنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن بَرَكَات السعيدي وَقَالَ الأرتاحي أخبرنَا عَليّ بن عمر الْفراء إجَازَة قَالَا أخبرتنا كَرِيمَة بنت أَحْمد المروزية قَالَت أخبرنَا أَبُو الْهَيْثَم مُحَمَّد بن مكي الْكشميهني وَقَالَ الثَّانِي أخبرنَا جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن هرون الْقَارِي قَالَ أَنا عبد الله الْحُسَيْن بن الْمُبَارك الزبيدِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو الْوَقْت
عبد الأول بن عِيسَى السجْزِي قَالَ أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن المظفر الدَّاودِيّ قَالَ أخبرنَا عبد الله بن أَحْمد بن حمويه قَالَ هُوَ والكشميهني أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر الْفربرِي قَالَ ثَنَا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ رَحمَه الله (وَالثَّانِي) الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْمُحدث الْكَبِير تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن معِين الدّين مُحَمَّد بن زين الدّين عبد الرَّحْمَن بن حيدرة بن عَمْرو بن مُحَمَّد الدجوي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي رَحمَه الله رَحْمَة وَاسِعَة فَسَمعته عَلَيْهِ من أَوله إِلَى آخِره فِي مجَالِس مُتعَدِّدَة آخرهَا آخر شهر رَمَضَان الْمُعظم قدره من سنة خمس وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ بِقِرَاءَة الشَّيْخ الإِمَام القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الشهير بِابْن التقي الْمَالِكِي بِحَق قِرَاءَته جَمِيع الْكتاب على الشَّيْخَيْنِ المسندين زين الدّين أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن هرون الثَّعْلَبِيّ وَصَلَاح الدّين خَلِيل بن طرنطاي بن عبد الله الزيني العادلي بِسَمَاع الأول على وَالِده وعَلى أبي الْحسن عَليّ بن عبد الْغَنِيّ بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن تَيْمِية بِسَمَاع وَالِده من أبي عبد الله الْحُسَيْن بن الزبيدِيّ فِي الرَّابِعَة وبسماع ابْن تَيْمِية من أبي الْحسن عَليّ بن أبي بكر بن روزبة القلانسي بسماعهما من أبي الْوَقْت وبسماع الأول أَيْضا على أبي عبد الله مُحَمَّد بن مكي بن أبي الذّكر الصّقليّ بِسَمَاع ابْن أبي الذّكر من أبي الزبيدِيّ (ح) وبسماع وَالِده أَيْضا فِي الرَّابِعَة من الإِمَام الْحَافِظ أبي عَمْرو عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن صَلَاح قَالَ أَنا مَنْصُور بن عبد الْمُنعم الفراوي قَالَ أَنا الْمَشَايِخ الْأَرْبَعَة أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي وَأَبُو بكر وجيه بن طَاهِر الشحامي وَأَبُو مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن شاه الشاذياخي وَأَبُو عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل الفراوي سَمَاعا وإجازة قَالَ الْفَارِسِي وَمُحَمّد بن الْفضل أَنا سعيد بن أبي سعيد الْعيار قَالَ أَنا أَبُو عَليّ بن مُحَمَّد بن عمر بن شبويه وَقَالَ الشحامي والشاذياخي وَمُحَمّد بن الْفضل الفراوي أَنا أَبُو سهل بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله الحفصي قَالَ أَنا أَبُو الْهَيْثَم مُحَمَّد بن مكي بن مُحَمَّد الْكشميهني بِسَمَاعِهِ وَسَمَاع ابْن شبويه من الْفربرِي ثَنَا الإِمَام البُخَارِيّ رَحمَه الله (ح) وبسماع الثَّانِي وَهُوَ خَلِيل الطرنطاي من أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي طَالب نعْمَة بن حسن بن عَليّ بن بيات الصَّالِحِي ابْن الشّحْنَة الحجار وَأم مُحَمَّد وزيرة ابْنة عَمْرو بن أسعد بن المنجا قَالَ أَنا ابْن الزبيدِيّ قَالَ أَنا أَبُو الْوَقْت عبد الأول السجْزِي قَالَ أَنا جمال الْإِسْلَام أَبُو الْحسن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن المظفر الدَّاودِيّ قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن حمويه قَالَ أَنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر الْفربرِي قَالَ ثَنَا الإِمَام البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى (فَوَائِد) الأولى سمى البُخَارِيّ كِتَابه بالجامع الْمسند الصَّحِيح الْمُخْتَصر من أُمُور رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسننه وأيامه وَهُوَ أول كِتَابه وَأول كتاب صنف فِي الحَدِيث الصَّحِيح الْمُجَرّد وصنفه فِي سِتّ عشرَة سنة ببخارى قَالَه ابْن طَاهِر وَقيل بِمَكَّة قَالَه ابْن البجير سمعته يَقُول صنفت فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَا أدخلت فِيهِ حَدِيثا إِلَّا بَعْدَمَا استخرت الله تَعَالَى وَصليت رَكْعَتَيْنِ وتيقنت صِحَّته وَيجمع بِأَنَّهُ كَانَ يصنف فِيهِ بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَالْبَصْرَة وبخارى فَإِنَّهُ مكث فِيهِ سِتّ عشرَة سنة كَمَا ذكرنَا وَفِي تَارِيخ نيسابور للْحَاكِم عَن أبي عَمْرو إِسْمَاعِيل ثَنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ يَقُول أَقمت بِالْبَصْرَةِ خمس سِنِين معي كتبي أصنف وأحج كل سنة وأرجع من مَكَّة إِلَى الْبَصْرَة قَالَ وَأَنا أَرْجُو أَن الله تَعَالَى يُبَارك للْمُسلمين فِي هَذِه المصنفات (الثَّانِيَة) اتّفق عُلَمَاء الشرق والغرب على أَنه لَيْسَ بعد كتاب الله تَعَالَى أصح من صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم فرجح الْبَعْض مِنْهُم المغاربة صَحِيح مُسلم على صَحِيح البُخَارِيّ وَالْجُمْهُور على تَرْجِيح البُخَارِيّ على مُسلم لِأَنَّهُ أَكثر فَوَائِد مِنْهُ وَقَالَ النَّسَائِيّ مَا فِي هَذِه الْكتب أَجود مِنْهُ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمِمَّا يرجح بِهِ أَنه لَا بُد من ثُبُوت اللِّقَاء عِنْده وَخَالفهُ مُسلم وَاكْتفى بأمكانه وشرطهما أَن لَا يذكر إِلَّا مَا رَوَاهُ صَحَابِيّ مَشْهُور عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ تَابِعِيّ مَشْهُور بالرواية عَن الصَّحَابَة لَهُ أَيْضا راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ من أَتبَاع الأتباع الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور على ذَلِك الشَّرْط ثمَّ كَذَلِك
(الثَّالِثَة) قد قَالَ الْحَاكِم الْأَحَادِيث المروية بِهَذِهِ الشريطة لم يبلغ عَددهَا عشرَة آلَاف حَدِيث وَقد خالفا شَرطهمَا فقد أخرجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلَا يَصح إِلَّا فَردا كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَدِيث الْمسيب بن حزن وَالِد سعيد بن الْمسيب فِي وَفَاة أبي طَالب وَلم يرو عَنهُ غير ابْنه سعيد وَأخرج مُسلم حَدِيث حميد بن هِلَال عَن أبي رِفَاعَة الْعَدوي وَلم يرو عَنهُ غير حميد وَقَالَ ابْن الصّلاح وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ عَن عَمْرو بن ثَعْلَب إِنِّي لأعطي الرجل وَالَّذِي أدع أحب إِلَيّ لم يرو عَنهُ غير الْحسن قلت فقد روى عَنهُ أَيْضا الحكم بن الْأَعْرَج نَص عَلَيْهِ ابْن أبي حَاتِم وَأخرج أَيْضا حَدِيث قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَلم يرو عَنهُ غير قيس قلت فقد روى عَنهُ أَيْضا زِيَاد بن علاقَة كَمَا ذكره ابْن أبي حَاتِم وَأخرج مُسلم حَدِيث عبد الله بن الصَّامِت عَن رَافع بن عَمْرو الْغِفَارِيّ وَلم يرو عَنهُ غير عبد الله قلت فَفِي الغيلانيات من حَدِيث سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة ثَنَا ابْن حكم الْغِفَارِيّ حَدثنِي جدي عَن رَافع بن عَمْرو فَذكر حَدِيثا وَأخرج حَدِيث أبي بردة عَن الْأَغَر الْمُزنِيّ (إِنَّه ليغان على قلبِي) وَلم يرو عَنهُ غير أبي بردة قلت قد ذكر العسكري أَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا روى عَنهُ أَيْضا وروى عَنهُ مُعَاوِيَة بن قُرَّة أَيْضا وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لِابْنِ قَانِع قَالَ ثَابت الْبنانِيّ عَن الْأَغَر أغر مزينة وَأغْرب من قَول الْحَاكِم قَول الميانشي فِي (إِيضَاح مَا لَا يسع الْمُحدث جَهله) شَرطهمَا فِي صَحِيحَيْهِمَا أَلا يدخلا فِيهِ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدهمَا وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اثْنَان من الصَّحَابَة فَصَاعِدا وَمَا نَقله عَن كل وَاحِد من الصَّحَابَة أَرْبَعَة من التَّابِعين فَأكْثر وَأَن يكون عَن كل وَاحِد من التَّابِعين أَكثر من أَرْبَعَة وَالظَّاهِر أَن شَرطهمَا اتِّصَال الْإِسْنَاد بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة من مبتداه إِلَى منتهاه من غير شذوذ وَلَا عِلّة (الرَّابِعَة) جملَة مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث المسندة سَبْعَة آلَاف ومائتان وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا بالأحاديث المكررة وبحذفها نَحْو أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث وَقَالَ أَبُو حَفْص عمر بن عبد الْمجِيد الميانشي الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ كتاب البُخَارِيّ من الْأَحَادِيث سَبْعَة آلَاف وسِتمِائَة ونيف قَالَ واشتمل كِتَابه وَكتاب مُسلم على ألف حَدِيث ومائتي حَدِيث من الْأَحْكَام فروت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا من جملَة الْكتاب مِائَتَيْنِ ونيفا وَسبعين حَدِيثا لم تخرج غير الْأَحْكَام مِنْهَا إِلَّا يَسِيرا قَالَ الْحَاكِم فَحمل عَنْهَا ربع الشَّرِيعَة وَمن الْغَرِيب مَا فِي كتاب الْجَهْر بالبسملة لِابْنِ سعد إِسْمَاعِيل ابْن أبي الْقَاسِم البوشنجي نقل عَن البُخَارِيّ أَنه صنف كتابا أورد فِيهِ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح (الْخَامِسَة) فهرست أَبْوَاب الْكتاب ذكرهَا مفصلة الْحَافِظ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي بِإِسْنَادِهِ عَن الْحَمَوِيّ فَقَالَ عدد أَحَادِيث صَحِيح البُخَارِيّ رَحمَه الله بَدَأَ الْوَحْي سَبْعَة أَحَادِيث الْإِيمَان خَمْسُونَ الْعلم خَمْسَة وَسَبْعُونَ الْوضُوء مائَة وَتِسْعَة أَحَادِيث غسل الْجَنَابَة ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ الْحيض سَبْعَة وَثَلَاثُونَ التَّيَمُّم خَمْسَة عشر فرض الصَّلَاة حديثان الصَّلَاة فِي الثِّيَاب تِسْعَة وَثَلَاثُونَ الْقبْلَة ثَلَاثَة عشر الْمَسَاجِد سِتَّة وَثَلَاثُونَ ستْرَة الْمصلى ثَلَاثُونَ مَوَاقِيت الصَّلَاة خَمْسَة وَسَبْعُونَ الْأَذَان ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ فضل صَلَاة الْجَمَاعَة وإقامتها أَرْبَعُونَ الْإِمَامَة أَرْبَعُونَ إِقَامَة الصُّفُوف ثَمَانِيَة عشر افْتِتَاح الصَّلَاة ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ الْقِرَاءَة ثَلَاثُونَ الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالتَّشَهُّد اثْنَان وَخَمْسُونَ انْقِضَاء الصَّلَاة سَبْعَة عشر اجْتِنَاب أكل الثوم خَمْسَة أَحَادِيث صَلَاة النِّسَاء وَالصبيان خَمْسَة عشر الْجُمُعَة خَمْسَة وَسِتُّونَ صَلَاة الْخَوْف سِتَّة أَحَادِيث الْعِيد أَرْبَعُونَ الْوتر خَمْسَة عشر الاسْتِسْقَاء خَمْسَة وَثَلَاثُونَ الْكُسُوف خَمْسَة وَعِشْرُونَ سُجُود الْقُرْآن أَرْبَعَة عشر الْقصر سِتَّة وَثَلَاثُونَ الاستخارة ثَمَانِيَة التحريض على قيام اللَّيْل أحد وَأَرْبَعُونَ النَّوَافِل ثَمَانِيَة عشر الصَّلَاة بِمَسْجِد مَكَّة تِسْعَة الْعَمَل فِي الصَّلَاة سِتَّة وَعِشْرُونَ السَّهْو أَرْبَعَة عشر الْجَنَائِز مائَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ الزَّكَاة مائَة وَثَلَاثَة عشر صَدَقَة الْفطر عشرَة الْحَج مِائَتَان وَأَرْبَعُونَ الْعمرَة اثْنَان وَثَلَاثُونَ الْإِحْصَار أَرْبَعُونَ جَزَاء الصَّيْد أَرْبَعُونَ الصَّوْم سِتَّة وَسِتُّونَ لَيْلَة الْقدر عشرَة قيام رَمَضَان سِتَّة الِاعْتِكَاف عشرُون الْبيُوع مائَة وَاحِد وَتسْعُونَ السّلم تِسْعَة عشر الشُّفْعَة ثَلَاثَة أَحَادِيث الْإِجَارَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ الْحِوَالَة ثَلَاثُونَ الْكفَالَة ثَمَانِيَة أَحَادِيث الْوكَالَة سَبْعَة عشر الْمُزَارعَة وَالشرب تِسْعَة وَعِشْرُونَ الاستقراض وَأَدَاء الدُّيُون خَمْسَة وَعِشْرُونَ الْأَشْخَاص ثَلَاثَة عشر الْمُلَازمَة حديثان اللّقطَة خَمْسَة عشر الْمَظَالِم وَالْغَصْب أحد وَأَرْبَعُونَ.
الشّركَة اثْنَان وَسَبْعُونَ الرَّهْن تِسْعَة أَحَادِيث الْعتْق أحد وَعِشْرُونَ الْمكَاتب سِتَّة الْهِبَة تِسْعَة وَسِتُّونَ الشَّهَادَات ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ الصُّلْح اثْنَان وَعِشْرُونَ الشُّرُوط أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ الْوَصَايَا أحد وَأَرْبَعُونَ الْجِهَاد وَالسير مِائَتَان وَخَمْسَة وَخَمْسُونَ بَقِيَّة الْجِهَاد أَيْضا اثْنَان وَأَرْبَعُونَ فرض الْخمس ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ الْجِزْيَة وَالْمُوَادَعَة ثَلَاثَة وَسِتُّونَ بَدَأَ الْخلق مِائَتَان وحديثان الأنباء والمغازي أَرْبَعمِائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ جَزَاء الآخر بعد الْمَغَازِي مائَة وَثَمَانِية وَثَلَاثُونَ التَّفْسِير خَمْسمِائَة وَأَرْبَعُونَ فَضَائِل الْقُرْآن أحد وَثَمَانُونَ النِّكَاح وَالطَّلَاق مِائَتَان وَأَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ النَّفَقَات اثْنَان وَعِشْرُونَ الْأَطْعِمَة سَبْعُونَ الْعَقِيقَة أحد عشر الصَّيْد والذبائح وَغَيره تسعون الْأَضَاحِي ثَلَاثُونَ الْأَشْرِبَة خَمْسَة وَسِتُّونَ الطِّبّ تِسْعَة وَسَبْعُونَ اللبَاس مائَة وَعِشْرُونَ المرضى أحد وَأَرْبَعُونَ اللبَاس أَيْضا مائَة الْأَدَب مِائَتَان وَسِتَّة وَخَمْسُونَ الاسْتِئْذَان سَبْعَة وَسَبْعُونَ الدَّعْوَات سِتَّة وَسَبْعُونَ وَمن الدَّعْوَات ثَلَاثُونَ الرقَاق مائَة الْحَوْض سِتَّة عشر الْجنَّة وَالنَّار سَبْعَة وَخَمْسُونَ الْقدر ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ الْأَيْمَان وَالنّذر أحد وَثَلَاثُونَ كَفَّارَة الْيَمين خَمْسَة عشر الْفَرَائِض خمس وَأَرْبَعُونَ الْحُدُود ثَلَاثُونَ المحاربون اثْنَان وَخَمْسُونَ الدِّيات أَرْبَعَة وَخَمْسُونَ اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين عشرُون الْإِكْرَاه ثَلَاثَة عشر ترك الْحِيَل ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ التَّعْبِير سِتُّونَ الْفِتَن ثَمَانُون الْأَحْكَام اثْنَان وَثَمَانُونَ الْأمان اثْنَان وَعِشْرُونَ إجَازَة خبر الْوَاحِد تِسْعَة عشر الِاعْتِصَام سِتَّة وَتسْعُونَ التَّوْحِيد وعظمة الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَغير ذَلِك إِلَى آخر الْكتاب مائَة وَسَبْعُونَ (السَّادِسَة) جملَة من حدث عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه خمس طَبَقَات (الأولى) لم يَقع حَدِيثهمْ إِلَّا كَمَا وَقع من طَرِيقه إِلَيْهِم مِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حدث عَنهُ عَن حميد عَن أنس وَمِنْهُم مكي بن إِبْرَاهِيم وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل حدث عَنْهُمَا عَن يزِيد بن أبي عبيد عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع وَمِنْهُم عبيد الله بن مُوسَى حدث عَنهُ عَن مَعْرُوف عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ وَحدث عَنهُ عَن هِشَام بن عُرْوَة وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وهما تابعيان وَمِنْهُم أَبُو نعيم حدث عَنهُ عَن الْأَعْمَش وَالْأَعْمَش تَابِعِيّ وَمِنْهُم عَليّ بن عَيَّاش حدث عَنهُ عَن حريز بن عُثْمَان عَن عبد الله بن بشر الصَّحَابِيّ هَؤُلَاءِ وأشباههم الطَّبَقَة الأولى وَكَأن البُخَارِيّ سمع مَالِكًا وَالثَّوْري وَشعْبَة وَغَيرهم فَإِنَّهُم حدثوا عَن هَؤُلَاءِ وطبقتهم (الثَّانِيَة) من مشايخه قوم حدثوا عَن أَئِمَّة حدثوا عَن التَّابِعين وهم شُيُوخه الَّذين روى عَنْهُم عَن ابْن جريج وَمَالك وَابْن أبي ذِئْب وَابْن عُيَيْنَة بالحجاز وَشُعَيْب وَالْأَوْزَاعِيّ وطبقتهما بِالشَّام وَالثَّوْري وَشعْبَة وَحَمَّاد وَأَبُو عوَانَة وهما بالعراق وَاللَّيْث وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بِمصْر وَفِي هَذِه الطَّبَقَة كَثْرَة (الثَّالِثَة) قوم حدثوا عَن قوم أدْرك زمانهم وَأمكنهُ لَقِيَهُمْ لكنه لم يسمع مِنْهُم كيزيد بن هَارُون وَعبد الرَّزَّاق (الرَّابِعَة) قوم فِي طبقته حدث عَنْهُم عَن مشايخه كَأبي حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ حدث عَنهُ فِي صَحِيحه وَلم ينْسبهُ عَن يحيى بن صَالح (الْخَامِسَة) قوم حدث عَنْهُم وهم أَصْغَر مِنْهُ فِي الْإِسْنَاد وَالسّن والوفاة والمعرفة مِنْهُم عبد الله بن حَمَّاد الآملي وحسين القباني وَغَيرهمَا وَلَا بُد من الْوُقُوف على هَذَا لِأَن من لَا معرفَة لَهُ يظنّ أَن البُخَارِيّ إِذا حدث عَن مكي عَن زيد بن أبي عبيد عَن سَلمَة ثمَّ حدث فِي مَوضِع آخر عَن بكر بن مُضر عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن يزِيد بن أبي عبيد الله عَن سَلمَة أَن الْإِسْنَاد الأول سقط مِنْهُ شَيْء وَإِنَّمَا يحدث فِي مَوضِع عَالِيا وَفِي مَوضِع نازلا فقد حدث فِي مَوَاضِع كَثِيرَة جدا عَن رجل عَن مَالك وَفِي مَوضِع عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي اسحق الْفَزارِيّ عَن مَالك وَحدث فِي مَوَاضِع عَن رجل عَن شُعْبَة وَحدث فِي مَوَاضِع عَن ثَلَاثَة عَن شُعْبَة مِنْهَا حَدِيثه عَن حَمَّاد بن حميد عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة وَحدث فِي مَوَاضِع عَن رجل عَن الثَّوْريّ وَحدث فِي مَوَاضِع عَن ثَلَاثَة عَنهُ فَحدث عَن أَحْمد بن عمر عَن ابْن أبي النَّضر عَن عبيد الله الْأَشْجَعِيّ عَن الثَّوْريّ وأعجب من هَذَا كُله أَن عبد الله ابْن الْمُبَارك أَصْغَر من مَالك وسُفْيَان وَشعْبَة ومتأخر الْوَفَاة وَحدث البُخَارِيّ عَن جمَاعَة من أَصْحَابه عَنهُ وتأخرت وفاتهم ثمَّ حدث عَن سعيد بن مَرْوَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز عَن أبي رزمة عَن أبي صَالح سلمويه عَن عبد الله بن الْمُبَارك فقس على هَذَا أَمْثَاله وَقد حدث البُخَارِيّ عَن قوم خَارج الصَّحِيح وَحدث عَن رجل عَنْهُم فِي الصَّحِيح
مِنْهُم أَحْمد بن منيع وَدَاوُد بن رشيد وَحدث عَن قوم فِي الصَّحِيح وَحدث عَن آخَرين عَنْهُم مِنْهُم أَبُو نعيم وَأَبُو عَاصِم والأنصاري وَأحمد بن صَالح وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين فَإِذا رَأَيْت مثل هَذَا فأصله مَا ذكرنَا وَقد رُوِيَ عَن البُخَارِيّ لَا يكون الْمُحدث مُحدثا كَامِلا حَتَّى يكْتب عَمَّن هُوَ فَوْقه وَعَمن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه (السَّابِعَة) فِي الصَّحِيح جمَاعَة جرحهم بعض الْمُتَقَدِّمين وَهُوَ مَحْمُول على أَنه لم يثبت جرحهم بِشَرْطِهِ فَإِن الْجرْح لَا يثبت إِلَّا مُفَسرًا مُبين السَّبَب عِنْد الْجُمْهُور وَمثل ذَلِك ابْن الصّلاح بِعِكْرِمَةَ وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَعَاصِم بن عَليّ وَعَمْرو بن مَرْزُوق وَغَيرهم قَالَ وَاحْتج مُسلم بِسُوَيْدِ بن سعيد وَجَمَاعَة مِمَّن اشْتهر الطعْن فيهم قَالَ وَذَلِكَ دَال على أَنهم ذَهَبُوا إِلَى أَن الْجرْح لَا يقبل إِلَّا إِذا فسر سَببه قلت قد فسر الْجرْح فِي هَؤُلَاءِ أما عِكْرِمَة فَقَالَ ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لنافع لَا تكذب عَليّ كَمَا كذب عِكْرِمَة على ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَكذبه مُجَاهِد وَابْن سِيرِين وَمَالك وَقَالَ أَحْمد يرى رَأْي الْخَوَارِج الصفرية وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ يرى رَأْي نجدة وَيُقَال كَانَ يرى السَّيْف وَالْجُمْهُور وثقوه وَاحْتَجُّوا بِهِ وَلَعَلَّه لم يكن دَاعِيَة وَأما إِسْمَاعِيل بن أبي أويس فَإِنَّهُ أقرّ على نَفسه بِالْوَضْعِ كَمَا حَكَاهُ النَّسَائِيّ عَن سَلمَة بن شُعَيْب عَنهُ وَقَالَ ابْن معِين لَا يُسَاوِي فلسين هُوَ وَأَبوهُ يسرقان الحَدِيث وَقَالَ النَّضر بن سَلمَة الْمروزِي فِيمَا حَكَاهُ الدولابي عَنهُ كَذَّاب كَانَ يحدث عَن مَالك بمسائل ابْن وهب وَأما عَاصِم بن عَليّ فَقَالَ ابْن معِين لَا شَيْء وَقَالَ غَيره كَذَّاب ابْن كَذَّاب وَأما أَحْمد فَصدقهُ وَصدق أَبَاهُ وَأما عَمْرو بن مَرْزُوق فنسبه أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ إِلَى الْكَذِب وَأما أَبُو حَاتِم فَصدقهُ وَصدق أَبَاهُ فوثقه وَأما سُوَيْد بن سعيد فمعروف بالتلقين وَقَالَ ابْن معِين كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعت يحيى يَقُول هُوَ حَلَال الدَّم وَقد طعن الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالاستدراكات والتتبع على البُخَارِيّ وَمُسلم فِي مِائَتي حَدِيث فيهمَا وَلأبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي عَلَيْهِمَا اسْتِدْرَاك وَكَذَا لأبي عَليّ الغساني فِي تَقْيِيده (الثَّامِنَة) فِي الْفرق بَين الِاعْتِبَار والمتابعة وَالشَّاهِد وَقد أَكثر البُخَارِيّ من ذكر الْمُتَابَعَة فَإِذا روى حَمَّاد مثلا حَدِيثا عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَظرنَا هَل تَابعه ثِقَة فَرَوَاهُ عَن أَيُّوب فَإِن لم نجد ثِقَة غير أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَثِقَة غَيره عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة وَإِلَّا فصحابي غير أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَأَي ذَلِك وجد علم أَن لَهُ أصلا يرجع إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا فَهَذَا النّظر هُوَ الِاعْتِبَار وَأما الْمُتَابَعَة فَأن يرويهِ عَن أَيُّوب غير حَمَّاد أَو عَن ابْن سِيرِين غير أَيُّوب أَو عَن أبي هُرَيْرَة غير ابْن سِيرِين أَو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير أبي هُرَيْرَة فَكل نوع من هَذِه يُسمى مُتَابعَة وَأما الشَّاهِد فَأن يرْوى حَدِيث آخر بِمَعْنَاهُ وَتسَمى الْمُتَابَعَة شَاهدا وَلَا ينعكس فَإِذا قَالُوا فِي مثل هَذَا تفرد بِهِ أَبُو هُرَيْرَة أَو ابْن سِيرِين أَو أَيُّوب أَو حَمَّاد كَانَ مشعرا بِانْتِفَاء وُجُوه المتابعات كلهَا فِيهِ وَيدخل فِي الْمُتَابَعَة والاستشهاد رِوَايَة بعض الضُّعَفَاء وَفِي الصَّحِيح جمَاعَة مِنْهُم ذكرُوا فِي المتابعات والشواهد وَلَا يصلح لذاك كل ضَعِيف وَلِهَذَا يَقُول الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره فلَان يعْتَبر بِهِ وَفُلَان لَا يعْتَبر بِهِ مِثَال المتابع وَالشَّاهِد حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ لَو أخذُوا إهابها فدبغوه فانتفعوا بِهِ وَرَوَاهُ ابْن جريج عَن عَمْرو وَعَن عَطاء بِدُونِ الدّباغ تَابع عَمْرو أُسَامَة بن زيد فَرَوَاهُ عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ أَلا نزعتم جلدهَا فدبغتموه فانتفعتم بِهِ وَشَاهد حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن وَعلة عَن ابْن عَبَّاس رَفعه أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر فَالْبُخَارِي يَأْتِي بالمتابعة ظَاهرا كَقَوْلِه فِي مثل هَذَا تَابعه مَالك عَن أَيُّوب أَي تَابع مَالك حمادا فَرَوَاهُ عَن أَيُّوب كَرِوَايَة حَمَّاد فَالضَّمِير فِي تَابعه يعود إِلَى حَمَّاد وَتارَة يَقُول تَابعه مَالك وَلَا يزِيد فَيحْتَاج إِذن إِلَى معرفَة طَبَقَات الروَاة ومراتبهم (التَّاسِعَة) فِي ضبط الْأَسْمَاء المتكررة الْمُخْتَلفَة فِي الصَّحِيحَيْنِ (أبي) كُله بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف إِلَّا آبي اللَّحْم فَإِنَّهُ بِهَمْزَة ممدودة مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مَكْسُورَة ثمَّ يَاء مُخَفّفَة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلهُ وَقيل لَا يَأْكُل مَا ذبح للصنم (الْبَراء) كُله بتَخْفِيف الرَّاء إِلَّا أَبَا معشر الْبَراء وَأَبا الْعَالِيَة الْبَراء فبالتشديد وَكله مَمْدُود وَقيل أَن المخفف يجوز قصره حَكَاهُ النَّوَوِيّ والبراء هُوَ الَّذِي يبرى الْعود (يزِيد) كُله بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَالزَّاي إِلَّا ثَلَاثَة بريد بن عبد الله بن أبي
بردة يروي غَالِبا عَن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء وَالثَّانِي مُحَمَّد بن عرْعرة بن البرند بموحدة وَرَاء مكسورتين وَقيل بفتحهما ثمَّ نون وَالثَّالِث عَليّ بن هَاشم بن الْبَرِيد بموحدة مَفْتُوحَة ثمَّ رَاء مَكْسُورَة ثمَّ مثناه تَحت (يسَار) كُله بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة إِلَّا مُحَمَّد بن بشار شيخهما فبموحدة ثمَّ مُعْجمَة وَفِيهِمَا سيار ابْن سَلامَة وسيار بن أبي سيار بِمُهْملَة ثمَّ بمثناة (بشر) كُله بموحدة ثمَّ شين مُعْجمَة إِلَّا أَرْبَعَة فبالضم ثمَّ مُهْملَة عبد الله بن بسر الصَّحَابِيّ وَبسر بن سعيد وَبسر بن عبيد الله الْحَضْرَمِيّ وَبسر بن محجن وَقيل هَذَا بِالْمُعْجَمَةِ كَالْأولِ (بشير) كُله بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر الْمُعْجَمَة إِلَّا اثْنَيْنِ فبالضم وَفتح الشين وهما بشير بن كَعْب وَبشير بن يسَار وَإِلَّا ثَالِثا فبضم الْمُثَنَّاة وَفتح الْمُهْملَة وَهُوَ يسير بن عَمْرو وَيُقَال أَسِير ورابعا فبضم النُّون وَفتح الْمُهْملَة قطن بن نسير (حَارِثَة) كُله بِالْحَاء الْمُهْملَة والمثلثة إِلَّا جَارِيَة ابْن قدامَة وَيزِيد بن جَارِيَة فبالجيم والمثناة وَلم يذكر غَيرهمَا ابْن الصّلاح وَذكر الجياني عَمْرو بن أبي سُفْيَان بن أسيد ابْن جَارِيَة الثَّقَفِيّ حَلِيف بني زهرَة قَالَ حَدِيثه مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْأسود بن الْعَلَاء بن جَارِيَة حَدِيثه فِي مُسلم (جرير) كُله بِالْجِيم وَرَاء مكررة إِلَّا حريز بن عُثْمَان وَأَبا حريز بن عبد الله بن الْحُسَيْن الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة فبالحاء وَالزَّاي آخرا ويقاربه حدير بِالْحَاء وَالدَّال وَالِد عمرَان ووالد زِيَاد وَزيد (حَازِم) كُله بِالْحَاء الْمُهْملَة إِلَّا أَبَا مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم فبالمعجمة كَذَا اقْتصر عَلَيْهِ ابْن الصّلاح وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وأهملا بشير بن جازم الإِمَام الوَاسِطِيّ آخر رِجَاله وَمُحَمّد بن بشير الْعَبْدي كناه أَبَا حَازِم بِالْمُهْمَلَةِ قَالَ أَبُو عَليّ الجياني وَالْمَحْفُوظ أَنه بِالْمُعْجَمَةِ كَذَا كناه أَبُو أُسَامَة فِي رِوَايَته عَنهُ قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ (حبيب) كُله بِفَتْح الْمُهْملَة إِلَّا خبيب بن عدي وخبيب بن عبد الرَّحْمَن وخبيبا غير مَنْسُوب عَن حَفْص بن عَاصِم وخبيبا كنية ابْن الزبير فبضم الْمُعْجَمَة (حَيَّان) كُله بِالْفَتْح والمثناة إِلَّا حبَان بن منقذ وَالِد وَاسع بن حبَان وجد مُحَمَّد بن يحيى ابْن حبَان وجد حبَان بن وَاسع بن حبَان والأحبان بن هِلَال مَنْسُوبا وَغير مَنْسُوب عَن شُعْبَة ووهيب وَهَمَّام وَغَيرهم فبالموحدة وَفتح الْحَاء والأحبان بن العرقة وحبان بن عَطِيَّة وحبان بن مُوسَى مَنْسُوبا وَغير مَنْسُوب عَن عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك فبكسر الْحَاء وبالموحدة وَذكر الجياني أَحْمد بن سِنَان بن أَسد بن حبَان روى لَهُ البُخَارِيّ فِي الْحَج وَمُسلم فِي الْفَضَائِل وَأَهْمَلَهُ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ (خرَاش) كُله بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة إِلَّا وَالِد ربعي فبالمهملة (حزَام) بالزاي فِي قُرَيْش وبالراء فِي الْأَنْصَار وَفِي الْمُخْتَلف والمؤتلف لِابْنِ حبيب فِي جذام حرَام بن جذام وَفِي تَمِيم بن مر حرَام بن كَعْب وَفِي خُزَاعَة حرَام بن حبشية ابْن كَعْب بن سلول بن كَعْب وَفِي عذرة حرَام ابْن حنبة وَأما حزَام بالزاي فجماعة فِي غير قُرَيْش مِنْهُم حزَام بن هِشَام الْخُزَاعِيّ وحزام بن ربيعَة الشَّاعِر وَعُرْوَة بن حزَام الشَّاعِر الْعَدوي (حُصَيْن) كُله بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ إِلَّا أَبَا حُصَيْن عُثْمَان بن عَاصِم فبالفتح وَكسر الصَّاد وَإِلَّا أَبَا ساسان حضين بن الْمُنْذر فبالضم وضاد مُعْجمَة (حَكِيم) كُله بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْكَاف إِلَّا حَكِيم بن عبد الله ورزيق بن حَكِيم فبالضم وَفتح الْكَاف (رَبَاح) كُله بِالْمُوَحَّدَةِ إِلَّا زِيَاد بن ريَاح عَن أبي هُرَيْرَة فِي أَشْرَاط السَّاعَة فبالمثناة عِنْد الْأَكْثَرين وَقَالَ البُخَارِيّ بِالْوَجْهَيْنِ بِالْمُثَنَّاةِ وبالموحدة وَذكر أَبُو عَليّ الجياني مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَوْف بن ريَاح الثَّقَفِيّ سمع أنسا وَعنهُ مَالك رويا لَهُ ورياح بن عُبَيْدَة من ولد عمر بن عبد الْوَهَّاب الريَاحي روى لَهُ مُسلم ورياح فِي نسب عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقيل بِالْمُوَحَّدَةِ (زبيد) بِضَم الزَّاي هُوَ ابْن الْحَرْث لَيْسَ فيهمَا غَيره وَأما زبيد بن الصَّلْت فَبعد الزَّاي يَاء آخر الْحُرُوف مكررة وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ (الزبير) بِضَم الزَّاي إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن الزبير الَّذِي تزوج امْرَأَة رِفَاعَة فبالفتح وَكسر الْبَاء (زِيَاد) كُله بِالْيَاءِ إِلَّا أَبَا الزِّنَاد فبالنون (سَالم) كُله بِالْألف ويقاربه سلم بن زرير بِفَتْح الزَّاي وَسلم بن قُتَيْبَة وَسلم بن أبي الذَّيَّال وَسلم بن عبد الرَّحْمَن بحذفها (سليم) كُله بِالضَّمِّ إِلَّا ابْن حبَان فبالفتح (شُرَيْح) كُله بِالْمُعْجَمَةِ والحاء الْمُهْملَة إِلَّا ابْن يُونُس وَابْن نعْمَان وَأحمد بن سُرَيج فبالمهملة وَالْجِيم (سَلمَة) بِفَتْح اللَّام إِلَّا عَمْرو بن سَلمَة أَمَام قومه وَبني سَلمَة الْقَبِيلَة من الْأَنْصَار فبكسرها وَفِي عبد الْخَالِق ابْن سَلمَة وَجْهَان (سُلَيْمَان) كُله بِالْيَاءِ إِلَّا سلمَان الْفَارِسِي وَابْن عَامر والأغر وَعبد الرَّحْمَن بن سَالم فبفتحها وَأبي حَازِم الْأَشْجَعِيّ وَأبي رَجَاء مولى ابْن قدامَة وكل مِنْهُم اسْمه بِغَيْر يَاء وَلَكِن ذكر بالكنية (سَلام) كُله بِالتَّشْدِيدِ إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن سَلام الصَّحَابِيّ وَمُحَمّد بن سَلام شيخ البُخَارِيّ فبالتخفيف وشدد جمَاعَة شيخ البُخَارِيّ وَادّعى صَاحب الْمطَالع
أَن الْأَكْثَر عَلَيْهِ وَأَخْطَأ نعم المشدد مُحَمَّد بن سَلام بن السكن البيكندي الصَّغِير وَهُوَ من أقرانه وَفِي غير الصَّحِيحَيْنِ جمَاعَة بِالتَّخْفِيفِ أَيْضا (شَيبَان) كُله بالشين الْمُعْجَمَة ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ الْبَاء الْمُوَحدَة ويقاربه سِنَان بن أبي سِنَان وَابْن ربيعَة وَأحمد بن سِنَان وَسنَان بن سَلمَة وَأَبُو سِنَان ضرار بن مرّة بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون (عباد) كُله بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد إِلَّا قيس بن عباد فبالضم وَالتَّخْفِيف (عبَادَة) كُله بِالضَّمِّ إِلَّا مُحَمَّد بن عبَادَة شيخ البُخَارِيّ فبالفتح (عَبدة) كُله بِإِسْكَان الْبَاء إِلَّا عَامر بن عَبدة وبجالة بن عَبدة ففيهما الْفَتْح والإسكان وَالْفَتْح أشهر وَعَن بعض رُوَاة مُسلم عَامر بن عبد بِلَا هَاء وَلَا يَصح (عبيد) كُله بِضَم الْعين (عُبَيْدَة) كُله بِالضَّمِّ إِلَّا السَّلمَانِي وَابْن سُفْيَان وَابْن حميد وعامر بن عُبَيْدَة فبالفتح وَذكر الجياني عَامر بن عُبَيْدَة قَاضِي الْبَصْرَة ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام (عقيل) كُله بِالْفَتْح إِلَّا عقيل بن خَالِد الْأَيْلِي وَيَأْتِي كثيرا عَن الزُّهْرِيّ غير مَنْسُوب وَإِلَّا يحيى بن عقيل وَبني عقيل للقبيلة فبالضم (عمَارَة) كُله بِضَم الْعين (وَاقد) كُله بِالْقَافِ (يسرة) بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة وَهُوَ يسرة بن صَفْوَان شيخ البُخَارِيّ وَأما بسرة بنت صَفْوَان فَلَيْسَ ذكرهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (الْأَنْسَاب) (الْأَيْلِي) كُله بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى أَيْلَة قَرْيَة من قرى مصر وَلَا يرد شَيبَان بن فروخ الأبلي بِضَم الْهمزَة وَالْمُوَحَّدَة شيخ مُسلم لِأَنَّهُ لم يَقع فِي صَحِيح مُسلم مَنْسُوبا وَهُوَ نِسْبَة إِلَى أبلة مَدِينَة قديمَة وَهِي مَدِينَة كور دجلة وَكَانَت المسلحة وَالْمَدينَة العامرة أَيَّام الْفرس قبل أَن تخط الْبَصْرَة (البصرى) كُله بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة والمكسورة نِسْبَة إِلَى الْبَصْرَة مُثَلّثَة الْبَاء إِلَّا مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان النصري وَعبد الْوَاحِد النصري وسالما مولى النصريين فبالنون (الْبَزَّاز) بزايين معجمتين مُحَمَّد بن الصَّباح وَغَيره إِلَّا خلف بن هِشَام الْبَزَّار وَالْحسن بن الصَّباح فآخرهما رَاء مُهْملَة ذكرهمَا ابْن الصّلاح وأهمل يحيى بن مُحَمَّد بن السكن بن حبيب وَبشر بن ثَابت فآخرهما رَاء مُهْملَة أَيْضا فَالْأول حدث عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَدَقَة الْفطر والدعوات وَالثَّانِي اسْتشْهد بِهِ فِي صَلَاة الْجُمُعَة (الثَّوْريّ) كُله بِالْمُثَلثَةِ إِلَّا أَبَا يعلى مُحَمَّد بن الصَّلْت التوزي بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْوَاو الْمَفْتُوحَة وبالزاي ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الرِّدَّة (الْجريرِي) بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء إِلَّا يحيى بن بشر الحريري شيخهما على مَا ذكره ابْن الصّلاح وَلم يعلم لَهُ الْمزي إِلَّا عَلامَة مُسلم فَقَط فبالحاء الْمَفْتُوحَة وعد ابْن الصّلاح من الأول ثَلَاثَة ثمَّ قَالَ وَهَذَا مَا فيهم بِالْجِيم المضمومة وأهمل رَابِعا وَهُوَ عَبَّاس ابْن فَروح روى لَهُ مُسلم فِي الاسْتِسْقَاء وخامسا وَهُوَ أبان بن ثَعْلَب روى لَهُ مُسلم أَيْضا (الْحَارِثِيّ) كُله بِالْحَاء وبالمثلثة ويقاربه سعد الْجَارِي بِالْجِيم وَبعد الرَّاء يَاء مُشَدّدَة نِسْبَة إِلَى الْجَارِي مرقى السفن بساحل الْمَدِينَة (الْحزَامِي) كُله بِالْحَاء وَالزَّاي وَقَوله فِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث أبي الْيُسْر كَانَ لي على فلَان الحرامى قيل بالزاي وبالراء وَقيل الجذامى بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة (الحرامي) بالمهملتين فِي الصَّحِيحَيْنِ جمَاعَة مِنْهُم جَابر بن عبد الله (السّلمِيّ) فِي الْأَنْصَار بِفَتْح اللَّام وَحكى كسرهَا وَفِي بني سليم بضمهما وَفتح اللَّام (الْهَمدَانِي) كُله بِإِسْكَان الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة قَالَ الجياني أَبُو أَحْمد بن المرار بن حمويه الهمذاني بِفَتْح الْمِيم والذال مُعْجمَة يُقَال أَن البُخَارِيّ حدث عَنهُ فِي الشُّرُوط (وَاعْلَم) أَن كل مَا فِي البُخَارِيّ أخبرنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الله فَهُوَ ابْن مقَاتل الْمروزِي عَن ابْن الْمُبَارك وَمَا كَانَ أخبرنَا مُحَمَّد عَن أهل الْعرَاق كَأبي مُعَاوِيَة وَعَبدَة وَيزِيد بن هَارُون والفزاري فَهُوَ ابْن سَلام البيكندي وَمَا كَانَ فِيهِ عبد الله غير مَنْسُوب فَهُوَ عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي مولى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَمَا كَانَ أخبرنَا يحيى غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن مُوسَى الْبَلْخِي واسحق غير مَنْسُوب هُوَ ابْن رَاهَوَيْه فَافْهَم (الْعَاشِرَة) قد أَكثر البُخَارِيّ من أَحَادِيث وأقوال الصَّحَابَة وَغَيرهم بِغَيْر إِسْنَاد فَإِن كَانَ بِصِيغَة جزم كقال وروى وَنَحْوهمَا فَهُوَ حكم مِنْهُ بِصِحَّتِهِ وَمَا كَانَ بِصِيغَة التمريض كروى وَنَحْوه فَلَيْسَ فِيهِ حكم بِصِحَّتِهِ وَلَكِن لَيْسَ هُوَ واهيا إِذْ لَو كَانَ واهيا لما أدخلهُ فِي صَحِيحه (فَإِن قلت) قد قَالَ مَا أدخلت فِي الْجَامِع إِلَّا مَا صَحَّ يخدش فِيهِ ذكره مَا كَانَ بِصِيغَة التمريض قلت مَعْنَاهُ مَا ذكرت فِيهِ مُسْندًا إِلَّا مَا صَحَّ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ لَا يعلق فِي كِتَابه إِلَّا مَا كَانَ فِي نَفسه صَحِيحا مُسْندًا لكنه لم يسْندهُ ليفرق بَين مَا كَانَ على شَرطه فِي أصل كِتَابه وَبَين مَا لَيْسَ كَذَلِك وَقَالَ الْحميدِي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَجَمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين أَن هَذَا إِنَّمَا يُسمى تَعْلِيقا إِذا كَانَ بِصِيغَة الْجَزْم تَشْبِيها بتعليق الْجِدَار لقطع الِاتِّصَال وَإِنَّمَا سمي تَعْلِيقا إِذا انْقَطع من
أول إِسْنَاده وَاحِد فَأكْثر وَلَا يُسمى بذلك مَا سقط وسط إِسْنَاده أَو آخِره وَلَا مَا كَانَ بِصِيغَة تمريض نبه عَلَيْهِ ابْن الصّلاح (مُقَدّمَة) اعْلَم أَن لكل علم مَوْضُوعا ومبادي ومسائل فالموضوع مَا يبْحَث فِي ذَلِك الْعلم عَن أعراضه الذاتية والمبادي هِيَ الْأَشْيَاء الَّتِي يبْنى عَلَيْهَا الْعلم وَهِي إِمَّا تصورات أَو تصديقات فالتصورات حُدُود أَشْيَاء تسْتَعْمل فِي ذَلِك الْعلم والتصديقات هِيَ الْمُقدمَات الَّتِي مِنْهَا يؤلف قياسات الْعلم والمسائل هِيَ الَّتِي يشْتَمل الْعلم عَلَيْهَا فموضوع علم الحَدِيث هُوَ ذَات رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ أَنه رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ومباديه هِيَ مَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ المباحث وَهُوَ أَحْوَال الحَدِيث وَصِفَاته ومسائله هِيَ الْأَشْيَاء الْمَقْصُودَة مِنْهُ وَقد قيل لَا فرق بَين الْمُقدمَات والمباديء وَقيل الْمُقدمَات أَعم من المبادي لِأَن المبادي مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ دَلَائِل الْمسَائِل بِلَا وسط والمقدمة مَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ الْمسَائِل والمبادي بوسط أَو لَا بوسط وَقيل المبادي مَا يبرهن بهَا وَهِي الْمُقدمَات والمسائل مَا يبرهن عَلَيْهَا والموضوعات مَا يبرهن فِيهَا (قلت) وَجه الْحصْر أَن مَا لَا بُد للْعلم أَن كَانَ مَقْصُودا مِنْهُ فَهُوَ الْمسَائِل وَغير الْمَقْصُود إِن كَانَ مُتَعَلق الْمسَائِل فَهُوَ الْمَوْضُوع وَإِلَّا فَهُوَ المبادي وَهِي حَده وَفَائِدَته واستمداده (أما) حَده فَهُوَ علم يعرف بِهِ أَقْوَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأفعاله وأحواله وَأما فَائِدَته فَهِيَ الْفَوْز بسعادة الدَّاريْنِ وَأما استمداده فَمن أَقْوَال الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام وأفعاله أما أَقْوَاله فَهُوَ الْكَلَام الْعَرَبِيّ فَمن لم يعرف الْكَلَام الْعَرَبِيّ بجهاته فَهُوَ بمعزل عَن هَذَا الْعلم وَهِي كَونه حَقِيقَة ومجازا وكناية وصريحا وعاما وخاصا ومطلقا ومقيدا ومحذوفا ومضمرا ومنطوقا ومفهوما واقتضاء وَإِشَارَة وَعبارَة وَدلَالَة وتنبيها وإيماء وَنَحْو ذَلِك مَعَ كَونه على قانون الْعَرَبيَّة الَّذِي بَينه النُّحَاة بتفاصيله وعَلى قَوَاعِد اسْتِعْمَال الْعَرَب وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِعلم اللُّغَة وَأما أَفعاله فَهِيَ الْأُمُور الصادرة عَنهُ الَّتِي أمرنَا باتباعه فِيهَا مَا لم يكن طبعا أَو خَاصَّة فها نَحن نشرع فِي الْمَقْصُود بعون الْملك المعبود ونسأله الْإِعَانَة على الاختتام متوسلا بِالنَّبِيِّ خير الْأَنَام وَآله وَصَحبه الْكِرَام بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْمُغيرَة البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى آمين بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَول الله جلّ ذكره {إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده} ) . بَيَان حَال الِافْتِتَاح ذكرُوا أَن من الْوَاجِب على مُصَنف كتاب أَو مؤلف رِسَالَة ثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِي الْبَسْمَلَة والحمدلة وَالصَّلَاة وَمن الطّرق الْجَائِزَة أَرْبَعَة أَشْيَاء وَهِي مدح الْفَنّ وَذكر الْبَاعِث وَتَسْمِيَة الْكتاب وَبَيَان كَيْفيَّة الْكتاب من التَّبْوِيب وَالتَّفْصِيل أما الْبَسْمَلَة والحمدلة فَلِأَن كتاب الله تَعَالَى مَفْتُوح بهما وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِذكر الله وببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع رَوَاهُ الْحَافِظ عبد الْقَادِر فِي أربعينه وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كل كَلَام لَا يبْدَأ فِيهِ بِحَمْد الله فَهُوَ أَجْذم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَة ابْن ماجة كل أَمر ذِي بَال لم يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد أقطع وَرَوَاهُ ابْن حبَان وَأَبُو عوَانَة فِي صَحِيحَيْهِمَا وَقَالَ ابْن الصّلاح هَذَا حَدِيث حسن بل صَحِيح (قَوْله أقطع) أَي قَلِيل الْبركَة وَكَذَلِكَ أَجْذم من جذم بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة يجذم بِفَتْحِهَا وَيُقَال أقطع وأجذم من الْقطع والجذام أَو من الْقطعَة وَهِي الْعَطش والجذام فَيكون مَعْنَاهُمَا أَنه لَا خير فِيهِ كالمجذوم وَالنَّخْل الَّتِي لَا يُصِيبهَا المَاء. وَأما الصَّلَاة فَلِأَن ذكره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقرون بِذكرِهِ تَعَالَى وَلَقَد قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى {ورفعنا لَك ذكرك} مَعْنَاهُ ذكرت حَيْثُمَا ذكرت وَفِي رِسَالَة الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة قَالَ لَا أذكر إِلَّا ذكرت أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وروى ذَلِك مَرْفُوعا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى رب الْعَالمين قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم (فَإِن قيل) من ذكر الصَّلَاة كَانَ من الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يذكر السَّلَام مَعهَا لقرنها فِي الْأَمر بِالتَّسْلِيمِ وَلِهَذَا كره أهل الْعلم ترك ذَلِك (قلت) يرد هَذَا وُرُود الصَّلَاة فِي آخر التَّشَهُّد مُفْردَة (فَإِن قيل) ورد تَقْدِيم السَّلَام فَلهَذَا قَالُوا هَذَا السَّلَام فَكيف نصلي (قلت) يُمكن أَن يُجَاب بِمَا روى النَّسَائِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول فِي آخر قنوته وَصلى الله على النَّبِي وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام رغم أنف رجل ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ والبخيل الَّذِي ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ وَيجوز أَن يَدعِي أَن المُرَاد من التَّسْلِيم الاستسلام والانقياد فقد ورد ذَلِك فِي سُورَة النِّسَاء ويعضد ذَلِك تَخْصِيصه بِالْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ كَانُوا مكلفين بأحكامه عَلَيْهِ السَّلَام وَيجوز أَن يَدعِي أَن الْجُمْلَة
الثَّانِيَة تَأْكِيد للأولى ثمَّ إِن البُخَارِيّ رَحمَه الله لم يَأْتِ من هَذِه الْأَشْيَاء إِلَّا بالبسملة فَقَط وَذكر بَعضهم أَنه بَدَأَ بالبسملة للتبرك لِأَنَّهَا أول آيَة فِي الْمُصحف أجمع على كتَابَتهَا الصَّحَابَة. قلت لَا نسلم أَنَّهَا أول آيَة فِي الْمُصحف وَإِنَّمَا هِيَ آيَة من الْقُرْآن أنزلت للفصل بَين السُّور وَهَذَا مَذْهَب الْمُحَقِّقين من الْحَنَفِيَّة وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَدَاوُد وَأَتْبَاعه وَهُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد على أَن طَائِفَة قَالُوا أَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن إِلَّا فِي سُورَة النَّمْل وَهُوَ قَول مَالك وَبَعض الْحَنَفِيَّة وَبَعض الْحَنَابِلَة وَعَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه قَالَ مَا أنزل الله فِي الْقُرْآن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَّا فِي سُورَة النَّمْل وَحدهَا وَلَيْسَت بِآيَة تَامَّة وَإِنَّمَا الْآيَة {إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} وروى عَن الشَّافِعِي أَيْضا أَنَّهَا لَيست من أَوَائِل السُّور غير الْفَاتِحَة وَإِنَّمَا يستفتح بهَا فِي السُّور تبركا بهَا ثمَّ أَنهم اعتذروا عَن البُخَارِيّ بأعذار هِيَ بمعزل عَن الْقبُول (الأول) أَن الحَدِيث لَيْسَ على شَرطه فَإِن فِي سَنَده قُرَّة بن عبد الرَّحْمَن وَلَئِن سلمنَا صِحَّته على شَرطه فَالْمُرَاد بِالْحَمْد الذّكر لِأَنَّهُ قد روى بِذكر الله تَعَالَى بدل حمد الله وَأَيْضًا تعذر اسْتِعْمَاله لِأَن التَّحْمِيد إِن قدم على التَّسْمِيَة خُولِفَ فِيهِ الْعَادة وَإِن ذكر بعْدهَا لم يَقع بِهِ الْبدَاءَة قلت هَذَا كَلَام واه جدا لِأَن الحَدِيث صَحِيح صَححهُ ابْن حبَان وَأَبُو عوَانَة وَقد تَابع سعيد بن عبد الْعَزِيز قُرَّة كَمَا أخرجه النَّسَائِيّ وَلَئِن سلمنَا أَن الحَدِيث لَيْسَ على شَرطه فَلَا يلْزم من ذَلِك ترك الْعَمَل بِهِ مَعَ الْمُخَالفَة لسَائِر المصنفين وَلَو فَرضنَا ضعف الحَدِيث أَو قَطعنَا النّظر عَن وُرُوده فَلَا يلْزم من ذَلِك أَيْضا ترك التَّحْمِيد المتوج بِهِ كتاب الله تَعَالَى والمفتتح بِهِ فِي أَوَائِل السُّور عَن الْكتب والخطب والرسائل وَقَوْلهمْ فَالْمُرَاد بِالْحَمْد الذّكر لَيْسَ بِجَوَاب عَن تَركه لفظ الْحَمد لِأَن لَفْظَة الذّكر غير لَفْظَة الْحَمد وَلَيْسَ الْآتِي بِلَفْظَة الذّكر آتِيَا بِلَفْظَة الْحَمد الْمُخْتَص بِالذكر فِي افْتِتَاح كَلَام الله تَعَالَى وَالْمَقْصُود التَّبَرُّك بِاللَّفْظِ الَّذِي افْتتح بِهِ كَلَام الله تَعَالَى وَقَوْلهمْ أَيْضا تعذر اسْتِعْمَاله إِلَى آخِره كَلَام من لَيْسَ لَهُ ذوق من الإدراكات لِأَن الأولية أَمر نسبي فَكل كَلَام بعده كَلَام هُوَ أول بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعده فَحِينَئِذٍ من سمى ثمَّ حمدا يكون بادئا بِكُل وَاحِد من الْبَسْمَلَة والحمدلة أما الْبَسْمَلَة فَلِأَنَّهَا وَقعت فِي أول كَلَامه وَأما الحمدلة فَلِأَنَّهَا أول أَيْضا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعْدهَا من الْكَلَام أَلا ترى أَنهم تركُوا العاطف بَينهمَا لِئَلَّا يشْعر بالتبعية فيخل بالتسوية وَبِهَذَا أُجِيب عَن الِاعْتِرَاض بقَوْلهمْ بَين الْحَدِيثين تعَارض ظَاهر إِذْ الِابْتِدَاء بِأَحَدِهِمَا يفوت الِابْتِدَاء بِالْآخرِ (الثَّانِي) إِن الِافْتِتَاح بالتحميد مَحْمُول على ابتداآت الْخطب دون غَيرهمَا زجرا عَمَّا كَانَت الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ من تَقْدِيم الشّعْر المنظوم وَالْكَلَام المنثور لما روى أَن أَعْرَابِيًا خطب فَترك التَّحْمِيد فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام كل أَمر الحَدِيث قلت فِيهِ نظر لِأَن الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب (الثَّالِث) أَن حَدِيث الِافْتِتَاح بالتحميد مَنْسُوخ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لما صَالح قُريْشًا عَام الْحُدَيْبِيَة كتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله سُهَيْل بن عمر. فلولا نسخ لما تَركه قلت هَذَا أبعد الْأَجْوِبَة لعدم الدَّلِيل على ذَلِك لم لَا يجوز أَن يكون التّرْك لبَيَان الْجَوَاز (الرَّابِع) أَن كتاب الله عز وَجل مفتتح بهَا وَكتب رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام مُبتَدأَة بهَا فَلذَلِك تأسى البُخَارِيّ بهَا قلت لَا يلْزم من ذَلِك ترك التَّحْمِيد وَلَا فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَركه (الْخَامِس) إِن أول مَا نزل من الْقُرْآن اقْرَأ و {يَا أَيهَا المدثر} وَلَيْسَ فِي ابتدائهما حمدا لله فَلم يجز أَن يَأْمر الشَّارِع بِمَا كتاب الله على خِلَافه قلت هَذَا سَاقِط جدا لِأَن الِاعْتِبَار بِحَالَة التَّرْتِيب العثماني لَا بِحَالَة النُّزُول إِذْ لَو كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يتْرك التَّسْمِيَة أَيْضا (السَّادِس) إِنَّمَا تَركه لِأَنَّهُ رَاعى قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} فَلم يقدم بَين يَدي الله وَلَا رَسُوله شَيْئا وابتدأ بِكَلَام رَسُوله عوضا عَن كَلَام نَفسه (قلت) الْآتِي بالتحميد لَيْسَ بِمقدم شَيْئا أَجْنَبِيّا بَين يَدي الله وَرَسُوله وَإِنَّمَا هُوَ ذكره بثنائه الْجَمِيل لأجل التَّعْظِيم على أَنه مقدم بالترجمة وبسوق السَّنَد وَهُوَ من كَلَام نَفسه فالعجب أَنه يكون بالتحميد الَّذِي هُوَ تَعْظِيم الله تَعَالَى مقدما وَلَا يكون بالْكلَام الْأَجْنَبِيّ وَقَوْلهمْ التَّرْجَمَة وَإِن تقدّمت لفظا فَهِيَ كالمتأخرة تَقْديرا لتقدم الدَّلِيل على مَدْلُوله وضعا وَفِي حكم التبع لَيْسَ بِشَيْء لِأَن التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير من أَحْكَام الظَّاهِر لَا التَّقْدِير فَهُوَ فِي الظَّاهِر مقدم وَإِن كَانَ فِي نِيَّة التَّأْخِير وَقَوْلهمْ لتقدم الدَّلِيل على مَدْلُوله لَا دخل لَهُ هَهُنَا فَافْهَم (السَّابِع) إِن الَّذِي اقْتَضَاهُ لفظ الْحَمد أَن يحمد لَا أَن يَكْتُبهُ وَالظَّاهِر أَنه حمد بِلِسَانِهِ قلت يلْزم على هَذَا عدم إِظْهَار التَّسْمِيَة مَعَ مَا فِيهِ من الْمُخَالفَة لسَائِر المصنفين وَالْأَحْسَن فِيهِ مَا سمعته من بعض أساتذتي
الْكِبَار أَنه ذكر الْحَمد بعد التَّسْمِيَة كَمَا هُوَ دأب المصنفين فِي مسودته كَمَا ذكره فِي بَقِيَّة مصنفاته وَإِنَّمَا سقط ذَلِك من بعض المبيضين فاستمر على ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم (بَيَان التَّرْجَمَة) لما كَانَ كِتَابه مَقْصُورا على أَخْبَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدره بِبَاب بَدَأَ الْوَحْي لِأَنَّهُ يذكر فِيهِ أول شَأْن الرسَالَة وَالْوَحي وَذكر الْآيَة تبركا ولمناسبتها لما ترْجم لَهُ لِأَن الْآيَة فِي أَن الْوَحْي سنة الله تَعَالَى فِي أنبيائه عَلَيْهِم السَّلَام وَقَالَ بَعضهم لَو قَالَ كَيفَ كَانَ الْوَحْي وبدؤه لَكَانَ أحسن لِأَنَّهُ تعرض لبَيَان كَيْفيَّة الْوَحْي لَا لبَيَان كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي وَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يقدم عَلَيْهِ عقب التَّرْجَمَة غَيره ليَكُون أقرب إِلَى الْحسن وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود النَّاس لَا يدل على بَدْء الْوَحْي وَلَا تعرض لَهُ غير أَنه لم يقْصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة تَحْسِين الْعبارَة وَإِنَّمَا مَقْصُوده فهم السَّامع والقارىء إِذا قَرَأَ الحَدِيث علم مَقْصُوده من التَّرْجَمَة فَلم يشْتَغل بهَا تعويلا مِنْهُ على فهم القارىء وَاعْترض بِأَنَّهُ لَيْسَ قَوْله لَكَانَ أحسن مُسلما لأَنا لَا نسلم أَنه لَيْسَ بَيَانا لكيفية بَدْء الْوَحْي إِذْ يعلم مِمَّا فِي الْبَاب أَن الْوَحْي كَانَ ابتداؤه على حَال الْمقَام ثمَّ فِي حَال الْخلْوَة بِغَار حراء على الْكَيْفِيَّة الْمَذْكُورَة من الغط وَنَحْوه ثمَّ مَا فر هُوَ مِنْهُ لَازم عَلَيْهِ على هَذَا التَّقْدِير أَيْضا إِذْ البدء عطف على الْوَحْي كَمَا قَرَّرَهُ فَيصح أَن يُقَال ذَلِك إيرادا عَلَيْهِ وَلَيْسَ قَوْله كَانَ يَنْبَغِي أَيْضا مُسلما إِذْ هُوَ بِمَنْزِلَة الْخطْبَة وَقصد التَّقَرُّب فالسلف كَانُوا يستحبون افْتِتَاح كَلَامهم بِحَدِيث النِّيَّة بَيَانا لإخلاصهم فِيهِ وَلَيْسَ وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مُسلما إِذْ فِيهِ بَيَان حَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد ابْتِدَاء نزُول الْوَحْي أَو عِنْد ظُهُور الْوَحْي وَالْمرَاد من حَال ابْتِدَاء الْوَحْي حَاله مَعَ كل مَا يتَعَلَّق بِشَأْنِهِ أَي تعلق كَانَ كَمَا فِي التَّعَلُّق الَّذِي للْحَدِيث الهرقلي وَهُوَ أَن هَذِه الْقِصَّة وَقعت فِي أَحْوَال الْبعْثَة ومباديها أَو المُرَاد بِالْبَابِ بجملته بَيَان كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي لَا من كل حَدِيث مِنْهُ فَلَو علم من مَجْمُوع مَا فِي الْبَاب كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي من كل حَدِيث شَيْء مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ لصحت التَّرْجَمَة (بَيَان اللُّغَة) لباب أَصله البوب قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا وَيجمع على أَبْوَاب وَقد قَالُوا أبوبة وَقَالَ الْقِتَال الْكلابِي واسْمه عبد الله بن الْمُجيب يرثي حَنْظَلَة بن عبد الله بن الطُّفَيْل. (هتاك أخبية ولاج أبوبة ... ملْء الثواية فِيهِ الْجد واللين) قَالَ الصغاني وَإِنَّمَا جمع الْبَاب أبوبة للازدواج وَلَو أفرده لم يجز وأبواب مبوبة كَمَا يُقَال أَصْنَاف مصنفة والبابة الْخصْلَة والبابات الْوُجُوه. وَقَالَ ابْن السّكيت البابة عِنْد الْعَرَب الْوَجْه وَالْمرَاد من الْبَاب هَهُنَا النَّوْع كَمَا فِي قَوْلهم من فتح بَابا من الْعلم أَي نوعا وَإِنَّمَا قَالَ بَاب وَلم يقل كتاب لِأَن الْكتاب يذكر إِذا كَانَ تَحْتَهُ أَبْوَاب وفصول وَالَّذِي تضمنه هَذَا الْبَاب فصل وَاحِد لَيْسَ إِلَّا فَلذَلِك قَالَ بَاب وَلم يقل كتاب قَوْله كَيفَ اسْم لدُخُول الْجَار عَلَيْهِ بِلَا تَأْوِيل فِي قَوْلهم على كَيفَ تبيع الأحمرين ولإبدال الِاسْم الصَّرِيح نَحْو كَيفَ أَنْت أصحيح أم سقيم وَيسْتَعْمل على وَجْهَيْن أَن يكون شرطا نَحْو كَيفَ تصنع أصنع وَأَن يكون استفهاما إِمَّا حَقِيقِيًّا نَحْو كَيفَ زيدا وَغَيره نَحْو (كَيفَ تكفرون بِاللَّه) فَإِنَّهُ أخرج مخرج التَّعَجُّب وَيَقَع خَبرا نَحْو كَيفَ أَنْت وَحَالا نَحْو كَيفَ جَاءَ زيد أَي على أَي حَالَة جَاءَ زيد وَيُقَال فِيهِ كي كَمَا يُقَال فِي سَوف. هُوَ قَوْله كَانَ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة تدل على الزَّمَان الْمَاضِي من غير تعرض لزواله فِي الْحَال أَو لَا زَوَاله وَبِهَذَا يفرق عَن ضارفان مَعْنَاهُ الِانْتِقَال من حَال إِلَى حَال وَلِهَذَا يجوز أَن يُقَال كَانَ الله وَلَا يجوز صَار. قَوْله بَدْء الْوَحْي البدء على وزن فعل بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الدَّال وَفِي آخِره همز من بدأت الشَّيْء بَدَأَ ابتدأت بِهِ وَفِي الْعباب بدأت بالشَّيْء بَدَأَ ابتدأت بِهِ وبدأت الشَّيْء
فعلته ابْتِدَاء (وَبَدَأَ الله الْخلق) وابدأهم بِمَعْنى وبدا بِغَيْر همز فِي آخِره مَعْنَاهُ ظهر تَقول بدا الْأَمر بدوا مثل قعد قعُودا أَي ظهر وأبديته أظهرته وَقَالَ القَاضِي عِيَاض روى بِالْهَمْز مَعَ سُكُون الدَّال من الِابْتِدَاء وَبِغير همز مَعَ ضم الدَّال وَتَشْديد الْوَاو من الظُّهُور وَبِهَذَا يرد على من قَالَ لم تَجِيء الرِّوَايَة بِالْوَجْهِ الثَّانِي فَالْمَعْنى على الأول كَيفَ كَانَ ابتداؤه وعَلى الثَّانِي كَيفَ كَانَ ظُهُوره وَقَالَ بَعضهم الْهَمْز أحسن لِأَنَّهُ يجمع الْمَعْنيين وَقيل الظُّهُور أحسن لِأَنَّهُ أَعم وَفِي بعض الرِّوَايَات بَاب كَيفَ كَانَ ابْتِدَاء الْوَحْي. وَالْوَحي فِي الأَصْل الْإِعْلَام فِي خَفَاء قَالَ الْجَوْهَرِي الْوَحْي الْكتاب وَجمعه وَحي مثل حلى وحلى قَالَ لبيد (فمدافع الريان عرى رسمها ... خلقا كَمَا ضمن الْوَحْي سلامها) وَالْوَحي أَيْضا الْإِشَارَة وَالْكِتَابَة والرسالة والإلهام وَالْكَلَام الْخَفي وكل مَا أَلقيته إِلَى غَيْرك يُقَال وحيت إِلَيْهِ الْكَلَام وأوحيت وَهُوَ أَن تكَلمه بِكَلَام تخفيه قَالَ العجاج وحى لَهَا الْقَرار فاستقرت ويروى أوحى لَهَا ووحى وَأوحى أَيْضا كتب قَالَ العجاج حَتَّى نحاهم جدنا والناحي لقدر كَانَ وحاه الواحي. وَأوحى الله تَعَالَى إِلَى أنبيائه وَأوحى أَشَارَ قَالَ تَعَالَى {فَأوحى إِلَيْهِم أَن سبحوه بكرَة وعشيا} ووحيت إِلَيْك بِخَبَر كَذَا أَي أَشرت وَقَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ الْأَصْبَهَانِيّ الْوَحْي أَصله التفهيم وكل مَا فهم بِهِ شَيْء من الْإِشَارَة والإلهام والكتب فَهُوَ وَحي قيل فِي قَوْله تَعَالَى {فَأوحى إِلَيْهِم أَن سبحوا بكرَة وعشيا} أَي أَشرت وَقَالَ الإِمَام أَي كتب وَقَوله تَعَالَى {وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل} أَي الْهم وَأما الْوَحْي بِمَعْنى الْإِشَارَة فَكَمَا قَالَ الشَّاعِر (يرْمونَ بالخطب الطوَال وَتارَة ... وحى الملاحظ خيفة الرقباء) وَأوحى ووحى لُغَتَانِ وَالْأولَى أفْصح وَبهَا ورد الْقُرْآن وَقد يُطلق وَيُرَاد بهَا اسْم الْمَفْعُول مِنْهُ أَي الموحى وَفِي اصْطِلَاح الشَّرِيعَة هُوَ كَلَام الله الْمنزل على نَبِي من أنبيائه وَالرَّسُول عرفه كثير مِنْهُم بِمن جمع إِلَى المعجزة الْكتاب الْمنزل عَلَيْهِ وَهَذَا تَعْرِيف غير صَحِيح لِأَنَّهُ يلْزم على هَذَا أَن يخرج جمَاعَة من الرُّسُل عَن كَونهم رسلًا كآدم ونوح وَسليمَان عَلَيْهِم السَّلَام فَإِنَّهُم رسل بِلَا خلاف وَلم ينزل عَلَيْهِم كتاب وَكَذَا قَالَ صَاحب الْبِدَايَة الرَّسُول هُوَ النَّبِي الَّذِي مَعَه كتاب كموسى عَلَيْهِ السَّلَام وَالنَّبِيّ هُوَ الَّذِي ينبىء عَن الله تَعَالَى وَإِن لم يكن مَعَه كتاب كيوشع عَلَيْهِ السَّلَام وَتَبعهُ على ذَلِك الشَّيْخ قوام الدّين وَالشَّيْخ أكمل الدّين فِي شرحيهما والتعريف الصَّحِيح أَن الرَّسُول من نزل عَلَيْهِ كتاب أَو أَتَى إِلَيْهِ ملك وَالنَّبِيّ من يوقفه الله تَعَالَى على الْأَحْكَام أَو يتبع رَسُولا آخر فَكل رَسُول نَبِي من غير عكس قَوْله وَقَول الله تَعَالَى القَوْل مَا ينْطق بِهِ اللِّسَان تَاما كَانَ أَو نَاقِصا وَيُطلق على الْكَلَام والكلم والكلمة وَيُطلق مجَازًا على الرَّأْي والاعتقاد كَقَوْلِك فلَان يَقُول بقول أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَيذْهب إِلَى قَول مَالك وَيسْتَعْمل فِي غير النُّطْق قَالَ أَبُو النَّجْم (قَالَت لَهُ الطير تقدم راشدا ... إِنَّك لَا ترجع إِلَّا حامدا) وَمِنْه قَوْله عز وَجل {إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون} وَقَوله تَعَالَى {فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين} قَوْله من بعده بعد نقيض قبل وهما اسمان يكونَانِ ظرفين إِذا أضيفا وأصلهما الْإِضَافَة فَمَتَى حذفت الْمُضَاف إِلَيْهِ لعلم الْمُخَاطب بنيتهما على الضَّم ليعلم أَنه مَبْنِيّ إِذا كَانَ الضَّم لَا يدخلهما إعرابا لِأَنَّهُمَا لَا يصلح وقوعهما موقع الْفَاعِل وَلَا موقع الْمُبْتَدَأ وَلَا الْخَبَر فَافْهَم (بَيَان الصّرْف) كَيفَ لَا يتَصَرَّف لِأَنَّهُ جامد والبدء مصدر من بدأت الشَّيْء كَمَا مر وَالْوَحي كَذَلِك من وحيت إِلَيْهِ وَحيا وَهَهُنَا اسْم فَافْهَم ومصدر أوحى إيحاء وَالرَّسُول صفة مشبهة يُقَال أرْسلت فلَانا فِي رِسَالَة فَهُوَ مُرْسل وَرَسُول وَهَذِه صِيغَة يَسْتَوِي فِيهَا الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث مثل عَدو وصديق قَالَ عز وَجل {إِنَّا رَسُول رب الْعَالمين} وَلم يقل أَنا رسل لِأَن فعيلا وفعولا يَسْتَوِي فيهمَا هَذِه الْأَشْيَاء وَفِي الْعباب الرَّسُول الْمُرْسل وَالْجمع رسل ورسل ورسلاء
وَهَذَا عَن الْفراء وَالْقَوْل مصدر تَقول قَالَ يَقُول قولا وقولة ومقالا ومقالة وَقَالا يُقَال أَكثر القال والقيل وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ {ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون} وَيُقَال القال الِابْتِدَاء والقيل الْجَواب وأصل قلت قولت بِالْفَتْح وَلَا يجوز أَن يكون بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ يتَعَدَّى وَرجل قَول وَقوم قَول وَرجل مقول ومقوال وقولة مثل تؤدة وتقولة عَن الْفراء وتقوالة عَن الْكسَائي أَي لَيْسَ كثير القَوْل وَالْمقول اللِّسَان وَالْمقول القيل بلغَة أهل الْيمن وَقُلْنَا بِهِ أَي قُلْنَاهُ (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله بَاب بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هَذَا بَاب وَيجوز فِيهِ التَّنْوِين بِالْقطعِ عَمَّا بعده وَتَركه للإضافة إِلَى مَا بعده وَقَالَ بعض الشُّرَّاح يجوز فِيهِ بَاب بِصُورَة الْوَقْف على سَبِيل التعداد فَلَا إِعْرَاب لَهُ حِينَئِذٍ وخدشه بَعضهم وَلم يبين وَجهه غير أَنه قَالَ وَلم تَجِيء بِهِ الرِّوَايَة قلت لَا مَحل للخدش فِيهِ لِأَن مثل هَذَا اسْتعْمل كثيرا فِي أثْنَاء الْكتب يُقَال عِنْد انْتِهَاء كَلَام بَاب أَو فصل بِالسُّكُونِ ثمَّ يشرع فِي كَلَام آخر وَحكمه حكم تعداد الْكَلِمَات وَلَا مَانع من جَوَازه غير أَنه لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إِلَّا بعد العقد والتركيب وَرَأَيْت كثيرا من الْفُضَلَاء الْمُحَقِّقين يَقُولُونَ فصل مهما فصل لَا ينون وَمهما وصل ينون لِأَن الْإِعْرَاب يكون بالتركيب وَقَوله لم تَجِيء بِهِ الرِّوَايَة لَا يصلح سندا للْمَنْع لِأَن التَّوَقُّف على الرِّوَايَة إِنَّمَا يكون فِي متن الْكتاب أَو السّنة وَأما فِي غَيرهمَا من التراكيب يتَصَرَّف مهما يكون بعد أَن لَا يكون خَارِجا عَن قَوَاعِد الْعَرَبيَّة وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن مشايخه الثَّلَاثَة هَكَذَا كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الخ بِدُونِ لَفْظَة بَاب (فَإِن قلت) مَا يكون مَحل كَيفَ من الْإِعْرَاب على هَذَا الْوَجْه قلت يجوز أَن يكون حَالا كَمَا فِي قَوْلك كَيفَ جَاءَ زيد أَي على أَي حَالَة جَاءَ زيد وَالتَّقْدِير هَهُنَا على أَي حَالَة كَانَ ابْتِدَاء الْوَحْي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَول بَعضهم هَهُنَا وَالْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع لَا وَجه لَهُ لِأَن الْجُمْلَة من حَيْثُ هِيَ لَا تسْتَحقّ من الْإِعْرَاب شَيْئا إِلَّا إِذا وَقعت فِي موقع الْمُفْرد وَهُوَ فِي مَوَاضِع مَعْدُودَة قد بيّنت فِي موضعهَا وَلَيْسَ هَهُنَا موقع يَقْتَضِي الرّفْع وَإِنَّمَا الَّذِي يَقْتَضِي هُوَ النصب على الحالية كَمَا ذكرنَا وَهُوَ من جملَة تِلْكَ الْمَوَاضِع فَافْهَم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جملَة خبرية وَلكنهَا لما كَانَت دُعَاء صَارَت إنْشَاء لِأَن الْمَعْنى اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَكَذَا الْكَلَام فِي سلم قَوْله وَقَول الله تَعَالَى يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله {إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك} الخ والجر عطف على الْجُمْلَة الَّتِي أضيف إِلَيْهَا الْبَاب وَالتَّقْدِير بَاب كَيفَ كَانَ ابْتِدَاء الْوَحْي وَبَاب معنى قَول الله عز وَجل وَإِنَّمَا لم يقدر وَبَاب كَيفَ قَول الله لِأَن قَول الله تَعَالَى لَا يكيف وَقَالَ بعض الشُّرَّاح قَالَ النَّوَوِيّ فِي تلخيصه وَقَول الله مجرور ومرفوع مَعْطُوف على كَيفَ قلت وَجه الْعَطف فِي كَونه مجرورا ظَاهر وَأما الرّفْع كَيفَ يكون بالْعَطْف على كَيفَ وَلَيْسَ فِيهِ الرّفْع فَافْهَم. قَوْله {إِلَيْك} فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله {كَمَا أَوْحَينَا} كلمة مَا هَهُنَا مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير كوحينا ومحلها الْجَرّ بكاف التَّشْبِيه قَوْله {إِلَى نوح} بِالصرْفِ وَكَانَ الْقيَاس فِيهِ منع الصّرْف للعجمة والعلمية إِلَّا أَن الخفة فِيهَا قاومت أحد السببين فصرفت لذَلِك وَقوم يجرونَ نَحوه على الْقيَاس فَلَا يصرفونه لوُجُود السببين واللغة الفصيحة الَّتِي عَلَيْهَا التَّنْزِيل (بَيَان الْمعَانِي) اعْلَم أَن كَيفَ متضمنة معنى همزَة الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ سُؤال عَن الْحَال وَهُوَ الِاسْتِفْهَام وَقد يكون للإنكار والتعجب كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا} الْمَعْنى أتكفرون بِاللَّه وَمَعَكُمْ مَا يصرف عَن الْكفْر وَيَدْعُو إِلَى الْإِيمَان وَهُوَ الْإِنْكَار والتعجب وَنَظِيره قَوْلك أتطير بِغَيْر جنَاح وَكَيف تطير بِغَيْر جنَاح قَوْله {إِنَّا أَوْحَينَا} كلمة إِن للتحقيق والتأكيد وَقد علم أَن الْمُخَاطب إِذا كَانَ خَالِي الذِّهْن من الحكم بِأحد طرفِي الْخَبَر على الآخر نفيا وإثباتا والتردد فِيهِ اسْتغنى عَن ذكر مؤكدات الحكم وَإِن كَانَ متصورا لطرفيه مترددا فِيهِ طَالبا للْحكم حسن تقويته بمؤكد وَاحِد من أَن أَو اللَّام أَو غَيرهمَا كَقَوْلِك لزيد عَارِف أَو إِن زيدا عَارِف وَإِن كَانَ مُنْكرا للْحكم الَّذِي أَرَادَهُ الْمُتَكَلّم وَجب توكيده بِحَسب الْإِنْكَار فَكلما زَاد الْإِنْكَار اسْتوْجبَ زِيَادَة التَّأْكِيد فَتَقول لمن لَا يُبَالغ فِي إِنْكَار صدقك إِنِّي صَادِق وَلمن بَالغ فِيهِ إِنِّي لصَادِق وَلمن أوغل فِيهِ وَالله إِنِّي لصَادِق وَيُسمى الضَّرْب الأول ابتدائيا وَالثَّانِي طلبيا وَالثَّالِث إنكاريا وَيُسمى إِخْرَاج الْكَلَام على هَذِه الْوُجُوه إخراجا على مُقْتَضى الظَّاهِر وَكَثِيرًا مَا يخرج على خِلَافه لنكتة من النكات كَمَا عرف فِي مَوْضِعه والنكتة فِي تَأْكِيد قَوْله {أَوْحَينَا إِلَيْك} بقوله إِن لأجل الْكَلَام السَّابِق لِأَن الْآيَة جَوَاب لما تقدم من قَوْله تَعَالَى (يَسْأَلك
أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء} الْآيَة فَأعْلم الله تَعَالَى أَن أمره كأمر النَّبِيين من قبله يُوحى إِلَيْهِ كَمَا يُوحى إِلَيْهِم وَقَالَ عبد القاهر فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى {وَمَا أبرىء نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء} . {وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم} {التَّوْبَة وَيَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم} وَغير ذَلِك مِمَّا يشابه هَذِه أَن التَّأْكِيد فِي مثل هَذِه المقامات لتصحيح الْكَلَام السَّابِق والاحتجاج لَهُ وَبَيَان وَجه الْفَائِدَة فِيهِ ثمَّ النُّون فِي قَوْله {أَوْحَينَا} للتعظيم وَقد علم أَن نَا وضعت للْجَمَاعَة فَإِذا أطلقت على الْوَاحِد يكون للتعظيم فَافْهَم (بَيَان الْبَيَان) الْكَاف فِي قَوْله {كَمَا أَوْحَينَا} للتشبيه وَهِي الْكَاف الجارة والتشبيه هُوَ الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي وصف من أَوْصَاف أَحدهمَا فِي نَفسه كالشجاعة فِي الْأسد والنور فِي الشَّمْس والمشبه هَهُنَا الْوَحْي إِلَى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمشبه بِهِ الْوَحْي إِلَى نوح والنبيين من بعده وَوجه التَّشْبِيه هُوَ كَونه وَحي رِسَالَة لَا وَحي إلهام لِأَن الْوَحْي يَنْقَسِم على وُجُوه وَالْمعْنَى أَوْحَينَا إِلَيْك وَحي رِسَالَة كَمَا أَوْحَينَا إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَحي رِسَالَة لَا وَحي إلهام. (بَيَان التَّفْسِير) هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة النِّسَاء وَسبب نزُول الْآيَة وَمَا قبلهَا أَن الْيَهُود قَالُوا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن كنت نَبيا فأتنا بِكِتَاب جملَة من السَّمَاء كَمَا أَتَى بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَأنْزل الله تَعَالَى {يَسْأَلك أهل الْكتاب} الْآيَات فَأعْلم الله تَعَالَى أَنه نَبِي يُوحى إِلَيْهِ كَمَا يُوحى إِلَيْهِم وَأَن أمره كأمرهم (فَإِن قلت) لم خصص نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام بِالذكر وَلم يذكر آدم عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ أَنه أول الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلين. قلت أجَاب عَنهُ بعض الشُّرَّاح بجوابين. الأول أَنه أول مشرع عِنْد بعض الْعلمَاء. وَالثَّانِي أَنه أول نَبِي عُوقِبَ قومه فخصصه بِهِ تهديدا لقوم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيهِمَا نظر. أما الأول فَلَا نسلم أَنه أول مشرع بل أول مشرع هُوَ آدم عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ أول نَبِي أرسل إِلَى بنيه وَشرع لَهُم الشَّرَائِع ثمَّ بعده قَامَ بأعباء الْأَمر شِيث عَلَيْهِ السَّلَام وَكَانَ نَبيا مُرْسلا وَبعده إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام بَعثه الله إِلَى ولد قابيل ثمَّ رَفعه الله إِلَى السَّمَاء. وَأما الثَّانِي فَلِأَن شِيث عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ أول من عذب قومه بِالْقَتْلِ وَذكر الْفربرِي فِي تَارِيخه أَن شِيث عَلَيْهِ السَّلَام سَار إِلَى أَخِيه قابيل فقاتله بِوَصِيَّة أَبِيه لَهُ بذلك مُتَقَلِّدًا بِسيف أَبِيه وَهُوَ أول من تقلد بِالسَّيْفِ وَأخذ أَخَاهُ أَسِيرًا وسلسله وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن قبض كَافِرًا وَالَّذِي يظْهر لي من الْجَواب الشافي عَن هَذَا أَن نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ الْأَب الثَّانِي وَجَمِيع أهل الأَرْض من أَوْلَاد نوح الثَّلَاثَة لقَوْله تَعَالَى {وَجَعَلنَا ذُريَّته هم البَاقِينَ} فَجَمِيع النَّاس من ولد سَام وَحَام وَيَافث وَذَلِكَ لِأَن كل من كَانَ على وَجه الأَرْض قد هَلَكُوا بالطوفان إِلَّا أَصْحَاب السَّفِينَة وَقَالَ قَتَادَة لم يكن فِيهَا إِلَّا نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَامْرَأَته وَثَلَاثَة بنيه سَام وَحَام وَيَافث وَنِسَاؤُهُمْ فَجَمِيعهمْ ثَمَانِيَة وَقَالَ ابْن إِسْحَق كَانُوا عشرَة سوى نِسَائِهِم وَقَالَ مقَاتل كَانُوا اثْنَيْنِ وَسبعين نفسا وَعَن ابْن عَبَّاس كَانُوا ثَمَانِينَ إنْسَانا أحدهم جرهم وَالْمَقْصُود لما خَرجُوا من السَّفِينَة مَاتُوا كلهم مَا خلا نوحًا وبنيه الثَّلَاثَة وأزواجهم ثمَّ مَاتَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَبَقِي بنوه الثَّلَاثَة فَجَمِيع الْخلق مِنْهُم وَكَانَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام أول الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلين بعد الطوفان وَسَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام بعده مَا خلا آدم وشيث وَإِدْرِيس فَلذَلِك خصّه الله تَعَالَى بِالذكر وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاء لكثرتهم بعده. (بَيَان تصدير الْبَاب بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة) اعْلَم أَن عَادَة البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَن يضم إِلَى الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ مَا يُنَاسِبه من قُرْآن أَو تَفْسِير لَهُ أَو حَدِيث على غير شَرطه أَو أثر عَن بعض الصَّحَابَة أَو عَن بعض التَّابِعين بِحَسب مَا يَلِيق عِنْده ذَلِك الْمقَام. وَمن عَادَته فِي تراجم الْأَبْوَاب ذكر آيَات كَثِيرَة من الْقُرْآن وَرُبمَا اقْتصر فِي بعض الْأَبْوَاب عَلَيْهَا فَلَا يذكر مَعهَا شَيْئا أصلا وَأَرَادَ بِذكر هَذِه الْآيَة فِي أول هَذَا الْكتاب الْإِشَارَة إِلَى أَن الْوَحْي سنة الله تَعَالَى فِي أنبيائه عَلَيْهِم السَّلَام. 1 - حَدثنَا الْحميدِي عبد الله بن الزبير قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ أَنه سمع عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ يَقُول سَمِعت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ على الْمِنْبَر قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو إِلَى امْرَأَة
ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ (بَيَان تعلق الحَدِيث بِالْآيَةِ) إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَى نَبينَا وَإِلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَالْحجّة لَهُ قَوْله تَعَالَى {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين} وَقَوله تَعَالَى {شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك} الْآيَة. وَالْإِخْلَاص النِّيَّة. قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وصاهم بالإخلاص فِي عِبَادَته وَقَالَ مُجَاهِد أوصيناك بِهِ والأنبياء دينا وَاحِدًا وَمعنى شرع لكم من الدّين دين نوح وَمُحَمّد وَمن بَينهمَا من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام ثمَّ فسر الشَّرْع الْمُشْتَرك بَينهم فَقَالَ {أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ} . (بَيَان تعلق الحَدِيث بالترجمة) ذكر فِيهِ وُجُوه الأول أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب بِهَذَا الحَدِيث لما قدم الْمَدِينَة حِين وصل إِلَى دَار الْهِجْرَة وَذَلِكَ كَانَ بعد ظُهُوره وَنَصره واستعلائه فَالْأول مبدأ النُّبُوَّة والرسالة والاصطفاء وَهُوَ قَوْله بَاب بَدْء الْوَحْي. وَالثَّانِي بَدْء النَّصْر والظهور وَمِمَّا يُؤَيّدهُ أَن الْمُشْركين كَانُوا يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ بِمَكَّة فشكوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسألوه أَن يغتالوا من أمكنهم مِنْهُم ويغدروا بِهِ فَنزلت {إِن الله يدافع عَن الَّذين آمنُوا إِن الله لَا يحب كل خوان كفور} فنهوا عَن ذَلِك وَأمرُوا بِالصبرِ إِلَى أَن هَاجر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنزلت {أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا} الْآيَة فأباح الله قِتَالهمْ فَكَانَ إِبَاحَة الْقِتَال مَعَ الْهِجْرَة الَّتِي هِيَ سَبَب النُّصْرَة وَالْغَلَبَة وَظُهُور الْإِسْلَام الثَّانِي أَنه لما كَانَ الحَدِيث مُشْتَمِلًا على الْهِجْرَة وَكَانَت مُقَدّمَة النُّبُوَّة فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هجرته إِلَى الله تَعَالَى ومناجاته فِي غَار حراء فَهجرَته إِلَيْهِ كَانَت ابْتِدَاء فَضله باصطفائه ونزول الْوَحْي عَلَيْهِ مَعَ التأييد الإلهي والتوفيق الرباني الثَّالِث أَنه إِنَّمَا أَتَى بِهِ على قصد الْخطْبَة والترجمة للْكتاب وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التَّيْمِيّ لما كَانَ الْكتاب معقودا على أَخْبَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طلب المُصَنّف تصديره بِأول شَأْن الرسَالَة وَهُوَ الْوَحْي وَلم ير أَن يقدم عَلَيْهِ شَيْئا لَا خطْبَة وَلَا غَيرهَا بل أورد حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ بَدَلا من الْخطْبَة وَقَالَ بَعضهم ولهذه النُّكْتَة اخْتَار سِيَاق هَذِه الطَّرِيق لِأَنَّهَا تَضَمَّنت أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ خطب بِهَذَا الحَدِيث على الْمِنْبَر فَلَمَّا صلح أَن يدْخل فِي خطْبَة المنابر كَانَ صَالحا أَن يدْخل فِي خطْبَة الدفاتر قلت هَذَا فِيهِ نظر لِأَن الْخطْبَة عبارَة عَن كَلَام مُشْتَمل على الْبَسْمَلَة والحمدلة وَالثنَاء على الله تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهله وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيكون فِي أول الْكَلَام والْحَدِيث غير مُشْتَمل على ذَلِك وَكَيف يقْصد بِهِ الْخطْبَة مَعَ أَنه فِي أَوسط الْكَلَام وَقَول الْقَائِل فَلَمَّا صلح أَن يدْخل فِي خطْبَة المنابر إِلَى آخِره غير سديد لِأَن خطْبَة المنابر غير خطْبَة الدفاتر فَكيف تقوم مقَامهَا وَذَلِكَ لِأَن خطْبَة المنابر تشْتَمل على مَا ذكرنَا مَعَ اشتمالها على الْوَصِيَّة بالتقوى والوعظ والتذكير وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف خطْبَة الدفاتر فَإِنَّهَا بِخِلَاف ذَلِك أما سمع هَذَا الْقَائِل لكل مَكَان مقَال غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ خطب للنَّاس وَذكر فِي خطبَته فِي جملَة مَا ذكر هَذَا الحَدِيث وَلم يقْتَصر على ذكر الحَدِيث وَحده وَلَئِن سلمنَا أَنه اقْتصر فِي خطبَته على هَذَا الحَدِيث وَلَكِن لَا نسلم أَن تكون خطبَته بِهِ دَلِيلا على صَلَاحه أَن تكون خطْبَة فِي أَوَائِل الْكتب لما ذكرنَا فَهَل يصلح أَن يقوم التَّشَهُّد مَوضِع الْقُنُوت أَو الْعَكْس وَنَحْو ذَلِك وَذكروا فِيهِ أوجها أُخْرَى كلهَا مدخولة (بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة الأول الْحميدِي هُوَ أَبُو بكر عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد بن أُسَامَة بن زُهَيْر بن الْحَرْث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قصي وَمَعَ خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَسد بن عبد الْعُزَّى من رُؤَسَاء أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة توفّي بِمَكَّة سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ وروى مُسلم فِي الْمُقدمَة عَن سَلمَة بن شبيب عَنهُ الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة ابْن أبي عمرَان مَيْمُون مولى مُحَمَّد بن مُزَاحم أخي الضَّحَّاك إِمَام جليل فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْفَتْوَى وَهُوَ أحد مَشَايِخ الشَّافِعِي ولد سنة سبع وَمِائَة وَتُوفِّي غرَّة رَجَب سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة الثَّالِث يحيى بن سعيد بن قيس بن عَمْرو بن سهل بن ثَعْلَبَة بن الْحَارِث بن زيد بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمدنِي تَابِعِيّ مَشْهُور من أَئِمَّة
الْمُسلمين ولى قَضَاء الْمَدِينَة وأقدمه الْمَنْصُور الْعرَاق وولاه الْقَضَاء بالهاشمية وَتُوفِّي بهَا سنة ثَلَاث وَقيل أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة الرَّابِع مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَرْث بن خَالِد بن صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة كَانَ كثير الحَدِيث توفّي سنة عشْرين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة الْخَامِس عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ يكنى بِأبي وَاقد ذكره أَبُو عَمْرو بن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة وَذكره الْجُمْهُور فِي التَّابِعين توفّي بِالْمَدِينَةِ أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان السَّادِس عمر بن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى بن ريَاح بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف بن عبد الله بن قرط بن رزاح بِفَتْح الرَّاء أَوله ثمَّ زَاي مَفْتُوحَة أَيْضا ابْن عدي أخي مرّة وهصيص ابْني كَعْب بن لؤَي الْعَدوي الْقرشِي يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كَعْب الْأَب الثَّامِن وَأمه حنتمة بِالْحَاء الْمُهْملَة بنت هَاشم بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر أخي عَامر وَعمْرَان ابْني مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب وَقَالَ أَبُو عمر وَالصَّحِيح أَنَّهَا بنت هَاشم وَقيل بنت هِشَام فَمن قَالَ بنت هِشَام فَهِيَ أُخْت أبي جهل وَمن قَالَ بنت هَاشم فَهِيَ ابْنة عَم أبي جهل (بَيَان ضبط الرِّجَال) الْحميدِي بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم وسُفْيَان بِضَم السِّين على الْمَشْهُور وَحكى كسرهَا وَفتحهَا أَيْضا وَأَبوهُ عُيَيْنَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعدهَا يَاء أُخْرَى سَاكِنة ثمَّ نون مَفْتُوحَة وَفِي آخِره هَاء وَيُقَال بِكَسْر الْعين أَيْضا وعلقمة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والوقاص بتَشْديد الْقَاف (بَيَان الْأَنْسَاب) الْحميدِي نِسْبَة إِلَى جده حميد الْمَذْكُور بِالضَّمِّ وَقَالَ السَّمْعَانِيّ نِسْبَة إِلَى حميد بطن من أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَقيل مَنْسُوب إِلَى الحميدات قَبيلَة وَقد يشْتَبه هَذَا بالحميدي الْمُتَأَخر صَاحب الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ الْعَلامَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل بِكَسْر الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالصَّاد الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة ثمَّ لَام الأندلسي الإِمَام ذُو التصانيف فِي فنون سمع الْخَطِيب وطبقته وبالأندلس ابْن حزم وَغَيره وَعنهُ الْخَطِيب وَابْن مَاكُولَا وَخلق ثِقَة متقن مَاتَ بِبَغْدَاد سَابِع عشر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَهُوَ يشْتَبه بالحميدي بِالْفَتْح وَكسر الْمِيم نِسْبَة لإسحاق بن تكينك الْحميدِي مولى الْأَمِير الحميد الساماني والأنصاري نِسْبَة إِلَى الْأَنْصَار واحدهم نصير كشريف وأشراف وَقيل نَاصِر كصاحب وَأَصْحَاب وَهُوَ وصف لَهُم بعد الْإِسْلَام وهم قبيلتان الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن ثَعْلَبَة بن مَازِن ابْن الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عَامر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام والتيمي نِسْبَة إِلَى عدَّة قبائل اسْمهَا تيم مِنْهَا تيم قُرَيْش مِنْهَا خلق كثير من الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ مِنْهَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور والليثي نِسْبَة إِلَى لَيْث بن بكر (بَيَان فَوَائِد تتَعَلَّق بِالرِّجَالِ) لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه عمر بن الْخطاب غَيره وَفِي الصَّحَابَة عمر ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ نفسا على خلاف فِي بَعضهم وَرُبمَا يلتبس بعمر وَبِزِيَادَة وَاو فِي آخِره وهم خلق فَوق الْمِائَتَيْنِ بِزِيَادَة أَرْبَعَة وَعشْرين على خلاف فِي بَعضهم وَفِي الروَاة عمر بن الْخطاب غير هَذَا الِاسْم سِتَّة الأول كُوفِي روى عَنهُ خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ الثَّانِي راسبي روى عَنهُ سُوَيْد أَبُو حَاتِم الثَّالِث إسكندري روى عَن ضمام بن إِسْمَاعِيل الرَّابِع عنبري روى عَن أَبِيه عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ الْخَامِس سجستاني روى عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ السَّادِس سدوسي بَصرِي روى عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه عَلْقَمَة بن وَقاص غَيره وَجُمْلَة من اسْمه يحيى بن سعيد فِي الحَدِيث سِتَّة عشر وَفِي الصَّحِيح جمَاعَة يحيى بن سعيد بن أبان الْأمَوِي الْحَافِظ وَيحيى بن سعيد بن حَيَّان أَبُو التَّيْمِيّ الإِمَام وَيحيى بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي تَابِعِيّ وَيحيى بن سعيد بن فروخ القطاني التَّيْمِيّ الْحَافِظ أحد الْأَعْلَام وَلَهُم يحيى بن سعيد الْعَطَّار برَاء فِي آخِره واه وَعبد الله بن الزبير فِي الْكتب السِّتَّة ثَلَاثَة أحدهم الْحميدِي الْمَذْكُور وَالثَّانِي حميدي الصَّحَابِيّ وَالثَّالِث الْبَصْرِيّ روى لَهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا عبد الله بن الزبير بن الْمطلب بن هَاشم وَلَيْسَ لَهما ثَالِث فِي الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن رجال إِسْنَاده مَا بَين مكي ومدني فالأولان مكيان وَالْبَاقُونَ مدنيون وَمِنْهَا رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما يحيى وَمُحَمّد التَّيْمِيّ وَهَذَا كثير وَإِن شِئْت قلت فِيهِ ثَلَاثَة تابعيون بَعضهم عَن بعض بِزِيَادَة عَلْقَمَة على
قَول الْجُمْهُور كَمَا قُلْنَا أَنه تَابِعِيّ لَا صَحَابِيّ وَمِنْهَا رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ على قَول من عده صحابيا وألطف من هَذَا أَنه يَقع رِوَايَة أَرْبَعَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَرِوَايَة أَرْبَعَة من الصَّحَابَة بَعضهم عَن بعض وَقد أفرد الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ جزأ لرباعي الصَّحَابَة وخماسيهم وَمن الْغَرِيب الْعَزِيز رِوَايَة سِتَّة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَقد أفرده الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِجُزْء جمع اخْتِلَاف طرقه وَهُوَ حَدِيث مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن هِلَال بن يسَاف عَن الرّبيع بن خَيْثَم عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن امْرَأَة من الْأَنْصَار عَن أبي أَيُّوب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَن {قل هُوَ الله أحد} تعدل ثلث الْقُرْآن وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة وَهُوَ أطول إِسْنَاد روى قَالَ الْخَطِيب وَالْأَمر كَمَا قَالَ قَالَ وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَيْضا من طَرِيق سَبْعَة من التَّابِعين ثمَّ سَاقه من حَدِيث أبي إِسْحَق الشَّيْبَانِيّ عَن عَمْرو بن مرّة عَن هِلَال عَن عَمْرو عَن الرّبيع عَن عبد الرَّحْمَن فَذكره وَمِنْهَا أَنه أَتَى فِيهِ بأنواع الرِّوَايَة فَأتى بحدثنا الْحميدِي ثمَّ بعن فِي قَوْله عَن سُفْيَان ثمَّ بِلَفْظ أَخْبرنِي مُحَمَّد ثمَّ بسمعت عمر رَضِي الله عَنهُ يَقُول فَكَأَنَّهُ يَقُول هَذِه الْأَلْفَاظ كلهَا تفِيد السماع والاتصال كَمَا سَيَأْتِي عَنهُ فِي بَاب الْعلم عَن الْحميدِي عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه قَالَ حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا وَسمعت وَاحِد وَالْجُمْهُور قَالُوا أَعلَى الدَّرَجَات لهَذِهِ الثَّلَاثَة سَمِعت ثمَّ حَدثنَا ثمَّ أخبرنَا. وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا وَقع عَن سُفْيَان فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره حَدثنَا سُفْيَان وَعَن هَذَا اعْترض على البُخَارِيّ فِي قَوْله عَن سُفْيَان لِأَنَّهُ قَالَ جمَاعَة بِأَن الْإِسْنَاد المعنعن يصير الحَدِيث مُرْسلا وَأجِيب بِأَن مَا وَقع فِي البُخَارِيّ وَمُسلم من العنعنة فَمَحْمُول على السماع من وَجه آخر وَأما غير المدلس فعنعنته مَحْمُولَة على الِاتِّصَال عِنْد الْجُمْهُور مُطلقًا فِي الْكِتَابَيْنِ وَغَيرهمَا لَكِن بِشَرْط إِمْكَان اللِّقَاء وَزَاد البُخَارِيّ اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء قلت وَفِي اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء وَطول الصُّحْبَة ومعرفته بالرواية عَنهُ مَذَاهِب أَحدهَا لَا يشْتَرط شَيْء من ذَلِك وَنقل مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه الْإِجْمَاع عَلَيْهِ وَالثَّانِي يشْتَرط ثُبُوت اللِّقَاء وَحده وَهُوَ قَول البُخَارِيّ والمحققين وَالثَّالِث يشْتَرط طول الصُّحْبَة وَالرَّابِع يشْتَرط مَعْرفَته بالرواية عَنهُ والْحميدِي مَشْهُور بِصُحْبَة ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ أثبت النَّاس فِيهِ قَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ رَئِيس أَصْحَابه ثِقَة إِمَام وَقَالَ ابْن سعد هُوَ صَاحبه وراويته وَالأَصَح أَن إِن كعن بِالشّرطِ الْمُتَقَدّم وَقَالَ أَحْمد وَجَمَاعَة يكون مُنْقَطِعًا حَتَّى يتَبَيَّن السماع وَمِنْهَا أَن البُخَارِيّ قد ذكر فِي هَذَا الحَدِيث الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة وَهِي أَن وَسمعت وَعَن وَقَالَ فَذكرهَا هَهُنَا وَفِي الْهِجْرَة وَالنُّذُور وَترك الْحِيَل بِلَفْظ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي بَاب الْعتْق بِلَفْظ عَن وَفِي بَاب الْإِيمَان بِلَفْظ أَن وَفِي النِّكَاح بِلَفْظ قَالَ وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَن الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل بالصحابي لَا فرق فِيهِ بَين هَذِه الْأَلْفَاظ وَمِنْهَا أَن البُخَارِيّ رَحمَه الله ذكر فِي بعض رواياته لهَذَا الحَدِيث سَمِعت رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي بَعْضهَا سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيتَعَلَّق بذلك مَسْأَلَة وَهِي هَل يجوز تَغْيِير قَالَ النَّبِي إِلَى قَالَ الرَّسُول أَو عَكسه فَقَالَ ابْن الصّلاح وَالظَّاهِر أَنه لَا يجوز وَإِن جَازَت الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لاخْتِلَاف معنى الرسَالَة والنبوة وَسَهل فِي ذَلِك الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله وَحَمَّاد بن سَلمَة والخطيب وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيّ. قلت كَانَ يَنْبَغِي أَن يجوز التَّغْيِير مُطلقًا لعدم اخْتِلَاف الْمَعْنى هَهُنَا وَإِن كَانَت الرسَالَة أخص من النُّبُوَّة وَقد قُلْنَا أَن كل رَسُول نَبِي من غير عكس وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَمِنْهُم من لم يفرق بَينهمَا وَهُوَ غير صَحِيح وَمن الْغَرِيب مَا قَالَه الْحَلِيمِيّ فِي هَذَا الْبَاب أَن الْإِيمَان يحصل بقول الْكَافِر آمَنت بِمُحَمد النَّبِي دون مُحَمَّد الرَّسُول وَعلل بِأَن النَّبِي لَا يكون إِلَّا لله وَالرَّسُول قد يكون لغيره (بَيَان نوع الحَدِيث) هَذَا فَرد غَرِيب بِاعْتِبَار مَشْهُور بِاعْتِبَار آخر وَلَيْسَ بمتواتر خلافًا لما يَظُنّهُ بَعضهم فَإِن مَدَاره على يحيى بن سعيد وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين رَحمَه الله يُقَال هَذَا الحَدِيث مَعَ كَثْرَة طرقه من الْأَفْرَاد وَلَيْسَ بمتواتر لفقد شَرط التَّوَاتُر فَإِن الصَّحِيح أَنه لم يروه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سوى عمر وَلم يروه عَن عمر إِلَّا عَلْقَمَة وَلم يروه عَن عَلْقَمَة إِلَّا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَلم يروه عَن مُحَمَّد إِلَّا يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمِنْه انْتَشَر فَهُوَ مَشْهُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِره غَرِيب بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوله وَهُوَ مجمع على صِحَّته وَعظم موقعه وروينا عَن أبي الْفتُوح الطَّائِي بِسَنَد صَحِيح مُتَّصِل أَنه قَالَ رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد أَكثر من مِائَتي نفس وَقد اتَّفقُوا على أَنه لَا يَصح مُسْندًا إِلَّا من هَذِه الطَّرِيق الْمَذْكُورَة وَقَالَ الْخطابِيّ لَا أعلم خلافًا بَين أهل الْعلم أَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح مُسْندًا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ. قلت
يُرِيد مَا ذكره الْحَافِظ أَبُو يعلى الْخَلِيل حَيْثُ قَالَ غلط فِيهِ عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد الْمَكِّيّ فِي الحَدِيث الَّذِي يرويهِ مَالك والخلق عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة بن وَقاص عَن عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ فِيهِ عبد الْمجِيد عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ قَالَ وَرَوَاهُ عَنهُ نوح بن حبيب وَإِبْرَاهِيم بن عَتيق وَهُوَ غير مَحْفُوظ من حَدِيث زيد بن أسلم بِوَجْه من الْوُجُوه قَالَ فَهَذَا مِمَّا أَخطَأ فِيهِ الثِّقَة عَن الثِّقَة قَالُوا إِنَّمَا هُوَ حَدِيث آخر ألصق بِهِ هَذَا. قلت أحَال الْخطابِيّ الْغَلَط على نوح وأحال الْخَلِيل الْغَلَط على عبد الْمجِيد انْتهى قلت قد رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عمر من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَإِن كَانَ الْبَزَّار قَالَ لَا نعلم روى هَذَا الحَدِيث إِلَّا عَن عمر عَن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام وَبِهَذَا الْإِسْنَاد وَكَذَا قَالَ ابْن السكونِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالسنن الصِّحَاح المأثورة لم يروه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْنَاد غير عمر بن الْخطاب وَكَذَا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عتاب حَيْثُ قَالَ لم يروه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عمر رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ ابْن مَنْدَه رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عمر سعد بن أبي وَقاص وَعلي بن أبي طَالب وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَأنس وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبادَة بن الصَّامِت وَعتبَة بن عبد الْأَسْلَمِيّ وهزال بن سُوَيْد وَعتبَة بن عَامر وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو ذَر وَعتبَة بن الْمُنْذر وَعقبَة بن مُسلم رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَأَيْضًا قد توبع عَلْقَمَة والتيمي وَيحيى بن سعيد على روايتهم قَالَ ابْن مَنْدَه هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَن عمر غير عَلْقَمَة ابْنه عبد الله وَجَابِر وَأَبُو جُحَيْفَة وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة وَذُو الكلاع وَعَطَاء بن يسَار وواصل ابْن عَمْرو الجذامي وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَرَوَاهُ عَن عَلْقَمَة غير التَّيْمِيّ سعيد بن الْمسيب وَنَافِع مولى بن عمر وتابع يحيى بن سعيد على رِوَايَته عَن التَّيْمِيّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلْقَمَة أَبُو الْحسن اللَّيْثِيّ وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وحجاج بن أَرْطَاة وَعبد الله بن قيس الْأنْصَارِيّ وَلَا يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي حد الشاذ وَقد اعْترض على بعض عُلَمَاء أهل الحَدِيث حَيْثُ قَالَ الشاذ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد تفرد بِهِ ثِقَة أَو غَيره فأورد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع على الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث وَشبهه وَأَنه فِي أَعلَى مَرَاتِب الصِّحَّة وأصل من أصُول الدّين مَعَ أَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ حَده بِكَلَام بديع فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ وَأهل الْحجاز الشاذ هُوَ أَن يروي الثِّقَة مُخَالفا لرِوَايَة النَّاس لَا أَن يروي مَا لَا يروي النَّاس وَهَذَا الحَدِيث وَشبهه لَيْسَ فِيهِ مُخَالفَة بل لَهُ شَوَاهِد تصحح مَعْنَاهُ من الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ الخليلي: إِن الَّذِي عَلَيْهِ الْحفاظ أَن الشاذ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد يشذ بِهِ ثِقَة أَو غَيره فَمَا كَانَ عَن غير ثِقَة فمردود وَمَا كَانَ عَن ثِقَة توقف فِيهِ وَلَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ الْحَاكِم أَنه مَا انْفَرد بِهِ ثِقَة وَلَيْسَ لَهُ أصل يُتَابع قلت مَا ذَكرُوهُ يشكل بِمَا ينْفَرد بِهِ الْعدْل الضَّابِط كَهَذا الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يَصح إِلَّا فَردا وَله متابع أَيْضا كَمَا سلف ثمَّ اعْلَم أَنه لَا يشك فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ من حَدِيث الإِمَام يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ عَنهُ حفاظ الْإِسْلَام وأعلام الْأَئِمَّة مَالك بن أنس وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَالثَّوْري وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَاللَّيْث بن سعد وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الله بن الْمُبَارك وَعبد الْوَهَّاب وخلايق لَا يُحصونَ كَثْرَة وَقد ذكره البُخَارِيّ من حَدِيث سُفْيَان وَمَالك وَحَمَّاد بن زيد وَعبد الْوَهَّاب كَمَا سَيَأْتِي قَالَ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن عَليّ الخشاب الْحَافِظ روى هَذَا الحَدِيث عَن يحيى بن سعيد نَحْو مأتين وَخمسين رجلا وَذكر ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه فَوق الثلاثمائة وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ سَمِعت الْحَافِظ أَبَا مَسْعُود عبد الْجَلِيل بن أَحْمد يَقُول فِي المذاكرة قَالَ الإِمَام عبد الله الْأنْصَارِيّ كتبت هَذَا الحَدِيث عَن سَبْعمِائة رجل من أَصْحَاب يحيى بن سعيد وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام أَبُو إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيّ أَنه رَوَاهُ عَن يحيى سبع مائَة رجل. فَإِن قيل قد ذكر فِي تَهْذِيب مُسْتَمر الأوهام لِابْنِ مَاكُولَا أَن يحيى بن سعيد لم يسمعهُ من التَّيْمِيّ وَذكر فِي مَوضِع آخر أَنه يُقَال لم يسمعهُ التَّيْمِيّ من عَلْقَمَة قلت رِوَايَة البُخَارِيّ عَن يحيى بن سعيد أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ أَنه سمع عَلْقَمَة ترد هَذَا وَبِمَا ذكرنَا أَيْضا يرد مَا قَالَه ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَهْذِيب الْآثَار أَن هَذَا الحَدِيث قد يكون عِنْد بَعضهم مردودا لِأَنَّهُ حَدِيث فَرد
(بَيَان تعدد الحَدِيث فِي الصَّحِيح) قد ذكره فِي سِتَّة مَوَاضِع أُخْرَى من صَحِيحه عَن سِتَّة شُيُوخ آخَرين أَيْضا الأول فِي الْإِيمَان فِي بَاب مَا جَاءَ إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي ثَنَا مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَلكُل امرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته لدُنْيَا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ الثَّانِي فِي الْعتْق فِي بَاب الْخَطَأ وَالنِّسْيَان فِي الْعتَاقَة وَالطَّلَاق وَنَحْوه عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة قَالَ سَمِعت عمر رَضِي الله عَنهُ يَقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ولامرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته الحَدِيث بِمثل مَا قبله الثَّالِث فِي بَاب هِجْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مُسَدّد حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن يحيى عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة سَمِعت عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ فَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ وَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله الرَّابِع فِي النِّكَاح فِي بَاب من هَاجر أَو عمل خيرا لتزويج امْرَأَة فَلهُ مَا نوى عَن يحيى بن قزعة حَدثنَا مَالك عَن يحيى عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث عَن عَلْقَمَة عَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَمَل بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى الحَدِيث بِلَفْظِهِ فِي الْإِيمَان إِلَّا أَنه قَالَ ينْكِحهَا بدل يَتَزَوَّجهَا الْخَامِس فِي الْإِيمَان وَالنُّذُور فِي بَاب النِّيَّة فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا عبد الْوَهَّاب سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أَنه سمع عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ يَقُول سَمِعت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ يَقُول سَمِعت رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ السَّادِس فِي بَاب ترك الْحِيَل عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن يحيى عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة قَالَ سَمِعت عمر يخْطب قَالَ سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول يأيها النَّاس إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن هَاجر لدُنْيَا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه فِي آخر كتاب الْجِهَاد عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك بِلَفْظ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى الحَدِيث مطولا وَأخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رمح بن المُهَاجر عَن اللَّيْث وَعَن ابْن الرّبيع الْعَتكِي عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَعَن ابْن نمير عَن حَفْص بن غياث وَيزِيد بن هَارُون وَعَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة كلهم عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة عَن عمر وَفِي حَدِيث سُفْيَان سَمِعت عمر على الْمِنْبَر يخبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْحُدُود عَن ابْن الْمثنى عَن الثَّقَفِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن يحيى بن حبيب عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن سُلَيْمَان بن مَنْصُور عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَعَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن القعْنبِي وَعَن الْحَرْث عَن أبي الْقَاسِم جَمِيعًا عَن مَالك ذكره فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب من سنَنه الْإِيمَان وَالطَّهَارَة وَالْعتاق وَالطَّلَاق وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي الزّهْد من سنَنه عَن أبي بكر عَن يزِيد بن هَارُون وَعَن ابْن رمح عَن اللَّيْث كل هَؤُلَاءِ عَن يحيى عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة عَن عمر بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضا أَحْمد فِي مُسْنده وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ وَلم يبْق من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمد عَلَيْهَا من لم يُخرجهُ سوى مَالك فَإِنَّهُ لم يُخرجهُ فِي موطئِهِ وَوهم ابْن دحْيَة الْحَافِظ فَقَالَ فِي إمْلَائِهِ على هَذَا الحَدِيث أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَنهُ وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ (بَيَان اخْتِلَاف لَفظه) قد حصل من الطّرق الْمَذْكُورَة أَرْبَعَة أَلْفَاظ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ الْعَمَل بِالنِّيَّةِ وَادّعى النَّوَوِيّ فِي تلخيصه قلتهَا وَالرَّابِع إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَأوردهُ الْقُضَاعِي فِي الشهَاب بِلَفْظ خَامِس الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ بِحَذْف إِنَّمَا وَجمع الْأَعْمَال والنيات قلت هَذَا أَيْضا مَوْجُود فِي بعض نسخ البُخَارِيّ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ لَا يَصح إسنادها وَأقرهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك فِي تلخيصه وَغَيره وَهُوَ غَرِيب مِنْهُمَا وَهِي رِوَايَة صَحِيحَة
أخرجهَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عَليّ بن مُحَمَّد العتابي ثَنَا عبد الله بن هَاشم الطوسي ثَنَا يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة عَن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ الحَدِيث وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم فِي كِتَابه الْأَرْبَعين فِي شعار أهل الحَدِيث عَن أبي بكر ابْن خُزَيْمَة ثَنَا القعْنبِي ثَنَا مَالك عَن يحيى بن سعيد بِهِ سَوَاء ثمَّ حكم بِصِحَّتِهِ وَأوردهُ ابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقى بِلَفْظ سادس عَن ابْن الْمقري حَدثنَا سُفْيَان عَن يحيى بِهِ إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِن لكل امرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا الحَدِيث وَأوردهُ الرَّافِعِيّ فِي شَرحه الْكَبِير بِلَفْظ آخر غَرِيب وَهُوَ لَيْسَ للمرء من عمله إِلَّا مَا نَوَاه وَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أنس مَرْفُوعا لَا عمل لمن لَا نِيَّة لَهُ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لَكِن فِي إِسْنَاده جَهَالَة (بَيَان اخْتِيَاره هَذَا فِي الْبِدَايَة) أَرَادَ بِهَذَا إخلاص الْقَصْد وَتَصْحِيح النِّيَّة وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه قصد بتأليفه الصَّحِيح وَجه الله تَعَالَى وَقد حصل لَهُ ذَلِك حَيْثُ أعْطى هَذَا الْكتاب من الْحَظ مَا لم يُعْط غَيره من كتب الْإِسْلَام وَقَبله أهل الْمشرق وَالْمغْرب وَقَالَ ابْن مهْدي الْحَافِظ من أَرَادَ أَن يصنف كتابا فليبدأ بِهَذَا الحَدِيث وَقَالَ لَو صنفت كتابا لبدأت فِي كل بَاب مِنْهُ بِهَذَا الحَدِيث وَقَالَ أَبُو بكر بن داسة سَمِعت أَبَا دَاوُد يَقُول كتبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسمِائَة ألف حَدِيث انتخبت مِنْهَا أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث وَثَمَانمِائَة حَدِيث فِي الْأَحْكَام فَأَما أَحَادِيث الزّهْد والفضائل فَلم أخرجهَا وَيَكْفِي الْإِنْسَان لدينِهِ من ذَلِك أَرْبَعَة أَحَادِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ والحلال بَين وَالْحرَام بَين وَمن حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه وَلَا يكون الْمُؤمن مُؤمنا حَتَّى يرضى لِأَخِيهِ مَا يرضى لنَفسِهِ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض ذكر الْأَئِمَّة أَن هَذَا الحَدِيث ثلث الْإِسْلَام وَقيل ربعه وَقيل أصُول الدّين ثَلَاثَة أَحَادِيث وَقيل أَرْبَعَة. قَالَ الشَّافِعِي وَغَيره يدْخل فِيهِ سَبْعُونَ بَابا من الْفِقْه وَقَالَ النَّوَوِيّ لم يرد الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى انحصار أبوابه فِي هَذَا الْعدَد فَإِنَّهَا أَكثر من ذَلِك وَقد نظم طَاهِر بن مفوز الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة (عُمْدَة الدّين عندنَا كَلِمَات ... أَربع من كَلَام خير الْبَريَّة) (اتَّقِ الشُّبُهَات وازهد ودع مَا ... لَيْسَ يَعْنِيك واعملن بنية) فَإِن قيل مَا وَجه قَوْلهم إِن هَذَا الحَدِيث ثلث الْإِسْلَام قلت لتَضَمّنه النِّيَّة وَالْإِسْلَام قَول وَفعل وَنِيَّة وَلما بَدَأَ البُخَارِيّ كِتَابه بِهِ لما ذكرنَا من الْمَعْنى خَتمه بِحَدِيث التَّسْبِيح لِأَن بِهِ تتعطر الْمجَالِس وَهُوَ كَفَّارَة لما قد يَقع من الْجَالِس فَإِن قيل لم اخْتَار من هَذَا الحَدِيث مُخْتَصره وَلم يذكر مطوله هَهُنَا قلت لما كَانَ قَصده التَّنْبِيه على أَنه قصد بِهِ وَجه الله تَعَالَى وَأَنه سيجزى بِحَسب نِيَّته ابْتَدَأَ بالمختصر الَّذِي فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الشَّخْص يجزى بِقدر نِيَّته فَإِن كَانَت نِيَّته وَجه الله تَعَالَى يجزى بالثواب وَالْخَيْر فِي الدَّاريْنِ وَإِن كَانَت نِيَّته وَجها من وُجُوه الدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ حَظّ من الثَّوَاب وَلَا من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ بعض الشَّارِحين سُئِلت عَن السِّرّ فِي ابْتِدَاء البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا وَلم لَا ذكره مطولا كَمَا ذكر فِي غَيره من الْأَبْوَاب فأجبته فِي الْحَال بِأَن عمر قَالَه على الْمِنْبَر وخطب بِهِ فَأَرَادَ التأسي بِهِ قلت قد ذكره البُخَارِيّ أَيْضا مطولا فِي ترك الْحِيَل وَفِيه أَنه خطب بِهِ كَمَا سَيَأْتِي فَإِذن لم يَقع كَلَامه جَوَابا فَإِن قلت لم قدم رِوَايَة الْحميدِي على غَيره من مشايخه الَّذين روى عَنْهُم هَذَا الحَدِيث قلت هَذَا السُّؤَال سَاقِط لِأَنَّهُ لَو قدم رِوَايَة غَيره لَكَانَ يُقَال لم قدم هَذَا على غَيره وَيُمكن أَن يُقَال أَن ذَاك لأجل كَون رِوَايَة الْحميدِي أخصر من رِوَايَة غَيره وَفِيه الْكِفَايَة على دلَالَة مَقْصُوده وَقَالَ بَعضهم قدم الرِّوَايَة عَن الْحميدِي لِأَنَّهُ قرشي مكي إِشَارَة إِلَى الْعَمَل بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدموها وإشعارا بأفضلية مَكَّة على غَيرهَا من الْبِلَاد وَلِأَن ابْتِدَاء الْوَحْي كَانَ مِنْهَا فَنَاسَبَ بالرواية عَن أَهلهَا فِي أول بَدْء الْوَحْي وَمن ثمَّة ثنى بالرواية عَن مَالك لِأَنَّهُ فَقِيه الْحجاز وَلِأَن الْمَدِينَة تلو مَكَّة فِي الْفضل وَقد بينتها فِي نزُول الْوَحْي قلت لَيْسَ البُخَارِيّ هَهُنَا فِي صدد بَيَان فَضِيلَة قُرَيْش وَلَا فِي بَيَان فَضِيلَة مَكَّة حَتَّى يبتدىء بِرِوَايَة شخص قرشي مكي وَلَئِن سلمنَا فَمَا وَجه تَخْصِيص الْحميدِي من بَين الروَاة القرشيين المكيين وَأَيْضًا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدمُوا قُريْشًا إِنَّمَا هُوَ فِي الْإِمَامَة الْكُبْرَى لَيْسَ إِلَّا. وَفِي غَيرهَا يقدم الْبَاهِلِيّ الْعَالم على الْقرشِي الْجَاهِل وَقَوله وَلِأَن ابْتِدَاء الْوَحْي إِلَى آخِره إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو كَانَ الحَدِيث
فِي أَمر الْوَحْي وَإِنَّمَا الحَدِيث فِي النِّيَّة فَلَا يلْزم من ذَلِك مَا قَالَه فَافْهَم (بَيَان اللُّغَة) قَوْله سَمِعت من سَمِعت الشَّيْء سمعا وسماعا وسماعة والسمع سمع الْإِنْسَان فَيكون وَاحِدًا وجمعا قَالَ الله تَعَالَى {ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم} لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر كَمَا ذكرنَا وَيجمع على أسماع وَجمع الْقلَّة أسمع وَجمع الأسمع أسامع ثمَّ النُّحَاة اخْتلفُوا فِي سَمِعت هَل يتَعَدَّى إِلَى مفعولين على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا نعم وَهُوَ مَذْهَب الْفَارِسِي قَالَ لَكِن لَا بُد أَن يكون الثَّانِي مِمَّا يسمع كَقَوْلِك سَمِعت زيدا يَقُول كَذَا وَلَو قلت سَمِعت زيدا أَخَاك لم يجز وَالصَّحِيح أَنه لَا يتَعَدَّى إِلَّا إِلَى مفعول وَاحِد وَالْفِعْل الْوَاقِع بعد الْمَفْعُول فِي مَوضِع الْحَال أَي سمعته حَال قَوْله كَذَا قَوْله على الْمِنْبَر بِكَسْر الْمِيم مُشْتَقّ من النبر وَهُوَ الِارْتفَاع قَالَ الْجَوْهَرِي نبرت الشَّيْء أنبره نبرا رفعته وَمِنْه سمى الْمِنْبَر قلت هُوَ من بَاب ضرب يضْرب وَفِي الْعباب نبرت الشَّيْء أنبره مثل كَسرته أكسره أَي رفعته وَمِنْه سمي الْمِنْبَر لِأَنَّهُ يرْتَفع وَيرْفَع الصَّوْت عَلَيْهِ فَإِن قلت هَذَا الْوَزْن من أوزان الْآلَة وَقد علم أَنَّهَا ثَلَاثَة مفعل كمحلب ومفعال كمفتاح ومفعلة كمكحلة وَكَانَ الْقيَاس فِيهِ فتح الْمِيم لِأَنَّهُ مَوضِع الْعُلُوّ والارتفاع قلت هَذَا وَنَحْوه من الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة على هَذِه الصِّيغَة وَلَيْسَت على الْقيَاس وَقَالَ الْكرْمَانِي وَهُوَ بِلَفْظ الْآلَة لِأَنَّهُ آلَة الِارْتفَاع وَفِيه نظر لِأَن الْآلَة هِيَ مَا يعالج بهَا الْفَاعِل الْمَفْعُول كالمفتاح وَنَحْوه والمنبر لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مَوضِع الْعُلُوّ والارتفاع وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله الْأَعْمَال جمع عمل وَهُوَ مصدر قَوْلك عمل يعْمل عملا والتركيب يدل على فعل يفعل فَإِن قلت مَا الْفرق بَين الْعَمَل وَالْفِعْل قلت قَالَ الصغاني وتركيب الْفِعْل يدل على إِحْدَاث شَيْء من الْعَمَل وَغَيره فَهَذَا يدل على أَن الْفِعْل أَعم مِنْهُ وَالْفِعْل بِالْكَسْرِ الِاسْم وَجمعه فعال وأفعال وبالفتح مصدر قَوْلك فعلت الشَّيْء أَفعلهُ فعلا وفعالا قَوْله بِالنِّيَّاتِ جمع نِيَّة من نوى يَنْوِي من بَاب ضرب يضْرب قَالَ الْجَوْهَرِي نَوَيْت نِيَّة ونواة أَي عزمت وانتويت مثله قَالَ الشَّاعِر (صرمت أُمَيْمَة خلتي وصلاتي ... ونوت وَلما تنتوي كنواتي) تَقول لَو تنو فِي كَمَا نَوَيْت فِيهَا وَفِي مودتها والنيات بتَشْديد الْيَاء هُوَ الْمَشْهُور وَقد حكى النَّوَوِيّ تَخْفيف الْيَاء وَقَالَ بعض الشَّارِحين فَمن شدد وَهُوَ الْمَشْهُور كَانَت من نوى يَنْوِي إِذا قصد وَمن خفف كَانَ من ونى ينى إِذا أَبْطَأَ وَتَأَخر لِأَن النِّيَّة تحْتَاج فِي توجيهها وتصحيحها إِلَى إبطاء وَتَأَخر قلت هَذَا بعيد لِأَن مصدر ونى ينى ونيا قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال ونيت فِي الْأَمر أَنى ونيا أَي ضعفت فَأَنا وان ثمَّ اخْتلفُوا فِي تَفْسِير النِّيَّة فَقيل هُوَ الْقَصْد إِلَى الْفِعْل وَقَالَ الْخطابِيّ هُوَ قصدك الشَّيْء بقلبك وتحرى الطّلب مِنْك لَهُ وَقَالَ التَّيْمِيّ النِّيَّة هَهُنَا وجهة الْقلب وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ النِّيَّة عبارَة عَن انبعاث الْقلب نَحْو مَا يرَاهُ مُوَافقا لغَرَض من جلب نفع أَو دفع ضرّ حَالا أَو مَآلًا وَقَالَ النَّوَوِيّ النِّيَّة الْقَصْد وَهُوَ عَزِيمَة الْقلب وَقَالَ الْكرْمَانِي لَيْسَ هُوَ عَزِيمَة الْقلب لما قَالَ المتكلمون الْقَصْد إِلَى الْفِعْل هُوَ مَا نجده من أَنْفُسنَا حَال الإيجاد والعزم قد يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَيقبل الشدَّة والضعف بِخِلَاف الْقَصْد ففرقوا بَينهمَا من جِهَتَيْنِ فَلَا يَصح تَفْسِيره بِهِ قلت الْعَزْم هُوَ إِرَادَة الْفِعْل وَالْقطع عَلَيْهِ وَالْمرَاد من النِّيَّة هَهُنَا هَذَا الْمَعْنى فَلذَلِك فسر النَّوَوِيّ الْقَصْد الَّذِي هُوَ النِّيَّة بالعزم فَافْهَم على أَن الْحَافِظ أَبَا الْحسن عَليّ بن الْمفضل الْمَقْدِسِي قد جعل فِي أربعينه النِّيَّة والإرادة وَالْقَصْد والعزم بِمَعْنى ثمَّ قَالَ وَكَذَا أزمعت على الشَّيْء وعمدت إِلَيْهِ وَتطلق الْإِرَادَة على الله تَعَالَى وَلَا تطلق عَلَيْهِ غَيرهَا قَوْله امرىء الامرىء الرجل وَفِيه لُغَتَانِ امرىء كزبرج ومرء كفلس وَلَا جمع لَهُ من لَفظه وَهُوَ من الغرائب لِأَن عين فعله تَابع للام فِي الحركات الثَّلَاث دَائِما وَكَذَا فِي مؤنثه أَيْضا لُغَتَانِ امْرَأَة ومرأة وَفِي الحَدِيث اسْتعْمل اللُّغَة الأولى مِنْهُمَا من كلا النَّوْعَيْنِ إِذْ قَالَ لكل امرىء وَإِلَى امْرَأَة قَوْله هجرته بِكَسْر الْهَاء على وزن فعلة من الهجر وَهُوَ ضد الْوَصْل ثمَّ غلب ذَلِك على الْخُرُوج من أَرض إِلَى أَرض وَترك الأولى للثَّانِيَة قَالَه فِي النِّهَايَة وَفِي الْعباب الهجر ضد الْوَصْل وَقد هجره يهجره بِالضَّمِّ هجرا أَو هجرانا وَالِاسْم الْهِجْرَة وَيُقَال الْهِجْرَة التّرْك وَالْمرَاد بهَا هُنَا ترك الوطن والانتقال إِلَى غَيره وَهِي فِي الشَّرْع مُفَارقَة دَار الْكفْر إِلَى دَار الْإِسْلَام خوف الْفِتْنَة وَطلب إِقَامَة الدّين وَفِي الْحَقِيقَة مُفَارقَة مَا يكرههُ الله تَعَالَى إِلَى مَا يُحِبهُ وَمن ذَلِك سمى الَّذين تركُوا توطن مَكَّة وتحولوا
إِلَى الْمَدِينَة من الصَّحَابَة بالمهاجرين لذَلِك. قَوْله إِلَى دنيا بِضَم الدَّال على وزن فعلى مَقْصُورَة غير منونة وَالضَّم فِيهِ أشهر وَحكى ابْن قُتَيْبَة وَغَيره كسر الدَّال وَيجمع على دنى ككبر جمع كبرى وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا دُنْيَوِيّ ودنيي بقلب الْوَاو يَاء فَتَصِير ثَلَاث ياآت وَقَالَ الْجَوْهَرِي سميت الدُّنْيَا لدنوها من الزَّوَال وَجَمعهَا دنى كالكبرى وَالْكبر وَالصُّغْرَى والصغر وَأَصله دنو فحذفت الْوَاو لِاجْتِمَاع الساكنين وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا دنياوي قلت الصَّوَاب أَن يُقَال قلبت الْوَاو ألفا ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين وَقَالَ بعض الأفاضل لَيْسَ فِيهَا تَنْوِين بِلَا خلاف نعلمهُ بَين أهل اللُّغَة والعربية وَحكى بعض الْمُتَأَخِّرين من شرَّاح البُخَارِيّ أَن فِيهَا لُغَة غَرِيبَة بِالتَّنْوِينِ وَلَيْسَ بجيد فَإِنَّهُ لَا يعرف فِي اللُّغَة وَسبب الْغَلَط أَن بعض رُوَاة البُخَارِيّ رَوَاهُ بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ أَبُو الْهَيْثَم الْكشميهني وَأنكر ذَلِك عَلَيْهِ وَلم يكن مِمَّن يرجع إِلَيْهِ فِي ذَلِك وَأخذ بَعضهم يَحْكِي ذَلِك لُغَة كَمَا وَقع لَهُم نَحْو ذَلِك فِي خلوف فَم الصَّائِم فحكوا فِيهِ لغتين وَإِنَّمَا يعرف أهل اللُّغَة الضَّم وَأما الْفَتْح فرواية مَرْدُودَة لَا لُغَة قلت جَاءَ التَّنْوِين فِي دنيا فِي اللُّغَة قَالَ العجاج فِي جمع دنيا طَال مَا قد عنت وَقَالَ المثلم بن ريَاح بن ظَالِم المري (إِنِّي مقسم مَا ملكت فجاعل ... أجرا لآخرة وَدُنْيا تَنْفَع) فَإِن ابْن الْأَعرَابِي أنْشدهُ بتنوين دنيا وَلَيْسَ ذَلِك بضرورة على مَا لَا يخفى وَقَالَ ابْن مَالك اسْتِعْمَال دنيا مُنْكرا فِيهِ أشكال لِأَنَّهَا أفعل التَّفْضِيل فَكَانَ حَقّهَا أَن يسْتَعْمل بِاللَّامِ نَحْو الْكُبْرَى وَالْحُسْنَى إِلَّا أَنَّهَا خلعت عَنْهَا الوصفية رَأْسا وأجرى مجْرى مَا لم يكن وَصفا وَنَحْوه قَول الشَّاعِر. (وَإِن دَعَوْت إِلَى جلى ومكرمة ... يَوْمًا سراة كرام النَّاس فادعينا) فَإِن الجلى مؤنث الْأَجَل فخلعت عَنْهَا الوصفية وَجعلت اسْما للحادثة الْعَظِيمَة قلت من الدَّلِيل على جعلهَا بِمَنْزِلَة الِاسْم الْمَوْضُوع قلب الْوَاو يَاء لِأَنَّهُ لَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي الفعلى الِاسْم وَقَالَ التَّيْمِيّ الدُّنْيَا تَأْنِيث الْأَدْنَى لَا ينْصَرف مثل حُبْلَى لِاجْتِمَاع أَمريْن فِيهَا أَحدهمَا الوصفية وَالثَّانِي لُزُوم حرف التَّأْنِيث وَقَالَ الْكرْمَانِي لَيْسَ ذَلِك لِاجْتِمَاع أَمريْن فِيهَا إِذْ لَا وَصفِيَّة هَهُنَا بل امْتنَاع صرفه للُزُوم التَّأْنِيث للألف الْمَقْصُورَة وَهُوَ قَائِم مقَام العلتين فَهُوَ سَهْو مِنْهُ قلت لَيْسَ بسهو مِنْهُ لِأَن الدُّنْيَا فِي الأَصْل صفة لِأَن التَّقْدِير الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور} وتركهم موصوفها واستعمالهم إِيَّاهَا نَحْو الِاسْم الْمَوْضُوع لَا يُنَافِي الوصفية الْأَصْلِيَّة ثمَّ فِي حَقِيقَتهَا قَولَانِ للمتكلمين أَحدهمَا مَا على الأَرْض مَعَ الْهَوَاء والجو وَالثَّانِي كل الْمَخْلُوقَات من الْجَوَاهِر والأعراض الْمَوْجُودَة قبل الدَّار الْآخِرَة قَالَ النَّوَوِيّ هُوَ الْأَظْهر قَوْله يُصِيبهَا من أصَاب يُصِيب إِصَابَة وَالْمرَاد بالإصابة الْحُصُول أَو الوجدان وَفِي الْعباب أَصَابَهُ أَي وجده وَيُقَال أصَاب فلَان الصَّوَاب فَأَخْطَأَ الْجَواب أَي قصد الصَّوَاب فأراده فَأَخْطَأَ مُرَاده وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي قَوْله تَعَالَى {تجْرِي بأَمْره رخاء حَيْثُ أصَاب} أَي حَيْثُ أَرَادَ وتجيء هَذِه الْمعَانِي كلهَا هَهُنَا قَوْله ينْكِحهَا أَي يَتَزَوَّجهَا كَمَا جَاءَ هَكَذَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَقد يسْتَعْمل بِمَعْنى الاقتران بالشَّيْء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وزوجناهم بحور عين} أَي قرناهم قَالَه الْأَكْثَرُونَ وَقَالَ مُجَاهِد وَآخَرُونَ أنكحناهم وَهُوَ من بَاب ضرب يضْرب تَقول نكح ينْكح نكحا ونكاحا إِذا تزوج وَإِذا جَامع أَيْضا وَفِي الْعباب النكح وَالنِّكَاح الْوَطْء والنكح وَالنِّكَاح التَّزَوُّج وأنكحها زَوجهَا قَالَ والتركيب يدل على الْبضْع (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يَقُول جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل محلهَا النصب على الْحَال من رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْبَاء فِي قَوْله بِالنِّيَّاتِ للمصاحبة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {اهبط بِسَلام} {وَقد دخلُوا بالْكفْر} ومعلقها مَحْذُوف وَالتَّقْدِير إِنَّمَا الْأَعْمَال تحصل بِالنِّيَّاتِ أَو تُوجد بهَا وَلم يذكر سِيبَوَيْهٍ فِي معنى الْبَاء إِلَّا الإلصاق لِأَنَّهُ معنى لَا يفارقها فَلذَلِك اقْتصر عَلَيْهِ وَيجوز أَن تكون للاستعانة على مَا لَا يخفى وَقَول بعض الشَّارِحين الْبَاء تحْتَمل السَّبَبِيَّة بعيد جدا فَافْهَم قَوْله لكل امرىء بِكَسْر الرَّاء وَهِي لُغَة الْقُرْآن مُعرب من وَجْهَيْن فَإِذا كَانَ فِيهِ ألف الْوَصْل كَانَ فِيهِ ثَلَاث لُغَات. الأولى وَهِي لُغَة الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى {إِن امْرُؤ هلك} {ويحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} وَهُوَ إعرابها على كل
حَال تَقول هَذَا امْرُؤ وَرَأَيْت امْرأ ومررت بامرىء مُعرب من مكانين. الثَّانِيَة فتح الرَّاء على كل حَال. الثَّالِثَة ضمهَا على كل حَال فَإِن حذفت ألف الْوَصْل قلت هَذَا مرء وَرَأَيْت مرأ ومررت بمرء وَجمعه من غير لَفظه رجال أَو قوم قَوْله مَا نوى أَي الَّذِي نَوَاه فكلمة مَا مَوْصُولَة وَنوى صلتها والعائد مَحْذُوف أَي نَوَاه فَإِن جعلت مَا مَصْدَرِيَّة لَا تحْتَاج إِلَى حذف إِذْ مَا المصدرية عِنْد سِيبَوَيْهٍ حرف والحروف لَا تعود عَلَيْهَا الضمائر وَالتَّقْدِير لكل امرىء نِيَّته قَوْله فَمن كَانَت هجرته الْفَاء هَهُنَا لعطف الْمفصل على الْمُجْمل لِأَن قَوْله فَمن كَانَت هجرته إِلَى آخِره تَفْصِيل لما سبق من قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى قَوْله إِلَى دنيا مُتَعَلق بِالْهِجْرَةِ إِن كَانَت لَفْظَة كَانَت تَامَّة أَو خبر لكَانَتْ إِن كَانَت نَاقِصَة قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لفظ كَانَت إِن كَانَ بَاقِيا فِي الْمُضِيّ فَلَا يعلم أَن الحكم بعد صُدُور هَذَا الْكَلَام من الرَّسُول أَيْضا كَذَلِك أم لَا وَإِن نقل بِسَبَب تضمين من لحرف الشَّرْط إِلَى معنى الِاسْتِقْبَال فبالعكس فَفِي الْجُمْلَة الحكم إِمَّا للماضي أَو للمستقبل قلت جَازَ أَن يُرَاد بِهِ أصل الْكَوْن أَي الْوُجُود مُطلقًا من غير تَقْيِيد بِزَمَان من الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة أَو يُقَاس أحد الزمانين على الآخر أَو يعلم من الْإِجْمَاع على أَن حكم الْمُكَلّفين على السوَاء أَنه لَا تعَارض انْتهى قلت فِي الْجَواب الأول نظر لَا يخفى لِأَن الْوُجُود من حَيْثُ هُوَ هُوَ لَا يَخْلُو عَن زمن من الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة قَوْله يُصِيبهَا جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لدُنْيَا وَكَذَلِكَ قَوْله يَتَزَوَّجهَا قَوْله فَهجرَته الْفَاء فِيهِ هِيَ الْفَاء الرابطة للجواب لسبق الشَّرْط وَذَلِكَ لِأَن قَوْله هجرته خبر والمبدأ أَعنِي قَوْله فَمن كَانَت يتَضَمَّن الشَّرْط قَوْله إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ إِمَّا أَن يكون مُتَعَلقا بِالْهِجْرَةِ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي هجرته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ غير صَحِيحَة أَو غير مَقْبُولَة وَإِمَّا أَن يكون خبر فَهجرَته وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ من كَانَت لَا يُقَال الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر بِحَسب الْمَفْهُوم متحدان فَمَا الْفَائِدَة فِي الْإِخْبَار لأَنا نقُول يَنْتَفِي الِاتِّحَاد هَهُنَا لِأَن الْجَزَاء مَحْذُوف وَهُوَ فَلَا ثَوَاب لَهُ عِنْد الله وَالْمَذْكُور مُسْتَلْزم لَهُ دَال عَلَيْهِ أَو التَّقْدِير فَهِيَ هِجْرَة قبيحة فَإِن قلت فَمَا الْفَائِدَة حِينَئِذٍ فِي الْإِتْيَان بالمبتدأ وَالْخَبَر بالاتحاد وَكَذَا فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء قلت يعلم مِنْهُ التَّعْظِيم نَحْو أَنا أَنا وشعري شعري وَمن هَذَا الْقَبِيل فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله وَقد يقْصد بِهِ التحقير نَحْو قَوْله فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ وَقدر أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فَمن كَانَت هجرته نِيَّة وقصدا فَهجرَته حكما وَشرعا وَاسْتحْسن بَعضهم هَذَا التَّأْوِيل وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء لِأَنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير يفوت الْمَعْنى الْمشعر على التَّعْظِيم فِي جَانب والتحقير فِي جَانب وهما مقصودان فِي الحَدِيث. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله إِنَّمَا للحصر وَهُوَ إِثْبَات الحكم للمذكور ونفيه عَمَّا عداهُ وَقَالَ أهل الْمعَانِي وَمن طرق الْقصر إِنَّمَا وَالْقصر تَخْصِيص أحد الْأَمريْنِ بِالْآخرِ وحصره فِيهِ وَإِنَّمَا يُفِيد إِنَّمَا معنى الْقصر لتَضَمّنه معنى مَا وَإِلَّا من وُجُوه ثَلَاثَة الأول قَول الْمُفَسّرين فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة} بِالنّصب مَعْنَاهُ مَا حرم عَلَيْكُم إِلَّا الْميتَة وَهُوَ مُطَابق لقِرَاءَة الرّفْع لِأَنَّهَا تَقْتَضِي انحصار التَّحْرِيم على الْميتَة بِسَبَب أَن مَا فِي قِرَاءَة الرّفْع يكون مَوْصُولا صلته حرم عَلَيْكُم وَاقعا اسْما لِأَن أَي أَن الَّذِي حرمه عَلَيْكُم الْميتَة فَحذف الرَّاجِع إِلَى الْمَوْصُول فَيكون فِي معنى أَن الْمحرم عَلَيْكُم الْميتَة وَهُوَ يُفِيد الْحصْر كَمَا أَن المنطلق زيد وَزيد المنطلق كِلَاهُمَا يَقْتَضِي انحصار الانطلاق على زيد الثَّانِي قَول النُّحَاة أَن إِنَّمَا لإِثْبَات مَا يذكر بعده وَنفى مَا سواهُ الثَّالِث صِحَة انْفِصَال الضَّمِير مَعَه كصحته مَعَ مَا وَإِلَّا فَلَو لم يكن إِنَّمَا متضمنة لِمَعْنى مَا وَإِلَّا لم يَصح انْفِصَال الضَّمِير مَعَه وَلِهَذَا قَالَ الفرزدق أَنا الذائد الحامي الزمار وَإِنَّمَا يدافع عَن احسابهم أَنا أَو مثلي ففصل الضَّمِير وَهُوَ أَنا مَعَ إِنَّمَا حَيْثُ لم يقل وَإِنَّمَا أدافع كَمَا فصل عَمْرو بن معدي كرب مَعَ إِلَّا فِي قَوْله (قد علمت سلمى وجاراتها ... مَا قطر الْفَارِس إِلَّا أَنا) وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ قَول الْمُحَقِّقين ثمَّ اخْتلفُوا فَقيل إفادته لَهُ بالمنطوق وَقيل بِالْمَفْهُومِ وَقَالَ بعض الْأُصُولِيِّينَ إِنَّمَا لَا تفِيد إِلَّا التَّأْكِيد وَنقل صَاحب الْمِفْتَاح عَن أبي عِيسَى الربعِي أَنه لما كَانَت كلمة أَن لتأكيد إِثْبَات الْمسند للمسند إِلَيْهِ ثمَّ اتَّصَلت بهَا مَا الْمُؤَكّدَة الَّتِي تزاد للتَّأْكِيد كَمَا فِي حَيْثُمَا لَا النافية على مَا يَظُنّهُ من لَا وقُوف لَهُ على علم النَّحْو ضاعفت تأكيدها فَنَاسَبَ أَن يضمن معنى الْقصر أَي معنى مَا وَإِلَّا لِأَن الْقصر لَيْسَ إِلَّا لتأكيد الحكم على تَأْكِيد أَلا تراك مَتى قلت لمخاطب يردد الْمَجِيء
الْوَاقِع بَين زيد وَعَمْرو زيد جَاءَ لَا عَمْرو كَيفَ يكون قَوْلك زيد جَاءَ إِثْبَاتًا للمجيء لزيد صَرِيحًا وقولك لَا عَمْرو إِثْبَاتًا للمجيء لزيد ضمنا لِأَن الْفِعْل وَهُوَ الْمَجِيء وَاقع وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَهُوَ مسلوب عَن عَمْرو فَيكون ثَابتا لزيد بِالضَّرُورَةِ قلت أَرَادَ بِمن لَا وقُوف لَهُ على علم النَّحْو الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ فَإِنَّهُ قَالَ أَن مَا فِي إِنَّمَا هِيَ النافية وَتَقْرِير مَا قَالَه هُوَ أَن أَن للإثبات وَمَا للنَّفْي وَالْأَصْل بقاؤهما على مَا كَانَا وَلَيْسَ أَن لإِثْبَات مَا عدا الْمَذْكُور وَمَا لنفي الْمَذْكُور وفَاقا فَتعين عَكسه ورد بِأَنَّهَا لَو كَانَت النافية لبطلت صدارتها مَعَ أَن لَهَا صدر الْكَلَام وَاجْتمعَ حرفا النَّفْي وَالْإِثْبَات بِلَا فاصل ولجاز نصب إِنَّمَا زيد قَائِما وَكَانَ معنى إِنَّمَا زيد قَائِم تحقق عدم قيام زيد لِأَن مَا يَلِي حرف النَّفْي منفي وَوجه الْكرْمَانِي قَول من يَقُول أَن مَا نَافِيَة بقوله وَلَيْسَ كِلَاهُمَا متوجهين إِلَى الْمَذْكُور وَلَا إِلَى غير الْمَذْكُور بل الْإِثْبَات مُتَوَجّه إِلَى الْمَذْكُور وَالنَّفْي إِلَى غير الْمَذْكُور إِذْ لَا قَائِل بِالْعَكْسِ اتِّفَاقًا. ثمَّ قَالَ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يجوز اجْتِمَاع مَا النفيية بِأَن المثبتة لاستلزام اجْتِمَاع المتصدرين على صدر وَاحِد وَلَا يلْزم من إِثْبَات النَّفْي لِأَن النَّفْي هُوَ مَدْخُول الْكَلِمَة المحققة فلفظة مَا هِيَ الْمُؤَكّدَة لَا النافية فتفيد الْحصْر لِأَنَّهُ يُفِيد التَّأْكِيد على التَّأْكِيد وَمعنى الْحصْر ذَلِك. ثمَّ أجَاب عَن هَذَا الِاعْتِرَاض بقوله المُرَاد بذلك التَّوْجِيه أَن إِنَّمَا كلمة مَوْضُوعَة للحصر وَذَلِكَ سر الْوَضع فِيهِ لِأَن الْكَلِمَتَيْنِ وَالْحَالة هَذِه باقيتان على أَصلهمَا مرادتان بوضعهما فَلَا يرد الِاعْتِرَاض وَأما تَوْجِيهه بِكَوْنِهِ تَأْكِيدًا على تَأْكِيد فَهُوَ من بَاب إِيهَام الْعَكْس إِذْ لما رأى أَن الْحصْر فِيهِ تَأْكِيد على تَأْكِيد ظن أَن كل مَا فِيهِ تَأْكِيد على تَأْكِيد حصر وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِلَّا لَكَانَ وَالله أَن زيد الْقَائِم حصرا وَهُوَ بَاطِل. قلت الِاعْتِرَاض بَاقٍ على حَاله وَلم ينْدَفع بقوله أَن إِنَّمَا كلمة مَوْضُوعَة للحصر إِلَى آخِره على مَا لَا يخفى وَلَا نسلم أَنَّهَا مَوْضُوعَة للحصر ابْتِدَاء وَإِنَّمَا هِيَ تفِيد معنى الْحصْر من حَيْثُ تحقق الْأَوْجه الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِيهَا. وَقَوله ظن أَن كل مَا فِيهِ تَأْكِيد إِلَى آخِره غير سديد لِأَنَّهُ لم يكن ذَلِك أصلا لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الْحصْر تَأْكِيدًا على تَأْكِيد كَون كل مَا فِيهِ تَأْكِيد على تَأْكِيد حصرا حَتَّى يلْزم الْحصْر فِي نَحْو وَالله أَن زيد الْقَائِم فعلى قَول الْمُحَقِّقين كل حصر تَأْكِيد على تَأْكِيد وَلَيْسَ كل تَأْكِيد على تَأْكِيد حصرا فَافْهَم وَإِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن إِنَّمَا تَقْتَضِي الْحصْر الْمُطلق وَهُوَ الْأَغْلَب الْأَكْثَر وَتارَة تَقْتَضِي حصرا مَخْصُوصًا كَقَوْلِه تَعَالَى {إِنَّمَا أَنْت مُنْذر} وَقَوله {إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو} فَالْمُرَاد حصره فِي النذارة لمن لَا يُؤمن وَإِن كَانَ ظَاهره الْحصْر فِيهَا لِأَن لَهُ صِفَات غير ذَلِك وَالْمرَاد فِي الْآيَة الثَّانِيَة الْحصْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى من آثرها أَو هُوَ من بَاب تَغْلِيب الْغَالِب على النَّادِر وَكَذَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أَنا بشر أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاطِّلَاع على بواطن الْخُصُوم وبالنسبة إِلَى جَوَاز النسْيَان عَلَيْهِ وَمثل ذَلِك يفهم بالقرائن والسياق (فَإِن قلت) مَا الْفرق بَين الحصرين قلت الأول أَعنِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ قصر الْمسند إِلَيْهِ على الْمسند وَالثَّانِي أَعنِي قَوْله وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى قصر الْمسند على الْمسند إِلَيْهِ إِذْ المُرَاد إِنَّمَا يعْمل كل امرىء مَا نوى إِذْ الْقصر بإنما لَا يكون إِلَّا فِي الْجُزْء الْأَخير وَفِي الْجُمْلَة الثَّانِيَة حصران الأول من إِنَّمَا وَالثَّانِي من تَقْدِيم الْخَبَر على الْمُبْتَدَأ قَوْله وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى تَأْكِيد للجملة الأولى وَحمله على التأسيس أولى لإفادته معنى لم يكن فِي الأول على مَا يَجِيء عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وكل اسْم مَوْضُوع لاستغراق إِفْرَاد الْمُنكر نَحْو {كل نفس ذائقة الْمَوْت} والمعرف الْمَجْمُوع نَحْو {وَكلهمْ آتيه} وإجزاء الْمُفْرد الْمُعَرّف نَحْو كل زيد حسن فَإِذا قلت أكلت كل رغيف لزيد كَانَت لعُمُوم الْإِفْرَاد فَإِن أضفت الرَّغِيف لزيد صَارَت لعُمُوم أَجزَاء فَرد وَاحِد وَالتَّحْقِيق إِن كلا إِذا أضيفت إِلَى النكرَة تَقْتَضِي عُمُوم الْإِفْرَاد وَإِذا أضيفت إِلَى الْمعرفَة تَقْتَضِي عُمُوم الاجزاء تَقول كل رمان مَأْكُول وَلَا تَقول كل الرُّمَّان مَأْكُول (بَيَان الْبَيَان) فِي قَوْله إِلَى دنيا يُصِيبهَا تَشْبِيه وَهُوَ الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي معنى أَو فِي وصف من أَوْصَاف أَحدهمَا فِي نَفسه كالشجاعة فِي الْأسد والنور فِي الشَّمْس وأركانه أَرْبَعَة الْمُشبه والمشبه بِهِ وأداة التَّشْبِيه وَوَجهه وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد بالإصابة الْحُصُول فالتقدير فَمن كَانَت هجرته إِلَى تَحْصِيل الدُّنْيَا فَهجرَته حَاصِلَة لأجل الدُّنْيَا غير مفيدة لَهُ فِي الْآخِرَة فَكَأَنَّهُ شبه تَحْصِيل الدُّنْيَا بِإِصَابَة الْغَرَض بِالسَّهْمِ بِجَامِع حُصُول الْمَقْصُود (بَيَان البديع) فِيهِ من أقسامه التَّقْسِيم بعد الْجمع وَالتَّفْصِيل بعد الْجُمْلَة وَهُوَ قَوْله فَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا إِلَى آخِره
لَا سِيمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا إِلَى آخِره وَهَذِه الرِّوَايَة فِي غير رِوَايَة الْحميدِي على مَا بَينا وأثبتها الدَّاودِيّ فِي رِوَايَة الْحميدِي أَيْضا وَقَالَ بَعضهم غلط الدَّاودِيّ فِي إِثْبَاتهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي وَوَقع فِي روايتنا وَجَمِيع نسخ أَصْحَابنَا مخروما قد ذهب شطره وَهُوَ قَوْله فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَلست أَدْرِي كَيفَ وَقع هَذَا الإغفال من أَي جِهَة من عرض من رُوَاته وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي هَذَا الْكتاب فِي غير مَوضِع من غير طَرِيق الْحميدِي فجَاء بِهِ مُسْتَوْفِي مَذْكُورا بشطريه وَلَا شكّ فِي أَنه لم يَقع من جِهَة الْحميدِي فقد رَوَاهُ لنا الْأَثْبَات من طَريقَة تَاما غير نَاقص (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل مَا فَائِدَة قَوْله وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى بعد قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَأجِيب عَنهُ من وُجُوه الأول مَا قَالَه النَّوَوِيّ أَن فَائِدَته اشْتِرَاط تعْيين الْمَنوِي فَإِذا كَانَ على الْإِنْسَان صَلَاة فَائِتَة لَا يَكْفِيهِ أَن يَنْوِي الصَّلَاة الْفَائِتَة بل يشْتَرط أَن يَنْوِي كَونهَا ظهرا أَو عصرا أَو غَيرهَا وَلَوْلَا اللَّفْظ الثَّانِي لاقتضى الأول صِحَة النِّيَّة بِلَا تعْيين وَفِيه نظر لِأَن الرجل إِذا فَاتَتْهُ صَلَاة وَاحِدَة فِي يَوْم معِين ثمَّ أَرَادَ أَن يقْضِي تِلْكَ الصَّلَاة بِعَينهَا فَإِنَّهُ لَا يلْزمه ذكر كَونهَا ظهرا أَو عصرا الثَّانِي مَا ذكره بعض الشَّارِحين من أَنه لمنع الِاسْتِنَابَة فِي النِّيَّة لِأَن الْجُمْلَة الأولى لَا تَقْتَضِي منع الِاسْتِنَابَة فِي النِّيَّة إِذْ لَو نوى وَاحِد عَن غَيره صدق عَلَيْهِ أَنه عمل بنية وَالْجُمْلَة الثَّانِيَة منعت ذَلِك انْتهى وينتقض هَذَا بمسائل. مِنْهَا نِيَّة الْوَلِيّ عَن الصَّبِي فِي الْحَج على مَذْهَب هَذَا الْقَائِل فَإِنَّهَا تصح. وَمِنْهَا حج الْإِنْسَان عَن غَيره فَإِنَّهُ يَصح بِلَا خلاف. وَمِنْهَا إِذا وكل فِي تَفْرِقَة الزَّكَاة وفوض إِلَيْهِ النِّيَّة وَنوى الْوَكِيل فَإِنَّهُ يجْزِيه كَمَا قَالَه الإِمَام وَالْغَزالِيّ وَالْحَاوِي الصَّغِير الثَّالِث مَا ذكره ابْن السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْأَعْمَال الْخَارِجَة عَن الْعِبَادَة قد تفِيد الثَّوَاب إِذا نوى بهَا فاعلها الْقرْبَة كَالْأَكْلِ وَالشرب إِذا نوى بهما التقوية على الطَّاعَة وَالنَّوْم إِذا قصد بِهِ ترويح الْبدن لِلْعِبَادَةِ وَالْوَطْء إِذا أَرَادَ بِهِ التعفف عَن الْفَاحِشَة كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بضع أحدكُم صَدَقَة الحَدِيث الرَّابِع مَا ذكره بَعضهم أَن الْأَفْعَال الَّتِي ظَاهرهَا الْقرْبَة وموضوع فعلهَا لِلْعِبَادَةِ إِذا فعلهَا الْمُكَلف عَادَة لم يَتَرَتَّب الثَّوَاب على مُجَرّد الْفِعْل وَإِن كَانَ الْفِعْل صَحِيحا حَتَّى يقْصد بهَا الْعِبَادَة وَفِيه نظر لَا يخفى الْخَامِس تكون هَذِه الْجُمْلَة تَأْكِيدًا للجملة الأولى فَذكر الحكم بِالْأولَى وأكده بِالثَّانِيَةِ تَنْبِيها على شرف الْإِخْلَاص وتحذيرا من الرِّيَاء الْمَانِع من الْإِخْلَاص السُّؤَال الثَّانِي هُوَ أَنه لم يقل فِي الْجَزَاء فَهجرَته إِلَيْهِمَا وَإِن كَانَ أخصر بل أَتَى بِالظَّاهِرِ فَقَالَ فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَأجِيب بِأَن ذَلِك من آدابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَعْظِيم اسْم الله عز وَجل أَن لَا يجمع مَعَ ضمير غَيره كَمَا قَالَ للخطيب بئس خطيب الْقَوْم أَنْت حِين قَالَ من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فقد غوى وَبَين لَهُ وَجه الْإِنْكَار فَقَالَ لَهُ قل {وَمن يعْص الله وَرَسُوله} فَإِن قيل فقد جمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الضَّمِير وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا تشهد الحَدِيث وَفِيه وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَإِنَّهُ لَا يضر إِلَّا نَفسه وَلَا يضر الله شَيْئا قلت إِنَّمَا كَانَ إِنْكَاره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْخَطِيب لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده من الْمعرفَة بتعظيم الله عز وَجل مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يُعلمهُ من عَظمته وجلاله وَلَا كَانَ لَهُ وقُوف على دقائق الْكَلَام فَلذَلِك مَنعه وَالله أعلم السُّؤَال الثَّالِث مَا فَائِدَة التَّنْصِيص على الْمَرْأَة مَعَ كَونهَا دَاخِلَة فِي مُسَمّى الدُّنْيَا وَأجِيب من وُجُوه الأول أَنه لَا يلْزم دُخُولهَا فِي هَذِه الصِّيغَة لِأَن لَفْظَة دنيا نكرَة وَهِي لَا تعم فِي الْأَثْبَات فَلَا تَقْتَضِي دُخُول الْمَرْأَة فِيهَا الثَّانِي أَنه للتّنْبِيه على زِيَادَة التحذير فَيكون من بَاب ذكر الْخَاص بعد الْعَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى} وَقَوله {من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} الْآيَة. وَقَالَ بعض الشَّارِحين وَلَيْسَ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى {ونخل ورمان} بعد ذكر الْفَاكِهَة وَإِن غلط فِيهِ بَعضهم لِأَن فَاكِهَة نكرَة فِي سِيَاق الْأَثْبَات فَلَا تعم لَكِن وَردت فِي معرض الامتنان قلت الْفَاكِهَة اسْم لما يتفكه بِهِ أَي يتنعم بِهِ زِيَادَة على الْمُعْتَاد وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود
فِي النّخل وَالرُّمَّان فَحِينَئِذٍ يكون ذكرهمَا بعد ذكر الْفَاكِهَة من قبيل عطف الْخَاص على الْعَام فَعلمت أَن هَذَا الْقَائِل هُوَ الغالط إِن قلت أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ لم يَجْعَلهَا من الْفَاكِهَة حَتَّى لَو حلف لَا يَأْكُل فَاكِهَة فَأكل رطبا أَو رمانا أَو عنبا لم يَحْنَث قلت أَبُو حنيفَة لم يخرجهما من الْفَاكِهَة بِالْكُلِّيَّةِ بل إِنَّمَا قَالَ إِن هَذِه الْأَشْيَاء إِنَّمَا يتغذى بهَا أَو يتداوى بهَا فَأوجب قصورا فِي معنى التفكه للاستعمال فِي حَاجَة الْبَقَاء وَلِهَذَا كَانَ النَّاس يعدونها من التوابل أَو من الأقوات الثَّالِث مَا قَالَه ابْن بطال عَن ابْن سراج أَنه إِنَّمَا خص الْمَرْأَة بِالذكر من بَين سَائِر الْأَشْيَاء فِي هَذَا الحَدِيث لِأَن الْعَرَب كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة لَا تزوج الْمولى الْعَرَبيَّة وَلَا يزوجون بناتهم إِلَّا من الْأَكفاء فِي النّسَب فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام سوى بَين الْمُسلمين فِي مناكحهم وَصَارَ كل وَاحِد من الْمُسلمين كُفؤًا لصَاحبه فَهَاجَرَ كثير من النَّاس إِلَى الْمَدِينَة ليتزوج بهَا حَتَّى سمى بَعضهم مهَاجر أم قيس الرَّابِع أَن هَذَا الحَدِيث ورد على سَبَب وَهُوَ أَنه لما أَمر بِالْهِجْرَةِ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة تخلف جمَاعَة عَنْهَا فذمهم الله تَعَالَى بقوله {إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم قَالُوا فيمَ كُنْتُم} الْآيَة وَلم يُهَاجر جمَاعَة لفقد استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال} الْآيَة وَهَاجَر المخلصون إِلَيْهِ فمدحهم فِي غير مَا مَوضِع من كِتَابه وَكَانَ فِي الْمُهَاجِرين جمَاعَة خَالَفت نيتهم نِيَّة المخلصين. مِنْهُم من كَانَت نِيَّته تزوج امْرَأَة كَانَت بِالْمَدِينَةِ من الْمُهَاجِرين يُقَال لَهَا أم قيس وَادّعى ابْن دحْيَة أَن اسْمهَا قيلة فَسمى مهَاجر أم قيس وَلَا يعرف اسْمه فَكَانَ قَصده بِالْهِجْرَةِ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة نِيَّة التَّزَوُّج بهَا لَا لقصد فَضِيلَة الْهِجْرَة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك وَبَين مَرَاتِب الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَلهَذَا خص ذكر الْمَرْأَة دون سَائِر مَا ينوى بِهِ الْهِجْرَة من أَفْرَاد الْأَغْرَاض الدُّنْيَوِيَّة لأجل تبين السَّبَب لِأَنَّهَا كَانَت أعظم أَسبَاب فتْنَة الدُّنْيَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا تركت بعدِي فتْنَة أضرّ على الرِّجَال من النِّسَاء وَذكر الدُّنْيَا مَعهَا من بَاب زِيَادَة النَّص على السَّبَب كَمَا أَنه لما سُئِلَ عَن طهورية مَاء الْبَحْر زَاد حل ميتَته وَيحْتَمل أَن يكون هَاجر لمالها مَعَ نِكَاحهَا وَيحْتَمل أَنه هَاجر لنكاحها وَغَيره لتَحْصِيل دنيا من جِهَة مَا فَعرض بهَا السُّؤَال الرَّابِع مَا قيل لم ذمّ على طلب الدُّنْيَا وَهُوَ أَمر مُبَاح والمباح لَا ذمّ فِيهِ وَلَا مدح وَأجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمّ لكَونه لم يخرج فِي الظَّاهِر لطلب الدُّنْيَا وَإِنَّمَا خرج فِي صُورَة طَالب فَضِيلَة الْهِجْرَة فأبطن خلاف مَا أظهر السُّؤَال الْخَامِس مَا قيل أَنه أعَاد فِي الْجُمْلَة الأولى مَا بعد الْفَاء الْوَاقِعَة جَوَابا للشّرط مثل مَا وَقعت فِي صدر الْكَلَام وَلم يعد كَذَلِك فِي الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَأجِيب بِأَن ذَلِك للإعراض عَن تَكْرِير ذكر الدُّنْيَا والغض مِنْهَا وَعدم الاحتفال بأمرها بِخِلَاف الأولى فَإِن التكرير فِيهَا ممدوح (أعد ذكر نعْمَان لنا أَن ذكره ... هُوَ الْمسك مَا كررته يتضوع) السُّؤَال السَّادِس مَا قيل أَن النيات جمع قلَّة كالأعمال وَهِي للعشرة فَمَا دونهَا لَكِن الْمَعْنى أَن كل عمل إِنَّمَا هُوَ بنية سَوَاء كَانَ قَلِيلا أَو كثيرا أُجِيب بِأَن الْفرق بالقلة وَالْكَثْرَة إِنَّمَا هُوَ فِي النكرات لَا فِي المعارف (بَيَان السَّبَب والمورد) اشْتهر بَينهم أَن سَبَب هَذَا الحَدِيث قصَّة مهَاجر أم قيس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ فِينَا رجل خطب امْرَأَة يُقَال لَهَا أم قيس فَأَبت أَن تتزوجه حَتَّى يُهَاجر فَهَاجَرَ فَتَزَوجهَا فَكُنَّا نُسَمِّيه مهَاجر أم قيس فَإِن قيل ذكر أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب فِي تَرْجَمَة أم سليم أَن أَبَا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ خطبهَا مُشْركًا فَلَمَّا علم أَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْإِسْلَامِ أسلم وَتَزَوجهَا وَحسن إِسْلَامه وَهَكَذَا روى النَّسَائِيّ من حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ تزوج أَبُو طَلْحَة أم سليم فَكَانَ صدَاق مَا بَينهمَا الْإِسْلَام إِذْ أسلمت أم سليم قبل أبي طَلْحَة فَخَطَبَهَا فَقَالَت إِنِّي قد أسلمت فَإِن أسلمت نكحتك فَأسلم فَكَانَ الْإِسْلَام صدَاق مَا بَينهمَا بوب عَلَيْهِ النَّسَائِيّ التَّزْوِيج على الْإِسْلَام. وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيثه قَالَ خطب أَبُو طَلْحَة أم سليم فَقَالَت وَالله مَا مثلك يَا أَبَا طَلْحَة يرد وَلَكِنَّك رجل كَافِر وَأَنا امْرَأَة مسلمة وَلَا يحل لي أَن أتزوجك فَإِن تسلم فَذَاك مهري وَلَا أَسأَلك
غَيره فَأسلم فَكَانَ ذَلِك مهرهَا قَالَ ثَابت فَمَا سَمِعت بِامْرَأَة قطّ كَانَت أكْرم مهْرا من أم سليم الْإِسْلَام فَدخل بهَا الحَدِيث وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الْوَجْه فَظَاهر هَذَا أَن إِسْلَامه كَانَ ليتزوج بهَا فَكيف الْجمع بَينه وَبَين حَدِيث الْهِجْرَة الْمَذْكُور مَعَ كَون الْإِسْلَام أشرف الْأَعْمَال وَأجِيب عَنهُ من وُجُوه الأول أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه أسلم ليتزوجها حَتَّى يكون مُعَارضا لحَدِيث الْهِجْرَة وَإِنَّمَا امْتنعت من تَزْوِيجه حَتَّى هداه الله لِلْإِسْلَامِ رَغْبَة فِي الْإِسْلَام لَا ليتزوجها وَكَانَ أَبُو طَلْحَة من أجلاء الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فَلَا يظنّ بِهِ أَنه إِنَّمَا أسلم ليتزوج أم سليم الثَّانِي أَنه لَا يلْزم من الرَّغْبَة فِي نِكَاحهَا أَنه لَا يَصح مِنْهُ الْإِسْلَام رَغْبَة فِيهَا فَمَتَى كَانَ الدَّاعِي إِلَى الْإِسْلَام الرَّغْبَة فِي الدّين لم يضر مَعَه كَونه يعلم أَنه يحل لَهُ بذلك نِكَاح المسلمات الثَّالِث أَنه لَا يَصح هَذَا عَن أبي طَلْحَة فَالْحَدِيث وَإِن كَانَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلكنه مُعَلل بِكَوْن الْمَعْرُوف أَنه لم يكن حِينَئِذٍ نزل تَحْرِيم المسلمات على الْكفَّار وَإِنَّمَا نزل بَين الْحُدَيْبِيَة وَبَين الْفَتْح حِين نزل قَوْله تَعَالَى {لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ} كَمَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَقَول أم سليم فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا يحل لي أَن أتزوجك شَاذ مُخَالف للْحَدِيث الصَّحِيح وَمَا أجمع عَلَيْهِ أهل السّير فَافْهَم وَقد علمت سَبَب الحَدِيث ومورده وَهُوَ خَاص وَلَكِن الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ فَيتَنَاوَل سَائِر أَقسَام الْهِجْرَة فَعَدهَا بَعضهم خَمْسَة الأولى إِلَى أَرض الْحَبَشَة الثَّانِيَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. الثَّالِثَة هِجْرَة الْقَبَائِل إِلَى الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِعَة هِجْرَة من أسلم من أهل مَكَّة. الْخَامِسَة هِجْرَة مَا نهى الله عَنهُ واستدرك عَلَيْهِ بِثَلَاثَة أُخْرَى الأولى الْهِجْرَة الثَّانِيَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَإِن الصَّحَابَة هَاجرُوا إِلَيْهَا مرَّتَيْنِ الثَّانِيَة هِجْرَة من كَانَ مُقيما بِبِلَاد الْكفْر وَلَا يقدر على إِظْهَار الدّين فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يُهَاجر إِلَى دَار الْإِسْلَام كَمَا صرح بِهِ بعض الْعلمَاء الثَّالِثَة الْهِجْرَة إِلَى الشَّام فِي آخر الزَّمَان عِنْد ظُهُور الْفِتَن كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر وَقَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول سَتَكُون هِجْرَة بعد هِجْرَة فخيار أهل الأَرْض ألزمهم مهَاجر إِبْرَاهِيم وَيبقى فِي الأَرْض شرار أَهلهَا الحَدِيث وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده فَجعله من حَدِيث عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ صَاحب النِّهَايَة يُرِيد بِهِ الشَّام لِأَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لما خرج من الْعرَاق مضى إِلَى الشَّام وَأقَام بِهِ (فَإِن قيل) قد تَعَارَضَت الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب فروى البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَإِذا استنفرتم فانفروا وروى البُخَارِيّ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَوْله لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَفِي رِوَايَة لَهُ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح الْيَوْم أَو بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وروى البُخَارِيّ أَيْضا أَن عبيد بن عَمْرو سَأَلَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا عَن الْهِجْرَة فَقَالَت لَا هِجْرَة الْيَوْم كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يفر أحدهم بِدِينِهِ إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله مَخَافَة أَن يفتن عَلَيْهِ فَأَما الْيَوْم فقد أظهر الله الْإِسْلَام وَالْمُؤمن يعبد ربه حَيْثُ شَاءَ وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وروى البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا عَن مجاشع بن مَسْعُود قَالَ انْطَلَقت بِأبي معبد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليبايعه على الْهِجْرَة قَالَ انْقَضتْ الْهِجْرَة لأَهْلهَا فَبَايعهُ على الْإِسْلَام وَالْجهَاد وَفِي رِوَايَة أَنه جَاءَ بأَخيه مجَالد وروى أَحْمد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَرَافِع بن خديج وَزيد بن ثَابت رَضِي الله عَنْهُم لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة فَهَذِهِ الْأَحَادِيث دَالَّة على انْقِطَاع الْهِجْرَة وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة حَتَّى تَنْقَطِع التَّوْبَة وَلَا تَنْقَطِع التَّوْبَة حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا وروى أَحْمد من حَدِيث ابْن السَّعْدِيّ مَرْفُوعا لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مادام الْعَدو يُقَاتل وروى أَحْمد أَيْضا من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة مَرْفُوعا أَن الْهِجْرَة لَا تَنْقَطِع مَا كَانَ الْجِهَاد قلت وفْق الْخطابِيّ بَين هَذِه الْأَحَادِيث بِأَن الْهِجْرَة كَانَت فِي أول الْإِسْلَام فرضا ثمَّ صَارَت بعد فتح مَكَّة مَنْدُوبًا إِلَيْهَا غير مَفْرُوضَة قَالَ فالمنقطعة مِنْهَا هِيَ الْفَرْض والباقية مِنْهَا هِيَ النّدب على أَن حَدِيث مُعَاوِيَة فِيهِ مقَال وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْهِجْرَة هجرتان إِحْدَاهمَا الَّتِي وعد الله عَلَيْهَا بِالْجنَّةِ كَانَ الرجل يَأْتِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويدع أَهله وَمَاله لَا يرجع فِي شَيْء مِنْهُ فَلَمَّا فتحت مَكَّة انْقَطَعت هَذِه الْهِجْرَة وَالثَّانيَِة من هَاجر من الْأَعْرَاب وغزا مَعَ الْمُسلمين وَلم يفعل كَمَا فعل أَصْحَاب الْهِجْرَة وَهُوَ المُرَاد بقوله لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة حَتَّى تَنْقَطِع التَّوْبَة قلت وَفِي الحَدِيث الآخر مَا يدل على أَن المُرَاد بِالْهِجْرَةِ الْبَاقِيَة هِيَ هجر السَّيِّئَات وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث مُعَاوِيَة وَعبد
الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنْهُم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْهِجْرَة خصلتان إِحْدَاهمَا تهجر السَّيِّئَات وَالْأُخْرَى تهَاجر إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله وَلَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا تقبلت التَّوْبَة وَلَا تزَال التَّوْبَة مَقْبُولَة حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا فَإِذا طلعت طبع الله على كل قلب بِمَا فِيهِ وَكفى النَّاس الْعَمَل وروى أَحْمد أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ جَاءَ رجل أَعْرَابِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَيْن الْهِجْرَة إِلَيْك حَيْثُ كنت أم إِلَى أَرض مَعْلُومَة أم لقوم خَاصَّة أم إِذا مت انْقَطَعت قَالَ فَسكت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَاعَة ثمَّ قَالَ أَيْن السَّائِل عَن الْهِجْرَة قَالَ هَا أَنا ذَا يَا رَسُول الله قَالَ إِذا أَقمت الصَّلَاة وآتيت الزَّكَاة فَأَنت مهَاجر وَإِن مت بالخضرمة قَالَ يَعْنِي أَرضًا بِالْيَمَامَةِ وَفِي رِوَايَة لَهُ الْهِجْرَة أَن تهجر الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة ثمَّ أَنْت مهَاجر وَإِن مت بالخضرمة (استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول احتجت الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة بِهِ فِي وجوب النِّيَّة فِي الْوضُوء وَالْغسْل فَقَالُوا التَّقْدِير فِيهِ صِحَة الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَالْألف وَاللَّام فِيهِ لاستغراق الْجِنْس فَيدْخل فِيهِ جَمِيع الْأَعْمَال من الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْوُضُوء وَغير ذَلِك مِمَّا يطْلب فِيهِ النِّيَّة عملا بِالْعُمُومِ وَيدخل فِيهِ أَيْضا الطَّلَاق وَالْعتاق لِأَن النِّيَّة إِذا قارنت الْكِنَايَة كَانَت كَالصَّرِيحِ وَقَالَ النَّوَوِيّ تَقْدِيره إِنَّمَا الْأَعْمَال تحسب إِذا كَانَت بنية وَلَا تحسب إِذا كَانَت بِلَا نِيَّة وَفِيه دَلِيل على أَن الطَّهَارَة وَسَائِر الْعِبَادَات لَا تصح إِلَّا بنية. وَقَالَ الْخطابِيّ قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لم يرد بِهِ أَعْيَان الْأَعْمَال لِأَنَّهَا حَاصِلَة حسا وعيانا بِغَيْر نِيَّة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن صِحَة أَحْكَام الْأَعْمَال فِي حق الدّين إِنَّمَا تقع بِالنِّيَّةِ وَأَن النِّيَّة هِيَ الفاصلة بَين مَا يَصح وَمَا لَا يَصح وَكلمَة إِنَّمَا عاملة بركنيها إِيجَابا ونفيا فَهِيَ تثبت الشَّيْء وتنفي مَا عداهُ فدلالتها أَن الْعِبَادَة إِذا صحبتهَا النِّيَّة صحت وَإِذا لم تصحبها لم تصح وَمُقْتَضى حق الْعُمُوم فِيهَا يُوجب أَن لَا يَصح عمل من الْأَعْمَال الدِّينِيَّة أقوالها وأفعالها فَرضهَا ونفلها قليلها وكثيرها إِلَّا بنية وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر لِأَن الذوات غير منتفية وَالْمرَاد بِهِ نفي أَحْكَامهَا كالصحة والفضيلة وَالْحمل على نفي الصِّحَّة أولى لِأَنَّهُ أشبه بِنَفْي الشَّيْء نَفسه وَلِأَن اللَّفْظ يدل بالتصريح على نفي الذَّات وبالتبع على نفي جَمِيع الصِّفَات فَلَمَّا منع الدَّلِيل دلَالَته على نفي الذَّات بَقِي دلَالَته على نفي جَمِيع الصِّفَات وَقَالَ الطَّيِّبِيّ كل من الْأَعْمَال والنيات جمع محلى بِاللَّامِ الاستغراقية فَأَما أَن يحملا على عرف اللُّغَة فَيكون الِاسْتِغْرَاق حَقِيقِيًّا أَو على عرف الشَّرْع وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يُرَاد بِالْأَعْمَالِ الْوَاجِبَات والمندوبات والمباحات وبالنيات الْإِخْلَاص والرياء أَو أَن يُرَاد بِالْأَعْمَالِ الْوَاجِبَات وَمَا لَا يَصح إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ لَا سَبِيل إِلَى اللّغَوِيّ لِأَنَّهُ مَا بعث إِلَّا لبَيَان الشَّرْع فَكيف يتَصَدَّى لما لَا جدوى لَهُ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يحمل إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ على مَا اتّفق عَلَيْهِ أَصْحَابنَا أَي مَا الْأَعْمَال محسوبة لشَيْء من الْأَشْيَاء كالشروع فِيهَا والتلبس بهَا إِلَّا بِالنِّيَّاتِ وَمَا خلا عَنْهَا لم يعْتد بهَا فَإِن قيل لم خصصت مُتَعَلق الْخَبَر وَالظَّاهِر الْعُمُوم كمستقر أَو حَاصِل فَالْجَوَاب أَنه حِينَئِذٍ يكون بَيَانا للغة لَا إِثْبَاتًا لحكم الشَّرْع وَقد سبق بُطْلَانه وَيحمل إِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى على مَا تثمره النيات من الْقبُول وَالرَّدّ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب ففهم من الأول إِنَّمَا الْأَعْمَال لَا تكون محسوبة ومسقطة للْقَضَاء إِلَّا إِذا كَانَت مقرونة بِالنِّيَّاتِ وَمن الثَّانِي أَن النيات إِنَّمَا تكون مَقْبُولَة إِذا كَانَت مقرونة بالإخلاص انْتهى وَذهب أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن حَيّ وَمَالك فِي رِوَايَة إِلَى أَن الْوضُوء لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة وَكَذَلِكَ الْغسْل وَزَاد الْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن التَّيَمُّم وَقَالَ عَطاء وَمُجاهد لَا يحْتَاج صِيَام رَمَضَان إِلَى نِيَّة إِلَّا أَن يكون مُسَافِرًا أَو مَرِيضا وَقَالُوا التَّقْدِير فِيهِ كَمَال الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ أَو ثَوَابهَا أَو نَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ الَّذِي يطرد فَإِن كثيرا من الْأَعْمَال يُوجد وَيعْتَبر شرعا بِدُونِهَا وَلِأَن إِضْمَار الثَّوَاب مُتَّفق عَلَيْهِ على إِرَادَته وَلِأَنَّهُ يلْزم من انْتِفَاء الصِّحَّة انْتِفَاء الثَّوَاب دون الْعَكْس فَكَانَ هَذَا أقل إضمارا فَهُوَ أولى وَلِأَن إِضْمَار الْجَوَاز وَالصِّحَّة يُؤَدِّي إِلَى نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد وَهُوَ مُمْتَنع لِأَن الْعَامِل فِي قَوْله بِالنِّيَّاتِ مُفْرد بِإِجْمَاع النُّحَاة فَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِالْأَعْمَالِ لِأَنَّهَا رفع بِالِابْتِدَاءِ فَيبقى بِلَا خبر فَلَا يجوز فالتقدير إِمَّا مجزئة أَو صَحِيحَة أَو مثيبة فالمثيبة أولى بالتقدير لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن عِنْد عدم النِّيَّة لَا يبطل أصل الْعَمَل وعَلى إِضْمَار الصِّحَّة والإجزاء يبطل فَلَا يبطل بِالشَّكِّ وَالثَّانِي أَن قَوْله وَلكُل امرىء مَا نوى يدل على الثَّوَاب وَالْأَجْر لِأَن الَّذِي لَهُ إِنَّمَا هُوَ الثَّوَاب وَأما الْعَمَل فَعَلَيهِ وَقَالُوا فِي هَذَا كُله نظر من وُجُوه الأول أَنه لَا حَاجَة إِلَى إِضْمَار
مَحْذُوف من الصِّحَّة أَو الْكَمَال أَو الثَّوَاب إِذْ الْإِضْمَار خلاف الأَصْل وَإِنَّمَا حَقِيقَته الْعَمَل الشَّرْعِيّ فَلَا يحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى إِضْمَار وَأَيْضًا فَلَا بُد من إِضْمَار يتَعَلَّق بِهِ الْجَار وَالْمَجْرُور فَلَا حَاجَة إِلَى إِضْمَار مُضَاف لِأَن تقليل الْإِضْمَار أولى فَيكون التَّقْدِير إِنَّمَا الْأَعْمَال وجودهَا بِالنِّيَّةِ وَيكون المُرَاد الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة قلت لَا نسلم نفي الِاحْتِيَاج إِلَى إِضْمَار مَحْذُوف لِأَن الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر بِالْإِجْمَاع والذوات لَا تَنْتفِي بِلَا خلاف فَحِينَئِذٍ يحْتَاج إِلَى إِضْمَار وَإِنَّمَا يكون الْإِضْمَار خلاف الأَصْل عِنْد عدم الِاحْتِيَاج فَإِذا كَانَ الدَّلِيل قَائِما على الْإِضْمَار يضمر إِمَّا الصِّحَّة وَإِمَّا الثَّوَاب على اخْتِلَاف الْقَوْلَيْنِ وَقَوْلهمْ فَيكون التَّقْدِير إِنَّمَا الْأَعْمَال وجودهَا بِالنِّيَّةِ مفض إِلَى بَيَان اللُّغَة لَا إِثْبَات الحكم الشَّرْعِيّ وَهُوَ بَاطِل الثَّانِي أَنه لَا يلْزم من تَقْدِير الصِّحَّة تَقْدِير مَا يَتَرَتَّب على نَفيهَا من نفي الثَّوَاب وَوُجُوب الْإِعَادَة وَغير ذَلِك فَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يقدر إِنَّمَا صِحَة الْأَعْمَال وَالثَّوَاب وَسُقُوط الْقَضَاء مثلا بِالنِّيَّةِ بل الْمُقدر وَاحِد وَإِن ترَتّب على ذَلِك الْوَاحِد شَيْء آخر فَلَا يلْزم تَقْدِيره قلت دَعْوَى عدم الْمُلَازمَة الْمَذْكُورَة مَمْنُوعَة لِأَنَّهُ يلْزم من نفي الصِّحَّة نفي الثَّوَاب وَوُجُوب الْإِعَادَة كَمَا يلْزم الثَّوَاب عِنْد وجود الصِّحَّة يفهم ذَلِك بِالنّظرِ الثَّالِث أَن قَوْلهم أَن تَقْدِير الصِّحَّة يُؤَدِّي إِلَى نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرِيدُوا بِهِ أَن الْكتاب دَال على صِحَة الْعَمَل بِغَيْر نِيَّة لكَونهَا لم تذكر فِي الْكتاب فَهَذَا لَيْسَ بنسخ على أَن الْكتاب ذكرت فِيهِ نِيَّة الْعَمَل فِي قَوْله عز وَجل {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين} فَهَذَا هُوَ الْقَصْد وَالنِّيَّة وَلَو سلم لَهُم أَن فِيهِ نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد فَلَا مَانع من ذَلِك عِنْد أَكثر أهل الْأُصُول قلت قَوْلهم فَهَذَا لَيْسَ بنسخ غير صَحِيح لِأَن هَذَا عين النّسخ. بَيَانه أَن آيَة الْوضُوء تخبر بِوُجُوب غسل الْأَعْضَاء الثَّلَاثَة وَمسح الرَّأْس وَلَيْسَ فِيهَا مَا يشْعر بِالنِّيَّةِ مُطلقًا فاشتراطها بِخَبَر الْوَاحِد يُؤَدِّي إِلَى رفع الْإِطْلَاق وتقييده وَهُوَ نسخ وَقَوْلهمْ على أَن الْكتاب ذكر فِيهِ نِيَّة الْعَمَل لَا يضرهم لِأَن المُرَاد من قَوْله {إِلَّا ليعبدوا الله} التَّوْحِيد وَالْمعْنَى إِلَّا ليوحدوا الله فَلَيْسَ فِيهَا دلَالَة على اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْوضُوء وَقَوْلهمْ وَلَو سلم لَهُم إِلَى آخِره غير مُسلم لَهُم لِأَن جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ على عدم جَوَاز نسخ الْكتاب بالْخبر الْوَاحِد على أَن الْمَنْقُول الصَّحِيح عَن الشَّافِعِي عدم جَوَاز نسخ الْكتاب بِالسنةِ قولا وَاحِدًا وَهُوَ مَذْهَب أهل الحَدِيث أَيْضا وَله فِي نسخ السّنة بِالْكتاب قَولَانِ الْأَظْهر من مذْهبه أَنه لَا يجوز وَالْآخر أَنه يجوز وَهُوَ الأولى بِالْحَقِّ كَذَا ذكره السَّمْعَانِيّ من أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي القواطع ثمَّ نقُول أَن الحَدِيث عَام مَخْصُوص فَإِن أَدَاء الدّين ورد الودائع وَالْأَذَان والتلاوة والأذكار وهداية الطَّرِيق وإماطة الْأَذَى عبادات كلهَا تصح بِلَا نِيَّة إِجْمَاعًا فتضعف دلَالَته حِينَئِذٍ وَيخْفى عدم اعْتِبَارهَا أَيْضا فِي الْوضُوء وَقد قَالَ بعض الشَّارِحين دَعْوَى الصِّحَّة فِي هَذِه الْأَشْيَاء بِلَا نِيَّة إِجْمَاعًا مَمْنُوعَة حَتَّى يثبت الْإِجْمَاع وَلنْ يقدر عَلَيْهِ ثمَّ نقُول النِّيَّة تلازم هَذِه الْأَعْمَال فَإِن مؤدي الدّين يقْصد بَرَاءَة الذِّمَّة وَذَلِكَ عبَادَة وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَة وَأَخَوَاتهَا فَإِنَّهَا لَا يَنْفَكّ تعاطيهن عَن الْقَصْد وَذَلِكَ نِيَّة قلت هَذَا كُله صادر لَا عَن تعقل لِأَن أحدا من السّلف وَالْخلف لم يشْتَرط النِّيَّة فِي هَذِه الْأَعْمَال فَكيف لَا يكون إِجْمَاعًا وَقَوله النِّيَّة تلازم هَذِه الْأَعْمَال إِلَى آخِره لَا تعلق لَهُ فِيمَا نَحن فِيهِ فَإنَّا لَا ندعي عدم وجود النِّيَّة فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَإِنَّمَا ندعي عدم اشْتِرَاطهَا ومؤدي الدّين مثلا إِذا قصد بَرَاءَة الذِّمَّة بَرِئت ذمَّته وَحصل لَهُ الثَّوَاب وَلَيْسَ لنا فِيهِ نزاع وَإِذا أدّى من غير قصد بَرَاءَة الذِّمَّة هَل يَقُول أحد أَن ذمَّته لم تَبرأ ثمَّ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام هُوَ أَن هَذَا الْكَلَام لما دلّ عقلا على عدم إِرَادَة حَقِيقَته إِذْ قد يحصل الْعَمَل من غير نِيَّة بل المُرَاد بِالْأَعْمَالِ حكمهَا بِاعْتِبَار إِطْلَاق الشَّيْء على أَثَره وموجبه وَالْحكم نَوْعَانِ نوع يتَعَلَّق بِالآخِرَة وَهُوَ الثَّوَاب فِي الْأَعْمَال المفتقرة إِلَى النِّيَّة وَالْإِثْم فِي الْأَعْمَال الْمُحرمَة وَنَوع يتَعَلَّق بالدنيا وَهُوَ الْجَوَاز وَالْفساد وَالْكَرَاهَة والإساءة وَنَحْو ذَلِك والنوعان مُخْتَلِفَانِ بِدَلِيل أَن مبْنى الأول على صدق الْعَزِيمَة وخلوص النِّيَّة فَإِن وجد وجد الثَّوَاب وَإِلَّا فَلَا ومبنى الثَّانِي على وجود الْأَركان والشرائط الْمُعْتَبرَة فِي الشَّرْع حَتَّى لَو وجدت صَحَّ وَإِلَّا فَلَا سَوَاء اشْتَمَل على صدق الْعَزِيمَة أَولا وَإِذا صَار اللَّفْظ مجَازًا عَن النَّوْعَيْنِ الْمُخْتَلِفين كَانَ مُشْتَركا بَينهمَا بِحَسب الْوَضع النوعي فَلَا يجوز إرادتهما جَمِيعًا أما عندنَا فَلِأَن الْمُشْتَرك لَا عُمُوم لَهُ وَأما عِنْد الشَّافِعِي فَلِأَن الْمجَاز لَا عُمُوم لَهُ بل يجب حمله على أحد النَّوْعَيْنِ فَحَمله الشَّافِعِي على النَّوْع الثَّانِي بِنَاء على أَن الْمَقْصُود الأهم من بعثة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيَان الْحل وَالْحُرْمَة وَالصِّحَّة وَالْفساد وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ أقرب إِلَى الْفَهم فَيكون الْمَعْنى أَن صِحَة الْأَعْمَال لَا تكون إِلَّا بِالنِّيَّةِ فَلَا يجوز الْوضُوء بِدُونِهَا
وَحمله أَبُو حنيفَة على النَّوْع الأول أَي ثَوَاب الْأَعْمَال لَا يكون إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَذَلِكَ لوَجْهَيْنِ الأول أَن الثَّوَاب ثَابت اتِّفَاقًا إِذْ لَا ثَوَاب بِدُونِ النِّيَّة فَلَو أُرِيد الصِّحَّة أَيْضا يلْزم عُمُوم الْمُشْتَرك أَو الْمجَاز الثَّانِي أَنه لَو حمل على الثَّوَاب لَكَانَ بَاقِيا على عُمُومه إِذْ لَا ثَوَاب بِدُونِ النِّيَّة أصلا بِخِلَاف الصِّحَّة فَإِنَّهَا قد تكون بِدُونِ النِّيَّة كَالْبيع وَالنِّكَاح وفرعت الشَّافِعِيَّة على أصلهم مسَائِل مِنْهَا أَن بَعضهم أوجب النِّيَّة فِي غسل النَّجَاسَة لِأَنَّهُ عمل وَاجِب قَالَ الرَّافِعِيّ ويحكى عَن ابْن سُرَيج وَبِه قَالَ أَبُو سهل الصعلوكي فِيمَا حَكَاهُ صَاحب التَّتِمَّة وَحكى ابْن الصّلاح وَجها ثَالِثا أَنَّهَا تجب لإِزَالَة النَّجَاسَة الَّتِي على الْبدن دون الثَّوْب وَقد رد ذَلِك بحكاية الْإِجْمَاع فقد حكى الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَالْبَغوِيّ فِي التَّهْذِيب أَن النِّيَّة لَا تشْتَرط فِي إِزَالَة النَّجَاسَة قَالَ الرَّوْيَانِيّ لَا يَصح النَّقْل فِي الْبَحْر عِنْدِي عَنْهُمَا أَي عَن ابْن سُرَيج والصعلوكي وَإِنَّمَا لم يشترطوا النِّيَّة فِي إِزَالَة النَّجَاسَة لِأَنَّهَا من بَاب التروك فَصَارَ كَتَرْكِ الْمعاصِي. وَقَالَ بعض الأفاضل وَقد يعْتَرض على هَذَا التَّعْلِيل لِأَن الصَّوْم من بَاب التروك أَيْضا وَهَذَا لَا يبطل بالعزم على قطعه وَقد أَجمعُوا على وجوب النِّيَّة فِيهِ قلت التروك إِذا كَانَ الْمَقْصُود فِيهَا امْتِثَال أَمر الشَّارِع وَتَحْصِيل الثَّوَاب فَلَا بُد من النِّيَّة فِيهَا وَإِن كَانَت لإِسْقَاط الْعَذَاب فَلَا يحْتَاج إِلَيْهَا فالتارك للمعاصي مُحْتَاج فِيهَا لتَحْصِيل الثَّوَاب إِلَى النِّيَّة. قَوْله وَقد أَجمعُوا على وجوب النِّيَّة فِيهِ نظر لِأَن عَطاء ومجاهدا لَا يريان وجوب النِّيَّة فِيهِ إِذا كَانَ فِي رَمَضَان وَمِنْهَا اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْخطْبَة فِيهِ وَجْهَان للشَّافِعِيَّة كهما فِي الْأَذَان قَالَه الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر. وَفِي الرَّافِعِيّ فِي الْجُمُعَة أَن القَاضِي حُسَيْن حكى اشْتِرَاط نِيَّة الْخطْبَة وفرضيتها كَمَا فِي الصَّلَاة وَمِنْهَا أَنه إِذا نذر اعْتِكَاف مُدَّة متتابعة لزمَه. وَأَصَح الْوَجْهَيْنِ عِنْدهم أَنه لَا يجب التَّتَابُع بِلَا شَرط فعلي هَذَا لَو نوى التَّتَابُع بِقَلْبِه فَفِي لُزُومه وَجْهَان أصَحهمَا لَا كَمَا لَو نذر أصل الِاعْتِكَاف بِقَلْبِه كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن صَحِيح الْبَغَوِيّ وَغَيره قَالَ الرَّوْيَانِيّ وَهُوَ ظَاهر نقل الْمُزنِيّ قَالَ وَالصَّحِيح عِنْدِي اللُّزُوم لِأَن النِّيَّة إِذا اقترنت بِاللَّفْظِ عملت كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق وَنوى ثَلَاثًا وَمِنْهَا إِذا أَخذ الْخَوَارِج الزَّكَاة اعْتد بهَا على الْأَصَح ثَالِثهَا إِن أخذت قهرا فَنعم وَإِلَّا فَلَا وَبِه قَالَ مَالك وَقَالَ ابْن بطال وَمِمَّا يجزىء بِغَيْر نِيَّة مَا قَالَه مَالك أَن الْخَوَارِج إِن أخذُوا الزَّكَاة من النَّاس بالقهر وَالْغَلَبَة أَجْزَأت عَمَّن أخذت مِنْهُ لِأَن أَبَا بكر وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أخذُوا الزَّكَاة من أهل الرِّدَّة بالقهر وَالْغَلَبَة وَلَو لم يجزىء عَنْهُم مَا أخذت مِنْهُم وَقَالَ ابْن بطال وَاحْتج من خالفهم وَجعل حَدِيث النِّيَّة على الْعُمُوم أَن أَخذ الْخَوَارِج الزَّكَاة غَلَبَة لَا يَنْفَكّ الْمَأْخُوذ مِنْهُ أَنه عَن الزَّكَاة وَقد أجمع الْعلمَاء أَن أَخذ الإِمَام الظَّالِم لَهَا يُجزئهُ فالخارجي فِي معنى الظَّالِم لأَنهم من أهل الْقبْلَة وَشَهَادَة التَّوْحِيد وَأما أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ فَلم يقْتَصر على أَخذ الزَّكَاة من أهل الرِّدَّة بل قصد حربهم وغنيمة أَمْوَالهم وَسَبْيهمْ لكفرهم وَلَو قصد أَخذ الزَّكَاة فَقَط لرد عَلَيْهِم مَا فضل عَنْهَا من أَمْوَالهم وَمِنْهَا قَالَ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ كَمَا نَقله الرَّوْيَانِيّ عَن القَاضِي أبي الطّيب عَنهُ قد قيل أَن من صرح بِالطَّلَاق وَالظِّهَار وَالْعِتْق وَلم يكن لَهُ نِيَّة فِي ذَلِك لم يلْزمه فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى طَلَاق وَلَا ظِهَار وَلَا عتق وَيلْزمهُ فِي الحكم وَمِنْهَا أَن لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق يَظُنهَا أَجْنَبِيَّة طلقت زَوجته لمصادفة مَحَله. وَفِي عَكسه تردد لبَعض الْعلمَاء مأخذه إِلَى النِّيَّة وَإِلَى فَوَات الْمحل فَلَو قَالَ لرقيق أَنْت حر يَظُنّهُ أَجْنَبِيّا عتق وَفِي عَكسه التَّرَدُّد الْمَذْكُور وَمِنْهَا لَو وطىء امْرَأَة يَظُنهَا أَجْنَبِيَّة فَإِذا هِيَ مُبَاحَة لَهُ أَثم وَلَو اعتقدها زَوجته أَو أمته فَلَا إِثْم وَكَذَا لَو شرب مُبَاحا يَعْتَقِدهُ حَرَامًا أَثم وَبِالْعَكْسِ لَا يَأْثَم وَمثله مَا إِذا قتل من يَعْتَقِدهُ مَعْصُوما فَبَان لَهُ أَنه مُسْتَحقّ دَمه أَو أتلف مَا لَا يَظُنّهُ لغيره فَبَان ملكه وَمِنْهَا اشْتِرَاط النِّيَّة لسجود التِّلَاوَة لِأَنَّهُ عبَادَة وَهُوَ قَول الْجُمْهُور خلافًا لبَعْضهِم وَمِنْهَا استدلوا بِهِ على وجوب النِّيَّة على الْغَاسِل فِي غسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ عبَادَة وَغسل وَاجِب وَهُوَ أحد الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَاب الشَّافِعِي وَيدل عَلَيْهِ نَص الشَّافِعِي على وجوب غسل الغريق وَأَنه لَا يَكْفِي إِصَابَة المَاء لَهُ وَلَكِن أصح الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر أَنه لَا تجب النِّيَّة على الْغَاسِل وَمِنْهَا أَنه لَا يجب على الزَّوْج النِّيَّة إِذا غسل زَوجته الْمَجْنُونَة من حيض أَو نِفَاس أَو الذِّمِّيَّة إِذا امْتنعت فغسلها الزَّوْج وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ كَمَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق فِي مَسْأَلَة الْمَجْنُونَة وَأما الذِّمِّيَّة المتمنعة فَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب الظَّاهِر أَنه على الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَجْنُونَة بل قد جزم ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة فِي غسل الذِّمِّيَّة لزَوجهَا الْمُسلم أَن الْمُسلم هُوَ الَّذِي يَنْوِي وَلَكِن الَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق
فِي الذِّمِّيَّة غير الممتنعة اشْتِرَاط النِّيَّة عَلَيْهَا نَفسهَا وَمِنْهَا أَنهم قَالُوا لما علم أَن مَحل النِّيَّة الْقلب فَإِذا اقْتصر عَلَيْهِ جَازَ إِلَّا فِي الصَّلَاة على وَجه شَاذ لَهُم لَا يعبأ بِهِ وَإِن اقْتصر على اللِّسَان لم يجز إِلَّا فِي الزَّكَاة على وَجه شَاذ أَيْضا وَإِن جمع بَينهمَا فَهُوَ آكِد واشترطوا الْمُقَارنَة فِي جَمِيع النيات الْمُعْتَبرَة إِلَّا الصَّوْم للْمَشَقَّة وَإِلَّا الزَّكَاة فَإِنَّهُ يجوز تَقْدِيمهَا قبل وَقت إعطائها قيل وَالْكَفَّارَات فَإِنَّهُ يجوز تَقْدِيمهَا قبل الْفِعْل والشروع ثمَّ هَل يشْتَرط استحضار النِّيَّة أول كل عمل وَإِن قل وتكرر فعله مُقَارنًا لأوله فِيهِ مَذَاهِب أَحدهَا نعم وَثَانِيها يشْتَرط ذَلِك فِي أَوله وَلَا يشْتَرط إِذا تكَرر بل يَكْفِيهِ أَن يَنْوِي أول كل عمل وَلَا يشْتَرط تكرارها فِيمَا بعد وَلَا مقارنتها وَلَا الِاتِّصَال. وَثَالِثهَا يشْتَرط الْمُقَارنَة دون الِاتِّصَال. وَرَابِعهَا يشْتَرط الِاتِّصَال وَهُوَ أخص من الْمُقَارنَة وَهَذِه الْمذَاهب رَاجِعَة إِلَى أَن النِّيَّة جُزْء من الْعِبَادَة أَو شَرط لصحتها وَالْجُمْهُور على الأول وَلَا وَجه للثَّانِي. وَإِذا أشرك فِي الْعِبَادَة غَيرهَا من أَمر دُنْيَوِيّ أَو رِيَاء فَاخْتَارَ الْغَزالِيّ اعْتِبَار الْبَاعِث على الْعَمَل فَإِن كَانَ الْقَصْد الدنيوي هُوَ الْأَغْلَب لم يكن لَهُ فِيهِ أجر وَإِن كَانَ الْقَصْد الديني هُوَ الْأَغْلَب كَانَ لَهُ الْأجر بِقَدرِهِ وَإِن تَسَاويا تساقطا وَاخْتَارَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام أَنه لَا أجر فِيهِ مُطلقًا سَوَاء تساوى القصدان أَو اخْتلفَا وَقَالَ المحاسبي إِذا كَانَ الْبَاعِث الديني أقوى بَطل عمله وَخَالف فِي ذَلِك الْجُمْهُور. وَقَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْعَمَل لله لم يضرّهُ مَا عرض بعده فِي نَفسه من عجب. هَذَا قَول عَامَّة السّلف رَحِمهم الله الثَّانِي من الاستنباط احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي أَن من أحرم بِالْحَجِّ فِي غير أشهر الْحَج أَنه لَا ينْعَقد عمْرَة لِأَنَّهُ لم ينوها فَإِنَّمَا لَهُ مَا نَوَاه وَهُوَ أحد أَقْوَال الشَّافِعِي إِلَّا أَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة قَالُوا ينْعَقد إِحْرَامه بِالْحَجِّ وَلكنه يكره وَلم يخْتَلف قَول الشَّافِعِي أَنه لَا ينْعَقد بِالْحَجِّ وَإِنَّمَا اخْتلف قَوْله هَل يتَحَلَّل بِأَفْعَال الْعمرَة وَهُوَ قَوْله الْمُتَقَدّم أَو ينْعَقد إِحْرَامه عمْرَة وَهُوَ نَصه فِي الْمُخْتَصر وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فعلى القَوْل الأول لَا تسْقط عَنهُ عمْرَة الْإِسْلَام وعَلى القَوْل الَّذِي نَص عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصر تسْقط عَنهُ عمْرَة الْإِسْلَام الثَّالِث احْتج بِهِ مَالك فِي اكتفائه بنية وَاحِدَة فِي أول شهر رَمَضَان وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد لِأَن كُله عبَادَة وَاحِدَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة لَا بُد من النِّيَّة لكل يَوْم لِأَن صَوْم كل يَوْم عبَادَة مُسْتَقلَّة بذاتها فَلَا يَكْتَفِي بنية وَاحِدَة الرَّابِع احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَمَالك فِي أَن الصرورة يَصح حجه عَن غَيره وَلَا يَصح عَن نَفسه لِأَنَّهُ لم يُنَوّه عَن نَفسه وَإِنَّمَا لَهُ مَا نَوَاه وَذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ إِلَى أَنه لَا ينْعَقد عَن غَيره وَيَقَع ذَلِك عَن نَفسه والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم (فَإِن قيل) روى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمع رجلا يَقُول لبيْك عَن شبْرمَة فَقَالَ أحججت قطّ قَالَ لَا قَالَ فَاجْعَلْ هَذِه عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة وَهَذِه رِوَايَة ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد حج عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة قلت قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الصَّحِيح من الرِّوَايَة اجْعَلْهَا فِي نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة فَإِن قلت كَيفَ يَأْمُرهُ بذلك وَالْإِحْرَام وَقع عَن الأول قلت يحْتَمل أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين لم يكن الْإِحْرَام لَازِما على مَا رُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة أَنه تحلل فِي حجَّة الْوَدَاع عَن الْحَج بِأَفْعَال الْعمرَة فَكَانَ يُمكنهُ فسخ الأول وَتَقْدِيم حج نَفسه وَقد اسْتدلَّ بَعضهم لأبي حنيفَة وَمن مَعَه بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلا يُلَبِّي عَن أَبِيه فَقَالَ أَيهَا الملبي عَن أَبِيه احجج عَن نَفسك ثمَّ قَالَ هَذَا ضَعِيف فِيهِ الْحسن بن عمَارَة وَهُوَ مَتْرُوك قلت مَا اسْتدلَّ أَبُو حنيفَة إِلَّا بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَن امْرَأَة من خثعم قَالَت يَا رَسُول الله إِن أبي أَدْرَكته فَرِيضَة الْحَج وَإنَّهُ شيخ كَبِير لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ قَالَ نعم حجي عَن أَبِيك وَفِي لفظ أخرجه أَحْمد لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته عَنهُ كَانَ يجْزِيه قَالَت نعم قَالَ فحجي عَن أَبِيك وَلم يستفسر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل حججْت أم لَا الْخَامِس قَالَت الشَّافِعِيَّة فِيهِ حجَّة على أبي حنيفَة حَيْثُ ذهب إِلَى أَن الْمُقِيم إِذا نوى فِي رَمَضَان صَوْم قَضَاء أَو كَفَّارَة أَو تطوع وَقع عَن رَمَضَان قَالُوا أَنه وَقع عَن غير رَمَضَان إِذْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا نَوَاه وَلم ينْو صَوْم
رَمَضَان وتعينه شرعا لَا يُغني عَن نِيَّة الْمُكَلف لأَدَاء مَا كلف بِهِ وَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه لَا بُد من تعْيين رَمَضَان لظَاهِر الحَدِيث قلت هَذَا نوى عبَادَة الصَّوْم فَحصل لَهُ ذَلِك وَالْفَرْض فِيهِ مُتَعَيّن فيصاب بِأَصْل النِّيَّة كالمتوحد فِي الدَّار يصاب باسم جنسه وَقَوْلهمْ لَا بُد من تعْيين رَمَضَان لظَاهِر الحَدِيث غير صَحِيح لِأَن ظَاهر حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لَا يدل على تعْيين رَمَضَان وَإِنَّمَا يدل على وجوب مُطلق النِّيَّة فِي الْعِبَادَات وَقد وجد مُطلق النِّيَّة كَمَا قُلْنَا السَّادِس احتجت بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة على أبي حنيفَة فِي ذَهَابه إِلَى أَن الْكَافِر إِذا أجنب أَو أحدث فاغتسل أَو تَوَضَّأ ثمَّ أسلم أَنه لَا تجب إِعَادَة الْغسْل وَالْوُضُوء عَلَيْهِ وَقَالُوا هُوَ وَجه لبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي وَخَالف الْجُمْهُور فِي ذَلِك فَقَالُوا تجب إِعَادَة الْغسْل وَالْوُضُوء عَلَيْهِ لِأَن الْكَافِر لَيْسَ من أهل الْعِبَادَة وَبَعْضهمْ يعلله بِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل النِّيَّة. قلت هَذَا مَبْنِيّ على اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْوضُوء عِنْدهم وَعدم اشْتِرَاطهَا عِنْده وَلما ثَبت ذَلِك عِنْده بالبراهين لم يبْق للاحتجاج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور عَلَيْهِ وَجه السَّابِع احْتَجُّوا بِهِ على الْأَوْزَاعِيّ فِي ذَهَابه إِلَى أَن الْمُتَيَمم لَا تجب لَهُ النِّيَّة أَيْضا كالمتوضأ. قلت لَهُ أَن يَقُول التَّيَمُّم عبارَة عَن الْقَصْد وَهُوَ النِّيَّة وَقد رد عَلَيْهِ بَعضهم بقوله ورد عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع على أَن الْجنب لَو سقط فِي المَاء غافلا عَن كَونه جنبا أَنه لَا ترْتَفع جنابته قطعا فلولا وجوب النِّيَّة لما توقف صِحَة غسله عَلَيْهَا قلت دَعْوَى الْإِجْمَاع مَرْدُودَة لِأَن الْحَنَفِيَّة قَالُوا بِرَفْع الْجَنَابَة فِي هَذِه الصُّورَة الثَّامِن احْتج بِهِ طَائِفَة من الشَّافِعِيَّة فِي اشْتِرَاط النِّيَّة لسَائِر أَرْكَان الْحَج من الطّواف وَالسَّعْي وَالْوُقُوف وَالْحلق وَهَذَا مَرْدُود لِأَن نِيَّة الْإِحْرَام شَامِلَة لهَذِهِ الْأَركان فَلَا تحْتَاج إِلَى نِيَّة أُخْرَى كأركان الصَّلَاة التَّاسِع احْتج بِهِ الْخطابِيّ على أَن الْمُطلق إِذا طلق بِصَرِيح لفظ الطَّلَاق وَنوى عددا من أعداد الطَّلَاق كمن قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق وَنوى ثَلَاثًا كَانَ مَا نَوَاه من الْعدَد وَاحِدَة أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو عبيد وَعند أبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَاحِدَة قلت استدلوا بقوله تَعَالَى {وبعولتهن أَحَق بردهن} أثبت لَهُ حق الرَّد فَلَا تتَحَقَّق الْحُرْمَة الغليظة وَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ بِأَنَّهُ نوى مَا لَا يحْتَملهُ لَفظه فَلم يتَنَاوَلهُ الحَدِيث فَلَا تصح نِيَّته كَمَا لَو قَالَ زوري أَبَاك الْعَاشِر احتجت بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة على الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم فِي الْكِنَايَة فِي الطَّلَاق كَقَوْلِه أَنْت بَائِن أَنه إِن نوى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة بَائِنَة وَإِن نوى الطَّلَاق وَلم ينْو عددا فَهِيَ وَاحِدَة بَائِنَة أَيْضا قَالُوا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم وَذهب الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور إِلَى أَنه إِن نوى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ كَذَلِك وَإِن لم ينْو عددا فَهِيَ وَاحِدَة رَجْعِيَّة قلت هَذَا الْكَلَام لَا يحْتَمل الْعدَد لِأَنَّهُ يتركب من الْأَفْرَاد وَهَذَا فَرد وَبَين الْعدَد والفرد مُنَافَاة فَإِذا نوى الْعدَد فقد نوى مَا لَا يحْتَملهُ كَلَامه فَلَا يَصح فَلَا يتَنَاوَلهُ الحَدِيث فَإِذا لَا يصير حجَّة عَلَيْهِم الْحَادِي عشر فِيهِ رد على المرجئة فِي قَوْلهم الْإِيمَان إِقْرَار بِاللِّسَانِ دون الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ الثَّانِي عشر احْتج بِهِ بَعضهم على أَنه لَا يُؤَاخذ بِهِ النَّاسِي والمخطىء فِي الطَّلَاق وَالْعتاق وَنَحْوهمَا لِأَنَّهُ لَا نِيَّة لَهما قلت يُؤَاخذ المخطىء فَيصح طَلَاقه حَتَّى لَو قَالَ اسْقِنِي مثلا فَجرى على لِسَانه أَنْت طَالِق وَقع الطَّلَاق لِأَن الْقَصْد أَمر بَاطِن لَا يُوقف عَلَيْهِ فَلَا يتَعَلَّق الحكم لوُجُود حَقِيقَته بل يتَعَلَّق بِالسَّبَبِ الظَّاهِر الدَّال وَهُوَ أَهْلِيَّة الْقَصْد بِالْعقلِ وَالْبُلُوغ. فَإِن قيل يَنْبَغِي على هَذَا أَن يَقع طَلَاق النَّائِم قلت الْمَانِع هُوَ الحَدِيث أَيْضا فالنوم يُنَافِي أصل الْعَمَل بِالْعقلِ لِأَن النّوم مَانع عَن اسْتِعْمَال نور الْعقل فَكَانَت أَهْلِيَّة الْقَصْد مَعْدُومَة بِيَقِين فَافْهَم الثَّالِث عشر فِيهِ حجَّة على بعض الْمَالِكِيَّة من أَنهم لَا يدينون من سبق لِسَانه إِلَى كلمة الْكفْر إِذا ادّعى ذَلِك وَخَالفهُم الْجُمْهُور وَيدل لذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من قصَّة الرجل الَّذِي ضلت رَاحِلَته ثمَّ وجدهَا فَقَالَ من شدَّة الْفَرح اللَّهُمَّ أَنْت عَبدِي وَأَنا رَبك قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخطَأ من شدَّة الْفَرح الرَّابِع عشر فِيهِ أَنه لَا تصح الْعِبَادَة من الْمَجْنُون لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل النِّيَّة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج وَنَحْوهَا وَلَا عقوده كَالْبيع وَالْهِبَة وَالنِّكَاح وَكَذَلِكَ لَا يَصح مِنْهُ الطَّلَاق وَالظِّهَار وَاللّعان وَالْإِيلَاء وَلَا يجب عَلَيْهِ الْقود وَلَا الْحُدُود الْخَامِس عشر فِيهِ حجَّة لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق فِي عدم وجوب الْقود فِي شبه الْعمد لِأَنَّهُ لم ينْو قَتله إِلَّا أَنهم اخْتلفُوا فِي الدِّيَة فَجَعلهَا الشَّافِعِي وَمُحَمّد بن الْحسن أَثلَاثًا وَجعلهَا الْبَاقُونَ أَربَاعًا وَجعلهَا أَبُو ثَوْر أَخْمَاسًا وَأنكر مَالك شبه الْعمد وَقَالَ لَيْسَ فِي كتاب الله إِلَّا الْخَطَأ والعمد فَأَما شبه الْعمد فَلَا نعرفه وَاسْتدلَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر مَرْفُوعا إِلَّا أَن دِيَة الْخَطَأ شبه الْعمد مَا كَانَ بِالسَّوْطِ
والعصا مائَة من الْإِبِل الحَدِيث السَّادِس عشر فِي قَول عَلْقَمَة سَمِعت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ على الْمِنْبَر يَقُول رد لقَوْل من يَقُول أَن الْوَاحِد إِذا ادّعى شَيْئا كَانَ فِي مجْلِس جمَاعَة لَا يُمكن أَن ينْفَرد بِعِلْمِهِ دون أهل الْمجْلس وَلَا يقبل حَتَّى يُتَابِعه عَلَيْهِ غَيره لما قَالَه بعض الْمَالِكِيَّة مستدلين بِقصَّة ذِي الْيَدَيْنِ السَّابِع عشر فِيهِ أَنه لَا بَأْس للخطيب أَن يُورد أَحَادِيث فِي أثْنَاء خطبَته وَقد فعل بذلك الْخُلَفَاء الراشدون رَضِي الله عَنْهُم الثَّامِن عشر اخْتلفُوا فِي قَوْله الْأَعْمَال فَقَالَ بَعضهم هِيَ مُخْتَصَّة بالجوارح وأخرجوا الْأَقْوَال وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه يتَنَاوَل فعل الْجَوَارِح والقلوب والأقوال وَقَالَ بعض الشَّارِحين الْأَعْمَال ثَلَاثَة بدني وقلبي ومركب مِنْهُمَا فَالْأول كل عمل لَا يشْتَرط فِيهِ النِّيَّة كرد الْمَغْصُوب والعواري والودائع والنفقات وَالثَّانِي كالاعتقادات وَالْحب فِي الله والبغض فِيهِ وَمَا أشبه ذَلِك وَالثَّالِث كَالْوضُوءِ وَالصَّلَاة وَالْحج وكل عبَادَة بدنية يشْتَرط فِيهَا النِّيَّة قولا كَانَت أَو فعلا. فَإِن قيل النِّيَّة أَيْضا عمل لِأَنَّهُ من أَعمال الْقلب فَإِن احْتَاجَ كل عمل إِلَى نِيَّة فالنية أَيْضا تحْتَاج إِلَى نِيَّة وهلم جرا قلت المُرَاد بِالْعَمَلِ عمل الْجَوَارِح فِي نَحْو الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَذَلِكَ خَارج عَنهُ بِقَرِينَة الْعقل دفعا للتسلسل فَإِن قلت فَمَا قَوْلك فِي إِيجَاب معرفَة الله تَعَالَى للغافل عَنهُ أُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ لَا دخل لَهُ فِي الْبَحْث لِأَن المُرَاد تَكْلِيف الغافل عَن تصور التَّكْلِيف لَا عَن التَّصْدِيق بالتكليف وَلِهَذَا كَانَ الْكفَّار مكلفين لأَنهم تصوروا التَّكْلِيف لما قيل لَهُم أَنكُمْ مكلفون وَإِن كَانُوا غافلين عَن التَّصْدِيق وَقَالَ بَعضهم معرفَة الله تَعَالَى لَو توقفت على النِّيَّة مَعَ أَن النِّيَّة قصد الْمَنوِي بِالْقَلْبِ لزم أَن يكون عَارِفًا بِاللَّه قبل مَعْرفَته وَهُوَ محَال (فَائِدَة) قَالَ التَّيْمِيّ النِّيَّة أبلغ من الْعَمَل وَلِهَذَا الْمَعْنى تقبل النِّيَّة بِغَيْر الْعَمَل فَإِذا نوى حَسَنَة فَإِنَّهُ يجزى عَلَيْهَا وَلَو عمل حَسَنَة بِغَيْر نِيَّة لم يجز بهَا فَإِن قيل فقد رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من هم بحسنة وَلم يعملها كتبت لَهُ وَاحِدَة وَمن عَملهَا كتبت لَهُ عشرا وَرُوِيَ أَيْضا أَنه قَالَ نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله فالنية فِي الحَدِيث الأول دون الْعَمَل وَفِي الثَّانِي فَوق الْعَمَل وَخير مِنْهُ قُلْنَا أما الحَدِيث الأول فَلِأَن الْهَام بِالْحَسَنَة إِذا لم يعملها خَالف الْعَامِل لِأَن الْهَام لم يعْمل وَالْعَامِل لم يعْمل حَتَّى هم ثمَّ عمل وَأما الثَّانِي فَلِأَن تخليد الله العَبْد فِي الْجنَّة لَيْسَ لعمله وَإِنَّمَا هُوَ لنيته لِأَنَّهُ لَو كَانَ لعمله لَكَانَ خلوده فِيهَا بِقدر مُدَّة عمله أَو أضعافه إِلَّا أَنه جازاه بنيته لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيا أَن يُطِيع الله تَعَالَى أبدا لَو بَقِي أبدا فَلَمَّا اخترمته منيته دون نِيَّته جزاه الله عَلَيْهَا وَكَذَا الْكَافِر لِأَنَّهُ لَو كَانَ يجازى بِعَمَلِهِ لم يسْتَحق التخليد فِي النَّار إِلَّا بِقدر مُدَّة كفره غير أَنه نوى أَن يُقيم على كفره أبدا لَو بَقِي فجزاه على نِيَّته وَقَالَ الْكرْمَانِي أَقُول يحْتَمل أَن يُقَال أَن المُرَاد مِنْهُ أَن النِّيَّة خير من عمل بِلَا نِيَّة إِذْ لَو كَانَ المُرَاد خير من عمل مَعَ النِّيَّة يلْزم أَن يكون الشَّيْء خيرا من نَفسه مَعَ غَيره أَو المُرَاد أَن الْجَزَاء الَّذِي هُوَ للنِّيَّة خير من الْجَزَاء الَّذِي هُوَ للْعَمَل لِاسْتِحَالَة دُخُول الرِّيَاء فِيهَا أَو أَن النِّيَّة خير من جملَة الْخيرَات الْوَاقِعَة بِعَمَلِهِ لِأَن النِّيَّة فعل الْقلب وَفعل الْأَشْرَف أشرف أَو أَن الْمَقْصُود من الطَّاعَات تنوير الْقلب وتنوير الْقلب بهَا أَكثر لِأَنَّهَا صفته أَو أَن نِيَّة الْمُؤمن خير من عمل الْكَافِر لما قيل ورد ذَلِك حِين نوى مُسلم بِنَاء قنطرة فَسبق كَافِر إِلَيْهِ فَإِن قلت هَذَا حكمه فِي الْحَسَنَة فَمَا حكمه فِي السَّيئَة قلت الْمَشْهُور أَنه لَا يُعَاقب عَلَيْهَا بِمُجَرَّد النِّيَّة وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهَا بقوله تَعَالَى {لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت} فَإِن اللَّام للخير فجَاء فِيهَا بِالْكَسْبِ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى تصرف بِخِلَاف على فَإِنَّهَا لما كَانَت للشر جَاءَ فِيهَا بالاكتساب الَّذِي لَا بُد فِيهِ من التَّصَرُّف والمعالجة وَلَكِن الْحق أَن السَّيئَة أَيْضا يُعَاقب عَلَيْهَا بِمُجَرَّد النِّيَّة لَكِن على النِّيَّة لَا على الْفِعْل حَتَّى لَو عزم أحد على ترك صَلَاة بعد عشْرين سنة يَأْثَم فِي الْحَال لِأَن الْعَزْم من أَحْكَام الْإِيمَان ويعاقب على الْعَزْم لَا على ترك الصَّلَاة فَالْفرق بَين الْحَسَنَة والسيئة أَن بنية الْحَسَنَة يُثَاب الناوي على الْحَسَنَة وبنية السَّيئَة لَا يُعَاقب عَلَيْهَا بل على نِيَّتهَا فَإِن قلت من جَاءَ بنية الْحَسَنَة فقد جَاءَ بِالْحَسَنَة وَمن جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا فَيلْزم أَن من جَاءَ بنية الْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا فَلَا يبْقى فرق بَين نِيَّة الْحَسَنَة وَنَفس الْحَسَنَة قلت لَا نسلم أَن من جَاءَ بنية الْحَسَنَة فقد جَاءَ بِالْحَسَنَة بل يُثَاب على الْحَسَنَة فَظهر الْفرق انْتهى. وَقد دلّ مَا رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي مُسْنده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ يَقُول الله تَعَالَى للحفظة يَوْم الْقِيَامَة اكتبوا لعبدي كَذَا وَكَذَا من الْأجر فَيَقُولُونَ رَبنَا لم نَحْفَظ ذَلِك عَنهُ وَلَا هُوَ فِي صحفنا فَيَقُول إِنَّه نَوَاه على كَون النِّيَّة خيرا من الْعَمَل
2 - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا أَن الْحَرْث بن هِشَام رَضِي الله عَنهُ سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَحْيَانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وَهُوَ أشده عَليّ فَيفْصم عني وَقد وعيت عَنهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانا يتَمَثَّل لي الْملك رجلا فيكلمني فأعي مَا يَقُول قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَلَقَد رَأَيْته ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي الْيَوْم الشَّديد الْبرد فَيفْصم عَنهُ وَإِن جَبينه ليتفصد عرقا) لما كَانَ الْبَاب معقودا لبَيَان الْوَحْي وكيفيته شرع بِذكر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِيهِ غير أَنه قدم حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ تَنْبِيها على أَنه قصد من تصنيف هَذَا الْجَامِع التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى فَإِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُشْتَمل على الْهِجْرَة وَكَانَت مُقَدّمَة النُّبُوَّة فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هجرته إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى الْخلْوَة بمناجاته فِي غَار حراء فَهجرَته إِلَيْهِ كَانَت ابْتِدَاء فَضله عَلَيْهِ باصطفائه ونزول الْوَحْي عَلَيْهِ مَعَ التأييد الإلهي والتوفيق الرباني (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عبد الله بن يُوسُف الْمصْرِيّ التنيسِي وَهُوَ من أجل من روى الْمُوَطَّأ عَن مَالك رَحمَه الله تَعَالَى سمع الْأَعْلَام مَالِكًا وَاللَّيْث بن سعد وَنَحْوهمَا وَعنهُ الْأَعْلَام يحيى بن معِين والذهلي وَغَيرهمَا وَأكْثر عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَقَالَ كَانَ أثبت الشاميين. وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ وَلم يخرج لَهُ مُسلم مَاتَ بِمصْر سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ البُخَارِيّ لَقيته بِمصْر سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَمِنْه سمع البُخَارِيّ الْمُوَطَّأ عَن مَالك وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة عبد الله بن يُوسُف سواهُ ونسبته إِلَى تنيس بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالنُّون الْمَكْسُورَة الْمُشَدّدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة بَلْدَة بِمصْر سَاحل الْبَحْر وَالْيَوْم خراب سميت بتنيس بن حام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصله من دمشق ثمَّ نزل بتنيس. وَفِي يُوسُف سِتَّة أوجه ضم السِّين وَفتحهَا وَكسرهَا مَعَ الْهمزَة وَتركهَا وَهُوَ اسْم عبراني وَقيل عَرَبِيّ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ لَو كَانَ عَرَبيا لانصرف لخلوه عَن سَبَب آخر سوى التَّعْرِيف فَإِن قلت فَمَا تَقول فِيمَن قَرَأَ يُوسُف بِكَسْر السِّين أَو يُوسُف بِفَتْحِهَا هَل يجوز على قِرَاءَته أَن يُقَال هُوَ عَرَبِيّ لِأَنَّهُ على وزن الْمُضَارع الْمَبْنِيّ للْفَاعِل أَو الْمَفْعُول من آسَف وَإِنَّمَا منع الصّرْف للتعريف وَوزن الْفِعْل قلت لَا لِأَن الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة قَامَت بِالشَّهَادَةِ على أَن الْكَلِمَة أَعْجَمِيَّة فَلَا تكون تَارَة عَرَبِيَّة وَتارَة أَعْجَمِيَّة وَنَحْو يُوسُف يُونُس رويت فِيهِ هَذِه اللُّغَات الثَّلَاث وَلَا يُقَال هُوَ عَرَبِيّ لِأَنَّهُ فِي لغتين مِنْهَا بِوَزْن الْمُضَارع من آنس وأونس ثمَّ الَّذين ذَهَبُوا إِلَى أَنه عَرَبِيّ قَالُوا اشتقاقه من الأسف وَهُوَ الْحزن والأسيف وَهُوَ العَبْد وَقد اجْتمعَا فِي يُوسُف النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَلذَلِك سمي يُوسُف وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَن يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام لما سَمَّاهُ يُوسُف لم يُلَاحظ فِيهِ هَذَا الْمَعْنى بل الصَّحِيح على مَا قُلْنَا أَنه عبراني وَمَعْنَاهُ جميل الْوَجْه فِي لغتهم الثَّانِي من الرِّجَال الإِمَام مَالك رَحمَه الله تَعَالَى إِمَام دَار الْهِجْرَة وَهُوَ مَالك بن أنس بن مَالك بن أبي عَامر بن عَمْرو بن الْحَارِث بن غيمان بن خثيل بن عَمْرو بن الْحَارِث وَهُوَ ذُو أصبح الأصبحي الْحِمْيَرِي أَبُو عبد الله الْمدنِي وعدادهم فِي بني تَمِيم بن مرّة من قُرَيْش حلفاء عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ أخي طَلْحَة بن عبيد الله وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الدولقي أَخذ مَالك عَن تِسْعمائَة شيخ مِنْهُم ثَلَاثمِائَة من التَّابِعين وسِتمِائَة من تابعيهم مِمَّن اخْتَارَهُ وارتضى دينه وفهمه وقيامه بِحَق الرِّوَايَة وشروطها وسكنت النَّفس إِلَيْهِ وَترك الرِّوَايَة عَن أهل دين وَصَلَاح لَا يعْرفُونَ الرِّوَايَة وَمن الْأَعْلَام الَّذين روى عَنْهُم إِبْرَاهِيم بن أبي عبلة الْمَقْدِسِي وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وثور بن زيد الديلمي وجعفر بن مُحَمَّد الصَّادِق وَحميد الطَّوِيل وَرَبِيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن وَزيد بن أسلم وَسَعِيد المَقْبُري وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وَالزهْرِيّ وَنَافِع مولى ابْن عمر وَهِشَام بن عُرْوَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَأَبُو الزبير الْمَكِّيّ وَعَائِشَة
بنت سعد بن أبي وَقاص وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء وَفِي مَنَاقِب أبي حنيفَة أَن مَالك بن أنس كَانَ يسْأَل أَبَا حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَيَأْخُذ بقوله وَبَعْضهمْ ذكر أَنه كَانَ رُبمَا سمع مِنْهُ متنكرا وَذكروا أَيْضا أَن أَبَا حنيفَة سمع مِنْهُ أَيْضا وَمن الْأَعْلَام الَّذين رووا عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَات قبله وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَمَات قبله وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل وَعبد الله بن الْمُبَارك وَعبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ أكبر مِنْهُ وَعبد الله بن مسلمة القعْنبِي وَعبد الله بن جريج وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وقتيبة بن سعيد وَاللَّيْث بن سعد وَهُوَ من أقرانه وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَهُوَ من شُيُوخه وَقيل لَا يَصح وَهُوَ الْأَصَح وروى عَنهُ الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ أحد مشايخه روى عَنهُ وَأخذ عَنهُ الْعلم وَأما الَّذين رووا عَنهُ الْمُوَطَّأ وَالَّذين رووا عَنهُ مسَائِل الْآي فَأكْثر من أَن يحصوا قد بلغ فيهم أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب جمعه فِي ذَلِك نَحْو ألف رجل وَأخذ الْقِرَاءَة عرضا عَن نَافِع بن أبي نعيم وَقَالَ البُخَارِيّ أصح الْأَسَانِيد مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن معِين كل من روى عَنهُ مَالك ثِقَة إِلَّا أَبَا أُميَّة وَقَالَ غير وَاحِد هُوَ أثبت أَصْحَاب نَافِع وَالزهْرِيّ وَعَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِذا جَاءَك الحَدِيث عَن مَالك فَشد بِهِ يَديك وَإِذا جَاءَ الْأَثر فمالك النَّجْم وَعنهُ مَالك بن أنس معلمي وَعنهُ أَخذنَا الْعلم وَعنهُ قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ أَقمت عِنْد مَالك بن أنس ثَلَاث سِنِين وكسرا وَكَانَ يَقُول أَنه سمع مِنْهُ لفظا أَكثر من سَبْعمِائة حَدِيث وَكَانَ إِذا حَدثهمْ عَن مَالك امْتَلَأَ منزله وَكثر النَّاس عَلَيْهِ حَتَّى يضيق بهم الْموضع وَإِذا حَدثهمْ عَن غير مَالك من شُيُوخ الْكُوفِيّين لم يجئه إِلَّا الْيَسِير. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَكَانَ مَالك شعرًا شَدِيد الْبيَاض ربعَة من الرِّجَال كَبِير الرَّأْس أصلع وَكَانَ لَا يخضب وَكَانَ يلبس الثِّيَاب العدنية الْجِيَاد وَيكرهُ خلق الثِّيَاب ويعيبه وَيَرَاهُ من الْمثلَة وَهُوَ أَيْضا من الْعلمَاء الَّذين ابتلوا فِي دين الله. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ضرب مَالك بن أنس سبعين سَوْطًا لأجل فَتْوَى لم توَافق غَرَض السُّلْطَان وَيُقَال سعى بِهِ إِلَى جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَهُوَ ابْن عَم أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِنَّه لَا يرى إِيمَان بيعتكم هَذِه لشَيْء فَغَضب جَعْفَر ودعا بِهِ وجرده وضربه بالسياط ومدت يَده حَتَّى انخلع كتفه وارتكب مِنْهُ أمرا عَظِيما توفّي لَيْلَة أَربع عشرَة من صفر وَقيل من ربيع الأول سنة تسع وَسبعين وَمِائَة وَصلى عَلَيْهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس أَمِير الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ وَدفن بِالبَقِيعِ وزرنا قَبره غير مرّة نسْأَل الله تَعَالَى العودة ومولده فِي ربيع الأول سنة أَربع وَتِسْعين وفيهَا ولد اللَّيْث بن سعد أَيْضا وَكَانَ حمل بِهِ فِي الْبَطن ثَلَاث سِنِين وَلَيْسَ فِي الروَاة مَالك بن أنس غير هَذَا الإِمَام وَغير مَالك بن أنس الْكُوفِي روى عَنهُ حَدِيث وَاحِد عَن هانىء بن حرَام وَقيل حرَام وَوهم بَعضهم فَأدْخل حَدِيثه فِي حَدِيث الإِمَام نبه عَلَيْهِ الْخَطِيب فِي كِتَابه الْمُتَّفق والمفترق وَهُوَ أحد الْمذَاهب السِّتَّة المبتدعة وَالثَّانِي الإِمَام أَبُو حنيفَة مَاتَ بِبَغْدَاد سنة خمسين وَمِائَة عَن سبعين سنة وَالثَّالِث الشَّافِعِي مَاتَ بِمصْر سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ عَن أَربع وَخمسين سنة وَالرَّابِع أَحْمد بن حَنْبَل مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ عَن ثَمَانِينَ سنة بِبَغْدَاد وَالْخَامِس سُفْيَان الثَّوْريّ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة وَالسَّادِس دَاوُد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ مَاتَ سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ عَن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة بِبَغْدَاد وَهُوَ إِمَام الظَّاهِرِيَّة وَقد جمع الإِمَام أَبُو الْفضل يحيى بن سَلامَة الخصكفي الْخَطِيب الشَّافِعِي الْقُرَّاء السَّبْعَة فِي بَيت وائمة الْمذَاهب فِي بَيت فَقَالَ (جمعت لَك الْقُرَّاء لما أردتهم ... بِبَيْت ترَاهُ للأئمة جَامعا) (أَبُو عَمْرو عبد الله حَمْزَة عَاصِم ... عَليّ وَلَا تنس الْمَدِينِيّ نَافِعًا) (وَإِن شِئْت أَرْكَان الشَّرِيعَة فاستمع ... لتعرفهم فاحفظ إِذا كنت سَامِعًا) (مُحَمَّد والنعمان مَالك أَحْمد ... وسُفْيَان وَاذْكُر بعد دَاوُد تَابعا) الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْقرشِي الْأَسدي أَبُو الْمُنْذر وَقيل أَبُو عبد الله أحد الْأَعْلَام تَابِعِيّ مدنِي رأى ابْن عمر وَمسح بِرَأْسِهِ ودعا لَهُ وجابرا وَغَيرهمَا ولد مقتل الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمَات بِبَغْدَاد سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلم نَعْرِف أحدا شَاركهُ فِي اسْمه مَعَ اسْم أَبِيه الرَّابِع أَبُو عبد الله
عُرْوَة وَالِد هِشَام الْمَذْكُور الْمدنِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الْمجمع على جلالته وإمامته وَكَثْرَة علمه وبراعته وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة وهم هُوَ وَسَعِيد بن الْمسيب وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وَسليمَان بن يسَار وخارجة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء ثمَّ الْجِيم بن زيد بن ثَابت وَفِي السَّابِع ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الثَّانِي سَالم بن عبد الله بن عمر. الثَّالِث أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام وعَلى القَوْل الْأَخير جمعهم الشَّاعِر (أَلا إِن من لَا يَقْتَدِي بأئمة ... فقسمته ضيزى من الْحق خَارِجَة) (فخذهم عبيد الله عُرْوَة قَاسم ... سعيد أَبُو بكر سُلَيْمَان خَارِجَة) وَأم عُرْوَة أَسمَاء بنت الصّديق وَقد جمع الشّرف من وُجُوه فَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صهره وَأَبُو بكر جده وَالزُّبَيْر وَالِده وَأَسْمَاء أمه وَعَائِشَة خَالَته ولد سنة عشْرين وَمَات سنة أَربع وَتِسْعين وَقيل سنة ثَلَاث وَقيل تسع. روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلَيْسَ فِي السِّتَّة عُرْوَة بن الزبير سواهُ وَلَا فِي الصَّحَابَة أَيْضا الْخَامِس أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة بنت أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنْهُمَا تكنى بِأم عبد الله كناها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِابْن أُخْتهَا عبد الله بن الزبير وَقيل بسقط لَهَا وَلَيْسَ بِصَحِيح وَعَائِشَة مَأْخُوذَة من الْعَيْش وَحكى عيشة لُغَة فصيحة وَأمّهَا أم رُومَان بِفَتْح الرَّاء وَضمّهَا زَيْنَب بنت عَامر وَهِي أم عبد الرَّحْمَن أخي عَائِشَة أَيْضا مَاتَت سنة سِتّ فِي قَول الْوَاقِدِيّ وَالزُّبَيْر وَهُوَ الْأَصَح تزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَقيل بِثَلَاث وَقيل بِسنة وَنصف أَو نَحْوهَا فِي شَوَّال وَهِي بنت سِتّ سِنِين وَقيل سبع وَبنى بهَا فِي شَوَّال أَيْضا بعد وقْعَة بدر فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة أَقَامَت فِي صحبته ثَمَانِيَة أَعْوَام وَخَمْسَة أشهر وَتُوفِّي عَنْهَا وَهِي بنت ثَمَانِي عشرَة وَعَاشَتْ خمْسا وَسِتِّينَ سنة وَكَانَت من أكبر فُقَهَاء الصَّحَابَة وَأحد السِّتَّة الَّذين هم أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة رُوِيَ لَهَا ألفا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على مائَة وَأَرْبَعَة وَسبعين حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بأَرْبعَة وَخمسين وَمُسلم بِثمَانِيَة وَخمسين رَوَت عَن خلق من الصَّحَابَة وروى عَنْهَا جماعات من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ قريب من الْمِائَتَيْنِ مَاتَت بعد الْخمسين إِمَّا سنة خمس أَو سِتّ أَو سبع أَو ثَمَان فِي رَمَضَان وَقيل فِي شَوَّال وَأمرت أَن تدفن لَيْلًا بعد الْوتر بِالبَقِيعِ وَصلى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهل هِيَ أفضل من خَدِيجَة بنت خويلد فِيهِ خلاف فَقَالَ بَعضهم عَائِشَة أفضل وَقَالَ آخَرُونَ خَدِيجَة أفضل وَبِه قَالَ القَاضِي وَالْمُتوَلِّيّ وَقطع ابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي وَآخَرُونَ وَهُوَ الْأَصَح وَكَذَلِكَ الْخلاف مَوْجُود هَل هِيَ أفضل أم فَاطِمَة وَالأَصَح أَنَّهَا أفضل من فَاطِمَة وَسمعت بعض أساتذتي الْكِبَار أَن فَاطِمَة أفضل فِي الدُّنْيَا وَعَائِشَة أفضل فِي الْآخِرَة وَالله أعلم وَجُمْلَة من فِي الصَّحَابَة اسْمه عَائِشَة عشرَة عَائِشَة هَذِه وَبنت سعد وَبنت حز وَبنت الْحَارِث القريشية وَبنت أبي سُفْيَان الأشهلية وَبنت عبد الرَّحْمَن بن عتِيك زَوْجَة ابْن رِفَاعَة وَبنت عُمَيْر الْأَنْصَارِيَّة وَبنت مُعَاوِيَة بن الْمُغيرَة أم عبد الْملك بن مَرْوَان وَبنت قدامَة بن مَظْعُون وَعَائِشَة من الأوهام وَإِنَّمَا هِيَ بنت عجرد وَسمعت ابْن عَبَّاس وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه عَائِشَة من الصَّحَابَة سوى الصديقة وَفِيهِمَا عَائِشَة بنت طَلْحَة بن عبيد الله عَن خَالَتهَا عَائِشَة أصدقهَا مُصعب ألف ألف وَكَانَت بديعة جدا وَفِي البُخَارِيّ عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص تروي عَن أَبِيهَا وَفِي ابْن مَاجَه عَائِشَة بنت مَسْعُود بن العجماء العدوية عَن أَبِيهَا وعنها ابْن أَخِيهَا مُحَمَّد بن طَلْحَة وَلَيْسَ فِي مَجْمُوع الْكتب السِّتَّة غير ذَلِك وَثمّ عَائِشَة بنت سعد أُخْرَى بصرية تروي عَن الْحسن (فَإِن قلت) مَا أصل قَوْلهم فِي عَائِشَة وَغَيرهَا من أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم الْمُؤمنِينَ قلت أَخَذُوهُ من قَوْله تَعَالَى {وأزواجه أمهاتهم} وَقَرَأَ مُجَاهِد وَهُوَ أَب لَهُم وَقيل أَنَّهَا قِرَاءَة أبي بن كَعْب وَهن أُمَّهَات فِي وجوب احترامهن وَبرهن وَتَحْرِيم نِكَاحهنَّ لَا فِي جَوَاز الْخلْوَة والمسافرة وَتَحْرِيم نِكَاح بناتهن وَكَذَا النّظر فِي الْأَصَح وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَمُقَابِله حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَهل يُقَال لأخوتهن أخوال الْمُسلمين ولأخواتهن خالات الْمُؤمنِينَ ولبناتهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ فِيهِ خلاف عِنْد الْعلمَاء وَالأَصَح الْمَنْع لعدم التَّوْقِيف وَوجه مُقَابِله أَنه مُقْتَضى ثُبُوت الأمومة وَهُوَ ظَاهر النَّص لكنه مؤول قَالُوا وَلَا يُقَال آباؤهن وأمهاتهن أجداد الْمُؤمنِينَ وجداتهم وَهل يُقَال فِيهِنَّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنَات فِيهِ خلاف وَالأَصَح أَنه لَا يُقَال بِنَاء على الْأَصَح أَنَّهُنَّ لَا يدخلن فِي خطاب الرِّجَال وَعَن عَائِشَة رَضِي
الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت أَنا أم رجالكم لَا أم النِّسَاء وَهل يُقَال للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو الْمُؤمنِينَ فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح الْجَوَاز وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي أَيْضا أَي فِي الْحُرْمَة وَمعنى قَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم} لصلبه وَعَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق أَنه لَا يُقَال أَبونَا وَإِنَّمَا يُقَال هُوَ كأبينا لما رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِنَّمَا أَنا لكم كالوالد السَّادِس الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم أَخُو أبي جهل لِأَبَوَيْهِ وَابْن عَم خَالِد بن الْوَلِيد شهد بَدْرًا كَافِرًا فَانْهَزَمَ وَأسلم يَوْم الْفَتْح وَحسن إِسْلَامه وَأَعْطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم حنين مائَة من الْإِبِل قتل باليرموك سنة خمس عشرَة وَكَانَ شريفا فِي قومه وَله اثْنَان وَثَلَاثُونَ ولدا مِنْهُم أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة على قَول وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة الْحَارِث بن هِشَام إِلَّا هَذَا وَإِلَّا الْحَارِث بن هِشَام الْجُهَنِيّ روى عَنهُ المصريون ذكره ابْن عبد الْبر وَقَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث أدخلهُ الْحفاظ فِي مُسْند عَائِشَة دون الْحَارِث وَلَيْسَ لِلْحَارِثِ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَة وَإِنَّمَا لَهُ رِوَايَة فِي سنَن ابْن مَاجَه فَقَط وعده ابْن الْجَوْزِيّ فِيمَن روى من الصَّحَابَة حديثين مُرَاده فِي غير الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه الْحَارِث غير الْحَارِث بن ربعي أبي قَتَادَة على أحد الْأَقْوَال فِي اسْمه والْحَارث بن عَوْف أبي وَاقد اللَّيْثِيّ وهما بكنيتهما أشهر وَأما خَارج الصَّحِيحَيْنِ فجماعات كَثِيرُونَ فَوق الْمِائَة وَالْخمسين قلت أَدخل الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده الْحَارِث بن هِشَام فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن عَامر بن صَالح عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن الْحَارِث بن هِشَام قَالَ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الحَدِيث وَاعْلَم أَن الْحَارِث قد يكْتب بِلَا ألف تَخْفِيفًا وَهِشَام بِكَسْر الْهَاء وبالشين الْمُعْجَمَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن رِجَاله كلهم مدنيون خلا شيخ البُخَارِيّ. وَمِنْهَا أَن فِيهِ تابعيا عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا أَن قَوْلهَا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تكون عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا حَضرته وَالْآخر أَن يكون الْحَارِث أخْبرهَا بذلك فعلى الأول ظَاهر الِاتِّصَال وعَلى الثَّانِي مُرْسل صَحَابِيّ وَهُوَ فِي حكم الْمسند. وَمِنْهَا أَن فِي الأول حَدثنَا عبد الله وَفِي الثَّانِي أخبرنَا مَالك والبواقي بِلَفْظَة عَن الْمُسَمَّاة بالعنعنة قَالَ القَاضِي عِيَاض لَا خلاف أَنه يجوز فِي السماع من لفظ الشَّيْخ أَن يَقُول السَّامع فِيهِ حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا وسمعته يَقُول وَقَالَ لنا فلَان وَذكر فلَان وَإِلَيْهِ مَال الطَّحَاوِيّ وَصحح هَذَا الْمَذْهَب ابْن الْحَاجِب وَنقل هُوَ وَغَيره عَن الْحَاكِم أَنه مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْمُحدثين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَمَالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيحيى الْقطَّان وَقيل أَنه قَول مُعظم الْحِجَازِيِّينَ والكوفيين وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ إِلَّا مُقَيّدا مثل حَدثنَا فلَان قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأخْبرنَا قِرَاءَة عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن يحيى التَّمِيمِي وَالْمَشْهُور عَن النَّسَائِيّ وَصَححهُ الْآمِدِيّ وَالْغَزالِيّ وَهُوَ مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي حَدثنَا وَالْجَوَاز فِي أخبرنَا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمُسلم بن الْحجَّاج وَجُمْهُور أهل الْمشرق وَنقل عَن أَكثر الْمُحدثين مِنْهُم ابْن جريج وَالْأَوْزَاعِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن وهب وَقيل أَنه أول من أحدث هَذَا الْفرق بِمصْر وَصَارَ هُوَ الشَّائِع الْغَالِب على أهل الحَدِيث وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ أَنه اصْطِلَاح مِنْهُم أَرَادوا التَّمْيِيز بَين النَّوْعَيْنِ وخصصوا قِرَاءَة الشَّيْخ بحدثنا لقُوَّة إشعاره بالنطق والمشافهة وَاخْتلف فِي المعنعن فَقَالَ بَعضهم هُوَ مُرْسل وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الجماهير أَنه مُتَّصِل إِذا أمكن لِقَاء الرَّاوِي الْمَرْوِيّ عَنهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ ادّعى مُسلم إِجْمَاع الْعلمَاء على أَن المعنعن وَهُوَ الَّذِي فِيهِ فلَان عَن فلَان: مَحْمُول على الِاتِّصَال وَالسَّمَاع إِذا أمكن لِقَاء من أضيفت العنعنة إِلَيْهِم بَعضهم بَعْضًا يَعْنِي مَعَ براءتهم من التَّدْلِيس وَنقل أَي مُسلم عَن بعض أهل عصره أَنه قَالَ لَا يحمل على الِاتِّصَال حَتَّى يثبت أَنَّهُمَا التقيا فِي عمرهما مرّة فَأكْثر وَلَا يَكْفِي إِمْكَان تلاقيهما وَقَالَ هَذَا قَول سَاقِط وَاحْتج عَلَيْهِ بِأَن المعنعن مَحْمُول على الِاتِّصَال إِذا ثَبت التلاقي مَعَ احْتِمَال الْإِرْسَال وَكَذَا إِذا أمكن التلاقي قَالَ النَّوَوِيّ وَالَّذِي رده هُوَ الْمُخْتَار الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ البُخَارِيّ وَغَيره وَقد زَاد جمَاعَة عَلَيْهِ فَاشْترط الْقَابِسِيّ أَن يكون قد أدْركهُ إدراكا بَينا وَأَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ طول الصُّحْبَة بَينهمَا (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) قد رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي بده الْخلق عَن فَرْوَة عَن عَليّ بن مسْهر عَن
همام. وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن ابْن عُيَيْنَة عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة وَعَن ابْن نمير عَن أبي بشر عَنهُ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله الْوَحْي قد فسرناه فِيمَا مضى ولنذكر هَهُنَا أقسامه وصوره أما أقسامه فِي حق الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فعلى ثَلَاثَة أضْرب أَحدهَا سَماع الْكَلَام الْقَدِيم كسماع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِنَصّ الْقُرْآن وَنَبِينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَحِيح الْآثَار الثَّانِي وَحي رِسَالَة بِوَاسِطَة الْملك الثَّالِث وَحي تلق بِالْقَلْبِ كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي أَي فِي نَفسِي وَقيل كَانَ هَذَا حَال دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَالْوَحي إِلَى غير الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمَعْنى الإلهام كالوحي إِلَى النَّحْل وَأما صوره على مَا ذكره السُّهيْلي فسبعة الأولى الْمَنَام كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الثَّانِيَة أَن يَأْتِيهِ الْوَحْي مثل صلصلة الجرس كَمَا جَاءَ فِيهِ أَيْضا الثَّالِثَة أَن ينفث فِي روعه الْكَلَام كَمَا مر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره فِي قَوْله تَعَالَى {أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا} وَهُوَ أَن ينفث فِي روعه بِالْوَحْي الرَّابِعَة أَن يتَمَثَّل لَهُ الْملك رجلا كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث وَقد كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَة دحْيَة قلت اخْتِصَاص تمثله بِصُورَة دحْيَة دون غَيره من الصَّحَابَة لكَونه أحسن أهل زَمَانه صُورَة وَلِهَذَا كَانَ يمشي متلثما خوفًا أَن يفتتن بِهِ النِّسَاء الْخَامِسَة أَن يتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي صورته الَّتِي خلقهَا الله تَعَالَى لَهُ بستمائة جنَاح ينتشر مِنْهَا اللُّؤْلُؤ والياقوت السَّادِسَة أَن يكلمهُ الله تَعَالَى من وَرَاء حجاب إِمَّا فِي الْيَقَظَة كليلة الْإِسْرَاء أَو فِي النّوم كَمَا جَاءَ فِي التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى الحَدِيث وَحَدِيث عَائِشَة الْآتِي ذكره فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ ظَاهره أَن ذَلِك كَانَ يقظة وَفِي السِّيرَة. فَأَتَانِي وَأَنا نَائِم وَيُمكن الْجمع بِأَنَّهُ جَاءَ أَولا مناما تَوْطِئَة وتيسيرا عَلَيْهِ وترفقا بِهِ. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا مكث صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة خمس عشرَة سنة يسمع الصَّوْت وَيرى الضَّوْء سبع سِنِين وَلَا يرى شَيْئا وثماني سِنِين يُوحى إِلَيْهِ السَّابِعَة وَحي إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا جَاءَ عَن الشّعبِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكل بِهِ إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام فَكَانَ يتَرَاءَى لَهُ ثَلَاث سِنِين ويأتيه بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي وَالشَّيْء ثمَّ وكل بِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي مُسْند أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن الشّعبِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نزلت عَلَيْهِ النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة فقرن بنبوته إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث سِنِين فَكَانَ يُعلمهُ الْكَلِمَة وَالشَّيْء وَلم ينزل الْقُرْآن فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث سِنِين قرن بنبوته جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَنزل الْقُرْآن على لِسَانه عشْرين سنة عشرا بِمَكَّة وَعشرا بِالْمَدِينَةِ فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَأنكر الْوَاقِدِيّ وَغَيره كَونه وكل بِهِ غير جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ أَكثر مَا كَانَ فِي الشَّرِيعَة مِمَّا أوحى إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على لِسَان جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله أَحْيَانًا جمع حِين وَهُوَ الْوَقْت يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير قَالَ الله تَعَالَى {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر} أَي مُدَّة من الدَّهْر قَالَ الْجَوْهَرِي الْحِين الْوَقْت والحين الْمدَّة وَفُلَان يفعل كَذَا أَحْيَانًا وَفِي الْأَحَايِين. وَالْحَاصِل أَن الْحِين يُطلق على لَحْظَة من الزَّمَان فَمَا فَوْقه وَعند الْفُقَهَاء الْحِين وَالزَّمَان يَقع على سِتَّة أشهر حَتَّى لَو حلف لَا يكلمهُ حينا أَو زَمَانا أَو الْحِين أَو الزَّمَان فَهُوَ على سِتَّة أشهر قَالُوا لِأَن الْحِين قد يُرَاد بِهِ الزَّمَان الْقَلِيل وَقد يُرَاد بِهِ أَرْبَعُونَ سنة قَالَ الله تَعَالَى {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر} أَي أَرْبَعُونَ سنة وَقد يُرَاد بِهِ سِتَّة أشهر قَالَ الله تَعَالَى {تؤتي أكلهَا كل حِين} قلت هَذَا إِذا لم ينْو شَيْئا أما إِذا نوى شَيْئا فَهُوَ على مَا نَوَاه لِأَنَّهُ حَقِيقَة كَلَامه قَوْله مثل صلصلة الجرس الصلصلة بِفَتْح الصادين الْمُهْمَلَتَيْنِ الصَّوْت المتدارك الَّذِي لَا يفهم أول وهلة. وَيُقَال هِيَ صَوت كل شَيْء مصوت كصلصلة السلسلة وَفِي الْعباب صلصلة اللجام صَوته إِذا ضوعف. وَقَالَ الْخطابِيّ يُرِيد أَنه صَوت متدارك يسمعهُ وَلَا يشْتَبه أول مَا يقرع سَمعه حَتَّى يفهمهُ من بعد وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي أَمَالِيهِ الصلصلة للحديد والنحاس والصفر ويابس الطين وَمَا أشبه ذَلِك صَوته. وَفِي الْمُحكم صل يصل صليلا وصلصل وتصلصل صلصلة وتصلصلا صَوت فَإِن توهمت تَرْجِيع صَوت قلت صلصل وتصلصل. وَقَالَ القَاضِي الصلصلة صَوت الْحَدِيد فِيمَا لَهُ طنين وَقيل معنى الحَدِيث هُوَ قُوَّة صَوت حفيف أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة لتشغله عَن غير
ذَلِك وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى كَأَنَّهُ سلسلة على صَفْوَان أَي حفيف الأجنحة والجرس بِفَتْح الرَّاء هُوَ الجلجل الَّذِي يعلق فِي رَأس الدَّوَابّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي الجرس شبه ناقوس صَغِير أَو صطل فِي دَاخله قِطْعَة نُحَاس مُعَلّق منكوسا على الْبَعِير فَإِذا تحرّك تحركت النحاسة فأصابت الصطل فَتحصل صلصلة والعامة تَقول جرص بالصَّاد وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة اجْتمع فِيهَا الصَّاد وَالْجِيم إِلَّا الصمج وَهُوَ الْقنْدِيل وَأما الجص فمعرب قَالَ ابْن دُرَيْد اشتقاقه من الجرس أَي الصَّوْت والحس وَقَالَ ابْن سَيّده الجرس والجرس والجرس الْأَخِيرَة عَن كرَاع الْحَرَكَة وَالصَّوْت من كل ذِي صَوت وَقيل الجرس بِالْفَتْح إِذا أفرد فَإِذا قَالُوا مَا سَمِعت لَهُ حسا وَلَا جرسا كسروا فاتبعوا اللَّفْظ بِاللَّفْظِ قَالَ الصغاني قَالَ ابْن السّكيت الجرس والجرس الصَّوْت وَلم يفرق وَقَالَ اللَّيْث الجرس مصدر الصَّوْت المجروس والجرس بِالْكَسْرِ الصَّوْت نَفسه وجرس الْحَرْف نَغمَة الصَّوْت والحروف الثَّلَاثَة لَا جروس لَهَا أَعنِي الْوَاو وَالْيَاء وَالْألف اللينة وَسَائِر الْحُرُوف مجروسة قَوْله فَيفْصم فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات الأولى وَهِي أفصحها بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَإِسْكَان الْفَاء وَكسر الصَّاد وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ يقطع ويتجلى مَا يَغْشَانِي مِنْهُ قَالَ وأصل الفصم الْقطع وَمِنْه {لَا انفصام لَهَا} وَقيل أَنه الصدع بِلَا إبانة وبالقاف قطع بإبانة فَمَعْنَى الحَدِيث أَن الْملك فَارقه ليعود الثَّانِيَة بِضَم أَوله وَفتح ثالثه وَهِي رِوَايَة أبي ذَر الْهَرَوِيّ قلت هُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع الثلاثي فَافْهَم الثَّالِثَة بِضَم أَوله وَكسر الثَّالِثَة من أفصم الْمَطَر إِذا أقلع وَهِي لُغَة قَليلَة قلت هَذَا من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ وَمِنْه أفصمت عَنهُ الْحمى قَوْله وَقد وعيت بِفَتْح الْعين أَي فهمت وجمعت وحفظت قَالَ صَاحب الْأَفْعَال وعيت الْعلم حفظته ووعيت الْأذن سَمِعت وأوعيت الْمَتَاع جمعته فِي الْوِعَاء وَقَالَ ابْن القطاع وأوعيت الْعلم مثل وعيته وَقَوله تَعَالَى {وَالله أعلم بِمَا يوعون} أَي بِمَا يضمرون فِي قُلُوبهم من التَّكْذِيب وَقَالَ الزّجاج بِمَا يحملون فِي قُلُوبهم فَهَذَا من أوعيت الْمَتَاع قَوْله يتَمَثَّل أَي يتَصَوَّر مُشْتَقّ من الْمِثَال وَهُوَ أَن يتَكَلَّف أَن يكون مِثَالا لشَيْء آخر وشبيها لَهُ قَوْله الْملك جسم علوي لطيف يتشكل بِأَيّ شكل شَاءَ وَهُوَ قَول أَكثر الْمُسلمين وَقَالَت الفلاسفة الْمَلَائِكَة جَوَاهِر قَائِمَة بأنفسها لَيست بمتحيزة الْبَتَّةَ فَمنهمْ من هِيَ مستغرقة فِي معرفَة الله تَعَالَى فهم الْمَلَائِكَة المقربون وَمِنْهُم مدبرات هَذَا الْعَالم إِن كَانَت خيرات فهم الْمَلَائِكَة الأرضية وَإِن كَانَت شريرة فهم الشَّيَاطِين قَوْله رجلا قَالَ فِي الْعباب الرجل خلاف الْمَرْأَة وَالْجمع رجال ورجالات مثل جمال وجمالات وَقَالَ الْكسَائي جمعُوا رجلا رجلة مثل عنبة وأراجل قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ (أهم بنيه صيفهم وشتاؤهم ... وَقَالُوا تعد واغز وسط الأراجل) يَقُول أهمتهم نَفَقَة صيفهم وشتائهم وَقَالُوا لأبيهم تعد أَي انْصَرف عَنَّا وتصغير الرجل رجيل ورويجل أَيْضا على غير قِيَاس كَأَنَّهُ تَصْغِير راجل وَمِنْه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَفْلح الرويجل إِن صدق فَإِن قلت هَل يُطلق على الْمُؤَنَّث من هَذِه الْمَادَّة قلت نعم قيل الْمَرْأَة رجلة أنْشد أَبُو عَليّ وَغَيره (خرقوا جيب فَتَاتهمْ ... لم يراعوا حُرْمَة الرجلة) وَفِي شرح الْإِيضَاح اسْتشْهد بِهِ أَبُو عَليّ على قَوْله الرجلة مؤنث الرجل وَقَول الْفُقَهَاء الرجل كل ذكر من بني آدم جَاوز حد الْبلُوغ منقوض بِهِ وبإطلاق الرجل على الصَّغِير أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة} قَوْله وَإِن جَبينه الجبين طرف الْجَبْهَة وللإنسان جبينان يكتنفان الْجَبْهَة وَيُقَال الجبين غير الْجَبْهَة وَهُوَ فَوق الصدغ وهما جبينان عَن يَمِين الْجَبْهَة وشمالها قَوْله ليتفصد بِالْفَاءِ وَالصَّاد الْمُهْملَة أَي يسيل من التفصد وَهُوَ السيلان وَمِنْه الفصد وَهُوَ قطع الْعرق لإسالة الدَّم قَوْله عرقا بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الرُّطُوبَة الَّتِي تترشح من مسام الْبدن (بَيَان الصّرْف) قَوْله أشده عَليّ الأشد أفعل التَّفْضِيل من شدّ يشد قَوْله فَيفْصم من فَصم يفصم فصما من بَاب ضرب يضْرب وَلما كَانَت الْفَاء من الْحُرُوف الرخوة قَالَت الاشتقاقيون الفصم هُوَ الْقطع بِلَا إبانة وَالْقَاف لما كَانَت من الْحُرُوف الشَّدِيدَة والقلقلة الَّتِي فِيهَا ضغط وَشدَّة قَالُوا القصم بِالْقَافِ هُوَ الْقطع بإبانة واعتبروا فِي المعنين الْمُنَاسبَة قَوْله الْملك أَصله ملأك تركت الْهمزَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال واشتقاقه من الألوكة وَهِي الرسَالَة يُقَال ألكني إِلَيْهِ أَي أَرْسلنِي وَمِنْه سمى الْملك لِأَنَّهُ رَسُول من الله تَعَالَى وَجمعه مَلَائِكَة قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْمَلَائِكَة جمع ملأك على وزن الأَصْل كالشمائل جمع
شمأل وإلحاق التَّاء لتأنيث الْجمع قلت إِنَّمَا قَالَ كَذَلِك حَتَّى لَا يظنّ أَنه جمع ملك لِأَن وَزنه فعل وَهُوَ لَا يجمع على فعائل وَلَكِن أَصله ملأك وَلما أُرِيد جمعه رد إِلَى أَصله كَمَا أَن الشَّمَائِل وَهِي الرِّيَاح جمع شمأل بِالْهَمْز فِي الأَصْل لَا جمع شمال لِأَن فعالا لَا يجمع على فعائل وَفِي الْعباب الألوك والألوكة والمالكة وَالْمَالِك الرسَالَة وَإِنَّمَا سميت الرسَالَة الألوكة لِأَنَّهَا تولك فِي الْفَم من قَول الْعَرَب الْفرس يألك اللجام ألكا أَي يعلكه علكا وَقَالَ ابْن عباد قد يكون الألوك الرَّسُول وَقَالَ الصغاني والتركيب يدل على تحمل الرسَالَة قَوْله وعيت من وعاه إِذا حفظه يعيه وعيا فَهُوَ واع وَذَاكَ موعى وَأذن وَاعِيَة (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله رَسُول الله مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول سَأَلَ وَقَوله الْوَحْي بِالرَّفْع فَاعل يَأْتِيك قَوْله أَحْيَانًا نصب على الظّرْف وَالْعَامِل فِيهِ قَوْله يأتيني مُؤَخرا قَوْله مثل بِالنّصب قَالَ الْكرْمَانِي هُوَ حَال أَي يأتيني مشابها صَوته صلصلة الجرس قلت وَيجوز أَن يكون صفة لمصدر مَحْذُوف أَي يأتيني إتيانا مثل صلصلة الجرس وَيجوز فِيهِ الرّفْع من حَيْثُ الْعَرَبيَّة لَا من حَيْثُ الرِّوَايَة وَالتَّقْدِير هُوَ مثل صلصلة الجرس قَوْله وَهُوَ أشده الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله فَيفْصم عطف على قَوْله يأتيني وَالْفَاء من جملَة حُرُوف الْعَطف كَمَا علم فِي موضعهَا وَلَكِن تفِيد ثَلَاثَة أُمُور التَّرْتِيب إِمَّا معنوي كَمَا فِي قَامَ زيد فعمرو وَإِمَّا ذكري وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل نَحْو {فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ} والتعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ والسببية وَذَلِكَ غَالب فِي العاطفة جملَة أَو صفة نَحْو {فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ} و {لآكلون من شجر من زقوم فمالؤن مِنْهَا الْبُطُون فشاربون عَلَيْهِ من الْحَمِيم} قَوْله وَقد وعيت الْوَاو للْحَال وَقد علم أَن الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه وَلكنه لَا بُد من قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَهَهُنَا جَاءَ بِالْوَاو وبقد ظَاهِرَة والمقدرة بِلَا وَاو نَحْو قَوْله تَعَالَى {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} وَالتَّقْدِير قد حصرت قَوْله مَا قَالَ جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول لقَوْله وَقد وعيت وَكلمَة مَا مَوْصُولَة وَقَوله قَالَ جملَة صلتها والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره مَا قَالَه وَاعْلَم أَن الْجُمْلَة لَا حَظّ لَهَا من الْإِعْرَاب إِلَّا إِذا وَقعت موقع الْمُفْرد وَذَلِكَ بِحكم الاستقراء فِي سِتَّة مَوَاضِع خبر الْمُبْتَدَأ وَخبر بَاب إِن وَخبر بَاب كَانَ وَالْمَفْعُول الثَّانِي من بَاب حسبت وَصفَة النكرَة وَالْحَال قَوْله وَأَحْيَانا عطف على أَحْيَانًا الأولى قَوْله الْملك بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله يتَمَثَّل قَوْله لي اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل أَي لأجلي وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى عِنْد أَي يتَمَثَّل عِنْدِي الْملك رجلا كَمَا فِي قَوْلك كتبت لخمس خلون قَوْله رجلا نصب على أَنه تَمْيِيز قَالَه أَكثر الشُّرَّاح وَفِيه نظر لِأَن التَّمْيِيز مَا يرفع الْإِبْهَام المستقر عَن ذَات مَذْكُورَة أَو مقدرَة فَالْأول نَحْو عِنْدِي رَطْل زيتا وَالثَّانِي نَحْو طَابَ زيد نفسا قَالُوا وَالْفرق بَينهمَا أَن زيتا رفع الْإِبْهَام عَن رَطْل ونفسا لم يرفع إبهاما لَا عَن طَابَ وَلَا عَن زيد إِذْ لَا إِبْهَام فيهمَا بل رفع إِبْهَام مَا حصل من نسبته إِلَيْهِ وَهَهُنَا لَا يجوز أَن يكون من الْقسم الأول وَهُوَ ظَاهر وَلَا من الثَّانِي لِأَن قَوْله يتَمَثَّل لَيْسَ فِيهِ إِبْهَام وَلَا فِي قَوْله الْملك وَلَا فِي نِسْبَة التمثل إِلَى الْملك فَإِذن قَوْلهم هَذَا نصب على التَّمْيِيز غير صَحِيح بل الصَّوَاب أَن يُقَال أَنه مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَأَن الْمَعْنى يتَصَوَّر لي الْملك تصور رجل فَلَمَّا حذف الْمُضَاف الْمَنْصُوب بالمصدرية أقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَأَشَارَ الْكرْمَانِي إِلَى جَوَاز انتصابه بالمفعولية إِن ضمن تمثل معنى اتخذ أَي اتخذ الْملك رجلا مِثَالا وَهَذَا أَيْضا بعيد من جِهَة الْمَعْنى على مَا لَا يخفى وَإِلَى انتصابه بالحالية ثمَّ قَالَ فَإِن قلت الْحَال لَا بُد أَن يكون دَالا على الْهَيْئَة وَالرجل لَيْسَ بهيئة قلت مَعْنَاهُ على هَيْئَة رجل انْتهى. قلت الْأَحْوَال الَّتِي تقع من غير المشتقات لَا تؤول بِمثل هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا تؤول من لَفظهَا كَمَا فِي قَوْلك هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ رطبا وَالتَّقْدِير متبسرا ومترطبا وَأَيْضًا قَالُوا الِاسْم الدَّال على الِاسْتِمْرَار لَا يَقع حَالا وَإِن كَانَ مشتقا نَحْو أسود وأحمر لِأَنَّهُ وصف ثَابت فَمن عرف زيدا عرف أَنه أسود وَأَيْضًا الْحَال فِي الْمَعْنى خبر عَن صَاحبه فَيلْزم أَن يصدق عَلَيْهِ وَالرجل لَا يصدق على الْملك قَوْله فيكلمني الْفَاء فِيهِ وَفِي قَوْله فأعي للْعَطْف المشير إِلَى التعقيب قَوْله مَا يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول لقَوْله فأعي والعائد إِلَى الْمَوْصُول مَحْذُوف تَقْدِيره مَا يَقُوله قَوْله قَالَت عَائِشَة يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْطُوفًا على الْإِسْنَاد الأول بِدُونِ حرف الْعَطف كَمَا هُوَ مَذْهَب بعض النُّحَاة صرح بِهِ ابْن مَالك فَحِينَئِذٍ يكون حَدِيث عَائِشَة مُسْندًا وَالْآخر أَن يكون كلَاما بِرَأْسِهِ غير مشارك للْأولِ فعلى هَذَا يكون هَذَا من تعليقات البُخَارِيّ قد ذكره تَأْكِيدًا بِأَمْر الشدَّة وتأييدا
لَهُ على مَا هُوَ عَادَته فِي تراجم الْأَبْوَاب حَيْثُ يذكر مَا وَقع لَهُ من قُرْآن أَو سنة مساعدا لَهَا وَنفى بَعضهم أَن يكون هَذَا من التَّعَالِيق وَلم يقم عَلَيْهِ دَلِيلا فنفيه منفي إِذْ الأَصْل فِي الْعَطف أَن يكون بالأداة وَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن مَالك غير مَشْهُور بِخِلَاف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور قَوْله وَلَقَد رَأَيْت الْوَاو للقسم وَاللَّام للتَّأْكِيد وَقد للتحقيق وَرَأَيْت بِمَعْنى أَبْصرت فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد قَوْله ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي جملَة وَقعت حَالا وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا كَانَ مثبتا وَوَقع حَالا لَا يسوغ فِيهِ الْوَاو وَإِن كَانَ منفيا جَازَ فِيهِ الْأَمر أَن قَوْله الشَّديد صفة جرت على غير من هِيَ لَهُ لِأَنَّهُ صفة الْبرد لَا الْيَوْم قَوْله فَيفْصم عطف على قَوْله ينزل قَوْله عرقا نصب على التَّمْيِيز (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي فِيهِ مجَاز عَقْلِي وَهُوَ إِسْنَاد الْإِتْيَان إِلَى الْوَحْي كَمَا فِي أنبت الرّبيع البقل لِأَن الإنبات لله تَعَالَى لَا للربيع وَهُوَ إِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى ملابس لَهُ غير مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم فِي الظَّاهِر وَيُسمى هَذَا الْقسم أَيْضا مجَازًا فِي الْإِسْنَاد وَأَصله كَيفَ يَأْتِيك حَامِل الْوَحْي فأسند إِلَى الْوَحْي للملابسة الَّتِي بَين الْحَامِل والمحمول وَفِيه من المؤكدات وَاو الْقسم أكدت بِهِ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَوْله وَهُوَ أشده عَليّ وَلَام التَّأْكِيد وَقد الَّتِي وَضعهَا للتحقيق فِي مثل هَذَا الْموضع كَمَا فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى {قد أَفْلح من زكاها} وَذَلِكَ لِأَن مرادها الْإِشَارَة إِلَى كَثْرَة معاناته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّعَب وَالْكرب عِنْد نزُول الْوَحْي وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا ورد عَلَيْهِ الْوَحْي يجد لَهُ مشقة ويغشاه الكرب لثقل مَا يلقى عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا} وَلذَلِك كَانَ يَعْتَرِيه مثل حَال المحموم كَمَا رُوِيَ أَنه كَانَ يَأْخُذهُ عِنْد الْوَحْي الرحضاء أَي البهر والعرق من الشدَّة وَأكْثر مَا يُسمى بِهِ عرق الْحمى وَلذَلِك كَانَ جَبينه يتفصد عرقا كَمَا يفصد وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك ليبلو صبره وَيحسن تأديبه فيرتاض لاحْتِمَال مَا كلفه من أعباء النُّبُوَّة وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي حَدِيث يعلى بن أُميَّة فَأدْخل رَأسه فَإِذا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محمر الْوَجْه وَهُوَ يغط ثمَّ سرى عَنهُ وَمِنْه فِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ نَبِي الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أنزل عَلَيْهِ كرب لذَلِك وَتَربد وَجهه وَفِي حَدِيث الْإِفْك قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَأَخذه مَا كَانَ يَأْخُذهُ من البرحاء عِنْد الْوَحْي حَتَّى أَنه لينحدر مِنْهُ مثل الجمان من الْعرق فِي الْيَوْم الشاتي من ثقل القَوْل الَّذِي أنزل عَلَيْهِ قلت الرحضاء بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة الممدودة الْعرق فِي أثر الْحمى والبهر بِالضَّمِّ تتَابع النَّفس وبالفتح الْمصدر قَوْله يغط من الغطيط وَهُوَ صَوت يُخرجهُ النَّائِم مَعَ نَفسه قَوْله تَرَبد بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي تغير لَونه قَوْله البرحاء بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الممدودة وَهُوَ شدَّة الكرب وَشدَّة الْحمى أَيْضا قَوْله مثل الجمان بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم جمع جمانة وَهِي حَبَّة تعْمل من فضَّة كالدرة (بَيَان الْبَيَان) فِيهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَهُوَ أَن يكون الْوَحْي مشبها بِرَجُل مثلا ويضاف إِلَى الْمُشبه الْإِتْيَان الَّذِي هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ والاستعارة بِالْكِنَايَةِ أَن يكون الْمَذْكُور من طرفِي التَّشْبِيه هُوَ الْمُشبه وَيُرَاد بِهِ الْمُشبه بِهِ هَذَا الَّذِي مَال إِلَيْهِ السكاكي وَإِن نظر فِيهِ الْقزْوِينِي وَفِيه تَشْبِيه الجبين بالعرق المفصود مُبَالغَة فِي كَثْرَة الْعرق وَلذَلِك وَقع عرقا تمييزا لِأَنَّهُ توضيح بعد إِبْهَام وتفصيل بعد إِجْمَال وَكَذَلِكَ يدل على الْمُبَالغَة بَاب التفعل لِأَن أَصله وضع للْمُبَالَغَة وَالتَّشْدِيد وَمَعْنَاهُ أَن الْفَاعِل يتعانى ذَلِك الْفِعْل ليحصل بمعاناته كتشجع إِذْ مَعْنَاهُ اسْتعْمل الشجَاعَة وكلف نَفسه إِيَّاهَا ليحصلها (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي وَالْجَوَاب على النَّوْع الثَّانِي من كَيْفيَّة الْحَامِل للوحي وَأجِيب بِأَنا لَا نسلم أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي بل عَن كَيْفيَّة حامله وَلَئِن سلمنَا فبيان كَيْفيَّة الْحَامِل مشْعر بكيفية الْوَحْي حَيْثُ قَالَ فيكلمني أَي تَارَة يكون كالصلصلة وَتارَة يكون كلَاما صَرِيحًا ظَاهر الْفَهم وَالدّلَالَة قلت بل نسلم أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي لِأَن بِلَفْظَة كَيفَ يسْأَل عَن حَال الشَّيْء فَإِذا قلت كَيفَ زيد مَعْنَاهُ أصحيح أم سقيم وَالْجَوَاب أَيْضا مُطَابق لِأَنَّهُ قَالَ أَحْيَانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن الْجَواب عَن السُّؤَال مَعَ زِيَادَة لِأَن السَّائِل سَأَلَ عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي وَبَينه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله يأتيني مثل صلصلة الجرس مَعَ بَيَان حَامِل الْوَحْي أَيْضا بقوله وَأَحْيَانا يتَمَثَّل لي الْملك رجلا فيكلمني وَإِنَّمَا زَاد على الْجَواب لِأَنَّهُ رُبمَا فهم من السَّائِل أَنه يعود يسْأَل عَن كَيْفيَّة حَامِل الْوَحْي أَيْضا فَأَجَابَهُ
عَن ذَلِك قبل أَن يحوجه إِلَى السُّؤَال فَافْهَم الثَّانِي مَا قيل لم قَالَ فِي الأول وعيت مَا قَالَ بِلَفْظ الْمَاضِي وَفِي الثَّانِي فأعي مَا يَقُول بِلَفْظ الْمُضَارع وَأجِيب بِأَن الوعي فِي الأول حصل قبل الفصم وَلَا يتَصَوَّر بعده وَفِي الثَّانِي الوعي حَال المكالمة وَلَا يتَصَوَّر قبلهَا أَو لِأَنَّهُ كَانَ الوعي فِي الأول عِنْد غَلَبَة التَّلَبُّس بِالصِّفَاتِ الملكية فَإِذا عَاد إِلَى حَالَته الجبلية كَانَ حَافِظًا فَأخْبر عَن الْمَاضِي بِخِلَاف الثَّانِي فَإِنَّهُ على حَالَته الْمَعْهُودَة أَو يُقَال لَفْظَة قد تقرب الْمَاضِي إِلَى الْحَال وأعي فعل مضارع للْحَال فَهَذَا لما كَانَ صَرِيحًا يحفظه فِي الْحَال وَذَلِكَ. يقرب من أَن يحفظه إِذْ يحْتَاج فِيهِ إِلَى استثبات الثَّالِث مَا قيل أَن أَبَا دَاوُد قد روى من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ كُنَّا نسْمع عِنْده مثل دوِي النَّحْل وَهَهُنَا يَقُول مثل صلصلة الجرس وَبَينهمَا تفَاوت وَأجِيب بِأَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَة وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. الرَّابِع مَا قيل كَيفَ مثل بصلصلة الجرس وَقد كره صحبته فِي السّفر لِأَنَّهُ مزمار الشَّيْطَان كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن حبَان وَقيل كرهه لِأَنَّهُ يدل على أَصْحَابه بِصَوْتِهِ وَكَانَ يحب أَن لَا يعلم الْعَدو بِهِ حَتَّى يَأْتِيهم فَجْأَة حَكَاهُ ابْن الْأَثِير قلت يحْتَمل أَن تكون الْكَرَاهَة بعد إخْبَاره عَن كَيْفيَّة الْوَحْي. الْخَامِس مَا قيل ذكر فِي هَذَا الحَدِيث حالتين من أَحْوَال الْوَحْي وهما مثل صلصلة الجرس وتمثل الْملك رجلا وَلم يذكر الرُّؤْيَا فِي النّوم مَعَ إِعْلَامه لنا أَن رُؤْيَاهُ حق. أُجِيب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة قد يشركهُ فِيهَا غَيره بِخِلَاف الْأَوَّلين وَالْآخر لَعَلَّه علم أَن قصد السَّائِل بسؤاله مَا خص بِهِ وَلَا يعرف إِلَّا من جِهَته وَقَالَ بَعضهم كَانَ عِنْد السُّؤَال نزُول الْوَحْي على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ إِذْ الْوَحْي على سَبِيل الرُّؤْيَا إِنَّمَا كَانَ فِي أول الْبعْثَة لِأَن أول مَا بدىء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْوَحْي الرُّؤْيَا ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء كَمَا رُوِيَ فِي الحَدِيث وَقيل ذَلِك فِي سِتَّة أشهر فَقَط وَقَالَ آخَرُونَ كَانَت الْمَوْجُودَة من الرُّؤْيَا بعد إرْسَال الْملك منغمرة فِي الْوَحْي فَلم تحسب وَيُقَال كَانَ السُّؤَال عَن كَيْفيَّة الْوَحْي فِي حَال الْيَقَظَة السَّادِس مَا قيل مَا وَجه الْحصْر فِي الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين أُجِيب بِأَن سنة الله لما جرت من أَنه لَا بُد من مُنَاسبَة بَين الْقَائِل وَالسَّامِع حَتَّى يَصح بَينهمَا التحاور والتعليم والتعلم فَتلك الْمُنَاسبَة إِمَّا باتصاف السَّامع بِوَصْف الْقَائِل بِغَلَبَة الروحانية عَلَيْهِ وَهُوَ النَّوْع الأول أَو باتصاف الْقَائِل بِوَصْف السَّامع وَهُوَ النَّوْع الثَّانِي. السَّابِع مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي ضربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَواب بِالْمثلِ الْمَذْكُور أُجِيب بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ معتنيا بالبلاغة مكاشفا بالعلوم الغيبية وَكَانَ يوفر على الْأمة حصتهم بِقدر الاستعداد فَإِذا أُرِيد أَن ينبئهم بِمَا لَا عهد لَهُم بِهِ من تِلْكَ الْعُلُوم صاغ لَهَا أَمْثِلَة من عَالم الشَّهَادَة ليعرفوا بِمَا شاهدوه مَا لم يشاهدوه فَلَمَّا سَأَلَهُ الصَّحَابِيّ عَن كَيْفيَّة الْوَحْي وَكَانَ ذَلِك من الْمسَائِل الغويصة ضرب لَهَا فِي الشَّاهِد مثلا بالصوت المتدارك الَّذِي يسمع وَلَا يفهم مِنْهُ شَيْء تَنْبِيها على أَن إتيانها يرد على الْقلب فِي لبسة الْجلَال فَيَأْخُذ هَيْبَة الْخطاب حِين وُرُودهَا بِمَجَامِع الْقُلُوب ويلاقي من ثقل القَوْل مَا لَا علم لَهُ بالْقَوْل مَعَ وجود ذَلِك فَإِذا كشف عَنهُ وجد القَوْل الْمنزل بَينا فَيلقى فِي الروع وَاقعا موقع المسموع وَهَذَا معنى قَوْله فَيفْصم عني وَهَذَا الضَّرْب من الْوَحْي شَبيه بِمَا يُوحى إِلَى الْمَلَائِكَة على مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِذا قضى الله فِي السَّمَاء أمرا ضربت الْمَلَائِكَة بأجنحتها خضعانا لقَوْله كَأَنَّهَا سلسلة على الْحجر) فَإِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير) . هَذَا. وَقد تبين لنا من هَذَا الحَدِيث أَن الْوَحْي كَانَ يَأْتِيهِ على صفتين أولاهما أَشد من الْأُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يرد فيهمَا من الطباع البشرية إِلَى الأوضاع الملكية فيوحى إِلَيْهِ كَمَا يُوحى إِلَى الْمَلَائِكَة وَالْأُخْرَى يرد فِيهَا الْملك إِلَى شكل الْبشر وشاكلته وَكَانَت هَذِه أيسر الثَّامِن مَا قيل من المُرَاد من الْملك فِي قَوْله يتَمَثَّل لي الْملك رجلا أُجِيب بِأَنَّهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لِأَن اللَّام فِيهِ للْعهد وَلقَائِل أَن يَقُول لم لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ قرن بنبوته ثَلَاث سِنِين كَمَا ذكرنَا فَإِن عورض بِأَن إسْرَافيل لم ينزل الْقُرْآن قطّ وَإِنَّمَا كَانَ ينزل بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي أُجِيب بِأَنَّهُ لم يذكر هَهُنَا شَيْء من نزُول الْقُرْآن وَإِنَّمَا الْملك الَّذِي نزل بِالْقُرْآنِ هُوَ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الْآتِي حَيْثُ قَالَ فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ الحَدِيث وَلَقَد حضرت يَوْمًا مجْلِس حَدِيث بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ فِيهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء لَا سِيمَا من المنتسبين إِلَى معرفَة علم الحَدِيث فَقَرَأَ القارىء من أول البُخَارِيّ حَتَّى وصل إِلَى قَوْله فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ فسألتهم عَن الْملك من هُوَ فَقَالُوا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقلت مَا الدَّلِيل على ذَلِك من النَّقْل فتحيروا ثمَّ تصدى وَاحِد مِنْهُم فَقَالَ لَا نعلم ملكا نزل عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة
وَالسَّلَام غير جِبْرِيل قلت قد نزل عَلَيْهِ إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث سِنِين كَمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده كَمَا ذَكرْنَاهُ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ قَالَ الله عز وَجل {نزل بِهِ الرّوح الْأمين} أَي بِالْقُرْآنِ وَالروح الْأمين هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام. قلت قد سمي بِالروحِ غير جِبْرِيل قَالَ الله تَعَالَى {يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا} وَعَن ابْن عَبَّاس هُوَ ملك من أعظم الْمَلَائِكَة خلقا فأفحم عِنْد ذَلِك فَقلت جِبْرِيل قد تميز عَنهُ بِصفة الْأَمَانَة لِأَن الله تَعَالَى سَمَّاهُ أَمينا وسمى ذَلِك الْملك روحا فَقَط على أَنه قد روى عَن الشّعبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك أَن المُرَاد بِالروحِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَوْم يقوم الرّوح} هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ من أَيْن علمنَا أَن المُرَاد من الرّوح الْأمين هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قلت بتفسير الْمُفَسّرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتفسيرهم مَحْمُول على السماع لِأَن الْعقل لَا مجَال فِيهِ على أَن من جملَة أَسبَاب الْعلم الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار من لدن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَن الَّذِي نزل بِالْقُرْآنِ على نَبينَا عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام من غير نَكِير مُنكر وَلَا رد راد حَتَّى عرف بِذكر أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى. وَرُوِيَ أَن عبد الله بن صوريا من أَحْبَار فدك حَاج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسَأَلَهُ عَمَّن يهْبط عَلَيْهِ بِالْوَحْي فَقَالَ جِبْرِيل فَقَالَ ذَاك عدونا وَلَو كَانَ غَيره لآمَنَّا بك وَقد عَادَانَا مرَارًا وأشدها أَنه أنزل على نَبينَا أَن بَيت الْمُقَدّس سيخربه بخْتنصر فَبَعَثنَا من يقْتله فَلَقِيَهُ بِبَابِل غُلَاما مِسْكينا فَدفع عَنهُ جِبْرِيل وَقَالَ إِن كَانَ ربكُم أمره بِهَلَاكِكُمْ فَإِنَّهُ لَا يسلطكم عَلَيْهِ وَإِن لم يكن إِيَّاه فعلى أَي حق تَقْتُلُونَهُ فَنزل قَوْله تَعَالَى {قل من كَانَ عدوا لجبريل} الْآيَة وَرُوِيَ أَنه كَانَ لعمر رَضِي الله عَنهُ أَرض بِأَعْلَى الْمَدِينَة وَكَانَ مَمَره على مدارس الْيَهُود فَكَانَ يجلس إِلَيْهِم وَيسمع كَلَامهم فَقَالُوا يَا عمر قد أَحْبَبْنَاك وَإِنَّا لَنَطْمَع فِيك فَقَالَ وَالله لَا أُجِيبكُم لِحُبِّكُمْ وَلَا أَسأَلكُم لِأَنِّي شَاك فِي ديني وَإِنَّمَا أَدخل عَلَيْكُم لِأَزْدَادَ بَصِيرَة فِي أَمر مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأرى إثارة فِي كتابكُمْ ثمَّ سَأَلَهُمْ عَن جِبْرِيل فَقَالُوا ذَلِك عدونا يطلع مُحَمَّدًا على أَسْرَارنَا وَهُوَ صَاحب كل خسف وَعَذَاب وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا مَا رُوِيَ مَرْفُوعا إِذا أَرَادَ الله أَن يوحي بِالْأَمر تكلم بِالْوَحْي أخذت السَّمَاء مِنْهُ رَجْفَة أَو قَالَ رعدة شَدِيدَة خوفًا من الله تَعَالَى فَإِذا سمع ذَلِك أهل السَّمَوَات صعقوا وخروا لله سجدا فَيكون أول مَا يرفع رَأسه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فيكلمه من وحيه بِمَا أَرَادَ ثمَّ يمر جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام على الْمَلَائِكَة كلما مر على سَمَاء سَأَلَهُ ملائكتها مَاذَا قَالَ رَبنَا يَا جِبْرِيل {قَالَ الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير} فَيَقُولُونَ كلهم مثل مَا قَالَ جِبْرِيل فينتهي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ أمره الله تَعَالَى. التَّاسِع مَا قيل كَيفَ كَانَ سَماع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْملك الْوَحْي من الله تَعَالَى أُجِيب بِأَن الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ وَسَمَاع النَّبِي وَالْملك عَلَيْهِمَا السَّلَام الْوَحْي من الله تَعَالَى بِغَيْر وَاسِطَة يَسْتَحِيل أَن يكون بِحرف أَو صَوت لَكِن يكون بِخلق الله تَعَالَى للسامع علما ضَرُورِيًّا بِثَلَاثَة أُمُور بالمتكلم وَبِأَن مَا سَمعه كَلَامه وبمراده من كَلَامه وَالْقُدْرَة الأزلية لَا تقصر عَن اضطرار النَّبِي وَالْملك إِلَى الْعلم بذلك وكما أَن كَلَامه تَعَالَى لَيْسَ من جنس كَلَام الْبشر فسماعه الَّذِي يخلقه لعَبْدِهِ لَيْسَ من جنس سَماع الْأَصْوَات وَلذَلِك عسر علينا فهم كَيْفيَّة سَماع مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لكَلَامه تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت كَمَا يعسر على الأكمه كَيْفيَّة إِدْرَاك الْبَصَر للألوان أما سَمَاعه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَيحْتَمل أَن يكون بِحرف وَصَوت دَال على معنى كَلَام الله تَعَالَى فالمسموع الْأَصْوَات الْحَادِثَة وَهِي فعل الْملك دون نفس الْكَلَام وَلَا يكون هَذَا سَمَاعا لكَلَام الله تَعَالَى من غير وَاسِطَة وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهِ أَنه سَماع كَلَام الله تَعَالَى وَسَمَاع الْأمة من الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كسماع الرَّسُول من الْملك وَطَرِيق الْفَهم فِيهِ تَقْدِيم الْمعرفَة بِوَضْع اللُّغَة الَّتِي تقع بهَا المخاطبة وَحكي الْقَرَافِيّ خلافًا للْعُلَمَاء فِي ابْتِدَاء الْوَحْي هَل كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ينْقل لَهُ ملك عَن الله عز وَجل أَو يخلق لَهُ علم ضَرُورِيّ بِأَن الله تَعَالَى طلب مِنْهُ أَن يَأْتِي مُحَمَّدًا أَو غَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِسُورَة كَذَا أَو خلق لَهُ علما ضَرُورِيًّا بِأَن يَأْتِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فينقل مِنْهُ كَذَا. الْعَاشِر مَا قيل مَا حَقِيقَة تمثل جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَهُ رجلا أُجِيب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن الله تَعَالَى أفنى الزَّائِد من خلقه ثمَّ أَعَادَهُ عَلَيْهِ وَيحْتَمل أَن يُزِيلهُ عَنهُ ثمَّ يُعِيدهُ إِلَيْهِ بعد التَّبْلِيغ نبه على ذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأما التَّدَاخُل فَلَا يَصح على مَذْهَب أهل الْحق. الْحَادِي عشر مَا قيل إِذا لَقِي جِبْرِيل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي صُورَة دحْيَة فَأَيْنَ تكون روحه فَإِن كَانَ فِي الْجَسَد الَّذِي لَهُ سِتّمائَة جنَاح فَالَّذِي أَتَى لَا روح جِبْرِيل وَلَا جسده وَإِن كَانَ فِي هَذَا
الَّذِي هُوَ فِي صُورَة دحْيَة فَهَل يَمُوت الْجَسَد الْعَظِيم أم يبْقى خَالِيا من الرّوح المنتقلة عَنهُ إِلَى الْجَسَد الْمُشبه بجسد دحْيَة. أُجِيب بِأَنَّهُ لَا يبعد أَن لَا يكون انتقالها مُوجب مَوته فَيبقى الْجَسَد حَيا لَا ينقص من مُفَارقَته شَيْء وَيكون انْتِقَال روحه إِلَى الْجَسَد الثَّانِي كانتقال أَرْوَاح الشُّهَدَاء إِلَى أَجْوَاف طير خضر وَمَوْت الأجساد بمفارقة الْأَرْوَاح لَيْسَ بِوَاجِب عقلا بل بعادة أجراها الله تَعَالَى فِي بني آدم فَلَا يلْزم فِي غَيرهم. الثَّانِي عشر مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي الشدَّة الْمَذْكُورَة. أُجِيب لِأَن يحسن حفظه أَو يكون لابتلاء صبره أَو للخوف من التَّقْصِير. وَقَالَ الْخطابِيّ هِيَ شدَّة الامتحان ليبلو صبره وَيحسن تأديبه فيرتاض لاحْتِمَال مَا كلف من أعباء النُّبُوَّة أَو ذَلِك لما يستشعره من الْخَوْف لوُقُوع تَقْصِير فِيمَا أَمر بِهِ من حسن ضَبطه أَو اعْتِرَاض خلل دونه وَقد أنزل عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمَا ترتاع لَهُ النُّفُوس ويعظم بِهِ وَجل الْقُلُوب فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَو تَقول علينا بعض الْأَقَاوِيل لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثمَّ لقطعنا مِنْهُ الوتين} . الثَّالِث عشر مَا قيل مَا وَجه سُؤال الصَّحَابَة عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن كَيْفيَّة الْوَحْي أُجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لطلب الطُّمَأْنِينَة فَلَا يقْدَح ذَلِك فيهم وَكَانُوا يسألونه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن الْأُمُور الَّتِي لَا تدْرك بالحس فيخبرهم بهَا وَلَا يُنكر ذَلِك عَلَيْهِم. (استنباط الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه. الأول فِيهِ إِثْبَات الْمَلَائِكَة ردا على من أنكرهم من الْمَلَاحِدَة والفلاسفة. الثَّانِي فِيهِ أَن الصَّحَابَة كَانُوا يسألونه عَن كثير من الْمعَانِي وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يجمعهُمْ وَيُعلمهُم وَكَانَت طَائِفَة تسْأَل وَأُخْرَى تحفظ وَتُؤَدِّي وتبلغ حَتَّى أكمل الله تَعَالَى دينه. الثَّالِث فِيهِ دلَالَة على أَن الْملك لَهُ قدرَة على التشكل بِمَا شَاءَ من الصُّور. 3 - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا قَالَت أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة فِي النّوم فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء وَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء فَيَتَحَنَّث فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّد اللَّيَالِي ذوت الْعدَد قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله ويتزود لذَلِك ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحق وَهُوَ فِي غَار حراء فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ قَالَ مَا أَنا بقاريء قَالَ فأخذني فغطني حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ قلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّانِيَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ فَقلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّالِثَة ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم فَرجع بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرجف فُؤَاده فَدخل على خَدِيجَة بنت خويلد رَضِي الله عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فزملوه حَتَّى ذهب عَنهُ الروع فَقَالَ لِخَدِيجَة وأخبرها الْخَبَر لقد خشيت على نَفسِي فَقَالَت خَدِيجَة كلا وَالله مَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتحمل الْكل وتكسب الْمَعْدُوم وتقري الضَّيْف وَتعين على نَوَائِب الْحق فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى ابْن عَم خَدِيجَة وَكَانَ امْرأ تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمي فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة يَا ابْن عَم اسْمَع من ابْن أَخِيك فَقَالَ لَهُ ورقة يَا ابْن أخي مَاذَا ترى فَأخْبرهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خبر مَا رأى فَقَالَ لَهُ ورقة هَذَا الناموس الَّذِي نزل الله على مُوسَى يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا لَيْتَني أكون حَيا إِذْ يخْرجك قَوْمك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَو مخرجي هم قَالَ نعم لم يَأْتِ رجل قطّ بِمثل مَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا ثمَّ لم ينشب ورقة أَن توفّي وفتر الْوَحْي قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن أَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ قَالَ وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي فَقَالَ فِي حَدِيثه بَينا أَنا أَمْشِي إِذْ سَمِعت صَوتا من السَّمَاء فَرفعت بَصرِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالس على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَرُعِبْت مِنْهُ فَرَجَعت فَقلت زَمِّلُونِي فَأنْزل الله تَعَالَى يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر إِلَى قَوْله وَالرجز فاهجر فحمي الْوَحْي وتتابع تَابعه عبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح وَتَابعه هِلَال بن رداد عَن الزُّهْرِيّ وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره) هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فَإِن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لم تدْرك هَذِه الْقَضِيَّة فَتكون سَمعتهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من صَحَابِيّ وَقَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَغَيره من أَحْدَاث الصَّحَابَة مِمَّا لم يحضروه وَلم يدركوه فَهُوَ فِي حكم الْمَوْصُول الْمسند لِأَن روايتهم عَن الصَّحَابَة وجهالة الصَّحَابِيّ غير قادحة وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَق الإسفرايني لَا يحْتَج بِهِ إِلَّا أَن يَقُول أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن صَحَابِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ وَالصَّوَاب الأول وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الظَّاهِر أَنَّهَا سَمِعت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقولها قَالَ فأخذني فغطني فَيكون قَوْلهَا أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِكَايَة مَا تلفظ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَقَوْلِه تَعَالَى {قل للَّذين كفرُوا ستغلبون} بِالتَّاءِ وَالْيَاء قلت لم لَا يجوز أَن يكون هَذَا بطرِيق الْحِكَايَة عَن غَيره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَا يكون سماعهَا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وعَلى كل تَقْدِير فَالْحَدِيث فِي حكم الْمُتَّصِل الْمسند. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة الْقرشِي المَخْزُومِي الْمصْرِيّ نسبه البُخَارِيّ إِلَى جده يدلسه ولد سنة أَربع وَقيل خمس وَخمسين وَمِائَة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من كبار حفاظ المصريين وَأثبت النَّاس فِي اللَّيْث بن سعد روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي مَوَاضِع وروى عَن مُحَمَّد بن عبد الله هُوَ الذهلي عَنهُ فِي مَوَاضِع قَالَه أَبُو نصر الكلاباذي وَقَالَ الْمَقْدِسِي تَارَة يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد وَلَا يزِيد عَلَيْهِ وَتارَة مُحَمَّد بن عبد الله وَإِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب الذهلي وَتارَة ينْسبهُ إِلَى جده فَيَقُول مُحَمَّد بن عبد الله وَتارَة مُحَمَّد بن خَالِد بن فَارس وَلم يقل فِي مَوضِع حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى وروى مُسلم حَدثنَا عَن أبي زرْعَة عَن يحيى وروى ابْن ماجة عَن رجل عَنهُ قَالَ أَبُو حَاتِم كَانَ يفهم هَذَا الشَّأْن وَلَا يحْتَج بِهِ يكْتب حَدِيثه وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِثِقَة وَوَثَّقَهُ غَيرهمَا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عِنْدِي مَا بِهِ بَأْس وَأخرج لَهُ مُسلم عَن اللَّيْث وَعَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن وَلم يخرج لَهُ عَن مَالك شَيْئا وَلَعَلَّه وَالله أعلم لقَوْل الْبَاجِيّ وَقد تكلم أهل الحَدِيث فِي سَمَاعه الْمُوَطَّأ عَن مَالك مَعَ أَن جمَاعَة قَالُوا هُوَ أحد من روى الْمُوَطَّأ عَن مَالك. الثَّانِي اللَّيْث بن سعد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْحَارِث الفهمي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ عَالم أهل مصر من تَابِعِيّ التَّابِعين مولى عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي وَقيل مولى خَالِد بن ثَابت وَفهم من قيس غيلَان ولد بقلقشندة على نَحْو أَربع فراسخ من الْقَاهِرَة سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمَات فِي شعْبَان سنة خمس وَسبعين وَمِائَة وقبره فِي قرافة مصر يزار وَكَانَ إِمَامًا كَبِيرا مجمعا على جلالته وثقته وَكَرمه وَكَانَ على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة قَالَه القَاضِي ابْن خلكان وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه اللَّيْث بن سعد سواهُ نعم فِي الروَاة ثَلَاثَة غَيره أحدهم مصري وكنيته أَبُو الْحَرْث أَيْضا وَهُوَ ابْن أخي سعيد بن الحكم. وَالثَّانِي يرْوى عَن ابْن وهب ذكرهمَا ابْن يُونُس فِي تَارِيخ مصر. وَالثَّالِث تنيسي حدث عَن بكر بن سهل الثَّالِث أَبُو خَالِد عقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد بن عقيل بِفَتْح الْعين الأيلى بِالْمُثَنَّاةِ تَحت الْقرشِي الْأمَوِي مولى عُثْمَان بن عَفَّان الْحَافِظ مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَقيل سنة أَربع بِمصْر فَجْأَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه عقيل بِضَم الْعين غَيره الرَّابِع هُوَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُسلم بن عبيد الله بن شهَاب بن عبد الله بن الْحَرْث
ابْن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي الزُّهْرِيّ الْمدنِي سكن الشَّام وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير سمع أنسا وَرَبِيعَة بن عباد وخلقا من الصَّحَابَة وَرَأى ابْن عمر وروى عَنهُ وَيُقَال سمع مِنْهُ حديثين وَعنهُ جماعات من كبار التَّابِعين مِنْهُم عَطاء وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَمن صغارهم وَمن الأتباع أَيْضا مَاتَ بِالشَّام وَأوصى بِأَن يدْفن على الطَّرِيق بقرية يُقَال لَهَا شغب وبدا فِي رَمَضَان سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة وَهُوَ ابْن اثْنَيْنِ وَسبعين سنة قلت شغب بِفَتْح الشين وَسُكُون الْغَيْن المعجمتين وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وبدا بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَامِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام السَّادِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَقد مر ذكرهمَا (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن هَذَا الْإِسْنَاد على شَرط السِّتَّة إِلَّا يحيى فعلى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَمِنْهَا أَن رِجَاله مَا بَين مصري ومدني وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما الزُّهْرِيّ وَعُرْوَة (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَالتَّعْبِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد بن مَرْوَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رزمة عَن أبي صَالح سلمويه عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَفِي الْإِيمَان عَن أبي رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن عبد الْملك عَن أَبِيه عَن جده عَن عقيل وَعَن أبي الطَّاهِر عَن أبي وهب عَن يُونُس كلهم عَن الزُّهْرِيّ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أول مَا بدىء بِهِ قد ذكر بَعضهم أول الشَّيْء فِي بَاب أول وَبَعْضهمْ فِي بَاب وأل وَذكره الصغاني فِي هَذَا الْبَاب وَقَالَ الأول نقيض الآخر وَأَصله أوأل على وزن أفعل مَهْمُوز الْوسط قلبت الْهمزَة واوا وأدغمت الْوَاو فِي الْوَاو وَيدل على هَذَا قَوْلهم هَذَا أول مِنْك وَالْجمع الْأَوَائِل والأوالىء على الْقلب وَقَالَ قوم أَصله وول على وزن فوعل فقلبت الْوَاو الأولى همزَة وَإِنَّمَا لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجْتِمَاع واوين بَينهمَا ألف الْجمع وَهُوَ إِذا جعلته صفة لم تصرفه تَقول لَقيته عَاما أول وَإِذا لم تَجْعَلهُ صفة صرفته تَقول لَقيته عَاما أَولا قَالَ ابْن السّكيت وَلَا تقل عَام الأول وَقَالَ أَبُو زيد يُقَال لَقيته عَام الأول وَيَوْم الأول بجر آخِره وَهُوَ كَقَوْلِك أتيت مَسْجِد الْجَامِع وَقَالَ الْأَزْهَرِي هَذَا من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَعته قَوْله بدىء بِهِ من بدأت بالشَّيْء بَدَأَ ابتدأت بِهِ وبدأت الشَّيْء فعلته ابْتِدَاء وَبَدَأَ الله الْخلق وأبدأهم بِمَعْنى قَوْله من الْوَحْي قد مر تَفْسِير الْوَحْي مُسْتَوْفِي قَوْله الرُّؤْيَا على وزن فعلى كحبلى يُقَال رأى رُؤْيا بِلَا تَنْوِين وَجَمعهَا روى بِالتَّنْوِينِ على وزن دعى قَوْله فلق الصُّبْح بِفَتْح الْفَاء وَاللَّام وَهُوَ ضِيَاء الصُّبْح وَكَذَلِكَ فرق الصُّبْح بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا فِي الشَّيْء الْبَين الْوَاضِح وَيُقَال الْفرق أبين من فلق الصُّبْح قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فالق الإصباح} ضوء الشَّمْس وضوء الْقَمَر بِاللَّيْلِ حَكَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب التَّعْبِير وَيُقَال الفلق مصدر كالانفلاق وَفِي الْمطَالع قَالَ الْخَلِيل الفلق الصُّبْح قلت فعلى هَذَا تكون الْإِضَافَة فِيهِ للتخصيص وَالْبَيَان وَيُقَال الفلق الصُّبْح لكنه لما كَانَ مُسْتَعْملا فِي هَذَا الْمَعْنى وَفِي غَيره أضيف إِلَيْهِ إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص كَقَوْلِهِم عين الشَّيْء وَنَفسه. وَفِي الْعباب يُقَال هُوَ أبين من فلق الصُّبْح وَمن فرق الصُّبْح وَمِنْه حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح أَي مبينَة مثل مجىء الصُّبْح قَالَ الْكرْمَانِي وَالصَّحِيح أَنه بِمَعْنى المفلوق وَهُوَ اسْم للصبح فأضيف أَحدهمَا إِلَى الآخر لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَقد جَاءَ الفلق مُنْفَردا عَن الصُّبْح قَالَ تَعَالَى {قل أعوذ بِرَبّ الفلق} قلت تنصيصه على الصَّحِيح غير صَحِيح بل الصَّحِيح أَنه إِمَّا اسْم للصبح وجوزت الْإِضَافَة فِيهِ لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَإِمَّا مصدر بِمَعْنى الانفلاق وَهُوَ الانشقاق من فلقت الشَّيْء أفلقه بِالْكَسْرِ فلقا إِذا شققته وَأما الفلق فِي الْآيَة فقد اخْتلف الْأَقْوَال فِيهِ. قَوْله الْخَلَاء بِالْمدِّ وَهُوَ الْخلْوَة يُقَال خلا الشَّيْء يَخْلُو خلوا وخلوت بِهِ خلْوَة وخلاء وَالْمُنَاسِب هَهُنَا أَن يُفَسر الْخَلَاء بِمَعْنى الاختلاء أَو بالخلاء الَّذِي هُوَ الْمَكَان الَّذِي لَا شَيْء بِهِ على مَا لَا يخفى على من لَهُ ذوق من الْمعَانِي الدقيقة. قَوْله بِغَار حراء الْغَار بالغين الْمُعْجَمَة فسره جَمِيع شرَّاح البُخَارِيّ بِأَنَّهُ النقب فِي الْجَبَل وَهُوَ قريب من معنى الْكَهْف قلت الْغَار هُوَ الْكَهْف وَفِي الْعباب الْغَار كالكهف فِي الْجَبَل وَيجمع على غيران ويصغر على غوير فتصغيره يدل على أَنه واوي فَلذَلِك ذكره فِي الْعباب فِي فصل غور وحراء بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الرَّاء بِالْمدِّ وَهُوَ مَصْرُوف على الصَّحِيح وَمِنْهُم من منع صرفه وَيذكر على الصَّحِيح أَيْضا وَمِنْهُم من أنثه وَمِنْهُم من قصره أَيْضا فَهَذِهِ سِتّ لُغَات قَالَ القَاضِي
عِيَاض يمد وَيقصر وَيذكر وَيُؤَنث وَيصرف وَلَا يصرف والتذكير أَكثر فَمن ذكره صرفه وَمن أنثه لم يصرفهُ يَعْنِي على إِرَادَة الْبقْعَة أَو الْجِهَة الَّتِي فِيهَا الْجَبَل وَضَبطه الْأصيلِيّ بِفَتْح الْحَاء وَالْقصر وَهُوَ غَرِيب وَقَالَ الْخطابِيّ الْعَوام يخطؤن فِي حراء فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع يفتحون الْحَاء وَهِي مَكْسُورَة ويكسرون الرَّاء وَهِي مَفْتُوحَة ويقصرون الْألف وَهِي ممدودة وَقَالَ التَّيْمِيّ الْعَامَّة لحنت فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع فتح الْحَاء وَقصر الْألف وَترك صرفه وَهُوَ مَصْرُوف فِي الِاخْتِيَار لِأَنَّهُ اسْم جبل وَقَالَ الْكرْمَانِي إِذا جَمعنَا بَين كلاميهما يلْزم اللّحن فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَهُوَ من الغرائب إِذْ بِعَدَد كل حرف لحن. وَلقَائِل أَن يَقُول كسر الرَّاء لَيْسَ بلحن لِأَنَّهُ بطرِيق الإمالة وَهُوَ جبل بَينه وَبَين مَكَّة نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال عَن يسارك إِذا سرت إِلَى منى لَهُ قلَّة مشرفة إِلَى الْكَعْبَة منحنية وَذكر الْكَلْبِيّ أَن حراء وثبير سميا باسمي ابْني عَم عَاد الأولى. قلت ثبير بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ جبل يرى من منى والمزدلفة قَوْله فَيَتَحَنَّث بِالْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ النُّون ثمَّ الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَقد فسره فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ التَّعَبُّد وَقَالَ الصغاني التحنث إِلْقَاء الْحِنْث يُقَال تَحنث أَي تنحى عَن الْحِنْث وتأثم أَي تنحى عَن الْإِثْم وتحرج أَي تنحى عَن الْحَرج وتحنث اعتزل الْأَصْنَام مثل تحنف. وَفِي الْمطَالع يَتَحَنَّث مَعْنَاهُ يطْرَح الْإِثْم عَن نَفسه بِفعل مَا يُخرجهُ عَنهُ من الْبر وَمِنْه قَول حَكِيم أَشْيَاء كنت أتحنث وَفِي رِوَايَة كنت أتبرر بهَا أَي أطلب الْبر بهَا وأطرح الْإِثْم وَقَول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَلَا أتحنث إِلَى نذري أَي أكتسب الْحِنْث وَهُوَ الذَّنب وَهَذَا عكس مَا تقدم. وَقَالَ الْخطابِيّ وَنَظِيره فِي الْكَلَام التحوب والتأثم أَي ألْقى الْحُوب وَالْإِثْم عَن نَفسه قَالُوا وَلَيْسَ فِي كَلَامهم تفعل فِي هَذَا الْمَعْنى غير هَذِه وَقَالَ الْكرْمَانِي هَذِه شَهَادَة نفي كَيفَ وَقد ثَبت فِي الْكتب الصرفية أَن بَاب تفعل يَجِيء للتجنب كثيرا نَحْو تحرج وتخون أَي اجْتنب الْحَرج والخيانة وَغير ذَلِك. قلت جَاءَت مِنْهُ أَلْفَاظ نَحْو تَحنث وتأثم وتحرج وتحوب وتهجد وتنجس وتقذر وتحنف وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فلَان يتهجد إِذا كَانَ يخرج من الهجود وتنجس إِذا فعل فعلا يخرج بِهِ عَن النَّجَاسَة وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمُنْتَهى تَحنث تعبد مثل تحنف وَفُلَان يَتَحَنَّث من كَذَا بِمَعْنى يتأثم فِيهِ وَهُوَ أحد مَا جَاءَ تفعل إِذا تجنب وَألقى عَن نَفسه. وَقَالَ السُّهيْلي التحنث التبرر تفعل من الْبر وَتفعل يَقْتَضِي الدُّخُول فِي الشَّيْء وَهُوَ الْأَكْثَر فِيهَا مثل تفقه وَتعبد وتنسك وَقد جَاءَت أَلْفَاظ يسيرَة تُعْطِي الْخُرُوج عَن الشَّيْء وإطراحه كالتأثم والتحرج والتحنث بالثاء الْمُثَلَّثَة لِأَنَّهُ من الْحِنْث والحنث الْحمل الثقيل وَكَذَلِكَ التقذر إِنَّمَا هُوَ تبَاعد عَن القذر وَأما التحنف بِالْفَاءِ فَهُوَ من بَاب التَّعَبُّد وَقَالَ الْمَازرِيّ يَتَحَنَّث يفعل فعلا يخرج بِهِ من الْحِنْث والحنث الذَّنب وَقَالَ التَّيْمِيّ هَذَا من المشكلات وَلَا يَهْتَدِي لَهُ سوى الحذاق وَسُئِلَ ابْن الْأَعرَابِي عَن قَوْله يَتَحَنَّث فَقَالَ لَا أعرفهُ وَسَأَلت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ لَا أعرف يَتَحَنَّث إِنَّمَا هُوَ يتحنف من الحنيفية دين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قلت قد وَقع فِي سيرة ابْن هِشَام يتحنف بِالْفَاءِ قَوْله قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله بِكَسْر الزَّاي أَي قبل أَن يرجع وَقد رَوَاهُ مُسلم كَذَلِك يُقَال نزع إِلَى أَهله إِذا حن إِلَيْهِم فَرجع إِلَيْهِم يُقَال هَل نزعك غَيره أَي هَل جَاءَ بك وجذبك إِلَى السّفر غَيره أَي غير الْحَج وناقة نَازع إِذا حنت إِلَى أوطانها ومرعاها وَهُوَ من نزع ينْزع بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل وَقَالَ صَاحب الْأَفْعَال وَالْأَصْل فِي فعل يفعل إِذا كَانَ صَحِيحا وَكَانَت عينه أَو لامه حرف حلق أَن يكون مضارعه مَفْتُوحًا إِلَّا أفعالا يسيرَة جَاءَت بِالْفَتْح وَالضَّم مثل جنح يجنح ودبغ يدبغ وَإِلَّا مَا جَاءَ من قَوْلهم نزع ينْزع بِالْفَتْح وَالْكَسْر وهنأ يهنىء وَقَالَ غَيره هنأني الطَّعَام يهنأني ويهنأني بِالْفَتْح وَالْكَسْر قلت قَاعِدَة عِنْد الصرفيين أَن كل مَادَّة تكون من فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا يلْزم أَن يكون فِيهَا حرف من حُرُوف الْحلق وكل مَادَّة من الْمَاضِي والمضارع فيهمَا حرف من حُرُوف الْحلق لَا يلْزم أَن يكون من بَاب فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا فَافْهَم. والأهل فِي اللُّغَة الْعِيَال وَفِي الْعباب آل الرجل أَهله وَعِيَاله وَآله أَيْضا أَتْبَاعه وَقَالَ أنس رَضِي الله عَنهُ سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من آل مُحَمَّد قَالَ كل تَقِيّ وَالْفرق بَين الْآل والأهل أَن الْآل يسْتَعْمل فِي الْأَشْرَاف بِخِلَاف الْأَهْل فَإِنَّهُ أَعم وَأما قَوْله تَعَالَى {كدأب آل فِرْعَوْن} فلتصوره بِصُورَة الْأَشْرَاف وَقَالَ ابْن عَرَفَة أَرَادَ من آل فِرْعَوْن من آل إِلَيْهِ بدين أَو مَذْهَب أَو نسب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} قَوْله ويتزود من التزود وَهُوَ اتِّخَاذ الزَّاد والزاد هُوَ الطَّعَام الَّذِي يستصحبه الْمُسَافِر يُقَال زودته فتزود قَوْله فغطني بالغين الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة أَي
ضغطني وعصرني يُقَال غطني وغشيني وضغطني وعصرني وغمزني وخنقني كُله بِمَعْنى قَالَ الْخطابِيّ وَمِنْه الغط فِي المَاء وغطيط النَّائِم ترديد النَّفس إِذا لم يجد مساغا عِنْد انضمام الشفتين والغت حبس النَّفس مرّة وإمساك الْيَد أَو الثَّوْب على الْفَم وَالْأنف والغط الخنق وتغييب الرَّأْس فِي المَاء قَالَ الْخطابِيّ والغط فِي الحَدِيث الخنق قَوْله الْجهد بِضَم الْجِيم وَفتحهَا وَمَعْنَاهُ الْغَايَة وَالْمَشَقَّة وَفِي الْمُحكم الْجهد والجهد الطَّاقَة وَقيل الْجهد الْمَشَقَّة والجهد الطَّاقَة وَفِي الموعب الْجهد مَا جهد الْإِنْسَان من مرض أَو من مشاق والجهد بلوغك غَايَة الْأَمر الَّذِي لَا تألو عَن الْجهد فِيهِ وجهدته بلغت مشقته وأجهدته على أَن يفعل كَذَا وَقَالَ ابْن دُرَيْد جهدته حَملته على أَن يبلغ مجهوده وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي جهد فِي الْعَمَل وأجهد وَقَالَ أَبُو عَمْرو أجهد فِي حَاجَتي وَجهد وَقَالَ الْأَصْمَعِي جهدت لَك نَفسِي وأجهدت نَفسِي قَوْله ثمَّ أَرْسلنِي أَي أطلقني من الْإِرْسَال قَوْله علق بتحريك اللَّام وَهُوَ الدَّم الغليظ والقطعة مِنْهُ علقَة قَوْله يرجف فُؤَاده أَي يخْفق ويضطرب والرجفان شدَّة الْحَرَكَة وَالِاضْطِرَاب وَفِي الْمُحكم رجف الشَّيْء يرجف رجفا ورجوفا ورجفانا ورجيفا وأرجف خَفق واضطرب اضطرابا شَدِيدا والفؤاد هُوَ الْقلب وَقيل أَنه عين الْقلب وَقيل بَاطِن الْقلب وَقيل غشاء الْقلب وَسمي الْقلب قلبا لتقلبه وَقَالَ اللَّيْث الْقلب مُضْغَة من الْفُؤَاد معلقَة بالنياط وَسمي قلبا لتقلبه قَوْله زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات بالتكرار وَهُوَ من التزميل وَهُوَ التلفيف والتزمل الاشتمال والتلفف وَمِنْه التدثر وَيُقَال لكل مَا يلقى على الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد دثار وأصل المزمل والمدثر المتزمل والمتدثر أدغمت التَّاء فِيمَا بعْدهَا قَوْله الروع بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الْفَزع وَفِي الْمُحكم الروع والرواع والتروع الْفَزع وَقَالَ الْهَرَوِيّ هُوَ بِالضَّمِّ مَوضِع الْفَزع من الْقلب قَوْله كلا مَعْنَاهُ النَّفْي والردع عَن ذَلِك الْكَلَام وَالْمرَاد هَهُنَا التَّنْزِيه عَنهُ وَهُوَ أحد مَعَانِيهَا وَقد يكون بِمَعْنى حَقًا أَو بِمَعْنى إِلَّا الَّتِي للتّنْبِيه يستفتح بهَا الْكَلَام وَقد جَاءَت فِي الْقُرْآن على أَقسَام جمعهَا ابْن الْأَنْبَارِي فِي بَاب من كتاب الْوَقْف والابتداء لَهُ وَهِي مركبة عِنْد ثَعْلَب من كَاف التَّشْبِيه وَلَا النافية قَالَ وَإِنَّمَا شددت لامها لتقوية الْمَعْنى ولدفع توهم بَقَاء معنى الْكَلِمَتَيْنِ وَعند غَيره هِيَ بسيطة وَعند سِيبَوَيْهٍ والخليل والمبرد والزجاج وَأكْثر الْبَصرِيين حرف مَعْنَاهُ الردع والزجر لَا معنى لَهَا عِنْدهم إِلَّا ذَلِك حَتَّى يجيزون أبدا الْوَقْف عَلَيْهَا والابتداء بِمَا بعْدهَا وَحَتَّى قَالَ جمَاعَة مِنْهُم مَتى سَمِعت كلا فِي سُورَة فاحكم بِأَنَّهَا مَكِّيَّة لِأَن فِيهَا معنى التهديد والوعيد وَأكْثر مَا نزل ذَلِك بِمَكَّة لِأَن أَكثر العتو كَانَ بهَا قَالُوا وَقد تكون حرف جَوَاب بِمَنْزِلَة أَي وَنعم وحملوا عَلَيْهِ {كلا وَالْقَمَر} فَقَالُوا مَعْنَاهُ أَي وَالْقَمَر قَوْله مَا يخزيك الله بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالخاء الْمُعْجَمَة من الخزي وَهُوَ الفضيحة والهوان وأصل الخزي على مَا ذكره ابْن سَيّده الْوُقُوع فِي بلية وشهوة بذلة وأخزى الله فلَانا أبعده قَالَه فِي الْجَامِع وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ يحزنك بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالنون من الْحزن وَيجوز على هَذَا فتح الْيَاء وَضمّهَا يُقَال حزنه وأحزنه لُغَتَانِ فصيحتان قرىء بهما فِي السَّبع وَقَالَ اليزيدي أحزنه لُغَة تَمِيم وحزنه لُغَة قُرَيْش قَالَ تَعَالَى {لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر} من حزن وَقَالَ {ليحزنني أَن تذْهبُوا بِهِ} من أَحْزَن على قِرَاءَة من قَرَأَ بِضَم الْيَاء والحزن خلاف السرُور يُقَال حزن بِالْكَسْرِ يحزن حزنا إِذا اغتم وحزنه غَيره وأحزنه مثل شكله وأشكله وَحكى عَن أبي عَمْرو أَنه قَالَ إِذا جَاءَ الْحزن فِي مَوضِع نصب فتحت الْحَاء وَإِذا جَاءَ فِي مَوضِع رفع وجر ضممت وقرىء {وابيضت عَيناهُ من الْحزن} وَقَالَ {تفيض من الدمع حزنا} قَالَ الْخطابِيّ وَأكْثر النَّاس لَا يفرقون بَين الْهم والحزن وهما على اخْتِلَافهمَا يتقاربان فِي الْمَعْنى إِلَّا أَن الْحزن إِنَّمَا يكون على أَمر قد وَقع والهم إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يتَوَقَّع وَلَا يكون بعد قَوْله لتصل الرَّحِم قَالَ الْقَزاز وصل رَحمَه صلَة وَأَصله وصلَة فحذفت الْوَاو كَمَا قَالُوا زنة من وزن وأصل صل هُوَ أَمر من وصل أوصل حذفت الْوَاو تبعا لفعله فاستغنى عَن الْهمزَة فحذفت فَصَارَ صل على وزن عل وَمعنى لتصل الرَّحِم تحسن إِلَى قراباتك على حسب حَال الْوَاصِل والموصول إِلَيْهِ فَتَارَة تكون بِالْمَالِ وَتارَة تكون بِالْخدمَةِ وَتارَة بالزيارة وَالسَّلَام وَغير ذَلِك وَالرحم الْقَرَابَة وَكَذَلِكَ الرَّحِم بِكَسْر الرَّاء قَوْله وَتحمل الْكل بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام وَأَصله الثّقل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ} وَأَصله من الكلال وَهُوَ الإعياء أَي ترفع الثّقل أَرَادَ تعين الضَّعِيف الْمُنْقَطع وَيدخل فِي حمل الْكل الْإِنْفَاق
على الضَّعِيف واليتيم والعيال وَغير ذَلِك لِأَن الْكل من لَا يسْتَقلّ بأَمْره وَقَالَ الدَّاودِيّ الْكل الْمُنْقَطع قَوْله وتكسب الْمَعْدُوم بِفَتْح التَّاء هُوَ الْمَشْهُور الصَّحِيح فِي الرِّوَايَة وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وروى بضَمهَا وَفِي معنى المضموم قَولَانِ أصَحهمَا مَعْنَاهُ تكسب غَيْرك المَال الْمَعْدُوم أَي تعطيه لَهُ تَبَرعا ثَانِيهمَا تُعْطِي النَّاس مَا لَا يجدونه عِنْد غَيْرك من معدومات الْفَوَائِد وَمَكَارِم الْأَخْلَاق يُقَال كسبت مَالا وأكسبت غَيْرِي مَالا وَفِي معنى الْمُتَّفق حِينَئِذٍ قَولَانِ أصَحهمَا أَن مَعْنَاهُ كمعنى المضموم يُقَال كسبت الرجل مَالا وأكسبته مَالا وَالْأول أفْصح وَأشهر وَمنع الْقَزاز الثَّانِي وَقَالَ إِنَّه حرف نَادِر وَأنْشد على الثَّانِي (وأكسبني مَالا وأكسبته حمدا ... ) وَقَول الآخر (يعاتبني فِي الدّين قومِي وَإِنَّمَا ... ديوني فِي أَشْيَاء تكسبهم حمدا) روى بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا وَالثَّانِي أَن مَعْنَاهُ تكسب المَال وتصيب مِنْهُ مَا يعجز غَيْرك عَن تَحْصِيله ثمَّ تجود بِهِ وتنفقه فِي وُجُوه المكارم وَكَانَت الْعَرَب تتمادح بذلك وَعرفت قُرَيْش بِالتِّجَارَة وَضعف هَذَا بِأَنَّهُ لَا معنى لوصف التِّجَارَة بِالْمَالِ فِي هَذَا الموطن إِلَّا أَن يُرِيد أَنه يبذله بعد تَحْصِيله وأصل الْكسْب طلب الرزق يُقَال كسب يكْسب كسبا وتكسب واكتسب وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْن سَيّده تكسب أصَاب وتكسب تصرف واجتهد وَقَالَ صَاحب الْمُجْمل يُقَال كسبت الرجل مَالا فكسبه وَهَذَا مِمَّا جَاءَ على فعلته فَفعل وَفِي الْعباب الْكسْب طلب الرزق وَأَصله الْجمع وَالْكَسْب بِالْكَسْرِ لُغَة والفصيح فتح الْكَاف تَقول كسبت مِنْهُ شَيْئا وَفُلَان طيب الْكسْب والمكسب والمكسب والمكسبة مِثَال الْمَغْفِرَة والكسبة مثل الجلسة وكسبت أَهلِي خيرا وكسبت الرجل مَالا فكسبه وَقَالَ ثَعْلَب كل النَّاس يَقُولُونَ كسبك فلَان خيرا إِلَّا ابْن الْأَعرَابِي فَإِنَّهُ يَقُول أكسبك فلَان خيرا قَالَ والأفصح فِي الحَدِيث تكسب بِفَتْح التَّاء والمعدوم عبارَة عَن الرجل الْمُحْتَاج الْعَاجِز عَن الْكسْب وَسَماهُ مَعْدُوما لكَونه كالميت حَيْثُ لم يتَصَرَّف فِي الْمَعيشَة وَذكر الْخطابِيّ أَن صَوَابه المعدم بِحَذْف الْوَاو أَي تُعْطِي العائل وترفده لِأَن الْمَعْدُوم لَا يدْخل تَحت الْأَفْعَال وَقَالَ الْكرْمَانِي التَّيْمِيّ لم يصب الْخطابِيّ إِذْ حكم على اللَّفْظَة الصَّحِيحَة بالْخَطَأ فَإِن الصَّوَاب مَا اشْتهر بَين أَصْحَاب الحَدِيث وَرَوَاهُ الروَاة وَقَالَ بَعضهم لَا يمْتَنع أَن يُطلق على المعدم الْمَعْدُوم لكَونه كَالْمَعْدُومِ الْمَيِّت الَّذِي لَا تصرف لَهُ. قلت الصَّوَاب مَا قَالَه الْخطابِيّ وَكَذَا قَالَ الصغاني فِي الْعباب الصَّوَاب وتكسب المعدم أَي تُعْطِي العائل وترفده نعم الْمَعْدُوم لَهُ وَجه على معنى غير الْمَعْنى الَّذِي فسروه وَهُوَ أَن يُقَال وتكسب الشَّيْء الَّذِي لَا يُوجد تكسبه لنَفسك أَو تملكه لغيرك وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الْمطَالع قَوْله وتقري الضَّيْف بِفَتْح التَّاء تَقول قريت الضَّيْف أقريه قرى بِكَسْر الْقَاف وَالْقصر وقراء بِفَتْح الْقَاف وَالْمدّ وَيُقَال للطعام الَّذِي تضيفه بِهِ قرى بِالْكَسْرِ وَالْقصر وفاعله قار كقضى فَهُوَ قَاض وَقَالَ ابْن سَيّده قرى الضَّيْف قرى وقراء أَضَافَهُ واستقراني واقتراني وأقراني طلب مني الْقرى وَأَنه لقري للضيف وَالْأُنْثَى قَرْيَة عَن اللحياني وَكَذَلِكَ أَنه لمقري للضيف ومقراء وَالْأُنْثَى مقرأة ومقراء الْأَخِيرَة عَن اللحياني وَفِي أمالي الهجري مَا اقتريت اللَّيْلَة يَعْنِي لم آكل من الْقرى شَيْئا أَي لم آكل طَعَاما قَوْله وَتعين على نَوَائِب الْحق النوائب جمع نائبة وَهِي الْحَادِثَة والنازلة خيرا أَو شرا وَإِنَّمَا قَالَ نَوَائِب الْحق لِأَنَّهَا تكون فِي الْحق وَالْبَاطِل قَالَ لبيد رَضِي الله عَنهُ (نَوَائِب من خير وَشر كِلَاهُمَا ... فَلَا الْخَيْر مَمْدُود وَلَا الشَّرّ لازب) تَقول نَاب الْأَمر نوبَة نزل وَهِي النوائب والنوب قَوْله قد تنصر أَي صَار نَصْرَانِيّا وَترك عبَادَة الْأَوْثَان وَفَارق طَرِيق الْجَاهِلِيَّة والجاهلية الْمدَّة الَّتِي كَانَت قبل نبوة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما كَانُوا عَلَيْهِ من فَاحش الجهالات وَقيل هُوَ زمَان الفترة مُطلقًا قَوْله وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية أَقُول لم أر شارحا من شرَّاح البُخَارِيّ حقق هَذَا الْموضع بِمَا يشفي الصُّدُور فَنَقُول بعون الله وتوفيقه قَوْله الْكتاب مصدر تَقول كتبت كتبا وكتابا وَكِتَابَة وَالْمعْنَى وَكَانَ يكْتب الْكِتَابَة العبرانية وَيجوز أَن يكون الْكتاب اسْما وَهُوَ الْكتاب الْمَعْهُود وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {الم ذَلِك الْكتاب} والعبراني بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْبَاء نِسْبَة إِلَى العبر وزيدت الْألف وَالنُّون فِي النِّسْبَة على غير الْقيَاس وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ مَا أَخذ على غربي الْفُرَات إِلَى بَريَّة الْعَرَب يُسمى العبر وَإِلَيْهِ ينْسب العبريون من الْيَهُود لأَنهم لم يَكُونُوا عبروا الْفُرَات وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير إِنَّمَا نطق إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بالعبرانية حِين عبر النَّهر فَارًّا من النمرود وَقد كَانَ النمرود
قَالَ للَّذين أرسلهم خَلفه إِذا وجدْتُم فَتى يتَكَلَّم بالسُّرْيَانيَّة فَردُّوهُ فَلَمَّا أدركوه استنطقوه فحول الله لِسَانه عبرانيا وَذَلِكَ حِين عبر النَّهر فسميت العبرانية لذَلِك وَفِي الْعباب والعبرية والعبرانية لُغَة الْيَهُود وَالْمَفْهُوم من قَوْله فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية أَن الْإِنْجِيل لَيْسَ بعبراني لِأَن الْبَاء فِي قَوْله بالعبرانية تتَعَلَّق بقوله فَيكْتب وَالْمعْنَى فَيكْتب باللغة العبرانية من الْإِنْجِيل وَهَذَا من قُوَّة تمكنه فِي دين النَّصَارَى وَمَعْرِفَة كتابتهم كَانَ يكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية إِن شَاءَ وبالعربية إِن شَاءَ وَقَالَ التَّيْمِيّ الْكَلَام العبراني هُوَ الَّذِي أنزل بِهِ جَمِيع الْكتب كالتوراة وَالْإِنْجِيل وَنَحْوهمَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فهم مِنْهُ أَن الْإِنْجِيل عبراني قلت لَيْسَ كَذَلِك بل التَّوْرَاة عبرانية وَالْإِنْجِيل سرياني وَكَانَ آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يتَكَلَّم باللغة السريانية وَكَذَلِكَ أَوْلَاده من الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم غير أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حولت لغته إِلَى العبرانية حِين عبر النَّهر أَي الْفُرَات كَمَا ذكرنَا وَغير ابْنه إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِنَّهُ كَانَ يتَكَلَّم باللغة الْعَرَبيَّة فَقيل لِأَن أول من وضع الْكتاب الْعَرَبِيّ والسرياني والكتب كلهَا آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ كَانَ يعلم سَائِر اللُّغَات وكتبها فِي الطين وطبخه فَلَمَّا أصَاب الأَرْض الْغَرق أصَاب كل قوم كِتَابهمْ فَكَانَ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أصَاب كتاب الْعَرَب وَقيل تعلم إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لُغَة الْعَرَب من جرهم حِين تزوج امْرَأَة مِنْهُم وَلِهَذَا يعدونه من الْعَرَب المستعربة لَا العاربة وَمن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام من كَانَ يتَكَلَّم باللغة الْعَرَبيَّة هُوَ صَالح وَقيل شُعَيْب أَيْضا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقيل كَانَ آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يتَكَلَّم باللغة الْعَرَبيَّة فَلَمَّا نزل إِلَى الأَرْض حولت لغته إِلَى السريانية وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لما تَابَ الله عَلَيْهِ رد عَلَيْهِ الْعَرَبيَّة وَعَن سُفْيَان أَنه مَا نزل وَحي من السَّمَاء إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَانَت الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام تترجمه لقومها وَعَن كَعْب أول من نطق بِالْعَرَبِيَّةِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ الَّذِي أَلْقَاهَا على لِسَان نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فألقاها نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على لِسَان ابْنه سَام وَهُوَ أَبُو الْعَرَب وَالله أعلم فَإِن قلت مَا أصل السريانية قلت قَالَ ابْن سَلام سميت بذلك لِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حِين علم آدم الْأَسْمَاء علمه سرا من الْمَلَائِكَة وأنطقه بهَا حِينَئِذٍ قَوْله هَذَا الناموس بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة وَهُوَ صَاحب السِّرّ كَمَا ذكره البُخَارِيّ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ صَاحب الْمُجْمل وَأَبُو عبيد فِي غَرِيبه ناموس الرجل صَاحب سره وَقَالَ ابْن سَيّده الناموس السِّرّ وَقَالَ صَاحب الغريبين هُوَ صَاحب سر الْملك وَقيل أَن الناموس والجاسوس بِمَعْنى وَاحِد حَكَاهُ الْقَزاز فِي جَامعه وَصَاحب الواعي وَقَالَ الْحسن فِي شرح السِّيرَة أصل الناموس صَاحب سر الرجل فِي خَيره وشره وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي زاهره الجاسوس الباحث عَن أُمُور النَّاس وَهُوَ بِمَعْنى التَّجَسُّس سَوَاء وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة التَّجَسُّس بِالْجِيم الْبَحْث عَن عورات النَّاس وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الِاسْتِمَاع لحَدِيث الْقَوْم وَقيل هما سَوَاء وَقَالَ ابْن ظفر فِي شرح المقامات صَاحب سر الْخَيْر ناموس وَصَاحب سر الشَّرّ جاسوس وَقد سوى بَينهمَا رؤبة ابْن العجاج وَقَالَ بعض الشُّرَّاح وَهُوَ الصَّحِيح وَلَيْسَ بِصَحِيح بل الصَّحِيح الْفرق بَينهمَا على مَا نقل النَّوَوِيّ فِي شَرحه عَن أهل اللُّغَة الْفرق بَينهمَا بِأَن الناموس فِي اللُّغَة صَاحب سر الْخَيْر والجاسوس صَاحب سر الشَّرّ وَقَالَ الْهَرَوِيّ الناموس صَاحب سر الْخَيْر وَهُوَ هُنَا جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام سمى بِهِ لخصوصه بِالْوَحْي والغيب والجاسوس صَاحب سر الشَّرّ وَقَالَ الصغاني فِي الْعباب ناموس الرجل صَاحب سره الَّذِي يطلعه على بَاطِن أمره ويخصه بِهِ ويستره عَن غَيره وَأهل الْكتاب يسمون جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام الناموس الْأَكْبَر والناموس أَيْضا الحاذق والناموس الَّذِي يلطف مدخله قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ رؤبة (لَا تمكن الخناعة الناموسا ... وتخصب اللعابة الجاسوسا) (بِعشر أَيْدِيهنَّ والضغبوسا ... خصب الغواة العومج المنسوسا) والناموس أَيْضا قترة الصَّائِد والناموسة عريسة الْأسد وَمِنْه قَول عَمْرو بن معدي كرب أَسد فِي ناموسته والناموس والنماس النمام والناموس الشّرك لِأَنَّهُ يوارى تَحت الأَرْض والناموس مَا التمس بِهِ الرجل من الاختيال تَقول نمست السِّرّ أنمسه بِالْكَسْرِ نمسا كتمته ونمست الرجل ونامسته أَي ساررته وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي لم يَأْتِ فِي الْكَلَام فاعول لَام الْكَلِمَة فِيهِ سين إِلَّا الناموس صَاحب سر الْخَيْر والجاسوس للشر والجاروس الْكثير الْأكل والناعوس
الْحَيَّة والبابوس الصَّبِي الرَّضِيع والراموس الْقَبْر والقاموس وسط الْبَحْر والقابوس الْجَمِيل الْوَجْه والعاطوس دَابَّة يتشأم بهَا والناموس النمام ... والجاموس ضرب من الْبَقر وَقيل أعجمي تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب وَقيل الحاسوس بِالْحَاء غير الْمُعْجَمَة قلت قَالَ الصغاني الحاسوس بِالْحَاء الْمُهْملَة الَّذِي يتحسس الْأَخْبَار مثل الجاسوس يَعْنِي بِالْجِيم وَقيل الحاسوس فِي الْخَيْر والجاسوس فِي الشَّرّ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي الحاسوس المشؤم من الرِّجَال وَيُقَال سنة حاسوس وحسوس إِذا كَانَت شَدِيدَة قَليلَة الْخَيْر والقابوس قيل لفظ أعجمي عربوه وَأَصله كاووس فأعرب فَوَافَقَ الْعَرَبيَّة وَلِهَذَا لَا ينْصَرف للعجمة والتعريف وَأَبُو قَابُوس كنية النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْعَرَب والعاطوس بِالْعينِ الْمُهْملَة والبابوس بالبائين الموحدتين قَالَ ابْن عباد هُوَ الْوَلَد الصَّغِير بالرومية والناموس بالنُّون وَالْمِيم وَقد جَاءَ فاعول أَيْضا آخِره سين فاقوس بَلْدَة من بِلَاد مصر قَوْله جذعا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة يَعْنِي شَابًّا قَوِيا حَتَّى أبالغ فِي نصرتك وَيكون لي كِفَايَة تَامَّة لذَلِك والجذع فِي الأَصْل للدواب فاستعير للْإنْسَان قَالَ ابْن سَيّده قيل الْجذع الدَّاخِل فِي السّنة الثَّانِيَة وَمن الْإِبِل فَوق الْحق وَقيل الْجزع من الْإِبِل لأَرْبَع سِنِين وَمن الْخَيل لِسنتَيْنِ وَمن الْغنم لسنة وَالْجمع جذعان وجذاع بِالْكَسْرِ وَزَاد يُونُس جذاع بِالضَّمِّ وأجذاع قَالَ الْأَزْهَرِي والدهر يُسمى جذعا لِأَنَّهُ شَاب لَا يهرم وَقيل مَعْنَاهُ يَا لَيْتَني أدْرك أَمرك فَأَكُون أول من يقوم بنصرك كالجذع الَّذِي هُوَ أول الْإِنْسَان قَالَ صَاحب الْمطَالع وَالْقَوْل الأول أبين قَوْله قطّ بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الطَّاء مَضْمُومَة فِي أفْصح اللُّغَات وَهِي ظرف لاستغراق مَا مضى فَيخْتَص بِالنَّفْيِ واشتقاقه من قططته أَي قطعته فَمَعْنَى مَا فعلت قطّ مَا فعلته فِيمَا انْقَطع من عمري لِأَن الْمَاضِي مُنْقَطع عَن الْحَال والاستقبال وبنيت لتضمنها معنى مذ وَإِلَى لِأَن الْمَعْنى مذ أَن خلقت إِلَى الْآن وعَلى حَرَكَة لِئَلَّا يلتقي ساكنان وبالضمة تَشْبِيها بالغايات وَقد يكسر على أصل التقاء الساكنين وَقد تتبع قافه طاءه فِي الضَّم وَقد تخفف طاؤه مَعَ ضمهَا أَو إسكانها قَوْله مؤزرا بِضَم الْمِيم وَفتح الْهمزَة بعْدهَا زَاي مُعْجمَة مُشَدّدَة ثمَّ رَاء مُهْملَة أَي قَوِيا بليغا من الأزر وَهُوَ الْقُوَّة والعون وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فآزره} أَي قواه وَفِي الْمُحكم آزره ووازره أَعَانَهُ على الْأَمر الْأَخير على الْبَدَل وَهُوَ شَاذ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة مِمَّا تَقوله الْعَوام بِالْوَاو وَهُوَ بِالْهَمْز آزرته على الْأَمر أَي أعنته فَأَما وازرته فبمعنى صرت لَهُ وزيرا قَوْله ثمَّ لم ينشب أَي لم يلبث وَهُوَ بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون النُّون وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَكَأن الْمَعْنى فَجَاءَهُ الْمَوْت قبل أَن ينشب فِي فعل شَيْء وَهَذِه اللَّفْظَة عِنْد الْعَرَب عبارَة عَن السرعة والعجلة وَلم أر شارحا ذكر بَاب هَذِه الْمَادَّة غير أَن شارحا مِنْهُم قَالَ وأصل النشوب التَّعَلُّق أَي لم يتَعَلَّق بِشَيْء من الْأُمُور حَتَّى مَاتَ وبابه من نشب الشَّيْء فِي الشَّيْء بِالْكَسْرِ نشوبا إِذا علق فِيهِ وَفِي حَدِيث الْأَحْنَف بن قيس أَنه قَالَ خرجنَا حجاجا فمررنا بِالْمَدِينَةِ أَيَّام قتل عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ فَقلت لصاحبي قد أفل الْحَج وَإِنِّي لَا أرى النَّاس إِلَّا قد نشبوا فِي قتل عُثْمَان وَلَا أَرَاهُم إِلَّا قاتليه أَي وَقَعُوا فِيهِ وقوعا لَا منزع لَهُم عَنهُ قَوْله وفتر الْوَحْي مَعْنَاهُ احْتبسَ قَالَه الْكرْمَانِي قلت مَعْنَاهُ احْتبسَ بعد مُتَابَعَته وتواليه فِي النُّزُول وَقَالَ ابْن سَيّده فتر الشَّيْء يفتر ويفتر فتورا وفتارا سكن بعد حِدة ولان بعد شدَّة وفتر هُوَ والفتر الضعْف. (بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات) قَوْله من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَفِي صَحِيح مُسلم الصادقة وَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب التَّعْبِير أَيْضا وَوَقع هُنَا أَيْضا الصادقة فِي رِوَايَة معمر وَيُونُس وَكَذَا سَاقه الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه ومعناهما وَاحِد وَهِي الَّتِي لم يُسَلط عَلَيْهِ فِيهَا ضغث وَلَا تلبس شَيْطَان وَقَالَ الْمُهلب الرُّؤْيَا الصَّالِحَة هِيَ تباشير النُّبُوَّة لِأَنَّهُ لم يَقع فِيهَا ضغث فيتساوى مَعَ النَّاس فِي ذَلِك بل خص صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بصدقها كلهَا وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا رُؤْيا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَحي قَوْله وَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء وَقَالَ بَعضهم وَكَانَ يجاور بِغَار حراء. ثمَّ فرق بَين الْمُجَاورَة وَالِاعْتِكَاف بِأَن الْمُجَاورَة قد تكون خَارج الْمَسْجِد بِخِلَاف الِاعْتِكَاف وَلَفظ الْجوَار جَاءَ فِي حَدِيث جَابر الْآتِي فِي كتاب التَّفْسِير فِي صَحِيح مُسلم فِيهِ جَاوَرت بحراء شهرا فَلَمَّا قضيت جواري نزلت فَاسْتَبْطَنْت الْوَادي الحَدِيث وحراء بِكَسْر الْحَاء وبالمد فِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالْفَتْح وَالْقصر وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله فَيَتَحَنَّث قَالَ أَبُو أَحْمد العسكري. رَوَاهُ بَعضهم يتحنف بِالْفَاءِ وَكَذَا وَقع فِي سيرة ابْن هِشَام بِالْفَاءِ قَوْله قبل أَن ينْزع وَفِي رِوَايَة مُسلم قبل أَن يرجع ومعناهما
وَاحِد قَوْله حَتَّى جَاءَهُ الْحق وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير حَتَّى فجئه الْحق وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم أَي أَتَاهُ بَغْتَة يُقَال فجىء يفجأ بِكَسْر الْجِيم فِي الْمَاضِي وَفتحهَا فِي الغابر وفجأ يفجأ بِالْفَتْح فيهمَا قَوْله مَا أَنا بقارىء وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة مَا أحسن أَن أَقرَأ وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَق مَاذَا أَقرَأ وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود فِي مغازيه أَنه قَالَ كَيفَ أَقرَأ قَوْله فغطني وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ فغتني بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق والغت حبس النَّفس مرّة وإمساك الْيَد وَالثَّوْب على الْفَم وَالْأنف والغط الخنق وتغييب الرَّأْس فِي المَاء وَعبارَة الدَّاودِيّ معنى غطني صنع بِي شَيْئا حَتَّى ألقاني إِلَى الأَرْض كمن تَأْخُذهُ الغشية وَقَالَ الخطامي وَفِي غير هَذِه الرِّوَايَات فسأبني من سأبت الرجل سأبا إِذا خنقته ومادته سين مُهْملَة وهمزة وباء مُوَحدَة وَقَالَ الصغاني رَحمَه الله وَمِنْه حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر اعْتِكَافه بحراء فَقَالَ فَإِذا أَنا بِجِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على الشَّمْس وَله جنَاح بالمشرق وَجَنَاح بالمغرب فهلت مِنْهُ وَذكر كلَاما ثمَّ قَالَ أَخَذَنِي فسلقني بحلاوة القفاء ثمَّ شقّ بَطْني فاستخرج الْقلب وَذكر كلَاما ثمَّ قَالَ لي اقْرَأ فَلم أدر مَا أَقرَأ فَأخذ بحلقي فسأبني حَتَّى أجهشت بالبكاء فَقَالَ اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق فَرجع بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترجف بوادره قَوْله فهلت أَي خفت من هاله إِذا خَوفه ويروى فسأتني بِالسِّين الْمُهْملَة والهمزة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق قَالَ الصغاني قَالَ أَبُو عمر وسأته يسأته سأتا إِذا خنقه حَتَّى يَمُوت مثل سأبه وَقَالَ أَبُو زيد مثله إِلَّا أَنه لم يقل حَتَّى يَمُوت ويروى فدعتني من الدعت بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق قَالَ ابْن دُرَيْد الدعت الدّفع العنيف عَرَبِيّ صَحِيح يُقَال دَعَتْهُ يدعته إِذا دَفعه بِالدَّال وبالذال الْمُعْجَمَة زَعَمُوا قلت وَمِنْه حَدِيث الآخر أَن الشَّيْطَان عرض لي وَأَنا أُصَلِّي فدعته حَتَّى وجدت برد لِسَانه ثمَّ ذكرت قَول أخي سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام رب هَب لي ملكا الحَدِيث قلت بِمَعْنَاهُ ذأته بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة قَالَ أَبُو زيد ذأته إِذا خنقه أَشد الخنق حَتَّى أدلع لِسَانه قَوْله يرجف فُؤَاده وَفِي رِوَايَة مُسلم بوادره وَهُوَ بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة اللحمة الَّتِي بَين الْمنْكب والعنق ترجف عِنْد الْفَزع قَوْله وَالله مَا يخزيك من الخزيان كَمَا ذَكرْنَاهُ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة يُونُس وَعقيل عَن الزُّهْرِيّ وَرَوَاهُ من رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ يحزنك من الْحزن وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر أَيْضا هَهُنَا قَوْله وتكسب بِفَتْح التَّاء هُوَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالضَّمِّ قَوْله الْمَعْدُوم بِالْوَاو وَهِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَقَالَ الْخطابِيّ الصَّوَاب المعدم وَقد ذَكرْنَاهُ وَذكر البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث فِي كتاب التَّفْسِير وَتصدق الحَدِيث وَذكره مُسلم هَهُنَا وَهُوَ من أشرف خصاله وَذكر فِي السِّيرَة زِيَادَة أُخْرَى إِنَّك لتؤدي الْأَمَانَة ذكرهَا من حَدِيث عَمْرو بن شُرَحْبِيل قَوْله فَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني وَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية وَفِي رِوَايَة يُونُس وَمعمر وَيكْتب من الْإِنْجِيل بِالْعَرَبِيَّةِ وَلمُسلم وَكَانَ يكْتب الْكتاب الْعَرَبِيّ والجميع صَحِيح لِأَن ورقة كَانَ يعلم اللِّسَان العبراني وَالْكِتَابَة العبرانية فَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني كَمَا كَانَ يكْتب الْكتاب الْعَرَبِيّ لتمكنه من الْكِتَابَيْنِ واللسانين وَقَالَ الدَّاودِيّ يكْتب من الْإِنْجِيل الَّذِي هُوَ بالعبرانية بِهَذَا الْكتاب الْعَرَبِيّ فنسبه إِلَى العبرانية إِذْ بهَا كَانَ يتَكَلَّم عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قلت لَا نسلم أَن الْإِنْجِيل كَانَ عبرانيا وَلَا يفهم من الحَدِيث ذَلِك وَالَّذِي يفهم من الحَدِيث أَنه كَانَ يعلم الْكِتَابَة العبرانية وَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الْإِنْجِيل عبرانيا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سريانيا وَكَانَ ورقة ينْقل مِنْهُ باللغة العبرانية وَهَذَا يدل على علمه بالألسن الثَّلَاثَة وتمكنه فِيهَا حَيْثُ ينْقل السريانية إِلَى العبرانية قَوْله يَا ابْن عَم كَذَا وَقع هَهُنَا وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ ابْن عَمها وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم يَا عَم وَقَالَ بَعضهم هَذَا وهم لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ صَحِيحا لإِرَادَة التوقير لَكِن الْقِصَّة لم تَتَعَدَّد ومخرجها مُتحد فَلَا يحمل على أَنَّهَا قَالَت ذَلِك مرَّتَيْنِ فَتعين الْحمل على الْحَقِيقَة قلت هَذَا لَيْسَ بوهم بل هُوَ صَحِيح لِأَنَّهَا سمته عَمها مجَازًا وَهَذَا عَادَة الْعَرَب يُخَاطب الصَّغِير الْكَبِير بيا عَم احتراما لَهُ ورفعا لمرتبته وَلَا يحصل هَذَا الْغَرَض بقولِهَا يَا ابْن عَم فعلى هَذَا تكون تَكَلَّمت باللفظين وَكَون الْقِصَّة متحدة لَا تنَافِي التَّكَلُّم باللفظين قَوْله الَّذِي نزل الله وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أنزل الله وَفِي التَّفْسِير أنزل على مَا لم يسم فَاعله وَالْفرق بَين أنزل وَنزل أَن الأول يسْتَعْمل فِي إِنْزَال الشَّيْء دفْعَة وَاحِدَة وَالثَّانِي يسْتَعْمل فِي تَنْزِيل الشَّيْء
دفْعَة بعد دفْعَة وقتا بعد وَقت وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي حق الْقُرْآن {نزل عَلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ} وَفِي حق التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل {وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل} فَإِن قلت قَالَ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر} قلت مَعْنَاهُ أَنزَلْنَاهُ من اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى بَيت الْعِزَّة فِي السَّمَاء الدُّنْيَا دفْعَة وَاحِدَة ثمَّ نزل على الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بَيت الْعِزَّة فِي عشْرين سنة بِحَسب الوقائع والحوادث قَوْله على مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام هَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَجَاء فِي غير الصَّحِيحَيْنِ نزل الله على عِيسَى وَكِلَاهُمَا صَحِيح أما عِيسَى فلقرب زَمَنه وَأما مُوسَى فَلِأَن كِتَابه مُشْتَمل على الْأَحْكَام بِخِلَاف كتاب عِيسَى فَإِنَّهُ كَانَ أَمْثَالًا ومواعظ وَلم يكن فِيهِ حكم وَقَالَ بَعضهم لِأَن مُوسَى بعث بالنقمة على فِرْعَوْن وَمن مَعَه بِخِلَاف عِيسَى وَكَذَلِكَ وَقعت النقمَة على يَد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بفرعون هَذِه الْأمة وَهُوَ أَبُو جهل بن هِشَام وَمن مَعَه قلت هَذَا بعيد لِأَن ورقة مَا كَانَ يعلم بِوُقُوع النقمَة على أبي جهل فِي ذَلِك الْوَقْت كَمَا كَانَ فِي علمه بِوُقُوع النقمَة على فِرْعَوْن على يَد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يذكر مُوسَى وَيتْرك عِيسَى. وَقَالَ آخَرُونَ ذكر مُوسَى تَحْقِيقا للرسالة لِأَن نُزُوله على مُوسَى مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِخِلَاف عِيسَى فَإِن بعض الْيَهُود يُنكرُونَ نبوته وَقَالَ السُّهيْلي أَن ورقة كَانَ تنصر وَالنَّصَارَى لَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى أَنه نَبِي يَأْتِيهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَإِنَّمَا يَقُولُونَ أَن أقنوما من الأقانيم الثَّلَاثَة اللاهوتية حل بناسوت الْمَسِيح على اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك الْحُلُول وَهُوَ أقنوم الْكَلِمَة والكلمة عِنْدهم عبارَة عَن الْعلم فَلذَلِك كَانَ الْمَسِيح فِي زعمهم يعلم الْغَيْب ويخبر بِمَا فِي الْغَد فِي زعمهم الْكَاذِب فَلَمَّا كَانَ هَذَا مَذْهَب النَّصَارَى عدل عَن ذكر عِيسَى إِلَى ذكر مُوسَى لعلمه ولاعتقاده أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ ينزل على مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ثمَّ قَالَ لَكِن ورقة قد ثَبت إيمَانه بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التمحل فَإِنَّهُ روى عَنهُ مرّة ناموس مُوسَى وَمرَّة ناموس عِيسَى فقد روى أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة بِإِسْنَاد حسن إِلَى هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه فِي هَذِه الْقِصَّة أَن خَدِيجَة أَولا أَتَت ابْن عَمها ورقة فَأَخْبَرته فَقَالَ لَئِن كنت صدقت إِنَّه ليَأْتِيه ناموس عِيسَى الَّذِي لَا يُعلمهُ بَنو إِسْرَائِيل وروى الزبير بن بكار أَيْضا من طَرِيق عبد الله بن معَاذ عَن الزُّهْرِيّ فِي هَذِه الْقِصَّة أَن ورقة قَالَ ناموس عِيسَى وَعبد الله بن معَاذ ضَعِيف فَعِنْدَ إِخْبَار خَدِيجَة لَهُ بالقصة قَالَ لَهَا ناموس عِيسَى بِحَسب مَا هُوَ فِيهِ من النَّصْرَانِيَّة وَعند إِخْبَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ قَالَ لَهُ ناموس مُوسَى وَالْكل صَحِيح فَافْهَم قَوْله يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا هَكَذَا رِوَايَة الْجُمْهُور وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ جذع بِالرَّفْع وَكَذَا وَقع لِابْنِ ماهان بِالرَّفْع فِي صَحِيح مُسلم وَالْأَكْثَرُونَ فِيهِ أَيْضا على النصب قَوْله إِذْ يخْرجك وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي التَّعْبِير حِين يخْرجك قَوْله الأعودي وَذكر البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير إِلَّا أوذي من الْأَذَى وَهُوَ رِوَايَة يُونُس قَوْله وَإِن يدركني يَوْمك وَزَاد فِي رِوَايَة يُونُس حَيا وَفِي سيرة ابْن إِسْحَاق إِن أدْركْت ذَلِك الْيَوْم يَعْنِي يَوْم الْإِخْرَاج وَفِي سيرة ابْن هِشَام وَلَئِن أَنا أدْركْت ذَلِك الْيَوْم لأنصرن الله نصرا يُعلمهُ ثمَّ أدنى رَأسه مِنْهُ يقبل يَافُوخه وَقيل مَا فِي البُخَارِيّ هُوَ الْقيَاس لِأَن ورقة سَابق بالوجود وَالسَّابِق هُوَ الَّذِي يُدْرِكهُ من يَأْتِي بعده كَمَا جَاءَ أَشْقَى النَّاس من أَدْرَكته السَّاعَة وَهُوَ حَيّ ثمَّ قيل ولرواية ابْن إِسْحَاق وَجه لِأَن الْمَعْنى إِن أر ذَلِك الْيَوْم فَسمى رُؤْيَته إدراكا وَفِي التَّنْزِيل {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} أَي لَا ترَاهُ على أحد الْقَوْلَيْنِ قلت هَذَا تَأْوِيل بعيد فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا فرق بَين أَن يدركني وَبَين أَن أدْركْت فِي الْمَعْنى لِأَن أَن تقرب معنى الْمَاضِي من الْمُسْتَقْبل وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى قَوْله وفتر الْوَحْي وَزَاد البُخَارِيّ بعد هَذَا فِي التَّعْبِير وفتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا بلغنَا حزنا غَدا مِنْهُ مرَارًا كي يتردى من رُؤْس الْجبَال فَكلما أوفي بِذرْوَةِ جبل لكَي يلقِي مِنْهُ نَفسه يتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنَّك رَسُول الله حَقًا فيسكن لذَلِك جأشه وتقر عينه حَتَّى يرجع فَإِذا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدا لمثل ذَلِك فَإِذا أوفي بِذرْوَةِ جبل يتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك وَهَذَا من بلاغات معمر وَلم يسْندهُ وَلَا ذكر رَاوِيه وَلَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه وَلَا يعرف هَذَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَنه قد يحمل على أَنه كَانَ أول الْأَمر قبل رُؤْيَة جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَمَا جَاءَ مُبينًا عَن ابْن إِسْحَاق عَن بَعضهم أَو أَنه فعل ذَلِك لما أحْرجهُ تَكْذِيب قومه كَمَا قَالَ تَعَالَى {فلعلك باخع نَفسك} أَو خَافَ أَن الفترة لأمر أَو سَبَب فخشي أَن يكون عُقُوبَة من ربه فَفعل ذَلِك بِنَفسِهِ وَلم يرد بعد شرع بِالنَّهْي عَن
ذَلِك فيعترض بِهِ وَنَحْو هَذَا فرار يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام حِين تَكْذِيب قومه وَالله أعلم (بَيَان الصّرْف) قَوْله يحيى فعل مضارع فِي الأَصْل فَوضع علما قَوْله بكير تَصْغِير بكر بِفَتْح الْبَاء وَهُوَ من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْفَتى من النَّاس والبكرة بِمَنْزِلَة الفتات وَاللَّيْث اسْم من أَسمَاء الْأسد وَالْجمع الليوث وَفُلَان أليث من فلَان أَي أَشد وَأَشْجَع وَعقيل تَصْغِير عقل الْمَعْرُوف أَو عقل بِمَعْنى الدِّيَة وشهاب بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة شعلة نَار ساطعة وَالْجمع شهب وشهبان بِالضَّمِّ عَن الْأَخْفَش مِثَال حِسَاب وحسبان وشهبان بِالْكَسْرِ عَن غَيره وَأَن فلَانا لشهاب حَرْب إِذا كَانَ مَاضِيا فِيهَا شجاعا وَجمعه شهبان والشهاب بِالْفَتْح اللَّبن الممزوج بِالْمَاءِ وَعُرْوَة فِي الأَصْل عُرْوَة الْكوز والقميص والعروة أَيْضا من الشّجر الَّذِي لَا يزَال بَاقِيا فِي الأَرْض لَا يذهب وَجمعه عرى والعروة الْأسد أَيْضا وَبِه سمي الرجل عُرْوَة وَالزُّبَيْر تَصْغِير زبر وَهُوَ الْعقل والزبر الزّجر وَالْمَنْع أَيْضا والزبر الْكِتَابَة وَعَائِشَة من الْعَيْش وَهُوَ ظَاهر قَوْله بدىء بِهِ على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله الرُّؤْيَا مصدر كالرجعي مصدر رَجَعَ وَيخْتَص برؤيا الْمَنَام كَمَا اخْتصَّ الرَّأْي بِالْقَلْبِ والرؤية بِالْعينِ قَوْله ثمَّ حبب على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا والخلاء مصدر بِمَعْنى الْخلْوَة قَوْله فَيَتَحَنَّث من بَاب التفعل وَهُوَ للتكلف هَهُنَا كتشجع إِذا اسْتعْمل الشجَاعَة وكلف نَفسه إِيَّاهَا لتحصل وَكَذَلِكَ قَوْله وَهُوَ التَّعَبُّد من هَذَا الْبَاب وَهُوَ اسْتِعْمَال الْعِبَادَة لتكليف نَفسه إِيَّاه وَكَذَلِكَ قَوْله ويتزود من هَذَا الْبَاب وَكَذَلِكَ قَوْله تنصر من هَذَا الْبَاب قَوْله أَو مخرجي أَصله مخرجون جمع اسْم الْفَاعِل فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت نونه للإضافة فَانْقَلَبت واوه يَاء وأدغمت فِي يَاء الْمُتَكَلّم (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله أول مَا بدىء كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَكلمَة من فِي قَوْله من الْوَحْي لبَيَان الْجِنْس قَالَه الْقَزاز كَأَنَّهَا قَالَت من جنس الْوَحْي وَلَيْسَت الرُّؤْيَا من الْوَحْي حَتَّى تكون للتَّبْعِيض وَهَذَا مَرْدُود بل يجوز أَن يكون للتَّبْعِيض لِأَن الرُّؤْيَا من الْوَحْي كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَنَّهَا جُزْء من النُّبُوَّة قَوْله الصَّالِحَة صفة للرؤيا إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى بالحلم كَمَا ورد الرُّؤْيَا من الله والحلم من الشَّيْطَان وَإِمَّا مخصصة أَي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة لَا الرُّؤْيَا السَّيئَة أَو لَا الكاذبة الْمُسَمَّاة بأضغاث الأحلام وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها قَالَ القَاضِي يحْتَمل أَن يكون معنى الرُّؤْيَا الصَّالِحَة والحسنة حسن ظَاهرهَا وَيحْتَمل أَن المُرَاد صِحَّتهَا ورؤيا السوء تحْتَمل الْوَجْهَيْنِ أَيْضا سوء الظَّاهِر وَسُوء التَّأْوِيل قَوْله فِي النّوم لزِيَادَة الْإِيضَاح وَالْبَيَان وَإِن كَانَت الرُّؤْيَا مَخْصُوصَة بِالنَّوْمِ كَمَا ذكرنَا عَن قريب أَو ذكر لدفع وهم من يتَوَهَّم أَن الرُّؤْيَا تطلق على رُؤْيَة الْعين قَوْله وَكَانَ لَا يرى رُؤْيا بِلَا تَنْوِين لِأَنَّهُ كحبلى قَوْله مثل مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير إِلَّا جَاءَت مجيئا مثل فلق الصُّبْح أَي شَبيهَة لضياء الصُّبْح وَقَالَ أَكثر الشُّرَّاح أَنه مَنْصُوب على الْحَال وَمَا قُلْنَا أولى لِأَن الْحَال مُقَيّدَة وَمَا ذكرنَا مُطلق فَهُوَ أولى على مَا يخفى على النَّابِغَة من التراكيب قَوْله الْخَلَاء مَرْفُوع بقوله حبب لِأَنَّهُ فَاعل نَاب عَن الْمَفْعُول والنكتة فِيهِ التَّنْبِيه على أَن ذَلِك من وَحي الإلهام وَلَيْسَ من باعث الْبشر قَوْله حراء بِالتَّنْوِينِ والجر بِالْإِضَافَة كَمَا ذكرنَا قَوْله فَيَتَحَنَّث عطف على قَوْله يَخْلُو وَلَا يَخْلُو عَن معنى السَّبَبِيَّة لِأَن اختلاءه هُوَ السَّبَب للتحنث قَوْله فِيهِ أَي فِي الْغَار مَحَله النصب على الْحَال قَوْله وَهُوَ التَّعَبُّد الضَّمِير يرجع إِلَى التحنث الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله فَيَتَحَنَّث كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} أَي الْعدْل أقرب للتقوى وَهَذِه جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله فَيَتَحَنَّث فِيهِ وَبَين قَوْله اللَّيَالِي لِأَن اللَّيَالِي مَنْصُوب على الظّرْف وَالْعَامِل فِيهِ يَتَحَنَّث لَا قَوْله التَّعَبُّد وَإِلَّا يفْسد الْمَعْنى فَإِن التحنث لَا يشْتَرط فِيهِ اللَّيَالِي بل هُوَ مُطلق التَّعَبُّد وَأَشَارَ الطَّيِّبِيّ بِأَن هَذِه الْجُمْلَة مدرجة من قَول الزُّهْرِيّ لِأَن مثل ذَلِك من دأبه وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير من طَرِيق يُونُس عَن الزُّهْرِيّ قَوْله ذَوَات الْعدَد مَنْصُوب لِأَنَّهُ صفة اللَّيَالِي وعلامة النصب كسر التَّاء وَأَرَادَ بهَا اللَّيَالِي مَعَ أيامهن على سَبِيل التغليب لِأَنَّهَا أنسب للخلوة قَالَ الطَّيِّبِيّ وَذَوَات الْعدَد عبارَة عَن الْقلَّة نَحْو (دَرَاهِم مَعْدُودَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا الْكَثْرَة إِذْ الْكثير يحْتَاج إِلَى الْعدَد لَا الْقَلِيل وَهُوَ الْمُنَاسب للمقام قلت أصل مُدَّة الْخلْوَة مَعْلُوم وَكَانَ شهرا وَهُوَ شهر رَمَضَان كَمَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَق فِي السِّيرَة وَإِنَّمَا أبهمت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا الْعدَد هَهُنَا لاختلافه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمدَّة الَّتِي يتخللها مَجِيئه إِلَى أَهله قَوْله ويتزود بِالرَّفْع عطف على قَوْله يَتَحَنَّث
وَلَيْسَ هُوَ بعطف على أَن ينْزع لفساد الْمَعْنى قَوْله لذَلِك أَي للخلو أَو للتعبد قَوْله لمثلهَا أَي لمثل اللَّيَالِي قَوْله حَتَّى جَاءَهُ الْحق كلمة حَتَّى هَهُنَا للغاية وَهَهُنَا مَحْذُوف وَالتَّقْدِير حَتَّى جَاءَهُ الْأَمر الْحق وَهُوَ الْوَحْي الْكَرِيم قَوْله فَجَاءَهُ الْملك الْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد أَي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَهَذِه الْفَاء هَهُنَا الْفَاء التفسيرية نَحْو قَوْله تَعَالَى {فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم} إِذْ الْقَتْل نفس التَّوْبَة على أحد التفاسير وَتسَمى بِالْفَاءِ التفصيلية أَيْضا لِأَن مَجِيء الْملك تَفْصِيل للمجمل الَّذِي هُوَ مَجِيء الْحق وَلَا شكّ أَن الْمفصل نفس الْمُجْمل وَلَا يُقَال أَنه تَفْسِير الشَّيْء بِنَفسِهِ لِأَن التَّفْسِير وَإِن كَانَ عين الْمُفَسّر بِهِ من جِهَة الْإِجْمَال فَهُوَ غَيره من جِهَة التَّفْصِيل وَلَا يجوز أَن تكون الْفَاء هُنَا الْفَاء التعقيبية لِأَن مَجِيء الْملك لَيْسَ بعد مَجِيء الْوَحْي حَتَّى يعقب بِهِ بل مجىء الْملك هُوَ نفس الْوَحْي هَكَذَا قَالَت الشُّرَّاح وَفِيه بحث لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون المُرَاد من قَوْله حَتَّى جَاءَهُ الْحق الإلهام أَو سَماع هَاتِف وَيكون مجىء الْملك بعد ذَلِك بِالْوَحْي فَحِينَئِذٍ يَصح أَن تكون الْفَاء للتعقيب قَوْله فَقَالَ اقْرَأ الْفَاء هُنَا للتعقيب قَوْله مَا أَنا بقارىء قَالَت الشُّرَّاح كلمة مَا نَافِيَة وَاسْمهَا هُوَ قَوْله أَنا وخبرها هُوَ قَوْله بقارىء ثمَّ الْبَاء فِيهِ زَائِدَة لتأكيد النَّفْي أَي مَا أحسن الْقِرَاءَة وغلطوا من قَالَ أَنَّهَا استفهامية لدُخُول الْبَاء فِي الْخَبَر وَهِي لَا تدخل على مَا الاستفهامية وَمنعُوا استنادهم بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَة مَا أَقرَأ بقَوْلهمْ يجوز أَن يكون مَا هَهُنَا أَيْضا نَافِيَة قلت تغليطهم ومنعهم ممنوعان أما قَوْلهم أَن الْبَاء لَا تدخل على مَا الاستفهامية فَهُوَ مَمْنُوع لِأَن الْأَخْفَش جوز ذَلِك أما قَوْلهم يجوز أَن يكون مَا فِي رِوَايَة مَا أَقرَأ نَافِيَة فاحتمال بعيد بل الظَّاهِر أَنَّهَا استفهامية تدل على ذَلِك رِوَايَة أبي الْأسود فِي مغازيه عَن عُرْوَة أَنه قَالَ كَيفَ أَقرَأ وَالْعجب من شَارِح أَنه ذكر هَذِه الرِّوَايَة فِي شَرحه وَهِي تصرح بِأَن مَا استفهامية ثمَّ غلط من قَالَ أَنَّهَا استفهامية قَوْله الْجهد بِالرَّفْع وَالنّصب أما الرّفْع فعلى كَونه فَاعِلا لبلغ يَعْنِي بلغ الْجهد مبلغه فَحذف مبلغه وَأما النصب فعلى كَونه مَفْعُولا وَالْفَاعِل مَحْذُوف يجوز أَن يكون التَّقْدِير بلغ مني الْجهد الْملك أَو بلغ الغط مني الْجهد أَي غَايَة وسعى وَقَالَ التوربشتي لَا أرى الَّذِي يروي بِنصب الدَّال إِلَّا قد وهم فِيهِ أَو جوزه بطرِيق الِاحْتِمَال فَإِنَّهُ إِذا نصب الدَّال عَاد الْمَعْنى إِلَى أَنه غطه حَتَّى استفرغ قوته فِي ضغطه وَجهد جهده بِحَيْثُ لم يبْق فِيهِ مزِيد وَقَالَ الْكرْمَانِي وَهَذَا قَول غير سديد فَإِن البنية البشرية لَا تستدعي استنفاد الْقُوَّة الملكية لَا سِيمَا فِي مبدأ الْأَمر وَقد دلّت الْقِصَّة على أَنه اشمأز من ذَلِك وتداخله الرعب وَقَالَ الطَّيِّبِيّ لَا شكّ أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَالَة الغط لم يكن على صورته الْحَقِيقِيَّة الَّتِي تجلى بهَا عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى وعندما رَآهُ مستويا على الْكُرْسِيّ فَيكون استفراغ جهده بِحَسب صورته الَّتِي تجلى لَهُ وغطه وَإِذا صحت الرِّوَايَة اضمحل الاستبعاد قَوْله فَرجع بهَا أَي بِالْآيَاتِ وَهِي قَوْله {اقْرَأ باسم رَبك} إِلَى آخِرهنَّ وَقَالَ بَعضهم أَي بِالْآيَاتِ أَو بالقصة فَقَوله أَو بالقصة لَا وَجه لَهُ أصلا على مَا لَا يخفى قَوْله يرجف فُؤَاده جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا كَانَ مثبتا وَوَقع حَالا لَا يحْتَاج إِلَى الْوَاو قَوْله وأخبرها الْخَبَر جملَة حَالية أَيْضا قَوْله لقد خشيت اللَّام فِيهِ جَوَاب الْقسم الْمَحْذُوف أَي وَالله لقد خشيت وَهُوَ مقول قَالَ قَوْله فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة أَي انْطَلقَا إِلَى ورقة لِأَن الْفِعْل اللَّازِم إِذا عدى بِالْبَاء يلْزم مِنْهُ المصاحبة فَيلْزم ذهابهما بِخِلَاف مَا عدى بِالْهَمْزَةِ نَحْو أذهبته فَإِنَّهُ لَا يلْزم ذَلِك قَوْله ابْن عَم خَدِيجَة قَالَ النَّوَوِيّ هُوَ بِنصب ابْن وَيكْتب بِالْألف لِأَنَّهُ بدل من ورقة فَإِنَّهُ ابْن عَم خَدِيجَة لِأَنَّهَا بنت خويلد بن أَسد وَهُوَ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد وَلَا يجوز جر ابْن وَلَا كِتَابَته بِغَيْر الْألف لِأَنَّهُ يصير صفة لعبد الْعُزَّى فَيكون عبد الْعُزَّى ابْن عَم خَدِيجَة وَهُوَ بَاطِل. وَقَالَ الْكرْمَانِي كِتَابَة الْألف وَعدمهَا لَا تتَعَلَّق بِكَوْنِهِ مُتَعَلقا بِوَرَقَة أَو بِعَبْد الْعُزَّى بل عِلّة إِثْبَات الْألف عدم وُقُوعه بَين العلمين لِأَن الْعم لَيْسَ علما ثمَّ الحكم بِكَوْنِهِ بَدَلا غير لَازم لجَوَاز أَن يكون صفة أَو بَيَانا لَهُ قلت مَا ادّعى النَّوَوِيّ لُزُوم الْبَدَل حَتَّى يخدش فِي كَلَامه فَإِنَّهُ وَجه ذكره وَمثل ذَلِك عبد الله بن مَالك ابْن بُحَيْنَة وَمُحَمّد بن عَليّ ابْن الْحَنَفِيَّة والمقداد بن عَمْرو ابْن الْأسود وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ابْن علية وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ابْن رَاهَوَيْه وَأَبُو عبد الله بن يزِيد ابْن مَاجَه فبحينة أم عبد الله وَالْحَنَفِيَّة أم مُحَمَّد وَالْأسود لَيْسَ بجد الْمِقْدَاد وَإِنَّمَا هُوَ قد تبناه وَعليَّة أم إِسْمَاعِيل وراهويه لقب إِبْرَاهِيم وماجه لقب يزِيد وكل ذَلِك يكْتب بِالْألف ويعرب بإعراب الأول وَمثل ذَلِك عبد الله بن أبي ابْن سلول بتنوين أبي وَيكْتب ابْن سلول بِالْألف ويعرب إِعْرَاب عبد الله فِي الْأَصَح قَوْله مَا شَاءَ
الله كلمة مَا مَوْصُولَة وَشاء صلتها والعائد مَحْذُوف وَأَن مَصْدَرِيَّة مفعول شَاءَ وَالتَّقْدِير مَا شَاءَ الله كِتَابَته قَوْله قد عمى حَال قَوْله اسْمَع من ابْن أَخِيك إِنَّمَا أطلقت الْأُخوة لِأَن الْأَب الثَّالِث لورقة هُوَ الْأَخ للْأَب الرَّابِع لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَأَنَّهُ قَالَ ابْن أخي جدك على سَبِيل الْإِضْمَار وَفِي ذكر لفظ الْأَخ استعطاف أَو جعلته عَمَّا لرَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْضا احتراما لَهُ على سَبِيل التَّجَوُّز قَوْله مَاذَا ترى فِي إعرابه أوجه الأول أَن يكون مَا إستفهاما وَذَا إِشَارَة نَحْو مَاذَا التداني ... مَاذَا الْوُقُوف الثَّانِي أَن يكون مَا استفهاما وَذَا مَوْصُولَة كَمَا فِي قَول لبيد رَضِي الله عَنهُ (أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول ... ) فَمَا مُبْتَدأ بِدَلِيل إِبْدَاله الْمَرْفُوع مِنْهَا وَذَا مَوْصُول بِدَلِيل افتقاره للجملة بعده وَهُوَ أرجح الْوَجْهَيْنِ فِي {ويسئلونك مَاذَا يُنْفقُونَ} الثَّالِث أَن يكون مَاذَا كُله استفهاما على التَّرْكِيب كَقَوْلِك لماذا جِئْت الرَّابِع أَن يكون مَاذَا كُله اسْم جنس بِمَعْنى شَيْء أَو مَوْصُولا الْخَامِس أَن يكون مَا زَائِدَة وَذَا للْإِشَارَة السَّادِس أَن يكون مَا استفهاما وَذَا زَائِدَة إجَازَة جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَالك فِي نَحْو مَاذَا صنعت قَوْله يَا لَيْتَني فِيهَا أَي فِي أَيَّام النُّبُوَّة أَو فِي الدعْوَة وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء العكبري الْمُنَادِي هَهُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره يَا مُحَمَّد لَيْتَني كنت حَيا نَحْو {يَا لَيْتَني كنت مَعَهم} تَقْدِيره يَا قوم لَيْتَني وَالْأَصْل فِيهِ أَن يَا إِذا وَليهَا مَا لَا يصلح للنداء كالفعل فِي نَحْو (أَلا يَا اسجدوا) والحرف فِي نَحْو يَا لَيْتَني وَالْجُمْلَة الإسمية نَحْو يَا لعنة الله والأقوام كلهم فَقيل هِيَ للنداء والمنادى مَحْذُوف وَقيل لمُجَرّد التَّنْبِيه لِئَلَّا يلْزم الإجحاف بِحَذْف الْجُمْلَة كلهَا وَقَالَ ابْن مَالك فِي الشواهد ظن أَكثر النَّاس أَن يَا الَّتِي تَلِيهَا لَيْت حرف نِدَاء والمنادى مَحْذُوف وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيف لِأَن قَائِل لَيْتَني قد يكون وَحده فَلَا يكون مَعَه مُنَادِي كَقَوْل مَرْيَم {يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا} وَكَأن الشَّيْء إِنَّمَا يجوز حذفه إِذا كَانَ الْموضع الَّذِي ادّعى فِيهِ حذفه مُسْتَعْملا فِيهِ ثُبُوته كحذف الْمُنَادِي قبل أَمر أَو دُعَاء فَإِنَّهُ يجوز حذفه لِكَثْرَة ثُبُوته ثمَّة فَمن ثُبُوته قبل الْأَمر {يَا يحيى خُذ الْكتاب} وَقبل الدُّعَاء {يَا مُوسَى ادْع لنا رَبك} وَمن حذفه قبل الْأَمر (الا يَا اسجدوا) فِي قِرَاءَة الْكسَائي أَي يَا هَؤُلَاءِ اسجدوا قبل الدُّعَاء قَول الشَّاعِر (أَلا يَا اسلمي يَا دارمي على البلى ... وَلَا زَالَ منهلا بجرعائك الْقطر) أَي يَا دَار اسلمي فَحسن حذف الْمُنَادِي قبلهَا اعتياد ثُبُوته بِخِلَاف لَيْت فَإِن الْمُنَادِي لم تستعمله الْعَرَب قبلهَا ثَابتا فادعاء حذفه بَاطِل فَتعين كَون يَا هَذِه لمُجَرّد التَّنْبِيه مثل أَلا فِي نَحْو (أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَة ... ) قلت دَعْوَاهُ بِبُطْلَان الْحَذف غير سديدة لِأَن دَلِيله لم يساعده أما قَوْله لِأَن قَائِل لَيْتَني قد يكون وَحده الخ فَظَاهر الْفساد لِأَنَّهُ يجوز أَن يقدر فِيهِ نَفسِي فيخاطب نَفسه على سَبِيل التَّجْرِيد فالتقدير فِي الْآيَة يَا نَفسِي لَيْتَني مت قبل هَذَا وَهَهُنَا أَيْضا يكون التَّقْدِير يَا نَفسِي لَيْتَني كنت فِيهَا جذعا وَأما قَوْله وَلِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يجوز حذفه فَظَاهر الْبعد لِأَنَّهُ لَا مُلَازمَة بَين جَوَاز الْحَذف وَبَين ثُبُوت اسْتِعْمَاله فِيهِ فَافْهَم قَوْله جذعا بِالنّصب وَالرَّفْع وَجه النصب أَن يكون خبر كَانَ الْمُقدر تَقْدِيره لَيْتَني أكون جذعا وَإِلَيْهِ مَال الْكسَائي وَقَالَ القَاضِي عِيَاض هُوَ مَنْصُوب على الْحَال وَهُوَ مَنْقُول عَن النُّحَاة البصرية وَخبر لَيْت حِينَئِذٍ قَوْله فِيهَا وَالتَّقْدِير لَيْتَني كَائِن فِيهَا حَال شبيبة وَصِحَّة وَقُوَّة لنصرتك وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَيْت أعملت عمل تمنيت فنصب الجزئين كَمَا فِي قَول الشَّاعِر (يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا رواجعا ... ) وَجه الرّفْع ظَاهر وَهُوَ كَونه خبر لَيْت قَوْله إِذْ يخْرجك قَوْمك قَالَ ابْن مَالك اسْتعْمل فِيهِ إِذْ فِي الْمُسْتَقْبل كإذا وَهُوَ اسْتِعْمَال صَحِيح وغفل عَنهُ أَكثر النَّحْوِيين وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر} وَقَوله تَعَالَى {وَأَنْذرهُمْ يَوْم الآزفة إِذْ الْقُلُوب} وَقَوله {فَسَوف يعلمُونَ إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم} قَالَ وَقد اسْتعْمل كل مِنْهُمَا فِي مَوضِع الآخر وَمن اسْتِعْمَال إِذا مَوضِع إِذْ نَحْو قَوْله تَعَالَى {وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} لِأَن الانفضاض وَاقع فِيمَا مضى وَقَالَ بَعضهم هَذَا الَّذِي ذكره ابْن مَالك قد أقره عَلَيْهِ غير وَاحِد وَتعقبه شَيخنَا بِأَن النُّحَاة لم يغفلوا عَنهُ بل منعُوا وُرُوده وَأولُوا مَا ظَاهره ذَلِك وَقَالُوا فِي مثل هَذَا اسْتعْمل الصِّيغَة الدَّالَّة على الْمُضِيّ لتحَقّق وُقُوعه فأنزلوه مَنْزِلَته وَيُقَوِّي ذَلِك هُنَا أَن فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير حِين يخْرجك قَوْمك وَعند التَّحْقِيق مَا ادَّعَاهُ ابْن مَالك فِيهِ ارْتِكَاب مجَاز وَمَا ذكره غَيره فِيهِ ارْتِكَاب مجَاز ومجازهم أولى لما يبتنى عَلَيْهِ من أَن إِيقَاع الْمُسْتَقْبل فِي صُورَة الْمُضِيّ تَحْقِيقا لوُقُوعه أَو استحضارا للصورة الْآتِيَة فِي هَذِه دون تِلْكَ قلت بل غفلوا عَنهُ لِأَن التَّنْبِيه على مثل
هَذَا لَيْسَ من وظيفتهم وَإِنَّمَا هُوَ من وَظِيفَة أهل الْمعَانِي وَقَوله بل منعُوا وُرُوده كَيفَ يَصح وَقد ورد فِي الْقُرْآن فِي غير مَا مَوضِع وَقَوله وَأولُوا مَا ظَاهره يُنَافِي قَوْله منعُوا وُرُوده وَكَيف نسب التَّأْوِيل إِلَيْهِم وَهُوَ لَيْسَ إِلَيْهِم وَإِنَّمَا هُوَ إِلَى أهل الْمعَانِي قَوْله ومجازهم أولى الخ بعيد عَن الْأَوْلَوِيَّة لِأَن التَّعْلِيل الَّذِي علله لَهُم هُوَ عين مَا عله ابْن مَالك فِي قَوْله اسْتعْمل إِذْ فِي الْمُسْتَقْبل كإذا وَبِالْعَكْسِ فَمن أَيْن الْأَوْلَوِيَّة قَوْله أَو مخرجي هم جملَة اسمية لِأَن هم مُبْتَدأ ومخرجي مقدما خَبره وَلَا يجوز الْعَكْس لِأَن مخرجي نكرَة فَإِن إِضَافَته لفظية إِذْ هُوَ اسْم فَاعل بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال وَقد قُلْنَا أَن أَصله مخرجون جمع مخرج من الْإِخْرَاج فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت النُّون وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ مخرجي بتَشْديد الْيَاء وَيجوز أَن يكون مخرجي مُبْتَدأ وهم فَاعِلا سد مسد الْخَبَر على لُغَة أكلوني البراغيث وَلَو روى مخرجي بِسُكُون الْيَاء أَو فتحهَا مُخَفّفَة على أَنه مُفْرد يَصح جعله مُبْتَدأ وَمَا بعده فَاعِلا سد مسد الْخَبَر كَمَا تَقول أَو مخرجي بَنو فلَان لاعتماده على حرف الِاسْتِفْهَام لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احي والداك والمنفصل من الضمائر يجْرِي مجْرى الظَّاهِر وَمِنْه قَول الشَّاعِر (أمنجز أَنْتُم وَعدا وثقت بِهِ ... أم اقتفيتم جَمِيعًا نهج عرقوب) وَقَالَ ابْن مَالك الأَصْل فِي أَمْثَال هَذَا تَقْدِيم حرف الْعَطف على الْهمزَة كَمَا تقدم على غَيرهَا من أدوات الِاسْتِفْهَام نَحْو {وَكَيف تكفرون} و {فَأنى تؤفكون} و {فَأَيْنَ تذهبون} وَالْأَصْل أَن يجاء بِالْهَمْزَةِ بعد العاطف كَهَذا الْمِثَال وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال وأمخرجي فالواو للْعَطْف على مَا قبلهَا من الْجمل والهمزة للاستفهام لِأَن أَدَاة الِاسْتِفْهَام جُزْء من جملَة الِاسْتِفْهَام وَهِي معطوفة على مَا قبلهَا من الْجمل والعاطف لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ جُزْء مَا عطف عَلَيْهِ وَلَكِن خصت الْهمزَة بتقديمها على العاطف تَنْبِيها على أَنه أصل أدوات الِاسْتِفْهَام لِأَن الِاسْتِفْهَام لَهُ صدر الْكَلَام وَقد خُولِفَ هَذَا الأَصْل فِي غير الْهمزَة فأرادوا التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَكَانَت الْهمزَة بذلك أولى لأصالتها وَقد غفل الزَّمَخْشَرِيّ عَن هَذَا الْمَعْنى فَادّعى أَن بَين الْهمزَة وحرف الْعَطف جملَة محذوفة مَعْطُوفًا عَلَيْهَا بالعاطف مَا بعده. قلت لم يغْفل الزَّمَخْشَرِيّ عَن ذَلِك وَإِنَّمَا ادّعى هَذِه الدَّعْوَى لدقة نظر فِيهِ وَذَلِكَ لِأَن قَوْله أَو مخرجي هم جَوَاب ورد على قَوْله إِذْ يخْرجك على سَبِيل الاستبعاد والتعجب فَكيف يجوز أَن يقدر فِيهِ تَقْدِيم حرف الْعَطف على الْهمزَة وَلِأَن هَذِه إنشائية وَتلك خبرية فلأجل ذَلِك قدمت الْهمزَة على أَن أَصْلهَا أمخرجي هم بِدُونِ حرف الْعَطف وَلَكِن لما أُرِيد مزِيد استبعاد وتعجب جِيءَ بِحرف الْعَطف على مُقَدّر تَقْدِيره أمعادي هم ومخرجي هم وَأما إِنْكَار الْحَذف فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع فمستبعد لِأَن مثل هَذِه الحذوف من حلية البلاغة لَا سِيمَا حَيْثُ الْإِمَارَة قَائِمَة عَلَيْهَا وَالدَّلِيل عَلَيْهَا هُنَا وجود العاطف وَلَا يجوز الْعَطف على الْمَذْكُور فَيجب أَن يقدر بعد الْهمزَة مَا يُوَافق الْمَعْطُوف تقريرا للاستبعاد قَوْله وَأَن يدركني كلمة إِن للشّرط ويدركني مجزوم بهَا ويومك مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل يدركني والمضاف فِيهِ مَحْذُوف أَي يَوْم إخراجك أَو يَوْم انتشار نبوتك قَوْله أنصرك مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط ونصرا مَنْصُوب على المصدرية ومؤزرا صفته قَوْله ورقة بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله لم ينشب وَكلمَة أَن فِي قَوْله أَن توفّي مَفْتُوحَة مُخَفّفَة وَهِي بدل اشْتِمَال من ورقة أَي لم تلبث وَفَاته (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله الصَّالِحَة صفة مُوضحَة عِنْد النُّحَاة وَصفَة فارقة عِنْد أهل الْمعَانِي وَقَوله فِي النّوم من قبيل أمس الدابر كَانَ يَوْمًا عَظِيما لِأَنَّهُ لَيْسَ للكشف وَلَا للتخصيص وَلَا للمدح وَلَا للذم فَتعين أَن يكون للتَّأْكِيد قَوْله مَا أَنا بقارىء قيل أَن مثل هَذَا يُفِيد الِاخْتِصَاص قلت قَالَ الطَّيِّبِيّ مثل هَذَا التَّرْكِيب لَا يلْزم أَن يُفِيد الِاخْتِصَاص بل قد يكون للتقوية والتوكيد أَي لست بقارىء الْبَتَّةَ لَا محَالة وَهُوَ الظَّاهِر هَهُنَا وَالْمُنَاسِب للمقام قَوْله {اقْرَأ باسم رَبك} قدم الْفِعْل الَّذِي هُوَ مُتَعَلق الْبَاء وَإِن كَانَ تَأْخِيره للاختصاص كَمَا فِي قَوْله عز وَجل {بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا} لكَون الْأَمر بِالْقِرَاءَةِ أهم وَتَقْدِيم الْفِعْل أوقع لذَلِك وَقَوله اقْرَأ أَمر بإيجاد الْقِرَاءَة مُطلقًا لَا تخْتَص بمقروء دون مقروء وَقَوله باسم رَبك حَال أَي اقْرَأ مفتتحا باسم رَبك أَي قل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ثمَّ اقْرَأ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ وَهَذَا يدل على أَن الْبَسْمَلَة مَأْمُور بِقِرَاءَتِهَا فِي ابْتِدَاء كل قِرَاءَة فَتكون قرَاءَتهَا مأمورة فِي ابْتِدَاء هَذِه السُّورَة أَيْضا قلت هَذَا التَّقْدِير خلاف الظَّاهِر فَإِن جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يقل لَهُ إِلَّا أَن يَقُول {اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم} قَالَ الواحدي
أخبرنَا الْحسن بن مُحَمَّد الْفَارِسِي قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْفضل التَّاجِر قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن الْحسن الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن صَالح قَالَ حَدثنَا أَبُو صَالح قَالَ حَدثنِي اللَّيْث قَالَ حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر المَخْزُومِي أَنه سمع بعض عُلَمَائهمْ يَقُول كَانَ أول مَا نزل الله عز وَجل على رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي} إِلَى قَوْله {مَا لم يعلم} قَالَ هَذَا صدر مَا أنزل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم حراء ثمَّ أنزل آخرهَا بعد ذَلِك وَمَا شَاءَ الله وَلَئِن سلمنَا أَن الْبَسْمَلَة مَأْمُور بهَا فِي الْقِرَاءَة فَلَا يلْزم من ذَلِك الْوُجُوب لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الْأَمر على وَجه النّدب والاستحباب لأجل التَّبَرُّك فِي ابْتِدَاء الْقِرَاءَة قَوْله {رَبك الَّذِي خلق} وصف مُنَاسِب مشْعر بعلية الحكم بِالْقِرَاءَةِ وَالْإِطْلَاق فِي خلق أَولا على منوال يعْطى وَيمْنَع وَجعله تَوْطِئَة لقَوْله {خلق الْإِنْسَان} إِيذَانًا بِأَن الْإِنْسَان أشرف الْمَخْلُوقَات ثمَّ الامتنان عَلَيْهِ بقوله {علم الْإِنْسَان} يدل على أَن الْعلم أجل النعم قَوْله {علم بالقلم} إِشَارَة إِلَى الْعلم التعليمي و {علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم} إِشَارَة إِلَى الْعلم اللدني قَوْله لقد خشيت على نَفسِي أَشَارَ فِي تَأْكِيد كَلَامه بِاللَّامِ وَقد إِلَى تمكن الخشية فِي قلبه وخوفه على نَفسه حَتَّى روى صَاحب الغريبين فِي بَاب الْعين وَالدَّال وَالْمِيم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِخَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا أَظن أَنه عرض لي شبه جُنُون فَقَالَت كلا إِنَّك تكسب الْمَعْدُوم وَتحمل الْكل انْتهى فأجابت خَدِيجَة أَيْضا بِكَلَام فِيهِ قسم وتأكيد بِأَن وَاللَّام فِي الْخَبَر فِي صُورَة الْجُمْلَة الإسمية وَذَلِكَ إِزَالَة لحيرته ودهشته وَذَلِكَ من قبيل قَوْله تَعَالَى {وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء} لِأَن قَوْله {وَمَا أبرئ} مَا أزكي نَفسِي أورث الْمُخَاطب حيرة فِي أَنه كَيفَ لَا ينزه نَفسه عَن السوء مَعَ كَونهَا مطمئنة زكية فأزال تِلْكَ الْحيرَة بقوله إِن النَّفس لأمارة بالسوء فِي جَمِيع الْأَشْخَاص أَي بالشهوة والرذيلة إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم} وَقَوله تَعَالَى {وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم} وأمثال ذَلِك فِي التَّنْزِيل كَثِيرَة وكل هَذَا من إِخْرَاج الْكَلَام على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر قَوْله يَا لَيْتَني كلمة لَيْت لِلتَّمَنِّي تتَعَلَّق بالمستحيل غَالِبا وبالممكن قَلِيلا وَتمنى ورقة أَن يكون عِنْد ظُهُور الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام شَابًّا ليَكُون أمكن إِلَى نَصره وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك على وَجه التحسر لِأَنَّهُ كَانَ يتَحَقَّق أَنه لَا يعود شَابًّا قَوْله أَو مخرجي هم قد ذكرنَا أَن الْهمزَة فِيهِ للاستفهام وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك على وَجه الْإِنْكَار والتفجع لذَلِك والتألم مِنْهُ لِأَنَّهُ استبعد إِخْرَاجه من غير سَبَب لِأَنَّهَا حرم الله تَعَالَى وبلد أَبِيه إِسْمَاعِيل وَلم يكن مِنْهُ فِيمَا مضى وَلَا فِيمَا يَأْتِي سَبَب يَقْتَضِي ذَلِك بل كَانَ مِنْهُ أَنْوَاع المحاسن والكرامات الْمُقْتَضِيَة لإكرامه وإنزاله مَا هُوَ لَائِق بمحله وَالْعَادَة أَن كل مَا أَتَى للنفوس بِغَيْر مَا تحب وتألف وَإِن كَانَ مِمَّن يحب ويعتقد يعافه ويطرده وَقد قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَنْهُم {فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون} (بَيَان الْبَيَان) قَوْله مثل فلق الصُّبْح فِيهِ تَشْبِيه وَقد علم أَن أَدَاة التَّشْبِيه الْكَاف وَكَأن وَمثل وَنَحْو وَمَا يشتق من مثل وَشبه وَنَحْوهمَا والمشبه هَهُنَا الرُّؤْيَا والمشبه بِهِ فلق الصُّبْح وَوجه الشّبَه هُوَ الظُّهُور الْبَين الْوَاضِح الَّذِي لَا يشك فِيهِ قَوْله يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا فِيهِ اسْتِعَارَة الْحَيَوَان للْإنْسَان ومبناه على التَّشْبِيه حَيْثُ أطلق الْجذع الَّذِي هُوَ الْحَيَوَان المنتهي إِلَى الْقُوَّة وَأَرَادَ بِهِ الشَّبَاب الَّذِي فِيهِ قُوَّة الرجل وتمكنه من الْأُمُور (الأسئلة والأجوبة) وَهِي على وُجُوه. الأول مَا قيل لم أبتدىء صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالرؤيا أَولا وَأجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا ابتدىء بهَا لِئَلَّا يفجأه الْملك ويأتيه بِصَرِيح النُّبُوَّة وَلَا تحتملها القوى البشرية فبدىء بأوائل خِصَال النُّبُوَّة وتباشير الْكَرَامَة من صدق الرُّؤْيَا مَعَ سَماع الصَّوْت وَسَلام الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ ورؤية الضَّوْء ثمَّ أكمل الله لَهُ النُّبُوَّة بإرسال الْملك فِي الْيَقَظَة وكشف لَهُ عَن الْحَقِيقَة كَرَامَة لَهُ الثَّانِي مَا قيل مَا حَقِيقَة الرُّؤْيَا الصادقة أُجِيب بِأَن الله تَعَالَى يخلق فِي قلب النَّائِم أَو فِي حواسه الْأَشْيَاء كَمَا يخلقها فِي الْيَقظَان وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يفعل مَا يَشَاء لَا يمنعهُ نوم وَلَا غَيره عَنهُ فَرُبمَا يَقع ذَلِك فِي الْيَقَظَة كَمَا رَآهُ فِي الْمَنَام وَرُبمَا جعل مَا رَآهُ علما على أُمُور أخر يخلقها الله فِي ثَانِي الْحَال أَو كَانَ قد خلقهَا فَتَقَع تِلْكَ كَمَا جعل الله تَعَالَى الْغَيْم عَلامَة للمطر الثَّالِث مَا قيل لم حبب إِلَيْهِ الْخلْوَة أُجِيب بِأَن مَعهَا فرَاغ الْقلب وَهِي مُعينَة على التفكر والبشر لَا ينْتَقل عَن طبعه إِلَّا بالرياضة البليغة فحبب إِلَيْهِ الْخلْوَة لينقطع عَن مُخَالطَة الْبشر فينسى المألوفات من عَادَته فيجد الْوَحْي مِنْهُ مرَادا سهلا لَا حزنا ولمثل هَذَا الْمَعْنى كَانَت مُطَالبَة الْملك لَهُ بِالْقِرَاءَةِ والضغطة وَيُقَال كَانَ ذَلِك اعْتِبَار أَو فكرة
كاعتبار إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لمناجاة ربه والضراعة إِلَيْهِ ليريه السَّبِيل إِلَى عِبَادَته على صِحَة إِرَادَته وَقَالَ الْخطابِيّ حبب الْعُزْلَة إِلَيْهِ لِأَن فِيهَا سُكُون الْقلب وَهِي مُعينَة على التفكر وَبهَا يَنْقَطِع عَن مألوفات الْبشر ويخشع قلبه وَهِي من جملَة الْمُقدمَات الَّتِي أرهصت لنبوته وَجعلت مبادي لظهورها. الرَّابِع مَا قيل أَن ... عِبَادَته عَلَيْهِ وَسلم قبل الْبَعْث هَل كَانَت شَرِيعَة أحد أم لَا فِيهِ قَولَانِ لأهل الْعلم وعزى الثَّانِي إِلَى الْجُمْهُور إِنَّمَا كَانَ يتعبد بِمَا يلقى إِلَيْهِ من نور الْمعرفَة وَاخْتَارَ ابْن الْحَاجِب والبيضاوي أَنه كلف التَّعَبُّد بشرع وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بِالثَّانِي هَل يَنْتَفِي ذَلِك عَنهُ عقلا أم نقلا فَقيل بِالْأولِ لِأَن فِي ذَلِك تنفيرا عَنهُ وَمن كَانَ تَابعا فبعيد مِنْهُ أَن يكون متبوعا وَهَذَا خطأ مِنْهُ كَمَا قَالَ الْمَازرِيّ فالعقل لَا يحِيل ذَلِك وَقَالَ حذاق أهل السّنة بِالثَّانِي لِأَنَّهُ لَو فعل لنقل لِأَنَّهُ مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله ولافتخر بِهِ أهل تِلْكَ الشَّرِيعَة وَالْقَائِل بِالْأولِ اخْتلف فِيهِ على ثَمَانِيَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه كَانَ يتعبد بشريعة إِبْرَاهِيم الثَّانِي بشريعة مُوسَى الثَّالِث بشريعة عِيسَى الرَّابِع بشريعة نوح حَكَاهُ الْآمِدِيّ الْخَامِس بشريعة آدم حُكيَ عَن ابْن برهَان السَّادِس أَنه كَانَ يتعبد بشريعة من قبله من غير تعْيين السَّابِع أَن جَمِيع الشَّرَائِع شرع لَهُ حَكَاهُ بعض شرَّاح الْمَحْصُول من الْمَالِكِيَّة الثَّامِن الْوَقْف فِي ذَلِك وَهُوَ مَذْهَب أبي الْمَعَالِي الإِمَام وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ فَإِن قلت قد قَالَ الله تَعَالَى {ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم} قلت المُرَاد فِي تَوْحِيد الله وَصِفَاته أَو المُرَاد اتِّبَاعه فِي الْمَنَاسِك كَمَا علم جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الْخَامِس مَا قيل مَا كَانَ صفة تعبده أُجِيب بِأَن ذَلِك كَانَ بالتفكر وَالِاعْتِبَار كاعتبار أَبِيه إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام السَّادِس مَا قيل هَل كلف النَّبِي بعد النُّبُوَّة بشرع أحد من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أُجِيب بِأَن الْأُصُولِيِّينَ اخْتلفُوا فِيهِ وَالْأَكْثَرُونَ على الْمَنْع وَاخْتَارَهُ الإِمَام والآمدي وَغَيرهمَا وَقيل بل كَانَ مَأْمُورا بِأخذ الْأَحْكَام من كتبهمْ ويعبر عَنهُ بِأَن شرع من قبلنَا شرع لنا وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا الأول وَاخْتَارَهُ الْجُمْهُور السَّابِع مَا قيل مَتى كَانَ نزُول الْملك عَلَيْهِ أُجِيب بِأَن ابْن سعد روى بِإِسْنَادِهِ أَن نزُول الْملك عَلَيْهِ بحراء يَوْم الْإِثْنَيْنِ لسبع عشرَة خلت من رَمَضَان وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ ابْن أَرْبَعِينَ سنة الثَّامِن مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي غطه ثَلَاث مَرَّات قلت ليظْهر فِي ذَلِك الشدَّة وَالِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور وَأَن يَأْخُذ الْكتاب بِقُوَّة وَيتْرك الأناة فَإِنَّهُ أَمر لَيْسَ بالهوينا وكرره ثَلَاثًا مُبَالغَة فِي التثبت التَّاسِع مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِيهِ على رِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَن الغط كَانَ فِي النّوم أُجِيب بِأَنَّهُ يكون فِي تِلْكَ الغطات الثَّلَاث من التَّأْوِيل بِثَلَاث شَدَائِد يبتلى بهَا أَولا ثمَّ يَأْتِي الْفَرح وَالسُّرُور الأولى مَا لقِيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ وَأَصْحَابه من شدَّة الْجُوع فِي الشّعب حَتَّى تعاقدت قُرَيْش أَن لَا يبيعوا مِنْهُم وَلَا يصلوا إِلَيْهِم وَالثَّانيَِة مَا لقوا من الْخَوْف والإيعاد بِالْقَتْلِ وَالثَّالِثَة مَا لقِيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الإجلاء عَن الوطن وَالْهجْرَة من حرم إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْعَاشِر مَا قيل مَا الخشية الَّتِي خشيها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ لقد خشيت على نَفسِي أُجِيب بِأَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيهَا على اثنى عشر قولا الأول أَنه خَافَ من الْجُنُون وَأَن يكون مَا رَآهُ من أَمر الكهانة وَجَاء ذَلِك فِي عدَّة طرق وأبطله أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ وَأَنه لجدير بالأبطال الثَّانِي خَافَ أَن يكون هاجسا وَهُوَ الخاطر بالبال وَهُوَ أَن يحدث نَفسه ويجد فِي صَدره مثل الوسواس وأبطلوا هَذَا أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يسْتَقرّ وَهَذَا اسْتَقر وحصلت بَينهمَا الْمُرَاجَعَة الثَّالِث خَافَ من الْمَوْت من شدَّة الرعب الرَّابِع خَافَ أَن لَا يقوى على مقاومة هَذَا الْأَمر وَلَا يُطيق حمل أعباء الْوَحْي الْخَامِس الْعَجز عَن النّظر إِلَى الْملك وَخَافَ أَن تزهق نَفسه وينخلع قلبه لشدَّة مَا لقِيه عِنْد لِقَائِه السَّادِس خَافَ من عدم الصَّبْر على أَذَى قومه السَّابِع خَافَ من قومه أَن يقتلوه حَكَاهُ السُّهيْلي وَلَا غرو أَنه بشر يخْشَى من الْقَتْل والأذى ثمَّ يهون عَلَيْهِ الصَّبْر فِي ذَات الله تَعَالَى كل خشيَة ويجلب إِلَى قلبه كل شجاعة وَقُوَّة الثَّامِن خَافَ مُفَارقَة الوطن بِسَبَب ذَلِك التَّاسِع مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّهَا كَانَت مِنْهُ قبل أَن يحصل لَهُ الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَن الَّذِي جَاءَهُ ملك من عِنْد الله تَعَالَى وَكَانَ أشق شَيْء عَلَيْهِ أَن يُقَال عَنهُ شَيْء الْعَاشِر خَافَ من وُقُوع النَّاس فِيهِ الْحَادِي عشر مَا قَالَه ابْن أبي جَمْرَة أَن خَشيته كَانَت من الوعك الَّذِي أَصَابَهُ من قبل الْملك الثَّانِي عشر هُوَ إِخْبَار عَن الخشية الَّتِي حصلت لَهُ على غير مواطئة بَغْتَة كَمَا يحصل للبشر إِذا دهمه أَمر لم يعهده وَقَالَ القَاضِي عِيَاض هَذَا أول بادىء التباشير فِي النّوم واليقظة وَسمع الصَّوْت قبل لِقَاء الْملك
وَتحقّق رِسَالَة ربه فقد خَافَ أَن يكون من الشَّيْطَان فَأَما بعد أَن جَاءَهُ الْملك بالرسالة فَلَا يجوز الشَّك عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يخْشَى تسلط الشَّيْطَان عَلَيْهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ هَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ خلاف تَصْرِيح الحَدِيث فَإِن هَذَا كَانَ بعد غط الْملك وإتيانه بإقرأ باسم رَبك قَالَ قلت إِلَّا أَن يكون معنى خشيت على نَفسِي أَن يخبرها بِمَا حصل لَهُ أَولا من الْخَوْف لَا أَنه خَائِف فِي حَال الْإِخْبَار فَلَا يكون ضَعِيفا الْحَادِي عشر من الأسئلة مَا قيل من أَيْن علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الجائي إِلَيْهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا الشَّيْطَان وَبِمَ عرف أَنه حق لَا بَاطِل أُجِيب بِأَنَّهُ كَمَا نصب الله لنا الدَّلِيل على أَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَادِق لَا كَاذِب وَهُوَ المعجزة كَذَلِك نصب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَلِيلا على أَن الجائي إِلَيْهِ ملك لَا شَيْطَان وَأَنه من عِنْد الله لَا من غَيره الثَّانِي عشر مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي فتور الْوَحْي مُدَّة أُجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ كَذَلِك ليذْهب مَا كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجده من الروع وليحصل لَهُ التشوق إِلَى الْعود الثَّالِث عشر مَا قيل مَا كَانَ مُدَّة الفترة أُجِيب بِأَنَّهُ وَقع فِي تَارِيخ أَحْمد بن حَنْبَل عَن الشّعبِيّ أَن مُدَّة فَتْرَة الْوَحْي كَانَت ثَلَاث سِنِين وَبِه جزم ابْن إِسْحَاق وَحكى الْبَيْهَقِيّ أَن مُدَّة الرُّؤْيَا كَانَت سِتَّة أشهر وعَلى هَذَا فابتداء النُّبُوَّة بالرؤيا وَقع فِي شهر مولده وَهُوَ ربيع الأول وَابْتِدَاء وَحي الْيَقَظَة وَقع فِي رَمَضَان وَلَيْسَ فَتْرَة الْوَحْي الْمقدرَة بِثَلَاث سِنِين وَهُوَ مَا بَين نزُول اقْرَأ أَو يَا أَيهَا المدثر عدم مَجِيء جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَيْهِ بل تَأَخّر نزُول الْقُرْآن عَلَيْهِ فَقَط الرَّابِع عشر مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيصه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّعَبُّد بحراء من بَين سَائِر الْجبَال أُجِيب بِأَن حراء هُوَ الَّذِي نَادَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين قَالَ لَهُ ثبير اهبط عني فَإِنِّي أَخَاف أَن تقتل على ظَهْري فاعذرني يَا رَسُول الله فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَخْصِيصه بِهِ وَقَالَ أَبُو عبد الله بن أبي جَمْرَة لِأَنَّهُ يرى بَيت ربه مِنْهُ وَهُوَ عبَادَة وَكَانَ منزويا مجموعا لتحنثه. الْخَامِس عشر مَا قيل أَن قَوْله ثمَّ لم ينشب ورقة أَن توفّي يُعَارضهُ مَا رُوِيَ فِي سيرة ابْن إِسْحَاق أَن ورقة كَانَ يمر ببلال وَهُوَ يعذب لما أسلم وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه تَأَخّر إِلَى زمن الدعْوَة وَإِلَى أَن دخل بعض النَّاس فِي الْإِسْلَام أُجِيب بِأَنا لَا نسلم الْمُعَارضَة فَإِن شَرط التَّعَارُض الْمُسَاوَاة وَمَا رُوِيَ فِي السِّيرَة لَا يُقَاوم الَّذِي فِي الصَّحِيح وَلَئِن سلمنَا فَلَعَلَّ الرَّاوِي لما فِي الصَّحِيح لم يحفظ لورقة بعد ذَلِك شَيْئا من الْأُمُور فَلذَلِك جعل هَذِه الْقِصَّة انْتِهَاء أمره بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا علمه مِنْهُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي نفس الْأَمر السَّادِس عشر مَا وَجه تَخْصِيص ورقة بن نَوْفَل ناموس النَّبِي بالناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام دون سَائِر الْأَنْبِيَاء مَعَ أَن لكل نَبِي ناموسا أُجِيب بِأَن الناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى لَيْسَ كناموس الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهُ أنزل عَلَيْهِ كتاب بِخِلَاف سَائِر الْأَنْبِيَاء فَمنهمْ من نزل عَلَيْهِ صحف وَمِنْهُم من نبىء بأخبار جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَمِنْهُم من نبىء بأخبار ملك الرصاف (استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول فِيهِ تَصْرِيح من عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بِأَن رُؤْيا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جملَة أَقسَام الْوَحْي وَهُوَ مَحل وفَاق الثَّانِي فِيهِ مَشْرُوعِيَّة اتِّخَاذ الزَّاد وَلَا يُنَافِي التَّوَكُّل فقد اتَّخذهُ سيد المتوكلين الثَّالِث فِيهِ الحض على التَّعْلِيم ثَلَاثًا بِمَا فِيهِ مشقة كَمَا فتل الشَّارِع أذن ابْن عَبَّاس فِي إدارته على يَمِينه فِي الصَّلَاة وانتزع شُرَيْح القَاضِي من هَذَا الحَدِيث أَن لَا يضْرب الصَّبِي إِلَّا ثَلَاثًا على الْقُرْآن كَمَا غط جِبْرِيل مُحَمَّدًا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام ثَلَاثًا الرَّابِع فِيهِ دَلِيل لِلْجُمْهُورِ أَن سُورَة {اقْرَأ باسم رَبك} أول مَا نزل وَقَول من قَالَ أَن أول مَا نزل {يَا أَيهَا المدثر} عملا بالرواية الْآتِيَة فِي الْبَاب فَأنْزل الله تَعَالَى {يَا أَيهَا المدثر} مَحْمُول على أَنه أول مَا نزل بعد فَتْرَة الْوَحْي وَأبْعد من قَالَ أَن أول مَا نزل الْفَاتِحَة بل هُوَ شَاذ وَجمع بَعضهم بَين الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين بِأَن قَالَ يُمكن أَن يُقَال أول مَا نزل من التَّنْزِيل فِي تَنْبِيه الله على صفة خلقه (اقْرَأ) وَأول مَا نزل من الْأَمر بالإنذار {يَا أَيهَا المدثر} وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ عَن كريب قَالَ وجدنَا فِي كتاب ابْن عَبَّاس أول مَا نزل من الْقُرْآن بِمَكَّة اقْرَأ وَاللَّيْل وَنون وَيَا أَيهَا المزمل وَيَا أَيهَا المدثر وتبت وَإِذا الشَّمْس والأعلى وَالضُّحَى وألم نشرح لَك وَالْعصر وَالْعَادِيات والكوثر وَالتَّكَاثُر وَالدّين ثمَّ الفلق ثمَّ النَّاس ثمَّ ذكر سورا كَثِيرَة وَنزل بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ سُورَة وسائرها بِمَكَّة وَكَذَلِكَ يرْوى عَن ابْن الزبير. وَقَالَ السخاوي ذهبت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَالْأَكْثَرُونَ إِلَى أَن أول مَا نزل {اقْرَأ باسم رَبك} إِلَى قَوْله {مَا لم يعلم} ثمَّ ن والقلم إِلَى قَوْله ويبصرون وَيَا أَيهَا المدثر وَالضُّحَى ثمَّ نزل بَاقِي سُورَة اقْرَأ بعد يَا أَيهَا المدثر وَيَا أَيهَا المزمل الْخَامِس قَالَ السُّهيْلي فِي قَوْله (اقْرَأ
باسم رَبك} دَلِيل من الْفِقْه على وجوب استفتاح الْقِرَاءَة بِبسْم الله غير أَنه أَمر مُبْهَم لم يتَبَيَّن لَهُ بِأَيّ اسْم من أَسْمَائِهِ يستفتح حَتَّى جَاءَ الْبَيَان بعد فِي قَوْله {بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا} ثمَّ فِي قَوْله {وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} ثمَّ بعد ذَلِك كَانَ ينزل جِبْرِيل بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مَعَ كل سُورَة وَقد ثبتَتْ فِي سَواد الْمُصحف بِإِجْمَاع من الصَّحَابَة على ذَلِك وَحين نزلت بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سبحت الْجبَال فَقَالَت قُرَيْش سحر مُحَمَّد الْجبَال ذكره النقاش قلت دَعْوَى الْوُجُوب تحْتَاج إِلَى دَلِيل وَكَذَلِكَ دَعْوَى نزُول جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مَعَ كل سُورَة وثبوتها فِي سَواد الْمُصحف لَا يدل على وجوب قرَاءَتهَا وَمَا ذكره النقاش فِي تَفْسِيره فقد تكلمُوا فِيهِ السَّادِس فِيهِ أَن الفازع لَا يَنْبَغِي أَن يسْأَل عَن شَيْء حَتَّى يَزُول عَنهُ فزعه حَتَّى قَالَ مَالك أَن المذعور لَا يلْزمه بيع وَلَا إِقْرَار وَلَا غَيره السَّابِع فِيهِ أَن مَكَارِم الْأَخْلَاق وخصال الْخَيْر سَبَب للسلامة من مصَارِع الشَّرّ والمكاره فَمن كثر خَيره حسنت عاقبته ورجى لَهُ سَلامَة الدّين وَالدُّنْيَا الثَّامِن فِيهِ جَوَاز مدح الْإِنْسَان فِي وَجهه لمصْلحَة وَلَا يُعَارضهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (احثوا فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب) لِأَن هَذَا فِيمَا يمدح بباطل أَو يُؤَدِّي إِلَى بَاطِل التَّاسِع فِيهِ أَنه يَنْبَغِي تأنيس من حصلت لَهُ مَخَافَة وتبشيره وَذكر أَسبَاب السَّلامَة لَهُ الْعَاشِر فِيهِ أبلغ دَلِيل على كَمَال خَدِيجَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وجزالة رأيها وَقُوَّة نَفسهَا وَعظم فقهها وَقد جمعت جَمِيع أَنْوَاع أصُول المكارم وأمهاتها فِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الْإِحْسَان إِمَّا إِلَى الْأَقَارِب وَإِمَّا إِلَى الْأَجَانِب وَإِمَّا بِالْبدنِ وَإِمَّا بِالْمَالِ وَإِمَّا على من يسْتَقلّ بأَمْره وَإِمَّا على غَيره الْحَادِي عشر فِيهِ جَوَاز ذكر العاهة الَّتِي بالشخص وَلَا يكون ذَلِك غيبَة قلت يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا على التَّفْصِيل فَإِن كَانَ لبَيَان الْوَاقِع أَو للتعريف أَو نَحْو ذَلِك فَلَا بَأْس وَلَا يكون غيبَة وَإِن كَانَ لأجل استنقاصه أَو لأجل تعييره فَإِن ذَلِك لَا يجوز الثَّانِي عشر فِيهِ أَن من نزل بِهِ أَمر يسْتَحبّ لَهُ أَن يطلع عَلَيْهِ من يَثِق بنصحه وَصِحَّة رَأْيه الثَّالِث عشر فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُجيب يُقيم الدَّلِيل على مَا يُجيب بِهِ إِذا اقْتَضَاهُ الْمقَام (فَوَائِد الأولى) خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي بن كلاب أم الْمُؤمنِينَ تزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة وَهِي أم أَوْلَاده كلهم خلا إِبْرَاهِيم فَمن مَارِيَة وَلم يتَزَوَّج غَيرهَا قبلهَا وَلَا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَت قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين على الْأَصَح وَقيل بِخمْس وَقيل بِأَرْبَع فأقامت مَعَه أَرْبعا وَعشْرين سنة وَسِتَّة أشهر ثمَّ توفيت وَكَانَت وفاتها بعد وَفَاة أبي طَالب بِثَلَاثَة أَيَّام وَاسم أمهَا فَاطِمَة بنت زَائِدَة بن الْأَصَم من بني عَامر بن لؤَي وَهِي أول من آمن من النِّسَاء بِاتِّفَاق بل أول من آمن مُطلقًا على قَول وَوَقع فِي كتاب الزبير بن بكار عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد قَالَ آدم عَلَيْهِ السَّلَام مِمَّا فضل الله بِهِ ابْني عَليّ أَن زَوجته خَدِيجَة كَانَت عونا لَهُ على تَبْلِيغ أَمر الله عز وَجل وَأَن زَوْجَتي كَانَت عونا لي على الْمعْصِيَة الثَّانِيَة ورقة بِفَتْح الرَّاء بن نَوْفَل بِفَتْح النُّون وَالْفَاء بن أَسد بن عبد الْعُزَّى. وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت مَا قَوْلك فِي ورقة أيحكم بإيمانه قلت لَا شكّ أَنه كَانَ مُؤمنا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَأما الْإِيمَان بنبينا عَلَيْهِ السَّلَام فَلم يعلم أَن دين عِيسَى قد نسخ عِنْد وَفَاته أم لَا وَلَئِن ثَبت أَنه كَانَ مَنْسُوخا فِي ذَلِك الْوَقْت فَالْأَصَحّ أَن الْإِيمَان التَّصْدِيق وَهُوَ قد صدقه من غير أَن يذكر مَا يُنَافِيهِ قلت قَالَ ابْن مَنْدَه اخْتلف فِي إِسْلَام ورقة وَظَاهر هَذَا الحَدِيث وَهُوَ قَوْله فِيهِ يَا لَيْتَني كنت فِيهَا جذعا وَمَا ذكر بعده من قَوْله يدل على إِسْلَامه وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أخبرهُ قَالَ لَهُ ورقة بن نَوْفَل وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّك لنَبِيّ هَذِه الْأمة وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تسبوا ورقة فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ جنَّة أَو جنتان ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ورقة فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة أَنه كَانَ صدقك وَلكنه مَاتَ قبل أَن تظهر فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأَيْته فِي الْمَنَام وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض وَلَو كَانَ من أهل النَّار لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاس غير ذَلِك ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب وَعُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن لَيْسَ عِنْد أهل الحَدِيث بِالْقَوِيّ وَقَالَ السُّهيْلي فِي إِسْنَاده ضعف لِأَنَّهُ يَدُور على عُثْمَان هَذَا وَلَكِن يقويه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأَيْت الْفَتى يَعْنِي ورقة وَعَلِيهِ ثِيَاب حَرِير لِأَنَّهُ أول من آمن بِي وصدقني ذكره ابْن إِسْحَق عَن أبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل وَقَالَ المرزباني كَانَ ورقة من عُلَمَاء قُرَيْش وشعرائهم وَكَانَ يدعى
القس وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأَيْته وَعَلِيهِ حلَّة خضراء يرفل فِي الْجنَّة وَكَانَ يذكر الله فِي شعره فِي الْجَاهِلِيَّة ويسبحه فَمن ذَلِك قَوْله (لقد نصحت لأقوام وَقلت لَهُم ... أَنا النذير فَلَا يغرركم أحد) (لَا تعبدن إِلَهًا غير خالقكم ... فَإِن دعوكم فَقولُوا بَيْننَا جدد) (سُبْحَانَ ذِي الْعَرْش سبحانا لعود لَهُ ... وَقَبله سبح الجودي والجمد) (مسخر كل مَا تَحت السَّمَاء لَهُ ... لَا يَنْبَغِي أَن يُنَادي ملكه أحد) (لَا شَيْء مِمَّا ترى تبقى بشاشته ... يبْقى الْإِلَه ويفنى المَال وَالْولد) (لم تغن عَن هُرْمُز يَوْمًا خزائنه ... والخلد قد حاولت عَاد فَمَا خلدوا) (وَلَا سُلَيْمَان إِذْ تجْرِي الرِّيَاح لَهُ ... وَالْإِنْس وَالْجِنّ فِيمَا بَينهَا برد) (أَيْن الْمُلُوك الَّتِي كَانَت لعزتها ... من كل أَوب إِلَيْهَا وَافد يفد) (حَوْض هُنَالك مورود بِلَا كدر ... لَا بُد من ورده يَوْمًا كَمَا وردوا) نسبه أَبُو الْفرج إِلَى ورقة وَفِيه أَبْيَات تنْسب إِلَى أُميَّة بن أبي الصَّلْت وَمن شعره قَوْله (فَإِن يَك حَقًا يَا خَدِيجَة فاعلمي ... حَدِيثك إيانا فَأَحْمَد مُرْسل) (وَجِبْرِيل يَأْتِيهِ وميكال مَعَهُمَا ... من الله وَحي يشْرَح الصَّدْر منزل) (الثَّالِثَة) أَنه قد عرفت أَن خَدِيجَة هِيَ الَّتِي انْطَلَقت بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ورقة وَقد جَاءَ فِي السِّيرَة من حَدِيث عَمْرو بن شُرَحْبِيل أَن الصّديق رَضِي الله عَنهُ دخل على خَدِيجَة وَلَيْسَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدهَا ثمَّ ذكرت خَدِيجَة لَهُ مَا رَآهُ فَقَالَت يَا عَتيق اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّد إِلَى ورقة فَلَمَّا دخل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ أَبُو بكر بِيَدِهِ فَقَالَ انْطلق بِنَا إِلَى ورقة فَقَالَ وَمن أخْبرك فَقَالَ خَدِيجَة فَانْطَلقَا إِلَيْهِ فقصا عَلَيْهِ فَقَالَ إِذا خلوت وحدي سَمِعت نِدَاء خَلْفي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فأنطلق هَارِبا فِي الأَرْض فَقَالَ لَهُ لَا تفعل إِذْ أَتَاك فَاثْبتْ حَتَّى تسمع مَا يَقُول ثمَّ ائْتِنِي فَأَخْبرنِي فَلَمَّا خلا ناداه يَا مُحَمَّد قل {بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين} حَتَّى بلغ {وَلَا الضَّالّين} قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَأتى ورقة فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ لَهُ ورقة أبشر ثمَّ أبشر فَأَنا أشهد بأنك الَّذِي بشر بِهِ عِيسَى ابْن مَرْيَم وَإنَّك على مثل ناموس مُوسَى وَإنَّك نَبِي مُرْسل وَإنَّك ستؤمر بِالْجِهَادِ بعد يَوْمك هَذَا وَلَئِن أدركني ذَاك لأجاهدن مَعَك فَلَمَّا توفّي ورقة قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقد رَأَيْت القس فِي الْجنَّة وَعَلِيهِ ثِيَاب الْحَرِير لِأَنَّهُ آمن بِي وصدقني يَعْنِي ورقة وَفِي سير سُلَيْمَان بن طرحان التَّيْمِيّ أَنَّهَا ركبت إِلَى بحيرا بِالشَّام فَسَأَلته عَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَهَا قدوس يَا سيدة قُرَيْش أَنى لَك بِهَذَا الِاسْم فَقَالَت بعلي وَابْن عمي أَخْبرنِي أَنه يَأْتِيهِ فَقَالَ مَا علم بِهِ إِلَّا نَبِي فَإِنَّهُ السفير بَين الله وَبَين أنبيائه وَأَن الشَّيْطَان لَا يجترىء أَن يتَمَثَّل بِهِ وَلَا أَن يتسمى باسمه. وَفِي الْأَوَائِل لأبي هِلَال من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا الْوَلِيد بن مُحَمَّد عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن خَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا خرجت إِلَى الراهب ورقة وعداس فَقَالَ ورقة أخْشَى أَن يكون أحد شبه بِجِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَرَجَعت وَقد نزل {ن والقلم وَمَا يسطرون} فَلَمَّا قَرَأَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا على ورقة قَالَ أشهد أَن هَذَا كَلَام الله تَعَالَى. فَإِن قلت مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَخْبَار قلت بِأَن تكون خَدِيجَة قد ذهبت بِهِ مرّة وأرسلته مَعَ الصّديق أُخْرَى وسافرت إِلَى بحيرا أَو غَيره مرّة أُخْرَى وَهَذَا من شدَّة اعتنائها بِسَيِّد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي فَقَالَ فِي حَدِيثه بَينا أَنا أَمْشِي إِذْ سَمِعت صَوتا من السَّمَاء فَرفعت بَصرِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالس على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَرُعِبْت مِنْهُ فَرَجَعت فَقلت زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأنْزل الله تَعَالَى {يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر} فحمى الْوَحْي وتتابع)
ابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد مر. وَأَبُو سَلمَة بِفتْحَتَيْنِ اسْمه عبد الله أَو إِسْمَعِيل أَو اسْمه كنيته ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي التَّابِعِيّ الإِمَام الْجَلِيل الْمُتَّفق على إِمَامَته وجلالته وثقته وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة على أحد الْأَقْوَال سمع جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعنهُ خلائق من التَّابِعين مِنْهُم الشّعبِيّ فَمن بعدهمْ وَتزَوج أَبوهُ تماضر بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْمُعْجَمَة بنت الْأصْبع بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين غير مُعْجمَة وَهِي الْكَلْبِيَّة من أهل دومة الجندل وَلم تَلد لعبد الرَّحْمَن غير أبي سَلمَة توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَتِسْعين وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة فِي خلَافَة الْوَلِيد وَجَابِر بن عبد الله بن عَمْرو بن حرَام بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء ابْن عَمْرو بن سَواد بتَخْفِيف الْوَاو ابْن سَلمَة بِكَسْر اللَّام ابْن سعد بن عَليّ بن أَسد بن ساردة ابْن تُرِيدُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن جشم بِضَم الْجِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ بِفَتْح السِّين وَاللَّام وَحكي فِي لُغَة كسرهَا الْمدنِي أَبُو عبد الله أَو عبد الرَّحْمَن أَو أَبُو مُحَمَّد أحد السِّتَّة المكثرين رُوِيَ لَهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألف حَدِيث وَخَمْسمِائة حَدِيث وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا أخرجَا لَهُ مِائَتي حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث اتفقَا مِنْهَا على ثَمَانِيَة وَخمسين وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة وَعشْرين وَمُسلم بِمِائَة وَسِتَّة وَعشْرين وَأمه نسيبة بنت عقبَة بن عدي مَاتَ بعد أَن عمي سنة ثَمَان أَو ثَلَاث أَو أَربع أَو تسع وَسبعين وَقيل سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَكَانَ عمره أَرْبعا وَتِسْعين سنة وَصلى عَلَيْهِ أبان بن عُثْمَان وَالِي الْمَدِينَة وَهُوَ آخر الصَّحَابَة موتا بِالْمَدِينَةِ وَجَابِر بن عبد الله فِي الصَّحَابَة ثَلَاثَة. جَابر بن عبد الله هَذَا. وَجَابِر بن عبد الله بن ربَاب بن النُّعْمَان بن سِنَان. وَجَابِر بن عبد الله الرَّاسِبِي نزيل الْبَصْرَة وَأما جَابر فِي الصَّحَابَة فَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ نَفرا وَجَابِر بن عبد الله فِي غير الصَّحَابَة خَمْسَة الأول سلمي يروي عَن أَبِيه عَن كَعْب الْأَحْبَار. الثَّانِي محاربي عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ. الثَّالِث غطفاني يروي عَن عبد الله بن الْحسن الْعلوِي. الرَّابِع مصري عَنهُ يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. الْخَامِس يروي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَكَانَ كذابا وَجَابِر يشْتَبه بجاثر بالثاء الْمُثَلَّثَة مَوضِع الْبَاء الْمُوَحدَة وبخاتر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ ألف ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ رَاء فَالْأول أَبُو الْقَبِيلَة الَّتِي بعث الله مِنْهَا صَالحا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ ثَمُود بن جاثر بن أرم بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَأَخُوهُ جديس بن جاثر. وَالثَّانِي معن لَهُ أَخْبَار وحكايات مَشْهُورَة (حكم الحَدِيث) قَالَ الْكرْمَانِي مثل هَذَا أَي مَا لم يذكر من أول الْإِسْنَاد وَاحِدًا أَو أَكثر يُسمى تَعْلِيقا وَلَا يذكرهُ البُخَارِيّ إِلَّا إِذا كَانَ مُسْندًا عِنْده إِمَّا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم كَأَنَّهُ قَالَ حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل أَنه قَالَ قَالَ ابْن شهَاب أَو بِإِسْنَاد آخر وَقد ترك الْإِسْنَاد هَهُنَا لغَرَض من الْأَغْرَاض الْمُتَعَلّقَة بِالتَّعْلِيقِ لكَون الحَدِيث مَعْرُوفا من جِهَة الثِّقَات أَو لكَونه مَذْكُورا فِي مَوضِع آخر أَو نَحوه قَالَ بَعضهم وَأَخْطَأ من زعم أَن هَذَا مُعَلّق قلت يعرض بذلك للكرماني وَلَا معنى للتعريض لِأَن الحَدِيث صورته فِي الظَّاهِر من التَّعْلِيق وَإِن كَانَ مُسْندًا عِنْده فِي مَوضِع آخر فَإِنَّهُ أخرجه أَيْضا فِي الْأَدَب وَفِي التَّفْسِير أتم من هَذَا وأوله عَن يحيى بن أبي كثير قَالَ سَأَلت أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أول مَا نزل من الْقُرْآن قَالَ {يَا أَيهَا المدثر} قلت يَقُولُونَ {اقْرَأ باسم رَبك} الَّذِي خلق فَقَالَ أَبُو سَلمَة سَأَلت جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا عَن ذَلِك قلت لَهُ مثل الَّذِي قلت فَقَالَ جَابر لَا أحَدثك إِلَّا مَا حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ جَاوَرت بحراء شهرا فَلَمَّا قضيت جواري ثمَّ ذكر نَحوه وَقَالَ فِي التَّفْسِير. حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب (ح) وحَدثني عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي فَذكره وَأخرجه مُسلم بألفاظه (وَمن لطائف إِسْنَاده) أَن كلهم مدنيون. وَفِيه تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت لم قَالَ قَالَ ابْن شهَاب وَلم يقل وروى أَو وَعَن ابْن شهَاب وَنَحْو ذَلِك. قلت قَالُوا إِذا كَانَ الحَدِيث ضَعِيفا لَا يُقَال فِيهِ قَالَ لِأَنَّهُ من صِيغ الْجَزْم بل يُقَال حكى أَو قيل أَو يُقَال بِصِيغَة التمريض وَقد اعتنى البُخَارِيّ بِهَذَا الْفرق فِي صَحِيحه كَمَا سترى وَذَلِكَ من غَايَة إتقانه فَإِن قيل مَا كَانَ مُرَاده من إِخْرَاجه بِهَذِهِ الصُّورَة مَعَ أَنه أخرجه مُسْندًا فِي صَحِيحه فِي مَوضِع آخر. قلت لَعَلَّه وَضعه على هَذِه الصُّورَة قبل أَن وقف عَلَيْهِ مُسْندًا فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ مُسْندًا ذكره وَترك الأول على حَاله لعدم خلوه عَن فَائِدَة
(بَيَان اللُّغَات) قَوْله عَن فَتْرَة الْوَحْي وَهُوَ احتباسه وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله على كرْسِي هُوَ بِضَم الْكَاف وَكسرهَا وَالضَّم أفْصح وَجمعه كراسي بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها قَالَ ابْن السّكيت كل مَا كَانَ من هَذَا النَّحْو مفرده مشدد كعارية وسرية جَازَ فِي جمعه التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره أصل الْكُرْسِيّ الْعلم وَمِنْه قيل لصحيفة يكون فِيهَا علم كراسة وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْكُرْسِيّ مَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا يفضل عَن مقْعد الْقَاعِد وَفِي الْعباب الْكُرْسِيّ من قَوْلهم كرس الرجل بِالْكَسْرِ إِذا ازْدحم علمه على قلبه فَإِن قلت مَا هَذِه الْيَاء فِيهِ قلت لَيست يَاء النِّسْبَة وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضُوع على هَذِه الصِّيغَة فَإِذا أُرِيد النِّسْبَة إِلَيْهِ تحذف الْيَاء مِنْهُ وَيُؤْتى بياء النِّسْبَة فَيُقَال كرْسِي أَيْضا فَافْهَم قَوْله فَرُعِبْت مِنْهُ بِضَم الرَّاء وَكسر الْعين على مَا لم يسم فَاعله وَرِوَايَة الْأصيلِيّ بِفَتْح الرَّاء وبضم الْعين وهما صَحِيحَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي وَغَيره قَالَ يَعْقُوب رعب ورعب وَاقْتصر النَّوَوِيّ فِي شَرحه الَّذِي لم يكمله على الأول وَقَالَ بَعضهم الرِّوَايَة بِضَم الْعين واللغة بِفَتْحِهَا حَكَاهُ السفاقسي والرعب الْخَوْف يُقَال رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا يُقَال أرعبته تَقول رعب الرجل على وزن فعل كضرب بِمَعْنى خَوفه هَذَا إِذا عديته فَإِن ضممت الْعين قلت رعبت مِنْهُ وَإِن بنيته على مَا لم يسم فَاعله ضممت الرَّاء فَقلت رعبت مِنْهُ وَفِي البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَمُسلم هُنَا فجئثت مِنْهُ بِضَم الْجِيم وَكسر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة من جئث الرجل أَي أفزع فَهُوَ مجؤث أَي مذعور ومادته جِيم ثمَّ همزَة ثمَّ ثاء مُثَلّثَة قَالَ القَاضِي كَذَا هُوَ للكافة فِي الصَّحِيحَيْنِ وروى فجثثت بِضَم الْجِيم وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَهُوَ بِمَعْنى الأول ومادته جِيم ثمَّ ثاآن مثلثتان وَفِي بعض الرِّوَايَات حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض أَي سَقَطت أخرجهَا مُسلم وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَفِي بَعْضهَا فَأَخَذَتْنِي رَجْفَة وَهِي كَثْرَة الِاضْطِرَاب قَوْله زَمِّلُونِي فِي أَكثر الْأُصُول زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي مرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة مرّة وَاحِدَة وللبخاري فِي التَّفْسِير وَلمُسلم أَيْضا دَثرُونِي وَهُوَ هُوَ كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله {يَا أَيهَا المدثر} أَصله المتدثر وَكَذَلِكَ المزمل أَصله المتزمل والمدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بِمَعْنى وَسَماهُ الله تَعَالَى بذلك إيناسا لَهُ وتلطفا. ثمَّ الْجُمْهُور على أَن مَعْنَاهُ المتدثر بثيابه وَحكى الْمَاوَرْدِيّ عَن عِكْرِمَة أَن مَعْنَاهُ المتدثر بِالنُّبُوَّةِ وأعبائها قَوْله {قُم فَأَنْذر} أَي حذر الْعَذَاب من لم يُؤمن بِاللَّه وَفِيه دلَالَة على أَنه أَمر بالإنذار عقيب نزُول الْوَحْي للإتيان بِالْفَاءِ التعقيبية فَإِن قلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل بشيرا وَنَذِيرا فَكيف أَمر بالإنذار دون الْبشَارَة قلت الْبشَارَة إِنَّمَا تكون لمن دخل فِي الْإِسْلَام وَلم يكن إِذْ ذَاك من دخل فِيهِ قَوْله {وَرَبك فَكبر} أَي عظمه ونزهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَقيل أَرَادَ بِهِ تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح للصَّلَاة وَفِيه نظر قَوْله {وثيابك فطهر} أَي من النَّجَاسَات على مَذْهَب الْفُقَهَاء وَقيل أَي فقصر وَقيل المُرَاد بالثياب النَّفس أَي طهرهَا من كل نقص أَي اجْتنب النقائص قَوْله {وَالرجز} بِكَسْر الرَّاء فِي قِرَاءَة الْأَكْثَر وَقَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم بضَمهَا وَهِي الْأَوْثَان فِي قَول الْأَكْثَرين. وَفِي مُسلم التَّصْرِيح بِهِ وَفِي التَّفْسِير عَن أبي سَلمَة التَّصْرِيح بِهِ وَقيل الشّرك وَقيل الذَّنب وَقيل الظُّلم. وأصل الرجز فِي اللُّغَة الْعَذَاب وَيُسمى عبَادَة الْأَوْثَان وَغَيرهَا من أَنْوَاع الْكفْر رجزا لِأَنَّهُ سَبَب الْعَذَاب قَوْله فحمي بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْمِيم مَعْنَاهُ كثر نُزُوله من قَوْلهم حميت النَّار وَالشَّمْس أَي كثرت حَرَارَتهَا وَمِنْه قَوْلهم حمي الْوَطِيس والوطيس التَّنور استعير للحرب قَوْله وتتابع تفَاعل من التَّتَابُع قَالَت الشُّرَّاح كلهم ومعناهما وَاحِد فأكد أَحدهمَا بِالْآخرِ. قلت لَيْسَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا فَإِن معنى حمي النَّهَار اشْتَدَّ حره وَمعنى تتَابع تَوَاتر وَأَرَادَ بحمي الْوَحْي اشتداده وهجومه وَبِقَوْلِهِ تتَابع تواتره وَعدم انْقِطَاعه وَإِنَّمَا لم يكتف بحمي وَحده لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم الِاسْتِمْرَار والدوام والتواتر فَلذَلِك زَاد قَوْله وتتابع فَافْهَم فَإِنَّهُ من الْأَسْرَار الربانية والأفكار الرحمانية وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا رِوَايَة الْكشميهني وتواتر مَوضِع وتتابع والتواتر مَجِيء الشَّيْء يَتْلُو بعضه بَعْضًا من غير خلل وَلَقَد أبعد من قَالَ وتتابع توكيد معنوي لِأَن التَّأْكِيد الْمَعْنَوِيّ لَهُ أَلْفَاظ مَخْصُوصَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. فَإِن قَالَ مَا أردْت بِهِ التَّأْكِيد الاصطلاحي يُقَال لَهُ هَذَا إِنَّمَا يكون بَين لفظين مَعْنَاهُمَا وَاحِد وَقد بَينا الْمُغَايرَة بَين حمي وتتابع وَالرُّجُوع إِلَى الْحق من جملَة الدّين (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله قَالَ ابْن شهَاب فعل وفاعل قَوْله وَأَخْبرنِي مَعْطُوف على مَحْذُوف هُوَ مقول القَوْل تَقْدِيره قَالَ ابْن شهَاب أَخْبرنِي عُرْوَة بِكَذَا وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بِكَذَا فلأجل قَصده بَيَان الْإِخْبَار عَن عُرْوَة بن الزبير
وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَتَى بواو الْعَطف وَإِلَّا فمقول القَوْل لَا يكون بِالْوَاو وَنَحْوه فَافْهَم قَوْله أَن جَابر بن عبد الله بِفَتْح أَن لِأَنَّهَا فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله وَهُوَ يحدث جملَة اسمية وَقعت حَالا أَي قَالَ فِي حَالَة التحديث عَن احتباس الْوَحْي عَن النُّزُول أَو قَالَ جَابر فِي حَالَة التحديث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله بَينا أَصله بَين بِلَا ألف فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا فَيصير بَيْنَمَا ومعناهما وَاحِد وَهُوَ من الظروف الزمانية اللَّازِمَة للإضافة إِلَى الْجُمْلَة الإسمية وَالْعَامِل فِيهِ الْجَواب إِذا كَانَ مُجَردا من كلمة المفاجأة وَإِلَّا فَمَعْنَى المفاجأة المتضمنة هِيَ إِيَّاهَا وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى وَقيل اقْتضى جَوَابا لِأَنَّهَا ظرف يتَضَمَّن المجازاة والأفصح فِي جَوَابه إِذْ وَإِذا خلافًا للأصمعي وَالْمعْنَى أَن فِي أثْنَاء أَوْقَات الْمَشْي فاجأني السماع قَوْله إِذْ سَمِعت جَوَاب بَينا على مَا ذكرنَا قَوْله فَإِذا الْملك كلمة إِذا هَهُنَا للمفاجأة وَهِي تخْتَص بالجمل الإسمية وَلَا تحْتَاج إِلَى الْجَواب وَلَا يَقع فِي الِابْتِدَاء وَمَعْنَاهَا الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال نَحْو خرجت فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ وَهِي حرف عِنْد الْأَخْفَش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وظرف مَكَان عِنْد الْمبرد وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وظرف زمَان عِنْد الزّجاج وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ. فَإِن قلت مَا الْفَاء فِي فَإِذا قلت زَائِدَة لَازِمَة عِنْد الْفَارِسِي والمازني وَجَمَاعَة وعاطفة عِنْد أبي الْفَتْح وللسببية الْمَحْضَة عِنْد أبي إِسْحَاق قَوْله جَالس بِالرَّفْع كَذَا فِي البُخَارِيّ وَفِي مُسلم جَالِسا بِالنّصب قَالَ النَّوَوِيّ كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَجَاء فِي رِوَايَة فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء وَاقِف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَفِي طَرِيق آخر على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَلمُسلم فَإِذا هُوَ على الْعَرْش فِي الْهَوَاء وَفِي رِوَايَة على كرْسِي وَهُوَ تَفْسِير الْعَرْش الْمَذْكُور. قَالَ أهل اللُّغَة الْعَرْش السرير فَإِن قلت وَجه الرّفْع ظَاهر لِأَنَّهُ خبر عَن الْملك الَّذِي هُوَ مُبْتَدأ وَقَوله الَّذِي جَاءَنِي بحراء صفته فَمَا وَجه النصب قلت على الْجُمْلَة الحالية من الْملك فَإِن قلت إِذا نصب جَالِسا على الْحَال فَمَاذَا يكون خبر الْمُبْتَدَأ وَقد قلت أَن إِذا المفاجأة تخْتَص بالاسمية قلت حِينَئِذٍ يكون الْخَبَر محذوفا مُقَدرا وَيكون التَّقْدِير فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء شاهدته حَال كَونه جَالِسا على كرْسِي أَو نَحْو ذَلِك قَوْله بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ظرف وَلكنه فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهُ صفة لكرسي وَالْفَاء فِي فَرُعِبْت تصلح للسَّبَبِيَّة وَكَذَا فِي فَرَجَعت لِأَن رُؤْيَة الْملك على هَذِه الْحَالة سَبَب لرعبه ورعبه سَبَب لرجوعه وَالْفَاء فِي فَقلت وَفِي فَأنْزل الله على أَصْلهَا للتعقيب قَوْله وَرَبك مَنْصُوب بقوله {فَكبر وثيابك} بقوله {فطهر وَالرجز} بقوله {فاهجر} فَإِن قلت مَا الْفَا آتٍ فِي الْآيَة قلت الْفَاء فِي {فَأَنْذر} تعقيبية وَبَقِيَّة الفاآت كالفاء فِي قَوْله تَعَالَى {بل الله فاعبد} فَقيل جَوَاب لَا مَا مقدرَة وَقيل زَائِدَة وَإِلَيْهِ مَال الْفَارِسِي وَعند الْأَكْثَرين عاطفة وَالْأَصْل تنبه فاعبد الله ثمَّ حذف تنبه وَقدم الْمَنْصُوب على الْفَاء إصلاحا للفظ لِئَلَّا تقع الْفَاء صَدرا قَوْله فحمي الْفَاء فِيهِ عاطفة وَالتَّقْدِير فَبعد إِنْزَال الله هَذِه الْآيَة حمي الْوَحْي (استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا الدّلَالَة على وجود الْمَلَائِكَة ردا على زنادقة الفلاسفة وَمِنْهَا إِظْهَار قدرَة الله تَعَالَى إِذْ جعل الْهَوَاء للْمَلَائكَة يتصرفون فِيهِ كَيفَ شاؤا كَمَا جعل الأَرْض لبني آدم يتصرفون فِيهَا كَيفَ شاؤا فَهُوَ ممسكهما بقدرته وَمِنْهَا أَنه عبر بقوله فحمي تتميما للتمثيل الَّذِي مثلت بِهِ عَائِشَة أَولا وَهُوَ كَونهَا جعلت الرُّؤْيَا كَمثل فلق الصُّبْح فَإِن الضَّوْء لَا يشْتَد إِلَّا مَعَ قُوَّة الْحر وَالْحق ذَلِك بتتابع لِئَلَّا يَقع التَّمْثِيل بالشمس من كل الْجِهَات لِأَن الشَّمْس يلْحقهَا الأفول والكسوف وَنَحْوهمَا وشمس الشَّرِيعَة بَاقِيَة على حَالهَا لَا يلْحقهَا نقص (وَتَابعه عبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح وَتَابعه هِلَال بن رداد عَن الزُّهْرِيّ وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره) تَابعه فعل ومفعول وَعبد الله فَاعله وَالضَّمِير يرجع إِلَى يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور فِي أول الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا وَقَوله وَأَبُو صَالح عطف على عبد الله بن يُوسُف وَهُوَ أَيْضا تَابع يحيى بن بكير وَالْحَاصِل أَن عبد الله بن يُوسُف وَأَبا صَالحا تَابعا يحيى بن بكير فِي الرِّوَايَة عَن اللَّيْث بن سعد فَرَوَاهُ عَن اللَّيْث ثَلَاثَة يحيى بن بكير وَعبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح. أما مُتَابعَة عبد الله بن يُوسُف ليحيى بن بكير فِي رِوَايَته عَن اللَّيْث بن سعد فأخرجها البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَالْأَدب وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ وَالتِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن حميد عَن عبد الرازق بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن عمر بن عبد الْوَاحِد عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب بِهِ وَأما رِوَايَة أبي صَالح عَن اللَّيْث بِهَذَا الحَدِيث
فأخرجها يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه عَنهُ مَقْرُونا بِيَحْيَى بن بكير قَوْله وَتَابعه هِلَال بن رداد أَي تَابع عقيل بن خَالِد هِلَال بن رداد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ فَإِن قلت كَيفَ أُعِيد الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي وَتَابعه إِلَى عقيل وَرُبمَا يتَوَهَّم أَنه عَائِد إِلَى أبي صَالح أَو إِلَى عبد الله بن يُوسُف لِكَوْنِهِمَا قريبين مِنْهُ قلت قَوْله عِنْد الزُّهْرِيّ هُوَ الَّذِي عين عود الضَّمِير إِلَى عقيل وَدفع التَّوَهُّم الْمَذْكُور لِأَن الَّذِي روى عَن الزُّهْرِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور هُوَ عقيل وَالْحَاصِل أَن هِلَال بن رداد روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن الزُّهْرِيّ كَمَا رَوَاهُ عقيل بن خَالِد عَنهُ وَحَدِيثه فِي الزهريات للذهلي وَهَذَا أول مَوضِع جَاءَ فِيهِ ذكر الْمُتَابَعَة وَالْفرق بَين المتابعتين أَن الْمُتَابَعَة الأولى أقوى لِأَنَّهَا مُتَابعَة تَامَّة والمتابعة الثَّانِيَة أدنى من الأولى لِأَنَّهَا مُتَابعَة نَاقِصَة فَإِذا كَانَ أحد الراويين رَفِيقًا للْآخر من أول الْإِسْنَاد إِلَى آخِره تسمى بالمتابعة التَّامَّة وَإِذا كَانَ رَفِيقًا لَهُ لَا من الأول يُسمى بالمتابعة النَّاقِصَة. ثمَّ النوعان رُبمَا يُسمى المتابع عَلَيْهِ فيهمَا وَرُبمَا لَا يُسمى فَفِي الْمُتَابَعَة الأولى لم يسم المتابع عَلَيْهِ وَهُوَ اللَّيْث وَفِي الثَّانِيَة يُسمى المتابع عَلَيْهِ وَهُوَ الزُّهْرِيّ فقد وَقع فِي هَذَا الحَدِيث الْمُتَابَعَة التَّامَّة والمتابعة النَّاقِصَة وَلم يسم المتابع عَلَيْهِ فِي الأولى وَسَماهُ فِي الثَّانِيَة على مَا لَا يخفى وَقَالَ النَّوَوِيّ وَمِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ المعتني بِصَحِيح البُخَارِيّ (فَائِدَة) ننبه عَلَيْهَا وَهِي أَنه تَارَة يَقُول تَابعه مَالك عَن أَيُّوب وَتارَة يَقُول تَابعه مَالك وَلَا يزِيد فَإِذا قَالَ مَالك عَن أَيُّوب فَهَذَا ظَاهر وَأما إِذا اقْتصر على تَابعه مَالك فَلَا يعرف لمن الْمُتَابَعَة إِلَّا من يعرف طَبَقَات الروَاة ومراتبهم وَقَالَ الْكرْمَانِي فعلى هَذَا لَا يعلم أَن عبد الله يروي عَن اللَّيْث أَو عَن غَيره. قلت الطَّرِيقَة فِي هَذَا أَن تنظر طبقَة المتابع بِكَسْر الْبَاء فتجعله مُتَابعًا لمن هُوَ فِي طبقته بِحَيْثُ يكون صَالحا لذَلِك أَلا ترى كَيفَ لم يسم البُخَارِيّ المتابع عَلَيْهِ فِي الْمُتَابَعَة الأولى وَسَماهُ فِي الثَّانِيَة فَافْهَم قَوْله وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره مُرَاده أَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ اخْتلفُوا فِي هَذِه اللَّفْظَة فروى عقيل عَن الزُّهْرِيّ فِي الحَدِيث يرجف فُؤَاده كَمَا مضى وَتَابعه على هَذِه اللَّفْظَة هِلَال بن رداد وَخَالفهُ يُونُس وَمعمر فروى عَن الزُّهْرِيّ يرجف فُؤَاده (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عبد الله بن يُوسُف التنيسِي شيخ البُخَارِيّ وَقد ذكر الثَّانِي أَبُو صَالح قَالَ أَكثر الشُّرَّاح هُوَ عبد الْغفار بن دَاوُد بن مهْرَان بن زِيَاد بن دَاوُد بن ربيعَة بن سُلَيْمَان بن عُمَيْر الْبكْرِيّ الْحَرَّانِي ولد بأفريقية سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَخرج بِهِ أَبوهُ وَهُوَ طِفْل إِلَى الْبَصْرَة وَكَانَت أمه من أَهلهَا فَنَشَأَ بهَا وتفقه وَسمع الحَدِيث من حَمَّاد بن سَلمَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر مَعَ أَبِيه وَسمع من اللَّيْث بن سعد وَابْن لَهِيعَة وَغَيرهمَا وَسمع بِالشَّام إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وبالجزيرة مُوسَى بن أعين واستوطن مصر وَحدث بهَا وَكَانَ يكره أَن يُقَال لَهُ الْحَرَّانِي وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْحَرَّانِي لِأَن أَخَوَيْهِ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن ولدا بهَا وَلم يَزَالَا بهَا وحزان مَدِينَة بالجزيرة من ديار بكر وَالْيَوْم خراب سميت بحران بن آزر أخي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام روى عَنهُ يحيى بن معِين وَالْبُخَارِيّ وروى أَبُو دَاوُد عَن رجل عَنهُ وَخرج لَهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَمَات بِمصْر سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ بَعضهم هَذَا وهم وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث الْمصْرِيّ وَلم يتَبَيَّن لي وَجهه فِي التَّرْجِيح لِأَن البُخَارِيّ روى عَن كليهمَا الثَّالِث هِلَال بن رداد برَاء ثمَّ دالين مهملتين الأولى مِنْهُمَا مُشَدّدَة وَهُوَ طائي حمصي أخرج البُخَارِيّ هُنَا مُتَابعَة لعقيل وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع وَلم يخرج لَهُ بَاقِي الْكتب السِّتَّة روى عَن الزُّهْرِيّ وَعنهُ ابْنه أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد قَالَ الذهلي كَانَ كَاتبا لهشام وَلم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَلَا ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه وَإِنَّمَا ذكر ابْن أبي حَاتِم ثمَّ وَلَده مُحَمَّدًا إِذْ لَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكتب السِّتَّة قَالَ ابْن أبي حَاتِم هِلَال بن رداد مَجْهُول وَلم يذكرهُ الكلاباذي فِي رجال الصَّحِيح رَأْسا الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد مر ذكره الْخَامِس يُونُس بن يزِيد بن مشكان بن أبي النجاد بِكَسْر النُّون الْأَيْلِي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْقرشِي مولى مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان سمع خلقا من التَّابِعين مِنْهُم الْقَاسِم وَعِكْرِمَة وَسَالم وَنَافِع وَالزهْرِيّ وَغَيرهم وَعنهُ الْأَعْلَام جرير بن حَازِم وَهُوَ تَابِعِيّ فَهَذَا من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَخلق مَاتَ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة بِمصْر روى لَهُ الْجَمَاعَة وَفِي يُونُس سِتَّة أوجه ضم النُّون وَكسرهَا وَفتحهَا مَعَ الْهمزَة وَتركهَا وَالضَّم بِلَا همزَة أفْصح السَّادِس أَبُو عُرْوَة معمر بن أبي عَمْرو بن رَاشد الْأَزْدِيّ الْحَرَّانِي مَوْلَاهُم عَالم الْيمن شهد جَنَازَة
الْحسن الْبَصْرِيّ وَسمع خلقا من التَّابِعين مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب وَقَتَادَة وَعنهُ جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي وَأَيوب وَيحيى بن أبي كثير وَهَذَا من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر قَالَ عبد الرَّزَّاق سَمِعت مِنْهُ عشرَة آلَاف حَدِيث مَاتَ بِالْيمن سنة أَربع أَو ثَلَاث أَو اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة عَن ثَمَان وَخمسين سنة وَله أَوْهَام كَثِيرَة احتملت لَهُ قَالَ أَبُو حَاتِم صَالح الحَدِيث وَمَا حدث بِهِ بِالْبَصْرَةِ فَفِيهِ أغاليط وَضَعفه يحيى بن معِين فِي رِوَايَة عَن ثَابت وَمعمر بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْعين وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ معمر بن رَاشد غير هَذَا بل لَيْسَ فيهمَا من اسْمه معمر غَيره نعم فِي صَحِيح البُخَارِيّ معمر بن يحيى بن سَام الضَّبِّيّ وَقيل إِنَّه بتَشْديد الْمِيم روى لَهُ البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْغسْل وَفِي الصَّحَابَة معمر ثَلَاثَة عشر وَفِي الروَاة معمر فِي الْكتب الْأَرْبَعَة سِتَّة وفيهَا معمر بِالتَّشْدِيدِ بخلف خَمْسَة وَفِي غَيرهَا خلق معمر بن بكار شيخ لمطين فِي حَدِيثه وهم وَمعمر بن أبي سرح مَجْهُول وَمعمر بن الْحسن الْهُذلِيّ مَجْهُول وَحَدِيثه مُنكر وَمعمر بن زَائِدَة لَا يُتَابع على حَدِيثه وَمعمر بن زيد مَجْهُول وَمعمر بن أبي سرح مَجْهُول وَمعمر بن عبد الله عَن شُعْبَة لَا يُتَابع على حَدِيثه وَالله أعلم (فَائِدَة) أَبُو صَالح فِي الروَاة فِي مَجْمُوع الْكتب السِّتَّة أَرْبَعَة عشر. أَبُو صَالح عبد الْغفار. أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح وَقد ذكرناهما. أَبُو صَالح الْأَشْعَرِيّ الشَّامي. أَبُو صَالح الْأَشْعَرِيّ أَيْضا. وَيُقَال الْأنْصَارِيّ. أَبُو صَالح الْحَارِثِيّ. أَبُو صَالح الْحَنَفِيّ اسْمه عبد الرَّحْمَن بن قيس وَيُقَال أَنه ماهان أَبُو صَالح الحوري لَا يعرف اسْمه أَبُو صَالح السمان اسْمه ذكْوَان. أَبُو صَالح الْغِفَارِيّ سعيد بن عبد الرَّحْمَن. أَبُو صَالح الْمَكِّيّ مُحَمَّد بن زنبور روى عَن عِيسَى بن يُونُس. أَبُو صَالح مولى طَلْحَة بن عبد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ. أَبُو صَالح مولى عُثْمَان بن عَفَّان أَبُو صَالح مولى ضباعة اسْمه مينا. أَبُو صَالح مولى أم هانىء اسْمه باذان. وَكلهمْ تابعيون خلا ابْن زنبور وَكَاتب اللَّيْث. وَبَعْضهمْ عد الْأَخير صحابيا وَله حَدِيث رَوَاهُ الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة على تَقْدِير صِحَّته من يكنى بِهَذِهِ الكنية غَيره وَأما فِي غير الْكتب السِّتَّة فَإِنَّهُم جمَاعَة فَوق الْعشْرَة بَينهم الرامَهُرْمُزِي فِي فاصله قَوْله بوادره بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة جمع بادرة وَهِي اللحمة الَّتِي بَين الْمنْكب والعنق تضطرب عِنْد فزع الْإِنْسَان. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة تكون من الْإِنْسَان وَغَيره وَقَالَ الْأَصْمَعِي الفريصة اللحمة الَّتِي بَين الْجنب والكتف الَّتِي لَا تزَال ترْعد من الدَّابَّة وَجَمعهَا فرائص وَقَالَ ابْن سَيّده فِي الْمُخَصّص البادرتان من الْإِنْسَان لحمتان فَوق الرغثاوين وأسفل التندوة وَقيل هما جانبا الكركرة وَقيل هما عرقان يكتنفانها قَالَ والبادرة من الْإِنْسَان وَغَيره وَقَالَ الهجري فِي أَمَالِيهِ لَيست للشاة بادرة ومكانها مردغة للشاة وهما الأرتبان تَحت صليفي الْعُنُق لَا عظم فيهمَا وَادّعى الدَّاودِيّ أَن البوادر والفؤاد وَاحِد. قلت الرغثاوان بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة قَالَ اللَّيْث الرغثاوان مضيفتان بَين التندوة والمنكب بجانبي الصَّدْر وَقَالَ شهر الرغثاء مَا بَين الْإِبِط إِلَى أَسْفَل الثدي مِمَّا يَلِي الْإِبِط وَكَذَلِكَ قَالَه ابْن الْأَعرَابِي قَوْله مردغة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَهِي وَاحِدَة المرادغ قَالَ أَبُو عمر وَهِي مَا بَين الْعُنُق إِلَى الترقوة قَوْله صليفي الْعُنُق بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالفاء قَالَ أَبُو زيد الصليفان رَأْسا الْفَقْرَة الَّتِي تلِي الرَّأْس من شقيهما 4 - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَعِيل قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن أبي عَائِشَة قَالَ حَدثنَا سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ} قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعالج من التَّنْزِيل شدَّة وَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه فَقَالَ ابْن عَبَّاس فَأَنا أحركهما لكم كَمَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحركهما وَقَالَ سعيد أَنا أحركهما كَمَا رَأَيْت ابْن عَبَّاس يحركهما فحرك شَفَتَيْه فَأنْزل الله تَعَالَى {لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ إِن علينا جمعه وقرآنه} قَالَ جمعه لَهُ فِي صدرك وتقرأه {فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه} قَالَ فاستمع لَهُ
وأنصت {ثمَّ إِن علينا بَيَانه} ثمَّ إِن علينا أَن تقراه فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ذَلِك إِذا أَتَاهُ جِبْرِيل اسْتمع فَإِذا انْطلق جِبْرِيل قَرَأَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا قراه الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين ظَاهِرَة لِأَن الْمَذْكُور فِيمَا مضى هُوَ ذَات بعض الْقُرْآن وَهَهُنَا التَّعَرُّض إِلَى بَيَان كَيْفيَّة التَّلْقِين والتلقن وَقدم ذَلِك لِأَن الصِّفَات تَابِعَة للذوات (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول أَبُو سَلمَة مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف نِسْبَة إِلَى منقر ابْن عبيد بن مقاعس الْبَصْرِيّ الْحَافِظ الْكَبِير المكثر الثبت الثِّقَة التَّبُوذَكِي بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَفْتُوحَة نِسْبَة إِلَى تبوذك نسب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ نزل دَار قوم من أهل تبوذك قَالَه ابْن أبي خَيْثَمَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم لِأَنَّهُ اشْترى دَارا بتبوذك وَقَالَ السَّمْعَانِيّ نِسْبَة إِلَى بيع السماد بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَهُوَ السرجين يوضع فِي الأَرْض ليجود نَبَاته وَقَالَ ابْن نَاصِر نِسْبَة إِلَى بيع مَا فِي بطُون الدَّجَاج من الكبد وَالْقلب والقانصة توفّي فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ روى عَنهُ يحيى بن معِين وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهم من الْأَعْلَام وروى لَهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ وَالَّذِي رَوَاهُ مُسلم حَدِيث وَاحِد حَدِيث أم زرع رَوَاهُ عَن الْحسن الْحلْوانِي عَنهُ قَالَ الدَّاودِيّ كتبنَا عَنهُ خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف حَدِيث الثَّانِي أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي بِضَم الْكَاف وَيُقَال الْكِنْدِيّ الوَاسِطِيّ مولى يزِيد بن عَطاء الْبَزَّار الوَاسِطِيّ وَقيل مولى عَطاء بن عبد الله الوَاسِطِيّ كَانَ من سبي جرجان رأى الْحسن وَابْن سِيرِين وَسمع من مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر حَدِيثا وَاحِدًا وَسمع خلقا بعدهمْ من التَّابِعين وأتباعهم وروى عَنهُ الْأَعْلَام مِنْهُم شُعْبَة ووكيع وَابْن مهْدي قَالَ عَفَّان كَانَ صَحِيح الْكتاب ثبتا وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم كتبه صَحِيحَة وَإِذا حدث من حفظه غلط كثيرا وَهُوَ صَدُوق مَاتَ سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة وَقيل سنة خمس وَسبعين الثَّالِث مُوسَى بن أبي عَائِشَة أَبُو الْحسن الْكُوفِي الْهَمدَانِي بِالْمِيم الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة مولى آل جعدة بِفَتْح الْجِيم ابْن أبي هُبَيْرَة بِضَم الْهَاء روى عَن كثير من التَّابِعين وَعنهُ الْأَعْلَام الثَّوْريّ وَغَيره وَوَثَّقَهُ السُّفْيانَانِ وَيحيى وَالْبُخَارِيّ وَابْن حبَان وَأَبُو عَائِشَة لَا يعرف اسْمه الرَّابِع سعيد بن جُبَير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن هِشَام الْكُوفِي الْأَسدي الْوَالِبِي بِكَسْر اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة مَنْسُوب إِلَى بني والبة بِالْوَلَاءِ ووالبة هُوَ ابْن الْحَرْث بن ثَعْلَبَة بن دودان بدالين مهملتين وَضم الأولى ابْن أَسد بن خُزَيْمَة إِمَام مجمع عَلَيْهِ بالجلالة والعلو فِي الْعلم والعظم فِي الْعِبَادَة قَتله الْحجَّاج صبرا فِي شعْبَان سنة خمس وَتِسْعين وَلم يَعش الْحجَّاج بعده إِلَّا أَيَّامًا وَلم يقتل أحدا بعده سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم العبادلة غير عبد الله بن عَمْرو وَعنهُ خلق من التَّابِعين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَكَانَ يُقَال لَهُ جهبذ الْعلمَاء الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف أَبُو الْعَبَّاس الْهَاشِمِي ابْن عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمه أم الْفضل لبَابَة الْكُبْرَى بنت الْحَرْث أُخْت مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ كَانَ يُقَال لَهُ الحبر وَالْبَحْر لِكَثْرَة علمه وترجمان الْقُرْآن وَهُوَ وَاحِد الْخُلَفَاء وَأحد العبادلة الْأَرْبَعَة وهم عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَقَول الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح بدل ابْن الْعَاصِ ابْن مَسْعُود مَرْدُود عَلَيْهِ لِأَنَّهُ منابذ لما قَالَ أَعْلَام الْمُحدثين كَالْإِمَامِ أَحْمد وَغَيره وَقَالَ أَحْمد سِتَّة من الصَّحَابَة أَكْثرُوا الرِّوَايَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو وَعَائِشَة وَجَابِر بن عبد الله وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَأَبُو هُرَيْرَة أَكْثَرهم حَدِيثا روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألف حَدِيث وسِتمِائَة وَسِتِّينَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهَا على خَمْسَة وَتِسْعين حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِمِائَة وَعشْرين وَمُسلم بِتِسْعَة وَأَرْبَعين ولد بِالشعبِ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة وَقَالَ أَحْمد خمس عشرَة سنة وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور مَاتَ بِالطَّائِف سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَسبعين سنة على الصَّحِيح فِي أَيَّام ابْن الزبير وَصلى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَقد عمي فِي آخر عمره رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَنه كُله على شَرط السِّتَّة وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي وبصري ووسطي وَمِنْهَا
أَنهم كلهم من الْأَفْرَاد لَا أعلم من شاركهم فِي اسمهم مَعَ اسْم أَبِيهِم وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن سعيد بن جُبَير (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل وَأبي عوَانَة وَفِي التَّفْسِير وفضائل الْقُرْآن عَن قُتَيْبَة عَن جرير كلهم عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن سعيد بن جُبَير وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وقتيبة وَغَيرهمَا عَن جرير وَعَن قُتَيْبَة عَن أبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة بِهِ وَلمُسلم فَإِذا ذهب قَرَأَهُ كَمَا وعد الله وللبخاري فِي التَّفْسِير وَوصف سُفْيَان يُرِيد أَن يحفظه وَفِي أُخْرَى يخْشَى أَن ينفلت مِنْهُ وَلمُسلم فِي الصَّلَاة لتعجل بِهِ أَخذه {إِن علينا جمعه وقرآنه} إِن علينا أَن نجمعه فِي صدرك وقرآنه فتقرأه فَإِذا أقرأناه فَاتبع قرآنه قَالَ أَنزَلْنَاهُ فاستمع لَهُ إِن علينا أَن نبينه بلسانك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُوسَى عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن يُحَرك بِهِ لِسَانه يُرِيد أَن يحفظه فَأنْزل الله تَعَالَى {لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ} قَالَ فَكَانَ يُحَرك بِهِ شَفَتَيْه وحرك سُفْيَان شَفَتَيْه ثمَّ قَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (بَيَان اللُّغَات) قَوْله يعالج أَي يحاول من تَنْزِيل الْقُرْآن عَلَيْهِ شدَّة وَمِنْه مَا جَاءَ فِي حَدِيث آخر ولى حره وعلاجه أَي عمله وتعبه وَمِنْه قَوْله من كَسبه وعلاجه أَي من محاولته وملاطفته فِي اكتسابه وَمِنْه معالجة الْمَرِيض وَهِي ملاطفته بالدواء حَتَّى يقبل عَلَيْهِ والمعالجة الملاطفة فِي المراودة بالْقَوْل وَالْفِعْل وَيُقَال محاولة الشَّيْء بِمَشَقَّة قَوْله فَأنْزل الله تَعَالَى لَا تحرّك بِهِ أَي بِالْقُرْآنِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ رَحمَه الله وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا لقن الْوَحْي نَازع جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام الْقِرَاءَة وَلم يصير إِلَى أَن يُتمهَا مسارعة إِلَى الْحِفْظ وخوفا من أَن يتفلت مِنْهُ فَأمر بِأَن يستنصت لَهُ ملقيا إِلَيْهِ بِقَلْبِه وسَمعه حَتَّى يقْضِي إِلَيْهِ وحيه ثمَّ يعقبه بالدراسة إِلَى أَن يرسخ فِيهِ وَالْمعْنَى {لَا تحرّك بِهِ لسَانك} بِقِرَاءَة الْوَحْي مادام جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يقرؤ لتعجل بِهِ لتأْخذ بِهِ على عجلة وَلِئَلَّا يتفلت مِنْهُ ثمَّ علل النَّهْي عَن العجلة بقوله {إِن علينا جمعه} فِي صدرك وَإِثْبَات قِرَاءَته فِي لسَانك قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ {فَإِذا قرأناه} جعل قِرَاءَة جِبْرِيل قِرَاءَته وَالْقُرْآن الْقِرَاءَة {فَاتبع قرآنه} فَكُن معقبا لَهُ فِيهِ وَلَا تراسله وطأ من نَفسك أَنه لَا يبْقى غير مَحْفُوظ فَنحْن فِي ضَمَان تحفيظه {ثمَّ إِن علينا بَيَانه} إِذا أشكل عَلَيْك شَيْء من مَعَانِيه كَأَنَّهُ كَانَ يعجل فِي الْحِفْظ وَالسُّؤَال عَن الْمَعْنى جَمِيعًا كَمَا ترى بعض الحراص على الْعلم وَنَحْوه {وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه} قَوْله قَالَ أَي ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير جمعه أَي جمع الله لَك فِي صدرك وَقَالَ فِي تَفْسِير وقرآنه أَي تَقْرَأهُ يَعْنِي المُرَاد بِالْقُرْآنِ الْقِرَاءَة لَا الْكتاب الْمنزل على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للإعجاز بِسُورَة مِنْهُ أَي أَنه مصدر لَا علم للْكتاب قَوْله فاستمع هُوَ تَفْسِير فَاتبع يَعْنِي قراءتك لَا تكون مَعَ قِرَاءَته بل تَابِعَة لَهَا مُتَأَخِّرَة عَنْهَا فَتكون أَنْت فِي حَال قِرَاءَته ساكتا وَالْفرق بَين السماع وَالِاسْتِمَاع أَنه لَا بُد فِي بَاب الافتعال من التَّصَرُّف وَالسَّعْي فِي ذَلِك الْفِعْل وَلِهَذَا ورد فِي الْقُرْآن {لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت} بِلَفْظ الِاكْتِسَاب فِي الشَّرّ لِأَنَّهُ لَا بُد فِيهِ من السَّعْي بِخِلَاف الْخَيْر فالمستمع هُوَ المصغي القاصد للسماع وَقَالَ الْكرْمَانِي عقيب هَذَا الْكَلَام وَقَالَ الْفُقَهَاء تسن سَجْدَة التِّلَاوَة للمستمع لَا للسامع قلت هَذَا لَا يمشي على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَإِن قصد السماع لَيْسَ بِشَرْط فِي وجوب السَّجْدَة مَعَ أَن هَذَا يُخَالف مَا جَاءَ فِي الحَدِيث (السَّجْدَة على من تَلَاهَا وعَلى من سَمعهَا) قَوْله وانصت همزته همزَة الْقطع قَالَ تَعَالَى {فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا} وَفِيه لُغَتَانِ أنصت بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا فَالْأولى من نصت ينصت نصتا وَالثَّانيَِة من أنصت ينصت إنصاتا إِذا سكت واستمع للْحَدِيث يُقَال انصتوه وانصتوا لَهُ وأنصت فلَان فلَانا إِذا أسكته وانتصت سكت وَذكر الْأَزْهَرِي فِي نصت وأنصت وانتصت الْكل بِمَعْنى وَاحِد قَوْله {ثمَّ إِن علينا بَيَانه} فسره بقوله ثمَّ إِن علينا أَن تقْرَأ وَفِي مُسلم أَن تبينه بلسانك وَقيل بحفظك إِيَّاه وَقيل بَيَان مَا وَقع فِيهِ من حَلَال وَحرَام حَكَاهُ القَاضِي قَوْله جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ ملك الْوَحْي إِلَى الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمُوكل بإنزال الْعَذَاب والزلازل والدمادم وَمَعْنَاهُ عبد الله بالسُّرْيَانيَّة لِأَن جبر عبد بالسُّرْيَانيَّة وأيل اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وروى عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن عِكْرِمَة أَن اسْم جِبْرِيل عبد الله وَاسم مِيكَائِيل عبيد الله وَقَالَ السُّهيْلي جِبْرِيل سرياني وَمَعْنَاهُ عبد الرَّحْمَن أَو عبد الْعَزِيز كَمَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وموقوفا وَالْمَوْقُوف أصح وَذَهَبت
طَائِفَة إِلَى أَن الْإِضَافَة فِي هَذِه الْأَسْمَاء مَقْلُوبَة فأيل هُوَ العَبْد وأوله اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى والجبر عِنْد الْعَجم هُوَ إصْلَاح مَا فسد وَهِي توَافق مَعْنَاهُ من جِهَة الْعَرَبيَّة فَإِن فِي الْوَحْي إصْلَاح مَا فسد وجبر مَا وَهِي من الدّين وَلم يكن هَذَا الِاسْم مَعْرُوفا بِمَكَّة وَلَا بِأَرْض الْعَرَب وَلِهَذَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما ذكره لِخَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا انْطَلَقت لتسأل من عِنْده علم من الْكتاب كعداس ونسطور الراهب فَقَالَا قدوس قدوس وَمن أَيْن هَذَا الِاسْم بِهَذِهِ الْبِلَاد وَرَأَيْت فِي أثْنَاء مطالعتي فِي الْكتب أَن اسْم جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عبد الْجَلِيل وكنيته أَبُو الْفتُوح وَاسم مِيكَائِيل عبد الرَّزَّاق وكنيته أَبُو الْغَنَائِم وَاسم إسْرَافيل عبد الْخَالِق وكنيته أَبُو المنافخ وَاسم عزرائيل عبد الْجَبَّار وكنيته أَبُو يحيى وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ قرىء جبرئيل فعليل وجبرئل بِحَذْف الْيَاء وَجِبْرِيل بِحَذْف الْهمزَة وَجِبْرِيل بِوَزْن قنديل وجبرال بلام مُشَدّدَة وجبرائيل بِوَزْن جبراعيل وجبرايل بِوَزْن جبراعل وَمنع الصّرْف فِيهِ للتعريف والعجمة قلت هَذِه سبع لُغَات وَذكر فِيهِ ابْن الْأَنْبَارِي تسع لُغَات مِنْهَا سَبْعَة هَذِه وَالثَّامِنَة جبرين بِفَتْح الْجِيم وبالنون بدل اللَّام والتاسعة جبرين بِكَسْر الْجِيم وبالنون أَيْضا وَقَرَأَ ابْن كثير جِبْرِيل بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء من غير همز وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر عَن عَاصِم بِفَتْح الْجِيم وَالرَّاء مهموزا وَالْبَاقُونَ بِكَسْر الْجِيم وَالرَّاء غير مَهْمُوز (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يعالج فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله شدَّة بِالنّصب مفعول يعالج. وَقَالَ الْكرْمَانِي يجوز أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا لَهُ أَي يعالج معالجة شَدِيدَة. قلت فعلى هَذَا يحْتَاج إِلَى شَيْئَيْنِ أَحدهمَا تَقْدِير الْمَفْعُول بِهِ ليعالج وَالثَّانِي تَأْوِيل الشدَّة بالشديدة وَتَقْدِير الْمَوْصُوف لَهَا فَافْهَم قَوْله وَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه اخْتلفُوا فِي معنى هَذَا الْكَلَام وَتَقْدِيره فَقَالَ القَاضِي مَعْنَاهُ كثيرا مَا كَانَ يفعل ذَلِك قَالَ وَقيل مَعْنَاهُ هَذَا من شَأْنه ودأبه فَجعل مَا كِنَايَة عَن ذَلِك وَمثله قَوْله فِي كتاب الرُّؤْيَا كَانَ مِمَّا يَقُول لأَصْحَابه من رأى مِنْكُم رُؤْيا أَي هَذَا من شَأْنه وأدغم النُّون فِي مِيم مَا وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ رُبمَا لِأَن من إِذا وَقع بعْدهَا مَا كَانَت بِمَعْنى رُبمَا قَالَه الشِّيرَازِيّ وَابْن خروف وَابْن طَاهِر والأعلم وأخرجوا عَلَيْهِ قَول سِيبَوَيْهٍ وَأعلم أَنهم مِمَّا يحذفون كَذَا وأنشدوا قَول الشَّاعِر (وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش ضَرْبَة ... على رَأسه نلقى اللِّسَان من الْفَم) وَقَالَ الْكرْمَانِي أَي كَانَ العلاج ناشئا من تَحْرِيك الشفتين أَي مبدأ العلاج مِنْهُ أَو بِمَعْنى من إِذْ قد تجىء للعقلاء أَيْضا أَي وَكَانَ مِمَّن يُحَرك شَفَتَيْه وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر لِأَن الشدَّة حَاصِلَة لَهُ قبل التحريك قلت فِي نظره نظر لِأَن الشدَّة وَإِن كَانَت حَاصِلَة لَهُ قبل التحريك وَلكنهَا مَا ظَهرت إِلَّا بتحريك الشفتين لِأَن هَذَا أَمر مبطن وَلم يقف عَلَيْهِ الرَّاوِي إِلَّا بِالتَّحْرِيكِ ثمَّ استصوب مَا نقل من هَؤُلَاءِ من الْمَعْنى الْمَذْكُور وَمَعَ هَذَا فِيهِ خدش لِأَن من فِي الْبَيْت وَفِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ ابتدائية وَمَا فيهمَا مَصْدَرِيَّة وَأَنَّهُمْ جعلُوا كَأَنَّهُمْ خلقُوا من الضَّرْب والحذف مثل {خلق الْإِنْسَان من عجل} ثمَّ الضَّمِير فِي كَانَ على قَوْلهم يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى تَأْوِيل الْكرْمَانِي يرجع إِلَى العلاج الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله يعالج والأصوب أَن يكون الضَّمِير للرسول وَيجوز هُنَا تَأْوِيلَانِ آخرَانِ أَحدهمَا أَن تكون كلمة من للتَّعْلِيل وَمَا مَصْدَرِيَّة وَفِيه حذف وَالتَّقْدِير وَكَانَ يعالج أَيْضا من أجل تَحْرِيك شَفَتَيْه وَلسَانه كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير عَن مُوسَى ابْن أبي عَائِشَة لَفْظَة كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي فَكَانَ مِمَّا يُحَرك بِهِ لِسَانه وشفتيه وتحريك اللِّسَان مَعَ الشفتين مَعَ طول الْقِرَاءَة لَا يَخْلُو عَن معالجة الشدَّة وَالْآخر أَن يكون كَانَ بِمَعْنى وجد بِمَعْنى ظهر وَفِيه ضمير يرجع إِلَى العلاج وَالتَّقْدِير وَظهر علاجه الشدَّة من تَحْرِيك شَفَتَيْه قَوْله فَأنْزل الله عطف على قَوْله كَانَ يعالج قَوْله قَالَ أَي ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي تَفْسِير جمعه أَي جمع الله لَك فِي صدرك وَقَالَ فِي تَفْسِير وقرآنه أَي تَقْرَأهُ يَعْنِي المُرَاد من الْقُرْآن الْقِرَاءَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَفِي أَكثر الرِّوَايَات جمعه لَك صدرك وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والحموي (جمعه لَك فِي صدرك) قَالَ القَاضِي رَوَاهُ الْأصيلِيّ بِسُكُون الْمِيم مَعَ ضم الْعين وَرفع الرَّاء من صدرك وَلأبي ذَر جمعه لَك فِي صدرك وَعند النَّسَفِيّ جمعه لَك صدرك فَإِن قلت إِذا رفع الصَّدْر بِالْجمعِ مَا وَجهه قلت يكون مجَاز الملابسة الظَّرْفِيَّة إِذْ الصَّدْر ظرف الْجمع فَيكون مثل أنبت الرّبيع البقل فالتقدير جمع الله فِي صدرك
(بَيَان الْمعَانِي) قَوْله كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَفْظَة كَانَ فِي مثل هَذَا التَّرْكِيب تفِيد الِاسْتِمْرَار وَأَعَادَهُ فِي قَوْله وَكَانَ مِمَّا يُحَرك مَعَ تقدمه فِي قَوْله كَانَ يعالج وَهُوَ جَائِز إِذا طَال الْكَلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وكنتم تُرَابا} الْآيَة وَغَيرهَا قَوْله فَأَنا أحركهما لَك وَفِي بعض النّسخ لكم وَتَقْدِيم فَاعل الْفِعْل يشْعر بتقوية الْفِعْل ووقوعه لَا محَالة قَوْله فَقَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ إِلَى قَوْله فَأنْزل الله جملَة مُعْتَرضَة بِالْفَاءِ وَذَلِكَ جَائِز كَمَا قَالَ الشَّاعِر (وَاعْلَم فَعلم الْمَرْء يَنْفَعهُ ... أَن سَوف يَأْتِي كل مَا قدرا) فَإِن قلت مَا فَائِدَة الِاعْتِرَاض. قلت زِيَادَة الْبَيَان بِالْوَصْفِ على القَوْل فَإِن قلت كَيفَ قَالَ فِي الأول كَانَ يحركهما وَفِي الثَّانِي بِلَفْظ رَأَيْت قلت الْعبارَة الأولى أَعم من أَنه رأى بِنَفسِهِ تَحْرِيك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم سمع أَنه حركهما كَذَا قَالَ الْكرْمَانِي وَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك لِأَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تِلْكَ الْحَالة لِأَن سُورَة الْقِيَامَة مَكِّيَّة بِاتِّفَاق وَلم يكن ابْن عَبَّاس إِذْ ذَاك ولد لِأَنَّهُ ولد قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَالظَّاهِر أَن نزُول هَذِه الْآيَات كَانَ فِي أول الْأَمر وَلَكِن يجوز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبرهُ بذلك بعد أَو أخبرهُ بعض الصَّحَابَة أَنه شَاهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما سعيد بن جُبَير فَرَأى ذَلِك من ابْن عَبَّاس بِلَا خلاف وَمثل هَذَا الحَدِيث يُسمى بالمسلسل بتحريك الشّفة لَكِن لم يتَّصل بسلسلة وَقل فِي المسلسل الصَّحِيح وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت الْقُرْآن يدل على تَحْرِيك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِسَانه لَا شَفَتَيْه فَلَا تطابق بَين الْوَارِد والمورود فِيهِ. قلت التطابق حَاصِل لِأَن التحريكين متلازمان غَالِبا أَو لِأَنَّهُ كَانَ يُحَرك الْفَم الْمُشْتَمل على اللِّسَان والشفتين فَيصدق كل مِنْهُمَا وَتَبعهُ بعض الشُّرَّاح على هَذَا وَهَذَا تكلّف وتعسف بل إِنَّمَا هُوَ من بَاب الِاكْتِفَاء وَالتَّقْدِير فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير فَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه وَلسَانه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {سرابيل تقيكم الْحر} أَي وَالْبرد وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير فَكَانَ مِمَّا يُحَرك لِسَانه وشفتيه والملازمة بَين التحريكين مَمْنُوعَة على مَا لَا يخفى. وتحريك الْفَم مستبعد بل مُسْتَحِيل لِأَن الْفَم اسْم لما يشْتَمل عَلَيْهِ الشفتان وَعند الْإِطْلَاق لَا يشْتَمل على الشفتين وَلَا على اللِّسَان لَا لُغَة وَلَا عرفا فَافْهَم قَوْله كَمَا كَانَ قَرَأَ وَفِي بعض النّسخ كَمَا كَانَ قَرَأَهُ بضمير الْمَفْعُول أَي كَمَا كَانَ قَرَأَ الْقُرْآن وَفِي بَعْضهَا كَمَا قَرَأَ بِدُونِ لَفْظَة كَانَ (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل مَا كَانَ سَبَب معالجة الشدَّة وَأجِيب بِأَنَّهُ مَا كَانَ يلاقيه من الكد الْعَظِيم وَمن هَيْبَة الْوَحْي الْكَرِيم قَالَ تَعَالَى {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا} وَمِنْهَا مَا قيل مَا كَانَ سَبَب تَحْرِيك لِسَانه وشفتيه. وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ يفعل ذَلِك لِئَلَّا ينسى وَقَالَ تَعَالَى {سنقرؤك فَلَا تنسى الْأَعْلَى} وَقَالَ الشّعبِيّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من حبه لَهُ وحلاوته فِي لِسَانه فَنهى عَن ذَلِك حَتَّى يجْتَمع لِأَن بعضه مُرْتَبِط بِبَعْضِه وَمِنْهَا مَا قيل مَا فَائِدَة المسلسل من الْأَحَادِيث وَأجِيب بِأَن فَائِدَته اشتماله على زِيَادَة الضَّبْط واتصال السماع وَعدم التَّدْلِيس وَمثله حَدِيث المصافحة وَنَحْوهَا (استنباط الْأَحْكَام) مِنْهُ الِاسْتِحْبَاب للمعلم أَن يمثل للمتعلم بِالْفِعْلِ ويريه الصُّورَة بِفِعْلِهِ إِذا كَانَ فِيهِ زِيَادَة بَيَان على الْوَصْف بالْقَوْل وَمِنْه أَن أحدا لَا يحفظ الْقُرْآن إِلَّا بعون الله تَعَالَى وَمِنْه وفضله قَالَ تَعَالَى {وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مُذَكّر الْقَمَر و 22} وَمِنْه فِيهِ دلَالَة على جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَذَلِكَ لِأَن ثمَّ تدل على التَّرَاخِي كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة مُمْتَنع عِنْد الْكل إِلَّا عِنْد من جوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَأما تَأْخِيره عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازه وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَقَالَ الصَّيْرَفِي والحنابلة مُمْتَنع وَقَالَ الْكَرْخِي بالتفصيل وَهُوَ أَن تَأْخِيره عَن وَقت الْخطاب مُمْتَنع فِي غير الْمُجْمل كبيان التَّخْصِيص وَالتَّقْيِيد والنسخ إِلَى غير ذَلِك وَجَائِز فِي الْمُجْمل كالمشترك. وَقَالَ الجبائي تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب مُمْتَنع فِي غير النّسخ وَجَائِز فِي النّسخ 5 - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ ح وَحدثنَا بشر بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا يُونُس وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ نَحوه قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود النَّاس وَكَانَ أَجود
مَا يكون فِي رَمَضَان حِين يلقاه جِبْرِيل وَكَانَ يلقاه فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن فلرسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود بِالْخَيرِ من الرّيح الْمُرْسلَة) وَجه مُنَاسبَة إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن ابْتِدَاء نزُول الْقُرْآن كَانَ فِي رَمَضَان فَكَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يتعاهده فِي كل سنة فيعارضه بِمَا نزل عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَام الَّذِي توفّي فِيهِ عَارضه بِهِ مرَّتَيْنِ كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا وَعَن زَوجهَا وَصلى الله على أَبِيهَا وَكَانَ هَذَا من أَحْكَام الْوَحْي وَالْبَاب فِي الْوَحْي (بَيَان رِجَاله) وهم ثَمَانِيَة تقدم مِنْهُم. ابْن عَبَّاس. وَالزهْرِيّ. وَمعمر. وَيُونُس. فَبَقيت أَرْبَعَة الأول عَبْدَانِ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد مَيْمُون وَقيل أَيمن الْعَتكِي بِالْعينِ الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي مولى الْمُهلب بِفَتْح اللَّام الْمُشَدّدَة ابْن أبي صفرَة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة سمع مَالِكًا وَحَمَّاد بن زيد وَغَيرهمَا من الْأَعْلَام روى عَنهُ الذهلي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ وَعشْرين أَو عشْرين وَمِائَتَيْنِ عَن سِتّ وَسبعين سنة وعبدان لقب جمَاعَة أكبرهم هَذَا وعبدان أَيْضا ابْن بنت عبد الْعَزِيز بن أبي رواد وَقَالَ ابْن طَاهِر إِنَّمَا قيل لَهُ ذَلِك لِأَن كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن واسْمه عبد الله فَاجْتمع من اسْمه وكنيته عَبْدَانِ. وَقَالَ بعض الشَّارِحين وَهَذَا لَا يَصح بل ذَاك من تَغْيِير الْعَامَّة للأسامي وكسرهم لَهَا فِي زمن صغر الْمُسَمّى أَو نَحْو ذَلِك كَمَا قَالُوا فِي عَليّ عَلان وَفِي أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ وَغَيره حمدَان وَفِي وهب بن بَقِيَّة الوَاسِطِيّ وهبان. قلت الَّذِي قَالَه ابْن طَاهِر هُوَ الْأَوْجه لِأَن عَبْدَانِ تَثْنِيَة عبد وَلما كَانَ أول اسْمه عبد وَأول كنيته عبد قيل عَبْدَانِ الثَّانِي عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك بن وَاضح الْحَنْظَلِي التَّمِيمِي مَوْلَاهُم الْمروزِي الإِمَام الْمُتَّفق على جلالته وإمامته وورعه وسخائه وعبادته الثِّقَة الْحجَّة الثبت وَهُوَ من تَابِعِيّ التَّابِعين وَكَانَ أَبوهُ تركيا مَمْلُوكا لرجل من هَمدَان وَأمه خوارزمية ولد سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة وَمَات فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بهيت فِي الْعرَاق منصرفا من الْغَزْو. وهيت بِكَسْر الْهَاء وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق مَدِينَة على شاطىء الْفُرَات سميت بذلك لِأَنَّهَا فِي هوة وَعبد الله بن الْمُبَارك هَذَا من أَفْرَاد الْكتب السِّتَّة لَيْسَ فِيهَا من يُسمى بِهَذَا الِاسْم نعم فِي الروَاة غَيره خَمْسَة أحدهم بغدادي حدث عَن همام الثَّانِي خراساني وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ الثَّالِث شيخ روى عَنهُ الْأَثْرَم الرَّابِع جوهري روى عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ الْخَامِس بزار. روى عَنهُ سهل البُخَارِيّ الثَّالِث بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة الساكنة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْمروزِي السّخْتِيَانِيّ روى عَنهُ البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ عَن بَاقِي الْكتب السِّتَّة هُنَا وَفِي التَّوْحِيد وَفِي الصَّلَاة وَغَيرهَا ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَقَالَ كَانَ مرجئا مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الرَّابِع عبيد الله بِلَفْظ التصغير فِي عبد بن عبد الله بن عتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مَسْعُود بن غافل بالغين الْمُعْجَمَة ابْن حبيب بن شمخ بن فار بِالْفَاءِ وَتَخْفِيف الرَّاء بن مَخْزُوم ابْن طاهلة بن كَاهِل بِكَسْر الْهَاء بن الْحَرْث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل بن مدركة بن الياس بن مُضر الْهُذلِيّ الْمدنِي الإِمَام الْجَلِيل التَّابِعِيّ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَعنهُ جمع من التَّابِعين وَهُوَ معلم عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ قد ذهب بَصَره توفّي سنة تسع أَو ثَمَان أَو خمس أَو أَربع وَتِسْعين (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مَوَاضِع هُنَا كَمَا ترى. وَفِي صفة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن عَبْدَانِ أَيْضا عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَفِي الصَّوْم عَن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يحيى بن قزعة عَن إِبْرَاهِيم وَفِي بَدَأَ الْخلق عَن ابْن مقَاتل عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَرْبَعَة عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَأبي عمرَان مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي كريب عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَنه اجْتمع فِيهِ عدَّة مراوزة ابْن الْمُبَارك وراوياه وَمِنْهَا أَن البُخَارِيّ حدث الحَدِيث
هَذَا عَن الشَّيْخَيْنِ عَبْدَانِ وَبشر كليهمَا عَن عبد الله بن الْمُبَارك وَالشَّيْخ الأول ذكر لعبد الله شَيخا وَاحِدًا وَهُوَ يُونُس وَالثَّانِي ذكر لَهُ الشَّيْخَيْنِ يُونُس ومعمرا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَمعمر نَحوه أَي نَحْو حَدِيث يُونُس نَحوه بِاللَّفْظِ وَعَن معمر بِالْمَعْنَى وَلأَجل هَذَا زَاد فِيهِ لفظ نَحوه وَمِنْهَا زِيَادَة الْوَاو فِي قَوْله وَحدثنَا بشر وَهَذَا يُسمى وَاو التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى آخر ويعبر عَنْهَا غَالِبا بِصُورَة (ح) مُهْملَة مُفْردَة وَهَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَقَالَ النَّوَوِيّ وَهَذِه الْحَاء كَثِيرَة فِي صَحِيح مُسلم قَليلَة فِي صَحِيح البُخَارِيّ انْتهى وعادتهم أَنه إِذا كَانَ للْحَدِيث إسنادان أَو أَكثر كتبُوا عِنْد الِانْتِقَال من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد ذَلِك مُسَمّى (ح) أَي حرف الْحَاء فَقيل أَنَّهَا مَأْخُوذَة من التَّحَوُّل لتحوله من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد وَأَنه يَقُول القارىء إِذا انْتهى إِلَيْهَا حاء مَقْصُورَة وَيسْتَمر فِي قِرَاءَة مَا بعده وَفَائِدَته أَن لَا يركب الْإِسْنَاد الثَّانِي مَعَ الْإِسْنَاد الأول فيجعلا إِسْنَادًا وَاحِدًا وَقيل أَنَّهَا من حَال بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حجز لكَونهَا حَالَة بَين الإسنادين وَأَنه لَا يلفظ عِنْد الِانْتِهَاء إِلَيْهَا بِشَيْء وَقيل أَنَّهَا رمز إِلَى قَوْله الحَدِيث فَأهل الْمغرب يَقُولُونَ إِذا وصلوا إِلَيْهَا الحَدِيث وَقد كتب جمَاعَة من الْحفاظ موضعهَا (صَحَّ) فيشعر بِأَنَّهَا رمز صَحَّ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه سقط متن الْإِسْنَاد الأول (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أَجود النَّاس هُوَ أفعل التَّفْضِيل من الْجُود وَهُوَ الْعَطاء أَي أعْطى مَا يَنْبَغِي لمن يَنْبَغِي وَمَعْنَاهُ هُوَ أسخى النَّاس لما كَانَت نَفسه أشرف النُّفُوس ومزاجه أعدل الأمزجة لَا بُد أَن يكون فعله أحسن الْأَفْعَال وشكله أَمْلَح الأشكال وخلقه أحسن الْأَخْلَاق فَلَا شكّ بِكَوْنِهِ أَجود وَكَيف لَا وَهُوَ مستغن عَن الفانيات بالباقيات الصَّالِحَات قَوْله فِي رَمَضَان أَي شهر رَمَضَان قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الرمضان مصدر رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء فأضيف إِلَيْهِ الشَّهْر وَجعل علما وَمنع من الصّرْف للتعريف وَالْألف وَالنُّون وسموه بذلك لارتماضهم فِيهِ من حر الْجُوع ومقاساة شدته قَوْله فيدارسه من المدارسة من بَاب المفاعلة من الدَّرْس وَهُوَ الْقِرَاءَة على سرعَة وقدرة عَلَيْهِ من درست الْكتاب أدرسه وأدرسه وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة {وَبِمَا كُنْتُم تدرسون} مِثَال تجلسون درسا ودراسة قَالَ الله تَعَالَى {ودرسوا مَا فِيهِ} وأدرس الْكتاب قَرَأَهُ مثل درسه وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة {وَبِمَا كُنْتُم تدرسون} من الإدراس ودرس الْكتب تدريسا شدد للْمُبَالَغَة وَمِنْه مدرس الْمدرسَة والمدارسة المقارأة وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو (وليقولوا دارست) أَي قَرَأت على الْيَهُود وقرأوا عَلَيْك وَهَهُنَا لما كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يتناوبان فِي قِرَاءَة الْقُرْآن كَمَا هُوَ عَادَة الْقُرَّاء بِأَن يقْرَأ مثلا هَذَا عشرا وَالْآخر عشرا أَتَى بِلَفْظَة المدارسة أَو أَنَّهُمَا كَانَا يتشاركان فِي الْقِرَاءَة أَي يقرآن مَعًا وَقد علم أَن بَاب المفاعلة لمشاركة اثْنَيْنِ نَحْو ضاربت زيدا وخاصمت عمرا قَوْله الرّيح الْمُرْسلَة بِفَتْح السِّين أَي المبعوثة لنفع النَّاس هَذَا إِذا جعلنَا اللَّام فِي الرّيح للْجِنْس وَأَن جعلناها للْعهد يكون الْمَعْنى من الرّيح الْمُرْسلَة للرحمة قَالَ تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح بشرا بَين يَدي رَحمته} وَقَالَ تَعَالَى {والمرسلات عرفا} أَي الرِّيَاح المرسلات للمعروف على أحد التفاسير (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله أَجود النَّاس كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله وَكَانَ أَجود مَا يكون يجوز فِي أَجود الرّفْع وَالنّصب أما الرّفْع فَهُوَ أَكثر الرِّوَايَات وَوَجهه أَن يكون اسْم كَانَ وَخَبره مَحْذُوف حذفا وَاجِبا لِأَنَّهُ نَحْو قَوْلك أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما وَلَفْظَة مَا مَصْدَرِيَّة أَي أَجود أكوان الرَّسُول. وَقَوله فِي رَمَضَان فِي مَحل النصب على الْحَال وَاقع موقع الْخَبَر الَّذِي هُوَ حَاصِل أَو وَاقع. وَقَوله حِين يلقاه حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي حَاصِل الْمُقدر فَهُوَ حَال عَن حَال وَمثلهمَا يُسمى بالحالين المتداخلتين وَالتَّقْدِير كَانَ أَجود أكوانه حَاصِلا فِي رَمَضَان حَال الملاقاة وَوجه آخر أَن يكون فِي كَانَ ضمير الشان وأجود مَا يكون أَيْضا كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره فِي رَمَضَان وَالتَّقْدِير كَانَ الشَّأْن أَجود أكوان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَمَضَان أَي حَاصِل فِي رَمَضَان عِنْد الملاقاة وَوجه آخر أَن يكون الْوَقْت فِيهِ مُقَدرا كَمَا فِي مقدم الْحَاج وَالتَّقْدِير كَانَ أَجود أَوْقَات كَونه وَقت كَونه فِي رَمَضَان وَإسْنَاد الْجُود إِلَى أوقاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على سَبِيل الْمُبَالغَة كأسناد الصَّوْم إِلَى النَّهَار فِي نَحْو نَهَاره صَائِم وَأما النصب فَهُوَ رِوَايَة الْأصيلِيّ وَوَجهه أَن يكون خبر كَانَ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يلْزم من ذَلِك أَن يكون خَبَرهَا هُوَ اسْمهَا. وَأجَاب بَعضهم عَن ذَلِك بِأَن يَجْعَل اسْم
كَانَ ضمير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأجود خَبَرهَا وَالتَّقْدِير وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُدَّة كَونه فِي رَمَضَان أَجود مِنْهُ فِي غَيره. قلت هَذَا لَا يَصح لِأَن كَانَ إِذا كَانَ فِيهِ ضمير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَصح أَن يكون أَجود خَبرا لَكَانَ لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى الْكَوْن وَلَا يخبر بِكَوْن عَمَّا لَيْسَ بِكَوْن فَيجب أَن يَجْعَل مُبْتَدأ وَخَبره فِي رَمَضَان وَالْجُمْلَة خبر كَانَ وَإِن استتر فِيهِ ضمير الشَّأْن فَظَاهر فَافْهَم. وَقَالَ النَّوَوِيّ الرّفْع أشهر وَيجوز فِيهِ النصب. قلت من جملَة مؤكدات الرّفْع وُرُوده بِدُونِ كَانَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي بَاب الصَّوْم قَوْله وَكَانَ يلقاه قَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل كَون الضَّمِير الْمَرْفُوع لجبريل عَلَيْهِ السَّلَام والمنصوب للرسول وَبِالْعَكْسِ قلت الرَّاجِح أَن يكون الضَّمِير الْمَرْفُوع لجبريل عَلَيْهِ السَّلَام بِقَرِينَة قَوْله حِين يلقاه جِبْرِيل قَوْله فيدارسه عطف على قَوْله يلقاه. وَقَوله الْقُرْآن بِالنّصب لِأَنَّهُ الْمَفْعُول الثَّانِي للمدارسة إِذْ الْفِعْل الْمُتَعَدِّي إِذا نقل إِلَى بَاب المفاعلة يصير مُتَعَدِّيا إِلَى اثْنَيْنِ نَحْو جاذبته الثَّوْب قَوْله فلرسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله أَجود وَاللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة لِأَنَّهُ لَام الِابْتِدَاء زيد على الْمُبْتَدَأ للتَّأْكِيد (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل أَن هَهُنَا أَربع جمل فَمَا الْجِهَة الجامعة بَينهَا وَأجِيب بِأَن الْمُنَاسبَة بَين الْجمل الثَّلَاث وَهِي قَوْله كَانَ أَجود النَّاس. وَكَانَ أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان. وفلرسول الله. الخ ظَاهِرَة لِأَنَّهُ أَشَارَ بِالْجُمْلَةِ الأولى إِلَى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود النَّاس مُطلقًا وَأَشَارَ بِالثَّانِيَةِ إِلَى أَن جوده فِي رَمَضَان يفضل على جوده فِي سَائِر أوقاته وَأَشَارَ بالثالثة إِلَى أَن جوده فِي عُمُوم النَّفْع والإسراع فِيهِ كَالرِّيحِ الْمُرْسلَة وَشبه عُمُومه وَسُرْعَة وُصُوله إِلَى النَّاس بِالرِّيحِ المنتشرة وشتان مَا بَين الْأَمريْنِ فَإِن أَحدهمَا يحيي الْقلب بعد مَوته وَالْآخر يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا وَأما الْمُنَاسبَة بَين الْجُمْلَة الرَّابِعَة وَهِي قَوْله وَكَانَ يلقاه فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن وَبَين الْجُمْلَة الْبَاقِيَة فَهِيَ أَن جوده الَّذِي فِي رَمَضَان الَّذِي فضل على جوده فِي غَيره إِنَّمَا كَانَ بأمرين أَحدهمَا بِكَوْنِهِ فِي رَمَضَان وَالْآخر بملاقاته جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ومدارسته مَعَه الْقُرْآن وَلما كَانَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي صدد بَيَان أَقسَام جوده على سَبِيل تَفْضِيل بعضه على بعض أَشَارَ فِيهِ إِلَى بَيَان السَّبَب الْمُوجب لَا على جوده وَهُوَ كَونه فِي رَمَضَان وملاقاته جِبْرِيل فَإِن قلت مَا وَجه كَون هذَيْن الْأَمريْنِ سَببا مُوجبا لأعلى جوده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت أما رَمَضَان فَإِنَّهُ شهر عَظِيم وَفِيه الصَّوْم وَفِيه لَيْلَة الْقدر وَهُوَ من أشرف الْعِبَادَات فَلذَلِك قَالَ الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ فَلَا جرم يتضاعف ثَوَاب الصَّدَقَة وَالْخَيْر فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَات وَعَن هَذَا قَالَ الزُّهْرِيّ تَسْبِيحَة فِي رَمَضَان خير من سبعين فِي غَيره وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث إِنَّه يعْتق فِيهِ كل لَيْلَة ألف ألف عَتيق من النَّار. وَأما ملاقاة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَإِن فِيهَا زِيَادَة ترقيه فِي المقامات وَزِيَادَة اطِّلَاعه على عُلُوم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلَا سِيمَا عِنْد مدارسته الْقُرْآن مَعَه مَعَ نُزُوله إِلَيْهِ فِي كل لَيْلَة وَلم ينزل إِلَى غَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا نزل إِلَيْهِ فَهَذَا كُله من الْفَيْض الإلهي الَّذِي فتح لي فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي لم يفتح لغيري من الشُّرَّاح فَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَمِنْهَا مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي مدارسته الْقُرْآن فِي رَمَضَان. وَأجِيب بِأَنَّهَا كَانَت لتجديد الْعَهْد وَالْيَقِين وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفَائِدَة درس جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تَعْلِيم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتجويد لَفظه وَتَصْحِيح إِخْرَاج الْحُرُوف من مخارجها وليكون سنة فِي هَذِه الْأمة كتجويد التلامذة على الشُّيُوخ قراءتهم وَأما تَخْصِيصه رَمَضَان فلكونه موسم الْخيرَات لِأَن نعم الله تَعَالَى على عباده فِيهِ زَائِدَة على غَيره وَقيل الْحِكْمَة فِي المدارسة أَن الله تَعَالَى ضمن لنَبيه أَن لَا ينساه فأقره بهَا وَخص بذلك رَمَضَان لِأَن الله تَعَالَى أنزل الْقُرْآن فِيهِ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا جملَة من اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ نزل بعد ذَلِك على حسب الْأَسْبَاب فِي عشْرين سنة. وَقيل نزلت صحف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أول لَيْلَة مِنْهُ. والتوراة لست وَالْإِنْجِيل لثلاث عشرَة وَالْقُرْآن لأَرْبَع وَعشْرين وَمِنْهَا مَا قيل الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ ينزل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان وَهَذَا يُعَارضهُ مَا رُوِيَ فِي صَحِيح مُسلم فِي كل سنة فِي رَمَضَان حَتَّى يَنْسَلِخ. وَأجِيب بِأَن الْمَحْفُوظ فِي مُسلم أَيْضا مثل مَا فِي البُخَارِيّ وَلَئِن سلمنَا صِحَة الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فَلَا تعَارض لِأَن مَعْنَاهُ بِمَعْنى الأول لِأَن قَوْله حَتَّى يَنْسَلِخ بِمَعْنى كل لَيْلَة (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا الْحَث على الْجُود والأفضال فِي كل الْأَوْقَات وَالزِّيَادَة مِنْهَا فِي رَمَضَان وَعند الِاجْتِمَاع
بالصالحين وَمِنْهَا زِيَارَة الصلحاء وَأهل الْفضل ومجالستهم وتكرير زيارتهم ومواصلتها إِذا كَانَ المزور لَا يكره ذَلِك وَمِنْهَا اسْتِحْبَاب استكثار الْقِرَاءَة فِي رَمَضَان وَمِنْهَا اسْتِحْبَاب مدارسة الْقُرْآن وَغَيره من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَمِنْهَا أَنه لَا بَأْس بِأَن يُقَال رَمَضَان من غير ذكر شهر على الصَّحِيح على مَا يَأْتِي الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا أَن الْقِرَاءَة أفضل من التَّسْبِيح وَسَائِر الْأَذْكَار إِذْ لَو كَانَ الذّكر أفضل أَو مُسَاوِيا لفعلاه دَائِما أَو فِي أَوْقَات مَعَ تكَرر اجْتِمَاعهمَا. فَإِن قلت الْمَقْصُود تجويد الْحِفْظ. قلت أَن الْحِفْظ كَانَ حَاصِلا وَالزِّيَادَة فِيهِ تحصل بِبَعْض هَذِه الْمجَالِس 6 - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع قَالَ أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش وَكَانُوا تجارًا بالشأم فِي الْمدَّة الَّتِي كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ماد فِيهَا أَبَا سُفْيَان وكفار قُرَيْش فَأتوهُ وهم بإيلياء فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسه وَحَوله عُظَمَاء الرّوم ثمَّ دعاهم ودعا بترجمانه فَقَالَ أَيّكُم أقرب نسبا بِهَذَا الرجل الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي فَقَالَ أَبُو سُفْيَان فَقلت أَنا أقربهم نسبا فَقَالَ أدنوه مني وقربوا أَصْحَابه فاجعلوهم عِنْد ظَهره ثمَّ قَالَ لِترْجُمَانِهِ قل لَهُم إِنِّي سَائل هَذَا عَن هَذَا الرجل فَإِن كَذبَنِي فَكَذبُوهُ فوَاللَّه لَوْلَا الْحيَاء من أَن يأثروا عَليّ كذبا لكذبت عَنهُ ثمَّ كَانَ أول مَا سَأَلَني عَنهُ أَن قَالَ كَيفَ نسبه فِيكُم قلت هُوَ فِينَا ذُو نسب قَالَ فَهَل قَالَ هَذَا القَوْل مِنْكُم أحد قطّ قبله قلت لَا قَالَ فَهَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك قلت لَا قَالَ فأشراف النَّاس يتبعونه أم ضُعَفَاؤُهُمْ فَقلت بل ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أيزيدون أم ينقصُونَ قلت بل يزِيدُونَ قَالَ فَهَل يرْتَد أحد مِنْهُم سخطَة لدينِهِ بعد أَن يدْخل فِيهِ قلت لَا قَالَ فَهَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ قلت لَا قَالَ فَهَل يغدر قلت لَا وَنحن مِنْهُ فِي مُدَّة لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعل فِيهَا قَالَ وَلم تمكني كلمة أَدخل فِيهَا شَيْئا غير هَذِه الْكَلِمَة قَالَ فَهَل قاتلتموه قلت نعم قَالَ فَكيف كَانَ قتالكم إِيَّاه قلت الْحَرْب بَيْننَا وَبَينه سِجَال ينَال منا وننال مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُركُمْ قلت يَقُول اعبدوا الله وَحده وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا واتركوا مَا يَقُول آباؤكم ويأمرنا بِالصَّلَاةِ والصدق والعفاف والصلة فَقَالَ للترجمان قل لَهُ سَأَلتك عَن نسبه فَذكرت أَنه فِيكُم ذُو نسب فَكَذَلِك الرُّسُل تبْعَث فِي نسب قَومهَا وَسَأَلْتُك هَل قَالَ أحد مِنْكُم هَذَا القَوْل فَذكرت أَن لَا فَقلت لَو كَانَ أحد قَالَ هَذَا القَوْل قبله لَقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله وَسَأَلْتُك هَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك فَذكرت أَن لَا قلت فَلَو كَانَ من آبَائِهِ من ملك قلت رجل يطْلب ملك أَبِيه وَسَأَلْتُك هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ فَذكرت أَن لَا فقد أعرف أَنه لم يكن ليذر الْكَذِب على النَّاس ويكذب على الله وَسَأَلْتُك أَشْرَاف النَّاس اتَّبعُوهُ أم ضُعَفَاؤُهُمْ فَذكرت أَن ضعفاءهم اتَّبعُوهُ وهم أَتبَاع الرُّسُل وَسَأَلْتُك أيزيدون أم ينقصُونَ فَذكرت أَنهم يزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمر الْإِيمَان حَتَّى يتم وَسَأَلْتُك أيرتد أحد سخطَة لدينِهِ بعد أَن يدْخل فِيهِ
فَذكرت أَن لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَان حِين تخالط بشاشته الْقُلُوب وَسَأَلْتُك هَل يغدر فَذكرت أَن لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُل لَا تغدر وَسَأَلْتُك بِمَا يَأْمُركُمْ فَذكرت أَنه يَأْمُركُمْ أَن تعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وينهاكم عَن عبَادَة الْأَوْثَان ويأمركم بِالصَّلَاةِ والصدق والعفاف فَإِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فسيملك مَوضِع قدمي هَاتين وَقد كنت أعلم أَنه خَارج لم أكن أَظن أَنه مِنْكُم فَلَو أَنِّي أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ لتجشمت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة إِلَى عَظِيم بصرى فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ فَإِن توليت فَإِن عَلَيْك إِثْم الأريسيين {وَيَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فقولو اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ} . قَالَ أَبُو سُفْيَان فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفرغ من قِرَاءَة الْكتاب كثر عِنْده الصخب وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وأخرجنا فَقلت لِأَصْحَابِي حِين اخرجنا لقد أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة إِنَّه يخافه ملك بني الْأَصْفَر فَمَا زلت موقنا أَنه سَيظْهر حَتَّى أَدخل الله عَليّ الْإِسْلَام وَكَانَ ابْن الناظور صَاحب إيلياء وهرقل سقفا على نَصَارَى الشأم يحدث أَن هِرقل حِين قدم إيلياء أصبح يَوْمًا خَبِيث النَّفس فَقَالَ بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قَالَ ابْن الناظور وَكَانَ هِرقل حزاء ينظر فِي النُّجُوم فَقَالَ لَهُم حِين سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْت اللَّيْلَة حِين نظرت فِي النُّجُوم ملك الْخِتَان قد ظهر فَمن يختتن من هَذِه الْأمة قَالُوا لَيْسَ يختتن إِلَّا الْيَهُود فَلَا يهمنك شَأْنهمْ واكتب إِلَى مَدَائِن ملكك فيقتلوا من فيهم من الْيَهُود فَبَيْنَمَا هم على أَمرهم أُتِي هِرقل بِرَجُل أرسل بِهِ ملك غَسَّان يخبر عَن خبر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا استخبره هِرقل قَالَ اذْهَبُوا فانظروا أمختتن هُوَ أم لَا فنظروا إِلَيْهِ فحدثوه أَنه مختتن وَسَأَلَهُ عَن الْعَرَب فَقَالَ هم يختتنون فَقَالَ هِرقل هَذَا ملك هَذِه الْأمة قد ظهر ثمَّ كتب هِرقل إِلَى صَاحب لَهُ برومية وَكَانَ نَظِيره فِي الْعلم وَسَار هِرقل إِلَى حمص فَلم يرم حمص حَتَّى أَتَاهُ كتاب من صَاحبه يُوَافق رَأْي هِرقل على خُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنه نَبِي فَأذن هِرقل لعظماء الرّوم فِي دسكرة لَهُ بحمص ثمَّ أَمر بأبوابها فغلقت ثمَّ اطلع فَقَالَ يَا معشر الرّوم هَل لكم فِي الْفَلاح والرشد وَأَن يثبت ملككم فتبايعوا هَذَا النَّبِي فحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش إِلَى الْأَبْوَاب فوجدوها قد غلقت فَلَمَّا رأى هِرقل نفرتهم وأيس من الْإِيمَان قَالَ ردوهم عَليّ وَقَالَ إِنِّي قلت مَقَالَتي آنِفا أختبر بهَا شدتكم على دينكُمْ فقد رَأَيْت فسجدوا لَهُ وَرَضوا عَنهُ فَكَانَ ذَلِك آخر شَأْن هِرقل
وَجه مُنَاسبَة ذكر هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَنه مُشْتَمل على ذكر جمل من أَوْصَاف من يُوحى إِلَيْهِم وَالْبَاب فِي كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي وَأَيْضًا فَإِن قصَّة هِرقل متضمنة كَيْفيَّة حَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ابْتِدَاء الْأَمر وَأَيْضًا فَإِن الْآيَة الْمَكْتُوبَة إِلَى هِرقل وَالْآيَة الَّتِي صدر بهَا الْبَاب مشتملتان على أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِإِقَامَة الدّين وإعلان كلمة التَّوْحِيد يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة وَقد ذكر الزُّهْرِيّ وَعبيد الله بن عبد الله وَابْن عَبَّاس وَبقيت ثَلَاثَة الأول أَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم واسْمه الحكم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف ابْن نَافِع بالنُّون وَالْفَاء الْحِمصِي البهراني مولى امْرَأَة من بهراء بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد يُقَال لَهَا أم سَلمَة روى عَن خلق مِنْهُم إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَعنهُ خلائق مِنْهُم أَحْمد وَيحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم والذهلي ولد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه الحكم بن نَافِع غير هَذَا وَفِي الروَاة الحكم بن نَافِع آخر روى عَنهُ الطَّبَرَانِيّ وَهُوَ قَاضِي القلزم وَالثَّانِي شُعَيْب بن أبي حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي دِينَار الْقرشِي الْأمَوِي مَوْلَاهُم أَبُو بشر الْحِمصِي سمع خلقا من التَّابِعين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَعنهُ خلق وَهُوَ ثِقَة حَافظ متقن مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَقيل ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقد جَاوز السّبْعين وَهَذَا الِاسْم مَعَ أَبِيه من أَفْرَاد الْكتب السِّتَّة لَيْسَ فِيهَا سواهُ وَالثَّالِث أَبُو سُفْيَان واسْمه صَخْر بِالْمُهْمَلَةِ ثمَّ بِالْمُعْجَمَةِ ابْن حَرْب بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة ابْن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي الْمَكِّيّ ويكنى بِأبي حَنْظَلَة أَيْضا ولد قبل الْفِيل بِعشر وَأسلم لَيْلَة الْفَتْح وَشهد الطَّائِف وحنينا وَأَعْطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غَنَائِم حنين مائَة من الْإِبِل وَأَرْبَعين أُوقِيَّة وفقئت عينه الْوَاحِدَة يَوْم الطَّائِف وَالْأُخْرَى يَوْم اليرموك تَحت راية ابْنه يزِيد فَنزل بِالْمَدِينَةِ وَمَات بهَا سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَقيل سنة أَربع وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ وَالِد مُعَاوِيَة وَأُخْته صَفِيَّة بنت حزن بن بحير بن الْهدم بن رويبة بن عبد الله بن هِلَال بن عَامر بن صعصعة وَهِي عمَّة مَيْمُونَة بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ روى عَنهُ ابْن عَبَّاس وَابْنه مُعَاوِيَة وَأَبُو سُفْيَان فِي الصَّحَابَة جمَاعَة لَكِن أَبُو سُفْيَان ابْن حَرْب من الْأَفْرَاد (بَيَان الْأَسْمَاء الْوَاقِعَة فِيهِ) مِنْهُم هِرقل بِكَسْر الْهَاء وَفتح الرَّاء على الْمَشْهُور وَحكى جمَاعَة إسكان الرَّاء وَكسر الْقَاف كخندف مِنْهُم الْجَوْهَرِي وَلم يذكر الْقَزاز غَيره وَكَذَا صَاحب المرغب وَلما أنْشد صَاحب الْمُحكم بَيت لبيد بن ربيعَة (غلب اللَّيَالِي خلف آل محرق ... وكما فعلن بتبع وبهرقل) بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الرَّاء قَالَ أَرَادَ هرقلا بِفَتْح الرَّاء فاضطر فَغير والهرقل المنخل وَدلّ هَذَا أَن تسكين الرَّاء ضَرُورَة لَيست بلغَة وَجَاء فِي الشّعْر أَيْضا على الْمَشْهُور كدينار الهرقلي أصفرا وَاحْتج بَعضهم فِي تسكين الرَّاء بِمَا أنْشدهُ أَبُو الْفرج لدعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ فِي ابْن عباد وَزِير الْمَأْمُون (أولى الْأُمُور بضيعة وَفَسَاد ... أَمر يدبره أَبُو عباد) (وَكَأَنَّهُ من دير هِرقل مفلت ... فَرد يجر سلاسل الأقياد) قلت لَا يحْتَج بدعبل فِي مثل هَذَا وَلَئِن سلمنَا يكون هَذَا أَيْضا للضَّرُورَة وَزعم الجواليقي أَنه عجمي تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب وَهُوَ اسْم علم لَهُ غير منصرف للعلمية والعجمة ملك إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة فَفِي ملكه مَاتَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولقبه قَيْصر كَمَا أَن كل من ملك الْفرس يُقَال لَهُ كسْرَى وَالتّرْك يُقَال لَهُ خاقَان والحبشة النَّجَاشِيّ والقبط فِرْعَوْن ومصر الْعَزِيز وحمير تبع والهند دهمى والصين فغفور والزنج غانة واليونان بطلميوس وَالْيَهُود قيطون أَو ماتح والبربر جالوت والصابئة نمْرُود واليمن تبعا وفرعانة إخشيد وَالْعرب من قبل الْعَجم النُّعْمَان وأفريقية جرجير وخلاط شهرمان والسندفور والحزز رتبيل والنوبة كابل والصقالبة ماجدا والأرمن تقفور والأجات خدواند كار وأشروشنه أفشين وخوارزم خوارزم شاه وجرجان صول وآذربيجان أصبهيذ وطبرستان سالار وإقليم خلاط شهرمان ونيابة ملك الرّوم مشق وإسكندرية ملك مقوقس وهرقل أول من ضرب الدِّينَار وأحدث
الْبيعَة فَإِن قلت مَا معنى الحَدِيث الصَّحِيح إِذا هلك قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده وَإِذا هلك كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده قلت مَعْنَاهُ لَا قَيْصر بعده بِالشَّام وَلَا كسْرَى بعده بالعراق قَالَه الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر. وَسبب الحَدِيث أَن قُريْشًا كَانَت تَأتي الشَّام وَالْعراق كثيرا للتِّجَارَة فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا أَسْلمُوا خَافُوا انْقِطَاع سفرهم إِلَيْهِمَا لمخالفتهم أهل الشَّام وَالْعراق بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا قَيْصر وَلَا كسْرَى أَي بعدهمَا فِي هذَيْن الإقليمين وَلَا ضَرَر عَلَيْكُم فَلم يكن قَيْصر بعده بِالشَّام وَلَا كسْرَى بعده بالعراق وَلَا يكون وَمعنى قَيْصر التبقير وَالْقَاف على لغتهم غير صَافِيَة وَذَلِكَ أَن أمه لما أَتَاهَا الطلق بِهِ مَاتَت فبقر بَطنهَا عَنهُ فَخرج حَيا وَكَانَ يفخر بذلك لِأَنَّهُ لم يخرج من فرج وَاسم قَيْصر فِي لغتهم مُشْتَقّ من الْقطع لِأَن أحشاء أمه قطعت حَتَّى أخرج مِنْهَا وَكَانَ شجاعا جبارا مقداما فِي الحروب وَمِنْهُم دحْيَة بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا ابْن خَليفَة بن فَرْوَة بن فضَالة بن زيد بن امرىء الْقَيْس ابْن الْخَزْرَج بخاء مَفْتُوحَة مُعْجمَة ثمَّ زَاي سَاكِنة ثمَّ جِيم وَهُوَ الْعَظِيم واسْمه زيد مَنَاة سمي بذلك لعظم بَطْنه ابْن عَامر بن بكر بن عَامر الْأَكْبَر بن عَوْف وَهُوَ زيد اللات وَقيل ابْن عَامر الْأَكْبَر بن بكر بن زيد اللات وَهُوَ مَا سَاقه الْمزي أَولا قَالَ وَقيل عَامر الْأَكْبَر بن عَوْف بن بكر بن عَوْف بن عبد زيد اللات بن رفيدة بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء بن ثَوْر بن كلب بن وبرة بِفَتْح الْبَاء ابْن تغلب بالغين الْمُعْجَمَة بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْفَاء بن قضاعة بن معد بن عدنان وَقيل قضاعة إِنَّمَا هُوَ ابْن مَالك بن حمير بن سبا كَانَ من أجل الصَّحَابَة وَجها وَمن كبارهم وَكَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَأْتِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صورته وَذكر السُّهيْلي عَن ابْن سَلام فِي قَوْله تَعَالَى {أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} قَالَ كَانَ اللَّهْو نظرهم إِلَى وَجه دحْيَة لجماله وَرُوِيَ أَنه كَانَ إِذا قدم الشَّام لم تبْق معصر إِلَّا خرجت للنَّظَر إِلَيْهِ قَالَ ابْن سعد أسلم قَدِيما وَلم يشْهد بَدْرًا وَشهد الْمشَاهد بعْدهَا وَبَقِي إِلَى خلَافَة مُعَاوِيَة وَقَالَ غَيره شهد اليرموك وَسكن المزة قَرْيَة بِقرب دمشق ومزة بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد الزَّاي الْمُعْجَمَة وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه دحْيَة سواهُ وَلم يخرج من السِّتَّة حَدِيثه إِلَّا السجسْتانِي فِي سنَنه وَهُوَ من أَصْحَاب الْمُحدثين قَالَه ابْن البرقي وَقَالَ الْبَزَّار لما سَاق الحَدِيث من طَرِيق عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد عَنهُ لم يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَمِنْهُم أَبُو كَبْشَة رجل من خُزَاعَة كَانَ يعبد الشعرى العبور وَلم يُوَافقهُ أحد من الْعَرَب على ذَلِك قَالَه الْخطابِيّ وَفِي الْمُخْتَلف والمؤتلف للدارقطني أَن اسْمه وجز بن غَالب من بني غبشان ثمَّ من بني خُزَاعَة وَقَالَ أَبُو الْحسن الْجِرْجَانِيّ النسابة فِي معنى نِسْبَة الْجَاهِلِيَّة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي كَبْشَة إِنَّمَا ذَلِك عَدَاوَة لَهُ ودعوة إِلَى غير نسبه الْمَعْلُوم الْمَشْهُور وَكَانَ وهب بن عبد منَاف بن زهرَة جده أَبُو آمِنَة يكنى بِأبي كَبْشَة وَكَذَلِكَ عَمْرو بن زيد بن أَسد النجاري أَبُو سلمى أم عبد الْمطلب كَانَ يدعى أَبَا كَبْشَة وَهُوَ خزاعي وَكَانَ وجز بن غَالب بن حَارِث أَبُو قيلة أم وهب بن عبد منَاف بن زهرَة أَبُو أم جده لأمه يكنى أَبَا كَبْشَة وَهُوَ خزاعي وَكَانَ أَبوهُ من الرضَاعَة الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى بن رِفَاعَة السَّعْدِيّ يكنى بذلك أَيْضا وَقيل أَنه وَالِد حليمة مرضعته حَكَاهُ ابْن مَاكُولَا وَذكر الْكَلْبِيّ فِي كتاب الدفائن أَن أَبَا كَبْشَة هُوَ حاضن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زوج حليمة ظئر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واسْمه الْحَارِث كَمَا سلف وَقد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا وَنقل ابْن التِّين فِي الْجِهَاد عَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَن أَبَا كَبْشَة جد ظئر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقيل لَهُ قيل أَن فِي أجداده سِتَّة يسمون أَبَا كَبْشَة فَأنْكر ذَلِك (بَيَان الْأَسْمَاء المبهمة) مِنْهَا ابْن الناطور قَالَ القَاضِي هُوَ بطاء مُهْملَة وَعند الْحَمَوِيّ بِالْمُعْجَمَةِ قَالَ أهل اللُّغَة فلَان ناطور بني فلَان وناظرهم بِالْمُعْجَمَةِ المنظور إِلَيْهِ مِنْهُم والناطور بِالْمُهْمَلَةِ الْحَافِظ النّخل عجمي تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ من النّظر والنبط يجْعَلُونَ الظَّاء طاء وَفِي الْعباب فِي فصل الطَّاء الْمُهْملَة الناطر والناطور حَافظ الْكَرم وَالْجمع النواطير وَقَالَ ابْن دُرَيْد الناطور لَيْسَ بعربي فَافْهَم وَمِنْهَا ملك غَسَّان وَهُوَ الْحَارِث بن أبي شمر أَرَادَ حزب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخرج إِلَيْهِم فِي غَزْوَة وَنزل قبيل بن كِنْدَة مَاء يُقَال لَهُ غَسَّان بالمشلل فسموا بِهِ وَقَالَ الْجَوْهَرِي غَسَّان اسْم مَاء نزل عَلَيْهِ قوم من الأزد فنسبوا إِلَيْهِ مِنْهُم بَنو جَفْنَة رَهْط الْمُلُوك وَيُقَال غَسَّان اسْم قَبيلَة وَقَالَ ابْن هِشَام غَسَّان مَاء بسد مأرب وَيُقَال لَهُ مَاء
بالمشلل قريب من الْجحْفَة وَحكى المَسْعُودِيّ أَن غَسَّان مَا بَين زبيد وزمع بِأَرْض الْيمن والمشلل بِضَم الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة قَالَ فِي الْعباب جبل يهْبط مِنْهُ إِلَى قديد وَقَالَ صَاحب الْمطَالع المشلل قديد من نَاحيَة الْبَحْر وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي يهْبط مِنْهُ إِلَى قديد وَقَالَ صَاحب الْمطَالع المشلل قديد من نَاحيَة الْبَحْر وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي يهْبط مِنْهُ إِلَى قديد وَمِنْهَا بَنو الْأَصْفَر وهم الرّوم سموا بذلك لِأَن حَبَشِيًّا غلب على ناحيتهم فِي بعض الدهور فوطىء نِسَاءَهُمْ فَولدت أَوْلَادًا فيهم بَيَاض الرّوم وَسَوَاد الْحَبَشَة فَكَانُوا صفرا فنسب الرّوم إِلَى الْأَصْفَر لذَلِك قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي وَقَالَ الْحَرْبِيّ نِسْبَة إِلَى الْأَصْفَر بن الرّوم بن عيصو بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ القَاضِي عِيَاض وَهُوَ الْأَشْبَه وَعبارَة الْقَزاز قَالَ قوم بَنو الْأَصْفَر من الرّوم وهم مُلُوكهمْ وَلذَلِك قَالَ عَليّ بن زيد (وَبَنُو الْأَصْفَر الْكِرَام مُلُوك الر روم ... لم يبْق مِنْهُم مَذْكُور) قَالَ وَيُقَال إِنَّمَا سموا بذلك لِأَن عيصو بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام كَانَ رجلا أَحْمَر أشعر الْجلد كَانَ عَلَيْهِ خَوَاتِيم من شعر وَهُوَ أَبُو الرّوم وَكَانَ الرّوم رجلا أصفر فِي بَيَاض شَدِيد الصُّفْرَة فَمن أجل ذَلِك سموا بِهِ وَتزَوج عيصو بنت عَمه إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق عَلَيْهِمَا السَّلَام فَولدت لَهُ الرّوم بن عيصو وَخَمْسَة أُخْرَى فَكل من فِي الرّوم فَهُوَ من نسل هَؤُلَاءِ الرَّهْط وَفِي المغيث تزوج الرّوم بن عيصو إِلَى الْأَصْفَر ملك الْحَبَشَة فَاجْتمع فِي وَلَده بَيَاض الرّوم وَسَوَاد الْحَبَشَة فأعطوا جمالا وَسموا ببني الْأَصْفَر وَفِي تَارِيخ دمشق لِابْنِ عَسَاكِر تزوج بهَا طيل الرُّومِي إِلَى النّوبَة فولد لَهُ الْأَصْفَر وَفِي التيجان لِابْنِ هِشَام إِنَّمَا قيل لعيصو بن إِسْحَاق الْأَصْفَر لِأَن جدته سارة حلته بِالذَّهَب فَقيل لَهُ ذَلِك لصفرة الذَّهَب قَالَ وَقَالَ بعض الروَاة أَنه كَانَ أصفر أَي أسمر إِلَى صفرَة وَذَلِكَ مَوْجُود فِي ذُريَّته إِلَى الْيَوْم فَإِنَّهُم سمر كحل الْأَعْين وَفِي خطف البارق كَانَت امْرَأَة ملكت على الرّوم فَخَطَبَهَا كبار دولتها واختصموا فِيهَا فرضوا بِأول دَاخل عَلَيْهِم يَتَزَوَّجهَا فَدخل رجل حبشِي فَتَزَوجهَا فَولدت مِنْهُ ولدا سمته أصفر لصفرته فبنو الْأَصْفَر من نَسْله وَمِنْهَا الرّوم وهم هَذَا الجيل الْمَعْرُوف قَالَ الْجَوْهَرِي هم من ولد الرّوم بن عيصو واحدهم رومي كزنجي وزنج وَلَيْسَ بَين الْوَاحِد وَالْجمع إِلَّا الْيَاء الْمُشَدّدَة كَمَا قَالُوا تَمْرَة وتمر وَلم يكن بَين الْوَاحِد وَالْجمع إِلَّا الْهَاء وَقَالَ الواحدي هم جيل من ولد أرم بن عيص بن إِسْحَاق غلب عَلَيْهِم فَصَارَ كالاسم للقبيلة وَقَالَ الرشاطي الرّوم منسوبون إِلَى رومي بن النبطي ابْن يونان بن يافث بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام فَهَؤُلَاءِ الرّوم من اليونانيين وَقوم من الرّوم يَزْعمُونَ أَنهم من قضاعة من تنوخ وبهراء وسليخ وَكَانَت تنوخ أَكْثَرهَا على دين النَّصَارَى وكل هَذِه الْقَبَائِل خَرجُوا مَعَ هِرقل عِنْد خُرُوجهمْ من الشَّام فَتَفَرَّقُوا فِي بِلَاد الرّوم وَمِنْهَا قُرَيْش وهم ولد النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة واسْمه عَامر دون سَائِر ولد كنَانَة وهم مَالك وملكان ومويلك وغزوان وَعمر وعامر أخوة النَّضر لِأَبِيهِ وَأمه وأمهم مرّة بنت مر أُخْت تَمِيم بن مر وَهَذَا قَول الشّعبِيّ وَابْن هِشَام وَأبي عُبَيْدَة وَمعمر بن الْمثنى وَهُوَ الَّذِي ذكره الْجَوْهَرِي وَرجحه السَّمْعَانِيّ وَغَيره قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَقَالَ الرَّافِعِيّ قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور هُوَ قَول أَكثر النسابين وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَهُوَ أصح مَا قيل وَقيل أَن قُريْشًا بَنو فهر بن مَالك وفهر جماع قُرَيْش وَلَا يُقَال لمن فَوْقه قرشي وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ كناني رَجحه الزبيدِيّ بن بكار وَحَكَاهُ عَن عَمه مُصعب بن عبد الله قَالَ وَهُوَ قَول من أدْركْت من نساب قُرَيْش وَنحن أعلم بأمورنا وأنسابنا وَذكر الرَّافِعِيّ وَجْهَيْن غريبين قَالَ وَمِنْهُم من قَالَ هم ولد الياس بن مُضر وَمِنْهُم من قَالَ هم ولد مُضر بن نزار وَفِي الْعباب قُرَيْش قَبيلَة وأبوهم النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر وكل من كَانَ من ولد النَّضر فَهُوَ قرشي دون ولد كنَانَة وَمن فَوْقه وَقَالَ قوم سميت قُرَيْش بِقُرَيْش بن يخلد بن غَالب بن فهر وَكَانَ صَاحب عيرهم فَكَانُوا يَقُولُونَ قدمت عير قُرَيْش وَخرجت عير قُرَيْش قَالَ الصغاني ذكر إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي غَرِيب الحَدِيث من تأليفه فِي تَسْمِيَة قُرَيْش قُريْشًا سَبْعَة أَقْوَال وَبسط الْكَلَام وَأَنا أجمع ذَلِك مُخْتَصرا فَقَالَ سَأَلَ عبد الْملك أَبَاهُ عَن ذَلِك فَقَالَ لتجمعهم إِلَى الْحرم وَالثَّانِي أَنهم كَانُوا يتقرشون الْبياعَات فيشترونها وَالثَّالِث أَنه جَاءَ النَّضر بن كنَانَة فِي ثوب لَهُ يَعْنِي اجْتمع فِي ثَوْبه فَقَالُوا قد تقرش فِي ثَوْبه وَالرَّابِع قَالُوا جَاءَ إِلَى قومه فَقَالُوا كَأَنَّهُ جمل قُرَيْش أَي شَدِيد وَالْخَامِس أَن ابْن عَبَّاس سَأَلَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنْهُم لم سميت قُريْشًا قَالَ بِدَابَّة فِي الْبَحْر تسمى قُريْشًا.
وَالسَّادِس قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان سَمِعت أَن قصيا كَانَ يُقَال لَهُ الْقرشِي لم يسم قرشي قبله. وَالسَّابِع قَالَ مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ سميت قُريْشًا لأَنهم كَانُوا يفتشون الْحَاج عَن خلتهم فيسدونها انْتهى. وَقَالَ الزُّهْرِيّ إِنَّمَا نبذت فهرا أمه بِقُرَيْش كَمَا يُسمى الصَّبِي غرارة وشملة وَأَشْبَاه ذَلِك وَقيل من القرش وَهُوَ الْكسْب وَقَالَ الزبير قَالَ عمي سميت قُرَيْش بِرَجُل يُقَال لَهُ قُرَيْش بن بدر بن يخلد بن النَّضر كَانَ دَلِيل بني كنَانَة فِي تجاراتهم فَكَانَ يُقَال قدمت عير قُرَيْش وَأَبوهُ بدر صَاحب بدر الْموضع وَقَالَ غير عمي سميت بِقُرَيْش بن الْحَارِث بن يخلد اسْمه بدر الَّتِي سميت بِهِ بدر وَهُوَ احتفرها وَقَالَ الْكرْمَانِي وَسَأَلَ مُعَاوِيَة ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا بِمَ سميت قُرَيْش قَالَ بِدَابَّة فِي الْبَحْر تَأْكُل وَلَا تُؤْكَل وَتَعْلُو وَلَا تعلى والتصغير للتعظيم وَقَالَ اللَّيْث القرش الْجمع من هَهُنَا وَهَهُنَا وَضم بعض إِلَى بعض يُقَال قِرْش يقرش قرشا وَقَالَ ابْن عباد قِرْش الشَّيْء خفيقه وصوته يُقَال سَمِعت قرشه أَي وَقع حوافر الْخَيل وقرش الشَّيْء إِذا قطعه وقرضه وَقَالَ غَيره قِرْش بِكَسْر الرَّاء جمع لُغَة فِي فتحهَا والقرش دَابَّة من دَوَاب الْبَحْر وأقرشت الشَّجَّة إِذا صدعت الْعظم وَلم تهشمه والتقريش التحريش والإغراء والتقريش الِاكْتِسَاب وتقرشوا تجمعُوا وتقرش فلَان الشَّيْء إِذا أَخذه أَولا فأولا فَإِن أردْت بِقُرَيْش الْحَيّ صرفته وَإِن أردْت بِهِ الْقَبِيلَة لم تصرفه وَالْأَوْجه صرفه قَالَ تَعَالَى {لِإِيلَافِ قُرَيْش} وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ قرشي وقريشي بِالْيَاءِ وحذفها وَمِنْهَا قَوْله إِلَى صَاحب لَهُ يُقَال هُوَ صفاطر الأسقف الرُّومِي وَقيل فِي اسْمه يقاطر (بَيَان أَسمَاء الْأَمَاكِن فِيهِ) قَوْله بالشأم مَهْمُوز وَيجوز تَركه وَفِيه لُغَة ثَالِثَة شآم بِفَتْح الشين وَالْمدّ وَهُوَ مُذَكّر وَيُؤَنث أَيْضا حَكَاهُ الْجَوْهَرِي وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ شَامي وشآم بِالْمدِّ على فعال وشاءمى بِالْمدِّ وَالتَّشْدِيد حَكَاهَا الْجَوْهَرِي عَن سِيبَوَيْهٍ وأنكرها غَيره لِأَن الْألف عوض من يَاء النّسَب فَلَا يجمع بَينهمَا سمى بشامات هُنَاكَ حمر وسود وَقَالَ الرشاطي الشَّام جمع شامة سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضهَا بِبَعْض فشبهت بالشامات وَقيل سميت بسام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أول من نزلها فَجعلت السِّين شينا وَقَالَ أَبُو عبيد لم يدخلهَا سَام قطّ وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي يجوز أَن يكون مأخوذا من الْيَد الشومى وَهِي الْيُسْرَى لكَونهَا من يسَار الْكَعْبَة وحد الشَّام طولا من الْعَريش إِلَى الْفُرَات وَقيل إِلَى بالس وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي صَحِيحه أول الشَّام بالس وَآخره الْعَريش وَأما حَده عرضا فَمن جبل طي من نَحْو الْقبْلَة إِلَى بَحر الرّوم وَمَا يسامت ذَلِك من الْبِلَاد وَقَالَ ابْن حوقل أما طول الشَّام فَخمس وَعِشْرُونَ مرحلة من ملطية إِلَى رفح. وَأما عرضه فَأَعْرض مَا فِيهِ طرفاه فأحد طَرفَيْهِ من الْفُرَات من جسر منبح على منبح ثمَّ على قورص فِي حد قسرين ثمَّ على العواصم فِي حد أنطاكية ثمَّ مقطع جبل اللكام ثمَّ على المصيصة ثمَّ على أُذُنه ثمَّ على طرسوس وَذَلِكَ نَحْو عشر مراحل وَهَذَا هُوَ السمت الْمُسْتَقيم. وَأما الطّرف الآخر فَهُوَ من حد فلسطين فَيَأْخُذ من الْبَحْر من حد يافا حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الرملة ثمَّ إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ إِلَى أرِيحَا ثمَّ إِلَى زعز ثمَّ إِلَى جبل الشراه إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى معَان وَمِقْدَار هَذَا سِتّ مراحل فَأَما مَا بَين هذَيْن الطَّرفَيْنِ من الشَّام فَلَا يكَاد يزِيد عرضه موضعا من الْأُرْدُن ودمشق وحمص على أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ الْملك الْمُؤَيد وَقد عد ابْن حوقل ملطية من جملَة بِلَاد الشَّام وَابْن خرداذية جعلهَا من الثغور الجزيرية وَالصَّحِيح أَنَّهَا من الرّوم ودخله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا ودخله أَيْضا عشرَة آلَاف صَحَابِيّ قَالَه ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه وَقَالَ الْكرْمَانِي دخله نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرَّتَيْنِ قبل النُّبُوَّة مرّة مَعَ عَمه أبي طَالب وَهُوَ ابْن ثِنْتَيْ عشرَة سنة حَتَّى بلغ بصرى وَهُوَ حِين لقِيه الراهب وَالْتمس الرَّد إِلَى مَكَّة. وَمرَّة فِي تِجَارَة خَدِيجَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا إِلَى سوق بصرى وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة ومرتين بعد النُّبُوَّة إِحْدَاهمَا لَيْلَة الْإِسْرَاء وَهُوَ من مَكَّة وَالثَّانيَِة فِي غَزْوَة تَبُوك وَهُوَ من الْمَدِينَة قَوْله بإيلياء وَهِي بَيت الْمُقَدّس وَفِيه ثَلَاث لُغَات أشهرها كسر الْهمزَة وَاللَّام وَإِسْكَان الْيَاء آخر الْحُرُوف بَينهمَا وبالمد وَالثَّانيَِة مثلهَا إِلَّا أَنه بِالْقصرِ وَالثَّالِثَة الْيَاء بِحَذْف الْيَاء الأولى وَإِسْكَان اللَّام وبالمد حكاهن ابْن قرقول وَقَالَ قيل مَعْنَاهُ بَيت الله وَفِي الْجَامِع أَحْسبهُ عبرانيا وَيُقَال الإيلياء كَذَا رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي مُسْنده فِي مُسْند ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَيُقَال بَيت الْمُقَدّس وَبَيت الْمُقَدّس قَوْله بصرى بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مَدِينَة حوران مَشْهُورَة ذَات قلعة وَهِي قريبَة من طرف الْعِمَارَة والبرية الَّتِي بَين الشَّام والحجاز
وضبطها الْملك الْمُؤَيد بِفَتْح الْبَاء وَالْمَشْهُور على السّنة النَّاس بِالضَّمِّ وَلها قلعة ذَات بِنَاء وبساتين وَهِي على أَرْبَعَة مراحل من دمشق مَدِينَة أولية مَبْنِيَّة بِالْحِجَارَةِ السود وَهِي من ديار بني فَزَارَة وَبني مرّة وَغَيرهم وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فتحت صلحا فِي ربيع الأول لخمس بَقينَ سنة ثَلَاث عشرَة وَهِي أول مَدِينَة فتحت بِالشَّام قَوْله إِلَى مَدَائِن ملكك جمع مَدِينَة وَيجمع أَيْضا على مدن بِإِسْكَان الدَّال وَضمّهَا قَالُوا الْمَدَائِن بِالْهَمْز أفْصح من تَركه وَأشهر وَبِه جَاءَ الْقُرْآن قَالَ الْجَوْهَرِي مدن بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ وَمِنْه سميت الْمَدِينَة وَهِي فعيلة وَقيل مفعلة من دينت أَي ملكت وَقيل من جعله من الأول همزه وَمن الثَّانِي حذفه كَمَا لَا يهمز معايش وَقَالَ الْجَوْهَرِي وَالنِّسْبَة إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة مدنِي وَإِلَى مَدِينَة الْمَنْصُور مديني وَإِلَى مداين كسْرَى مدايني للْفرق بَين النّسَب لِئَلَّا تختلط. قلت مَا ذكره مَحْمُول على الْغَالِب وَإِلَّا فقد جَاءَ فِيهِ خلاف ذَلِك كَمَا يَجِيء فِي أثْنَاء الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله بالرومية بِضَم الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء مَدِينَة مَعْرُوفَة للروم وَكَانَت مَدِينَة رياستهم وَيُقَال أَن روماس بناها قلت. قد ذكرت فِي تاريخي أَنَّهَا تسمى رومة أَيْضا وَهِي الرومية الْكُبْرَى وَهِي مَدِينَة مَشْهُورَة على جَانِبي نهر الصغر وَهِي مقرة خَليفَة النَّصَارَى الْمُسَمّى بِالْبَابِ وَهِي على جنوبي حوز البنادقة وبلاد رُومِية غربي قلفرية وَقَالَ الإدريسي طول سورها أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ميلًا وَهُوَ مَبْنِيّ بالآجر وَلها وَاد يشق وسط الْمَدِينَة وَعَلِيهِ قناطير يجاز عَلَيْهَا من الْجِهَة الشرقية إِلَى الغربية وَقَالَ أَيْضا امتداد كنيستها سِتّمائَة ذِرَاع فِي مثله وَهِي مسقفة بالرصاص ومفروشة بالرخام وفيهَا أعمدة كَثِيرَة عَظِيمَة وَفِي صدر الْكَنِيسَة كرْسِي من ذهب يجلس عَلَيْهِ الْبَاب وَتَحْته بَاب مصفح بِالْفِضَّةِ يدْخل مِنْهُ إِلَى أَرْبَعَة أَبْوَاب وَاحِد بعد آخر يُفْضِي إِلَى سرداب فِيهِ مدفن بطرس حوارِي عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي الرومية كَنِيسَة أُخْرَى فِيهَا مدفن بولص قَوْله إِلَى حمص بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الْمِيم بَلْدَة مَعْرُوفَة بِالشَّام سميت باسم رجل من العمالقة اسْمه حمص بن الْمهْر بن حاف كَمَا سميت حلب بحلب بن الْمهْر وَكَانَت حمص فِي قديم الزَّمَان أشهر من دمشق وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ دَخلهَا تِسْعمائَة رجل من الصَّحَابَة افتتحها أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح سنة سِتّ عشرَة قَالَ الجواليقي وَلَيْسَت عَرَبِيَّة تذكر وتؤنث قَالَ الْبكْرِيّ وَلَا يجوز فِيهَا الصّرْف كَمَا يجوز فِي هِنْد لِأَنَّهُ اسْم أعجمي وَقَالَ ابْن التِّين يجوز الصّرْف وَعَدَمه لقلَّة حُرُوفه وَسُكُون وَسطه قلت إِذا أنثته تَمنعهُ من الصّرْف لِأَن فِيهِ حِينَئِذٍ ثَلَاث علل التَّأْنِيث والعجمة والعلمية فَإِذا كَانَ سُكُون وَسطه يُقَاوم أحد السببين يبْقى بسببين أَيْضا وبالسببين يمْنَع من الصّرْف كَمَا فِي ماه وجور وَيُقَال سميت بِرَجُل من عاملة هُوَ أول من نزلها وَقَالَ ابْن حوقل هِيَ أصح بِلَاد الشَّام تربة وَلَيْسَ فِيهَا عقارب وحيات قَوْله فِي دسكرة بِفَتْح الدَّال وَالْكَاف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَهُوَ بِنَاء كالقصر حوله بيُوت وَلَيْسَ بعربي وَهِي بيُوت الْأَعَاجِم وَفِي جَامع الْقَزاز الدسكرة الأَرْض المستوية وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا التبريزي الدسكرة مُجْتَمع الْبَسَاتِين والرياض وَقَالَ ابْن سَيّده الدسكرة الصومعة وَأنْشد الأخطل (فِي قباب حول دسكرة ... حولهَا الزَّيْتُون قد ينعا) وَفِي المغيث لأبي مُوسَى الدسكرة بِنَاء على صُورَة الْقصر فِيهَا منَازِل وبيوت للخدم والحشم وَفِي الْجَامِع الدسكرة تكون للملوك تتنزه فِيهَا وَالْجمع الدساكرة وَقيل الدساكر بيُوت الشَّرَاب وَفِي الْكَامِل للمبرد قَالَ أَبُو عُبَيْدَة هَذَا الشّعْر مُخْتَلف فِيهِ فبعضهم ينْسبهُ إِلَى الْأَحْوَص وَبَعْضهمْ إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة وَقَالَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش الَّذِي صَحَّ أَنه ليزِيد وَزعم ابْن السَّيِّد فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالغرر شرح كَامِل الْمبرد أَنه لأبي دهبل الجُمَحِي وَقَالَ الْحَافِظ مغلطاي بعد أَن نقل أَن الْبَيْت الْمَذْكُور للأخطل وَفِيه نظر من حَيْثُ أَن هَذَا الْبَيْت لَيْسَ للأخطل وَذَلِكَ أَنِّي نظرت عدَّة رِوَايَات من شعره ليعقوب وَأبي عُبَيْدَة والأصمعي والسكري وَالْحسن بن المظفر النَّيْسَابُورِي فَلم أر فِيهَا هَذَا الْبَيْت وَلَا شَيْئا على رويه قلت قَائِله يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان من قصيدة يتغزل بهَا فِي نَصْرَانِيَّة كَانَت قد ترهبت فِي دير خراب عِنْد الماطرون وَهُوَ بُسْتَان بِظَاهِر دمشق يُسمى الْيَوْم المنطور وأولها (آب هَذَا اللَّيْل فاكتنعا ... وَأمر النّوم فامتنعا) (رَاعيا للنجم ارقبه ... فَإِذا مَا كَوْكَب طلعا)
(حَان حَتَّى أنني لَا أرى ... أَنه بالغور قد رجعا) (وَلها بالماطرون إِذا ... أكل النَّمْل الَّذِي جمعا) (خزفة حَتَّى إِذا ارتبعت ... ذكرت من جلق بيعا) (فِي قباب حول دسكرة حو لَهَا ... الزَّيْتُون قد ينعا) وَهِي من الرمل آب أَي رَجَعَ قَوْله فاكتنعا أَي فرسا قَوْله خزفة بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة مَا يختزق من التَّمْر أَي يجتني قَوْله ينعا بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالنُّون من ينع التَّمْر يينع من بَاب ضرب يضْرب ينعا وينعا وينوعا إِذا نضج وَكَذَلِكَ أينع (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهَا رِوَايَة حمصي عَن حمصي عَن شَامي عَن مدنِي وَمِنْهَا أَنه قَالَ أَولا حَدثنَا وَثَانِيا أخبرنَا وثالثا بِكَلِمَة عَن ورابعا بِلَفْظ أَخْبرنِي مُحَافظَة على الْفرق الَّذِي بَين الْعبارَات أَو حِكَايَة عَن أَلْفَاظ الروَاة بِأَعْيَانِهَا مَعَ قطع النّظر عَن الْفرق أَو تَعْلِيما لجَوَاز اسْتِعْمَال الْكل إِذا قُلْنَا بِعَدَمِ الْفرق بَينهَا وَمِنْهَا لَيْسَ فِي البُخَارِيّ مثل هَذَا الْإِسْنَاد يَعْنِي عَن أبي سُفْيَان لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ حَدِيث غَيره وَلم يرو عَنهُ إِلَّا ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (بَيَان تعدد الحَدِيث) قَالَ الْكرْمَانِي قد ذكر البُخَارِيّ حَدِيث هِرقل فِي كِتَابه فِي عشرَة مَوَاضِع قلت ذكره فِي أَرْبَعَة عشر موضعا الأول هَهُنَا كَمَا ترى الثَّانِي فِي الْجِهَاد عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح الثَّالِث فِي التَّفْسِير عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام الرَّابِع فِيهِ أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن عبد الرَّزَّاق قَالَا حَدثنَا معمر كلهم عَن الزُّهْرِيّ بِهِ الْخَامِس فِي الشَّهَادَات عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح عَن الزُّهْرِيّ مُخْتَصرا سَأَلتك هَل يزِيدُونَ أَو ينقصُونَ السَّادِس فِي الْجِزْيَة عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ مُخْتَصرا السَّابِع فِي الْأَدَب عَن أبي بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ مُخْتَصرا أَيْضا الثَّامِن فِيهِ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ مُخْتَصرا التَّاسِع فِي الْإِيمَان الْعَاشِر فِي الْعلم الْحَادِي عشر فِي الْأَحْكَام الثَّانِي عشر فِي الْمَغَازِي الثَّالِث عشر فِي خبر الْوَاحِد الرَّابِع عشر فِي الاسْتِئْذَان (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن خَمْسَة من شُيُوخه إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عَمْرو وَأبي رَافع وَعبد بن حميد والحلواني عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِهِ بِطُولِهِ وَعَن الآخرين عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب وَالتِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَلم يُخرجهُ ابْن مَاجَه (بَيَان اللُّغَات) قَوْله فِي ركب بِفَتْح الرَّاء جمع رَاكب كتجر وتاجر وَقيل اسْم جمع كقوم وذود وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ وهم أَصْحَاب الْإِبِل فِي السّفر الْعشْرَة فَمَا فَوْقهَا قَالَه ابْن السّكيت وَغَيره وَقَالَ ابْن سَيّده أرى أَن الركب يكون للخيل وَالْإِبِل وَفِي التَّنْزِيل (والركب أَسْفَل مِنْكُم) فقد يجوز أَن يكون مِنْهُمَا جَمِيعًا وَقَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ مَا كَانَ مَعنا يَوْمئِذٍ فرس إِلَّا فرس عَلَيْهِ الْمِقْدَاد بن الْأسود يصحح أَن الركب هَهُنَا ركاب الْإِبِل قَالُوا وَالركبَة بِفَتْح الرَّاء وَالْكَاف أقل مِنْهُ وَإِلَّا ركُوب بِالضَّمِّ أَكثر مِنْهُ وَجمع الركب اركب وركوب وَالْجمع أراكب والركاب الْإِبِل وَاحِدهَا رَاحِلَة وَجَمعهَا ركب وَفِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَنهم كَانُوا ثَلَاثِينَ رجلا مِنْهُم أَبُو سُفْيَان رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الإكليل وَفِي رِوَايَة ابْن السكن نَحْو من عشْرين وسمى مِنْهُم الْمُغيرَة بن شُعْبَة فِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة بِسَنَد مُرْسل وَفِيه نظر لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك كَانَ مُسلما قَالَه بَعضهم وَلَكِن إِسْلَامه لَا يُنَافِي مرافقتهم وهم كفار إِلَى دَار الْحَرْب قَوْله تجار بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْجِيم وَكسرهَا وبالتخفيف جمع تَاجر وَيُقَال أَيْضا تجر كصاحب وَصَحب قَوْله وَحَوله بِفَتْح اللَّام يُقَال حوله وحواله وحوليه وحواليه أَربع لُغَات وَاللَّام مَفْتُوحَة فِيهِنَّ أَي يطوفون بِهِ من جوانبه قَالَ الْجَوْهَرِي وَلَا تقل حواليه بِكَسْر اللَّام قَوْله عُظَمَاء الرّوم جمع عَظِيم قَوْله وترجمانه وَفِي الْجَامِع الترجمان الَّذِي يبين الْكَلَام يُقَال بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا وَالْفَتْح أحسن عِنْد قوم وَقيل الضَّم يدل
على أَن التَّاء أصل لِأَنَّهُ يكون فعللان كعقرباب وَلم يَأْتِ فعللان وَفِي الصِّحَاح وَالْجمع التراجم مثل زعفران وزعافر وَلَك أَن تضم التَّاء كضمة الْجِيم وَيُقَال الترجمان هُوَ الْمعبر عَن لُغَة بلغَة وَهُوَ مُعرب وَقيل عَرَبِيّ وَالتَّاء فِيهِ أَصْلِيَّة وَأنكر على الْجَوْهَرِي قَوْله أَنَّهَا زَائِدَة وَتَبعهُ ابْن الْأَثِير فَقَالَ فِي نهايته وَالتَّاء وَالنُّون زائدتان قَوْله فَإِن كَذبَنِي بِالتَّخْفِيفِ من كذب يكذب كذبا وكذبا وكذبة وَفِي الْعباب وأكذوبة وكاذبة ومكذوبا ومكذوبة وَزَاد ابْن الْأَعرَابِي مكذبة وكذبانا مثل غفران وكذبى مثل بشرى فَهُوَ كَاذِب وَكَذَّاب وكذوب وكيذبان وكيذبان ومكذبان وكذبة مثل تؤدة وكذبذب وكذبذبان بالضمات الثَّلَاث وَلم يذكر سِيبَوَيْهٍ فِيمَا ذكر من الْأَمْثِلَة وكذبذب بِالتَّشْدِيدِ وَجمع الكذوب كذب مِثَال صبور وصبر وَيُقَال كذب كذابا بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد أَي متناهيا وَقَرَأَ عمر بن عبد الْعَزِيز {وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا} وَيكون صِيغَة على الْمُبَالغَة كوضاء وَحسان وَالْكذب نقيض الصدْق ثمَّ معنى قَوْله فَإِن كَذبَنِي أَي نقل إِلَى الْكَذِب وَقَالَ لي خلاف الْوَاقِع وَقَالَ التَّيْمِيّ كذب يتَعَدَّى إِلَى المفعولين يُقَال كَذبَنِي الحَدِيث وَكَذَا نَظِيره صدق قَالَ الله تَعَالَى {لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا} وهما من غرائب الْأَلْفَاظ فَفعل بِالتَّشْدِيدِ يقْتَصر على مفعول وَاحِد وَفعل بِالتَّخْفِيفِ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين قَوْله من أَن يأثروا بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَضمّهَا من أثرت الحَدِيث بِالْقصرِ آثره بِالْمدِّ وَضم الْمُثَلَّثَة وَكسرهَا أثرا سَاكِنة الثَّاء حدثت بِهِ وَيُقَال أثرت الحَدِيث أَي رُؤْيَته وَمَعْنَاهُ لَوْلَا الْحيَاء من أَن رفقتي يروون عني ويحكون فِي بلادي عني كذبا فأعاب بِهِ لِأَن الْكَذِب قَبِيح وَإِن كَانَ على الْعَدو لكذبت وَيعلم مِنْهُ قبح الْكَذِب فِي الْجَاهِلِيَّة أَيْضا. وَقيل هَذَا دَلِيل لمن يَدعِي أَن قبح الْكَذِب عَقْلِي وَقَالَ الْكرْمَانِي لَا يلْزم مِنْهُ لجَوَاز أَن يكون قبحه بِحَسب الْعرف أَو مستفادا من الشَّرْع السَّابِق. قلت بل الْعقل يحكم بقبح الْكَذِب وَهُوَ خلاف مُقْتَضى الْعقل وَلم تنقل إِبَاحَة الْكَذِب فِي مِلَّة من الْملَل قَوْله لكذبت عَنهُ أَي لأخبرت عَن حَاله بكذب لبغضي إِيَّاه ولمحبتي نَقصه قَوْله قطّ فِيهَا لُغَتَانِ أشهرهما فتح الْقَاف وَتَشْديد الطَّاء المضمومة قَالَ الْجَوْهَرِي مَعْنَاهَا الزَّمَان يُقَال مَا رَأَيْته قطّ قَالَ وَمِنْهُم من يَقُول قطّ بِضَمَّتَيْنِ وقط بتَخْفِيف الطَّاء وَفتح الْقَاف وَضمّهَا مَعَ التَّخْفِيف وَهِي قَليلَة قَوْله فأشراف النَّاس أَي كبارهم وَأهل الْإِحْسَان وَقَالَ بَعضهم المُرَاد بالأشراف هُنَا أهل النخوة والتكبر مِنْهُم لَا كل شرِيف حَتَّى لَا يرد مثل أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وأمثالهما مِمَّن أسلم قبل هَذَا السُّؤَال. قلت هَذَا على الْغَالِب وَإِلَّا فقد سبق إِلَى أَتْبَاعه أكَابِر أَشْرَاف زَمَنه كالصديق والفاروق وَحَمْزَة وَغَيرهم وهم أَيْضا كَانُوا أهل النخوة والأشراف جمع شرِيف من الشّرف وَهُوَ الْعُلُوّ وَالْمَكَان العالي وَقد شرف بِالضَّمِّ فَهُوَ شرِيف وَقوم شرفاء وأشراف وَقَالَ ابْن السّكيت الشّرف وَالْمجد لَا يكونَانِ إِلَّا بِالْآبَاءِ والحسب وَالْكَرم يكونَانِ فِي الرجل وَإِن لم يكن لَهُ أَبَا وَقَالَ ابْن دُرَيْد الشّرف علو الْحسب قَوْله سخطَة بِفَتْح السِّين وَهُوَ الْكَرَاهَة للشَّيْء وَعدم الرضى بِهِ وَقَالَ بَعضهم سخطَة بِضَم أَوله وفتحه وَلَيْسَ بِصَحِيح بل السخطة بِالتَّاءِ إِنَّمَا هِيَ بِالْفَتْح فَقَط والسخط بِلَا تَاء يجوز فِيهِ الضَّم وَالْفَتْح مَعَ أَن الْفَتْح يَأْتِي بِفَتْح الْخَاء والسخط بِالضَّمِّ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ ضم الْخَاء مَعَه وإسكانها وَفِي الْعباب السخط والسخط مِثَال خلق وَخلق والسخط بِالتَّحْرِيكِ والمسخط خلاف الرضى تَقول مِنْهُ سخط يسْخط أَي غضب وأسخطه أَي أغضبهُ وتسخط أَي تغْضب وَفِي بعض الشُّرُوح وَالْمعْنَى أَن من دخل فِي الشَّيْء على بَصِيرَة يمْتَنع رُجُوعه بِخِلَاف من لم يدْخل على بَصِيرَة وَيُقَال أخرج بِهَذَا من ارْتَدَّ مكْرها أَو غير مكره لَا لسخط دين الْإِسْلَام بل لرغبة فِي غَيره لحظ نفساني كَمَا وَقع لعبد الله بن جحش قَوْله يغدر بِكَسْر الدَّال والغدر ترك الْوَفَاء بالعهد وَهُوَ مَذْمُوم عِنْد جَمِيع النَّاس قَوْله سِجَال بِكَسْر السِّين وبالجيم وَهُوَ جمع سجل وَهُوَ الدَّلْو الْكَبِير وَالْمعْنَى الْحَرْب بَيْننَا وَبَينه نوب نوبَة لنا ونوبة لَهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِر (فَيوم علينا وَيَوْم لنا ... وَيَوْم نسَاء وَيَوْم نسر) والمساجلة الْمُفَاخَرَة بِأَن تصنع مثل صنعه فِي جري أَو سعي قَوْله ينَال أَي يُصِيب من نَالَ ينَال نيلا ونالا قَوْله ويأمرنا بِالصَّلَاةِ أَرَادَ بهَا الصَّلَاة الْمَعْهُودَة الَّتِي مفتتحها التَّكْبِير ومختمها التَّسْلِيم قَوْله والصدق وَهُوَ القَوْل المطابق للْوَاقِع ويقابله الْكَذِب قَوْله والعفاف بِفَتْح الْعين الْكَفّ عَن الْمَحَارِم وخوارم الْمُرُوءَة وَقَالَ صَاحب الْمُحكم الْعِفَّة
الْكَفّ عَمَّا لَا يحل وَلَا يجمل يُقَال عف يعف عَفا وعفافا وعفافة وعفة وتعفف واستعف وَرجل عف وعفيف وَالْأُنْثَى عفيفة وَجمع الْعَفِيف أعفة وأعفاء قَوْله والصلة وَهِي كل مَا أَمر الله تَعَالَى أَن يُوصل وَذَلِكَ بِالْبرِّ وَالْإِكْرَام وَحسن المراعاة وَيُقَال المُرَاد بهَا صلَة الرَّحِم وَهِي تشريك ذَوي الْقرَابَات فِي الْخيرَات وَاخْتلفُوا فِي الرَّحِم فَقيل هُوَ كل ذِي رحم محرم بِحَيْثُ لَو كَانَ أَحدهمَا ذكرا وَالْآخر أُنْثَى حرمت مناكحتهما فَلَا يدْخل أَوْلَاد الْأَعْمَام فِيهِ وَقيل هُوَ عَام فِي كل ذِي رحم فِي الْمِيرَاث محرما أَو غَيره قَوْله يأتسي أَي يَقْتَدِي وَيتبع وَهُوَ بِهَمْزَة بعد الْيَاء قَوْله بشاشة الْقُلُوب بِفَتْح الْبَاء وبشاشة الْإِسْلَام وضوحه يُقَال بش بِهِ وتبشبش وَيُقَال بش بالشَّيْء يبش بشاشة إِذا أظهر بشرى عِنْد رُؤْيَته وَقَالَ اللَّيْث البش اللطف فِي الْمَسْأَلَة والإقبال على أَخِيك وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي هُوَ فَرح الصَّدْر بِالصديقِ وَقَالَ ابْن دُرَيْد بشه إِذا ضحك إِلَيْهِ ولقيه لِقَاء جميلا قَوْله الْأَوْثَان جمع وثن وَهُوَ الصَّنَم وَهُوَ مُعرب شنم قَوْله اخلص بِضَم اللَّام أَي أصل يُقَال خلص إِلَى كَذَا أَي وصل إِلَيْهِ قَوْله لتجشمت بِالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة أَي لتكلفت الْوُصُول إِلَيْهِ ولتكلفت على خطر ومشقة قَوْله إِلَى عَظِيم بصرى أَي أميرها وَكَذَا عَظِيم الرّوم أَي الَّذِي يعظمه الرّوم وتقدمه قَوْله إِن توليت أَي أَعرَضت عَن الْإِسْلَام قَوْله اليريسين بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء ثمَّ الْيَاء الْأُخْرَى الساكنة ثمَّ السِّين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة ثمَّ الْيَاء الْأُخْرَى الساكنة جمع يريس على وزن فعيل نَحْو كريم وَجَاء الأريسين بقلب الْيَاء الأولى همزَة وَجَاء اليريسيين بتَشْديد الْيَاء بعد السِّين جمع يريسي مَنْسُوب إِلَى يريس وَجَاء أَيْضا بِالنِّسْبَةِ كَذَلِك إِلَّا أَنه بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله مَوضِع الْيَاء أَعنِي الأريسين جمع أريس مَنْسُوب إِلَى أريس فَهَذِهِ أَرْبَعَة أوجه وَقَالَ ابْن سَيّده الأريس الأكار عِنْد ثَعْلَب والأريس الْأَمِير عَن كرَاع حَكَاهُ فِي بَاب فعيل وعدله بأبيل وَالْأَصْل عِنْده أريس فعيل من الرياسة فَقلب وَفِي الْجَامِع الأريس الزَّارِع وَالْجمع أرارسة قَالَ الشَّاعِر (إِذا فَازَ فِيكُم عبدود فليتكم ... أرارسة ترعون دين الْأَعَاجِم) فوزن أريس فعيل وَلَا يُمكن أَن تكون الْهمزَة فِيهِ من غير أَصله لِأَنَّهُ كَانَ تبقى عينه وفاؤه من لفظ وَاحِد وَهَذَا لم يَأْتِ فِي كَلَامهم إِلَّا فِي أحرف يسيرَة نَحْو كَوْكَب ديدن وددن وبابوس. والأريس عِنْد قوم الْأَمِير كَأَنَّهُ من الأضداد وَفِي الصِّحَاح أرس يأرس أرسا صَار أريسا وَهُوَ الأكار وأرس مثله. وَهُوَ الأريس وَجمعه الأريسون وأراريس وَهِي شامية وَقَالَ ابْن فَارس الْهمزَة وَالرَّاء وَالسِّين لَيست عَرَبِيَّة وَفِي الْعباب والأريس مثل جليس والأريس مثل سكيت الأكار فَالْأول جمعه أريسون وَالثَّانِي أريسيون وأرارسة وأراريس وَالْفِعْل مِنْهُ أرس يأرس أرسا وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي أرس تأرسا صَار أكارا مثل أرس أرسا قَالَ وَيُقَال أَن الأراريس الزارعون وَهِي شامية وبئر أريس من آبار الْمَدِينَة وَهِي الَّتِي وَقع فِيهَا خَاتم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ بعض الشُّرَّاح وَالصَّحِيح الْمَشْهُور أَنهم الأكارون أَي الفلاحون والزارعون أَي عَلَيْك إِثْم رعاياك الَّذين يتبعونك وينقادون لأمرك وَنبهَ بهؤلاء على جَمِيع الرعايا لأَنهم الْأَغْلَب فِي رعاياهم وأسرع انقيادا وَأكْثر تقليدا فَإِذا أسلم أَسْلمُوا وَإِذا امْتنع امْتَنعُوا وَيُقَال أَن الأريسين الَّذين كَانُوا يحرثون أَرضهم كَانُوا مجوسا وَكَانَ الرّوم أهل كتاب فيريد أَن عَلَيْك مثل وزر الْمَجُوس إِن لم تؤمن وَتصدق وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هم الخدم والخول يَعْنِي بصده إيَّاهُم عَن الدّين كَمَا قَالَ تَعَالَى {رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا} أَي عَلَيْك مثل إثمهم حَكَاهُ ابْن الْأَثِير وَقيل المُرَاد الْمُلُوك والرؤساء الَّذين يقودون النَّاس إِلَى الْمذَاهب الْفَاسِدَة وَقيل هم المتبخترون قَالَ الْقُرْطُبِيّ فعلى هَذَا يكون المُرَاد عَلَيْك إِثْم من تكبر عَن الْحق وَقيل هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَتبَاع عبد الله بن أريس الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الأريسية من النَّصَارَى رجل كَانَ فِي الزَّمن الأول قتل هُوَ وَمن مَعَه نَبيا بَعثه الله إِلَيْهِم قَالَ أَبُو الزِّنَاد وحذره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ كَانَ رَئِيسا متبوعا مسموعا أَن يكون عَلَيْهِ إِثْم الْكفْر وإثم من عمل بِعَمَلِهِ وَأتبعهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من عمل سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ إثمها وإثم من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَوْله الصخب بِفَتْح الصَّاد وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَيُقَال بِالسِّين أَيْضا بدل الصَّاد وَضَعفه الْخَلِيل وَهُوَ اخْتِلَاط الْأَصْوَات وارتفاعها وَقَالَ أهل اللُّغَة الصخب هُوَ أصوات مُبْهمَة لَا تفهم قَوْله أَمر بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْمِيم قَالَ ابْن الْأَعرَابِي كثر وَعظم وَقَالَ ابْن سيدة وَالِاسْم مِنْهُ الْأَمر بِالْكَسْرِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الأمرة على وزن بركَة الزِّيَادَة وَمِنْه قَول
أبي سُفْيَان أَمر أَمر مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي الصِّحَاح عَن أبي عُبَيْدَة آمرته بِالْمدِّ وأمرته لُغَتَانِ بِمَعْنى كثرته وَأمر هُوَ أَي كثر وَقَالَ الْأَخْفَش أَمر أمره يَأْمر أمرا اشْتَدَّ وَالِاسْم الْأَمر وَفِي أَفعَال ابْن القطاع أَمر الشَّيْء أمرا وَأمر أَي كثر وَفِي الْمُجَرّد لكراع يُقَال زرع أَمر وَأمر كثير وَفِي أَفعَال ابْن ظريف أَمر الشَّيْء امرا وإمارة وَفِي أَمْثَال الْعَرَب من قل ذل وَمن أَمر قل وَفِي الْجَامِع أَمر الشَّيْء إِذا كثر والأمرة الْكَثْرَة وَالْبركَة والنماء وأمرته زِيَادَته وخيره وبركته قَوْله على نَصَارَى الشَّام سموا نَصَارَى لنصرة بَعضهم بَعْضًا أَو لأَنهم نزلُوا موضعا يُقَال لَهُ نصرانة ونصرة أَو ناصرة أَو لقَوْله {من أَنْصَارِي إِلَى الله} وَهُوَ جمع نَصْرَانِيّ قَوْله خَبِيث النَّفس أَي كسلها وَقلة نشاطها أَو سوء خلقهَا قَوْله بطارقته بِفَتْح الْبَاء هُوَ جمع بطرِيق بِكَسْر الْبَاء وهم قواد الْملك وخواص دولته وَأهل الرَّأْي والشورى مِنْهُ وَقيل البطريق المختال المتعاظم وَلَا يُقَال ذَلِك للنِّسَاء وَفِي الْعباب قَالَ اللَّيْث البطريق الْقَائِد بلغَة أهل الشَّام وَالروم فَمن هَذَا عرفت أَن تَفْسِير بَعضهم البطريق بقوله وَهُوَ خَواص دولة الرّوم تَفْسِير غير موجه قَوْله قد استنكر ناهيئتك أَي أنكرناها ورأيناها مُخَالفَة لسَائِر الْأَيَّام والهيئة السمت وَالْحَالة والشكل قَوْله حزاء بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي الْمُعْجَمَة وبالمد على وزن فعال أَي كَاهِنًا وَيُقَال فِيهِ الحازي يُقَال حزى يحزي حزا يحزو وتحزى إِذا تكهن قَالَ الْأَصْمَعِي حزيت الشَّيْء أحزيه حزيا وحزوا وَفِي الصِّحَاح حزى الشَّيْء يحزيه ويحزوه إِذا قدر وخرص والحازي الَّذِي ينظر فِي الْأَعْضَاء وَفِي خيلان الْوَجْه يتكهن وَفِي الْمُحكم حزى الطير حزوا زجرها قَوْله فَلَا يهمنك شَأْنهمْ بِضَم الْيَاء يُقَال أهمني الْأَمر أقلقني وأحزنني والهم الْحزن وهمني أذاني أَي إِذا بَالغ فِي ذَلِك وَمِنْه المهموم قَالَ الْأَصْمَعِي هَمَمْت بالشَّيْء أهم بِهِ إِذا أردته وعزمت عَلَيْهِ وهممت بِالْأَمر أَيْضا إِذا قصدته يهمني وهم يهم بِالْكَسْرِ هميما ذاب وَمرَاده أَنهم أَحْقَر من أَن يهتم لَهُم أَو يُبَالِي بهم والشأن الْأَمر قَوْله فَلم يرم بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء أَي لم يفارقها يُقَال مَا رمت وَلم أرم وَلَا يكَاد يسْتَعْمل إِلَّا مَعَ حرف النَّفْي وَيُقَال مَا يريم يفعل أَي مَا يبرح وَيُقَال رامه يريمه ريما أَي يريحه وَيُقَال لَا يرمه أَي لَا يبرحه قَالَ ابْن ظريف مَا رامني وَلَا يريمني لم يبرح وَلَا يُقَال إِلَّا منفيا قَوْله يَا معشر الرّوم قَالَ أهل اللُّغَة هم الْجمع الَّذين شَأْنهمْ وَاحِد وَالْإِنْس معشر وَالْجِنّ معشر والأنبياء معشر وَالْفُقَهَاء معشر وَالْجمع معاشر قَوْله الْفَلاح والرشد الْفَلاح الْفَوْز والتقى والنجاة والرشد بِضَم الرَّاء وَإِسْكَان الشين وبفتحهما أَيْضا لُغَتَانِ وَهُوَ خلاف الغي وَقَالَ أهل اللُّغَة هُوَ إِصَابَة الْخَيْر وَقَالَ الْهَرَوِيّ هُوَ الْهدى والاستقامة وَهُوَ بِمَعْنَاهُ يُقَال رشد يرشد ورشد يرشد لُغَتَانِ قَوْله فحاصوا بِالْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي نفروا وكروا رَاجِعين يُقَال حَاص يحيص إِذا نفر وَقَالَ الْفَارِسِي وَفِي مجمع الغرائب هُوَ الروغان والعدول عَن طَرِيق الْقَصْد وَقَالَ الْخطابِيّ يُقَال حَاص وجاض بِمَعْنى وَاحِد يَعْنِي بِالْجِيم وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد وَغَيره قَالُوا وَمَعْنَاهُ عدل عَن الطَّرِيق وَقَالَ أَبُو زيد مَعْنَاهُ بِالْحَاء رَجَعَ وبالجيم عدل قَوْله آنِفا أَي قَرِيبا أَو هَذِه السَّاعَة والآنف أول الشَّيْء وَهُوَ بِالْمدِّ وَالْقصر وَالْمدّ أشهر وَبِه قَرَأَ جُمْهُور الْقُرَّاء السَّبْعَة وروى الْبَزَّار عَن ابْن كثير الْقصر وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ الْمَدّ هُوَ الْمَعْرُوف قَوْله اختبر أَي امتحن شدتكم أَي رسوخكم فِي الدّين قَوْله فقد رَأَيْت أَي شدتكم (بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات) قَوْله حَدثنَا أَبُو الْيَمَان وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة حَدثنَا الحكم بن نَافِع وَأَبُو الْيَمَان كنية الحكم قَوْله وَحَوله عُظَمَاء الرّوم وَفِي رِوَايَة ابْن السكن فأدخلت عَلَيْهِ وَعِنْده بطارقته والقسيسون والرهبان وَفِي بعض السّير دعاهم وَهُوَ جَالس فِي مجْلِس ملكه عَلَيْهِ التَّاج وَفِي شرح السّنة دعاهم لمجلسه قَوْله ودعا ترجمانه وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَغَيره بترجمانه قَوْله بِهَذَا الرجل وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من هَذَا الرجل وَهُوَ على الأَصْل وعَلى رِوَايَة البُخَارِيّ ضمن أقرب معنى أبعد فعداه بِالْبَاء قَوْله الَّذِي يزْعم وَفِي رِوَايَة ابْن اسحق عَن الزُّهْرِيّ يَدعِي قَوْله فَكَذبُوهُ فوَاللَّه لَوْلَا الْحيَاء سقط فِيهِ لَفْظَة قَالَ من رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي الْوَقْت تَقْدِيره فَكَذبُوهُ قَالَ فوَاللَّه أَي أَبُو سُفْيَان فبالاسقاط يحصل الْإِشْكَال على مَا لَا يخفى وَلذَا قَالَ الْكرْمَانِي فوَاللَّه كَلَام أبي سُفْيَان لَا كَلَام الترجمان قَوْله لكذبت عَنهُ رِوَايَة الْأصيلِيّ وَفِي رِوَايَة غَيره لكذبت عَلَيْهِ وَلم تقع هَذِه اللَّفْظَة فِي مُسلم وَوَقع فِيهِ لَوْلَا مَخَافَة أَن يؤثروا على الْكَذِب وعَلى يَأْتِي بِمَعْنى عَن كَمَا قَالَ الشَّاعِر (إِذا رضيت على بَنو قُشَيْر ... ) أَي عَنى وَوَقع لَفْظَة عَنى أَيْضا فِي البُخَارِيّ
فِي التَّفْسِير قَوْله ثمَّ كَانَ أول بِالنّصب فِي رِوَايَة وَسَنذكر وَجهه قَوْله فَهَل قَالَ هَذَا القَوْل مِنْكُم أحد قبله وَفِي رِوَايَة الكشمهيني والأصيلي بدل قبله. مثله قَوْله فَهَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات إِحْدَاهَا أَن كلمة من حرف جر وَملك صفة مشبهة أَعنِي بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَهِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي وَأبي الْوَقْت وَالثَّانيَِة أَن كلمة من مَوْصُولَة وَملك فعل مَاض وَهِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر وَالثَّالِثَة بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ وَهِي رِوَايَة أبي ذَر وَالْأولَى أصح وَأشهر وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسلم هَل كَانَ فِي آبَائِهِ ملك بِحَذْف من كَمَا هِيَ رِوَايَة أبي ذَر وَكَذَا هُوَ فِي كتاب التَّفْسِير فِي البُخَارِيّ قَوْله فأشراف النَّاس اتَّبعُوهُ أم ضُعَفَاؤُهُمْ فَقلت بل ضُعَفَاؤُهُمْ وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن اسحق تبعه منا الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين والأحداث فَأَما ذَوُو الْأَنْسَاب والشرف فَمَا تبعه مِنْهُم أحد قَوْله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لَا تُشْرِكُوا بِهِ بِلَا وَاو فَيكون تَأْكِيدًا لقَوْله وَحده قَوْله ويأمرنا بِالصَّلَاةِ والصدق وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ ويأمرنا بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَََقَة وَفِي مُسلم ويأمرنا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَكَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَالزَّكَاة وَفِي الْجِهَاد من رِوَايَة أبي ذَر عَن شَيْخه الْكشميهني والسرخسي بِالصَّلَاةِ والصدق وَالصَّدَََقَة وَقَالَ بَعضهم ورجحها شَيخنَا أَي رجح الصَّدَقَة على الصدْق ويقويها رِوَايَة الْمُؤلف فِي التَّفْسِير الزَّكَاة واقتران الصَّلَاة بِالزَّكَاةِ مُعْتَاد فِي الشَّرْع. قلت بل الرَّاجِح لَفْظَة الصدْق لِأَن الزَّكَاة وَالصَّدَََقَة داخلتان فِي عُمُوم قَوْله والصلة لِأَن الصِّلَة اسْم لكل مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ أَن يُوصل وَذَلِكَ يكون بِالزَّكَاةِ وَالصَّدَََقَة وَغير ذَلِك من أَنْوَاع الْبر وَالْإِكْرَام وَتَكون لَفْظَة الصدْق فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة. وَقَوله واقتران الصَّلَاة بِالزَّكَاةِ مُعْتَاد فِي الشَّرْع لَا يصلح دَلِيلا للترجيح على أَن أَبَا سُفْيَان لم يكن يعرف حِينَئِذٍ اقتران الزَّكَاة بِالصَّلَاةِ وَلَا فرضيتها قَوْله يأتسي بِتَقْدِيم الْهمزَة فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره يتأسى بِتَقْدِيم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق قَوْله حِين يخالط بشاشة الْقُلُوب هَكَذَا وَقع فِي أَكثر النّسخ حِين بالنُّون وَفِي بَعْضهَا حَتَّى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَوَقع فِي الْمُسْتَخْرج للإسماعيلي حَتَّى أَو حِين على الشَّك وَالرِّوَايَتَانِ وقعتا فِي مُسلم أَيْضا وَوَقع فِي مُسلم أَيْضا إِذا بدل حِين وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين رَحمَه الله كَذَا روينَاهُ فِيهِ على الشَّك وَقَالَ القَاضِي الرِّوَايَتَانِ وقعتا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وروى أَيْضا بشاشة الْقُلُوب بِالْإِضَافَة وَنصب البشاشة على المفعولية أَي حِين يخالط الْإِيمَان بشاشة الْقُلُوب وروى بشاشة بِالرَّفْع وإضافتها إِلَى الضَّمِير أَعنِي ضمير الْإِيمَان وبنصب الْقُلُوب وَزَاد البُخَارِيّ فِي الْإِيمَان حِين يخالط بشاشة الْقُلُوب لَا يسخطه أحد وَزَاد ابْن السكن فِي رِوَايَته فِي مُعْجم الصَّحَابَة يزْدَاد فِيهِ عجبا وفرحا وَفِي رِوَايَة ابْن اسحق وَكَذَلِكَ حلاوة الْإِيمَان لَا تدخل قلبا فَتخرج مِنْهُ قَوْله لتجشمت لقاءه وَفِي مُسلم لأحببت لقاءه وَالْأول أوجه قَوْله لغسلت عَن قَدَمَيْهِ وَفِي رِوَايَة عبد الله بن شَدَّاد عَن أبي سُفْيَان لَو علمت أَنه هُوَ لمشيت إِلَيْهِ حَتَّى أقبل رَأسه وأغسل قَدَمَيْهِ وَزَاد فِيهَا وَلَقَد رَأَيْت جَبهته يتحادر عرقها من كرب الصَّحِيفَة يَعْنِي لما قرىء عَلَيْهِ كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله سَلام على من اتبع الْهدى وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الاسْتِئْذَان السَّلَام بالتعريف قَوْله بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام وَفِي مُسلم بداعية الْإِسْلَام وَكَذَا رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد بداعية الْإِسْلَام قَوْله فَإِنَّمَا عَلَيْك إِثْم اليريسين وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَق عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ فَإِن عَلَيْك إِثْم الأكارين وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة وَزَاد البرقاني فِي رِوَايَته يَعْنِي الحراثين وَفِي رِوَايَة الْمَدِينِيّ من طَرِيق مُرْسلَة فَإِن عَلَيْكُم إِثْم الفلاحين والإسماعيلي فَإِن عَلَيْك إِثْم الركوسيين وهم أهل دين النَّصَارَى والصابية يُقَال لَهُم الركوسية وَقَالَ اللَّيْث بن سعد عَن يُونُس فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيقه الأريسيون العشارون يَعْنِي أهل المكس قَوْله يَا أهل الْكتاب هَكَذَا هُوَ بِإِثْبَات الْوَاو فِي أَوله وَذكر القَاضِي أَن الْوَاو سَاقِطَة فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر قلت إِثْبَات الْوَاو هُوَ رِوَايَة عَبدُوس والنسفي والقابسي قَوْله عِنْده الصخب وَوَقع فِي مُسلم اللَّغط وَفِي البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد وَكثر لغطهم وَفِي التَّفْسِير وَكثر اللَّغط وَهُوَ الْأَصْوَات الْمُخْتَلفَة قَوْله فَمَا زلت موقنا زَاد فِي حَدِيث عبد الله بن شَدَّاد عَن أبي سُفْيَان فَمَا زلت مَرْعُوبًا من مُحَمَّد حَتَّى أسلمت أخرجه الطَّبَرَانِيّ قَوْله ابْن الناطور بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ بالظاء الْمُعْجَمَة وَوَقع فِي رِوَايَة اللَّيْث عَن يُونُس ابْن ناطورا بِزِيَادَة الْألف فِي آخِره فعلى هَذَا هُوَ اسْم أعجمي قَوْله صَاحب إيلياء
بِالنّصب وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالرَّفْع قَوْله أَسْقُف على نَصَارَى الشَّام على صِيغَة الْمَجْهُول من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي وَفِي رِوَايَة الْكشميهني سقف على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا من التسقيف وَفِي رِوَايَة وَقع هُنَا سقفا بِضَم السِّين وَالْقَاف وَتَشْديد الْفَاء ويروى أسقفا بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين وَضم الْقَاف وَتَخْفِيف الْفَاء ويروى أسقفا مثله إِلَّا أَنه بتَشْديد الْفَاء ذكرهمَا الجواليقي وَغَيره وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِيهِ من أساقفة نَصَارَى الشَّام مَوضِع سقف وَقَالَ صَاحب الْمطَالع وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي عَن الْمروزِي سقف وَعند الْجِرْجَانِيّ سقفا وَعند الْقَابِسِيّ أسقفا وَهَذَا أعرفهَا مشدد الْفَاء فيهمَا وَحكى بَعضهم أسقفا وسقفا وَهُوَ من النَّصَارَى رَئِيس الدّين فِيمَا قَالَه الْخَلِيل وسقف قدم لذَلِك وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي يحْتَمل أَن يكون سمى بذلك لانحنائه وخضوعه لتدينه عِنْدهم وَأَنه قيم شريعتهم وَهُوَ دون القَاضِي والأسقف الطَّوِيل فِي انحناء فِي الْعَرَبيَّة وَالِاسْم مِنْهُ السّقف والسقيفي وَقَالَ الدَّاودِيّ هُوَ الْعَالم وَيُقَال سقف كَفعل أعجمي مُعرب وَلَا نَظِير لأسقف إِلَّا أسرب قلت حكى ابْن سَيّده ثَالِثا وَهُوَ الأسكف للصانع وَلَا يرد الأترج لِأَنَّهُ جمع وَالْكَلَام فِي الْمُفْرد: وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَشْهر بِضَم الْهمزَة وَتَشْديد الْفَاء وَقَالَ ابْن فَارس السّقف بِالتَّحْرِيكِ طول فِي انحناء وَرجل أَسْقُف قَالَ ابْن السّكيت وَمِنْه اشتقاق أَسْقُف النَّصَارَى قَوْله أصبح يَوْمًا خَبِيث النَّفس وَصرح فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَق بقَوْلهمْ لَهُ لقد أَصبَحت مهموما قَوْله ملك الْخِتَان ضبط على وَجْهَيْن أَحدهمَا بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني وَالْآخر ضم الْمِيم وَإِسْكَان اللَّام وَكِلَاهُمَا صَحِيح قَوْله هم يختتنون وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ يختنون وَالْأول أفيد وأشمل قَوْله فَقَالَ هِرقل هَذَا يملك هَذِه الْأمة هَذَا رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني وَحده على صُورَة الْفِعْل الْمُضَارع وَأكْثر الروَاة على هَذَا ملك هَذِه الْأمة بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ هَذَا ملك هَذِه الْأمة بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَقَالَ صَاحب الْمطَالع الْأَكْثَرُونَ على رِوَايَة الْقَابِسِيّ هَذَا هُوَ الْأَظْهر وَقَالَ عِيَاض أرى رِوَايَة أبي ذَر مصحفة لِأَن ضمة الْمِيم اتَّصَلت بهَا فتصحفت وَلما حَكَاهَا صَاحب الْمطَالع قَالَ أَظُنهُ تصحيفا: وَقَالَ النَّوَوِيّ كَذَا ضبطناه عَن أهل التَّحْقِيق وَكَذَا هُوَ فِي أَكثر أصُول بِلَادنَا قَالَ وَهِي صَحِيحَة أَيْضا وَمَعْنَاهَا هَذَا الْمَذْكُور يملك هَذِه الْأمة وَقد ظهر وَالْمرَاد بالأمة هُنَا أهل الْعَصْر قَوْله فَأذن بِالْقصرِ من الْإِذْن وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَغَيره بِالْمدِّ وَمَعْنَاهُ اعْلَم من الإيذان وَهُوَ الْإِعْلَام قَوْله فتبايعوا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فتتابعوا بتاءين مثناتين من فَوق وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ فنبايع بنُون الْجَمَاعَة بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة قَوْله لهَذَا النَّبِي بِاللَّامِ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره هَذَا بِدُونِ اللَّام قَوْله وأيس بِالْهَمْزَةِ ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ يئس بِتَقْدِيم الْيَاء على الْهمزَة وهما بِمَعْنى وَالْأول مقلوب من الثَّانِي فَافْهَم (بَيَان الصّرْف) قَوْله سُفْيَان من سفى الرّيح التُّرَاب تسفيه سفيا إِذا ذرته وفاؤه مُثَلّثَة قَوْله حَرْب مصدر فِي الأَصْل قَوْله ماد فِيهَا بتَشْديد الدَّال من بَاب المفاعلة وَأَصله مادد أدغمت الدَّال فِي الدَّال وجوبا لِاجْتِمَاع المثلين ومضارعه يماد وَأَصله يمادد ومصدره مماددة ومماد وأصل هَذَا الْبَاب أَن يكون بَين اثْنَيْنِ وَأَصله من الْمدَّة وَهِي الْقطعَة من الزَّمَان يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير أَي اتَّفقُوا على الصُّلْح مُدَّة من الزَّمَان وَهَذِه الْمدَّة هِيَ صلح الْحُدَيْبِيَة الَّذِي جرى بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكفار قُرَيْش سنة سِتّ من الْهِجْرَة لما خرج صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذِي الْقعدَة مُعْتَمِرًا قصدته قُرَيْش وصالحوه على أَن يدخلهَا فِي الْعَام الْقَابِل على وضع الْحَرْب عشر سِنِين فَدخلت بَنو بكر فِي عهد قُرَيْش وَبَنُو خُزَاعَة فِي عَهده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ نقضت قُرَيْش الْعَهْد بقتالهم خُزَاعَة حلفاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمر الله تَعَالَى بقتالهم بقوله {أَلا تقاتلون قوما نكثوا أَيْمَانهم} وَفِي كتاب أبي نعيم فِي مُسْند عبد الله بن دِينَار كَانَت مُدَّة الصُّلْح أَربع سِنِين وَالْأول أشهر قَوْله أدنوه بِفَتْح الْهمزَة من الإدناء وَأَصله أدنيو استثقلت الضمة على الْيَاء فحذفت فَالتقى ساكنان وهما الْيَاء وَالْوَاو فحذفت الْيَاء لِأَن الْوَاو عَلامَة الْجمع ثمَّ أبدلت كسرة النُّون ضمة لتدل على الْوَاو المحذوفة فَصَارَ أدنوا على وزن أفعوا قَوْله تَتَّهِمُونَهُ من بَاب الافتعال تَقول اتهمَ يتهم اتهاما وَأَصله اوتهم لِأَنَّهُ من الْوَهم قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء وأصل تَتَّهِمُونَهُ توتهمونه
فَفعل بِهِ مثل مَا ذكرنَا وَكَذَا سَائِر مواده قَوْله بِالْكَذِبِ بِفَتْح الْكَاف وَكسر الذَّال مصدر كذب وَكَذَلِكَ الْكَذِب بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الذَّال وَقد ذَكرْنَاهُ مرّة قَوْله يأتسي من الإيتساء من بَاب الافتعال ومادته همزَة وسين وياء قَوْله ليذر الْكَذِب أَي ليَدع الْكَذِب وَقد أماتوا ماضي هَذَا الْفِعْل وَفِي الْعباب تَقول ذره أَي دَعه وَهُوَ يذره أَي يَدعه وَأَصله وذره يذره مِثَال وَسعه يَسعهُ وَقد أميت صَدره وَلَا يُقَال وذره وَلَا واذره وَلَكِن تَركه وَهُوَ تَارِك إِلَّا أَن يضْطَر إِلَيْهِ شَاعِر وَقيل هُوَ من بَاب منع يمْنَع مَحْمُولا على ودع يدع لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ قَالُوا وَلَو كَانَ من بَاب وَحل يوحل لقيل فِي مستقبله يوذر كيوحل وَلَو لم يكن مَحْمُولا لم تخل عينه أَو لامه من حُرُوف الْحلق وَهَذَا القَوْل أصح وَإِذا أردْت ذكر مصدره فَقل ذره تركا وَلَا تقل ذره وذرا قَوْله دحْيَة أَصله من دحوت الشَّيْء دحوا أَي بسطته قَالَ تَعَالَى {وَالْأَرْض بعد ذَاك دحاها} أَي بسطها قَوْله الْهدى مصدر من هداه يهديه وَفِي الصِّحَاح الْهدى الرشاد وَالدّلَالَة يذكر وَيُؤَنث يُقَال هداه الله للدّين هدى وهديته الطَّرِيق وَالْبَيْت هِدَايَة أَي عَرفته هَذِه لُغَة أهل الْحجاز وَغَيرهم تَقول هديته إِلَى الطَّرِيق وَإِلَى الدَّار حَكَاهُمَا الْأَخْفَش وَهدى واهتدى بِمَعْنى قَوْله بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام بِكَسْر الدَّال أَي يَدعُوهُ وَهُوَ مصدر كالشكاية من شكى والرماية من رمى وَقد تُقَام المصادر مقَام الْأَسْمَاء وَفِي رِوَايَة بداعية الْإِسْلَام على مَا ذكرنَا وَهِي أَيْضا بِمَعْنى الدعْوَة وَقد يَجِيء الْمصدر على وزن فاعلة كَقَوْلِه تَعَالَى {لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة} أَي كذب. قَوْله استنكرنا من الاستنكار من بَاب الاستفعال وأصل بَاب الاستفعال أَن يكون للطلب وَقد يخرج عَن بَابه وَهَذِه اللَّفْظَة من هَذَا الْقَبِيل يُقَال استنكرت الشَّيْء إِذا أنكرته وَقَالَ اللَّيْث الاستنكار استفهامك أمرا تنكره قَوْله حزاء مُبَالغَة حَاز على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ قَوْله فَلم يرم أَصله يريم فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ الْجَازِم حذفت الْيَاء لالتقاء الساكنين وَقد ذكرنَا تَفْسِيره قَوْله أيس على وزن فعل بِكَسْر الْعين وَقَالَ ابْن السّكيت أَيِست مِنْهُ يئيس إياسا أَي قنطت لُغَة فِي يئست مِنْهُ أيأس يأسا والإياس انْقِطَاع الطمع (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله أَن عبد الله بن عَبَّاس كلمة أَن هَهُنَا وَفِي أَن أَبَا سُفْيَان وَفِي أَن هِرقل مفتوحات فِي مَحل الْجَرّ بِالْبَاء الْمقدرَة كَمَا فِي قَوْلك أَخْبرنِي أَن زيدا منطلق وَالتَّقْدِير بِأَن زيدا منطلق أَي أَخْبرنِي بانطلاق زيد قَوْله فِي ركب جملَة فِي مَوضِع النصب على الْحَال وَالتَّقْدِير أرسل هِرقل إِلَى أبي سُفْيَان حَال كَونه كَائِنا فِي جملَة الركب وَقَوله من قُرَيْش فِي مَحل الْجَرّ على أَنه صفة للركب وَكلمَة من تصلح أَن تكون لبَيَان الْجِنْس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يلبسُونَ ثيابًا خضرًا من سندس} وَيجوز أَن تكون للتَّبْعِيض قَوْله وَكَانُوا تجارًا الْوَاو فِيهِ تصلح أَن تكون للْحَال بِتَقْدِير قد فَإِن قلت فِي حَال الطّلب لم يَكُونُوا تجارًا قلت تَقْدِيره ملتبسين بِصفة التُّجَّار قَوْله فِي الْمدَّة جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَالْألف وَاللَّام فِيهَا بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي فِي مُدَّة الصُّلْح بِالْحُدَيْبِية قَوْله أَبَا سُفْيَان بِالنّصب مفعول لقَوْله مَاذَا قَوْله وكفار قُرَيْش كَلَام إضافي مَنْصُوب عطفا على أَبَا سُفْيَان وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا مَعَه قَوْله فَأتوهُ الْفَاء فِيهِ فصيحة إِذْ تَقْدِير الْكَلَام فَأرْسل إِلَيْهِ فِي طلب إتْيَان الركب إِلَيْهِ فجَاء الرَّسُول فَطلب إتيانهم فَأتوهُ وَنَحْوه قَوْله تَعَالَى {فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت} أَي فَضرب فانفجرت فَإِن قلت مَا معنى فَاء الفصيحة قلت سميت بهَا لِأَنَّهَا يسْتَدلّ بهَا على فصاحة الْمُتَكَلّم وَهَذَا إِنَّمَا سَموهَا بهَا على رَأْي الزَّمَخْشَرِيّ وَهِي تدل على مَحْذُوف هُوَ سَبَب لما بعْدهَا سَوَاء كَانَ شرطا أَو مَعْطُوفًا وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {فانفجرت} الْفَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف أَي فَضرب فانفجرت أَو فَإِن ضربت فقد انفجرت كَمَا ذكرنَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَتَابَ عَلَيْكُم} وَهِي على هَذَا فَاء فصيحة لَا تقع إِلَّا فِي كَلَام فصيح فَإِن قلت هم فِي أَيْن مَوضِع كَانُوا حَتَّى أرسل إِلَيْهِم أَبُو سُفْيَان قلت فِي الْجِهَاد فِي البُخَارِيّ أَن الرَّسُول وجدهم بِبَعْض الشَّام وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي الدَّلَائِل تعْيين الْموضع وَهِي غَزَّة قَالَ وَكَانَت وَجه متجرهم وَكَذَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن الزُّهْرِيّ قَوْله وهم بإيلياء الْوَاو فِيهِ للْحَال وَالْبَاء فِي بإيلياء بِمَعْنى فِي. قَوْله فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسه الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي فَدَعَاهُمْ يرجع إِلَى هِرقل والمنصوب إِلَى أبي سُفْيَان وَمن مَعَه وَقَوله فِي مَجْلِسه حَال أَي فِي حَال كَونه فِي مَجْلِسه فَإِن قلت دَعَا يسْتَعْمل بِكَلِمَة إِلَى يُقَال دَعَا إِلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى {وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام} وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال فَدَعَاهُمْ إِلَى مَجْلِسه قلت دَعَا هَهُنَا من قبيل قَوْلهم دَعَوْت فلَانا أَي صحت بِهِ وَكلمَة فِي لَا تتَعَلَّق بِهِ وَلَا هِيَ صلته وَإِنَّمَا هِيَ حَال كَمَا ذكرنَا تتَعَلَّق بِمَحْذُوف وَتَقْدِيره كَمَا ذكرنَا أَو تكون فِي بِمَعْنى إِلَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم}
أَي إِلَى أَفْوَاههم وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة شرح السّنة دعاهم لمجلسه قَوْله وَحَوله عُظَمَاء الرّوم الْوَاو فِيهِ للْحَال وَحَوله نصب على الظّرْف وَلكنه فِي تَقْدِير الرّفْع لِأَنَّهُ خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي قَوْله عُظَمَاء الرّوم قَوْله ثمَّ دعاهم عطف على قَوْله فَدَعَاهُمْ فَإِن قلت هَذَا تكْرَار فَمَا الْفَائِدَة فِيهِ قلت لَيْسَ بتكرار لِأَنَّهُ أَولا دعاهم بِأَن أَمر بإحضارهم من الْموضع الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَلَمَّا حَضَرُوا اسْتَأْذن لَهُم فَتَأمل زَمَانا حَتَّى أذن لَهُم وَهُوَ معنى قَوْله ثمَّ دعاهم وَلِهَذَا ذكره بِكَلِمَة ثمَّ الَّتِي تدل على التَّرَاخِي وَهَكَذَا عَادَة الْمُلُوك الْكِبَار إِذا طلبُوا شخصا يحْضرُون بِهِ ويوقفونه على بابهم زَمَانا حَتَّى يَأْذَن لَهُم بِالدُّخُولِ ثمَّ يُؤذن لَهُم بِالدُّخُولِ وَلَا شكّ أَن هَهُنَا لَا بُد من دعوتين الدعْوَة فِي الْحَالة الأولى والدعوة فِي الْحَالة الثَّانِيَة قَوْله ودعا ترجمانه بِنصب الترجمان لِأَنَّهُ مفعول وعَلى رِوَايَة بترجمانه تكون الْبَاء زَائِدَة لِأَن دَعَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} قَوْله فَقَالَ أَيّكُم الْفَاء فِيهِ فصيحة أَيْضا وَالضَّمِير فِي قَالَ يرجع إِلَى الترجمان وَالتَّقْدِير أَي فَقَالَ هِرقل للترجمان قل أَيّكُم أقرب فَقَالَ الترجمان أَيّكُم أقرب ثمَّ أَن لَفْظَة أقرب إِن كَانَ أفعل التَّفْضِيل فَلَا بُد أَن تسْتَعْمل بِأحد الْوُجُوه الثَّلَاثَة الْإِضَافَة وَاللَّام وَمن وَقد جَاءَ هَهُنَا مُجَردا عَنْهَا وَأَيْضًا معنى الْقرب لَا بُد أَن يكون من شَيْء فَلَا بُد من صلَة وَأجِيب بِأَن كليهمَا محذوفان وَالتَّقْدِير أَيّكُم أقرب من النَّبِي من غَيْركُمْ قَوْله فَقلت أَنا أقربهم نسبا أَي من حَيْثُ النّسَب وَإِنَّمَا كَانَ أَبُو سُفْيَان أقرب لِأَنَّهُ من بني عبد منَاف وَقد أوضح ذَلِك البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد بقوله قَالَ مَا قرابتك مِنْهُ قلت هُوَ ابْن عمي قَالَ أَبُو سُفْيَان وَلم يكن فِي الركب من بني عبد منَاف غَيْرِي انْتهى. وَعبد منَاف هُوَ الْأَب الرَّابِع للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَا لأبي سُفْيَان وَأطلق عَلَيْهِ ابْن عَم لِأَنَّهُ نزل كلا مِنْهُمَا منزلَة جده فعبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف وَإِنَّمَا خص هِرقل الْأَقْرَب لِأَنَّهُ أَحْرَى بالاطلاع على أُمُوره ظَاهرا وَبَاطنا أَكثر من غَيره وَلِأَن الْأَبْعَد لَا يُؤمن أَن يقْدَح فِي نسبه بِخِلَاف الْأَقْرَب قَوْله فَقَالَ أَي هِرقل ادنوه مني وَإِنَّمَا أَمر بإدنائه ليمعن فِي السُّؤَال قَوْله فاجعلوهم عِنْد ظَهره أَي عِنْد ظهر أبي سُفْيَان إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِئَلَّا يستحيوا أَن يواجهوه بالتكذيب إِن كذب وَقد صرح بذلك الْوَاقِدِيّ فِي رِوَايَته قَوْله قل لَهُم أَي لأَصْحَاب أبي سُفْيَان قَوْله هَذَا أَشَارَ بِهِ إِلَى أبي سُفْيَان وَأَرَادَ بقوله عَن الرجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد قَوْله فَإِن كَذبَنِي بِالتَّخْفِيفِ فَكَذبُوهُ بِالتَّشْدِيدِ أَي فَإِن نقل إِلَى الْكَذِب وَقَالَ لي خلاف الْوَاقِع. قَوْله فوَاللَّه من كَلَام أبي سُفْيَان كَمَا ذكرنَا قَوْله لكذبت عَنهُ جَوَاب لَوْلَا قَوْله ثمَّ كَانَ أول بِالرَّفْع اسْم كَانَ وَخَبره قَوْله أَن قَالَ وَأَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره قَوْله وَجَاء النصب وَوَجهه أَن يكون خَبرا لَكَانَ فَإِن قلت أَيْن اسْم كَانَ على هَذَا التَّقْدِير وَمَا مَوضِع قَوْله أَن قَالَ قلت يجوز أَن يكون اسْم كَانَ ضمير الشَّأْن وَيكون قَوْله أَن قَالَ بَدَلا من قَوْله مَا سَأَلَني عَنهُ أَو يكون التَّقْدِير بِأَن قَالَ أَي بقوله وَيجوز أَن يكون أَن قَالَ اسْم كَانَ وَقَوله أول مَا سَأَلَني خَبره وَالتَّقْدِير ثمَّ كَانَ قَوْله كَيفَ نسبه فِيكُم أول مَا سَأَلَني مِنْهُ. قَوْله ذُو نسب أَي صَاحب نسب عَظِيم والتنوين للتعظيم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة} أَي حَيَاة عَظِيمَة. قَوْله قطّ قد ذكرنَا أَنه لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْمَاضِي الْمَنْفِيّ. فَإِن قلت فَأَيْنَ النَّفْي هَهُنَا قلت الِاسْتِفْهَام حكمه حكم النَّفْي قَوْله قبله قبله نصب على الظّرْف وَأما على رِوَايَة مثله بدل قبله يكون بَدَلا عَن قَوْله هَذَا القَوْل. قَوْله مِنْكُم أَي من قومكم فالمضاف مَحْذُوف قَوْله فأشراف النَّاس اتَّبعُوهُ أم ضُعَفَاؤُهُمْ فِيهِ حذف همزَة الِاسْتِفْهَام وَالتَّقْدِير اتبعهُ أَشْرَاف النَّاس أم اتبعهُ ضُعَفَاؤُهُمْ وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَلَفظه اتبعهُ أَشْرَاف النَّاس وَأم هَهُنَا مُتَّصِلَة معادلة لهمزة الِاسْتِفْهَام قَوْله بل ضُعَفَاؤُهُمْ أَي بل اتبعهُ ضعفاء النَّاس وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَوْله أيزيدون أم ينقصُونَ قَوْله سخطَة نصب على التَّعْلِيل وَيجوز أَن يكون نصبا على الْحَال على تَأْوِيل ساخطا قَوْله وَنحن مِنْهُ أَي من الرجل الْمَذْكُور وَهُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مُدَّة أَرَادَ بهَا مُدَّة الْهُدْنَة وَهِي صلح الْحُدَيْبِيَة نَص عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا يُرِيد غيبته عَن الأَرْض وَانْقِطَاع أخباره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ وَلذَلِك قَالَ وَلم يمكني كلمة أَدخل فِيهَا شَيْئا لِأَن الْإِنْسَان قد يتَغَيَّر وَلَا يدْرِي الْآن هَل هُوَ على مَا فارقناه أَو بدل شَيْئا وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي قَوْله لَا نَدْرِي إِشَارَة إِلَى أَن عدم غدره غير مجزوم بِهِ قلت لَيْسَ كَذَلِك بل لكَون الْأَمر مغيبا عَنهُ
وَهُوَ فِي الِاسْتِقْبَال تردد فِيهِ بقوله لَا نَدْرِي. قَوْله فِيهَا أَي فِي الْمدَّة. قَوْله قَالَ أَي أَبُو سُفْيَان. قَوْله كلمة مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل لقَوْله لم يمكني. قَوْله أَدخل بِضَم الْهمزَة من الإدخال. قَوْله فِيهَا أَي فِي الْكَلِمَة ذكر الْكَلِمَة وَأَرَادَ بهَا الْكَلَام. قَوْله شَيْئا مفعول لقَوْله ادخل. قَوْله غير هَذِه الْكَلِمَة يجوز فِي غير الرّفْع وَالنّصب أما الرّفْع فعلى كَونه صفة لكلمة وَأما النصب فعلى كَونه صفة لقَوْله شَيْئا وَاعْترض كَيفَ يكون غير صفة لَهما وهما نكرَة وَغير مُضَاف إِلَى الْمعرفَة وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا يتعرف بِالْإِضَافَة إِلَّا إِذا اشْتهر الْمُضَاف بمغايرة الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك. قَوْله وَكَيف كَانَ قتالكم إِيَّاه قَالَ بعض الشَّارِحين فِيهِ انْفِصَال ثَانِي الضميرين وَالِاخْتِيَار أَن لَا يَجِيء الْمُنْفَصِل إِذا تأتى مَجِيء الْمُتَّصِل وَقَالَ شَارِح آخر قتالكم إِيَّاه أفْصح من قتالكموه باتصال الضَّمِير فَلذَلِك فَصله قلت الصَّوَاب مَعَه نَص عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ قَوْله الْحَرْب مُبْتَدأ وَقَوله سِجَال خَبره لَا يُقَال الْحَرْب مُفْرد والسجال جمع فَلَا مُطَابقَة بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر لأَنا نقُول الْحَرْب اسْم جنس وَقَالَ بَعضهم الْحَرْب اسْم جمع وَلِهَذَا جعل خَبره اسْم جمع. قلت لَا نسلم أَن السجال اسْم جمع بل هُوَ جمع وَبَين الْجمع وَاسم الْجمع فرق كَمَا علم فِي مَوْضِعه وَيجوز أَن يكون سِجَال بِمَعْنى المساجلة وَلَا يكون جمع سجل فَلَا يرد السُّؤَال أصلا قَوْله قَالَ مَاذَا يَأْمُركُمْ أَي قَالَ هِرقل وَكلمَة مَا اسْتِفْهَام وَذَا إِشَارَة وَيجوز أَن يكون كُله استفهاما على التَّرْكِيب كَقَوْلِك لماذا جِئْت وَيجوز أَن يكون ذَا مَوْصُولَة بِدَلِيل افتقاره إِلَى الصِّلَة كَمَا فِي قَول لبيد أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول وَيجوز أَن يكون ذَا زَائِدَة أجَاز ذَلِك جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَالك فِي نَحْو مَاذَا صنعت. قَوْله لم يكن ليذر الْكَذِب اللَّام فِيهِ تسمى لَام الْجُحُود لملازمتها للجحد أَي النَّفْي وفائدتها توكيد النَّفْي وَهِي الدَّاخِلَة فِي اللَّفْظ على الْفِعْل مسبوقة بِمَا كَانَ أَو لم يكن ناقصتين مسندتين لما أسْند إِلَيْهِ الْفِعْل المقرون بِاللَّامِ نَحْو {وَمَا كَانَ الله ليطلعكم على الْغَيْب} {لم يكن الله ليغفر لَهُم} وَقَالَ النّحاس الصَّوَاب تَسْمِيَتهَا لَام النَّفْي لِأَن الْجحْد فِي اللُّغَة إِنْكَار مَا تعرفه لَا مُطلق الْإِنْكَار قَوْله حِين تخالط بشاشته الْقُلُوب قد ذكرنَا التَّوْجِيه فِيهِ قَوْله فَذكرت أَنه أَي بِأَنَّهُ وَمحل أَن جر بِهَذِهِ وَكَذَلِكَ أَن فِي قَوْله {أَن تعبدوا الله} قَوْله ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ حذف تَقْدِيره قَالَ أَبُو سُفْيَان ثمَّ دَعَا هِرقل ومفعول دَعَا أَيْضا مَحْذُوف قدره الْكرْمَانِي بقوله ثمَّ دَعَا هِرقل النَّاس بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقدره بَعضهم ثمَّ دَعَا من وكل ذَلِك إِلَيْهِ. قلت الْأَحْسَن أَن يُقَال ثمَّ دَعَا من يَأْتِي بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى التَّقْدِير لِأَن الْكتاب مدعُو بِهِ وَلَيْسَ بمدعو فَلهَذَا عدى إِلَيْهِ بِالْبَاء وَيجوز أَن تكون الْبَاء زَائِدَة وَالتَّقْدِير ثمَّ دَعَا الْكتاب على سَبِيل الْمجَاز أَو ضمن دَعَا معنى اشْتغل وَنَحْوه قَوْله بعث بِهِ مَعَ دحْيَة أَي أرْسلهُ مَعَه وَيُقَال أَيْضا بَعثه وابتعثه بِمَعْنى أرْسلهُ وَكلمَة مَعَ بِفَتْح الْعين على اللُّغَة الفصحى وَبهَا جَاءَ الْقُرْآن وَيُقَال أَيْضا بإسكانها وَقيل مَعَ لفظ مَعْنَاهُ الصُّحْبَة سَاكن الْعين ومفتوحها غير أَن الْمَفْتُوحَة تكون اسْما وحرفا والساكنة حرف لَا غير قَوْله فَإِذا فِيهِ كلمة إِذا هَذِه للمفاجأة قَوْله من مُحَمَّد يدل على أَن من تَأتي فِي غير الزَّمَان وَالْمَكَان وَنَحْوه قَوْله {من الْمَسْجِد الْحَرَام} {إِنَّه من سُلَيْمَان} قَوْله سَلام مَرْفُوع على الابتدا وَهَذَا من الْمَوَاضِع الَّتِي يكون الْمُبْتَدَأ فِيهَا نكرَة بِوَجْه التَّخْصِيص وَهُوَ مصدر فِي معنى الدُّعَاء وَأَصله سلم الله أَو سلمت سَلاما إِذْ الْمَعْنى فِيهِ ثمَّ حذف الْفِعْل للْعلم بِهِ ثمَّ عدل عَن النصب إِلَى الرّفْع لغَرَض الدَّوَام والثبوت وأصل الْمَعْنى على مَا كَانَ عَلَيْهِ وَقد كَانَ سَلاما فِي الأَصْل مَخْصُوصًا بِأَنَّهُ صادر من الله تَعَالَى وَمن الْمُتَكَلّم لدلَالَة فعله وفاعله الْمُتَقَدِّمين عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَن يكون بَاقِيا على تَخْصِيصه قَوْله أما بعد كلمة أما فِيهَا معنى الشَّرْط فَلذَلِك لزمتها الْفَاء وتستعمل فِي الْكَلَام على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يستعملها الْمُتَكَلّم لتفصيل مَا أجمله على طَرِيق الِاسْتِئْنَاف كَمَا تَقول جَاءَنِي أخوتك أما زيد فأكرمته وَأما خَالِد فأهنته وَأما بشر فَأَعْرَضت عَنهُ وَالْآخر أَن يستعملها أخذا فِي كَلَام مُسْتَأْنف من غير أَن يتقدمها كَلَام وَأما هَهُنَا من هَذَا الْقَبِيل وَقَالَ الْكرْمَانِي أما للتفصيل فَلَا بُد فِيهِ من التّكْرَار فَأَيْنَ قسيمه ثمَّ قَالَ الْمَذْكُور قبله قسيمه وَتَقْدِيره أما الِابْتِدَاء فباسم الله تَعَالَى وَأما الْمَكْتُوب فَمن مُحَمَّد وَنَحْوه وَأما بعد ذَلِك فَكَذَا انْتهى. قلت هَذَا كُله تعسف وَذُهُول عَن الْقِسْمَة الْمَذْكُورَة وَلم يقل أحد أَن أما فِي مثل هَذَا الْموضع تَقْتَضِي التَّقْسِيم وَالتَّحْقِيق مَا قُلْنَا. وَكلمَة بعد مَبْنِيَّة على الضَّم إِذْ أَصْلهَا أما بعد كَذَا وَكَذَا فَلَمَّا قطعت عَن الْإِضَافَة
بنيت على الضَّم وَتسَمى حِينَئِذٍ غَايَة قَوْله بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أَي أَدْعُوك بالمدعو الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام وَالْبَاء بِمَعْنى إِلَى وجوزت النُّحَاة إِقَامَة حُرُوف الْجَرّ بَعْضهَا مقَام بعض أَي أَدْعُوك إِلَى الْإِسْلَام. قَوْله أسلم تسلم كِلَاهُمَا مجزومان الأول لِأَنَّهُ أَمر وَالثَّانِي لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَالْأول بِكَسْر اللَّام لِأَنَّهُ من أسلم. وَالثَّانِي بِفَتْحِهَا لِأَنَّهُ مضارع من سلم قَوْله يؤتك الله مجزوم أَيْضا إِمَّا جَوَاب ثَان لِلْأَمْرِ وَإِمَّا بدل مِنْهُ وَإِمَّا جَوَاب لأمر مَحْذُوف تَقْدِيره أسلم يؤتك الله على مَا صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد أسلم يؤتك الله وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون الْأَمر الأول للدخول فِي الْإِسْلَام وَالثَّانِي للدوام عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله} الْآيَة قلت الأصوب أَن يكون من بَاب التَّأْكِيد وَالْآيَة فِي حق الْمُنَافِقين مَعْنَاهَا يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا نفَاقًا آمنُوا إخلاصا كَذَا فِي التَّفْسِير قَوْله وَيَا أهل الْكتاب عطف هَذَا الْكَلَام على مَا قبله بِالْوَاو وَالَّذِي يدل على الْجمع وَالتَّقْدِير أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام وأدعوك بقول الله {يَا أهل الْكتاب} إِلَى آخِره وَأما الرِّوَايَة الَّتِي سَقَطت فِيهَا الْوَاو فوجهها أَن يكون قَوْله {يَا أهل الْكتاب} بَيَانا لقَوْله بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام قَوْله {تَعَالَوْا} بِفَتْح اللَّام وَأَصله تعاليوا تَقول تعال تعاليا تعاليوا قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَ تَعَالَوْا وَالْمرَاد من أهل الْكتاب أهل الْكِتَابَيْنِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقيل وَفد نَجْرَان وَقيل يهود الْمَدِينَة قَوْله {سَوَاء} أَي مستوية بَيْننَا وَبَيْنكُم لَا يخْتَلف فِيهَا الْقُرْآن والتوراة وَالْإِنْجِيل وَتَفْسِير الْكَلِمَة قَوْله {أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله} يَعْنِي تَعَالَوْا إِلَيْهَا حَتَّى لَا نقُول عُزَيْر ابْن الله وَلَا الْمَسِيح ابْن الله لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بشر مثلنَا وَلَا نطيع أحبارنا فِيمَا أَحْدَثُوا من التَّحْرِيم والتحليل من غير رُجُوع إِلَى مَا شرع الله. قَوْله {فَإِن توَلّوا} أَي عَن التَّوْحِيد {فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ} أَي لزمتكم الْحجَّة فَوَجَبَ عَلَيْكُم أَن تعترفوا وتسلموا فَإنَّا مُسلمُونَ دونكم وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ يجوز أَن يكون من بَاب التَّعْرِيض وَمَعْنَاهُ اشْهَدُوا اعْتَرَفُوا بأنكم كافرون حَيْثُ توليتم عَن الْحق بعد ظُهُوره قَوْله فَلَمَّا قَالَ أَي هِرقل قَوْله مَا قَالَ جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول قَالَ وَمَا مَوْصُولَة والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره مَا قَالَه من السُّؤَال وَالْجَوَاب قَوْله أخرجنَا على صِيغَة الْمَجْهُول فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَيجوز أَن يكون الثَّانِي على صِيغَة الْمَعْلُوم بِفَتْح الرَّاء فَافْهَم قَوْله لقد أَمر جَوَاب الْقسم الْمَحْذُوف أَي وَالله لقد أَمر قَوْله إِنَّه يخافه بِكَسْر إِن لِأَنَّهُ كَلَام مُسْتَأْنف وَلَا سِيمَا جَاءَ فِي رِوَايَة بِاللَّامِ فِي خَبَرهَا وَقَالَ بَعضهم أَنه يخافه بِكَسْر الْهمزَة لَا بِفَتْحِهَا لثُبُوت اللَّام فِي خَبَرهَا قلت يجوز فتحهَا أَيْضا وَإِن كَانَ على ضعف على أَنه مفعول من أَجله وَقد قرىء فِي الشواذ {إِلَّا إِنَّهُم ليأكلون} بِالْفَتْح فِي أَنهم وَالْمعْنَى على الْفَتْح فِي الحَدِيث عظم أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل أَنه يخافه ملك بني الْأَصْفَر قَوْله وَكَانَ ابْن الناطور الْوَاو فِيهِ عاطفة لما قبلهَا دَاخِلَة فِي سَنَد الزُّهْرِيّ وَالتَّقْدِير عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي عبيد الله إِلَى آخِره ثمَّ قَالَ الزُّهْرِيّ وَكَانَ ابْن الناطور يحدث فَذكر هَذِه الْقِصَّة فَهِيَ مَوْصُولَة إِلَى ابْن الناطور لَا معلقَة كَمَا توهمه بَعضهم وَهَذَا مَوضِع يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّنْبِيه على هَذَا وعَلى أَن قصَّة ابْن الناطور غير مروية بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَن أبي سُفْيَان عَنهُ وَإِنَّمَا هِيَ عَن الزُّهْرِيّ وَقد بَين ذَلِك أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة أَن الزُّهْرِيّ قَالَ لَقيته بِدِمَشْق فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان وَقَوله ابْن الناطور كَلَام إضافي اسْم كَانَ وَخَبره قَوْله أَسْقُف على اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ وَقَوله صَاحب إيلياء كَلَام إضافي يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ النصب على الِاخْتِصَاص وَالرَّفْع على أَنه صفة لِابْنِ الناطور أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هُوَ صَاحب إيلياء وَقَالَ بَعضهم نصب على الْحَال وَفِيه بعد قَوْله وهرقل بِفَتْح اللَّام فِي مَحل الْجَرّ على أَنه مَعْطُوف على إيلياء أَي صَاحب إيلياء وَصَاحب هِرقل قَوْله يحدث جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر ثَان لَكَانَ قَوْله أصبح خبر أَن وَيَوْما نصب على الظّرْف وخبيث النَّفس نصب على أَنه خبر أصبح قَوْله قَالَ ابْن الناطور إِلَى قَوْله فَقَالَ لَهُم جمل مُعْتَرضَة بَين سُؤال بعض البطارقة وَجَوَاب هِرقل إيَّاهُم قَوْله وَكَانَ هِرقل حزاء عطف على مُقَدّر تَقْدِيره قَالَ ابْن الناطور كَانَ هِرقل عَالما وَكَانَ حزاء فَلَمَّا حذف الْمَعْطُوف عَلَيْهِ أظهر هِرقل فِي الْمَعْطُوف وحزاء نصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله ينظر فِي النُّجُوم خبر بعد خبر فعلى هَذَا محلهَا الرّفْع وَيجوز أَن يكون تَفْسِيرا لقَوْله حزاء فَحِينَئِذٍ يكون محلهَا النصب قَوْله ملك الْخِتَان كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله قد ظهر قَوْله
فَمن يختتن فَمن هَهُنَا استفهامية قَوْله فَبَيْنَمَا هم أَصله بَين أشبعت الفتحة فَصَارَ بَينا ثمَّ زيدت عَلَيْهَا مَا. وَالْمعْنَى وَاحِد وَقَوله هم مُبْتَدأ وعَلى أَمرهم خَبره وَقَوله أَتَى هِرقل جَوَابه وَقد يَأْتِي بإذ وَإِذا والأفصح تَركهمَا وَالتَّقْدِير بَين أَوْقَات أَمرهم إِذْ أَتَى وَأَرَادَ بِالْأَمر مشورتهم الَّتِي كَانُوا فِيهَا قَوْله أرسل بِهِ جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لرجل وَلم يسم هَذَا الرجل من هُوَ وَلَا سمى من أحضرهُ أَيْضا قَوْله أمختتن الْهمزَة فِيهِ للاستفهام قَوْله هَذَا يملك هَذِه الْأمة قد ظهر قد ذكرنَا أَن فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات يحْتَاج إِلَى توجيهها على الْوَجْه المرضي وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح قَدِيما وحديثا شفى العليل هَهُنَا وَلَا أروى الغليل وَإِنَّمَا رَأَيْت شارحا نقل عَن السُّهيْلي وَعَن شيخ نَفسه أما الَّذِي نقل عَن السُّهيْلي فَهُوَ قَوْله وَوَجهه السُّهيْلي فِي أَمَالِيهِ بِأَنَّهُ مُبْتَدأ وَخبر أَي هَذَا الْمَذْكُور يملك هَذِه الْأمة وَهَذَا تَوْجِيه الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا هَذَا يملك هَذِه الْأمة بِالْفِعْلِ الْمُضَارع وَهَذَا فِيهِ خدش لِأَن قَوْله قد ظهر يبْقى سائبا من هَذَا الْكَلَام وَأما الَّذِي نقل عَن شَيْخه فَهُوَ أَنه قد وَجه قَول من قَالَ أَن يملك يجوز أَن يكون نعتا أَي هَذَا رجل يملك هَذِه الْأمة فَقَالَ فِي تَوْجِيهه يجوز أَن يكون الْمَحْذُوف وَهُوَ الْمَوْصُول على رَأْي الْكُوفِيّين أَي هَذَا الَّذِي يملك وَهُوَ نَظِير قَوْله وَهَذَا تحملين طليق وَهَذَا أَيْضا فِيهِ خدش من وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا ذكرنَا وَالْآخر أَن قَوْله وَهُوَ نَظِير قَوْله وَهَذَا تحملين طليق قِيَاس غير صَحِيح لِأَن الْبَيْت لَيْسَ فِيهِ حذف وَإِنَّمَا فِيهِ أَن الْكُوفِيّين قَالُوا أَن لَفْظَة هَذَا هَهُنَا بِمَعْنى الَّذِي تَقْدِيره وَالَّذِي تحملين طليق وَأما البصريون فيمنعون ذَلِك وَيَقُولُونَ هَذَا اسْم إِشَارَة وتحملين حَال من ضمير الْخَبَر وَالتَّقْدِير وَهَذَا طليق مَحْمُولا فَنَقُول بعون الله تَعَالَى أما وَجه الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا يملك بِالْفِعْلِ الْمُضَارع فَإِن قَوْله هَذَا مُبْتَدأ وَقَوله يملك جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فِي مَحل الرّفْع خَبره وَقَوله هَذِه الْأمة مفعول يملك وَقَوله قد ظهر جملَة وَقعت حَالا وَقد علم أَن الْمَاضِي الْمُثبت إِذا وَقع حَالا لَا بُد أَن يكون فِيهِ قد ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَأما وَجه الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا ملك هَذِه الْأمة بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام فَإِن قَوْله هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن من الْإِعْرَاب أَحدهمَا أَن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره هَذَا الَّذِي نظرته فِي النُّجُوم وَالْآخر أَن يكون فَاعِلا لفعل مَحْذُوف تَقْدِيره جَاءَ هَذَا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله ملك الْخِتَان قد ظهر وبكون قَوْله ملك هَذِه الْأمة مُبْتَدأ وَقَوله قد ظهر خَبره وَتَكون هَذِه الْجُمْلَة كالكاشفة للجملة الأولى فَلذَلِك ترك العاطف بَينهمَا وَأما وَجه الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا هَذَا ملك هَذِه الْأمة قد ظهر بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام فَإِن قَوْله هَذَا يكون إِشَارَة إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيكون مُبْتَدأ وَقَوله ملك هَذِه الْأمة خَبره وَقَوله قد ظهر حَال منتظرة وَالْعَامِل فِيهَا معنى الْإِشَارَة فِي هَذَا وروى هُنَا أَيْضا هَذَا بِملك هَذِه الْأمة بِالْبَاء الجارة فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة تكون الْبَاء مُتَعَلقَة بقوله قد ظهر وبكون التَّقْدِير هَذَا الَّذِي رَأَيْته فِي النُّجُوم قد ظهر بِملك هَذِه الْأمة الَّتِي تختتن فَافْهَم قَوْله بالرومية صفة لصَاحب وَالْبَاء ظرفية قَوْله إِلَى حمص مَفْتُوح فِي مَوضِع الْجَرّ لِأَنَّهُ غير منصرف للعلمية والتأنيث والعجمة وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يجوز صرفه. قلت لَا يحْتَمل أصلا لِأَن هَذَا الْقَائِل إِنَّمَا غره فِيمَا قَالَه سُكُون أَوسط حمص فَإِن مَا لَا ينْصَرف إِذا سكن أوسطه يكون فِي غَايَة الخفة وَذَلِكَ يُقَاوم أحد السببين فَيبقى الِاسْم بِسَبَب وَاحِد فَيجوز صرفه وَلَكِن هَذَا فِيمَا إِذا كَانَ الِاسْم فِيهِ عِلَّتَانِ فبسكون الْأَوْسَط يبْقى بِسَبَب وَاحِد وَأما إِذا كَانَت فِيهِ ثَلَاث علل مثل ماه وجور فَإِنَّهُ لَا ينْصَرف الْبَتَّةَ لِأَن بعد مقاومة سكونه أحد الْأَسْبَاب يبْقى سببان وحمص كَمَا ذكرنَا فِيهَا ثَلَاث علل فَافْهَم قَوْله أَنه نَبِي بِفَتْح أَن عطف على قَوْله على خُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَرَادَ بِالْخرُوجِ الظُّهُور قَوْله لَهُ فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهُ صفة لدسكرة أَي كائنة لَهُ وَقَوله بحمص يجوز أَن يكون صفة لدسكرة وَيجوز أَن يكون حَالا من هِرقل قَوْله ثمَّ اطلع أَي خرج من الْحرم وَظهر على النَّاس قَوْله وَأَن يثبت بِفَتْح أَن وَهِي مَصْدَرِيَّة عطف على قَوْله فِي الْفَلاح أَي وَهل لكم فِي ثُبُوت ملككم قَوْله وأيس من الْإِيمَان جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير قد قَوْله آنِفا قَالَ بَعضهم مَنْصُوب على الْحَال قلت لَا يَصح أَن يكون حَالا بل هُوَ نصب على الظّرْف لِأَن مَعْنَاهُ سَاعَة أَو أول وَقت كَمَا ذكرنَا قَوْله اختبر بهَا حَال وَقد علم أَن الْمُضَارع الْمُثبت إِذا وَقع حَالا لَا يجوز فِيهِ الْوَاو قَوْله آخر شَأْن هِرقل أَي آخر أمره فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذِه الْقَضِيَّة لِأَنَّهُ وَقعت لَهُ قصَص أُخْرَى بعد ذَلِك وَآخر بِالنّصب هُوَ الصَّحِيح من الرِّوَايَة لِأَنَّهُ خبر كَانَ وَقَوله ذَلِك اسْمه
وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من الْأُمُور فَإِن صحت الرِّوَايَة بِالرَّفْع فوجهه أَن يكون اسْم كَانَ وَخَبره ذَلِك مقدما (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله الْحَرْب بَيْننَا وَبَينه سِجَال هَذَا تَشْبِيه بليغ شبه الْحَرْب بالسجال مَعَ حذف أَدَاة التَّشْبِيه لقصد الْمُبَالغَة كَمَا فِي قَوْلك زيد أَسد إِذا أردْت بِهِ الْمُبَالغَة فِي بَيَان شجاعته فَصَارَ كَأَنَّهُ عين الْأسد وَلِهَذَا حمل الْأسد عَلَيْهِ وَذكر السجال وَأَرَادَ بِهِ النوب يَعْنِي الْحَرْب بَيْننَا وَبَينه نوب نوبَة لنا ونوبة لَهُ كالمستقيين إِذا كَانَ بَينهمَا دلوان يستقى أَحدهمَا. دلوا وَالْآخر دلوا هَذَا إِذا أُرِيد من السجال الدلاء لِأَنَّهُ جمع سجل بِالْفَتْح وَهُوَ الدَّلْو الْعَظِيم وَأَن أُرِيد بِهِ الْمصدر كالمساجلة وَهِي الْمُفَاخَرَة وَهِي أَن يصنع أَحدهمَا مَا يصنع الآخر لَا يكون من هَذَا الْبَاب فَافْهَم. قَوْله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ أَي بِاللَّه وَهَذِه الْجُمْلَة عطف على قَوْله اعبدوا الله وَحده من عطف الْمَنْفِيّ على الْمُثبت وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة عطف الْخَاص على الْعَام من قبيل {تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح} فَإِن عبَادَة الله أَعم من عدم الْإِشْرَاك بِهِ وَفِي رِوَايَة لَا تُشْرِكُوا بِهِ بِدُونِ الْوَاو فَتكون الْجُمْلَة الثَّانِيَة فِي حكم التَّأْكِيد لِأَن بَين الجملتين كَمَال الِاتِّصَال فَتكون الثَّانِيَة مُؤَكدَة للأولى ومنزلة مِنْهَا منزلَة التَّأْكِيد الْمَعْنَوِيّ من متبوعه فِي إِفَادَة التَّقْرِير مَعَ الِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ قَوْله واتركوا مَا تَقول آباؤكم حذف الْمَفْعُول مِنْهُ ليدل على الْعُمُوم أَعنِي عُمُوم قَوْله مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي ذكر الْآبَاء تَنْبِيه على أَنهم هم الْقدْوَة فِي مخالفتهم للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم عَبدة الْأَوْثَان وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود قَوْله حِين يخالط بشاشته الْقُلُوب مُخَالطَة بشاشة الْإِيمَان الْقُلُوب كِنَايَة عَن انْشِرَاح الصَّدْر والفرح بِهِ وَالسُّرُور قَوْله فَذكرت أَنه يَأْمُركُمْ أَن تعبدوا الله فِيهِ من فن المشاكلة والمطابقة وَذَلِكَ لِأَن فِي كَلَام هِرقل سَأَلتك بِمَا يَأْمُركُمْ فَكَذَلِك فِي حكايته عَن كَلَام أبي سُفْيَان قَالَ فَذكرت أَنه يَأْمُركُمْ بطرِيق المشاكلة وَأَبُو سُفْيَان فِي جَوَابه إِيَّاه فِيمَا مضى لم يقل إِلَّا قلت يَقُول اعبدوا الله فَعدل هَهُنَا عَنهُ إِلَى قَوْله فَذكرت أَنه يَأْمُركُمْ وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي جَوَاب هَذَا أَن هِرقل إِنَّمَا غير عِبَارَته تَعْظِيمًا للرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتأدبا لَهُ قَوْله أسلم تسلم فِيهِ جناس اشتقاقي وَهُوَ أَن يرجع اللفظان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى أصل وَاحِد قَوْله فَإِن توليت أَي أَعرَضت وَحَقِيقَة التولي إِنَّمَا هُوَ بِالْوَجْهِ ثمَّ اسْتعْمل مجَازًا فِي الْإِعْرَاض عَن الشَّيْء قلت هَذَا اسْتِعَارَة تَبَعِيَّة وَقد علم أَن الِاسْتِعَارَة على قسمَيْنِ أَصْلِيَّة وتبعية وَذَلِكَ بِاعْتِبَار اللَّفْظ لِأَنَّهُ إِن كَانَ اسْم جنس سَوَاء كَانَ عينا أَو معنى فالاستعارة أَصْلِيَّة كأسد وفيل وَإِن كَانَ غير اسْم جنس فالاستعارة تَبَعِيَّة وَجه كَونهَا تَبَعِيَّة أَن الِاسْتِعَارَة تعتمد التَّشْبِيه والتشبيه يعْتَمد كَون الْمُشبه مَوْصُوفا والأمور الثَّلَاثَة عَن الموصوفية بمعزل فَتَقَع الِاسْتِعَارَة أَولا فِي المصادر ومتعلقات مَعَاني الْحُرُوف ثمَّ تسري فِي الْأَفْعَال وَالصِّفَات والحروف قَوْله وَكَانَ ابْن الناطور صَاحب إيلياء وهرقل قَالَ الْكرْمَانِي وَلَفظ الصاحب هُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هِرقل حَقِيقَة وبالنسبة إِلَى إيلياء مجَاز إِذْ المُرَاد مِنْهُ الْحَاكِم فِيهِ وَإِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمعْنَى الْمجَازِي من لفظ وَاحِد بِاسْتِعْمَال وَاحِد جَائِز عِنْد الشَّافِعِي وَأما عِنْد غَيره فَهُوَ مجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنيين بِاعْتِبَار معنى شَامِل لَهما وَمثله يُسمى بِعُمُوم الْمجَاز قلت لَا نسلم اجْتِمَاع الْحَقِيقَة وَالْمجَاز هَهُنَا لِأَن فِيهِ حذفا تَقْدِيره وَكَانَ ابْن الناطور صَاحب إيلياء وَصَاحب هِرقل فَفِي الأول مجَاز وَفِي الثَّانِي حَقِيقَة فَلَا جمع هَهُنَا وارتكاب الْحَذف أولى من ارْتِكَاب الْمجَاز فضلا عَن الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز الَّذِي هُوَ كالمستحيل على مَا عرف فِي مَوْضِعه قَوْله من هَذِه الْأمة أَي من أهل هَذَا الْعَصْر وَإِطْلَاق الْأمة على أهل الْعَصْر كلهم فِيهِ تجوز وَالْأمة فِي اللُّغَة الْجَمَاعَة قَالَ الْأَخْفَش هُوَ فِي اللَّفْظ وَاحِد وَفِي الْمَعْنى جمع وكل جنس من الْحَيَوَان أمة وَفِي الحَدِيث لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها وَالْمرَاد من قَوْله ملك هَذِه الْأمة قد ظهر الْعَرَب خَاصَّة قَوْله فحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش أَي كحيصة حمر الْوَحْش شبه نفرتهم وجهلهم مِمَّا قَالَ لَهُم هِرقل وَأَشَارَ إِلَيْهِم من اتِّبَاع الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بنفرة حمر الْوَحْش لِأَنَّهَا أَشد نفرة من سَائِر الْحَيَوَانَات وَيضْرب الْمثل بِشدَّة نفرتها. وَقَالَ بَعضهم شبههم بالحمر دون غَيرهَا من الوحوش لمناسبة الْجَهْل فِي عدم الفطنة بل هم أضلّ. قلت هَذَا كَلَام من لَا وقُوف لَهُ فِي علمي الْمعَانِي وَالْبَيَان وَلَا يخفى وَجه التَّشْبِيه هَهُنَا على من لَهُ أدنى ذوق فِي الْعُلُوم (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل أَن قصَّة أبي سُفْيَان مَعَ هِرقل إِنَّمَا كَانَت فِي أَوَاخِر عهد الْبعْثَة فَمَا مُنَاسبَة ذكرهَا لما ترْجم عَلَيْهِ الْبَاب وَهُوَ كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي وَأجِيب بِأَن كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي تعلم من جَمِيع مَا فِي الْبَاب وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى
الثَّانِي مَا قيل أَن هِرقل لم خص الْأَقْرَب بقوله أَيهمْ أقرب نسبا وَأجِيب بِأَنَّهُ أَحْرَى بالاطلاع على أُمُوره ظَاهرا وَبَاطنا وَلِأَن الْأَبْعَد لَا يُؤمن أَن يقْدَح فِي نسبه بِخِلَاف الْأَقْرَب الثَّالِث مَا قيل لم عدل عَن السُّؤَال عَن نفس الْكَذِب إِلَى السُّؤَال عَن التُّهْمَة وَأجِيب بِأَنَّهُ لتقريرهم على صدقه لِأَن التُّهْمَة إِذا انْتَفَت انْتَفَى سَببهَا الرَّابِع مَا قيل أَن أَبَا سُفْيَان لما قَالَ لَهُ هِرقل فَهَل يغدر قَالَ قلت لَا فَمَا معنى كَلَامه بعده وَنحن مِنْهُ فِي مُدَّة إِلَى آخِره أُجِيب بِأَنَّهُ لما قطع بِعَدَمِ غدره لعلمه من أخلاقه الْوَفَاء والصدق أحَال الْأَمر على الزَّمن الْمُسْتَقْبل لكَونه مغيبا وَأوردهُ على التَّرَدُّد وَمَعَ هَذَا كَانَ يعلم أَن صدقه ووفاءه ثَابت مُسْتَمر وَلِهَذَا لم يقْدَح هِرقل على هَذَا الْقدر مِنْهُ الْخَامِس مَا قيل مَا وَجه قَول أبي سُفْيَان الْحَرْب بَيْننَا وَبَينه سِجَال أُجِيب بِأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا وَقع بَينهم فِي غَزْوَة بدر وغزوة أحد وَقد صرح بذلك أَبُو سُفْيَان يَوْم أحد فِي قَوْله يَوْم بِيَوْم بدر وَالْحَرب سِجَال السَّادِس مَا قيل كَيفَ خصص أَبُو سُفْيَان الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة بِالذكر وَهِي الصَّلَاة والصدق والعفاف والصلة وَأجِيب للْإِشَارَة إِلَى تَمام مَكَارِم الْأَخْلَاق وَكَمَال أَنْوَاع فضائله لِأَن الْفَضِيلَة إِمَّا قولية وَهِي الصدْق وَإِمَّا فعلية وَهِي إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الله تَعَالَى وَهِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ تَعْظِيم الله تَعَالَى وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفسه وَهِي الْعِفَّة وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره وَهِي الصِّلَة وَلما كَانَ مبْنى هَذِه الْأُمُور الصدْق وصحتها مَوْقُوفَة على التَّوْحِيد وَترك الْإِشْرَاك بِاللَّه تَعَالَى أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله أَولا يَقُول اعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَشَارَ بِهَذَا الْقسم إِلَى التخلي عَن الرذائل وبالقسم الأول إِلَى التحلي بالفضائل ويؤول حَاصِل الْكَلَام إِلَى أَنه ينهانا عَن النقائص ويأمرنا بالكمالات فَافْهَم السَّابِع مَا قيل لَا تُشْرِكُوا كَيفَ يكون مَأْمُورا بِهِ والعدم لَا يُؤمر بِهِ إِذْ لَا تَكْلِيف إِلَّا بِفعل لَا سِيمَا فِي الْأَوَامِر وَأجِيب بِأَن المُرَاد بِهِ التَّوْحِيد الثَّامِن مَا قيل لَا تُشْرِكُوا نهى فَمَا معنى ذَلِك إِذْ لَا يُقَال لَهُ أَمر وَأجِيب بِأَن الْإِشْرَاك مَنْهِيّ عَنهُ وَعدم الْإِشْرَاك مَأْمُور بِهِ مَعَ أَن كل نهي عَن شَيْء أَمر بضده وكل أَمر بِشَيْء نهي عَن ضِدّه. قلت هَذَا الْموضع فِيهِ تَفْصِيل لَا نزاع فِي أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ترك ذَلِك الشَّيْء بالتضمن نهي تَحْرِيم إِن كَانَ الْأَمر للْوُجُوب وَنهي كَرَاهَة إِن كَانَ للنَّدْب فَإِذا قَالَ صم يلْزمه أَن لَا يتْرك الصَّوْم وَإِنَّمَا النزاع فِي أَن الْأَمر هَل هُوَ نهي عَن ضِدّه الوجودي مثلا قَوْلك اسكن عين قَوْلك لَا تتحرك بِمَعْنى أَن الْمَعْنى الَّذِي عبر عَنهُ بأسكن عين مَا عبر عَنهُ بِلَا تتحرك فَتكون عبارتان لإِفَادَة معنى وَاحِد أم لَا فِيهِ النزاع لَا فِي أَن صِيغَة أسكن عين صِيغَة لَا تتحرك فَإِنَّهُ ظَاهر الْفساد لم يذهب إِلَيْهِ أحد. فَذهب بعض الشَّافِعِيَّة وَالْقَاضِي أَبُو بكر أَولا أَن الْأَمر بالشَّيْء عين النَّهْي عَن ضِدّه بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور. وَقَالَ القَاضِي آخرا وَكثير من الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْمُعْتَزلَة أَن الْأَمر بالشَّيْء يسْتَلْزم النَّهْي عَن ضِدّه لَا أَنه عينه إِذْ اللَّازِم غير الْمَلْزُوم. وَذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَبَاقِي الْمُعْتَزلَة إِلَى أَنه لَا حكم لكل وَاحِد مِنْهُمَا فِي ضِدّه أصلا بل هُوَ مسكوت عَنهُ. وَمِنْهُم من اقْتصر فَقَالَ الْأَمر بالشَّيْء عين النَّهْي عَن ضِدّه أَو يستلزمه وَلم يتَجَاوَز وَمِنْهُم من تجَاوز إِلَى الْجَانِب الآخر وَقَالَ النَّهْي عَن الشَّيْء عين الْأَمر بضده أَو يستلزمه. وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص وَهُوَ مَذْهَب عَامَّة الْعلمَاء الْحَنَفِيَّة وَأَصْحَاب الشَّافِعِي وَأهل الحَدِيث أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه إِذا كَانَ لَهُ ضد وَاحِد كالأمر بِالْإِيمَان نهي عَن الْكفْر وَإِن كَانَ لَهُ أضداد كالأمر بِالْقيامِ لَهُ أضداد من الْقعُود وَالرُّكُوع وَالسُّجُود والاضطجاع يكون الْأَمر بِهِ نهيا عَن جَمِيع أضداده كلهَا وَقَالَ بَعضهم يكون نهيا عَن وَاحِد مِنْهَا من غير عين وَفصل بَعضهم بَين الْأَمر بِالْإِيجَابِ وَالْأَمر بالندب فَقَالَ أَمر الْإِيجَاب يكون نهيا عَن ضد الْمَأْمُور بِهِ وَعَن أضداده لكَونهَا مَانِعَة من قبل الْمُوجب وَأمر النّدب لَا يكون كَذَلِك فَكَانَت أضداد الْمَنْدُوب غير مَنْهِيّ عَنْهَا لَا نهي تَحْرِيم وَلَا نهي تَنْزِيه وَمن لم يفصل جعل أَمر النّدب نهيا عَن ضِدّه نهي ندب حَتَّى يكون الِامْتِنَاع عَن ضد الْمَنْدُوب مَنْدُوبًا كَمَا يكون فعله مَنْدُوبًا وَأما النَّهْي عَن الشَّيْء فَأمر بضده إِن كَانَ لَهُ ضد وَاحِد باتفاقهم كالنهي عَن الْكفْر أَمر بِالْإِيمَان وَإِن كَانَ لَهُ أضداد فَعِنْدَ بعض الْحَنَفِيَّة وَبَعض أَصْحَاب الحَدِيث يكون أمرا بالأضداد كلهَا كَمَا فِي جَانب الْأَمر وَعند عَامَّة الْحَنَفِيَّة وَعَامة أَصْحَاب الحَدِيث يكون أمرا بِوَاحِد من الأضداد غير عين. وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه يُوجب حُرْمَة ضِدّه وَقَالَ بَعضهم يدل على حُرْمَة ضِدّه وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء يدل على كَرَاهَة ضِدّه وَقَالَ بَعضهم يُوجب كَرَاهَة ضِدّه. ومختار القَاضِي أبي زيد وشمس الْأَئِمَّة وفخر الْإِسْلَام وَمن تَابعهمْ أَنه يَقْتَضِي كَرَاهَة ضِدّه
وَالنَّهْي عَن الشَّيْء يُوجب أَن يكون ضِدّه فِي معنى سنة مُؤَكدَة التَّاسِع مَا قيل وينهاكم عَن عبَادَة الْأَوْثَان لم يذكرهُ أَبُو سُفْيَان فَلم ذكره هِرقل وَأجِيب بِأَنَّهُ قد لزم ذَلِك من قَول أبي سُفْيَان وَحده وَمن وَلَا تُشْرِكُوا وَمن واتركوا مَا يَقُول آباؤكم ومقولهم كَانَ عبَادَة الْأَوْثَان الْعَاشِر مَا قيل مَا ذكر هِرقل لَفْظَة الصِّلَة الَّتِي ذكرهَا أَبُو سُفْيَان فَلم تَركهَا وَأجِيب بِأَنَّهَا دَاخِلَة فِي العفاف إِذْ الْكَفّ عَن الْحَرَام وخوارم الْمُرُوءَة يسْتَلْزم الصِّلَة وَفِيه نظر إِلَّا أَن يُرَاد أَن الاستلزام عَقْلِي فَافْهَم الْحَادِي عشر مَا قيل لم مَا رَاعى هِرقل التَّرْتِيب وَقدم فِي الْإِعَادَة سُؤال التُّهْمَة على سُؤال الِاتِّبَاع وَالزِّيَادَة والارتداد وَأجِيب بِأَن الْوَاو لَيست للتَّرْتِيب أَو أَن شدَّة اهتمام هِرقل بِنَفْي الْكَذِب على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنهُ بَعثه على التَّقْدِيم الثَّانِي عشر مَا قيل السُّؤَال من أحد عشر وَجها والمعاد فِي كَلَام هِرقل تِسْعَة حَيْثُ لم يقل وَسَأَلْتُك عَن الْقِتَال وَسَأَلْتُك كَيفَ كَانَ قتالكم فَلم ترك هذَيْن الْإِثْنَيْنِ وَأجِيب لِأَن مَقْصُوده بَيَان عَلَامَات النُّبُوَّة وَأمر الْقِتَال لَا دخل لَهُ فِيهَا إِلَّا بِالنّظرِ إِلَى الْعَاقِبَة وَذَلِكَ عِنْد وُقُوع هَذِه الْقِصَّة كَانَت فِي الْغَيْب وَغير مَعْلُوم لَهُم أَو لِأَن الرَّاوِي اكْتفى بِمَا سَيذكرُهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى يوردها فِي كتاب الْجِهَاد فِي بَاب دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس إِلَى الْإِسْلَام بعد تكَرر هَذِه الْقِصَّة مَعَ الزِّيَادَات وَهُوَ أَنه قَالَ وَسَأَلْتُك هَل قاتلتموه وقاتلكم وَزَعَمت أَن قد فعل وَأَن حربكم وحربه يكون دولا وَكَذَلِكَ الرُّسُل تبتلى وَتَكون لَهَا الْعَاقِبَة الثَّالِث عشر مَا قيل كَيفَ قَالَ هِرقل وَكَذَلِكَ الرُّسُل تبْعَث فِي نسب قَومهَا وَمن أَيْن علم ذَلِك وَأجِيب باطلاعه فِي الْعُلُوم المقررة عِنْدهم من الْكتب السالفة الرَّابِع عشر مَا قيل كَيفَ قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَقلت وَفِي غَيرهمَا لم يذكرهُ وَأجِيب بِأَن هذَيْن المقامين مقَام تكبر وبطر بِخِلَاف غَيرهمَا الْخَامِس عشر مَا قيل كَيفَ قَالَ وَكنت أعلم أَنه خَارج ومأخذه من أَيْن وَأجِيب بِأَن مأخذه أما من الْقَرَائِن الْعَقْلِيَّة وَأما من الْأَحْوَال العادية وَأما من الْكتب الْقَدِيمَة كَمَا ذكرنَا السَّادِس عشر مَا قيل هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي سَأَلَهَا هِرقل لَيست بقاطعة على النُّبُوَّة وَإِنَّمَا الْقَاطِع المعجزة الخارقة للْعَادَة فَكيف قَالَ وَكنت أعلم أَنه خَارج بالتأكيدات والجزم وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ عِنْده علم بِكَوْنِهَا عَلَامَات هَذَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبِه قطع ابْن بطال. وَقَالَ أَخْبَار هِرقل وسؤاله عَن كل فصل فصل إِنَّمَا كَانَ عَن الْكتب الْقَدِيمَة وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك كُله نعتا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل السَّابِع عشر مَا قيل هَل يحكم بِإِسْلَام هِرقل بقوله فَلَو أَنِّي أعلم أَنِّي أخْلص لَهُ لتجشمت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت رجلَيْهِ وَأجِيب بِأَنا لَا نحكم بِهِ لِأَنَّهُ ظهر مِنْهُ مَا يُنَافِيهِ حَيْثُ قَالَ إِنِّي قلت مَقَالَتي آنِفا أختبر بهَا شدتكم على دينكُمْ فَعلمنَا أَنه مَا صدر مِنْهُ مَا صدر عَن التَّصْدِيق القلبي والاعتقاد الصَّحِيح بل لامتحان الرّعية بِخِلَاف إِيمَان ورقة فَإِنَّهُ لم يظْهر مِنْهُ مَا يُنَافِيهِ وَفِيه نظر لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون قَوْله ذَلِك خوفًا على نَفسه لما رَآهُمْ حاصوا حَيْصَة الْحمر الوحشية وَأَرَادَ بذلك إسكاتهم وتطمينهم وَمن أَيْن وقفنا على مَا فِي قلبه هَل صدر هَذَا القَوْل عَن تَصْدِيق قلبِي أم لَا وَلَكِن قَالَ النَّوَوِيّ لَا عذر فِيمَا قَالَ لَو أعلم لتجشمت لِأَنَّهُ قد عرف صدق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا شح بِالْملكِ وَرغب فِي الرياسة فآثرهما على الْإِسْلَام وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَلَو أَرَادَ الله هدايته لوفقه كَمَا وفْق النَّجَاشِيّ وَمَا زَالَت عَنهُ الرياسة وَقَالَ الْخطابِيّ إِذا تَأَمَّلت مَعَاني هَذَا الْكَلَام الَّذِي وَقع فِي مَسْأَلته عَن أَحْوَال الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا استخرجه من أَوْصَافه تبينت حسن مَا استوصف من أمره وجوامع شَأْنه وَللَّه دره من رجل مَا كَانَ أعقله لَو ساعد معقوله مقدوره وَقَالَ أَبُو عمر آمن قَيْصر برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأبت بطارقته قلت قَوْله لَو أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ يدل على أَنه لم يكن يتَحَقَّق السَّلامَة من الْقَتْل لَو هَاجر إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقاس ذَلِك على قصَّة ضفاطر الَّذِي أظهر لَهُم إِسْلَامه فَقَتَلُوهُ وَلَكِن لَو نظر هِرقل فِي الْكتاب إِلَيْهِ إِلَى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسلم تسلم وَحمل الْجَزَاء على عُمُومه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَو أسلم لسلم من كل مَا كَانَ يخافه وَلَكِن الْقدر مَا ساعده وَمِمَّا يُقَال أَن هِرقل آثر ملكه على الْإِيمَان وَتَمَادَى على الضلال أَنه حَارب الْمُسلمين فِي غَزْوَة مُؤْتَة سنة ثَمَان بعد هَذِه الْقِصَّة بِدُونِ السنتين فَفِي مغازي ابْن إِسْحَق وَبلغ الْمُسلمين لما نزلُوا معَان من أَرض الشَّام أَن هِرقل نزل فِي مائَة ألف من الْمُشْركين فَحكى كَيْفيَّة الْوَاقِعَة وَكَذَا روى ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب إِلَيْهِ أَيْضا من تَبُوك يَدعُوهُ وَأَنه
قَارب الْإِجَابَة وَلم يجب فَدلَّ ظَاهر هَذَا على استمراره على الْكفْر لَكِن يحْتَمل مَعَ ذَلِك أَنه كَانَ يضمر الْإِيمَان وَيفْعل هَذِه الْمعاصِي مُرَاعَاة لملكه وخوفا من أَن يقْتله قومه لَكِن فِي مُسْند أَحْمد رَحمَه الله أَنه كتب من تَبُوك إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنِّي مُسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كذب بل هُوَ على نصرانيته فعلى هَذَا إِطْلَاق أبي عمر أَنه آمن أَي أظهر التَّصْدِيق لكنه لم يسْتَمر عَلَيْهِ وآثر الفانية على الْبَاقِيَة وَقَالَ ابْن بطال قَول هِرقل لَو أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ لتجشمت لقاءه أَي دون خلع ملكه وَدون اعْتِرَاض عَلَيْهِ وَكَانَت الْهِجْرَة فرضا على كل مُسلم قبل فتح مَكَّة فَإِن قيل النَّجَاشِيّ لم يُهَاجر وَهُوَ مُؤمن قلت النَّجَاشِيّ كَانَ ردأ لِلْإِسْلَامِ هُنَاكَ وملجأ لمن أوذي من الصَّحَابَة وَحكم الردء حكم الْمقَاتل وَكَذَا رده اللُّصُوص والمحاربين عِنْد مَالك والكوفيين يقتل بِقَتْلِهِم وَيجب عَلَيْهِ مَا يجب عَلَيْهِم وَإِن لم يحضروا الْقَتْل خلافًا للشَّافِعِيّ وَمثله تخلف عُثْمَان وَطَلْحَة وَسَعِيد بن زيد عَن بدر وَضرب لَهُم الشَّارِع بسهمهم وأجرهم وَقَالَ ابْن بطال وَلم يَصح عندنَا أَن هِرقل جهر بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا عندنَا أَنه آثر ملكه على الْجَهْر بِكَلِمَة الْحق ولسنا نقنع بِالْإِسْلَامِ دون الْجَهْر بِهِ وَلم يكن هِرقل مكْرها حَتَّى يعْذر وَأمره إِلَى الله تَعَالَى. وَقد حكى القَاضِي عِيَاض فِيمَن اطْمَأَن قلبه بِالْإِيمَان وَلم يتَلَفَّظ وَتمكن من الْإِتْيَان بكلمتي الشَّهَادَة فَلم يَأْتِ بهَا هَل يحكم بِإِسْلَامِهِ أم لَا اخْتِلَافا بَين الْعلمَاء مَعَ أَن الْمَشْهُور لَا يحكم بِهِ وَقيل أَن قَوْله هَل لكم فِي الْفَلاح والرشد فتبايعوا هَذَا الرجل يظْهر أَنه أعلن وَالله أعلم بِحَقِيقَة أمره الثَّامِن عشر مَا قيل أَن قَوْله يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى {وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى} وَأجِيب بِأَن هَذَا كَانَ عدلا وَكَانَ ذَاك فضلا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} وَنَحْو ذَلِك وَأما أَنه يُؤْتى الْأجر مرَّتَيْنِ مرّة لإيمانه بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَمرَّة لإيمانه بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ مُوَافق لقَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ} الْآيَة التَّاسِع عشر مَا قيل فِي قَوْله فَإِن عَلَيْك إِثْم الأريسيين كَيفَ يكون إِثْم غَيره عَلَيْهِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} وَأجِيب بِأَن المُرَاد أَن إِثْم الإضلال عَلَيْهِ والإضلال أَيْضا وزره كالضلال على أَنه معَارض بقوله {وليحملن أثقالهم وأثقالا مَعَ أثقالهم} الْعشْرُونَ مَا قيل كَيفَ علم هِرقل أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين نظر فِي النُّجُوم وَأجِيب بِأَنَّهُ علم ذَلِك بِمُقْتَضى حِسَاب المنجمين لأَنهم زَعَمُوا أَن المولد النَّبَوِيّ كَانَ بقران العلويين برج الْعَقْرَب وهما يقرنان فِي كل عشْرين سنة مرّة إِلَى أَن يَسْتَوْفِي الثَّلَاثَة بروجها فِي سِتِّينَ سنة وَكَانَ ابْتِدَاء الْعشْرين الأولى المولد النَّبَوِيّ فِي الْقرَان الْمَذْكُور وَعند تَمام الْعشْرين الثَّانِيَة مَجِيء جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِالْوَحْي وَعند تَمام الثَّالِثَة فتح خَيْبَر وَعمرَة الْقَضَاء الَّتِي جرت فتح مَكَّة وَظُهُور الْإِسْلَام وَفِي تِلْكَ الْأَيَّام رأى هِرقل مَا رأى وَقَالُوا أَيْضا أَن برج الْعَقْرَب مائي وَهُوَ دَلِيل ملك الْقَوْم الَّذين يختتنون فَكَانَ ذَلِك دَلِيلا على انْتِقَال الْملك إِلَى الْعَرَب وَأما الْيَهُود فليسوا مرَادا هَهُنَا لِأَن هَذَا لمن سينتقل إِلَيْهِ الْملك لَا لمن انْقَضى ملكه الْحَادِي وَالْعشْرُونَ مَا قيل كَيفَ سوغ البُخَارِيّ إِيرَاد هَذَا الْخَبَر الْمشعر بتقوية خبر المنجم والاعتماد على مَا يدل عَلَيْهِ أحكامهم وَأجِيب بِأَنَّهُ لم يقْصد ذَلِك بل قصد أَن يبين أَن البشارات بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَت من كل طَرِيق وعَلى لِسَان كل فريق من كَاهِن أَو منجم محق أَو مُبْطل إنسي أَو جني الثَّانِي وَالْعشْرُونَ مَا قيل أَن قَوْله حَتَّى أَتَاهُ كتاب من صَاحبه يُوَافق رَأْي هِرقل على خُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنه نَبِي يدل على أَن كلا من هِرقل وَصَاحبه قد أسلم فَكيف حكمت بِإِسْلَام صَاحبه وَلم تحكم بِإِسْلَام هِرقل وَأجِيب بِأَن ذَلِك اسْتمرّ على إِسْلَامه وَقتل وهرقل لم يسْتَمر وآثر ملكه على الْإِسْلَام وَقد روى ابْن إِسْحَاق أَن هِرقل أرسل دحْيَة إِلَى ضفاطر الرُّومِي وَقَالَ أَنه فِي الرّوم أجوز قولا مني وَأَن ضفاطر الْمَذْكُور أظهر إِسْلَامه وَألقى ثِيَابه الَّتِي كَانَت عَلَيْهِ وَلبس ثيابًا بيضًا وَخرج إِلَى الرّوم فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَشهد شَهَادَة الْحق فَقَامُوا إِلَيْهِ فضربوه حَتَّى قَتَلُوهُ قَالَ فَلَمَّا خرج دحْيَة إِلَى هِرقل قَالَ لَهُ قد قلت لَك أَنا نخافهم على أَنْفُسنَا فضفاطر كَانَ أعظم عِنْدهم مني وَقَالَ بَعضهم فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ صَاحب رُومِية الَّذِي أبهم هُنَا ثمَّ قَالَ لَكِن يُعَكر عَلَيْهِ مَا قيل أَن دحْيَة لم يقدم على هِرقل بِهَذَا الْكتاب الْمَكْتُوب فِي سنة الْحُدَيْبِيَة وَإِنَّمَا قدم عَلَيْهِ بِالْكتاب الْمَكْتُوب فِي غَزْوَة تَبُوك فعلى هَذَا يحْتَمل أَن يكون وَقعت لضفاطر قضيتان إِحْدَاهمَا الَّتِي ذكرهَا ابْن الناطور وَلَيْسَ فِيهَا أَنه أسلم وَلَا أَنه قتل وَالثَّانيَِة الَّتِي ذكرهَا ابْن إِسْحَاق فَإِن فِيهَا قصَّته مَعَ دحْيَة بِالْكتاب إِلَى قَيْصر وَأَنه أسلم فَقتل وَالله أعلم. قلت غَزْوَة تَبُوك كَانَت فِي سنة تسع من الْهِجْرَة وَذكر ابْن جرير الطَّبَرِيّ بعث دحْيَة بِالْكتاب إِلَى قَيْصر فِي سنة
ثَمَان. وَذكر السُّهيْلي رَحمَه الله أَن هِرقل وضع كتاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كتبه إِلَيْهِ فِي قَصَبَة من ذهب تَعْظِيمًا وَأَنَّهُمْ لم يزَالُوا يتوارثونه كَابِرًا عَن كَابر فِي أعز مَكَان حَتَّى كَانَ عِنْد اذفرنش الَّذِي تغلب على طيطلة وَمَا أَخذهَا من بِلَاد الأندلس ثمَّ كَانَ عِنْد ابْنه الْمَعْرُوف بشليطن وَحكى أَن الْملك الْمَنْصُور قلاون الألفي الصَّالِحِي أرسل سيف الدّين طلح المنصوري إِلَى ملك الغرب بهدية فَأرْسلهُ ملك الغرب إِلَى ملك الإفرنج فِي شَفَاعَة فقبلها وَعرض عَلَيْهِ الْإِقَامَة عِنْده فَامْتنعَ فَقَالَ لَهُ لأتحفنك بتحفة سنية فَأخْرج لَهُ صندوقا مصفحا من ذهب فَأخْرج مِنْهُ مقلمة من ذهب فَأخْرج مِنْهَا كتابا قد زَالَت أَكثر حُرُوفه فَقَالَ هَذَا كتاب نَبِيكُم إِلَى جدي قَيْصر فَمَا زلنا نتوارثه إِلَى الْآن وأوصانا آبَاؤُنَا أَنه مادام هَذَا الْكتاب عندنَا لَا يزَال الْملك فِينَا فَنحْن نَحْفَظهُ غَايَة الْحِفْظ ونعظمه ونكتمه عَن النَّصَارَى ليدوم لنا الْملك ثمَّ اخْتلف الإخباريون هَل هِرقل هُوَ الَّذِي حاربه الْمُسلمُونَ فِي زمن أبي بكر وَعمر أَو ابْنه فَقَالَ بَعضهم هُوَ إِيَّاه وَقَالَ بَعضهم هُوَ ابْنه وَالَّذِي أثْبته فِي تاريخي عَن أهل التواريخ وَالْأَخْبَار أَن هِرقل الَّذِي كتب إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد هلك وَملك بعده ابْنه قَيْصر واسْمه مُورق وَكَانَ فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ ملك بعده ابْنه هِرقل بن قَيْصر وَكَانَ فِي خلَافَة عمر رَضِي الله عَنهُ وَعَلِيهِ كَانَ الْفَتْح وَهُوَ الْمخْرج من الشَّام أَيَّام أبي عُبَيْدَة وخَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنْهُمَا فاستقر بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وعدة مُلُوكهمْ أَرْبَعُونَ ملكا وسنوهم خَمْسمِائَة وَسبع سِنِين وَالله أعلم (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول يُسْتَفَاد من قَوْله إِلَى عَظِيم الرّوم ملاطفة الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وتعظيمه فَإِن قلت لم لم يقل إِلَى ملك الرّوم. قلت لِأَنَّهُ مَعْزُول عَن الحكم بِحكم دين الْإِسْلَام وَلَا سلطنة لأحد إِلَّا من قبل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلم لم يقل إِلَى هِرقل فَقَط. قلت ليَكُون فِيهِ نوع من الملاطفة فَقَالَ عَظِيم الرّوم أَي الَّذِي تعظمه الرّوم وَقد أَمر الله تَعَالَى بتليين القَوْل لمن يدعى إِلَى الْإِسْلَام وَقَالَ تَعَالَى {ادْع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة} الثَّانِي فِيهِ تصدير الْكتاب بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَإِن كَانَ الْمَبْعُوث إِلَيْهِ كَافِرًا. فَإِن قلت كَيفَ صدر سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كِتَابه باسمه حَيْثُ قَالَ {إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} قلت خَافَ من بلقيس أَن تسب فَقدم اسْمه حَتَّى إِذا سبت يَقع على اسْمه دون اسْم الله تَعَالَى. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين وَفِيه أَن السّنة فِي المكاتبات أَن يبْدَأ بِنَفسِهِ فَيَقُول من فلَان إِلَى فلَان وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين وَكَذَا فِي العنوان أَيْضا يكْتب كَذَلِك وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث وَبِمَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ وَكَانَ عَامل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْبَحْرين وَكَانَ إِذا كتب إِلَيْهِ بَدَأَ بِنَفسِهِ وَفِي لفظ بَدَأَ باسمه وَقَالَ حَمَّاد بن زيد كَانَ النَّاس يَكْتُبُونَ من فلَان بن فلَان إِلَى فلَان بن فلَان أما بعد قَالَ بَعضهم وَهُوَ إِجْمَاع الصَّحَابَة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقَالَ غَيره وَكره جمَاعَة من السّلف خِلَافه وَهُوَ أَن يكْتب أَولا باسم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وَرخّص فِيهِ بَعضهم وَقَالَ يبْدَأ باسم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ رُوِيَ أَن زيد بن ثَابت كتب إِلَى مُعَاوِيَة فَبَدَأَ باسم مُعَاوِيَة وَعَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ أَنَّهُمَا قَالَا لَا بَأْس بذلك وَقيل يقدم الْأَب وَلَا يبْدَأ ولد باسمه على وَالِده وَالْكَبِير السن كَذَلِك. قلت يردهُ حَدِيث الْعَلَاء لكتابته إِلَى أفضل الْبشر وَحقه أعظم من حق الْوَالِد وَغَيره الثَّالِث فِيهِ التوقي فِي الْمُكَاتبَة وَاسْتِعْمَال عدم الإفراط الرَّابِع فِيهِ دَلِيل لمن قَالَ بِجَوَاز مُعَاملَة الْكفَّار بِالدَّرَاهِمِ المنقوشة فِيهَا اسْم الله تَعَالَى للضَّرُورَة وَإِن كَانَ عَن مَالك الْكَرَاهَة لِأَن مَا فِي هَذَا الْكتاب أَكثر مِمَّا فِي هَذَا المنقوش من ذكر الله تَعَالَى الْخَامِس فِيهِ الْوُجُوب بِعَمَل خبر الْوَاحِد وَإِلَّا لم يكن لبعثه مَعَ دحْيَة فَائِدَة مَعَ غَيره من الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَيْهِ السَّادِس فِيهِ حجَّة لمن منع أَن يبتدأ الْكَافِر بِالسَّلَامِ وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأكْثر الْعلمَاء وَأَجَازَهُ جمَاعَة مُطلقًا وَجَمَاعَة للاستئلاف أَو الْحَاجة وَقد جَاءَ عَنهُ النَّهْي فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تبدؤا الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ الحَدِيث وَقَالَ البُخَارِيّ وَغَيره وَلَا يسلم على المبتدع وَلَا على من اقْتَرَف ذَنبا كَبِيرا وَلم يتب مِنْهُ وَلَا يرد عَلَيْهِم السَّلَام وَاحْتج البُخَارِيّ بِحَدِيث كَعْب بن مَالك وَفِيه نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن كلامنا السَّابِع فِيهِ اسْتِحْبَاب أما بعد فِي الْمُكَاتبَة وَالْخطْبَة وَفِي أول من قَالَهَا خَمْسَة أَقْوَال. دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام. أَو قس بن سَاعِدَة. أَو كَعْب بن لؤَي. أَو يعرب بن قحطان أَو سحبان الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل فِي الفصاحة الثَّامِن فِيهِ أَن من أدْرك من أهل الْكتاب
نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَآمن بِهِ فَلهُ أَجْرَانِ التَّاسِع قَالَ الْخطابِيّ فِي هَذَا الْخَبَر دَلِيل على أَن النَّهْي عَن المسافرة بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو إِنَّمَا هُوَ فِي حمل الْمُصحف والسور الْكَثِيرَة دون الْآيَة والآيتين وَنَحْوهمَا وَقَالَ ابْن بطال إِنَّمَا فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ كَانَ فِي أول الْإِسْلَام وَلم يكن بُد من الدعْوَة الْعَامَّة وَقد نهى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ لَا تُسَافِر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو وَقَالَ الْعلمَاء وَلَا يُمكن الْمُشْركُونَ من الدَّرَاهِم الَّتِي فِيهَا ذكر الله تَعَالَى. قلت كَلَام الْخطابِيّ أصوب لِأَنَّهُ يلْزم من كَلَام ابْن بطال النّسخ وَلَا يلْزم من كَلَام الْخطابِيّ والْحَدِيث مَحْمُول على مَا إِذا خيف وُقُوعه فِي أَيدي الْكفَّار الْعَاشِر فِيهِ دُعَاء الْكفَّار إِلَى الْإِسْلَام قبل قِتَالهمْ وَهُوَ وَاجِب والقتال قبله حرَام إِن لم تكن بلغتهم الدعْوَة وَإِن كَانَت بلغتهم فالدعاء مُسْتَحبّ هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَفِيه خلاف للْجَمَاعَة ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا الْمَازرِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض. أَحدهَا يجب الْإِنْذَار مُطلقًا قَالَه مَالك وَغَيره. وَالثَّانِي لَا يجب مُطلقًا. وَالثَّالِث يجب إِن لم تبلغهم الدعْوَة وَإِن بلغتهم فَيُسْتَحَب وَبِه قَالَ نَافِع وَالْحسن وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمُنْذر. قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء وَهُوَ الصَّحِيح قلت مَذْهَب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ أَنه يسْتَحبّ أَن يَدْعُو الإِمَام من بلغته مُبَالغَة فِي الْإِنْذَار وَلَا يجب ذَلِك كمذهب الْجُمْهُور. الْحَادِي عشر فِيهِ دَلِيل على أَن ذَا الْحسب أولى بالتقديم فِي أُمُور الْمُسلمين ومهمات الدّين وَالدُّنْيَا وَلذَلِك جعلت الْخُلَفَاء من قُرَيْش لِأَنَّهُ أحوط من أَن يدنسوا أحسابهم الثَّانِي عشر فِيهِ دَلِيل لجمهور الْأُصُولِيِّينَ أَن لِلْأَمْرِ صِيغَة مَعْرُوفَة لِأَنَّهُ أَتَى بقول اعبدوا الله فِي جَوَاب مَا يَأْمُركُمْ وَهُوَ من أحسن الْأَدِلَّة لِأَن أَبَا سُفْيَان من أهل اللِّسَان وَكَذَلِكَ الرَّاوِي عَنهُ ابْن عَبَّاس بل هُوَ من أفصحهم وَقد رَوَاهُ عَنهُ مقرا لَهُ وَمذهب بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه مُشْتَرك بَين القَوْل وَالْفِعْل بالاشتراك اللَّفْظِيّ وَقَالَ آخَرُونَ بالاشتراك الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ التواطؤ بِأَن يكون الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا على مَا عرف فِي الْأُصُول الثَّالِث عشر قَالَ بعض الشَّارِحين اسْتدلَّ بِهِ بعض أَصْحَابنَا على جَوَاز مس الْمُحدث وَالْكَافِر كتابا فِيهِ آيَة أَو آيَات يسيرَة من الْقُرْآن مَعَ غير الْقُرْآن قلت قَالَ صَاحب الْهِدَايَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يقْرَأ الْحَائِض وَالْجنب شَيْئا من الْقُرْآن بِإِطْلَاقِهِ يتَنَاوَل مَا دون الْآيَة أَرَادَ أَنه لَا يجوز للحائض وَالنُّفَسَاء وَالْجنب قِرَاءَة مَا دون الْآيَة خلافًا للطحاوي وَخِلَافًا لمَالِك فِي الْحَائِض ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ لَهُم مس الْمُصحف إِلَّا بغلافه وَلَا أَخذ دِرْهَم فِيهِ سُورَة من الْقُرْآن إِلَّا بصرته وَلَا يمس الْمُحدث الْمُصحف إِلَّا بغلافه وَيكرهُ مَسّه بالكم وَهُوَ الصَّحِيح بِخِلَاف الْكتب الشَّرْعِيَّة حَيْثُ يرخص فِي مَسهَا بالكم لِأَن فِيهِ ضَرُورَة وَلَا بَأْس بِدفع الْمُصحف إِلَى الصّبيان لِأَن فِي الْمَنْع تَضْييع حفظ الْقُرْآن وَفِي الْأَمر بالتطهير حرجا لَهُم هَذَا هُوَ الصَّحِيح الرَّابِع عشر فِيهِ اسْتِحْبَاب البلاغة والإيجاز وتحري الْأَلْفَاظ الجزلة فِي الْمُكَاتبَة فَإِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أسلم تسلم) فِي نِهَايَة الِاخْتِصَار وَغَايَة الإيجاز والبلاغة وَجمع الْمعَانِي مَعَ مَا فِيهِ من بديع التَّجْنِيس الْخَامِس عشر فِيهِ جَوَاز المسافرة إِلَى أَرض الْكفَّار السَّادِس عشر فِيهِ جَوَاز الْبَعْث إِلَيْهِم بِالْآيَةِ من الْقُرْآن وَنَحْوهَا السَّابِع عشر فِيهِ من كَانَ سَببا لضلالة أَو منع هِدَايَة كَانَ آثِما الثَّامِن عشر فِيهِ أَن الْكَذِب مهجور وعيب فِي كل أمة التَّاسِع عشر يجب الِاحْتِرَاز عَن الْعَدو لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يكذب على عدوه الْعشْرُونَ أَن الرُّسُل لَا ترسل إِلَّا من أكْرم الْأَنْسَاب لِأَن من شرف نسبه كَانَ أبعد من الانتحال لغير الْحق الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِيهِ الْبَيَان الْوَاضِح أَن صدق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعلاماته كَانَ مَعْلُوما لأهل الْكتاب علما قَطْعِيا وَإِنَّمَا ترك الْإِيمَان من تَركه مِنْهُم عنادا أَو حسدا أَو خوفًا على فَوَات مناصبهم فِي الدُّنْيَا (رَوَاهُ صَالح بن كيسَان وَيُونُس وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس أخرجه البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْحَج من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان بِهِ وَلكنه انْتهى عِنْد قَول أبي سُفْيَان حَتَّى أَدخل الله على الْإِسْلَام وَلم يذكر قصَّة ابْن الناطور وَكَذَا أخرجه مُسلم بِدُونِهَا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وَصَالح هُوَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال أَبُو الْحَارِث بن كيسَان الْغِفَارِيّ بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْفَاء المخففة وبالراء والدوسي بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة مَوْلَاهُم الْمدنِي مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ سمع ابْن عمر وَابْن الزبير وَغَيرهمَا من التَّابِعين وَعنهُ من التَّابِعين عَمْرو بن دِينَار وَغَيره سُئِلَ أَحْمد عَنهُ فَقَالَ بخ بخ قَالَ الْحَاكِم توفّي وَهُوَ ابْن مائَة سنة ونيف وَسِتِّينَ سنة وَكَانَ لَقِي جمَاعَة من الصَّحَابَة ثمَّ بعد ذَلِك تلمذ عَن الزُّهْرِيّ وتلقن مِنْهُ الْعلم وَهُوَ ابْن تسعين سنة قَالَ الْوَاقِدِيّ توفّي بعد الْأَرْبَعين
كتاب الإيمان
وَمِائَة قَالَ غَيره سنة خمس وَأَرْبَعين قلت فعلى هَذَا يكون أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعمره نَحْو عشْرين وَفِيمَا قَالَه الْحَاكِم نظر وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة صَالح بن كيسَان غير هَذَا فَافْهَم. قَوْله وَيُونُس أَي رَوَاهُ أَيْضا يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن الزُّهْرِيّ وَأخرج رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي الْجِهَاد مختصرة من طَرِيق اللَّيْث وَفِي الاسْتِئْذَان مختصرة أَيْضا من طَرِيق ابْن الْمُبَارك كِلَاهُمَا عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ بِعَيْنِه وَلم يسقه بِتَمَامِهِ وَقد سَاقه بِتَمَامِهِ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث وَذكر فِيهِ قصَّة ابْن الناطور. قَوْله وَمعمر أَي رَوَاهُ أَيْضا معمر بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ وَأخرج رِوَايَته أَيْضا البُخَارِيّ بِتَمَامِهَا فِي التَّفْسِير فقد ظهر لَك أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة عِنْد البُخَارِيّ عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَأَن الزُّهْرِيّ إِنَّمَا رَوَاهُ لأَصْحَابه بِسَنَد وَاحِد عَن شيخ وَاحِد وَهُوَ عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لَا كَمَا توهمه الْكرْمَانِي حَيْثُ يَقُول اعْلَم أَن هَذِه الْعبارَة تحْتَمل وَجْهَيْن أَن يروي البُخَارِيّ عَن الثَّلَاثَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَيْضا كَأَنَّهُ قَالَ أخبرنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع قَالَ أخبرنَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة عَن الزُّهْرِيّ وَأَن يرْوى عَنهُ بطرِيق آخر كَمَا أَن الزُّهْرِيّ أَيْضا يحْتَمل فِي رِوَايَته للثَّلَاثَة أَن يروي عَن عبيد الله عَن عبد الله بن عَبَّاس وَأَن يروي لَهُم عَن غَيره وَهَذَا توهم فَاسد من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن أَبَا الْيَمَان لم يلْحق صَالح بن كيسَان وَلَا سمع من يُونُس وَالْآخر لَو احْتمل أَن يروي الزُّهْرِيّ هَذَا الحَدِيث لهَؤُلَاء الثَّلَاثَة أَو لبَعْضهِم عَن شيخ آخر لَكَانَ ذَلِك خلافًا قد يُفْضِي إِلَى الِاضْطِرَاب الْمُوجب للضعف وَهَذَا إِنَّمَا نَشأ مِنْهُ لعدم تحريره فِي النَّقْل واعتماده من هَذَا الْفَنّ على الْعقل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (كتاب الْإِيمَان) أَي هَذَا كتاب الْإِيمَان فَيكون ارْتِفَاع الْكتاب على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَيجوز الْعَكْس وَيجوز نَصبه على هاك كتاب الْإِيمَان أَو خُذْهُ وَلما كَانَ بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي كالمقدمة فِي أول الْجَامِع لم يذكرهُ بِالْكتاب بل ذكره بِالْبَابِ ثمَّ شرع يذكر الْكتب على طَريقَة أَبْوَاب الْفِقْه وَقدم كتاب الْإِيمَان لِأَنَّهُ ملاك الْأَمر كُله إِذْ الْبَاقِي مَبْنِيّ عَلَيْهِ مَشْرُوط بِهِ وَبِه النجَاة فِي الدَّاريْنِ ثمَّ أعقبه بِكِتَاب الْعلم لِأَن مدَار الْكتب الَّتِي تَأتي بعده كلهَا عَلَيْهِ وَبِه تعلم وتميز وتفصل وَإِنَّمَا أَخّرهُ عَن الْإِيمَان لِأَن الْإِيمَان أول وَاجِب على الْمُكَلف أَو لِأَنَّهُ أفضل الْأُمُور على الْإِطْلَاق وَأَشْرَفهَا وَكَيف لَا وَهُوَ مبدأ كل خير علما وَعَملا ومنشأ كل كَمَال دقا وجلا فَإِن قلت فَلم قدم بَاب الْوَحْي قلت قد ذكرت لَك أَن بَاب الْوَحْي كالمقدمة فِي أول الْجَامِع وَمن شَأْنهَا أَن تكون أَمَام الْمَقْصُود وَأَيْضًا فالإيمان وَجَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ يتَوَقَّف عَلَيْهِ وشأن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ التَّقْدِيم أَو لِأَن الْوَحْي أول خبر نزل من السَّمَاء إِلَى هَذِه الْأمة ثمَّ ذكر بعد ذَلِك كتاب الصَّلَاة لِأَنَّهَا تالية الْإِيمَان وثانيته فِي الْكتاب وَالسّنة أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى {الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة} وَأما السّنة فَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث وَلِأَنَّهَا عماد الدّين وَالْحَاجة إِلَيْهَا ماسة لتكررها كل يَوْم خمس مَرَّات ثمَّ أعقبها بِالزَّكَاةِ لِأَنَّهَا ثَالِثَة الْإِيمَان وثانية الصَّلَاة فيهمَا ولاعتناء الشَّارِع بهَا لذكرها أَكثر من الصَّوْم وَالْحج فِي الْكتاب وَالسّنة ثمَّ أعقبها بِالْحَجِّ لِأَن الْعِبَادَة إِمَّا بدنية مَحْضَة أَو مَالِيَّة مَحْضَة أَو مركبة مِنْهُمَا فرتبها على هَذَا التَّرْتِيب والمفرد مقدم على الْمركب طبعا فقدمه أَيْضا وضعا ليُوَافق الْوَضع الطَّبْع وَأما تَقْدِيم الصَّلَاة على الزَّكَاة فَلَمَّا ذكرنَا وَلِأَن الْحَج ورد فِيهِ تغليظات عَظِيمَة بِخِلَاف الصَّوْم وَلعدم سُقُوطه بِالْبَدَلِ لوُجُوب الْإِتْيَان بِهِ إِمَّا مُبَاشرَة أَو استنابة بِخِلَاف الصَّوْم ثمَّ أعقب الْحَج بِالصَّوْمِ لكَونه مَذْكُورا فِي الحَدِيث الْمَشْهُور مَعَ الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة وَفِي وضع الْفُقَهَاء الصَّوْم مقدم على الْحَج نظرا إِلَى كَثْرَة دورانه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَج وَفِي بعض النّسخ يُوجد كتاب الصَّوْم مقدما على كتاب الْحَج كأوضاع الْفُقَهَاء ثمَّ أَنه توج كل وَاحِد مِنْهَا بِالْكتاب ثمَّ قسم الْكتاب إِلَى الْأَبْوَاب لِأَن كل كتاب مِنْهَا تَحْتَهُ أَنْوَاع فالعادة أَن يذكر كل نوع بِبَاب وَرُبمَا يفصل كل بَاب بفصول كَمَا فِي بعض الْكتب الْفِقْهِيَّة وَالْكتاب يجمع الْأَبْوَاب لِأَنَّهُ من الْكتب وَهُوَ الْجمع وَالْبَاب هُوَ النَّوْع وأصل مَوْضُوعه الْمدْخل ثمَّ اسْتعْمل فِي الْمعَانِي مجَازًا ثمَّ لَفْظَة الْكتاب هَهُنَا يجوز أَن تكون بِمَعْنى الْمَكْتُوب كالحساب بِمَعْنى المحسوب وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر تَقول كتب يكْتب كتبا وَكِتَابَة وكتابا وَلَفظ (ك ت ب) فِي جَمِيع
باب الإيمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس
تَصَرُّفَاته رَاجع إِلَى معنى الْجمع والصم وَمِنْه الكتيبة وَهِي الْجَيْش لِاجْتِمَاع الفرسان فِيهَا وكتبت الْقرْبَة إِذْ خرزتها وكتبت البغلة إِذا جمعت بَين شفرتيها بِحَلقَة أَو سير وكتبت النَّاقة تكتيبا إِذا صررتها ثمَّ أَنه يُوجد فِي كثير من النّسخ على أول كل كتاب من الْكتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَذَلِكَ عملا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أَجْذم أَو أقطع فَهَذَا وَإِن كَانَت الْبَسْمَلَة مغنية عَنهُ لكنه كررها لزِيَادَة الاعتناء على التَّمَسُّك بِالسنةِ وللتبرك بابتداء اسْم الله تَعَالَى فِي أول كل أَمر (بَاب الْإِيمَان وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس) أَي هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس فَيكون ارْتِفَاع بَاب على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَيجوز النصب على خُذ بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي بعض النّسخ بَاب الْإِيمَان وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس وَالْأولَى أصح لِأَنَّهُ ذكر أَولا كتاب الْإِيمَان وَلَا يُنَاسب بعده إِلَّا الْأَبْوَاب الَّتِي تدل على الْأَنْوَاع وَذكر بَاب الْإِيمَان بعد ذكر كتاب الْإِيمَان لَا طائل تَحْتَهُ على مَا لَا يخفى وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ ذكر لفظ بَاب وَقد أخرج قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث هُنَا مُسْندًا وَفِي غَيره أَيْضا على مَا نبينه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ بَعضهم واقتصاره على طرفه من تَسْمِيَة الشَّيْء باسم بعضه قلت لَا تَسْمِيَة هُنَا وَلَا إِطْلَاق اسْم بعض الشَّيْء على الشَّيْء وَإِنَّمَا البُخَارِيّ لما أَرَادَ أَن يبوب على هَذَا الحَدِيث بَابا ذكر أَولا بعضه لأجل التَّبْوِيب وَاكْتفى عَن ذكر كُله عِنْد الْبَاب بِذكرِهِ إِيَّاه مُسْندًا فِيمَا بعد فَافْهَم وَالْكَلَام فِي الْإِيمَان على أَنْوَاع الأول فِي مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ رَحمَه الله الْإِيمَان أَفعَال من الْأَمْن يُقَال آمنته وآمنته غَيْرِي ثمَّ يُقَال آمنهُ إِذا صدقه وَحَقِيقَته آمنهُ التَّكْذِيب والمخالفة وَأما تعديته بِالْبَاء فلتضمينه معنى أقرّ واعترف وَأما مَا حكى أَبُو زيد عَن الْعَرَب مَا آمَنت أَن أجد صحابة أَي مَا وثقت فحقيقته صرت ذَا أَمن بِهِ أَي ذَا سُكُون وطمأنينة وَقَالَ بعض شرَّاح كَلَامه وَحَقِيقَة قَوْلهم آمَنت صرت ذَا أَمن وَسُكُون ثمَّ ينْقل إِلَى الوثوق ثمَّ إِلَى التَّصْدِيق وَلَا خَفَاء أَن اللَّفْظ مجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى هذَيْن الْمَعْنيين لِأَن من آمنهُ التَّكْذِيب فقد صدقه وَمن كَانَ ذَا أَمن فَهُوَ فِي وثوق وطمأنينة فَهُوَ انْتِقَال من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم الثَّانِي فِي مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار عرف الشَّرْع فقد اخْتلف أهل الْقبْلَة فِي مُسَمّى الْإِيمَان فِي عرف الشَّرْع على أَربع فرق فرقة قَالُوا الْإِيمَان فعل الْقلب فَقَط وَهَؤُلَاء قد اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا هُوَ مَذْهَب الْمُحَقِّقين وَإِلَيْهِ ذهب الْأَشْعَرِيّ وَأكْثر الْأَئِمَّة كَالْقَاضِي عبد الْجَبَّار والأستاذ أبي إِسْحَق الإسفرايني وَالْحُسَيْن بن الْفضل وَغَيرهم أَنه مُجَرّد التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ أَي تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كل مَا علم مَجِيئه بِهِ بِالضَّرُورَةِ تَصْدِيقًا جَازِمًا مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ لدَلِيل أَو لَا فَقَوْلهم مُجَرّد التَّصْدِيق إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يعْتَبر فِيهِ كَونه مَقْرُونا بِعَمَل الْجَوَارِح وَالتَّقْيِيد بِالضَّرُورَةِ لإِخْرَاج مَا لَا يعلم بِالضَّرُورَةِ أَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ بِهِ كالاجتهاديات كالتصديق بِأَن الله تَعَالَى عَالم بِالْعلمِ أَو عَالم بِذَاتِهِ والتصديق بِكَوْنِهِ مرئيا أَو غير مرئي فَإِن هذَيْن التصديقين وأمثالهما غير دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْإِيمَان فَلهَذَا لَا يكفر مُنكر الاجتهاديات بِالْإِجْمَاع وَالتَّقْيِيد بالجازم لإِخْرَاج التَّصْدِيق الظني فَإِنَّهُ غير كَاف فِي حُصُول الْإِيمَان وَالتَّقْيِيد بِالْإِطْلَاقِ لدفع وهم خُرُوج اعْتِقَاد الْمُقَلّد فَإِن إيمَانه صَحِيح عِنْد الْأَكْثَرين وَهُوَ الصَّحِيح: فَإِن قيل اقْتصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن الْإِيمَان فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ بِذكر الْإِيمَان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فَلم زيد عَلَيْهِ الْإِيمَان بِكُل مَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت لاشتمال الْإِيمَان بالكتب عَلَيْهِ لِأَن من جملَة الْكتب الْقُرْآن وَهُوَ يدل على وجوب أَخذ كل مَا جَاءَ بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم باعتقاد حَقِيقَته وَالْعَمَل بِهِ لقَوْله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الْإِيمَان معرفَة الله تَعَالَى وَحده بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ لَيْسَ بِرُكْن فِيهِ وَلَا شَرط حَتَّى أَن من عرف الله بِقَلْبِه ثمَّ جحد بِلِسَانِهِ وَمَات قبل أَن يقربهُ فَهُوَ مُؤمن كَامِل الْإِيمَان وَهُوَ قَول جهم بن صَفْوَان وَأما معرفَة الْكتب وَالرسل وَالْيَوْم الآخر فقد زعم أَنَّهَا غير دَاخِلَة فِي حد الْإِيمَان وَهَذَا بعيد من الصَّوَاب لمُخَالفَة ظَاهر الحَدِيث وَالصَّوَاب مَا حَكَاهُ
الكعبي عَن جهم أَن الْإِيمَان معرفَة الله تَعَالَى مَعَ معرفَة كل مَا علم بِالضَّرُورَةِ كَونه من دين مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والفرقة الثَّانِيَة قَالُوا أَن الْإِيمَان عمل بِاللِّسَانِ فقد وهم أَيْضا فريقان الأول أَن الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ هُوَ الْإِيمَان فَقَط وَلَكِن شَرط كَونه إِيمَانًا حُصُول الْمعرفَة فِي الْقلب فالمعرفة شَرط لكَون الْإِقْرَار اللساني إِيمَانًا لِأَنَّهَا دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْإِيمَان وَهُوَ قَول غيلَان بن مُسلم الدِّمَشْقِي وَالْفضل الرقاشِي الثَّانِي أَن الْإِيمَان مُجَرّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَهُوَ قَول الكرامية وَزَعَمُوا أَن الْمُنَافِق مُؤمن الظَّاهِر كَافِر السريرة فَيثبت لَهُ حكم الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا وَحكم الْكَافرين فِي الْآخِرَة والفرقة الثَّالِثَة قَالُوا أَن الْإِيمَان عمل الْقلب وَاللِّسَان مَعًا أَي فِي الْإِيمَان الاستدلالي دون الَّذِي بَين العَبْد وَبَين ربه وَقد اخْتلف هَؤُلَاءِ على أَقْوَال الأول أَن الْإِيمَان إِقْرَار بِاللِّسَانِ وَمَعْرِفَة بِالْقَلْبِ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَعَامة الْفُقَهَاء وَبَعض الْمُتَكَلِّمين الثَّانِي أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان مَعًا وَهُوَ قَول بشر المريسي وَأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ الثَّالِث أَن الْإِيمَان إِقْرَار بِاللِّسَانِ وإخلاص بِالْقَلْبِ فَإِن قلت مَا حَقِيقَة الْمعرفَة بِالْقَلْبِ على قَول أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ قلت فسروها بشيئين الأول بالاعتقاد الْجَازِم سَوَاء كَانَ اعتقادا تقليديا أَو كَانَ علما صادرا عَن الدَّلِيل وَهُوَ الْأَكْثَر وَالأَصَح وَلِهَذَا حكمُوا بِصِحَّة إِيمَان الْمُقَلّد الثَّانِي بِالْعلمِ الصَّادِر عَن الدَّلِيل وَهُوَ الْأَقَل فَلذَلِك زَعَمُوا أَن إِيمَان الْمُقَلّد غير صَحِيح ثمَّ اعْلَم أَن لهَؤُلَاء الْفرْقَة اخْتِلَافا فِي مَوضِع آخر أَيْضا وَهُوَ أَن الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ هَل هُوَ ركن الْإِيمَان أم شَرط لَهُ فِي حق إِجْرَاء الْأَحْكَام قَالَ بَعضهم هُوَ شَرط لذَلِك حَتَّى أَن من صدق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ من عِنْد الله تَعَالَى فَهُوَ مُؤمن فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَإِن لم يقر بِلِسَانِهِ وَقَالَ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ هُوَ الْمَرْوِيّ عَن أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَإِلَيْهِ ذهب الْأَشْعَرِيّ فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ قَول أبي مَنْصُور الماتريدي وَقَالَ بَعضهم هُوَ ركن لكنه لَيْسَ بأصلي لَهُ كالتصديق بل هُوَ ركن زَائِد وَلِهَذَا يسْقط حَالَة الْإِكْرَاه وَالْعجز وَقَالَ فَخر الْإِسْلَام أَن كَونه ركنا زَائِدا مَذْهَب الْفُقَهَاء وَكَونه شرطا لإجراء الْأَحْكَام مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين والفرقة الرَّابِعَة قَالُوا أَن الْإِيمَان فعل الْقلب وَاللِّسَان مَعَ سَائِر الْجَوَارِح وهم أَصْحَاب الحَدِيث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْأَوْزَاعِيّ وَقَالَ الإِمَام وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة والخوارج والزيدية أما أَصْحَاب الحَدِيث فَلهم أَقْوَال ثَلَاثَة الأول أَن الْمعرفَة إِيمَان كَامِل وَهُوَ الأَصْل ثمَّ بعد ذَلِك كل طَاعَة إِيمَان على حِدة وَزَعَمُوا أَن الْجُحُود وإنكار الْقلب كفر ثمَّ كل مَعْصِيّة بعده كفر على حِدة وَلم يجْعَلُوا شَيْئا من الطَّاعَات إِيمَانًا مَا لم تُوجد الْمعرفَة وَالْإِقْرَار وَلَا شَيْئا من الْمعاصِي كفرا مَا لم يُوجد الْجُحُود وَالْإِنْكَار لِأَن أصل الطَّاعَات الْإِيمَان وأصل الْمعاصِي الْكفْر وَالْفرع لَا يحصل دون مَا هُوَ أَصله وَهُوَ قَول عبد الله بن سعيد القَوْل الثَّانِي أَن الْإِيمَان اسْم للطاعات كلهَا فرائضها ونوافلها وَهِي بجملتها إِيمَان وَاحِد وَأَن من ترك شَيْئا من الْفَرَائِض فقد انْتقصَ إيمَانه وَمن ترك النَّوَافِل لَا ينقص إيمَانه القَوْل الثَّالِث أَن الْإِيمَان اسْم للفرائض دون النَّوَافِل وَأما الْمُعْتَزلَة فقد اتَّفقُوا على أَن الْإِيمَان إِذا عدى بِالْبَاء فَالْمُرَاد بِهِ فِي الشَّرْع التَّصْدِيق يُقَال آمن بِاللَّه أَي صدق فَإِن الْإِيمَان بِمَعْنى أَدَاء الْوَاجِبَات لَا يُمكن فِيهِ هَذِه التَّعْدِيَة لَا يُقَال فلَان آمن بِكَذَا إِذا صلى أَو صَامَ بل يُقَال آمن لله كَمَا يُقَال صلى لله فالإيمان المعدى بِالْبَاء يجْرِي على طَرِيق اللُّغَة وَأما إِذا ذكر مُطلقًا غير معدى فقد اتَّفقُوا على أَنه مَنْقُول نقلا ثَانِيًا من معنى التَّصْدِيق إِلَى معنى آخر ثمَّ اخْتلفُوا فِيهِ على وُجُوه أَحدهَا أَن الْإِيمَان عبارَة عَن فعل كل الطَّاعَات سَوَاء كَانَت وَاجِبَة أَو مَنْدُوبَة أَو من بَاب الاعتقادات أَو الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَهُوَ قَول وَاصل بن عَطاء وَأبي الْهُذيْل وَالْقَاضِي عبد الْجَبَّار وَالثَّانِي أَنه عبارَة عَن فعل الْوَاجِبَات فَقَط دون النَّوَافِل وَهُوَ قَول أبي عَليّ الجبائي وَأبي هَاشم وَالثَّالِث أَن الْإِيمَان عبارَة عَن اجْتِنَاب كل مَا جَاءَ فِيهِ الْوَعيد وَهُوَ قَول النظام وَمن أَصْحَابه من قَالَ شَرط كَونه مُؤمنا عندنَا وَعند الله اجْتِنَاب كل الْكَبَائِر وَأما الْخَوَارِج فقد اتَّفقُوا على أَن الْإِيمَان بِاللَّه يتَنَاوَل معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة كل مَا نصب الله عَلَيْهِ دَلِيلا عقليا أَو نقليا ويتناول طَاعَة الله تَعَالَى فِي جَمِيع مَا أَمر بِهِ وَنهى صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا قَالُوا مَجْمُوع هَذِه الْأَشْيَاء هُوَ الْإِيمَان وَيقرب من مَذْهَب الْمُعْتَزلَة مَذْهَب الْخَوَارِج وَيقرب من مَذْهَبهمَا مَا ذهب إِلَيْهِ السّلف وَأهل الْأَثر أَن الْإِيمَان عبارَة عَن مَجْمُوع ثَلَاثَة أَشْيَاء التَّصْدِيق بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالأركان إِلَّا أَن بَين هَذِه الْمذَاهب فرقا وَهُوَ أَن من ترك شَيْئا من الطَّاعَات سَوَاء أَكَانَ من الْأَفْعَال أَو الْأَقْوَال خرج من الْإِيمَان عِنْد
الْمُعْتَزلَة وَلم يدْخل فِي الْكفْر بل وَقع فِي مرتبَة بَينهمَا يسمونها منزلَة بَين المنزلتين وَعند الْخَوَارِج دخل فِي الْكفْر لِأَن ترك كل وَاحِدَة من الطَّاعَات كفر عِنْدهم وَعند السّلف لم يخرج من الْإِيمَان وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ وَهَذِه أول مَسْأَلَة نشأت فِي الاعتزال وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل فالمخل بِالْأولِ وَحده مُنَافِق وَبِالثَّانِي وَحده كَافِر وبالثالث وَحده فَاسق ينجو من الخلود فِي النَّار وَيدخل الْجنَّة قَالَ الإِمَام هَذَا فِي غَايَة الصعوبة لِأَن الْعَمَل إِذا كَانَ ركنا لَا يتَحَقَّق الْإِيمَان بِدُونِهِ فَغير الْمُؤمن كَيفَ يخرج من النَّار وَيدخل الْجنَّة قلت قد أُجِيب عَن هَذَا الْإِشْكَال بِأَن الْإِيمَان فِي كَلَام الشَّارِع قد جَاءَ بِمَعْنى أصل الْإِيمَان وَهُوَ الَّذِي لَا يعْتَبر فِيهِ كَونه مَقْرُونا بِالْعَمَلِ كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله وتؤمن بِالْبَعْثِ وَالْإِسْلَام أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة وتصوم رَمَضَان الحَدِيث وَقد جَاءَ بِمَعْنى الْإِيمَان الْكَامِل وَهُوَ المقرون بِالْعَمَلِ كَمَا فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه وَحده قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصِيَام رَمَضَان وَأَن تعطوا من الْمغنم الْخمس وَالْإِيمَان بِهَذَا الْمَعْنى هُوَ المُرَاد بِالْإِيمَان الْمَنْفِيّ فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن الحَدِيث وَهَكَذَا كل مَوضِع جَاءَ بِمثلِهِ فَالْخِلَاف فِي الْمَسْأَلَة لَفْظِي لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى تَفْسِير الْإِيمَان وَأَنه فِي أَي الْمَعْنيين مَنْقُول شَرْعِي وَفِي أَيهمَا مجَاز وَلَا خلاف فِي الْمَعْنى فَإِن الْإِيمَان المنجي من دُخُول النَّار هُوَ الثَّانِي بِاتِّفَاق جَمِيع الْمُسلمين وَالْإِيمَان المنجي من الخلود فِي النَّار هُوَ الأول بِاتِّفَاق أهل السّنة خلافًا للمعتزلة والخوارج وَمِمَّا يدل على ذَلِك قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث أبي ذَر مَا من عبد قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ مَاتَ على ذَلِك إِلَّا دخل الْجنَّة قلت وَإِن زنى وَإِن سرق قَالَ وَإِن زنى وَإِن سرق الحَدِيث وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان فَالْحَاصِل أَن السّلف وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا جعلُوا الْعَمَل ركنا من الْإِيمَان بِالْمَعْنَى الثَّانِي دون الأول وحكموا مَعَ فَوَات الْعَمَل بِبَقَاء الْإِيمَان بِالْمَعْنَى الأول وَبِأَنَّهُ ينجو من النَّار بِاعْتِبَار وجوده وَإِن فَاتَ الثَّانِي فَبِهَذَا ينْدَفع الْإِشْكَال فَإِن قلت مَا مَاهِيَّة التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ قلت قَالَ الإِمَام قولا حَاصله أَن المُرَاد من التَّصْدِيق الحكم الذهْنِي بَيَان ذَلِك أَن من قَالَ أَن الْعَالم مُحدث لَيْسَ مَدْلُول هَذِه الْأَلْفَاظ كَون الْعَالم مَوْصُوفا بالحدوث بل حكم ذَلِك الْقَائِل بِكَوْن الْعَالم حَادِثا فَالْحكم بِثُبُوت الْحُدُوث للْعَالم مُغَاير لثُبُوت الْحُدُوث لَهُ فَهَذَا الحكم الذهْنِي بالثبوت أَو الانتفاء أَمر يعبر عَنهُ فِي كل لُغَة بِلَفْظ خَاص بِهِ وَاخْتِلَاف الصِّيَغ والعبارات مَعَ كَون الحكم الذهْنِي أمرا وَاحِدًا يدل على أَن الحكم الذهْنِي أَمر مُغَاير لهَذِهِ الصِّيَغ والعبارات وَلِأَن هَذِه الصِّيَغ دَالَّة على ذَلِك الحكم وَالدَّال غير الْمَدْلُول ثمَّ نقُول هَذَا الحكم الذهْنِي غير الْعلم لِأَن الْجَاهِل بالشَّيْء قد يحكم بِهِ فَعلمنَا أَن هَذَا الحكم الذهْنِي مُغَاير للْعلم فَيكون المُرَاد من التَّصْدِيق هُوَ هَذَا الحكم الذهْنِي وَيعلم من هَذَا الْكَلَام أَن المُرَاد من التَّصْدِيق هَهُنَا هُوَ التَّصْدِيق الْمُقَابل للتصور وَاعْترض عَلَيْهِ صدر الشَّرِيعَة بِأَن ذَلِك غير كَاف فَإِن بعض الْكفَّار كَانُوا عَالمين برسالة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقَوْله تَعَالَى {الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم} الْآيَة وَفرْعَوْن كَانَ عَالما برسالة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لقَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن خطاب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَهُ مُشِيرا إِلَى المعجزات الَّتِي أوتيها {قَالَ لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَاوَات} الْآيَة وَمَعَ ذَلِك كَانُوا كَافِرين وَلَو كَانَ ذَلِك كَافِيا لكانوا مُؤمنين لِأَن من صدق بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ شَرط إِجْرَاء الْأَحْكَام كَمَا هُوَ مَرْوِيّ عَن أبي حنيفَة وَأَصَح الرِّوَايَتَيْنِ عَن الْأَشْعَرِيّ بل المُرَاد بِهِ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ وَهُوَ أَن ينْسب الصدْق إِلَى الْمخبر اخْتِيَارا قَالَ وَإِنَّمَا قيدنَا بِهَذَا لِأَنَّهُ إِن وَقع فِي الْقلب صدق الْمخبر ضَرُورَة كَمَا إِذا ادّعى النَّبِي النُّبُوَّة وَأظْهر المعجزة وَوَقع صدقه فِي قلب أحد ضَرُورَة من غير أَن ينْسب الصدْق إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتِيَارا لَا يُقَال فِي اللُّغَة أَنه صدقه فَعلم أَن المُرَاد من التَّصْدِيق إِيقَاع نِسْبَة الصدْق إِلَى الْمخبر اخْتِيَار الَّذِي هُوَ الْكَلَام النَّفْسِيّ وَيُسمى عقد الْإِيمَان وَالْكفَّار الْعَالمُونَ برسالة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام إِنَّمَا لم يَكُونُوا مُؤمنين لأَنهم كذبُوا الرُّسُل فهم كافرون لعدم التَّصْدِيق لَهُم وَلقَائِل أَن يَقُول التَّصْدِيق بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ عين التَّصْدِيق الْمُقَابل للتصور لِأَن إِيقَاع نِسْبَة الصدْق إِلَى الْمخبر هُوَ الحكم بِثُبُوت الصدْق لَهُ وَهُوَ عين هَذَا التَّصْدِيق وَإِنَّمَا لم يكن الْكفَّار الْعَالمُونَ برسالة الرُّسُل مُؤمنين مَعَ حُصُول التَّصْدِيق لَهُم لِأَن من أنكر مِنْهُم رسالتهم أبطل تَصْدِيقه القلبي تَكْذِيبه اللساني وَمن لم ينكرها أبْطلهُ بترك الْإِقْرَار اخْتِيَارا لِأَن الْإِقْرَار شَرط إِجْرَاء الْأَحْكَام
على رَأْي كَمَا مر وركن الْإِيمَان حَالَة الِاخْتِيَار على رَأْي كَمَا مر فَلَا يدل كفرهم على أَن هَذَا التَّصْدِيق غير كَاف وَلِهَذَا لَو حصل التَّصْدِيق لأحد وَمَات من سَاعَته فَجْأَة قبل الْإِقْرَار يكون مُؤمنا إِجْمَاعًا وَبَقِي هُنَا شَيْء آخر وَهُوَ أَن التَّصْدِيق مَأْمُور بِهِ فَيكون فعلا اختياريا والتصديق الْمُقَابل للتصور لَيْسَ باختياري كَمَا بَين فِي مَوْضِعه فَيَنْبَغِي أَن يَجْعَل التَّصْدِيق فعلا من أَفعَال النَّفس الاختيارية أَو يُقيد بِأَن يكون حُصُوله اخْتِيَارا بِمُبَاشَرَة سَببه الْمعد لحصوله كَمَا قيد الْمُعْتَرض التَّصْدِيق اللّغَوِيّ بذلك إِلَّا أَنه يلْزم على هَذَا اخْتِصَاص التَّصْدِيق بِأَن يكون علما صادرا عَن الدَّلِيل إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول احْتج الْمُحَقِّقُونَ بِوُجُوه مِنْهَا مَا يدل على أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق وَمِنْهَا مَا يدل على أَن الْإِيمَان بالاجتهاديات كاعتقاد كَونه عز وَجل مرئيا أَو غير مرئي وَنَحْوه غير وَاجِب وَمِنْهَا مَا يدل على صِحَة إِيمَان الْمُقَلّد وَعدم اخْتِصَاص التَّصْدِيق بِمَا يكون عَن دَلِيل الْقسم الأول ثَلَاثَة أوجه الأول أَن الْخطاب الَّذِي توجه علينا بِلَفْظ آمنُوا بِاللَّه إِنَّمَا هُوَ بِلِسَان الْعَرَب وَلم تكن الْعَرَب تعرف من لفظ الْإِيمَان فِيهِ إِلَّا التَّصْدِيق وَالنَّقْل عَن التَّصْدِيق لم يثبت فِيهِ إِذْ لَو ثَبت لنقل إِلَيْنَا تواترا واشتهر الْمَعْنى الْمَنْقُول إِلَيْهِ لتوفر الدَّوَاعِي على نَقله وَمَعْرِفَة ذَلِك الْمَعْنى لِأَنَّهُ من أَكثر الْأَلْفَاظ دورا على أَلْسِنَة الْمُسلمين فَلَمَّا لم ينْقل كَذَلِك عرفنَا أَنه بَاقٍ على معنى التَّصْدِيق الثَّانِي الْآيَات الدَّالَّة على أَن مَحل الْإِيمَان هُوَ الْقلب مثل قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان} وَقَوله تَعَالَى {من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم} وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأسامة حِين قتل من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَاعْتذر بِأَنَّهُ لم يقلهُ عَن اعْتِقَاد بل عَن خوف الْقَتْل هلا شققت عَن قلبه فَإِن قلت لَا يلْزم من كَون مَحل الْإِيمَان هُوَ الْقلب كَون الْإِيمَان عبارَة عَن التَّصْدِيق لجَوَاز كَونه عبارَة عَن الْمعرفَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ جهم بن صَفْوَان قلت لَا سَبِيل إِلَى كَونه عبارَة عَن الْمعرفَة لوَجْهَيْنِ الأول أَن لفظ الْإِيمَان فِي خطاب آمنُوا بِاللَّه مُسْتَعْمل فِي لِسَان الْعَرَب فِي التَّصْدِيق وَأَنه غير مَنْقُول عَنهُ إِلَى معنى آخر فَلَو كَانَ عبارَة عَن الْمعرفَة للَزِمَ صرفه عَمَّا يفهم مِنْهُ عِنْد الْعَرَب إِلَى غَيره من غير قرينَة وَذَلِكَ بَاطِل وَإِلَّا لجَاز مثله فِي سَائِر الْأَلْفَاظ وَفِيه إبِْطَال اللُّغَات وَلُزُوم تطرق الْخلَل إِلَى الدَّلَائِل السمعية وارتفاع الوثوق عَلَيْهَا وَهَذَا خلف الثَّانِي أَن أهل الْكتاب وَفرْعَوْن كَانُوا عارفين بنبوة مُحَمَّد ومُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَلم يَكُونُوا مُؤمنين لعدم التَّصْدِيق فَتعين كَونه عبارَة عَن التَّصْدِيق إِذْ لَا قَائِل بثالث الْوَجْه الثَّالِث أَن الْكفْر ضد الْإِيمَان وَلِهَذَا اسْتعْمل فِي مُقَابلَته قَالَ الله تَعَالَى {فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه} وَالْكفْر هُوَ التَّكْذِيب والجحود وهما يكونَانِ بِالْقَلْبِ فَكَذَا مَا يضادهما إِذْ لَا تضَاد عِنْد تغاير المحلين فَثَبت أَن الْإِيمَان فعل الْقلب وَأَنه عبارَة عَن التَّصْدِيق لِأَن ضد التَّكْذِيب التَّصْدِيق فَإِن قلت جَازَ أَن يكون حُصُول التَّكْذِيب والتصديق بِاللِّسَانِ بِدُونِ التَّصْدِيق القلبي لَا وجودا وَلَا عدما أما وجودا فَفِي الْمُنَافِق وَأما عدما فَفِي الْمُكْره بِالْقَتْلِ على إِجْرَاء كلمة الْكفْر على لِسَانه إِذا كَانَ قلبه مطمئنا بِالْإِيمَان قَالَ الله تَعَالَى {وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر وَمَا هم بمؤمنين} نفي عَن الْمُنَافِقين الْإِيمَان مَعَ التَّصْدِيق اللساني لعدم التَّصْدِيق القلبي وَقَالَ تَعَالَى {إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} أَبَاحَ للمكره التَّكْذِيب بِاللِّسَانِ عِنْد وجود التَّصْدِيق القلبي الْقسم الثَّانِي ثَمَانِيَة أوجه الأول وَهُوَ مَا يدل على أَن الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ غير دَاخل فِيهِ مَا أَشَرنَا أَنه لَا يدل وجوده على وجود الْإِيمَان وَلَا عَدمه على عَدمه فَجعل شرطا لإجراء الْأَحْكَام لِأَن الأَصْل فِي الْأَحْكَام أَن تكون مَبْنِيَّة على الْأُمُور الظَّاهِرَة إِذا كَانَ أَسبَابهَا الْحَقِيقِيَّة خُفْيَة لَا يُمكن الِاطِّلَاع عَلَيْهَا إِلَّا بعسر وَأَن تُقَام هِيَ مقَامهَا كَمَا فِي السّفر مَعَ الْمَشَقَّة والتقاء الختانين مَعَ الْإِنْزَال فَكَذَلِك هَهُنَا لما كَانَ التَّصْدِيق القلبي الَّذِي هُوَ منَاط الْأَحْكَام الإسلامية أمرا بَاطِنا جعل دَلِيله الظَّاهِر وَهُوَ الْإِقْرَار بِالْقَلْبِ قَائِما مقَامه لِأَن الْمَوْضُوع للدلالة على الْمعَانِي الْحَاصِلَة فِي الْقلب إِذا قصد الْإِعْلَام بهَا على مَا هُوَ الأَصْل إِنَّمَا هِيَ الْعبارَة لَا الْإِشَارَة وَالْكِتَابَة وأمثالهما فَيحكم بِإِيمَان من تلفظ بكلمتي الشَّهَادَة سَوَاء تحقق مَعَه التَّصْدِيق القلبي أَو لَا وَيحكم بِكفْر من لم يتَلَفَّظ بهما مَعَ تمكنه سَوَاء كَانَ مَعَه التَّصْدِيق القلبي أَو لَا وَمن جعله ركنا فَإِنَّمَا جعله ركنا أَيْضا لدلالته على التَّصْدِيق لَا لخُصُوص كَونه إِقْرَارا أَلا ترى أَن الْكَافِر إِذا صلى بِجَمَاعَة يحكم بِإِسْلَامِهِ وتجري عَلَيْهِ أَحْكَام أهل الْإِيمَان عِنْد أبي حنيفَة وَأَصْحَابه خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَن الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة أَيْضا جعلت دَلِيلا على تحقق الْإِيمَان لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صلى صَلَاتنَا واستقبل قبلتنا
فَهُوَ منا أَي الصَّلَاة المختصة بِنَا وَهِي الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة بِخِلَاف الصَّلَاة مُنْفَردا وَسَائِر الْعِبَادَات لعدم اختصاصها بملتنا هَذَا كُله فِي الْإِيمَان الاستدلالي الَّذِي تجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَام وَأما الْإِيمَان الَّذِي يجْرِي بَين العَبْد وَبَين ربه فَإِنَّهُ يتَحَقَّق بِدُونِ الْإِقْرَار فِيمَن عرف الله تَعَالَى وَسَائِر مَا يجب الْإِيمَان بِهِ بِالدَّلِيلِ واعتقد ثُبُوتهَا وَمَات قبل أَن يجد من الْوَقْت قدر مَا يتَلَفَّظ بكلمتي الشَّهَادَة أَو وجده لكنه لم يتَلَفَّظ بهما فَإِنَّهُ يحكم بِأَنَّهُ مُؤمن لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَهَذَا قلبه مَمْلُوء من الْإِيمَان فَكيف لَا يكون مُؤمنا فَإِن قيل يلْزم من هَذَا أَن لَا يكون الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ مُعْتَبرا فِي الْإِيمَان وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع لِأَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَنه مُعْتَبر وَإِنَّمَا الْخلاف فِي كَونه ركنا أَو شرطا قلت منع الْغَزالِيّ هَذَا الْإِجْمَاع وَحكم بِكَوْنِهِ مُؤمنا وَأَن الِامْتِنَاع عَن النُّطْق يجْرِي مجْرى الْمعاصِي الَّتِي يُؤْتى بهَا مَعَ الْإِيمَان وَمن كَلَامه يفهم جَوَاز ترك الْإِقْرَار حَالَة الِاخْتِيَار أَيْضا فِي الْجُمْلَة وَهُوَ بِمَعْنى ثَان لكَونه ركنا زَائِدا الثَّانِي أَنه يدل على أَن أَعمال سَائِر الْجَوَارِح غير دَاخِلَة فِيهِ لِأَنَّهُ عطف الْعَمَل الصَّالح على الْإِيمَان فِي قَوْله تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كَانَت لَهُم جنَّات الفردوس نزلا} وَقَوله {الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ} الْآيَة وَقَوله {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله} الْآيَة فَهَذِهِ كلهَا تدل على خُرُوجه عَنهُ إِذْ لَو دخل فِيهِ يلْزم من عطفه عَلَيْهِ التّكْرَار من غير فَائِدَة الثَّالِث مقارنته بضد الْعَمَل الصَّالح كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا} الْآيَة وَوجه دلَالَته على الْمَطْلُوب أَنه لَا يجوز مُقَارنَة الشَّيْء بضد جزئه الرَّابِع قَوْله تَعَالَى {الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم} أَي لم يخلطوه بارتكاب الْمُحرمَات وَلَو كَانَت الطَّاعَة دَاخِلَة فِي الْإِيمَان لَكَانَ الظُّلم منفيا عَن الْإِيمَان لِأَن ضد جُزْء الشَّيْء يكون منفيا عَنهُ وَإِلَّا يلْزم اجْتِمَاع الضدين فَيكون عطف الاجتناب مِنْهَا عَلَيْهِ تَكْرَارا بِلَا فَائِدَة الْخَامِس أَنه تَعَالَى جعل الْإِيمَان شرطا لصِحَّة الْعَمَل قَالَ الله تَعَالَى {وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله إِن كُنْتُم مُؤمنين} وَقَالَ الله تَعَالَى {وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن} وَشرط الشَّيْء يكون خَارِجا عَن ماهيته السَّادِس أَنه تَعَالَى خَاطب عباده باسم الْإِيمَان ثمَّ كلفهم بِالْأَعْمَالِ كَمَا فِي آيَات الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالْوُضُوء وَذَلِكَ يدل على خُرُوج الْعَمَل من مَفْهُوم الْإِيمَان وَإِلَّا يلْزم التَّكْلِيف بتحصيل الْحَاصِل السَّابِع أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اقْتصر عِنْد سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن الْإِيمَان بِذكر التَّصْدِيق حَيْثُ قَالَ الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله وتؤمن بِالْبَعْثِ ثمَّ قَالَ فِي آخِره هَذَا جِبْرِيل جَاءَ يعلم النَّاس دينهم وَلَو كَانَ الْإِيمَان اسْما للتصديق مَعَ شَيْء آخر كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقصرا فِي الْجَواب وَكَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام آتِيَا ليلبس عَلَيْهِم أَمر دينهم لَا ليعلمهم إِيَّاه الثَّامِن أَنه تَعَالَى أَمر الْمُؤمنِينَ بِالتَّوْبَةِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة} وَقَوله تَعَالَى {وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ} وَهَذَا يدل على صِحَة اجْتِمَاع الْإِيمَان مَعَ الْمعْصِيَة لِأَن التَّوْبَة لَا تكون إِلَّا من الْمعْصِيَة وَالشَّيْء لَا يجْتَمع مَعَ ضد جزئه الْقسم الثَّالِث وَجه وَاحِد وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يحكم بِإِيمَان من لم يخْطر بِبَالِهِ كَونه تَعَالَى عَالما بِذَاتِهِ أَو بِالْعلمِ أَو كَونه عَالما بالجزئيات على الْوَجْه الْكُلِّي أَو على الْوَجْه الجزئي وَلَو كَانَ التَّصْدِيق بأمثال ذَلِك مُعْتَبرا فِي تحقق الْإِيمَان لما حكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِيمَان مثله الْقسم الرَّابِع وَجْهَان وتقريرهما مَوْقُوف على تَحْرِير الْمَسْأَلَة أَولا وَهِي متفرعة على إِطْلَاق التَّصْدِيق فِي تَعْرِيف الْإِيمَان فَنَقُول قَالَ أهل السّنة من اعْتقد أَرْكَان الدّين من التَّوْحِيد والنبوة وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج تقليدا فَإِن اعْتقد مَعَ ذَلِك جَوَاز وُرُود شُبْهَة عَلَيْهَا وَقَالَ لَا آمن وُرُود شُبْهَة يُفْسِدهَا فَهُوَ كَافِر وَإِن لم يعْتَقد جَوَاز ذَلِك بل جزم على ذَلِك الِاعْتِقَاد فقد اخْتلفُوا فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ أَنه مُؤمن وَإِن كَانَ عَاصِيا بترك النّظر وَالِاسْتِدْلَال المؤديين إِلَى معرفَة قَوَاعِد الدّين كَسَائِر فساق الْمُسلمين وَهُوَ فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى إِن شَاءَ عَفا عَنهُ وَأدْخلهُ الْجنَّة وَإِن شَاءَ عذبه بِقدر ذَنبه وعاقبة أمره الْجنَّة لَا محَالة وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأهل الظَّاهِر وَعبد الله بن سعيد الْقطَّان والْحَارث بن أَسد وَعبد الْعَزِيز بن يحيى الْمَكِّيّ وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين وَقَالَ عَامَّة الْمُعْتَزلَة أَنه لَيْسَ بِمُؤْمِن وَلَا كَافِر وَقَالَ أَبُو هَاشم أَنه كَافِر فعندهم إِنَّمَا يحكم بإيمانه إِذا عرف مَا يجب الْإِيمَان بِهِ من أصُول الدّين بِالدَّلِيلِ الْعقلِيّ على وَجه يُمكنهُ مجادلة الْخُصُوم وَحل جَمِيع مَا يُورد عَلَيْهِ من الشّبَه حَتَّى إِذا عجز عَن شَيْء
من ذَلِك لم يحكم بِإِسْلَامِهِ وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ وَقوم من الْمُتَكَلِّمين لَا يسْتَحق أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْإِيمَان إِلَّا بعد أَن يعرف كل مَسْأَلَة من مسَائِل أصُول الدّين بِدَلِيل عَقْلِي غير أَن الشَّرْط أَن يعرف ذَلِك بِقَلْبِه سَوَاء أحسن الْعبارَة عَنهُ أَو لَا يَعْنِي لَا يشْتَرط أَن يقدر على التَّعْبِير عَن الدَّلِيل بِلِسَانِهِ ويبينه مُرَتبا موجها وَقَالُوا هَذَا وَإِن لم يكن مُؤمنا عندنَا على الْإِطْلَاق لكنه لَيْسَ بِكَافِر أَيْضا لوُجُود مَا يضاد الْكفْر فِيهِ وَهُوَ التَّصْدِيق وَقَالُوا وَإِنَّمَا قيدنَا الدَّلِيل بالعقلي لِأَنَّهُ لَا يجوز الِاسْتِدْلَال فِي إِثْبَات أصُول الدّين بِالدَّلِيلِ السمعي لِأَن ثُبُوت الدَّلِيل السمعي مَوْقُوف على ثُبُوت وجود الصَّانِع والنبوة فَلَو أثبت وجود الصَّانِع والنبوة بِهِ لزم الدّور وَالْمرَاد من التَّقْلِيد هُوَ اعْتِقَاد حقية قَول الْغَيْر على وَجه الْجَزْم من غير أَن يعرف دَلِيله وَإِذا عرف هَذَا جِئْنَا إِلَى بَيَان وَجْهي الْمَذْهَب الْأَصَح الأول أَن الْمُقَلّد مَأْمُور بِالْإِيمَان وَقد ثَبت أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي وَقد أَتَى بِهِ فَيكون مُؤمنا وَإِن لم يعرف الدَّلِيل وَنظر هَذَا الِاحْتِجَاج مَا روى أَن أَبَا حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لما قيل لَهُ مَا بَال أَقوام يَقُولُونَ يدْخل الْمُؤمن النَّار فَقَالَ لَا يدْخل النَّار إِلَّا الْمُؤمن فَقيل لَهُ وَالْكَافِر فَقَالَ كلهم مُؤمنُونَ يَوْمئِذٍ كَذَا ذكره فِي الْفِقْه الْأَكْبَر فقد جعل الْكفَّار مُؤمنين فِي الْآخِرَة لوُجُود التَّصْدِيق مِنْهُم وَالْكَافِر أَيْضا عِنْد الْمَوْت يصير مُؤمنا لِأَنَّهُ بمعاينة ملك الْمَوْت وأمارات عَذَاب الْآخِرَة يضْطَر إِلَى التَّصْدِيق إِلَّا أَن الْإِيمَان فِي الْآخِرَة وَعند مُعَاينَة الْعَذَاب لَا يُفِيد حُصُول ثَوَاب الْآخِرَة وَلَا ينْدَفع بِهِ عُقُوبَة الْكفْر وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى من قَول الْعلمَاء أَن إِيمَان الْيَأْس لَا يَصح أَي لَا ينفع وَلَا يقبل لَا أَنه لَا يتَحَقَّق إِذْ حَقِيقَة الْإِيمَان التَّصْدِيق وَهُوَ يتَحَقَّق إِذْ الْحَقَائِق لَا تتبدل بالأحوال وَإِنَّمَا يتبدل الِاعْتِبَار وَالْأَحْكَام الثَّانِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعد من صدقه فِي جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ من عِنْد الله مُؤمنا وَلَا يشْتَغل بتعليمه من الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة فِي الْمسَائِل الاعتقادية مِقْدَار مَا يسْتَدلّ بِهِ مستدل ويناظر بِهِ الْخُصُوم ويذب عَن حَرِيم الدّين وَيقدر على حل مَا يُورد عَلَيْهِ من الشّبَه وَلَا بتعليم كَيْفيَّة النّظر وَالِاسْتِدْلَال وتأليف القياسات الْعَقْلِيَّة وطرق المناظرة والإلزام وَكَذَا أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ قبل إِيمَان من آمن من أهل الرِّدَّة وَلم يعلمهُمْ الدَّلَائِل الَّتِي يصيرون بهَا مستبصرين من طرق الْعقل وَكَذَا عمر رَضِي الله عَنهُ لما فتح سَواد الْعرَاق قبل هُوَ وعماله إِيمَان من كَانَ بهَا من الزط والأنباط وهما صنفان من النَّاس مَعَ قلَّة أذهانهم وبلادة أفهامهم وصرفهم أعمارهم فِي الفلاحة وَضرب المعاول وَكري الْأَنْهَار والجداول وَلَو لم يكن إِيمَان الْمُقَلّد مُعْتَبرا لفقد شَرطه وَهُوَ الِاسْتِدْلَال الْعقلِيّ لاشتغلوا بِأحد أَمريْن إِمَّا بِالْإِعْرَاضِ عَن قبُول إسْلَامهمْ أَو بِنصب مُتَكَلم حاذق بَصِير بالأدلة عَالم بكيفية المحاجة ليعلمهم صناعَة الْكَلَام حَتَّى يحكموا بإيمَانهمْ وَلما امْتَنعُوا عَن كل وَاحِد من هذَيْن الْأَمريْنِ وَامْتنع أَيْضا كل من قَامَ مقامهم إِلَى يَوْمنَا هَذَا عَن ذَلِك ظهر أَن مَا ذهب إِلَيْهِ الْخصم بَاطِل لِأَنَّهُ خلاف صَنِيع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه الْعِظَام وَغَيرهم من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام النَّوْع الثَّالِث فِي أَن الْإِيمَان هَل يزِيد وَينْقص وَهُوَ أَيْضا من فروع اخْتلَافهمْ فِي حَقِيقَة الْإِيمَان فَقَالَ بعض من ذهب إِلَى أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق أَن حَقِيقَة التَّصْدِيق شَيْء وَاحِد لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَقَالَ آخَرُونَ أَنه لَا يقبل النُّقْصَان لِأَنَّهُ لَو نقص لَا يبْقى إِيمَانًا وَلَكِن يقبل الزِّيَادَة لقَوْله تَعَالَى {وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا} وَنَحْوهَا من الْآيَات وَقَالَ الدَّاودِيّ سُئِلَ مَالك عَن نقص الْإِيمَان وَقَالَ قد ذكر الله تَعَالَى زِيَادَته فِي الْقُرْآن وَتوقف عَن نَقصه وَقَالَ لَو نقص لذهب كُله وَقَالَ ابْن بطال مَذْهَب جمَاعَة من أهل السّنة من سلف الْأمة وَخَلفهَا أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص وَالْحجّة على ذَلِك مَا أوردهُ البُخَارِيّ قَالَ فإيمان من لم تحصل لَهُ الزِّيَادَة نَاقص وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم هبة الله اللالكائي فِي كتاب شرح أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن الْإِيمَان يزِيد بِالطَّاعَةِ وَينْقص بالمعصية وَبِه قَالَ من الصَّحَابَة عمر بن الْخطاب وَعلي وَابْن مَسْعُود ومعاذ وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وعمار وَأَبُو هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وسلمان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَأَبُو أُمَامَة وجندب بن عبد الله وَعُمَيْر بن حبيب وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَمن التَّابِعين كَعْب الْأَحْبَار وَعُرْوَة وَعَطَاء وَطَاوُس وَمُجاهد وَابْن أبي مليكَة وَمَيْمُون بن مهْرَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَيحيى بن أبي كثير وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَأَيوب وَيُونُس وَابْن عون وَسليمَان التَّيْمِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو البحتري وَعبد الْكَرِيم الْجريرِي وَزيد بن الْحَارِث وَالْأَعْمَش وَمَنْصُور وَالْحكم وَحَمْزَة الزيات وَهِشَام بن حسان وَمَعْقِل بن عبيد الله الْجريرِي ثمَّ مُحَمَّد بن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح وَمَالك بن مغول ومفضل بن مهلهل
وَأَبُو سعيد الْفَزارِيّ وزائدة وَجَرِير بن عبد الحميد وَأَبُو هِشَام عبد ربه وعبثر بن الْقَاسِم وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَابْن الْمُبَارك وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأَبُو عبيد بن سَلام وَأَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ والذهلي وَمُحَمّد بن أسلم الطوسي وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو دَاوُد وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة وزائدة وَشُعَيْب بن حَرْب وَإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش والوليد بن مُسلم والوليد بن مُحَمَّد وَالنضْر بن شُمَيْل وَالنضْر بن مُحَمَّد وَقَالَ سهل بن متوكل أدْركْت ألف أستاذ كلهم يَقُول الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان أَن أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على ذَلِك بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَالْبَصْرَة والكوفة وَالشَّام مِنْهُم عبد الله بن يزِيد الْمقري وَعبد الْملك الْمَاجشون ومطرف وَمُحَمّد بن عبيد الله الْأنْصَارِيّ وَالضَّحَّاك بن مخلد وَأَبُو الْوَلِيد وَأَبُو النُّعْمَان والقعنبي وَأَبُو نعيم وَعبيد الله بن مُوسَى وَقبيصَة وَأحمد بن يُونُس وَعَمْرو بن عون وَعَاصِم بن عَليّ وَعبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَسَعِيد بن أبي مَرْيَم وَالنضْر بن عبد الْجَبَّار وَابْن بكير وَأحمد بن صَالح وَأصبغ بن الْفرج وآدَم بن أبي إِيَاس وَعبد الْأَعْلَى بن مسْهر وَهِشَام بن عمار وَسليمَان بن عبد الرَّحْمَن وَعبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وحيوة بن شُرَيْح ومكي بن إِبْرَاهِيم وَصدقَة بن الْفضل ونظراؤهم من أهل بِلَادهمْ وَذكر أَبُو الْحسن عبد الرَّحْمَن بن عمر فِي كتاب الْإِيمَان ذَلِك عَن خلق قَالَ وَأما توقف مَالك عَن القَوْل بِنُقْصَان الْإِيمَان فخشيه أَن يتَنَاوَل عَلَيْهِ مُوَافقَة الْخَوَارِج وَقَالَ رسته مَا ذاكرت أحدا من أَصْحَابنَا من أهل الْعلم مثل عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَسليمَان يَعْنِي ابْن حَرْب والْحميدِي وَغَيرهم إِلَّا يَقُولُونَ الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص وَكَذَا روى عَن عُمَيْر بن حبيب وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة وَحَكَاهُ اللالكائي فِي كتاب السّنَن عَن وَكِيع وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَشريك وَأبي بكر بن أبي عَيَّاش وَعبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة والحمادين وَأبي ثَوْر وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَقَالَ الإِمَام هَذَا الْبَحْث لَفْظِي لِأَن المُرَاد بِالْإِيمَان إِن كَانَ هُوَ التَّصْدِيق فَلَا يقبلهما وَإِن كَانَ الطَّاعَات فيقبلهما ثمَّ قَالَ الطَّاعَات مكملة للتصديق فَكل مَا قَامَ من الدَّلِيل على أَن الْإِيمَان لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان كَانَ مصروفا إِلَى أصل الْإِيمَان الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق وكل مَا دلّ على كَون الْإِيمَان يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَهُوَ مَصْرُوف إِلَى الْكَامِل وَهُوَ مقرون بِالْعَمَلِ وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين الْحق أَن الْإِيمَان يقبلهما سَوَاء كَانَ عبارَة عَن التَّصْدِيق مَعَ الْأَعْمَال وَهُوَ ظَاهر أَو بِمَعْنى التَّصْدِيق وَحده لِأَن التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ هُوَ الِاعْتِقَاد الْجَازِم وَهُوَ قَابل للقوة والضعف فَإِن التَّصْدِيق بجسمية الشبح الَّذِي بَين أَيْدِينَا أقوى من التَّصْدِيق بجسميته إِذا كَانَ بَعيدا عَنَّا وَلِأَنَّهُ يبتدىء فِي التنزل من أجلى البديهيات كَقَوْلِنَا النقيضان لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان ثمَّ ينزل إِلَى مَا دونه كَقَوْلِنَا الْأَشْيَاء المتساوية بِشَيْء وَاحِد مُتَسَاوِيَة ثمَّ إِلَى أجلى النظريات كوجود الصَّانِع ثمَّ إِلَى مَا دونه كَكَوْنِهِ مرئيا ثمَّ إِلَى أخفاها كاعتقاد أَن الْعرض لَا يبْقى زمانين وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين الْحق أَن التَّصْدِيق يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بِوَجْهَيْنِ الأول الْقُوَّة والضعف لِأَنَّهُ من الكيفيات النفسانية وَهِي تقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان كالفرح والحزن وَالْغَضَب وَلَو لم يكن كَذَلِك يَقْتَضِي أَن يكون إِيمَان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأفراد الْأمة سَوَاء وَأَنه بَاطِل إِجْمَاعًا وَلقَوْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام {وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي} الثَّانِي التَّصْدِيق التفصيلي فِي إِفْرَاد مَا علم مَجِيئه بِهِ جُزْء من الْإِيمَان يُثَاب عَلَيْهِ ثَوَابه على تَصْدِيقه بِالْآخرِ وَقَالَ بَعضهم فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرِي أَنه يَنْبَغِي أَن يكون الْحق الْحقيق بِالْقبُولِ أَن الْإِيمَان بِحَسب التَّصْدِيق يزِيد بِزِيَادَة الكمية المعظمة وَهِي الْعدَد قبل تقرر الشَّرَائِع بِأَن يُؤمن الْإِنْسَان بجملة مَا ثَبت من الْفَرَائِض ثمَّ يثبت فرض آخر فَيُؤمن بِهِ أَيْضا ثمَّ وَثمّ فَيَزْدَاد إيمَانه أَو يُؤمن بحقية كل مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْمَالا قبل أَن تبلغ إِلَيْهِ الشَّرَائِع تَفْصِيلًا ثمَّ تبلغه فَيُؤمن بهَا تَفْصِيلًا بَعْدَمَا آمن بِهِ إِجْمَالا فَيَزْدَاد إيمَانه فَإِن قلت يلْزم من هَذَا تَفْضِيل من آمن بعد تَقْرِير الشَّرَائِع على من مَاتَ فِي زمن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار لِأَن إِيمَان أُولَئِكَ أَزِيد من إِيمَان هَؤُلَاءِ قلت لَا نسلم أَن هَذِه الزِّيَادَة سَبَب التَّفْضِيل فِي الْآخِرَة وَسَنَد الْمَنْع أَن كل وَاحِد من هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ مُؤمن بِجَمِيعِ مَا يجب الْإِيمَان بِهِ بِحَسب زَمَانه وهما متساويان فِي ذَلِك وَأَيْضًا إِنَّمَا يلْزم تَفْضِيلهمْ على الصَّحَابَة بِسَبَب زِيَادَة عدد إِيمَانهم لَو لم يكن لإيمانهم تَرْجِيح بِاعْتِبَار آخر وَهُوَ قُوَّة الْيَقِين وَهُوَ مَمْنُوع لِأَن لإيمانهم تَرْجِيحا أَلا ترى إِلَى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو وزن إِيمَان أبي بكر مَعَ إِيمَان جَمِيع الْخلق لرجح إِيمَان أبي بكر رَضِي الله عَنهُ وَلَا ينقص الْإِيمَان بِحَسب الْعدَد قبل تقرر الشَّرَائِع وَلَا يلْزم ترك الْإِيمَان بِنَقص مَا يجب الْإِيمَان بِهِ وَيزِيد وَينْقص
بِحَسب الْعدَد بعد تقرر الشَّرَائِع بتكرار التَّصْدِيق والتلفظ بكلمتي الشَّهَادَة مرّة بعد أُخْرَى بعد الذهول عَنهُ تَكْرَارا كثيرا أَو قَلِيلا وَيزِيد وَينْقص مُطلقًا أَي قبل تقرر الشَّرَائِع وَبعده بِحَسب الْكَيْفِيَّة أَي الْقُوَّة والضعف بِحَسب ظُهُور أَدِلَّة حقية الْمُؤمن بِهِ وخفائها وقوتها وضعفها وَقُوَّة اعْتِقَاد الْمُقَلّد فِي الْمُقَلّد وَضَعفه وروى عَن بعض الْمُحَقِّقين أَنه قَالَ الْأَظْهر أَن نفس التَّصْدِيق يزِيد بِكَثْرَة النّظر وتظاهر الْأَدِلَّة وَلِهَذَا يكون إِيمَان الصديقين والراسخين فِي الْعلم أقوى من إِيمَان غَيرهم بِحَيْثُ لَا تعتريهم الشُّبْهَة وَلَا يزلزل إِيمَانهم معَارض وَلَا تزَال قُلُوبهم منشرحة لِلْإِسْلَامِ وَإِن اخْتلفت عَلَيْهِم الْأَحْوَال النَّوْع الرَّابِع فِي أَن الْإِسْلَام مُغَاير للْإيمَان أَو هما متحدان فَنَقُول الْإِسْلَام فِي اللُّغَة الانقياد والإذعان وَفِي الشَّرِيعَة الانقياد لله بِقبُول رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتلفظ بكلمتي الشَّهَادَة والإتيان بالواجبات والانتهاء عَن الْمُنْكَرَات كَمَا دلّ عَلَيْهِ جَوَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن الْإِسْلَام فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ حَيْثُ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِسْلَام أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة وتصوم رَمَضَان وَيُطلق الْإِسْلَام على دين مُحَمَّد يُقَال دين الْإِسْلَام كَمَا يُقَال دين الْيَهُودِيَّة والنصرانية قَالَ الله تَعَالَى {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذاق طعم الْإِيمَان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فيهمَا فَذهب الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّهُمَا متغايران وَهُوَ الصَّحِيح وَذهب بعض الْمُحدثين والمتكلمين وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الْإِيمَان هُوَ الْإِسْلَام والإسمان مُتَرَادِفَانِ شرعا وَقَالَ الْخطابِيّ وَالصَّحِيح من ذَلِك أَن يُقيد الْكَلَام وَلَا يُطلق وَذَلِكَ أَن الْمُسلم قد يكون فِي بعض الْأَحْوَال دون بعض وَالْمُؤمن مُسلم فِي جَمِيع الْأَحْوَال فَكل مُؤمن مُسلم وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا وَإِذا حملت الْأَمر على هَذَا استقام لَك تَأْوِيل الْآيَات واعتدل القَوْل فِيهَا وَلم يخْتَلف شَيْء مِنْهَا وأصل الْإِيمَان التَّصْدِيق وأصل الْإِسْلَام الاستسلام والانقياد فقد يكون الْمَرْء مُسلما فِي الظَّاهِر غير منقاد فِي الْبَاطِن وَقد يكون صَادِقا بالباطن غير منقاد فِي الظَّاهِر قلت هَذِه إِشَارَة إِلَى أَن بَينهمَا عُمُوما وخصوصا مُطلقًا كَمَا صرح بِهِ بعض الْفُضَلَاء وَالْحق أَن بَينهمَا عُمُوما وخصوصا من وَجه لِأَن الْإِيمَان أَيْضا قد يُوجد بِدُونِ الْإِسْلَام كَمَا فِي شَاهِق الْجَبَل إِذا عرف الله بعقله وَصدق بِوُجُودِهِ ووحدته وَسَائِر صِفَاته قبل أَن تبلغه دَعْوَة نَبِي وَكَذَا فِي الْكَافِر إِذا اعْتقد جَمِيع مَا يجب الْإِيمَان بِهِ اعتقادا جَازِمًا وَمَات فَجْأَة قبل الْإِقْرَار وَالْعَمَل وَالْحَاصِل أَن بَيَان النِّسْبَة بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام بالمساواة أَو بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوص مَوْقُوف على تَفْسِير الْإِيمَان فَقَالَ الْمُتَأَخّرُونَ هُوَ تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا علم مَجِيئه بِهِ ضَرُورَة وَالْحَنَفِيَّة التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار والكرامية الْإِقْرَار وَبَعض الْمُعْتَزلَة الْأَعْمَال وَالسَّلَف التَّصْدِيق بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالأركان فَهَذِهِ أَقْوَال خَمْسَة الثَّلَاثَة مِنْهَا بسيطة وَوَاحِد مركب ثنائي وَالْخَامِس مركب ثلاثي وَوجه الْحصْر أَنه إِمَّا بسيط أَو لَا والبسيط إِمَّا اعتقادي أَو قولي أَو عَمَلي وَغير الْبَسِيط إِمَّا ثنائي وَإِمَّا ثلاثي وَهَذَا كُله بِالنّظرِ إِلَى مَا عِنْد الله تَعَالَى أما عندنَا فالإيمان هُوَ بِالْكَلِمَةِ فَإِذا قَالَهَا حكمنَا بإيمانه اتِّفَاقًا بِلَا خلاف ثمَّ لَا تغفل أَن النزاع فِي نفس الْإِيمَان وَأما الْكَمَال فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من الثَّلَاثَة إِجْمَاعًا ثمَّ أَن الَّذين ذَهَبُوا إِلَى أَن الْإِيمَان هُوَ الْإِسْلَام وَالْإِسْلَام مُتَرَادِفَانِ استدلوا على ذَلِك بِوُجُوه الأول أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِاللَّه وَالْإِسْلَام إِمَّا أَن يكون مأخوذا من التَّسْلِيم وَهُوَ تَسْلِيم العَبْد نَفسه لله تَعَالَى أَو يكون مأخوذا من الاستسلام وَهُوَ الانقياد وَكَيف مَا كَانَ فَهُوَ رَاجع إِلَى مَا ذكرنَا من تَصْدِيقه بِالْقَلْبِ واعتقاده أَنه تَعَالَى خالقه لَا شريك لَهُ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ} وَقَوله تَعَالَى {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} بَين أَن دين الله هُوَ الْإِسْلَام وَأَن كل دين غير الْإِسْلَام غير مَقْبُول وَالْإِيمَان دين لَا محَالة فَلَو كَانَ غير الْإِسْلَام لما كَانَ مَقْبُولًا وَلَيْسَ كَذَلِك الثَّالِث لَو كَانَا متغايرين لتصور أَحدهمَا بِدُونِ الآخر ولتصور مُسلم لَيْسَ بِمُؤْمِن وَأجِيب عَن الأول بِأَنا لَا نسلم أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِاللَّه فَقَط وَإِلَّا لَكَانَ كثير من الْكفَّار مُؤمنين لتصديقهم بِاللَّه بل هُوَ تَصْدِيق الرَّسُول بِكُل مَا علم مَجِيئه بِهِ بِالضَّرُورَةِ كَمَا مر وَلَئِن سلمنَا لَكِن لَا نسلم أَن التَّسْلِيم هَهُنَا بِمَعْنى تَسْلِيم العَبْد نَفسه لم لَا يجوز أَن يكون بِمَعْنى الاستسلام وَهُوَ الانقياد وَلِأَن أحد مَعَاني التَّسْلِيم الانقياد وَحِينَئِذٍ يلْزم تغايرهما لجَوَاز الانقياد ظَاهرا بِدُونِ تَصْدِيق الْقلب وَعَن الثَّانِي بِأَنا لَا نسلم أَن الْإِيمَان الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق فَقَط دين بل الدّين إِنَّمَا يُقَال لمجموع الْأَركان الْمُعْتَبرَة فِي كل دين كالإسلام
بتفسير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلِهَذَا يُقَال دين الْإِسْلَام وَلَا يُقَال دين الْإِيمَان وَهَذَا أَيْضا فرق آخر وَمعنى الْآيَة وَمن يبتغ دينا غير دين مُحَمَّد فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَعَن الثَّالِث بِأَن عدم تغايرهما بِمَعْنى عدم الانفكاك لَا يُوجب اتحادهما معنى وَأَيْضًا المُنَافِقُونَ كلهم مُسلمُونَ بالتفسير الْمَذْكُور غير مُؤمنين فقد وجد أَحدهمَا بِدُونِ الآخر ثمَّ أَنهم أولُوا الْآيَة بِأَن المُرَاد بأسلمنا استسلمنا أَي أنقذنا وَالْخَبَر بِأَن سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام مَا كَانَ عَن الْإِسْلَام بل عَن شرائع الْإِسْلَام وأسندوا هَذَا إِلَى بعض الروَاة وَأجِيب بِأَن الاستسلام هَهُنَا يَنْبَغِي أَن يكون بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور فِي تَعْرِيف الْإِسْلَام وَإِلَّا لما تمكن المُنَافِقُونَ من دَعْوَى الْإِيمَان وَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَة فِي هَذَا التَّأْوِيل وَالْمَذْكُور فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا مَا ذكرنَا وَلَا تعارضه هَذِه الرِّوَايَة الغريبة الْمُخَالفَة للظَّاهِر قلت فِي إِثْبَات وحدة الْإِيمَان وَالْإِسْلَام صعوبة وعسر لأَنا لَو نَظرنَا إِلَى قَوْله تَعَالَى {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ} لزم اتحدهما إِذْ لَو كَانَ الْإِيمَان غير الْإِسْلَام لم يقبل قطّ فَتعين أَن يكون عينه لِأَن الْإِيمَان هُوَ الدّين وَالدّين هُوَ الْإِسْلَام لقَوْله تَعَالَى {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} فينتج أَن الْإِيمَان هُوَ الْإِسْلَام وَلَو نَظرنَا إِلَى قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره وَالْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا لزم تغايرهما بتصريح تفسيرهما وَلِأَن قَوْله تَعَالَى {إِن الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَالْمُسْلِمين وَالْمُسلمَات} يدل على الْمُغَايرَة بَينهمَا لِأَن الْعَطف يَقْتَضِي تغاير الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ النَّوْع الْخَامِس فِي أَن الْإِيمَان هَل هُوَ مَخْلُوق أم لَا فَذهب جمَاعَة إِلَى أَنه مَخْلُوق فَمنهمْ الْحَارِث المحاسبي وجعفر بن حَرْب وَعبد الله بن كلاب وَعبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ وَذكر عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث أَنهم قَالُوا الْإِيمَان غير مَخْلُوق وَأحسن مَا قيل فِيهِ مَا رُوِيَ عَن الْفَقِيه أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي أَنه قَالَ أَن الْإِيمَان إِقْرَار وهداية فالإقرار صنع العَبْد وَهُوَ مَخْلُوق وَالْهِدَايَة صنع الرب وَهُوَ غير مَخْلُوق النَّوْع السَّادِس فِي قرَان الْمَشِيئَة بِالْإِيمَان فَقَالَت طَائِفَة لَا بُد من قرانها وَحكى هَذَا عَن أَكثر الْمُتَكَلِّمين وَقَالَت طَائِفَة بجوازها وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة هُوَ الْمُخْتَار وَقَول أهل التَّحْقِيق وَقَالَت طَائِفَة بِجَوَاز الْأَمريْنِ قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة هُوَ حسن وَقَالَت الْحَنَفِيَّة لَا يَصح ذَلِك فَمن قَارن إيمَانه بِالْمَشِيئَةِ لم يَصح إيمَانه وَرووا مَا ذكر فِي كتاب أبي سعيد مُحَمَّد بن عَليّ بن مهْدي النقاش عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يرفعهُ من زعم أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص فقد خرج من أَمر الله وَمن قَالَ أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله فَلَيْسَ لَهُ فِي الْإِسْلَام نصيب وَفِيه أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ الْإِيمَان ثَابت لَيْسَ بِهِ زِيَادَة وَلَا نقص نقصانه وزيادته كفر وَمن حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يرفعهُ من زعم أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص فزيادته نقص ونقصه كفر وَفِي كل ذَلِك نظر (النَّوْع السَّابِع) اتّفق أهل السّنة من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والمتكلمين على مَا قَالَه النَّوَوِيّ أَن الْمُؤمن الَّذِي يحكم بِأَنَّهُ من أهل الْقبْلَة وَلَا يخلد فِي النَّار لَا يكون إِلَّا من اعْتقد بِقَلْبِه دين الْإِسْلَام اعتقادا جَازِمًا خَالِيا من الشكوك ونطق مَعَ ذَلِك بِالشَّهَادَتَيْنِ قَالَ فَإِن اقْتصر على أَحدهمَا لم يكن من أهل الْقبْلَة أصلا بل يخلد فِي النَّار إِلَّا أَن يعجز عَن النُّطْق لخلل فِي لِسَانه أَو لعدم التَّمَكُّن مِنْهُ لمعالجة الْمنية أَو لغير ذَلِك فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون مُؤمنا بالاعتقاد من غير لفظ وَإِذا نطق بهما لم يشْتَرط مَعَهُمَا أَن يَقُول وَأَنا برىء من كل دين خَالف دين الْإِسْلَام على الْأَصَح إِلَّا أَن يكون من كفار يَعْتَقِدُونَ اخْتِصَاص الرسَالَة بالعرب وَلَا يحكم بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يتبرأ وَمن أَصْحَابنَا من اشْترط التبرىء مُطلقًا وَهُوَ غلط لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَمِنْهُم من استحبه مُطلقًا كالاعتراف بِالْبَعْثِ أما إِذا اقْتصر الْكَافِر على قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله وَلم يَقُول مُحَمَّد رَسُول الله فَالْمَشْهُور من مَذْهَبنَا وَمذهب الْجُمْهُور أَنه لَا يكون مُسلما وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يصير مُسلما وَيُطَالب بِالشَّهَادَةِ الْأُخْرَى فَإِن أَبى جعل مُرْتَدا وَحجَّة الْجُمْهُور الرِّوَايَة السالفة وَهِي مُقَدّمَة على هَذِه لِأَنَّهَا زِيَادَة من ثِقَة وَلَيْسَ فِيهَا نفي للشَّهَادَة الثَّانِيَة وَإِنَّمَا أَن فِيهَا تَنْبِيها على الْأُخْرَى وأعرب القَاضِي حُسَيْن فَشرط فِي ارْتِفَاع السَّيْف عَنهُ أَن يقر بأحكامها مَعَ النُّطْق بهَا فَأَما مُجَرّد قَوْلهَا فَلَا وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ اشْترط القَاضِي أَبُو الطّيب من أَصْحَابنَا التَّرْتِيب بَين كلمتي الشَّهَادَة فِي صِحَة الْإِسْلَام فَيقدم الْإِقْرَار بِاللَّه على الْإِقْرَار بِرَسُولِهِ وَلم أر من وَافقه وَلَا من خَالفه وَذكر الْحَلِيمِيّ
فِي منهاجه ألفاظا تقوم مقَام لَا إِلَه إِلَّا الله فِي بَعْضهَا نظر لانْتِفَاء ترادفها حَقِيقَة فَقَالَ وَيحصل الْإِسْلَام بقوله لَا إِلَه غير الله وَلَا إِلَه سوى الله أَو مَا عدا الله وَلَا إِلَه إِلَّا الرَّحْمَن أَو الباريء أَو لَا رَحْمَن أَو لَا باريء إِلَّا الله أَو لَا ملك أَو لَا رَازِق إِلَّا الله وَكَذَا لَو قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الْعَزِيز أَو الْعَظِيم أَو الْحَكِيم أَو الْكَرِيم وَبِالْعَكْسِ قَالَ وَلَو قَالَ أَحْمد أَبُو الْقَاسِم رَسُول الله فَهُوَ كَقَوْلِه مُحَمَّد (وَهُوَ قَول وَفعل وَيزِيد وَينْقص) أَي أَن الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وَفعل بالجوارح فَإِن قلت الْإِيمَان عِنْده قَول وَفعل واعتقاد فَكيف ذكر القَوْل وَالْفِعْل وَلم يذكر الِاعْتِقَاد الَّذِي هُوَ الأَصْل قلت لَا نزاع فِي أَن الِاعْتِقَاد لَا بُد مِنْهُ وَالْكَلَام فِي القَوْل وَالْفِعْل هَل هما مِنْهُ أم لَا فَلَا جلّ ذَلِك ذكر مَا هُوَ الْمُتَنَازع فِيهِ وَأجِيب أَيْضا بِأَن الْفِعْل أَعم من فعل الْجَوَارِح فَيتَنَاوَل فعل الْقلب وَفِيه نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا هُوَ أَن يُقَال لَا حَاجَة إِلَى ذكر القَوْل أَيْضا لِأَنَّهُ فعل اللِّسَان وَالْآخر أَن الِاعْتِقَاد من مقولة الانفعال أَو الْفِعْل وَفِيه تَأمل فَإِن قلت مَا وَجه من أعَاد الضَّمِير أَعنِي هُوَ إِلَى الْإِسْلَام قلت وَجهه أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد عِنْد البُخَارِيّ فَإِذا كَانَ كِلَاهُمَا وَاحِدًا يجوز عود الضَّمِير إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا قَوْله يزِيد وَينْقص أَي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام قبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان هَذَا على تَقْدِير دُخُول القَوْل وَالْفِعْل فِيهِ ظَاهر وَأما على تَقْدِير أَن يكون نفس التَّصْدِيق فَإِنَّهُ أَيْضا يزِيد وَينْقص أَي قُوَّة وضعفا أَو إِجْمَالا وتفصيلا أَو تعدادا بِحَسب تعدد الْمُؤمن بِهِ كَمَا حققناه فَمَا مضى وَهَذَا الَّذِي قَالَه البُخَارِيّ مَنْقُول عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ قَالَ الْإِيمَان قَول وَفعل يزِيد وَينْقص فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيم لَا تقل ينقص فَغَضب وَقَالَ اسْكُتْ يَا صبي بل ينقص حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ شَيْء قَالَ أَبُو الْحسن عبد الرَّحْمَن بن عمر بن يزِيد رسته حَدثنَا الْحميدِي حَدثنِي يحيى بن سليم الطَّائِفِي قَالَ سَأَلت عشرَة من الْفُقَهَاء فكلهم قَالُوا الْإِيمَان قَول وَعمل الثَّوْريّ وَهِشَام بن حسان وَابْن جريج وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عُثْمَان والمثنى بن الصَّباح وَنَافِع بن عمر الجُمَحِي وَمُحَمّد بن مُسلم الطَّائِفِي وَمَالك بن أنس وفضيل بن عِيَاض وسُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ رسته وَحدثنَا بعض أَصْحَابنَا عَن عبد الرَّزَّاق قَالَ سَمِعت معمرا وَالْأَوْزَاعِيّ يَقُولَانِ الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص قَالَ الله تَعَالَى {ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم وزدناهم هدى وَيزِيد الله الَّذِي اهتدوا هدى وَالَّذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا} وَقَوله {أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا} وَقَوله جلّ ذكره {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا} وَقَوله تَعَالَى {وَمَا زادهم إِلَّا إِيمَانًا وتسليما} هَذِه ثَمَان آيَات ذكرهَا دَلِيلا على زِيَادَة الْإِيمَان وَقد قُلْنَا أَنه كثيرا مَا يسْتَدلّ لترجمة الْبَاب بِالْقُرْآنِ وَبِمَا وَقع لَهُ من سنة مُسندَة وَغَيرهَا أَو أثر من الصَّحَابَة أَو قَول للْعُلَمَاء وَنَحْو ذَلِك وَلَكِن ذكر هَذِه الْآيَات مَا كَانَ يُنَاسب إِلَّا فِي بَاب زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه فَإِن قلت الْآيَات دلّت على الزِّيَادَة فَقَط وَالْمَقْصُود بَيَان الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان كليهمَا قلت قَالَ الْكرْمَانِي كل مَا قبل الزِّيَادَة لَا بُد أَن يكون قَابلا للنقصان ضَرُورَة ثمَّ الْآيَة الأولى فِي سُورَة الْفَتْح وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم وَللَّه جنود السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَكَانَ الله عليما حكيما} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَي أنزل الله فِي قُلُوبهم السّكُون والطمأنينة بِسَبَب الصُّلْح والأمن ليعرفوا فضل الله تَعَالَى عَلَيْهِم بتيسير الْأَمْن بعد الْخَوْف والهدنة غب الْقِتَال فيزدادوا يَقِينا إِلَى يقينهم أَو أنزل فِيهَا السّكُون إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الشَّرَائِع ليزدادوا يَقِينا إِلَى يقينهم أَو أنزل فِيهَا السّكُون إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام من الشَّرَائِع ليزدادوا إِيمَانًا بالشرائع مَقْرُونا إِلَى إِيمَانهم وَهُوَ التَّوْحِيد وَعَن ابْن عَبَّاس أول مَا أَتَاهُم بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّوْحِيد فَلَمَّا آمنُوا بِاللَّه وَحده أنزل الصَّلَاة وَالزَّكَاة ثمَّ الْحَج ثمَّ الْجِهَاد فازدادوا إِيمَانًا إِلَى إِيمَانهم وَأنزل فِيهَا الْوَقار وَالْعَظَمَة لله وَلِرَسُولِهِ ليزدادوا باعتقاد ذَلِك إِيمَانًا إِلَى إِيمَانهم وَقيل أنزل الله فِيهِ الرَّحْمَة ليتراحموا فَيَزْدَاد إِيمَانهم الْآيَة الثَّانِيَة فِي سُورَة الْكَهْف وَهِي قَوْله تَعَالَى {نَحن نقص عَلَيْك نبأهم بِالْحَقِّ إِنَّهُم فتية آمنُوا برَبهمْ وزدناهم هدى وربطنا على قُلُوبهم إِذْ قَامُوا} الْآيَة {نبأهم} أَي خبرهم والفتية جمع فَتى وَالْهدى من هداه يهديه أَي دلَالَة موصلة إِلَى البغية وَهُوَ مُتَعَدٍّ والاهتداء لَازم قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ {وزدناهم هدى}
بالتوفيق والتثبت {وربطنا على قُلُوبهم} وقوينا بِالصبرِ على هجر الأوطان وَالنَّعِيم والفرار بِالدّينِ إِلَى بعض الْغَيْر أَن وحشرناهم على الْقيام بِكَلِمَة الْحق والتظاهر بِالْإِسْلَامِ {إِذْ قَامُوا} بَين يَدي الْجَبَّار وَهُوَ دقيانوس من غير مبالاة بِهِ حِين عَاتَبَهُمْ على ترك عبَادَة الصَّنَم {فَقَالُوا رَبنَا رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض} الْآيَة الثَّالِثَة فِي سُورَة مَرْيَم وَهِي قَوْله تَعَالَى {وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى والباقيات الصَّالِحَات خير عِنْد رَبك ثَوابًا وَخير مردا} أَي يزِيد الله المهتدين هِدَايَة بتوفيقه وَالْمرَاد من الْبَاقِيَات الصَّالِحَات أَعمال الْآخِرَة كلهَا وَقيل الصَّلَوَات وَقيل سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر أَي هِيَ خير ثَوابًا من مفاخرات الْكفَّار وَخير مرد أَي مرجعا وعاقبة الْآيَة الرَّابِعَة فِي سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} أَي زادهم الله هدى بالتوفيق {وآتاهم تقواهم} أعانهم عَلَيْهَا وَعَن السّديّ بَين لَهُم مَا يَتَّقُونَ وقريء وَأَعْطَاهُمْ الْآيَة الْخَامِسَة فِي سُورَة المدثر وَهِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا جعلنَا عدتهمْ إِلَّا فتْنَة للَّذين كفرُوا ليستيقين الَّذين أُوتُوا الْكتاب ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا} أَي عدَّة الْمَلَائِكَة الَّذين يلون أَمر جَهَنَّم لأَنهم خلاف جنس الْمُعَذَّبين من الْجِنّ وَالْإِنْس فَلَا يَأْخُذهُمْ مَا يَأْخُذ المجانس من الرأفة والرقة وَلِأَنَّهُم أقوم خلق الله بِحَق الله وبالغضب لَهُ وَلِأَنَّهُم أَشد الْخلق بَأْسا وَأَقْوَاهُمْ بطشا وَالتَّقْدِير لقد جعلنَا عدتهمْ عدَّة من شَأْنهَا أَن يفتتن بهَا لأجل استيقان الْمُؤمنِينَ وحيرة الْكَافرين واستيقان أهل الْكتاب لِأَن عدتهمْ تِسْعَة عشر فِي الْكِتَابَيْنِ فَإِذا سمعُوا بِمِثْلِهَا فِي الْقُرْآن أيقنوا أَنه منزل من عِنْد الله وازداد الْمُؤْمِنُونَ إِيمَانًا لتصديقهم بذلك كَمَا صدقُوا سَائِر مَا أنزل الْآيَة السَّادِسَة فِي سُورَة بَرَاءَة من الله وَرَسُوله وَهِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون} أَي فَمن الْمُنَافِقين من يَقُول بَعضهم لبَعض أَيّكُم زادته هَذِه السُّورَة إِيمَانًا إِنْكَار واستهزاء بِالْمُؤْمِنِينَ واعتقادهم زِيَادَة الْإِيمَان بِزِيَادَة الْعلم الْحَاصِل بِالْوَحْي وَالْعَمَل بِهِ الْآيَة السَّابِعَة فِي سُورَة آل عمرَان وَهِي قَوْله تَعَالَى {الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل} المُرَاد من النَّاس الأول نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ وَمن الثَّانِي أهل مَكَّة وروى أَن أَبَا سُفْيَان نَادَى عِنْد انْصِرَافه من أحد يَا مُحَمَّد موعدنا موسم بدر لقابل إِن شِئْت فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن شَاءَ الله فَلَمَّا كَانَ الْقَابِل خرج أَبُو سُفْيَان فِي أهل مَكَّة حَتَّى نزل من الظهْرَان فَألْقى الله الرعب فِي قلبه فَبَدَا لَهُ أَن يرجع فلقي نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ وَقد قدم مُعْتَمِرًا فَقَالَ يَا نعيم إِنِّي وَاعَدت مُحَمَّدًا أَن نَلْتَقِي بِمَوْسِم بدر وَأَن هَذَا عَام جَدب وَلَا يُصْلِحنَا إِلَّا عَام نرعى فِيهِ الشّجر وَنَشْرَب فِيهِ اللبان وَقد بدا لي وَلَكِن إِن خرج مُحَمَّد وَلم أخرج زَاده ذَلِك جَرَاءَة فَالْحق بِالْمَدِينَةِ فَثَبَّطَهُمْ وَلَك عِنْدِي عشر من الْإِبِل فَخرج نعيم فَوجدَ الْمُسلمين يَتَجَهَّزُونَ فَقَالَ لَهُم مَا هَذَا بِالرَّأْيِ أَتَوْكُم فِي دِيَاركُمْ وقراركم فَلم يفلت مِنْكُم أحد إِلَّا شريد أفتريدون أَن تخْرجُوا وَقد جمعُوا لكم عِنْد الْمَوْسِم فوَاللَّه لَا يفلت مِنْكُم أحد وَقيل مر بِأبي سُفْيَان ركب عبد الْقَيْس يُرِيدُونَ الْمَدِينَة لِلْمِيرَةِ فَجعل لَهُم حمل بعير من زبيب أَن ثبطوهم فكره الْمُسلمُونَ الْخُرُوج فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأخْرجَن وَلَو لم يخرج معي أحد فَخرج فِي سبعين رَاكِبًا وهم يَقُولُونَ حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَكَانَ مَعَهم تِجَارَات فباعرها وَأَصَابُوا خيرا ثمَّ انصرفوا إِلَى الْمَدِينَة سَالِمين غَانِمِينَ فَخرج أَبُو سُفْيَان إِلَى مَكَّة فَسمى أهل مَكَّة جَيْشه جَيش السويق وَقَالُوا إِنَّمَا خَرجْتُمْ لِتَشْرَبُوا السويق: الْآيَة الثَّامِنَة فِي سُورَة الْأَحْزَاب وَهِي قَوْله تَعَالَى {وَلما رأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَاب قَالُوا هَذَا مَا وعدنا الله وَرَسُوله وَصدق الله وَرَسُوله وَمَا زادهم إِلَّا إِيمَانًا وتسليما} هَذَا إِشَارَة إِلَى الْخطب وَالْبَلَاء قَوْله {وَمَا زادهم إِلَّا إِيمَانًا} أَي بِاللَّه وبمواعيده {وتسليما} لقضاياه وأقداره (وَالْحب فِي الله والبغض فِي الله من الْإِيمَان) وَالْحب مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ والبغض مَعْطُوف عَلَيْهِ وَقَوله من الْإِيمَان خَبره وَكلمَة فِي أَصْلهَا للظرفية وَلكنهَا هَهُنَا تقال للسَّبَبِيَّة أَي بِسَبَب طَاعَة الله تَعَالَى ومعصيته كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّفس المؤمنة مائَة من الْإِبِل وَقَوله فِي الَّتِي حبست الْهِرَّة فَدخلت النَّار فِيهَا أَي بِسَبَبِهَا وَمِنْه قَوْله {فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ} وَقَوله {لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم} ثمَّ هَذِه الْجُمْلَة يجوز أَن تكون عطفا على مَا أضيف إِلَيْهِ الْبَاب فَتدخل فِي تَرْجَمَة الْبَاب كَأَنَّهُ قَالَ وَالْحب فِي الله من الْإِيمَان والبغض فِي الله من الْإِيمَان وَيجوز أَن يكون ذكرهَا لبَيَان إِمْكَان الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان كَذَلِك الْآيَات وروى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ إِلَى
أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل الْأَعْمَال الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه حَدثنَا زيد بن الْحباب عَن الصَّعق بن حَرْب قَالَ حَدثنِي عقيل ابْن الْجَعْد عَن أبي إِسْحَق عَن سُوَيْد بن غَفلَة عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوثق عرى الْإِيمَان الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله وروى ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن أبي فُضَيْل عَن اللَّيْث عَن عَمْرو بن مرّة عَن الْبَراء قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوثق عرى الْإِسْلَام الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث معَاذ بن أنس الْجُهَنِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من أعْطى لله وَمنع لله وَأحب لله وَأبْغض لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان وَقَالَ هَذَا حَدِيث مُنكر وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي أُمَامَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من أحب لله وَأبْغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان (وَكتب عمر بن الْعَزِيز إِلَى عدي بن عدي إِن للْإيمَان فراض وَشَرَائِع وحدودا وسننا فَمن استكملها اسْتكْمل الْإِيمَان وَمن لم يستكملها لم يستكمل الْإِيمَان فَإِن أعش فسأبينها لكم حَتَّى تعملوا بهَا وَإِن أمت فَمَا أَنا على صحبتكم بحريص) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول فِي تَرْجَمَة عمر وعدي أما عمر فَهُوَ ابْن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس الْأمَوِي الْقرشِي الإِمَام الْعَادِل أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين سمع عبد الله بن جَعْفَر وأنسا وَغَيرهمَا وَصلى أنس خَلفه قبل خِلَافَته ثمَّ قَالَ مَا رَأَيْت أحدا أشبه صَلَاة برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من هَذَا الْفَتى تولى الْخلَافَة سنة تسع وَتِسْعين وَمُدَّة خِلَافَته سنتَانِ وَخَمْسَة أشهر نَحْو خلَافَة الصّديق رَضِي الله عَنهُ فَمَلَأ الأَرْض قسطا وعدلا وَأمه حَفْصَة بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ ولد بِمصْر وَتُوفِّي بدير سمْعَان بحمص يَوْم الْجُمُعَة لخمس لَيَال بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى وَمِائَة وَقَالَ القَاضِي جمال الدّين بن وَاصل وَالظَّاهِر عِنْدِي أَن دير سمْعَان هُوَ الْمَعْرُوف الْآن بدير النقيرة من عمل معرة النُّعْمَان فَإِن قَبره هُوَ هَذَا الْمَشْهُور وَأوصى أَن يدْفن مَعَه شَيْء كَانَ عِنْده من شعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأظفاره وَقَالَ إِذا مت فَاجْعَلُوهُ فِي كفني فَفَعَلُوا ذَلِك وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل يرْوى فِي الحَدِيث أَن الله تَعَالَى يبْعَث على رَأس كل مائَة عَام من يصحح لهَذِهِ الْأمة دينهَا فَنَظَرْنَا فِي الْمِائَة الأولى فَإِذا هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ النَّوَوِيّ فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء حمله الْعلمَاء فِي الْمِائَة الأولى على عمر وَالثَّانيَِة على الشَّافِعِي وَالثَّالِثَة على ابْن شُرَيْح وَقَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر هُوَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَالرَّابِعَة على ابْن أبي سهل الصعلوكي وَقيل القَاضِي الباقلاني وَقيل أَبُو حَامِد الإسفرايني وَفِي الْخَامِسَة على الْغَزالِيّ انْتهى وَقَالَ الْكرْمَانِي لَا مطمح لليقين فِيهِ فللحنفية أَن يَقُولُوا هُوَ الْحسن بن زِيَاد فِي الثَّانِيَة والطَّحَاوِي فِي الثَّالِثَة وأمثالهما وللمالكية أَنه أَشهب فِي الثَّانِيَة وهلم جرا وللحنابلة أَنه الْخلال فِي الثَّالِثَة والراغوني فِي الْخَامِسَة إِلَى غير ذَلِك وللمحدثين أَنه يحيى بن معِين فِي الثَّانِيَة وَالنَّسَائِيّ فِي الثَّالِثَة وَنَحْوهمَا ولأولي الْأَمر أَنه الْمَأْمُون والمقتدر والقادر وللزهاد أَنه مَعْرُوف الْكَرْخِي فِي الثَّانِيَة والشبلي فِي الثَّالِثَة وَنَحْوهمَا وَأَن تَصْحِيح الدّين متناول لجَمِيع أَنْوَاعه مَعَ أَن لَفْظَة من تحْتَمل التَّعَدُّد فِي الْمُصَحح وَقد كَانَ قبيل كل مائَة أَيْضا من يصحح وَيقوم بِأَمْر الدّين وَإِنَّمَا المُرَاد من انْقَضتْ الْمِائَة وَهُوَ حَيّ عَالم مشار إِلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى حَدِيث وَاحِد رَوَاهُ فِي الاستقراض من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الْفلس وَفِي الروَاة أَيْضا عمر بن عبد الْعَزِيز بن عمرَان بن مِقْلَاص روى لَهُ النَّسَائِيّ فَقَط وَأما عدي فَهُوَ ابْن عدي بِفَتْح الْعين فيهمَا ابْن عميرَة بِفَتْح الْعين ابْن زُرَارَة بن الأرقم بن عمر بن وهب بن ربيعَة بن الْحَارِث بن عدي أَبُو فَرْوَة الْكِنْدِيّ الْجَزرِي التَّابِعِيّ روى عَن أَبِيه وَعَمه الْعرس بن عميرَة وهما صحابيان وَعنهُ الحكم وَغَيره من التَّابِعين وَغَيرهم قَالَ البُخَارِيّ هُوَ سيد أهل الجزيرة وَيُقَال اخْتلفُوا فِي أَنه صَحَابِيّ أم لَا وَالصَّحِيح أَنه تَابِعِيّ وَسبب الِاخْتِلَاف أَنه روى أَحَادِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُرْسلَة فَظَنهُ بَعضهم صحابيا وَكَانَ عدي عَامل عمر بن عبد الْعَزِيز على الجزيرة والموصل وَاسْتِعْمَال عمر لَهُ يدل على أَنه لَا صُحْبَة لَهُ لِأَنَّهُ عَاشَ بعد عمر وَلم يبْق أحد من الصَّحَابَة إِلَى خِلَافَته وَتُوفِّي سنة عشْرين وَمِائَة وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْء وَلَا فِي التِّرْمِذِيّ الثَّانِي أَن هَذَا من تعاليق البُخَارِيّ ذكره بِصِيغَة
الْجَزْم وَهُوَ حكم مِنْهُ بِصِحَّتِهِ وَأخرجه أَبُو الْحسن عبد الرَّحْمَن بن عمر بن يزِيد رسته فِي كتاب الْإِيمَان تأليفه فَقَالَ حَدثنَا ابْن مهْدي حَدثنَا جرير بن حَازِم عَن عِيسَى بن عَاصِم قَالَ كتب عمر رَضِي الله عَنهُ فَذكره وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن جرير بن حَازِم قَالَ حَدثنِي عِيسَى بن عَاصِم قَالَ حَدثنَا عدي بن عدي قَالَ كتب إِلَيّ عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإِن الْإِيمَان فَرَائض وَشَرَائِع وحدود سنَن إِلَى آخِره وَلما فهم البُخَارِيّ من قَول عمر فَمن استكملها إِلَى آخِره أَي أَنه قَائِل بِأَنَّهُ يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان ذكره فِي هَذَا الْبَاب عقيب الْآيَات الْمَذْكُورَة وَقَالَ الْكرْمَانِي لقَائِل أَن يَقُول لَا يدل ذَلِك عَلَيْهِ بل على خِلَافه إِذْ قَالَ للْإيمَان كَذَا وَكَذَا فَجعل الْإِيمَان غير الْفَرَائِض وَأَخَوَاتهَا وَقَالَ استكملها أَي الْفَرَائِض وَنَحْوهَا لَا الْإِيمَان فَجعل الْكَمَال لما للْإيمَان لَا للْإيمَان قلت لَو وقف الْكرْمَانِي على رِوَايَة ابْن أبي شيبَة لما قَالَ ذَلِك لِأَن فِي رِوَايَته جعل الْفَرَائِض وَأَخَوَاتهَا عين الْإِيمَان على مَا لَا يخفى وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر هَهُنَا فَإِن الْإِيمَان فَرَائض نَحْو رِوَايَة ابْن أبي شيبَة وَقَالَ بَعضهم وبالأول جَاءَ الْمَوْصُول قلت جَاءَ الْمَوْصُول بِالْأولِ وَبِالثَّانِي جَمِيعًا على مَا ذكرنَا الثَّالِث فِي مَعْنَاهُ فَقَوله فَرَائض أَي أعمالا فَرِيضَة وَشَرَائِع أَي عقائد دينية وحدودا أَي منهيات مَمْنُوعَة وسننا أَي مندوبات قَالَ الْكرْمَانِي وَإِنَّمَا فسرناها بذلك ليتناول الاعتقاديات والأعمال والتروك وَاجِبَة ومندوبة وَلِئَلَّا يتَكَرَّر وَقَالَ ابْن المرابط الْفَرَائِض مَا فرض علينا من صَلَاة وَزَكَاة وَنَحْوهمَا والشرائع كالتوجه إِلَى الْقبْلَة وصفات الصَّلَاة وَعدد شهر رَمَضَان وَعدد جلد الْقَاذِف وَعدد الطَّلَاق إِلَى غير ذَلِك وَالسّنَن مَا أَمر بِهِ الشَّارِع من فَضَائِل الْأَعْمَال فَمن أَتَى بالفرائض وَالسّنَن وَعرف الشَّرَائِع فَهُوَ مُؤمن كَامِل قَوْله فسأبينها أَي فسأوضحها لكم إيضاحا يفهمهُ كل وَاحِد مِنْكُم فَإِن قلت كَيفَ أخر بَيَانهَا وَالتَّأْخِير عَن وَقت الْحَاجة غير جَائِز قلت أَنه علم أَنهم يعلمُونَ مقاصدها وَلكنه استظهر وَبَالغ فِي نصحهمْ وتنبيههم على الْمَقْصُود وعرفهم أَقسَام الْإِيمَان مُجملا وَأَنه سيذكرها مفصلا إِذا تفرغ لَهَا فقد يكون مَشْغُولًا بأهم من ذَلِك {وَقَالَ إِبْرَهِيمُ وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي} الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع الأول إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن آزر وَهُوَ تارح بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة فآزر اسْم وتارح لقب لَهُ وَقيل عَكسه قَالَ ابْن هِشَام هُوَ إِبْرَاهِيم بن تارح وَهُوَ آزر بن ناحور بن ساروح بن أرعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن أَخْنُوخ بن يرد بن مهلاييل بن قابن بن فانوش بن شِيث بن آدم عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا خلاف عِنْدهم فِي عدد هَذِه الْأَسْمَاء وسردها على مَا ذكرنَا وَإِن اخْتلفُوا فِي ضَبطهَا وَإِبْرَاهِيم اسْم عبراني قَالَ الْمَاوَرْدِيّ مَعْنَاهُ أَب رَحِيم وَكَانَ آز رمن أهل حران وَولد إِبْرَاهِيم بكوثا من أَرض الْعرَاق وَكَانَ إِبْرَاهِيم يتجر فِي الْبَز وَهَاجَر من أَرض الْعرَاق إِلَى الشَّام وَبلغ عمره مائَة وخمسا وَسبعين سنة وَقيل مِائَتي سنة وَدفن بِالْأَرْضِ المقدسة وقبره مَعْرُوف بقرية حبرون بِالْحَاء الْمُهْملَة وَهِي الَّتِي تسمى الْيَوْم ببلدة الْخَلِيل الثَّانِي أَن مَعْنَاهُ لِيَزْدَادَ وَهُوَ الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ البُخَارِيّ وروى ابْن جرير الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى سعيد بن جُبَير قَالَ قَوْله {لِيَطمَئِن قلبِي} أَي يزْدَاد يقيني وَعَن مُجَاهِد قَالَ لِأَزْدَادَ إِيمَانًا إِلَى إيماني وَقيل بِالْمُشَاهَدَةِ كَأَن نَفسه طالبته بِالرُّؤْيَةِ والشخص قد يعلم الشَّيْء من جِهَة ثمَّ يَطْلُبهُ من أُخْرَى وَقيل لِيَطمَئِن قلبِي أَي إِذا سَأَلتك أجبتني وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِن قلت كَيفَ قَالَ لَهُ أَو لم تؤمن وَقد علم أَنه أثبت النَّاس إِيمَانًا قلت ليجيب بِمَا أجَاب فِيهِ لما فِيهِ من الْفَائِدَة الجليلة للسامعين انْتهى قلت أَن فِيهِ فائدتين إِحْدَاهمَا وَهِي التَّفْرِقَة بَين علم الْيَقِين وَعين الْيَقِين فَإِن فِي عين الْيَقِين طمأنينة بِخِلَاف علم الْيَقِين وَالثَّانيَِة أَن لإدراك الشَّيْء مَرَاتِب مُخْتَلفَة قُوَّة وضعفا وأقصاها عين الْيَقِين فليطلبها الطالبون وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وبلى إِيجَاب لما بعد النَّفْي وَمَعْنَاهُ بلَى آمَنت وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي ليزِيد سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضَّرُورَة علم الِاسْتِدْلَال وتظاهر الْأَدِلَّة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة وَالْيَقِين وَلِأَن علم الِاسْتِدْلَال يجوز مَعَه التشكيك بِخِلَاف الْعلم الضَّرُورِيّ فَأَرَادَ بطمأنينة الْقلب الْعلم الَّذِي لَا مجَال فِيهِ للتشكيك فَإِن قلت بِمَ تعلّقت اللَّام فِي لِيَطمَئِن قلت بِمَحْذُوف تَقْدِيره وَلَكِن سَأَلت ذَلِك إِرَادَة طمأنينة الْقلب الثَّالِث مَا قيل كَانَ الْمُنَاسب للسياق أَن يذكر هَذِه الْآيَة عِنْد سَائِر الْآيَات وَأجِيب بِأَن تِلْكَ الْآيَات دلّت على الزِّيَادَة صَرِيحًا وَهَذِه
تلْزم الزِّيَادَة مِنْهَا ففصل بَينهمَا إشعارا بالتفاوت (وَقَالَ معَاذ اجْلِسْ بِنَا نؤمن سَاعَة) معَاذ بِضَم الْمِيم ابْن جبل بن عَمْرو بن أَوْس بن عايذ بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف والذال الْمُعْجَمَة ابْن عدي بن كَعْب بن عَمْرو بن أدّى بن سعد بن عَليّ بن أَسد بن ساردة بن تزيد بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بن جشم بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ أسم وَهُوَ ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة وَشهد الْعقبَة الثَّانِيَة مَعَ السّبْعين من الْأَنْصَار ثمَّ شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مائَة حَدِيث وَسَبْعَة وَخَمْسُونَ حَدِيثا اتفقَا على حديثين وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة وَانْفَرَدَ مُسلم بِحَدِيث وَاحِد روى عَنهُ عبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو وَأَبُو قَتَادَة وَجَابِر وَأنس وَغَيرهم توفّي فِي طاعون عمواس بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْمِيم مَوضِع بَين الرملة وَبَيت الْمُقَدّس سنة ثَمَانِي عشرَة وَقيل سبع عشرَة وعمره ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَهَذَا الْأَثر أخرجه رسته عَن ابْن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان عَن جَامع بن شَدَّاد عَن الْأسود بن هِلَال عَنهُ وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد الْهَاشِمِي عَن عبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش ومسعر عَن جَامع بن شَدَّاد بِهِ قَوْله نؤمن سَاعَة لَا يُمكن حمله على أصل الْإِيمَان لِأَن معَاذًا كَانَ مُؤمنا وَأي مُؤمن فَالْمُرَاد زِيَادَة الْإِيمَان أَي اجْلِسْ حَتَّى نكثر وُجُوه دلالات الْأَدِلَّة الدَّالَّة على مَا يجب الْإِيمَان بِهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ نتذاكر الْخَيْر وَأَحْكَام الْآخِرَة وَأُمُور الدّين فَإِن ذَلِك إِيمَان وَقَالَ ابْن المرابط نتذاكر مَا يصدق الْيَقِين فِي قُلُوبنَا لِأَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِمَا جَاءَ من عِنْد الله تَعَالَى فَإِن قلت من هُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ معَاذ اجْلِسْ بِنَا قلت قَالُوا هُوَ الْأسود بن هِلَال وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه حَدثنَا وَكِيع قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش عَن جَامع بن شَدَّاد عَن الْأسود بن هِلَال الْمحَاربي قَالَ قَالَ لي معَاذ اجْلِسْ بِنَا نؤمن سَاعَة يَعْنِي نذْكر الله فَإِن قلت روى ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن أبي أُسَامَة عَن الْأَعْمَش عَن جَامع بن شَدَّاد عَن الْأسود بن هِلَال قَالَ كَانَ معَاذ يَقُول لرجل من إخوانه اجْلِسْ بِنَا فلنؤمن سَاعَة فيجلسان يتذاكران الله ويحمدانه انْتهى فَهَذَا يدل على أَن الَّذِي قَالَه معَاذ اجْلِسْ بِنَا نؤمن سَاعَة غير الْأسود بن هِلَال قلت يجوز أَن يكون قَالَ لَهُ مرّة وَقَالَ لغيره مرّة أُخْرَى فَافْهَم (وَقَالَ ابْن مَسْعُود الْيَقِين الْإِيمَان كُله) هُوَ عبد الله بن مَسْعُود بن غافل بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء ابْن حبيب بن شمخ بن مَخْزُوم وَيُقَال ابْن شمخ بن فار بن مَخْزُوم بن صاهلة بن كَاهِل بن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هزيل بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نذار بن معد بن عدنان أَبُو عبد الرَّحْمَن الْهُذلِيّ وَأمه أم عبد بنت عبدود بن سَوَاء من هُذَيْل أَيْضا لَهَا صُحْبَة أسلم بِمَكَّة قَدِيما وَهَاجَر الهجرتين وَشهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ صَاحب نعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يلْبسهُ إِيَّاهَا فَإِذا جلس أدخلها فِي ذراعه روى لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَمَانمِائَة حَدِيث وَثَمَانِية وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهَا على أَرْبَعَة وَسِتِّينَ وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِأحد وَعشْرين وَمُسلم بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْن بضع وَسِتِّينَ سنة وَقيل بِالْكُوفَةِ وَالْأول أصح وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان وَقيل الزبير وَقيل عمار بن يَاسر روى لَهُ الْجَمَاعَة وَأخرج هَذَا الْأَثر رسته بِسَنَد صَحِيح عَن أبي زُهَيْر قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن عَلْقَمَة عَنهُ قَالَ الصَّبْر نصف الْإِيمَان وَالْيَقِين الْإِيمَان كُله ثمَّ قَالَ وَحدثنَا عبد الرَّحْمَن قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان بِمثلِهِ وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد حَدِيثه مَرْفُوعا وَلَا يثبت رَفعه وروى أَحْمد فِي كتاب الزّهْد عَن وَكِيع عَن شريك عَن هِلَال عَن عبد الله بن حَكِيم قَالَ سَمِعت ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ يَقُول فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيمَانًا ويقينا وفقها قَوْله الْيَقِين هُوَ الْعلم وَزَوَال الشَّك يُقَال مِنْهُ يقنت الْأَمر بِالْكَسْرِ يَقِينا وأيقنت واستيقنت وتيقنت كُله بِمَعْنى وَأَنا على يَقِين مِنْهُ وَذَلِكَ عبارَة عَن التَّصْدِيق وَهُوَ أصل الْإِيمَان فَعبر بِالْأَصْلِ عَن الْجَمِيع كَقَوْلِه الْحَج عَرَفَة يَعْنِي أصل الْحَج ومعظمه عَرَفَة وَفِيه دلَالَة على أَن الْإِيمَان يَتَبَعَّض لِأَن كلا وأجمعا لَا يُؤَكد بهما إِلَّا ذَوا جَزَاء يَصح افتراقها حسا أَو حكما فَعلم أَن للْإيمَان كلا وبعضا فَيقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَاعْلَم أَن الْيَقِين من الكيفيات النفسانية وَهُوَ فِي الإدراكات الْبَاطِنَة من قسم التصديقات الَّتِي متعلقها الْخَارِجِي لَا يحْتَمل النقيض بِوَجْه من الْوُجُوه وَهُوَ علم بِمَعْنى الْيَقِين
(وَقَالَ ابْن عمر لَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة التَّقْوَى حَتَّى يدع مَا حاك فِي الصَّدْر) عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا الْقرشِي الْعَدو الْمَكِّيّ وَأمه وَأم أُخْته حَفْصَة زَيْنَب بنت مَظْعُون أُخْت عُثْمَان بن مَظْعُون أسلم بِمَكَّة قَدِيما مَعَ أَبِيه وَهُوَ صَغِير وَهَاجَر مَعَه وَلَا يَصح قَول من قَالَ أَنه أسلم قبل أَبِيه وَهَاجَر قبله واستصغر عَن أحد وَشهد الخَنْدَق وَمَا بعْدهَا وَهُوَ أحد السِّتَّة الَّذين هم أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة وَأحد العبادلة الْأَرْبَعَة وثانيهم ابْن عَبَّاس وثالثهم عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ورابعهم عبد الله بن الزبير وَوَقع فِي مبهمات النَّوَوِيّ وَغَيرهَا أَن الْجَوْهَرِي أثبت ابْن مَسْعُود مِنْهُم وَحذف ابْن عَمْرو وَلَيْسَ كَمَا ذكره كَمَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى وَوَقع فِي شرح الرَّافِعِيّ فِي الْجِنَايَات عد ابْن مَسْعُود مِنْهُم وَحذف ابْن الزبير وَابْن عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ روى لَهُ ألفا حَدِيث وسِتمِائَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهُمَا على مائَة وَسبعين حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِأحد وَثَمَانِينَ وَمُسلم بِأحد وَثَلَاثِينَ وَهُوَ أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة بعد أبي هُرَيْرَة مَاتَ بفخ بِالْفَاءِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة مَوضِع بِقرب مَكَّة وَقيل بِذِي طوى سنة ثَلَاث وَقيل أَربع وَسبعين سنة بعد قتل ابْن الزبير بِثَلَاثَة أشهر وَقيل بِسِتَّة عَن أَربع وَقيل سِتّ وَثَمَانِينَ سنة قَالَ يحيى بن بكير توفّي بِمَكَّة بعد الْحَج وَدفن بالمحصب وَبَعض النَّاس يَقُولُونَ بفخ قلت وَقيل بسرف وَكلهَا مَوَاضِع بِقرب مَكَّة بَعْضهَا أقرب إِلَى مَكَّة من بعض قَالَ الصغاني فخ وَادي الزَّاهِر وَصلى عَلَيْهِ الْحجَّاج وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا عبد الله بن عمر حرمي يُقَال أَن لَهُ صُحْبَة يرْوى عَنهُ حَدِيث فِي الْوضُوء وَقد روى مُسلم معنى قَول ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا من حَدِيث النواس بن سمْعَان قَالَ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْبر وَالْإِثْم فَقَالَ الْبر حسن الْخلق وَالْإِثْم مَا حاك فِي نَفسك وكرهت أَن يطلع عَلَيْهِ النَّاس قَوْله التَّقْوَى هِيَ الخشية قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم واخشوا} وَمثله فِي أول الْحَج وَالشعرَاء {إِذْ قَالَ لَهُم أخوهم نوح أَلا تَتَّقُون} يَعْنِي أَلا تخشون الله وَكَذَلِكَ قَول هود وَصَالح وَلُوط وَشُعَيْب لقومهم وَفِي العنكبوت وَإِبْرَاهِيم {إِذْ قَالَ لقوم اعبدوا الله واتقوه} يَعْنِي اخشوه {وَاتَّقوا الله حق تُقَاته} {وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} {وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس} وَحَقِيقَة التَّقْوَى أَن يقي نَفسه تعَاطِي مَا تسْتَحقّ بِهِ الْعقُوبَة من فعل أَو ترك وَتَأْتِي فِي الْقُرْآن على معَان الْإِيمَان نَحْو قَوْله تَعَالَى {وألزمهم كلمة التَّقْوَى} أَي التَّوْحِيد وَالتَّوْبَة نَحْو قَوْله تَعَالَى {وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا} أَي تَابُوا وَالطَّاعَة نَحْو {أَن أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون} وَترك الْمعْصِيَة نَحْو قَوْله تَعَالَى {وَأتوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا وَاتَّقوا الله} أَي وَلَا تعصوه وَالْإِخْلَاص نَحْو قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب} أَي من إخلاص الْقُلُوب فَإِن قلت مَا أَصله قلت أَصله من الْوِقَايَة وَهُوَ فرط الصيانة وَمِنْه المتقي اسْم فَاعل من وَقَاه الله فاتقى وَالتَّقوى والتقى وَاحِد وَالْوَاو مبدلة من الْيَاء وَالتَّاء مبدلة من الْوَاو إِذْ أَصله وقيا قلت الْيَاء واوا فَصَارَ وقوى ثمَّ أبدلت من الْوَاو تَاء فَصَارَ تقوى وَإِنَّمَا أبدلت من الْيَاء واوا فِي نَحْو تقوى وَلم تبدل فِي نَحْو ريا لِأَن ريا صفة وَإِنَّمَا يبدلون الْيَاء فِي فعلى إِذا كَانَ اسْما وَالْيَاء مَوضِع اللَّام كشروى من شريت وتقوى لِأَنَّهَا من التقية وَإِن كَانَت صفة تركوها على أَصْلهَا قَوْله حَتَّى يدع أَي يتْرك قَالَ الصرفيون وَأما توا ماضي يدع ويذر وَلَكِن جَاءَ {مَا وَدعك رَبك} بِالتَّخْفِيفِ قَوْله حاك بِالتَّخْفِيفِ من حاك يحيك وَيُقَال حك يحك وأحاك يحيك يُقَال مَا يحيك فِيهِ الملام أَي مَا يُؤثر وَقَالَ شمر الحائك الراسخ فِي قَلْبك الَّذِي يهمك وَقَالَ الْجَوْهَرِي حاك السَّيْف وأحاك بِمَعْنى يُقَال ضربه فَمَا حاك فِيهِ السَّيْف إِذا لم يعْمل فِيهِ فالحيك أَخذ القَوْل فِي الْقلب وَفِي بعض نسخ المغاربة صَوَابه مَا حك بتَشْديد الْكَاف وَفِي بعض نسخ العراقية مَا حاك بِالتَّشْدِيدِ من المحاكة وَقَالَ النَّوَوِيّ مَا حاك بِالتَّخْفِيفِ هُوَ مَا يَقع فِي الْقلب وَلَا ينشرح لَهُ صَدره وَخَافَ الْإِثْم فِيهِ وَقَالَ التَّيْمِيّ حاك فِي الصَّدْر أَي ثَبت فَالَّذِي يبلغ حَقِيقَة التَّقْوَى تكون نَفسه متيقنة للْإيمَان سَالِمَة من الشكوك وَقَالَ الْكرْمَانِي حَقِيقَة التَّقْوَى أَي الْإِيمَان لِأَن المُرَاد من التَّقْوَى وقاية النَّفس عَن الشّرك وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن بعض الْمُؤمنِينَ بلغُوا إِلَى كنه الْإِيمَان وَبَعْضهمْ لَا فَتجوز الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَفِي بعض الرِّوَايَات قَالَ لَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان بدل التَّقْوَى
باب دعاؤكم إيمانكم
(وَقَالَ مُجَاهِد شرع لكم أوصيناك يَا مُحَمَّد وإياه دينا وَاحِدًا) مُجَاهِد هُوَ ابْن جُبَير بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء وَيُقَال جُبَير وَالْأول أصح المَخْزُومِي مولى عبد الله بن السَّائِب المَخْزُومِي وَقيل غَيره سمع ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَجَابِر أَو عبد الله بن عَمْرو وَغَيرهم قَالَ مُجَاهِد عرضت الْقُرْآن على ابْن عَبَّاس ثَلَاثِينَ مرّة وَاتَّفَقُوا على توثيقه وجلالته وَهُوَ إِمَام فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث مَاتَ سنة مائَة وَقيل إِحْدَى وَقيل اثْنَتَيْنِ وَقيل أَربع وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة بِمَكَّة وَهُوَ ساجد روى لَهُ الْجَمَاعَة وَأخرج أَثَره هَذَا عبد بن حميد فِي تَفْسِيره بِسَنَد صَحِيح عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظَة وصاه قَوْله وإياه يَعْنِي نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام أَي هَذَا الَّذِي تظاهرت عَلَيْهِ أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة من زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه هُوَ شرع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام الَّذين قبل نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا هُوَ شرع نَبينَا لِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ {شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى} وَيُقَال جَاءَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام بِتَحْرِيم الْحَرَام وَتَحْلِيل الْحَلَال وَهُوَ أول من جَاءَ من الْأَنْبِيَاء بِتَحْرِيم الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات ونوح أول نَبِي جَاءَ بعد إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام وَقد قيل أَن الَّذِي وَقع فِي أثر مُجَاهِد تَصْحِيف وَالصَّوَاب أوصيناك يَا مُحَمَّد وأنبياءه وَكَيف يَقُول مُجَاهِد بإفراد الضَّمِير لنوح وَحده مَعَ أَن فِي السِّيَاق ذكر جمَاعَة قلت لَيْسَ بتصحيف بل هُوَ صَحِيح ونوح أفرد فِي الْآيَة وَبَقِيَّة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام عطفت عَلَيْهِ وهم داخلون فِيمَا وصّى بِهِ نوحًا وَكلهمْ مشتركون فِي هَذِه الْوَصِيَّة فَذكر وَاحِد مِنْهُم يُغني عَن الْكل على أَن نوحًا أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ أولى بِعُود الضَّمِير إِلَيْهِ فَافْهَم (وَقَالَ ابْن عَبَّاس شرعة ومنهاجا سَبِيلا وَسنة) يَعْنِي عبد الله بن عَبَّاس فسر قَوْله تَعَالَى {شرعة ومنهاجا} بالسبيل وَالسّنة وَقَالَ الْجَوْهَرِي النهج الطَّرِيق الْوَاضِح وَكَذَا الْمِنْهَاج والشرعة الشَّرِيعَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا} والشريعة مَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ من الدّين وَقد شرع لَهُم يشرع شرعا أَي سنّ فعلى هَذَا هُوَ من بَاب اللف والنشر الْغَيْر الْمُرَتّب وَفِي بعض النّسخ سنة وسبيلا فَهُوَ مُرَتّب وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة شرعة ومنهاجا قَالَ الدّين وَاحِد والشريعة مُخْتَلفَة وَقَالَ ابْن إِسْحَق قَالَ بَعضهم الشرعة الدّين والمنهاج الطَّرِيق وَقيل هما جَمِيعًا الطَّرِيق وَالطَّرِيق هُنَا الدّين وَلَكِن اللَّفْظ إِذا اخْتلف أَتَى بِهِ بِأَلْفَاظ يُؤَكد بهَا الْقِصَّة وَقَالَ مُحَمَّد بن يزِيد شرعة مَعْنَاهَا ابْتِدَاء الطَّرِيق والمنهاج الطَّرِيق المستمر وآثر ابْن عَبَّاس هَذَا أخرجه الْأَزْهَرِي فِي تهذيبه عَن ابْن مَاهك عَن حَمْزَة عَن عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق عَن التَّمِيمِي يَعْنِي أربدة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا بِهِ فَإِن قلت فِي الْآيَتَيْنِ تعَارض لِأَن الْآيَة الأولى تَقْتَضِي اتِّحَاد شرعة الْأَنْبِيَاء وَالثَّانيَِة تَقْتَضِي أَن لكل نَبِي شرعة قلت لَا تعَارض لِأَن الِاتِّحَاد فِي أصُول الدّين والتعدد فِي فروعه فَعِنْدَ اخْتِلَاف الْمحل لَا يثبت التَّعَارُض (بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ) يَعْنِي فسر ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى {قل لَهُ سَأَلتك عَن نسبه فَذكرت أَنه فِيكُم ذُو نسب فَكَذَلِك الرُّسُل تبْعَث فِي نسب قَومهَا وَسَأَلْتُك هَل قَالَ أحد مِنْكُم هَذَا القَوْل فَذكرت أَن لَا فَقلت لَو كَانَ أحد قَالَ هَذَا القَوْل قبله لَقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله وَسَأَلْتُك هَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك فَذكرت أَن لَا قلت فَلَو كَانَ من آبَائِهِ من ملك قلت رجل يطْلب ملك أَبِيه وَسَأَلْتُك هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا يعبؤ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم} فَقَالَ المُرَاد من الدُّعَاء الْإِيمَان فَمَعْنَى دعاؤكم إيمَانكُمْ وَأخرجه ابْن الْمُنْذر بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ أَنه قَالَ لَوْلَا دعاؤكم لَوْلَا إيمَانكُمْ وَقَالَ ابْن بطال لَوْلَا دعاؤكم الَّذِي هُوَ زِيَادَة فِي إيمَانكُمْ قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا الَّذِي قَالَه حسن لِأَن أصل الدُّعَاء النداء والاستغاثة فَفِي الْجَامِع سُئِلَ ثَعْلَب عَنهُ فَقَالَ هُوَ النداء وَيُقَال دَعَا الله فلَان بدعوة فَاسْتَجَاب لَهُ وَقَالَ ابْن سَيّده هُوَ الرَّغْبَة إِلَى الله تَعَالَى دَعَاهُ دُعَاء وَدَعوى حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ وَفِي الغريبين الدُّعَاء الْغَوْث وَقد دَعَا أَي اسْتَغَاثَ قَالَ تَعَالَى {ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم} وَقَالَ بعض الشَّارِحين قَالَ البُخَارِيّ وَمعنى الدُّعَاء فِي اللُّغَة الْإِيمَان يَنْبَغِي أَن يثبت فِيهِ فَإِنِّي لم أره عِنْد أحد من أهل اللُّغَة وَقَالَ الْكرْمَانِي تَفْسِيره فِي الْآيَتَيْنِ يدل على أَنه قَابل للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان أَو أَنه سمى الدُّعَاء إِيمَانًا وَالدُّعَاء عمل وَاعْلَم أَن من قَوْله وَقَالَ ابْن مَسْعُود إِلَى هُنَا غير ظَاهر الدّلَالَة على الدَّعْوَى وَهُوَ مَوضِع بحث وَنظر وَقَالَ النَّوَوِيّ اعْلَم أَنه خَارج لم أكن أَظن أَنه مِنْكُم فَلَو أَنِّي أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ لتجشمت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة إِلَى عَظِيم بصرى فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرَّحِم ن الرَّحِيم من مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ فَإِن توليت فَإِن عَلَيْك إِثْم الأريسيين وَيَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فقولو اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ آل عمرَان قَالَ أَبُو سُفْيَان فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفرغ من قِرَاءَة الْكتاب كثر عِنْده الصخب وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وأخرجنا فَقلت لِأَصْحَابِي حِين أخرجنَا لقد أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة إِنَّه يخافه ملك بني الْأَصْفَر فَمَا زلت موقنا أَنه سَيظْهر حَتَّى أَدخل الله عَليّ الْإِسْلَام وَكَانَ ابْن الناظور صَاحب إيلياء وهرقل سقفا على نَصَارَى الشأم يحدث أَن هِرقل حِين قدم إيلياء أصبح يَوْمًا خَبِيث النَّفس فَقَالَ بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قَالَ ابْن الناظور وَكَانَ هِرقل حزاء ينظر فِي كثير من نسخ البُخَارِيّ هَذَا بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ إِلَى آخر الحَدِيث بعده وَهَذَا غلط فَاحش وَصَوَابه مَا ذَكرْنَاهُ أَولا وَهُوَ دعاؤكم إيمَانكُمْ وَلَا يَصح إِدْخَال بَاب هُنَا لوجوه. مِنْهَا أَنه لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا نَحن فِيهِ. وَمِنْهَا أَنه ترْجم أَولا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام وَلم يذكرهُ
قبل هَذَا وَإِنَّمَا ذكره بعده وَمِنْهَا أَنه ذكر الحَدِيث بعده وَلَيْسَ هُنَا مطابقا للتَّرْجَمَة وَقَالَ الْكرْمَانِي وَعِنْدنَا نُسْخَة مسموعة على الْفربرِي وَعَلَيْهَا خطة وَهُوَ هَكَذَا دعاؤكم إيمَانكُمْ بِلَا بَاب وَلَا وَاو قلت رَأَيْت نُسْخَة عَلَيْهَا خطّ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي الشَّارِح وفيهَا بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَعَلِيهِ مَشى شَيخنَا فِي شَرحه وَلَيْسَ ذَلِك بجيد لِأَنَّهُ لَيْسَ مطابقا للتَّرْجَمَة 1 - حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن عِكْرِمَة بن خَالِد عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان) هَذَا الحَدِيث هُوَ تَرْجَمَة الْبَاب وَقد ذكرنَا أَن الصَّحِيح أَنه لَيْسَ بَينه وَبَين قَوْله بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس بَاب آخر فَافْهَم وَقَالَ النَّوَوِيّ أَدخل البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لينبىء أَن الْإِسْلَام يُطلق على الْأَفْعَال وَأَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان قد يكون بِمَعْنى وَاحِد (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول عبيد الله بن مُوسَى بن باذام بِالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة وَلَو لفظ فَارسي وَمَعْنَاهُ اللوز الْعَبْسِي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وتسكين الْبَاء الْمُوَحدَة مَوْلَاهُم الْكُوفِي الثِّقَة سمع الْأَعْمَش وخلقا من التَّابِعين وَعنهُ البُخَارِيّ وَأحمد وَغَيرهمَا وروى مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن رجل عَنهُ وَكَانَ عَالما بِالْقُرْآنِ رَأْسا فِيهِ توفّي بالإسكندرية سنة ثَلَاث عشرَة أَو أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف كَانَ عبيد الله يسمع ويروي أَحَادِيث مُنكرَة فضعف بذلك عِنْد كثير من النَّاس وَقَالَ النَّوَوِيّ وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من كتب أَئِمَّة الحَدِيث الِاحْتِجَاج بِكَثِير من المبتدعة غير الدعاة إِلَى بدعتهم وَلم تزل السّلف وَالْخلف على قبُول الرِّوَايَة مِنْهُم وَالِاسْتِدْلَال بهَا وَالسَّمَاع مِنْهُم وأسماعهم من غير إِنْكَار الثَّانِي حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان بن عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح الجُمَحِي الْمَكِّيّ الْقرشِي الثِّقَة الْحجَّة سمع عَطاء وَغَيره من التَّابِعين وَعنهُ الثَّوْريّ وَغَيره من الْأَعْلَام مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَقد قَالَ قطب الدّين إِلَّا ابْن مَاجَه وَلَيْسَ بِصَحِيح بل روى لَهُ ابْن مَاجَه أَيْضا كَمَا نبه عَلَيْهِ الْمزي الثَّالِث عِكْرِمَة بن خَالِد بن العَاصِي بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي الْمَكِّيّ الثِّقَة الْجَلِيل سمع ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَغَيرهمَا روى عَنهُ عَمْرو بن دِينَار وَغَيره من التَّابِعين مَاتَ بِمَكَّة بعد عَطاء وَمَات عَطاء سنة أَربع عشرَة أَو خمس عشرَة وَمِائَة والعاصي جده هُوَ أَخُو أبي جهل قَتله عمر رَضِي الله عَنهُ ببدر كَافِرًا وَهُوَ خَال عمر على قَول وَفِي الصَّحَابَة عِكْرِمَة ثَلَاثَة لَا رَابِع لَهُم ابْن أبي جهل المَخْزُومِي وَابْن عَامر الْعَبدَرِي وَابْن عبيد الْخَولَانِيّ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه عِكْرِمَة إِلَّا هَذَا وَعِكْرِمَة ابْن عبد الرَّحْمَن وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وروى مُسلم للأخير مَقْرُونا وَتكلم فِيهِ لرأيه وَعِكْرِمَة ابْن عمار أخرج لَهُ مُسلم فِي الْأُصُول وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي كتاب الْبر والصلة قلت وَفِي طبقَة عِكْرِمَة بن خَالِد بن العَاصِي عِكْرِمَة بن خَالِد بن سَلمَة بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَهُوَ ضَعِيف وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ وَهُوَ لم يرو عَن ابْن عمر وَيَنْبَغِي التَّنْبِيه لهَذَا فَإِنَّهُ مَوضِع الِاشْتِبَاه الرَّابِع عبد الله بن عمر وَقد ذكر عَن قريب (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن إِسْنَاده كلهم مكيون إِلَّا عبيد الله فَإِنَّهُ كُوفِي وَكله على شَرط السِّتَّة إِلَّا عِكْرِمَة بن خَالِد فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَلمُسلم من الخماسيات فعلا البُخَارِيّ بِرَجُل (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَقَالَ فِيهِ وَزَاد عُثْمَان عَن ابْن وهب أَخْبرنِي فلَان وحيوة بن شُرَيْح عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن حَنْظَلَة بِهِ وَعَن ابْن معَاذ عَن أَبِيه عَن عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عَن جده وَعَن ابْن نمير عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن سعد بن طَارق عَن سعد بن عبيد عَن ابْن عَمْرو عَن سهل بن عُثْمَان عَن يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن سعد بن طَارق بِهِ فَوَقع لمُسلم من جَمِيع طرقه خماسيا وللبخاري رباعيا كَمَا ذكرنَا وَزَاد فِي مُسلم فِي رِوَايَته عَن
حَنْظَلَة قَالَ سَمِعت عِكْرِمَة بن خَالِد يحدث طاوسا أَن رجلا قَالَ لعبد الله بن عمر أَلا تغزو فَقَالَ إِنِّي سَمِعت فَذكر الحَدِيث وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ اسْم الرجل السَّائِل حَكِيم (بَيَان اللُّغَات) قَوْله بني من بنى يَبْنِي بِنَاء يُقَال بنى فلَانا بَيْتا من الْبُنيان وَيُقَال بنيته بِنَاء وَبنى بِكَسْر الْبَاء وَبنى بِالضَّمِّ وبنية قَوْله وإقام الصَّلَاة فعلة من صلى كَالزَّكَاةِ من زكى قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وكتبتها بِالْوَاو على لفظ المفخم وَحَقِيقَة صلى حرك الصلوين لِأَن الْمصلى يفعل ذَلِك قلت الصلوان تَثْنِيَة الصلا وَهُوَ مَا عَن يَمِين الذَّنب وشماله هَذَا أحد مَعَاني الصَّلَاة فِي اللُّغَة وَالثَّانيَِة الدُّعَاء قَالَ الْأَعْشَى (وقابلها الرّيح فِي دنها ... وَصلى على دنها وارتسم) وَالثَّالِثَة من صليت الْعَصَا بالنَّار إِذا لينتها وقومتها فالمصلى كَأَنَّهُ يسْعَى فِي تعديلها وإقامتها وَالرَّابِعَة من صليت الرجل النَّار إِذا أدخلته النَّار أَو من جعلته يصلاها أَي يلازمها فالمصلى يدْخل الصَّلَاة ويلازمها قَوْله وإيتاء الزَّكَاة أَي إعطائها من أَتَاهُ إيتَاء وَأما آتيته آتِيَا وإتيانا فَمَعْنَاه جِئْته وَالزَّكَاة فِي اللُّغَة عبارَة عَن الطَّهَارَة قَالَ تَعَالَى {قد أَفْلح من تزكّى} أَي تطهر وَعَن النَّمَاء يُقَال زكا الزَّرْع إِذا نما قَالَ الْجَوْهَرِي زكا الزَّرْع يزكو زكاء ممدودا أَي نما وَهَذَا الْأَمر لَا يزكو بفلان أَي لَا يَلِيق بِهِ وَيُقَال زكا الرجل يزكو زكوا إِذا تنعم وَكَانَ فِي خصب وزكى مَاله تَزْكِيَة إِذا أدّى عَنهُ زَكَاته وتزكى أَي تصدق وزكى نَفسه تَزْكِيَة مدحها وَفِي الشَّرِيعَة عبارَة عَن إيتَاء جُزْء من النّصاب الحولي إِلَى فَقير غير هاشمي ويراعى فِيهَا مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة وَذَلِكَ أَن المَال يطهر بهَا أَو يطهره صَاحبه أَو هِيَ سَبَب نمائه وزيادته قَوْله وَالْحج فِي اللُّغَة الْقَصْد وَأَصله من قَوْلك حججْت فلَانا أحجه حجا إِذا عدت إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى فَقيل حج الْبَيْت لِأَن النَّاس يأتونه فِي كل سنة وَمِنْه قَول المخبل السَّعْدِيّ (واشهد من عَوْف حؤولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا) يَقُول يأتونه مرّة بعد أُخْرَى لسودده والسب بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة شقة من كتَّان رقيقَة وَأَرَادَ بِهِ الْعِمَامَة هَهُنَا قَالَ الصغاني هَذَا الأَصْل ثمَّ تعورف اسْتِعْمَاله فِي الْقَصْد إِلَى مَكَّة حرسها الله تَعَالَى للنسك تَقول حججْت الْبَيْت أحجه حجا فَأَنا حَاج وَيجمع على حجج مِثَال بازل وبزل والحجج بِالْكَسْرِ الِاسْم وَالْحجّة الْمرة الْوَاحِدَة وَهَذَا من الشواذ لِأَن الْقيَاس بِالْفَتْح وَفِي الشَّرِيعَة هُوَ قصد مَخْصُوص فِي وَقت مَخْصُوص إِلَى مَكَان مَخْصُوص قَوْله وَصَوْم رَمَضَان الصَّوْم فِي اللُّغَة الْإِمْسَاك عَن الطَّعَام وَقد صَامَ الرجل صوما وصياما وَقوم صَوْم بِالتَّشْدِيدِ وصيم أَيْضا وَرجل صومان أَي صَائِم وَصَامَ الْفرس صوما أَي قَامَ على غير اعتلاف قَالَ النَّابِغَة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (خيل صِيَام وخيل غير صَائِمَة ... تَحت العجاج وَأُخْرَى تعلك اللجما) وَصَامَ النَّهَار صوما إِذا قَامَ قَائِم الظهيرة واعتدل وَالصَّوْم ركود الرّيح وَالصَّوْم السُّكُوت قَالَ تَعَالَى {إِنِّي نذرت للرحمن صوما} قَالَ ابْن عَبَّاس صمتا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كل مُمْسك عَن طَعَام أَو كَلَام أَو سير فَهُوَ صَائِم وَالصَّوْم ذرق النعامة وَالصَّوْم الْبيعَة وَالصَّوْم شجر فِي لُغَة هُذَيْل وَفِي الشَّرِيعَة إمْسَاك عَن المفطرات الثَّلَاث نَهَارا مَعَ النِّيَّة وَتَفْسِير رَمَضَان قد مر مرّة (بَيَان الصّرْف) قَوْله بنى فعل مَاض مَجْهُول قَوْله وَأقَام الصَّلَاة أَصله أَقوام لِأَنَّهُ من أَقَامَ يُقيم حذفت الْوَاو فَصَارَ إقاما وَلَكِن الْقَاعِدَة أَن يعوض عَنْهَا التَّاء فَيُقَال إِقَامَة وَقَالَ أهل الصّرْف لزم الْحَذف والتعويض فِي نَحْو إِجَارَة واستجارة فَإِن قلت فَلم لم يعوض هَهُنَا قلت المُرَاد من التعويض هُوَ أَن يكون بِالتَّاءِ وَغَيرهَا نَحْو الْإِضَافَة فَإِن الْمُضَاف إِلَيْهِ هَهُنَا عوض عَن الْمَحْذُوف وَفِي التَّنْزِيل {وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات وإقام الصَّلَاة} قَوْله وإيتاء من آتى بِالْمدِّ (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله الْإِسْلَام مَرْفُوع لإسناد بني إِلَيْهِ وَقد نَاب عَن الْفَاعِل وَقَوله على يتَعَلَّق بقوله بني قَوْله خمس أَي خمس دعائم وَصرح بِهِ عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته أَو قَوَاعِد أَو خِصَال ويروي خَمْسَة وَهَكَذَا رِوَايَة مُسلم وَالتَّقْدِير خَمْسَة أَشْيَاء أَو أَرْكَان أَو أصُول وَيُقَال إِنَّمَا حذف الْهَاء لكَون الْأَشْيَاء لم تذكر كَقَوْلِه تَعَالَى {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} أَي عشرَة أَشْيَاء وَكَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صَامَ رَمَضَان فَأتبعهُ سِتا وَنَحْو ذَلِك قلت ذَلِك النُّحَاة أَن أَسمَاء الْعدَد إِنَّمَا يكون تذكيرها بِالتَّاءِ وتأنيثها بِسُقُوط التَّاء إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا أما إِذا لم يذكر فَيجوز الْأَمر أَن قَوْله
شَهَادَة مجرور لِأَنَّهُ بدل من قَوْله خمس بدل الْكل من الْكل وَيجوز رَفعه على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي وَهِي شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَيجوز نَصبه على تَقْدِير أَعنِي شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَوْله أَن بِالْفَتْح مُخَفّفَة من المثقلة وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَوْله وإقام بِالْجَرِّ عطف على شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله بني إِنَّمَا طوى ذكر الْفَاعِل لشهرته وَفِيه الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ لِأَنَّهُ شبه الْإِسْلَام بمبنى لَهُ دعائم فَذكر الْمُشبه وطوى ذكر الْمُشبه بِهِ وَذكر مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ وَهُوَ الْبناء وَيُسمى هَذَا اسْتِعَارَة ترشيحية وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة تمثيلية بِأَن تمثل حَالَة الْإِسْلَام مَعَ أَرْكَانه الْخَمْسَة بِحَالَة خباء أُقِيمَت على خَمْسَة أعمدة وقطبها الَّذِي تَدور عَلَيْهِ الْأَركان هُوَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَبَقِيَّة شعب الْإِيمَان كالأوتاد للخباء وَيجوز أَن تكون الِاسْتِعَارَة تَبَعِيَّة بِأَن تقدر الِاسْتِعَارَة فِي بني والقرينة الْإِسْلَام شبه ثبات الْإِسْلَام واستقامته على هَذِه الْأَركان بِبِنَاء الخباء على الأعمدة الْخَمْسَة ثمَّ تسري الِاسْتِعَارَة من الْمصدر إِلَى الْفِعْل وَقد علمت أَن الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة تقع أَولا فِي المصادر ومتعلقات مَعَاني الْحُرُوف ثمَّ تسري فِي الْأَفْعَال وَالصِّفَات والحروف وَالْأَظْهَر أَن تكون اسْتِعَارَة مكنية بِأَن تكون الِاسْتِعَارَة فِي الْإِسْلَام والقرينة بني على التخيل بِأَن شبه الْإِسْلَام بِالْبَيْتِ ثمَّ خيل كَأَنَّهُ بَيت على الْمُبَالغَة ثمَّ أطلق الْإِسْلَام على ذَلِك المخيل ثمَّ خيل لَهُ مَا يلازم الْبَيْت الْمُشبه بِهِ من الْبناء ثمَّ أثبت لَهُ مَا هُوَ لَازم الْبَيْت من الْبناء على الِاسْتِعَارَة التخييلية ثمَّ نسب إِلَيْهِ ليَكُون قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْحَقِيقَة قَوْله وإقام الصَّلَاة كِنَايَة عَن الْإِتْيَان بهَا بشروطها وأركانها قَوْله وإيتاء الزَّكَاة فِيهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا إِطْلَاق الزَّكَاة الَّذِي هُوَ فِي الأَصْل مصدر أَو اسْم مصدر على المَال الْمخْرج للْمُسْتَحقّ وَالْآخر حذف أحد المفعولين للْعلم بِهِ لِأَن الإيتاء مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين وَالتَّقْدِير إيتَاء الزَّكَاة مستحقيها قَوْله وَالْحج فِيهِ حذف أَيْضا أَي وَحج الْبَيْت وَالْألف وَاللَّام فِيهِ بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَوْله وَصَوْم رَمَضَان فِيهِ حذف أَيْضا أَي وَصَوْم شهر رَمَضَان فَإِن قلت مَا الْإِضَافَة فيهمَا قلت إِضَافَة الحكم إِلَى سَببه لِأَن سَبَب الْحَج الْبَيْت وَلِهَذَا لَا يتَكَرَّر لعدم تكَرر الْبَيْت والشهر يتَكَرَّر فيتكرر الصَّوْم (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول يفهم من ظَاهر الحَدِيث أَن الشَّخْص لَا يكون مُسلما عِنْد ترك شَيْء مِنْهَا لَكِن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن العَبْد لَا يكفر بترك شَيْء مِنْهَا وَقتل تَارِك الصَّلَاة عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد إِنَّمَا هُوَ حدا لَا كفرا وَإِن كَانَ رُوِيَ عَن أَحْمد وَبَعض الْمَالِكِيَّة كفرا وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ترك صَلَاة مُتَعَمدا فقد كفر مَحْمُول على الزّجر والوعيد أَو مؤول أَي إِذا كَانَ مستحلا أَو المُرَاد كفران النِّعْمَة الثَّانِي أَن هَذِه الْأَشْيَاء الْخَمْسَة من فروض الْأَعْيَان لَا تسْقط بِإِقَامَة الْبَعْض عَن البَاقِينَ الثَّالِث فِيهِ جَوَاز إِطْلَاق رَمَضَان من غير ذكر شهر خلافًا لمن منع ذَلِك على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل مَا وَجه الْحصْر فِي هَذِه الْخَمْسَة وَأجِيب بِأَن الْعِبَادَة إِمَّا قولية وَهِي الشَّهَادَة أَو غير قولية فَهِيَ إِمَّا تركي وَهُوَ الصَّوْم أَو فعلي وَهُوَ إِمَّا بدني وَهُوَ الصَّلَاة أَو مَالِي وَهُوَ الزَّكَاة أَو مركب مِنْهُمَا وَهُوَ الْحَج الثَّانِي مَا قيل مَا وَجه التَّرْتِيب بَينهَا وَأجِيب بِأَن الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب وَلَكِن الْحِكْمَة فِي الذّكر أَن الْإِيمَان أصل للعبادات فَتعين تَقْدِيمه ثمَّ الصَّلَاة لِأَنَّهَا عماد الدّين ثمَّ الزَّكَاة لِأَنَّهَا قرينَة الصَّلَاة ثمَّ الْحَج للتغليظات الْوَارِدَة فِيهِ وَنَحْوهَا فبالضرورة يَقع الصَّوْم آخرا الثَّالِث مَا قيل الْإِسْلَام هُوَ الْكَلِمَة فَقَط وَلِهَذَا يحكم بِإِسْلَام من تلفظ بهَا فَلم ذكر الْأَخَوَات مَعهَا وَأجِيب تَعْظِيمًا لإخوانها وَقَالَ النَّوَوِيّ حكم الْإِسْلَام فِي الظَّاهِر يثبت بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنَّمَا أضيف إِلَيْهِمَا الصَّلَاة وَنَحْوهَا لكَونهَا أظهر شَعَائِر الْإِسْلَام وَأَعْظَمهَا وبقيامه بهَا يتم إِسْلَامه وَتَركه لَهَا يشْعر بانحلال قيد انقياده أَو اختلاله الرَّابِع مَا قيل فعلي هَذَا التَّقْدِير الْإِسْلَام هُوَ هَذِه الْخَمْسَة والمبني لَا بُد أَن يكون غير الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ وَأجِيب بِأَن الْإِسْلَام عبارَة عَن الْمَجْمُوع وَالْمَجْمُوع غير كل وَاحِد من أَرْكَانه الْخَامِس مَا قيل الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة مَبْنِيَّة على الشَّهَادَة إِذْ لَا يَصح شَيْء مِنْهَا إِلَّا بعد الْكَلِمَة فالأربعة مَبْنِيَّة وَالشَّهَادَة مَبْنِيّ عَلَيْهَا فَلَا يجوز إدخالها فِي سلك وَاحِد وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا مَحْذُور فِي أَن يبْنى أَمر على أَمر ثمَّ الْأَمر أَن يكون عَلَيْهِمَا شَيْء آخر وَيُقَال لَا نسلم أَن الْأَرْبَعَة مَبْنِيَّة على الْكَلِمَة بل صِحَّتهَا مَوْقُوفَة عَلَيْهَا وَذَلِكَ غير معنى بِنَاء الْإِسْلَام على الْخمس وَقَالَ التَّيْمِيّ قَوْله بني الْإِسْلَام على خمس كَانَ ظَاهره أَن الْإِسْلَام مَبْنِيّ على
- (باب أمور الإيمان)
هَذِه وَإِنَّمَا هَذِه الْأَشْيَاء مَبْنِيَّة على الْإِسْلَام لِأَن الرجل مَا لم يشْهد لَا يُخَاطب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة وَلَو قَالَهَا فَإنَّا نحكم فِي الْوَقْت بِإِسْلَامِهِ ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة المبنية على الْإِسْلَام حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه إِلَّا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَرَادَ بَيَان أَن الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء ووجودها مَعَه جعله مَبْنِيا عَلَيْهَا وَلِهَذَا الْمَعْنى سوى بَينهَا وَبَين الشَّهَادَة وَإِن كَانَت هِيَ الْإِسْلَام بِعَيْنِه وَقَالَ الْكرْمَانِي حَاصِل كَلَامه أَن الْمَقْصُود من الحَدِيث بَيَان كَمَال الْإِسْلَام وَتَمَامه فَلذَلِك ذكر هَذِه الْأُمُور مَعَ الشَّهَادَة لَا نفس الْإِسْلَام وَهُوَ حسن لَكِن قَوْله ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه لَيْسَ من الْبَحْث إِذْ الْبَحْث فِي فعل هَذِه الْأُمُور وَتركهَا لَا فِي إنكارها وَكَيف وإنكار كل حكم من أَحْكَام الْإِسْلَام مُوجب للكفر فَلَا معنى للتخصيص بِهَذِهِ الْأَرْبَعَة قلت اسْتِدْرَاك الْكرْمَانِي لَا وَجه لَهُ فَافْهَم السَّادِس مَا قيل لم لم يذكر الْإِيمَان بالأنبياء وَالْمَلَائِكَة وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنه سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أُجِيب بِأَن المُرَاد بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ فيستلزم جَمِيع مَا ذكر من المعتقدات السَّابِع مَا قيل لم لم يذكر فِيهِ الْجِهَاد أُجِيب بِأَنَّهُ لم يكن فرض وَقيل لِأَنَّهُ من فروض الكفايات وَتلك فَرَائض الْأَعْيَان قَالَ الدَّاودِيّ لما فتحت مَكَّة سقط فرض الْجِهَاد على من يعد من الْكفَّار وَهُوَ فرض على من يليهم وَكَانَ أَولا فرضا على الْأَعْيَان وَقيل هُوَ مَذْهَب ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَالثَّوْري وَابْن شبْرمَة إِلَّا أَن ينزل الْعَدو فيأمر الإِمَام بِالْجِهَادِ وَجَاء فِي البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر مَا حملك على أَن تحج عَاما وتعتمر عَاما وتترك الْجِهَاد وَفِي بَعْضهَا فِي أَوله أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر أَلا نغزو قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن ابْن عمر كَانَ لَا يرى فرضيته إِمَّا مُطلقًا كَمَا نقل عَنهُ أَو فِي ذَلِك الْوَقْت وَجَاء هُنَا بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَجَاء فِي بعض طرقه على أَن يوحد الله وَفِي أُخْرَى على أَن يعبد الله وَيكفر بِمَا دونه بدل الشَّهَادَة قَالَ بَعضهم جَاءَت الأولى على نقل اللَّفْظ وَمَا عَداهَا على الْمَعْنى وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ جَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى من الْعَالم بمواقع الْأَلْفَاظ وتركيبها وَأما من لَا يعرف ذَلِك فَلَا خلاف فِي تَحْرِيمه عَلَيْهِ وَجَاء هَهُنَا وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان بِتَقْدِيم الْحَج وَفِي طَرِيقين لمُسلم وَفِي بعض الطّرق بِتَقْدِيم رَمَضَان وَفِي بَعْضهَا فَقَالَ رجل الْحَج وَصِيَام رَمَضَان وَقَالَ ابْن عمر لَا صِيَام رَمَضَان وَالْحج هَكَذَا سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاخْتلف النَّاس فِي الْجمع بَين الرِّوَايَات فَقَالَ الْمَازرِيّ تحمل مشاحة ابْن عمر على أَنه كَانَ لَا يرى رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَإِن أَدَّاهُ بِلَفْظ يحْتَمل أَو كَانَ يرى الْوَاو توجب التَّرْتِيب فَتجب الْمُحَافظَة على اللَّفْظ لِأَنَّهُ قد تتَعَلَّق بِهِ أَحْكَام وَقيل أَن ابْن عمر رَوَاهُ على الْأَمريْنِ وَلكنه لما رد عَلَيْهِ الرجل قَالَ لَا ترد على مَا لَا علم لَك بِهِ كَمَا رَوَاهُ فِي أَحدهمَا وَقيل يحْتَمل أَنه كَانَ نَاسِيا لِلْأُخْرَى عِنْد الْإِنْكَار وَمِنْهُم من قَالَ الصَّوَاب تَقْدِيم الصَّوْم وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى وهم لإنكار ابْن عمر وزجره عِنْد ذكرهَا واستضعف هَذَا بِأَنَّهُ يجر إِلَى توهين الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وطر وَاحْتِمَال الْفساد عِنْد فَتحه لأَنا لَو فتحنا هَذَا الْبَاب لارتفع الوثوق بِكَثِير من الرِّوَايَات إِلَّا الْقَلِيل وَلِأَن الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّحِيح وَلَا تنَافِي بَينهمَا كَمَا تقدم من جَوَاز رِوَايَة الْأَمريْنِ قَالَ القَاضِي وَقد يكون رد ابْن عمر الرجل إِلَى تَقْدِيم رَمَضَان لِأَن وجوب صَوْم رَمَضَان نزل فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وفريضة الْحَج فِي سنة سِتّ وَقيل تسع بِالْمُثَنَّاةِ فجَاء لفظ ابْن عمر على نسقها فِي التَّارِيخ وَالله أعلم وَقَالَ ابْن صَلَاح مُحَافظَة ابْن عمر على مَا سَمعه حجَّة لمن قَالَ بترتيب الْوَاو قلت لِلْجُمْهُورِ أَن يجيبوا عَن ذَلِك بِأَن تَقْدِيم الصَّوْم لتقدم زَمَنه كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي قَوْله واستضعف هَذَا إِلَى آخِره نظر وَقد وَقع فِي رِوَايَة ابْني عوَانَة فِي مستخرجه على مُسلم عكس مَا وَقع فِي الصَّحِيح وَهُوَ أَن ابْن عمر قَالَ للرجل اجْعَل صِيَام رَمَضَان آخِرهنَّ كَمَا سَمِعت وَأجَاب عَنهُ ابْن صَلَاح بقوله لَا تقاوم هَذِه رِوَايَة مُسلم وَقَالَ النَّوَوِيّ بِأَن الْقَضِيَّة لِرجلَيْنِ فَإِن قلت مَا تَقول فِي الرِّوَايَة الَّتِي اقتصرت على إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ قلت إِمَّا اكْتِفَاء بِذكر إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى لدلالتها عَلَيْهَا وَإِمَّا لتقصير من الرَّاوِي فَزَاد عَلَيْهِ غَيره فَقبلت زِيَادَته فَافْهَم وَالرجل الْمَرْدُود عَلَيْهِ تَقْدِيمه الْحَج اسْمه يزِيد بن بشر السكْسكِي ذكره الْخَطِيب فِي الْأَسْمَاء المبهمة لَهُ 3 - (بَاب أُمُورِ الإِيمَانِ) وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِبِ ولكِنّ
َ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتَابِ والنَّبِيينَ وَآتى المَال عَلَى حُبّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتَامَى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وأقَامَ الصَّلاَةَ وأتَى الزَّكَاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا والصَّابرينَ فِي البَأْسَاءِ والضَّرَاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولئِكَ الذَينَ صَدَقُوا وأُولَئكَ هُمُ المتَّقُونَ} (الْبَقَرَة: 177) {قَدْ أفْلَحَ المؤمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: 1) الآيَةَ. أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أُمُور الْإِيمَان، فَيكون ارْتِفَاع: بَاب، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالْمرَاد بالأمور هِيَ: الْإِيمَان، لِأَن الْأَعْمَال عِنْده هِيَ: الْإِيمَان، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة فِيهِ بَيَانِيَّة، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: بَاب الْأُمُور الَّتِي للْإيمَان فِي تَحْقِيق حَقِيقَته وتكميل ذَاته، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة بِمَعْنى: اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب أَمر الْإِيمَان، بِالْإِفْرَادِ على إِرَادَة الْجِنْس؛ وَقَالَ ابْن بطال: التَّصْدِيق أول منَازِل الْإِيمَان، والاستكمال إِنَّمَا هُوَ بِهَذِهِ الْأُمُور. وَأَرَادَ البُخَارِيّ الاستكمال، وَلِهَذَا بوب أبوابه عَلَيْهِ فَقَالَ: بَاب أُمُور الْإِيمَان؛ و: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان، و: بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان، و: بَاب الزَّكَاة من الْإِيمَان. وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَبْوَاب كلهَا الرَّد على المرجئة الْقَائِلين، بِأَن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل، وتبيين غلطهم ومخالفتهم الْكتاب وَالسّنة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلف النَّاس فِيمَن عصى الله من أهل الشَّهَادَتَيْنِ: فَقَالَت المرجئة: لَا تضر الْمعْصِيَة مَعَ الْإِيمَان، وَقَالَت الْخَوَارِج: تضره بهَا وَيكفر بهَا، وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: يخلد بهَا فَاعل الْكَبِيرَة وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ مُؤمن وَلَا كَافِر، لَكِن يُوصف بِأَنَّهُ فَاسق: وَقَالَت الأشعرية: بل هُوَ مُؤمن وَأَن عذب، وَلَا بُد من دُخُوله الْجنَّة. قَوْله: (وَقَول الله عز وَجل) بِالْجَرِّ عطف على الْأُمُور. فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْآيَة والتبويب؟ قلت: لِأَن الْآيَة حصرت الْمُتَّقِينَ على أَصْحَاب هَذِه الصِّفَات والأعمال، فَعلم مِنْهَا أَن الْإِيمَان الَّذِي بِهِ الْفَلاح والنجاة الْإِيمَان الَّذِي فِيهِ هَذِه الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة، وَكَذَلِكَ الْآيَة الْأُخْرَى، وَهِي قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت إِيمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون} (الْمُؤْمِنُونَ: 1 7) وَذكر الْأُخْرَى فِي كتاب الشَّرِيعَة من حَدِيث المَسْعُودِيّ، عَن الْقَاسِم، عَن أبي ذَر، رَضِي الله عَنهُ: (أَن رجلا سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فَقَرَأَ عَلَيْهِ: {لَيْسَ بِالْبرِّ} (الْبَقَرَة: 177)) الْآيَة. فَقَالَ الرجل: لَيْسَ عَن الْبر سَأَلتك، فَقَالَ أَبُو ذَر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلتنِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ كَمَا قَرَأت عَلَيْك، فَأبى أَن يرضى كَمَا أَبيت أَن ترْضى، فَقَالَ: ادن مني، فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ الْمُؤمن الَّذِي يعْمل حَسَنَة فتسره، ويرجو ثَوَابهَا، وَإِن عمل سَيِّئَة تسؤوه وَيخَاف عَاقبَتهَا. قَوْله: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: 177) أَي: لَيْسَ الْبر كه أَن تصلوا وَلَا تعملوا غير ذَلِك. {وَلَكِن الْبر} (الْبَقَرَة: 177) بر {من آمن بِاللَّه} (الْبَقَرَة: 177) الْآيَة كَذَا قدره سِيبَوَيْهٍ. وَقَالَ الزّجاج: وَلَكِن ذَا الْبر، فَحذف الْمُضَاف كَقَوْلِه {هم دَرَجَات عِنْد الله} (آل عمرَان: 163) أَي: ذَوُو دَرَجَات، وَمَا قدره سِيبَوَيْهٍ أولى، لِأَن الْمَنْفِيّ هُوَ الْبر، فَيكون هُوَ الْمُسْتَدْرك من جنسه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله: البراسم للخير، وَلكُل فعل مرضِي وَفِي (الغريبين) الْبر: الاتساع فِي الْإِحْسَان وَالزِّيَادَة مِنْهُ. وَقَالَ السّديّ: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تتفقوا} (آل عمرَان: 92) يَعْنِي: الْجنَّة وَالْبر: أَيْضا: الصِّلَة وَهُوَ اسْم جَامع للخير كُله، وَفِي (الْجَامِع) و (الْجَمْرَة) : الْبر ضد العقوق، وَفِي (مثلث) ابْن السَّيِّد: الْإِكْرَام، كَذَا نَقله عَنهُ فِي (الواعي) : وَذكر ابْن عديس عَنهُ: الْبر، بِالْكَسْرِ: الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الخطابُ لأهل الْكتاب، لِأَن الْيَهُود تصلي قبل الْمغرب إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَالنَّصَارَى قبل الْمشرق، وَذَلِكَ أَنهم أَكْثرُوا الْخَوْض فِي أَمر الْقبْلَة حِين تحول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْكَعْبَة، وَزعم كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ أَن الْبر التَّوَجُّه، إِلَى قبلته، فَرد عَلَيْهِم وَقَرَأَ: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: 177) بِالنّصب على أَنه خبر مقدم، وَقَرَأَ عبد الله: {بِأَن توَلّوا} على إِدْخَال الْبَاء على الْخَبَر للتَّأْكِيد. وَعَن الْمبرد: لَو كنت مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن لقرأت: {وَلَكِن الْبر} بِفَتْح الْبَاء، وقرىء وَلَكِن الْبَار، وَقَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع: وَلَكِن الْبر، بِالتَّخْفِيفِ {وَالْكتاب} (الْبَقَرَة: 177) جنس كتاب الله تَعَالَى، أَو الْقُرْآن: {على حبه} (الْبَقَرَة: 177) مَعَ حب المَال وَالشح بِهِ، وَقيل: على حب الله، وَقيل: على حب الإيتاء، وَقدم ذَوي الْقُرْبَى لِأَنَّهُ أَحَق، وَالْمرَاد: الْفُقَرَاء مِنْهُم لعدم الالتباس: {والمسكين} (الْبَقَرَة: 177) الدَّائِم السّكُون إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ لَا شَيْء لَهُ كالمسكير: الدَّائِم السكر. {وَابْن السَّبِيل} (الْبَقَرَة: 177) الْمُسَافِر الْمُنْقَطع، وَجعل ابْنا للسبيل لملازمته لَهُ، كَمَا يُقَال: للص الْقَاطِع: ابْن الطَّرِيق، وَقيل: هُوَ الضَّيْف لِأَن السَّبِيل ترعف بِهِ {والسائلين} (الْبَقَرَة: 177) المستطعمين. {وَفِي الرّقاب} (الْبَقَرَة: 177) وَفِي معاونة المكاتبين حَتَّى يفكوا رقابهم، وَقيل: فِي ابتياع الرّقاب وإعتاقها، وَقيل: فِي فك الْأُسَارَى والموفون
عطف على من: آمن، وَأخرج الصابرين مَنْصُوبًا على الِاخْتِصَاص والمدح إِظْهَارًا لفضل الصَّبْر فِي الشدائد، ومواطن الْقِتَال على سَائِر الْأَعْمَال، وقرىء: والصابرون، وقرىء: والموفين وَالصَّابِرِينَ {والبأساء} (الْبَقَرَة: 177) الْفقر والشدة وَالضَّرَّاء وَالْمَرَض والزمانة قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: 1) الْآيَة: هَذِه آيَة أُخْرَى، ذكر الْآيَتَيْنِ لاشتمالهما على أُمُور الْإِيمَان، وَالْبَاب مبوب عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا لم يقل: وَقَول الله عز وَجل {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: 1) كَمَا قَالَ فِي أول الْآيَة الأولى، وَقَول الله عز وَجل: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: 177) الخ لعدم الالتباس فِي ذَلِك، وَاكْتفى أَيْضا بِذكرِهِ فِي الأولى، وَقَالَ بَعضهم: ذكره بِلَا أَدَاة عطف، والحذف جَائِز، وَالتَّقْدِير: وَقَول الله عز وَجل: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: 1) قلت: الْحَذف غير جَائِز، وَلَئِن سلمنَا فَذَاك فِي بَاب الشّعْر، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيحْتَمل أَن يكون تَفْسِيرا لقَوْله: المتقون هم الموصوفون بقوله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: 1) إِلَى آخرهَا. قلت: لَا يَصح هَذَا أَيْضا. لِأَن الله تَعَالَى ذكر فِي هَذِه الْآيَة من وصفوا بالأوصاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم بقوله: {وَأُولَئِكَ هم المتقون} (الْبَقَرَة: 177) بَين أَن هَؤُلَاءِ الموصوفين هم المتقون، فَأَي شَيْء يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى تَفْسِير الْمُتَّقِينَ فِي هَذِه الْآيَة حَتَّى يفسرهم بقوله: {قد أَفْلح} (الْمُؤْمِنُونَ: 1) الخ، وَرُبمَا كَانَ يُمكن صِحَة هَذِه الدَّعْوَى لَو كَانَت الْآيَتَانِ متواليتين، فبينهما آيَات عديدة، بل سور كَثِيرَة، فَكيف يكون هَذَا من بَاب التَّفْسِير وَهَذَا كَلَام مستبعد جدا. قَوْله: (الْآيَة) يجوز فِيهَا: النصب، على معنى إقرأ الْآيَة: و: الرّفْع، على معنى الْآيَة بِتَمَامِهَا على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر. قَوْله: {أَفْلح} أَي: دخل فِي الْفَلاح، وَهُوَ فعل لَازم، والفلاح الظفر بالمراد، وَقيل: الْبَقَاء فِي الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُقَال: أفلحه أجاره إِلَى الْفَلاح، وَعَلِيهِ قِرَاءَة طَلْحَة بن مصرف: أَفْلح للْبِنَاء للْمَفْعُول، وَعنهُ أفلحوا على أكلوني البراغيث، أَو على الْإِبْهَام وَالتَّفْسِير: (والخشوع فِي الصَّلَاة) خشيَة الْقلب (واللغو) مَا لَا يَعْنِيك من قَول أَو فعل كاللعب والهزل، وَمَا توجب الْمُرُوءَة إلغاءه وإطراحه. قَوْله: {فاعلون} (الْمُؤْمِنُونَ: 1) أَي: مؤدون. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: هلا قيل: من ملكت؟ قلت: لِأَنَّهُ أُرِيد من جنس الْعُقَلَاء مَا يجرى مجْرى غير الْعُقَلَاء. وهم الْإِنَاث. 9 - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أبْيِ صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ الإِيِمَانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ. قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين؛ هَذَا مُتَعَلق بِالْبَابِ الَّذِي قبله، وَهُوَ أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص، وَجه الدَّلِيل أَن الشَّرْع أطلق الْإِيمَان على أَشْيَاء كَثِيرَة من الْأَعْمَال كَمَا جَاءَ فِي الْآيَات والخبرين الَّذين ذكرهمَا فِي هَذَا الْبَاب، بِخِلَاف قَول المرجئة، فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْكَلَام، وَإِنَّمَا هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي بعده كلهَا مُتَعَلقَة بِالْبَابِ الأول، مبينَة أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص على مَا لَا يخفى. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة: الأول: أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْيَمَان بن أخنس بن خُنَيْس الْجعْفِيّ البُخَارِيّ المسندي، بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون، وَهُوَ ابْن عَم عبد الله بن سعيد بن جَعْفَر بن الْيَمَان، واليمان هَذَا هُوَ مولى أحد أجداد البُخَارِيّ، وَلَاء إِسْلَام، سمع وكيعاً وخلقاً، وَعنهُ الذهلي وَغَيره من الْحفاظ، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، إنفرد البُخَارِيّ بِهِ عَن أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وروى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ عَنهُ. الثَّانِي: أَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو بن قيس الْعَقدي الْبَصْرِيّ، سمع مَالِكًا وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد، وَاتفقَ الْحفاظ على جلالته وثقته، مَاتَ سنة خمس، وَقيل: أَربع وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: أَبُو مُحَمَّد أَو أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن بِلَال الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مولى آل الصّديق، سمع عبد الله بن دِينَار وجمعاً من التَّابِعين، وَعنهُ الْأَعْلَام كَابْن الْمُبَارك وَغَيره، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ بربرياً جميلاً حسن الْهَيْئَة عَاقِلا، وَكَانَ يُفْتِي بِالْبَلَدِ، وَولي خراج الْمَدِينَة، وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن هَارُون بن مُحَمَّد: سنة سبع وَسبعين وَمِائَة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه سُلَيْمَان بن هِلَال سوى هَذَا. الرَّابِع: أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن دِينَار، أَخُو عَمْرو بن دِينَار، الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي، مولى ابْن عمر، سمع مَوْلَاهُ وَغَيره، وَعنهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَغَيره، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: عَمْرو بن دِينَار الْحِمصِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: عَمْرو بن دِينَار، غَيرهمَا. الْخَامِس: أَبُو صَالح
ذكْوَان السمان الزيات الْمدنِي، كَانَ يجلب السّمن وَالزَّيْت إِلَى الْكُوفَة، مولى جوَيْرِية بنت الأحمس الْغَطَفَانِي، وَفِي شرح قطب الدّين: إِنَّه مولى جويرة بنت الْحَارِث، امْرَأَة من قيس، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، وَعنهُ جمع من التَّابِعين مِنْهُم: عَطاء، وَسمع الْأَعْمَش مِنْهُ ألف حَدِيث، وروى عَنهُ أَيْضا بنوه: عبد الله وَسُهيْل وَصَالح، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَمِائَة، وَأَبُو صَالح فِي الروَاة جمَاعَة، قد مضى ذكرهم فِي الحَدِيث الرَّابِع من بَاب بَدْء الْوَحْي. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه على نَحْو ثَلَاثِينَ قولا، وأقربها: عبد الله، أَو عبد الرَّحْمَن بن صَخْر الدوسي، وَهُوَ أول من كني بِهَذِهِ الكنية لهرة كَانَ يلْعَب بهَا، كناه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَقيل: وَالِده، وَكَانَ عريف أهل الصّفة، أسلم عَام خَيْبَر بالِاتِّفَاقِ وشهدها مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يخْتَلف فِي اسْم أحد فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام كالاختلاف فِيهِ، وروى أَنه قَالَ: كَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة: عبد شمس، وَسمي فِي الْإِسْلَام: عبد الرَّحْمَن، وَاسم أمه مَيْمُونَة، وَقيل: أُميَّة، وَقد أسلمت بِدُعَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: نشأت يَتِيما، وَهَاجَرت مِسْكينا، وَكنت أَجِيرا لبسرة بنت غَزوَان خَادِمًا لَهَا، فزوجنيها الله تَعَالَى، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الدّين قواماً، وَجعل أَبَا هُرَيْرَة إِمَامًا. قَالَ: وَكنت أرعى غنما، وَكَانَ لي هرة صَغِيرَة أَلعَب بهَا فكنوني بهَا وَقيل: رَآهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي كمه هرة، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَة، وَهُوَ أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة بِإِجْمَاع، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة آلَاف حَدِيث وثلثمائة وَأَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَعشْرين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة وَتِسْعين، وَمُسلم بِمِائَة وَتِسْعين روى عَنهُ أَكثر من ثَمَانمِائَة رجل من صَاحب وتابع، مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس؛ وَهُوَ أزدي دوسي يماني، ثمَّ مدنِي كَانَ ينزل بِذِي الحليفة بِقرب الْمَدِينَة، لَهُ بهَا دَار تصدق بهَا على موَالِيه، وَمن الروَاة عَنهُ: ابْنه الْمُحَرر، بحاء مُهْملَة ثمَّ رَاء مكررة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة تسع وَخمسين، وَقيل: ثَمَان، وَقيل: سبع، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة، وَالَّذِي يَقُوله النَّاس: إِن قَبره بِقرب عسقلان لَا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم هُنَاكَ قبر خيسعة بن جندرة الصَّحَابِيّ؛ وَأَبُو هُرَيْرَة من الْأَفْرَاد لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اكتنى بِهَذِهِ الكنية سواهُ، وَفِي الروَاة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، يروي عَن مَكْحُول وَعنهُ أَبُو الْمليح الرقي، لَا يعرف. وَآخر اسْمه مُحَمَّد بن فرَاش الضبعِي، روى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَفِي الشَّافِعِيَّة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، واسْمه ثَابت بن شبْل، قَالَ عبد الْغفار فِي حَقه: شيخ فَاضل مناظر. (بَيَان الْأَنْسَاب) الْجعْفِيّ: فِي مذْحج ينْسب إِلَى جعفي بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك: وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، والعقدي نِسْبَة إِلَى العقد، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين، وهم قوم من قيس، وهم بطن من الأزد، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي شَرحه، وَفِي شرح قطب الدّين: إِن العقد بطن من نخيلة، وَقيل: من قيس بِالْوَلَاءِ، قَالَ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ: إِنَّمَا سموا عقدا لأَنهم كَانُوا لِئَامًا، وَقَالَ الْحَاكِم: العقد مولى الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : العقد قَبيلَة من الْيمن من بني عبد شمس بن سعد، وَقَالَ الرشاطي: الْعَقدي فِي قيس بن ثَعْلَبَة، وَحكى أَبُو عَليّ الغساني، عَن أبي عمر قَالَ: العقديون بطن من قيس؛ والمسندي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون، هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ، سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يطْلب المسندات ويرغب عَن الْمُرْسل والمنقطات، وَقَالَ صَاحب (الْإِرْشَاد) : كَانَ يتحَرَّى المسانيد من الْأَخْبَار، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: عرف بذلك لِأَنَّهُ أول من جمع مُسْند الصَّحَابَة على التراجم بِمَا وَرَاء النَّهر؛ والتيمي فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: تيم بن مرّة، وَفِي الربَاب: تيم بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة، وَفِي النمر بن قاسط: تيم الله بن النمر بن قاسط، وَفِي شَيبَان ابْن ذهل: تيم بن شَيبَان، وَفِي ربيعَة بن نذار: تيم الله بن ثَعْلَبَة، وَفِي قضاعة: تيم الله بن رفيدة، وَفِي ضبة: تيم بن ذهل. والعدوي نِسْبَة إِلَى عدي بن كَعْب، وَهُوَ فِي قُرَيْش، وَفِي الربَاب: عدي بن عبد مَنَاة، وَفِي خُزَاعَة: عدي بن عَمْرو، وَفِي الْأَنْصَار: عدي بطن بن النجار، وَفِي طَيء: عدي بن أخرم، وَفِي قضاعة: عدي بن خباب، والدوسي فِي الأزد ينْسب إِلَى دوس بن عدنان بن عبد الله. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: الأسناد كلهم مدنيون إِلَّا الْعَقدي فَإِنَّهُ بَصرِي، وإلاَّ المسندي. وَمِنْهَا: أَن كلهم على شَرط السِّتَّة إلاَّ المسندي كَمَا بَيناهُ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ، وَهُوَ عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم عَن عبيد الله بن سعيد، وَعبد بن حميد، عَن الْعَقدي بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضا عَن زُهَيْر،
عَن جرير، عَن سهل بن عبد الله، عَن ابْن دِينَار، عَنهُ. وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا: فَأَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، عَن حَمَّاد عَن سُهَيْل بِهِ. و: التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن أبي كريب، عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن سُهَيْل بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. و: النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله المحرمي، عَن أبي عَامر الْعَقدي بِهِ؛ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان، عَن أبي دَاوُد الْحَفرِي. و: أبي نعيم كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَعَن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ عَن خَالِد بن الْحَارِث، عَن ابْن عجلَان عَنهُ، بِبَعْضِه: (الْحيَاء من الْإِيمَان) ، وَابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي، عَن وَكِيع بِهِ. وَعَن عَمْرو بن رَافع، عَن جرير بِهِ. وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، عَن أبي جمال الْأَحْمَر، عَن ابْن عجلَان نَحوه. (بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات) : كَذَا وَقع هُنَا من طَرِيق أبي زيد الْمروزِي: (الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) ، وَفِي مُسلم وَغَيره من حَدِيث سُهَيْل، عَن عبد الله بن دِينَار: (بضع وَسَبْعُونَ أَو بضع وَسِتُّونَ) ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْعَقدي، عَن سُلَيْمَان: (بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة) . وَكَذَا وَقع فِي البُخَارِيّ من طَرِيق أبي ذَر الْهَرَوِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من رِوَايَة سُهَيْل: (بضع وَسَبْعُونَ) بِلَا شكّ، ورجحها القَاضِي عِيَاض، وَقَالَ إِنَّهَا الصَّوَاب. وَكَذَا رجحها الْحَلِيمِيّ وجماعات مِنْهُم: النَّوَوِيّ لِأَنَّهَا زِيَادَة من ثِقَة فَقبلت، وقدمت وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَقَل مَا يمْنَعهَا. وَقَالَ ابْن الصّلاح: الْأَشْبَه تَرْجِيح الْأَقَل لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن، وَالشَّكّ من سُهَيْل، كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ. وَقد رُوِيَ عَن سُهَيْل عَن جرير: (وَسَبْعُونَ) من غير شكّ، وَكَذَا رِوَايَة سُلَيْمَان ابْن بِلَال فِي مُسلم وَفِي البُخَارِيّ (بضع وَسِتُّونَ) وَقَالَ ابْن الصّلاح: فِي البُخَارِيّ فِي نسخ بِلَادنَا: (إلاَّ سِتُّونَ) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (فأفضلها قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) . وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (فأرفعها) ، وَلَفظ اللالكائي: (ادناها إمَاطَة الْعظم عَن الطَّرِيق) ؛ وَفِي كتاب ابْن شاهين: (خِصَال الْإِيمَان أفضلهَا قَول لَا إِلَه إِلَّا الله) ، وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ: (بضع وَسَبْعُونَ بَابا) ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن عجلَان، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان سِتُّونَ بَابا أَو سَبْعُونَ أَو بضع) . وَاحِد من العددين، وَرِوَايَة قُتَيْبَة، عَن بكر بن مُضر، عَن عمَارَة بن عربة، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان أَربع وَسِتُّونَ بَابا) ، وَمن حَدِيث الْمُغيرَة بن عبد الله بن عُبَيْدَة، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (الْإِيمَان ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ شَرِيعَة، من وافى الله بشريعة مِنْهَا دخل الْجنَّة) . وَفِي كتاب ابْن شاهين من حَدِيث الإفْرِيقِي، عَن عبد الله بن رَاشد مولى عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة يَقُول عز وَجل: وَلَا يجيبني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ إلاَّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت أَبَا سعيد رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة، يَقُول عز وَجل: لَا يجيئني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهَا إلاَّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد، عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن لله تَعَالَى مائَة خلق، من أَتَى بِخلق مِنْهَا دخل الْجنَّة) . قَالَ لنا أَحْمد: سُئِلَ إِسْحَاق: مَا معنى الْأَخْلَاق؟ قَالَ: يكون فِي الْإِنْسَان حَيَاء، يكون فِيهِ رَحْمَة، يكون فِيهِ سخاء، يكون فِيهِ تسَامح، هَذَا من أَخْلَاق الله عز وَجل، وَفِي (كتاب الديباج) للخيلي، من حَدِيث نوح بن فضَالة، عَن مَالك بن زِيَاد الْأَشْجَعِيّ: (الْإِسْلَام ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة عشر سَهْما، فَإِذا كَانَ فِي جَاءَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، وَإِنَّمَا الْإِسْلَام من جَاءَ متمسكاً بِسَهْم من سهامي، فَأدْخلهُ الْجنَّة) قَالَ رسته: حَدثنَا ابْن مهْدي، عَن إِسْرَائِيل، عَن أبي إِسْحَاق، عَن صلَة عَن حُذَيْفَة: (الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم: الْإِسْلَام سهم، وَالصَّلَاة سهم، وَالزَّكَاة سهم، وَصَوْم رَمَضَان سهم، وَالْحج سهم، وَالْجهَاد سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ) . (بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (بضع) ذكر ابْن الْبنانِيّ فِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: الْبضْع، مِثَال عِلم: مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة
واثني عشرَة إِلَى عشْرين فَمَا فَوق ذَلِك يُقَال: بضعَة عشر فِي جمع الْمُذكر، وبضع عشرَة فِي جمع الْمُؤَنَّث. قَالَ تَعَالَى: {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: 4) وَلَا يُقَال فِي: أحد عشر وَلَا اثنى عشر، إِنَّمَا الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى الْعشْر. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : الْبضْع سَبْعَة، وَقَالَ قطرب: أخبرنَا الثِّقَة، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: ( {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: 4) مَا بَين خمس إِلَى سبع) . وَقَالُوا: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَقَالَ الْفراء: الْبضْع نَيف مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع، كَذَلِك رَأَيْت الْعَرَب تفعل، وَلَا يَقُولُونَ: بضع وَمِائَة، وَلَا بضع وَألف، وَلَا يذكر مَعَ عشر وَمَعَ الْعشْرين إِلَى التسعين. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ الْقطعَة من الْعدَد تجْعَل لما دون الْعشْرَة من الثَّلَاث إِلَى التسع، وَهُوَ الصَّحِيح، وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي. وَقَالَ غَيره: الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى التسع؛ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ مَا بَين نصف الْعشْر، يُرِيد مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة؛ وَقَالَ يَعْقُوب، عَن أبي زيد: بِضع وبَضع، مِثَال: علِم وصَقر؛ وَفِي (الْمُحكم) الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر، وبالهاء من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، يُضَاف إِلَى مَا يُضَاف إِلَيْهِ: الْآحَاد، ويبنى مَعَ الْعشْرَة، كَمَا يبْنى سَائِر الْآحَاد، وَلم يمْتَنع عشرَة؛ وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: بضع سِنِين قِطْعَة من السنين، وَهُوَ يجْرِي فِي الْعدَد مجْرى مَا دون الْعشْرَة. وَقَالَ قوم: قَوْله تَعَالَى: {فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين} (يُوسُف: 42) يدل على أَن الْبضْع سبع سِنِين، لِأَن يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا لبث فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ الْبضْع العقد وَلَا نصف العقد؛ يذهب إِلَى أَنه من الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة. وَفِي (الصِّحَاح) : لَا تَقول بضع وَعِشْرُونَ. وَقَالَ المطرزي فِي شَرحه: الْبضْع من أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة، هَذَا الَّذِي حصلناه من الْعلمَاء الْبَصرِيين والكوفيين، وَفِيه خلاف، إلاَّ أَن هَذَا هُوَ الإختيار. والنيف: من وَاحِد إِلَى ثَلَاثَة، وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي (المثلث) الْبضْع، بِالْفَتْح وَالْكَسْر؛ مَا بَين وَاحِد إِلَى خَمْسَة فِي قَول أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ غَيره: مَا بَين وَاحِد إِلَى عشرَة، وَهُوَ الصَّحِيح وَفِي (الغريبين) للهروي: الْبضْع والبضعة وَاحِد، ومعناهما الْقطعَة من الْعدَد، زَاد عِيَاض، بِكَسْر الْبَاء فيهمَا وبفتحهما، وَفِي (الْعباب) قَالَ أَبُو زيد: أَقمت بضع سِنِين، بِالْفَتْح، وَجَلَست فِي بقْعَة طيبَة، وأقمت بُرْهَة كلهَا بِالْفَتْح. وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. وروى الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة: أَن الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَتقول: بضع سِنِين وَبضْعَة عشر رجلا، وبضع عشرَة امْرَأَة، فَإِذا جَاوَزت لفظ الْعشْر ذهب الْبضْع، لَا تَقول: بضع وَعِشْرُونَ، وَقيل: هَذَا غلط، بل يُقَال ذَلِك. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لَهُ بضعَة وَعِشْرُونَ رجلا وبضع وَعِشْرُونَ امْرَأَة، والبضع من الْعدَد فِي الأَصْل غير مَحْدُود، وَإِنَّمَا صَار مُبْهما لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْقطعَة، والقطعة غير محدودة. قَوْله: (شُعْبَة) ، بِضَم الشين، وَهِي الْقطعَة والفرقة، وَهِي وَاحِدَة الشّعب، وَهِي أَغْصَان الشَّجَرَة. قَالَ ابْن سَيّده: الشعبة الْفرْقَة والطائفة من الشَّيْء، وَمِنْه شعب الْآبَاء، وَشعب الْقَبَائِل، وشعبها الْأَرْبَع، وَوَاحِد شعب الْقَبَائِل شعب، بِالْفَتْح، وَقيل: بِالْكَسْرِ، وَهِي الْعِظَام. وَكَذَا شعب الْإِنَاء، صدعه بِالْفَتْح أَيْضا، وَقَالَ الْخَلِيل: الشّعب الإجتماع والافتراق، أَي: هما ضدان، وَالْمرَاد بالشعبة فِي الحَدِيث: الْخصْلَة، أَي: أَن الْإِيمَان ذُو خِصَال مُتعَدِّدَة. قَوْله: (وَالْحيَاء) ممدوداً، هُوَ الاستحياء، واشتقاقه من الْحَيَاة. يُقَال: حيى الرجل، إِذا انْتقصَ حَيَاته، وانتكس قوته، كَمَا يُقَال: نسي نساه أَي: الْعرق الَّذِي فِي الْفَخْذ، وَحشِي إِذا اعتل حشاه، فَمَعْنَى الْحَيّ: المؤف من خوف المذمة، وَقد حيى مِنْهُ حَيَاء واستحى واستحيى، حذفوا الْيَاء الْأَخِيرَة كَرَاهِيَة التقاء الساكنين، والأخيران يتعديان بِحرف وَبِغير حرف، يَقُولُونَ: استحيى مِنْك، واستحياك، وَرجل حييّ: ذُو حَيَاء، وَالْأُنْثَى بِالتَّاءِ، وَالْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم، وَقد يعرف أَيْضا بِأَنَّهُ انحصار النَّفس خوف ارْتِكَاب القبائح. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (الْإِيمَان) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) . قَالَ الْكرْمَانِي: بضع، هَكَذَا فِي بعض الْأُصُول، وبضعه بِالْهَاءِ فِي أَكْثَرهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَقع فِي بعض الرِّوَايَات بضعَة، بتاء التَّأْنِيث. قلت: الصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي، وَكَذَا قَالَ بعض الشُّرَّاح: كَذَا وَقع هُنَا فِي بعض الْأُصُول: بضع، وَفِي أَكْثَرهَا: بضعَة، بِالْهَاءِ، وَأكْثر الرِّوَايَات فِي غير هَذَا الْموضع بضع بِلَا هَاء وَهُوَ الْجَارِي على اللُّغَة الْمَشْهُورَة، وَرِوَايَة الْهَاء صَحِيحَة أَيْضا على التَّأْوِيل. قلت: لَا شكّ أَن بضعاً للمؤنث، وَبضْعَة للمذكر، وَشعْبَة يؤنث فَيَنْبَغِي أَن يُقَال: بضع، بِلَا هَاء، وَلَكِن لما جَاءَت الرِّوَايَة: ببضعة يحْتَاج أَن تؤول الشعبة، بالنوع إِذا فسرت الشعبة: بالطائفة من الشَّيْء، وبالخلق إِذا فسرت بالخصلة والخلة. قَوْله: (وَالْحيَاء) مُبْتَدأ وَخَبره (شُعْبَة) وَقَوله: (من الْإِيمَان) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة: شُعْبَة.
(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) : لَا شكّ أَن تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا يقْصد إِلَى تَعْرِيفه لإتمام فَائِدَة السَّامع، لِأَن فَائِدَته من الْخَبَر إِمَّا الحكم أَو لَازمه، كَمَا بَين فِي مَوْضِعه وَفِيه الْفَصْل بَين الجملتين بِالْوَاو، لِأَنَّهُ قصد التَّشْرِيك وَتَعْيِين الْوَاو لدلالتها على الْجمع، وَفِيه تَشْبِيه الْإِيمَان بشجرة ذَات أَغْصَان، وَشعب، كَمَا شبه فِي الحَدِيث السَّابِق الْإِسْلَام بخباء ذَات أعمدة وأطناب، ومبناه على الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق، وَفِي عرف الشَّرْع: تَصْدِيق الْقلب وَاللِّسَان، وَتَمَامه وكماله بالطاعات، فحينئذٍ الْإِخْبَار عَن الْإِيمَان بِأَنَّهُ بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة، أَو بضع وَسَبْعُونَ، وَنَحْو ذَلِك يكون من بَاب إِطْلَاق الأَصْل على الْفَرْع، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان هُوَ الأَصْل، والأعمال فروع مِنْهُ. وَإِطْلَاق الْإِيمَان على الْأَعْمَال مجَاز، لِأَنَّهَا تكون عَن الْإِيمَان، وَقد اتّفق أهل السّنة من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والمتكلمين على أَن الْمُؤمن الَّذِي يحكم بإيمانه، وَأَنه من أهل الْقبْلَة، وَلَا يخلد فِي النَّار، هُوَ الَّذِي يعْتَقد بِقَلْبِه دين الْإِسْلَام اعتقاداً جَازِمًا خَالِيا من الشكوك، ونطق بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِن اقْتصر على أَحدهمَا لم يكن من أهل الْقبْلَة إلاَّ إِذا عجز عَن النُّطْق، فَإِنَّهُ يكون مُؤمنا إلاّ مَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض فِي (كتاب الشِّفَاء) فِي أَن: من اعْتقد دين الْإِسْلَام بِقَلْبِه، وَلم ينْطق بِالشَّهَادَتَيْنِ من غير عذر مَنعه من القَوْل، إِن ذَلِك نافعه فِي الدَّار الْآخِرَة، على قَول ضَعِيف. وَقد يكون فائزاً، لكنه غير الْمَشْهُور، وَالله أعلم. (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِي تعْيين السِّتين على مَا جَاءَ هَهُنَا، وَفِي تعْيين السّبْعين على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى من (الصَّحِيح) ، وَرِوَايَة أَصْحَاب السّنَن، أما الْحِكْمَة فِي تعْيين السِّتين وتخصيصها، فَهِيَ: أَن الْعدَد إِمَّا زَائِد: وَهُوَ مَا أجزاؤه أَكثر مِنْهُ، كالاثني عشر، فَإِن لَهَا: نصفا وَثلثا وربعاً وسدساً وَنصف سدس، ومجموع هَذِه الْأَجْزَاء أَكثر من اثْنَي عشر، فَإِنَّهُ سِتَّة عشر، وَإِمَّا نَاقص: وَهُوَ مَا أجزاؤه أقل مِنْهُ، كالأربعة فَإِن لَهَا: الرّبع وَالنّصف فَقَط، وَإِمَّا تَامّ: وَهُوَ مَا أجزاؤه مثله كالستة، فَإِن أجزاءها: النّصْف وَالثلث وَالسُّدُس، وَهِي مُسَاوِيَة للستة، وَالْفضل من بَين الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة للتام، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً، وَهِي: السِّتُّونَ. وَأما الْحِكْمَة فِي تعْيين السّبْعين فَهِيَ: أَن السَّبْعَة تشْتَمل على جملَة أَقسَام الْعدَد، فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى: فَرد وَزوج، وكل مِنْهُمَا إِلَى: أول ومركب، والفرد الأول: ثَلَاثَة، والمركب: خَمْسَة، وَالزَّوْج الأول: اثْنَان، والمركب: أَرْبَعَة، وينقسم أَيْضا إِلَى منطق كالأربعة، وأصم كالستة، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً. وَهِي: السبعون. وَأما زِيَادَة الْبضْع على النَّوْعَيْنِ فقد علم أَنه يُطلق على السِّت وعَلى السَّبع، لِأَنَّهُ مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة، وَمَا فَوْقهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ صَاحب (الموعب) فَفِي الأول السِّتَّة أصل للستين وَفِي الثَّانِي، السَّبْعَة أصل للسبعين، كَمَا ذَكرْنَاهُ، فَهَذَا وَجه تعْيين أحد هذَيْن العددين. الثَّانِي: أَن المُرَاد من هذَيْن العددين: هَل هُوَ حَقِيقَة أم ذكرا على سَبِيل الْمُبَالغَة؟ فَقَالَ بَعضهم: أُرِيد بِهِ التكثير دون التعديد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة} (التَّوْبَة: 80) وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَظْهر معنى التكثير، وَيكون ذكر الْبضْع للترقي، يَعْنِي أَن شعب الْأَيْمَان أعداد مُبْهمَة وَلَا نِهَايَة لكثرتها، إِذْ لَو أُرِيد التَّحْدِيد لم يبهم. وَقَالَ بَعضهم: الْعَرَب تسْتَعْمل السّبْعين كثيرا فِي بَاب الْمُبَالغَة، وَزِيَادَة السَّبع عَلَيْهَا الَّتِي عبر عَنْهَا بالبضع لأجل أَن السَّبْعَة أكمل الْأَعْدَاد، لِأَن السِّتَّة أول عدد تَامّ، وَهِي مَعَ الْوَاحِد سَبْعَة، فَكَانَت كَامِلَة، إِذْ لَيْسَ بعد التَّمام سوى الْكَمَال. وَسمي الْأسد: سَبُعاً لكَمَال قوته، وَالسَّبْعُونَ غَايَة الْغَايَة إِذْ الْآحَاد غايتها العشرات. فَإِن قلت: قد قلت: إِن الْبضْع لما بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة وَمَا فَوْقهَا، فَمن أَيْن تَقول: إِن المُرَاد من الْبضْع السَّبع حَتَّى بنى الْقَائِل الْمَذْكُور كَلَامه على هَذَا؟ قلت: قد نَص صَاحب (الْعين) على: أَن الْبضْع سَبْعَة، كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الْقدر الْمَذْكُور هُوَ شعب الْإِيمَان، وَالْمرَاد مِنْهُ تعداد الْخِصَال حَقِيقَة. فَإِن قلت: إِذا كَانَ المُرَاد بَيَان تعداد الْخِصَال، فَمَا الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور؟ قلت: يجوز أَن يكون شعب الْإِيمَان بضعاً وَسِتِّينَ وَقت تنصيصه على هَذَا الْمِقْدَار، فَذكره لبَيَان الْوَاقِع، ثمَّ بعد ذَلِك نَص على بضع وَسبعين، بِحَسب تعدد الْعشْرَة على ذَلِك الْمِقْدَار، فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ دقة. الثَّالِث: فِي بَيَان الْعدَد الْمَذْكُور قَالَ الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان بِكَسْر الْحَاء وَتَشْديد الْمُوَحدَة، البستي، فِي كتاب (وصف الْإِيمَان وشعبه) تتبعت معنى هَذَا الحَدِيث مُدَّة، وعددت الطَّاعَات فَإِذا هِيَ تزيد على هَذَا الْعدَد شَيْئا كثيرا، فَرَجَعت إِلَى السّنَن، فعددت كل طَاعَة عَددهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْإِيمَان، فَإِذا هِيَ تنقص على الْبضْع وَالسبْعين، فَرَجَعت إِلَى كتاب الله تَعَالَى، فعددت كل طَاعَة عدهَا الله من الْإِيمَان فَإِذا هِيَ تنقص عَن الْبضْع وَالسبْعين، فضممت إِلَى الْكتاب السّنَن، واسقطت الْعَاد، فَإِذا كل شَيْء عده الله وَرَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام، من الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ، لَا يزِيد عَلَيْهَا وَلَا ينقص.
فَعلمت أَن مُرَاد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَن هَذَا الْعدَد فِي الْكتاب وَالسّنة انْتهى. وَقد تكلفت جمَاعَة فِي بَيَان هَذَا الْعدَد بطرِيق الِاجْتِهَاد، وَفِي الحكم بِكَوْن المُرَاد ذَلِك نظر وصعوبة. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَلَا يقْدَح عدم معرفَة ذَلِك على التَّفْصِيل فِي الْإِيمَان، إِذْ أصُول الْإِيمَان وفروعه مَعْلُومَة مُحَققَة، وَالْإِيمَان بِأَن هَذَا الْعدَد وَاجِب على الْجُمْلَة، وتفصيل تِلْكَ الْأُصُول وتعيينها على هَذَا الْعدَد يحْتَاج إِلَى تَوْقِيف. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه منحصرة فِي علم الله وَعلم رَسُوله، مَوْجُودَة فِي الشَّرِيعَة، غير أَن الشَّرْع لم يوقفنا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لَا يضرنا فِي علمنَا بتفاصيل مَا كلفنا بِهِ، فَمَا أمرنَا بِالْعلمِ بِهِ عَملنَا، وَمَا نَهَانَا عَنهُ انتهينا، وَإِن لم نحط بحصر أعداده. وَقَالَ أَيْضا: الْإِيمَان اسْم يتشعب إِلَى أُمُور ذَوَات عدد جِمَاعهَا الطَّاعَة، وَلِهَذَا صَار من صَار من الْعلمَاء إِلَى أَن النَّاس مفاضلون فِي درج الْإِيمَان، وَإِن كَانُوا متساوين فِي اسْمه. وَكَانَ بَدْء الْإِيمَان كلمة الشَّهَادَة، وَأقَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَقِيَّة عمره يَدْعُو النَّاس إِلَيْهَا، وسمى من أَجَابَهُ إِلَى ذَلِك مُؤمنا إِلَى أَن نزلت الْفَرَائِض، وَبِهَذَا الِاسْم خوطبوا عِنْد إِيجَابهَا عَلَيْهِم، فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: 6) وَهَذَا الحكم مُسْتَمر فِي كل اسْم يَقع على أَمر ذِي شعب: كَالصَّلَاةِ، فَإِن رجلا لَو مر على مَسْجِد وَفِيه قوم مِنْهُم من يستفتح الصَّلَاة، وَمِنْهُم من هُوَ رَاكِع أَو ساجد، فَقَالَ: رَأَيْتهمْ يصلونَ كَانَ صَادِقا مَعَ اخْتِلَاف أَحْوَالهم فِي الصَّلَاة، وتفاضل أفعالهم فِيهَا. فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْإِيمَان بضعاً وَسبعين شُعْبَة، فَهَل يمكنكم أَن تسموها بأسمائها؟ وَإِن عجزتم عَن تفصيلها، فَهَل يَصح إيمَانكُمْ بِمَا هُوَ مَجْهُول؟ قُلْنَا: إيمَاننَا بِمَا كلفناه صَحِيح، وَالْعلم بِهِ حَاصِل، وَذَلِكَ من وَجْهَيْن. الأول: أَنه قد نَص على أَعلَى الْإِيمَان وَأَدْنَاهُ باسم أَعلَى الطَّاعَات وَأَدْنَاهَا، فَدخل فِيهِ جَمِيع مَا يَقع بَينهمَا من جنس الطَّاعَات كلهَا، وجنس الطَّاعَات مَعْلُوم. وَالثَّانِي: أَنه لم يُوجب علينا معرفَة هَذِه الْأَشْيَاء بخواص أسمائها حَتَّى يلْزمنَا تَسْمِيَتهَا فِي عقد الْإِيمَان، وكلفنا التَّصْدِيق بجملتها كَمَا كلفنا الْإِيمَان بملائكته وَإِن كُنَّا لَا نعلم أَسمَاء أَكْثَرهم وَلَا أعيانهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَعلَى هَذِه الشّعب وَأَدْنَاهَا، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح، من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَعْلَاهَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا أماطة الأذي عَن الطَّرِيق) فَبين أَن أَعْلَاهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيّن على كل مُكَلّف، وَالَّذِي لَا يَصح شَيْء غَيره من الشّعب إلاَّ بعد صِحَّته، وَأَن أدناها دفع مَا يتَوَقَّع بِهِ ضَرَر الْمُسلمين، وَبَقِي بَينهمَا تَمام الْعدَد، فَيجب علينا الْإِيمَان بِهِ وَإِن لم نَعْرِف أَعْيَان جَمِيع أَفْرَاده، كَمَا نؤمن بِالْمَلَائِكَةِ وَإِن لم نَعْرِف أعيانهم وأسماءهم. انْتهى. وَقد صنف فِي تعْيين هَذِه الشّعب جمَاعَة، مِنْهُم: الإِمَام أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ صنف فِيهَا كتابا أسماه: (فَوَائِد الْمِنْهَاج) ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَسَماهُ: (شعب الْإِيمَان) ، وَإِسْحَاق ابْن الْقُرْطُبِيّ وَسَماهُ: (كتاب النصايح) ، وَالْإِمَام أَبُو حَاتِم وَسَماهُ: (وصف الْإِيمَان وشعبه) . وَلم أر أحدا مِنْهُم شفى العليل، وَلَا أروى الغليل. فَنَقُول مُلَخصا بعون الله تَعَالَى وتوفيقه: إِن أصل الْإِيمَان هُوَ: التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَلَكِن الْإِيمَان الْكَامِل التَّام هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام. فَالْأول: يرجع إِلَى الاعتقاديات، وَهِي تتشعب إِلَى ثَلَاثِينَ شُعْبَة. الأولى: الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى، وَيدخل فِيهِ الْإِيمَان بِذَاتِهِ وَصِفَاته وتوحيده بِأَن لَيْسَ كمثله شَيْء. الثَّانِيَة: اعْتِقَاد حُدُوث مَا سوى الله تَعَالَى. الثَّالِثَة: الْإِيمَان بملائكته. الرَّابِعَة: الْإِيمَان بكتبه. الْخَامِسَة: الْإِيمَان برسله. السَّادِسَة: الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره. السَّابِعَة: الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر، وَيدخل فِيهِ السُّؤَال بالقبر وعذابه، والبعث والنشور والحساب وَالْمِيزَان والصراط. الثَّامِنَة: الوثوق على وعد الْجنَّة وَالْخُلُود فِيهَا. التَّاسِعَة: الْيَقِين بوعيد النَّار وعذابها وَأَنَّهَا لَا تفنى. الْعَاشِرَة: محبَّة الله تَعَالَى. الْحَادِيَة عشر: الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله، وَيدخل فِيهِ حب الصَّحَابَة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَحب آل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة عشر: محبَّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيدخل فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاتِّبَاع سنته. الثَّالِثَة عشر: الْإِخْلَاص، وَيدخل فِيهِ ترك الرِّيَاء والنفاق. الرَّابِعَة عشر: التَّوْبَة والندم. الْخَامِسَة عشر: الْخَوْف. السَّادِسَة عشر: الرَّجَاء. السَّابِعَة عشر: ترك الْيَأْس والقنوط. الثَّامِنَة عشر: الشُّكْر. التَّاسِعَة عشر: الْوَفَاء. الْعشْرُونَ: الصَّبْر. الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ. التَّوَاضُع، وَيدخل فِيهِ توقير الأكابر. الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ: الرَّحْمَة والشفقة، وَيدخل فِيهِ الشَّفَقَة على الأصاغر. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: الرضاء بِالْقضَاءِ. الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: التَّوَكُّل. الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْعجب والزهو، وَيدخل فِيهِ ترك مدح نَفسه وتزكيتها. السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْحَسَد. السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الحقد
والضغن. الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغَضَب. التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغِشّ، وَيدخل فِيهِ الظَّن السوء وَالْمَكْر. الثَّلَاثُونَ: ترك حب الدُّنْيَا، وَيدخل فِيهِ: ترك حب المَال وَحب الجاه، فَإِذا وجدت شَيْئا من أَعمال الْقلب من الْفَضَائِل والرذائل خَارِجا عَمَّا ذكر بِحَسب الظَّاهِر، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَة دَاخل فِي فصل من الْفُصُول يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل. وَالْقسم الثَّانِي: يرجع إِلَى أَعمال اللِّسَان، وَهِي تتشعب إِلَى سبع شعب. الأولى: التَّلَفُّظ بِالتَّوْحِيدِ. الثَّانِيَة: تِلَاوَة الْقُرْآن. الثَّالِثَة: تعلم الْعلم. الرَّابِعَة: تَعْلِيم الْعلم. الْخَامِسَة: الدُّعَاء. السَّادِسَة: الذّكر وَيدخل فِيهِ الاسْتِغْفَار. السَّابِعَة: اجْتِنَاب اللَّغْو. وَالْقسم الثَّالِث: يرجع إِلَى أَعمال الْبدن، وَهِي تتشعب إِلَى أَرْبَعِينَ شُعْبَة، وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع. الأول: مَا يخْتَص بالأعيان وَهِي سِتَّة عشر شُعْبَة. الأولى: التطهر، وَيدخل فِيهِ طَهَارَة الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان، وَيدخل فِي طَهَارَة الْبدن الْوضُوء من الْحَدث، والاغتسال من الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس. الثَّانِيَة: إِقَامَة الصَّلَاة، وَيدخل فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل وَالْقَضَاء. الثَّالِثَة: أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا الصَّدَقَة، وَيدخل فِيهَا أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا صَدَقَة الْفطر، وَيدخل فِي هَذَا الْبَاب الْجُود وإطعام الطَّعَام وإكرام الضَّيْف. الرَّابِعَة: الصَّوْم فرضا ونفلاً. الْخَامِسَة: الْحَج، وَيدخل فِيهِ الْعمرَة. السَّادِسَة: الِاعْتِكَاف، وَيدخل فِيهِ التمَاس لَيْلَة الْقدر. السَّابِعَة: الْفِرَار بِالدّينِ، وَيدخل فِيهِ الْهِجْرَة من دَار الشّرك. الثَّامِنَة: الْوَفَاء بِالنذرِ. التَّاسِعَة: التَّحَرِّي فِي الْإِيمَان. الْعَاشِرَة: أَدَاء الْكَفَّارَة. الْحَادِيَة عشر: ستر الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة وخارجها. الثَّانِيَة عشرَة: ذبح الضَّحَايَا وَالْقِيَام بهَا إِذا كَانَت منذورة. الثَّالِثَة عشر: الْقيام بِأَمْر الْجَنَائِز. الرَّابِعَة عشر: أَدَاء الدّين. الْخَامِسَة عشر: الصدْق فِي الْمُعَامَلَات والاحتراز عَن الرِّيَاء. السَّادِسَة عشر: أَدَاء الشَّهَادَة بِالْحَقِّ وَترك كتمانها. النَّوْع الثَّانِي: مَا يخْتَص بالاتباع، وَهُوَ سِتّ شعب. الأولى: التعفف بِالنِّكَاحِ. الثَّانِيَة: الْقيام بِحُقُوق الْعِيَال، وَيدخل فِيهِ الرِّفْق بالخدم. الثَّالِثَة: بر الْوَالِدين، وَيدخل فِيهِ الاجتناب عَن العقوق، الرَّابِعَة: تربية الْأَوْلَاد. الْخَامِسَة: صلَة الرَّحِم. السَّادِسَة: طَاعَة الموَالِي. النَّوْع الثَّالِث: مَا يتَعَلَّق بالعامة، وَهُوَ ثَمَانِي عشرَة شُعْبَة. الأولى: الْقيام بالإمارة مَعَ الْعدْل. الثَّانِيَة: مُتَابعَة الْجَمَاعَة. الثَّالِثَة: طَاعَة أولي الْأَمر. الرَّابِعَة: الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَيدخل فِيهِ قتال الْخَوَارِج والبغاة. الْخَامِسَة: المعاونة على الْبر. السَّادِسَة: الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. السَّابِعَة: إِقَامَة الْحُدُود. الثَّامِنَة: الْجِهَاد، وَيدخل فِيهِ المرابطة. التَّاسِعَة: أَدَاء الْأَمَانَة، وَيدخل فِيهِ أَدَاء الْخمس. الْعَاشِرَة: الْقَرْض مَعَ الْوَفَاء بِهِ. الْحَادِيَة عشرَة: إكرام الْجَار. الثَّانِيَة عشرَة: حسن الْمُعَامَلَة، وَيدخل فِيهِ جمع المَال من حلّه. الثَّالِثَة عشر: إِنْفَاق المَال فِي حَقه، وَيدخل فِيهِ ترك التبذير والإسراف. الرَّابِعَة عشر: رد السَّلَام. الْخَامِسَة عشر: تشميت الْعَاطِس. السَّادِسَة عشر: كف الضَّرَر عَن النَّاس. السَّابِعَة عشر: اجْتِنَاب اللَّهْو، الثَّامِنَة عشر: إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، فَهَذِهِ سبع وَسَبْعُونَ شُعْبَة. (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل: لم جعل الْحيَاء من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ باعث على أَفعَال الْخَيْر، ومانع عَن الْمعاصِي، وَلكنه رُبمَا يكون تخلقا واكتساباً كَسَائِر أَعمال الْبر، وَرُبمَا يكون غريزة، لَكِن اسْتِعْمَاله على قانون الشَّرْع يحْتَاج إِلَى اكْتِسَاب وَنِيَّة، فَهُوَ من الْإِيمَان لهَذَا. الثَّانِي: مَا قيل: إِنَّه قد ورد: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير) وَورد: (الْحيَاء خير كُله) ، فَصَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ فَيتْرك أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر، فَكيف يكون هَذَا من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَيْسَ بحياء حَقِيقَة، بل هُوَ عجز ومهانة، وَإِنَّمَا تَسْمِيَته حَيَاء من إِطْلَاق بعض أهل الْعرف، أَطْلقُوهُ مجَازًا لمشابهته الْحيَاء الْحَقِيقِيّ، وَحَقِيقَته: خلق يبْعَث على اجْتِنَاب الْقَبِيح، وَيمْنَع من التَّقْصِير فِي حق ذِي الْحق وَنَحْوه، وَأولى الْحيَاء: الْحيَاء من الله تَعَالَى، وَهُوَ أَن لَا يراك الله حَيْثُ نهاك، وَذَاكَ إِنَّمَا يكون عَن معرفَة ومراقبة، وَهُوَ المُرَاد بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) ، وَقد خرج التِّرْمِذِيّ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام، أَنه قَالَ: (اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء. قَالُوا: إِنَّا نستحي وَالْحَمْد لله، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِك، وَلَكِن الاستحياء من الله تَعَالَى حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا حوى والبطن وَمَا وعى، وتذكر الْمَوْت والبلى، فَمن فعل ذَلِك فقد استحيى من الله حق الْحيَاء) . وَقَالَ الْجُنَيْد: رُؤْيَة الآلاء أَي: النعم، ورؤية التَّقْصِير يتَوَلَّد بَينهمَا حَالَة تسمى الْحيَاء الثَّالِث. مَا قيل: لِمَ أفرد الْحيَاء بِالذكر من بَين سَائِر الشّعب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كالداعي إِلَى سَائِر الشّعب، فَإِن الْحَيّ يخَاف فضيحة
- (باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
الدُّنْيَا وفظاعة الْآخِرَة فينزجر عَن الْمعاصِي ويمتثل الطَّاعَات كلهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى إِفْرَاد الْحيَاء بِالذكر بعد دُخُوله فِي الشّعب كَأَنَّهُ يَقُول: هَذِه شُعْبَة وَاحِدَة من شعبه، فَهَل تحصى شعبه كلهَا؟ هَيْهَات ان الْبَحْر لَا يغْرف. 4 - (بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) أَي: هَذَا بَاب، فالمبتدأ مَحْذُوف، وَيجوز ترك التَّنْوِين بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَيجوز الْوَقْف على السّكُون، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بَاب. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ ذكر فِي الْبَاب السَّابِق أَن الْإِيمَان لَهُ شعب، هَذَا الْبَاب فِيهِ بَيَان شعبتين من هَذِه الشّعب، وهما: سَلامَة الْمُسلمين من لِسَان الْمُسلم وَيَده، وَالْمُهَاجِر من هجر المنهيات. 10 - حدّثنا آدَمُ بْنُ أبِي إيَاسٍ قالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي السَّفَرِ وإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. أوصل بِهَذَا مَا علقه أَولا، وَإِنَّمَا علقه لأجل التَّبْوِيب. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يبوب على الْجُمْلَة الْأَخِيرَة من الحَدِيث؟ قلت: لِأَن فِي صدر الحَدِيث لَفْظَة الْمُسلم، وَالْكتاب الَّذِي يحوي هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا من أُمُور الْإِيمَان وَالْإِسْلَام. فَإِن قلت: هجر المنهيات أَيْضا من أُمُور الْإِسْلَام. قلت: بلَى، وَلكنه فِي تبويبه بصدر الحَدِيث اعتناء بِذكر لفظ فِيهِ مَادَّة من الْإِسْلَام. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول: أَبُو الْحسن آدم بن أبي إِيَاس بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف فِي آخِره سين مُهْملَة، وَاسم أبي إِيَاس: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: ناهية، بالنُّون وَبَين الهائين يَاء آخر الْحُرُوف خَفِيفَة، أَصله من خُرَاسَان، نَشأ بِبَغْدَاد وَكتب عَن شيوخها، ثمَّ رَحل إِلَى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة والحجاز ومصر وَالشَّام، واستوطن عسقلان، وَتُوفِّي بهَا سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ. قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة مَأْمُون متعبد، من خِيَار عباد الله تَعَالَى، وَكَانَ ورَّاقاً، وَكَانَ عمره حِين مَاتَ ثمانياً وَثَمَانِينَ سنة، وَقيل: نيفا وَتِسْعين سنة، وَلَيْسَ فِي كتب الحَدِيث آدم بن أبي إِيَاس غير هَذَا، وَفِي مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن سُلَيْمَان الْكُوفِي، وَفِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن عَليّ الْعجلِيّ الْكُوفِي أَيْضا فَحسب، وَفِي الروَاة آدم بن عُيَيْنَة، أَخُو سُفْيَان، لَا يحْتَج بِهِ، وآدَم بن فَايِد عَن عَمْرو بن شُعَيْب مَجْهُول. الثَّانِي: شُعْبَة، غير منصرف، ابْن الْحجَّاج بن الْورْد، أَبُو بسطَام الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم الوَاسِطِيّ، ثمَّ انْتقل إِلَى الْبَصْرَة وَأَجْمعُوا على إِمَامَته وجلالة قدره، قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: شُعْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ أمة وَحده فِي هَذَا الشَّأْن، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ أول سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَكَانَ ألثغ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: شُعْبَة بن الْحجَّاج غَيره، وَفِي النَّسَائِيّ: شُعْبَة بن دِينَار الْكُوفِي، صَدُوق. وَفِي أبي دَاوُد: شُعْبَة بن دِينَار، عَن مَوْلَاهُ ابْن عَبَّاس لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِي الضُّعَفَاء: شُعْبَة بن عَمْرو ويروي عَن أنس. قَالَ البُخَارِيّ: أَحَادِيثه مَنَاكِير، وَفِي الصَّحَابَة: شُعْبَة بن التوأم وَهُوَ من الْأَفْرَاد، وَالظَّاهِر أَنه تَابِعِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن أبي السّفر، بِفَتْح الْفَاء، وَحكى إسكانها، وَاسم أبي السّفر: سعيد بن يحمد، بِضَم الْيَاء وَفتح الْمِيم، كَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ. وَقَالَ الغساني: بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم، وَيُقَال: أَحْمد الثَّوْريّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، مَاتَ فِي خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَاعْلَم أَن السّفر، كُله بِإِسْكَان الْفَاء فِي الِاسْم، وتحريكها فِي الكنية. وَمِنْهُم من سكن الْفَاء فِي عبد الله الْمَذْكُور كَمَا مضى. الرَّابِع: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد هُرْمُز، وَقيل: سعد، وَقيل: كثير البَجلِيّ الأحمسي مَوْلَاهُم الْكُوفِي، سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم: أنس بن مَالك وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَعنهُ الثَّوْريّ وَغَيره من الْأَعْلَام، وَكَانَ عَالما متقناً صَالحا ثِقَة، وَكَانَ يُسمى: الْمِيزَان، وَكَانَ طحاناً، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة. الْخَامِس: الشّعبِيّ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة، هُوَ أَبُو عَمْرو عَامر بن شرَاحِيل، وَقيل: ابْن عبد الله بن شرَاحِيل الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الثِّقَة، روى عَن خلق من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عمر وَسعد وَسَعِيد، رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: ادركت خَمْسمِائَة صَحَابِيّ، قَالَ أَحْمد بن عبد الله: ومرسله صَحِيح. روى عَنهُ قَتَادَة وَخلق من التَّابِعين، ولي قَضَاء الْكُوفَة، وَولد لست سِنِين مَضَت من خلَافَة عُثْمَان، وَمَات بعد الْمِائَة إِمَّا سنة ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس أَو سِتّ، وَهُوَ ابْن نَيف وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ مزاحا، وَأمه من
سبي جلولا، وَهِي قريبَة بِنَاحِيَة فَارس. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل بن هِشَام بن سعيد، بِضَم السِّين وَفتح الْعين، ابْن سهم بن عَمْرو بن هصيص، بِضَم الْهَاء وبصادين مهملتين، ابْن كَعْب بن لؤَي بن غَالب، أَبُو مُحَمَّد أَو عبد الرَّحْمَن أَو أَبُو نصير، بِضَم النُّون، الْقرشِي السَّهْمِي الزَّاهِد العابد الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ، وَأمه، ريطة بنت منيه بن الْحجَّاج، أسلم قبل أَبِيه وَكَانَ بَينه وَبَين أَبِيه فِي السن: اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَقيل: إِحْدَى عشرَة، وَكَانَ غزير الْعلم مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة، وَكَانَ أَكثر حَدِيثا من أبي هُرَيْرَة، لِأَنَّهُ كَانَ يكْتب وَأَبُو هُرَيْرَة لَا يكْتب، وَمَعَ ذَلِك فَالَّذِي رُوِيَ لَهُ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا رُوِيَ لأبي هُرَيْرَة. رُوِيَ لَهُ سَبْعمِائة حَدِيث اتفقَا مِنْهَا على سَبْعَة عشر، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثمَانِيَة، وَمُسلم بِعشْرين: مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالطَّائِف أَو بِمصْر فِي ذِي الْحجَّة من سنة خمس أَو ثَلَاث أَو سبع وَسِتِّينَ، أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين، عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة. وَفِي الصَّحَابَة عبد الله بن عَمْرو جماعات آخر عدتهمْ: ثَمَانِيَة عشر نفسا. وَعَمْرو، وَيكْتب بِالْوَاو ليتميز عَن عمر، وَهَذَا فِي غير النصب، وَأما فِي النصب فيتميز بِالْألف. (بَيَان الْأَنْسَاب) الْأَزْدِيّ: فِي كهلاان ينْسب إِلَى الأزد بن الْغَوْث بن نبت ملكان بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يُقَال لَهُ: الأزد بالزاي، والأسد بِالسِّين. والواسطي: نِسْبَة إِلَى وَاسِط، مَدِينَة اختطها الْحجَّاج بن يُوسُف بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة فِي أَرض كسكر، وَهِي نِصْفَانِ على شاطىء دجلة وَبَينهمَا جسر من سفن، وَسميت، وَاسِط، لِأَنَّهُ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة خمسين فرسخاً، وَمِنْهَا إِلَى الْكُوفَة خمسين فرسخاً، وَإِلَى الأهواز خمسين فرسخاً، وَإِلَى بَغْدَاد خمسين فرسخاً، والبجلي: بِضَم الْبَاء وَالْجِيم، فِي كهلان ينْسب إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَهُوَ مذْحج. وَالشعْبِيّ: نِسْبَة إِلَى شعب، بطن من هَمدَان، بِسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة، وَيُقَال: هُوَ من حمير، وعداده فِي هَمدَان، وَنسب إِلَى جبل بِالْيمن نزله حسان بن عَمْرو والحميري وَلَده، وَدفن بِهِ، وَقَالَ الْهَمدَانِي: الشّعب الْأَصْغَر بطن، مِنْهُم: عَامر بن شرَاحِيل. قَالَ: والشعب الْأَصْفَر بن شرَاحِيل بن حسان ابْن الشّعب الْأَكْبَر بن عَمْرو بن شعْبَان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شعب جبل بِالْيمن، وَهُوَ ذُو شعبتين، نزله حسان بن عَمْرو الْحِمْيَرِي وَولده فنسبوا إِلَيْهِ، وَأَن من نزل من أَوْلَاده بِالْكُوفَةِ يُقَال لَهُم: شعبيون. مِنْهُم عَامر الشّعبِيّ، وَمن كَانَ مِنْهُم بِالشَّام قيل لَهُم: شعبيون وَمن كَانَ مِنْهُم بِالْيمن يُقَال لَهُم: آل ذِي شعبين، وَمن كَانَ مِنْهُم بِمصْر وَالْمغْرب يُقَال لَهُم: الأشعوب. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) : مِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد كُله على شَرط السِّتَّة إلاَّ آدم فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَرط مُسلم وَأبي دَاوُد. وَمِنْهَا: أَن شُعْبَة فِيهِ يروي عَن اثْنَيْنِ: أَحدهمَا: عبد الله بن أبي السّفر، وَالْآخر: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، وَكِلَاهُمَا يرويانه عَن الشّعبِيّ، وَلِهَذَا إِسْمَاعِيل بِفَتْح اللَّام عطفا على عبد الله وَهُوَ مجرور، وَإِسْمَاعِيل أَيْضا مجرور جر مَا لَا ينْصَرف بالفتحة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. (بَيَان من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث انْفَرد البُخَارِيّ بجملته عَن مُسلم، وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي نعيم، عَن زَكَرِيَّا، عَن عَامر. وَأخرج مُسلم بعضه فِي (صَحِيحه) عَن جَابر مَرْفُوعا: (الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) ، مُقْتَصرا عَلَيْهِ، وَخرج أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عمر أَيْضا: (إِن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَي الْمُسلمُونَ خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) . وَزَاد ابْن حبَان، وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث أنس صَحِيحا: (وَالْمُؤمن من أَمنه النَّاس) . وَأخرج أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا مثل البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، إلاَّ أَن لفظ النَّسَائِيّ: (من هجر مَا حرم الله عَلَيْهِ) . (بَيَان الغات) : قَوْله: (من يَده) الْيَد هِيَ اسْم للجارحة، وَلَكِن المُرَاد مِنْهَا أَعم من أَن تكون يدا حَقِيقِيَّة، أَو يدا معنوية، كالاستيلاء على حق الْغَيْر بِغَيْر حق، فَإِنَّهُ أَيْضا إِيذَاء، لَكِن لَا بِالْيَدِ الْحَقِيقِيَّة. قَوْله: (المُهَاجر) هُوَ الَّذِي فَارق عشيرته ووطنه. قَوْله: (من هجر) أَي: ترك، من هجره يهجره، بِالضَّمِّ هجراً وهجراناً. وَالِاسْم: الْهِجْرَة، وَفِي (الْعباب) : الْهِجْرَة ضد الْوَصْل. والتركيب يدل على قطع وَقَطِيعَة، وَالْمُهَاجِر مفاعل مِنْهُ. قيل: لِأَنَّهُ لما انْقَطَعت الْهِجْرَة وفضلها، حزن على فَوَاتهَا من لم يُدْرِكهَا، فاعلمهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن المُهَاجر على الْحَقِيقَة من هجر مَا نهى الله عَنهُ، وَقيل: بل أعلم الْمُهَاجِرين لِئَلَّا يتكلوا على الْهِجْرَة. فَإِن قلت: المُهَاجر من بَاب المفاعلة. وَهِي تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك بَين الِاثْنَيْنِ. قلت: المُهَاجر بِمَعْنى الهاجر،
كالمسافر بِمَعْنى السافر، والمنازع بِمَعْنى النازع، لِأَن بَاب: فَاعل، قد يَأْتِي بِمَعْنى فعل. (بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (الْمُسلم) مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: (من سلم الْمُسلمُونَ) ، وَيجوز أَن يكون: من سلم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، فالجملة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالتَّقْدِير: الْمُسلم هُوَ من سلم، فَمن مَوْصُولَة، وَسلم الْمُسلمُونَ صلتها، وَقَوله: (من لِسَانه) مُتَعَلق بقوله: (سلم) . قَوْله: (وَالْمُهَاجِر) عطف على قَوْله: (الْمُسلم) . وَمن أَيْضا فِي: (من هجر) مَوْصُولَة. و: (مَا نهى الله عَنهُ) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول هجر، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، وَنهى الله عَنْهَا، صلتها. (بَيَان الْمعَانِي) : قَوْله: (الْمُسلم من سلم) إِلَى آخِره ظَاهره يدل على الْحصْر لوُقُوع جزئي الْجُمْلَة معرفتين، وَلَكِن هَذَا من قبيل قَوْلهم: زيد الرجل، أَي: زيد الْكَامِل فِي الرجولية، فَيكون التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم إِلَى آخِره. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَغَيره: المُرَاد: الْكَامِل الْإِسْلَام وَالْجَامِع لخصاله مَا لم يؤذ مُسلما بقول وَلَا فعل، وَهَذَا من جَامع كَلَامه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وفصيحه كَمَا يُقَال: المَال الْإِبِل، وَالنَّاس الْعَرَب، على التَّفْضِيل لَا على الْحصْر، وَقد بَين البُخَارِيّ مَا يبين هَذَا التَّأْوِيل، وَهُوَ قَول السَّائِل: أَي الْإِسْلَام خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الْمُسلم الممدوح من كَانَ هَذَا وَصفه، وَلَيْسَ ذَلِك على معنى أَن من لم يسلم النَّاس مِنْهُ مِمَّن دخل فِي عقد الْإِسْلَام فَلَيْسَ ذَلِك بِمُسلم، وَكَانَ ذَلِك خَارِجا عَن الْملَّة أَيْضا، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك: النَّاس الْعَرَب، تُرِيدُ أَن أفضل النَّاس الْعَرَب، فههنا المُرَاد أفضل الْمُسلمين من جمع إِلَى أَدَاء حُقُوق الله أَدَاء حُقُوق الْمُسلمين والكف عَن أعراضهم، وَكَذَلِكَ المُهَاجر الممدوح هُوَ الَّذِي جمع إِلَى هجران وَطنه مَا حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَنفي اسْم الشَّيْء على معنى نفي الْكَمَال عَنهُ مستفيض فِي كَلَامهم. قلت: وَكَذَا إِثْبَات اسْم الشَّيْء على الشَّيْء على معنى إِثْبَات الْكَمَال مستفيض فِي كَلَامهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم، يلْزم من ذَلِك أَن يكون من اتّصف بِهَذَا خَاصَّة كَامِلا. قلت: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، لِأَن المُرَاد هُوَ الْكَامِل مَعَ مراعات بَاقِي الصِّفَات، أَو يكون هَذَا وارداً على سَبِيل الْمُبَالغَة تَعْظِيمًا لترك الْإِيذَاء، كَمَا كَانَ ترك الْإِيذَاء هُوَ نفس الْإِسْلَام الْكَامِل، وَهُوَ مَحْصُور فِيهِ على سَبِيل الإدعاء. وَأَمْثَاله كَثِيرَة. فَافْهَم. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه، لِأَنَّهُ إِذا أحسن مُعَاملَة إخوانه فَأولى، أَن يحسن مُعَاملَة ربه، من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى. قلت: فِيهِ نظر وخدش من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن قَوْله: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه مَمْنُوع، لِأَن الْإِشَارَة مَا ثَبت بنظم الْكَلَام وتركيبه مثل الْعبارَة، غير أَن الثَّابِت من الْإِشَارَة غير مَقْصُود من الْكَلَام، وَلَا سيق الْكَلَام لَهُ فَانْظُر هَل تَجِد فِيهِ هَذَا الْمَعْنى؟ وَالثَّانِي: أَن قَوْله: فَأولى أَن يحسن مُعَاملَة ربه مَمْنُوع أَيْضا، وَمن أَيْن الْأَوْلَوِيَّة فِي ذَلِك، والأولوية مَوْقُوفَة على تحقق الْمُدَّعِي وَالدَّعْوَى غير صَحِيحَة، لأنَّا نجد كثيرا من النَّاس يسلم النَّاس من لسانهم وأيديهم، وَمَعَ هَذَا لَا يحسنون الْمُعَامَلَة مَعَ الله تَعَالَى؛ وَفِيه الْعَطف بَين الجملتين تَنْبِيها على التَّشْرِيك فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَفِيه من أَنْوَاع البديع: تجنيس الِاشْتِقَاق، وَهُوَ أَن يرجع اللفظان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى أصل وَاحِد، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فاقم وَجهك للدّين الْقيم} (الرّوم: 43) فَإِن: أقِم والقيم، يرجعان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى: الْقيام. (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) الأولى: فِيهِ الْحَث على ترك أَذَى الْمُسلمين بِكُل مَا يُؤْذِي. وسر الْأَمر فِي ذَلِك حسن التخلق مَعَ الْعَالم، كَمَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير الْأَبْرَار: هم الَّذين لَا يُؤْذونَ الذَّر وَلَا يرضون الشَّرّ. الثَّانِيَة: فِيهِ الرَّد على المرجئة، فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدهم إِسْلَام نَاقص. الثَّالِثَة: فِيهِ الْحَث على ترك الْمعاصِي وَاجْتنَاب المناهي. (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا: مَا قيل لم خص الْيَد مَعَ أَن الْفِعْل قد يحصل بغَيْرهَا؟ أُجِيب: بِأَن سلطنة الْأَفْعَال إِنَّمَا تظهر فِي الْيَد إِذْ بهَا الْبَطْش وَالْقطع والوصل وَالْأَخْذ وَالْمَنْع والإعطاء وَنَحْوه، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لما كَانَت أَكثر الْأَعْمَال تباشر بِالْأَيْدِي غلبت، فَقيل: فِي كل عمل: هَذَا مِمَّا علمت أَيْديهم، وَإِن كَانَ عملا لَا يَأْتِي فِيهِ الْمُبَاشرَة بِالْأَيْدِي. وَمِنْهَا: مَا قيل لم قرن اللِّسَان بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن الْإِيذَاء بِاللِّسَانِ وَالْيَد أَكثر من غَيرهمَا. فَاعْتبر الْغَالِب. وَمِنْهَا: مَا قيل: لم قدم اللِّسَان على الْيَد؟ أُجِيب: بإن إِيذَاء اللِّسَان أَكثر وقوعاً وأسهل. وَلِأَنَّهُ أَشد نكاية، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لحسان: (اهج الْمُشْركين فَإِنَّهُ أشق عَلَيْهِم من رشق النبل) وَقَالَ الشَّاعِر: (جراحات السنان لَهَا التئام ... وَلَا يلتام مَا جرح اللِّسَان)
وَمِنْهَا: مَا قيل: الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه، إِذا لم يسلم الْمُسلمُونَ مِنْهُ لَا يكون مُسلما، لَكِن الِاتِّفَاق على أَنه إِذا أَتَى بالأركان الْخَمْسَة فَهُوَ مُسلم بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مِنْهُ الْمُسلم الْكَامِل كَمَا ذكرنَا، وَإِذا لم يسلم مِنْهُ الْمُسلمُونَ فَلَا يكون مُسلما كَامِلا، وَذَلِكَ لِأَن الْجِنْس إِذا أطلق يكون مَحْمُولا على الْكَامِل، نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي نَحْو: الرجل زيد. وَقَالَ ابْن جني: من عَادَتهم أَن يوقعوا على الشَّيْء الَّذِي يخصونه بالمدح اسْم الْجِنْس، ألاَ ترى كَيفَ سموا الْكَعْبَة بِالْبَيْتِ؟ وَقد يُقَال: سَلامَة الْمُسلمين خَاصَّة الْمُسلم، وَلَا يلْزم من انْتِفَاء الْخَاصَّة انْتِفَاء مَا لَهُ الْخَاصَّة. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا يُقَال فِي إِقَامَة الْحُدُود، وإجراء التعازير، والتأديبات إِلَى آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك مُسْتَثْنى من هَذَا الْعُمُوم بِالْإِجْمَاع، أَو أَنه لَيْسَ إِيذَاء بل هُوَ عِنْد التَّحْقِيق استصلاح وَطلب للسلامة لَهُم وَلَو فِي الْمَآل. وَمِنْهَا: مَا قيل: إِذا آذَى ذِمِّيا مَا يكون حَاله؟ لِأَن الحَدِيث مُقَيّد بِالْمُسْلِمين أُجِيب: بِأَنَّهُ قد ذكر الْمُسلمُونَ هُنَا بطرِيق الْغَالِب، وَلِأَن كف الْأَذَى عَن الْمُسلم أَشد تَأْكِيدًا لأصل الْإِسْلَام، وَلِأَن الْكفَّار بصدد أَن يقاتلوا، وَإِن كَانَ فيهم من يجب الْكَفّ عَنهُ. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا حكم المسلمات فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ ذكر بِجمع التَّذْكِير؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا من بَاب التغليب، فَإِن المسلمات يدخلن فِيهِ كَمَا فِي سَائِر النُّصُوص والمخاطبات. وَمِنْهَا: مَا قيل: لِمَ عبر بِاللِّسَانِ دون القَوْل، فَإِنَّهُ لَا يكون إلاَّ بِاللِّسَانِ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا عبر بِهِ دون القَوْل حَتَّى يدْخل فِيهِ من أخرج لِسَانه على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا الْفرق بَين الْأَذَى بِاللِّسَانِ وَبَين الْأَذَى بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن إِيذَاء اللِّسَان عَام، لِأَنَّهُ يكون فِي الماضين والموجودين والحادثين بعد بِخِلَاف الْيَد، لِأَن إيذاءها مَخْصُوص بالموجودين، اللَّهُمَّ إلاَّ إِذا كتب بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ حينئذٍ تشارك اللِّسَان، فحينئذٍ يكون الحَدِيث عَاما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَأما فِي الصُّورَة الأولى فَإِنَّهُ عَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَان دون الْيَد. فَافْهَم. قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وقالَ أبُو مُعَاوَيَةَ حَدثنَا داودُ عَنْ عامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاودَ عَنْ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. هَذَانِ تعليقان رجالهما خَمْسَة. الأول: أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، الضَّرِير الْكُوفِي التَّمِيمِي، السَّعْدِيّ، مولى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، يُقَال: عمي وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أَو ثَمَان، روى عَن الْأَعْمَش وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ ثَبت فِي الْأَعْمَش، وَكَانَ مرجئاً، مَاتَ فِي صفر سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: أَبُو مُعَاوِيَة النَّخعِيّ عمر، وَأَبُو مُعَاوِيَة شَيبَان. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي هِنْد دِينَار، مولى امْرَأَة من قُشَيْر، وَيُقَال: مولى عبد الله عَامر بن كريز، أحد الْأَعْلَام الثِّقَات، بَصرِي، رأى أنسا وَسمع الشّعبِيّ وَغَيره من التَّابِعين، وَعنهُ شُعْبَة وَالْقطَّان، لَهُ نَحْو مِائَتي حَدِيث، وَكَانَ حَافِظًا صواماً دهره قَانِتًا لله، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة بطرِيق مَكَّة، عَن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَالْبُخَارِيّ اسْتشْهد بِهِ هُنَا خَاصَّة، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحه ذكر إلاَّ هُنَا. الثَّالِث: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة، من بني سامة بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي الْبَصْرِيّ، روى عَن الْجريرِي وَغَيره، وَعنهُ بنْدَار، وَهُوَ ثِقَة قدري لكنه غير دَاعِيَة، مَاتَ فِي شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عبد الْأَعْلَى ثَلَاثَة: هَذَا، وَفِي ابْن مَاجَه آخر واهٍ، وَآخر كَذَلِك وَآخر صَدُوق، وَفِي النَّسَائِيّ آخر ثِقَة، وَفِيه وَفِي التِّرْمِذِيّ آخر ثِقَة، وَفِي الْأَرْبَعَة آخرَانِ ضعفهما أَحْمد، فالجملة تِسْعَة، وَفِي الضُّعَفَاء سَبْعَة أُخْرَى. الرَّابِع: عَامر، هُوَ الشّعبِيّ الْمَذْكُور عَن قريب. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقد مر آنِفا. واراد بِالتَّعْلِيقِ الأول بَيَان سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو لِأَن وهيب بن خَالِد روى عَن دَاوُد، عَن رجل، عَن الشّعبِيّ، عَن عبيد الله بن عَمْرو. وَحَكَاهُ ابْن مَنْدَه، فَأخْرج البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق لينبه بِهِ على سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو، فعلى هَذَا لَعَلَّ الشّعبِيّ بلغه ذَاك عَن عبد الله بن عَمْرو، ثمَّ لقِيه فَسَمعهُ مِنْهُ. وَأخرج هَذَا التَّعْلِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) عَن أبي مُعَاوِيَة مَوْصُولا، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن يحيى بن زُهَيْر الْحَافِظ بتستر، حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب، حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، حَدثنَا دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن الشّعبِيّ قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو وَرب هَذِه البنية لسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (المُهَاجر من هجر السَّيِّئَات، وَالْمُسلم من سلم النَّاس من
- (باب أي الإسلام أفضل)
لِسَانه وَيَده) وَأَرَادَ بِالتَّعْلِيقِ الثَّانِي: التَّنْبِيه على أَن عبد الله الَّذِي أبهم فِي رِوَايَة عبد الْأَعْلَى هُوَ عبد الله بن عَمْرو الَّذِي بَين فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة، وَقَالَ قطب الدّين فِي شَرحه: هَذَا من تعليقات البُخَارِيّ، لِأَن البُخَارِيّ، لم يلْحق أَبَا مُعَاوِيَة وَلَا عبد الْأَعْلَى، والْحَدِيث الْمُعَلق عِنْد أهل الحَدِيث هُوَ الَّذِي حذف من مُبْتَدأ إِسْنَاده وَاحِد فَأكْثر، وَقد أَكثر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَلم يَسْتَعْمِلهُ مُسلم إلاَّ قَلِيلا، قَالَ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح: فِيمَا جَاءَ بِصِيغَة الْجَزْم، كقال وَحدث وَذكر، دون مَا جَاءَ بِغَيْر صيغته: كيروى وَيذكر، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَن صَاحِبي (الصَّحِيحَيْنِ) ترجما كتابهما بِالصَّحِيحِ من أَخْبَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فلولا أَنه عِنْدهمَا مُسْند مُتَّصِل صَحِيح لم يستجيز أَن يدخلا فِي كِتَابَيْهِمَا: قَوْله قَالَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، لِأَن أَبَا عبد الله كنيته. قَوْله: (حَدثنَا دَاوُد عَن عَامر) وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا دَاوُد هُوَ ابْن أبي هِنْد. قَوْله فِي حَدِيث ابْن حبَان: (وَالْمُسلم من سلم النَّاس) : يتَنَاوَل الْمُسلمين وَأهل الذِّمَّة، وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بِالنَّاسِ هُنَا الْمُسلمُونَ. كَمَا فِي الحَدِيث الْمَوْصُول، فهم النَّاس حَقِيقَة، وَيُمكن حمله على عُمُومه على إِرَادَة شَرط وَهُوَ إلاَّ بِحَق، وَإِرَادَة هَذِه الشَّرْط متعينة على كل حَال؛ قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: قَوْله: فهم النَّاس حَقِيقَة يدل على أَن غير الْمُسلمين من بني آدم لَيْسُوا بِإِنْسَان حَقِيقَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل النَّاس يكون من الْإِنْس وَمن الْجِنّ، قَالَه فِي (الْعباب) . وَالثَّانِي: قَوْله: (وَيُمكن حمله) . اسْتِعْمَال الْإِمْكَان هَهُنَا غير سديد، بل هُوَ عَام قطعا. وَالثَّالِث: تَخْصِيصه الشَّرْط الْمَذْكُور بِهَذَا الحَدِيث غير موجه، بل هَذَا الشَّرْط مراعى هَهُنَا وَفِي الحَدِيث الْمَوْصُول، فَبِهَذَا الشَّرْط يخرج عَن الْعُمُوم فِي حق الْأَذَى بِالْحَقِّ، وَأما فِي حق الْمُسلم وَالذِّمِّيّ فعلى عُمُومه. فَافْهَم. 5 - (بَاب أيُّ الإِسْلاَم أفْضَلُ) يجوز فِي: بَاب، التَّنْوِين وَتَركه للإضافة إِلَى مَا بعده، وعَلى كل التَّقْدِير أَي بِالرَّفْع لَا غير، وَفِي الْوَجْهَيْنِ هُوَ: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز التسكين فِيهِ من غير إِعْرَاب، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلاَّ بالتركيب. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كليهمَا فِي بَيَان وصف خَاص من أَوْصَاف الْمُسلم، وَذكر جُزْء الحَدِيث لأجل التَّبْوِيب. 11 - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ قالَ حَدثنَا أبِي قالَ حَدثنَا أبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله عَنهُ قالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الإِسْلاَمِ أفْضَلُ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. الحَدِيث مُطَابق للتَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ أَخذ جُزْءا مِنْهُ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: سعيد بن يحيى بن أبان بن سعيد بن العَاصِي بن أُميَّة بن عبد شمس الْأمَوِي، يكنى بِأبي عُثْمَان، وَهُوَ شيخ الْجَمَاعَة مَا خلا ابْن مَاجَه، وروى عَنهُ عبد الله بن أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْبَغوِيّ وَخلق كثير، توفّي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَيَعْقُوب بن سُفْيَان: سعيد وَأَبوهُ يحيى ثقتان، وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هُوَ أثبت من أَبِيه. وَقَالَ صَالح بن مُحَمَّد: هُوَ ثِقَة إلاَّ أَنه كَانَ يغلط، والعاصي قتل يَوْم بدر كَافِرًا. وَأَبَان أَخُوهُ عَمْرو الْأَشْدَق. الثَّانِي: أَبوهُ يحيى بن سعيد الْمَذْكُور، سمع يحيى الْأنْصَارِيّ وَهِشَام بن عُرْوَة وَيزِيد وَآخَرين، قَالَ ابْن معِين: هُوَ من أهل الصدْق وَلَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان: ثِقَة، توفّي سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة بعد أَن بلغ الثَّمَانِينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَيحيى بن سعيد فِي الْكتب السِّتَّة: أَرْبَعَة. الأول: هَذَا. وَالثَّانِي: يحيى بن سعيد التَّيْمِيّ. وَالثَّالِث: يحيى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ. وَالرَّابِع: يحيى سعيد بن فروخ الْقطَّان. الثَّالِث: أَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، واسْمه بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْكُوفِي، يروي عَن أَبِيه وجده وَالْحسن وَعَطَاء، وَعنهُ ابْن الْمُبَارك وَغَيره من الْأَعْلَام، وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمتقن يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بذلك الْقوي. وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: كُوفِي ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة بريد غير هَذَا، وَفِي الْأَرْبَعَة: بريد ابْن أبي مَرْيَم مَالك، وَفِي مُسْند عَليّ النَّسَائِيّ: بريد بن أَصْرَم مَجْهُول. كَمَا قَالَ البُخَارِيّ. وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه بريد، وَيشْتَبه بريد بأَرْبعَة أَشْيَاء وهم يزِيد، وبريد، وبزيد، وتريد. الرَّابِع: أَبُو بردة
بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مثل الأول، وَهُوَ جد أبي بردة بريد، وَافقه فِي كنيته لَا فِي اسْمه، فَإِن اسْم الأول بريد كَمَا قُلْنَا، وَاسم جده هَذَا عَامر. وَقيل: الْحَارِث. سمع: أَبَاهُ وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عمر وَابْن سَلام وَعَائِشَة وَغَيرهم، روى عَنهُ: عمر بن عبد الْعَزِيز، وَالشعْبِيّ وَبَنوهُ أَبُو بكر وَعبد الله وَسَعِيد وبلال وَابْن ابْنه بريد بن عبد الله قَالَ أَبُو نعيم: ولّى أَبُو بردة قَضَاء الْكُوفَة بعد شُرَيْح قَالَ الْوَاقِدِيّ: توفّي بِالْكُوفَةِ سنة ثَلَاث وَمِائَة. وَقَالَ ابْن سعيد:، قيل: إِنَّه توفّي هُوَ وَالشعْبِيّ فِي جُمُعَة. وَكَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَفِي الصَّحَابَة: أَبُو بردة، سَبْعَة. مِنْهُم: ابْن نيار البلوي هاني أَو الْحَارِث أَو مَالك، وَفِي الروَاة هُوَ أَبُو بردة بريد الْمَذْكُور. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس بن سُلَيْمَان، بِضَم السِّين، بن حضار بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقيل بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الضَّاد، الْأَشْعَرِيّ الصَّحَابِيّ الْكَبِير، اسْتَعْملهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على زبيد وعدن وساحل الْيمن، وَاسْتَعْملهُ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، وَشهد وَفَاة أبي عُبَيْدَة بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وَقدم دمشق على مُعَاوِيَة. لَهُ ثلثمِائة وَسِتُّونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على خمسين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بأَرْبعَة، وَمُسلم بِخَمْسَة عشر. روى عَنهُ أنس بن مَالك وطارق بن شهَاب وَخلق من التَّابِعين وَبَنوهُ أَبُو بردة وَأَبُو بكر وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى، مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالْكُوفَةِ سنة خمس أَو إِحْدَى أَو أَربع وَأَرْبَعين، عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَكَانَ من عُلَمَاء الصَّحَابَة ومفتيهم، وَأَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة أَرْبَعَة: هَذَا، والأنصاري، والغافقي: مَالك بن عبَادَة أَو ابْن عبد الله، وَأَبُو مُوسَى الْحكمِي. وَفِي الروَاة: أَبُو مُوسَى جمَاعَة، مِنْهُم: فِي سنَن أبي دَاوُد اثْنَان، وَآخر فِي سنَن النَّسَائِيّ. وَالله أعلم. (بَيَان الْأَنْسَاب) الْقرشِي: نِسْبَة إِلَى قُرَيْش، وَهُوَ فهر بن مَالك، وَقد ذَكرْنَاهُ. والأموي، بِضَم الْهمزَة، نِسْبَة إِلَى أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب، وَأُميَّة تَصْغِير: أمة. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ: أموي، بِالضَّمِّ، قَالَ ابْن دُرَيْد: وَمن فتحهَا فقد أَخطَأ، وَكَانَ الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: أميي، بِأَرْبَع ياآت، لَكِن حذفت الْيَاء الزَّائِدَة للاستثقال، كَمَا تحذف من سليم وَثَقِيف عِنْد النِّسْبَة، وقلبت الْيَاء الأولى واواً كَرَاهَة اجْتِمَاع الياآت مَعَ الكسرتين. وَحكى سِيبَوَيْهٍ قَالَ: زعم يُونُس أَن نَاسا من الْعَرَب يَقُولُونَ أميي، فَلَا يغيرون. وَسَمعنَا من الْعَرَب من يَقُول: أموي بِالْفَتْح، وَأُميَّة أَيْضا بطن من الانصار، وَهُوَ أُميَّة بن زيد بن مَالك، وَفِي قضاعة وَهُوَ: أُميَّة بن عصبَة، وَفِي طَيء وَهُوَ: أُميَّة بن عدي بن كنَانَة، والأشعري: نِسْبَة إِلَى الْأَشْعر، وَهُوَ نبت بن ادد، وَقيل لَهُ: الْأَشْعر، لِأَن أمه وَلدته أشعر، مِنْهُم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَشَاهِير: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ. (بَيَان لطائف أسناده) : مِنْهَا: أَن إِسْنَاده كلهم كوفيون، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة فَقَط. وَمِنْهَا: أَنه ذكر فِي سعيد بن يحيى شَيْخه الْقرشِي، وَلم يقل الْأمَوِي، مَعَ كَون الْأمَوِي أشهر فِي نسبته نظرا إِلَى النِّسْبَة الأعمية. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ راويان متفقان فِي الكنية أَحدهمَا: أَبُو بردة بريد، وَالْآخر أَبُو بردة عَامر أَو الْحَارِث، كَمَا ذكرنَا، وَهُوَ شيخ الأول وجده. (بَيَان من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِهِ، وَأخرجه أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي عَن أبي أُسَامَة، عَن أبي بردة. وَفِيه: (أَي الْمُسلمين أفضل) ؟ وَأخرجه فِي الْإِيمَان. وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد. (بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (أَي الْإِسْلَام) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: أفضل، خَبره و: أَي، هَهُنَا للاستفهام، وَقد علم أَن أقسامه على خَمْسَة أوجه. شَرط: نَحْو {أياً مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى} (الْإِسْرَاء: 110) ، {أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان على} (الْقَصَص: 28) وموصول: نَحْو: {لننزعن من كل شيعَة أَيهمْ أَشد} (مَرْيَم: 69) التَّقْدِير: لننزعن الَّذِي هُوَ أَشد. وَصفَة للنكرة: نَحْو زيد رجل أَي رجل، أَي: كَامِل فِي صِفَات الرِّجَال. وَحَال للمعرفة: كَقَوْلِك مَرَرْت بِعَبْد الله أَي رجل. ووصلة مَا فِيهِ: ال، نَحْو: يَا أَيهَا الرجل. وَالْخَامِس: الِاسْتِفْهَام: نَحْو: {أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا} (التَّوْبَة: 124) . {فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ} (الْأَعْرَاف: 185 والمرسلات: 50) . وَمِنْه الحَدِيث. فَإِن قيل: شَرط أَن تدخل على مُتَعَدد، وَهَهُنَا دخلت على مُفْرد لِأَن نفس الْإِسْلَام لَا تعدد فِيهِ. قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: أَي أَصْحَاب الْإِسْلَام أفضل؟ وَيُؤَيّد هَذَا التَّقْدِير رِوَايَة مُسلم: (أَي الْمُسلمين أفضل) ؟ وَقد قدر الشَّيْخ قطب الدّين، والكرماني فِي (شرحيهما) : أَي خِصَال الْإِسْلَام أفضل. وَهَذَا غير موجه لِأَن الِاسْتِفْهَام عَن الْأَفْضَلِيَّة فِي الْمُسلمين، لَا عَن خِصَال الْإِسْلَام بِدَلِيل رِوَايَة مُسلم وَلِأَن فِي تقديرهما لَا يَقع الْجَواب مطابقاً للسؤال. فَإِن قيل: أفضل، افْعَل التَّفْضِيل وَقد علم أَنه لَا بُد أَن يسْتَعْمل بِأحد
- (باب إطعام الطعام من الإسلام)
الْوُجُوه الثَّلَاثَة وَهِي الْإِضَافَة وَمن وَاللَّام. قلت: قد يجرد من ذَلِك كُله عِنْد الْعلم بِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يعلم السِّرّ وأخفى} (طه: 7) أَي: أخْفى من السِّرّ، وقولك الله أكبر، أَي أكبر من كل شَيْء، وَالتَّقْدِير هَهُنَا: أفضل من غَيره. وَمعنى الْأَفْضَل هُوَ الْأَكْثَر ثَوابًا عِنْد الله تَعَالَى، كَمَا تَقول: الصدْق أفضل من غَيره. أَي: هُوَ أَكثر ثَوابًا عِنْد الله تَعَالَى من غَيره. قَوْله: (من سلم) إِلَى آخِره. مقول القَوْل. فَإِن قلت: مقول القَوْل يكون جملَة. قلت: هُوَ أَيْضا جملَة، لِأَن تَقْدِير الْكَلَام هُوَ: من سلم، إِلَى آخِره فالمبتدأ مَحْذُوف، وَمن مَوْصُولَة، وَسلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه، وَيَده صلتها، وَفِيه الْعَائِد. (بَيَان الْمعَانِي وَغَيره) فِيهِ وُقُوع الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر معرفتين الدَّال على الْحصْر، وَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام: عَقْلِي: كالعدد للزوجية والفردية، ووقوعي: كحصر الْكَلِمَة على ثَلَاثَة أَقسَام، وجعلي: كحصر الْكتاب على مُقَدّمَة ومقالات أَو كتب أَو أَبْوَاب وخاتمة، وَيُسمى هَذَا: ادعائياً أَيْضا. والْحَدِيث من هَذَا الْقسم. قَوْله: (قَالَ) فَاعله أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ؛ قَوْله: (قَالُوا) فَاعله جمَاعَة معهودون، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم وَالْحسن بن سُفْيَان وَأبي يعلى فِي (مسنديهما) عَن سعيد بن يحيى شيخ البُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور، بِلَفْظ: قُلْنَا وَرَوَاهُ ابْن مَنْدَه من طَرِيق حُسَيْن بن مُحَمَّد القباني، أحد الْحفاظ عَن سعيد بن يحيى الْمَذْكُور بِلَفْظ: قلت، فَتعين من هَذَا أَن السَّائِل هُوَ أَبُو مُوسَى وَحده. وَمن رِوَايَة مُسلم أَن أَبَا مُوسَى أحد السَّائِلين، وَلَا تنَافِي بَين هَذِه الرِّوَايَات، لِأَن فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أخبر عَن جمَاعَة هُوَ دَاخل فيهم، وَفِي رِوَايَة مُسلم صرح بِأَنَّهُ أحد الْجَمَاعَة السَّائِلين. فَإِن قلت: بَين رِوَايَة: قَالُوا، وَبَين رِوَايَة: قلت، مُنَافَاة. قلت: لَا لِإِمْكَان التَّعَدُّد، فَمرَّة كَانَ السُّؤَال مِنْهُم فَحكى سُؤَالهمْ، وَمرَّة كَانَ مِنْهُ فَحكى سُؤال نَفسه، وَقد سَأَلَ هَذَا السُّؤَال أَيْضا اثْنَان من الصَّحَابَة، أَحدهمَا: أَبُو ذَر، حَدِيثه عِنْد ابْن حبَان، وَالْآخر: عُمَيْر بن قَتَادَة، حَدِيثه عِنْد الطَّبَرَانِيّ. قَوْله: (من سلم) قد ذكرنَا أَنه جَوَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: سَأَلُوا عَن الْإِسْلَام أَي: الْخصْلَة. فَأجَاب: بِمن سلم أَي: ذِي الْخصْلَة، حَيْثُ قَالَ: من سلم، وَلم يقل: هُوَ سَلامَة الْمُسلمين من لِسَانه وَيَده، فَكيف يكون الْجَواب مطابقاً للسؤال؟ قلت: هُوَ جَوَاب مُطَابق وَزِيَادَة من حَيْثُ الْمَعْنى، إِذْ يعلم مِنْهُ أَن أفضليته بِاعْتِبَار تِلْكَ الْخصْلَة، وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ قل مَا أنفقتم من خير فللوالدين} (الْبَقَرَة: 215) أَو أطلق الْإِسْلَام، وَأَرَادَ الصّفة كَمَا يُقَال الْعدْل وَيُرَاد الْعَادِل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَي الْمُسلمين خير، كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات: أَي الْمُسلمين خير؟ قلت: هَذَا التعسف كُله لأجل تَقْدِيره: أَي خِصَال الْإِسْلَام أفضل؟ وَلَو قدر بِمَا قدرناه لاستغنى عَن هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب. فَافْهَم. 6 - (بَاب إطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلاَمِ) الْكَلَام مثل الْكَلَام فِيمَا قبله فِي الْإِعْرَاب وَتَركه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: من الْإِيمَان، مَوضِع: من الْإِسْلَام، وَالتَّقْدِير: إطْعَام الطَّعَام من شعب الْإِسْلَام أَو الْإِيمَان، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما قَالَ: أَولا بَاب أُمُور الْإِيمَان، وَذكر فِيهِ أَن الْإِيمَان لَهُ شعب، ذكر عَقِيبه أبواباً، كل بَاب مِنْهَا يشْتَمل على شَيْء من الشّعب، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ شعبتان: الأولى: إطْعَام الطَّعَام وَالثَّانيَِة: إقراء السَّلَام مُطلقًا. وَبقيت الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ وَهِي: أَن الْبَاب الأول فِيهِ أَفضَلِيَّة من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده، وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد من الْأَفْضَلِيَّة الْخَيْرِيَّة وأكثرية الثَّوَاب، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ خيرية من يطعم الطَّعَام وَيقْرَأ السَّلَام، وَلَا شكّ إِن الْمطعم فِي سَلامَة من لِسَان الْمطعم وَيَده، لِأَنَّهُ لم يطعمهُ إلاَّ عَن قصد خير لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُسلم عَلَيْهِ فِي سَلامَة من لِسَان الْمُسلم وَيَده؛ لِأَن معنى: السَّلَام عَلَيْك: أَنْت سَالم مني وَمن جهتي. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول بَاب: أَي الْإِسْلَام خير، كَمَا قَالَ فِي الْبَاب الأول أَي الْإِسْلَام أفضل؟ قلت: لاخْتِلَاف الْمقَام، لِأَن أفضليته هُنَاكَ رَاجِعَة إِلَى الْفَاعِل، والخيرية هَهُنَا رَاجِعَة إِلَى الْفِعْل، وَهَذَا وَجه. وَأحسن من الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي، وَهُوَ: إِن الْجَواب هَهُنَا وَهُوَ: تطعم الطَّعَام، صَرِيح فِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل الْإِطْعَام من الْإِسْلَام، بِخِلَاف مَا تقدم، إِذْ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَن سَلامَة الْمُسلمين مِنْهُ من الْإِسْلَام انْتهى. قلت: إِذا كَانَ من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده أفضل ذَوي الْإِسْلَام، فبالضرورة إطْعَام الطَّعَام يكون بِكَوْن السَّلامَة مِنْهُ من الْإِسْلَام، على أَن الْكِنَايَة أبلغ من التَّصْرِيح. فَافْهَم. فَإِن قلت: هَل فرق بَين: أفضل، وَبَين: خير؟ قلت: لَا شكّ أَنَّهُمَا من بَاب التَّفْضِيل، لَكِن أفضل يَعْنِي كَثْرَة الثَّوَاب فِي مُقَابلَة الْقلَّة، وَالْخَيْر يَعْنِي النَّفْع فِي مُقَابلَة الشَّرّ، وَالْأول من الكمية، وَالثَّانِي من الْكَيْفِيَّة. وَتعقبه بَعضهم بقوله:
الْفرق لَا يتم إلاَّ إِذا اخْتصَّ كل مِنْهُمَا بِتِلْكَ المقولة، أما إِذا كَانَ كل مِنْهُمَا يعقل تَأتيه فِي الْأُخْرَى، فَلَا، وَكَأَنَّهُ بني على أَن لفظ: خير، اسْم لَا أفعل تَفْضِيل. انْتهى. قلت: الْفرق تَامّ بِلَا شكّ، لِأَن الْفضل فِي اللُّغَة: الزِّيَادَة، ويقابله: الْقلَّة، وَالْخَيْر إِيصَال النَّفْع، ويقابله: الشَّرّ، والأشياء تتبين بضدها. وَفِي (الْعباب) الْفضل والفضيلة خلاف النَّقْص والنقيصة، وَقَالَ: الْخَيْر ضد الشَّرّ، وَقَوله: كَأَنَّهُ يبْنى على أَن لفظ: خير، اسْم لَا أفعل تَفْضِيل، لَيْسَ مَوضِع التشكيك، لِأَن لَفْظَة: خير، هَهُنَا أفعل التَّفْضِيل قطعا، لِأَن السُّؤَال لَيْسَ عَن نفس الْخَيْرِيَّة، وَإِنَّمَا السُّؤَال عَن وصف زَائِد وَهُوَ الأخيرية، غير أَن الْعَرَب اسْتعْملت أفعل التَّفْضِيل من هَذَا الْبَاب على لَفظه فَيُقَال: زيد خير من عَمْرو، على معنى أخير مِنْهُ، وَلِهَذَا لَا يثنى وَلَا يجمع وَلَا يؤنث. 12 - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أبِي الخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ رَضِي الله عَنْهُمَا أنّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ الإِسْلاَمِ خيْرٌ قالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ علىَ مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ. الحَدِيث مُطَابق للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ أَخذ جُزْء مِنْهُ فبوب عَلَيْهِ. فَإِن قلت: لم بوب على الْجُزْء الأول وَلم يقل بَاب: إقراء السَّلَام على من عرف وَمن لم يعرف من الْإِسْلَام؟ قلت: لَا شكّ أَن كَون إطْعَام الطَّعَام من الْإِسْلَام أقوى وآكد من كَون إقراء السَّلَام مِنْهُ، وَلِأَن السَّلَام لَا يخْتَلف بِحَال من الْأَحْوَال بِخِلَاف الْإِطْعَام، فَإِنَّهُ يخْتَلف بِحَسب الْأَحْوَال، فأدناه مُسْتَحبّ وَأَعلاهُ فرض. وَبَينهمَا دَرَجَات أخر، وَلِأَن التَّبْوِيب بالمقدم والمصدر أولى على مَا لَا يخفى. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو الْحسن عَمْرو، بِفَتْح الْعين، بن خَالِد بن فروخ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء المضمومة، وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة، بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن وَاقد بن لَيْث بن وَاقد بن عبد الله الْحَرَّانِي، سكن مصر، روى عَن: اللَّيْث بن سعد وَعبيد الله بن عمر وَغَيرهمَا، روى عَنهُ: الْحسن بن مُحَمَّد الصَّباح وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَقَالَ: صَدُوق، وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: ثَبت ثِقَة مصري، انْفَرد البُخَارِيّ بالرواية عَنهُ دون أَصْحَاب الْكتب الْخَمْسَة، وروى ابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، توفّي بِمصْر سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ الإِمَام الْمَشْهُور الْمُتَّفق على جلالته وإمامته، ويكنى بِأبي الْحَارِث، مولى عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر، وَأهل بَيته يَقُولُونَ: نَحن من الْفرس من أهل أَصْبَهَان، وَالْمَشْهُور أَنه فهمي، وَفهم من قيس غيلَان، ولد بقلقشندة قَرْيَة على نَحْو أَرْبَعَة فراسخ من مصر، روى عَن جمَاعَة كثيرين، وروى عَن أبي حنيفَة وعده أَصْحَابنَا من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَكَذَا قَالَ القَاضِي شمس الدّين ابْن خلكان، وروى عَنهُ خلق كثير، وَقَالَ أَحْمد: ثِقَة ثَبت وَكَانَ سرياً نبيلاً سخياً لَهُ ضِيَافَة، ولد فِي سنة أَربع وَتِسْعين، وَمَات يَوْم الْجُمُعَة النّصْف من شعْبَان سنة خمس وَسبعين وَمِائَة. الثَّالِث: يزِيد ابْن أبي حبيب، وَاسم أبي حبيب سُوَيْد الْمصْرِيّ أَبُو رَجَاء، تَابِعِيّ جليل، سمع عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ، وَأَبا الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، روى عَنهُ: سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد وَيحيى بن أَيُّوب وَخلق كثير من أكَابِر مصر، قَالَ ابْن يُونُس: كَانَ يُفْتِي أهل مصر فِي زَمَانه وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلا، وَهُوَ أول من أظهر الْعلم بِمصْر وَالْفِقْه وَالْكَلَام بالحلال وَالْحرَام، وَكَانُوا قبل ذَلِك، إِنَّمَا يتحدثون بالفتن والملاحم، وَكَانَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين جعل إِلَيْهِم عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ، الْفتيا بِمصْر، وَعنهُ قَالَ: كَانَ يزِيد نوبياً من أهل دنقلة، فابتاعه شريك بن الطُّفَيْل العامري فاعتقه، ولد سنة ثَلَاث وَخمسين، وَقَالَ ابْن سعد: مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة أَيْضا. الرَّابِع: أَبُو الْخَيْر، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، أَبُو عبد الله الْيَزنِي الْمصْرِيّ، روى عَن: عَمْرو بن الْعَاصِ وَسَعِيد بن زيد وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم، توفّي سنة تسعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقد تقدم. (بَيَان الْأَنْسَاب) الْحَرَّانِي: نِسْبَة إِلَى حران، بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ فِي آخِره نون بعد الْألف، مَدِينَة عَظِيمَة قديمَة تعد من ديار مصر، وَالْيَوْم خراب، وَقيل: هِيَ مولد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ويوسف وَإِخْوَته، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام؛ الْيَزنِي: بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَالزَّاي الْمُعْجَمَة بعْدهَا نون، نِسْبَة إِلَى ذِي يزن، وَهُوَ عَامر بن أسلم بن الْحَارِث
بن مَالك بن زيد بن الْغَوْث بن سعد بن عَوْف بن عدي بن مَالك بن زيد بن سرد بن زرْعَة بن سبأ الْأَصْغَر، وَإِلَيْهِ تنْسب الأسنة اليزنية، وَهُوَ أول من عمل سِنَان حَدِيد، وَإِنَّمَا كَانَت أسنتهم صياصي الْبَقر، وَقيل: يزن: مَوضِع. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة لَيْسَ إِلَّا. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مصريون، وَهَذَا من الغرائب، لِأَنَّهُ فِي غَايَة الْقلَّة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاء. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب الْإِيمَان بعد هَذَا بِأَبْوَاب، عَن قُتَيْبَة بن سعيد، وَفِي الاسْتِئْذَان أَيْضا فِي بَاب السَّلَام للمعرفة وَغير الْمعرفَة عَن ابْن يُوسُف، كلهم قَالُوا: حَدثنَا اللَّيْث بن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الْخَيْر مرْثَد عَن ابْن عَمْرو رَضِي الله عَنهُ؛ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَابْن رمح عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الْخَيْر عَنهُ؛ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان؛ وَأَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة بِهِ؛ وَابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ. (بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (أَن رجلا) لم يعرف هَذَا من هُوَ، وَقيل: أَبُو ذَر. قَوْله: (أَي الْإِسْلَام خير) ؟ مُبْتَدأ وَخبر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (قَالَ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (تطعم) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف بِتَقْدِير: أَن، أَي هُوَ أَن تطعم، فَإِن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: هُوَ إطْعَام الطَّعَام. وَهَذَا نَظِير قَوْلهم: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ، أَي: أَن تسمع، أَي: سماعك، غير أَن فِي هَذَا المؤول مُبْتَدأ، وَفِي الحَدِيث المؤول خبر. قَوْله: (وتقرأ) بِفَتْح التَّاء وَضم الْهمزَة، لِأَنَّهُ مضارع قَرَأَ. قَوْله: (السَّلَام) بِالنّصب مَفْعُوله. وَقَوله: (على) يتَعَلَّق بقوله تقْرَأ، وَكلمَة: من، مَوْصُولَة؛ وَعرفت، جملَة صلتها، والعائد مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير عَرفته. وَقَوله: (وَمن لم تعرف) عطف على: من عرفت، وَهَذِه الْجُمْلَة نَظِير الْجُمْلَة السَّابِقَة. (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا: أَن فِيهِ حثاً على إطْعَام الطَّعَام الَّذِي هُوَ أَمارَة الْجُود والسخاء وَمَكَارِم الْأَخْلَاق، وَفِيه نفع للمحتاجين وسد الْجُوع الَّذِي استعاذ مِنْهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ إفشاء السَّلَام الَّذِي يدل على خفض الْجنَاح للْمُسلمين والتواضع والحث على تألف قُلُوبهم واجتماع كلمتهم وتواددهم ومحبتهم. وَمِنْهَا: الْإِشَارَة إِلَى تَعْمِيم السَّلَام وَهُوَ أَن لَا يخص بِهِ أحدا دون أحد، كَمَا يَفْعَله الْجَبَابِرَة، لِأَن الْمُؤمنِينَ كلهم أخوة وهم متساوون فِي رِعَايَة الْأُخوة، ثمَّ هَذَا الْعُمُوم مَخْصُوص بِالْمُسْلِمين، فَلَا يسلم ابْتِدَاء على كَافِر لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تبدؤا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذا لَقِيتُم أحدهم فِي الطَّرِيق فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أضيقه) ، رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَكَذَلِكَ خص مِنْهُ الْفَاسِق، بِدَلِيل آخر، وَأما من يشك فِيهِ فَالْأَصْل فِيهِ الْبَقَاء على الْعُمُوم حَتَّى يثبت الْخُصُوص، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن الحَدِيث كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام لمصْلحَة التَّأْلِيف ثمَّ ورد النَّهْي. (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل: لم قَالَ تطعم الطَّعَام، وَلم يقل تُؤْكَل وَنَحْوه من الْأَلْفَاظ الدَّالَّة عَلَيْهِ؟ وَأجِيب: بِأَن لَفْظَة الْإِطْعَام عَام يتَنَاوَل الْأكل وَالشرب والذوق، قَالَ الشَّاعِر: (وَإِن شِئْت حرمت النِّسَاء سواكم ... وَإِن شِئْت لم أطْعم نقاخاً وَلَا بردا) فَإِنَّهُ عطف الْبرد الَّذِي هُوَ النّوم على النقاخ، بِضَم النُّون وبالقاف وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، الَّذِي هُوَ المَاء العذب، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمن لم يطعمهُ} (الْبَقَرَة: 249) أَي: وَمن لم يذقه، من: طعم الشَّيْء إِذا ذاقه، وبعمومه يتَنَاوَل الضِّيَافَة وَسَائِر الولائم، وإطعام الْفُقَرَاء وَغَيرهم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن بَاب أطعمت يَقْتَضِي مفعولين، يُقَال: أطعمته الطَّعَام، فَمَا الْمَفْعُول الثَّانِي هُنَا، وَلم حذفه؟ وَأجِيب: بِأَن التَّقْدِير: أَن تطعم الْخلق الطَّعَام، وَحذف ليدل على التَّعْمِيم، إِشَارَة إِلَى أَن إطْعَام الطَّعَام غير مُخْتَصّ بِأحد، سَوَاء كَانَ الْمطعم مُسلما أَو كَافِرًا أَو حَيَوَانا، وَنَفس الْإِطْعَام أَيْضا سَوَاء كَانَ فرضا أَو سنة أَو مُسْتَحبا. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قَالَ: وتقرأ السَّلَام وَلم يقل: وتسلم؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ يتَنَاوَل سَلام الْبَاعِث بِالْكتاب المتضمن بِالسَّلَامِ، قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: تَقول اقْرَأ عَلَيْهِ السَّلَام، واقرأه الْكتاب، وَلَا تَقول: اقرؤه السَّلَام إلاَّ فِي لُغَة إلاَّ أَن يكون مَكْتُوبًا، فَتَقول: أقرئه السَّلَام، أَي: اجْعَلْهُ يَقْرَؤُهُ، وَفِيه إِشَارَة أَيْضا إِلَى أَن تَحِيَّة الْمُسلمين بِلَفْظ السَّلَام، وزيدت لَفْظَة: الْقِرَاءَة، تَنْبِيها على تَخْصِيص هَذِه اللَّفْظَة فِي التَّحِيَّات، مُخَالفَة لتحايا أهل الْجَاهِلِيَّة بِأَلْفَاظ وضعوها لذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: لم خص هَاتين الخصلتين فِي هَذَا الحَدِيث؟ وَأجِيب:
- (باب من الإيمان أن يحب لإخيه ما يحب لنفسه)
بِأَن المكارم لَهَا نَوْعَانِ. أَحدهمَا: مَالِيَّة أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: (تطعم الطَّعَام) ، وَالْآخر: بدنية أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: (وتقرأ السَّلَام) وَيُقَال: وَجه تَخْصِيص هَاتين الخصلتين وَهُوَ مساس الْحَاجة إِلَيْهِمَا فِي ذَلِك الْوَقْت لما كَانُوا فِيهِ من الْجهد، ولمصلحة التَّأْلِيف، وَيدل على ذَلِك أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حث عَلَيْهِمَا أول مَا دخل الْمَدِينَة، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مصححاً من حَدِيث عبد الله بن سَلام، قَالَ: (أول مَا قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَدِينَة انجفل النَّاس إِلَيْهِ، فَكنت مِمَّن جَاءَهُ، فَلَمَّا تَأَمَّلت وَجهه واشتبهته عرفت أَن وَجهه لَيْسَ بِوَجْه كَذَّاب، قَالَ: وَكَانَ أول مَا سَمِعت من كَلَامه أَن قَالَ: أَيهَا النَّاس أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام) . وَقَالَ الْخطابِيّ: جعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضلهَا إطْعَام الطَّعَام الَّذِي هُوَ قوام الْأَبدَان، ثمَّ جعل خير الْأَقْوَال فِي الْبر وَالْإِكْرَام إفشاء السَّلَام الَّذِي يعم وَلَا يخص من عرف وَمن لم يعرف، حَتَّى يكون خَالِصا لله تَعَالَى، بَرِيئًا من حَظّ النَّفس والتصنع، لِأَنَّهُ شعار الْإِسْلَام، فَحق كل مُسلم فِيهِ شَائِع، ورد فِي حَدِيث: (إِن السَّلَام فِي آخر الزَّمَان للمعرفة يكون) ، وَمِنْهَا مَا قيل: جَاءَ فِي الْجَواب هَهُنَا أَن الْخَيْر أَن تطعم الطَّعَام، وَفِي الحَدِيث الَّذِي قبله أَنه من سلم الْمُسلمُونَ. فَمَا وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا؟ أُجِيب: بِأَن الجوابين كَانَا فِي وَقْتَيْنِ، فَأجَاب فِي كل وَقت بِمَا هُوَ الْأَفْضَل فِي حق السَّامع أَو أهل الْمجْلس، فقد يكون ظهر من أَحدهمَا: قلَّة المراعاة ليده وَلسَانه وإيذاء الْمُسلمين، وَمن الثَّانِي: إمْسَاك من الطَّعَام وتكبر، فأجابهما على حسب حَالهمَا، أَو علم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن السَّائِل الأول يسْأَل عَن أفضل التروك، وَالثَّانِي عَن خير الْأَفْعَال؛ أَو أَن الأول يسْأَل عَمَّا يدْفع المضار، وَالثَّانِي عَمَّا يجلب المسار، أَو أَنَّهُمَا بِالْحَقِيقَةِ متلازمان إِذْ الْإِطْعَام مُسْتَلْزم لِسَلَامَةِ الْيَد، وَالسَّلَام لِسَلَامَةِ اللِّسَان. قلت: يَنْبَغِي أَن يُقيد هَذَا بالغالب أَو فِي الْعَادة، فَافْهَم. 7 - (بَاب مِنَ الإِيمَانِ أنْ يُحِبَّ لإِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أَي: هَذَا بَاب. وَلَا يجوز فِيهِ إلاَّ الْإِعْرَاب بِالتَّنْوِينِ أَو الْوَقْف على السّكُون، وَلَيْسَ فِيهِ مجَال للإضافة. وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب فِيهِ من شعب الْإِيمَان أَن يحب الرجل لِأَخِيهِ مَا يُحِبهُ لنَفسِهِ؛ وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ: أَن الشعبة الْوَاحِدَة فِي الْبَاب الأول هِيَ: إطْعَام الطَّعَام، وَهُوَ غَالِبا لَا يكون إِلَّا عَن محبَّة الْمطعم، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ شُعْبَة، وَهِي: الْمحبَّة لِأَخِيهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قدم لَفْظَة من الْإِيمَان بِخِلَاف أخواته حَيْثُ يَقُول: حب الرَّسُول من الْإِيمَان، وَنَحْو ذَلِك من الْأَبْوَاب الْآتِيَة الَّتِي مثله، إِمَّا للاهتمام بِذكرِهِ، وَإِمَّا للحصر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْمحبَّة الْمَذْكُورَة لَيست إِلَّا من الْإِيمَان تَعْظِيمًا لهَذِهِ الْمحبَّة وتحريضاً عَلَيْهَا. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ تَوْجِيه حسن إلاَّ أَنه يرد عَلَيْهِ أَن الَّذِي بعده أليق بالاهتمام والحصر مَعًا، وَهُوَ قَوْله: بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان، فَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ التنويع فِي الْعبارَة، وَيُمكن أَنه اهتم بِذكر حب الرَّسُول فقدمه. قلت: الَّذِي ذكره لَا يرد على الْكرْمَانِي، وَإِنَّمَا يرد على البُخَارِيّ حَيْثُ لم يقل: بَاب من الْإِيمَان حب الرَّسُول، وَلَكِن يُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قدم لَفْظَة حب الرَّسُول: إِمَّا اهتماماً بِذكرِهِ أَولا، وَإِمَّا استلذاذاً باسمه مقدما، وَلِأَن محبته هِيَ عين الْإِيمَان، وَلَوْلَا هُوَ مَا عرف الْإِيمَان. 13 - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعلّمِ قَالَ حَدثنَا قَتادَةُ عَنْ أنَسَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ لاَ يُؤْمَنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى. (بَيَان رِجَاله) : وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد، بِضَم الْمِيم وَفتح السِّين وَالدَّال الْمُشَدّدَة الْمُهْملَة، ابْن مسرهد بن مسربل ابْن مرعبل بن ارندل بن سرندل بن غرندل بن ماسك بن مُسْتَوْرِد الْأَسدي، من ثِقَات أهل الْبَصْرَة، سمع: حَمَّاد بن زيد وَابْن عُيَيْنَة وَيحيى الْقطَّان، روى عَنهُ: أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَأَبُو دَاوُد وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي وَأَبُو زرْعَة وَإِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق ونظراؤهم. قَالَ أَحْمد بن عبد الله: ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد وَيحيى بن معِين: صَدُوق، توفّي فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
روى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ وَلم يرو لَهُ مُسلم شَيْئا، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) مُسَدّد بن مسرهد بن مسربل بن مرعبل وَلم يزدْ على هَذَا، وَكَذَا مُسلم فِي كتاب الكنى، غير أَنه قَالَ: مغربل بدل مرعبل، وَقَالَ أَبُو عَليّ الخالدي الْهَرَوِيّ: مُسَدّد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن ارندل إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ. قلت: فالخمسة الأول على لفظ صِيغَة الْمَفْعُول، ومسدد من التسديد، وسرهدته من سرهتده أَي: أَحْسَنت غداءه وسمنته، ومسربل من سربلته أَي: ألبسته الْقَمِيص، ومغربل من غربلته أَي: قطعته، ومرعبل من رعبلته أَي: مزقته، وَالثَّلَاثَة الْأَخِيرَة لَعَلَّهَا عجميات، وَهِي بِالدَّال الْمُهْملَة وَالنُّون، وعرندل بِالْعينِ الْمُهْملَة، وبالعجمة هُوَ الْأَصَح. الثَّانِي: يحيى بن سعيد بن فروخ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء المضمومة وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة، غير منصرف للعلمية والعجمة، الْقطَّان الْأَحول التَّيْمِيّ، مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، يكنى أَبَا سعيد، الإِمَام الْحجَّة الْمُتَّفق على جلالته وتوثيقه وتميزه فِي هَذَا الشَّأْن، سمع: يحيى الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن عجلَان وَابْن جريج وَالثَّوْري وَابْن أبي ذِئْب ومالكا وَشعْبَة وَغَيرهم، روى عَنهُ: الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وَشعْبَة وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأحمد وَيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة وَآخَرُونَ. قَالَ يحيى بن معِين: أَقَامَ يحيى بن سعيد عشْرين سنة يخْتم الْقُرْآن فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، وَلم يفته الزَّوَال فِي الْمَسْجِد أَرْبَعِينَ سنة. وَقَالَ إِسْحَاق الشهيدي: كنت أرى يحيى الْقطَّان يُصَلِّي الْعَصْر ثمَّ يسْتَند إِلَى أصل مَنَارَة مَسْجده، فيقف بَين يَدَيْهِ: عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ والشاذكوني وَعَمْرو بن عَليّ وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَغَيرهم يسألونه عَن الحَدِيث وهم قيام على أَرجُلهم إِلَى أَن تحين صَلَاة الْمغرب، وَلَا يَقُول لأحد مِنْهُم إجلس، وَلَا يَجْلِسُونَ هَيْبَة لَهُ. ولد سنة عشْرين وَمِائَة، وَتُوفِّي سنة، ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: شُعْبَة، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة، ابْن الْحجَّاج الوَاسِطِيّ ثمَّ الْبَصْرِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث، وَقد تقدم. الرَّابِع: قَتَادَة بن دعامة، بِكَسْر الدَّال، بن قَتَادَة بن عَزِيز، بزاي مكررة مَعَ فتح الْعين، ابْن عَمْرو بن ربيعَة بن الْحَارِث بن سدوس، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة، ابْن شَيبَان بن ذهل بن ثَعْلَبَة بن عكابة بِالْبَاء الْمُوَحدَة ابْن صَعب بن بكر بن وَائِل السدُوسِي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، سمع: أنس بن مَالك وَعبد الله سرجس وَأَبا الطُّفَيْل عَامر من الصَّحَابَة، وَسمع: سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَأَبا عُثْمَان النَّهْدِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهم، روى عَنهُ: سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَالْأَعْمَش وَشعْبَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَخلق كثير، أجمع على جلالته وَحفظه وتوثيقه واتقانه وفضله، ولد أعمى، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْكَشَّاف) : يُقَال: لم يكن فِي هَذِه الْأمة أكمه غير قَتَادَة، أَي: مَمْسُوح الْعين، غير قَتَادَة السدُوسِي صَاحب التَّفْسِير، توفّي بواسط سنة سبع عشرَة وَمِائَة، وَقيل: ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سِتّ وَخمسين أَو: سبع وَخمسين. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه: قَتَادَة، من التَّابِعين وتابعيهم غَيره. الْخَامِس: حُسَيْن بن ذكْوَان الْمكتب الْمعلم الْبَصْرِيّ، سمع: عَطاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة وَآخَرين، روى عَنهُ: شُعْبَة وَابْن الْمُبَارك وَيحيى الْقطَّان. قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: أنس بن مَالك بن النَّضر، بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة الساكنة، ابْن ضَمْضَم، بضادين معجمتين مفتوحتين، ابْن زيد بن حرَام بن جُنْدُب بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار الْأنْصَارِيّ، يكنى أَبَا حَمْزَة، خَادِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خدمه عشر سِنِين، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْفَا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وست وَثَمَانُونَ حَدِيثا، اتفقَا على مائَة وَثَمَانِية وَسِتِّينَ حَدِيثا مِنْهَا، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة وَثَمَانِينَ حَدِيثا، وَمُسلم بِأحد وَتِسْعين حَدِيثا. وَكَانَ أَكثر الصَّحَابَة ولدا. وَقَالَت أمه: يَا رَسُول الله خويدمك أنس ادْع الله لَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارك فِي مَاله وَلَده، وأطل عمره، واغفر ذَنبه. فَقَالَ: لقد دفنت من صلبي مائَة، إلاَّ اثْنَيْنِ، وَكَانَ لَهُ بُسْتَان يحمل فِي سنة مرَّتَيْنِ وَفِيه ريحَان يَجِيء مِنْهُ ريح الْمسك، وَقَالَ: لقد بقيت حَتَّى سئمت من الْحَيَاة وَأَنا أَرْجُو الرَّابِعَة، قيل: عمر مائَة سنة وَزِيَادَة، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْبَصْرَةِ، وغسله مُحَمَّد بن سِيرِين سنة ثَلَاث وَتِسْعين زمن الْحجَّاج، وَدفن فِي قصره على نحوفرسخ وَنصف من الْبَصْرَة: وَيُقَال: إِنَّمَا كني بِأبي حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة ببقلة كَانَ يُحِبهَا. روى لَهُ الْجَمَاعَة. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون، فَوَقع لَهُ من الغرائب أَن أسناد هَذَا كلهم بصريون، وأسناد الْبَاب الَّذِي قبله كلهم كوفيون، وَالَّذِي قبله كلهم مصريون، فَوَقع لَهُ التسلسل فِي الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة على الْوَلَاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن هَذَا إسنادان موصولان. أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس
وَالْآخر: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن حُسَيْن عَن قَتَادَة عَن أنس. فَقَوله: عَن حُسَيْن عطف على شُعْبَة، وَالتَّقْدِير: عَن شُعْبَة وحسين كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة، وَإِنَّمَا لم يجمعهما لِأَن شَيْخه أفردهما، فَأوردهُ البُخَارِيّ مَعْطُوفًا اختصاراً، وَلِأَن شُعْبَة قَالَ: عَن قَتَادَة، وَقَالَ حُسَيْن: حَدثنَا قَتَادَة، وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين طَرِيق حُسَيْن معلقَة وَهُوَ غير صَحِيح، فقد رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَن مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، عَن يحيى الْقطَّان، عَن حُسَيْن الْمعلم، وَقَالَ الْكرْمَانِي قَوْله: وَعَن حُسَيْن، هُوَ عطف، إِمَّا على حَدثنَا مُسَدّد، فَيكون تَعْلِيقا، وَالطَّرِيق بَين حُسَيْن وَالْبُخَارِيّ غير طَرِيق مُسَدّد، وَإِمَّا على شُعْبَة. فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحيى عَن حُسَيْن، وَإِمَّا على قَتَادَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَن شُعْبَة عَن حُسَيْن عَن قَتَادَة، وَلَا يجوز عطفه على يحيى لِأَن مُسَددًا لم يسمع عَن الْحُسَيْن وَرِوَايَته عَنهُ إِنَّمَا هُوَ من بَاب التَّعْلِيق؛ وعَلى التَّقْدِير الأول ذكره على سَبِيل الْمُتَابَعَة. قلت: هَذَا كُله مَبْنِيّ على حكم الْعقل وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلَيْسَ هُوَ بعطف على مُسَدّد، وَلَا على قَتَادَة، وَإِنَّمَا هُوَ عطف على شُعْبَة كَمَا ذكرنَا، والمتن الَّذِي سيق هَهُنَا هُوَ لفظ شُعْبَة، وَأما لفظ حُسَيْن فَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) عَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن حُسَيْن الْمعلم عَن قَتَادَة عَن أنس رَضِي الله عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يُؤمن عبد حَتَّى يحب لِأَخِيهِ ولجاره) . فَإِن قيل: قَتَادَة مُدَلّس وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ عَن أنس فِي رِوَايَة شُعْبَة، قلت: قد صرح أَحْمد بن حَنْبَل وَالنَّسَائِيّ فِي روايتهما بِسَمَاع قَتَادَة لَهُ من أنس فانتفت تُهْمَة تدليسه. (بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ) قَوْله: (لَا يُؤمن حَتَّى يحب) فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب) ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب) . وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: قد سقط لفظ أحدكُم فِي بعض نسخ البُخَارِيّ، وَثَبت فِي بَعْضهَا كَمَا جَاءَ فِي مُسلم. قلت: وَفِي بعض نسخ البُخَارِيّ: (لَا يُؤمن يَعْنِي أحدكُم حَتَّى يحب) وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: (لَا يُؤمن عبد حَتَّى يحب لِأَخِيهِ) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي خَيْثَمَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن عبد حَتَّى يحب) الحَدِيث. قَوْله: (حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ) . هَكَذَا هُوَ عِنْد البُخَارِيّ، وَوَقع فِي مُسلم على الشَّك فِي قَوْله: (لِأَخِيهِ أَو لجاره) ، وَكَذَا وَقع فِي مُسْند عبد بن حميد على الشَّك، وَكَذَا فِي رِوَايَة للنسائي، وَفِي رِوَايَة للنسائي: (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ من الْخَيْر) . وَكَذَا للإسماعيلي من طَرِيق روح عَن حُسَيْن: (حَتَّى يحب لِأَخِيهِ الْمُسلم مَا يحب لنَفسِهِ من الْخَيْر) . وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه من رِوَايَة همام عَن قَتَادَة، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان من رِوَايَة ابْن أبي عدي عَن حُسَيْن: (لَا يبلغ عبد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يحب) . إِلَى آخِره. (بَيَان من أخرجه غَيره) قد عرفت أَن البُخَارِيّ أخرجه هُنَا عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن شُعْبَة وَعَن حُسَيْن عَن قَتَادَة عَن أنس، وروى مُسلم، فِي الإيملن عَن الْمثنى وَابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة وَعَن الزُّهْرِيّ عَن يحيى الْقطَّان عَن حُسَيْن الْمعلم كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة عَن أنس وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. (بَيَان اللُّغَة وَالْإِعْرَاب) قد مر تَفْسِير الْإِيمَان فِيمَا مضى، وَأما الْمحبَّة فقد قَالَ النَّوَوِيّ: أَصْلهَا الْميل إِلَى مَا يُوَافق الْمُحب، ثمَّ الْميل قد يكون بِمَا يستلذه بحواسه بِحسن الصُّورَة وَبِمَا يستلذه بعقله، كمحبة الْفضل وَالْجمال، وَقد يكون لإحسانه إِلَيْهِ وَدفعه المضار عَنهُ. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بالميل هُنَا الإختياري دون الطَّبْع والقسري، وَالْمرَاد أَيْضا بِأَن يحب الخ. أَن يحصل لِأَخِيهِ نَظِير مَا يحصل لَهُ لَا عينه، سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي الْأُمُور المحسوسة أَو المعنوية، وَلَيْسَ المُرَاد أَن يحصل لِأَخِيهِ مَا حصل لَهُ مَعَ سلبه عَنهُ وَلَا مَعَ بَقَائِهِ بِعَيْنِه لَهُ، إِذْ قيام الْجَوْهَر أَو الْعرض بمحلين محَال. قلت: قَوْله: وَالْمرَاد أَيْضا بِأَن يحب إِلَى آخِره لَيْسَ تَفْسِير الْمحبَّة، وَإِنَّمَا الْمحبَّة مطالعة الْمِنَّة من رُؤْيَة إِحْسَان أَخِيه وبره وأياديه ونعمه الْمُتَقَدّمَة الَّتِي ابْتَدَأَ بهَا من غير عمل اسْتحقَّهَا بِهِ، وستره على معايبه، وَهَذِه محبَّة الْعَوام، قد تَتَغَيَّر بِتَغَيُّر الْإِحْسَان، فَإِن زَاد الْإِحْسَان زَاد الْحبّ وَإِن نَقصه نَقصه، وَأما محبَّة الْخَواص فَهِيَ تنشأ من مطالعة شَوَاهِد الْكَمَال لأجل الإعظام والإجلال ومراعاة حق أَخِيه الْمُسلم، فَهَذِهِ لَا تَتَغَيَّر لِأَنَّهَا لله تَعَالَى لَا لأجل غَرَض دُنْيَوِيّ. وَيُقَال: الْمحبَّة هَهُنَا هِيَ مُجَرّد تمني الْخَيْر لِأَخِيهِ الْمُسلم، فَلَا يعسر ذَلِك إلاَّ على الْقلب السقيم غير الْمُسْتَقيم. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: المُرَاد من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ) أَن يحب لِأَخِيهِ من الطَّاعَات والمباحات، وَظَاهره يَقْتَضِي التَّسْوِيَة وَحَقِيقَته التَّفْضِيل. لِأَن كل أحد يحب أَن يكون أفضل النَّاس، فَإِذا أحب لِأَخِيهِ مثله فقد دخل هُوَ من جملَة المفضولين، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان يحب أَن ينتصف من حَقه ومظلمته، فَإِذا كَانَت لِأَخِيهِ عِنْده مظْلمَة
- (باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان)
أَو حق بَادر إِلَى الْإِنْصَاف من نَفسه، وَقد رُوِيَ هَذَا الْمَعْنى عَن الفضيل بن عِيَاض رَحمَه الله إِنَّه قَالَ لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة، رَحمَه الله: إِن كنت تُرِيدُ أَن تكون النَّاس كلهم مثلك فَمَا أدّيت لله الْكَرِيم نصحه، فَكيف وَأَنت تود أَنهم دُونك؟ انْتهى. قلت: الْمحبَّة فِي اللُّغَة: ميل الْقلب إِلَى الشَّيْء لتصور كَمَال فِيهِ بِحَيْثُ يرغب فِيمَا يقربهُ إِلَيْهِ من حبه يُحِبهُ فَهُوَ مَحْبُوب، بِكَسْر عين الْفِعْل فِي الْمُضَارع، قَالَ الشَّاعِر: (أحِب أَبَا مَرْوَان من أجل تَمْرَة ... وَأعلم بِأَن الرِّفْق بِالْمَرْءِ ارْفُقْ) قَالَ الصغاني: وَهَذَا شَاذ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي المضاعف: يفعل، بِالْكَسْرِ، إلاَّ ويشركه يفعل، بِالضَّمِّ، أَو كَانَ مُتَعَدِّيا، مَا خلا هَذَا الْحَرْف، وَيُقَال أَيْضا: أحبه فَهُوَ مَحْبُوب، وَمثله مزكوم وَمَجْنُون ومكزوز ومقرور ومسلول ومهموم ومزعوق ومضعوف ومبرور ومملوء ومضؤد ومأروض ومحزون ومحموم وموهون ومنبوت ومسعود، وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ فِي هَذَا كُله: قد فعل بِغَيْر ألف ثمَّ بني مفعول على فعل، وإلاَّ فَلَا وَجه لَهُ، فَإِذا قَالُوا: فعله، فَهُوَ كُله بِالْألف. (وَأما الْإِعْرَاب) فَقَوله: (لَا يُؤمن) نفي، وَهِي جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَالْفَاعِل هُوَ أحد، كَمَا ثَبت فِي بعض نسخ البُخَارِيّ أَو: عبد، كَمَا وَقع فِي إِحْدَى روايتي مُسلم، وَالْمعْنَى: لَا يُؤمن الْإِيمَان الْكَامِل، لِأَن أصل الْإِيمَان لَا يَزُول بِزَوَال ذَلِك، أَو التَّقْدِير: لَا يكمل إِيمَان أحدكُم. قَوْله: (حَتَّى) : هَهُنَا جَارة لَا عاطفة وَلَا ابتدائية، وَمَا بعْدهَا خلاف مَا قبلهَا، وَأَن بعْدهَا مضمرة، وَلِهَذَا نصب: يحب، وَلَا يجوز رَفعه هَهُنَا لِأَن عدم الْإِيمَان لَيْسَ سَببا للمحبة. قَوْله: (لِأَخِيهِ) مُتَعَلق بقوله: يحب. قَوْله: (مَا يحب) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول يحب، وَقَوله: (لنَفسِهِ) يتَعَلَّق بِهِ، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف، أَي: مَا يُحِبهُ، وَفِيه حذف تَقْدِيره: مَا يحب من الْخَيْر لنَفسِهِ، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر أَن يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ؟ وَكَيف يحصل ذَلِك المحبوب فِي محلين وَهُوَ محَال؟ قلت: تَقْدِير الْكَلَام: حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مثل مَا يحب لنَفسِهِ. (الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا: مَا قيل: إِذا كَانَ المُرَاد بِالنَّفْيِ كَمَال الْإِيمَان يلْزم أَن يكون من حصلت لَهُ هَذِه الْخصْلَة مُؤمنا كَامِلا، وَإِن لم يَأْتِ بِبَقِيَّة الْأَركان. وَأجِيب: بِأَن هَذَا مُبَالغَة، كَأَن الرُّكْن الْأَعْظَم فِيهِ هَذِه الْمحبَّة نَحْو: (لَا صَلَاة إلاَّ بِطهُور) ، أَو هِيَ مستلزمة لَهَا، أويلزم ذَلِك لصدقه فِي الْجُمْلَة، وَهُوَ عِنْد حُصُول سَائِر الْأَركان، إِذْ لَا عُمُوم للمفهوم. وَمِنْهَا مَا قيل: من الْإِيمَان أَن يبغض لِأَخِيهِ مَا يبغض لنَفسِهِ وَلم لم؟ يذكرهُ. وَأجِيب: بِأَن حب الشَّيْء مُسْتَلْزم لِبُغْض نقيضه، فَيدْخل تَحت ذَلِك أَو أَن الشَّخْص لَا يبغض شَيْئا لنَفسِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكره بالمحبة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله لِأَخِيهِ لَيْسَ لَهُ عُمُوم، فَلَا يتَنَاوَل سَائِر الْمُسلمين. وَأجِيب: بِأَن معنى قَوْله: لِأَخِيهِ، للْمُسلمين تعميماً للْحكم أَو يكون التَّقْدِير: لِأَخِيهِ من الْمُسلمين، فَيتَنَاوَل كل أَخ مُسلم. 8 - (بَاب حُبُّ الرَّسولِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ الإِيمَانِ) يجوز فِي بَاب الرّفْع مَعَ التَّنْوِين على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده، لِأَن قَوْله: حب الرَّسُول، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، أَو قَوْله: من الْإِيمَان خَبره، وَيجوز فِيهِ الْوَقْف. لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلاَّ بالتركيب. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على وجوب محبَّة كائنة من الْإِيمَان، وَاللَّام فِي: الرَّسُول، للْعهد، وَالْمرَاد بِهِ: سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا جنس الرَّسُول وَلَا الِاسْتِغْرَاق بِقَرِينَة. قَوْله: (حَتَّى أكون أحب) وَإِن كَانَت محبَّة الْكل وَاجِبَة. 14 - حدّثنا أبُو اليَمانِ قالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قالَ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ أنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحَبَّ إليهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَقد ذكر. الثَّانِي: شُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: أَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون، وَهُوَ عبد الله بن ذكْوَان الْمدنِي الْقرشِي، وَكَانَ يغْضب من هَذِه الكنية لَكِن اشْتهر بهَا، ويكنى أَيْضا، بِأبي عبد الرَّحْمَن، وَقد اتّفق على إِمَامَته وجلالته، وَكَانَ الثَّوْريّ يُسَمِّيه: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة صَاحب سنة وَهُوَ مِمَّن تقوم بِهِ الْحجَّة إِذْ روى عَنهُ الثِّقَات، وَشهد مَعَ عبد الله بن جَعْفَر جَنَازَة
فَهُوَ إِذن تَابِعِيّ صَغِير، وروى عَنهُ جماعات من التَّابِعين وَهَذَا من فضائله، لِأَنَّهُ لم يسمع من الصَّحَابَة، وروى عَنهُ التابعون، وولاه عمر بن عبد الْعَزِيز خراج الْعرَاق، وَقَالَ اللَّيْث بن سعد: رَأَيْت أَبَا الزِّنَاد وَخَلفه ثَلَاثمِائَة تَابع من طَالب علم وَفقه وَشعر وصنوف، ثمَّ لم يلبث أَن بَقِي وَحده، وَأَقْبلُوا على ربيعَة، وَكَانَ ربيعَة يَقُول: شبر من خطْوَة خير من ذِرَاع من علم، وَقَالَ أَحْمد: أَبُو الزِّنَاد افقه من ربيعَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ أَبُو الزِّنَاد فَجْأَة فِي مغتسله سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهُوَ ابْن سِتّ وَسِتِّينَ سنة. وَقَالَ البُخَارِيّ: أصح أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة: أَبُو الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْأَعْرَج وَهُوَ أَبُو دَاوُد عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، تَابِعِيّ مدنِي قرشي، مولى ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، روى عَن أبي سَلمَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَارِي، روى عَنهُ: الزُّهْرِيّ وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَيحيى بن أبي كثير وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا على توثيقه، مَاتَ بالإسكندرية سنة سبع عشرَة وَمِائَة على الصَّحِيح، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَاعْلَم أَن مَالِكًا لم يرو عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز هَذَا إلاَّ بِوَاسِطَة، وَأما عبد الله بن يزِيد بن هُرْمُز فقد روى عَنهُ مَالك، وَأخذ عَنهُ الْفِقْه وَهُوَ عَالم من عُلَمَاء الْمَدِينَة قَلِيل الرِّوَايَة جدا، توفّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَحَيْثُ يذكر مَالك بن هُرْمُز ويحكى عَنهُ فَإِنَّمَا يُرِيد: عبد الله بن يزِيد هَذَا الْفَقِيه، لِأَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، صَاحب أبي الزِّنَاد الْمُحدث، هَذَا، إِنَّمَا يحدث عَنهُ بِوَاسِطَة ذَلِك، ووفاته سنة: سبع عشرَة وَمِائَة على مَا ذكرنَا، وَهَذَا وَفَاته سنة: ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَهَذَا مَوضِع التباس على كثير من النَّاس ذكرته للْفرق بَينهمَا، فَافْهَم. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة وَقد مضى ذكره. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) : مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَفِي بعض النّسخ: أخبرنَا شُعَيْب، فعلى هَذَا يكون فِيهِ: الْإِخْبَار أَيْضا، والتفريق بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا لَا يَقُول بِهِ البُخَارِيّ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْعلم. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مُشْتَمل على حمصيين ومدنيين. وَمِنْهَا: أَنه قد وَقع فِي (غرائب مَالك) للدارقطني إِدْخَال رجل، وَهُوَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، بَين الْأَعْرَج وَأبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَهِي زِيَادَة شَاذَّة، فقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِدُونِهَا من حَدِيث مَالك وَمن حَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، وروى ابْن مَنْدَه من طَرِيق أبي حَاتِم الرَّازِيّ عَن أبي الْيَمَان شيخ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُصَرحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع الاسناد، وَكَذَا للنسائي من طَرِيق عَليّ بن عَيَّاش، عَن شُعَيْب. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس رَضِي الله عَنْهُمَا، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن الْمثنى، وَابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَرَوَاهُ عَن زُهَيْر عَن ابْن علية، وَعَن شَيبَان بن فروخ عَن عبد الْوَارِث، كِلَاهُمَا عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للنسائي: (حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من مَاله وَأَهله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) . (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (وَالَّذِي) الْوَاو: فِيهِ للقسم، وَالَّذِي، صفة موصوفه مَحْذُوف تَقْدِيره: وَالله الَّذِي. قَوْله: (نَفسِي) مُبْتَدأ و (بِيَدِهِ) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول أَعنِي: الَّذِي. قَوْله: (لَا يُؤمن) نفي وَهُوَ جَوَاب الْقسم. قَوْله: (حَتَّى) للغاية هُنَا (وأكون) مَنْصُوب بِتَقْدِير: حَتَّى أَن أكون، وَقد علم أَن الْفِعْل بعد حَتَّى لَا ينْتَصب إلاَّ إِذا كَانَ مُسْتَقْبلا، ثمَّ إِن كَانَ استقباله بِالنّظرِ إِلَى زمن الْمُتَكَلّم فالنصب وَاجِب نَحْو: {لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى} (طه: 91) وَإِن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبلهَا خَاصَّة فالوجهان نَحْو: {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: 214) الْآيَة، فَإِن قَوْلهم: إِنَّمَا هُوَ مُسْتَقْبل بِالنّظرِ إِلَى الزلزال لَا بِالنّظرِ إِلَى زمن قصّ ذَلِك علينا. قَوْله: (أحب) نصب لِأَنَّهُ خبر أكون، وَلَفظه: أحب، أفعل التَّفْضِيل بِمَعْنى الْمَفْعُول، وَهُوَ على خلاف الْقيَاس، وَإِن كَانَ كثيرا إِذْ الْقيَاس أَن يكون بِمَعْنى الْفَاعِل، وَقَالَ ابْن مَالك: إِنَّمَا يشذ بِنَاؤُه للْمَفْعُول إِذا خيف اللّبْس بالفاعل، فَإِن أَمن بِأَن لم يسْتَعْمل الْفِعْل للْفَاعِل، أَو قرن بِهِ مَا يشْعر بِأَنَّهُ للْمَفْعُول لَا يشذ كَقَوْلِهِم: هُوَ أشغل من ذَات النحيين وَهُوَ أكسر من البصل. وَعبد الله بن أبي ألعن من لعن على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى، وَلَا أحرم مِمَّن عدم الْإِنْصَاف، وَلَا أظلم من قَتِيل كربلا، وَهُوَ أزهى من الديك، وأرجى، وأخوف، وأهيب وَلَا يقْتَصر على السماع لِكَثْرَة مَجِيئه. فَإِن قلت: لَا يجوز الْفَصْل بَين الْفِعْل ومعموله لِأَنَّهُ كالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، فَكيف وَقع لَفْظَة: إِلَيْهِ، هَهُنَا فصلا بَينهمَا؟ قلت: الْفَصْل بالأجنبي مَمْنُوع لَا مُطلقًا والظرف فِيهِ توسع فَلَا يمْنَع. (بَيَان الْمعَانِي) فَائِدَة القَسَم، تَأْكِيد الْكَلَام بِهِ، وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز الْقسم على الْأَمر الْمُبْهم توكيداً، وَإِن لم يكن هُنَاكَ من
يَسْتَدْعِي الْحلف، وَلَفظ الْيَد من المتشابهات، فَفِي مثل هَذَا افترق الْعلمَاء على فرْقَتَيْن: إِحْدَاهمَا: مَا تسمى مفوضة: وهم الَّذين يفوضون الْأَمر فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى قائلين: {وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله} (آل عمرَان: 7) وَالْأُخْرَى: تسمى مؤولة، وهم الَّذين يؤولون مثل هَذَا، كَمَا يُقَال: المُرَاد من الْيَد الْقُدْرَة، عاطفين {والراسخون فِي الْعلم} (آل عمرَان: 7) على: الله وَالْأول أسلم، وَالثَّانِي أحكم. قلت: ذكر أَبُو حنيفَة أَن تَأْوِيل الْيَد بِالْقُدْرَةِ، وَنَحْو ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى التعطيل، فَإِن الله تَعَالَى أثبت لنَفسِهِ يدا، فَإِذا أولت بِالْقُدْرَةِ يصير عين التعطيل، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي فِي مثل هَذَا أَن نؤمن بِمَا ذكره الله من ذَلِك على مَا أَرَادَهُ، وَلَا نشتغل بتأويله، فَنَقُول: لَهُ يَد على مَا أَرَادَهُ لَا كيد المخلوقين، وَكَذَلِكَ فِي نَظَائِر ذَلِك. قَوْله: (لَا يُؤمن) أَي: إِيمَانًا كَامِلا، وَيُقَال المُرَاد من الحَدِيث: بذل النَّفس دونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ} (الْأَنْفَال: 64) أَي: وحسبك من اتبعك من الْمُؤمنِينَ، ببذل أنفسهم دُونك. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ أَبُو الزِّنَاد: هَذَا من جَوَامِع الْكَلم الَّذِي أوتيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذْ أَقسَام الْمحبَّة ثَلَاثَة: محبَّة إجلال وإعظام كمحبة الْوَالِد، ومحبة رَحْمَة وإشفاق كمحبة الْوَلَد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة النَّاس بَعضهم بَعْضًا، فَجمع عَلَيْهِ السَّلَام، ذَلِك كُله. قَالَ القَاضِي: وَمن محبته: نصْرَة سنته، والذب عَن شَرِيعَته، وتمني حُضُور حَيَاته، فيبذل نَفسه وَمَاله دونه، وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن حَقِيقَة الْإِيمَان لَا تتمّ إلاَّ بِهِ، وَلَا يَصح الْإِيمَان إلاَّ بتحقيق إنافة قدر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومنزلته على كل وَالِد وَولد ومحسن ومتفضل، وَمن لم يعْتَقد ذَلِك واعتقد سواهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن، وَاعْتَرضهُ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْقُرْطُبِيّ الْمَالِكِي، صَاحب (الْمُفْهم) فَقَالَ: ظَاهر كَلَام القَاضِي عِيَاض صرف الْمحبَّة إِلَى اعْتِقَاد تَعْظِيمه وإجلاله، وَلَا شكّ فِي كفر من لَا يعْتَقد ذَلِك، غير أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث اعْتِقَاد الأعظمية إِذْ اعْتِقَاد الأعظمية لَيْسَ بمحبة وَلَا مستلزماً لَهَا، إِذْ قد يحمد الْإِنْسَان إعظام شَيْء مَعَ خلوه عَن محبته، قَالَ: فعلى هَذَا من لم يجد من نَفسه ذَلِك لم يكمل إيمَانه على أَن كل من آمن إِيمَانًا صَحِيحا لَا يَخْلُو من تِلْكَ الْمحبَّة، وَقد قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله عَنهُ، وَمَا كَانَ أحد أحب إِلَيّ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أجل فِي عَيْني مِنْهُ، وَمَا كنت أُطِيق أَن أملأ عَيْني مِنْهُ إجلالاً لَهُ، وَأَن عمر رَضِي الله عَنهُ، لما سمع هَذَا الحَدِيث، قَالَ: يَا رَسُول الله أَنْت أحب إِلَيّ من كل شَيْء إلاَّ من نَفسِي، فَقَالَ: وَمن نَفسك يَا عمر، فَقَالَ: وَمن نَفسِي. فَقَالَ: الْآن يَا عمر. وَهَذِه الْمحبَّة لَيست باعتقاد تَعْظِيم بل ميل قلب، وَلَكِن النَّاس يتفاوتون فِي ذَلِك، قَالَ الله تَعَالَى: {فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (الْمَائِدَة: 54) وَلَا شكّ أَن حَظّ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، من هَذَا الْمَعْنى أتم، لِأَن الْمحبَّة ثَمَرَة الْمعرفَة، وهم بِقَدرِهِ ومنزلته أعلم، وَالله أعلم. وَيُقَال: الْمحبَّة إِمَّا اعْتِقَاد النَّفْع، أَو ميل يتبع ذَلِك، أَو صفة مخصصة لأحد الطَّرفَيْنِ بالوقوع، ثمَّ الْميل قد يكون بِمَا يستلذه بحواسه كحسن الصُّورَة، وَلما يستلذه بعقله كمحبة الْفضل وَالْجمال، وَقد يكون لإحسانه إِلَيْهِ وَدفع المضار عَنهُ، وَلَا يخفى أَن الْمعَانِي الثَّلَاثَة كلهَا مَوْجُودَة فِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما جمع من جمال الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَكَمَال أَنْوَاع الْفَضَائِل، وإحسانه إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بهدايتهم إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم ودوام النعم، وَلَا شكّ أَن الثَّلَاثَة فِيهِ أكمل مِمَّا فِي الْوَالِدين لَو كَانَت فيهمَا، فَيجب كَونه أحب مِنْهُمَا، لِأَن الْمحبَّة ثَابِتَة لذَلِك، حَاصِلَة بحسبها، كَامِلَة بكمالها. وَأعلم أَن محبَّة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، إِرَادَة فعل طَاعَته وَترك مُخَالفَته، وَهِي من وَاجِبَات الْإِسْلَام قَالَ الله تَعَالَى: {قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم} إِلَى قَوْله: {حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره} (التَّوْبَة: 24) وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ تلميح إِلَى قَضِيَّة النَّفس الأمَّارة بالسوء والمطمئنة، فَإِن من رجح جَانب المطمئنة كَانَ حب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، راجحاً، وَمن رجح جَانب الْإِمَارَة، كَانَ حكمه بِالْعَكْسِ. (بَيَان الأسئلة والأجوبة) . مِنْهَا: مَا قيل: لِمَ مَا ذكر نفس الرجل أَيْضا وَإِنَّمَا يجب أَن يكون الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحب إِلَيْهِ من نَفسه قَالَ تَعَالَى: {النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم} (الْأَحْزَاب: 33) وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا خصص الْوَالِد وَالْولد بِالذكر لِكَوْنِهِمَا أعز خلق الله تَعَالَى على الرجل غَالِبا، وَرُبمَا يكونَانِ أعز من نفس الرجل على الرجل، فذكرهما إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل التَّمْثِيل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من أعزته، وَيعلم مِنْهُ حكم غير الأعزة، لِأَنَّهُ يلْزم فِي غَيرهم بِالطَّرِيقِ الأولى، أَو اكْتفى بِمَا ذكر فِي سَائِر النُّصُوص الدَّالَّة على وجوب كَونه أحب من نَفسه أَيْضا، كالرواية الَّتِي بعده. وَمِنْهَا مَا قيل: هَل يتَنَاوَل لفظ الْوَالِد الْأُم كَمَا أَن لفظ الْوَلَد يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى؟ وَأجِيب: بِأَن الْوَالِد إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ ذَات لَهُ ولد، وَإِمَّا أَن يكون بِمَعْنى ذُو ولد نَحْو لِابْنِ وتامر، فيتناولهما، وَإِمَّا أَن يكْتَفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر كَمَا يكْتَفى بِأحد الضدين عَن الآخر. قَالَ تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: 81) وَإِمَّا
أَن يكون حكمه حكم النَّفس فِي كَونه مَعْلُوما من النُّصُوص الْأُخَر. وَمِنْهَا مَا قيل: الْمحبَّة أَمر طبيعي غريزي لَا يدْخل تَحت الِاخْتِيَار، فَكيف يكون مُكَلّفا بِمَا لَا يُطَاق عَادَة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يرد بِهِ حب الطَّبْع بل حب الِاخْتِيَار الْمُسْتَند إِلَى الْإِيمَان؟ فَمَعْنَاه: لَا يُؤمن حَتَّى يُؤثر رضاي على هوى الْوَالِدين، وَإِن كَانَ فِيهِ هلاكهما. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَقْدِيم الْوَالِد على الْوَلَد؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك للأكثرية، لِأَن كل أحد لَهُ وَالِد من غير عكس. قلت: الأولى أَن يُقَال: إِنَّمَا قدم هَهُنَا الْوَالِد نظرا إِلَى جَانب التَّعْظِيم، وَقدم الْوَلَد على الْوَالِد فِي حَدِيث أنس فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ نظرا إِلَى جَانب الشَّفَقَة والترحم. 15 - حدّثنا يعَقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدثنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أنَسٍ عَن النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ح وَحدثنَا آدَمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنِسٍ قالَ قالَ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لاَ يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ. هَذَانِ الإسنادان عطف أَحدهمَا على الآخر قبل أَن يَسُوق الْمَتْن فِي الأول، وَذَلِكَ يُوهم استواءهما وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن لفظ قَتَادَة مثل لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، غير أَن فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْله: (وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) ، وَلَفظ عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب مثله إلاَّ أَنه قَالَ: كَمَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد: (من أَهله وَمَاله) ، بدل: (من وَالِده وَولده) وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن علية، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الْوَارِث بن سعيد عَن عبد الْعَزِيز، وَلَفظه: (لَا يُؤمن الرجل) ، وَهُوَ اشمل من جِهَة، وَلَفظ: (أحدكُم) أشمل من جِهَة، وأشمل مِنْهُمَا رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لَا يُؤمن أحد) ، فَإِن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي نعم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ لفظ عبد الْعَزِيز مغايراً للفظ قَتَادَة، فلِمَ سَاق البُخَارِيّ كَلَامه بِمَا يُوهم اتحادهما فِي الْمَعْنى؟ قلت: البُخَارِيّ كثيرا مَا يصنع ذَلِك نظرا إِلَى أصل الحَدِيث لَا إِلَى خُصُوص أَلْفَاظه، فَإِن قلت: لم اقْتصر على لفظ قَتَادَة، وَمَا الْمُرَجح فِي ذَلِك؟ قلت: لِأَن لفظ قَتَادَة مُوَافق للفظ أبي هُرَيْرَة فِي الحَدِيث السَّابِق. فَإِن قلت: قَتَادَة مُدَلّس وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ؟ قلت: رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ دَلِيل على السماع لِأَنَّهُ لم يكن يسمع مِنْهُ إلاَّ مَا سَمعه، على أَنه قد وَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ. (بَيَان رجالهما) وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير بن زيد بن أَفْلح الدَّوْرَقِي الْعَبْدي، أَخُو أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ الْأَكْبَر صنف الْمسند، وَكَانَ ثِقَة حَافِظًا متقناً، رأى اللَّيْث، وَسمع: ابْن عُيَيْنَة وَالْقطَّان وَيحيى بن أبي كثير وخلقاً. روى عَنهُ: أَخُوهُ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالْجَمَاعَة. مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: ابْن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ إِسْمَاعِيل، وَعليَّة أمه، وَأَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سهل بن مقسم الْبَصْرِيّ الْأَسدي، أَسد خُزَاعَة، مَوْلَاهُم، أَصله من الْكُوفَة، قَالَ شُعْبَة فِيهِ سيد الْمُحدثين، سمع عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَسمع من مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَرْبَعَة أَحَادِيث، وَسمع خلقا غَيرهم. وَقَالَ أَحْمد: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ، اتّفق على جلالته وتوثيقه، ولي صدقَات الْبَصْرَة والمظالم بِبَغْدَاد فِي آخر خلَافَة هَارُون، توفّي بِبَغْدَاد، وَدفن فِي مَقَابِر عبد الله بن مَالك، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه إِبْرَاهِيم فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَكَانَت أمه علية نبيلة عَاقِلَة، وَكَانَ صَالح الْمزي وَغَيره من وُجُوه أهل الْبَصْرَة وفقهائها يدْخلُونَ فَتبرز لَهُم وتحادثهم وتسائلهم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز الْبنانِيّ، مَوْلَاهُم، تَابِعِيّ، سمع أنسا، روى عَنهُ شُعْبَة، وَقَالَ: هُوَ عِنْدِي فِي أنس أحب إِلَيّ من قَتَادَة، اتّفق على توثيقه، روى لَهُ الْجَمَاعَة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ وَأَبوهُ كَانَا مملوكين، وَأَجَازَ إِيَاس بن مُعَاوِيَة شَهَادَة عبد الْعَزِيز وَحده. الرَّابِع: آدم بن أبي إِيَاس، وَقد مر ذكره. الْخَامِس: شُعْبَة بن الْحجَّاج. السَّادِس: قَتَادَة بن دعامة. السَّابِع: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ، وَقد ذكرُوا فِيمَا مضى. (بَيَان الْأَنْسَاب) الدَّوْرَقِي: نِسْبَة إِلَى دورق، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره قَاف، وَهِي قلانس كَانُوا يلبسونها فنسبوا إِلَيْهَا، وَفِي (الْمطَالع) : دورق أرَاهُ فِي بِلَاد فَارس، وَقيل: بل لصنعة قلانس تعرف بالدورقة نسبت إِلَى ذَلِك الْموضع، وَقَالَ الرشاطي: دورق من كور الأهواز. وَقَالَ ابْن خرداذبه: كور الأهواز رام هُرْمُز، وَمِنْهَا: ايزح
- (باب حلاوة الإيمان)
وعسكر مكرم وتستر وسوس وسرق، وَهِي دورق، وَذكر غير ذَلِك. قَالَ: وَمن سرق الأهواز إِلَى دورق فِي المَاء ثَمَانِيَة عشر فرسخاً، وعَلى الظَّاهِر أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ. والعبدي: فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة، وَفِي ربيعَة ابْن نزار: عبد الْقَيْس بن قصي بن دعمي، ينْسب إِلَيْهِ، عَبدِي، على الْقيَاس، وعبقسي، على غير الْقيَاس؛ وَفِي تَمِيم ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم، وَقد يُقَال: عبدلي، على غير قِيَاس؛ وَفِي خولان ينْسب إِلَى عبد الله بن الْخِيَار، وَفِي هَمدَان ينْسب إِلَى عبد بن عليان بن أرحب. والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى: بنانة، بطن من قُرَيْش، وبنانة كَانَت زَوْجَة سعد بن لؤَي بن غَالب، نسب إِلَيْهَا بنوها، وَقيل: كَانَت أمة لَهُ حضنت بنيه، وَقيل: كَانَت حاضنة لِبَنِيهِ فَقَط، وَيُقَال: نِسْبَة إِلَى سكَّة بنانة بِالْبَصْرَةِ، فَافْهَم. (بَيَان الْمعَانِي) . قَوْله: (وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم} (الْحجر: 87) وَهُوَ عكس قَوْله تَعَالَى: {وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} (الْبَقَرَة: 98) فَإِنَّهُ تَخْصِيص بعد تَعْمِيم، فَإِن قيل: هَل يدْخل فِي لفظ النَّاس نفس الرجل أَو يكون إِضَافَة الْمحبَّة إِلَيْهِ تَقْتَضِي خُرُوجه مِنْهُم، فَإنَّك إِذا قلت: جَمِيع النَّاس أحب إِلَى زيد من غُلَامه، يفهم مِنْهُ خُرُوج زيد مِنْهُم؟ قلت: لَا يخرج لِأَن اللَّفْظ عَام، وَمَا ذكر ثمَّ لَيْسَ من المخصصات. وَاعْلَم أَنه قد يُوجد فِي بعض النّسخ قبل حَدثنَا آدم لَفْظَة: (ح) إِشَارَة إِلَى الْحول من الْإِسْنَاد الأول إِلَى إِسْنَاد آخر، وَفِي بَعْضهَا لَا يُوجد، وعَلى النسختين فَفِيهِ تحول من إِسْنَاد إِلَى آخر قبل ذكر الحَدِيث، وَقَوله: أخبرنَا يَعْقُوب، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا. 9 - (بَاب حَلاَوَةِ الإِيمَانِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حلاوة الْإِيمَان، وارتفاعه على الخبرية للمبتدأ الْمَحْذُوف، وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن الْبَاب الأول مُشْتَمل على أَن كَمَال الْإِيمَان لَا يكون إلاَّ إِذا كَانَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أحب إِلَيْهِ من سَائِر الْخلق، وَهَذَا الْبَاب يبين أَن ذَلِك من جملَة حلاوة الْإِيمَان، وَلِأَن هَذَا الْبَاب مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَالْبَاب الَّذِي قبله جُزْء من هَذِه الثَّلَاثَة، وَهَذَا أقوى وُجُوه الْمُنَاسبَة. 16 - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قالَ حَدثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقفِيُّ قَالَ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلاَبَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرَءَ لاَ يُحِبُّهُ إلاَّ لِلَّهِ وَأنْ يَكَرَهُ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكَرَهَ أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِلَفْظ الْمَفْعُول من التَّثْنِيَة بِالْمُثَلثَةِ، ابْن عبيد بن قيس بن دِينَار، أَبُو مُوسَى الْعَنزي الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزمن، سمع: ابْن عُيَيْنَة ووكيع بن الْجراح وَإِسْمَاعِيل بن علية وَالْقطَّان وَغَيرهم، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي والمحاملي. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ ثِقَة ثبتاً يحْتَج سَائِر الْأَئِمَّة بحَديثه، وَقدم بَغْدَاد وَحدث بهَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَة فَمَاتَ بهَا، قَالَ غَيره: سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَولد هُوَ وَبُنْدَار بِالسنةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا حَمَّاد بن سَلمَة، سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى عَنهُ الْجَمَاعَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد بن الصَّلْت بن أبي عبيد بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد همام بن أبان بن يسَار مَالك بن خطيط بن جشم بن قسي، وَهُوَ ثَقِيف بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس غيلَان الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، سمع: يحيى الْأنْصَارِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وخلقاً. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَالْإِمَام أَحْمد وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ، وَثَّقَهُ يحيى وَالْعجلِي، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة وَفِيه ضعف، ولد سنة ثَمَان وَمِائَة وَتُوفِّي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَقَالَ خَليفَة بن خياط: اخْتَلَط قبل مَوته بِثَلَاث سِنِين، أَو أَربع سِنِين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة، واسْمه كيسَان السّخْتِيَانِيّ الْبَصْرِيّ، مولى عزة، وَيُقَال جُهَيْنَة، ومواليه حلفاء بني جريش، رأى أنس بن مَالك، وَسمع: عمر بن سَلمَة الْجرْمِي وَأَبا عُثْمَان
النَّهْدِيّ وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَبا قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي ومجاهداً وخلقاً كثيرا. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَمْرو بن دِينَار وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وَمَالك والسفيانان والحمادان، وروى عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَهُ نَحْو ثَمَان مائَة حَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة ثَبت. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن علية: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ: مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، زَاد غَيره: وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، واسْمه عبد الله بن زيد بن عَمْرو، وَقيل: عَامر بن نائل بن مَالك الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، سمع: ثَابت بن قيس بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ وَأنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم من الصَّحَابَة، روى: عَن أَيُّوب وَقَتَادَة وَيحيى ابْن أبي كثير، اتّفق على توثيقه، توفّي بِالشَّام سنة أَربع وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر ذكره. (بَيَان الْأَنْسَاب) الْعَنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي، نِسْبَة إِلَى عنزة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان حَيّ من ربيعَة. والثقفي: بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف بعْدهَا الْفَاء نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ: قسي بن مُنَبّه، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. والسختياني: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى بيع السختيان، وَهُوَ الْجلد؛ وَقَالَ الْجَوْهَرِي: سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْجُلُود قَالَ صَاحب الْمطَالع: وَمِنْهُم من يضم السِّين؛ وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ بِضَم السِّين وَكسرهَا. قلت: هَذَا اللَّفْظ أعجمي؟ وَلم يسمع مِنْهُم إلاَّ فتح السِّين. والجرمي: بِفَتْح الْجِيم فِي قبائل، فَفِي قضاعة جرم بن رَيَّان بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَفِي بجيلة جرم بن عَلْقَمَة بن عبقر، وَفِي عاملة جرم بن شعل بن مُعَاوِيَة، وَفِي طي جرم وَهُوَ ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن كلهم أَئِمَّة أجلاء على مَا ذكرنَا. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَمُسلم أَيْضا كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى إِلَى آخِره بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرجه فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا بعد ثَلَاثَة أَبْوَاب، من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، وَاسْتدلَّ بِهِ على فضل من أكره عى الْكفْر فَترك التقية إِلَى أَن قتل، وَأخرجه من هَذَا الْوَجْه فِي الْأَدَب فِي فضل الْحبّ فِي الله، وَلَفظ هَذِه الرِّوَايَة: (وَحَتَّى أَن يقذف فِي النَّار أحب إِلَيْهِ أَن يرجع إِلَى الْكفْر بعد أَن أنقذه الله مِنْهُ) . وَهِي أبلغ من لفظ حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ سوى فِيهِ بَين الْأَمريْنِ، وَهنا جعل الْوُقُوع فِي نَار الدُّنْيَا أولى من الْكفْر الَّذِي أنقذه الله بِالْخرُوجِ مِنْهُ من نَار الْأُخْرَى، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من هَذَا الْوَجْه، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم: (من كَانَ أَن يلقى فِي النَّار أحب إِلَيْهِ من أَن يرجع يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي رِوَايَة أُخْرَى: (ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان وطعمه: أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَأَن يحب فِي الله وَيبغض فِي الله، وَأَن يُوقد نَار عَظِيمَة فَيَقَع فِيهَا أحب إِلَيْهِ من أَن يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) . (بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) الْحَلَاوَة مصدر: حلا الشَّيْء يحلو، وَهُوَ نقيض المر، واحلولى مثله، وأحليت الشَّيْء: جعلته حلواً، وأحليته أَيْضا: وجدته حلواً وحاليته أَي: طايبته. والحلوى نقيض المرى، يُقَال: خُذ الْحَلْوَى وأعطه المرى، وتحالت الْمَرْأَة: إِذا أظهرت حلاوة وعجباً. وَأما حلوت فلَانا على كَذَا مَالا، فَأَنا أحلوه حلواً وحلواناً، فَمَعْنَاه: وهبت لَهُ شَيْئا على شَيْء يَفْعَله لَك غير الْأُجْرَة، وَأما: حليت الْمَرْأَة أحليها حليا، وحلوتها فمعناها: جلعت لَهَا حليًّا، وَيُقَال: حلي فلَان بعيني بِالْكَسْرِ، وَفِي عَيْني، وبصدري أَو فِي صَدْرِي: يحلى حلاوة إِذا أعْجبك، قَالَ الراجز: (إِن سِرَاجًا لكريم مفخرة ... تحلى بِهِ الْعين إِذا مَا تجهره) وَهَذَا من المقلوب، وَالْمعْنَى: يحلى بِالْعينِ، وَكَذَلِكَ حلا فلَان يَعْنِي وَفِي عَيْني: يحلو حلاوة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حلى فِي عَيْني بِالْكَسْرِ، وحلا فِي فمي بِالْفَتْح، وحليت الرجل: وصفت حليته، وحليت الشَّيْء فِي عين صَاحبه، وحليت الطَّعَام: جعلته حلواً، والحلواء الَّتِي تُؤْكَل تمد وتقصر. وَأما معنى: الحلوة، فِي الحَدِيث. فَقَالَ التَّيْمِيّ: حسنه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى حلاوة الْإِيمَان استلذاذ
الطَّاعَات، وَتحمل المشاق فِي الدّين، وإيثار ذَلِك على أَعْرَاض الدُّنْيَا ومحبة العَبْد الله تَعَالَى بِفعل طَاعَته وَترك مُخَالفَته، وَكَذَلِكَ محبَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: تَفْسِير التَّيْمِيّ: من الْحَلَاوَة الَّتِي بَابهَا من حلى فلَان بعيني حلاوة، إِذا حسن، وَتَفْسِير النَّوَوِيّ: من حلا الشَّيْء يحلو حلواً وحلاوة، وَهُوَ نقيض المر، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه وَالْأَظْهَر الثَّانِي على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يكره) من: كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، فَهُوَ شَيْء كريه ومكروه، وَمَعْنَاهُ: عدم الرضى. قَوْله: (أَن يقذف) من الْقَذْف بِمَعْنى: الرَّمْي، وَقَالَ الصغاني: التَّرْكِيب يدل على الرَّمْي والطرح، وَالْقَذْف بِالْحِجَارَةِ: الرَّمْي بهَا، وَقذف المحصنة قذفا أَي: رَمَاهَا. وَيُقَال: هم بَين خاذف وقاذف، فالخاذف بالحصى والقاذف بِالْحِجَارَةِ. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (ثَلَاث) مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. فَإِن قلت: هُوَ نكرَة كَيفَ يَقع مُبْتَدأ؟ قلت: النكرَة تقع مُبتَدأَة بالمسوغ، وَهَهُنَا ثَلَاثَة وُجُوه. الأول: أَن يكون التَّنْوِين فِي ثَلَاث عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، تَقْدِيره: ثَلَاث خِصَال، فحينئذٍ يقرب من الْمعرفَة. الثَّانِي: أَن يكون هَذَا صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: خِصَال ثَلَاث، والموصوف هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْحَقِيقَة، فَلَمَّا حذف قَامَت الصّفة مقَامه. الثَّالِث: يجوز أَن يكون ثَلَاث مَوْصُوفا بِالْجُمْلَةِ الشّرطِيَّة الَّتِي بعده، وَالْخَبَر على هَذَا الْوَجْه هُوَ قَوْله: (أَن يكون) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: كَون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلين الْخَبَر هُوَ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة، لِأَن قَوْله: من مُبْتَدأ مَوْصُول يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، وَقَوله: كن فِيهِ، جملَة صلته. وَقَوله: وجد، خَبره. وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. فَإِن قلت: الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا فَلَا بُد من ضمير فِيهَا يعود إِلَى الْمُبْتَدَأ، لِأَن الْجُمْلَة مُسْتَقلَّة بذاتها فَلَا يربطها بِمَا قبلهَا إلاَّ الضَّمِير، وَلَيْسَ هَهُنَا ضمير يعود إِلَيْهِ، وَالضَّمِير فِي فِيهِ يرجع إِلَى: من، لَا إِلَى ثَلَاث؟ قلت: الْعَائِد هَهُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره: ثَلَاث من كن فِيهِ مِنْهَا وجد حلاوة الْإِيمَان، كَمَا فِي قَوْلك: الْبر الكربستين أَي: مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يعِيش فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: 43) إِن من مُبْتَدأ، وصلته صَبر، وَخَبره: إِن الْمَكْسُورَة مَعَ مَا بعْدهَا، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن ذَلِك مِنْهُ. فَإِن قلت: إِذا جعلت الْجُمْلَة خَبرا، فَمَا يكون إِعْرَاب قَوْله: (أَن يكون الله) ؟ قلت: يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون بَدَلا من ثَلَاث، وَالْآخر: أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أحد الَّذين فيهم الْخِصَال الثَّلَاث أَن يكون الله ... الخ. قَوْله: (وجد) بِمَعْنى أصَاب، فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد، وَهُوَ قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) . قَوْله: (وَرَسُوله) : بِالرَّفْع عطف على لَفْظَة: الله، الَّذِي هُوَ اسْم يكون، قَوْله: (أحب) بِالنّصب لِأَنَّهُ خبر يكون. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يثني: أحب، حَتَّى يُطَابق اسْم كَانَ، وَهُوَ اثْنَان. قلت: أفعل التَّفْضِيل إِذا اسْتعْمل: بِمن، فَهُوَ مُفْرد مُذَكّر لَا غير فَلَا يحْتَاج إِلَى الْمُطَابقَة. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل مَعَ: من، كالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، فَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا. قلت: أُجِيز ذَلِك بالظرف للاتساع. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء) عطف على أَن يكون الله. قَوْله: (يحب) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى: من وَقَوله: (الْمَرْء) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (لَا يُحِبهُ إلاَّ لله) جملَة وَقعت حَالا بِدُونِ الْوَاو، وَقد علم أَن الْفِعْل الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفياً يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. قَوْله: (وَأَن يكره) عطف على: أَن يحب، قَوْله: (أَن يعود) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول لقَوْله: يكره، وَأَن يكره: وَأَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وَأَن يكره الْعود. فَإِن قلت: الْمَشْهُور أَن يُقَال: عَاد إِلَيْهِ، معدى بإلى لَا بفي. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: قد ضمن فِيهِ معنى الِاسْتِقْرَار، كَأَنَّهُ قَالَ: أَن يعود مُسْتَقرًّا فِيهِ، وَهَذَا تعسف، وَإِنَّمَا: فِي هَذَا بِمَعْنى: إِلَى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو لتعودن فِي ملتنا} (الْأَعْرَاف: 288) أَي: تصيرن إِلَى ملتنا. قَوْله: (كَمَا يكره) : الْكَاف للتشبيه بِمَعْنى: مثل، و: مَا، مَصْدَرِيَّة، أَي: مثل كرهه. قَوْله: (أَن يقذف) فِي مَحل النصب، لِأَنَّهُ مفعول: يكره، وَأَن مَصْدَرِيَّة أَي: الْقَذْف، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. فَافْهَم. (بَيَان الْمعَانِي) : قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا حَدِيث عَظِيم، أصل من أصُول الْإِسْلَام، قلت: كَيفَ لَا، وَفِيه محبَّة الله وَرَسُوله الَّتِي هِيَ أصل الْإِيمَان بل عينه، وَلَا تصح محبَّة الله وَرَسُوله حَقِيقَة، وَلَا حب لغير الله وَلَا كَرَاهَة الرُّجُوع فِي الْكفْر إلاَّ لمن قوي الْإِيمَان فِي نَفسه وانشرح لَهُ صَدره وخالطه دَمه ولحمه، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وجد حلاوته، وَالْحب فِي الله من ثَمَرَات الْحبّ لله. وَقَالَ ابْن بطال: محبَّة العَبْد لخالقه الْتِزَام طَاعَته، والانتهاء عَمَّا نهى عَنهُ، ومحبة الرَّسُول كَذَلِك، وَهِي الْتِزَام
شَرِيعَته. وَقَالَ بَعضهم: الْمحبَّة مواطأة الْقلب على مَا يُرْضِي الرب سُبْحَانَهُ، فيحب مَا أحبَّ وَيكرهُ مَا يكره. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَمعنى حب الله الاسْتقَامَة فِي طَاعَته، والتزام أوامره ونواهيه فِي كل شَيْء. وَالْمرَاد ثَمَرَات الْمحبَّة، فَإِن أصل الْمحبَّة الْميل لما يُوَافق المحبوب، وَالله سُبْحَانَهُ منزه أَن يمِيل أَو يمال إِلَيْهِ، وَأما محبَّة الرَّسُول فَيصح فِيهَا الْميل، إِذْ ميل الْإِنْسَان لما يُوَافقهُ إِمَّا للاستحسان كالصورة الجميلة والمطاعم الشهية وشبههما، أَو لما يستلذه بعقله من الْمعَانِي والأخلاق كمحبة الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يكن فِي زمانهم، أَو لمن يحسن إِلَيْهِ وَيدْفَع الْمضرَّة عَنهُ، وَهَذِه الْمعَانِي كلهَا مَوْجُودَة فِي حق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَجمعه الْفَضَائِل وإحسانه إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بهدايته إيَّاهُم وإبعادهم عَن الْجَحِيم. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله) هَذَا حث على التحاب فِي الله، لأجل أَن الله جعل الْمُؤمنِينَ أخوة قَالَ الله تَعَالَى: {فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا} (آل عمرَان: 103) وَمن محبته ومحبة رَسُوله محبَّة أهل مِلَّته، فَلَا تحصل حلاوة الْإِيمَان إلاَّ أَن تكون خَالِصَة لله تَعَالَى، غير مشوبة بالأغراض الدُّنْيَوِيَّة وَلَا الحظوظ البشرية، فَإِن من أحب لذَلِك انْقَطَعت تِلْكَ الْمحبَّة عِنْد انْقِطَاع سَببهَا، قَوْله: (وَأَن يكره) إِلَى آخِره. مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْكَرَاهَة إِنَّمَا تُوجد عِنْد وجود سَببهَا، وَهُوَ مَا دخل قلبه من نور الْإِيمَان، وَمن كشف لَهُ عَن محَاسِن الْإِسْلَام وقبح الجهالات والكفران، وَقيل: الْمَعْنى أَن من وجد حلاوة الْإِيمَان وَعلم أَن الْكَافِر فِي النَّار يكره الْكفْر لكراهته لدُخُول النَّار. قلت: وَقَائِل هَذَا الْمَعْنى حَافظ على بَقَاء لفظ الْعود على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ هُنَا معنى الصيرورة، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا} (الْأَعْرَاف: 89) . (بَيَان الْبَيَان) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) فِيهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، وَذَلِكَ لِأَن الْحَلَاوَة إِنَّمَا تكون فِي المطعومات، وَالْإِيمَان لَيْسَ مطعوماً، فَظهر أَن هَذَا مجَاز، لِأَنَّهُ شبه الْإِيمَان بِنَحْوِ الْعَسَل، ثمَّ طوى ذكر الْمُشبه بِهِ، لِأَن الِاسْتِعَارَة هِيَ أَن يذكر أحد طرفِي التَّشْبِيه مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، فالمشبه: إِيمَان، والمشبه بِهِ: عسل وَنَحْوه، والجهة الجامعة وَهُوَ وَجه الشّبَه الَّذِي بَينهمَا: هُوَ الالتذاذ وميل الْقلب إِلَيْهِ فَهَذِهِ هِيَ الإستعارة بِالْكِنَايَةِ، ثمَّ لما ذكر الْمُشبه أضَاف إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ ولوازمه، وَهُوَ: الْحَلَاوَة على سَبِيل التخيل، وَهِي اسْتِعَارَة تخييلية، وترشيح للاستعارة. قَوْله: (كَمَا يكره أَن يقذف فِي النَّار) تَشْبِيه وَلَيْسَ باستعارة، لِأَن الطَّرفَيْنِ مذكوران. فالمشبه هُوَ: العَوْد فِي الْكفْر، والمشبه بِهِ وَهُوَ: الْقَذْف فِي النَّار، وَوجه الشّبَه هُوَ: وجدان الْأَلَم وَكَرَاهَة الْقلب إِيَّاه. (الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا: مَا قيل: مَا الْحِكْمَة فِي كَون حلاوة الْإِيمَان فِي هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة هِيَ عنوان كَمَال الْإِيمَان المحصل لتِلْك الذة، لِأَنَّهُ لَا يتم إِيمَان امرىء حَتَّى يتَمَكَّن فِي نَفسه أَن الْمُنعم بِالذَّاتِ هُوَ الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا مانح وَلَا مَانع سواهُ، وَمَا عداهُ، تَعَالَى وسائط لَيْسَ لَهَا فِي ذَاتهَا إِضْرَار وَلَا انفاع، وَأَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ العطوف السَّاعِي فِي صَلَاح شَأْنه، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يتَوَجَّه بكليته نَحوه، وَلَا يحب مَا يُحِبهُ إلاَّ لكَونه وسطا بَينه وَبَينه، وَأَن يتَيَقَّن أَن جملَة مَا أوعد ووعد حق تَيَقنا يخيل إِلَيْهِ الْمَوْعُود كالواقع، والاشتغال بِمَا يؤول إِلَى الشَّيْء مُلَابسَة بِهِ، فيحسب مجَالِس الذّكر رياض الْجنَّة، وَأكل مَال الْيَتِيم أكل النَّار، وَالْعود إِلَى الْكفْر إِلْقَاء فِي النَّار. وَمِنْهَا مَا قيل: لم عبر عَن هَذِه الْحَالة بالحلاوة؟ وَأجِيب: لِأَنَّهَا أظهر اللَّذَّات المحسوسة، وَإِن كَانَ لَا نِسْبَة بَين هَذِه اللَّذَّة وَاللَّذَّات الحسية. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيل: مِمَّا سواهُمَا، وَلم يقل: مِمَّن سواهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن: مَا، أَعم بِخِلَاف: من فَإِنَّهَا للعقلاء فَقَط. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ قَالَ: سواهُمَا، بإشراك الضَّمِير بَينه وَبَين الله عز وَجل، وَالْحَال أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنكر على من فعل ذَلِك وَهُوَ الْخَطِيب الَّذِي قَالَ: وَمن يعصهما فقد غوى فَقَالَ: (بئس الْخَطِيب أَنْت) ؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا لَيْسَ من هَذَا، لِأَن المُرَاد فِي الْخطب الْإِيضَاح، وَأما هُنَا فَالْمُرَاد الإيجاز فِي اللَّفْظ ليحفظ، وَمَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي سنَن أبي دَاوُد: (وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَلَا يضر إلاَّ نَفسه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَأما تَثْنِيَة الضَّمِير هَهُنَا فللإيماء يماء على أَن الْمُعْتَبر، هُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من المحبتين لَا كل وَاحِدَة، فَإِنَّهَا وَحدهَا ضائعة لاغية وَأمر بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيث الْخَطِيب، إشعاراً بِأَن كل وَاحِد من العصيانين مُسْتَقل باستلزامه الغواية، إِذْ الْعَطف فِي تَقْرِير التكرير، وَالْأَصْل اسْتِقْلَال كل من المعطوفين فِي الحكم. وَقَالَ الأصوليون: أَمر بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ أَشد تَعْظِيمًا، وَالْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك، وَيُقَال إِنَّه من الخصائص فَيمْتَنع من غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يمْتَنع مِنْهُ، لِأَن غَيره إِذا جمع أوهم
- (باب علامة الإيمان حب الانصار)
اطلاقه التَّسْوِيَة، بِخِلَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن منصبه لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إِيهَام ذَلِك، وَيُقَال: إِن كَلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُنَا جملَة وَاحِدَة فَلَا يحسن إِقَامَة الظَّاهِر فِيهَا مقَام الْمُضمر، وَكَلَام الَّذِي خطب جملتان لَا يكره إِقَامَة الظَّاهِر فِيهَا مقَام الْمُضمر، وَيُقَال: إِن الْمُتَكَلّم لَا يتَوَجَّه تَحت خطاب نَفسه إِذا وَجهه لغيره، وَيُقَال: إِن الله تَعَالَى أَمر نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يشرف من شَاءَ بِمَا شَاءَ، كَمَا أقسم بِكَثِير من مخلوقاته، وَكَذَلِكَ لَهُ أَن يَأْذَن لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويحجره على غَيره، وَيُقَال: الْعَمَل بِخَبَر الْمَنْع أولى، لِأَن الْخَبَر الآخر يحْتَمل الْخُصُوص، وَلِأَنَّهُ ناقل، وَالْآخر مَبْنِيّ فِي الأَصْل، وَلِأَنَّهُ قَول، وَالثَّانِي فعل. 10 - (بَاب عَلاَمَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الانْصَارِ) أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة وَالتَّقْدِير: بَاب فِيهِ عَلامَة الْإِيمَان حب الْأَنْصَار. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن هَذَا الْبَاب دَاخل فِي نفس الْأَمر فِي الْبَاب الأول، لِأَن حب الْأَنْصَار دَاخل فِي قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إلاَّ لله) ، فَإِن قلت: فَمَا فَائِدَة التَّخْصِيص؟ قلت: الاهتمام بشأنهم والعناية بتخصيصهم فِي إفرادهم بِالذكر. 17 - حدّثنا أبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَالَ جَبرٍ سَمْعتُ أنَساً عَن النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ وآيَةُ النِّفَاق بُغْضُ الأَنْصارِ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، هِشَام بن عبد الْملك الْبَصْرِيّ، مولى باهلة، سمع: مَالِكًا وَشعْبَة والحمادين وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَآخَرين، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَمُحَمّد بن يحيى وَمُحَمّد بن مُسلم بن وارة. قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: متقن، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: اِدَّرَكَ الْوَلِيد نصف الْإِسْلَام وَكَانَ إِمَامًا فِي زَمَانه جَلِيلًا عِنْد النَّاس، وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: هُوَ ثِقَة فِي الحَدِيث يروي عَن سبعين امْرَأَة، وَكَانَت الرحلة بعد أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ إِلَيْهِ، ولد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَمَات سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ: البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، وروى الْبَاقُونَ عَن رجل عَنهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عبد الله بن عبد الله بن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء، ابْن عتِيك الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ: جَابر والعراقيون: جبر، سمع: عمر وأنساً، روى عَنهُ: مَالك ومسعر وَشعْبَة، روى لَهُ: البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. الرَّابِع: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ. (بَيَان الْأَنْسَاب) : الطَّيَالِسِيّ نِسْبَة إِلَى بيع الطيالسة، وَهُوَ جمع طيلسان، بِفَتْح اللَّام وَقيل بِكَسْرِهَا أَيْضا، وَالْفَتْح أَعلَى، وَالْهَاء فِي الْجمع للعجمة، لِأَنَّهُ فَارسي مُعرب قَالَ الْأَصْمَعِي: أَصله تالشان، والأنصاري، لَيْسَ بِنِسْبَة لأَب وَلَا لأم، بل الْأَنْصَار قبيل عَظِيم من الأزد سميت بذلك لنصرتهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالنِّسْبَة إِنَّمَا تكون إِلَى الْوَاحِد، وَوَاحِد الْأَنْصَار نَاصِر، مثل: أَصْحَاب وَصَاحب، وَكَانَ الْقيَاس فِي النِّسْبَة إِلَى الْأَنْصَار ناصري، فَقَالُوا: أَنْصَارِي، كَأَنَّهُمْ جعلُوا الْأَنْصَار اسْم الْمَعْنى. وَالْمَدَنِي: نِسْبَة إِلَى مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَى ربيع: ربعي، وَفِي جذيمة: جذمي، وَقد تنْسب هَذِه النِّسْبَة إِلَى غَيرهَا من المدن. قَالَ الرشاطي: قَالُوا فِي الرجل وَالثَّوْب إِذا نسب إِلَى الْمَدِينَة مدنِي، وَالطير وَنَحْوه: مديني؛ وَفِي (مُخْتَصر الْعين) يُقَال: رجل مدنِي، وحمام مديني. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا نسبت إِلَى مَدِينَة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، قلت: مدنِي، وَإِلَى مَدِينَة مَنْصُور قلت: مديني وَإِلَى مَدَائِن كسْرَى قلت: مدائني، للْفرق بَين النّسَب لِئَلَّا تختلط. (بَيَان لطائف أسناده) : وَمِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد من رباعيات البُخَارِيّ، فَوَقع عَالِيا، وَوَقع لمُسلم خماسياً. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار بِالْجمعِ والإفراد وَالسَّمَاع وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رَاوِيا وَافق اسْمه اسْم أَبِيه. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا، وَأخرجه أَيْضا فِي فَضَائِل الْأَنْصَار عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه مُسلم، عَن ابْن الْمثنى، عَن عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي، عَن شُعْبَة بِهِ. وَلَفظ مُسلم: (آيَة الْمُنَافِق وَآيَة الْمُؤمن) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا.
(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (آيَة الْإِيمَان) أَي: عَلامَة الْإِيمَان، واصلها: أوية، بِالتَّحْرِيكِ، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَوضِع الْعين من الْآيَة وَاو، لِأَن مَا كَانَ مَوضِع الْعين واواً وَمَوْضِع اللَّام يَاء أَكثر مِمَّا مَوضِع الْعين وَاللَّام ياآن، مثل: شويث أَكثر من: جبيت، وَتَكون النِّسْبَة إِلَيْهِ: أوي. قَالَ الْفراء: هِيَ من الْفِعْل: فاعلة وَإِنَّمَا ذهبت مِنْهُ اللاَّم، وَلَو جَاءَت تَامَّة لجاءت: آيية، وَلكنهَا خففت، وَجمع الْآيَة: آي وأياي وآيات. وَيُقَال فِي النِّسْبَة إِلَى آيَة: آيي، وَالْمَشْهُور أَن عينهَا يَاء، ووزنها فاعة. لِأَن الأَصْل: آيية، فحذفوا الْيَاء الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ لَام، ثمَّ فتحُوا الَّتِي هِيَ عين لأجل تَاء التَّأْنِيث. قَوْله: (الْأَنْصَار) جمع نَاصِر، كالأصحاب جمع صَاحب، وَيُقَال جمع نصير: كشريف وأشراف، وَالْأَنْصَار سموا بِهِ لنصرتهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ ولد الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة أَو ثَعْلَبَة العنقاء، لطول عُنُقه، ابْن عَمْرو بن مزيقيا بن عَامر بن مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس البطريق بن ثَعْلَبَة البهلول بن مَازِن، وَهُوَ جماع غَسَّان بن الأزد، واسْمه دراء، على وزن فعال، ابْن الْغَوْث بن نبت يعرب بن يقطن وَهُوَ قحطان، وَإِلَى قحطان جماع الْيمن، وَهُوَ أَبُو الْيمن كلهَا. وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى إِسْمَاعِيل فَيَقُول: قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إِسْمَاعِيل. هَذَا قَول الْكَلْبِيّ، وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى غَيره، فَيَقُول: قحطان بن فالخ بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام، فعلى الأول الْعَرَب كلهَا من ولد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وعَلى الثَّانِي من ولد إِسْمَاعِيل وقحطان، وَقَالَ حسان بن ثَابت. (أما سَأَلت فَإنَّا معشرٌ نجبٌ الأزد نسبتنا، والماءُ غَسَّان) وغسان: مَاء كَانَ شرباً لولد مَازِن بن الأزد، وَكَانَ الْأَنْصَار الَّذين هم الْأَوْس والخزرج يعْرفُونَ قبل ذَلِك: بإبنيْ قَيْلة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الام الَّتِي تجمع القبيلتين، فسماهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْأَنْصَار، فَصَارَ ذَلِك علما عَلَيْهِم، وَأطلق أَيْضا على أَوْلَادهم وحلفائهم ومواليهم. وَيُقَال: سماهم الله تَعَالَى بذلك فَقَالَ: {وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} (الْأَنْفَال: 74) . قَوْله: (النِّفَاق) هُوَ إِظْهَار الْإِيمَان وإبطان الْكفْر، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: فِي الاعتلال فِي تَسْمِيَة الْمُنَافِق منافقاً ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه سمي بِهِ لِأَنَّهُ يستر كفره ويغيبه، فَشبه بِالَّذِي يدْخل النفق، وَهُوَ: السرب، يسْتَتر فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنه نَافق كاليربوع، فَشبه بِهِ لِأَنَّهُ يخرج من الْإِيمَان من غير الْوَجْه الَّذِي دخل فِيهِ. وَالثَّالِث: أَنه إِنَّمَا سمي بِهِ لإظهاره غير مَا يضمر، تَشْبِيها باليربوع، فَكَذَلِك الْمُنَافِق ظَاهره إِيمَان وباطنه كفر. ونافق اليربوع أَخذ فِي نافقائه، ونفق اليربوع أَي استخرجه، والنافقاء إِحْدَى حجرَة اليربوع، يكتمها وَيظْهر غَيره، وَهُوَ مَوضِع يرققه، فَإِذا أَتَى من قبل القاصعاء، ضرب النافقاء بِرَأْسِهِ فانتفق أَي: خرج. ثمَّ أعلم أَن النِّفَاق هُوَ، بِكَسْر النُّون، وَأما النِّفَاق، بِالْفَتْح، فَهُوَ من: نفق البيع نفَاقًا إِي: راج، ونفقت الدَّابَّة نفوقاً أَي: مَاتَت، والنفاق بِالْكَسْرِ أَيْضا جمع النَّفَقَة من الدَّرَاهِم وَغَيرهَا، مِثَال ثَمَرَة وثمار، ونفِقت نِفاق الْقَوْم بِالْكَسْرِ ينْفق نفقاً بِالتَّحْرِيكِ، أَي: فنيت، وَأنْفق الرجل مَاله وانفق الْقَوْم نفقت سوقهم، وَقَالَ تَعَالَى: {خشيَة الانفاق} (الْإِسْرَاء: 100) أَي: خشيَة الفناء والنفاد، وَقَالَ قَتَادَة: أَي خشيَة إِنْفَاقه. وَقَالَ الصغاني: التَّرْكِيب يدل على انْقِطَاع الشَّيْء وذهابه، وعَلى إخفاء شَيْء وإغماضه. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (آيَة الْإِيمَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله: (حب الْأَنْصَار) ، وَمثل هَذِه تسمى قَضِيَّة ثنائية، وَأهل الْمَعْقُول يشترطون الرابطة وَيَقُولُونَ: التَّقْدِير فِي مثلهَا آيَة الْإِيمَان هِيَ حب الْأَنْصَار، كَمَا يقدرُونَ فِي نَحْو: زيد قَائِم زيد: هُوَ قَائِم، ويسمونها: قَضِيَّة ثلاثية، وَقد ضبط أَبُو الْبَقَاء العكبري: إِنَّه الْإِيمَان حب الْأَنْصَار، بِهَمْزَة مَكْسُورَة، وَنون مُشَدّدَة، وهاء الضَّمِير، وبرفع الْإِيمَان فاعربه، فَقَالَ: إِن للتَّأْكِيد، وَالْهَاء ضمير الشان، وَالْإِيمَان مُبْتَدأ، وَمَا بعده خَبره، وَالتَّقْدِير: إِن الشان الْإِيمَان حب الْأَنْصَار، وَهَذَا مُخَالف لجَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي وَقعت فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد، وَمَا أقربه أَن يكون تصحيفاً قَوْله: (وَآيَة النِّفَاق) أَيْضا: كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: (بغض الْأَنْصَار) خَبره. (بَيَان الْمعَانِي) فِيهِ مَا قَالَ أهل الْمعَانِي من: إِن الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِذا كَانَا معرفتين تفِيد الْحصْر، وَلَكِن هَذَا لَيْسَ بحصر حَقِيقِيّ، بل هُوَ حصر ادعائي تَعْظِيمًا لحب الْأَنْصَار، كَانَ الدَّعْوَى أَنه؛ لَا عَلامَة لإيمان إلاَّ حبهم، وَلَيْسَ حبهم إلاَّ علامته، وَيُؤَيِّدهُ مَا قد جَاءَ فِي صَحِيح مُسلم: (آيَة الْمُؤمن من حب الْأَنْصَار) ، بِتَقْدِيم الْآيَة (وَحب الْأَنْصَار آيَة الْإِيمَان) بِتَقْدِيم الْحبّ. فَإِن
باب
قلت: إِذا كَانَ حب الْأَنْصَار آيَة الْإِيمَان فبغضهم آيَة عَدمه، لِأَن حكم نقيض الشَّيْء نقيض حكم الشَّيْء، فَمَا الْفَائِدَة فِي ذكر (آيَة النِّفَاق بغض الْأَنْصَار) ؟ قلت: هَذَا التَّقْرِير مَمْنُوع، وَلَئِن سلمنَا فالفائدة فِي ذكره التَّصْرِيح بِهِ والتأكيد عَلَيْهِ، وَالْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك، لِأَن الْمَقْصُود من الحَدِيث الْحَث على حب الْأَنْصَار وَبَيَان فَضلهمْ لما كَانَ مِنْهُم من إعزاز الدّين وبذل الْأَمْوَال والأنفس، والإيثار على أنفسهم، والإيواء والنصر وَغير ذَلِك، قَالُوا: وَهَذَا جَار فِي أَعْيَان الصَّحَابَة: كالخلفاء وَبَقِيَّة الْعشْرَة والمهاجرين، بل فِي كل الصَّحَابَة، إِذْ كل وَاحِد مِنْهُم لَهُ سَابِقَة وسالفة وغناء فِي الدّين، وأثرحسن فِيهِ، فحبهم لذَلِك الْمَعْنى مَحْض الْإِيمَان وبغضهم مَحْض النِّفَاق، وَيدل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ مَرْفُوعا فِي فضل أَصْحَابه كلهم: (من أحبهم فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَأما من أبْغض، وَالْعِيَاذ بِاللَّه، أحدا مِنْهُم، من غير تِلْكَ الْجِهَة، لأمر طَار من حدث وَقع لمُخَالفَة غَرَض، أَو لضَرَر وَنَحْوه، لم يصر بذلك منافقاً وَلَا كَافِرًا، فقد وَقع بَينهم حروب ومخالفات وَمَعَ ذَلِك لم يحكم بَعضهم على بعض بالنفاق، وَإِنَّمَا كَانَ حَالهم فِي ذَلِك حَال الْمُجْتَهدين فِي الْأَحْكَام، فإمَّا أَن يُقَال: كلهم مُصِيب، أَو الْمُصِيب وَاحِد والمخطىء مَعْذُور مَعَ أَنه مُخَاطب بِمَا يرَاهُ ويظنه، فَمن وَقع لَهُ بغض فِي أحدٍ مِنْهُم، وَالْعِيَاذ بِاللَّه، لشَيْء من ذَلِك، فَهُوَ عاصٍ تجب عَلَيْهِ التَّوْبَة ومجاهدة نَفسه بِذكر سوابقهم وفضائلهم وَمَا لَهُم على كل من بعدهمْ من الْحُقُوق، إِذْ لم يصل أحد من بعدهمْ لشَيْء من الدّين وَالدُّنْيَا إلاَّ بهم وبسببهم، قَالَ الله تَعَالَى: {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ} (الْحَشْر: 10) الْآيَة، وَقد أجَاب بَعضهم عَن الْحصْر الْمَذْكُور بِأَن الْعَلامَة كالخاصة تطرد وَلَا تنعكس، ثمَّ قَالَ: وَإِن أَخذ من طَرِيق الْمَفْهُوم، فَهُوَ مَفْهُوم لقب لَا عِبْرَة بِهِ. قلت: هَذَا الْحصْر يُفِيد حصر الْمُبْتَدَأ على الْخَبَر، ويفيد حصر الْخَبَر على الْمُبْتَدَأ، وَهُوَ نَظِير قَوْلك: الضاحك الْكَاتِب، فَإِن مَعْنَاهُ حصر الضاحك على الْكَاتِب، وَحصر الْكَاتِب على الضاحك، وَكَيف يَدعِي فِيهِ الاطراد دون الانعكاس، فَإِن آيَة الْإِيمَان كَمَا هِيَ محصورة على حب الْأَنْصَار كَذَلِك حب الْأَنْصَار مَحْصُور على آيَة الْإِيمَان بِمُقْتَضى هَذَا الْحصْر، وَلَكِن قد قُلْنَا: إِن هَذَا حصر ادعائي، فَلَا يلْزم مِنْهُ الْمَحْذُور. (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل: الْأَنْصَار جمع قلَّة، فَلَا يكون لما فَوق الْعشْرَة لكِنهمْ كَانُوا أَضْعَاف الآلاف؟ وَأجِيب: بِأَن الْقلَّة وَالْكَثْرَة إِنَّمَا تعتبران فِي نكرات الجموع، وَأما فِي المعارف فَلَا فرق بَينهمَا. وَمِنْهَا مَا قيل: الْمُطَابقَة تَقْتَضِي أَن يُقَابل الْإِيمَان بالْكفْر، بِأَن يُقَال: آيَة الْكفْر كَذَا، فَلم عدل عَنهُ؟ وَأجِيب: بِأَن الْبَحْث فِي الَّذين ظَاهِرهمْ الْإِيمَان، وَهَذَا الْبَيَان مَا يتَمَيَّز بِهِ الْمُؤمن الظَّاهِرِيّ عَن الْمُؤمن الْحَقِيقِيّ، فَلَو قيل: آيَة الْكفْر بغضهم، لَا يَصح، إِذْ هُوَ لَيْسَ بِكَافِر ظَاهرا. وَمِنْهَا مَا قيل: هَل يَقْتَضِي ظَاهر الحَدِيث أَن من لم يُحِبهُمْ لَا يكون مُؤمنا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي إِذْ لَا يلْزم من عدم الْعَلامَة عدم مَا لَهُ الْعَلامَة، أَو المُرَاد: كَمَال الْإِيمَان. وَمِنْهَا مَا قيل: هَل يلْزم مِنْهُ أَن من أبْغضهُم يكون منافقاً، وَإِن كَانَ مُصدقا بِقَلْبِه؟ وَأجِيب: بِأَن الْمَقْصُود بغضهم من جِهَة أَنهم أنصار لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يُمكن اجتماعه مَعَ التَّصْدِيق لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. 11 - (بَاب) كَذَا وَقع: بَاب، فِي كل النّسخ، وغالب الرِّوَايَات بِلَا تَرْجَمَة، وَسقط عِنْد الْأصيلِيّ بِالْكُلِّيَّةِ، فَالْوَجْه على عَدمه هُوَ: أَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ من جملَة التَّرْجَمَة الَّتِي قبله؛ وعَلى وجوده هُوَ: أَنه لما ذكر الْأَنْصَار فِي الْبَاب الَّذِي قبله أَشَارَ فِي هَذَا الْبَاب إِلَى ابْتِدَاء السَّبَب فِي تلقيبهم بالأنصار، لِأَن أول ذَلِك كَانَ لَيْلَة الْعقبَة، لما توافقوا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد عقبَة منى فِي الْمَوْسِم، وَلِأَن الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة كلهَا فِي أُمُور الدّين، وَمن جُمْلَتهَا كَانَ حب الْأَنْصَار، والنقباء كَانُوا مِنْهُم، ولمبايعتهم أثر عَظِيم فِي إعلاء كلمة الدّين، فَلَا جرم ذكرهم عقيب الْأَنْصَار، وَلما لم يكن لَهُ تَرْجَمَة على الْخُصُوص، وَكَانَ فِيهِ تعلق بِمَا قبله، فصل بَينهمَا بقوله: بَاب، كَمَا يفعل بِمثل هَذَا فِي مصنفات المصنفين بقَوْلهمْ: فصل كَذَا مُجَردا. فَإِن قلت: أهوَ مُعرب أم لَا؟ قلت: كَيفَ يكون معرباً، وَالْإِعْرَاب لَا يكون إلاَّ بالتركيب، وَإِنَّمَا حكمه حكم الْأَسَامِي الَّتِي تعد بِلَا تركيب بَعْضهَا بِبَعْض. فَافْهَم.
18 - حدّثنا أبُو اليَمَان قَالَ أخبْرَنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أخْبَرَنِي أبُو إدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بِنُ عبدِ اللَّهِ أنْ عُبادَةَ بنَ الصَّامِتِ رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْراً وهُو أحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ وحَوْلَهُ عِصابَةٌ مِنْ أصْحَابِهِ بايِعُونِي على أَن لاَ تُشْرِكُوا باللَّهِ شَيْئاً ولاَ تَسْرِقوا لاَ تَزْنُوا وَلاَ تَقْتلُوا أوْلاَدَكُمْ وَلاَ تَأتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْترُونَهُ بَيْنَ أيْدِيكُمْ وأرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فمنْ وَفَى مِنْكُمْ فأجْرُهُ على اللَّهِ وَمَنْ أَصابَ مِن ذلكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ فِي الدُّنيْا فَهُوَ كفَّارَةٌ لَهُ وَمنْ أصابَ مِنْ ذلكَ شَيْئاً ثمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إِن شاءَ عَفَا عَنْه وَإِن شاءَ عَاقَبَهُ فَبَايَعْناهُ على ذلكَ.. وَجه تَخْصِيص الذّكر بِهَذَا الحَدِيث هُنَا، أَن الانصار هم المبتدئون بالبيعة على إعلاء تَوْحِيد الله وشريعته حَتَّى يموتوا على ذَلِك، فحبهم عَلامَة الْإِيمَان مجازاة لَهُم على حبهم من هَاجر إِلَيْهِم ومواساتهم لَهُم فِي أَمْوَالهم، كَمَا وَصفهم الله تَعَالَى، واتباعاً لحب الله لَهُم قَالَ الله تَعَالَى: {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} (آل عمرَان: 31) وَكَانَ الْأَنْصَار مِمَّن تبعه أَولا، فَوَجَبَ لَهُم محبَّة الله، وَمن أحب الله وَجب على الْعباد حبه. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْقرشِي. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو إِدْرِيس، عَائِذ الله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بن عبد الله بن عمر الْخَولَانِيّ الدِّمَشْقِي، روى عَن: عبد الله بن مَسْعُود وَعَن معَاذ على الْأَصَح، وَسمع: عبَادَة بن الصَّامِت وَأَبا الدَّرْدَاء وخلقاً كثيرا، ولد يَوْم حنين، وَقَالَ ابْن مَيْمُونَة ولاه عبد الْملك الْقَضَاء بِدِمَشْق، وَكَانَ من عباد الشَّام وقرائهم، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبَادَة، بِضَم الْعين، ابْن الصَّامِت بن قيس بن أحرم بن فهر بن ثَعْلَبَة بن غنم وَهُوَ قوقل بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن الْخَزْرَج الْوَلِيد الْأنْصَارِيّ الخزرجي، شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة وبدراً وأُحداً وبيعة الرضْوَان والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مائَة وَأحد وَثَمَانُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على سِتَّة أَحَادِيث، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين، وَمُسلم بحديثين، وَهُوَ أول من ولي قَضَاء فلسطين، وَكَانَ طَويلا جسيماً جميلاً فَاضلا، توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ، وَفِي (الِاسْتِيعَاب) : وَجهه عمر رَضِي الله عَنهُ، إِلَى الشَّام قَاضِيا ومعلماً، فَأَقَامَ بحمص، ثمَّ انْتقل إِلَى فلسطين، وَمَات بهَا وَدفن بِبَيْت الْمُقَدّس، وقبره بهَا مَعْرُوف، وَقيل: توفّي بالرملة. وَاعْلَم أَن عبَادَة بن الصَّامِت فَرد فِي الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَفِيهِمْ عبَادَة بِدُونِ ابْن الصَّامِت اثْنَي عشر نفسا. (بَيَان الْأَنْسَاب) الْخَولَانِيّ، فِي قبائل، حكى الْهَمدَانِي فِي كتاب (الأكليل) قَالَ: خولان بن عَمْرو بن الحاف بن قضاعة، وخولان بن عَمْرو بن مَالك بن الْحَارِث بن مرّة بن ادد قَالَ: وخولان حُضُور، وخولان ردع هُوَ ابْن قحطان. وَفِي كتاب (المعارف) : خولان بن سعد بن مذْحج، وَأَبُو إِدْرِيس من خولان ابْن عَمْرو بن مَالك بن الْحَارِث بن مرّة بن ادد، وَكَذَلِكَ مِنْهُم أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ واسْمه عبد الرَّحْمَن بن مشْكم، وخولان فعلان من: خَال يخول، يُقَال مِنْهُ: فلَان خائل إِذا كَانَ حسن الْقيام على المَال والخزرجي نِسْبَة إِلَى الْخَزْرَج، وَهُوَ أَخ الْأَوْس، وَقَالَ ابْن دُرَيْد الْخَزْرَج الرّيح العاصف. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: أَن الأسناد كُله شَامِيُّونَ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة، وَقد مر الْكَلَام بَين: حَدثنَا وَأخْبرنَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة القَاضِي عَن القَاضِي، وهما: أَبُو إِدْرِيس وَعبادَة بن الصَّامِت. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة من رأى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، عَمَّن رأى النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وَذَلِكَ لِأَن أَبَا إِدْرِيس من حَيْثُ الرِّوَايَة تَابِعِيّ كَبِير، وَمَعَ هَذَا قد ذكر فِي الصَّحَابَة لِأَن لَهُ رِوَايَة، وَأَبوهُ عبد الله بن عَمْرو الْخَولَانِيّ صَحَابِيّ. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مَوَاضِع هُنَا، وَفِي الْمَغَازِي وَالْأَحْكَام عَن أبي الْيَمَان عَن شُعْبَة، وَفِي وُفُود الْأَنْصَار عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يَعْقُوب عَن أبي أخي الزُّهْرِيّ، وَعَن عَليّ عَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ البُخَارِيّ عَقِيبه: وَتَابعه عبد الرَّزَّاق عَن معمر، وَفِي الْحُدُود عَن ابْن يُوسُف عَن معمر، وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن يحيى
بن يحيى وَابْن بكر النَّاقِد وَإِسْحَاق بن نمير عَن ابْن عُيَيْنَة وَعَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر كلهم عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مثل إِحْدَى رِوَايَات البُخَارِيّ، وَمُسلم قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مجْلِس فَقَالَ: تُبَايِعُونِي على أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ) ، وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَلَفظه قَالَ: (بَايَعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْعقبَة فِي رَهْط، فَقَالَ أُبَايِعكُم على أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا، وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تشْربُوا وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَان تفترونه بَين أَيْدِيكُم وأرجلكم، وَلَا تعصوني فِي مَعْرُوف، فَمن وفى مِنْكُم فَأَجره على الله، وَمن أصَاب من ذَلِك شَيْئا فَأخذ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ وطهور، وَمن ستره الله فَذَلِك إِلَى الله تَعَالَى، إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ غفر لَهُ) . وَله فِي الْأُخْرَى نَحْو رِوَايَة التِّرْمِذِيّ. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (وَكَانَ شهد) أَي: حضر، وأصل الشُّهُود الْحُضُور، يُقَال: شهده شُهُودًا، أَي: حَضَره وَهُوَ من بَاب: علم يعلم، وَجَاء شهد بالشَّيْء، بِضَم الْهَاء، يشْهد بِهِ من الشَّهَادَة، قَالَ فِي (الْعباب) هَذِه لُغَة فِي شهد يشْهد. وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ {وَمَا شَهِدنَا إلاَّ بِمَا علمنَا} (يُوسُف: 81) بِضَم الْهَاء، وَقوم شُهُود أَي: حُضُور، وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر كَمَا ذكرنَا. وَشهد لَهُ بِكَذَا شَهَادَة. أَي: أدّى مَا عِنْده من الشَّهَادَة، وَشهد الرجل على كَذَا شَهَادَة، وَهُوَ خبر قَاطع. قَوْله: (بَدْرًا) وَهُوَ مَوضِع الْغَزْوَة الْكُبْرَى الْعُظْمَى لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يذكر وَيُؤَنث، مَاء مَعْرُوف على نَحْو أَرْبَعَة مراحل من الْمَدِينَة، وَقد كَانَ لرجل يدعى بَدْرًا، فسميت باسمه. قلت: بدر اسْم بِئْر حفرهَا رجل من بني النجار، اسْمه بدر، وَفِي (الْعباب) : فَمن ذكَّر قَالَ: هُوَ اسْم قليب، وَمن أنثَّهُ قَالَ: هُوَ اسْم بِئْر، وَقَالَ الشّعبِيّ: بدر بِئْر كَانَت لرجل سمي بَدْرًا، أَو قَالَ أهل الْحجاز: هُوَ بدر بن قُرَيْش بن الْحَارِث بن يخلد بن النَّضر، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: هُوَ رجل من جُهَيْنَة. قَوْله: (أحد النُّقَبَاء) جمع: نقيب، وَهُوَ النَّاظر على الْقَوْم وضمينهم وعريفهم، وَقد نقب على قومه ينقب نقابة، مِثَال: كتب يكْتب كِتَابَة، إِذا صَار نَقِيبًا وَهُوَ: العريف، قَالَ الْفراء: إِذا أردْت أَنه لم يكن نَقِيبًا بِفعل، قلت: نقب نقابة، بِالضَّمِّ؛ نقابة، بِالْفَتْح، ونقب، بِالْكَسْرِ لُغَة؛ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: النقابة، بِالْكَسْرِ: اسْم، وبالفتح: الْمصدر، مثل الْولَايَة وَالْولَايَة. قَوْله: (لَيْلَة الْعقبَة) أَي: الْعقبَة الَّتِي تنْسب إِلَيْهَا جَمْرَة الْعقبَة الَّتِي بمنى، وَعقبَة الْجَبَل مَعْرُوفَة وَهُوَ الْموضع الْمُرْتَفع العالي مِنْهُ، وَفِي (الْعباب) : التَّرْكِيب يدل على ارْتِفَاع وَشدَّة وصعوبة. قَوْله: (وَحَوله) يُقَال: حوله وحواله وحواليه وحوليه، بِفَتْح اللَّام فِي كلهَا، أَي: يحيطون بِهِ. قَوْله: (عِصَابَة) ، بِكَسْر الْعين، وَهِي الْجَمَاعَة من النَّاس لَا وَاحِد لَهَا، وَهُوَ مَا بَين الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين وأُخذ إِمَّا من العصب الَّذِي بِمَعْنى الشدَّة، كَأَنَّهُمْ يشد بَعضهم بَعْضًا، وَمِنْه الْعِصَابَة أَي الْخِرْقَة تشد على الْجَبْهَة، وَمِنْه العصب لِأَنَّهُ يشد الْأَعْضَاء بِمَعْنى الْإِحَاطَة، يُقَال: عصب فلَان بفلان إِذا أحَاط بِهِ. قَوْله: (بايعوني) من الْمُبَايعَة، والمبايعة على الْإِسْلَام عبارَة عَن المعاقدة والمعاهدة عَلَيْهِ، سميت بذلك تَشْبِيها بالمعاوضة الْمَالِيَّة. كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَبِيع مَا عِنْده من صَاحبه، فَمن طرف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعد الثَّوَاب وَمن طرفهم الْتِزَام الطَّاعَة؛ وَقد تعرف بِأَنَّهَا عقد الإِمَام الْعَهْد بِمَا يَأْمر النَّاس بِهِ، وَفِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار: تَعَالَوْا بايعوني. قَوْله: (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا) أَي: وحدوه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا هُوَ أصل الْإِيمَان وأساس الْإِسْلَام، فَلذَلِك قدمه على أخوته. قَوْله: (شَيْئا) عَام لِأَنَّهُ نكرَة فِي سِيَاق النَّهْي لِأَنَّهُ كالنفي، قَوْله: (بِبُهْتَان) الْبُهْتَان، بِالضَّمِّ: الْكَذِب الَّذِي يبهت سامعه، أَي يدهشه لفظاعته، يُقَال: بَهته بهتاناً إِذا كذب عَلَيْهِ بِمَا يبهته من شدَّة نكره، وَزعم الْبنانِيّ أَن أَبَا زيد قَالَ: بَهته يبهته بهتاناً: رَمَاه فِي وَجهه، أَو من وَرَائه بِمَا لم يكن، والبهَّات الَّذِي يعيب النَّاس بِمَا لم يَفْعَلُوا، وَقَالَ يَعْقُوب وَالْكسَائِيّ: هُوَ الْكَذِب. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : البهت استقبالك بِأَمْر تقذفه بِهِ وَهُوَ مِنْهُ بَرِيء لايعلمه، وَالِاسْم: الْبُهْتَان. والبهت أَيْضا: الْحيرَة، وَقَالَ الزّجاج وقطرب: بهت الرجل انْقَطع وتحير. وَبِهَذَا الْمَعْنى بهت وبهت. قَالَ: والبهتان الْكَذِب الَّذِي يتحير من عظمه وشأنه، وَقد بَهته إِذا كذب عَلَيْهِ؛ زَاد قطرب: بهاتة وبهتا، وَفِي (الْمُحكم) : باهته استقلبه بِأَمْر يقذفه بِهِ وَهُوَ مِنْهُ بَرِيء لَا يُعلمهُ، والبهيتة: الْبَاطِل الَّذِي يتحير من بُطْلَانه، والبهوت: المباهت، وَالْجمع: بهت وبهوت، وَعِنْدِي أَن بهوتاً جمع باهت لَا جمع بهوت، وَقِرَاءَة السَّبع {فبهت الَّذِي كفر} (يُوسُف: 258) وَقِرَاءَة ابْن حَيْوَة: فبهت، بِضَم الْهَاء، لُغَة فِي بهت. وَقَالَ ابْن جني: وَقد يجوز أَن يكون بهت بِالْفَتْح لُغَة فِي بهت، وَقَالَ الْأَخْفَش: قِرَاءَة بهت كدهش وحزن، قَالَ: وبهت، بِالضَّمِّ أَكثر من بهت بِالْكَسْرِ، يَعْنِي أَن الضمة تكون للْمُبَالَغَة. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: بَهته يبهته بهتاً إِذا أَخذه بَغْتَة، وبهته بهتاً وبهتاناً وبهتا فَهُوَ بهاة إِذا قَالَ عَلَيْهِ مَا لم يَفْعَله مُوَاجهَة، وَهُوَ مبهوت، والبهت لَا يكون إلاَّ مُوَاجهَة بِالْكَذِبِ على الْإِنْسَان،
وَأما قَول أبي النَّجْم: (سبى الحماة وابهتوا عَلَيْهَا) فإنَّ على، مقحمة، وَإِنَّمَا الْكَلَام بَهته، وَلَا يُقَال: بهت عَلَيْهِ؛ وَفِي (الصِّحَاح) : بهت الرجل بِالْكَسْرِ إِذا دهش تحير، وبهت بِالضَّمِّ مثله، وأفصح مِنْهُمَا: بهت، لِأَنَّهُ يُقَال: رجل مبهوت، وَلَا يُقَال: باهت وَلَا بهيت، قَالَه الْكسَائي. قلت: فِيهِ نظر لما مر، وَلقَوْل الْقَزاز: بهت يبهت، وَفِيه لُغَة أُخْرَى وَهِي: بهت يبهت بهتاً. قَالَ هُوَ وَابْن دُرَيْد فِي (الجمهرة) : هُوَ رجل باه وبهات؛ وَقَالَ الْهَرَوِيّ: {وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان} (الممتحنة: 12) أَي: لَا يَأْتِين بِولد عَن معارضته فتنسبه إِلَى الزَّوْج كَانَ ذَلِك بهتان وفرية، وَيُقَال كَانَت الْمَرْأَة تلْتَقط الْوَلَد فتتبناه. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ هَهُنَا قذف الْمُحْصنَات وَهُوَ من الْكَبَائِر، وَيدخل فِيهِ الاغتياب لَهُنَّ ورميهن بالمعصية. وَقَالَ أَيْضا: لَا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحاً ومواجهة، وَهَذَا كَمَا يَقُول الرجل: فعلت هَذَا بَين يَديك، أَي: بحضرتك. قَوْله: (تفترونه) من الافتراء وَهُوَ الاختلاق، والفرية: الْكَذِب. يُقَال: فرى فلَان كَذَا، إِذا أختلقه، وافتراه: اختلقه، وَالِاسْم: الْفِرْيَة، وَفُلَان يفري الفرى، إِذا كَانَ يَأْتِي بالعجب فِي عمله، قَالَ تَعَالَى: {لقد جِئْت شَيْئا فرياً} (مَرْيَم: 27) أَي: مصنوعاً مختلقاً، وَيُقَال: عَظِيما. قَوْله: (وَلَا تعصوا) ، وَفِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار: وَلَا تعصوني، والعصيان خلاف الطَّاعَة، قَوْله: (فِي مَعْرُوف) أَي: حسن، وَهُوَ مَا لم ينْه الشَّارِع فِيهِ، أَو مَعْنَاهُ مَشْهُور أَي: مَا عرف فعله من الشَّارِع واشتهر مِنْهُ، وَيُقَال: فِي مَعْرُوف، أَي: فِي طَاعَة الله تَعَالَى، وَيُقَال: فِي كل بر وتقوى. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الْمَعْرُوف مَا عرف من الشَّارِع حسنه، وَقَالَ الزّجاج: أَي الْمَأْمُور بِهِ، وَفِي (النِّهَايَة) : هُوَ اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله تَعَالَى وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات. قَوْله: (فَمن وفى مِنْكُم) أَي: ثَبت على مَا بَايع عَلَيْهِ، يُقَال بتَخْفِيف الْفَاء وتشديدها، يُقَال: وفى بالعهد وأوفى ووفي ثلاثي ورباعي، ووفى بالشَّيْء ثلاثي، ووفت ذِمَّتك أَيْضا و: أوفى الشَّيْء ووفي، و: أوفي الْكَيْل ووفاه، وَلَا يُقَال فيهمَا وفى قَوْله: (وَمن أصَاب من ذَلِك شَيْئا) : من، هِيَ التبعيضية، وشيئاً، عَام لِأَنَّهُ نكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط، وَصرح ابْن الْحَاجِب بِأَنَّهُ كالنفي فِي إِفَادَة الْعُمُوم كنكرة وَقعت فِي سِيَاقه قَوْله: (كَفَّارَة) الْكَفَّارَة: الفعلة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تكفر الْخَطِيئَة، أَي: تسترها، يُقَال: كفرت الشَّيْء أكفر، بِالْكَسْرِ، كفرا أَي: سترته، ورماد مكفور إِذا سفت الرّيح التُّرَاب عَلَيْهِ حَتَّى غطته، وَمِنْه الْكَافِر لِأَنَّهُ ستر الْإِيمَان وغطاه. (بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (عَائِذ الله) عطف بَيَان عَن قَوْله أَبُو إِدْرِيس، وَلِهَذَا ارْتَفع. قَوْله: (إِن عبَادَة) أَصله بِأَن عبَادَة، قَوْله: (وَكَانَ شهد بَدْرًا) الْوَاو فِيهِ هِيَ الْوَاو الدَّاخِلَة على الْجُمْلَة الْمَوْصُوف بهَا لتأكيد لصوقها بموصوفها. وإفادة أَن اتصافه بهَا أَمر ثَابت، وَكَذَلِكَ الْوَاو فِي قَوْله: (وَهُوَ أحد النُّقَبَاء) وَلَا شكّ أَن كَون شُهُود عبَادَة بَدْرًا، وَكَونه من النُّقَبَاء صفتان من صِفَاته، وَلَا يجوز أَن تكون الواوان للْحَال وَلَا للْعَطْف على مَا لَا يخفى على من لَهُ ذوق سليم، قَوْله: (بَدْرًا) مَنْصُوب بقوله: شهد، وَلَيْسَ هُوَ مفعول فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مفعول بِهِ، لِأَن تَقْدِيره شهد الْغَزْوَة الَّتِي كَانَت ببدر، قَوْله: (وَهُوَ) مُبْتَدأ وَخَبره: أحد النُّقَبَاء، و (لَيْلَة الْعقبَة) نصب على الظَّرْفِيَّة، قَوْله: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَصله: بِأَن، فَإِن قلت: كَيفَ هَذَا التَّرْكِيب: أَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا شكّ أَن قَوْله: وَكَانَ شهد بَدْرًا إِلَى قَوْله: إِن، معترض؟ قلت: تَقْدِيره: أَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ أَو أخبر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ سَاقِط من أصل الرِّوَايَة، وَسُقُوط هَذَا غير جَائِز، وَإِنَّمَا جرت عَادَة أهل الحَدِيث بِحَذْف: قَالَ، إِذا كَانَ مكرراً نَحْو: قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعَ هَذَا ينطقون بهَا عِنْد الْقِرَاءَة، وَأما هُنَا فَلَا وَجه لجَوَاز الْحَذف، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه ثَبت فِي رِوَايَة البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ هَذَا فِي بَاب: من شهد بَدْرًا، وَالظَّاهِر أَنَّهَا سَقَطت من النساخ من بعده، فاستمروا عَلَيْهِ، وَقد روى أَحْمد بن حَنْبَل عَن أبي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد: أَن عبَادَة حَدثهُ. قَوْله: (قَالَ) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن، قَوْله: (وَحَوله عِصَابَة) جملَة اسمية وَقعت حَالا، وَقَوله: عِصَابَة، هِيَ الْمُبْتَدَأ، و: حوله، نصب على الظَّرْفِيَّة مقدما خَبره، قَوْله: (من أَصْحَابه) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة للعصابة، أَي: عِصَابَة كائنة من أَصْحَابه، من، للتَّبْعِيض، وَيجوز أَن تكون للْبَيَان، قَوْله: (بايعوني) : جملَة مقول القَوْل، قَوْله: (على أَن) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: على ترك الْإِشْرَاك بِاللَّه شَيْئا، قَوْله: (وَلَا تَسْرِقُوا) وَمَا بعده كلهَا عطف على: لَا تُشْرِكُوا، قَوْله: (تفترونه) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ على أَنَّهَا صفة لبهتان، قَوْله: (وَلَا تعصوا) أَيْضا عطف على الْمَنْفِيّ فِيمَا قبله، قَوْله: (فَمن وفى) كلمة: من، شَرْطِيَّة مُبْتَدأ، ووفى جملَة صلتها، قَوْله: (فَأَجره) مُبْتَدأ ثَان، وَقَوله: (على الله) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَدخلت الْفَاء لتضمن الْمُبْتَدَأ الشَّرْط، قَوْله:
(وَمن) ، مُبْتَدأ مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، و (أصَاب) ، جملَة صلتها، (شَيْئا) مفعولة. قَوْله: (فَعُوقِبَ) على صِيغَة الْمَجْهُول عطف على قَوْله: أصَاب، قَوْله: (فَهُوَ) مُبْتَدأ ثَان، وَقَوله: (كَفَّارَة) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالْفَاء لأجل الشَّرْط، قَوْله: (وَمن أصَاب) الخ إعرابه مثل إِعْرَاب مَا قبله. فَإِن قلت: فَلم قَالَ فِي قَوْله: فَعُوقِبَ، بِالْفَاءِ وَفِي قَوْله: ثمَّ ستره الله، بثم؟ قلت: الْفَاء هَهُنَا للتعقيب، ثمَّ التعقيب فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ، فَيجوز هَهُنَا أَن يكون بَين الْإِصَابَة وَالْعِقَاب مُدَّة طَوِيلَة أَو قَصِيرَة وَذَلِكَ بِحَسب الْوُقُوع، وَيجوز أَن تكون الْفَاء للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة} (الْحَج: 63) وَأما: ثمَّ، فَإِن وَضعهَا للتراخي، وَقد يتَخَلَّف، وَهَهُنَا: ثمَّ لَيست على بَابهَا، لِأَن السّتْر عِنْد إِرَادَة الله تَعَالَى تكون عقيب الْإِصَابَة وَلَا يتراخى. فَافْهَم. (بَيَان الْمعَانِي) . قَوْله: (وَكَانَ شهد بَدْرًا) قد قُلْنَا إِنَّه صفة لعبادة، و: الْوَاو، لتأكيد لصوقها بالموصوف. فَإِن قلت: هَذَا كَلَام من؟ قلت: يجوز أَن يكون من كَلَام أبي إِدْرِيس، فَيكون مُتَّصِلا إِذا حمل على أَنه سمع ذَلِك من عبَادَة، وَيجوز أَن يكون من كَلَام الزُّهْرِيّ، فَيكون مُنْقَطِعًا، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: (وَهُوَ أحد النُّقَبَاء) . وَالْمرَاد من النُّقَبَاء: نقباء الْأَنْصَار، وهم الَّذين تقدمُوا لأخذ الْبيعَة لنصرة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْعقبَة، وهم اثْنَي عشر رجلا، وهم الْعِصَابَة الْمَذْكُورَة: أسعد بن زُرَارَة. وعَوْف بن الْحَارِث. وَأَخُوهُ معَاذ وهما ابْنا عفراء. وذكوان بن عبد قيس، وَذكر ابْن سعد فِي طبقاته أَنه مُهَاجِرِي أَنْصَارِي. وَرَافِع بن مَالك الزرقيان. وَعبادَة بن الصَّامِت. وعباس بن عبَادَة بن نَضْلَة. وَيزِيد بن ثَعْلَبَة من بلَى. وَعقبَة بن عَامر. وَقُطْبَة بن عَامر، فَهَؤُلَاءِ عشرَة من الْخَزْرَج. وَمن الْأَوْس: أَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان من بلي. وعويم بن سَاعِدَة. اعْلَم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعرض نَفسه على قبائل الْعَرَب فِي كل موسم، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْد الْعقبَة إِذا لَقِي رهطاً من الْخَزْرَج، فَقَالَ: أَلا تجلسون أكلمكم؟ قَالُوا: بلَى، فجلسوا فَدَعَاهُمْ إِلَى الله تَعَالَى وَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام، وتلى عَلَيْهِم الْقُرْآن، وَكَانُوا قد سمعُوا من الْيَهُود أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أظل زَمَانه. فَقَالَ بَعضهم لبَعض: وَالله إِنَّه لذاك، فَلَا تسبقن الْيَهُود عَلَيْكُم، فَأَجَابُوهُ، فَلَمَّا انصرفوا إِلَى بِلَادهمْ وذكروه لقومهم فَشَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيهم، فَأتى فِي الْعَام الْقَابِل اثْنَا عشر رجلا إِلَى الْمَوْسِم من الْأَنْصَار، أحدهم عبَادَة بن الصَّامِت، فَلَقوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْعقبَةِ، وَهِي بيعَة الْعقبَة الأولى فَبَايعُوهُ بيعَة النِّسَاء يَعْنِي، مَا قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف فبايعهن} (الممتحنة: 12) ثمَّ انصرفوا وَخرج فِي الْعَام الآخر سَبْعُونَ رجلا مِنْهُم إِلَى الْحَج، فواعدهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق، قَالَ كَعْب بن مَالك: لما كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي وعدنا فِيهَا بتنا أول اللَّيْل مَعَ قَومنَا، فَلَمَّا استثقل النَّاس من النّوم تسللنا من فرشنا حَتَّى اجْتَمَعنَا بِالْعقبَةِ، فَأَتَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ عَمه الْعَبَّاس لَا غير، فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا معشر الْخَزْرَج إِن مُحَمَّدًا منا حَيْثُ علمْتُم، وَهُوَ فِي مَنْعَة ونصرة من قومه وعشيرته، وَقد أبي إلاَّ الِانْقِطَاع إِلَيْكُم، فَإِن كُنْتُم وافين بِمَا عاهدتموه فَأنْتم وَمَا تحملتم، وإلاَّ فاتركوه فِي قومه. فَتكلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دَاعيا إِلَى الله مرغباً فِي الْإِسْلَام تالياً لِلْقُرْآنِ، فأجبناه بِالْإِيمَان، فَقَالَ: إِنِّي أُبَايِعكُم على أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا منعتم بِهِ أبناءكم، فَقُلْنَا: ابْسُطْ يدك نُبَايِعك عَلَيْهِ، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أخرجُوا إِلَيّ مِنْكُم اثْنَتَيْ عشر نَقِيبًا، فاخرجنا من كل فرقة نَقِيبًا، وَكَانَ عبَادَة نقيب بني عَوْف، فَبَايعُوهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذِه بيعَة الْعقبَة الثَّانِيَة: وَله بيعَة ثَالِثَة مَشْهُورَة وَهِي الْبيعَة الَّتِي وَقعت بِالْحُدَيْبِية تَحت الشَّجَرَة عِنْد توجهه من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة، تسمى: بيعَة الرضْوَان، وَهَذِه بعد الْهِجْرَة، بِخِلَاف الْأَوليين: وَعبادَة شَهِدَهَا أَيْضا فَهُوَ من الْمُبَايِعين فِي الثَّلَاث رَضِي الله عَنهُ، قَوْله: (وَلَا تَسْرِقُوا) فِيهِ حذف الْمَفْعُول ليدل على الْعُمُوم، قَوْله: (فَعُوقِبَ) فِيهِ حذف أَيْضا تَقْدِيره: فَعُوقِبَ بِهِ، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَحْمد. قَوْله: (فَهُوَ) أَي: الْعقَاب، وَهَذَا مثل هُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: {اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: 8) فَإِنَّهُ يرجع إِلَى الْعدْل الَّذِي دلّ عَلَيْهِ: اعدلوا، وَكَذَلِكَ قَوْله: فَعُوقِبَ، يدل على الْعقَاب، وَقَوله: هُوَ، يرجع إِلَيْهِ، قَوْله: (كَفَّارَة) ، فِيهِ حذف أَيْضا تَقْدِيره: كَفَّارَة لَهُ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد. وَكَذَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي بَاب الْمَشِيئَة من كتاب التَّوْحِيد، وَزَاد أَيْضا: (وطهور) . قَالَ النَّوَوِيّ: عُمُوم هَذَا الحَدِيث مَخْصُوص بقوله تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: 48 و 116) فالمرتد إِذا قتل على الرِّدَّة لَا يكون الْقَتْل
لَهُ كَفَّارَة. قلت: أَو يكون مَخْصُوصًا بالاجماع. أَو لفظ ذَلِك إِشَارَة إِلَى غير الشّرك بِقَرِينَة السّتْر، فَإِنَّهُ يَسْتَقِيم فِي الْأَفْعَال الَّتِي يُمكن إظهارها واخفاؤها. وَأما الشّرك. أَي: الْكفْر، فَهُوَ من الْأُمُور الْبَاطِنَة، فَإِنَّهُ ضد الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق القلبي على الْأَصَح. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَالُوا: المُرَاد مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ خَاصَّة لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: (فَمن وفى) ، وَهُوَ خَاص بهم لقَوْله: (مِنْكُم) . تَقْدِيره: وَمن أصَاب مِنْكُم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ من ذَلِك شَيْئا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا أَي أقيم الْحَد عَلَيْهِ، لم يكن لَهُ عُقُوبَة لأجل ذَلِك الْقيام، وَهُوَ ضَعِيف، لِأَن الْفَاء فِي: فَمن، لترتب مَا بعْدهَا على مَا قبلهَا، وَالضَّمِير فِي: مِنْكُم، للعصابة الْمَعْهُودَة، فَكيف يخصص الشّرك بِالْغَيْر؟ فَالصَّحِيح أَن المُرَاد بالشرك الرِّيَاء لِأَنَّهُ الشّرك الْخَفي قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا} (الْكَهْف: 110) وَيدل عَلَيْهِ تنكير شَيْئا، أَي: شركا أياً مَا كَانَ، وَفِيه نظر، لِأَن عرف الشَّارِع يَقْتَضِي أَن لَفْظَة: الشّرك، عِنْد الْإِطْلَاق تحمل على مُقَابل التَّوْحِيد، سِيمَا فِي أَوَائِل الْبعْثَة وَكَثْرَة عَبدة الْأَصْنَام، وَأَيْضًا عقيب الْإِصَابَة بالعقوبة فِي الدُّنْيَا، والرياء لَا عُقُوبَة فِيهِ. فَتبين أَن المُرَاد الشّرك، وَأَنه مَخْصُوص. وَقَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه عبد الْوَاحِد السفاقسي فِي (شَرحه للْبُخَارِيّ) فِي قَوْله: (فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا) يُرِيد بِهِ الْقطع فِي السّرقَة، وَالْحَد فِي الزِّنَا. وَأما قتل الْوَلَد فَلَيْسَ لَهُ عُقُوبَة مَعْلُومَة، إلاَّ أَن يُرِيد قتل النَّفس، فكنى بالأولاد عَنهُ، وعَلى هَذَا إِذا قتل الْقَاتِل كَانَ كَفَّارَة لَهُ. وَحكي عَن القَاضِي إِسْمَاعِيل وَغَيره: أَن قتل الْقَاتِل حد وإرداع لغيره، وَأما فِي الْآخِرَة فالطلب للمقتول قَائِم لِأَنَّهُ لم يصل إِلَيْهِ حق، وَقيل: يبْقى لَهُ حق التشفي. قلت: وَردت أَحَادِيث تدل صَرِيحًا أَن حق الْمَقْتُول يصل إِلَيْهِ بقتل الْقَاتِل. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَصَححهُ: (أَن السَّيْف محاء للخطايا) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (إِذا جَاءَ الْقَتْل محى كل شَيْء) ، وَرُوِيَ عَن الْحسن بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا، نَحوه. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، مَرْفُوعا: (لَا يمر الْقَتْل بذنب إلاَّ محاه) ، وَقَوله: إِن قتل الْقَاتِل حد وإرداع. الخ فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم يجز الْعَفو عَن الْقَاتِل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: ذهب أَكثر الْعلمَاء إِلَى الْحُدُود كَفَّارَة لهَذَا الحَدِيث، وَمِنْهُم من وقف لحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: (لَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لأَهْلهَا أم لَا) لَكِن حَدِيث عبَادَة أصح، إِسْنَادًا، وَيُمكن، يَعْنِي على طَرِيق الْجمع بَينهمَا، أَن يكون حَدِيث أبي هُرَيْرَة ورد أَولا قبل أَن يعلم، ثمَّ أعلمهُ الله تَعَالَى آخرا. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَاحْتج من وفْق بقوله تَعَالَى: {ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم} (الْمَائِدَة: 33) لَكِن من قَالَ: إِن الْآيَة فِي الْكَفَّارَة فَلَا حجَّة فِيهَا. وَأَيْضًا، يُمكن أَن يكون حَدِيث عبَادَة مُخَصّصا لعُمُوم الْآيَة، أَو مُبينًا أَو مُفَسرًا لَهَا. فَإِن قيل: حَدِيث عبَادَة هَذَا كَانَ بِمَكَّة لَيْلَة الْعقبَة لما بَايع الْأَنْصَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْبيعَة الأولى بمنى، وَأَبُو هُرَيْرَة إِنَّمَا أسلم بعد ذَلِك بِسبع سِنِين عَام خَيْبَر، فَكيف يكون حَدِيثه مُتَقَدما؟ قيل: يُمكن أَن يكون أَبُو هُرَيْرَة مَا سَمعه من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا سَمعه من صَحَابِيّ آخر كَانَ سَمعه من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَدِيما وَلم يسمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ذَلِك: إِن الْحُدُود كَفَّارَة، كَمَا سَمعه عبَادَة، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ تعسف ويبطله أَن أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، صرح بِسَمَاعِهِ، وَأَن الْحُدُود لم تكن نزلت إِذْ ذَاك، وَالْحق عِنْدِي أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة صَحِيح، وَهُوَ سَابق على حَدِيث عبَادَة والمبايعة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث عبَادَة على الصّفة الْمَذْكُورَة، لم تقع لَيْلَة الْعقبَة، وَإِنَّمَا نَص بيعَة الْعقبَة مَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره من أهل الْمَغَازِي: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لمن حضر من الْأَنْصَار أُبَايِعكُم على أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ نساءكم وأبناءكم، فَبَايعُوهُ على ذَلِك، وعَلى أَن يرحل إِلَيْهِم هُوَ وَأَصْحَابه، ثمَّ صدرت مبايعات أُخْرَى: مِنْهَا هَذِه الْبيعَة، وَإِنَّمَا وَقعت بعد فتح مَكَّة بعد أَن نزلت الْآيَة الَّتِي فِي الممتحنة، وَهِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك} (الممتحنة: 12) ونزول هَذِه الْآيَة مُتَأَخّر بعد قصَّة الْحُدَيْبِيَة بِلَا خلاف، وَالدَّلِيل على ذَلِك عِنْد البُخَارِيّ، فِي كتاب الْحُدُود، من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث عبَادَة هَذَا: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بايعهم قَرَأَ الْآيَة كلهَا، وَعِنْده فِي تَفْسِير الممتحنة من هَذَا الْوَجْه قَالَ: قَرَأَ آيَة النِّسَاء. وَلمُسلم من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ: قَالَ فَتلا علينا آيَة النِّسَاء أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا، وللنسائي، من طَرِيق الْحَارِث بن فُضَيْل عَن الزُّهْرِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا تبايعونني على مَا بَايع عَلَيْهِ النِّسَاء: أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا) ؟ الحَدِيث. وللطبراني من وَجه آخر عَن الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد: (بَايعنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا بَايع عَلَيْهِ النِّسَاء يَوْم فتح مَكَّة) ، وَلمُسلم من طَرِيق أبي الْأَشْعَث عَن عبَادَة فِي هَذَا الحَدِيث: (أَخذ علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا
أَخذ على النِّسَاء) ، فَهَذِهِ أَدِلَّة صَرِيحَة فِي أَن هَذِه الْبيعَة إِنَّمَا صدرت بعد نزُول الْآيَة، بل بعد فتح مَكَّة، وَذَلِكَ بعد إِسْلَام أبي هُرَيْرَة وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة، عَن أَبِيه، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الطفَاوِي، عَن أَيُّوب، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أُبَايِعكُم على أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا) . فَذكر مثل حَدِيث عبَادَة، وَرِجَاله ثِقَات. وَقد قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: إِذا صَحَّ الْإِسْنَاد إِلَى عَمْرو بن شُعَيْب فَهُوَ كأيوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر انْتهى. وَإِذا كَانَ عبد الله بن عمر وَاحِد من حضر هَذِه الْبيعَة وَلَيْسَ هُوَ من الْأَنْصَار، وَلَا مِمَّن حضر بيعتهم بمنى، صَحَّ تغاير البيعتين: بيعَة الْأَنْصَار لَيْلَة الْعقبَة وَهِي قبل الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة، وبيعة أُخْرَى وَقعت بعد فتح مَكَّة وشهدها عبد الله بن عمر وَكَانَ إِسْلَامه بعد الْهِجْرَة، وَإِنَّمَا حصل الالتباس من جِهَة أَن عبَادَة بن الصَّامِت حضر البيعتين مَعًا، وَكَانَت بيعَة الْعقبَة من أجل مَا يتمدح بِهِ، فَكَانَ يذكرهَا إِذا حدث تنويهاً بسابقته، فَلَمَّا ذكر هَذِه الْبيعَة الَّتِي صدرت على مثل بيعَة النِّسَاء عقب ذَلِك، توهم من لم يقف على حَقِيقَة الْحَال أَن الْبيعَة الأولى وَقعت على ذَلِك. انْتهى كَلَامه. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: أَن قَوْله: ويبطله، أَن أَبَا هُرَيْرَة صرح بِسَمَاعِهِ غير مُسلم من وَجْهَيْن: أَحدهمَا، أَنه يحْتَمل أَن يكون أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَمَا سَمعه من صَحَابِيّ آخر، فَلذَلِك صرح بِالسَّمَاعِ، وَهَذَا غير مَمْنُوع وَلَا محَال؛ وَالْآخر: أَنه يحْتَمل أَنه صرح بِالسَّمَاعِ لتوثقه بِالسَّمَاعِ من صَحَابِيّ آخر، فَإِن الصَّحَابَة كلهم عدُول لَا يتَوَهَّم فيهم الْكَذِب. الثَّانِي: أَن قَوْله: وَإِن الْحُدُود لم تكن نزلت إِذْ ذَاك، لَا يلْزم من عدم نزُول الْحُدُود فِي تِلْكَ الْحَالة انْتِفَاء كَون الْحُدُود كَفَّارَات فِي الْمُسْتَقْبل، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر فِي حَدِيث عبَادَة أَن من أصَاب مِمَّا يجب فِيهِ الْحُدُود الَّتِي تنزل عَلَيْهَا بعد هَذَا، ثمَّ عُوقِبَ بِسَبَب ذَلِك بِأَن أَخذ مِنْهُ الْحَد، فَإِن ذَلِك الْحَد يكون كَفَّارَة لَهُ، وَلَا شكّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعلم قبل نزُول الْحُدُود أَن حَال أمته لَا تستقيم إلاَّ بالحدود، فَأخْبر فِي حَدِيث عبَادَة بِنَاء على مَا كَانَ على مَا كَانَ علمه قبل الْوُقُوع. الثَّالِث: أَن قَوْله: وَالْحق عِنْدِي أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة صَحِيح، غير مُسلم، لِأَن الحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَالْبَزَّار فِي (مُسْنده) من رِوَايَة معمر عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَقد علم مساهلة الْحَاكِم فِي بَاب التَّصْحِيح، على أَن الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: إِن عبد الرَّزَّاق تفرد بوصله، وَإِن هِشَام بن يُوسُف رَوَاهُ عَن معمر فَأرْسلهُ، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَمَتَى يُسَاوِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت حَتَّى يَقع بَينهمَا تعَارض فَيحْتَاج إِلَى الْجمع والتوفيق؟ فَإِن قلت: قد وَصله آدم بن أبي إِيَاس، عَن ابْن أبي ذِئْب أخرجه الْحَاكِم أَيْضا. قلت: وَلَو وَصله، هُوَ أَو غَيره، فَإِن قطع غَيره مِمَّا يُورث عدم التَّسَاوِي بِحَدِيث عبَادَة، وَصِحَّة حَدِيث عبَادَة مُتَّفق عَلَيْهَا بِخِلَاف حَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا نَص عَلَيْهِ القَاضِي عِيَاض وَغَيره، فَلَا تَسَاوِي، فَلَا تعَارض، فَلَا احْتِيَاج إِلَى التَّكَلُّف بِالْجمعِ والتوفيق. الرَّابِع: أَن قَوْله: والمبايعة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث عبَادَة على الصّفة الْمَذْكُورَة لم تقع لَيْلَة الْعقبَة، غير مُسلم، لِأَن القَاضِي عِيَاض وَجَمَاعَة من الْأَئِمَّة الأجلاء قد جزموا بِأَن حَدِيث عبَادَة هَذَا كَانَ بِمَكَّة لَيْلَة الْعقبَة لما بَايع الْأَنْصَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْبيعَة الأولى بمنى. وَنُقِيم بِصِحَّة مَا قَالُوا دَلَائِل. مِنْهَا: أَنه ذكر فِي هَذَا الحَدِيث: (وَحَوله عِصَابَة) . وفسروا أَن الْعِصَابَة هم النُّقَبَاء الأثني عشر، وَلم يكن غَيرهم هُنَاكَ، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا مَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ فِي حَدِيث عبَادَة هَذَا: (قَالَ: بَايَعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْعقبَة فِي رَهْط) ، الحَدِيث: وَقد قَالَ أهل اللُّغَة: إِن الرَّهْط: مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال لَا يكون فيهم امْرَأَة. قَالَ الله تَعَالَى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة رَهْط} (النَّمْل: 48) قَالَ ابْن دُرَيْد رُبمَا جَاوز ذَلِك قَلِيلا، قَالَه فِي (الْعباب) والقليل ضد الْكثير، وَأَقل الْكثير ثَلَاثَة، وَأكْثر الْقَلِيل اثْنَان، فَإِذا أضفنا الْإِثْنَيْنِ إِلَى التِّسْعَة يكون أحد عشر، وَكَانَ المُرَاد من الرَّهْط هُنَا أحد عشر نَقِيبًا، وَمَعَ عبَادَة يكونُونَ اثْنَي عشر نَقِيبًا، فَإِذا ثَبت هَذَا فقد دلّ قطعا أَن هَذِه الْمُبَايعَة كَانَت بِمَكَّة لَيْلَة الْعقبَة الْبيعَة الأولى، لِأَن الْبيعَة الَّتِي وَقعت بعد فتح مَكَّة على زعم هَذَا الْقَائِل كَانَ فِيهَا الرِّجَال وَالنِّسَاء وَكَانُوا بعد كثير. وَالثَّانِي: أَن قَوْله لَيْلَة الْعقبَة دَلِيل على أَن هَذِه الْبيعَة كَانَت هِيَ الأولى، لِأَنَّهُ لم يذكر فِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث لَيْلَة الْعقبَة، وَإِنَّمَا ذكر فِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ يَوْم فتح مَكَّة، وَلَا يلْزم
من كَون الْبيعَة يَوْم فتح مَكَّة أَن تكون الْبيعَة الْمَذْكُورَة هِيَ إِيَّاهَا غَايَة الْأَمر أَن عبَادَة قد أخبر أَنه وَقعت بيعَة أُخْرَى يَوْم فتح مَكَّة، وَكَانَ هُوَ فِيمَن بَايعُوهُ عَلَيْهِ السَّلَام. وَالثَّالِث: أَن مَا وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ من طَرِيق الصنَابحِي عَن عبَادَة، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (إِنِّي من النُّقَبَاء الَّذين بَايعُوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ على أَن لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا) . الحَدِيث يدل على أَن الْمُبَايعَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث الْمَذْكُور كَانَت لَيْلَة الْعقبَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أخبر فِيهِ أَنه كَانَ من النُّقَبَاء الَّذين بَايعُوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْعقبَة، وَأخْبر أَنهم بَايعُوهُ، وَلم يثبت لنا أَن أحدا بَايعه عَلَيْهِ السَّلَام، قبلهم، فَدلَّ على أَن بيعتهم أول المبايعات، وَأَن الحَدِيث الْمَذْكُور كَانَ لَيْلَة الْعقبَة. وَأما احتجاج هَذَا الْقَائِل فِي دَعْوَاهُ بِمَا وَقع فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا من قِرَاءَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْآيَاتِ الْمَذْكُورَة على مَا ذكره فَلَا يتم لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن عبَادَة لما حضر البيعات مَعَ النَّبِي زسمع مِنْهُ قِرَاءَة الْآيَات الْمَذْكُورَة فِي البيعات الَّتِي وَقعت بعد الْحُدَيْبِيَة أَو بعد فتح مَكَّة، ذكرهَا فِي حَدِيثه، بِخِلَاف حَدِيث الْبيعَة الأولى فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قِرَاءَة شَيْء من الْآيَات. وَتمسك هَذَا الْقَائِل أَيْضا بِمَا زَاد فِي رِوَايَة الصنَابحِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَلَا ننتهب على أَن هَذِه الْبيعَة مُتَأَخِّرَة، لِأَن الْجِهَاد عِنْد بيعَة الْعقبَة لم يكن فرضا، وَالْمرَاد بالانتهاب: مَا يَقع بعد الْقِتَال فِي الْمَغَانِم، وَهَذَا اسْتِدْلَال فَاسد، لِأَن الانتهاب أَعم من أَن يكون فِي الْمَغَانِم وَغَيرهَا، وتخصيصه بالمغانم تحكم ومخالف للغة. (استنباط الْأَحْكَام) : وَهُوَ على وُجُوه. الأول: أَن آخر الحَدِيث يدل على أَن الله لَا يجب عَلَيْهِ عِقَاب عاصٍ، وَإِذا لم يجب عَلَيْهِ هَذَا لَا يجب عَلَيْهِ ثَوَاب مُطِيع أصلا، إِذْ لَا قَائِل بِالْفَصْلِ. الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: (فَهُوَ إِلَى الله) أَي: حكمه من الْأجر وَالْعِقَاب مفوض إِلَى الله تَعَالَى، وَهَذَا يدل على أَن من مَاتَ من أهل الْكَبَائِر قبل التَّوْبَة، إِن شَاءَ الله عَفا عَنهُ وَأدْخلهُ الْجنَّة أول مرّة، وَإِن شَاءَ عذبه فِي النَّار ثمَّ يدْخلهُ الْجنَّة وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: صَاحب الْكَبِيرَة إِذا مَاتَ بِغَيْر التَّوْبَة لَا يُعْفَى عَنهُ فيخلد فِي النَّار، وَهَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم، لأَنهم يوجبون الْعقَاب على الْكَبَائِر قبل التَّوْبَة وَبعدهَا الْعَفو عَنْهَا. الثَّالِث: قَالَ الْمَازرِيّ: فِيهِ رد على الْخَوَارِج الَّذين يكفرون بِالذنُوبِ. الرَّابِع: قَالَ الطَّيِّبِيّ: فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْكَفّ عَن الشَّهَادَة بالنَّار على أحد وبالجنة لأحد إلاَّ من ورد النَّص فِيهِ بِعَيْنِه. الْخَامِس: فِيهِ أَن الْحُدُود كَفَّارَات، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ من الصَّحَابَة غير وَاحِد مِنْهُم: عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، أخرج حَدِيثه التِّرْمِذِيّ، وَصَححهُ الْحَاكِم وَفِيه: (وَمن أصَاب ذَنبا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَالله أكْرم أَن يثني بالعقوبة على عَبده فِي الْآخِرَة) ، وَمِنْهُم: أَبُو تَمِيمَة الْجُهَنِيّ أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَمِنْهُم: خُزَيْمَة بن ثَابت، أخرج حَدِيثه أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَلَفظه: (من أصَاب ذَنبا أقيم الْحَد على ذَلِك الذَّنب فَهُوَ كَفَّارَته) . وَمِنْهُم: ابْن عمر، أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا: (مَا عُوقِبَ رجل على ذَنْب إِلَّا جعله الله كَفَّارَة لما أصَاب من ذَلِك الذَّنب) . (الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا مَا قيل: قتل غير الْأَوْلَاد أَيْضا مَنْهِيّ إِذا كَانَ بِغَيْر حق، فتخصيصه بِالذكر يشْعر بِأَن غَيره لَيْسَ مَنْهِيّا. وَأجِيب: بِأَن هَذَا مَفْهُوم اللقب وَهُوَ مَرْدُود على أَنه لَو كَانَ من بَاب المفهومات الْمُعْتَبرَة المقبولة فَلَا حكم لَهُ هَهُنَا، لِأَن اعْتِبَار جَمِيع المفاهيم، إِنَّمَا هُوَ إِذا لم يكن خرج مخرج الْأَغْلَب، وَهَهُنَا هُوَ كَذَلِك، لأَنهم كَانُوا يقتلُون الْأَوْلَاد غَالِبا خشيَة الإملاق، فخصص الْأَوْلَاد بِالذكر لِأَن الْغَالِب كَانَ كَذَلِك. قَالَ التَّيْمِيّ: خص الْقَتْل بالأولاد لمعنيين: أَحدهمَا: أَن قَتلهمْ هُوَ أكبر من قتل غَيرهم، وَهُوَ الوأد، وَهُوَ أشنع الْقَتْل. وَثَانِيهمَا: أَنه قتل وَقَطِيعَة رحم، فصرف الْعِنَايَة إِلَيْهِ أَكثر. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا معنى الإطناب فِي قَوْله: وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَان تفترونه بَين أَيْدِيكُم وأرجلكم، حَيْثُ قيل: تَأْتُوا وَوصف الْبُهْتَان بالافتراء، والافتراء والبهتان من وَاد واحدٍ وَزيد عَلَيْهِ: بَين أَيْدِيكُم وأرجلكم، وهلا اقْتصر على: وَلَا تبهتوا النَّاس؟ وَأجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ مزِيد التَّقْرِير وتصوير بشاعة هَذَا الْفِعْل. وَمِنْهَا مَا قيل: فَمَا معنى إِضَافَته إِلَى الْأَيْدِي والأرجل؟ وَأجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ: وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَان من قبل أَنفسكُم، وَالْيَد وَالرجل كنايتان عَن الذَّات، لِأَن مُعظم الْأَفْعَال يَقع بهما، وَقد يُعَاقب الرجل بِجِنَايَة قولية فَيُقَال لَهُ: هَذَا بِمَا كسبت يداك، أَو مَعْنَاهُ: وَلَا تغشوه من ضمائركم، لِأَن المفتري إِذا أَرَادَ اخْتِلَاق قَول فَإِنَّهُ يقدره ويقرره أَولا فِي ضَمِيره، ومنشأ ذَلِك مَا بَين الْأَيْدِي والأرجل من الْإِنْسَان
- (باب من الدين الفرار من الفتن)
وَهُوَ الْقلب، وَالْأول: كِنَايَة عَن إِلْقَاء الْبُهْتَان من تِلْقَاء أنفسهم، وَالثَّانِي: عَن إنْشَاء الْبُهْتَان من دخيلة قُلُوبهم مَبْنِيا على الْغِشّ المبطن. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: لَا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحاً مُوَاجهَة، وَهَذَا كَمَا يَقُول الرجل: فعلت هَذَا بَين يَديك، أَي: بحضرتك. وَقَالَ التَّيْمِيّ: هَذَا غير صَوَاب من حَيْثُ إِن الْعَرَب، وَإِن قَالَت: فعلته بَين أَيدي الْقَوْم، أَي: بحضرتهم لم تقل: فعلته بَين أَرجُلهم، وَلم ينْقل عَنْهُم هَذَا أَلْبَتَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ صَوَاب، إِذْ لَيْسَ الْمَذْكُور الأرجل فَقَط، بل المُرَاد الْأَيْدِي، وَذكر الأرجل تَأْكِيدًا لَهُ وتابعاً لذَلِك، فالمخطىء مخطىء وَيُقَال: يحْتَمل أَن يُرَاد بِمَا بَين الْأَيْدِي والأرجل الْقلب، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يترجم اللِّسَان عَنهُ، فَلذَلِك نسب إِلَيْهِ الافتراء،، فَإِن الْمَعْنى: لَا ترموا أحدا بكذب تزوِّرونه فِي أَنفسكُم ثمَّ تبهتون صَاحبكُم بألسنتكم. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي جَمْرَة: يحْتَمل أَن يكون قَوْله: بَين أَيْدِيكُم، أَي: فِي الْحَال، قَوْله: وأرجلكم أَي: فِي الْمُسْتَقْبل، لِأَن السَّعْي من أَفعَال الأرجل. وَقَالَ غَيره: أصل هَذَا كَانَ فِي بيعَة النِّسَاء، وكنى بذلك كَمَا قَالَ الْهَرَوِيّ فِي (الغريبين) عَن نِسْبَة الْمَرْأَة الْوَلَد الَّذِي تَزني بِهِ أَو تلتقطه إِلَى زَوجهَا، ثمَّ لما اسْتعْمل هَذَا اللَّفْظ فِي بيعَة الرِّجَال احْتِيجَ إِلَى حمله على غير مَا ورد فِيهِ أَولا. قلت: وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم: وَلَا نقْتل أَوْلَادنَا، وَلَا يعضه بَعْضنَا بَعْضًا، أَي: لَا يسخر. وَقيل: لَا يَأْتِي بِبُهْتَان، يُقَال: عضهت الرجل رميته بالعضيهة؛ قَالَ الْجَوْهَرِي: العضيهة البهيتة، وَهُوَ الْإِفْك والبهتان، تَقول يَا للعضيهة. بِكَسْر اللَّام، وَهِي استغاثة، وَأَصله من: عضهه عضهاً بِالْفَتْح، وَقَالَ الْكسَائي: العضه الْكَذِب، وَجَمعهَا عضون، مثل: عزة وعزون، وَيُقَال نقصانه الْهَاء وَأَصله عضهة. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيد قَوْله: (وَلَا تعصوا) ، بقوله: (فِي مَعْرُوف) ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ قَيده بذلك تطييباً لنفوسهم، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام، لَا يَأْمر إلاَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل فِي معنى الحَدِيث: وَلما تعصوني، وَلَا أجد عَلَيْكُم أولى من اتباعي إِذا أَمرتكُم بِالْمَعْرُوفِ، فَيكون التَّقْيِيد بِالْمَعْرُوفِ عَائِدًا إِلَى الِاتِّبَاع، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تعصوا وَلم يقل وَلَا تعصوني. قلت: فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، فِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار: وَلَا تعصوني، فحينئذٍ الْأَحْسَن هُوَ الْجَواب الأول. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي آيَة المبايعات: فَإِن قلت: لَو اقْتصر على قَوْله: لَا يَعْصِينَك، فقد علم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا يَأْمر إلاَّ بِالْمَعْرُوفِ. قلت: نبه بذلك على أَن طَاعَة الْمَخْلُوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وَمِنْهَا مَا قيل: قد ذكر فِي الاعتقاديات والعمليات كلتيهما، فلِمَ اكْتفى فِي الاعتقاديات بِالتَّوْحِيدِ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ هُوَ الأَصْل والأساس. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ مَا ذكر الْإِتْيَان بالواجبات وَاقْتصر على ترك المنهيات؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يقْتَصر حَيْثُ قَالَ: وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف، إِذْ الْعِصْيَان مُخَالفَة الْأَمر، أَو اقْتصر لِأَن هَذِه الْمُبَايعَة كَانَت فِي أَوَائِل الْبعْثَة وَلم تشرع الْأَفْعَال بعد. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات؟ وَأجِيب: بِأَن التخلي عَن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ ترك سَائِر المنهيات وَلم يقل مثلا {وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم} (الْأَنْعَام: 152، والإسراء: 34) وَغير ذَلِك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت حرَام آخر، أَو اكْتفى بِالْبَعْضِ ليقاس الْبَاقِي عَلَيْهِ، أَو لزِيَادَة الاهتمام بالمذكورات. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: (فَأَجره على الله) يشْعر بِالْوُجُوب على الله لكلمة: على وَأجِيب: بِأَن هَذَا وَارِد على سَبِيل التفخيم نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فقد وَقع أجره على الله} (النِّسَاء: 100) وَيتَعَيَّن حمله على غير ظَاهره للأدلة القاطعة على أَنه لَا يجب على الله شَيْء. وَمِنْهَا مَا قيل: لفظ الْأجر مشْعر بِأَن الثَّوَاب إِنَّمَا هُوَ مُسْتَحقّ كَمَا هُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة لَا مُجَرّد فضل كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أطلق الْأجر لِأَنَّهُ مشابه لِلْأجرِ، صُورَة لترتبه عَلَيْهِ. 12 - (بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ) أَي: هَذَا بَاب، وَلَا يجوز فِيهِ الْإِضَافَة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن معنى الْبَاب الأول مُتَضَمّن معنى هَذَا الْبَاب، وَذَلِكَ لِأَن النُّقَبَاء من الْأَنْصَار، والانصار كلهم خيروا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبذلوا أَرْوَاحهم وَأَمْوَالهمْ فِي محبته فِرَارًا بدينهم من فتن الْكفْر والضلال، وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَاب يبين فِيهِ ترك الْمُسلم الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ ومعاشرتهم، واختياره الْعُزْلَة والانقطاع فِرَارًا بِدِينِهِ من فتن النَّاس والاختلاط بهم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: بَاب من الْإِيمَان الْفِرَار من الْفِتَن، كَمَا ذكر هَكَذَا فِي أَكثر الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة والأبواب الْآتِيَة، وَأَيْضًا عقد الْكتاب فِي الْإِيمَان؟ قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليطابق التَّرْجَمَة الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ فِي
الْبَاب، فَإِن الْمَذْكُور فِيهِ الْفِرَار بِالدّينِ من الْفِتَن، وَلَا يحْتَاج أَن يُقَال: لما كَانَ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام مترادفين عِنْده. وَقَالَ الله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: 19) أطلق الدّين فِي مَوضِع الْإِيمَان. فَإِن قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من لفظ الحَدِيث عد الْفِرَار دينا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانة للدّين، قلت: لم يرد بِكَلَامِهِ الْحَقِيقَة، لِأَن الْفِرَار لَيْسَ بدين، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن الْفِرَار للخوف على دينه من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين، وَلِهَذَا ذكره: بِمن، التبعيضية، وَتَقْدِير الْكَلَام: بَاب الْفِرَار من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين. 19 - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عَن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوشِكُ أَن يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسِلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ. الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة ظَاهِرَة على مَا ذكرنَا. (بَيَان رِجَاله) : وهم خَمْسَة. الأول: عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، ابْن قعنب أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحَارِثِيّ الْبَصْرِيّ، وَكَانَ مجاب الدعْوَة، روى عَن: مَالك وَاللَّيْث بن سعد ومخرمة بن بكير وَابْن أبي ذِئْب، وَسمع من أَحَادِيث شُعْبَة حَدِيثا وَاحِدًا اتّفق على توثيقه وجلالته، وَأَنه حجَّة ثَبت رجل صَالح، وَقيل لمَالِك: إِن عبد الله قدم، فَقَالَ: قومُوا بِنَا إِلَى خير أهل الأَرْض. روى عَنهُ: البُخَارِيّ وَمُسلم وأكثرا، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى مُسلم عَن عبد بن حميد عَنهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْأَطْعِمَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِمَكَّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس إِمَام دَار الْهِجْرَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، واسْمه عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن منذول بن عَمْرو بن غنم بن مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. وَقَالَ الْخَطِيب فِي كِتَابه (رَافع الارتياب) : إِن الصَّوَاب عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي صعصعة، قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: وَوهم ابْن عُيَيْنَة حَيْثُ قَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لِمَ يخْتَلف على مَالك فِي اسْمه؟ قلت: فِي (الثِّقَات) لِابْنِ حبَان خالفهم مَالك، فَقَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. الرَّابِع: أَبوهُ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان، وروى لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَكَانَ جده شهد أحدا وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنهُ، وَأَبوهُ عَمْرو مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة، قَتله بردع بن زيد بن عَامر بن سَواد بن ظفر من الْأَوْس، ثمَّ أسلم بردع وَشهد أحدا. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان بن عبيد، وَقيل: عبد بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الأبجر، وَهُوَ خدرة بن عَوْف بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ، وَزعم بَعضهم أَن خدرة هِيَ أم الأبجر، استصغر يَوْم أحد فرُدَّ، وغزا بعد ذَلِك اثْنَتَيْ عشرَة غَزْوَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتشْهدَ أَبوهُ يَوْم أحد، رُوِيَ لَهُ ألف حَدِيث وَمِائَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على سِتَّة وَأَرْبَعين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة عشر، وَمُسلم بِاثْنَتَيْنِ وَخمسين. روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، مِنْهُم: الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ووالده مَالك وَأَخُوهُ لأمه، قَتَادَة بن النُّعْمَان، وروى عَنهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهُم: ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَخلق من التَّابِعين، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَقيل: أَربع وَسبعين. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَاعْلَم أَن مِنْهُم من قَالَ: إِن اسْم أبي سعيد هَذَا: سِنَان بن مَالك بن سِنَان، وَالأَصَح مَا ذَكرْنَاهُ انه: سعد بن مَالك بن سِنَان، وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا: سعد بن أبي وَقاص مَالك وَسعد بن مَالك العذري قدم فِي وَفد عذرة. (بَيَان الْأَنْسَاب) القعْنبِي: هُوَ عبد الله بن مسلمة، شيخ البُخَارِيّ، ونسبته إِلَى جده قعنب، والقعنب، فِي اللُّغَة: الشَّديد، وَمِنْه يُقَال للأسد، القعنب، وَيُقَال: القعنب: الثَّعْلَب الذّكر. والمازن فِي قبائل، فَفِي قيس بن غيلَان: مَازِن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان، وَفِي قيس بن غيلَان أَيْضا: مَازِن بن صعصعة. وَفِي فَزَارَة: مَازِن بن فَزَارَة، وَفِي ضبة: مَازِن بن كَعْب، وَفِي مذْحج: مَازِن بن ربيعَة، وَفِي الْأَنْصَار: مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، وَفِي تَمِيم: مَازِن بن مَالك، وَفِي شَيبَان بن ذهل: مَازِن بن شَيبَان، وَفِي هُذَيْل: مَازِن بن مُعَاوِيَة، وَفِي الأزد: مَازِن بن الأزد. والخدري، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة
وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى خدرة: أحد أجداد أبي سعيد، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (ثقاته) فِي تَرْجَمَة أبي سعيد: إِن خدرة من الْيمن، وَمرَاده أَن الْأَنْصَار من الْيمن فهم بطن من الْأَنْصَار، وهم نفر قَلِيل بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ أَبُو عمر: خدرة وخدارة بطْنَان من الْأَنْصَار، فَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ من خدارة، وَأَبُو سعيد من خدرة، وهما إبنا عَوْف بن الْحَارِث كَمَا تقدم، وَضبط أَبُو عمر: خدارة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ خلاف مَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ من كَونه بِالْجِيم الْمَكْسُورَة، وَصَوَّبَهُ الرّشاطي، وَكَذَا نَص عَلَيْهِ العسكري فِي الصَّحَابَة، والحافظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي. وَاعْلَم أَن الْخُدْرِيّ، بِالضَّمِّ، يشْتَبه بالخدري، بِالْكَسْرِ، نِسْبَة إِلَى: خدرة، بطن من ذهل بن شَيبَان، وبالخدري، بِفَتْح الْخَاء وَالدَّال، وَهُوَ مُحَمَّد بن حسن مُتَأَخّر، روى عَن أبي حَاتِم، وبالجدري بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال، وَهُوَ عُمَيْر بن سَالم، وبكسر الْجِيم وَسُكُون الدَّال: الجدري، نِسْبَة إِلَى جدرة بطن من كَعْب. (بَيَان لطائف الْإِسْنَاد) : مِنْهَا: أَن هَذَا الاسناد كُله مدنيون، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ فَرد تحديث وَالْبَاقِي عنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) : هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَرَوَاهُ هَهُنَا عَن القعْنبِي، وَفِي الْفِتَن عَن ابْن يُوسُف، وَفِي إِسْنَاد الْكتاب عَن إِسْمَاعِيل ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك بِهِ، وَفِي الرقَاق وعلامات النُّبُوَّة عَن أبي نعيم عَن الْمَاجشون عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ، وَهُوَ من أَحَادِيث مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَزعم الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (مستخرجه) أَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ عَن معن عَن مَالك، فَجعله من قَول أبي سعيد لم يُجَاوِزهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أسْندهُ ابْن وهب التنيسِي، وسُويد وَغَيرهم والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (يُوشك) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يقرب، وَيُقَال فِي ماضيه: أوشك، وَمن أنكر اسْتِعْمَاله مَاضِيا فقد غلط، فقد كثر اسْتِعْمَاله. قَالَ الْجَوْهَرِي: أوشك فلَان يُوشك: إيشاكاً أَي: أسْرع، قَالَ جرير: (إِذا جهل اللَّئِيم وَلم يقدر ... لبَعض الْأَمر أوشك أَن يصابا) قَالَ: والعامة تَقول: يُوشك، بِفَتْح الشين، وَهِي لُغَة رَدِيئَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: واشك يواشك وشاكاً. مثل: أوشك، وَيُقَال: إِنَّه مواشك أَي: مسارع. وَفِي (الْعباب) قَوْلهم: وَشك ذَا خُرُوجًا بِالضَّمِّ يُوشك أَي: يسْرع، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الوشك السرعة، وَيُقَال: الوشك والوشك، وَدفع الْأَصْمَعِي الوشك يَعْنِي: بِالْكَسْرِ، وَقَالَ الْكسَائي: عجبت من وشكان ذَلِك الْأَمر، وَمن وشكانه أَي: من سرعته، وَفِي الْمثل: وشكان مَاذَا إذابةً وحقناً أَي: مَا أسْرع مَا أذيب هَذَا السّمن وحقن، وَنصب إذابة، وحقناً على الْحَال، وَإِن كَانَا مصدرين كَمَا يُقَال: سرع ذَا مذاباً ومحقوناً، وَيجوز أَن يحمل على التَّمْيِيز، كَمَا يُقَال: حسن زيد وَجها يضْرب فِي سرعَة وُقُوع الْأَمر، وَلمن يخبر بالشَّيْء قبل أَوَانه، وَيُقَال: وشكان ذَا إهالة. فَإِن قلت: هَل يسْتَعْمل اسْم الْفَاعِل؟ قلت: نعم، وَلكنه نَادِر، قَالَ كثير بن عبد الرَّحْمَن: (فَإنَّك موشك أَن لَا ترَاهَا ... وتغدو دون غاضرة العوادي) وغاضرة، بالمعجمتين، اسْم جَارِيَة أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، أُخْت عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ، والعوادي: عوائق الدَّهْر وموانعه. قَوْله: (غنم) الْغنم اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس، يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث جَمِيعًا، وعَلى الذُّكُور وحدهم وعَلى الأناث وَحدهَا. فَإِذا صغرتها الحقتها الْهَاء، فَقلت: غنيمَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين، فالتأنيث لَازم لَهَا، وَيُقَال: لَهَا خمس من الْغنم ذُكُور، فيؤنث الْعدَد لِأَن الْعدَد يجْرِي على تذكيره وتأنيثه على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى، قَوْله: (يتبع) بتَشْديد التَّاء وتخفيفها، فَالْأول: من بَاب الافتعال من: اتبع اتبَاعا، وَالثَّانِي: من تبع بِكَسْر الْبَاء يتبع بِفَتْحِهَا تبعا بِفتْحَتَيْنِ وتباعة بِالْفَتْح، يُقَال: تبِعت الْقَوْم إِذا مَشى خَلفهم، أَو مروا بِهِ فَمضى مَعَهم، قَوْله: (شعف الْجبَال) بشين مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَعين مُهْملَة مَفْتُوحَة، جمع: شعفة، بِالتَّحْرِيكِ، رَأس الْجَبَل، وَيجمع أَيْضا على شعوف وشعاف وشعفات قَالَه فِي (الْعباب) . وَفِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: إِن الشعاف بِالْكَسْرِ، وَعَن ابْن قُتَيْبَة شعفة كل شي أَعْلَاهُ. قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَي: الْمَطَر، والمواقع جمع موقع بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ مَوضِع نزُول الْمَطَر. قَوْله: (يفر) من فر يفر فِرَارًا ومفراً، إِذا
هرب، والمفر بِكَسْر الْفَاء مَوضِع الْفِرَار، والفتن جمع فتْنَة، وأصل الْفِتْنَة الاختبار، يُقَال: فتنت الْفضة على النَّار، إِذا خلصتها، ثمَّ اسْتعْملت فِيمَا أخرجه الاختبار للمكروه، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي أَبْوَاب الْمَكْرُوه، فجَاء مرّة بِمَعْنى الْكفْر، كَقَوْلِه تَعَالَى: {والفتنة أكبر من الْقَتْل} (الْبَقَرَة: 217) وَيَجِيء للإثم، كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا} (التَّوْبَة: 49) وَيكون بِمَعْنى الإحراق، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} (البروج: 10) أَي: حرقوهم، وَيَجِيء بِمَعْنى الصّرْف عَن الشَّيْء، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} (الْإِسْرَاء: 73) . (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (يُوشك) من أَفعَال المقاربة عِنْد النُّحَاة وضع لدنو الْخَبَر أخذا فِيهِ، وَهُوَ مثل: كَاد وَعَسَى فِي الِاسْتِعْمَال، فَيجوز: أوشك زيد يَجِيء، وَأَن يَجِيء، وأوشك أَن يَجِيء زيد على الْأَوْجه الثَّلَاثَة، وَخَبره يكون فعلا مضارعاً مَقْرُونا بِأَن وَقد يسند إِلَى: أَن، كَمَا قُلْنَا فِي الْأَوْجه الثَّلَاثَة، والْحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل حَيْثُ أسْند يُوشك إِلَى أَن، وَالْفِعْل الْمُضَارع، فسد ذَلِك مسد اسْمه وَخَبره، وَمثله قَول الشَّاعِر: (يُوشك أَن يبلغ مُنْتَهى الْأَجَل ... فالبر لَازم برجا ووجل) قَوْله: (خير) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وَخَبره، قَوْله: (غنم) ، وَيكون: فِي يكون، ضمير الشَّأْن لِأَنَّهُ كَلَام تضمن تحذيراً وتعظيماً لما يتَوَقَّع، وَأما النصب فعلى كَونه خبر يكون مقدما على اسْمه، وَهُوَ قَوْله: (غنم) . وَلَا يضركون غنم نكرَة لِأَنَّهَا وصفت بقوله: (يتبع بهَا) وَقد روى غنما بِالنّصب وَهُوَ ظَاهر، وَالْأَشْهر فِي الرِّوَايَة نصب خبر، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالرَّفْع، وَالضَّمِير فِي: بهَا، يرجع إِلَى الْغنم، وَقد ذكرنَا أَنه اسْم جنس يجوز تأنيثه بِاعْتِبَار معنى الْجمع، قَوْله: (شعف الْجبَال) كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول يتبع؛ قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَيْضا، كَلَام إضافي مَنْصُوب عطفا على شعف الْجبَال. قَوْله: (يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) أَي: من فَسَاد ذَات الْبَين وَغَيرهَا، وَقَوله: يفر جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى الْمُسلم، وَهِي فِي مَحل النصب على الْحَال، أما من الضَّمِير الَّذِي فِي يتبع أَو من الْمُسلم، وَيجوز وُقُوع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} (النِّسَاء: 125) فَإِن قلت: إِنَّمَا يَقع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ الْمُضَاف جزأ من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو فِي حكمه كَمَا فِي: رَأَيْت وَجه هِنْد قَائِمَة، فَإِنَّهُ يجوز، وَلَا يجوز قَوْلك: رَأَيْت غُلَام هِنْد قَائِمَة، وَالْمَال لَيْسَ بِجُزْء للْمُسلمِ. قلت: المَال لشدَّة ملابسته بِذِي المَال كَأَنَّهُ جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْملَّة لَيْسَ بِجُزْء لإِبْرَاهِيم حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة الْجُزْء مِنْهُ. وَيجوز أَن تكون هَذِه الْجُمْلَة استئنافية، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَيقدر ذَلِك بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام، وَالْبَاء فِي (بِدِينِهِ) للسَّبَبِيَّة، وَكلمَة: من فِي قَوْله: (من الْفِتَن) ابتدائية تَقْدِيره: يفر بِسَبَب دينه ومنشأ فراره الدّين، وَيجوز أَن تكون الْبَاء، للمصاحبة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اهبط بِسَلام} (هود: 48) أَي: مَعَه. (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) : وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ فضل الْعُزْلَة فِي أَيَّام الْفِتَن إلاَّ أَن يكون الْإِنْسَان مِمَّن لَهُ قدرَة على إِزَالَة الْفِتْنَة، فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السَّعْي فِي إِزَالَتهَا، إِمَّا فرض عين وَإِمَّا فرض كِفَايَة بِحَسب الْحَال والإمكان، وَأما فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة فَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْعُزْلَة والاختلاط أَيهمَا أفضل؟ قَالَ النَّوَوِيّ: مَذْهَب الشَّافِعِي والأكثرين إِلَى تَفْضِيل الْخلطَة لما فِيهَا من اكْتِسَاب الْفَوَائِد، وشهود شَعَائِر الْإِسْلَام، وتكثير سَواد الْمُسلمين، وإيصال الْخَيْر إِلَيْهِم وَلَو بعيادة المرضى، وتشييع الْجَنَائِز، وإفشاء السَّلَام، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، والتعاون على الْبر وَالتَّقوى، وإعانة الْمُحْتَاج، وَحُضُور جماعاتهم وَغير ذَلِك مِمَّا يقدر عَلَيْهِ كل أحد، فَإِن كَانَ صَاحب علم أَو زهد تَأَكد فضل اخْتِلَاطه. وَذهب آخَرُونَ إِلَى تَفْضِيل الْعُزْلَة لما فِيهَا من السَّلامَة المحققة، لَكِن بِشَرْط أَن يكون عَارِفًا بوظائف الْعِبَادَة الَّتِي تلْزمهُ وَمَا يُكَلف بِهِ، قَالَ: وَالْمُخْتَار تَفْضِيل الْخلطَة لمن لَا يغلب على ظَنّه الْوُقُوع فِي الْمعاصِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُخْتَار فِي عصرنا تَفْضِيل الانعزال لندور خلو المحافل عَن الْمعاصِي. قلت: أَنا مُوَافق لَهُ فِيمَا قَالَ، فَإِن الِاخْتِلَاط مَعَ النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان لَا يجلب إِلَّا الشرور. الثَّانِي: فِيهِ الِاحْتِرَاز عَن الْفِتَن، وَقد خرجت جمَاعَة من السّلف عَن أوطانهم وتغربوا خوفًا من الْفِتْنَة، وَقد خرج سَلمَة بن الْأَكْوَع إِلَى الربذَة فِي فتْنَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. الثَّالِث: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة الْغنم واقتنائها على مَا نقُول عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الرَّابِع: فِيهِ إِخْبَار بِأَنَّهُ يكون فِي آخر الزَّمَان فتن وَفَسَاد بَين النَّاس، وَهَذَا من جملَة معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
- (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعلمكم بالله، وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} )
(الأسئلة والأجوبة) . مِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد بالغنم؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا النَّوْع من المَال نموه وزيادته أبعد من الشوائب الْمُحرمَة كالربا والشبهات الْمَكْرُوهَة، وخصت الْغنم بذلك لما فِيهَا من السكينَة وَالْبركَة، وَقد رعاها الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَعَ أَنَّهَا سهلة الانقياد خَفِيفَة المؤونة كَثِيرَة النَّفْع. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد الِاتِّبَاع بالمواضع الخالية مثل شعف الْجبَال وَنَحْوهَا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا أسلم غَالِبا من المعادلات المؤدية إِلَى الكدورات. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه كَون الْغنم خير مَال الْمُسلم؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لما كَانَ فِيهَا الْجمع بَين الرِّفْق وَالرِّبْح وصيانة الدّين، كَانَت خير الْأَمْوَال الَّتِي يعْنى بهَا الْمُسلم، وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد الِاتِّبَاع الْمَذْكُور بقوله: (يفر بِدِينِهِ) من الْفِتَن وَأجِيب: للإشعار بِأَن هَذَا الِاتِّبَاع يَنْبَغِي أَن يكون استعصاماً للدّين لَا لِلْأَمْرِ الدنيوي كَطَلَب كَثْرَة الْعلف وَقلة أطماع النَّاس فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ يجمع بَين مُقْتَضى هَذَا الحَدِيث من اخْتِيَار الْعُزْلَة، وَبَين مَا ندب إِلَيْهِ الشَّارِع من اخْتِلَاط أهل الْمحلة لإِقَامَة الْجَمَاعَة، وَأهل السوَاد مَعَ أهل الْبَلدة للعيد وَالْجُمُعَة، وَأهل الْآفَاق لوقوف عَرَفَة؟ وَفِي الْجُمْلَة اهتمام الشَّارِع بالاجتماع مَعْلُوم، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء: يجوز نقل اللَّقِيط من الْبَادِيَة إِلَى الْقرْيَة وَمن الْقرْيَة إِلَى الْبَلَد لاعكسهما؛ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك عِنْد عدم الْفِتْنَة وَعدم وُقُوعه فِي الْمعاصِي وَعند الِاجْتِمَاع بالجلساء الصلحاء، وَأما اتِّبَاع الشعف والمقاطر وَطلب الْخلْوَة والانقطاع إِنَّمَا هُوَ فِي أضداد هَذِه الْحَالَات. 13 - (بَاب قَوْلِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّه، وأنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} ) أَي: هَذَا بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْإِضَافَة هَهُنَا متعينة. وَقَوله: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) مقول القَوْل، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَهُوَ لفظ الحَدِيث الَّذِي أوردهُ فِي جَمِيع طرقه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: أعرفكُم، فَعَن قريب يَأْتِي الْفرق بَين الْمعرفَة وَالْعلم. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ: أَن الْبَاب الأول يبين فِيهِ أَن من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن، وَهَذَا لَا يكون إلاَّ على قدر قُوَّة دين الرجل حَيْثُ يحفظ دينه ويعتزل النَّاس خوفًا من الْفِتَن، وَقُوَّة الدّين تدل على قُوَّة الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى، فَكلما كَانَ الرجل أقوى فِي دينه كَانَ أقوى فِي معرفَة ربه، وَمن هَذَا الْبَاب يبين أَن أعرف النَّاس بِاللَّه تَعَالَى هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا جرم هُوَ أقوى دينا من الْكل. وَبَقِي الْكَلَام هَهُنَا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. الأول: أَن هَذَا كتاب الْإِيمَان، فَمَا وَجه تعلق هَذِه التَّرْجَمَة بِالْإِيمَان. وَالثَّانِي: مَا مُنَاسبَة قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) بِمَا قبله، وَلَا تعلق للْحَدِيث بِهِ أصلا وَلَا دلَالَة لَهُ عَلَيْهِ لَا عقلا وَلَا وضعا. وَالثَّالِث: مَا مُنَاسبَة ذكر قَوْله تَعَالَى: {وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ} (الْبَقَرَة: 225) هَهُنَا فَلَا تعلق لَهُ بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ فِي الْإِيمَان، وَلَا تعلق لَهُ بِالْبَابِ أَيْضا. قلت: أما وَجه الأول: فَهُوَ أَن الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وَالْعلم بِهِ من الْإِيمَان، فحينئذٍ دخل فِي كتاب الْإِيمَان، وَفِيه رد على الكرامية لأَنهم يَقُولُونَ: إِن الْإِيمَان مُجَرّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَزَعَمُوا أَن الْمُنَافِق مُؤمن فِي الظَّاهِر وَكَافِر فِي السريرة، فَيثبت لَهُ حكم الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا وَحكم الْكَافرين فِي الْآخِرَة، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِالرَّدِّ عَلَيْهِم: بِأَن الْإِيمَان، هُوَ أَو بعضه، فعل الْقلب بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. وَأما وَجه الثَّانِي: فَهُوَ أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، لما أَرَادوا أَن يزِيدُوا أَعْمَالهم على عمل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُم: لَا يتهيأ لكم لِأَنِّي أعلمكُم، وَالْعلم من جملَة الْأَفْعَال، بل من أشرفها لِأَنَّهُ عمل الْقلب، فَنَاسَبَ قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) بِمَا قبله. وَأما وَجه الثَّالِث: فَهُوَ أَنه أَرَادَ أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ على أَن الْإِيمَان بالْقَوْل وَحده لَا يتم، وَلَا بُد من انضمام العقيدة إِلَيْهِ، وَلَا شكّ أَن الِاعْتِقَاد فعل الْقلب فَهُوَ مُنَاسِب لقَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) . وَلَا يضر استدلاله كَون مورد الْآيَة فِي الْأَيْمَان بِالْفَتْح، لِأَن مدَار الْعلم فِيهَا أَيْضا على عمل الْقلب، فنبه البُخَارِيّ هَهُنَا على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: الرَّد على الكرامية الَّذِي هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكرنَا وَالْآخر: الدَّلِيل على زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه على مُقْتَضى مذْهبه، لِأَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) يدل ظَاهرا على أَن النَّاس متفاوتون فى معرفَة الله تَعَالَى، وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ أعلمهم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون الْإِيمَان قَابلا للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة) بِفَتْح الْهمزَة عطفا على القَوْل لَا على الْمَقُول، وإلاَّ لَكَانَ تَكْرَارا، إِذْ الْمَقُول وَمَا عطف عَلَيْهِ حكمهمَا وَاحِد، وَيجوز كسر: إِن وَيكون كلَاما مستأنفاً، قَوْله: (لقَوْل الله تَعَالَى) اسْتِدْلَال
بِهَذِهِ الْآيَة على أَن الْإِيمَان بالْقَوْل وَحده لَا يتم. قَوْله: (بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ) أَي: بِمَا عزمت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ وقصدتموه، إِذْ كسب الْقلب عزمه وَنِيَّته، وَفِي الْآيَة دَلِيل لما عَلَيْهِ الْجُمْهُور، أَن أَفعَال الْقُلُوب إِذا اسْتَقَرَّتْ يُؤَاخذ بهَا، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: (إِن الله تجَاوز لأمتي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يتكلموا أَو يعملوا بِهِ) ، مَحْمُول على مَا إِذا لم يسْتَقرّ، وَذَلِكَ مَعْفُو عَنهُ بِلَا شكّ، لِأَنَّهُ لَا يُمكن الانفكاك عَنهُ بِخِلَاف الِاسْتِقْرَار. فَإِن قلت: مَا حَقِيقَة الْمعرفَة؟ قلت: فِي اللُّغَة الْمعرفَة: مصدر عَرفته أعرفهُ، وَكَذَلِكَ الْعرْفَان، وَأما فِي اصْطِلَاح أهل الْكَلَام فَهِيَ معرفَة الله تَعَالَى بِلَا كَيفَ وَلَا تَشْبِيه. وَالْفرق بَينهمَا وَبَين الْعلم: أَن الْمعرفَة عبارَة عَن الْإِدْرَاك الجزئي، وَالْعلم عَن الْإِدْرَاك الْكُلِّي. وَبِعِبَارَة أُخْرَى: الْعلم إِدْرَاك المركبات، والمعرفة إِدْرَاك البسائط وَهَذَا مُنَاسِب لما يَقُوله أهل اللُّغَة من: أَن الْعلم يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، والمعرفة إِلَى مفعول وَاحِد. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: أجمع الْعلمَاء على وجوب معرفَة الله تَعَالَى، وَقد اسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إلاَّ الله} (مُحَمَّد: 19) وَاخْتلف فِي أول وَاجِب على الْمُكَلف، فَقيل: معرفَة الله تَعَالَى، وَقيل: النّظر، وَقيل: الْقَصْد إِلَى النّظر الصَّحِيح. وَقَالَ الإِمَام: الَّذِي أرَاهُ أَنه لَا اخْتِلَاف بَينهمَا، فَإِن أول وَاجِب خطابا ومقصوداً: الْمعرفَة، وَأول وَاجِب اشتغالاً واداءً: الْقَصْد فَإِن مَا لَا يتَوَصَّل إِلَى الْوَاجِب إلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِب، وَلَا يتَوَصَّل إِلَى المعارف إلاَّ بِالْقَصْدِ. 20 - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلاَمٍ قَالَ أخْبَرَنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالتْ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أَمَرَهُمْ أمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِما يُطِيقُونَ قَالُوا إنَّا لسْنَا كَهْيَئتِكَ يَا رسولَ اللَّهِ إنّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ فَيَغْضَبُ حَتى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وجْهِهِ ثمَّ يَقُولُ إنَّ أَتْقاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أَنَا. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِنَّهَا جُزْء مِنْهُ. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلام بن الْفرج السّلمِيّ، مَوْلَاهُم، البُخَارِيّ البيكندي، سمع ابْن عُيَيْنَة وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهمَا من الْأَعْلَام، وَعنهُ الْأَعْلَام الْحفاظ: كالبخاري وَنَحْوه، انفق فِي الْعلم أَرْبَعِينَ ألفا، وَمثلهَا فِي نشره، وَيُقَال: إِن الْجِنّ كَانَت تحضر مَجْلِسه، وَقَالَ: أدْركْت مَالِكًا وَلم أسمع مِنْهُ، وَكَانَ أَحْمد يعظمه، وَعنهُ أحفظ أَكثر من خَمْسَة آلَاف حَدِيث كذب، وَله رحْلَة ومصنفات فِي أَبْوَاب من الْعلم، وانكسر قلمه فِي مجْلِس شيخ فَأمر أَن يُنَادى: قلم بِدِينَار، فطارت إِلَيْهِ الأقلام، توفّي سنة خمس وَعشْرين ومائيتن، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِهِ عَن الْكتب السِّتَّة. ثمَّ اعْلَم أَن: سَلاما، وَالِد مُحَمَّد الْمَذْكُور بِالتَّخْفِيفِ على الصَّوَاب، وَبِه قطع الْمُحَقِّقُونَ، مِنْهُم: الْخَطِيب وَابْن مَاكُولَا، وَهُوَ مَا ذكره غبخار فِي (تَارِيخ بخاري) ، وَهُوَ أعلم ببلاده، وَحَكَاهُ أَيْضا عَنهُ فَقَالَ: قَالَ سهل بن المتَوَكل: سَمِعت مُحَمَّد بن سَلام يَقُول: أَنا مُحَمَّد بن سَلام، بِالتَّخْفِيفِ، وَلست بِمُحَمد بن سَلام، وَذكر بعض الْحفاظ أَن تشديده لحن، وَأما صَاحب (الْمطَالع) فَادّعى أَن التَّشْدِيد رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَكثر شُيُوخ بَلَده. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يُوَافق على هَذِه الدَّعْوَى، فَإِنَّهَا مُخَالفَة للمشهور. الثَّانِي: أَبُو مُحَمَّد عَبدة، بِسُكُون الْبَاء، ابْن سُلَيْمَان بن حَاجِب بن زُرَارَة بن عبد الرَّحْمَن بن صرد بن سمير بن مليك بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الْكلابِي الْكُوفِي، هَكَذَا نسبه مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) ، وَقيل: اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَعَبدَة لقبه، سمع جمَاعَة من التَّابِعين، مِنْهُم: هِشَام وَالْأَعْمَش، وَعنهُ الْأَعْلَام: أَحْمد وَغَيره. قَالَ أَحْمد: ثِقَة ثِقَة وَزِيَادَة مَعَ صَلَاح، وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة رجل صَالح صَاحب قُرْآن، توفّي بِالْكُوفَةِ فِي جُمَادَى، وَقيل: فِي رَجَب سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة؛ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ البُخَارِيّ: سنة سبع، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، وَقد ذكرُوا فِي بَاب الْوَحْي. (بَيَان الْأَنْسَاب) السّلمِيّ، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام، فِي قيس غيلَان، وَفِي الأزد، فَالَّذِي فِي قيس غيلَان: سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان، وَالَّذِي فِي الأزد: سليم بن بهم بن غنم بن دوس، وَهُوَ من شَاذ النّسَب، وَقِيَاسه: سليمي. البُخَارِيّ: نِسْبَة إِلَى بُخَارى، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، مَدِينَة مَشْهُورَة بِمَا وَرَاء النَّهر، خرجت مِنْهَا
الْعلمَاء والصلحاء، ويشتمل على بُخَارى وعَلى قراها ومزارعها سور وَاحِد نَحْو اثْنَي عشر فرسخاً، فِي مثلهَا، وَقَالَ ابْن حوقل: ورساتيق بُخَارى تزيد على خَمْسَة عشر رستاقاً، جَمِيعهَا دَاخل الْحَائِط الْمَبْنِيّ على بلادها، وَلها خَارج الْحَائِط أَيْضا عدَّة مدن مِنْهَا: فربر وَغَيرهَا. البيكندي: بباء مُوَحدَة مكسوة ثمَّ يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ كَاف مَفْتُوحَة ثمَّ نون سَاكِنة، نِسْبَة إِلَى بيكند، بَلْدَة من بِلَاد بُخَارى على مرحلة مِنْهَا، خربَتْ، وَيُقَال: الباكندي أَيْضا، وَيُقَال بِالْفَاءِ أَيْضا: الفاكندي، وينسب إِلَيْهَا ثَلَاثَة أنفس انْفَرد البُخَارِيّ بهم، أحدهم: مُحَمَّد بن سَلام الْمَذْكُور، وثانيهم: مُحَمَّد بن يُوسُف، وثالثهم: يحيى بن جَعْفَر الْكلابِي فِي قيس غيلَان ينْسب إِلَى: كلاب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان. (بَيَان لطائف أسناده) : مِنْهَا: أَن فِيهِ تحديثاً وإخباراً وعنعنة، والإخبار فِي قَوْله: أخبرنَا عُبَيْدَة بن سُلَيْمَان، وفى رِوَايَة الْأصيلِيّ، حَدثنَا. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مُشْتَمل على: بخاري وكوفي ومدني، وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. (بَيَان من أخرجه) هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَهُوَ من غرائب الصَّحِيح، لَا يعرف إلاَّ من هَذَا الْوَجْه، وَهُوَ مَشْهُور عَن هِشَام، فَرد مُطلق من حَدِيثه، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (بِمَا يُطِيقُونَ) من: أطَاق يُطيق إطاقة، وطوقتك الشَّيْء أَي: كلفتك بِهِ. قَوْله (كهيئتك) الْهَيْئَة الْحَالة وَالصُّورَة، وَفِي (الْعباب) الْهَيْئَة الشاردة، وَفُلَان حسن الْهَيْئَة، والهيئة بِالْفَتْح وَالْكَسْر، والهيء على فيعل: الْحسن الْهَيْئَة من كل شَيْء يُقَال: هَاء يهاء هَيْئَة. قَوْله: (إِن الله قد غفر) الغفر فِي اللُّغَة السّتْر. وَفِي (الْعباب) : الغفر التغطية، والغفر والغفران وَالْمَغْفِرَة وَاحِد، ومغفرة الله لعَبْدِهِ إلباسه إِيَّاه الْعَفو، وَستر ذنُوبه. قَوْله: (فيغضب) من غضب عَلَيْهِ غَضبا ومغضبة أَي: سخط، وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْغَضَب من المخلوقين شَيْء يداخل قُلُوبهم، وَيكون مِنْهُ مَحْمُود ومذموم، والمذموم مَا كَانَ فِي غير الْحق، وَأما غضب الله تَعَالَى فَهُوَ إِنْكَاره على من عَصَاهُ فيعاقبه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله: إِن الله يغْضب ويرضى لَا كَأحد من الورى، قَالَ فِي (الْعباب) : وأصل التَّرْكِيب يدل على شدَّة وَقُوَّة. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) اسْم كَانَ، وَخَبره قَوْله: إِذا أَمرهم، قَوْله: (قَالُوا) جَوَاب: إِذا، قَوْله: (لسنا كهيئتك) ، لَيْسَ المُرَاد نفي تَشْبِيه ذواتهم بحالته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَا بُد من تَأْوِيل فِي أحد الطَّرفَيْنِ، فَقيل: المُرَاد كهيئتك: كمثلك، أَي: كذاتك، أَو: كنفسك، وَزيد لفظ الْهَيْئَة للتَّأْكِيد، نَحْو: مثلك لَا يبخل أَو التَّقْدِير فِي لسنا: لَيْسَ حَالنَا، فَحذف الْحَال وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه، واتصل الْفِعْل بالضمير فَقيل: لسنا، فالنون اسْم لَيْسَ، وَخَبره قَوْله: كهيئتك، قَوْله: (مَا تقدم) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول غفر، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة وَقَوله: (وَمَا تَأَخّر) عطف عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: وَمَا تَأَخّر من ذَنْبك. قَوْله: (فيغضب) على صُورَة الْمُضَارع، فَهُوَ وَإِن كَانَ بِلَفْظ الْمُضَارع وَلَكِن الْمَقْصُود حِكَايَة الْحَال الْمَاضِيَة، واستحضار تِلْكَ الصُّورَة الْوَاقِعَة للحاضرين، وَفِي أَكثر النّسخ: فَغَضب، بِلَفْظ الْمَاضِي، قَوْله: (حَتَّى يعرف الْغَضَب) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْغَضَب مَرْفُوع بِهِ، وَإِمَّا يعرف فَإِنَّهُ مَنْصُوب بِتَقْدِير: أَن، أَي: حَتَّى أَن يعرف الْغَضَب، وَالنّصب هُوَ الرِّوَايَة، وَيجوز فِيهِ الرّفْع بِأَن يكون عطفا على: فيغضب، فَافْهَم. قَوْله: (إِن أَتْقَاكُم) أَي: أَكْثَرَكُم تقوى وخشية من الله تَعَالَى، واتقاكم: اسْم إِن، و: أعلمكُم، عطف عَلَيْهِ، وَقَوله: أَنا، خَبره، وَفِي كتاب أبي نعيم: (وَأعْلمكُمْ بِاللَّه لأَنا) بِزِيَادَة لَام التَّأْكِيد. (بَيَان الْمعَانِي) : قَوْله: (إِذا أَمرهم من الْأَعْمَال) أَي: إِذا أَمر النَّاس بِعَمَل أَمرهم بِمَا يُطِيقُونَ ظَاهره أَنه كَانَ يكلفهم بِمَا يُطَاق فعله، لَكِن السِّيَاق دلّ على أَن المُرَاد أَنه يكلفهم بِمَا يُطَاق الدَّوَام على فعله، وَوَقع فِي مُعظم الرِّوَايَات: (كَانَ إِذا أَمرهم أَمرهم من الْأَعْمَال) بتكرار أَمرهم، وَفِي بَعْضهَا أَمرهم مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ الَّذِي وَقع فِي طرق هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عَبدة، وَكَذَا من طَرِيق ابْن نمير وَغَيره، عَن هِشَام عِنْد أَحْمد، وَكَذَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي أُسَامَة، عَن هِشَام وَلَفظه: (كَانَ إِذا أَمر النَّاس بالشَّيْء قَالُوا) ، وَالْمعْنَى على التكرير: كَانَ إِذا أَمرهم بِعَمَل من الْأَعْمَال أَمرهم بِمَا يُطِيقُونَ الدَّوَام عَلَيْهِ، فَأَمرهمْ: الثَّانِي يكون جَوَاب الشَّرْط. فَإِن قلت: فعلى هَذَا مَا يكون قَوْله: قَالُوا؟ قلت: يكون جَوَابا ثَانِيًا. قَوْله
- (باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان)
(إِنَّا لسنا كهيأتك) أَرَادوا بِهَذَا الْكَلَام طلب الْإِذْن فِي الزِّيَادَة من الْعِبَادَة، وَالرَّغْبَة فِي الْخَيْر يَقُولُونَ: أَنْت مغْفُور لَك لَا تحْتَاج إِلَى عمل، وَمَعَ هَذَا أَنْت مواظب على الْأَعْمَال، فَكيف بِنَا وذنوبنا كَثِيرَة، فَرد عَلَيْهِم، وَقَالَ: أَنا أولى بِالْعَمَلِ لِأَنِّي أعلمكُم وأخشاكم. قَوْله: (إِن الله قد غفر لَك) اقتباس من قَوْله تَعَالَى: {ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر} (الْفَتْح: 2) وَقد عرفت مَا فِي هَذَا التَّرْكِيب من المؤكدات. فَإِن قلت: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعْصُوم عَن الْكَبَائِر والصغائر فَمَا ذَنبه الَّذِي غفر لَهُ؟ قلت: المُرَاد مِنْهُ ترك الأولى وَالْأَفْضَل بالعدول إِلَى الْفَاضِل، وَترك الْأَفْضَل كَأَنَّهُ ذَنْب لجلالة قدر الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، وَيُقَال: المُرَاد مِنْهُ ذَنْب أمته. قَوْله: (اتقاكم) إِشَارَة إِلَى كَمَال الْقُوَّة العملية، وَأعْلمكُمْ إِلَى كَمَال الْقُوَّة العلمية وَلما كَانَ، عَلَيْهِ السَّلَام، جَامعا لأقسام التَّقْوَى حاوياً لأقسام الْعُلُوم، مَا خصص التَّقْوَى وَلَا الْعلم، وَأطلق، وَهَذَا قريب مِمَّا قَالَ عُلَمَاء الْمعَانِي، قد يقْصد بالحذف إِفَادَة الْعُمُوم والاستغراق، وَيعلم مِنْهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا أَنه أفضل من كل وَاحِد وَأكْرم عِنْد الله وأكمل، لِأَن كَمَال الْإِنْسَان منحصر فِي الحكمتين العلمية والعملية، وَهُوَ الَّذِي بلغ الدرجَة الْعليا والمرتبة القصوى مِنْهُمَا، يجوز أَن يكون أفضل وَأكْرم وأكمل من الْجَمِيع حَيْثُ قَالَ: (اتقاكم وَأعْلمكُمْ) خطابا للْجَمِيع. (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: أَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة ترقي صَاحبهَا إِلَى الْمَرَاتِب السّنيَّة من: رفع الدَّرَجَات ومحو الخطيئات، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام، لم يُنكر عَلَيْهِم استدلالهم من هَذِه الْجِهَة، بل من جِهَة أُخْرَى. الثَّانِي: أَن الْعِبَادَة الأولى فِيهَا الْقَصْد وملازمة مَا يُمكن الدَّوَام عَلَيْهِ. الثَّالِث: أَن الرجل الصَّالح يَنْبَغِي أَن لَا يتْرك الِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل إعتماداً على صَلَاحه. الرَّابِع: أَن الرجل يجوز لَهُ الْإِخْبَار بفضيلته إِذا دعت إِلَى ذَلِك حَاجَة. الْخَامِس: أَنه يَنْبَغِي أَن يحرص على كتمانها فَإِنَّهُ يخَاف من إشاعتها زَوَالهَا. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز الْغَضَب عِنْد رد أَمر الشَّرْع ونفوذ الحكم فِي حَال الْغَضَب والتغير، السَّابِع: فِيهِ دَلِيل على رفق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بأمته، وَأَن الدّين يسر، وَأَن الشَّرِيعَة حنيفية سَمْحَة. الثَّامِن: فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى شدَّة رَغْبَة الصَّحَابَة فِي الْعِبَادَة، وطلبهم الازدياد من الْخَيْر. 14 - (بَاب مَنْ كَرِهَ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَن يُلْقَى فِي النارِ مِن الإِيمانِ) أَي: هَذَا بَاب من كره، وَيجوز فِي بَاب التَّنْوِين وَالْوَقْف وَالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وعَلى كل التَّقْدِير قَوْله: من، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: من الْإِيمَان، و: أَن فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّة، وَكَذَلِكَ كلمة: مَا وَمن، مَوْصُولَة، وَكره أَن يعود: صلتها، وَفِيه حذف، تَقْدِير الْكَلَام: بَاب كَرَاهَة من كره الْعود فِي الْكفْر ككراهة الْإِلْقَاء فِي النَّار من شعب الْإِيمَان. وَالْكَرَاهَة ضد الْإِرَادَة والرضى، وَالْعود بِمَعْنى الصيرورة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ضمن فِيهِ معنى الِاسْتِقْرَار حَتَّى عدى بفي، وَنَحْوه قَوْله تَعَالَى: {أَو لتعودن فِي ملتنا} (الْأَعْرَاف: 88) قلت: فِي، تَجِيء بِمَعْنى: إِلَى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم} (إِبْرَاهِيم: 9) . وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ: أَن فِي الْبَاب الأول أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا أَمر أَصْحَابه بِعَمَل كَانُوا يسألونه أَن يعملوا بِأَكْثَرَ من ذَلِك، وَذَلِكَ لوجدانهم حلاوة الْإِيمَان من شدَّة محبتهم للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا يتَضَمَّن هَذَا الْمَعْنى لِأَن فِيهِ؛ من أحب الله وَرَسُوله أَكثر مِمَّا يحب غير الله وَرَسُوله فَإِنَّهُ يفوز بحلاوة الْإِيمَان. 21 - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسٍ رَضِي الله عَنهُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمانِ مَنْ كانَ اللَّهُ ورسولهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ أَحَبَّ عَبْداً لاَ يُحِبُّهُ إلاَّ للَّهِ ومَنْ يَكرَهُ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْقَذَهُ اللَّهُ كَمَا يَكْرَهُ أَن يُلْقَى فِي النارِ. (رَاجع الحَدِيث رقم 16) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الحَدِيث مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَفِيمَا مضى بوبه على جُزْء مِنْهُ، وَهَهُنَا بوب على جُزْء آخر، لِأَن عَادَته قد جرت فِي التَّبْوِيب على مَا يُسْتَفَاد من الحَدِيث، وَلَا يُقَال: إِنَّه تكْرَار، لِأَن بَينه وَبَين مَا سبق تفَاوت
- (باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال)
كثير فِي الْإِسْنَاد والمتن، أما فِي الْإِسْنَاد فَفِيمَا مضى عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، عَن عبد الْوَهَّاب، عَن أَيُّوب، عَن أبي قلَابَة، عَن أنس. وَهَهُنَا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة، عَن أنس. وَأما فِي الْمَتْن: فَفِيمَا مضى لَفظه أَن يكون الله وَرَسُوله أحب، وَأَن يحب الْمَرْء، وَأَن يكره، وَأَن يقذف مَوضِع أَن يلقى، وَهَهُنَا كَمَا ترَاهُ مَعَ زِيَادَة؛ (بعد أَن أنقذه الله) ، على أَن الْمَقْصُود من إِيرَاده هَهُنَا تبويب آخر غير ذَلِك التَّبْوِيب لما قُلْنَا، وَأما شيخ البُخَارِيّ هَهُنَا فَهُوَ أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن حَرْب بن بجيل، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم الْمَكْسُورَة بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَفِي آخِره لَام. الْأَزْدِيّ الواشحي، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة، الْبَصْرِيّ، و: واشح بطن من الأزد، سكن مَكَّة وَكَانَ قاضيها، سمع: شُعْبَة والحمادين وَغَيرهم، وَعنهُ: أَحْمد والذهلي والْحميدِي والنجاري، وَهَؤُلَاء شُيُوخه، وَقد شاركهم فِي الرِّوَايَة عَنهُ، وروى عَنهُ: أَبُو دَاوُد أَيْضا، وروى مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ إِمَام من الْأَئِمَّة لَا يُدَلس وَيتَكَلَّم فِي الرِّجَال وَالْفِقْه، وَظهر من حَدِيثه نَحْو عشرَة آلَاف، مَا رَأَيْت فِي يَده كتابا قطّ، وَلَقَد حضرت مَجْلِسه بِبَغْدَاد فحرزوا من حضر مَجْلِسه أَرْبَعِينَ ألف رجل، قَالَ البُخَارِيّ: ولد سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة، وَتُوفِّي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَت وَفَاته بِالْبَصْرَةِ. وَكَانَ قد عزل من قَضَاء مَكَّة وَرجع إِلَيْهَا. (وَمن لطائف أسناده) أَنهم كلهم بصريون، وَهُوَ أحد ضروب علو الرِّوَايَة. قَوْله: (ثَلَاث) أَي: ثَلَاث خِصَال أَو خلال، وَقد مر الْإِعْرَاب فِيهِ، قَوْله: (من كَانَ الله) يجوز فِي إعرابه الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون بَدَلا من ثَلَاث، أَو بَيَانا، وَالْآخر: أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَتَقْدِير الأول: من الَّذين فيهم الْخِصَال الثَّلَاث من كَانَ الله إِلَى آخِره، وَيجوز أَن يكون خَبرا لقَوْله: ثَلَاث، على تَقْدِير كَون الْجُمْلَة الشّرطِيَّة صفة لثلاث. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يقدر قبل من الأولى، وَالثَّانيَِة لَفْظَة: محبَّة، وَقيل من الثَّالِثَة لفظ: كَرَاهَة، أَي: محبَّة من كَانَ وَمن أحب وَكَرَاهَة من كره، ولشدة اتِّصَال الْمُضَاف بالمضاف إِلَيْهِ وَغَلَبَة الْمحبَّة وَالْكَرَاهَة عَلَيْهِم جَازَ حذف الْمُضَاف مِنْهَا. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير لِاسْتِقَامَةِ الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى بِدُونِهِ، على مَا لَا يخفى. قَوْله: (بعد إِذْ أنقذه الله) بعد، نصب على الظّرْف، وَإِذ، كلمة ظرف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا} (التَّوْبَة: 40) وَمعنى انقذه الله: خلصه ونجاه، وَهُوَ من الإنقاذ، وثلاثيه النقذ، قَالَ ابْن دُرَيْد: النقذ مصدر نقذ بِالْكَسْرِ ينقذ نقذاً بِالتَّحْرِيكِ: إِذا نجى، قَالَ تَعَالَى: {فأنقذكم مِنْهَا} (آل عمرَان: 103) أَي: خلصكم، يُقَال: أنقذته واستنقذته وتنقذته: إِذا خلصته ونجيته، قَالَ تَعَالَى: {لَا يستنقذوه مِنْهُ} (الْحَج: 73) وَفِي (الْعباب) : والتركيب يدل على الاستخلاص. 15 - (بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمانِ فِي الأَعْمَالِ) أَي: هَذَا بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان، وَالْأَصْل: هَذَا بَاب فِي بَيَان تفاضل أهل الْإِيمَان فِي أَعْمَالهم، وتفاضل، مجرور بِإِضَافَة الْبَاب إِلَيْهِ، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ. وَقَوله: (فِي الْأَعْمَال) خَبره، وَيكون الْبَاب مُضَافا إِلَى جملَة، وَقَوله: فِي الْأَعْمَال يتَعَلَّق بتفاضل. أَو يتَعَلَّق بمقدر نَحْو: الْحَاصِل، وَكلمَة: فِي، للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فِي النَّفس المؤمنة مائَة إبل) أَي: التَّفَاضُل الْحَاصِل بِسَبَب الْأَعْمَال. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول ثَلَاث خِصَال، وَالنَّاس متفاوتون فِيهَا، والفاضل من اسْتكْمل الثَّلَاث فقد حصل فِيهِ التَّفَاضُل فِي الْعَمَل، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي التَّفَاضُل فِي الْعَمَل. 22 - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدّثني مَالِكٌ عَن عَمْرِو بنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَن أبِيهِ عَن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِي رَضِي الله عَنهُ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ يدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُم يَقولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا مَن كَانَ فِي قَلْبِهِ مثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَياءِ أَو الحَيَاةِ شَكَّ مَالِكٌ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جانِب السَّيْلِ أَلَمْ تَرَ أَنَّها تَخْرُجُ صَفَرَاءَ مُلْتَوِيَةً.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ: أَن الْقَلِيل جدا من الْإِيمَان يخرج صَاحبه من النَّار
والتفاوت فِي شَيْء فِيهِ الْقلَّة وَالْكَثْرَة ظَاهر وَهُوَ عين التَّفَاضُل، لَا يُقَال: الحَدِيث إِنَّمَا يدل على تفاضلهم فِي ثَوَاب الْأَعْمَال لَا فِي نفس الْأَعْمَال، إِذْ الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان أَن بعض الْمُؤمنِينَ يدْخلُونَ الْجنَّة أول الْأَمر، وَبَعْضهمْ يدْخلُونَ آخرا لأَنا نقُول: يدل على تفَاوت النَّاس فِي الْأَعْمَال أَيْضا، لِأَن الْإِيمَان: إِمَّا التَّصْدِيق وَهُوَ عمل الْقلب، وَإِمَّا التَّصْدِيق مَعَ الْعَمَل، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ قَابل للتفاوت، إِذْ مِثْقَال الْحبَّة إِشَارَة إِلَى مَا هُوَ أقل مِنْهُ أَو تفَاوت الثَّوَاب مُسْتَلْزم لتَفَاوت الْأَعْمَال شرعا، وَيحْتَمل أَن يُرَاد من الْأَعْمَال ثَوَاب الْأَعْمَال، إِمَّا تجوزاً بِإِطْلَاق السَّبَب وَإِرَادَة الْمُسَبّب، وَإِمَّا إضماراً بِتَقْدِير لفظ الثَّوَاب مُضَافا إِلَيْهَا. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن عبد الله أبي أويس بن عبد الله بن أويس بن مَالك بن أبي عَامر الأصبحي، عَم مَالك بن أنس أخي الرّبيع وَأنس وَأبي سُهَيْل نَافِع أَوْلَاد مَالك بن أبي عَامر؛ وَإِسْمَاعِيل هَذَا ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، سمع: خَاله وأباه وأخاه عبد الْمجِيد وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَسليمَان بن بِلَال وَآخَرين، روى عَنهُ: الدَّارمِيّ وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهم من الْحفاظ، وروى مُسلم أَيْضا عَن رجل عَنهُ، وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَلم يخرج لَهُ النَّسَائِيّ لِأَنَّهُ ضعفه، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق وَكَانَ مغفلاً، وَقَالَ يحيى بن معِين: هُوَ ووالده ضعيفان، وَعنهُ: يسرقان الحَدِيث، وَعنهُ: إِسْمَاعِيل صَدُوق ضَعِيف الْعقل لَيْسَ بذلك، يَعْنِي: أَنه لَا يحسن الحَدِيث وَلَا يعرف أَن يُؤَدِّيه وَيقْرَأ فِي غير كِتَابه، وَعنهُ: مختلط يكذب لَيْسَ بِشَيْء، وَعنهُ: يُسَاوِي فلسين، وَعنهُ: لَا بَأْس بِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد: قَالَ أَبُو الْقَاسِم اللالكائي: بَالغ النَّسَائِيّ فِي الْكَلَام عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّي إِلَى تَركه، وَلَعَلَّه بَان لَهُ مَا لم يبن لغيره، لِأَن كَلَام هَؤُلَاءِ كلهم يؤول إِلَى أَنه ضَعِيف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا اخْتَارَهُ فِي الصَّحِيح. وَقَالَ ابْن عدي: روى عَن خَاله مَالك أَحَادِيث غرائب لَا يُتَابِعه أحد عَلَيْهَا. وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن معِين وَأحمد، وَالْبُخَارِيّ يحدث عَنهُ بالكثير وَهُوَ خير من أَبِيه، وَقَالَ الْحَاكِم: عيب على البُخَارِيّ وَمُسلم إخراجهما حَدِيثه وَقد احتجا بِهِ مَعًا، وغمزه من يحْتَاج إِلَى كَفِيل فِي تَعْدِيل نَفسه، أَعنِي: النَّضر بن سَلمَة، أَي: فَإِنَّهُ قَالَ: كَذَّاب. قلت: قد غمزه من لَا يحْتَاج إِلَى كَفِيل، وَمن قَوْله حجَّة مَقْبُولَة. وَقد أخرجه البُخَارِيّ عَن غَيره أَيْضا، فاللين الَّذِي فِيهِ يُجبر إِذن. مَاتَ فِي سنة سِتّ، وَيُقَال: فِي رَجَب سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: مَالك بن أنس، وَقد تقدم ذكره. الثَّالِث: عَمْرو، بِفَتْح الْعين، ابْن يحيى بن عمَارَة، وَوَقع بِخَط النَّوَوِيّ فِي شَرحه عُثْمَان وَهُوَ تَحْرِيف، ابْن أبي حسن تَمِيم بن عَمْرو، وَقيل: يحيى بن عَمْرو، حَكَاهُ الذَّهَبِيّ فِي الصَّحَابَة، ابْن قيس بن يحرث بن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي روى عَن أَبِيه وَعَن غَيره من التَّابِعين، وَعنهُ: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَغَيره من التَّابِعين وَغَيرهم، والأنصاري من أقرانه، وروى عَن يحيى بن كثير وَهُوَ من أقرانه أَيْضا، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ، توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. وَعمارَة صَحَابِيّ بَدْرِي عَقبي، ذكره أَبُو مُوسَى وَأَبُو عمر، وَفِيه نظر. نعم، أَبوهُ صَحَابِيّ عَقبي بَدْرِي، وَقَالَ ابْن سعد: وَشهد الخَنْدَق وَمَا بعد هَذَا، وَأم عَمْرو هَذَا هِيَ أم النُّعْمَان بنت أبي حنة، بالنُّون، ابْن عَمْرو بن غزيَّة بن عَمْرو بن عَطِيَّة ابْن خنساء بن مندول بن عَمْرو بن غَانِم بن مَازِن بن النجار. الرَّابِع: أَبُو يحيى بن عُثْمَان بن أبي حسن الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي، سمع: أَبَا سعيد وَعبد الله بن زيدذ، وَعنهُ ابْنه وَالزهْرِيّ وَغَيرهمَا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) : أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك، وَفِي صفة الْجنَّة وَالنَّار عَن وهيب بن خَالِد، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن هَارُون عَن ابْن وهب عَن مَالك، وَعَن أبي بكر عَن عَفَّان عَن وهيب، وَعَن حجاج ابْن الشَّاعِر عَن عَمْرو بن عون عَن خَالِد بن عبد الله ثَلَاثَتهمْ عَن عَمْرو بن يحيى بِهِ، وَوَقع هَذَا الحَدِيث للْبُخَارِيّ عَالِيا بِرَجُل عَن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد وَافق إِسْمَاعِيل على رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عبد الله بن وهب ومعن بن عِيسَى عَن مَالك، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ غَرِيب صَحِيح، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل: (يدْخل الله) ، وَزَاد من طَرِيق معن: (يدْخل من يَشَاء برحمته) ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ على طَرِيق ابْن وهب. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (مِثْقَال حَبَّة) المثقال: كالمقدار لفظا وَمعنى، مفعال من الثّقل، وَفِي (الْعباب) : مِثْقَال الشَّيْء مِيزَانه من مثله، وَقَوله تَعَالَى: {مِثْقَال ذرة} (النِّسَاء: 40) أَي: زنة ذرة، قَالَ: (وكلا يوافيه الْجَزَاء بمثقال) أَي: بِوَزْن. وَحكى أَبُو نصر: ألْقى عَلَيْهِ
مثاقيله؛ أَي مؤونته، والثقل ضد الخفة، والمثقال فِي الْفِقْه من الذَّهَب عبارَة عَن اثْنَيْنِ وَسبعين شعيرَة، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: ذكر فِي (الِاخْتِيَار) أَن المثقال عشرُون قيراطاً وَكَذَا ذكر فِي (الْهِدَايَة) وَفِي (الْعباب) : القيراط مَعْرُوف ووزنه يخْتَلف باخْتلَاف الْبِلَاد، فَهُوَ عِنْد أهل مَكَّة، حرسها الله تَعَالَى: ربع سدس الدِّينَار، وَعند أهل الْعرَاق: نصف عشر الدِّينَار. قلت: ذكر الْفُقَهَاء أَن القيراط: طسوجتان، والطسوجة: شعيرتان، والشعيرة: ذرتان، والذرة: فتيلتان، والفتيلة: شعرتان. وَأما المُرَاد هَهُنَا من المثقال فقد قيل: هُوَ وزن مُقَدّر، الله أعلم بِقَدرِهِ، وَلَيْسَ المُرَاد الْمُقدر هَذَا الْمَعْلُوم، فقد جَاءَ مُبينًا، وَكَانَ فِي قلبه من الْخَيْر مَا يزن برة، والحبة، بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: وَاحِدَة الْحبّ الْمَأْكُول من الْحِنْطَة وَنَحْوهَا، وَفِي (الْمُحكم) وَجمع الْحبَّة حبات وحبوب وَحب وحبان، الْأَخِيرَة نادرة. قَوْله: (من خَرْدَل) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: هُوَ نَبَات مَعْرُوف يشبه الشَّيْء الْقَلِيل البليغ فِي الْقلَّة، بذلك يَعْنِي: يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه أقل قدر من الْإِيمَان، وَقَالَ فِي (الْعباب) : الْخَرْدَل مَعْرُوف واحدته: خردلة؛ قَوْله: (فِي نهر الْحيَاء) كَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة بِالْمدِّ، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَلَا وَجه لَهُ كَمَا نبه عَلَيْهِ القَاضِي، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا بِالْقصرِ، وَعَلِيهِ الْمَعْنى، لِأَن المُرَاد كل مَا يحصل بِهِ الْحَيَاة، والحيا بِالْقصرِ هُوَ الْمَطَر، وَبِه يحصل حَيَاة النَّبَات، فَهُوَ أليق بِمَعْنى الْحَيَاة من الْحيَاء الْمَمْدُود الَّذِي بِمَعْنى الخجل، ونهر الْحَيَاة مَعْنَاهُ المَاء الَّذِي يحيى من انغمس فِيهِ. قَوْله: (كَمَا تنْبت الحِبَّة) بِكَسْر الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، بذر العشب، وَجمعه حبب، كقربة وَقرب. وَيحْتَمل أَن يكون اللَّام للْعهد، وَيُرَاد بِهِ: حَبَّة بقلة الحمقاء، لِأَن شَأْنه أَن ينْبت سَرِيعا على جَانب السَّيْل فيتلفه السَّيْل، ثمَّ ينْبت فيتلفه السَّيْل، وَلِهَذَا سميت بالحمقاء، لِأَنَّهُ لَا تَمْيِيز لَهَا فِي اخْتِيَار المنبت. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحبَّة، بِالْكَسْرِ: بذور الصَّحرَاء مِمَّا لَيْسَ بقوت، وَفِي الحَدِيث يَنْبُتُونَ كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي حميل السَّيْل، وَتسَمى: الرجلة، بِكَسْر الرَّاء وَالْجِيم، بقلة الحمقاء لِأَنَّهَا لَا تنْبت إلاَّ فِي المسيل. وَقَالَ الْكسَائي: هُوَ حب الرياحين، فَفِي بعض الرِّوَايَات فِي حميل السَّيْل: وَهُوَ مَا يحملهُ السَّيْل من طين وَنَحْوه، قيل: فَإِذا اتّفق فِيهِ الْحبَّة واستقرت على شط مجْرى السَّيْل تنْبت فِي يَوْم وَلَيْلَة، وَهِي أسْرع نابتة نباتاً. وَفِي (الْمُحكم) : الْحبَّة بذور الْبُقُول والرياحين، وَاحِدهَا حب، وَقيل: إِذا كَانَت الْحُبُوب مُخْتَلفَة من كل شَيْء فَهِيَ حَبَّة، وَقيل: الْحبَّة نبت ينْبت فِي الْحَشِيش صغَار، وَقيل: مَا كَانَ لَهُ حب من النَّبَات فاسم ذَلِك الْحبّ الْحبَّة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي: الْحبَّة، بِالْكَسْرِ: جَمِيع بذور النَّبَات، واحدتها حَبَّة، بِالْفَتْح. وَعَن الْكسَائي: أما الْحبّ فَلَيْسَ إلاَّ الْحِنْطَة وَالشعِير، واحدتها حَبَّة بِالْفَتْح، وَإِنَّمَا افْتَرقَا فِي الْجمع؛ والحبة: بذر كل نَبَات ينْبت وَحده من غير أَن يبذر، وكل مَا بذر فبذره حَبَّة، بِالْفَتْح. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مَا كَانَ لَهُ حب من النبت فاسمه حَبَّة إِذا جمع الْحبَّة، وَقَالَ أَبُو زِيَاد: كل مَا يبس من البقل كُله ذكوره وأحراره يُسمى: الْحبَّة إِذا سقط على الأَرْض وتكسر، وَمَا دَامَ قَائِما بعد يبسه فَإِنَّهُ يُسمى القت. وَفِي (الغريبين) : حب الْحِنْطَة يُسمى حَبَّة بِالتَّخْفِيفِ، والحبة، بِكَسْر الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء اسْم جَامع لحبوب الْبُقُول الَّتِي تَنْتَشِر إِذا هَاجَتْ، ثمَّ إِذا مطرَت فِي قَابل تنْبت. وَفِي (الْعباب) : الْحبَّة بِالْكَسْرِ بذور الصَّحرَاء، وَالْجمع الحبب. قَوْله: فِي جَانب السَّيْل، كَذَا هَهُنَا، وَجَاء: حميل، بدل: جَانب، وَفِي رِوَايَة وهيب: حماة السَّيْل، والحميل، بِمَعْنى الْمَحْمُول، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ من طين أَو غثاء، والحمأة مَا تغير لَونه من الطين، وَكله بِمَعْنى. فَإِذا اتّفق فِيهِ حَبَّة على شط مجْرَاه فَإِنَّهَا تنْبت سَرِيعا. قَوْله: (صفراء) تَأْنِيث الْأَصْفَر من الاصفرار، وَهُوَ من جنس الألوان للرياحين، وَلِهَذَا تسر الناظرين، وَسيد رياحين الْجنَّة: الْحِنَّاء، وَهُوَ أصفر. قَوْله: (ملتوية) أَي: منعطفة منثنية، وَذَلِكَ أَيْضا يزِيد الريحان حسنا، يَعْنِي اهتزازه وتميله، وَالله تَعَالَى أعلم. (بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (يدْخل أهل الْجنَّة) فعل وفاعل. وَلَفْظَة: أهل، مُضَافَة إِلَى الْجنَّة، وَالْجنَّة الثَّانِيَة بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول، وَأَصله فِي الْجنَّة، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن الْجنَّة محدودة، وَكَانَ الْحق أَن يُقَال: دخلت فِي الْجنَّة، كَمَا فِي قَوْلك: دخلت فِي الدَّار لِأَنَّهَا محدودة، إلاَّ أَنهم حذفوا حرف الْجَرّ اتساعاً، وأوصلوا الْفِعْل إِلَيْهِ ونصبوه نصب الْمَفْعُول بِهِ. وَذهب الْجرْمِي: إِلَى أَنه فعل مُتَعَدٍّ، نصب الدَّار كنحو: بنيت الدَّار، وَقد دفعُوا قَوْله بِأَن مصدره يَجِيء على فعول، وَهُوَ من مصَادر الْأَفْعَال اللَّازِمَة، نَحْو: قعد قعُودا، وَجلسَ جُلُوسًا، وَلِأَن مُقَابِله لَازم. أَعنِي: خرجت، قلت: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ غير مطرد، لِأَن ذهب لَازم وَمَا يُقَابله جَاءَ متعدٍ، قَالَ الله تَعَالَى: {أوجاؤكم حصرت صُدُورهمْ} (النِّسَاء: 90) قَوْله: وَأهل النَّار، كَلَام إضافي عطف على الْأَهْل الأول، وَالتَّقْدِير: وَيدخل أهل النَّار النَّار، وَالْكَلَام فِي النَّار الثَّانِيَة مثل الْكَلَام فِي الْجنَّة الثَّانِيَة. قَوْله: (ثمَّ يَقُول الله عز وَجل)
كلمة: ثمَّ، هَهُنَا وَاقعَة فِي موقعها، وَهُوَ التَّرْتِيب مَعَ المهلة. قَوْله: (أخرجُوا) بِفَتْح الْهمزَة، لِأَنَّهُ أَمر من الْإِخْرَاج، وَهُوَ خطاب للْمَلَائكَة. وَقَوله: (من كَانَ فِي قلبه) إِلَى آخِره ... جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول لقَوْله: أخرجُوا، و: (من) ، مَوْصُولَة، وَقَوله: (كَانَ فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة) صلتها، و: (مِثْقَال حَبَّة) ، كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ وَخَبره هُوَ: قَوْله: (فِي قلبه) مقدما، وَقيل: يجوز أَن يكون: أخرجُوا، بِضَم الْهمزَة من الْخُرُوج، فعلى هَذَا يكون من، منادى قدحذف مِنْهُ حرف النداء، وَالتَّقْدِير: أخرجُوا يَا من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة، وَقَوله: (من خَرْدَل) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف وَهُوَ: حَاصِلَة، وَالتَّقْدِير: مِثْقَال حَبَّة حَاصِلَة من خَرْدَل، وَهِي فِي مَحل الْجَرّ على أَنَّهَا صفة لمجرور، وَقَوله: (من إِيمَان) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف آخر، وَالتَّقْدِير: من خَرْدَل حَاصِل من إِيمَان، وَهُوَ أَيْضا فِي مَحل الْجَرّ نَحْوهَا، وَيجوز أَن تتَعَلَّق: من، هَذِه بقوله: من كَانَ، وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِفعل وَاحِد حرفا جرٍ من جنس وَاحِد. فَافْهَم. قَوْله: (فَيخْرجُونَ مِنْهَا) أَي: من النَّار، وَالْفَاء فِيهِ للاستئناف، تَقْدِيره: فهم يخرجُون، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {كن فَيكون} (الْبَقَرَة: 117 وَغَيرهَا) قَوْله: (قد اسودوا) جملَة قد وَقعت حَالا، أَي: صَارُوا سُودًا كالفحم من تَأْثِير النَّار. قَوْله: (فيلقون) على صِيغَة الْمَجْهُول، جملَة معطوفة على الْجُمْلَة الأولى بِالْفَاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّرْتِيب، قَوْله: (شكّ مَالك) جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله: (فيلقون فِي نهر الْحَيَاة) وَبَين قَوْله: (فينبتون) ، وَأَرَادَ أَن الترديد بَين الْحيَاء والحياة إِنَّمَا هُوَ من مَالك بن أنس الإِمَام، وَهُوَ الَّذِي شكّ فِيهِ، وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة مَالك، فَأَيهمْ الشاك؟ وَقد فسر هُنَا قَوْله: (فينبتون) عطف على قَوْله: فيلقون. قَوْله: (كَمَا تنْبت الْحبَّة) الْكَاف للتشبيه، وَمَا مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: كنبات الْحبَّة، وَمحل الْجُمْلَة: النصب على أَنَّهَا صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: فينبتون نباتاً كنبات الْحبَّة، قَوْله: (ألم تَرَ) خطاب لكل من يَتَأَتَّى مِنْهُ الرُّؤْيَة. قَوْله: (تخرج) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن، قَوْله: (صفراء ملتوية) حالان متداخلتان أَو مترادفتان. (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله: (يدْخل) فعل مضارع وَقد علم أَنه صَالح للْحَال والاستقبال، فَقيل: حَقِيقَة فِي الْحَال، مجَاز فِي الِاسْتِقْبَال، وَقيل: بِالْعَكْسِ. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: الصَّحِيح أَنه مُشْتَرك بَينهمَا لِأَنَّهُ يُطلق عَلَيْهِمَا على السوية، وَهُوَ دَلِيل الِاشْتِرَاك. وَفِي قَوْله: على السوية، نظر لَا يخفى، ثمَّ إِنَّه لَا يخلص للاستقبال إلاَّ بِالسِّين وَنَحْوه، وَكَانَ الْقيَاس هَهُنَا أَن يذكر بأداة مخلصة للاستقبال، لِأَن دُخُول الْجنَّة وَالنَّار إِنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِقْبَال، وَلكنه مُحَقّق الْوُقُوع ذكره بِصُورَة الْحَال. قَوْله: (من إِيمَان) ذكره مُنْكرا لِأَن الْمقَام يَقْتَضِي التقليل، وَلَو عرف لم يفد ذَلِك، فَإِن قلت: فيكفيه الْإِيمَان بِبَعْض مَا يجب الْإِيمَان بِهِ، لِأَنَّهُ إيمانٌ مَا. قلت: لَا يَكْفِيهِ لِأَنَّهُ علم، من عرف الشَّرْع أَن المُرَاد من الْإِيمَان هُوَ الْحَقِيقَة الْمَعْهُودَة عرف أَو نكر. قَوْله: (مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل) ، من بَاب التَّمْثِيل ليَكُون عياراً فِي الْمعرفَة، وَلَيْسَ بعيار فِي الْوَزْن، لِأَن الْإِيمَان لَيْسَ بجسم يحصره الْوَزْن أَو الْكَيْل، لَكِن مَا يشكل من الْمَعْقُول قد يرد إِلَى عيار المحسوس ليفهم، وَيُشبه بِهِ ليعلم، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنه يَجْعَل عمل العَبْد، وَهُوَ عرض فِي جسم على مِقْدَار الْعَمَل عِنْد الله، ثمَّ يُوزن وَيدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ مُبينًا، وَكَانَ فِي قلبه من الْخَيْر مَا يزن برة. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: الصُّحُف الْمُشْتَملَة على الْأَعْمَال يزنها الله تَعَالَى على قدر أجور الْأَعْمَال، وَمَا يتَعَلَّق بهَا من ثَوَابهَا وعقابها، وَجَاء بِهِ الشَّرْع وَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يحيله، وَيُقَال: للوزن مَعْنيانِ: أَحدهمَا هَذَا، وَالْآخر تَمْثِيل الْأَعْرَاض بجواهر، فَيجْعَل فِي كفة الْحَسَنَات جَوَاهِر بيض مشرقة، وَفِي كفة السَّيِّئَات جَوَاهِر سود مظْلمَة. وَحكى الزّجاج وَغَيره من الْمُفَسّرين من أهل السّنة أَنه: إِنَّمَا يُوزن خَوَاتِيم الْأَعْمَال، فَإِن كَانَت خَاتِمَة عمله حسنا جوزي بِخَير، وَمن كَانَت خَاتِمَة عمله شرا جوزي بشر. ثمَّ علم: أَن المُرَاد بِحَبَّة الْخَرْدَل زِيَادَة على أصل التَّوْحِيد، وَقد جَاءَ فِي الصَّحِيح بَيَان ذَلِك، فَفِي رِوَايَة فِيهِ: (اخْرُجُوا من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَعمل من الْخَيْر مَا يزن كَذَا) ، ثمَّ بعد هَذَا يخرج مِنْهَا من لم يعْمل خيرا قطّ غير التَّوْحِيد، وَقَالَ القَاضِي: هَذَا هُوَ الصَّحِيح، إِذْ معنى الْخَيْر هَهُنَا أَمر زَائِد على الْإِيمَان، لِأَن مجرده لَا يتجزى، وَإِنَّمَا يتجزى الْأَمر الزَّائِد عَلَيْهِ وَهِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة، من: ذكر خَفِي، أَو شَفَقَة على مِسْكين، أَو خوف من الله تَعَالَى، وَنِيَّة صَادِقَة فِي عمل وَشبهه. وَذكر القَاضِي عَن قوم أَن الْمَعْنى فِي قَوْله: من إِيمَان وَمن خير: مَا جَاءَ مِنْهُ أَي: من الْيَقِين، إلاَّ أَنه قَالَ: المُرَاد ثَوَاب الْإِيمَان الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق، وَبِه يَقع التَّفَاضُل، فَإِن اتبعهُ بِالْعَمَلِ عظم ثَوَابه، وَإِن كَانَ على خلاف
ذَلِك نقص ثَوَابه. فَإِن قلت: كَيفَ يعلمُونَ مَا كَانَ فِي قُلُوبهم فِي الدُّنْيَا من الْإِيمَان ومقداره؟ قلت: لَعَلَّه بعلامات كَمَا يعلمُونَ أَنهم من أهل التَّوْحِيد. قَوْله: (كَمَا تنْبت الْحبَّة) الخ فِيهِ تَشْبِيه مُتَعَدد، وَهُوَ التَّشْبِيه من حَيْثُ الْإِسْرَاع، وَمن حَيْثُ ضعف النَّبَات، وَمن حَيْثُ الطراوة وَالْحسن، والمنى: من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من الْإِيمَان يخرج من ذَلِك المَاء نضراً حسنا منبسطاً متبختراً كخروج هَذِه الريحانة من جَانب السَّيْل صفراء متميلة، وَهَذَا يُؤَيّد كَون اللَّام فِي الْحبَّة للْجِنْس، لِأَن بقلة الحمقاء لَيست صفراء؛ إلاَّ أَن يقْصد بِهِ مُجَرّد الْحسن والطراوة، وَقد ذكرنَا وَجه كَونهَا للْعهد. (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) الأولى: فِيهِ حجَّة لأهل السّنة على المرجئة حَيْثُ علم مِنْهُ دُخُول طَائِفَة من عصارة الْمُؤمنِينَ النَّار، إِذْ مَذْهَبهم أَنه لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة، فَلَا يدْخل العَاصِي النَّار. الثَّانِيَة: فِيهِ حجَّة على الْمُعْتَزلَة حَيْثُ دلّ على عدم وجوب تخليد العَاصِي فِي النَّار. الثَّالِثَة: فِيهِ دَلِيل على تفاضل أهل الْإِيمَان فِي الْأَعْمَال. الرَّابِعَة: مَا قيل: إِن الْأَعْمَال من الْإِيمَان لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خَرْدَل من إِيمَان) ، وَالْمرَاد مَا زَاد على أصل التَّوْحِيد. قلت: لَا دلَالَة فِيهِ على ذَلِك أصلا على مَا لَا يخفى. قَالَ وُهَيْبٌ حَدثنَا عَمْرٌ والحَيَاةِ وَقَالَ خَرْدَلٍ مِنْ خيْرٍ. الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. الأول: أَن هَذَا من بَاب تعليقات البُخَارِيّ، وَلكنه أخرجه مُسْندًا فِي كتاب الرقَاق عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سعيد بِهِ، وسياقه اتم من سِيَاق مَالك، لكنه قَالَ: (من خَرْدَل من إِيمَان) كَرِوَايَة مَالك، وَقد اعْترض على البُخَارِيّ بِهَذَا، وَلَا يرد عَلَيْهِ لِأَن أَبَا بكر بن أبي شيبَة أخرج هَذَا الحَدِيث فِي مُسْنده عَن عَفَّان بن مُسلم عَن وهيب فَقَالَ: (من خَرْدَل من خير) ، كَمَا علقه البُخَارِيّ، وَقد أخرج مُسلم عَن أبي بكر هَذَا لَكِن لم يسق لَفظه. الثَّانِي: فِي إِيرَاد البُخَارِيّ هَذِه الزِّيَادَة من حَدِيث وهيب هُنَا فَوَائِد. مِنْهَا: قَول وهيب: حَدثنَا عَمْرو آتِيَا بِلَفْظ التحديث، بِخِلَاف مَالك فَإِنَّهُ أَتَى بِلَفْظَة: عَن، وفيهَا خلاف مَعْرُوف، هَل يدل على الِاتِّصَال وَالسَّمَاع أم لَا؟ فأزال البُخَارِيّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة توهم الْخلاف، مَعَ أَن مَالِكًا غير مُدَلّس، وَالْمَشْهُور عِنْد أهل هَذَا الْفَنّ أَن لَفْظَة: عَن، مَحْمُولَة على الِاتِّصَال إِذا لم يكن المعنعن مدلساً. وَمِنْهَا: إِزَالَة الشَّك الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيث مَالك عَن عَمْرو فِي قَوْله: (الْحيَاء أَو الْحَيَاة) فَأتى بِهِ وهيب مُجَردا من غير شكّ. فَقَالَ: نهر الْحَيَاة. وَمِنْهَا: قَوْله: من خير، وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ. الثَّالِث: قَوْله: (الْحَيَاة) بِالْجَرِّ، على الْحِكَايَة، وَالْمعْنَى أَن وهيباً وَافق مَالِكًا فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث عَن عَمْرو بن يحيى بِسَنَدِهِ، وَجزم بقوله: فِي نهر الْحَيَاة وَلم يشك كَمَا شكّ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى. قَوْله: (وَقَالَ خَرْدَل من خير) بجر خَرْدَل أَيْضا على الْحِكَايَة، أَي: قَالَ وهيب فِي رِوَايَته: مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من خير، فَخَالف مَالِكًا أَيْضا فِي هَذِه اللَّفْظَة كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وهيب) ، بِضَم الْوَاو وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، ابْن خَالِد بن عجلَان الْبَاهِلِيّ، مَوْلَاهُم، الْبَصْرِيّ، روى عَن: هِشَام بن عُرْوَة وَأَيوب وَسُهيْل وَعَمْرو بن يحيى وَغَيرهم، روى عَنهُ: الْقطَّان وَابْن مهْدي وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَخلق كثير، اتّفق على توثيقه، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث حجَّة، وَكَانَ يملي من حفظه، مَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَخمسين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَقد سجن فَذهب بَصَره. قَوْله: (حَدثنَا عَمْرو) بِفَتْح الْعين، هُوَ عَمْرو بن يحيى الْمَازِني، وَقد مر ذكره عَن قريب. 23 - حدّثنا مُحمدُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَن صالِحٍ عنِ ابْن شِهابٍ عَن أبي أُمامَةَ بنِ سَهْلٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقولُ قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَا أَنا نائِمٌ رَأْيْتُ الناسَ يُعْرَضُونَ عليَّ وَعَليهمْ قُمُصٌ مِنها مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ ومِنها مَا دُونَ ذلِكِ وعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَميصٌ يَجُرُّهُ قَالُوا فَمَا أَوّلْتَ ذلكَ يَا رسولَ اللَّهِ قَالَ الدِّينَ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من جِهَة تَأْوِيل الْقَمِيص بِالدّينِ، وَذكر فِيهِ أَنهم متفاضلون فِي لبسهَا فَدلَّ على أَنهم متفاضلون فِي الْإِيمَان. وَقَالَ النَّوَوِيّ: دلّ الحَدِيث على أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، وَأَن الْإِيمَان وَالدّين بِمَعْنى وَاحِد، وَأَن أهل الْإِيمَان
يتفاضلون. قلت: تفاضلهم فِي الْإِيمَان لَيْسَ فِي نفس الْإِيمَان وَحَقِيقَته، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْمَال الَّتِي يزْدَاد بهَا نور الْإِيمَان، كَمَا عرف فِيمَا مضى. وَقَوله: الْإِيمَان وَالدّين بِمَعْنى وَاحِد، لَيْسَ كَذَلِك، وَقد أوضحنا الْفرق فِيمَا مضى. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن عبيد الله، بِالتَّصْغِيرِ، ابْن مُحَمَّد بن زيد بن أبي زيد الْقرشِي الْأمَوِي، مولى عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله عَنهُ، أَبُو ثَابت الْمدنِي، سمع جمعا من الْكِبَار، وَعنهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ وَغَيرهمَا من الْأَعْلَام، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بن عبد الْحَارِث بن زهرَة بن كلاب، سمع: أَبَاهُ وَالزهْرِيّ وَهِشَام بن عُرْوَة وَغَيرهم، روى عَنهُ: شُعْبَة وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وابناه يَعْقُوب وَمُحَمّد وَخلق كثير، قَالَ أَحْمد وَيحيى وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: كثير الحَدِيث وَرُبمَا أَخطَأ فِي أَحَادِيث، وَقدم بَغْدَاد فَأَقَامَ بهَا وَولي بَيت المَال بهَا لهارون الرشيد، وَأَبوهُ سعد ولي قَضَاء الْمَدِينَة، وَكَانَ من جملَة التَّابِعين، وَكَانَ مولد إِبْرَاهِيم سنة عشرَة وَمِائَة، وَتُوفِّي بِبَغْدَاد سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: صَالح هُوَ ابْن كيسَان أَبُو مُحَمَّد الْغِفَارِيّ الْمدنِي التَّابِعِيّ، لَقِي جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، ثمَّ تلمذ بعد ذَلِك لِلزهْرِيِّ وتلقن مِنْهُ الْعلم، وابتدأ بالتعلم وَهُوَ ابْن تسعين سنة، وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَسِتِّينَ سنة. الرَّابِع: ابْن شهَاب، وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو أُمَامَة، بِضَم الْهمزَة، واسْمه أسعد بن سهل بن حنيف، بِضَم الْمُهْملَة؛ ابْن واهب بن الْعَلِيم بن ثَعْلَبَة بن الْحَارِث بن مجدعة بن عَمْرو بن خُنَيْس بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس، أخي الْخَزْرَج ابْني حَارِثَة بن ثَعْلَبَة العنقاء بن عَمْرو مزيقيا الْخَارِج من الْيمن أَيَّام سيل العرم بن عَامر مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس البطريق بن ثَعْلَبَة بن مَازِن وَهُوَ جماع غَسَّان بن الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان، أخي حمير، أمه حَبِيبَة بنت أبي أُمَامَة أسعد بن زُرَارَة، وَكَانَ أَبُو أُمَامَة أوصى ببناته إِلَى رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام فزوج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَبِيبَة سهل بن حنيف فَولدت لَهُ أسعد هَذَا، فَسَماهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكناه باسم جده لأمه، وكنيته، وبرك عَلَيْهِ، وَمَات سنة مائَة وَهُوَ ابْن نَيف وَتِسْعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة عَن الصَّحَابَة، وروى لَهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَثَبت فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ عَن أبي أُمَامَة بن سهل هُوَ ابْن حنيف، ولحاصل أَنه مُخْتَلف فِي صحبته وَلم يَصح لَهُ سَماع، وَإِنَّمَا ذكر فِي الصَّحَابَة لشرف الرِّوَايَة. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ، واسْمه سعد بن مَالك، وَقد مر بَيَانه. (بَيَان لطائف أسناده) . مِنْهَا: أَنه كَالَّذي قبله فِي أَن رِجَاله مدنيون، وَهَذَا فِي غَايَة الاستطراف إِذْ اقتران إسنادين مدنيين قَلِيل جدا. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالتَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة ثَلَاثَة من التابعيين، أَو تابعيين وصحابيين. فَافْهَم. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن مُحَمَّد بن عبيد الله كَمَا ترى، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ عَن يَعْقُوب عَن صَالح، وَفِي فضل عمر رَضِي الله عَنهُ، عَن يحيى بن بكير جَمِيعًا عَن اللَّيْث عَن عقيل، وَفِي التَّعْبِير عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي أُمَامَة عَنهُ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن صَالح، وَعَن الزُّهْرِيّ والحلواني، وَعبد بن حميد عَن يَعْقُوب عَن أَبِيه عَن صَالح عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن أبي أُمَامَة بن سههل بن حنيف عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَلم يسمعهُ. (بَيَان اللُّغَات) . قَوْله: (يعرضون عَليّ) أَي: يظهرون لي، يُقَال: عرض الشَّيْء إِذا أبداه وأظهره، وَفِي (الْعباب) عرض لَهُ أَمر كَذَا يعرض بِالْكَسْرِ، أَي: ظهر وَعرضت عَلَيْهِ أَمر كَذَا، وَعرضت لَهُ الشَّيْء أَي: أظهرته لَهُ، وأبرزته إِلَيْهِ، يُقَال: عرضت لَهُ ثوبا، فَكَانَ حَقه، وَذكر فِي هَذِه الْمَادَّة مَعَاني كَثِيرَة جدا، ثمَّ قَالَ فِي آخِره: وَالْعين وَالرَّاء وَالضَّاد تكْثر فروعها، وَهِي مَعَ كثرتها ترجع إِلَى أصل وَاحِد، وَهُوَ الْعرض الَّذِي يُخَالف الطول، وَمن حقق النّظر ودققه علم صِحَة ذَلِك. قَوْله: (قمص) بِضَم الْقَاف وَالْمِيم، جمع: قَمِيص نَحْو: رغيف ورغف، وَيجمع أَيْضا على قمصان وأقمصة، كرغفان وأرغفة. قَوْله: (الثدي) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الدَّال، وَتَشْديد الْيَاء، جمع: الثدي، وَهُوَ على وزن فعل، كفلس يجمع على فعول كفلوس، وأصل الثدي
الَّذِي هُوَ الْجمع ثدوي، على وزن فعول، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء، وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فابدلت الْوَاو يَاء وادغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَت: ثدي، بِضَم الدَّال، ثمَّ ابدلت كسرة من ضمة الدَّال لأجل الْيَاء، فَصَارَ ثدياً، وَجَاء أَيْضا: ثدي، بِكَسْر الثَّاء أَيْضا اتبَاعا لما بعْدهَا من الكسرة، وَجَاء جمعه أَيْضا على: أثد، وَأَصله: أثدي، على وزن أفعل: كيد تجمع على أيدٍ، استثقلت الضمة على الْيَاء فحذفت، فَالتقى ساكنان فحذفت الْيَاء، فَصَارَ: أثد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الثدي يذكر وَيُؤَنث، وَهِي للْمَرْأَة وَالرجل جَمِيعًا. وَقيل: يخْتَص بِالْمَرْأَةِ، والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُور مَا نَص عَلَيْهِ الْجَوْهَرِي، وَفِي (كتاب خلق الْإِنْسَان) وَفِي الصَّدْر ثديان وَثَلَاثَة أثد، فَإِذا كثرت فَهِيَ الثدي، يُقَال: امْرَأَة ثدياء إِذا كَانَت عَظِيمَة الثديين، وَلَا يُقَال رجل أثدأ. قَوْله: (أولت) من التَّأْوِيل، وَهُوَ تَفْسِير مَا يؤول إِلَيْهِ الشَّيْء، وَالْمرَاد هُنَا التَّعْبِير، وَفِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ التَّأْوِيل تَفْسِير الشَّيْء بِالْوَجْهِ الْمَرْجُوح، وَقيل: هُوَ حمل الظَّاهِر على الْمُحْتَمل الْمَرْجُوح بِدَلِيل يصيره راجحاً، وَهَذَا أخص مِنْهُ، وَأما تَفْسِير الْقُرْآن فَهُوَ الْمَنْقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو عَن الصَّحَابَة، وَأما تَأْوِيله فَهُوَ مَا يسْتَخْرج بِحَسب الْقَوَاعِد الْعَرَبيَّة. (بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (بَينا) . أَصله: بَين، أشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: بَينا، فعلى مشبعة الفتحة قَالَ الشَّاعِر: (فَبينا نَحن نرقبه أَتَانَا) أَي: بَين أَوْقَات رقبتنا إِيَّاه، والجمل يُضَاف إِلَيْهَا أَسمَاء الزَّمَان نَحْو: أَتَيْتُك زمن الْحجَّاج أَمِير، ثمَّ حذف الْمُضَاف الَّذِي هُوَ: أَوْقَات، وَولي الظّرْف الَّذِي هُوَ: بَين الْجُمْلَة الَّتِي أُقِيمَت مقَام الْمُضَاف إِلَيْهَا، والأصمعي يستفصح طرح إِذْ وَإِذا فِي جَوَابه، واخرون يَقُولُونَ: بَينا أَنا قَائِم إِذْ جَاءَ أَو إِذا جَاءَ فلَان، وَالَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيث هُوَ الفصيح، فَلذَلِك اخْتَارَهُ الْأَصْمَعِي، رَحمَه الله تَعَالَى. قَوْله: (أَنا) مُبْتَدأ، أَو (نَائِم) خَبره، وَقَوله: رَأَيْت النَّاس، جَوَاب بَينا من الرُّؤْيَة بِمَعْنى: الإبصار فَيَقْتَضِي مَفْعُولا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْله: النَّاس، فعلى هَذَا يكون قَوْله: (يعرضون عَليّ) جملَة حَالية، وَيجوز أَن يكون من الرُّؤْيَا بِمَعْنى الْعلم فَيَقْتَضِي حينئذٍ مفعولين، وهما قَوْله: النَّاس يعرضون عَليّ وَيجوز رفع النَّاس على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: يعرضون عَليّ، وَالْجُمْلَة مفعول قَوْله رَأَيْت، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (رَأَيْت النَّاس ينتجعون غيثاً ... فَقلت لصيدح: انتجعي بِلَالًا) ويروى: سَمِعت النَّاس، وَالْقَائِل هُوَ ذُو الرمة الشَّاعِر الْمَشْهُور، وصيدح علم النَّاقة. وينتجعون من: انتجعت فلَانا إِذا أَتَيْته تطلب معروفه، وَأَرَادَ ببلال هُوَ: بِلَال بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَاضِي الْبَصْرَة، كَانَ جواداً ممدوحاً رَحمَه الله. قَوْله: (وَعَلَيْهِم قمص) جملَة اسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من القمص، وَهُوَ خبر لقَوْله: مَا يبلغ الثدي، وَمَا مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، و: الثدي، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول، يبلغ، وَكَذَلِكَ إِعْرَاب قَوْله: وَمِنْهَا دون ذَلِك، أَي: أقصر، فَيكون: فَوق الثدي لم ينزل إِلَيْهِ وَلم يصل بِهِ لقلته. قَوْله: (وَعرض) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَعمر بن الْخطاب، مُسْند إِلَيْهِ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (وَعَلِيهِ قَمِيص) جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَقَوله: يجره، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ الْعَائِد إِلَى عمر رَضِي الله عَنهُ، وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي يرجع إِلَى الْقَمِيص، وَالْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة للقميص، وَيجوز أَن يكون محلهَا النصب على الْحَال من الْأَحْوَال المتداخلة، وَقد علم أَن الْجُمْلَة الفعلية المضارعية إِذا وَقعت حَالا وَكَانَت مثبتة تكون بِلَا وَاو. قَوْله: (قَالُوا) ، أَي: الصَّحَابَة. قَوْله: (ذَلِك) مفعول قَوْله: أولت، قَوْله: (الدّين) بِالنّصب أَي: أولت الدّين. (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) فِيهِ من الفصاحة اسْتِعْمَال جَوَاب بَينا بِدُونِ إِذْ وَإِذ. وَمِنْهَا: اسْتِعْمَال جمع الْكَثْرَة فِي الثدي لأجل الْمُطَابقَة، وَفِيه من التَّشْبِيه البليغ، وَهُوَ أَنه شبه الدّين بالقميص، وَوجه التَّشْبِيه السّتْر، وَذَلِكَ أَن الْقَمِيص يستر عَورَة الْإِنْسَان ويحجبه من وُقُوع النّظر عَلَيْهَا، فَكَذَلِك الدّين يستره من النَّار ويحجبه عَن كل مَكْرُوه، فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا أَوله الدّين بِهَذَا الِاعْتِبَار. وَقَالَ أهل الْعبارَة: الْقَمِيص فِي النّوم مَعْنَاهُ الدّين، وجره يدل على بَقَاء آثاره الجميلة وسننه الْحَسَنَة فِي الْمُسلمين بعد وَفَاته ليُقتدى بهَا، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْلُوم أَن عمر رَضِي الله عَنهُ، فِي إيمَانه أفضل من عمل من بلغ قَمِيصه ثديه، وتأويله عَلَيْهِ السَّلَام، ذَلِك بِالدّينِ يدل على أَن الْإِيمَان الْوَاقِع على الْعَمَل يُسمى دينا، كالإيمان الْوَاقِع على القَوْل. وَقَالَ القَاضِي: أَخذ ذَلِك أهل التَّعْبِير من قَوْله تَعَالَى: {وثيابك فطهر} (المدثر: 4) يُرِيد بِهِ نَفسك، وَإِصْلَاح عَمَلك وَدينك على تَأْوِيل
- (باب الحياء من الإيمان)
بَعضهم، لِأَن الْعَرَب تعبر عَن الْعِفَّة بنقاء الثَّوْب والمئزر، وجره عبارَة عَمَّا فضل عَنهُ وانتفع النَّاس بِهِ، بِخِلَاف جَرّه فِي الدُّنْيَا للخيلاء فَإِنَّهُ مَذْمُوم. فَإِن قيل: يلْزم من الحَدِيث أَن يكون عمر رَضِي الله عَنهُ، أفضل من أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، لِأَن المُرَاد بالأفضل الْأَكْثَر ثَوابًا، والأعمال عَلَامَات الثَّوَاب، فَمن كَانَ دينه أَكثر فثوابه أَكثر، وَهُوَ خلاف الاجماع. قلت: لَا يلْزم، إِذْ الْقِسْمَة غير حاصرة لجَوَاز قسم رَابِع سلمنَا انحصار الْقِسْمَة، لَكِن مَا خصص الْقسم الثَّالِث بعمر رَضِي الله عَنهُ، وَلم يحصره عَلَيْهِ سلمنَا التَّخْصِيص بِهِ، لكنه معَارض بالأحاديث الدَّالَّة على أَفضَلِيَّة الصّديق رَضِي الله عَنهُ، بِحَسب تَوَاتر الْقدر الْمُشْتَرك بَينهَا، وَمثله يُسمى بالمتواتر من جِهَة الْمَعْنى، فدليلكم آحَاد وَدَلِيلنَا متواتر، سلمنَا التَّسَاوِي بَين الدَّلِيلَيْنِ. لَكِن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أفضليته وَهُوَ دَلِيل قَطْعِيّ، وَهَذَا دَلِيل ظَنِّي، وَالظَّن لَا يُعَارض الْقطع، وَهَذَا الْجَواب يُسْتَفَاد من نفس تَقْرِير الدَّلِيل، وَهَذِه قَاعِدَة كُلية عِنْد أهل المناظرة فِي أَمْثَال هَذِه الإيرادات، بِأَن يُقَال: مَا أردته إِمَّا مجمع عَلَيْهِ أَو لَا، فَإِن كَانَ فالدليل مَخْصُوص بِالْإِجْمَاع وإلاَّ فَلَا يتم الْإِيرَاد إِذْ لَا إِلْزَام إلاَّ بالمجمع عَلَيْهِ. لَا يُقَال: كَيفَ يُقَال: الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَفضَلِيَّة الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد أنكر ذَلِك طَائِفَة الشِّيعَة والخوارج من العثمانية، لأَنا نقُول: لَا اعْتِبَار بمخالفة أهل الضلال، وَالْأَصْل إِجْمَاع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا: الدّلَالَة على تفاضل أهل الْإِيمَان، وَمِنْهَا: الدّلَالَة على فَضِيلَة عمر رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا: تَعْبِير الرُّؤْيَا وسؤال الْعَالم بهَا عَنْهَا. وَمِنْهَا: جَوَاز إِشَاعَة الْعَالم الثَّنَاء على الْفَاضِل من أَصْحَابه إِذا لم يحس بِهِ بإعجاب وَنَحْوه، وَيكون الْغَرَض التَّنْبِيه على فَضله لتعلم مَنْزِلَته ويعامل بمقتضاها، ويرغب الِاقْتِدَاء بِهِ والتخلق بأخلاقه. 16 - (بَاب الحَياءُ مِنَ الإيمانِ) أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَالْحيَاء مَرْفُوع سَوَاء أضفت إِلَيْهِ الْبَاب أم لَا، لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَمن الْإِيمَان، خبر. فَإِن قلت: قد قلت: إِن الْبَاب منون وَلَا شكّ أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، فَيكون جملَة، وَقَوله: الْحيَاء من الْإِيمَان جملَة أُخْرَى، وعَلى تَقْدِير عدم الْإِضَافَة مَا الرابطة بَين الجملتين؟ قلت: هِيَ محذوفة تَقْدِير الْكَلَام: هَذَا بَاب فِيهِ الْحيَاء من الْإِيمَان يَعْنِي بَيَان أَن الْحيَاء من الْإِيمَان وَبَيَان تَفْسِير الْحيَاء وَوجه كَونه من الْإِيمَان قد تقدما فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن فِي الْبَاب الأول بَيَان تفاضل الْإِيمَان فِي الْأَعْمَال، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا من جملَة مَا يفضل بِهِ الْإِيمَان، وَهُوَ الْحيَاء الَّذِي يحجب صَاحبه عَن أَشْيَاء مُنكرَة عِنْد الله وَعند الْخلق. 24 - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَن سالِمِ بنِ عبدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أخاهُ فِي الْحيَاء فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعْهُ فَإن الْحَياءَ مِنَ الْإِيمَان. (الحَدِيث 24 طرفه فِي: 6118) الحَدِيث مُطَابق للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ أَخذ جزأ مِنْهُ فبوب عَلَيْهِ كَمَا هُوَ عَادَته. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، نزيل دمشق، وَقد ذكره. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْقرشِي الْعَدوي التَّابِعِيّ الْجَلِيل، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ على أحد الْأَقْوَال، وَقَالَ ابْن الْمسيب: كَانَ سَالم أشبه ولد عبد الله بِعَبْد الله، وَعبد الله أشبه ولد عمر بعمر، رَضِي الله عَنهُ، وَقَالَ مَالك: لم يكن فِي زمن سَالم أشبه بِمن مضى من الصَّالِحين فِي الزّهْد مِنْهُ، كَانَ يلبس الثَّوْب بِدِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ ابْن رَاهَوَيْه: أصح الْأَسَانِيد كلهَا: الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه. وَكَانَ أَبوهُ يلام فِي إفراط حب سَالم، وَكَانَ يقبله وَيَقُول: أَلا تعْجبُونَ من شيخ يقبل شَيخا؟ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتّ وَمِائَة، وَقيل: خمس، وَقيل: ثَمَان، وَصلى عَلَيْهِ هِشَام بن عبد الْملك، وَله أخوة: عبد الله وَعَاصِم وَحَمْزَة وبلال وواقد وَزيد، وَكَانَ عبد الله وصّى أَبِيهِم فيهم، وروى عَنهُ مِنْهُم أَرْبَعَة: عبد الله وَسَالم وَحَمْزَة وبلال. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ.
(بَيَان لطائف إِسْنَاده) وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم مدنيون مَا خلا عبد الله. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أخبرنَا مَالك، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا مَالك بن أنس، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: مَالك بن أنس، والْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره:) أخرجه هُنَا عَن عبد الله عَن مَالك، وَأخرجه فِي الْبر والصلة عَن أَحْمد بن يُونُس عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم هُنَا أَيْضا عَن الناقدي، وَزُهَيْر عَن سُفْيَان، وَعَن عبد الله بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ وَلم يَقع لمُسلم لَفْظَة: دَعه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. (بَيَان اللُّغَات) : قَوْله: (مر عَليّ رجل) يُقَال: مر عَلَيْهِ وَمر بِهِ، بِمَعْنى وَاحِد. أَي: اجتازه، وَفِي (الْعباب) : مر عَلَيْهِ وَبِه يمر مرا، أَي: اجتاز، وَبَنُو يَرْبُوع يَقُولُونَ: مر علينا بِكَسْر الْمِيم، وَمر يمر مرا ومرورا وممرا أَي ذهب، والممر مَوضِع الْمُرُور أَيْضا. وَالْأَنْصَار: جمع النَّاصِر كالأصحاب جمع الصاحب، أَو جمع النصير كالأشراف جمع الشريف. قَوْله: (يعظ أَخَاهُ) أَي: ينصح أَخَاهُ من الْوَعْظ وَهُوَ: النصح والتذكير بالعواقب. وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ التخويف والإنذار. وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد هُوَ التَّذْكِير بِالْخَيرِ فِيمَا يرق الْقلب. وَفِي (الْعباب) : الْوَعْظ والعظة وَالْمَوْعِظَة مصَادر قَوْلك: وعظته عظة. قَوْله: (دَعه) أَي: أتركه، وَهُوَ أَمر لَا ماضي لَهُ، قَالُوا: أماتوا ماضي يدع ويذر. قلت: اسْتعْمل ماضي: دع، وَمِنْه قِرَاءَة من قَرَأَ {مَا وَدعك رَبك} (الضُّحَى: 3) بِالتَّخْفِيفِ فعلى هَذَا هُوَ أَمر من: ودع يدع، وأصل يدع: يودع، حذفت الْوَاو فَصَارَ: يدع، وَالْأَمر: دع، وَفِي (الْعباب) قَوْلهم: دع ذَا أَي: أتركه، وَأَصله، ودع يدع، وَقد أميت ماضيه. لَا يُقَال: ودعه، إِنَّمَا يُقَال: تَركه وَلَا: وادع، وَلَكِن: تَارِك، وَرُبمَا جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر: ودعه، فَهُوَ مودوع على أَصله قَالَ أنس بن زنينم. (لَيْت شعري عَن خليلي مَا الَّذِي ... غاله فِي الْوَعْد حَتَّى ودعه) ثمَّ قَالَ الصغاني: وَقد اخْتَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصل هَذِه اللُّغَة فِيمَا روى ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه قَالَ قَرَأَ {وَمَا وَدعك رَبك} (الضُّحَى: 3) بِالتَّخْفِيفِ أَعنِي؛ بتَخْفِيف الدَّال، وَكَذَلِكَ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَة: عُرْوَة وَمُقَاتِل وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أبي عبلة وَيزِيد النَّحْوِيّ، رَحِمهم الله تَعَالَى. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (مر عَليّ رجل) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا وَقعت خَبرا، لِأَن قَوْله: (من الْأَنْصَار) صفة لرجل، وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد، أَي: أنصار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذين آووا ونصروا من أهل الْمَدِينَة، رَضِي الله عَنْهُم. قَوْله: (وَهُوَ يعظ أَخَاهُ) جملَة إسمية محلهَا النصب على الْحَال. قَوْله: (فِي الْحيَاء) يتَعَلَّق بقوله: يعظ، قَوْله: (ودعه) جملَة من: الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول لِأَنَّهَا وَقعت مقول القَوْل، قَوْله: (فَإِن الْحيَاء) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله: (وَهُوَ يعظ أَخَاهُ) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الرجل الَّذِي وعظ أَخا للواعظ فِي الْإِسْلَام، على مَا هُوَ عرف الشَّرْع، فعلى هَذَا يكون مجَازًا لغويا، أَو حَقِيقَة عرفية، وَالْآخر وَهُوَ الظَّاهِر: أَن يكون أَخَاهُ فِي الْقَرَابَة وَالنّسب، فعلى هَذَا هُوَ حَقِيقَة، قَوْله: (فِي الْحيَاء) فِيهِ حذف، أَي: فِي شَأْن الْحيَاء وَفِي حَقه مَعْنَاهُ أَنه ينهاه عَنهُ ويخوفه مِنْهُ، فزجره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن وعظه، فَقَالَ: دَعه، أَي: اتركه على حيائه، فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان. وَقَالَ التَّيْمِيّ: الْوَعْظ الزّجر، يَعْنِي يزجره عَن الْحيَاء، وَيَقُول لَهُ: لَا تَسْتَحي، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دَعه يستحي فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان، إِذْ الشَّخْص يكف عَن أَشْيَاء من مناهي الشَّرْع للحياء، وَيكثر مثل هَذَا فِي زَمَاننَا. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أَن الْحيَاء يمْنَع صَاحبه من ارْتِكَاب الْمعاصِي، كَمَا يمْنَع الْإِيمَان فَسُمي إِيمَانًا كَمَا يُسمى الشَّيْء باسم مَا قَامَ مقَامه، وَقَالَ بَعضهم: الأولى أَن نشرح يَعْنِي قَوْله: يعظ بِمَا جَاءَ عَن المُصَنّف فِي الْأَدَب من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن ابْن شهَاب. وَلَفظه: (يُعَاتب أَخَاهُ فِي الْحيَاء يَقُول إِنَّك لتستحي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُول قد أضربك) . انْتهى. قلت: هَذَا بعيد من حَيْثُ اللُّغَة، فَإِن معنى الْوَعْظ الزّجر، وَمعنى العتب الوجد. وَفِي (الْعباب) : عتبَة عَلَيْهِ إِذا وجد، يعتب عَلَيْهِ، وَيَعْتِبُ عتبا ومعتبا، على أَن الرِّوَايَتَيْنِ تدلان على مَعْنيين جليين لَيْسَ فِي وَاحِد مِنْهُمَا خَفَاء حَتَّى يُفَسر أَحدهمَا بِالْآخرِ، غَايَة فِي الْبَاب أَن الْوَاعِظ الْمَذْكُور وعظ أَخَاهُ فِي اسْتِعْمَاله الْحيَاء، وعاتبه عَلَيْهِ. والراوي حكى فِي إِحْدَى روايتيه بِلَفْظ الْوَعْظ، وَفِي الْأُخْرَى بِلَفْظ المعاتبة، وَذَلِكَ أَن
- (باب {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} )
الرجل كَانَ كثير الْحيَاء، وَكَانَ ذَلِك يمنعهُ من اسْتِيفَاء حُقُوقه، فتوعظه أَخُوهُ على مُبَاشرَة الْحيَاء، وعاتبه على ذَلِك فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دَعه أَي: اتركه على هَذَا الْخلق الْحسن لِأَن الْحيَاء خير لَهُ فِي ذَلِك، بل فِي كل الْأَوْقَات وكل الْحَالَات، يدل على ذَلِك، مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (الْحيَاء خير كُله) . فَإِن قلت: مَا وَجه التَّأْكِيد بِأَن فِي قَوْله: (فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان) وَإِنَّمَا يُؤَكد بِأَن وَنَحْوهَا إِذا كَانَ الْمُخَاطب مُنْكرا أَو شاكا؟ قلت: الظَّاهِر أَن الْمُخَاطب كَانَ شاكا بل كَانَ مُنْكرا لَهُ، لِأَنَّهُ مَنعه من ذَلِك، فَلَو كَانَ معترفا بِأَنَّهُ من الْإِيمَان لما مَنعه من ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا أَنه لم يكن مُنْكرا لكنه جعل كالمنكر لظُهُور أَمَارَات الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَيجوز أَن يكون هَذَا من بَاب التَّأْكِيد لدفع إِنْكَار غير الْمُخَاطب، وَيجوز أَن يكون التَّأْكِيد من جِهَة أَن الْقِصَّة فِي نَفسهَا مِمَّا يجب أَن يهتم بهَا ويؤكد عَلَيْهَا، وَإِن لم يكن ثمَّة إِنْكَار أَو شكّ من أحد فَافْهَم. وَقَالَ بَعضهم: وَالظَّاهِر أَن الناهي مَا كَانَ يعرف أَن الْحيَاء من مكملات الْإِيمَان، فَلهَذَا وَقع التَّأْكِيد. قلت: هَذَا كَلَام من لم يذقْ شَيْئا مَا من علم الْمعَانِي، فَإِن الْخطاب لمثل هَذَا الناهي الَّذِي ذكره لَا يحْتَاج إِلَى تَأْكِيد، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمنكر وَلَا مُتَرَدّد، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِي الذِّهْن، وَهُوَ لَا يحْتَاج إِلَى التَّأْكِيد فَإِنَّهُ كَمَا يسمع الْكَلَام ينتقش فِي ذهنه على مَا عرف فِي كتب الْمعَانِي وَالْبَيَان. فَإِن قلت: مَا معنى الْحيَاء؟ قلت: قد فسرته فِيمَا مضى عِنْد قَوْله: (وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) وَقَالَ التَّيْمِيّ: الْحيَاء الاستحياء، وَهُوَ ترك الشَّيْء لدهشة تلحقك عِنْده، قَالَ تَعَالَى: {ويستحيون نساءكم} (الْبَقَرَة: 49، والأعراف: 141، وَإِبْرَاهِيم: 6) أَي: يتركون، قَالَ: وأظن أَن الْحَيَاة مِنْهُ لِأَنَّهُ الْبَقَاء من الشَّخْص، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ هُوَ ترك الشَّيْء، بل هُوَ دهشة تكون سَببا لترك الشَّيْء قلت: التَّحْقِيق أَن الْحيَاء تغير وانكسار عِنْد خوف مَا يعاب أَو يذم، وَلَيْسَ هُوَ بدهشة وَلَا ترك الشَّيْء، وَإِنَّمَا ترك الشَّيْء من لوازمه. فَإِن قلت: يمْنَع مَا قلت إِسْنَاده إِلَى الله تَعَالَى فِي قَوْله: {إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (الْبَقَرَة: 26) قلت: هَذَا من بَاب المشاكلة، وَهِي أَن يذكر الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لوُقُوعه فِي صحبته، فَلَمَّا قَالَ المُنَافِقُونَ: أما يستحي رب مُحَمَّد يذكر الذُّبَاب وَالْعَنْكَبُوت فِي كِتَابه، أجِيبُوا: بِأَن الله لَا يستحي، وَالْمرَاد: لَا يتْرك ضرب الْمثل بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، فَأطلق عَلَيْهِ الاستحياء على سَبِيل المشاكلة، كَمَا فِي قَوْله: {فيستحي مِنْكُم وَالله لَا يستحي من الْحق} (الْأَحْزَاب: 53) وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (إِن الله حييّ كريم يستحي إِذا رفع إِلَيْهِ العَبْد يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا حَتَّى يضع فيهمَا خيرا) ، وَهَذَا جَار على سَبِيل الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة التمثيلية، شبه ترك الله تَعَالَى تخييب العَبْد ورد يَدَيْهِ صفرا بترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء، فَقيل: ترك الله رد الْمُحْتَاج حَيَاء، كَمَا قيل: ترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء، فَأطلق الْحيَاء ثمَّة كَمَا أطلق الْحيَاء هَهُنَا، فَذَلِك استعير ترك المستحي لترك ضرب الْمثل، ثمَّ نفى عَنهُ. فَإِن قلت: مَا معنى: من، فِي قَوْله: من الْإِيمَان؟ قلت: مَعْنَاهُ التَّبْعِيض، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث السالف: (الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) . فَإِن قلت: قد علم ذَلِك مِنْهُ، فَمَا فَائِدَة التّكْرَار؟ قلت: كَانَ الْمَقْصُود ثمَّة بَيَان أُمُور الْإِيمَان، وَأَنه من جُمْلَتهَا، فَذكر ذَلِك بالتبعية وبالعرض، وَهَهُنَا ذكره بِالْقَصْدِ وبالذات مَعَ فَائِدَة مُغَايرَة الطَّرِيق. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْحيَاء بعض الْإِيمَان فَإِن انْتَفَى الْحيَاء انْتَفَى بعض الْإِيمَان، وَإِذا انْتَفَى بعض الْإِيمَان انْتَفَى حَقِيقَة الْإِيمَان، فينتج من هَذِه الْمُقدمَات انْتِفَاء الْإِيمَان عَمَّن لم يستح، وَانْتِفَاء الْإِيمَان كفر. قلت: لَا نسلم صدق كَون الْحيَاء من حَقِيقَة لإيمان، لِأَن الْمَعْنى: فَإِن الْحيَاء من مكملات الْإِيمَان، وَنفي الْكَمَال لَا يسْتَلْزم نفي الْحَقِيقَة. نعم الْإِشْكَال قَائِم على قَول من يَقُول الْأَعْمَال دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الْإِيمَان، وَهَذَا لم يقل بِهِ الْمُحَقِّقُونَ، كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى، قلت: من فَوَائده الحض على الِامْتِنَاع من قبائح الْأُمُور ورذائلها، وكل مَا يستحى من فعله، وَالدّلَالَة على أَن النَّصِيحَة إِنَّمَا تعد إِذا وَقعت موقعها، والتنبيه على زجر مثل هَذَا الناصح. 17 - (بَاب {فَإِن تَابُوا وَأقَامُوا الصَّلاَةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: أَن قَوْله: بَاب، يَنْبَغِي أَن لَا يعرب، لِأَنَّهُ كتعديد الْأَسْمَاء من غير تركيب، وَالْإِعْرَاب لَا يكون إلاَّ بعد العقد والتركيب. وَقَالَ بَعضهم: بَاب هُوَ منون فِي الرِّوَايَة، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة} (التَّوْبَة: 5) وَتجوز الْإِضَافَة، أَي بَاب تَفْسِير قَوْله، وَإِنَّمَا جعل الحَدِيث تَفْسِيرا لِلْآيَةِ لِأَن المُرَاد بِالتَّوْبَةِ فِي الْآيَة الرُّجُوع
عَن الْكفْر إِلَى التَّوْحِيد ففسره قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن قَوْله: بَاب، وَهُوَ منون فِي الرِّوَايَة دَعْوَى بِلَا برهَان. فَمن قَالَ من الْمَشَايِخ الْكِبَار: إِن هَذِه رِوَايَة مِمَّن لَا يعْتَمد على كَلَامهم على أَن الرِّوَايَة إِذا خَالَفت الدِّرَايَة لَا تقبل، اللَّهُمَّ إلاَّ إِذا وَقع نَحْو هَذَا فِي الْأَلْفَاظ النَّبَوِيَّة، فَحِينَئِذٍ يجب تَأْوِيلهَا على وفْق الدِّرَايَة، وَقد قُلْنَا: إِن هَذَا بمفرده لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب إلاَّ إِذا قَدرنَا نَحْو: هَذَا بَاب، بِالتَّنْوِينِ، أَو بالإعراب بِلَا تَنْوِين بِتَقْدِير الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده. الثَّانِي: أَن تَقْدِيره بقوله: بَاب فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى، لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن البُخَارِيّ مَا وضع هَذَا الْبَاب فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صدد التَّفْسِير فِي هَذِه الْأَبْوَاب، وَإِنَّمَا هُوَ فِي صدد بَيَان أُمُور الْإِيمَان، وَبَيَان أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان على مَا يرَاهُ وَاسْتدلَّ على ذَلِك فِي هَذَا الْبَاب بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة وَبِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، أما الْآيَة فَلِأَن الْمَذْكُور فِيهَا التَّوْبَة الَّتِي هِيَ الرُّجُوع من الْكفْر إِلَى التَّوْحِيد، وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَكَذَلِكَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة، فَكَمَا ذكر فِي الْآيَة: أَن من أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاث فَإِنَّهُ يخلي، فَكَذَلِك ذكر فِي الحَدِيث أَن من أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ قد يعْصم دينه وَمَاله إلاَّ بِحَق، وَمعنى التَّخْلِيَة والعصمة وَاحِد هَهُنَا، وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْآيَة الْمَذْكُورَة والْحَدِيث الْمَذْكُور. النّظر الثَّالِث: أَن قَوْله: ففسره قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ مَا أخرج الحَدِيث هَهُنَا تَفْسِيرا لِلْآيَةِ، وَإِنَّمَا أخرجه هَهُنَا لأجل الرَّد على المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان غير مفتقر إِلَى الْأَعْمَال، على أَنه قد رُوِيَ عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، أَن هَذِه الْآيَة آخر مَا نزل من الْقُرْآن وَلَا شكّ أَن الحَدِيث الْمَذْكُور مُتَقَدم عَلَيْهَا، لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا أَمر بِقِتَال النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فِي ابْتِدَاء الْبعْثَة، والمتقدم لَا يكون مُفَسرًا للمتأخر. الْوَجْه الثَّانِي فِي الْكَلَام فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهُوَ على أَنْوَاع: الأول: أَن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة بَرَاءَة، وأولها قَوْله عز وَجل {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وآتووا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم إِن الله غَفُور رَحِيم} (التَّوْبَة: 5) نزلت فِي مُشْركي مَكَّة وَغَيرهم من الْعَرَب. وَذَلِكَ أَنهم عَاهَدُوا الْمُسلمين ثمَّ نكثوا إلاَّ نَاسا مِنْهُم، وهم بَنو ضَمرَة وَبَنُو كنَانَة، فنبذوا الْعَهْد إِلَى النَّاكِثِينَ، وَأمرُوا أَن يَسِيحُوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر آمِنين إِن شاؤا لَا يتَعَرَّض لَهُم، وَهِي الْأَشْهر الْحرم، وَذَلِكَ لصيانة الْأَشْهر الْحرم من الْقَتْل والقتال فِيهَا، فَإِذا انسلخت قاتلوهم، وَهُوَ معنى قَوْله {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} (التَّوْبَة: 5) الْآيَة. النَّوْع الثَّانِي فِي لُغَات الْآيَة. فَقَوله: انْسَلَخَ، مَعْنَاهُ: خرج يُقَال: انْسَلَخَ الشَّهْر من سنته، وَالرجل من ثِيَابه والحبة من قشرها، وَالنَّهَار من اللَّيْل الْمقبل لِأَن النَّهَار مكور على اللَّيْل، فَإِذا انْسَلَخَ ضوؤه بَقِي اللَّيْل غاسقا قد غشي النَّاس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انْسَلَخَ الشَّهْر كَقَوْلِهِم انجرد الشَّهْر، وَسنة جرداء، وَالْأَشْهر الْحرم ثَلَاث مُتَوَالِيَات: ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب الْفَرد الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان. قَوْله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} (التَّوْبَة: 5) يَعْنِي: الَّذين نقضوكم وظاهروا عَلَيْكُم. قَوْله: {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} يَعْنِي من حل أَو حرَام. قَوْله {وخذوهم} (التَّوْبَة: 5) يَعْنِي اسروهم، والأخيذ: الْأَسير. قَوْله {واحصروهم} (التَّوْبَة: 5) يَعْنِي: قيدوهم وامنعوهم من التَّصَرُّف فِي الْبِلَاد، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: حصرهم أَن يُحَال بَينهم وَبَين الْمَسْجِد الْحَرَام. قَوْلهم: {كل مرصد} (التَّوْبَة: 5) يَعْنِي: كل ممر ومجتاز ترصدونهم بِهِ. قَوْله {فَإِن تَابُوا} (التَّوْبَة: 5) أَي: عَن الشّرك {وَأَقَامُوا الصَّلَاة} (التَّوْبَة: 5) أَي: أدوها فِي أَوْقَاتهَا {وَآتوا الزَّكَاة} أَي: أعطوها قَوْله: {فَخلوا سبيلهم} يَعْنِي أطْلقُوا عَنْهُم قيد الْأسر والحصر أَو مَعْنَاهُ: كفوا عَنْهُم وَلَا تتعرضوا لَهُم لأَنهم عصموا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ بِالرُّجُوعِ عَن الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام وشرائعه، وَعَن ابْن عَبَّاس، دعوهم وإتيان الْمَسْجِد الْحَرَام، إِن الله غَفُور يغْفر لَهُم مَا سلف من الْكفْر والغدر، رَحِيم بِالْعَفو عَنْهُم. النَّوْع الثَّالِث: قَوْله: فَإِذا انْسَلَخَ جملَة متضمنة معنى الشَّرْط وَقَوله: فَاقْتُلُوا، جَوَابه قَوْله: كل مرصد، نصب على الظّرْف كَقَوْلِه {لاقعدن لَهُم صراطك الْمُسْتَقيم} (الْأَعْرَاف: 16) قَوْله: {فَخلوا سبيلهم} (التَّوْبَة: 5) جَوَاب الشَّرْط: أَعنِي قَوْله: فَإِن تَابُوا. الْوَجْه الثَّالِث ذكر الْآيَة والتبويب عَلَيْهَا للرَّدّ على المرجئة، كَمَا ذكرنَا، وللتنبيه على أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، وَأَنه قَول وَعمل، كَمَا هُوَ مذْهبه وَمذهب جمَاعَة من السّلف.
25 - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدٍ المُسنَدِيُّ قَالَ حدّثنا أبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارةَ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عمَرَ أنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ الله وأنّ مُحمَّدا رسُول اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأمْوالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّ الإسْلاَمِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. معنى الحَدِيث مُطَابق لِمَعْنى الْآيَة فَلذَلِك قرن بَينهمَا، وتعلقهما بِكِتَاب الْإِيمَان يَجْعَلهَا بَابا من أبوابه، هُوَ أَن يعلم مِنْهُ أَن: من آمن صَار مَعْصُوما. وَأَن يعلم أَن إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزكاء من جملَة الْإِيمَان على مَا ذهب إِلَيْهِ. بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْيَمَان، هُوَ المسندي، بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون، وَقد تقدم. الثَّانِي: أَبُو روح، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ كنيته، واسْمه الحرمي، بِفَتْح الْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكسر الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ اسْمه بِلَفْظ النِّسْبَة، تثبت فِيهِ الْألف وَاللَّام، وتحذف كَمَا فِي مكي بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ ابْن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم بن أبي حَفْصَة، وَاسم أبي حَفْصَة نابت بالنُّون، وَقيل: بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَالْأول أشهر، وَقيل: اسْمه عبيد الْعَتكِي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، سمع شُعْبَة وَغَيره، روى عَنهُ عبيد الله بن عمر القواريري، وَعنهُ مُسلم وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَعبد الله المسندي عِنْد البُخَارِيّ توفّي سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ يحيى بن معِين صَدُوق، وَوهم الْكرْمَانِي فِي هَذَا فِي موضِعين: أَحدهمَا: أَنه جعل الحرمي نِسْبَة وَلَيْسَ هُوَ بمنسوب إِلَى الْحرم أصلا، لِأَنَّهُ بَصرِي الأَصْل والمولد والمنشأ والمسكن والوفاة. وَالْآخر: أَنه جعل اسْم جده اسْمه حَيْثُ قَالَ: أَبُو روح كنيته واسْمه نابت وحرمي نسبته، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. والمسمى بحرمي أَيْضا اثْنَان: حرمي بن حَفْص الْعَتكِي روى لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وحرمي بن يُونُس الْمُؤَدب، روى لَهُ النَّسَائِيّ. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عَمْرو، وواقد أَخُو أبي بكر وَعمر وَزيد وَعَاصِم، وَكلهمْ رووا عَن أَبِيهِم مُحَمَّد، وَمُحَمّد أبوهم هَذَا روى لَهُ عَن جده عبد الله وَعَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن الزبير. قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين، وَاقد هذاثقة روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وواقد هَذَا بِالْقَافِ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: وَافد بِالْفَاءِ. الْخَامِس: أَبوهُ مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة، وروى لَهُ الْجَمَاعَة. . السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا) : أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد المسندي، بِزِيَادَة المسندي، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ عَن وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء، وَهُوَ كثير، لَكِن رِوَايَة الشَّخْص عَن أَبِيه عَن جده أقل، وواقد هُنَا روى عَن أَبِيه عَن جد أَبِيه. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث غَرِيب تفرد بروايته شُعْبَة عَن وَاقد، قَالَه ابْن حبَان، وَهُوَ عَن شُعْبَة عَزِيز، تفرد بروايته عَنهُ الحرمي الْمَذْكُور، وَعبد الْملك بن الصَّباح، وَهُوَ عَزِيز عَن الحرمي، تفرد بِهِ عَنهُ: المسندي، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عرْعرة، وَمن جِهَة إِبْرَاهِيم أخرجه أَبُو عوَانَة وَابْن حبَان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيرهم، وَهُوَ غَرِيب عَن عبد الْملك تفرد بِهِ عَنهُ أَبُو غَسَّان بن عبد الْوَاحِد شيخ مُسلم، فاتفق الشَّيْخَانِ على الحكم بِصِحَّتِهِ مَعَ غرابته. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ويؤمنوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ) الحَدِيث وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّلَاة، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر، والْحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه مُسلم أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَلم يقل: (إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام) . (بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (أمرت) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْأَمر هُوَ قَول الْقَائِل لمن دونه إفعل على سَبِيل الاستعلاء، وَقَالَ
الْكرْمَانِي: وَأَصَح التعاريف لِلْأَمْرِ هُوَ القَوْل الطَّالِب للْفِعْل، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفى، وَالْأَمر فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم فِي النَّفس، فَيكون قَوْله إفعل عبارَة عَن الْأَمر الْمجَازِي، تَسْمِيَة للدال باسم الْمَدْلُول قَوْله: (ويقيموا الصَّلَاة) معنى إِقَامَة الصَّلَاة: إِمَّا تَعْدِيل أَرْكَانهَا وحفظها من أَن يَقع زيغ فِي فرائضها وسننها وآدابها، من أَقَامَ الْعود إِذا قومه، وَإِمَّا المداومة عَلَيْهَا من قَامَت السُّوق إِذا نفقت، وَإِمَّا التجلد والتشمر فِي أَدَائِهَا. من قَامَت الْحَرْب على سَاقهَا. وَإِمَّا أَدَاؤُهَا تعبيرا عَن الْأَدَاء بِالْإِقَامَةِ، لِأَن الْقيام بعض أَرْكَانهَا، وَالصَّلَاة هِيَ الْعِبَادَة المفتحة بِالتَّكْبِيرِ المختتمة بِالتَّسْلِيمِ. قَوْله: (ويؤتوا الزَّكَاة) أَي: يعطوها، وَالزَّكَاة هِيَ الْقدر الْمخْرج من النّصاب للْمُسْتَحقّ. قَوْله: (عصموا) أَي: حفظوا وحقنوا، وَمعنى العصم فِي اللُّغَة الْمَنْع، وَمِنْه العصام وَهُوَ الْخَيط الَّذِي تشد بِهِ فَم الْقرْبَة. سمي بِهِ لمَنعه المَاء من السيلان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعِصْمَة الْحِفْظ، يُقَال عصمه فانعصم، واعتصمت بِاللَّه إِذا امْتنعت بِلُطْفِهِ من الْمعْصِيَة، وعصم يعْصم عصما بِالْفَتْح إِذا اكْتسب وَقَالَ بَعضهم: الْعِصْمَة مَأْخُوذَة من العصام؛ وَهُوَ الخيظ الَّذِي يشد بِهِ فَم الْقرْبَة. قلت: هَذَا الْقَائِل قلب الِاشْتِقَاق، وَإِنَّمَا العصام مُشْتَقّ من الْعِصْمَة، لِأَن المصادر هِيَ الَّتِي يشتق مِنْهَا، وَلم يقل بِهَذَا إلاَّ من لم يشم رَائِحَة علم الِاشْتِقَاق. والدماء، جمع: دم، نَحْو: جمال، جمع: جمل إِذْ أصل دم: دمو، بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: أَصله دمي على: فعل بالتسكين لِأَنَّهُ يجمع على دِمَاء وَدمِي، مثل: ظباء وظبي، ودلو ودلاء ودلى قَالَ: وَلَو كَانَ مثل قفا وَعصى لما جمع على ذَلِك، وَقَالَ الْمبرد: أَصله فعل بِالتَّحْرِيكِ، وَإِن جَاءَ جمعه مُخَالفا لنظائره، والذاهب مِنْهُ الْيَاء، وَالدَّلِيل عَلَيْهَا قَوْلهم فِي تثنيته دميان. (بَيَان الْأَعْرَاب) قَوْله: (أمرت) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول النَّائِب عَن الْفَاعِل، وَقعت مقولاً لِلْقَوْلِ. قَوْله: (أَن أقَاتل) أَصله: بِأَن أقَاتل وَحذف الْبَاء الجارة من أَن كثير سَائِغ مطرد، وَأَن مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: مقاتلة النَّاس. قَوْله: (حَتَّى يشْهدُوا) كلمة حَتَّى هَهُنَا للغاية، بِمَعْنى إِلَى. فَإِن قلت: غَايَة لماذا؟ قلت: يجوز أَن يكون غَايَة لِلْقِتَالِ، وَيجوز أَن يكون غَايَة لِلْأَمْرِ بِهِ. قَوْله: (يشْهدُوا) مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة إِذْ أَصله: أَن يشْهدُوا، وعلامة النصب سُقُوط النُّون لِأَن أَصله: يشْهدُونَ. قَوْله: (أَن لَا إِلَه الله) أَصله بِأَن لَا إِلَه إلاَّ اللَّهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: حَتَّى يَقُولُوا. قَوْله: (وَأَن مُحَمَّدًا) عطف على أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالتَّقْدِير: وَحَتَّى يشْهدُوا أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، قَوْله: (ويقيموا) عطف على يشْهدُوا أَيْضا، وَأَصله: وَحَتَّى يقيموا الصَّلَاة، وَأَن يؤتوا الزَّكَاة. قَوْله: (فَإِذا) للظرف، لكنه يتَضَمَّن معنى الشَّرْط. قَوْله (ذَلِك) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول فعلوا، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَشَهَادَة أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وتذكير الْإِشَارَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور. قَوْله: (عصموا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل جَوَاب لإذا. وَقَوله: (دِمَاؤُهُمْ) مفعول الْجُمْلَة و (أَمْوَالهم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام) اسْتثِْنَاء مفرغ، والمستثنى مِنْهُ أَعم عَام الْجَار وَالْمَجْرُور، والعصمة متضمنة لِمَعْنى النَّفْي حَتَّى يَصح تَفْرِيغ الِاسْتِثْنَاء، إِذْ هُوَ شَرطه، أَي لَا يجوز إهدار دِمَائِهِمْ، واستباحة أَمْوَالهم بِسَبَب من الْأَسْبَاب إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الِاسْتِثْنَاء، المفرغ لَا يكون إلاّ فِي النَّفْي، وَقَالَ ابْن مَالك بِجَوَازِهِ فِي كل مُوجب فِي معنى النَّفْي نحوُّ: صمت إلاَّ يَوْم الْجُمُعَة، إِذْ مَعْنَاهُ لم أفطر؟ والتفريغ: إِمَّا فِي نهي صَرِيح، كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا على الله إلاالحق} (النِّسَاء: 171) وَفِيمَا هُوَ بِمَعْنَاهُ: كالشرط فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إلاَّ متحرفا لقِتَال} (الْأَنْفَال: 16) وَأما فِي نفي صَرِيح، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول} (آل عمرَان: 144) أَو فِيمَا هُوَ بِمَعْنَاهُ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَهَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الْفَاسِقُونَ} (الْأَحْقَاف: 35) ثمَّ الْإِضَافَة فِي (بِحَق الْإِسْلَام) ، يجوز أَن تكون بِمَعْنى اللَّام، وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى: من، وَبِمَعْنى: فِي، على مَا لَا يخفى. قَوْله (وحسابهم) كَلَام إضافي مُبْتَدأ (وعَلى الله) خَبره، وَالْمعْنَى: حسابهم بعد هَذِه الْأَشْيَاء على الله فِي أَمر سرائرهم. (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله: (أمرت) أقيم فِيهِ الْمَفْعُول مقَام الْفَاعِل لشهرة الْفَاعِل ولتعينه بذلك، إِذْ لَا آمُر للرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غير الله تَعَالَى، وَالتَّقْدِير: أَمرنِي الله تَعَالَى بِأَن أقَاتل النَّاس، وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: أمرنَا بِكَذَا، يفهم مِنْهُ أَن الْآمِر هُوَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ لَا آمُر بَينهم إلاَّ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ هُوَ المشرع وَهُوَ الْمُبين، وَأما إِذا قَالَ التَّابِعِيّ: أمرنَا بِكَذَا، فَإِن ذَلِك مُحْتَمل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: أمرنَا بِكَذَا فهم مِنْهُ أَن الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، هُوَ الْآمِر لَهُ، فَإِن من اشْتهر بِطَاعَة رئيسه إِذا قَالَ ذَلِك فهم مِنْهُ أَن الرئيس
أمره بِهِ، وَفَائِدَة الْعُدُول عَن التَّصْرِيح دَعْوَى الْيَقِين والتعويل على شَهَادَة الْعقل. وَقَالَ بَعضهم: وَقِيَاسه فِي الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: أُمرت، فَالْمَعْنى: أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِنَّهُم مجتهدون، وَالْحَاصِل أَن من اشْتهر بِطَاعَة رَئِيس إِذا قَالَ ذَلِك فهم مِنْهُم أَن الْآمِر لَهُ ذَلِك الرئيس. قلت: خُذ كَلَام الْكرْمَانِي، وقلّب مَعْنَاهُ لِأَن الْكرْمَانِي جعل قَوْله: فَإِن من اشْتهر بِطَاعَة رَئِيس إِلَى آخِره عِلّة لقَوْله: فهم مِنْهُ أَن الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، هُوَ الْآمِر لَهُ، وَهَذَا الْقَائِل أوقع هَذِه الْعلَّة حَامِلا وداعيا، وَهُوَ عكس الْمَقْصُود، وَقَوله أَيْضا: من حَيْثُ إِنَّهُم مجتهدون، لَا دخل لَهُ فِي الْكَلَام، لِأَن الْحَيْثِيَّة تقع قيدا، وَهَذَا الْقَيْد غير مُحْتَاج إِلَيْهِ هَهُنَا، لأَنا قُلْنَا: إِن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: أمرت مَعْنَاهُ: أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من حَيْثُ إِنَّه هُوَ الْآمِر بَينهم وَهُوَ المشرع، وَلَيْسَ الْمَعْنى أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِنِّي مُجْتَهد، وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة السُّقُوط. قَوْله: (أقَاتل النَّاس) : إِنَّمَا ذكر بَاب المفاعلة الَّتِي وضعت لمشاركة الْإِثْنَيْنِ، لِأَن الدّين إِنَّمَا ظهر بِالْجِهَادِ، وَالْجهَاد لَا يكون إلاَّ بَين اثْنَيْنِ، وَالْألف وَاللَّام فِي: النَّاس، للْجِنْس يدْخل فِيهِ أهل الْكتاب الملتزمين لأَدَاء الْجِزْيَة. قلت: هَؤُلَاءِ قد خَرجُوا بِدَلِيل آخر مثل {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة} (التَّوْبَة: 29) وَنَحْوه، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيّ بِلَفْظ: (أمرت أَن أقَاتل الْمُشْركين) . قَالَ الْكرْمَانِي: وَالنَّاس قَالُوا: أُرِيد بِهِ عَبدة الْأَوْثَان دون أهل الْكتاب، لِأَن الْقِتَال يسْقط عَنْهُم بِقبُول الْجِزْيَة. قلت: فعلى هَذَا تكون اللَّام للْعهد، وَلَا عهد إلاَّ فِي الْخَارِج، وَالتَّحْقِيق مَا قُلْنَا، وَلِهَذَا قَالَ الطَّيِّبِيّ: هُوَ من الْعَام الَّذِي خص مِنْهُ الْبَعْض، لِأَن الْقَصْد الأولي من هَذَا الْأَمر حُصُول هَذَا الْمَطْلُوب، لقَوْله تَعَالَى: {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} (الذاريات: 56) فَإِذا تخلف مِنْهُ أحد فِي بعض الصُّور لعَارض لَا يقْدَح فِي عُمُومه، أَلا ترى أَن عَبدة الْأَوْثَان إِذا وَقعت المهادنة مَعَهم تسْقط الْمُقَاتلَة وَتثبت الْعِصْمَة؟ . قَالَ: وَيجوز أَن يعبر بِمَجْمُوع الشَّهَادَتَيْنِ وَفعل الصَّلَاة وَالزَّكَاة عَن إعلاء كلمة الله تَعَالَى، وإذعان الْمُخَالفين، فَيحصل فِي بَعضهم بذلك، وَفِي بَعضهم بالجزية، وَفِي الآخرين بالمهادنة. قَالَ: وَأَيْضًا الِاحْتِمَال قَائِم فِي أَن ضرب الْجِزْيَة كَانَ بعد هَذَا القَوْل. قلت: بل الظَّاهِر أَن الحَدِيث الْمَذْكُور مُتَقَدم على مَشْرُوعِيَّة أَخذ الْجِزْيَة وَسُقُوط الْقِتَال بهَا، فَحِينَئِذٍ تكون اللَّام للْجِنْس كَمَا ذكرنَا، وَأَيْضًا: المُرَاد من وضع الْجِزْيَة أَن يضطروا إِلَى الْإِسْلَام، وَسبب السَّبَب سَبَب، فَيكون التَّقْدِير: حَتَّى يسلمُوا، أَو يُعْطوا الْجِزْيَة، وَلكنه اكْتفى بِمَا هُوَ الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ من خلق الْخَلَائق، وَهُوَ قَوْله عز وَجل: {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إلاَّ ليعبدون} (الذاريات: 56) أَو نقُول: إِن الْمَقْصُود هُوَ الْقِتَال، أَو مَا يقوم مقَامه، وَهُوَ: أَخذ الْجِزْيَة، أَو الْمَقْصُود هُوَ الْإِسْلَام مِنْهُم، أَو مَا يقوم مقَامه فِي دفع الْقِتَال وَهُوَ إِعْطَاء الْجِزْيَة، وكل هَذِه التأويلات لأجل مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع سُقُوط الْقِتَال بالجزية فَافْهَم. قَوْله: (فَإِذا فعلوا ذَلِك) قد قُلْنَا إِن ذَلِك مفعول فعلوا، فَإِن قلت: الْمشَار إِلَيْهِ بعضه قَول، فَكيف إِطْلَاق الْفِعْل عَلَيْهِ؟ قلت: إِمَّا بِاعْتِبَار أَنه عمل اللِّسَان وَإِمَّا على سَبِيل التغليب للاثنين على الْوَاحِد. قَوْله: (وحسابهم على الله) على سَبِيل التَّشْبِيه، أَي هُوَ كالواجب على الله فِي تحقق الْوُقُوع، وَذَلِكَ أَن لَفْظَة: على مشعرة بِالْإِيجَابِ فِي عرف الِاسْتِعْمَال، وَلَا يجب على الله شَيْء، وَكَأن الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: وحسابهم الله أَو إِلَى الله، وَأما عِنْد الْمُعْتَزلَة، فَهُوَ ظَاهر لأَنهم يَقُولُونَ بِوُجُوب الْحساب عقلا، وَالْمعْنَى: أَن أُمُور سرائرهم إِلَى الله تَعَالَى، وَأما نَحن فنحكم بِالظَّاهِرِ، فنعاملهم بِمُقْتَضى ظَاهر أَقْوَالهم وأفعالهم، أَو مَعْنَاهُ: هَذَا الْقِتَال وَهَذِه الْعِصْمَة إِنَّمَا هُوَ من الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة، وَهُوَ مِمَّا يتَعَلَّق بِنَا، وَأما الْأُمُور الأخروية من دُخُول الْجنَّة وَالنَّار وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وكميتهما وكيفيتهما فَهُوَ مفوض إِلَى الله تَعَالَى لَا دخل لنا فِيهَا. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ على أَن تَارِك الصَّلَاة عمدا مُعْتَقدًا وُجُوبهَا يقتل، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور. قلت: لَا يَصح هَذَا الِاسْتِدْلَال لِأَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الْقِتَال، وَلَا يلْزم من إِبَاحَة الْقِتَال إِبَاحَة الْقَتْل، لِأَن بَاب المفاعلة يسْتَلْزم وُقُوع الْفِعْل من الْجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِك الْقَتْل فَافْهَم. ثمَّ اخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي: هَل يقتل على الْفَوْر أم يُمْهل ثَلَاثَة أَيَّام؟ الْأَصَح الأول، وَالصَّحِيح أَنه يقتل بترك صَلَاة وَاحِدَة إِذا خرج وَقت الضَّرُورَة لَهَا، وَأَنه يقتل بِالسَّيْفِ، وَهُوَ مقتول حدا. وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أَكثر أَصْحَابه عَنهُ: تَارِك الصَّلَاة عمدا يكفر وَيخرج من الْملَّة، وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي، فعلى هَذَا لَهُ حكم الْمُرْتَد، فَلَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ، وَتبين مِنْهُ امْرَأَته. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، والمزني: يحبس إِلَى أَن يحدث تَوْبَة وَلَا يقتل، ويلزمهم أَنهم احْتَجُّوا بِهِ على قتل تَارِك الصَّلَاة عمدا، وَلم يَقُولُوا بقتل مَانع الزَّكَاة، مَعَ أَن
الحَدِيث يشملها، ومذهبهم: أَن مَانع الزَّكَاة تُؤْخَذ مِنْهُ قهرا وَيُعَزر على تَركهَا، وَسُئِلَ الْكرْمَانِي هَهُنَا عَن حكم تَارِك الزَّكَاة ثمَّ أجَاب: بِأَن حكمهمَا وَاحِد، وَلِهَذَا قَاتل الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، مانعي الزَّكَاة، فَإِن أَرَادَ أَن حكمهمَا وَاحِد فِي الْمُقَاتلَة فَمُسلم، وَإِن أَرَادَ فِي الْقَتْل فَمَمْنُوع لِأَن الْمُمْتَنع من الزَّكَاة يُمكن أَن تُؤْخَذ مِنْهُ قهرا، بِخِلَاف الصَّلَاة، أما إِذا انتصب صَاحب الزَّكَاة لِلْقِتَالِ لمنع الزَّكَاة فَإِنَّهُ يُقَاتل، وبهذه الطَّرِيقَة قَاتل الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، مانعي الزَّكَاة، وَلم ينْقل أَنه قتل أحدا مِنْهُم صبرا، وَلَو ترك صَوْم رَمَضَان حبس وَمنع الطَّعَام وَالشرَاب نَهَارا، لِأَن الظَّاهِر أَنه ينويه لِأَنَّهُ مُعْتَقد لوُجُوبه كَمَا ذكر فِي كتب الشَّافِعِيَّة. الثَّانِي: قَالَ النَّوَوِيّ يسْتَدلّ بِهِ على وجوب قتال مانعي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا من وَاجِبَات الْإِسْلَام قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا. قلت: فَعَن هَذَا قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن إِن أهل بَلْدَة أَو قَرْيَة إِذا اجْتَمعُوا على ترك الْأَذَان، فَإِن الإِمَام يقاتلهم، وَكَذَلِكَ كل شَيْء من شَعَائِر الْإِسْلَام. الثَّالِث: فِيهِ أَن من أظهر الْإِسْلَام وَفعل الْأَركان يجب الْكَفّ عَنهُ، وَلَا يتَعَرَّض لَهُ. الرَّابِع: فِيهِ قبُول تَوْبَة الزنديق، وَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فِي الْمَغَازِي. قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنِّي لم أُؤمر أَن أشق على قُلُوب النَّاس وَلَا عَن بطونهم) الحَدِيث بِطُولِهِ جَوَابا القَوْل خَالِد، رَضِي الله عَنهُ أَلا أضْرب عُنُقه؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: لَعَلَّه يُصَلِّي، فَقَالَ خَالِد: وَكم من مصل يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ بِقَلْبِه. ولأصحاب الشَّافِعِي، رَحمَه الله، فِي الزنديق الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام ويبطن الْكفْر وَيعلم ذَلِك بِأَن يطلع الشُّهُود على كفر كَانَ يخفيه، أَو علم بِإِقْرَارِهِ خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: قبُول تَوْبَته مُطلقًا، وَهُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص عَن الشَّافِعِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفلا شققت عَن قلبه) ؟ وَالثَّانِي: بِهِ قَالَ مَالك: لَا تقبل تَوْبَته ورجوعه إِلَى الْإِسْلَام، لكنه إِن كَانَ صَادِقا فِي تَوْبَته نَفعه ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى، وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ كالوجهين. وَالثَّالِث: إِن كَانَ من الدعاة إِلَى الضلال لم تقبل تَوْبَتهمْ وَتقبل تَوْبَة عوامهم، وَالرَّابِع: إِن أَخذ ليقْتل فَتَابَ لم تقبل، وَإِن جَاءَ تَائِبًا ابْتِدَاء وَظَهَرت مخائل الصدْق عَلَيْهِ قبلت، وَحكي هَذَا القَوْل عَن مَالك، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عبد الْوَاحِد السفاقسي قَالَ: قَالَ مَالك: لَا تقبل تَوْبَة الزنديق إلاَّ إِذا كَانَ لم يطلع عَلَيْهِ وَجَاء تَائِبًا فَإِنَّهُ تقبل تَوْبَته. وَالْخَامِس: إِن تَابَ مرّة قبلت مِنْهُ، وَإِن تَكَرَّرت مِنْهُ التَّوْبَة لم تقبل. وَقَالَ صَاحب (التَّقْرِيب) من أَصْحَابنَا: روى بشر بن الْوَلِيد، عَن أبي يُوسُف، عَن أبي حنيفَة فِي الزنديق الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام قَالَ إستتيبه كالمرتد، وَقَالَ أَبُو يُوسُف مثل ذَلِك زَمَانا، فَلَمَّا رأى مَا يصنع الزَّنَادِقَة من إِظْهَار الْإِسْلَام ثمَّ يعودون، قَالَ: إِن أتيت بزنديق أمرت بقتْله وَلم استتبه، فَإِن تَابَ قبل أَن أَقتلهُ خليته. وروى سُلَيْمَان بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن أبي يُوسُف، عَن أبي حنيفَة، رَحمَه الله فِي نَوَادِر لَهُ قَالَ: قَالَ أَبُو حنيفَة: اقْتُلُوا الزنديق الْمُسْتَتر، فَإِن تَوْبَته لَا تعرف. الْخَامِس: قَالُوا: فِيهِ دَلِيل على أَن الإعتقاد الْجَازِم كَاف فِي النجَاة، خلافًا لمن أوجب تعلم الْأَدِلَّة وَجعله شرطا فِي الْإِسْلَام، وَهُوَ كثير من الْمُعْتَزلَة وَقَول بعض الْمُتَكَلِّمين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قد تظاهرت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي يحصل من عمومها الْعلم الْقطعِي بِأَن التَّصْدِيق الْجَازِم كَاف. قَالَ الإِمَام: المقترح اخْتلف النَّاس فِي وجوب الْمعرفَة على الْأَعْيَان، فَذهب قوم إِلَى أَنَّهَا لَا تجب، وَقوم إِلَى وُجُوبهَا، وَادّعى كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ الْإِجْمَاع على نقيض مَا ادّعى مخالفه، وَاسْتدلَّ النافون بِأَنَّهُ قد ثَبت من الْأَوَّلين قبُول كلمتي الشَّهَادَة من كل نَاطِق بهَا، وَإِن كَانَ من البله والمغفلين، وَلم يقل لَهُ: هَل نظرت أَو أَبْصرت؛ وَاسْتدلَّ المثبتون من الْأَوَّلين الْأَمر بهَا مثل ابْن مَسْعُود وَعلي ومعاذ رَضِي الله عَنْهُم، وَأَجَابُوا عَن الأول: بِأَن كلمتي الشَّهَادَة مَظَنَّة الْعلم، وَالْحكم فِي الظَّاهِر يدار على المظنة، وَقد كَانَ الْكَفَرَة يَذبُّونَ عَن دينهم، وَمَا رجعُوا إلاَّ بعد ظُهُور الْحق وَقيام علم الصدْق، وَالْمَقْصُود إخلاص العَبْد فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، فَلَا بُد أَن يكون على بَصِيرَة من أمره، وَلَقَد كَانُوا يفهمون الْكتاب الْعَرَبِيّ فهما وافيا بالمعاني، وَالْكتاب الْعَزِيز مُشْتَمل على الْحجَج والبراهين. قلت: وَهَذَا الثَّانِي هُوَ مُخْتَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَالْإِمَام المقترح، وَالْأول مُخْتَار الْأَكْثَرين وَالله أعلم. السَّادِس: فِيهِ اشْتِرَاط التَّلَفُّظ بكلمتي الشَّهَادَة فِي الحكم بِالْإِسْلَامِ، وَأَنه لَا يكف عَن قِتَالهمْ إلاَّ بالنطق بهما. السَّابِع: فِيهِ عدم تَكْفِير أهل الشَّهَادَة من أهل الْبدع. الثَّامِن: فِيهِ دَلِيل على قبُول الْأَعْمَال الظَّاهِرَة وَالْحكم بِمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر. التَّاسِع: فِيهِ دَلِيل على أَن حكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْأَئِمَّة بعده إِنَّمَا كَانَ على الظَّاهِر، والحساب على السرائر إِلَى الله تَعَالَى دون خلقه، وَإِنَّمَا جعل إِلَيْهِم ظَاهر أمره دون خفيه. الْعَاشِر: أَن هَذَا الحَدِيث مُبين ومقيد لما جَاءَ من الْأَحَادِيث الْمُطلقَة، مِنْهَا مَا جَاءَ فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله عَنهُ، ومناظرته مَعَ أبي
- (باب من قال: إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعلمون} )
بكر، رَضِي الله عَنهُ، فِي شَأْن قتال مانعي الزَّكَاة، وَفِيه فَقَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ: كَيفَ تقَاتل النَّاس وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فقد عصم مني دَمه وَمَاله إِلَّا بِحقِّهِ وحسابهم على الله) فَقَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله عَنهُ: وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة، فانتقال أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ، إِلَى الْقيَاس، وَاعْتِرَاض عمر، رَضِي الله عَنهُ، عَلَيْهِ أولى دَلِيل على أَنه خَفِي عَلَيْهِمَا وعَلى من حضرهما من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، الْمَذْكُور كَمَا خَفِي عَلَيْهِم حَدِيث جِزْيَة الْمَجُوس، وشأن الطَّاعُون، لِأَنَّهُ لَو استحضروه لم ينْتَقل أَبُو بكر، رَضِي الله عَنهُ إِلَى الْقيَاس، وَلم يُنكر عمر، رَضِي الله عَنهُ، على أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ، قلت: وَمن هَذَا قَالَ بَعضهم: فِي صِحَة حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور نظر، لِأَنَّهُ لَو كَانَ عِنْد ابْن عمر لما ترك أَبَاهُ يُنَازع أَبَا بكر، رَضِي الله عَنهُ، فِي قتال مانعي الزَّكَاة، وَلَو كَانُوا يعرفونه لما كَانَ أَبُو بكر يقر عمر على الِاسْتِدْلَال بقوله، عَلَيْهِ السَّلَام: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله) ، وَلما انْتقل من الِاسْتِدْلَال بِهَذَا النَّص إِلَى الْقيَاس، إِذْ قَالَ: لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة لِأَنَّهَا قرينتها فِي كتاب الله، عز وَجل. وَأجِيب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الحَدِيث الْمَذْكُور عِنْد ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَن يكون استحضره فِي تِلْكَ الْحَالة، وَلَو كَانَ مستحضرا لَهُ فقد يحْتَمل أَن لَا يكون حضر المناظرة الْمَذْكُورَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون ذكره لما بعد، وَقَالُوا: لم يسْتَدلّ أَبُو بكر، رَضِي الله عَنهُ، فِي قتال مانعي الزَّكَاة بِالْقِيَاسِ فَقَط، بل اسْتدلَّ أَيْضا من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الَّذِي ذكره: (إلاَّ بِحَق الْإِسْلَام) قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله عَنهُ: وَالزَّكَاة حق الْإِسْلَام. وَقَالُوا أَيْضا: لم ينْفَرد ابْن عمر، رَضِي الله عَنهُ، بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، بل رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، بِزِيَادَة الصَّلَاة وَالزَّكَاة فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قلت: فِي الْقِصَّة دَلِيل على أَن السّنة قد تخفى على بعض أكَابِر الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، ويطلع عَلَيْهَا آحادهم. الْحَادِي عشر: فِيهِ أَن من أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأقَام الصَّلَاة، وَآتى الزَّكَاة، وَإِن كَانَ لَا يُؤَاخذ لكَونه مَعْصُوما، لكنه يُؤَاخذ بِحَق من حُقُوق الْإِسْلَام من نَحْو قصاص أَو حدٍ أَو غَرَامَة متْلف وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إلاّ بِحَق الْإِسْلَام من: قتل النَّفس وَترك الصَّلَاة وَمنع الزَّكَاة. قلت: قَوْله: من قتل النَّفس، لَا خلاف فِيهِ أَن عصمَة دَمه تَزُول عِنْد قتل النَّفس الْمُحرمَة. وَأما قَوْله: وَترك الصَّلَاة، فَهُوَ بِنَاء على مذْهبه، وَأما قَوْله: وَمنع الزَّكَاة، لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن مَذْهَب الشَّافِعِي: أَن مَانع الزَّكَاة لَا يقتل، وَلكنه يُؤْخَذ مِنْهُ قهرا، وَأما إِذا انتصب لِلْقِتَالِ فَإِنَّهُ يُقَاتل بِلَا خلاف، وَقد بَيناهُ عَن قريب. الثَّانِي عشر: فِيهِ وجوب قتال الْكفَّار إِذا أطاقه الْمُسلمُونَ حَتَّى يسلمُوا أَو يبذلوا الْجِزْيَة إِن كَانُوا من أَهلهَا. الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِذا شهد وَأقَام وَأدّى فَمُقْتَضى الحَدِيث أَن يتْرك الْقِتَال، وَإِن كفر بِسَائِر مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لكنه لَيْسَ كَذَلِك. وَأجِيب: بِأَن الشَّهَادَة برسالته تَتَضَمَّن التَّصْدِيق بِمَا جَاءَ بِهِ، مَعَ أَنه يحْتَمل أَنه مَا جَاءَ بِسَائِر الْأَشْيَاء إلاَّ بعد صُدُور هَذَا الحَدِيث، أَو علم ذَلِك بِدَلِيل آخر خارجي، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (ويؤمنوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ) وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ نَص على الصَّلَاة وَالزَّكَاة مَعَ أَن حكم سَائِر الْفَرَائِض كحكمهما؟ وَأجِيب: لِكَوْنِهِمَا أما الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة والمالية والعيار على غَيرهمَا والعنوان لَهُ، وَلذَلِك سمى الصَّلَاة عماد الدّين، وَالزَّكَاة قنطرة الْإِسْلَام. وَمِنْهَا مَا قيل: إِذا شهدُوا عصموا وَإِن لم يقيموا وَلم يؤتوا، إِذْ بعد الشَّهَادَة لَا بُد من الانكفاف عَن الْقِتَال فِي الْحَال، وَلَا تنْتَظر الْإِقَامَة والإيتاء وَلَا غَيرهمَا وَكَانَ حق الظَّاهِر أَن يَكْتَفِي بقوله: (إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام) ، فَإِن الْإِقَامَة والإيتاء مِنْهُ. وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا ذكرهمَا تعظميا لَهما واهتماما بشأنهما وإشعارا بِأَنَّهُمَا فِي حكم الشَّهَادَة، أَو المُرَاد ترك الْقِتَال مُطلقًا مستمرا، لَا ترك الْقِتَال فِي الْحَال الْمُمكن إِعَادَته بترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة، وَذَلِكَ لَا يحصل إلاَّ بِالشَّهَادَةِ وإيتاء الْوَاجِبَات كلهَا. 18 - (بابُ مَنْ قَالَ: إنّ الإيمَانَ هُوَ العَمَلُ لقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع الأول: إِن لفظ بَاب مُضَاف إِلَى مَا بعده وَلَا يجوز غَيره قطعا، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ
مَحْذُوف أَي: هَذَا بَاب من قَالَ إِلَخ وأصل الْكَلَام: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ: إِن الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِنَّه عقد الْبَاب الأول للتّنْبِيه على أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان ردا على المرجئة، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا مَعْقُود لبَيَان أَن الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، ردا عَلَيْهِم. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين، فِي شَرحه فِي هَذَا الْبَاب: إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ الرَّد على المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض عَن غلاتهم: إِنَّهُم يَقُولُونَ: إِن مُظهِر الشَّهَادَتَيْنِ يدْخل الْجنَّة وَإِن لم يَعْتَقِدهُ بِقَلْبِه. الثَّالِث: وَجه مُطَابقَة الْآيَة للتَّرْجَمَة هُوَ: أَن الْإِيمَان لما كَانَ هُوَ السَّبَب لدُخُول العَبْد الْجنَّة وَالله، عز وَجل، أخبر بِأَن الْجنَّة هِيَ الَّتِي أورثوها بأعمالهم حَيْثُ قَالَ: {بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} (الزخرف: 72) دلّ ذَلِك على أَن الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى أطلق على قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله الْعَمَل، فَدلَّ على أَن الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، فعلى هَذَا معنى قَوْله: {بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} (الزخرف: 72) : بِمَا كُنْتُم تؤمنون، على مَا زَعمه البُخَارِيّ، على مَا نقل عَن جمَاعَة من الْمُفَسّرين، وَلَكِن اللَّفْظ عَام وَدَعوى التَّخْصِيص بِلَا برهَان لَا تقبل، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ تَخْصِيص بِلَا دَلِيل، وَهَهُنَا مناقشة أُخْرَى، وَهِي: إِن إِطْلَاق الْعَمَل على الْإِيمَان صَحِيح، من حَيْثُ إِن الْإِيمَان هُوَ عمل الْقلب، وَلَكِن لَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الْعَمَل من نفس الْإِيمَان؛ وَقصد البُخَارِيّ من هَذَا الْبَاب وَغَيره إثْبَاته أَن الْعَمَل من أَدَاء الْإِيمَان ردا على من يَقُول: إِن الْعَمَل لَا دخل لَهُ فِي مَاهِيَّة الْإِيمَان، فَحِينَئِذٍ لَا يتم مَقْصُوده على مَا لَا يخفى، وَإِن كَانَ مُرَاده جَوَاز إِطْلَاق الْعَمَل على الْإِيمَان فَهَذَا لَا نزاع فِيهِ لأحد، لِأَن الْإِيمَان عمل الْقلب وَهُوَ التَّصْدِيق. الرَّابِع: قَوْله: وَتلك الْإِشَارَة إِلَى الْجنَّة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله: {ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وأزواجكم تحبرون} (الزخرف: 70) وَهِي مُبْتَدأ وَالْجنَّة خَبره، وَقَوله {الَّتِي أورثتموها} صفة الْجنَّة، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَو الْجنَّة صفة للمبتدأ الَّذِي هُوَ اسْم الْإِشَارَة و {الَّتِي أورثتموها} (الزخرف: 72) خبر الْمُبْتَدَأ، وَالَّتِي أَو {الَّتِي أورثتموها} (الزخرف: 72) صفة و {بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} (الزخرف: 72) الْخَبَر وَالْبَاء تتَعَلَّق بِمَحْذُوف كَمَا فِي الظروف الَّتِي تقع أَخْبَارًا، وَفِي الْوَجْه الأول تتَعَلَّق: بأورثتموها، وقرىء: ورثتموها. فَإِن قلت: الإيراث إبْقَاء المَال بعد الْمَوْت لمن يسْتَحقّهُ، وَحَقِيقَته ممتنعة على الله تَعَالَى، فَمَا معنى الإيراث هَهُنَا؟ قلت: هَذَا من بَاب التَّشْبِيه، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: شبهت فِي بَقَائِهَا على أَهلهَا بِالْمِيرَاثِ الْبَاقِي على الْوَرَثَة، وَيُقَال: الْمُورث هُنَا الْكَافِر، وَكَانَ لَهُ نصيب مِنْهَا وَلَكِن كفره مَنعه فانتقل مِنْهُ إِلَى الْمُؤمنِينَ، وَهَذَا معنى الإيراث. وَيُقَال: الْمُورث هُوَ الله تَعَالَى وَلكنه مجَاز عَن الْإِعْطَاء على سَبِيل التَّشْبِيه لهَذَا الْإِعْطَاء بالإيراث. فَإِن قلت: كلمة: مَا فِي قَوْله {بِمَا كُنْتُم} (الزخرف: 72) مَا هِيَ؟ قلت: يجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة، فَالْمَعْنى: بكونكم عاملين، وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة، فَالْمَعْنى: بِالَّذِي كُنْتُم تعملونه. فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين هَذِه الْآيَة، وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لن يدْخل أحدكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ) ؟ قلت: الْبَاء فِي قَوْله: بِمَا كُنْتُم لَيست للسَّبَبِيَّة، بل للملابسة أَي: أورثتموها مُلَابسَة لأعمالكم، أَي: لثواب أَعمالكُم، أَو للمقابلة نَحْو: أَعْطَيْت الشَّاة بالدرهم. وَقَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: الْمَعْنى الثَّامِن للباء الْمُقَابلَة، وَهِي الدَّاخِلَة على الأعواض: كاشتريته بِأَلف دِرْهَم، وَقَوْلهمْ: هَذَا بِذَاكَ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} (الزخرف: 72) وَإِنَّمَا لم نقدرها بَاء السَّبَبِيَّة كَمَا قَالَت الْمُعْتَزلَة، وكما قَالَ الْجَمِيع فِي: (لن يدْخل أحدكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ) لِأَن الْمُعْطِي بعوض قد يُعْطي مجَّانا، وَأما الْمُسَبّب فَلَا يُوجد بِدُونِ السَّبَب، وَقد تبين أَنه لَا تعَارض بَين الحَدِيث وَالْآيَة لاخْتِلَاف محلي الْبَابَيْنِ جمعا بَين الْأَدِلَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو إِن الْجنَّة فِي تِلْكَ الْجنَّة جنَّة خَاصَّة أَي: تِلْكَ الْجنَّة الْخَاصَّة الرفيعة الْعَالِيَة بِسَبَب الْأَعْمَال، وَأما أصل الدُّخُول فبرحمة الله. قلت: أُشير بِهَذِهِ الْجنَّة إِلَى الْجنَّة الْمَذْكُورَة فِيمَا قبلهَا، وَهِي الْجنَّة الْمَعْهُودَة، وَالْإِشَارَة تمنع مَا ذكره، وَقَالَ النَّوَوِيّ، فِي الْجَواب: إِن دُخُول الْجنَّة بِسَبَب الْعَمَل، وَالْعَمَل برحمة الله تَعَالَى. قلت: الْمُقدمَة الأولى مَمْنُوعَة لِأَنَّهَا تخَالف صَرِيح الحَدِيث فَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا. وَقَالَ عِدّةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُم أجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ} (الْحجر: 92) عَنْ قولِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ. الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: إِن الْعدة، بِكَسْر الْعين وَتَشْديد الدَّال: هِيَ الْجَمَاعَة، قلَّت أَو كثرت؛ وَفِي (الْعباب) تَقول: أنفدت عدَّة كتب، أَي: جمَاعَة كتب، وَيُقَال: فلَان إِنَّمَا يَأْتِي أَهله الْعدة أَي يَأْتِي أَهله فِي الشَّهْر والشهرين، وعدة الْمَرْأَة أَيَّام إقرائها وَأما
الْعد بِدُونِ الْهَاء فَهُوَ: المَاء الَّذِي لَا يَنْقَطِع، كَمَاء الْعين وَمَاء الْبِئْر. وَالْعد أَيْضا: الْكَثْرَة. قَوْله: (عدَّة) مَرْفُوع بقال، وَيجوز فِيهِ قَالَ وَقَالَت لِأَن التَّأْنِيث فِي عدَّة غير حَقِيقِيّ، وَكلمَة من فِي قَوْله: (من أهل الْعلم) للْبَيَان، قَوْله: (فِي قَوْله) يتَعَلَّق بقال، وَالْخطاب فِي: {فوربك} (الْحجر: 92) للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْوَاو فِيهِ للقسم، وَقَوله: {لنسألنهم} (الْحجر: 92) جَوَاب الْقسم مؤكدا بِاللَّامِ. قَوْله: {عَن قَول} (الْحجر: 92) يتَعَلَّق بقوله: {لنسألنهم} أَي: لنسألنهم عَن كلمة الشَّهَادَة الَّتِي هِيَ عنوان الْإِيمَان، وَعَن سَائِر أَعْمَالهم الَّتِي صدرت مِنْهُم. الثَّانِي: أَن الْجَمَاعَة الَّذين ذَهَبُوا إِلَى مَا ذكره نَحْو أنس بن مَالك وَعبد الله بن عمر وَمُجاهد بن جبر رَضِي الله عَنْهُم، وَأخرج التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا، عَن أنس: {فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ} (الْحجر: 92) قَالَ: (عَن لَا إِلَه إِلَّا الله) وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ، وَالَّذِي روى عَن ابْن عمر فِي (التَّفْسِير) للطبري وَفِي كتاب (الدُّعَاء) للطبراني، وَالَّذِي روى عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير عبد الرَّزَّاق وَغَيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي الْآيَة وَجه آخر وَهُوَ الْمُخْتَار، وَالْمعْنَى لنسألنهم عَن أَعْمَالهم كلهَا الَّتِي يتَعَلَّق بهَا التَّكْلِيف؛ وَقَول من خص بِلَفْظ التَّوْحِيد دَعْوَى تَخْصِيص بِلَا دَلِيل فَلَا تقبل ثمَّ روى حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَضَعفه، وَقَالَ بَعضهم: لتخصيصهم، وَجه من جِهَة التَّعْمِيم فِي قَوْله: أَجْمَعِينَ، فَيدْخل فِيهِ الْمُسلم وَالْكَافِر، فَإِن الْكَافِر مُخَاطب بِالتَّوْحِيدِ بِلَا خلاف، بِخِلَاف بَاقِي الْأَعْمَال فَفِيهَا الْخلاف، فَمن قَالَ إِنَّهُم مخاطبون يَقُول: إِنَّهُم مسؤولون عَن الْأَعْمَال كلهَا. وَمن قَالَ: إِنَّهُم غير مخاطبين، يَقُول: إِنَّمَا يسْأَلُون عَن التَّوْحِيد فَقَط، فالسؤال عَن التَّوْحِيد مُتَّفق عَلَيْهِ، فَحمل الْآيَة عَلَيْهِ أولى بِخِلَاف الْحمل على جَمِيع الْأَعْمَال لما فِيهَا من الِاخْتِلَاف. قلت: هَذَا الْقَائِل قصد بِكَلَامِهِ الرَّد على النَّوَوِيّ، وَلكنه تاه فِي كَلَامه، فَإِن النَّوَوِيّ لم يقل بِنَفْي التَّخْصِيص لعدم التَّعْمِيم فِي الْكَلَام، وَإِنَّمَا قَالَ: دَعْوَى التَّخْصِيص بِلَا دَلِيل خارجي لَا تقبل، وَالْأَمر كَذَلِك غإن الْكَلَام عَام فِي السُّؤَال عَن التَّوْحِيد وَغَيره ثمَّ دَعْوَى التَّخْصِيص بِالتَّوْحِيدِ يحْتَاج إِلَى دَلِيل من خَارج، فَإِن استدلوا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور فقد أجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ ضَعِيف، وَهَذَا الْقَائِل فهم أَيْضا أَن النزاع فِي أَن التَّخْصِيص والتعميم هُنَا إِنَّمَا هُوَ من جِهَة التَّعْمِيم هُنَا إِنَّمَا هُوَ من جِهَة التَّعْمِيم فِي قَوْله: {أَجْمَعِينَ} (الْحجر: 92) وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ فِي قَوْله: {عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ} (الْحجر: 92) فَإِن الْعَمَل هُنَا أَعم من أَن يكون توحيدا أَو غَيره، وتخصيصه بِالتَّوْحِيدِ تحكم قَوْله فَيدْخل فِيهِ الْمُسلم، وَالْكَافِر غير مُسلم، لِأَن الضَّمِير فِي لنسألنهم، يرجع إِلَى الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين، وهم نَاس مخصوصون. وَلَفْظَة أَجْمَعِينَ، وَقعت توكيدا للضمير الْمَذْكُور فِي النِّسْبَة مَعَ الشُّمُول فِي أَفْرَاده المخصوصين، ثمَّ تَفْرِيع هَذَا الْقَائِل بقوله: فَإِن الْكَافِر إِلَخ لَيْسَ لَهُ دخل فِي صُورَة النزاع على مَا لَا يخفى. الثَّالِث: مَا قيل: إِن هَذِه الْآيَة أَثْبَتَت السُّؤَال على سَبِيل التوكيد القسمي، وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {فَيَوْمئِذٍ لَا يسْأَل عَن ذَنبه أنس وَلَا جَان} (الرَّحْمَن: 39) فنفت السُّؤَال. وَأجِيب: بِأَن فِي الْقِيَامَة مَوَاقِف مُخْتَلفَة وأزمنة متطاولة، فَفِي موقف أَو زمَان يسْأَلُون وَفِي آخرلا يسْأَلُون سُؤال استخبار بل سُؤال توبيخ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي هَذِه الْآيَة: لنسألهم سُؤال تقريع، وَيُقَال: قَوْله: {لَا يسْأَل عَن ذَنبه أنس وَلَا جَان} (الرَّحْمَن: 39) نَظِير قَوْله: {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} (الْأَنْعَام: 164، الْإِسْرَاء: 15، فاطر: 18، وَالزمر: 7) . {وقالَ لِمثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} (الصافات: 61) أَي: قَالَ الله تَعَالَى لمثل هَذَا، وَالْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى قَوْله {إِن هَذَا لَهو الْفَوْز الْعَظِيم} (الصافات: 60) وَذكر هَذِه الْآيَة لَا يكون مطابقا للتَّرْجَمَة إلاَّ إِذا كَانَ معنى قَوْله: {فليعمل الْعَامِلُونَ} (الصافات: 61) فليؤمن الْمُؤْمِنُونَ، وَلَكِن هَذَا دَعْوَى تَخْصِيص بِلَا دَلِيل فَلَا تقبل، وَإِلَى هَذِه الْآيَة من قَوْله تَعَالَى: {فاقبل بَعضهم على بعض يتساءلون} (الصافات: 50) قصَّة الْمُؤمن وقرينه، وَذَلِكَ أَنه كَانَ يتَصَدَّق بِمَالِه لوجه الله، عز وَجل، فَاحْتَاجَ، فاستجدى بعض إخوانه، فَقَالَ: وَأَيْنَ مَالك؟ قَالَ: تَصَدَّقت بِهِ ليعوضني الله خيرا مِنْهُ. فَقَالَ: أئنك لمن المصدقين بِيَوْم الدّين، أَو: من المتصدقين لطلب الثَّوَاب، وَالله لَا أُعْطِيك شَيْئا. وَقَوله تَعَالَى: {أإذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا وعظاما أئنا لمدينون} (الصافات: 53) حِكَايَة عَن قَول القرين، وَمعنى: لمدينون: لمجزيون من الدّين، وَهُوَ الْجَزَاء. وَقَوله: {قَالَ هَل أَنْتُم مطلعون} (الصافات: 54) يَعْنِي: قَالَ ذَلِك الْقَائِل: هَل أَنْتُم مطلعون إِلَى النَّار؟ وَيُقَال: الْقَائِل هُوَ الله تَعَالَى، وَيُقَال: بعض الْمَلَائِكَة يَقُول لأهل الْجنَّة هَل تحبون أَن تطلعوا فتعلموا أَيْن منزلتكم من منزلَة أهل النَّار؟ وَقَوله: {فَاطلع} (الصافات: 54) أَي: فَإِن اطلع. قَوْله: {فِي سَوَاء الْجَحِيم} (الصافات: 55) أَي: فِي وَسطهَا. قَوْله: {تالله إِن كدت} (الصافات: 56) إِن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، وَهِي تدخل على: كَاد كَمَا تدخل على: كَانَ، وَاللَّام، هِيَ الفارقة بَينهَا وَبَين النافية، والإرداء: الإهلاك، وَأَرَادَ بِالنعْمَةِ: الْعِصْمَة والتوفيق والبراءة من قرين السوء، وإنعام الله بالثواب، وَكَونه من أهل الْجنَّة. قَوْله: {من المحضرين} (الصافات: 11) أَي: من الَّذين أحضروا الْعَذَاب. وَقَوله: {إِن هَذَا لَهو الْفَوْز الْعَظِيم} (الصافات: 60) أَي إِن هَذَا الْأَمر الَّذِي نَحن فِيهِ، وَيُقَال: هَذَا من قَول الله تَعَالَى
تقريرا لقَولهم وَتَصْدِيقًا لَهُ. وَقَوله: {لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ} (الصافات: 61) مُرْتَبِط بقوله: إِن هَذَا أَي لأجل مثل هَذَا الْفَوْز العطيم، وَهُوَ دُخُول الْجنَّة والنجاة من النَّار فليعمل الْعَامِلُونَ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون قَائِل ذَلِك الْمُؤمن الَّذِي رأى قرينه، وَيحْتَمل أَن يكون كَلَامه انْقَضى عِنْد قَوْله: {الْفَوْز الْعَظِيم} (الصافات: 60) وَالَّذِي بعد ابْتِدَاء من قَول الله عز وَجل لَا حِكَايَة عَن قَول الْمُؤمن، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِبْهَام المُصَنّف الْقَائِل. قلت: الْمُفَسِّرُونَ ذكرُوا فِي قَائِل هَذَا ثَلَاثَة أَقْوَال. الأول: إِن الْقَائِل هُوَ ذَلِك الْمُؤمن. وَالثَّانِي: إِنَّه هُوَ الله عز وَجل. وَالثَّالِث: إِنَّه بعض الْمَلَائِكَة. وَلَا يحْتَاج أَن يُقَال فِي ذَلِك بِالِاحْتِمَالِ الَّذِي ذكره هَذَا الشَّارِح، لِأَن كَلَامه يُوهم بِأَن هَذَا تصرف من عِنْده فَلَا يَصح ذَلِك، ثمَّ قَوْله وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِبْهَام المُصَنّف أَرَادَ بِهِ البُخَارِيّ كَلَام غير صَحِيح أَيْضا من وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَن البُخَارِيّ لم يقْصد مَا ذكره هَذَا الشَّارِح قطّ، لِأَن مُرَاده من ذكره هَذِه الْآيَة بَيَان إِطْلَاق الْعَمَل على الْإِيمَان لَيْسَ إِلَّا، وَالْآخر: ذكر فعل وإبهام فَاعله من غير مرجع لَهُ وَمن غير قرينَة على تَعْيِينه غير صَحِيح. 26 - حدّثنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إسمَاعِيلَ قالاَ حدّثنا إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حدّثنا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيد بْنِ المُسيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرةَ أَن رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ فقالَ إيمانٌ باللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذا قالَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيل ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ. (الحَدِيث 26 طرفه فِي: 1519) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي اطلاق الْعَمَل على الْإِيمَان. وَقَالَ ابْن بطال: الْآيَة حجَّة فِي أَن الْعَمَل بِهِ ينَال دَرَجَات الْآخِرَة، وَأَن الْإِيمَان قَول وَعمل، وَيشْهد لَهُ الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأَرَادَ بِهِ هَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة أهل السّنة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَمن بعدهمْ. ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مُرَاد البُخَارِيّ بالتبويب، وَقَالَ أَيْضا فِي هَذَا الحَدِيث: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل الْإِيمَان من الْعَمَل، وَفرق فِي أَحَادِيث أخر بَين الْإِيمَان والأعمال، وَأطلق اسْم الْإِيمَان مُجَردا على التَّوْحِيد، وعملَ الْقلب، وَالْإِسْلَام على النُّطْق وَعمل الْجَوَارِح، وَحَقِيقَة الْإِيمَان مُجَرّد التَّصْدِيق المطابق لِلْقَوْلِ وَالْعقد، وَتَمَامه بِتَصْدِيق الْعَمَل بالجوارح، فَلهَذَا أَجمعُوا أَنه لَا يكون مُؤمن تَامّ الْإِيمَان إِلَّا باعتقاد وَقَول وَعمل، وَهُوَ الْإِيمَان الَّذِي يُنجي رَأْسا من نَار جَهَنَّم، ويعصم المَال وَالدَّم، وعَلى هَذَا يَصح إِطْلَاق الْإِيمَان على جَمِيعهَا، وعَلى بَعْضهَا من: عقد أَو قَول أَو عمل وعَلى هَذَا لَا شكّ بِأَن التَّصْدِيق والتوحيد أفضل الْأَعْمَال إِذْ هُوَ شَرط فِيهَا. (بَيَان رِجَاله) : وهم سِتَّة. الأول: أَحْمد بن يُونُس: هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس بن عبد الله بن قيس الْيَرْبُوعي التَّمِيمِي، يكنى بِأبي عبد الله، واشتهر بِأَحْمَد بن يُونُس مَنْسُوبا إِلَى جده. يُقَال: إِنَّه مولى الفضيل بن عِيَاض، مَالِكًا سمع وَابْن أبي ذِئْب وَاللَّيْث والفضيل وخلقا كثيرا، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد، وروى البُخَارِيّ عَن يُوسُف بن مُوسَى عَنهُ، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، قَالَ أَبُو حَاتِم: كَانَ ثِقَة متقنا، وَقَالَ أَحْمد فِيهِ: شيخ الْإِسْلَام، وَتُوفِّي فِي ربيع الآخر سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين سنة. الثَّانِي: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري، بِكَسْر الْمِيم، وَقد سبق ذكره. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن سعد سبط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِي الله عَنهُ، وَقد سبق ذكره. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَقد سبق ذكره. الْخَامِس: سعيد بن الْمسيب، بِضَم الْمِيم وَفتح الْيَاء على الْمَشْهُور، وَقيل بِالْكَسْرِ، وَكَانَ يكره فتحهَا، وَأما غير وَالِد سعيد فبالفتح من غير خلاف: كالمسيب بن رَافع، وَابْنه الْعَلَاء بن الْمسيب، وَغَيرهمَا. وَالْمُسَيب هُوَ ابْن حزن، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي الْمُعْجَمَة، ابْن أبي وهب بن عَمْرو بن عايذ بِالْيَاءِ آخر بالحروف والذال الْمُعْجَمَة، ابْن عمرَان بن مَخْزُوم بن يقظة، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالْقَاف والظاء الْمُعْجَمَة بن مرّة الْقرشِي المَخْزُومِي الْمدنِي إِمَام التَّابِعين وفقيه الْفُقَهَاء، أَبوهُ وجده صحابيان أسلما يَوْم فتح مَكَّة، ولد لِسنتَيْنِ مضتا من خلَافَة عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: لأَرْبَع سمع عمر وَعُثْمَان وعليا وَسعد بن أبي وَقاص وَأَبا هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَهُوَ زوج بنت أبي هُرَيْرَة، وَأعلم النَّاس بحَديثه، وروى عَنهُ خلق من التَّابِعين وَغَيرهم، وَاتَّفَقُوا على جلالته وإمامته، وتقدمه على أهل عصره فِي الْعلم وَالتَّقوى، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَا أعلم فِي التَّابِعين أوسع علما مِنْهُ، وَقَالَ أَحْمد: سعيد أفضل التَّابِعين، فَقيل لَهُ: فسعيد عَن عمر حجَّة. قَالَ: فَإِذا لم يقبل سعيد عَن عمر فَمن يقبل؟ وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ
فِي التَّابِعين أنبل من سعيد بن الْمسيب، وَهُوَ أثبتهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (تَهْذِيب الْأَسْمَاء) : وَأما قَوْلهم: إِنَّه أفضل التَّابِعين، فمرادهم أفضلهم فِي عُلُوم الشَّرْع، وَإِلَّا فَفِي (صَحِيح) مُسلم عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِن خير التَّابِعين رجل يُقَال لَهُ أويس، وَبِه بَيَاض، فَمُرُوهُ فليستغفر لكم) . وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: كَانَ صَالحا فَقِيها من الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَعور. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَ جده حزن أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ أَنْت سهل، قَالَ: لَا بل أَنا حزن، ثَلَاثًا، قَالَ سعيد: فَمَا زلنا نَعْرِف تِلْكَ الحزونة فِينَا، فَفِي وَلَده سوء خلق، وَكَانَ حج أَرْبَعِينَ حجَّة لَا يَأْخُذ الْعَطاء، وَكَانَ لَهُ بضَاعَة أَربع مائَة دِينَار يتجر بهَا فِي الزَّيْت، وَكَانَ جَابر بن الْأسود على الْمَدِينَة، فدعى سعيدا إِلَى الْبيعَة لِابْنِ الزبير فَأبى، فَضَربهُ سِتِّينَ سَوْطًا وَطَاف بِهِ الْمَدِينَة، وَقيل: ضربه هِشَام بن الْوَلِيد أَيْضا حِين امْتنع لِلْبيعَةِ للوليد وحبسه وحلقه، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس وَتِسْعين فِي خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يُقَال لهَذِهِ السّنة: سنة الْفُقَهَاء، لِكَثْرَة من مَاتَ فِيهَا مِنْهُم. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) وَفِي نسب سعيد هَذَا يتفاضل النساب فِي تَحْقِيقه، فَإِن فِي بني مَخْزُوم عابدا، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالدَّال الْمُهْملَة، وعايذ بِالْمُثَنَّاةِ آخر الْحُرُوف والذال الْمُعْجَمَة، فَالْأول: هُوَ عَابِد بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم، وَمن وَلَده السَّائِب وَالْمُسَيب ابْنا أبي السَّائِب، وَاسم أبي السَّائِب صَيْفِي بن عَابِد بن عبد الله، وَولده عبد الله بن السَّائِب، شريك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِيهِ: (نعم الشَّرِيك) ، وَقيل: الشَّرِيك أَبوهُ السَّائِب، وعتيق بن عَابِد بن عبد الله، وَكَانَ على خَدِيجَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله عَنْهَا، قبل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما عايذ بن عمرَان فَمن وَلَده: سعيد وَأَبوهُ كَمَا تقدم، وَفَاطِمَة، أم عبد الله وَالِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بنت عَمْرو بن عايذ بن عمرَان وهبيرة بن أبي وهيب بن عَمْرو بن عايذ بن عمرَان، وهبيرة هَذَا هُوَ زوج أم هانىء بنت أبي طَالب فر من الْإِسْلَام يَوْم فتح مَكَّة، فَمَاتَ كَافِرًا بِنَجْرَان وَالله أعلم. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ، وَقد مر ذكره. (بَيَان لطائف اسناده) : مِنْهَا: ان فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: ان فِيهِ شيخين للْبُخَارِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ أَرْبَعَة كلهم مدنيون (بَيَان من أخرجه غَيره) : أخرجه مُسلم أَيْضا فِي كتاب الْإِيمَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا نَحوه، وَفِي رِوَايَة للنسائي: (أى الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله) وَلم يزدْ وَأخرجه الترمذى ايضاً ولفطه: (قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي الْأَعْمَال خير) ؟ وَذكر الحَدِيث وَفِيه قَالَ: (الْجِهَاد سَنَام الْعَمَل) (بَيَان اللُّغَات) : قَوْله: (أفضل) أَي: الْأَكْثَر ثَوابًا عِنْد الله، وَهُوَ أفعل التَّفْضِيل من فضَل يفضُل، من بَاب: دخل يدخُل، وَيُقَال: فضِل يفضَل من بَاب: سمِع يسمَع، حَكَاهَا ابْن السّكيت، وَفِيه لُغَة ثَالِثَة: فضِل بِالْكَسْرِ، يفضُل بِالضَّمِّ، وَهِي مركبة شَاذَّة لَا نَظِير لَهَا. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا عِنْد أَصْحَابنَا إِنَّمَا يَجِيء على لغتين، قَالَ: وَكَذَلِكَ: نعم ينعم، ومت تَمُوت، ودمت تدوم، وكدت تكَاد، وَفِي (الْعباب) : فضلته فضلا أَي: غلبته بِالْفَضْلِ، وَفضل مِنْهُ شَيْء، وَالْفضل والفضيلة خلاف النَّقْص والنقيصة. قَوْله: (الْجِهَاد) مصدر جَاهد فِي سَبِيل الله مجاهدة وجهاداً، وَهُوَ من الْجهد بِالْفَتْح، وَهُوَ الْمَشَقَّة وَهُوَ الْقِتَال مَعَ الْكفَّار لإعلاء كلمة الله؛ والسبيل: الطَّرِيق، يذكر وَيُؤَنث. قَوْله: (حج مبرور) الْحَج فِي اللُّغَة: الْقَصْد، وَأَصله من قَوْلك: حججْت فلَانا أحجه حجا إِذا عدت إِلَيْهِ مرّة بعد اخرى، فَقيل: حج الْبَيْت، لِأَن النَّاس يأتونه فِي كل سنة، قَالَه الْأَزْهَرِي. وَفِي (الْعباب) : رجل محجوج أَي: مَقْصُود، وَقد حج بَنو فلَان فلَانا إِذا اطالوا الِاخْتِلَاف إِلَيْهِ قَالَ المخبل السَّعْدِيّ: (واشهد من عَوْف حلولاً كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا) قَالَ ابْن السّكيت: يَقُول: يكثرون الِاخْتِلَاف إِلَيْهِ هَذَا الأَصْل، ثمَّ تعورف اسْتِعْمَاله فِي الْقَصْد إِلَى مَكَّة حرسها الله للنسك تَقول: حججْت الْبَيْت أحجه حجا فَأَنا حَاج، وَيجمع على حجج، مثل: بازل وبزل، وعائد وعوذ إنتهى. وَفِي الشَّرْع: الْحَج، قصد زِيَارَة الْبَيْت على وَجه التَّعْظِيم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْحَج قصد الْكَعْبَة للنسك بملابسة الْوُقُوف بِعَرَفَة. قلت: الْحُلُول، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، يُقَال: قوم حُلُول، أَي: نزُول، وَكَذَلِكَ: حَلَال، بِالْكَسْرِ، والسب، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة:
الْعِمَامَة والزبرقان، بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الْمُهْملَة وبالقاف: هُوَ لقب، واسْمه: الْحصين. قَالَ ابْن السّكيت لقب الزبْرِقَان لصفرة عمَامَته، والمبرور: هُوَ الَّذِي لَا يخالطه إِثْم، وَمِنْه: برت يَمِينه إِذا سلم من الْحِنْث. وَقيل: هُوَ المقبول، وَمن عَلَامَات الْقبُول أَنه إِذا رَجَعَ يكون حَاله خيرا من الْحَال الَّذِي قبله، وَقيل: هُوَ الَّذِي لَا رِيَاء فِيهِ، وَقيل: هُوَ الَّذِي لَا تتعقبه مَعْصِيّة، وهما داخلان فِيمَا قبلهمَا، وَالْبر، بِالْكَسْرِ: الطَّاعَة وَالْقَبُول، يُقَال: بر حجك، بِضَم الْبَاء وَفتحهَا لازمين، وبر الله حجك، وَأبر الله اي قبله، فَلهُ أَرْبَعَة استعمالات. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: المبرور المتقبل، يُقَال: بر الله حجه يبره اي: تقبله، وَأَصله من الْبر، وَهُوَ اسْم لجماع الْخَيْر، وبررت فلَانا أبره برا، إِذا وصلته وكل عمل صَالح بر، وَجعل لبيد الْبر: التَّقْوَى، فَقَالَ: (وَمَا الْبر إلاَّ مضمرات من التقى ... وَمَا المَال إلاّ معمرات ودائع) قَوْله: مضمرات، يَعْنِي الخفايا من التقى، قَوْله: وَمَا المَال إلاّ معمرات: اي المَال الَّذِي فِي أَيْدِيكُم ودائع مُدَّة عمركم ثمَّ يصير لغيركم. واما قَول عَمْرو ابْن ام مَكْتُوم: (نحز رؤوسهم فِي غير بر) فَمَعْنَاه: فِي غير طَاعَة. وَفِي (الْعباب) : المبرة وَالْبر: خلاف العقوق، وَقَوله تَعَالَى: {اتأمرون النَّاس بِالْبرِّ} (الْبَقَرَة: 44) أَي: بالاتساع فِي الْإِحْسَان وَالزِّيَادَة مِنْهُ وَقَوله عز وَجل: {لن تنالوا الْبر} (الْبَقَرَة: 189) قَالَ السّديّ: يَعْنِي الْجنَّة وَالْبر أَيْضا: الصِّلَة، تَقول مِنْهُ: بررت وَالِدي، بِالْكَسْرِ، و: بررته، بِالْفَتْح، أبره برا، والمبرور: الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ وَلَا خلابة، وَقَالَ ابو الْعَبَّاس: هُوَ الَّذِي لَا يدالس فِيهِ وَلَا يوالس، يدالس فِيهِ: يظلم فِيهِ، ويوالس: يخون. (بَيَان الاعراب:) قَوْله: (سُئِلَ) جملَة فِي مَحل الرّفْع لانها خبر: إِن، والسائل هُوَ: ابو ذَر رَضِي الله عَنهُ، وَحَدِيثه فِي الْعتْق. قَوْله: (أَي الْعَمَل) ؟ كَلَام إضافي: مُبْتَدأ وَخَبره: (أفضل) وَأي، هَهُنَا استفهامية، وَلَا تسْتَعْمل إلاَّ مُضَافا إِلَيْهِ إلاَّ فِي النداء والحكاية، يُقَال: جَاءَنِي رجل، فَتَقول: أَي: يَا هَذَا، وَجَاءَنِي رجلَانِ فَتَقول: أَيَّانَ، وَرِجَال فَتَقول: أيون. فَإِن قلت: (افضلْ) أفعل التَّفْضِيل وَلَا يسْتَعْمل إلاَّ بِأحد الأَوجه الثَّلَاثَة، وَهِي: الْإِضَافَة، وَاللَّام، وَمن، فَلَا يجوز أَن يُقَال: زيد أفضل. قلت: إِذا علم يجوز اسْتِعْمَاله مُجَردا نَحْو: الله اكبر، أَي: أكبر من كل شَيْء؟ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {اتستبدلون الذى هُوَ ادنى بالذى هُوَ خير} (الْبَقَرَة: 61) ؟ وَسَوَاء فِي ذَلِك كَون أفعل خَبرا كَمَا فِي الْآيَة، أَو غير خبر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يعلم السِّرّ واخفى} (طه: 7) وَقد يجرد: أفعل عَن معنى التَّفْضِيل وَيسْتَعْمل مُجَردا مؤولاً باسم الْفَاعِل، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الارض} (النَّجْم: 32) ، وَقد يؤول بِالصّفةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ اهون عَلَيْهِ} (الرّوم: 27) قَوْله: (قَالَ) اي: النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام. وَقَوله: (إِيمَان بِاللَّه) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ إِيمَان بِاللَّه، وَالتَّقْدِير: أفضل الاعمال الْإِيمَان بِاللَّه. قَوْله: (وَرَسُوله) بِالْجَرِّ تَقْدِيره: وَالْإِيمَان بِرَسُولِهِ. قَوْله: (قيل) ، مَجْهُول قَالَ، وَأَصله: نقلت كسرة الْوَاو إِلَى الْقَاف بعد سلب حركتها، فَصَارَ: قَول، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْوَاو، ثمَّ قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، فَصَارَ: قيل، وَالْقَائِل هُوَ السَّائِل فِي الاول. قَوْله: (ثمَّ مَاذَا) ، كلمة ثمَّ للْعَطْف مَعَ التَّرْتِيب الذكري، وَمَا مُبْتَدأ و: ذَا، خَبره، وَكلمَة: مَا، استفهامية، و: ذَا، اسْم اشارة وَالْمعْنَى: ثمَّ أَي شَيْء افضل بعد الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله؟ وَيجوز أَن تكون الْجمل كلهَا استفهاماً على التَّرْتِيب. قَوْله (الْجِهَاد) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هُوَ الْجِهَاد وَالتَّقْدِير: أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله الْجِهَاد، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي إِعْرَاب قَوْله: (ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حج مبرور) . (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) : فِيهِ حذف الْمُبْتَدَأ فِي ثَلَاث مَوَاضِع الَّذِي هُوَ الْمسند إِلَيْهِ لكَونه مَعْلُوما إحترازاً عَن الْعَبَث؛ وَفِيه تنكير الْإِيمَان وَالْحج وتعريف الْجِهَاد، وَذَلِكَ لِأَن الايمان وَالْحج لَا يتَكَرَّر وجوبهما بِخِلَاف الْجِهَاد فَإِنَّهُ قد يتَكَرَّر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال، إِذْ الْجِهَاد لَو أَتَى بِهِ مرّة مَعَ الِاحْتِيَاج إِلَى التّكْرَار لما كَانَ أفضل. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب عَلَيْهِ بَان التنكير من جملَة وجوهه: التَّعْظِيم، وَهُوَ يُعْطي الْكَمَال، وَبِأَن التَّعْرِيف من جملَة وجوهه: الْعَهْد، وَهُوَ يُعْطي الْإِفْرَاد الشخصي، فَلَا يسلم الْفرق. قلت: هَذَا التعقيب فَاسد، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون التَّعْظِيم من جملَة وُجُوه التنكير أَن يكون دَائِما للتعظيم، بل يكون تَارَة للإفراد، وَتارَة للنوعية، وَتارَة للتعظيم، وَتارَة للتحقير، وَتارَة للتكثير، وَتارَة للتقليل. وَلَا يعرف الْفرق وَلَا يُمَيّز إلاَّ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّة على وَاحِد مِنْهَا، وَهَهُنَا دلّت الْقَرِينَة أَن التنكير للإفراد الشخصي. وَقَوله: وَبَان التَّعْرِيف من وجوهه الْعَهْد فَاسد عِنْد الْمُحَقِّقين، لِأَن عِنْدهم أصل التَّعْرِيف للْعهد، وَفرق كثير بَين كَونه للْعهد وَبَين
كَون الْعَهْد من وجوهه، على أَنا، وَإِن سلمنَا مَا قَالَه، وَلَكنَّا لَا نسلم كَونه للْعهد هَهُنَا، لَان تَعْرِيف الإسم تَارَة يكون لوَاحِد من أَفْرَاد الْحَقِيقَة الجنسية بِاعْتِبَار عهديته فِي الذِّهْن، لكَونه فَردا من أفرادها، وَتارَة يكون لاستغراق جَمِيع الْأَفْرَاد، وَلَا يفرق بَينهمَا إلاَّ بِالْقَرِينَةِ على أَنا نقُول: إِن الْمَعْهُود الذهْنِي فِي الْمَعْنى كالنكرة، نَحْو: رجل فَإِن السُّوق، فِي قَوْلك: ادخل السُّوق، يحْتَمل كل فَرد فَرد من أَفْرَاد السُّوق على الْبَدَل، كَمَا أَن: رجلا، يحْتَمل كل فَرد فَرد من ذُكُور بني آدم على الْبَدَل، وَلِهَذَا يقدر، يسبني، فِي قَول الشَّاعِر: (وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني ... فمضيت ثمت، قلت: لَا يعنيني) وَصفا للئيم لَا حَالا، لوُجُوب كَون ذِي الْحَال مَعْرُوفَة، واللئيم كالنكرة، فَافْهَم. فان قلت: قد وَقع فِي (مُسْند الْحَارِث بن أبي اسامة) عَن ابراهيم بن سعد: ثمَّ جِهَاد، بالتنكير، كَمَا وَقع: إِيمَان وَحج. قلت: يكون التنكير فِي الْجِهَاد على هَذِه الرِّوَايَة للإفراد الشخصي، كَمَا فِي الْإِيمَان وَالْحج، مَعَ قطع النّظر عَن تكرره عِنْد الِاحْتِيَاج، أَو يكون التَّنْوِين فِي الثَّلَاثَة إِشَارَة إِلَى التَّعْظِيم، وَبِهَذَا يرد على من يَقُول: إِن التنكير والتعريف فِيهِ من تصرف الروَاة، لِأَن مخرجه وَاحِد، فالإطالة فِي طلب الْفرق فِي مثل هَذَا غير طائلة، وَلَقَد صدق الْقَائِل: انباض عَن غير توتير. بَيَان استنباط الْفَوَائِد مِنْهَا: الدّلَالَة على نيل الدَّرَجَات بِالْأَعْمَالِ. وَمِنْهَا: الدّلَالَة على أَن الْإِيمَان قَول وَعمل. وَمِنْهَا: الدّلَالَة على أَن الْأَفْضَل بعد الْإِيمَان الْجِهَاد، وَبعده الْحَج المبرور. فان قلت: فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ: (أَي الْعَمَل أفضل؟ قَالَ: الصَّلَاة على وَقتهَا) ثمَّ ذكر بر الْوَالِدين، ثمَّ الْجِهَاد. وَفِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا: (أَي الاسلام خير؟ قَالَ: تطعم الطَّعَام، وتقرأ السَّلَام على من عرفت وَمن لم تعرف) . وَفِي حَدِيث ابي مُوسَى، رَضِي الله عَنهُ: (أَي الْإِسْلَام افضل؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) . وَفِي حَدِيث ابي ذَر، رَضِي الله عَنهُ: سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَي الْعَمَل أفضل؟ قَالَ: الْإِيمَان بِاللَّه وَالْجهَاد فِي سَبيله. قلت: فَأَي الرّقاب افضل؟ قَالَ: أغلاها ثمنا وأنفسها عِنْد أَهلهَا) الحَدِيث وَلم يذكر فِيهِ الْحَج، وَكلهَا فِي الصَّحِيح. قلت: قد ذكر الإِمَام الْحُسَيْن بن الْحسن بن مُحَمَّد بن حَكِيم الْحَلِيمِيّ الشَّافِعِي، عَن الْقفال الْكَبِير الشَّافِعِي الشَّاشِي، واسْمه ابو بكر مُحَمَّد بن عَليّ، فِي كَيْفيَّة الْجمع وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه جرى على اخْتِلَاف الْأَحْوَال والأشخاص، كَمَا رُوِيَ أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَ: حجَّة لمن يحجّ افضل من أَرْبَعِينَ غَزْوَة، وغزوة لمن حج أفضل من أَرْبَعِينَ حجَّة، وَالْآخر أَن لَفْظَة: من، مُرَادة، وَالْمرَاد من أفضل الْأَعْمَال، كَذَا. كَمَا يُقَال: فلَان أَعقل النَّاس، أَي من أعقلهم، وَمِنْه قَوْله: عَلَيْهِ السَّلَام: (خَيركُمْ خَيركُمْ لأَهله) . وَمَعْلُوم انه لَا يصير بذلك خير النَّاس. قلت: وبالجواب الأول أجَاب القَاضِي عِيَاض، فَقَالَ: أعلم كل قوم بِمَا لَهُم إِلَيْهِ حَاجَة، وَترك مَا لم تَدعهُمْ إِلَيْهِ حَاجَة، أَو ترك مَا تقدم علم السَّائِل إِلَيْهِ أَو علمه بِمَا لم يكمله من دعائم الْإِسْلَام وَلَا بلغه عمله، وَقد يكون للمتأهل للْجِهَاد الْجِهَاد فِي حَقه أولى من الصَّلَاة وَغَيرهَا، وَقد يكون لَهُ أَبَوَانِ لَو تَركهمَا لضاعا، فَيكون برهما أفضل، لقَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (ففيهما فَجَاهد) وَقد يكون الْجِهَاد أفضل من سَائِر الْأَعْمَال عِنْد اسْتِيلَاء الْكفَّار على بِلَاد الْمُسلمين. قلت: الْحَاصِل أَن اخْتِلَاف الْأَجْوِبَة، فِي هَذِه الْأَحَادِيث لاخْتِلَاف الْأَحْوَال، وَلِهَذَا سقط ذكر الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام فِي هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، وَلَا شكّ أَن الثَّلَاث مُقَدمَات على الْحَج وَالْجهَاد، وَيُقَال: إِنَّه قد يُقَال: خير الْأَشْيَاء كَذَا، وَلَا يُرَاد أَنه خير من جَمِيع الْوُجُوه فِي جَمِيع الْأَحْوَال والاشخاص، بل فِي حَال دون حَال، فَإِن قيل: كَيفَ قدم الْجِهَاد على الْحَج، مَعَ أَن الْحَج من أَرْكَان الاسلام، وَالْجهَاد فرض كِفَايَة؟ يُقَال: إِنَّمَا قدمه للاحتياج إِلَيْهِ أول الْإِسْلَام، ومحاربة الْأَعْدَاء، وَيُقَال: إِن الْجِهَاد قد يتَعَيَّن كَسَائِر فروض الْكِفَايَة، وَإِذا لم يتَعَيَّن لم يَقع الاَّ فرض كِفَايَة، وَأما الْحَج فَالْوَاجِب مِنْهُ حجَّة وَاحِدَة، وَمَا زَاد نفل فَإِن قابلت وَاجِب الْحَج بمتعيّن الْجِهَاد، كَانَ الْجِهَاد أفضل لهَذَا الحَدِيث، وَلِأَنَّهُ شَارك الْحَج فِي الْفَرْضِيَّة، وَزَاد بِكَوْنِهِ نفعا مُتَعَدِّيا إِلَى سَائِر الْأمة، وبكونه ذبا عَن بَيْضَة الْإِسْلَام. وَقد قيل: ثمَّ، هَهُنَا للتَّرْتِيب فِي الذّكر كَقَوْلِه تَعَالَى: {ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا} (الْبَلَد: 17) وَقيل: ثمَّ لَا يَقْتَضِي ترتيباً، فَإِن قابلت نفل الْحَج بِغَيْر متعيّن الْجِهَاد، كَانَ الْجِهَاد أفضل لما أَنه يَقع فرض كِفَايَة، وَهُوَ أفضل من النَّفْل بِلَا شكّ؛ وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كتاب (الغياثى) : فرض الْكِفَايَة عِنْدِي أفضل من فرض الْعين من حَيْثُ أَن فعله مسْقط للْحَرج عَن الْأمة بأسرها، وبتركه يعْصى المتمكنون مِنْهُ كلهم، وَلَا شكّ فِي عظم وَقع مَا هَذِه صفته، وَالله اعْلَم.
- (باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الإستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى {قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} فاذا كان على الحقيقة فهو
19 - (بابُ إذَا لَمْ يَكُنِ الإسْلاَمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وكانَ عَلَى الإستسْلاَمِ أَو الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالىَ {قَالَتِ الاَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنَا} فَاذَا كانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهْوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكرُهُ {إنّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ وَمَنْ يَبْتَغ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِيِناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} . الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه الاول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ هُوَ أَن فِي الْبَاب الأول ذكر الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله، وَفِي هَذَا الْبَاب يبين ان الْمُعْتَبر المعتد بِهِ من هَذَا الْإِيمَان مَا هُوَ. الثَّانِي: يجوز فِي قَوْله بَاب، الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده، وَتَكون كلمة إِذا، للظرفية الْمَحْضَة، وَالتَّقْدِير: بَاب حِين عدم كَون الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة. وَالْوَجْه الآخر: أَن يَنْقَطِع عَن الْإِضَافَة وَتَكون، إِذا، متضمنة معنى الشَّرْط، وَالْجَزَاء مَحْذُوف. وَالتَّقْدِير: بَاب إِن لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة لَا يعْتد بِهِ، أَو لَا يَنْفَعهُ، أَو لَا ينجيه، وَنَحْو ذَلِك. وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ ارْتِفَاع بَاب على انه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. اي: هَذَا بَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت إِذا، للاستقبال، وَلم، لقلب الْمُضَارع مَاضِيا، فَكيف اجْتِمَاعهمَا؟ قلت: إِذا، هُنَا لمُجَرّد الْوَقْت، وَيحْتَمل أَن يُقَال: لم، لنفي الْكَوْن المقلوب مَاضِيا، و: اذا، لاستقبال ذَلِك النَّفْي. الثَّالِث: مُطَابقَة الْآيَات للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة أَن الْإِسْلَام إِذا لم يكن على الْحَقِيقَة لَا ينفع، والآيات تدل على ذَلِك على مَا لَا يخفى. الرَّابِع: قَوْله: (على الاستسلام) اي الانقياد الظَّاهِر فَقَط وَالدُّخُول فِي السّلم وَلَيْسَ هَذَا إسلاما على الْحَقِيقَة، وإلاَّ لما صَحَّ نفي الايمان عَنْهُم، لَان الْإِيمَان والاسلام وَاحِد عِنْد البُخَارِيّ، وَكَذَا عِنْد آخَرين، لِأَن الْإِيمَان شَرط صِحَة الْإِسْلَام عِنْدهم. قَوْله: (أَو الْخَوْف أَو الْقَتْل) أَي وَكَانَ الْإِسْلَام على الْخَوْف من الْقَتْل، وَكلمَة على التَّعْلِيل، قَوْله: (فَهُوَ على قَوْله) اي: فَهُوَ وَارِد على مُقْتَضى قَوْله، عز وَجل {ان الدّين عِنْد الله الاسلام} (آل عمرَان: 19) الْخَامِس: الْكَلَام فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالَت الاعراب} (الحجرات: 14) الْآيَة، وَهُوَ على انواع. الأول: فِي سَبَب نُزُولهَا، وَهُوَ مَا ذكره الواحدي: أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أَعْرَاب من بني أَسد بن خُزَيْمَة قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة فِي سنة جدبة، واظهروا الشَّهَادَتَيْنِ وَلم يَكُونُوا مُؤمنين فِي السِّرّ، وافسدوا طرق الْمَدِينَة بالعذرات، واغلوا أسعارها، وَكَانُوا يَقُولُونَ لرَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَتَيْنَاك بالاثقال والعيال وَلم نقاتلك كَمَا قَاتلك بَنو فلَان، فَأَعْطِنَا من الصَّدَقَة، وَجعلُوا يمنون عَلَيْهِ، فَانْزِل الله تَعَالَى عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة. النَّوْع الثَّانِي: فِي مَعْنَاهَا، فَقَوله: (الاعراب) هم: أهل البدو قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ وَفِي (الْعباب) : وَلَا وَاحِد للأعراب، وَلِهَذَا نسب إِلَيْهَا وَلَا ينْسب إِلَى الْجمع وَلَيْسَت الْأَعْرَاب جمعا للْعَرَب كَمَا كَانَت الأنباط جمعا للنبط، وَإِنَّمَا الْعَرَب اسْم جنس، سميت الْعَرَب لِأَنَّهُ نَشأ أَوْلَاد أسماعيل، عَلَيْهِ السَّلَام، بعربة، وَهِي من تهَامَة، فنسبوا إِلَى بلدهم، وكل من سكن بِلَاد الْعَرَب وجزيرتها ونطق بِلِسَان اهلها فَهُوَ عرب: يمنهم ومعدهم، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: وَالْأَقْرَب عِنْدِي أَنهم سموا عربا باسم بلدهم العربات. وَقَالَ اسحق بن الْفرج: عربة باجة الْعَرَب، وباجة الْعَرَب دَار أبي الفصاحة اسماعيل بن ابراهيم عَلَيْهِمَا السَّلَام، قَالَ: وفيهَا يَقُول قَائِلهمْ: (وعربة أَرض مَا يُحِلُّ حرامَها ... من النَّاس إلاَّ اللوذعيُّ الحُلاحل) يعْنى بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احلت لَهُ مَكَّة سَاعَة من نَهَار، ثمَّ هِيَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ: واضطر الشَّاعِر إِلَى تسكين الرَّاء من عربة، فسكنها. قلت: اللوذعي: الْخَفِيف الذكي، الظريف الذِّهْن، الْحَدِيد الْفُؤَاد، الفصيح اللِّسَان، كَأَنَّهُ يلذع بالنَّار من ذكائه وحرارته. والحُلاحل، بِضَم الْحَاء الأولى وَكسر الثَّانِيَة كِلَاهُمَا مهملتان: السَّيِّد الركين. وَيجمع على حَلاحل بِالْفَتْح. قَوْله {آمنا} (الحجرات: 14) مقول قَوْلهم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْإِيمَان: هُوَ التَّصْدِيق بِاللَّه مَعَ الثِّقَة وطمأنينة النَّفس، والاسلام: الدُّخُول فِي السّلم وَالْخُرُوج من ان يكون حَربًا للْمُؤْمِنين بِإِظْهَار الشَّهَادَتَيْنِ ألاَ ترى إِلَى قَوْله: {وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ} (الحجرات: 14) فَاعْلَم أَن كل مَا يكون من الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ من غير مواطأة الْقلب فَهُوَ إِسْلَام، وَمَا واطأ فِيهِ الْقلب اللِّسَان فَهُوَ ايمان. فان قلت: مَا وَجه قَوْله: {قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا اسلمنا} (الحجرات: 14) وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ نظم الْكَلَام أَن يُقَال: قل لَا تَقولُوا آمنا وَلَكِن قُولُوا اسلمنا؟ قلت: أَفَادَ هَذَا النّظم تَكْذِيب دَعوَاهُم أَولا، وَدفع مَا انتحلوه، فَقيل: قل لم تؤمنوا، وروعي فِي هَذَا النَّوْع من التَّكْذِيب أدب حسن حِين لم يُصَرح بِلَفْظِهِ، فَلم يقل: كَذبْتُمْ، وَاسْتغْنى بِالْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: لم تؤمنوا، عَن أَن يُقَال: لَا تَقولُوا، الاستهجان أَن يخاطبوا بِلَفْظ مؤداه النَّهْي عَن القَوْل بِالْإِيمَان. فان قلت: قَوْله: {وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ} (الحجرات: 14) بعد قَوْله: {قل لم تؤمنوا} (الحجرات: 14) يشبه التّكْرَار من غير اسْتِقْلَال بفائدة متجددة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك
فَإِن فَائِدَة قَوْله {لم تؤمنوا} (الحجرات: 14) تَكْذِيب دَعوَاهُم وَقَوله: {وَلما يدْخل الايمان فِي قُلُوبكُمْ} (الحجرات: 14) تَوْقِيت لما امروا بِهِ ان يَقُولُوا، كَأَنَّهُ قيل لَهُم: وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا، حِين لم تثبت مواطأة قُلُوبكُمْ لألسنتكم. النَّوْع الثَّالِث: قَالَ ابو بكر بن الطّيب: هَذِه الْآيَة حجَّة على الكرامية وَمن وافقهم من المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الايمان هُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ دون عقد الْقلب، وَقد رد الله تَعَالَى قَوْلهم فِي مَوضِع آخر من كِتَابه فَقَالَ: {أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الايمان} (المجادلة: 22) وَلم يقل: كتب فِي ألسنتهم، وَمن أقوى مَا يرد عَلَيْهِم بِهِ الْإِجْمَاع على كفر الْمُنَافِقين، وَإِن كَانُوا قد اظهروا الشَّهَادَتَيْنِ. النَّوْع الرَّابِع: أَن البُخَارِيّ اسْتدلَّ بِذكر هَذِه الْآيَة هَهُنَا على أَن الاسلام الْحَقِيقِيّ هُوَ الْمُعْتَبر وَهُوَ الْإِيمَان الَّذِي هُوَ عقد الْقلب الْمُصدق لإقرار اللِّسَان الَّذِي لَا ينفع عِنْد الله غَيره، أَلا ترى كَيفَ قَالَ تَعَالَى: {قل لم تؤمنوا} (الحجرات: 14) حَيْثُ قَالُوا بألسنتهم دون تَصْدِيق قُلُوبهم. وَقَالَ: {وَلما يدْخل الايمان فِي قُلُوبكُمْ} (الحجرات: 14) . الْوَجْه السَّادِس: فِي قَوْله تَعَالَى: {ان الدّين عِنْد الله الاسلام} (آل عمرَان: 19) وَالْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: ان هَذِه الْجُمْلَة مستأنفة مُؤَكدَة للجملة الاولى، وَهِي قَوْله تَعَالَى: {شهد الله أَنه لَا اله الا هُوَ} (آل عمرَان: 18) الْآيَة، وقرىء بِفَتْح: أَن، على الْبَدَلِيَّة من الأول، كَأَنَّهُ قَالَ: شهد الله أَن الدّين عِنْد الله الاسلام، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: ان الدّين عِنْد الله للاسلام، بلام التَّأْكِيد فِي الْخَبَر. الثَّانِي: قَالَ الْكَلْبِيّ: لما ظهر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْمَدِينَةِ قدم عَلَيْهِ حبران من أَحْبَار أهل الشَّام، فَلَمَّا أبصرا الْمَدِينَة قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: مَا أشبه هَذِه الْمَدِينَة بِصفة مَدِينَة النَّبِي الَّذِي يخرج فِي آخر الزَّمَان، فَلَمَّا دخلا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعرفاه بِالصّفةِ والنعت قَالَا لَهُ: أَنْت مُحَمَّد؟ قَالَ: نعم. قَالَا: وَأَنت أَحْمد؟ قَالَ: نعم، قَالَا: إِنَّا نَسْأَلك عَن شَهَادَة، فَإِن أَنْت أخبرتنا بهَا آمنا بك وَصَدَّقنَاك. قَالَ لَهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سلاني) . فَقَالَا: أخبرنَا عَن أعظم شَهَادَة فِي كتاب الله تَعَالَى، فَأنْزل الله تَعَالَى على نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {شهد الله} الى قَوْله {ان الدّين عِنْد الله الاسلام} (آل عمرَان: 19) ؛ فَأسلم الرّجلَانِ وصدقا برَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام. الثَّالِث: ان البُخَارِيّ اسْتدلَّ بهَا على أَن الْإِسْلَام الْحَقِيقِيّ هُوَ الدّين، لِأَنَّهُ تَعَالَى أخبر أَن الدّين هُوَ الاسلام، فَلَو كَانَ غير الْإِسْلَام لما كَانَ مَقْبُولًا، وَاسْتدلَّ بهَا أَيْضا على أَن الْإِسْلَام والايمان وَاحِد، وأنهما مُتَرَادِفَانِ، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الْمُحدثين، وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة والمتكلمين؛ وَقَالُوا أَيْضا: إِنَّه اسْتثْنى الْمُسلمين من الْمُؤمنِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين} (الذاريات: 35) وَالْأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء أَن يكون الْمُسْتَثْنى من جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، فَيكون الْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان، وعورض بقوله تَعَالَى: {قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا} (الحجرات: 14) فَلَو كَانَ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِدًا لزم إِثْبَات شَيْء ونفيه فِي حَالَة وَاحِدَة، وانه محَال. الْوَجْه السَّابِع فِي قَوْله تَعَالَى: {من يبتغ غير الاسلام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ} (آل عمرَان: 19) وَالْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن. الأول: فِي مَعْنَاهُ، فَقَوله: {وَمن يبتغ} (آل عمرَان: 19) اي: وَمن يطْلب، من بغيت الشَّيْء طلبته، وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك يُقَال بغى بغية وبغاء بِالضَّمِّ وبغاية. قَوْله {فَلَنْ يقبل مِنْهُ} (آل عمرَان: 19) جَوَاب الشَّرْط. قَوْله: {هُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين} (آل عمرَان: 19) اي: من الَّذين وَقَعُوا فِي الخسران مُطلقًا من غير تَقْيِيد، قصدا للتعميم. وقرىء وَمن يبتغ غير الاسلام، بالادغام. الثَّانِي: أَن البُخَارِيّ اسْتدلَّ بِهِ مثل مَا اسْتدلَّ بقوله: {ان الدّين عِنْد الله الاسلام} (آل عمرَان: 19) وَاسْتدلَّ بِهِ أَيْضا على اتِّحَاد الْإِيمَان وَالْإِسْلَام، لَان الْإِيمَان لَو كَانَ غير الْإِسْلَام لما كَانَ مَقْبُولًا. واجيب: بِأَن الْمَعْنى: وَمن يبتغ دينا غير دين مُحَمَّد، عَلَيْهِ السَّلَام، فَلَنْ يقبل مِنْهُ. قلت: ظَاهره يدل على أَنه لَو كَانَ الْإِيمَان غير الاسلام لم يقبل قطّ، فَتعين أَن يكون عينه، لَان الْإِيمَان هُوَ الدّين، وَالدّين هُوَ الاسلام، لقَوْله تَعَالَى: {ان الدّين عِنْد الله الاسلام} (آل عمرَان: 19) فينتج أَن الْإِيمَان هُوَ الْإِسْلَام، وَقد حققنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى فِي أول كتاب الايمان. 27 - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ أخبْرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبى وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدٍ رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْطَى رَهْطاً وَسَعْدٌ جَالِسٌ فَتَرَكَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَجُلاً هُوَ أعْجَبُهُمْ إلَيّ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ فَوَاللهِ إنّي لأَرَاِهُ مُؤْمِنَا فقالَ أوْ مُسْلِماً فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُم غَلَبَنِى مَا أعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ
مَالكَ عَنْ فُلاَنٍ فَوَاللهِ إنِي لأَرَاهُ مُؤْمِناً فقالَ أوْ مُسلِماً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْت لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ مَالكَ عَنْ فُلاَنٍ فَوَاللَّهِ إنِي لأَرَاهُ مُؤْمِناً فقالَ أوْ مُسلِماً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْت لِمَقَالَتِي وَعَادَ رسولُ اللهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قالَ يَا سَعْدُ إنى لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أحَبُّ إليَّ مِنْهُ خَشيَةَ أنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّار.. (الحَدِيث 27 طرفه فِي: 1478) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن الاسلام إِن لم يكن على الْحَقِيقَة لَا يقبل، فَلذَلِك قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: (أَو مُسلما) لِأَن فِيهِ النَّهْي عَن الْقطع بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ بَاطِن لَا يُعلمهُ إلاَّ الله، وَالْإِسْلَام مَعْلُوم بِالظَّاهِرِ. وَقَالَ بَعضهم: مُنَاسبَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُسلم يُطلق على من أظهر الْإِسْلَام، وَإِن لم يعلم بَاطِنه. قلت: لَيست الْمُنَاسبَة إلاَّ مَا ذَكرْنَاهُ، فَإِن مَوْضُوع الْبَاب لَيْسَ على إِطْلَاق الْمُسلم على من يظْهر الْإِسْلَام على مَا لَا يخفى. (بَيَان رِجَاله:) وهم خَمْسَة. الأول: ابو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي. الثَّانِي: شُعَيْب بن ابي حَمْزَة الاموي. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عَامر بن سعد بن ابي وَقاص الْقرشِي الزُّهْرِيّ، سمع اباه وَعُثْمَان وَجَابِر بن سَمُرَة وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة، روى عَنهُ سعد بن الْمسيب وَسعد بن ابراهيم وَالزهْرِيّ وَآخَرُونَ، وَكَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَة بِالْمَدِينَةِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: ابو إِسْحَاق سعد بن ابي وَقاص، بِالْقَافِ الْمُشَدّدَة، من الوقص وَهُوَ الْكسر، واسْمه مَالك بن وهيب، وَيُقَال: اهيب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب الْقرشِي، اُحْدُ الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، وَأحد السِّتَّة أَصْحَاب الشورى الَّذين جعل عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ، أَمر الْخلَافَة إِلَيْهِم، وَأمه حمْنَة بنت سُفْيَان اخي حَرْب، وأخوته بني امية ابْن عبد شمس، يلتقي سعد مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كلاب، وَهُوَ الْأَب الْخَامِس، أسلم قَدِيما وَهُوَ ابْن ارْبَعْ عشرَة سنة بعد أَرْبَعَة، وَقيل بعد سِتَّة، وَشهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، وَكَانَ مجاب الدعْوَة، وَهُوَ اول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله، واول من أراق دَمًا فِي سَبِيل الله، وَكَانَ يُقَال لَهُ: فَارس الاسلام، وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، هَاجر إِلَى الْمَدِينَة قبل قدوم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اليها، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِائَتَا حَدِيث وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على خَمْسَة عشر وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِخَمْسَة، وَمُسلم بِثمَانِيَة عشر، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَهُوَ الَّذِي فتح مَدَائِن كسْرَى فِي زمن عمر، رَضِي الله عَنهُ، وولاه عمر الْعرَاق وَهُوَ الَّذِي بنى الْكُوفَة، وَلما قتل عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ إعتزل سعد الْفِتَن، وَمَات بقصره بالعقيق على عشرَة اميال من الْمَدِينَة سنة سبع وَخمسين وَقيل خمس وَهُوَ ابْن بضع وَسبعين سنة، وَحمل إِلَى الْمَدِينَة على أرقاب الرِّجَال، وَصلى عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ يَوْمئِذٍ وَالِي الْمَدِينَة، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ آخر الْعشْرَة موتا، وَعَن مُحَمَّد بن سعد عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: أقبل سعد وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالس فَقَالَ: هَذَا خَالِي فليرني امْرُؤ خَاله، وَذَلِكَ أَن أمه، عَلَيْهِ السَّلَام، آمِنَة بنت وهب بن عبد منَاف وَسعد هُوَ ابْن مَالك بن وهيب اخي وهب ابْني عبد منَاف، وَفِي الصَّحَابَة من اسْمه سعد فَوق الْمِائَة. وَالله اعْلَم. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: ان فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: ان فِيهِ ثَلَاثَة زهريين مدنيين. وَمِنْهَا: ان فِيهِ ثَلَاثَة تابعين يروي بَعضهم عَن بعض: ابْن شهَاب وعامر وَصَالح، وَصَالح اكبر من ابْن شهَاب لِأَنَّهُ اِدَّرَكَ ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَمِنْهَا: ان فِيهِ رِوَايَة الأكابر عَن الاصاغر. وَمِنْهَا: ان قَوْله: عَن سعد ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هَكَذَا هُوَ هُنَا وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: عَن سعد هُوَ ابْن ابي وَقاص. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: اخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن ابي الْيَمَان عَن شُعَيْب، وَأخرجه فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن عَزِيز حَدثنَا يَعْقُوب بن ابراهيم عَن ابيه عَن صَالح، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِهِ عَن عَامر. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَالزَّكَاة، عَن ابْن عمر وَعَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ، وَعَن زُهَيْر عَن يَعْقُوب بن ابراهيم عَن ابيه عَن صَالح، كلهم عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَفِي الزَّكَاة عَن اسحاق بن ابراهيم وَعبد بن حميد انبأنا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه ابو دَاوُد ايضاً من طَرِيق معمر، وَقد اعْترض على مُسلم فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث فِي قَوْله: عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَرَوَاهُ الْحميدِي، وَسَعِيد بن عبد الرَّحْمَن، وَمُحَمّد بن الصَّباح الجرجراي، كلهم عَن سُفْيَان عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَن سفيانٍ ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي الاستدراكات على مُسلم، وَأجَاب النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ يحْتَمل ان سُفْيَان سَمعه من الزُّهْرِيّ مرّة
وَمن معمر عَن الزُّهْرِيّ، فَرَوَاهُ على الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ بعض الشُّرَّاح: وَفِيمَا ذكره نظر، وَلم يبين وَجهه، وَوَجهه ان مُعظم الرِّوَايَات فِي الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد عَن ابْن عُيَيْنَة عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِزِيَادَة معمر بَينهمَا، وَالرِّوَايَات قد تظافرت عَن ابْن عُيَيْنَة باثبات معمر، وَلم يُوجد بإسقاطه إلاَّ عِنْد مُسلم، وَالْمَوْجُود فِي مُسْند شيخ مُسلم، مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر بِلَا إِسْقَاط، وَكَذَلِكَ اخْرُج ابو نعيم فِي مستخرجه من طَرِيقه، وَزعم ابو مَسْعُود فِي (الْأَطْرَاف) أَن الْوَهم من ابْن ابي عمر، وَيحْتَمل ذَلِك بِأَن صدر مِنْهُ الْوَهم لما حدث بِهِ مُسلما، وَلَكِن هَذَا احْتِمَال غير مُتَعَيّن، وَيحْتَمل ان يكون الْوَهم من مُسلم، وَيحْتَمل ان يكون مثل مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَبَاب الِاحْتِمَالَات مَفْتُوح. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (رهطا) ، قَالَ ابْن التياني: قَالَ ابو زيد: الرَّهْط مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال، وَقَالَ صَاحب (الْعين) الرَّهْط عدد جمع من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَبَعض يَقُول من سَبْعَة إِلَى عشرَة، وَمَا دون السَّبْعَة إِلَى الثَّلَاثَة نفر، وَتَخْفِيف الرَّهْط أَحسن، تَقول: هَؤُلَاءِ رهطك وراهطك، وهم رجال عشيرتك. وَعَن ثَعْلَبَة: الرَّهْط بَنو الْأَب الْأَدْنَى. وَعَن النَّصْر: جَاءَنَا أرهوط مِنْهُم، مثل: اركوب، وَالْجمع أرهط وأراهط، وَفِي (الْمُحكم) : لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَقد يكون الرَّهْط من الْعشْرَة، وَفِي (الْجَامِع) و (الجمهرة) : الرَّهْط من الْقَوْم وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَرُبمَا جاوزوا ذَلِك قَلِيلا ورهط الرجل بَنو أَبِيه وَيجمع على ارهط وَيجمع الْجمع على أرهاط. وَفِي (الصِّحَاح) : رَهْط الرجل قومه وقبيلته. يُقَال: هم رَهْط دينه، والرهط: مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال لَا يكون فيهم امْرَأَة، وَالْجمع أرهط وأرهاط وأراهط. وَفِي (مجمع الغرائب) : الرَّهْط جمَاعَة غير كثيري الْعدَد. قَوْله: (هُوَ أعجبهم إِلَيّ) أَي: أفضلهم وأصلحهم فِي اعتقادي. قَوْله: (عَن فلَان) ، لَفْظَة: فلَان، كِنَايَة عَن اسْم سمي بِهِ الْمُحدث عَنهُ الْخَاص، وَيُقَال فِي غير النَّاس: الفلان والفلانة بالالف وَاللَّام. قَوْله: (فعدت لمقالتي) يُقَال: عَاد لكذا، إِذا رَجَعَ إِلَيْهِ، والمقالة والمقال مصدران ميميان بِمَعْنى القَوْل. قَوْله: (ان يكبه الله) ، بِفَتْح الْيَاء وَضم الْكَاف، أَي: يلقيه منكوساً، هَذَا من النَّوَادِر على عكس الْقَاعِدَة الْمَشْهُورَة، فَإِن الْمَعْرُوف أَن يكون الْفِعْل اللَّازِم بِغَيْر الْهمزَة، والمتعدي بِالْهَمْزَةِ، فان أكب لَازم، وكب متعدٍ وَنَحْوه: أحجم وحجم، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا فِي كتاب الزَّكَاة، فَقَالَ: أكب الرجل إِذا كَانَ فعله غير وَاقع على أحد، فَإِذا وَقع الْفِعْل قلت: كَبه وكببته، وَجَاء نَظِير هَذَا فِي أحرف يسيرَة. مِنْهَا: انْسَلَّ ريش الطَّائِر ونسلته، وأنزفت الْبِئْر ونزفتها أَنا، وأمريت النَّاقة درت لَبنهَا ومريتها أَنا، وأنشق الْبَعِير رفع رَأسه وشنقتها أَنا، وأقشع الْغَيْم وقشعته الرّيح وَحكى ابْن الاعرابي فِي الْمُتَعَدِّي: كَبه وأكبه مَعًا، وَفِي (الْعباب) يُقَال: كَبه الله لوجهه: صرعه على وَجهه، يُقَال: كب الله الْعَدو، وأكب على وَجهه: سقط. وَهَذَا من النَّوَادِر، أَن يُقَال: أفعلت أَنا وَفعلت غَيْرِي. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعطى) تَقْدِير الْكَلَام عَن سعد، قَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعطى، و: أعْطى، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر إِن، و: رهطاً، مَنْصُوب على انه مفعول: أعْطى، وَقد علم أَن بَاب: اعطيت، يجوز فِيهِ الِاقْتِصَار على أحد مفعوليه، تَقول: اعطيت زيدا، وَلَا تذكر مَا أَعْطيته، أَو أَعْطَيْت درهما، وَلَا تذكر من أعطتيه. وَقَوله: (اعطى رهطا) ، من قبيل الأول، وَالتَّقْدِير: أعْطى رهطاً شَيْئا من الدُّنْيَا؛ بِخِلَاف أَفعَال الْقُلُوب فَإِنَّهُ لَا يجوز الِاقْتِصَار فِيهَا على أحد المفعولين عَن لِأَنَّهَا دَاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، فَكَمَا لَا يَسْتَغْنِي الْمُبْتَدَأ عَن الْخَبَر وَلَا الْخَبَر عَن الْمُبْتَدَأ، فَكَذَلِك لَا يَسْتَغْنِي أحد المفعولين عَن صَاحبه، وَلَكِن يجوز أَن يسكت عَنْهُمَا جَمِيعًا، ويجعلان نسياً منسياً، نَحْو قَوْله: من يسمع يخل، كَمَا فِي قَوْلهم: فلَان يُعْطي وَيمْنَع. قَوْله: (وَسعد جَالس) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (رجلا) ، مفعول لقَوْله: (ترك) واسْمه جعيل بن سراقَة الضمرِي، سَمَّاهُ الْوَاقِدِيّ فِي الْمَغَازِي. قَوْله: (هُوَ أعجبهم إِلَيّ) ، جملَة اسمية فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله: (رجلا) ، قَوْله: (مَا لَك عَن فلَان) ، أَي: أَي شَيْء حصل لَك أَعرَضت عَن فلَان، أَو عداك عَن فلَان، أَو من جِهَة فلَان، بِأَن لم تعطه؟ وَكلمَة: مَا، للاستفهام، و: اللَّام، تتَعَلَّق بِمَحْذُوف، وَكَذَلِكَ كلمة: عَن، وَهُوَ حصل فِي اللَّام، وأعرضت وَنَحْوه فِي: عَن قَوْله: (فوَاللَّه) مجرور بواو الْقسم. قَوْله: (لأُراه) ، وَقع بِضَم الْهمزَة هَهُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره، وَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاة، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره. وَقَالَ ابو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة بِضَم الْهمزَة من: أرَاهُ، بِمَعْنى: أَظُنهُ. وَقَالَ النووى: هُوَ بِفَتْح الْهمزَة، أَي: أعلمهُ، وَلَا يجوز ضمهَا على أَن يَجْعَل بِمَعْنى أَظُنهُ، لِأَنَّهُ قَالَ: ثمَّ غلبني مَا أعلم مِنْهُ، ولانه رَاجع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرَارًا، فَلَو لم يكن جَازِمًا
باعتقاده لما كرر الْمُرَاجَعَة. وَقَالَ بَعضهم: لَا دلَالَة فِيمَا ذكر على تعين الْفَتْح لجَوَاز إِطْلَاق الْعلم على الظَّن الْغَالِب، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فان علمتموهن مؤمنات} (الممتحنة: 10) سلمنَا، لَكِن لَا يلْزم من إِطْلَاق الْعلم أَن لَا تكون مقدماته ظنية، فَيكون نظرياً لَا يقينياً. قلت: بل الَّذِي ذكره يدل على تعين الْفَتْح، لِأَن قسم سعد وتأكيد كَلَامه بِأَن وَاللَّام وصوغه فِي صُورَة الإسمية، ومراجعته إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وتكرار نِسْبَة الْعلم إِلَيْهِ يدل على أَنه كَانَ جَازِمًا باعتقاده، وَهَذَا لَا يشك فِيهِ، وَقَوله: لَكِن لَا يلْزم من إِطْلَاق الْعلم الخ، لَا يساعد هَذَا الْقَائِل، لِأَن سَعْدا وَقت الْإِخْبَار كَانَ عَالما بِالْجَزْمِ، لما ذكرنَا من الدَّلَائِل عَلَيْهِ، فَكيف يكون نظرياً لَا يقينيا فِي ذَلِك الْوَقْت؟ . قَوْله: (فَقَالَ) ، اي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (أَو مُسلما) قَالَ القَاضِي: هُوَ بِسُكُون الْوَاو على أَنَّهَا: أَو، الَّتِي للتقسيم والتنويع، أَو للشَّكّ والتشريك، وَمن فتحهَا أَخطَأ وأحال الْمَعْنى، وَيُقَال: امْرَهْ أَن يقولهما مَعًا لِأَنَّهُ أحوط، لِأَن قَوْله: اَوْ مُسلما، لَا يقطع بايمانه. وروى ابْن أبي شيبَة، عَن زيد بن حبَان، عَن عَليّ بن مسْعدَة الْبَاهِلِيّ؛ ثَنَا قَتَادَة، عَن انس يرفعهُ: (الاسلام عَلَانيَة والايمان فِي الْقلب ثمَّ يُشِير بِيَدِهِ إِلَى صَدره التَّقْوَى هَهُنَا، التَّقْوَى هَهُنَا) وَيرد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي فِي (مُعْجَمه) فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: (لَا تقل: مُؤمن قل: مُسلم) . وَالَّذِي رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: قَالَ ابْن عدي: هُوَ غير مَحْفُوظ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَعْنَاهُ أَن لَفْظَة الْإِسْلَام أولى أَن يَقُولهَا لِأَنَّهَا مَعْلُومَة بِحكم الظَّاهِر، وَأما الْإِيمَان فباطن لَا يُعلمهُ إلاَّ الله تَعَالَى، وَقَالَ صَاحب (التَّحْرِير) فِي (شرح صَحِيح مُسلم) : هَذَا حكم على فلَان بِأَنَّهُ غير مُؤمن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِيهِ إِنْكَار كَونه مُؤمنا، بل مَعْنَاهُ النَّهْي عَن الْقطع بِالْإِيمَان لعدم مُوجب الْقطع، وَقد غلط من توهم كَونه حكما بِعَدَمِ الْإِيمَان، بل فِي الحَدِيث إِشَارَة إِلَى إيمَانه، وَهُوَ قَوْله: (لأعطي الرجل وَغَيره أحب إِلَيّ مِنْهُ) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فعلى هَذَا التَّقْدِير لَا يكون الحَدِيث دَالا على مَا عقد لَهُ الْبَاب، وَأَيْضًا لَا يكون لرد الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، على سعد فَائِدَة، وَلَئِن سلمنَا أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَيْهِ فَذَلِك حصل بعد تكْرَار سعد إخْبَاره بإيمانه، وَجَاز أَن يُنكر أَولا ثمَّ يسلم آخرا، لحُصُول أَمر يُفِيد الْعلم بِهِ. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ تعقب مَرْدُود، وَلم يبين وَجهه، ثمَّ قَالَ: وَقد بَينا وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة قبل. قلت: قد بَينا نَحن أَيْضا هُنَاكَ أَن الَّذِي ذكره لَيْسَ بِوَجْه صَحِيح، فليعد إِلَيْهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قَلِيلا) نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: سكُوتًا قَلِيلا. قَوْله: (مَا أعلم) كلمة مَا، مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع على أَنه فَاعل: غلبني، قَوْله: (غَيره أحب إِلَيّ مِنْهُ) : جملَة اسمية وَقعت حَالا، وَهَكَذَا هُوَ عِنْد أَكثر الروَاة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أعجب إِلَيّ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بعد قَوْله: (أحب إِلَيّ مِنْهُ، وَمَا أعْطِيه إلاَّ مَخَافَة أَن يكبه الله) . إِلَى آخِره قَوْله: (خشيَة) ، نصب على أَنه مفعول لَهُ لأعطي، أَي: لأجل خشيَة أَن يكبه الله، بِإِضَافَة خشيَة إِلَى مَا بعده، وَأَن، مَصْدَرِيَّة. وَالتَّقْدِير: لاجل خشيَة كب الله إِيَّاه فِي النَّار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: سَوَاء فِيهِ رِوَايَة التَّنْوِين مَعَ تنكيره، وَتَقْدِيره: لأجل خشيَة من أَن يكبه الله. وَرِوَايَة الْإِضَافَة مَعَ تعريفة لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى أَن مَعَ الْفِعْل، وَأَن مَعَ الْفِعْل معرفَة، وَيجوز فِي الْمَفْعُول لأَجله التَّعْرِيف والتنكير. قلت: لَا حَاجَة فِيهِ إِلَى تَقْدِير: من، لعدم الدَّاعِي إِلَى تقديرها، بل لَفْظَة: خشيَة، مُضَاف إِلَى مَا بعْدهَا على التَّقْدِير الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان: فِيهِ حذف الْمَفْعُول الثَّانِي من بَاب: اعطيت فِي الْمَوْضِعَيْنِ الأول: فِي قولهِ أعْطى رهطاً، وَالثَّانِي: فِي قَوْله: إِنِّي لاعطي الرجل، تَنْبِيها على التَّعْمِيم بِأَيّ شَيْء كَانَ، أَو جعل الْمُتَعَدِّي إِلَى اثْنَيْنِ كالمتعدي إِلَى وَاحِد، وَالْمعْنَى إِيجَاد هَذِه الْحَقِيقَة، يَعْنِي ايجاد الْإِعْطَاء. والفائدة فيهمَا قصد الْمُبَالغَة، وَفِيه من بَاب الإلتفات، وَهُوَ فِي قَوْله: (أعجبهم إِلَيّ) لِأَن السِّيَاق كَانَ يَقْتَضِي أَن يُقَال: اعجبهم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ: وَسعد جَالس، وَلم يقل: وَأَنا جَالس، وَهُوَ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى التَّكَلُّم. وَأما قَوْله: (وَسعد جَالس) فَفِيهِ وَجْهَان. الأول: أَن يكون فِيهِ الْتِفَات على قَول صَاحب (الْمِفْتَاح) من التَّكَلُّم الَّذِي هُوَ مُقْتَضى الْمقَام إِلَى الْغَيْبَة، واما على قَول غَيره، فَلَيْسَ فِيهِ الْتِفَات لأَنهم شرطُوا أَن يكون الِانْتِقَال من التَّكَلُّم وَالْخطاب والغيبة محققاً. وَصَاحب (الْمِفْتَاح) لم يشْتَرط ذَلِك، بل قَالَ: الِانْتِقَال أَعم أَن يكون محققاً أَو مُقَدرا. وَالْوَجْه الثَّانِي: ان يكون هَذَا من بَاب التَّجْرِيد، وَهُوَ ان يجرد من نَفسه شخصا ويخبر عَنهُ، وَذَلِكَ أَن الْقيَاس فِي قَوْله: (وَسعد جَالس) أَن يَقُول: وَأَنا جَالس، وَلكنه جرد من نَفسه ذَلِك وَأخْبر عَنهُ بقوله: (جَالس) وَهُوَ من محسنات الْكَلَام من الضروب المعنوية الراجعة إِلَى وَظِيفَة البلاغة، وَفِيه من بَاب الْكِنَايَة: وَهُوَ فِي قَوْله: (خشيَة ان يكبه الله) ، لِأَن الكب فِي النَّار لَازم الْكفْر، فَأطلق اللَّازِم وَأَرَادَ الْمَلْزُوم، وَهُوَ كِنَايَة،
وَلَيْسَ بمجاز. فَإِن قلت: لم لَا يكون مجَازًا من بَاب إِطْلَاق الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم إِذْ الْمُلَازمَة فِي الْكِنَايَة لَا بُد ان تكون مُسَاوِيَة؟ قلت: شَرط الْمجَاز امْتنَاع معنى الْمجَاز والحقيقة، وَهَهُنَا لَا امْتنَاع فِي اجْتِمَاع الْكفْر والكب، فَهُوَ كِنَايَة لَا غير. فَإِن قلت: الكب قد يكون للمعصية، فَلَا يسْتَلْزم الْكفْر. قلت: المُرَاد من الكب كب مَخْصُوص لَا يكون إلاَّ للْكَافِرِ، وإلاَّ فَلَا تصح الْكِنَايَة أَيْضا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِن المُرَاد كب مَخْصُوص لَان معنى قَوْله: (خشيَة أَن يكبه الله فِي النَّار) مَخَافَة من كفره الَّذِي يُؤَدِّيه إِلَى كب الله إِيَّاه فِي النَّار، وَالضَّمِير فِي: يكبه، للرجل فِي قَوْله: (إِنِّي لأعطي الرجل) أَي: اتألف قلبه بالإعطاء مَخَافَة من كفره إِذا لم يُعْط، وَالتَّقْدِير: أَنا أعطي من فِي إيمَانه ضعف، لِأَنِّي أخْشَى عَلَيْهِ لَو لم أعْطه أَن يعرض لَهُ اعْتِقَاد يكفر بِهِ فيكبه الله تَعَالَى فِي النَّار، كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْمُؤَلّفَة أَو إِلَى من، إِذْ منع نسب الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الْبُخْل، وَأما من قوي إيمَانه فَهُوَ أحب إِلَيّ فَأَكله إِلَى ايمانه وَلَا أخْشَى عَلَيْهِ رُجُوعا عَن دينه وَلَا سوء اعْتِقَاد، وَلَا ضَرَر فِيمَا يحصل لَهُ من الدُّنْيَا. وَالْحَاصِل ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُوسع الْعَطاء لمن أظهر الْإِسْلَام تألفاً، فَلَمَّا أعْطى الرَّهْط وهم من الْمُؤَلّفَة، وَترك جعيلاً وَهُوَ من الْمُهَاجِرين، مَعَ أَن الْجَمِيع سَأَلُوهُ، خاطبه سعد، رَضِي الله عَنهُ، فِي أمره، لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن جعيلاً أَحَق مِنْهُم لما اختبر مِنْهُ دونهم، وَلِهَذَا رَاجع فِيهِ أَكثر من مرّة، فَنَبَّهَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بأمرين: احدهما: نبهه على الْحِكْمَة فِي إِعْطَاء أُولَئِكَ الرَّهْط، وَمنع جعيل مَعَ كَونه أحب إِلَيْهِ مِمَّن أعْطى، لانه لَو ترك إِعْطَاء الْمُؤَلّفَة لم يُؤمن ارتدادهم فيكبون فِي النَّار. وَالْآخر: نبهه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَنه يَنْبَغِي التَّوَقُّف عَن الثَّنَاء بِالْأَمر الْبَاطِن دون الثَّنَاء بِالْأَمر الظَّاهِر. فَإِن قلت: كَيفَ لم يقبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَهَادَة مثل سعد، رَضِي الله عَنهُ، لجعيل بالايمان؟ قلت: قَوْله: (فوَاللَّه، إِنِّي لاراه مُؤمنا) لم يخرج الشَّهَادَة، وَإِنَّمَا خرج مخرج الْمَدْح لَهُ، والتوسل فِي الطّلب لأَجله، فَلهَذَا ناقشه فِي لَفظه. وَفِي الحَدِيث مَا يدل على أَنه قبل قَوْله فِيهِ وَهُوَ قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (يَا سعد إِنِّي لاعطي الرجل) الخ. وَمِمَّا يدل على ذَلِك مَا رُوِيَ فِي مُسْند مُحَمَّد بن هَارُون الرَّوْيَانِيّ وَغَيره، بِإِسْنَادِهِ صَحِيح إِلَى أبي سَالم الجيشاني: (عَن أبي ذَر، رَضِي الله عَنهُ، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لَهُ: كَيفَ ترى جعيلا؟ قَالَ: قلت: كشكله من النَّاس، يَعْنِي الْمُهَاجِرين. قَالَ: فَكيف ترى فلَانا؟ قَالَ: قلت: سيداً من سَادَات النَّاس. قَالَ: فجعيل خير من مَلأ الأَرْض من فلَان. قَالَ: قلت: ففلان هَكَذَا وانت تصنع بِهِ مَا تصنع! قَالَ: إِنَّه رَأس قومه. فَأَنا أتألفهم بِهِ) . انْتهى فَهَذِهِ منزلَة جعيل، رَضِي الله عَنهُ، عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك علم أَن حرمانه وَإِعْطَاء غَيره كَانَ لمصْلحَة التَّأْلِيف. بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ جَوَاز الشَّفَاعَة، إِلَى وُلَاة الْأَمر وَغَيرهم. الثَّانِي: فِيهِ مُرَاجعَة الْمَشْفُوع إِلَيْهِ فِي الْأَمر الْوَاحِد إِذا لم يؤد إِلَى مفْسدَة. الثَّالِث: فِيهِ الْأَمر بالتثبت وَترك الْقطع بِمَا لَا يعلم فِيهِ الْقطع. الرَّابِع: فِيهِ أَن الإِمَام يصرف الْأَمْوَال فِي مصَالح الْمُسلمين الأهم فالأهم. الْخَامِس: فِيهِ أَن الْمَشْفُوع إِلَيْهِ لَا عتب عَلَيْهِ اذا رد الشَّفَاعَة اذا كَانَت خلاف الْمصلحَة، السَّادِس: فِيهِ أَنه يَنْبَغِي أَن يعْتَذر إِلَى الشافع وَيبين لَهُ عذره فِي ردهَا. السَّابِع: فِيهِ أَن الْمَفْضُول يُنَبه الْفَاضِل على مَا يرَاهُ مصلحَة لينْظر فِيهِ الْفَاضِل. الثَّامِن: فِيهِ أَنه لَا يقطع لأحد على التَّعْيِين بِالْجنَّةِ إلاَّ من ثَبت فِيهِ النَّص، كالعشرة المبشرة بِالْجنَّةِ. التَّاسِع: فِيهِ أَن الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ لَا ينفع إلاَّ إِذا اقْترن بِهِ الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ، وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع، وَلِهَذَا كفر المُنَافِقُونَ. وَاسْتدلَّ بِهِ جمَاعَة على جَوَاز قَول الْمُسلم: أَنا مُؤمن، مُطلقًا من غير تَقْيِيده بقوله: ان شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ القَاضِي: فِيهِ حجَّة لمن يَقُول بِجَوَاز قَوْله: أَنا مُؤمن، من غير اسْتثِْنَاء، ورد على من أَبَاهُ. وَقد اخْتلف فِيهَا من لدن الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وكل قَول إِذا حقق كَانَ لَهُ وَجه، فَمن لم يسْتَثْن أخبر عَن حكمه فِي الْحَال، وَمن اسْتثْنى أَشَارَ إِلَى غيب مَا سبق لَهُ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَإِلَى التَّوسعَة فِي الْقَوْلَيْنِ ذهب الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره، وَهُوَ قَول أهل التَّحْقِيق نظرا إِلَى مَا قدمْنَاهُ، ورفعا للْخلاف. الْعَاشِر: قَالُوا: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الْحلف على الظَّن، وَهِي: يَمِين اللَّغْو، وَهُوَ قَول مَالك وَالْجُمْهُور. قلت: قد اخْتلف الْعلمَاء فِي يَمِين اللَّغْو على سِتَّة اقوال: أَحدهَا: قَول مَالك كَمَا ذَكرُوهُ عَنهُ، وَقَالَ الشَّافِعِي: هِيَ أَن يسْبق لِسَانه إِلَى الْيَمين من غير أَن يقْصد الْيَمين، كَقَوْل الْإِنْسَان: لَا وَالله وبلى وَالله وَاسْتدلَّ بِمَا رُوِيَ عَن عائشةِ رَضِي الله عَنْهَا، مَرْفُوعا: (إِن لَغْو الْيَمين قَول الْإِنْسَان لَا وَالله وبلى وَالله) . وَحكى ذَلِك مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله عَنهُ، وَأما الْمَشْهُور عِنْد أَصْحَابنَا أَن: لَغْو الْيَمين هُوَ الْحلف على أَمر يَظُنّهُ كَمَا قَالَ، وَالْحَال أَنه خِلَافه
كَقَوْلِه فِي الْمَاضِي: وَالله مَا دخلت الدَّار، وَهُوَ يظنّ أَنه لم يدخلهَا، وَالْأَمر خلاف ذَلِك، وَفِي الْحَال عَمَّن يقبل: وَالله إِنَّه لزيد، وَهُوَ يظنّ أَنه زيد فَإِذا هُوَ عَمْرو. الْحَادِي عشر: قَالَ القَاضِي عِيَاض: هَذَا الحَدِيث أصح دَلِيل على الْفرق بَين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان، وان الْإِيمَان بَاطِن وَمن عمل الْقلب، وَالْإِسْلَام ظَاهر وَمن عمل الْجَوَارِح، لَكِن لَا يكون مُؤمن إلاَّ مُسلما، وَقد يكون مُسلم غير مُؤمن، وَلَفظ هَذَا الحَدِيث يدل عَلَيْهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث ظَاهره يُوجب الْفرق بَين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان، فَيُقَال لَهُ: مُسلم، أَي: مستسلم، وَلَا يُقَال لَهُ: مُؤمن، وَهُوَ معنى الحَدِيث. قَالَ الله تَعَالَى: {قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا} (الحجرات: 14) أَي: استسلمنا. وَقد يتفقان فِي اسْتِوَاء الظَّاهِر وَالْبَاطِن، فَيُقَال للْمُسلمِ: مُؤمن، وللمؤمن: مُسلم. وَقد حققنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى فِي أول كتاب الْإِيمَان. ورواهُ يُونُسُ وَصَالِحٌ وَمَعْمَرٌ وابْنُ أخي الزُّهْرِيِّ عَن الزُّهْرِيِّ. أَي: روى هَذَا الحَدِيث هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة عَن الزُّهْرِيّ، وتابعوا شعيبا فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ، فَيَزْدَاد قُوَّة بِكَثْرَة طرقه. وَفِي هَذَا وَشبهه من قَول التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن فلَان وَفُلَان إِلَى آخِره. فَوَائِد إِحْدَاهَا هَذِه. الثَّانِيَة: أَن تعلم رُوَاته ليتتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب فِي شَيْء من جمع الطّرق أَو غَيره، لمعْرِفَة مُتَابعَة أَو استشهاد أَو غَيرهمَا. الثَّالِثَة: ليعرف أَن هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين رَوَوْهُ، فقد يتَوَهَّم من لَا خبْرَة لَهُ أَنه لم يروه غير ذَلِك الْمَذْكُورَة فِي الْإِسْنَاد، فَرُبمَا رَآهُ فِي كتاب آخر عَن غَيره، فيتوهمه غَلطا. وَزعم أَن الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ من جِهَة فلَان، فَإِذا قيل فِي الْبَاب: عَن فلَان وَفُلَان وَنَحْو ذَلِك، زَالَ الْوَهم الْمَذْكُور. الرَّابِعَة: الْوَفَاء بِشَرْطِهِ صَرِيحًا، إِذْ شَرطه على مَا قيل أَن يكون لكل حَدِيث راويان فَأكْثر. الْخَامِسَة: أَن يصير الحَدِيث مستفيضا، فَيكون حجَّة عِنْد الْمُجْتَهدين الَّذين اشترطوا كَون الحَدِيث مَشْهُورا فِي تَخْصِيص الْقُرْآن وَنَحْوه، والمستفيض أَي: الْمَشْهُور مَا زَاد نقلته على الثَّلَاث. قَوْله (يُونُس) : هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَقد مر ذكره. (وَصَالح) هُوَ ابْن كيسَان الْمدنِي، وَرِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر، لِأَنَّهُ أسن من الزُّهْرِيّ وَقد مر ذكره أَيْضا. و (معمر) بِفَتْح الميمين، ابْن رَاشد الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم ذكره أَيْضا. (وَابْن أخي الزُّهْرِيّ) هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهَاب بن عبد الله بن الْحَارِث بن زهرَة بن كلاب الزُّهْرِيّ ابْن أخي مُحَمَّد الإِمَام أبي بكر الزُّهْرِيّ الْمَشْهُور، روى عَن عَمه مُحَمَّد، وروى عَنهُ يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم سعد والدراوردي والقعنبي، روى عَنهُ: البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالْأَضَاحِي، وَمُسلم فِي الْإِيمَان وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله بن البيع فِي كتاب (الْمدْخل) : وَمِمَّا عيب على البُخَارِيّ وَمُسلم إخراجهما حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أخي الزُّهْرِيّ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي الْأُصُول، وَمُسلم فِي الشواهد، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ فِيهِ ابْن معن: ضَعِيف. وَقَالَ ابْن عدي: وَلم أر بحَديثه بَأْسا، وَلَا رَأَيْت لَهُ حَدِيثا مُنْكرا. وَقَالَ عَبَّاس عَن يحيى بن معِين: ابْن أخي الزُّهْرِيّ أمثل من أبي أويس، وَقَالَ مرّة فِيهِ: لَيْسَ بذلك الْقوي. قَالَ الْوَاقِدِيّ: قَتله غلمانه بِأَمْر ابْنه، وَكَانَ ابْنه سَفِيها شاطرا، قَتله للميراث فِي آخر خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور، توفّي أَبُو جَعْفَر سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة، ثمَّ وثب غلمانه على ابْنه بعد سِنِين فَقَتَلُوهُ، وَجزم النَّوَوِيّ فِي شَرحه بِأَن مُحَمَّدًا هَذَا، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة. أما رِوَايَة يُونُس عَن الزُّهْرِيّ فَهِيَ مَوْصُولَة فِي كتاب الْإِيمَان لعبد الرَّحْمَن بن عمر الزُّهْرِيّ الملقب رسته، بِضَم الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق وَبعدهَا هَاء، وَلَفظه قريب من سِيَاق الْكشميهني. وَأما رِوَايَة صَالح عَن الزُّهْرِيّ فَهِيَ مَوْصُولَة عِنْد البُخَارِيّ فِي كتاب الزَّكَاة. وَأما رِوَايَة معمر عَنهُ فَهِيَ مَوْصُولَة عِنْد أَحْمد بن حَنْبَل والْحميدِي وَغَيرهمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَنهُ، وَقَالَ فِيهِ إِنَّه إِنَّمَا أعَاد السُّؤَال ثَلَاثًا. وَعند أبي دَاوُد أَيْضا، من طَرِيق معمر عَنهُ، وَلَفظه: (إِنِّي أعطي رجلا وأدع من أحب إِلَيّ مِنْهُم لَا أعْطِيه شَيْئا مَخَافَة أَن يكبوا فِي النَّار على وُجُوههم) . وَأما رِوَايَة ابْن أبي الزُّهْرِيّ، عَن الزُّهْرِيّ، فَهِيَ مَوْصُولَة عِنْد مُسلم، وَفِيه السُّؤَال وَالْجَوَاب ثَلَاث مَرَّات، وَقَالَ فِي آخِره: خشيَة أَن يكب على الْبناء للْمَفْعُول، وَفِي رِوَايَته لَطِيفَة وَهِي رِوَايَة أَرْبَعَة من بني زهرَة: هُوَ، وَعَمه، وعامر، وَأَبوهُ. على الْوَلَاء، وَالله تَعَالَى أعلم.
باب إفشاء السلام من الإسلام
20 - (بابُ إفْشاءُ السَّلاَمِ مِنَ الإسْلاَمِ) أَي: هَذَا بابٌ، وَإِن لم يقدر هَكَذَا لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب على مَا ذكرنَا غير مرّة، فَحِينَئِذٍ بَاب منون. وَقَوله: (السَّلَام) مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَقَوله: (من الْإِسْلَام) خَبره، وَالتَّقْدِير فِي الأَصْل: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن السَّلَام من جملَة شعب الْإِسْلَام، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: بَاب إفشاء السَّلَام من الْإِسْلَام. وَهُوَ مُوَافق للْحَدِيث الْمَرْفُوع فِي قَوْله: (على من عرفت وَمن لم تعرف) والإفشاء، بِكَسْر الْهمزَة، مصدر من أفشى يفشي، يُقَال: أفشيت الْخَبَر إِذا نشرته وأذعته، وثلاثيه: فشى يفشوا فشوا، وَمِنْه: تفشى الشَّيْء: إِذا اتَّسع. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ هُوَ أَن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق أَن الدّين هُوَ الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام لَا يكمل إلاَّ بِاسْتِعْمَال خلاله، وَمن جملَة خِلاله إفشاء السَّلَام للْعَالم. وَفِي هَذَا الْبَاب يبين هَذِه الْخلَّة فِي الحَدِيث الْمَوْقُوف وَالْمَرْفُوع جَمِيعًا، مَعَ زِيَادَة خلة أُخْرَى فيهمَا، وَهِي: إطْعَام الطَّعَام، وَزِيَادَة خلة أُخْرَى فِي الْمَوْقُوف وَهِي: الْإِنْصَاف من نَفسه. وَأما وَجه كَون إفشاء السَّلَام من الْإِسْلَام فقد بَيناهُ فِي بَاب إطْعَام الطَّعَام. وقالَ عَمَّارٌ: ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإيمَانَ الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلاَمِ للْعالَمِ والإنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: فِي تَرْجَمَة عمار، وَهُوَ أَبُو الْيَقظَان، بِالْمُعْجَمَةِ، عمار بن يَاسر بن عَامر بن مَالك بن كنَانَة بن قيس بن الْحصين بن الوذيم بن ثَعْلَبَة بن عَوْف بن حَارِثَة بن عَامر الْأَكْبَر بن يام بن عنس، بالنُّون، وَهُوَ زيد بن مَالك بن أدد بن يشجب بن غَرِيب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. هَكَذَا نسبه ابْن سعد، رَحمَه الله، أمه سميَّة، بِصِيغَة التصغير من السمو، بنت خياط، أسلمت وَكَذَا يَاسر مَعَ عمار قَدِيما، وَقَتل أَبُو جهل سميَّة وَكَانَت أول شهيدة فِي الْإِسْلَام، وَكَانَت مَعَ يَاسر وعمار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يُعَذبُونَ بِمَكَّة فِي الله تَعَالَى، فَمر بهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم يُعَذبُونَ (فَيَقُول: صبرا آل يَاسر فَإِن مَوْعدكُمْ الْجنَّة) . وَكَانُوا من الْمُسْتَضْعَفِينَ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وهم قوم لَا عشائر لَهُم بِمَكَّة وَلَا مَنْعَة وَلَا قُوَّة، كَانَت قُرَيْش تُعَذبهُمْ فِي الرمضاء، فَكَانَ عمار، رَضِي الله عَنهُ، يعذب حَتَّى لَا يدْرِي مَا يَقُول. وصهيب كَذَلِك، وفكيهة كَذَلِك، وبلال وعامر بن فهَيْرَة، وَفِيهِمْ نزل قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد مَا فتنُوا ثمَّ جاهدوا وصبروا} (النَّحْل: 110) وَمن قَرَأَ فتنُوا بِالْفَتْح وَهُوَ ابْن عَامر، فَالْمَعْنى: فتنُوا أنفسهم، وَعَن عَمْرو بن مَيْمُون، قَالَ: (احْرِقْ الْمُشْركُونَ عمار بن يَاسر بالنَّار، فَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام، يمر بِهِ ويمر بِيَدِهِ على رَأسه فَيَقُول: يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على عمار كَمَا كنت على إِبْرَاهِيم، تقتلك الفئة الباغية) . وَعَن ابْن ابْنه قَالَ: أَخذ الْمُشْركُونَ عمارا فَلم يَتْرُكُوهُ حَتَّى نَالَ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَسلم وَذكر آلِهَتهم بِخَير، فَلَمَّا أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: شَرّ يَا رَسُول الله؟ وَالله مَا تركت حَتَّى نلْت مِنْك وَذكرت آلِهَتهم بِخَير. قَالَ: فَكيف تَجِد قَلْبك؟ قَالَ: مطمئنا بِالْإِيمَان. قَالَ: فَإِن عَادوا فعد، وَفِيه نزل: {إِلَّا من إِكْرَاه وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: 106) . شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا، وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ إِسْلَامه بعد بضعَة وَثَلَاثِينَ رجلا هُوَ وصهيب، وروى عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَعَن غَيره من الصَّحَابَة. رُوِيَ لَهُ اثْنَان وَسِتُّونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة، وَمُسلم بِحَدِيث. وآخى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينه وَبَين حُذَيْفَة، وَكَانَ رجلا آدم طَويلا أشهل الْعَينَيْنِ بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ، لَا يُغير شَيْبه، قتل بصفين فِي صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ مَعَ عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، عَن ثَلَاث وَقيل: عَن أَربع وَتِسْعين سنة، وَدفن هُنَاكَ بصفين، وَقتل وَهُوَ مُجْتَمع الْعقل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وياسر رهن فِي الْقمَار هُوَ ووالده وَولده، فقمروهم فصاروا بذلك عبيدا للقامر، فأعزهم الله بِالْإِسْلَامِ. وعمار أول من بنى مَسْجِدا لله فِي الله، بنى مَسْجِد قبَاء، وَلما قتل دَفنه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، بثيابه حسب مَا أوصاه بِهِ ثمَّة وَلم يغسلهُ. وَقَالَ صَاحب (الِاسْتِيعَاب) : وروى أهل الْكُوفَة أَنه صلى عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبهم فِي الشُّهَدَاء أَنهم لَا يغسلونهم، وَلَكِن يصلى عَلَيْهِم، وَقَالَ مُسَدّد: لم يكن فِي الْمُهَاجِرين أحد أَبَوَاهُ مسلمان غير عمار بن يَاسر. قلت: وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا أسلم أَبَوَاهُ. وَفِي (شرح قطب الدّين) : وَكَانَ أَبُو يَاسر خَالف أَبَا حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، وَلما قدم يَاسر من الْيمن إِلَى مَكَّة زوجه أَبُو حُذَيْفَة أمة لَهُ يُقَال لَهَا: سميَّة، فَولدت لَهُ عمارا، فَأعْتقهَا أَبُو حُذَيْفَة. وعمار روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّانِي: قَول عمار الَّذِي علقه البُخَارِيّ رَوَاهُ الْقَاسِم اللالكائي بِسَنَد صَحِيح عَن عَليّ بن أَحْمد بن حَفْص، حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المرهبي، حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن جَعْفَر الصَّيْرَفِي، حَدثنَا أَبُو نعيم، حَدثنَا قطر عَن أبي إِسْحَاق عَن صلَة بن زفر عَنهُ، وَرَوَاهُ رسته أَيْضا عَن سُفْيَان، حَدثنَا
أَبُو إِسْحَاق فَذكره، وَرَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ، وَرَوَاهُ يَعْقُوب بن شيبَة فِي مُسْنده من طَرِيق شُعْبَة وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَغَيرهمَا، كلهم عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي، عَن صلَة بن زفر، عَن عمار، رَضِي الله عَنهُ؛ وَلَفظ شُعْبَة: (ثَلَاث من كن فِيهِ فقد اسْتكْمل الْإِيمَان) . وَهَكَذَا رُوِيَ فِي جَامع معمر عَن أبي إِسْحَاق، وَكَذَا حدث بِهِ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن معمر، وَحدث بِهِ عبد الرَّزَّاق بِآخِرهِ فرفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده، وَابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) كِلَاهُمَا عَن الْحسن بن عبد الله الْكُوفِي، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) من طَرِيق أَحْمد بن كَعْب الوَاسِطِيّ، وَكَذَا أخرجه ابْن الْأَعرَابِي فِي مُعْجَمه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح الصغاني، ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّزَّاق مَرْفُوعا. وَقَالَ الْبَزَّار: غَرِيب، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: هُوَ خطأ، فقد رُوِيَ مَرْفُوعا من وَجه آخر عَن عمار، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَلَكِن فِي إِسْنَاده ضعف، وَالله أعلم. الثَّالِث فِي إعرابه وَمَعْنَاهُ. فَقَوله: (ثَلَاث) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: خِصَال ثَلَاث، فَقَامَتْ الصّفة مقَام الْمَوْصُوف الْمَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَيجوز أَن يُقَال: يجوز وُقُوع النكرَة مُبْتَدأ إِذا كَانَ الْكَلَام بهَا فِي معنى الْمَدْح، نَحْو: طَاعَة خير من مَعْصِيّة، وَقد عدوه من جملَة الْمَوَاضِع الَّتِي يَقع فِيهَا الْمُبْتَدَأ نكرَة. وَقَوله: (من) مُبْتَدأ ثَان، وَهِي مَوْصُوفَة متضمنة لِمَعْنى الشَّرْط، وجمعهن صلتها. وَقَوله: (فقد جمع الْإِيمَان) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. وَالْفَاء، فِي: (فقد) ، لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط، و: (الْإِيمَان) ، مَنْصُوب: بِجمع، وَمَعْنَاهُ: فقد حَاز كَمَال الْإِيمَان، تدل عَلَيْهِ رِوَايَة شُعْبَة (فقد اسْتكْمل الْإِيمَان) . قَوْله: (الْإِنْصَاف) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَالتَّقْدِير: إِحْدَى ثَلَاث الانصاف، يُقَال: أنصفه من نَفسه، وانتصفت أَنا مِنْهُ، وَقَالَ الصغاني: الْإِنْصَاف الْعدْل، وَالنّصف والنصفة الِاسْم مِنْهُ، يُقَال: جَاءَ منصفا أَي: مسرعا. قَوْله: (وبذل السَّلَام) أَي: الثَّانِي من الثَّلَاث بذل السَّلَام، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَفِي (الْعباب) : بذلت الشَّيْء أبذِله وأبذُله، وَهَذِه عَن ابْن عباد، أَي: أَعْطيته وجُدْتُ بِهِ، ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب: والتركيب يدل على ترك صِيَانة الشَّيْء. قَوْله: (للْعَالم) بِفَتْح اللَّام، وَأَرَادَ بِهِ كل النَّاس من عرفت وَمن لم تعرف. فَإِن قلت: الْعَالم اسْم لما سوى الله تَعَالَى فَيدْخل فِيهِ الْكفَّار، وَلَا يجوز بذل السَّلَام لَهُم {قلت: ذَاك خرج بِدَلِيل آخر، وَهُوَ قَوْله: عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تبدأوا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى) إِلَخ كَمَا تقدم. قَوْله: (والإنفاق) ، أَي: الثَّالِث: الْإِنْفَاق من الإقتار، بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ الافتقار. يُقَال: اقتر الرجل إِذا افْتقر. فَإِن قلت: على هَذَا التَّفْسِير يكون الْمَعْنى الْإِنْفَاق من الْعَدَم، وَهُوَ لَا يَصح} قلت: كلمة: من، هَهُنَا يجوز أَن تكون بِمَعْنى: فِي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: 9) أَي: فِيهِ، وَالْمعْنَى: والانفاق فِي حَالَة الْفقر، وَهُوَ من غَايَة الْكَرم، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى: عِنْد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا} (آل عمرَان: 10 و 116، والمجادلة: 17) أَي: عِنْد الله، وَالْمعْنَى: والانفاق عِنْد الْفقر وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الْغَايَة، كَمَا فِي قَوْلك: أَخَذته من زيد، فَيكون الافتقار غَايَة لإنفاقه، وَفِي الْحَقِيقَة هِيَ للابتداء، لِأَن الْمُنفق فِي الإقتار يبتدىء مِنْهُ إِلَى الْغَايَة. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد بن سراج: جمع عمار فِي هَذِه الْأَلْفَاظ الْخَيْر كُله. لِأَنَّك إِذا أنصفت من نَفسك فقد بلغت الْغَايَة بَيْنك وَبَين خالقك وَبَيْنك وَبَين النَّاس وَلم تضيع شَيْئا، أَي: مِمَّا لله وَلِلنَّاسِ عَلَيْك، وَأما بذل السَّلَام للْعَالم فَهُوَ كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام: (وتقرأ السَّلَام على من عرفت وَمن لم تعرف) ، وَهَذَا حض على مَكَارِم الْأَخْلَاق، واستئلاف النُّفُوس. وَأما الْإِنْفَاق من الإقتار فَهُوَ الْغَايَة فِي الْكَرم، فقد مدح الله، عز وَجل، من هَذِه صفته بقوله: {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة} (الْحَشْر: 9) وَهَذَا عَام فِي نَفَقَة الرجل على عِيَاله وأضيافه، وكل نَفَقَة فِي طَاعَة الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن نَفَقَة الْمُعسر على عِيَاله أعظم أجرا من نَفَقَة الْمُوسر. قلت: هَذِه الْكَلِمَات جَامِعَة لخصال الْإِيمَان كلهَا لِأَنَّهَا إِمَّا مَالِيَّة أَو بدنية، فالإنفاق إِشَارَة إِلَى الْمَالِيَّة المتضمنة للوثوق بِاللَّه تَعَالَى، وَالزِّيَادَة فِي الدُّنْيَا وَقصر الأمل، وَنَحْو ذَلِك. والبدنية إِمَّا مَعَ الله تَعَالَى، أَي: التَّعْظِيم لأمر الله تَعَالَى وَهُوَ الْإِنْصَاف، أَو مَعَ النَّاس وَهُوَ الشَّفَقَة على خلق الله تَعَالَى، وَهُوَ بذل السَّلَام الَّذِي يتَضَمَّن مَكَارِم الْأَخْلَاق والتواضع وَعدم الاحتقار، وَيحصل بِهِ التآلف والتحابب وَنَحْو ذَلِك. 28 - حدّثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يَزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرٍ وأنّ رَجُلاً سَأَلَ الله رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ الإسْلاَمِ خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لَمْ تَعْرِفْ. (رَاجع الحَدِيث رقم 12) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الْبَاب يتَضَمَّن أحد شطريه.
- (باب كفران العشير وكفر دون كفر)
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: قُتَيْبَة، على صُورَة تَصْغِير قتبة، بِكَسْر الْقَاف وَاحِدَة الأقتاب، وَهِي الأمعاء. قَالَ الصَّنْعَانِيّ: وَبهَا سمي الرجل قُتَيْبَة. وَقَالَ ابْن عدي: إسمه يحيى وقتيبة لقب غلب عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: إسمه عَليّ بن سعيد بن جميل البغلاني مَنْسُوب إِلَى بغلان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة، قَرْيَة من قرى بَلخ. وَقيل: إِن جده كَانَ مولى للحجاج بن يُوسُف، فَهُوَ ثقفي، مَوْلَاهُم، وكنيته أَبُو رَجَاء. روى عَن مَالك وَغَيره عَن أَئِمَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: روى عَنهُ أَحْمد وَأَصْحَاب الْكتب السِّتَّة. قلت: روى عَنهُ يحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وروى النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن بكير البرْسَانِي: كَانَ ثبتا صَاحب حَدِيث وَسنة. وَقَالَ الْأَثْرَم: أثنى عَلَيْهِ أَحْمد. وَقَالَ يحيى وَالنَّسَائِيّ: ثِقَة وَكَانَ كثير المَال كَمَا كَانَ كثير الحَدِيث توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد السمسمار: سمعته يَقُول: ولدت ببلخ يَوْم الْجُمُعَة، حِين تَعَالَى النَّهَار، لست مضين من رَجَب سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَقَالَ الْحَاكِم فِي (تَارِيخ نيسابور) : مَاتَ فِي ثَانِي رَمَضَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: يزِيد بن أبي حبيب الْمصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو الْخَيْر مرْثَد بِفَتْح الْمِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَكلهمْ قد تقدمُوا. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مصريون مَا خلا قُتَيْبَة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاّء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَنه أخرجه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَأخرجه فِيمَا مضى عَن: عَمْرو بن خَالِد عَن لَيْث عَن يزِيد عَن أبي الْخَيْر عَن عبد الله بن عَمْرو، وَهَهُنَا: عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث إِلَخ بِعَين هَؤُلَاءِ، وَنبهَ بذلك على الْمُغَايرَة بَين شيخيه اللَّذين حَدَّثَاهُ عَن اللَّيْث، وَهِي تشعر بتكثير الطّرق. وَقد علم أَنه لَا يُعِيد الحَدِيث الْوَاحِد فِي موضِعين على صُورَة وَاحِدَة، على أَنه بوب بِهِ هُنَاكَ على أَن: الْإِطْعَام من الْإِسْلَام، وَهَهُنَا على أَن: السَّلَام من الْإِسْلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَانَ يَكْفِيهِ أَن يَقُول ثمَّة أَو هَهُنَا بَاب الاطعام وَالسَّلَام من الْإِسْلَام، بِأَن يدخلهما فِي سلك وَاحِد، وَيتم الْمَطْلُوب. قلت: لَعَلَّ عَمْرو بن خَالِد ذكره فِي معرض بَيَان أَن الْإِطْعَام مِنْهُ، وقتيبة فِي بَيَان أَن الْإِسْلَام مِنْهُ، فَلذَلِك ميزهما، مضيفا إِلَى كل راوٍ قَصده فِي رِوَايَته. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَيْسَ بطائل، لِأَنَّهُ يبْقى السُّؤَال بِحَالهِ إِذْ لَا يمْتَنع مَعَه أَن يجمعهما المُصَنّف، وَلَو كَانَ سمعهما مفترقين. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه لَيْسَ بطائل، وَهُوَ جَوَاب حسن، ويندفع السُّؤَال بِهِ، وَلَو كَانَ المُصَنّف جَمعهمَا لَكَانَ تغييرا لما أفرده كل وَاحِد من شيخيه، وَلم يرد تَغْيِير ذَلِك، فَلذَلِك ميزهما بالبابين. فَافْهَم وَبَاقِي الْكَلَام ذَكرْنَاهُ، فِيمَا مضى، مُسْتَوفى. 21 - (بابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن: الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله هُوَ: أَن الْمَذْكُور فِي الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة هُوَ أُمُور الْإِيمَان، وَالْكفْر ضِدّه، والمناسبة بَينهمَا من جِهَة التضاد، لِأَن الْجَامِع بَين الشَّيْئَيْنِ على أَنْوَاع: عَقْلِي: بِأَن يكون بَينهمَا اتِّحَاد فِي التَّصَوُّر أَو تماثل أَو تضايف، كَمَا بَين الْأَقَل وَالْأَكْثَر، والعلو والسفل. و: وهمي: بِأَن يكون بَين تصور الشَّيْئَيْنِ شبه تماثل، كلوني بَيَاض وصفرة، أَو تضَاد كالسواد وَالْبَيَاض، وَالْإِيمَان وَالْكفْر، وَشبه تضَاد: كالسماء وَالْأَرْض، و: خيالي: بِأَن يكون بَينهمَا تقارن فِي الخيال، وأسبابه مُخْتَلفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَلم أر شارحا ذكر وَجه الْمُنَاسبَة هَهُنَا كَمَا يَنْبَغِي، وَقَالَ بعض الشَّارِحين: أرْدف البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب بِالَّذِي قبله لينبه على أَن الْمعاصِي تنقص الْإِيمَان وَلَا تخرج إِلَى الْكفْر الْمُوجب للخلود فِي النَّار، لأَنهم ظنُّوا أَنه الْكفْر بِاللَّه، فأجابهم أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، أَرَادَ كفرهن حق أَزوَاجهنَّ، وَذَلِكَ لَا محَالة نقص من إيمانهن، لِأَنَّهُ يزِيد بشكرهن العشير وبأفعال الْبر، فَظهر بِهَذَا أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، وَأَنه قَول وَعمل. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الحَدِيث، أَرَادَ بِهِ حَدِيث الْبَاب أَنْوَاع من الْعلم: مِنْهَا مَا ترْجم لَهُ، وَهُوَ أَن الْكفْر قد يُطلق على غير الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى؛ وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي شَرحه: مُرَاد المُصَنّف أَن يبين أَن الطَّاعَات كَمَا تسمى إِيمَانًا كَذَلِك الْمعاصِي تسمى كفرا، لَكِن حَيْثُ يُطلق عَلَيْهَا الْكفْر لَا يُرَاد بِهِ الْكفْر الْمخْرج عَن الْملَّة، وَهَذَا كَمَا ترى لَيْسَ فِي كَلَام وَاحِد مِنْهُم مَا يَلِيق بِوَجْه
الْمُنَاسبَة، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا الْبَاب، وَالَّذِي بعده من الْأَبْوَاب الْأَرْبَعَة، عقيب بَاب قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: (الدّين النَّصِيحَة لله) . إِلَخ بعد الْفَرَاغ من ذكر الْأَبْوَاب الَّتِي فِيهَا أُمُور الْإِيمَان رِعَايَة للمناسبة الْكَامِلَة. الْوَجْه الثَّانِي: فِي الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى: فَقَوله: (بَاب) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان كفران العشير وَبَيَان كفر دون كفر. وَقَوله: (وَكفر) ، عطف على كفران. وَقَوله: (دون كفر) كَلَام إضافي فِي صفته، وَدون، نصب على الظّرْف، و: الكفران، مصدر كالكفر، وَالْفرق بَينهمَا أَن الْكفْر فِي الدّين، والكفران فِي النِّعْمَة. وَفِي (الْعباب) : الْكفْر نقيض الْإِيمَان، وَقد كفر بِاللَّه كفرا، وَالْكفْر أَيْضا جحود النِّعْمَة وَهُوَ ضد الشُّكْر، وَقد كفرها كفورا وكفرانا، وأصل الْكفْر التغطية، وَقد كفرت الشَّيْء أكفره، بالكسرة، كفرا، بِالْفَتْح، أَي: سترته، وكل شَيْء غطى شَيْئا فقد كفره، وَمِنْه: الْكَافِر، لِأَنَّهُ يستر تَوْحِيد الله، أَو نعْمَة الله، وَيُقَال للزارع: الْكَافِر لِأَنَّهُ يُغطي الْبذر تَحت التُّرَاب، و: رماد مكفور، إِذا سفت الرّيح التُّرَاب عَلَيْهِ حَتَّى غطته؛ والعشير: فعيل بِمَعْنى معاشر، كالأكيل بِمَعْنى المؤاكل، من المعاشرة وَهِي المخالطة، وَقيل: الْمُلَازمَة. قَالُوا: المُرَاد هَهُنَا الزَّوْج، يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يعاشر صَاحبه، وَحمله الْبَعْض على الْعُمُوم. والعشير أَيْضا الخليط والصاحب، وَفِي (الْعباب) : العشير: المعاشر، قَالَ الله تَعَالَى: {لبئس الْمولى ولبئس العشير} (الْحَج: 13) والعشير: الزَّوْج. ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور، والعشير: الْعشْر، كَمَا يُقَال لِلنِّصْفِ: نصيف، وللثلث: ثليث، وللسدس: سديس. والعشير فِي حِسَاب مساحة الأَرْض: عشر القفيز، والقفيز: عشر الجريب، وَالْعشيرَة: الْقَبِيلَة، والمعشر: الْجَمَاعَة. قَوْله: (وَكفر دون كفر) أَشَارَ بِهِ إِلَى تفَاوت الْكفْر فِي مَعْنَاهُ، أَي: وَكفر أقرب من كفر، كَمَا يُقَال: هَذَا دون ذَلِك، أَي: أقرب مِنْهُ. وَالْكفْر الْمُطلق هُوَ الْكفْر بِاللَّه، وَمَا دون ذَلِك يقرب مِنْهُ، وَتَحْقِيق ذَلِك مَا قَالَه الْأَزْهَرِي: الْكفْر بِاللَّه أَنْوَاع: إِنْكَار، وجحود، وعناد، ونفاق. وَهَذِه الْأَرْبَعَة من لقى الله تَعَالَى بِوَاحِد مِنْهَا لم يغْفر لَهُ. فَالْأول: أَن يكفر بِقَلْبِه وَلسَانه، وَلَا يعرف مَا يذكر لَهُ من التَّوْحِيد، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم} (الْبَقَرَة: 6) الْآيَة أَي: الَّذين كفرُوا بِالتَّوْحِيدِ وأنكروا مَعْرفَته. وَالثَّانِي: أَن يعرف بِقَلْبِه وَلَا يقر بِلِسَانِهِ، وَهَذَا ككفر إِبْلِيس وبلعام وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت. وَالثَّالِث: أَن يعرف بِقَلْبِه ويقر بِلِسَانِهِ، ويأبى أَن يقبل الْإِيمَان بِالتَّوْحِيدِ ككفر أبي طَالب. وَالرَّابِع: أَن يقر بِلِسَانِهِ وَيكفر بِقَلْبِه ككفر الْمُنَافِقين. قَالَ الْأَزْهَرِي: وَيكون الْكفْر بِمَعْنى الْبَرَاءَة، كَقَوْلِه تَعَالَى، حِكَايَة عَن الشَّيْطَان: {إِنِّي كفرت بِمَا أشركتمون من قبل} (إِبْرَاهِيم: 22) أَي: تبرأت. قَالَ: وَأما الْكفْر الَّذِي هُوَ دون مَا ذكرنَا، فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بِلِسَانِهِ، ويعتقد ذَلِك بِقَلْبِه، لكنه يرتكب الْكَبَائِر من الْقَتْل، وَالسَّعْي فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ، ومنازعة الْأَمر أَهله، وشق عَصا الْمُسلمين وَنَحْو ذَلِك انْتهى. وَقد أطلق الشَّارِع الْكفْر على مَا سوى الْأَرْبَعَة، وَهُوَ: كفران الْحُقُوق وَالنعَم، كَهَذا الحَدِيث وَنَحْوه، وَهَذَا مُرَاده من قَوْله: (وَكفر دون كفر) وَفِي بعض الْأُصُول: وَكفر بعد كفر، وَهُوَ بِمَعْنى الأول. فِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. أَي: فِي الْبَاب يرْوى حَدِيث عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، هَذِه رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: فِيهِ أَبُو سعيد، أَي: يدْخل فِي الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب لَهُ طَرِيق غير الطَّرِيق الَّتِي سَاقهَا هَهُنَا، وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيث أبي سعيد فِي الْحيض وَغَيره من طَرِيق عِيَاض بن عبد الله عَنهُ، وَفِيه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للنِّسَاء: (تصدقن فَإِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرِيد بذلك حَدِيث أبي سعيد: (لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس) . قلت: هَذَا بعيد، وَمرَاده مَا ذَكرْنَاهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله: (وتكفرن العشير) . كَذَا فِي حَدِيث أبي سعيد، وترجمة الْبَاب بِهَذِهِ اللَّفْظَة، وَلَا يُنَاسب التَّرْجَمَة إلاَّ حديثاهما، فَافْهَم. 29 - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيتُ النَّارَ فَإذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النَّسَاءُ يَكْفُرْنَ قِيلَ
أيَكْفُرْنَ باللَّهِ قالَ يَكْفُرَن العَشِيرَ ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ لَوْ أحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهرَ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئا قَالَتْ مَا رَأيْتُ مِنْكَ خَيْرا قَطُّ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي كفران العشير وَإِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي الْمدنِي، وَقد تقدم ذكره. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس، وَقد تقدم ذكره أَيْضا، الثَّالِث: أَبُو أُسَامَة زيد بن أسلم الْقرشِي الْعَدوي، مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ، روى عَن أَبِيه وَعبد الله بن عمر وَأنس وَجَابِر وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَعَطَاء بن يسَار وَغَيرهم، روى عَنهُ مَالك وَالزهْرِيّ وَمعمر وَأَيوب وَيحيى وَعبد الله بن عمر وَالثَّوْري وَبَنوهُ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَأُسَامَة وَغَيرهم. قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، توفّي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، القَاضِي الْمدنِي الْهِلَالِي، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا، أَخُو سُلَيْمَان وَعبد الْملك وَعبد الله، سمع أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَغَيرهم، وروى عَنهُ عَمْرو بن دِينَار وَزيد بن أسلم وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث. وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة: هُوَ ثِقَة توفّي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَة، وَقيل: أَربع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا. بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء كبار. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هَهُنَا: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهُوَ طرف من حَدِيث طَوِيل أوردهُ فِي بَاب: صَلَاة الْكُسُوف بِهَذَا الاسناد تَاما، وَأخرجه فِي الصَّلَاة فِي بَاب: من صلى وقدامه نَار بِهَذَا الاسناد بِعَيْنِه، وَأخرجه فِي بَدْء الْخلق فِي ذكر الشَّمْس وَالْقَمَر عَن شيخ غير القعْنبِي مُقْتَصرا على مَوضِع الْحَاجة، وَأخرجه فِي عشرَة النِّسَاء عَن شيخ غَيرهمَا عَن مَالك أَيْضا. وَأخرجه فِي كتاب الْعلم عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن أَيُّوب عَن ابْن عَبَّاس. وَأخرجه مُسلم فِي الْعِيدَيْنِ عَن أبي بكر وَابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب، وَعَن أبي رَافع بن أبي رِفَاعَة عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج كِلَاهُمَا عَن عَطاء، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر أَيْضا، وَأَخْرَجَاهُ من حَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ أَيْضا. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة تقطيع هَذَا الحَدِيث وَإِخْرَاج طرف مِنْهُ هَهُنَا، ثمَّ إِخْرَاجه تَاما فِي مَوضِع آخر بِعَين الْإِسْنَاد الَّذِي هَهُنَا؟ قلت: مذْهبه جَوَاز تقطيع الحَدِيث إِذا كَانَ مَا يقطعهُ مِنْهُ لَا يسْتَلْزم فَسَاد الْمَعْنى، وغرضه من ذَلِك تنويع الْأَبْوَاب، وَرُبمَا يتَوَهَّم من لَا يحفظ الحَدِيث، وَلَا لَهُ كَثْرَة الممارسة فِيهِ، أَن الْمُخْتَصر حَدِيث مُسْتَقل بِذَاتِهِ، وَلَيْسَ بعض غَيره، لَا سِيمَا إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْمُخْتَصر من أثْنَاء الحَدِيث التَّام كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِن أَوله هُنَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (أريت النَّار) إِلَى آخر مَا ذكر مِنْهُ، وَأول التَّام عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (خسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، فَذكر قصَّة صَلَاة الْكُسُوف، ثمَّ خطْبَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفيهَا الْقدر الْمَذْكُور هُنَا، وَكثير مِمَّن يعد أَحَادِيث البُخَارِيّ يظنّ أَن مثل هَذَا الحَدِيث حديثان أَو أَكثر لاخْتِلَاف ابْتِدَاء الحَدِيث، فَمن ذَلِك قَالُوا عدَّة أَحَادِيثه بِغَيْر تكْرَار أَرْبَعَة آلَاف أَو نَحْوهَا، وَكَذَا ذكر ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ وَمن بعدهمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِذا حرر ذَلِك لَا يزِيد على ألفي حَدِيث وَخَمْسمِائة حَدِيث وَثَلَاثَة عشر حَدِيثا. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (أريت) ؛ بِضَم الْهمزَة، من الرُّؤْيَة الَّتِي بِمَعْنى التبصير. قَوْله: (العشير) قد مر تَفْسِيره، قَوْله: (الْإِحْسَان) ، مصدر أحسن، يُقَال: أَحْسَنت بِهِ وأحسنت إِلَيْهِ إِذا فعلت مَعَه جميلاً، وَأَصله من الْحسن خلاف الْقبْح. قَوْله: (الدَّهْر) ، هُوَ الزَّمَان، وَالْجمع: الدهور، وَيُقَال: الدَّهْر: الْأَبَد، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الدَّهْر عِنْد الْعَرَب يَقع على بعض الدَّهْر الأطول، وَيَقَع على مُدَّة الدُّنْيَا كلهَا. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قَالَ قوم: الدَّهْر مُدَّة الدُّنْيَا من ابتدائها إِلَى انْقِضَائِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بل دهر كل قوم زمانهم. قَوْله: (قطّ) ، لتأكيد نفي الْمَاضِي، وفيهَا لُغَات: فتح الْقَاف وَضمّهَا مَعَ تَشْدِيد الطَّاء المضمومة فيهمَا، وبفتحهما مَعَ تَشْدِيد الطَّاء الْمَكْسُورَة، وبالفتح مَعَ إسكان الطَّاء، وبالفتح بِكَسْر الطَّاء المخففة. قَالَ الْجَوْهَرِي: قَالَ الْكسَائي: كَانَ أَصْلهَا: قطط، فسكن الأول وحرك الآخر بإعرابه، ثمَّ قَالَ بعد حكايته: فِيهَا لُغَات مِنْهَا عَن بَعضهم: قطّ وقط بِالتَّخْفِيفِ، وَزَاد القَاضِي: قطّ
بِكَسْر الْقَاف مَعَ التَّخْفِيف، هَذَا كُله إِذا كَانَت زمنية أما إِذا كَانَت بِمَعْنى: حسب، وَهُوَ: الِاكْتِفَاء، فَهِيَ مَفْتُوحَة سَاكِنة الطَّاء، تَقول: رَأَيْته مرّة وَاحِدَة فَقَط. قَالَ القَاضِي: وَقد يكون هَذَا للتقليل أَيْضا. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أريت) : على صِيغَة الْمَجْهُول بِمَعْنى أَبْصرت، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ هُوَ الْقَائِم مقَام الْمَفْعُول الأول. وَقَوله: (النَّار) هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. قَوْله: (فَرَأَيْت) عطف على: (أريت) . وَقَوله: (أَكثر أَهلهَا) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أول لرأيت. وَقَوله (النِّسَاء) بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ مفعول ثَان وَفِي بعض الرِّوَايَات: (رَأَيْت النَّار أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) بِدُونِ قَوْله: (فَرَأَيْت) ، فعلى هَذَا: أريت، بِمَعْنى: أعلمت، فالتاء مَفْعُوله الأول نَائِب عَن الْفَاعِل، وَالنَّار مَفْعُوله الثَّانِي، وَالنِّسَاء مَفْعُوله الثَّالِث. وَقَوله: (أَكثر أَهلهَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ بدل من النَّار، وَيجوز رفع أَكثر على أَنه مُبْتَدأ، وَالنِّسَاء بِالرَّفْع أَيْضا خَبره، وَالْجُمْلَة تكون حَالا بِدُونِ الْوَاو، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: 36، والأعراف: 24) وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا: (فَإِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار، فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ جزلة: وَمَا لنا يَا رَسُول الله أَكثر أهل النَّار؟ قَالَ: تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير، مَا رَأَيْت من ناقصات عقل وَدين) . الحَدِيث فَقَوله: أَكثر، بِالنّصب إِمَّا على الْمَفْعُول، أَو على الْحَال على مَذْهَب ابْن السراج وَأبي عَليّ الْفَارِسِي وَغَيرهمَا مِمَّن قَالَ: إِن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، وَقيل: هُوَ بدل من الْكَاف فِي: رأيتكن، وَقَوْلها: وَمَا لنا أَكثر أهل النَّار؟ قَالَ النَّوَوِيّ: نصب أَكثر على الْحِكَايَة. قَوْله: (يكفرن) بياء المضارعة، جملَة استئنافية، وَالتَّقْدِير: هن يكفرن، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سَائل سَأَلَ: يَا رَسُول الله لِمَ؟ وَجَاء بكفرهن بِالْبَاء السَّبَبِيَّة الْمُتَعَلّقَة بقول أَكثر، أَو بِفعل الرُّؤْيَة. قَوْله: (أيكفرن بِاللَّه) ؟ الْهمزَة للاستفهام وَهَذَا الاستفسار دَلِيل على أَن لفظ الْكفْر مُجمل بَين الْكفْر بِاللَّه وَالْكفْر الَّذِي للعشير، وَنَحْوه. قَوْله: (قَالَ) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (يكفرن العشير) أَي: هن يكفرن العشير. وَقَوله: (يكفرن) جملَة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية (والعشير) نصب على المفعولية. وَقَوله: (ويكفرن الاحسان) عطف على الْجُمْلَة الأولى. فَإِن قلت: كَيفَ عدى: يكفرن، بِالْيَاءِ فِي قَوْله: (أيكفرن بِاللَّه) ؟ وَلم يعديها فِي قَوْله: (يكفرن العشير) ؟ قلت: لَان فِي الأول يتَضَمَّن معنى الِاعْتِرَاف بِخِلَاف الثَّانِي. فَإِن قلت: مَا كفران العشير وَمَا كفران الاحسان؟ قلت: كفران العشير لَيْسَ لذاته، بل الكفران لَهُ هُوَ الكفران لإحسانه، فالجملة الثَّانِيَة فِي الْحَقِيقَة بَيَان للجملة الأولى. فَإِن قلت: مَا الْألف وَاللَّام فِي العشير؟ قلت: للْعهد إِن فسر العشير بِالزَّوْجِ، وللجنس أَو الاستغرق إِن فسر بالمعاشر مُطلقًا. فَإِن قلت: أَيهَا الأَصْل فِي اللَّام؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْجِنْس هُوَ الْحَقِيقَة، فَيحمل عَلَيْهَا إلاَّ إِذا دلّت قرينَة على التَّخْصِيص والتعميم فتتبع الْقَرِينَة حِينَئِذٍ، وَهَذَا حكم عَام لهَذِهِ فِي جَمِيع الْمَوَاضِع، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن أصل اللَّام للْعهد، وَقد عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (لَو أَحْسَنت) وَفِي بعض النّسخ: (إِن أَحْسَنت) . فَإِن قلت: لَو لِامْتِنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره، فَكيف صَحَّ هُنَا هَذَا الْمَعْنى؟ قلت: لَو هُنَا بِمَعْنى: إِن، يَعْنِي لمُجَرّد الشّرطِيَّة، وَمثله كثير. وَيحْتَمل أَن يكون من قبيل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) بِأَن يكون الحكم ثَابتا على النقيضين، والطرف الْمَسْكُوت عَنهُ أولى من الْمَذْكُور. قَوْله: (أَحْسَنت) لَيْسَ الْخطاب فِيهِ لأحد بِعَيْنِه، وَإِنَّمَا مُرَاده بِهَذَا كل من يَأْتِي مِنْهُ أَن يكون مُخَاطبا بِهِ. فَإِن قلت: أصل وضع الضَّمِير أَن يكون مُسْتَعْملا لمُعين مشخص. قلت: نعم، لَكِن هَذَا على سَبِيل التَّجَوُّز: فَإِن قلت: لَو لم يكن عَاما لما جَازَ اسْتِعْمَاله فِي كل مُخَاطب كزيد مثلا حَقِيقَة؟ قلت: عَام بِاعْتِبَار أَمر عَام لِمَعْنى خَاص، بِخِلَاف الْعلم، فَإِنَّهُ خَاص بالاعتبارين. وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن اللَّفْظ قد يوضع وضعا عَاما لأمور مَخْصُوصَة، كاسم الْإِشَارَة فَإِنَّهُ وضع بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْعَام الَّذِي هُوَ الْإِشَارَة الحسية للخصوصيات الَّتِي تَحْتَهُ، أَي لكل وَاحِد مِمَّا يشار إِلَيْهِ، وَلَا يُرَاد بِهِ عِنْد الِاسْتِعْمَال الْعُمُوم على سَبِيل الْحَقِيقَة، وَقد يوضع وضعا عَاما الْمَوْضُوع لَهُ عَام، نَحْو: الرجل، فَلَا يُرَاد بِهِ خَاص حَقِيقَة، وَهُوَ عكس الأول. وَقد يوضع وضعا خَاصّا لموضوع لَهُ خَاص، نَحْو: الْعلم كزيد وَنَحْوه والمضمرات من الْقسم الأول فَإِن أُرِيد بالضمير فِي: أَحْسَنت، مُخَاطب معِين، كَانَ حَقِيقَة وإلاَّ كَانَ مجَازًا، وَمثله قَوْله تَعَالَى: {وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسوا رؤوسهم} (السَّجْدَة: 12) قَوْله: (الدَّهْر) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (ثمَّ رَأَتْ) جملَة معطوفة على مَا قبلهَا، وَقد علم أَن فِي: ثمَّ، معنى المهلة والتراخي. قَوْله: (شَيْئا) نصب على أَنه مفعول: رَأَتْ، أَي شَيْئا قَلِيلا لَا يُوَافق مزاجها، أَو شَيْئا حَقِيرًا لَا يعجبها، فَحِينَئِذٍ التَّنْوِين فِيهِ للتقليل أَو التحقير. قَوْله: (خيرا) مفعول مَا رَأَيْت.
- (باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية وقول الله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به
بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان فِيهِ: حذف الْفَاعِل لكَونه مُتَعَيّنا للْفِعْل أَو لشهرته، وَهُوَ فِي قَوْله: (أريت) إِذْ أَصله: أَرَانِي الله النَّار، وَفِيه: الْجُمْلَة الاستئنافية الَّتِي تدل على السُّؤَال وَالْجَوَاب، وَهُوَ قَوْله: (يكفرن) . وَقَالَ بعض الشَّارِحين: هَذَا جَوَاب سُؤال مَذْكُور فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِي كتاب الْكُسُوف، التَّقْدِير: فَبِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: يكفرن، أَي: هن يكفرن. وَفِيه: ترك الْمعِين إِلَى غير الْمعِين ليعم كل مُخَاطب، وَهُوَ قَوْله: لَو أَحْسَنت كَمَا فِي قَوْله: (بشر الْمَشَّائِينَ فِي ظلم اللَّيْل إِلَى الْمَسَاجِد بِالنورِ التَّام يَوْم الْقِيَامَة) وَفِيه: أَن التنكير فِيهِ للتحقير، كَمَا فِي قَوْله: (شَيْئا) ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {ان نظن إِلَّا ظنا} (الجاثية: 32) [/ ح. بَيَان استنباط الْفَوَائِد: مِنْهَا: تَحْرِيم كفران الْحُقُوق وَالنعَم إِذْ لَا يدْخل النَّار إلاَّ بارتكاب حرَام. وَقَالَ النَّوَوِيّ: توعُدُه على كفران العشير وكفران الْإِحْسَان بالنَّار يدل على أَنَّهُمَا من الْكَبَائِر. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دَلِيل على أَن العَبْد يعذب على جحد الاحسان وَالْفضل وشكر النعم. قَالَ: وَقد قيل: إِن شكر الْمُنعم وَاجِب. وَمِنْهَا: الدّلَالَة على عظم حق الزَّوْج، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا) . وَلأَجل هَذَا الْمَعْنى خص كفران العشير من بَين أَنْوَاع الذُّنُوب، وَقرن فِيهِ حق الزَّوْج على الزَّوْجَة بِحَق الله، فَإِذا كفرت الْمَرْأَة حق زَوجهَا، وَقد بلغ حَقه عَلَيْهَا هَذِه الْغَايَة، كَانَ ذَلِك دَلِيلا على تهاونها بِحَق الله، فَلذَلِك أطلق عَلَيْهَا الْكفْر، لكنه كفر لَا يخرج عَن الْملَّة. وَمِنْهَا: فِيهِ وعظ الرئيس المرؤوس وتحريضه على الطَّاعَة. وَمِنْهَا: فِيهِ مُرَاجعَة المتعلم الْعَالم، وَالتَّابِع الْمَتْبُوع فِيمَا قَالَه إِذا لم يظْهر لَهُ مَعْنَاهُ. وَمِنْهَا: فِيهِ أَن النَّار، أَي: جَهَنَّم الَّتِي هِيَ دَار عَذَاب الْآخِرَة مخلوقة الْيَوْم، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة. وَمِنْهَا: فِيهِ الدّلَالَة على جَوَاز إِطْلَاق الْكفْر على كفر النِّعْمَة وَجحد الْحق. وَمِنْهَا: فِيهِ التَّنْبِيه على أَن الْمعاصِي تنقص الْإِيمَان وَلَا تخرج إِلَى الْكفْر الْمُوجب للخلود فِي النَّار لأَنهم ظنُّوا أَنه الْكفْر بِاللَّه، فأجابهم عَلَيْهِ السَّلَام بِأَنَّهُ أَرَادَ كفرهم حق أَزوَاجهنَّ. وَمن فَوَائِد حَدِيث مُسلم: أَن اللَّعْن من الْمعاصِي. قَالَ النَّوَوِيّ، رَحمَه الله: فِيهِ أَنه كَبِيرَة فَإِن قَالَ: تكثرن اللَّعْن، وَالصَّغِيرَة إِذا كثرت صَارَت كَبِيرَة، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: (لعن الْمُؤمن كقتله) . قَالَ: وَاتفقَ الْعلمَاء على تَحْرِيم اللَّعْن، وَلَا يجوز لعن أحد بِعَيْنِه، مُسلما أَو كَافِرًا أَو دَابَّة، إلاَّ بِعلم بِنَصّ شَرْعِي أَنه مَاتَ على الْكفْر، أَو يَمُوت عَلَيْهِ، كَأبي جهل وإبليس عَلَيْهِمَا اللَّعْنَة، واللعن بِالْوَصْفِ لَيْسَ بِحرَام: كلعن الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة، وآكل الرِّبَا وشبههم. واللعن فِي اللُّغَة: الطَّرْد والإبعاد. وَفِي الشَّرْع: الإبعاد من رَحْمَة الله تَعَالَى. قَوْله: (ناقصات عقل) ، اخْتلفُوا فِي الْعقل، فَقيل: هُوَ الْعلم، لِأَن الْعقل وَالْعلم فِي اللُّغَة وَاحِد، وَلَا يفرقون بَين قَوْلهم: عقلت وَعلمت، وَقيل: الْعقل بعض الْعُلُوم الضرورية، وَقيل: قُوَّة يُمَيّز بهَا بَين حقائق المعلومات. وَاخْتلفُوا فِي مَحَله، فَقَالَ المتكلمون هُوَ فِي الْقلب. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: هُوَ فِي الرَّأْس، وَالله تَعَالَى أعلم. 22 - (بَاب المَعَاصِي مِنْ أمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكابِهَا إلاَّ بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِليَّةٌ وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {إنّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه: الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر، لِأَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول كفران العشير، وَهُوَ أَيْضا من جملَة الْمعاصِي. الثَّانِي: يجوز فِي بَاب التَّنْوِين وَالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده، لِأَن قَوْله: (الْمعاصِي) مُبْتَدأ، وَقَوله: (من أَمر الْجَاهِلِيَّة) ، خَبره وعَلى كل تَقْدِير تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْمعاصِي من أُمُور الْجَاهِلِيَّة. الثَّالِث: وَجه التَّرْجَمَة هُوَ الرَّد على الرافضة والأباضية وَبَعض الْخَوَارِج فِي قَوْلهم: إِن المذنبين من الْمُؤمنِينَ مخلدون فِي النَّار بِذُنُوبِهِمْ، وَقد نطق الْقُرْآن بتكذيبهم فِي مَوَاضِع، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: 48 و 116) الْآيَة. الرَّابِع: قَوْله: (الْمعاصِي) ، جمع مَعْصِيّة، وَهِي مصدر ميمي. وَفِي (الصِّحَاح) وَقد عَصَاهُ، بِالْفَتْح، يعصيه عصيا ومعصية. وَفِي الشَّرْع: هُوَ مُخَالفَة الشَّارِع بترك وَاجِب أَو فعل محرم، وَهُوَ أَعم من الْكَبَائِر والصغائر. و: (الْجَاهِلِيَّة) : زمَان الفترة قبل الْإِسْلَام، سميت بذلك لِكَثْرَة جهالاتهم. قَوْله (وَلَا يكفر) ، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة، أَي: لَا ينْسب إِلَى الْكفْر، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْقَاف. قَوْله: (بارتكابها) أَي: بارتكاب الْمعاصِي، وَأَرَادَ بالارتكاب الِاكْتِسَاب
والاتيان بهَا عِنْده، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا فِي حَدِيث أبي ذَر من قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: 48 و 116) الْآيَة. أما وَجه الِاسْتِدْلَال بِمَا فِي الحَدِيث فَهُوَ أَنه قَالَ لَهُ: فِيك جَاهِلِيَّة يَعْنِي: أَنَّك فِي تعيير أمه على خلق من أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة وَلست جَاهِلا مَحْضا، وَكَانَ أَبُو ذَر قد عير الرجل بِأُمِّهِ، على مَا يَجِيء بَيَانه عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ نوع من الْمعْصِيَة. وَلَو كَانَ مرتكب الْمعْصِيَة يكفر لبين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي ذَر، وَلم يكتف بقوله فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِ: (إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة) . وَأما الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ فَظَاهر صَرِيح، وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. وَأما عِنْد الْخَوَارِج: فالكبيرة مُوجبَة للكفر، وَعند الْمُعْتَزلَة مُوجبَة للمنزلة بَين المنزلتين صَاحبهَا لَا مُؤمن وَلَا كَافِر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَفْهُوم من الْآيَة أَن مرتكب الشّرك لَا يغْفر لَهُ لَا أَنه يكفر، والترجمة إِنَّمَا هِيَ فِي الْكفْر لَا فِي الغفر. قلت: الْكفْر وَعدم الغفر عندنَا متلازمان؛ نعم، عِنْد الْمُعْتَزلَة صَاحب الْكَبِيرَة الَّذِي لم يتب مِنْهَا غير مغْفُور لَهُ، بل يخلد فِي النَّار. فِي الْكَلَام لف وَنشر، وَمذهب أهل الْحق على أَن من مَاتَ موحدا لَا يخلد فِي النَّار وَإِن ارْتكب من الْكَبَائِر غير الشّرك مَا ارْتكب، وَقد جَاءَت بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، مِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (وَإِن زنى وَإِن سرق) ، وَالْمرَاد بِهَذِهِ الْآيَة: من مَاتَ على الذُّنُوب من غير تَوْبَة، وَلَو كَانَ المُرَاد: من تَابَ قبل الْمَوْت، لم يكن للتفرقة بَين الشّرك وَغَيره معنى، إِذْ التائب من الشّرك قبل الْمَوْت مغْفُور لَهُ، وَيُقَال: المُرَاد بالشرك فِي هَذِه الْآيَة الْكفْر، لِأَن من جحد نبوة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثلا كَانَ كَافِرًا وَلَو لم يَجْعَل مَعَ الله، إلاها آخر، وَالْمَغْفِرَة منتفية عَنهُ بِلَا خلاف، وَقد يرد الشّرك وَيُرَاد بِهِ مَا هُوَ أخص من الْكفْر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين} (الْبَيِّنَة: 1) قَوْله: (إلاَّ بالشرك) ، أَي: إلاَّ بارتكاب الشّرك، حَتَّى يَصح الِاسْتِثْنَاء من الارتكاب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ بارتكابها احْتِرَازًا من اعتقادها، لِأَنَّهُ لَو اعْتقد حل بعض الْمُحرمَات الْمَعْلُومَة من الدّين ضَرُورَة كَالْخمرِ كفر بِلَا خلاف. الْخَامِس: سَبَب نزُول الْآيَة قَضِيَّة الوحشي قَاتل حَمْزَة، رَضِي الله عَنهُ، على مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أَتَى وَحشِي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّد! أَتَيْتُك مستجيرا فأجرني حَتَّى أسمع كَلَام الله، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (قد كنت أحب أَن أَرَاك على غير جوَار، فَأَما إِذا أتيتني مستجيرا فَأَنت فِي جواري حَتَّى تسمع كَلَام الله. قَالَ: فَإِنِّي أشركت بِاللَّه، وَقتلت النَّفس الَّتِي حرم الله، وزنيت فَهَل يقبل الله تَعَالَى مني تَوْبَة؟ فَصمت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى أنزلت: {وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ} (الْفرْقَان: 68) إِلَى آخر الْآيَة فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أرى شرطا فلعلي لَا أعمل صَالحا، أَنا فِي جوارك حَتَّى أسمع كَلَام الله، فَنزلت: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء} (النِّسَاء: 48 و 116) فَدَعَا بِهِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: لعَلي مِمَّن لَا يَشَاء الله؟ أَنا فِي جوارك حَتَّى أسمع كَلَام الله، فَنزلت: {يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله} (الزمر: 53) فَقَالَ: نعم الْآن لَا أرى شرطا، فَأسلم) . 30 - حدّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ واصِلٍ الأحْدَبِ عَنِ المَعْرُورِ قَالَ لَقِيتُ أبَا ذَرّ بالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فقالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بأمِّهِ فَقالَ لِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أَبَا ذَرٍّ أعَيَّرتَهُ بِأُمِّهِ إنْكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إخْوَانُكُمْ خَولُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمَنْ كانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَس وَلا تُكِلِّفُوهمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإنّ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن التَّبْوِيب على جُزْء مِنْهُ، وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ من الحَدِيث الرَّد على الْخَوَارِج فِي قَوْلهم: المذنب من الْمُؤمنِينَ مخلد فِي النَّار، كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة {وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء} (النِّسَاء: 48 و 116) وَالْمرَاد بِهِ: من مَاتَ على الذُّنُوب، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي ثُبُوت غَرَض البُخَارِيّ مِنْهُ الرَّد عَلَيْهِم دغدغة، إِذْ لَا نزاع لَهُم فِي أَن الصَّغِيرَة لَا يكفر صَاحبهَا، والتعيير بِنَحْوِ: يَا ابْن السَّوْدَاء، صَغِيرَة. قلت: يُشِير الْكرْمَانِي بِكَلَامِهِ هَذَا إِلَى عدم
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ مُطَابق لِأَن التعيير بِالْأُمِّ أَمر عَظِيم عِنْدهم، لأَنهم كَانُوا يتفاخرون بالأنساب وَهَذَا ارْتِكَاب مَعْصِيّة عَظِيمَة، وَلِهَذَا أنكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَفْظ يدل على أَشد الْإِنْكَار. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ جهلت وعصيت الله تَعَالَى فِي ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا أَن هَذَا صَغِيرَة، وَلَكِن كَونه صَغِيرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَنْب فَوْقه، وبالنسبة إِلَى مَا دونه كَبِيرَة، لِأَن هَذَا من الْأُمُور النسبية، وَلِهَذَا يجوز أَن يُقَال: سَائِر الذُّنُوب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكفْر صغائر، لِأَنَّهُ لَا ذَنْب أعظم من الْكفْر، وَلَيْسَ فَوْقه ذَنْب، وَمَا دونه مُخْتَلف فِي نَفسه، فَإِن نسب إِلَى مَا فَوْقه فَهُوَ صَغِيرَة، وَإِن نسب إِلَى مَا دونه فَهُوَ كَبِيرَة؛ فَافْهَم. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن حَرْب، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تقدم. الثَّالِث: وَاصل بن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة، الأحدب الْأَسدي الْكُوفِي، وَهَكَذَا وَقع للأصيلي: عَن وَاصل الأحدب، وَلغيره: عَن وَاصل فَقَط، وَوَقع للْبُخَارِيّ فِي الْعتْق: عَن وَاصل الأحدب، مثل مَا وَقع للأصيلي هُنَا؛ سمع الْمَعْرُور وَأَبا وَائِل وشقيقا ومجاهدا وَغَيرهم؛ روى عَنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة ومسعر وَغَيرهم؛ قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق صَالح الحَدِيث. قيل: مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وحيان: أَن أَخذ من الْحِين ينْصَرف، وَإِن أَخذ من الْحَيَاة لَا ينْصَرف. الرَّابِع: الْمَعْرُور، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء الْمُهْملَة، ابْن سُوَيْد أَبُو أُميَّة الْأَسدي الْكُوفِي، وَوَقع فِي الْعتْق: سَمِعت الْمَعْرُور بن سُوَيْد. سمع عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود وَأَبا ذَر، روى عَنهُ وَاصل الأحدب وَالْأَعْمَش، وَقَالَ: رَأَيْته وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة، أسود الرَّأْس واللحية. قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو ذَر، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَتَشْديد الرَّاء، واسْمه جُنْدُب، بِضَم الْجِيم وَالدَّال، وَحكي فتح الدَّال، وَعَن بَعضهم فِيهِ كسر أَوله وَفتح ثالثه، فَكَأَنَّهُ لُغَة من وَاحِد الجنادب الَّذِي هُوَ طَائِر، وَقيل: اسْمه برير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَرَاء مكررة، ابْن جُنْدُب، وَالْمَشْهُور جُنْدُب بن جُنَادَة، بِضَم الْجِيم، بن سُفْيَان بن عبيد بن الوقيعة بن حرَام بن غفار بن مليك بن ضَمرَة بن بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار، الْغِفَارِيّ السَّيِّد الْجَلِيل. وغفار، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة، قَبيلَة من كنَانَة، أسلم قَدِيما. رُوِيَ عَنهُ قَالَ: أَنا رَابِع أَرْبَعَة فِي الْإِسْلَام، وَيُقَال: كَانَ خَامِس خَمْسَة، أسلم بِمَكَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاد قومه. قَامَ بهَا حَتَّى مَضَت بدر وَأحد وَالْخَنْدَق، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة، فصحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى أَن مَاتَ، ومناقبه جمة، وزهده مَشْهُور، وتواضعه وزهده مشبهان فِي الحَدِيث بتواضع عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وزهده. وَمن مذْهبه: أَنه يحرم على الْإِنْسَان ادخار مَا زَاد على حَاجته من المَال. رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِائَتَا حَدِيث وَاحِد وَثَمَانُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على اثْنَي عشر، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين، وَمُسلم بسبعة عشر. روى عَنهُ خلق من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَأنس وَخلق من التَّابِعين، مَاتَ بالربذة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، وَقَضيته فِيهِ مَشْهُورَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسُّؤَال. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ بصريا وواسطيا وكوفيين. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ بَيَان الرَّاوِي مَكَان لقِيه الصَّحَابِيّ وسؤاله عَنهُ عَن لبسه الدَّاعِي ذَلِك إِلَى تحديث الصَّحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هَهُنَا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة، وَأخرجه فِي الْعتْق عَن آدم عَن شُعْبَة عَن وَاصل كِلَاهُمَا عَن الْمَعْرُور، وَأخرجه فِي الْأَدَب عَن عَمْرو بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه. وَأخرجه مُسلم فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر، وَعَن أبي بكر عَن أبي مُعَاوِيَة عَن إِسْحَاق بن يُونُس عَن عِيسَى بن يُونُس، كلهم عَن الْأَعْمَش، وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن وَاصل كِلَاهُمَا عَن الْمَعْرُور، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَلَفظه: (رَأَيْت أَبَا ذَر بالربذة وَعَلِيهِ برد غليظ، وعَلى غُلَامه مثله، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْم: يَا أَبَا ذَر {لَو كنت أخذت الَّذِي على غلامك فَجَعَلته مَعَ هَذَا فَكَانَت حلَّة وكسوت غلامك ثوبا غَيره. فَقَالَ أَبُو ذَر: إِنِّي كنت ساببت رجلا، وَكَانَت أمه أَعْجَمِيَّة، فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا أَبَا ذَر إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة. قَالَ: إِنَّهُم إخْوَانكُمْ فَضلكُمْ الله عَلَيْهِم، فَمن لم يلائمكم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله) وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: (دَخَلنَا على أبي ذَر بالربذة فَإِذا عَلَيْهِ برد وعَلى غُلَامه مثله، فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَر} لَو أخذت برد غلامك إِلَى بردك فَكَانَت حلَّة وَكسوته ثوبا
غَيره، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إخْوَانكُمْ، جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم، فَمن كَانَ لَهُ أخوة تَحت يَده فليطعمه مِمَّا يَأْكُل، وليلبسه مِمَّا يلبس، وَلَا يكلفه مَا يغلبه، فَإِن كلفه مَا يغلبه فليعنه) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَلَفظه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إخْوَانكُمْ جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم، فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه من طَعَامه، وليلبسه من لِبَاسه، وَلَا يكلفه مَا يغلبه فَإِن كلفه مَا يغلبه فليعنه) . بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (بالربذة) ، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة، مَوضِع قريب من الْمَدِينَة، منزل من منَازِل خَارج الْعرَاق، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ثَلَاثَة مراحل، قريب من ذَات عرق. قَوْله: (حلَّة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام، وَهِي إِزَار ورداء، وَلَا يُسمى حلَّة حَتَّى تكون ثَوْبَيْنِ، وَيُقَال: الْحلَّة ثَوْبَان غير لفقين: رِدَاء وَإِزَار، سميا بذلك لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يحل على الآخر. قَوْله: (ساببت) أَي: شاتمت، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (فَعَيَّرْته) بِالْعينِ الْمُهْملَة، أَي نسبته إِلَى الْعَار. وَفِي (الْعباب) الْعَار: السبة وَالْعَيْب، وَمِنْه الْمثل: النَّار وَلَا الْعَار، أَي: اختر النَّار أَو الزمها. وعاره يعيره إِذا عابه، وَهُوَ من الأجوف اليائي، يُقَال: عيرته بِكَذَا، وعيرته كَذَا. قَوْله: (خولكم) بِفَتْح الْوَاو، وخول الرجل: حشمه، الْوَاحِد خايل، وَقد يكون الخول وَاحِدًا وَهُوَ اسْم يَقع على العَبْد وَالْأمة. قَالَ الْفراء: هُوَ جمع: خايل، وَهُوَ الرَّاعِي. وَقَالَ غَيره: هُوَ من التخويل، وَهُوَ التَّمْلِيك وَقيل: الخول الخدم، وَسموا بِهِ لأَنهم يتخولون الْأُمُور، أَي يصلحونها. وَقَالَ القَاضِي: أَي خدمكم وعبيدكم الَّذين يتخولون أُمُوركُم، أَي: يصلحون أُمُوركُم، ويقومون بهَا. يُقَال: خَال المَال يخوله إِذا أحسن الْقيام عَلَيْهِ، وَيُقَال: هُوَ لفظ مُشْتَرك، تَقول خَال المَال وَالشَّيْء يخول، وخلت أخول خولاً إِذا أسست الشَّيْء، وتعاهدته وأحسنت الْقيام عَلَيْهِ، والخايل: الْحَافِظ، وَيُقَال: خايل المَال، وخايل مَال، وخولي مَال، وخوله الله الشَّيْء: أَي ملكه إِيَّاه. قَوْله: (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ) من التَّكْلِيف، وَهُوَ تحميل الشَّخْص شَيْئا مَعَه كلفة، وَقيل: هُوَ الْأَمر بِمَا يشق. قَوْله: (مَا يَغْلِبهُمْ) أَي: مَا يصير قدرتهم فِيهِ مغلوبة، يُقَال: غَلبه غلبا بِسُكُون اللَّام، وغلبا بتحريكها، وَغَلَبَة بإلحاق الْهَاء، وغلابية مثل عَلَانيَة، وَغَلَبَة مثل خرقَة، وغلبي، بِضَمَّتَيْنِ مُشَدّدَة الْبَاء مَقْصُورَة ومغلبة. قَوْله: (فَأَعِينُوهُمْ) من الْإِعَانَة وَهِي المساعدة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (لقِيت) فعل وفاعل، وَأَبا ذَر مَفْعُوله. قَوْله: (بالربذة) فِي مَحل النصب على الْحَال، أَي: لَقيته حَال كَونه بالربذة. وَقَوله: (وَعَلِيهِ حلَّة) ، جملَة إسمية حَال أَيْضا، وَكَذَا قَوْله: (وعَلى غُلَامه حلَّة) . قَوْله: (فَسَأَلته) عطف على قَوْله: (لقِيت أَبَا ذَر) . قَوْله: (ساببت) فعل وفاعل و: (رجلا) مَفْعُوله. قَوْله: (فَعَيَّرْته) ، عطف على (ساببته) . فَإِن قلت: هَذَا عطف الشَّيْء على نَفسه لِأَن التعيير هُوَ نفس السب، وَكَيف تصح الْفَاء بَينهمَا، وَشرط المعطوفين مغايرتهما؟ قلت: هما متغايران بِحَسب الْمَفْهُوم من اللَّفْظ، وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى بِالْفَاءِ التفسيرية، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تُوبُوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم} (الْبَقَرَة: 54) حَيْثُ قَالَ فِي التَّفْسِير: إِن الْقَتْل هُوَ نفس التَّوْبَة. قَوْله: (يَا باذر) أَصله، يَا أَبَا ذَر، بِالْهَمْزَةِ فحذفت للْعلم بهَا تَخْفِيفًا. قَوْله: (أعيرته) ؟ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على وَجه الْإِنْكَار التوبيخي، وَقَول من قَالَ للتقرير، بعيد. قَوْله: (امْرُؤ) مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر: إِن، وَهُوَ من نَوَادِر الْكَلِمَات، إِذْ حَرَكَة عين الْكَلِمَة تَابِعَة للامها فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث وَفِي (الْعباب) : الْمَرْء، الرجل، يُقَال: هَذَا امْرُؤ صَالح، وَرَأَيْت مرأ صَالحا، ومررت بمره صَالح، وَضم الْمِيم فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث لُغَة، وهما مرآن صالحان، وَلَا يجمع على لَفظه، وَتقول: هَذَا مرء، بِالضَّمِّ، و: رَأَيْت مرأ،، بِالْفَتْح ومررت بمرء بِالْكَسْرِ معربا من مكانين. وَتقول: هَذَا أمرأ، بِفَتْح الرَّاء، وَكَذَلِكَ: رَأَيْت أمرأ، أَو مَرَرْت بأمرى بِفَتْح الراءآت. وَبَعْضهمْ يَقُول هَذِه: مرأة صَالِحَة وَمرَّة أَيْضا بترك الْهمزَة وتحريك الرَّاء بحركتها، فَإِن جِئْت بِأَلف الْوَصْل كَانَ فِيهِ أَيْضا ثَلَاث لُغَات: فتح الرَّاء على كل حَال حَكَاهَا الْفراء، وَضمّهَا على كل حَال، وإعرابها على كل حَال، وَتقول: هَذَا أمرؤ وَرَأَيْت أمرأ، أَو بمررت بامرىء، معربا من مكانين، وَهَذِه امْرَأَة، مَفْتُوحَة الرَّاء على كل حَال، وإعرابها على كل حَال، فَإِن صغرت أسقطت ألف الْوَصْل فَقلت: مرىء ومريئة. قَوْله: (جَاهِلِيَّة) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ (وفيك) مقدما خَبره. قَوْله: (إخْوَانكُمْ خولكم) يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ. أَحدهمَا: أَن يكون (خولكم) مُبْتَدأ و (إخْوَانكُمْ) مقدما خَبره، وتقديمه للاهتمام كَمَا سنبينه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَالْآخر: أَن يكون اللفظان خبرين حذف من كل وَاحِد مِنْهُمَا الْمُبْتَدَأ، تَقْدِيره: هم إخْوَانكُمْ هم خولكم. قَوْله: (جعلهم الله) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا
خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هم جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم. قَوْله: (فَمن كَانَ) كلمة من، مَوْصُولَة متضمنة معنى الشَّرْط فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، و: (أَخُوهُ) مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ، وَقَوله: (تَحت يَده) مَنْصُوب على أَنه خَبره، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. وَقَوله: (فليطعمه) خبر الْمُبْتَدَأ، وَالْفَاء لتَضَمّنه معنى الشَّرْط، وَأما الْفَاء الَّتِي فِي: فَمن، فَإِنَّهَا عاطفة على مُقَدّر، تَقْدِيره: وَأَنْتُم مالكون إيَّاهُم، فَمن كَانَ إِلَى آخِره، وَيجوز أَن تكون سَبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة} (الْحَج: 63) قَوْله: (مِمَّا يَأْكُل) يجوز أَن تكون مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: من الَّذِي يَأْكُلهُ، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي من أكله. قَوْله: (وليلبسه) عطف على: (فليطعمه) وإعراب (مِمَّا يلبس) مثل إِعْرَاب (مِمَّا يَأْكُل) . قَوْله: (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ) جملَة ناهية من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول. وَقَوله: (مَا يَغْلِبهُمْ) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول ثَان، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، ويغلبهم، صلتها. قَوْله: (فَأَعِينُوهُمْ) ، جَوَاب الشَّرْط فَلذَلِك دخلت الْفَاء. بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان: فِيهِ ثَلَاثَة أَحْوَال مُتَوَالِيَة. وَهِي قَوْله: (بالربذة) و: (عَلَيْهِ حلَّة) و (على غُلَامه حلَّة) فَإِن قلت: الْحَال مَا بَين هَيْئَة الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَبَيَان هَيْئَة الْمَفْعُول فِي الْحَالين الْأَوَّلين ظَاهر، وَأما مَا فِي الْحَال الْأَخِيرَة وَهِي قَوْله (وعَلى غُلَامه حلَّة) فَغير ظَاهر. قلت: هَذَا نَظِير قَوْلك جِئْت مَاشِيا وَزيد متكىء إِذْ الْمَعْنى: جِئْت فِي حَال مشي، وَحَال اتكاء زيد، فَكَذَلِك التَّقْدِير هَهُنَا: لقِيت أَبَا ذَر فِي حَال كَونه بالربذة، وَحَال كَون غُلَامه فِي حلَّة. وَاسم هَذَا الْغُلَام لم يبين فِي رِوَايَات هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَبَا مراوح، مولى أبي ذَر، وَحَدِيثه عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. قلت: هَذَا خدش، وبالاحتمال لَا تثبت الْحَقِيقَة. فَإِن قلت: قد اخْتلفت أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فِي الْحلَّة، فاللفظ الْوَاقِع هُنَا: عَلَيْهِ حلَّة وعَلى غُلَامه حلَّة، وَعند البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَن الْمَعْرُور بِلَفْظ: (رَأَيْت عَلَيْهِ بردا وعَلى غُلَامه بردا فَقلت: لَو أخذت هَذَا فلبسته كَانَت حلَّة) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَر لَو جمعت بَينهمَا كَانَت حلَّة) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَقَالَ الْقَوْم: يَا أَبَا ذَر لَو أخذت الَّذِي على غلامك فَجَعَلته مَعَ الَّذِي عَلَيْك لكَانَتْ حلَّة) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق معَاذ عَن شُعْبَة: (أتيت أَبَا ذَر فَإِذا حلَّة، عَلَيْهِ مِنْهَا ثوب، وعَلى عَبده، مِنْهَا ثوب) . وَقد بَينا أَن الْحلَّة ثَوْبَان من جنس وَاحِد، فَكيف التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَلْفَاظ؟ فَإِن لَفظه هَهُنَا يدل على الحلتين: حلَّة على أبي ذَر وحلة على عَبده، وَلَفظه فِي رِوَايَة الْأَعْمَش يدل على أَن الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ هُوَ الْبرد وعَلى غُلَامه كَذَلِك، وَلَا يُسمى هَذَا حلَّة إِلَّا بِالْجمعِ بَينهمَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَة مُسلم: (لَو جمعت بَينهمَا كَانَت حلَّة) . وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَرِوَايَة الاسماعيلي تدل على أَنَّهَا كَانَت حلَّة وَاحِدَة بِاعْتِبَار جمع مَا كَانَ على أبي ذَر وعَلى عَبده من الثَّوْبَيْنِ. قلت: تحمل رِوَايَته هَهُنَا على الْمجَاز بِاعْتِبَار مَا يؤول، وَيضم إِلَى الثَّوْب الَّذِي كَانَ على كل وَاحِد مِنْهُمَا ثوب آخر، أَو بِاعْتِبَار إِطْلَاق اسْم الْكل على الْجُزْء، فَلَمَّا رأى الْمَعْرُور على أبي ذَر ثوبا وعَلى غُلَامه ثوبا من الأبراد، كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْأَدَب، أطلق على كل وَاحِد مِنْهُمَا حلَّة بِاعْتِبَار مَا يؤول، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم: (لَو جمعت بَينهمَا كَانَت حلَّة) . وَكَذَا رِوَايَة أبي دَاوُد. وَأما رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَإِنَّهَا أَيْضا مجَاز، وَلَكِن الْمجَاز فِيهَا فِي مَوضِع وَاحِد، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي هَهُنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ. فَافْهَم. هَذَا هُوَ الَّذِي فتح لي هَهُنَا من الْأَنْوَار الإلهية. وَقَالَ بَعضهم: يُمكن الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ برد جيد تَحت ثوب خلق من جنسه، وعَلى غُلَامه كَذَلِك، وَكَأَنَّهُ قيل لَهُ: لَو أخذت الْبرد الْجيد فأضفته إِلَى الْبرد الْجيد الَّذِي عَلَيْك، وَأعْطيت الْغُلَام الْبرد الْخلق بدله لكَانَتْ حلَّة جَيِّدَة، فتلتئم بذلك الرِّوَايَتَانِ، وَيحمل قَوْله فِي حَدِيث الْأَعْمَش: (لكَانَتْ حلَّة) أَي: كَامِلَة الْجَوْدَة، فالتنكير فِيهِ للتعظيم. قلت: لَيْسَ الْجمع إِلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذكرته، وَمَا ذكره لَيْسَ بِجمع، فَإِنَّهُ نَص فِي الرِّوَايَة الَّتِي هَهُنَا على حلتين، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ على حلَّة وَاحِدَة، وبالتأويل الَّذِي ذكره يؤول الْمَعْنى إِلَى أَن يكون عَلَيْهِ حلَّة وعَلى غُلَامه حلَّة باجتماع الجديدين عَلَيْهِ والخلقين على غُلَامه فيعارض هَذَا رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَإِنَّهَا تدل على أَنَّهَا كَانَت حلَّة وَاحِدَة، وَكَانَت عَلَيْهِمَا جَمِيعًا. وَقَوله: وَيحْتَمل قَوْله فِي حَدِيث الْأَعْمَش إِلَى آخر كَلَام صادر من غير تروٍّ وَتَأمل لِأَنَّهُ لَا يفرق بَينه وَبَين رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْمَعْنى، والتنكير فِيهِ لَيْسَ للتعظيم، وَإِنَّمَا هُوَ للإيراد أَي: لَا يُرَاد فَرد وَاحِد. فَافْهَم. قَوْله: (فَسَأَلته عَن ذَلِك) أَي: عَن تساويهما فِي لبس الْحلَّة، فَإِن قلت: لم سَأَلَهُ عَن ذَلِك وَمَا الْفَائِدَة فِيهِ؟ قلت: لِأَن عَادَة الْعَرَب وَغَيرهم أَن يكون ثِيَاب الْمَمْلُوك دون سَيّده، وَالَّذِي
فعله أَبُو ذَر كَانَ خلاف المألوف. قَوْله: (ساببت رجلا) قَالَ النَّوَوِيّ: وَسِيَاق الحَدِيث يشْعر أَن المسبوب كَانَ عبدا، وَقَالَ صَاحب (مَنْهَج الراغبين) وَالَّذِي نعرفه أَنه بِلَال، رَضِي الله عَنهُ، وَعَن هَذَا أَخذ بَعضهم، فَقَالَ: وَقيل: إِن الرجل الْمَذْكُور هُوَ بِلَال الْمُؤَذّن، مولى أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ، روى ذَلِك الْوَلِيد بن مُسلم مُنْقَطِعًا. فَإِن قلت: لم قَالَ: ساببت، من بَاب المفاعلة؟ قلت: ليدل على أَن السب كَانَ من الْجِهَتَيْنِ، وَيدل عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَ: أعيرته بِأُمِّهِ؟ فَقلت: من سبّ الرِّجَال سبوا أَبَاهُ وَأمه) . فَإِن قلت: كَيفَ جوز أَبُو ذَر ذَلِك وَهُوَ حرَام؟ . قلت: الظَّاهِر أَن هَذَا كَانَ مِنْهُ قبل أَن يعرف تَحْرِيمه، فَكَانَت تِلْكَ الْخصْلَة من خِصَال الْجَاهِلِيَّة بَاقِيَة عِنْده، فَلذَلِك قَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة) فَإِن قلت: مَا كَانَ تعييره بِأُمِّهِ؟ قلت: عيره بسواد أمه، على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: قلت لَهُ يَا ابْن السَّوْدَاء وَفِي رِوَايَته فِي الْأَدَب: وَكَانَت أمة أَعْجَمِيَّة فنلت مِنْهَا، والأعجمي من لَا يفصح بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ سَوَاء كَانَ عَرَبيا أَو عجميا. قَوْله: (إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة) فِيهِ ترك العاطف بَين الجملتين لكَمَال الِاتِّصَال بَينهمَا. فَنزلت الثَّانِيَة من الأولى منزلَة التَّأْكِيد الْمَعْنَوِيّ من متبوعه فِي إِفَادَة التَّقْرِير مَعَ اخْتِلَاف فِي اللَّفْظ، وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْله تَعَالَى: {ألم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ} (الْبَقَرَة: 1 و 2) قَوْله: (إخْوَانكُمْ خولكم) فِيهِ حصر، وَذَلِكَ لِأَن أصل الْكَلَام أَن يُقَال: خولكم إخْوَانكُمْ لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الحكم على الخول بالأخوة، وَلَكِن لما قصد حصر الخول على الإخوان، قدم الإخوان، أَي: لَيْسُوا إلاَّ إخْوَانًا، وَإِنَّمَا قدم الإخوان لأجل الاهتمام بِبَيَان الْأُخوة، وَيجوز أَن يكون من بَاب الْقلب الْمُورث لملاحة الْكَلَام، نَحْو قَوْله: (نم وَإِن لم أنم كراي كراكا ... شَاهِدي الدمع إِن ذَاك كذاكا) وَقَالَ بعض المعانيين: إِن الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِذا كَانَا معرفتين، أَي تَعْرِيف كَانَ يُفِيد التَّرْكِيب الْحصْر، وَقَالَ التَّيْمِيّ: كانه قَالَ: هم إخْوَانكُمْ، ثمَّ أَرَادَ إِظْهَار هَؤُلَاءِ الإخوان فَقَالَ: خولكم. قَوْله: (تَحت أَيْدِيكُم) فِيهِ مجَاز عَن الْقُدْرَة أَو عَن الْملك، والأخوة أَيْضا مجَاز عَن مُطلق الْقَرَابَة، لِأَن الْكل أَوْلَاد آدم، عَلَيْهِ السَّلَام، أَو عَن أخوة الْإِسْلَام، والمماليك الْكَفَرَة إِمَّا أَن نجعلهم فِي هَذَا الحكم تابعين لمماليك الْمُؤمنِينَ، أَو نخصص هَذَا الحكم بالمؤمنة. قَوْله: (فليطعمه مِمَّا يَأْكُل) من الْإِطْعَام، إِنَّمَا قَالَ: مِمَّا يَأْكُل، وَلم يقل مِمَّا يطعم، رِعَايَة للمطابقة كَمَا فِي قَوْله: (وليلبسه مِمَّا يلبس) ، لِأَن الطّعْم يَجِيء بِمَعْنى الذَّوْق يُقَال: طعم يطعم طعما إِذا ذاق أَو أكل. قَالَ الله تَعَالَى: {وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني} (الْبَقَرَة: 249) أَي: من لم يذقه، فَلَو قَالَ: مِمَّا يطعم لتوهم أَنه يجب الإذاقة مِمَّا يَذُوق، وَذَلِكَ غير وَاجِب. فَإِن قيل: لم لم يقل فليؤكله مِمَّا يَأْكُل؟ قلت: إِنَّمَا قَالَ: فليطعمه، إِشَارَة إِلَى أَنه لَا بُد من إذاقته مِمَّا يَأْكُل، وَإِن لم يشبعه من ذَلِك الْأكل. قَوْله: (فَإِن كلفْتُمُوهُمْ) ، فِيهِ حذف الْمَفْعُول الثَّانِي للاكتفاء، إِذْ أَصله: فَإِن كلفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ النَّهْي عَن سبّ العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحث على الْإِحْسَان إِلَيْهِم والرفق بهم، فَلَا يجوز لأحد تعيير أحد بِشَيْء من الْمَكْرُوه يعرفهُ فِي آبَائِهِ، وخاصة نَفسه. كَمَا نهى عَن الْفَخر بِالْآبَاءِ، وَيلْحق بِالْعَبدِ من فِي مَعْنَاهُ من أجِير وخادم وَضَعِيف، وَكَذَا الدَّوَابّ، يَنْبَغِي أَن يحسن إِلَيْهَا وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا تطِيق الدَّوَابّ عَلَيْهِ، فَإِن كلفه ذَلِك لزمَه إعانته بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ. الثَّانِي: عدم الترفع على الْمُسلم وَإِن كَانَ عبدا وَنَحْوه من الضعفة، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم} (الحجرات: 13) وَقد تظاهرت الْأَدِلَّة على الْأَمر باللطف بالضعفة، وخفض الْجنَاح لَهُم، وعَلى النَّهْي عَن احتقارهم والترفع عَلَيْهِم. الثَّالِث: إستحباب الْإِطْعَام مِمَّا يَأْكُل والإلباس مِمَّا يلبس. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الْأَمر مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب لَا على الْإِيجَاب بالاجماع، بل إِن أطْعمهُ من الْخبز وَمَا يقتاته كَانَ قد أطْعمهُ مِمَّا يَأْكُل، لِأَن: من، للتَّبْعِيض وَلَا يلْزمه أَن يطعمهُ من كل مَا يَأْكُل على الْعُمُوم من الْأدم وطيبات الْعَيْش، وَمَعَ ذَلِك فَيُسْتَحَب أَن لَا يستأثر على عِيَاله، وَلَا يفضل نَفسه فِي الْعَيْش عَلَيْهِم. الرَّابِع: فِيهِ منع تَكْلِيفه من الْعَمَل مَا لَا يُطيق أصلا، لَا يُطيق الدَّوَام عَلَيْهِ، لِأَن النَّهْي للتَّحْرِيم بِلَا خلاف، فَإِن كلفه ذَلِك أَعَانَهُ بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ. لقَوْله: (فَإِن كلفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ) . وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم: (فليبعه) مَوضِع: (فليعنه) . قَالَ القَاضِي: هَذَا وهم، وَالصَّوَاب: (فليعنه) ، كَمَا رَوَاهُ الْجُمْهُور. الْخَامِس: فِيهِ الْمُحَافظَة على
(باب {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فسماهم المؤمنين} )
الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز إِطْلَاق الْأَخ على الرَّقِيق. (بَاب {وإنْ طَائِفَتَانِ مِنْ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ} ) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: قَالَ الْكرْمَانِي: وَقع فِي كثير من نسخ البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة، وَحَدِيث أحنف، ثمَّ حَدِيث أبي ذَر فِي بَاب وَاحِد بعد قَوْله تَعَالَى: {وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء} (النِّسَاء: 48 و 116) وَفِي بَعْضهَا على التَّرْتِيب الَّذِي ذَكرْنَاهُ. قلت: التَّرْتِيب الأول وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر عَن مشايخه، لَكِن سقط حَدِيث أبي بكرَة من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَالتَّرْتِيب الثَّانِي الَّذِي مشينا عَلَيْهِ هُوَ رِوَايَة الْأصيلِيّ وَغَيره، وكل من الترتيبين حسن جيد. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول أَن مرتكب الْمعْصِيَة لَا يكفر بهَا، وَأَن صفة الْإِيمَان لَا تسلب عَنهُ، فَكَذَلِك فِي هَذَا الْبَاب يبين مثل ذَلِك، لِأَن الْآيَة الْمَذْكُورَة فِيهِ فِي حق الْبُغَاة، وَقد سماهم الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ وَلم تسلب عَنْهُم صفة الْإِيمَان، وَبِهَذَا يرد على الْخَوَارِج والمعتزلة كَمَا ذكرنَا. الثَّالِث: قَوْله: (بَاب) لَا يعرب إلاَّ بعد تركيبه مَعَ شَيْء آخر، بِأَن يُقَال: هَذَا بَاب، وَنَحْو ذَلِك، ولايجوز إِضَافَته إِلَى مَا بعده. الرَّابِع: فِي معنى الْآيَة وَإِعْرَابه. فَقَوله {طَائِفَتَانِ} (الحجرات: 9) تَثْنِيَة طَائِفَة، وَهِي الْقطعَة من الشَّيْء فِي اللُّغَة. وَفِي (الْعباب) : الطَّائِفَة من الشَّيْء الْقطعَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ} (النُّور: 2) قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: الطَّائِفَة الْوَاحِد فَمَا فَوْقه، فَمن أوقع الطَّائِفَة على الْمُفْرد يُرِيد النَّفس الطَّائِفَة وَقَالَ مُجَاهِد: الطَّائِفَة الرجل الْوَاحِد إِلَى الْألف. وَقَالَ عَطاء: أقلهَا رجلَانِ. انْتهى. وَقَالَ الزّجاج: الَّذِي عِنْدِي أَن أقل الطَّائِفَة اثْنَان، وَقد حمل الشَّافِعِي وَغَيره من الْعلمَاء الطَّائِفَة فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن على أوجه مُخْتَلفَة بِحَسب المواطن، فَهِيَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة} (التَّوْبَة: 122) وَاحِد فَأكْثر، وَاحْتج بِهِ فِي قبُول خبر الْوَاحِد، وَفِي قَوْله تَعَالَى: {وليشهد عذابهما طَائِفَة} (النُّور: 2) أَرْبَعَة، وَفِي قَوْله تَعَالَى: {فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك} (النِّسَاء: 102) ثَلَاثَة، وَفرقُوا فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِحَسب الْقَرَائِن، أما فِي الأولى، فَلِأَن الْإِنْذَار يحصل بِهِ، وَفِي الثَّانِيَة لِأَنَّهَا لبينة فِيهِ، وَفِي الثَّالِثَة لذكرهم بِلَفْظ الْجمع فِي قَوْله: {وليأخذوا أسلحتهم} (النِّسَاء: 102) إِلَى آخِره، وَأقله ثَلَاثَة على الْمَذْهَب الْمُخْتَار فِي قَول جُمْهُور أهل اللُّغَة وَالْفِقْه وَالْأُصُول. فَإِن قلت: فقد قَالَ الله تَعَالَى فِي آيَة الانذار: {ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم} (التَّوْبَة: 122) وَهَذِه ضمائر جموع! قلت: إِن الْجمع عَائِد إِلَى الطوائف الَّتِي تَجْتَمِع من الْفرق قَوْله: (وَإِن) للشّرط. وَالتَّقْدِير: وَإِن اقتتل طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ. وَقَوله: (فأصلحوا) جَوَاب الشَّرْط. الْخَامِس: دلّت الْآيَة أَن الْمُؤمن لَا يُخرجهُ فسقه ومعاصيه عَن الْمُؤمنِينَ، وَلَا يسْتَحق بذلك الخلود فِي النَّار، وَقد قَالَ الْعلمَاء: فِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على وجوب قتال الفئة الباغية على الإِمَام أَو على آحَاد الْمُسلمين، وعَلى فَسَاد قَول من منع من قتال الْمُؤمنِينَ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر) ، بل هُوَ مَخْصُوص بِغَيْر الْبَاغِي لِأَن الله تَعَالَى أَمر بِهِ فِي الْآيَة، فَلَو كَانَ كفرا لما أَمر بِهِ، بل الحَدِيث مَعَ حَدِيث أبي بكرَة، رَضِي الله عَنهُ، الْمَذْكُور فِي الْبَاب مَحْمُول على قتال العصبية وَنَحْوه، وَقد ذكر الواحدي وَغَيره أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة مَا جَاءَ عَن أنس، قَالَ: (قيل: يَا نَبِي الله لَو أتيت عبد الله بن أبي، فَانْطَلق إِلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يركب حِمَاره، وَانْطَلق الْمُسلمُونَ يَمْشُونَ، وَهِي أَرض سبخَة، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِلَيْك، فوَاللَّه لقد آذَانِي نَتن حِمَارك، فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار: وَالله لحِمَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أطيب ريحًا مِنْك، فَغَضب لعبد الله رجل من قومه، وَغَضب لكل وَاحِد مِنْهُمَا أَصْحَابه، وَكَانَ بَينهمَا ضرب بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنعال) . فَإِن قلت: قَالَ أَولا: اقْتَتَلُوا، بِلَفْظ الْجمع، وَثَانِيا: بَينهمَا، بِلَفْظ التَّثْنِيَة فَمَا تَوْجِيهه؟ قلت: نظر فِي الأول إِلَى الْمَعْنى، وَفِي الثَّانِي إِلَى اللَّفْظ، وَذَلِكَ سَائِغ ذائع، وَقَرَأَ ابْن أبي عبلة: اقتتلتا، وَقَرَأَ عمر بن عبيد: اقتتلا، على تَأْوِيل الرهطين أَو النفرين. قَوْله: (فسماهم الْمُؤمنِينَ) أَي: سمى الله تَعَالَى أهل الْقِتَال مُؤمنين، فَعلم أَن صَاحب الْكَبِيرَة لَا يخرج عَن الْإِيمَان. 31 - حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ المُبَارَكِ حدّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حدّثنا أيُّوبُ ويُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قالَ ذَهَبْتُ لاَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أنُصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قالَ ارْجِعْ فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ
بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتلُ والمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رسولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ إنَّهُ كانَ حَرِيصا على قَتْلِ صاحِبهِ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الْبَاب فِي إِطْلَاق إسم الْمُؤمن على مرتكب الْمعْصِيَة والْحَدِيث بصريحه يدل على هَذَا مَا لَا يخفى. بَيَان رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: عبد الله بن الْمُبَارك بن عبد الله العيشي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة أَبُو بكر وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ: روى عَن وهب بن خَالِد وَحَمَّاد بن زيد وَغَيرهمَا. روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو حَاتِم وَقَالَ صَدُوق. وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ وَلم يرو لَهُ مُسلم شَيْئا. توفّي سنة ثَمَان أَو تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم أَبُو إِسْمَاعِيل الْأَزْرَق الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ مولى آل جرير بن حَازِم، سمع ثَابت الْبنانِيّ وَابْن سِيرِين وَعَمْرو بن دِينَار وَيحيى الْقطَّان وَأَيوب وخلقا كثيرا. روى عَنهُ السُّفْيانَانِ وَابْن الْمُبَارك وَيحيى الْقطَّان ووكيع وَغَيرهم قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: أَئِمَّة النَّاس فِي زمانهم أَرْبَعَة: سُفْيَان الثَّوْريّ بِالْكُوفَةِ، وَمَالك بالحجاز، وَالْأَوْزَاعِيّ بِالشَّام وَحَمَّاد بن زيد بِالْبَصْرَةِ وَمَا رَأَيْت أعلم من حَمَّاد بن زيد وَلَا سُفْيَان وَلَا مَالك وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ حَمَّاد بن زيد ثِقَة ثبتا حجَّة كثير الحَدِيث وَأنْشد ابْن الْمُبَارك فِيهِ. (أَيهَا الطَّالِب علما ... ائْتِ حَمَّاد بن زيد) (فَخذ الْعلم بحلم ... ثمَّ قَيده بِقَيْد) (ودع الْبِدْعَة من آ ... ثار عَمْرو بن عبيد) ولد سنة ثَمَان وَتِسْعين، وَتُوفِّي سنة تسع وَسبعين وَمِائَة، وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَثَمَانِينَ سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد مر ذكره. الرَّابِع: يُونُس بن عبيد بن دِينَار الْبَصْرِيّ، رأى أنس بن مَالك، وَرَأى الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهمَا، روى عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ والحمادان وَغَيرهم، قَالَ أَحْمد وَيحيى: ثِقَة توفّي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْحسن بن أبي الْحسن الْأنْصَارِيّ، مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، وَمولى زيد بن ثَابت، وَيُقَال: مولى أبي الْيُسْر الْأنْصَارِيّ، وَيُقَال: مولى جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَأمه إسمها الْخيرَة، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مولاة لأم سَلمَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: إِن أمه رُبمَا كَانَت تغيب فيبكي الْحسن، فتعطيه أم سَلمَة، أم الْمُؤمنِينَ، ثديها تعلله إِلَى أَن تَجِيء أمه، فيدر ثديها فيشربه، فيرون تِلْكَ الفصاحة وَالْحكمَة من بركتها. وَنَشَأ الْحسن بوادي الْقرى، وَقَالَ الْحسن: غزونا خُرَاسَان ومعنا ثَلَاث مائَة من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. سمع ابْن عمر وأنسا وَسمرَة وَقيس بن عَاصِم وَغَيرهم من الصَّحَابَة، وَعَن الفضيل بن عِيَاض قَالَ: سَأَلت هِشَام بن حسان: كم أدْرك الْحسن من الصَّحَابَة؟ قَالَ: مائَة وَثَلَاثِينَ. قَالَ: وَابْن سِيرِين قَالَ: ثَلَاثِينَ، وَلم يَصح لِلْحسنِ سَماع عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، قَالَ ابْن معِين: لم يسمع الْحسن من أبي بكرَة ولامن جَابر بن عبد الله وَلَا من أبي هُرَيْرَة. وَسُئِلَ أَبُو زرْعَة: ألقِي الْحسن أحدا من الْبَدْرِيِّينَ؟ قَالَ: رَآهُمْ رُؤْيَة، رأى عُثْمَان وعليا، قيل لَهُ: سمع مِنْهُمَا؟ قَالَ: لَا، كَانَ الْحسن يَوْم بُويِعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، ابْن أَربع عشرَة سنة، رأى عليا بِالْمَدِينَةِ ثمَّ خرج عَليّ إِلَى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَلم يلقه الْحسن بعد ذَلِك. قَالَ أَبُو زرْعَة: لم يسمع الْحسن من أبي هُرَيْرَة وَلَا رَآهُ، وَمن قَالَ فِي الحَدِيث عَن الْحسن: ثَنَا أَبُو هُرَيْرَة، فقد أَخطَأ، وَلم يسمع من ابْن عَبَّاس، وَسمع من ابْن عمر حَدِيثا وَاحِدًا، وَعَن أبي رَجَاء قَالَ: قلت لِلْحسنِ: مَتى خرجت من الْمَدِينَة؟ قَالَ: عَام صفّين. قلت: فَمَتَى احْتَلَمت؟ قَالَ: عَام صفّين. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ الْحسن جَامعا عَالما فَقِيها ثِقَة مَأْمُونا عابدا ناسكا كثير الْعلم فصيحا جميلاً وسيما، قدم مَكَّة فَأَجْلَسُوهُ وَاجْتمعَ النَّاس إِلَيْهِ، فيهم طَاوس وَعَطَاء وَمُجاهد وَعَمْرو بن شُعَيْب، فَحَدثهُمْ فَقَالُوا أَو قَالَ بَعضهم: لم نر مثل هَذَا قطّ. توفّي سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة، وَتُوفِّي بعده ابْن سِيرِين بِمِائَة يَوْم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. فَائِدَة: روى لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هُنَا عَن الْحسن عَن الْأَحْنَف، وَرَوَاهُ فِي الْفِتَن عَن الْحسن، وَأنكر يحيى بن معِين وَالدَّارَقُطْنِيّ سَماع الْحسن من أبي بكرَة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: بَينهمَا الْأَحْنَف، وَاحْتج بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَكَذَا رَوَاهُ هِشَام بن
الْمُعَلَّى بن زِيَاد عَن الْحسن، وَذهب غَيرهمَا إِلَى صِحَة سَمَاعه مِنْهُ، وَاسْتدلَّ بِمَا أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن ابْني هَذَا سيد) عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن إِسْرَائِيل، فَذكر الحَدِيث وَفِيه: قَالَ الْحسن: (لقد سَمِعت أَبَا بكرَة قَالَ: بَينا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْطب) قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: إِنَّمَا صَحَّ عندنَا سَماع الْحسن من أبي بكرَة بِهَذَا الحَدِيث. قَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ: هَذَا الْحسن الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي قَالَ فِيهِ: سَمِعت أَبَا بكرَة إِنَّمَا هُوَ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَلَيْسَ بالْحسنِ الْبَصْرِيّ، فَمَا قَالَه غير صَحِيح وَالله أعلم. السَّادِس: الْأَحْنَف، بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون، هُوَ أَبُو بَحر بن قيس، واسْمه الضَّحَّاك، وَقيل: صَخْر بن قيس بن مُعَاوِيَة بن حصن بن حَفْص بن عبَادَة بن النزال بن مرّة بن عبيد بن مقاعس بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة من تَمِيم، هولد وَهُوَ أحنف وَهُوَ الأعوج من الحنف وَهُوَ الاعوجاج فِي الرِّجل، وَهُوَ أَن يَنْفَتِل إِحْدَى الإبهامين من إِحْدَى الرجلَيْن على الْأُخْرَى، وَقيل: هُوَ الَّذِي يمشي على ظهر قدمه من شقها الَّذِي يَلِي خنصرها أدْرك زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأسلم على عَهده وَلم يره، وَفد إِلَى عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي افْتتح مرو الروذ، وَكَانَ الإمامان الْحسن وَابْن سِيرِين فِي جَيْشه. وَولد الْأَحْنَف ملتزق الأليتين حَتَّى شقّ مَا بَينهمَا، وَكَانَ أَعور، سمع عمر وعليا وَالْعَبَّاس وَغَيرهم، وَعنهُ الْحسن وَغَيره. مَاتَ بِالْكُوفَةِ سنة سبع وَسِتِّينَ فِي إِمَارَة ابْن الزبير رَضِي الله عَنهُ. السَّابِع: أَبُو بكرَة، واسْمه نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، بن الْحَارِث بن كلدة، بِالْكَاف وَاللَّام المفتوحتين، ابْن عمر بن علاج بن أبي سَلمَة، وَهُوَ عبد الْعُزَّى بن غيرَة، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن عَوْف بن قسي، بِفَتْح الْقَاف وَكسر السِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ ثَقِيف بن مُنَبّه الثَّقَفِيّ، وَقيل: نفيع بن مسروح مولى الْحَارِث بن كلدة طَبِيب رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام. وَقيل: اسْمه مسروح. وَأمه: سميَّة، أمة لِلْحَارِثِ بن كلدة، وَهُوَ أَخُو زِيَاد لأمه، وَهُوَ مِمَّن نزل يَوْم الطَّائِف إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حصن الطَّائِف فِي بكرَة وكني: أَبَا بكرَة وَأعْتقهُ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ مَعْدُود فِي موَالِيه، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وصالحيهم، وَلم يزل مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة حَتَّى توفّي بِالْبَصْرَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، مائَة حَدِيث واثنين وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، اتفقَا على ثَمَانِيَة، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِخَمْسَة، وَمُسلم بِحَدِيث. روى عَنهُ ابناه وَالْحسن الْبَصْرِيّ والأحنف، روى لَهُ الْجَمَاعَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فيهم ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: الْأَحْنَف وَالْحسن وَأَيوب. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن رجل لم يسمع عَن الْحسن قَالَ: خرجت بسلاحي، وَسَاقه إِلَى إِن قَالَ: قَالَ حَمَّاد بن زيد، فَذكرت هَذَا الحَدِيث لأيوب وَيُونُس بن عبيد الله وَأَنا أُرِيد أَن يحدثاني بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا روى هَذَا الْحسن عَن الْأَحْنَف بن قيس عَن أبي بكرَة. قَالَ البُخَارِيّ: ثَنَا سُلَيْمَان قَالَ: ثَنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب وَيُونُس عَن الْحسن عَن الْأَحْنَف، قَالَ: خرجت ... الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم بطرِيق غير هَذِه وَلَفظ آخر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (فَمَا بَال الْمَقْتُول) أَي: فَمَا حَاله وشأنه؟ وَهُوَ من الأجوف الواوي. قَوْله: (حَرِيصًا) من الْحِرْص، وَهُوَ الجشع. وَقد حرص على الشَّيْء يحرص، مِثَال: ضرب يضْرب، وحرص يحرص، مِثَال: سمع يسمع، وَمِنْه قِرَاءَة الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حَيْوَة، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَأبي الْبر هشيم {أَن تحرص على هدَاهُم} (النَّحْل: 37) بِفَتْح الرَّاء. قَوْله: (لأنصر) أَي: لأجل أَن أنْصر، وَأَن، المصدرية مقدرَة بعد اللَّام. قَوْله: (فَإِنِّي سَمِعت) الْفَاء فِيهِ تصليح للتَّعْلِيل. قَوْله: (يَقُول) : جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (فالقاتل) الْفَاء جَوَاب: إِذا. قَوْله: (هَذَا الْقَاتِل) قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُبْتَدأ وَخبر، أَي: هَذَا يسْتَحق النَّار لِأَنَّهُ قَاتل، فالمقتول لِمَ يَسْتَحِقهَا وَهُوَ مظلوم؟ قلت: الأولى أَن يُقَال: هَذَا، مُبْتَدأ، و: الْقَاتِل، مُبْتَدأ ثَان، وَخَبره مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالتَّقْدِير: هَذَا الْقَاتِل
يسْتَحق النَّار لكَونه ظَالِما! فَمَا بَال الْمَقْتُول وَهُوَ مظلوم؟ وَنَظِيره: هَذَا زيد عَالم، وَقد علم أَن الْمُبْتَدَأ إِذا اتَّحد بالْخبر لَا يحْتَاج إِلَى ضمير، وَمِنْه قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير} (الْأَعْرَاف: 26) وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: (أفضل مَا قلت، أَنا والنبيون من قبلي: لَا إِلَه إِلَّا الله) . بَيَان الْمعَانِي وَالْأَحْكَام: قَوْله: (انصر هَذَا الرجل) يَعْنِي: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ يَعْنِي: عليا، وَوَقع للْبُخَارِيّ فِي الْفِتَن: (أُرِيد نصْرَة ابْن عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: يَعْنِي عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، قلت: هَذَا بعيد، وَيَردهُ مَا فِي الصَّحِيح. قَوْله: (إِذا التقى المسلمان بسيفيهما) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (إِذا توجه المسلمان) ، أَي: إِذا ضرب كل وَاحِد مِنْهُمَا وَجه صَاحبه، أَي: ذَاته وَجُمْلَته. قَوْله: (فالقاتل والمقتول فِي النَّار) قَالَ عِيَاض وَغَيره: مَعْنَاهُ إِن جازاهما الله تَعَالَى وعاقبهما كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة، وَهُوَ أَيْضا مَحْمُول على غير المتأول، كمن قَاتل لمعصية أَو غَيرهَا مِمَّا يشبهها، وَيُقَال: معنى الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار، أَنَّهُمَا يستحقانها، وَأَمرهمَا إِلَى الله عز وَجل، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي حَدِيث عبَادَة: (فَإِن شَاءَ عَفا عَنْهُمَا، وَإِن شَاءَ عاقبهما، ثمَّ أخرجهُمَا من النَّار فأدخلهما الْجنَّة) ، كَمَا ثَبت فِي حَدِيث أبي سعيد وَغَيره فِي العصاة الَّذين يخرجُون من النَّار فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي جَانب السَّيْل، وَنَظِير هَذَا الحَدِيث فِي الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم} (النِّسَاء: 93) مَعْنَاهُ: هَذَا جَزَاؤُهُ، وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يجازى. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْقِتَال فِي الْفِتْنَة: فَمنع بَعضهم الْقِتَال فِيهَا وَإِن دخلُوا عَلَيْهِ، عملا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، وَبِحَدِيث أبي بكرَة فِي صَحِيح مُسلم الطَّوِيل: (إِنَّهَا سَتَكُون فتن) الحَدِيث. وَقَالَ هَؤُلَاءِ: لَا يُقَاتل، وَإِن دخلُوا عَلَيْهِ وطلبوا قَتله، وَلَا تجوز لَهُ المدافعة عَن نَفسه لِأَن الطَّالِب متأول، وَهَذَا مَذْهَب أبي بكرَة وَغَيره. وَفِي (طَبَقَات) ابْن سعد مثله عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَقَالَ عمرَان بن حُصَيْن وَابْن عَمْرو وَغَيرهمَا: لَا يدْخل فِيهَا، فَإِن قصدُوا دفع عَن نَفسه. وَقَالَ مُعظم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهمَا: يجب نصر الْحق وقتال الباغين لقَوْله تَعَالَى: {فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله} (الحجرات: 9) وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، ويتأول أَحَادِيث الْمَنْع على من لم يظْهر لَهُ الْحق، أَو على عدم التَّأْوِيل لوَاحِد مِنْهُمَا، وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ الْأَولونَ لظهر الْفساد واستطالوا، وَالْحق الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة الْإِمْسَاك عَمَّا شجر بَين الصَّحَابَة، وَحسن الظَّن بهم، والتأويل لَهُم، وَأَنَّهُمْ مجتهدون متأولون لم يقصدوا مَعْصِيّة وَلَا مَحْض الدُّنْيَا، فَمنهمْ المخطىء فِي اجْتِهَاده والمصيب، وَقد رفع الله الْحَرج عَن الْمُجْتَهد المخطىء فِي الْفُرُوع، وَضعف أجر الْمُصِيب، وَتوقف الطَّبَرِيّ وَغَيره فِي تعْيين المحق مِنْهُم، وَصرح بِهِ الْجُمْهُور وَقَالُوا: إِن عليا، رَضِي الله عَنهُ، وأشياعه كَانُوا مصيبين إِذا كَانَ أَحَق النَّاس بهَا، وَأفضل من على وَجه الدُّنْيَا حِينَئِذٍ. قَوْله: (إِنَّه كَانَ حَرِيصًا على قتل صَاحبه) وَفِي رِوَايَة: إِنَّه قد أَرَادَ قتل صَاحبه. قَالَ القَاضِي: فِيهِ حجَّة للْقَاضِي أبي بكر بن الطّيب، وَمن قَالَ بقوله: إِن الْعَزْم على الذَّنب وَالْعقد على عمله مَعْصِيّة بِخِلَاف الْهم المعفو عَنهُ، قَالَ: وللمخالف لَهُ أَن يَقُول: هَذَا قد فعل أَكثر من الْعَزْم، وَهُوَ المواجهة والقتال. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْأول هُوَ الصَّحِيح. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن من نوى الْمعْصِيَة وأصر عَلَيْهَا يكون آثِما، وَإِن لم يعملها وَلَا تكلم. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن من عزم على الْمعْصِيَة بِقَلْبِه ووطن نَفسه عَلَيْهَا أَثم فِي اعْتِقَاده وعزمه، وَلِهَذَا جَاءَ بِلَفْظ الْحِرْص فِيهِ، وَيحمل مَا وَقع من نَحْو قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (إِن الله تجَاوز لأمتي عَن مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يتكلموا أَو يعلمُوا بِهِ) . وَفِي الحَدِيث الآخر: (إِذا هم عَبدِي بسيئة فَلَا تكتبوها عَلَيْهِ) ، على أَن ذَلِك فِيمَا إِذا لم يوطن نَفسه عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا مر ذَلِك بفكره من غير اسْتِقْرَار، وَيُسمى هَذَا هما وَيفرق بَين الْهم والعزم، وَإِن عزم تكْتب سَيِّئَة، فَإِذا عَملهَا كتبت مَعْصِيّة ثَانِيَة. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: فِي قَوْله (انصر هَذَا الرجل) إِن السُّؤَال عَن الْمَكَان وَالْجَوَاب عَن الْفِعْل، فَلَا تطابق بَينهمَا. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: أُرِيد مَكَانا انصر فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: الْقَاتِل والمقتول من الصَّحَابَة فِي الْجنَّة إِن كَانَ قِتَالهمْ من الِاجْتِهَاد الْوَاجِب اتِّبَاعه. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك عِنْد عدم الِاجْتِهَاد وَعدم ظن أَن فِيهِ الصّلاح الديني أما إِذا اجْتهد وَظن الصّلاح فِيهِ، فهما مأجوران مثابان، من أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَمن أَخطَأ فَلهُ أجر، وَمَا وَقع بَين الصَّحَابَة هُوَ من هَذَا الْقسم، فَالْحَدِيث لَيْسَ عَاما. وَمِنْهَا مَا قيل: لم منع أَبُو بكرَة الْأَحْنَف مِنْهُ، وَلم امْتنع بِنَفسِهِ مِنْهُ؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك أَيْضا اجتهادي، فَكَانَ يُؤَدِّي اجْتِهَاده إِلَى الِامْتِنَاع وَالْمَنْع، فَهُوَ أَيْضا مثاب فِي ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن لَفْظَة (فِي النَّار) مشعرة بحقية مَذْهَب الْمُعْتَزلَة، حَيْثُ
- (باب ظلم دون ظلم)
قَالُوا بِوُجُوب الْعقَاب للعاصي وَأجِيب: بِالْمَنْعِ لِأَن مَعْنَاهُ: حَقّهمَا أَن يَكُونَا فِي النَّار، وَقد يعْفُو الله عَنهُ، وَقد مر تَحْقِيقه عَن قريب. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ أَدخل الْحِرْص على الْقَتْل وَهُوَ صَغِيرَة فِي سلك الْقَتْل وَهُوَ كَبِيرَة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ أدخلهما فِي سلك وَاحِد فِي مُجَرّد كَونهمَا سَببا لدُخُول النَّار فَقَط، وَإِن تَفَاوتا صغرا وكبرا وَغير ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّمَا سمى الله الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْآيَتَيْنِ: مُؤمنين، وسماهما النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي الحَدِيث: مُسلمين، حَال الالتقاء لَا حَال الْقِتَال وَبعده وَأجِيب: بِأَن دلَالَة الْآيَة ظَاهِرَة، فَإِن فِي قَوْله تَعَالَى: {فأصلحوا بَين أخويكم} (لُقْمَان: 13) سماهما الله أَخَوَيْنِ وَأمر بالاصلاح بَينهمَا، وَلِأَنَّهُمَا عاصيان قبل الْقِتَال، وَهُوَ من حِين سعيا إِلَيْهِ وقصداه، وَأما الحَدِيث فَمَحْمُول على معنى الْآيَة، وَالله أعلم. 23 - (بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ) الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن. الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَن الله تَعَالَى سمى الْبُغَاة مُؤمنين، وَلم ينف عَنْهُم اسْم الْإِيمَان مَعَ كَونهم عصاة، وَأَن الْمعْصِيَة لَا تخرج صَاحبهَا عَن الْإِيمَان، وَلَا شكّ أَن الْمعْصِيَة ظلم، وَالظُّلم فِي ذَاته مُخْتَلف، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى أَنْوَاع الظُّلم حَيْثُ قَالَ: ظلم دون ظلم، وَقَالَ ابْن بطال: مَقْصُود الْبَاب أَن تَمام الْإِيمَان بِالْعَمَلِ، وَأَن الْمعاصِي ينقص بهَا الْإِيمَان وَلَا تخرج صَاحبهَا إِلَى كفر، وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِيهِ على قدر صغر الْمعاصِي وكبرها. الثَّانِي: قَوْله: (بَاب) لَا يعرب إلاَّ بِتَقْدِير مُبْتَدأ قبله، لأَنا قد قُلْنَا غير مرّة إِن الْإِعْرَاب لَا يكون إلاَّ بعد التَّرْكِيب، وَلَا يُضَاف إِلَى مَا بعده، وَالتَّقْدِير فِي الْحَقِيقَة: هَذَا بَاب يبين فِيهِ ظلم دون ظلم، وَهَذَا لفظ أثر رَوَاهُ أَحْمد فِي كتاب الْإِيمَان من حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح وَغَيره، أَخذه البُخَارِيّ وَوَضعه تَرْجَمَة، ثمَّ رتب عَلَيْهِ الحَدِيث الْمَرْفُوع. وَلَفظه: دون، إِمَّا بِمَعْنى: غير، يَعْنِي: أَنْوَاع الظُّلم مُخْتَلفَة مُتَغَايِرَة؛ وَإِمَّا بِمَعْنى: الْأَدْنَى، يَعْنِي: بَعْضهَا أَشد فِي الظلمية وَسُوء عَاقبَتهَا. 32 - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ ح قَالَ وحدّثني بِشْرٌ قَالَ حدّثنا مُحَمَّدٌ عَن شُعْبَةَ عَن سُلَيْمَانَ عَن إبْراهِيمَ عَن عَلْقَمَةَ عَن عبدِ اللَّهِ قالَ لَمَّا نَزَلَت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ} قَالَ أصحابُ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فأنْزَلَ {اللَّهُ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما علم أَن الظُّلم على أَنْوَاع، وَأَن بعض أَنْوَاع الظُّلم كفر وَبَعضهَا لَيْسَ بِكفْر، فَيعلم من ذَلِك ضَرُورَة أَن بَعْضهَا دون بعض، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين إِحْدَاهمَا: عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. وَالْأُخْرَى: عَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. فَإِن قلت: الحَدِيث عَال فِي الطَّرِيق الأولى لِأَن رجالها خَمْسَة، وَرِجَال الثَّانِيَة سِتَّة، فلِمَ لم يكتف بِالْأولَى؟ قلت: إِنَّمَا أخرجه بِالطَّرِيقِ الثَّانِيَة أَيْضا لكَون مُحَمَّد بن جَعْفَر أثبت النَّاس فِي شُعْبَة، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّنْبِيه عَلَيْهِ. فَإِن قلت: اللَّفْظ الَّذِي سَاقه لِمَنْ من شيخيه؟ قلت: اللَّفْظ لبشر بن خَالِد. وَكَذَلِكَ أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ، وَتَابعه ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ فِي تَفْسِير الْأَنْعَام. وَأما لفظ ابْن الْوَلِيد فساقه البُخَارِيّ فِي قصَّة لُقْمَان بِلَفْظ: (أَيّنَا لم يلبس إيمَانه بظُلْم) ؟ وَزَاد فِيهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيق سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة بعد قَوْله: {إِن الشّرك لظلم عَظِيم} (لُقْمَان: 13) فطابت أَنْفُسنَا. بَيَان رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة. الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد مر ذكره. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد مر ذكره أَيْضا. الثَّالِث: بشر، بِكَسْر الْبَاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن خَالِد العسكري أَبُو مُحَمَّد الفارض، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ: ثِقَة، وَمُحَمّد بن يحيى بن مَنْدَه وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة. توفّي سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْهُذلِيّ، مَوْلَاهُم، الْبَصْرِيّ صَاحب الكراديس الْمَعْرُوف بغندر، وَسمع السفيانين وَشعْبَة وجالسه نَحوا من عشْرين سنة، وَكَانَ شُعْبَة زوج أمه، روى عَنهُ أَحْمد وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَبُنْدَار وَخلق كثير، صَامَ خمسين سنة يَوْمًا وَيَوْما، وَقَالَ يحيى بن معِين: كَانَ من أصح النَّاس كتابا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق، وَهُوَ فِي شُعْبَة: ثِقَة، وغندر لقب لَهُ لقبه بِهِ ابْن جريج لما قدم الْبَصْرَة، وَحدث عَن الْحسن؟ فَجعل مُحَمَّد يكثر التشغيب عَلَيْهِ، فَقَالَ: أسكت يَا غنْدر. وَأهل الْحجاز يسمون المشغب: غندرا
وَزعم أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كتاب (الِاشْتِقَاق) أَنه من الْغدر، وَأَن نونه زَائِدَة، وَالْمَشْهُور فِي داله الْفَتْح، وَحكى الْجَوْهَرِي ضمهَا. مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة، قَالَه أَبُو دَاوُد، وَقيل: سنة أَربع، وَقَالَ ابْن سعد: سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ. وَقد تلقب عشرَة أنفس بغندر. الْخَامِس: سُلَيْمَان بن مهْرَان، أَبُو مُحَمَّد الْأَسدي الْكَاهِلِي، مَوْلَاهُم، الْكُوفِي الْأَعْمَش. وكاهل هُوَ أَسد بن خُزَيْمَة، يُقَال: أَصله من طبرستان من قَرْيَة يُقَال لَهَا دباوند، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْألف وَفتح الْوَاو وَسُكُون النُّون وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، ولد بهَا الْأَعْمَش وَجَاء بِهِ أَبوهُ حميلاً إِلَى الْكُوفَة، فَاشْتَرَاهُ رجل من بني أَسد فَأعْتقهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي (جَامِعَة) فِي بَاب الاستتار عِنْد الْحَاجة، عَن الْأَعْمَش أَنه قَالَ: كَانَ أبي حميلا فورثه مَسْرُوق. فالحميل على هَذَا أَبوهُ، والحميل: الَّذِي يحمل من بَلَده صَغِيرا وَلم يُولد فِي الْإِسْلَام، وَظهر للأعمش أَرْبَعَة ألآف حَدِيث، وَلم يكن لَهُ كتاب، وَكَانَ فصيحا لم يلحن قطّ، وَكَانَ أَبوهُ من سبي الديلم، يُقَال: إِنَّه شهد قتل الْحُسَيْن، رَضِي الله عَنهُ، وَأَن الْأَعْمَش ولد يَوْم قتل الْحُسَيْن، يَوْم عَاشُورَاء سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ. وَقَالَ البُخَارِيّ: ولد سنة سِتِّينَ، وَمَات سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، رأى أنسا، قيل: وَأَبا بكرَة، وروى عَن عبد الله بن أبي أوفى، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) : رأى أنس بن مَالك وَعبد الله بن أبي أوفى وَلم يثبت لَهُ سَماع من أَحدهمَا، وَسمع أَبَا وَائِل ومعرورا ومجاهدا وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ والتيمي وَالشعْبِيّ وخلقا، روى عَنهُ السبيعِي وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَالثَّوْري وَشعْبَة وَيحيى الْقطَّان وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَخلق سواهُم. وَقَالَ يحيى الْقطَّان: الْأَعْمَش من النساك المحافظين على الصَّفّ الأول، وَكَانَ عَلامَة الْإِسْلَام، وَقَالَ وَكِيع: بَقِي الْأَعْمَش قَرِيبا من سبعين سنة لم تفته التَّكْبِيرَة الأولى، وَكَانَ شُعْبَة إِذا ذكر الْأَعْمَش قَالَ: الْمُصحف الْمُصحف، سَمَّاهُ الْمُصحف لصدقه، وَكَانَ يُسمى: سيد الْمُحدثين، وَكَانَ فِيهِ تشيع، وَنسب إِلَى التَّدْلِيس، وَقد عنعن هَذَا الحَدِيث عَن إِبْرَاهِيم، وَلم ير فِي جَمِيع الطّرق الَّتِي فِيهَا رِوَايَة الْأَعْمَش للْبُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا أَنه صرح بِالتَّحْدِيثِ أَو الْإِخْبَار إلاَّ فِي رِوَايَة حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش، الحَدِيث الْمَذْكُور فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، على مَا سَيَجِيءُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى: فَإِن قلت: المعنعن إِذا كَانَ مدلسا لَا يحمل حَدِيثه على السماع، إِلَّا أَن يبين، فَيَقُول: حَدثنَا، أَو أخبرنَا، أَو سَمِعت، أَو مَا يدل على التحديث. قلت: قَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره: مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من ذَلِك عَن المدلسين: كالسفيانين وَالْأَعْمَش وَقَتَادَة وَغَيرهم، فَمَحْمُول على ثُبُوت السماع عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم من طَرِيق آخر، وَقد ذكر الْخَطِيب عَن بعض الْحفاظ، أَن الْأَعْمَش يُدَلس عَن غير الثِّقَة، بِخِلَاف سُفْيَان فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُدَلس عَن ثِقَة. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا بُد أَن يبين حَتَّى يعرف، وَالله أعلم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن قيس بن الْأسود بن عَمْرو بن ربيعَة بن ذهل بن سعد بن مَالك بن النخع، النَّخعِيّ أَبُو عمرَان الْكُوفِي، فَقِيه أهل الْكُوفَة، دخل على عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، وَلم يثبت مِنْهَا لَهُ سَماع. وَقَالَ الْعجلِيّ: أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة وَلم يحدث من أحد مِنْهُم، وَكَانَ ثِقَة. مفتي أهل زَمَانه هُوَ وَالشعْبِيّ، وَسمع عَلْقَمَة وَالْأسود بن زيد وخالدا ومسروقا وخلقا كثيرا، روى عَنهُ الشّعبِيّ وَمَنْصُور وَالْأَعْمَش وَغَيرهم، وَكَانَ أَعور، وَقَالَ الشّعبِيّ: لما مَاتَ إِبْرَاهِيم مَا ترك أحدا أعلم مِنْهُ وَلَا أفقه، فَقيل لَهُ: وَلَا الْحسن وَابْن سِيرِين؟ قَالَ: وَلَا هما، وَلَا من أهل الْبَصْرَة، وَلَا من أهل الْكُوفَة والحجاز. وَفِي رِوَايَة: وَلَا بِالشَّام. قَالَ الْأَعْمَش: كَانَ إِبْرَاهِيم صيرفي الحَدِيث، مَاتَ وَهُوَ مختف من الْحجَّاج، وَلم يحضر جنَازَته إلاَّ سَبْعَة أنفس سنة سِتّ وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن تسع، وَقيل: ثَمَان وَخمسين. قيل: ولد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ، وَقيل: سنة خمسين، فَيكون على هَذَا توفّي ابْن سِتّ وَأَرْبَعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّابِع: عَلْقَمَة بن قيس بن عبد الله بن عَلْقَمَة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عَوْف بن النَّخعِيّ، أَبُو شبْل الْكُوفِي، عَم الْأسود وَعبد الرَّحْمَن ابْني يزِيد، خَالِي إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ لِأَن أم إِبْرَاهِيم مليكَة ابْنة يزِيد، وَهِي أُخْت الْأسود وَعبد الرَّحْمَن ابْني يزِيد، روى عَن أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ، وَسمع عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، وروى عَنهُ أَبُو وَائِل وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهم، اتّفق على جلالته وتوثيقه، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانَ عَلْقَمَة يشبه عبد الله بن مَسْعُود. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: كَانَ عَلْقَمَة من الربانيين. وَقَالَ أَبُو قيس: رَأَيْت إِبْرَاهِيم آخِذا بركاب عَلْقَمَة. مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَقيل: وَسبعين، وَلم يُولد لَهُ قطّ، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ ابْن مَاجَه. الثَّامِن: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، وَقد مر ذكره فِي أول كتاب الْإِيمَان. وَفِي الصَّحَابَة ثَلَاثَة عبد لله بن مَسْعُود أحدهم: هَذَا وَالثَّانِي: أَبُو عَمْرو الثَّقَفِيّ، أَخُو أبي عُبَيْدَة، اسْتشْهد يَوْم الجسر. وَالثَّالِث: غفاري، لَهُ حَدِيث. وَفِيهِمْ رَابِع: اخْتلف فِي إسمه فَقيل: ابْن مسْعدَة، وَقيل: ابْن مَسْعُود الْفَزارِيّ.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصُورَة الْجمع وَصُورَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين الْكُوفِيّين يروي بَعضهم عَن بعض: الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم وعلقمة، وَهَذَا الْإِسْنَاد أحد مَا قيل فِيهِ إِنَّه أصح الْأَسَانِيد. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم حفاظ أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِي بعض النّسخ قبل قَوْله: (وحَدثني بشر) صُورَة: ح، أَشَارَ إِلَى التَّحْوِيل حَائِلا بَين الإسنادين، فَهَذَا إِن كَانَ من المُصَنّف، فَهِيَ تدل على التَّحْوِيل قطعا، وَإِن كَانَ من بعض الروَاة قد زَادهَا فَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا، أَن تكون مُهْملَة دَالَّة على التَّحْوِيل كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَالْآخر: أَن تكون مُعْجمَة دَالَّة على البُخَارِيّ بطرِيق الرَّمْز، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: وحَدثني بشر، وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بواو الْعَطف. فَافْهَم. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة، وَعَن بشر بن خَالِد عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار عَن ابْن عدي عَن شُعْبَة، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، عَن ابْن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه، وَعَن إِسْحَاق عَن عِيسَى بن يُونُس، وَفِي التَّفْسِير واستتابة الْمُرْتَدين عَن قُتَيْبَة عَن جرير. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر عَن ابْن إِدْرِيس، وَأبي مُعَاوِيَة ووكيع، وَعَن إِسْحَاق وَابْن خشرم عَن عِيسَى، وَعَن منْجَاب عَن عَليّ بن مسْهر، وَعَن أبي كريب عَن ابْن إِدْرِيس كلهم عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَفِي بعض طرق البُخَارِيّ: لما نزلت الْآيَة شقّ ذَلِك على أَصْحَاب رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا: أَيّنَا لم يلبس إِيمَانًا بظُلْم؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّه لَيْسَ كَذَلِك، أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى قَول لُقْمَان {إِن الشّرك لظلم عَظِيم} (لُقْمَان: 13) وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (لم يلبسوا) من بَاب: لبست الْأَمر ألبسهُ، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي، وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل، إِذا خلطته؛ وَفِي: لبس الثَّوْب بضده يَعْنِي، بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي، وَالْفَتْح فِي الْمُسْتَقْبل. والمصدر من الأول: لبس، بِفَتْح اللَّام، وَمن الثَّانِي: لبس بِالضَّمِّ. وَفِي (الْعباب) : قَالَ الله تَعَالَى: {وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ} (الْأَنْعَام: 9) أَي شبهنا عَلَيْهِم وأضللناهم كَمَا ضلوا، قَالَ ابْن عَرَفَة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ} (الْبَقَرَة: 42) أَي: لَا تخلطوه بِهِ، وَقَوله تَعَالَى: {أويلبسكم شيعًا} (الْأَنْعَام: 65) أَي يخلط أَمركُم خلط اضْطِرَاب لَا خلط اتِّفَاق. وَقَوله جلّ ذكره: {وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم} (الْأَنْعَام: 82) أَي: لم يخلطوه بشرك، قَالَ العجاج: (ويفصلون اللّبْس بعد اللّبْس ... من الْأُمُور الربس بعد الربس) واللبس أَيْضا: اخْتِلَاط الظلام، وَفِي الْأَمر لبسة، بِالضَّمِّ، أَي: شُبْهَة وَلَيْسَ بواضح. قَوْله: (بظُلْم) ، الظُّلم فِي أصل الْوَضع: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، يُقَال: ظلمه يَظْلمه ظلما ومظلمة والظلامة والظليمة والمظلمة: مَا تطلبه عِنْد الْمَظَالِم، وَهُوَ اسْم مَا أَخذ مِنْك. وتظلمني فلَان أَي: ظَلَمَنِي مَالِي. قَوْله: (لما) ، بِمَعْنى: حِين، وَقَوله: (قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) جَوَابه. قَوْله: (نزلت) : فعل وفاعله، قَوْله: ( {الَّذين آمنُوا} (الْأَنْعَام: 82)) الْآيَة، والتأنيث بِاعْتِبَار الْآيَة، وَالتَّقْدِير: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ( {الَّذين آمنُوا} (الْأَنْعَام: 82)) إِلَى آخرهَا. قَوْله: (أَيّنَا) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: (لم يظلم) خَبره، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل، قَوْله: (فَأنْزل الله) عطف على: قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْفَاء مَعْنَاهَا التعقيب، وَقد تكون بِمَعْنى: ثمَّ، يَعْنِي للتراخي، وَالَّذِي تَقْتَضِيه الْحَال أَنَّهَا هَهُنَا على أَصْلهَا. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (أَيّنَا لم يظلم) ، وَفِي بعض النّسخ: (أَيّنَا لم يظلم نَفسه) ، بِزِيَادَة: نَفسه، وَالْمعْنَى: إِن الصَّحَابَة فَهموا الظُّلم على الْإِطْلَاق، فشق عَلَيْهِم ذَلِك، فَبين الله تَعَالَى أَن المُرَاد الظُّلم الْمُقَيد، وَهُوَ الظُّلم الَّذِي لَا ظلم بعده. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا شقّ عَلَيْهِم لِأَن ظَاهر الظُّلم الافتيات بِحُقُوق النَّاس، والافتيات السَّبق إِلَى الشَّيْء، وَمَا ظلمُوا بِهِ أنفسهم من ارْتِكَاب الْمعاصِي، فظنوا أَن المُرَاد هَهُنَا مَعْنَاهُ الظَّاهِر، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة. وَمن جعل الْعِبَادَة وَأثبت الربوبية لغير الله تَعَالَى فَهُوَ ظَالِم، بل أظلم الظَّالِمين. وَقَالَ التَّيْمِيّ: معنى الْآيَة: لم يفسدوا إِيمَانهم ويبطلوه بِكفْر، لِأَن الْخَلْط بَينهمَا لَا يتَصَوَّر، أَي: لم يخلطوا صفة الْكفْر بِصفة الْإِيمَان فَتحصل لَهُم صفتان إِيمَان مُتَقَدم وَكفر مُتَأَخّر بِأَن كفرُوا بعد إِيمَانهم، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: ينافقوا فيجمعوا بَينهمَا ظَاهرا وَبَاطنا، وَإِن كَانَا لَا يَجْتَمِعَانِ. قلت: اخْتلفت أَلْفَاظ الحَدِيث فِي هَذَا، فَفِي رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش: (فَقَالُوا أَيّنَا لم يلبس إيمَانه بظُلْم؟ فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِك، أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى قَول لُقْمَان) ؟ وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَنهُ: (فَقَالَ لَيْسَ كَمَا تظنون) . وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَنهُ: (إِنَّمَا هُوَ الشّرك، ألم تسمعوا مَا قَالَ لُقْمَان؟) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ مَا مضى ذكره هَهُنَا، فَبين
رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ وَبَين رِوَايَات جرير ووكيع وَعِيسَى بن يُونُس اخْتِلَاف، والتوفيق بَينهمَا أَن يَجْعَل إِحْدَاهمَا مبينَة لِلْأُخْرَى، فَيكون الْمَعْنى: لما شقّ عَلَيْهِم أنزل الله تَعَالَى {إِن الشّرك لظلم عَظِيم} (لُقْمَان: 13) فأعلمهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الظُّلم الْمُطلق فِي إِحْدَاهمَا يُرَاد بِهِ الْمُقَيد فِي الْأُخْرَى، وَهُوَ الشّرك. فالصحابة، رَضِي الله عَنْهُم، حملُوا اللَّفْظ على عُمُومه، فشق عَلَيْهِم إِلَى أَن أعلمهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا ظننتم، بل كَمَا قَالَ لُقْمَان عَلَيْهِ السَّلَام. فَإِن قلت: من أَيْن حملوه على الْعُمُوم؟ قلت: لِأَن قَوْله: (بظُلْم) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، فاقتضت التَّعْمِيم. فَإِن قلت: من أَيْن لزم أَن من لبس الْإِيمَان بظُلْم لَا يكون آمنا وَلَا مهتديا حَتَّى شقّ عَلَيْهِم؟ قلت: من تَقْدِيم: لَهُم، على الْأَمْن، فِي قَوْله: {أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن} (الْأَنْعَام: 82) أَي: لَهُم الْأَمْن لَا لغَيرهم، وَمن تَقْدِيم {وهم} على {مهتدون} (الْأَنْعَام: 82) فِي قَوْله: {وهم مهتدون} (الْأَنْعَام: 82) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي: {كلمة هُوَ قَائِلهَا} (الْمُؤْمِنُونَ: 100) إِنَّه: للتخصيص، أَي: هُوَ قَائِلهَا لَا غَيره. فَإِن قلت: لَا يلْزم من قَوْله تَعَالَى: {إِن الشّرك لظلم عَظِيم} (لُقْمَان: 13) إِن غير الشّرك لَا يكون ظلما. قلت: التَّنْوِين فِي: بظُلْم، للتعظيم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم عَظِيم، فَلَمَّا تبين أَن الشّرك ظلم عَظِيم، علم أَن المُرَاد: لم يلبسوا إِيمَانهم بشرك، وَقد ورد ذَلِك صَرِيحًا عِنْد البُخَارِيّ من طَرِيق حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش، وَلَفظ: (قُلْنَا: يَا رَسُول الله أَيّنَا لم يظلم نَفسه؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقولُونَ، لم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم بشرك، أولم تسمعوا إِلَى قَول لُقْمَان) ؟ فَذكر الْآيَة. فَإِن قلت: لِمَ ينْحَصر الظُّلم الْعَظِيم على الشّرك؟ قلت: عَظمَة هَذَا الظُّلم مَعْلُومَة بِنَصّ الشَّارِع، وعظمة غَيره غير مَعْلُومَة، وَالْأَصْل عدمهَا. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: إِن الْعَام يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْخَاص، بِخِلَاف قَول أهل الظَّاهِر، فَحمل الصَّحَابَة ذَلِك على جَمِيع أَنْوَاع الظُّلم، فَبين الله تَعَالَى أَن المُرَاد نوع مِنْهُ، وَحكى الْمَاوَرْدِيّ فِي الظُّلم فِي الْآيَة قَوْلَيْنِ. أَحدهمَا: أَن المُرَاد مِنْهُ الشّرك، وَهُوَ قَول أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود عملا بِهَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَاخْتلفُوا على الثَّانِي، فَقيل: إِنَّهَا عَامَّة، وَيُؤَيِّدهُ مَا وَرَاه عبد بن حميد عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ (أَن رجلا سَأَلَ عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسكت حَتَّى جَاءَ رجل فَأسلم، فَلم يلبث قَلِيلا حَتَّى اسْتشْهد. فَقَالَ، عَلَيْهِ السَّلَام: هَذَا مِنْهُم، من الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم) . وَقيل: إِنَّهَا خَاصَّة نزلت فِي إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة فِيهَا شَيْء، قَالَه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ. وَقيل: إِنَّهَا فِيمَن هَاجر إِلَى الْمَدِينَة. قَالَه عِكْرِمَة. قلت: جعل صَاحب (الْكَشَّاف) هَذِه الْآيَة جَوَابا عَن السُّؤَال، أَعنِي قَوْله: {فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن إِن كُنْتُم تعلمُونَ} (الْأَنْعَام: 81) وَأَرَادَ بالفريقين فريقي الْمُشْركين والموحدين، وَفسّر الشّرك بالمعصية. فَقَالَ: أَي لم يخلطوا إِيمَانهم بِمَعْصِيَة تفسقهم، ثمَّ قَالَ: وأبى تَفْسِير الظُّلم بالْكفْر لفظ اللّبْس، وَهَذَا لَا يمشي إلاَّ على قَول من قَالَ: إِنَّهَا خَاصَّة نزلت فِي إِبْرَاهِيم. الثَّانِي: إِن الْمُفَسّر يقْضِي على الْمُجْمل. الثَّالِث: إِثْبَات الْعُمُوم. الرَّابِع: عُمُوم النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي لفهم الصَّحَابَة وَتَقْرِير الشَّارِع عَلَيْهِ وَبَيَانه لَهُم التَّخْصِيص، وَأنكر القَاضِي الْعُمُوم، فَقَالَ: حملوه على أظهر مَعَانِيه، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ يُطلق على الْكفْر وَغَيره لُغَة وَشرعا، فَعرف الِاسْتِعْمَال فِيهِ الْعُدُول عَن الْحق فِي غير الْكفْر، كَمَا أَن لفظ الْكفْر يُطلق على معَان من: جحد النعم والستر، لَكِن الْغَالِب عِنْد مُجَرّد الْإِطْلَاق حمله على ضد الْإِيمَان، فَلَمَّا ورد لفظ الظُّلم من غير قرينَة حمله الصَّحَابَة على أظهر وجوهه، فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة الْعُمُوم. قلت: يرد هَذَا مَا ذَكرْنَاهُ من أَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم، وَرِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا. الْخَامِس: استنبط مِنْهُ الْمَازرِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا تَأْخِير الْبَيَان إِلَى وَقت الْحَاجة وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي الرَّد على ذَلِك بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِه الْقَضِيَّة تَكْلِيف عمل، بل تَكْلِيف اعْتِقَاد بِتَصْدِيق الْخَبَر، واعتقاد بِتَصْدِيق لَازم لأوّل وُرُوده، فَمَا هِيَ الْحَاجة المؤخرة إِلَى الْبَيَان؟ لكِنهمْ لما أشفقوا بَين لَهُم المُرَاد. وَقَالَ بَعضهم: وَيُمكن أَن يُقَال: المعتقد أَيْضا يحْتَاج إِلَى الْبَيَان فَمَا انْتَفَت الْحَاجة، وَالْحق أَن فِي الْقَضِيَّة تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب لأَنهم حَيْثُ احتاجوا إِلَيْهِ لم يتَأَخَّر. قلت: لَو فهم هَذَا الْقَائِل كَلَام القَاضِي لما استدرك عَلَيْهِ بِمَا قَالَه، فَالْقَاضِي يَقُول: اعْتِقَاد التَّصْدِيق لَازم ... الخ، فَالَّذِي يفهم هَذَا الْكَلَام كَيفَ يَقُول: فَمَا انْتَفَت الْحَاجة. وَقَوله: وَالْحق أَن فِي الْقِصَّة تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب، لَيْسَ بِحَق، لِأَن الْآيَة لَيْسَ فِيهَا خطاب، وَالْخطاب من بَاب الْإِنْشَاء، وَالْآيَة إِخْبَار. على أَن تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب مُمْتَنع عِنْد جمَاعَة. وَقيد الْكَرْخِي جَوَازه فِي الْمُجْمل على مَا عرف
- (باب علامات المنافق)
فِي مَوْضِعه. السَّادِس: أَن الْمعاصِي لَا تكون كفرا، وَهُوَ مَذْهَب أهل الْحق، وَأَن الظُّلم مُخْتَلف فِي ذَاته كَمَا عَلَيْهِ تَرْجَمته. السَّابِع: احْتج بِهِ من قَالَ: الْكَلَام حكمه الْعُمُوم حَتَّى يَأْتِي دَلِيل الْخُصُوص. الثَّامِن: أَن اللَّفْظ يحمل على خلاف ظَاهره لمصْلحَة تَقْتَضِي ذَلِك، فَافْهَم. 24 - (بابُ عَلاَماتِ المُنَافِقِ) الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْبَاب الأول مترجم على أَن الظُّلم فِي ذَاته مُخْتَلف وَله أَنْوَاع، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا مُشْتَمل على بَيَان أَنْوَاع النِّفَاق، وَأَيْضًا فالنفاق نوع من أَنْوَاع الظُّلم، وَلما قَالَ فِي الْبَاب الأول: ظلم دون ظلم، عقبه بِبَيَان نوع مِنْهُ. وَقَوله الْكرْمَانِي: وَأما مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب لكتاب الْإِيمَان أَن يبين أَن هَذِه عَلامَة عدم الْإِيمَان، أَو يعلم مِنْهُ أَن بعض النِّفَاق كفر دون بعض لَيْسَ بمناسب، بل الْمُنَاسب ذكر الْمُنَاسبَة بَين كل بَابَيْنِ متواليين، فَذكر الْمُنَاسبَة بَين بَابَيْنِ بَينهمَا أَبْوَاب غير مُنَاسِب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مُرَاد البُخَارِيّ بِذكر هَذَا هُنَا أَن الْمعاصِي تنقص الْإِيمَان، كَمَا أَن الطَّاعَة تزيده. قلت: هَذَا أَيْضا غير موجه فِي ذكر الْمُنَاسبَة على مَا لَا يخفى. الثَّانِي: إِن لفظ بَاب مُعرب لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان عَلَامَات الْمُنَافِق. والعلامات جمع عَلامَة، وَهِي الَّتِي يسْتَدلّ بهَا على الشَّيْء، وَمِنْه سمي الْجَبَل: عَلامَة وعلما أَيْضا. فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول: بَاب آيَات الْمُنَافِق، مُطَابقَة للفظ الحَدِيث. قلت: لَعَلَّه نبه بذلك على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أخرجهَا أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه بِلَفْظ: (عَلَامَات الْمُنَافِق) . الثَّالِث: لفظ الْمُنَافِق من النِّفَاق، وَزعم ابْن سَيّده أَنه الدُّخُول فِي الْإِسْلَام من وَجه وَالْخُرُوج عَنهُ من آخر، مُشْتَقّ من نافقاء اليربوع، فَإِن إِحْدَى جحريه يُقَال لَهَا النافقاء، وَهُوَ مَوضِع يرققه بِحَيْثُ إِذا ضرب رَأسه عَلَيْهَا ينشق، وَهُوَ يكتمها وَيظْهر غَيرهَا، فَإِذا أَتَى الصَّائِد إِلَيْهِ من قبل القاصعاء، وَهُوَ جُحْره الظَّاهِر الَّذِي يقصع فِيهِ، أَي: يدْخل، ضرب النافقاء بِرَأْسِهِ فانتفق، أَي: خرج، فَكَمَا أَن اليربوع يكتم النافقاء وَيظْهر القاصعاء، كَذَلِك الْمُنَافِق يكتم الْكفْر وَيظْهر الْإِيمَان، أَو يدْخل فِي الشَّرْع من بَاب وَيخرج من آخر؛ ويناسبه من وَجه آخر وَهُوَ أَن النافقاء ظَاهره يرى كالأرض، وباطنه الحفرة فِيهَا، فَكَذَا الْمُنَافِق. وَقَالَ الْقَزاز: يُقَال: نَافق اليربوع ينافق فَهُوَ مُنَافِق إِذا فعل ذَلِك، وَكَذَلِكَ نفق ينْفق فَهُوَ مُنَافِق من هَذَا، وَقيل: الْمُنَافِق مَأْخُوذ من النفق وَهُوَ: السرب تَحت الأَرْض يُرَاد أَنه يسْتَتر بِالْإِسْلَامِ كَمَا يسْتَتر صَاحب النفق فِيهِ؛ وَجمع النفق أنفاق. وَقَالَ ابْن سَيّده: النافقاء وَالنَّفقَة جُحر الضَّب واليربوع، وَالْحَاصِل أَن الْمُنَافِق هُوَ الْمظهر لما يبطن خِلَافه. وَفِي الِاصْطِلَاح: هُوَ الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام ويبطن الْكفْر، فَإِن كَانَ فِي اعْتِقَاد الْإِيمَان فَهُوَ نفاق الْكفْر وإلاَّ فَهُوَ نفاق الْعَمَل، وَيدخل فِيهِ الْفِعْل وَالتّرْك، وتتفاوت مراتبه. قلت: هَذَا التَّفْسِير تَفْسِير الزنديق الْيَوْم، وَلِهَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ عَن مَالك: إِن النِّفَاق على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الزندقة الْيَوْم عندنَا. فَإِن قيل: الْمُنَافِق من بَاب المفاعلة، وَأَصلهَا أَن تكون لإثنين. أُجِيب: بِأَن مَا جَاءَ على هَذَا عِنْدهم لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة خَادع وراوغ، وَقيل: بل لِأَنَّهُ يُقَابل بِقبُول الْإِسْلَام مِنْهُ، فَإِن علم أَنه مُنَافِق فقد صَار الْفِعْل من اثْنَيْنِ، وَسمي الثَّانِي باسم الأول مجَازًا للازدواج، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ} (الْبَقَرَة: 194) وَاعْلَم أَن حَقِيقَة النِّفَاق لَا تعلم إلاَّ بتقسيم نذكرهُ، وَهُوَ: إِن أَحْوَال الْقلب أَرْبَعَة، وَهِي: الِاعْتِقَاد الْمُطلق عَن الدَّلِيل وَهُوَ: الْعلم. والاعتقاد الْمُطلق لَا عَن الدَّلِيل وَهُوَ: اعْتِقَاد الْمُقَلّد. والاعتقاد الْغَيْر المطابق وَهُوَ: الْجَهْل. وخلو الْقلب عَن ذَلِك، فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَقسَام، وَأما أَحْوَال اللِّسَان فَثَلَاثَة: الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار وَالسُّكُوت، فَيحصل من ذَلِك اثْنَا عشر قسما. الأول: مَا إِذا حصل الْعرْفَان بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، فَهَذَا الْإِقْرَار إِن كَانَ اختباريا فصاحبه مُؤمن حَقًا، وَإِن كَانَ اضطراريا فَهُوَ كَافِر فِي الظَّاهِر. الثَّانِي: أَن يحصل الْعرْفَان القلبي وَالْإِنْكَار اللساني، فَهَذَا الْإِنْكَار إِن كَانَ اضطراريا فصاحبه مُسلم، وَإِن كَانَ اختياريا كَانَ كَافِرًا معاندا. الثَّالِث: أَن يحصل الْعرْفَان القلبي، وَيكون اللِّسَان خَالِيا عَن الْإِنْكَار وَالْإِقْرَار، فَهَذَا السُّكُوت إِمَّا أَن يكون إضطراريا أَو اختياريا، فَإِن كَانَ اضطراريا فَهُوَ مُسلم حَقًا. وَمِنْه مَا إِذا عرف الله تَعَالَى بدليله، ثمَّ لما تمم النّظر مَاتَ فَجْأَة، فَهَذَا مُؤمن قطعا؛ وَإِن كَانَ اختياريا فَهُوَ كمن عرف الله بدليله ثمَّ إِنَّه لم يَأْتِ بِالْإِقْرَارِ، فَقَالَ الْغَزالِيّ: إِنَّه مُؤمن. الرَّابِع: اعْتِقَاد الْمُقَلّد لَا يَخْلُو مَعَه
الاقرار وَالْإِنْكَار أَو السُّكُوت، فَإِن كَانَ مَعَه الْإِقْرَار وَكَانَ اختياريا فَهُوَ إِيمَان الْمُقَلّد، وَهُوَ صَحِيح، خلافًا للْبَعْض. وَإِن كَانَ اضطراريا فَهَذَا يفرع على الصُّورَة الأولى، فَإِن حكمنَا هُنَاكَ بالأيمان وَجب أَن نحكم هَهُنَا بالنفاق، وَهُوَ الْقسم الْخَامِس. السَّادِس: أَن يكون مَعَه السُّكُوت، فَحكمه حكم الْقسم الثَّالِث اضطراريا أَو اختياريا. السَّابِع: الانكار القلبي، فإمَّا أَن يُوجد مَعَه الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار أَو السُّكُوت، فَإِن كَانَ مَعَه الْإِقْرَار فَإِن كَانَ اضطراريا فَهُوَ مُنَافِق، وَإِن كَانَ اختياريا فَهُوَ كفر الْجُحُود والعناد، وَهُوَ أَيْضا قسم من النِّفَاق وَهُوَ الْقسم الثَّامِن. التَّاسِع: أَن يُوجد الْإِنْكَار بِاللِّسَانِ مَعَ الْإِنْكَار القلبي، فَهَذَا كَافِر. الْعَاشِر: القلبي الْخَالِي فَإِن كَانَ مَعَه الْإِقْرَار فَإِن كَانَ اختياريا يخرج من الْكفْر، وَإِن كَانَ اضطراريا لم يكفر. الْحَادِي عشر: الْقلب الْخَالِي مَعَ الْإِنْكَار بِاللِّسَانِ فَحكمه على الْعَكْس مَعَ حكم الْقسم الْعَاشِر. الثَّانِي عشر: الْقلب الْخَالِي مَعَ اللِّسَان الْخَالِي، فَهَذَا إِن كَانَ فِي مهلة النّظر فَذَاك هُوَ الْوَاجِب، وَإِن كَانَ خَارِجا عَن مهلة النّظر وَجب تكفيره، وَلَا يحكم بالنفاق الْبَتَّةَ؛ وَقد ظهر من هَذَا النِّفَاق الَّذِي لَا يُطَابق ظَاهره بَاطِنه، فَافْهَم. 33 - حدّثنا سُلَيْمَانُ أبُو الرَّبِيع حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفرٍ قَالَ حدّثنا نَافِعُ بنُ مَالِكِ ابنِ أبِي عامرٍ أبُو سُهَيلٍ عَن أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ آيةُ المنافِق ثَلاَثٌ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذا وَعَدَ أخْلَفَ وَإِذا ائْتُمنَ خانَ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: سُلَيْمَان أَبُو الرّبيع بن دَاوُد الزهْرَانِي الْعَتكِي، سكن بَغْدَاد، سمع من مَالك حَدِيثا، وَسمع فليح بن سُلَيْمَان وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا عِنْدهمَا، وَإِسْمَاعِيل بن جُنْدُب عِنْد البُخَارِيّ، وَجَمَاعَة كَثِيرَة عِنْد مُسلم، روى عَن البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ: ثِقَة. وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة. توفّي بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن أبي كثير الْأنْصَارِيّ، أَبُو إِبْرَاهِيم الزرقي، مَوْلَاهُم الْمدنِي، قارىء أهل الْمَدِينَة، أَخُو مُحَمَّد وَيحيى وَكثير وَيَعْقُوب بني جَعْفَر، سمع أَبَا سُهَيْل نَافِعًا وَعبد الله بن دِينَار وَغَيرهمَا. قَالَ يحيى: ثِقَة مَأْمُون قَلِيل الْخَطَأ صَدُوق. وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَأحمد وَابْن سعد: ثِقَة، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ من أهل الْمَدِينَة، قدم بَغْدَاد فَلم يزل بهَا حَتَّى مَاتَ. وَهُوَ صَاحب خمس مائَة حَدِيث الَّتِي سَمعهَا مِنْهُ النَّاس توفّي بِبَغْدَاد سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَبُو سُهَيْل نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر، وَنَافِع أَخُو أنس وَالربيع وأويس، وهم عمومة مَالك الإِمَام، سمع ابْن مَالك وأباه وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالقَاسِم وَابْن الْمسيب وَغَيرهمَا روى عَنهُ مَالك وَغَيره، وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو أنس مَالك بن أبي عَامر، جد مَالك الإِمَام، وَالِد أنس وَالربيع وَنَافِع وأويس، حَلِيف عُثْمَان بن عبد الله أخي طَلْحَة التَّيْمِيّ الْقرشِي، سمع طَلْحَة بن عبد الله عِنْدهمَا، وَعَائِشَة عِنْد البُخَارِيّ وَعُثْمَان عِنْد مُسلم فِي الْوضُوء والبيوع. أما فِي الْوضُوء فَمن طَرِيق وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أبي أنس عَن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ. وَأما فِي الْبيُوع فَفِي بَاب الرِّبَا من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار عَنهُ، فاستدرك الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره الأول، فَقَالَ: خَالف وكيعا أصحابُ الثَّوْريّ والحفاظ حَيْثُ رَوَوْهُ عَن سُفْيَان عَن أبي النَّضر عَن بسر بن سعيد عَن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا قَالَ الجياني: إِن وكيعاً توهم فِيهِ، فَقَالَ: عَن أبي أنس، إِنَّمَا يرويهِ أَبُو النَّضر عَن بسر بن سعيد عَن عُثْمَان. وَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) فِي الحَدِيث الثَّانِي: إِنَّه بلغه عَن جده عَن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وَقَالَ فِي الْإِيمَان فِي حَدِيث طَلْحَة: إِنَّه سمع طَلْحَة بن عبيد الله، فَأتى فِي طَلْحَة بِلَفْظ: سَمِعت، وَكَذَا صرح بِهِ ابْن سعد، وَقَالَ: وَقد روى مَالك بن أبي عَامر عَن عمر وَعُثْمَان وَطَلْحَة بن عبيد الله وَأبي هُرَيْرَة، وَكَانَ ثِقَة، وَله أَحَادِيث صَالِحَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن سرُور الْمَقْدِسِي: قَالَ الْوَاقِدِيّ: توفّي سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سبعين أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة، وَكَذَا حكى عَنهُ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي وَأَبُو نصر الكلاباذي، وَقَالَ الْحَافِظ زكي الدّين الْمُنْذِرِيّ: كَيفَ يَصح سَمَاعه عَن طَلْحَة مَعَ أَنه توفّي سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سبعين واثنتين أَو سبعين؟ فعلى هَذَا يكون مولده سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة، وَلَا خلاف أَن طَلْحَة قتل يَوْم الْجمل سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة والإسناد صَحِيح، أخرجه الْأَئِمَّة وَفِيه أَنه سمع طَلْحَة بن عبيد الله. قلت: فَلَعَلَّ السّبْعين، صوابها: التسعين، وتصحفت بهَا، وَقد ذكر أَبُو عمر النمري أَنه توفّي سنة مائَة أَو نَحْوهَا، فعلى هَذَا
يكون مولده سنة ثَمَان وَعشْرين، وَيُمكن سَمَاعه مِنْهُ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: يشكل أَيْضا بِمَا رَوَاهُ ابْن سعد من أَنه رأى عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَتُوفِّي عمر، رَضِي الله عَنهُ، لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين، فَكيف يَصح لَهُ رُؤْيَته؟ وَقَالَ ابْن سعد: أخبرنَا يزِيد بن هَارُون، أخبرنَا جرير بن حَازِم عَن عَمه جرير بن زيد عَن مَالك بن أبي عَامر، قَالَ: شهِدت عمر، رَضِي الله عَنهُ، عِنْد الْجَمْرَة وأصابه حجر فدماه، فَذكر الحَدِيث. وَفِيه: فَلَمَّا كَانَ من قَابل أُصِيب عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَقد نبه الْحَافِظ الْمزي أَيْضا على هَذَا الْوَهم فِي الْوَفَاة فِي أَنَّهَا سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَة مَعَ السن الْمَذْكُور. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي حَاشِيَة تهذيبه: إِنَّه خطأ لَا شكّ فِيهِ، فَإِنَّهُ قد سمع عمر فَمن بعده، وَنقل فِي أصل تهذيبه عَن وَلَده الرّبيع أَن وَالِده هلك حِين اجْتمع النَّاس على عبد الْملك، قَالَ: يَعْنِي سنة أَربع وَسبعين، وَجزم بِهِ فِي (الكاشف) وَالله أعلم. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ، وَقد مر ذكره. بَيَان الْأَنْسَاب: الزهْرَانِي: نِسْبَة إِلَى زهران بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نضر بن الأزد، وَهُوَ قبيل عَظِيم فِيهِ بطُون وأفخاذ. والعتكي: فِي الأزد ينْسب إِلَى العتيك بن الْأسد بن عمرَان بن عَمْرو بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، وَفِي قضاعة ولخم أَيْضا. والزرقي، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء بعْدهَا الْقَاف؛ فِي الْأَنْصَار وَفِي طي. فَالَّذِي فِي الْأَنْصَار: زُرَيْق بن عَامر بن زُرَيْق بن عبد حَارِثَة بن مَالك بن غضب بن جشم بن الْخَزْرَج، وَالَّذِي فِي طي: زُرَيْق بطن بن عبد بن خُزَيْمَة بن زُهَيْر بن ثَعْلَبَة بن سلامان بن ثقل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي. والتيمي: فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله عَنهُ. وَفِي الربَاب: تيم بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي النمر بن قاسط: تيم الله بن نمر بن قاسط، وَفِي شَيبَان بن ذهيل: تيم بن شَيبَان، وَفِي ربيعَة بن نزار: تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عكابة، وَفِي ضبة: تيم بن ذهل بن مَالك بن بكر بن سعد بن ضبة. وَفِي قضاعة: تيم الله بن رفيدة بن ثَوْر بن كلب، بطن ينْسب إِلَيْهِ التَّيْمِيّ. بَيَان لطائف إِسْنَاده. مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم مدنيون إلاَّ أَبَا الرّبيع، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن أبي الرّبيع، وَفِي الشَّهَادَات عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْأَدَب عَن ابْن سَلام. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب كلهم عَن إِسْمَاعِيل بن جعد عَن أبي سُهَيْل عَن أَبِيه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (آيَة الْمُنَافِق) ، أَي: علامته، وَسميت آيَة الْقُرْآن آيَة لِأَنَّهَا عَلامَة انْقِطَاع كَلَام عَن كَلَام. فَإِن قلت: مَا وزن آيَة؟ قلت فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: الأول: إِن وَزنهَا: فعلة، أَصْلهَا: أيية، قلبت الْيَاء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل. الثَّانِي: إِن وَزنهَا: فعلة، أَصْلهَا: اية، بِالتَّشْدِيدِ، قلب أول المضاعفين ألفا كَمَا قلبت يَاء فِي: إِيمَاء، وَهُوَ مَذْهَب الْفراء. الثَّالِث: إِن وَزنهَا: فاعلة، وَأَصلهَا: آيية، فنقصت، وَهُوَ مَذْهَب الْكسَائي، وَاعْترض عَلَيْهِ الْفراء بِأَنَّهَا قد صغرت أيية، وَلَو كَانَ أَصْلهَا آيية لقيل: آوية، فَأجَاب الْكسَائي بِأَنَّهَا صغرت تَصْغِير التَّرْخِيم كفطيمة فِي فَاطِمَة، وَاعْترض إِنَّمَا ذَلِك يجْرِي فِي الْأَعْلَام. الرَّابِع: إِن وَزنهَا فعلة، وَأَصلهَا ايية، وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَالْأَصْل أوية بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَوضِع الْعين من الْآيَة وَاو، لِأَن مَا كَانَ مَوضِع الْعين واوا وَاللَّام يَاء أَكثر مِمَّا مَوضِع الْعين وَاللَّام يَا آن، مثل: شويت، أَكثر من: حييت، وَتَكون النِّسْبَة إِلَيْهِ: أووى، وَقَالَ الْفراء: هِيَ من الْفِعْل فاعلة، وَإِنَّمَا ذهبت مِنْهُ اللَّام وَلَو جَاءَت تَامَّة لجاءت: آيية، وَلكنهَا خففت، وَجمع الْآيَة، آي وآيات. انْتهى. قلت: الْمَشْهُور أَن عينهَا يَاء، وَزنهَا فاعة، لِأَن الأَصْل آيية، فحذفوا الْيَاء الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ لَام، ثمَّ فتحُوا الْيَاء الَّتِي هِيَ عين لأجل تَاء التَّأْنِيث، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ أيي. فَافْهَم. قَوْله: (كذب) الْكَذِب هُوَ الْإِخْبَار على خلاف الْوَاقِع، وَعَن ابْن عَرَفَة: الْكَذِب هُوَ الِانْصِرَاف عَن الْحق، وَفِي (الْكَشَّاف) : الْكَذِب الْإِخْبَار بالشَّيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ. وَفِي (الْمُحكم) : الْكَذِب نقيض الصدْق، كذب يكذب كذبا وكذبة وكذبة هَاتَانِ عَن اللحياني، وكذابا وَرجل كَاذِب وَكَذَّاب وتكذاب وكذوب وكذوبة وكذبان وكيذبان وكيذبان وكذبذب قَالَ ابْن جنى: أما كذبذب خَفِيف، وكذبذب ثقيل فهاتان لم يحكهما سِيبَوَيْهٍ، وَالْأُنْثَى: كَاذِبَة وكذابة وكذوب، وَكذب الرجل: أخبر
بِالْكَذِبِ. وَفِي نَوَادِر أبي مسحل: قد كَانَ ذَلِك وَلَا كذبا لَك وَلَا تَكْذِيب وَلَا كذبان وَلَا مكذبة وَلَا كذب وَمَعْنَاهُ: لَا أرد عَلَيْك، وَلَا أكذبك وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: فَهُوَ كذيب وكذبة مثل همزَة، وَالْكذب: جمع كَاذِب مثل: رَاكِع ورُكع، وَالْكذب جمع كذوب، مثل: صبور وصبر، وقرىء {وَلم تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب} (النَّحْل: 116) جعله نعتا للألسنة، والأكذوبة الْكَذِب، والأكاذيب الأباطيل من الحَدِيث، وأكذبت الرجل ألفيته كَاذِبًا، وأكذبته إِذا أخْبرته أَنه جَاءَ بِالْكَذِبِ، وكذبته إِذا أخْبرته أَنه كَاذِب. وَقَالَ ثَعْلَب: أكذبته وكذبته بِمَعْنى: حَملته على الْكَذِب أَو وجدته كَاذِبًا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أكذبته أظهرت كذبه، وكذبته قلت لَهُ كذبت، والتكاذب نقيض التصادق، وَفِي (الْجَامِع) : كذب يكذب كذبا، مكسور الْكَاف سَاكن الذَّال، والكذاب، مخفف جمع كَاذِب. وَفِي (الصِّحَاح) فَهُوَ كَاذِب ومكذبان ومكذبانة، وَفِي (الْعباب) كذب، يكذب كذبا وكذبا وكذوبة وكاذبة ومكذوبة، زَاد ابْن الْأَعرَابِي: مكذبة وكذبانا، مثل عنوان، وكذبى مثل بشرى، وَيُقَال: كذب كذابا وَيُقَال كذب كذابا، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد، أَي: متناهيا. وَقَرَأَ عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ: {وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا} (النبأ: 28) وَيكون صفة على الْمُبَالغَة: كوضاء وَحسان، وَرجل تكذاب وتصداق، أَي: يكذب وَيصدق. قَوْله: (وَإِذا وعد) قَالَ ابْن سَيّده: وعده الْأَمر وَبِه عدَّة، ووعدا، وموعودا وموعدةً وموعدا وموعودة، وَهُوَ من المصادر الَّتِي جَاءَت على: مفعول ومفعولة، وَقد تواعد الْقَوْم واتعدوا، وواعده الْوَقْت والموضع، وواعده فوعده، وَقد أوعده وتوعد، قَالَ الْفراء: يُقَال: وعدته خيرا ووعدته شرابًا بِإِسْقَاط الْألف. فَإِذا أسقطوا الْخَيْر وَالشَّر قَالُوا فِي الْخَيْر: وعدته، وَفِي الشَّرّ: أوعدته، وَفِي الْخَيْر الْوَعْد وَالْعدة، وَفِي الشَّرّ الإيعاد والوعيد. فَإِذا قَالُوا: أوعدته بِالشَّرِّ، أثبتوا الْألف مَعَ الْيَاء. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أوعدته خيرا وَهُوَ نَادِر. وَفِي (الصِّحَاح) : تواعد الْقَوْم أَي وعد بَعضهم بَعْضًا، وَهَذَا فِي الْخَيْر. وَأما فِي الشَّرّ فَيُقَال: اتعدوا والإيعاد أَيْضا قبُول الْوَعْد، وناس يَقُولُونَ: أيتعد يأتعد فَهُوَ مؤتعد بِالْهَمْزَةِ، قَالَ ابْن الْبري: وَالصَّوَاب ترك الْهمزَة، وَكَذَا ذكره سِيبَوَيْهٍ وَجَمِيع النُّحَاة. قلت: الْوَعْد فِي الِاصْطِلَاح الْإِخْبَار بإيصال الْخَيْر فِي الْمُسْتَقْبل، والإخلاف جعل الْوَعْد خلافًا. وَقيل: هُوَ عدم الْوَفَاء بِهِ. قَوْله: (وَإِذا اؤتمن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الائتمان، وَهُوَ جعل الشَّخْص أَمينا، وَفِي بعض الرِّوَايَات بتَشْديد التَّاء. وَهُوَ بقلب الْهمزَة الثَّانِيَة مِنْهُ واواً أَو إِبْدَال الْوَاو يَاء وإدغام الْيَاء فِي التَّاء. قَوْله: (خَان) ، من الْخِيَانَة وَهُوَ التَّصَرُّف فِي الْأَمَانَة على خلاف الشَّرْع، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ أَن يؤتمن الْإِنْسَان فَلَا ينصح، يُقَال: خانه خونا وخيانة وخانة ومخانة واختانه، وَرجل خائن وخائنة وخون وخوان، الْجمع: خانة وخونة، والأخيرة شَاذَّة، وخوان، وَقد خانه الْعَهْد وَالْأَمَانَة، وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: رجل خَائِنَة إِذا بولغ فِي وَصفه بالخيانة، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: خَان فلَان فلَانا يخونه من الْخِيَانَة، واصله من النَّقْص. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (آيَة الْمُنَافِق) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، و (ثَلَاث) خَبره، فَإِن قلت: الْمُبْتَدَأ مُفْرد، وَالثَّلَاث جمع، والتطابق شَرط. وَالْقِيَاس: آيَات الْمُنَافِق ثَلَاث. قلت: لَا نسلم أَن الثَّلَاث جمع، بل هُوَ اسْم جمع وَلَفظه مُفْرد، على أَن التَّقْدِير: آيَة الْمُنَافِق مَعْدُودَة بِالثلَاثِ، وَقَالَ بَعضهم: إِفْرَاد الْآيَة إِمَّا على إِرَادَة الْجِنْس، أَو أَن الْعَلامَة إِنَّمَا تحصل باجتماع الثَّلَاث. قلت: كَيفَ يُرَاد الْجِنْس وَالتَّاء تمنع ذَلِك، لِأَنَّهَا التَّاء فِيهَا كالتاء فِي تَمْرَة، فالآية والآي كالتمرة وَالتَّمْر، وَقَوله: أَو أَن الْعَلامَة إِنَّمَا تحصل باجتماع الثَّلَاث، يشْعر أَنه إِذا وجد فِيهِ وَاحِد من الثَّلَاث لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمُنَافِق، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمُنَافِق، غير أَنه إِذا وجد فِيهِ الثَّلَاث كلهَا يكون منافقا كَامِلا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عبد الله بن عَمْرو الْآتِي عَن قريب، على أَن هَذَا الْقَائِل أَخذ مَا قَالَه من قَول الْكرْمَانِي، وَالْكل مَدْخُول فِيهِ. قَوْله: (إِذا حدث) ، كلمة إِذا، ظرف للمستقبل متضمنة معنى الشَّرْط، وَيخْتَص بِالدُّخُولِ على الْجُمْلَة الفعلية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْجمل الشّرطِيَّة بَيَان لثلاث، أَو بدل، لَكِن لَا يَصح أَن يُقَال: الْآيَة إِذا حدث كذب، فَمَا وَجهه؟ قلت: مَعْنَاهُ آيَة الْمُنَافِق كذبه عِنْد تحديثه، وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى: {فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم وَمن دخله كَانَ آمنا} (آل عمرَان: 97) على أحد التوجيهات. قلت: تَقْرِير كَلَامه أَنه جعل قَوْله: إِذا حدث كذب، بَيَانا لثلاث، وَلذَلِك قدره بقوله: آيَة الْمُنَافِق كذبه عِنْد تحديثه، كَمَا قدر نَحوه فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن دخله كَانَ آمنا} (آل عمرَان: 97) فَإِن تَقْدِيره: آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم وَأمن من دخله. فَإِن قلت: كَيفَ يَصح بَيَان الْجمع بالاثنين؟ . قلت: إِن الْإِثْنَيْنِ نوع من الْجمع أَو يكون الثَّالِث مطويا. وَقَوله: لَكِن لَا يَصح أَن يُقَال الْآيَة إِذا حدث كذب، أَرَادَ: أَن الْبَدَل لَا يَصح لكَون الْمُبدل مِنْهُ فِي حكم
السُّقُوط، فَيكون التَّقْدِير الْآيَة إِذا حدث كذب، وَلَكِن قَوْله: لَا يَصح غير صَحِيح، إِمَّا أَولا: فَلِأَن كَون الْمُبدل مِنْهُ فِي حكم السُّقُوط لَيْسَ على الْإِطْلَاق، وَإِمَّا ثَانِيًا: فَلِأَن تَقْدِيره بقوله الْآيَة: إِذا حدث كذب لَيْسَ بِتَقْدِير صَحِيح، بل التَّقْدِير على تَقْدِير الْبَدَل: آيَة الْمُنَافِق وَقت تحديثه بِالْكَذِبِ، وَوقت إخلافه بالوعد، وَوقت خيانته بالأمانة. والمبدل مِنْهُ هُوَ لفظ: ثَلَاث، لَا لفظ: الْمُنَافِق. فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي: فِيهِ ذكر: إِذا فِي الْجمل الثَّلَاث الدَّالَّة على تحقق الْوُقُوع، تَنْبِيها على أَن هَذِه عَادَة الْمُنَافِق. وَقَالَ الْخطابِيّ: كلمة إِذا تَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل، وَفِيه نظر. وَفِيه: حذف المفاعيل الثَّلَاثَة من الْأَفْعَال الثَّلَاثَة تَنْبِيها على الْعُمُوم. وَفِيه: عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن الْوَعْد نوع من التحديث، وَكَانَ دَاخِلا فِي قَوْله: (إِذا حدث) ، وَلكنه أفرده بِالذكر مَعْطُوفًا تَنْبِيها على زِيَادَة قبحه على سَبِيل الادعاء، كَمَا فِي عطف جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، على الْمَلَائِكَة مَعَ كَونه دَاخِلا فيهم، تَنْبِيها على زِيَادَة شرفه. لَا يُقَال: الْخَاص إِذا عطف على الْعَام لَا يخرج من تَحت الْعَام فَحِينَئِذٍ تكون الْآيَة اثْنَتَيْنِ لَا ثَلَاثًا، لأَنا نقُول: لَازم الْوَعْد الَّذِي هُوَ الإخلاف الَّذِي قد يكون فعلا، ولازم التحديث الَّذِي هُوَ الْكَذِب الَّذِي لَا يكون فعلا متغايران، فَبِهَذَا الِاعْتِبَار كَانَ الملزومان متغايرين فَافْهَم. وَفِيه: الْحصْر بِالْعدَدِ، فَإِن قلت: يُعَارضهُ الحَدِيث الآخر الَّذِي فِيهِ لفظ أَربع! قلت: لَا يُعَارضهُ أصلا، لِأَن معنى قَوْله: (وَإِذا عَاهَدَ غدر) . معنى قَوْله: (وَإِذا اؤتمن خَان) ، لِأَن الْغدر خِيَانَة فِيمَا اؤتمن عَلَيْهِ من عَهده. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَتَيْنِ من ثَلَاث خِصَال كَمَا فِي الحَدِيث الأول، أَو: أَربع خِصَال، كَمَا فِي الحَدِيث الآخر، لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد قد يكون لَهُ عَلَامَات كل وَاحِدَة مِنْهَا يحصل بهَا صفة، قد تكون تِلْكَ الْعَلامَة شَيْئا وَاحِدًا، وَقد تكون أَشْيَاء وروى أَبُو أُمَامَة مَوْقُوفا: (وَإِذا غنم غل، وَإِذا أُمر عصى، وَإِذا لَقِي جبن) . وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لَا مُنَافَاة، لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد قد يكون لَهُ عَلَامَات، فَتَارَة يذكر بَعْضهَا، وَأُخْرَى جَمِيعهَا أَو أَكْثَرهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، استجد لَهُ من الْعلم بخصالهم مَا لم يكن عِنْده. قلت: الأولى أَن يُقَال: إِن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على الزَّائِد والناقص، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين تعَارض لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عد الْخصْلَة كَونهَا عَلامَة، على أَن فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَا يدل على عدم إِرَادَة الْحصْر، فَإِن لَفظه: (من عَلامَة الْمُنَافِق ثَلَاث) . وَكَذَا أخرج الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ. وَإِذا حمل اللَّفْظ الأول على هَذَا لم يرد السُّؤَال، فَيكون قد أخبر بِبَعْض العلامات فِي وَقت، وببعضها فِي وَقت آخر. قلت: وَلَا فرق بَين الْخصْلَة والعلامة، لِأَن كلا مِنْهُمَا يسْتَدلّ بِهِ على الشَّيْء، وَكَيف يَنْفِي هَذَا الْقَائِل الْمُلَازمَة الظَّاهِرَة وَقَوله: على أَن فِي رِوَايَة مُسلم إِلَخ لَيْسَ بِجَوَاب طائل؟ بل الْمُعَارضَة ظَاهِرَة بَين الرِّوَايَتَيْنِ، وَدفعهَا بِمَا ذَكرْنَاهُ وَحمل اللَّفْظ الأول على هَذَا لَا يَصح من جِهَة التَّرْكِيب، فَافْهَم. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: استنبط من هَذِه العلامات الثَّلَاث صفة الْمُنَافِق وَجه الانحصار على الثَّلَاث، هُوَ: التَّنْبِيه على فَسَاد القَوْل وَالْفِعْل وَالنِّيَّة. فبقوله: (إِذا حدث كذب) نبه على فَسَاد القَوْل، وَبِقَوْلِهِ: (إِذا اؤتمن خَان) نبه على فَسَاد الْفِعْل، وَبِقَوْلِهِ: (إِذا وعد أخلف) نبه على فَسَاد النِّيَّة، لِأَن خلف الْوَعْد لَا يقْدَح إلاَّ إِذا عزم عَلَيْهِ مُقَارنًا بوعده، أما إِذا كَانَ عَازِمًا ثمَّ عرض لَهُ مَانع أَو بدا لَهُ رَأْي فَهَذَا لم تُوجد فِيهِ صفة النِّفَاق، وَيشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ فِي حَدِيث طَوِيل من حَدِيث سلمَان، رَضِي الله عَنهُ: (إِذا وعد وَهُوَ يحدث نَفسه أَنه يخلف) . وَكَذَا قَالَ فِي بَاقِي الْخِصَال. وَقَالَ الْعلمَاء: يسْتَحبّ الْوَفَاء بالوعد بِالْهبةِ وَغَيرهَا اسْتِحْبَابا مؤكدا، وَيكرهُ إخلافه كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تَحْرِيم، وَيسْتَحب أَن يعقب الْوَعْد بِالْمَشِيئَةِ ليخرج عَن صُورَة الْكَذِب، وَيسْتَحب إخلاف الْوَعيد إِذا كَانَ التوعد بِهِ جَائِزا، وَلَا يَتَرَتَّب على تَركه مفْسدَة. وَاعْلَم أَن جمَاعَة من الْعلمَاء عدوا هَذَا الحَدِيث من المشكلات من حَيْثُ أَن هَذِه الْخِصَال قد تُوجد فِي الْمُسلم الْمُصدق بِقَلْبِه وَلسَانه، مَعَ أَن الْإِجْمَاع حَاصِل أَنه لَا يحكم بِكُفْرِهِ، وَلَا بِنفَاق يَجعله فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار. قلت: ذكرُوا فِيهِ أوجها. الأول: مَا قَالَه النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث إِشْكَال؛ إِذْ مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْخِصَال نفاق، وصاحبها شَبيه بالمنافق فِي هَذِه، ومتخلق بأخلاقهم، إِذْ النِّفَاق إِظْهَار مَا يبطن خِلَافه، وهوموجود فِي صَاحب هَذِه الْخِصَال، وَيكون نفَاقه خَاصّا فِي حق من حَدثهُ ووعده وائتمنه، لَا أَنه مُنَافِق فِي الْإِسْلَام مبطن للكفر. الثَّانِي: مَا قَالَه بَعضهم: هَذَا فِيمَن كَانَت هَذِه الْخِصَال غالبة عَلَيْهِ، وَأما من نذر
ذَلِك مِنْهُ فَلَيْسَ دَاخِلا فِيهِ. الثَّالِث: مَا قَالَه الْخطابِيّ: هَذَا القَوْل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحذير من اعْتَادَ هَذِه الْخِصَال خوفًا أَن يُفْضِي بِهِ إِلَى النِّفَاق، دون من وَقعت نادرة مِنْهُ من غير اخْتِيَار أَو اعتياد، وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث: (التَّاجِر فَاجر، وَأكْثر منافقي أمتِي قراؤها) . وَمَعْنَاهُ التحذير من الْكَذِب، إِذْ هُوَ فِي معنى الْفُجُور، فَلَا يُوجب أَن يكون التُّجَّار كلهم فجارا، أَو الْقُرَّاء قد يكون من بَعضهم قلَّة إخلاص للْعَمَل وَبَعض الرِّيَاء، وَهُوَ لَا يُوجب أَن يَكُونُوا كلهم منافقين. وَقَالَ أَيْضا: والنفاق ضَرْبَان. أَحدهمَا: أَن يظْهر صَاحبه الدّين وَهُوَ مبطن للكفر، وَعَلِيهِ كَانُوا فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْآخر: ترك الْمُحَافظَة على أُمُور الدّين سرا ومراعاتها علنا، وَهَذَا أَيْضا يُسمى نفَاقًا، كَمَا جَاءَ: (سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر) . وَإِنَّمَا هُوَ كفر دون كفر، وَفسق دون فسق، كَذَلِك هُوَ نفاق دون نفاق. الرَّابِع: مَا قَالَه بَعضهم: ورد الحَدِيث فِي رجل بِعَيْنِه مُنَافِق، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يواجههم بِصَرِيح القَوْل، فَيَقُول: فلَان مُنَافِق، بل يُشِير إِشَارَة كَقَوْلِه، عَلَيْهِ السَّلَام: (مَا بَال أَقوام يَفْعَلُونَ كَذَا) ؟ فههنا أَشَارَ بِالْآيَةِ إِلَيْهِ حَتَّى يعرف ذَلِك الشَّخْص بهَا. الْخَامِس: مَا قَالَه بَعضهم: المُرَاد بِهِ المُنَافِقُونَ الَّذين كَانُوا فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حدثوا بِأَنَّهُم آمنُوا فكذبوا، واؤتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوه فِي نصْرَة الدّين فاخلفوا. قَالَ القَاضِي: وَإِلَيْهِ مَال كثير من أَئِمَّتنَا، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح فِي تَفْسِير الحَدِيث، وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير، رَضِي الله عَنْهُم. وَرووا فِي ذَلِك حَدِيثا: (يرْوى أَن رجلا قَالَ لعطاء: سَمِعت الْحسن يَقُول: من كَانَ فِيهِ ثَلَاث خِصَال لم أتحرج أَن أَقُول إِنَّه مُنَافِق: من إِذا حدث كذب، وَإِذا وعد أخلف، وَإِذا اؤتمن خَان) . فَقَالَ عَطاء: إِذا رجعت إِلَى الْحسن فَقل لَهُ: إِن عَطاء يقرؤك السَّلَام، وَيَقُول لَك: أذكر إخْوَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام. وَاعْلَم أَنه لن يخلق أهل اللإسلام أَن يكون فيهم الْخِيَانَة وَالْخلف. وَنحن نرجو أَن يعيذهم الله من النِّفَاق، وَمَا اسْتَقر اسْم النِّفَاق قطّ إلاَّ فِي قلب جَاحد، وَقد قَالَ الله فِي حق الْمُنَافِقين {ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا} (المُنَافِقُونَ: 3) فَذكر زَوَال الْإِسْلَام عَن قُلُوبهم، وَنحن نرجوا أَن لَا يَزُول عَن قُلُوب الْمُؤمنِينَ، فَأخْبر الْحسن، فَقَالَ: جَزَاك الله خيرا، ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه: إِذا سَمِعْتُمْ مني حَدِيثا فحدثتم بِهِ الْعلمَاء فَمَا كَانَ غير صَوَاب فَردُّوا على جَوَابه. وَرُوِيَ أَن سعيد بن جُبَير أهمه هَذَا الحَدِيث، فَسَأَلَهُ ابْن عمر وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم، فَقَالَا: أهمنا من ذَلِك يَا ابْن أخي مثل الَّذِي أهمك، فسألنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَضَحِك النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ: مالكم ولهن، إِنَّمَا خصصت بِهِ الْمُنَافِقين. أما قولي: إِذا حدث كذب، فَذَلِك فِيمَا أنزل الله تَعَالَى عَليّ: {إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ} (المُنَافِقُونَ: 1) الْآيَة، أفأنتم كَذَلِك؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَلَا عَلَيْكُم، أَنْتُم من ذَلِك برَاء. وَأما قولي: إِذا وعد أخلف، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله} (التَّوْبَة: 75) الْآيَات الثَّلَاث، أفأنتم كَذَلِك؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَا عَلَيْكُم، أَنْتُم من ذَلِك برَاء. وَأما قولي: إِذا اؤتمن خَان، فَذَلِك فِيمَا أنزل الله تَعَالَى عَليّ: {إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال} (الْأَحْزَاب: 72) الْآيَة فَكل إِنْسَان مؤتمن على دينه يغْتَسل من الْجَنَابَة وَيُصلي ويصوم فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَالْمُنَافِق لَا يفعل ذَلِك إِلَّا فِي الْعَلَانِيَة، أفأنتم كَذَلِك؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَا عَلَيْكُم، أَنْتُم من ذَلِك برَاء. السَّادِس: مَا قَالَه حُذَيْفَة: ذهب النِّفَاق، وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاق على عهد رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلكنه الْكفْر بعد الْإِيمَان، فَإِن الْإِسْلَام شاع وتوالد النَّاس عَلَيْهِ، فَمن نَافق بِأَن أظهر الْإِسْلَام وأبطن خِلَافه فَهُوَ مُرْتَد. السَّابِع: مَا قَالَه القَاضِي: إِن المُرَاد التَّشْبِيه بأحوال الْمُنَافِقين فِي هَذِه الْخِصَال، فِي إِظْهَار خلاف مَا يبطنون، لَا فِي نفاق الْإِسْلَام الْعَام، وَيكون نفَاقه على من حَدثهمْ وَوَعدهمْ وائتمنه وخاصمه وعاهده من النَّاس. الثَّامِن: مَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ: إِن المُرَاد بالنفاق نفاق الْعَمَل، وَاسْتدلَّ بقول عمر لِحُذَيْفَة، رَضِي الله عَنْهُمَا. هَل تعلم فيَّ شَيْئا من النِّفَاق؟ فَإِنَّهُ لم يرد بذلك نفاق الْكفْر، وَإِنَّمَا أَرَادَ نفاق الْعَمَل. قلت: الْألف وَاللَّام فِي: النِّفَاق، لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون للْجِنْس، أَو للْعهد فَإِن كَانَت للْجِنْس يكون على سَبِيل التَّشْبِيه والتمثيل لَا على الْحَقِيقَة، وَإِن كَانَت للْعهد يكون من مُنَافِق خَاص بِعَيْنِه، أَو من الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا فِي زَمَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، على مَا ذكرنَا. 34 - حدّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ عنِ عبدِ اللَّهِ عَن الأعْمَشِ بنِ مُرَّةَ عَن مَسْرُوقٍ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍ وأنّ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيه كَانَ مُنَافِقا خَالِصا
ومَنْ كَانَتْ فيهِ خَصْلَةٌ مِن النِّفاقِ حتَّى يَدَعَهَا إِذا ائْتُمِنَ خانَ وَإِذا حدَّثَ كَذَبَ وَإِذا عاهَدَ غَدَرَ وَإِذا خاصَمَ فَجَرَ. الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين ظَاهِرَة، وكلك مناسبته للتَّرْجَمَة. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، ابْن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن عقبَة بن ربيعَة بن جُنْدُب بن بَيَان بن حبيب أبي سواءة بن عَامر بن صعصعة أَبُو عَامر، السوَائِي الْكُوفِي، أَخُو سُفْيَان بن عقبَة، روى عَن: مسعر وَالثَّوْري وَشعْبَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَغَيرهم، روى عَنهُ: أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي وَالْبُخَارِيّ، وروى مُسلم حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْجَنَائِز عَن ابْن أبي شيبَة عَنهُ عَن الثَّوْريّ. وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ قلت: هُوَ يحيى بن بشر يروي عَن قبيصَة، وَكَذَا روى البُخَارِيّ فِي الْأَدَب وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن يحيى بن بشر عَنهُ، وَكَانَ من الصَّالِحين، وَهُوَ مُخْتَلف فِي توثيقه وجرحه، واحتجاج البُخَارِيّ بِهِ فِي غير مَوضِع كَاف. وَقَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة فِي كل شَيْء إلاَّ فِي حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ لَيْسَ بذلك الْقوي، وَقَالَ يحيى بن آدم: قبيصَة كثير الْغَلَط فِي سُفْيَان، كَأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا لم يضْبط، وَأما فِي غير سُفْيَان فَهُوَ ثِقَة رجل صَالح، وَعَن قبيصَة أَنه قَالَ: جالست الثَّوْريّ، وَأَنا ابْن سِتّ عشرَة سنة، ثَلَاث سِنِين. توفّي فِي الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، كَذَا قَالَه قطب الدّين فِي شَرحه. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه: سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَلَيْسَ لقبيصة بن عقبَة عَن ابْن عُيَيْنَة شَيْء. الثَّانِي: سُفْيَان، بِتَثْلِيث سينه، إِبْنِ سعيد بن مَسْرُوق بن حبيب بن رَافع بن عبد الله بن موهبة ابْن أبي عبد الله بن منقذ بن نضر بن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن ملكان بن ثَوْر بن عبد مَنَاة، أَبُو عبد الله الثَّوْريّ الإِمَام الْكَبِير، أحد أَصْحَاب الْمذَاهب السِّتَّة المتبوعة، الْمُتَّفق على جلالة قدره وكثره علومه وصلابه دينه وتوثقه وأمانته، وَهُوَ من تَابع التَّابِعين، وَقَالَ ابْن عَاصِم: سُفْيَان أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: كتبت عَن ألف وَمِائَة وَمَا كتبت عَن أفضل من سُفْيَان. ولد سنة سبع وَتِسْعين، وَتُوفِّي سنة سِتِّينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ متواريا من سلطانها، وَدفن عشَاء، وَكَانَ يُدَلس، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَقد مر ذكره، الرَّابِع: عبد الله بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، الْهَمدَانِي، بِسُكُون الْمِيم، الْكُوفِي التَّابِعِيّ الخارفي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالراء وَالْفَاء، وخارف: هُوَ مَالك بن عبد الله بن كثير بن مَالك بن جشم بن خيوان بن نوف بن هَمدَان، قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة، توفّي سنة مائَة، وَقَالَ ابْن سعد: فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو عَائِشَة مَسْرُوق بن الأجدع، بِالْجِيم وبالمهملتين، ابْن مَالك بن أُميَّة بن عبد الله بن مر بن سُلَيْمَان بن الْحَارِث بن سعد بن عبد الله بن ودَاعَة بن عَمْرو بن عَامر، الْهَمدَانِي الْكُوفِي، صلى خلف أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسمع عَمْرو عبد الله بن مَسْعُود وَعَائِشَة وَغَيرهم، وَكَانَ من المخضرمين، اتّفق على جلالته وتوثيقه وإمامته، وَكَانَ أَفرس فَارس بِالْيمن، وَهُوَ ابْن أُخْت معدي كرب، مَاتَ سنة ثَلَاث: وَقيل: اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقد مر ذكره. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلاَّ الصَّحَابِيّ، وَقد دخل الْكُوفَة أَيْضا. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن قُتَيْبَة عَن جرير عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر عَن عبد الله بن نمير، وَعَن أبي نمير، حَدثنَا أبي، حَدثنَا الْأَعْمَش، وَحدثنَا زُهَيْر، حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (خَالِصا) من: خلص الشَّيْء يخلص، من بَاب: نصر ينصر، ومصدره خلوصا وخالصة،
والخالص أَيْضا الْأَبْيَض من الألوان، وخلص الشَّيْء إِلَيْهِ خلوصا؛ وصل، وخلص الْعظم، بِالْكَسْرِ، يخلص بِالْفَتْح خلصا بِالتَّحْرِيكِ، إِذا تشظى فِي اللَّحْم. قَوْله: (خصْلَة) أَي خلة، بِفَتْح الْخَاء فيهمَا، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (حَتَّى يَدعهَا) ، أَي: يَتْرُكهَا. . قيل: قد أميت ماضيه، وَقد اسْتعْمل فِي قِرَاءَة من قَرَأَهَا {مَا وَدعك رَبك} (الضُّحَى: 3) بِالتَّخْفِيفِ. قَوْله: (عَاهَدَ) من المعاهدة. وَهِي المحالفة والمواثقة. قَوْله: (غدر) من الْغدر، وَهُوَ ترك الْوَفَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: غدر بِهِ فَهُوَ غادر، وغدر أَيْضا، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل هَذَا فِي النداء بالشتم. وَفِي (الْمُحكم) : غدره وغدر بِهِ يغدر عدرا، وَرجل غادر وغدار وغدور، وَكَذَلِكَ الْأُنْثَى بِغَيْر هَاء، وغدرة. وَقَالَ بَعضهم: يُقَال للرجل: يَا غدر، وَيَا مغدر، وَيَا ابْن مغدر، ومغدر، وَالْأُنْثَى: يَا غدار. لَا يسْتَعْمل إلاَّ فِي النداء، وغذر الرجل غدار وغدرانا، عَن اللحياني، وَلست مِنْهُ على ثِقَة، وَفِي (الْمُجْمل) : الْغدر نقض الْعَهْد وَتَركه، وَيُقَال: أَصله من الغدير. وَهُوَ المَاء الَّذِي يغادره السَّيْل، أَي: يتْركهُ يُقَال: غادرت الشَّيْء إِذا تركته، فكأنك تركت مَا بَيْنك وَبَينه من الْعَهْد. وَفِي (شرح الفصيح) لِابْنِ هِشَام السبتي والعماني: غدر فِي الْمَاضِي بِالْكَسْرِ، زَاد الْعمانِي: وغدر بِالْفَتْح أفْصح، وَفِي (شرح الْمُطَرز) : الْعَرَب الفصحاء يَقُولُونَ، كَمَا ذكره ثَعْلَب: غدرت بِالْفَتْح. وَمِنْهُم من يَقُول: غدرت، بِالْكَسْرِ. وَفِي (نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي) غدر الرجل، بِكَسْر الدَّال، عَن أَصْحَابه إِذا تخلف. قَالَ: وَيُقَال مَاتَ إخْوَته وغدر. وَفِي (شرح الْحَضْرَمِيّ) : غدر يغدر ويغدر، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، هُوَ فِي مُسْتَقْبل غدر بِالْكَسْرِ، يغدر بِالْفَتْح، قِيَاسا. وَفِي كتاب (صعاليك الْعَرَب) للأخفش: غادر وغدار، مثل شَاهد وشهاد. قَوْله: (خَاصم) من الْمُخَاصمَة، وَهِي المجادلة. قَوْله: (فجر) من الْفُجُور، وَهُوَ الْميل عَن الْقَصْد، والشق بِمَعْنى: فجر، مَال عَن الْحق وَقَالَ الْبَاطِل، أَو شقّ ستر الدّيانَة. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (أَربع) ، مُبْتَدأ بِتَقْدِير: أَربع خِصَال، أَو: خِصَال أَربع، لِأَن النكرَة الصرفة لَا تقع مُبْتَدأ، وَخَبره قَوْله: (من كن فِيهِ) فَقَوله: من مَوْصُولَة متضمنة معنى الشَّرْط، وَقَوله: كن فِيهِ، صلتها، وَقَوله (كَانَ منافقا) خبر للمبتدأ الثَّانِي أَعنِي: قَوْله: من، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن تكون الشّرطِيَّة صفة، يَعْنِي صفة: أَربع، وَإِذا اؤتمن خَان. الخ خَبره، بِتَقْدِير: أَربع كَذَا هِيَ الْخِيَانَة عِنْد الائتمان إِلَى آخِره. قلت: هَذَا وَجه بعيد لَا يخفى. قَوْله: (منافقا) خبر كَانَ، و ((خَالِصا) صفته. قَوْله: (وَمن) مُبْتَدأ مَوْصُولَة، وَقَوله: (كَانَت فِيهِ خصْلَة) جملَة صلَة لَهَا، وَقَوله: (كَانَت فِيهِ خصْلَة) ، خبر الْمُبْتَدَأ، وَالضَّمِير فِي مِنْهُنَّ، يرجع إِلَى: الْأَرْبَع، قَوْله (حَتَّى) للغاية، و (يَدعهَا) مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة، أَي: حَتَّى أَن يَدعهَا. قَوْله: (إِذا اؤتمن خَان) إِذا للظرف فِيهِ معنى الشَّرْط و: (خَان) جَوَابه، وَالْبَاقِي كَذَلِك، وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: (كَانَ منافقا) مَعْنَاهُ على مَا تقدم من الْأَوْجه الْمَذْكُورَة، وَوَصفه بالخلوص يشد عضد من قَالَ: المُرَاد بالنفاق الْعَمَل لَا الْإِيمَان، أَو النِّفَاق الْعرفِيّ لَا الشَّرْعِيّ. لِأَن الخلوص بِهَذَيْنِ الْمَعْنيين لَا يسْتَلْزم الْكفْر الملقي فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَأما كَونه خَالِصا فِيهِ فَلِأَن الْخِصَال الَّتِي تتمّ بهَا الْمُخَالفَة بَين السِّرّ والعلن لَا يزِيد عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن بطال: خَالِصا، مَعْنَاهُ خَالِصا من هَذِه الْخلال الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث فَقَط لَا فِي غَيرهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَي شَدِيد الشّبَه بالمنافقين بِهَذِهِ الْخِصَال. وَقَالَ أَيْضا فِي شَرحه للصحيح: حصل من الْحَدِيثين أَن خِصَال الْمُنَافِقين خَمْسَة، وَقَالَ فِي شرح مُسلم: (وَإِذا عَاهَدَ غدر) . هُوَ دَاخل فِي قَوْله: (إِذا اؤتمن خَان) . يَعْنِي: أَرْبَعَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَو اعْتبرنَا هَذَا الدُّخُول فالخمس رَاجِعَة إِلَى الثَّلَاث، فَتَأمل. وَالْحق أَنَّهَا خَمْسَة مُتَغَايِرَة عرفا، وَبِاعْتِبَار تغاير الْأَوْصَاف واللوازم أَيْضا، وَوجه الْحصْر فِيهَا أَن إِظْهَار خلاف الْبَاطِن، أما فِي الماليات وَهُوَ: إِذا اؤتمن، وَأما فِي غَيرهَا، فَهُوَ إِمَّا فِي حَالَة الكدورة فَهُوَ إِذا خَاصم، وَإِمَّا فِي حَالَة الصفاء فَهُوَ إِمَّا مُؤَكدَة بِالْيَمِينِ فَهُوَ إِذا عَاهَدَ، أَو لَا فَهُوَ إِمَّا بِالنّظرِ إِلَى الْمُسْتَقْبل فَهُوَ إِذا وعد، وَإِمَّا بِالنّظرِ إِلَى الْحَال فَهُوَ إِذا حدث. قلت: الْحق بِالنّظرِ إِلَى الْحَقِيقَة ثَلَاث، وَإِن كَانَ بِحَسب الظَّاهِر خمْسا، لِأَن قَوْله: (إِذا عَاهَدَ غدر) دَاخل فِي قَوْله: (إِذا اؤتمن خَان) . وَقَوله: (وَإِذا خَاصم فجر) ، ينْدَرج فِي الْكَذِب فِي الحَدِيث، وَوجه الْحصْر فِي الثَّلَاث قد ذَكرْنَاهُ.
- (باب قيام ليلة القدر من الإيمان)
تَابَعَهُ شُعْبَةُ عنِ الأعمَشِ أَي: تَابع سُفْيَان الثَّوْريّ شُعْبَة بن الْحجَّاج فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، وأوصل البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْمَظَالِم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذِه الْمُتَابَعَة هِيَ الْمُتَابَعَة الْمقيدَة لَا الْمُطلقَة، حَيْثُ قَالَ: الْأَعْمَش، والناقصة لَا التَّامَّة حَيْثُ ذكر الْمُتَابَعَة من وسط الْإِسْنَاد لَا من أَوله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّمَا أوردهَا البُخَارِيّ على طَرِيق الْمُتَابَعَة لَا الْأَصَالَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ ذكره فِي هَذَا الْموضع على طَرِيق الْمُتَابَعَة لمُخَالفَة هَذَا الحَدِيث مَا تقدم لفظا وَمعنى من جِهَات، كالاختلاف فِي: ثَلَاث وَأَرْبع، وكزيادة لفظ: خَالِصا. قلت: أَرَادَ البُخَارِيّ بالمتابعة هُنَا كَون الحَدِيث مرويا من طرق أُخْرَى عَن الثَّوْريّ، مِنْهَا رِوَايَة شُعْبَة عَن الثَّوْريّ، نبه على ذَلِك هَهُنَا، وَإِن كَانَ قد رَوَاهَا فِي كتاب الْمَظَالِم، وَكَذَلِكَ هُوَ مَرْوِيّ فِي (صَحِيح مُسلم) وَغَيره من طرق أُخْرَى عَن الثَّوْريّ، وَكَلَام الْكرْمَانِي يُشِير إِلَى أَنه فهم أَن المُرَاد بالمتابعة مُتَابعَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ ذَلِك لسماه شَاهدا، وَقَالَ بَعضهم: وَأما دَعْوَاهُ أَن بَينهمَا مُخَالفَة فِي الْمَعْنى فَلَيْسَ بِمُسلم، وغايته أَن يكون فِي أَحدهمَا زِيَادَة، وَهِي مَقْبُولَة، لِأَنَّهَا من ثِقَة مُتَيَقن. قلت: نَفْيه التَّسْلِيم لَيْسَ بِمُسلم، لِأَن الْمُخَالفَة فِي اللَّفْظ ظَاهِرَة لَا تنكر وَلَا تخفى، فَكَأَنَّهُ فهم أَن قَوْله: من جِهَات، كالاختلاف يتَعَلَّق بِالْمَعْنَى وَلَيْسَ كَذَلِك، بل يتَعَلَّق بقوله: لفظا. فَافْهَم. 25 - (بابُ قِيامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإيمانِ) لما كَانَ الْمَذْكُور، بعد ذكر الْمُقدمَة الَّتِي هِيَ بَاب كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي، كتاب الْإِيمَان الْمُشْتَمل على أَبْوَاب فِيهَا بَيَان أُمُور الْإِيمَان، وَذكر فِي أَثْنَائِهَا خَمْسَة من الْأَبْوَاب، مِمَّا يضاد أُمُور الْإِيمَان لأجل مُنَاسبَة ذَكرنَاهَا عِنْد ذكر أول الْأَبْوَاب الْخَمْسَة، عَاد إِلَى بَيَان بَقِيَّة الْأَبْوَاب الْمُشْتَملَة على أُمُور الْإِيمَان، نَحْو: قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان، وَالْجهَاد من الْإِيمَان، وتطوع قيام رَمَضَان من الْإِيمَان، وَصَوْم رَمَضَان من الْإِيمَان، وَغير ذَلِك من الْأَبْوَاب الْمُتَعَلّقَة بِأُمُور الْإِيمَان. وَيَنْبَغِي أَن تطلب الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين بَاب السَّلَام من الْإِسْلَام، لِأَن الْأَبْوَاب الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة بَينهمَا إِنَّمَا هِيَ بطرِيق الاستطراد، لَا بطرِيق الْأَصَالَة. فالمذكور بطرِيق الاستطراد كَالْأَجْنَبِيِّ، فَيكون هَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة مَذْكُورا عقيب بَاب السَّلَام من الْإِسْلَام، فتطلب الْمُنَاسبَة بَينهمَا، فَنَقُول: وَجه الْمُنَاسبَة هُوَ أَن الْمَذْكُور فِي بَاب السَّلَام من الْإِسْلَام هُوَ أَن إفشاء السَّلَام من أُمُور الْإِيمَان، وَكَذَلِكَ لَيْلَة الْقدر فِيهَا يفشى السَّلَام من الْمَلَائِكَة على الْمُؤمنِينَ. قَالَ الله تَعَالَى: {سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر} (الْقدر: 5) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا هِيَ إلاَّ سَلام لِكَثْرَة مَا يسلمُونَ، أَي: الْمَلَائِكَة على الْمُؤمنِينَ، وَقيل: لَا يلقون مُؤمنا وَلَا مُؤمنَة إِلَّا سلمُوا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة. ثمَّ قَوْله: (بَاب) مُعرب على تَقْدِير أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف منون، أَي: هَذَا بَاب. وَقَوله: (قيام) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره. قَوْله: (من الْإِيمَان) ، وَيجوز أَن يتْرك التَّنْوِين من: بَاب على تَقْدِير إِضَافَته إِلَى الْجُمْلَة، وعَلى كل التَّقْدِير الأَصْل: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن قيام لَيْلَة الْقدر من شعب الْإِيمَان، وَالْقِيَام مصدر: قَامَ، يُقَال: قَامَ قيَاما، وَأَصله قواما، قلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا. وَالْكَلَام فِي لَيْلَة الْقدر على أَنْوَاع: الأول: فِي وَجه التَّسْمِيَة بِهِ. فَقيل: سمي بِهِ لما تكْتب فِيهَا الْمَلَائِكَة من الأقدار والأرزاق والآجال الَّتِي تكون فِي تِلْكَ السّنة، أَي: يظهرهم الله عَلَيْهِ، وَيَأْمُرهُمْ بِفعل مَا هُوَ من وظيفتهم. وَقيل: لعظم قدرهَا وشرفها وَقيل: لِأَن من أَتَى فِيهَا بالطاعات صَار ذَا قدر. وَقيل: لِأَن الطَّاعَات لَهَا قدر زَائِد فِيهَا. الثَّانِي: فِي وَقتهَا اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَت جمَاعَة: هِيَ منتقلة، تكون فِي سنة فِي لَيْلَة وَفِي سنة فِي لَيْلَة أُخْرَى، وَهَكَذَا. وَبِهَذَا يجمع بَين الْأَحَادِيث الدَّالَّة على اخْتِلَاف أَوْقَاتهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَغَيرهمَا، قَالُوا: إِنَّمَا تنْتَقل فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان، وَقيل: بل فِي كُله، وَقيل: إِنَّهَا مُعينَة لَا تنْتَقل أبدا بل هِيَ لَيْلَة مُعينَة فِي جَمِيع السنين لَا تفارقها. وَقيل: هِيَ فِي السّنة كلهَا. وَقيل: فِي شهر رَمَضَان كُله، وَهُوَ قَول ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَبِه أَخذ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: بل فِي الْعشْر الْأَوْسَط والأواخر، وَقيل: بل فِي الْأَوَاخِر، وَقيل: يخْتَص بأوتار الْعشْر، وَقيل: بأشفاعه، وَقيل: بل فِي ثَلَاث وَعشْرين أَو سبع وَعشْرين، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس. وَقيل: فِي لَيْلَة سبع عشرَة، أَو إِحْدَى وَعشْرين، أَو ثَلَاث وَعشْرين، وَقيل: لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين، وَقيل: لَيْلَة أَربع عشْرين، وَهُوَ محكي عَن بِلَال وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم، وَقيل: سبع وَعشْرين، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد. وَقَالَ زيد بن أَرقم:
سبع عشرَة، وَقيل: تسع عشرَة، وَحكي عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل، آخر لَيْلَة من الشَّهْر. وميل الشَّافِعِي إِلَى أَنَّهَا لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين، أَو الثَّالِث وَالْعِشْرين ذكره الرَّافِعِيّ، وَهُوَ خَارج عَن الْمَذْكُورَات. الثَّالِث: هَل هِيَ مُحَققَة ترى أم لَا؟ فَقَالَ قوم: رفعت لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حِين تلاحى الرّجلَانِ رفعت، وَهَذَا غلط، لِأَن آخر الحَدِيث يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ (عَسى أَن يكون خيرا لكم، التمسوها فِي السَّبع وَالتسع) ، وَفِيه تَصْرِيح بِأَن المُرَاد برفعها رفع بَيَان علم عينهَا، لَا رفع وجودهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجمع من يعْتد بِهِ على وجودهَا ودوامها إِلَى آخر الدَّهْر، وَهِي مَوْجُودَة ترى ويحققها من شَاءَ الله تَعَالَى من بني آدم كل سنة فِي رَمَضَان، وأخبار الصَّالِحين بهَا ورؤيتهم لَهَا أَكثر من أَن تحصى، وَأما قَول الْمُهلب: لَا يُمكن رؤيتها حَقِيقَة فغلط، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَة فِي إخفائها أَن يحيي من يريدها اللَّيَالِي الْكَثِيرَة طلبا لموافقتها، فتكثر عِبَادَته وَأَن لَا يتكل النَّاس عِنْد إظهارها على إِصَابَة الْفضل فِيهَا، فيفرطوا فِي غَيرهَا. 35 - حدّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدّثنا أبُو الزِّنَادِ عَنِ الأعْرجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا واحْتِسَابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (الحَدِيث 35 أَطْرَافه: 37، 38، 1901، 2008، 2009، 2014) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. قد ذكرُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فِي بَاب: حب الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، وَأَبُو الْيَمَان: هُوَ الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالنُّون، عبد الله بن ذكْوَان الْقرشِي، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْمدنِي الْقرشِي قيل: أصح أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَنهُ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصّيام مطولا. وَأخرجه مُسلم وَلَفظه: (من يقم لَيْلَة الْقدر فيوافقها، أرَاهُ إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ والموطأ، وَلَفْظهمْ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرغب فِي قيام رَمَضَان من غير أَن يَأْمُرهُم بعزيمة، فَيَقُول: من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وإحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . فَتوفي رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْأَمر على ذَلِك. ثمَّ كَانَ الْأَمر على ذَلِك فِي خلَافَة أبي بكر وصدرا من خلَافَة عمر: رَضِي الله عَنْهُمَا، وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا نَحوه، وَأخرج النَّسَائِيّ: (عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله عَنهُ، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكر رَمَضَان بفضله على الشُّهُور) . وَقَالَ: (من قَامَ فِي رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه) . وَقَالَ: هَذَا خطأ، وَالصَّوَاب: أَنه عَن أبي هُرَيْرَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من يقم) ، بِفَتْح الْيَاء، من قَامَ يقوم، وَهُوَ مُتَعَدٍّ هَهُنَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ وَمُسلم: عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لرمضان: من قامه إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَفِي رِوَايَة للنسائي: (فَمن صَامَهُ وقامه إِيمَانًا واحتسابا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه) . قَوْله: (إِيمَانًا) ، أَي تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حق وَطَاعَة. قَوْله: (واحتسابا) ، أَي: إِرَادَة وَجه الله تَعَالَى لَا لرياء وَنَحْوه، فقد يفعل الْإِنْسَان الشَّيْء الَّذِي يعْتَقد أَنه صَادِق، لَكِن لَا يَفْعَله مخلصا، بل لرياء أَو خوف أَو نَحْو ذَلِك، يُقَال احتسابا أَي: حَسبه الله تَعَالَى. يُقَال: احتسبت بِكَذَا أجرا عِنْد الله تَعَالَى، وَالِاسْم الْحِسْبَة، وَهِي الْأجر. وَفِي (الْعباب) : احتسبت بِكَذَا أجرا عِنْد الله، أَي: اعتددته أنوي بِهِ وَجه الله تَعَالَى، وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا) الحَدِيث واحتسبت عَلَيْهِ كَذَا: أَي أنكرته عَلَيْهِ، قَالَه ابْن دُرَيْد، وَمِنْه: محتسب الْبَلَد. قَوْله: (غفر لَهُ) من الغفر، وَهُوَ السّتْر، وَمِنْه المغفر وَهُوَ الخودة، وَفِي (الْعباب) الغفر التغطية، والغفر والغفران وَالْمَغْفِرَة وَاحِد، ومغفرة الله لعَبْدِهِ إلباسه إِيَّاه الْعَفو وستره ذنُوبه. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (من يقم) ، كلمة: من، شَرْطِيَّة، و: يقم، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَقعت فعل الشَّرْط، قَوْله: (لَيْلَة الْقدر) كَلَام إضافي مفعول بِهِ، ليقمْ، وَلَيْسَ بمفعول فِيهِ. قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على أَنَّهُمَا حالان متداخلتان أَو مترادفتان على تَأْوِيل: مُؤمنا ومحتسبا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَحِينَئِذٍ لَا تدل على تَرْجَمَة الْبَاب، إِذْ الْمَفْهُوم مِنْهُ لَيْسَ إلاَّ الْقيام فِي حَال الْإِيمَان، وَفِي زَمَانه مشْعر بِأَنَّهُ من جملَته. قلت: لَيْسَ المُرَاد من لَفظه: إِيمَانًا، هُوَ الْإِيمَان الشَّرْعِيّ، وَإِنَّمَا المُرَاد هُوَ الْإِيمَان
اللّغَوِيّ، وَهُوَ التَّصْدِيق كَمَا فسرناه الْآن، والترجمة غير مترتبة عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مترتبة على مُبَاشرَة عمل هُوَ سَبَب لغفران مَا تقدم من ذَنبه، وَهُوَ قيام لَيْلَة الْقدر هَهُنَا، ومباشرة مثل هَذَا الْعَمَل شُعْبَة من شعب الْإِيمَان فَافْهَم. ثمَّ إِن الْكرْمَانِي جوز انتصابهما على التَّمْيِيز، وعَلى الْعلَّة أَيْضا بعد أَن قَالَ: التَّمْيِيز وَالْمَفْعُول لَهُ لَا يدلان على أَنه من الْإِيمَان بِتَأْوِيل أَن: من، للابتداء، فَمَعْنَاه: أَن الْقيام منشؤه الْإِيمَان، فَيكون للْإيمَان أَو من جِهَة الْإِيمَان. قلت: وُقُوع كل مِنْهُمَا بعيد، أما التَّمْيِيز فَإِنَّهُ يرفع الْإِبْهَام المستقر عَن ذَات مَذْكُورَة أَو مقدرَة، وكل مِنْهُمَا هَهُنَا مُنْتَفٍ، أما الأول: فَلِأَنَّهُ يكون عَن ذَات مُفْردَة مَذْكُورَة، وَذَلِكَ الْمُفْرد يكون مُقَدرا غَالِبا. وَأما الثَّانِي: فَإِنَّهُ لَا إِبْهَام فِي لَفْظَة: يقم، وَلَا فِي إِسْنَاده إِلَى فَاعله. وَأما النصب على الْعلَّة فَإِنَّهُ مَا فعل لأَجله فعل مَذْكُور، وَهَهُنَا الْقيام لَيْسَ لأجل عِلّة الْإِيمَان، وَإِنَّمَا الْإِيمَان سَبَب للْقِيَام. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: شَرط التَّمْيِيز أَن يَقع موقع الْفَاعِل نَحْو: طَابَ زيد نفسا قلت: اطراد هَذَا الشَّرْط مَمْنُوع، وَلَئِن سلمنَا فَهُوَ أَعم من أَن يكون فَاعِلا بِالْفِعْلِ، أَو بِالْقُوَّةِ، كَمَا يؤول: طَار عَمْرو فَرحا، بِأَن المُرَاد طيَّره الْفَرح. فَهُوَ فِي الْمَعْنى إِقَامَة الْإِيمَان. قلت: هَذَا التَّمْثِيل لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن نِسْبَة الطيران إِلَى عَمْرو فِيهِ إِبْهَام، وَفَسرهُ بقوله: فَرحا، وتأويله: طيره الْفَرح كَمَا فِي قَوْلك طَابَ زيد نفسا تَقْدِيره: طَابَ نفس زيد، وَلَيْسَ كَذَلِك. قَوْله: (من يقم لَيْلَة الْقدر) لِأَنَّهُ إِبْهَام فِي نِسْبَة الْقيام إِلَيْهِ وَلَا فِي نفس الْقيام، وتأويله بقوله: إِقَامَة الْإِيمَان، لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن الْإِيمَان لَيْسَ بفاعل لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقُوَّةِ. قَوْله: (غفر لَهُ) ، جَوَاب الشَّرْط، وَهَذَا كَمَا ترى وَقع مَاضِيا، وَفعل الشَّرْط مضارعا، والنحاة يستضعفون مثل ذَلِك. وَمِنْهُم من مَنعه إِلَّا فِي ضَرُورَة شعر، وأجازوا ضِدّه، وَهُوَ أَن يكون فعل الشَّرْط مَاضِيا وَالْجَوَاب مضارعا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم} (هود: 15) وَجَمَاعَة مِنْهُم جوزوا ذَلِك مُطلقًا، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَبقول عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، فِي أبي بكر الصّديق، رَضِي الله عَنهُ: مَتى يقم مقامك رق، وَالصَّوَاب: مَعَهم، لِأَنَّهُ وَقع فِي كَلَام أفْصح النَّاس، وَفِي كَلَام عَائِشَة الفصيحة. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى: {إِن نَشأ ننزل عَلَيْهِم من السَّمَاء آيَة فظلت} (الشُّعَرَاء: 4) لِأَن قَوْله: فظلت، بِلَفْظ الْمَاضِي، وَهُوَ تَابع للجواب، وتابع الْجَواب جَوَاب! قلت: لَا نسلم أَن تَابع الْجَواب جَوَاب، بل هُوَ فِي حكم الْجَواب، وَفرق بَين الْجَواب وَحكم الْجَواب. وَقَوله (ظلت) عطف على قَوْله: ننزل، وَحقّ الْمَعْطُوف صِحَة حُلُوله مَحل الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَعِنْدِي فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ نظر، أَرَادَ بِهِ اسْتِدْلَال المجوزين بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، لأنني أَظُنهُ من تصرف الروَاة، فقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون عَن أبي الْيَمَان، شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَلم يغاير بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء، بل قَالَ: من يقم لَيْلَة الْقدر يغْفر لَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج عَن سُلَيْمَان، وَهُوَ الطَّبَرَانِيّ، عَن أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب بن نجدة عَن أبي الْيَمَان وَلَفظه: (لَا يقوم أحد لَيْلَة الْقدر فيوافقها إِيمَانًا واحتسابا إلاَّ غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . قلت: لقَائِل أَن يَقُول: لم لَا يجوز أَن يكون تصرف الروَاة فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ، وَأَن مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ بالمغايرة بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء هُوَ اللَّفْظ النَّبَوِيّ، بل الْأَمر كَذَا، لِأَن رِوَايَة مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون عَن أبي الْيَمَان لَا تعادل رِوَايَة البُخَارِيّ عَن أبي الْيَمَان: وَلَا رِوَايَة أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب بن نجدة عَن أبي الْيَمَان مثل رِوَايَة البُخَارِيّ عَنهُ، وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة مُسلم أَيْضا، وَلَفظ البُخَارِيّ: (من يقم لَيْلَة الْقدر فيوافقها أرَاهُ إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) ، وَلَفظ حَدِيث الطَّبَرَانِيّ يُنَادي بِأَعْلَى صَوته بِوُقُوع التَّغْيِير وَالتَّصَرُّف من الروَاة فِيهِ، لِأَن فِيهِ النَّفْي وَالْإِثْبَات مَوضِع الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم. قَوْله: (من ذَنبه) يتَعَلَّق بقوله: (غفر) أَي: غفر من ذَنبه مَا تقدم، وَيجوز أَن تكون: من، البيانية لما تقدم. فَإِن قلت: (مَا تقدم) مَا موقعه من الْإِعْرَاب؟ قلت: النصب على المفعولية على الْوَجْه الأول، وَالرَّفْع على أَنه مفعول نَاب عَن الْفَاعِل على الْوَجْه الثَّانِي، فَافْهَم. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: لِمَ قَالَ هَهُنَا: من يقم، بِلَفْظ الْمُضَارع، وَقَالَ فِيمَا بعده: من قَامَ رَمَضَان وَمن صَامَ رَمَضَان، بالماضي؟ وَأجِيب: بِأَن قيام رَمَضَان وصيامه مُحَقّق الْوُقُوع، فجَاء بِلَفْظ يدل عَلَيْهِ بِخِلَاف قيام لَيْلَة الْقدر، فَإِنَّهُ غير مُتَيَقن، فَلهَذَا ذكره بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا النُّكْتَة فِي وُقُوع الْجَزَاء بالماضي مَعَ أَن الْمَغْفِرَة فِي زمن الِاسْتِقْبَال؟ وَأجِيب: للإشعار بِأَنَّهُ مُتَيَقن الْوُقُوع مُتَحَقق الثُّبُوت، فضلا من الله تَعَالَى على عباده. وَمِنْهَا
- (باب الجهاد من الإيمان)
مَا قيل: لفظ: من يقم لَيْلَة الْقدر، هَل يَقْتَضِي قيام تَمام اللَّيْلَة، أَو يَكْفِي أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْقيام؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يَكْفِي الْأَقَل وَعَلِيهِ بعض الْأَئِمَّة، حَتَّى قيل بكفاية فرض صَلَاة الْعشَاء فِي دُخُوله تَحت الْقيام فِيهَا، لَكِن الظَّاهِر مِنْهُ عرفا أَنه لَا يُقَال: قيام اللَّيْلَة، إلاَّ إِذا قَامَ كلهَا أَو أَكْثَرهَا. قلت: قَوْله: (من يقم لَيْلَة الْقدر) . مثل: من يصم يَوْمًا، فَكَمَا لَا يَكْفِي صَوْم بعض الْيَوْم وَلَا أَكْثَره، فَكَذَلِك لَا يَكْفِي قيام بعض لَيْلَة الْقدر وَلَا أَكْثَرهَا، وَذَلِكَ لِأَن لَيْلَة الْقدر وَقعت مَفْعُولا لقَوْله: يقم، فَيَنْبَغِي أَن يُوصف جَمِيع اللَّيْلَة بِالْقيامِ، لِأَن من شَأْن الْمَفْعُول أَن يكون مشمولاً بِفعل الْفَاعِل. فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا معنى الْقيام فِيهَا إِذْ ظَاهره غير مُرَاد قطعا؟ وَأجِيب: بِأَن الْقيام للطاعة كَأَنَّهُ مَعْهُود من قَوْله تَعَالَى: {قومُوا لله قَانِتِينَ} (الْبَقَرَة: 238) وَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: الذَّنب علم لِأَنَّهُ اسْم جنس مُضَاف، فَهَل يَقْتَضِي مغْفرَة ذَنْب يتَعَلَّق بِحَق النَّاس؟ وَأجِيب: بِأَن لَفظه مُقْتَض لذَلِك مُقْتَض لذَلِك، وَلَكِن علم من الْأَدِلَّة الخارجية أَن حُقُوق الْعباد لَا بُد فِيهَا من رضى الْخُصُوم، فَهُوَ عَام اخْتصَّ بِحَق الله تَعَالَى وَنَحْوه بِمَا يدل على التَّخْصِيص، وَقيل: يجوز أَن تكون: من، تبعيضية. وَفِيه نظر. 26 - (بابٌ الْجِهادُ مِنَ الإيمانِ) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع الأول: قَوْله: (بَاب) لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب إِلَّا بِتَقْدِير: هَذَا بَاب، فَيكون خَبرا مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ. وَقَوله: (الْجِهَاد) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: (من الْإِيمَان) وَلَا يجوز فِيهِ غير الرّفْع. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ قيام لَيْلَة الْقدر، وَلَا يحصل ذَلِك، إِلَّا بالمجاهدة التَّامَّة ومقاساة الْمَشَقَّة وَترك الِاخْتِلَاط بالأهل والعيال، فَكَذَلِك الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمُجَاهِد الَّذِي لَا يحصل لَهُ الْحَظ من الْجِهَاد، وَلَا يُسمى مُجَاهدًا إلاَّ بالمجاهدة التَّامَّة ومقاساة الْمَشَقَّة الزَّائِدَة وَترك الْأَهْل والعيال، وكما أَن الْقَائِم لَيْلَة الْقدر يجْتَهد أَن ينَال رُؤْيَة تِلْكَ اللَّيْلَة ويتحلى بهَا، وإلاَّ فيكتسب أجورا عَظِيمَة، فَكَذَلِك الْمُجَاهِد يجْتَهد أَن ينَال دَرَجَة الشُّهَدَاء ومنزلتهم وإلاَّ فَيرجع بغنيمة وافرة مَعَ اكْتِسَاب اسْم الْغُزَاة، فَهَذَا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة وَإِن كَانَ التَّرْتِيب الوضعي يَقْتَضِي أَن يذكر بَاب تطوع قيام رَمَضَان عقيب هَذَا الْبَاب، وَبَاب صَوْم رَمَضَان عقيب هَذَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل لترتيب الْكتاب وتوسيط الْجِهَاد بَين قيام لَيْلَة الْقدر وَقيام رَمَضَان وصيامه مُنَاسبَة أم لَا؟ قلت: مناسبته تَامَّة وَهِي الْمُشَاركَة فِي كَون كل من الْمَذْكُورَات من أُمُور الْإِيمَان. وتوسيط الْجِهَاد مشْعر بِأَن النّظر مَقْطُوع عَن غير هَذِه الْمُنَاسبَة. قلت: يُرِيد بِكَلَامِهِ هَذَا أَن الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا هِيَ اشتراكها فِي كَونهَا من خِصَال الْإِيمَان، مَعَ قطع النّظر عَن طلب الْمُنَاسبَة بَين كل بَابَيْنِ من الْأَبْوَاب، وَهَذَا كَلَام من يعجز عَن إبداء وَجه الْمُنَاسبَة الْخَاصَّة مَعَ الْمُنَاسبَة الْعَامَّة، وَمَا يَنْبَغِي أَن يذكر مَا ذكرته، فَافْهَم. الثَّالِث: معنى قَوْله: (الْجِهَاد من الْإِيمَان) الْجِهَاد شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَقَالَ ابْن بطال وَعبد الْوَاحِد، الشارحان: هَذَا كالأبواب الْمُتَقَدّمَة فِي أَن الْأَعْمَال إِيمَان، لِأَنَّهُ لما كَانَ الْإِيمَان هُوَ الْمخْرج لَهُ فِي سَبيله، كَانَ الْخُرُوج إِيمَانًا تَسْمِيَة للشَّيْء باسم سَببه، كَمَا قيل للمطر سَمَاء لنزوله من السَّمَاء، وللنبات. توأ لِأَنَّهُ ينشأ من النوء، وَالْجهَاد الْقِتَال مَعَ الْكفَّار لإعلاء كلمة الله تَعَالَى. 36 - حدّثنا حَرَمِيُّ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدّثنا عبدُ الوَاحِدِ قَالَ حدّثنا عُمَارَةُ قَالَ حدّثنا أبُو زُرْعَةَ بنُ عَمْرو بنِ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إلاَّ إيمانٌ بِي وتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَن أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرِ أَو غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ وَلَوْلاَ أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ وَلوِددْتُ أنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُم أُحْيا ثمَّ أُقْتَلُ ثمَّ أُحيا ثمَّ أُقتل.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَن الْمخْرج للْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى لما كَانَ هُوَ كَونه مُؤمنا بِاللَّه ومصدقا برسله، كَانَ خُرُوجه من الْإِيمَان، وَالْجهَاد هُوَ الْخُرُوج فِي سَبِيل الله لِلْقِتَالِ مَعَ أعدائه، وَقد ثَبت أَن الْخُرُوج من الْإِيمَان، فينتج أَن الْجِهَاد من الْإِيمَان.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حرمي، اسْم بِلَفْظ النِّسْبَة، ابْن حَفْص بن عمر، الْعَتكِي الْقَسْمَلِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وَانْفَرَدَ بِهِ عَن مُسلم، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ. مَاتَ سنة ثَلَاث، وَقيل: سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو بشر عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، وَيعرف: بالثقفي. قَالَ يحيى وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، فِي طبقته عبد الْوَاحِد بن زيد الْبَصْرِيّ أَيْضا لكنه ضَعِيف، وَلم يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْء. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة، ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة، ابْن أخي عبد الله بن شبْرمَة الْكُوفِي الضَّبِّيّ، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَالْأَعْمَش وَغَيرهمَا، قَالَ يحيى، ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي، وَاخْتلف فِي اسْمه وأشهرها: هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: عبيد الله بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ، سمع جده وَأَبا هُرَيْرَة وَغَيرهمَا، قَالَ يحيى: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَتكِي: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، فِي الأزد: ينْسب إِلَى العتيك بن الْأسد بن عمرَان بن عَمْرو بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، وَفِي قضاعة: عتِيك بطن. الْقَسْمَلِي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، فِي الأزد: ينْسب إِلَى قسملة، وَهُوَ: مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن دوس، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قسملي فِي الأزد وهم القسامل، سموا بذلك لجمالهم، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: الْقَسْمَلِي نِسْبَة إِلَى القساملة، قَبيلَة من الأزد نزلت الْبَصْرَة فنسبت الْمحلة إِلَيْهِم أَيْضا، وَهَذَا مَنْسُوب إِلَى الْقَبِيلَة، وَفِي شرح النَّوَوِيّ على قِطْعَة من البُخَارِيّ: أَن الْقَسْمَلِي، بِكَسْر الْقَاف وَالْمِيم، وَكَأَنَّهُ سبق قلم، وَالصَّوَاب فتحهما؛ والعبدي: نِسْبَة إِلَى عبد الْقَيْس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار، وَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، وَفِي تَمِيم: ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم. وَفِي قضاعة: إِلَى عبد الله بن الْخِيَار وَفِي هَمدَان إِلَى عبد الله بن عليان. والثقفي: نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ قسي بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان. والضبي، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش: ضبة بن الْحَارِث ابْن فهر، وَفِي هُذَيْل: ضبة بن عَمْرو بن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. والبجلي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم: نِسْبَة إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك بن مذْحج. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا وَهُوَ أعظمها: أَنه خَال عَن العنعنة وَلَيْسَ فِيهِ إلاَّ التحديث وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فيهم إسما على صُورَة النِّسْبَة، وَرُبمَا يَظُنّهُ من لَا إِلْمَام لَهُ بِالْحَدِيثِ أَنه نِسْبَة. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن زُهَيْر عَن جرير، وَعَن أبي بكر وَأبي كريب عَن ابْن فُضَيْل عَن عمَارَة بِهِ. وَفِي لفظ مُسلم: (يضمن الله) ، وَفِي بَعْضهَا: (تكفل الله) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (توكل الله) وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ: وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: (انتدب الله لمن يخرج فِي سَبيله لَا يُخرجهُ إلاَّ الْإِيمَان بِي وَالْجهَاد فِي سبيلي أَنه ضَامِن حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة بِأَيِّهِمَا كَانَ: إِمَّا بقتل أَو وفادة، أَو أرده إِلَى مَسْكَنه الَّذِي يخرج مِنْهُ، نَالَ مَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة) . بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (انتدب الله) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، من قَوْلهم: نَدبه لأمر فَانْتدبَ لَهُ، أَي: دَعَاهُ لَهُ فَأجَاب، فَكَأَن الله تَعَالَى جعل جِهَاد الْعباد فِي سَبِيل الله سؤالاً، وَدُعَاء لَهُ إِيَّاه. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) فِي فصل النُّون مَعَ الدَّال قَوْله: (انتدب الله لمن جَاهد فِي سَبيله) أَي: سارع بثوابه وَحسن جَزَائِهِ، وَقيل: أجَاب، وَقيل: تكفل، وَقَالَ ابْن بطال: أوجب وتفضل أَي: حقق واحكم أَي: ينجز ذَلِك لمن أخْلص قلت: كَأَنَّهُ يُرِيد مَا وعده، بقوله تَعَالَى: {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ} (التَّوْبَة: 111) الْآيَة، وَذكره أَيْضا فِي (الْمطَالع) فِي فصل الْهمزَة مَعَ الدَّال من مَادَّة أدب، فَقَالَ قَوْله: (ائتدب الله لمن خرج فِي سَبيله) . كَذَا للقابسي بِهَمْزَة، وَمَعْنَاهُ: أجَاب من دَعَاهُ، من المأدبة، يُقَال: أدب الْقَوْم يأدبهم ويأدبهم أدبا إِذا دعاهم. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: انتدب، بالنُّون، وَأَهْمَلَهُ الْأصيلِيّ وَلم يُقَيِّدهُ، وَمَعْنَاهُ قريب من الأول، كَأَنَّهُ أجَاب رغبته. يُقَال:
ندبته فَانْتدبَ أَي دَعوته فَأجَاب، وَمِنْه فِي حَدِيث الخَنْدَق: فَانْتدبَ الزبير، رَضِي الله عَنهُ، وَذكره الصغاني أَيْضا فِي بَاب النُّون مَعَ الدَّال وَقَالَ: وَأما قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (انتدب الله) الحَدِيث، فَمَعْنَاه: أَجَابَهُ إِلَى غفرانه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: رَوَاهُ الْقَابِسِيّ: ائتدب، بِهَمْزَة صورتهَا يَاء من: المأدبة، يُقَال: أدب الْقَوْم مخففا، إِذا دعاهم، وَمِنْه: (الْقُرْآن مأدبة الله فِي الأَرْض) . قلت: قَالَ الصغاني: الْأَدَب الدُّعَاء إِلَى الطَّعَام، يُقَال أدبهم يأدبهم بِكَسْر الدَّال، وَاسم الطَّعَام عَن أبي زيد: المأدبة والمأدبة، يَعْنِي بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا، ثمَّ قَالَ: وَأما المأدبة، بِالْفَتْح، فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ: (إِن هَذَا الْقُرْآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته) فَلَيْسَتْ من الطَّعَام فِي شَيْء، وَإِنَّمَا هِيَ مفعلة من الْأَدَب بِالتَّحْرِيكِ، انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ هُنَا: ايتدب، بياء تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة بدل النُّون من المأدبة وَهُوَ تَصْحِيف، وَقد وجههوه بتكلف، لَكِن إِطْلَاق الروَاة على خِلَافه. قلت: لم يقل أحد من الشُّرَّاح ولامن رُوَاة الْكتاب إِن هَذَا تَصْحِيف، وَلَا أطبقت الروَاة على خِلَافه، وَقد رَأَيْت مَا قَالَت الْمَشَايِخ فِيهِ وَالدَّعْوَى بِلَا برهَان لَا تقبل. قَوْله: (أَن أرجعه) بِفَتْح الْهمزَة من رَجَعَ، وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا ولازما، فمصدر الأول الرجع، ومصدر الثَّانِي الرُّجُوع، وَهَهُنَا مُتَعَدٍّ نَحْو قَوْله تَعَالَى {فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة} (التَّوْبَة: 83) وَفِي (الْعباب) : رَجَعَ بِنَفسِهِ يرجع رُجُوعا ومرجعا ورجعي، قَالَ الله تَعَالَى: {ثمَّ إِلَى ربكُم مرجعكم} (الْأَنْعَام: 164، الزمر: 7) وَهُوَ شَاذ لِأَن المصادر من: فعل يفعل، إِنَّمَا تكون بِالْفَتْح. وَقَالَ الله تَعَالَى: {إِن إِلَى رَبك الرجعى} (العلق: 8) ورجعته عَن الشَّيْء وَإِلَى الشَّيْء رجعا: رَددته. قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّه على رجعه لقادر} (الطارق: 8) أَي: على إِعَادَته حَيا بعد مَوته وبلاه، لِأَنَّهُ المبدىء المعيد. وَقَالَ تَعَالَى: {يرجع بَعضهم إِلَى بعض القَوْل} (سبأ: 31) أَي: يتلاومون. قَوْله: (بِمَا نَالَ) . أَي: بِمَا أصَاب من النّيل، وَهُوَ الْعَطاء. قَوْله: (خلف سَرِيَّة) خلف هَهُنَا بِمَعْنى بعد، والسرية: هِيَ قِطْعَة من الْجَيْش، يُقَال: خير السَّرَايَا أَربع مائَة رجل. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (انتدب) فعل مَاض، وَلَفْظَة: الله، فَاعله، وَقَوله (لمن خرج) يتَعَلَّق بانتدب، وَمن، مَوْصُولَة. وَخرج، جملَة صلتها، وَفِي سَبيله، يتَعَلَّق بِهِ، وَالضَّمِير فِي سَبيله، يرجع إِلَى الله. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير، وموضعها نصب على الْحَال، وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفيا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا بُد من التَّأْوِيل وَهُوَ تَقْدِير اسْم فَاعل من القَوْل مَنْصُوب على الْحَال، كَأَنَّهُ قَالَ: انتدب الله لمن خرج فِي سَبيله قَائِلا لَا يُخرجهُ إِلَّا إِيمَان بِي. قلت: هَذَا لَيْسَ بسديد لِأَنَّهُ على تَقْدِيره يلْزم أَن يكون ذُو الْحَال هُوَ الله تَعَالَى، وَيكون قَوْله لَا يُخرجهُ، مقول القَوْل، وَلَيْسَ كَذَلِك بل ذُو الْحَال هُوَ الضَّمِير الَّذِي فِي خرج وَأَيْضًا فِيهِ حذف الْحَال وَهُوَ لَا يجوز. قَوْله: (إِيمَان) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: لَا يُخرجهُ، وَالِاسْتِثْنَاء مفرغ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي: إلاَّ إِيمَانًا، بِالنّصب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، وَتَقْدِيره: لَا يُخرجهُ مخرج إِلَّا الْإِيمَان والتصديق. قَوْله: (وتصديق برسلي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو تَصْدِيق، وَفِي بعض النّسخ: (وتصديق) بِالْوَاو الْوَاصِلَة وَهُوَ ظَاهر. قلت: لم أَقف على من ذكر هَذَا رِوَايَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِذا كَانَ: بِأَو، الفاصلة، فَمَا مَعْنَاهُ إِذْ لَا بُد من الْأَمريْنِ: الْإِيمَان بِاللَّه والتصديق برسل الله؟ قلت: أَو، هَهُنَا لِامْتِنَاع الْخُلُو مِنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا، أَي: لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا، وَقد يَجْتَمِعَانِ بل يلْزم الِاجْتِمَاع، لِأَن الْإِيمَان بِاللَّه مُسْتَلْزم لتصديق رسله، إِذْ من جملَة الْإِيمَان بِاللَّه الْإِيمَان بأحكامه وأفعاله، وَكَذَا التَّصْدِيق بالرسل يسْتَلْزم الْإِيمَان بِاللَّه، وَهُوَ ظَاهر. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ مِمَّا يدل عَلَيْهِ: أَو، لِأَن الِاجْتِمَاع هَهُنَا لَازم و: أَو، لَا يدل على لُزُوم الِاجْتِمَاع. قَوْله: (أَن أرجعه) يتَعَلَّق بقوله: (انتدب) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَأَصلهَا: بِأَن أرجعه، أَي: يرجعه، وَالْبَاء فِي: بِمَا نَالَ، يتَعَلَّق بِهِ، وَمَا، مَوْصُولَة، و: نَالَ، صلتها والعائد مَحْذُوف أَي: بِمَا ناله. قَوْله: (من) للْبَيَان، قَوْله: (أَو غنيمَة) أَو: هَهُنَا لِامْتِنَاع الْخُلُو مِنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا أَعنِي: أَن اللَّفْظ لَا يَنْفِي اجْتِمَاعهمَا، بل يثبت أَحدهمَا مَعَ جَوَاز ثُبُوت الآخر، فقد يَجْتَمِعَانِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ أَن أرجعه بِمَا نَالَ من أجر مُجَرّد وَإِن لم يكن غنيمَة، أَو أجر وغنيمة إِذا كَانَت، فَاكْتفى بِذكر الْأجر أَولا عَن تكراره، أَو أَن: أَو، هَهُنَا بِمَعْنى الْوَاو، كَمَا جَاءَ فِي مُسلم من رِوَايَة يحيى بن يحيى، وَفِي سنَن أبي دَاوُد: من أجر وغنيمة بِغَيْر ألف. وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين} (النِّسَاء: 11 و 12) مَعْنَاهُ: وَدين، وَقيل: من وَصِيَّة وَدين، أَو دين دون وَصِيَّة. قَوْله: (أَو أدخلهُ) بِالنّصب عطفا على قَوْله: (أَن أرجعه) . قَوْله: (لَوْلَا) هِيَ الامتناعية لَا التحضيضية، وَأَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع
على الِابْتِدَاء، وَالتَّقْدِير: لَوْلَا الْمَشَقَّة، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا بِفعل مَحْذُوف، أَي: لَوْلَا ثَبت أَن أشق، وَقَوله: أشق مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (مَا قعدت) جَوَاب لَوْلَا، وَأَصله: لما قعدت، فحذفت اللَّام مِنْهُ. وَقَوله: (خلف) نصب على الظَّرْفِيَّة، وَسبب الْمَشَقَّة صعوبة تخلفهم بعده، وَلَا يقدرُونَ على الْمسير مَعَه لضيق حَالهم، وَلَا قدرَة لَهُ على حملهمْ، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي حَدِيث آخر، حَيْثُ قَالَ: (فَإِنَّهُ يشق عَلَيْهِم التَّخَلُّف بعده، وَلَا تطيب أنفسهم بذلك) . قَوْله: (ولوددت) اللَّام للتَّأْكِيد، وَهُوَ عطف على قَوْله: مَا قعدت، وَيجوز أَن تكون اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف أَي: وَالله لَوَدِدْت أَي: أَحْبَبْت. قَوْله: (أَن أقتل) فِي مَحل النصب على المفعولية، وَأَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: الْقَتْل، والهمزة فِي الْمَوَاضِع الْخَمْسَة مَضْمُومَة. قَوْله: (ثمَّ أحيى) أَي: ثمَّ أَن أحيى، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي الْبَوَاقِي. {بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إلاَّ إِيمَان بِي وتصديق برسلي) : يُرِيد خلوص نِيَّته لذَلِك، وَفِيه الْتِفَات، وَهُوَ الْعُدُول من الْغَيْبَة، إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم، والسياق كَانَ يَقْتَضِي أَن يَقُول: إِلَّا إِيمَان بِهِ. قَوْله: (أَن أرجعه) فِيهِ حذف أَي: إِلَى مَسْكَنه. قَوْله: (بِمَا نَالَ) فِيهِ اسْتِعْمَال الْمَاضِي مَوضِع الْمُضَارع لتحَقّق وعد الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ أحيى) كلمة ثمَّ، وَإِن كَانَت تدل على التَّرَاخِي فِي الزَّمَان، وَلكنهَا هَهُنَا حملت على التَّرَاخِي فِي الرُّتْبَة، لِأَن المتمنى حُصُول مرتبَة بعد مرتبَة إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الفردوس الْأَعْلَى. استنباط الْأَحْكَام: فِيهِ: فضل الْجِهَاد وَالشَّهَادَة فِي سَبِيل الله. وَفِيه: تمني الشَّهَادَة وتعظيم أجرهَا. وَفِيه: تمني الْخَيْر وَالنِّيَّة فَوق مَا لَا يُطيق الْإِنْسَان وَمَا لَا يُمكنهُ إِذا قدر لَهُ، وَهُوَ أحد التَّأْويلَيْنِ فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نِيَّة الْمُؤمن أبلغ من عمله) وَفِيه: بَيَان شدَّة شَفَقَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أمته ورأفته بهم. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْقَتْل فِي سَبِيل الله. وَفِيه: جَوَاز قَول الْإِنْسَان: وددت حُصُول كَذَا من الْخَيْر الَّذِي يعلم أَنه لَا يحصل. وَفِيه: إِذا تعَارض مصلحتان بدىء بأهمهما، وَأَنه يتْرك بعض الْمصَالح لمصْلحَة أرجح مِنْهَا، أَو لخوف مفْسدَة تزيد عَلَيْهَا. وَفِيه: إِن الْجِهَاد فرض كِفَايَة لَا فرض عين. وَفِيه: السَّعْي فِي زَوَال الْمَكْرُوه وَالْمَشَقَّة عَن الْمُسلمين. وَفِيه: إِن من خرج فِي قتال الْبُغَاة وَفِي إِقَامَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَنَحْو ذَلِك يدْخل فِي قَوْله: (فِي سَبِيل الله) وَإِن كَانَ ظَاهره فِي قتال الْكفَّار. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: جَمِيع الْمُؤمنِينَ يدخلهم الله تَعَالَى الْجنَّة، فَمَا وَجه اختصاصهم بذلك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يدْخلهُ بعد مَوته، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ} (آل عمرَان: 169) وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: الدُّخُول عِنْد دُخُول السَّابِقين والمقربين بِلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب، وَلَا مُؤَاخذَة بذنوب، وَتَكون الشَّهَادَة مكفرة لَهَا كَمَا رُوِيَ من قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (الْقَتْل فِي سَبِيل الله يكفر كل شَيْء إِلَّا الدّين) . رَوَاهُ مُسلم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْمُجَاهِد لَهُ حالتان: الشَّهَادَة والسلامة، فالجنة للحالة الأولى، وَالْأَجْر وَالْغنيمَة للثَّانِيَة وَلَفظه: أَو فِي قَوْله: أَو غنيمَة، تدل على أَن للسالم، إِمَّا الْأجر، وَإِمَّا الْغَنِيمَة لَا كِلَاهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن معنى: أَو، لِامْتِنَاع الْخُلُو عَنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا. وَمِنْهَا مَا قيل: هَهُنَا حَالَة ثَالِثَة للسالم وَهُوَ: الْأجر بِدُونِ الْغَنِيمَة. وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْحَالة دَاخِلَة تَحت الْحَالة الثَّانِيَة إِذْ هِيَ أَعم من الْأجر فَقَط، أَو مِنْهُ مَعَ الْغَنِيمَة. وَمِنْهَا مَا قيل: الْأجر ثَابت للشهيد الدَّاخِل فِي الْجنَّة، فَكيف يكون السَّالِم والشهيد مقترنين فِي أَن لأَحَدهمَا الْأجر وَللْآخر الْجنَّة، مَعَ أَن الْجنَّة أَيْضا أجر؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا أجر خَاص، وَالْجنَّة أجر أَعلَى مِنْهُ، فهما متغايران. أَو أَن الْقسمَيْنِ هما الرجع والإدخال، لَا الْأجر وَالْجنَّة. وَمعنى الحَدِيث: إِن الله تَعَالَى ضمن أَن الْخَارِج للْجِهَاد ينَال خيرا بِكُل حَال، فإمَّا أَن يستشهد فَيدْخل الْجنَّة، وَإِمَّا أَن يرجع بِأَجْر فَقَط، وَإِمَّا بِأَجْر وغنيمة. وَمِنْهَا مَا قيل: بِمَاذَا هَذَا الضَّمَان؟ وَأجِيب: بِمَا سبق فِي علمه، وَمَا ذكره فِي كِتَابه بقوله: {إِن الله اشْترى} (التَّوْبَة: 111) الْآيَة: وَمِنْهَا مَا قيل: لَا مشقة على الْأمة فِي ودادة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن غَايَة مَا فِي الْبَاب وجود الْمُتَابَعَة فِي الودادة، وَلَيْسَ فِيهَا مشقة. وَأجِيب: بِأَنا لَا نسلم عدم الْمَشَقَّة، وَلَئِن سلمنَا فَرُبمَا ينجر إِلَى تشييع مودوده، فَيصير سَببا للْمَشَقَّة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْفِرَار إِنَّمَا هُوَ على حَالَة الْحَيَاة. فَلم جعل النِّهَايَة هِيَ الْقَتْل؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد هُوَ الشَّهَادَة، فختم الْحَال عَلَيْهَا، أَو أَن الْإِحْيَاء للجزاء وَهُوَ مَعْلُوم شرعا، فَلَا حَاجَة إِلَى ودادته، لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ الْوُقُوع. فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْقَوَاعِد تَقْتَضِي أَن لَا يتَمَنَّى الْمعْصِيَة أصلا، لَا لنَفسِهِ وَلَا لغيره، فَكيف تمناه؟ لِأَن حَاصله أَنه تمنى أَن يُمكن فِيهِ كَافِر فيعصى فِيهِ؟ وَأجِيب: بِأَن الْمعْصِيَة لَيست مَقْصُودَة بالتمني، إِنَّمَا المتمنى الْحَالة الرفيعة وَهِي الشَّهَادَة، وَتلك تحصل تبعا. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة) يُعَارضهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي الصَّحِيح: (مَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تغزو فتغنم وتسلم، إلاَّ كَانُوا
- (باب تطوع قيام رمضان من الإيمان)
قد تعجلوا ثُلثي أجرهم، وَمَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تخفق فتصاب إِلَّا تمّ أُجُورهم) . والإخفاق أَن تغزو وَلَا تغتنم شَيْئا وَلَا يَصح أَن ينقص الْغَنِيمَة من أجرهم، كَمَا لم تنقص أهل بدر، وَكَانُوا أفضل الْمُجَاهدين. وَأجِيب: بأجوبة. الأول: الطعْن فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِن فِي إِسْنَاده: حميد بن هَانِيء، وَلَيْسَ بالمشهور، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ أخرج لَهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ يحيى بن سعيد: حدث عَنهُ الْأَئِمَّة، وَأَحَادِيثه كَثِيرَة مُسْتَقِيمَة. الثَّانِي: إِن الَّذِي يخْفق يزْدَاد بِالْأَجْرِ، والأسف على مَا فاتها من الْمغنم، ويضاعف لَهَا كَمَا يُضَاعف لمن أُصِيب بأَهْله وَمَاله. الثَّالِث: أَن يحمل الأول على من أخْلص فِي نِيَّته لقَوْله: (لَا يُخرجهُ إلاَّ جِهَاد فِي سبيلي) وَيحمل الحَدِيث الثَّانِي على من خرج بنية الْجِهَاد والمغنم، فَهَذَا شرك بِمَا يجوز فِيهِ التَّشْرِيك، وانقسمت نِيَّته بَين الْوَجْهَيْنِ فنقص أجره، وَالْأول خَاص فكمل أجره. وَنفى النَّوَوِيّ التَّعَارُض لِأَن الْغُزَاة إِذا سلمُوا وغنموا تكون أُجُورهم أقل من أجر من لم يسلم، أَو سلم وَلم يغنم، وَأَن الْغَنِيمَة فِي مُقَابلَة جُزْء من أجر غزوهم، فَإِذا حصلت فقد تعجلوا ثُلثي أجرهم. وَقَالَ القَاضِي: الحَدِيث الَّذِي فِيهِ، بِمَا نَالَ من أجر وغنيمة، مُطلق لِأَنَّهُ لم يقل فِيهِ: إِن الْغَنِيمَة تنقص الْأجر، والْحَدِيث الثَّانِي مُقَيّد، وَأما استدلالهم بغزوة بدر فَلَيْسَ فِيهِ أَنهم لَو لم يغنموا لَكَانَ أجرهم على قدر أجرهم مَعَ الْغَنِيمَة، وكونهم مغفورا مرضيا عَنْهُم لَا يلْزم مِنْهُم أَن لَا يكون فَوْقه مرتبَة أُخْرَى هِيَ أفضل. 27 - (بابٌ تَطَوُّعُ قِيام رَمَضَانَ مِنَ الْإِيمَان) أَي: هَذَا بَاب. قَوْله: (تطوع) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَخَبره قَوْله: (من الْإِيمَان) ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب تطوع قيام شهر رَمَضَان. والتطوع: تفعل، وَمَعْنَاهُ: التَّكَلُّف بِالطَّاعَةِ والتطوع بالشَّيْء: التَّبَرُّع بِهِ. وَفِي الِاصْطِلَاح: التَّنَفُّل، وَالْمرَاد من الْقيام هُوَ الْقيام بِالطَّاعَةِ فِي لياليه، وَقد ذكرنَا وَجه تخَلّل بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان بَين هَذَا الْبَاب وَبَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان. ورمضان فِي الأَصْل مصدر: رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء، ثمَّ جعل هَذَا علما لهَذَا الشَّهْر، وَمنع الصّرْف: للتعريف وَالْألف وَالنُّون، وَلما نقلوا أَسمَاء الشُّهُور عَن اللُّغَة الْقَدِيمَة سَموهَا بالأزمنة الَّتِي وَقعت فِيهَا، فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْر أَيَّام رمض الْحر. 37 - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ حُمَيْدٍ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. (رَاجع الحَدِيث رقم 35) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ غفران مَا تقدم من الذُّنُوب شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَالتَّقْدِير فِي الْبَاب: بَاب تطوع قيام رَمَضَان شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت شَيْخه الإِمَام مَالك. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، أَبُو إِبْرَاهِيم، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: أَبُو عُثْمَان الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي، وَأمه أُخْت عُثْمَان بن عَفَّان، أول الْمُهَاجِرَات من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، قلت: اسْمهَا أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط، أُخْت عُثْمَان لأمه، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْعلم، وَفِي غير مَوضِع عَن الزُّهْرِيّ وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي مليكَة عَنهُ، عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ومَيْمُونَة، وَأخرج لَهُ أَيْضا عَن عُثْمَان وَسَعِيد بن زيد وَغَيرهمَا، سمع جمعا من كبار الصَّحَابَة مِنْهُم أَبَوَاهُ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة، وَعنهُ الزُّهْرِيّ وخلائق من التَّابِعين وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة وَغَيره، وَكَانَ كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين بِالْمَدِينَةِ عَن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَقيل: سنة خمس وَمِائَة وَهُوَ غلط. وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا قد أخرجَا لحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْفَقِيه، وَلَا يلتبس بِهَذَا، وَإِن رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَيْضا وَغَيرهمَا فاعلمه. وَمَا قلت من إِخْرَاج البُخَارِيّ لهَذَا جزم بِهِ الكلاباذي فِي كِتَابه، والمزي فِي (تهذيبه) ، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه عَن الْحَاكِم، والْحميدِي، وَصَاحب الْجمع وَعبد الْغَنِيّ وَغَيرهم أَنهم قَالُوا: لم يخرج لَهُ شَيْئا، وَلم يخرج
مُسلم فِي صَحِيحه عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ غير حَدِيث: (أفضل الصّيام بعد رَمَضَان) الحَدِيث ... فَقَط، وَمَا عداهُ فَهُوَ من رِوَايَة ابْن عَوْف، قَالَ: وَقد غلطوا الكلاباذي فِي دَعْوَاهُ: إِخْرَاج البُخَارِيّ لَهُ ووهموه، قَالَ: وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَنه لم يذكرهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي من رِوَايَة البُخَارِيّ وَلما ذكر النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم حَدِيثه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اعْلَم أَن أَبَا هُرَيْرَة يروي عَنهُ اثْنَان كل مِنْهُمَا حميد بن عبد الرَّحْمَن: أَحدهمَا هَذَا الْحِمْيَرِي، وَالثَّانِي الزُّهْرِيّ. قَالَ الْحميدِي فِي جمعه: كل مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة فَهُوَ الزُّهْرِيّ إلاَّ فِي هَذَا الحَدِيث خَاصَّة، فَإِن رَاوِيه عَن أبي هُرَيْرَة الْحِمْيَرِي، وَهَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه. قَالَ: وَلَا ذكر الْحِمْيَرِي فِي البُخَارِيّ أصلا، وَلَا فِي مُسلم إلاَّ هَذَا الحَدِيث قلت: دَعْوَاهُ أَن البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِي صَحِيحه قد علمت مَا فِيهِ، وَقَوله: وَلَا فِي مُسلم إلاَّ هَذَا الحَدِيث، لَيْسَ بجيد، فقد ذكره مُسلم فِي ثَلَاثَة أَحَادِيث. أَحدهَا: أول الْكتاب حَدِيث ابْن عمر فِي الْقدر عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي قَالَا: لَقينَا ابْن عمر وَذكر الحَدِيث. الثَّانِي: فِي الْوَصَايَا عَن عَمْرو بن سعيد عَن حميد الْحِمْيَرِي عَن ثَلَاثَة من ولد سعد أَن سَعْدا، فَذكره. الثَّالِث: فِيهَا عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَعَن رجل آخر هُوَ فِي نَفسِي أفضل من عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، ثمَّ سَاقه من حَدِيث قُرَّة قَالَ: وسمى الرجل: حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي بكرَة: (خَطَبنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم النَّحْر فَقَالَ؛ أَي يَوْم هَذَا؟) الحَدِيث. فَائِدَة: روى مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن أَن عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله عَنْهُمَا، كَانَا يصليان الْمغرب فِي رَمَضَان، ثمَّ يفطران. وَرَوَاهُ يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد قَالَ: رَأَيْت عمر وَعُثْمَان فَذكره قَالَ الْوَاقِدِيّ: حميد لم يسمع من عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَلَا رَآهُ، وسنه وَمَوته يدلان على ذَلِك، وَلَعَلَّه سمع من عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، لِأَنَّهُ كَانَ خَاله لأمه، لِأَن أم مَكْتُوم أُخْت عُثْمَان، وَكَانَ يدْخل على عُثْمَان كَمَا يدْخل وَلَده. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصّيام. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه والموطأ وَآخَرُونَ. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (من) ، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (غفر لَهُ) ، وهما الشَّرْط وَالْجَزَاء، وَمعنى من قَامَ رَمَضَان: من قَامَ بِالطَّاعَةِ فِي ليَالِي رَمَضَان، وَيُقَال: يُرِيد صَلَاة التَّرَاوِيح، وَقَالَ بَعضهم: لَا يخْتَص ذَلِك بِصَلَاة التَّرَاوِيح بل فِي أَي وَقت صلى تَطَوّعا حصل لَهُ ذَلِك الْفضل، وَاتفقَ الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب التَّرَاوِيح، وَاخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل. فَقَالَ الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَابْن عبد الحكم من أَصْحَاب مَالك: أَن حضورهما فِي الْجَمَاعَة فِي الْمَسَاجِد أفضل، كَمَا فعله عمر بن الْخطاب وَالصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَاسْتمرّ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف والطَّحَاوِي وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم: الْإِفْرَاد بهَا فِي الْبيُوت أفضل، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفضل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلاَّ الْمَكْتُوبَة) . قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الحالية على تَأْوِيل مُؤمنا ومحتسبا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان، أَي: مُصدقا ومريدا بِهِ وَجه الله تَعَالَى بخلوص النِّيَّة. استباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ حجَّة لمن جوز قَول رَمَضَان بِغَيْر إِضَافَة شهر إِلَيْهِ، وَهُوَ الصَّوَاب، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِي بَابه. الثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على غفران مَا تقدم من الذُّنُوب بِقِيَام رَمَضَان: وَدلّ الحَدِيث الْمَاضِي على غفرانها بِقِيَام لَيْلَة الْقدر، ولاتعارض بَينهمَا، فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالح للتكفير، وَقد يقْتَصر الشَّخْص على قيام لَيْلَة الْقدر بِتَوْفِيق الله لَهُ فَيحصل ذَلِك. الثَّالِث: ظَاهر الحَدِيث غفران الصَّغَائِر والكبائر، وَفضل الله وَاسع، وَلَكِن الْمَشْهُور من مَذَاهِب الْعلمَاء فِي هَذَا الحَدِيث وَشبهه كَحَدِيث غفران الْخَطَايَا بِالْوضُوءِ، وبصوم يَوْم عَرَفَة، وَيَوْم عَاشُورَاء وَنَحْوه أَن المُرَاد غفران
- (باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان)
الصَّغَائِر فَقَط، كَمَا فِي حَدِيث الْوضُوء: مَا لم يُؤْت كَبِيرَة مَا اجْتنبت الْكَبَائِر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي التَّخْصِيص نظر، لَكِن أَجمعُوا على أَن الْكَبَائِر لَا تسْقط إلاَّ بِالتَّوْبَةِ، أَو بِالْحَدِّ. فَإِن قيل: قد ثَبت فِي الصَّحِيح هَذَا الحَدِيث فِي قيام رَمَضَان، وَالْآخر فِي صِيَامه، وَالْآخر فِي قيام لَيْلَة الْقدر، وَالْآخر فِي صَوْم عَرَفَة: أَنه كَفَّارَة سنتَيْن، وَفِي عَاشُورَاء أَنه كَفَّارَة سنة، وَالْآخر: رَمَضَان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهمَا، وَالْعمْرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا، وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهمَا، وَالْآخر: إِذا تَوَضَّأ خرجت خَطَايَا فِيهِ إِلَى آخِره، وَالْآخر: مثل الصَّلَوَات الْخمس كَمثل نهر ... إِلَى آخِره، وَالْآخر: من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ... وَنَحْو ذَلِك، فَكيف الْجمع بَينهَا؟ أُجِيب: إِن المُرَاد أَن كل وَاحِد من هَذِه الْخِصَال صَالِحَة لتكفير الصَّغَائِر، فَإِن صادفها كفرتها، وَإِن لم يصادفها فَإِن كَانَ فاعلها سليما من الصَّغَائِر لكَونه صَغِيرا غير مُكَلّف، أَو موفقا لم يعْمل صَغِيرَة، أَو عَملهَا وَتَابَ، أَو فعلهَا وعقبها بحسنة أذهبتها، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات} (هود: 114) فَهَذَا يكْتب لَهُ بهَا حَسَنَات، وَيرْفَع لَهُ بهَا دَرَجَات. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: ويرجى أَن يُخَفف بعض الْكَبِيرَة أَو الْكَبَائِر. 28 - (بابٌ صَوْمُ رَمَضانَ احْتِسابا مِنَ الإيمانِ) أَي: هَذَا بَاب، قَوْله: (صَوْم رَمَضَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: قَوْله: (من الْإِيمَان) . قَوْله: (احتسابا) حَال بِمَعْنى: محتسبا، أَو مفعول لَهُ، أَو تَمْيِيز، وَفِيه نظر، وَإِنَّمَا لم يقل: إِيمَانًا واحتسابا، إِمَّا لِأَنَّهُ لما كَانَ حسبَة لله تَعَالَى خَالِصا لَهُ لَا يكون إلاَّ للْإيمَان، وَإِمَّا لِأَنَّهُ اخْتَصَرَهُ بِذكرِهِ، إِذْ الْعَادة الِاخْتِصَار فِي التراجم والعناوين؛ وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر. 38 - حدّثنا ابنُ سَلاَمٍ قَالَ أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بُن فُضَيْلٍ قَالَ حدّثنا يحْيَى بنُ سَعيدٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَن صامَ رَمَضانَ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (رَاجع الحَدِيث رقم 35) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن سَالم البيكندي، وَالصَّحِيح تَخْفيف لامه، وَقد مر ذكره. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل، بِضَم الْفَاء وَفتح الْمُعْجَمَة، ابْن غَزوَان بن جرير الضَّبِّيّ، مَوْلَاهُم الْكُوفِي، سمع السبيعِي وَالْأَعْمَش وَغَيرهمَا من التَّابِعين، وَعنهُ الثَّوْريّ وَأحمد وَخلق من الْأَعْيَان، قَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق من أهل الْعلم، مَاتَ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله عَنهُ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. وَقد مر الْكَلَام فِي أَلْفَاظه عَن قريب. وَمعنى من صَامَ رَمَضَان أَي: فِي رَمَضَان، أَي: شهر رَمَضَان. فَإِن قيل: هَل يَكْفِي أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ إسم الصَّوْم حَتَّى لَو صَامَ يَوْمًا وَاحِدًا دخل الْجنَّة؟ قلت: إِنَّه لَا يُقَال فِي الْعرف صَامَ رَمَضَان إِلَّا إِذا صَامَ كُله، والسياق ظَاهر فِيهِ. فَإِن قيل: الْمَعْذُور كَالْمَرِيضِ إِذا ترك الصَّوْم فِيهِ، وَلَو لم يكن مَرِيضا لَكَانَ صَائِما، وَكَانَ نِيَّته الصَّوْم لَوْلَا الْعذر هَل يدْخل تَحت هَذَا الحكم؟ . الْجَواب: نعم، كَمَا أَن الْمَرِيض إِذا صلى قَاعِدا لعذر لَهُ ثَوَاب صَلَاة الْقَائِم. قَالَه الْعلمَاء. فَإِن قيل: كل من اللَّفْظَيْنِ وهما: إِيمَانًا واحتسابا، يُغني عَن الآخر، إِذْ الْمُؤمن لَا يكون إلاَّ محتسبا، والمحتسب لَا يكون إلاَّ مُؤمنا، فَهَل لغير التَّأْكِيد فِيهِ فَائِدَة أم لَا؟ الْجَواب: الْمُصدق لشَيْء رُبمَا لَا يَفْعَله مخلصا بل للرياء وَنَحْوه، والمخلص فِي الْفِعْل رُبمَا لَا يكون مُصدقا بثوابه وبكونه طَاعَة مَأْمُورا بِهِ سَببا للمغفرة وَنَحْوه، أَو الْفَائِدَة هُوَ التَّأْكِيد، ونعمت الْفَائِدَة. 29 - (بابٌ الدِّينُ يُسْرٌ) الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. الأول: أَن لَفْظَة: بَاب، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة، أَعنِي: قَوْله: (الدّين يسر) فَإِن قَوْله: الدّين، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ و: يسر، خَبره. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ وجود معنى الْيُسْر فِي صَوْم رَمَضَان، وَذَلِكَ أَن صَوْم رَمَضَان يجوز تَأْخِيره عَن وقته للْمُسَافِر وَالْمَرِيض، بِخِلَاف الصَّلَاة، وَيجوز تَركه بِالْكُلِّيَّةِ فِي حق الشَّيْخ الفاني مَعَ إِعْطَاء الْفِدْيَة، بِخِلَاف الصَّلَاة، وَهَذَا عين الْيُسْر، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ شهر وَاحِد فِي كل اثْنَي عشر شهرا، وَالصَّلَاة فِي كل يَوْم
وَلَيْلَة خمس مَرَّات، وَهَذَا أَيْضا عين الْيُسْر. الثَّالِث: قَوْله: (يسر) ، أَي: ذُو يسر، وَذَلِكَ لِأَن الالتئام بَين الْمَوْضُوع والمحمول شَرط، وَفِي مثل هَذَا لَا يكون إلاَّ بالتأويل، أَو الدّين يسر أَي: عينه على سَبِيل الْمُبَالغَة، فَكَأَنَّهُ لشدَّة الْيُسْر وكثرته نفس الْيُسْر، كَمَا يُقَال: أَبُو حنيفَة فقه، لِكَثْرَة فقهه، كَأَنَّهُ صَار عين الْفِقْه، وَمِنْه: رجل عدل. واليسر، بِضَم السِّين وسكونها: نقيض الْعسر، وَمَعْنَاهُ: التَّخْفِيف، ثمَّ كَون هَذَا الدّين يسرا يجوز أَن يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاته، وَيجوز أَن يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِر الْأَدْيَان، وَهُوَ الظَّاهِر، لِأَن الله تَعَالَى رفع عَن هَذِه الْأمة الإصر الَّذِي كَانَ على من قبلهم، كَعَدم جَوَاز الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، وَعدم الطَّهَارَة بِالتُّرَابِ، وَقطع الثَّوْب الَّذِي يُصِيبهُ النَّجَاسَة، وَقبُول التَّوْبَة بقتل أنفسهم وَنَحْو ذَلِك. فَإِن الله تَعَالَى من لطفه وَكَرمه رفع هَذَا عَن هَذِه الْأمة رَحْمَة لَهُم، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج} (الْحَج: 78) فَإِن قلت: مَا الْألف وَاللَّام فِي الدّين؟ قلت: للْعهد، وَهُوَ دين الْإِسْلَام. وَقَالَ ابْن بطال: المُرَاد أَن إسم الدّين وَاقع على الْأَعْمَال لقَوْله: (الدّين يسر) ، ثمَّ بَين جِهَة الْيُسْر فِي الحَدِيث بقوله: (سددوا) ، وَكلهَا أَعمال، واليسر: اللين والانقياد، فالدين الَّذِي يُوصف باليسر والشدة إِنَّمَا هِيَ الْأَعْمَال. وقَولُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفيَّةُ السَّمْحَةُ ف (قَول) مجرور لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الَّذِي أضيف إِلَيْهِ الْبَاب، فالمضاف إِلَيْهِ مجرور، والمعطوف عَلَيْهِ كَذَلِك، وَالتَّقْدِير: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا اسْتعْمل هَذَا فِي التَّرْجَمَة لوَجْهَيْنِ. أَحدهمَا: لكَونهَا متقاصرة عَن شَرطه، أخرجه هَهُنَا مُعَلّقا وَلم يسْندهُ فِي هَذَا الْكتاب، وَإِنَّمَا أخرجه مَوْصُولا فِي كتاب الْأَدَب الْمُفْرد. وَالْآخر: لدلَالَة مَعْنَاهُ على معنى التَّرْجَمَة، وَأخرجه أحمدبن حَنْبَل وَغَيره مَوْصُولا من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن دَاوُد بن الْحصين عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا وَإِسْنَاده حسن، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عُثْمَان بن أبي عَاتِكَة عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة بِنَحْوِهِ، وَمن حَدِيث عفير بن معدان عَن سليم بن عَامر عَنهُ، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُسْنده، وطرق هَذَا عَن سَبْعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم. قَوْله: (أحب الدّين) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ بِمَعْنى: المحبوبة، لَا بِمَعْنى: الْمُحب، وَخَبره قَوْله (الحنيفية) وَالْمرَاد: الْملَّة الحنيفية، فَإِن قيل: التطابق بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر شَرط، والمبتدأ هَهُنَا مُذَكّر وَالْخَبَر مؤنث؟ قلت: كَأَن الحنيفية غلب عَلَيْهَا الإسمية حَتَّى صَارَت علما، أَو أَن أفعل التَّفْضِيل الْمُضَاف لقصد الزِّيَادَة على من أضيف إِلَيْهِ يجوز فِيهِ الْإِفْرَاد والمطابقة لمن هُوَ لَهُ. فَإِن قلت: فَيلْزم أَن تكون الْملَّة دينا، وَأَن تكون سَائِر الْأَدْيَان أَيْضا محبوبا إِلَى الله تَعَالَى، وهما باطلان، إِذْ الْمَفْهُوم من الْملَّة غير الْمَفْهُوم من الدّين، وَسَائِر الْأَدْيَان مَنْسُوخَة. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: اللَّازِم الأول قد يلْتَزم، وَأما الثَّانِي فموقوف على تَفْسِير الْمحبَّة، أَو المُرَاد بِالدّينِ الطَّاعَة، أَي: أحب الطَّاعَات هِيَ السمحة. قلت: لَا يَخْلُو الْألف وَاللَّام فِي الدّين أَن يكون للْجِنْس أَو للْعهد، فَإِن كَانَ للْجِنْس فَالْمَعْنى: أحب الْأَدْيَان إِلَى الله الحنيفية، وَالْمرَاد بالأديان الشَّرَائِع الْمَاضِيَة قبل أَن تبدل وتنسخ، وَإِن كَانَ للْعهد فَالْمَعْنى: أحب الدّين الْمَعْهُود، وهودين الْإِسْلَام، وَلَكِن التَّقْدِير: أحب خِصَال الدّين، وخصال الدّين كلهَا محبوبة، وَلَكِن مَا كَانَ مِنْهَا سَمحا سهلاً فَهُوَ أحب إِلَى الله تَعَالَى، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث أَعْرَابِي لم يسمع، أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (خير دينكُمْ أيسره) وَالْمرَاد بالملة الحنيفية: الْملَّة الإبراهيمية، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مقتبسا من قَوْله تَعَالَى: {مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} (الْبَقَرَة: 135، آل عمرَان: 95، النِّسَاء: 125، الْأَنْعَام: 161، النَّحْل: 123) والحنيف عِنْد الْعَرَب من كَانَ على مِلَّة إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ سموا من اختتن وَحج الْبَيْت: حَنِيفا، والحنيف: المائل عَن الْبَاطِل إِلَى الْحق، وَسمي إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: حَنِيفا لِأَنَّهُ مَال عَن عبَادَة الْأَوْثَان. قَوْله: (السمحة) بِالرَّفْع صفة: الحنيفية، وَمَعْنَاهَا: السهلة، والمسامحة هِيَ: المساهلة، وَالْملَّة السمحة: الَّتِي لَا حرج فِيهَا وَلَا تضييق فِيهَا على النَّاس، وَهِي مِلَّة الْإِسْلَام. 39 - حدّثنا عبدُ السَّلاَمِ بنُ مُطَهِّرٍ قَالَ حدّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ عَن مَعْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الغِفَاريِّ عَن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَن أبي هرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلاَّ غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقارِبُوا وأبْشِرُوا واسْتَعِينُوا بالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ. .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَنه أَخذ جُزْء مِنْهُ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ، وَأما الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الحَدِيث الْمُعَلق فَهِيَ أَن الْمَذْكُور فِيهِ الْمحبَّة، فَهِيَ إِمَّا مجَاز عَن الِاسْتِحْسَان، يَعْنِي: أحسن الْأَدْيَان هُوَ الْملَّة الحنيفية، والْحَدِيث الْمسند دلّ على الْحسن، لِأَن فِيهِ أوَامِر، والمأمور بِهِ سَوَاء كَانَ وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا حسن، وَإِمَّا حَقِيقَة عَن إِرَادَة إِيصَال الثَّوَاب إِلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي الْمَأْمُور بِهِ وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا، إِذْ لَا ثَوَاب فِي غَيره. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: عبد السَّلَام بن مطهر، بِصِيغَة الْمَفْعُول من التَّطْهِير بِالطَّاءِ الْمُهْملَة بن حسام بن مصك بن ظَالِم بن شَيْطَان، الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وكنيته: أَبُو ظفر، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، روى عَن جمع من الْأَعْلَام مِنْهُم شُعْبَة، وروى عَنهُ الْأَعْلَام مِنْهُم البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَسُئِلَ عَنهُ فَقَالَ: هُوَ صَدُوق، توفّي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عمر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم، بِفَتْح الدَّال الْمُشَدّدَة، أَبُو حَفْص الْمقدمِي الْبَصْرِيّ، وَالِد عَاصِم وَمُحَمّد، وَهُوَ أَخُو أبي بكر، سمع جمعا من التَّابِعين مِنْهُم هِشَام بن عُرْوَة، وَعنهُ خلق من الْأَعْلَام مِنْهُم ابْنه عَاصِم وَعَمْرو بن عَليّ، وَكَانَ مدلسا، قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة وَكَانَ يُدَلس تدليسا شَدِيدا، يَقُول: سَمِعت وَحدثنَا، ثمَّ يسكت، ثمَّ يَقُول: هِشَام بن عُرْوَة الْأَعْمَش. وَقَالَ عَفَّان: كَانَ رجلا صَالحا، وَلم يَكُونُوا ينقمون عَلَيْهِ غير التَّدْلِيس، وَلم أكن أقبل مِنْهُ حَتَّى يَقُول: حَدثنَا، وَقَالَ البُخَارِيّ: قَالَ ابْنه عَاصِم: مَاتَ سنة تسعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: معن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، ابْن مُحَمَّد بن معن بن نَضْلَة الْغِفَارِيّ الْحِجَازِي، سمع حميدا، وَعنهُ جمع مِنْهُم ابْن جريج، ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. الرَّابِع: سعيد بن أبي سعيد وَاسم أبي سعيد: كيسَان، المَقْبُري الْمدنِي، أَبُو سعد، بِسُكُون الْعين، روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، قَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث وَلكنه كبر وَبَقِي حَتَّى اخْتَلَط قبل مَوته، وَقدم الشَّام مرابطا، وَحدث ببيروت. وَقَالَ غَيره: اخْتَلَط قبل مَوته بِأَرْبَع سِنِين، توفّي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان الْأَنْسَاب: الْأَزْدِيّ: نِسْبَة إِلَى الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يُقَال لَهُ: الأزد بالزاي، و: الْأسد، بِالسِّين. والمقدمي: بِضَم الْمِيم وَفتح الدَّال: نِسْبَة إِلَى مقدم أحد الأجداد، والغفاري، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى غفار بن مليل بن ضَمرَة بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة. والمقبري، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل بِفَتْحِهَا، نِسْبَة إِلَى: مَقْبرَة بِالْمَدِينَةِ كَانَ مجاورا لَهَا، وَقيل: كَانَ منزله عِنْد الْمَقَابِر، وَهُوَ بِمَعْنى الأول، وَقيل: جعله عمر على حفر الْقُبُور، فَلذَلِك قيل لَهُ: المَقْبُري، حَكَاهُ الْحَرْبِيّ وَغَيره، وَيحْتَمل أَنه اجْتمع فِيهِ ذَلِك كُله: فَكَانَ على حفرهَا، ونازلاً عِنْدهَا، والمقبري صفة لأبي سعيد وَالِد سعيد الْمَذْكُور، وَكَانَ مكَاتبا لامْرَأَة من بني لَيْث بن بكر. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة؛ وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مدنِي وبصري. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة مُدَلّس شَدِيد بعن، وَلكنه مَحْمُول على ثُبُوت سَمَاعه من جِهَة أُخْرَى، وكل مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن المدلسين بعن، فَمَحْمُول على سماعهم من جِهَة أُخْرَى. بَيَان نوع الحَدِيث: هُوَ أَمن أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم. فَإِن قلت: قد قيل: فِيهِ عِلَّتَانِ إِحْدَاهمَا: أَنه رِوَايَة مُدَلّس بالعنعنة. وَالْأُخْرَى: أَنه رِوَايَة معن عَن سعيد، وَسَعِيد كَانَ قد اخْتَلَط قلت: الْجَواب عَن الأول مَا ذكرته الْآن، مَعَ أَنه صرح بِالسَّمَاعِ من طَرِيق أُخْرَى، فقد رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق أَحْمد بن الْمِقْدَام، أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، عَن عَمْرو بن عَليّ الْمَذْكُور، قَالَ: سَمِعت معن بن مُحَمَّد فَذكره، وَهُوَ من أَفْرَاد معن بن مُحَمَّد وَهُوَ مدنِي ثِقَة قَلِيل الحَدِيث، لَكِن تَابعه على شقَّه الثَّانِي ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد، أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الرقَاق بِمَعْنَاهُ، وَلَفظه: (سددوا وقاربوا) . وَزَاد فِي آخِره: (الْقَصْد الْقَصْد تبلغوا) وَلم يذكر شقَّه الأول، وَله شَوَاهِد مِنْهَا حَدِيث عُرْوَة الْفُقيْمِي، بِضَم الْفَاء وَفتح الْقَاف، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن دين الله يسر) رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن، وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة، أخرجه أَحْمد أَيْضا بِإِسْنَاد حسن. قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (عَلَيْكُم هَديا قَاصِدا فَإِنَّهُ من يشاد هَذَا الدّين يغلبه) . وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي: أَن سَماع معن عَن سعيد كَانَ قبل اخْتِلَاطه، وَلَو لم يَصح ذَلِك عِنْد البُخَارِيّ لما أودعهُ فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ (صَحِيحا) . فَافْهَم.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرج البُخَارِيّ طرفا مِنْهُ فِي الرقَاق عَن آدم بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: (لن يُنجي أحدا مِنْكُم عمله! قَالُوا: وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمته، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وَشَيْء من الدلجة وَالْقَصْد تبلغوا) . وَأخرج النَّسَائِيّ أَيْضا مثل حَدِيث هَذَا الْبَاب. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (وَلنْ يشاد الدّين) من المشادة وَهِي: المغالبة من الشدَّة بالشين الْمُعْجَمَة، وَيُقَال: شاده يشاده مشادة: إِذا غالبه وقاواه، وَالْمعْنَى: لَا يتعمق أحدكُم فِي الدّين فَيتْرك الرِّفْق إلاَّ غلب الدّين عَلَيْهِ، وَعجز ذَلِك المتعمق وَانْقطع عَن عمله كُله أَو بعضه، وأصل لن يشاد: ويشادد، أدغمت الدَّال الأولى فِي الثَّانِيَة، وَمثل هَذِه الصِّيغَة مُشْتَرك بَين بِنَاء الْفَاعِل وَبِنَاء الْمَفْعُول، والفارق هُوَ الْقَرِينَة، وَهَهُنَا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ على مَا يَجِيء عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (غَلبه) يُقَال: غَلبه يغلبه غلبا بِفَتْح الْغَيْن وَسُكُون اللَّام، وغلبا بتحريكها، وَغَلَبَة بإلحاق الْهَاء وغلابية مِثَال عَلَانيَة، وَغَلَبَة مِثَال حذقة، وغلبي بِضَمَّتَيْنِ، مُشَدّدَة الْبَاء مَقْصُورَة، ومغلبة؛ وَأما الغلب، بِضَم الْغَيْن فَهُوَ جمع غلباء، يُقَال: حديقة غلباء، وَحَدَائِق غلب، أَي: غِلَاظ ممتلئة. قَوْله: (فسددوا) من التسديد، بِالسِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ: التَّوْفِيق للصَّوَاب وَهُوَ السداد وَالْقَصْد من القَوْل وَالْعَمَل، وَرجل مُسَدّد إِذا كَانَ يعْمل بِالصَّوَابِ وَالْقَصْد، وَيُقَال: معنى سددوا الزموا السداد، أَي: الصَّوَاب من غير تَفْرِيط وَلَا إفراط. قَوْله: (وقاربوا) بِالْبَاء الْمُوَحدَة لَا بالنُّون، مَعْنَاهُ: لَا تبلغوا النِّهَايَة بل تقربُوا مِنْهَا، يُقَال: رجل مقارب بِكَسْر الرَّاء: وسط بَين الطَّرفَيْنِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: قاربوا إِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ: قاربوا فِي الْعِبَادَة وَلَا تباعدوا فِيهَا، فَإِنَّكُم إِن باعدتم فِي ذَلِك لم تبلغوه، وَإِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ ساعدوا. يُقَال: قاربت فلَانا إِذا ساعدته أَي: ليساعد بَعْضكُم بَعْضًا فِي الْأُمُور، وَيُقَال: مَعْنَاهُ إِن لم تستطيعوا الْأَخْذ بِالْكُلِّ فاعملوا مَا يقرب مِنْهُ. وَفِي (الْعباب) : قَارب فلَان فلَانا إِذا ناغاه بِكَلَام حسن، وَفِي حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: (قاربوا وسددوا) أَي: لَا تغلوا واقصدوا السداد وَهُوَ الصَّوَاب، وَشَيْء مقارب، بِكَسْر الرَّاء، أَي: وسط بَين الْجيد والرديء، وَلَا يُقَال: مقارب يَعْنِي بِالْفَتْح، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ رخيصا. قَوْله: (وابشروا) بِقطع الْهمزَة من الإبشار أَي: أَبْشِرُوا بالثواب على الْعَمَل وَإِن قل، وَجَاء لُغَة: ابشروا، بِضَم الشين من الْبشرَة بِمَعْنى الإبشار. قَوْله: (وَاسْتَعِينُوا) . من الِاسْتِعَانَة، وَهُوَ طلب العون. قَوْله: (بالغدوة) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي، بِفَتْح الْغَيْن، وَتَبعهُ على هَذَا بعض الشَّارِحين، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ: وَهُوَ سير أول النَّهَار إِلَى الزَّوَال. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة مَا بَين صَلَاة الْغَدَاة وطلوع الشَّمْس، والروحة، بِفَتْح الرَّاء، اسْم للْوَقْت من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل، وَفِي (الْمُحكم) : الغدوة البكرة، وَكَذَا الْغَدَاة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: أَتَيْته غدْوَة غير مصروفة لِأَنَّهَا معرفَة مثل: سحر، إلاَّ أَنَّهَا من الظروف المتمكنة. تَقول: سر على فرسك غدْوَة وغدوة وغدوة وغدوة، فَمَا نوّن من هَذَا فَهُوَ نكرَة، وَمَا لم ينون فَهُوَ معرفَة، وَالْجمع: غُدى، وَيُقَال: أَتَيْتُك غَدَاة غَد، وَالْجمع: غدوات انْتهى. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: غدية لُغَة فِي غدْوَة، كضحية لُغَة فِي ضحوة، والغدو جمع غدات نَادِر، وَغدا عَلَيْهِ غدوا وغدوانا، واغتد أبكر، وغاده باكره، وغدوة من يَوْم بِعَيْنِه غير منون: علم للْوَقْت. وَأما الرواح فَذكر ابْن سَيّده أَنه الْعشي، ورحنا رواحا وتروحنا: سرنا من ذَلِك الْوَقْت أَو عَملنَا. قَوْله: (من الدلجة) ، بِضَم الدَّال، وَإِسْكَان اللَّام، كَذَا الرِّوَايَة، وَيجوز فِي اللُّغَة فتحهَا، وَيُقَال بِفَتْح اللَّام أَيْضا، وَهِي بِالضَّمِّ سير آخر اللَّيْل، وبالفتح سير اللَّيْل، وادلج بِالتَّخْفِيفِ: سير اللَّيْل كُله، وبالتشديد سير آخر اللَّيْل، هَذَا هُوَ الْأَكْثَر. وَقيل: يُقَال فيهمَا بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، وَقَالَ ابْن سَيّده: الدلجة سير السحر، والدلجة سير اللَّيْل كُله والدلج والدلجة، الْأَخِيرَة عَن ثَعْلَب: السَّاعَة من آخر اللَّيْل، وأدلجوا سَارُوا اللَّيْل كُله، وَقيل: الدلج اللَّيْل كُله من أَوله إِلَى آخِره، وَأي سَاعَة سرت من اللَّيْل من أَوله إِلَى آخِره فقد أدلجت، على مِثَال: أخرجت، والتفرقة بَين أدلجت وأدلجت قَول جَمِيع أهل اللُّغَة إلاَّ الْفَارِسِي، فَإِنَّهُ حكى: أدلجت وأدلجت لُغَتَانِ فِي الْمَعْنيين جَمِيعًا، وَفِي الْجَامِع: الدلجة والدلجة لُغَتَانِ بِمَعْنى، وهما سير السحر، وَقَالَ قوم: الدلجة سير السحر، والدلجة، بِالْفَتْح سير أول اللَّيْل، كِلَاهُمَا بِمَعْنى عِنْد أَكثر الْعَرَب، كَمَا تَقول: مَضَت بُرْهَة من الدَّهْر وبرهة وَتقول: أدْلج الرجل يدلج إدلاجا إِذا سَار من أول اللَّيْل، وأدلج إدلاجا سَار من آخِره، وَفِي (الجمهرة) : سَارُوا دُلجة من اللَّيْل أَي: سَاعَة، وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: وَالِاسْم الدلج، بِالتَّحْرِيكِ، وَجمع الدلجة: دلج، وَغلط ابْن درسْتوَيْه ثعلبا فِي تَخْصِيصه أدْلج، بِالتَّشْدِيدِ، بسير أول اللَّيْل، وادلج، بِالتَّخْفِيفِ، بسير آخِره؛ قَالَ: وإنهما عندنَا جَمِيعًا سير اللَّيْل فِي كل
وَقت من أَوله وأوسطه وَآخره، وَهُوَ إفعال وافتعال من: الدلج والدلج: سير اللَّيْل بِمَنْزِلَة السرى، وَلَيْسَ وَاحِد من هذَيْن المثالين بِدَلِيل على شَيْء من الْأَوْقَات، وَلَو كَانَ الْمِثَال دَلِيلا على الْوَقْت لَكَانَ قَول الْقَائِل: الاستدلاج بِوَزْن الاستفعال، دَلِيلا لوقت آخر، وَكَانَ الاندلاج على الانفعال لوقت آخر، وَهَذَا كُله فَاسد، وَلَكِن الْأَمْثِلَة عِنْد جَمِيعهم مَوْضُوعَة لاخْتِلَاف مَعَاني الْأَفْعَال فِي أَنْفسهَا لَا لاخْتِلَاف أَوْقَاتهَا، وَأما وسط اللَّيْل وَآخره وأوله وسحره وَقبل النّوم وَبعده فمما لَا يدل عَلَيْهِ الْأَفْعَال وَلَا مصادرها، وَقد وَافق قَول كثير من أهل اللُّغَة فِي ذَلِك، وَاحْتَجُّوا على اخْتِصَاص الإدلاج بسير آخِره، بقول الْأَعْشَى: (وادلاج بعد الْمَنَام وتهجير ... وقف وسبسب ورمال) وَقَول زُهَيْر بن أبي سلمى: (بكرن بكورا وادّلجن بسحرة ... فهن لوادي الرَّأْس كَالْيَدِ للفم) فَلَمَّا قَالَ الْأَعْشَى: وادلاج بعد الْمَنَام، ظنُّوا أَن الادلاج لَا يكون إلاَّ بعد الْمَنَام، وَلما قَالَ زُهَيْر: وادلجن بسحرة ظنُّوا أَن الادلاج لَا يكون إِلَّا بسحرة، وَهَذَا وهم وَغلط، وَإِنَّمَا كل وَاحِد من الشاعرين وصف مَا فعله هُوَ وخصمه دون مَا فعله غَيره، وَلَوْلَا أَنه يكون بسحرة وَبِغير سحرة لما احْتَاجَ إِلَى ذكر سحرة، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الادلاج بسحرة وَبعد الْمَنَام فقد اسْتغنى عَن تَقْيِيده. قَالَ: وَمِمَّا يفْسد تأويلهم أَن الْعَرَب تسمي الْقُنْفُذ: مدلجا لِأَنَّهُ يدرج بِاللَّيْلِ ويتردد فِيهِ، لَا لِأَنَّهُ من حَيْثُ لَا يدرج إلاَّ فِي أول اللَّيْل أَو فِي وَسطه أَو فِي آخِره أَو فِيهِ كُله. لكنه يظْهر بِاللَّيْلِ فِي أَي أوقاته احْتَاجَ إِلَى الدرج لطلب علف أَو غير ذَلِك. انْتهى كَلَامه. وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن أَكثر اللغويين ذكرُوا الْفرق بَين اللَّفْظَيْنِ وَلم ينشدوا الْبَيْتَيْنِ، فَيحْتَمل أَن ذَلِك سَماع عِنْدهم، وَهُوَ الظَّاهِر، وَإِن كَانُوا أَخَذُوهُ عَن الْبَيْتَيْنِ فَمَا قَالَه ابْن درسْتوَيْه هُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهمَا دَلِيل على ذَلِك، وَأما قَوْله: إِن الْأَفْعَال تخْتَلف لاخْتِلَاف الْمعَانِي، مَعْنَاهُ أَن الْأَفْعَال هَل دخلت لِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ تَخْصِيص الْحَدث بِزَمَان فَقَط، أَو دخلت لهَذَا وَلغيره من الْمعَانِي، فَابْن درسْتوَيْه يزْعم أَنَّهَا مَا دخلت إلاَّ لهَذَا الْمَعْنى فَقَط. وَقَالَ الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان، رَحمَه الله: إِن الإستاذ أَبَا عَليّ الشلوبين وَغَيره خالفوه وَقَالُوا: الْأَفْعَال تخْتَلف ابنيتها لاخْتِلَاف الْمعَانِي على الْجُمْلَة، فالمعاني الَّتِي تخْتَلف لَهَا الْأَبْنِيَة لَيست بمقصورة على شَيْء من الْمعَانِي دون شَيْء، فَإِذا لم تكن مَقْصُورَة على شَيْء دون شَيْء من الْمعَانِي فَمَا الَّذِي يمْنَع أَن تكون الدّلَالَة إِذْ ذَاك على آخر الْوَقْت أَو أَوله أَو لوقت كُله؟ قلت: الحَدِيث يُؤَيّد قَول ابْن درسْتوَيْه، وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (عَلَيْكُم بالدلجة، فَإِن الأَرْض تطوى بِاللَّيْلِ) ، وَلم يفرق، عَلَيْهِ السَّلَام، بَين أَوله وَآخره، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ، وَجعل الادلاج فِي السحر: (اصبر على السّير والإدلاج فِي السحر ... وَفِي الرواح على الْحَاجَات وَالْبكْر) بَيَان الْأَعْرَاب: قَوْله: (إِن الدّين يسر) مُبْتَدأ وَخبر دخلت عَلَيْهَا: إِن، فَنصبت الْمُبْتَدَأ. قَوْله: (لن يشاد الدّين) كلمة: لن، حرف نفي وَنصب واستقبال. وَقَوله: (يشاد) مَنْصُوب بهَا وَلَيْسَ لَهُ فَاعل (وَالدّين) مَفْعُوله، قَالَ القَاضِي: رُوِيَ رفع الدّين ونصبه، وَهُوَ من الْأَحَادِيث الَّتِي سقط مِنْهَا شَيْء، يُرِيد أَنه سقط من هَذَا الحَدِيث لفظ أحد، فِي الرِّوَايَة. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) وَرَوَاهُ ابْن السكن بِزِيَادَة أحد، وعَلى هَذَا الدّين، مَنْصُوب، وَهُوَ ظَاهر. وَأما على رِوَايَة الْجُمْهُور فالرفع على مَا لم يسم فَاعله، وَالنّصب على إِضْمَار الْفَاعِل فِي: يشاد، للْعلم بِهِ. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : وَالرَّفْع هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَكْثَر فِي ضبط بِلَادنَا النصب، والتوفيق بَين كلاميهما بِأَن يحمل كَلَام (الْمطَالع) على رِوَايَة المغاربة، وَكَلَام النَّوَوِيّ على رِوَايَة المشارقة. قلت: وَفِي بعض الرِّوَايَة عَن الْأصيلِيّ بِإِظْهَار: أحد، لن يشاد الدّين أحد إلاَّ غَلبه، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي نعيم وَابْن حبَان والاسماعيلي وَغَيرهم. قلت: الأولى أَن يرفع: الدّين، على أَنه مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، فحينئد يكون يشاد على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقد قُلْنَا إِن هَذِه الصِّيغَة يَسْتَوِي فِيهَا بِنَاء الْمَعْلُوم والمجهول، لِأَن هَذَا من بَاب المفاعلة، وعلامة بِنَاء الْفَاعِل فِيهِ كسر مَا قبل آخِره، وعلامة بِنَاء الْمَفْعُول فِيهِ فتح مَا قبل آخِره، وَهَذَا لَا يظْهر فِي المدغم، وَلَا يفرق بَينهمَا إلاَّ بِالْقَرِينَةِ، فَافْهَم. قَوْله: (فسددوا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ: أَنْتُم، الْمُضمر فِيهِ، وَيُمكن أَن تكون: الْفَاء، جَوَاب شَرط مَحْذُوف، أَي: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فسددوا،
- (باب الصلاة من الإيمان)
والجمل الَّتِي بعْدهَا معطوفات عَلَيْهَا، و: الْبَاء، فِي: بالغدوة، للاستعانة، وَالْمعْنَى: اسْتَعِينُوا على الْأَعْمَال بِهَذِهِ الْأَوْقَات المنشطة للْعَمَل. قَوْله: (وَشَيْء من الدلجة) : أَي: اسْتَعِينُوا بِشَيْء، أَي بِبَعْض من الدلجة، وَإِنَّمَا قَالَ: وَشَيْء من الدلجة، وَلم يقل: والدلجة، لمعنيين: أَحدهمَا: التَّنْبِيه على الخفة، لِأَن الدلجة تكون بِاللَّيْلِ، وَعمل اللَّيْل أشق من عمل النَّهَار، وَالْآخر: أَن الدلجة هُوَ سير اللَّيْل كُله عِنْد الْبَعْض، واستغراق اللَّيْل كُله صَعب، فَأَشَارَ بقوله: وَشَيْء إِلَى جُزْء يسير مِنْهُ. بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان: قَوْله: (إِن الدّين يسر) فِيهِ: التَّأْكِيد بإن، ردا على مُنكر: يسر هَذَا الدّين، على تَقْدِير كَون الْمُخَاطب مُنْكرا، وإلاَّ فعلى تَقْدِير تَنْزِيله منزلَة الْمُنكر، وإلاَّ فعلى تَقْدِير المنكرين غير الْمُخَاطب، وإلاَّ فلكون الْقَضِيَّة مِمَّا يهتم بهَا. قَوْله: (وَلنْ يشاد الدّين) فِيهِ: حذف الْفَاعِل للْعلم بِهِ. قَوْله: (فسددوا) فِيهِ: حذف، أَي: فِي الْأُمُور، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: (وقاربوا) ، أَي فِي الْعِبَادَة، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: (وَأَبْشِرُوا) أَي: بالثواب على الْعَمَل، وابهم المبشر بِهِ للتّنْبِيه على التَّعْظِيم والتفخيم، وَفِيه: اسْتِعَارَة الغدوة والروحة وَشَيْء من الدلجة لأوقات النشاط، وفراغ الْقلب للطاعة، وَكَأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، خَاطب مُسَافِرًا يقطع طَرِيقه إِلَى مقْصده فَنَبَّهَهُ على أَوْقَات نشاطه الَّتِي ترك فِيهَا عمله، لِأَن هَذِه الْأَوْقَات أفضل أَوْقَات الْمُسَافِر، وَالْمُسَافر إِذا سَار اللَّيْل وَالنَّهَار جَمِيعًا عجز وَانْقطع، وَإِذا تحرى السّير فِي هَذِه الْأَوْقَات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: الْأَمر بالاقتصاد فِي الْعِبَادَة، أَي: لَا تستوعبوا الْأَيَّام وَلَا اللَّيَالِي كلهَا بهَا، بل أخلطوا طرف اللَّيْل بِطرف النَّهَار، وَأَجْمعُوا أَنفسكُم فِيمَا بَينهمَا لِئَلَّا يَنْقَطِع بكم. وَمن فَوَائده: الحض على الرِّفْق فِي الْعَمَل لقَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (اكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون) وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا أَمر بالاقتصاد وَترك الْحمل على النَّفس، لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا أوجب عَلَيْهِم وظائف من الطَّاعَات فِي وَقت دون وَقت تيسيراً وَرَحْمَة. وَمِنْهَا: التَّنْبِيه على أَوْقَات النشاط. لِأَن الغدو والرواح والإدلاج أفضل أَوْقَات الْمُسَافِر وأوقات نشاطه، بل على الْحَقِيقَة: الدُّنْيَا دَار نقلة وَطَرِيق إِلَى الْآخِرَة، فنبه أمته أَن يغتنموا أَوْقَات فرصتهم وفراغهم. 30 - (بابٌ الصَّلاةُ مِنَ الإيمانِ) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الاول: إِن قَوْله: بَاب، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز فِيهِ التَّنْوِين وَتَركه بإضافته إِلَى الْجُمْلَة لَان قَوْله: (الصَّلَاة) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره قَوْله: (من الْإِيمَان) . اي: الصَّلَاة شُعْبَة من شعب الايمان. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن من جملَة الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب الأول الِاسْتِعَانَة بالأوقات الثَّلَاثَة فِي إِقَامَة الطَّاعَات، وافضل الطَّاعَات الْبَدَنِيَّة الَّتِي تُقَام فِي هَذِه الاوقات الصَّلَوَات الْخمس والأوقات الثَّلَاثَة هِيَ: الغدوة والروحة وَشَيْء من الدلجة، فوقت صَلَاة الصُّبْح فِي الغدوة، وَوقت صَلَاة الظّهْر وَالْعصر فِي الروحة، وَوقت الْعشَاء فِي جُزْء الدلجة، على قَول من يَقُول من أهل اللُّغَة: ان الدلجة سير اللَّيْل كُله، وَلما كَانَ العَبْد مَأْمُورا بالاستعانة بِهَذِهِ الْأَوْقَات، وَكَانَت هِيَ أَوْقَات الصَّلَوَات الْخمس أَيْضا، وَهِي من الايمان، ناسب ذكرهَا عقيب هَذِه الْأَوْقَات الَّتِي يتضمنها الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب، على أَن هَذَا الْبَاب إِنَّمَا ذكر بَينه وَبَين هَذَا الْبَاب اسْتِطْرَادًا للْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ، وَفِي الْحَقِيقَة يطْلب وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَاب صَوْم رَمَضَان احتساباً من الْإِيمَان وَهُوَ ظَاهر، لِأَن كلا من الصَّلَاة وَالصَّوْم من أَرْكَان الدّين الْعَظِيمَة، وَمن الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة. الثَّالِث: كَون الصَّلَاة من الْإِيمَان ظَاهر، وَلَا سِيمَا على قَول من يَقُول: الاعمال من الْإِيمَان. وَحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا: (بني الاسلام على خمس) الحَدِيث. وَقَوْلُ الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيِعَ إيمانَكُمْ} يَعْني صَلاَتكُمْ عندَ البَيْتِ لَفْظَة: قَول، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ من الْإِعْرَاب، الْجَرّ، عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ اعني قَوْله: (الصَّلَاة من الايمان) فَإِنَّهَا جملَة إضيف إِلَيْهَا الْبَاب على تَقْدِير ترك التَّنْوِين فِيهِ كَمَا ذكرنَا، وَالرَّفْع عطفا على لَفْظَة: الصَّلَاة. ثمَّ الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: هَذِه الْآيَة من جملَة التَّرْجَمَة. لِأَن الْبَاب مترجم بترجمتين: إِحْدَاهمَا قَوْله: الصَّلَاة من الْإِيمَان. والاخرى: قَوْله،
وَقَول الله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم} والمناسبة بَين الترجمتين ظَاهِرَة، لِأَن فِي الْآيَة أطلق على الصَّلَاة الْإِيمَان على سَبِيل إِطْلَاق الْكل على الْجُزْء، وَبَين ذَلِك بقوله الصَّلَاة من الايمان، لِأَن كلمة: من، للتَّبْعِيض، وَالْمرَاد: الصَّلَاة من بعض الْإِيمَان. الثَّانِي: قَالَ الواحدي فِي كتاب (اسباب النُّزُول) : قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ: (كَانَ رجال من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد مَاتُوا على الْقبْلَة الأولى، مِنْهُم: سعد بن زُرَارَة، وابو امامة أحد بني النجار، والبراء بن معْرور أحد بني سَلمَة، فَجَاءَت عَشَائِرهمْ فِي أنَاس مِنْهُم آخَرين، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله توفّي إِخْوَاننَا وهم يصلونَ إِلَى الْقبْلَة الأولى، وَقد صرفك الله تَعَالَى إِلَى قبْلَة إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَكيف بإخواننا فِي ذَلِك؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم} (الْبَقَرَة: 143) الْآيَة. الثَّالِث: قَالَ ابْن بطال: هَذِه الْآيَة حجَّة قَاطِعَة على الْجَهْمِية والمرجئة، حَيْثُ قَالُوا: إِن الْأَعْمَال والفرائض لَا تسمى إِيمَانًا، وَهُوَ خلاف النَّص، لِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سمى صلَاتهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِيمَانًا، وَلَا خلاف بَين أهل التَّفْسِير أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي صلَاتهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس. قلت: لَا يلْزم من الِاتِّفَاق على نُزُولهَا فِي صلَاتهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِطْلَاقهَا، وَقَالَ ابْن اسحق وَغَيره، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ} (الْبَقَرَة: 143) بالقبلة الأولى، وتصديقكم نَبِيكُم وإتباعكم إِيَّاه إِلَى الْقبْلَة الْأُخْرَى، أَي: ليعطينكم أجرهَا جَمِيعًا. وَقَالَ الزمخشرى فِي (الْكَشَّاف) : {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم} (الْبَقَرَة: 143) اي: ثباتكم على الْإِيمَان، وأنكم لم تزلوا وَلم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وَأعد لكم الثَّوَاب الْعَظِيم، وَيجوز أَن يُرَاد: وَمَا كَانَ الله ليترك تحويلكم، لعلمه أَن تَركه مفْسدَة وإضاعة لإيمانكم، وَقيل: من صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس قبل التَّحْوِيل فَصلَاته غير ضائعة. انْتهى. قلت: هَذَا ثَلَاثَة اوجه. الأول: من قبيل إِطْلَاق المعروض على الْعَارِض. الثَّانِي: من قبيل الْكِنَايَة، لَان التَّحْوِيل ملزوم لإضاعة الْإِيمَان. الثَّالِث: من قبيل إِطْلَاق الْكل على الْجُزْء، ثمَّ: اللَّام، فِي قَوْله {لِيُضيع} (الْبَقَرَة: 143) لتأكيد النَّفْي، فَإِن قيل: الْمقَام يَقْتَضِي أَن يُقَال: إِيمَانهم، بِلَفْظ الْغَيْبَة، اجيب: بِأَن الْمَقْصُود تَعْمِيم الحكم للْأمة: الاحياء والاموات، فَذكر الْأَحْيَاء المخاطبين تَغْلِيبًا لَهُم على غَيرهم، وَلَا يُنَاسب وضع الْآيَة فِي التَّرْجَمَة إِلَّا من الْوَجْه الثَّالِث، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ بقوله: يَعْنِي صَلَاتكُمْ، حَيْثُ فسر الْإِيمَان بِالصَّلَاةِ، وَهَكَذَا وَقع هَذَا التَّفْسِير فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق شريك وَغَيره عَن أبي اسحق عَن الْبَراء فِي الحَدِيث الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا، فَانْزِل الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم} (الْبَقَرَة: 143) اي: صَلَاتكُمْ إِلَى بَيت الْمُقَدّس. الرَّابِع: قَوْله (عِنْد الْبَيْت) أَرَادَ بِهِ الْكَعْبَة، شرفها الله تَعَالَى. وَقَالَ النووى: هَذَا مُشكل، لِأَن المُرَاد: صَلَاتكُمْ إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: اي صَلَاتكُمْ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَهَذَا هُوَ مُرَاده، فيتأول عَلَيْهِ كَلَامه. وَقَالَ بعض الشَّارِحين المُرَاد: إِلَى الْبَيْت يَعْنِي: بَيت الْمُقَدّس، اَوْ الْكَعْبَة، لِأَن صلَاتهم إِلَيْهَا إِلَى جِهَة بَيت الْمُقَدّس. قلت: إِذا أطلق الْبَيْت يُرَاد بِهِ الْكَعْبَة، وَلم يقل أحد: إِن الْبَيْت إِذا اطلق يُرَاد بِهِ الْقُدس، أَو أَحدهمَا بِالشَّكِّ، وَقَالَ بَعضهم: قد قيل: إِن فِيهِ تصحيفاً. وَالصَّوَاب: يَعْنِي صَلَاتكُمْ لغير الْبَيْت، ثمَّ قَالَ: وَعِنْدِي أَنه لَا تَصْحِيف فِيهِ، بل هُوَ صَوَاب. بَيَان ذَلِك أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي الْجِهَة الَّتِي كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَجَّه إِلَيْهَا للصَّلَاة وَهُوَ بِمَكَّة، فَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَغَيره: كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس، لكنه لَا يستدبر الْكَعْبَة، بل يَجْعَلهَا بَينه وَبَين بَيت الْمُقَدّس، وَأطلق آخَرُونَ أَنه كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ آخَرُونَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَة فَلَمَّا تحول إِلَى الْمَدِينَة اسْتقْبل بَيت الْمُقَدّس وَهَذَا ضَعِيف، وَيلْزم مِنْهُ دَعْوَى النّسخ مرَّتَيْنِ، وَالْأول أصح لِأَنَّهُ يجمع بَين الْقَوْلَيْنِ، وَقد صَححهُ الْحَاكِم وَغَيره من حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَكَأَنَّهُ، البُخَارِيّ، أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى الْجَزْم بالأصح من أَن الصَّلَاة لما كَانَت عِنْد الْبَيْت كَانَت إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَاقْتصر على ذَلِك اكْتِفَاء بالاولوية، لِأَن صلَاتهم إِلَى غير جِهَة الْبَين وهم عِنْد الْبَيْت إِذا كَانَت لَا تضيع فأحرى أَلا تضيع إِذا بعدوا عَنهُ قلت هَذِه اللَّفْظَة ثَابِتَة فِي الْأُصُول صَحِيحَة وَمَعْنَاهَا صَحِيح غير أَنه اختصر فِي الْعبارَة وَالتَّقْدِير يَعْنِي صَلَاتكُمْ الَّتِي صليتموها إِلَى بَيت الْمُقَدّس عِنْد الْبَيْت أَي الْكَعْبَة فَقَوله عِنْد الْبَيْت يتَعَلَّق بذلك الْمَحْذُوف وَقَول هَذَا الْقَائِل وَاقْتصر على ذَلِك اكْتِفَاء بالأولوية ثمَّ تطويله بقوله: لِأَن صلَاتهم إِلَى آخِره ... كَلَام يحْتَاج إِلَى دعامة، لِأَن دَعْوَاهُ أَولا بقوله: وَاقْتصر على ذَلِك اكْتِفَاء بالاولوية. ثمَّ تَعْلِيله بقوله: لِأَن صلَاتهم ... الى آخِره، لَا تعلق لَهُ قطّ، لبَيَان تَصْحِيح قَول البُخَارِيّ: عِنْد الْبَيْت، وتصحيحه بِمَا ذَكرْنَاهُ، وَنَقله عَن بَعضهم أَن فِيهِ تصحيفاً، ثمَّ قَوْله: وَعِنْدِي أَنه لَا تَصْحِيف فِيهِ، وَإِن كَانَ كَذَلِك فِي نفس الْأَمر، لَكِن لَو كَانَ
عِنْده الْوُقُوف على معنى التَّصْحِيف كَانَ يَقُول أَولا مثل هَذَا لَا يُسمى تصحيفاً، وَإِنَّمَا يُقَال مُشكل كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ أَو نَحْو ذَلِك لَان التَّصْحِيف هُوَ أَن يتصحف لفظ بِلَفْظ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ الصغاني، رَحمَه الله: التَّصْحِيف الْخَطَأ فِي الصَّحِيفَة، يَقُولُونَ: تصحف عَلَيْهِ لفظ كَذَا فَعرفت أَن من لم يعرف معنى التَّصْحِيف كَيفَ يُجيب عَنهُ بالتحريف. 40 - حدّثنا عَمْرُو بِنُ خالدٍ قَالَ حدّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدّثنا أُبو إسْحاقَ عَن البَرَاءِ أنّ النَّبِىَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أوّلَ مَا قَدِمَ الَمدِينَةَ نَزَلَ علَى أَجْدَادِهِ أَو قَالَ أَخوْالِهِ مِن الأنْصارِ وَأَنه صَلَّى قَبَلَ بَيْتِ المقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً أَو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَن تَكُونَ قِبْلَتُهُ قَبَلَ البَيْتِ وأنَّهُ صَلَّى أوّلَ صَلاَةٍ صَلاَها صَلاَةَ العَصْرِ وصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ على أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ راكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ وَكَانَت اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المقْدِس وأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلكَ.. مُطَابقَة الحَدِيث لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ احدى الترجمتين ظَاهِرَة، وَلَكِن لَا تطابق لصدر الحَدِيث الَّذِي هُوَ: إِحْدَى روايتي زُهَيْر عَن أبي اسحاق لقَوْل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الصَّلَاة من الايمان) . وَقَول النَّوَوِيّ فِي الحَدِيث فَوَائِد: مِنْهَا مَا ترْجم لَهُ، وَهُوَ كَون الصَّلَاة من الْإِيمَان إِشَارَة إِلَى آخر الحَدِيث الَّذِي هُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة لزهير عَن أبي اسحاق. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: ابو الْحسن عَمْرو، وبفتح الْعين وَسُكُون الْمِيم، ابْن خَالِد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن وَاقد ابْن لَيْث بن وَاقد ابْن عبد الله الْحَنْظَلِي الْجَزرِي الْحَرَّانِي، سكن مصر، وروى عَن اللَّيْث وَأبي لَهِيعَة وَغَيرهمَا، وروى عَنهُ البُخَارِيّ، وَانْفَرَدَ بِهِ وابو زرْعَة وَغَيرهمَا، وروى ابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، قَالَ ابو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ الْعجلِيّ: مصري ثَبت ثِقَة، مَاتَ بِمصْر سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَن عَبدُوس عَن ابْن زيد الْمروزِي، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني عمر بن خَالِد، بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم، وَهُوَ تَصْحِيف نبه عَلَيْهِ ابو عَليّ الغساني وَغَيره، وَلَيْسَ فِي شُيُوخ البُخَارِيّ من اسْمه عمر بن خَالِد، وَلَا فِي رِجَاله كلهم، بل وَلَا رجال الْكتب السِّتَّة، وَلَهُم: عَمْرو بن خَالِد الوَاسِطِيّ الْمَتْرُوك، أخرج لَهُ ابْن مَاجَه وَحده وَعَمْرو بن خَالِد الْكُوفِي مُنكر الحَدِيث. الثَّانِي: زُهَيْر، بِصِيغَة التصغير، بن مُعَاوِيَة بن حديج، بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالجيم، بن الرحيل، بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، ابْن زُهَيْر بن خَيْثَمَة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، ويكنى بِأبي خَيْثَمَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن الجزيرة، سمع السبيعِي وَحميد الطَّوِيل وَغَيرهمَا من التَّابِعين وخلقاً من غَيرهم، وَعنهُ يحيى الْقطَّان وَجمع من الْأَئِمَّة، وَاتَّفَقُوا على جلالته وَحسن لَفظه واتقانه، قَالَ ابو زرْعَة: هُوَ ثِقَة إلاَّ أَنه سمع من ابى اسحاق بعد الِاخْتِلَاط، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة، وَكَانَ قد فلج قبله بِسنة وَنصف أَو نَحْوهمَا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: ابو اسحاق عَمْرو بن عبد الله بن عَليّ، وَقيل: عَمْرو بن عبد الله بن ذِي يحمد الْهَمدَانِي السبيعِي الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الْكَبِير الْمُتَّفق على جلالته وتوثيقه، ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وَرَأى عليا واسامة والمغيرة، رَضِي الله عَنْهُم، وَلم يَصح سَمَاعه مِنْهُم، وَسمع ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير وَمُعَاوِيَة وخلقاً من الصَّحَابَة وَآخَرين من التَّابِعين، وَعنهُ التَّيْمِيّ وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وهم من التَّابِعين، وَالثَّوْري وَهُوَ أثبت النَّاس فِيهِ، وَخلق من الْأَئِمَّة. قَالَ الْعجلِيّ: سمع ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ من الصَّحَابَة، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: روى عَن سبعين أَو ثَمَانِينَ لم يرو عَنْهُم غَيره، مَاتَ سنة سِتّ، وَقيل: سبع، وَقيل: ثَمَان، وَقيل: تسع وَعشْرين وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْبَراء، بتَخْفِيف الرَّاء وبالمد على الْمَشْهُور، وَقيل: بِالْقصرِ، وَهُوَ أَبُو عمَارَة، بِضَم الْعين، وَيُقَال: ابو عَمْرو، وَيُقَال: ابو الطُّفَيْل بن عَازِب بن الْحَارِث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن الحارثة بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج بن عمر بن أَوْس الْأنْصَارِيّ الاوسي، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمثلاثمائة حَدِيث وَخَمْسَة أَحَادِيث،
اتفقَا مِنْهَا على اثْنَيْنِ وَعشْرين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِخَمْسَة عشر، وَمُسلم بِسِتَّة، استصغر يَوْم أحد مَعَ ابْن عمر، ثمَّ شهد الخَنْدَق والمشاهد كلهَا، وافتتح الرّيّ سنة أَربع وَعشْرين صلحا اَوْ عنْوَة، وَشهد مَعَ أبي مُوسَى غَزْوَة تستر، وَشهد مَعَ عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، مشاهده، توفّي أَيَّام مُصعب بن الزبير بِالْكُوفَةِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَأَبوهُ عَازِب صَحَابِيّ أَيْضا، ذكره ابْن سعد فِي (طبقاته) وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة: عَازِب، غَيره، وَلَا فيهم: الْبَراء بن عَازِب سوى وَلَده. بَيَان الْأَنْسَاب: الْحَنْظَلِي: نِسْبَة إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَفِي جعفي أَيْضا حَنْظَلَة بطن، وَهُوَ ابْن كَعْب بن عَوْف بن حَرِيم بن جعفي، والجزري: نِسْبَة إِلَى الجزيرة مَا بَين الْفُرَات ودجلة، قيل لَهَا الجزيرة لِأَنَّهَا مثل الجزيرة من جزائر الْبَحْر، والحراني: نِسْبَة إِلَى حران، مَدِينَة فِي ديار بكر، وَالْيَوْم خراب، والجعفي: بِضَم الْجِيم، نِسْبَة الى: جعفة بن سعد بن الْعَشِيرَة بن مَالك، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، والهمداني: بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى: هَمدَان، وَهُوَ اوسلة بن مَالك بن زيد اوسلة بن ربيعَة بن الْخِيَار، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة، ابْن ملكان، بِكَسْر الْمِيم، ضَبطه ابْن حبيب، وَقيل: مَالك بن زيد بن كهلان. والسبيعي، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، نِسْبَة الى: السبيع جد الْقَبِيلَة، وَهُوَ السبيع بن الصعب بن مُعَاوِيَة بن كَبِير بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن هَمدَان، وَأبْعد من قَالَ: عرف ابو اسحاق بذلك لنزوله فيهم، وَأغْرب الْمزي حَيْثُ ذكره فِي الألقاب. بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: ان رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: إِنَّهُم أَرْبَعَة فَقَط. فان قيل: هَذَا مَعْلُول بعلتين. الأولى: ان زهيراً لم يسمع من أبي اسحاق إلاّ بعد الِاخْتِلَاط، قَالَه ابو زرْعَة، وَقَالَ احْمَد: ثَبت بخ بخ، لَكِن فِي حَدِيثه عَن أبي اسحاق لين، سمع مِنْهُ بآخرة. الثَّانِيَة: ابو إِسْحَاق مُدَلّس وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ. قلت: الْجَواب عَن الأولى: أَنه لَو لم يثبت سَماع زُهَيْر مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط عَن البُخَارِيّ لما اودعه فِي صَحِيحه على أَنه تَابعه عَلَيْهِ عِنْد البُخَارِيّ إِسْرَائِيل بن يُونُس حفيده وَغَيره. وَعَن الثَّانِيَة: ان البُخَارِيّ روى فِي التَّفْسِير من طَرِيق الثَّوْريّ عَن أبي اسحاق: سَمِعت الْبَراء، فَحصل الْأَمْن من ذَلِك. فَافْهَم. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن اخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن عَمْرو بن خَالِد، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي نعيم، وَأخرجه ايضا فِي التَّفْسِير. وَمُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأبي بكر بن خَلاد، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فيهمَا عَن مُحَمَّد بن بشار، ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن سعيد عَن الثَّوْريّ عَن ابى اسحاق عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة، وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن أبي نعيم عَن حبَان بن مُوسَى عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن شريك بن عبد الله عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي التَّفْسِير عَن هناد عَن وَكِيع عَن اسرائيل بن يُونُس عَن جده أبي اسحاق عَنهُ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن رَجَاء، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن يحيى عَن وَكِيع كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن اسماعيل عَن ابراهيم عَن إِسْحَاق بن يُوسُف عَن الْمَازرِيّ عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي اسحاق عَنهُ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (الْمَدِينَة) ، أَرَادَ بهَا مَدِينَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، واشتقاقها إِمَّا من: مدن بِالْمَكَانِ، إِذا قَامَ بِهِ على وزن فعيلة، وَيجمع على مَدَائِن بِالْهَمْزَةِ، وَإِمَّا من: دَان، أَي: أطَاع، أَو من: دينٍ، أَي: ملك، فعلى هَذَا يجمع على: مداين، بِلَا همز كمعايش. وَلَهُمَا اسماء كَثِيرَة: يثرب، وطيبة بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وطابة، وَالطّيب إِمَّا لخلوصها من الشّرك أَو لطيبها لساكنيها لأمنهم ودعتهم، وَقيل: لطيب عيشهم فِيهَا، وَتسَمى: الدَّار، أَيْضا للاستقرار بهَا. قَوْله: (قبل بَيت الْمُقَدّس) بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، اي: نَحْو بَيت الْمُقَدّس وجهته والمقدس، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَكسر الدَّال، مصدر ميمي كالمرجع، أَو اسْم مَكَان من الْقُدس، وَهُوَ: الطُّهْر، أَي الْمَكَان الَّذِي يطهر فِيهِ العابد من الذُّنُوب، أَو تطهر الْعِبَادَة من الْأَصْنَام، وَجَاء فِيهِ ضم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَالدَّال الْمُشَدّدَة، وَهُوَ اسْم مفعول من التَّقْدِيس، اي: التَّطْهِير، وَقد جَاءَ بِصِيغَة إسم الْفَاعِل ايضاً لِأَنَّهُ يقدس العابد فِيهِ من الآثام، وَفِي (الْعباب) : الْقُدس والقدس مِثَال: خلق وَخلق إلطهر، اسْم مصدر، وَمِنْه حَظِيرَة الْقُدس، وروح الْقُدس جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَ الله تَعَالَى: {وأيدناه بِروح الْقُدس} (الْبَقَرَة: 87 و 253) وَقيل لَهُ: روح الْقُدس، لِأَنَّهُ خلق من
الطَّهَارَة، والقدس: الْبَيْت الْمُقَدّس. قَوْله: (اشْهَدْ بِاللَّه) قَالَ الجوهرى: أشهد بِاللَّه أَي: أَحْلف بِهِ. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (كَانَ أول مَا قدم الْمَدِينَة) هَذِه الْجُمْلَة خبر: إِن، فِي مَحل الرّفْع، و: أول، نصب على الظّرْف، و: مَا، مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: فِي أول قدومه الْمَدِينَة عِنْد الْهِجْرَة من مَكَّة، وَقدم، بِكَسْر الدَّال مضارعة؛ يقدُمَ بِالضَّمِّ، ومصدره: قدوم. وَأما: قدَم، بِالْفَتْح، فمضارعه: يقدُم بِالضَّمِّ أَيْضا، ومصدره: قُدوم، بِضَم الْقَاف. قَالَ تَعَالَى: {يقدُم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار} (هود: 98) وَأما: قدم بِالضَّمِّ، فمضارعه: يقدم بِالضَّمِّ أَيْضا، ومصدره: قِدَم، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الدَّال، فَهُوَ: قديم؛ وانتصاب: الْمَدِينَة، كانتصاب: الدَّار، فِي قَوْلك: دخلت الدَّار، والظروف يتوسع فِيهَا. قَوْله: (نزل) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، قَوْله: (من الْأَنْصَار) كلمة: من، فِيهِ بَيَانِيَّة. قَوْله: (وَأَنه) بِفَتْح الْهمزَة عطف على قَوْله: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (صلى) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر أَن، قَوْله: (قِبَل بَيت الْمُقَدّس) ، نصب على الْحَال، بِمَعْنى مُتَوَجها إِلَيْهِ قَوْله: (وَكَانَ) اي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (يُعجبهُ) ، خبر كَانَ. قَوْله: (أَن يكون) فِي مَحل الرّفْع على أَنه فَاعل: يُعجبهُ، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: وَكَانَ يُعجبهُ كَون قبلته جِهَة الْبَيْت، أَي: كَانَ يحب ذَلِك. قَوْله: (وَأَنه) بِفَتْح الْهمزَة أَيْضا عطف على: أَنه، الْمَذْكُورَة قبلهَا. قَوْله: (صلى) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: ان. قَوْله: (أول صَلَاة) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول: صلى. قَوْله: (صلاهَا) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ على أَنَّهَا صفة: صَلَاة. قَوْله: (صَلَاة الْعَصْر) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه بدل من قَوْله: أول صَلَاة، واعربه ابْن مَالك بِالرَّفْع. قَوْله: (وَصلى مَعَه) اي: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم و: (قوم) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: صلى، وَقد قُلْنَا غير مرّة إِن لَفْظَة: قوم، مَوْضُوعَة للرِّجَال دون النِّسَاء، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَرُبمَا دخلت النِّسَاء فِيهِ على سَبِيل التبع. قَوْله: (وهم رَاكِعُونَ) جملَة إسمية مَنْصُوبَة الْمحل على الْحَال. قَوْله: (فَقَالَ) : اي الرجل الْمَذْكُور. قَوْله: (أشهد بِاللَّه) ، جملَة وَقعت مُعْتَرضَة بَين: قَالَ، وَبَين مقول القَوْل، وَهُوَ قَوْله: لقد صليت، اللَّام للتَّأْكِيد، و: قد، للتحقيق. قَوْله: (قبل مَكَّة) ، حَال أَي: مُتَوَجها إِلَيْهَا. قَوْله: (فَدَارُوا) الْفَاء فِيهِ تسمى الْفَاء الفصيحة، أَي: سمعُوا كَلَامه فَدَارُوا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَن اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت} (الْأَعْرَاف: 160) اي: فَضرب فانفجرت، وَالْفَاء الفصيحة هِيَ الَّتِي تدل على مَحْذُوف هُوَ سَبَب لما بعْدهَا. قَوْله: (كَمَا هم) قَالَ الْكرْمَانِي: مَا، مَوْصُولَة، و: هم، مُبْتَدأ، وَخَبره مَحْذُوف، وَمثل هَذِه الْكَاف تسمى بكاف الْمُقَارنَة، أَي: دورانهم مُقَارن لحالهم، وَتَبعهُ على هَذَا بَعضهم مُقَلدًا من غير تَحْرِير. قلت: الْكَاف المفردة إِمَّا جَارة أَو غير جَارة، فالجارة: حرف وَاسم، والحرف لَهُ خَمْسَة معانٍ: التَّشْبِيه، نَحْو زيد كالاسد، و: التَّعْلِيل، أثبت ذَلِك قوم ونفاه الْآخرُونَ نَحْو: {كَمَا أرسلنَا فِيكُم} (الْبَقَرَة: 151) اي: لأجل إرسالي فِيكُم، و: الاستعلاء، ذكره الْأَخْفَش والكوفيون نَحْو: كخير جَوَابا، لقَوْل من قَالَ لَهُ: كَيفَ أَصبَحت؟ أَي: على خير. و: الْمُبَادرَة، فِيمَا اذا اتَّصَلت: بِمَا، نَحْو: سلم كَمَا تدخل، وصل كَمَا يدْخل الْوَقْت، ذكره ابْن الخباز، وَأَبُو سعيد السيرافي وَهُوَ غَرِيب جدا، و: التوكيد، وَهِي الزَّائِدَة نَحْو: {لَيْسَ كمثله شَيْء} (الشورى: 11) التَّقْدِير: لَيْسَ مثله شَيْء، وَأما اسْم الجارة فَهِيَ مرادفة: لمثل، وَلَا تقع كَذَلِك عِنْد سِيبَوَيْهٍ والمحققين إلاّ فِي الضَّرُورَة نَحْو قَوْله: (يضحكن عَن كَالْبردِ المنهم) واما الْكَاف غير الجارة فنوعان: مُضْمر مَنْصُوب أَو مجرور نَحْو {مَا وَدعك رَبك} (الضُّحَى: 3) فاذا عرفت هَذَا علمت أَنه لم يقل أحد فِي أَقسَام الْكَاف: كَاف الْمُقَارنَة، وَالتَّحْقِيق فِي إِعْرَاب هَذَا الْكَلَام أَن نقُول: ان الْكَاف فِي: كَمَا هم، يحْتَمل وَجْهَيْن: الاول: أَن تكون للاستعلاء كَمَا فِي قَوْلك: كن كَمَا انت، أَي: على مَا أَنْت عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير هَهُنَا ايضاً: فَدَارُوا على مَا هم عَلَيْهِ، ثمَّ فِي إعرابه أوجه. الأول: أَن تكون: مَا، مَوْصُولَة و: هم، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف وَهُوَ: عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَن تكون: مَا، زَائِدَة ملغاة و: الْكَاف جَارة و: هم، ضمير مَرْفُوع انيب عَن الْمَجْرُور كَمَا فِي قَوْلك: مَا أَنا كَأَنْت، وَالْمعْنَى فَدَارُوا فِي الْحَال مماثلين لأَنْفُسِهِمْ فِي الْمَاضِي. الثَّالِث: أَن تكون: مَا، كَافَّة و: هم، مُبْتَدأ حذف خَبره، وَهُوَ: عَلَيْهِ، أَو: كائنون. الرَّابِع: أَن تكون: مَا، كَافَّة أَيْضا و: هم، فَاعل وَالْأَصْل: كَمَا كَانُوا، ثمَّ حذف: كَانَ، فانفصل الضَّمِير. الْوَجْه الثانى: أَن تكون: الْكَاف، كَاف الْمُبَادرَة، كَمَا ذكرنَا الْآن، وَالْمعْنَى: فَدَارُوا متبادرين فِي حَالهم الَّتِي هم فِيهَا، وَالْوَجْه الأول هُوَ الْأَحْسَن. فَافْهَم. قَوْله (قِبل الْبَيْت) ، حَال، أَي: مواجهين اليه. قَوْله: (قد اعجبهم) ، الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُسْتَتر فِي: اعْجَبْ، يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ فَاعل أعجب، و: هم، هُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب وَقع مَفْعُولا. قَوْله: (اذا كَانَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِذا كَانَ، بدل الاشتمال، وَإِذ هَهُنَا للزمان،
الْمُطلق، أَي: اعجبهم زمَان كَانَ يُصَلِّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْو بَيت الْمُقَدّس، لِأَنَّهُ كَانَ قبلتهم، فإعجابهم لموافقة قبْلَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبلتهم: قلت: إِذْ، هَهُنَا ظرف بِمَعْنى حِين، وَالْمعْنَى: اعْجَبْ الْيَهُود حِين كَانَ يُصَلِّي، عَلَيْهِ السَّلَام، قبل بَيت الْمُقَدّس، و: إِذْ، إِنَّمَا تقع بَدَلا عَن الْمَفْعُول، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت} (مَرْيَم: 16) وَهَهُنَا الْمَفْعُول هُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَوْله: اعجبهم، وَلَا يَصح أَن يكون بَدَلا مِنْهُ، لفساد الْمَعْنى، وَالضَّمِير الْمُسْتَتر فِي: اعْجَبْ، ضمير الْفَاعِل. قَوْله: (قبل بَيت الْمُقَدّس) حَال اي: مُتَوَجها إِلَيْهِ. فان قلت: مَا الْإِضَافَة الَّتِي فِي بَيت الْمُقَدّس؟ قلت: إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته: كَصَلَاة الاولى، وَمَسْجِد الْجَامِع، وَالْمَشْهُور فِيهِ الْإِضَافَة، وَجَاء أَيْضا على الصّفة لبيت الْمُقَدّس، وَقَالَ ابو عَليّ: تَقْدِيره: بَيت مَكَان الطَّهَارَة. قَوْله: (واهل الْكتاب) بِالرَّفْع عطف على قَوْله: (الْيَهُود) ، فَهُوَ من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن أهل الْكتاب يَشْمَل الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيرهمَا مِمَّن يعْتَقد بِكِتَاب منزل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اَوْ المُرَاد بِهِ، أَي: بِأَهْل الْكتاب النَّصَارَى فَقَط، عطف خَاص على خَاص؛ وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَن النَّصَارَى لَا يصلونَ لبيت الْمُقَدّس، فَكيف يعجبهم؟ قلت: سُبْحَانَ الله، إِن هَذَا عجب شَدِيد كَيفَ لم يتَأَمَّل هَذَا كَلَام الْكرْمَانِي بِتَمَامِهِ حَتَّى نظر فِيهِ، فَإِنَّهُ لما قَالَ: المُرَاد بِهِ النَّصَارَى فَقَط، قَالَ: وَجعلُوا تَابِعَة لِأَنَّهُ لم تكن قبلتهم، بل إعجابهم كَانَ بالتبعية للْيَهُود، على نفس عبارَة الحَدِيث يشْهد بإعجاب النَّصَارَى أَيْضا، لَان قَوْله: (واهل الْكتاب) إِذا كَانَ عطفا على الْيَهُود يكونُونَ داخلين فِيمَا وصف بِهِ الْيَهُود، فالنصارى من جملَة أهل الْكتاب، فهم أَيْضا داخلون فِيهِ، وَالْأَظْهَر أَن يكون: وَأهل الْكتاب، بِالنّصب على أَن الْوَاو فِيهِ بِمَعْنى: مَعَ، أَي: كَانَ يُصَلِّي قبل بَيت الْمُقَدّس مَعَ اهل الْكتاب، وَهَذَا وَجه صَحِيح، وَلَكِن يحْتَاج إِلَى تَصْحِيح الرِّوَايَة بِالنّصب، وَفِي هَذَا الْوَجْه أَيْضا يدْخل فيهم النَّصَارَى لأَنهم من أهل الْكتاب. قَوْله: (فَلَمَّا ولى) أَي: اقبل رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَجهه نَحْو الْقبْلَة أَنْكَرُوا ذَلِك، اي: انكر أهل الْكتاب توجهه إِلَيْهَا فَعِنْدَ ذَلِك نزل: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس} (الْبَقَرَة: 142) الْآيَة، وَقد صرح البُخَارِيّ بذلك فِي رِوَايَته من طَرِيق إِسْرَائِيل. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (كَانَ اول مَا قدم الْمَدِينَة) ، كَانَ قدومه، عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْمَدِينَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الاول حِين اشتداد الضحاء، وكادت الشَّمْس تعتدل. وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج من مَكَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَدخل الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ، فَالظَّاهِر أَن بَين خُرُوجه من مَكَّة ودخوله الْمَدِينَة خَمْسَة عشر يَوْمًا، لانه أَقَامَ بِغَار ثَوْر ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ سلك طَرِيق السَّاحِل وَهُوَ أبعد من طَرِيق الجادة. قَوْله: (نزل على أجداده أَو قَالَ أَخْوَاله) ، الشَّك من أبي اسحاق، وَالْمرَاد بالأجداد هم من جِهَة الأمومة، وَإِطْلَاق الْجد وَالْخَال هُنَا مجَاز، لِأَن هاشماً جد أَب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تزوج من الْأَنْصَار، وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة وَابْن اسحاق والواقدي وَغَيرهم: أول مَا نزل رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على كُلْثُوم بن الْهدم بن امرىء الْقَيْس بن الْحَارِث بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ، وَكَانَ يجلس للنَّاس فِي بَيت سعد بن خَيْثَمَة، فَأَقَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقباء فِي بني عَمْرو بن عَوْف الْإِثْنَيْنِ والثلثاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس، واسس مَسْجِدهمْ، وَقَالَ ابْن سعد: يُقَال: أَقَامَ فيهم أَربع عشرَة لَيْلَة، وَجَاء مُبينًا فِي البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة من رِوَايَة أنس، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: فَنزل بِأَعْلَى الْمَدِينَة فِي حَيّ يُقَال لَهُم بَنو عَمْرو بن عَوْف، فَقَامَ فيهم أَربع عشرَة لَيْلَة، ثمَّ خرج يَوْم الْجُمُعَة، فَأَدْرَكته الْجُمُعَة فِي بني سَالم بن عَوْف فِي الْمَسْجِد الَّذِي فِي بطن الْوَادي، وَكَانَت أول جُمُعَة صلاهَا بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ ابْن اسحاق: فَأَتَاهُ عتْبَان بن مَالك فِي رجال من قومه فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، أقِم عندنَا فِي العَدد والعُدد والمنعة، فَقَالَ: خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة، لناقته، فَخلوا سَبِيلهَا حَتَّى إِذا وازنت دَار بني بياضة، فَتَلقاهُ قوم فَقَالُوا لَهُ مثل ذَلِك، فَقَالَ لَهُم: خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة، فَخلوا سَبِيلهَا حَتَّى مر ببني سَاعِدَة، فَقَالُوا لَهُ مثل ذَلِك فَقَالَ لَهُم مثل مَا تقدم، ثمَّ دَار ببني الْحَرْث بن الْخَزْرَج، فَكَذَلِك، ثمَّ دَار بني عدي بن النجار وهم أَخْوَاله، فَإِن أم عبد الْمطلب، سلمى بنت عَمْرو بن زيد بن لبيد بن خِدَاش بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، وَكَانَ هَاشم بن عبد الْمطلب قدم الْمَدِينَة فَتزَوج سلمى وَكَانَت شريفة، لَا تنْكح الرِّجَال حَتَّى يشترطوا لَهَا أَن أمرهَا بِيَدِهَا، إِذا كرهت رجلا فارقته، فَولدت لهاشم عبد الْمطلب فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، هَلُمَّ إِلَى اخوالك إِلَى العَدد والعُدد والمنعة، فَقَالَ: خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة، فَخلوا سَبِيلهَا فَانْطَلَقت حَتَّى إِذا أَتَت دَار بني
مَالك بن النجار بَركت على بَاب الْمَسْجِد، وَهُوَ يومئذٍ مربد، فَلَمَّا بَركت وَرَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام، عَلَيْهَا لم ينزل، وَثَبت فسارت غير بعيد، وَرَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، وَاضع لَهَا زمامها لَا يثنيها بِهِ، ثمَّ التفتت خلفهَا فَرَجَعت إِلَى منزلهَا أول مرّة، فبركت ثمَّ تحلحلت ورزمت وَوضعت جِرَانهَا، فَنزل عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاحْتمل أَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد، رَضِي الله عَنهُ، رَحْله فَوَضعه فِي بَيته، فَنزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل عِنْده حَتَّى بنى مَسْجده ومساكنه، ثمَّ انْتقل إِلَى مساكنه من بَيت أبي ايوب، وَيُقَال: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَقَامَ عِنْد أبي أَيُّوب سَبْعَة أشهر، وَبعث وَهُوَ فِي بَيت أبي أَيُّوب زيدا وَأَبا رَافع، من موَالِيه، فَقدما بفاطمة وَأم كُلْثُوم ابْنَتَيْهِ، وَسَوْدَة زَوجته، رَضِي الله عَنْهُن، قلت: فعلى هَذَا إِنَّمَا نزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على كُلْثُوم بن الْهدم وَهُوَ أوسي من بني عَمْرو بن عَوْف، وَفِي الثَّانِي: على أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد، وليسا، وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا، من أَخْوَاله وَلَا أجداده، وَإِنَّمَا أَخْوَاله وأجداده فِي بني عدي بن النجار، وَقد مر بهم، وَنزل على بني مَالك أخي عدي، فَيجوز أَن يكون ذكر ذَلِك تجوازاً لعادة الْعَرَب فِي النِّسْبَة إِلَى الْأَخ، أَو لقرب مَا بَين داريهما. وَقَالَ النَّوَوِيّ: (أجداده أَو أَخْوَاله) شكّ من الرَّاوِي، وهم أَخْوَاله وأجداده مجَازًا، لِأَن هاشماً تزوج فِي الْأَنْصَار. قَوْله: ثمَّ تحلحلت يُقَال: تحلحل الشَّيْء عَن مَكَانَهُ أَي: زَالَ، وحلحلت النَّاقة، اذا قلت بهَا: حل، وَهُوَ بالتسكين، وَهُوَ زجر لَهَا، وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: ورزمت، بِتَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي الْمُعْجَمَة، يُقَال: رزمت النَّاقة ترزم وترزم رزوما ورزاما بِالضَّمِّ، قَامَت من الإعياء والهزل، وَلم تتحرك، فَهِيَ رازم. قَوْله: جِرَانهَا، بِكَسْر الْجِيم، وجران الْبَعِير: مقدم عُنُقه من مذبحه إِلَى منخره، وَالْجمع: جُرُن، بِضَمَّتَيْنِ. قَوْله: (سِتَّة عشر شهرا، أَو سَبْعَة عشر شهرا) كَذَا وَقع الشَّك فِي رِوَايَة زُهَيْر هَهُنَا، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي نعيم عَنهُ، وَكَذَا فِي التِّرْمِذِيّ عَنهُ، وَفِي رِوَايَة اسرائيل عِنْد التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه عَن عمار بن رَجَاء وَغَيره عَن أبي نعيم فَقَالَ: سِتَّة عشر، من غير شكّ. وَكَذَا لمُسلم من رِوَايَة أبي الاحوص، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة وَشريك، ولابي عوَانَة أَيْضا من رِوَايَة عمار بن رُزَيْق، بِتَقْدِيم الرَّاء المضمومة، كلهم عَن أبي اسحاق، وَكَذَا لِأَحْمَد بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، وللبزار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَمْرو بن عَوْف: سَبْعَة عشر، وَكَذَا للطبراني عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، وللبزار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَمْرو بن عَوْف: سَبْعَة عشر، وَكَذَا للطبراني عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَنَصّ النَّوَوِيّ على صِحَة: سِتَّة عشر، لإِخْرَاج مُسلم إِيَّاهَا بِالْجَزْمِ، فَيتَعَيَّن اعتمادها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه الصَّحِيح قبل بدر بشهرين، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَالْحَرْبِيّ، لَان بَدْرًا كَانَت فِي رَمَضَان فِي السّنة الثَّانِيَة، وَنَصّ القَاضِي على صِحَة: سَبْعَة عشر، وَهُوَ قَول ابْن اسحاق وَابْن الْمسيب وَمَالك بن أنس. فان قلت: كَيفَ الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ؟ قلت: وَجه الْجمع أَن من جزم بِسِتَّة عشر أَخذ من شهر الْقدوم وَشهر التَّحْوِيل شهرا، والغى الْأَيَّام الزَّائِدَة فِيهِ، وَمن جزم بسبعة عشر عدهما مَعًا، وَمن شكّ تردد فِي ذَلِك، وَذَلِكَ أَن الْقدوم كَانَ فِي شهر ربيع الأول بِلَا خلاف، وَكَانَ التَّحْوِيل فِي نصف رَجَب فِي السّنة الثَّانِيَة على الصَّحِيح، وَبِه جزم الْجُمْهُور. وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس، وَجَاءَت فِيهِ رِوَايَات أُخْرَى، فَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : ثَمَانِيَة عشر شهرا، وَكَذَا فِي (سنَن ابْن مَاجَه) من طَرِيق أبي بكر بن عَيَّاش عَن أبي اسحاق، وابو بكر سيء الْحِفْظ، وَعند ابْن جرير من طَرِيقه فِي رِوَايَة: سَبْعَة عشر، وَفِي رِوَايَة: سِتَّة عشر، وخرجه بَعضهم على قَول مُحَمَّد بن حبيب: إِن التَّحْوِيل كَانَ فِي نصف شعْبَان، وَهُوَ الَّذِي ذكره النووى فِي (الرَّوْضَة) وَأقرهُ مَعَ كَونه رجح فِي شَرحه رِوَايَة: سِتَّة عشر شهرا، لكَونهَا مَجْزُومًا بهَا عِنْد مُسلم، وَلَا يَسْتَقِيم أَن يكون ذَلِك فِي شعْبَان، وَقد جزم مُوسَى بن عقبَة بِأَن التَّحْوِيل كَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة، وَحكى الْمُحب الطَّبَرِيّ: ثَلَاثَة عشر شهرا، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: سنتَيْن، وَأغْرب مِنْهُمَا: تِسْعَة أشهر، وَعشرَة أشهر، وهما شَاذان. وَقَالَ ابو حَاتِم بن حبَان: صلى الْمُسلمُونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس سَبْعَة عشر شهرا وَثَلَاثَة أَيَّام سَوَاء، لِأَن قدومه، عَلَيْهِ السَّلَام، من مَكَّة كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول، وحولت يَوْم الثُّلَاثَاء نصف شعْبَان، وَفِي تَفْسِير ابْن الْخَطِيب عَن أنس: أَنَّهَا حولت بعد الْهِجْرَة بِتِسْعَة أشهر وَهُوَ غَرِيب، وعَلى هَذَا القَوْل يكون التَّحْوِيل فِي ذِي الْقعدَة إِن عد شهر الْهِجْرَة، وَهُوَ ربيع الأول، أَو ذِي الْحجَّة إِن لم يعد، وَهُوَ أغرب. وَفِي ابْن مَاجَه: إِنَّهَا صرفت إِلَى الْكَعْبَة بعد دُخُوله الْمَدِينَة بشهرين، وَقَالَ ابراهيم بن اسحاق: حولت فِي رَجَب، وَقيل: فِي جُمَادَى، فحصلت فِي تعْيين الشَّهْر أَقْوَال، وَالله تَعَالَى اعْلَم. قَوْله: (صَلَاة الْعَصْر) كَذَا هُوَ هَهُنَا: صَلَاة الْعَصْر، وَجَاء أَيْضا من رِوَايَة الْبَراء، أخرجهَا البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة، وَفِيه: فصلى مَعَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ
وَسلم، رجل، ثمَّ خرج بعد مَا صلى، فَمر على قوم من الْأَنْصَار فِي صَلَاة الْعَصْر يصلونَ نَحْو بَيت الْمُقَدّس، فَقَالَ لَهُم فانحرفوا، فقيد الأولى بالعصر فِي الحَدِيث الأول، واطلق الثَّانِيَة. وَقيد فِي الحَدِيث الثَّانِي الثَّانِيَة بالعصر، وَأطلق الاولى. وَجَاء فِي البُخَارِيّ فِي كتاب خبر الْوَاحِد تَقْيِيده الصَّلَاتَيْنِ بالعصر، فَقَالَ من رِوَايَة الْبَراء أَيْضا: فَوجه نَحْو الْكَعْبَة، وَصلى مَعَه رجل الْعَصْر، ثمَّ خرج فَمر على قوم من الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُم: هُوَ يشْهد أَنه صلى مَعَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، الْعَصْر، وَأَنه قد وَجه إِلَى الْكَعْبَة. قَالَ: فانحرفوا وهم رُكُوع فِي صَلَاة الْعَصْر، وَكَذَا جَاءَ فِي الترمذى أَيْضا: إِن الصَّلَاتَيْنِ كَانَتَا الْعَصْر، وَلم يذكر مُسلم وَلَا النَّسَائِيّ فِي حَدِيث الْبَراء هَذَا تعْيين صَلَاة الْعَصْر وَلَا غَيرهمَا، وَجَاء فِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَمُسلم أَيْضا، فِي كتاب الصَّلَاة، من حَدِيث مَالك عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر قَالَ: بَينا النَّاس بقباء فِي صَلَاة الصُّبْح، إِذا جَاءَهُم آتٍ ... وَفِيه: فَكَانَت وُجُوههم إِلَى الشَّام، فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة. وَكَذَلِكَ أَيْضا جَاءَ فِي مُسلم من رِوَايَة ثَابت عَن انس كَرِوَايَة ابْن عمر أَنَّهَا الصُّبْح، فَمر رجل من بني سَلمَة وهم رُكُوع فِي صَلَاة الْفجْر: وَطَرِيق الْجمع بَين رِوَايَة الْعَصْر وَالصُّبْح أَن الَّتِي صلاهَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَصْر، مر على قوم من الْأَنْصَار فِي تِلْكَ الصَّلَاة وَهِي الْعَصْر، فَهَذَا من رِوَايَة الْبَراء، وَأما رِوَايَة ابْن عمر وَأنس رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنَّهَا الصُّبْح فَهِيَ صَلَاة أهل قبَاء ثَانِي يَوْم، وعَلى هَذَا يَقع الْجمع بَين الْأَحَادِيث، فَالَّذِي مر بهم لَيْسُوا أهل قبَاء، بل أهل مَسْجِد بِالْمَدِينَةِ، وَمر عَلَيْهِم فِي صَلَاة الْعَصْر، وَأما أهل قبَاء فَأَتَاهُم فِي صَلَاة الصُّبْح، كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الرِّوَايَات. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَمَال بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن أدركناهم إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة الصُّبْح. قَالَ: لِأَنَّهَا جَاءَت فِي رِوَايَة ابْن عمر وَأنس، وأهملت فِي بعض الرِّوَايَات حَدِيث الْبَراء، وعينت بالعصر فِي بعض الطّرق. قَالَ: فتقدمت رِوَايَة الصُّبْح لِأَنَّهَا من رِوَايَة صحابيين. قلت: الأول هُوَ الصَّوَاب، وَقد قَالَ النَّوَوِيّ: لِأَنَّهُ أمكن حمل الْحَدِيثين على الصِّحَّة فَهُوَ أولى من توهين رِوَايَة الْعُدُول المخرجة فِي الصَّحِيح، وَمِمَّنْ بَينه كَمَا روى أَبُو دَاوُد مُرْسلا عَن بكير بن الْأَشَج أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَة مَسَاجِد مَعَ مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسمع أَهلهَا آذان بِلَال، رَضِي الله عَنهُ، على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فيصلون فِي مَسَاجِدهمْ، وأقربها مَسْجِد بني عَمْرو بن مندول من بني النجار، وَمَسْجِد بني سَاعِدَة، وَمَسْجِد بني عبيد، وَمَسْجِد بني سَلمَة، وَمَسْجِد بني زُرَيْق، وَمَسْجِد عَفَّان، وَمَسْجِد سلم، وَمَسْجِد جُهَيْنَة. وَشك فِي تعْيين التَّاسِع. قَوْله: (فَخرج رجل) وَهُوَ: عباد بن نهيك، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء، بن أساف الخطمي، صلى الى الْقبْلَتَيْنِ مَعَ النَّبِي: عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَرَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَة يَوْم صرفت، قَالَه ابْن عبد الْبر: وَقَالَ ابْن بشكوال: هُوَ عباد بن بشر الأشْهَلِي، ذكره الفاكهي فِي أَخْبَار مَكَّة عَن خويلد بنت أسلم، وَكَانَت من المبايعات، وَفِيه قَول ثَالِث: إِنَّه عباد بن وهب، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (فَمر على اهل مَسْجِد) هَؤُلَاءِ لَيْسُوا أهل قبَاء، بل اهل مَسْجِد بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَسْجِد بني سَلمَة، وَيعرف بِمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ، وَمر عَلَيْهِم الْمَار فِي صَلَاة الْعَصْر. وَأما أهل قبَاء فَأَتَاهُم الْآتِي فِي صَلَاة الصُّبْح كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ الْكتاب يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من: مَسْجِد، هُوَ مَسْجِد قبَاء، وَمن لفظ: هم رَاكِعُونَ، أَن يَكُونُوا فِي صَلَاة الصُّبْح، اللَّهُمَّ إلاَّ أَن يُقَال: الْفَاء، التعقيبية لَا تساعده. قلت: بِالِاحْتِمَالِ لَا يثبت الحكم، وَالتَّحْقِيق فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (وهم رَاكِعُونَ) ، يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَة الرُّكُوع، وَأَن يُرَاد بِهِ الصَّلَاة من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء وَإِرَادَة الْكل. بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ دَلِيل على صِحَة نسخ الْأَحْكَام، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ إلاَّ طَائِفَة لَا يعبأ بهم. قلت: النّسخ جَائِز فِي جَمِيع أَحْكَام الشَّرْع عقلا، وواقع عِنْد الْمُسلمين أجمع شرعا خلافًا للْيَهُود، لعنهم الله، فَعِنْدَ بَعضهم بَاطِل نقلا، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاة: تمسكوا بالسبت مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَادعوا نَقله تواتراً، وَيدعونَ النَّقْل عَن مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، أَنه قَالَ: لَا نسخ لشريعته. وَعند بَعضهم: بَاطِل عقلا، وَالدَّلِيل على جَوَازه ووقوعه الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول. اما النَّقْل: فَلَا شكّ أَن نِكَاح الْأَخَوَات كَانَ مَشْرُوعا فِي شَرِيعَة آدم، عَلَيْهِ السَّلَام، وَبِه حصل التناسل، وَهَذَا لَا يُنكره أحد، وَقد ورد فِي التَّوْرَاة أَنه أَمر آدم، عَلَيْهِ السَّلَام، بتزويج بَنَاته من بنيه، ثمَّ نسخ، وَكَذَا: استرقاق الْحر كَانَ مُبَاحا فِي عهد يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى نقل عَنهُ أَنه اسْترق جَمِيع أهل مصر، عَام الْقَحْط، بِأَن اشْترى
انفسهم بِالطَّعَامِ، ثمَّ نسخ، وَكَذَلِكَ الْعَمَل فِي السبت: كَانَ مُبَاحا قبل شَرِيعَة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، ثمَّ نسخ بعْدهَا بِشَرِيعَتِهِ، ودعواهم: النَّص فِي التَّوْرَاة، على مَا زَعَمُوا، بَاطِلَة لِأَنَّهُ ثَبت قطعا عندنَا بأخبار الله تَعَالَى أَنهم حرفوا التَّوْرَاة، فَلم يبْق نقلهم حجَّة، وَلِهَذَا قُلْنَا: لم يجز الْإِيمَان بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي فِي أَيْديهم، حَتَّى بَالغ بعض الشَّافِعِيَّة وجوزوا الِاسْتِنْجَاء بذلك، بل إِنَّمَا يجب الْإِيمَان بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي انزلت على مُوسَى، مَعَ أَن شَرط التَّوَاتُر لم يُوجد فِي نقل التَّوْرَاة إِذا لم يبْق من الْيَهُود عدد التَّوَاتُر فِي زمن بخْتنصر، لِأَن أهل التواريخ اتَّفقُوا على أَنه: لما استولى بخت نصر على بني اسرائيل قتل رِجَالهمْ، وسبى ذَرَارِيهمْ، وأحرق اسفار التَّوْرَاة حَتَّى لم يبْق فيهم من يحفظ التَّوْرَاة. وَزَعَمُوا أَن الله الْهم عُزَيْرًا، عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى قَرَأَهُ من صَدره، وَلم يكن أحد قَرَأَهُ حفظا لَا قبله وَلَا بعده، وَلِهَذَا قَالُوا بانه ابْن الله وعبدوه، ثمَّ دفع عُزَيْر عِنْد مَوته إِلَى تلميذ لَهُ ليقرأه على بني اسرائيل، فَأخذُوا عَن ذَلِك الْوَاحِد، وَبِه لَا يثبت التَّوَاتُر. وَزعم بَعضهم أَنه زَاد فِيهَا شَيْئا وَحذف شَيْئا، فَكيف يوثق بِمَا هَذَا سَبيله؟ فَثَبت أَن مَا ادعوا من تأييد شَرِيعَة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، افتراء عَلَيْهِ، وَيُقَال: إِن مَا نقلوا عَن مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، من قَوْله: تمسكوا بالسبت. الخ مختلق مفترى، وَيُقَال: إِن هَذَا مِمَّا اختلقه ابْن الراوندي عَلَيْهِ مِمَّا يسْتَحق. الثَّانِي: فِيهِ الدَّلِيل على نسخ السّنة بالقران، وَهُوَ جَائِز عِنْد الْجُمْهُور من الأشاعرة والمعتزلة، وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ: قَالَ فِي إِحْدَى قوليه: لَا يجوز، كَمَا لَا يجوز عِنْده نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ، قولا وَاحِدًا. وَقَالَ عِيَاض: أجَازه الْأَكْثَر عقلا وسمعاً، وَمنعه بَعضهم عقلا، وَأَجَازَهُ بَعضهم عقلا، وَمنعه سمعا. قَالَ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ: قطع الشَّافِعِي وَأكْثر اصحابنا وَأهل الظَّاهِر وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه بامتناع نسخ الْكتاب بِالسنةِ المتواترة، وَأَجَازَهُ الْجُمْهُور وَمَالك وَأَبُو حنيفَة، رَضِي الله عَنْهُم، وأستدل المجوزون على الْمَسْأَلَة الأولى بِأَن التَّوَجُّه نَحْو بَيت الْمُقَدّس لم يكن ثَابتا بِالْكتاب، وَقد نسخ بقوله تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره} (الْبَقَرَة: 144 و 150) واجيب: من جِهَة الشَّافِعِي: بإنما هِيَ نسخ قُرْآن بقرآن، وَأَن الْأَمر كَانَ أَولا بتخبير الْمُصَلِّي أَن يولي وَجهه حَيْثُ شَاءَ بقوله تَعَالَى: {اينما توَلّوا فثم وَجه الله} (الْبَقَرَة: 115) ، ثمَّ نسخ باستقبال الْقبْلَة، وَأجَاب بَعضهم بِأَن قَوْله تَعَالَى: {اقيموا الصَّلَاة} (الْبَقَرَة: 43، 83، 110) مُجمل، فسر بِأُمُور: مِنْهَا. التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَيكون كالمأمور بِهِ لفظا فِي الْكتاب، فَيكون التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بالقران بِهَذِهِ الطَّرِيقَة، وباحتمال أَن الْمَنْسُوخ كَانَ قُرْآنًا نسخ لَفظه. وَقَالَ بَعضهم: النّسخ كَانَ بِالسنةِ، وَنزل الْقُرْآن على وفقها، ورد الأول، وَالثَّانِي: بِأَنا لَو جَوَّزنَا ذَلِك لافضى إِلَى أَن لَا يعلم نَاسخ من مَنْسُوخ بِعَيْنِه أصلا، فَإِنَّهُمَا يطردان فِي كل نَاسخ ومنسوخ، وَالثَّالِث: مُجَرّد دَعْوَى فَلَا تقبل، قَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى: {لتبين للنَّاس مَا نزل اليهم} (النَّحْل: 44) وَصفه بِكَوْنِهِ مَبْنِيا، فَلَو جَازَ نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ لم يكن النَّبِي مُبينًا، وَاللَّازِم بَاطِل، فالملزوم مثله. أما الْمُلَازمَة فَلِأَنَّهُ إِذا أثبت حكما ثمَّ نسخه الله تَعَالَى بقوله لم يتَحَقَّق التَّبْيِين مِنْهُ، لِأَن الْمَنْسُوخ مَرْفُوع لَا مُبين، لِأَن النّسخ رفع لَا بَيَان، وَأما بطلَان اللَّازِم فَلقَوْله: {لتبين للنَّاس مَا نزل اليهم} (النَّحْل: 44) حَيْثُ وَصفه بِكَوْنِهِ مُبينًا. قُلْنَا: لَا نسلم الْمُلَازمَة، لِأَن المُرَاد بالتبيين الْبَيَان، وَلَا نسلم أَن النّسخ لَيْسَ بِبَيَان، فَإِنَّهُ بَيَان لانْتِهَاء أَمر الحكم الأول، وَلَئِن سلمنَا أَن النّسخ لَيْسَ بِبَيَان، وَأَن المُرَاد مِنْهُ بَيَان الْعَام والمجمل والمنسوخ وَغَيرهمَا، لَكِن نسلم أَن الْآيَة تدل على إمتناع كَون الْقُرْآن نَاسِخا للسّنة. وَقَالُوا: لَو جَازَ ذَلِك لزم تنفير النَّاس عَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن طَاعَته، لِأَنَّهُ يُوهم أَن الله تَعَالَى لم يرض بِمَا سنه الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، وَاللَّازِم بَاطِل لِأَنَّهُ مُنَاقض للبعثة، فالملزوم كَذَلِك. قُلْنَا: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لِأَنَّهُ إِذا علم أَنه مبلغ، فَلَا تنفير وَلَا تنفر، لِأَن الْكل من عِنْد الله تَعَالَى. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز النّسخ بِخَبَر الْوَاحِد. قَالَ القَاضِي: وَإِلَيْهِ مَال القَاضِي ابو بكر وَغَيره من الْمُحَقِّقين، وَوَجهه أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَقْطُوع بِهِ، كَمَا أَن الْعَمَل بالقران وَالسّنة المتواترة مَقْطُوع بِهِ، وَأَن الدَّلِيل الْمُوجب لثُبُوته أَولا غير الدَّلِيل الْمُوجب لنفيه وَثُبُوت غَيره. قلت: إختاره الإِمَام الْغَزالِيّ والباجي من الْمَالِكِيَّة، وَهُوَ قَول أهل الظَّاهِر. الرَّابِع: قَالَ الْمَازرِيّ وَغَيره: اخْتلفُوا فِي النّسخ إِذا ورد مَتى يتَحَقَّق حكمه على الْمُكَلف، ويحتج بِهَذَا الحَدِيث لَاحَدَّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ أَنه لَا يثبت حكمه حَتَّى يبلغ الْمُكَلف، لِأَنَّهُ ذكر أَنهم تحولوا إِلَى الْقبْلَة وهم فِي الصَّلَاة، وَلم يُعِيدُوا مَا مضى، فَهَذَا يدل على أَن الحكم إِنَّمَا يثبت بعد الْبَلَاغ. وَقَالَ غَيره: فَائِدَة الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي أَن مَا فعل من الْعِبَادَات بعد النّسخ، وَقبل الْبَلَاغ هَل يُعَاد ام لَا؟ وَلَا خلاف أَنه لَا يلْزم حكمه قبل تَبْلِيغ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَفِيه دَلِيل على أَن من لم يعلم بِفَرْض الله، وَلم تبلغه الدعْوَة، وَلَا أمكنه استعلام ذَلِك من غَيره، فالفرض غير
لَازم وَالْحجّة غير قَائِمَة عَلَيْهِ. وَقَالَ القَاضِي: قد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن أسلم فِي دَار الْحَرْب أَو أَطْرَاف بِلَاد الاسلام حَيْثُ لَا يجد من يستعلم الشَّرَائِع، وَلَا علم أَن الله تَعَالَى فرض شَيْئا من الشَّرَائِع، ثمَّ علم بعد ذَلِك، هَل يلْزمه قَضَاء مَا مر عَلَيْهِ من صِيَام وَصَلَاة لم يعملها؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين إِلَى إِلْزَامه، وَأَنه قَادر على الاستعلام والبحث وَالْخُرُوج إِلَى ذَلِك، وَذهب أَبُو حنيفَة أَن ذَلِك يلْزمه إِن أمكنه أَن يستعلم، فَلم يستعلم وفرط، وَإِن كَانَ لَا يحضرهُ من يستعلمه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَيف يكون ذَلِك فرض على من لم يفرضه. الْخَامِس: قَالَ الإِمَام الْمَازرِيّ: بنوا على مَسْأَلَة الْفَسْخ مَسْأَلَة الْوَكِيل إِذا تصرف بعد الْعَزْل وَلم يعلم، فعلى القَوْل بِأَن حكم النّسخ لَازم حِين الْوُرُود لَا تمْضِي أَفعاله، وعَلى الثَّانِي: هِيَ مَاضِيَة. قَالَ القَاضِي: وَلم يخْتَلف الْمَذْهَب عندنَا فِيمَن اعْتِقْ، وَلم يعلم بِعِتْقِهِ أَن حكمه حكم الْأَحْرَار فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس، وَأما فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَجَائِز، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي الْمُعتقَة أَنَّهَا لَا تعيد مَا صلت بِغَيْر ستر، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِيمَن هُوَ فِيهَا بِنَاء على هَذِه الْمَسْأَلَة، وَفعل الْأنْصَارِيّ فِي الصَّلَاة كالأمة تعلم بِالْعِتْقِ فِي أثْنَاء صلَاتهَا. قلت: وَمذهب الشَّافِعِي فِيمَن أعتقت وَلم تعلم حَتَّى فرغت من الصَّلَاة، وَكَانَت قادرة على السّتْر، هَل تجب الْإِعَادَة عَلَيْهَا؟ فِيهِ قَولَانِ للشَّافِعِيّ: كمن صلى بِالنَّجَاسَةِ نَاسِيا عِنْده، وَإِن اعتقت فِي أَثْنَائِهَا وَعلمت بِالْعِتْقِ، فَإِن عجزت مَضَت فِي صلَاتهَا، وَإِن كَانَت قادرة على السّتْر وسترت قَرِيبا صَحَّ، وَإِن مَضَت مُدَّة فِي التكشف قطعت واستأنفت على الْأَصَح من الْمَذْهَب. السَّادِس: فِيهِ دَلِيل على قبُول خبر الْوَاحِد مَعَ غَيره من الاحاديث، وَعَادَة الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، قبُول ذَلِك، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ من السّلف مَعْلُوم بالتواتر من عَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَوْجِيهه ولاته وَرُسُله آحاداً إِلَى الْآفَاق ليعلموا النَّاس دينهم، ويبلغوهم سنة رسولهم. السَّابِع: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة ومراعاة السمت ليلهم إِلَى جِهَة الْكَعْبَة لأوّل وهلة فِي الصَّلَاة قبل قطعهم على مَوضِع عينهَا. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة الْوَاحِدَة إِلَى جِهَتَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي، فَمن صلى إِلَى جِهَة بِاجْتِهَاد، ثمَّ تغير اجْتِهَاده فِي أَثْنَائِهَا فيستدير إِلَى الْجِهَة الاخرى حَتَّى لَو تغير اجْتِهَاده أَربع مَرَّات فِي صَلَاة وَاحِدَة، فَتَصِح صلَاتهم على الْأَصَح فِي مَذْهَب الشَّافِعِي. التَّاسِع: فِيهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد بِحَضْرَة النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِيه خلاف، لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُم أَن يقطعوا الصَّلَاة وَأَن يبنوا، فرجحوا الْبناء وَهُوَ مَحل الِاجْتِهَاد. الْعَاشِر: فِيهِ وجوب الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة وَالْإِجْمَاع على أَنَّهَا الْكَعْبَة، شرفها الله تَعَالَى. الْحَادِي عشر: يحْتَج بِهِ على أَن من صلى بِالِاجْتِهَادِ إِلَى غير الْقبْلَة، ثمَّ تبين لَهُ الْخَطَأ لَا يلْزم الْإِعَادَة، لِأَنَّهُ فعل مَا عَلَيْهِ فِي ظَنّه مَعَ مُخَالفَة الحكم وَنَفس الْأَمر، كَمَا أَن أهل قبَاء فعلوا مَا وَجب عَلَيْهِم عِنْد ظنهم بقباء الْأَمر، فَلم يؤمروا بِالْإِعَادَةِ. الثَّانِي عشر: فِيهِ اسْتِحْبَاب إكرام القادم أَقَاربه بالنزول عَلَيْهِم دون غَيرهم. الثَّالِث عشر: أَن محبَّة الْإِنْسَان الِانْتِقَال من طَاعَة إِلَى أكمل مِنْهَا لَيْسَ قادحاً فِي الرضى، بل هُوَ مَحْبُوب. الرَّابِع عشر: فِيهِ تمني تَغْيِير نفس الْأَحْكَام إِذا ظَهرت الْمصلحَة. الْخَامِس عشر: فِيهِ الدّلَالَة على شرف النَّبِي: عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وكرامته على ربه، حَيْثُ يُعْطي لَهُ مَا يُحِبهُ من غير سُؤال. السَّادِس عشر: فِيهِ بَيَان مَا كَانَ من الصَّحَابَة فِي الْحِرْص على دينهم، والشفقة على إخْوَانهمْ. قَالَ زُهَيْرٌ حدّثنا أُبُو إسْحَاق عنِ البَرَاءِ فى حديثهِ هَذَا أَنه ماتَ علَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَن تُحَوَّلَ رِجالٌ وَقُتِلُوا فَلمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيِعَ إيمانَكُمْ} . قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل ان البُخَارِيّ ذكره على سَبِيل التَّعْلِيق مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون دَاخِلا تَحت حَدِيثه السَّابِق، سِيمَا لَو جَوَّزنَا الْعَطف بِتَقْدِير حرف الْعَطف، كَمَا هُوَ مَذْهَب بعض النُّحَاة. وَقَالَ بَعضهم: وَوهم من قَالَ: إِنَّه مُعَلّق، وَقد سَاقه المُصَنّف فِي التَّفْسِير مَعَ جملَة الحَدِيث عَن أبي نعيم عَن زُهَيْر سياقاً وَاحِدًا. قلت: أما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ جوز أَن يكون هَذَا مُسْندًا بِتَقْدِير حرف الْعَطف، وحرف الْعَطف لَا يجوز حذفه فِي الِاخْتِيَار وَهُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح، وَأما الْقَائِل الْمَذْكُور فَإِنَّهُ جزم بِأَنَّهُ مُسْند هَهُنَا، لِأَن قَوْله: وَوهم من قَالَ: إِنَّه مُعَلّق، يدل على هَذَا، بل هَذَا وهم لِأَن صورته صُورَة التَّعْلِيق بِلَا شكّ، وَلَيْسَ مَا بَينه وَبَين مَا قبله مَا يشركهُ إِيَّاه، وَلَا يلْزم من سوقه فِي التَّفْسِير جملَة وَاحِدَة سياقاً وَاحِدًا أَن يكون هَذَا مَوْصُولا غير مُعَلّق، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى. وَمَا رَوَاهُ زُهَيْر بن مُعَاوِيَة هَذَا فِي حَدِيث الْبَراء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي
باب حسن إسلام المرء
الله عَنْهُمَا، قَالَ: لما وَجه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْكَعْبَة قَالُوا: يَا رَسُول الله! كَيفَ إِخْوَاننَا الَّذين مَاتُوا وهم يصلونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم} (الْبَقَرَة: 143) ، وَكَذَا أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . قَوْله: (إِنَّه) أَي: إِن الشَّأْن. قَوْله: (مَاتَ) فعل وفاعله. قَوْله (رجال) ، وَقَوله: (على الْقبْلَة قبل أَن تحول) معترض بَينهمَا، وَأَرَادَ بالقبلة بَيت الْمُقَدّس، وَهِي الْقبْلَة المنسوخة، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: قبل التَّحْوِيل إِلَى الْكَعْبَة، وَالَّذين مَاتُوا على الْقبْلَة المنسوخة قبل تحويلها إِلَى الْكَعْبَة عشرَة أنفس: ثَمَانِيَة مِنْهُم من قُرَيْش: وهم عبد الله بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَالْمطلب بن أَزْهَر الزُّهْرِيّ، والسكران بن عمر والعامري، مَاتُوا بِمَكَّة. وحطاب، بِالْمُهْمَلَةِ، ابْن الْحَارِث الجُمَحِي، وَعَمْرو بن أُميَّة الْأَسدي، وَعبد الله بن الْحَارِث السَّهْمِي، وَعُرْوَة بن عبد الْعُزَّى الْعَدوي، وعدي بن نَضْلَة الْعَدوي، وَاثْنَانِ من الْأَنْصَار، وهما: الْبَراء بن معْرور، بالمهملات، وأسعد بن زُرَارَة مَاتَا بِالْمَدِينَةِ، فَهَؤُلَاءِ الْعشْرَة مُتَّفق عَلَيْهِم. وَمَات أَيْضا قبل التَّحْوِيل: اياس بن معَاذ الأشْهَلِي، لكنه مُخْتَلف فِي إِسْلَامه. قَوْله: (وَقتلُوا) على صِيغَة الْمَجْهُول، عطف على قَوْله: (مَاتَ رجال) . فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر إِطْلَاق الْقَتْل على الْمَيِّت، لِأَن الَّذِي يَمُوت حتف أَنفه لَا يُسمى مقتولا؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون المقتولون نفس الْمِائَتَيْنِ، وَفَائِدَة ذكر الْقَتْل بَيَان كَيْفيَّة مَوْتهمْ إشعاراً بشرفهم، واستبعاداً لضياع طاعتهم، وَأَن الْعقل قرينَة لكَون الْوَاو بِمَعْنى: أَو قلت: كَلَامه يشْعر بقتل رجال قبل تَحْويل الْقبْلَة، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لم يعرف قطّ فِي الْأَخْبَار أَن الْوَاحِد من الْمُسلمين قتل قبل تَحْويل الْقبْلَة، على أَن هَذِه اللَّفْظَة، اعني قَوْله: (وَقتلُوا) لَا تُوجد غير رِوَايَة زُهَيْر بن مُعَاوِيَة، وَفِي بَاقِي الرِّوَايَات كلهَا ذكر الْمَوْت فَقَط، فَيحْتَمل أَن تكون هَذِه غير مَحْفُوظَة. وَقَالَ بَعضهم: فَإِن كَانَت هَذِه مَحْفُوظَة، فَتحمل على أَن بعض الْمُسلمين مِمَّن لم يشْتَهر قتل فِي تِلْكَ الْمدَّة فِي غير الْجِهَاد، وَلم يضْبط اسْمه لقلَّة الاعتناء بالتاريخ إِذْ ذَاك، ثمَّ وجدت فِي الْمَغَازِي ذكر رجل اخْتلف فِي إِسْلَامه وَهُوَ: سُوَيْد بن الصَّامِت، فقد ذكر ابْن اسحق أَنه لَقِي النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل أَن يلقاه الْأَنْصَار فِي الْعقبَة، فَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام، فَقَالَ: إِن هَذَا القَوْل حسن، وأتى الْمَدِينَة فَقتل بهَا فِي وقْعَة بُعَاث، وَكَانَت قبل الْهِجْرَة، قَالَ: فَكَانَ قومه يَقُولُونَ: لقد قتل وَهُوَ مُسلم، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ المُرَاد. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: أَن هَذَا حكم بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يَصح. الثَّانِي: قَوْله: لقلَّة الاعتتاء بالتاريخ إِذْ ذَاك لَيْسَ كَذَلِك، فَكيف اعتنوا بضبط أَسمَاء الْعشْرَة الميتين وَلم يعتنوا بضبط الَّذين قتلوا، بل الاعتناء بالمقتولين أولى، لِأَن لَهُم مزية على غَيرهم. وَالثَّالِث: أَن الَّذِي وجده فِي الْمَغَازِي لَا يصلح دَلِيلا لتصحيح اللَّفْظَة الْمَذْكُورَة من وَجْهَيْن: احدهما: أَن هَذَا الرجل لم يتَّفق على إِسْلَامه، وَالْآخر: أَن هَذَا وَاحِد، وَقَوله: (وَقتلُوا) ، صِيغَة جمع تدل على أَن المقتولين جمَاعَة، وأقلها ثَلَاثَة أنفس. وَالرَّابِع: من وُجُوه النّظر أَن وقْعَة بُعَاث كَانَت بَين الاوس والخزرج فِي الْجَاهِلِيَّة، وَلم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت اسلام، فَكيف يسْتَدلّ بقتل الرجل الْمَذْكُور فِي وقْعَة بُعَاث على أَن قَتله كَانَ فى وَقت كَون الْقبْلَة هُوَ بَيت الْمُقَدّس؟ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح؟ وَقَالَ الصغاني: بُعَاث، بِالضَّمِّ، على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة، وَيَوْم بُعَاث يَوْم، كَانَ بَين الْأَوْس والخزرج فِي الْجَاهِلِيَّة، وَوَقع فِي كتاب الْعين بالغين الْمُعْجَمَة وَالصَّوَاب بِالْعينِ الْمُهْملَة لَا غير، ذكره فِي فصل الثَّاء الْمُثَلَّثَة من كتاب الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (فَلم يدر) أَي: فَلم يعلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان طاعتهم ضائعة ام لَا فَأنْزل الله الْآيَة. 31 - (بابُ حُسْنِ إسْلاَمِ المَرْء) اي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَالْبَاب هُنَا مُضَاف قطعا، وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول أَن الصَّلَاة من الْإِيمَان، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَلَا يحسن إِسْلَام الْمَرْء إلاَّ بِإِقَامَة الصَّلَاة. وَقَالَ بَعضهم فِي فَوَائِد حَدِيث الْبَاب السَّابِق: وَفِيه بَيَان مَا كَانَ فِي الصَّحَابَة من الْحِرْص على دينهم والشفقة على أخوانهم، وَقد وَقع لَهُم نَظِير هَذِه الْمَسْأَلَة لما نزل تَحْرِيم الْخمر، كَمَا صَحَّ من حَدِيث الْبَراء ايضاً، فَنزلت: {لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا} إِلَى قَوْله: {وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ} (الْمَائِدَة: 93) وَقَوله تَعَالَى: {انا لَا نضيع أجر من احسن عملا} (الْكَهْف: 30) ولملاحظة هَذَا الْمَعْنى عقَّب المُصَنّف هَذَا الْبَاب بقوله: بَاب حسن إِسْلَام الْمَرْء، فَانْظُر إِلَى هَذَا، هَل ترى لَهُ تنَاسبا لوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ وَقَالَ بعض الشَّارِحين: ومناسبة التَّبْوِيب زِيَادَة الْحسن على الْإِسْلَام وَاخْتِلَاف أَحْوَاله بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْمَال، قلت: هَذَا أَيْضا قريب من الأول.
41 - قَالَ مَالِكٌ أخْبَرَنِى زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ أنّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ أخبَرَهُ أَنه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إِذا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إسْلاَمُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عنهُ كلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفها وَكَانَ يَعْدَ ذلكَ القِصاصُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ والسَّيِئَةُ بِمثْلِها إلاَّ أَن يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة. الأول: مَالك بن أنس، رَحمَه الله. الثَّانِي: زيد بن أسلم، ابو اسامة الْقرشِي الْمَكِّيّ، مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. الثَّالِث: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ. الرَّابِع: ابو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ، وَقد مر ذكرهم. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء مَشْهُورُونَ. وَمِنْهَا: أَنه مسلسل بِلَفْظ الْإِخْبَار على سَبِيل الِانْفِرَاد وَهُوَ الْقِرَاءَة على الشَّيْخ إِذا كَانَ القارىء وَحده، وَهَذَا عِنْد من فرق بَين الْإِخْبَار والتحديث، وَبَين أَن يكون مَعَه غَيره أَولا يكون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاع الصَّحَابِيّ من النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ يدْفع احْتِمَال سَمَاعه من صَحَابِيّ آخر، فَافْهَم. بَيَان حكم الحَدِيث: ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا، وَلم يوصله فِي مَوضِع فِي الْكتاب، وَالْبُخَارِيّ لم يدْرك زمن مَالك، فَيكون تَعْلِيقا وَلكنه بِلَفْظ جازم، فَهُوَ صَحِيح وَلَا قدح فِيهِ، وَقَالَ ابْن حزم: إِنَّه قَادِح فِي الصِّحَّة لِأَنَّهُ مُنْقَطع، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّهُ مَوْصُول من جِهَات أخر صَحِيحَة، وَلم يذكرهُ لشهرته، وَكَيف وَقد عرف من شَرطه وعادته أَنه لَا يجْزم إلاَّ بتثبت وَثُبُوت؟ وَلَيْسَ كل مُنْقَطع يقْدَح فِيهِ، فَهَذَا، وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهِ أَنه مُنْقَطع بِحَسب الِاصْطِلَاح، إلاَّ أَنه فِي حكم الْمُتَّصِل فِي كَونه صَحِيحا، وَقد وَصله أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ فِي بعض النّسخ فَقَالَ: أخبرنَا النضروي، وَهُوَ الْعَبَّاس بن الْفضل، ثَنَا الْحُسَيْن بن إِدْرِيس، ثَنَا هِشَام بن خَالِد، ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم، عَن مَالك بِهِ. وَكَذَا وَصله النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن الْمُعَلَّى بن يزِيد، عَن صَفْوَان بن صَالح، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن مَالك بن زيد بن أسلم بِهِ. وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ بِزِيَادَة فِيهِ، فَقَالَ: أَخْبرنِي الْحسن بن سُفْيَان، ثَنَا حميد بن قُتَيْبَة الْأَسدي، قَالَ: قَرَأت على عبد الله بن نَافِع الصَّانِع أَن مَالِكًا اخبره قَالَ: واخبرني عبد الله بن مُحَمَّد بن مُسلم أَن أَبَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى حَدثنِي يحيى بن عبد الله بن بكير، ثَنَا عبد الله بن وهب أَبَا مَالك ابْن انس، وَاللَّفْظ لِابْنِ نَافِع، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أذا اسْلَمْ العَبْد كتب الله لَهُ كل حَسَنَة قدمهَا، ومحى عَنهُ كل سَيِّئَة زلفها، ثمَّ قيل لَهُ: أيتنف الْعَمَل الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة، والسيئة بِمِثْلِهَا، إلاَّ أَن يغْفر الله) . وَكَذَا أوصله الْحسن بن سُفْيَان من طَرِيق عبد الله بن نَافِع، وَالْبَزَّار من طَرِيق إِسْحَاق الْفَروِي، وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الشّعب) من طَرِيق اسماعيل بن أبي أويس، كلهم عَن مَالك. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (غرائب مَالك) : اتّفق هَؤُلَاءِ التِّسْعَة: ابْن وهب، والوليد بن مُسلم، وَطَلْحَة بن يحيى، وَزيد بن شُعَيْب، واسحاق الْفَروِي، وَسَعِيد الزبيرِي، وَعبد الله بن نَافِع، وابراهيم بن الْمُخْتَار، وَعبد الْعَزِيز بن يحيى فَرَوَوْه عَن مَالك عَن زيد عَن عَطاء عَن أبي سعيد، وَخَالفهُم معن بن عِيسَى فَرَوَاهُ عَن مَالك عَن زيد عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، وَهِي رِوَايَة شَاذَّة وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن زيد بن اسْلَمْ عَن عَطاء مُرْسلا، وَقد حفظ مَالك الْوَصْل فِيهِ، وَهُوَ اتقن لحَدِيث أهل الْمَدِينَة من غَيره، وَقَالَ الْخَطِيب: هُوَ حَدِيث ثَابت، وَذكر الْبَزَّار أَن مَالِكًا تفرد بوصله، وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث أبي سعيد أسقط البُخَارِيّ بعضه، وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور من رِوَايَة مَالك فِي غير الْمُوَطَّأ، وَنَصه: (إِذا أسلم الْكَافِر فَحسن إِسْلَامه كتب الله لَهُ لكل حَسَنَة كَانَ زلفها، ومحى عَنهُ كل سَيِّئَة كَانَ زلفها) . وَذكر بَاقِيه بِمَعْنَاهُ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (فَحسن إِسْلَامه) معنى: حسن الْإِسْلَام الدُّخُول فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِن جَمِيعًا، يُقَال فِي عرف الشَّرْع: حسن إِسْلَام فلَان، إِذا دخل فِيهِ حَقِيقَة، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيث جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام: (الْإِحْسَان ان تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ) ، فاراد مُبَالغَة الْإِخْلَاص لله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بِالطَّاعَةِ والمراقبة لَهُ. قَوْله: (يكفر الله) من التَّكْفِير وَهُوَ التغطية فِي الْمعاصِي، كالإحباط فِي الطَّاعَات، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: التَّكْفِير إمَاطَة الْعقَاب من الْمُسْتَحق بِثَوَاب
أَزِيد اَوْ بتوبة. قَوْله: (كَانَ زلفها) أَي: قربهَا. وَقَالَ ابْن سَيّده: زلف الشَّيْء وزلفه قدمه. وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: ازلف الشَّيْء قربه، وَفِي (الْجَامِع) : الزلفة تكون الْقرْبَة من الْخَيْر وَالشَّر، وَفِي (الصِّحَاح) : الزلف التَّقْدِيم، عَن أبي عبيد، وتزلفوا وازدلفوا أَي: تقدمُوا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: زلفها، بتَشْديد اللَّام وَالْفَاء، أَي: أسلفها وقدمها. يُقَال: زلفته تزليفاً وأزلفته إزلافاً، بِمَعْنى التَّقْدِيم. وأصل الزلفة: الْقرْبَة، وَفِي بعض نسخ المغاربة: زلفها، بتَخْفِيف اللَّام. قلت: أزلفها بِزِيَادَة الْألف رِوَايَة أبي ذَر، وَرِوَايَة غَيره: زلفها بِدُونِ الالف وبالتخفيف. وَقَالَ النَّوَوِيّ بِالتَّشْدِيدِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق طَلْحَة بن يحيى عَن مَالك بِلَفْظ: (مَا من عبد يسلم فَيحسن إِسْلَامه إلاَّ كتب الله كل حَسَنَة زلفها ومحى عَنهُ كل خَطِيئَة زلفها) . بِالتَّخْفِيفِ فيهمَا، وللنسائي نَحوه، لَكِن قَالَ: ازلفها، وزلف بِالتَّشْدِيدِ وأزلف بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الْخطابِيّ. وَفِي (الْمُحكم) : أزلف الشَّيْء: قربه، وزلفه، مخففاً ومثقلا: قدمه، وَفِي (الْمَشَارِق) : زلف بِالتَّخْفِيفِ أَي: جمع وَكسب، وَهَذَا يَشْمَل الْأَمريْنِ، وَأما الْقرْبَة فَلَا تكون إلاَّ فِي الْخَيْر، فَإِن قيل: على هَذَا رِوَايَة غير أبي ذَر راجحة. قلت: الَّذِي قَالَه الْخطابِيّ يساعد رِوَايَة أبي ذَر. فَافْهَم. قَوْله: (كتب الله) أَي: أَمر أَن يكْتب، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق زين بن شُعَيْب عَن مَالك بِلَفْظ: (يَقُول الله لملائكته اكتبوا) . قَوْله: (الْقصاص) ، قَالَ الصغاني: هُوَ الْقود. قلت: المُرَاد بِهِ هَهُنَا مُقَابلَة الشَّيْء بالشَّيْء أَي: كل شَيْء يعمله يعْطى فِي مُقَابِله شَيْء، ان خيرا فخيراً، وَإِن شرا فشراً. قَوْله: (ضعف) قَالَ الْجَوْهَرِي: ضعف الشَّيْء مثله، وضعفاه مثلاه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَلم أوجب الْفَقِيه فِيمَا لَو اوصى بِضعْف نصيب ابْنه مثلي نصِيبه، وبضعفي نصِيبه ثَلَاثَة أَمْثَاله؟ قلت: الْمُعْتَبر فِي الْوَصَايَا والأقارير الْعرف الْعَام لَا الْمَوْضُوع اللّغَوِيّ، أَقُول: الَّذِي قَالَه الجوهرى مَنْقُول عَن أبي عُبَيْدَة، وَلَكِن قَالَ الْأَزْهَرِي: الضعْف فِي كَلَام الْعَرَب الْمثل إِلَى مَا زَاد، وَلَيْسَ بمقصور على المثلين، بل جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب أَن تَقول: هَذَا ضعفه أَي: مثلاه وَثَلَاثَة أَمْثَاله، لِأَن الضعْف فِي الأَصْل زِيَادَة غير محصورة. ألاَ ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فاؤلئك لَهُم جَزَاء الضعْف بِمَا عمِلُوا} (سبإ: 59) لم يرد مثلا وَلَا مثلين، وَلَكِن أَرَادَ بالضعف الْأَضْعَاف، فَأَقل الضعْف مَحْصُور، وَهُوَ: الْمثل، وَأَكْثَره غير مَحْصُور. فَإِذا كَانَ كَذَلِك يجوز أَن يكون إِيجَاب الْفَقِيه فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة غير مَوْضُوع على الْعرف الْعَام، بل لوحظ فِيهِ اللُّغَة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يَقُول) ، فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله: (سمع) : على قَول من يَدعِي أَنه يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، وَالصَّحِيح أَنه لَا يتَعَدَّى، فَحِينَئِذٍ يكون نصبا على الْحَال، فان قيل: لِمَ لَمْ يقل: قَالَ مناسباً لسمع، مَعَ أَن الْقَضِيَّة مَاضِيَة؟ قلت: أُجِيب لغَرَض الاستحضار كَأَنَّهُ يَقُول الْآن، وَكَأَنَّهُ يُرِيد أَن يطلع الْحَاضِرين على ذَلِك القَوْل مُبَالغَة فِي تحقق وُقُوع القَوْل، وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى: {ان مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون} (آل عمرَان: 59) من حَيْثُ لم يقل: فَكَانَ. قَوْله: (فَحسن) : عطف على: (أسلم) . قَوْله: (يكفر الله) ، جَزَاء الشَّرْط، أَعنِي قَوْله: اذا، وَيجوز فِيهِ الرّفْع والجزم، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (وَإِن أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مسغبة ... يَقُول: لَا غَائِب مَا لي وَلَا حرم) وَذَلِكَ إِذا كَانَ فعل الشَّرْط مَاضِيا وَالْجَوَاب مضارعاً، وَعند الْجَزْم يلتقي الساكنان فَتحَرك الرَّاء بِالْكَسْرِ لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ، وَلَكِن الرِّوَايَة هَهُنَا بِالرَّفْع، وَوَقع فِي رِوَايَة الْبَزَّار: كفر الله، بِصِيغَة الْمَاضِي، فَوَافَقَ فعل الشَّرْط. وَقَالَ بَعضهم: يكفر الله، بِضَم الرَّاء، لِأَن إِذا، وَإِن كَانَت من أدوات الشَّرْط لَكِنَّهَا لَا تجزم. قلت: هَذَا كَلَام من لم يشم من الْعَرَبيَّة شَيْئا. وَقد قَالَ الشَّاعِر: (استغن مَا أَغْنَاك رَبك بالغنى ... وَإِذا تصبك خصَاصَة فَتحمل) قد جزم إِذا. قَوْله: (تصبك) ، وَقد قَالَ الْفراء: تسْتَعْمل إِذا للشّرط، ثمَّ أنْشد الشّعْر الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ: وَلِهَذَا جزمه قَوْله: (كل سَيِّئَة) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: (يكفر الله) . قَوْله: (كَانَ زلفها) ، جمله فعلية فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة سَيِّئَة. قَوْله: (وَكَانَ بعد ذَلِك) أَي: بعد حسن الْإِسْلَام الْقصاص، وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ إسم كَانَ، وَهُوَ يحْتَمل أَن تكون نَاقِصَة وَأَن تكون تَامَّة، وَإِنَّمَا ذكره بِلَفْظ الْمَاضِي، وَإِن كَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي لفظ الْمُضَارع، لتحَقّق وُقُوعه كَأَنَّهُ وَاقع، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ونادى
اصحاب الْجنَّة} (الْأَعْرَاف: 44) قَوْله الْحَسَنَة مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ (وبعشر أَمْثَالهَا) فِي مَحل الرّفْع على الخبرية. قَوْله (إِلَى سَبْعمِائة) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف ومحلها النصب على الْحَال، أَي: منتهية إِلَى سَبْعمِائة. قَوْله: (والسيئة) مُبْتَدأ، (وبمثلها) خَبره، أَي: لَا يُزَاد عَلَيْهَا. قَوْله (إِلَّا أَن يتَجَاوَز الله عَنْهَا) أَي: عَن السَّيئَة، يعْنى: يعْفُو عَنْهَا. بَيَان الْمعَانِي: فِيهِ اسْتِعْمَال الْمُضَارع مَوضِع الْمَاضِي، والماضي الْمُضَارع لنكات ذَكرنَاهَا، وَفِيه: الْجُمْلَة الاستئنافية وَهِي قَوْله: (الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا) وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن السُّؤَال، وَلَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، وَقد علم أَن الْجُمْلَة من حَيْثُ هِيَ هى، غير معربة وَلَا تسْتَحقّ الْإِعْرَاب إلاَّ إِذا وَقعت موقع الْمُفْرد، فَحِينَئِذٍ تكتسي إعرابه محلا، وَقد نظم ابْن ام قَاسم النَّحْوِيّ الْجمل الَّتِي لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب وَالَّتِي لَا مَحل لَهَا مِنْهُ بِثمَانِيَة أَبْيَات، وَهِي قَوْله: (جمل أَتَت وَلها مَحل مُعرب ... سبع لِأَن حلت مَحل الْمُفْرد) (خبرية، حَالية، محكية ... وَكَذَا الْمُضَاف لَهَا بِغَيْر تردد) (ومعلق عَنْهَا، وتابعة لما ... هُوَ مُعرب، أَو ذُو مَحل فاعدد) (وَجَوَاب شَرط جازمٍ بالفاءِ أَو ... بإذا وَبَعض، قَالَ: غير مُقَيّد) (وأتتك سبع مَا لَهَا من مَوضِع: ... صلَة، ومعترض، وَجُمْلَة مبتدى) (وَجَوَاب أَقسَام، وَمَا قد فسرت ... فِي أشهر وَالْخلف غير مبعد) (وبعيد تحضيض، وَبعد مُعَلّق ... لَا جازمٍ، وَجَوَاب ذَلِك اورد) (وكذاك تَابِعَة لشَيْء مَا لَهُ ... من مَوضِع، فاحفظه غير مُفند) وَقد نظمها الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان بِسِتَّة أَبْيَات، وَهِي قَوْله: (وَخذ جملا سِتا، وَعشرا فنصفها ... لَهَا مَوضِع الْإِعْرَاب جَاءَ مُبينًا) (فوصفية، حَالية، خبرية ... مُضَاف إِلَيْهَا، واحكِ بالْقَوْل مُعْلنا) (كَذَلِك فِي التَّعْلِيق وَالشّرط والجزا ... إِذا عَامل يَأْتِي بِلَا عمل هُنَا) (وَفِي غير هَذَا لَا مَحل لَهَا كَمَا ... أَتَت صلَة مبدوة فاتك العنا) (مُفَسّر أَيْضا، وحشواً كَذَا أَتَت ... كَذَلِك فِي التَحضيض نلْت بِهِ الْغِنَا) (وَفِي الشَّرْط لم يعْمل كَذَاك جَوَابه ... جَوَاب يَمِين مثله سرك المنى) قَوْله: (الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا) من قَوْله تَعَالَى: {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} (الْأَنْعَام: 160) وَقَوله: (إِلَى سَبْعمِائة ضعف) من قَوْله تَعَالَى: {مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مائَة حَبَّة وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء} (الْبَقَرَة: 261) فَإِن قيل: بَين فِي الحَدِيث الِانْتِهَاء إِلَى سَبْعمِائة، وَقَوله تَعَالَى: {وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء} (الْبَقَرَة: 261) يدل على أَنه قد يكون الِانْتِهَاء إِلَى أَكثر، وَالْجَوَاب: أَن الله يُضَاعف تِلْكَ المضاعفة، وَهِي أَن يَجْعَلهَا سَبْعمِائة، وَهُوَ ظَاهر. وَإِن قُلْنَا: إِن مَعْنَاهُ أَنه يُضَاعف السبعمائة بِأَن يزِيد عَلَيْهَا أَيْضا، فَذَلِك فِي مَشِيئَته تَعَالَى، واما المتحقق فَهُوَ إِلَى السبعمائة فَقَط، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ صرح فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، أخرجه البُخَارِيّ فِي الرقَاق، وَلَفظه: (كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات إِلَى سَبْعمِائة ضعف إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة) . وَفِي كتاب الْعلم، لابي بكر أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم النَّبِيل، ثَنَا شَيبَان الْأَيْلِي، ثَنَا سُوَيْد بن حَاتِم، ثَنَا أَبُو الْعَوام الجزار، عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ، عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: (إِن الله تَعَالَى يُعْطي بِالْحَسَنَة الفي ألف حَسَنَة) . وَأَيْضًا: فَفِي جملَة حَدِيث مَالك، مِمَّا اسقطه البُخَارِيّ (ان الْكَافِر إِذا حسن إِسْلَامه يكْتب لَهُ فِي الْإِسْلَام كل حَسَنَة عَملهَا فِي الشّرك) ، فَالله تَعَالَى من فَضله إِذا كتب الْحَسَنَات الْمُتَقَدّمَة قبل الاسلام فبالاولى أَن يتفضل على عَبده الْمُسلم بِمَا شَاءَ من غير حِسَاب، وَنَظِير هَذَا الَّذِي أسْقطه البُخَارِيّ مَا جَاءَ فِي حَدِيث حَكِيم بن حزَام: (أسلمت على مَا أسلفت من خير) . أخرجه البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة، وَفِي الْعتْق. وَمُسلم فِي الْإِيمَان. فان قلت: لِمَ أسقط البُخَارِيّ هَذِه الزِّيَادَة؟ قلت: قيل: إِنَّه أسْقطه عمدا، وَقيل: لِأَنَّهُ مُشكل على الْقَوَاعِد، فَقَالَ الْمَازرِيّ، ثمَّ القَاضِي وَغَيرهمَا: ان الْجَارِي على الْقَوَاعِد وَالْأُصُول، أَنه لَا يَصح من الْكَافِر التَّقَرُّب، فَلَا يُثَاب على طَاعَته فِي شركه، لِأَن من شَرط التَّقَرُّب أَن يكون عَارِفًا بِمن تقرب
اليه، وَالْكَافِر لَيْسَ كَذَلِك، وَأولُوا حَدِيث حَكِيم بن حزَام من وُجُوه. الأول: أَن معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اسلمت على مَا اسلفت من خير) : إِنَّك اكْتسبت طباعاً جميلَة تنْتَفع بِتِلْكَ الطباع فِي الْإِسْلَام بِأَن يكون لَك مَعُونَة على فعل الطَّاعَات. وَالثَّانِي: اكْتسبت ثَنَاء جميلاً بَقِي لَك فِي الاسلام. وَالثَّالِث: لَا يبعد أَن يُزَاد فِي حَسَنَاته الَّتِي يَفْعَلهَا فِي الْإِسْلَام، وَيكثر أجره لما تقدم لَهُ من الْأَفْعَال الحميدة. وَقد جَاءَ أَن الْكَافِر إِذا كَانَ يفعل خيرا فَإِنَّهُ يُخَفف عَنهُ بِهِ، فَلَا يبعد أَن يُزَاد فِي أجوره. وَالرَّابِع: زَاده القَاضِي، وَهُوَ أَنه ببركة مَا سبق لَك من الْخَيْر هداك الله لِلْإِسْلَامِ، أَي: سبق لَك عِنْد الله من الْخَيْر مَا حملك على فعله فِي جاهليتك، وعَلى خَاتِمَة الْإِسْلَام. وتعقبهم النَّوَوِيّ فِي (شَرحه) فَقَالَ: هَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ ضَعِيف، بل الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَقد ادّعى فِيهِ الْإِجْمَاع على أَن الْكَافِر إِذا فعل أفعالاً جميلَة على جِهَة التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى: كصدقة وصلَة رحم واعتاق وَنَحْوهَا من الْخِصَال الجميلة، ثمَّ أسلم، يكْتب لَهُ كل ذَلِك ويثاب عَلَيْهِ إِذا مَاتَ على الْإِسْلَام، وَدَلِيله حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الذى يَأْتِي الْآن، وَحَدِيث حَكِيم بن حزَام ظَاهر فِيهِ، وَهَذَا أَمر لَا يحيله الْعقل، وَقد ورد الشَّرْع بِهِ، فَوَجَبَ قبُوله. وَأما دَعْوَى كَونه مُخَالفا لِلْأُصُولِ فَغير مَقْبُولَة، وَأما قَول الْفُقَهَاء: لَا تصح عبَادَة من كَافِر وَلَو اسْلَمْ، لم يعْتد بهَا، فمرادهم: لَا يعْتد بهَا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا، وَلَيْسَ فِيهِ تعرض لثواب الْآخِرَة، فان أقدم قَائِل على التَّصْرِيح بِأَنَّهُ إِذا أسلم لَا يُثَاب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة، فَهُوَ مجازف، فَيرد قَوْله بِهَذِهِ السّنة الصَّحِيحَة. وَقد يعْتد بِبَعْض أَفعَال الْكَافِر فى الدُّنْيَا، فَقَالَ: قَالَ الْفُقَهَاء: إِذا لزمَه كَفَّارَة ظِهَار وَغَيرهَا فَكفر فِي حَال كفره اجزأه ذَلِك، وَإِذا اسْلَمْ لَا يلْزم إِعَادَتهَا، وَاخْتلفُوا فِيمَا لَو اجنب واغتسل فِي كفره، ثمَّ اسْلَمْ، هَل يلْزمه إِعَادَة الْغسْل؟ وَالأَصَح اللُّزُوم، وَبَالغ بعض أَصْحَابنَا فَقَالَ: يَصح من كل كَافِر طَهَارَة، غسلا كَانَت أَو وضوء أَو تيمماً، وَإِذا أسلم صلى بهَا، وَقد ذهب إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ النَّوَوِيّ ابراهيم الْحَرْبِيّ وَابْن بطال والقرطبي وَابْن مُنِير، وَقَالَ ابْن مُنِير: الْمُخَالف للقواعد دَعْوَى أَنه يكْتب لَهُ ذَلِك فِي حَال كفره واما أَن الله يضيف إِلَى حَسَنَاته فِي الْإِسْلَام ثَوَاب مَا كَانَ صدر مِنْهُ مِمَّا كَانَ يَظُنّهُ خيرا، فَلَا مَانع مِنْهُ كَمَا لَو تفضل عَلَيْهِ ابْتِدَاء من غير عمل، وكما يتفضل على الْعَاجِز بِثَوَاب مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ قَادر، فَإِذا جَازَ أَن يكْتب لَهُ ثَوَاب مَا لم يعْمل أَلْبَتَّة، جَازَ أَن يكْتب لَهُ ثَوَاب مَا عمله غير موفي الشُّرُوط. وَقَالَ ابْن بطال: لله تَعَالَى ان يتفضل على عباده بِمَا شَاءَ، وَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ. فَوَائِد: مِنْهَا: أَن فِيهِ الْحجَّة على الْخَوَارِج وَغَيرهم من الَّذين يكفرون بِالذنُوبِ ويوجبون خُلُود المذنبين فِي النَّار. وَمِنْهَا: أَن قَوْله: (إلاَّ ان يتَجَاوَز الله عَنْهَا) دَلِيل لمَذْهَب أهل السّنة أَنه تَحت الْمَشِيئَة، إِن شَاءَ الله تجَاوز عَنهُ، وَإِن شَاءَ أَخذه. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ دَلِيلا لَهُم فِي أَن أَصْحَاب الْمعاصِي لَا يقطع عَلَيْهِم بالنَّار، خلافًا للمعتزلة، فَإِنَّهُم قطعُوا بعقاب صَاحب الْكَبِيرَة إِذا مَاتَ بِلَا تَوْبَة. وَمِنْهَا: مَا قَالَ بَعضهم: أول الحَدِيث يرد على من أنكر الزِّيَادَة وَالنَّقْص فِي الْإِيمَان، لِأَن الْحسن تَتَفَاوَت درجاته، قلت: هَذَا كَلَام سَاقِط، لِأَن الْحسن من أَوْصَاف الْإِيمَان، وَلَا يلْزم من قابلية الْوَصْف الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان قابلية الذَّات إيَّاهُمَا، لِأَن الذَّات من حَيْثُ هُوَ لَا يقبل ذَلِك كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. 42 - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قَالَ حّدثنا عبدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ همامٍ عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أحْسَنَ أحَدُكُمْ إسْلاَمَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: اسحق بن مَنْصُور بن بهْرَام، وَقَالَ النَّوَوِيّ، بِكَسْر الْبَاء، وَالْمَشْهُور فتحهَا، أَبُو يَعْقُوب الكوسج من أهل مرو سكن بنيسابور ورحل إِلَى الْعرَاق وَالشَّام والحجاز، روى عَنهُ الْجَمَاعَة إلاَّ أَبَا دَاوُد، وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة من أَصْحَاب الحَدِيث، وَهُوَ الَّذِي دوَّن عَن أَحْمد الْمسَائِل. قَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة ثَبت، مَاتَ بنيسابور سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام بن نَافِع الْيَمَانِيّ الصَّنْعَانِيّ، سمع عبد الله المعمرى ومعمراً وَالثَّوْري ومالكاً وَغَيرهم، قَالَ معمر: عبد الرَّزَّاق خليق أَن يضْرب إِلَيْهِ أكباد الْإِبِل. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: مَا رَأَيْت أحسن من عبد الرَّزَّاق. وَقَالَ
الْحَافِظ أَبُو احْمَد بن عدي، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَنسبه الْعَبَّاس بن عبد الْعَظِيم إِلَى الْكَذِب. قَالَ: والواقدي أصدق مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو أَحْمد: لعبد الرَّزَّاق حَدِيث كثير، وَقد رَحل إِلَيْهِ النَّاس وَكَتَبُوا عَنهُ، وَلم يرَوا بحَديثه بَأْسا، إلاَّ أَنهم نسبوه إِلَى التَّشَيُّع، وَقد روى أَحَادِيث فِي فَضَائِل أهل الْبَيْت ومثالب غَيرهم مِمَّا لم يُوَافقهُ عَلَيْهَا أحد من الثِّقَات، فَهَذَا أعظم مَا ذموه بِهِ من رِوَايَته الْمَنَاكِير، وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي كتاب (الضُّعَفَاء) : عبد الرَّزَّاق بن همام فِيهِ نظر لمن كتب عَنهُ بِآخِرهِ، وَزَاد بَعضهم عَن النَّسَائِيّ: كتبت عَنهُ أَحَادِيث مَنَاكِير. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْكَبِير) : مَا حدث بِهِ عبد الرَّزَّاق من كِتَابه فَهُوَ أصح، مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين، ابْن رَاشد، أَبُو عُرْوَة الْبَصْرِيّ، وَقد مر ذكره، فِي أول الْكتاب. الرَّابِع: همام، بتَشْديد الْمِيم، بن مُنَبّه بن كَامِل بن سيج، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَقيل بِكَسْرِهَا وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم، أَبُو عقبَة الْيَمَانِيّ الصَّنْعَانِيّ الذمارِي الأبناوي، أَخُو وهب، وَهُوَ أكبر مِنْهُ، تَابِعِيّ، سمع أَبَا هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة، قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة، توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِصَنْعَاء، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَهُوَ من الْأَفْرَاد وَإِن كَانَ يشْتَرك مَعَه فِي الِاسْم دون الْأَب جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَلَا يلْتَفت إِلَى تَضْعِيف الفلاس لَهُ، فَإِنَّهُ من فرسَان الصَّحِيحَيْنِ. الْخَامِس: ابو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. ذكر الانساب: الصَّنْعَانِيّ: نِسْبَة إِلَى صنعا مَدِينَة بِالْيمن، بِزِيَادَة النُّون فِي آخِره، وَالْقِيَاس أَن يُقَال: صنعاوي، وَمن الْعَرَب من يَقُوله، فابدلوا من الْهمزَة النُّون، لِأَن الالف وَالنُّون يشابهان ألفي التَّأْنِيث، وصنعا أَيْضا قَرْيَة بِالشَّام، وَهَذِه النِّسْبَة شَاذَّة. الْيَمَانِيّ: نِسْبَة إِلَى الْيمن، بِزِيَادَة الْألف، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْيمن بِلَاد الْعَرَب، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا يمني ويمان، مُخَفّفَة وَالْألف عوض من يَاء النِّسْبَة، فَلَا يَجْتَمِعَانِ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَبَعْضهمْ يَقُول: يماني، بِالتَّشْدِيدِ. فَافْهَم. الذمارِي، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم، نِسْبَة إِلَى ذمار، على مرحلَتَيْنِ من صنعاء وَفِي الْعباب: ذمار بِفَتْح الذَّال وَيُقَال ذمار مثل قطام، قَرْيَة بِالْيمن على مرحلة من صنعاء، سميت بقيل من أقيال حمير. الأبناوي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح النُّون، نِسْبَة إِلَى: الْأَبْنَاء، وهم قوم بِالْيمن من ولد الْفرس الَّذين جهزهم كسْرَى مَعَ سيف بن ذِي يزن إِلَى ملك الْحَبَشَة، فغلبوا الْحَبَشَة وَأَقَامُوا بِالْيمن، وَقَالَ ابو حَاتِم بن حبَان: كل من ولد بِالْيمن من أَوْلَاد الْفرس، وَلَيْسَ من الْعَرَب يُقَال: ابناوي، وهم: الابناويون. بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة، قَوْله: (حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور) ، وَفِي النّسخ: حَدثنِي، بِالْإِفْرَادِ، وَقَوله: (حَدثنَا معمر) ، وَفِي بعض النّسخ: اُخْبُرْنَا معمر. وَمِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد إِسْنَاد حَدِيث من نُسْخَة همام الْمَشْهُورَة المروية بِإِسْنَاد وَاحِد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ، وَقد اخْتلفُوا فِي إِفْرَاد حَدِيث من نُسْخَة هَل يساق بإسنادها وَلَو لم يكن مُبْتَدأ بِهِ أَو لَا، فالجمهور على جَوَازه، وَمِنْهُم البُخَارِيّ، وَقيل: بِالْمَنْعِ، وَمُسلم أَيْضا أخرجه بِهَذَا السَّنَد، غير أَنه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق ... الخ، وَلكنه أخرجه معلولاً، وَهُوَ أَيْضا أخرجه فِي كتاب الْإِيمَان، وغالب مَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ من الْكَلَام فِي الْوُجُوه الْمَذْكُورَة قد مر فِي الحَدِيث السَّابِق، قَوْله: (أحدكُم) ، الْخطاب فِيهِ بِحَسب اللَّفْظ، وَإِن كَانَ للحاضرين من الصَّحَابَة، لَكِن الحكم عَام لما علم أَن حكمه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على الْوَاحِد حكم على الْجَمَاعَة إلاَّ بِدَلِيل مُنْفَصِل، وَكَذَا حكمه تنَاول النِّسَاء، وَكَذَا فِيمَا إِذا قَالَ: إِذا أسلم الْمَرْء أَو العَبْد، فَإِن المُرَاد مِنْهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا بالِاتِّفَاقِ، وَأما النزاع فِي كَيْفيَّة التَّنَاوُل أَهِي حَقِيقَة عرفية أَو شَرْعِيَّة أَو مجَاز أَو غير ذَلِك؟ قَوْله: (إِذا أحسن أحدكُم إِسْلَامه) كَذَا فِي رِوَايَة مُسلم أَيْضا، وَوَقع فِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن عبد الرَّزَّاق: إِذا أحسن إِسْلَام أحدكُم، وَرَوَاهُ الاسماعيلي من طَرِيق ابْن الْمُبَارك عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر كالاول، فَإِن قيل: فِي الحَدِيث السَّابِق: الْحَسَنَة والسيئة، وَهَهُنَا: كل حَسَنَة وكل سَيِّئَة، فَمَا الْفرق بَينهمَا؟ قلت: لَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى، لِأَن الْألف وَاللَّام فيهمَا هُنَاكَ للاستغراق، وكل: أَيْضا، للاستغراق، وَكَذَا لَا فرق فِي إِطْلَاق الْحَسَنَة ثمَّة، وَالتَّقْيِيد هُنَا بقوله: (يعملها) إِذْ الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد، لِأَن الْحَسَنَة المنوية لَا تكْتب بالعشر، إِذْ لَا بُد من الْعَمَل حَتَّى تكْتب بهَا، وَأما السَّيئَة فَلَا اعْتِدَاد بهَا دون الْعَمَل أصلا، وَكَذَا فِي زِيَادَة لفظ تكْتب هُنَا، إِذْ ثمَّة أَيْضا مُقَدّر بِهِ، لِأَن الْجَار لَا بُد لَهُ من مُتَعَلق، وَهُوَ: تكْتب، أَو تثبت، أَو نَحْوهمَا. قَوْله: (بِمِثْلِهَا) ، وَزَاد مُسلم واسحاق والأسماعيلي فِي روايتهم: حَتَّى يلقى الله تَعَالَى، فَإِن قلت: أَيْن جَوَاب إِذا؟ قلت: الْجُمْلَة بِالْفَاءِ، أَعنِي قَوْله: (فَكل حَسَنَة يعملها تكْتب لَهُ) فَقَوله: كل حَسَنَة، كَلَام
- (باب أحب الدين إلى الله أدومه)
إضافي، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (تكْتب لَهُ) ، وَقَوله: (يعملها) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة: لحسنة. قَوْله: (إِلَى سَبْعمِائة) فِي مَحل النصب على الْحَال، اى: منتهية إِلَى سَبْعمِائة. قَوْله: (بِمِثْلِهَا) الْبَاء فِيهِ للمقابلة، وَالله اعْلَم. 32 - (بَاب أحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ أدْوَمُهُ) الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. الأول: قَوْله: بَاب، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف غير منون إِن اعْتبرت إِضَافَته إِلَى الْجُمْلَة. وَقَوله: (أحب الدّين) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَخَبره قَوْله: (أَدْوَمه) . الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَهُوَ: الِامْتِثَال بالأوامر والانتهاء عَن النواهي، والشفقة على خلق الله تَعَالَى، وَالْمَطْلُوب فِي هَذَا: المداومة والمواظبة، وَكلما واظب العَبْد عَلَيْهِ وداوم زَاد من الله محبَّة، لِأَن الله تَعَالَى يحب مداومة العَبْد على الْعَمَل الصَّالح، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أحب الدّين، أَي: أحب الْعلم، إِذْ الدّين هُوَ الطَّاعَة، ومناسبته لكتاب الْإِيمَان من جِهَة أَن الدّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد. قلت: الْعجب مِنْهُ كَيفَ رَضِي بِهَذَا الْكَلَام، فالمناسبة لَا تطلب إلاَّ بَين الْبَابَيْنِ المتواليين، وَلَا تطلب بَين بَابَيْنِ أَو بَين كتاب وَبَاب بَينهمَا أَبْوَاب عديدة، وَكَذَلِكَ دَعْوَاهُ باتحاد الدّين وَالْإِيمَان والاسلام، وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر، وَقد حققناه فِيمَا مضى، وَقَالَ بَعضهم: مُرَاد المُصَنّف الِاسْتِدْلَال على أَن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال، لِأَن المُرَاد بِالدّينِ هُنَا: الْعَمَل، وَالدّين الْحَقِيقِيّ هُوَ الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام الْحَقِيقِيّ مرادف للْإيمَان، فَيصح بِهَذَا مَقْصُوده. . ومناسبته لما قبله من قَوْله: عَلَيْكُم بِمَا تطيقون، لِأَنَّهُ لما قدم: إِن الْإِسْلَام يحسن بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، أَرَادَ أَن يُنَبه على أَن جِهَاد النَّفس فِي ذَلِك إِلَى حد المغالبة غير الْمَطْلُوب. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: إِن قَوْله: مُرَاد المُصَنّف الِاسْتِدْلَال على أَن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال غير صَحِيح، لِأَن الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على هَذَا، وَالِاسْتِدْلَال بالترجمة لَيْسَ باستدلال يقوم بِهِ الْمُدَّعِي. فَإِن قلت: فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله: أحب الدّين إِلَيْهِ، فَإِن المُرَاد هَهُنَا من الدّين الْعَمَل، وَقد أطلق عَلَيْهِ الدّين. قلت: هَذَا إِنَّمَا يمشي إِذا أطلق الدّين الْمَعْهُود المصطلح على الْعَمَل وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن المُرَاد بِالدّينِ هَهُنَا الطَّاعَة بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيّ فَإِن لفظ الدّين مُشْتَرك بَين مَعَاني كَثِيرَة مُخْتَلفَة. الدّين: بِمَعْنى الْعِبَادَة، وَبِمَعْنى الْجَزَاء، وَبِمَعْنى الطَّاعَة، وَبِمَعْنى الْحساب، وَبِمَعْنى السُّلْطَان، وَبِمَعْنى الْملَّة، وَبِمَعْنى الْوَرع، وَبِمَعْنى الْقَهْر، وَبِمَعْنى الْحَال، وَبِمَعْنى مَا يتدين بِهِ الرجل، وَبِمَعْنى الْعُبُودِيَّة، وَبِمَعْنى الْإِسْلَام. وَفِي (الْمُحكم) : الدّين: الْإِسْلَام. الثَّانِي: أَنه قَالَ: الْإِسْلَام الْحَقِيقِيّ مرادف للْإيمَان، يَعْنِي كِلَاهُمَا وَاحِد، وَقَالَ: إِن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال، يُشِير بِهِ إِلَى أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، ثمَّ قَالَ: إِن الْإِسْلَام يحسن بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، فَكَلَامه يُشِير إِلَى أَن الْأَعْمَال لَيست من الْإِيمَان، لِأَن الْحسن من الْأَوْصَاف الزَّائِدَة على الذَّات، وَهِي غير الذَّات. فينتج من كَلَامه أَن الْإِسْلَام يحسن بِالْإِسْلَامِ، وَهَذَا فَاسد. الثَّالِث: قَوْله: فَيصح بِهَذَا مَقْصُوده، ومناسبته لما قبله غير مُسْتَقِيم، لِأَنَّهُ لَا يظْهر وَجه الْمُنَاسبَة لما قلبه مِمَّا قَالَه أصلا، وَكَيف يُوجد وَجه الْمُنَاسبَة من قَوْله: عَلَيْكُم بِمَا تطيقون، والترجمة لَيست عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَجه الْمُنَاسبَة لما قبله مَا ذكرت لَك آنِفا. فَافْهَم. الْوَجْه الثَّالِث: قَوْله: (أحب الدّين) ، أحب هَهُنَا أفعل لتفضيل الْمَفْعُول، ومحبة الله تَعَالَى للدّين إِرَادَة إِيصَال الثَّوَاب عَلَيْهِ. قَوْله: (أَدْوَمه) هُوَ أفعل من الدَّوَام، وَهُوَ شُمُول جَمِيع الْأَزْمِنَة أَي: التَّأْبِيد. فَإِن قيل: شُمُول الْأَزْمِنَة لَا يقبل التَّفْضِيل، فَمَا معنى الأدوم؟ أُجِيب: بِأَن المُرَاد بالدوام هُوَ الدَّوَام الْعرفِيّ، وَذَلِكَ قَابل للكثرة والقلة. فَافْهَم. 43 - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حدّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ عائِشَةَ أَن النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وعندْهَا امرَأةٌ قالَ مَنْ هَذِهِ قالَتْ فُلاَنَةُ تذْكرُ مِنْ صَلاَتِها قالَ مَهْ عَلَيكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ فَواللَّهِ لاَ يَمِلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا وكانَ أحَبَّ الدِّينِ إلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. (الحَدِيث 43 طرفه: 1151) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي قَوْله: (وَكَانَ أحب الدّين إِلَيْهِ مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه) غير أَنه غيَّر لفظ: مَا داوم عَلَيْهِ، وَلكنه فِي الْمَعْنى مثله، وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّرْجَمَة: إِلَى الله، بدل: إِلَيْهِ، وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده. وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبدة عَن هِشَام، وَعند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده، وَكَذَا للْبُخَارِيّ وَمُسلم من طَرِيق أبي سَلمَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، وَهَذِه الرِّوَايَات توَافق التَّرْجَمَة.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزَّمن، وَقد مر فِي بَاب: حلاوة الْإِيمَان. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول، وَقد مر فِي بَاب من الْإِيمَان أَن يجب لِأَخِيهِ. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَقد مر ذكرهمَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الصَّحِيح. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد مر ذكرهَا أَيْضا غير مرّة. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الصَّلَاة، وَقَالَ فِيهِ: (كَانَت عِنْدِي امْرَأَة من بني أَسد) ، وسماها مُسلم، لَكِن قَالَ فِيهِ: إِن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى مرت بهَا وَعِنْدهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت: هَذِه الحولاء بنت تويت، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تنام اللَّيْل. فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (خُذُوا من الْعَمَل مَا تطيقون، فوَاللَّه لَا يسأم الله حَتَّى تسأموا) وَذكر مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَفِيه: (فَقيل لَهُ هَذِه الحولاء لَا تنام اللَّيْل، فكره ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى عرفت الْكَرَاهِيَة فِي وَجهه) ، وَذكره مُسلم من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة، ثمَّ ذكر حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه عُرْوَة كَمَا أوردهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الصَّلَاة، وَفِيه: (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دخل عَلَيْهَا وَعِنْدهَا امْرَأَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان وَالصَّلَاة عَن شُعَيْب بن يُوسُف النَّسَائِيّ عَن يحيى بن سعيد بِهِ. فَإِن قلت: قَوْله: (وَعِنْدهَا امْرَأَة) هِيَ الحولاء أَو غَيرهَا. قلت: يحْتَمل أَن تكون هَذِه وَاقعَة أُخْرَى: إِحْدَاهمَا أَنَّهَا مرت بهَا، وَالْأُخْرَى كَانَت عِنْدهَا، وَيحْتَمل أَن تكون غَيرهَا، لَكِن قَول البُخَارِيّ: وَعِنْدِي امْرَأَة من بني أَسد، يدل على أَنَّهَا الحولاء بنت تويت، وَلَكِن الظَّاهِر أَن الْقِصَّة وَاحِدَة دلّت عَلَيْهَا رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث: (مرت برَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، الحولاء) أخرجه مُحَمَّد بن نصر فِي كتاب (قيام اللَّيْل) . وَجه التَّوْفِيق أَن يحمل على أَنَّهَا كَانَت أَولا عِنْد عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، فَلَمَّا قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَت الْمَرْأَة لتخرج فمرت بِهِ فِي خلال ذهابها، فَسَأَلَ عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَبِهَذَا اتّفقت الرِّوَايَات، و: الحولاء، بِالْحَاء الْمُهْملَة، تَأْنِيث الْأَحول، وتويت، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق أَيْضا، و: كَانَت الحولاء امْرَأَة صَالِحَة عابدة مهاجرة، رَضِي الله عَنْهَا. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (فُلَانَة) . أَي: الحولاء الأَسدِية وَهِي غير منصرف، لِأَن حكمهَا حكم أَعْلَام الْحَقَائِق: كأسامة، لِأَنَّهَا كِنَايَة عَن كل علم مؤنث للأناس المؤنثة، فَفِيهَا العلمية والتأنيث. قَوْله: (مَه) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَهِي: إسم سمي بِهِ الْفِعْل، وبنيت على السّكُون، وَمَعْنَاهُ: اكفف، فَإِن وصلت نونته فَقلت: مَه مَه، وَيُقَال: مهمهت بِهِ، أَي: زجرته. وَقَالَ التَّيْمِيّ: إِذا دخله التَّنْوِين كَانَ نكرَة وَإِذا حذف كَانَ معرفَة، وَهَذَا الْقسم من أَقسَام التَّنْوِين الَّذِي يخْتَص بِالدُّخُولِ على النكرَة ليفصل بَينهَا وَبَين الْمعرفَة، فالمعرفة غير منون، والنكرة منون. قَوْله: (عَلَيْكُم) أَيْضا من أَسمَاء الْأَفْعَال، أَي: الزموا من الْأَعْمَال مَا تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا يمل الله) من الملالة، وَهِي السَّآمَة والضجر، وَفِي (الفصيح) فِي بَاب فعلت: مللت من الشي أمل. وَفِي (الْمُحكم) : مللت الشَّيْء مللاً وملالاً وملالة، وأملني وأمل عَليّ: أبرمني، وَرجل ملول وملالة وملولة وَذُو مِلَّة، وَالْأُنْثَى ملول وملولة، ملول على الْمُبَالغَة، وَفِي (الْجَامِع) : فَأَنت مَال. قَوْله: (أحب الدّين) أَي: أحب الطَّاعَة، وَمِنْه فِي الحَدِيث فِي صفة الْخَوَارِج: (يَمْرُقُونَ من الدّين) ، أَي: من طَاعَة الْأَئِمَّة، وَيجوز أَن يكون فِيهِ حذف تَقْدِيره أحب أَعمال الدّين. وَقَالَ التَّيْمِيّ: فَإِن قلت: المُرَاد بيمرقون من الدّين: من الْإِيمَان، لِأَنَّهُ ورد فِي رِوَايَة أُخْرَى: (يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام) . قلت: الْخَوَارِج غير خَارِجين من الدائرة بالِاتِّفَاقِ، فَيحمل الْإِسْلَام على الاستسلام الَّذِي هُوَ الانقياد وَالطَّاعَة. قَوْله: (داوم) ، من المداومة وَهِي: الْمُوَاظبَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: المداومة على الْأَمر الْمُوَاظبَة عَلَيْهِ، وثلاثيه: دَامَ الشَّيْء يَدُوم ويدام دَوْمًا ودواما وديمومة، وأدامه غَيره، ودام الشَّيْء: سكن. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (دخل عَلَيْهَا) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن، قَوْله: (وَعِنْدهَا امْرَأَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (قَالَ) هَكَذَا بِغَيْر فَاء رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَقَالَ) بِالْفَاءِ العاطفة، وَوجه الأول أَن تكون جملَة استثنائية، أَعنِي: جَوَاب سُؤال مُقَدّر، فَكَأَن قَائِلا يَقُول: مَاذَا قَالَ حِين دخل؟ قَالَت: قَالَ: من هَذِه؟ فَقَوله:
(من) مُبْتَدأ، و (هَذِه) خَبره، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. قَوْله: (قَالَت) أَي: عَائِشَة فعل وفاعل. قَوْله: (فُلَانَة) مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ فُلَانَة أَي: الحولاء الأَسدِية. (تذكر) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، فعل مضارع للمؤنث، وفاعله عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، ويروى: يذكر، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف المضمومة على فعل مَا لم يسم فَاعله. وَقَوله: (من صلَاتهَا) فِي مَحل الرّفْع مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَالْمعْنَى يذكرُونَ أَن صلَاتهَا كَثِيرَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن يحيى الْقطَّان: (لَا تنام تصلي) وعَلى الْوَجْه الأول: هِيَ، فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (مَه) مقول القَوْل. قَوْله: (بِمَا تطيقون) ، وَفِي رِوَايَة: (مَا تطيقون) ، بِغَيْر الْبَاء، وَمَعْنَاهُ: مَا تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَدرنَا دوَام الْفِعْل لَا أصل الْفِعْل لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ. قَوْله: (فوَاللَّه) مجرور بواو الْقسم. قَوْله: (لَا يمل الله) ، فعل وفاعل. قَوْله: (حَتَّى تملوا) أَي: حَتَّى أَن تملوا، فَإِن مقدرَة، وَلِهَذَا نصبت: تملوا. قَوْله: (أحب الدّين) كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الله. قَوْله: (مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه) فِي مَحل النصب، لِأَنَّهُ خبر كَانَ، وَصَاحبه مَرْفُوع بداوم أَو كلمة: مَا، للمدة. وَالتَّقْدِير: مُدَّة دوَام صَاحبه عَلَيْهِ. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (مَه) زجر كَمَا ذكرنَا، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون لعَائِشَة، وَالْمرَاد نهيها عَن مدح الْمَرْأَة، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد النَّهْي عَن تكلّف عمل لَا يُطَاق بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بعده: (عَلَيْكُم من الْعَمَل مَا تطيقون) . وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ عَائِشَة أمنت عَلَيْهَا الْفِتْنَة، فَلذَلِك مدحتها فِي وَجههَا. قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على أَنَّهَا إِنَّمَا ذكرت ذَلِك بعد أَن خرجت الْمَرْأَة، أخرجهَا الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده من طَرِيقه، وَلَفظه: (كَانَت عِنْدِي امْرَأَة، فَلَمَّا قَامَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من هَذِه يَا عَائِشَة؟ قلت: يَا رَسُول الله هَذِه فُلَانَة، وَهِي أعبد أهل الْمَدِينَة) . قَوْله: (من الْعَمَل) يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ صَلَاة اللَّيْل، لوروده على سَببه، وَيحْتَمل أَن يحمل على جَمِيع الْأَعْمَال، قَالَه الْبَاجِيّ قَوْله: (بِمَا تطيقون) قَالَ القَاضِي: النّدب إِلَى تكلّف مَا لنا بِهِ طَاقَة، وَيحْتَمل النَّهْي عَن تكلّف مَا لَا نطيق، وَالْأَمر بالاقتصار على مَا نطيق. قَالَ: وَهُوَ أنسب للسياق. قَوْله: (عَلَيْكُم من الْعَمَل بِمَا تطيقون) فِيهِ عدُول عَن خطاب النِّسَاء إِلَى خطاب الرِّجَال، وَكَانَ الْخطاب للنِّسَاء فَيَقْتَضِي أَن يُقَال: عليكن، وَلَكِن لما طلب تَعْمِيم الحكم لجَمِيع الْأمة غلب الذُّكُور على الْإِنَاث فِي الذّكر. قَوْله: (فوَاللَّه لَا يمل الله حَتَّى تملوا) ، فِيهِ المشاكلة والازدواج، وَهُوَ: أَن يكون إِحْدَى اللفظتين مُوَافقَة لِلْأُخْرَى وَإِن خَالَفت مَعْنَاهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ} (الْبَقَرَة: 194) مَعْنَاهُ: فجازوه على اعتدائه، فَسَماهُ اعتداء، وَهُوَ عدل لتزدوج اللَّفْظَة الثَّانِيَة مَعَ الأولى، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} (الشورى: 40) وَقَالَ الشَّاعِر، وَهُوَ عمر بن كُلْثُوم: (إِلَّا لَا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فَوق جهل الجاهلينا) أَرَادَ: فنجازيه على فعله، فَسَماهُ جهلا، وَالْجهل لَا يفخر بِهِ ذُو عقل، وَلكنه على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ. وَالْحَاصِل أَن الملال لَا يجوز على الله تَعَالَى، وَلَا يدْخل تَحت صِفَاته لِأَنَّهُ ترك الشَّيْء استثقالاً وكراهية لَهُ بعد حرص ومحبة فِيهِ، وَهُوَ من صِفَات الْمَخْلُوق، فَلَا بُد من تَأْوِيل. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَنه لَا يتْرك الثَّوَاب على الْعَمَل مَا لم يذكر الْعَمَل، وَذَلِكَ أَن من مل شَيْئا تَركه، فكنى عَن التّرْك بالملال الَّذِي هُوَ سَبَب التّرْك، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أَنه لَا يمل إِذا مللتم. قَالَ: ومثاله قَوْلهم فِي البليغ: فلَان لَا يَنْقَطِع حَتَّى تَنْقَطِع خصومه، مَعْنَاهُ لَا يَنْقَطِع إِذا انْقَطَعت خصومه، وَلَو كَانَ لم يكن لَهُ فضل على غَيره. وَقَالَ بَعضهم: وَمَعْنَاهُ أَن الله لَا يتناهى حَقه عَلَيْكُم فِي الطَّاعَة حَتَّى يتناهى جهدكم قبل ذَلِك، فَلَا تكلفوا مَا لَا تطيقون من الْعَمَل، كنى بالملال عَنهُ لِأَن من تناهت قوته عَن أَمر، وَعجز عَن فعله مله وَتَركه. وَقَالَ التَّيْمِيّ: مَعْنَاهُ أَن الله لَا يمل أبدا مللتم أَنْتُم أَو لم تملوا، نَحْو قَوْلهم: لَا أُكَلِّمك حَتَّى يشيب الْغُرَاب. وَلَا يَصح التَّشْبِيه، لِأَن شيب الْغُرَاب لَيْسَ مُمكنا عَادَة، بِخِلَاف ملل الْعباد. وَحكى الْمَاوَرْدِيّ أَن: حَتَّى، هَهُنَا بِمَعْنى: حِين، أَو بِمَعْنى: الْوَاو، وَهَذَا ضَعِيف جدا. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة على اسْتِعْمَال الْمجَاز، وَهُوَ إِطْلَاق الْملَل على الله تَعَالَى. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْحلف من غير استحلاف، وَأَنه لَا كَرَاهَة فِيهِ إِذا كَانَ فِيهِ تفخيم أَمر، أَو حث على طَاعَة، أَو تنفير عَن مَحْذُور وَنَحْوه، وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: يكره الْيَمين إلاَّ فِي مَوَاضِع: مِنْهَا مَا ذكرنَا. وَمِنْهَا: إِذا كَانَت فِي دَعْوَى فَلَا تكره إِذا كَانَ صَادِقا. الثَّالِث:
باب زيادة الإيمان ونقصانه
فِيهِ فَضِيلَة الدَّوَام على الْعَمَل والحث على الْعَمَل الَّذِي يَدُوم وَالْعَمَل الْقَلِيل الدَّائِم خير من الْكثير الْمُنْقَطع، لِأَن بدوام الْقَلِيل تدوم الطَّاعَة وَالذكر، والمراقبة وَالنِّيَّة والأخلاص والإقبال على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويثمر الْقَلِيل الدَّائِم بِحَيْثُ يزِيد على الْكثير الْمُنْقَطع أضعافا كَثِيرَة. الرَّابِع: فِيهِ بَيَان شَفَقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورأفته بأمته، لِأَنَّهُ أرشدهم إِلَى مَا يصلحهم، وَهُوَ مَا يُمكنهُم الدَّوَام عَلَيْهِ بِلَا مشقة، لِأَن النَّفس تكون فِيهِ أنشط، وَيحصل مِنْهُ مَقْصُود الْأَعْمَال وَهُوَ الْحُضُور فِيهَا والدوام عَلَيْهَا، بِخِلَاف مَا يشق عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ تعرض لِأَن يتْرك كُله أَو بعضه، أَو يَفْعَله بكلفة فيفوته الْخَيْر الْعَظِيم. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد والمهلب: إِنَّمَا قَالَه عَلَيْهِ السَّلَام خشيَة الملال اللَّاحِق، وَقد ذمّ الله من الْتزم فعل الْبر ثمَّ قطعه بقوله: {ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله فَمَا رعوها حق رعايتها} (الْحَدِيد: 57) أَلا ترى أَن عبد الله بن عَمْرو نَدم على مُرَاجعَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالتَّخْفِيفِ عَنهُ لما ضعف، وَمَعَ ذَلِك لم يقطع الَّذِي الْتَزمهُ. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل لِلْجُمْهُورِ على أَن صَلَاة جَمِيع اللَّيْل مَكْرُوهَة، وَعَن جمَاعَة من السّلف لَا بَأْس بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَقَالَ القَاضِي: كرهه مَالك مرّة، وَقَالَ: لَعَلَّه يَصح مَغْلُوبًا، وَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُسْوَة. ثمَّ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ مَا لم يضر ذَلِك بِصَلَاة الصُّبْح، وَإِن كَانَ يَأْتِيهِ الصُّبْح وَهُوَ نَائِم فَلَا، وَإِن كَانَ بِهِ فتور وكسل فَلَا بَأْس بِهِ. 33 - (بابُ زِيَادَةِ الإيمَانِ ونُقْصَانِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، و: بَاب، مَرْفُوع مُضَاف قطعا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول أحبية دوَام الدّين إِلَى الله تَعَالَى، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، فَلَا شكّ أَن يزْدَاد الْإِيمَان بدوام العَبْد على أَعمال الدّين، وَينْقص بتقصيره فِي الدَّوَام، سِيمَا هَذَا على مَذْهَب البُخَارِيّ وَجَمَاعَة من الْمُحدثين، وَأما على قَول من لَا يَقُول بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، فَإِنَّهُ أَيْضا يُوجد الزِّيَادَة بالدوام وَالنَّقْص بالتقصير فِيهِ. ولكنهما يرجعان إِلَى صفة الْإِيمَان لَا إِلَى ذَاته، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وزِدْنَاهُمْ هُدًى} {ويَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَانا} وقالَ {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فَإذَا تَرَكَ شَيْئا مِنَ الْكَمَالِ فهُوَ نَاقِصٌ. وَقَول، مجرور عطف على قَوْله: زِيَادَة الْإِيمَان، وَقَوله الثَّانِي أَيْضا عطف عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان، وَبَيَان نقصانه، وَبَيَان قَول الله تَعَالَى: {وزدناهم هدى} (الْكَهْف: 13) وَبَيَان قَوْله تَعَالَى: {ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا} (المدثر: 31) ثمَّ إِنَّه قَالَ: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: 3) بِلَفْظ الْمَاضِي وَلم يقل وَقَوله الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ على أسلوب أَخَوَيْهِ، لِأَن الْغَرَض مِنْهُ مَا هُوَ لَازمه، وَهُوَ بَيَان النُّقْصَان، وَالِاسْتِدْلَال بِهِ على أَن الْإِيمَان كَمَا تدخله الزِّيَادَة فَكَذَلِك يدْخلهُ النُّقْصَان لِأَن الشَّيْء إِذا قبل أحد الضدين لَا بُد وَأَن يقبل الضِّدّ الآخر، وَبَين ذَلِك بقوله: (فَإِذا ترك شَيْئا من الْكَمَال فَهُوَ نَاقص) ، بِخِلَاف مَا تقدم من الْآيَتَيْنِ، فَإِن المُرَاد مِنْهُمَا إِثْبَات الزِّيَادَة تَصْرِيحًا لَا استلزاما، لِأَن الزِّيَادَة مصرحة فيهمَا بِخِلَاف الْآيَة الثَّالِثَة. فَإِن الصَّرِيح فِيهَا الْكَمَال الَّذِي يُقَابله النُّقْصَان، وَهُوَ يفهم مِنْهُ التزاما لَا صَرِيحًا. وَلما كَانَ الْبَاب مترجما بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه احْتج على الزِّيَادَة بِصَرِيح الْآيَتَيْنِ، وعَلى النُّقْصَان بِالْآيَةِ الثَّالِثَة بطرِيق الاستلزام، وَقد ذكر الْآيَتَيْنِ المتقدمتين فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان عِنْد قَوْله: كتاب الْإِيمَان، وَقد قُلْنَا أَنه لَو ذكر مَا يتَعَلَّق بِأُمُور الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي بَاب وَاحِد، إِمَّا هُنَاكَ وَإِمَّا هَهُنَا، كَانَ أنسب، وَلكنه عقد فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان هَذَا الْبَاب هَهُنَا لأجل الْمُنَاسبَة الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، فالآية الأولى فِي سُورَة الْكَهْف، وَالثَّانيَِة فِي سُورَة المدثر، وَالثَّالِثَة فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَقد مر الْكَلَام فِي الْآيَتَيْنِ الْأَوليين هُنَاكَ. فَإِن قلت: دلَالَة الْآيَة الثَّانِيَة ظَاهِرَة على زِيَادَة الْإِيمَان فَكيف تدل الأولى وَلَيْسَ فِيهَا إلاَّ زِيَادَة الْهدى، وَهِي الدّلَالَة الموصولة إِلَى البغية؟ وَيُقَال هِيَ الدّلَالَة مُطلقًا؟ قلت: زِيَادَة الْهدى مستلزمة للْإيمَان، أَو المُرَاد من الْهدى هُوَ الْإِيمَان. وَقَالَ ابْن بطال: هَذِه الْآيَة يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: 3) حجَّة فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، لِأَنَّهَا نزلت يَوْم كملت الْفَرَائِض وَالسّنَن وَاسْتقر الدّين، وَأَرَادَ الله عز وَجل قبض نبيه، فدلت هَذِه الْآيَة أَن كَمَال الدّين إِنَّمَا يحصل بِتمَام الشَّرِيعَة، فتصور كَمَاله يَقْتَضِي تصور نقصانه، وَلَيْسَ المُرَاد التَّوْحِيد، ولوجوده قبل نزُول الْآيَة.
فَالْمُرَاد الْأَعْمَال، فَمن حَافظ عَلَيْهَا فإيمانه أكمل من إِيمَان من قصر. قلت: هَذِه الْآيَة لَا تدل أصلا على زِيَادَة الدّين وَلَا على نقصانه، لِأَن المُرَاد أكملت لكم شرائع دينكُمْ، وتعليل ابْن بطال على مَا ادَّعَاهُ دَلِيل لما قُلْنَا وَحجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهَا نزلت يَوْم كملت الْفَرَائِض وَالسّنَن وَاسْتقر الدّين، وَلم يقل أحد إِن الدّين كَانَ نَاقِصا إِلَى وَقت نزُول هَذِه الْآيَة حَتَّى أكمله فِي هَذَا الْيَوْم، وَإِنَّمَا المُرَاد إِكْمَال شرائع الدّين فِي هَذَا الْيَوْم، لِأَن الشَّرَائِع نزلت شَيْئا فَشَيْئًا طول مُدَّة النُّبُوَّة، فَلَمَّا كملت الشَّرَائِع قبض الله نبيه، عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ أَيْضا صرح بِهِ بقوله: وَلَيْسَ المُرَاد التَّوْحِيد، لوُجُوده قبل نزُول الْآيَة. فَإِن ادّعى أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان فَلَيْسَ يتَصَوَّر، لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون كَمَال الْإِيمَان فِي هَذَا الْيَوْم، وَقَبله كَانَ نَاقِصا، لِأَن الشَّرَائِع الَّتِي هِيَ الْأَعْمَال مَا كملت إلاَّ فِي هَذَا الْيَوْم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: {أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: 3) كفيتكم أَمر عَدوكُمْ وَجعلت الْيَد الْعليا لكم، كَمَا تَقول الْمُلُوك: الْيَوْم كمل لنا الْملك وكمل لنا مَا نُرِيد، إِذا كفوا من ينازعهم الْملك ووصلوا إِلَى أغراضهم ومباغيهم، أَو أكملت لكم مَا تحتاجون إِلَيْهِ فِي تكليفكم من تَعْلِيم الْحَلَال وَالْحرَام والتوقيف على الشَّرَائِع وقوانين الْقيَاس وأصول الِاجْتِهَاد. 1 - حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا هِشَام قَالَ حَدثنَا قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن شعيرَة من خير وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا غله إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن برة من خير وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن ذرة من خير. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَلَا سِيمَا على مذْهبه (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول مُسلم بِضَم الْمِيم وَكسر اللَّام الْخَفِيفَة بن إِبْرَاهِيم أَبُو عَمْرو الازدي الفراهيدي مَوْلَاهُم القصاب وَقد يعرف بالشحام روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وروى الْبَقِيَّة عَن رجل ولد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ لعشر ربقين من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وروى الْبَقِيَّة عَن رجل عَنهُ ولد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ لعشر بَقينَ من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ يحيى بن معِين هُوَ ثِقَة مَأْمُون وَقَالَ أَبُو حَاتِم ثِقَة صَدُوق وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله كَانَ ثِقَة عمى بآخرة وَكَانَ سمع من سبعين امْرَأَة. الثَّانِي هِشَام بِكَسْر الْهَاء بن ابي عبد الله وَاسم ابنى عبد الله سندر الربعِي الْبَصْرِيّ الدستوَائي ويكنى بِأبي بكر قَالَ وَكِيع كَانَ ثبتا وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد كَانَ ثِقَة ثبتا فِي الحَدِيث حجَّة إِلَّا أَنه كَانَ يرى الْقدر وَقَالَ الْعجلِيّ كَانَ يَقُول كَانَ يَقُول بِالْقدرِ وَلم يكن يَدْعُو إِلَيْهِ توفّي سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة على قَول روى لَهُ الْجَمَاعَة الثَّالِث قَتَادَة بن دعامة وَقد مر ذكره الرَّابِع أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ وَقد مر أَيْضا بَيَان الْأَنْسَاب الفراهيدي بِفَتْح الْفَاء وبالراء وَالْهَاء الْمَكْسُورَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة وَقَالَ ابْن الآثير بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بطن من الازد وَمِنْهُم الْخَلِيل بن أَحْمد النَّحْوِيّ قلت هُوَ فراهيد بن شَبابَة ابْن مَالك بن فهم ابْن غنم بن دوس كَذَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فراهيد وَقَالَ ابْن دُرَيْد بنوفرهود بن شَبابَة الَّذين يُقَال لَهُم الفراهيد والفرهود الغليظ من قَوْلهم تفرهد هَذَا الْغُلَام إِذا سمن يُقَال غُلَام فرهود وَلَا يُوصف بِهِ الرجل قَالَ والفرهود ولد الاسد فِي لُغَة اودعمان وَفِي كتاب الجمهرة فرهود بن الْحَارِث الَّذِي من وَلَده الْخَلِيل بن أَحْمد النَّحْوِيّ وَهُوَ الفرهودي قَالَ وَمن قَالَ الفراهيدي فأنما يُرِيد الْجمع كَمَا يُقَال مهالبة وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ بعد الْجمع وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد وعَلى شبابه وَافقه ابْن الْكَلْبِيّ وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وشبابه والْحَارث اخوان وَقَالَ أَبُو جَعْفَر حكى قطرب ابْن الفرهود هُوَ الْغُلَام الْكَبِير قَالَ وَعَن ابي عُبَيْدَة الفراهيد أَوْلَاد الوعول قَالَ أَبُو جَعْفَر وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ فراهدي مثل مقابرى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل لم أره لغيره. الربعِي بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى ربيعَة بن نذار بن معد بن عدنان وَهُوَ ربيعَة الْفرس وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد وَرَبِيعَة بن نذار شعب وَاسع فِيهِ قبائل وعمار وبطون وافخاذ فَمِمَّنْ ينْسب إِلَيْهِم من الروَاة هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي الربعى الدستوَائي بِفَتْح الدَّال واسكان السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبعدهَا تَاء مثناة من فَوق مَفْتُوحَة وَآخره همزَة.
بِلَا نون وَقيل الستوائي بِالْقصرِ وَالنُّون وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور ودستواء كورة من كور الاهواز كَانَ يَبِيع الثِّيَاب الَّتِي تجلب مِنْهَا فنسب إِلَيْهَا قلت ضبط السَّمْعَانِيّ بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي الانساب للرشاطى قَالَ سِيبَوَيْهٍ يُقَال فِي دستواء دستوانى مثل بحراني بالنُّون. (بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْه أَن رُوَاته كلم يبصرون وَمِنْهَا أَنهم كلهم أئئمة أجلاء (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن معَاذ بن فضَالة وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمنْهَال عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد وَهِشَام وَشعْبَة بِهِ وَفِيه قصَّة ليزِيد مَعَ شُعْبَة وَعَن ابي غَسَّان المسمعي مَالك بن عبد الْوَاحِد وَمُحَمّد بن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة جَهَنَّم عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن ابْني دَاوُد عَن شُعْبَة وَهِشَام بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح. بَيَان اللُّغَات قَوْله " شعير وَاحِدَة " الشّعير والبرة بِضَم الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء وَاحِدَة الْبر وَهِي الْقَمْح وَقَالَ ابْن دُرَيْد الْبر أفْصح من قَوْلهم الْقَمْح وَيجمع الْبر ابرارا عِنْد الْمبرد وَمنعه سِيبَوَيْهٍ والذرة بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَاحِدَة الذَّر وَهِي اصغر النَّمْل وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الذَّر النَّمْل الصَّغِير وَعَن بعض نقلة الاخبار أَن الذَّر الهباء الَّذِي يظْهر فِي شُعَاع الشَّمْس مثل رُؤْس الابر ويروى عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا إِذا وضعت كفك على التُّرَاب ثمَّ نفضتها فَمَا سقط من التُّرَاب فَهُوَ ذرة وَحكى أَن ارْبَعْ ذرات خردلة وَقيل الذّرة جُزْء من ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين جزأ من شعيرَة انْتهى كَلَامه وَقد ابدلها شُعْبَة بِضَم الذَّال وَتَخْفِيف الرَّاء وَكَأن سَببه الْمُنَاسبَة أذ هِيَ من الْحُبُوب أَيْضا كالبة والشعيرة وَقَالَ النَّوَوِيّ واتفقه على أَنه تَصْحِيف قلت لَا يَنْبَغِي أَن ينْسب مثل شُعْبَة إِلَى التَّصْحِيف بل لَهُ وَجه يبعد عَن الْبعد (بَيَان الْأَعْرَاب) قَوْله " يخرج " بِفَتْح الْيَاء من الْخُرُوج وَبِضَمِّهَا وَفتح الرَّاء من الأخراج وَهُوَ رِوَايَة الاصيلى وَالْأول رِوَايَة الْجُمْهُور قَوْله " من قَالَ " جملَة فِي مَحل الرّفْع على الْوَجْهَيْنِ أما على الوجة الأول فَهِيَ فَاعل وَأما الثَّانِي فَهِيَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل وَكلمَة من مَوْصُولَة وَقَالَ جملَة صلتها وَقَول لَا إِلَه إِلَّا الله مقول القَوْل قَوْله " وَفِي قلبه وزن شعيرَة " جملَة اسمية وَقعت حَالا قَوْله " من خير " كلمة من بَيَانِيَّة وَالْكَلَام فِي اعراب الْبَاقِي كَالْكَلَامِ فِيمَا ذَكرْنَاهُ (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) فِيهِ طى ذكر الْفَاعِل لشهرته لِأَنَّهُ من الْمَعْلُوم أَن أحد لَا يُخرجهُ من النَّار إِلَّا الله تَعَالَى وَفِيه اطلاق الْخَيْر على الْإِيمَان لِأَن المُرَاد من قَوْله " من خير من إِيمَان " كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَالْخَيْر فِي الْحَقِيقَة مَا يقرب العَبْد إِلَى الله تَعَالَى وَمَا ذَلِك إِلَّا الْإِيمَان وَفِيه اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ بَيَانه ن الْوَزْن أَنما يتَصَوَّر فِي الْأَجْسَام دون الْمعَانِي وَالْإِيمَان معنى وَلكنه شبه الْإِيمَان بالجسم فاضيف إِلَيْهِ مَا هُوَ من لَوَازِم الْجِسْم وَهُوَ الْوَزْن وَفِيه تنكير خير الَّذِي هُوَ الْإِيمَان بِالتَّنْوِينِ الَّتِي تدل على التقليل ترغيباً فِي تَحْصِيله إِذا لما حصل الْخُرُوج بَاقِل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْإِيمَان فبالكثير مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الأولى فَأن قلت التنكير يقتضى أَن يَكْفِي أَي إِيمَان وَبِأَيِّ شَيْء كَانَ وَمَعَ هَا لَا بُد من الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا علم مَجِيء الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام فَلَا بُد من ذَلِك حَتَّى يتَحَقَّق حَقِيقَة الْإِيمَان وَيصِح اطلاقه فَأن قلت التَّصْدِيق القلبي كَاف فِي الْخُرُوج إِذْ الْمُؤمن لَا يخلد فِي النَّار وَأما قَول لَا إِلَه إِلَّا الله فلأ جزاءا احكام الدُّنْيَا عَلَيْهِ فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا قلت الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا فَقَالَ الْبَعْض لَا يَكْفِي مُجَرّد التَّصْدِيق بل لَا بُد من القَوْل وَالْعَمَل أَيْضا وَعَلِيهِ البُخَارِيّ إِذا المارد من الْخُرُوج هُوَ بِحَسب حكمنَا بِهِ أَي نحكم بِالْخرُوجِ لمن كَانَ فِي قلبه إِيمَانًا ضاما إِلَيْهِ عنوانه الَّذِي يدل عَلَيْهِ إِذا الْكَلِمَة هِيَ شعار الْإِيمَان فِي الدُّنْيَا وَعَلِيهِ مدَار الْأَحْكَام فَلَا بُد مِنْهُمَا حَتَّى يَصح الحكم بِالْخرُوجِ (فان قلت) فعلى هَذَا لَا يَكْفِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله بل لَا بُد من ذكر مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَه قلت المُرَاد الْمَجْمُوع وَصَارَ الْجُزْء الأول مِنْهُ علما للْكُلّ كَمَا يُقَال قَرَأت (قل هُوَ الله أحد) أَي قَرَأت كل السُّورَة أَو كَانَ هَذَا قبل مَشْرُوعِيَّة ضمنهَا إِلَيْهِ (بَيَان استنباط الاحكام) الأول قَالَ التَّيْمِيّ اسْتدلَّ البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث على نُقْصَان الْإِيمَان لِأَنَّهُ يكون لوَاحِد
(قال أبو عبد الله قال أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم " عن إيمان " مكان " من خير ")
وزن شعيرَة وَهِي أَكثر من الْبرة والبرة أَكثر من الذّرة فَدلَّ على أَنه يكون للشَّخْص الْقَائِل لَا إِلَه إِلَّا الله قدر من الْإِيمَان لَا يكون ذَلِك الْقدر لقَائِل آخر وَقَالَ الْكرْمَانِي لَا يخْتَص بِالنُّقْصَانِ بل يدل على الزِّيَادَة أَيْضا قلت المُرَاد من الْخَيْر هُوَ الثمرات وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة من يمَان ثَمَرَات الْإِيمَان وَلَا نزاع فِي زِيَادَة ثَمَرَات الْإِيمَان ونقصانها فَأن قلت مَا المُرَاد بالثمرات القلبية قلت المُرَاد بهَا مَرَاتِب الْعُلُوم الْحَاصِلَة المستلزمة للتصديق لكل وَاحِد من جزيئات الشَّرْع وَقَالَ الْمُهلب الذّرة أقل من الموزونات وَهِي فِي هَذَا الحَدِيث التَّصْدِيق بهَا وَلَيْسَت زِيَادَة فِي نفس التَّصْدِيق وَيُقَال يحْتَمل أَن تكون الذّرة واختارها الَّتِي فِي الْقلب ثلاثتها من نفس التَّصْدِيق لَان قَول لَا إِلَه إِلَّا الله لَا يتم إِلَّا بِتَصْدِيق الْقلب وَالنَّاس يتفاضلون فِي التَّصْدِيق إِذْ يجوز عَلَيْهِ الزِّيَادَة بِزِيَادَة الْعلم والمعاينة أما زِيَادَته بِزِيَادَة الْعلم فَلقَوْله تَعَالَى {أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا} الْآيَة وَأما زِيَادَته بِزِيَادَة المعاينة فَلقَوْله تَعَالَى (وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي) وَقَول تَعَالَى (ثمَّ لترونها عين الْيَقِين) حَيْثُ جعل لَهُ مزية على علم الْيَقِين قلت حَقِيقَة التَّصْدِيق شَيْء وَاحِد لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَقَالَ الإِمَام إِن كَانَ المُرَاد من الْإِيمَان التَّصْدِيق فَلَا يقبل الزِّيَادَة والنقاصان وَإِن كَانَ الطَّاعَات فيقبلهما وَالْأَصْل هُوَ التَّصْدِيق وَالْقَوْل بِلَا لَهُ إِلَّا الله لآجراء الإحكام فِي الدُّنْيَا وَالنَّاس أَنما يتفاضلون فِي التَّصْدِيق التفصيلي لَا فِي مُطلق التَّصْدِيق وَقَوله تَعَالَى (وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي) حِكَايَة عَن قَول إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَيف يمن أَن يُقَال فِي حَقه زَاد تَصْدِيقه بالمعاينة لِأَن القَوْل بِهَذَا يسْتَلْزم القَوْل بِنُقْصَان تَصْدِيقه قبل ذَلِك وَذَا لَا يجوز فِي حَقه عَلَيْهِ السَّلَام وَإِنَّمَا كَانَ مُرَاده من هَذَا أَن يضم إِلَى عمله الضَّرُورِيّ الْعلم الاستدلالي ليزِيد سكونا لَا تظاهر الادلة اسكن للقلوب فَافْهَم الثَّانِي فِيهِ دُخُول عصاة الْمُوَحِّدين النَّار الثَّالِث فِيهِ أَن صَاحب الْكَبِير من الْمُوَحِّدين لَا يكفر بِفِعْلِهَا وَلَا يخلد فِي النَّار الرَّابِع فِيهِ أَنه لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَان معرفَة الْقلب دون الْكَلِمَة وَلَا الْكَلِمَة من غير اعْتِقَاد سُؤال لم قدم الشعيرة على الْبرة اجيب لِأَنَّهَا أكبر جر مَا مِنْهَا وَيقرب بَعْضهَا من بعض وَأخر الذّرة لصغرها وَهَذَا من بَاب الترقي فِي الحكم وَإِن كَانَ من بَاب التَّنْزِيل فِي الصُّور فَافْهَم (قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ أبان حَدثنَا قَتَادَة حَدثنَا أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " عَن إِيمَان " مَكَان " من خير ") المُرَاد من أبي عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَلَا يُوجد فِي بعض النّسخ قَالَ أَبُو عبد الله بل الْمَذْكُور بعد تَمام الحَدِيث وَقَالَ ابْن بِالْوَاو العاطفة هَذَا من تعليقات البُخَارِيّ وَقد وَصله الْحَاكِم فِي كتاب الْأَرْبَعين لَهُ من طَرِيق أبي سَلمَة مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا أبان بن يزِيد فَذكر الحَدِيث وَفِي ذكره ثَلَاث فَوَائِد (الأولى) وَهِي أهمها التَّنْبِيه على تَصْرِيح قَتَادَة فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَن أنس وَذَلِكَ أَن قَتَادَة مُدَلّس لَا يحْتَج بعنعته إِلَّا إِذا ثَبت سَمَاعه لذَلِك الَّذِي عنعن وَالْوَاقِع فِي الرِّوَايَة الأولى عَنهُ وَهِي رِوَايَة هِشَام بالعنعة حَيْثُ قَالَ عَن أنس وَلما ثَبت من رِوَايَة أبان عَنهُ بِالتَّحْدِيثِ علم اتِّصَال عنعنته وقوى الِاحْتِجَاج بِهِ (الثَّانِيَة) فِيهِ التَّنْبِيه على تَفْسِير الْمَتْن بقوله من إِيمَان بدل قَوْله من خير (الثَّالِثَة) فِيهِ التقوية لما قبله فَأن قلت لم لم يكتف بطرِيق أبان الَّتِي لَيْسَ فِيهَا التَّدْلِيس وبسوقها مَوْصُولَة قلت ان أبان وَأَن كَانَ ثِقَة لَكِن هشاماً أوثق مِنْهُ واحفظ حَتَّى قَالَ بو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ مَا رأى النَّاس اثْبتْ من هِشَام الدستوَائي فَذكر الْأَقْوَى وَاتبعهُ بالقوى لزِيَادَة التَّأْكِيد وابان بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن يزِيد الْعَطَّار الْبَصْرِيّ سمع قَتَادَة وَغير وروى عَنهُ الطَّيَالِسِيّ وحبان بن هِلَال وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهم قَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة وَقَالَ مُوسَى ثَنَا ابان عَن قَتَادَة فَأخْرج لَهُ البُخَارِيّ اسْتِشْهَادًا وَأخرج لَهُ مُسلم عَن عبد بن حميد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَنهُ فِي الْبيُوع وَفِي مَوضِع آخر عَن زُهَيْر عَن عبد الصَّمد عَنهُ ووزنه فعال كغزالي فعلى هَذَا هُوَ منصرف والهمزة فَاء الْكَلِمَة أَصْلِيَّة وَالْألف زَائِدَة وَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور وَقَول الاكثرين وَقَالَ ابْن مَالك ابان لَا ينْصَرف لِأَنَّهُ على وزن افْعَل مَنْقُول من ابان يبين وَلَو لم يكن مَنْقُولًا لوَجَبَ أَن يُقَال فِيهِ أبين بالتصحيح 45 - حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ حدّثنا أبُو الْعُمَيْسِ أخْبَرَنَا قَيْسُ بنُ
مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أنّ رَجُلاً مِنَ اليَهُودِ قالَ لَهُ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلكَ اليَوْمَ عيدا قالَ أيُّ آيَةً قالَ {اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِينا} قالَ عُمَرُ قدْ عَرَفْنَا ذِلَكَ اليَوْمَ والمَكانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَة يَوْمَ جُمُعَةٍ.. أخرج هَذَا الحَدِيث هَهُنَا لِأَنَّهُ فِي بَيَان سَبَب نزُول الْآيَة الَّتِي هِيَ من جملَة التَّرْجَمَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: 3) الْآيَة. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة الأول: الْحسن أَبُو عَليّ بن الصَّباح، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن مُحَمَّد الْبَزَّار، بزاي بعْدهَا رَاء الوَاسِطِيّ، سكن بَغْدَاد، قَالُوا: كَانَ من خِيَار النَّاس، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: ثِقَة صَاحب سنة، وَمَا يَأْتِي عَلَيْهِ يَوْم إلاَّ وَهُوَ يفعل فِيهِ خيرا، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وروى التِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، توفّي بِبَغْدَاد سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فِيمَا ذكر مُحَمَّد بن طَاهِر وَابْن عَسَاكِر، وَقَالَ مُحَمَّد بن سرُور الْمَقْدِسِي والكلاباذي: توفّي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، فعلى القَوْل الأول تكون وَفَاته قبل البُخَارِيّ لِأَن البُخَارِيّ توفّي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: جَعْفَر بن عون بن جَعْفَر بن عَمْرو بن حُرَيْث المَخْزُومِي أَبُو عون، قَالَ ابْن معِين: هُوَ ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد: رجل صَالح لَيْسَ بِهِ بَأْس، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَبُو العميس بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، واسْمه عتبَة بن عبد الله بن عتبَة بن عبد الله بن مَسْعُود الْهُذلِيّ المَسْعُودِيّ الْكُوفِي أَخُو عبد الرَّحْمَن، قَالَ يحيى وَأحمد: ثِقَة، توفّي سنة عشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: قيس بن مُسلم، أَبُو عَمْرو الجدلي الْكُوفِي العابد، سمع طَارق بن شهَاب ومجاهدا وَغَيرهمَا، وَعنهُ الْأَعْمَش ومسعر وَغَيرهمَا، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: طَارق بن شهَاب بن عبد شمس بن سَلمَة بن هِلَال بن عَوْف بن جشم بن ظفر بن عَمْرو بن لؤَي بن رهم بن مُعَاوِيَة بن أسلم بن أخمس، بطن من بجيلة، صَحَابِيّ رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأدْركَ الْجَاهِلِيَّة وغزا فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا، ثَلَاثًا وَأَرْبَعين من بَين غَزْوَة وسرية، روى عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من الصَّحَابَة، سكن الْكُوفَة، توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة، أخرج لَهُ البُخَارِيّ عَن أبي بكر وَابْن مَسْعُود، وَمُسلم عَن أبي سعيد، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هَكَذَا ذكر الشَّيْخ قطب الدّين وَفَاته، وَهُوَ وهم، نبه عَلَيْهِ الْمزي وَالَّذين قَالُوا فِي وَفَاته: هُوَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ، وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ، وَقيل: سنة أَربع، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رأى طَارق النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا. قلت: بجيلة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْجِيم، هِيَ أم ولد أَنْمَار بن أراش، وَهِي بنت صَعب بن الْعَشِيرَة. السَّادِس: أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن ثَلَاثَة مِنْهُم كوفيون. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَفِي الِاعْتِصَام عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مسعر وَغَيره، كلهم عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن ابْن مهْدي بِهِ، وَعَن عبد بن حميد عَن جَعْفَر بن عون بِهِ، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن عبد الله بن إِدْرِيس عَن أَبِيه عَن قيس بن مُسلم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله بن إِدْرِيس بِهِ، وَفِي الْإِيمَان عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي عَن جَعْفَر بن عون بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من الْيَهُود) ، هُوَ علم قوم مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِي (الْعباب) : الْيَهُود اليهوديون، وَلَكنهُمْ حذفوا يَاء الْإِضَافَة كَمَا قَالُوا: زنجي وزنج، ورومي وروم، وَإِنَّمَا عرف على هَذَا الْحَد. فَجمع على قِيَاس شعيرَة وشعير. ثمَّ عرف الْجمع بِالْألف وَاللَّام، وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز دُخُول الْألف وَاللَّام، لِأَنَّهُ معرفَة مؤنث يجْرِي فِي كَلَامهم مجْرى الْقَبِيلَة، وَلم يجر كالحي انْتهى. وَسموا بِهِ
اشتقاقا من هادوا أَي مالوا، أَي فِي عبَادَة الْعجل أَو من دين مُوسَى، أَو من هاد إِذا رَجَعَ من خير إِلَى شَرّ وَمن شَرّ إِلَى خير لِكَثْرَة انتقالهم من مذاهبهم. وَقيل: لأَنهم يتهودون أَي: يتحركون عِنْد قِرَاءَة التَّوْرَاة. وَقيل: مُعرب من يهوذا بن يَعْقُوب، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، ثمَّ نسب إِلَيْهِ، فَقيل: يَهُودِيّ، ثمَّ حذفت الْيَاء فِي الْجمع فَقيل: يهود، وكل مَنْسُوب إِلَى جنس الْفرق بَينه وَبَين واحده بِالْيَاءِ وَعدمهَا نَحْو، روم ورومي، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (معشر الْيَهُود) المعشر الْجَمَاعَة الَّذين شَأْنهمْ وَاحِد، وَيجمع على معاشر. قَوْله: (عيدا) على وزن: فعل، أَصله: عود، لِأَنَّهُ من الْعود سمي بِهِ لِأَنَّهُ يعود فِي كل عَام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} (الْمَائِدَة: 114) قيل: الْعِيد هُوَ السرُور الْعَائِد، وَلذَلِك يُقَال: يَوْم عيد، وَكَأن مَعْنَاهُ: تكون لنا سُرُورًا وفرحا، وَيجمع على أعياد، فرقا بَينه وَبَين أَعْوَاد الَّذِي هُوَ حمع عود. قَوْله: (بِعَرَفَة) يَوْم عَرَفَة هُوَ التَّاسِع من ذِي الْحجَّة، تَقول: هَذَا يَوْم عَرَفَة، غير منون وَلَا يدخلهَا الْألف وَاللَّام، لِأَن عَرَفَة علم لهَذَا الْمَكَان الْمَخْصُوص، فَفِيهَا العلمية والتأنيث، وَقد يُطلق على الْيَوْم الْمَعْهُود أَيْضا. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (سمع جَعْفَر) فعل وفاعل ومفعول، وَقَبله شَيْء مُقَدّر تَقْدِيره: حَدثنَا الْحسن بن الصَّباح أَنه سمع جَعْفَر، وَقد جرت عَادَة الْمُحدثين بِحَذْف: أَنه، فِي مثل هَذَا الْموضع فِي الْخط، وَلَكِن لَا بُد من قِرَاءَته، كَمَا يحذف لفظ: قَالَ، خطأ لَا قِرَاءَة. قَوْله: (من الْيَهُود) فِي مَحل النصب على أَنه صفة ل: (رجلا) أَي: رجلا كَائِنا من الْيَهُود. قَوْله: (قَالَ لَهُ) ، أَي: لعمر، وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (آيَة) ، مُبْتَدأ، وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ تخصص بِالصّفةِ وَهِي قَوْله: (فِي كتابكُمْ) وَقَوله: (تقرؤنها) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة أُخْرَى للمبتدأ، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبره، أَعنِي قَوْله: (لَو علينا) إِلَى آخِره، وَيجوز أَن يكون الْمُخَصّص للمبتدأ صفة محذوفة تَقْدِيره: آيَة عَظِيمَة. وَقَوله: (وَفِي كتابكُمْ) خَبره، وَقَوله: (يقرؤنها) خبر بعد خبر، وَيجوز أَن يكون الْخَبَر محذوفا مُقَدرا فِيمَا قبله، وَتَقْدِيره فِي كتابكُمْ آيَة، وَقَوله: (فِي كتابكُمْ) الْمَذْكُور مُفَسّر لَهُ، حذف ذَلِك حَتَّى لَا يجمع بَين الْمُفَسّر والمفسر. قَوْله: (لَو علينا) تَقْدِيره: لَو نزلت علينا، لِأَن لَو، لَا تدخل إِلَّا على الْفِعْل، فَحذف الْفِعْل لدلَالَة الْفِعْل الْمَذْكُور عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك} (التَّوْبَة: 6) أَي: وَإِن استجارك أحد. وَقَوله تَعَالَى: {لَو أَنْتُم تَمْلِكُونَ} (الْإِسْرَاء: 100) أَي: لَو تَمْلِكُونَ أَنْتُم. قَوْله: (علينا) يتَعَلَّق بالمحذوف. قَوْله: (معشر الْيَهُود) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص. أَي: أَعنِي معشر الْيَهُود. قَوْله: (لاتخذنا) ، جَوَاب الشَّرْط. قَوْله (قَالَ: أَي آيَة) ؟ أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ، أَي آيَة هِيَ؟ فَالْخَبَر مَحْذُوف. قَوْله: (وَهُوَ قَائِم) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَالْبَاء فِي (بِعَرَفَة) ظرفية. وَقد قُلْنَا: إِنَّه غير منصرف للعلمية والتأنيث، وَالْبَاء تتَعَلَّق بقوله: قَائِم، أَو بقوله: نزلت. قَوْله: (يَوْم الْجُمُعَة) ، وَفِي بعض الرِّوَايَات: يَوْم جُمُعَة، وَهِي بِفَتْح الْمِيم وَضمّهَا وإسكانها. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين فعلة سَاكن الْعين وفعلة بتحريكها؟ قلت: إِن السَّاكِن بِمَعْنى الْمَفْعُول، والمتحرك بِمَعْنى الْفَاعِل، يُقَال: رجل ضحكة، بِسُكُون الْحَاء أَي: مضحوك، وَهَذِه قَاعِدَة كُلية. فَإِن قلت: عَرَفَة غير منصرف اتِّفَاقًا لما ذكرت، فَمَا بَال الْجُمُعَة منصرفا مَعَ أَنَّهَا مثلهَا فِي كَونهَا إسما للزمان الْمعِين، وَفِيه تَاء التَّأْنِيث؟ قلت: عَرَفَة علم وَالْجُمُعَة صفة أَو غير صفة لَيْسَ علما، لَو جعل علما لامتنع من الصّرْف. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِن رجلا من الْيَهُود) اسْم هَذَا الرجل هُوَ كَعْب الْأَحْبَار، صرح بذلك مُسَدّد فِي (مُسْنده) ، والطبري فِي (تَفْسِيره) ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) كلهم من طَرِيق رَجَاء بن أبي سَلمَة عَن عبَادَة بن نسي، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة، عَن إِسْحَاق بن قبيصَة بن ذُؤَيْب عَن كَعْب، فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من طَرِيق الثَّوْريّ عَن قيس بن مُسلم أَن نَاسا من الْيَهُود، وَأخرج فِي التَّفْسِير من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: قَالَت الْيَهُود فَكيف التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: التَّوْفِيق فِيهَا أَن كَعْبًا حِين سَأَلَ عمر، رَضِي الله عَنهُ، عَن ذَلِك كَانَ مَعَه جمَاعَة من الْيَهُود. قَوْله: (أَي آيَة) ؟ كلمة: أَي، هَهُنَا للاستفهام، وَهُوَ اسْم مُعرب معرفَة للاضافة، وَقد تتْرك الْإِضَافَة وَفِيه مَعْنَاهَا، وَإِذا كَانَ الَّذِي أضيف إِلَيْهِ مؤنثا لَا يجب دُخُول التَّاء فِيهِ، وَإِنَّمَا يجب إِذا وَقع صفة لمؤنث نَحْو: مَرَرْت بِامْرَأَة أَيَّة امْرَأَة، وَنَظِير قَوْله: أَي، آيَة، قَوْله تَعَالَى: {وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت} (لُقْمَان: 34) فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام بِهِ وَبَين الِاسْتِفْهَام بِمَا، نَحْو: {مَا تِلْكَ} (طه: 17) الْآيَة؟ قلت: السُّؤَال: بِأَيّ، إِنَّمَا هُوَ عمل يُمَيّز أحد المشاركات، و: بِمَا، عَن الْحَقِيقَة وَالْغَرَض، هَهُنَا طلب تعْيين تِلْكَ الْآيَة وتمييزها عَن
باب الزكاة من الإسلام
سَائِر الْآيَات الَّتِي فِي الْكتاب مقروءة، قَوْله: (قد عرفنَا ذَلِك الْيَوْم) مَعْنَاهُ: أَنا مَا أهملناه وَلَا خَفِي علينا زمَان نُزُولهَا، وَلَا مَكَان نُزُولهَا، وضبطنا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بهَا حَتَّى صفة النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وموضعه فِي زمَان النُّزُول، وَهُوَ كَونه، عَلَيْهِ السَّلَام، قَائِما حِينَئِذٍ، وَهُوَ غَايَة فِي الضَّبْط. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ: أَنا مَا تركنَا تَعْظِيم ذَلِك الْيَوْم وَالْمَكَان، أما الْمَكَان فَهُوَ عَرَفَات، وَهُوَ مُعظم الْحَج الَّذِي هُوَ أحد أَرْكَان الْإِسْلَام، وَأما الزَّمَان فَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة وَيَوْم عَرَفَة. وَهُوَ يَوْم اجْتمع فِيهِ فضلان وشرفان، وَمَعْلُوم تعظيمنا لكل وَاحِد مِنْهُمَا، فَإِذا اجْتمعَا زَاد التَّعْظِيم، فقد اتخذنا ذَلِك الْيَوْم عيدا، وعظمنا مَكَانَهُ أَيْضا، وَهَذَا كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، وعاش النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بعْدهَا ثَلَاثَة أشهر. قَوْله: (وَالَّذِي نزلت فِيهِ على النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) زَاد مُسلم، عَن عبد بن حميد عَن جَعْفَر بن عون فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَفظه: (إِنِّي لأعْلم الْيَوْم الَّذِي أنزلت فِيهِ) . وَلأَحْمَد عَن جَعْفَر بن عون: (والساعة الَّتِي نزلت فِيهَا على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام) فَإِن قلت: كَيفَ طابق الْجَواب السُّؤَال؟ لِأَنَّهُ قَالَ لاتخذناه عيداً؟ فَقَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ: عرفنَا أَحْوَاله، وَلم يقل جَعَلْنَاهُ عيداً. قلت: لما بَين أَن يَوْم النُّزُول كَانَ عَرَفَة وَمن المشهورت أَن الْيَوْم الَّذِي بعد عَرَفَة عيد للْمُسلمين، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَعَلْنَاهُ عيدا بعد إدراكنا اسْتِحْقَاق ذَلِك الْيَوْم للتعبد فِيهِ. فَإِن قلت: فَلم مَا جعلُوا يَوْم النُّزُول عيدا؟ قلت: لِأَنَّهُ ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النُّزُول كَانَ بعد الْعَصْر، وَلَا يتَحَقَّق الْعِيد إلاَّ من أول النَّهَار، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء: ورؤية الْهلَال بِالنَّهَارِ لليلة الْمُسْتَقْبلَة، فَافْهَم. 34 - (بَاب الزَّكاةُ مِنَ الإسْلاَمِ) أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وَالزَّكَاة مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: من الاسلام أَي: الزَّكَاة شُعْبَة من شعب الْإِسْلَام. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق هُوَ زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، وَقد علم أَن الزِّيَادَة تكون بِالْأَعْمَالِ وَالنَّقْص بِتَرْكِهَا، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ: أَن أَدَاء الزَّكَاة من الْإِسْلَام، يَعْنِي: أَنه إِذا أدّى الزَّكَاة يكون إِسْلَامه كَامِلا، وَإِذا تَركهَا يكون نَاقِصا. لَا يُقَال: لم أفرد الزَّكَاة بِالذكر فِي التَّرْجَمَة من بَين سَائِر أَرْكَان الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ قد أفرد لكل وَاحِد من بَقِيَّة الإركان بَابا بترجمة. وقَوْلُه {ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاَةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القيمةِ} (الْبَيِّنَة: 5) . هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَقَول الله تَعَالَى: {وَمَا أمروا إلاَّ ليعبدوا الله} (الْبَيِّنَة: 5) الْآيَة وَفِي بعض النّسخ: وَقَوله تَعَالَى: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: 5) الْآيَة ... قَوْله: (وَقَول الله) مجرور عطف على مَحل، قَوْله: (الزَّكَاة من الْإِسْلَام) لِأَنَّهَا مُضَاف إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَقَوله تَعَالَى. وَأما راوية أبي ذَر، فَإِنَّهَا بِلَا عطف، لِأَن الْوَاو فِي قَوْله: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: 5) وَاو الْعَطف فِي الْقُرْآن عطف بهَا على مَا قبله: {وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب إلاَّ من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَيِّنَة} (الْبَيِّنَة: 4) فَإِن قلت: كَيفَ التئام الْآيَة بالترجمة؟ قلت: الالتئام بَينهمَا معنوي، وَهُوَ أَن الْآيَة فِيهَا ذكر أَن الزَّكَاة من الدّين، وَالدّين هُوَ الْإِسْلَام لقَوْله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: 19) وَتَحْقِيق ذَلِك أَن الله تَعَالَى ذكر فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: إخلاص الدّين الَّذِي هُوَ رَأس جَمِيع الْعِبَادَات، وَالثَّانِي: إِقَامَة الصَّلَاة الَّتِي هِيَ عماد الدّين، وَالثَّالِث إيتَاء الزَّكَاة الَّتِي تذكر دَائِما تالية للصَّلَاة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى جَمِيع ذَلِك بقوله: {وَذَلِكَ دين الْقيمَة} (الْبَيِّنَة: 5) أَي: الْمَذْكُور من هَذِه الْأَشْيَاء هُوَ دين الْقيمَة، أَي: دين الْملَّة الْقيمَة، فالموصوف مَحْذُوف وقرىء وَذَلِكَ الدّين الْقيمَة. على تَأْوِيل الدّين بالملة وَمعنى: الْقيمَة، المستقيمة الناطقة بِالْحَقِّ وَالْعدْل. فَإِن قلت: كَيفَ خص الزَّكَاة بالترجمة، وَالْمَذْكُور ثَلَاثَة أَشْيَاء؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا عَن قريب. قَوْله: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: 5) أَي: وَمَا أَمر أهل الْكتاب فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إلاَّ بِالدّينِ الحنيفي، وَلَكنهُمْ حرفوا وبدلوا. وَقَالَ الزمحشري: فَإِن قلت:) مَا وَجه قَوْله {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين} (الْبَيِّنَة: 5) قلت: مَعْنَاهُ: وَمَا أمروا فِي الْكِتَابَيْنِ إلاَّ لأجل أَن يعبدوا الله على هَذِه الصّفة. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ: إلاَّ أَن يعبدوا. بِمَعْنى: بِأَن يعبدوا الله انْتهى. قلت: الْعِبَادَة بِمَعْنى التَّوْحِيد، أَي: وَمَا أمروا إلاَّ ليوحدوا الله، وَالِاسْتِثْنَاء من أَعم عَام الْمَفْعُول لأَجله، أَي مَا أمروا لأجل شَيْء إلاَّ لِلْعِبَادَةِ، أَي: التَّوْحِيد، وَالْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص
السَّبَب وَيدخل فِيهِ جَمِيع النَّاس. قَوْله: {مُخلصين} حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي (أمروا) ، وَقَوله: (الدّين) مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (حنفَاء) ، حَال أُخْرَى، جمع حنيف، وَهُوَ المائل عَن الضلال إِلَى الْهِدَايَة. قَوْله: (ويقيموا الصَّلَاة) عطف على قَوْله: (ليعبدوا الله) من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَفِيه تَفْضِيل للصَّلَاة وَالزَّكَاة على سَائِر الْعِبَادَات وَقد مر معنى إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة. 46 - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أبي سُهَيْلٍ بْنِ مالِكَ عَنْ أبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أهْلِ نَجْدٍ ثائِرُ الرَّأسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ ولاَ يُفْقَهُ مَا يقُولُ حَتَّى دَنا فإذَا هوَ يَسْأَلُ عَنِ الإسْلاَمِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسُ صَلَواتٍ فِي اليَوْمِ واللَّيُلَةِ فَقَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُها قَالَ لَا إِلَّا أنْ تَطَّوَّعَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصِيَامُ رَمَضانَ قَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُهُ قَالَ لاَ إلاَّ أنْ تَطَّوَّع قَال وذَكرَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الزَّكاةَ قَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُهَا قالَ لاَ إلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ قالَ فأدْبَرَ الرَّجُلُ وهوَ يَقُولُ واللَّهِ لاَ أزِيدُ عَلَى هَذَا ولاَ أنْقُصُ قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفْلَحَ إنْ صَدَقَ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة: الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَمَوْضِع الدّلَالَة فِي الحَدِيث هُوَ قَوْله: فَإِذا هُوَ يسْأَله عَن الْإِسْلَام، فَذكر الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة، وَهَذَا ظَاهر فِي كَونهَا من الْإِسْلَام، وَكَذَلِكَ مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا الصَّلَاة وَالزَّكَاة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن عبد الله الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، شَيْخه وخاله وَأَبُو أويس ابْن عَم مَالك وَقد مر فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام الْمَشْهُور، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: عَمه أَبُو سُهَيْل، وَهُوَ نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر الْمدنِي وَقد مر. الرَّابِع: أَبوهُ وَهُوَ مَالك بن أبي عَامر، وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو مُحَمَّد طَلْحَة بن عبيد الله بن عُثْمَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي التَّيْمِيّ، أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَب السَّابِع مثل أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ، أسلمت أمه وَهَاجَرت، شهد الْمشَاهد كلهَا إلاَّ بَدْرًا كسعيد بن زيد، وَقد ضرب لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بسهمه وآجره فِيهَا، وَكَانَ الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، إِذا ذكر أحدا قَالَ: ذَلِك يَوْم كُله لطلْحَة، وَقد وهم البُخَارِيّ فِي قَوْله: إِن سعيد بن زيد مِمَّن حضر بَدْرًا، وَهُوَ أحد الثَّمَانِية الَّذين سبقوا إِلَى الْإِسْلَام، والخمسة الَّذين أَسْلمُوا على يَد الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، والستة أَصْحَاب الشورى الَّذين توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ عَنْهُم رَاض، وَهُوَ مِمَّن ثَبت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد ووقاه بِيَدِهِ ضَرْبَة قصد بهَا فشلت، رَمَاه مَالك بن زُهَيْر يَوْم أحد، فاتقى طَلْحَة بِيَدِهِ عَن وَجه رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأصَاب خِنْصره، فَقَالَ حِين أَصَابَته الرَّمية: حيس، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَو قَالَ: بِسم الله لدخل الْجنَّة وَالنَّاس ينظرُونَ. وَقيل: جرح فِي ذَلِك الْيَوْم خمْسا وَسبعين جِرَاحَة، وشلت أصبعاه، وَسَماهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، طَلْحَة الْخَيْر، وَطَلْحَة الْجواد. رُوِيَ لَهُ ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين، وَمُسلم بِثَلَاثَة، قتل يَوْم الْجمل، أَتَاهُ سهم لَا يدْرِي من وَرَاءه، واتتهم بِهِ مَرْوَان، لعشر خلون من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة، وَقيل: اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَقيل: ثَمَان وَخمسين، وقبره بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: دفن بقنطرة قُرَّة، ثمَّ رَأَتْ بنته بعد ثَلَاثِينَ سنة فِي الْمَنَام أَنه يشكو إِلَيْهَا النداوة، فَأمرت فاستخرج طريا وَدفن فِي دَار الهجرتين بِالْبَصْرَةِ، وقبره مَشْهُور، رَضِي الله عَنهُ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَطَلْحَة فِي الصَّحَابَة جمَاعَة، وَطَلْحَة بن عبيد الله اثْنَان: هَذَا أَحدهمَا، وَثَانِيهمَا التَّيْمِيّ، وَكَانَ يُسمى أَيْضا: طَلْحَة الْخَيْر، فأشكل على النَّاس.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ أَولا حَدثنَا إِسْمَاعِيل، ثمَّ حَدثنِي مَالك، لِأَن فِي الأول الشَّيْخ قَرَأَ لَهُ وَلغيره، وَفِي الثَّانِي: قَرَأَ لَهُ وَحده، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مسلسل بالأقارب، لِأَن إِسْمَاعِيل يروي عَن خَاله عَن عَمه عَن أَبِيه. فَإِن قلت: حكى الكلاباذي وَغَيره عَن ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ أَن مَالك بن أبي عَامر توفّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَة، وَأَنه بلغ من الْعُمر: سبعين أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين، فعلى هَذَا يكون مولده بعد موت طَلْحَة بِسنتَيْنِ. قلت: قَالَ بَعضهم: لَعَلَّه صحف التسعين بالسبعين، وَحكى الْمُنْذِرِيّ عَن ابْن عبد الْبر أَن وَفَاته سنة مائَة أَو نَحْوهَا، فَيصح على هَذَا، ويستقيم. وَقد ثَبت سَماع مَالك مِنْهُ وَمن غَيره كعثمان، رَضِي الله عَنهُ، نبه عَلَيْهِ الثَّوْريّ وَغَيره. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَأخرجه أَيْضا فِي الصَّوْم، وَفِي ترك الْحِيَل عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن أبي سُهَيْل بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَقَالَ مُسلم فِي حَدِيث يحيى بن أَيُّوب: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ، وَعَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَفِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن قَاسم عَن مَالك بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من أهل نجد) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: نجد من بِلَاد الْعَرَب، وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَهُوَ مُذَكّر. قلت: النجد النَّاحِيَة الَّتِي بَين الْحجاز وَالْعراق، وَيُقَال: مَا بَين الْعرَاق وَبَين وجرة وغمرة الطَّائِف نجد، وَيُقَال: هُوَ مَا بَين جرش وَسَوَاد الْكُوفَة، وَحده من الغرب الْحجاز، وَفِي (الْعباب) : نجد من بِلَاد الْعَرَب، خلاف الْغَوْر، والغور هُوَ تهَامَة، وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَهُوَ فِي الأَصْل مَا ارْتَفع من الأَرْض، وَالْجمع: نجاد ونجود وانجد. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) أَي: منتفش شعر الرَّأْس ومنتشره، يُقَال: ثار الْغُبَار أَي: انتفش، وفتنة ثائرة أَي: منتشرة. قلت: مادته واوية من: ثار الْغُبَار يثور ثورا، وَحَاصِله أَن شعره متفرق منتشر من عدم الارتفاق والرفاهية. قَوْله: (دوى صَوته) ، بِفَتْح الدَّال وَكسر الْوَاو وَتَشْديد الْيَاء، كَذَا هُوَ فِي عَامَّة الرِّوَايَات، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: جَاءَ عندنَا فِي البُخَارِيّ، بِضَم الدَّال. قَالَ: وَالصَّوَاب الْفَتْح، قَالَ الْخطابِيّ: الدوي: صَوت مُرْتَفع متكرر لَا يفهم، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُ نَادَى من بعد، وَيُقَال الدوي: بعد الصَّوْت فِي الْهَوَاء وعلوه، وَمَعْنَاهُ: صَوت شَدِيد لَا يفهم مِنْهُ شَيْء كَدَوِيِّ النَّحْل. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هُوَ شدَّة الصَّوْت وَبعده فِي الْهَوَاء، مَأْخُوذ من دوِي الرَّعْد، وَيُقَال: هُوَ شدَّة صَوت لَا يفهم، فَلَمَّا دنا فهم كَلَامه، فَلهَذَا قَالَ: فَلَمَّا دنا فَإِذا هُوَ يسْأَل. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: دوِي الرّيح حفيفها، وَكَذَلِكَ دوِي النَّحْل والطائر وَيُقَال: دوى النَّحْل تدوية، وَذَلِكَ إِذا سَمِعت لهديره دويا، والدوي أَيْضا السَّحَاب ذُو الرَّعْد المرتجس. قَوْله: (وَلَا يفقه) من الْفِقْه وَهُوَ الْفَهم، قَالَ الله تَعَالَى: {يفقهوا قولي} (طه: 28) أَي يفهموا. قَوْله: (حَتَّى دنا) من الدنو وَهُوَ التَّقَرُّب. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) ، بتَشْديد الطَّاء وَالْوَاو كليهمَا أَصله: تتطوع بتائين فادغمت إِحْدَى التائين فِي الطَّاء، وَيجوز تَخْفيف الطَّاء على الْحَذف، أَعنِي: حذف إِحْدَى التائين، وَأي التائين هِيَ المحذوفة فِيهِ خلاف، فَقَالَ بَعضهم: حذف التَّاء الزَّائِدَة أولى لزيادتها. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْأَصْلِيَّة أولى بالحذف، لِأَن الزَّائِدَة إِنَّمَا دخلت لإِظْهَار معنى فَلَا تحذف، لِئَلَّا يَزُول الْغَرَض الَّذِي لأَجله دخلت، وَيجوز إِظْهَار التائين أَيْضا من غير إدغام، وَهَذِه ثَلَاثَة أوجه فِي الْمُضَارع. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَشْهُور التَّشْدِيد، وَمَعْنَاهُ: إلاَّ أَن تَفْعَلهُ بطواعيتك. وَفِي ماضيه لُغَتَانِ: تطوع وأطوع، وَكِلَاهُمَا يفعل، إِلَّا أَن إدغام التَّاء فِي الطَّاء أوجب جلب ألف الْوَصْل ليتَمَكَّن من النُّطْق بالساكن. قَوْله: (فادبر) من الإدبار وَهُوَ التولي. قَوْله: (أَفْلح) من الإفلاح وَهُوَ الْفَوْز والبقاء، وَقيل: هُوَ الظفر وَإِدْرَاك البغية، وَقيل: إِنَّه عبارَة عَن أَرْبَعَة أَشْيَاء: بَقَاء بِلَا فنَاء وغناء بِلَا فقر، وَعز بِلَا ذل، وَعلم بِلَا جهل. قَالُوا: وَلَا كلمة فِي اللُّغَة أجمع لِلْخَيْرَاتِ مِنْهُ، وَالْعرب تَقول لكل من أصَاب خيرا: مُفْلِح، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: أَفْلح الرجل وأنجح: أدْرك مَطْلُوبه. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (من أهل نجد) فِي مجل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: رجل. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه صفة لرجل، وَأما النصب فعلى أَنه حَال، وَهَهُنَا سؤالان أَحدهمَا: ذكره الْكرْمَانِي وَأجَاب عَنهُ، وَهُوَ أَن شَرط الْحَال أَن تكون نكرَة، وَهُوَ مُضَاف فَيكون معرفَة فَأجَاب: بِأَن إِضَافَته لفظية فَلَا تفِيد إلاَّ تَخْفِيفًا. وَالْآخر: ذكرته فِي
شرح سنَن أبي دَاوُد، وَهُوَ أَنه إِذا وَقع الْحَال عَن النكرَة وَجب تَقْدِيم الْحَال على ذِي الْحَال، فَكيف يكون هَذَا حَالا؟ قلت: يجوز وُقُوع صَاحبهَا نكرَة من غير تَأْخِير إِذا اتّصف بِشَيْء كَمَا فِي الْمُبْتَدَأ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا من عندنَا} (الدُّخان: 4) أَو أضيف، نَحْو: جَاءَ غُلَام رجل قَائِما، أَو وَقع بعد نفي كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إلاَّ وَلها كتاب مَعْلُوم} (الْحجر: 4) وَهنا اتصفت النكرَة بقوله: من أهل نجد، فَافْهَم. قَوْله: (يسمع) بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، (ودوي صَوته) كَلَام أضافي مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَفِي رِوَايَة: نسْمع، بالنُّون المصدرة للْجَمَاعَة، ودوي صَوته بِالنّصب على أَنه مفعول، وَكَذَلِكَ: وَلَا نفقه، بالنُّون. وَقَوله: (مَا يَقُول) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول، وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْمَشْهُورَة، وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَاد. وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، و: يَقُول، جملَة صلتها، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا يَقُوله. قَوْله: (حَتَّى) هُنَا للغاية بِمَعْنى: إِلَى أَن دنا. قَوْله: (فَإِذا) هِيَ الَّتِي للمفاجأة. وَقَوله: (هُوَ) مُبْتَدأ، و: (يسْأَل عَن الْإِسْلَام) خَبره. وَقد علم أَن إِذا الَّتِي للمفاجأة تخْتَص بالجمل الاسمية، وَلَا تحْتَاج إِلَى الْجَواب، وَلَا تقع فِي الِابْتِدَاء. وَمَعْنَاهُ الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال، وَهِي حرف عِنْد الْأَخْفَش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك، وظرف مَكَان، عِنْد الْمبرد وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور؛ وظرف زمَان عِنْد الزّجاج وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ. قَوْله: (خمس صلوَات) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر. أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ خمس صلوَات. وَأما النصب فعلى تَقْدِير: خُذ خمس صلوَات أَو هاك ... أَو نَحْوهمَا. وَأما الْجَرّ فعلى أَنه بدل من الْإِسْلَام، وَفِيه حذف أَيْضا تَقْدِيره إِقَامَة خمس صلوَات. عين الصَّلَوَات الْخمس لَيست عين الاسلام، بل إِقَامَتهَا من شرائع الْإِسْلَام. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: الرجل الْمَذْكُور، و: (هَل) للاستفهام، و (غَيرهَا) بِالرَّفْع مُبْتَدأ و (عَليّ) مقدما خَبره. قَوْله: (فَقَالَ: لَا) ، أَي: فَقَالَ الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ عَلَيْك شَيْء غَيرهَا. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) اسْتثِْنَاء من قَوْله: لَا، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَصِيَام شهر رَمَضَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع عطف على قَوْله: خمس صلوَات. قَوْله: (قَالَ وَذكر لَهُ رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) أَي: قَالَ الرَّاوِي، وَهُوَ طَلْحَة بن عبيد الله. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) جملَة حَالية. قَوْله: (افلح) أَي الرجل. قَوْله: (إِن صدق) أَي فِي كَلَامه وَجَوَاب أَن مَحْذُوف فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة أَخُو بني سعد بن بكر، قَالَه القَاضِي مستدلاً بِأَن البُخَارِيّ سَمَّاهُ فِي حَدِيث اللَّيْث، يُرِيد مَا أخرجه فِي بَاب الْقِرَاءَة، وَالْعرض على الْمُحدث عَن شريك عَن أنس قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس فِي الْمَسْجِد، إِذْ دخل رجل على جمل، فأناخه فِي الْمَسْجِد) وَفِيه (ثمَّ قَالَ: أَيّكُم مُحَمَّد؟) وَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ: (وَأَنا ضمام بن ثَعْلَبَة أَخُو بني سعد بن بكر) ، فَجعل حَدِيث طَلْحَة هَذَا وَحَدِيث أنس هَذَا لَهُ، وَتَبعهُ ابْن بطال وَغَيره وَفِيه نظر لتباين ألفاظهما، كَمَا نبه عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ، وَأَيْضًا فَإِن إِبْنِ إِسْحَاق فَمن بعده: كَابْن سعد وَابْن عبد الْبر لم يذكرُوا لضمام غير حَدِيث أنس. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) أَي: ثَائِر شعر الرَّأْس، وَأطلق اسْم الرَّأْس على الشّعْر، إِمَّا لِأَن الشّعْر مِنْهُ ينْبت، كَمَا يُطلق اسْم السَّمَاء على الْمَطَر لِأَنَّهُ من السَّمَاء ينزل، وَإِمَّا لأنَّه جعل نفس الرَّأْس ذَا ثوران على طَرِيق الْمُبَالغَة، أَو يكون من بَاب حذف الْمُضَاف بِقَرِينَة عقلية. قَوْله: (عَن الْإِسْلَام) أَي: عَن أَرْكَان الاسلام، وَلَو كَانَ السُّؤَال عَن نفس الْإِسْلَام كَانَ الْجَواب غير هَذَا، لِأَن الْجَواب يَنْبَغِي أَن يكون مطابقا للسؤال، فَلَمَّا أجَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله: (خمس صلوَات) عرف أَن سُؤَاله كَانَ عَن أَرْكَان الْإِسْلَام وشرائعه، فَأجَاب مطابقا لسؤاله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيُمكن أَنه سَأَلَهُ عَن حَقِيقَة الْإِسْلَام، وَقد ذكر لَهُ الشَّهَادَة فَلم يسْمعهَا طَلْحَة مِنْهُ لبعد مَوْضِعه، أَو لم يَنْقُلهُ لشهرته. قلت: هَذَا بعيد، إِذْ لَو كَانَ السُّؤَال عَن حَقِيقَة الْإِسْلَام لما كَانَ الْجَواب مطابقا للسؤال، وَفِيه نِسْبَة الرَّاوِي الصَّحَابِيّ إِلَى التَّقْصِير فِي إبلاغ كَلَام الرَّسُول، وَقد ندب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، إِلَى ضبط كَلَامه وَحفظه وإبلاغه مثل مَا سَمعه مِنْهُ فِي حَدِيثه الْمَشْهُور. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) هَذَا الِاسْتِثْنَاء يجوز أَن يكون مُنْقَطِعًا، بِمَعْنى: لَكِن، وَيجوز أَن يكون مُتَّصِلا واختارت الشَّافِعِيَّة الِانْقِطَاع، وَالْمعْنَى: لَكِن اسْتحبَّ لَك أَن تطوع، واختارت الْحَنَفِيَّة الِاتِّصَال فَإِنَّهُ هُوَ
الأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء، ويستدل بِهِ على أَن من شرع فِي صَلَاة نفل أَو صَوْم نفل وَجب عَلَيْهِ اتمامه، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: 33) وبالاتفاق على أَن حج التَّطَوُّع يلْزم بِالشُّرُوعِ. وَلما حملت الشَّافِعِيَّة على الِانْقِطَاع قَالُوا: لَا تلْزم النَّوَافِل بِالشُّرُوعِ، وَلَكِن يسْتَحبّ لَهُ إِتْمَامه، وَلَا يجب بل يجوز قطعه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الحَدِيث متمسك لنا فِي أصلين: أَحدهمَا فِي شُمُول عدم الْوُجُوب فِي غير مَا ذكر فِي الحَدِيث، كَعَدم وجوب الْوتر. وَالثَّانِي: فِي أَن الشُّرُوع غير مُلْزم لِأَنَّهُ نفي وجوب شَيْء آخر مُطلقًا شرع فِيهِ أَو لم يشرع، وَتمسك الْخصم بِهِ على أَن الشُّرُوع مُلْزم لِأَنَّهُ نفي وجوب شَيْء آخر إلاَّ مَا تطوع بِهِ، وَالِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات، فَيكون الْمُثبت بِالِاسْتِثْنَاءِ وجوب مَا تطوع بِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوب. قَالَ: وَهَذَا مغالطة، لِأَن هَذَا الِاسْتِثْنَاء من وَادي قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: 56) أَي: لَا يجب شَيْء إلاَّ أَن اتطوع، وَقد علم أَن التَّطَوُّع لَيْسَ بِوَاجِب، فَلَا يجب شَيْء آخر أصلا. قلت: أما الأول: فَلَا نسلم شُمُول عدم الْوُجُوب مُطلقًا، بل الشُّمُول بِالنّظرِ إِلَى تِلْكَ الْحَالة، وَوقت الْإِخْبَار، وَالْوتر لم يكن وَاجِبا حِينَئِذٍ، يدل عَلَيْهِ أَنه لم يذكر الْحَج وَالْوتر مثله. وَأما الثَّانِي: فَلَيْسَ من وَادي قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: 56) على أَن يكون الْمَعْنى: لَا يجب شَيْء، إلاَّ أَن تطوع، بل معنى إلاَّ أَن تطوع: أَن تشرع فِيهِ، فَيصير وَاجِبا كَمَا يصير وَاجِبا بِالنذرِ. وَقَالَ بَعضهم: من قَالَ: إِنَّه مُنْقَطع احْتَاجَ إِلَى دَلِيل، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روى النَّسَائِيّ وَغَيره أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْم التَّطَوُّع ثمَّ يفْطر، وَفِي البُخَارِيّ أَنه أَمر جوَيْرِية بنت الْحَارِث أَن تفطر يَوْم الْجُمُعَة. بعد أَن شرعت فِيهِ، فَدلَّ على أَن الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة لَا يسْتَلْزم الْإِتْمَام إلاَّ إِذا كَانَت نَافِلَة بِهَذَا النَّص فِي الصَّوْم، وبالقياس فِي الْبَاقِي. قلت: من الْعجب أَن هَذَا الْقَائِل كَيفَ لم يذكر الْأَحَادِيث الدَّالَّة على استلزام الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة بالإتمام، وعَلى الْقَضَاء بالإفساد، وَقد روى أَحْمد فِي مُسْنده، عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، قَالَت: أَصبَحت أَنا وَحَفْصَة صائمتين، فأهديت لنا شَاة فأكلنا مِنْهَا، فَدخل علينا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرنَاهُ فَقَالَ: (صوما يَوْمًا مَكَانَهُ) . وَفِي لفظ آخر: بَدَلا، أَمر بِالْقضَاءِ. وَالْأَمر للْوُجُوب، فَدلَّ على أَن الشُّرُوع ملزوم، وَأَن الْقَضَاء بالإفساد وَاجِب. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أم سَلمَة أَنَّهَا صَامت يَوْمًا تَطَوّعا فأفطرت، فَأمرهَا النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، أَن تقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَحَدِيث النَّسَائِيّ لَا يدل على أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، ترك الْقَضَاء بعد الْإِفْطَار، وإفطاره رُبمَا كَانَ عَن عذر. وَحَدِيث جوَيْرِية إِنَّمَا أمرهَا بالأفطار عِنْد تحقق وَاحِد من الْأَعْذَار: كالضيافة، وكل مَا جَاءَ من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب فَمَحْمُول على مثل هَذَا، وَلَو وَقع التَّعَارُض بَين الْأَخْبَار، فالترجيح مَعْنَاهُ لثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة، وَالثَّانِي: أَن أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نَافِيَة، والمثبت مقدم. وَالثَّالِث: أَنه احْتِيَاط فِي الْعِبَادَة فَافْهَم. قَوْله: (وَذكر لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الزَّكَاة) هَذَا قَول الرَّاوِي، كَأَنَّهُ نسي مَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله والتبس عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَذكر لَهُ الزَّكَاة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: وَذكر لَهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، الصَّدَقَة. وَالْمرَاد مِنْهَا: الزَّكَاة أَيْضا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} (التَّوْبَة: 60) وَهَذَا يُؤذن بِأَن مُرَاعَاة الْأَلْفَاظ مَشْرُوطَة فِي الرِّوَايَة، فَإِذا الْتبس عَلَيْهِ يُشِير فِي لَفظه إِلَى مَا ينبىء عَنهُ، كَمَا فعل الرَّاوِي هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر قَالَ: (فَأَخْبرنِي بِمَا فرض الله عَليّ من الزَّكَاة) . قَالَ: فَأخْبر رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بشرائع الْإِسْلَام. قَوْله: (وَالله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص) ، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر: (وَالَّذِي أكرمك) أَي: لَا أَزِيد على مَا ذكرت وَلَا أنقص مِنْهُ شَيْئا. قَوْله: (أَفْلح إِن صدق) وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عِنْد مُسلم: (أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق، أَو دخل الْجنَّة وَأَبِيهِ إِن صدق) . وَلأبي دَاوُد مثله، لَكِن بِحَذْف: أَو. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قيل: الْفَلاح رَاجع إِلَى لفظ: وَلَا أنقص خَاصَّة، وَالْمُخْتَار أَنه رَاجع إِلَيْهِمَا بِمَعْنى أَنه إِذا لم يزدْ وَلم ينقص كَانَ مفلحا، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، وَمن أَتَى بِمَا عَلَيْهِ كَانَ مفلحا، وَلَيْسَ فِيهِ أَنه إِذا أَتَى بزائد على ذَلِك لَا يكون مفلحا، لِأَن هَذَا مِمَّا يعرف بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُ إِذا أَفْلح بِالْوَاجِبِ ففلاحه بالمندوب مَعَ الْوَاجِب أولى، وَقَالَ ابْن بطال: دلّ قَوْله: أَفْلح إِن صدق على أَنه إِن لم يصدق فِي التزامها أَنه لَيْسَ بمفلح، وَهَذَا خلاف قَول المرجئة. وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون السَّائِل رَسُولا، فَحلف أَن لَا أَزِيد فِي الإبلاغ على مَا سَمِعت، وَلَا أنقص فِي تَبْلِيغ مَا سمعته مِنْك إِلَى قومِي. وَيُقَال: يحْتَمل صُدُور هَذَا الْكَلَام مِنْهُ على الْمُبَالغَة فِي التَّصْدِيق وَالْقَبُول، أَي: قبلت قَوْلك فِيمَا سَأَلتك عَنهُ قبولاً لَا مزِيد عَلَيْهِ من جِهَة السُّؤَال، وَلَا نُقْصَان فِيهِ من طرق الْقبُول. وَيُقَال: يحْتَمل أَن هَذَا كَانَ قبل شَرْعِيَّة أَمر آخر، وَيُقَال: يحْتَمل أَنه أَرَادَ: لَا أَزِيد عَلَيْهِ بتغيير حَقِيقَته، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُصَلِّي الظّهْر خمْسا. وَيُقَال: يحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنه لَا يُصَلِّي النَّوَافِل بل يحافظ على كل الْفَرَائِض، وَهَذَا مُفْلِح بِلَا شكّ، وَإِن كَانَت مواظبته على ترك النَّوَافِل مذمومة. وَيُقَال: يحْتَمل أَنه المُرَاد أَنِّي لَا أَزِيد على
شرائع الْإِسْلَام وَلَا أنقص مِنْهَا شَيْئا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام قَالَ: (وَالَّذِي أكرمك لَا أتطوع شَيْئا وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله تَعَالَى عَليّ شَيْئا) . بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: ان الصَّلَاة ركن من أَرْكَان الاسلام. الثَّانِي: أَنَّهَا خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. الثَّالِث: ان الصَّوْم أَيْضا ركن من أَرْكَان الاسلام، وَهُوَ فِي كل سنة شهر وَاحِد. الرَّابِع: أَن الزَّكَاة أَيْضا ركن من أَرْكَان الاسلام. الْخَامِس: عدم وجوب قيام اللَّيْل، وَهُوَ إِجْمَاع فِي حق الامة، وَكَذَا فِي حق سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الاصح. السَّادِس: عدم وجوب الْعِيدَيْنِ. وَقَالَ الاصطخري، من أَصْحَاب الشَّافِعِي: صَلَاة الْعِيدَيْنِ فرض كِفَايَة. السَّابِع: عدم وجوب صَوْم عَاشُورَاء وَغَيره سوى رَمَضَان، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ الْآن، وَاخْتلفُوا أَن صَوْم عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبا قبل رَمَضَان أم لَا؟ فَعِنْدَ الشَّافِعِي فِي الْأَظْهر مَا كَانَ وَاجِبا، وَعند أبي حنيفَة، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ وَاجِبا، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيّ. الثَّامِن: انه لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة على من ملك نِصَابا وَتمّ عَلَيْهِ الْحول. التَّاسِع: أَن من يَأْتِي بالخصال الْمَذْكُورَة ويواظب عَلَيْهَا صَار مفلحاً بِلَا شكّ. الْعَاشِر: أَن السّفر والارتحال من بلد إِلَى بلد لأجل تعلم علم الدّين وَالسُّؤَال عَن الأكابر أَمر مَنْدُوب. الْحَادِي عشر: جَوَاز الْحلف بِاللَّه تَعَالَى من غير استحلاف وَلَا ضَرُورَة، لِأَن الرجل حلف هَكَذَا بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يُنكر عَلَيْهِ. الثَّانِي عشر: صِحَة الِاكْتِفَاء بالاعتقاد من غير نظر وَلَا اسْتِدْلَال، لكنه يحْتَمل ان ذَلِك صَحَّ عَنهُ بِالدَّلِيلِ. وَإِنَّمَا أشكلت عَلَيْهِ الْأَحْكَام. الثَّالِث عشر: فِيهِ الرَّد على المرجئة، إِذْ شَرط فِي فلاحه أَن لَا ينقص من الْأَعْمَال والفرائض الْمَذْكُورَة. الرَّابِع عشر: فِيهِ جَوَاز قَول: رَمَضَان، من غير ذكر: شهر. الْخَامِس عشر: فِيهِ اسْتِعْمَال الصدْق فِي الْخَبَر الْمُسْتَقْبل، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْكَذِب مُخَالفَة الْخَبَر فِي الْمَاضِي، وَالْحلف فِي مُخَالفَته فِي الْمُسْتَقْبل، فَيجب على هَذَا أَن يكون الصدْق فِي الْخَبَر عَن الْمَاضِي، وَالْوَفَاء فِي الْمُسْتَقْبل، وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا يرد عَلَيْهِ مَعَ قَوْله تَعَالَى {ذَلِك وعد غير مَكْذُوب} (هود: 65) . الاسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أثبت لَهُ الْفَلاح بِمُجَرَّد مَا ذكر مَعَ أَنه لم يذكر المنهيات وَلَا جَمِيع الْوَاجِبَات؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، فِي آخر هَذَا الحَدِيث، قَالَ: فاخبره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشرائع الْإِسْلَام، فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول: لَا أَزِيد وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله عَليّ شَيْئا، فعلى عُمُوم قَوْله بشرائع الْإِسْلَام، وَقَوله: مِمَّا فرض الله، يَزُول الْإِشْكَال فِي الْفَرَائِض. وَأما النَّوَافِل فَقيل: يحْتَمل أَن هَذَا كَانَ قبل شرعها، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنه لَا يُصَلِّي النَّافِلَة مَعَ أَنه لَا يخل بِشَيْء من الْفَرَائِض، وَأما المنهيات فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي شرائع الْإِسْلَام. وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَقع قبل وُرُود النَّهْي. قلت: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ جزم بِأَن السَّائِل هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة وَقد قيل إِنَّه وَفد سنة خمس، وَقيل: بعد ذَلِك، وَكَانَ أَكثر المنهيات وَاقعَة قبل ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه لم يذكر الْحَج فِي هَذَا الحَدِيث. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يفْرض حِينَئِذٍ أَو لِأَن الرجل سَأَلَ عَن حَاله حَيْثُ قَالَ: هَل عَليّ غَيرهَا؟ فاجاب عَلَيْهِ السَّلَام بِمَا عرف من حَاله، وَلَعَلَّه مِمَّن لم يكن الْحَج وَاجِبا عَلَيْهِ. وَقيل: لم يَأْتِ فِي هَذَا الحَدِيث بِالْحَجِّ كَمَا لم يذكر فِي بَعْضهَا الصَّوْم وَفِي بَعْضهَا الزَّكَاة، وَقد ذكر فِي بَعْضهَا صلَة الرَّحِم وَفِي بَعْضهَا أَدَاء الْخمس، فتفاوتت هَذِه الْأَحَادِيث فِي عدد خِصَال الْإِيمَان زِيَادَة ونقصاناً، وَسبب ذَلِك تفَاوت الروَاة فِي الْحِفْظ والضبط، فَمنهمْ من إقتصر على مَا حفظه فأداه وَلم يتَعَرَّض لما زَاده غَيره بِنَفْي وَلَا اثبات، وَذَلِكَ لَا يمْنَع من ايراد الْجَمِيع فِي الصَّحِيح، لما عرفت أَن زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة، وَالْقَاعِدَة الْأُصُولِيَّة فِيهَا أَن الحَدِيث إِذا رَوَاهُ راويان، واشتملت إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ على زِيَادَة، فَإِن لم تكن مُغيرَة لإعراب الْبَاقِي قبلت، وَحمل ذَلِك على نِسْيَان الرَّاوِي أَو ذُهُوله أَو اقْتِصَاره بِالْمَقْصُودِ مِنْهُ فِي صُورَة الاستشهاد، وَإِن كَانَت مُغيرَة تَعَارَضَت الرِّوَايَتَانِ وَتعين طلب التَّرْجِيح، فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أقره على حلفه وَقد ورد النكير على من حلف أَن لَا يفعل خيرا؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال والأشخاص، وَهَذَا جَار على الأَصْل بِأَنَّهُ لَا إِثْم على غير تَارِك الْفَرَائِض فَهُوَ مُفْلِح، وَإِن كَانَ غَيره أَكثر فلاحاً مِنْهُ. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ الْجمع بَين حلفه بقوله: وَأَبِيهِ إِن صدق، مَعَ نَهْيه عَن الْحلف بِالْآبَاءِ؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك كَانَ قبل النَّهْي، أَو بِأَنَّهَا كلمة جَارِيَة على اللِّسَان لَا يقْصد بهَا الْحلف، كَمَا جرى على لسانهم: عقرى حلقى، وتربت يَمِينك، وَالنَّهْي إِنَّمَا ورد فى القاصد بِحَقِيقَة الْحلف
باب اتباع الجنائز من الإيمان
لما فِيهِ من تَعْظِيمه الْمَخْلُوق، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح عِنْد الْعلمَاء. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف مُضَاف تَقْدِيره: وَرب أَبِيه، فاضمر ذَلِك فِيهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يضمر بل يذهب فِيهِ، وَسمعت بعض مَشَايِخنَا يُجيب بجوابين آخَرين: أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث: أَفْلح وَالله، فقصر الْكَاتِب اللامين فَصَارَت: وَأَبِيهِ، وَالْآخر: خُصُوصِيَّة ذَلِك بالشارع دون غَيره، وَهَذِه دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا. وَأغْرب الْقَرَافِيّ حَيْثُ قَالَ: هَذِه اللَّفْظَة وَهِي: وابيه، اخْتلف فِي صِحَّتهَا، فَإِنَّهَا لَيست فِي الْمُوَطَّأ، وَإِنَّمَا فِيهَا افلح إِن صدق، وَهَذَا عَجِيب، فَالزِّيَادَة ثَابِتَة لَا شكّ فِي صِحَّتهَا وَلَا مرية. 35 - (بابُ اتِّبَاعُ الْجَنائِزِ مِنَ الإِيمَان) أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَيجوز ترك التَّنْوِين بإضافته إِلَى الْجُمْلَة، اعني: قَوْله اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان، فَقَوله: (اتِّبَاع الْجَنَائِز) كَلَام أضافي مُبْتَدأ. وَقَوله: (من الْإِيمَان) خَبره اي: اتِّبَاع الْجَنَائِز شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَاتِّبَاع بتَشْديد التَّاء مصدر اتبع من بَاب الافتعال، والجنائز جمع جَنَازَة، بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة والمكسورة، وَالْكَسْر أفْصح، وَقيل بِالْفَتْح للْمَيت، وبالكسر للنعش، وَعَلِيهِ الْمَيِّت. وَقيل: عَكسه مُشْتَقَّة من جنز، اذا ستر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ، والعامة تَقول بِالْفَتْح، وَالْمعْنَى: للْمَيت على السرير وَإِذا لم يكن عَلَيْهِ الْمَيِّت فَهُوَ سَرِير ونعش، وَفِي (الْعباب) لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: السرير؛ والجنازة، بِالْفَتْح: الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن السّكيت وَابْن قُتَيْبَة: يُقَال: الْجِنَازَة والجنازة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَيِّت نَفسه، قَالَ: والعوام يتوهمون أَنه السرير. وَقَالَ النَّضر: الْجِنَازَة: السرير مَعَ الرجل جَمِيعًا. وَقَالَ الْخَلِيل: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: خشب الشرجع، وَقد جرى فِي أَفْوَاه النَّاس الْجِنَازَة بِالْفَتْح، والنحارير يُنكرُونَ ذَلِك. وَقَالَ غَيره: إِذا لم يكن عَلَيْهِ ميت فَهُوَ سَرِير أَو نعش، وكل شَيْء ثقل على قوم واغتموا بِهِ فَهُوَ جَنَازَة. وَقَالَ ابْن عباد: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَرِيض، وَطعن فلَان فِي جنَازَته، وَرمى فِي جنَازَته إِذا مَاتَ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: جنزت الشَّيْء أجنزه جنزاً إِذا سترته، وَزعم قوم أَن مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة. قَالَ: وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته. وَقَالَ اللَّيْث: جنز الشَّيْء إِذا جمع، وَقيل: مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة، لِأَن الثِّيَاب تجمع على الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: إِن النوار لما احتضرت أوصت أَن يُصَلِّي عَلَيْهَا الْحسن الْبَصْرِيّ، فاخبر الْحسن بذلك فَقَالَ: إِذا جنزتموها فآذنوني. قَالَ: فاسترككنا هَذِه الْكَلِمَة من الْحسن يَوْمئِذٍ، يَعْنِي: التجنيز. فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: الانسان لَهُ حالتان: حَالَة الْحَيَاة وَحَالَة الْمَمَات، فالمذكور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَرْكَان الدّين الَّتِي يحصل الثَّوَاب بإقامتها بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِدُونِ وَاسِطَة، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الثَّوَاب الَّذِي يحصل بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِوَاسِطَة الْأَمْوَات. وَقَالَ بَعضهم: ختم المُصَنّف التراجم الَّتِي وَقعت لَهُ من شعب الْإِيمَان بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، لِأَن ذَلِك آخر أَحْوَال الدُّنْيَا. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ بَقِي من الْأَبْوَاب المترجمة بشعب الْإِيمَان بَاب: أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، وَهُوَ مَذْكُور بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب من هَذَا الْبَاب، وَكَيف يَصح أَن يُقَال ختم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة التراجم الْمَذْكُورَة؟ فان قلت: مَا وَجه قَوْله فِي الْبَاب السَّابِق: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَفِي هَذَا الْبَاب: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان؟ قلت: رَاعى الْمُنَاسبَة والمطابقة فيهمَا، فَإِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول لفظ: الاسلام، حَيْثُ قَالَ: (فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام) وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب لفظ الْإِيمَان، حَيْثُ قَالَ: من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا، فترجم الْبَاب على لَفْظَة الْإِيمَان. 47 - حدّثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ قَالَ حّدثنا رَوْحٌ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ ومُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُريْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَاناً واحْتِساباً وكانَ مَعَهُ حتَّى يُصَلَّى عَلَيْها وُيفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فانَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطْينِ كُلُّ قيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ومَنْ صَلَّى علَيْهَا ثُمَّ رجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ فإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ الثَّوَاب قدر قيراطين، والقيراط مثل جبل أحد، شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَرَأَيْت من ذكر من الشُّرَّاح وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، قد تعلق بقوله: إِيمَانًا واحتساباً. وَهَذَا لَا وَجه لَهُ.
فان المُرَاد من معنى الْإِيمَان هَهُنَا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، مَعْنَاهُ: مُصدقا بِأَنَّهُ حق وَطَاعَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَفِي قَوْله: واحتساباً مُسْتَوفى فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: احْمَد بن عبد الله بن عَليّ بن سُوَيْد بن منجوف، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم الْجِيم وَفِي آخِره فَاء، وَمَعْنَاهُ: الموسع، ونسبته إِلَيْهِ، وكنيته أَبُو بكر السدُوسِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وابو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، بن عبَادَة بن الْعَلَاء بن حسان بن عمر بن مرْثَد الْبَصْرِيّ، قَالَ الْخَطِيب: كَانَ كثير الحَدِيث، وصنف الْكتب فِي السّنَن وَالْأَحْكَام وَالتَّفْسِير، وَكَانَ ثِقَة. قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: نظرت لروح بن عبَادَة فِي أَكثر من مائَة الف حَدِيث، كتبت مِنْهَا عشرَة آلَاف. وَقَالَ يحيى بن معِين: لَا بَأْس بِهِ صَدُوق، توفّي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عَوْف، بِالْفَاءِ، ابْن أبي جميلَة بندويه، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالنُّون الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة المضمومة وواو سَاكِنة وياء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة، وَغلط من قَالَ بِوَزْن: رَاهَوَيْه، وَقيل: اسْمه بنده أَي: العَبْد، يعرف بالأعرابى، وَلم يكن أَعْرَابِيًا، وَإِنَّمَا قيل لفصاحته، الْعَبْدي الهجري الْبَصْرِيّ، سمع جمعا من كبار التَّابِعين مِنْهُم الْحسن، وَعنهُ الْأَعْلَام: الثَّوْريّ وَشعْبَة وَغَيرهمَا، وثقته مجمع عَلَيْهَا، ولد سنة تسع وَخمسين، وَمَات سنة سِتّ وَقيل: سنة سبع واربعين وَمِائَة، وَنسب إِلَى التَّشَيُّع، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد مر ذكره. الْخَامِس: مُحَمَّد بن سِيرِين أَبُو بكر الْأنْصَارِيّ، مَوْلَاهُم، الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْجَلِيل، أَخُو أنس ومعبد وَيحيى وَحَفْصَة وكريمة أَوْلَاد سِيرِين، وَسِيرِين مولى أنس من سبي عين التَّمْر، وَإِذا أطلق إِبْنِ سِيرِين فَهُوَ: مُحَمَّد هَذَا، وَهَؤُلَاء السِّتَّة كلهم تابعيون، وَذكر أَبُو عَليّ الْحَافِظ خَالِدا بدل كَرِيمَة، قَالَ: واكبرهم معبد، وأصغرهم حَفْصَة. قلت: وَفِي أَوْلَاد سِيرِين أَيْضا: عمْرَة وَسَوْدَة. قَالَ ابْن سعد: أمهَا أم ولد كَانَت لأنس، وَذكر بَعضهم من أَوْلَاده أَيْضا: أشعب، فَهَؤُلَاءِ عشرَة. كَاتب أنس، رَضِي الله عَنهُ، سِيرِين على عشْرين ألف دِرْهَم، فأداها وَعتق، وَأم مُحَمَّد وأخوته صَفِيَّة مولاة الصّديق، طيبها ثَلَاث من أَزوَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَدَعَوْنَ لَهَا وَحضر أملاكها ثَلَاثَة عشر بَدْرِيًّا مِنْهُم: أبي بن كَعْب يَدْعُو وهم يُؤمنُونَ، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، قَالَ هِشَام بن حسان: أدْرك ثَلَاثِينَ صحابياً، ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ أكبر من أَخِيه أنس، وَعنهُ خلق من التَّابِعين: الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَأَيوب، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة بعد الْحسن بِمِائَة يَوْم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: ابو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون مَا خلا أَبَا هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، قرن فِيهِ بَين الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين لما أسلفنا أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة عِنْد الْجُمْهُور، فقرنه بِمُحَمد بن سِيرِين لِأَنَّهُ سمع مِنْهُ، فالاعتماد عَلَيْهِ، وعَلى قَول من يَقُول: إِن الْحسن سمع مِنْهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا سمعا هَذَا الحَدِيث من أبي هُرَيْرَة مُجْتَمعين، وَإِمَّا ان يَكُونَا سمعا مِنْهُ مفترقين، وَإِنَّمَا أوردهُ البُخَارِيّ كَمَا سمع، وَقد وَقع لَهُ نَظِير هَذَا فِي قصَّة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيثا من طَرِيق روح بن عبَادَة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرج أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَنْهُمَا، عَن أبي هُرَيْرَة حَدِيثا آخر، واعتماده فِي كل ذَلِك على ابْن سِيرِين، لِأَن الْحسن، وَإِن صَحَّ سَمَاعه عَن أبي هُرَيْرَة، فَإِنَّهُ كثير الْإِرْسَال فَلَا تحمل عنعنته على السماع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: لم يَصح سَماع الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة، أَقُول: فعلى هَذَا التَّقْدِير يكون لفظ: عَن أبي هُرَيْرَة، مُتَعَلقا بِمُحَمد فَقَط، أَو يكون مُرْسلا. قلت: قَوْله: أَو يكون مُرْسلا، إِن أَرَادَ بِهِ أَن الحَدِيث يكون مُرْسلا، فَلَا يَصح، وَإِن أَرَادَ بِهِ الْإِرْسَال من جِهَة الْحسن فَلهُ وَجه على تَقْدِير عدم سَمَاعه من أبي هُرَيْرَة. بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام عَن اسحاق الْأَزْرَق، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، كِلَاهُمَا عَن عَوْف عَن مُحَمَّد بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (اتبع) ، بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: تبع، بِدُونِ الْألف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، يُقَال: تبِعت الشَّيْء تبعا وتباعة، بِفَتْح التَّاء، وَتبع وَاتبع وَاتبع وَاحِد، وَقيل: اتبعهُ: لحقه وَمَشى خَلفه، وَاتبعهُ: حذا
حذوه. وَفِي (الْعباب) : تبِعت الْقَوْم بِالْكَسْرِ اتبعهم تبعا وتباعة، بِالْفَتْح: إِذا مشيت خَلفهم، أَو مروا بك فمضيت مَعَهم، وَاتَّبَعت الْقَوْم مثل تبعتهم إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحقتهم، وَاتَّبَعت أَيْضا غَيْرِي وَقَوله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن وَجُنُوده} (يُونُس: 90) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي لحقهم أَو كَاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فَاتبعهُ الشَّيْطَان} (الْأَعْرَاف: 175) اي: لحقه، وَقَالَ الْفراء: يُقَال تبعه وَاتبعهُ. لحقه والحقه، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَأتبعهُ شهَاب ثاقب} (الصافات: 10) وَقَوله تَعَالَى: {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: 85) و {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: 85) بِقطع الْهمزَة فِي قِرَاءَة أهل الشَّام والكوفة، كل ذَلِك: لحق. وَقَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده} (يُونُس: 90) أَرَادَ: اتبعهم إيَّاهُم. قَوْله: (ايماناً واحتساباً) قد مر الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي قيام لَيْلَة الْقدر. قَوْله: (يرجع) ، من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (قِيرَاط) ، أَصله: قراط، بتَشْديد الرَّاء بِدَلِيل جمعه على قراريط، فأبدل من إِحْدَى الرائين يَاء، كَمَا فِي الدِّينَار أَصله: دنار، بِدَلِيل جمعه على دَنَانِير، والقيراط فِي اللُّغَة: نصف دانق. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشرَة فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جزأ من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ بعض الشَّيْء، وَفِي (الْعباب) : وزن القيراط يخْتَلف باخْتلَاف الْبِلَاد، فَهُوَ عِنْد أهل مَكَّة: ربع سدس الدِّينَار، وَعند أهل الْعرَاق: نصف عشر الدِّينَار. انْتهى. وَعند الْفُقَهَاء: القيراط جُزْء من عشْرين جزأ من الدِّينَار، وكل قِيرَاط ثَلَاث حبات، فَيكون الدِّينَار سِتِّينَ حَبَّة، وكل حَبَّة أَربع أرزات، فَيكون مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين أرزة. وَيُقَال: القيراط طسوجتان، والطسوجة حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ذرتان، والذرة فتيلتان. وَقد أَرَادَ الشَّارِع من القيراط هَهُنَا قدر جبل أحد، وَالْمَقْصُود أَن القيراط: مِقْدَار من الثَّوَاب مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى وَهَذَا الحَدِيث يدل على عظم مِقْدَاره فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَلَا يلْزم من هَذَا أَن يكون هَذَا هُوَ القيراط الْمَذْكُور فِيمَن اقتنى كَلْبا إلاَّ كلب صيد أَو زرع أَو مَاشِيَة نقص من أجره كل يَوْم قِيرَاط. بل يجوز أَن يكون أقل مِنْهُ أَو أَكثر. قلت: بل الظَّاهِر أَن القيراط فِي الْأجر اعظم من القيراط الْمَذْكُور فِي نقص الْأجر، لِأَنَّهُ من قبيل الْمَطْلُوب تَركه. وَالْأول من قبيل الْمَطْلُوب فعله، وَهُوَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة وَحُضُور دَفنهَا، وَقد رَأينَا عَادَة الشَّرْع تَعْظِيم الْحَسَنَات وتضعيفها دون السَّيِّئَات، كرماً مِنْهُ تَعَالَى وَرَحْمَة، ولطفاً. وَالْحَاصِل أَن القيراط: اسْم لمقدار من الثَّوَاب يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير، وَبَين فِي هَذَا الحَدِيث أَنه مثل أحد، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: القيراط أعظم من أحد. ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ. وفى رِوَايَة للْحَاكِم من حَدِيث أبي بن كَعْب مَرْفُوعا: (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو فِي الْمِيزَان أثقل من أحد) . وَفِي اسناده: الْحجَّاج بن ارطأة، وَفِيه مقَال. وَفِي السّنَن الصِّحَاح المأثورة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من أُوذِنَ بِجنَازَة فَأتى أَهلهَا فعزاهم كتب الله لَهُ قيراطاً، فان شيعها كتب الله لَهُ قيراطين، فَإِن صلى عَلَيْهَا كتب الله لَهُ ثَلَاثَة قراريط، فَإِن شهد دَفنهَا كتب الله لَهُ أَرْبَعَة قراريط، القيراط مثل أحد) . قَوْله: (مثل أحد) بِضَمَّتَيْنِ: وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي بِجنب الْمَدِينَة على نَحْو ميلين مِنْهَا، وَهُوَ فِي شمال الْمَدِينَة، وَسمي بِهَذَا الإسم لتوحده وانقطاعه عَن جبال أُخْرَى هُنَالك. وَفِي الحَدِيث من طَرِيق أبي عِيسَى بن جبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أحد يحبنا ونحبه، وَهُوَ على بَاب الْجنَّة. قَالَ: وعير يبغضنا ونبغضه، وَهُوَ على بَاب من أَبْوَاب النَّار) . قَالَ السُّهيْلي: وَفِي أحد قبر هَارُون، عَلَيْهِ السَّلَام، أخي مُوسَى الكليم، وَفِيه قُبض، وثمة واراه مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَا قد مرا بِأحد حاجين أَو معتمرين. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وَمُحَمّد) بِالْجَرِّ، عطف على الْحسن. قَوْله: (من اتبع) كلمة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، و: اتبع، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل: (وجنازة مُسلم) كَلَام إضافي مَفْعُوله، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الْحَال بِمَعْنى: مُؤمنا ومحتسباً، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: تطوع قيام رَمَضَان من الْإِيمَان. قَوْله: (وَكَانَ مَعَه) أَي: مَعَ الْمُسلم، هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَكَانَ مَعهَا، أَي مَعَ الْجِنَازَة، وَهَذِه الْجُمْلَة عطف على قَوْله: اتبع. قَوْله: (حَتَّى يُصلي عَلَيْهَا) على صِيغَة الْمَعْلُوم، بِكَسْر اللَّام، وَالضَّمِير فِي: يُصَلِّي، يرجع إِلَى: من، وَفِي: عَلَيْهَا، إِلَى: الْجِنَازَة. ويروى بِفَتْح اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: عَلَيْهَا، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَكَذَلِكَ رُوِيَ (ويفرغ من دَفنهَا) على الْوَجْهَيْنِ، و: حَتَّى، هَذِه للغاية، وَأَن الناصبة بعْدهَا مضمرة، وَقَوله: يُصَلِّي ويفرغ، منصوبان بهَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي قَوْله: من، وَإِنَّمَا دخلت الْفَاء لتَضَمّنه معنى الشَّرْط، كَمَا ذكرنَا. وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة، فَإِن قلت: مَا مَحل قَوْله: من الْأجر؟ قلت: حَال من قَوْله: (بقيراطين) ، وَفِي الْحَقِيقَة هِيَ صفة وَلكنهَا لما قدمت صَارَت حَالا. وَالْبَاء فِي: بقيراطين، تتَعَلَّق بقوله: يرجع. قَوْله: (كل قِيرَاط) كَلَام إضافي
مُبْتَدأ. وَقَوله: (مثل أحد) أَيْضا كَلَام إضافي خَبره. وَاحِد منصرف لِأَنَّهُ علم الْمُذكر. قَوْله: (وَمن صلى) مثل قَوْله: (من اتبع جَنَازَة مُسلم) . وَقَوله: (ثمَّ رَجَعَ) عطف على: صلى. قَوْله: (قبل ان تدفن) نصب على الظّرْف، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: قبل الدّفن. وَقَوله: (فانه) خبر الْمُبْتَدَأ، كَمَا فِي الأول. قَوْله: (من الاجر) حَال من قَوْله: (بقيراط) . بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين) حُصُول القيراطن هَهُنَا مُقَيّد بِثَلَاثَة أَشْيَاء. الأول: الِاتِّبَاع، وَالثَّانِي: الصَّلَاة عَلَيْهِ. وَالثَّالِث: حُضُور الدّفن. فَإِن قلت: لَو اتبع حَتَّى دفنت وَلم يصل عَلَيْهَا هَل لَهُ القيراطان؟ قلت: لَا، إِذْ المُرَاد أَن يُصَلِّي هُوَ أَيْضا، جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ وحملاً للمطلق على الْمُقَيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اعْلَم أَن الصَّلَاة يحصل بهَا قِيرَاط إِذا انْفَرَدت، فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهَا الِاتِّبَاع حَتَّى الْفَرَاغ حصل لَهُ قِيرَاط ثَان، فَلِمَنْ صلى وَحضر الدّفن القيراطان، وَلمن اقْتصر على الصَّلَاة قِيرَاط وَاحِد، وَلَا يُقَال: يحصل بِالصَّلَاةِ مَعَ الدّفن ثَلَاثَة قراريط، كَمَا يتوهمه بَعضهم من ظَاهر بعض الْأَحَادِيث، وَلِأَن هَذَا النَّوْع صَرِيح، والْحَدِيث الْمُطلق والمحتمل مَحْمُول عَلَيْهِ، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَمن تبعها حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان) فَمَعْنَاه: فَلهُ تَمام قيراطين بالمجموع. وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: {ائنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الارض فى يَوْمَيْنِ} (فصلت: 9) إِلَى قَوْله: {فى اربعة أَيَّام} (فصلت: 10) ثمَّ قَالَ: {فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ} قَالَ: وَأما الدّفن فَفِيهِ وَجْهَان: الصَّحِيح: أَنه تَسْوِيَة الْقَبْر بالتمام، وَالثَّانِي: انه نصب اللَّبن عَلَيْهِ، وان لم يهل عَلَيْهِ التُّرَاب. قَالَ: ثمَّ فِي الحَدِيث تَنْبِيه على مَسْأَلَة أُخْرَى، وَهُوَ: ان القيراط الثَّانِي مُقَيّد بِمن اتبعها، وَكَانَ مَعهَا فى جميح الطَّرِيق حَتَّى تدفن، فَلَو صلى وَذهب إِلَى الْقَبْر وَحده، وَمكث حَتَّى جَاءَت الْجِنَازَة وَحضر الدّفن لم يحصل لَهُ القيراط الثَّانِي، وَكَذَا لَو حضر الدّفن وَلم يصل، أَو اتبعها وَلم يصل فَلَيْسَ فِي الحَدِيث حُصُول القيراط لَهُ، وَإِنَّمَا حصل القيراط لمن تبعها بعد الصَّلَاة، لكنه لَهُ أجر فِي الْجُمْلَة، وَعَن أَشهب: أَنه كره اتِّبَاع الْجِنَازَة وَالرُّجُوع قبل الصَّلَاة، وَحكى ابْن عبد الحكم عَن مَالك: أَنه لَا ينْصَرف بعد الدّفن إلاَّ بِالْإِذْنِ وَإِطْلَاق هَذَا الحَدِيث وَغَيره يُخَالِفهُ. استنباط الاحكام: الاول: فِيهِ الْحَث على الصَّلَاة على الْمَيِّت وَاتِّبَاع جنَازَته وَحُضُور دَفنه، وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: حض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على التواصل فِي الْحَيَاة بقوله: (صل من قَطعك وَأعْطِ من حَرمك) . (وَلَا تقاطعوا وَلَا تدابروا) وعَلى التواصل بعد الْمَوْت بِالصَّلَاةِ والتشييع إِلَى الْقَبْر وَالدُّعَاء لَهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن الثَّوَاب الْمَذْكُور إِنَّمَا يحصل لمن تبعها إِيمَانًا واحتساباً، فَإِن حُضُورهَا على ثَلَاثَة أَقسَام: احتسابا ومكافأة ومخافة. والاول: هُوَ الَّذِي يجازى عَلَيْهِ الْأجر ويحط الْوزر، وَالثَّانِي: لَا يعد ذَلِك فِي حَقه. وَالثَّالِث: الله اعْلَم بِمَا فِيهِ. الثَّالِث: فِيهِ وجوب الصَّلَاة على الْمَيِّت وَدَفنه وَهُوَ إِجْمَاع. الرَّابِع: فِيهِ الحض على الِاجْتِمَاع لَهما والتنبيه على عظم ثوابهما، وَهِي مِمَّا خصت بِهِ هَذِه الامة. الْخَامِس: فِيهِ حجَّة ظَاهِرَة للحنفية فِي ان الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، بِظَاهِر قَوْله: (من اتبع) ، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. وَقَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ: وَذهب قوم إِلَى التَّوسعَة فِي ذَلِك وأنهما سَوَاء، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي مُصعب من أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ بَعضهم: وَقد تمسك بِهَذَا اللَّفْظ من زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَال: تبعه إِذا مَشى خَلفه، أَو إِذا مر بِهِ فَمشى مَعَه، وَكَذَلِكَ: اتبعهُ بِالتَّشْدِيدِ. قلت: هَذَا الْقَائِل نفى حجَّة هَؤُلَاءِ بِمَا هُوَ حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فسر لفظ تبع بمعنيين: أَحدهمَا: حجَّة لمن زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَالْآخر: لَيْسَ بِحجَّة عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ حجَّة لخصمه. فَافْهَم. ثمَّ الرّكُوب وَرَاء الْجِنَازَة لَا بَأْس بِهِ، وَالْمَشْي أفضل. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: لَا فرق عندنَا بَين الرَّاكِب والماشي، يَعْنِي فِي الْمَشْي أمامها خلافًا للثوري حَيْثُ قَالَ: إِن الرَّاكِب يكون خلفهَا، وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند، وَكَأَنَّهُ قلد الْخطابِيّ، فَإِنَّهُ كَذَا ادّعى، وَفِيه حَدِيث صَححهُ الْحَاكِم على شَرط البُخَارِيّ من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَقَالَ بِهِ من الْمَالِكِيَّة أَيْضا ابو مُصعب. سُؤال: لم كَانَ الْجَزَاء بالقيراط دون غَيره؟ الْجَواب: إِنَّه أقل مُقَابل عَادَة. آخر: لِمَ خص بِأحد؟ الْجَواب: لِأَنَّهُ أعظم جبال الْمَدِينَة، والشارع كَانَ يُحِبهُ، وَهُوَ أَيْضا يُحِبهُ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم. تابَعَهُ عُثْمانُ المُؤَذِّنُ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنْ مُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْوَهُ.
- (باب خوف ألمؤمن من أن يحبط عمله لا يشعر)
اى تَابع روحاً عُثْمَان بن الْهَيْثَم فِي الرِّوَايَة عَن عَوْف الْأَعرَابِي وَعُثْمَان، هَذَا أَيْضا من شُيُوخ البُخَارِيّ يروي عَنهُ فِي مَوَاضِع بِلَا وَاسِطَة، وَفِي بعض الْمَوَاضِع عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ، وَهُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي ثمَّ البُخَارِيّ، رَضِي الله عَنهُ، إِن كَانَ سمع هَذَا الحَدِيث من عُثْمَان هَذَا فَهُوَ لَهُ أَعلَى بِدَرَجَة. لِأَنَّهُ من رِوَايَته رباعي، وَمن رِوَايَة المنجوفي خماسي، فَإِن قلت: فَلِمَ ذكر رِوَايَة عُثْمَان؟ قلت: لَان رِوَايَة المنجوفي مَوْصُولَة وَهِي اشد إتقانا من رِوَايَة عُثْمَان. فان قلت: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، فَمَا الْحَاجة إِلَى ذكر مُتَابعَة عُثْمَان؟ قلت: لأجل التَّنْبِيه بروايته على أَن الِاعْتِمَاد فِي هَذَا السَّنَد على مُحَمَّد بن سِيرِين لِأَن عوفاً رُبمَا كَانَ ذكره، وَرُبمَا كَانَ حذفه مرّة، فَأثْبت الْحسن. ومتابعة عُثْمَان هَذِه وَصلهَا ابو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) قَالَ: حَدثنَا ابو اسحاق بن حَمْزَة، ثَنَا ابو طَالب بن أبي عوَانَة، ثَنَا سُلَيْمَان بن سيف، ثَنَا عُثْمَان بن الْهَيْثَم فَذكر الحَدِيث، وَلَفظه مُوَافق لرِوَايَة روح بن عبَادَة إلاّ فِي قَوْله: وَكَانَ مَعهَا. قَالَ بدلهَا: فلزمها. وَفِي قَوْله: ويفرغ من دَفنهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بدلهَا: ويدفن، وَقَالَ فِي آخِره: قِيرَاط بدل قَوْله: فَإِنَّهُ يرجع بقيراط، وَالْبَاقِي سَوَاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: إِذا قَالَ البُخَارِيّ عَن فلَان نجزم بِأَنَّهُ سَمعه مِنْهُ عِنْد امكان السماع، فَإِذا قَالَ: تَابعه، لم نجزم بِأَنَّهُ سَمعه مِنْهُ. قلت: قِيَاس الْمُتَابَعَة على العنعنة يَقْتَضِي ذَلِك، لَكِن صَرَّحُوا فِي العنعنة وَلم يصرحوا فِيهَا. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو مَا تقدم، وَهُوَ أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من اتبع جَنَازَة) إِلَى آخِره، ثمَّ عُثْمَان هَذَا هُوَ ابو عَمْرو عُثْمَان بن الْهَيْثَم بن جهم بن عِيسَى بن حسان بن الْمُنْذر الْبَصْرِيّ، الْمُؤَذّن بجامعها. روى عَن عَوْف الْأَعرَابِي وَابْن جريج وَغَيرهمَا، وروى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى هُوَ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، توفّي لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من رَجَب سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ. 36 - (بابُ خَوْفِ ألمُؤمِنِ مِنْ أنْ يَحْبَطَ عَملُهُ لاَ يَشْعُرُ) الْكَلَام فِيهِ على انواع: الأول: إِن قَوْله: بَاب، مَرْفُوع مُضَاف إِلَى مَا بعده، تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان خوف الْمُؤمن من ان يحبط عمله، وَكلمَة: ان، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: من حَبط عمله، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ كلمة: من، وَهِي وَإِن لم تكن مَوْجُودَة لَكِنَّهَا مقدرَة، إِذْ الْمَعْنى عَلَيْهَا. قَوْله: (يحبط) على صِيغَة الْمَعْلُوم من: حَبط عمله يحبط حَبطًا وحبوطاً، من بَاب: علم يعلم. وَقَالَ ابو زيد: حَبط بِالْفَتْح وقرىء: {فقد حَبط عمله} (الْمَائِدَة: 5) بِفَتْح الْبَاء، وَهُوَ: الْبطلَان. قَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: القَوْل بإحباط الْمعاصِي للطاعات من قَوَاعِد الاعتزال، فَمَا وَجه قَول البُخَارِيّ هذاك؟ قلت: هَذَا الإحباط لَيْسَ بِذَاكَ، لِأَن المُرَاد بِهِ الإحباط بالْكفْر، أَو بِعَدَمِ الْإِخْلَاص وَنَحْوه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بالحبط نُقْصَان الْإِيمَان، وَإِبْطَال بعض الْعِبَادَات لَا الْكفْر، فَإِن الانسان لَا يكفر إلاَّ بِمَا يَعْتَقِدهُ، أَو يفعل عَالما بانه يُوجب الْكفْر. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن الْجُمْهُور على أَن الْإِنْسَان يكفر بِكَلِمَة الْكفْر، وبالفعل الْمُوجب للكفر، وَإِن لم يعلم أَنه كفر. قَوْله: (يحبط عمله) المُرَاد، ثَوَاب عمله، فالمضاف فِيهِ مَحْذُوف. قَوْله: (وَهُوَ لَا يشْعر) جملَة اسمية وَقعت حَالا، من: شعر يشْعر من بَاب: نصر ينصر، وَفِي (الْعباب) شَعرت بالشَّيْء، بِالْفَتْح، أشعر بِهِ، بِالضَّمِّ، شعرًا وشعرة وشعرى، بِالْكَسْرِ فِيهِنَّ، وشعرة بِالْفَتْح، وشعوراً ومشعوراً ومشعورة: علمت بِهِ، وفطنت لَهُ، وَمِنْه قَوْلهم: لَيْت شعري. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَن حُصُول الثَّوَاب بالقيراطين أَو بقيراط الَّذِي هُوَ مثل جبل أحد، إِنَّمَا يحصل إِذا كَانَ عمله احتسابا خَالِصا لله تَعَالَى، وَفِي هَذَا الْبَاب مَا يُشِير إِلَى أَنه قد يعرض لِلْعَامِلِ مَا يحبط عمله، فَيحرم بِسَبَبِهِ الثَّوَاب الْمَوْعُود وَهُوَ لَا يشْعر، وَفِي نفس الْأَمر ذكر هَذَا الْبَاب إستطرادي، لأجل التَّنْبِيه على مَا ذكرنَا، وإلاَّ كَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر عقيب الْبَاب السَّابِق بَاب: أَدَاء الْخمس من الايمان، لِأَن الْأَبْوَاب المعقودة هَهُنَا فِي بَيَان شعب الايمان. الثَّالِث: ذكر النَّوَوِيّ أَن مُرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب الرَّد على المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الله لَا يعذب على شَيْء من الْمعاصِي، مِمَّن قَالَ: لَا اله الا الله، وَلَا يحبط شَيْء من أَعماله بِشَيْء من الذُّنُوب، وَإِن إِيمَان الْمُطِيع والعاصي سَوَاء، فَذكر فِي صدر الْبَاب أَقْوَال ائمة التَّابِعين، وَمَا نقلوه عَن الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَهُوَ كالمشير إِلَى أَنه لَا خلاف بَينهم فِيهِ، وَأَنَّهُمْ مَعَ اجتهادهم الْمَعْرُوف خَافُوا أَن لَا ينجوا من عَذَاب الله تَعَالَى، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: المرجئة أضداد الْخَوَارِج، والمعتزلة. الْخَوَارِج تكفر بِالذنُوبِ، والمعتزلة يفسقون بهَا، وَكلهمْ يُوجب الخلود فِي النَّار، والمرجئة تَقول: لَا تضر الذُّنُوب مَعَ الْإِيمَان، وغلاتهم تَقول: يَكْفِي التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَحده
وَلَا يضر عدم غَيره، وَمِنْهُم من يَقُول يَكْفِي التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَقَالَ غَيره: إِن من المرجئة من وَافق الْقَدَرِيَّة: كالصالحي والخالدي، وَمِنْهُم من قَالَ بالإرجاء دون الْقدر، وهم خمس فرق كفر بَعضهم بَعْضًا، والمرجئة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْجِيم وبهمزة، مُشْتَقّ من الإرجاء، وَهُوَ التَّأْخِير. وَقَوله تَعَالَى: {ارجئه واخاه} (الْأَعْرَاف: 111) أَي: أَخّرهُ، والمرجىء من يُؤَخر الْعَمَل عَن الْإِيمَان وَالنِّيَّة وَالْقَصْد، وَقيل: من الرَّجَاء، لأَنهم يَقُولُونَ: لَا تضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة، كَمَا لَا تَنْفَع مَعَ الْكفْر طَاعَة، وَقيل: مَأْخُوذ من الإرجاء بِمَعْنى: تَأْخِير حكم الْكَبِيرَة، فَلَا يقْضى لَهَا بِحكم فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِىُّ مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَليّ عَمَلي إلاَّ خَشِيتُ أَن أكُونَ مُكَذِّباً. الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: أَن ابراهيم هُوَ ابْن زيد بن شريك التَّيْمِيّ، تيم الربَاب، أَبُو أَسمَاء الْكُوفِي. قيل: قَتله الْحجَّاج بن يُوسُف، وَقيل: مَاتَ فِي سجنه لما طلب الإِمَام ابراهيم النَّخعِيّ، فَوَقع الرَّسُول بابراهيم التَّيْمِيّ، فَأَخذه وحبسه، فَقيل لَهُ: لَيْسَ إياك أَرَادَ، فَقَالَ: أكره أَن أدفَع عَن نَفسِي، وأكون سَببا لحبس رجل مُسلم بَرِيء الساحة، فَصَبر فِي السجْن حَتَّى مَاتَ. قَالَ يحيى: هُوَ ثِقَة، مرجىء، وَمن غَرَائِبه مَا روى عَن الْأَعْمَش عَن ابراهيم التَّيْمِيّ، قَالَ: إِنِّي لأمكث ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا آكل، وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وتيم الربَاب، بِكَسْر الرَّاء، قَالَ الْحَازِمِي: تيم الربَاب، وَهُوَ تيم بن عبد مَنَاة بن ود بن طابخة، وَقَالَ معمر ابْن الْمثنى: تيم الربَاب ثَوْر وعدي وعكل وَمُزَيْنَة بَنو عبد مَنَاة وضبة بن ود، قيل: سموا بِهِ لأَنهم غمسوا أَيْديهم فِي رب وتحالفوا عَلَيْهِ، هَذَا قَول ابْن الْكَلْبِيّ، وَقَالَ غَيره: سموا بِهِ لأَنهم ترببوا، أَي: تحالفوا على بني سعد بن زيد. قلت: الرب، بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: الطلاء الخاثر. الثَّانِي: أَن قَول ابراهيم هَذَا رَوَاهُ أَبُو قَاسم اللالكائي فِي سنَنه بِسَنَد جيد عَن الْقَاسِم بن جَعْفَر، انبأنا مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمَّاد، حَدثنَا الْعَبَّاس بن عبد الله، حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن أبي حَيَّان عَن ابراهيم بِهِ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) عَن أبي نعيم، وَأحمد بن حَنْبَل فِي (الزّهْد) كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي حَيَّان التَّيْمِيّ عَن ابراهيم التَّيْمِيّ بِهِ. الثَّالِث: مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ يخَاف أَن يكون مُكَذبا فِي قَوْله: إِنَّه مُؤمن لتَقْصِيره فِي الْعَمَل، فَيحرم بذلك الثَّوَاب وَهُوَ لَا يشْعر. الرَّابِع: فِي مَعْنَاهُ قَوْله: مُكَذبا رُوِيَ، بِفَتْح الذَّال بِمَعْنى: خشيت أَن يكذبنِي من رأى عَمَلي مُخَالفا لقولي، فَيَقُول: لَو كنت صَادِقا مَا فعلت خلاف مَا تَقول، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يعظ النَّاس، وَرُوِيَ بِكَسْر الذَّال، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَمَعْنَاهُ: أَنه لم يبلغ غَايَة الْعَمَل، وَقد ذمّ الله تَعَالَى من أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر وَقصر فِي الْعَمَل فَقَالَ: {كبر مقتاً عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الشُّعَرَاء: 36) فخشي أَن يكون مُكَذبا أَي: مشابهاً للمكذبين. وقالابنُ أَبي مُلَيْكَةَ أَدْرَكْت ثَلاَثِينَ مِنْ أصْحابِ النَّبىِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ على نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أحدٌ يَقُولُ إنَّهُ على إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ. الْكَلَام فِيهِ أَيْضا على وُجُوه. الأول: أَن ابْن أبي مليكَة هُوَ: عبد الله بن عبيد الله، بتكبير الإبن وتصغير الْأَب، وَاسم أبي ملكية، بِضَم الْمِيم: زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن تيم بن مرّة الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمَكِّيّ الْأَحول، كَانَ قَاضِيا لِابْنِ الزبير ومؤذناً، اتّفق على جلالته، سمع العبادلة الْأَرْبَعَة وَعَائِشَة وَأُخْتهَا اسماء وَأم سَلمَة وابا هُرَيْرَة وَعقبَة بن الْحَارِث والمسور بن مخرمَة، وادرك بِالسِّنِّ جمَاعَة وَلم يسمع مِنْهُم كعلي بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله عَنْهُمَا، مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّانِي: أَن قَوْله هَذَا أخرجه ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه مَوْصُولا من غير بَيَان الْعدَد، وَأخرجه مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الْإِيمَان لَهُ مطولا. الثَّالِث: فِي مَعْنَاهُ. فَقَوله: كلهم يخَاف النِّفَاق، أَي: حُصُول النِّفَاق فِي الخاتمة على نَفسه، إِذْ الْخَوْف إِنَّمَا يكون عَن أَمر فِي الِاسْتِقْبَال، وَمَا مِنْهُم من أحد يجْزم بِعَدَمِ عرُوض النِّفَاق، كَمَا هُوَ جازم فِي إِيمَان جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، بِأَنَّهُ لَا يعرضه النِّفَاق، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، وَتَبعهُ بَعضهم على هَذَا الْمَعْنى، وَلَيْسَ الْمَعْنى هَكَذَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَنهم كلهم كَانُوا على حذر وَخَوف من أَن يخالط إِيمَانهم النِّفَاق، وَمَعَ هَذَا لم يكن مِنْهُم أحد يَقُول: إِن إيمَانه كَإِيمَانِ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، لِأَن جِبْرِيل مَعْصُوم لَا يطْرَأ عَلَيْهِ الْخَوْف من النِّفَاق، بِخِلَاف هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُم غير معصومين. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عَليّ بن ابى طَالب، رَضِي الله عَنهُ، مَرْفُوعا: من
شهد لَا إِلَه الا الله وَإِنِّي رَسُول الله كَانَ مُؤمنا كَإِيمَانِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، قلت: ذكره ابو سعيد النقاش فِي (الموضوعات) . وَقَالَ، ابْن بطال: لما طَالَتْ أعمارهم حَتَّى رَأَوْا مَا لم يقدروا على إِنْكَاره خشيوا على أنفسهم أَن يَكُونُوا فِي حيّز من نَافق أَو داهن، وَيُقَال عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا: إِنَّهَا سَأَلت النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، عَن قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة} (الْمُؤْمِنُونَ: 60) فَقَالَ: هم الَّذين يصلونَ وَيَصُومُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ويفرقون ان لَا يتَقَبَّل مِنْهُم، وَقَالَ بعض السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: {وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون} (الزمر: 47) أَعمال كَانُوا يحتسبونها حَسَنَات بَدَت سيئات، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: وَمَا مِنْهُم إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَة زَائِدَة استفادها من أَحْوَالهم أَيْضا، وَهِي: أَنهم كَانُوا قائلين بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه. قلت: لَا يفهم ذَلِك من حَالهم، وَإِنَّمَا الَّذِي يفهم من حَالهم أَنهم كَانُوا خَائِفين سوء الخاتمة لعدم الْعِصْمَة، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَبَعض السّلف. ويُذْكَرُ عَن الَحسَنِ مَا خافَهُ إلاَّ مُؤْمِنٌ وَلَا أمِنَهُ إلاَّ مُنافِقٌ الْحسن هُوَ: الْبَصْرِيّ، رَحمَه الله، أَي: مَا خَافَ الله تَعَالَى إلاَّ مُؤمن، وَلَا أمِنَ الله تَعَالَى إلاَّ مُنَافِق، وكل وَاحِد من: خَافَ وَأمن، يتَعَدَّى بِنَفسِهِ. قَالَ تَعَالَى: {انما ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه فَلَا تخافوهم} (آل عمرَان: 175) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أمنته على كَذَا وائتمنته بِمَعْنى، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان} (الرَّحْمَن: 46) وَقَالَ: {فَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون} (الْأَعْرَاف: 99) وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا خافه، أَي: مَا خَافَ من الله تَعَالَى، فَحذف الْجَار، وأوصل الْفِعْل إِلَيْهِ. وَكَذَا فِي: أَمنه، إِذْ مَعْنَاهُ: أَمن مِنْهُ، وأمنه، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْمِيم. قلت: إِذا كَانَ الْفِعْل مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير حرف يُوصل بِهِ الْفِعْل إلاّ فِي مَوضِع يحْتَاج فِيهِ إِلَى تضمين معنى فعل بِمَعْنى فعل آخر، وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ بَعضهم، عقب كَلَام الْكرْمَانِي بعد نَقله هَذَا الْكَلَام: وَإِن كَانَ صَحِيحا، لكنه خلاف مُرَاد المُصَنّف وَمن نقل عَنهُ؟ قلت: وَأثر الْحسن هَذَا أخرجه الْفرْيَابِيّ عَن قُتَيْبَة، ثَنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن الْمُعَلَّى بن زِيَاد: (سَمِعت الْحسن يحلف فِي هَذَا الْمَسْجِد بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ: مَا مضى مُؤمن قطّ وَلَا بَقِي إلاَّ وَهُوَ من النِّفَاق مُشفق، وَلَا مضى مُنَافِق قطّ وَلَا بَقِي إلاَّ وَهُوَ من النِّفَاق آمن، وَكَانَ يَقُول: من لم يخف النِّفَاق فَهُوَ مُنَافِق) . قَالَ: وَحدثنَا ابو قدامَة عبيد الله بن سعيد، حَدثنَا مُؤَمل بن اسماعيل عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن الْحسن: (وَالله مَا أصبح وَلَا أَمْسَى مُؤمن إلاَّ وَهُوَ يخَاف النِّفَاق على نَفسه) . وَحدثنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، وَحدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن حبيب بن الشَّهِيد: (أَن الْحسن كَانَ يَقُول: إِن الْقَوْم لما رَأَوْا هَذَا النِّفَاق يَقُول الْإِنْسَان: لم يكن لَهُم هم غير النِّفَاق) . وَحدثنَا هِشَام بن عمار، حَدثنَا أَسد بن مُوسَى عَن أبي الْأَشْهب عَن الْحسن: (لما ذكر أَن النِّفَاق يغول الايمان لم يكن شَيْء أخوف عِنْدهم مِنْهُ) . وَحدثنَا هِشَام، حَدثنَا أَسد بن مُوسَى، حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان قَالَ: (سَأَلَ أبان عَن الْحسن. فَقَالَ: نَخَاف النِّفَاق. قَالَ: وَمَا يؤمنني، وَقد خافه عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ) . وَحدثنَا شَيبَان قَالَ: حَدثنَا ابْن الاشهب عَن طريف قَالَ: (قلت لِلْحسنِ، رَضِي الله عَنهُ: إِن نَاسا يَزْعمُونَ أَن لَا نفاق، أَو لَا يخَافُونَ، شكّ أَبُو الاشهب. فَقَالَ: وَالله لِأَن أكون أعلم اني بَرِيء من النِّفَاق أحب إِلَيّ من طلاع الأَرْض ذَهَبا) . وَقَالَ احْمَد بن حَنْبَل فِي كتاب الايمان: حَدثنَا روح بن عبَادَة، حَدثنَا هِشَام، سَمِعت الْحسن يَقُول: (وَالله مَا مضى مُؤمن وَلَا بَقِي إلاّ وَهُوَ يخَاف النِّفَاق، وَمَا أَمنه إلاّ مُنَافِق) . فَإِن قلت: هَذِه الْآثَار الثَّلَاثَة صَحِيحَة عِنْد البُخَارِيّ فَلِم ذكر الْأَوَّلين بِلَفْظ: قَالَ، الَّتِي هِيَ صِيغَة الْجَزْم بِالصِّحَّةِ، وَذكر الثَّالِث بِلَفْظ: يذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول الَّتِي هِيَ صِيغَة التمريض؟ قلت: لما نقل الأثرين الْأَوَّلين بِمثل مَا نقل عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَابْن أبي مليكَة، من غير تَغْيِير، ذكرهمَا بِصِيغَة الْجَزْم بِالصِّحَّةِ، وَنقل أثر الْحسن بِالْمَعْنَى على وَجه الِاخْتِصَار، فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض، وَصِيغَة التمريض لَا تخْتَص عِنْده بِضعْف الْإِسْنَاد وَحده، بل إِذا وَقع التَّغْيِير من حَيْثُ النَّقْل بِالْمَعْنَى، أَو من حَيْثُ الِاخْتِصَار، يذكرهُ بِصِيغَة التمريض، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي مثل هَذَا الْموضع، وَلَيْسَ مثل مَا ذكره الْكرْمَانِي بقوله: قلت: ليشعر بِأَن قَوْلهمَا ثَابت عِنْده صَحِيح الْإِسْنَاد، لَان: قَالَ، هُوَ صِيغَة الْجَزْم، وصريح الحكم بِأَنَّهُ صدر مِنْهُ، وَمثله يُسمى تَعْلِيقا بِصِيغَة التَّصْحِيح، بِخِلَاف: يذكر، فَإِنَّهُ لَا جزم فِيهِ، فَيعلم أَن فِيهِ ضعفا، وَمثله تَعْلِيق بِصِيغَة التمريض. وَمَا يُحْذَرُ مِن الإصْرَار على النِّفَاقِ والعِصْيان مِنِ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى {ولَمْ يُصِرُّوا على مَا فَعَلُوا
وهُمْ يَعْلَمُونَ} . هَذَا عطف على قَوْله: خوف الْمُؤمن، وَالتَّقْدِير: بَاب خوف الْمُؤمن من أَن يحبط عمله، وَخَوف التحذير من الاصرار على النِّفَاق. وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة، و: يحذر، على صِيغَة الْمَجْهُول بتَخْفِيف الذَّال وتشديدها، وَالْجُمْلَة محلهَا من الْإِعْرَاب الْجَرّ لِأَنَّهَا عطف على الْمَجْرُور كَمَا قُلْنَا، وآثار إبراهم التَّيْمِيّ وَابْن أبي مليكَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ مُعْتَرضَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ. فان قلت: فَلِمَ أوقعهَا مُعْتَرضَة؟ قلت: لِأَنَّهُ عقد الْبَاب على ترجمتين: الأولى: الْخَوْف من حَبط الْعَمَل، وَالثَّانيَِة: الحذر من الْإِصْرَار على النِّفَاق. وَذكر فِيهِ: ثَلَاثَة من الْآثَار، وَآيَة من الْقرَان، وحديثين مرفوعين. وَلما كَانَت الْآثَار الثَّلَاثَة مُتَعَلقَة بالترجمة الأولى ذكرهَا عقيبها، وَالْآيَة وَأحد الْحَدِيثين، وَهُوَ حَدِيث عبد الله، متعلقان بالترجمة الثَّانِيَة ذكرهمَا عقيبها، وَأما الحَدِيث الآخر، وَهُوَ حَدِيث عبَادَة، فَإِنَّهُ يتَعَلَّق بالترجمة الأولى أَيْضا على مَا نذكرهُ، وَهَذَا فِيهِ صِيغَة اللف والنشر غير مُرَتّب، والترجمة الثَّانِيَة فِي الرَّد على المرجئة لأَنهم قَالُوا: لَا حذر من الْمعاصِي مَعَ حُصُول الْإِيمَان، وَذكر البُخَارِيّ الْآيَة ردا عَلَيْهِم لِأَنَّهَا فِي مدح من اسْتغْفر من ذَنبه، وَلم يصر عَلَيْهِ، فمفهومه ذمّ من لم يفعل ذَلِك، وَكَأَنَّهُ لمح فِي ذَلِك حَدِيث عبد الله بن عَمْرو مَرْفُوعا، أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد حسن، قَالَ: (ويل للمصرين الَّذين يصرون على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ) أَي: يعلمُونَ أَن من تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ، ثمَّ لَا يَسْتَغْفِرُونَ، قَالَه مُجَاهِد وَغَيره. وَحَدِيث أبي بكر الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، مَرْفُوعا أخرجه التِّرْمِذِيّ باسناد حسن: (مَا أصر من اسْتغْفر وَإِن عَاد فِي الْيَوْم سبعين مرّة) . وَالْآيَة الْمَذْكُورَة فِي سُورَة آل عمرَان، وَهِي: {وَالَّذين اذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب الا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ} (آل عمرَان: 135) يفهم من الْآيَة أَنهم: إِذا لم يَسْتَغْفِرُوا، أَي: لم يتوبوا، وأصروا على ذنوبهم يكونُونَ مَحل الحذر وَالْخَوْف. وَقَالَ الواحدي: قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا فِي رِوَايَة عَطاء: نزلت هَذِه الْآيَة فِي نَبهَان التمار، أَتَتْهُ امْرَأَة حسناء تبْتَاع مِنْهُ تَمرا، فَضمهَا إِلَى نَفسه وَقبلهَا، ثمَّ نَدم على ذَلِك. فَأتى النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَذكر لَهُ ذَلِك، فَنزلت هَذِه الْآيَة. وَفِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ: (أَن رجلَيْنِ أَنْصَارِيًّا وثقيفياً آخى رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، بَينهمَا، فَكَانَا لَا يفترقان، قَالَ: فَخرج رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فِي بعض مغازيه، وَخرج مَعَه الثَّقَفِيّ وَخلف الْأنْصَارِيّ فِي أَهله وَحَاجته، وَكَانَ يتَعَاهَد أهل الثَّقَفِيّ، فَأقبل ذَات يَوْم فأبصر أمراته ضاحية قد اغْتَسَلت، وَهِي نَاشِرَة شعرهَا، فَوَقَعت فِي نَفسه، فَدخل عَلَيْهَا وَلم يسْتَأْذن حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا، فَذهب ليلثمها، فَوضعت كفها على وَجههَا، فَقبل ظَاهر كفها، ثمَّ نَدم واستحى، وَأدبر رَاجعا، فَقَالَت: سُبْحَانَ الله {خُنْت امانتك وعصيت رَبك وَلم تصب حَاجَتك. قَالَ: فندم على صنعه، فَخرج يسيح فِي الْجبَال وَيَتُوب إِلَى الله تَعَالَى من ذَنبه، حَتَّى وافى الثَّقَفِيّ، فَأَخْبَرته امْرَأَته بِفِعْلِهِ، فَخرج يَطْلُبهُ حَتَّى دلّ عَلَيْهِ، فوافقه سَاجِدا لله، عز وَجل، وَهُوَ يَقُول: رب ذَنبي ذَنبي، قد خُنْت أخي. فَقَالَ لَهُ: يَا فلَان} قُم فَانْطَلق إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاسْأَلْهُ عَن ذَنْبك لَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يَجْعَل لَك فرجا وتوبة، فاقبل مَعَه حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ ذَات يَوْم عِنْد صَلَاة الْعَصْر نزل جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، بتوبته، فَتَلَاهَا على رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {وَالَّذين اذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا انفسهم ذكرُوا الله} (آل عمرَان: 135) إِلَى قَوْله: {وَنعم أجر العاملين} (آل عمرَان: 136) فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله عَنهُ: أخاص هَذَا لهَذَا الرجل أم للنَّاس عَامَّة فِي التَّوْبَة، قَالَ: الْحَمد لله رب الْعَالمين. 48 - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حدّثناشُعْبَةُ عَن زُبَيْدٍ قَالَ سَأَلت أَبَا وَائِلٍ عنِ المُرجِئَة فَقَالَ حدّثني عبدُ اللهِ أَن النَّبِىَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ سِبَابُ المُسْلِم فسُوُقٌ وَقِتالُهُ كُفْرٌ. قد قُلْنَا آنِفا: إِن حَدِيث عبد الله هَذَا للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة، وهى قَوْله: وَمَا يحذر عَن الْإِصْرَار إِلَى آخِره، فان قلت: كَيفَ مطابقته على التَّرْجَمَة؟ قلت: لما دلّ الحَدِيث على إبِْطَال قَول المرجئة الْقَائِلين بِعَدَمِ تفسيق مرتكبي الْكَبَائِر، وَعدم جعل السباب فسوقاً، وَعدم مقاتلة الْمُسلم كفراناً لحقه، طابق قَوْله: وَمَا يحذر عَن الْإِصْرَار إِلَى آخِره. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: ابو عبد الله مُحَمَّد بن عرْعرة، بالعينين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالرَّاء المكررة، غير منصرف للعلمية والتأنيث، ابْن البرند، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء الْمَكْسُورَة، وَيُقَال، بفتحهما وَسُكُون النُّون وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَكَأَنَّهُ
فَارسي مُعرب، ابْن النُّعْمَان، الْقرشِي السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى: سامة بن لؤَي بن غَالب، الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، عَن خمس وَسبعين سنة. قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن مُسلما روى لَهُ مَعَه، وَكَذَا أَبُو دَاوُد روى لَهُ، نبه عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي، وَاقْتصر صَاحب (الْكَمَال) على أبي دَاوُد. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: زبيد، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، ابْن الْحَارِث بن عبد الْكَرِيم، ابو عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال لَهُ: ابو عبد الله اليامي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، جد للقبيلة، بطن من هَمدَان، وَيُقَال: الأيامي أَيْضا، الْكُوفِي روى عَن أبي وَائِل وَجمع من التَّابِعين، وَعنهُ الْأَعْمَش وَغَيره من التَّابِعين، وجلالته مُتَّفق عَلَيْهَا وَكَانَ من الْعباد المتنسكين. قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ زبيد، بالضبط الْمَذْكُور، إلاَّ هَذَا، وَأما زبيد، بِضَم الزَّاي وباليائين بِاثْنَتَيْنِ من تَحت، أبي الصَّلْت فمذكور فِي (الْمُوَطَّأ) وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكِتَابَيْنِ. الرَّابِع: أَبُو وَائِل، بِالْهَمْزَةِ بعد الالف، شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي، أَسد خُزَيْمَة، كُوفِي تَابِعِيّ، أدْرك زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يره، وَقَالَ: ادركت سبع سِنِين من سني الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ: كنت قبل مبعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْن عشر سِنِين أرعى إبِلا لأهلي، وَسمع عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان وعلياً وَابْن مَسْعُود وَعمَّارًا وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، رضوَان الله عَلَيْهِم، وَعنهُ خلق من التَّابِعين وَغَيرهم، واجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه، وَهُوَ من أجلّ اصحاب ابْن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، يثني عَلَيْهِ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ على الْمَحْفُوظ، وَقَالَ ابو سعيد بن صَالح: كَانَ ابو وَائِل يؤم جنائزنا وَهُوَ ابْن مائَة وَخمسين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، وَقد تقدم. بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصُورَة الْجمع وَصُورَة الْإِفْرَاد وَالسُّؤَال والعنعنة. وَمِنْهَا: ان رِجَاله مَا بَين: بَصرِي وواسطي وكوفي. وَمِنْهَا: أَنهم ائمة أجلاء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هُنَا عَن مُحَمَّد بن عرْعرة عَن شُعْبَة، وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة، واخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بكار بن الريان، وَعون بن سَالم، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن طَلْحَة، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان: ثَلَاثَتهمْ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ زبيد. قلت لأبي وَائِل: أَنْت سمعته من عبد الله؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة عَن مَحْمُود بن غيلَان بِهِ، وَعَن عمر بن عَليّ عَن ابْن أبي عدي، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن أبي دَاوُد، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ، مَوْقُوفا. بَيَان اللُّغَة: قَوْله: (عَن المرجئة) أَي: الْفرْقَة الملقبة بالمرجئة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (سباب الْمُسلم) ، بِكَسْر السِّين وَتَخْفِيف الْبَاء بِمَعْنى: السب، وَهُوَ: الشتم، وَهُوَ التَّكَلُّم فِي عرض الْإِنْسَان بِمَا يعِيبهُ. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مصدر، يُقَال: سبّ يسب سبا وسباباً. قلت: هَذَا لَيْسَ بمصدر سبّ يسب، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم بِمَعْنى السب، كَمَا قُلْنَا، أَو مصدر من بَاب المفاعلة، وَفِي (الْمطَالع) : السباب: المشاتمة، وَهِي من السب، وَهُوَ الْقطع. وَقيل: من السبة، وَهِي حَلقَة الدبر كَأَنَّهَا على القَوْل الأول: قطع المسبوب عَن الْخَيْر وَالْفضل، وعَلى الثَّانِي: كشف الْعَوْرَة وَمَا يَنْبَغِي أَن يسْتَتر. وَفِي (الْعباب) : التَّرْكِيب يدل على الْقطع، ثمَّ اشتق مِنْهُ الشتم، وَقَالَ ابراهيم الْحَرْبِيّ: السباب أَشد من السب، وَهُوَ أَن يَقُول فِي الرجل مَا فِيهِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ. قلت: هَذَا أَيْضا يُصَرح بِأَن السباب لَيْسَ بمصدر، فَافْهَم. قَوْله: (فسوق) مصدر، وَفِي (الْعباب) : الْفسق الْفُجُور، يُقَال: فسق يفسق ويفسق أَيْضا عَن الْأَخْفَش: فسقاً وفسوقاً أَي فجر. وَقَوله تَعَالَى {وانه لفسق} (الْأَنْعَام: 121) أَي: خُرُوج عَن الْحق، يُقَال: فسقت الرّطبَة، إِذا خرجت عَن قشرها، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {ففسق عَن أَمر ربه} (الْكَهْف: 50) أَي: خرج عَن طَاعَة ربه، وَقَالَ اللَّيْث: الْفسق التّرْك لأمر الله تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْميل إِلَى الْمعْصِيَة. وَسميت الْفَأْرَة: فويسقة، لخروجها من جحرها على النَّاس: وَقَالَ ابو عُبَيْدَة: ففسق عَن أَمر ربه، أَي جَازَ عَن طَاعَته، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: الفسوق: يكون الشّرك وَيكون الْإِثْم. قَوْله: (وقتاله) أَي: مقاتلته، وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهَا: الْمُخَاصمَة، وَالْعرب تسمي الْمُخَاصمَة: مقاتلة. بَيَان الاعراب: قَوْله: (ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَصله: بِأَن النَّبِي إِلَى ... آخِره، وَقَوله: (قَالَ) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: إِن.
قَوْله: (سباب الْمُسلم) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: (فسوق) خَبره. فان قلت: هَذَا إِضَافَة الى الْفَاعِل اَوْ الْمَفْعُول. قلت: بل إِضَافَة الى الْمَفْعُول، قَوْله: وقتاله، كَذَلِك اضافته إِلَى الْمَفْعُول، وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: (كفر) . بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (عَن المرجئة) . مَعْنَاهُ سَأَلت أَبَا وَائِل عَن الطَّائِفَة المرجئة: هَل هم مصيبون فِي مقالتهم مخطئون؟ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو وَائِل فِي جَوَابه لزبيد بن الْحَارِث: حَدثنِي عبد الله أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: (سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر) يَعْنِي: أَنهم مخطئون، لأَنهم لَا يجْعَلُونَ سباب الْمُسلم فسوقا، وَلَا قِتَاله كفرا فِي حق الْمُسلم، وَلَا يفسقون مرتكبي الذُّنُوب، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر بِخِلَاف مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَدلَّ ذَلِك على كَونهم على خطأ وضلال، وَبِهَذَا التَّقْدِير الَّذِي قدرناه يُطَابق جَوَاب أَبَا وَائِل سُؤال زبيد، وَقَالَ بَعضهم: فِي التَّقْدِير أَي: عَن مقَالَة المرجئة، وَهَذَا لَا يَصح لِأَن على هَذَا التَّقْدِير لَا يُطَابق الْجَواب السُّؤَال. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عَن زبيد قَالَ: لما ظَهرت المرجئة أتيت أَبَا وَائِل، فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَدلَّ هَذَا أَن سُؤَاله كَانَ عَن معتقدهم، وَأَن ذَلِك كَانَ حِين ظُهُورهمْ. قلت: لَا نسلم هَذِه الدّلَالَة، بل الَّذِي يدل على أَنه وقف على مقالتهم، حَتَّى سَأَلَ أَبَا وَائِل: هَل هِيَ صَحِيحَة أَو بَاطِلَة؟ فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث، وَإِن تضمن الرَّد على المرجئة، لَكِن ظَاهره يُقَوي مَذْهَب الْخَوَارِج الَّذِي يكفرون بِالْمَعَاصِي: قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ لم يرد بقوله: (وقتاله كفر) ، حَقِيقَة الْكفْر الَّتِي هِيَ خُرُوج عَن الْملَّة، بل إِنَّمَا أطلق عَلَيْهِ: الْكفْر، مُبَالغَة فِي التحذير، وَالْإِجْمَاع من أهل السّنة مُنْعَقد على أَن الْمُؤمن لَا يكفر بِالْقِتَالِ، وَلَا يفعل مَعْصِيّة أُخْرَى، وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ المُرَاد بالْكفْر الْخُرُوج عَن الْملَّة بل كفران حُقُوق الْمُسلمين لِأَن الله تَعَالَى جعلهم أخوة، وَأمر بالإصلاح بَينهم، ونهاهم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن التقاطع والمقاتلة، فَأخْبر أَن من فعل ذَلِك فقد كفر حق أَخِيه الْمُسلم، وَيُقَال: أطلق عَلَيْهِ الْكفْر لشبهه بِهِ، لِأَن قتال الْمُسلم من شَأْن الْكَافِر، وَيُقَال: المُرَاد بِهِ الْكفْر اللّغَوِيّ، وَهُوَ السّتْر، لِأَن حق الْمُسلم على الْمُسلم أَن يُعينهُ وينصره ويكف عَنهُ أَذَاهُ، فَلَمَّا قَاتله كَأَنَّهُ كشف عَنهُ هَذَا السّتْر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد أَنه يؤول إِلَى الْكفْر لشؤمه، أَو أَنه كَفعل الْكَفَّارَة وَقَالَ الْخطابِيّ: المُرَاد بِهِ الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى، فَإِن ذَلِك فِي حق من فعله مستحلاً بِلَا مُوجب وَلَا تَأْوِيل، أما المؤول فَلَا يكفر وَلَا يفسق بذلك، كالبغاة الخارجين على الإِمَام بالتأويل، وَقَالَ بَعضهم: فِيمَا قَالَه الْكرْمَانِي بعد، وَمَا قَالَه الْخطابِيّ أبعد مِنْهُ. ثمَّ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَلَو كَانَ مرَادا لم يحصل التَّفْرِيق بَين السباب والقتال، فَإِن مستحلاً لعن الْمُسلم بِغَيْر تَأْوِيل كفر أَيْضا. قلت: إِذا كَانَ اللَّفْظ مُحْتملا لتأويلات كَثِيرَة، هَل يلْزم مِنْهُ أَن يكون جَمِيعهَا مطابقا للتَّرْجَمَة؟ فَمن ادّعى هَذِه الْمُلَازمَة فَعَلَيهِ الْبَيَان، فَإِذا وَافق أحد التأويلات للتَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ يَكْفِي للتطابق. وَقَوله: وَلَو كَانَ مرَادا لم يحصل التَّفْرِيق ... الخ، غير مُسلم لِأَنَّهُ تَخْصِيص الشق الثَّانِي بالتأويل لكَونه مُشكلا بِحَسب الظَّاهِر، والشق الأول لَا يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل لكَون ظَاهره غير مُشكل. فَإِن قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (لعن الْمُسلم كقتله) ، قلت: التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ، وَوجه التَّشْبِيه هُوَ حُصُول الْأَذَى بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: فِي الْعرض، وَالْآخر: فِي النَّفس. فَإِن قلت: السباب والقتال كِلَاهُمَا على السوَاء فِي أَن فاعلهما يفسق ولايكفر، فلِمَ قَالَ فِي الأول فسوق، وَفِي الثَّانِي كفر؟ قُلْنَا: لِأَن الثَّانِي أغْلظ، أَو لِأَنَّهُ بأخلاق الْكفَّار أشبه. (أخبرنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد عَن أنس قَالَ أَخْبرنِي عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج يعْتَبر بليلة الْقدر وفتلاحى رجلَانِ من الْمُسلمين فَقَالَ إِنِّي خرجت لاخبر كم بليلة الْقدر وَإنَّهُ تلاحى فلَان وَفُلَان فَرفعت وَعَسَى أَن يكون خيرا لكم التمسوها فِي السَّبع وَالْخمس.) هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الأولى وَوجه تطابقه اياها من حَيْثُ أَن فِيهِ ذمّ التلاحى وَأَن صَاحبه نَاقص لِأَنَّهُ يشْتَغل ع كثير من الْخَيْر بِسَبَبِهِ سِيمَا إِذا كَانَ فِي الْمَسْجِد وَعنهُ جهر الصَّوْت بِحَضْرَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل رُبمَا ينجر إِلَى بطلَان الْعَمَل وَهُوَ لَا يشْعر قَالَ تَعَالَى (وَلَا تجْهر واله بالْقَوْل كحهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون) وَقَالَ بَعضهم بعد أَن أَخذ هَذَا الْكَلَام من الكرمانى وَمن هُنَا يَتَّضِح مُنَاسبَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ومطابقتها وَقد خفيت على كثير
من الْمُتَكَلِّمين على هَذَا الْكتاب قلت أَن هَذَا عَجِيب شَدِيد يَأْخُذ كَلَام النَّاس وينسبه إِلَى نَفسه مُدعيًا أ، غَيره قد خفى عَلَيْهِ ذَلِك على أَن هَذَا الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي فِي وَجه الْمُطَابقَة إِنَّمَا يُقَاد بِالْجَرِّ الثقيل على مَا لَا يخفي على من يتأمله فَإِذا أمعن النَّاظر فِيهِ لَا يجد لذكر هَذَا لحَدِيث هُنَا مُنَاسبَة وَلَا مطابقاً للتَّرْجَمَة (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة قُتَيْبَة بن سعيد وَقد مر ذكره فِي بَاب السَّلَام من السَّلَام. الثَّانِي إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الْأنْصَارِيّ المدنى وَقد مر فِي بَاب عَلَامَات الْمُنَافِق الثَّالِث حميد بِضَم الْحَاء ابْن أبي حميد وَاسم أبي حميدتين بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْبَصْرِيّ مولى طَلْحَة الطلحات وَهُوَ مَشْهُور بحميد الطَّوِيل قيل كَانَ قَصِيرا طَوِيل الْيَدَيْنِ فَقيل لَهُ ذَلِك وَكَانَ يقف عِنْد الْمَيِّت فتصل أحدى يَدَيْهِ إِلَى رأٍ سه والاخرى إِلَى رجلَيْهِ وَقَالَ الْأَصْمَعِي رَأَيْته وَلم يكن بذلك الطَّوِيل بل كَانَ فِي مر ذكره الْخَامِس عبَادَة بن الصَّامِت رَضِي الله عَنهُ وَقد مر ذكره فِي بَاب عَلامَة الْإِيمَان حب الْأَنْصَار بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والاخبار وبالافراد والعنعنة وَلَكِن فِي رِوَايَة الاصيلي حَدثنَا أنس فعلى رِوَايَته أَمن من تَدْلِيس حميد وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بيين بلخي ومدني وَبصرى (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن اخرجه غَيره) أخرجه أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن خَالِد بن الْحَارِث وَفِي الْأَدَب عَن مُسَدّد عَن بشر بن الْمفضل بن مُغفل ثَلَاثَتهمْ عَن حميد الطَّوِيل عَنهُ بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاعْتِكَاف عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ وَعَن على بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ وَعَن عمر أَن بن مُوسَى عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن حميد بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله " فتلاحى " بِفَتْح الْحَاء من التلاحى بِكَسْر الْحَاء وَهُوَ التَّنَازُع قَالَ الْجَوْهَرِي تلاحوا إِذا تنازعوا وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الملاحاة الْخُصُومَة والسباب وَالِاسْم اللحاء بِكَسْر الْحَاء وَهُوَ التَّنَازُع قَالَ الْجَوْهَرِي تلاحوا إِذا تنازعوا وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الملاحاة الْخُصُومَة والسباب وَالِاسْم اللحاء بِكَسْر اللَّام ممدودا قلت الَّذِي ذكره من بَاب المفاعلة وَالَّذِي فِي الحَدِيث من بَاب التفاعل لَان تلاحي اصله تلاحى بِفَتْح الْيَاء على وزن تفَاعل قلبت الْيَاء الْفَا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا والمصدر تلاح أَصله تلاحي فأعل اعلال قَاض فان قلت قد علم أَن بَاب التفاعل لمشاركة الْجَمَاعَة نَحْو تخاصم الْقَوْم وَبَاب المفاعلة لمشاركة اثْنَيْنِ نَحْو قَاتل زيد وَعَمْرو وَكَانَ الْقيَاس هُنَا أَن يذكر من بَاب النلاحاة لِأَنَّهَا كَانَت بَين رجلَيْنِ. قلت التَّحْقِيق فِي هَذَا الْبَاب أَن وضع فَاعل لنسبة الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل مُتَعَلقا بِغَيْرِهِ مَعَ أَن الْغَيْر فعل مثل ذَلِك وَوضع تفَاعل لنسبته إِلَى المشتركين فِيهِ من غير قصد إِلَى تعلق لَهُ فَلذَلِك جَاءَ الأول زَائِدا على الثَّانِي بمفعول ابدا فَأن كَانَ تفَاعل من فَاعل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعول كضارب لم يَتَعَدَّ وَإِن كَانَ من الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعولين كجاذبته الثَّوْب يتَعَدَّى إِلَى وَاحِد وَقد يفرق بَينهمَا من حَيْثُ الْمَعْنى فان البادىء فِيهِ غير مَعْلُوم دون تفَاعل وجاه تلاحى هَهُنَا من لاحيته لم يَتَعَدَّ إِلَى مفعول فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع دَقِيق قَوْله " التمسوها " من الالتماس وَهُوَ الطّلب (بَيَان الْأَعْرَاب) قَوْله " خرج " أَي من الْحُجْرَة جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله " يخبر " جملَة مستأنفة وَالْأولَى أَن تكون حَالا وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ مثبتا لَا يجوز فِيهِ الْوَاو قان قلت الْخُرُوج لم يكن فِي حَال الْأَخْبَار قلت هَذِه تسمى حَالا مقدرَة أَي خرج مُقَدّر الْأَخْبَار وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى " فادخلوها خَالِدين " أَي مقدرين الخلود وَلَا شكّ أَن الْخُرُوج حَالَة تَقْدِير الْأَخْبَار كالدخول حَالَة تَقْدِير الخلود قَوْله " فتلاحى " فعل ورجلان فَاعله وَكلمَة من بَيَانِيَّة مَعَ مَا فِيهَا من معنى التبغيض قَوْله " أَنِّي خرجت " مقول القَوْل قَوْله " لاخبركم " بِنصب الراءبان الْمقدرَة بعد لَام التَّعْلِيل إِذْ أَصله لِأَن أخْبركُم وَاخْبَرْ يَقْتَضِي ثَلَاثَة مفاعيل الأول كَاف الْخطاب وَقَوله بليلة الْقدر سد مسد الْمَفْعُول الثَّانِي وَالثَّالِث لن التَّقْدِير أخبركمك بِأَن لَيْلَة الْقدر هِيَ اللَّيْلَة الْفُلَانِيَّة وَلَا يجوز أَن يكون بليلة الْقدر سد مسد الْمَفْعُول الثَّانِي وَالثَّالِث لَان التَّقْدِير أخْبركُم بِأَن لَيْلَة الْقدر هِيَ اللَّيْلَة الْفُلَانِيَّة وَلَا يجوز أَن يكون بليلة الْقدر الْمَفْعُول الثَّانِي وَيكون الثَّالِث محذوفاً لِأَن الْمَفْعُول الأول فِي هَذَا الْبَاب كمفعول اعطيت وَالْمَفْعُول الثَّانِي وَالثَّالِث كمفعول علمت بِمَعْنى إِذا ذكر أَحدهمَا يجب ذكر الآخر لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنى كالمبتدأ وَالْخَبَر فَلَا بُد من ذكر أَحدهمَا إِذا ذكر الآخر قَوْله " وَأَنه "
- ( {باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة} )
بِكَسْر الْهمزَة عطف على قَوْله إِنِّي وَالضَّمِير فِيهِ للشان وَقَوله " تلاحى فلَان " جملَة فِي مَحل الرّفْع على انه خبر أَن قَوْله " فَرفعت " عطف على تلاحى وَالْفَاء تصلح للسَّبَبِيَّة قَوْله " وَعَسَى أَن يكون " قد علم أَن فَاعل عَسى على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون اسْما نَحْو عَسى زَيْدَانَ يخرج فزيد مَرْفُوع بالفاعلية وَأَن يخرج فِي مَوضِع نصب لانه بِمَنْزِلَة قَارب زيد الْخُرُوج وَالثَّانِي أَن تكون أَن مَعَ جُمْلَتهَا فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو عَسى أَن يخرج زيد فَتكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة قرب أَن يخرج أَي خُرُوجه إِلَّا أَن الْمصدر لم يسْتَعْمل وَقَوله عَسى أَن يكون من قبيل الثَّانِي وَالضَّمِير فِي يكون يرجع إِلَى الرّفْع الدَّال عَلَيْهِ قَوْله فَرفعت وَقَوله خير لنصب بِأَنَّهُ خبر يكون (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " فتلاحى رجلَانِ " هما عبد الله بن أبي حَدْرَد بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره دَال اخرى وَكَعب بن مَالك كَانَ على عبد الله دين لكعب يَطْلُبهُ فتنازعا فِيهِ ورفعا صوتيهما فِي الْمَسْجِد قَوْله " فَرفعت " قَالَ النَّوَوِيّ أَي رفع بَيَانهَا أَو علمهَا والافهى بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وشذ قوم فَقَالُوا رفعت لَيْلَة الْقدر وَهَذَا غلط لِأَن آخر الحَدِيث يرد عَلَيْهِم فَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " التمسوها " وَلَو كَانَ المُرَاد رفع وجودهَا لم يَأْمُرهُم بالتماسها لَا يُقَال كَيفَ يُؤمر بِطَلَب مَا رفع علمه لانا نقُول المُرَاد طلب التَّعَبُّد فِي مظانها وَرُبمَا يَقع الْعَمَل مصادفاً لَهَا أَنه مَأْمُور بِطَلَب الْعلم بِعَينهَا والاوجه أَن يُقَال رفعت من قلبِي بِمَعْنى نسيتهَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي سعيد " فجَاء رجلَانِ يحتقنان " بتَشْديد الْقَاف أَي يدعى كل مِنْهُمَا أَنه المحق " مَعَهُمَا الشَّيْطَان فنسيتها " وَيعلم من حَدِيث عبَادَة ان سَبَب الرّفْع التلاحى وَمن حَدِيث أبي سعيد هُوَ النسْيَان وَيحْتَمل أَن يكون السَّبَب هُوَ الْمَجْمُوع وَلَا مَانع مِنْهُ قَوْله " وَعَسَى أَن يكون خير لكم " لتزيدوا فِي الِاجْتِهَاد وتقوموا فِي اللَّيَالِي لطلبها فَيكون زِيَادَة فِي ثوابكم وَلَو كَانَت مُعينَة لاقتنعتم بِتِلْكَ اللَّيْلَة فَقل عَمَلكُمْ قَوْله " التمسوها فِي السَّبع " أَي لَيْلَة السَّبع وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَالتسع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَالْخمس وَالْعِشْرين مِنْهُ وَهَكَذَا وَقع فِي مستخرج ابي نعيم فان قلت من أَيْن اسْتُفِيدَ التَّقْيِيد بالعشرين وبرمضان قلت من الْأَحَادِيث الآخر الدَّالَّة عَلَيْهِمَا وَقد مر فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر الْأَقْوَال الَّتِي ذكرت فِيهَا بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول فِيهِ ذمّ الملاحاة وَنقص صَاحبهَا الثَّانِي أَن الملاحاة والمخاصمة سَبَب الْعقُوبَة للعامة بذنب الْخَاصَّة فَإِن الْأمة حرمت اعلام هَذِه اللَّيْلَة بِسَبَب التلاحى بِحَضْرَتِهِ الشَّرِيفَة لَكِن فِي قَوْله " وَعَسَى أَن يكون خيرا " بعض التأنيس لَهُم وَقَالَ النَّوَوِيّ ادخل البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفع لَيْلَة الْقدر كَانَ بِسَبَب تلاحيهما ورفعهما الصَّوْت بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَفِيهِ مذمة الملاحاة ونقصان صَاحبهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فَأن قلت إِذا جَازَ أَن يكون الرّفْع خيرا فلامذمة فِيهِ وَلَا شَرّ وَلَا حَبط عمل قلت أَن أُرِيد بِالْخَيرِ اسْم التَّفْصِيل فَمَعْنَاه أَن الرّفْع عَسى أَن يكون خيرا من عدم الرّفْع خير فلامذمة فِيهِ وَلَا شَرّ وَلَا حَبط عمل قلت أَن أُرِيد بِالْخَيرِ اسْم التَّفْضِيل فَمَعْنَاه أَن الرّفْع عَسى أَن يكون خيرا وَأَن عدم الرّفْع أَزِيد خيرا وَأولى مِنْهُ ثمَّ أَن خيرية ذَاك كَانَت مُحَققَة وخيرية هَذَا مرجوة لِأَن مفَاد عَسى هُوَ الرَّجَاء لَا غير. الثَّالِث فِيهِ الْحَث على طلب لَيْلَة الْقدر. الرَّابِع قَالَ القَاضِي عِيَاض فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُخَاصمَة مذمومة وَأَنَّهَا مثل الْعقُوبَة المعنوية وَقَالَ بَعضهم فان قيل كَيفَ تكون الْمُخَاصمَة فِي طلب الْحق مذمومة قُلْنَا إِنَّمَا كَانَت كَذَلِك لوقوعها فِي الْمَسْجِد وَهُوَ مَحل الذّكر لَا اللَّغْو سِيمَا فِي الْوَقْت الْمَخْصُوص أَيْضا بِالذكر وَهُوَ شهر رَمَضَان قلت طلب الْحق غير مَذْمُوم لَا فِي الْمَسْجِد وَلَا فيا لوقت الْمَخْصُوص وَإِنَّمَا المذمة فِيهَا لَيست رَاجِعَة إِلَى مُجَرّد الْخُصُومَة فِي الْحق وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَة إِلَى زِيَادَة مُنَازعَة حصلت بَينهمَا عَن الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ وَتلك الزِّيَادَة هِيَ اللَّغْو وَالْمَسْجِد لَيْسَ بِمحل اللَّغْو مَعَ مَا كَانَ فِيهَا من رفع الصَّوْت بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَافْهَم. 37 - ( {بَاب سُؤال جِبْريلَ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ وعِلْمِ السَّاعةِ} ) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان سُؤال جِبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام الخ. وَالْبَاب مُضَاف إِلَى السُّؤَال، وَالسُّؤَال
إِلَى جِبْرِيل إِضَافَة الْمصدر إِلَى فَاعله، وَجِبْرِيل لَا ينْصَرف للعلمية والعجمة، وَقد تكلمنا فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَوله: (النَّبِي) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول الْمصدر، وَقَوله: (عَن الْإِيمَان) يتَعَلَّق بالسؤال. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْمُؤمن الَّذِي يخَاف أَن يحبط عمله وَفِي هَذَا الْبَاب يذكر بِمَاذَا يكون الرجل مُؤمنا، وَمن الْمُؤمن فِي الشَّرِيعَة. الثَّالِث: قَوْله (وَعلم السَّاعَة) عطف على قَوْله: الْإِيمَان، أَي: علم الْقِيَامَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سميت سَاعَة لوقوعها بَغْتَة، أَو لسرعة حِسَابهَا، أَو على الْعَكْس لطولها. فَهُوَ تمليح، كَمَا يُقَال فِي الْأسود كافورا، وَلِأَنَّهَا عِنْد الله تَعَالَى على طولهَا كساعة من السَّاعَات عِنْد الْخلق. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَوقت السَّاعَة، لِأَن السُّؤَال عَن وَقتهَا حَيْثُ قَالَ، مَتى السَّاعَة؟ وَكلمَة مَتى، للْوَقْت، وَلَيْسَ السُّؤَال عَن علمهَا. قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: وَعلم وَقت السَّاعَة، بِقَرِينَة ذكر: مَتى، وَالْعلم لَازم السُّؤَال، إِذْ مَعْنَاهُ: أتعلم وَقت السَّاعَة؟ فَأَخْبرنِي، فَهُوَ مُتَضَمّن للسؤال عَن علم وَقتهَا. وبيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ ثمَّ قَالَ جاءَ جِبْرِيلُ عليهِ السلامُ يُعَلِّمُكمْ دِينَكُمْ فَجَعلَ ذلِكَ كُلَّهُ دِينا. وَمَا بَيَّنَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإيمانِ. وقَوْلِهِ تَعَالَى {ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ} (آل عمرَان: 85) . و: بَيَان، مجرور لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: سُؤال، قَوْله: (لَهُ) أَي: لجبريل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقد أعَاد الْكرْمَانِي الضَّمِير إِلَى الْمَذْكُور من قَوْله: (عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام والاحسان وَعلم السَّاعَة) ، وَهَذَا وهم مِنْهُ، ثمَّ تكلّف بِجَوَاب عَن سُؤال بناه على مَا زَعمه ذَلِك، فَقَالَ: فَإِن قلت: لم يبين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت السَّاعَة، فَكيف قَالَ: وَبَيَان النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لَهُ لِأَن الضَّمِير إِمَّا رَاجع إِلَى الْأَخير أَو إِلَى مَجْمُوع الْمَذْكُور؟ قلت: إِمَّا أَنه أطلق وَأَرَادَ أَكْثَره، إِذْ حكم مُعظم الشَّيْء حكم كُله، أَو جعل الحكم فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يُعلمهُ إلاَّ الله بَيَانا لَهُ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَيْفيَّة استدلاله من سُؤال جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَجَوَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه على جعل كل ذَلِك دينا، فَلذَلِك قَالَ: ثمَّ قَالَ، بِالْجُمْلَةِ الفعلية عطفا على الْجُمْلَة الاسمية، لِأَن الأسلوب يتَغَيَّر بِتَغَيُّر الْمَقْصُود، لِأَن مَقْصُوده من الْكَلَام الأول هُوَ التَّرْجَمَة، وَمن هَذَا الْكَلَام كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال، فلتغاير المقصودين تغاير الأسلوبان، وَفِي عطف الفعلية على الاسمية وعكسها خلاف بَين النُّحَاة. قَوْله: (فَجعل) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي. فَإِن قلت: علم وَقت السَّاعَة لَيْسَ من الْإِيمَان، فَكيف قَالَ كُله، قلت: الِاعْتِقَاد بوجودها، وبعدم الْعلم بوقتها لغير الله تَعَالَى من الدّين أَيْضا أَو أعْطى للْأَكْثَر حكم الْكل مجَازًا، فِيهِ نظر لِأَن لَفظه: كل، يدْفع الْمجَاز. قَوْله: (وَمَا بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة الْوَاو هُنَا بِمَعْنى المصاحبة، وَالْمعْنَى: جعل النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، سُؤال جِبْرِيل، وَجَوَاب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، كُله دينا مَعَ مَا بيَّن لوفد عبد الْقَيْس من الْإِيمَان، وَبَينه فِي قصتهم بِمَا فسر بِهِ الاسلام هَهُنَا، وَأَرَادَ بِهَذَا الْإِشْعَار بِأَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد، على مَا هُوَ مذْهبه وَمذهب جمَاعَة من الْمُحدثين، وَقد نقل أَبُو عوَانَة الاسفرائني فِي (صَحِيحه) عَن الْمُزنِيّ صَاحب الشَّافِعِي، رَحمَه الله، الْجَزْم بِأَنَّهُمَا وَاحِد، وَأَنه سمع ذَلِك مِنْهُ. وَعَن الإِمَام أَحْمد الْجَزْم بتغايرهما، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان. وَكلمَة مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: مَعَ بَيَان النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لوفد عبد الْقَيْس. قَوْله: وَقَوله {وَمن يبتغ غير الاسلام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ} (آل عمرَان: 85) عطف على قَوْله: (وَمَا بَين النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام) ، وَالتَّقْدِير: وَمَعَ قَوْله تَعَالَى: {وَمن يبتغ} (آل عمرَان: 85) أَي مَعَ مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة أَن الْإِسْلَام هُوَ الدّين، أَي: وَمن يطْلب غير الْإِسْلَام دينا، والابتغاء: الطّلب. (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزاً يَوْمًا للنَّاس فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ مَا الْإِيمَان قَالَ الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله وتؤمن بِالْبَعْثِ قَالَ الْإِسْلَام قَالَ الْإِسْلَام أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ وتقيم الصَّلَاة وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة وتصوم رَمَضَان قَالَ مَا الْإِحْسَان
قَالَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ مَتى السَّاعَة قَالَ مَا المسؤل عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وسأخبرك عَن أشراطها إِذا ولدت الْأمة رَبهَا وَإِذا تطاول رُعَاة الْإِبِل البهم فِي الْبُنيان فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله ثمَّ تَلا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله عِنْده علم السَّاعَة الْآيَة ثمَّ أدبر فَقَالَ ردُّوهُ فَلم يرَوا شَيْئا فَقَالَ هَذَا جِبْرِيل جَاءَ يعلم النَّاس دينهم) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول مُسَدّد بن مسرهد وَقد مر ذكر فِي بَاب من الْإِيمَان أَن يحب لِأَخِيهِ الثَّانِي اسمعيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم بن مقسم أَبُو بشر مولى بني اسد بن خُزَيْمَة الْمَشْهُور بِابْن عَلَيْهِ بِضَم الْعين وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وَكَانَت امْرَأَة عَاقِلَة نبيلة وَكَانَ صَالح الْمزي ووجوه أهل الْبَصْرَة وفقهاؤها يدْخلُونَ عَلَيْهَا فَتبرز لَهُم وتحادثهم وتسأئلهم وَقد مر ذكره فِي بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان الثَّالِث أَبُو حبَان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف واسْمه يحيى بن حَيَّان الْكُوفِي فِي التَّيْمِيّ قَالَ أَحْمد بن عبد الله هُوَ ثِقَة صَالح بر صَاحب سنة مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة ونسبته إِلَى تيم الربَاب وحيان أما مُشْتَقّ من الْحَيَاة فَلَا ينْصَرف أَو من الْحِين فَيَنْصَرِف الرَّابِع أَبُو زرْعَة هرم بن عَمْرو بن جرير البجلى تقدم ذكره فِي بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان الْخَامِس أَبُو هُرَيْرَة (بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن التحديث والعنعة. وَمِنْهَا أَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم قد ذكره البُخَارِيّ فِي بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان بنسبته إِلَى أمه حَيْثُ قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز وَذكره هَهُنَا باسم أَبِيه وَهَذَا دَلِيل على كال ضبط البُخَارِيّ وأمانته حَيْثُ نقل لفظ الشُّيُوخ بِعَيْنِه فأداه كَمَا سَمعه وَمِنْهَا أَن فِيهِ أَبَا حَيَّان وَهُوَ غير تَابِعِيّ وَقد روى عَنهُ تابعيان كَبِير أَن أَيُّوب وَالْأَعْمَش (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه هَهُنَا عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير كِلَاهُمَا عَن ابي حَيَّان وَفِي الزَّكَاة مُخْتَصرا عَن عبد الرَّحِيم عَن عقيل عَن زُهَيْر عَن أبي حَيَّان أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن مُحَمَّد بن بشر عَن ابي حَيَّان وَعَن زُهَيْر عَن جرير عَن عمَارَة كِلَاهُمَا عَن أبي زرْعَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة بِتَمَامِهِ وَفِي الْفِتَن بِبَعْضِه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن عُثْمَان عَن جرير عَن أبي فَرْوَة الهمذاني عَن أبي زرْعَة عَن أبي ذَر وَأبي هُرَيْرَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جريرية وَفِي الْعلم عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم عَن جرير مُخْتَصرا من غير ذكر سُؤال السَّائِل وَقد أخرجه مُسلم من حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ لاخْتِلَاف فِيهِ على بعض رُوَاته فمشهوره رِوَايَة كهمس بن الْحسن عَن عبد الله عَن بُرَيْدَة يحيى ابْن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم عَن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي السّنة عَن عبيد الله بن معَاذ بِهِ وَعَن مُسَدّد عَن يحيى ابْن سعيد بِهِ وَعَن مَحْمُود بن خَالِد عَن الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر بهَا الحَدِيث يزِيد وَينْقص. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن ابي عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر بِهَذَا الحَدِيث يزِيد وَينْقص. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن أبي عمار الْحُسَيْن بن حُرَيْث الْخُزَاعِيّ عَن وَكِيع بِهِ. وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن معَاذ بن معَاذ بِهِ وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك عَن كهمس بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ قلت رَوَاهُ عَن كهمس جمَاعَة من الْحفاظ وَتَابعه مطر الْوراق عَن عبيد الله بن بُرَيْدَة وأخرجهما أَبُو عوانه فِي صَحِيحه وَسليمَان التَّيْمِيّ عَن يحيى بن يعمر أخرجهُمَا ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَان بن عُثْمَان وَعبد الله بن بُرَيْدَة لكنه قَالَ يحيى بن يعمر وَحميد بن عبد الرَّحْمَن مَعًا عَن ابْن عمر عَن عمر رَضِي الله عَنهُ وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَقد خالفهم سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة أَخُو عبد الله فَرَوَاهُ عَن يحيى بن يعمر عَن عبد الله بن عمر قَالَ بَيْنَمَا " نَحن عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " فَجعله من مُسْند ابْن عمر لامن رِوَايَته عَن أَبِيه وأخره أَحْمد أَيْضا وَكَذَا أَبُو نعيم فِي الْحِلْية من طَرِيق عَطاء الْخُرَاسَانِي
عَن يحيى بن يعمر وذكا روى من طَرِيق عكطاء بن أبي رَبَاح عَن عبد الله بن عمر أخرجهُمَا الطَّبَرَانِيّ وَفِي الْبَاب عَن أنس رَضِي الله عَنهُ أخرجه الْبَزَّار بِإِسْنَادِهِ حسن وَعَن جرير البَجلِيّ أخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي عَامر الْأَشْعَرِيّ أخرجهُمَا أَحْمد بِإِسْنَادِهِ حسن (بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ) قَوْله " كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزا يَوْمًا للنَّاس " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أبي فَرْوَة " كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يجلس بَين أَصْحَابه فَيَجِيء الْغَرِيب فَلَا يدْرِي أَيهمْ هُوَ حَتَّى يسْأَل فطلبنا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نجْعَل لَهُ مَجْلِسا يعرفهُ الْغَرِيب إِذا أَتَاهُ قَالَ فبنينا لَهُ دكانا من طين يجلس عَلَيْهِ وَكُنَّا نجلس بجنبته " واستنبط مِنْهُ الْقُرْطُبِيّ اسْتِحْبَاب جُلُوس الْعَالم بمَكَان يخْتَص بِهِ وَيكون مرتفعاً إِذا احْتَاجَ لذَلِك لضَرُورَة تَعْلِيم وَنَحْوه قَوْله " فاتاه رجل " وَفِي التَّفْسِير للْبُخَارِيّ " إِذْ أَتَاهُ رجل يمشي " وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي فَرْوَة " فأناا الْجُلُوس عِنْده إِذا قبل رجل أحسن النَّاس وَجها وَأطيب النَّاس ريحًا كَأَن ثِيَابه يَمَسهَا دنس " وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق كهمس من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " بَيْنَمَا نَحن ذَات يَوْم عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر " وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان " شَدِيد سَواد اللِّحْيَة لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأسْندَ رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ " ولسليمان التَّيْمِيّ " لَيْسَ عَلَيْهِ سحناء وَلَيْسَ من الْبَلَد فتخطى حَتَّى برك بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا يجلس أَحَدنَا فِي الصَّلَاة ثمَّ وضع يَده على ركبتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " قلت السحناء بِفَتْح السِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنُّون وَهِي الْهَيْئَة وَكَذَلِكَ السحنة بِالتَّحْرِيكِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم اسْمَع أحدا يَقُولهَا أعنى السحناء بِالتَّحْرِيكِ غير الْفراء قَوْله " فَقَالَ مَا الْإِيمَان " وَزَاد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا الْإِيمَان " قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله " وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ واتفقت الروَاة على ذكرهَا فِي التَّفْسِير قَوْله " وبلقائه " كَذَا وَقعت هُنَا بَين الْكتب وَالرسل وَكَذَا الْمُسلم من الطَّرِيقَيْنِ وَلم يَقع فِي بَقِيَّة الرِّوَايَات وَوَقع فِي حَدِيثي أنس وَابْن عَبَّاس " وبالموت وبالبعث بعد الْمَوْت " قَوْله " وَرُسُله " وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " وبرسوله " وَوَقع فِي حَدِيث أنس وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم " وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبين " وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي ذَر وَعَن أبي هُرَيْرَة قَوْله " تؤمن بِالْبَعْثِ " زَاد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " وبالبعث الآخر " وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " وَالْيَوْم الآخر " وَزَاد الاسماعيلي فِي مستخرجه هُنَا " وتؤمن بِالْقدرِ " وَهِي رِوَايَة أبي فَرْوَة أَيْضا. وَفِي رِوَايَة كهمس وَسليمَان التيمى " وتؤمن بِالْقدرِ " وَهِي رِوَايَة أبي فَرْوَة أَيْضا. وَفِي رِوَايَة كهمس وَسليمَان التَّيْمِيّ " وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره " وَكَذَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَكَذَا الْمُسلم فِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع واكده بقوله فِي رِوَايَة عَطاء عَن ابْن عمر بِزِيَادَة " حلوه ومره فِي الله " قَوْله " وتصوم رَمَضَان " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا وَكَذَا فِي حَدِيث أنس فِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي لم يذكر الصَّوْم فِي حَدِيث أبي عَامر ذكر الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَحسب وَلم يذكر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس غير الشَّهَادَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ذكر الْجَمِيع وَزَاد بعد قَوْله " وتحج الْبَيْت وتعتمر وتغتسل من الْجَنَابَة وتتم الْوضُوء " وَفِي رِوَايَة مطر الْوراق " وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " وتقيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة " قَوْله " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ " وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع أَن تخشى الله كَأَنَّك ترَاهُ وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَإِن لم تره فَإِنَّهُ يراك " قَوْله " مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل " وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَنَكس فَلم يجبهُ ثمَّ أعَاد فَلم يجبهُ شَيْئا ثمَّ رفع رَأسه قَالَ مَا المسؤول " قَوْله " سأخبرك " وَفِي التَّفْسِير " سأحدثك " قَوْله " عَن أشراطها " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " قَالَ فَأَخْبرنِي عَن اماراتها " وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " وَلَكِن لَهَا عَلَامَات تعرف بهَا " وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " وَلَكِن ان شِئْت عَن أشراطها قَالَ أجل " وَنَحْوه فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَزَاد " فَحَدثني " قَوْله " إِذا ولدت الْأمة رَبهَا " وَفِي التَّفْسِير " ربتها " بتاء التَّأْنِيث وَكَذَا فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بت غياث " إِذا ولدت الأماء اربابهن " بِلَفْظ الْجمع قَوْله " رُعَاة الْإِبِل إِلَيْهِم " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي رِوَايَة الإصيلي بِفَتْحِهَا وَفِي رِوَايَة " الصم والبكم " قَوْله " فِي خمس " وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا " سُبْحَانَ الله خمس " وَفِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي قَالَ " فَمَتَى السَّاعَة قَالَ فِي خمس من الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا الله " قَوْله " وَالْآيَة "
وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " وتلا الْآيَة إِلَى آخر السُّورَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " إِلَى قَوْله خَبِير " وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي فَرْوَة وَوَقع البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " إِلَى الارحام " قَوْله " فَقَالَ ردُّوهُ " وَزَاد فِي التَّفْسِير " فَأخذُوا ليردوه فَلم يرَوا شَيْئا " قَوْله " جَاءَ يعلم " وَفِي التَّفْسِير " ليعلم " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " أَرَادَ أَن تعلمُوا إِذْ لم تسألوا " وَمثله لعمارة وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " وَالَّذِي بعث مُحَمَّد بِالْحَقِّ مَا كنت بِأَعْلَم بِهِ من رجل مِنْكُم وَإنَّهُ لجبريل " وَفِي حَدِيث أبي عَامر " ثمَّ ولي فَلم نر طَريقَة قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام " سُبْحَانَ الله هَذَا جِبْرِيل جَاءَ ليعلم النَّاس دينهم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا جَاءَ فِي قطّ إِلَّا وَأَنا أعرفهُ إِلَّا أَن تكون هَذِه الْمرة " وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " ثمَّ نَهَضَ فولى فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على بِالرجلِ فطلبناه كل مطلبة فَلم يقدر عَلَيْهِ فَقَالَ هَل تَدْرُونَ من هَذَا هَذَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَتَاكُم ليعلمكم دينكُمْ خُذُوا عَنهُ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا اشْتبهَ على مُنْذُ اتاني قبل مرتى هَذِه وَمَا عَرفته حَتَّى ولى " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " قَالَ ثمَّ انْطلق فَلبث مَلِيًّا ثمَّ قَالَ يَا عمر أَتَدْرُونَ من السَّائِل قلت الله وَرَسُوله اعْلَم قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيل أَتَاكُم ليعلمكم دينكُمْ " هَذَا لفظ مُسلم وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ " فلقيني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ثَلَاث فَقَالَ يَا عمر هَل تَدْرِي من السَّائِل " الحَدِيث وَأخرجه أَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ وَفِيه " فَلبث ثَلَاثًا " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة " فلبثا ليَالِي فلقيني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ثَلَاث " وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان " بعد ثَالِثَة " وَفِي رِوَايَة ابْن مندة " بعد ثَلَاثَة أَيَّام " (بَيَان اللُّغَات) قَوْله كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزا يَوْمًا للنَّاس " أَي ظَاهر الْهم وجالسا مَعَهم غير محتجب والبروز الظُّهُور وَقَالَ ابْن سَيّده برزيبر زبروزا خرج إِلَى الْبَزَّار وَهُوَ الفضاء وبرزه إِلَيْهِ وابرزه وَكلما ظهر بعد خَفَاء فقد برز قَالَ تَعَالَى (وَترى الأَرْض بارزة) قَالَ الْهَرَوِيّ أَي ظَاهره لَيْسَ فِيهَا مستظل وَلَا متفيأ وَفِي الافعال لِابْنِ ظريف برز الشَّيْء برزا ذكره عَنهُ صَاحب الواعي قَوْله " فَأَتَاهُ رجل " أَي ملك فِي صُورَة رجل قَوْله " وَمَلَائِكَته " جمع ملك واصلة ملاك مفعل من الالوكة بِمَعْنى الرسَالَة وزيدت لاتاءفية لتأكيد معنى الْجمع أَو التَّأْنِيث الْجمع وهم اجسام علوِيَّة نورنية مشكلة بِمَا شَاءَت من الاشكال قَوْله " وبلقائه " قَالَ الْخطابِيّ ي بِرُؤْيَة ربه تَعَالَى فِي الْآخِرَة قَوْله " وَرُسُله " جمع رَسُول قَالَ الْكرْمَانِي الرَّسُول هُوَ النَّبِي الَّذِي انْزِلْ عَلَيْهِ الْكتاب وَالنَّبِيّ اعم مِنْهُ قلت هَذَا التَّعْرِيف غير صَحِيح لِأَنَّهُ غير جَامع لِأَن كثير من الانبياء عَلَيْهِم السَّلَام لم ينزل عَلَيْهِم كتب وهم ورسل مثل سُلَيْمَان وَأَيوب وَلُوط وَيُونُس وزَكَرِيا ويحي وَنَحْوهم والتعريف الصَّحِيح أَن يُقَال الرَّسُول من انْزِلْ عَلَيْهِ كتاب أَو أنزل عَلَيْهِ ملك وَالنَّبِيّ بِخِلَافِهِ فَكل رَسُول نَبِي وَلَا عكس قَوْله " بِالْبَعْثِ " وَهُوَ بعث الْمَوْتَى من الْقُبُور وَيُقَال المُرَاد مِنْهُ بعثة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَالْأول اظهر قَوْله " أَن تعبدوا الله " من الْعِبَادَة وَهِي الطَّاعَة مَعَ خضوع وتذلل قَالَ الْهَرَوِيّ يُقَال طَرِيق معبد إِذا كَانَ مذللا للسالكين وكل من دَان للْملك فَهُوَ عَابِد لَهُ. وَفِي الْمُحكم عبد الله يعبده عبَادَة ومعبدة ومعبدة تأله لَهُ وَفِي الصِّحَاح التَّعَبُّد التنسك قَوْله " مَا الاحسان " مصدر أحسن من حسن من الْحسن وَهُوَ ضد الْقبْح وَيَأْتِي عَن قريب مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ قَوْله " عَن اشارطها " بِفَتْح الْهمزَة جمع شَرط بِالتَّحْرِيكِ يعْنى علاماتها وَقيل مقدماتها وَقيل صغَار أمورها وَفِي الْمُحكم وَالْجَامِع أوائلها وَفِي الغريبين عَن الاصمعي وَمِنْه الِاشْتِرَاط الَّذِي يشْتَرط بعض النَّاس على بعض إِنَّمَا هِيَ عَلامَة يجعلونها بَينهم وَالْمرَاد اشراطها السَّابِقَة لاشراطها الْمُقَارنَة لَهَا كطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَخُرُوج الدَّابَّة وَنَحْوهمَا قَوْله " رَبهَا " الرب الْمَالِك وَالسَّيِّد والمصلح وَفِي الْعباب رب كل شَيْء مَالِكه والرب اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَلَا يُقَال فِي غَيره إِلَّا بِالْإِضَافَة وَقد قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّة للْمَالِك قَالَ الْحَارِث بن حلزة الْيَشْكُرِي فِي الْمُنْذر مَاء السَّمَاء وَهُوَ الرب والشهيد على يَوْم الحوارين والبلابلا وَقَالَ الْأَنْبَارِي مخففا وربيت الْقَوْم أَي كنت فَوْقهم وَرب الضَّيْعَة أَصْحَابهَا وأتممها وَرب فلَان وَلَده يربه رَبًّا وَرب بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ والربة المولاة ثمَّ قَالَ وَفِي حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن أَمَارَات السَّاعَة فَقَالَ " أَن تَلد الْأمة ربتها " وَيُقَال فُلَانَة ربة الْبَيْت وَهن ربات الحجال قَوْله " وَإِذا تطاول " إِي تفاخر بطول الْبُنيان وتكبر بِهِ والرعاة بِضَم الرَّاء جمع رَاع كالقضاة جمع قَاض وَكَذَا الرُّعَاة بِكَسْر الرَّاء جمع رَاع كالجياع جمع جايع قَوْله " والبهم " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة جمع الإبهم وَهُوَ الَّذِي لاشية لَهُ قَالَه الْكرْمَانِي وَقَالَ القَاضِي جمع بهيم وَهُوَ الْأسود
الَّذِي لَا يخالطه لون غَيره وَهُوَ شَرّ الْإِبِل قلت إِذا كَانَ البهم صفة للرعاة يَنْبَغِي أَن يكون جمع بهيم وَإِن كَانَ صفة الْإِبِل يَنْبَغِي أَن يكون جمه بهماء وكلا الْوَجْهَيْنِ جَائِز كَمَا نذكرهُ فِي الْإِعْرَاب وَأما لبهم بِفَتْح الْبَاء كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة الاصيلي فَلَا وَجه لَهُ هَهُنَا قَالَه القَاضِي عِيَاض وَأما قَوْله فِي رِوَايَة مُسلم " رعاء البهم " فَهُوَ بِفَتْح الْبَاء فَهُوَ جمع بَهِيمَة وَهِي صغَار الضَّأْن والمعز وَقَالَ النَّوَوِيّ هَذَا قَول الْجُمْهُور وَقَالَ بَعضهم رِوَايَة مُسلم " إِذا رَأَيْت رعاء البهم " بِحَذْف لَفْظَة ابل انسب من رِوَايَة البُخَارِيّ وَهِي زِيَادَة لَفْظَة الابل لأَنهم أَضْعَف أهل الْبَادِيَة أما أهل الْإِبِل فَهُوَ أهل الْفَخر وَالْخُيَلَاء وَالْمعْنَى فِي الْكل أَن أهل الْفقر وَالْحَاجة تصير لَهُم الدُّنْيَا حَتَّى يتباهوا فِي الْبُنيان قلت ذكر ابْن التياني فِي كتاب الموعب أَن البهم صغَار الضَّأْن الْوَاحِدَة بهمة للذّكر وَالْأُنْثَى وَالْجمع بهم وَجمع البهم بهام وبهامات وَفِي الْعين البهمة اسْم للذّكر وَالْأُنْثَى من أَوْلَاد بقر الْوَحْش وَمن كل شَيْء من ضرب الْغنم والمعز وَفِي الْمُخَصّص يكون بعد الْعشْرين يَوْمًا بهمة من الضَّأْن والمعز إِلَى أَن يفطم. وَفِي الْمُحكم وَقيل هِيَ بهمة إِذا شبت وَالْجمع بهم وبهم وبهام وبهامات جمع الْجمع وَقَالَ ثَعْلَب البهم صغَار الْمعز وَفِي الْجَامِع للقزاز بهمة مَفْتُوحَة الْبَاء سَاكِنة الْهَاء يُقَال لاولاد الْوَحْش من الظبأ وَمَا جانس الضَّأْن والمعز بهم وَفِي الصِّحَاح البهام جمع بهم والبهم جمع بهمة والبهمة اسْم للمذكر والمؤنث والسخال أَوْلَاد الْمعز فَإِذا اجْتمعت البهام والسخال قلت لَهما جَمِيعًا بهام وبهم أَيْضا وَفِي المغيث لأبي مُوسَى الْمَدِينِيّ وَقيل البهمة السخلة انْتهى. والبهيمة ذَوَات الْأَرْبَع من دَوَاب الْبر وَالْبَحْر قَوْله " ثمَّ أدبر " من الادبار وَهُوَ التولي (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله " بارزا نصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله " يَوْم نصب " على الظروف قَوْله " للنَّاس " يتَعَلَّق ببارزا قَوْله " مَا الْإِيمَان " جملَة اسمية وَقعت مقول القَوْل قَوْله " أَن تؤمن " خبر الْمُبْتَدَأ أعنى قَوْله " الْإِيمَان " وَأَن مَصْدَرِيَّة قَوْله " وتؤمن " بِالنّصب عطفا على قَوْله " أَن تؤمن " قَوْله " أَن تعبد الله " فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر للمبتدأ أعنى قَوْله الْإِسْلَام وَأَن مَصْدَرِيَّة قَوْله " لَا تشرك " بِالنّصب عطفا على أَن تعبد قَوْله " شَيْئا " نصب على أَنه مفعول لتشرك قَوْله " وتقيم " بِالنّصب عطفا على أَن تعبد وَكَذَلِكَ وتؤدى الزَّكَاة وَكَذَلِكَ وتصوم رَمَضَان وَأَن مقدرَة فِي الْجَمِيع قَوْله " مَا الْإِحْسَان " كلمة مَا للاستفهام مُبْتَدأ أَو الْإِحْسَان خَبره وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد فِي قَوْله تَعَالَى (للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة) و (هَل جَزَاء لإحسان إِلَّا الْإِحْسَان) (وأحسنوا أَن الله يحب الْمُحْسِنِينَ) ولتكرره فِي الْقُرْآن ترَتّب الثَّوَاب عَلَيْهِ سَأَلَ عَنهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله " قَالَ أَن تعبد الله " أَي قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوَابه الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَقَوله أَن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره الْإِحْسَان عبادتك الله كَأَنَّك ترَاهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت كَأَنَّك مَا مَحَله من الْإِعْرَاب قلت هُوَ حَال من الْفَاعِل أَي تعبد الله مشبها بِمن يرَاهُ انْتهى كَلَامه قلت تَحْقِيق الْكَلَام هُنَا أَن كَأَن للتشبيه قَالَ الْجَوْهَرِي فِي فصل أَن وَقد تزاد على أَن كَاف التَّشْبِيه تَقول كَأَنَّهُ شمس وَقَالَ غَيره أَنه حرف مركب عِنْد الْجُمْهُور حَتَّى ادّعى ابْن هِشَام وَابْن الخباز الْإِجْمَاع عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك قَالُوا وَالْأَصْل فِي كَأَن زيدا أَسد ثمَّ قدم حرف التَّشْبِيه اهتماماً بِهِ ففتحت همزَة أَن لدُخُول الْجَار وَذكروا لَهَا أَرْبَعَة معَان أَحدهَا وَهُوَ الْغَالِب عَلَيْهَا والمتفق عَلَيْهِ التَّشْبِيه وَهَذَا الْمَعْنى أطلقهُ الْجُمْهُور لكأن وَزعم مِنْهُم ابْن السَّيِّد أَنه لَا يكون إِلَّا إِذا كَانَ خَبَرهَا اسْما جَامِدا نَحْو كَأَن زيدا أَسد بِخِلَاف كَأَن زيدا قَائِم أَو فِي الدَّار أَو عنْدك أَو يقدم فَإِنَّهَا فِي ذَلِك كُله للظن الثَّانِي وَالشَّكّ وَالظَّن وَالثَّالِث التَّحْقِيق وَالرَّابِع التَّقْرِيب قَالَه الْكُوفِيُّونَ وحملوا عَلَيْهِ قَوْله " كَأَنَّك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل " فَإِذا علم هَذَا فَنَقُول قَوْله كَأَنَّك ترَاهُ ينزل على أَي معنى من الْمعَانِي الْمَذْكُورَة فَالْأَقْرَب أَن ينزل على معنى التَّشْبِيه فالتقدير الْإِحْسَان عبادتك الله تَعَالَى حَال كونك فِي عبادتك مثل حَال كونك رائياً وَهَذَا التَّقْدِير أحسن وَأقرب للمعنى من تَقْدِير الْكرْمَانِي لِأَن الْمَفْهُوم من تَقْدِيره أَن يكون هُوَ فِي حَال الْعِبَادَة مشبهاً بالرائي إِيَّاه وَفرق بَين عبَادَة الرَّائِي نَفسه وَعبادَة الْمُشبه بالرائي بِنَفسِهِ وَأما على قَول ابْن السَّيِّد فَتحمل كَأَن على معنى الظَّن لِأَن خَبَرهَا غير جامد فَافْهَم قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ " أَي فَإِن لم تكن ترى الله وَكلمَة أَن للشّرط وَقَوله " لم تكن ترَاهُ " جملَة وَقعت فعل الشَّرْط فَإِن قلت أَيْن جَزَاء الشَّرْط قلت مَحْذُوف تَقْدِيره فَإِن لم تكن ترَاهُ فَأحْسن الْعِبَادَة فَإِنَّهُ يراك فَإِن قلت لم لَا يكون قَوْله فَإِنَّهُ يراك جَزَاء للشّرط قلت لَا يَصح لِأَنَّهُ لَيْسَ مسبباً عَنهُ
وَيَنْبَغِي أَن يكون فعل الشَّرْط سَببا لوُقُوع الْجَزَاء كَمَا تَقول فِي إِن جئتني أكرمتك فَإِن الْمَجِيء هُوَ السَّبَب للاكرام وَعَدَمه سَبَب لعدمه وَهَهُنَا عدم رُؤْيَة العَبْد لَيست بِسَبَب لرؤية الله تَعَالَى يرَاهُ سَوَاء وجدت من العَبْد رُؤْيَة أولم تُوجد فَإِن قلت مَا الْفَاء فِي قَوْله فَإِن قلت للتَّعْلِيل على مَا لَا يخفى قَوْله " مَتى السَّاعَة " جملَة اسمية وَقعت مقول القَوْل وَفِي بعض النّسخ فَمَتَى فَإِن صحت فالفاء فِيهَا زَائِدَة قَوْله " ماالمسؤل " كلمة مَا بِمَعْنى لَيْسَ وَقَوله باعلم خَبَرهَا وزيدت فِيهَا الْبَاء لتأكيد معنى النَّفْي قَوْله " وسأخبرك " السِّين هُنَا لتأكيد الْوَعْد بالإخبار كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم} وَمعنى السِّين إِن ذَلِك كَائِن لَا محَالة وَإِن تَأَخّر إِلَى حِين قَوْله " إِذا ولدت الْأمة " إِنَّمَا قَالَ إِذا وَلم يقل أَن لَان الشَّرْط مُحَقّق الْوُقُوع فجَاء بِلَفْظ إِذا الَّتِي للجزم بِوُقُوع مدخولها فَلهَذَا يَصح أَن يُقَال إِذا قَامَت الْقِيَامَة كَانَ كَذَا وَلَا يَصح أَن يُقَال إِن قَامَت الْقِيَامَة كَانَ كَذَا فَإِن قلت أَيْن الْجَزَاء قلت هُوَ مَحْذُوف تَقْدِيره إِذا ولدت الْأمة فَهِيَ أَي الْولادَة من أشراطها وَقَالَ الْكرْمَانِي وَإِذا ظهر أَن تكون إِذا متمحضة لمُجَرّد الْوَقْت ي وَقت الْولادَة وَوقت التطاول قلت هَذَا تَقْدِير نَاقص وَالْمعْنَى الصَّحِيح عِنْدِي كَون إِذا لمُجَرّد الْوَقْت أَي وَقت الْولادَة وَوقت التطاول قلت هَذَا تَقْدِير نَاقص وَالْمعْنَى الصَّحِيح عِنْدِي كَون إِذا لمُجَرّد الْوَقْت وَأَن يقدر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير وسأخبرك عَن اشراطها هِيَ وَقت ولادَة الْأمة رَبهَا وَوقت تطاول الرعاء فِي الْبُنيان قَوْله " رُعَاة الْإِبِل " كَلَام اضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل تطاول وَقَوله " البهم " روى بِالرَّفْع على أَنه صفة للرعاة أى الرُّعَاة السود وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ الرُّعَاة المجهولون الَّذين لَا يعْرفُونَ جمع ابهم وَمِنْه ابهم الْأَمر فَهُوَ مُبْهَم إِذا لم تعرف حَقِيقَته وروى بِالْجَرِّ على أَنه صفة لِلْإِبِلِ أى رُعَاة الْإِبِل السود قَالُوا وَهِي شَرها كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله " فِي الْبُنيان " يتَعَلَّق بقوله تطاول قَوْله " فِي خمس " فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره علم وَقت السَّاعَة فِي جملَة خمس وَقَوله " لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله " صفة لخمس ومحلها الْجَرّ أَو التَّقْدِير هِيَ فِي خمس من الْغَيْب كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي " هِيَ فِي خمس من الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا الله " قَوْله " الْآيَة " يجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير أَن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي الْآيَة مقروء إِلَى آخرهَا وَالنّصب على تَقْدِير أَن يكون مَفْعُولا لفعل مُقَدّر أَي اقْرَأ الْآيَة ة والجر على تَقْدِير إِلَى الْآيَة أَي إِلَى مقطعها وتمامها وَفِيه ضعف لَا يخفي قَوْله " هَذَا جِبْرِيل " جَاءَ مثل قَوْلك هَذَا وَيَد قَامَ قَوْله " يعلم النَّاس " جملَة وَقعت حَالا فَإِن قلت لم يكن معلما وَقت المجىء فَكيف يكون حَالا قلت هَذِه حَال مقرة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين} (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " فَأَتَاهُ رجل " قد ذكرنَا فِي حَدِيث عمر فِي رِوَايَة مُسلم (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم غذ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فاسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام " الحَدِيث وَالضَّمِير فِي فَخذيهِ يعود على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ النَّوَوِيّ على فَخذي نَفسه يَعْنِي نفس جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَأعَاد الضَّمِير إِلَيْهِ وَتَبعهُ على ذَاك التوربشتي شَارِح المصابيح وَلَيْسَ كَذَلِك بل الضَّمِير يعود على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا ذكرنَا وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا جَاءَ فِي روية سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " ثمَّ وضع يَدَيْهِ على ركبتي النَّبِي " وَبِه جزم الْبَغَوِيّ وَإِسْمَاعِيل التَّيْمِيّ وَرجحه الطَّيِّبِيّ من جِهَة الْبَحْث وَالظَّاهِر أَنه لم يقف على رِوَايَة سُلَيْمَان فَلذَلِك رَجحه من جِهَة الْبَحْث وَنظر النَّوَوِيّ فِي مَا قَالَه التَّنْبِيه على أَنه جلس كَهَيئَةِ المتعلم بَين يَدي من يتَعَلَّم مِنْهُ لإقتضاء بَاب الْأَدَب ذَلِك وَلَكِن على رِوَايَة سُلَيْمَان إِنَّمَا فعل جِبْرِيل ذَلِك لزِيَادَة الْمُبَالغَة فِي تعمية أمره ليقوى ظن الحاضربن أَنه من جُفَاة الْأَعْرَاب وَلِهَذَا تخطى النَّاس حَتَّى انْتهى إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا ذكرنَا نافي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَلِهَذَا استغربت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم صَنِيعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الْبَلَد وَجَاء مَاشِيا لَيْسَ لَهُ أثر السّفر فَإِن قيل كَيفَ عرف عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه لم يعرفهُ أحد قيل من قَول الْحَاضِرين كَمَا فِي رِوَايَة عُثْمَان بن عَفَّان فَنظر الْقَوْم بَعضهم إِلَى بعض فَقَالُوا مَا نَعْرِف قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه " الْإِيمَان بِاللَّه هُوَ التَّصْدِيق بِوُجُودِهِ تَعَالَى وَأَنه لَا يجوز عَلَيْهِ الْعَدَم وَأَنه تَعَالَى مَوْصُوف بِصِفَات الْجلَال والكمال من الْعلم وَالْقُدْرَة الْإِرَادَة وَالْكَلَام والسمع وَالْبَصَر والحياة وَأَنه تَعَالَى منزه عَن صِفَات النَّقْص الَّتِي عي اضداد تِلْكَ الصِّفَات وَعَن صِفَات الإجسام والمثحيزات وَأَنه وَاحِد حق صمج فَرد خَالق جَمِيع الْمَخْلُوقَات متصرف فِيهَا بِمَا شَاءَ من التَّصَرُّفَات يفعل فِي ملكه مَا يُرِيد وَيحكم فِي خلقه.
مَا يَشَاء قَوْله " وَمَلَائِكَته " أَي الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَلَائكَته فَمن ثَبت تَعْيِينه كجبريل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وعزرائيل عَلَيْهِم السَّلَام وَجب الْإِيمَان بِهِ وَمن لم يعرف اسْمه آمنا بِهِ اجمالا وَكَذَلِكَ الانبياء المُرْسَلُونَ من علمنَا آمنا بِهِ وَمن لم نعلم آمنا بِهِ اجمالا وَمَا كَانَ من ذَلِك ثَابتا بِالنَّصِّ أَو التَّوَاتُر كفر من يكفر بِهِ والايمان برسل الله عَلَيْهِم السَّلَام هُوَ بِأَنَّهُم صَادِقُونَ فِيمَا اخبروا بِهِ عَن الله تَعَالَى وَأَن الله تَعَالَى أَيّدهُم بالمعجزات الدَّالَّة على صدقهم وَأَنَّهُمْ بلغُوا عَن الله رسالاته وبينوا للمكلفين مَا آمُرهُم ببيانه وَأَنه يجب احترامهم وَإِن لَا يفرق بَين أحد مِنْهُم قَوْله " وبلقائه " الْأَيْمَان بلقائه هُوَ التَّصْدِيق بِرُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الْآخِرَة قَالَه الْخطابِيّ وَاعْترض عَلَيْهِ النَّوَوِيّ بِأَن أحدا لَا يقطع لنَفسِهِ بِرُؤْيَة الله تَعَالَى فَأَنَّهَا مُخْتَصَّة لمن مَاتَ مُؤمنا والمرء لَا يدْرِي بِمَ يخْتم لَهُ فَكيف يكون من شُرُوط الْإِيمَان ورد عَلَيْهِ بَان المُرَاد الْإِيمَان بَان ذَلِك حق فِي نفس الْأَمر وَقد قيل أَنَّهَا مكررة لِأَنَّهَا دَاخِلَة فِي الْإِيمَان بِالْبَعْثِ وَهُوَ الْقيام من الْقُبُور قُلْنَا لَا نسلم التّكْرَار لِأَن المُرَاد باللقاء مَا بعد تِلْكَ وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِالْجمعِ بَين الْإِيمَان بلقاء الله والبعث فَقيل اللِّقَاء يحصل بالانتقال إِلَى دَار الْجَزَاء والبعث عِنْد قيام السَّاعَة وَقيل اللِّقَاء مَا يكون بعد الْبَعْث عِنْد الْحساب قَوْله " وتقيم الصَّلَاة " المُرَاد بهَا الْمَكْتُوبَة كَمَا صرح بهَا فِي رِوَايَة مُسلم وَهُوَ احْتِرَاز عَن النَّافِلَة فَإِنَّهَا وَأَن كَانَت من وظائف الْإِسْلَام لَكِنَّهَا لَيست من أَرْكَانه فَتحمل الْمُطلقَة هَهُنَا على الْمقيدَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى جمعا بَيْنَمَا قَوْله " الزكوة الْمَفْرُوضَة " قيل احْتَرز بالمفروضة عَن الزكوة المعجلة قبل الْحول فَإِنَّهَا لَيست مَفْرُوضَة حَال الإداء وَقيل احْتَرز من صَدَقَة التَّطَوُّع فَإِنَّهَا زَكَاة لغوية قَوْله " مَا الْإِحْسَان " وَهُوَ يسْتَعْمل لمعنيين احدهما مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ كَقَوْلِك احسنت كَذَا إِذا حسنته وكملته منقولة بِالْهَمْزَةِ من حسن الشَّيْء وَالْآخر بِحرف الْجَرّ كَقَوْلِك أَحْسَنت إِلَيْهِ إِذا أوصلت إِلَيْهِ النَّفْع وَالْإِحْسَان وَفِي الحَدِيث بِالْمَعْنَى الأول فَإِنَّهُ يرجع إِلَى اتقان الْعِبَادَات ومراعاة حق الله تَعَالَى ومراقبته وَيُقَال الْإِحْسَان على مقامين الأول كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " إِن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ " فَهَذَا مقَام. الثَّانِي قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " قَالَ عبد الْجَلِيل الأول على ثَلَاثَة أَقسَام الأول فِي مقَام الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن الْأُمُور فِي عَالم الْحسن ثَلَاثَة معاصي وطاعات ومباحات المعايش فَأَما قسم الْمعاصِي على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا فَإِن العَبْد مَأْمُور بِأَن يعلم أَن الله يرَاهُ فَإِذا هم بِمَعْصِيَة وَعلم أَن الله يرَاهُ ويبصره على أَي حَالَة كَانَت وَأَنه يعلم خائنه الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور كف عَن الْمعْصِيَة وَرجع عَنْهَا وَأما الأنسان فيذهل عَن نظر الله إِلَيْهِ فينسى حِين الْمعْصِيَة أَنه يرَاهُ أَو يكون جَاهِلا فيظن أَن الله تَعَالَى بعيد مِنْهُ وَلَا يتَذَكَّر وَيعلم أَنه يُحَرك جوارحه حِين الْعَمَل الْمَعْمُول فينسى ذَلِك أَو يجهل فَيَقَع فيا لمعصية وَلَو علم وَتحقّق أَن وَالِده أَو رجلا كَبِيرا لَو يرَاهُ حِين الْمعْصِيَة لكف عَنْهَا وهرب مِنْهَا فَإِذا علم العَبْد أَن الله يرَاهُ فِي حِين الْمعْصِيَة كف عَنْهَا بِحُصُول الْبُرْهَان الإحساني عِنْده وَهُوَ الْبُرْهَان عِنْده وَهُوَ الْبُرْهَان الَّذِي أوتيه وَرَآهُ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ قيام الدَّلِيل الْوَاضِح العلمي بِأَن الله تَعَالَى مَوْجُود حق وَأَنه نَاظر إِلَى كل شَيْء ومصرف لكل شَيْء ومحركه ومسكنه فَمن أرَاهُ الله تَعَالَى هَذَا الْبُرْهَان عِنْد جَمِيع الْمُهِمَّات صرف عَنهُ السوء والفحشاء من جَمِيع الْمُنْكَرَات الثَّانِي قسم الطَّاعَات فَهِيَ أَن تعلم أَن الله تَعَالَى مَوْجُود وتبرهن عِنْده أَنه يرَاهُ لَا محَالة إِلَّا أَن يكون زنديقا جاحدا لَا يقر بِرَبّ فَإِن كَانَ مقرّ بِوُجُودِهِ فَترك الْعِبَادَة فَإِنَّمَا تَركهَا تهاونا لنُقْصَان الْبُرْهَان الإحساني عِنْده وَهَذِه حَال المضيعين للفرائض لجهلهم بِقدر إِلَّا مرو قدر أمره الثَّالِث من الْمُبَاحَات وَهُوَ مَحل الْغَفْلَة والسهو عَن هَذَا الْمقَام الإحساني فَإِذا تذكر العَبْد أَن الله تَعَالَى يرَاهُ فِي تصريفه وَأَنه أره بالإقبال عَلَيْهِ وَقلة الْأَعْرَاض عَنهُ استحي أَن يرَاهُ مكبا على الخسيس الفاني مستغر قافي الِاشْتِغَال بِهِ عَن ذكره وَعَن الإقبال على مَا يقطع عَنهُ الْمقَام الثَّانِي فِي عَالم الْغَيْب فَإِن العَبْد إِذْ فكر فِي مَوَاطِن الْآخِرَة من موت وقبر وَحشر وَعرض وحساب وغي ذَلِك وَعلم أَنه معروض على الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْعَالم ومواطنه تهَيَّأ لذَلِك الْعرض فيتزين للآخرة بزينة أهل الْآخِرَة مَا اسْتَطَاعَ وَأما الْمقَام الثَّالِث فِي الْإِحْسَان فَإِن العَبْد إِذا علم فِي قُلُوب اوليائه فيزيل الصِّفَات الممهلكات ويطهره مِنْهَا ويتصف المحمودات حَتَّى يَجْعَل سره كالمرآة المجلوة قَوْله " كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا اصل عَظِيم من أصُول الدّين وَقَاعِدَة مهمة من قَوَاعِد الْمُسلمين وَهُوَ عُمْدَة الصديقين وبغية السالكين
وكنز العارفين ودأب الصَّالِحين وتلخيص مَعْنَاهُ أَن تعبد الله عبَادَة من يرى الله تَعَالَى وَيَرَاهُ الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يستبقي شَيْئا من الخضوع وَالْإِخْلَاص وَحفظ الْقلب والجوارح ومراعاة الْآدَاب مَا دَامَ فِي عِبَادَته وَقَوله " فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " يَعْنِي أَنَّك إِنَّمَا تراعي الْآدَاب إِذا رَأَيْته ورآك لكَونه يراك لَا لكونك ترَاهُ وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود وَإِن لم تره لِأَنَّهُ يراك وَحَاصِله الْحَث على كَمَال الْإِخْلَاص فِي الْعِبَادَة وَنِهَايَة المراقبة فِيهَا وَقَالَ هَذَا من جَوَامِع الْكَلم الَّتِي أوتيها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد ندب أهل الْحَقَائِق إِلَى مجالسة الصَّالِحين ليَكُون ذَلِك مَانِعا من تلبسه بِشَيْء من النقائص احتراما لَهُم واستحياء مِنْهُم فَكيف بِمن لَا يزَال الله تَعَالَى مطلعا عَلَيْهِ فِي سره وعلانيته وَقَالَ القَاضِي عِيَاض قد اشْتَمَل على شرح جَمِيع وظائف الْعِبَادَات الظَّاهِرَة والباطنة من عُقُود الْإِيمَان وأعمال الْجَوَارِح وإخلاص السرائر وَالْحِفْظ من آفَات الْأَعْمَال حَتَّى أَن عُلُوم الشَّرِيعَة كلهَا رَاجِعَة إِلَيْهِ ومتشعبة مِنْهُ قَوْله " مَتى السَّاعَة " السَّاعَة مِقْدَار من الزَّمَان غير معِين لقَوْله تَعَالَى {مَا لَبِثُوا غير سَاعَة} وَفِي عرف أهل الشَّرْع عبارَة عَن يَوْم الْقِيَامَة وَفِي عرف المعدلين جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ من أَوْقَات اللَّيْل وَالنَّهَار قَوْله " إِذا ولدت الْأمة رَبهَا " أَي مَالِكهَا وسيدها وَذكروا فِي معنى خذا أوجها الأول قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ اتساع الْإِسْلَام واستيلاء أَهله على بِلَاد الشّرك وَسبي دراريهم فَإِذا ملك الرجل الْجَارِيَة واستولدها كَانَ الْوَلَد فِيهَا بِمَنْزِلَة رَبهَا لِأَنَّهُ ولد سَيِّدهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ وَغَيره هَذَا قَول الْأَكْثَرين وَقَالَ بَعضهم وَقَالَ بَعضهم لَكِن فِي كَونه المُرَاد نظر لِأَن استيلاد الْإِمَاء كَانَ مَوْجُودا حِين الْمقَالة والاستيلاء لعى بِلَاد الشّرك وَسبي ذَرَارِيهمْ واتخاذهم سرارى وَقع أَكْثَره فِي صدر الْإِسْلَام وَسِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي الْإِشَارَة إِلَى وُقُوع مَا لم يَقع مِمَّا سيقع فِي قيام السَّاعَة قلت فِي نظره نظر لِأَن قَوْله إِذا ولدت الْأمة رَبهَا كِنَايَة عَن كَثْرَة التَّسَرِّي من كَثْرَة فتوح الْمُسلمين واستيلائهم على بِلَاد الشّرك وَالْمرَاد أَن يكون من هَذِه الْجِهَة فَافْهَم وَالثَّانِي مَعْنَاهُ أَن الْإِيمَاء يلدن الْمُلُوك فَتكون أم الْملك من جملَة الرّعية وَهُوَ سَيِّدهَا وَسيد غَيرهَا من رَعيته وَهَذَا قَول إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالثَّالِث مَعْنَاهُ أَن تفْسد أَحْوَال النَّاس فيكثر بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آخر الزَّمَان فيكثر تردادها فِي ايدي المشترين حَتَّى يَشْتَرِيهَا ابْنهَا وَهُوَ لَا يدْرِي وعَلى هَذَا القَوْل لَا يخْتَص بأمهات الْأَوْلَاد بل يتَصَوَّر فِي غَيْرهنَّ فَإِن الْأمة قد تَلد حرا بوطئ غير سَيِّدهَا بِشُبْهَة أَو ولدا رَقِيقا بِنِكَاح أَو زنا ثمَّ تبَاع الْأمة فِي بيع لأمهات الْأَوْلَاد وَالرَّابِع أَن أم الْوَلَد لما عتقت بِوَلَدِهَا فَكَأَنَّهُ سَيِّدهَا وَهَذَا بطرِيق الْمجَاز لِأَنَّهُ لما كَانَ سَببا فِي عتقهَا بِمَوْت أَبِيه أطلق عَلَيْهِ ذَلِك وَالْخَامِس أَن يكثر العقوق فِي الْأَوْلَاد فيعامل الْوَلَد أمه مُعَاملَة السَّيِّد أمته من الإهانة وَغير ذَلِك وَأطلق عَلَيْهِ رَبهَا مجَازًا لذَلِك وَقَالَ بَعضهم لذَلِك وَقَالَ بَعضهم يجوز أَن يكون المُرَاد بالرب المربي فَيكون حَقِيقَة وَهَذَا أوجه الْأَوْجه عِنْدِي لعمومه قل هَذَا لَيْسَ بأوجه الْأَوْجه بل أضعفها لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا عد هَذَا من أَشْرَاط السَّاعَة لكَونه على نمط خَارج على وَجه الاستغراب أَو على وَجه دَال على فَسَاد أَحْوَال النَّاس وَالَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل فَافْهَم. وَأما رِوَايَة بَعْلهَا فَالصَّحِيح فِي مَعْنَاهَا أَن البعل هُوَ السَّيِّد أَو الْمَالِك فَيكون بِمَعْنى رَبهَا على مَا سلف قَالَ أهل اللُّغَة بعل الشَّيْء ربه ومالكه قَالَ تَعَالَى {أَتَدعُونَ بعلا} أَي رَبًّا قَالَه ابْن عَبَّاس والمفسرون وَقيل المُرَاد هُنَا الزَّوْج وعَلى هَذَا مَعْنَاهُ نَحْو مَا سبق أَنه يكثر بيع السرارى حَتَّى يتَزَوَّج الْإِنْسَان أمه وَلَا يدْرِي وَهَذَا أَيْضا معنى صَحِيح إِلَّا أَن الأول أظهر لِأَنَّهُ إِذا أمكن حمل الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقَضِيَّة الْوَاحِدَة على معنى وَاحِد كَانَ أولى قَوْله " وَإِذا تطاول رُعَاة الْإِبِل البهم فِي الْبُنيان " الْمَعْنى أَن أهل الْبَادِيَة أهل الْفَاقَة تنبسط لَهُم الدُّنْيَا حَتَّى يتباهوا فِي إطالة الْبُنيان يَعْنِي الْعَرَب تستولي على النَّاس وبلادهم وَيزِيدُونَ فِي بنيانهم وَهُوَ إِشَارَة إِلَى اتساع دين الْإِسْلَام كَمَا أَن الْعَلامَة الأولى أَيْضا فِيهَا اتساع الْإِسْلَام قَالَ الْكرْمَانِي ومحصله أَن من أشراطها تسلط الْمُسلمين على الْبِلَاد والعباد وَقَالَ ابْن بطال مَعْنَاهُ أَن ارْتِفَاع الأسافل من العبيد والسفلة الجمالين وَغَيرهم من عَلَامَات الْقِيَامَة. وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن أبي جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا مَرْفُوعا " من انقلاب الدّين تفصح النبط واتخاذهم الْقُصُور فِي الْأَمْصَار " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْمَقْصُود الْأَخْبَار عَن تبدل الْحَال بِأَن يستولي أهل الْبَادِيَة على الْأَمر ويتملكوا الْبِلَاد بالقهر فتكثر أَمْوَالهم وتنصرف هممهم إِلَى تشييد
الْبُنيان والتفاخر بِهِ وَقد شاهدنا ذَلِك فِي هَذَا الزَّمَان وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الْمَقْصُود أَن علاماتها انقلاب الْأَحْوَال والقرينة الثَّانِيَة ظَاهِرَة فِي صيرورة الأعزة أَذِلَّة أَلا ترى إِلَى الملكة بنت النُّعْمَان حَيْثُ سبيت واحضرت بَين يَدي سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ كَيفَ أنشدت (بَينا نسوس النَّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذا نَحن فيهم سوقة تنتصف) (فأف لدُنْيَا لَا يَدُوم نعيمها ... تقلب تارات بِنَا وَتصرف) قَوْله " فِي خمس " إِلَى آخِره قَالَ الْقُرْطُبِيّ لَا مطمع لأحد فِي علم شَيْء من هَذِه الْأُمُور الْخمس لهَذَا الحَدِيث وَقد فسر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَول الله تَعَالَى {وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ} بِهَذِهِ الْخمس وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ فَمن ادّعى علم شَيْء مِنْهَا غير مُسْند إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ قَالَ وَأما ظن الْغَيْب فقد يجوز من المنجم وَغَيره إِذا كَانَ غير أَمر عادي وَلَيْسَ ذَلِك بِعلم وَقد نقل ابْن عبد الْبر الْإِجْمَاع على تَحْرِيم أَخذ الْأُجْرَة والجعل وإعطائها فِي ذَلِك (استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه. الأول أَن الْإِيمَان هُوَ أَن يُؤمن العَبْد بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله ويؤمن بِالْبَعْثِ والنشور. الثَّانِي أَن الْإِسْلَام أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان. الثَّالِث إِن الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّهُ يراك وتراه. الرَّابِع احْتج بِهِ من يَدعِي تغاير الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَمَعَ هَذَا تقدم غير مرّة أَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالدّين عِنْد البُخَارِيّ عِبَارَات عَن معنى وَاحِد وَقَالَ محيي السّنة جعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِسْلَام اسْما لما ظهر من الْأَعْمَال وَالْإِيمَان اسْما لما بطن من الِاعْتِقَاد وَلَيْسَ ذَلِك لِأَن الْأَعْمَال لَيست من الْإِيمَان والتصديق بِالْقَلْبِ لَيْسَ من الْإِسْلَام بل ذَلِك تَفْصِيل لجملة هِيَ كلهَا شَيْء وَاحِد وجماعها الدّين وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " أَتَاكُم جِبْرِيل يعلمكم دينكُمْ " والتصديق وَالْعَمَل يتناولهما الِاسْم وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام جَمِيعًا وَقَالَ ابْن الصّلاح مَا فِي الحَدِيث بَيَان لأصل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن وأصل الْإِسْلَام وَهُوَ الاستسلام والانقياد الظَّاهِر ثمَّ اسْم الْإِيمَان يتَنَاوَل مَا فسر بِهِ الْإِسْلَام وَسَائِر الطَّاعَات لكَونهَا ثَمَرَات للتصديق الْبَاطِن الَّذِي هُوَ أصل الْإِيمَان وَلِهَذَا فسر الْإِيمَان فِي حَدِيث الْوَفْد بِمَا هُوَ الْإِسْلَام هَهُنَا وَاسم الْإِسْلَام يتَنَاوَل أَيْضا مَا هُوَ أصل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن ويتناول الطَّاعَات فَإِن ذَلِك كُله استسلام فتحقق مَا ذكرنَا إنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ ويفترقان وَقَالَ من قَالَ إنَّهُمَا حقيقتان متباينتان إِن حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام جَاءَ على الْوَضع الْأَصْلِيّ بالتفرقة بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فالإيمان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق مُطلقًا وَفِي الشَّرْع التَّصْدِيق بقواعد الشَّرْع وَالْإِسْلَام فِي اللُّغَة الاستسلام والانقياد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا} وَفِي الشَّرْع الانقياد فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة الشَّرْعِيَّة لَكِن الشَّرْع توسع فاطلق الْإِيمَان على الْإِسْلَام فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس وَقَوله " الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أدناها إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق " وَأطلق الْإِسْلَام يُرِيد بِهِ الْأَمريْنِ قَالَ الله تَعَالَى {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} وَقَالَ بعض الْعلمَاء تنافس الْعلمَاء فِي هَذِه الْأَسْمَاء تنافسا لَا طائل تَحْتَهُ فَإِنَّهُم متفقون على أَنه يُسْتَفَاد مِنْهَا بِالشَّرْعِ زِيَادَة على أصل الْوَضع فَهَل ذَلِك الْمَعْنى يصير تِلْكَ الْأَسْمَاء مَوْضُوعَة كالوضع الابتدائي كَمَا فِي لفظ الدَّابَّة أَو هِيَ مبقاة على الْوَضع اللّغَوِيّ وَالشَّرْع إِنَّمَا تصرف فِي شُرُوطهَا وأحكامها قلت وَهَذَا الثَّانِي هُوَ قَول القَاضِي أبي بكر الباقلاني قَالَ وَالْقَوْل بِالْأولِ يحصل غَرَض الشِّيعَة على الصَّحَابَة فَإِذا قيل إِن الله تَعَالَى وعد الْمُؤمنِينَ بِالْجنَّةِ وهم قد آمنُوا يَقُولُونَ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق فِي قُلُوبهم لَكِن الشَّرْع نقل هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَى الطَّاعَات وهم صدقُوا وَمَا أطاعوا فِي أَمر الْخلَافَة فَإِذا قُلْنَا لم تنقل انسد الْبَاب الردي وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ يمكننا أَن نقُول بِأَن الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة منقولة إِلَّا هَذِه الْمَسْأَلَة. الْخَامِس فِيهِ وجوب الْإِيمَان بِهَذِهِ الْمَذْكُورَات فِي الحَدِيث. السَّادِس فِيهِ عظم مرتبَة هَذِه الْأَركان الَّتِي فسر الْإِسْلَام بهَا السَّابِع فِيهِ جَوَاز قَول رَمَضَان بِلَا شهر الثَّامِن فِيهِ غظم مَحل الْإِخْلَاص والمراقبة التَّاسِع يه لَا أَدْرِي من الْعلم وَالِاعْتِرَاف بِعَدَمِ الْعلم وَإِن ذَلِك لَا ينقصهُ وَلَا يزِيل مَا عرف من جلالته بل ذَلِك دَلِيل على ورعه وتقواه ووفور علمه وَعدم يبجحه بِمَا لَيْسَ عِنْده الْعَاشِر فِيهِ دَلِيل على تمثل الْمَلَائِكَة بِأَيّ صُورَة شاؤا من صور بني
آدم كَقَوْلِه تَعَالَى {فتمثل لَهَا بشرا سويا} وَقد كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يتَمَثَّل بِصُورَة دحْيَة وَلم يره النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا غير مرَّتَيْنِ. فَإِن قلت لَو كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام متمثلا بِصُورَة دحْيَة فِي ذَلِك الْوَقْت لَكَانَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عرفه من أول الْأَمر مَا عرف أَنه جِبْرِيل إِلَّا فِي آخر الْحَال قلت من ادّعى أَن جِبْرِيل مَا يتَمَثَّل إِلَّا بِصُورَة دحْيَة فَقَط فَعَلَيهِ الْبَيَان على أَن الَّذِي ذكرنَا من الرِّوَايَات أَن جِبْرِيل أَتَاهُ فِي صُورَة رجل حسن الْهَيْئَة لكنه غير مَعْرُوف لديهم يرد عَلَيْهِ. فَإِن قلت وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي فَرْوَة فِي آخر الحَدِيث وَأَنه لجبريل نزل فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ قلت قَوْله نزل فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ وهم لِأَن دحْيَة مَعْرُوف عِنْدهم وَقد قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي حَدِيثه مَا يعرفهُ منا أحد وَقد أخرجه مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الْإِيمَان لَهُ من الْوَجْه الَّذِي أخرجه مِنْهُ النَّسَائِيّ فَقَالَ فِي آخِره " فَإِنَّهُ جِبْرِيل جَاءَ ليعلمكم دينكُمْ " حسب وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ المحفوظة لموافقته بَاقِي الرِّوَايَات الْحَادِي عشر قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا الحَدِيث يصلح أَن يُقَال لَهُ أم السّنة لما تضمن من جملَة عِلّة السّنة وَقَالَ الطَّيِّبِيّ لهَذِهِ النُّكْتَة استفتح بِهِ الْبَغَوِيّ كِتَابه المصابيح وَشرح السّنة اقْتِدَاء بِالْقُرْآنِ فِي افتتاحه بِالْفَاتِحَةِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنت عُلُوم الْقُرْآن إِجْمَالا وَقَالَ القَاضِي عِيَاض اشْتَمَل هَذَا الحَدِيث على جَمِيع وظائف الْعِبَادَات الظَّاهِرَة والباطنة من عُقُود الْإِيمَان ابْتِدَاء وَحَالا ومآلا وَمن أَعمال الْجَوَارِح وَمن إخلاص السرائر والتحفظ من آفَات الْأَعْمَال حَتَّى أَن عُلُوم الشَّرِيعَة كلهَا رَاجِعَة إِلَيْهِ ومتشعبة مِنْهُ الثَّانِي عشر فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بالأبصار غير وَاقعَة فَإِن قلت فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد رَآهُ قلت قَالَ بَعضهم وَأما النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذَاك لدَلِيل آخر قلت رُؤْيَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ربه عز وَجل لم يكن فِي دَار الدُّنْيَا بل كَانَت فِي الملكوت الْعليا وَالدُّنْيَا لَا تطلق عَلَيْهَا وَالدَّلِيل الصَّرِيح على عدم وُقُوع رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فِي الدُّنْيَا مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام " وَاعْلَمُوا أَنكُمْ لن تروا ربكُم حَتَّى تَمُوتُوا " وَأما الرُّؤْيَة فِي الْآخِرَة فمذهب أهل الْحق أَنَّهَا وَاقعَة بالأبصار. فَإِن قلت الرُّؤْيَة يشْتَرط فِيهَا خُرُوج شُعَاع وانطباع صُورَة المرئي فِي الحدقة والمواجهة والمقابلة وَرفع الْحجب فَكيف يجوز ذَلِك على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قلت هَذِه الشُّرُوط للرؤيا عَادَة فِي الدُّنْيَا وَأما فِي الْآخِرَة فَيجوز أَن يكون الله تَعَالَى مرئيا لنا إِذْ هِيَ حَالَة يخلقها الله تَعَالَى فِي الحاسة فَتحصل بِدُونِ هَذِه الشُّرُوط وَلِهَذَا جوز الأشاعرة أَن يرى أعمى الصين بقْعَة أندلس وَقد ادّعى بعض غلات الصُّوفِيَّة جَوَاز رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فِي دَار الدُّنْيَا وَقَالَ فِي قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ " إِشَارَة إِلَى مقَام المحو والفناء وَتَقْدِيره فَإِن لم تصر شَيْئا وفنيت عَن نَفسك حَتَّى كَأَنَّك لَيْسَ بموجود فَإنَّك حِينَئِذٍ ترَاهُ. قلت هَذَا تَأْوِيل فَاسد بِدَلِيل رِوَايَة كهمس فَإِن لَفظهَا " فَإنَّك أَن لَا ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " فَسلط النَّفْي على الرُّؤْيَة لَا على الْكَوْن وَكَذَلِكَ يبطل تأويلهم رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَإِن لم ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " ورد عَلَيْهِم بَعضهم بقوله لَو كَانَ المُرَاد مَا زَعَمُوا لَكَانَ قَوْله " ترَاهُ " نحذوف الْألف لِأَنَّهُ يصير مَجْزُومًا لكَونه على تأويلهم جَوَاب الشَّرْط وَلم يَجِيء حذف الْألف فِي شَيْء من طرق هَذَا الحَدِيث وَهَذَا الْجَواب لَا يقطع بِهِ شغبهم لِأَن لَهُم أَن يَقُولُوا الْجَزَاء جملَة حذف صدرها تَقْدِيره فَأَنت ترَاهُ والجزم فِي الْجُمْلَة لَا يظْهر والمقدر كالملفوظ قَوْله " مَتى السَّاعَة " قَالَ الْقُرْطُبِيّ الْمَقْصُود من هَذَا السُّؤَال كف السامعين عَن السُّؤَال عَن وَقت السَّاعَة لأَنهم كَانُوا قد أَكْثرُوا السُّؤَال عَنْهَا كَمَا ورد فِي كثير من الْآيَات والْحَدِيث فَلَمَّا حصل الْجَواب بِمَا ذكر حصل الْيَأْس من مَعْرفَتهَا بِخِلَاف الأسئلة الْمَاضِيَة فَإِن المُرَاد بهَا اسْتِخْرَاج الْأَجْوِبَة ليتعلمها السامعون ويعملوا بهَا وَهَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب وَقعا بَين عِيسَى ابْن مَرْيَم وَجِبْرِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام أَيْضا لَكِن كَانَ عِيسَى سَائِلًا وَجِبْرِيل مسئولا قَالَ الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا مَالك ابْن مغول عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء عَن الشّعبِيّ قَالَ " سَأَلَ عِيسَى ابْن مَرْيَم جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن السَّاعَة قَالَ فانتفض بأجنحته وَقَالَ مَا المسؤل عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل " قَوْله " جَاءَ يعلم النَّاس دينهم " أَي قَوَاعِد دينهم وكلياتها وَقَالَ ابْن الْمُنِير فِيهِ دلَالَة على أَن السُّؤَال الْحسن يُسمى علما وتعليما لِأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لم يصدر مِنْهُ سوى السُّؤَال وَمَعَ ذَلِك فقد سَمَّاهُ معلما وَقد اشْتهر قَوْلهم. السُّؤَال نصف الْعلم (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل مَا سَبَب وُرُود هَذَا الحَدِيث وَأجِيب بِأَن سَببه مَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ " سلوني فهابوه أَن يسألوه فجَاء رجل فَجَلَسَ عِنْد رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول الله
مَا الْإِسْلَام " الحَدِيث. وَمِنْهَا مَا قيل مَا وَجه تَفْسِير الْإِيمَان بِأَن تؤمن وَفِيه تَعْرِيف الشَّيْء بِنَفسِهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ تعريفا بِنَفسِهِ إِذا المُرَاد من الْمَحْدُود الْإِيمَان الشَّرْعِيّ وَمن الْحَد الْإِيمَان اللّغَوِيّ أَو المتضمن للاعتراف وَلِهَذَا عدى بِالْبَاء أَي أَن تصدق معترفا بِكَذَا. وَمِنْهَا مَا قيل كَيفَ بَدَأَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بالسؤال قبل السَّلَام وَأجِيب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك مُبَالغَة فِي التعمية لأَمره أَو ليبين أَن ذَلِك غير وَاجِب أَو سلم فَلم يَنْقُلهُ الرَّاوِي قلت الْأَوَّلَانِ ضعيفان والاعتماد على الثَّالِث لِأَنَّهُ ثَبت فِي رِوَايَة أبي فَرْوَة بعد قَوْله " كَأَن ثِيَابه لم يَمَسهَا دنس حَتَّى سلم من طرف الْبسَاط فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَرد عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ادنو يَا مُحَمَّد قَالَ أدن فَمَا زَالَ يَقُول أدنو مرَارًا وَيَقُول أدن " وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَطاء عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَكِن قَالَ " السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله " وَفِي رِوَايَة " يَا رَسُول الله أدنو فَقَالَ أدن " وَلم يذكر السَّلَام فاختلفت الرِّوَايَة هَل قَالَ يَا مُحَمَّد أَو قَالَ يَا رَسُول الله وَهل سلم أَولا وَطَرِيق التَّوْفِيق أَن رِوَايَة من قَالَ سلم مُقَدّمَة على رِوَايَة من سكت عَنهُ أَو أَنه قَالَ أَولا يَا مُحَمَّد كَمَا كَانَ الْأَعْرَاب يَقُوله قصدا ااتعمية ثمَّ خاطبه بعد ذَلِك بقوله يَا رَسُول الله وَوَقع عِنْد الْقُرْطُبِيّ أَنه قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا مُحَمَّد واستنبط من هَذَا أَنه يسْتَحبّ للداخل أَن يعمم بِالسَّلَامِ ثمَّ يخصص من يُرِيد تَخْصِيصه. وَمِنْهَا مَا قيل لم قدم السُّؤَال عَن الْإِيمَان وَأجِيب بِأَنَّهُ الأَصْل وَثني بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يظْهر بِهِ تَصْدِيق الدَّعْوَى وَثلث بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ مُتَعَلق بهما وَقد وَقع فِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وثنى بِالْإِيمَان وَقَالُوا إِنَّمَا بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ بِالْأَمر الظَّاهِر ثمَّ بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ بِالْأَمر الْبَاطِن وَرجح الطَّيِّبِيّ هَذَا وَقَالَ لما فِيهِ من الترقي وَوَقع فِي وَرَايَة مطر الْوراق بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وثنى بِالْإِحْسَانِ وَثلث بِالْإِيمَان وَيُمكن أَن يُقَال عَنَّا أَن الْإِحْسَان هُوَ الْإِخْلَاص كَمَا ذكرنَا فَكَمَا أَن مَحَله الْقلب فَكَذَلِك ذكر فِي الْقلب وَالْحق أَن هَذَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير من الروَاة وَالله تَعَالَى أعلم. وَمِنْهَا مَا قيل أَن السُّؤَال عَن مَاهِيَّة الْإِيمَان لِأَنَّهُ سَأَلَهُ بِكَلِمَة مَا وَلَا يسْأَل بهَا إِلَّا عَن الْمَاهِيّة وماهية الْإِيمَان التَّصْدِيق وَالْجَوَاب غير مُطَابق وَأجِيب بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام علم مِنْهُ إِنَّه إِنَّمَا سَأَلَهُ عَن متعلقات الْإِيمَان إِذْ لَو كَانَ سُؤَاله عَن حَقِيقَته لَكَانَ جَوَابه التَّصْدِيق وَقَالَ الطَّيِّبِيّ قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه " يُوهم التّكْرَار وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يتَضَمَّن معنى أَن تعترف وَلِهَذَا عداهُ بِالْبَاء وَقَالَ بَعضهم والتصديق أَيْضا يعدي بِالْبَاء فَلَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى التَّضْمِين قلت الطَّيِّبِيّ ادّعى تضمين الْإِيمَان معنى الِاعْتِرَاف وَكَون التَّصْدِيق يتَعَدَّى بِالْبَاء لَا يمْنَع دَعْوَى تضمين الْإِيمَان معنى الِاعْتِرَاف حَتَّى يُقَال لَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى التَّضْمِين. وَمِنْهَا مَا قيل الْإِيمَان بالكتب أَيْضا وَاجِب وَلم تَركه وَأجِيب بِأَن الْإِيمَان بالرسل مُسْتَلْزم للْإيمَان بِمَا أنزل عَلَيْهِم على أَنه مَذْكُور فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ هَهُنَا كَمَا ذَكرْنَاهُ وَمِنْهَا مَا قيل لم كرر لفظ تؤمن فِي قَوْله " وتؤمن بالعبث " وَأجِيب بِأَنَّهُ نوع آخر من الْمُؤمن بِهِ لِأَن الْبَعْث سيوجد فِيمَا بعد واخواته مَوْجُودَة الْآن وَمِنْهَا مَا قيل ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن الْإِيمَان لَا يتم إِلَّا على من صدق بِجَمِيعِ مَا ذكر فَمَا بَال الْفُقَهَاء يكتفون بِإِطْلَاق الْإِيمَان على من آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَأجِيب بِأَن الْإِيمَان بِرَسُولِهِ هُوَ الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ من ربه فَيدْخل جَمِيع ذَلِك تَحت ذَلِك وَمِنْهَا مَا قيل أَن المُرَاد من قَوْله (أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا) إِن كَانَ معرفَة الله تَعَالَى وتوحيده فَلَا يحْتَاج إِلَى قَوْله (وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا) وَإِن كَانَ المُرَاد الطَّاعَة مُطلقًا فَيدْخل فِيهَا جَمِيع الْوَظَائِف وَمَا الْفَائِدَة بعد ذَلِك فِي ذكر الصَّلَاة وَالصَّوْم وَأجِيب بِأَن المُرَاد النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ صرح بذلك فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ " الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله " وَلما عبر الرَّاوِي عَن ذَلِك بِالْعبَادَة احْتِيجَ أَن يُوضح ذَلِك بقوله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وَلم يحْتَج إِلَيْهِ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام. وَمِنْهَا مَا قيل أَن السُّؤَال عَن الْإِسْلَام عَام وَالْجَوَاب خَاص لقَوْله " أَن تعبد الله " وَكَذَا قَوْله فِي الْإِيمَان " أَن تؤمن " وَفِي الْإِحْسَان " أَن تعبد " وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد بمخاطبة الْأَفْرَاد اخْتِصَاصه بذلك بل المُرَاد تَعْلِيم السامعين الحكم فِي حَقهم وَحقّ من تخَاف عَنْهُم وَقد بَين ذَلِك بقوله فِي آخر الحَدِيث " يعلم النَّاس دينهم " وَمِنْهَا مَا قيل لم لم يذكر الْحَج وَأجِيب بِأَنَّهُ فرض حِينَئِذٍ وَيرد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي كتاب الْإِيمَان بِإِسْنَادِهِ الَّذِي هُوَ على شَرط مُسلم من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ أَوله أَن رجلا فِي آخر عمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ إِلَى
قال أبو عبد الله جعل ذلك كله من الإيمان
رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ فَهَذَا يدل على أَنه إِنَّمَا جَاءَ بعد إِنْزَال جَمِيع لتقرير أُمُور الدّين وَالصَّوَاب أَن تَركه من الروَاة إِمَّا ذهولا وَإِمَّا نِسْيَانا وَالدَّلِيل على ذَلِك اخْتلَافهمْ فِي ذكر بعض الْأَعْمَال دون بعض فَفِي رِوَايَة كهمس " وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا " وَكَذَا فِي حَدِيث أنس وَفِي رِوَايَة عَطاء الخرساني لم يذكر الصَّوْم وَفِي حَدِيث أبي عَامر ذكر الصَّلَاة وَالزَّكَاة حسب كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَمِنْهَا مَا قيل لَفْظَة أعلم فِي قَوْله " مَا المسؤل عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل " مشعرة بِوُقُوع الِاشْتِرَاك فِي الْعلم وَالنَّفْي توجه إِلَى الزِّيَادَة فَيلْزم أَن يكون مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا متساويان فِي الْعلم بِهِ لَكِن الْأَمر بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُمَا متساويان فِي نفي الْعلم بِهِ وَأجِيب بِأَن اللَّازِم مُلْتَزم لِأَنَّهُمَا متساويان فِي الْقدر الَّذِي يعلمَانِ لست بِأَعْلَم بهَا مِنْك وَأجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ كَذَلِك إشعارا بالتعميم تعريضا للسامعين إِن كل سَائل وَمَسْئُول فَهُوَ كَذَلِك وَمِنْهَا مَا قيل أَن الأشراط جمع شَرط وَأقله ثَلَاثَة على الْأَصَح وَلم يذكر هُنَا إِلَّا اثْنَان وَأجِيب بِأَنَّهُ إِمَّا أَنه ورد على مَذْهَب أَن أَقَله اثْنَان أَو حذف الثَّالِث لحُصُول الْمَقْصُود بِمَا ذكر وَقَالَ بَعضهم فِي هَذِه الْأَجْوِبَة نظر وَلَو أُجِيب بِأَن هَذَا دَلِيل القَوْل الصائر إِلَى أَن أقل الْجمع إثنان لما بعد عَن الصَّوَاب قلت هَذَا الَّذِي قَالَه بعيد عَن الصَّوَاب لِأَنَّهُ كَيفَ يكون هَذَا دَلِيلا لمن يَقُول أَن أقل الْجمع إثنان لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يسْتَدلّ على ذَلِك بِلَفْظ الأشراط أَو بِلَفْظ إِذا ولدت وَإِذا تطاول مِنْهُمَا لَا يَصح أَن يكون دَلِيلا أما الأول فَلِأَنَّهُ لم يقل أحد أَنه ذكر الأشراط وَأَرَادَ بِهِ الشَّرْطَيْنِ بل المُرَاد أَكثر من ثَلَاثَة وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصُورَة التَّثْنِيَة حَتَّى يُقَال ذكرهَا وَأَرَادَ بهَا الْجمع فَافْهَم وَقَوله أَو حذف الثَّالِث لحُصُول الْمَقْصُود هُوَ لاجواب المرضي لِأَن الْمَذْكُور من الأشراط ثَلَاثَة وَإِنَّمَا بعض الروَاة اقْتصر على اثْنَيْنِ مِنْهَا لِأَن البُخَارِيّ ذكر هُنَا الْولادَة والتطاول وَفِي التَّفْسِير ذكر الْولادَة ورؤوس الحفاة وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن بشر الَّتِي أخرج مُسلم إسنادها وسَاق ابْن خُزَيْمَة لفطها عَن أبي حَيَّان ذكر الثَّلَاثَة وَكَذَا فِي مستخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن علية وَكَذَا ذكرهَا عمَارَة بن الْقَعْقَاع. وَمِنْهَا مَا قيل لم ذكر جمع الْقلَّة والعلامات أَكثر من الْعشْرَة فِي الْوَاقِع وَأجِيب بِأَنَّهُ جَازَ لِأَنَّهُ قد تستقرض الْقلَّة للكثرة وَبِالْعَكْسِ أَو لفقد جمع الْكَثْرَة للفظ الشَّرْط أَو لِأَن الْفرق بالقلة وَالْكَثْرَة إِنَّمَا هُوَ فِي النكرات لَا فِي المعارف. وَمِنْهَا مَا قيل كَيفَ أطلق الرب على غير الله تَعَالَى وَقد ورد النَّهْي عَنهُ بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " وَلَا يقل أحدكُم رَبِّي وَليقل سَيِّدي ومولاي " وَأجِيب بِأَن هَذَا من بَاب التَّشْدِيد وَالْمُبَالغَة وَأَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَخْصُوص بِهِ. قلت الْمَمْنُوع إِطْلَاق الرب على غير الله تَعَالَى بِدُونِ الْإِضَافَة وَأما بِالْإِضَافَة فَلَا يمْنَع يُقَال رب الدَّار وَرب النَّاقة وَمِنْهَا مَا قيل من أَيْن أستفاد الْحصْر من قَوْله تَعَالَى {إِن الله عِنْده علم السَّاعَة} الْآيَة حَتَّى يُوَافق الْحصْر الَّذِي فِي الحَدِيث وَأجِيب من تَقْدِيم عِنْده وَأما بَيَان الْحصْر فِي إخواتها فَلَا يخفى على الْعَارِف بالقواعد وَمِنْهَا مَا قيل مَا وَجه الإنحصار فِي هَذِه الْخمس مَعَ أَن الْأُمُور الَّتِي لَا يعلمهَا إِلَّا الله كَثِيرَة أُجِيب بِأَنَّهُ إِمَّا لأَنهم كَانُوا سَأَلُوا الرَّسُول عَن هَذِه الْخمس فَنزلت الْآيَة جَوَابا لَهُم وَأما لِأَنَّهَا عَائِدَة إِلَى هَذِه الْخمس فَافْهَم وَمِنْهَا مَا قيل مَا النُّكْتَة فِي الْعُدُول عَن الْإِثْبَات إِلَى النَّفْي فِي قَوْله (وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا) وَكَذَا فِي التَّعْبِير بالدراية دون الْعلم وَأجِيب للْمُبَالَغَة والتعميم إِذا الدِّرَايَة اكْتِسَاب علم الشَّيْء بحيلة فَإِذا انْتَفَى ذَلِك عَن كل نفس مَعَ كَونه مُخْتَصًّا بهَا وَلم يَقع مِنْهُ على علم كَانَ عدم إطلاعه على علم غير ذَلِك من بَاب أولى وَمِنْهَا مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي سُؤال السَّاعَة حَيْثُ عرف جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَن وَقتهَا غير مَعْلُوم لخلق الله وَأجِيب بِأَن أَقَله التَّنْبِيه على أَنه لَا يطْمع أحد فِي التطلع إِلَيْهِ والفصل بَين مَا يُمكن مَعْرفَته وَمَا لَا يُمكن وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب وَمِنْهَا مَا قيل أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ فَقَط وَالنَّاس تعلمُوا الدّين من الْجَواب لَا مِنْهُ فَكيف قَالَ يعلم النَّاس بِإِسْنَاد التَّعْلِيم إِلَيْهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ لكا كَانَ سَببا فِيهِ أطلق الْمعلم عَلَيْهِ أَو لما كَانَ غَرَضه التَّعْلِيم أطلق عَلَيْهِ (قَالَ أَبُو عبد الله جعل ذَلِك كُله من الْإِيمَان) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ قَوْله " جعل " أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا ذكر فِي الحَدِيث فَإِن قلت قَالَ
باب
البُخَارِيّ أَولا فَجعل ذَلِك كُله دينا وَقَالَ هَهُنَا جعل ذَلِك كُله من الْإِيمَان قلت أما جعله دينا فَظَاهر حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي آخر الحَدِيث " يعلم النَّاس دينهم " وَأما جعله إِيمَانًا فكلمة من إِمَّا تبعيضية وَالْمرَاد بِالْإِيمَان هُوَ الْإِيمَان الْكَامِل الْمُعْتَبر عِنْد الله تَعَالَى وَعند النَّاس فَلَا شكّ إِن الْإِسْلَام وَالْإِحْسَان داخلان فِيهِ وَأما ابتدائية وَلَا يخفى أَن مبدأ الْإِحْسَان وَالْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان بِاللَّه إِذْ لَوْلَا الْإِيمَان بِهِ لم تتَصَوَّر الْعِبَادَة لَهُ 38 - (بَاب) كَذَا وَقع بِلَا تَرْجَمَة فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي الْوَقْت، وَسقط ذَلِك بِالْكُلِّيَّةِ من رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي وَغَيرهمَا، وَرجح النَّوَوِيّ الأول، قَالَ: لِأَن التَّرْجَمَة، يَعْنِي: سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، عَن الْإِيمَان لَا يتَعَلَّق بهَا هَذَا الحَدِيث، فَلَا يَصح ادخاله فِيهِ، وَقد قيل: نفي التَّعْلِيق لَا يتم هُنَا على الْحَالين، لِأَنَّهُ إِن ثَبت لفظ بَاب بِلَا تَرْجَمَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْفَصْل من الْبَاب الَّذِي قبله، فَلَا بُد لَهُ من تعلق بِهِ، وَإِن لم يثبت فتعلقه بِهِ مُتَعَيّن، لكنه يتَعَلَّق بقوله فِي التَّرْجَمَة: جعل ذَلِك كُله دينا. وَوجه بَيَان التَّعَلُّق أَنه سمى الدّين: إِيمَانًا فِي حَدِيث هِرقل، فَيتم مُرَاد البُخَارِيّ بِكَوْن الدّين هُوَ الْإِيمَان. فَإِن قلت: لَا حجَّة لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ مَنْقُول عَن هِرقل. قلت: إِنَّه مَا قَالَه من قبل اجْتِهَاده. وَإِنَّمَا أخبر بِهِ عَن استقرائه من كتب الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَيْضًا فهرقل قَالَه بِلِسَانِهِ الرُّومِي، فَرَوَاهُ عَنهُ أَبُو سُفْيَان بِلِسَانِهِ الْعَرَبِيّ، وألقاه إِلَى ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَهُوَ من عُلَمَاء اللِّسَان، فَرَوَاهُ عَنهُ، وَلم يُنكره، فَدلَّ على أَنه صَحِيح لفظا وَمعنى: وَقد يُقَال: إِن هَذَا لم يكن أمرا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ محاورة، وَلَا شكّ أَن محاوراتهم كَانَت على الْعرف الصَّحِيح الْمُعْتَبر الْجَارِي على الْقَوْلَيْنِ، فَجَاز الِاسْتِدْلَال بهَا. فَإِن قلت: بَاب، كَيفَ يقْرَأ؟ وَهل لَهُ حَظّ من الْإِعْرَاب؟ قلت: إِن قدرت لَهُ مُبْتَدأ يكون مَرْفُوعا على الخبرية، وَالتَّقْدِير: وَهَذَا بَاب، وَإِلَّا لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلاَّ بعد العقد والتركيب، وَيكون مثل الْأَسْمَاء الَّتِي تعد، وَهُوَ هُنَا بِمَنْزِلَة قَوْلهم بَين الْكَلَام: فصل كَذَا وَكَذَا، يذكرُونَهُ ليفصلوا بِهِ بَين الْكَلَامَيْنِ. 51 - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شهابِ عنْ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاس أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أبُو سُفْيَانَ أنّ هرقْلَ قَالَ لَهُ سأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصونَ فَزَعَمْتَ أنهُمْ يَزِيدُونَ وكَذلكَ الإيمانُ حتَّى يتَمَّ وسألْتُكَ هلْ يَرْتَدُّ أحدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَن يَدْخُلَ فيهِ فَزَعَمْتَ أَن لَا وكذلكَ الإيمانُ حِينَ تُخالِطُ بشَاشَتُهُ القُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أحدٌ. (الحَدِيث 51 انْظُر الحَدِيث 7) . لم يضع لهَذَا تَرْجَمَة، وَإِنَّمَا اقْتصر من حَدِيث أبي سُفْيَان الطَّوِيل على هَذِه الْقطعَة لتَعلق غَرَضه لَهَا، وَسَاقه فِي كتاب الْجِهَاد تَاما بِهَذَا الْإِسْنَاد الَّذِي أوردهُ هَهُنَا، وَمثل هَذَا يُسمى: خرما، وَهُوَ أَن يذكر بعض الحَدِيث وَيتْرك الْبَعْض، فَمَنعه بَعضهم مُطلقًا، وَجوزهُ الْآخرُونَ، وَالصَّحِيح أَنه يجوز من الْعَالم إِذا كَانَ مَا تَركه غير مُتَعَلق بِمَا رَوَاهُ بِحَيْثُ لَا يخْتل الْبَيَان، وَلَا تخْتَلف الدّلَالَة، وَلَا فرق بَين أَن يكون قد رَوَاهُ قبل على التَّمام أَو لم يروه. قَالَ الْكرْمَانِي: فَمِمَّنْ وَقع هَذَا الخرم؟ قلت: الظَّاهِر أَنه من الزُّهْرِيّ لَا من البُخَارِيّ لاخْتِلَاف شُيُوخ الإسنادين بِالنِّسْبَةِ إِلَى البُخَارِيّ، فَلَعَلَّ شَيْخه: إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة لم يذكر فِي مقَام الِاسْتِدْلَال على أَن الْإِيمَان دين إلاَّ هَذَا الْقدر. قلت: كَيفَ يكون الخرم من الزُّهْرِيّ وَقد أخرجه البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كتاب الْجِهَاد؟ وَلَيْسَ الخرم إلاَّ من البُخَارِيّ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة بن مُحَمَّد بن مُصعب بن عبد الله بن زبير بن الْعَوام، الْقرشِي الْأَسدي الْمدنِي، روى عَن جمَاعَة من الْكِبَار، وروى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، قَالَ ابْن سعد: ثِقَة صَدُوق، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْمَدِينَةِ. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الْمدنِي، وَقد مر فِيمَا مضى. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان الْغِفَارِيّ الْمدنِي، وَتقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَتقدم ذكره غير
- (باب فضل من استبرأ لدينه)
مرّة. الْخَامِس: عبيد الله بن عبد الله، بتصغير الابْن وتكبير الْأَب، ابْن عتبَة بن مَسْعُود، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ وَقد مر ذكره. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين. وَمِنْهَا: أَن بَينه وَبَين الزُّهْرِيّ هَهُنَا ثَلَاثَة أنفس. وَفِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم الَّذِي فِيهِ قصَّة هِرقل شَيْخَانِ هما: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة. ثمَّ أعلم أَنا قد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث فِي أول الْكتاب، غير أَن فِيهِ هَهُنَا بعض التغييرات فِي الْأَلْفَاظ نشِير إِلَيْهَا. فَنَقُول قَوْله: (هَل يزِيدُونَ) وَقع هُنَا: (أيزيدون) ، بِالْهَمْزَةِ وَكَانَ الْقيَاس بِالْهَمْزَةِ، لِأَن: أم، الْمُتَّصِلَة مستلزمة للهمزة، وَلَكِن نقُول: إِن: أم، هَهُنَا مُنْقَطِعَة لَا مُتَّصِلَة، تَقْدِيره: بل ينقصُونَ حَتَّى يكون إضرابا عَن سُؤال الزِّيَادَة، واستفهاما عَن النُّقْصَان، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا مُتَّصِلَة لَكِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِم الْهمزَة بل الِاسْتِفْهَام، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أم، لَا تقع إلاَّ فِي الِاسْتِفْهَام إِذا كَانَت مُتَّصِلَة، فَهُوَ أَعم من الْهمزَة، فَإِن قيل: شَرط بعض النُّحَاة وُقُوع الْمُتَّصِلَة بَين الإسمين. قلت: قد صَرَّحُوا أَيْضا بِأَنَّهَا لَو وَقعت بَين الْفِعْلَيْنِ جَازَ اتصالها، لَكِن بِشَرْط أَن يكون فَاعل الْفِعْلَيْنِ متحدا كَمَا فِي مَسْأَلَتنَا. فَإِن قلت: الْمَعْنى على تَقْدِير الِاتِّصَال غير صَحِيح، لِأَن: هَل، لطلب الْوُجُود، و: أم: الْمُتَّصِلَة لطلب التَّعْيِين، سِيمَا فِي هَذَا الْمقَام فَإِنَّهُ ظَاهر أَنه للتعيين. قلت: يجب حمل مطلب: هَل، على أَعم مِنْهُ تَصْحِيحا للمعنى، وتطبيقا بَينه وَبَين الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي أول الْكتاب. قَوْله: (فَزَعَمت) ، وَفِيمَا مضى: (فَذكرت) . قَوْله: (وَكَذَلِكَ أَمر الْإِيمَان) وَفِيمَا مضى: (وَكَذَلِكَ الْإِيمَان) . قَوْله: (هَل يرْتَد) ، وَفِيمَا مضى: (أيرتد) . قَوْله: (فَزَعَمت) وَفِيمَا مضى: (فَذكرت) . قَوْله: (لَا يسخطه أحد) ، لم يذكر فِيمَا مضى. 39 - (بابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرأَ لِدِينِهِ) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن قَوْله: بَاب، مَرْفُوع مُضَاف تَقْدِيره: هَذَا بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ، وَكلمَة: من، مَوْصُولَة، و: اسْتَبْرَأَ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الرَّاجِع إِلَى: من، صلَة للموصولة. و: اسْتَبْرَأَ، استفعل، أَي: طلب الْبَرَاءَة لدينِهِ من الذَّم الشَّرْعِيّ، أَي: طلب الْبَرَاءَة من الْإِثْم. يُقَال: بَرِئت من الدُّيُون والعيوب، وبرئت مِنْك بَرَاءَة، وبرئت من الْمَرَض بُرأ، بِالضَّمِّ، وَأهل الْحجاز يَقُولُونَ: برأت من الْمَرَض برأَ، بِالْفَتْح، وَيَقُول كلهم فِي الْمُسْتَقْبل: يبرأ بِالْفَتْح، وبرأ الله الْخلق برأَ أَيْضا، بِالْفَتْح، وَهُوَ البارىء. وَفِي (الْعباب) : والتركيب يدل على التباعد عَن الشَّيْء ومزايلته، وعَلى الْخلق. قَوْله: (لدينِهِ) أَي لأجل دينه. النَّوْع الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول بَيَان الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان، وَإِن ذَلِك كُله دين، وَالْمَذْكُور هَهُنَا الِاسْتِبْرَاء للدّين الَّذِي يَشْمَل الْإِيمَان وَالْإِحْسَان، وَلَا شكّ أَن الِاسْتِبْرَاء للدّين من الدّين. النَّوْع الثَّالِث: وَجه التَّرْجَمَة وَهُوَ أَنه لما أَرَادَ أَن يذكر حَدِيث النُّعْمَان بن بشير، رَضِي الله عَنهُ، عقيب حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، للمناسبة الَّتِي ذَكرنَاهَا، عقد لَهُ بَابا. وَترْجم لَهُ بقوله: فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ، وَعين هَذَا اللَّفْظ لعمومه واشتماله سَائِر أَلْفَاظ الحَدِيث، وَإِنَّمَا لم يقل: اسْتَبْرَأَ لعرضه وَدينه، اكْتِفَاء بقوله: دينه، لِأَن الِاسْتِبْرَاء للدّين لَازم للاستبراء للعرض لِأَن الِاسْتِبْرَاء للعرض لأجل الْمُرُوءَة فِي صون عرضه، وَذَلِكَ من الْحيَاء، وَالْحيَاء من الْإِيمَان، فالاستبراء للعرض أَيْضا من الْإِيمَان. 52 - حدّثنا أبُو نَعِيْمٍ حدّثنا زَكَرياءُ عَن عامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعمْانَ بنَ بَشِيرٍ يقولُ سَمِعْتُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقولُ الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ وَبيْنِهما مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَات اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضهِ ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعِي يَرْعَى حَولَ الحِمى يُوشِكُ أَن يُواقِعَهُ أَلا وإنّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إنّ حِمَى اللَّهِ فِي أرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وإنّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كُلُّهُ وَإِذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وهْيَ القَلبُ. (الحَدِيث 25 طرفه فِي: 2051) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ أَنه أَخذ جزأ مِنْهُ وَترْجم بِهِ كَمَا ذكرنَا. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول:
أَبُو نعيم، بِضَم النُّون، الْفضل، بالضاد الْمُعْجَمَة، ابْن دُكَيْن، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف، وَهُوَ لقب لَهُ، واسْمه عَمْرو ابْن حَمَّاد بن زُهَيْر الْقرشِي التَّيْمِيّ الطلحي الْملَائي، مولى آل طَلْحَة بن عبد الله، وَكَانَ يَبِيع الملاء فَقيل لَهُ: الْملَائي، بِضَم الْمِيم وَالْمدّ. سمع الْأَعْمَش وَغَيره من الْكِبَار، وَقل من يُشَارِكهُ فِي كَثْرَة الشُّيُوخ، وَعنهُ أَحْمد وَغَيره من الْحفاظ. قَالَ أَبُو نعيم: شاركت الثَّوْريّ فِي أَرْبَعِينَ شَيخا أَو خمسين شَيخا، وَاتَّفَقُوا على الثَّنَاء عَلَيْهِ، وَوَصفه بِالْحِفْظِ والاتقان. وَقَالَ أَيْضا: أدْركْت ثَمَانمِائَة شيخ، مِنْهُم الْأَعْمَش فَمن دونه، فَمَا رَأَيْت أحدا يَقُول بِخلق الْقُرْآن، وَمَا تكلم أحد بِهَذَا إلاَّ رُمِيَ بالزندقة. وروى البُخَارِيّ عَنهُ بِغَيْر وَاسِطَة، وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِوَاسِطَة، ولد سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَمَات سنة ثَمَان، أَو: تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ بِالْكُوفَةِ. الثَّانِي: زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة، واسْمه: خَالِد بن مَيْمُون الْهَمدَانِي الْكُوفِي، سمع جمعا من التَّابِعين مِنْهُم الشّعبِيّ والسبيعي، وَعنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة وَخلق، وَمَات سنة سبع أَو تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة. قَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عَامر الشّعبِيّ وَقد تقدم ذكره. الرَّابِع: النُّعْمَان بن بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة، ابْن سعد بن ثَعْلَبَة بن خلاس، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام، الْأنْصَارِيّ الخزرجي، وَأمه عمْرَة بنت رَوَاحَة أُخْت عبد الله بن رَوَاحَة، ولد بعد أَرْبَعَة عشر شهرا من الْهِجْرَة، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد للْأَنْصَار بعد الْهِجْرَة وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ: ولد هُوَ وَعبد الله بن الزبير، رَضِي الله عَنْهُم، فِي الْعَام الثَّانِي من الْهِجْرَة، وَقَالَ ابْن الزبير: هُوَ أكبر مني، رُوِيَ لَهُ مائَة حَدِيث وَأَرْبَعَة عشر حَدِيثا، قتل فِيمَا بَين دمشق وحمص يَوْم وَاسِط سنة خمس وَسِتِّينَ، وَكَانَ زبيريا، وَقَالَ عَليّ بن عُثْمَان النُّفَيْلِي، عَن أبي مسْهر: كَانَ النُّعْمَان بن بشير عَاملا على حمص لِابْنِ الزبير، لما تمردت أهل حمص خرج هَارِبا، فَاتبعهُ خَالِد بن حلى الكلَاعِي فَقتله، وَقَالَ الْمفضل بن غَسَّان الْغلابِي: قتل فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ بسلمية وَهُوَ صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ ابْن صحابية، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه النُّعْمَان بن بشير غير هَذَا، فَهُوَ من الْأَفْرَاد، وَمِنْهُم: النُّعْمَان، جماعات فَوق الثَّلَاثِينَ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم كوفيون، وَقد دخل النُّعْمَان الْكُوفَة وَولي إمرتها وَقد روى أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه من طَرِيق ابْن أبي جرير، بِفَتْح الْحَاء المهمة فِي آخِره زَاي مُعْجمَة، عَن الشّعبِيّ: أَن النُّعْمَان بن بشير خطب بِهِ بِالْكُوفَةِ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: أَنه خطب بِهِ بحمص، والتوفيق بَينهمَا بِأَنَّهُ سمع مرَّتَيْنِ، فَإِن النُّعْمَان ولي إمرة البلدتين وَاحِدَة بعد أُخْرَى. وَمِنْهَا: أَن هَذَا وَقع للْبُخَارِيّ رباعيا من جِهَة شَيْخه أَبُو نعيم، وَوَقع لَهُ من جِهَة غَيره خماسياً لما سَيَأْتِي، وَوَقع لمُسلم فِي أَعلَى طرقه خماسياً. وَمِنْهَا أَن فِيهِ التَّصْرِيح. بِسَمَاع النُّعْمَان بن بشير عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه رد على من يَقُول: لم يسمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: قَالَ أهل الْمَدِينَة: لَا يَصح للنعمان سَماع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَحَكَاهُ القَاضِي عِيَاض عَن يحيى بن معِين، ويحكى عَن الْوَاقِدِيّ أَيْضا. وَقَالَ أهل الْعرَاق: سَمَاعه صَحِيح، وَيدل عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي من طَرِيق زَكَرِيَّا، وأهوى النُّعْمَان بإصبعيه إِلَى أُذُنَيْهِ، وَهَذَا تَصْرِيح بِسَمَاعِهِ، وَكَذَا قَول النُّعْمَان: هَهُنَا سَمِعت، وَهُوَ الصَّحِيح. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المحكي عَن قَول أهل الْمَدِينَة بَاطِل أَو ضَعِيف. قلت: وَهُوَ مِمَّن تحمل عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَبيا، وَأَدَّاهُ بَالغا وَفِيه دَلِيل على صِحَة تحمل الصَّبِي الْمُمَيز لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَ والنعمان ابْن ثَمَان سِنِين. فَإِن قلت: إِن زَكَرِيَّا مَوْصُوف بالتدليس وَهَهُنَا قد عنعن، وَكَذَا فِي غير هَذِه الرِّوَايَة لَيْسَ لَهُ رِوَايَة عَن الشّعبِيّ، إلاَّ مُعَنْعنًا. قلت: ذكر فِي فَوَائِد أبي الْهَيْثَم من طَرِيق يزِيد بن هَارُون عَن زَكَرِيَّا قَالَ: حَدثنَا الشّعبِيّ فَحصل الْأَمْن من تدليسه. فَإِن قلت: قد قَالَ أَبُو عمر: هَذَا الحَدِيث لم يروه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير النُّعْمَان بن بشير، وَلم يروه عَن النُّعْمَان غير الشّعبِيّ. قلت: أما الأول: فَإِن كَانَ مُرَاده من وَجه صَحِيح فَمُسلم، وَإِن أَرَادَ مُطلقًا فَلَا نسلم، لِأَنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث ابْن عمر وعمار وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُم، أخرج حَدِيثهمْ الطَّبَرَانِيّ، وَكَذَا رُوِيَ من حَدِيث وَاثِلَة، أخرجه الْأَصْبَهَانِيّ، وَفِي أسانيدها مقَال. وَأما الثَّانِي: فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن النُّعْمَان أَيْضا خَيْثَمَة بن عبد الرَّحْمَن، أخرجه أَحْمد وَعبد الْملك بن عُمَيْر، أخرجه أَبُو عوَانَة وَسَالم بن حَرْب، أخرجه الطَّبَرَانِيّ، وَلكنه مَشْهُور عَن الشّعبِيّ، رَوَاهُ عَنهُ خلق كثير من الْكُوفِيّين، وَرَوَاهُ عَنهُ من الْبَصرِيين عبد الله بن عون، وَقد سَاق البُخَارِيّ إِسْنَاده فِي الْبيُوع على مَا نذكرهُ الْآن، وَلم يسق لَفظه، وَسَاقه أَبُو دَاوُد. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن أبي نعيم عَن زَكَرِيَّا عَن عَامر عَنهُ بِهِ، وَأخرجه فِي الْبيُوع عَن عَليّ بن عبد الله، وَعبد الله بن مُحَمَّد، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، كِلَاهُمَا عَن أبي
فَرْوَة الْهَمدَانِي، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي عَن عبد الله بن عون، كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس، ثَلَاثَتهمْ عَن زَكَرِيَّا بِهِ، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير عَن مطرف وَأبي فَرْوَة، وَعَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده عَن خَالِد بن يزِيد، وَعَن سعيد بن أبي هِلَال عَن عون بن عبد الله بن عتبَة، وَعَن قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عجلَان عَن عبد الرَّحْمَن بن سعيد، أربعتهم عَنهُ بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن عِيسَى بن يُونُس بِهِ، وَعَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي شهَاب الحناط عَن ابْن عون بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع عَن هناد عَن وَكِيع بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن مجَالد عَنهُ نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع، كِلَاهُمَا عَن ابْن عون بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن عَمْرو بن رَافع عَن ابْن الْمُبَارك عَن زَكَرِيَّا بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (الْحَلَال) هُوَ ضد الْحَرَام وَهُوَ من: حل يحل من بَاب ضرب يضْرب، وَأما حلَّ بِالْمَكَانِ فَهُوَ من بَاب: نصر ينصر، ومصدره: حل وحلول وَمحل، وَالْمحل: الْمَكَان الَّذِي تحل فِيهِ، وَمن هَذَا الْبَاب: حللت الْعقْدَة أحلهَا حلا إِذا فتحتها، وَمن الأول: حل الْمحرم يحل حَلَالا، وَمن الثَّانِي: حل الْعَذَاب يحل، أَي: وَجب، وَأحل الله الشَّيْء: جعله حَلَالا وَأحل الْمحرم من الْإِحْرَام مثل: حل، وأحللنا، دَخَلنَا فِي شهور الْحل، وَأحلت الشَّاة: إِذا نزل اللَّبن فِي ضرْعهَا، والتحليل ضد التَّحْرِيم، تَقول: حللته تحليلاً وتحلة وتحللته إِذا سَأَلته أَن يجعلك فِي حل من قبله، واستحل الشَّيْء عده حَلَالا، وتحلحل عَن مَكَانَهُ إِذا زَالَ. قَوْله: (بَين) أَي ظَاهر، من بَاب: يبين بَيَانا إِذا اتَّضَح، وَهُوَ على وزن: فيعل، إِمَّا بِمَعْنى بَائِن، أَو هُوَ صفة مشبهة. قَوْله: (وَالْحرَام) ، هُوَ ضد الْحَلَال، وَكَذَلِكَ الْحَرَام، بِكَسْر الْحَاء، وَرجل حرَام: أَي محرم، وَالتَّحْرِيم ضد التَّحْلِيل، وبابه من حرم الشَّيْء، بِالضَّمِّ، حُرْمَة. وَأما حرمه الشَّيْء يحرمه حرما مثل: سَرقه سرقا، بِكَسْر الرَّاء، وحريمة وحرمانا، وأحرمه أَيْضا إِذا مَنعه، وَأما حرم الرجل، بِالْكَسْرِ، يحرم، بِالْفَتْح، إِذا قمر، وأحرمته أَنا إِذا أقمرته، وَيُقَال: حرمت الصَّلَاة على الْمَرْأَة بِالْكَسْرِ، لُغَة فِي حرمت، وَأحرم: دخل فِي الشَّهْر الْحَرَام، وَأحرم أَيْضا بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة. قَوْله: (مُشْتَبهَات) جَاءَ فِيهِ خمس رِوَايَات. الأولى: متشبهات، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، على وزن: مفتعلات، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه. الثَّانِيَة: مُشْتَبهَات، بِضَم الْمِيم وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الشين الْمُشَدّدَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة، على وزن: متفعلات، وَهِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ. الثَّالِثَة: مشبهات، بِضَم الْمِيم وَفتح الشين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة، على وزن: مفعلات، وَهِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي وَرِوَايَة مُسلم. الرَّابِعَة: مثلهَا غير أَن باءها مَكْسُورَة، على وزن: مفعلات، على صِيغَة الْفَاعِل. الْخَامِسَة: مشبهات بِضَم الْمِيم وَسُكُون الشين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة المخففة؛ وَالْكل من: اشْتبهَ الْأَمر: إِذا لم يَتَّضِح، غير أَن معنى الأولى المشكلات من الْأُمُور، لما فِيهِ من شبه الطَّرفَيْنِ المتخالفين، فَيُشبه مرّة هَذَا وَمرَّة هَذَا، وَكَذَلِكَ معنى الثَّانِيَة غير أَن فِيهِ معنى التَّكَلُّف، وَمعنى الثَّالِثَة أَنَّهَا مشبهات بغَيْرهَا مِمَّا لم يتَيَقَّن فِيهِ حكمهَا على التَّعْيِين، وَيُقَال: مَعْنَاهَا مشبهات بالحلال. وَمعنى الرَّابِعَة أَنَّهَا مشبهات أَنْفسهَا بالحلال وَمعنى الْخَامِسَة: مثل الرَّابِعَة، غير أَن الأولى من بَاب التفعيل، وَالثَّانيَِة من بَاب الْأَفْعَال. قَالَ القَاضِي: فِي الثَّلَاثَة الأول كلهَا بِمَعْنى: مشكلات، وَيشْتَبه يفتعل، أَي يشكل، وَمِنْه: {أَن الْبَقر تشابه علينا} (الْبَقَرَة: 70) قَوْله: (فَمن اتَّقى) أَي: حذر. (المشتبهات) وَهِي جمع: مشتبهة، وَالِاخْتِلَاف فِي لَفظهَا من الروَاة كَالَّتِي قبلهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي: (فَمن اتَّقى الشُّبُهَات) بِدُونِ الْمِيم، وَهِي جمع شُبْهَة، وَهِي الالتباس. وأصل: اتَّقى أوتقى، لِأَنَّهُ من وقى يقي وقاية، فقلبت الْوَاو تَاء، وأدغمت التَّاء فِي التَّاء. قَوْله: (اسْتَبْرَأَ) ، بِالْهَمْزَةِ، وَقد ذكرنَا مَعْنَاهُ. قَوْله: (لعرضه) ، بِكَسْر الْعين، قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: الْعرض مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان، ذهب أَبُو الْعَبَّاس إِلَى أَن الْقَائِل إِذا ذكر عرض فلَان فَمَعْنَاه أُمُوره الَّتِي يرْتَفع بهَا أَو يسْقط بذكرها، وَمن جِهَتهَا يحمد ويذم، فَيجوز أَن يكون أمورا يُوصف هُوَ بهَا دون أسلافه، وَيجوز أَن تذكر أسلافه لتلحقه النقيصة بعيبهم، وَلَا يعلم من أهل اللُّغَة خِلَافه إلاَّ مَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة، فَإِنَّهُ أنكر أَن يكون الْعرض الأسلاف، وَزعم أَن عرض الرجل نَفسه، يُقَال: أكرمت عَنهُ عرضي، أَي: صنت عَنهُ نَفسِي، و: فلَان نقي الْعرض أَي بَرِيء من أَن يشْتم أَو يعاب، وَقيل: عرض الرجل
جَانِبه الَّذِي يصونه فِي نَفسه، وحسبه ويحامي عَنهُ، قَالَ عنترة: (فَإِذا شربت فإنني مستهلك ... مَالِي، وعرضي وافر لم يكلم) قَوْله: (وَمن وَقع فِي الشُّبُهَات) ، بِضَم الشين وَالْبَاء، وفيهَا من اخْتِلَاف الروَاة مَا تقدم. قَوْله: (الْحمى) ، بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْمِيم المخففة، وَهُوَ مَوضِع حظره الإِمَام لنَفسِهِ وَمنع الْغَيْر عَنهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: حميته إِذا دفعت عَنهُ، وَهَذَا شَيْء حمي: أَي مَحْظُور: لَا يقرب؛ وَقَالَ بَعضهم: الْحمى المحمي أطلق الْمصدر على اسْم الْمَفْعُول. قلت: هَذَا لَيْسَ بمصدر بل هُوَ: اسْم مصدر، ومصدر: حمى يحمي حماية. قَوْله: (يُوشك) بِكَسْر الشين أَي: يقرب. قَوْله: (أَن يُوَافقهُ) أَي يَقع فِيهِ قَوْله: (مَحَارمه) أَي: مَعَاصيه الَّتِي حرمهَا: كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَة، وَهُوَ جمع محرم، وَهُوَ الْحَرَام، وَمِنْه يُقَال هُوَ ذُو محرم مِنْهَا إِذا لم يحل لَهُ نِكَاحهَا، ومحارم اللَّيْل مخاوفها الَّتِي يحرم على الجبان أَن يسلكها. قَوْله: (مُضْغَة) أَي: قِطْعَة من اللَّحْم سميت بذلك لِأَنَّهَا تمضغ فِي الْفَم لصغرها. قَوْله: (صلحت) ، بِفَتْح اللَّام وَضمّهَا، وَالْفَتْح أصح، وَفِي (الْعباب) : الصّلاح ضد الْفساد، تَقول: صلح الشَّيْء يصلح صلوحا، مِثَال: دخل يدْخل دُخُولا. وَقَالَ الْفراء: حكى أَصْحَابنَا أَيْضا بِضَم اللَّام. قَوْله: (فسد) من فسد الشَّيْء يفْسد فَسَادًا وفسودا فَهُوَ فَاسد، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: فسد يفْسد، مِثَال: قعد يقْعد، لُغَة ضَعِيفَة، وَقوم فسدى، كَمَا قاولوا: سَاقِط وسقطي، وَكَذَلِكَ: فسد، بِضَم السِّين، فَسَادًا فَهُوَ فسيد، وَقَالَ اللَّيْث: الْفساد ضد الصّلاح، والمفسدة خلاف الْمصلحَة، وَفِي (الْعباب) الْفساد أَخذ المَال بِغَيْر حق، هَكَذَا فسر مُسلم البطين قَوْله تَعَالَى: {للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا} (الْقَصَص: 83) قَوْله: (الْقلب) ، وَفِي (الْعباب) : الْقلب: الْفُؤَاد، وَقد يعبر بِهِ عَن الْعقل، وَقَالَ الْفراء فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب} (ق: 37) أَي: عقل، يُقَال: مَا قَلْبك مَعَك أَي: مَا عقلك. وَقيل: الْقلب أخص من الْفُؤَاد، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: وَفِي الْبَطن الْفُؤَاد وَهُوَ الْقلب، سمي بِهِ لتقلبه فِي الْأُمُور، وَقيل: لِأَنَّهُ خَالص مَا فِي الْبدن، إِذْ خَالص كل شَيْء قلبه، وَأَصله مصدر قلبت الشَّيْء أقلبه قلبا إِذا رَددته عَليّ بِذَاتِهِ، وقلبت الْإِنَاء رَددته على وَجهه، وقلبت الرجل عَن رَأْيه وَعَن طَرِيقه إِذا صرفته عَنهُ، ثمَّ نقل وسمى بِهِ هَذَا الْعُضْو الشريف لسرعة الخواطر فِيهِ وترددها عَلَيْهِ، وَقد نظم بَعضهم هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ: (مَا سمي الْقلب إلاَّ من تقلبه ... فاحذر على الْقلب من قلب وتحويل) وَكَانَ مِمَّا يَدْعُو بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ، ثمَّ إِن الْعَرَب لما نقلته لهَذَا الْعُضْو التزمت فِيهِ التفخيم فِي قافه، للْفرق بَينه وَبَين أَصله، وَقد قَالَ بَعضهم: ليحذر اللبيب من سرعَة انقلاب قلبه، إِذْ لَيْسَ بَين الْقلب وَالْقلب إلاَّ التفخيم، وَمَا يَعْقِلهَا إلاَّ كل ذِي فهم مُسْتَقِيم. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (الْحَلَال) مُبْتَدأ و (بَين) خَبره، وَكَذَلِكَ (الْحَرَام بَين) : مُبْتَدأ وَخبر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَبَينهمَا مُشْتَبهَات) ، وَلَكِن الْخَبَر هَهُنَا مقدم وَهُوَ الظّرْف. قَوْله: (لَا يعلمهَا كثير من النَّاس) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لقَوْله (مُشْتَبهَات) . قَوْله: (فَمن اتَّقى) ، كلمة: من، مَوْصُولَة مُبْتَدأ، وَقَوله: (اتَّقى الشُّبُهَات) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي فِي: اتَّقى، الْعَائِد إِلَى: من، وَالْمَفْعُول، وَهُوَ قَوْله: (الشُّبُهَات) ، صلَة لَهَا، وَقَوله: (اسْتَبْرَأَ) خَبره، و (لعرضه) يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (من وَقع) إِلَخ، كلمة من هَهُنَا يجوز أَن تكون شَرْطِيَّة، وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة. فَإِذا كَانَت شَرْطِيَّة فَقَوله: وَقع فِي الشُّبُهَات، جملَة وَقعت فعل الشَّرْط، وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره. وَمن وَقع فِي الشُّبُهَات وَقع فِي الْحَرَام. وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الدَّارمِيّ عَن أبي نعيم شيخ البُخَارِيّ بِإِظْهَار الْجَواب، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق زَكَرِيَّا الَّتِي أخرجه مِنْهَا البُخَارِيّ. وَقَوله: (كرَاع يرْعَى حول الْحمى) جملَة مستأنفة، وَقَوله: كرَاع، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي مثله كرَاع أَي مثل رَاع يرْعَى وَقَوله: (يرْعَى) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل صفة لراع، أَو الْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِير: كرَاع يرْعَى مواشيه. وَقَوله: (حول الْحمى) كَلَام إضافي نصب على الظّرْف. وَقَوله: (يُوشك إِن يواقعه) جملَة وَقعت صفة أُخْرَى لراع ويوشك، من أَفعَال المقاربة، وَهُوَ مثل كَاد وَعَسَى فِي الِاسْتِعْمَال: أَعنِي تَارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال: كَاد، بِأَن يرفع الْفِعْل، وَخَبره فعل مضارع بِغَيْر أَن متأول باسم الْفِعْل، نَحْو: يُوشك زيد يَجِيء، أَي: جائيا، نَحْو: كَاد زيد يَجِيء. وَتارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال عَسى، بِأَن يكون فاعلها على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون إسما نَحْو: عَسى زيد أَن يخرج، فزيد فَاعل، وَأَن يخرج فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ يمنزلة: قَارب زيد الْخُرُوج، وَالْآخر: أَن يكون مَعَ صلتها فِي مَوضِع الرّفْع: نَحْو عَسى أَن يخرج زيد، فَيكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة قرب أَن يخرج، أَي: خُرُوجه، وَكَذَلِكَ يُوشك زيد أَن يجىء، ويوشك أَن يَجِيء زيد. وَفِي قَوْله: (يُوشك)
ضمير هُوَ فَاعله. وَقَوله: (إِن يواقعه) فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة يُقَارب الرَّاعِي المواقعة فِي الْحمى، وَأَعَادَهُ الْكرْمَانِي إِلَى الْحَرَام، وَمَا قُلْنَا أوجه وأصوب. وَأما إِذا كَانَت مَوْصُولَة فَتكون مَرْفُوعَة بِالِابْتِدَاءِ، وخبرها هُوَ قَوْله: كرَاع يرْعَى، وَلَا يكون فِيهِ حذف، وَالتَّقْدِير: الَّذِي وَقع فِي الشُّبُهَات كرَاع يرْعَى، أَي: مثل رَاع يرْعَى مواشيه حول الْحمى، وَقَوله: يُوشك اسْتِئْنَاف قَوْله: (أَلا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام، وحرف التَّنْبِيه، فَيدل على تحقق مَا بعْدهَا، وَتدْخل على الجملتين نَحْو: {أَلا أَنهم هم السُّفَهَاء} (الْبَقَرَة: 13) {أَلا يَوْم يَأْتِيهم لَيْسَ مصروفا عَنْهُم} (هود: 8) . وإفادتها التَّحْقِيق من جِهَة تركيبها من الْهمزَة، و: لَا وهمزة الِاسْتِفْهَام إِذا دخلت على النَّفْي أفادت التَّحْقِيق نَحْو: {أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى} (الْقِيَامَة: 40) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ولكونها بِهَذَا المنصب من التَّحْقِيق لَا تقع الْجُمْلَة بعْدهَا إلاَّ مصدرة بِنَحْوِ مَا يتلَقَّى بِهِ الْقسم، نَحْو: {أَلا إِن أَوْلِيَاء الله} (يُونُس: 62) قَوْله: (أَلا وَإِن لكل ملك حمى) ، الْوَاو فِيهِ عطف على مُقَدّر تَقْدِيره: أَلا إِن الْأَمر كَمَا تقدم، وَإِن لكل ملك حمى. وَقَوله: (حمى) نصب لِأَنَّهُ اسْم إِن، وخبرها هُوَ قَوْله: (لكل ملك) مقدما. قَوْله: (أَلا وَإِن حمى الله مَحَارمه) ، هَكَذَا رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (أَلا إِن حمى الله فِي أرضه مَحَارمه) . وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة: (مَعَاصيه) بدل: مَحَارمه، وَلم يذكر: الْوَاو، هَهُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْوَاو: (أَلا وَإِن حمى الله مَحَارمه) فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر: الْوَاو، هَهُنَا وَتركهَا؟ وَمَا وَجه ذكرهَا فِي قَوْله: (إِلَّا وَإِن فِي الْجَسَد) ؟ قلت: أما وَجه ذكرهَا فِي قَوْله: (أَلا وَإِن حمى الله) فبالنظر إِلَى وجود التناسب بَين الجملتين من حَيْثُ ذكر الْحمى فِيهَا، وَأما وَجه تَركهَا فبالنظر إِلَى بعد الْمُنَاسبَة بَين حمى الْمُلُوك، وَبَين حمى الله الَّذِي هُوَ الْملك الْحق لَا ملك حَقِيقَة الإل هـ تَعَالَى، وَأما وَجه ذكرهَا فِي قَوْله: (أَلا وَإِن فِي الْجَسَد) ، فبالنظر إِلَى وجود الْمُنَاسبَة بَين جملتين نظرا إِلَى أَن الأَصْل فِي الاتقاء والوقوع هُوَ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ، لِأَنَّهُ عماد الْأَمر وملاكه، وَبِه قوامه ونظامه، وَعَلِيهِ تبنى فروعه، وَبِه تتمّ أُصُوله، قَوْله: (مُضْغَة) نصب لِأَنَّهُ اسْم إِن وخبرها هُوَ قَوْله: (فِي الْجَسَد) مقدما. وَقَوله: (إِذا صلحت) أَي: المضغة وَهِي: الْقلب، وَكلمَة إِذا هَهُنَا بِمَعْنى: إِن، لِأَن مَدْخُول: إِذا، لَا بُد أَن يكون مُتَحَقق الْوُقُوع، وَهَهُنَا الصّلاح غير مُتَحَقق لاحْتِمَال الْفساد، والقرينة على ذَلِك ذكر الْمُقَابل فَافْهَم. قَوْله: (صلح الْجَسَد) جَوَاب: إِذا، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَوْله: (وَإِذا فَسدتْ) . قَوْله: (وَهِي الْقلب) جملَة إسمية بِالْوَاو، وَأَيْضًا عطف على مُقَدّر. بَيَان الْمعَانِي: أجمع الْعلمَاء على عظم موقع هَذَا الحَدِيث، وَأَنه أحد الْأَحَادِيث الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْإِسْلَام. قَالَت جمَاعَة: هُوَ ثلث الْإِسْلَام، وان الاسلام يَدُور عَلَيْهِ وعَلى حَدِيث. (الاعمال بِالنِّيَّاتِ) ، وَحَدِيث: (من حسن اسلام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه) . وَقَالَ أَبُو دَاوُد: يَدُور على أَرْبَعَة أَحَادِيث هَذِه الثَّلَاثَة وَحَدِيث: (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ) . قَالُوا: سَبَب عظم موقعه انه، عَلَيْهِ السَّلَام، نبه فِيهِ على صَلَاح الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس والمنكح وَغَيرهَا، وانه يَنْبَغِي أَن يكون حَلَالا، وأرشد إِلَى معرفَة الْحَلَال، وَأَنه يَنْبَغِي ترك المشتبهات، فَإِنَّهُ سَبَب لحماية دينه وَعرضه، وحذر من مواقعة الشُّبُهَات، وأوضح ذَلِك بِضَرْب الْمثل بالحمى، ثمَّ بَين أهم الْأُمُور وَهُوَ: مُرَاعَاة الْقلب. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يُمكن أَن ينتزع من هَذَا الحَدِيث وَحده جَمِيع الْأَحْكَام، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لِأَنَّهُ اشْتَمَل على التَّفْصِيل بَين الْحَلَال وَغَيره، وعَلى تعلق جَمِيع الْأَعْمَال بِالْقَلْبِ فَمن هُنَا يُمكن أَن يرد إِلَيْهِ جَمِيع الاحكام. قَوْله: (الْحَلَال بَين) بِمَعْنى: ظَاهر، بِالنّظرِ إِلَى مَا دلّ على الْحل بِلَا شُبْهَة، اَوْ على الْحَرَام بِلَا شُبْهَة، (وَبَينهمَا مُشْتَبهَات) أَي: الوسائط الَّتِي يكتنفها دليلان من الطَّرفَيْنِ، بِحَيْثُ يَقع الِاشْتِبَاه ويعسر، تَرْجِيح دَلِيل أحد الطَّرفَيْنِ إلاّ عِنْد قَلِيل من الْعلمَاء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أَن الْأَشْيَاء ثَلَاثَة أَقسَام: حَلَال وَاضح لَا يخفى حلّه كاكل الْخبز والفواكه، وكالكلام وَالْمَشْي وَغير ذَلِك. وَحرَام بَين: كَالْخمرِ وَالدَّم وَالزِّنَا وَالْكذب واشباه ذَلِك. واما المشبهات: فَمَعْنَاه أَنَّهَا لَيست بواضحة الْحل وَالْحُرْمَة، وَلِهَذَا لَا يعرفهَا كثير من النَّاس، وَأما الْعلمَاء فيعرفون حكمهَا بِنَصّ أَو قِيَاس أَو اسْتِصْحَاب وَغَيره، فَإِذا تردد الشَّيْء بَين الْحل وَالْحُرْمَة، وَلم يكن نَص وَلَا إِجْمَاع، اجْتهد فِيهِ الْمُجْتَهد فألحقه بِأَحَدِهِمَا بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ، فَإِذا ألحقهُ بِهِ صَار حَلَالا أَو حَرَامًا. وَقد يكون دَلِيله غير خَال عَن الِاجْتِهَاد، فَيكون الْوَرع تَركه. وَمَا لم يظْهر للمجتهد فِيهِ شَيْء، وَهُوَ مشتبه، فَهَل يُؤْخَذ بِالْحلِّ أَو الْحُرْمَة؟ أَو يتَوَقَّف فِيهِ؟ ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا القَاضِي عِيَاض عَن أَصْحَاب الْأُصُول، وَالظَّاهِر أَنَّهَا مخرجة على الْخلاف الْمَعْرُوف فِي حكم الْأَشْيَاء قبل وُرُود الشَّرْع، وَفِيه أَرْبَعَة مَذَاهِب: أَحدهَا:، وَهُوَ الْأَصَح انه: لَا يحكم بتحليل وَلَا تَحْرِيم وَلَا إِبَاحَة وَلَا غَيرهَا، لِأَن التَّكْلِيف عِنْد أهل الْحق لَا يثبت إلاَّ بِالشَّرْعِ. وَالثَّانِي: ان الحكم الْحل أَو الْإِبَاحَة. وَالثَّالِث: الْمَنْع.
وَالرَّابِع: الْوَقْف. وَقَالَ الْمَازرِيّ: المشتبهات الْمَكْرُوه لَا يُقَال فِيهِ حَلَال وَلَا حرَام بَين. وَقَالَ غَيره: فَيكون الْوَرع تَركه، وَقَالَ الْخطابِيّ: من أَمْثِلَة المتشابهات مُعَاملَة من كَانَ فِي مَاله شُبْهَة، أَو خالطه رَبًّا، فَهَذَا يكره مُعَامَلَته. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا شكّ أَن ثَمَّ أموراً جلية التَّحْرِيم، وأموراً جلية التَّحْلِيل، وأموراً مترددة بَين الْحل وَالْحُرْمَة، وَهُوَ الَّذِي تتعارض فِيهَا الْأَدِلَّة، فَهِيَ المشتبهات، وَاخْتلف فِي حكمهَا. فَقيل: حرَام لِأَنَّهَا توقع فِي الْحَرَام، وَقيل: مَكْرُوهَة، والورع تَركهَا. وَقيل: لَا يُقَال فِيهَا وَاحِد مِنْهُمَا، وَالصَّوَاب الثَّانِي، لِأَن الشَّرْع أخرجهَا من الْحَرَام فَهِيَ مرتاب فِيهَا. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: (دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك) ، فَهَذَا هُوَ الْوَرع. وَقَالَ بعض النَّاس: إِنَّهَا حَلَال يتورع عَنْهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَيست هَذِه عبارَة صَحِيحَة، لِأَن أقل مَرَاتِب الْحَلَال ان يَسْتَوِي فعله وَتَركه، فَيكون مُبَاحا، وَمَا كَانَ كَذَلِك لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْوَرع، فَإِنَّهُ إِن ترجح أحد طَرفَيْهِ على الآخر خرج عَن ان يكون مُبَاحا، وَحِينَئِذٍ: إِمَّا أَن يكون تَركه راجحاً على فعله، وَهُوَ الْمَكْرُوه، أَو فعله راجحاً على تَركه وَهُوَ الْمَنْدُوب، فَأَما مثل مَا تقدم مِمَّا يكون دَلِيله غير خَال عَن الِاحْتِمَال الْبَين: كَجلْد الْميتَة بعد الدّباغ، فَإِنَّهُ غير طَاهِر على الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك، فَلَا يسْتَعْمل فِي شَيْء من الْمَائِعَات لِأَنَّهَا تنجس، لَا المَاء وَحده، فَإِنَّهُ عِنْده يدْفع النَّجَاسَة مَا لم يتَغَيَّر، هَذَا هُوَ الَّذِي ترجح عِنْده، لكنه كَانَ يَتَّقِي المَاء فِي خَاصَّة نَفسه. وَحكي عَن أبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنهم قَالَا: لِأَن أخر من السَّمَاء أَهْون عَليّ من أَن افتي بِتَحْرِيم قَلِيل النَّبِيذ، وَمَا شربته قطّ، وَلَا أشربه. فعملوا بالترجيح فِي الْفتيا، وتورعوا عَنهُ فِي أنفسهم. وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين، من حكم الْحَكِيم أَن يُوسع على الْمُسلمين فِي الْأَحْكَام، ويضيق على نَفسه، يَعْنِي بِهِ هَذَا الْمَعْنى، ومنشأ هَذَا الْوَرع الِالْتِفَات إِلَى إِمْكَان اعْتِبَار الشَّرْع ذَلِك الْمَرْجُوح، وَهَذَا الِالْتِفَات ينشأ من القَوْل: بَان الْمُصِيب وَاحِد، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وَمِنْه ثار القَوْل فِي مذْهبه بمراعاة الْخلاف. قلت: وَكَذَلِكَ أَيْضا كَانَ الشَّافِعِي، رَحمَه الله، يُرَاعِي الْخلاف، وَقد نَص على ذَلِك فِي مسَائِل، وَقد قَالَ أَصْحَابه بمراعاة الْخلاف حَيْثُ لَا تفوت بِهِ سنة فِي مَذْهَبهم، وَقد عقب البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب بِمَا ذكره فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب تَفْسِير الشُّبُهَات، قَالَ فِيهِ: وَقَالَ حسان بن أبي سِنَان: مَا رَأَيْت شَيْئا أَهْون من الْوَرع: دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك. وَأورد فِيهِ حَدِيث الْمَرْأَة السَّوْدَاء، وَأَنَّهَا أَرْضَعَتْه وَزَوجته. وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ وَكَيف وَقد قيل، وَحَدِيث ابْن وليدة زَمعَة، وَأَنه قضى بِهِ لعبد بن زَمعَة أَخِيه بالفراش، ثمَّ قَالَ لسودة: احتجبي مِنْهُ لما رأى من شبهه، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِي الله تَعَالَى، وَحَدِيث عدي بن حَاتِم، رَضِي الله عَنهُ، وَقَوله: اجد مَعَ كَلْبِي على الصَّيْد كَلْبا آخر، لَا أَدْرِي أَيهمَا أَخذ. قَالَ: لَا تَأْكُل. ثمَّ ذكر حَدِيث التمرة المسقوطة، وَقَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَوْلَا أَن تكون صَدَقَة لأكلتها) ، ثمَّ عقبه بِمَا لَا يجْتَنب، فَقَالَ: بَاب من لم ير الوساوس وَنَحْوهَا من الشُّبُهَات، وَذكر فِيهِ حَدِيث الرجل يجد الشَّيْء فِي الصَّلَاة. قَالَ: لَا، حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا، ثمَّ ذكر حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا: (أَن قوما قَالُوا: يَا رَسُول الله، إِن قوما يأتوننا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا؟ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: سموا عَلَيْهِ وكلوه) . قلت: فَتحصل لنا مِمَّا تقدم ذكره أَن المشتبهات الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث الَّتِي يَنْبَغِي اجتنابها فِيهِ أَقْوَال. احدها: أَنه الَّذِي تَعَارَضَت فِيهِ الْأَدِلَّة فاشتبهت، فَمثل هَذَا يجب فِيهِ الْوَقْف إِلَى التَّرْجِيح، لِأَن الْإِقْدَام على أحد الْأَمريْنِ من غير رُجْحَان الحكم بِغَيْر دَلِيل محرم. وَالثَّانِي: المُرَاد بِهِ المكروهات، وَهُوَ قَول الْخطابِيّ والمازري وَغَيرهمَا، وَيدخل فِيهِ مَوَاضِع اخْتِلَاف الْعلمَاء. وَالثَّالِث: أَنه الْمُبَاح، وَقَالَ بَعضهم: هِيَ حَلَال يتورع عَنْهَا، وَقد رده الْقُرْطُبِيّ كَمَا تقدم، وَقَالَ: فَإِن قيل: هَذَا يُؤَدِّي إِلَى رفع مَعْلُوم من الشَّرْع، وَهُوَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْخُلَفَاء بعده وَأكْثر أَصْحَابه كَانُوا يزهدون فِي الْمُبَاح، فَرَفَضُوا التنعم بِطيب الْأَطْعِمَة ولين اللبَاس وَحسن المساكن، وتلبسوا بضدها من خشونة الْعَيْش، وَهُوَ مَعْلُوم مَنْقُول من سيرهم، قَالَ: فَالْجَوَاب أَن ذَلِك مَحْمُول على مُوجب شَرْعِي اقْتضى تَرْجِيح التّرْك على الْفِعْل، فَلم يَزْهَدُوا فِي مُبَاح، لِأَن حَقِيقَته التَّسَاوِي، بل فِي أَمر مَكْرُوه، وَلَكِن الْمَكْرُوه تَارَة يكرههُ الشَّرْع، من حَيْثُ هُوَ، وَتارَة يكرههُ لما يُؤَدِّي إِلَيْهِ: كالقبلة للصَّائِم، فَإِنَّهَا تكره لما يخَاف مِنْهَا من إِفْسَاد الصَّوْم، ومسألتنا من هَذَا الْقَبِيل، لِأَنَّهُ انْكَشَفَ لَهُم من عَاقِبَة مَا خَافُوا على نُفُوسهم مِنْهُ مفاسد، أما فِي الْحَال من الركون إِلَى الدُّنْيَا، وَأما فِي الْمَآل من الْحساب عَلَيْهِ والمطالبة بالشكر وَغَيره، وَهَذَا آخر كَلَامه. قلت: وَقد اخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي ترك الطّيب وَترك لبس الناعم، فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرائني: إِن ذَلِك لَيْسَ بِطَاعَة، وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: {قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق قل هِيَ للَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة} (الْأَعْرَاف: 32) . وَقَالَ الشَّيْخ ابو الطّيب الطَّبَرِيّ: إِنَّه طَاعَة،
وَدَلِيله مَا علم من أَمر السّلف من خشونة الْعَيْش. وَقَالَ ابْن الصّباغ: يخْتَلف ذَلِك بإختلاف أَحْوَال النَّاس، وتفرغهم لِلْعِبَادَةِ وقصودهم واشتغالهم بالضيق وَالسعَة. وَقَالَ الرَّافِعِيّ، من أَصْحَابنَا: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَأما مَا يخرج إِلَى بَاب الوسوسة من تَجْوِيز الْأَمر الْبعيد فَهَذَا لَيْسَ من المشتبهات الْمَطْلُوب اجتنابها، وَقد ذكر الْعلمَاء لَهُ أَمْثِلَة؛ فَقَالُوا: هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ تَجْوِيز أَمر بعيد كَتَرْكِ النِّكَاح من نسَاء بلد كَبِير خوفًا أَن يكون لَهُ فِيهَا محرم، وَترك اسْتِعْمَال مَاء فِي فلاة لجَوَاز عرُوض النَّجَاسَة، أَو غسل ثوب مَخَافَة طرؤ نَجَاسَة عَلَيْهِ لم يشاهدها، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يُشبههُ، فَهَذَا لَيْسَ من الْوَرع. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْوَرع فِي مثل هَذَا وَسْوَسَة شيطانية، إِذْ لَيْسَ فِيهَا من معنى الشُّبْهَة شَيْء، وَسبب الْوُقُوع فِي ذَلِك عدم الْعلم بالمقاصد الشَّرْعِيَّة. قلت: من ذَلِك مَا ذكره الشَّيْخ الإِمَام عبد الله بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ، وَالِد إِمَام الْحَرَمَيْنِ، فَحكى عَن قوم أَنَّهُمَا لَا يلبسُونَ ثيابًا جدداً حَتَّى يغسلوها، لما فِيهَا مِمَّن يعاني قصر الثِّيَاب، ودقها وتجفيفها، وإلقائها وَهِي رطبَة على الأَرْض النَّجِسَة، ومباشرتها بِمَا يغلب على الظَّن نَجَاسَته من غير أَن يغسل بعد ذَلِك، فَاشْتَدَّ نكيره عَلَيْهِم، وَقَالَ: هَذِه طَريقَة الْخَوَارِج الحرورية، أبلاهم الله، تَعَالَى بالغلق فِي غير مَوضِع القلق، وبالتهاون فِي مَوضِع الِاحْتِيَاط، وفاعل ذَلِك معترض على أَفعَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، فانهم كَانُوا يلبسُونَ الثِّيَاب الجدد قبل غسلهَا، وَحَال الثِّيَاب فِي أعصارهم، كحالها فِي أعصارنا، وَلَو أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بغسلها مَا خَفِي، لِأَنَّهُ مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى، وَذكر أَيْضا: أَن قوما يغسلون أَفْوَاههم إِذا أكلُوا الْخبز خوفًا من رَوْث الثيران عِنْد الدياس، فَإِنَّهَا تقيم أَيَّامًا فِي المداسة، وَلَا يكَاد يَخْلُو طحين عَن ذَلِك. قَالَ الشَّيْخ: هَذَا غلو وَخُرُوج عَن عَادَة السّلف، وَمَا روى أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنهم رَأَوْا غسل الْفَم من ذَلِك. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي التمرة الَّتِي وجدهَا فِي بَيته: لَوْلَا إِنِّي أَخَاف أَن تكون من الصَّدَقَة لأكلتها؟ وَدخُول الصَّدَقَة بَيت النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بعيد لِأَنَّهَا كَانَت مُحرمَة عَلَيْهِ. وَأجِيب عَنهُ: أَن مَا توقعه النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يكن بَعيدا، لانهم كَانُوا يأْتونَ بالصدقات إِلَى الْمَسْجِد، وتوقع أَن يكون صبي أَو من لَا يعقل أَدخل التمرة الْبَيْت، فاتقى ذَلِك لقُرْبه. قَوْله: (لَا يعلمهَا كثير من النَّاس) اي: لَا يعلم المشتبهات كثير من النَّاس، أَرَادَ: لَا يعلم حكمهَا، وَجَاء ذَلِك مُفَسرًا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (وَهِي لَا يدْرِي كثير من النَّاس أَمن الْحَلَال هِيَ أم من الْحَرَام؟) وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى مُشْتَبهَات: أَي تشتبه على بعض النَّاس دون بعض، لَا أَنَّهَا فِي نَفسهَا مشتبهة على كل النَّاس لَا بَيَان لَهَا، بل الْعلمَاء يعرفونها، لِأَن الله تَعَالَى جعل عَلَيْهَا دَلَائِل يعرفهَا بهَا أهل الْعلم، وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا يعلمهَا كثير من النَّاس) وَلم يقل: لَا يعلمهَا كل النَّاس، أَو أحد مِنْهُم، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: معرفَة حكمهَا مُمكن، لَكِن للقليل من النَّاس وهم: المجتهدون، فالمشتبهات على هَذَا فِي حق غَيرهم، وَقد يَقع لَهُم حَيْثُ لَا يظْهر لَهُم تَرْجِيح لأحد اللَّفْظَيْنِ. قَوْله: (اسْتَبْرَأَ) أَي: طلب الْبَرَاءَة فِي دينه من النَّقْص، وَعرضه من الطعْن فِيهِ. قَوْله: (لدينِهِ) إِشَارَة إِلَى مَا يتَعَلَّق بِاللَّه تَعَالَى، وَقَوله: وَعرضه، إِشَارَة الى مَا يتَعَلَّق بِالنَّاسِ، أَو ذَاك اشارة إِلَى مَا يتَعَلَّق بِالشَّرْعِ، وَهَذَا إِلَى الْمُرُوءَة. فان قلت: لِمَ قدم الْعرض على الدّين؟ قلت: الْقَصْد هُوَ ذكرهمَا جَمِيعًا من غير نظر إِلَى التَّرْتِيب، لِأَن الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب على مَا عرف فِي مَوْضِعه، وَأما تَقْدِيم: الْعرض، فَيمكن أَن يكون لأجل تعلقه بِالنَّاسِ الْمُقْتَضِي لمزيد الاهتمام بِهِ. قَوْله: (وَمن وَقع فِي الشُّبُهَات) قَالَ الْخطابِيّ: كل شَيْء أشبه الْحَلَال من وَجه، وَالْحرَام من وَجه فَهُوَ شُبْهَة. وَقَالَ غَيره: هَذَا يكون لأحد وَجْهَيْن: أَحدهمَا: إِذا عود نَفسه عدم التحرر مِمَّا يشْتَبه أثر ذَلِك فِي استهانته، فَوَقع فِي الْحَرَام مَعَ الْعلم بِهِ. وَالثَّانِي: أَنه إِذا تعاطى الشُّبُهَات وَقع فِي الْحَرَام فِي نفس الْأَمر، وَقد قيل بدل الْوَجْه الثَّانِي: إِن من أَكثر وُقُوع الشُّبُهَات أظلم قلبه عَلَيْهِ لفقدان نور الْعلم والورع، فَيَقَع فِي الْحَرَام وَلَا يشْعر بِهِ، وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه دَلِيل أَن من لم يتق الشُّبُهَات الْمُخْتَلف فِيهَا، وانتهك حرمتهَا، فقد أوجد السَّبِيل على عرضه فِيمَا رَوَاهُ واشهد بِهِ. قلت: حَاصِل مَا ذكر الْعلمَاء هَهُنَا فِي تَفْسِير الشُّبُهَات أَرْبَعَة أَشْيَاء. تعَارض الادلة، وَاخْتِلَاف الْعلمَاء، وَقسم الْمَكْرُوه والمباح. وَقد قيل: الْمَكْرُوه عقبَة بَين الْحل وَالْحرَام، فَمن استكثر من الْمَكْرُوه تطرق إِلَى الْحَرَام، والمباح عقبَة بَينه وَبَين الْمَكْرُوه، فَمن استكثر مِنْهُ تطرق إِلَى الْمَكْرُوه، ويعضد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن حبَان من طَرِيق ذكر مُسلم أسنادها وَلم يسْبق لَفظهَا، فِيهَا من الزِّيَادَة: (اجعلوا بَيْنكُم وَبَين الْحَرَام ستْرَة من الْحَلَال، من فعل ذَلِك اسْتَبْرَأَ لعرضه وَدينه، وَمن ارتع فِيهِ كَانَ كالمرتع إِلَى جنب الْحمى يُوشك ان يَقع فِيهِ) . قَوْله: (كرَاع
- (باب أداء الخمس من الإيمان)
يرْعَى حول الْحمى) : هَذَا تَشْبِيه حَال من يدْخل فِي الشُّبُهَات بِحَال الرَّاعِي الَّذِي يرْعَى حول الْمَكَان الْمَحْظُور بِحَيْثُ أَنه لَا يَأْمَن الْوُقُوع فِيهِ وَوجه الشّبَه حُصُول الْعقَاب بِعَدَمِ الِاحْتِرَاز فِي ذَلِك، فَكَمَا أَن الرَّاعِي إِذا جَرّه رعيه حول الْحمى إِلَى وُقُوعه فِي الْحمى، اسْتحق الْعقَاب بِسَبَب ذَلِك، فَكَذَلِك من أَكثر من الشُّبُهَات وَتعرض لمقدماتها وَقع فِي الْحَرَام فَاسْتحقَّ الْعقَاب. فان قلت: مَا يُسمى هَذَا التَّشْبِيه؟ قلت: هَذَا تَشْبِيه ملفوف، لِأَنَّهُ تَشْبِيه بالمحسوس الَّذِي لَا يخفى حَاله، شبه الْمُكَلف بالراعي، وَالنَّفس الْبَهِيمَة بالأنعام، والمشتبهات بِمَا حول الْحمى والمحارم بالحمى، وَتَنَاول المشتبهات بالرتع حول الْحمى، فَيكون تَشْبِيها ملفوفاً بِاعْتِبَار طَرفَيْهِ، وتمثيلا بِاعْتِبَار وَجهه. قَوْله: (أَلا وَإِن لكل ملك حمى) هَذَا مثل ضربه النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَذَلِكَ أَن مُلُوك الْعَرَب كَانَت تَحْمِي مرَاعِي لمواشيها، وتتوعد على من يقربهَا، والخائف من عُقُوبَة السُّلْطَان يبعد بماشيته خوف الْوُقُوع، وَغير الْخَائِف يقرب مِنْهَا ويرعى فِي جوانبها، فَلَا يَأْمَن من أَن يَقع فِيهَا من غير اخْتِيَاره، فيعاقب على ذَلِك. وَللَّه تَعَالَى أَيْضا حمى وَهُوَ: الْمعاصِي، فَمن ارْتكب شَيْئا مِنْهَا اسْتحق الْعقُوبَة وَمن قاربه بِالدُّخُولِ فِي الشُّبُهَات يُوشك أَن يَقع فِيهَا، وَقد ادّعى بَعضهم أَن هَذَا الْمثل من كَلَام الشّعبِيّ، وَأَنه مدرج فِي الحَدِيث، وَرُبمَا اسْتدلَّ فِي ذَلِك لما وَقع لِابْنِ الْجَارُود والاسماعيلي من رِوَايَة ابْن عون عَن الشعبى، قَالَ ابْن عون فِي آخر الحَدِيث: فَلَا ادري الْمثل من النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، اَوْ من قَول الشّعبِيّ؟ وَأجِيب: بِأَن تردد ابْن عون فِي رَفعه لَا يسْتَلْزم كَونه مدرجاً، لِأَن الاثبات قد جزموا باتصاله وَرَفعه، فَلَا يقْدَح شكّ بَعضهم فِيهِ. فان قلت: قد سقط الْمثل فِي رِوَايَة بعض الروَاة، كَأبي فَرْوَة عَن الشّعبِيّ، فَدلَّ على الإدراج. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن هَذَا لَا يقْدَح فِيمَن اثْبتْ من الْحفاظ الاثبات، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن حبَان الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا. وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي حذف البُخَارِيّ قَوْله: وَقع فِي الْحَرَام، ليصير مَا قبل الْمثل مرتبطاً بِهِ، فَيسلم من دَعْوَى الإدراج. قلت: هَذَا الْكَلَام لَيْسَ لَهُ معنى أصلا، وَلَا هُوَ دَلِيل على منع دَعْوَى الإدراج، وَذَلِكَ لَان قَوْله: وَقع فِي الْحَرَام، لم يحذفه البُخَارِيّ عمدا، وَإِنَّمَا رَوَاهُ فِي هَذِه الطَّرِيق هَكَذَا، مثل مَا سَمعه، وَقد ثَبت ذَلِك فِي غير هَذِه الطَّرِيق، وَكَيف يحذف لفظا مَرْفُوعا مُتَّفقا عَلَيْهِ لأجل الدّلَالَة على رفع لفظ قد قيل فِيهِ بالإدراج؟ وَقَوله: (ليصير) مَا قبل الْمثل مرتبطاً بِهِ، إِن أَرَادَ بِهِ الارتباط الْمَعْنَوِيّ فَلَا يَصح، لَان كلاًّ مِنْهُمَا كَلَام بِذَاتِهِ مُسْتَقل، وَإِن اراد بِهِ الارتباط اللَّفْظِيّ فَكَذَلِك لَا يَصح، وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: (مُضْغَة) أطلقها على الْقلب إِرَادَة تَصْغِير الْقلب بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْجَسَد، مَعَ أَن صَلَاح الْجَسَد وفساده تابعان لَهُ، أَو لما كَانَ هُوَ سُلْطَان الْبدن لما صلح صلح الْأَعْضَاء الْأُخَر الَّتِي هِيَ كالرعية، وَهُوَ بِحَسب الطِّبّ أول نقطة تكون من النُّطْفَة، وَمِنْه تظهر القوى، وَمِنْه تنبعث الْأَرْوَاح، وَمِنْه ينشأ الْإِدْرَاك ويبتدىء التعقل، فلهذه الْمعَانِي خص الْقلب بذلك، وَاحْتج جمَاعَة بِهَذَا الحَدِيث، وَبِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {لَهُم قُلُوب لَا يعْقلُونَ بهَا} (الْحَج: 46) على أَن الْعقل فِي الْقلب لَا فِي الرَّأْس. قلت: فِيهِ خلاف مَشْهُور، فمذهب الشَّافِعِيَّة والمتكلمين أَنه فى الْقلب، وَمذهب أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه فِي الدِّمَاغ. وَحكي الأول عَن الفلاسفة، وَالثَّانِي عَن الْأَطِبَّاء. وَاحْتج بِأَنَّهُ إِذا فسد الدِّمَاغ فسد الْعقل. وَقَالَ ابْن بطال: وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن الْعقل إِنَّمَا هُوَ فِي الْقلب، وَمَا فِي الرَّأْس مِنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ عَن الْقلب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِيهِ دلَالَة على أَن الْعقل فِي الْقلب، وَاسْتدلَّ بِهِ أَيْضا على أَن: من حلف لَا يَأْكُل لَحْمًا، فَأكل قلباً، حنث. قلت: ولأصحاب الشَّافِعِي فِيهَا قَولَانِ، احدهما: يَحْنَث، وَإِلَيْهِ مَال أَبُو بكر الصيدلاني الْمروزِي، وَالأَصَح انه: لَا يَحْنَث، لِأَنَّهُ لَا يُسمى لَحْمًا. 40 - (بَاب أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الإيمانِ) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن لفظ: بَاب، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب أَدَاء الْخمس. أَي: بَاب فِي بَيَان أَن أَدَاء الْخمس شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَيجوز أَن يقطع عَن الْإِضَافَة، فَحِينَئِذٍ: أَدَاء الْخمس، كَلَام إضافي مُبْتَدأ. وَقَوله: من الايمان، خَبره. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْحَلَال الَّذِي هُوَ الْمَأْمُور بِهِ، وَالْحرَام الَّذِي هُوَ الْمنْهِي عَنهُ، فَكَذَلِك فِي هَذَا الْبَاب، الْمَذْكُور هُوَ الْمَأْمُور بِهِ، والمنهي عَنهُ. أما الْمَأْمُور بِهِ فَهُوَ: الايمان بِاللَّه وَرَسُوله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصِيَام رَمَضَان وَإِعْطَاء الْخمس، وَأما الْمنْهِي عَنهُ فَهُوَ: الحنتم وَأَخَوَاتهَا، وَبِهَذَا الْبَاب ختمت الْأَبْوَاب الَّتِي يذكر فِيهَا شعب الْإِيمَان وأموره. الثَّالِث: قَوْله: (الْخمس) ، بِضَم الْخَاء، من: خمست الْقَوْم
اخمسهم، بِالضَّمِّ، إِذا أخذت مِنْهُم خُمس أَمْوَالهم، وَأما: خمستهم أخمسهم، بِالْكَسْرِ، فَمَعْنَاه: إِذا كنت خامسهم، أَو كملتهم خَمْسَة بِنَفْسِك، وَهُوَ المُرَاد من قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خمسه} (الْأَنْفَال: 41) وَقد قيل: إِنَّه رُوِيَ هُنَا بِفَتْح الْخَاء، وَهِي الْخمس من الْأَعْدَاد، وَأَرَادَ بهَا قَوَاعِد الْإِسْلَام الْخمس الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث: (بني الاسلام على خمس) ، فَهَذَا، وَإِن كَانَ لَهُ وَجه، وَلَكِن فِيهِ بعد، لِأَن الْحَج لم يذكر هَهُنَا، وَلِأَن غَيره من الْقَوَاعِد قد تقدم ذكره، وَهَهُنَا إِنَّمَا ترْجم الْبَاب على أَن أَدَاء خمس الْغَنِيمَة من الْإِيمَان. فَإِن قلت: مَا وَجه كَونه من الْإِيمَان؟ قلت: لما سَأَلَ الْوَفْد عَن الْأَعْمَال الَّتِي إِذا عملوها يدْخلُونَ بهَا الْجنَّة. فأجيبوا بأَشْيَاء من جُمْلَتهَا أَدَاء الْخمس، فأداء الْخمس من الْأَعْمَال الَّتِي يدْخل بهَا الْجنَّة، وكل عمل يدْخل بِهِ الْجنَّة فَهُوَ من الْإِيمَان، فأداء الْخمس من الْإِيمَان. فَافْهَم. 1 - حَدثنَا عَليّ بن الْجَعْد قَالَ أخبرنَا شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة قَالَ كنت اقعد مَعَ ابْن عَبَّاس يجلسني على سَرِيره فَقَالَ أقِم عِنْدِي حَتَّى أجعَل لَك سَهْما من مَالِي فاقمت مَعَه شَهْرَيْن ثمَّ قَالَ إِن وَفد عبد الْقَيْس لما أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من الْقَوْم أَو من الْوَفْد قَالُوا ربيعَة قَالَ مرْحَبًا بالقوم أَو بالوفد غير حزايا وَلَا ندامى فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّا لَا نستطيع أَن نَأْتِيك إِلَّا فِي شهر الْحَرَام وبيننا وَبَيْنك هَذَا الْحَيّ من كفار مُضر فمرنا بِأَمْر فصل نخبر بِهِ من رواءنا وندخل بِهِ الْجنَّة وسألوه عَن الاشربة فَأَمرهمْ بِأَرْبَع ونهاهم عَن أَربع أَمرهم بِالْإِيمَان بِاللَّه وَحده قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه وَحده قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصِيَام رَمَضَان وَأَن تعطوا من الْمغنم الْخمس ونهاهم عَن أَربع عَن الحنتم والدباء والنقير والمزفت وَرُبمَا قَالَ المقير وَقَالَ احفظوهن وأخبروا بِهن من وراءكم. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ عقد الْبَاب على جُزْء مِنْهُ وَهُوَ قَوْله " وَإِن تعطوا من الْمغنم خمْسا " فَإِن قلت لم عين هَذَا للتَّرْجَمَة دون غَيره من الَّذِي ذكره مَعَه قلت عقد لكل وَاحِد غَيره بَابا على مَا تقدم (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول أَبُو الْحسن على بن الْجَعْد بِفَتْح الْجِيم ابْن عبيد الْجَوْهَرِي الْهَاشِمِي مَوْلَاهُم الْبَغْدَادِيّ سمع الثَّوْريّ ومالكا وَغَيرهمَا من الاعلام وَعنهُ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَآخَرُونَ وَقَالَ مُوسَى بن دَاوُد مَا رَأَيْت احفظ مِنْهُ وَكَانَ أَحْمد يحض على الْكِتَابَة مِنْهُ وَقَالَ يحيى بن معِين هُوَ رباني الْعلم ثِقَة فَقيل لَهُ هَذَا الَّذِي كَانَ مِنْهُ أَنه كَانَ يتهم بالجهم فَقَالَ ثِقَة صَدُوق وَقيل أَن الَّذِي كَانَ يَقُول بالجهم وَلَده الْحسن قَاضِي بَغْدَاد وَبَقِي سِتِّينَ سنة أَو سبعين سنة يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا ولد سنة سِتّ وَثَلَاثُونَ وَمِائَة وَمَات سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَدفن بمقبرة بَاب حَرْب بِبَغْدَاد. الثَّانِي شُعْبَة بن الْحجَّاج وَقد تقدم. الثَّالِث أَو جَمْرَة بِالْجِيم وَالرَّاء واسْمه نصر بن عمرَان بن عِصَام وَقيل عَاصِم بن وَاسع الضبعِي الْبَصْرِيّ سمع ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وخلقا من التَّابِعين وَعنهُ أَيُّوب وَغَيره من التَّابِعين وَغَيرهم كَانَ مُقيما بنيسابور ثمَّ خرج إِلَى مرو ثمَّ إِلَى سرخس وَبهَا توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة وثقته مُتَّفق عَلَيْهَا وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة مَاتَ بِالْبَصْرَةِ وَكَانَ أَبوهُ عمرَان رجلا جَلِيلًا قَاضِي الْبَصْرَة وَاخْتلف فِي أَنه صَحَابِيّ لَا وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من يكنى بِهَذِهِ الكنية غَيره وَلَا من اسْمه جَمْرَة بل وَلَا فِي بَاقِي الْكتب السِّتَّة أَيْضا وَلَا فِي الْمُوَطَّأ وَفِي كتاب الحياني أَنه وَقع فِي نُسْخَة أبي ذَر عَن أبي الْهَيْثَم حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي وَذَلِكَ وهم وَمَا عداهُ أَبُو حَمْزَة بِالْحَاء والزاء وَقد روى مُسلم عَن أبي حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة عَن أبي عَطاء القصاب بياع الْقصب الوَاسِطِيّ حَدِيثا وَاحِدًا عَن ابْن عَبَّاس فِيهِ ذكر مُعَاوِيَة وإرسال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْن عَبَّاس خَلفه وَقَالَ بعض الْحفاظ يروي شُعْبَة عَن سَبْعَة يروون عَن ابْن عَبَّاس كلهم أَبُو حَمْزَة بِالْحَاء وَالزَّاي إِلَّا هَذَا وَيعرف هَذَا من غَيره مِنْهُم أَنه إِذا أطلق عَن ابْن عَبَّاس أَبُو حَمْزَة فَهُوَ هَذَا وَإِذا أَرَادوا غَيره مِمَّن هُوَ بِالْحَاء قيدوه بِالِاسْمِ وَالنّسب
وَالْوَصْف كابني حَمْزَة القصاب. والضبعي بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة من بني ضبيعة بِضَم أَوله مصغر أَو هُوَ بطن من عبد الْقَيْس كَمَا جزم الشاطى وَفِي بكر بن وَائِل بطن يُقَال لَهُم بَنو ضبيعة أَيْضا وَقد وهم من نسب أَبَا جَمْرَة إِلَيْهِم من شرَّاح البُخَارِيّ فقد روى الطَّبَرَانِيّ وَابْن مَنْدَه فِي تَرْجَمَة نوح بن مخلد جد أبي جَمْرَة أَنه قدم على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ مِمَّن أَنْت قَالَ من ضبيعة ربيعَة فَقَالَ خير ربيعَة عبد الْقَيْس ثمَّ الْحَيّ الَّذِي أَنْت مِنْهُم. الرَّابِع عبد الله ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا (بَيَان لطائف إِسْنَاده) . مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث وَالْأَخْبَار والعنعنة وَالْأَخْبَار فِي أخبرنَا شُعْبَة وَفِي كثير من النّسخ حَدثنَا شُعْبَة. وَمِنْهَا أَن رِجَاله مَا بَين بغدادي وواسطي وَبصرى. وَمِنْهَا أَن فيهم من هُوَ من الْأَفْرَاد وَهُوَ أَبُو جَمْرَة وَكَذَا عَليّ بن الْجَعْد انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد عَن بَقِيَّة السِّتَّة (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع هُنَا كَمَا ترى وَفِي الْخمس عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد وَفِي خبر الْوَاحِد عَن عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة وَعَن إِسْحَق عَن النَّضر عَن شُعْبَة وَفِي كتاب الْعلم عَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة وَفِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن عباد بن عباد وَفِي الزَّكَاة عَن حجاج بن الْمنْهَال عَن حَمَّاد وَفِي الْخمس عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد وَفِي مَنَاقِب قُرَيْش عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد وَفِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد وَعَن إِسْحَاق عَن أبي عَامر الْعَقدي عَن قُرَّة وَفِي الْأَدَب عَن عمرَان بن ميسرَة عَن عبد الْوَارِث عَن أبي التياح وَفِي التَّوْحِيد عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي عَاصِم عَن قُرَّة وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي مُوسَى وَبُنْدَار ثَلَاثَتهمْ عَن عبد ربه وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن نصر بن عَليّ عَن أَبِيه كِلَاهُمَا عَن قُرَّة بِهِ وَفِيه وَفِي الاشربة عَن خلف ابْن هِشَام عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن يحيى بن يحيى عَن عباد بن عباد بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الاشربة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَمُحَمّد ابْن عبيد بن حِسَاب كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ وَعَن مُسَدّد عَن عباد بن عباد وَفِي السّنة عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن يحيى بن سعيد عَن شُعْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن قُتَيْبَة عَن عباد بن عباد وَعَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ مُخْتَصرا وَفِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة عَنْهُمَا بِطُولِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن بنْدَار بِهِ وَفِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة عَن عباد بن عباد بِهِ وَفِي الاشربة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي عَن أبي عتاب بن سهل بن حَمَّاد عَن قُرَّة بِهِ وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد عَن شُعْبَة بِهِ وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد وَلم يذكر البُخَارِيّ فِي طرقه قصَّة الْأَشَج وَذكرهَا مُسلم فِي الحَدِيث فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام للأشج اشج عبد الْقَيْس " أَن فِيك لخصلتين يحبهما الله الأناة والحلم " (بَيَان اللُّغَات) قَوْله " على سَرِيره " وَفِي الْعباب السرير مَعْرُوف وَجمعه أسرة وسرر قَالَ الله تَعَالَى (على سرر مُتَقَابلين) إِلَّا أَن بَعضهم يستثقل اجْتِمَاع الضمتين مَعَ التَّضْعِيف فَيرد الأولى مِنْهُمَا إِلَى الْفَتْح لخفته فَيَقُول سرر وَكَذَلِكَ مَا اشبهه من الْجمع مثل ذليل وَذَلِكَ وَنَحْوه انْتهى وَقيل أَنه مَأْخُوذ من السرر لِأَنَّهُ مجْلِس السرُور قلت السرير أَيْضا مُسْتَقر الرَّأْس والعنق وَقد يعبر بالسرير عَن الْملك وَالنعْمَة وخفض الْعَيْش وَقَالَ ابْن السّكيت السرير مَوضِع بِأَرْض بني كنَانَة قَوْله " سَهْما " أَي نَصِيبا وَالْجمع سَهْمَان بِالضَّمِّ قَوْله " أَن وَفد عبد الْقَيْس " قَالَ ابْن سَيّده يُقَال وَفد عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ وَفْدًا ووفودا ووفادة وافادة على الْبَدَل قدم ووافادة وإفادة على الْبَدَل قدم واوفده عَلَيْهِ وهم الْوَفْد والوفود فَأَما الْوَفْد فاسم جمع وَقيل جمع وَأما الْوُفُود فَجمع وَافد وَقد أوفده إِلَيْهِ وَفِي الْجَامِع للقزاز ووفودة وَالْقَوْم يفدون وأوفدتهم أَنا أَيْضا وَوَاحِد الْوَفْد وَافد وَفِي الصِّحَاح وَفد فلَان على الْأَمِير رَسُولا وَالْجمع وَفد وَجمع الْوَافِد أوفاد وَالِاسْم الْوِفَادَة واوفدته أَنا إِلَى الْأَمِير إِي أَرْسلتهُ وَفِي المغيث الْوَفْد قوم يَجْتَمعُونَ فيردون الْبِلَاد وَكَذَا ذكره الْفَارِسِي فِي مجمع الغرائب. وَقَالَ صَاحب التَّحْرِير والوفد الْجَمَاعَة المختارة من الْقَوْم ليتقدموهم إِلَى لقى العظماء والمصير إِلَيْهِم فِي الْمُهِمَّات وَقَالَ القَاضِي هم الْقَوْم يأْتونَ الْملك ركابا وَيُؤَيّد مَا ذكره أَن ابْن عَبَّاس فسر قَوْله تَعَالَى {يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا} قَالَ ركبانا وَعبد الْقَيْس أَبُو قَبيلَة وَهُوَ ابْن افصى بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء وبالصاد الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة ابْن دعمى بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبياء النِّسْبَة ابْن جديلة بِفَتْح الْجِيم بن
أَسد بن ربيعَة بن نزار كَانُوا ينزلون الْبَحْرين وحوالي القطيف والأحساء وَمَا بَين هجر إِلَى الديار المصرية قَوْله " ربيعَة " هُوَ ابْن نزار بن معد بن عدنان وَإِنَّمَا قَالُوا ربيعَة لِأَن عبد الْقَيْس من أَوْلَاده قَوْله " مرْحَبًا " أَي صادفت مرْحَبًا أَي سَعَة فاستأنس وَلَا تستوحش قَوْله " خزايا " جمع خزيان من الخزي وَهُوَ الاستحياء من خزى يخزي من بَاب علم يعلم خزاية أَي استحيى فَهُوَ خزيان وَقوم خزايا وَامْرَأَة خزيا وَكَذَلِكَ خزى يخزي من هَذَا الْبَاب بِمَعْنى ذل وَهَان ومصدره خزى وَقَالَ ابْن السّكيت وَقع فِي بلية وأخزاه الله وَالْمعْنَى هَهُنَا على هَذَا يَعْنِي غير أذلاء مهانين فَافْهَم. قَوْله " وَلَا ندامى " جمع ندمان بِمَعْنى النادم وَقيل جمع نادم قَوْله " فِي الشَّهْر الْحَرَام " المُرَاد بِهِ الْجِنْس فَيتَنَاوَل الْأَشْهر الْحرم الْأَرْبَعَة رَجَب وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَيعرف الْمحرم دون رَجَب وسمى الشَّهْر بالشهر لشهرته وَطهُوره وبالحرم لحرمه الْقِتَال فِيهِ قَوْله " وَهَذَا الْحَيّ " قَالَ ابْن سَيّده أَنه بطن من بطُون الْعَرَب وَفِي الْمطَالع هُوَ اسْم لمنزلة الْقَبِيلَة ثمَّ سميت الْقَبِيلَة بِهِ وَذكر الجواني فِي الفاضلة أَن الْعَرَب على طَبَقَات عشر اعلاها الجذم ثمَّ الْجُمْهُور ثمَّ الشعوب وَاحِدهَا شعب ثمَّ الْقَبِيلَة ثمَّ الْعِمَارَة ثمَّ الْبَطن ثمَّ الْفَخْذ ثمَّ الْعَشِيرَة ثمَّ الفصيلة ثمَّ الرَّهْط وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَأول الْعَرَب شعوب ثمَّ قبائل ثمَّ عمائر ثمَّ بطُون ثمَّ أفخاذ ثمَّ فصائل ثمَّ عشاءر وَقدم الْأَزْهَرِي العشائر على الْفَضَائِل قَالَ وهم الْأَحْيَاء وَقَالَ ابْن دُرَيْد الشّعب الْحَيّ الْعَظِيم من النَّاس قلت: الجذم بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة أصل الشَّيْء والشعب بِالْفَتْح مَا تشعب من قبائل الْعَرَب والعجم والعمارة بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الْمِيم وَجوز الْخَلِيل فتح عينهَا قَالَ فِي الْعباب وَهِي الْقَبِيلَة وَالْعشيرَة وَقيل هِيَ الْحَيّ ينْفَرد بظعنه قَوْله " مُضر " بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة غير منصرف وَهُوَ مُضر بن نزار بن معد بن عدنان وَيُقَال لَهَا مُضر الْحَمْرَاء ولأخيه ربيعَة الْفرس لِأَنَّهُمَا لما اقْتَسمَا الْمِيرَاث أعْطى مُضر الذَّهَب وَرَبِيعَة الْخَيل وكفار مُضر كَانُوا بَين ربيعَة وَالْمَدينَة وَلَا يُمكنهُم الْوُصُول إِلَى الْمَدِينَة إِلَّا عَلَيْهِم وَكَانُوا يخَافُونَ مِنْهُم إِلَّا فِي الْأَشْهر الْحرم لامتناعهم من الْقِتَال فِيهَا قَوْله " بِأَمْر فصل " بِلَفْظ الصّفة لَا بِالْإِضَافَة وَالْأَمر أما وَاحِد الْأُمُور أَي الشَّأْن وَأما وَاحِد الْأَوَامِر أَي القَوْل الطَّالِب للْفِعْل وَفصل بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة أما بِمَعْنى الْفَاصِل كالعدل أَي يفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل وَأما بِمَعْنى الْمفصل أَي وَاضح بِحَيْثُ ينْفَصل بِهِ المُرَاد عَن غَيره قَوْله " من الْمغنم " أَي الْغَنِيمَة قَالَ الْجَوْهَرِي الْمغنم وَالْغنيمَة بِمَعْنى قَوْله " الحنتم " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق قَالَ أَبُو هُرَيْرَة هِيَ الجرار الْخضر وَقَالَ ابْن عمر هِيَ الجرار كلهَا وَقَالَ أنس بن مَالك جرار يُؤْتى بهَا من مُضر مقيرات الأجواف وَقَالَت عَائِشَة جرار حمر اعناقها فِي جنوبها يجلب فِيهَا الْخمر من مُضر وَقَالَ ابْن أبي ليلى افواهها فِي جنوبها يجلب فِيهَا الْخمر من الطَّائِف وَكَانُوا ينبذون فِيهَا وَقَالَ عَطاء هِيَ جرار تعْمل من طين وَدم وَشعر وَفِي الْمُحكم الحنتم جرار خضر تضرب إِلَى الْحمرَة وَفِي مجمع الغرائب حمر وَقَالَ الْخطابِيّ هِيَ جرة مطلية بِمَا يسد مسام الخزف وَلها التَّأْثِير فِي الانتباذ لِأَنَّهَا كالمزفت وَقَالَ أبي حبيب الحنتم الجرو وكل مَا كَانَ من فخار أَبيض وأخضر وَقَالَ الْمَازرِيّ قَالَ بعض أهل الْعلم لَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا الحنتم مَا طلى من الفخار بالحنتم الْمَعْمُول بالزجاج وَغَيره قَوْله " والدباء " بِضَم الدَّال وَتَشْديد الْبَاء وبالمد وَقد يقصر وَقد تكسر الدَّال وَهُوَ اليقطين الْيَابِس أَي الْوِعَاء مِنْهُ وَهُوَ القرع وَهُوَ جمع والواحدة باءة وَمن قصر قَالَ دباة قَالَ عِيَاض وَلم يحك أَبُو عَليّ والجوهري غير الْمَدّ قَوْله " والنقير " بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف وَجَاء تَفْسِيره فِي صَحِيح مُسلم " أَنه جذع ينقرون وَسطه وينبذون فِيهِ " قَوْله " والمزفت " بتَشْديد الْفَاء أَي المطلي بالزفت أَي القار بِالْقَافِ وَرُبمَا قَالَ ابْن عَبَّاس المقير بدل المزفت وَيُقَال الزفت نوع من القار وَقَالَ ابْن سَيّده هُوَ شَيْء أسود يطلى بِهِ الْإِبِل والسفن وَقَالَ أَبُو حنيفَة أَنه شجر مر والقار يُقَال لَهُ القير بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف قيل هُوَ نبت يحرق إِذا يبس يطلى بِهِ السفن وَغَيرهَا كَمَا يطلى بالزفت وَفِي مُسْند أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن أبي بكرَة قَالَ أما الدُّبَّاء فَإِن أهل الطَّائِف كَانُوا يَأْخُذُونَ القرع فيخرطون فِيهِ الْعِنَب ثمَّ يدفنونه حَتَّى يهدر ثمَّ يَمُوت وَأما النقير فَإِن أهل الْيَمَامَة كَانُوا ينقرون أصل النَّخْلَة ثمَّ ينتبذون الرطب واليسر ثمَّ يَدعُونَهُ حَتَّى يهدر ثمَّ يَمُوت وَأما الحنتم فجرار كَانَت تحمل إِلَيْنَا فِيهَا الْخمر وَأما المزفت فَهَذِهِ الأوعية الَّتِي فِيهَا الزفت (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله " كنت اقعد " التَّاء فِي كنت اسْم كَانَ وَالْجُمْلَة اعني اقعد فِي مَحل النصب خَبره قَوْله " مَعَ ابْن عَبَّاس " أَي مصاحبا مَعَه أَو هُوَ بِمَعْنى عِنْد أَي عِنْد ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَوْله " فيجلسني " عطف على قَوْله " اقعد " فَإِن قلت
الاجلاس قبل الْقعُود فَكيف جَاءَ بِالْفَاءِ قلت الاجلاس على السرير بعد الْقعُود وَمَا الدَّلِيل على امْتِنَاعه قَوْله " اجْعَل " بِالنّصب بِأَن الْمقدرَة بعد حَتَّى وَسَهْما مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول اجْعَل وَكلمَة من فِي من مَالِي بَيَانِيَّة مَعَ دلَالَته على التَّبْعِيض قَوْله " فاقمت مَعَه " أَي مصاحبا لَهُ وَإِنَّمَا قَالَ مَعَه وَلم يقل عِنْده مُطَابقَة لقَوْله اقم عِنْدِي لأجل الْمُبَالغَة لِأَن المصاحبة بلغ من العندية قَوْله " شَهْرَيْن " نصب على الظّرْف وَالتَّقْدِير مُدَّة شَهْرَيْن قَوْله " من الْقَوْم " جملَة اسمية وَكلمَة من للاستفهام قَوْله " أَو من الْوَفْد " شكّ من الرَّاوِي وَالظَّاهِر أَنه شُعْبَة وَيحْتَمل أَن يكون أَبَا جَمْرَة وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْكرْمَانِي وَالظَّاهِر أَنه من ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَوْله " ربيعَة " خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره نَحن ربيعَة وَالْجُمْلَة مقول الْقُوَّة قَوْله " قَالَ مرْحَبًا " أَي قَالَ لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرْحَبًا وَهُوَ اسْم وضع مَوضِع الترحيب وانتصابه على المصدرية من رَحبَتْ الأَرْض ترحب من بَاب كرم يكرم رحبا بِضَم الرَّاء إِذا اتسعت قَالَ سِيبَوَيْهٍ هُوَ من المصادر النائية عَن أفعالها تَقْدِيره رَحبَتْ وَقَالَ غَيره هُوَ من المفاعيل المنصوبة بعامل مُضْمر لَازم اضماره تستعمله الْعَرَب كثيرا وَمَعْنَاهُ صادفت رحبا أَي سَعَة فاستأنس وَلَا تستوحش وَفِي الْعباب وَالْعرب تَقول أَيْضا مرحبك الله ومسهلك ومرحبابك الله ومسهلا وَقَالَ العسكري أول من قَالَ مرْحَبًا سيف ذُو يزن فَإِن قلت أَنه بِالْإِضَافَة صَار معرفَة وَشرط الْحَال أَن تكون نكرَة قلت شَرط تعرفه أَن يكون الْمُضَاف ضدا للمضاف إِلَيْهِ وَنَحْوه وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك ويروى غير بِكَسْر الرَّاء على أَنه صفة للْقَوْم فَإِن قلت أَنه نكرَة كَيفَ وَقعت صفة للمعرفة قلت للمعرف بِلَا جنس قرب الْمسَافَة بَينه وَبَين النكرَة فَحكمه حكم النكرَة إِذْ لَا تَوْقِيت فِيهِ وَلَا تعْيين وَفِي رِوَايَة مُسلم " غير خزايا وَلَا ندامى " بِاللَّامِ فِي الندامى وَفِي بعض الرِّوَايَات " غير الخزايا وَلَا الندامى " بِاللَّامِ فيهمَا وَقَالَ النَّوَوِيّ وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْأَدَب من طَرِيق أبي التياح عَن أبي جَمْرَة " مرْحَبًا بالوفد الَّذين جاؤا غير خزايا وَلَا ندامى " وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق قُرَّة " فَقَالَ مرْحَبًا بالوفد لَيْسَ خزايا وَلَا النادمين " وَهَذَا يشْهد لمن قَالَ كَانَ الأَصْل فِي وَلَا ندامى نادمين وَلكنه اتبع خزايا تحسينا للْكَلَام كَمَا يُقَال لَا دَريت وَلَا تليت وَالْقِيَاس لَا تَلَوت والغدايا والعشايا وَالْقِيَاس بالغدوات فَجعل تَابعا لما يقارنه وَإِذا افردت لم يجز إِلَّا الغدوات وَكَذَلِكَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام " ارْجِعْنَ مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات " وَلَو افردت لقيل موزورات بِالْوَاو لِأَنَّهُ من الْوزر وَمِنْه قَول الشَّاعِر هُنَاكَ اخبية ولاج ابوية فَجمع الْبَاب على ابوبة اتبَاعا لاخبية وَلَو أفرد لم يجز وَقَالَ الْقَزاز والجوهري وَيُقَال فِي نادم ندمان فعلى هَذَا يكون الْجمع على الأَصْل وَلَا يكون من بَاب الِاتِّبَاع قَوْله " أَن نَأْتِيك " فِي مَحل النصب على المفعولية وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير أَن لَا نستطيع الاتيان إِلَيْك قَوْله " الْحَرَام " بِالْجَرِّ صفة للشهر وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة إِلَّا فِي شهر الْحَرَام وَهِي رِوَايَة مُسلم أَيْضا وَهُوَ من إِضَافَة الِاسْم إِلَى صفته بِحَسب الظَّاهِر كمسجد الْجَامِع وَنسَاء الْمُؤْمِنَات وَلكنه مؤول تَقْدِيره إِلَّا فِي شهر الْأَوْقَات الْحَرَام وَمَسْجِد الْوَقْت الْجَامِع وَقَالَ بَعضهم هَذَا من إِضَافَة الشَّيْء قلت إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه لَا تجوز كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَفِي رِوَايَة قُرَّة أخرجهَا البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي " إِلَّا فِي أشهر الْحرم " وَتَقْدِير فِي أشهر الْأَوْقَات الْحرم وَالْحرم بِضَمَّتَيْنِ جمع حرَام وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد أخرجهَا البُخَارِيّ فِي المناقب (غلا فِي كل شهر حرَام " قَوْله " وبيننا وَبَيْنك " الْوَاو فِيهِ للْحَال وَكلمَة من فِي قَوْله " من كفار " مُضر للْبَيَان وَمُضر مُضَاف إِلَيْهِ وَلَكِن جَرّه بِالْفَتْح لِأَن الصّرْف منع مِنْهَا للعملية والتأنيث قَوْله " فمرنا " جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي مر وَالْمَفْعُول وَهُوَ نَا وأصل مر اؤمر بهمزتين لِأَنَّهُ من أَمر يَأْمر فحذفت الْهمزَة الْأَصْلِيَّة للاستثقال فَصَارَ امْر فاستغنى عَن همزَة الْوَصْل فحذفت فبقى مر على وزن عل لِأَن الْمَحْذُوف فَاء الْفِعْل قَوْله " بِأَمْر فصل " كِلَاهُمَا بِالتَّنْوِينِ على الوصفية لَا الْإِضَافَة قَوْله " نخبر بِهِ " روى بِالرَّفْع وبالجزم أما الرّفْع فعلى أَنه صفة لامر وَأما الْجَزْم فعلى أَنه جَوَاب الامر قَوْله " من وَرَاءَنَا " كلمة من بِفَتْح الْمِيم مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَقَوله وَرَاءَنَا خَبره وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول نخبر وَالْخَبَر فِي الْحَقِيقَة مَحْذُوف تَقْدِيره من استقروا وَرَاءَنَا أَي خلفنا وَالْمرَاد قَومهمْ الَّذين خلفوهم فِي بِلَادهمْ وَقد علم أَن نَحْو خلف ووراء إِذا وَقع خَبرا فَإِن كَانَ بَدَلا عَن عَامله الْمَحْذُوف نَحْو زيد خَلفك أَو وَرَاءَك بَقِي على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْإِعْرَاب وَإِن لم يكن بَدَلا نَحْو ظهرك خَلفك ورجلاك أسفلك جَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ النصب على الظَّرْفِيَّة وَالرَّفْع على الخبرية. ثمَّ اعْلَم أَن لَفْظَة وَرَاء من الاضداد لِأَنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنى خلف وَبِمَعْنى قُدَّام وَهِي مُؤَنّثَة وَقَالَ
ابْن السّكيت يذكر وَيُؤَنث وَهُوَ مَهْمُوز اللَّام ذكره الصغاني فِي بَاب مَا يكون فِي آخِره همزَة وَذكر الْجَوْهَرِي فِي بَاب مَا يكون فِي آخِره يَاء وَهُوَ غلط فَكَأَنَّهُ ظن أَن همزته لَيست بأصلية وَلَيْسَ كَذَلِك بِدَلِيل وجودهَا فِي تصغيره وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَات من وَرَائِنَا بِكَسْر الْمِيم قلت قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه وَلَا خلاف أَن قَوْله نحبر بِهِ من وَرَاءَنَا بِفَتْح الْمِيم والهمزة فَإِن قلت أَن صَحَّ مَا قَالَه الْكرْمَانِي فَمَا تكون من بِالْكَسْرِ قلت إِن صحت هَذِه الرِّوَايَة يحْتَمل أَن تكون من للغاية بِمَعْنى أَو قَومهمْ يكونُونَ غَايَة لأخبارهم قَوْله " وندخل بِهِ الْجنَّة " بِرَفْع اللَّام وجزمها عطفا على قَوْله نخبر الموجه بِوَجْهَيْنِ وَفِي بعض الرِّوَايَات ندخل بِدُونِ الْوَاو وَكَذَا وَقع فِي مُسلم بِلَا وَاو وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يتَعَيَّن رَفعه وَهِي جملَة مستأنفة لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب قَوْله " وسألوه " أَي النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن الاشربة أَي عَن ظرف الْأَشْرِبَة فالمضاف مَحْذُوف وَالتَّقْدِير سَأَلُوهُ عَن الاشربة الَّتِي تكون فِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلفَة فعلى هَذَا يكون مَحْذُوف الصّفة فَافْهَم قَوْله " فَأَمرهمْ بِأَرْبَع " الْفَاء للتعقيب أَي بِأَرْبَع خِصَال أَو بِأَرْبَع جمل لقَوْله حَدثنَا بجمل من الْأَمر وَهِي رِوَايَة قُرَّة عِنْد البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي وَقَوله ونهاهم عطف على فَأمر قَوْله " أَمرهم بِالْإِيمَان " تَفْسِير لقَوْله " فَأَمرهمْ بِأَرْبَع " وَلِهَذَا ترك العاطف فَإِن قلت كَيفَ يكون تَفْسِيرا وَالْمَذْكُور خمس قلت قَالَ النَّوَوِيّ عد جمَاعَة الحَدِيث من المشكلات حَيْثُ قَالَ أَمرهم بِأَرْبَع وَالْمَذْكُور خمس وَاخْتلفُوا فِي الْجَواب عَنهُ فَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ الظَّاهِر أَن الْأُمُور الْخَمْسَة تَفْسِير للْإيمَان وَهُوَ أحد الْأَرْبَعَة الْمَأْمُور بهَا وَالثَّلَاثَة الْبَاقِيَة حذفهَا الرَّاوِي نِسْيَانا واختصارا وَقَالَ الطَّيِّبِيّ من عَادَة البلغاء أَن الْكَلَام إِذا كَانَ منصبا لغَرَض من الْأَغْرَاض جعلُوا سِيَاقه لَهُ وتوجهه إِلَيْهِ كَأَن مَا سواهُ مرفوض مطرح فههنا لم يكن الغر ض فِي إِيرَاد ذكر الشَّهَادَتَيْنِ لِأَن الْقَوْم كَانُوا مقرين بهما بِدَلِيل قَوْلهم الله وَرَسُوله أعلم وَلَكِن كَانُوا يظنون أَن الْإِيمَان مَقْصُور عَلَيْهِمَا وأنهما كافيتان لَهُم وَكَانَ الْأَمر فِي أول الْإِسْلَام كَذَلِك لم يَجعله الرَّاوِي من الْأَوَامِر وَجعل الاعطاء مِنْهَا لِأَنَّهُ هُوَ الْغَرَض من الْكَلَام لأَنهم كَانُوا أَصْحَاب غزوات مَعَ مَا فِيهِ من بَيَان أَن الْإِيمَان غير مَقْصُور على ذكر الشَّهَادَتَيْنِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ قيل أَن أول الْأَرْبَع الْمَأْمُور بهَا أَقَامَ الصَّلَاة وَإِنَّمَا ذكر الشَّهَادَتَيْنِ تبركا بهما كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى {وَاعْلَمُوا إِنَّمَا غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه} وَهَذَا نَحْو كَلَام الطَّيِّبِيّ فَإِن قلت قَوْله " وَأقَام الصَّلَاة " مَرْفُوع عطفا على قَوْله " شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " وَهَذَا يرد مَا قَالَه الطَّيِّبِيّ والقرطبي وَأجِيب بِأَنَّهُ يجوز أَن يقْرَأ وَأقَام الصَّلَاة بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله " أَمرهم بِالْإِيمَان " وَالتَّقْدِير أَمرهم بِالْإِيمَان مصدرا بِهِ وبشرطه فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَأمرهمْ بأقام الصَّلَاة إِلَى آخِره ويعضد هَذَا رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْأَدَب من طَرِيق أبي التياح عَن أبي جَمْرَة وَلَفظه " أَربع وَأَرْبع أقِيمُوا " إِلَى آخِره فَإِن قيل ظَاهر مَا ترْجم بِهِ المُصَنّف من أَن أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان يَقْتَضِي إِدْخَاله مَعَ الْخِصَال فِي تَفْسِير الْإِيمَان وَالتَّقْدِير الْمَذْكُور يُخَالِفهُ فَأجَاب ابْن رشد بِأَن الْمُطَابقَة تحصل من جِهَة أُخْرَى وَهِي أَنهم سَأَلُوا عَن الْأَعْمَال الَّتِي يدْخلُونَ بهَا الْجنَّة فأجيبوا بأَشْيَاء من أَدَاء الْخمس والأعمال الَّتِي يدْخل بهَا الْجنَّة هِيَ أَعمال الْإِيمَان فَيكون أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان بِهَذَا التَّقْرِير (فَإِن قلت) قد قَالَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن أبي جَمْرَة " أَمركُم بِأَرْبَع الْإِيمَان بِاللَّه شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وعقدة وَاحِدَة " أخرجهَا البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي وَأخرج فِي فرض الْخمس وَعقد بِيَدِهِ الْحجَّاج بن منهال فَدلَّ على أَن الشَّهَادَة إِحْدَى الْأَرْبَع وَكَذَا فِي رِوَايَة عباد بن عباد فِي أَوَائِل الْمَوَاقِيت وَلَفظه " أَمركُم بِأَرْبَع ونهاكم عَن أَربع الْإِيمَان بِاللَّه ثمَّ فَسرهَا لَهُم شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله " الحَدِيث وَهَذَا أَيْضا يدل على أَنه عد الشَّهَادَتَيْنِ من الْأَرْبَع لِأَنَّهُ أعَاد الضَّمِير فِي قَوْله ثمَّ فَسرهَا مؤنثا فَيَعُود على الْأَرْبَع وَلَو أَرَادَ تَفْسِير لأعاده مذكرا قلت أجَاب عَنهُ القَاضِي وَابْن بطال بِأَنَّهُ عد الْأَرْبَع الَّتِي وعدهم ثمَّ زادهم خَامِسَة وَهِي أَدَاء الْخمس لأَنهم كَانُوا مجاورين لكفار مُضر وَكَانُوا أهل جِهَاد وَغَنَائِم قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ الصَّحِيح وَقَالَ الْكرْمَانِي لَيْسَ الصَّحِيح ذَلِك هَهُنَا لِأَن البُخَارِيّ عقد الْبَاب على أَن أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان فَلَا بُد أَن يكون دَاخِلا تَحت أَجزَاء الْإِيمَان كَمَا أَن ظَاهر الْعَطف يَقْتَضِي ذَلِك بل الصَّحِيح مَا قيل أَنه لم يَجْعَل الشَّهَادَة بِالتَّوْحِيدِ وبالرسالة من الْأَرْبَع لعلمهم بذلك وَإِنَّمَا أَمرهم بِأَرْبَع لم يكن فِي علمهمْ أَنَّهَا دعائم الْإِيمَان قلت لَو اطلع الْكرْمَانِي على رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن أبي جَمْرَة وَرِوَايَة عباد لما نفى الصَّحِيح وَأثبت غير الصَّحِيح وَالتَّعْلِيل الَّذِي علله
هُوَ السُّؤَال الَّذِي أجَاب عَنهُ ابْن رشد فَإِن قلت قد وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة " وَشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " بواو الْعَطف قلت هَذِه زِيَادَة شَاذَّة لم يُتَابع عَلَيْهَا قَوْله " وَأَن تعطوا " عطف على قَوْله " بِأَرْبَع " أَي أَمركُم بِأَرْبَع وَبِأَن تعطوا وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير وبإعطاء الْخمس من الْمغنم قَوْله " ونهاهم " عطف على قَوْله أَمرهم قَوْله " عَن الحنتم " بدل من قَوْله عَن أَربع وَمَا بعده عطف وَفِيه الْمُضَاف مَحْذُوف تَقْدِيره ونهاهم عَن نَبِيذ الحنتم والدباء قَوْله " وَرُبمَا " كلمة رب هَهُنَا للتقيل وَإِذا زيدت عَلَيْهَا مَا فالغالب أَن تكفها عَن الْعَمَل وَأَن تهيئها للدخول على الْجمل الفعلية وَأَن يكون الْفِعْل مَاضِيا لفظا وَمعنى فَإِن قلت مَا تَقول فِي قَوْله تَعَالَى {رُبمَا يود الَّذين كفرُوا} قلت هُوَ مؤول بالماضي على حد قَوْله تَعَالَى 0 وَنفخ فِي الصُّور} قَوْله " وأخبروا بِهن " بِفَتْح الْهمزَة قَوْله " من وَرَائِكُمْ " مفعول ثَان لَا خبروا وَمن بِفَتْح الْمِيم مَوْصُولَة مُبْتَدأ وَقَوله وراءكم خَبره والتقدبر أخبروا الَّذين كَانُوا وراءكم واستقروا وَرِوَايَة البُخَارِيّ بِفَتْح من كَمَا ذكرنَا وَكَذَا رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن المثني وَغَيره وَوَقع لَهُ من طَرِيق ابْن أبي شيبَة من وَرَائِكُمْ بِكَسْر الْمِيم والهمزة (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " كنت اقعد مَعَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا " يَعْنِي زمن ولَايَته الْبَصْرَة من قبل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ. وَوَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْعلم بَيَان السَّبَب فِي إكرام ابْن عَبَّاس لأبي جَمْرَة وَهُوَ " كنت أترجم بَين ابْن عَبَّاس وَبَين النَّاس " وَفِي مُسلم " كنت بَين يَدي ابْن عَبَّاس وَبَين النَّاس " فَقيل أَن لَفظه يَدي زَائِدَة وَقيل بَينه مُرَاده مقدرَة أبي بَيِّنَة وَبَين النَّاس قَوْله " أترجم " من التَّرْجَمَة وَهِي التَّعْبِير بلغَة عَن لُغَة لمن لَا يفهم فَقيل كَانَ يتَكَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ وَكَانَ يترجم لِابْنِ عَبَّاس عَمَّن تكلم بهَا وَقَالَ ابْن الصّلاح وَعِنْدِي أَنه كَانَ يبلغ كَلَام ابْن عَبَّاس إِلَى من خَفِي عَلَيْهِ من النَّاس أما الزحام أَو لاختصار يمْنَع من فهمه وَلَيْسَت التَّرْجَمَة مَخْصُوصَة بتفسير لُغَة بلغَة أُخْرَى فقد أطْلقُوا على قَوْلهم بَاب كَذَا اسْم التَّرْجَمَة لكَونه يعبر عَمَّا يذكرهُ بعد قَالَ النَّوَوِيّ وَالظَّاهِر أَنه يفهمهم عَنهُ ويفهمه عَنْهُم وَقَالَ القَاضِي فِيهِ جَوَاز التَّرْجَمَة وَالْعَمَل بهَا وَجَوَاز المترجم الْوَاحِد لِأَنَّهُ من بَاب الْخَبَر لَا من بَاب الشَّهَادَة على الْمَشْهُور قلت قَالَ أَصْحَابنَا وَالْوَاحد يَكْفِي للتزكية والرسالة والترجمة لِأَنَّهَا خبر وَلَيْسَت بِشَهَادَة حَقِيقَة وَلِهَذَا لَا يشْتَرط لَفْظَة الشَّهَادَة قَوْله " أَن وَفد عبد الْقَيْس " قَالَ النَّوَوِيّ كَانُوا أَرْبَعَة عشر رَاكِبًا كَبِيرهمْ الْأَشَج وسمى مِنْهُم صَاحب التَّحْرِير وَصَاحب مَنْهَج الراغبين شارحا مُسلم ثَمَانِيَة أنفس الأول رئيسهم وَكَبِيرهمْ الْأَشَج واسْمه المندر بن عَائِذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بن الْمُنْذر بن الْحَارِث بن النُّعْمَان بن زِيَاد بن عصر كَذَا نسبه أَبُو عمر وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ المندر بن عَوْف بن عَمْرو بن زِيَاد بن عصر وَكَانَ سيد قومه قلت عصر بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن بكر بن عَوْف بن أَنْمَار بن عَمْرو بن وَدِيعَة بن لكيز بِضَم اللَّام وَفِي آخِره زَاي مُعْجمَة بن افصى بِالْفَاءِ بن عبد الْقَيْس بن دعمى بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَشَج لأثر كَانَ فِي وَجهه الثَّانِي عَمْرو بن المرجوم بِالْجِيم وَاسم المرجوم عَامر بن عَمْرو بن عدي بن عَمْرو بن قيس بن شهَاب بن زيد بن عبد الله بن زِيَاد بن عصر كَانَ من أَشْرَاف الْعَرَب وساداتها الثَّالِث عبيد بن همام بن مَالك بن همام الرَّابِع الْحَارِث بن شُعَيْب الْخَامِس مزيدة بن مَالك السَّادِس منقذ بن حبَان السَّابِع الْحَارِث بن حبيب العايشي بِالْمُعْجَمَةِ الثَّامِن صحار بِضَم الصَّاد وَتَخْفِيف الْحَاء وَفِي آخِره رَاء كلهَا مهملات وَقَالَ صَاحب التَّحْرِير لم أظفر بعد طول التتبع لأسماء البَاقِينَ قلت السِّتَّة الْبَاقِيَة على مَا ذكرُوا هم عتبَة بن حروة والجهيم بن قثم والرسيم الْعَدْوى وجويرة الْكِنْدِيّ والزارع بن عَائِد الْعَبْدي وَقيس بن النُّعْمَان وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي مُعْجمَة حَدثنِي زِيَاد بن أَيُّوب ثَنَا إِسْحَاق بن يُوسُف انبأنا عَوْف عَن أبي القموس زيد بن عَليّ حَدِيث الْوَفْد الَّذين وفدوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عبد الْقَيْس وَفِيه قَالَ النُّعْمَان بن قيس " سألناه عَن أَشْيَاء حَتَّى سألناه عَن الشَّرَاب فَقَالَ لَا تشْربُوا من دباء وَلَا حنتم وَلَا فِي نقير وَاشْرَبُوا فِي الْحَلَال الموكي عَلَيْهِ فَإِن اشْتَدَّ عَلَيْكُم فاكسروا بِالْمَاءِ فَإِن أعياكم فاهريقوه " الحَدِيث فَإِن قلت روى ابْن مَنْدَه ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق هود العصري عَن جده لِأَنَّهُ مزيدة قَالَ " بَيْنَمَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحدث أَصْحَابه إِذا قَالَ لَهُم سيطلع لكم من هَذَا الْوَجْه ركب هُوَ خير أهل الْمشرق فَقَامَ عمر رَضِي الله عَنهُ فلقي ثَلَاثَة عشر رَاكِبًا فَرَحَّبَ وَقرب من الْقَوْم وَقَالَ من الْقَوْم قَالُوا وَفد عبد الْقَيْس وروى الدولابي
وَغَيره من طَرِيق أبي خيرة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعدهَا الرَّاء الصباحي بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف حاء مُهْملَة نِسْبَة إِلَى الصَّباح بن لكيز بن افصى بن عبد الْقَيْس قَالَ " كنت فِي الْوَفْد الَّذين اتوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكُنَّا أَرْبَعِينَ رجلا فنهانا عَن الدُّبَّاء والنقير " الحَدِيث قلت أجَاب بَعضهم عَن الأول بِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون أحد الْمَذْكُورين غير رَاكب وَعَن الثَّانِي بِأَن الثَّلَاثَة عشر كَانُوا رُؤُوس الْوَفْد قلت هَذَا عَجِيب مِنْهُ لِأَنَّهُ لم يسلم التَّنْصِيص على الْعدَد الْمَذْكُور فَكيف يوفق بَينه وَبَين ثَلَاثَة عشر وَأَرْبَعين حَتَّى قَالَ وَقد وَقع فِي جملَة من الْأَخْبَار ذكر جمَاعَة من عبد الْقَيْس فعد مِنْهُم أَخا الزَّارِع وَابْن مطر وَابْن أَخِيه وشمرخا السَّعْدِيّ وَقَالَ روى حَدِيثه ابْن السكن وَأَنه قدم مَعَ وَفد عبد الْقَيْس وجذيمة بن عَمْرو وَجَارِيَة بِالْجِيم ابْن جاب وَهَمَّام بن ربيعَة وَقَالَ ذكرهم ابْن شاهين ونوح بن مخلد جد أبي جَمْرَة الصباحي قلت وَمن الَّذين كَانُوا فِي الْوَفْد الْأَعْوَر بن مَالك بن عمر ابْن عَوْف بن عَامر بن ذبيان بن الديل بن صباح وَكَانَ من أَشْرَاف عبد الْقَيْس وشجعانهم فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وَكَانَ مِمَّن وَفد على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسلم مَعَ الْأَشَج ذكره الرشاطي وَمِنْهُم الْقَائِف وَإيَاس ابْنا عِيسَى بن أُميَّة بن ربيعَة بن عَامر بن دبيان بن الديل بن صباح وَكَانَا من سَادَات بني صباح وَمِنْهُم شريك بن عبد الرَّحْمَن والْحَارث بن عِيسَى وَعبد الله بن قيس والذراع بن عَامر وَعِيسَى بن عبد الله كَانُوا مَعَ الَّذين وفدوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ الْأَشَج ذكرهم كلهم أَبُو عُبَيْدَة وَمِنْهُم ربيعَة بن خرَاش ذكره الْمَدَائِنِي وَقَالَ أَنه وَفد وَمِنْهُم محَارب بن مرْثَد وفدوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ وَفد عبد الْقَيْس ذكره ابْن الْكَلْبِيّ وَمِنْهُم عباد بن نَوْفَل بن خِدَاش وَابْنه عبد الرَّحْمَن بن عباد وَعبد الرَّحْمَن بن حَيَّان وَأَخُوهُ الحكم بن حَيَّان وَعبد الرَّحْمَن بن أَرقم وفضالة بن سعد وَحسان ابْن يزِيد وَعبد الله بن همام وَسعد بن عمر وَعبد الرَّحْمَن بن همام وَحَكِيم بن عَامر وَأَبُو عَمْرو بن شييم كلهم وفدوا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانُوا من سَادَات عبد الْقَيْس وأشرافها وفرسانها ذكرهم أَبُو عُبَيْدَة فَهَؤُلَاءِ اثْنَان وَعِشْرُونَ رجلا زِيَادَة على مَا ذكره هَذَا الْقَائِل فجملة الْجمع تكون خَمْسَة وَأَرْبَعين نفسا فَعلمنَا أَن التَّنْصِيص على عدد معِين لم يَصح وَلِهَذَا لم يُخرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم بِالْعدَدِ الْمعِين وَكَانَ سَبَب قدومهم أَن منقذ بن حبَان أحد بن غنم بن وَدِيعَة كَانَ يتجر إِلَى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد الْهِجْرَة فَمر بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنَهَضَ منقذ إِلَيْهِ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " يَا منقذ ابْن حبَان كَيفَ جمع قَوْمك ثمَّ سَأَلَهُ عَن أَشْرَافهم يسميهم فَأسلم منقذ وَتعلم الْفَاتِحَة وَأقر أَثم رَحل إِلَى هجر فَكتب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى جمَاعَة عبد الْقَيْس فكتمه ثمَّ اطَّلَعت عَلَيْهِ امْرَأَته وَهِي بنت الْمُنْذر بن عَائِد وَهُوَ الْأَشَج الْمَذْكُور وَكَانَ منقذ يُصَلِّي وَيقْرَأ فَذكرت لأَبِيهَا فتلاقيا فَوَقع الْإِسْلَام فِي قلبه ثمَّ سَار الْأَشَج إِلَى قومه عصر ومحارب بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَرَأَ عَلَيْهِم فَوَقع الْإِسْلَام فِي قُلُوبهم وَأَجْمعُوا على الْمسير إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَار الْوَفْد فَلَمَّا دنوا من الْمَدِينَة قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " أَتَاكُم وَفد عبد الْقَيْس خير أهل الْمشرق وَفِيهِمْ الْأَشَج العصري غير ناكبين وَلَا مبدلين وَلَا مرتابين إِذا لم يسلم قوم حَتَّى وتروا قَالَ القَاضِي كَانَ وفودهم عَام الْفَتْح قبل خُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى مَكَّة قَوْله " قَالُوا ربيعَة " فِيهِ التَّعْبِير بِالْبَعْضِ عَن الْكل لأَنهم بعض ربيعَة وَيدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى وَهِي طَرِيق عباد بن عباد عَن أبي جَمْرَة فَقَالُوا " أَنا هَذَا الْحَيّ من ربيعَة " أخرجهَا البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا والحي مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص قَوْله " غير خزايا وَلَا ندامى " مَعْنَاهُ لم يكن مِنْكُم تَأَخّر الْإِسْلَام وَلَا أَصَابَكُم قتال وَلَا سبي وَلَا أسر وَمَا أشبهه مِمَّا تستحيون مِنْهُ أَو تذلون أَو تفضحون بِسَبَبِهِ أَو تَنْدمُونَ عَلَيْهِ وَهَذَا يدل على أَنهم أَسْلمُوا قبل وفودهم إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْلهم يَا رَسُول الله وَيدل أَيْضا على تقدم إسْلَامهمْ على قبائل مُضر الَّذين كَانُوا بَينهم وَبَين الْمَدِينَة وَكَانَت مساكنهم بِالْبَحْرَيْنِ وَمَا والاها من أَطْرَاف الْعرَاق وَلِهَذَا قَالُوا فِي رِوَايَة شُعْبَة عِنْد البُخَارِيّ فِي الْعلم " أَنا نَأْتِيك من شقة بعيدَة " أَن أول جُمُعَة جمعت بعد جُمُعَة مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَسْجِد عبد الْقَيْس بجواثي من الْبَحْرين " وَهِي بِضَم الْجِيم وَبعد الْألف ثاء مُثَلّثَة مَفْتُوحَة وَهِي قَرْيَة مَشْهُورَة
لَهُم فِي الْمطَالع جواثي بواو ومخففة وَمِنْهُم من يهمزها وَهِي مَدِينَة وَإِنَّمَا جمعت بعد رُجُوع وفدهم إِلَيْهِم فَدلَّ على أَنهم سبقوا جَمِيع المدن إِلَى الْإِسْلَام وَجَاء فِي هَذَا الْخَبَر " أَن وَفد عبد الْقَيْس لما وصلوا إِلَى الْمَدِينَة بَادرُوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَامَ الْأَشَج فَجمع رِجَالهمْ وعقل نَاقَته وَلبس ثيابًا جددا ثمَّ أقبل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَجْلسهُ إِلَى جَانِبه ثمَّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُم تُبَايِعُونِي على أَنفسكُم وقومكم فَقَالَ الْقَوْم نعم فَقَالَ الْأَشَج يَا رَسُول الله إِنَّك لن تزايل الرجل عَن شَيْء أَشد عَلَيْهِ من دينه نُبَايِعك على أَنْفُسنَا وَترسل مَعنا من يَدعُوهُم فَمن اتبع كَانَ منا وَمن أبي قَاتَلْنَاهُ قَالَ صدقت إِن فِيك لخصلتين يحبهما الله الْحلم والإناة " وَجَاء فِي مُسْند أبي يعلى الْموصل " أكانا فِي أم حَدثا قَالَ بل قديم قلت الْحَمد لله الَّذِي جعلني على خلقين يحبهما الله تَعَالَى " والأناة بِفَتْح الْهمزَة مَقْصُورَة قَالَ الْجَوْهَرِي الأناة على وزن قناة يُقَال تأنى فِي الْأَمر أَن توقف وانتطر وَرجل آن على وزن فَاعل أَي كثير الأناة وَقَالَ القَاضِي آنيت ممدودا وأنيت وتأنيت وَزَاد غَيره اسْتَأْنَيْت وَاصل الْحلم بِالْكَسْرِ الْعقل (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول فِيهِ وفادة الرؤساء إِلَى الْأَئِمَّة عِنْد الْأُمُور المهمة الثَّانِي قَالَ ابْن التِّين يستنبط من وقله " اجْعَل لَك سَهْما من مَالِي " على جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة على التَّعْلِيم الثَّالِث فِيهِ استعانة الْعَالم فِي تفهيم الْحَاضِرين والفهم عَنْهُم كَمَا فعله ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا الرَّابِع فِيهِ اسْتِحْبَاب قَول مرْحَبًا للزوار الْخَامِس فِيهِ أَنه يَنْبَغِي أَن يحث النَّاس على تَبْلِيغ الْعلم. السَّادِس فِيهِ الْأَمر بِالشَّهَادَتَيْنِ. السَّابِع فِيهِ الْأَمر بِالصَّلَاةِ. الثَّامِن فِيهِ الْأَمر بأَدَاء الزَّكَاة. التَّاسِع فِيهِ الْأَمر بصيام شهر رَمَضَان. الْعَاشِر فِيهِ وجوب الْخمس فِي الْغَنِيمَة قلت أم كثرت وَإِن لم يكن الإِمَام فِي السّريَّة الغازية. الْحَادِي عشر النَّهْي عَن الانتباذ فِي الْأَوَانِي الْأَرْبَع وَهِي أَن تجْعَل فِي المَاء حبا من تمر أَو زبيب أَو نَحْوهمَا ليحلو وَيشْرب لِأَنَّهُ يسْرع فِيهَا الاسكار فَيصير حَرَامًا وَلم ينْه عَن الانتباذ فِي أسقية الْأدم بل أذن فِيهَا لِأَنَّهَا لرقتها لَا يبْقى فِيهَا الْمُسكر بل إِذا صَار مُسكر أشقها غَالِبا ثمَّ إِن هَذَا النَّهْي كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام ثمَّ نسخ فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث بُرَيْدَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الانتباذ إِلَّا فِي الأسقية فانتبذوا فِي كل وعَاء وَلَا تشْربُوا مُسكرا " وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن النَّهْي بَاقٍ مِنْهُم مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق حَكَاهُ الْخطابِيّ عَنْهُم قَالَ وَهُوَ مروى عَن عمر وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم وَذكر ابْن عَبَّاس هَذَا الحَدِيث لما استفتى دَلِيل على أَنه يعْتَقد النَّهْي وَلم يبلغهُ النَّاسِخ وَالصَّوَاب الْجَزْم بِالْإِبَاحَةِ لتصريح النّسخ. الثَّانِي عشر فِيهِ دَلِيل على عدم كَرَاهَة قَول رَمَضَان من غير تَقْيِيد بالشهر. الثَّالِث عشر فِيهِ أَنه لَا عيب عل الطَّالِب للعلوم أَو المستفتي أَن يَقُول للْعَالم أوضح لي الْجَواب وَنَحْو هَذِه الْعبارَة الرَّابِع عشر فِيهِ ندب الْعَالم إِلَى إكرام الْفَاضِل الْخَامِس عشر فِيهِ أَن الثَّنَاء على الْإِنْسَان فِي وَجهه لَا يكره إِذا لم يخف فِيهِ بإعجاب وَنَحْوه السَّادِس عشر فِيهِ دَلِيل على أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام بِمَعْنى وَاحِد لِأَنَّهُ فسر الْإِسْلَام فِيمَا مضى بِمَا فسر الْإِيمَان هَهُنَا السَّابِع عشر فِيهِ أَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة إِذا قبلت تدخل صَاحبهَا الْجنَّة الثَّامِن عشر أَنه يبْدَأ بالسؤال عَن الأهم التَّاسِع عشر فِيهِ دَلِيل على الْعذر عِنْد الْعَجز عَن تَوْفِيَة الْحق وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا قَالَه ابْن أبي جَمْرَة الْعشْرُونَ فِيهِ الِاعْتِمَاد على أَخْبَار الْآحَاد كَمَا ذَكرْنَاهُ (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل أَن قَوْله كنت فعل ماضي وَقَوله اقعد للْحَال أَو للاستقبال فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا أُجِيب بِأَن أقعد حِكَايَة عَن الْحَال الْمَاضِيَة فَهُوَ مَاض وَذكر بِلَفْظ الْحَال استحضار لتِلْك الصُّورَة للحاضرين وَمِنْهَا مَا قيل كَيفَ قَالَ أَمرهم بِأَرْبَع ثمَّ قَالَ أَمرهم بِالْإِيمَان أُجِيب بِأَن الْإِيمَان بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء الْأَرْبَعَة صَحَّ إِطْلَاق الْأَرْبَع عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا قيل لم لم يذكر الْحَج وَهُوَ أَيْضا من أَرْكَان الدّين أُجِيب بأجوبة. الأول إِنَّمَا ترك ذكره لكَونه على التَّرَاخِي وَهَذَا لَيْسَ بجيد لِأَن كَونه على التَّرَاخِي لَا يمْنَع من الْأَمر بِهِ وَفِيه خلاف بَين الْفُقَهَاء فَعِنْدَ أبي يُوسُف وُجُوبه على الْفَوْر وَهُوَ مَذْهَب مَالك أَيْضا وَمذهب أَحْمد أَنه على التَّرَاخِي وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي لِأَن فرض الْحَج كَانَ بعد الْهِجْرَة وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَادر على الْحَج فِي سنة ثَمَان وَفِي سنة تسع وَلم يحجّ إِلَّا فِي عشر وَأجِيب بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ عَالما بإدراكه فَلذَلِك أَخّرهُ بِخِلَاف غَيره مَعَ وُرُود الْوَعيد فِي تَأْخِيره بعد الْوُجُوب. الثَّانِي إِنَّمَا تَركه لشهرته عِنْدهم وَهَذَا أَيْضا
- (باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرىء ما نوى)
لَيْسَ بجيد لِأَنَّهُ عِنْد غَيرهم أشهر مِنْهُ عِنْدهم. الثَّالِث إِنَّمَا تَركه لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم سَبِيل إِلَيْهِ من أجل كفار مُضر وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بجيد لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم الِاسْتِطَاعَة ترك الْأَخْبَار بِهِ ليعْمَل بِهِ عِنْد الْإِمْكَان على أَن الدَّعْوَى أَنهم كَانُوا إِلَّا سَبِيل لَهُم إِلَى الْحَج بَاطِلَة لِأَن الْحَج يقه فِي الْأَشْهر الْحرم وَقد ذكرُوا أَنهم كَانُوا يأمنون فِيهَا لَكِن يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا أخْبرهُم بِبَعْض الْأَوَامِر لكَوْنهم سَأَلُوهُ أَن يُخْبِرهُمْ بِمَا يدْخلُونَ بِهِ الْجنَّة فاقتصر فِي المناهى عَن الانتباذ فِي الأوعية لِكَثْرَة تعاطيهم لَهَا. الرَّابِع وَهُوَ الْمُتَعَمد عَلَيْهِ مَا أجَاب بِهِ القَاضِي عِيَاض من أَن السَّبَب فِي كَونه لم يذكر الجح لِأَنَّهُ لم يكن فرض لِأَن قدومهم كَانَ فِي سنة ثَمَان قبل فتح مَكَّة وَالْحج فرض فِي سنة تسع فَإِن قلت الْأَصَح أَن الْحَج فرض سنة سِتّ وقدومهم فِي سنة ثَمَان أَو عَام الْفَتْح كَمَا نقل عَنهُ وَقد ذَكرْنَاهُ قلت اعْتِمَاد القَاضِي على أَنه فرض فِي سنة تسع فَإِن قلت أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن الْكَبِير من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أبي زيد الْهَرَوِيّ عَن قُرَّة فِي هَذَا الحَدِيث وَفِيه ذكر الْحَج وَلَفظه " وتحجوا الْبَيْت الْحَرَام " وَلم يتَعَرَّض لعدد قلت هَذِه رِوَايَة شَاذَّة وَقد أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَمن استخرج عَلَيْهِمَا وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة من طَرِيق قُرَّة وَلم يذكر أحد مِنْهُم الْحَج. وَمِنْهَا مَا قيل لم عدل عَن لفظ الْمصدر الصَّرِيح فِي قَوْله " وَأَن تعطوا من الْمغنم " إِلَى مَا فِي معنى الْمصدر وَهِي أَن مَعَ الْفِعْل أُجِيب بِأَنَّهُ للإشعار بِمَعْنى التجدد الَّذِي للْفِعْل لِأَن سَائِر الْأَركان كَانَت ثَابِتَة قبل ذَلِك بِخِلَاف إِعْطَاء الْخمس فَإِن فرضيته كَانَت متجددة وَمِنْهَا مَا قيل لم خصصت الأوعية الْمَذْكُورَة بالنهى أُجِيب بِأَنَّهُ يسْرع إِلَيْهِ الاسكار فِيهَا فَرُبمَا شربه بعد إسكاره من لم يطلع عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي الْإِجْمَال بِالْعدَدِ قبل التَّفْسِير فِي قَوْله بِأَرْبَع وَعَن أَربع أُجِيب لأجل تشويق النَّفس إِلَى التَّفْصِيل لتسكن إِلَيْهِ ولتحصيل حفظهَا للسامع حَتَّى إِذا نسي شَيْئا من تفاصيل مَا أجمل طلبته نَفسه بِالْعدَدِ فَإِذا لم يسْتَوْف الْعدَد الَّذِي حفظه علم أَنه قد فَاتَهُ بعض مَا سمع فَافْهَم وَالله أعلم بِالصَّوَابِ 41 - (بَاب مَا جاءَ أنّ الأعْمَال بالنِّيَّةِ والحِسْبَةِ ولِكُلِّ امرِىء مَا نَوَى) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: التَّقْدِير: هَذَا بَاب بَيَان مَا جَاءَ، وارتفاع الْبَاب على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ مُضَاف إِلَى كلمة: مَا، الَّتِي هِيَ مَوْصُولَة، وَأَن، مَفْتُوحَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا فَاعل جَاءَ، وَالْمعْنَى: مَا ورد فِي الحَدِيث (إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) . أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا بِهَذَا اللَّفْظ على مَا يَأْتِي الْآن، وَكَذَلِكَ أخرجه بِهَذَا اللَّفْظ فِي بَاب هِجْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد ذكرنَا فِي أول الْكتاب أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث فِي سَبْعَة مَوَاضِع عَن سَبْعَة شُيُوخ. وَقَوله: (وَلكُل امرىء مَا نوى) من بعض هَذَا الحَدِيث وَقَوله: (والحسبة) لَيْسَ من لفظ الحَدِيث أصلا، لَا من هَذَا الحَدِيث وَلَا من غَيره، وَإِنَّمَا أَخذه من لَفْظَة: يحتسبها، الَّتِي فِي حَدِيث أبي مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب، فَإِن قلت: والحسبة، عطف على قَوْله: بِالنِّيَّةِ، وداخل فِي حكمه، وَقَوله: مَا جَاءَ يَشْمَل كليهمَا، وكل مِنْهُمَا يُؤذن بِأَنَّهُ من لفظ الحَدِيث وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: لَا نسلم. أما الْمَعْطُوف فَلَا يلْزم أَن يكون مشاركا للمعطوف عَلَيْهِ فِي جَمِيع الْأَحْكَام، وَأما شُمُول قَوْله: مَا جَاءَ كلا اللَّفْظَيْنِ، فَإِنَّهُ أَعم أَن يكون بِاللَّفْظِ الْمَرْوِيّ بِعَيْنِه، أَو بِلَفْظ يدل عَلَيْهِ مَأْخُوذ مِنْهُ، وَقَوله: الْحِسْبَة، إسم من قَوْله: يحتسبها، الَّذِي ورد فِي حَدِيث أبي مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، فَحِينَئِذٍ دخلت هَذِه اللَّفْظَة تَحت قَوْله: مَا جَاءَ. فَإِن قلت: سلمنَا ذَلِك، وَلَكِن قَوْله: (وَلكُل امرىء مَا نوى) من تَتِمَّة قَوْله: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) ، وَقَوله: (والحسبة) لَيْسَ مِنْهُ وَلَا من غَيره بِهَذَا اللَّفْظ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: بَاب مَا جَاءَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَلكُل امرىء مَا نوى والحسبة. قلت: نعم كَانَ هَذَا مُقْتَضى الظَّاهِر، وَلَكِن لما كَانَ لفظ: الْحِسْبَة، من الاحتساب، وَهُوَ: الْإِخْلَاص، كَانَ ذكره عقيب النِّيَّة أمسّ من ذكره عقيب قَوْله: (وَلكُل امرىء مَا نوى) ، لِأَن النِّيَّة إِنَّمَا تعْتَبر إِذا كَانَت بالإخلاص. قَالَ الله تَعَالَى: {مُخلصين لَهُ الدّين} وَجَوَاب آخر، وَهُوَ: أَنه عقد هَذَا الْبَاب على ثَلَاث تراجم: الأولى: هِيَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَالثَّانيَِة: هِيَ الْحِسْبَة، وَالثَّالِثَة: هِيَ قَول: (وَلكُل امرىء مَا نوى) . وَلِهَذَا أخرج فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث، لكل تَرْجَمَة حَدِيث، فَحَدِيث عمر، رَضِي الله عَنهُ، لقَوْله: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) وَحَدِيث أبي مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لقَوْله: (والحسبة) وَحَدِيث سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله عَنهُ لقَوْله: (وَلكُل امرىء مَا نوى) . فَلَو أخر لفظ: الْحِسْبَة، إِلَى آخر الْكَلَام، وَذكره عقيب قَوْله:
(وَلكُل امرىء مَا نوى) ، كَانَ يفوت قَصده التَّنْبِيه على ثَلَاث تراجم، وَإِنَّمَا كَانَ يفهم مِنْهُ ترجمتان: الأولى: من قَوْله (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَلكُل امرىء مَا نوى) وَالثَّانيَِة: من قَوْله (والحسبة) فَانْظُر إِلَى هَذِه النكات، هَل ترى شارحا ذكرهَا أَو حام حولهَا؟ وكل ذَلِك بالفيض الإل هِيَ والعناية الرحمانية. الْوَجْه الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْأَعْمَال الَّتِي يدْخل بهَا العَبْد الْجنَّة، وَلَا يكون الْعَمَل عملا إلاَّ بِالنِّيَّةِ وَالْإِخْلَاص، فَلذَلِك ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب الْمَذْكُور. وَأَيْضًا فَالْبُخَارِي أَدخل الْإِيمَان فِي جملَة الْأَعْمَال، فَيشْتَرط فِيهَا النِّيَّة، وَهُوَ اعْتِقَاد الْقلب بقوله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) . وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ الرَّد على المرجئة: أَن الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ دون عقد الْقلب، أَلا يرى إِلَى تأكيده بقوله: (فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله) إِلَى آخر الحَدِيث. الْوَجْه الثَّالِث: إِن الْحِسْبَة، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، اسْم من الاحتساب، وَالْجمع: الْحسب. يُقَال: احتسبت بِكَذَا أجرا عِنْد الله، أَي: اعتددته أنوي بِهِ وَجه الله تَعَالَى. وَمِنْه قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَفِي حَدِيث عمر، رَضِي الله عَنهُ: (يَا أَيهَا النَّاس! احتسبوا أَعمالكُم، فَإِن من احتسب عمله كتب لَهُ أجر عمله وَأجر حسبته) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: احتسبت بِكَذَا أجرا عِنْد الله، وَالِاسْم: الْحِسْبَة، بِالْكَسْرِ، وَهِي الْأجر. وَكَذَا قَالَ فِي (الْعباب) : الْحِسْبَة بِالْكَسْرِ: الْأجر، وَيُقَال: إِنَّه يحسن الْحِسْبَة فِي الْأَمر: إِذا كَانَ حسن التَّدْبِير لَهُ والحسبة، أَيْضا: من الْحساب. مِثَال: الْعقْدَة وَالركبَة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: احتسبت عَلَيْهِ بِكَذَا، أَي: أنكرته عَلَيْهِ. وَمِنْه: محتسب الْبَلَد، واحتسب فلَان ابْنا أَو بِنْتا، إِذا مَاتَ وَهُوَ كَبِير، فَإِن مَاتَ صَغِيرا قيل: افترطه. وَقَالَ ابْن السّكيت: احتسبت فلَانا: اختبرت مَا عِنْده، وَالنِّسَاء يحتسبن مَا عِنْد الرِّجَال لَهُنَّ: أَي يختبرن. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بالحسبة طلب الثَّوَاب. قلت: لم يقل أحد من أهل اللُّغَة: إِن الْحِسْبَة طلب الثَّوَاب، بل مَعْنَاهَا مَا ذَكرْنَاهُ من أَصْحَاب اللُّغَات، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ أَيْضا مَا يشْعر بِمَعْنى الطّلب، وَإِنَّمَا الْحِسْبَة هُوَ: الثَّوَاب، على مَا فسره الْجَوْهَرِي، وَالثَّوَاب: هُوَ الْأجر على أَنه لَا يُفَسر بِهِ فِي كل مَوضِع، أَلا ترى إِلَى حَدِيث عمر، رَضِي الله عَنهُ: فَإِن فِيهِ أجر حسبته، وَلَو فسرت الْحِسْبَة بِالْأَجْرِ فِي كل الْمَوَاضِع يصير الْمَعْنى فِيهِ: كتب لَهُ أجر عمله وَأجر أجره، وَهَذَا لَا معنى لَهُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: لَهُ أجر عمله وَأجر احتساب عمله، وَهُوَ إخلاصه فِيهِ. أَو الْمَعْنى: من اعْتد عمله نَاوِيا، كتب لَهُ أجر عمله وَأجر نِيَّته. فَدَخَلَ فيهِ: الإيمانُ والوضُوء والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والصَّوْم والأحْكامُ هَذَا من مقول البُخَارِيّ لَا من تَتِمَّة مَا جَاءَ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ ماصرح بِهِ فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر، فَقَالَ: قَالَ أَبُو عبد الله فَدخل فِيهِ الْإِيمَان إِلَخ، وَالْمرَاد بِأبي عبد الله هُوَ: البُخَارِيّ نَفسه. فَإِن قلت: مَا الْفَاء فِي قَوْله: فَدخل؟ قلت: فَاء جَوَاب شَرط مَحْذُوف، تَقْدِيره: إِذا كَانَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ فَدخل فِيهِ الْإِيمَان ... الخ، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى مَا تقدم من قَوْله: بَاب مَا جَاءَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ... الخ، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور. ثمَّ اعْلَم أَنه ذكر هُنَا سَبْعَة أَشْيَاء: الأول: الْإِيمَان، فَدَخَلُوا فِي ذَلِك على مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ من أَن الْإِيمَان عمل، وَقد علم أَن معنى الْإِيمَان إِمَّا التَّصْدِيق أَو معرفَة الله تَعَالَى بِأَنَّهُ وَاحِد لَا شريك لَهُ، وكل مَا جَاءَ من عِنْده حق، فَإِن كَانَ المُرَاد الأول فَلَا دخل للنِّيَّة فِيهِ، لِأَن الشَّارِع قَالَ: الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، والأعمال حركات الْبدن، وَلَا دخل للقلب فِيهِ. وَإِن كَانَ المُرَاد الثَّانِي، فدخول النِّيَّة فِيهِ محَال، لِأَن معرفَة الله تَعَالَى، لَو توقفت على النِّيَّة، مَعَ أَن النِّيَّة قصد الْمَنوِي بِالْقَلْبِ، لزم أَن يكون عَارِفًا بِاللَّه قبل مَعْرفَته، وَهُوَ محَال، وَلِأَن الْمعرفَة، وَكَذَا الْخَوْف والرجاء، متميزة لله تَعَالَى بصورتها، وَكَذَا التَّسْبِيح وَسَائِر الْأَذْكَار والتلاوة لَا يحْتَاج شَيْء مِنْهَا إِلَى نِيَّة التَّقَرُّب. الثَّانِي: الْوضُوء، فدخوله فِي ذَلِك على مذْهبه، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَعَامة أَصْحَاب الحَدِيث، وَعَن أبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن حييّ: لَا يدْخل، وَقَالُوا: لَيْسَ الْوضُوء عبَادَة مُسْتَقلَّة، وَإِنَّمَا هِيَ وَسِيلَة إِلَى الصَّلَاة. وَقَالَ الْخصم: ونوقضوا بِالتَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ وَسِيلَة، وَقد اشْترط الْحَنَفِيَّة النِّيَّة فِيهِ. قلت: هَذَا التَّعْلِيل ينْتَقض بتطهير الثَّوْب وَالْبدن عَن الْخبث، فَإِنَّهُ طَهَارَة، وَلم يشْتَرط فِيهَا النِّيَّة، فَإِن قَالُوا: الْوضُوء تَطْهِير حكمي ثَبت شرعا غير مَعْقُول، لِأَن لَا يعقل فِي الْمحل نَجَاسَة تَزُول بِالْغسْلِ إِذْ الْأَعْضَاء طَاهِرَة حَقِيقَة وَحكما، إِمَّا حَقِيقَة فَظَاهر، وَأما حكما فَلِأَنَّهُ لَو صلى إِنْسَان وَهُوَ حَامِل مُحدث جَازَت الصَّلَاة، وَإِذا ثَبت أَنه تعبدي، وَحكم الشَّرْع بِالنَّجَاسَةِ فِي حق الصَّلَاة فَجَعلهَا كالحقيقة، كَانَ مثل التَّيَمُّم، حَيْثُ جعل الشَّارِع مَا لَيْسَ بمطهر حَقِيقَة مطهرا حكما، فَيشْتَرط فِيهِ النِّيَّة كالتيمم، تَحْقِيقا لِمَعْنى التَّعَبُّد إِذْ
الْعِبَادَة لَا تتأدى بِدُونِ النِّيَّة، بِخِلَاف غسل الْخبث، فَإِنَّهُ مَعْقُول لما فِيهِ من إِزَالَة عين النَّجَاسَة عَن الْبدن أَو الثَّوْب، فَلَا يتَوَقَّف على النِّيَّة. قُلْنَا: المَاء مطهر بطبعه لِأَنَّهُ خلق مطهرا. قَالَ الله تَعَالَى: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا} (الْفرْقَان: 48) كَمَا أَنه مزيل للنَّجَاسَة ومطهر بطبعه، وَإِذا كَانَ كَذَلِك تحصل الطَّهَارَة بِاسْتِعْمَالِهِ، سَوَاء نوى أَو لم ينْو، كالنار يحصل بهَا الإحراق، وَإِن لم يقْصد. وَالْحَدَث يعم الْبدن لِأَنَّهُ غير متجزىء فيسري إِلَى الْجَمِيع، وَلِهَذَا يُوصف بِهِ كُله، فَيُقَال: فلَان مُحدث، كَسَائِر الصِّفَات، إِذْ لَيْسَ بعض الْأَعْضَاء أولى بِالسّرَايَةِ من الْبَعْض، إِذْ لَو خصص بعض الْأَعْضَاء بِالْحَدَثِ لخصَّ مَوضِع خُرُوج النَّجَاسَة بذلك، لِأَنَّهُ أولى الْمَوَاضِع بِهِ لخُرُوج النَّجَاسَة مِنْهُ، لكنه لم يخص، فَإِنَّهُ لَا يُقَال: مخرجه مُحدث، فَإِذا لم يخص الْمخْرج بذلك فَغَيره أولى، وَإِذا ثَبت أَن الْبدن كُله مَوْصُوف بِالْحَدَثِ كَانَ الْقيَاس غسل كُله، إلاَّ أَن الشَّرْع اقْتصر على غسل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ الْأُمَّهَات للأعضاء تيسيرا، وَأسْقط غسل الْبَاقِي فِيمَا يكثر وُقُوعه، كالحدث الْأَصْغَر، دفعا للْحَرج، وَفِيمَا عداهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يكثر وجوده كالحدث الْأَكْبَر، مثل: الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس، أقرّ على الأَصْل حَيْثُ أوجب غسل الْبدن فِيهَا، فَثَبت بِمَا ذكرنَا أَن مَا لَا يعقل مَعْنَاهُ وصف كل الْبدن بِالنَّجَاسَةِ مَعَ كَونه طَاهِرا حَقِيقَة، وَحكمهَا دون تَخْصِيص الْمخْرج، وَكَذَا الِاقْتِصَار على غسل بعض الْبدن، وَهُوَ الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، بعد سرَايَة الْحَدث إِلَى جَمِيع الْبدن غير مَعْقُول، وكونهما مِمَّا لَا يعقل لَا يُوجب تَغْيِير صفة المطهر، فَبَقيَ المَاء مطهرا كَمَا كَانَ، فيطهر مُطلقًا. وَالنِّيَّة لَو اشْترطت، إِنَّمَا تشْتَرط للْفِعْل الْقَائِم بِالْمَاءِ وَهُوَ التَّطْهِير، لَا الْوَصْف الْقَائِم بِالْمحل وَهُوَ الْحَدث، لِأَنَّهُ ثَابت بِدُونِ النِّيَّة، وَقد بَينا أَن المَاء، فِيمَا يقوم بِهِ من صفة التَّطْهِير، لَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة، لِأَنَّهُ مطهر طبعا، فَيكون التَّطْهِير بِهِ معقولاً، فَلَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة، كَمَا لَا يحْتَاج فِي غسل الْخبث بِخِلَاف التُّرَاب، فَإِنَّهُ غير مطهر بطبعه لكَونه ملوثا بالطبع، وَإِنَّمَا صَار مطهرا شرعا حَال إِرَادَة الصَّلَاة بِشَرْط فقد المَاء، فَإِذا وجدت نِيَّة إِرَادَة الصَّلَاة صَار مطهرا، وَبعد إِرَادَة الصَّلَاة وصيرورته مطهرا شرعا مستغن عَن النِّيَّة، كَمَا اسْتغنى المَاء عَنْهَا بِلَا فرق بَينهمَا. الثَّالِث: الصَّلَاة، وَلَا خلاف أَنَّهَا لَا تجوز إِلَّا بِالنِّيَّةِ. الرَّابِع: الزَّكَاة، فَفِيهَا تَفْصِيل، وَهُوَ: أَن صَاحب النّصاب الحولي إِذا دفع زَكَاته إِلَى مستحقيها لَا يجوز لَهُ ذَلِك إلاَّ بنية مُقَارنَة للْأَدَاء، أَو عِنْد عزل مَا وَجب مِنْهَا تيسيرا لَهُ، وَأما إِذا كَانَ لَهُ دين على فَقير فَأَبْرَأهُ عَنهُ، سقط زَكَاته عَنهُ نوى بِهِ الزَّكَاة أَو لَا، وَلَو وهب دينه من فَقير، وَنوى عَنهُ زَكَاة دين آخر على رجل آخر، أَو نوى زَكَاة عين لَهُ، لَا يَصح. وَلَو غلب الْخَوَارِج على بَلْدَة فَأخذُوا الْعشْر سقط عَن أَرْبَاب الْأَمْوَال بِخِلَاف الزَّكَاة، فَإِن للْإِمَام أَن يَأْخُذهَا ثَانِيًا، لِأَن التَّقْصِير هَهُنَا من جِهَة صَاحب المَال حَيْثُ مر بهم، وَهُنَاكَ التَّقْصِير فِي الإِمَام حَيْثُ قصر فيهم. وَقَالَت الشَّافِعِي: السُّلْطَان إِذا أَخذ الزَّكَاة فَإِنَّهَا تسْقط وَلَو لم ينْو صَاحب المَال، لِأَن السُّلْطَان قَائِم مقَامه. قلت: كَانَ يَنْبَغِي على أصلهم أَن لَا تسْقط إلاَّ بِالنِّيَّةِ مِنْهُ، لِأَن السُّلْطَان قَائِم مقَامه فِي دَفعهَا إِلَى الْمُسْتَحقّين لَا فِي النِّيَّة، وَلَا حرج فِي اشْتِرَاط النِّيَّة عِنْد أَخذ السُّلْطَان. الْخَامِس: الْحَج، وَلَا خلاف فِيهِ أَنه لَا يجوز إلاَّ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ دَاخل فِي عُمُوم الحَدِيث. فَإِن قلت: قَالَ الشَّافِعِي: إِذا نوى الْحَج عَن غَيره ينْصَرف إِلَى حج نَفسه، ويجزيه عَن فَرْضه، وَقد ترك الْعَمَل بِعُمُوم الحَدِيث. قلت: قَالَت الشَّافِعِيَّة: أخرجه الشَّافِعِي من عُمُوم الحَدِيث بِحَدِيث شبْرمَة، وَالْعَمَل بالخاص مقدم لِأَنَّهُ جمع بَين الدَّلِيلَيْنِ، وَحَدِيث شبْرمَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل وهناد بن السّري الْمَعْنى وَاحِد. قَالَ إِسْحَاق: أَنبأَنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن ابْن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن عُرْوَة عَن سعيد بن جُبَير: (عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمع رجلا يَقُول: لبيْك عَن شبْرمَة. قَالَ: من شبْرمَة؟ قَالَ: أَخ لَهُ، أَو قريب لَهُ. قَالَ: حججْت عَن نَفسك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: حج عَن نَفسك، ثمَّ حج عَن شبْرمَة) . رُوَاته كلهم رجال مُسلم، إلاَّ إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل شيخ أبي دَاوُد، وَقد وَثَّقَهُ بَعضهم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب أصح مِنْهُ، وَقد أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي (سنَنه) وَجَاء فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (فَاجْعَلْ هَذِه عَن نَفسك، ثمَّ حج عَن شبْرمَة) . وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا: (هَذِه عَنْك، وَحج عَن شبْرمَة) . وَقَالَ: فهم من هَذَا الحَدِيث: أَنه لَا بُد من تَقْدِيم فرض نَفسه، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، واحتجت الْحَنَفِيَّة بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم: (أَن امْرَأَة من خثعم قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أبي أَدْرَكته فَرِيضَة الْحَج، وَإنَّهُ شيخ كَبِير لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة، أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم حجي عَن أَبِيك) من غير استفسار: هَل حججْت أم لَا؟ وَهَذَا أصح من حَدِيث شبْرمَة، على أَن الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: الصَّحِيح من الرِّوَايَة: (اجْعَلْهَا فِي نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة) قَالُوا: كَيفَ يَأْمُرهُ بذلك وَالْإِحْرَام
وَقع عَن الأول؟ قُلْنَا: يحْتَمل أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين لم يكن الْإِحْرَام لَازِما على مَا رُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة أَنه تحلل فِي حجَّة الْوَدَاع عَن الْحَج بِأَفْعَال الْعمرَة، فَكَانَ يُمكنهُ فسخ الأول وَتَقْدِيم حج نَفسه، والزيادات الَّتِي رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ لم تثبت. السَّادِس: الصَّوْم، فَفِيهِ خلاف، فمذهب عَطاء وَمُجاهد وَزفر أَن الصَّحِيح الْمُقِيم فِي رَمَضَان لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة، لِأَنَّهُ لَا يَصح فِي رَمَضَان النَّفْل فَلَا معنى للنِّيَّة؟ وَعند الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة: لَا بُد من النِّيَّة، غير أَن تعْيين الرمضانية لَيْسَ بِشَرْط عِنْد الْحَنَفِيَّة، حَتَّى لَو صَامَ رَمَضَان بنية قَضَاء أَو نذر عَلَيْهِ أَو تطوع أَنه يجزىء عَن فرض رَمَضَان. فَإِن قلت: لِمَ قدم الْحَج على الصَّوْم؟ قلت: بِنَاء على مَا ورد عِنْده فِي حَدِيث: (بني الْإِسْلَام على خمس) . وَقد تقدم. السَّابِع: الْأَحْكَام، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: الْأَحْكَام أَي: بِتَمَامِهَا، فَيدْخل فِيهِ تَمام الْمُعَامَلَات والمناكحات والجراحات، إِذْ يشْتَرط فِي كلهَا الْقَصْد إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَو سبق لِسَانه من غير قصد إِلَى: بِعْت ورهنت وَطلقت ونكحت، لم يَصح شَيْء مِنْهَا. قلت: كَيفَ يَصح أَن يُقَال: الْأَحْكَام بِتَمَامِهَا، وَكثير مِنْهَا لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة، بِخِلَاف بَين الْعلمَاء؟ فَإِن قَالَ هَذَا بِنَاء على مذْهبه فمذهبه لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن القَاضِي أَبَا الطّيب نقل عَن الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي أَن: مَن صرح بِلَفْظ الطَّلَاق وَالظِّهَار وَالْعِتْق، وَلم يكن لَهُ نِيَّة، يلْزمه فِي الحكم. وَكَذَلِكَ أَدَاء الدّين ورد الودائع وَالْأَذَان والتلاوة والأذكار وَالْهِدَايَة إِلَى الطَّرِيق وإماطة الْأَذَى عبادات كلهَا تصح بِلَا نِيَّة إِجْمَاعًا. وَقَالَ بَعضهم: وَالْأَحْكَام أَي: الْمُعَامَلَات الَّتِي يدْخل فِيهَا الِاحْتِيَاج إِلَى المحاكمات فَيشْمَل الْبيُوع والأنكحة والأقارير وَغَيرهَا. قلت. هَذَا أَيْضا مثل ذَلِك، فَإِن رد الودائع فِيمَا تقع بِهِ فِيهِ المحاكمة، مَعَ أَن النِّيَّة لَيست بِشَرْط فِيهِ إِجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ أَدَاء الدّين. فَإِن قلت: مؤدي الدّين أَو راد الْوَدِيعَة يقْصد بَرَاءَة الذِّمَّة، وَذَلِكَ عبَادَة. قلت: نَحن لَا ندعي أَن النِّيَّة لَا تُوجد فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء، وَإِنَّمَا ندعي عدم اشْتِرَاطهَا، ومؤدي الدّين إِذا قصد بَرَاءَة الذِّمَّة بَرِئت ذمَّته وَحصل بِهِ الثَّوَاب، وَلَيْسَ لنا فِيهِ نزاع، وَإِذا أدّى من غير نِيَّة بَرَاءَة الذِّمَّة، هَل يَقُول أحد إِن ذمَّته لَا تَبرأ. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: كل عمل لَا تظهر لَهُ فَائِدَة عَاجلا، بل الْمَقْصُود بِهِ طلب الثَّوَاب، فالنية شَرط فِيهِ، وكل عمل ظَهرت فَائِدَته ناجزة، وتقاضته الطبيعة، فَلَا يشْتَرط فِيهِ النِّيَّة، إلاَّ لمن قصد بِفِعْلِهِ معنى آخر يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الثَّوَاب قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتلفت الْعلمَاء فِي بعض الصُّور لتحَقّق منَاط التَّفْرِقَة. قَالَ: وَأما مَا كَانَ من الْمعَانِي المختصة: كالخوف والرجاء، فَهَذَا لَا يُقَال فِيهِ بِاشْتِرَاط النِّيَّة، لِأَنَّهُ لَا يُمكن إلاَّ منوياً وَمَتى فرضت النِّيَّة مفقودة فِيهِ استحالت حَقِيقَته، فالنية فِيهَا شَرط عَقْلِي، وَكَذَلِكَ لَا تشْتَرط النِّيَّة للنِّيَّة فِرَارًا من التسلسل. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: فِي قَوْله: كل عمل لَا يظْهر لَهُ فَائِدَة، فَإِنَّهُ منقوض بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَالْأَذَان وَسَائِر الْأَذْكَار. فَإِنَّهَا أَعمال لَا تظهر لَهَا فَائِدَة عَاجلا، بل الْمَقْصُود مِنْهَا طلب الثَّوَاب، مَعَ أَن النِّيَّة لَيست بِشَرْط فِيهَا بِلَا خلاف. الثَّانِي: فِي قَوْله: وكل عمل ظَهرت. إِلَى آخِره. فَإِنَّهُ منقوض أَيْضا بِالْبيعِ وَالرَّهْن وَالطَّلَاق وَالنِّكَاح بسبق اللِّسَان من غير قصد، فَإِنَّهُ منقوض لم يَصح شَيْء مِنْهَا على أصلهم لعدم النِّيَّة. الثَّالِث: فِي قَوْله: وَأما مَا كَانَ من الْمعَانِي المختصة. إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ جعل النِّيَّة فِيهِ حَقِيقَة تِلْكَ الْمعَانِي، ثمَّ قَالَ: فالنية فِيهَا شَرط عَقْلِي، وَبَين الْكَلَامَيْنِ تنَاقض. الرَّابِع: فِي قَوْله: وَكَذَلِكَ لَا تشْتَرط النِّيَّة للنِّيَّة فِرَارًا من التسلسل، فَإِنَّهُ بنى عدم اشْتِرَاط النِّيَّة للنِّيَّة على الْفِرَار من التسلسل وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن الشَّارِع شَرط النِّيَّة للأعمال، وَهِي حركات الْبدن، وَالنِّيَّة خطرة الْقلب وَلَيْسَت من الْأَعْمَال، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله) . فَإِذا كَانَت النِّيَّة عملا يكون الْمَعْنى: عمل الْمُؤمن خير من عمله. وَهَذَا لَا معنى لَهُ. وَقَالَ الله تَعَالَى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَل على شاكِلَتِهِ} على نيَّتِهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَنه جملَة حَالية لَا عطف، وَحَكَاهُ بَعضهم عَنهُ، ثمَّ قَالَ: أَي مَعَ أَن الله قَالَ: قلت: لَيْت شعري مَا هَذِه الْحَال؟ وَأَيْنَ ذُو الْحَال؟ وَهل هِيَ مَبْنِيَّة لهيئة الْفَاعِل أَو لهيئة الْمَفْعُول؟ على أَن الْقَوَاعِد النحوية تَقْتَضِي أَن الْفِعْل الْمَاضِي الْمُثبت إِنَّمَا يَقع حَالا إِذا كَانَ فِيهِ: قد، لِأَن الْمَاضِي من حَيْثُ إِنَّه مُنْقَطع الْوُجُود عَن زمَان الْحَال منَاف لَهُ، فَلَا بُد من: قد، لتقربه من الْحَال لِأَن الْقَرِيب من الشَّيْء فِي حكمه. فَإِن قلت: لَا يلْزم أَن تكون ظَاهِرَة، بل يجوز أَن تكون مضمرة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو جَاءَكُم حصرت صُدُورهمْ} (النِّسَاء: 90) أَي: قد حصرت. قلت: أنكر الْكُوفِيُّونَ إِضْمَار: قد، وَقَالُوا: هَذَا خلاف الأَصْل، أولُوا الْآيَة: بأوجاءكم حاصرة صُدُورهمْ. نعم، يُمكن أَن تجْعَل الْوَاو هُنَا للْحَال، لَكِن بِتَقْدِير مَحْذُوف، وَتَقْدِير هَذِه الْجُمْلَة إسمية، وَهُوَ أَن يُقَال تَقْدِيره: وَكَيف لَا يدْخل الْإِيمَان وأخواته الَّتِي ذكرهَا فِي قَوْله الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَالْحَال أَن الله تَعَالَى قَالَ: {قل كل يعْمل
على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) وَقَوله: لَا عطف، لَيْسَ بسديدٍ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون للْعَطْف على مَحْذُوف، تَقْدِيره: يدْخل فِيهِ الْإِيمَان. الخ، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) وَقَالَ تَعَالَى: {قل كل يعْمل على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) ، وَتَفْسِير بَعضهم بقوله: أَي إِن الله تَعَالَى، يشْعر بِأَن الْوَاو هَهُنَا للمصاحبة، وَقد تبع الْكرْمَانِي بِأَنَّهَا للْحَال، وَبَينهمَا تنافٍ، على أَن الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ، لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون من بَاب الْمَفْعُول مَعَه، أَو هِيَ الْوَاو الدَّاخِلَة على الْمُضَارع الْمَنْصُوب لعطفه على اسْم صَرِيح أَو مؤول كَقَوْلِه. (وَلبس عباءة وتقر عَيْني.) وَالثَّانِي: شَرطه أَن يتَقَدَّم الْوَاو نفي أَو طلب، ويسمي الْكُوفِيُّونَ هَذِه: وَاو الصّرْف، وَلَيْسَ النصب بهَا خلافًا لَهُم، ومثاله: {وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين} (آل عمرَان: 142) وَقَول الشَّاعِر: (لَا تنهَ عَن خلق وَتَأْتِي مثله) وَالْوَاو هُنَا لَيست من القبيلين الْمَذْكُورين، وَيجوز أَن تكون الْوَاو هَهُنَا بِمَعْنى: لَام التَّعْلِيل، على مَا نقل عَن الْمَازرِيّ، أَنَّهَا تَجِيء بِمَعْنى لَام التَّعْلِيل، فَالْمَعْنى على هَذَا، فَدخل فِيهِ الْإِيمَان وأخواته لقَوْله تَعَالَى: {قل كل يعْمل على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) قَالَ اللَّيْث: الشاكلة من الْأُمُور مَا وَافق فَاعله، وَالْمعْنَى أَن كل أحد يعْمل على طَرِيقَته الَّتِي تشاكل أخلاقه، فالكافر يعْمل مَا يشبه طَرِيقَته من الْإِعْرَاض عِنْد النِّعْمَة واليأس عِنْد الشدَّة، وَالْمُؤمن يعْمل مَا يشبه طَرِيقَته من الشُّكْر عِنْد الرخَاء وَالصَّبْر عِنْد الْبلَاء، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {فربكم أعلم بِمن هُوَ أهْدى سَبِيلا} (الْإِسْرَاء: 84) وَقَالَ الزّجاج: على شاكلته: على طَرِيقَته ومذهبه، وَنقل ذَلِك عَن مُجَاهِد أَيْضا، وَمن هَذَا أَخذ الزَّمَخْشَرِيّ، وَقَالَ: أَي على مذْهبه وطريقته الَّتِي تشاكل كل حَاله فِي الْهدى والضلالة، من قَوْلهم: طَرِيق ذُو شواكل، وَهِي الطّرق الَّتِي تتشعب مِنْهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله {فربكم أعلم بِمن هُوَ أهْدى سَبِيلا} (الْإِسْرَاء: 84) أَي أَسد مذهبا، وَطَرِيقَة وَقَوله على نِيَّته تَفْسِير لقَوْله: على شاكلته، وَحذف مِنْهُ حرف التَّفْسِير، وَهَذَا التَّفْسِير رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُعَاوِيَة بن قُرَّة الْمُزنِيّ وَقَتَادَة فِيمَا أخرجه عبد بن حميد والطبري عَنْهُم. وَفِي (الْعباب) وَقَوله تَعَالَى: {قل كل يعْمل على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) أَي: على ناحيته وطريقته. وَقَالَ قَتَادَة: أَي على جَانِبه وعَلى مَا يَنْوِي. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي على خليقته ومذهبه وطريقته. ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب: والتركيب يدل معظمه على الْمُمَاثلَة. قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولَكِنْ جهِادٌ ونِيَّةٌ. هُوَ قِطْعَة من حَدِيث لِابْنِ عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَوله: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح، وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة، وَإِذا استنفرتم فانفروا) ، أخرجه هَهُنَا مُعَلّقا، وَأخرجه مُسْندًا فِي الْحَج وَالْجهَاد والجزية، أما فِي الْحَج فَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَفِيه، وَفِي الْجِزْيَة عَن عَليّ بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن جرير، وَأما فِي الْجِهَاد فَعَن آدم عَن شَيبَان، وَعَن عَليّ بن عبد الله، وَعَمْرو بن عَليّ كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى، وَفِيه وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَن جرير، وَفِيهِمَا أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن يحيى بن آدم، وَفِي نُسْخَة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَإِسْحَاق عَن يحيى بن آدم عَن مفضل بن مهلهل، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع عَن سُفْيَان، وَعَن عبد بن حميد عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل، وَفِي نُسْخَة عَن شَيبَان بدل إِسْرَائِيل، خمستهم عَن مَنْصُور عَنهُ بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد وَالْحج عَن عُثْمَان بِهِ مقطعاً، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ عَن زِيَاد بن عبد الله البكائي عَن مَنْصُور بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي الْبيعَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى بن سعيد بِهِ، وَفِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جرير، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع بِهِ مُخْتَصرا، وَالْمعْنَى: أَن تَحْصِيل الْخَيْر بِسَبَب الْهِجْرَة قد انْقَطع بِفَتْح مَكَّة وَلَكِن حصلوه فِي الْجِهَاد وَنِيَّة صَالِحَة، وَفِيه الْحَث على نِيَّة الْخَيْر مُطلقًا وَإنَّهُ يُثَاب على النِّيَّة. قَوْله: (جِهَاد) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: وَلَكِن طلب الْخَيْر جِهَاد وَنِيَّة. ونفَقَةُ الرَّجُلِ على أهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةً. هَذَا من معنى حَدِيث أبي مَسْعُود الَّذِي يذكرهُ عَن قريب. قَوْله (وَنَفَقَة الرجل) كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله (صَدَقَة) ، وَقَوله (يحتسبها) حَال من الرجل أَي: حَال كَونه مرِيدا بهَا وَجه الله تَعَالَى، وَقد فسرنا معنى الاحتساب مُسْتَوفى عَن قريب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكر هَذَا تَقْوِيَة لما ذكره من قبل. قلت: لما عقد الْبَاب على ثَلَاث تراجم ذكر لكل تَرْجَمَة مَا يطابقها من الْكَلَام بعد قَوْله، فَدخل فِيهِ الْإِيمَان وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَالصَّوْم وَالْأَحْكَام. فَقَوله: وَقَالَ تَعَالَى: {قل كل يعْمل على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) لقَوْله (إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) . وَقَوله: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) لقَوْله (وَلكُل امرىء مَا نوى) ،
وَقَوله (وَنَفَقَة الرجل على أَهله يحتسبها صَدَقَة) لقَوْله: والحسبة، وَلذَلِك ذكر ثَلَاثَة أَحَادِيث، فَحَدِيث عمر، رَضِي الله عَنهُ، لقَوْله (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) . وَحَدِيث أبي مَسْعُود، لقَوْله (والحسبة) ، وَحَدِيث سعد بن أبي وَقاص، لقَوْله: (وَلكُل امرىء مَا نوى) . 54 - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ أخْبَرَنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَن عَلْقَمَةَ بنِ وَقَّاصٍ عنْ عُمَرَ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الأَعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ ورسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لدنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هاجَرَ إِليهِ. (الحَدِيث 54 انْظُر الحَدِيث رقم 1) . قد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي أول الْكتاب لِأَنَّهُ صدر كِتَابه بِهَذَا الحَدِيث، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي رِجَاله ومسلمة، بِفَتْح الميمين وَاللَّام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لما كَانَ الحَدِيث بِتَمَامِهِ صَحِيحا ثَابتا عِنْد البُخَارِيّ لم خرمه فِي صدر الْكتاب؟ مَعَ أَن الخرم جَوَازه مُخْتَلف فِيهِ. قلت: لأخرم، بِالْجَزْمِ، لِأَن المقامات مُخْتَلفَة، فَلَعَلَّ فِي مقَام بَيَان أَن الْإِيمَان من النِّيَّة، واعتقاد الْقلب سمع الحَدِيث تَمامًا، وَفِي مقَام أَن الشُّرُوع فِي الْأَعْمَال إِنَّمَا يَصح بِالنِّيَّةِ، سمع ذَلِك الْقدر الَّذِي روى، ثمَّ إِن الخرم مُحْتَمل أَن يكون من بعض شُيُوخ البُخَارِيّ لَا مِنْهُ، ثمَّ إِن كَانَ مِنْهُ فخرمه ثمَّة لِأَن الْمَقْصُود يتم بذلك الْمِقْدَار. فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر عِنْد الخرم الشق الَّذِي يتَعَلَّق بمقصوده، وَهُوَ: أَن النِّيَّة يَنْبَغِي أَن تكون لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: لَعَلَّه نظر إِلَى مَا هُوَ الْغَالِب الْكثير بَين النَّاس. انْتهى. قلت: هَذَا كُله إطناب فِي الْكَلَام، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال، إِن هَذِه الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي هَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله من اخْتِلَاف الروَاة، فَكل مِنْهُم قد روى مَا سَمعه. فَلَا خرم فِيهِ لَا من البُخَارِيّ وَلَا من شُيُوخه، وَإِنَّمَا البُخَارِيّ ذكر كل مَا رَوَاهُ من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا زِيَادَة ونقصان بِحَسب مَا يُنَاسب الْبَاب الَّذِي وَضعه تَرْجَمَة لَهُ. 55 - حدّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَنِي عَدِيُّ بنُ ثابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عبَد اللَّهِ بنَ يَزِيدَ عنْ أبي مَسْعُودٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِذا أنْفَقَ الرَّجُلُ على أهْلِهِ يَحْتَسِبُها فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ. قد قُلْنَا: إِن الْبَاب مَعْقُود على ثَلَاث تراجم،. لكل تَرْجَمَة حَدِيث يطابقها، وَهَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة، وَهِي قَوْله (والحسبة) . بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: الْحجَّاج بن منهال، بِكَسْر الْمِيم، أَبُو مُحَمَّد الْأنمَاطِي السّلمِيّ، مَوْلَاهُم وَغَيره، سمع شُعْبَة من الْأَعْلَام، وروى عَنهُ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي وَابْن وارة وَالْبَغوِيّ وَإِسْمَاعِيل القَاضِي وَالْبُخَارِيّ وَآخَرُونَ، اتّفق على توثيقه، وَكَانَ رجلا صَالحا وَكَانَ سمساراً يَأْخُذ من كل دِينَار حَبَّة، فجَاء خراساني مُوسر من أَصْحَاب الحَدِيث فَاشْترى لَهُ أنماطاً وَأَعْطَاهُ ثَلَاثِينَ دِينَارا، فَقَالَ: خُذ هَذِه سمسرتك، قَالَ: دنانيرك أَهْون عَليّ من هَذَا التُّرَاب، هَات من كل دِينَار حَبَّة، وَأخذ ذَلِك. قَالَ أَحْمد بن عبد الله: هُوَ بَصرِي ثِقَة، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة سِتّ عشرَة أَو سَبْعَة عشرَة وَمِائَتَيْنِ، قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) وروى لَهُ البُخَارِيّ، وروى مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شَرحه) : روى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْمُزنِيّ فِي (تهذيبه) : روى لَهُ السِّتَّة، وَالصَّوَاب أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا وَأَبا دَاوُد رووا عَنهُ، وَالثَّلَاثَة الْبَقِيَّة رووا لَهُ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة حجاج بن منهال سواهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن حجاج، وَقد مر ذكره غير مرّة. الثَّالِث: عدي بن ثَابت الْأنْصَارِيّ الْكُوفِي، سمع جده لأمه عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ والبراء بن عَازِب وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة، روى عَنهُ الْأَعْمَش وَشعْبَة وَغَيرهمَا، قَالَ أَحْمد، ثِقَة: وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق وَكَانَ إِمَام مَسْجِد الشِّيعَة بِالْكُوفَةِ وقاضيهم، مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عبد الله بن يزِيد بن حُصَيْن بن عَمْرو بن الْحَارِث بن خطمة، واسْمه عبد الله بن خَيْثَم بن مَالك بن أَوْس، أخي الْخَزْرَج ابْني حَارِثَة بن ثَعْلَبَة العنقاء، لطول عُنُقه، ابْن عَمْرو مزيقيا ابْن عَامر مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس البطريق بن ثَعْلَبَة البهلول بن مَازِن بن الأزد، الْأنْصَارِيّ الخطمي الصَّحَابِيّ، سكن الْكُوفَة، وَكَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا، شهد
الْحُدَيْبِيَة وَهُوَ ابْن سبع عشرَة سنة، وَشهد صفّين والجمل والنهروان مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ الشّعبِيّ كَاتبه، وَكَانَ من أفاضل الصَّحَابَة وَقيل: إِن لِأَبِيهِ يزِيد صُحْبَة، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَبْعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا حديثين: أَحدهمَا فِي الاسْتِسْقَاء مَوْقُوف، وَفِي الْمَظَالِم حَدِيث النَّهْي عَن النهبى والمثلة، وَمُسلم أَحدهمَا، وَأَخْرَجَا لَهُ عَن الْبَراء وَأبي مَسْعُود وَزيد بن ثَابت: رَضِي الله عَنْهُم، مَاتَ زمن ابْن الزبير رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ الْوَاقِدِيّ، وَفِي الصَّحَابَة عبد الله بن زيد جمَاعَة، هَذَا أحدهم، وَالثَّانِي: عبد الله بن يزِيد الْقَارِي، لَهُ ذكر فِي حَدِيث عَائِشَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام، سمع قِرَاءَته. وَالثَّالِث: عبد الله بن يزِيد النَّخعِيّ، وَالرَّابِع: عبد الله بن زيد البَجلِيّ، لَهُ حَدِيث: (إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه) . أوردهُ ابْن قَانِع. وَالْخَامِس: غلط فِيهِ ابْن الْمُبَارك فِي حَدِيث ابْن مربع. كَانُوا على مَسَاجِدكُمْ. الْخَامِس: أَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن أسيرة، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين، وَقيل بضَمهَا، وَقيل: يسيرَة، بِضَم أَوله، بن عسيرة، بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ، ابْن عَطِيَّة بن جدارة، بِكَسْر الْجِيم، وَقَالَ ابْن عبد الْبر بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة، ابْن عَوْف بن الْخَزْرَج، الْأنْصَارِيّ الخزرجي البدري، شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين، وَكَانَ أَصْغَرهم، وَشهد أحدا ثمَّ الْجُمْهُور على أَنه لم يشْهد بَدْرًا، وَإِنَّمَا سكنها. وَقَالَ حمدون بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَابْن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) ، وَالْبُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) : شَهِدَهَا، وَكَذَا الحكم بن عتبَة، وَقَالَ ابْن سعد: قَالَ مُحَمَّد بن عمر وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهمَا: لم يشْهد بَدْرًا، وَقَالَ الحكم وَغَيره من أهل الْكُوفَة: شَهِدَهَا، وَأهل الْمَدِينَة أعلم بذلك. رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مائَة حَدِيث وحديثان، اتفقَا مِنْهَا على تِسْعَة، وللبخاري حَدِيث، وَلمُسلم سَبْعَة، روى عَنهُ عبد الله بن يزِيد الخطمي وَابْنه بشير وَغَيرهمَا، سكن الْكُوفَة وَمَات بهَا، وَقيل: بِالْمَدِينَةِ، قبل الْأَرْبَعين، قيل: سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقيل: سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَفِي الصَّحَابَة: أَبُو مَسْعُود، هَذَا، وَأَبُو مَسْعُود الْغِفَارِيّ قيل: اسْمه عبد الله، وثالث الظَّاهِر أَنه الأول. بَيَان الْأَنْسَاب: الْأنمَاطِي: بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون، نِسْبَة إِلَى بيع الأنماط، وَهُوَ جمع نمط، وَهُوَ ضرب من الْبسط. السّلمِيّ، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام، نِسْبَة إِلَى سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس غيلَان، وَهُوَ من شَاذ النّسَب، وَالْقِيَاس: السليمي. وَقَالَ الرشاطي: السّلمِيّ فِي قيس غيلَان، وَفِي الأزد، فَالَّذِي فِي قيس غيلَان سليم بن مَنْصُور كَمَا ذكرنَا، وَالَّذِي فِي الأزد سليم بن فهم بن غنم بن دوس. الخطمي، بِفَتْح الْخَاء المعحمة وَسُكُون الطَّاء، نِسْبَة إِلَى: خطمة، أحد أجداد عبد الله بن يزِيد، وَقد ذكرنَا أَن اسْمه عبد الله، وَإِنَّمَا سمي: خطمة، لِأَنَّهُ ضرب رجلا على خطمه، أَي: أَنفه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخطم من كل طَائِر منقاره، وَمن كل دَابَّة مقدم أَنفه، وَفِيه: والمخاطم الأنوف، وَاحِدهَا: مخطم، بِكَسْر الطَّاء. وَرجل أخطم طَوِيل الْأنف. البدري، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى بدر، وَهُوَ الْموضع الَّذِي لَقِي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُشْركين من قُرَيْش، فأعز الْإِسْلَام وَأظْهر دينه، وَهَذَا الْموضع يُسمى: بَدْرًا باسم الَّذِي احتفر فِيهِ الْبِئْر، وَهُوَ: بدر بن يخلد بن النَّضر بن كنَانَة، بَينه وَبَين الْمَدِينَة ثَمَانِيَة برد وميلان. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَنه وَقع للْبُخَارِيّ غَالِبا خماسياً. وَلمُسلم من جَمِيع طرقه سداسياً. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن حجاج بن منهال، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُسلم، وَفِي النَّفَقَات عَن آدم. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن ابْن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَأبي بكر بن رَافع عَن غنْدر، وَعَن أبي كريب عَن وَكِيع، كلهم عَن شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت عَن عبد الله بن يزِيد عَن أبي مَسْعُود بِهِ وَقَالَ: حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن ابْن بشار عَن غنْدر، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن بشر بن الْمفضل كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله (انفق) من: إِنْفَاق المَال، وَهُوَ إنفاده وإهلاكه، وَالنَّفقَة اسْم، وَهِي من الدَّرَاهِم وَغَيرهَا، وَيجمع على نفاق، بِالْكَسْرِ. نَحْو: ثَمَرَة وثمار، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انفق الشَّيْء وأنفده أَخَوان، وَعَن يَعْقُوب: نفق الشَّيْء ونفد، وَاحِد وكل مَا جَاءَ مِمَّا فاؤه نون، وعينه فَاء، فدال على معنى الْخُرُوج والذهاب، وَنَحْو ذَلِك، إِذا تَأَمَّلت. قلت: معنى قَوْله: إخْوَان بَينهمَا الِاشْتِقَاق الْأَكْبَر، فَإِن بَينهمَا تنَاسبا فِي التَّرْكِيب وَفِي الْمَعْنى لاشتمال كل مِنْهُمَا على معنى الْخُرُوج والذهاب. قَوْله (على أَهله) ، وَفِي (الْعباب) : الْأَهْل أهل الرجل وَأهل الدَّار، وَكَذَلِكَ الْأَهِلّة، وَالْجمع: أهلات وأهلون، والأهالي زادوا فِيهِ الْيَاء على غير قِيَاس
كَمَا جمعُوا لَيْلًا على ليَالِي، وَقد جَاءَ فِي الشّعْر: (أهال مثل: فرخ وأفراخ) وَأنْشد الْأَخْفَش: (وبلدة مَا الْأنس من أهالها ... ترى بهَا العوهق من وائالها) ومنزل أهلَّ بِهِ أَهله، وَقَالَ ابْن السّكيت مَكَان مأهول فِيهِ أَهله، وَمَكَان آهل لَهُ أهل، وَقَالَ ابْن عباد: يَقُولُونَ: هُوَ أهلة، لكل خير بِالْهَاءِ، وَالْفرق بَين الْأَهْل والآل أَن: الْآل يسْتَعْمل فِي الْأَشْرَاف: وَفِي (الْعباب) : آل الرجل: أَهله وَعِيَاله، وَآله: أَيْضا أَتْبَاعه. قَالَ تَعَالَى: {كدأب آل فِرْعَوْن} (آل عمرَان: 11، الْأَنْفَال: 52 و 54) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: يَعْنِي من آل إِلَيْهِ بدين أَو مَذْهَب أَو نسب، وَآل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عشيرته. وَقَالَ أنس رَضِي الله عَنهُ: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَن آل مُحَمَّد؟ قَالَ: كل تَقِيّ) . قلت: هُوَ واوي، فَلذَلِك ذكره أهل اللُّغَة فِي بَاب أول. قَوْله (يحتسبها) من الاحتساب وَقد فسرناه عَن قريب. قَوْله (صَدَقَة) وَهِي: مَا تَصَدَّقت بِهِ على الْفُقَرَاء. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (إِذا) كلمة فِيهَا معنى الشَّرْط و: (انفق الرجل) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فعل الشَّرْط، قَوْله: (على أَهله) يتَعَلَّق بانفق. قَوْله (يحتسبها) جملَة فعلية مضارعية وَقعت حَالا من: الرجل، والمضارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ مثبتاً لَا يجوز فِيهِ الْوَاو على مَا عرف. قَوْله (فَهُوَ لَهُ صَدَقَة) جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دخلت فِيهَا الْفَاء. قَوْله (فَهُوَ) مُبْتَدأ. وَالْجُمْلَة، أَعنِي قَوْله (لَهُ صَدَقَة) ، خَبره فَقَوله: صَدَقَة، مُبْتَدأ و: لَهُ، مقدما خَبره، وَالضَّمِير أَعنِي: هُوَ، يرجع إِلَى الْإِنْفَاق الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله (أنْفق) ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: 8) أَي: الْعدْل أقرب إِلَى التَّقْوَى. بَيَان الْمعَانِي: فِي قَوْله: (إِذا أنْفق) ، حذف الْمَعْمُول ليُفِيد التَّعْمِيم، وَالْمعْنَى: إِذا أنْفق أَي نَفَقَة كَانَت صَغِيرَة أَو كَبِيرَة، وَفِيه ذكر: إِذا، دون إِن، لِأَن أصل: إِن، عدم الْجَزْم بِوُقُوع الشَّرْط، وَاصل: إِذا، الْجَزْم بِهِ، وَغلب لفظ الْمَاضِي مَعَ: إِذا، على الْمُسْتَقْبل فِي الِاسْتِعْمَال، فَإِن اسْتِعْمَال: إِذا أكرمتني أكرمتك، مثلا، أَكثر من اسْتِعْمَال: إِذا تكرمني أكرمك، لكَون الْمَاضِي أقرب إِلَى الْقطع بالوقوع من الْمُسْتَقْبل، نظرا إِلَى اللَّفْظ لَا إِلَى الْمَعْنى، فَإِنَّهُ يدل على الِاسْتِقْبَال لوُقُوعه فِي سِيَاق الشَّرْط، وَفِيه التَّنْبِيه بِالْحَال لإِفَادَة زِيَادَة تَخْصِيص لَهُ، فَكلما ازْدَادَ الْكَلَام تَخْصِيصًا ازْدَادَ الحكم بعدا، كَمَا أَنه كلما ازْدَادَ عُمُوما ازْدَادَ قرباً، وَمَتى كَانَ احْتِمَال الحكم أبعد كَانَت الْفَائِدَة فِي إِيرَاده أقوى. قَوْله (يحتسبها) أَي: يُرِيد بهَا وَجه الله، وَالنَّفقَة الْمُطلقَة فِي الْأَحَادِيث ترد إِلَى هَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله الْمُقَيد بِالنِّيَّةِ، لحَدِيث امْرَأَة عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، وَامْرَأَة من الْأَنْصَار وسؤالهما: اتجزىء الصَّدَقَة عَنْهُمَا على أزواجهما وأيتامهما؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَهما أَجْرَانِ: أجر الْقَرَابَة، وَأجر الصَّدَقَة) . وَقَول أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهُمَا: (هَل لي أجر فِي بني أبي سَلمَة أنْفق عَلَيْهِم؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نعم لَك أجر مَا أنفقت) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي قَوْله: يحتسبها، أَفَادَ بمنطوقه أَن الْأجر فِي الْإِنْفَاق إِنَّمَا يحصل بِقصد الْقرْبَة وَاجِبَة أَو مُبَاحَة، وَأفَاد بمفهومه أَن من لم يقْصد الْقرْبَة لم يُؤجر، لَكِن تَبرأ ذمَّته من الْوَاجِبَة لِأَنَّهَا معقولة الْمَعْنى. بَيَان الْبَيَان: فِيهِ إِطْلَاق النَّفَقَة على الصَّدَقَة مجَازًا، إِذْ لَو كَانَت الصَّدَقَة حَقِيقِيَّة كَانَت تحرم على الرجل أَن ينْفق على زَوجته الهاشمية، وَوُجُود الْإِجْمَاع على جَوَاز الْإِنْفَاق على الزَّوْجَات الهاشميات وَغَيرهَا قَامَ قرينَة صارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة، والعلاقة بَين الْمَوْضُوع لَهُ وَبَين الْمَعْنى الْمجَازِي ترَتّب الثَّوَاب عَلَيْهِمَا وتشابههما فِيهِ، فَإِن قلت: كَيفَ يتشابهان وَهَذَا الْإِنْفَاق وَاجِب، وَالصَّدَََقَة فِي الْعرف لَا تطلق إلاَّ على غير الْوَاجِب، اللَّهُمَّ إلاَّ أَن تقيد بِالْفَرْضِ وَنَحْوه؟ قلت: التَّشْبِيه فِي أصل الثَّوَاب لَا فِي كميته وَلَا كيفيته. فَإِن قلت: شَرط البيانيون فِي التَّشْبِيه أَن يكون الْمُشبه بِهِ أقوى، وَهَهُنَا بِالْعَكْسِ، لِأَن الْوَاجِب أقوى فِي تَحْصِيل الثَّوَاب من النَّفْل. قلت: هَذَا هُوَ التشابه لَا التَّشْبِيه، والتشبيه لَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك، وَتَحْقِيق هَذَا الْكَلَام أَنه إِذا أُرِيد مُجَرّد الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي أَمر، وأنهما متساويان فِي جِهَة التَّشْبِيه: كعمامتين متساويتين فِي اللَّوْن، فَالْأَحْسَن ترك التَّشْبِيه إِلَى الحكم بالتشابه، ليَكُون كل وَاحِد من الطَّرفَيْنِ مشبهاً ومشبهاً بِهِ احْتِرَازًا من تَرْجِيح أحد المتساويين من جِهَة التَّشْبِيه على الآخر، لِأَن فِي التَّشْبِيه تَرْجِيحا، وَفِي التشابه تَسَاويا. وَيجوز التَّشْبِيه أَيْضا فِي مَوضِع التشابه، لَكِن إِذا وَقع التَّشْبِيه فِي بَاب التشابه صَحَّ فِيهِ الْعَكْس، بِخِلَافِهِ فِيمَا عداهُ، وَكَانَ حكم الْمُشبه بِهِ على خلاف مَا ذكر من أَن حَقه أَن يكون أعرف بِجِهَة التَّشْبِيه من الْمُشبه، وَأقوى حَالا، كتشبيه غرَّة الْفرس بالصبح وَعَكسه، فَيُقَال: بدا الصُّبْح كغرة الْفرس، وبدت غرَّة الْفرس كالصبح، مَتى أُرِيد بِوَجْه الشّبَه ظُهُور مُنِير فِي سَواد أَكثر مِنْهُ مظلم،
أَو حُصُول بَيَاض، فَإِنَّهُ مَتى كَانَ المُرَاد بِوَجْه الشّبَه هَذَا كَانَ من بَاب التشابه، وينعكس التَّشْبِيه لعدم اخْتِصَاص وَجه الشّبَه حينئذٍ بِشَيْء من الطَّرفَيْنِ، بِخِلَاف مَا لَو لم يكن وَجه الشّبَه ذَلِك، كالمبالغة فِي الضياء، فَإِنَّهُ لَا يكون من بَاب التشابه، وَلَا مِمَّا ينعكس فِي التَّشْبِيه. قَوْله (على أَهله) خَاص بِالْوَلَدِ وَالزَّوْجَة، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْإِنْفَاق فِي الْأَمر الْوَاجِب كالصدقة فَلَا شكّ أَن يكون آكِد، وَيلْزم مِنْهُ كَونه صَدَقَة فِي غير الْوَاجِب بِالطَّرِيقِ الأولى. 56 - حدّثنا الحَكَمُ بنُ نافعٍ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدّثني عامِرُ بنُ سَعْدٍ عنْ سَعْدِ بنِ أبي وَقاصٍ أنَّهُ أخْبَرَهُ أنّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللَّهِ إلاَّ أُجِرْتَ عَليْها حتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ.. هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّالِثَة، كَمَا ذكرنَا، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد ذكر فِي بَاب: إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة، وَكَانَ على الاستسلام أَو الْخَوْف من الْقَتْل. وَالْحكم بِفَتْح الْكَاف: هُوَ أَبُو الْيَمَان الْحِمصِي. وَالزهْرِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: هَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل مَشْهُور، أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا كَمَا ترى، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن يُونُس، وَفِي الدَّعْوَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْهِجْرَة عَن يحيى بن قزعة، ثَلَاثَتهمْ عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَفِي الْجَنَائِز عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَفِي الطِّبّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة، وَفِي الْفَرَائِض عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب أَيْضا، وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان، خمستهم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن يحيى بن يحيى عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وَأبي بكر بن أبي شيبَة كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْوَصَايَا أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عُثْمَان بن سُفْيَان عَن سُفْيَان بِهِ، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِبَعْضِه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْوَصَايَا عَن هِشَام بن عمار، وَالْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي، وَسَهل بن أبي سهل بن سهل الرَّازِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله (إِنَّك) ، إِن: حرف من الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ، فالكاف إسمها و: (لن تنْفق) ، خَبَرهَا وَكلمَة: لن، حرف نصب، وَنفي واستقبال، وَفِيه ثَلَاثَة مَذَاهِب: الأول: إِنَّه حرف مقتضب بِرَأْسِهِ، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور. وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَب الْفراء أَن أَصله: لَا، فابدلت النُّون من الْألف، فَصَارَ: لن. وَالثَّالِث: وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل وَالْكسَائِيّ. أَن أَصله: لَا إِن، فحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَالْألف لالتقاء الساكنين. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّه يُفِيد توكيد النَّفْي، قَالَه فِي (الْكَشَّاف) وَقَالَ فِي (انموذجه) يُفِيد تأييد النَّفْي، ورد بِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيل، وَقَالُوا: لَو كَانَت للتأبيد لِمَ يُقيد منفيها بِالْيَوْمِ فِي: {لن أكلم الْيَوْم إنسياً} (مَرْيَم: 26) . ولكان ذكر الْأَبَد فِي: {وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا} (الْبَقَرَة: 95) تَكْرَارا، وَالْأَصْل عَدمه. قَوْله (تنْفق) مَنْصُوب بهَا. وَقَوله (نَفَقَة) نصب على أَنه مفعول مُطلق. قَوْله (تبتغي) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: لن تنْفق، وَالْبَاء فِي: بهَا إِمَّا للمقابلة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} (النَّحْل: 32) وَإِمَّا للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لن يدْخل أحدكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ) وَإِمَّا للظرفية بِمَعْنى: فِيهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا هَكَذَا لِأَن تبتغي، متعدٍ يُقَال: ابْتَغَيْت الشَّيْء وتبغيته إِذا طلبته، من: بغيت الشَّيْء: طلبته. قَوْله: (وَجه الله) ، كَلَام إضافي مفعول: تبتغي. قَوْله (إِلَّا أجرت) ، بِضَم الْهمزَة، على صِيغَة الْمَجْهُول، والمستثنى مَحْذُوف لِأَن الْفِعْل لَا يَقع اسْتثِْنَاء، وَالتَّقْدِير: لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله تَعَالَى إلاَّ نَفَقَة أجرت بهَا. وَيكون قَوْله أجرت بهَا صفة للمستثنى، وَالْمعْنَى على هَذَا، لِأَن النَّفَقَة الْمَأْجُور فِيهَا هِيَ الَّتِي تكون ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى. لِأَنَّهَا لَو لم تكن لوجه الله تَعَالَى لما كَانَت مأجوراً فِيهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّقْدِير: إلاَّ فِي حَالَة أجرت بهَا، ثمَّ فسر ذَلِك بقوله: أَي: لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله تَعَالَى فِي حَال من الْأَحْوَال إلاَّ وَأَنت فِي حَال مأجوريتك عَلَيْهَا. قلت: لَو قدر هَكَذَا لن تنْفق نَفَقَة لوجه الله تَعَالَى إلاَّ حَال كونك مأجوراً عَلَيْهَا كَانَ أحسن على مَا لَا يخفى. فَإِن قلت: الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل أَو مُنْقَطع؟ قلت: مُتَّصِل، لِأَن الْمُسْتَثْنى من جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ. قَوْله (بهَا) ، الْبَاء إِمَّا للسَّبَبِيَّة، وَإِمَّا
- (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين
للمقابلة، وَإِمَّا بِمَعْنى: على، وَلِهَذَا فِي بعض النّسخ، عَلَيْهَا، بدل: بهَا، وَالْبَاء تَجِيء بِمَعْنى: على كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {مَن إِن تأمنه بقنطار} (آل عمرَان: 75) قَوْله (حَتَّى) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ العاطفة لَا الجارة، وَمَا بعْدهَا مَنْصُوب الْمحل، وَبَعْضهمْ تبعه على هَذَا. قلت: حَتَّى، هَذِه ابتدائية، أَعنِي؛ حرف تبتدأه بعده الْجمل، أَي: تسْتَأْنف فَتدخل على الْجُمْلَة الإسمية وَالْجُمْلَة الفعلية، وَذَلِكَ لِأَن: حَتَّى، العاطفة لَهَا شُرُوط مِنْهَا: أَنَّهَا لَا تعطف الْجمل، لِأَن شَرط معطوفها أَن يكون جزأ مِمَّا قبلهَا، أَو جُزْء مِنْهُ، وَلَا يتأتي ذَلِك إلاَّ فِي الْمُفْردَات، على أَن الْعَطف بحتى قَلِيل، وَأهل الْكُوفَة ينكرونه الْبَتَّةَ، وَمَا بعد حَتَّى هَهُنَا جملَة، لِأَن قَوْله (مَا) ، مَوْصُولَة مُبْتَدأ، وَخَبره مَحْذُوف، وَكَذَا الْعَائِد إِلَى الْمَوْصُول، تَقْدِيره؛ حَتَّى الَّذِي تجْعَل فِي فَم امْرَأَتك فَأَنت مأجور فِيهِ، وَوجه آخر يمْنَع من كَون: حَتَّى، عاطفة، هُوَ: أَن الْمَعْطُوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، فَإِذا جعلت: حَتَّى، عاطفة لَا يُسْتَفَاد أَن: مَا يَجْعَل فِي فَم امْرَأَته مأجور فِيهِ. فَإِن قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: يُسْتَفَاد ذَلِك من حَيْثُ إِن قيد الْمَعْطُوف عَلَيْهِ قيد فِي الْمَعْطُوف. قلت: الْقَيْد فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هُوَ الابتغاء لوجه الله تَعَالَى والآجر لَيْسَ بِقَيْد فِيهِ، لِأَنَّهُ أصل الْكَلَام، وَالْمَقْصُود فِي الْمَعْطُوف حُصُول الْأجر بالانفاق الْمُقَيد بالابتغاء. فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي:. فِيهِ تَمْثِيل باللقمة مُبَالغَة فِي حُصُول الْأجر، لِأَن الْأجر إِذا ثَبت فِي لقْمَة زَوْجَة غير مضطرة، ثَبت فِيمَن أطْعم الْمُحْتَاج كسرة، أَو رغيفاً بِالطَّرِيقِ الأولى، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا بَيَان لقاعدة مهمة، وَهِي: أَن مَا أُرِيد بِهِ وَجه الله تَعَالَى ثَبت فِيهِ الْأجر، وَإِن حصل لفَاعِله فِي ضمنه حَظّ نفس من لَذَّة أَو غَيرهَا، فَلهَذَا مثل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوَضْع اللُّقْمَة فِي فَم الزَّوْجَة، وَمَعْلُوم أَنه غَالِبا يكون بحظ النَّفس والشهوة واستمالة قَلبهَا، فَإِذا كَانَ الَّذِي هُوَ من حظوظ النَّفس بِالْمحل الْمَذْكُور من ثُبُوت الْأجر فِيهِ، وَكَونه طَاعَة وَعَملا أخروياً إِذا أُرِيد بِهِ وَجه الله تَعَالَى، فَكيف الظَّن بِغَيْرِهِ مِمَّا يُرَاد بِهِ وَجه الله تَعَالَى وَهُوَ مباعد للحظوظ النفسانية؟ قَوْله (تبتغي بهَا وَجه الله) ، أَي: ذَاته، عز وَجل. الْمَعْنى: أَنه لَا يطْلب غير الله تَعَالَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْوَجْه والجهة بِمَعْنى، يُقَال: هَذَا وَجه الرَّائِي، أَي: هُوَ الرَّائِي نَفسه. قلت: هَذَا كَلَام الْجَوْهَرِي، فَإِن أَرَادَ بِذكرِهِ أَن الْوَجْه هَهُنَا بِمَعْنى الْجِهَة فَلَا وَجه لَهُ، وَإِن أَرَادَ أَنه من قبيل هَذَا وَجه الرَّائِي فَلَا وَجه لَهُ أَيْضا، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن تكون لَفْظَة: وَجه، زَائِدَة. وَحمل الْكَلَام على الْفَائِدَة أولى. وَقَالَ الْكرْمَانِي هُنَا أَيْضا، فَإِن قلت: مَفْهُومه أَن الْآتِي بِالْوَاجِبِ إِذا كَانَ مرائياً فِيهِ لَا يُؤجر عَلَيْهِ. قلت: هُوَ حق، نعم يسْقط عَنهُ الْعقَاب لَكِن لَا يحصل لَهُ الثَّوَاب. قلت: حكمه بِسُقُوط الْعقَاب مُطلقًا غير صَحِيح، بل الصَّحِيح التَّفْصِيل فِيهِ، وَهُوَ أَن الْعقَاب الَّذِي يَتَرَتَّب على ترك الْوَاجِب يسْقط لِأَنَّهُ أَتَى بِعَين الْوَاجِب، وَلكنه كَانَ مَأْمُورا أَن يَأْتِي بِمَا عَلَيْهِ بالإخلاص وَترك الرِّيَاء، فَيَنْبَغِي أَن يُعَاقب على ترك الْإِخْلَاص. لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ، وتارك الْمَأْمُور بِهِ يُعَاقب. قَوْله (فِي فَم امْرَأَتك) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فِي فِي امْرَأَتك) ، وَهُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: حذف الْمِيم أصوب، وبالميم لُغَة قَليلَة. قلت: لِأَن أصل فَم: فوه على وزن فعل، بِدَلِيل قَوْلهم: أَفْوَاه، وَهُوَ جمع مَا كَانَ على: فَعْلٍ سَاكن الْعين مُعْتَلًّا كَقَوْلِهِم: ثوب واثواب، وحوض وأحواض، فَإِذا أفردت عوضت من واوها، مِيم، لتثبت، وَلَا تعوض فِي حَال الْإِضَافَة إلاَّ شاذاً، وَإِعْرَابه فِي الْمِيم مَعَ فتح الْفَاء فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث، تَقول: هَذَا فَم، وَرَأَيْت فَمَا، وانتفعت بِفَم. وَمِنْهُم من يكسر الْفَاء على كل حَال، وَمِنْهُم من يرفع على كل حَال، وَمِنْهُم من يعربه من مكانين. فَإِن قلت: لم خص الْمَرْأَة بِالذكر؟ قلت: لِأَن عود مَنْفَعَتهَا إِلَى الْمُنفق، فَإِنَّهَا تؤتر فِي حسن بدنهَا ولباسها، وَالزَّوْجَة من أحظ حظوظه الدُّنْيَوِيَّة وملاذه، وَالْغَالِب من النَّاس النَّفَقَة على الزَّوْجَة لحُصُول شَهْوَته وَقَضَاء وطره، بِخِلَاف الْأَبَوَيْنِ، فَإِنَّهَا رُبمَا تخرج بكلفة ومشقة، فَأخْبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه إِذا قصد باللقمة الَّتِي يَضَعهَا فِي فَم الزَّوْجَة وَجه الله تَعَالَى، وَجعل لَهُ الْأجر مَعَ الداعية، فَمَعَ غير الداعية وتكلف الْمَشَقَّة أولى. 42 - (بَاب قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدِّينُ النَّصِيحَةُ للَّهِ ولِرَسُولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ وقولِهِ تَعَالَى {إِذا نَصَحُوا للَّهِ وَرَسُولِهِ} ) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: إِن بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَلَام إضافي مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، تَقْدِيره: هَذَا بَاب قَول النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَوله: (الدّين) مُبْتَدأ و: (النصِيحَة) خَبره، وَهَذَا التَّرْكِيب
يُفِيد الْقصر والحصر، لِأَن الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِذا كَانَا معرفتين يُسْتَفَاد ذَلِك مِنْهُمَا. فَإِن قلت: مَا مَحل هَذِه الْجُمْلَة؟ قلت: النصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل، وَاللَّام فِي: لله، صلَة، لِأَن الفصيح أَن يُقَال: نصح لَهُ، فَإِن قلت: لِمَ ترك اللَّام فِي عامتهم؟ قلت: لأَنهم كالاتباع للأئمة لَا اسْتِقْلَال لَهُم، وإعادة اللَّام تدل على الِاسْتِقْلَال. قَوْله (وَقَوله تَعَالَى) بِالْجَرِّ، عطف على قَوْله: (قَول النَّبِي) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول، أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَأَنَّهَا لَا تقبل إِلَّا إِذا كَانَت ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى مَعَ ترك الرِّيَاء، وَالْعلم على هَذَا الْوَجْه من جملَة النَّصِيحَة لله تَعَالَى، وَمن جملَة النَّصِيحَة لرَسُوله أَيْضا، حَيْثُ أَتَى بِعَمَلِهِ على وفْق مَا أَمر بِهِ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، مجتنباً عَمَّا نَهَاهُ عَنهُ. ثمَّ إِن البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، ختم كتاب الْإِيمَان بِهَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ حَدِيث عَظِيم جليل حفيل، عَلَيْهِ مدَار الْإِسْلَام، كَمَا قيل: إِنَّه أحد الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْإِسْلَام، فَيكون هَذَا ربع الْإِسْلَام. وَمِنْهُم من قَالَ: يُمكن أَن يسْتَخْرج مِنْهُ الدَّلِيل على جَمِيع الْأَحْكَام. الثَّالِث: أَنه ذكر هَذَا الحَدِيث مُعَلّقا وَلم يُخرجهُ مُسْندًا فِي هَذَا الْكتاب، لِأَن رَاوِي الحَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ، وَأشهر طرقه فِيهِ: سُهَيْل بن أبي صَالح، وَلَيْسَ من شَرطه، لِأَنَّهُ لم يخرج لَهُ فِي صَحِيحه، وَقد أخرج لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، وروى عَنهُ مَالك وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَخلق كثير، وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: سَمِعت عليا يَعْنِي ابْن الْمَدِينِيّ، يَقُول: كَانَ سُهَيْل بن أبي صَالح مَاتَ لَهُ أَخ، فَوجدَ عَلَيْهِ فنسي كثيرا من الْأَحَادِيث. وَقَالَ يحيى بن معِين: لَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه، وَقَالَ ابْن عدي: وَهُوَ عِنْدِي ثَبت لَا بَأْس بِهِ مَقْبُول الْأَخْبَار، وَقد روى عَنهُ الْأَئِمَّة، وَقَالَ الْحَاكِم: وَقد روى مَالك فِي شُيُوخه من أهل الْمَدِينَة النَّاقِد لَهُم، ثمَّ قَالَ فِي أَحَادِيثه بالعراق: إِنَّه نسي الْكثير مِنْهَا وساء حفظه فِي آخر عمره، وَقد أَكثر مُسلم عَنهُ فِي إِخْرَاجه فِي الشواهد مَقْرُونا فِي أَكثر رُوَاته يحافظ لَا يدافع، فَيسلم بذلك من نسبته إِلَى سوء الْحِفْظ، وَلَكِن لما لم يكن عِنْد البُخَارِيّ من شَرطه، لم يَأْتِ فِيهِ بِصِيغَة الْجَزْم، وَلَا فِي معرض الإستدلال بل أدخلهُ فِي التَّبْوِيب فَقَالَ: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا، فَلم يتْرك ذكره لِأَنَّهُ عِنْده من الواهي، بل ليفهم أَنه اطلع عَلَيْهِ أَن فِيهِ عِلّة منعته من إِسْنَاده، وَله من ذَلِك فِي كِتَابَة كثير يقف عَلَيْهِ من لَهُ تَمْيِيز، وَالله أعلم. الرَّابِع: أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عباد الْمَكِّيّ ثَنَا سُفْيَان عَن سُهَيْل عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ عَن تَمِيم الدَّارِيّ أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ: (الدّين النَّصِيحَة. قُلْنَا: لمن؟ قَالَ: لله ولكتابه ولرسله ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم) . وَلَيْسَ لتميم الدَّارِيّ فِي صَحِيح مُسلم غَيره، أخرجه فِي بَاب الْإِيمَان، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن سُهَيْل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ. وَأخرجه إِمَام الْأَئِمَّة، مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي كتاب (السياسة) تأليفه: حَدثنَا عبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء الْمَكِّيّ، حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن سُهَيْل، سَمِعت عَطاء بن يزِيد، حَدثنَا تَمِيم قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الدّين النَّصِيحَة الدّين النَّصِيحَة! فَقَالَ رجل: لمن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة الْمُؤمنِينَ وعامتهم) . الْخَامِس: أَن حَدِيث النَّصِيحَة رُوِيَ عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَهُوَ وهم من سُهَيْل أَو مِمَّن روى عَنهُ. قَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : لَا يَصح إلاَّ عَن تَمِيم، وَلِهَذَا الِاخْتِلَاف لم يُخرجهُ فِي (صَحِيحه) ، وَلِلْحَدِيثِ طرق دون هَذِه فِي الْقُوَّة، فَمِنْهَا مَا أخرجه أَبُو يعلى من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَمِنْهَا مَا أخرجه الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا. السَّادِس: قَوْله (الدّين النَّصِيحَة) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: عماد الدّين وقوامه النَّصِيحَة، كَمَا يُقَال: الْحَج عَرَفَة، أَي: عماد الْحَج وقوامه وقُوف عَرَفَة. وَالتَّقْدِير: مُعظم أَرْكَان الدّين النَّصِيحَة، كَمَا يُقَال: الْحَج عَرَفَة، أَي: مُعظم أَرْكَان الْحَج وقُوف عَرَفَة. وأصل النَّصِيحَة مَأْخُوذ من نصح الرجل ثَوْبه إِذا خاطه بالمنصح، وَهِي الإبرة، وَالْمعْنَى: أَنه يلم شعث أَخِيه بالنصح، كَمَا تلم المنصحة، وَمِنْه التَّوْبَة النصوح، كَأَن الذَّنب يمزق الدّين وَالتَّوْبَة تخيطه. وَقَالَ الْمَازرِيّ: النَّصِيحَة مُشْتَقَّة من: نصحت الْعَسَل إِذا صفيته من الشمع، شبه تَخْلِيص القَوْل من الْغِشّ بتخليص الْعَسَل من الْخَلْط. وَفِي (الْمُحكم) النصح: نقيض الْغِشّ، نصح لَهُ ونصحه ينصح نصحاً أَو نصُوحًا ونصاحة. وَفِي (الْجَامِع) : النصح: بذل الْمَوَدَّة وَالِاجْتِهَاد فِي المشورة. وَفِي كتاب ابْن طريف: نصح قلب الْإِنْسَان: خلص من الْغِشّ. وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ بِاللَّامِ أفْصح. وَفِي (الغريبين) نَصَحته، قَالَ أَبُو زيد أَي: صدقته. وَقَالَ الْخطابِيّ: النَّصِيحَة كلمة جَامِعَة مَعْنَاهَا: حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ، وَيُقَال: هُوَ من وجيز الْأَسْمَاء، ومختصر
الْكَلَام، وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة مُفْردَة تستوفى بهَا الْعبارَة عَن معنى هَذِه الْكَلِمَة، كَمَا قَالُوا فِي الْفَلاح: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة مُفْردَة تستوفى بهَا الْعبارَة عَن معنى مَا جمعت من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. أما النَّصِيحَة لله تَعَالَى: فمعناها يرجع إِلَى الْإِيمَان بِهِ، وَنفي الشّرك عَنهُ، وَترك الْإِلْحَاد فِي صِفَاته، وَوَصفه بِصِفَات الْجلَال والكمال، وتنزيهه تَعَالَى عَن النقائص، وَالْقِيَام بِطَاعَتِهِ وَاجْتنَاب مَعْصِيَته، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عَصَاهُ، وَالِاعْتِرَاف بنعمته وشكره عَلَيْهَا وَالْإِخْلَاص فِي جَمِيع الْأُمُور. قَالَ: وَحَقِيقَة هَذِه الْإِضَافَة رَاجِعَة، إِلَى العَبْد فِي نصيحة نَفسه، فَإِنَّهُ تَعَالَى غَنِي عَن نصح الناصح وَعَن الْعَالمين. وَأما النَّصِيحَة لكتابة، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: فالإيمان بِأَنَّهُ كَلَام الله تَعَالَى، وتنزيهه بِأَنَّهُ لَا يُشبههُ شَيْء من كَلَام الْخلق، وَلَا يقدر على مثله أحد من الْمَخْلُوقَات، ثمَّ تَعْظِيمه وتلاوته حق تِلَاوَته، وَإِقَامَة حُرُوفه فِي التِّلَاوَة، والتصديق بِمَا فِيهِ، وتفهم علومه، وَالْعَمَل بمحكمه، وَالتَّسْلِيم لمتشابهه، والبحث عَن ناسخه ومنسوخه، وعمومه وخصوصه، وَسَائِر وجوهه، وَنشر علومه، وَالدُّعَاء إِلَيْهِ. وَأما النَّصِيحَة لرَسُوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: فتصديقه على الرسَالَة وَالْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وطاعته فِي أوامره ونواهيه، ونصرته حَيا وَمَيتًا، وإعظام حَقه وإحياء سنته، والتلطف فِي تعلمهَا وَتَعْلِيمهَا والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بَيته وَأَصْحَابه. وَأما النَّصِيحَة للأئمة: فمعاونتهم على الْحق وطاعتهم فِيهِ، وتذكيرهم بِرِفْق وَترك الْخُرُوج عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ وَنَحْوه، وَالصَّلَاة خَلفهم، وَالْجهَاد مَعَهم وَأَدَاء الصَّدقَات إِلَيْهِم، هَذَا على الْمَشْهُور من أَن المُرَاد من الْأَئِمَّة أَصْحَاب الْحُكُومَة: كالخلفاء والولاة، وَقد يؤول بعلماء الدّين، ونصيحتهم قبُول مَا رَوَوْهُ وتقليدهم فِي الْأَحْكَام وإحسان الظَّن بهم. وَأما نصيحة الْعَامَّة: فإرشادهم لمصالحهم فِي آخرتهم ودنياهم، وكف الْأَذَى عَنْهُم: وَتَعْلِيم مَا جهلوا، وإعانتهم على الْبر وَالتَّقوى، وَستر عَوْرَاتهمْ والشفقة عَلَيْهِم، وَأَن يحب لَهُم مَا يحب لنَفسِهِ من الْخَيْر. السَّابِع: فِي الحَدِيث فَوَائِد. مِنْهَا: مَا قيل: إِن الدّين يُطلق على الْعَمَل لكَونه سمى النَّصِيحَة: دينا. وَمِنْهَا: إِن النَّصِيحَة فرض على الْكِفَايَة لَازِمَة على قدر الطَّاقَة إِذا علم الناصح أَنه يقبل نصحه، ويطاع أمره وَأمن على نَفسه الْمَكْرُوه، فَإِن خشِي فَهُوَ فِي سَعَة، فَيجب على من علم بِالْمَبِيعِ عَيْبا أَن يُبينهُ بَائِعا كَانَ أَو أَجْنَبِيّا، وَيجب على الْوَكِيل وَالشَّرِيك والخازن النصح. وَمِنْهَا: أَن النَّصِيحَة كَمَا هِيَ فرض للمذكورين، فَكَذَلِك هِيَ فرض لنَفسِهِ، بِأَن ينصحها بامتثال الْأَوَامِر وَاجْتنَاب المناهي. الثَّامِن: قَوْله تَعَالَى: {إِذا نصحوا لله وَرَسُوله} (التَّوْبَة: 91) فِي سُورَة بَرَاءَة وَأول الْآيَة: {لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج إِذا نصحوا لله وَرَسُوله} (التَّوْبَة: 91) الْآيَة. أكَّد الحَدِيث الْمَذْكُور بِهَذِهِ الْآيَة، وَالْمرَاد بالضعفاء: الزمنى والهرمى، وَالَّذين لَا يَجدونَ: الْفُقَرَاء. والنصح لله وَرَسُوله: الْإِيمَان بهما وطاعتهما فِي السِّرّ والعلن. 57 - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنا يَحْيَى عَنْ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثني قَيْسُ بنُ أبي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وإِيتَاءِ الزَّكاةِ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الْمَذْكُور فِيهِ: (والنصح لكل مُسلم) . وَفِي التَّرْجَمَة: لعامة الْمُسلمين، وَمُرَاد البُخَارِيّ من التَّرْجَمَة وُقُوع الدّين على الْعَمَل، فَإِنَّهُ سمى النَّصِيحَة: دينا. وَقَالَ ابْن بطال: مَقْصُوده الرَّد على من زعم أَن الْإِسْلَام القَوْل دون الْعَمَل، وَهُوَ ظَاهر الْعَكْس، لِأَنَّهُ لما بَايعه على الْإِسْلَام شَرط عَلَيْهِ: والنصح لكل مُسلم، فَلَو دخل فِي الْإِسْلَام لما اسْتَأْنف لَهُ بيعَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: مُسَدّد بن مسرهد، تقدم. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان، تقدم. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ التَّابِعِيّ، تقدم. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، واسْمه عبد عَوْف، وَيُقَال: عَوْف بن عبد الْحَارِث بن الْحَارِث بن عَوْف، الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي التَّابِعِيّ المخضرم، أدْرك الْجَاهِلِيَّة، وَجَاء ليبايع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقبض وَهُوَ فِي الطَّرِيق، ووالده صَحَابِيّ، سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، وَلَيْسَ فِي التَّابِعين من يروي عَنْهُم غَيره، وَقيل: لم يسمع من عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعنهُ جمَاعَة من التَّابِعين، وجلالته مُتَّفق عَلَيْهَا وَهُوَ أَجود النَّاس إِسْنَادًا، كَمَا قَالَه أَبُو دَاوُد. وَمن طُرف أَحْوَاله أَنه روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة لم يرو عَنْهُم غَيره مِنْهُم أَبوهُ ودكين بن سعيد والصنابح بن الأعسر ومرداس الْأَسْلَمِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَاتَ سنة أربعٍ وَقيل: سبع وَثَمَانِينَ، وَقيل: سنة ثَمَان
وَتِسْعين روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: جرير بن عبد الله بن جَابر بن مَالك بن نضر بن ثَعْلَبَة البَجلِيّ الأحمسي، أَبُو عبد الله، أَبُو عمر، نزل الْكُوفَة ثمَّ تحول إِلَى قرقيسيا، وَبهَا توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين، وَقيل: غير ذَلِك، لَهُ مائَة حَدِيث، اتفقَا مِنْهَا على ثَمَانِيَة، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث، وَمُسلم بِسِتَّة. كَذَا فِي (شرح قطب الدّين) وَفِي (شرح النَّوَوِيّ) ، لَهُ مِائَتَا حَدِيث انْفَرد البُخَارِيّ بِحَدِيث، وَقيل: بِسِتَّة وَلَعَلَّ صَوَابه: وَمُسلم بِسِتَّة بدل: وَقيل بِسِتَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي (شَرحه) : لجرير عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مائَة حَدِيث ذكر البُخَارِيّ مِنْهَا تِسْعَة وَهَذَا غلط صَرِيح، وَكَانَ قدومه على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سنة عشر فِي رَمَضَان فَبَايعهُ وَأسلم. وَقيل: أسلم قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى سَنَام الْبَعِير كَانَت صنمه ذِرَاعا، وَاعْتَزل الْفِتْنَة، وَكَانَ يدعى يُوسُف هَذِه الْأمة لحسنه، روى عَنهُ بنوه: عبد الله وَالْمُنْذر وَإِبْرَاهِيم، وَابْن ابْنه أَبُو زرْعَة هرم، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي تَرْجَمته أَن غُلَامه اشْترى لَهُ فرسا بثلاثمائة، فَلَمَّا رَآهُ جَاءَ إِلَى صَاحبه فَقَالَ؛ إِن فرسك خير من ثلثمِائة، فَلم يزل يزِيدهُ حَتَّى أعطَاهُ ثَمَانمِائَة. وَقَالَ: بَايَعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على النصح لكل مُسلم. وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة جرير بن عبد الله البَجلِيّ، إلاَّ هَذَا. وَمِنْهُم جرير بن عبد الله الْحِمْيَرِي فَقَط، وَقيل: ابْن عبد الحميد، وَمِنْهُم جرير بن الأرقط، وَجَرِير بن أَوْس الطَّائِي، وَقيل: جريم، وَأَبُو جرير يروي حَدِيثا عَن ابْن أبي ليلى عَنهُ. بَيَان الْأَنْسَاب: البَجلِيّ: فِي كهلان، بِفَتْح الْجِيم، ينْسب إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَهُوَ مذْحج، كَانَت عِنْد أَنْمَار بن أراش بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان فولده مِنْهَا، وهم: عبقر والغوث وجهينة، ينسبون إِلَيْهَا، مِنْهُم: جرير بن عبد الله الْمَذْكُور، قَالَ الرشاطي: جرير بن عبد الله بن جَابر، وَهُوَ الشليل بن مَالك بن نضر بن ثَعْلَبَة بن جشم بن عريف بن خُزَيْمَة بن عَليّ بن مَالك بن سعد بن نَذِير بن قسر وَهُوَ مَالك بن عبقر وَهُوَ ولد بجيلة، ذكره أَبُو عَمْرو وَرفع نسبه. غير أَنه قَالَ فِي خُزَيْمَة: جزيمة، وَفِي عَليّ: عدي، وَكِلَاهُمَا وهم وتصحيف، وكما ذكرناهما ذكره ابْن الْكَلْبِيّ وَابْن حبيب وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: اشتقاق: البجيلة، من الغلظ، يُقَال: ثوب بجيل، أَي: غليظ، و: رجل بجال، أَيْضا: إِذا كَانَ غليظاً سميناً، وكل شَيْء عَظمته وغلظته فقد بجلته. الأحمسي: بِالْحَاء الْمُهْملَة، فِي بجيلة: أحمس بن الْغَوْث والغوث هَذَا ابْن لبجيلة، كَمَا ذكرنَا من حمس الرجل: إِذا شجع، وَأَيْضًا هاج وَغَضب، وَهُوَ حمس وأحمس: كَرجل وأرجل، وَفِي ربيعَة أَيْضا: أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، مِنْهُم المتلمس الشَّاعِر، وَهُوَ: جرير بن عبد الْمَسِيح بن عبد الله بن زيد بن دوقن بن حَرْب بن وهب بن جلى بن أحمس بن ضبيعة. بَيَان لطائف أسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد والعنعنة، وَلَا يخفى الْفرق بَين الصيغتين. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون مَا خلا مُسَددًا. وَمِنْهَا: إِن ثَلَاثَة مِنْهُم، وهم: إِسْمَاعِيل وَقيس وَجَرِير مَكْنُون بِأبي عبد الله. وَمِنْهَا: أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كلهم بجليون. وَمِنْهَا: أَن الأثنين مِنْهُم إِسْمَاعِيل وَقيس تابعيان. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا كَمَا ترى، وَأخرجه أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن يحيى، وَفِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَن أَبِيه، وَفِي الْبيُوع عَن عَليّ عَن سُفْيَان، وَفِي الشُّرُوط عَن مُسَدّد أَيْضا عَن يحيى، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير، وَأبي أُسَامَة عَن يحيى بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيعَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله (بَايَعت) ، من الْمُبَايعَة، وَهُوَ عقد الْعَهْد، وَهُوَ فعل وفاعل و: (رَسُول الله) ، كَلَام إضافي مَفْعُوله. قَوْله (على إقَام الصَّلَاة) أَصله: إِقَامَة الصَّلَاة، وَإِنَّمَا جَازَ حذف التَّاء لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ عوض عَنْهَا، قد مر تَفْسِير: إِقَامَة الصَّلَاة. قَوْله (وإيتاء الزَّكَاة) أَي: إعطائها قَوْله (والنصح) بِالْجَرِّ، عطف على الْمَجْرُور قبله. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله (بَايَعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) : كَانَت مبايعته عَلَيْهِ السَّلَام لأَصْحَابه فِي أَوْقَات بِحَسب الْحَاجة إِلَيْهَا من: تَحْدِيد عهد أَو توكيد أَمر، فَلِذَا اخْتلفت ألفاظها، كَمَا سَيَأْتِي. وَأَخْرَجَا من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن جرير رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (بَايَعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على السّمع وَالطَّاعَة، فلقتني فِيمَا اسْتَطَعْت، والنصح لكل مُسلم) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان من طَرِيق أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير عَن جده. وَزَاد فِيهِ: (فَكَانَ جرير إِذا اشْترى وَبَاعَ يَقُول لصَاحبه: إعلم أَن مَا أَخذنَا مِنْك أحب إِلَيْنَا مِمَّا أعطيناكه، فاختر) . قَوْله (فِيمَا اسْتَطَعْت) رُوِيَ بِضَم التَّاء وَفتحهَا، قَالَه قطب الدّين فِي (شَرحه) : ثمَّ قَالَ: فعلى الرّفْع يحْتَاج جرير
ينْطق بهَا. أَي: قل فِيمَا اسْتَطَعْت، وَهُوَ مُوَافق لقَوْله تَعَالَى: {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} (الْبَقَرَة: 233) وَالْمَقْصُود من هَذِه اللَّفْظَة التَّنْبِيه على أَن المُرَاد: فِيمَا اسْتَطَعْت من الْأُمُور المبايع عَلَيْهَا، هُوَ: مَا يُطَاق، كَمَا هُوَ الْمُشْتَرط فِي أصل التَّكْلِيف، وَفِي قَوْله: لَقَّنَنِي، دلَالَة على كَمَال شَفَقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْخطابِيّ: جعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّصِيحَة للْمُسلمين شرطا فِي الَّذِي يُبَايع عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة، فَلذَلِك ترَاهُ قرنها بهما. فَإِن قلت: لِمَ اقْتصر عَلَيْهِمَا وَلم يذكر الصَّوْم وَغَيره؟ قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: لدُخُول ذَلِك فِي السّمع وَالطَّاعَة، يَعْنِي الْمَذْكُور، فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن، وَقَالَ غَيره: إِنَّمَا اقْتصر عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا أهم أَرْكَان الدّين وأظهرها، وهما الْعِبَادَات: الْبَدَنِيَّة والمالية. 58 - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ قَالَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عَلَيْهِ وقالَ عَلَيْكُمْ بِإِتّقَاءِ اللَّهِ وحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ والوَقَارِ والسَّكِينَةِ حَتَّى يأْتِيَكُمُ أميرٌ فإِنَّماَ يأْتِيكُمْ الآْنَ ثُمَّ قالَ اسْتَعْفُوا لامِيركُمْ فإِنَّهُ كانَ يُحِبُّ العَفْوَ ثُمَّ قالَ أمّا بَعْدُ فإِنِّي أتَيْتُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَشَرَطَ عَلَيَّ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا ورَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.. هَذَا الحَدِيث يدل على بعض التَّرْجَمَة المستلزم للْبَعْض الآخر، إِذْ النصح لِأَخِيهِ الْمُسلم لكَونه مُسلما إِنَّمَا هُوَ فرع الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة. الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل، السدُوسِي الْبَصْرِيّ، الْمَعْرُوف بعارم، بمهملتين، وَهُوَ لقب رَدِيء، لِأَن العارم: الشرير الْمُفْسد. يُقَال: عرم يعرم عرامة، بِالْفَتْح، وَصبي عَارِم أَي: شرير بَين العرام، بِالضَّمِّ. وَكَانَ رَحمَه الله بَعيدا مِنْهُ، لَكِن لزمَه هَذَا اللقب فاشتهر بِهِ، سمع ابْن الْمُبَارك وخلائق، وروى عَنهُ البُخَارِيّ وَغَيره من الْأَعْلَام، قَالَ أَبُو حَاتِم: إِذا حَدثَك عَارِم فاختم عَلَيْهِ. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن: سَمِعت أبي يَقُول: اخْتَلَط أَبُو النُّعْمَان فِي آخر عمره وَزَالَ عقله، فَمن سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط فسماعه صَحِيح. وَكتب عَنهُ قبل الِاخْتِلَاط سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم بِوَاسِطَة، وَالْأَرْبَعَة كَذَلِك، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِالْفَتْح، واسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: زِيَاد بن علاقَة، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف، ابْن مَالك الثَّعْلَبِيّ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، الْكُوفِي، أَبُو مَالك، سمع جَرِيرًا وَعَمه قُطْبَة بن مَالك وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة، وَغَيرهم. وَعنهُ جماعات من التَّابِعين مِنْهُم الْأَعْمَش، وَكَانَ يخضب بِالسَّوَادِ. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة، مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة. الرَّابِع: جرير رَضِي الله عَنهُ. بَيَان الْأَنْسَاب: السدُوسِي: بِفَتْح السِّين الأولى: نِسْبَة إِلَى سدوس، اسْم قَبيلَة. وَقَالَ الرشاطي: السدُوسِي، فِي بكر بن وَائِل، وَفِي تَمِيم. فَالَّذِي فِي بكر بن وَائِل: سدوس بن شَيبَان بن ذهل بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل، مِنْهُم من الصَّحَابَة قُطْبَة بن قَتَادَة، وَالَّذِي فِي تَمِيم: سدوس بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة، وَأعلم أَن كل سدوسي فِي الْعَرَب بِفَتْح السِّين إلاَّ سدوس بن أصمع بن أبي بن عبيد بن ربيعَة بن نصر بن سعد بن نَبهَان بن طي، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: السدوس: الطيلسان. الثَّعْلَبِيّ: بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي غطفان: ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وَفِي أَسد بن خُزَيْمَة: ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري وواسطي. وَمِنْهَا: أَنه من رباعيات البُخَارِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا كَمَا ترى، وَأخرجه فِي الشُّرُوط عَن أبي نعيم عَن الثَّوْريّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الثَّوْريّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة، وَفِي السّير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد المَقْبُري، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي الشُّرُوط عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد عَن شُعْبَة عَنهُ نَحوه.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله (وَالْوَقار) ، بِفَتْح الْوَاو، الرزانة، (والسكينة) ، السّكُون وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السكينَة: الْوَدَاع، وَالْوَقار، قَوْله (استعفوا) ، من الاستعفاء، وَهُوَ طلب الْعَفو، وَالْمعْنَى: اطْلُبُوا لَهُ الْعَفو من الله. كَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْوَاو فِي آخِره، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: (اسْتَغْفرُوا) ، بغين مُعْجمَة وَرَاء، من الاسْتِغْفَار، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ فِي (الْمُسْتَخْرج) . بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله (سَمِعت) . جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَجَرِير بن عبد الله مَفْعُوله، وَفِيه تَقْدِير لَا يَصح الْكَلَام، إِلَّا بِهِ، لِأَن جَرِيرًا ذَات، والمسموع هُوَ الصَّوْت والحروف، وَهُوَ: سَمِعت قَول جرير بن عبد الله أَو نَحوه، فَلَمَّا حذف هَذَا وَقع مَا بعده تَفْسِيرا لَهُ، وَهُوَ قَوْله: يَقُول. وَيَوْم نصب على الظَّرْفِيَّة أضيف إِلَى الْجُمْلَة، أَعنِي: قَوْله: مَاتَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة. قَوْله (قَامَ) جملَة استئنافية لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب. قَوْله (فَحَمدَ الله) عطف عَلَيْهِ، أَي: عقيب قِيَامه حمد الله تَعَالَى. قَوْله (عَلَيْكُم) اسْم من أَسمَاء الْأَفْعَال مَعْنَاهُ: الزموا اتقاء الله. قَوْله (وَحده) ، نصب على الحالية، وَإِن كَانَ معرفَة لِأَنَّهُ مؤول إِمَّا بِأَنَّهُ فِي معنى وَاحِدًا، وَإِمَّا بِأَنَّهُ مصدر: وحد يحد وحداً، نَحْو وعد يعد وَعدا. قَوْله (لَا شريك لَهُ) ، جملَة تؤكد معنى: وَحده. قَوْله (وَالْوَقار) بِالْجَرِّ عطف على: باتقاء الله، أَي: وَعَلَيْكُم بالوقار والسكون. قَوْله (حَتَّى يأتيكم أَمِير) . كلمة: حَتَّى، هَذِه للغاية، و: يأتيكم، مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة بعد حَتَّى. فَإِن قلت: هَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يكون بعد إتْيَان الْأَمِير الاتقاء وَالْوَقار والسكون، لِأَن حكم مَا بعد: حَتَّى، الَّتِي للغاية خلاف مَا قبل. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: لَا نسلم أَن حكمه خلاف مَا قبله، سلمنَا لكنه غَايَة لِلْأَمْرِ بالاتقاء لَا للأمور الثَّلَاثَة، أَو غَايَة للوقار والسكون لَا للاتقاء، أَو غَايَة للثَّلَاثَة. وَبعد الْغَايَة، يَعْنِي عِنْد إتْيَان الْأَمِير يلْزم ذَلِك بِالطَّرِيقِ الأولى، وَهَذَا مَبْنِيّ على قَاعِدَة أصولية وَهِي: إِن شَرط اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالفَة فقدان مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَإِذا اجْتمعَا يقدم الْمَفْهُوم الْمُوَافق على الْمُخَالف. قلت: مَفْهُوم الْمُوَافقَة مَا كَانَ حكم الْمَسْكُوت عَنهُ مُوَافقا لحكم الْمَنْطُوق بِهِ، كمفهوم تَحْرِيم الضَّرْب للْوَالِدين، من تنصيص تَحْرِيم التأفيف لَهما، وَمَفْهُوم الْمُخَالفَة مَا كَانَ حكم الْمَسْكُوت عَنهُ مُخَالفا لحكم الْمَنْطُوق، كفهم نفي الزَّكَاة عَن العلوفة بتنصيصه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على وجوب الزَّكَاة فِي الْغنم السَّائِمَة. قَوْله (فَإِنَّمَا يأتيكم) أَي: الْأَمِير، وَكلمَة: إِنَّمَا، من أَدَاة الْحصْر. قَوْله (الْآن) ، نصب على الظّرْف. قَوْله (فَإِنَّهُ) الْفَاء: فِيهِ للتَّعْلِيل. وَقَوله (كَانَ يحب الْعَفو) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر إِن. قَوْله (أما بعد) ، كلمة: أما، فِيهَا معنى الشَّرْط، فَلذَلِك كَانَت الْفَاء لَازِمَة لَهَا، و: بعد، من الظروف الزمانية، وَكَثِيرًا مَا يحذف مِنْهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ ويبنى على الضَّم، وَيُسمى غَايَة. وَهَهُنَا قد حذف، فَلذَلِك بني على الضَّم، وَالْأَصْل: أما بعد الْحَمد لله وَالثنَاء عَلَيْهِ، أَو التَّقْدِير: أما بعد كَلَامي هَذَا، فَإِنِّي أتيت: قَوْله (قلت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل بدل من قَوْله (أتيت) فَلذَلِك ترك العاطف حَيْثُ لم يقل: وَقلت، أَو: هِيَ اسْتِئْنَاف. وَقَوله: فَشرط على بتَشْديد الْيَاء فِي: على، على الصَّحِيح من الرِّوَايَات، وَالْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره: فَشرط على الْإِسْلَام. قَوْله (والنصح) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ عطف على الْإِسْلَام، أَي: وعَلى النصح لكل مُسلم، وَيجوز فِيهِ النصب عطفا على مفعول شَرط مُقَدّر تَقْدِيره: وَشرط النصح لكل مُسلم. قَوْله (على) هَذَا إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور من الْإِسْلَام والنصح كليهمَا. قَوْله (وَرب هَذَا الْمَسْجِد) الْوَاو فِيهِ للقسم، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَسْجِد الْكُوفَة. قَوْله (إِنِّي لناصح) جَوَاب الْقسم، وأكده بِأَن وَاللَّام وَالْجُمْلَة الإسمية. قَوْله (وَنزل) أَي: عَن الْمِنْبَر، أَو مَعْنَاهُ: قعد، لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة: قَامَ. فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله (يَوْم مَاتَ الْمُغيرَة) . كَانَت وَفَاته سنة خمسين من الْهِجْرَة، وَكَانَ والياً على الْكُوفَة فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، واستناب عِنْد مَوته ابْنه عَرَفَة. وَقيل: استناب جَرِيرًا الْمَذْكُور، وَلِهَذَا خطب الْخطْبَة الْمَذْكُورَة. قَوْله (فَحَمدَ الله) . أَي اثنى عَلَيْهِ بالجميل، وَأثْنى عَلَيْهِ أَي: ذكره بِالْخَيرِ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِالْحَمْد وَصفه متحلياً بالكمالات، وبالثناء وَصفه متخلياً عَن النقائص، فَالْأول إِشَارَة إِلَى الصِّفَات الوجودية، وَالثَّانِي: إِلَى الصِّفَات العدمية: أَي التنزيهات. قَوْله (حَتَّى يأتيكم أَمِير) أَي: بدل هَذَا الْأَمِير الَّذِي مَاتَ، وَهُوَ الْمُغيرَة. فَإِن قلت: لم نصحهمْ بالحلم والسكون؟ قلت: لِأَن الْغَالِب أَن وَفَاة الْأُمَرَاء تُؤدِّي إِلَى الْفِتْنَة وَالِاضْطِرَاب بَين النَّاس، والهرج والمرج، وَأما ذكره الاتقاء فَلِأَنَّهُ ملاك الْأَمر وَرَأس كل خير، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا يتَعَلَّق بمصالح الدّين، وبالوقار والسكينة إِلَى مَا يتَعَلَّق بمصالح الدُّنْيَا. وَقَوله (فَإِنَّمَا يأتيكم الْآن) إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَته، فَيكون ذَلِك الْأَمِير جَرِيرًا بِنَفسِهِ. لما روى أَن الْمُغيرَة اسْتخْلف جَرِيرًا على الْكُوفَة عِنْد مَوته على مَا ذكرنَا، أَو يُرِيد بِهِ الْمدَّة الْقَرِيبَة من
الْآن فَيكون ذَلِك الْأَمِير زياداً، إِذْ ولاه مُعَاوِيَة بعد وَفَاة الْمُغيرَة الْكُوفَة. قَوْله (استعفوا) أَي: اسألوا الله تَعَالَى لأميركم الْعَفو فَإِنَّهُ كَانَ يحب الْعَفو عَن ذنُوب النَّاس، إِذْ يُعَامل بالشخص كَمَا هُوَ يُعَامل بِالنَّاسِ، وَفِي الْمثل السائر: كَمَا تدين تدان، وَقيل: كَمَا تكيل تكال. وَقَالَ ابْن بطال: جعل الْوَسِيلَة إِلَى عَفْو الله بِالدُّعَاءِ بأغلب خلال الْخَيْر عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ يُحِبهُ فِي حَيَاته، وَكَذَلِكَ يجزى كل أحد يَوْم الْقِيَامَة بِأَحْسَن أخلاقه وأعماله. قَوْله (وَرب هَذَا الْمَسْجِد) يشْعر بِأَن خطبَته كَانَت فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَيجوز أَن تكون إِشَارَة إِلَى جِهَة الْمَسْجِد، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: وَرب الْكَعْبَة، ذكر ذَلِك للتّنْبِيه على شرف الْمقسم بِهِ، ليَكُون أدعى للقبول. قَوْله (إِنِّي لنا صَحَّ) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه وَفِي بِمَا بَايع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَن كَلَامه صَادِق خَالص عَن الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة. فَإِن قلت: النصح للْكَافِرِ يَصح بِأَن يدعى إِلَى الْإِسْلَام ويشار عَلَيْهِ بِالصَّوَابِ إِذا اسْتَشَارَ فَلِمَ، قَيده بقوله (لكل مُسلم) ، وَبِقَوْلِهِ: (لكم) ؟ قلت: هَذَا التَّقْيِيد من حَيْثُ الْأَغْلَب فَقَط. فَافْهَم.
كتاب العلم
3 - (كتاب الْعلم) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: أَن لفظ: كتاب، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى الْعلم، وَالتَّقْدِير: هَذَا كتاب الْعلم. أَي: فِي بَيَان مَا يتَعَلَّق بِهِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي بَيَان مَاهِيَّة الْعلم، لِأَن النّظر فِي الماهيات وحقائق الْأَشْيَاء لَيْسَ من فن الْكتاب. الثَّانِي: أَنه قدم هَذَا الْكتاب على سَائِر الْكتب الَّتِي بعده لِأَن مدَار تِلْكَ الْكتب كلهَا على الْعلم، وَإِنَّمَا لم يقدم على كتاب الْإِيمَان لِأَن الْإِيمَان أول وَاجِب على الْمُكَلف، أَو لِأَنَّهُ أفضل الْأُمُور على الْإِطْلَاق وَأَشْرَفهَا. وَكَيف لَا وَهُوَ مبدأ كل خير علما وَعَملا؟ ومنشأ كل كَمَال دقاً وجلاً؟ . فَإِن قلت: فَلِمَ قدم كتاب الْوَحْي عَلَيْهِ؟ قلت: لتوقف معرفَة الْإِيمَان وَجَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالدّينِ عَلَيْهِ، أَو لِأَنَّهُ أول خير نزل من السَّمَاء إِلَى هَذِه الْأمة. وَقد أشبعنا الْكَلَام فِي كتاب الْإِيمَان. فليعاود هُنَاكَ. الثَّالِث: أَن الْعلم فِي اللُّغَة مصدر: علمت وَأعلم علما. قَالَ الْجَوْهَرِي: علمت الشَّيْء أعلمهُ علما: عَرفته، بِالْكَسْرِ، فَهَذَا كَمَا ترى لم يفرق بَين الْعلم والمعرفة، وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر، لِأَن الْمعرفَة إِدْرَاك الجزئيات، وَالْعلم إِدْرَاك الكليات، وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال: الله عَارِف كَمَا يُقَال: عَالم. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْعلم نقيض الْجَهْل، علم علما، وَعلم هُوَ نَفسه، وَرجل عَالم وَعَلِيم من قوم عُلَمَاء، وعلاَّم وعلامة من قوم علامين، والعلام والعلامة: النسابة. وَيُقَال، إِذا بولغ فِي وصف الشَّخْص بِالْعلمِ، يُقَال لَهُ: عَلامَة، وَعلمه الْعلم وأعلمه إِيَّاه فتعلمه، وَفرق سِيبَوَيْهٍ بَينهمَا، فَقَالَ: علمت كأدبت، وأعلمت كأديت. وَقَالَ أَبُو عبيد عبد الرحمان: عالمني فلَان فعلمته أعلمهُ، بِالضَّمِّ، وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ من هَذَا الْبَاب بِالْكَسْرِ فِي: يفعل، فَإِنَّهُ فِي بَاب المغالبة يرفع إِلَى الضَّم: كضاربته فضربته أضربه. وَعلم بالشَّيْء: شعر، وَقَالَ يَعْقُوب: إِذا قيل لَك: اعْلَم كَذَا. قلت: قد علمت. وَإِذا قيل: تعلم. لم تقل: قد تعلمت. وَفِي الْمُخَصّص: عَلمته الْأَمر، وأعلمته إِيَّاه فَعلمه وتعلمه. وَقَالَ أَبُو عَليّ: سمي الْعلم علما لِأَنَّهُ من الْعَلامَة، وَهِي الدّلَالَة وَالْإِشَارَة، وَمِمَّا هُوَ ضرب من الْعلم. قَوْلهم: الْيَقِين، وَلَا ينعكس فَنَقُول: كل يَقِين علم، وَلَيْسَ كل علم يَقِينا، وَذَلِكَ أَن الْيَقِين علم يحصل بعد استكمال اسْتِدْلَال وَنظر لغموض فِيهِ، وَالْعلم: النّظر والتصفح، وَمن الْعلم الدِّرَايَة، وَهِي ضرب مِنْهُ مَخْصُوص. ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي حد الْعلم، فَقَالَ بَعضهم: لَا يحد، وَهَؤُلَاء اخْتلفُوا فِي سَبَب عدم تحديده، فَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ: لعسر تحديده، وَإِنَّمَا تَعْرِيفه بِالْقِسْمَةِ والمثال. وَقَالَ بَعضهم، وَمِنْهُم الإِمَام فَخر الدّين: لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ، إِذْ لَو لم يكن ضَرُورِيًّا لزم الدّور، وَاللَّازِم بَاطِل، فالملزوم مثله. بَيَان الْمُلَازمَة: أَنه لَو لم يكن ضَرُورِيًّا لَكَانَ نظرياً، إِذْ لَا وَاسِطَة، وَلَو كَانَ نظرياً لزم الدّور، ينْتج أَنه لَو لم يكن ضَرُورِيًّا لزم الدّور، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه لَو كَانَ نظرياً لزم الدّور، لِأَنَّهُ لَو كَانَ نظرياً لعلم بِغَيْر الْعلم لِامْتِنَاع اكتسابه من نَفسه، وَغير الْعلم لَا يعلم إِلَّا بِالْعلمِ، فليزم معرفَة الْعلم بِغَيْر الْعلم الَّذِي لَا يعلم إِلَّا بِالْعلمِ، فَيلْزم الدّور، وَهُوَ محَال لاستلزامه تقدم الشَّيْء على نَفسه، واستلزامه امْتنَاع تصور الْعلم المتصور. وَقَالَ الْآخرُونَ: إِنَّه يحد، وَلَهُم فِيهِ أَقْوَال، وَأَصَح الْحُدُود أَنه صفة من صِفَات النَّفس، توجب تمييزاً لَا يحْتَمل النقيض فِي الْأُمُور المعنوية، فَقَوله: صفة، جنس لتنَاوله لجَمِيع صِفَات النَّفس. وَقَوله: توجب تمييزاً، احْتِرَاز عَمَّا لم يُوجب تمييزاً كالحياة. وَقَوله: لَا يحْتَمل النقيض، احْتِرَاز عَن مِثَال الظَّن، وَقَوله: فِي الْأُمُور المعنوية، يخرج إِدْرَاك الْحَواس، لِأَن إِدْرَاكهَا فِي الْأُمُور الظَّاهِرَة المحسوسة.
باب فضل العلم
1 - (بابُ فَضْلِ العِلْمِ) كَذَا وَقع فِي بعض النّسخ، مصدرا بالبسملة بعْدهَا: بَاب فضل الْعلم، وَفِي بَعْضهَا، لَا يُوجد ذَلِك كُله، بل الْمَوْجُود هَكَذَا: كتاب الْعلم، وَقَول الله تَعَالَى ... الخ. وَفِي بَعْضهَا الْبَسْمَلَة مُقَدّمَة على لفظ كتاب الْعلم، هَكَذَا: بِسم الله الرحمان الرَّحِيم كتاب الْعلم. وَهِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالْأول رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة وَغَيرهمَا، اعني أَن روايتهما، أَن الْبَسْمَلَة بَين الْكتاب وَالْبَاب. وقَوْلُ الله تَعالى: {يَرْفَع الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيْرٌ} (المجادلة: 11) وقَوْلِهِ: {عَزَّ وَجَلَّ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (طه: 114) . اكْتفى البُخَارِيّ فِي بَيَان فضل الْعلم بِذكر الْآيَتَيْنِ الكريمتين، لِأَن الْقُرْآن من أقوى الْحجَج القاطعة، وَالِاسْتِدْلَال بِهِ فِي بَاب الْإِثْبَات وَالنَّفْي أقوى من الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِهِ. وَنقل الْكرْمَانِي عَن بعض الشاميين أَن البُخَارِيّ بوب الْأَبْوَاب وَذكر التراجم، وَكَانَ يلْحق بالتدريج إِلَيْهَا الْأَحَادِيث الْمُنَاسبَة لَهَا، فَلم يتَّفق لَهُ أَن يلْحق إِلَى هَذَا الْبَاب وَنَحْوه شَيْئا مِنْهَا، إِمَّا لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده حَدِيث يُنَاسِبه بِشَرْطِهِ، وَإِمَّا لأمر آخر. وَنقل أَيْضا عَن بعض أهل الْعرَاق أَنه ترْجم لَهُ، وَلم يذكر شَيْئا فِيهِ قصدا مِنْهُ، ليعلم أَنه لم يثبت فِي ذَلِك الْبَاب شَيْء عِنْده. قلت: هَذَا كُله كَلَام غير سديد لَا طائل تَحْتَهُ، وَالْأَحَادِيث والْآثَار الصَّحِيحَة كَثِيرَة فِي هَذَا الْبَاب، وَلم يكن البُخَارِيّ عَاجِزا عَن إِيرَاد حَدِيث صَحِيح على شَرطه، أَو أثر صَحِيح من الصَّحَابَة أَو التَّابِعين، مَعَ كَثْرَة نَقله واتساع رِوَايَته، وَلَئِن سلمنَا أَنه لم يثبت عِنْده مَا يُنَاسب هَذَا الْبَاب، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يذكر هَذَا الْبَاب. فَإِن قلت: ذكره للإعلام بِأَنَّهُ لم يثبت فِيهِ شَيْء عِنْده، كَمَا قَالَه بعض أهل الْعرَاق. قلت: ترك الْبَاب فِي مثل هَذَا يدل على الْإِعْلَام بذلك، فَلَا فَائِدَة فِي ذكره حينئذٍ. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَمَا تَقول فِيمَا يترجم بعد هَذَا بِبَاب فضل الْعلم وينقل فِيهِ حَدِيثا يدل على فضل الْعلم؟ قلتُ: الْمَقْصُود بذلك الْفضل غير هَذَا، الْفضل إِذْ ذَاك بِمَعْنى: الْفَضِيلَة، أَي الزِّيَادَة فِي الْعلم، وَهَذَا بِمَعْنى كَثْرَة الثَّوَاب عَلَيْهِ. قلت: هَذَا فرق عَجِيب، لِأَن الزِّيَادَة فِي الْعلم تَسْتَلْزِم كَثْرَة الثَّوَاب عَلَيْهِ. فَلَا فرق بَينهمَا فِي الْحَقِيقَة، وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْموضع أَن لفظ: بَاب الْعلم، لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مَذْكُورا هَهُنَا، وَبعد بَاب رفع الْعلم وَظُهُور الْجَهْل، على مَا عَلَيْهِ بعض النّسخ، أَو يكون مَذْكُورا هُنَاكَ فَقَط. فَإِن كَانَ الأول فَهُوَ تكْرَار فِي التَّرْجَمَة بِحَسب الظَّاهِر، وَإِن كَانَ الثَّانِي فَلَا يحْتَاج إِلَى الاعتذارات الْمَذْكُورَة، مَعَ أَن الْأَصَح من النّسخ هُوَ الثَّانِي، وَإِنَّمَا الْمَذْكُور هَهُنَا: كتاب الْعلم، وَقَول الله تَعَالَى: {يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات} الْآيَة (المجادلة: 11) . وَلَئِن صَحَّ وجود: بَاب فضل الْعلم، فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَنَقُول: لَيْسَ بتكرار، لِأَن المُرَاد من بَاب فضل الْعلم، هُنَا التَّنْبِيه على فَضِيلَة الْعلمَاء بِدَلِيل الْآيَتَيْنِ المذكورتين: فَإِنَّهُمَا فِي فَضِيلَة الْعلمَاء، وَالْمرَاد من: بَاب فضل الْعلم، هُنَاكَ التَّنْبِيه على فَضِيلَة الْعلم، فَلَا تكْرَار حينئذٍ. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: بَاب فضل الْعلمَاء، قلت: بَيَان فضل الْعلم يسْتَلْزم بَيَان فضل الْعلمَاء، لِأَن الْعلم صفة قَائِمَة بالعالم. فَذكر بَيَان فضل الصّفة يسْتَلْزم بَيَان فضل من هِيَ قَائِمَة بِهِ، على أَنا نقُول: إِن لم يكن المُرَاد من هَذَا الْبَاب بَيَان فضل الْعلمَاء، لَا يُطَابق ذكر الْآيَتَيْنِ المذكورتين التَّرْجَمَة، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين رَحمَه الله فِي (شَرحه) بعد الْآيَتَيْنِ، ش: جَاءَ فِي الْآثَار أَن دَرَجَات الْعلمَاء تتلو دَرَجَات الْأَنْبِيَاء، وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، ورثوا الْعلم وبينوه للْأمة، وحموه من تَحْرِيف الْجَاهِلين. وروى ابْن وهب، عَن مَالك، قَالَ: سَمِعت زيد بن أسلم، يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى: {نرفع دَرَجَات من نشَاء} (الْأَنْعَام: 83) قَالَ: بِالْعلمِ. وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى: {يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم} (المجادلة: 11) . مدح الله الْعلمَاء فِي هَذِه الْآيَة، وَالْمعْنَى: يرفع الله الَّذين آمنُوا وأوتوا الْعلم على الَّذين آمنُوا فَقَط وَلم يؤتوا الْعلم دَرَجَات فِي دينهم إِذا فعلوا مَا أمروا بِهِ. وَقيل: يرفعهم فِي الثَّوَاب والكرامة، وَقيل: يرفعهم فِي الْفضل فِي الدُّنْيَا والمنزلة. وَقيل: يرفع الله دَرَجَات الْعلمَاء فِي الْآخِرَة على الْمُؤمنِينَ الَّذين لم يؤتوا الْعلم. وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقل رب زِدْنِي علما} (طه: 114) أَي: بِالْقُرْآنِ، وَكَانَ كلما نزل شَيْء من الْقُرْآن ازْدَادَ بِهِ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، علما. وَقيل: مَا أَمر الله رَسُوله بِزِيَادَة الطّلب فِي شَيْء إِلَّا فِي الْعلم، وَقد طلب مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، الزِّيَادَة فَقَالَ: {هَل أتبعك على أَن تعلمني مِمَّا علمت رشدا} (الْكَهْف: 66) وَكَانَ ذَلِك لما سُئِلَ: أَي النَّاس أعلم؟ فَقَالَ: أَنا أعلم. فعتب الله عَلَيْهِ إِذْ لم يرد الْعلم إِلَيْهِ. وَقَوله: دَرَجَات، مَنْصُوب بقوله يرفع. فَإِن قلت: قَوْله: وَقَول الله تَعَالَى: {يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم} (المجادلة: 11) مَا حَظه من الْإِعْرَاب؟ قلت: الَّذِي يَقْتَضِيهِ أَحْوَال
- (باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل.)
التَّرْكِيب أَن يكون مجروراً، عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي قَوْله: بَاب فضل الْعلم، على تَقْدِير: وجود الْبَاب، أَو على الْعلم فِي قَوْله: كتاب الْعلم، على تَقْدِير عدم وجوده. وَقَالَ بَعضهم: ضبطناه فِي الْأُصُول بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف. قلت: إِن أَرَادَ بالاستئناف الْجَواب على السُّؤَال فَذا لَا يَصح، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام مَا يَقْتَضِي هَذَا، وَإِن أَرَادَ الِابْتِدَاء الْكَلَام، فَذا أَيْضا لَا يَصح، لِأَنَّهُ على تَقْدِير الرّفْع لَا يَتَأَتَّى الْكَلَام، لِأَن قَوْله: وَقَول الله، لَيْسَ بِكَلَام، فَإِذا رفع لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون رَفعه بالفاعلية، أَو بِالِابْتِدَاءِ، وكل مِنْهُمَا لَا يَصح، أما الأول فَظَاهر، وَأما الثَّانِي فلعدم الْخَبَر. فَإِن قلت: الْخَبَر مَحْذُوف. قلت: حذف الْخَبَر لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون جَوَازًا أَو وجوبا. فَالْأول: فِيمَا إِذا قَامَت قرينَة، وَهِي وُقُوعه فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام عَن الْمخبر بِهِ، أَو بعد إِذا المفاجأة، أَو يكون الْخَبَر قبل قَول وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك هَهُنَا. وَالثَّانِي: إِذا الْتزم فِي مَوْضِعه غَيره، وَلَيْسَ هَذَا أَيْضا كَذَلِك، فَتعين بطلَان دَعْوَى الرّفْع. 2 - (بَاب مَنْ سُئِلَ عِلْماً وَهوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أجابَ السَّائِلَ.) الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن: الأول: أَن بَاب، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى قَوْله: من سُئِلَ، وَمن، مَوْصُولَة. قَوْله: سُئِلَ، على صِيغَة الْمَجْهُول، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول النَّائِب عَن الْفَاعِل وَقعت صلَة لَهَا. وَقَوله: علما، نصب لِأَنَّهُ مفعول ثَان، وَقَوله: وَهُوَ مشتغل فِي حَدِيثه، جملَة وَقعت حَالا عَن الضَّمِير الَّذِي فِي: سُئِلَ، وَذكر قَوْله: فَأَتمَّ، بِالْفَاءِ وَقَوله: ثمَّ أجَاب، بِكَلِمَة: ثمَّ، لِأَن إتْمَام الحَدِيث حصل عقيب الِاشْتِغَال بِهِ. وَالْجَوَاب بعد الْفَرَاغ مِنْهُ. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ على تَقْدِير وجود الْبَاب السَّابِق فِي بعض النّسخ، من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول، وَإِن كَانَ الْمَذْكُور فِيهِ فضل الْعلم، وَلَكِن المُرَاد التَّنْبِيه على فضل الْعلمَاء، كَمَا حققنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ حَال الْعَالم المسؤول مِنْهُ عَن مَسْأَلَة معضلة، وَلَا يسْأَل عَن الْمسَائِل المعضلات إِلَّا الْعلمَاء الْفُضَلَاء الْعَامِلُونَ الداخلون فِي قَوْله تَعَالَى: {يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات} (المجادلة: 11) . وَأما على تَقْدِير عدم الْبَاب السَّابِق فِي النّسخ، فالابتداء بِهَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى مَا قيل من أَن الْعلم سُؤال وَجَوَاب، وَالسُّؤَال نصف الْعلم، فتميز هَذَا الْبَاب عَن بَقِيَّة الْأَبْوَاب الَّتِي تضمنها كتاب الْعلم، فَاسْتحقَّ بذلك التصدير على بَقِيَّة الْأَبْوَاب. فَافْهَم. 59 - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ سِنَان قَالَ: حدّثنا فُلَيْحُ (ح) وحدَّثني إبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ: حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْح قَالَ: حدّثني أبي قَالَ: حدّثني هِلاَلُ بْنُ عَليٍّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: بَيْنَمَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَجْلِس يُحَدِّثُ القَوْمَ جاءَهُ أعْرَابِيُّ فقالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذا قَضى حَدِيثَهُ قَالَ أيْنَ ارَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ قالَ: هَا أَنا يَا رَسولَ! الله قَالَ: (فإذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ) قالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قالَ: (إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) . (الحَدِيث 59 طرفه فِي: 6496) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: مُحَمَّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين، أَبُو بكر الْبَاهِلِيّ العوقي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة مَأْمُون، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن رجل عَنهُ، توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، ابْن سُلَيْمَان بن أبي الْمُغيرَة، وَهُوَ حنين ابْن أخي عبيد بن حنين، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك، ولقبه فليح واشتهر بلقبه، الْخُزَاعِيّ الْمدنِي، وكنيته أَبُو يحيى، روى عَن نَافِع وعدة، وروى عَنهُ عبد اللَّه بن وهب وَيحيى الوحاظي وَابْن أعين وَشُرَيْح بن النُّعْمَان وَآخَرُونَ، قَالَ يحيى بن معِين: هُوَ ضَعِيف مَا أقربه من ابْن أبي أويس، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: لَيْسَ بِقَوي وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: لَيْسَ بِالْقَوِيّ: وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ عِنْدِي لَا بَأْس بِهِ، وَقد اعْتَمدهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، وَقد روى عَنهُ زيد بن أبي أنيسَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: واجتماع البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَيْهِ فِي إخراجهما عَنهُ فِي الْأُصُول يُؤَكد أمره ويسكن الْقلب فِيهِ إِلَى تَعْدِيل، توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد اللَّه ابْن الْمُنْذر بن الْمُغيرَة بن عبد اللَّه بن خَالِد بن حزَام بن خويلد
الْقرشِي الْحزَامِي الْمدنِي أَبُو إِسْحَاق، روى عَنهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَابْن مَاجَه وَغَيرهم، وروى البُخَارِيّ عَنهُ، وروى أَيْضا عَن مُحَمَّد بن غَالب عَنهُ، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى لَهُ التِّرْمِذِيّ. قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. مَاتَ سنة سِتّ، وَقيل: خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْمَدِينَةِ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن فليح الْمَذْكُور، روى عَن هِشَام بن عُرْوَة وَغَيره، روى عَنهُ هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي وَغَيره، لينه ابْن معِين: وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَا بِهِ بَأْس لَيْسَ بذلك الْقوي، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. روى لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. الْخَامِس: أَبُو فليح الْمَذْكُور. السَّادِس: هِلَال بن عَليّ، وَيُقَال لَهُ: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال لَهُ: هِلَال ابْن أبي هِلَال، وَيُقَال لَهُ: هِلَال بن أُسَامَة، نسبته إِلَى جده، وَقد يظنّ أَرْبَعَة وَالْكل وَاحِد. قَالَ مَالك هِلَال بن أبي أُسَامَة: تَابعه على ذَلِك أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ، وَقَالَ: هُوَ الفِهري الْقرشِي الْمدنِي، وَهُوَ من صغَار التَّابِعين، وَشَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث من أوساطهم، سمع أنسا وَغَيره، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه وَهُوَ شيخ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ فِي آخر خلَافَة هِشَام، وروى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّابِع: عَطاء بن يسَار، مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، وَقد تقدم ذكره. الثَّامِن: أَبُو هُرَيْرَة، وَقد تقدم ذكره أَيْضا. بَيَان الْأَنْسَاب: الْبَاهِلِيّ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى باهلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة ابْن مَالك بن كَذَا، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج. العوقي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْوَاو وبالقاف: نِسْبَة إِلَى العوقة، وهم حَيّ من عبد الْقَيْس، وَلم يكن مُحَمَّد بن سِنَان من العوقة، وَإِنَّمَا نزل فيهم، كَانَ لَهُم محلّة بِالْبَصْرَةِ فَنزل عِنْدهم فنسب إِلَى العوقة. الْخُزَاعِيّ، بِضَم الْخَاء وبالزاي المعجمتين: نِسْبَة إِلَى خُزَاعَة، وَهُوَ عَمْرو بن ربيعَة. وَقَالَ الرشاطي: الْخُزَاعِيّ فِي الأزد وَفِي قضاعة. فَالَّذِي فِي الأزد ينْسب إِلَى خُزَاعَة وَهُوَ عَمْرو بن ربيعَة. وَفِي قضاعة بطن وَهُوَ خُزَاعَة بن مَالك بن عدي. الْحزَامِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي الْمُعْجَمَة: نِسْبَة إِلَى حزَام أحد الأجداد. وَقَالَ الرشاطي: الْحزَامِي فِي أَسد قُرَيْش وَفِي فَزَارَة. فَالَّذِي فِي قُرَيْش: حزَام بن خويلد بن أَسد، وَالَّذِي فِي فَزَارَة: حزَام بن سعد بن عدي بن فَزَارَة. الفِهري، بِكَسْر الْفَاء نِسْبَة إِلَى فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: إِن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَهُوَ قَوْله: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا. وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر، وَهُوَ أَن الشَّيْخ إِذا حدث لَهُ وَهُوَ السَّامع وَحده يَقُول: حَدثنِي، وَإِذا حدث وَمَعَهُ غَيره، يَقُول: حَدثنَا. وَفِيه العنعنة أَيْضا. وَمِنْهَا: أَن هَذَا إسنادان. أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح عَن هِلَال عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة. وَالْآخر: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه عَن هِلَال ... إِلَى آخِره، وَهَذَا أنزل من الأول بِوَاحِد. وَمِنْهَا: أَن رجال الْإِسْنَاد الآخير كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِي غَالب النّسخ قبل قَوْله: وحَدثني إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر صُورَة (ح) وَهِي حاء مُهْملَة مُفْردَة. قيل: إِنَّهَا مَأْخُوذَة من التَّحَوُّل لتحوله من إِسْنَاد إِلَى آخر، وَيَقُول القارىء إِذا انْتهى إِلَيْهَا: حا، وَيسْتَمر فِي قِرَاءَة مَا بعْدهَا. وَقيل: إِنَّهَا من حَال بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حجز لكَونهَا حَالَة بَين الإسنادين، وَأَنه لَا يلفظ عِنْد الإنتهاء إِلَيْهَا بِشَيْء. وَقيل: إِنَّهَا رمز إِلَى قَوْله: الحَدِيث وَأهل الْمغرب إِذا وصلوا إِلَيْهَا يَقُولُونَ الحَدِيث. وَقد كتب جمَاعَة عَن حفاظ عراق الْعَجم موضعهَا صَحَّ، فيشعر بِأَنَّهَا رمز صَحِيح، وَحسن هُنَا كِتَابَة صَحَّ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه سقط متن الْإِسْنَاد الأول، وَهِي كَثِيرَة فِي (صَحِيح مُسلم) : قَليلَة فِي البُخَارِيّ. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا كَمَا ترى، وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق مُخْتَصرا عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح بن سلمَان عَن هِلَال بن عَليّ بِهِ، وَلم يُخرجهُ من أَصْحَاب السِّتَّة غَيره. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (أَعْرَابِي) ، هُوَ الَّذِي يسكن الْبَادِيَة، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى الْأَعْرَاب سَاكِني الْبَادِيَة، من الْعَرَب الَّذِي لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إِلَّا لحَاجَة، وَالْعرب اسْم لهَذَا الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، سَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ عَرَبِيّ، وَلَيْسَ الْأَعْرَاب جمعا لعرب، وَلم يعرف اسْم هَذَا الْأَعرَابِي. قَوْله: (السَّاعَة) قَالَ الْأَزْهَرِي: السَّاعَة: الْوَقْت الَّذِي تقوم فِيهِ الْقِيَامَة، وَسميت بذلك لِأَنَّهَا تفجأ النَّاس فِي سَاعَة، فَيَمُوت الْخلق كلهم بصيحة وَاحِدَة. وَفِي (الْعباب) : السَّاعَة الْقِيَامَة. قلت: أَصله: سوعة، قلبت الْوَاو الْفَا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. قَوْله: (وسد) ، من وسدته الشَّيْء فتوسده إِذا جعله تَحت رَأسه، وَالْمعْنَى: إِذا فوض الْأَمر وَأسْندَ، وَفِي (الْمطَالع) : إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله، كَذَا لكافة الروَاة، أَي: أسْند وَجعل إِلَيْهِم وقلدوه، وَعند الْقَابِسِيّ: أَسد، وَقَالَ: الَّذِي احفظ: وسد، وَقَالَ: هما بِمَعْنى. قَالَ القَاضِي: هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد قَالُوا: وساد، وأساد، واشتقاقها وَاحِد، وَالْوَاو هُنَا بعد الْألف، ولعلها صُورَة الْهمزَة. والوساد: مَا يتوسد إِلَيْهِ للنوم. يُقَال: اساد وإسادة ووسادة. وَفِي (الْعباب) : الوساد والوسادة
والوسدة: المخدة وَالْجمع: وسد ووسائد. وسدته كَذَا أَي: جعلته لَهُ وسَادَة، وتوسد الشَّيْء جعله تَحت رَأسه. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله وسد أَي: جعل لَهُ غير أَهله وساداً. قلت: لَيْسَ مَعْنَاهُ. كَذَا، بل الْمَعْنى: إِذا وضعت وسَادَة الْأَمر لغير أَهلهَا، وَالْمرَاد من الْأَمر جنس الْأَمر الَّذِي يتَعَلَّق بِالدّينِ، فَإِذا وضعت وسادته لغير أَهلهَا تهان وتحقر، على مَا نبينه عَن قريب. قَوْله: (فانتظر) أَمر من الإنتظار. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) : أَصله: بَين، فزيدت عَلَيْهِ: مَا، وَهُوَ ظرف زمَان بِمَعْنى المفاجأة. قَوْله: (النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مُبْتَدأ، وَقَوله: (يحدث الْقَوْم) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول خَبره، وَيحدث يَقْتَضِي مفعولين، وَأحد المفعولين هَهُنَا مَحْذُوف لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ، وَالْقَوْم: هم الرِّجَال دون النِّسَاء، وَقد تدخل النِّسَاء فِيهِ على سَبِيل التبع، لِأَن قوم كل نَبِي رجال وَنسَاء، جمعه أَقوام، وَجمع الْجمع أقاوم. وَقَوله: (فِي مجْلِس) حَال. قَوْله: (جَاءَهُ أَعْرَابِي) : جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ: أَعْرَابِي، وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي جَاءَهُ، الْعَائِد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ جَوَاب: بَيْنَمَا، وَهُوَ الْعَامِل فِي: بَيْنَمَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْأَفْصَح فِي جَوَابه أَن لَا يكون بإذ وَإِذا. وَقَالَ غَيره: بِالْعَكْسِ، وَالصَّوَاب مَعَه لوُرُود الحَدِيث هَكَذَا. وَقيل: بَيْنَمَا ظرف يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فَلذَلِك اقْتضى جَوَابا، وَفِيه نظر. قَوْله: (مَتى السَّاعَة؟) مُبْتَدأ وَخبر، وَكلمَة: مَتى، هَهُنَا للاستفهام. قَوْله: (يحدث) أَي: يحدث الْقَوْم، وَفِي بعض الرِّوَايَات بحَديثه، بِحرف الْجَرّ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: يحدثه، بِزِيَادَة الْهَاء، وَلَيْسَت فِي رِوَايَة البَاقِينَ. وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ لَا يعود على الْأَعرَابِي، وَإِنَّمَا التَّقْدِير: يحدث الْقَوْم الحَدِيث الَّذِي كَانَ فِيهِ. فَإِن قلت: مَا مَحل: يحدث، من الْإِعْرَاب؟ قلت: محلهَا النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي مضى. قَوْله: (فَقَالَ بعض الْقَوْم) من هَهُنَا إِلَى قَوْله: (لم يسمع) جملَة مُعْتَرضَة. فَإِن قلت: هَل يجوز الِاعْتِرَاض بِالْفَاءِ؟ قلت: نعم جَائِز. قَوْله: (سمع) أَي بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (مَا قَالَ) أَي الْأَعرَابِي، وَمَا، مَوْصُولَة. وَقَالَ: جملَة صلته، والعائد مَحْذُوف أَي: مَا قَالَه. وَالْجُمْلَة مفعول: سمع. وَيجوز أَن تكون مَا مَصْدَرِيَّة أَي: سمع قَوْله، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَوْله: (فكره مَا قَالَ) . قَوْله: (بل لم يسمع) قَالَ الْكرْمَانِي: علام عطف: بل لم يسمع؟ إِذْ لَا يَصح أَن يعْطف على مَا تقدم، إِذْ الإضراب إِنَّمَا يكون عَن كَلَام نَفسه، بل لَا يَصح عطف أصلا على كَلَام غير العاطف: قلت: لَا نسلم امْتنَاع صِحَة الْعَطف، والإضراب بَين كَلَام متكلمين، وَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ سلمنَا، لَكِن يكون الْكل من كَلَام الْبَعْض الأول كَأَنَّهُ قَالَ الْبَعْض الآخر للْبَعْض الأول: قل بل لم يسمع، أَو كَلَام الْبَعْض الآخر بِأَن يقدر لفظ: سمع، قبله كَأَنَّهُ قَالَ: سمع بل لم يسمع. قلت: هَذَا كُله تعسف نَشأ من عدم الْوُقُوف على أسرار الْعَرَبيَّة، فَنَقُول: التَّحْقِيق هَاهُنَا أَن كلمة: بل، حرف إضراب، فَإِن تَلَاهَا جملَة كَانَ معنى الإضراب إِمَّا الْإِبْطَال وَإِمَّا الِانْتِقَال عَن غَرَض إِلَى غَرَض، وَإِن تَلَاهَا مُفْرد فَهِيَ عاطفة، وَهَهُنَا تَلَاهَا جملَة، أَعنِي، قَوْله: لم يسمع، فَكَانَ الإضراب بِمَعْنى الْإِبْطَال. قَوْله: (حَتَّى إِذا قضى) يتَعَلَّق بقوله: فَمضى يحدث، لَا بقوله: لم يسمع. قَوْله: (قَالَ: أَيْن أرَاهُ السَّائِل؟) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَوله: (أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة، مَعْنَاهُ: أَظن، وَهُوَ شكّ من مُحَمَّد بن فليح، وَرَوَاهُ الْحسن بن سُفْيَان وَغَيره عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن يُونُس عَن مُحَمَّد بن فليح من غير شكّ. وَلَفظه: (قَالَ أَيْن السَّائِل؟) فَإِن قلت: السَّائِل، مَرْفُوع بِمَاذَا؟ قلت: مَرْفُوع على ابْتِدَاء، وَخَبره قَوْله: (أَيْن) مقدما، وَأَيْنَ، سُؤال عَن الْمَكَان بنيت لتضمنها حرف الِاسْتِفْهَام. وَقَول بَعضهم: السَّائِل، بِالرَّفْع على الْحِكَايَة خطأ، بل هُوَ رفع على الِابْتِدَاء كَمَا قُلْنَا. وَقَوله: (أرَاهُ) جملَة مُعْتَرضَة بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَالْمعْنَى: أَظن أَنه قَالَ: أَيْن السَّائِل. قَوْله: (قَالَ) . أَي: الْأَعرَابِي: هَا، حرف التنبية، وَفِي (الْعباب) : هَاء، بِالْمدِّ تكون تَنْبِيها بِمَعْنى جَوَابا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هَا، قد تكون جَوَاب النداء تمد وتقصر، وَأَيْضًا: هَا، مَقْصُورَة للتقريب إِذا قيل لَك: أَيْن أَنْت؟ تَقول: هَا أناذا. قَوْله: (أَنا) مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، أَي: أَنا سَائل، وَإِنَّمَا ترك العاطف عِنْد: قَالَ، فِي الْمَوْضِعَيْنِ السُّؤَال وَالْجَوَاب، لِأَن الْمقَام كَانَ مقَام المقاولة، والراوي يَحْكِي ذَلِك كَأَنَّهُ، لما قَالَ الْأَعرَابِي ذَلِك، سَأَلَ سَائل: مَاذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوَابه؟ وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (فَإِذا ضيعت الْأَمَانَة) كلمة إِذا، تضمن معنى الشَّرْط، وَلِهَذَا جَاءَ جوابها بِالْفَاءِ. وَهُوَ قَوْله: (فانتظر السَّاعَة) . قَوْله: (قَالَ: كَيفَ إضاعتها؟) أَي: قَالَ الْأَعرَابِي: كَيفَ إِضَاعَة الْأَمَانَة؟ وَفِي بعض النّسخ: (فَقَالَ) ، بِالْفَاءِ، وَمَا بعده من قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِلَا فَاء، وَوَجهه أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة الإضاعة متفرع على مَا قبله، فَلهَذَا عقبه بِالْفَاءِ، بِخِلَاف اختيه. قَوْله: (قَالَ: إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله) جَوَاب لقَوْله: (كَيفَ إضاعتها؟) . فَإِن قلت: السُّؤَال إِنَّمَا هُوَ عَن كَيْفيَّة الإضاعة لقَوْله: كَيفَ، وَالْجَوَاب هُوَ بِالزَّمَانِ لَا بَيَان الْكَيْفِيَّة، فَمَا وَجهه؟ قلت: مُتَضَمّن للجواب إِذْ يلْزم مِنْهُ بَيَان
- (باب من رفع صوته بالعلم)
أَن كيفيتها هِيَ بالتوسد الْمَذْكُور. قَوْله: (فانتظر السَّاعَة) الْفَاء فِيهِ للتفريع، أَو جَوَاب شَرط مَحْذُوف يَعْنِي: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فانتظر السَّاعَة. وَلَيْسَت هِيَ جَوَاب إِذا الَّتِي فِي قَوْله: (إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله) لِأَنَّهَا لَا تَتَضَمَّن هَهُنَا معنى الشَّرْط. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: لغير أَهله. قلت: إِنَّمَا قَالَ: إِلَى غير أَهله، ليدل على معنى تضمين الْإِسْنَاد. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (مَتى السَّاعَة؟) أَي: مَتى يكون قيام السَّاعَة. قَوْله: (فكره مَا قَالَ) : أَي فكره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قَالَه الْأَعرَابِي، وَلِهَذَا لم يلْتَفت إِلَى الْجَواب. فَلذَلِك حصل للصحابة، رَضِي الله عَنْهُم، التَّرَدُّد، مِنْهُم من قَالَ: سمع فكره، وَمِنْهُم من قَالَ: لم يسمع، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكره السُّؤَال عَن هَذِه الْمَسْأَلَة بخصوصها. قَوْله: (أَيْن السَّائِل عَن السَّاعَة؟) أَي عَن زمَان السَّاعَة. قَوْله: (إِذا وسد الْأَمر) المُرَاد بِهِ جنس الْأُمُور الَّتِي تتَعَلَّق بِالدّينِ: كالخلافة وَالْقَضَاء والإفتاء، وَنَحْو ذَلِك. وَيُقَال: أَي بِولَايَة غير أهل الَّذين والأمانات. وَمن يعينهم على الظُّلم والفجور، وَعند ذَلِك تكون الْأَئِمَّة قد ضيعوا الْأَمَانَة الَّتِي فرض الله عَلَيْهِم حَتَّى يؤتمن الخائن ويخون الْأمين، وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا غلب الْجَهْل وَضعف أهل الْحق عَن الْقيام بِهِ. فَإِن قلت: تَأَخّر الْجَواب عَن السُّؤَال هَهُنَا، وَهل يجوز تَأْخِيره فِيمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ؟ قلت: الْجَواب من وَجْهَيْن: الأول: بطرِيق الْمَنْع، فَنَقُول: لَا نسلم اسْتِحْقَاق الْجَواب هَهُنَا، لِأَن الْمَسْأَلَة لَيست مِمَّا يجب تعلمهَا، بل هِيَ مِمَّا لَا يكون الْعلم بهَا إِلَّا لله تَعَالَى. وَالثَّانِي: بطرِيق التَّسْلِيم فنقوله: سلمنَا ذَلِك، وَلكنه يحْتَمل أَن يكون، عَلَيْهِ السَّلَام، مشتغلاً فِي ذَلِك الْوَقْت بِمَا كَانَ أهم من جَوَاب هَذَا السَّائِل، وَيحْتَمل أَنه أَخّرهُ انتظاراً للوحي، أَو أَرَادَ أَن يتم حَدِيثه لِئَلَّا يخْتَلط على السامعين، وَيحْتَمل أَن يكون فِي ذَلِك الْوَقْت فِي جَوَاب سُؤال سَائل آخر مُتَقَدم، فَكَانَ أَحَق بِتمَام الْجَواب. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ وجوب تَعْلِيم السَّائِل لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَيْن السَّائِل) ثمَّ إخْبَاره عَن الَّذِي سَأَلَ عَنهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن من آدَاب المتعلم أَن لَا يسْأَل الْعَالم مَا دَامَ مشتغلاً بِحَدِيث أَو غَيره، لِأَن من حق الْقَوْم الَّذين بَدَأَ بِحَدِيثِهِمْ أَن لَا يقطعهُ عَنْهُم حَتَّى يتمه. الثَّالِث: فِيهِ الرِّفْق بالمتعلم وَإِن جَفا فِي سُؤَاله أَو جهل، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يوبخه على سُؤَاله قبل إِكْمَال حَدِيثه. الرَّابِع: فِيهِ مُرَاجعَة الْعَالم عِنْد عدم فهم السَّائِل، لقَوْله: كَيفَ إضاعتها؟ الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز اتساع الْعَالم فِي الْجَواب أَنه يَنْبَغِي مِنْهُ، إِذا كَانَ ذَلِك لِمَعْنى أَو لمصْلحَة. السَّادِس: فِيهِ التَّنْبِيه على تَقْدِيم الأسبق فِي السُّؤَال لأَنا قُلْنَا: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون تَأْخِير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَواب لكَونه مَشْغُولًا بِجَوَاب سُؤال سَائل آخر، فنبه بذلك أَنه يجب على القَاضِي والمفتي والمدرس تَقْدِيم الأسبق لاستحقاقه بِالسَّبقِ. 3 - (بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعلْمِ) أَي: هَذَا بَاب من رفع صَوته، فالباب: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى: من، وَهِي مَوْصُولَة، وَرفع صَوته، جملَة صلتها. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر رفع الصَّوْت بِالْعلمِ، وَالْعلم صفة معنوية؟ قلت: هَذَا من بَاب إِطْلَاق اسْم الْمَدْلُول على الدَّال، وَالتَّقْدِير: من رفع صَوته بِكَلَام يدل على الْعلم. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق سُؤال السَّائِل عَن الْعلم، والعالم قد يحْتَاج إِلَى رفع الصَّوْت فِي الْجَواب لأجل غَفلَة السَّائِل وَنَحْوهَا، لَا سِيمَا إِذا كَانَ سُؤَاله وَقت اشْتِغَال الْعَالم لغيره، وَهَذَا الْبَاب يُنَاسب ذَاك الْبَاب من هَذِه الْحَيْثِيَّة. 60 - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ عَارِمُ بنُ الفَضْلِ قَالَ: حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بنِ ماهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمُرٍ وَقَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاها فأَدْرَكَنا وقَدْ أرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ ونَحْنُ نَتَوضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمسَحُ عَلَى أرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأعْلى صَوْتِهِ: (ويْلٌ لْلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) مَرَّتَيْن أوْ ثَلاَثاً مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته) ، وَهُوَ رفع الصَّوْت.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَقد تقدم. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، الوضاح الْيَشْكُرِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، جَعْفَر بن إِيَاس الْيَشْكُرِي الْمَعْرُوف بِابْن أبي وحشية، والواسطي. وَقيل: الْبَصْرِيّ. قَالَ أَحْمد وَيحيى وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: يُوسُف بن مَاهك ابْن بهزاد، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل بضَمهَا أَيْضا، وَالْأول أصح، وبالزاي الْمُعْجَمَة، الْفَارِسِي الْمَكِّيّ، نزلها. سمع ابْن عمر وَابْن عَمْرو وَعَائِشَة وَغَيرهَا، وَسمع أَبَاهُ مَاهك. قَالَ يحيى: ثِقَة، توفّي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. ويوسف فِيهِ سِتَّة أوجه، وَقد ذَكرنَاهَا. وماهك: بِفَتْح الْهَاء، غير منصرف لِأَنَّهُ اسْم اعجمي علم، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ منصرف، وَقَالَ بَعضهم: فَكَأَنَّهُ لحظ فِيهِ الْوَصْف وَلم يبين مَاذَا الْوَصْف، وَقد أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِن قلت: العجمة والعلمية فِيهِ عقب قَول الْأصيلِيّ إِنَّه منصرف! ؟ قلت: شَرط العجمة مَفْقُود. وَهُوَ العلمية فِي العجمية. لِأَن مَاهك مَعْنَاهُ القمير، فَهُوَ إِلَى الْوَصْف أقرب. قلت: كل مِنْهُمَا لم يُحَقّق كَلَامه، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن من يمنعهُ الصّرْف يُلَاحظ فِيهِ العلمية والعجمة، أما العلمية فَظَاهر، وَأما العجمة فَإِن مَاهك بِالْفَارِسِيَّةِ تَصْغِير ماه، وَهُوَ الْقَمَر بالعربي، وقاعدتهم أَنهم إِذا صغروا الِاسْم أدخلُوا فِي آخِره الْكَاف، وَأما من يصرفهُ فَإِنَّهُ يُلَاحظ فِيهِ معنى الصّفة، لِأَن التصغير من الصِّفَات، وَالصّفة لَا تجامع العلمية، لإن بَينهمَا تضاداً، فَحِينَئِذٍ يبْقى الِاسْم بعلة وَاحِدَة فَلَا يمْنَع من الصّرْف، وَلَو جوز الْكسر فِي الْهَاء يكون عَرَبيا صرفا، فَلَا يمْنَع من الصّرْف أصلا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون اسْم فَاعل، من مهكت الشَّيْء أمهكه مهكاً إِذا بالغت فِي سحقه، قَالَه ابْن دُرَيْد، وَفِي (الْعباب) : مهكت الشَّيْء إِذا ملسته، أَو يكون من مهكة الشَّبَاب، بِالضَّمِّ: وَهُوَ امتلاؤه وارتواؤه ونماؤه،، وَذكر الصغاني هَذِه الْمَادَّة، ثمَّ قَالَ عقيبها: ويوسف بن مَاهك من التَّابِعين الثِّقَات، وَيُمكن أَن يُقَال: إِنَّه عَرَبِيّ مَعَ كَون الْهَاء مَفْتُوحَة بِأَن يكون علما مَنْقُولًا من مَاهك، وَهُوَ فعل مَاض من المماهكة، وَهُوَ: الْجهد فِي الْجِمَاع من الزَّوْجَيْنِ، فعلى هَذَا لَا يجوز صرفه أصلا للعلمية، وَوزن الْفِعْل. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَاهك اسْم أمه، وَالْأَكْثَر على أَنه اسْم أَبِيه، وَاسم أمه مُسَيْكَة. وَعَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ: أَن يُوسُف بن مَاهك، ويوسف بن ماهان وَاحِد. قلت: فعلى قَول الدَّارَقُطْنِيّ يمْنَع من الصّرْف أصلا للعلمية والتأنيث. فَافْهَم. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ، وَقد تقدم. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومكي. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَن الْمُسْتَمْلِي: حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان عَارِم بن الْفضل، وَاقْتصر غَيره على أبي النُّعْمَان. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن اخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن أبي النُّعْمَان، وَفِي الْعلم أَيْضا عَن مُسَدّد، وَفِيه: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة صَلَاة الْعَصْر) . وَفِي الطَّهَارَة عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَفِيه: (فَأَدْرَكنَا وَقد ارهقتنا الْعَصْر) . واخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن شَيبَان بن فروخ وَأبي كَامِل الجحدري عَن أبي عوَانَة. واخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن ابي دَاوُد الْحَرَّانِي عَن أبي الْوَلِيد عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك عَن أَبى عوَانَة عَن أبي بشر عَنهُ، واخرجه الطَّحَاوِيّ عَن أَحْمد بن دَاوُد الْمَكِّيّ عَن سهل بن بكار عَن أبي عوَانَة بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (تخلف) ، أَي: تَأَخّر خلفنا. قَوْله: (فادركنا) أَي لحق بِنَا، قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) أَي: غشيتنا الصَّلَاة، أَي حملتنا الصَّلَاة على أَدَائِهَا. وَقيل: قد أعجلتنا، لضيق وَقتهَا؛ وَقَالَ القَاضِي: وَمِنْه الْمُرَاهق، بِالْفَتْح فِي الْحَج وَيُقَال بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الَّذِي أعجله ضيق الْوَقْت أَن يطوف. وَفِي (الموعب) : قَالَ أَبُو زيد: رهقتنا الصَّلَاة، بِالْكَسْرِ، رهوقاً: حانت، وأرهقنا عَن الصَّلَاة إرهاقاً: أخرناها عَن وَقتهَا. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : استأخرنا عَنْهَا حَتَّى يدنو وَقت الْأُخْرَى، ورهقت الشَّيْء رهقاً أَي: دَنَوْت مِنْهُ. وَفِي (الْمُحكم) : ارهقنا اللَّيْل دنا منا. ورهقتنا الصَّلَاة رهقاً: حانت وَفِي رهقتنا الصَّلَاة: غشيتنا. وَفِي (الِاشْتِقَاق) ، للرماني: أصل الرهق الغشيان، وكذ قَالَه الزّجاج، وَقَالَ أَبُو النَّصْر: رهقني دنا مني. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رهقته وأرهقته بِمَعْنى: دَنَوْت مِنْهُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: رهقه، بِالْكَسْرِ، ويرهقه رهقاً، أَي: غشيه؛ قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة} (يُونُس: 26) وَقَالَ أَبُو زيد: أرهقه عسراً: إِذا كلفه إِيَّاه. يُقَال: لَا ترهقني لَا ارهقك، أَي: لَا تعسرني لَا أعسرك. وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا ترهقني من أَمْرِي عسرا} (الْكَهْف: 73) أَي: لَا تلْحق بِي، من قَوْلهم: رهقه الشَّيْء إِذا غشيه، وَقيل: لَا تعجلني، وَيَجِيء على قَوْله أبي زيد: لَا تكلفني. قَوْله: (ويل) ، يُقَابل وَيْح،
وَيُقَال لمن وَقع فِيمَا لَا يسْتَحقّهُ ترحماً عَلَيْهِ. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ: ويل: وَاد فِي جَهَنَّم لَو أرْسلت فِيهِ الْجبَال لماعت من حره، وَقيل: ويل: صديد أهل النَّار. قلت: ويل من المصادر الَّتِي لَا أَفعَال لَهَا، وَهِي كلمة عَذَاب وهلاك. قَوْله: (للاعقاب) جمع عقب مِثَال كبد، وَهُوَ المستأخر الَّذِي يمسك مُؤخر شِرَاك النَّعْل، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: عقب وعقب مِثَال: كبد وصفر، وَهِي مُؤَنّثَة، وَلم يكسروا الْعين كَمَا فِي: كبد وكتف. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الْعقب يكون فِي الْمَتْن والساقين مختلط بِاللَّحْمِ، يمشق مِنْهُ مشقاً ويهذب وينقى من اللَّحْم ويسوى مِنْهُ الْوتر، وَأما العصب فالعلياء الغليظ، وَلَا خير فِيهِ. وَقَالَ اللَّيْث: الْعقب مُؤخر الْقدَم فَهُوَ من العصب لَا من الْعقب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعقب مَا أصَاب الأَرْض مُؤخر الرجل، إِلَى مَوضِع الشرَاك. وَفِي (الْمُخَصّص) : عرش الْقدَم أصُول سلامياتها المنتشرة الْقَرِيبَة من الْأَصَابِع، وعقبها مؤخرها الَّذِي يفصل عَن مُؤخر الْقدَم، وَهُوَ موقع الشرَاك من خلفهَا. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (تخلف) فعل، وفاعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فِي سفرة) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (سافرناها) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ على أَنَّهَا صفة: لسفرة، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ وَقع مَفْعُولا مُطلقًا، أَي سافرنا تِلْكَ السفرة، وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم: زيدا أَظُنهُ منطلق، أَي: زيد ينْطَلق أَظن الظَّن، أَو: ظنا. قَوْله: (فادركنا) ، بِفَتْح الْكَاف: جملَة من الْفِعْل، وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ، وَالْمَفْعُول وَهُوَ قَوْله: نَا. قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) ، جملَة وَقعت حَالا. قَالَ عِيَاض: رُوِيَ بِرَفْع الصَّلَاة على أَنَّهَا الْفَاعِل، وَرُوِيَ: ارهقنا الصَّلَاة، بِالنّصب، على أَنَّهَا مفعول. أَي: أخرنا الصَّلَاة. قلت: رُوِيَ فِي وَجه الرّفْع وَجْهَان أَيْضا، أَحدهمَا: أرهقتنا بتأنيث الْفِعْل بِالنّظرِ إِلَى لفظ الصَّلَاة، وَالْآخر: أَرْهقنَا، بِدُونِ التَّاء لِأَن تَأْنِيث الصَّلَاة غير حَقِيقِيّ. قَوْله: (وَنحن نَتَوَضَّأ) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَجعلنَا) هُوَ من أَفعَال المقاربة، وَيسْتَعْمل اسْتِعْمَال كَاد، وَهُوَ أَنه يرفع الِاسْم، وَخَبره فعل مضارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، نَحْو: كَاد زيد يخرج. أَي: خَارِجا. وَإِنَّمَا ترك: أَن، مَعَ كَاد، وَأثبت مَعَ عَسى لِأَن: كَاد، أبلغ فِي تقريب الشَّيْء من الْحَال. أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: كَادَت الشَّمْس تغرب، كَانَ الْمَعْنى قرب غُرُوبهَا جدا. وَعَسَى، أذهب فِي الدّلَالَة على الِاسْتِقْبَال، أَلا ترى تَقول: عَسى الله أَن يدخلني الْجنَّة، وَإِن لم يكن هَذَا شَدِيد الْقرب من الْحَال، فَلَمَّا كَانَ الْأَمر على ذَا، حذف علم الِاسْتِقْبَال مَعَ كَاد، وَأثبت مَعَ عَسى، وَقد شبهه بعسى من قَالَ: (قد كَانَ من طول الْبلَاء أَن يمصحا) ثمَّ قَوْله: نَا فِي: فَجعلنَا، اسْم جعل، وَقَوله: نمسح، خَبره. قَوْله: (ويل) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، والمخصص كَونه مصدرا فِي. معنى الدُّعَاء كَمَا فِي سَلام عَلَيْكُم، وَخَبره قَوْله: للاعقاب، قَوْله: (من النَّار) : كلمة من، للْبَيَان كَمَا فِي قَوْله: {فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان} (الْحَج: 30) وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى: فِي، كَمَا فِي قَوْله: تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: 9) أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة قَوْله: (مرَّتَيْنِ) : تَثْنِيَة مرّة، وَتجمع على مَرَّات، وانتصاب: كلهَا، على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو ثَلَاثًا) شكّ من عبد اللَّه بن عَمْرو. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (تخلف عَنَّا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي سفرة) هَذِه السفرة قد جَاءَت مبينَة فِي بعض طرق رِوَايَات مُسلم: (رَجعْنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى إِذا كُنَّا فِي الطَّرِيق تعجل قوم عِنْد الْعَصْر، فتوضؤا وهم عِجَال، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِم وَأَعْقَابهمْ تلوح لم يَمَسهَا المَاء. فَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام: ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار، أَسْبغُوا الْوضُوء) . قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) ، وَهِي: صَلَاة الْعَصْر، على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم مصرحة. وَكَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيق مُسَدّد، على مَا ذكرنَا. قَوْله: (وَنحن نَتَوَضَّأ، فَجعلنَا نمسح على أَرْجُلنَا) قَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ نغسل كَمَا هُوَ المُرَاد فِي الْآيَة، بِدَلِيل تبَاين الرِّوَايَات، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعضهم أَنه دَلِيل على أَنهم كَانُوا يمسحون، فنهاهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك، وَأمرهمْ بِالْغسْلِ. وَقَالُوا أَيْضا: لَو كَانَ غسلا لأمرهم بِالْإِعَادَةِ لما صلوا، وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ لقائله، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، قد أعلمهم بِأَنَّهُم مستوجبون النَّار على فعلهم، بقوله: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَهَذَا لَا يكون إلاَّ فِي الْوَاجِب. وَقد أَمرهم بِالْغسْلِ، بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) . وَلم يَأْتِ أَنهم صلوا بِهَذَا الْوضُوء، وَلَا أَنَّهَا كَانَت عَادَتهم قبلُ، فَيلْزم أَمرهم بِالْإِعَادَةِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، مَا ملخصه: أَنهم كَانُوا يمسحون عَلَيْهَا مثل مسح الرَّأْس، ثمَّ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنعهم عَن ذَلِك وَأمرهمْ بِالْغسْلِ، فَهَذَا يدل على انتساخ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من الْمسْح، وَفِيه نظر، لِأَن قَوْله: نمسح على أَرْجُلنَا، يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: نغسل غسلا خَفِيفا مبقعاً. حَتَّى يرى كَأَنَّهُ مسح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا فِي الرِّوَايَة الآخرى، (رأى قوما توضؤا وَكَأَنَّهُم تركُوا من أَرجُلهم شَيْئا) . فَهَذَا يدل على أَنهم كَانُوا يغسلون، وَلَكِن غسلا قَرِيبا من الْمسْح، فَلذَلِك قَالَ لَهُم: أَسْبغُوا الْوضُوء، وَأَيْضًا إِنَّمَا يكون الْوَعيد على ترك الْفَرْض، وَلَو لم يكن الْغسْل فِي الأول
فرضا عِنْدهم لما توجه الْوَعيد، لِأَن الْمسْح لَو كَانَ هُوَ المشمول فِيمَا بَينهم كَانَ يَأْمُرهُم بِتَرْكِهِ وانتقالهم إِلَى الْغسْل بِدُونِ الْوَعيد، وَلأَجل ذَلِك قَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ: نغسل كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: إِن أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإسباغ الْوضُوء، ووعيده وإنكاره عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْغسْل يدل على أَن وَظِيفَة الرجلَيْن هُوَ الْغسْل الوافي لَا الْغسْل المشابه بِالْمَسْحِ كَغسْل هَؤُلَاءِ. وَقَول عِيَاض: وَقد أَمرهم بِالْغسْلِ بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) ، غير مُسلم لِأَن الْأَمر بالإسباغ أَمر بتكميل الْغسْل، وَالْأَمر بِالْغسْلِ فهم من الْوَعيد لِأَنَّهُ لَا يكون إلاَّ فِي ترك وَاجِب، فَلَمَّا فهم ذَلِك من الْوَعيد أكده بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) ، وَلِهَذَا ترك العاطف، فَوَقع هَذَا تَأْكِيدًا عَاما يَشْمَل الرجلَيْن وَغَيرهمَا من أَعْضَاء الْوضُوء، لِأَنَّهُ لم يقل: اسبغوا الرجلَيْن: بل قَالَ: (اسبغوا الْوضُوء) ، وَالْوُضُوء هُوَ غسل الْأَعْضَاء الثَّلَاثَة، وَمسح الرَّأْس، ومطلوبية الإسباغ غير مُخْتَصَّة بِالرجلَيْنِ، فَكَمَا أَنه مَطْلُوب فيهمَا، فَكَذَلِك مَطْلُوب فِي غَيرهمَا. فَإِن قلت: لم ذكر الإسباغ عَاما والوعيد خَاصّا. قلت: لأَنهم مَا قصروا إلاَّ فِي وَظِيفَة الرجلَيْن، فَلذَلِك ذكر لفظ الأعقاب، فَيكون الْوَعيد فِي مُقَابلَة ذَلِك التَّقْصِير الْخَاص. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دَلِيل على وجوب غسل الرجلَيْن فِي الْوضُوء، لِأَن الْمسْح لَو كَانَ كَافِيا لما أوعد من ترك غسل الْعقب بالنَّار، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي بَابه مُسْتَوفى. الثَّانِي: فِيهِ وجوب تَعْمِيم الْأَعْضَاء بالمطهر، وَإِن ترك الْبَعْض مِنْهَا غير مجزىء. الثَّالِث: تَعْلِيم الْجَاهِل وإرشاده. الرَّابِع: أَن الْجَسَد يعذب، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة. الْخَامِس: جَوَاز رفع الصَّوْت فِي المناظرة بِالْعلمِ. السَّادِس: أَن الْعَالم يُنكر مَا يرى من التضييع للفرائض وَالسّنَن، ويغلظ القَوْل فِي ذَلِك، وَيرْفَع صَوته للإنكار. السَّابِع: تكْرَار الْمَسْأَلَة تَأْكِيدًا لَهَا ومبالغة فِي وُجُوبهَا، وَسَيَأْتِي ذكره فِي بَاب: من أعَاد الحَدِيث ثَلَاثًا ليفهم. الأسئلة والاجوبة: مِنْهَا مَا قيل: إِن الرجل لَهُ رجلَانِ وَلَيْسَ لَهُ أرجل، فَالْقِيَاس أَن يُقَال على رجلينا. أُجِيب: بِأَن الْجمع إِذا قوبل بِالْجمعِ يُفِيد التَّوْزِيع، فتوزع الأرجل على الرِّجَال. وَمِنْهَا مَا قيل: فعلى هَذَا يكون لكل رجل رجل. أُجِيب: بِأَن جنس الرجل يتَنَاوَل الْوَاحِد والإثنين، وَالْعقل يعين الْمَقْصُود، سِيمَا فِيمَا هُوَ محسوس. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْمسْح على ظهر الْقدَم لَا على الرجل كلهَا. أُجِيب: بِأَنَّهُ أطلق الرجل، وَأُرِيد الْبَعْض أَي: ظهر الْقدَم، ولقرينة الْعرف الشَّرْعِيّ إِذْ الْمَعْهُود مسح ذَلِك، وَهَذَا فِيهِ نظر، لأَنهم مَا كَانُوا يمسحون مثل مسح الرَّأْس، وإنماا كَانُوا يغسلون، وَلَكِن غسلا خَفِيفا، فَلذَلِك أطْلقُوا عَلَيْهِ الْمسْح وَقد حققناه عَن قريب. وَمِنْهَا مَا قيل: لم خص الأعقاب بِالْعَذَابِ؟ أُجِيب: لِأَنَّهَا الْعُضْو الَّتِي لم تغسل. وَفِي (الغريبين) : وَفِي الحَدِيث: (ويل للعقب من النَّار) ، أَي: لصَاحب الْعقب المقصر عَن غسلهَا، كَمَا قَالَ: {واسأل الْقرْيَة} (يُوسُف: 82) أَي: أهل الْقرْيَة، وَقيل: إِن الْعقب يخص بالمؤلم من الْعقَاب إِذا قصر فِي غسلهَا، وَفِي (الْمُنْتَهى فِي اللُّغَة) : وَفِي الحَدِيث: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . أَرَادَ التَّغْلِيظ فِي إسباغ الْوضُوء، وَهُوَ التَّكْمِيل والإتمام والسبوغ: الشُّمُول. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا الْألف وَاللَّام فِي: الأعقاب؟ أُجِيب: بِأَنَّهَا للْعهد، أَي: لِلْأَعْقَابِ الَّتِي رَآهَا كَذَلِك لم تمسها المَاء، أَو يكون المُرَاد: الأعقاب الَّتِي صفتهَا هَذِه، لَا كل الأعقاب. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن اللَّام للاختصاص النافع إِذْ الْمَشْهُور أَن اللَّام تسْتَعْمل فِي الْخَيْر، وعَلى فِي الشَّرّ، نَحْو: {لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت} (الْبَقَرَة: 286) وَأجِيب: بِأَنَّهَا للاختصاص هَهُنَا نَحْو: {وَإِن اسأتم فلهَا} (الْإِسْرَاء: 7) وَنَحْو: {وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} (الْبَقَرَة: 10، 174، آل عمرَان: 77، 91، 177، 188، الْمَائِدَة: 36، التَّوْبَة: 61، 79، إِبْرَاهِيم، 22، النَّحْل: 63، 104، 117، الشورى: 21، 242، الْحَشْر: 15، التغابن: 5) قلت: وَقد تسْتَعْمل اللَّام فِي مَوضِع: على. وَقَالُوا: إِن اللَّام فِي: {وَإِن اسأتم فلهَا} (الْإِسْرَاء: 7) بِمَعْنى: عَلَيْهَا. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أخرت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، الصَّلَاة عَن الْوَقْت الْفَاضِل؟ أُجِيب: بِأَنَّهُم إِنَّمَا أخروها عَنهُ طَمَعا أَن يصلوها مَعَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لفضل الصَّلَاة مَعَه، فَلَمَّا خَافُوا الْفَوات استعجلوا، فانكر عَلَيْهِم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَمِنْهَا مَا قيل: روى مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، رأى رجلا لم يغسل عقبه، فَقَالَ: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَكَذَلِكَ حَدِيث مُسلم عَن عبد اللَّه بن عَمْرو الَّذِي مضى ذكره عَن قريب، وَفِيه: (فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِم وَأَعْقَابهمْ تلوح لم يَمَسهَا المَاء، فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَهَذَانِ الحديثان تَصْرِيح بِأَن الْوَعيد وَقع على عدم اسْتِيعَاب الرِجل بِالْمَاءِ، وَحَدِيث البُخَارِيّ يدل على أَن الْمسْح لَا يجزىء عَن الْغسْل فِي الرجل، وَأجِيب: بِأَنَّهُ ترد الْأَحَادِيث إِلَى معنى وَاحِد، وَيكون معنى قَوْله: (لم يَمَسهَا المَاء) ، أَي: بِالْغسْلِ، وَإِن مَسهَا بِالْمَسْحِ فَيكون الْوَعيد وَقع على
- (باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا)
الِاقْتِصَار على الْمسْح دون الْغسْل. قلت: هَذَا الْجَواب يُؤَيّد مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَالله أعلم. 4 - (بَاب قَوْلِ المُحَدِّثِ: حدّثنا أوْ أخْبَرَنَا وأنْبأَنَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمُحدث: حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا، هَل فِيهِ فرق أم الْكل وَاحِد؟ وَالْمرَاد بالمحدث اللّغَوِيّ، وَهُوَ الَّذِي يحدث غَيره، لَا الاصطلاحي، وَهُوَ الَّذِي يشْتَغل بِالْحَدِيثِ النَّبَوِيّ. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْعلم؟ وَمَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله؟ قلت: أما ذكره مُطلقًا فللتنبيه على أَنه بنى كِتَابه على المسندات المروية عَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. وَأما ذكره فِي كتاب الْعلم فَظَاهر لِأَنَّهُ من جملَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُحدث فِي معرفَة الْفرق بَين الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة لُغَة وَاصْطِلَاحا، وَأما وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ فَهُوَ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق: رفع الْعَالم صَوته بِالْعلمِ ليتعلم الْحَاضِرُونَ ذَلِك، ويعلمون غَيرهم بالرواية عَنهُ، فَعِنْدَ الرِّوَايَة وَالنَّقْل عَنهُ لَا بُد من ذكر لَفْظَة من الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة، فحينئذٍ ظهر الِاحْتِيَاج إِلَى مَعْرفَتهَا لُغَة وَاصْطِلَاحا. وَمن حَيْثُ الْفرق بَينهَا وَعَدَمه، وَفِي بعض النّسخ: أخبرنَا وَحدثنَا وأنبأنا. وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ كانَ عِنْدَ ابنِ عُيَيْنَةَ: حدّثنا وأخْبَرَنَا وأنْبَانَا، وسَمِعْتُ واحِداً. الْحميدِي، بِضَم الْحَاء، هُوَ أَبُو بكر عبد اللَّه بن الزبير الْقرشِي الْأَسدي الْمَكِّيّ، أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَقد مر ذكره. وتصدير الْبَاب بقوله تَنْبِيه على أَنه اخْتَار هَذَا القَوْل فِي عدم الْفرق بَين هَذِه الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة، نقل هَذَا عَن شَيْخه الْحميدِي، والْحميدِي أَيْضا نقل ذَلِك عَن شَيْخه سُفْيَان بن عَيْنِيَّة، وَهُوَ أَيْضا قد ذكر. وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ لنا الْحميدِي، وَهِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي. وَكَذَا ذكر أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) وَلَيْسَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة: وانبأنا، وَالْكل فِي رِوَايَة أبي ذَر. ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله: قَالَ الْحميدِي، لَا يدل جزما على أَنه سَمعه مِنْهُ، فَيحْتَمل الْوَاسِطَة، وَهُوَ أحط مرتبَة من: حَدثنَا وَنَحْوه، سَوَاء كَانَ بِزِيَادَة: لنا، أَو لم يكن، لِأَنَّهُ يُقَال على سَبِيل المذاكرة، بِخِلَاف نَحْو: حَدثنَا، فَإِنَّهُ يُقَال على سَبِيل النَّقْل والتحمل. وَقَالَ جَعْفَر بن حمدَان النَّيْسَابُورِي: كلما قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ: قَالَ لي فلَان، فَهُوَ عرض ومناولة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: لَا خلاف أَنه يجوز فِي السماع من لفظ الشَّيْخ أَن يَقُول السَّامع فِيهِ: حَدثنَا، وَأخْبرنَا، وانبأنا، وسمعته يَقُول، وَقَالَ لنا فلَان، وَذكر لنا فلَان؛ وَإِلَيْهِ مَال الطَّحَاوِيّ. وَصحح هَذَا الْمَذْهَب ابْن الْحَاجِب، وَنقل هُوَ وَغَيره عَن الْحَاكِم أَنه مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْمُحدثين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَيحيى الْقطَّان. وَقيل: إِنَّه قَول مُعظم الْحِجَازِيِّينَ والكوفيين فَلذَلِك اخْتَارَهُ البُخَارِيّ بنقله عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ إلاَّ مُقَيّدا مثل: حَدثنَا فلَان قِرَاءَة عَلَيْهِ، وَأخْبرنَا قِرَاءَة عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين. وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي: حَدثنَا، وبالجواز فِي أخبرنَا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَمُسلم بن الْحجَّاج وَجُمْهُور أهل الْمشرق، وَنقل عَن أَكثر الْمُحدثين مِنْهُم ابْن جريج وَالْأَوْزَاعِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن وهب. وَقيل: إِن عبد اللَّه ابْن وهب أول من أحدث هَذَا الْفرق بِمصْر، وَصَارَ هُوَ الشَّائِع الْغَالِب على أهل الحَدِيث، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ: إِنَّه اصْطِلَاح مِنْهُم أَرَادوا بِهِ التَّمْيِيز بَين النَّوْعَيْنِ، وخصصوا قِرَاءَة الشَّيْخ: بحدثنا، لقُوَّة إشعاره بالنطق والمشافهة، وأحدث الْمُتَأَخّرُونَ تَفْصِيلًا آخر وَهُوَ أَنه مَتى سمع وَحده من لفظ الشَّيْخ أفرد، فَقَالَ: حَدثنِي أَو أَخْبرنِي أَو سَمِعت، وَمَتى سمع مَعَ غَيره جمع فَقَالَ: حَدثنَا أَو أخبرنَا، وَمَتى قَرَأَ بِنَفسِهِ على الشَّيْخ أفرد فَقَالَ: أَخْبرنِي. وخصصوا الإنباء بِالْإِجَازَةِ الَّتِي يشافه بهَا الشَّيْخ من يُخبرهُ، وكل هَذَا مستحسن، وَلَيْسَ بِوَاجِب عِنْدهم، لِأَن هَذَا اصْطِلَاح وَلَا مُنَازعَة فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: التحديث والإخبار والإنباء سَوَاء وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللُّغَة. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن الحَدِيث هُوَ القَوْل، وَالْخَبَر من الْخَبَر، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الْبَاء، وَهُوَ الْعلم بالشَّيْء من خبرت الشَّيْء أخبرهُ خَبرا وخبرة، وَمن أَيْن خبرت هَذَا أَي: عَلمته، وَإِنَّمَا اسْتِوَاء هَذِه الْأَلْفَاظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاصْطِلَاح، وكل مَا جَاءَ من لفظ الْخَبَر وَمَا يشتق مِنْهُ فِي الْقُرْآن والْحَدِيث وَغَيرهمَا فَمَعْنَاه الْأَصْلِيّ هُوَ الْعلم. فَافْهَم.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: حدّثنا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهَوَ الصَّادِقُ المَصْدُوق، وَقَالَ شَقِيقُ عَنْ عَبْدِ اللَّه: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَلِمَةً، وَقَالَ حذَيْفَةُ: حدّثنا رسولُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثَيْنِ. هَذِه ثَلَاث تعاليق أوردهَا تَنْبِيها على أَن الصَّحَابِيّ تَارَة كَانَ يَقُول: حَدثنَا، وَتارَة كَانَ يَقُول: سَمِعت، فَدلَّ ذَلِك على أَنه لَا فرق بَينهمَا. التَّعْلِيق الأول: الَّذِي رَوَاهُ عبد اللَّه بن مَسْعُود طرف من الحَدِيث الْمَشْهُور، أوصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْقدر، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّانِي: رَوَاهُ أَبُو وَائِل شَقِيق عَن عبد اللَّه هُوَ ابْن مَسْعُود، أوصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْجَنَائِز. الثَّالِث: رَوَاهُ حُذَيْفَة ابْن الْيَمَان رَضِي الله عَنهُ، أوصله البُخَارِيّ فِي كتاب الرقَاق، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَاسم الْيَمَان: حسل، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَيُقَال: حسيل، بِالتَّصْغِيرِ ابْن جَابر بن عَمْرو بن ربيعَة بن جروة، بِالْجِيم الْمَكْسُورَة، ابْن الْحَارِث بن مَازِن بن قطيعة بن عبس بن بغيض، بِفَتْح الْمُوَحدَة وغين وضاد معجمتين، ابْن ريث، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، بن غطفان بن سعد بن قيس بن غيلَان بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان الْعَبْسِي، حَلِيف بني عبد الْأَشْهَل من الْأَنْصَار. قَالُوا: واليمان، لقب حسل. وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَابْن سعد: هُوَ لقب جروة، وَإِنَّمَا لقب الْيَمَان لِأَن جروة أصَاب دَمًا فِي قومه فهرب إِلَى الْمَدِينَة، فَخَالف بني عبد الْأَشْهَل من الْأَنْصَار، فَسَماهُ قومه: الْيَمَان، لِأَنَّهُ حَالف اليمانية، أسلم هُوَ وَأَبوهُ وشهدا أحدا، وَقتل أَبوهُ يَوْمئِذٍ، قَتله الْمُسلمُونَ خطأ، فوهب لَهُم دَمه، وَأسْلمت أم حُذَيْفَة وَهَاجَرت، وأرادا أَن يشهدَا بَدْرًا فَاسْتَحْلَفَهُمَا الْمُشْركُونَ أَن لَا يشهدَا مَعَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَحَلفا لَهُم ثمَّ سَأَلَا النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام: (نفي لَهُم بعهدهم ونستعين بِاللَّه عَلَيْهِم) . وَكَانَ صَاحب سر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمُنَافِقين، يعلمهُمْ وَحده. وَسَأَلَهُ عمر، رَضِي الله عَنهُ: هَل فِي عمالهم أحد مِنْهُم؟ قَالَ: نعم، وَاحِد. قَالَ: من هُوَ؟ قَالَ: لَا أذكرهُ، فَعَزله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَأَنَّمَا دلّ عَلَيْهِ. وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا مَاتَ ميت، فَإِن حضر الصَّلَاة عَلَيْهِ حُذَيْفَة صلى عَلَيْهِ عمر، رَضِي الله عَنهُ، وإلاَّ فَلَا. وَحَدِيثه لَيْلَة الْأَحْزَاب مَشْهُور فِيهِ معجزات، وَكَانَ فتح هَمدَان والري والدينور على يَده، ولاه عمر، رَضِي الله عَنهُ، الْمَدَائِن، وَكَانَ كثير السُّؤَال لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْفِتَن وَالشَّر ليجتنبهما، ومناقبه كَثِيرَة، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عشرُون حَدِيثا. قَالَه الْكرْمَانِي فِي شَرحه، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه: أخرجَا لَهُ اثْنَي عشر حَدِيثا اتفقَا عَلَيْهَا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثمَانِيَة، وَمُسلم بسبعة عشر. قلت: فَهَذَا يدل على سقط عدد من الْكرْمَانِي إِمَّا مِنْهُ وَإِمَّا من النساخ، توفّي حُذَيْفَة بِالْمَدَائِنِ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ بعد قتل عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وقالَ أبُو العَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، وقالَ أنَسُ: عَنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وجَلَّ. هَذِه ثَلَاث تعاليق أُخْرَى أوردهَا تَنْبِيها على حكم العنعنة، وَأَن حكمهَا الْوَصْل عِنْد ثُبُوت اللقى، وَفِيه تَنْبِيه آخر وَهُوَ أَن رِوَايَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِنَّمَا هِيَ عَن ربه، سَوَاء صرح بذلك الصَّحَابِيّ أم لَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، روى عَنهُ حَدِيثه الْمَذْكُور فِي مَوضِع آخر، وَلم يذكر فِيهِ: عَن ربه، لَا يُقَال: ذكر العنعنة لَا تعلق لَهُ بالترجمة، وَكَذَا ذكر الرِّوَايَة، لأَنا نقُول: لفظ الرِّوَايَة شَامِل لجَمِيع الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة، وَكَذَا لفظ العنعنة، لاحْتِمَاله كلاًّ من هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة، وَهَذِه التَّعَالِيق وَصلهَا البُخَارِيّ فِي كتاب التَّوْحِيد، وَهَؤُلَاء الصَّحَابَة قد ذكرُوا فِيمَا مضى، وَأما أَبُو الْعَالِيَة فقد قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه: هُوَ الْبَراء، بالراء الْمُشَدّدَة، واسْمه زِيَاد بن فَيْرُوز الْبَصْرِيّ الْقرشِي مَوْلَاهُم، وَقيل: اسْمه أذينة، وَقيل: كُلْثُوم، وَقيل: زِيَاد بن أذينة، سمع ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير وَغَيرهم، قَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة توفّي سنة تسعين، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْبَراء، لِأَنَّهُ كَانَ يبري النبل، وَمثله: أَبُو معشر الْبَراء، واسْمه يُوسُف، وَكَانَ يبري النبل. وَقيل يبري الْعود، وَمن عداهما الْبَراء مخفف، وَكله مَمْدُود، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَبُو الْعَالِيَة، بِالْمُهْمَلَةِ والتحتانية، وَالظَّاهِر أَنه رفيع،
بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء، ابْن مهْرَان الريَاحي، أَعتَقته امْرَأَة من بني ريَاح، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَأسلم بعد موت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِسنتَيْنِ، مَاتَ سنة تسعين. ورياح، بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّة، حَيّ من بني تَمِيم، وَقَالَ بَعضهم: أَبُو الْعَالِيَة الْمَذْكُور هَهُنَا هُوَ الريَاحي، وَهُوَ رفيع، بِضَم الرَّاء، وَمن زعم أَنه: الْبَراء، بالراء المثقلة فقد وهم، فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور مَعْرُوف بِرِوَايَة الريَاحي دونه. قلت: كل وَاحِد من أبي الْعَالِيَة الْبَراء، وَأبي الْعَالِيَة رفيع من الروَاة عَن ابْن عَبَّاس، وترجيح أَحدهمَا على الآخر فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس يحْتَاج إِلَى دَلِيل. وَقَوله: فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور مَعْرُوف بِرِوَايَة الريَاحي دونه، يحْتَاج إِلَى نقل عَن أحد مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ. 61 - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قالَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ ورَقُهَا وإِنَّها مَثَلُ المُسْلِمِ فَحَدِّثونِي مَا هِيَ) فَوقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوْادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّه: ووقَعَ فِي نَفْسِي أنَّهَا النَّخْلَةُ فاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قالُوا: حدّثنا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّه: (قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ قَالُوا: حَدثنَا مَا هِيَ يَا رَسُول الله) وَفِي قَوْله: (فحدثوني مَا هِيَ) . فَإِن قلت: التَّرْجَمَة بِثَلَاثَة أَلْفَاظ، وَهِي التحديث والإخبار والإنباء، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث إِلَّا لفظ التحديث، قلت: أَلْفَاظ الحَدِيث مُخْتَلفَة، فَإِذا جمعت طرقه يُوجد ذَلِك كُله، فَفِي رِوَايَة عبد اللَّه بن دِينَار الْمَذْكُورَة هَهُنَا لفظ: حَدثُونِي مَا هِيَ، وَفِي رِوَايَة نَافِع عَنهُ فِي التَّفْسِير عِنْد البُخَارِيّ أَيْضا: اخبروني، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن نَافِع عَنهُ: انبؤني، فَاشْتَمَلَ الحَدِيث الْمَذْكُور على هَذَا الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة، وَالْكل ذكرُوا. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْعلم هَذَا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن ابْن دِينَار عَن ابْن عمر وَعَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان عَن ابْن دِينَار بِهِ، وَعَن عَليّ عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَعَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن ابْن دِينَار بِهِ، وَفِيه: (فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أخبرنَا بهَا) . واخرجه فِي الْبيُوع فِي: بَاب بيع الْجمار وَأكله، عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر، وَفِي الْأَطْعِمَة عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر، وَعَن أبي نعيم عَن مُحَمَّد ابْن طَلْحَة عَن زبيد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر، وَلَفظ حَدِيث عمر بن حَفْص: (بَينا نَحن عِنْد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، جُلُوس، إِذْ أُتِي بجمار نَخْلَة، فَقَالَ: عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: إِن من الشّجر لما بركته كبركة الْمُسلم، فَظَنَنْت أَنه يَعْنِي النَّخْلَة، فَأَرَدْت أَن أَقُول: هِيَ النَّخْلَة يَا رَسُول الله! ثمَّ الْتفت فَإِذا أَنا عَاشر عشرَة أَنا أحدثهم، فَسكت، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هِيَ النَّخْلَة) . وَفِي أول بعض طرقه: (كنت عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَأْكُل الْجمار) ، وَأخرجه فِي الْأَدَب فِي: بَاب لَا يستحي من الْحق، عَن آدم عَن شُعْبَة عَن محَارب عَن أبن عمر، قَالَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (مثل الْمُؤمن كَمثل شَجَرَة خضراء لَا يسْقط وَرقهَا وَلَا يتحات، فَقَالَ الْقَوْم: هِيَ شَجَرَة كَذَا، فَأَرَدْت أَن أَقُول: هِيَ النَّخْلَة، وَأَنا غُلَام شَاب فَاسْتَحْيَيْت، فَقَالَ: هِيَ النَّخْلَة) . وَعَن شُعْبَة عَن خبيب عَن حَفْص عَن ابْن عمر مثله، وَزَاد: (فَحدثت بِهِ عمر، فَقَالَ: لَو كنت قلتهَا لَكَانَ أحب إِلَيّ من كَذَا وَكَذَا) . وَأخرجه مُسلم فِي تلو كتاب التَّوْبَة عَن مُحَمَّد بن عبيد عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن أبي الْجَلِيل، وَعَن أبي بكر وَابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن أبي نجيح، وَعَن أبي نمير عَن أَبِيه عَن سيف بن سُلَيْمَان، وَقَالَ ابْن أبي سُلَيْمَان: كلهم عَن مُجَاهِد بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة، وَأبي أَيُّوب، وَابْن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن ابْن دِينَار عَن ابْن عمر بِهِ، وَفِي بَعْضهَا قَالَ ابْن عمر: (فَألْقى الله تَعَالَى فِي روعي أَنَّهَا النَّخْلَة) . الحَدِيث. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من الشّجر) ، قَالَ الصغاني فِي (الْعباب) : الشّجر والشجرة مَا كَانَ على سَاق من نَبَات الأَرْض، وَقَالَ الدينَوَرِي: من الْعَرَب من يَقُول: شَجَرَة وشجرة، فيكسر الشين وبفتح الْجِيم، وَهِي لُغَة لبني سليم، وَأَرْض شجراء كَثِيرَة الْأَشْجَار، وَلَا يُقَال: وَاد شجر، وَوَاحِد الشجراء شَجَرَة، وَلم يَأْتِ على هَذَا الْمِثَال إلاَّ أحرف يسيرَة، وَهِي شَجَرَة وشجراء، وقصبة وقصباء، وطرفة وطرفاء، وحلفة وحلفاء. وَقَالَ سيبوبه: الشجراء وَاحِد وَجمع، وَكَذَلِكَ: القصباء والطرفاء والحلفاء. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ:
الشَّجَرَة، بِكَسْر الشين، والشيرة، بِكَسْر الشين وَالْيَاء، وَعَن أبي عَمْرو أَنه كرهها، وَقَالَ: يقْرَأ بهَا برابر مَكَّة وسودانها. قَوْله: (الْبَوَادِي) ، جمع بادية وَهِي خلاف الْحَاضِرَة، والبدو مثل الْبَادِيَة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِمَا بدوي، وَعَن أبي زيد: بداوي، وَأَصلهَا بَاء ودال وواو، من البدو، وَهُوَ الظُّهُور، وَهُوَ ظَاهر فِي معنى الْبَادِيَة، وَفِي بعض الرِّوَايَات البواد، بِحَذْف الْيَاء، وَهِي لُغَة. قَوْله: (النَّخْلَة) ، وَاحِدَة النّخل وَفِي (الْعباب) : النّخل والنخيل بِمَعْنى وَاحِد، الْوَاحِدَة نَخْلَة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (شَجَرَة) نصب لِأَنَّهُ اسْم: إِن، وخبرها قَوْله: (من الشَّجَرَة) ، وَكلمَة: من، للتَّبْعِيض، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى من جنس الشَّجَرَة. قَوْله: (لَا يسْقط وَرقهَا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لشَجَرَة. قَوْله: (وَأَنَّهَا) ، بِالْكَسْرِ عطف على (إِن) الأولى. قَوْله (مَا هِيَ) مُبْتَدأ وَخبر وَالْجُمْلَة سدت حسد المفعولين لفعل الحَدِيث. قَوْله: (إِنَّهَا النحلة) . بِفَتْح: أَن لِأَنَّهَا فَاعل وَقع، والنخلة، مَرْفُوع لِأَنَّهَا خبر ان. قَوْله: (حَدثنَا مَا هِيَ) مُبْتَدأ وَهِي خَبره، وَالْجُمْلَة سدت مسد المفعولين أَيْضا، وَقَوله: (هِيَ النَّخْلَة) مُبْتَدأ وَخبر وَقعت مقول القَوْل. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِن من الشّجر شَجَرَة) ، مخرج على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر، لِأَن المخاطبين فِيهِ كَانُوا مستشرفين كاستشراف الطَّالِب المتردد، فَلذَلِك حسن تأكيده: بِأَن، وصوغه بِالْجُمْلَةِ الإسمية. قَوْله: (لَا يسْقط وَرقهَا) صفة سلبية تبين أَن موصوفها مُخْتَصّ بهَا دون غَيره. قَوْله: (وَإِنَّهَا مثل الْمُسلم) كَذَلِك مخرج على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (فَوَقع النَّاس فِي شجر الْبَوَادِي) أَي: ذهبت أفكارهم إِلَى شجر الْبَوَادِي وذهلوا عَن النَّخْلَة، فَجعل كل مِنْهُم يُفَسِّرهَا بِنَوْع من الْأَنْوَاع، يُقَال: وَقع الطَّائِر على الشَّجَرَة. إِذا نزل عَلَيْهَا. قَوْله: (قَالَ عبد اللَّه) أَي: عبد اللَّه بِهِ عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَوْله: (فَاسْتَحْيَيْت) زَاد فِي رِوَايَة مُجَاهِد، فِي: بَاب الْفَهم فِي الْعلم: (فَأَرَدْت أَن أَقُول: هِيَ النَّخْلَة، فَإِذا أَنا أَصْغَر الْقَوْم) . وَله فِي الْأَطْعِمَة: (فَإِذا أَنا عَاشر عشرَة أَنا أحدثهم) . وَفِي رِوَايَة نَافِع: (وَرَأَيْت أَبَا بكر وَعمر لَا يتكلمان، فَكرِهت أَن أَتكَلّم) . وَفِي رِوَايَة مَالك عَن عبد اللَّه بن دِينَار عِنْد البُخَارِيّ، فِي بَاب الْحيَاء فِي الْعلم، قَالَ عبد اللَّه: (فَحدثت أبي بِمَا وَقع (نَفسِي) ، فَقَالَ: لِأَن كنت قلتهَا أحب إِلَيّ من أَن يكون لي كَذَا وَكَذَا) . زَاد ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : (احسبه قَالَ: حمر النعم) . بَيَان الْبَيَان: قَوْله: (مثل الْمُسلم) ، بِفَتْح الْمِيم والثاء مَعًا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مثل، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الثَّاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: مثل، كلمة تَسْوِيَة. يُقَال: هَذَا مثله ومثيله. كَمَا يُقَال: شبهه وشبيهه، بِمَعْنى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْمثل، فِي أصل كَلَامهم بِمَعْنى الْمثل، يُقَال: مثل وَمثل ومثيل كشبه وَشبه وشبيه، ثمَّ قيل لِلْقَوْلِ السائر الممثل مضربه بمورده: مثل، وَلم يضْربُوا مثلا وَلَا رَأَوْهُ أَهلا للتسيير، وَلَا جَدِيرًا بالتداول وَالْقَبُول إلاَّ قولا فِيهِ غرابة من بعض الْوُجُوه. قلت: لضرب الْمثل شَأْن فِي إبراز خبيئات الْمعَانِي، وَرفع الاستار عَن الْحَقَائِق، فَإِن الْأَمْثَال تري المخيل فِي صُورَة الْمُحَقق، والمتوهم فِي معرض الْمُتَيَقن، وَالْغَائِب كَأَنَّهُ مشَاهد، وَلَا يضْرب مثل إلاَّ قَول فِيهِ غرابة، فَإِن قلت: مَا المورد وَمَا المضرب؟ قلت: المورد: الصُّورَة الَّتِي ورد فِيهَا ذَلِك القَوْل، والمضرب هِيَ الصُّورَة الَّتِي شبهت بهَا. ثمَّ اعْلَم أَن الْمثل لَهُ مَفْهُوم لغَوِيّ، وَهُوَ النظير. وَمَفْهُوم عرفي، وَهُوَ القَوْل السائر، وَمعنى مجازي وَهُوَ الْحَال الغريبة، واستعير الْمثل هُنَا كاستعارة الْأسد للمقدام، للْحَال العجيبية أَو الصّفة الغريبة، كَأَنَّهُ قيل: حَال الْمُسلم العجيب الشَّأْن كَحال النَّخْلَة، أَو: صفة الْمُسلم الغريبة كصفة النَّخْلَة، فالمسلم هُوَ الْمُشبه، والنخلة هُوَ الْمُشبه بهَا، وَأما وَجه الشّبَه فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ كَثْرَة خَيرهَا ودوام ظلها وَطيب ثَمَرهَا ووجودها على الدَّوَام، فَإِنَّهُ من حِين يطلع ثَمَرهَا لَا يزَال يُؤْكَل مِنْهُ حَتَّى ييبس، وَبعد أَن ييبس يتَّخذ مِنْهَا مَنَافِع كَثِيرَة، من خشبها وورقها وَأَغْصَانهَا، فيستعمل جذوعاً وحطباً وعصياً ومحاضر وحصراً وحبالاً وأواني، وَغير ذَلِك مِمَّا ينْتَفع بِهِ من أَجْزَائِهَا، ثمَّ آخرهَا نَوَاهَا ينْتَفع بِهِ، علفاً لِلْإِبِلِ وَغَيره، ثمَّ جمال نباتها وَحسن ثَمَرَتهَا وَهِي كلهَا مَنَافِع، وَخير وجمال، وَكَذَلِكَ الْمُؤمن خير كُله من كَثْرَة طاعاته وَمَكَارِم أخلاقه ومواظبته على صلَاته وصيامه وَذكره وَالصَّدَََقَة وَسَائِر الطَّاعَات، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي وَجه الشّبَه. وَقَالَ بَعضهم: وَجه التَّشْبِيه أَن النَّخْلَة إِذا قطعت رَأسهَا مَاتَت بِخِلَاف بَاقِي الشّجر، وَقَالَ بَعضهم: لِأَنَّهَا لَا تحمل حَتَّى تلقح، وَقَالَ بَعضهم: لِأَنَّهَا تَمُوت إِذا مزقت أَو فسد مَا هُوَ كالقلب لَهَا. وَقَالَ بَعضهم: لِأَن لطلعها رَائِحَة الْمَنِيّ، وَقَالَ بَعضهم: لِأَنَّهَا تعشق كالإنسان، وَهَذِه الْأَقْوَال كلهَا ضَعِيفَة من حَيْثُ إِن التَّشْبِيه إِنَّمَا وَقع بِالْمُسلمِ، وَهَذِه الْمعَانِي تَشْمَل الْمُسلم وَالْكَافِر. قَوْله: (حَدثنَا) صُورَة أَمر وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ الطّلب وَالسُّؤَال، وَقد علم أَن الْأَمر إِذا كَانَ
- (باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم)
بالعلو والاستعلاء، يكون حَقِيقَة فِي بَابه، وَإِذا كَانَ لمساويه يكون التماساً، وَإِذا كَانَ لأعلى مِنْهُ يكون طلبا وسؤالاً. فَافْهَم. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ اسْتِحْبَاب إِلْقَاء الْعَالم الْمَسْأَلَة على أَصْحَابه ليختبر أفهامهم، ويرغبهم فِي الْفِكر. الثَّانِي: فِيهِ توقير الْكِبَار وَترك التَّكَلُّم عِنْدهم، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ بَابا، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْحيَاء مَا لم يؤد إِلَى تَفْوِيت مصلحَة، وَلِهَذَا تمنى عمر، رَضِي الله عَنهُ، أَن يكون ابْنه لم يسكت. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز اللغز مَعَ بَيَانه. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُعَاوِيَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنه نهى عَن الأغلوطات) ، قَالَ الْأَوْزَاعِيّ، أحد رُوَاته: هِيَ صعاب الْمسَائِل. قلت: هُوَ مَحْمُول على مَا إِذا أخرج على سَبِيل تعنيت المسؤول أَو تعجيزه أَو تخجيله وَنَحْو ذَلِك. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز ضرب الْأَمْثَال والأشباه لزِيَادَة الأفهام، وتصوير الْمعَانِي فِي الذِّهْن، وتحديد الْفِكر، وَالنَّظَر فِي حكم الْحَادِثَة. السَّادِس: فِيهِ تلويح إِلَى أَن التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ، وَلَا يلْزم أَن يكون الْمُشبه مثل الْمُشبه بِهِ فِي جَمِيع الْوُجُوه. السَّابِع: فِيهِ أَن الْعَالم الْكَبِير قد يخفى عَلَيْهِ بعض مَا يُدْرِكهُ من هُوَ دونه، لِأَن الْعلم منح إلهية ومواهب رحمانية، وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء. الثَّامِن: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة النّخل. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: {ضرب الله مثلا كلمة طيبَة} (إِبْرَاهِيم: 24) لَا إلاه إِلَّا الله، {كشجرة طيبَة} (إِبْرَاهِيم: 24) هِيَ: النَّخْلَة {أَصْلهَا ثَابت} (إِبْرَاهِيم: 24) فِي الأَرْض، {وفرعها فِي السَّمَاء} (إِبْرَاهِيم: 24) أَي: رَأسهَا {تؤتي أكلهَا كل} (إِبْرَاهِيم: 25) وَقت. شبه الله الْإِيمَان بالنخلة لثبات الْإِيمَان فِي قلب الْمُؤمن، كثبات النَّخْلَة فِي منبتها، وَشبه ارْتِفَاع عمله إِلَى السَّمَاء بارتفاع فروع النَّخْلَة، وَمَا يكتسبه الْمُؤمن من بركَة الْإِيمَان وثوابه فِي كل وَقت وزمان بِمَا ينَال من ثَمَر النَّخْلَة فِي أَوْقَات السّنة كلهَا من الرطب وَالتَّمْر، وَقد ورد ذَلِك صَرِيحًا فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّار من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: (قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... فَذكر هَذِه الْآيَة فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالَ ابْن عمر: لم يخف عَليّ أَنَّهَا النَّخْلَة، فَمَنَعَنِي أَن أَتكَلّم لمَكَان سني، فَقَالَ رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام: هِيَ النَّخْلَة) . وروى ابْن حبَان من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن عبد اللَّه بن دِينَار عَن عبد اللَّه بن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من يُخْبِرنِي عَن شَجَرَة مثلهَا مثل الْمُؤمن {أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء} (إِبْرَاهِيم: 24) ؟ فَذكر الحَدِيث، وروى الْبَزَّار أَيْضا من طَرِيق سُفْيَان بن حُسَيْن عَن أبي بشر عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مثل الْمُؤمن مثل النَّخْلَة، فَمَا أَتَاك مِنْهَا نفعك) . هَكَذَا أوردهُ مُخْتَصرا، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَقَالَ قَالَ الْبَزَّار: لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بِهَذَا السِّيَاق إلاَّ ابْن عمر وَحده، وَلما ذكره التِّرْمِذِيّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة. قلت: أخرجه عبد بن حميد فِي تَفْسِيره بِلَفْظ: مثل الْمُؤمن مثل النَّخْلَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن حبَان من حَدِيث أنس، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (قَرَأَ: {مثلا كلمة طيبَة كشجرة طيبَة} (إِبْرَاهِيم: 24) ، قَالَ: هِيَ النَّخْلَة) . تفرد بِرَفْعِهِ حَمَّاد بن سَلمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: إِن النَّخْلَة خلقت من بَقِيَّة طِينَة آدم، عَلَيْهِ السَّلَام، فَهِيَ كالعمة للأناسي. قلت: رُوِيَ فِيهِ حَدِيث مَرْفُوع، وَلكنه لم يثبت. 5 - (بَاب طرْحِ الإِمَامِ المَسْألَةَ عَلى أصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ) 62 - حدّثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حدّثنا سُلَيْمانُ حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ ورَقَهَا، وإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ حَدِّثونِي مَا هِي) قَال: فَوقعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي. قَالَ عَبْدُ: اللَّهِ فَوقَعَ فِي نَفْسي أنَّهَا النَّخْلَةُ. ثُمَّ قَالُوا حدِّثنا مَا هِيَ يَا رسُول الله! قَالَ: (هَيَ النَّخْلَةُ) . أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِلْقَاء الإِمَام الْمَسْأَلَة على أَصْحَابه ليختبر أَي: ليمتحن، من الاختبار وَهُوَ الامتحان. وَكلمَة: من، فِي الْعلم بَيَانِيَّة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، فَإِن الحَدِيث فيهمَا وَاحِد عَن صَحَابِيّ وَاحِد، غير أَن الِاخْتِلَاف فِي التَّرْجَمَة، فَلذَلِك أعَاد الحَدِيث. وَأما التَّفَاوُت فِي نفس متن الحَدِيث فشيء يسير، وَهُوَ وجود الْفَاء فِي: فحدثوني، فِي الْبَاب الأول، وَهَهُنَا بِلَا فَاء. على أَن فِي بعض النّسخ كِلَاهُمَا بِالْفَاءِ. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الَّذِي بِالْفَاءِ وَبَين الَّذِي بغَيْرهَا؟ قلت: الأَصْل عدم الْفَاء لعدم الْجِهَة الجامعة بَين الجملتين الْمُقْتَضِيَة للْعَطْف. أما الأول: فَهُوَ الْفَاء الَّتِي وَقعت جَوَابا لشرط مَحْذُوف، تَقْدِيره: إِن عرفتموها فحدثوني. فَإِن قلت: إِذا كَانَت إِعَادَة الحَدِيث لأجل استفادة التَّرْجَمَة الَّتِي عقد الْبَاب لَهَا مِنْهُ، فَمَا الْفَائِدَة فِي تَغْيِير رجال
باب القراءة والعرض على المحدث
الْإِسْنَاد؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: المقامات مُخْتَلفَة، فرواية قُتَيْبَة للْبُخَارِيّ إِنَّمَا كَانَت فِي مقَام بَيَان معنى التحديث، وَرِوَايَة خَالِد فِي مقَام بَيَان طرح الْمَسْأَلَة، فَلهَذَا ذكر البُخَارِيّ فِي كل مَوضِع شَيْخه الَّذِي روى الحَدِيث لَهُ لذَلِك الْأَمر الَّذِي روى لأَجله، مَعَ مَا فِيهِ من التَّأْكِيد وَغَيره. قلت: فِيهِ قائدة أُخْرَى، وَهُوَ التَّنْبِيه على تعدد مشايخه، واتساع رِوَايَته حَتَّى إِنَّه رُبمَا أخرج حَدِيثا وَاحِدًا من شُيُوخ كَثِيرَة. ثمَّ خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة، أَبُو الْهَيْثَم الْقَطوَانِي، بِفَتْح الْقَاف والطاء، البَجلِيّ، مَوْلَاهُم الْكُوفِي. وقطوان مَوضِع بِالْكُوفَةِ. روى عَن مَالك وَسليمَان بن بِلَال وَغَيرهمَا. روى عَنهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وابنا أبي شيبَة وَمُحَمّد ابْن بنْدَار وَالْبُخَارِيّ عَن ابْن كَرَامَة عَنهُ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبُو حَاتِم: لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير. وَقَالَ يحيى بن معِين: مَا بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ من المكثرين فِي محدثي الْكُوفَة، وَهُوَ عِنْدِي، إِن شَاءَ الله، لَا بَأْس بِهِ. وروى الْبَقِيَّة غير أبي دَاوُد عَن رجل عَنهُ، مَاتَ فِي الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَسليمَان هَذَا هُوَ ابْن بِلَال أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال أَبُو أَيُّوب التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمدنِي، مولى عبد اللَّه بن أبي عَتيق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق، كَانَ بربرياً جميلاً حسن الْهَيْئَة عَاقِلا مفتياً، ولي خراج الْمَدِينَة، وَتُوفِّي بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة فِي خلَافَة هَارُون الرشيد. وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس بِهِ ثِقَة. وَعَن يحيى بن معِين: ثِقَة صَالح، روى لَهُ الْجَمَاعَة. 6 - (بابٌ القِرَاءَةُ والعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة وَالْعرض على الْمُحدث. قَوْله: (على الْمُحدث) يتَعَلَّق بِالْقِرَاءَةِ وَالْعرض كليهمَا، فَهُوَ من بَاب تنَازع العاملين على مَعْمُول وَاحِد. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ قِرَاءَة الشَّيْخ، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الْقِرَاءَة على الشَّيْخ وَالسَّمَاع عَلَيْهِ، وَهَذِه مُنَاسبَة قَوِيَّة، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين، لما ذكر البُخَارِيّ فِي الْبَاب الأول قِرَاءَة الشَّيْخ، وَهُوَ قَوْله: بَاب قَول الْمُحدث: حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا، عقب بِهَذَا الْبَاب، فَذكر الْقِرَاءَة على الشَّيْخ وَالسَّمَاع عَلَيْهِ، فَقَالَ: بَاب الْقِرَاءَة وَالْعرض على الْمُحدث، وَكَانَ من حَقه أَن يقدم هَذَا الْبَاب على: بَاب قَول الْمُحدث: حَدثنَا وأنبأنا، لِأَن قَول الْمُحدث: حَدثنَا وأنبأنا فرع عَن تحمله، هَل كَانَ بِالْقِرَاءَةِ أَو بِالْعرضِ، أَو يَقُول: بَاب قِرَاءَة الشَّيْخ، ثمَّ يَقُول: بَاب الْقِرَاءَة على الْمُحدث. قلت: كَلَامه مشْعر بِبَيَان الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق على هَذَا الْبَاب، وَهُوَ: بَاب قَول الْمُحدث: حَدثنَا وَأخْبرنَا. وَحقّ الْمُنَاسبَة هُوَ الَّذِي يكون بَين الْبَابَيْنِ المتواليين، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقَوله: وَكَانَ من حَقه ... إِلَخ، لَيْسَ كَذَلِك، بل الَّذِي رتبه هُوَ الْحق، لأَنا قد قُلْنَا: إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق هُوَ قِرَاءَة الشَّيْخ، وَفِي هَذَا الْبَاب الْقِرَاءَة على الشَّيْخ، وَقِرَاءَة الشَّيْخ أقوى، والأقوى يسْتَحق التَّقْدِيم. فَإِن قلت: مَا مَقْصُود البُخَارِيّ من وضع هَذَا الْبَاب المترجم بالترجمة الْمَذْكُورَة؟ قلت: أَرَادَ بِهِ الرَّد على طَائِفَة لَا يعتدون إلاَّ بِمَا يسمع من أَلْفَاظ الْمَشَايِخ دون مَا يقْرَأ لَهُ عَلَيْهِم، وَلِهَذَا قَالَ عقيب الْبَاب: وَرَأى الْحسن وَالثَّوْري وَمَالك الْقِرَاءَة جَائِزَة ... إِلَخ. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين مفهومي الْقِرَاءَة وَالْعرض؟ قلت: الْمَفْهُوم من كَلَام الْكرْمَانِي أَن بَينهمَا مُسَاوَاة، لِأَنَّهُ قَالَ: المُرَاد بِالْعرضِ هُوَ عرض الْقِرَاءَة بِقَرِينَة مَا يذكر بعد التَّرْجَمَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير لَا يَصح عطف الْعرض على الْقِرَاءَة لِأَنَّهُ نَفسهَا. قلت: الْعرض تَفْسِير الْقِرَاءَة، وَمثله يُسمى بالْعَطْف التفسيري، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا غاير بَينهمَا بالْعَطْف لما بَينهمَا من الْعُمُوم وَالْخُصُوص، لِأَن الطَّالِب إِذا قَرَأَ كَانَ أَعم من الْعرض وَمن غَيره، وَلَا يَقع الْعرض إلاَّ بِالْقِرَاءَةِ، لِأَن الْعرض عبارَة عَمَّا يُعَارض بِهِ الطَّالِب أصل شَيْخه مَعَه أَو مَعَ غَيره بِحَضْرَتِهِ، فَهُوَ أخص من الْقِرَاءَة. قلت: هَذَا كَلَام مخبط لِأَنَّهُ تَارَة جعل الْقِرَاءَة أَعم من الْعرض، وَتارَة جعلهَا مُسَاوِيَة لَهُ، لِأَن قَوْله: لِأَن الطَّالِب إِذا قَرَأَ كَانَ أَعم من الْعرض وَمن غَيره، مشْعر بِأَن بَين الْقِرَاءَة وَالْعرض عُمُوما وخصوصاً مُطلقًا لاستلزام صدق أَحدهمَا صدق الآخر، كالإنسان وَالْحَيَوَان،، وَقَوله: وَلَا يَقع الْعرض إلاَّ بِالْقِرَاءَةِ، مشْعر بِأَن بَينهمَا مُسَاوَاة، لِأَنَّهُمَا متلازمان فِي الصدْق كالإنسان والناطق، وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْموضع أَن الْعرض بِالْمَعْنَى الْأَخَص مساوٍ للْقِرَاءَة، وبالمعنى الْأَعَمّ يكون بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلق لاستلزام صدق أَحدهمَا صدق الآخر، والمستلزم أخص مُطلقًا، وَاللَّازِم أَعم، فالقراءة بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان، وَالْعرض
بِمَنْزِلَة الْحَيَوَان. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِن الْعرض لَهُ مَعْنيانِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِقِرَاءَة أَو لَا، فَالْأول: يُسمى عرض قِرَاءَة. وَالثَّانِي: عرض مناولة، وَهُوَ أَن يَجِيء الطَّالِب إِلَى الشَّيْخ بِكِتَاب فيعرضه عَلَيْهِ، فيتأمل الشَّيْخ وَهُوَ عَارِف متيقظ، ثمَّ يُعِيدهُ إِلَيْهِ وَيَقُول لَهُ: وقفت على مَا فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثي عَن فلَان، فأجزت رِوَايَته عني، وَنَحْوه. وَرَأَى الحَسَنُ والثَّوْرِيُّ ومالكٌ القِرَاءَةَ جائزِةً. أَي: رأى الْحسن الْبَصْرِيّ، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَالْإِمَام مَالك الْقِرَاءَة على الْمُحدث جَائِزَة فِي صِحَة النَّقْل عَنهُ، فَذكر عَنْهُم أَولا مُعَلّقا، ثمَّ أسْند عَنْهُم على مَا يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا كَلَام مُسْتَأْنف غير دَاخل فِي التَّرْجَمَة، وَجوز الْكرْمَانِي أَن يكون دَاخِلا فِي التَّرْجَمَة بِتَأْوِيل الْفِعْل الْمَاضِي بِالْمَصْدَرِ، أَي: بَاب الْقِرَاءَة وَرَأى الْحسن الْبَصْرِيّ، وَهَذَا بعيد. واحْتَجَّ بَعْضُهُم فِي القَراءَةِ عَلَى العَالِمِ بِحَدِيثِ ضَمامِ بنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ للنَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الله أمَرَكَ أنْ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ؟ قالَ: (نَعَمْ) قَالَ: فَهاذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبْرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذلِكَ فأَجَازُوهُ. أَرَادَ: بِالْبَعْضِ، هَذَا، شَيْخه الْحميدِي، فَإِنَّهُ احْتج فِي جَوَاز الْقِرَاءَة على الْمُحدث فِي صِحَة النَّقْل عَنهُ بِحَدِيث ضمام بن ثَعْلَبَة، فَإِنَّهُ قدم على النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام، ثمَّ رَجَعَ إِلَى قومه فَأخْبرهُم بِهِ، فاسلموا. وَقَوله: (آللَّهُ أَمرك) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فِي لَفْظَة: (آللَّهُ) ، وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ. وَقَوله: (أَمرك) جملَة خَبره، قَوْله: (أَن نصلي الصَّلَاة) أَي: بِأَن نصلي، وَالْبَاء، مقدرَة فِيهِ، وَنُصَلِّي: إِمَّا بتاء الْخطاب أَو بنُون الْجمع المصدرة على مَا يَأْتِي بَيَانه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (قَالَ: نعم) أَي قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نعم الله أمرنَا بِأَن نصلي. قَوْله: (فَهَذِهِ قِرَاءَة) أَي: قَالَ الْبَعْض الَّذِي احْتج فِي الْقِرَاءَة على الْعَالم بِحَدِيث ضمام: هَذِه قِرَاءَة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي قَالَ الْبَعْض المحتج، وَهُوَ الْحسن وَالثَّوْري وَنَحْوهمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن المُرَاد بِالْبَعْضِ هُوَ الْحميدِي كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: يحْتَمل أَن يكون هَذَا المحتج بعض الْمَذْكُورين. أَعنِي: الْحسن وَالثَّوْري ومالكاً. قلت: لَا يمْنَع من ذَلِك، وَلَكِن حق الْعبارَة على هَذَا أَن يُقَال: قَالَ الْبَعْض المحتج من هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، لَا كَمَا يَقُوله الْكرْمَانِي. قَوْله: (قِرَاءَة على النَّبِي) هَكَذَا هُوَ فِي غَالب النّسخ بِإِظْهَار كلمة: على، الَّتِي للاستعلاء، وَفِي بَعْضهَا: قِرَاءَة النَّبِي، فَإِن صحت تكون الْإِضَافَة فِيهِ للْمَفْعُول، وَيقدر على: فِيهِ. قَوْله: (فأجازوه) ، أَي: قبلوا مِنْهُ، وَلَيْسَ المُرَاد الْإِجَازَة المصطلحة بَين أهل الحَدِيث، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى قوم ضمام، وَجوز الْكرْمَانِي: أَن يرجع الضَّمِير إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وصحابته، وَهَذَا بعيد، سِيمَا من حَيْثُ الْمرجع. لَا يُقَال: إجَازَة قومه لَا حجَّة فِيهِ لأَنهم كفرة، لأَنا نقُول: المُرَاد الْإِجَازَة بعد الْإِسْلَام، أَو كَانَ فيهم مُسلمُونَ يومئذٍ. فَإِن قلت: قَوْله: أخبر قومه بذلك، لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي سَاقه البُخَارِيّ، فَكيف يحْتَج بِهِ؟ قلت: إِن لم يَقع فِي هَذَا الطَّرِيق فقد وَقع فِي طَرِيق آخر، ذكره أَحْمد وَغَيره من طَرِيق ابْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: (بعث بَنو سعد بن بكر ضمام بن ثَعْلَبَة) فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِي آخِره: إِن ضماماً قَالَ لِقَوْمِهِ عِنْدَمَا رَجَعَ إِلَيْهِم: (إِن الله قد بعث رَسُولا، وَأنزل الله عَلَيْهِ كتابا وَقد جِئتُكُمْ من عِنْده بِمَا أَمركُم بِهِ ونهاكم عَنهُ. قَالَ: فوَاللَّه مَا أَمْسَى فِي ذَلِك الْيَوْم وَفِي حاضرته رجل وَلَا امْرَأَة إلاَّ مُسلما) . واحْتَجَّ مالِكٌ بالصَّكِّ يُقْرَأُ على القَوْمِ فيَقُولُونَ: أشهْدَنَا فُلاَنُ، وَيُقْرَأُ ذَلكَ قِراءَةً عَلَيْهِمْ، ويُقْرَأُ على المُقْرِىءِ فَيَقُولُ القَارِىءُ: أقْرَأَنِي فُلانٌ. أَرَادَ بالصك الْمَكْتُوب الَّذِي يكْتب فِيهِ إِقْرَار الْمقر. قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّك: الْكتاب، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَالْجمع صكاك وصكوك، وَفِي (الْعباب) وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ: صك، وَالْجمع: أصك وصكاك وصكوك، وَلَيْلَة الصَّك: لَيْلَة الْبَرَاءَة، وَهِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، لِأَنَّهُ يكْتب فِيهَا من صكاك الأوراق. قَوْله: (يقْرَأ) بِضَم الْيَاء فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِي: وَيقْرَأ، الثَّانِي.
قَوْله: (فلَان) ، منون، وَفِي بَعْضهَا بعد فلَان: وَإِنَّمَا ذَلِك قِرَاءَة عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن بطال: وَهَذِه حجَّة قَاطِعَة، لِأَن الْإِشْهَاد أقوى حالات الْإِخْبَار، وَأما قِيَاس مَالك قِرَاءَة الحَدِيث على قِرَاءَة الْقُرْآن فَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي الْكِتَابَة من طَرِيق ابْن وهب، قَالَ: سَمِعت مَالِكًا، وَسُئِلَ عَن الْكتب الَّتِي تعرض عَلَيْهِ: أيقول الرجل: حَدثنِي؟ قَالَ: نعم، كَذَلِك الْقُرْآن، أَلَيْسَ الرجل يقْرَأ على الرجل فَيَقُول، أَقْرَأَنِي فلَان، فَكَذَلِك إِذا قرىء على الْعَالم صَحَّ أَن يرْوى عَنهُ، وروى الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث عَن طَرِيق مطرف، قَالَ: صَحِبت مَالِكًا سبع عشرَة سنة فَمَا رَأَيْت قَرَأَ (المؤطأ) على أحد، يقرأون عَلَيْهِ. قَالَ: وسمعته يَأْبَى أَشد الإباء على من يَقُول: لَا يجْزِيه إلاَّ السماع من لفظ الشَّيْخ، وَيَقُول: كَيفَ لَا يجْزِيك هَذَا فِي الحَدِيث، ويجزيك فِي الْقُرْآن، وَالْقُرْآن أعظم؟ حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلاَمٍ حدّثنا مُحَمدُ بنُ الحَسَنِ الوَاسِطيُّ عَن عوفٍ عَنِ الحَسَن قَالَ: لاَ بأسَ بالقِراءَةِ على العالِمِ. هَذَا إِسْنَاده فِيمَا ذكره عَن الْحسن أَولا مُعَلّقا عَن مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف اللَّام على الْأَصَح، البيكندي، عَن مُحَمَّد بن الْحسن بن عمرَان الْمُزنِيّ، قَاضِي وَاسِط، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الْأَثر هُنَا خَاصَّة، وَثَّقَهُ ابْن معِين: وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَأحمد: لَيْسَ بِهِ بَأْس، توفّي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَهُوَ يروي عَن عَوْف بن أبي جميلَة الْمَعْرُوف بالأعرابي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وروى الْخَطِيب هَذَا الْأَثر بأتم سياقاً مِنْهُ من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحَمَّد بن الْحسن الوَاسِطِيّ عَن عَوْف الْأَعرَابِي: أَن رجلا سَأَلَ الْحسن، فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد، منزلي بعيد وَالِاخْتِلَاف يشق عَليّ، فَإِن لم تكن ترى بَأْسا قَرَأت عَلَيْك. قَالَ: مَا أُبَالِي قَرَأت عَلَيْك أَو قَرَأت عَليّ. قَالَ: فاقول: حَدثنِي الْحسن؟ قَالَ: نعم، قل: حَدثنِي الْحسن. قَوْله: (لَا بَأْس) ، أَي: فِي صِحَة النَّقْل عَن الْمُحدث بِالْقِرَاءَةِ على الْعَالم أَي الشَّيْخ، وَقَوله: (على الْعَالم) لَيْسَ خَبرا لقَوْله: لَا بَأْس، بل هُوَ مُتَعَلق بِالْقِرَاءَةِ. حدّثنا عُبَيْدُ اللَّه بنُ مُوسَى عنْ سُفْيانَ قَالَ: إِذا قُرِىءَ على المُحَدِّثِ فَلاَ بَأْسَ أَن تَقُولَ: حدّثني. قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا عاصِمٍ يَقولُ: عنْ مالِكٍ وسفُيانَ: القِراءَةُ على العالِمِ وقرِاءَتُهُ سَواءٌ. هَذَا إِسْنَاده فِيمَا ذكره عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس أَولا مُعَلّقا عَن عبيد اللَّه بن مُوسَى بن باذام الْعَبْسِي، بالمهملتين، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. قَوْله: (فَلَا بَأْس) ، أَي على القارىء أَن يَقُول: حَدثنِي، كَمَا جَازَ أَن يَقُول: أَخْبرنِي، فَهُوَ مشْعر بِأَن لَا تفَاوت عِنْده بَين حَدثنِي وَأَخْبرنِي، وَبَين أَن يقْرَأ على الشَّيْخ أَو يقرأه الشَّيْخ عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ) أَي البُخَارِيّ، وَسمعت أَبَا عَاصِم، وَهُوَ الضَّحَّاك بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم، ابْن الضَّحَّاك بن مُسلم ابْن رَافع بن الْأسود بن عَمْرو بن والان بن ثَعْلَبَة بن شَيبَان، الْبَصْرِيّ الْمَشْهُور بالنبيل، بِفَتْح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام، لقب بِهِ لِأَنَّهُ قدم الْفِيل الْبَصْرَة، فَذهب النَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْن جرير: مَالك لَا تنظر؟ فَقَالَ: لَا أجد مِنْك عوضا. فَقَالَ: أَنْت نبيل، أَو لقب بِهِ لكبر أَنفه أَو لِأَنَّهُ كَانَ يلْزم زفر، رَحمَه الله تَعَالَى، وَكَانَ حسن الْحَال فِي كسوته؟ وَكَانَ أَبُو عَاصِم آخر رث الْحَال ملازماً لَهُ، فجَاء النَّبِيل يَوْمًا إِلَى بَابه فَقَالَ الْخَادِم لزفَر: أَبُو عَاصِم بِالْبَابِ! فَقَالَ لَهُ: أَيهمَا؟ فَقَالَ: ذَلِك النَّبِيل. وَقيل: لقبه الْمهْدي، مَاتَ فِي ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ عَن تسعين سنة وَسِتَّة أشهر، وَهَذَا الَّذِي نَقله أَبُو عَاصِم عَن مَالك وسُفْيَان هُوَ مذْهبه أَيْضا فِيمَا حَكَاهُ الرامَهُرْمُزِي عَنهُ، ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي مساواتهما للسماع من لَفْظَة الشَّيْخ فِي الرُّتْبَة، أَو دونه، أَو فَوْقه على ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: أَنه أرجح من قِرَاءَة الشَّيْخ وسماعه، قَالَه أَبُو حنيفَة وَابْن أبي ذِئْب وَمَالك فِي رِوَايَة، وَآخَرُونَ. وَاسْتحبَّ مَالك الْقِرَاءَة على الْعَالم، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب الروَاة) عَن مَالك أَنه كَانَ يذهب إِلَى أَنَّهَا أثبت من قِرَاءَة الْعَالم. الثَّانِي: عَكسه أَن قِرَاءَة الشَّيْخ بِنَفسِهِ أرجح من الْقِرَاءَة عَلَيْهِ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَقيل: إِنَّه مَذْهَب جُمْهُور أهل الْمشرق. الثَّالِث: أَنَّهُمَا سَوَاء، وَهُوَ قَول ابْن أبي الزِّنَاد وَجَمَاعَة، حَكَاهُ عَنْهُم ابْن سعد، وَقيل: إِنَّه مَذْهَب مُعظم عُلَمَاء الْحجاز والكوفة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأَتْبَاعه من عُلَمَاء الْمَدِينَة، وَمذهب البُخَارِيّ وَغَيرهم.
63 - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حدّثنا اللَّيثُ عْن سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ عَن شَرِيكِ بن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نِمَرِ أنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بنَ مالِكٍ يَقولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي المَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ على جَمَلٍ فأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثمَّ عَقَلَهُ ثمَّ قَالَ لَهُمْ: أيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ والنبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُتَّكىءٌ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. فقُلْنا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِيءُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ. ابنَ عبدِ المُطَّلِبِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (قَدْ أجَبْتُك) فَقَالَ الرَّجُلُ للنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنّي سائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ فَلاَ تَجِدُ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: (سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ) فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَن قَبْلَكَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى الناسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ نَعَمْ) قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّه آللَّهُ أَمَرَكَ أَن نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ؟ قَالَ: (اللَّهُمَّ نَعَم) . قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّه آللَّهُ أَمَرَكَ أَن نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: (اللَّهُمَّ نَعَمْ) قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّه آللَّهُ أَمَرَكَ أَن تَأْخُذَ هذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيائِنا فَتَقْسِمَها على فُقَرائِنا؟ فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اللَّهُمَّ نَعَمْ) فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِما جِئْتَ بِهِ وَأَنا رَسُولُ مَنْ ورَائِي مِن قَوْمِي، وَأَنا ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعدِ بنِ بَكْرٍ. لما ذكر احتجاج بَعضهم فِي الْقِرَاءَة على الْعَالم، لحَدِيث ضمام بن ثَعْلَبَة، أخرجه هَهُنَا بِتَمَامِهِ. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد اللَّه بن يُوسُف التنيسِي، وقدمر. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ، وَقد مر. الثَّالِث: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وَقد مر. الرَّابِع: شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم، الْقرشِي، أَبُو عبد اللَّه الْمدنِي الْقرشِي، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: اللَّيْثِيّ، وَقَالَ غَيره: الْكِنَانِي؛ وجده أَبُو نمر شهد أحدا مَعَ الْمُشْركين، ثمَّ هداه الله إِلَى الْإِسْلَام، سمع أنس بن مَالك وَسَعِيد بن الْمسيب وَأَبا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء بن يسَار وَغَيرهم، روى عَنهُ مَالك وَسَعِيد المَقْبُري وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَسليمَان بن بِلَال وَغَيرهم، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، وَقَالَ يحيى بن معِين: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَقَالَ ابْن عدي: شريك رجل مَشْهُور من أهل الحَدِيث، حدث عَنهُ الثِّقَات، وَحَدِيثه إِذا روى عَنهُ ثِقَة فَلَا بَأْس بِهِ، إلاَّ أَن يروي عَنهُ ضَعِيف، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ التِّرْمِذِيّ، توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، وَقد مر. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين تنيسي ومصري ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث فِيهِ اخْتِلَاف من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن النَّسَائِيّ رَوَاهُ من طَرِيق يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عجلَان وَغَيره عَن سعيد. وَالثَّانِي: أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا، وَالْبَغوِيّ من طَرِيق الْحَارِث بن عمر عَن عبد اللَّه الْعمريّ عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج ابْن مَنْدَه من طَرِيق الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة. قلت: أما الأول: فَإِنَّهُ يُمكن أَن يكون اللَّيْث قد سمع من سعيد بِوَاسِطَة، ثمَّ لقِيه فَحدث بِهِ، وَيُؤَيّد ذَلِك رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يُونُس بن مُحَمَّد عَن اللَّيْث: حَدثنِي سعيد، وَكَذَا رِوَايَة ابْن مَنْدَه من طَرِيق ابْن وهب عَن اللَّيْث. وَأما الثَّانِي فَلِأَن اللَّيْث أثبتهم فِي سعيد. بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث نَحوه، وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عِيسَى بن حَمَّاد بِهِ، وَعَن عبيد اللَّه بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد، عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن اللَّيْث: حَدثنِي ابْن عجلَان وَغَيره، من أَصْحَابنَا، عَن سعيد المَقْبُري، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن عِيسَى بن حَمَّاد بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على جمل) ، وَهُوَ زوج النَّاقة، وتسكين الْمِيم فِيهِ لُغَة، وَمِنْه قِرَاءَة أبي السماك {حَتَّى يلج الْجمل} (الْأَعْرَاف: 40) بِسُكُون الْمِيم، وَالْجمع: جمال وجمالة وجمالات وجمائل وأجمال. قَوْله: (فأناخه) يُقَال: أنخت الْجمل أبركته، وَيُقَال أَيْضا: أَنَاخَ الْجمل نَفسه أَي: برك. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لَا يُقَال: أَنَاخَ وَلَا ناخ. قَوْله: (ثمَّ عقله) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْقَاف، قَالَ الْجَوْهَرِي: عقلت الْبَعِير
أعقله عقلا، وَهُوَ أَن يثني وظيفه مَعَ ذراعه ليشدهما جَمِيعًا فِي وسط الذِّرَاع، والوظيف هُوَ مستدق السَّاق والذراع من الْإِبِل، وَالْحَبل الَّذِي يشد بِهِ هُوَ العقال، وَالْجمع عُقُل. قَوْله: (متكىء) ، مَهْمُوز، يُقَال: اتكأ على الشَّيْء فَهُوَ متكىء، والموضع مُتكأ، كُله مَهْمُوز الآخر، وتوكأت على الْعَصَا، وكل من اسْتَوَى على وطاء فَهُوَ متكأ، وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث. قَوْله: (بَين ظهرانيهم) ، بِفَتْح الظَّاء وَالنُّون، وَفِي (الْفَائِق) : يُقَال: أَقَامَ فلَان بَين ظهراني قومه، وَبَين ظهرانيهم، أَي: بَينهم، وأقحم لفظ، الظّهْر، ليدل على أَن إِقَامَته بَينهم على سَبِيل الِاسْتِظْهَار بهم، أَي: مِنْهُم والإستناد إِلَيْهِم، وَكَانَ معنى التَّثْنِيَة فِيهِ أَن ظهرا مِنْهُم قدامه وَآخر وَرَاءه، فَهُوَ مكتوف من جانبيه، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي الْإِقَامَة بَين الْقَوْم مُطلقًا، وَإِن لم يكن مكتوفاً، وَأما زِيَادَة الْألف وَالنُّون بعد التَّثْنِيَة فَإِنَّمَا هِيَ للتَّأْكِيد، كَمَا تزاد فِي النِّسْبَة، نَحْو نفساني فِي النِّسْبَة إِلَى النَّفس، وَنَحْوه. قَوْله: (فَلَا تَجِد عَليّ) ، بِكَسْر الْجِيم، أَي: لَا تغْضب يُقَال: وجد عَلَيْهِ موجدة فِي الْغَضَب، وَوجد مَطْلُوبه وجودا، وَوجد ضالته وجداناً، وَوجد فِي الْحزن وجدا، وَوجد فِي المَال جدة، أَي اسْتغنى. هَذَا الَّذِي ذكره الشُّرَّاح، وَهِي خَمْسَة مصَادر، وَقَالَ بَعضهم: ومادة وجد متحدة الْمَاضِي والمضارع، مُخْتَلفَة المصادر بِحَسب اخْتِلَاف الْمعَانِي. قلت: لَا نسلم ذَلِك، بل يُقَال: وجد مَطْلُوبه يجده، بِكَسْر الْجِيم، ويجده، بِالضَّمِّ، وَهِي لُغَة عامرية، وَوجد، بِكَسْر الْجِيم، لُغَة، قَالَه فِي (الْعباب) : وَكَذَلِكَ يُقَال: وجد عَلَيْهِ فِي الْغَضَب يجد، بِكَسْر الْجِيم، ويجد، بضَمهَا، موجدة ووجداناً أَيْضا، حَكَاهَا بَعضهم. وَأنْشد الْفراء فِي نوادره، لصخر الغي يرثي ابْنه تليداً: (وَقَالَت: لن ترى أبدا تليداً ... بِعَيْنِك آخر الْعُمر الْجَدِيد) (كِلَانَا رد صَاحبه بيأسٍ ... وإثباتٍ ووجدانٍ شَدِيد) وَكَذَا يُقَال: وجد فِي المَال وجدا ووجداً ووجداً، وَجدّة، أَربع مصَادر. وَقَرَأَ الْأَعْرَج وَنَافِع وَيحيى بن يعمر وَسَعِيد بن جُبَير وَابْن أبي عبلة وطاووس وَأَبُو حَيْوَة وَأَبُو الْبر هشيم: من وجدكم، بِفَتْح الْوَاو. وَقَرَأَ أَبُو الْحسن روح بن عبد الْمُؤمن: من وجدكم، بِالْكَسْرِ، وَالْبَاقُونَ من وجدكم، بِالضَّمِّ. قَوْله: (عَمَّا بدا) ، أَي ظهر، من البدو. قَوْله: (انشدك) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَضم الشين الْمُعْجَمَة، وَمَعْنَاهُ: اسألك بِاللَّه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: نشدت فلَانا أنْشدهُ نشداً، إِذا قلت لَهُ: نشدتك الله، أَي: سَأَلتك بِاللَّه، كَأَنَّك ذكرته إِيَّاه، فتنشد، أَي: تذكر. وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) : أَصله من النشيد، وَهُوَ رفع الصَّوْت. وَالْمعْنَى: سَأَلتك رَافعا صوتي، وَفِي (الْعباب) : نشدت فلَانا أنْشدهُ نشداً، ونشدت الضَّالة أنشدها نشداً ونشدة ونشداناً، طلبتها. قَوْله: (هَذِه الصَّدَقَة) ، أَرَادَ بِهِ الزَّكَاة. بَيَان التصريف: قَوْله: (جُلُوس) جمع: جَالس، كركوع جمع: رَاكِع. قَوْله: (فأناخه) أَصله: فأنوخه، قلبت الْوَاو ألفا بعد نقل حركتها إِلَى مَا قبلهَا. قَوْله: (وَالنَّبِيّ متكىء) اسْم فَاعل من: اتكأ يتكىء، أَصله موتكأ، قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء، وَكَذَلِكَ أصل: اتكأ ويتكىء يوتكىء، لِأَن مادته: وَاو وكاف وهمزة، وَمِنْه يُقَال: رجل تكاة، أَصله وكأة، مثل تؤدة إِذا كَانَ كثير الاتكاء، والإتكاء أَيْضا مَا يتكؤ عَلَيْهِ، وَهِي المتكأ. قَالَ الله تَعَالَى: {وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ} (يُوسُف: 31) . قَالَ الْأَخْفَش: هُوَ فِي معنى: مجلسٍ. قَوْله: (فمشدد) ، اسْم فَاعل من شدد تشديداً، وَالْمَسْأَلَة، بِفَتْح الْمِيم، مصدر ميمي يُقَال: سَأَلته الشَّيْء، وَسَأَلته عَن الشَّيْء سؤالاً وَمَسْأَلَة. وَقد تخفف الْهمزَة فَيُقَال: سَأَلَ يسْأَل، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَنَافِع وَابْن كثير. {سَأَلَ سَائل} (المعارج: 1) بتَخْفِيف الْهمزَة. قَوْله: (سل) . أَمر من: سَأَلَ يسْأَل، وَأَصله اسْأَل، على وزن: إفعل فنقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السِّين، فحذفت للتَّخْفِيف، وَاسْتغْنى عَن همزَة الْوَصْل، فحذفت فَصَارَ: سل، على وزن: قل، لِأَن السَّاقِط هُوَ عين الْفِعْل. قَوْله: (فَلَا تَجِد) على أَصله: فَلَا تُوجد لِأَنَّهُ من وجد عَلَيْهِ. قَوْله: (بدا) فعل مَاض، تَقول: بدا الْأَمر بدواً، مثل: قعد قعُودا أَي: ظهر. وأبديته: أظهرته. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) أَصله، بَين، زيدت عَلَيْهِ: مَا، وَهُوَ من الظروف الزمانية اللَّازِمَة الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وَبَين، وبينما، يتضمنان بِمَعْنى المجازات، وَلَا بُد لَهما من جَوَاب، وَالْعَامِل فيهمَا الْجَواب إِذا كَانَ مُجَردا من كلمة المفاجأة، وإلاَّ فَمَعْنَى المفاجأة. قَوْله: (نَحن) مُبْتَدأ و: جُلُوس، خَبره. قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) اللَّام فِيهِ للْعهد، أَي: مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (دخل رجل) ، هُوَ جَوَاب. بَيْنَمَا، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، (إِذْ دخل رجل) . وَقد مر غير مرّة، أَن الْأَصْمَعِي لَا يستفصح إِذْ وَإِذا فِي جَوَاب: بَين وبينما. قَوْله: (على جمل) فِي مَحل الرّفْع على أَنه صفة الرجل. قَوْله: (فأناخه) عطف على قَوْله دخل. قَوْله:
(أَيّكُم) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ و (مُحَمَّد) ، خَبره. وَأي، هَهُنَا للاستفهام. قَوْله: (وَالنَّبِيّ متكىء) ، جملَة اسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (هَذَا الرجل) ، مُبْتَدأ، وَخبر، مقول القَوْل، والأبيض بِالرَّفْع صفة للرجل، وَكَذَلِكَ المتكىء. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) أَي فَقَالَ الرجل للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (ابْن عبد الْمطلب) . بِفَتْح النُّون لِأَنَّهُ منادى مُضَاف، وَأَصله: يَا ابْن عبد الْمطلب، فَحذف حرف النداء. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يَا ابْن عبد الْمطلب، باثبات حرف النداء. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ الرجل) أَي: الرجل الْمَذْكُور، فِي قَوْله: (دخل رجل على جمل) ، قَوْله: (إِنِّي سَائِلك) جملَة إسمية مُؤَكدَة بِأَن، مقول القَوْل. قَوْله: (فمشدد) عطف على: (سَائِلك) . قَوْله: (فَلَا تَجِد) نهي كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَقَالَ: سل) أَي: فَقَالَ الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، للرجل: سل. قَوْله: (بِرَبِّك) أَي: بِحَق رَبك، الْبَاء للقسم. قَوْله: (آللَّهُ؟) بِالْمدِّ فِي الْمَوَاضِع كلهَا، لِأَنَّهَا همزتان: الأولى همزَة الِاسْتِفْهَام، وَالثَّانيَِة: همزَة لَفْظَة الله، وَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وأرسلك، خَبره. قَوْله: (اللَّهُمَّ نعم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: اللَّهُمَّ، أَصله: يَا الله، فَحذف حرف النداء، وَجعل الْمِيم بَدَلا مِنْهُ. وَالْجَوَاب: هُوَ نعم، وَذكر لفظ: اللَّهُمَّ، للتبرك، وَكَأَنَّهُ اسْتشْهد بِاللَّه فِي ذَلِك تَأْكِيدًا لصدقه. قلت: اللَّهُمَّ، تسْتَعْمل على ثَلَاثَة أنحاء: الأول: للنداء الْمَحْض، وَهُوَ ظَاهر. وَالثَّانِي: للإيذان بندرة الْمُسْتَثْنى، كَمَا يُقَال: اللَّهُمَّ إلاَّ أَن يكون كَذَا. وَالثَّالِث: الْبَدَل على تَيَقّن الْمُجيب فِي الْجَواب المقترن هُوَ بِهِ، كَقَوْلِك لمن قَالَ: أَزِيد قَائِم؟ اللَّهُمَّ نعم. أَو: اللَّهُمَّ لَا. كَأَنَّهُ يُنَادِيه تَعَالَى مستشهداً على مَا قَالَه من الْجَواب. قَوْله: (أنْشدك) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَالْبَاء فِي: بِاللَّه، للقسم. قَوْله: (أَن تصلي) بتاء الْخطاب، وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ بالنُّون، قَوْله: (الصَّلَوَات الْخمس) هَكَذَا بِجمع الصَّلَوَات عِنْد الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني والسرخسي: (الصَّلَاة) . بِالْإِفْرَادِ. فَإِن قلت: على هَذَا كَيفَ تُوصَف الصَّلَاة بالخمس وَهِي مُفْردَة؟ قلت: هِيَ للْجِنْس، فَيحْتَمل التَّعَدُّد. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: أَن نصلي، بالنُّون، أوجه، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ثَابت عَن أنس بِلَفْظ: (إِن علينا خمس صلوَات ليومنا وليلتنا) . قَوْله: (أَن تَصُوم) بتاء المخاطبة. وَعند الْأصيلِيّ: بالنُّون. قَوْله: (هَذَا الشَّهْر) أَي: شهر رَمَضَان من السّنة، أَي: من كل سنة إِذْ اللَّام للْعهد، وَالْإِشَارَة فِيهِ لنَوْع هَذَا الشَّهْر لَا لشخص ذَلِك الشَّهْر بِعَيْنِه. قَوْله: (أَن تَأْخُذ هَذِه الصَّدَقَة) ، بتاء الْمُخَاطب، وَكَذَلِكَ: (تقسمها) :. وَأَن، مَصْدَرِيَّة، وَأَصلهَا: بِأَن تَأْخُذ، أَي: تَأْخُذ الصَّدَقَة. قَوْله: (فتقسمها) بِالنّصب، عطف على قَوْله: (أَن تأخذها) . قَوْله: (بِمَا جِئْت) ، أَي: بِالَّذِي جِئْت بِهِ. قَوْله: (وَأَنا) ، مُبْتَدأ و (رَسُول) خَبره مُضَاف إِلَى: من، بِفَتْح الْمِيم، وَهِي مَوْصُولَة. وَكلمَة: من، فِي قَوْله: من قومِي، للْبَيَان. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فأناخه فِي الْمَسْجِد) فِيهِ حذف، وَالتَّقْدِير، فأناخه فِي رحبة الْمَسْجِد، وَنَحْوهَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَكَذَا لتتفق هَذِه الرِّوَايَة بالروايات الْأُخْرَى، فَإِن فِي رِوَايَة أبي نعيم: أقبل على بعير لَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِد فأناخه ثمَّ عقله، فَدخل الْمَسْجِد. وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، ولفظها: (فاناخ بعيره على بَاب الْمَسْجِد فعقله ثمَّ دخل) . قَوْله: (هَذَا الرجل الْأَبْيَض) المُرَاد بِهِ الْبيَاض النير الزَّاهِر، وَأما مَا ورد فِي صفته أَنه، لَيْسَ بأبيض وَلَا آدم، فَالْمُرَاد بِهِ الْبيَاض الصّرْف كلون الجص، كريه المنظر، فَإِنَّهُ لون البرص. وَيُقَال: المُرَاد بالأبيض، وَهُوَ الْأَبْيَض المشرب بحمرة، يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْحَارِث بن عُمَيْر: (فَقَالَ: أيكما ابْن عبد الْمطلب؟ فَقَالُوا: هُوَ الأمغر المرتفق) . قَالَ اللَّيْث: الأمغر الَّذِي فِي وَجهه حمرَة مَعَ بَيَاض صَاف. وَقَالَ غَيره: الأمغر: الْأَحْمَر الشّعْر وَالْجَلد على لون الْمغرَة، وَقَالَ ابْن فَارس: الأمغر من الْخَيل الْأَشْقَر. قلت: مادته: مِيم وغين مُعْجمَة وَرَاء مُهْملَة. قَوْله: (اجبتك) ، وَمَعْنَاهُ: سَمِعتك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَتى أجَاب حَتَّى أخبر عَنهُ؟ قلت: أجبْت بِمَعْنى: سَمِعت، أَو المُرَاد مِنْهُ إنْشَاء الْإِجَابَة، وَإِنَّمَا أَجَابَهُ، عَلَيْهِ السَّلَام: بِهَذِهِ الْعبارَة لِأَنَّهُ أخل بِمَا يجب من رِعَايَة غَايَة التَّعْظِيم وَالْأَدب بِإِدْخَال الْجمل فِي الْمَسْجِد، وخطابه: بأيكم مُحَمَّد؟ وبابن عبد الْمطلب؟ انْتهى. قلت: لَا يَخْلُو ضمام إِمَّا أَنه قدم مُسلما وَإِمَّا غير مُسلم، فَإِن كَانَ الأول: فَإِنَّهُ يحمل مَا صدر مِنْهُ من هَذِه الْأَشْيَاء على أَنه لم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت وقف على أُمُور الشَّرْع، وَلَا على النَّهْي، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا} (النُّور: 63) على أَنه كَانَت فِيهِ بَقِيَّة من جفَاء الْأَعْرَاب وجهلهم، وَإِن كَانَ الثَّانِي: فَلَا يحْتَاج إِلَى الِاعْتِذَار عَنهُ. وَاخْتلفُوا، هَل كَانَ مُسلما عِنْد قدومه أم لَا؟ فَقَالَ جمَاعَة: إِنَّه كَانَ أسلم قبل وفوده، حَتَّى زعمت طَائِفَة مِنْهُم أَن البُخَارِيّ فهم إِسْلَام ضمام قبل قدومه، وَأَنه جَاءَ يعرض على النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلِهَذَا بوب عَلَيْهِ: بَاب الْقِرَاءَة وَالْعرض على الْمُحدث، وَلقَوْله آخر الحَدِيث: (آمَنت بِمَا جِئْت بِهِ وَأَنا
رَسُول من ورائي من قومِي) . وَإِن هَذَا إِخْبَار، وَهُوَ اخْتِيَار البُخَارِيّ، وَرجحه القَاضِي عِيَاض، وَقَالَ جمَاعَة أُخْرَى: لم يكن مُسلما وَقت قدومه، وَإِنَّمَا كَانَ إِسْلَامه بعده، لِأَنَّهُ جَاءَ مستثبتاً. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق وَغَيره، وَفِيه: (أَن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثَعْلَبَة) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (حَتَّى إِذا فرغ قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله) ، وَأَجَابُوا عَن قَوْله: آمَنت، بِأَنَّهُ انشاء وَابْتِدَاء إِيمَان، لَا إِخْبَار بِإِيمَان تقدم مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَأَنا رَسُول من ورائي) ورجحة الْقُرْطُبِيّ لقَوْله فِي حَدِيث ثَابت عَن أنس عِنْد مُسلم وَغَيره: فَإِن رَسُولك زعم. قَالَ: والزعم: القَوْل الَّذِي لَا يوثق بِهِ. قَالَه ابْن السّكيت وَغَيره: وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَن الزَّعْم يُطلق على القَوْل الْمُحَقق أَيْضا، كَمَا نَقله أَبُو عمر الزَّاهِد فِي شرح فصيح شَيْخه، ثَعْلَب. قلت: أصل وَضعه، كَمَا قَالَه ابْن السّكيت، واستعماله فِي القَوْل الْمُحَقق مجَاز يحْتَاج إِلَى قرينَة، وَأَجَابُوا أَيْضا عَن قَوْلهم: إِن البُخَارِيّ فهم إِسْلَام ضمام قبل قدومه، بِأَنَّهُ لَا يلْزم من تبويب البُخَارِيّ مَا ذَكرُوهُ، لِأَن الْعرض على الْمُحدث هُوَ الْقِرَاءَة عَلَيْهِ، أَعم من أَن يكون تقدّمت لَهُ، أَو أبتدأ الْآن على الشَّيْخ بِقِرَاءَة شَيْء لم يتَقَدَّم قِرَاءَته وَلَا نظره، وَقَالُوا: قد بوب أَبُو دَاوُد عَلَيْهِ بَاب الْمُشرك يدْخل الْمَسْجِد. وَهُوَ أَيْضا يدل على أَنه لم يكن مُسلما قبل قدومه. وَقد مَال الْكرْمَانِي إِلَى مقَالَة الْأَوَّلين حَيْثُ قَالَ: فَإِن قلت: من أَيْن عرف حَقِيقِيَّة كَلَام الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، وَصدق رسَالَته، إِذْ لَا معْجزَة فِيمَا جرى من هَذِه الْقِصَّة؟ وَهَذَا الْإِيمَان لَا يُفِيد إلاَّ تَأْكِيدًا وتقريراً؟ قلت: الرجل كَانَ مُؤمنا عَارِفًا بنبوته، عَالما بمعجزاته قبل الْوُفُود، وَلِهَذَا مَا سَأَلَ إلاَّ عَن تَعْمِيم الرسَالَة إِلَى جَمِيع النَّاس، وَعَن شرائع الْإِسْلَام. قلت: عَكسه الْقُرْطُبِيّ فاستدل بِهِ على إِيمَان الْمُقَلّد بالرسول، وَلَو لم تظهر لَهُ معْجزَة، وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الصّلاح. قَوْله: (وانا ضمام ابْن ثَعْلَبَة) ، بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة، وثعلبة، بالثاء الْمُثَلَّثَة الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، أَخُو بني سعد بن بكر السَّعْدِيّ، قدم على النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بَعثه إِلَيْهِ بَنو سعد، فَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام، ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم فَأخْبرهُم بِهِ فاسلموا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَا سمعنَا بوافد قطّ أفضل من ضمام ابْن ثَعْلَبَة. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ قدوم ضمام هَذَا سنة تسع، وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة والطبري وَغَيرهمَا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ سنة خمس، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن حبيب، وَفِيه نظر من وُجُوه الأول: أَن فِي رِوَايَة مُسلم أَن ذَلِك كَانَ حِين نزل النَّهْي فِي الْقُرْآن عَن سُؤال الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، وَآيَة النَّهْي فِي الْمَائِدَة، ونزولها مُتَأَخّر. الثَّانِي: أَن إرْسَال الرُّسُل إِلَى الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام، إِنَّمَا كَانَ ابتداؤه بعد الْحُدَيْبِيَة، ومعظمه بعد فتح مَكَّة، شرفها الله. الثَّالِث: أَن فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَن قومه أطاعوه ودخلوا فِي الْإِسْلَام بعد رُجُوعه إِلَيْهِم، وَلم يدْخل بَنو سعد بن بكر بن هوَازن فِي الْإِسْلَام إلاَّ بعد وقْعَة حنين، وَكَانَت فِي شَوَّال سنة ثَمَان. قَوْله: (اخو بني بن سعد بن بكر) بن هوَازن، وهم أخوال رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي الْعَرَب سعود قبائل شَتَّى، مِنْهَا: سعد تَمِيم، وَسعد هُذَيْل، وَسعد قيس، وَسعد بكر هَذَا. وَفِي الْمثل: بِكُل وَاد بَنو سعد. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: قَالَ ابْن الصّلاح. فِيهِ دلَالَة لصِحَّة مَا ذهب إِلَيْهِ الْعلمَاء من أَن الْعَوام المقلدين مُؤمنُونَ، وَأَنه يكْتَفى مِنْهُم بِمُجَرَّد اعْتِقَادهم الْحق، جزما من غير شكّ وتزلزل، خلافًا للمعتزلة، وَذَلِكَ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قرر ضماماً على مَا اعْتمد عَلَيْهِ فِي تعرف رسَالَته، وَصدقه بِمُجَرَّد إخْبَاره إِيَّاه بذلك، وَلم يُنكره عَلَيْهِ، وَلَا قَالَ لَهُ: يجب عَلَيْك معرفَة ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى معجزاتي، وَالِاسْتِدْلَال بالأدلة القطعية. الثَّانِي: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد، لِأَن قومه لم يَقُولُوا لَهُ: لَا نقبل خبرك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى يأتينا من طَرِيق آخر. الثَّالِث: قَالَ أَيْضا: فِيهِ جَوَاز إِدْخَال الْبَعِير فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ دَلِيل على طَهَارَة أَبْوَال الْإِبِل وأرواثها، إِذْ لَا يُؤمن ذَلِك مِنْهُ مُدَّة كَونه فِي الْمَسْجِد. قلت: هَذَا احْتِمَال لَا يحكم بِهِ فِي بَاب الطَّهَارَة، على أَنا قد بينَّا أَن المُرَاد من قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) فِي الحَدِيث فِي رحبة الْمَسْجِد، وَنَحْوهَا. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَسْمِيَة الْأَدْنَى للأعلى دون أَن يكنيه، إلاَّ أَنه نسخ فِي حق الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام: بقوله تَعَالَى: {لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا} (النُّور: 63) . الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الاتكاء بَين النَّاس فِي الْمجَالِس. السَّادِس: فِيهِ مَا كَانَ للنَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، من ترك التكبر، لقَوْله: (ظهرانيهم) . السَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَعْرِيف الرجل بِصفة من الْبيَاض والحمرة، والطول وَالْقصر، وَنَحْو ذَلِك. الثَّامِن: فِيهِ الِاسْتِحْلَاف على الْخَبَر لعلم الْيَقِين، وَفِي مُسلم: (فبالذي خلق السَّمَاء، وَخلق الأَرْض، وَنصب هَذِه الْجبَال، آللَّهُ أرسلك؟ قَالَ: نعم) التَّاسِع: فِيهِ التَّعْرِيف
بالشخص، فَإِنَّهُ قَالَ: (ايكم مُحَمَّد؟ وَقَالَ: ابْن عبد الْمطلب؟) . الْعَاشِر: فِيهِ النِّسْبَة إِلَى الأجداد، فَإِنَّهُ قَالَ: (ابْن عبد الْمطلب؟) وَجَاء فِي (صَحِيح مُسلم) : (يَا مُحَمَّد) . الْحَادِي عشر: استنبط مِنْهُ الْحَاكِم طلب الْإِسْنَاد العالي، وَلَو كَانَ الرَّاوِي ثِقَة، إِذْ البدوي لم يقنعه خبر الرَّسُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى رَحل بِنَفسِهِ، وَسمع مَا بلغه الرَّسُول عَنهُ، قيل: إِنَّمَا يتم مَا ذكره إِذا كَانَ ضمام قد بلغه ذَلِك أَولا. قلت: قد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم. الثَّانِي عشر: فِيهِ تَقْدِيم الْإِنْسَان بَين يَدي حَدِيثه مُقَدّمَة يعْتَذر فِيهَا ليحسن موقع حَدِيثه عِنْد الْمُحدث، وَهُوَ من حسن التَّوَصُّل، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: (إِنِّي سَائِلك فمشدد عَلَيْك) . الأسئلة الاجوبة: مِنْهَا مَا قيل: قَالَ: (على فقرائنا) ، وأصناف الْمصرف ثَمَانِيَة لَا تَنْحَصِر على الْفُقَرَاء. وَأجِيب: بِأَن ذكرهم بِاعْتِبَار أَنهم الْأَغْلَب من سَائِر الْأَصْنَاف، أَو لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة ذكر الْأَغْنِيَاء. وَمِنْهَا مَا قيل: لمَ لَمْ يذكر الْحَج؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ قبل فَرضِيَّة الْحَج، أَو لِأَنَّهُ لم يكن من أهل الِاسْتِطَاعَة لَهُ، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لم يذكر الْحَج فِي رِوَايَة شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر عَن أنس، وَقد ذكره مُسلم وَغَيره فِي رِوَايَة ثَابت عَن أنس وَهُوَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس أَيْضا، وَمَا قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ مَنْقُول عَن ابْن التِّين، وَالْحَامِل لَهُم على ذَلِك مَا رُوِيَ عَن الْوَاقِدِيّ من أَن قدوم ضمام كَانَ سنة خمس، وَقد بَينا فَسَاده. وَمِنْهَا ماقيل: لَم لَمْ يُخَاطب بِالنُّبُوَّةِ وَلَا بالرسالة، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا} (النُّور: 63) وَأجِيب: بأوجه: الأول: أَنه لم يكن آمن بعد. الثَّانِي: أَنه باقٍ على جفَاء الْجَاهِلِيَّة، لكنه لم يُنكر عَلَيْهِ، وَلَا رد عَلَيْهِ. الثَّالِث: لَعَلَّه كَانَ قبل النَّهْي عَن مخاطبته عَلَيْهِ السَّلَام بذلك. الرَّابِع: لَعَلَّه لم يبلغهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، عَن قريب، وَيُقَال إِنَّمَا قَالَ: (ابْن عبد الْمطلب؟) لِأَنَّهُ لما دخل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَيّكُم ابْن عبد الْمطلب؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا ابْن عبد الْمطلب) . فَقَالَ ابْن عبد الْمطلب؟ على مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: (ايكم ابْن عبد الْمطلب؟ فَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام: انا ابْن عبد الْمطلب) . فَقَالَ يَابْنَ عبد الْمطلب وسَاق الحَدِيث. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكره الانتساب إِلَى الْكفَّار، فَكيف قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: انا ابْن عبد الْمطلب؟ . وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ هَهُنَا تطابق الْجَواب السُّؤَال. لِأَن ضماماً خاطبه بقوله: (ايكم ابْن عبد الْمطلب؟ فَأجَاب عَلَيْهِ السَّلَام، بقوله: أَنا ابْن عبد الْمطلب) فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ يكره ذَلِك؟ وَقد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم حنين: (أَنا ابْن عبد الْمطلب؟) قلت: لم يذكرهُ إلاَّ للْإِشَارَة إِلَى رُؤْيا رَآهَا عبد الْمطلب مَشْهُورَة، كَانَت إِحْدَى دَلَائِل نبوته، فَذكرهمْ بهَا، وبخروج الْأَمر على الصدْق. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة الْإِيمَان الْمَذْكُورَة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا جرت للتَّأْكِيد وَتَقْرِير الْأَمر، لَا لافتقار إِلَيْهَا كَمَا أقسم الله تَعَالَى على أَشْيَاء كَثِيرَة كَقَوْلِه: (قل: أَي وربي إِنَّه لحق) ، (قل: بلَى وربي لتبعثن) ، (فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّه لحق) . وَمِنْهَا مَا قيل: هَل النجدي السَّائِل فِي حَدِيث طَلْحَة بن عبيد اللَّه الْمَذْكُور فِيمَا مضى هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة أَو غَيره؟ أُجِيب: بِأَن جمَاعَة قد قَالُوا: إِنَّه هُوَ إِيَّاه، والنجدي هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة، وَمَال إِلَى هَذَا ابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيرهمَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يبعد أَن يَكُونَا وَاحِدًا لتباين أَلْفَاظ حديثيهما ومساقهما. رَواهُ مُوسَى وعَلِيُّ بنُ عبدِ الحَميدِ عنْ سُلَيْمانَ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذا. أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَقد مر ذكره، وَهُوَ يروي هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة أبي سعيد الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله عَنهُ وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) مَوْصُولا بِهَذَا الطَّرِيق، وَكَذَا ابْن مَنْدَه فِي الْإِيمَان. فَإِن قلت: لم علقه البُخَارِيّ وَلم يُخرجهُ مَوْصُولا؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ يروي عَن شَيْخه مُوسَى بالواسطة، فَيكون تَعْلِيقا. وَفَائِدَة ذكره الاستشهاد وتقوية مَا تقدم. وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا علقه البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لم يحْتَج بشيخه سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، يَعْنِي شيخ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الَّذِي هُوَ شيخ البُخَارِيّ. قلت: كَيفَ يَقُول: لم يحْتَج بِهِ، وَقد روى لَهُ حَدِيثا وَاحِدًا عَن ابْن أبي اياس عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال عَن أبي صَالح السمان، قَالَ: (رَأَيْت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، فِي يَوْم جُمُعَة يُصَلِّي إِلَى شَيْء يستره من النَّاس) الحَدِيث، ذكره فِي بَاب: يرد الْمُصَلِّي من بَين يَدَيْهِ؟ وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِيهِ: ثَبت ثَبت ثِقَة ثِقَة. وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة ثَبت. وَقَالَ
- (باب ما يذكر في المناولة)
شُعْبَة: سيد أهل الْبَصْرَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: كَانَ من خِيَار النَّاس، سمع الْحسن وَابْن سِيرِين وثابت الْبنانِيّ، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة، وَتُوفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَوْله (وَعلي بن عبد الحميد) عطف على مُوسَى، وروى الحَدِيث الْمَذْكُور أَيْضا عَليّ بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مَوْصُولا من طَرِيقه، وَأخرجه الدَّارمِيّ عَن عَليّ بن عبد الحميد ... الخ، وَهُوَ عَليّ بن عبد الحميد بن مُصعب أَبُو الْحُسَيْن المعني، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا يَاء النِّسْبَة، نِسْبَة إِلَى معن بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس. قَالَ الرشاطي: المعني فِي الأزد وَفِي طي وَفِي ربيعَة. فَالَّذِي فِي أَزْد: معن بن مَالك. وَالَّذِي فِي طي: معن بن عتود بن غَسَّان بن سلامان بن نفل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي، وَالَّذِي فِي ربيعَة: معن بن زَائِدَة بن عبد اللَّه بن زَائِدَة بن مطر بن شريك. وروى عَنهُ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَقَالا: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: روى عَنهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. قلت: لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمُعَلق، وَأما ثَابت الْبنانِيّ فَهُوَ ابْن أسلم، أَبُو حَامِد الْبنانِيّ الْبَصْرِيّ العابد، سمع ابْن الزبير وَابْن عمر وأنساً وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، روى عَنهُ خلق كثير، وَقَالَ أَحْمد وَيحيى وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَلَا خلاف فِيهِ. توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى بنانة بطن من قُرَيْش. وَقَالَ الزبير بن بكار: كَانَت بنانة أمة لسعد بن لؤَي حضنت بنيه فنسبوا إِلَيْهَا. وَقَالَ الْخَطِيب: بنانة هم بَنو سعد بن غلب، وَأم سعد بنانة. قَوْله: (بِهَذَا) ، أَشَارَ إِلَى معنى الحَدِيث الْمَذْكُور، لِأَن اللَّفْظ مُخْتَلف فَافْهَم. 7 - (بَاب مَا يُذْكَرُ فِي المُناوَلَةِ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر فِي المناولة، وَهِي فِي اللُّغَة من: ناولته الشَّيْء فتناوله، من النوال. وَهُوَ الْعَطاء. وَفِي اصْطِلَاح الْمُحدثين هِيَ على نَوْعَيْنِ: احدهما: المقرونة بِالْإِجَازَةِ، كَمَا أَن يرفع الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب أصل سَمَاعه مثلا، وَيَقُول: هَذَا سَمَاعي، وأجزت لَك رِوَايَته عني، وَهَذِه حَالَة السماع عِنْد مَالك وَالزهْرِيّ وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، فَيجوز إِطْلَاق: حَدثنَا وَأخْبرنَا فِيهَا، وَالصَّحِيح أَنه منحط عَن دَرَجَته، وَعَلِيهِ أَكثر الْأَئِمَّة، وَالْآخر المناولة الْمُجَرَّدَة عَن الْإِجَازَة بِأَن يناوله أصل السماع، كَمَا تقدم، وَلَا يَقُول لَهُ: أجزت لَك الرِّوَايَة عني، وَهَذِه لَا تجوز الرِّوَايَة بهَا على الصَّحِيح، وَمُرَاد البُخَارِيّ من الْبَاب الْقسم الأول. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق، وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَفِي هَذَا الْبَاب وُجُوه التَّحَمُّل الْمُعْتَبرَة عِنْد الْجُمْهُور، والأبواب الثَّلَاثَة أَنْوَاع شَيْء وَاحِد وَلَا تُوجد مُنَاسبَة أقوى من هَذَا. وكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ وَكتاب: بِالْجَرِّ عطف على قَوْله فِي: المناولة، وَالتَّقْدِير: وَمَا يذكر فِي كتاب أهل الْعلم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ الْكتاب يحْتَمل عطفه على المناولة، وعَلى مَا يذكر، قلت: الْفرق بَينهمَا أَن لفظ الْكتاب يكون مجروراً فِي الأول: بِحرف الْجَرّ، وَفِي الثَّانِي: بِالْإِضَافَة، وَالْكتاب هُنَا مصدر وَكلمَة إِلَى، الَّتِي للغاية تتَعَلَّق بِهِ. وَقَوله: (إِلَى الْبلدَانِ) ، فِيهِ حذف، أَي: إِلَى أهل الْبلدَانِ، وَهُوَ جمع بلد، وَهَذَا على سَبِيل الْمِثَال دون الْقَيْد، لِأَن الحكم عَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل الْقرى والصحارى وَغَيرهمَا. ثمَّ اعْلَم أَن الْمُكَاتبَة هِيَ أَن يكْتب الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب شَيْئا من حَدِيثه، وَهِي أَيْضا نَوْعَانِ: إِحْدَاهمَا: المقرونة بِالْإِجَازَةِ، وَالْأُخْرَى: المتجردة عَنْهَا. وَالْأولَى: فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة شَبيهَة بالمناولة المقرونة بِالْإِجَازَةِ. وَأما الثَّانِيَة: فَالصَّحِيح الْمَشْهُور فِيهَا أَنَّهَا تجوز الرِّوَايَة بهَا، بِأَن يَقُول: كتب إِلَيّ فلَان قَالَ: حَدثنَا بِكَذَا، وَقَالَ بَعضهم: يجوز حَدثنَا واخبرنا فِيهَا، وَقد سوى البُخَارِيّ الْكِتَابَة المقرونة بِالْإِجَازَةِ بالمناولة، وَرجح قوم المناولة عَلَيْهَا لحُصُول المشافهة بهَا، بِالْإِذْنِ دون الْمُكَاتبَة، وَقد جوز جمَاعَة من القدماء الْأَخْبَار فيهمَا، وَالْأول مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من اشْتِرَاط بَيَان ذَلِك. وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمانُ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِها إِلَى الآفاقِ. أنس: هُوَ ابْن مَالك الصَّحَابِيّ، خَادِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعُثْمَان: هُوَ ابْن عَفَّان، أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، رَضِي الله عَنْهُم، والمصاحف بِفَتْح الْمِيم، جمع مصحف، وَيجوز فِي ميمه الحركات الثَّلَاث عَن ثَعْلَب، قَالَ: الْفَتْح: لُغَة صَحِيحَة فصيحة، وَقَالَ الْفراء: قد استثقلت الْعَرَب الضمة فِي حُرُوف، وكسروا ميمها، وَأَصلهَا الضَّم، من ذَلِك مصحف ومخدع ومطرف ومغزل
ومجسد، لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة فِي الْمَعْنى من: أصحفت، أَي: جمعت فِيهِ الصُّحُف، وأطرف، أَي جعل فِي طَرفَيْهِ علما، وأجسد، أَي: ألصق بالجسد، وَكَذَلِكَ المغزل، إِنَّمَا هُوَ أدير وفتل، وَقَالَ أَبُو زيد: تَمِيم تَقول بِكَسْر الْمِيم، وَقيس تَقول بضَمهَا. ثمَّ قُلْنَا: إِن الْمُصحف مَا جمعت فِيهِ الصُّحُف، والصحف، بِضَمَّتَيْنِ، جمع صحيفَة، والصحيفة: الْكتاب. قَالَ الله تَعَالَى {صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى} (الْأَعْلَى: 19) يَعْنِي: الْكتب الَّتِي أنزلت عَلَيْهِمَا، وأصل التَّرْكِيب يدل على انبساط فِي الشَّيْء وسعة، ثمَّ هَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ من قَوْله: قَالَ أنس: نسخ عُثْمَان الْمَصَاحِف، قِطْعَة من حَدِيث لأنس، رَضِي الله عَنهُ، ذكره البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أنس: أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قدم على عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينية، وَفِيه: فَفَزعَ حُذَيْفَة من اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة، فَقَالَ لعُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ: أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْكتاب اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة، رَضِي الله عَنْهَا، أَن أرسلي إِلَيْنَا بالصحف ننسخها فِي الْمَصَاحِف، ثمَّ نردها إِلَيْك. فَأرْسلت بهَا حَفْصَة إِلَى عُثْمَان، فَأمر زيد بن ثَابت، وَعبد اللَّه بن الزبير، وَسَعِيد بن الْعَاصِ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، رَضِي الله عَنْهُم، فنسخوها فِي الْمَصَاحِف، وَفِيه: حَتَّى إِذا نسخوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف، رد عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة وَأرْسل إِلَى كل أفق بمصحف مِمَّا نسخوا. وَفِي غير البُخَارِيّ: أَن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، بعث مُصحفا إِلَى الشَّام، ومصحفاً إِلَى الْحجاز، ومصحفاً إِلَى الْيمن، ومصحفاً إِلَى الْبَحْرين، وَأبقى عِنْده مُصحفا ليجتمع النَّاس على قِرَاءَة مَا يعلم ويتيقن. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الداني: أَكثر الْعلمَاء على أَن عُثْمَان كتب أَربع نسخ، فَبعث إِحْدَاهُنَّ إِلَى الْبَصْرَة، وَأُخْرَى إِلَى الْكُوفَة، وَأُخْرَى إِلَى الشَّام، وَحبس عِنْده أُخْرَى. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: كتب سَبْعَة، فَبعث إِلَى مَكَّة وَاحِدًا، وَإِلَى الشَّام آخر، وَإِلَى الْيمن آخر وَإِلَى الْبَحْرين آخر، وَإِلَى الْبَصْرَة آخر، وَإِلَى الْكُوفَة آخر، وَدلَالَة هَذَا على تَجْوِيز الرِّوَايَة بالمكاتبة ظَاهِرَة، فَإِن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، أَمرهم بالاعتماد على مَا فِي تِلْكَ الْمَصَاحِف، وَمُخَالفَة مَا عَداهَا. والمستفاد من بَعثه الْمَصَاحِف إِنَّمَا هُوَ قبُول إِسْنَاد صُورَة الْمَكْتُوب بهَا، لَا أصل ثُبُوت الْقُرْآن، فَإِنَّهُ متواتر. وَرَأَى عبدُ اللَّه بنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ ومالِكٌ ذَلكَ جَائِزا. أَي: عبد اللَّه بن عمر بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، أَبُو عبد الرحمان الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَمَالك بن أنس الْمدنِي. أما عبد اللَّه ابْن عمر هَذَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: كنت أرى الزُّهْرِيّ يَأْتِيهِ الرجل بِكِتَاب لم يقرأه عَلَيْهِ، وَلم يقْرَأ عَلَيْهِ، فَيَقُول: أرويه عَنْك؟ فَيَقُول: نعم. وَقَالَ: مَا أَخذنَا نَحن وَلَا مَالك عَن الزُّهْرِيّ إِلَّا عرضا. وَأما يحيى وَمَالك فَإِن الْأَثر عَنْهُمَا بذلك أخرجه الْحَاكِم فِي (عُلُوم الحَدِيث) من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. قَالَ: سَمِعت خَالِي، مَالك بن أنس، يَقُول: قَالَ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق: الْتقط لي مائَة حَدِيث من حَدِيث ابْن شهَاب، حَتَّى أرويها عَنْك! قَالَ مَالك: فكتبتها، ثمَّ بعثتها إِلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: عبد اللَّه بن عمر هَذَا، كنت أَظُنهُ، الْعمريّ الْمدنِي، ثمَّ ظهر لي، من قرينَة تَقْدِيمه فِي الذّكر على يحيى بن سعيد، أَنه لَيْسَ إِيَّاه، لِأَن يحيى بن سعيد أكبر مِنْهُ سنا وَقدرا، فتتبعته فَلم أَجِدهُ. عَن عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب صَرِيحًا، وَلَكِن وجدت فِي (كتاب الْوَصِيَّة) لِابْنِ الْقَاسِم بن مَنْدَه من طَرِيق البُخَارِيّ بِسَنَد لَهُ صَحِيح إِلَى أبي عبد اللَّه الحبلي، بِضَم الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة، أَنه أَتَى عبد اللَّه بِكِتَاب فِيهِ أَحَادِيث، فَقَالَ انْظُر فِي هَذَا الْكتاب، فَمَا عرفت مِنْهُ أتركه، وَمَا لم تعرفه امحه. وَعبد اللَّه: يحْتَمل أَن يكون هوّ ابْن عمر بن الْخطاب فَأن الحبلي سمع مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ، فَإِن الحبلي مَشْهُور بالرواية مِنْهُ. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن تَقْدِيم عبد اللَّه بن عمر الْمَذْكُور على يحيى بن سعيد لَا يسْتَلْزم أَن يكون هُوَ الْعمريّ الْمدنِي الْمَذْكُور، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ بَيَان الْمُلَازمَة. الثَّانِي: أَن قَول الحبلي: إِنَّه أَتَى عبد اللَّه، لَا يدل بِحَسب الِاصْطِلَاح إلاَّ على عبد اللَّه بن مَسْعُود، فَإِنَّهُ إِذا أطلق عبد اللَّه غير مَنْسُوب يفهم مِنْهُ عبد اللَّه بن مَسْعُود إِن كَانَ مَذْكُورا بَين الصَّحَابَة، وَعبد اللَّه بن الْمُبَارك إِن كَانَ فِيمَا بعدهمْ. الثَّالِث: أَنه إِن أَرَادَ من قَوْله: وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، أَن يكون المُرَاد من قَول البُخَارِيّ من: عبد اللَّه بن عمر، عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، فَذَاك غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يثبت فِي نُسْخَة من نسخ البُخَارِيّ إِلَّا عبد اللَّه بن عمر، بِدُونِ الْوَاو، وَالَّذِي يظْهر لي أَن عبد اللَّه بن عمر هَذَا هُوَ الْعمريّ الْمدنِي كَمَا
جزم بِهِ الْكرْمَانِي، مَعَ الِاحْتِمَال الْقوي أَنه عبد اللَّه بن عمر بن الْخَاطِب، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَلَا يلْزم من عدم وجدان هَذَا الْقَائِل مَعَ تتبعه عَن عبد اللَّه بن عمر فِي ذَلِك شَيْئا صَرِيحًا أَن لَا يكون عَنهُ رِوَايَة فِي هَذَا الْبَاب، وَأَن لَا يكون هُوَ عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (ذَلِك جَائِزا) إِشَارَة إِلَى كل وَاحِد من: المناولة وَالْكِتَابَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، وَقد وَردت الْإِشَارَة بذلك إِلَى الْمثنى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {عوان بَين ذَلِك} (الْبَقَرَة: 68) . ثمَّ اعْلَم أَن البُخَارِيّ، رَحمَه الله، بوب على أَعلَى الْإِجَازَة، وَنبهَ على جنس الْإِجَازَة بِذكر نَوْعَيْنِ مِنْهَا، فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أوجه لأصول الرِّوَايَة، وَقد تقدّمت الثَّلَاثَة الأول فِي الْبَابَيْنِ الْأَوَّلين. وَأما الرَّابِع: فالمناولة المقرونة بِالْإِجَازَةِ، وَصورتهَا أَن يَقُول الشَّيْخ: هَذِه روايتي، أَو حَدِيثي عَن فلَان، فاروه عني، أَو: أجزت لَك رِوَايَته عني، ثمَّ يملكهُ الْكتاب. أَو يَقُول: خُذْهُ وانسخه، وقابل بِهِ ثمَّ رده إِلَيّ، أَو نَحوه، أَو يَأْتِي إِلَيْهِ بِكِتَاب فيتأمله الشَّيْخ الْعَارِف المتيقظ ويعيده إِلَيْهِ، فَيَقُول لَهُ: وقفت على مَا فِيهِ وَهُوَ رِوَايَته، فاروه عني. أَو: أجزت لَك ذَلِك، وَهَذَا كالسماع بِالْقُوَّةِ عِنْد جمَاعَة، حَكَاهُ الْحَاكِم عَنْهُم، مِنْهُم: الزُّهْرِيّ، وَرَبِيعَة، وَيحيى الْأنْصَارِيّ، وَمُجاهد، وَابْن الزبير، وَابْن عُيَيْنَة فِي جمَاعَة من المكيين و: عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم وَقَتَادَة وَأَبُو الْعَالِيَة وَابْن وهب وَابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب وَغَيرهم، وروى الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد اللَّه الْعمريّ أَنه قَالَ: دفع إِلَيّ ابْن شهَاب صحيفَة فَقَالَ: إنسخ مَا فِيهَا وَحدث بِهِ عني. قلت: أَو يجوز ذَلِك؟ قَالَ: نعم، ألم تَرَ إِلَى الرجل يشْهد على الْوَصِيَّة وَلَا يفتحها، فَيجوز ذَلِك وَيُؤْخَذ بِهِ. قَالَ أَبُو عمر وَابْن الصّلاح: وَالصَّحِيح أَنَّهَا منحطة عَن السماع وَالْقِرَاءَة، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، والبويطي والمزني صَاحِبيهِ، وَأحمد وَإِسْحَاق وَيحيى بن يحيى، وَمِنْه أَن يناول الشَّيْخ الطَّالِب سَمَاعه ويخبره بِهِ، ثمَّ يمسِكهُ الشَّيْخ، وَهَذِه دونه، لكنه يجوز الرِّوَايَة بهَا إِذا وجد الْكتاب أَو مَا قوبل بِهِ كَمَا يعْتَبر فِي الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة فِي معِين. الْخَامِس: المناولة الْمُجَرَّدَة، مثل أَن يناوله مُقْتَصرا على قَوْله: هَذَا سَمَاعي، وَلَا يَقُول إروه عني، أَو أجزت لَك رِوَايَته، وَنَحْوه. قَالَ ابْن الصّلاح: لَا يجوز الرِّوَايَة بهَا على الصَّحِيح، وَقد أجَاز بهَا الرِّوَايَة جمَاعَة. السَّادِس: الْكِتَابَة المقرونة، مثل أَن يكْتب مسموعه لغَائِب أَو حَاضر بِخَطِّهِ أَو بأَمْره، وَيَقُول: أجزت لَك مَا كتبت إِلَيْك، وَنَحْوه، وَهِي مثل المناولة فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة. السَّابِع: الْكِتَابَة الْمُجَرَّدَة، أجازها الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم أَيُّوب وَمَنْصُور وَاللَّيْث وَأَصْحَاب الْأُصُول وَغَيرهم، وعدوه من الْمَوْصُول لإشعاره بِمَعْنى الْإِجَازَة. وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: هِيَ أقوى من الْإِجَازَة، واكتفوا فِيهَا بِمَعْرِِفَة الْخط. وَالصَّحِيح أَنه يَقُول فِي الرِّوَايَة بهَا: كتب إِلَيّ فلَان، أَو أَخْبرنِي كِتَابَة، وَنَحْوه. وَلَا يجوز إِطْلَاق: حَدثنَا وَأخْبرنَا فِيهِ، وأجازهما اللَّيْث وَمَنْصُور وَغَيرهم. الثَّامِن: الْإِجَازَة، وأقواها أَن يُجِيز معينا لمُعين، كأجزتك البُخَارِيّ وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ فهرسته، وَالصَّحِيح جَوَاز الرِّوَايَة وَالْعَمَل، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَا خلاف فِي جَوَاز الرِّوَايَة وَالْعَمَل بِالْإِجَازَةِ، وَادّعى الْإِجْمَاع فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْعَمَل. وَقَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره: وَالصَّحِيح ثُبُوت الْخلاف، وَجَوَاز الرِّوَايَة بهَا، إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول جمَاعَة. وَقَالَ شُعْبَة: لَو صحت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة. وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم قَالَ: سَأَلت مَالِكًا عَن الْإِجَازَة، فَقَالَ: لَا أرى ذَلِك، وَإِنَّمَا يُرِيد أحدهم أَن يُقيم الْمقَام الْيَسِير وَيحمل الْعلم الْكثير. وَقَالَ الْخَطِيب: قد ثَبت عَن مَالك أَنه كَانَ يصحح الرِّوَايَة وَالْإِجَازَة بهَا، وَيحمل هَذَا القَوْل من مَالك على كَرَاهَة أَن يُجِيز الْعلم لمن لَيْسَ من أَهله وَلَا خدمه. وَمِنْهَا: أَن يُجِيز غير معيّن بِوَصْف الْعُمُوم، كأجزت الْمُسلمين، وَأهل زماني. فَفِيهِ خلاف الْمُتَأَخِّرين. واحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحجَازِ فِي المُناوَلَةِ بِحَدِيثِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيثُ كَتبَ لأَمِيرِ السَّريَّةِ كِتَاباً وَقَالَ: (لَا تقْرَأْهُ حتَّى تَبْلُغَ مَكانَ كَذَا وكَذا) فَلمَّا بَلَغَ ذَلكَ المَكانَ قَرَأَهُ على النَّاسِ وأخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. المُرَاد من بعض أهل الْحجاز هُوَ الْحميدِي شيخ البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ احْتج فِي المناولة أَي فِي صِحَة المناولة، بِحَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن هَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه مَوْصُولا. وَله طَرِيقَانِ: أَحدهمَا مُرْسل ذكره ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن زيد بن بن رُومَان، وَأَبُو الْيَمَان فِي نسخته عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، كِلَاهُمَا عَن عُرْوَة بن الزبير. وَالْآخر مَوْصُول: أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث البَجلِيّ بِإِسْنَاد حسن، وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ فِي تَفْسِيره. الثَّانِي: وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه جَازَ لَهُ الْإِخْبَار عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا فِيهِ، وَإِن كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لم يقرأه وَلَا هُوَ قَرَأَ عَلَيْهِ، فلولا أَنه حجَّة لم يجب قبُوله، فَفِيهِ المناولة وَمعنى الْكِتَابَة وَيُقَال: فِيهِ نظر، لِأَن الْحجَّة إِنَّمَا وَجَبت بِهِ لعدم توهم التبديل والتغيير فِيهِ لعدالة الصَّحَابَة، بِخِلَاف من بعدهمْ. حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ. قلت: شَرط قيام الْحجَّة بِالْكِتَابَةِ أَن يكون الْكتاب مَخْتُومًا، وحامله مؤتمناً، والمكتوب إِلَيْهِ يعرف الشَّيْخ، إِلَى غير ذَلِك من الشُّرُوط، لتوهم التَّغْيِير. الثَّالِث: قَوْله: أهل الْحجاز، هِيَ بِلَاد سميت بِهِ لِأَنَّهَا حجزت بَين نجد والغور، وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة ويمامة ومخاليفها، أَي: قراها: كخيبر للمدينة، والطائف لمَكَّة شرفها الله تَعَالَى. قَوْله: (امير السّريَّة) اسْمه عبد اللَّه بن جحش الْأَسدي، أَخُو زَيْنَب، أم الْمُؤمنِينَ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: عبد اللَّه بن جحش ابْن ربَاب، أَخُو أبي أَحْمد وَزَيْنَب زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأم حَبِيبَة وَحمْنَة أخوهم عبيد اللَّه، تنصر بِأَرْض الْحَبَشَة. وَعبد اللَّه وَأَبُو أَحْمد كَانَا من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين. وَعبد اللَّه يُقَال لَهُ: المجدع، شهد بَدْرًا وَقتل يَوْم أحد بعد أَن قطع أَنفه وَأذنه. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: كَانَت هَذِه السّريَّة أول سَرِيَّة غنم فِيهَا الْمُسلمُونَ، وَكَانَت فِي رَجَب من السّنة الثَّانِيَة قبل بدر الْكُبْرَى، بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ ثَمَانِيَة رَهْط من الْمُهَاجِرين، وَكتب لَهُ كتابا وَأمره أَن لَا ينظر حَتَّى يسير يَوْمَيْنِ، ثمَّ ينظر فِيهِ، فيمضي لما أَمر بِهِ، وَلَا يستكره من أَصْحَابه أحدا، فَلَمَّا سَار يَوْمَيْنِ فَتحه، فَإِذا فِيهِ: إِذا نظرت فِي كتابي هَذَا فأمضِ حَتَّى تنزل نَخْلَة، بَين مَكَّة والطائف، فترصد بهَا قُريْشًا، وَتعلم لنا أخبارهم، وَفِيه: وَقتلُوا عَمْرو بن الْحَضْرَمِيّ فِي أول يَوْم من رَجَب واستأسروا اثْنَيْنِ، فَأنْكر عَلَيْهِم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ: مَا أَمرتكُم بِقِتَال فِي الشَّهْر الْحَرَام. وَقَالَت قُرَيْش: قد اسْتحلَّ مُحَمَّد الشَّهْر الْحَرَام، فَأنْزل الله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ قل قتال فِيهِ كَبِير} (الْبَقَرَة: 217) فَهَذِهِ أول غنيمَة، وَأول أَسِير، وَأول قَتِيل قَتله الْمُسلمُونَ انْتهى. والسرية، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: قِطْعَة من الْجَيْش. 64 - حدّثنا إسمْاعِيلُ بن عبدِ اللَّه قَالَ: حدّثني إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَن صالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعودٍ أنّ عبدَاللَّه بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنْ رسولَ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعَثَ بِكِتابِهِ رَجُلاً وأَمَرَهُ أَن يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البْحَرَيْنِ، فدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْن إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أنّ ابنَ المُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعا عَلَيْهِم رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.. مُطَابقَة الحَدِيث لجزئي التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، أما للجزء الأول فَمن حَيْثُ إِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ناول الْكتاب لرَسُوله، وَأمر أَن يخبر عَظِيم الْبَحْرين أَن هَذَا الْكتاب كتاب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِن لم يكن سمع مَا فِيهِ وَلَا قَرَأَهُ، وَأما للجزء الثَّانِي فَمن حَيْثُ إِنَّه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب كتابا وَبَعثه إِلَى عَظِيم الْبَحْرين ليَبْعَثهُ إِلَى كسْرَى، وَلَا شكّ أَنه كتاب من سَيِّدي ذَوي الْعُلُوم إِلَى بعض الْبلدَانِ. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة، الأول: إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّه، وَهُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد، سبط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان الْغِفَارِيّ الْمدنِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، بتصغير الابْن وتكبير الْأَب، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس، وَالْكل قد مر ذكرهم. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث، بِالْجمعِ والإفراد، والعنعنة والإخبار. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن يُونُس، وَفِي الْجِهَاد عَن عبد اللَّه بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن عقيل، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي السّير عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، قَاضِي دمشق، عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد الْهَاشِمِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان وَابْن أخي الزُّهْرِيّ، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بكتابه رجلا) أَي: بعث رجلا ملتبساً بكتابه مصاحباً لَهُ، وانتصاب رجلا، على المفعولية. قَوْله:
(وَأمره) عطف على: بعث. قَوْله: (أَن يَدْفَعهُ) ، أَي: بِأَن يَدْفَعهُ، و: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: بِدَفْعِهِ. قَوْله: (فَدفعهُ) ، مَعْطُوف على مُقَدّر: أَي: فَذهب إِلَى عَظِيم الْبَحْرين فَدفعهُ إِلَيْهِ، ثمَّ بَعثه الْعَظِيم إِلَى كسْرَى فَدفعهُ إِلَيْهِ، وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى: فَاء: الفصيحة. قَوْله: (مزقه) ، جَوَاب: لما. قَوْله: (إِن ابْن الْمسيب) ، فِي مَحل النصب على أَنه أحد مفعولي: حسبت. قَوْله: (قَالَ) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول ثَان: لحسبت. قَوْله: (فَدَعَا) مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: لما مزقه، وَبلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك غضب فَدَعَا، والمحذوف هُوَ مقول القَوْل. قَوْله: (أَن يمزقوا) ، أَي: بِأَن يمزقوا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: بالتمزيق. قَوْله: (كل ممزق) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على النِّيَابَة عَن الْمصدر، كَمَا فِي قَوْله. (يظنان كل الظَّن أَن لَا تلاقيا) والممزق، بِفَتْح الزَّاي، مصدر على وزن اسْم الْمَفْعُول بِمَعْنى: التمزيق. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (رجلا) ، هُوَ عبد اللَّه بن حذافة السَّهْمِي، وَقد سَمَّاهُ البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي، وحذافة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف فَاء، ابْن قيس بن عدي بن سعد، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْعين، ابْن سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي، أَخُو خُنَيْس بن حذافة، زوج حَفْصَة. أَصَابَته جِرَاحَة بِأحد، فَمَاتَ مِنْهَا، وَخلف عَلَيْهَا بعده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعبد اللَّه هُوَ الَّذِي قَالَ: (يَا رَسُول الله من أبي؟ قَالَ: أَبوك حذافة، أسلم قَدِيما وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، وَكَانَت فِيهِ دعابة) . وَقيل: إِنَّه شهد بَدْرًا، وَلم يذكرهُ الزُّهْرِيّ وَلَا مُوسَى بن عقبَة، وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وأسره الرّوم فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فأرادوه على الْكفْر. وَله فِي ذَلِك قصَّة طَوِيلَة، وَآخِرهَا: أَنه قَالَ لَهُ ملكهم: قبِّل رَأْسِي أطلقك. قَالَ: لاَ، قَالَ لَهُ: وَأطلق من مَعَك من أسرى الْمُسلمين، فَقبل رَأسه، فَأطلق مَعَه ثَمَانِينَ أَسِيرًا من الْمُسلمين. فَكَانَ الصَّحَابَة يَقُولُونَ لَهُ: قبَّلت رَأس علج. فَيَقُول: اطلق الله بِتِلْكَ الْقبْلَة ثَمَانِينَ أَسِيرًا من الْمُسلمين. توفّي عبد اللَّه فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (عَظِيم الْبَحْرين) هُوَ الْمُنْذر بن ساوي، بِالسِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، والبحرين بلد بَين الْبَصْرَة وعمان، هَكَذَا يُقَال، بِالْيَاءِ، وَفِي (الْعباب) : قَالَ الحذاق: يُقَال هَذِه البحران، وانتهينا إِلَى الْبَحْرين. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِنَّمَا ثنوا الْبَحْرين لِأَن فِي نَاحيَة قراها بحيرة على بَاب الأحساء، وقرى هَجَر بَينهَا وَبَين الْبَحْر الْأَخْضَر عشرَة فراسخ، قَالَ: وقدرت الْبحيرَة بِثَلَاثَة أَمْيَال فِي مثلهَا، وَلَا يغيض مَاؤُهَا راكد زعاق، وَالنِّسْبَة إِلَى الْبَحْرين: بحراني. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد اليزيدي: سَأَلَني الْمهْدي، وَسَأَلَ الْكسَائي عَن النِّسْبَة إِلَى الْبَحْرين، وَإِلَى حصنين: لم قَالُوا: بحراني وحصني؟ فَقَالَ الْكسَائي: كَرهُوا أَن يَقُولُوا: حصناني، لِاجْتِمَاع النونين. وَقلت: إِنَّمَا كَرهُوا أَن يَقُولُوا: بحري، فَيُشبه النِّسْبَة إِلَى الْبَحْر. قلت: قد صَالح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الْبَحْرين، وَأمر عَلَيْهِم الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ، وَبعث أَبَا عُبَيْدَة فَأتى بجزيتها، وَقد ذكرنَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْمُنْذر بن ساوي الْعَبْدي، ملك الْبَحْرين، فَصدق واسلم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: إِلَى ملك الْبَحْرين؟ وَقَالَ: عَظِيم الْبَحْرين؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا ملك وَلَا سلطنة للْكفَّار، إِذْ الْكل لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلمن ولاه. قَوْله: (إِلَى كسْرَى) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسرهَا، وَقَالَ ابْن الجواليقي: الْكسر أفْصح، وَهُوَ فَارسي مُعرب: خسرو، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَجمعه أكاسرة، على غير قِيَاس، لِأَن قِيَاسه: كسرون، بِفَتْح الرَّاء. وَقد ذكرنَا فِي قصَّة هِرقل أَن: كسْرَى، لقب لكل من ملك الْفرس، كَمَا أَن: قَيْصر، لقبٌ لكل من ملك الرّوم. وَالَّذِي مزق الْكتاب من الأكاسرة هُوَ برويز بن هُرْمُز بن أنوشروان، وَلما مزق الْكتاب قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مزق ملكه) . وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا مَاتَ كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده) . قَالَ الْوَاقِدِيّ: فَسلط على كسْرَى ابْنه شرويه وَقَتله سنة سبع، فتمزق ملكه كل ممزق، وَزَالَ من جَمِيع الأَرْض واضمحل بدعوة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ أنو شرْوَان هُوَ الَّذِي ملك النُّعْمَان بن الْمُنْذر على الْعَرَب، وَهُوَ الَّذِي قَصده سيف بن ذِي يزن يستنصره على الْحَبَشَة، فَبعث مَعَه قائداً من قواده، فنفوا السودَان. وَكَانَ ملكه سبعا وَأَرْبَعين سنة وَسَبْعَة أشهر. وَقَالَ ابْن سعد: لما مزق كسْرَى كتاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعث إِلَى باذان، عَامله فِي الْيمن، أَن ابْعَثْ من عنْدك رجلَيْنِ جلدين إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي بالحجاز فليأتياني بِخَبَرِهِ، فَبعث باذان قهرمانه ورجلاً آخر، وَكتب مَعَهُمَا كتابا، فَقدما الْمَدِينَة فدفعا كتاب باذان إِلَى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَتَبَسَّمَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ودعاهما إِلَى الْإِسْلَام وفرائصهما ترْعد، وَقَالَ لَهما: (أبلغا صاحبكما أَن رَبِّي قتل ربه كسْرَى فِي هَذِه اللَّيْلَة لسبع سَاعَات مَضَت مِنْهَا) ، وَهِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء لعشر مضين من جُمَادَى الأولى سنة سبع، وَأَن الله سلط عَلَيْهِ ابْنه شرويه فَقتله. وَقَالَ ابْن هِشَام: لما مَاتَ وهرز الَّذِي كَانَ بِالْيمن على جَيش الْفرس، أَمر كسْرَى ابْنه، يَعْنِي ابْن وهرز، ثمَّ عَزله وَولى باذان، فَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى بعث الله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ: فبلغني عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: كتب كسْرَى إِلَى
باذان: إِنَّه بَلغنِي أَن رجلا من قُرَيْش يزْعم أَنه نَبِي، فسر إِلَيْهِ فاستتبه، فَإِن تَابَ وإلاَّ فَابْعَثْ إِلَيّ بِرَأْسِهِ. فَبعث باذان بكتابه إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله وَعَدَني بقتل كسْرَى فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا من شهر كَذَا وَكَذَا) . فَلَمَّا أَتَى باذانَ الكتابُ قَالَ: إِن كَانَ نَبيا سَيكون مَا قَالَ. فَقتل الله كسْرَى فِي الْيَوْم الَّذِي قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ الزُّهْرِيّ: فَلَمَّا بلغ باذان بعث بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَام من مَعَه من الْفرس. قَوْله: (فحسبت) الْقَائِل هُوَ: ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، رَاوِي الحَدِيث. أَي قَالَ الزُّهْرِيّ. ظَنَنْت أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ ... إِلَى آخِره. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة بِالْعلمِ إِلَى الْبلدَانِ. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الدُّعَاء على الْكفَّار إِذا أساؤوا الْأَدَب وأهانوا الدّين. الثَّالِث: فِيهِ أَن الرجل الْوَاحِد يجزىء فِي حمل كتاب الْحَاكِم إِلَى الْحَاكِم، وَلَيْسَ من شَرطه أَن يحملهُ شَاهِدَانِ كَمَا تصنع الْقُضَاة الْيَوْم، قَالَه ابْن بطال. قلت: إِنَّمَا حملُوا على شَاهِدين لما دخل على النَّاس من الْفساد، فاحتيط لتحصين الدِّمَاء والفروج وَالْأَمْوَال بِشَاهِدين. 65 - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أُبو الحَسَنِ أخْبَرَنا عبدُ اللَّهِ قَالَ: أخْبَرَنا شُعْبَةُ عَن قَتادَةَ عَن أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كِتَاباً أَو أَرادَ أنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ: إنِّهمْ لاَ يقْرَأُنَ كِتاباً إلاَّ مَخْتُوماً، فاتَّخَذَ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ الله، كأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمدٌ رسولُ الله؟ قَالَ أنَسٌ.. هَذَا يُطَابق الْجُزْء الْأَخير للتَّرْجَمَة، وَهُوَ ظَاهر. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مقَاتل، بِصِيغَة الْفَاعِل، من الْمُقَاتلَة بِالْقَافِ وبالمثناة من فَوق، الْمروزِي، شيخ البُخَارِيّ، انْفَرد بِهِ عَن الْأَئِمَّة الْخَمْسَة، روى عَن ابْن الْمُبَارك ووكيع، وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن عبد الرحمان النَّسَائِيّ. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق، توفّي آخر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد اللَّه بن الْمُبَارك، وَقد تقدم ذكره. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي. الْخَامِس: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ، وَقد تقدمُوا. بَيَان لطائف إِسْنَاده: وَمِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وواسطي وبصري، وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن الْجَعْد، وَفِي اللبَاس عَن آدم، وَفِي الْأَحْكَام عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة، وَفِي السّير، وَفِي الْعلم، وَفِي التَّفْسِير عَن حميد بن مسْعدَة عَن بشر بن الْمفضل، خمستهم عَنهُ بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (مَخْتُومًا) ، من ختمت الشَّيْء ختماً فَهُوَ مختوم، ومختم، شدد للْمُبَالَغَة، وَختم الله لَهُ بِالْخَيرِ، وختمت الْقُرْآن: بلغت آخِره، واختتمت الشَّيْء نقيض افتتحت. قَوْله: (خَاتمًا) فِيهِ لُغَات، الْمَشْهُور مِنْهَا أَرْبَعَة: فتح التَّاء، وَكسرهَا، وخاتام، وخيتام، وَالْجمع: الْخَوَاتِم. وتختمت إِذا لبسته، والختام الَّذِي يخْتم بِهِ. قَوْله: (نقشه) ، من نقشت الشَّيْء فَهُوَ منقوش، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: النقش نقشك الشَّيْء بلونين، أَو ألوان كَائِنا مَا كَانَ، والنقاش الَّذِي ينقشه والنقاشة حرفته. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (كتابا) مفعول كتب، وَهُوَ مفعول بِهِ لِأَن الْكتاب هُنَا اسْم غير مصدر. قَوْله: (أَن يكْتب) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول: أَرَادَ، وَأَن، مَصْدَرِيَّة أَي: الْكِتَابَة. قَوْله: (إلاَّ مَخْتُومًا) ، نصب على الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ من كَلَام غير مُوجب. قَوْله: (خَاتمًا) مفعول إتخذ، وَكلمَة: من، فِي: من فضَّة، بَيَانِيَّة. قَوْله: (نقشه) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ. وَقَوله: (مُحَمَّد رَسُول الله) جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، خبر الْمُبْتَدَأ. فَإِن قلت: الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا لَا بُد لَهَا من عَائِد. قلت: إِذا كَانَ الْخَبَر عين الْمُبْتَدَأ لَا حَاجَة إِلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهِي وَإِن كَانَت جملَة، وَلكنهَا فِي تَقْدِير الْمُفْرد، تَقْدِيره: نقشه هَذِه الْكَلِمَات. قلت: هَذِه الْكَلِمَات، أَيْضا جملَة، لِأَنَّهَا مُبْتَدأ وَخبر. قَوْله: (كَأَنِّي) أصل: كَأَن، للتشبيه لَكِنَّهَا هَهُنَا للتحقيق، ذكره الْكُوفِيُّونَ والزجاج، وَمَعَ هَذَا لَا يَخْلُو عَن معنى التَّشْبِيه. قَوْله: (أنظر إِلَى بياضه) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: كَأَن. قَوْله: (فِي يَده) حَال إِمَّا من الْبيَاض، أَو من الْمُضَاف إِلَيْهِ، أَي كَأَنِّي انْظُر إِلَى بَيَاض الْخَاتم حَال كَون الْخَاتم فِي يَد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت: الْخَاتم لَيْسَ فِي الْيَد، بل فِي
الاصبع. قلت: هَذَا من قبيل إِطْلَاق الْكل وارادة الْجُزْء. فَإِن قلت: الإصبع فِي خَاتم لَا الْخَاتم فِي الإصبع. قلت: هُوَ من بَاب الْقلب، نَحْو: عرضت النَّاقة على الْحَوْض. قَوْله: (مَنْ قَالَ) ، جملَة إسمية: وَمن، إستفهامية. لَا وَقَوله: (نقشه: مُحَمَّد رَسُول الله) ، مقول القَوْل. قَوْله: (قَالَ: أنس) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، ومقول القَوْل مَحْذُوف، أَي: قَالَ أنس: نقشه مُحَمَّد رَسُول الله. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (كتابا) أَي: إِلَى الْعَجم أَو إِلَى الرّوم، فقد جَاءَ الرِّوَايَتَانِ صريحتين بهما فِي كتاب اللبَاس. قَوْله: (أَو أَرَادَ أَن يكْتب) شكّ من الرَّاوِي، وَقيل: هُوَ أنس. قَوْله: (إِنَّهُم) أَي: إِن الرّوم والعجم، وَلَا يُقَال: إِنَّه، إضمارٌ قبل الذّكر لقِيَام الْقَرِينَة، وَهِي قَوْله: (لَا يقرأون الْكتاب إلاَّ مَخْتُومًا) ، وَكَانُوا لَا يقرأون إِلَّا مَخْتُومًا خوفًا من كشف أسرارهم، وإشعاراً بِأَن الْأَحْوَال المعروضة عَلَيْهِم يَنْبَغِي أَن يكون مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهَا غَيرهم، وَعَن أنس: إِن ختم كتاب السُّلْطَان والقضاة سنة متبعة. وَقد قَالَ بَعضهم: هُوَ سنة لفعل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد قيل فِي قَوْله تعالي: {إِنِّي ألقِي إِلَيّ كتاب كريم} (النَّمْل: 29) إِنَّهَا إِنَّمَا قَالَت ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ مَخْتُومًا. وَفِي ذَلِك أَيْضا مخالقة النَّاس بأخلاقهم، واستئلاف الْعَدو بِمَا لَا يضر، وَقد جَاءَ فِي بعض طرقه عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، لما أَرَادَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن يكْتب إِلَى الرّوم، وَفِي بَعْضهَا إِلَى الرَّهْط أَو النَّاس من الْأَعَاجِم، وَفِي مُسلم (أَرَادَ أَن يكْتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي، فَقيل لَهُ: إِنَّهُم لَا يقبلُونَ كتابا إلاَّ مَخْتُومًا) وَذكر الحَدِيث. فَإِن قلت: مَا كَانَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يكْتب؟ فَكيف قَالَ: كتب النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ باسناد الْكِتَابَة إِلَيْهِ. قلت: قد نقل أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب بِيَدِهِ، وَسَيَجِيءُ، إِن شَاءَ الله فِي كتاب الْجِهَاد، وَإِن ثَبت أَنه لم يكْتب أصلا يكون الْإِسْنَاد فِيهِ مجازياً، نَحْو: كتب الْأَمِير كتابا، أَي: كتبه الْكَاتِب بأَمْره، والقرينة للمجاز الْعرف، لِأَن الْعرف أَن الْأَمِير لَا يكْتب الْكتاب بِنَفسِهِ. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ: شُعْبَة. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة بِالْعلمِ إِلَى الْبلدَانِ. الثَّانِي: جَوَاز الْكِتَابَة إِلَى الْكفَّار. الثَّالِث: فِيهِ ختم الْكتاب للسُّلْطَان والقضاة والحكام. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز اسْتِعْمَال الْفضة للرِّجَال عِنْد التَّخَتُّم، وَقَالَ عِيَاض: أجمع الْعلمَاء على جَوَاز اتِّخَاذ الْخَوَاتِم من الْوَرق وَهِي الْفضة للرِّجَال إلاَّ مَا رُوِيَ عَن بعض أهل الشَّام من كَرَاهَة لبسه إلاَّ لذِي سُلْطَان، وَهُوَ شَاذ مَرْدُود، وَأَجْمعُوا على تَحْرِيم خَاتم الذَّهَب على الرِّجَال، إلاَّ مَا رُوِيَ عَن أبي بكر مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم إِبَاحَته، وَرُوِيَ عَن بَعضهم كَرَاهَته. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَانِ النقلان باطلان، وَحكى الْخطابِيّ أَنه يكره للنِّسَاء التَّخَتُّم بِالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ من زِيّ الرِّجَال، ورد عَلَيْهِ ذَلِك. قَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب أَنه لَا يكره لَهَا ذَلِك، وَقَول الْخطابِيّ ضَعِيف أَو بَاطِل لَا أصل لَهُ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: فِي هَذَا الحَدِيث فَوَائِد. مِنْهَا: نسخ جَوَاز لبس خَاتم الذَّهَب بعد أَن كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لبسه، وَلَا يُعَارض ذَلِك مَا جَاءَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم عَن أنس أَنه رأى فِي يَد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاتمًا من ورق يَوْمًا وَاحِدًا، ثمَّ إِن النَّاس اصطنعوا الْخَاتم من ورق فَلَبِسُوهَا، فَطرح رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاتمه، فَطرح النَّاس خواتيمهم، رَوَاهُ يُونُس وَإِبْرَاهِيم بن سعد، وَزِيَاد، وزاده أَبُو دَاوُد وَابْن مُسَافر، فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة من رُوَاة الزُّهْرِيّ الثِّقَات يَقُولُونَ عَنهُ: من ورق، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اجْمَعْ أهل الحَدِيث أَن هَذَا وهم من ابْن شهَاب، من خَاتم الذَّهَب إِلَى خَاتم الْوَرق، وَالْمَعْرُوف من رِوَايَة أنس من غير طَرِيق ابْن شهَاب اتِّخَاذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاتم فضَّة، وَأَنه لم يطرحه، وَإِنَّمَا طرح خَاتم الذَّهَب. وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره: وَقد يُمكن أَن يتَأَوَّل لِابْنِ شهَاب مَا يَنْفِي عَنهُ الْوَهم، وَإِن كَانَ الْوَهم أظهر بِاحْتِمَال أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما عزم على طرح خَاتم الذَّهَب اصْطنع خَاتم الْفضة، بِدَلِيل أَنه لَا يَسْتَغْنِي عَن الْخَتْم بِهِ على الْكتب إِلَى الْبلدَانِ، وأجوبة الْعمَّال وَغَيرهمَا، فَلَمَّا لبس خَاتم الْفضة أرَاهُ النَّاس فِي ذَلِك الْيَوْم ليعلمهم إِبَاحَته، وَأَن يصطنعوا مثله ثمَّ طرح خَاتم الذَّهَب وأعلمهم تَحْرِيمه، فَطرح النَّاس خَوَاتِيم الذَّهَب. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز نقش الْخَاتم، وَنقش اسْم صَاحب الْخَاتم، وَنقش اسْم الله تَعَالَى فِيهِ، بل فِيهِ كَونه مَنْدُوبًا، وَهُوَ قَول مَالك وَابْن الْمسيب وَغَيرهمَا، وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين. وَأما نَهْيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن ينقش أحد على نقش خَاتمه، فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا نقش فِيهِ ذَلِك ليختم بِهِ كتبه إِلَى الْمُلُوك، فَلَو نقش على نقشه لدخلت الْمفْسدَة وَحصل الْخلَل.
- (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها)
8 - (بَاب مَنْ قعَدَ حَيْث يَنْتَهِي بِه المَجْلِسُ ومَنْ رَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها) الْكَلَام فِيهِ على نَوْعَيْنِ: الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من قعد ... إِلَى آخِره، وَهُوَ مَرْفُوع على الخبرية مُضَاف إِلَى من، وَهِي مَوْصُولَة، و: قعد، جملَة الْفِعْل وَالْفَاعِل صلتها، و: حَيْثُ، ظرف للمكان مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة محلا، وَبني على الضَّم تَشْبِيها بالغايات. وَمن الْعَرَب من يعربه. قَوْله: (الْمجْلس) ، مَرْفُوع بقوله: يَنْتَهِي. قَوْله: (وَمن رأى) عطف على: من قعد، و (الفرجة) بِضَم الْفَاء وَفتحهَا، لُغَتَانِ، وَهِي الْخلَل بَين الشَّيْئَيْنِ؛ قَالَه النَّوَوِيّ. وَقَالَ النّحاس: الفرجة، بِالْفَتْح، فِي الْأَمر، والفرجة بِالضَّمِّ فِيمَا يرى من الْحَائِط وَنَحْوه، وَفِي (الْعباب) : الفرجة، بِالْكَسْرِ، والفرجة بِالضَّمِّ لُغَتَانِ فِي فُرْجَة الْهم. وَقَالَ أَيْضا: الفرجة يَعْنِي، بِالْفَتْح: التفصي من الْهم. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الفرجة: الرَّاحَة من الْغم، وَذكر فِيهَا فتح الْفَاء وَضمّهَا وَكسرهَا، وَقد فرج لَهُ فِي الْحلقَة والصف وَنَحْو ذَلِك، بِفَتْح الْعين، يفرج بضَمهَا، وَلم يذكر الْجَوْهَرِي فِي الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ غير الضَّم، وَفِي التفصي من الْهم غير الْفَتْح، وَأنْشد عَلَيْهِ: (رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُم ... ر لَهُ فُرْجَة كحل العقال) (وَالْحَلقَة) ، هُنَا بِإِسْكَان اللَّام، وَحكى الْجَوْهَرِي فتحهَا، وَالْأول أشهر. وَفِي (الْعباب) : الْحلقَة، بالتسكين: الدروع، وَكَذَلِكَ حَلقَة الْبَاب، وحلقة الْقَوْم، وَالْجمع الْحلق على غير قِيَاس، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجمع الْحلق، مِثَال: بدرة وَبدر، وقصعة وقصع. وَنهى رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن الْحلق قبل الصَّلَاة، يَعْنِي صَلَاة الْجُمُعَة، نَهَاهُم عَن التحليق والاجتماع على مذاكرة الْعلم قبل الصَّلَاة، وَحكى يُونُس عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: حَلقَة، فِي الْوَاحِد بِالتَّحْرِيكِ. وَالْجمع: حلق وحلقات. وَقَالَ ثَعْلَب: كلهم يُجِيز ذَلِك على ضعف. وَقَالَ الْفراء فِي نوادره: الْحلقَة، بِكَسْر اللَّام، لُغَة لِلْحَارِثِ بن كَعْب فِي الْحلقَة وَالْحَلقَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ يَقُول: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب حَلقَة، بِالتَّحْرِيكِ، إلاَّ فِي قَوْلهم: هَؤُلَاءِ حَلقَة، للَّذين يحلقون الشّعْر جمع حالق. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول فِيهِ ذكر المناولة، وَهِي تكون فِي مجْلِس الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان شَأْن من يَأْتِي إِلَى الْمجْلس كَيفَ يقْعد، وَالْمرَاد مِنْهُ مجْلِس الْعلم، وَقَالَ بَعضهم: مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب لكتاب الْعلم من جِهَة أَن المُرَاد بالحلقة: حَلقَة الْعلم، فَيدْخل فِي آدَاب الطَّالِب من هَذَا الْوَجْه. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا بَيَان وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْعلم، وَلَيْسَ الْقُوَّة إلاَّ فِي بَيَان وُجُوه الْمُنَاسبَة بَين الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة فِي كتب هَذَا الْكتاب، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هَذَا الْبَاب حَقه أَن يَأْتِي عقب بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، أَو عقب بَاب: طرح الْمَسْأَلَة، لِأَن كليهمَا من آدَاب الْعَالم، وَهَذَا الْبَاب من آدَاب المتعلم، وَمَا بعد هَذَا الْبَاب يُنَاسب الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ قَوْله: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رب مبلَّغٍ أوعى من سامع) . لِأَن فِيهِ معنى التَّحَمُّل عَن غير الْعَارِف، وَغير الْفَقِيه. قلت: الَّذِي ذَكرْنَاهُ أنسب لِأَن الْبَاب السَّابِق فِي بَيَان مناولة الْعَالم فِي مجْلِس علمه، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان أدب من يحضر هَذَا الْمجْلس، كَمَا ذكرنَا. 66 - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه أبي طَلْحَةَ أنّ أَبَا مُرَّة، مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ، أخْبَرَهُ عنْ أبي واقِدٍ اللَّيثَّي أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينَمَا هُو جالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاس مَعَهُ إِذ أَقَبَلَ ثَلاَثةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إِلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وذَهَبَ واحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفا على رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأمّا أحدُهمُا فَرَأى فُرْجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَس فِيهَا، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وأمّا الثالِثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا أُخُبِرُكُمْ عَن النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أمّا أحدُهُمْ فَأَوَى إِلَى الله فآوَاهُ الله، وأمّا الآخَرُ فاستَحْيا فاسْتحيْا الله مِنُه، وأمّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأَعْرَضَ الله عَنهُ) . (الحَدِيث 66 طرفه فِي 474) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَن قعد حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وفيمن رأى فُرْجَة فِي الْحلقَة فَجَلَسَ فِيهَا
، والْحَدِيث مُشْتَمل على ذكر الْحلقَة والفرجة، وعَلى من جلس حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وَلأَجل هَذَا قَالَ: فِي الْحلقَة، وَلم يقل: وَمن رأى فُرْجَة فِي الْمجْلس، ليطابق مَا فِي الْبَاب من ذكر الْحلقَة، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الأول بِلَفْظ الْمجْلس للإشعار بِأَن حكمهمَا وَاحِد هَهُنَا. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام. الثَّالِث: إِسْحَاق بن عبد اللَّه بن أبي طَلْحَة زيد بن سُهَيْل بن الْأسود بن حرَام الْأنْصَارِيّ النجاري، ابْن أخي أنس لأمه كَانَ يسكن دَار جده بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ تَابِعِيّ، سمع أَبَاهُ وَعَمه لأمه أنس بن مَالك وَغَيرهمَا، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، وَهُوَ أشهر أخوته وَأَكْثَرهم حَدِيثا. وهم: عبد اللَّه وَيَعْقُوب وَإِسْمَاعِيل وَعمر بَنو عبد اللَّه، وَكَانَ مَالك لَا يقدم على إِسْحَاق فِي الحَدِيث أحدا، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، اسْمه يزِيد، مولى عقيل بن أبي طَالب، وَقيل: مولى أَخِيه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: مولى اختهما أم هانىء. روى عَن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي وَاقد، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَالَ ابْن مَيْمُونَة: كَانَ شَيخا قَدِيما. الْخَامِس: أَبُو وَاقد، بِالْقَافِ الْمَكْسُورَة وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: اسْمه الْحَارِث بن عَوْف، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحَارِث بن مَالك. وَقَالَ غَيرهمَا: عَوْف بن الْحَارِث. قَالَ أَبُو عَمْرو: الأول أصح، ابْن أسيد بن جَابر بن عويرة بن عبد مَنَاة ابْن شجع بن عَامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن عَليّ بن كنَانَة بن خُزَيْمَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَ بَعضهم: شهد بَدْرًا وَلم يذكرهُ مُوسَى بن عقبَة، وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَذكر بَعضهم أَنه كَانَ قديم الْإِسْلَام، وَيُقَال: أسلم يَوْم الْفَتْح، وَأخْبر عَن نَفسه أَنه شهد حنيناً. قَالَ: وَكنت حَدِيث عهد بِكفْر، وَهَذَا يدل على تَأَخّر إِسْلَامه. وَشهد بعد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اليرموك، ثمَّ جاور بِمَكَّة سنة، وَتُوفِّي بهَا، وَدفن بمقبرة الْمُهَاجِرين. روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة وَعشْرين حَدِيثا، اتفقَا على حَدِيث، وَهُوَ هَذَا، وَزَاد مُسلم حَدِيثا آخر، وَهُوَ مَا كَانَ يقْرَأ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَضْحَى. وَقيل: إِنَّه ولد فِي الْعَام الَّذِي ولد فِيهِ ابْن عَبَّاس، قَالَ الْمَقْدِسِي: وَفِي هَذَا وشهوده بَدْرًا نظر، وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَفِي الصَّحَابَة من يكنى بِهَذِهِ الكنية ثَلَاثَة، هَذَا أحدهم، وثانيهم: أَبُو واقدٍ مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، روى عَنهُ أَبُو عمر زَاذَان. وثالثهم: أَبُو وَاقد النميري، روى عَنهُ نَافِع بن سرجس والليثي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة، نِسْبَة إِلَى لَيْث بن بكر الْمَذْكُور. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِي إِسْنَاده التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة والاخبار. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا: أَنه لَيْسَ للْبُخَارِيّ عَن أبي وَاقد غير هَذَا الحَدِيث، لم يروه عَنهُ إلاَّ أَبُو مرّة، وَلم يرو عَن أبي مرّة إلاَّ ابْن إِسْحَاق، وَقد صرح النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته بِالتَّحْدِيثِ من طَرِيق يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق، فَقَالَ عَن أبي مرّة: إِن أَبَا وَاقد حَدثهُ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد اللَّه ابْن يُوسُف عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن أَحْمد بن الْمُنْذر عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن حَرْب بن شَدَّاد وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن حبَان بن هِلَال عَن أبان بن يزِيد، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق بن عبد الله بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ، عَن معن بن مَالك وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن أبي الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَعَن عَليّ بن سعيد بن جرير عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (نفر) ، بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: عدَّة رجال، من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَفِي (الْعباب) : النَّفر والنفير عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَجمع النَّفر: أَنْفَار وانفرة ونفراء. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: نفر الرجل رهطه. فَإِن قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير أقل مَا يفهم مِنْهُ هَهُنَا تِسْعَة رجال، لِأَن أقل النَّفر ثَلَاثَة؟ لكنه لَيْسَ كَذَلِك، إِذْ لم يكن المقبلون إلاَّ رجَالًا ثَلَاثَة. قلت: مَعْنَاهُ ثَلَاثَة هِيَ نفر، كَأَن النَّفر هُوَ بَيَان للثَّلَاثَة، أَو المُرَاد من النَّفر مَعْنَاهُ الْعرفِيّ، إِذْ هُوَ بِحَسب الْعرف يُطلق على الرجل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَة رجال. فَإِن قلت: مُمَيّز الثَّلَاثَة لَا بُد أَن يكون جمعا، والنفر لَيْسَ بِجمع. قلت: النَّفر إسم جمع فِي وُقُوعه تمييزاً كالجمع. نَحْو قَوْله تَعَالَى: {تِسْعَة رَهْط} (النَّمْل: 48) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّمَا جَاءَ تَمْيِيز التِّسْعَة بالرهط لِأَنَّهُ فِي معنى الْجَمَاعَة،
فَكَأَنَّهُ قيل: تِسْعَة أنفسٍ، وَالْفرق بَين الرَّهْط والنفر: أَن الرَّهْط من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، أَو من السَّبْعَة إِلَى الْعشْرَة، والنفر من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَلَا يخفى مُخَالفَته لما فِي (الصِّحَاح) . قَوْله: (فَأَدْبَرَ) من الإدبار، وَهُوَ التولي. قَوْله: (فأوى إِلَى الله) بِالْهَمْزَةِ الْمَقْصُورَة. وَقَوله: (فآواه الله) بِالْهَمْزَةِ الممدودة، وَيُقَال بالمقصورة أَيْضا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة قصر الأول وَمد الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة، وَفِي الْقُرْآن: {إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف} (الْكَهْف: 10) بِالْقصرِ، {وآويناهما إِلَى ربوة} (الْمُؤْمِنُونَ: 50) بِالْمدِّ. وَقَالَ القَاضِي: حكى بَعضهم فيهمَا اللغتين: الْقصر وَالْمدّ، وَالْمَشْهُور الْفرق وَفِي (الْمطَالع) قَوْله: (فأوى إِلَى الله) مَقْصُور الْألف، فآواه الله، مَمْدُود الْألف هَذَا هُوَ الْأَشْهر فِيمَا روينَاهُ. وَقد جَاءَ الْمَدّ فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَالْقصر فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، لَكِن الْمَدّ فِي الْمُتَعَدِّي أشهر، وَالْقصر فِي اللَّازِم أشهر، وَمعنى: آواه الله: جعل الله لَهُ فِيهِ مَكَانا وفسحة لما انْضَمَّ إِلَيْهِ، أَعنِي مجْلِس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقيل: قربه إِلَى مَوضِع نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: يؤويه إِلَى ظلّ عَرْشه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَوَى فلَان إِلَى منزله يأوي أوياً، على فعول، وآويته إيواءً وأويته: إِذا انزلته بك. فعلت وأفعلت بِمَعْنى. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) قد مر غير مرّة أَن: بَيْنَمَا، أَصله: بَين، زيدت فِيهِ لَفْظَة: مَا. وَهُوَ من الظروف الَّتِي لَزِمت إضافتها إِلَى الْجُمْلَة، وَفِي بعض النّسخ: بَينا، بِغَيْر لَفْظَة: مَا، وأصل: بَينا، أَيْضا بَين، فاشبعت فَتْحة النُّون بِالْألف، وَالْعَامِل فِيهِ معنى المفاجأة المستفادة من لَفْظَة: إِذْ أقبل، وَقد قُلْنَا: إِن الْأَصْمَعِي لَا يستفصح مَجِيء إِذا وَإِذ فِي جَوَاب بَين. قَوْله: (هُوَ) ، مُبْتَدأ و: جَالس، خَبره. وَقَوله: (فِي الْمَسْجِد) حَال، كَذَا قَوْله: (وَالنَّاس مَعَه) جملَة حَالية. قَوْله: (إِذْ أقبل) جَوَاب: بَيْنَمَا. وَقَوله: (ثَلَاثَة نفر) فَاعل أقبل. قَوْله: (وَذهب وَاحِد) ، جملَة فعلية عطف على قَوْله: (فَأقبل اثْنَان) . قَوْله: (فوقفا) عطف على قَوْله: (أقبل اثْنَان) قَوْله: (فَأَما) ، كلمة: اما، للتفصيل، و: أحدهم، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: فَرَأى فُرْجَة، وَإِنَّمَا دخلت: الْفَاء، لتضمن: اما، معنى الشَّرْط. وَإِنَّمَا أخرت إِلَى الْخَبَر كَرَاهَة أَن يوالى بَين حرفي الشَّرْط وَالْجَزَاء لفظا. قَوْله: (فَجَلَسَ فِيهَا) عطف على قَوْله: (فَرَأى) ، وَالْكَلَام فِي إِعْرَاب: (وَأما الآخر فَجَلَسَ خَلفهم) ، كَالْكَلَامِ فِي الأول، وخلفهم، نصب على الظَّرْفِيَّة، وَكَذَا الْكَلَام فِي: أدبر. قَوْله: (ذَاهِبًا) . حَال. قَوْله: (قَالَ: ألاَ) جَوَاب لما، وَألا، حرف التَّنْبِيه سَوَاء فِيهِ مَا كَانَ الْمُخَاطب بِهِ مُفردا أَو مثنى أَو مجموعاً، وَيحْتَمل أَن تكون الْهمزَة للاستفهام، و: لَا، للنَّفْي. قَوْله: (أما أحدهم) الْكَلَام فِي إعرابه، وَفِي إِعْرَاب: أما، الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة مثل الْكَلَام فِي إِعْرَاب: أما أَحدهمَا فَرَأى فُرْجَة. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِذْ أقبل ثَلَاثَة نفر) : اعْلَم أَن هَهُنَا إقبالين: أَحدهمَا: إقبالهم أَولا من الطَّرِيق، أَقبلُوا ودخلوا الْمَسْجِد مارين، يدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ: (فَإِذا ثَلَاثَة نفر يَمرونَ) ، وَالْآخر: إقبال الِاثْنَيْنِ مِنْهُم حِين رَأَوْا مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الثَّالِث فَإِنَّهُ اسْتمرّ ذَاهِبًا. وَبِهَذَا التَّقْدِير سقط سُؤال من قَالَ: كَيفَ قَالَ أَولا: أقبل ثَلَاثَة؟ ثمَّ قَالَ: فَأقبل اثْنَان؟ وَالْحَال لَا يَخْلُو من أَن يكون الْمقبل اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة. قَوْله: (فوقفا) زَاد فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) : (فَلَمَّا وَقفا سلما) ، وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلم يذكر البُخَارِيّ هَهُنَا، وَلَا فِي الصَّلَاة، السَّلَام وَكَذَا لم يَقع فِي رِوَايَة مُسلم. وَمعنى قَوْله: (فوقفا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَقفا على مجْلِس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو مَعْنَاهُ: أشرفا عَلَيْهِ، وَمِنْه وقفته على ذَنبه أَي: أطلعته عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: على، بِمَعْنى: عِنْد. قلت: لم تجىء: على، بِمَعْنى: عِنْد، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان من كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (وَأما الآخر) ، بِفَتْح الْخَاء بِمَعْنى: وَأما الثَّانِي، لِأَن الآخر، بِالْفَتْح، أحد الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ اسْم أفعل، وَالْأُنْثَى: أُخْرَى إلاَّ أنّ فِيهِ معنى الصّفة، لِأَن أفعل من كَذَا لَا يكون إلاَّ فِي الصّفة. وَأما الآخر بِكَسْر الْخَاء، فَهُوَ بعد الأول، وَهُوَ صفة، يُقَال: جَاءَ آخرا، أَي: أخيراً. وَتَقْدِيره فَاعل، وَالْأُنْثَى آخِرَة، وَالْجمع أَوَاخِر. قَوْله: (فَلَمَّا فرغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: عَمَّا كَانَ مشتغلاً بِهِ من الْخطْبَة، وَتَعْلِيم الْعلم أَو الذّكر، وَنَحْوه. قَوْله: (أما أحدهم) فِيهِ حذف تَقْدِيره قَالُوا: أخبرنَا، فَقَالَ: أما أحدهم فاوى إِلَى الله أَي: لَجأ إِلَى الله. وَقَالَ القَاضِي: مَعْنَاهُ: دخل مجْلِس ذكر الله. قَوْله: (فآواه الله) ، من بَاب المشاكلة. والمقابلة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ومكروا ومكر الله} (آل عمرَان: 54) فَسمى مجازاته باسم فعله بطرِيق الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الإيواء هُوَ الْإِنْزَال عنْدك، وَهُوَ لَا يتَصَوَّر فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْخَيْر وَنَحْوه، فَيكون من ذكر الْمَلْزُوم، وَإِرَادَة اللَّازِم. وَيُقَال: مَعْنَاهُ فآواه الله إِلَى جنته. قَوْله: (وَأما الآخر فاستحيى) أَي: ترك الْمُزَاحمَة كَمَا فعل رَفِيقه حَيَاء من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والحاضرين. قَالَه القَاضِي عِيَاض.
- (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع)
وَيُقَال: مَعْنَاهُ استحيى من الذّهاب عَن الْمجْلس، كَمَا فعل رَفِيقه الثَّالِث، وَيُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم الثَّانِي: (فَلبث ثمَّ جَاءَ فَجَلَسَ) . قَوْله: (فاستحيى مِنْهُ) . أَي: جازاه بِمثل فعله بِأَن رَحمَه وَلم يُعَاقِبهُ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يذم بِهِ، وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن ترك الْعقَاب للاستحياء، فَيكون هَذَا أَيْضا من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم. قَوْله: (وَأما الآخر فاعرض) أَي: عَن مجْلِس رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ، بل ولى مُدبرا. قَوْله: (فاعرض الله عَنهُ) أَي: جازاه بِأَن سخط عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْرَاض هُوَ الِالْتِفَات إِلَى جِهَة أُخْرَى، وَذَلِكَ لَا يَلِيق فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن السخط وَالْغَضَب الْمجَاز عَن إِرَادَة الانتقام. وَالْقَاعِدَة فِي مثل هَذِه الإطلاقات الَّتِي لَا يُمكن حملهَا على ظواهرها أَن يُرَاد بِهِ غاياتها ولوازمها، والعلاقة بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمعْنَى الْمجَازِي: اللُّزُوم والقرينة الصارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة هُوَ الْعقل، إِذا لَا يتَصَوَّر الْعقل صُدُور هَذِه الْأَشْيَاء من الله تَعَالَى. فَإِن قلت: هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة إِخْبَار أَو دُعَاء. قلت: يحْتَمل الْمَعْنيين فِي لَفْظَة: الإيواء والإعراض، وَلَكِن مَا وَقع فِي رِوَايَة أنس: (وَأما الآخر فاستغنى فاستغنى الله عَنهُ) ، يُؤَيّد معنى الْإِخْبَار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب التَّشْبِيه، أَي: يفعل الله تَعَالَى كَمَا يفعل المؤوي والمستحي والمعرض. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (آل عمرَان: 54) فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ وصف الْقَدِيم بالاستحياء؟ قلت: هُوَ جَار على سَبِيل التَّمْثِيل، وَمثل تَركه يتْرك من يتْرك شَيْئا حَيَاء مِنْهُ. ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله: (فاعرض الله) ، مَحْمُول على من ذهب معرضًا، لَا لعذر. قَالَ القَاضِي عِيَاض: من أعرض عَن نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وزهد مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَإِن كَانَ هَذَا مُؤمنا وَذهب لحَاجَة دنياوية أَو ضَرُورِيَّة فإعراض الله عَنهُ ترك رَحمته وعفوه، فَلَا يثبت لَهُ حَسَنَة وَلَا يمحو عَنهُ سَيِّئَة. قلت: وَإِن كَانَ ذَاك منافقاً كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اطلع على أمره، فَلذَلِك قَالَ: فاعرض الله عَنهُ. بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن من جلس إِلَى حَلقَة علم أَنه فِي كنف الله تَعَالَى وَفِي ايوائه، وَهُوَ مِمَّن تضع لَهُ الْمَلَائِكَة اجنحتها. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ يجب على الْعَالم أَن يؤوي المتعلم لقَوْله: (فآواه الله) . الثَّانِي: أَن فِيهِ أَن من قصد الْعَالم ومجالسته فاستحيى مِمَّن قَصده فَإِن الله يستحيي مِنْهُ فَلَا يعذبه. الثَّالِث: فِيهِ أَن من أعرض عَن مجالسة الْعَالم فَإِن الله يعرض عَنهُ، وَمن أعرض الله عَنهُ فقد تعرض لسخطه. الرَّابِع: اسْتِحْبَاب التحلق للْعلم وَالذكر فِي الْمَسْجِد. الْخَامِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْقرب من الْكَبِير فِي الْحلقَة ليسمع كَلَامه. السَّادِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الثَّنَاء على من فعل جميلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الْإِنْسَان إِذا فعل قبيحاً أَو مذموماً وباح بِهِ جَازَ أَن ينْسب إِلَيْهِ. الثَّامِن: فِيهِ أَن من حسن الْأَدَب أَن يجلس الْمَرْء حَيْثُ انْتهى مَجْلِسه، وَلَا يُقيم أحدا. وَقد رُوِيَ ذَلِك فِي الحَدِيث أَيْضا. التَّاسِع: فِيهِ ابْتِدَاء الْعَالم جلساءه بِالْعلمِ قبل أَن يسْأَل عَنهُ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن من سبق إِلَى مَوضِع فِي مجْلِس كَانَ هُوَ أَحَق بِهِ، لتَعلق حَقه بِهِ فِي الْجُلُوس. الْحَادِي عشر: فِيهِ سد خلل الْحلقَة، كَمَا ورد التَّرْغِيب فِي سد خلل الصُّفُوف فِي الصَّلَاة. الثَّانِي عشر: فِيهِ جَوَاز التخطي لسد الْخلَل مَا لم يؤذ أحدا، فَإِن خشِي اسْتحبَّ أَن يجلس حَيْثُ يَنْتَهِي. الثَّالِث عشر: فِيهِ الثَّنَاء على من زاحم فِي طلب الْخَيْر. 9 - (بَاب قَولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سامِعٍ) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه: الأول: التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (رب مبلغ اوعى من سامع) ، وَالْبَاب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمبلغ، بِفَتْح اللَّام، وَمن جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْجَالِس فِي الْحلقَة، وَهُوَ أَيْضا من جملَة المبلغين، لِأَن حَلقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت مُشْتَمِلَة على الْعُلُوم، وَالْأَمر بتعلمها والتبليغ إِلَى الغائبين، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّبْوِيب الِاسْتِدْلَال على جَوَاز الْحمل على من لَيْسَ بفقيه من الشُّيُوخ الَّذين لَا علم عِنْدهم وَلَا فقه، إِذا ضبط مَا يحدث بِهِ. قلت: هَذَا بَيَان وَجه وضع هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ فِيهِ تعرض إِلَى وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح
تعرض لهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُعَلّقا، وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنى الحَدِيث الَّذِي ذكره بعده بِالْإِسْنَادِ، فَهُوَ من بَاب نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى، وَإِمَّا أَنه ثَبت عِنْده بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق آخر. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقد جَاءَت لَفْظَة التَّرْجَمَة فِي التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الرحمان بن عبد اللَّه بن مَسْعُود عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نضر الله أمرأ سمع منَّا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سمع، فَرب مبلغ اوعى من سامع) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: كل مِنْهُمَا قد أبعد وتعسف، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال هُوَ: إِن هَذَا حَدِيث مُعَلّق، أورد البُخَارِيّ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَأما لَفظه: فَهُوَ مَوْصُول عِنْده فِي: بَاب الْخطْبَة بمنى، من كتاب الْحَج، أخرجه من طَرِيق قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن بن حميد بن عبد الرَّحْمَن، كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، قَالَ: (خَطَبنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم النَّحْر، قَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟) وَفِي آخِره هَذَا اللَّفْظ. وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ. فِي (جَامعه) وَابْن حباب وَالْحَاكِم فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نصر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها فأداها إِلَى من لم يسْمعهَا، فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَوْله: (نضر) بِالتَّشْدِيدِ أَكثر من التَّخْفِيف، أَي: حسن، وَيُقَال: نضر الله وَجهه، ونضر، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي. قلت: وَجَاء: نضر، بِالْفَتْح أَيْضا، حَكَاهُ أَبُو عبيد. والمصدر: نضارة ونضرة أَيْضا، وَهُوَ: الْحسن والرونق. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ التِّرْمِذِيّ لحَدِيث ابْن مَسْعُود: وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد تكلم النَّاس فِي سَماع عبد الرحمان عَن أَبِيه، فَقَالُوا: كَانَ صَغِيرا؟ وَقَالَ يحيى بن معِين: عبد الرَّحْمَن وَأَبُو عُبَيْدَة ابْنا عبد اللَّه ابْن مَسْعُود لم يسمعا من أَبِيهِمَا. وَقَالَ أَحْمد: مَاتَ عبد اللَّه ولعَبْد الرَّحْمَن ابْنه سِتّ سِنِين أَو نَحْوهَا؟ قلت: كَأَنَّهُ لم يعبأ بِمَا قيل فِي عدم سَماع عبد الرَّحْمَن من أَبِيه لصغره، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: لم يخرج البُخَارِيّ لأبي عُبَيْدَة شَيْئا، وَأخرج هُوَ وَمُسلم لعبد الرَّحْمَن عَن مَسْرُوق، فَلَمَّا كَانَ الحَدِيث لَيْسَ من شَرطه جعله فِي التَّرْجَمَة. قلت: هَذَا بِنَاء على تعسفه فِيمَا ذَكرْنَاهُ، وَالَّذِي جعله فِي التَّرْجَمَة قد ذكره فِي كتاب الْحَج على مَا ذكرنَا. الرَّابِع: قَوْله: (رب) هُوَ للتقليل، لكنه كثر فِي الِاسْتِعْمَال للتكثير بِحَيْثُ غلب حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا حَقِيقَة فِيهِ، وَهِي حرف خلافًا للكوفيين فِي دَعْوَى إسميته، وَقَالُوا: قد أخبر عَنهُ الشَّاعِر فِي قَوْله. (وَرب قتل عَار) وَأجِيب: بِأَن عَار، خبر لمبتدأ مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة صفة للمجرور، أَو خبر للمجرور، إِذْ هُوَ فِي مَوضِع مُبْتَدأ، وينفرد: رب، بِوُجُوب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إِن كَانَ ظَاهرا، وإفراده وتذكيره وتمييزه بِمَا يُطَابق الْمَعْنى إِن كَانَ ضميراً، وَغَلَبَة حذف معداها ومضيه، وَوُجُوب كَون فعلهَا مَاضِيا لفظا أَو معنى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وفيهَا لُغَات عشر، ثمَّ عدهَا. قلت: فِيهَا سِتّ عشرَة لُغَة: ضم الرَّاء، وَفتحهَا، وَكِلَاهُمَا مَعَ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف، وَالْأَوْجه الْأَرْبَعَة مَعَ تَاء التَّأْنِيث الساكنة أَو المتحركة، أَو مَعَ التجرد مِنْهَا، فَهَذِهِ اثْنَتَيْ عشرَة، وَالضَّم وَالْفَتْح مَعَ إسكان الْبَاء، وَضم الحرفين مَعَ التَّشْدِيد وَمَعَ التَّخْفِيف. قَوْله: (مبلغ) ، بِفَتْح اللَّام أَي: مبلغ إِلَيْهِ، فَحذف الْجَار وَالْمَجْرُور كَمَا يُقَال الْمُشْتَرك وَيُرَاد بِهِ الْمُشْتَرك فِيهِ. قَوْله: (أوعى) أفعل التَّفْضِيل من الوعي، وَهُوَ الْحِفْظ. فَإِن قلت: كَيفَ إِعْرَاب هَذَا الْكَلَام؟ قلت: إعرابه على مَذْهَب الْكُوفِيّين: أَن (رب مبلغ) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله (أوعى من سامع) خَبره، وَالْمعْنَى: رب مبلغ إِلَيْهِ عني أفهم وأضبط لما أَقُول من سامع مني، وَلَا بُد من هَذَا الْقَيْد لِأَن الْمَقْصُود ذَلِك، وَقد صرح بذلك ابْن مَنْدَه فِي رِوَايَته من طَرِيق هودة عَن ابْن عون، وَلَفظه: (فَإِنَّهُ عَسى أَن يكون بعض من لم يشْهد أوعى لما أَقُول من بعض من شهد) . وَأما على مَذْهَب الْبَصرِيين، فَإِن قَوْله: (مبلغ) ، وَإِن كَانَ مجروراً بِالْإِضَافَة، وَلكنه مَرْفُوع على الِابْتِدَاء محلا. وَقَوله: (أوعى) صفة لَهُ، وَالْخَبَر مَحْذُوف وَتَقْدِيره: يكون أَو يُوجد، أَو نَحْوهمَا. وَقَالَ النُّحَاة فِي نَحْو: رب رجل صَالح عِنْدِي، مَحل مجرورها رفع على الابتدائية وَفِي نَحْو: رب رجل لَقيته، نصب على المفعولية، وَفِي نَحْو: رب رجل صَالح لَقيته، رفع أَو نصب كَمَا فِي قَوْلك: هَذَا لَقيته. 67 - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حدّثنا بِشْرُ قَالَ: حدّثنا ابنُ عَوْنٍ عَن ابنِ سِيرِينَ عَن عبدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرَةَ عَن أبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قعَدَ على بَعِيرِهِ وأمْسَك إنسانٌ بِخِطامِهِ
أوْ بِزِمامِهِ قَالَ: (أيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) فَسَكَتْنا حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِيهِ سِوَى اسمِهِ؟ قَالَ: (ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فأَيّ شَهُرٍ هَذَا) فَسَكتنا حتَّى ظَنَنَّا أنهُ سَيُسَميِّهِ بِغَيْرِ اسمِهِ، فَقَالَ: (ألَيْسَ بِذِى الحِجةِ؟) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فإنّ دِماءَكُمْ وَأَمُوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرامُ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ فإنّ الشاهدَ عَسَى أَن يُبَلِّغَ مَن هُو أوْعَى لهُ مِنهُ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى كَمَا ذَكرْنَاهُ. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن الْمفضل بن لَاحق الرقاشِي أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، سمع ابْن الْمُنْكَدر وَعبد اللَّه بن عون وَغَيرهمَا، روى عَنهُ أَحْمد، وَقَالَ: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ. قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث عثمانياً، توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقَالَ: إِنَّه كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة. يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد اللَّه بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وأرطبان مولى عبد اللَّه بن مُغفل الصَّحَابِيّ، رأى أنس بن مَالك وَلم يثبت لَهُ مِنْهُ سَماع، وَسمع الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهم، روى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن الْمُبَارك وَآخَرُونَ، وَعَن خَارِجَة قَالَ: صَحِبت ابْن عون أَرْبعا وَعشْرين سنة فَمَا أعلم أَن الْمَلَائِكَة كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَمَات وَهُوَ ابْن خمس وَثَمَانِينَ، وَيُقَال: توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث أَبُو عمر الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، أَخُو عبيد اللَّه وَمُسلم ووراد، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع عشرَة، سمع أَبَاهُ وعلياً وَغَيرهمَا، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي غير مَوضِع عَن ابْن سِيرِين وَعبد الْملك بن عُمَيْر وخَالِد الْحذاء، وَعنهُ عَن أَبِيه قَالَ ابْن معِين: توفّي سنة تسع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: أَبوهُ أَبُو بكرَة، واسْمه نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، ابْن الْحَارِث وَقد تقدم. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِي رُوَاته ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وهم: عبد اللَّه ابْن عون، وَابْن سِيرِين، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، وَزَاد فِي آخِره: قَالَ عبد الرَّحْمَن: حَدَّثتنِي أُمِّي عَن أبي بكرَة أَنه قَالَ: لَو دخلُوا عَليّ مَا نهشت لَهُم بقصبة، وَفِي الْحَج عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد عَليّ أبي عَامر الْعَقدي عَن قُرَّة بن خَالِد بِإِسْنَادِهِ نَحوه، وسمى الرجل حميد بن عبد الرَّحْمَن وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي بَدْء الْخلق عَن أبي مُوسَى، وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن سَلام كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَفِي الْعلم وَالتَّفْسِير أَيْضا عَن عبد اللَّه بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي عَن حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن أَيُّوب، وَأخرجه مُسلم فِي الدِّيات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن حبيب ابْن عَرَبِيّ، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ بِهِ، وَعَن نصر بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَعَن أبي مُوسَى عَن حَمَّاد بن مسْعدَة، كِلَاهُمَا عَن ابْن عون بِهِ، وَزَاد فِي آخِره: ثمَّ انكفأ إِلَى كبشين أملحين فذبحهما إِلَى جريعة من الْغنم، فَقَسمهَا بَيْننَا. وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد نَحوه، وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَعَن مُحَمَّد ابْن عَمْرو بن جبلة، وَأحمد بن الْحسن بن خرَاش، كِلَاهُمَا عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وسمى حميد بن عبد الرحمان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود بن بشر بن الْمفضل نَحوه، وَعَن يحيى بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع نَحوه، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وَذكر حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَعَن سُلَيْمَان بن مُسلم عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن أبي عون. واخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُم، بِنَحْوِهِ، وَله طرق تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَذكره ابْن مَنْدَه فِي (مستخرجه) من حَدِيث سَبْعَة عشر صحابياً. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على بعيره) الْبَعِير الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد يكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري وصرعتني بَعِيري. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان، يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس، إِذا
رَأَيْت جملا على الْبعد. قلت: هَذَا بعير فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة، وَيجمع على: أَبْعِرَة وأباعر وأباعير وبعر وبعران. وَفِي (الْعباب) : يُقَال للجمل بعير وللناقة بعير، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: بعير وشعير، بِكَسْر الْبَاء والشين وَالْفَتْح هُوَ الصَّحِيح، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: بعير إِذا جذع، وَالْجمع أَبْعِرَة فِي أدنى الْعدَد، وأباعر فِي الْكثير، وأباعير وبعران هَذِه عَن الْفراء. قَوْله: (أمسك إِنْسَان بخطامه) أَي: تمسك بِهِ، ومسكت بِهِ مثل أَمْسَكت بِهِ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب} (الْأَعْرَاف: 170) أَي: يتمسكون بِهِ، وَقَرَأَ البصريون: {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} (الممتحنه: 10) بِالتَّشْدِيدِ، والخطام، بِكَسْر الْخَاء: الزِّمَام الَّذِي يشد فِيهِ الْبرة، بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء؛ حَلقَة من صفر تجْعَل فِي لحم أنف الْبَعِير. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تجْعَل فِي إِحْدَى جَانِبي المنخرين. قَوْله: (بِذِي الْحجَّة) بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا وَالْكَسْر افصح، وَيجمع على: ذَوَات الْحجَّة، وَذي الْقعدَة، بِكَسْر الْقَاف، وَيجمع على ذَوَات الْعقْدَة. قَوْله: (وَأَعْرَاضكُمْ) جمع عرض، بِكَسْر الْعين، وَهُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان، سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه. وَقيل: الْعرض الْحسب، وَقيل: الْخلق، وَقيل: النَّفس. وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (الشَّاهِد) أَي الْحَاضِر، من: شهد إِذا حضر. قَوْله: (أوعى) أَي: أحفظ، من الوعي وَهُوَ: الْحِفْظ والفهم. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ذكر النَّبِي) ، بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ مفعول: ذكر، وَالضَّمِير فِي ذكر يرجع إِلَى الرَّاوِي. الْمَعْنى عَن أبي بكرَة أَنه كَانَ يُحَدِّثهُمْ، فَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: (قعد على بعيره) ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، (قعد) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، عَن أبي بكرَة، قَالَ وَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فالواو: وَاو الْحَال، وَيجوز أَن تكون وَاو الْعَطف، على أَن يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ محذوفاً. فَافْهَم. قَوْله: (قعد على بعيره) جملَة وَقعت مقول قَالَ الْمُقدر. قَوْله: (وَأمْسك) يجوز أَن تكون الْوَاو، فِيهِ للْحَال. وَقد علم أَن الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا تجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، وَلَكِن لَا بُد من قد، ظَاهِرَة أَو مقدرَة، وَيجوز أَن تكون للْعَطْف على قعد. قَوْله: (أَي يَوْم هَذَا؟) جملَة وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فسكتنا) عطف على: قَالَ. قَوْله: (حَتَّى) للغاية بِمَعْنى: إِلَى. قَوْله: (أَنه) ، بِفَتْح الْهمزَة فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (سيسميه) : السِّين فِيهِ تفِيد توكيد النِّسْبَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ سيرحمهم الله} (التَّوْبَة: 71) السِّين مفيدة وجود الرَّحْمَة لَا محَالة، فَهِيَ تؤكد الْوَعْد كَمَا تؤكد الْوَعيد إِذا قلت: سأنتقم مِنْك. قَوْله: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟) الْهمزَة فِيهِ لَيست للاستفهام الْحَقِيقِيّ، وَإِنَّمَا هِيَ تفِيد نفي مَا بعْدهَا، وَمَا بعْدهَا هَهُنَا منفي، فَتكون إِثْبَاتًا. لِأَن نفي النَّفْي إِثْبَات، فَيكون الْمَعْنى: هُوَ يَوْم النَّحْر. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَلَيْسَ الله بكاف عَبده} (الزمر: 39) أَي: الله كَاف عَبده، وَكَذَلِكَ قَوْله: {ألم نشرح لَك صدرك} (الإنشراح: 1) فَمَعْنَاه: شرحنا صدرك، وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ قَوْله: {ووضعنا} (الإنشراح: 2) . قَوْله: (فَقُلْنَا) عطف على قَوْله: قَالَ. قَوْله: (بلَى) مقول القَوْل أقيم مقَام الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ مقول القَوْل، وَهِي حرف يخْتَص بِالنَّفْيِ ويفيد إِبْطَاله سَوَاء كَانَ مُجَردا نَحْو: {زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي} (التغابن: 7) أَو مَقْرُونا بالاستفهام حَقِيقِيًّا كَانَ نَحْو: أَلَيْسَ زيد بقائم، فَتَقول: بلَى، أَو توبيخاً نَحْو: {أم يحسبون أَنا لَا نسْمع سرهم ونجواهم بلَى} (الزخرف: 80) . {أيحسب الْإِنْسَان أَن لن نجمع عِظَامه بلَى} (الْقِيَامَة: 3) . أَو تقريراً نَحْو: {ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى} (الْملك: 8 9) . {أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} (الْأَعْرَاف: 172) . أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْدِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: لَو قَالُوا: نعم كفرُوا، لِأَن: نعم، تَصْدِيق للْخَبَر بِنَفْي أَو إِيجَاب، وَلذَلِك قَالَت جمَاعَة من الْفُقَهَاء: لَو قَالَ: أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف؟ فَقَالَ: بلَى، لَزِمته. وَلَو قَالَ: نعم، لم تلْزمهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: تلْزمهُ فيهمَا، وجروا فِي ذَلِك على مُقْتَضى الْعرف لَا اللُّغَة. قَوْله: (حرَام) خبر: إِن، قَوْله: (ليبلغ) ، بِكَسْر الْغَيْن، لِأَنَّهُ أَمر، وَلكنه لما وصل بِمَا بعده حرك بِالْكَسْرِ، لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ. قَوْله: (عَسى أَن يبلغ) ، فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: إِن، وَقد علم أَن لعسى استعمالان: أَحدهمَا: أَن يكون فَاعله إسماً نَحْو: عَسى زيد أَن يخرج، فزيد مَرْفُوع بالفاعلية، و: أَن يخرج، فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة: قَارب زيد الْخُرُوج. وَالْآخر: أَن تكون أَن مَعَ صلتها فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو: عَسى أَن يخرج زيد، فَيكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة: قرب أَن يخرج، أَي: خُرُوجه. وَمَا فِي الحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل. قَوْله: (مِنْهُ) ، صلَة لأَفْعَل التَّفْضِيل، أَعنِي قَوْله: (أوعى) . فَإِن قلت: صلته كالمضاف إِلَيْهِ، فَكيف جَازَ الْفَصْل بَينهمَا بِلَفْظَة: لَهُ؟ قلت: جَازَ، لِأَن فِي الظّرْف سَعَة كَمَا جَازَ الْفَصْل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِهِ، قَالَ. (فرشني بِخَير لأكونن ومدحتي ... كناحت يَوْمًا صَخْرَة بعسيل) فَإِن قَوْله: يَوْمًا، فصل بَين: ناحت، الَّذِي هُوَ مُضَاف، وَبَين صَخْرَة، الَّذِي هُوَ مُضَاف إِلَيْهِ. وَقَوله: (فرشني) أَمر من راش
يريش، يُقَال: رَشَّتْ فلَانا إِذا أصلحت حَاله، والعسيل، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة، مكنسة الْعَطَّار الَّذِي يجمع بِهِ الْعطر. بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (قعد على بعيره) ، وَذَلِكَ كَانَ بمنى فِي يَوْم النَّحْر فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (وَأمْسك إِنْسَان بخطامه) قيل: هَذَا الممسك كَانَ بِلَالًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أم الْحصين، قَالَت: حججْت فَرَأَيْت بِلَالًا يَقُود بِخِطَام رَاحِلَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَيُقَال: كَانَ الممسك عَمْرو بن خَارِجَة، فَإِنَّهُ وَقع فِي السّنَن من حَدِيثه، قَالَ: كنت آخذ بزمام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... فَذكر الْخطْبَة. قيل: هُوَ أولى أَن يُفَسر بِهِ الْمُبْهم، لِأَنَّهُ أخبر عَن نَفسه أَنه كَانَ ممسكاً بزمام نَاقَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَيُقَال: كَانَ الممسك هُوَ أَبَا بكرَة الرَّاوِي، لما روى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحُسَيْن عَن سُفْيَان عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك عَن أبي عون بِسَنَدِهِ إِلَى أبي بكرَة. قَالَ: (خطب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على رَاحِلَته يَوْم النَّحْر، وَأَمْسَكت، إِمَّا قَالَ: بخطامها أَو بزمامها) . قَوْله: (أَي يَوْم) ، هَذَا؟ لَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والأصيلي والحموي السُّؤَال عَن الشَّهْر، وَالْجَوَاب الَّذِي قبله وَلَفْظهمَا: (أَي يَوْم هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحجَّة؟) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وكريمة بالسؤال عَن الشَّهْر وَالْجَوَاب الَّذِي قبله، وَهِي أَيْضا كَذَلِك فِي مُسلم وَغَيره، وَكَذَا وَقع فِي مُسلم وَغَيره السُّؤَال عَن الْبَلَد، فَهَذِهِ ثَلَاثَة اسئلة عَن الْيَوْم والشهر والبلد، وَهِي ثَابِتَة عِنْد البُخَارِيّ فِي الْأَضَاحِي من رِوَايَة أَيُّوب، وَفِي الْحَج أَيْضا من رِوَايَة قُرَّة، كِلَاهُمَا عَن ابْن سِيرِين. وَذكر فِي أول حَدِيثه: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟ قُلْنَا: الله وَرَسُوله أعلم، فَسكت حَتَّى ظننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه) . وَذكر قَوْله: الله وَرَسُوله أعلم فِي الْجَواب عَن الأسئلة الثَّلَاثَة، وَكَذَلِكَ أوردهُ من رِوَايَة ابْن عمر، وَجَاء من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس! أَي يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْم حرَام. قَالَ: فَأَي بلد هَذَا؟ قَالُوا: بلد حرَام. قَالَ: فَأَي شهر هَذَا؟ قَالُوا: شهر حرَام) . فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس يشْعر بِأَنَّهُم أجابوه بقَوْلهمْ: هَذَا يَوْم حرَام وبلد حرَام وَشهر حرَام، وَهُوَ مُخَالف للمذكور هُنَا من حَدِيث أبي بكرَة، وَمن حَدِيث ابْن عمر أَيْضا أَنهم سكتوا حَتَّى ظنُّوا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه، الْجَواب أَنه يحْتَمل أَن تكون الْخطْبَة مُتعَدِّدَة، فَأجَاب فِي الثَّانِيَة من علم فِي الأولى، وَلم يجب من لم يعلم فَنقل كل من الروَاة مَا سمع، وَيُقَال: إِن حَدِيث أبي بكرَة من رِوَايَة مُسَدّد وَقع نَاقِصا مخروماً لنسيان وَقع من بعض الروَاة. قَوْله: (فَإِن دماءكم) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: سفك دمائكم، وَكَذَا فِي: أَمْوَالكُم، التَّقْدِير: أَخذ أَمْوَالكُم، وَكَذَا فِي: أعراضكم، التَّقْدِير: سلب أعراضكم. قَوْله: (ليبلغ الشَّاهِد) ، أَي الْحَاضِر فِي الْمجْلس الْغَائِب عَنهُ، وَالْمرَاد مِنْهُ إِمَّا تَبْلِيغ القَوْل الْمَذْكُور، أَو تَبْلِيغ جَمِيع الْأَحْكَام. فَافْهَم. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: هُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن الْعَالم يجب عَلَيْهِ تَبْلِيغ الْعلم لمن لم يبلغهُ، وتبيينه لمن لَا يفهمهُ، وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه الله تَعَالَى على الْعلمَاء. {ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه} (آل عمرَان: 187) . الثَّانِي: فِيهِ أَنه يَأْتِي فِي آخر الزَّمَان من يكون لَهُ من الْفَهم فِي الْعلم من لَيْسَ لمن تقدمه، وَأَن ذَلِك يكون فِي الْأَقَل، لِأَن: رب، مَوْضُوعَة للتقليل، و: عَسى، موضعهَا الإطماع، وَلَيْسَت لتحقيق الشَّيْء. الثَّالِث: فِيهِ أَن حَامِل الحَدِيث يجوز أَن يُؤْخَذ عَنهُ، وَإِن كَانَ جَاهِلا بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ مَأْخُوذ من تبليغه، مَحْسُوب فِي زمرة أهل الْعلم. الرَّابِع: فِيهِ أَن مَا كَانَ حَرَامًا يجب على الْعَالم أَن يُؤَكد حرمته، ويغلظ عَلَيْهِ بأبلغ مَا يُوجد، كَمَا فعل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي المتشابهات. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْقعُود على ظهر الدَّوَابّ إِذا احْتِيجَ إِلَى ذَلِك، لَا للأشر والبطر، وَالنَّهْي فِي قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تَتَّخِذُوا ظُهُور الدَّوَابّ مجَالِس) ، مَخْصُوص بِغَيْر الْحَاجة. السَّادِس: فِيهِ الْخطْبَة على مَوضِع عَال ليَكُون أبلغ فِي سماعهَا للنَّاس، ورؤيتهم إِيَّاه. السَّابِع: فِيهِ مُسَاوَاة المَال وَالدَّم وَالْعرض فِي الْحُرْمَة. الثَّامِن: فِيهِ تَشْبِيه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض بِالْيَوْمِ وبالشهر وبالبلد فِي الْحُرْمَة دَلِيل على اسْتِحْبَاب ضرب الْأَمْثَال، وإلحاق النظير بالنظير قِيَاسا، قَالَه النَّوَوِيّ. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: لِمَ شبه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض فِي الْحُرْمَة بِالْيَوْمِ والشهر والبلد فِي غير هَذِه الرِّوَايَة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُم كَانُوا لَا يرَوْنَ اسْتِبَاحَة هَذِه الْأَشْيَاء وانتهاك حرمتهَا بِحَال، وَكَانَ تَحْرِيمهَا ثَابتا فِي نُفُوسهم مقرراً عِنْدهم بِخِلَاف الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض، فَإِنَّهُم فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يستبيحونها. وَقَالَ بَعضهم: أعلمهم الشَّارِع بِأَن تَحْرِيم دم الْمُسلم وَمَاله وَعرضه أعظم من تَحْرِيم الْبَلَد والشهر وَالْيَوْم، فَلَا يرد كَون الْمُشبه بِهِ أَخفض رُتْبَة من الْمُشبه لِأَن الْخطاب إِنَّمَا وَقع
- (باب العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى {فاعلم أنه لا إله إلا الله} (محمد: 19) فبدأ بالعلم)
بِالنِّسْبَةِ لما اعتاده المخاطبون قبل تَقْرِير الشَّرْع. قلت: لَا نسلم أَن الشَّارِع قَالَ: حُرْمَة هَذِه الْأَشْيَاء أعظم من حُرْمَة تِلْكَ الْأَشْيَاء حَتَّى يرد السُّؤَال بِكَوْن الْمُشبه بِهِ أَخفض رُتْبَة من الْمُشبه، وَإِنَّمَا الشَّارِع شبه حُرْمَة تِلْكَ بِحرْمَة هَذِه، لما ذكرنَا من وَجه التَّشْبِيه من غير تعرض إِلَى غير ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: لمَ سَأَلَ، عَلَيْهِ السَّلَام، عَن هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَسكت بعد كل سُؤال مِنْهَا؟ أُجِيب: لاستحضار فهومهم وليقبلوا عَلَيْهِ بكليتهم وليعلموا عَظمَة مَا يُخْبِرهُمْ عَنهُ، وَلذَلِك قَالَ بعد هَذَا: (فَإِن دماكم) إِلَى آخِره، مُبَالغَة فِي تَحْرِيم الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ كَانَ جوابهم عَن كل سُؤال بقَوْلهمْ: الله وَرَسُوله أعلم، على مَا ثَبت فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى للْبُخَارِيّ وَغَيره؟ أُجِيب: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لحسن أدبهم. لأَنهم كَانُوا يعلمُونَ أَنه لَا يخفى عَلَيْهِ مَا يعرفونه من الْجَواب، وَأَنه لَيْسَ مُرَاد مُطلق الْإِخْبَار بِمَا يعرفونه، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَة الْبَاب: (حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه) وَفِيه إِشَارَة إِلَى تَفْوِيض الْأُمُور بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى الشَّارِع، والانعزال عَمَّا ألفوه من الْمُتَعَارف الْمَشْهُور. وَمِنْهَا مَا قيل: لم أمسك الممسك بِخِطَام نَاقَته؟ أُجِيب: لصونه الْبَعِير عَن الِاضْطِرَاب والتشويش على رَاكِبه. 10 - (بابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ لِقولِهِ تَعَالَى {فاعلَمْ أنَّهُ لَا إلَهَ إلاَّ الله} (مُحَمَّد: 19) فبَدَأ بالعلْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْعلم قبل القَوْل وَالْعَمَل، أَرَادَ أَن الشَّيْء يعلم أَولا، ثمَّ يُقَال وَيعْمل بِهِ، فالعلم مقدم عَلَيْهِمَا بِالذَّاتِ، وَكَذَا مقدم عَلَيْهِمَا بالشرف، لِأَنَّهُ عمل الْقلب، وَهُوَ أشرف أَعْضَاء الْبدن. وَقَالَ ابْن بطال: الْعَمَل لَا يكون إلاَّ مَقْصُودا، يَعْنِي مُتَقَدما، وَذَلِكَ الْمَعْنى هُوَ علم مَا وعد الله عَلَيْهِ بالثواب. وَقَالَ ابْن الْمُنِير، أَرَادَ أَن الْعلم شَرط فِي صِحَة القَوْل وَالْعَمَل، فَلَا يعتبران إلاَّ بِهِ، فَهُوَ مُتَقَدم عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مصحح النِّيَّة المصححة للْعَمَل، فنبه البُخَارِيّ على ذَلِك حَتَّى لَا يسْبق إِلَى الذِّهْن من قَوْلهم: إِن الْعلم لَا يُفِيد إلاَّ بِالْعَمَلِ تهوين أَمر الْعلم والتساهل فِي طلبه. قَوْله: (فَبَدَأَ بِالْعلمِ) أَي: بَدَأَ الله تَعَالَى بِالْعلمِ أَولا حَيْثُ قَالَ: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} (مُحَمَّد: 19) ثمَّ قَالَ: {واستغفر لذنبك} (مُحَمَّد: 19) الاسْتِغْفَار إِشَارَة إِلَى القَوْل وَالْعَمَل؛ وَالْخطاب، وَإِن كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَهُوَ متناول لأمته. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف؛ الْمَعْنى، قد بَينا وَقُلْنَا مَا يدل على أَن الله تَعَالَى وَاحِد، فَاعْلَم ذَلِك. وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قد علم ذَلِك، وَلكنه خطاب يدْخل النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن} (الطَّلَاق: 1) ، وَالْمعْنَى: من علم فَليقمْ على ذَلِك الْعلم، كَقَوْلِه تَعَالَى {اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم} (الْفَاتِحَة: 6) أَي ثبتنا. وَقيل: يتَعَلَّق بِمَا قبله، وَالْمعْنَى: إِذا جَاءَتْهُم السَّاعَة فَاعْلَم أَن لَا ملك وَلَا حكم لأحد إلاّ لله، وَيبْطل مَا عداهُ. وَسُئِلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن فضل الْعلم، فَقَالَ: ألم تسمع قَوْله تَعَالَى حِين بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله واستغفر لذنبك} (مُحَمَّد: 19) فَأمره بِالْعَمَلِ بعد الْعلم، وَيعلم من الْآيَة أَن التَّوْحِيد مِمَّا يجب الْعلم بِهِ، وَلَا يجوز فِيهِ تَقْلِيد. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَكْفِي الِاعْتِقَاد الْجَازِم، وَإِن لم يعرف الْأَدِلَّة، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من سيرة السّلف. وَمذهب أَكثر الْمُتَكَلِّمين أَن إِيمَان الْمُقَلّد فِي أصُول الدّين غير صَحِيح. وَقَالَ محيي السّنة: يجب على كل مُكَلّف معرفَة علم الْأُصُول، وَلَا يسع فِيهِ التَّقْلِيد لظُهُور دلائله. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ حَال الْمبلغ وَالسَّامِع، والمبلغ، بِكَسْر اللَّام، والمبلغ، بِفَتْحِهَا، لَا يقدران على التَّعْلِيم والتعلم إِلَّا بِالْعلمِ، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان الْعلم قبل القَوْل وَالْعَمَل. وأنّ العُلَماءَ هُمْ ورَثَةُ الأنْبِياءِ ورَّثُوا العِلْمَ، مَن أخَذَهُ أخَذَ بِحَظِّ وافِرٍ. يجوز فِي: أَن، الْكسر وَالْفَتْح، أما الْفَتْح فبالعطف على مَا قبله، وَأما الْكسر فعلى سَبِيل الْحِكَايَة، أَو على تَقْدِير بَاب هَذِه الْجُمْلَة، وَهَذَا من حَدِيث مطول أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود بن خِدَاش عَن مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة عَن قيس بن كثير عَن أبي الدَّرْدَاء، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، قَالَ: (من سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة، وَأَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رَضِي لطَالب الْعلم، وَأَن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض، حَتَّى الْحيتَان فِي المَاء. وَفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب، وَأَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، وَأَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما، وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر) . ثمَّ قَالَ: كَذَا حَدثنَا مَحْمُود، وَإِنَّمَا يرْوى هَذَا
الحَدِيث عَن عَاصِم عَن دَاوُد بن جميل عَن كثير بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء، وَهَذَا أصح من حَدِيث مَحْمُود، وَلَا يعرف هَذَا الحَدِيث إلاَّ من حَدِيث عَاصِم. وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بمتصلٍ وَفِي (علل) الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن كثير بن قيس، عَن يزِيد بن سَمُرَة عَن أبي الدَّرْدَاء. قَالَ: وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يقمه الْأَوْزَاعِيّ، وَقد خلط فِيهِ. وَقَالَ حَمْزَة: رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن عبد السَّلَام بن سليم عَن يزِيد بن سَمُرَة وَغَيره من أهل الْعلم عَن كثير بن قيس. قَالَ أَبُو عمر: وَعَاصِم بن رَجَاء، هَذَا ثِقَة مَشْهُور، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عَاصِم بن رَجَاء وَمن فَوْقه إِلَى أبي الدَّرْدَاء ضعفاء، وَلَا يثبت. قَالَ: دَاوُد بن جميل، مَجْهُول، وَقَالَ الْبَزَّار: دَاوُد بن جميل وَكثير بن قيس لَا يعلمَانِ فِي غير هَذَا الحَدِيث، وَلَا نعلم روى عَن كثير غير دَاوُد والوليد بن مرّة، وَلَا نعلم روى عَن دَاوُد عَن غير عَاصِم. قَالَ ابْن الْقطَّان: اضْطربَ فِيهِ عَاصِم، فَعَنْهُ فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: قَول عبد اللَّه بن دَاوُد عَن عَاصِم بن دَاوُد عَن كثير بن قيس. الثَّانِي: قَول أبي نعيم عَن عَاصِم عَمَّن حَدثهُ عَن كثير. الثَّالِث: قَول مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن عَاصِم عَن كثير، لم يذكر بَينهمَا أحد. والمتحصل من حَال هَذَا الْخَبَر هُوَ الْجَهْل بِحَال رَاوِيَيْنِ من رُوَاته، وَالِاضْطِرَاب فِيهِ مِمَّن لم يثبت عَدَالَته. انْتهى. وَقد مر من عِنْد التِّرْمِذِيّ أَن مُحَمَّد بن يزِيد روى عَن مَحْمُود بن خِدَاش فَسَماهُ قيس بن كثير، فَصَارَ اضطراباً رَابِعا، وَالْخَامِس: قَالَ فِي (التَّهْذِيب) : دَاوُد بن جميل، وَقَالَ بَعضهم: الْوَلِيد بن جميل. وَفِي (جَامع بَيَان الْعلم) لِابْنِ عبد الْبر، من رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَن عَاصِم عَن جميل بن قيس، ثمَّ قَالَ: قَالَ حَمْزَة بن مُحَمَّد، كَذَا قَالَ ابْن عَيَّاش: فِي هَذَا الْخَبَر جميل بن قيس. وَقَالَ مُحَمَّد بن يزِيد وَغَيره عَن عَاصِم عَن كثير بن قيس، قَالَ: وَالْقلب إِلَى مَا قَالَه مُحَمَّد بن يزِيد أميل، وَهَذَا اضْطِرَاب سادس. وسابع: ذكره الدَّارَقُطْنِيّ، وَقد تقدم. وثامن: ذكره ابْن قَانِع فِي كتاب الصَّحَابَة، وَزعم أَن كثير بن قيس صَحَابِيّ، وَأَنه هُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، هَذَا الحَدِيث، وَتبع ابْن القانع ابْن الْأَثِير على هَذَا. وَقَول ابْن الْقطَّان: لَا يعلم كثير فِي غير هَذَا الحَدِيث يردهُ قَول أبي عمر: روى عَن أبي الدَّرْدَاء، وَعبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَمَعَ ذَلِك فقد قَالَ أَبُو عمر: قَالَ حَمْزَة: وَهُوَ حَدِيث حسن غَرِيب. وَالْتزم الْحَاكِم صِحَّته، وَكَذَلِكَ ابْن حبَان رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الثَّقَفِيّ: ثَنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، قَالَ: ثَنَا عبد اللَّه بن دَاوُد، فَذكره مطولا. وَلما ذكر فِي (كتاب الضُّعَفَاء) تأليفه حَدِيث جَابر بن عبد اللَّه قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أكْرمُوا الْعلمَاء فَإِنَّهُم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء) قَالَ: فِيهِ الضَّحَّاك بِهِ حَمْزَة، وَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقد رُوِيَ: (الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء) بأسانيد صَالِحَة، وَرَوَاهُ أَبُو عمر من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن خَالِد بن يزِيد عَن عُثْمَان بن أَيمن عَن أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ، وَلما ذكر الْخَطِيب فِي (تَارِيخه) حَدِيث نَافِع عَن مَوْلَاهُ ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (حَملَة الْعلم فِي الدُّنْيَا خلفاء الْأَنْبِيَاء، وَفِي الْآخِرَة من الشُّهَدَاء) . قَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لم نَكْتُبهُ إلاَّ بِهَذَا السَّنَد، وَهُوَ غير ثَابت، وَإِنَّمَا سمى الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء لقَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا} (فاطر: 32) . قَوْله: (ورثوا الْعلم) ، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء من التوريث. وَيجوز بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء المخففة، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الْأَنْبِيَاء فِي قِرَاءَة التَّشْدِيد، وَإِلَى الْعلمَاء فِي قِرَاءَة التَّخْفِيف، وَأعَاد بَعضهم الضَّمِير إِلَى الْعلمَاء فِي الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ بِصَحِيح، وَيجوز ضم الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة أَيْضا، فعلى هَذَا يرجع الضَّمِير أَيْضا إِلَى الْعلمَاء. قَوْله: (من أَخذه) أَي: من أَخذ الْعلم من مِيرَاث النُّبُوَّة أَخذ بحظ، أَي: بِنَصِيب وافر كثير كَامِل، فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يفصح البُخَارِيّ بِكَوْن هَذَا حَدِيثا. قلت: للعلل الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَلذَا لَا يعد أَيْضا من تعاليقه، وَلَكِن إِيرَاده فِي التَّرْجَمَة يشْعر بِأَن لَهُ أصلا، وَشَاهده فِي الْقُرْآن. ومَنَ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إِلى الجَنةِ هَذَا أخرجه مُسلم من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ حَدِيث طَوِيل أَوله: (من نفس عَن مُؤمن كربَة) الحَدِيث، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ: حَدِيث حسن. فَإِن قلت: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلذَا أخرجه مُسلم، فَكيف اقْتصر التِّرْمِذِيّ على قَوْله: حسن، وَلم يقل: حسن صَحِيح؟ قلت: لِأَنَّهُ يُقَال: إِن الْأَعْمَش دلّس فِيهِ، فَقَالَ: حدثت عَن أبي صَالح، وَلَكِن فِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي أُسَامَة عَن الْأَعْمَش: حَدثنَا أَبُو صَالح، فانتفت تُهْمَة تدليسه. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن أبي الْأَحْوَص عَن هَارُون بن عنترة عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، مَوْقُوفا. قَوْله: (يطْلب) جملَة وَقعت حَالا، وَالضَّمِير فِي: بِهِ، رَجَعَ إِلَى المسلك الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: سلك، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: 8) . قَوْله: (علما) ، إِنَّمَا نكره ليتناول
أَنْوَاع الْعُلُوم الدِّينِيَّة، وليندرج فِيهِ الْقَلِيل وَالْكثير. قَوْله: (سهل الله لَهُ) ، أَي فِي الْآخِرَة، أَو المُرَاد مِنْهُ: وَفقه الله للأعمال الصَّالِحَة فيوصله بهَا إِلَى الْجنَّة أَو: سهل عَلَيْهِ مَا يزِيد بِهِ علمه، لِأَنَّهُ أَيْضا من طرق الْجنَّة بل أقربها. وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {إنَّما يَخْشَى الله مِن عِبادِهِ العُلَماءُ} (فاطر: 28) هَذَا فِي الْمَعْنى عطف على قَوْله: لقَوْل الله تَعَالَى: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} (مُحَمَّد: 19) . الْمَعْنى؛ إِنَّمَا يخَاف الله من عباده الْعلمَاء، أَي: من علم قدرته وسلطانه، وهم الْعلمَاء. قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: المُرَاد الْعلمَاء الَّذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وَمَا يجوز عَلَيْهِ وَمَا لَا يجوز، فعظموه وقدروه وخشوه حق خَشيته، وَمن ازْدَادَ بِهِ علما ازْدَادَ مِنْهُ خوفًا، وَمن كَانَ عَالما بِهِ كَانَ آمنا. وَفِي الحَدِيث: (أعلمكُم بِاللَّه أَشدّكُم لَهُ خشيَة) . وَقَالَ رجل لِلشَّعْبِيِّ: افتني أَيهَا الْعَالم؟ فَقَالَ: الْعَالم من خشِي الله. وَقيل: نزلت فِي أبي بكر الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، وَقد ظهر عَلَيْهِ الخشية حَتَّى عرفت. انْتهى. وقرىء: (إِنَّمَا يخْشَى الله) بِرَفْع لَفْظَة: الله، وَنصب: الْعلمَاء، وَهُوَ قِرَاءَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَأبي حنيفَة، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَوجه هَذِه الْقِرَاءَة أَن الخشية فِيهَا تكون اسْتِعَارَة، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا يجلهم ويعظمهم، وَمن لَوَازِم الخشية التَّعْظِيم، فَيكون هَذَا من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم. وَفِي أَيَّام اشتغالي على الإِمَام الْعَلامَة أبي الرّوح شرف الدّين عِيسَى السِّرّ ماري فِي علمي التَّفْسِير والمعاني وَالْبَيَان، تغمده الله برحمته، حضر شخص من أهل الْعلم وَقت الدَّرْس وَسَأَلَهُ عَن هَذِه الْآيَة، فَقَالَ: خشيَة الله تَعَالَى مَقْصُورَة على الْعلمَاء بقضية الْكَلَام، وَقد ذكر الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى أَن الْجنَّة لمن خشِي، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لمن خشِي ربه} (الْبَيِّنَة: 8) فليزم من ذَلِك أَن لَا تكون الْجنَّة إِلَّا للْعُلَمَاء خَاصَّة، فَسكت جَمِيع من كَانَ هُنَاكَ من الْفُضَلَاء الأذكياء الَّذين كَانَ كل مِنْهُم يزْعم أَنه المفلق فِي العلمين الْمَذْكُورين، فَأجَاب الشَّيْخ، رَحمَه الله: إِن المُرَاد من الْعلمَاء: الموحدون، وَإِن الْجنَّة لَيست إلاَّ للموحدين الَّذين يَخْشونَ الله تَعَالَى. فَإِن قلت: مَا وَجه إِدْخَال هَذِه الْآيَة فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: هُوَ ظَاهر، وَذَلِكَ أَن الْبَاب فِي الْعلم، وَالْآيَة فِي مدح الْعلمَاء، وَلم يستحقوا هَذَا الْمَدْح إلاَّ بِالْعلمِ. وَقَالَ {وَمَا يَعْقِلُها إِلاَّ العالِمُون} (العنكبوت: 43) أَي: وَمَا يعقل الْأَمْثَال المضروبة إلاَّ الْعلمَاء الَّذين يعْقلُونَ عَن الله، وروى جَابر، رَضِي الله عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما تَلا هَذِه الْآيَة، فَقَالَ: الْعَالم الَّذِي عقل عَن الله فَعمل بِطَاعَتِهِ واجتنب سخطه) . وَوجه إدخالها فِي التَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْآيَة السَّابِقَة. وَقَالُوا: {لَو كُنّا نَسْمَعُ أَو نَعقِلُ مَا كُنَّا فِي أصْحابِ السَّعِيرِ} (الْملك: 10) هَذَا حِكَايَة عَن قَول الْكفَّار حِين دُخُولهمْ النَّار، أَي: لَو كُنَّا نسْمع الْإِنْذَار سَماع طَالِبين للحق، أَو نعقله عقل متأملين، وَإِنَّمَا حذف مفعول نعقل لِأَنَّهُ جعل كالفعل اللَّازِم، وَالْمعْنَى: لَو كُنَّا من أهل الْعلم لما كُنَّا من أهل النَّار، وَإِنَّمَا جمع بَين السّمع وَالْعقل لِأَن مدَار التَّكْلِيف على أَدِلَّة السّمع وَالْعقل. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ لَو كُنَّا نسْمع سمع من يعي، أَو نعقل عقل من يُمَيّز وَينظر، مَا كُنَّا من أهل النَّار. وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: (إِن لكل شَيْء دعامة، ودعامة الْمُؤمن عقله) . فبقدر مَا يعقل يعبد ربه، وَلَقَد نَدم الْفجار يَوْم الْقِيَامَة فَقَالُوا: {لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير} (الْملك: 10) روى أنس، رَضِي الله عَنهُ، مَرْفُوعا؛ (إِن الأحمق ليصيب بحمقه أعظم من فجور الْفَاجِر، وَإِنَّمَا يرْتَفع الْعباد غَدا فِي الدَّرَجَات، وينالون الزلفى من رَبهم على قدر عُقُولهمْ. فَإِن قلت: مَا وَجه إِدْخَال هَذِه الْآيَة فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: وَجهه أَن المُرَاد من الْعقل الْعلم هَهُنَا، فَإِن الْكفَّار تمنوا أَن لَو كَانَ لَهُم الْعلم لما دخلُوا النَّار. وَقَالَ {هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعلَمُون والذِينَ لاَ يَعلمُون} (الزمر: 9) أَرَادَ بالذين يعلمُونَ: العاملين من عُلَمَاء الدّيانَة، كَأَنَّهُ جعل من لَا يعْمل غير عَالم، وَفِيه ازدراء عَظِيم بالذين يقتنون الْعُلُوم ثمَّ يفتنون بالدنيا، وَوجه دُخُولهَا فِي التَّرْجَمَة هُوَ أَن الله تَعَالَى نفى الْمُسَاوَاة بَين الْعلم وَالْجَاهِل، وَيَقْتَضِي نفي الْمُسَاوَاة أَيْضا بَين الْعَالم وَالْجَاهِل، وَفِيه مدح للْعلم وذم للْجَهْل. وَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَن يُرِدِ الله بِهِ خَيراً يُفَقِّههُ
ذكره مُعَلّقا، وَقد علم أَن مَا كَانَ من هَذَا فَهُوَ عِنْده فِي حكم الْمُتَّصِل لإيراده لَهُ بِصِيغَة الْجَزْم، مَعَ أَنه ذكره مَوْصُولا بعد هَذَا ببابين، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، من حَدِيث مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (يفقهه) أَي: يفهمهُ، إِذْ الْفِقْه فِي اللُّغَة الْفَهم. قَالَ تَعَالَى {يفقهوا قولي} (طه: 28) أَي: يفهموا قولي، من فقه يفقه، من بَاب: علم يعلم، ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة، والعالم بِهِ يُسمى فَقِيها. وَجَاء: فقه، بِالضَّمِّ، فقاهة، وَهَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين: يفقه، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بِالْهَاءِ الْمُشَدّدَة الْمَكْسُورَة بعْدهَا مِيم، وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم بِهَذَا اللَّفْظ فِي كتاب الْعلم من طَرِيق ابْن عمر عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ، مَرْفُوعا بِإِسْنَاد حسن. {وَإِنَّمَا العِلم بالتَّعَلُّمِ} قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ. قلت: هَذَا حَدِيث مَرْفُوع أوردهُ ابْن أبي عَاصِم وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ، بِلَفْظ: (يَا أَيهَا النَّاس تعلمُوا إِنَّمَا الْعلم بالتعلم، وَالْفِقْه بالتفقه وَمن يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين) ، إِسْنَاده حسن، والمبهم الَّذِي فِيهِ اعتضد بمجيئه من وَجه آخر، وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَقِيه والمتفقه) من حَدِيث مَكْحُول عَن مُعَاوِيَة وَلم يسمع مِنْهُ. قَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا الْعلم بالتعلم وَالْفِقْه بالتفقه) . وروى الْبَزَّار نَحوه من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَوْقُوفا: (بالتعلم) ، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد اللَّام، وَفِي بعض النّسخ بالتعليم، أَي لَيْسَ الْعلم المعتد إلاَّ الْمَأْخُوذ عَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، على سَبِيل التَّعَلُّم والتعليم، فيفهم مِنْهُ أَن الْعلم لَا يُطلق إلاَّ على علم الشَّرِيعَة، وَلِهَذَا لَو أوصى رجل للْعُلَمَاء لَا ينْصَرف إلاَّ على أَصْحَاب الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه. وَقَالَ أبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصمَّصْامَةَ على هَذِه، وأشارَ إِلَى قَفَاهُ، ثمَّ ظَنَنْتُ أنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُها مِنَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَبْلَ أَن تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُها. هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارمِيّ مَوْصُولا فِي (مُسْنده) من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ: حَدثنِي مرْثَد بن أبي مرْثَد عَن أَبِيه قَالَ: (أتيت أَبَا ذَر وَهُوَ جَالس عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى، وَقد اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ يستفتونه، فَأَتَاهُ رجل فَوقف عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: ألَمْ تُنْهَ عَن الْفتيا؟ فَرفع رَأسه إِلَيْهِ، فَقَالَ: أرقيب أَنْت عَليّ؟ لَو وضعتم) فَذكر مثله. وَرَوَاهُ أَحْمد بن منيع عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي، عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مرْثَد بن أبي مرْثَد عَن أَبِيه قَالَ: (جَلَست إِلَى أبي ذَر الْغِفَارِيّ، رَضِي الله عَنهُ، إِذْ وقف عَلَيْهِ رجل فَقَالَ: ألم ينهك أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن الْفتيا؟ فَقَالَ أَبُو ذَر: وَالله لَو وضعتم الصمصامة على هَذِه، وَأَشَارَ إِلَى حلقه، على أَن أترك كلمة سَمعتهَا من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لأنفذتها قبل أَن يكون ذَلِك) . قلت: كَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا ذَر كَانَ بِالشَّام، وَاخْتلف مَعَ مُعَاوِيَة فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} (التَّوْبَة: 24) فَقَالَ مُعَاوِيَة: نزلت فِي أهل الْكتاب خَاصَّة، وَقَالَ أَبُو ذَر: نزلت فِينَا وَفِيهِمْ، فَكتب مُعَاوِيَة إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، فَأرْسل إِلَى أبي ذَر، فحصلت مُنَازعَة أدَّت إِلَى انْتِقَال أبي ذَر عَن الْمَدِينَة، فسكن الربذَة، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة، إِلَى أَن مَاتَ، وَقد ذَكرْنَاهُ، واسْمه جند بن جُنَادَة. قَوْله: (الصمصامة) قَالَ الْجَوْهَرِي: الصمصام والصمصامة: السَّيْف الصارم الَّذِي لَا ينثني، وَأَشَارَ بقوله: هَذِه، إِلَى: الْقَفَا، والقفا: يذكر وَيُؤَنث، وَهُوَ مَقْصُور مُؤخر الْعُنُق. قَوْله: (أنفذ) ، بِضَم الْهمزَة والذال الْمُعْجَمَة، أَي ظَنَنْت أَنِّي أقدر على إِنْفَاذ كلمة أَي: تبليغها. وَقَوله: (قبل أَن تجيزوا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَبعد الْيَاء زَاي مُعْجمَة، أَي قبل أَن يقطعوا عَليّ، أَرَادَ بِهِ: قبل أَن يقطعوا رَأْسِي. وَقَالَ الصغاني: والتركيب يدل على قطع الشَّيْء. قلت: وَمِنْه قَوْله: (حَتَّى أجَاز الْوَادي) أَي: قطعه. (فَأَكُون أول من يُجِيز) أَي: أول من يقطع مَسَافَة الصِّرَاط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وتجيزوا، أَي الصمصامة عَليّ، أَي: على قفاي. قلت: هُوَ من أجَاز الشَّيْء إِذا انفذه، و: الصمصامة، مَفْعُوله، وَكلمَة: على لَيست صلَة لأجل التَّعَدِّي. وَحَاصِل الْمَعْنى: أَنه يبلغ مَا يحملهُ فِي كل حَال، وَلَا ينثني عَن ذَلِك، وَلَو عرض عَلَيْهِ الْقَتْل أَو وضع على قَفاهُ السَّيْف، وَفِيه دَلِيل على أَن أَبَا ذَر، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ لَا يرى بِطَاعَة الإِمَام إِذا نَهَاهُ عَن الْفتيا، لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ لأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتبليغ عَنهُ، وَلَعَلَّه أَيْضا سمع الْوَعيد فِي حق من كتم علما يُعلمهُ. فَإِن قلت: لَو لِامْتِنَاع الثَّانِي لِامْتِنَاع الأول على الْمَشْهُور، فَمَعْنَاه: انْتَفَى الإنفاذ لانْتِفَاء الْوَضع، وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ. قلت: هُوَ مثل: (لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) . يَعْنِي: يكون الحكم ثَابتا على تَقْدِير النقيض بِالطَّرِيقِ الأولى، فَالْمُرَاد أَن الإنفاذ حَاصِل على تَقْدِير الْوَضع، وعَلى تَقْدِير عدم الْوَضع حُصُوله أولى، أَو إِن: لَو هَهُنَا لمُجَرّد الشَّرْط يَعْنِي حكمهَا حكم: إِن، من
- (باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا)
غير مُلَاحظَة الِامْتِنَاع. وَفِيه من الْفِقْه أَنه يجوز للْعَالم أَن يَأْخُذ فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بالشدة، ويتحمل الْأَذَى، ويحتسب رَجَاء ثَوَاب الله تَعَالَى، وَيُبَاح لَهُ أَن يسكت إِذا خَافَ الْأَذَى كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقطع هَذَا البلعوم، وَعنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا فِي جوفي لرميتموني بالبعر. وَقَالَ الْحسن: صدق، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا يتَعَلَّق بالفتن مِمَّا لَا يتَعَلَّق بِذكرِهِ مصلحَة شَرْعِيَّة. وَقَالَ ابنُ عَباسٍ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُلَماءَ فُقَهاءَ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَقِيه والمتفقه) بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر الْحَرْبِيّ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّد حَاجِب ابْن أَحْمد الطوسي، ثَنَا عبد الرَّحِيم بن حبيب، ثَنَا الفضيل ابْن عِيَاض عَن عَطاء عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ. وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب (الْعلم) عَن الْمقدمِي: ثَنَا أَبُو دَاوُد عَن معَاذ عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَنهُ، وَقد فسر ابْن عَبَّاس: الرباني بِأَنَّهُ الْحَكِيم الْفَقِيه، وَوَافَقَهُ ابْن مَسْعُود فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي غَرِيبه عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح، والرباني: مَنْسُوب إِلَى الرب، وَأَصله الربي، فزيدت فِيهِ الْألف وَالنُّون للتَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة فِي النِّسْبَة. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كِتَابه (الْمُنْتَهى) : فِي اللُّغَة الرباني: المتأله الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى، وربيت الْقَوْم سستهم أَي: كنت فَوْقهم. وَقَالَ أَبُو نصر: هُوَ من الربوبية، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي لَا يُقَال للْعَالم رباني حَتَّى يكون عَالما معلما. وَيُقَال: هُوَ العالي الدرجَة فِي الْعلم، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الرباني مَنْسُوب إِلَى الرب كَأَنَّهُ الَّذِي يقْصد مَا أمره الرب، وَفِي كتاب (الْفَقِيه) للخطيب عَن مُجَاهِد: الربانيون الْفُقَهَاء، وهم فَوق الْأَحْبَار. وَقَالَ نفطويه: قَالَ أَحْمد بن يحيى: إِنَّمَا قيل للْعُلَمَاء ربانيون لأَنهم يربون الْعلم، أَي: يقومُونَ بِهِ. وَفِي كتاب (الْفِقْه) عَنهُ إِذا كَانَ الرجل عَالما عَاملا معلما قيل لَهُ: هَذَا رباني. فَإِن خرم خصْلَة مِنْهَا لم يقل لَهُ رباني. وَعند الطَّبَرِيّ عَن ابْن زيد: الربيون الأتباع، والربانيون الْوُلَاة، والربيون الرّعية. وَعَن الْأَزْهَرِي: هم أَرْبَاب الْعلم الَّذين يعلمُونَ مَا يعلمُونَ. وَقَالَ أَبُو عبيد: سَمِعت رجلا عَالما بالكتب يَقُول: الربانيون الْعلمَاء بالحلال وَالْحرَام. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الربي، وَالْجمع: ربيون: هم الْعباد الَّذين يصحبون الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، ويصبرون مَعَهم، وهم الربانيون، نسبوا إِلَى عبَادَة الرب، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقيل: هم الْعلمَاء الصَّبْر. وَقيل: لَيْسَ ربيون بلغَة الْعَرَب، إِنَّمَا هِيَ سريانية أَو عبرانية. وَحكي عَن بعض اللغويين أَن الْعَرَب لَا تعرف الرباني، وَقَالَ: إِنَّمَا فسره الْفُقَهَاء. قَالَ الْقَزاز: وَأَنا أرى أَن يكون عَرَبيا. قَوْله: (حكماء) جمع حَكِيم، وَالْحكمَة صِحَة القَوْل وَالْعقد وَالْفِعْل، وَيُقَال: الْحِكْمَة، الْفِقْه فِي الدّين. وَقيل: الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْفُقَهَاء جمع فَقِيه، وَالْفِقْه: الْفَهم لُغَة، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة العملية من أدلتها التفصيلية، وَفِي بعض النّسخ: (حلماء) ، جمع حَلِيم بِاللَّامِ، والحلم هُوَ الطُّمَأْنِينَة عِنْد الْغَضَب، وَفِي بَعْضهَا عُلَمَاء، وَهُوَ من بَاب ذكر الْخَاص بعد الْعَام، وَالظَّاهِر أَن حكماء وفقهاء تَفْسِير للربانيين. ويُقالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ هَذَا حِكَايَة البُخَارِيّ عَن قَول بَعضهم، وَهُوَ من التربية أَي: الَّذِي يُربي النَّاس بجزئيات الْعلم قبل كلياته، أَو بفروعه قبل أُصُوله، أَو بمقدماته قبل مقاصده. فَإِن قلت: هَذَا كُله هُوَ التَّرْجَمَة، فَأَيْنَ مَا هَذِه تَرْجَمته؟ قلت: إِمَّا أَنه أَرَادَ أَن يلْحق الْأَحَادِيث الْمُنَاسبَة إِلَيْهَا، فَلم يتَّفق لَهُ. وَإِمَّا أَنه للإشعار بِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ مَا يُنَاسِبهَا، وَإِمَّا أَنه اكْتفى بِمَا ذكره تَعْلِيقا، لِأَن الْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان فَضِيلَة الْعلم، وَيعلم ذَلِك من الْمَذْكُور آيَة وحديثاً وإجماعاً سكوتياً من الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِحَيْثُ انْتهى إِلَى حد علم الضَّرُورَة فَلم يحْتَج إِلَى الزِّيَادَة، أَو لسَبَب آخر، وَالله أعلم. 11 - (بَاب مَا كانَ النبيُّ يَتَخَوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ والعِلْمِ كَي لاَ يَنْفِرُوا) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: إِن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يَتَخَوَّلُ الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِالْمَوْعِظَةِ، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: بَاب كَون النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام يتخولهم. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْعلم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التخول بِالْعلمِ. الثَّالِث: قَوْله: يتخولهم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره اللَّام، مَعْنَاهُ: يتعهدهم، وَهُوَ من التخول، وَهُوَ التعهد
يَعْنِي: كَانَ يتعهدهم ويراعي الْأَوْقَات فِي وعظهم، ويتحرى مِنْهَا مَا كَانَ مَظَنَّة الْقبُول، وَلَا يَفْعَله كل يَوْم لِئَلَّا يسأم. والخائل الْقَائِم المتعهد للْحَال، ذكره الْخطابِيّ. والآن يَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) قَالَ الصغاني: الْوَعْظ والعظة وَالْمَوْعِظَة مصَادر قَوْلك: وعظته أعظه. والوعظ: هُوَ النصح والتذكير بالعواقب، وَعطف الْعلم على الموعظة من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، عكس: وَمَلَائِكَته وَجِبْرِيل. وَذكره الموعظة لكَونهَا مَذْكُورَة فِي الحَدِيث، وَأما الْعلم فَإِنَّمَا ذكره استنباطاً. قَوْله: (كي لَا ينفروا) : أَي: لِئَلَّا يملوا عَنهُ ويتباعدوا مِنْهُ، يُقَال: نفر ينفر، من بَاب: ضرب يضْرب، وَنَفر ينفر من بَاب نصر ينصر نفوراً بِالضَّمِّ، ونفار بِالْفَتْح، والنفور أَيْضا جمع نافر كشاهد وشهود، وَيُقَال: فِي الدَّابَّة نفار، بِكَسْر النُّون، وَهُوَ اسْم مثل الحران، والتركيب يدل على تجافٍ وتباعد. 68 - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَن الأعْمَشِ عَن أبي وائِلٍ عنِ ابْنِ مَسْعُودَ قَالَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلُنا بالمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ كَرَاهةَ السَّآمَة عَلَيْنا. مُطَابقَة الحَدِيث لإحدى الترجمتين وَهِي قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) ظَاهِرَة، وَالْبَاب مترجم بترجمتين إِحْدَاهمَا: قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) وَالْأُخْرَى: قَوْله: (كي لَا ينفروا) ، فأورد فِيهِ حديثين كل مِنْهُمَا يُطَابق وَاحِدَة مِنْهُمَا. بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) : هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف بن وَاقد الْفرْيَابِيّ، أَبُو عبد اللَّه الضَّبِّيّ، مَوْلَاهُم، سكن قيسارية من سَاحل الشَّام، أدْرك الْأَعْمَش وروى عَنهُ وَعَن السفيانين وَغَيرهم، وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد الذهلي وَمُحَمّد بن مُسلم ابْن وارة وَغَيرهم، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وروى فِي كتاب الصَدَاق عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب عَنهُ، وروى بَقِيَّة الْجَمَاعَة عَن رجل عَنهُ. قَالَ أَحْمد: كَانَ رجلا صَالحا. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: كَانَ من أفضل أهل زَمَانه، مَاتَ فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البيكندي، وَهَذَا وهم، لِأَن البُخَارِيّ حَيْثُ يُطلق مُحَمَّد بن يُوسُف لَا يُرِيد بِهِ، إلاَّ الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي أَيْضا عَن البيكندي. فَافْهَم. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ: فَإِن قلت: مُحَمَّد بن الْفرْيَابِيّ يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَيْضا كَمَا ذكرنَا، فَمَا الْمُرَجح هَهُنَا لِسُفْيَان الثَّوْريّ؟ قلت: الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي عَن السفيانين، وَلكنه حَيْثُ يُطلق لَا يُرِيد بِهِ، إلاَّ الثَّوْريّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: أَبُو واثل، شَقِيق بن سَلمَة الْكُوفِي. الْخَامِس: عبد اللَّه بن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان الْأَنْسَاب: الْفرْيَابِيّ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى فرياب، اسْم مَدِينَة من نواحي بَلخ. قَالَ الصغاني: فرياب مثل جربال، وَيُقَال: فيرياب مثل: كيمياء، وَيُقَال: فارياب، مثل: قاصعاء، وَأما: فاراب، فَهِيَ نَاحيَة وَرَاء نهر سيحون فِي تخوم بِلَاد التّرْك، وفراب مثل سَحَاب قَرْيَة فِي سفح جبل على ثَمَانِيَة فراسخ من سَمَرْقَنْد، وفراب مثل: كفار، قَرْيَة من قرى أَصْبَهَان. الضَّبِّيّ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن اد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش أَيْضا: ضبة بن الْحَارِث بن فهر، ذكره ابْن حبيب. وَفِي هُذَيْل أَيْضا: ضبة بن عَمْرو ابْن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. البيكندي، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَفتح الْكَاف وَسُكُون النُّون بعْدهَا الدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى بيكند، قَرْيَة من قرى بُخَارى. بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا الْفرْيَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت: الْأَعْمَش مُدَلّس وَقد عنعن هُنَا، وَقد روى مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه، فَذكر الحَدِيث: قَالَ عَليّ بن مسْهر قَالَ الْأَعْمَش: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله، فقد يُوهم هَذَا أَن الْأَعْمَش دلسه، أَولا عَن شَقِيق، ثمَّ سمى الْوَاسِطَة بَينهمَا. قلت: صرح أَحْمد فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث بِسَمَاع الْأَعْمَش عَن شَقِيق، فَقَالَ: سَمِعت شقيقاً، وَهُوَ أَبُو وَائِل، وَكَذَا صرح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عِنْد البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات من رِوَايَة حَفْص بن غياث عَنهُ، قَالَ: حَدثنِي شَقِيق، وَزَاد فِي أَوله: إِنَّهُم كَانُوا ينتظرون عبد اللَّه بن مَسْعُود ليخرج إِلَيْهِم فيذكرهم، وَإنَّهُ لما خرج قَالَ: أما إِنِّي أخبر بمكانكم، وَلكنه يَمْنعنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم ... فَذكر الحَدِيث.
بَيَان تعد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود بِهِ، وَأخرجه أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَأَبُو مُعَاوِيَة وَمُحَمّد بن نمير عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن الْأَشَج عَن ابْن إِدْرِيس، وَعَن منْجَاب عَن عَليّ بن مسْهر، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن خشرم عَن عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان، كلهم عَن الْأَعْمَش. زَاد الْأَعْمَش فِي رِوَايَة ابْن مسْهر: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن غيلَان عَن أبي أَحْمد الزبيرِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهِ، وَفِي نُسْخَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يَتَخَوَّلنَا) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، من التخول، وَهُوَ: التعهد، من: خَال المَال، وخال على الشَّيْء خولاً، إِذا تعهد، وَيُقَال: خَال المَال يخوله خولاً إِذا ساسه وَأحسن الْقيام عَلَيْهِ، والخائل المتعاهد للشَّيْء المصلح لَهُ، وخول الله الشَّيْء أَي: ملكه إِيَّاه، وخول الرجل حشمه، الْوَاحِد خائل، وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الصَّوَاب يتحولهم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: يطْلب أَحْوَالهم الَّتِي ينشطون فِيهَا للموعظة، فيعظهم وَلَا يكثر عَلَيْهِم فيملوا. وَكَانَ الْأَصْمَعِي يرويهِ: يتخوننا، بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، أَي: يتعهدنا. حَكَاهُ عَنْهُمَا صَاحب (نِهَايَة الْغَرِيب) . وَفِي (مجمع الغرائب) قَالَ الْأَصْمَعِي: أَظُنهُ يتخونهم، بالنُّون، وَهُوَ بِمَعْنى: التعهد. وَقيل: إِن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سمع الْأَعْمَش يحدث هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: يَتَخَوَّلنَا، بِاللَّامِ، فَرده عَلَيْهِ بالنُّون فَلم يرجع لأجل الرِّوَايَة، وكلا اللَّفْظَيْنِ جَائِز، وَالصَّوَاب: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ يتخذنا خولاً. وَيُقَال: يناجينا بهَا. وَقيل: يُصْلِحنَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يذللنا بهَا، يُقَال: خول الله لَك أَي: ذلله لَك وسخره. وَقيل: يحبسهم عَلَيْهَا كَمَا يحبس الخول. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) من كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، والسآمة مثل الملالة، بِنَاء وَمعنى، وَقَالَ أَبُو زيد: سئمت من الشَّيْء أسأم سأماً وسآمةً وسآماً: إِذا مللته، وَرجل سؤوم. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (النَّبِي) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ. وَقَوله: (يَتَخَوَّلنَا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ. فَإِن قلت: كَانَ لثُبُوت خَبَرهَا مَاضِيا، و: يَتَخَوَّلنَا، إِمَّا حَال وَإِمَّا اسْتِقْبَال، فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا؟ قلت: كَانَ يُرَاد بِهِ الِاسْتِمْرَار، وَكَذَا الْفِعْل الْمُضَارع، فاجتماعهما يُفِيد شُمُول الْأَزْمِنَة. وَقَالَ الأصوليون: قَوْله: كَانَ حَاتِم يكرم الضَّيْف، يُفِيد تكْرَار الْفِعْل فِي الْأَزْمَان، وَالْبَاء فِي: بِالْمَوْعِظَةِ، تتَعَلَّق: بيتخولنا، قَوْله: (فِي الْأَيَّام) ، صفة لموعظة أَي: بِالْمَوْعِظَةِ الكائنة فِي الْأَيَّام. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، أَي: لأجل كَرَاهِيَة السَّآمَة، وصلَة السَّآمَة محذوفة، لِأَنَّهُ يُقَال: سأمت من الشَّيْء، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة من الموعظة. وَقَوله: (علينا) إِمَّا يتَعَلَّق بالسآمة على تضمين السَّآمَة معنى الْمَشَقَّة، أَي: كَرَاهَة الْمَشَقَّة علينا، إِذْ الْمَقْصُود بَيَان رفق النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بالأمة وشفقته عَلَيْهِم ليأخذوا مِنْهُ بنشاط وحرص لَا عَن ضجر وملل، وَإِمَّا يَجْعَل صفة، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة الطارئة علينا. وَإِمَّا يَجْعَل حَالا، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة حَال كَونهَا طارئة علينا. وَإِمَّا يتَعَلَّق بالمحذوف، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة شَفَقَة علينا. فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي: الْمَعْنى: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعظ الصَّحَابَة فِي أَوْقَات مَعْلُومَة، وَلم يكن يسْتَغْرق الْأَوْقَات خوفًا عَلَيْهِم من الْملَل والضجر، كَمَا كَانَ نَهَاهُم بقوله: (لَا يُصَلِّي أحد خاماً وركيه) . وكما قَالَ: (ابدأوا بالعشاء لِئَلَّا تشْغَلُوا عَن الإقبال على الله تَعَالَى بِغَيْرِهِ) . وَعَن الصَّلَاة وَعَن النِّيَّة، وَقد وَصفه الله تَعَالَى بالرفق بأمته فَقَالَ: {عَزِيز عَلَيْهِ ماعنتم} (التَّوْبَة: 128) الْآيَة: فَإِن قلت: أَيجوزُ أَن يكون المُرَاد من السَّآمَة سآمة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من القَوْل؟ قلت: لَا يجوز، وَيدل عَلَيْهِ السِّيَاق وقرينة الْحَال. 69 - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ: حدّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ: حدّثنيأبو التَّيَّاح عَن أنسٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وبشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) . (الحَدِيث 69 طرفه فِي: 6125) . هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد
الشين الْمُعْجَمَة، ابْن عُثْمَان بن دَاوُد بن كيسَان الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، كنيته أَبُو بكر ولقبه بنْدَار، واشتهر بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ بنداراً فِي الحَدِيث، جمع حَدِيث بَلَده، وَبُنْدَار، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون وَالدَّال الْمُهْملَة وبالراء: الْحَافِظ. وَقَالَ أَحْمد: كتبت عَنهُ نَحوا من خمسين ألف حَدِيث، روى عَنهُ السِّتَّة وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَعبد اللَّه بن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، وَعنهُ قَالَ: كتب عني خَمْسَة قُرُون، وسألوني الحَدِيث وَأَنا ابْن ثَمَان عشرَة سنة. وَقَالَ: ولدت سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين يَعْنِي وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه يزِيد بن حميد، بِالتَّصْغِيرِ، الضبعِي من أنفسهم، سمع أنسا وَعمْرَان بن حُصَيْن من الصَّحَابَة، وخلقاً من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، قَالَ أَحْمد: هُوَ ثِقَة ثَبت. وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هُوَ مَعْرُوف ثِقَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك. بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَبْدي: نِسْبَة إِلَى عبد بن نصر بن كلاب بن مرّة فِي قُرَيْش، وَفِي ربيعَة بن نزار عبد الْقَيْس بن أفصى، وَفِي تَمِيم عبد اللَّه بن دارم، وَفِي خولان عبد اللَّه بن جَبَّار، وَفِي هَمدَان عبد بن غيلَان بن أرحب. الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبيعة بن زيد بن مَالك فِي الْأَنْصَار، وَفِي ربيعَة بن نزار ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَفِي بني ثَعْلَبَة ضبيعة بن قيس. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن آدم عَن شُعْبَة بِهِ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبيد بن سعيد، وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن غنْدر، كلهم عَن شُعْبَة بِهِ، فَوَقع للْبُخَارِيّ عَالِيا رباعياً من طَرِيق آدم، وآدَم مِمَّن انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن بنْدَار بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يسروا) ، أَمر من: يسر ييسر تيسيراً من الْيُسْر، وَهُوَ نقيض الْعسر. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ، من عسر تعسيراً. يُقَال: عسرت الْغَرِيم أعسره عسراً، إِذا طلبت مِنْهُ الدّين على عسرته. وَقَالَ ابْن طريف: هَذَا مِمَّا جَاءَ على فعل وأفعل: كعسرتك عسراً وأعسرتك، إِذا طلبت مِنْك الدّين على عسرة، وعسر الشَّيْء وعسر، بِضَم السِّين وَكسرهَا، عسراً وعسارة، وعسر الرجل: قل سماحه وضاق خلقه، وأعسر الرجل: افْتقر. وَفِي (الْعباب) : قد عسر الْأَمر، بِالضَّمِّ، عسراً فَهُوَ عسر وعسير، وعسر عَلَيْهِ الْأَمر، بِالْكَسْرِ، يعسر عسراً، بِالتَّحْرِيكِ، أَي: التاث، فَهُوَ عسر. وَيُقَال: عسرت النَّاقة بذنبها تعسر عسراً أَو عسراناً، مِثَال: ضرب يضْرب ضربا وضربانا: إِذا شالت بِهِ، وعسرت الْمَرْأَة إِذا عسر ولادها، وعسرني فلَان إِذا جَاءَ على يساري، والمعسور ضد الميسور، والمعسرة ضد الميسرة، وهما مصدران. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هما صفتان، والعسرى نقيض الْيُسْرَى. قَوْله: (وبشروا) ، من الْبشَارَة وَهِي الْإِخْبَار بِالْخَيرِ، وَهِي نقيض: النذارة، وَهِي الْإِخْبَار بِالشَّرِّ. يُقَال: بشرت الرجل أُبَشِّرهُ، بِالضَّمِّ، بشرا وبشوراً من الْبشرَة، وَكَذَلِكَ الإبشار والتبشير. يُقَال: أبشر وَبشر. قَالَ الله تَعَالَى: {وابشروا بِالْجنَّةِ} (فصلت: 30) {وبشروا الَّذين آمنُوا} (الْبَقَرَة: 25، وَيُونُس: 2) {ذَلِك الَّذِي يبشر} (الشورى: 23) ثَلَاث لُغَات فِي الْقُرْآن أبشر وَبشر وَبشر بِالتَّخْفِيفِ، وَالِاسْم: الْبشَارَة والبشارة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، تَقول: بَشرته بمولود، وأبشرتك بِالْخَيرِ، وبشرتك. وَقَالَ الصغاني: الْبشَارَة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، أَي حق مَا يعْطى على التبشير. وَقَالَ اللحياني، رَحمَه الله تَعَالَى: الْبشَارَة مَا بشرت من بطن الْأَدِيم، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْبشَارَة والقشارة والخسارة. إِسْقَاط النَّاس، وبشرت بِكَذَا، بِكَسْر الشين، أبشر، أَي: استبشرت. قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) ، من: نفر، بِالتَّشْدِيدِ، تنفيراً. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يسروا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) عطف على: يسروا، وَيجوز عطف النَّهْي على الْأَمر كَمَا بِالْعَكْسِ، وَالْخلاف فِي عطف الْخَبَر على الْإِنْشَاء وَبِالْعَكْسِ، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: (بشروا وَلَا تنفرُوا) . بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (يسروا) أَمر بالتيسير، لَا يُقَال: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه، فَمَا الْفَائِدَة فِي قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ؟ لأَنا نقُول: لَا نسلم ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا فالغرض التَّصْرِيح بِمَا لزم ضمنا للتَّأْكِيد. وَيُقَال: لَو اقْتصر على
- (باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة)
قَوْله: (يسروا) ، وَهُوَ نكرَة لصدق ذَلِك على من يسر مرّة وعسر فِي مُعظم الْحَالَات، فَإِذا قَالَ: وَلَا تُعَسِّرُوا، انْتَفَى التعسير فِي جَمِيع الْأَحْوَال من جَمِيع الْوُجُوه، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) لَا يُقَال: كَانَ يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا وَلَا تنفرُوا) لعُمُوم النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم التعسير ثُبُوت التَّيْسِير، وَلَا من عدم التنفير ثُبُوت التَّيْسِير، فَجمع بَين هَذِه الْأَلْفَاظ لثُبُوت هَذِه الْمعَانِي، لِأَن هَذَا الْمحل يَقْتَضِي الإسهاب، وَكَثْرَة الْأَلْفَاظ لَا الِاخْتِصَار لشبهه بالوعظ، وَالْمعْنَى: وبشروا النَّاس أَو الْمُؤمنِينَ بِفضل الله تَعَالَى وثوابه، وجزيل عطائه وسعة رَحمته، وَكَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) يَعْنِي: بِذكر التخويف وأنواع الْوَعيد، فيتألف من قرب إِسْلَامه بترك التَّشْدِيد عَلَيْهِم، وَكَذَلِكَ من قَارب الْبلُوغ من الصّبيان، وَمن بلغ وَتَابَ من الْمعاصِي يتلطف بجميعهم بأنواع الطَّاعَة قَلِيلا قَلِيلا، كَمَا كَانَت أُمُور الْإِسْلَام على التدريج فِي التَّكْلِيف شَيْئا بعد شَيْء، لِأَنَّهُ مَتى يسر على الدَّاخِل فِي الطَّاعَة المريد للدخول فِيهَا، سهلت عَلَيْهِ وتزايد فِيهَا غَالِبا، وَمَتى عسر عَلَيْهِ أوشك أَن لَا يدْخل فِيهَا. وَإِن دخل أوشك أَن لَا يَدُوم أَو لَا يستحملها. وَفِيه الْأَمر للولاة بالرفق، وَهَذَا الحَدِيث من جَوَامِع الْكَلم لاشْتِمَاله على خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، لِأَن الدُّنْيَا دَار الْأَعْمَال، وَالْآخِرَة دَار الْجَزَاء، فَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا بالتسهيل، وَفِيمَا يتَعَلَّق بِالآخِرَة بالوعد بِالْخَيرِ والإخبار بالسرور تَحْقِيقا لكَونه رَحْمَة للْعَالمين فِي الدَّاريْنِ. بَيَان البديع: اعْلَم أَن بَين: (يسروا) ، وَبَين (بشروا) ، جناس خطي، والجناس بَين اللَّفْظَيْنِ تشابههما فِي اللَّفْظ، وَهَذَا من الجناس التَّام الْمُتَشَابه، وَهَذَا بَاب من أَنْوَاع البديع الَّذِي يزِيد فِي كَلَام البليغ حسنا وطلاوة. فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يُقَال بدل: (وَلَا تنفرُوا) وَلَا تنذروا، لِأَن الْإِنْذَار وَهُوَ نقيض التبشير لَا التنفير. قلت: الْمَقْصُود من الْإِنْذَار التنفير، فَصرحَ بِمَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْهُ. 12 - (بَاب مَنْ جَعَلَ لأهْلِ العِلْمِ أيَّاماً مَعلُومَةً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من جعل، فالباب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى: من، هَذَا رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَيَّامًا مَعْلُومَات) ، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (يَوْمًا مَعْلُوما) . وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر، لِأَن الْبَاب الأول فِي التخويل بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعلم، وَقد ذكرنَا أَن مَعْنَاهُ هُوَ التعهد فِي أَيَّام خوفًا من الْملَل والضجر، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا كَذَلِك. 70 - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ: حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصورٍ عنْ أبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ! لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أمَا إنَّهُ يمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أنِّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُم، وإِنِّي أتَخَوَّلُكُم بالمَوعِظَةِ كَمَا كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلُنا بِها مخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. . [/ محه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهَا، إِمَّا أَن يكون بِفعل الصَّحَابِيّ عِنْد من يَقُول بِهِ، أَو بالاستنباط من فعل النَّبِي. صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عُثْمَان بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أبي شيبَة بن عُثْمَان ابْن خواستي، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف سين مُهْملَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق، أَبُو الْحسن الْعَبْسِي الْكُوفِي، أَخُو أبي بكر وقاسم، وَهُوَ أكبر من أبي بكر بِثَلَاث سِنِين، وَأَبُو بكر أجل مِنْهُ، نزل بَغْدَاد ورحل إِلَى مَكَّة والري، وَكتب الْكثير، روى عَنهُ يحيى بن مُحَمَّد الذهلي وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، سُئِلَ عَنهُ مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير، فَقَالَ: وَمثله يسْأَل عَنهُ؟ وَقَالَ يحيى بن معِين وَأحمد بن عبد اللَّه ثِقَة. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: مَا علمت إلاَّ خيرا، وَأثْنى عَلَيْهِ وَكَانَ يُنكر عَلَيْهِ أَحَادِيث حدث بهَا. مِنْهَا حَدِيث جرير عَن الثَّوْريّ عَن ابْن عقيل عَن جَابر قَالَ: شهد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عيد الْمُشْركين، توفّي لثلاث بَقينَ من الْمحرم سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد بن قرط بن هِلَال، وَقيل: تيري بدل هِلَال، الضَّبِّيّ الْكُوفِي. قَالَ: ولدت سنة مَاتَ الْحسن، وَهِي سنة عشر وَمِائَة، وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقيل: سبع، روى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق وَأَبُو بكر، قَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الْعلم يرحل إِلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق من أهل الْعلم روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: مَنْصُور بن
- (باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)
الْمُعْتَمِر بن عبد اللَّه بن ربيعَة، وَيُقَال: ابْن الْمُعْتَمِر بن عتاب بن عبد اللَّه بن ربيعَة، بِضَم الرَّاء، وعتاب، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، روى عَنهُ أَيُّوب وَالْأَعْمَش ومسعر وَالثَّوْري. وَهُوَ أثبت النَّاس فِيهِ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي الْعلم وَالْوُضُوء وَالْغسْل وَالْحج وَغير مَوضِع عَن شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وشيبان وروح بن الْقَاسِم وَحَمَّاد بن زيد وَجَرِير بن عبد الحميد عَنهُ عَن أبي وَائِل، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَمُجاهد وَالزهْرِيّ ورِبْعِي وَسَالم بن أبي الْجَعْد، أُرِيد على الْقَضَاء فَامْتنعَ. قيل: صَامَ أَرْبَعِينَ سنة وَقَامَ لَيْلهَا، وَقيل: سِتِّينَ سنة، وعمش من الْبكاء، وَمَات سنة ثَلَاث، وَقيل: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. الْخَامِس: عبد اللَّه بن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِي اسناده التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كوفيون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (يذكر النَّاس) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا خبر: كَانَ. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) ، أَي لعبد اللَّه، رجل قيل: إِنَّه يزِيد بن مُعَاوِيَة النَّخعِيّ. قَوْله: (يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن) هُوَ كنية عبد اللَّه بن مَسْعُود. قَوْله: (لَوَدِدْت) اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف، أَي: وَالله لَوَدِدْت أَي: لاحببت. وَقَول: (أَنَّك) بِفَتْح الْهمزَة، لِأَنَّهُ مفعول وددت. وَقَوله: (ذكرتنا) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر أَن. قَوْله: (كل يَوْم) كَلَام إضافي مَنْصُوب على الظّرْف. قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم، من حُرُوف التَّنْبِيه، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: أما، هَذِه على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلا، وَيكثر قبل الْقسم. وَالثَّانِي: أَن يكون بِمَعْنى حَقًا، وَأما، هَهُنَا من الْقسم الأول. قَوْله: (إِنَّه) ، بِكَسْر الْهمزَة، وَالضَّمِير فِيهِ للشأن، وبفتح أَن بعد أما إِذا كَانَ بِمَعْنى حَقًا. قَوْله: (يَمْنعنِي) فعل ومفعول. وَقَوله: (أَنِّي أكره) ، بِفَتْح الْهمزَة من: أَنِّي، فَاعل يَمْنعنِي، و: أكره، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن. قَوْله: (أَن أَملكُم) أَن: هَذِه مَصْدَرِيَّة، و: أَملكُم، بِضَم الْهمزَة وَكسر الْمِيم وَتَشْديد اللاَّم، وَالتَّقْدِير: أكره إملالكم وضجركم. قَوْله: (وَإِنِّي) بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (اتخولكم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. قَوْله: (كَمَا كَانَ) الْكَاف للتشبيه، و: مَا، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (بهَا) أَي بِالْمَوْعِظَةِ. قَوْله: (علينا) يتَعَلَّق بالمخافتة، وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق بالسآمة. قَالَ ابْن بطال: فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، من الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والمحافظة على سنته على حسب معاينتهم لَهَا مِنْهُ وتجنب مُخَالفَته لعلمهم بِمَا فِي مُوَافَقَته من عظم الْأجر، وَمَا فِي مُخَالفَته بعكس ذَلِك. 13 - (بَاب مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْراً يُفَقِّههُ فِي الدِّينِ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من يرد الله بِهِ خيرا وَمن مَوْصُولَة (وَيرد الله بِهِ خيرا) صلتها وَإِنَّمَا جزم يرد لِأَنَّهُ فعل الشَّرْط لِأَن من يتَضَمَّن معنى الشَّرْط وَخيرا مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول يرد وَقَوله (يفقهه) مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط قَوْله (فِي الدّين) فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره سَاقِط. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول شَأْن من يذكر النَّاس فِي أُمُور دينهم بِبَيَان مَا يَنْفَعهُمْ وَمَا يضرهم وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا شَأْن الْفَقِيه فِي الدّين وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ مدح هَذَا الْفَقِيه وَكَيف لَا يكون ممدوحاً وَقد أَرَادَ الله بِهِ خيرا حَيْثُ جعله فَقِيها فِي دينه عَالما بِأَحْكَام شَرعه. 71 - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعاويَةَ خَطِيباً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (مَنْ يُردِ الله بهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وإنَّمَا أَنا قاسِمٌ وَالله يُعْطِي ولَنْ تَزَالَ هَذِه الأُمَّةُ قائِمَةً عَلَى أمْر الله لاَ يضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفُمْ حَتَّى يأتِي أمْرُ الله) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِنَّهَا كلهَا من عين الحَدِيث. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي قَوْله: بَاب من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين، أعلم أَن مثله سمي مُرْسلا عِنْد طَائِفَة وَالْحق وَعَلِيهِ الْأَكْثَر أَنه إِذا ذكر الحَدِيث مثلا، ثمَّ وصل بِهِ إِسْنَاده يكون مُسْندًا لَا مُرْسلا قلت: لَا دخل للإسناد والإرسال فِي مثل هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ تَرْجَمَة، وَلَا يقْصد بهَا إِلَّا الْإِشَارَة إِلَى مَا قَصده من وضع هَذَا الْبَاب. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء،
وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير بن مُسلم بن يزِيد ابْن حبيب بن الْأسود، أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، سمع مَالِكًا، وَابْن وهب وَاللَّيْث وَآخَرين، روى عَنهُ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي وَالْبُخَارِيّ، وروى مُسلم وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ ابْن حَاتِم فِي كتاب (الْجرْح وَالتَّعْدِيل) : سَمِعت مِنْهُ، أَي: وَقَالَ: لم يكن بالثبت، كَانَ يقْرَأ من كتب النَّاس وَهُوَ صَدُوق. وَقَالَ الْمَقْدِسِي: وَكَانَ سعيد بن عفير من أعلم النَّاس بالأنساب وَالْأَخْبَار الْمَاضِيَة والتواريخ والمناقب أديباً فصيحاً، حَاضر الْحجَّة مليح الشّعْر، توفّي سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد اللَّه بن وهب بن مُسلم الْبَصْرِيّ، أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي الفِهري، مولى يزِيد بن رمانة، مولى أبي عبد الرَّحْمَن يزِيد بن أنيس الفِهري. سمع مَالِكًا وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَابْن أبي ذِئْب وَابْن جريج وَغَيرهم، وَذكر بَعضهم أَنه روى عَن نَحْو أَرْبَعمِائَة رجل، وَأَن مَالِكًا لم يكْتب إِلَى أحد: الْفَقِيه إلاَّ إِلَيْهِ، وَقَالَ أَحْمد: هُوَ صَحِيح الحَدِيث، يفصل السماع من الْعرض، والتحديث من الحَدِيث، مَا أصح حَدِيثه وَمَا أثْبته. وَقَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: نظرت فِي نَحْو ثَمَانِينَ ألف حَدِيث من حَدِيث ابْن وهب بِمصْر وَغير مصر، فَلَا أعلم أَنِّي رَأَيْت حَدِيثا لَا أصل لَهُ. وَقَالَ: صَالح الحَدِيث صَدُوق. وَقَالَ أَحْمد بن صَالح: حدث بِمِائَة ألف حَدِيث، وَقَالَ ابْن بكير بن وهب: أفقه من ابْن الْقَاسِم، ولد فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة، وَقيل: سنة أَربع، وفيهَا مَاتَ الزُّهْرِيّ، وَتُوفِّي بِمصْر سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة، لأَرْبَع بَقينَ من شعْبَان، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) عبد اللَّه بن وهب غَيره، فَهُوَ من أفرادهما، وَفِي التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه: عبد اللَّه بن وهب الْأَسدي تَابِعِيّ، وَفِي النَّسَائِيّ: عبد اللَّه بن وهب عَن تَمِيم الدَّارِيّ، وَصَوَابه: ابْن موهب، وَفِي الصَّحَابَة عبد اللَّه بن وهب خَمْسَة. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَقد تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله عَنهُ، وَقد تقدم. السَّادِس: مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان: صَخْر بن حَرْب الْأمَوِي، كَاتب الْوَحْي، أسلم عَام الْفَتْح، وعاش ثمانياً وَسبعين سنة، وَمَات سنة سِتِّينَ فِي رَجَب، ومناقبه جمة، وَفِي آخر عمره أَصَابَته لقُوَّة، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، مائَة حَدِيث وَثَلَاثَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، ذكر البُخَارِيّ مِنْهَا ثَمَانِيَة، وَمُسلم خَمْسَة، واتفقا على أَرْبَعَة أَحَادِيث. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة مُعَاوِيَة بن صَخْر غَيره، وَفِيهِمْ مُعَاوِيَة فَوق الْعشْرين. بَيَان الطَّائِف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وايلي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا: أَنه قَالَ فِي هَذَا الْإِسْنَاد وَعَن ابْن شهَاب قَالَ: قَالَ حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَلم يذكر فِيهِ لفظ السماع. وَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النّسخ من البُخَارِيّ، وَجَاء فِي مُسلم فِيهِ عَن ابْن شهَاب حَدثنِي حميد بِلَفْظ التحديث، وَقد اتّفق أَصْحَاب الْأَطْرَاف وَغَيرهم على أَنه من حَدِيث ابْن شهَاب عَن حميد الْمَذْكُور. قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: فَلَا أَدْرِي لم قَالَ فِيهِ: قَالَ حميد، مَعَ الِاتِّفَاق على تحديث ابْن شهَاب عَن حميد الْمَذْكُور. قلت: يُمكن أَن يكون ذَلِك لأجل شهرة تحديث ابْن شهَاب عَنهُ بِهَذَا الحَدِيث اقْتصر فِيهِ على هَذَا القَوْل، وَلِهَذَا قَالَ فِي بَاب الِاعْتِصَام: عَن ابْن شهَاب، أَخْبرنِي حميد. وللبخاري عَادَة بذلك. وَقد قَالَ فِي كتاب التَّوْكِيل فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن) ، فَقَالَ فِيهِ: حَدثنَا عَليّ بن عبد اللَّه، ثَنَا سُفْيَان قَالَ الزُّهْرِيّ ... وَذكر الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: سَمِعت من سُفْيَان مرَارًا، لم أسمعهُ يذكر الْخَبَر، وَهُوَ من صَحِيح حَدِيثه، لَكِن يُمكن أَن يُقَال: سُفْيَان مُدَلّس، فَلذَلِك نبه عَلَيْهِ البُخَارِيّ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من يرد الله) ، بِضَم الْيَاء، مُشْتَقّ من الْإِرَادَة، وَهِي عِنْد الْجُمْهُور صفة مخصصة لأحد طرفِي الْمَقْدُور بالوقوع، وَقيل: إِنَّهَا اعْتِقَاد النَّفْع أَو الضّر، وَقيل: ميل يتبعهُ الِاعْتِقَاد، وَهَذَا لَا يَصح فِي الْإِرَادَة الْقَدِيمَة. قَوْله: (خيرا) أَي: مَنْفَعَة، وَهُوَ ضد: الشَّرّ، وَهُوَ اسْم هَهُنَا، وَلَيْسَ بافعل التَّفْضِيل. قَوْله: (يفقهه) ، أَي يَجعله فَقِيها فِي الدّين. وَالْفِقْه لُغَة: الْفَهم، وَعرفا: الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة الفرعية عَن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، وَلَا يُنَاسب هُنَا إلاَّ الْمَعْنى اللّغَوِيّ ليتناول فهم كل علم من عُلُوم الدّين. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْفَقِيه هُوَ الزَّاهِد فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِب فِي الْآخِرَة، والبصير بِأَمْر دينه، المداوم على عبَادَة ربه. وَقَالَ ابْن سَيّده فِي (الْمُخَصّص) : فقه الرجل فقاهة وَهُوَ فَقِيه من قوم فُقَهَاء، وَالْأُنْثَى فقيهة. وَقَالَ بَعضهم: فقه الرجل فقها وفقها وفقها، ويعدى فَيُقَال: فقهته، كَمَا يُقَال عَلمته. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: فقه فقهاً وَهُوَ فَقِيه كعلم علما وَهُوَ عليم، وَقد افقهته وفقهته: عَلمته وفهمته، والتفقه تعلم الْفِقْه، وفقهت عَلَيْهِ فهمت، وَرجل فقه وفقيه، والانثى فقهة. وَيُقَال للشَّاهِد: كَيفَ فقاهتك
لما اشهدناك، وَلَا يُقَال فِي غير ذَلِك. وَالْفِقْه: الفطنة. وَقَالَ عِيسَى بن عمر: قَالَ لي أعرابيّ شهِدت عَلَيْك بالفقه. أَي: بالفطنة. وَفِي (الْمُحكم) : الْفِقْه الْعلم بالشَّيْء والفهم لَهُ، وَغلب على علم الدّين لسيادته وشرفه وفضله على سَائِر أَنْوَاع الْعُلُوم، والانثى: فقيهة من نسْوَة فقهاية، وَحكى اللحياني: من نسْوَة فُقَهَاء، وَهِي نادرة. وَكَأن قَائِل هَذَا من الْعَرَب لم يعْتد بهاء التَّأْنِيث، ونظيرها نسْوَة فُقَرَاء، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التيامي: فقه فقهاً مِثَال: حذر إِذا فهم، وافقهته إِذا بيّنت لَهُ. وَقَالَ ثَعْلَب: الْقُرْآن أصل لكل علم بِهِ فقه الْعلمَاء، فَمن قَالَ: فقه فَهُوَ فَقِيه، مِثَال: مرض فَهُوَ مَرِيض، وَفقه فَهُوَ فَقِيه، ككرم وظرف فَهُوَ كريم وظريف. وَفِي (الصِّحَاح) : فاقهته إِذا باحثته فِي الْعلم. وَفِي (الْجَامِع) لأبي عبد اللَّه: فقه الرجل تفقه فقهاً فَهُوَ فَقِيه. وَقيل: أفْصح من هَذَا فقه يفقه مثل علم يعلم علما، وَالْفِقْه علم الدّين، وَقد تفقه الرجل تفقها كثر علمه، وَفُلَان مَا يتفقه وَلَا يفقه، أَي: لَا يعلم وَلَا يفهم، وَقَالُوا: كل عَالم بِشَيْء فَهُوَ فَقِيه بِهِ، وَفِي (الغريبين) : فقه: فهم، وَفقه: صَار فَقِيها. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال للْعلم الْفِقْه لِأَنَّهُ عَن الْفَهم يكون، والعالم فَقِيه لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعلم بفهمه على تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا كَانَ لَهُ سَببا. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَوْلهم: رجل فَقِيه، مَعْنَاهُ: عَالم. قَوْله: (قَاسم) اسْم فَاعل من قسم الشَّيْء يقسمهُ قسما، بِالْفَتْح، وَالْقسم، بِالْكَسْرِ، الْحَظ والنصيب، وبالفتح أَيْضا هُوَ: الْقِسْمَة بَين النِّسَاء فِي البيتوتة، وَالْقسم، بِفتْحَتَيْنِ: الْيَمين. وَالْقِسْمَة الِاسْم. قَوْله: (وَلنْ تزَال) : الْفرق بَين: زَالَ يزَال، وَزَالَ يَزُول هُوَ أَن الأول من الْأَفْعَال النَّاقِصَة، وَيلْزمهُ النَّفْي بِخِلَاف الثَّانِي، وَالْأمة: الْجَمَاعَة. قَالَ الْأَخْفَش: هُوَ فِي اللَّفْظ وَاحِد، وَفِي الْمَعْنى جمع. وكل جنس من الْحَيَوَان أمة. وَفِي الحَدِيث: (لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها) . وَالْأمة الْقَامَة، وَالْأمة الطَّرِيقَة وَالدّين. وَقَوله تَعَالَى: {كُنْتُم خير أمة} (آل عمرَان: 110) قَالَ الْأَخْفَش: يُرِيد أهل أمة، أَي: خير أهل دين، وَالْأمة الْحِين. قَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُر بعد أمة} (يُوسُف: 45) وَقَالَ: {وَلَئِن أخرنا عَنْهُم الْعَذَاب إِلَى أمة مَعْدُودَة} (هود: 8) وَالْأمة، بِالْكَسْرِ، لُغَة فِي الْأمة، وَالْأمة، بِالْكَسْرِ أَيْضا: النِّعْمَة، وَالْأمة، بِالضَّمِّ: الْملك أَيْضا، وَأَتْبَاع الْأَنْبِيَاء أَيْضا. وَالْأمة: الرجل الْجَامِع للخير أَيْضا، وَالْأمة: الْأُم، وَالْأمة: الرجل الْمُنْفَرد بِرَأْيهِ لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (سَمِعت مُعَاوِيَة) ، فِيهِ حذف المسموع، لِأَن المسموع هُوَ الصَّوْت لَا الشَّخْص. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تَقول سَمِعت رجلا يَقُول كَذَا، فتوقع الْفِعْل على الرجل، وتحذف المسموع لِأَنَّك وَصفته بِمَا يسمع، أَو جعلته حَالا عَنهُ فاغناك عَن ذكره، وَلَوْلَا الْوَصْف أَو الْحَال لم يكن مِنْهُ بُد أَن يُقَال: سَمِعت قَول فلَان. قَوْله: (خَطِيبًا) نصب على الْحَال من مُعَاوِيَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَال من الْمَفْعُول لَا من الْفَاعِل، لِأَنَّهُ أقرب. وَلِأَن الْخطْبَة تلِيق بالولاة. قلت: لَا يُبَادر الْوَهم قطّ هَهُنَا إِلَى كَون حميد هُوَ الْخَطِيب حَتَّى يُعلل بِهَذَيْنِ التعليلين، وَلَو قَالَ مثل مَا قُلْنَا لَكَانَ كفى. قَوْله: (يَقُول) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. وَقَوله: (سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مقول القَوْل، وَقَوله: يَقُول، أَيْضا حَال. وَقَوله: (من) ، مَوْصُولَة يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فَلذَلِك جزم: يرد، و: يفقه، لِأَنَّهُمَا فعل الشَّرْط وَالْجَزَاء. قَوْله: (إِنَّمَا) ، من أَدَاة الْحصْر، و: أَنا، مُبْتَدأ، و: قَاسم، خَبره. وَقَوله: (وَالله) أَيْضا مُبْتَدأ، وَيُعْطِي خَبره، وَالْجُمْلَة تصح أَن تكون حَالا. قَوْله: (وَلنْ تزَال) كلمة: لن، ناصبة للنَّفْي فِي الِاسْتِقْبَال، وتزال من الْأَفْعَال النَّاقِصَة. وَقَوله: (هَذِه الْأمة) اسْمه: وقائمة، خَبره. قَوْله: (لَا يضرهم) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، وَقَوله: (من) فَاعله، وَهِي مَوْصُولَة، و: خالفهم، جملَة صلتها. فَإِن قلت: مَا موقع هَذِه الْجُمْلَة، أَعنِي قَوْله: لَا يضرهم من خالفهم؟ قلت: حَال، وَقد علم أَن الْمُضَارع الْمَنْفِيّ، إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه. قَوْله: (حَتَّى) غَايَة لقَوْله: لن تزَال، فَإِن قلت: حكم مَا بعد الْغَايَة مُخَالف لما قبلهَا، فَيلْزم مِنْهُ أَن يَوْم الْقِيَامَة لَا تكون هَذِه الْأمة على الْحق، وَهُوَ بَاطِل. قلت: المُرَاد من قَوْله: (على أَمر الله) هُوَ التكاليف، وَيَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ زمَان التكاليف، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ معنى الْغَايَة، بل هُوَ مَذْكُور لتأكيد التَّأْبِيد، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض} (هود: 107 108) وَيُقَال: حَتَّى، للغاية على أَصله، وَلكنه غَايَة لقَوْله: لَا يضرهم، لِأَنَّهُ أقرب. وَالْمرَاد من قَوْله: (حَتَّى يَأْتِي أَمر الله) حَتَّى يَأْتِي بلَاء الله فيضرهم حينئذٍ، فَيكون مَا بعْدهَا مُخَالفا لما قبلهَا، أَو يكون ذكره لتأكيد عدم الْمضرَّة، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يضرهم أبدا.، وَالْمرَاد قَوْله: حَتَّى يَأْتِي أَمر الله يَوْم الْقِيَامَة، والمضرة لَا تمكن يَوْم الْقِيَامَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يضرهم من خالفهم أصلا. فَإِن قلت: إِذا جَاءَ الدَّجَّال مثلا، وقتلهم فقد ضرهم. قلت: على تَفْسِير أَمر الله ببلاء الله ظَاهر لَا يرد شَيْء، وعَلى التَّفْسِير بِيَوْم الْقِيَامَة، يُقَال: لَيْسَ ذَلِك مضرَّة فِي الْحَقِيقَة، إِذْ
الشَّهَادَة أعظم الْمَنَافِع من جِهَة الْآخِرَة، وَإِن كَانَت مضرَّة بِحَسب الظَّاهِر. فَإِن قلت: هَل يجوز أَن تتَعَلَّق حَتَّى بالفعلين الْمَذْكُورين بِأَن يتنازعا فِيهَا. قلت: لَا مَانع من ذَلِك، لَا من جِهَة الْمَعْنى وَلَا من جِهَة الْإِعْرَاب. فَإِن قلت: إِذا كَانَ: حَتَّى، بِمَعْنى: إِلَى، وَيكون معنى: حَتَّى يَأْتِي أَمر الله: إِلَى أَن يَأْتِي أَمر الله. هَل يكون بَينهمَا فرق؟ قلت: نعم بَينهمَا فرق، لِأَن مجرور: حَتَّى، يجب أَن يكون آخر جُزْء من الشَّيْء أَو مَا يلاقي آخر جُزْء مِنْهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله: {وَلَو أَنهم صَبَرُوا حَتَّى تخرج إِلَيْهِم} (الحجرات: 5) الْفرق بَينهمَا أَن: حَتَّى، مُخْتَصَّة بالغاية المضروبة، أَي الْمعينَة. تَقول: أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا، وَلَو قلت: حَتَّى نصفهَا أَو صدرها لم يجز، و: إِلَى، عَامَّة فِي كل غَايَة. فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي: فِيهِ تنكير قَوْله: خيرا، لفائدة التَّعْمِيم، لِأَن النكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط كالنكرة فِي سِيَاق النَّفْي، فَالْمَعْنى: من يرد الله بِهِ جَمِيع الْخيرَات. وَيجوز أَن يكون التَّنْوِين للتعظيم، وَالْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (لَهُ حَاجِب عَن كل أَمر يشينه) أَي: صَاحب عَظِيم، ومانع قوي. وَفِيه إِنَّمَا الَّتِي تفِيد الْحصْر، وَالْمعْنَى: مَا أَنا إلاَّ قَاسم. فَإِن قلت: كَيفَ يَصح هَذَا وَله صِفَات أُخْرَى مثل كَونه رَسُولا وَمُبشرا وَنَذِيرا. قلت: الْحصْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَاد السَّامع، وَهَذَا ورد فِي مقَام كَانَ السَّامع مُعْتَقدًا كَونه معطياً، وَإِن اعْتقد أَنه قَاسم فَلَا يَنْفِي إلاَّ مَا اعتقده السَّامع، لَا كل صفة من الصِّفَات، وحينئذٍ إِن اعْتقد أَنه معطٍ لَا قَاسم فَيكون من بَاب قصر الْقلب، أَي: مَا أَنا إلاَّ قَاسم، أَي: لَا معط، وَإِن اعْتقد أَنه قَاسم ومعط أَيْضا فَيكون من قصر الْإِفْرَاد، أَي: لَا شركَة فِي الوصفين، أَي: بل أَنا قَاسم فَقَط، وَمَعْنَاهُ أَنا أقسم بَيْنكُم، فَألْقى إِلَى كل وَاحِد مَا يَلِيق بِهِ، وَالله يوفق من يَشَاء مِنْكُم لفهمه والتفكر فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ التوربشتى: إعلم أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أعلم أَصْحَابه أَنه لم يفضل فِي قسْمَة مَا أوحى الله إِلَيْهِ أحدا من أمته على أحد، بل سوَّى فِي الْبَلَاغ وَعدل فِي الْقِسْمَة، وَإِنَّمَا التَّفَاوُت فِي الْفَهم وَهُوَ وَاقع من طَرِيق الْعَطاء، وَلَقَد كَانَ بعض الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، يسمع الحَدِيث فَلَا يفهم مِنْهُ إلاّ الظَّاهِر الْجَلِيّ، ويسمعه آخر مِنْهُم، أَو من بعدهمْ، فيستنبط مِنْهُ مسَائِل كَثِيرَة، وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه: (إِنَّمَا أَنا قَاسم) ، يَعْنِي: أَنه لم يستأثر بِشَيْء من مَال الله، وَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (مَا لي بِمَا أَفَاء الله عَلَيْكُم إلاَّ الْخمس، وَهُوَ مَرْدُود عَلَيْكُم) . وَإِنَّمَا قَالَ: (أَنا قَاسم) تطييباً لنفوسهم لمفاضلته فِي الْعَطاء، فَالْمَال لله والعباد لله وأَنا قَاسم بِإِذن الله مَاله بَين عباده. قلت: بَين الْكَلَامَيْنِ بونٌ، لِأَن الْكَلَام الأول يشْعر الْقِسْمَة فِي تَبْلِيغ الْوَحْي وَبَيَان الشَّرِيعَة، وَهَذَا الْكَلَام صَرِيح فِي قسْمَة المَال. وَلكُل مِنْهُمَا وَجه. أما الأول: فَإِن نظر صَاحبه إِلَى سِيَاق الْكَلَام فَإِنَّهُ أخبر فِيهِ أَن من أَرَادَ الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين، أَي: فِي دين الْإِسْلَام. قَالَ الله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: 19) وَقيل: الْفِقْه فِي الدّين الْفِقْه فِي الْقَوَاعِد الْخمس، ويتصل الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، ثمَّ لما كَانَ فقههم متفاوتاً لتَفَاوت الأفهام أَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله: (إِنَّمَا أَنا قَاسم) . يَعْنِي هَذَا التَّفَاوُت لَيْسَ مني، وَإِنَّمَا الَّذِي هُوَ مني هُوَ الْقِسْمَة بَيْنكُم يعْنى: تَبْلِيغ الْوَحْي إِلَيْهِم من غير تَخْصِيص بِأحد، والتفاوت فِي أفهامهم من الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُعْطِي، يُعْطي النَّاس على قدر مَا تعلّقت بِهِ إِرَادَته، لِأَن ذَلِك فضل مِنْهُ يؤتيه من يَشَاء. وَأما الثَّانِي: فَإِن نظر صَاحبه إِلَى ظَاهر الْكَلَام، لِأَن الْقِسْمَة حَقِيقَة تكون فِي الْأَمْوَال، وَلَكِن يتَوَجَّه هُنَا السُّؤَال عَن وَجه مُنَاسبَة هَذَا الْكَلَام لما قبله، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن مورد الحَدِيث كَانَ وَقت قسْمَة المَال حِين خصص، عَلَيْهِ السَّلَام، بَعضهم بِالزِّيَادَةِ لحكمة اقْتَضَت ذَلِك، وخفيت عَلَيْهِم، حَتَّى تعرض مِنْهُم بِأَن هَذِه قسْمَة فِيهَا تَخْصِيص لناس، فَرد عَلَيْهِم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَبِقَوْلِهِ: (من يرد الله بِهِ) إِلَى آخِره ... ، يَعْنِي: من أَرَادَ الله بِهِ خيرا يوفقه وَيزِيد لَهُ فِي فهمه فِي أُمُور الشَّرْع، وَلَا يتَعَرَّض لأمر لَيْسَ على وفْق خاطره، إِذْ الْأَمر كُله لله، وهوالذي يُعْطي وَيمْنَع، وَهُوَ الَّذِي يزِيد وَينْقص، وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَاسم وَلَيْسَ بمعط حَتَّى ينْسب إِلَيْهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، وَعَن هَذَا فسر أَصْحَاب الْكَلَام الثَّانِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (وَالله يُعْطي) بقَوْلهمْ: أَي: من قسمت لَهُ كثيرا فبقدر الله تَعَالَى، وَمَا سبق لَهُ فِي الْكتاب، وَكَذَا من قسمت لَهُ قَلِيلا فَلَا يزْدَاد لأحد فِي رزقه، كَمَا لَا يزْدَاد فِي أَجله. وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِي قَوْله: (إِنَّمَا أَنا قَاسم وَالله يُعْطي) ، دَلِيل على أَنه إِنَّمَا يُعْطي بِالْوَحْي، ثمَّ قَالَ فِي آخر كَلَامه: إِن شَأْن أمته الْقيام على أَمر الله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وهم الَّذين أَرَادَ الله بهم خيرا، حَتَّى فقهوا فِي الدّين، ونصروا الْحق وَلم يخَافُوا مِمَّن خالفهم، وَلَا أَكثر ثوابهم:
- (باب الفهم في العلم)
{أُولَئِكَ حزب الله أَلا أَن حزب الله هم المفلحون} (المجادلة: 22) قَوْله: (وَالله يُعْطي) فِيهِ تَقْدِيم لَفْظَة الله لإِفَادَة التقوية عِنْد السكاكي، وَلَا يحْتَمل التَّخْصِيص أَي: الله يُعْطي لَا محَالة، وَأما عِنْد الزَّمَخْشَرِيّ فيحتمله أَيْضا، وحينئذٍ يكون مَعْنَاهُ: الله يُعْطي لَا غَيره. فَإِن قلت: إِذا كَانَت هَذِه الْجُمْلَة حَالية، أَعنِي قَوْله: (وَالله يُعْطي) ، فَمَا يكون معنى الْحصْر حِينَئِذٍ؟ قلت: الْحصْر بإنما دَائِما فِي الْجُزْء الْأَخير فَيكون مَعْنَاهُ: مَا أَنا بقاسم إلاَّ فِي حَال إِعْطَاء الله لَا فِي حَال غَيره، وَفِيه حذف الْمَفْعُول أَعنِي: مفعول يُعْطي، لِأَنَّهُ جعله كاللازم إعلاماً بِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان اتخاد هَذِه الْحَقِيقَة، أَي: حَقِيقَة الْإِعْطَاء لَا بَيَان الْمَفْعُول، أَي الْمُعْطِي. قَوْله: (وَلنْ تزَال) الخ، أَرَادَ بِهِ أَن أمته آخر الْأُمَم، وَأَن عَلَيْهَا تقوم السَّاعَة، وَإِن ظَهرت أشراطها وَضعف الدّين فَلَا بُد أَن يبْقى من أمته من يقوم بِهِ، فَإِن قيل: قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى لَا يَقُول أحد الله) ، وَقَالَ أَيْضا: (لَا تقوم السَّاعَة إلاَّ على شرار الْخلق) . قُلْنَا: هَذِه الْأَحَادِيث لَفظهَا الْعُمُوم وَالْمرَاد مِنْهَا الْخُصُوص، فَمَعْنَاه: لَا تقوم على أحد يوحد الله تَعَالَى إلاَّ بِموضع كَذَا، إِذْ لَا يجوز أَن تكون الطَّائِفَة الْقَائِمَة بِالْحَقِّ توَحد الله هِيَ شرار الْخلق، وَقد جَاءَ ذَلِك مُبينًا فِي حَدِيث أبي أُمَامَة، رَضِي الله عَنهُ. أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من خالفهم، قيل: وَأَيْنَ هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: بِبَيْت الْمُقَدّس، أَو أكناف بَيت الْمُقَدّس) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا مُخَالفَة بَين الْأَحَادِيث، لِأَن المُرَاد من أَمر الله الرّيح اللينة الَّتِي تَأتي قريب الْقِيَامَة، فتأخذ روح كل مُؤمن ومؤمنة، وَهَذَا قبل الْقِيَامَة. وَأما الحديثان الأخيران فهما على ظاهرهما إِذْ ذَلِك عِنْد الْقِيَامَة. فَإِن قلت: من هَؤُلَاءِ الطَّائِفَة؟ قلت: قَالَ البُخَارِيّ: هم أهل الْعلم. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: إِن لم يَكُونُوا أهل الحَدِيث فَلَا أَدْرِي من هم. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا أَرَادَ الإِمَام أَحْمد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الطَّائِفَة مفرقة من أَنْوَاع الْمُؤمنِينَ، فَمنهمْ مُقَاتِلُونَ وَمِنْهُم فُقَهَاء وَمِنْهُم محدثون وَمِنْهُم زهاد إِلَى غَيره ذَلِك. بَيَان استنبطاط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة على حجية الْإِجْمَاع، لِأَن مفهومة أَن الْحق لَا يعدو الْأمة، وَحَدِيث: لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة، ضَعِيف. الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على امْتنَاع خلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد. الثَّالِث: فِيهِ فضل الْعلمَاء على سَائِر النَّاس. الرَّابِع: فِيهِ فضل الْفِقْه فِي الدّين على سَائِر الْعُلُوم، وَإِنَّمَا ثَبت فَضله لِأَنَّهُ يَقُود إِلَى خشيَة الله تَعَالَى والتزام طَاعَته. الْخَامِس: فِيهِ إخْبَاره، عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام، بالمغيبات. وَقد وَقع مَا أخبر بِهِ، وَللَّه الْحَمد، فَلم تزل هَذِه الطَّائِفَة من زَمَنه وهلم جراً، وَلَا تَزُول حَتَّى يَأْتِي أَمر الله تَعَالَى. 14 - (بَاب الفَهمِ فِي العِلْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفَهم فِي الْعلم. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الْجَوْهَرِي: فهمت الشَّيْء، أَي: عَلمته، فالفهم وَالْعلم بِمَعْنى وَاحِد، فَكيف يَصح أَن يُقَال: الْفَهم فِي الْعلم؟ ثمَّ أجَاب بقوله: المُرَاد من الْعلم الْمَعْلُوم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب إِدْرَاك المعلومات. قلت: تَفْسِير الْفَهم بِالْعلمِ غير صَحِيح، لِأَن الْعلم عبارَة عَن الْإِدْرَاك الْكُلِّي، والفهم جودة الذِّهْن، والذهن قُوَّة تقتنص الصُّور والمعاني، وتشمل الإدراكات الْعَقْلِيَّة والحسية. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: فهمت الشَّيْء، أَي: عقلته وعرفته، وَيُقَال: فهم وَفهم، بتسكين الْهَاء وَفتحهَا، وَهَذَا قد فسر الْفَهم بالمعرفة، وَهُوَ غير الْعلم. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْفَهم فِي الْعلم دَاخل فِي قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين) . وَقد مر أَن الْفِقْه هُوَ الْفَهم. فَافْهَم. 72 - حدّثناعَلِيٌّ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ أبي نَجِيحٍ: عَن مُجاهدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ إلَى المَدِينَةِ فَلْم أسْمَعه يُحدِّثُ عَن رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلاَّ حَدِيثاً واحِداً، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأُتَي بِجُمَّارٍ فَقَالَ: (إنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثلُها كَمثَلِ المُسْلِمِ) ، فَأرَدْتُ أَن أقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فإذَا أَنا أصْغَرُ القَوْم، فَسَكَتُّ. قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هِيَ النَّخْلَةُ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن من الشّجر) الحَدِيث، كَانَ على سَبِيل الاستعلام مِنْهُم،
وَأَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فهم ذَلِك الْعلم، وَلكنه مَنعه عَن الإبداء حياؤه وصغره. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد اللَّه بن جَعْفَر بن نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، السَّعْدِيّ، مَوْلَاهُم أَبُو الْحسن الْمَدِينِيّ الإِمَام المبرز فِي هَذَا الشَّأْن. وَقَالَ البُخَارِيّ: مَا استصغرت نَفسِي عِنْد أحد قطّ إلاَّ عِنْد ابْن الْمَدِينِيّ. وَقَالَ: عَليّ خير من عشرَة آلَاف مثل الشَّاذكُونِي. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن: عَليّ أعلم النَّاس بِحَدِيث رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، خَاصَّة. وَقَالَ السَّمْعَانِيّ وَغَيره: كَانَ أعلم أهل زَمَانه بِحَدِيث رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَعنهُ قَالَ: تركت من حَدِيثي مائَة ألف حَدِيث، مِنْهَا ثَلَاثُونَ ألفا لعباد بن صُهَيْب. وَقَالَ الْأَعْين: رَأَيْت عَليّ بن الْمَدِينِيّ مُسْتَلْقِيا، وَأحمد بن حَنْبَل عَن يَمِينه، وَيحيى بن معِين عَن يسَاره، وَهُوَ يملي عَلَيْهِمَا. روى عَنهُ أَحْمد وَإِسْمَاعِيل القَاضِي والذهلي وَأَبُو حَاتِم وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا، أخرج البُخَارِيّ عَنهُ عَن ابْن عُيَيْنَة وَابْن علية وَعَن الْقطَّان ومروان بن مُعَاوِيَة وَغَيرهم، ولد سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة بسامرا، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ بالعسكر لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد تقدم. الثَّالِث: عبد اللَّه بن يسَار، وكنية يسَار: أَبُو نجيح، مولى الْأَخْنَس بن شريق. قَالَ يحيى الْقطَّان: كَانَ قدرياً. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مكي ثِقَة، يُقَال فِيهِ: يرى الْقدر صَالح الحَدِيث. وَقَالَ عَليّ: سَمِعت يحيى يَقُول: ابْن أبي نجيح من رُؤَسَاء الدعاة، أخرج البُخَارِيّ فِي الْعلم والجنائز، وَفِي غير مَوضِع عَن شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم بن نَافِع وَابْن علية عَنهُ عَن عَطاء، وَمُجاهد وَعبد اللَّه بن كثير، وَعَن أَبِيه عَن مُسلم، وَلم يخرج البُخَارِيّ لِأَبِيهِ شَيْئا، توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: مُجَاهِد بن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: جُبَير، أَبُو الْحجَّاج المَخْزُومِي، مولى عبد اللَّه بن السَّائِب من الطَّبَقَة الثَّانِيَة من تَابِعِيّ أهل مَكَّة وفقهائها، إِمَام مُتَّفق على جلالته وإمامته وتوثيقه، وَهُوَ إِمَام فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث، روى عَن ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي بَاب: إِثْم من قتل معاهداً بِغَيْر جرم، عَن الْحسن بن عمر، وَعنهُ عَن عبد اللَّه بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ مَرْفُوعا: (من قتل معاهداً لم يرح رَائِحَة الْجنَّة) . وَهُوَ مُرْسل. كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مُجَاهِد لم يسمع من عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَإِنَّمَا سَمعه من جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن ابْن عَمْرو، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَرْوَان عَن الْحسن بن عَمْرو عَنهُ، وَأنكر شُعْبَة وَابْن أبي حَاتِم سَمَاعه من عَائِشَة، وَكَذَا ابْن معِين: لَكِن حَدِيثه عَنْهَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَقَالَ مُجَاهِد: قَالَ لي ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: وددت أَن نَافِعًا يحفظ كحفظك. وَقَالَ يحيى الْقطَّان: مرسلات مُجَاهِد أحب إِلَيّ من مرسلات عَطاء. وَقَالَ مُجَاهِد: عرضت الْقُرْآن على ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، ثَلَاثِينَ مرّة. مَاتَ سنة مائَة، وَقيل: اثْنَتَيْنِ، وَقيل: ثَلَاث، وَقيل: أَربع عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة، وَقد رأى هاروت وماروت وَكَاد يتْلف، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: مُجَاهِد بن جبر، غير هَذَا. وَفِي مُسلم وَالْأَرْبَعَة: مُجَاهِد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ، شيخ ابْن عُيَيْنَة، وَفِي الْأَرْبَعَة: مُجَاهِد بن وردان عَن عُرْوَة. الْخَامِس: عبد اللَّه ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. بَيَان الْأَنْسَاب: السَّعْدِيّ: فِي قبائل، فَفِي قيس غيلَان: سعد بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة، بن حَفْصَة بن قيس غيلَان. وَفِي كنَانَة: سعد بن لَيْث بن بكر بن عبد منَاف، وَفِي أَسد بن خُزَيْمَة: سعد بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد، وَفِي مُرَاد: سعد بن غطيف ابْن عبد اللَّه بن نَاجِية بن مُرَاد، وَفِي طَيء: سعد بن نَبهَان بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي، وَفِي تَمِيم: سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، وَفِي خولان قضاعة: سعد بن خولان، وَفِي جذام: سعد بن إِيَاس بن حرَام بن حزَام، وَفِي خثعم: سعد بن مَالك. الْمَدِينِيّ: بِإِثْبَات الْيَاء آخر الْحُرُوف، نِسْبَة إِلَى الْمَدِينَة. وَكَانَ أَصله من الْمَدِينَة وَنزل الْبَصْرَة، وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: وَالْأَصْل فِيمَن ينْسب إِلَى مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُقَال فِيهِ: مدنِي: بِحَذْف الْيَاء، وَإِلَى غَيرهَا بِإِثْبَات الْيَاء، واستثنوا هَذِه، فَقَالُوا: الْمَدِينِيّ بِإِثْبَات الْيَاء. المَخْزُومِي: نِسْبَة إِلَى مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، وَهُوَ فِي قُرَيْش، وَفِي عبس أَيْضا: مَخْزُوم بن مَالك بن غَالب بن قطيعة بن عبس. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ سُفْيَان، قَالَ: قَالَ لي ابْن نجيح، وَلم يقل: حَدثنِي، وَفِي (مُسْند الْحميدِي) عَن سُفْيَان: حَدثنِي ابْن أبي نجيح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: روى عَن
- (باب الاغتباط في العلم والحكمة)
مُجَاهِد مُعَنْعنًا، وَعَن ابْن أبي نجيح بِلَفْظ: قَالَ، وَالْبُخَارِيّ لَا يذكر المعنعن إلاّ إِذا ثَبت السماع، وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّد إِمْكَان السماع، كَمَا اكْتفى بِهِ مُسلم، فالمعنعن إِذا لم يكن من المدلس كَانَ أَعلَى دَرَجَة من: قَالَ، لِأَن: قَالَ: إِنَّمَا تذكر عِنْد الْمُجَاورَة، لَا على سَبِيل النَّقْل والتحميل، ثمَّ فِي لَفْظَة: لي، إِشَارَة إِلَى أَنه جاور مَعَه وحدة. وَقَالَ البُخَارِيّ: كلما قلت: قَالَ لي فلَان، فَهُوَ عرض ومناولة، فَمَا رُوِيَ عَن سُفْيَان يحْتَمل أَن يكون عرضا لِسُفْيَان أَيْضا. وَبَقِيَّة مَا فِيهِ من الْكَلَام من تعدد مَوْضِعه. وَمن أخرجه، ولغاته، وَإِعْرَابه ومعانيه، قد مرت فِي أَوَائِل كتاب الْعلم. قَوْله: (صَحِبت ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا إِلَى الْمَدِينَة) اللَّام فِيهَا للْعهد، أَي: مَدِينَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يذكر مُبْتَدأ الصُّحْبَة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَنه من مَكَّة، وَفِيه الدّلَالَة على أَن ابْن عمر كَانَ متوقياً للْحَدِيث، وَقد كَانَ علم قَول أَبِيه: أقلوا الحَدِيث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَه ابْن بطال. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: قد يكون تَركه لغير هَذَا الْوَجْه، إِمَّا لعدم نشاط الِاشْتِغَال بمؤونة السّفر وتعبه، أَو لعدم السُّؤَال. قلت: يُمكن التَّوْفِيق بَينهم بِأَنَّهُ كَانَ يتوقى الحَدِيث مَا لم يسْأَل، فَإِذا سُئِلَ أجَاب، واكثر الْجَواب عِنْد كَثْرَة السُّؤَال فَإِنَّهُ كَانَ من المكثرين فِي الحَدِيث. قَوْله: (يحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) حَال عَن الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي لم اسْمَعْهُ. قَوْله: (إِلَّا حَدِيثا) أَرَادَ بِهِ الحَدِيث الَّذِي بعده مُتَّصِلا بِهِ. قَوْله: (فَأتي) بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (بجمار) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم: وَهُوَ شَحم النخيل، وَهُوَ الَّذِي يُؤْكَل مِنْهُ. وَفِي (الْعباب) : وَيُقَال لَهُ الجامور أَيْضا. قَوْله: (مثلهَا) ، بِفَتْح الْمِيم: أَي صفتهاالعجيبة، والمثل، وَإِن كَانَ بِحَسب اللُّغَة الصّفة، لَكِن لَا تسْتَعْمل إلاَّ عِنْد الصّفة العجيبة. قَوْله: (فَأَرَدْت أَن أَقُول) أَي: فِي جَوَاب الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيْثُ قَالَ: حَدثُونِي مَا هِيَ! كَمَا علم من سَائِر الرِّوَايَات. قَوْله: (فَسكت) ، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمُتَكَلّم، وسكوته كَانَ استحياء وتعظيماً للأكابر. 15 - (بَاب الاغْتِباطِ فِي العِلْمِ والحِكْمَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاغْتِبَاط، وَهُوَ افتعال من: غبطه يغبطه، من بَاب: ضرب يضْرب، غبطاً وغبطةً، وَالْغِبْطَة أَن يتَمَنَّى مثل حَال المغبوط من غير أَن يُرِيد زَوَالهَا عَنهُ، وَلَيْسَ بحسد. والحسد أَن: يتَمَنَّى زَوَال مَا فِيهِ. وَقَالَ ابْن بزرج: غبط يغبط، مِثَال: سمع يسمع، لُغَة فِيهِ. وَبِنَاء بَاب الافتعال مِنْهَا يدل على التَّصَرُّف وَالسَّعْي فِيهَا، وَالْحكمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَهِيَ مرادفة للْعلم، فالعطف عَلَيْهِ من بَاب الْعَطف التفسيري، إلاّ أَن يُفَسر الْعلم بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ من الْيَقِين المتناول للظن أَيْضا، أَو تفسر الْحِكْمَة بِمَا يتَنَاوَل سداد الْعَمَل أَيْضا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول: الْفَهم فِي الْعلم، وَفِي هَذَا الْبَاب: الِاغْتِبَاط فِي الْعلم، وَكلما زَاد فهم الرجل فِي الْعلم زَادَت غبطته فِيهِ، لِأَن من زَاد فهمه وَقَوي يزْدَاد نظره فِيمَن هُوَ أقوى فهما مِنْهُ، ويتمنى أَن يكون مثله، وَهُوَ الْغِبْطَة. وَقَالَ عُمَرُ: تَفقَّهُوا قَبْلَ أَن تُسَوَّدُوا الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ لَيْسَ من تَمام التَّرْجَمَة إِذْ لم يذكر بعده شَيْء يكون هَذَا مُتَعَلقا بِهِ، إلاَّ أَن يُقَال: الِاغْتِبَاط فِي الْحِكْمَة على الْقَضَاء لَا يكون إلاَّ قبل كَون الغابط قَاضِيا، وَيَزُول حينئذٍ. وَقَالَ عمر: بِمَعْنى الْمصدر، أَي: قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ. قلت: كَيفَ يؤول الْمَاضِي بِالْمَصْدَرِ وَتَأْويل الْفِعْل بِالْمَصْدَرِ لَا يكون إلاَّ بِوُجُود أَن المصدرية؟ وَقَالَ ابْن الْمُنِير: مُطَابقَة قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ، للتَّرْجَمَة أَنه جعل السِّيَادَة من ثَمَرَات الْعلم، وَأوصى الطَّالِب باغتنام الزِّيَادَة قبل بُلُوغ دَرَجَة السِّيَادَة، وَذَلِكَ يُحَقّق اسْتِحْقَاق الْعلم بِأَن يغبط صَاحبه، فَإِنَّهُ سَبَب لسيادته. قلت: لَا شكّ أَن الَّذِي يتفقه قبل السِّيَادَة يغبط فِي فقهه وَعلمه، فَيدْخل فِي قَوْله: بَاب الِاغْتِبَاط فِي الْعلم. الثَّانِي: أَن هَذَا الْأَثر الَّذِي علقه أخرجه أَبُو عمر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أَحْمد بن مُحَمَّد: ثَنَا مُحَمَّد بن عِيسَى، ثَنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا أَبُو عبيد، ثَنَا ابْن علية ومعاذ عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين عَن الْأَحْنَف عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ بِهِ. وَأخرجه الْحَوْزِيِّ فِي كِتَابه: ثَنَا إِسْحَاق بن القعْنبِي، ثَنَا بشر بن أبي الْأَزْهَر، ثَنَا خَارِجَة بن مُصعب عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين عَن الْأَحْنَف عَنهُ بِهِ،
وخارجة ضَعِيف جدا. وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِسَنَد مُنْقَطع عَن وَكِيع عَن ابْن عون بِهِ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه (الْمدْخل) عَن الروذبازي عَن الصفار عَن سَعْدَان بن نصر، ثَنَا وَكِيع عَن ابْن عون بِهِ. الثَّالِث: قَوْله: (قبل أَن تسودوا) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو، أَي: قبل أَن تصيروا سادة، وتعلموا الْعلم مَا دمتم صغَارًا قبل السِّيَادَة والرياسة، وَقبل أَن ينظر إِلَيْكُم، فَإِن لم تعلمُوا قبل ذَلِك استحييتم أَن تعلمُوا بعد الْكبر، فبقيتم جهلاء. وَفِي (مجمع الغرائب) : يحْتَمل أَن معنى قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: قبل أَن تزوجوا فتصيروا سادة بالتحكم على الْأزْوَاج والاشتغال بِهن لهواً، ثمَّ تمحلاً للتفقه. وَمِنْه الاستياد، وَهُوَ: طلب التسيد من الْقَوْم. وَجزم الْبَيْهَقِيّ فِي (مدخله) بِهَذَا الْمَعْنى، وَلم يذكر غَيره. وَقَالَ: مَعْنَاهُ قبل أَن تزوجوا فتصيروا أَرْبَاب بيُوت. قَالَه شمر. وَيُقَال: مَعْنَاهُ لَا تَأْخُذُوا الْعلم من الأصاغر فيزرى بكم ذَلِك، وَهَذَا أشبه بِحَدِيث عبد اللَّه: (لن يزَال النَّاس بِخَير مَا أخذُوا الْعلم عَن أكابرهم) ثمَّ قَوْله: (تسودوا) من: سود يسود تسويداً، وثلاثيه: سَاد يسود وَفِي (الْمُحكم) : سادهم سُودًا وسودداً وسيادة وسيدودة، فاستادهم كسادهم، وسوده. وَهُوَ. وَقَالَ: والسودد: الشّرف، وَقد يهمز، وَضم الدَّال لُغَة طائية، وَالسَّيِّد: الرئيس. وَقَالَ كرَاع: وَجمعه سادة، وَنَظِيره: قيم وقامة. قلت: السَّادة جمع سائدة، وَالْأُنْثَى بِالْهَاءِ، وَفِي (الْمُخَصّص) : ساودني فسدته. وَقَالُوا: سيد وسائد، وَجمع السَّيِّد سادة. وَحكى الزبيدِيّ فِي كتاب (طَبَقَات النَّحْوِيين) : أَن أَبَا مُحَمَّد العذري الْأَعرَابِي قَالَ لإِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج الثابر باشبيلية: تالله أَيهَا الْأَمِير مَا سيدتك الْعَرَب، إلاّ بحقك، فَقَالَهَا بِالْيَاءِ، فَلَمَّا أنكر عَلَيْهِ قَالَ: السوَاد السخام، وأصر على أَن الصَّوَاب مَعَه، ومالأه على ذَلِك الْأَمِير لعظم مَنْزِلَته فِي الْعلم. وَفِي (الْجَامِع) : وَهُوَ مسود عَلَيْهِم إِذا جعل سيدهم، والمسود هُوَ الَّذِي سَاد غَيره. وَفِي (الصِّحَاح) : يجمع السَّيِّد على سيائد، بِالْهَمْزَةِ على غير قِيَاس، لِأَن جمع فيعل فياعل بِلَا همز، وَالدَّال فِي سودد زَائِدَة للإلحاق. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الْعَرَب تَقول: هُوَ سيدنَا، أَي: رئيسنا وَالَّذِي نعظمه فِينَا. وَقَالَ الصغاني: سَاد قومه يسودهم سيادة وسودداً وسؤددا، بِالْهَمْزَةِ وَضم الدَّال الأولى، وَهِي لُغَة طي، وسودا عَن الْفراء، وسيدودة. فَهُوَ سيدهم، وهم سادة. وتقديرها: فعلة بِالتَّحْرِيكِ، لِأَن تَقْدِير: سيد فعيل، وَهُوَ مثل: سري وسراة وَلَا نَظِير لَهَا، يدل على ذَلِك أَنه يجمع على سيائد، بِالْهَمْزَةِ، مِثَال: أفيل وأفائل، وتبيع وتبائع. وَقَالَ أهل الْبَصْرَة: تَقْدِير سيد فيعل، جمع على فعلة كَأَنَّهُمْ جمعُوا سائداً مِثَال: قَائِد وقادة، وزائد وزادة. وَالدَّال فِي سودد زَائِدَة للإلحاق بِبِنَاء فعلل مِثَال: برقع. وَقَالَ الْفراء: يُقَال: هَذَا سيد قومه الْيَوْم، فَإِذا أخْبرت أَنه عَن قَلِيل يكون سيدهم، قلت: هُوَ سائد قومه عَن قَلِيل، وَسيد. وَقَالَ الْكسَائي: السَّيِّد من الْمعز المسن، وَقَالَ ابْن فَارس: سمي السَّيِّد سيداً لِأَن النَّاس يلتجئون إِلَى سوَاده، أَي شخصه، وَقَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: 25) أَي زَوجهَا. وَقَالَ تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عمرَان: 39) السَّيِّد الَّذِي يفوق فِي الْخَيْر قومه. وَيُقَال: السَّيِّد الْحَلِيم. (وَجَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل فَقَالَ: أَنْت سيد قُرَيْش؟ فَقَالَ: السَّيِّد الله تَعَالَى) . قَالَ الْأَزْهَرِي: كره أَن يمدح فِي وَجهه، وَأحب التَّوَاضُع. وَقَالَ عِكْرِمَة: السَّيِّد الَّذِي لَا يغلبه غَضَبه. وَقَالَ قَتَادَة: السَّيِّد العابد. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعَرَب تَقول: السَّيِّد كل مقهور مغمور بحلمه. وَقَالَ الْفراء: السَّيِّد الْمَالِك، وَفُلَان أسود من فلَان أَي أَعلَى سودداً مِنْهُ، وساودت الرجل من سَواد اللَّوْن وَمن السودد جَمِيعًا أَي غالبته. الرَّابِع: قَالَ ابْن بطال: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذَلِك لِأَن من سوده النَّاس يستحي أَن يقْعد مقْعد المتعلم خوفًا على رياسته عِنْد الْعَامَّة. وَقَالَ يحيى بن معِين: من عَاجل الرياسة فَاتَهُ علم كثير. وَقيل: إِن السِّيَادَة تحصل بِالْعلمِ، وَكلما زَاد الْعلم زَادَت السِّيَادَة بِهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض النّسخ بدل: تفهموا تفقهوا، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْأَمر. قلت: الْمَشْهُور من الرِّوَايَة: تفقهوا، فَإِنَّهُ يحث بِهِ على تَحْصِيل الْفِقْه. وَفِي كتاب ابْن عمر: قَالَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفضل النَّاس أفضلهم عملا إِذا فقهوا فِي دينهم) . وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَلا انبؤكم بالفقيه كل الْفَقِيه؟ قَالُوا: بلَى، قَالَ: من لم يقنط النَّاس من رَحْمَة الله، وَلم يؤيسهم من روح الله، وَلم يؤمنهم من مكر الله، وَلَا يدع الْقُرْآن رَغْبَة عَنهُ إِلَى مَا سواهُ أَلا لَا خير فِي عبَادَة لَيْسَ فِيهَا فقه، وَلَا علم لَيْسَ فِيهِ تفهم، وَلَا قِرَاءَة لَيْسَ فِيهَا تدبر) . قَالَ أَبُو عمر: لم يَأْتِ هَذَا الحَدِيث مَرْفُوعا إلاَّ من هَذَا الْوَجْه، وَأَكْثَرهم يوقفونه على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن شَدَّاد بن أَوْس يرفعهُ: (لَا يفقه العَبْد كل الْفِقْه حَتَّى يمقت النَّاس فِي ذَات الله تَعَالَى، وَلَا يفقه العَبْد كل الْفِقْه حَتَّى يرى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَة) . وَقَالَ أَبُو عمر: لَا يَصح مَرْفُوعا، وَإِنَّمَا الصَّحِيح أَنه من قَول أبي الدَّرْدَاء. وَصدقَة السمين رَاوِيه مَرْفُوعا مجمع على ضعفه. وَقَالَ قَتَادَة:
من لم يعرف الِاخْتِلَاف لم يشم الْفِقْه بِأَنْفِهِ. وَقَالَ ابْن أبي عرُوبَة: لَا نعده عَالما، وَكَذَا قَالَه عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه. وَقَالَ الْحَارِث بن يَعْقُوب: الْفَقِيه من فقه فِي الْقِرَاءَة، وَعرف مكيدة الشَّيْطَان. قَالَ أبوُ عبْدِ اللَّهِ: وبعْدَ أنْ تُسوَّدُوا، وقدْ تَعَلَّمَ أصْحابُ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كِبَرِ سِنّهِمْ. هَذِه زيادات جَاءَت فِي رِوَايَة الْكشميهني فَقَط، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بقوله: (قَالَ أَبُو عبد اللَّه) ، نَفسه لِأَن كنيته أَبُو عبد اللَّه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَا بُد من مُقَدّر يتَعَلَّق بِهِ لفظ: وَبعد، وَالْمُنَاسِب أَن يقدر: لفظ تفهموا، يَعْنِي الْمَاضِي، فَيكون لفظ: (تسودوا) بِفَتْح التَّاء مَاضِيا كَمَا أَنه يحْتَمل أَن يكون: تسودوا، من التسويد الَّذِي من السوَاد، أَي: بعد أَن يسودوا لحيتهم مثلا، أَي: فِي كبرهم، أَو أَي: بعد زَوَال السوَاد أَي فِي الشيب. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. قلت: هَذَا كُله تعسف خَارج عَن مَقْصُود البُخَارِيّ، إِذْ مَقْصُوده الْأَمر بالتفقه قبل السِّيَادَة وَبعدهَا. فَقَوله: (وَبعد أَن تسودوا) عطف على قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: قبل أَن تسودوا، وَهُوَ أَيْضا، بِضَم التَّاء كَمَا فِي قَول عمر: رَضِي الله عَنهُ، وَالْمعْنَى: تفقهوا قبل أَن تسودوا وتفقهوا بعد أَن تسودوا، إِذْ لَا يجوز ترك التفقه بعد السِّيَادَة، إِذا فَاتَهُ قبلهَا، وَالدَّلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا أَن البُخَارِيّ أكد ذَلِك بقوله: وَقد تعلم أَصْحَاب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي كبر سنهم، لِأَن النَّاس الَّذين آمنُوا بِالنَّبِيِّ، عَلَيْهِ السَّلَام، وهم كبار مَا تفقهوا إلاَّ فِي كبر سنهم. 73 - حدّثناالحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدثنَا سُفيانُ قَالَ: حدْثني إسْماعِيلُ بنُ أبي خالِدٍ عَلى غيْرِ مَا حدثناهُ الزُّهريُّ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بنَ أبي حازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لاَ حَسَدَ إلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ الله مَالا فَسُلِّطَ عَلى هَلَكَتهِ فِي الحَقِّ، ورَجُلٌ آتاهُ الله الحكْمَة فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُها) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ حمل مَا وَقع فِي الحَدِيث من لفظ الْحَسَد على الْغِبْطَة، فَأخْرجهُ عَن ظَاهره وَحمله على الْغِبْطَة، وتمني الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَترْجم الْبَاب عَلَيْهِ. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة، وَالْكل قد ذكرُوا، والْحميدِي: هُوَ أَبُو بكر عبد اللَّه بن الزبير ابْن عِيسَى الْمَكِّيّ، صَاحب الشَّافِعِي، أَخذ عَنهُ ورحل مَعَه إِلَى مصر، وَلما مَاتَ الشَّافِعِي رَجَعَ إِلَى مَكَّة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد ذكر أَن الزُّهْرِيّ حَدثهُ بِهَذَا الحَدِيث بِلَفْظ غير اللَّفْظ الَّذِي حَدثهُ بِهِ إِسْمَاعِيل، وَهُوَ معنى قَوْله: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد على غير مَا حدّثنَاهُ الزُّهْرِيّ، بِرَفْع الزُّهْرِيّ، لِأَنَّهُ فَاعل: حدث، و: نَا، مَفْعُوله، وَالضَّمِير يرجع إِلَى الحَدِيث الَّذِي يدل عَلَيْهِ: حَدثنَا، وَالْغَرَض من هَذَا الْإِشْعَار بِأَنَّهُ سمع ذَلِك من إِسْمَاعِيل على وَجه غير الْوَجْه الَّذِي سمع من الزُّهْرِيّ، إِمَّا مُغَايرَة فِي اللَّفْظ، وَإِمَّا مُغَايرَة فِي الْإِسْنَاد، وَإِمَّا غير ذَلِك. وَفَائِدَته: التقوية وَالتَّرْجِيح بتعداد الطّرق، وَرِوَايَة سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ أخرجهَا البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَنهُ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَرَوَاهَا مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَغَيره عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ: ثَنَا الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، سَاقه مُسلم تَاما، وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا تَاما فِي فَضَائِل الْقُرْآن من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي سَالم بن عبد اللَّه بن عمر، فَذكره. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى الْقطَّان. وَفِي الْأَحْكَام وَفِي الِاعْتِصَام عَن شهَاب بن عباد عَن إِبْرَاهِيم بن حميد الرواسِي. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير عَن أَبِيه، وَمُحَمّد بن بشر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير ووكيع وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد اللَّه بن الْمُبَارك، ثمانيتهم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَنهُ بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (لَا حسد) ، الْحَسَد: تمني الرجل أَن يحول الله إِلَيْهِ نعْمَة الآخر أَو فضيلته، ويسلبهما عَنهُ.
وَفِي (مجمع الغرائب) : الْحَسَد أَن يرى الْإِنْسَان لِأَخِيهِ نعْمَة فيتمنى أَن تكون لَهُ وتزول عَن أَخِيه، وَهُوَ مَذْمُوم. والغبط: أَن يرى النِّعْمَة فيتمناها لنَفسِهِ من غير أَن تَزُول عَن صَاحبهَا، وَهُوَ مَحْمُود. وَقَالَ ثَعْلَب: المنافسة أَن يتَمَنَّى مثل مَا لَهُ من غير أَن يفْتَقر وَهُوَ مُبَاح. وَيُقَال: الْحَسَد تمني زَوَال النِّعْمَة عَن الْمُنعم عَلَيْهِ، وَبَعْضهمْ خصّه بِأَن يتَمَنَّى ذَلِك لنَفسِهِ، وَالْحق أَنه أَعم. وَقَالَ ابْن سَيّده: يُقَال: حسده يحسده ويحسده حسداً، وَرجل حَاسِد من قوم حسد وَالْأُنْثَى بِغَيْر هَاء، وهم يتحاسدون. وحسده على الشَّيْء وحسده إِيَّاه. وَفِي (الصِّحَاح) : يحسده حسوداً. وَقَالَ الْأَخْفَش: وَبَعْضهمْ يَقُول: يحسده بِالْكَسْرِ، والمصدر حسد بِالتَّحْرِيكِ، وحسادة، وهم قوم حسدة مثل: حَامِل وَحَملَة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْحَسَد مَأْخُوذ من الحسود، وَهُوَ القراد، فَهُوَ يقشر الْقلب كَمَا يقشر القراد الْجلد فيمص الدَّم. قَوْله: (آتَاهُ الله) بِالْمدِّ فِي أَوله، أَي: اعطاه الله من الإيتاء وَهُوَ الْإِعْطَاء. قَوْله: (على هَلَكته) ، بِفَتْح اللَّام، أَي: هَلَاكه. وَفِي (الْعباب) : هلك الشَّيْء يهْلك بِالْكَسْرِ هَلَاكًا وهلوكاً ومهلكاً ومهلكاً وتهلوكاً وهلكة وتهلكةً وتهلكة. قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} (الْبَقَرَة: 195) وَقَرَأَ الْخَلِيل: إِلَى التَّهْلُكَة، بِالْكَسْرِ. قَالَ اليزيدي: التَّهْلُكَة، بِضَم اللَّام، من نَوَادِر المصادر وَلَيْسَت مِمَّا يجْرِي على الْقيَاس. وَهلك يهْلك مِثَال: شرك يُشْرك لُغَة فِيهِ. قَوْله: (الْحِكْمَة) المُرَاد بهَا الْقُرْآن، وَالله أعلم. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (لَا حسد إلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رجل علمه الله الْقُرْآن فَهُوَ يتلوه آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار، وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يهلكه) . وَفِي رِوَايَة: (يُنْفِقهُ فِي الْحق) . وَفِي مُسلم نَحوه من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (لَا حسد) ، كلمة: لَا، لنفي الْجِنْس، و: حسد، اسْمه مَبْنِيّ على الْفَتْح، وَخَبره مَحْذُوف أَي: لَا حسد جَائِز، أَو صَالح، أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (رجل) ، يجوز فِيهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة من الْإِعْرَاب: الرّفْع على تَقْدِير إِحْدَى الِاثْنَيْنِ خصْلَة رجل، فَلَمَّا حذف الْمُضَاف اكتسى الْمُضَاف إِلَيْهِ إعرابه. وَالنّصب على إِضْمَار: أَعنِي رجلا، وَهِي رِوَايَة ابْن مَاجَه. والجر على أَنه بدل من اثْنَيْنِ. وَأما على رِوَايَة اثْنَتَيْنِ بِالتَّاءِ فَهُوَ بدل أَيْضا على تَقْدِير حذف الْمُضَاف أَي خصْلَة رجل لِأَن الاثنتين مَعْنَاهُ خَصْلَتَيْنِ، على مَا يَجِيء. قَوْله: (آتَاهُ الله مَالا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، والمفعولين أَحدهمَا الضَّمِير الْمَنْصُوب وَالْآخر: مَالا، وَهِي فِي مَحل الرّفْع أَو الْجَرّ أَو النصب على تَقْدِير إِعْرَاب الرجل، لِأَنَّهَا وَقعت صفته. قَوْله: (فَسلط) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهِي رِوَايَة أبي ذَر، وَرِوَايَة البَاقِينَ، فَسَلَّطَهُ عطفا على: آتَاهُ. وَعبر بالتسليط لدلالته على قهر النَّفس المجبولة على الشُّح. قَوْله: (وَرجل) عطف على رجل الأول، وَإِعْرَابه فِي الْأَوْجه كإعرابه. قَوْله: (آتَاهُ الله الْحِكْمَة) مثل: (آتَاهُ الله مَالا) . قَوْله: (فَهُوَ يقْضِي بهَا) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر عطف على مَا قبلهَا. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أَي: لَا حسد فِي شَيْء إلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ، أَي: فِي خَصْلَتَيْنِ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات بِالتَّاءِ. ويروى: (إِلَّا فِي اثْنَيْنِ) ، أَي: شَيْئَيْنِ. فَإِن قلت: الْحَسَد مَوْجُود فِي الْحَاسِد لَا فِي اثْنَتَيْنِ، فَمَا معنى هَذَا الْكَلَام؟ قلت: الْمَعْنى لَا حسد للرجل إِلَّا فِي شَأْن اثْنَتَيْنِ، لَا يُقَال: قد يكون الْحَسَد فِي غَيرهمَا فَكيف يَصح الْحصْر؟ لأَنا نقُول: المُرَاد لَا حسد جَائِز فِي شَيْء من الْأَشْيَاء إلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ، أَو الْمَعْنى: لَا رخصَة فِي الْحَسَد فِي شَيْء إلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ. فَإِن قلت: مَا فِي هذَيْن الِاثْنَيْنِ غِبْطَة، وَهُوَ غير الْحَسَد، فَكيف يُقَال: لَا حسد؟ قلت: أطلق الْحَسَد وَأَرَادَ الْغِبْطَة، من قبيل إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى الْحَسَد هَهُنَا شدَّة الْحِرْص وَالرَّغْبَة، كنى بِالْحَسَدِ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُمَا سَببه والداعي إِلَيْهِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ البُخَارِيّ اغتباطاً. وَقد جَاءَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مَا يبين ذَلِك، فَقَالَ فِيهِ: (لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل) . ذكره البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب اغتباط صَاحب الْقُرْآن، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، فَلم يتمن السَّلب، وَإِنَّمَا تمنى أَن يكون مثله. وَقد تمنى ذَلِك الصالحون والأخيار، وَفِيه قَول بِأَنَّهُ تَخْصِيص لإباحة نوع من الْحَسَد. وَإِخْرَاج لَهُ عَن جملَة مَا حظر مِنْهُ كَمَا رخص فِي نوع من الْكَذِب. وَإِن كَانَت جملَته محظورة، فَالْمَعْنى لَا إِبَاحَة فِي شَيْء من الْحَسَد إلاَّ فِيمَا كَانَ هَذَا سَبيله، أَي: لَا حسد مَحْمُود إلاَّ هَذَا، وَقيل: إِنَّه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع بِمَعْنى: لَكِن فِي اثْنَتَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون من قبيل قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: 56) أَي: لَا حسد إلاَّ فِي هذَيْن الِاثْنَيْنِ، وَفِيهِمَا: لَا حسد أَيْضا، فَلَا حسد أصلا. قلت: الْمَعْنى فِي الْآيَة: لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت الْبَتَّةَ، فَوَقع قَوْله: إلاَّ الموتة الأولى، موقع ذَلِك، لِأَن الموتة الْمَاضِيَة محَال ذوقها فِي الْمُسْتَقْبل، فَهُوَ من بَاب التَّعْلِيق بالمحال، كَأَنَّهُ قيل: إِن كَانَت الموتة الأولى يَسْتَقِيم ذوقها فِي الْمُسْتَقْبل، فَإِنَّهُم يذوقونها فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَا
- (باب ما ذكر في ذهاب موسى صلى الله عليه في البحر إلى الخضر)
يَتَأَتَّى هَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله: (لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَيْنِ) ، فَكيف يكون من قبيل الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَفِي الْآيَة جَمِيع الْمَوْت منفي. بِخِلَاف الْحَسَد، فَإِن جَمِيعه لَيْسَ بمنفي، فَإِن الْحَسَد فِي الْخيرَات ممدوح، وَلِهَذَا نكر الْحَاسِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن شَرّ حَاسِد إِذا حسد} (الفلق: 5) لِأَن كل حَاسِد لَا يضر. قَالَ أَبُو تَمام: (وَمَا حَاسِد فِي المكرمات بحاسد) وَكَذَلِكَ نكر الْغَاسِق، لِأَن كل غَاسِق لَا يكون فِيهِ الشَّرّ، وَإِنَّمَا يكون فِي بعض دون بعض، بِخِلَاف النفاثات، فَإِنَّهُ عرف، لِأَن كل نفاثة شريرة. قَوْله: (مَالا) ، إِنَّمَا نكره وَعرف الْحِكْمَة، لِأَن المُرَاد من الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء الَّتِي جَاءَ الشَّرْع بهَا، يَعْنِي الشَّرِيعَة، فَأَرَادَ التَّعْرِيف بلام الْعَهْد، أَو المُرَاد مِنْهُ الْقُرْآن كَمَا ذكرنَا، فَاللَّام للْعهد أَيْضا بِخِلَاف المَال، فَلهَذَا دخل صَاحبه بِأَيّ قدر من المَال أهلكه فِي الْحق تَحت هَذَا الحكم. قَوْله: (فَسلط على هَلَكته) ، فِي هَذِه الْعبارَة مبالغتان: احداهما: التسليط فَإِنَّهُ يدل على الْغَلَبَة وقهر النَّفس المجبولة على الشُّح الْبَالِغ، وَالْأُخْرَى: لفظ: على هَلَكته، فَإِنَّهُ يدل على أَنه لَا يبقي من المَال شَيْئا، وَلما أوهم اللفظان التبذير، وَهُوَ صرف المَال فِيمَا لَا يَنْبَغِي، ذكر قَوْله: (فِي الْحق) ، دفعا لذَلِك الْوَهم. وَكَذَا الْقَرِينَة الْأُخْرَى اشْتَمَلت على مبالغتين إِحْدَاهمَا: الْحِكْمَة، فَإِنَّهَا تدل على علم دَقِيق مُحكم. وَالْأُخْرَى: الْقَضَاء بَين النَّاس وتعليمهم، فَإِنَّهَا من خلَافَة النُّبُوَّة، ثمَّ إِن لفظ الْحِكْمَة إِشَارَة إِلَى الْكَمَال العلمي ويفضي إِلَى الْكَمَال العملي، وبكليهما إِلَى التَّكْمِيل. والفضيلة إِمَّا داخلية، وَإِمَّا خارجية. وأصل الْفَضَائِل الداخلية الْعلم، وأصل الْفَضَائِل الخارجية المَال. ثمَّ الْفَضَائِل، إمَّا تَامَّة، وإمَّا فَوق التَّامَّة، وَالْأُخْرَى أفضل من الأولى لِأَنَّهَا كَامِلَة متعدية، وَهَذِه قَاصِرَة غير متعدية. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَمعنى الحَدِيث التَّرْغِيب فِي طلب الْعلم وتعلمه وَالتَّصَدُّق بِالْمَالِ، وَقيل: إِنَّه تَخْصِيص لإباحة نوع من الْحَسَد، كَمَا رخص فِي نوع من الْكَذِب. قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الْكَذِب لَا يحل إلاَّ فِي ثَلَاث) الحَدِيث. والحسد على ثَلَاثَة أضْرب: محرم ومباح ومحمود، فالمحرم: تمني زَوَال النِّعْمَة الْمَحْسُود عَلَيْهَا عَن صَاحبهَا وانتقالها إِلَى الْحَاسِد. وَأما القسمان الْآخرَانِ فغبطة، وَهُوَ أَن يتَمَنَّى مَا يرَاهُ من خير بأحدٍ أَن يكون لَهُ مثله، فَإِن كَانَت فِي أُمُور الدُّنْيَا فمباح، وَإِن كَانَت من الطَّاعَات فمحمود. قَالَ النَّوَوِيّ: الأول حرَام بِالْإِجْمَاع. وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء: إِذا أنعم الله تَعَالَى على أَخِيك نعْمَة، فكرهتها واحببت زَوَالهَا، فَهُوَ حرَام بِكُل حَال، إلاّ نعْمَة أَصَابَهَا كَافِر أَو فَاجر، أَو من يَسْتَعِين بهَا على فتْنَة أَو فَسَاد. وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه من الْفِقْه أَن الْغَنِيّ إِذا قَامَ بِشُرُوط المَال، وَفعل مَا يُرْضِي ربه تبَارك وَتَعَالَى فَهُوَ أفضل من الْفَقِير الَّذِي لَا يقدر على مثل هَذَا، وَالله أعلم. 16 - (بَاب مَا ذُكِرَ فِي ذَهابِ مُوسَى صَلَّى الله عَلَيْهِ فِي البَحْرِ إِلى الخضِرِ) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي مَا ذكر ... إِلَى آخِره، وارتفاع: بَاب، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده: والذهاب، الْفَتْح مصدر ذهب. قَالَ الصغاني: وَذهب مر ذَاهِبًا ومذهباً وذهوباً. وَذهب مذهبا حسنا. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الِاغْتِبَاط فِي الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِي التَّرْغِيب فِي احْتِمَال الْمَشَقَّة فِي طلب الْعلم، وَمَا يغتبط فِيهِ يتَحَمَّل فِيهِ الْمَشَقَّة، وَوجه آخر وَهُوَ: أَن المغتبط شَأْنه الِاغْتِبَاط، وَإِن بلغ الْمحل الْأَعْلَى من كل الْفَضَائِل. وَهَذَا الْبَاب فِيهِ أَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يمنعهُ بُلُوغه من السِّيَادَة الْمحل الْأَعْلَى من طلب الْفَضِيلَة والكمال حَتَّى قاسى تَعب الْبر وركوب الْبَحْر. الثَّالِث: أَن هَذَا التَّرْكِيب يُفِيد أَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ركب الْبَحْر لما توجه فِي طلب الْخضر، مَعَ أَن الَّذِي ثَبت عِنْد البُخَارِيّ وَغَيره أَنه خرج إِلَى الْبر، وَإِنَّمَا ركب الْبَحْر فِي السَّفِينَة هُوَ وَالْخضر بعد أَن التقيا، وَيُمكن أَن يُوَجه هَذَا بتوجيهين: أَحدهمَا: أَن الْمَقْصُود من الذّهاب إِنَّمَا حصل بِتمَام الْقِصَّة، وَمن تَمامهَا أَنه ركب مَعَ الْخضر الْبَحْر. فَأطلق على جَمِيعهَا ذَهَابًا مجَازًا من قبيل إِطْلَاق أسم الْكل على الْبَعْض، أَو من قبيل تَسْمِيَة السَّبَب باسم مَا تسبب عَنهُ. الآخر: أَن الظّرْف، وَهُوَ قَوْله: فِي الْبَحْر، فِي قَوْله: (وَكَانَ يتبع أثر الْحُوت فِي الْبَحْر) ، يحْتَمل أَن يكون لمُوسَى، وَيحْتَمل أَن يكون للحوت، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَعَلَّهُ قوى عِنْده أحد الِاحْتِمَالَيْنِ بِمَا روى عبد بن حميد عَن أبي الغالية: أَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، التقى بالخضر فِي جَزِيرَة من جزائر الْبَحْر. انْتهى. والتوصل إِلَى جَزِيرَة فِي الْبَحْر لَا يَقع إلاَّ بسلوك الْبَحْر، وَبِمَا رَوَاهُ أَيْضا من طَرِيق الرّبيع بن أنس قَالَ: انجاب المَاء عَن مَسْلَك الْحُوت، فَصَارَ طَاقَة مَفْتُوحَة، فَدَخلَهَا مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على أثر الْحُوت حَتَّى انْتهى إِلَى الْخضر، فهذان
الأثران الموقوفان بِرِجَال ثِقَات يوضحان أَنه ركب الْبَحْر إِلَيْهِ. وَعَن هَذَا قَالَ ابْن رشيد: يحْتَمل أَن يكون ثَبت عِنْد البُخَارِيّ أَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، توجه فِي الْبَحْر لما طلب الْخضر، وَحمل ابْن الْمُنِير كلمة: إِلَى، بِمَعْنى: مَعَ، يَعْنِي: مَعَ الْخضر، وَقَالَ بَعضهم: يحمل قَوْله: إِلَى الْخضر، على أَن فِيهِ حذفا، أَي: إِلَى قصد الْخضر، لِأَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يركب الْبَحْر لحَاجَة نَفسه، وَإِنَّمَا رَكبه تبعا للخضر. قلت: هَذَا لَا يَقع جَوَابا عَن الْإِشْكَال الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام طائح، وَلَا يخفى ذَلِك. الرَّابِع: أَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ ابْن عمرَان بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يَعْقُوب ابْن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، ولد وعُمِّر عمرَان سَبْعُونَ سنة، وعْمرِّ عمرَان مائَة وَسبعا وَثَلَاثِينَ سنة، وعُمِّر مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، مائَة وَعشْرين سنة. وَقَالَ الْفربرِي: مَاتَ مُوسَى وعمره مائَة وَسِتُّونَ سنة، وَكَانَت وَفَاته فِي التيه فِي سَابِع آذار لمضي ألف سنة وسِتمِائَة وَعشْرين سنة من الطوفان فِي أَيَّام منوجهر الْملك، وَكَانَ عمره لما خرج ببني إِسْرَائِيل من مصر ثَمَانِينَ سنة، وَأقَام بالتيه أَرْبَعِينَ سنة. وَلما مَاتَ الريان بن الْوَلِيد الَّذِي ولَّى يُوسُف على خَزَائِن مصر، وَأسلم على يَدَيْهِ ملك بعده قَابُوس بن مُصعب، فَدَعَاهُ يُوسُف إِلَى الْإِسْلَام فَأبى، وَكَانَ جباراً، وَقبض الله يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، وَطَالَ ملكه. ثمَّ هلك وَملك بعده أَخُوهُ الْوَلِيد بن مُصعب بن رَيَّان بن أراشة بن شرْوَان بن عَمْرو بن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سَام بن نوح، عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَ أَعْتَى من قَابُوس، وامتدت أَيَّام ملكه حَتَّى كَانَ فِرْعَوْن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام الَّذِي بَعثه الله إِلَيْهِ، وَلم يكن فِي الفراعنة أَعْتَى مِنْهُ وَلَا أطول عمرا فِي الْملك مِنْهُ، عَاشَ أَربع مائَة سنة. ومُوسَى مُعرب: موشى، بالشين الْمُعْجَمَة، سمته بِهِ آسِيَة بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن لما وجدوه فِي التابوت، وَهُوَ اسْم اقْتَضَاهُ حَاله، لِأَنَّهُ وجد بَين المَاء وَالشَّجر. فمو، بلغَة القبط المَاء، و: شى، الشّجر فعرب فَقيل: مُوسَى، وَقَالَ الصغاني: هُوَ عبراني عرب، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: مُوسَى اسْم رجل، وَزنه مفعل، فعلى هَذَا يكون مصروفاً فِي النكرَة. وَقَالَ الْكسَائي: وَزنه: فعلى، وَهُوَ لَا ينْصَرف بِحَال. قلت: إِن كَانَ عَرَبيا يكون اشتقاقه من الموس، وَهُوَ حلق الشّعْر، فالميم أَصْلِيَّة. وَيُقَال من: أوسيت رَأسه، إِذا حلقته بِالْمُوسَى، فعلى هَذَا: الْمِيم، زَائِدَة. وَقَالَ ابْن فَارس: النِّسْبَة إِلَيْهِ موسي، وَذَلِكَ لِأَن الْيَاء فِيهِ زَائِدَة، كَذَا قَالَ الْكسَائي، وَقَالَ ابْن السّكيت فِي كتاب (التصغير) : تَصْغِير اسْم رجل مويسي، كَأَن مُوسَى فعلى. وَإِن شِئْت قلت: مويسى، بِكَسْر السِّين، وَإِسْكَان الْيَاء غير منونة. وَيُقَال فِي النكرَة: هَذَا مويسى ومويس آخر، فَلم تصرف الأول لِأَنَّهُ أعجمي معرفَة، وصرفت الثَّانِي لِأَنَّهُ نكرَة. ومُوسَى فِي هَذَا التصغير مفعل. قَالَ: فَأَما مُوسَى الحديدة فتصغيرها: مويسية، فَمن قَالَ: هَذِه مُوسَى ومويس، قَالَ: وَهِي تذكر وتؤنث، وَهِي من الْفِعْل: مفعل، وَالْيَاء أَصْلِيَّة. الْخَامِس: الْبَحْر خلاف الْبر، قيل: سمي بذلك لعمقه واتساعه، وَالْجمع أبحر وبحار وبحور. وَقَالَ ابْن السّكيت: تَصْغِير بحور وبحار أبيحر. وَلَا يجوز أَن تصغر بحار على لَفظهَا، فَتَقول: بحير لَان ذَلِك مضارع الْوَاحِد فَلَا يكون بَين تَصْغِير الْوَاحِد وتصغير الْجمع إلاَّ التَّشْدِيد، وَالْعرب تنزل المشدد منزلَة المخفف، والتركيب يدل على الْبسط والتوسع. وَاخْتلفُوا فِي الْبَحْرين فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا أَبْرَح حَتَّى أبلغ مجمع الْبَحْرين} (الْكَهْف: 60) فَقيل: هُوَ ملتقي بحري فَارس وَالروم. مِمَّا يَلِي الْمشرق. وَقيل: طنجة. وَقيل: أفريقية. وَذكر السُّهيْلي: أَنَّهَا بَحر الْأُرْدُن وبحر القلزم. وَقيل: بَحر الْمغرب وبحر الزقاق. قلت: بَحر فَارس ينبعث من بَحر الْهِنْد شمالاً بَين مكران، وَهِي على فَم بَحر فَارس من شرقيه، وَبَين عمان وَهِي على فَم بَحر فَارس من غربيه، وبحر الرّوم هُوَ بَحر أفريقية وَالشَّام، يَمْتَد من عِنْد الْبَحْر الْأَخْضَر إِلَى الْمشرق، ويتصل بطرسوس، وبحر طنجة بَينهَا وَبَين سبتة وَغَيرهمَا من بر العدوة من الأندلس. وبحر أفريقية هُوَ بَحر طرابلس الغرب يَمْتَد مِنْهَا شرقاً حَتَّى يتَجَاوَز حُدُود أفريقية، وَهُوَ الَّذِي يتَّصل بإسكندرية، وَالْكل يُسمى بَحر الرّوم. وَإِنَّمَا يُضَاف إِلَى الْبِلَاد عِنْد الِاتِّصَال إِلَيْهَا، وبحر القلزم يَأْخُذ من القلزم، وَهِي بَلْدَة للسودان على طرفه الشمَال جنوباً بميله إِلَى الْمشرق، حَتَّى يصير عِنْد الْقصير، وَهِي فرْصَة قوص، والأردن: بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَضم الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَتَشْديد النُّون فِي آخرهَا، بَلْدَة من بِلَاد الْغَوْر من الشَّام، وَلَا أعرف بحراً ينْسب إِلَيْهَا وَإِنَّمَا نسب إِلَيْهَا نهر كَبِير يُسمى نهر الْأُرْدُن، وَهُوَ نهر الْغَوْر، وَيُسمى الشَّرِيعَة أَيْضا، وَآخره يَنْتَهِي إِلَى الْبحيرَة المنتنة، وَهِي بحيرة زغر. وبحر الزقاق بَين طنجة وبر الأندلس، هُنَاكَ يُسمى بَحر الزقاق، وَهُوَ يضيق هُنَاكَ و: وبحر الغرب: وَهُوَ الْبَحْر الْأَخْضَر، الَّذِي لَا يعرف إلاَّ مَا يَلِي الغرب من أقاصي الْحَبَشَة إِلَى خلف بِلَاد الرومية، وَهِي بِحَيْثُ لَا يدْرك آخرهَا، لِأَن المراكب لَا تجْرِي فِيهَا، وَله خليج إِلَى الأندلس وطنجة. السَّادِس: الْخضر، وَالْكَلَام فِيهِ على
أَنْوَاع. الأول: فِي اسْمه: فَذكر ابْن قُتَيْبَة فِي (المعارف) : عَن وهب بن مُنَبّه أَنه: بليا، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وبالياء آخر الْحُرُوف. وَيُقَال: إبليا، بِزِيَادَة الْهمزَة فِي أَوله، وَقيل اسْمه: خضرون، ذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي. وَقيل: ارميا، وَقيل: اسْمه: اليسع قَالَه مقَاتل، وَيُسمى بذلك لِأَن علمه وسع سِتّ سموات وست أَرضين، ووهاه ابْن الْجَوْزِيّ، وَالْيَسع اسْم أعجمي لَيْسَ بمشتق. وَقيل اسْمه: أَحْمد، حَكَاهُ الْقشيرِي، ووهاه ابْن دحْيَة، فَإِنَّهُ لم يسم أحد قبل نَبينَا، عَلَيْهِ السَّلَام، بذلك. وَقيل: عَامر، حَكَاهُ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه (مرج الْبَحْرين) ، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور، وَالْخضر، بِفَتْح الْخَاء وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة، لقبه. وَيجوز إسكان الضَّاد مَعَ كسر الْخَاء وَفتحهَا كَمَا فِي نَظَائِره. الثَّانِي: فِي سَبَب تلقيبه بذلك: وَهُوَ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح فِي كتاب الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: إِنَّمَا سمي الْخضر لِأَنَّهُ جلس على فَرْوَة بَيْضَاء فَإِذا هِيَ تهتز من خَلفه خضراء، والفروة وَجه الأَرْض. وَقيل: النَّبَات الْمُجْتَمع الْيَابِس، وَقيل: سمي بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ إِذا صلى اخضر مَا حوله، قَالَه مُجَاهِد. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا سمي بِهِ لحسنه وإشراق وَجهه، وكنيته أَبُو الْعَبَّاس. الثَّالِث فِي نسبه: فَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ بليا بن ملكان، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون اللَّام، ابْن فالغ بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقيل: خضرون بن عماييل بن الفتر بن الْعيص بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقيل: هُوَ ابْن حلقيا، وَقيل: ابْن قابيل بن آدم، وَذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي. وَقيل: إِنَّه كَانَ ابْن فِرْعَوْن صَاحب مُوسَى ملك مصر. وَهَذَا غَرِيب جدا. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: رَوَاهُ مُحَمَّد بن أَيُّوب عَن أبي لَهِيعَة وهما ضعيفان. وَقيل: إِنَّه ابْن ملك، وَهُوَ أَخُو الياس، قَالَه السّديّ. وَقيل: ابْن بعض من آمن بإبراهيم الْخَلِيل وَهَاجَر مَعَه، وروى الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: الْخضر أمه رُومِية، وَأَبوهُ فَارسي. وروى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْفَتْح القلانسي، حَدثنَا الْعَبَّاس بن عبد اللَّه، حَدثنَا دَاوُد بن الْجراح، حَدثنَا مقَاتل بن سُلَيْمَان عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْخضر ابْن آدم لصلبه، ونسىء لَهُ فِي أَجله حَتَّى يكذّب الدَّجَّال، وَهَذَا مُنْقَطع غَرِيب. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: قيل: إِنَّه الرَّابِع من أَوْلَاده، وَقيل: إِنَّه من ولد عيصوا، حَكَاهُ ابْن دحْيَة. وروى الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه من سبط هَارُون، وَكَذَا قَالَ ابْن إِسْحَاق. وَقَالَ عبد اللَّه بن مؤدب: إِنَّه من ولد فَارس. وَقَالَ بعض أهل الْكتاب: إِنَّه ابْن خَالَة ذِي القرنين. الرَّابِع. فِي أَي وَقت كَانَ: قَالَ الطَّبَرِيّ: كَانَ فِي أَيَّام أفريدون، قَالَ: وَقيل: كَانَ مُقَدّمَة ذِي القرنين الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ أَيَّام إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَذُو القرنين عِنْد قوم هُوَ أفريدون. وَيُقَال: إِنَّه كَانَ وَزِير ذِي القرنين، وَإنَّهُ شرب من مَاء الْحَيَاة. وَذكر الثَّعْلَبِيّ اخْتِلَافا أَيْضا: هَل كَانَ فِي زمن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، أم بعده بِقَلِيل أم بِكَثِير، وَذكر بَعضهم أَنه كَانَ فِي زمن سُلَيْمَان. عَلَيْهِ السَّلَام. وَأَنه المُرَاد بقوله: {قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب} (النَّمْل: 40) حَكَاهُ الدَّاودِيّ: وَيُقَال: كَانَ فِي زمن كستاسب بن لهراسب. قَالَ ابْن جرير: وَالصَّحِيح أَنه كَانَ مقدما على زمن أفريدون حَتَّى أدْركهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام. الْخَامِس: هَل كَانَ وليا أَو نَبيا؟ وبالأول جزم الْقشيرِي، وَاخْتلف أَيْضا هَل كَانَ نَبيا مُرْسلا أم لَا؟ على قَوْلَيْنِ. وَأغْرب مَا قيل: إِنَّه من الْمَلَائِكَة. وَالصَّحِيح أَنه نَبِي، وَجزم بِهِ جمَاعَة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ نَبِي على جَمِيع الْأَقْوَال معمر مَحْجُوب عَن الْأَبْصَار، وَصَححهُ ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا فِي كِتَابه، لقَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنهُ: {وَمَا فعلته عَن امري} (الْكَهْف: 82) فَدلَّ على أَنه نَبِي أُوحِي إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ أعلم من مُوسَى فِي علم مَخْصُوص، وَيبعد أَن يكون ولي أعلم من نَبِي وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون أُوحِي إِلَى نَبِي فِي ذَلِك الْعَصْر يَأْمر الْخضر بذلك، وَلِأَنَّهُ أقدم على قتل ذَلِك الْغُلَام، وَمَا ذَلِك إلاَّ للوحي إِلَيْهِ فِي ذَلِك. لِأَن الْوَلِيّ لَا يجوز لَهُ الْإِقْدَام على قتل النَّفس بِمُجَرَّد مَا يلقى فِي خلده، لِأَن خاطره لَيْسَ بِوَاجِب الْعِصْمَة. السَّادِس: فِي حَيَاته: فالجمهور على أَنه بَاقٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قيل: لِأَنَّهُ دفن آدم بعد خُرُوجهمْ من الطوفان فنالته دَعْوَة أَبِيه آدم بطول الْحَيَاة. وَقيل: لِأَنَّهُ شرب من عين الْحَيَاة. وَقَالَ ابْن الصّلاح: هُوَ حَيّ عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ والعامة مَعَهم فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا شَذَّ بإنكاره بعض الْمُحدثين، وَنَقله النَّوَوِيّ عَن الْأَكْثَرين. وَقيل: إِنَّه لَا يَمُوت إلاَّ فِي آخر الزَّمَان حَتَّى يرْتَفع الْقُرْآن. وَفِي (صَحِيح مُسلم) ، فِي حَدِيث الدَّجَّال: أَنه يقتل رجلا ثمَّ يحييه. قَالَ إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان، رَاوِي كتاب مُسلم: يُقَال لَهُ: إِنَّه الْخضر، وَكَذَلِكَ قَالَ معمر فِي مُسْنده، وَأنكر حَيَاته جمَاعَة مِنْهُم البُخَارِيّ وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَابْن الْمَنَاوِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ. فَإِن قيل: خضر علم، فَكيف دخل عَلَيْهِ آلَة التَّعْرِيف؟ قيل لَهُ: قد يتَأَوَّل الْعلم بِوَاحِد من الْأمة المساوية، فَيجْرِي مجْرى رجل وَفرس، فَيجْرِي على إِضَافَته وعَلى إِدْخَال اللَّام
عَلَيْهِ، ثمَّ بعض الْأَعْلَام دُخُول لَام التَّعْرِيف عَلَيْهِ لَازم نَحْو: النَّجْم والثريا، وَبَعضهَا غير لَازم نَحْو: الْحَارِث وَالْخضر من هَذَا الْقسم. قلت: الْعلم إِذا لوحظ فِيهِ معنى الْوَصْف يجوز إِدْخَال اللَّام عَلَيْهِ، كالعباس وَالْحسن، وَغَيرهمَا. وقوْلِهِ تعالَى {هَلْ أَتَّبِعُكَ علَى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشدْاً} (الْكَهْف: 66) وَقَوله، مجرور عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي قَوْله: بَاب مَا ذكر ... الخ وَهَذَا أَيْضا من التَّرْجَمَة. وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى شرف الْعلم حَتَّى جَازَت المخاطرة فِي طلبه بركوب الْبَحْر، وَركبهُ الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي طلبه بِخِلَاف ركُوب الْبَحْر فِي طلب الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ يكره عِنْد جمَاعَة، وَإِلَى اتِّبَاع الْعلمَاء لأجل تَحْصِيل الْعُلُوم الَّتِي لَا تُوجد إلاَّ عِنْدهم. قَوْله: (هَل اتبعك) حِكَايَة عَن خطاب مُوسَى الْخضر، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، سَأَلَهُ أَن يُعلمهُ من الْعلم الَّذِي عِنْده، مِمَّا لم يقف عَلَيْهِ مُوسَى، وَكَانَ لَهُ ذَلِك ابتلاء حَيْثُ لم يكل الْعلم إِلَى الله تَعَالَى. قَوْله: (الْآيَة) بِالنّصب على تَقْدِير: تذكر الْآيَة، وَيجوز الرّفْع على أَن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، أَي: الْآيَة بِتَمَامِهَا. وَذكر الْأصيلِيّ فِي رِوَايَته بَاقِي الْآيَة، وَهُوَ قَوْله: {مِمَّا علمت رشدا} (الْكَهْف: 66) . 16 - (حَدثنِي مُحَمَّد بن غرير الزُّهْرِيّ قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنِي أبي عَن صَالح عَن ابْن شهَاب حدث أَن عبيد الله بن عبد الله أخبرهُ عَن ابْن عَبَّاس أَنه تمارى هُوَ وَالْحر بن قيس بن حصن الْفَزارِيّ فِي صَاحب مُوسَى قَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ خضر فَمر بهما أَبى بن كَعْب فَدَعَاهُ ابْن عَبَّاس فَقَالَ إِنِّي تماريت أَنا وصاحبي هَذَا فِي صَاحب مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَى لقبه هَل سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يذكر شانه قَالَ نعم سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلأ من بني إِسْرَائِيل جَاءَهُ رجال فَقَالَ هَل تعلم أحدا أعلم مِنْك قَالَ مُوسَى لَا فَأوحى الله إِلَى مُوسَى بلَى عَبدنَا خضر فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَيْهِ فَجعل الله لَهُ الْحُوت آيَة وَقيل لَهُ إِذا فقدت الْحُوت فَارْجِع فَإنَّك ستلقاه وَكَانَ يتبع أثر الْحُوت وَمَا أنسانيه إِلَّا الشَّيْطَان أَن أذكرهُ قَالَ ذَلِك مَا كُنَّا نبغي فارتدا على آثارهما قصصاً فوجدا خضرًا فَكَانَ من شَأْنهمَا الَّذِي قصّ الله عز وَجل فِي كِتَابه) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي ذهَاب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْخضر وركوبه الْبَحْر وسؤاله مِنْهُ الِاتِّبَاع لأجل التَّعَلُّم والْحَدِيث بَين ذَلِك كُله (بَيَان رِجَاله) وهم تِسْعَة. الأول مُحَمَّد بن غرير بغين مُعْجمَة مَضْمُومَة وَرَاء مكررة بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ابْن الْوَلِيد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو عبد الله الْقرشِي الزهدي الْمدنِي نزيل سَمَرْقَنْد يعرف بالفربري روى عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ومطرف بن عبد الله النَّيْسَابُورِي روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن نصر التِّرْمِذِيّ وَعبد الله بن شبيب الْمَكِّيّ قَالَ الكلاباذي أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي الْكتاب فِي عَلامَة مَوَاضِع هُنَا وَالزَّكَاة وَفِي بني إِسْرَائِيل وَلَيْسَ فِي الْكتب وَالسّنة من اسْمه على هَذَا الْمِثَال وَهُوَ من الْأَفْرَاد. النَّبِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ويوسف الْقرشِي الْمدنِي الزُّهْرِيّ سَاكن بَغْدَاد روى عَن أَبِيه وَغَيره وروى عَنهُ أَحْمد وَيحيى بن معِين وعَلى بن الْمَدِينِيّ واسحق وَمُحَمّد بن يحيى الدهلي قَالَ ابْن سعد كَانَ ثِقَة مَأْمُونا وَلم ينزل بِبَغْدَاد ثمَّ خرج إِلَى الْحسن بن سهل بِفَم لصلح فَلم يزل مَعَه حَتَّى توفّي هُنَاكَ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ قلت فَلم الصُّلْح بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الْمِيم وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَفِي آخِره حاء مُهْملَة وَهِي بَلْدَة على دجلة قريبَة من وَاسِط وَقيل هُوَ نهر ميبسان. الثَّالِث أَبوهُ أعنى أَبَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَهُوَ من
جملَة شُيُوخ الشَّافِعِي رَحمَه الله وَقد مر ذكره فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان. الرَّابِع صَالح بن كيسَان التَّابِعِيّ تقدم ذكره فِي آخر قصَّة هِرقل توفّي وَهُوَ ابْن مائَة ونيف وَسِتِّينَ سنة ابْتَدَأَ بالتعليم وَهُوَ ابْن تسعين سنة الْخَامِس مُحَمَّد بن ابْن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ تقدم غير مرّة السَّادِس عبيد بن عبد الله بتصغير الابْن وتكبير الْأَب ابْن عُيَيْنَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة وَقد مر ذكره السَّابِع عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا الثَّامِن الْحر بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء ابْن قيس بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة ابْن حصن بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي نِسْبَة إِلَى فَزَارَة بن شَيبَان بن بغيض بن ريث بن غطفان وَهُوَ ابْن أخي عُيَيْنَة بن حصن كَانَ أحد الْوَفْد الَّذين قدمُوا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرجعه من تَبُوك وَكَانَ من جلساء عمر رَضِي الله عَنهُ التَّاسِع أبي بن كَعْب بن الْمُنْذر الْأنْصَارِيّ اقْرَأ هَذِه الْأمة شهد الْعقبَة وبدرا وَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ يَقُول أبي سيد الْمُسلمين روى لَهُ عَن رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مائَة وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهَا على ثَلَاثَة أَحَادِيث وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بأَرْبعَة وَمُسلم بسبعة مَاتَ سنة تسع عشرَة وَقيل عشْرين وَقيل ثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ روى لَهُ الْجَمَاعَة (بَيَان لطائف اسناده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والاخبار والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ وَمِنْهَا أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين يرْوى بَعضهم عَن بعض وَمِنْهَا أَن فِيهِ أَرْبَعَة زهر بَين وهم مُحَمَّد بن غرير وَيَعْقُوب وَأَبوهُ إِبْرَاهِيم وَابْن شهَاب. وَمِنْهَا أَن سِتَّة مِنْهُم مدنيون وهم الروَاة إِلَى ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا. وَمِنْهَا انه قَالَ عَن ابْن شهَاب حدث وَبعده قَالَ اخبره أَن لوحظ الْفرق بَان التحديث عِنْد قِرَاءَة الشَّيْخ وَالْأَخْبَار عِنْد الْقِرَاءَة على الشَّيْخ فَذَاك وَإِلَّا فتغيير الْعبارَة للتفتن فِي الْكَلَام وَحدث بغَيْرهَا رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره حَدثهُ بِالْهَاءِ وَبِغير الْهَاء أَيْضا مَحْمُول على السماع لَان صَالحا غير مُدَلّس وَقَوله حَدثنَا مُحَمَّد بن غرير هَكَذَا بِصِيغَة الْجمع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ حَدثنِي بِصِيغَة الْأَفْرَاد (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخراجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع فَوق الْعشْرَة هُنَا كَمَا ترى وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة السَّلَام عَن عَمْرو بن مُحَمَّد وَفِي الْعلم أَيْضا عَن خَالِد بن خلى عَن مُحَمَّد بن حَرْب فِي التَّوْحِيد عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن أبي عَمْرو كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء أَيْضا عَن عَليّ بن الْمدنِي وَفِي النذور وَالتَّفْسِير عَن الْحميدِي وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَفِي الْعلم أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس مُخْتَصرا وَفِي التَّفْسِير والاجارة والشروط عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام بن يُوسُف عَن ابْن جريج عَن يعلى بن مُسلم وَعَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَعَن عَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَابْن رَاهَوَيْه وَعبيد الله بن سعيد وَابْن أبي عمر عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن جُبَير وَعَن النَّاقِد أَيْضا وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر عَن أَبِيه عَن رقية عَن أبي أسحق عَن ابْن جُبَير بِهِ وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَعَن عبد بن حميد عَن عبيد الله بن مُوسَى كِلَاهُمَا عَن إِسْرَائِيل عَن أبي أسحق بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن يحيى ابْن أبي عمر بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن عمرَان بن يزِيد عَن اسمعيل بن عبد الله بن سَمَّاعَة عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ وَفِي الْعلم عَن أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن سُلَيْمَان الرهاوي عَن عبيد الله بن مُوسَى بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله " تماريت " أَي تجادلت من التمارى وَهُوَ التجادل والتنازع وَهُوَ بِمَعْنى ماريت لِابْنِ بَاب المفاعلة لمشاركة اثْنَيْنِ وَبَاب التفاعل لأكْثر مِنْهُمَا يُقَال ماريت الرجل اماريه مراء أَي جادلته ومادته الْمِيم وَالرَّاء وَالْيَاء آخر الْحُرُوف قَوْله " لقِيه بِضَم اللَّام وَكسر الْقَاف وتسديد الْيَاء آخر الْحُرُوف مصدر بِمَعْنى اللِّقَاء يُقَال لَقيته لِقَاء بالمدولقي بِالضَّمِّ وَالْقصر ولقيا بِالتَّشْدِيدِ ولقيانا ولقيانة وَاحِدَة ولقية وَاحِدَة وَلَا تقل لقاة بِالْفَتْح
فَإِنَّهَا مولدة وَلَيْسَت من كَلَام الْعَرَب وَهَذِه سبع مصَادر قَوْله " شانه " أَي قصَّته قَوْله " فِي مَلأ " بِالْقصرِ هِيَ الْجَمَاعَة قَالَه عِيَاض وَقَالَ غَيره الْمَلأ الإشراف وَفِي الْعباب الْمَلأ بِالتَّحْرِيكِ الْجَمَاعَة وَالْمَلَأ أَيْضا الْخلق يُقَال مَا أحسن مَلأ بنى فلَان أَي عشرتهم وأخلاقهم وَالْجمع املاء وَالْمَلَأ أَيْضا الْأَشْرَاف قَوْله " من بني إِسْرَائِيل " هُوَ أَوْلَاد يَعْقُوب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَان إِسْرَائِيل هُوَ اسْم يَعْقُوب وَأَوْلَاده اثْنَا عشر نفسا وهم يُوسُف وبنيامين وداني ويفتالي وزابلون وجاد وَيَسْتَأْخِر واشير وروبيل ويهوذا وشمعون ولاوى وهم الَّذين سماهم الأسباط وَسموا بذلك لَان كل وَاحِد مِنْهُم والدقبيلة والأسباط فِي كَلَام الْعَرَب الشّجر الملتف الْكثير الأغصان والأسباط من بني إِسْرَائِيل كالشعوب من الْعَجم والقبائل من الْعَرَب وَجَمِيع بني إِسْرَائِيل من هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين قَوْله " الْحُوت " السَّمَكَة وَالْجمع الْحيتَان والاحوات والحوتة قَوْله " آيَة " أَي عَلامَة قَوْله " وَكَانَ يتبع أثر الْحَوَادِث " أَي ينْتَظر فقدانه قَوْله " فتاء " أَي صَاحبه وَهُوَ يُوشَع بن نون وَإِنَّمَا قَالَ فتاه لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدمه ويتبعه وَقيل كَانَ يَأْخُذ الْعلم عَنهُ قلت يُوشَع بن نون بن اليشامع ابْن عميهوذابن بارص بن بعدان بن ناخر بن تالخ بن راشف بن راقخ بن بريعا بن افراثيم بن يُوسُف بن يَعْقُوب عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام ويوشع بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَنون مَصْرُوف كنوح قَوْله " إِذْ أوينا " بِالْقصرِ من أَوَى فلَان إِلَى منزله يأوي أوياً قَوْله " إِلَى الصَّخْرَة " هِيَ الَّتِي دون نهر الزَّيْت بالمغرب قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ والصخرة فِي اللُّغَة الْحجر الْكَبِير وَالْجمع صَخْر وصخر وصخور وصخورة وصخرات قَوْله " نبغي " أَي نطلب من بغيت الشَّيْء طلبته قَوْله " فارتدا " أَي رجعا على آثارهما هُوَ جمع أثر بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة واثر الشَّيْء مَا شخص مِنْهُ قَوْله " قصصا " من قصّ أَثَره يقص قصاً وقصصا أَي تتبعه قَالَ الله تَعَالَى (وَقَالَت لأخته قصه) أَي تتبعي أَثَره وَقَالَ الصغاني قَالَ تَعَالَى (فارتدا على آثارهما قصصا) أَي رجعا من الطَّرِيق الَّذِي سلكاه يقصان الْأَثر (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله " تمارى هُوَ " أبي ابْن عَبَّاس واتى بضمير الْفَصْل لِأَنَّهُ لَا يعْطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل إِلَّا إِذا أكد بالمنفصل فَقَوله " وَالْحر بن قيس " عطف على الضَّمِير الَّذِي فِي تمارى وَحسن ذَلِك تأكيده بقوله هُوَ لِأَنَّهُ بِدُونِهِ يُوهم عطف الِاسْم على الْفِعْل قَوْله " فِي صَاحب مُوسَى " بتعلق بقوله " تمارى " قَوْله " هُوَ خضر " جملَة اسمية وَقعت مقول القَوْل قَوْله " تماريت أَنا وصاحبي " مثل تمارى هُوَ وَالْحر بن قيس حَيْثُ أكد الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بالضمير الْمُنْفَصِل لتحسين الْعَطف وَيجوز أَن ينْتَصب على أَن يكون مَفْعُولا مَعَه وَأَرَادَ بقوله " صَاحِبي " هُوَ الْحر بن قيس قَوْله " هَل سَمِعت " استفهم بِهِ ابْن عَبَّاس عَن أبي بن كَعْب رَضِي الله عَنْهُم قَوْله " يذكر شَأْنه " جملَة حَالية قَوْله " يَقُول " أَيْضا جملَة حَالية قَوْله " بَيْنَمَا " قد مر غير مرّة أَن أَصله بَين زيدت فِيهِ مَا والفصيح فِي جَوَابه ترك إِذْ وَإِذا وَجَوَابه قَوْله " جَاءَهُ رجل " وَفِي بعض الرِّوَايَات " إِذْ جَاءَهُ رجل " قَوْله " اعْلَم " بِالنّصب لِأَنَّهُ صفة أحد قَوْله " بل عندنَا خضر " أَي هُوَ أعلم هَكَذَا هُوَ فِي اكثر الرِّوَايَات وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " بلَى عَبدنَا خضر " وبل للإضراب وَهُوَ من حُرُوف الْعَطف فَإِن قلت مَا الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بالمضروب عَنهُ قلت مُقَدّر تَقْدِيره أوحى الله إِلَيْهِ لَا تقل لَا بل عَبدنَا خضر أَي قل إِلَّا علم عَبدك خضر فَإِن قلت فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول بل عبد الله أَو عَبدك قلت ورد عِلّة طَريقَة الْحِكَايَة عَن قَول الله تَعَالَى قَوْله " فَسَأَلَ مُوسَى " أَي سَأَلَ مُوسَى عَن الله تَعَالَى السَّبِيل إِلَى خضر وَالْفَاء فِي فَجعل للتعقيب قَوْله " لَهُ " أَي لأَجله والحوت وَآيَة منصوبان على انهما مَفْعُولا جعل قَوْله " فتاه " فَاعل فَقَالَ قَوْله " أَرَأَيْت " أَي أَخْبرنِي وَهُوَ مقول القَوْل قَوْله " إِذْ " بِمَعْنى حِين وَهَهُنَا حذف تَقْدِيره أَرَأَيْت مَا دهاني (إِذا أوينا إِلَى الصَّخْرَة) قَوْله " فَإِنِّي " الْفَاء فِيهِ تفسيرية يُفَسر بهَا مَا دهاه من نِسْيَان الْحُوت حِين أويا إِلَى الصَّخْرَة قَوْله " وماأنسانيه " أَي أنساني ذكره إِلَّا الشَّيْطَان قَوْله " أَن اذكره " بدل من الْهَاء فِي أنسانيه قَوْله " ذَلِك " فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء قَوْله " مَا كُنَّا نبغي " خَبره وَكلمَة مَا مَوْصُولَة وَقَوله " كُنَّا نبغي " صلتها أَي ذَلِك الَّذِي كُنَّا نطلب والعائد إِلَى الْمَوْصُول مَحْذُوف أَي مَا كُنَّا نبغيه وَيجوز حذف الْيَاء من نبغي للتَّخْفِيف وَهَكَذَا قرئَ ايضافي الْقُرْآن وإثباتها احسن وَهِي قِرَاءَة أبي عمر وَقَوله " قصصا " نصب على تَقْدِير يقصان قصصا أعنى النصب على المصدرية قَوْله " مَا قصّ الله " فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ وَقَوله من شَأْنهمَا مقدما خَبره وَفِي بعض الرِّوَايَة " فَكَانَ من شَأْنهمَا الَّذِي قصّ الله "
(بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " تمارى " هُوَ وَالْحر بن قيس وَكَانَ لِابْنِ عَبَّاس فِي هَذِه الْقِصَّة تماريان تمار بَينه وَبَين الْبَحْر ابْن قيس أهوَ الْخضر أَن غَيره وتمار بَينه وَبَين نوف البكالى فِي مُوسَى بن عمرَان الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ التَّوْرَاة أم مُوسَى بن مِيشَا بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعد هاشين مُعْجمَة هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي فِي التمارى الثَّانِي وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن هَذَا التمارى كَانَ بَين سعيد بن جُبَير وَبَين الْبكالِي على مَا يَجِيء فِي التَّفْسِير وَسِيَاق سعيد بن جُبَير للْحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس أتم من سِيَاق عبيد الله بن عبد الله هَذَا بِشَيْء كثير وَسَيَأْتِي مُبينًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله " فِي صَاحب مُوسَى " أَي الَّذِي ذهب مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ هَل اتبعك لفتاه الَّذِي كَانَ رَفِيقه عِنْد الذّهاب قَوْله " فَدَعَاهُ ابْن عَبَّاس " أَي فناداه وَقَالَ ابْن التِّين فِيهِ حذف تَقْدِيره فَقَامَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ لَان الْمَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس التأدب مَعَ من يَأْخُذ عَنهُ وإخباره فِي ذَلِك مَشْهُورَة قَوْله " فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَيْهِ " أَي قَالَ فادللني لَان الْمَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس التأدب مَعَ من يَأْخُذ عَنهُ وإخباره فِي ذَلِك مَشْهُورَة قَوْله " فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَيْهِ " أَي قَالَ إفادللني اللَّهُمَّ إِلَيْهِ قَوْله " فَقَالَ هَل تعلم أحدا أعلم مِنْك قَالَ مُوسَى لَا " وَجَاء فِي كتاب التَّفْسِير وَغَيره " فَسئلَ أَي النَّاس أعلم فَقَالَ أَنا فعتب الله عَلَيْهِ إِذا لم يرد الْعلم إِلَيْهِ " وَكَذَا جَاءَهُ فِي مُسلم وَفِيه أَيْضا " بَينا مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قومه يذكرهم أَيَّام الله وَأَيَّام الله نعماؤه وبلاؤه إِذْ قَالَ مَا اعْلَم فِي الأَرْض رجلا خيرا وَأعلم مني فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن فِي الأَرْض رجلا هُوَ أعلم مِنْك " وَقَالَ المازرى أما على رِوَايَة من روى هَل تعلم أحدا أعلم مِنْك فَقَالَ أَنا فَلَا عتب عَلَيْهِ إِذا خبر عَمَّا يعلم وَأما على رِوَايَة أَي النَّاس أعلم فَقَالَ أَنا أعلم فَقَالَ أَنا أعلم أَي فِيمَا يَقْتَضِيهِ شَاهد الْحَال وَدلَالَة النُّبُوَّة وَيظْهر لي أَن مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ من النُّبُوَّة بِالْمَكَانِ الأرفع وَالْعلم من اعظم الْمَرَاتِب فقد يعْتَقد أَنه أعلم النَّاس بِهَذِهِ الْمرتبَة فَإِذا كَانَ مُرَاده بقوله أَنا أعلم فِي اعتقادي لم يكن خَبره كذبا وَقيل قَول الْمَازرِيّ فَلَا عتب عَلَيْهِ مَرْدُود بقوله عَلَيْهِ السَّلَام " فعتب الله عَلَيْهِ " لَكِن يَنْبَغِي العتب لَهُ أَن لَا ينفى العتب مُطلقًا بل عتب مَخْصُوص وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَقيل مُرَاد مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله أَنا أعلم أَي بوظائف النُّبُوَّة وَأُمُور الشَّرِيعَة وسياسة الْأَمر وَالْخضر أعلم مِنْهُ بِأُمُور أخر من عُلُوم غيبية كَمَا ذكر من خبرهما وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعْلَم على الْجُمْلَة والعموم مِمَّا لَا يُمكن جهل الْأَنْبِيَاء بِشَيْء مِنْهُ وَالْخضر أعلم على الْخُصُوص مِمَّا أ ‘ لم من الغيوب وحوادث الْقدر مِمَّا لَا يعلم الْأَنْبِيَاء مِنْهُ إِلَّا مَا أعلمُوا من غيبَة وَلِهَذَا قَالَ لَهُ الْخضر انك على علم من علم الله علمك لَا أعلمهُ وَأَنا على علم من علم الله علمنه لَا تعلمه " أَلا ترَاهُ لم يعرف مُوسَى بن إِسْرَائِيل حَتَّى عرفه بِنَفسِهِ إِذا لم يعرفهُ الله بِهِ وَهَذَا مثل قَول نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي لَا علم إِلَّا مَا عَلمنِي رَبِّي وَمعنى قَوْله " فعتب الله عَلَيْهِ " أَي لم يرض قَوْله وَآخذه بِهِ وَاصل العتب الْمُؤَاخَذَة يُقَال مِنْهُ عتب عَلَيْهِ إِذا وجده وَذكره لَهُ فالمؤاخذة والعتب فِي حق الله محَال فَمَعْنَى قَوْله " فعتب الله عَلَيْهِ " لم يرض قَوْله شرعا ودينا وَقد عتب الله عَلَيْهِ إِذا لم يرد رد الْمَلَائِكَة (لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا) وَقيل جَاءَ هَذَا تَنْبِيها لمُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتعليماً لمن بعده وَلِئَلَّا يَقْتَدِي بِهِ غَيره فِي تَزْكِيَة نَفسه وَالْعجب بِحَالهِ فَيهْلك وَإِنَّمَا الجيء مُوسَى للخضر لتأديب لَا للتعليم قَوْله " فَجعل الله لَهُ الْحُوت آيَة " أَي عَلامَة لمَكَان الْخضر ولقائه وَذَلِكَ أَنه لما قَالَ مُوسَى أَيْن أطلبه قَالَ الله لَهُ على السَّاحِل عِنْد الصَّخْرَة قَالَ يَا رب كَيفَ لي بِهِ قَالَ تَأْخُذ حوتا فِي مكتل فَحَيْثُ فقدته فَهُوَ هُنَاكَ فَقيل أَخذ سَمَكَة مملوحة قَالَ لفتاه إِذا فقدت الْحُوت فاخبرني وَكَانَ يمشي وَيتبع أثر الْحُوت أَي ينْتَظر فقدانه فرقد مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاضطرب الْحُوت وَوَقع فِي الْبَحْر قيل أَن يُوشَع حمل الْخبز والحوت فِي المكتل فَنزلَا لَيْلَة على شاطئ عين تسمى عين الْحَيَاة فَلَمَّا أصَاب السَّمَكَة روح المَاء وبرده عاشت وَقيل تَوَضَّأ يُوشَع من تِلْكَ الْعين فانتضح المَاء على الْحُوت فَعَاشَ وَوَقع فِي المَاء قَوْله " نسيت الْحُوت " أَي نسيت تفقد أمره وَمَا يكون مِنْهُ مِمَّا جعل امارة على الظفر بالطلبة من لِقَاء الْخضر عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله " قَالَ " أَي مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ذَلِك أَي فقدان الْحُوت هُوَ الَّذِي كُنَّا نبغي أَي نطلب لِأَنَّهُ عَلامَة وجدان الْمَقْصُود قَوْله " فارتدا " أَي رجعا على آثارهما يقصان قصصا أَي يتبعان آثارهما اتبَاعا قَوْله " من شَأْنهمَا " أَي شَأْن الْخضر ومُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَالَّذِي قصّ الله تَعَالَى فِي كِتَابه اشارة إِلَى قَوْله تَعَالَى (هَل أتبعك على أَن تعلمني مِمَّا علمت رشدا) إِلَى قَوْله (ويسألونك عَن ذِي القرنين) (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول قَالَ ابْن بطال فِيهِ جَوَاز التمارى فِي الْعلم إِذا كَانَ كل وَاحِد يطْلب الْحق وَلم يكن تعنتاً الثَّانِي فِيهِ الرُّجُوع إِلَى قَول أهل الْعلم عِنْد التَّنَازُع الثَّالِث فِيهِ أَنه يجب على الْعَالم الرَّغْبَة فِي التزيد من الْعلم والحرص عَلَيْهِ
- (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم علمه الكتاب)
وَلَا يقنع بِمَا عِنْده كَمَا لم يكتف مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعِلْمِهِ الرَّابِع فِيهِ وجوب التَّوَاضُع لن الله تَعَالَى عَاتب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين لم يرد الْعلم إِلَيْهِ وَأَرَادَ من هُوَ أعلم مِنْهُ قلت يَعْنِي فِي علم مَخْصُوص الْخَامِس فِيهِ حمل الزَّاد وأعداده للسَّفر بِخِلَاف قَول الصُّوفِيَّة السَّادِس قَول النَّوَوِيّ فِيهِ أَنه لَا بَأْس على الْعَالم والفاضل أَن يَخْدمه الْمَفْضُول وَيقْضى لَهُ حَاجته وَلَا يكون هَذَا من أَخذ الْعِوَض على تَعْلِيم الْعلم والآداب بل من مروآت الْأَصْحَاب وَحسن المعاشرة وَدَلِيله اتيان فتاه غداءهما السَّابِع فِيهِ الرحلة وَالسّفر لطلب الْعلم برا وبحراً الثَّامِن فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد الصدوق وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. 17 - (بَاب قوْل النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَول النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذَا لفظ الحَدِيث، وَضعه تَرْجَمَة على صُورَة التَّعْلِيق، ثمَّ ذكره مُسْندًا، وَهل يُقَال لمثله مُرْسل أم لَا؟ فِيهِ خلاف. فَإِن قلت: مَا أَرَادَ من وضع هَذَا تَرْجَمَة؟ قلت: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن هَذَا لَا يخْتَص جَوَازه بِابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول غَلَبَة ابْن عَبَّاس على حر بن قيس فِي تماريهما فِي صَاحب مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَذَاكَ من كَثْرَة علمه وغزارة فَضله، وَفِي هَذَا الْبَاب إِشَارَة إِلَى أَن علمه الغزير وفضيلته الْكَامِلَة ببركة دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ لَهُ: (اللَّهُمَّ علمه الْكتاب) . وَوجه آخر: أَن فِي الْبَاب الأول بَيَان استفادة مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْخضر من الْعلم الَّذِي لم يكن عِنْده من ذَلِك شَيْء، وَفِي هَذَا الْبَاب بَيَان استفادة ابْن عَبَّاس علم الْكتاب من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. 75 - حدّثناأبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ الوَارثِ قَالَ: حَدثنَا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّني رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ: (اللَّهُمَّ عَلَّمُهُ الكِتابَ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، بل هُوَ عين التَّرْجَمَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد اللَّه بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج ميسرَة، الْبَصْرِيّ المقعد، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين، الْمنْقري الْحَافِظ الْحجَّة، سمع عبد الْوَارِث الدَّرَاورْدِي وَغَيرهمَا، روى عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالْبُخَارِيّ، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ. قَالَ يحيى بن معِين: هُوَ ثِقَة عَاقل، وَفِي رِوَايَة: ثَبت، وَكَانَ يَقُول بِالْقدرِ، توفّي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد ابْن ذكْوَان التَّمِيمِي الْعَنْبَري أَبُو عُبَيْدَة الْبَصْرِيّ، روى عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَغَيره، قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة حجَّة. توفّي بِالْبَصْرَةِ فِي الْمحرم سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، أَبُو الْمنَازل، بِضَم الْمِيم، كَذَا ذكره أَبُو الْحسن، وَقَالَ عبد الْغَنِيّ: مَا كَانَ من منَازِل فَهُوَ بِضَم الْمِيم إلاَّ يُوسُف بن منَازِل فَإِنَّهُ بِفَتْح الْمِيم. قَالَ الْبَاجِيّ: قَرَأت على الشَّيْخ أبي ذَر، يَعْنِي الْهَرَوِيّ، فِي كتاب (الْأَسْمَاء والكنى) لمُسلم: خَالِد بن مهْرَان أَبُو الْمنَازل، بِفَتْح الْمِيم، وَكَذَا ذكره فِي سَائِر الْبَاب، وَالضَّم أظهر. وَقَالَ مُحَمَّد ابْن سعد: هُوَ مولى لأبي عبد اللَّه عَامر بن كريز الْقرشِي، وَلم يكن بحذّاء إِنَّمَا كَانَ يجلس إِلَيْهِم. يُقَال إِنَّه مَا حذا نعلا قطّ، وَإِنَّمَا كَانَ يجلس إِلَى صديق لَهُ حذاء. وَقيل: إِنَّه كَانَ يَقُول: أخذُوا عَليّ هَذَا النَّحْو، فلقب بِهِ. تَابِعِيّ، رأى أنس بن مَالك، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ يحيى وَأحمد: ثِقَة، توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى عبد اللَّه بن عَبَّاس، أَبُو عبد اللَّه الْمدنِي. أَصله من البربر من أهل الْمغرب، سمع مَوْلَاهُ وَعبد اللَّه بن عمر وخلقاً من الصَّحَابَة، وَكَانَ من الْعلمَاء فِي زَمَانه بِالْعلمِ وَالْقُرْآن، وَعنهُ أَيُّوب وخَالِد الْحذاء وَخلق، وَتكلم فِيهِ بِرَأْيهِ، رَأْي الْخَوَارِج، وَأطلق نَافِع وَغَيره عَلَيْهِ الْكَذِب، وروى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بطاوس وَسَعِيد بن جُبَير، وَاعْتَمدهُ البُخَارِيّ فِي أَكثر مَا يَصح عَنهُ من الرِّوَايَات، وَرُبمَا عيب عَلَيْهِ إِخْرَاج حَدِيثه، وَمَات ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة مَمْلُوك فَبَاعَهُ عَليّ ابْنه من خَالِد بن مُعَاوِيَة بأَرْبعَة آلَاف دِينَار، فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَة: بِعْت علم أَبِيك بأَرْبعَة آلَاف دِينَار؟ فاستقاله فأقاله وَأعْتقهُ. وَكَانَ جوالاً فِي الْبِلَاد، وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة خمس، أَو سِتّ، أَو سبع وَمِائَة، وَمَات مَعَه فِي ذَلِك الْيَوْم كُثَيِّر الشَّاعِر، فَقيل: مَاتَ الْيَوْم أفقه النَّاس وأشعر النَّاس. وَقيل: مَاتَ عِكْرِمَة سنة خمس عشرَة وَمِائَة، وَقد بلغ ثَمَانِينَ. وَاجْتمعَ حفاظ ابْن عَبَّاس على عِكْرِمَة، فيهم عَطاء وَطَاوُس
وَسَعِيد بن جُبَير فَجعلُوا يسْأَلُون عِكْرِمَة عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَجعل يُحَدِّثهُمْ. وَسَعِيد كلما حدث بِحَدِيث وضع أُصْبُعه الْإِبْهَام على السبابَة، أَي سوى، حَتَّى سَأَلُوهُ عَن الْحُوت وقصة مُوسَى، فَقَالَ عِكْرِمَة: كَانَ يسايرهما فِي ضحضاح من المَاء، فَقَالَ سعيد: أشهد على ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: يحملانه فِي مكتل، يعْنى الزنبيل. قَالَ أَيُّوب: ورأيي، وَالله أعلم، أَن ابْن عَبَّاس حدث بالخبرين جَمِيعًا. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس. بَيَان الْأَنْسَاب: الْمنْقري، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف بعْدهَا رَاء، نِسْبَة إِلَى منقر بن عبيد بن الْحَارِث، وَهُوَ مقاعس بن عَمْرو بن كَعْب بن سعيد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. قَالَ ابْن دُرَيْد: من نقرت عَن الْأَمر: كشفت عَنهُ. التَّمِيمِي: فِي مُضر ينْسب إِلَى تَمِيم بن مر ابْن أد بن طابخة بن الياس. الْعَنْبَري، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء، فِي تَمِيم ينْسب إِلَى العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث، والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته بصريون خلا عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس. وهما أَيْضا سكنا الْبَصْرَة مُدَّة. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده على شَرط الْأَئِمَّة السِّتَّة، قَالَه بعض الشَّارِحين. وَفِيه نظر. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هُنَا عَن أبي معمر، وَأخرجه أَيْضا فِي فَضَائِل الصَّحَابَة عَن أبي معمر ومسدد عَن عبد الْوَارِث وَعَن مُوسَى عَن وهيب، كِلَاهُمَا عَن خَالِد، قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: هُوَ عِنْد القواريري عَن عبد الْوَارِث، وَأخرجه أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد، حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل ابْن عَبَّاس، حَدثنَا زُهَيْر وَأَبُو بكر بن أبي النَّصْر، حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم، حَدثنَا وَرْقَاء عَن عبيد اللَّه بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن بشار عَن الثَّقَفِيّ عَن عبد الْوَارِث بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأبي بكر بن خَلاد، كِلَاهُمَا عَن الثَّقَفِيّ بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (ضمني) : من ضم يضم ضماً، وضممت الشَّيْء إِلَى الشَّيْء فانضم إِلَيْهِ، وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. قَوْله: (اللَّهُمَّ) أَصله: يَا الله، فَحذف حرف النداء وَعوض عَنهُ الْمِيم، وَلذَلِك لَا يَجْتَمِعَانِ. وَأما قَول الشَّاعِر: (وَمَا عَلَيْك أَن تَقول كلماسبحت أَو صليت يَا اللهما) ارْدُدْ علينا شَيخنَا مُسلما فَلَيْسَ يثبت، وَهَذَا من خَصَائِص اسْم الله تَعَالَى، كَمَا اخْتصَّ بِالْبَاء فِي الْقسم، وبقطع همزته فِي: يَا الله، وَبِغير ذَلِك. وَكَأَنَّهُم لما أَرَادوا أَن يكون نداؤه باسمه متميزاً عَن نِدَاء عباده باسمائهم من أول الْأَمر، حذفوا حرف النداء من الأول وَزَادُوا الْمِيم لقربها من حرف الْعلَّة، كالنون فِي الآخر، وخصت لِأَن النُّون كَانَت ملتبسة بضمير النِّسَاء صُورَة، وشددت لِأَنَّهَا خلف من حرفين، وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهٍ أَن لَا تُوصَف، لِأَن وُقُوع خلف حرف النداء بَين الْمَوْصُوف وَالصّفة، كوقوع حرف النداء بَينهمَا، وَمذهب الْكُوفِيّين أَن أَصله: يَا الله أم، أَي: أقصد بِخَير، فتصرف فِيهِ، وَرجح الْأَكْثَرُونَ قَول الْبَصرِيين، وَرجح الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ قَول الْكُوفِيّين من وَجه وَكَأن الأَصْل أَن: يَا، الَّذِي هُوَ حرف النداء لَا يدْخل على مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام إلاَّ بِوَاسِطَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا المزمل} (المزمل: 1) وَشبهه، وَإِنَّمَا ادخلوها هُنَا لخصوصية هَذَا الِاسْم الشريف بِاللَّه تَعَالَى، وَاللَّام فِيهِ لَازِمَة غير مُفَارقَة لِأَنَّهَا عوض عَمَّا حذف مِنْهُ، وَهِي الْهمزَة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ضمني) فعل ومفعول، و: (رَسُول الله) فَاعله، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. قَوْله: (وَقَالَ) ، عطف على: (ضمني) . قَوْله: (اللَّهُمَّ علمه الْكتاب) ، مقول القَوْل، وَالْهَاء فِي: علمه، مفعول أول لعلم، و: الْكتاب، مفعول ثَان. فَإِن قلت: هَذَا الْبَاب، أَعنِي: التَّعْلِيم، يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل، ومفعوله الأول كمفعول أَعْطَيْت، وَالثَّانِي وَالثَّالِث كمفعولي: علمت، يَعْنِي لَا يجوز حذف الثَّانِي أَو الثَّالِث فَقَط، فَكيف هَهُنَا؟ قلت: علمه بِمَعْنى عرفه، فَلَا يَقْتَضِي إلاَّ مفعولين. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (ضمني) فِيهِ حذف تَقْدِيره ضمني إِلَى نَفسه، أَو إِلَى صَدره، وَقد جَاءَ بذلك مُصَرحًا فِي رِوَايَته الْأُخْرَى عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث: (إِلَى صَدره) . قَوْله: (الْكتاب) أَي: الْقُرْآن، لِأَن الْجِنْس الْمُطلق مَحْمُول على الْكَامِل، وَلِأَن الْعرف الشَّرْعِيّ عَلَيْهِ، أَو لِأَن اللَّام للْعهد. فَإِن قلت: المُرَاد نفس الْقُرْآن أَي: لَفظه، أَو مَعَانِيه أَي: أَحْكَام الدّين؟ قلت: اللَّفْظ، بِاعْتِبَار دلَالَته على مَعَانِيه، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسَدّد: (الْحِكْمَة) بدل: (الْكتاب) . وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن ذَلِك هُوَ الثَّابِت فِي الطّرق كلهَا عَن خَالِد الْحذاء، وَفِيه نظر، لِأَن البُخَارِيّ أخرجه أَيْضا من حَدِيث وهيب عَن خَالِد بِلَفْظ: الْكتاب،
- (باب متى يصح سماع الصغير)
أَيْضا فَيحمل على أَن المُرَاد بالحكمة أَيْضا الْقُرْآن، فَيكون بَعضهم رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. وَقَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَمن يُؤْت الْحِكْمَة} الْآيَة (الْبَقَرَة: 269) . إِن الْحِكْمَة الْقُرْآن. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دَعَا لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَوتى الْحِكْمَة مرَّتَيْنِ. قلت: يحْتَمل تعدد الْوَاقِعَة فَيكون المُرَاد بِالْكتاب الْقُرْآن، وبالحكمة السّنة، وَقد فسرت الْحِكْمَة بِالسنةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة} (الْبَقَرَة: 129) قَالُوا: المُرَاد بالحكمة هُنَا السّنة الَّتِي سنّهَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِوَحْي من الله تَعَالَى، وَيُؤَيّد ذَلِك رِوَايَة عبد اللَّه بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، الَّتِي أخرجهَا الشَّيْخَانِ بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ فقهه) ، وَزَاد البُخَارِيّ فِي رِوَايَة: (فِي الدّين) . وَذكر الْحميدِي فِي (الْجمع) : أَن أَبَا مَسْعُود ذكر فِي (أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ) ، بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل) . قَالَ الْحميدِي: هَذِه الزِّيَادَة لَيست فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهِي فِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير عِنْد أَحْمد وَابْن حبَان، وَوَقع فِي بعض نسخ ابْن مَاجَه من طَرِيق عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن خَالِد الْحذاء بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ علمه الْحِكْمَة وَتَأْويل الْكتاب) . وَهَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة من هَذَا الْوَجْه، وَقد رَوَاهَا التِّرْمِذِيّ والإسماعيلي وَغَيرهمَا من طَرِيق عبد الْوَهَّاب بِدُونِهَا، وروى ابْن سعد من وَجه آخر عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (دَعَاني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمسح على ناصيتي وَقَالَ: اللَّهُمَّ علمه الْحِكْمَة وَتَأْويل الْكتاب) . وَقد رَوَاهُ أَحْمد عَن هشيم عَن خَالِد فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظ: (مسح على رَأْسِي) . فَإِن قلت: مَا معنى تَسْمِيَة الْكتاب وَالسّنة بالحكمة؟ قلت: أما الْكتاب فَلِأَن الله تَعَالَى أحكم فِيهِ لِعِبَادِهِ حَلَاله وَحَرَامه، وَأمره وَنَهْيه. وَأما السّنة فحكمة فصل بهَا بَين الْحق وَالْبَاطِل، وبيَّن بهَا مُجمل الْقُرْآن. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل جَازَ أَن لَا يُسْتَجَاب دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة، وَإجَابَة الْبَاقِي فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى، وَأما هَذَا الدُّعَاء فمما لَا شكّ فِي قبُوله، لِأَنَّهُ كَانَ عَالما بِالْكتاب، حبر الْأمة، بَحر الْعلم، رَئِيس الْمُفَسّرين، ترجمان الْقُرْآن. وَكَونه فِي الدرجَة القصوى فِي الْمحل الْأَعْلَى مِنْهُ، مِمَّا لَا يخفى. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ ابْن عَبَّاس من الْأَحْبَار الراسخين فِي علم الْقُرْآن وَالسّنة، أجيبت فِيهِ الدعْوَة، إِلَى هُنَا كَلَام الْكرْمَانِي. قلت: هَذَا السُّؤَال لَا يُعجبنِي، فَإِن فِيهِ بشاعة، وَأَنا لَا أَشك أَن جَمِيع دعوات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستجابة. وَقَوله: (لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة) ، لَا يَنْفِي ذَلِك، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمحصور. فَإِن قلت: مَا كَانَ سَبَب هَذَا الدُّعَاء لِابْنِ عَبَّاس؟ قلت: بيَّن ذَلِك البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: (دخل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الْخَلَاء فَوضعت لَهُ وضوأ) . زَاد مُسلم: (فَلَمَّا خرج ثمَّ اتفقَا قَالَ: من وضع هَذَا؟ فَأخْبر) . وَلمُسلم: (قَالُوا: ابْن عَبَّاس) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَابْن حبَان من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَنهُ أَن مَيْمُونَة هِيَ الَّتِي أخْبرته بذلك،، وَأَن ذَلِك كَانَ فِي بَيتهَا لَيْلًا. قلت: وَلَعَلَّ ذَلِك فِي اللَّيْلَة الَّتِي بَات فِيهَا ابْن عَبَّاس عِنْدهَا ليرى صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. بَيَان استناط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بركَة دُعَائِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وإجابته. الثَّانِي: فِيهِ فضل الْعلم والحض على تعلمه وعَلى حفظ الْقُرْآن وَالدُّعَاء بذلك. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الضَّم، وَهُوَ إِجْمَاع للطفل والقادم من سفر ولغيرهما، ومكروه عِنْد الْبَغَوِيّ، وَالْمُخْتَار جَوَازه، وَمحل ذَلِك إِذا لم يؤد إِلَى تَحْرِيك شَهْوَة. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي، وَمذهب أبي حنيفَة أَن ذَلِك يجوز إِذا كَانَ عَلَيْهِ قَمِيص، وَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور الماتريدي: الْمَكْرُوه من المعانقة مَا كَانَ على وَجه الشَّهْوَة، وَأما على وَجه الْبر والكرامة فَجَائِز. 18 - (بَاب متَى يَصِحُّ سَماعُ الصَّغِيرِ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الصَّبِي الصَّغِير، أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَكلمَة: مَتى، للاستفهام. إِذا قلت: مَتى الْقِتَال؟ كَانَ الْمَعْنى الْيَوْم أم غَدا أم بعد غَد. وَبني لتَضَمّنه معنى حرف الِاسْتِفْهَام، كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور. قَالَ الْكرْمَانِي: معنى الصِّحَّة جَوَاز قبُول مسموعه. وَقَالَ بَعضهم هَذَا تَفْسِير لثمرة الصِّحَّة لَا لنَفس الصِّحَّة. قلت: كَأَنَّهُ فهم: أَن الْجَوَاز هُوَ ثَمَرَة الصِّحَّة وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْجَوَاز هُوَ الصِّحَّة وَثَمَرَة الصِّحَّة عدم ترَتّب الشَّيْء. عَلَيْهِ عِنْد الْعَمَل فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن مَا ذكر فِي الْبَاب الأول من دُعَائِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِابْنِ عَبَّاس، إِنَّمَا كَانَ وَابْن عَبَّاس إِذْ ذَاك غُلَام مُمَيّز، وَالْمَذْكُور
فِي هَذَا الْبَاب حَال الْغُلَام الْمُمَيز فِي السماع، على أَن الْقَضِيَّة هَهُنَا لِابْنِ عَبَّاس أَيْضا، كَمَا كَانَت فِي الْبَاب الأول، وَمرَاده الِاسْتِدْلَال على أَن الْبلُوغ لَيْسَ شرطا فِي التَّحَمُّل. وَاخْتلفُوا فِي السن الَّذِي يَصح فِيهِ السماع للصَّغِير، فَقَالَ مُوسَى بن هَارُون الْحَافِظ: إِذا فرق بَين الْبَقَرَة وَالدَّابَّة. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِذا عقل وَضبط. وَقَالَ يحيى بن معِين: أقل سنّ التَّحَمُّل خَمْسَة عشر سنة، لكَون ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، رد يَوْم أُحد، إِذْ لم يبلغهَا، وَلما بلغ أَحْمد أنكر ذَلِك. وَقَالَ: بئس القَوْل. وَقَالَ عِيَاض: حدد أهل الصّفة ذَلِك أَن أَقَله سنّ مَحْمُود بن الرّبيع، ابْن خمس. كَذَا ذكره البُخَارِيّ. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه كَانَ ابْن أَربع، وَقَالَ ابْن الصّلاح: والتحديد بِخمْس هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث من الْمُتَأَخِّرين، فيكتبون لِابْنِ خمس سِنِين فَصَاعِدا سمع ولدون حضر أَو أحضر، وَالَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِك اعْتِبَار التَّمْيِيز، فَإِن فهم الْخطاب ورد الْجَواب كَانَ مُمَيّزا وصحيح السماع، وَإِن كَانَ دون خمس. وَإِن لم يكن كَذَلِك لم يَصح سَمَاعه وَلَو كَانَ ابْن خمس، بل ابْن خمسين. وَعَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي قَالَ: رَأَيْت صَبيا، ابْن أَربع سِنِين، قد حمل إِلَى الْمَأْمُون قد قَرَأَ الْقُرْآن وَنظر فِي الْآي، غير أَنه إِذا جَاع بَكَى. وَحفظ الْقُرْآن أَبُو مُحَمَّد عبد اللَّه بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ وَله خمس سِنِين، فامتحنه فِيهِ أَبُو بكر بن الْمقري وَكتب لَهُ بِالسَّمَاعِ وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين، وَحَدِيث مَحْمُود لَا يدل على التَّحْدِيد بِمثل سنه. 76 - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قَالَ حدّثني مالِكٌ عَن ابْن شِهابٍ عنْ عُبَيدِ اللَّه ابنِ عَبْدِ اللَّه بنِ عُتْبَةَ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أقْبَلْتُ راكِباً عَلَى حِمارٍ أَتانٍ، وأنَا يوْمَئِذٍ قَدْ ناهَزْتُ الإحْتِلامَ، ورَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بِمِنَى إِلى غَيْرِ جِدارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وأرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِك علَيَّ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْعلمَاء جوزوا الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي، إِذا لم يكن ستْرَة، بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس هَذِه، وَابْن عَبَّاس تحمل هَذَا فِي حَالَة الصبى، فَعلم مِنْهُ قبُول سَماع الصَّبِي إِذا أَدَّاهُ بعد الْبلُوغ. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي سَماع الصَّغِير وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث سَماع الصَّبِي. قلت: الْمَقْصُود من السماع هُوَ وَمَا يقوم مقَامه لتقرير الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي مَسْأَلَتنَا لمروره. فَإِن قلت: عقد الْبَاب على الصَّبِي الصَّغِير، أَو الصَّغِير فَقَط، على اخْتِلَاف الرِّوَايَة، والمناهز للاحتلام لَيْسَ صَغِيرا، فَمَا وَجه الْمُطَابقَة؟ قلت: المُرَاد من الصَّغِير غير الْبَالِغ، وَذكره مَعَ الصَّبِي من بَاب التَّوْضِيح وَالْبَيَان. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَإِسْمَاعِيل هُوَ: ابْن عبد اللَّه الْمَشْهُور بِابْن أبي أويس، ابْن أُخْت مَالك، وَابْن شهَاب: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الصَّلَاة عَن عبد اللَّه بن يُوسُف والقعنبي، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك، وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ابْن سعد عَن ابْن أخي ابْن شهَاب، وَفِي الْمَغَازِي، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَعَن يحيى بن يحيى، وَعَمْرو النَّاقِد، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن عبد بن حميد كِلَاهُمَا عِنْد عبد الرَّزَّاق عَن معمر، خمستهم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمَالِك أبي الشَّوَارِب عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن معمر نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن هِشَام بن عمار عَن سُفْيَان بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على حمَار) ، قَالَ فِي (الْعباب) : الْحمار العير، وَالْجمع: حمير وحمر وحمر وحمرات واحمرة ومحمور، والحمارة: الأتان، والحمارة أَيْضا: الْفرس الهجين، وَهِي بِالْفَارِسِيَّةِ: يالانى،، واليحمور حمَار الْوَحْش. (أتان) ، بِفَتْح الْهمزَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره نون: وَهِي الْأُنْثَى من الْحمر، وَقد يُقَال، بِكَسْر الْهمزَة، حَكَاهُ الصغاني فِي (شوارده) ،
وَلَا يُقَال: أتانة. وَحكى يُونُس وَغَيره: أتانة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الاتان الحمارة وَلَا يُقَال: أتانة. وَثَلَاث أتن مثل: عنَاق وأعنق، وَالْكثير اتن واتن، والمأتونا الاتن مثل، المعبورا. قَوْله: (ناهزت الِاحْتِلَام) ، أَي: قاربت يُقَال: ناهز الصَّبِي الْبلُوغ إِذا قاربه وداناه. قَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : ناهز الصَّبِي الْفِطَام دنا مِنْهُ، ونهز الشَّيْء أَي: قرب، وَقَالَ شمر: المناهزة الْمُبَادرَة، فَقيل للأسد: نهز، لِأَنَّهُ يُبَادر مَا يفترسه، والنهزة بِالضَّمِّ: الفرصة. ونهزت الشَّيْء دَفعته، ونهزت إِلَيْهِ: نهضت إِلَيْهِ. والاحتلام: الْبلُوغ الشَّرْعِيّ، وَهُوَ مُشْتَقّ من الحالم بِالضَّمِّ، وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم. قَوْله: (بمنى) ، مَقْصُور: مَوضِع بِمَكَّة تذبح فِيهِ الْهَدَايَا وترمى فِيهِ الجمرات. قَالَ الْجَوْهَرِي: مُذَكّر مَصْرُوف؛ قلت: لِأَنَّهُ علم للمكان فَلم يُوجد فِيهِ شَرط الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ لُغَتَانِ: الصّرْف وَالْمَنْع، وَلِهَذَا يكْتب بِالْألف وَالْيَاء، والأجود صرفهَا وكتابتها بِالْألف، سميت بهَا لما يمنى بهَا من الدِّمَاء أَي: تراق. قَوْله: (ترتع) ، بتاءين مثناتين من فَوق مفتوحتين وَضم الْعين أَي: تَأْكُل مَا تشَاء، من: رتعت الْمَاشِيَة ترتع رتوعاً. وَقيل: تسرع فِي الْمَشْي وَجَاء أَيْضا، بِكَسْر الْعين على وزن تفتعل، من: الرَّعْي: وَأَصله: ترتعي، وَلَكِن حذفت الْيَاء تَخْفِيفًا، وَالْأول أصوب وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْحَج: نزلت عَنْهَا فرتعت. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَقبلت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. قَوْله: (رَاكِبًا) نصب على الْحَال. (وعَلى حمَار) يتَعَلَّق بِهِ قَوْله: (أتان) : صفة للحمار أَو بدل مِنْهُ. فَإِن قلت: من أَي قسم من أَقسَام الْبَدَل؟ قلت: قيل: إِنَّه بدل غلط، وَقَالَ القَاضِي: وَعِنْدِي أَنه بدل الْبَعْض من الْكل، إِذْ قد يُطلق الْحمار على الْجِنْس فَيشْمَل الذّكر وَالْأُنْثَى، كَمَا قَالُوا: بعير. وَقَالَ النَّوَوِيّ والقرطبي وَغَيرهمَا أَيْضا: إِن الْحمار اسْم جنس للذّكر والانثى، كلفظة الشَّاة وَالْإِنْسَان. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي بعض طرقه: على حمَار، أَرَادَ بِهِ الْجِنْس وَلم يرد الذُّكُورَة، وَفِي بَعْضهَا: أتان. وَجمع البُخَارِيّ بَينهمَا، فَقَالَ: (على حمَار أتان) . وَقَالَ القَاضِي: وَجَاء فِي البُخَارِيّ (على حمَار أتان) ، بِالتَّنْوِينِ فيهمَا، إِمَّا على الْبَدَل أَو الْوَصْف. وَقد ذَكرْنَاهُ، وَرُوِيَ: (على حمَار أتان) ، بِالْإِضَافَة، أَي: حمَار أُنْثَى، كفحل اتن. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا استدرك الحمارة بِالْأُنْثَى ليعلم أَن الْأُنْثَى من الْحمر لَا تقطع الصَّلَاة، فَكَذَلِك لَا تقطعها الْمَرْأَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم قَالَ: على حمارة، فيستغني عَن لفظ: أتان؟ قلت: لِأَن التَّاء فِي حمارة يحْتَمل أَن تكون للوحدة وللتأنيث فَلَا تكون نصا فِي الْأُنُوثَة. قلت: هُنَا قرينَة تدل على تَرْجِيح المُرَاد بأنوثته فَلَا يَقع الْجَواب موقعه، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِي الْجَواب: إِن الحمارة قد تطلق على الْفرس الهجين، كَمَا نَقَلْنَاهُ عَن الصغاني عَن قريب، فَلَو قَالَ: على حمارة، رُبمَا كَانَ يفهم أَنه أقبل على فرس هجين، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، على أَن الْجَوْهَرِي حكى أَن الحمارة فِي الْأُنْثَى شَاذ. قَوْله: (وَأَنا يَوْمئِذٍ) ، الْوَاو: فِيهِ للْحَال و: أَنا، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (قد ناهزت الِاحْتِلَام) . قَوْله: (وَرَسُول الله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوَاو: فِيهِ للْحَال، وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (يُصَلِّي) . قَوْله: (بمنى) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (إِلَى غير جِدَار) فِي مَحل النصب على الْحَال، وَفِيه حذف تَقْدِيره: يُصَلِّي غير مُتَوَجّه إِلَى جِدَار. قَوْله: (وارسلت) ، عطف على: مَرَرْت، و: الأتان، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (ترتع) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة، وَالتَّقْدِير: مُقَدرا رتوعها. قَوْله: (وَدخلت) ، بِالْوَاو عطف على: (أرْسلت) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فد خلت) ، وبالفاء الَّتِي للتعقيب. قَوْله: (فَلم يُنكر) على صِيغَة الْمَعْلُوم، أَي: فَلم يُنكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك عَليّ، وَرُوِيَ بِلَفْظ الْمَجْهُول: أَي لم يُنكر أحد لَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا غَيره مِمَّن كَانُوا مَعَه. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (أَقبلت رَاكِبًا على حمَار) ، وَزَاد البُخَارِيّ فِيهِ فِي الْحَج: (أَقبلت أَسِير على أتان حَتَّى صرت بَين يَدي الصَّفّ ثمَّ نزلت عَنْهَا) . وَلمُسلم: (فَسَار الْحمار بَين يَدي بعض الصَّفّ) . قَوْله: (إِلَى غير جِدَار) يَعْنِي: إِلَى غير ستْرَة. فَإِن قلت: لَفْظَة إِلَى غير جِدَار، لَا يَنْفِي شَيْئا غَيره، فَكيف يُفَسر، بِغَيْر ستْرَة؟ إِخْبَار ابْن عَبَّاس عَن مروره بالقوم وَعَن عدم جِدَار، مَعَ أَنهم لم ينكروا عَلَيْهِ، وَأَنه مَظَنَّة إِنْكَار يدل على حُدُوث أَمر لم يعْهَد قبل ذَلِك، من كَون الْمُرُور مَعَ الستْرَة غير مُنكر، فَلَو فرض ستْرَة أُخْرَى غير الْجِدَار لم يكن لهَذَا الْإِخْبَار فَائِدَة. قَوْله: (بَين يَدي بعض الصَّفّ) : هُوَ مجَاز عَن القدام، لِأَن الصَّفّ لَا يَد لَهُ، وَبَعض الصَّفّ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ صف من الصُّفُوف، أَو بعض من الصَّفّ الْوَاحِد، يَعْنِي المُرَاد بِهِ: إِمَّا جُزْء من الصَّفّ، وَإِمَّا جزئي مِنْهُ. قَوْله: (ناهزت الِاحْتِلَام) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: فِيهِ معنى يَقْتَضِي تَأْكِيد الحكم، وَهُوَ عدم بطلَان الصَّلَاة بمرور الْحمار، لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على ذَلِك بِعَدَمِ الْإِنْكَار، وَعدم الْإِنْكَار على من هُوَ فِي مثل هَذَا السن أدل على هَذَا الحكم، فَإِنَّهُ لَو كَانَ فِي سنّ عدم التَّمْيِيز لاحتمل أَن يكون عدم الْإِنْكَار عَلَيْهِ لعدم مؤاخذته لصِغَر سنه، فَعدم الْإِنْكَار دَلِيل على جَوَاز الْمُرُور،
وَالْجَوَاز دَلِيل على عدم إِفْسَاد الصَّلَاة. وَقَالَ عِيَاض: وَقَوله: (ناهزت الِاحْتِلَام) يصحح قَول الْوَاقِدِيّ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، توفّي وَابْن عَبَّاس ابْن ثَلَاث عشرَة سنة. وَقَول الزبير بن بكار: إِنَّه ولد فِي الشّعب قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين. وَمَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ، توفّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة. قَالَ أَحْمد: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ يرد رِوَايَة من يروي عَنهُ، أَنه قَالَ: توفّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَنا ابْن عشر سِنِين. وَقد يتَأَوَّل، إِن صَحَّ، على أَن مَعْنَاهُ رَاجع إِلَى مَا بعده، وَهُوَ قَوْله وَقد قَرَأت (الْمُحكم) . بَيَان استنباط الاحكام: الأول: فِيهِ جَوَاز سَماع الصَّغِير، وَضَبطه السّنَن والتحمل لَا يشْتَرط فِيهِ كَمَال الْأَهْلِيَّة، وَإِنَّمَا يشْتَرط عِنْد الْأَدَاء. ويلتحق بِالصَّبِيِّ فِي ذَلِك: العَبْد وَالْفَاسِق وَالْكَافِر. وَقَامَت حِكَايَة ابْن عَبَّاس لفعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتَقْرِيره مقَام حِكَايَة قَوْله. الثَّانِي: فِيهِ إجَازَة من علم الشَّيْء صَغِيرا وَأَدَّاهُ كَبِيرا، وَلَا خلاف فِيهِ، وَأَخْطَأ من حكى فِيهِ خلافًا، وَكَذَا الْفَاسِق وَالْكَافِر إِذا أديا حَال الْكَمَال. الثَّالِث: فِيهِ احْتِمَال بعض الْمَفَاسِد لمصْلحَة أرجح مِنْهَا، فَإِن الْمُرُور أَمَام الْمُصَلِّين مفْسدَة، وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ مصلحَة راجحة، فاغتفرت الْمفْسدَة للْمصْلحَة الراجحة من غير إِنْكَار. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الرّكُوب إِلَى صَلَاة الْجَمَاعَة. الْخَامِس: قَالَ الْمُهلب: فِيهِ أَن التَّقَدُّم إِلَى الْقعُود لسَمَاع الْخطْبَة إِذا لم يضر أحدا والخطيب يخْطب جَائِز، بِخِلَاف مَا إِذا تخطى رقابهم. السَّادِس: أَن مُرُور الْحمار لَا يقطع الصَّلَاة، وَعَلِيهِ بوب أَبُو دَاوُد، فِي (سنَنه) ، وَمَا ورد من قطع ذَلِك مَحْمُول على قطع الْخُشُوع. السَّابِع: فِيهِ صِحَة صَلَاة الصَّبِي. الثَّامِن: فِيهِ أَنه إِذا فُعل بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْء وَلم يُنكره فَهُوَ حجَّة. التَّاسِع: جَوَاز إرْسَال الدَّابَّة من غير حَافظ أَو مَعَ حَافظ غير مُكَلّف. الْعَاشِر: قَالَ ابْن بطال وأبوعمر وَالْقَاضِي عِيَاض: فِيهِ دَلِيل على أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه، وَكَذَا بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ، وَحكى ابْن بطال وَأَبُو عمر فِيهِ الْإِجْمَاع. قَالَا: وَقد قيل: الإِمَام نَفسه ستْرَة لمن خَلفه، وَأما وَجه الدّلَالَة فَقَالَ عِيَاض: قَوْله: فَلم يُنكر ذَلِك أحد، لِأَنَّهُ إِن كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَآهُ، وَهُوَ الظَّاهِر لقَوْله، بَين يَدي الصَّفّ فَهُوَ حجَّة لتقريره، وَإِن كَانَ بِموضع لم يره فقد رَآهُ أَصْحَابه بجملتهم فَلم ينكروه، وَلَا أحد مِنْهُم، فَدلَّ على أَنه لَيْسَ عِنْدهم بمنكر، وَقَالَ غَيره: يحْتَمل أَن لَفْظَة: أحد، تَشْمَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيره، لما فِيهَا من الْعُمُوم، لكنه ضَعِيف بِأَنَّهُ لَا معنى لعدم إِنْكَار غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ حُضُوره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعدم إِنْكَاره أَيْضا، فَيجوز أَن يكون الصَّفّ ممتداً فَلَا يرَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلِهَذَا أَن ابْن عَبَّاس ذكر الرائين وَلم يذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتِرَازًا مِنْهُ. قلت: فعلى هَذَا لَا يكون من بَاب الْمَرْفُوع قطعا، بل مِمَّا يتَوَجَّه فِيهِ الْخلاف، وَيحْتَمل كَمَا قَالُوا فِي شبهه. وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، هَذَا يخص بِحَدِيث ابْن سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، يرفعهُ: (إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ) . قَالَ: فَحَدِيث أبي سعيد هَذَا يحمل على الإِمَام وَالْمُنْفَرد، فَأَما الْمَأْمُوم فَلَا يضرّهُ من مر بَين يَدَيْهِ لحَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا، قَالَ: وَهَذَا كُله لَا خلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء، وَمِمَّا يُوضحهُ حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بهم الظّهْر، أَو الْعَصْر، فَجَاءَت بَهِيمَة تمر بَين يَدَيْهِ، فَجعل يدرؤها حَتَّى رَأَيْته ألصق مَنْكِبَيْه بالجدار فمرت من خَلفه) . قلت: أخرجه أَبُو دَاوُد من أَبُو دَاوُد من أَوله: كَانَ يُصَلِّي إِلَى جدر، وَفِيه: حَتَّى ألصق بَطْنه بالجدر. وَبَوَّبَ عَلَيْهِ: بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. قَالَ: والمرور بَين يَدي الْمُصَلِّي مَكْرُوه إِذا كَانَ إِمَامًا أَو مُنْفَردا أَو مُصَليا إِلَى ستْرَة، وَأَشد مِنْهُ أَن يدْخل الْمَار بَين الستْرَة وَبَينه، وَأما الْمَأْمُوم فَلَا يضرّهُ من مر بَين يَدَيْهِ، كَمَا أَن الإِمَام أَو الْمُنْفَرد لَا يضر وَاحِد مِنْهُمَا مَا مر من وَرَاء سترته، لِأَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. وَقد قيل: إِن الإِمَام نَفسه ستْرَة لمن خَلفه. قَالَ: وَهَذَا كُله إِجْمَاع لَا خلاف فِيهِ. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف أَصْحَاب مَالك فِيمَن صلى إِلَى غير ستْرَة فِي فضاء يَأْمَن أَن يمر أحد بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يجوز وَلَا حرج عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون ومطرف: السّنة أَن يُصَلِّي إِلَى ستْرَة مُطلقًا. قَالَ: وَحَدِيث ابْن عَبَّاس يشْهد لصِحَّة قَول ابْن الْقَاسِم وَهُوَ قَول عَطاء وَسَالم وَعُرْوَة وَالقَاسِم وَالشعْبِيّ وَالْحسن، وَكَانُوا يصلونَ فِي الفضاء إِلَى غير ستْرَة، وَسَيَأْتِي بسط الْكَلَام فِيهِ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. 77 - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حدّثنا أبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حدّثني مُحمَّدُ بنُ حَرْب حدّثني
الزُّبَيْدِيُّ عنِ الزُّهْرِيّ عنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبيِعِ قَالَ: عَقَلْتُ منَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مجَّةً مجَّها فِي وجْهي وَأَنا ابنُ خَمْسِ سنِينَ مِنْ دَلْوٍ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ استدلالهم بِهِ على إِبَاحَة مج الرِّيق على الْوَجْه إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة، وعَلى طَهَارَته وَغير ذَلِك، وَلَيْسَ ذَلِك إلاَّ لاعتبارهم نقل مَحْمُود بن الرّبيع، فَدلَّ على أَن سَماع الصَّغِير صَحِيح، والترجمة فِيهِ، بل مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَشد من حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَإِن من ناهز الِاحْتِلَام لَا يُسمى صَغِيرا عرفا، ومحمود ابْن الرّبيع أخبر بذلك وعمره خمس سِنِين. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، أَبُو أَحْمد، نَص عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره، وَذَلِكَ لِأَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ لَيْسَ لَهُ رِوَايَة عَن أبي مسْهر. الثَّانِي: أَبُو مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء، واسْمه عبد الْأَعْلَى أَبُو مسْهر الغساني الدِّمَشْقِي. قيل: مَا رُؤي أحد فِي كورة من الكور أعظم قدرا وَلَا أجلّ عِنْد أَهلهَا من أبي مسْهر بِدِمَشْق، وَكَانَ إِذا خرج إِلَى الْمَسْجِد اصطف النَّاس يسلمُونَ عَلَيْهِ، ويقبلون يَده. وَحمله الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد فِي أَيَّام المحنة، فَجرد للْقَتْل على أَن يَقُول بِخلق الْقُرْآن، وَمد رَأسه إِلَى السَّيْف، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك مِنْهُ حمل إِلَى السجْن، فَمَاتَ بِبَغْدَاد سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَدفن بِبَاب التِّين، وَقد لقِيه البُخَارِيّ وَسمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، وَحدث هُنَا بِوَاسِطَة، وَذكر ابْن المرابط فِيمَا نَقله ابْن رشيد عَنهُ أَن أَبَا مسْهر تفرد بِرِوَايَة هَذَا الحَدِيث وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَإِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) عَن مُحَمَّد بن الْمُصَفّى عَن مُحَمَّد بن حَرْب، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمدْخل) من رِوَايَة ابْن جوصا، بِفَتْح الْجِيم وَالصَّاد الْمُهْملَة، عَن سَلمَة بن الْخَلِيل وَابْن التقي، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْقَاف، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن حَرْب، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة غير أبي مسْهر رَوَوْهُ عَن مُحَمَّد بن حَرْب، فَكَأَنَّهُ الْمُنْفَرد بِهِ عَن الزبيدِيّ. الثَّالِث: مُحَمَّد بن حَرْب، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: هُوَ الأبرش أَي: الَّذِي يكون فِيهِ نكت صغَار يُخَالف سَائِر لَونه، الْخَولَانِيّ الْحِمصِي أَبُو عبد اللَّه، سمع الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره، وتقضى بِدِمَشْق وَهُوَ ثِقَة، مَاتَ سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن عَامر الزبيدِيّ الشَّامي الْحِمصِي قاضيها، الثِّقَة الْكَبِير الْمُفْتِي الْكَبِير، روى عَن مَكْحُول وَالزهْرِيّ وَغَيرهمَا، وَعنهُ مُحَمَّد بن حَرْب وَيحيى بن حَمْزَة، وَهُوَ أثبت أَصْحَاب الزُّهْرِيّ، مَاتَ بِالشَّام سنة سبع، وَقيل: ثَمَان واربعين وَمِائَة وَهُوَ شَاب، قَالَه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَغْدَادِيّ. وَقَالَ ابْن سعد: ابْن سبعين، سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى التِّرْمِذِيّ. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. السَّادِس: مَحْمُود بن الرّبيع بن سراقَة بن عَمْرو بن زيد بن عَبدة ابْن عَامر بن عدي بن كَعْب بن الْخَزْرَج بن الْحَارِث ابْن الْخَزْرَج، الْأنْصَارِيّ الخزرجي، أَبُو نعيم. وَقيل: أَبُو مُحَمَّد، مدنِي مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين عَن ثَلَاث وَتِسْعين، وَهُوَ ختن عبَادَة ابْن الصَّامِت، نزل بَيت الْمُقَدّس وَمَات بهَا. بَيَان الْأَنْسَاب: الغساني: نِسْبَة إِلَى غَسَّان، مَاء بالمشلل قريب من الْجحْفَة، وَالَّذين شربوا مِنْهُ تسموا بِهِ، وهم من ولد مَازِن بن الأزد، فَإِن مَازِن جماع غَسَّان فَمن نزل من بنيه ذَلِك المَاء فَهُوَ غَسَّان، وَذكر الرشاطي الغساني فِي الأزد. وَقَالَ ابْن هِشَام: نسبوا إِلَى مَاء بسد مأرب كَانَ شرباً لولد مَازِن فسموا بِهِ. الْخَولَانِيّ: فِي قبائل، حكى الْهَمدَانِي فِي كتاب (الإكليل) قَالَ: خولان بن عَمْرو بن الحاف بن قضاعة، وخولان بن عَمْرو بن مَالك بن الْحَارِث بن مرّة بن أدد، قَالَ: وخولان حُضُور، وخولان ردع هُوَ خولان بن قحطان، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب (المعارف) : وخولان بن سعد بن مذْحج. الزبيدِيّ، بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى زبيد، قَبيلَة من مذْحج، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة. وَذكر الرشاطي الزبيدِيّ فِي قبائل مذْحج وَغَيرهَا، فَالَّذِي فِي مذْحج: زبيد، واسْمه مُنَبّه الْأَكْبَر بن صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج. قَالَ ابْن دُرَيْد: زبيد تَصْغِير: زبد، والزبد الْعَطِيَّة، زبدته أزبده زبداً. وَفِي الأزد: زبيد بطن، وَهُوَ زبيد بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب ابْن الْحَارِث الغطريف الْأَصْغَر بن عبد اللَّه بن عَامر الغطريف الْأَكْبَر بن بكر بن يشْكر بن بشير بن كَعْب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عبد اللَّه بن مَالك بن نصر بن الأزد. وَفِي خولان القضاعية: زبيد بطن ابْن الْخِيَار بن زِيَاد بن سُلَيْمَان بن الناجش بن حَرْب بن سعد بن خولان. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته إِلَى الزُّهْرِيّ شَامِيُّونَ.
وَمِنْهَا: أَن هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَفِي الدَّعْوَات عَن عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّه عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مصفى عَن مُحَمَّد بن حَرْب بِهِ، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ نَحوه، وَلم يذكر: وَأَنا ابْن خمس سِنِين. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (عقلت) أَي: عرفت. وَيُقَال: مَعْنَاهُ حفظت، عَن: عقل يعقل من بَاب: ضرب يضْرب، عقلا ومعقولاً. وَهُوَ مصدر. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَهُوَ صفة، وَكَانَ يَقُول: إِن الْمصدر لَا يَتَأَتَّى على وزن مفعول الْبَتَّةَ. قَوْله: (مجة) يُقَال: مج الشَّرَاب من فِيهِ إِذا رمى بِهِ. وَقَالَ أهل اللُّغَة: المج إرْسَال المَاء من الْفَم مَعَ نفخ. وَقيل لَا يكون مجاً حَتَّى تبَاعد بِهِ. وَكَذَلِكَ مج لعابه والمجاجة والمجاج الرِّيق الَّذِي تمجه من فِيك، ومجاجة الشَّيْء إيضاً عصارته، وَيُقَال: إِن الْمَطَر مجاج المزن وَالْعَسَل مجاج النَّحْل والمجاج أَيْضا اللَّبن، لِأَن الضَّرع يمجه والتركيب يدل على رمي الشَّيْء بِسُرْعَة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (عقلت) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (مجة) بِالنّصب مَفْعُوله، قَوْله: (مجها) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لمجة، وَالضَّمِير فِيهَا يرجع إِلَى المجة. قَوْله: (فِي وَجْهي) حَال من مجه. قَوْله: (من دلو) ، أَي: من مَاء دلو والدلو يذكر وَيُؤَنث. وَقَوله: (وَأَنا ابْن خمس سِنِين) جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مُعْتَرضَة وَقعت حَالا: إمّا من: تَاء، عقلت، أَو من: يَاء وَجْهي. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (وَأَنا ابْن خمس سِنِين) ، قد ذكرنَا أَن الْمُتَأَخِّرين قد حددوا أقل سنّ التَّحَمُّل بِخمْس سِنِين. وَقَالَ ابْن رشيد: الظَّاهِر أَنهم أَرَادوا بتحديد الْخمس أَنَّهَا مَظَنَّة لذَلِك، لَا أَن بُلُوغهَا شَرط لَا بُد من تحَققه، وَلَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَلَا فِي غَيرهمَا من الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد التَّقْيِيد بِالسِّنِّ عِنْد التَّحَمُّل فِي شَيْء من طرقه إلاَّ فِي طَرِيق الزبيدِيّ هَذِه، وَهُوَ من كبار الْحفاظ المتقنين عَن الزُّهْرِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ والخطيب فِي (الْكِفَايَة) ، من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم، عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي مَحْمُود بن الرّبيع: وَتُوفِّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ ابْن خمس سِنِين، واستفيد من هَذِه الرِّوَايَة أَن الْوَاقِعَة الَّتِي ضَبطهَا كَانَت فِي آخر سنة من حَيَاة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد ذكر ابْن حبَان وَغَيره أَنه مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين سنة، وَهُوَ مُطَابق لهَذِهِ الرِّوَايَة. وَذكر عِيَاض فِي (الإلماع) وَغَيره أَن فِي بعض الرِّوَايَات أَنه كَانَ ابْن أَربع سِنِين، وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات شَيْء يُصَرح بذلك، فَكَأَن ذَلِك أَخذ من قَول ابْن عمر أَنه عقل المجة وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أوخمس، وَكَأن الْحَامِل لَهُ على هَذَا التَّرَدُّد قَول الْوَاقِدِيّ: إِنَّه كَانَ ابْن ثَلَاث وَتِسْعين سنة لما مَاتَ، وَالْأول أصح. قَوْله: (من دلو) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (من دلو مُعَلّق) ، وَفِي (الرقَاق) من رِوَايَة معمر: (من دلو كَانَت فِي دَارهم) . وَفِي الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَغَيرهمَا: (من بِئْر) ، بدل: (دلو) . وَلَا تعَارض بَينهمَا، لِأَنَّهُ يتَأَوَّل بِأَن المَاء أَخذ بالدلو من الْبِئْر وتناوله النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الدَّلْو. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بركَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا جَاءَ من أَنه يحنك الصّبيان بِأَن يَأْخُذ التمرة يمضغها ويجعلها فِي فَم الصَّبِي، وحنك بهَا: حنكه بالسبابة حَتَّى تحللت فِي حلقه، وَكَانَت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، يحرصون على ذَلِك إِرَادَة بركته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لأولادهم، كَمَا رَأَوْا بركته فِي المحسوسات والأجرام من تَكْثِير المَاء بمجه فِي فرلادين وَفِي بِئْر الْحُدَيْبِيَة. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز سَماع الصَّغِير وَضَبطه بالسنن. الثَّالِث: قَالَ التَّيْمِيّ: فِيهِ جَوَاز مداعبة الصَّبِي، إِذْ داعبه النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَأخذ مَاء من الدَّلْو فمجه فِي وَجهه. فَائِدَة: تعقب ابْن أبي صفرَة على البُخَارِيّ من ذكره حَدِيث مَحْمُود بن الرّبيع فِي اعْتِبَار خمس سِنِين، وإعقاله حَدِيث عبد اللَّه بن الزبير، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه رأى أَبَاهُ يخْتَلف إِلَى بني قُرَيْظَة فِي يَوْم الخَنْدَق ويراجعهم، فَفِيهِ السماع مِنْهُ وَكَانَ سنه إِذْ ذَاك ثَلَاث سِنِين، أَو أَربع، فَهُوَ أَصْغَر من مَحْمُود، وَلَيْسَ فِي قصَّة مَحْمُود ضَبطه لسَمَاع شَيْء، فَكَانَ ذكره حَدِيث ابْن الزبير أولى لهذين الْمَعْنيين. وَأجِيب: بِأَن البُخَارِيّ إِنَّمَا أَرَادَ نقل السّنَن النَّبَوِيَّة لَا الْأَحْوَال
- (باب الخروج في طلب العلم)
الوجودية، ومحمود نقل سنة مَقْصُودَة فِي كَون النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مج مجة فِي وَجهه لإفادته الْبركَة، بل فِي مُجَرّد رُؤْيَته إِيَّاه فَائِدَة شَرْعِيَّة يثبت بهَا كَونه صحابياً. وَأما قصَّة ابْن الزبير فَلَيْسَ فِيهَا نقل سنة من السّنَن النَّبَوِيَّة حَتَّى يدْخل فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي (تنقيحه) : وَيحْتَاج الْمُهلب إِلَى ثُبُوت أَن قَضِيَّة ابْن الزبير صَحِيحَة على شَرط البُخَارِيّ. قلت: هَذَا غَفلَة مِنْهُ، فَإِن قَضِيَّة ابْن الزبير الْمَذْكُورَة أخرجهَا البُخَارِيّ فِي مَنَاقِب الزبير فِي (الصَّحِيح) ، وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. وَالله أعلم. 19 - (بابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخُرُوج لأجل طلب الْعلم، وَأطلق الْخُرُوج ليشْمل سفر الْبَحْر وَالْبر. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول إقبال ابْن عَبَّاس إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاة، ودخوله فِيهَا مَعَه، ثمَّ إخْبَاره ذَلِك كُله لمن روى عَنهُ الحَدِيث. وَفِي ذَلِك كُله معنى طلب الْعلم، وَمعنى الْخُرُوج فِي طلبه، وَمَعَ هَذَا كَانَ ذكر هَذَا الْبَاب عقيب بَاب مَا ذكره فِي ذهَاب مُوسَى إِلَى الْخضر فِي الْبَحْر أنسب وأليق على مَا لَا يخفى. ورَحَلَ جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلى عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ واحِدٍ. الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَنه أَرَادَ بِذكر هَذَا الْأَثر الْمُعَلق التَّنْبِيه على فَضِيلَة السّفر والرحلة فِي طلب الْعلم برا وبحراً. الثَّانِي: أَن جَابر بن عبد اللَّه هُوَ الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَعبد اللَّه بن أنيس، بِضَم الْهمزَة، مصغر أنس ابْن مسعد الْجُهَنِيّ، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء، حَلِيف الْأَنْصَار، شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين من الْأَنْصَار، وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، وَبَعثه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَحده سَرِيَّة. وَاخْتلف فِي شُهُوده بَدْرًا. لَهُ خَمْسَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، روى لَهُ مُسلم حَدِيثا وَاحِدًا فِي لَيْلَة الْقدر، وروى لَهُ الْأَرْبَعَة. وَلم يذكرهُ الكلاباذي وَغَيره فِيمَن روى لَهُ البُخَارِيّ، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي كتاب (الرَّد على الْجَهْمِية) : وَيذكر عَن جَابر بن عبد اللَّه عَن عبد اللَّه بن أنيس، فَذكره. توفّي بِالشَّام سنة أَربع وَخمسين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) وَالتِّرْمِذِيّ: عَن عبد اللَّه بن أنيس الْأنْصَارِيّ، عَنهُ ابْنه عِيسَى، وَلَعَلَّه الأول. وَفِي الصَّحَابَة، أَو أنيس عبد اللَّه بن أنيس، أَو أنيس. قيل: هُوَ الَّذِي رمى ماعزاً لما رَجَمُوهُ فَقتله، وَعبد اللَّه بن أنيس قتل يَوْم الْيَمَامَة، وَعبد اللَّه بن أنيس العامري لَهُ وفادة، وَمن رِوَايَة يعلى بن الْأَشْدَق وَعبد اللَّه بن أبي أنيسَة، قَالَ الْوَلِيد بن مُسلم: ثَنَا دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْمَكِّيّ عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل عَن جَابر سَمِعت حَدِيثا فِي الْقصاص لم يبْق أحد يحفظه إلاَّ رجل بِمصْر يُقَال لَهُ، عبد اللَّه بن أبي أنيسَة. الثَّالِث: قَوْله: (فِي حَدِيث وَاحِد) أَي لأجل حَدِيث وَاحِد، وَكلمَة: فِي، تَجِيء للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ} (يُوسُف: 32) وَقَوله:: {لمسكم فِيمَا افضتم} (النُّور: 14) وَفِي الحَدِيث: (أَن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) . الرَّابِع: قَالَ ابْن بطال: أَرَادَ بقوله: (فِي حَدِيث وَاحِد) ، حَدِيث السّتْر على الْمُسلم، قيل: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يُقَال: إِن أَبَا أَيُّوب خَالِد بن زيدٍ الْأنْصَارِيّ، رَحل إِلَى عقبَة بن عَامر، أخرجه الْحَاكِم: حَدثنَا عَليّ بن حَمَّاد، حَدثنَا بشر بن مُوسَى، حَدثنَا الْحميدِي، حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن أبي سعيد الْأَعْمَى عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: خرج أَبُو أَيُّوب إِلَى عقبَة بن عَامر يسْأَله عَن حَدِيث سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يبْق أحد سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيره وَغير عقبَة، فَلَمَّا قدم أَبُو أَيُّوب منزل سَلمَة بن مخلد الْأنْصَارِيّ، أَمِير مصر، فاخبره، فَعجل عَلَيْهِ فَخرج إِلَيْهِ فعانقه، ثمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بك يَا أَبَا أَيُّوب؟ قَالَ: حَدِيث سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يبْق أحد سَمعه من رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، غَيْرِي وَغَيْرك فِي ستر الْمُؤمن. قَالَ عقبَة: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (من ستر مُؤمنا فِي الدُّنْيَا على عَورَة ستره الله يَوْم الْقِيَامَة) . فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوب: صدقت، ثمَّ انْصَرف أَبُو أَيُّوب إِلَى رَاحِلَته، فركبها رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي (مُسْند عبد اللَّه بن وهب) ، صَاحب مَالك: أَنبأَنَا عبد الْجَبَّار بن عمر، حَدثنَا مُسلم بن أبي حرَّة عَن رجل من الْأَنْصَار عَن رجل من أهل قبا أَنه قدم مصر على مسلمة بن مخلد، فَقَالَ: أرسل معي إِلَى فلَان، رجل من الصَّحَابَة، قَالَ: حسبت أَنه قَالَ: سرق، قَالَ: فَذهب إِلَيْهِ فِي قريته، فَقَالَ: هَل تذكر مَجْلِسا كنت أَنا وَأَنت فِيهِ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ أحد مَعنا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: كَيفَ سمعته يَقُول؟ فَقَالَ: سمعته يَقُول: (من أطلع من أَخِيه على عَورَة ثمَّ سترهَا، جعلهَا الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة
حِجَابا من النَّار) . قَالَ: كنت أعرف ذَلِك، وَلَكِن أوهمت الحَدِيث فَكرِهت أَن أحدث بِهِ على غير مَا كَانَ، ثمَّ ركب رَاحِلَته وَرجع. وَقَالَ ابْن وهب: أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث، عَن أَبِيه عَن مولى لخارجة عَن أبي صياد الْأسود الْأنْصَارِيّ، وَكَانَ عريفهم، أَن رجلا قدم على مسلمة بن مخلد، فَلم ينزل، وَقَالَ: أرسل معي إِلَى عقبَة بن عَامر، فَأرْسل مَعَه أَبَا صياد، فَقَالَ الرجل لعقبة: هَل تذكر مَجْلِسا لنا فِيهِ عِنْد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: (من ستر عَورَة مُؤمن كَانَت لَهُ كموؤودة أَحْيَاهَا) فَقَالَ عقبَة: نعم، فَكبر الرجل، قَالَ: لهَذَا ارتحلت من الْمَدِينَة، ثمَّ رَجَعَ. وَالصَّحِيح أَن المُرَاد من قَوْله: فِي حَدِيث وَاحِد، هُوَ الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب (الرَّد على الْجَهْمِية) آخر الْكتاب، فَقَالَ: وَنَذْكُر عَن جَابر بن عبد اللَّه عَن عبد اللَّه بن أنيس: سَمِعت النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَقُول: (يحْشر الله الْعباد فيناديهم، بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب: أَنا الْملك أَنا الديَّان) لم يزدْ البُخَارِيّ على هَذَا، وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى فِي (مسنديهما) من طَرِيق عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل أَنه سمع جَابر بن عبد اللَّه يَقُول: بَلغنِي عَن رجل حَدِيث سَمعه عَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فاشتريت بَعِيرًا، ثمَّ شددت رحلي فسرت إِلَيْهِ شهرا حَتَّى قدمت الشَّام، فَإِذا عبد اللَّه بن أنيس، فَقلت للبواب: قل لَهُ جَابر بن عبد اللَّه على الْبَاب. فَقَالَ: ابْن عبد اللَّه؟ قلت: نعم. فَخرج فاعتنقني، فَقلت: حَدِيث بَلغنِي عَنْك أَنَّك سمعته من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَخَشِيت أَن أَمُوت قبل أَن أسمعك. فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (يحْشر الله النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عُرَاة غرلًا بهما، فيناديهم بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب: أَنا الْملك، أَنا الديَّان، لَا يَنْبَغِي لأهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة وَاحِد من أهل النَّار يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى يقتصه مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَة قَالَ: وَكَيف، وَإِنَّمَا نأتي عُرَاة غرلًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ والسيئات وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الْعلم عَن شَيبَان: حَدثنَا همام، حَدثنَا الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد، حَدثنِي عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل أَن جَابِرا حَدثهُ ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا الْحَارِث بن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده عَن هدبة عَن همام بِسَنَدِهِ نَحوه. وَأخرجه أَيْضا نصر الْمَقْدِسِي فِي كتاب (الْحجَّة على تَارِك المحجة) عَن عَليّ ابْن طَاهِر: حَدثنَا الْحُسَيْن بن خرَاش، حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، ثَنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، ثَنَا همام إِلَى آخِره. فَإِن قلت: ذكر أَبُو سعيد بن يُونُس بِسَنَدِهِ عَن جَابر قَالَ: بَلغنِي حَدِيث فِي الْقصاص عَن عقبَة بن عَامر، وَهُوَ بِمصْر، فاشتريت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلاً وسرت إِلَيْهِ شهرا حَتَّى أتيت مصر وَذكر الحَدِيث. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين، وَتَمام فِي (فَوَائده) من طَرِيق الْحجَّاج بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر، قَالَ: كَانَ بَلغنِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث فِي الْقصاص، وَكَانَ صَاحب الحَدِيث بِمصْر، فاشتريت بَعِيرًا فسرت حَتَّى وَردت مصر، فقصدت إِلَى بَاب الرجل ... ، فَذكر نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور، وَإِسْنَاده صَالح. وروى الْخَطِيب فِي كتاب (الرحلة) ، من حَدِيث عبد الوارث بن سعيد عَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد عَن ابْن عقيل عَن جَابر قَالَ: تقدّمت على ابْن أنيس بِمصْر ... وَرَوَاهُ أَيْضا، من طَرِيق عِيسَى الغنجار عَن عمر بن صَالح عَن مقَاتل بن حبَان عَن أبي جارود الْعَبْسِي عَن جَابر، فَأتيت مصر فَإِذا هُوَ بِبَاب الرجل، فَخرج إليَّ وَفِيه: (والرب على عَرْشه يُنَادى بِصَوْت رفيع غير فظيع) الحَدِيث. قلت: يحْتَمل أَن يَكُونَا وَاقِعَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا لعبد اللَّه بن أنيس، وَالْأُخْرَى: لعقبة بن عَامر، رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (عُرَاة) جمع عَار. قَوْله: (غرلًا) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء جمع أغرل وَهُوَ: الأقلف. وَقَوله: (بهما) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: لَيْسَ مَعَهم شَيْء، وَيُقَال أصحاء. قلت: يَعْنِي لَيْسَ فيهم شَيْء من العاهات: كالعمى والعور وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا أجساد صَحِيحَة للخلود، إِمَّا فِي الْجنَّة وَإِمَّا فِي النَّار. والبهم فِي الأَصْل الَّذِي يخالط لَونه لون سَواد. قَوْله: (فيناديهم بِصَوْت) قَالَ القَاضِي الْمَعْنى يَجْعَل ملكا يُنَادي، أَو يخلق صَوتا ليسمعه النَّاس، وَأما كَلَام الله تَعَالَى فَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر (فينادي بِصَوْت) على مَا لم يسم فَاعله. الْخَامِس: ادَّعَت جمَاعَة أَن البُخَارِيّ قد نقض قَاعِدَته، وَذَلِكَ أَن من قَوَاعِده أَنه يذكر التَّعْلِيق إِذا كَانَ صَحِيحا بِصِيغَة الْجَزْم. وَإِذا كَانَ ضَعِيفا بِصِيغَة التمريض، وَهنا قَالَ: ورحل جَابر بن عبد اللَّه بِصِيغَة الْجَزْم، وَقَالَ فِي أَوَاخِر (صَحِيحَة) : وَيذكر جَابر بِصِيغَة التمريض، وَأجَاب عَنهُ الشَّيْخ قطب الدّين بِأَنَّهُ جزم: بالرحلة دون الحَدِيث، فَعِنْدَ مَا ذكر الحَدِيث اتى بِصِيغَة التمريض، فَقَالَ: وَيذكر عَن جَابر بن عبد اللَّه. 78 - حدّثنا أَبُو القاسِمِ خالِدُ بنُ خلِيٍّ قَالَ: حدّثنا مُحمَّدُ بنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أخبرنَا الزُهْرَي)
عنْ عُبيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عَن ابْن عَبَّاس أنَّهُ تَمَارَى هُوَ والحُرّ بنُ قَيْسِ بن حصْنٍ الفَزَاريُّ فِي صاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِما أبَيُّ بنُ كَعْبٍ، فَدَعاهُ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنِّي تَمارَيْتُ أَنا وصاحِبِي هَذا فِي صاحِبِ مُوسى الَّذِي سأَل السَّبِيلَ إلَى لُقِيِّه، هَلْ سَمِعْتَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ شَأْنَه؟ فَقَالَ ابَيٌّ: نَعَمْ! سَمعْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ شأْنَهُ يَقُولُ: (بَيْنَما مُوسَى فِي مَلأٍ مِنْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أتَعْلَمُ أحَداً أعْلَمَ منْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لاَ. فأَوْحَى الله عَزَّ وجَلَّ إلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُنا خضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلىَ لُقِيِّهِ فَجَعَلَ الله لَهُ الحُوتَ آيَةً وقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فارْجِعْ فإِنَّكَ سَتَلْقاهُ، فَكان مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَّبِعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَي لِمُوسَى: {أرَأيْتَ إِذْ أوَيْنَا إِلى الصَّخْرَةِ فانِّي نَسيتُ الحُوتَ وَمَا أنْسانِيهِ إِلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ} قَالَ مُوسى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فارْتَدَّا علَى آثارِهِما قَصَصَاً فَوَجدا خَضِراً، فَكان مِنْ شَأنهمَا مَا قَصَّ الله فِي كِتابهِ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد عقد على هَذَا الحَدِيث بَابَيْنِ بترجمتين. الأول: بَاب مَا ذكر فِي ذهَاب مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر. وَالثَّانِي: هَذَا الْبَاب. والتفاوت فِي بعض الروَاة، فَإِن هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن غرير عَن يَعْقُوب عَن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن صَالح عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ: وَهَهُنَا: عَن أبي الْقَاسِم خَالِد بن خلي عَن مُحَمَّد بن حَرْب عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَكَذَا التَّفَاوُت فِي بعض الْأَلْفَاظ. فَإِن هُنَاكَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ خضر، بعد قَوْله: فِي صَاحب مُوسَى، وَقبل قَوْله: فَمر بهما أبي بن كَعْب. وَهُنَاكَ: هَل سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَهَهُنَا: هَل سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَهُنَاكَ: قَالَ: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَهَهُنَا: نعم، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يذكر شَأْنه. وَهُنَاكَ: جَاءَ رجل فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَهَهُنَا: إِذْ جَاءَهُ. وَهُنَاكَ: فَقَالَ: هَل تعلم أحدا؟ وَهَهُنَا: فَقَالَ: تعلم أحدا؟ وَهُنَاكَ: فَكَانَ يتبع الْحُوت، وَهَهُنَا: فَكَانَ مُوسَى يتبع أثر الْحُوت. وَهُنَاكَ: فَقَالَ لمُوسَى فتاه: أريت؟ وَهَهُنَا: فَقَالَ فَتى مُوسَى لمُوسَى: أَرَأَيْت؟ وَوَقع هَهُنَا فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: تمارى وَالْحر بِغَيْر لَفظه هُوَ، وَهُوَ عطف على الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بِغَيْر التَّأْكِيد بالمنفصل، وَذَلِكَ جَائِز عِنْد الْكُوفِيّين وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَكَذَا الْكَلَام فِي رِجَاله مَا خلا شيخ البُخَارِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ أما شَيْخه فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم خَالِد بن خلي الْحِمصِي الكلَاعِي من حَدِيث عبد الْوَارِث بن سعيد عَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد عَن ابْن عقيل عَن جَابر، انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَهُوَ قَاضِي حمص، صَدُوق، أخرج لَهُ هَهُنَا، وَفِي التَّعْبِير، روى عَن بَقِيَّة وطبقته، وَعنهُ ابْنه مُحَمَّد وَأَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي، وَأخرج لَهُ من أهل السّنَن: النَّسَائِيّ فَقَط. وخلي، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء، على وزن: عَليّ، وَقَالَ بَعضهم: وَقع عِنْد الزَّرْكَشِيّ مضبوطاً بلام مُشَدّدَة، وَهُوَ سبق قلم، أَو خطأ من النَّاسِخ قلت: لَيْسَ الزَّرْكَشِيّ ضَبطه هَكَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ: بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَلَام مَكْسُورَة وياء مُشَدّدَة بِوَزْن عَليّ. وَأما الْأَوْزَاعِيّ فَهُوَ أحد الْأَعْلَام أَبُو عَمْرو عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن يحمد، وَقيل: كَانَ اسْمه عبد الْعَزِيز فَسمى نَفسه عبد الرَّحْمَن، أحد اتِّبَاع التَّابِعين، كَانَ يسكن دمشق خَارج بَاب الفراديس ثمَّ تحول إِلَى بيروت فسكنها مرابطاً إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة سبع وَخمسين وَمِائَة، آخر خلَافَة أبي جَعْفَر، دخل الْحمام فَذهب الحمامي فِي حَاجَة وأغلق عَلَيْهِ الْبَاب، ثمَّ جَاءَ فَفتح عَلَيْهِ الْبَاب فَوَجَدَهُ مَيتا متوسداً يَمِينه مُسْتَقْبل الْقبْلَة، رَحمَه الله. وَكَانَ مولده ببعلبك سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَكَانَ أَصله من سبي الْهِنْد، روى عَن عَطاء وَمَكْحُول وَغَيرهمَا، وَرَأى ابْن سِيرِين، وَعنهُ قَتَادَة وَيحيى بن أبي كثير وهما من شُيُوخه، وَكَانَ رَأْسا فِي الْعِبَادَة وَالْعلم، وَكَانَ أهل الشَّام وَالْمغْرب على مذْهبه قبل انتقالهم إِلَى مَذْهَب مَالك، وَسُئِلَ عَن الْفِقْه، يَعْنِي: استفتي، وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة، وَقيل: إِنَّه أفتى فِي ثَمَانِينَ ألف مَسْأَلَة. ونسبته إِلَى الأوزاع، بِفَتْح الْهمزَة، قيل: إِنَّهَا قَرْيَة بِقرب دمشق خَارج بَاب الفراديس، سميت بذلك لِأَنَّهُ سكنها فِي صدر الْإِسْلَام قبائل شَتَّى، وَقيل: الأوزاع، بطن من حمير. وَقيل: من هَمدَان بِسُكُون الْمِيم، وَقيل: هُوَ نِسْبَة إِلَى
- (باب فضل من علم وعلم)
أوزاع الْقَبَائِل: أَي: فرقها وبقاياها مجتمعة من قبائل شَتَّى. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ: حَدثنَا مُحَمَّد بن حَرْب قَالَ الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ: أخبرنَا الزُّهْرِيّ، وَفِي الطَّرِيق السَّابِقَة عَن صَالح عَن ابْن شهَاب، وَابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ، وَهَذَا الِاخْتِلَاف من جملَة ضبط البُخَارِيّ وَقُوَّة احتياطه حَيْثُ يَقُول تَارَة: ابْن شهَاب، وَتارَة: الزُّهْرِيّ، وَتارَة: مُحَمَّد بن مُسلم، لِأَنَّهُ يَنْقُلهُ فِي كل مَوضِع بِاللَّفْظِ الَّذِي نَقله شَيْخه. 20 - (بَاب فَضْل مَنْ عَلِمَ وعلَّمَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من علم، بتَخْفِيف اللَّام الْمَكْسُورَة، أَي: صَار عَالما، وعلّم، بِفَتْح اللَّام الْمُشَدّدَة، من التَّعْلِيم؛ أَي: علم غَيره. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ بَيَان حَال الْعَالم والمعلم، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان فضلهما. 79 - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ العَلاءِ قَالَ: حدّثنا حَمَّادُ بنُ أُسامةَ عنْ بُريْدِ بن عبد اللَّه عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسى عَن النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَثَلُ مَا بَعثَنِي الله بِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضاً، فَكانَ مِنْها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنْها أجادبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ الله بِها النَّاسَ فَشَربُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصابَتْ مِنْها طائِفَةٌ أخْرَى إِنَّما هِيَ قِيعانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاء وَلَا تُنْبِتُ كَلأ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دينِ الله ونَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ. وَمَثَلُ مَنْ لَم يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله الَّذِي أُرْسِلْتُ بهِ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الْبَاب مَعْقُود على قَوْله فِي الحَدِيث: فَعلم وَعلم، وَفضل من بَاشر الْعلم والتعليم ظَاهر مِنْهُ، لِأَنَّهُ فِي معرض الْمَدْح على سَبِيل التَّمْثِيل على مَا نبينه عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن الْعَلَاء، بِالْمُهْمَلَةِ وبالمد، ابْن كريب الْهَمدَانِي، بِسُكُون الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة، المكنى بِأبي كريب، بِضَم الْكَاف، مصغر كرب، بِالْمُوَحَّدَةِ. وشهرته بالكنية أَكثر. روى عَنهُ الْجَمَاعَة وَآخَرُونَ، وَهُوَ صَدُوق لَا بَأْس بِهِ، وَهُوَ مكثر. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن سعيد: ظهر لَهُ بِالْكُوفَةِ ثَلَاثَة مائَة ألف حَدِيث، مَاتَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة بن زيد الْهَاشِمِي الْقرشِي الْكُوفِي، مولى الْحسن بن عَليّ أَو غَيره، وشهرته بكنيته أَكثر. روى عَن بريد وَغَيره، وَأكْثر عَن هِشَام ابْن عُرْوَة، لَهُ عَنهُ سِتّمائَة حَدِيث، وَعنهُ الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهمَا، وَكَانَ ثِقَة ثبتاً صَدُوقًا حَافِظًا حجَّة اخبارياً، رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: كتبت بإصبعي هَاتين مائَة ألف حَدِيث، مَاتَ سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة، فِيمَا قيل، وَلَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من هُوَ بِهَذِهِ الكنية سواهُ، وَفِي النَّسَائِيّ أَبُو أُسَامَة الرقي النَّخعِيّ زيد بن عَليّ بن دِينَار، صَدُوق، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اشْتهر بِهَذِهِ الكنية سواهُمَا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: ابْن عبد اللَّه بن أبي بردة ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، والمكنى بِأبي بردة الْكُوفِي وَقد تقدم. الرَّابِع: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى عبد اللَّه بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وَقد تقدم. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن بريداً يروي عَن جده، وجده عَن أَبِيه، وَهَذِه لَطِيفَة.
وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى، وَلم يقل: عَن أبي بردة عَن أَبِيه. قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك تفنناً. قلت: التفنن هُوَ التنوع فِي أَنْوَاع الْكَلَام وأساليبه من الْفَنّ وَاحِد الْفُنُون، وَهِي الْأَنْوَاع، وَلَا يكون ذَلِك إلاَّ باخْتلَاف الْعبارَات، وَلَيْسَ هَهُنَا إلاَّ عبارَة وَاحِدَة فَكيف يكون من هَذَا الْقَبِيل. بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا فَقَط. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعبد اللَّه بن براد وَأبي كريب، وَالنَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا الْكُوفِي، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي أُسَامَة عَنهُ بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (مثل) ، بِفَتْح الْمِيم والثاء الْمُثَلَّثَة: المُرَاد بِهِ هَهُنَا الصّفة العجبية لَا القَوْل السائر. قَوْله: (من الْهدى) ، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْهدى الرشاد، وَالدّلَالَة، يذكر وَيُؤَنث. يُقَال: هداه الله للدّين هدى، وهديته الطَّرِيق وَالْبَيْت هِدَايَة، أَي: عَرفته، هَذِه لُغَة أهل الْحجاز وَغَيرهم. تَقول: هديته إِلَى الطَّرِيق وَإِلَى الدَّار، حَكَاهَا الْأَخْفَش، وَهدى واهتدى بِمَعْنى، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْهدى: هُوَ الدّلَالَة الموصلة إِلَى البغية. قَوْله: (وَالْعلم) هُوَ صفة توجب تمييزاً لَا يحْتَمل مُتَعَلّقه النقيض، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة. قَوْله: (الْغَيْث) هُوَ الْمَطَر، وغيثت الأَرْض فَهِيَ مغيثة ومغيوثة. يُقَال: غاث الْغَيْث الأَرْض إِذا أَصَابَهَا. وغاث الله الْبِلَاد يغيثها غيثاً. قَوْله: (نقية) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: من النَّقَاء، هَكَذَا هُوَ عِنْد البُخَارِيّ فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَوَقع عِنْد الْخطابِيّ والْحميدِي، وَفِي حَاشِيَة أصل أبي ذَر: ثغبة، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة خَفِيفَة مَفْتُوحَة، قَالَ الْخطابِيّ: هِيَ مستنقع المَاء فِي الْجبَال والصخور، وَقَالَ الصغاني: الثغب، بِالتَّحْرِيكِ: الغدير، يكون فِي ظلّ جبل لَا تصيبه الشَّمْس فيبرد مَاؤُهُ، وَالْجمع: ثغبان. مثل: شبث وشبثان. وَقد يسكن فَيُقَال: ثغب، وَيجمع على: ثغبان، مثل: ظهر وظهران. وَيجمع على: ثغاب أَيْضا. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : هَذِه الرِّوَايَة غلط من الناقلين وتصحيف، وإحالة للمعنى لِأَنَّهُ إِنَّمَا جعلت هَذِه الطَّائِفَة الأولى مثلا لما تنْبت، والثغبة لَا تنْبت، ويروى: بقْعَة، ويروى: (طيبَة) . كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (قبلت المَاء) : من الْقبُول، وَهِي بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَهَذَا الْموضع لَا خلاف فِيهِ. قلت: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْخلاف فِي قَوْله: قَالَ إِسْحَاق: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَة قبلت المَاء، يَعْنِي: هَل يُقَال فِيهِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة، أَو بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف على مَا يَجِيء عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى؟ وَقَالَ بَعضهم: كَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات. وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ: قيلت، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. قلت: ذكر هَذَا هَهُنَا غير مُنَاسِب، لِأَن هَذَا الْموضع لَا خلاف فِيهِ، كَمَا قَالَه الشَّيْخ قطب الدّين، وَإِنَّمَا يذكر هَذَا عِنْد قَول إِسْحَاق. قَوْله: (الْكلأ) ، بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام، وَفِي آخِره همزَة بِلَا مد. قَالَ الصغاني: الْكلأ العشب، وَقد كلئت الأَرْض فَهِيَ كليئة، ثمَّ قَالَ فِي بَاب العشب: العشب الْكلأ الرطب، وَلَا يُقَال لَهُ حشيش حَتَّى يهيج، وأعشبت الأَرْض إِذا أنبتت العشب. وَقَالَ فِي بَاب الْحَشِيش: الحشيس الْكلأ الْيَابِس، وَلَا يُقَال لَهُ: رطب حشيش. قلت: علم من كَلَامه أَن الْكلأ يُطلق على الرطب من النَّبَات واليابس مِنْهُ، وَكَذَا صرح بِهِ ابْن فَارس والجوهري وَالْقَاضِي عِيَاض: الْكلأ يُطلق على الرطب واليابس من النَّبَات، وَفهم من قَول الصغاني أَيْضا أَن الْحَشِيش لَا يُطلق على الرطب، كَذَا صرح بِهِ الْجَوْهَرِي، وَهُوَ مَنْقُول عَن الْأَصْمَعِي ذكره البطليوسي فِي (أدب الْكتاب) وَنقل عَن أبي حَاتِم إِطْلَاقه عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْكلأ، بِالْهَمْزَةِ: هُوَ النَّبَات يَابسا ورطباً، وَأما العشب والخلاء مَقْصُورا فمختصان بالرطب، والحشيش مُخْتَصّ. باليابس. قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: الْخَلَاء، مَقْصُور: الْحَشِيش الْيَابِس، الْوَاحِدَة خلاءة. وَالصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي، فالجوهري سهى فِيهِ لِأَن الْخَلَاء الرطب، فَإِذا يبس فَهُوَ حشيش. قَوْله: (أجادب) ، بِالْجِيم وبالدال الْمُهْملَة: جمع جَدب على غير قِيَاس، كَمَا قَالُوا فِي: حسن، جمعه: محَاسِن. وَالْقِيَاس أَنه جمع: محسن، أَو جمع: جديب. وَهُوَ من الجدب الَّذِي هُوَ الْقَحْط، وَالْأَرْض الجدبة الَّتِي لم تمطر، وَالْمرَاد هَهُنَا الأَرْض الَّتِي لَا تشرب لصلابتها فَلَا تنْبت شَيْئا. وَفِي (الْعباب) : أَرض جدبة وجدوب أَيْضا، وارضون جدوب، وَمَكَان جَدب وجديب بَين الجدوبة، وعام جَدب، واجدب الْقَوْم أَصَابَهُم الجدب، وأجدبت أَرض كَذَا أَي: وَجدتهَا جدبة. وَقَالَ ابْن السّكيت: جادبت الْإِبِل الْعَام إِذا كَانَ الْعَام محلا، فَصَارَت لَا تَأْكُل إلاَّ الدرين الْأسود ودرين الثمام، وَهَكَذَا هُوَ عَامَّة الرِّوَايَات فِي البُخَارِيّ، وَرِوَايَة مُسلم أَيْضا هَكَذَا، وَضَبطه الْمَازرِيّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَكَذَا ذكره الْخطابِيّ، وَقَالَ: هِيَ صلاب الأَرْض الَّتِي تمسك المَاء. وَقَالَ القَاضِي: هَذَا وهم. قلت: إِن صَحَّ مَا قَالَه الْخطابِيّ يكون من الجذب، وَهُوَ انْقِطَاع الرِّيق، قَالَه أَبُو عَمْرو. وَيُقَال للناقة إِذا قل لَبنهَا: قد جذبت فَهِيَ جاذب، وَالْجمع: جواذب،
وجذاب أَيْضا، مثل: نَائِم ونيام، وَرَوَاهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي يعلى عَن أبي كريب: أُحَارب، بحاء وَرَاء مهملتين. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لم يضبطه أَبُو يعلى، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَيست هَذِه الرِّوَايَة بِشَيْء. قلت: إِن صَحَّ هَذَا يكون من الحرباء، وَهِي النشز من الأَرْض، وَمثل هَذِه لَا تمسك المَاء لِأَنَّهُ ينحدر عَنْهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: قَالَ بَعضهم: أجارد، بجيم وَرَاء ثمَّ دَال مُهْملَة: جمع جرداء، وَهِي البارزة الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا. قَالَ: وَهُوَ صَحِيح الْمَعْنى إِن ساعدته الرِّوَايَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الأجارد من الأَرْض الَّتِي لَا تنْبت الْكلأ، مَعْنَاهُ: أَنَّهَا جرداء بارزة لَا يَسْتُرهَا النَّبَات. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: إخاذات، بِكَسْر الْهمزَة وَالْخَاء والذال المعجمتين وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق، جمع.، إخاذة: وَهِي الأَرْض الَّتِي تمسك المَاء، وَيُقَال: هِيَ الغدران الَّتِي تمسك المَاء. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن عبد الغافر الْفَارِسِي: هُوَ الصَّوَاب. وَقَالَ الشَّيْخ مغلطاي: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا هِيَ أخذات سقط مِنْهَا الْألف، والأخذات مساكات المَاء، واحدتها اخذة. قلت: على مَا قَالَه الْبَعْض يَنْبَغِي أَن تفتح الْهمزَة فِي الأخذات، وَفِي الأخذة أَيْضا الَّذِي هُوَ مفردها وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هِيَ بِكَسْر الْهمزَة فِي الْجمع والمفرد. وَفِي (الْعباب) : الْأَخْذ جمع إخاذ وَهُوَ كالغدير مِثَال: كتاب وَكتب، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الأخاذة والأخاذ، بِالْهَاءِ وَبِغير الْهَاء، صنع للْمَاء ليجتمع فِيهِ، وَسمي إخاذاً لِأَنَّهُ يَأْخُذ مَاء السَّمَاء، وَيُقَال لَهُ: المساكة لِأَنَّهُ تمسكه. ونهيا ونهيا وتنهية: لِأَنَّهُ ينهاه ويحبسه ويمنعه من الجري، وَيُسمى حاجزاً لِأَنَّهُ يحجزه، حائراً لِأَنَّهُ يحار المَاء فِيهِ فَلَا يدْرِي كَيفَ يجْرِي. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : هَذِه كلهَا منقولة مروية. قلت: وَلَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) إلاَّ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (شرح مُسلم) : لم يُرو هَذَا الْحَرْف فِي مُسلم وَغَيره إلاَّ بِالدَّال الْمُهْملَة، من الجدب الَّذِي ضد الخصب، وَعَلِيهِ شرح الشارحون. قَوْله: (وَسقوا) قَالَ أهل اللُّغَة: سقى واسقى بِمَعْنى لُغَتَانِ، وَقيل: سقَاهُ: نَاوَلَهُ ليشْرب، وأسقاه: جعل لَهُ سقيا. قَوْله: (طَائِفَة) أَي قِطْعَة أُخْرَى من الأَرْض. قَوْله: (قيعان) ، بِكَسْر الْقَاف: جمع القاع وَهِي الأَرْض المتسعة. وَقيل: الملساء، وَقيل: الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا وَهَذَا هُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث. قلت: أصل قيعان: قوعان، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، والقاع يجمع أَيْضا على: قوع وأقواع. والقيعة بِكَسْر الْقَاف بِمَعْنى القاع. قَوْله: (من فقه) قَالَ النَّوَوِيّ: رُوِيَ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَالضَّم أشهر، قلت: الْفِقْه: الْفَهم، يُقَال فقه بِكَسْر الْقَاف كفرح يفرح، وَأما الْفِقْه الشَّرْعِيّ فَقَالُوا: يُقَال مِنْهُ فقه، بِضَم الْقَاف، وَقَالَ ابْن دُرَيْد بِكَسْرِهَا، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا هُوَ الثَّانِي، فتضم الْقَاف على الْمَشْهُور، على قَول ابْن دُرَيْد تكسر، وَقد مر الْكَلَام مُسْتَوفى. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (مثل مَا) كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: (كَمثل الْغَيْث) و: مَا، مَوْصُولَة: (وبعثني الله) جملَة صلتها، والعائد قَوْله: بِهِ. قَوْله: (من الْهدى) كلمة من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (وَالْعلم) بِالْجَرِّ عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (أصَاب أَرضًا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على الْحَال، بِتَقْدِير: قد. قَوْله: (فَكَانَ) الْفَاء للْعَطْف. (ونقية) بِالرَّفْع اسْم كَانَ. (وَمِنْهَا) مقدما خَبره، قَوْله: (قبلت المَاء) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لنقية. قَوْله: (فانبتت) ، عطف على: قبلت، و: الْكلأ، مَنْصُوب بِهِ، و: العشب، عطف عَلَيْهِ، و: الْكثير، بِالنّصب صفة العشب. قَوْله: (وَكَانَت) عطف على قَوْله: (فَكَانَ) ، و: (أجادب) ، بِالرَّفْع اسْم: كَانَ وَخَبره قَوْله: (مِنْهَا) مقدما. قَوْله: (أَمْسَكت المَاء) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة: أجادب. قَوْله: (فنفع الله) جملَة معطوفة على الَّتِي قبلهَا، و: الْفَاء، التعقيبية. يكون التعقيب فِيهَا بِحَسب الشَّيْء الَّذِي يدْخل فِيهِ. قَوْله: (فَشَرِبُوا وَسقوا وزرعوا) جمل عطف بَعْضهَا على بعض. قَوْله: (وَأصَاب) عطف على قَوْله: (أصَاب أَرضًا) ، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى: الْغَيْث. كَمَا فِي: أصَاب، الأول. و: طَائِفَة، مَنْصُوب بِهِ لِأَنَّهُ مفعول، و: أُخْرَى، صفة طَائِفَة. قَوْله: (مِنْهَا) حَال مُتَقَدم من طَائِفَة، وَقد علم أَن الْحَال إِذا كَانَ عَن نكرَة تتقدم على صَاحبهَا. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة: (أَصَابَت) ، وَالتَّقْدِير: أَصَابَت طَائِفَة أُخْرَى. وَوَقع كَذَلِك صَرِيحًا عِنْد النَّسَائِيّ. قَوْله: (إِنَّمَا هِيَ قيعان) أَي: مَا هِيَ إلاَّ قيعان لِأَن: إِنَّمَا، من أدوات الْحصْر، و: هِيَ، مُبْتَدأ، و: قيعان، خَبره. قَوْله: (لَا تمسك مَاء) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة: قيعان. قَوْله: (وَلَا تنْبت كلأ) عطف عَلَيْهِ، وَهُوَ أَيْضا صفته. قَوْله: (فَكَذَلِك) الْفَاء فِيهِ تفصيلية، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة، وَهُوَ فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء. وَقَوله: (مثل من فقه) كَلَام إضافي خَبره. قَوْله: (ونفعه) ، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول عطف على: (من فقه) . وَقَوله: (مَا بَعَثَنِي الله) فِي مَحل الرّفْع على أَنه فَاعل لقَوْله: ونفعه، و: مَا، مَوْصُولَة، (وبعثني الله بِهِ) جملَة صلتها. قَوْله: (فَعلم) عطف على قَوْله: (فقه) ، و: علم، عطف على: علم، قَوْله: (وَمثل من) كَلَام إضافي عطف على قَوْله: (مثل
من فقه) و: من، مَوْصُولَة و: لم يرفع بذلك رَأْسا، صلتها. قَوْله: (وَلم يقبل) عطف على: (من لم يرفع) . و: (هدى الله) كَلَام إضافي مفعول: لم يقبل، وَقَوله: (الَّذِي أرْسلت بِهِ) ، فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة هدى. و: أرْسلت، مَجْهُول، وَالضَّمِير فِي: بِهِ، يرجع إِلَى: الَّذِي. فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي: فِيهِ عطف الْمَدْلُول على الدَّلِيل: لِأَن الْهدى هُوَ الدّلَالَة، وَالْعلم هُوَ الْمَدْلُول، وجهة الْجمع بَينهمَا هُوَ النّظر إِلَى أَن الْهدى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَيْر أَي التَّكْمِيل، وَالْعلم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّخْص أَي الْكَمَال. وَيُقَال: الْهدى الطَّرِيقَة، وَالْعلم هُوَ الْعَمَل، وَفِيه عطف الْخَاص على الْعَام: لِأَن العشب أَعم من الْكلأ، كَمَا ذَكرْنَاهُ. والتخصيص بِالذكر لفائدة الاهتمام بِهِ لشرفه، وَنَحْوه. وَفِيه حذف المفاعيل من قَوْله: (فَشَرِبُوا وَسقوا وزرعوا) ، لكَونهَا مَعْلُومَة، وَلِأَنَّهَا فضلَة فِي الْكَلَام. وَالتَّقْدِير: فَشَرِبُوا من المَاء وَسقوا دوابهم وزرعوا مَا يصلح للزَّرْع. وَفِيه ضرب الْأَمْثَال. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا مثل ضرب لمن قبل الْهدى وَعلم ثمَّ علم غَيره فنفعه الله ونفع بِهِ، وَمن لم يقبل الْهدى فَلم ينفع بِالْعلمِ وَلم ينْتَفع بِهِ. قلت: فعلى هَذَا لم يَجْعَل النَّاس على ثَلَاثَة أَنْوَاع، بل على نَوْعَيْنِ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْقِسْمَة الثنائية هِيَ المتصورة، وَذَلِكَ أَن: (أصَاب مِنْهَا طَائِفَة) ، مَعْطُوف على: أصَاب أَرضًا. و: كَانَت، الثَّانِيَة معطوفة على: كَانَ، لَا على: أصَاب. وَقسمت الأَرْض الأولى إِلَى النقية وَإِلَى الاجادب، وَالثَّانيَِة على عكسها، وَفِي: كَانَ، ضم وتر إِلَى وتر، وَفِي أصَاب، ضم شفع إِلَى شفع، وَهُوَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} (الْأَحْزَاب: 35) من جِهَة أَنه عطف الْإِنَاث على الذُّكُور أَولا، ثمَّ عطف الزَّوْجَيْنِ على الزَّوْجَيْنِ، وَكَذَا هَهُنَا عطف: كَانَت على كَانَت، ثمَّ عطف: أصَاب على أصَاب. فَالْحَاصِل أَنه قد ذكر فِي الحَدِيث الطرفان العالي فِي الاهتداء والعالي فِي الضلال، فَعبر عَمَّن قبل هدى الله وَالْعلم بقوله: (فقه) ، وَعَن أَبى قبُولهَا بقوله: (لم يرفع بذلك رَأْسا) . لِأَن مَا بعْدهَا وَهُوَ: نَفعه ... إِلَى آخِره، فِي الأول. وَلم يقبل هدى الله ... إِلَى آخِره، فِي الثَّانِي عطف تفسيري لفقه، وَلقَوْله: (لم يرفع) ، وَذَلِكَ لِأَن الْفَقِيه هُوَ الَّذِي علم وَعمل، ثمَّ علم غَيره وَترك الْوسط، وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحدهمَا: الَّذِي انْتفع بِالْعلمِ فِي نَفسه فَحسب، وَالثَّانِي: الَّذِي لم ينْتَفع هُوَ بِنَفسِهِ، وَلَكِن نفع الْغَيْر. وَقَالَ المظهري فِي (شرح المصابيح) : إعلم أَنه ذكر فِي تَقْسِيم الأَرْض ثَلَاثَة أَقسَام، وَفِي تَقْسِيم النَّاس بِاعْتِبَار قبُول الْعلم قسمَيْنِ: أَحدهمَا من فقه ونفع الْغَيْر، وَالثَّانِي من لم يرفع بِهِ رَأْسا. وَإِنَّمَا ذكره كَذَلِك لِأَن الْقسم الأول وَالثَّانِي من أَقسَام الأَرْض كقسم وَاحِد من حَيْثُ إِنَّه ينْتَفع بِهِ، وَالثَّانِي هُوَ مَا لَا ينْتَفع بِهِ، وَكَذَلِكَ النَّاس قِسْمَانِ: من يقبل وَمن لَا يقبل. وَهَذَا يُوجب جعل النَّاس فِي الحَدِيث على قسمَيْنِ: من ينْتَفع بِهِ وَمن لَا ينْتَفع. وَأما فِي الْحَقِيقَة فَالنَّاس على ثَلَاثَة أَقسَام: فَمنهمْ من يقبل من الْعلم بِقدر مَا يعْمل بِهِ وَلم يبلغ دَرَجَة الإفادة، وَمِنْهُم من يقبل ويبلغ، وَمِنْهُم من لَا يقبل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل لفظ الحَدِيث تثليث الْقِسْمَة فِي النَّاس أَيْضا، بِأَن يقدر قبل لَفْظَة: نَفعه، كلمة: من، بِقَرِينَة عطفه على: من فقه، كَمَا فِي قَوْله حسان، رَضِي الله عَنهُ. (أَمن يهجو رَسُول الله مِنْكُم ... ويمدحه وينصره سَوَاء؟) إِذْ تَقْدِيره: وَمن يمدحه، وحينئذٍ يكون الْفَقِيه بِمَعْنى الْعَالم بالفقه مثلا فِي مُقَابلَة الأجادب، والنافع فِي مُقَابلَة النقية على اللف والنشر غير الْمُرَتّب، وَمن لم يرفع فِي مُقَابلَة القيعان. فَإِن قلت: لمَ حذف لَفْظَة: من؟ قلت: إشعاراً بِأَنَّهُمَا فِي حكم شَيْء وَاحِد، أَي: فِي كَونه ذَا انْتِفَاع فِي الْجُمْلَة كَمَا جعل للنقية والاجادب حكما وَاحِدًا، وَلِهَذَا لم يعْطف بِلَفْظ أصَاب فِي الأجادب. انْتهى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى هَذَا التَّمْثِيل أَن الأَرْض ثَلَاثَة أَنْوَاع، فَكَذَلِك النَّاس. فالنوع الأول: من الأَرْض ينْتَفع بالمطر فتحيي بعد أَن كَانَت ميتَة، وتنبت الْكلأ فينتفع بِهِ النَّاس وَالدَّوَاب. وَالنَّوْع الأول: من النَّاس يبلغهُ الْهدى وَالْعلم فيحفظه ويحيي قلبه وَيعْمل بِهِ ويعلمه غَيره فينتفع وينفع. وَالنَّوْع الثَّانِي: من الأَرْض: مَا لَا يقبل الِانْتِفَاع فِي نَفسهَا، لَكِن فِيهَا فَائِدَة وَهِي إمْسَاك المَاء لغَيْرهَا، فينتفع بِهِ النَّاس وَالدَّوَاب. وَكَذَا النَّوْع الثَّانِي: من النَّاس: لَهُم قُلُوب حافظة، لَكِن لَيست لَهُم أذهان ثاقبة وَلَا رسوخ لَهُم فِي الْعلم يستنبطون بِهِ الْمعَانِي وَالْأَحْكَام، وَلَيْسَ لَهُم اجْتِهَاد فِي الْعَمَل بِهِ، فهم يَحْفَظُونَهُ حَتَّى يَجِيء أهل الْعلم للنفع وَالِانْتِفَاع، فَيَأْخذهُ مِنْهُم فينتفع بِهِ، فَهَؤُلَاءِ نفعوا بِمَا بَلغهُمْ. وَالثَّالِث: من الأَرْض: هُوَ السباخ الَّتِي لَا تنْبت، فَهِيَ لَا تنْتَفع بِالْمَاءِ وَلَا تمسكه لينْتَفع بِهِ غَيرهَا، وَكَذَلِكَ الثَّالِث من النَّاس: لَيست لَهُم قُلُوب حافظة، وَلَا أفهام وَاعِيَة، فَإِذا سمعُوا الْعلم لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَلَا يَحْفَظُونَهُ لنفع غَيرهم. الأول: المنتفع النافع، وَالثَّانِي: النافع غير المنتفع. وَالثَّالِث: غير النافع وَغير المنتفع. فَالْأول: إِشَارَة إِلَى الْعلمَاء. وَالثَّانِي إِلَى النقلَة. وَالثَّالِث: إِلَى من لَا علم لَهُ وَلَا عقل. قلت: الصَّوَاب مَعَ الطَّيِّبِيّ، لِأَن تَقْسِيم الأَرْض، وَإِن كَانَ ثَلَاثَة
بِحَسب الظَّاهِر، وَلكنه فِي الْحَقِيقَة قِسْمَانِ، لِأَن النَّوْعَيْنِ محمودان وَالثَّالِث مَذْمُوم، وتقسيم النَّاس نَوْعَانِ: أَحدهمَا ممدوح، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (مثل من فقه فِي دين الله تَعَالَى) الخ وَالْآخر مَذْمُوم، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَمثل من لم يرفع بذلك رَأْسا) ، وَمَا ذكره الْكرْمَانِي تعسف، وَهَذَا التَّقْدِير الَّذِي ذكره غير سَائِغ فِي الِاخْتِيَار. وَبَاب الشّعْر وَاسع. وَأَيْضًا يلْزمه أَن يكون تَقْسِيم النَّاس أَرْبَعَة: الأول: قَوْله: (مثل من فقه فِي دين الله تَعَالَى) . وَالثَّانِي: قَوْله: (ونفعه مَا بَعَثَنِي الله بِهِ) على قَوْله: وَالثَّالِث: قَوْله: (وَمثل من لم يرفع بذلك رَأْسا) . وَالرَّابِع: (وَلم يقبل هدى الله) . قَوْله: (فنفع الله بهَا) أَي: بأجادب، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: بِهِ، وتذكيره الضَّمِير بِاعْتِبَار المَاء. قَوْله: (وزرعوا) من الزَّرْع، كَذَا رِوَايَة البُخَارِيّ، وَلمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا: (ورعوا) ، من الرَّعْي. قَالَ النَّوَوِيّ: كِلَاهُمَا صَحِيح، وَرجح القَاضِي عِيَاض رِوَايَة مُسلم. وَقَالَ: هُوَ رَاجع إِلَى الأولى، لِأَن الثَّانِيَة لم يحصل مِنْهَا نَبَات. قلت: وَيُمكن أَن يرجع إِلَى الثَّانِيَة أَيْضا، بِمَعْنى أَن المَاء الَّذِي اسْتَقر بهَا سقيت مِنْهُ أَرض أُخْرَى فأنبتت. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَيحْتَمل أَن يُرِيد بقوله: (ورعوا) ، النَّاس الَّذِي أخذُوا الْعلم عَن الَّذين حملوه على النَّاس، وهم غير الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة على رَأْي جمَاعَة. وَرُوِيَ: ووعوا، وَهُوَ تَصْحِيف. قَوْله: (من لم يرفع بذلك رَأْسا) يَعْنِي: تكبر، يُقَال ذَلِك وَيُرَاد بِهِ أَنه لم يلْتَفت إِلَيْهِ من غَايَة تكبره. بَيَان الْبَيَان: فِيهِ تَشْبِيه مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الدّين بالغيث الْعَام الَّذِي يَأْتِي النَّاس فِي حَال حَاجتهم إِلَيْهِ، وتشبيه السامعين لَهُ بِالْأَرْضِ الْمُخْتَلفَة. فَالْأول: تَشْبِيه الْمَعْقُول بالمحسوس، وَالثَّانِي: تَشْبِيه المحسوس بالمحسوس، وعَلى قَول من يَقُول بِتَثْلِيث الْقِسْمَة يكون ثَلَاث تشبيهات على مَا لَا يخفى، وَيحْتَمل أَن يكون تَشْبِيها وَاحِدًا من بَاب التَّمْثِيل، أَي تَشْبِيه صفة الْعلم الْوَاصِل إِلَى أَنْوَاع النَّاس من جِهَة اعْتِبَار النَّفْع وَعَدَمه بِصفة الْمَطَر الْمُصِيب، إِلَى أَنْوَاع الأَرْض من تِلْكَ الْجِهَة. قَوْله: (فَذَلِك مثل من فقه) تَشْبِيه آخر ذكر كالنتيجة للْأولِ، ولبيان الْمَقْصُود مِنْهُ. والتشبيه هُوَ الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي وصف من أَوْصَاف أَحدهمَا فِي نَفسه: كالشجاعة فِي الْأسد، والنور فِي الشَّمْس. وَلَا بُد فِيهِ من: الْمُشبه، والمشبه بِهِ، وأداة التَّشْبِيه، وَوجه الشّبَه. أما الْمُشبه والمشبه بِهِ فظاهران، وَكَذَا أَدَاة التَّشْبِيه وَهِي الْكَاف، وَأما وَجه الشّبَه فَهُوَ الْجِهَة الجامعة بَين الْعلم والغيث، فَإِن الْغَيْث يحيي الْبَلَد الْمَيِّت، وَالْعلم يحيي الْقلب الْمَيِّت. فَإِن قلت: لم اختير الْغَيْث من بَين سَائِر أَسمَاء الْمَطَر؟ قلت: ليؤذن باضطرار الْخلق إِلَيْهِ حينئذٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي ينزل الْغَيْث من بعد مَا قَنطُوا} (الشورى: 28) . وَقد كَانَ النَّاس قبل المبعث قد امتحنوا بِمَوْت الْقُلُوب، وتصوب الْعلم حَتَّى أَصَابَهُم الله برحمة من عِنْده: وَفِيه التَّفْصِيل بعد الْإِجْمَال، فَقَوله: (أصَاب أَرضًا) مُجمل، وَقَوله: (فَكَانَ مِنْهَا نقية) إِلَى آخِره ... تَفْصِيل، فَلذَلِك ذكره بِالْفَاءِ. فَإِن قلت: لِمَ كرر لَفْظَة: مثل، فِي قَوْله: (من لم يرفع) ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ نوع آخر مُقَابل لما تقدم، فَلذَلِك كَرَّرَه. قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحاقُ: وكانَ مِنْها طائِفةٌ قَيَّلَتِ الماءَ أَبُو عبد اللَّه هُوَ البُخَارِيّ، أَرَادَ أَن إِسْحَاق قَالَ: قيلت، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة، مَكَان قبلت بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ الْأصيلِيّ: قيلت، تَصْحِيف من إِسْحَاق، وَإِنَّمَا هِيَ: قبلت، كَمَا ذكر فِي أول الحَدِيث، وَقَالَ غَيره: معنى قيلت: شربت القيل. وَهُوَ شرب نصف النَّهَار، يُقَال: قيلت الْإِبِل إِذا شربت نصف النَّهَار. وَقيل: معنى: قيلت: جمعت وحبست. قَالَ القَاضِي: وَقد رَوَاهُ سَائِر الروَاة، غير الْأصيلِيّ: قبلت، يَعْنِي بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي أول الحَدِيث وَفِي قَول إِسْحَاق، فعلى هَذَا إِنَّمَا خَالف إِسْحَاق فِي لَفْظَة طَائِفَة جعلهَا مَكَان نقية، قَالَه الشَّيْخ قطب الدّين وبنحوه قَالَ الْكرْمَانِي. قَالَ إِسْحَاق: وَفِي بعض النّسخ بعده: عَن أبي أُسَامَة، يَعْنِي حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَنه روى إِسْحَاق عَن حَمَّاد لفظ: طَائِفَة، بدل مَا روى مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن حَمَّاد لفظ: نقية. وَأما إِسْحَاق، فقد قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هَذَا من الْمَوَاضِع المشكلة فِي كتاب البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ ذكر جمَاعَة فِي كِتَابه لم ينسبهم، فَوَقع من بعض النَّاس اعْتِرَاض عَلَيْهِ بِسَبَب ذَلِك لما يحصل من اللّبْس وَعدم الْبَيَان، وَلَا سِيمَا إِذا شاركهم ضَعِيف فِي تِلْكَ التَّرْجَمَة، وأزال الْحَاكِم ابْن الرّبيع اللّبْس بِأَن نسب بَعضهم، وَاسْتدلَّ على نسبته. وَذكر الكلاباذي بَعضهم، وَذكر ابْن السكن بَعْضًا، وَمن جملَة التراجم المعترضة: إِسْحَاق، فَإِنَّهُ ذكر هَذِه التَّرْجَمَة فِي مَوَاضِع من كِتَابه مُهْملَة، وَهِي كَثِيرَة جدا. قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: روى البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ، وَإِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أبي أُسَامَة، وَقد حدث
- (باب رفع العلم وظهور الجهل)
مُسلم أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج عَن أبي أُسَامَة. قلت: إِسْحَاق الْمَذْكُور هُنَا لَا يخرج عَن أحد الثَّلَاثَة، ويترجح أَن يكون إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه لِكَثْرَة رِوَايَته عَنهُ، وَقد حكى الجياني عَن سعيد بن السكن الْحَافِظ: أَن مَا كَانَ فِي كتاب البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَهُوَ: بِالْهَاءِ وَالْوَاو المفتوحتين وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَيُقَال أَيْضا: بِالْهَاءِ المضمومة وبالياء أخر الْحُرُوف الْمَفْتُوحَة، وَهُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام، أَبُو يَعْقُوب الْحَنْظَلِي الْمروزِي، سكن نيسابور، وَقَالَ عبد اللَّه بن طَاهِر لَهُ: لِمَ قيل لَك ابْن رَاهَوَيْه؟ قَالَ: إعلم أَيهَا الْأَمِير أَن أبي ولد فِي طَرِيق مَكَّة، فَقَالَ المراوزة: راهوي، لِأَنَّهُ ولد فِي الطَّرِيق، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ: رَاه، وَهُوَ أحد أَرْكَان الْمُسلمين، وَعلم من أَعْلَام الدّين، مَاتَ بنيسابور سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، قلت: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، بِالْخَاءِ العجمة، نزيل الْمَدِينَة، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، أَو: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج الْمروزِي، مَاتَ عَام أحد وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، إِذْ البُخَارِيّ فِي هَذَا الصَّحِيح يروي عَن الثَّلَاثَة عَن أبي أُسَامَة، قَالَ الغساني فِي كتاب (تَقْيِيد المهمل) إِن البُخَارِيّ إِذا قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق، غير مَنْسُوب، حَدثنَا أَبُو أُسَامَة، يَعْنِي بِهِ أحد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، وَلَا يَخْلُو عَن أحدهم. قاعٌ يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفٌ المُسْتَوي منَ الأَرْض لما كَانَ فِي الحَدِيث لفظ: قيعان، أَشَارَ بقوله: (قاع يعلوه المَاء) إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن قيعان، الْمَذْكُورَة وَاحِدهَا: قاع. وَالْآخر: أَن القاع هِيَ الأَرْض الَّتِي يعلوها المَاء وَلَا يسْتَقرّ فِيهَا، وَذكر: الصفصف، مَعَه بطرِيق الاستطراد، لِأَن من عَادَته تَفْسِير مَا وَقع فِي الحَدِيث من الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِي الْقُرْآن، وَوَقع فِي الْقُرْآن: {قاعا صفصفا} (طه: 106) قَالَ أَكثر أهل اللُّغَة: الصفصف المستوي من الأَرْض، مثل مَا فسره البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن عباد الصفصف، حرف الْجَبَل. وَوَقع فِي بعض النّسخ: والمصطف المستوي من الأَرْض، وَهُوَ تَصْحِيف. ثمَّ قَوْله: قاع ... إِلَى آخِره، إِنَّمَا هُوَ ثَابت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره لَيْسَ بموجود. 21 - (بَاب رفْعِ العِلْمِ وظُهُورِ الجَهْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الْعلم وَظُهُور الْجَهْل، وَإِنَّمَا قَالَ: وَظُهُور الْجَهْل، مَعَ أَن رفع الْعلم يسْتَلْزم ظُهُور الْجَهْل، لزِيَادَة الْإِيضَاح. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول: فضل الْعَالم والمتعلم، وَفِيه التَّرْغِيب فِي تَحْصِيل الْعلم وَالْإِشَارَة إِلَى فَضِيلَة الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ ضد ذَلِك، لِأَن فِيهِ: رفع الْعلم المستلزم لظُهُور الْجَهْل، وَفِيه التحذير وذم الْجَهْل وبالضد تتبين الْأَشْيَاء. وَقَالَ رَبيعَةُ لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ. ربيعَة: هُوَ الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي، بِإِسْكَان الْهمزَة، إِنَّمَا قيل لَهُ ذَلِك لِكَثْرَة اشْتِغَاله بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد، وَهُوَ ابْن أبي عبد الرَّحْمَن فروخ، بِالْفَاءِ وَالرَّاء الْمُشَدّدَة المضمومة وبالخاء الْمُعْجَمَة، الْمدنِي التَّابِعِيّ الْفَقِيه، شيخ مَالك بن أنس، روى عَنهُ الْأَعْلَام مِنْهُم أَبُو حنيفَة. توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: بالأنبار، فِي دولة أبي الْعَبَّاس. فَإِن قلت: مَا وَجه مُنَاسبَة قَول ربيعَة هَذَا للتبويب فِي رفع الْعلم؟ قلت: من كَانَ لَهُ فهم وَقبُول يلْزمه من فرض الْعلم مَا لَا يلْزم غَيره، فَيَنْبَغِي أَن يجْتَهد فِيهِ وَلَا يضيع علمه فيضيع نَفسه، فَإِنَّهُ إِذا لم يتَعَلَّم أفْضى إِلَى رفع الْعلم، لِأَن البليد لَا يقبل الْعلم، فَهُوَ عَنهُ مُرْتَفع. فَلَو لم يتَعَلَّم الْفَهم لارتفع الْعلم عَنهُ أَيْضا، فيرتفع عُمُوما، وَذَلِكَ من أَشْرَاط السَّاعَة. وَيُقَال: معنى كَلَام ربيعَة: الْحَث على نشر الْعلم، لِأَن الْعَالم فِي قومه إِذا لم ينشر علمه، وَمَات قبل ذَلِك، أدّى ذَلِك إِلَى رفع الْعلم وَظُهُور الْجَهْل، وَهَذَا الْمَعْنى أَيْضا يُنَاسب التَّبْوِيب. وَيُقَال: مَعْنَاهُ: أَنه لَا يَنْبَغِي للْعَالم أَن يَأْتِي بِعِلْمِهِ أهل الدُّنْيَا. وَلَا يتواضع لَهُم إجلالاً للْعلم. فعلى هَذَا فَالْمَعْنى فِي مُنَاسبَة التَّبْوِيب مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ من قلَّة الإشتغال بِالْعلمِ والاهتمام بِهِ لما يرى من ابتذال أَهله وَقلة الاحترام لَهُم. قَوْله: (أَن يضيع) وَفِي بعض النّسخ: يضيع، بِدُونِ: أَن، مَعْنَاهُ، بِأَن لَا يُفِيد النَّاس وَلَا يسْعَى فِي تَعْلِيم الْغَيْر، وَقد قيل: (وَمن منع المستوجبين فقد ظلم) وَقَالَ التَّيْمِيّ:
قَالَ الْفُقَهَاء: لزم معِين الْبَلَد للْقَضَاء طلبه لحَاجَة إِلَى رزقة من بَيت المَال أَو لخمول ذكره وَعدم شهرة فضيلته، يَعْنِي: إِذا ولي الْقَضَاء انْتَشَر علمه. فَإِن قلت: مَا حَال هَذَا التَّعْلِيق؟ قلت: قد علم أَن مَا يذكر البُخَارِيّ بِصِيغَة الْجَزْم يدل على صِحَّته عِنْده، وَمَا يذكرهُ بِصِيغَة التمريض يدل على ضعفه. وَهَذَا بِصِيغَة الْجَزْم وَوَصله الْخَطِيب فِي (الْجَامِع) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الْمدْخل) من طَرِيق عبد الْعَزِيز الأويسي عَن مَالك عَن ربيعَة. 80 - حدّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ الوارِثِ عنْ أبي التَّيَّاحِ عنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّ منْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ وَيُشْرَبَ الخَمْرُ وَيَظْهَرَ الزِّنا) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة. الأول: عمرَان، بِكَسْر الْعين: ابْن ميسرَة، بِفَتْح الْمِيم، ضد الميمنة: أَبُو الْحسن الْمنْقري الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد بن ذكْوَان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والحاء الْمُهْملَة: اسْمه يزِيد بن زِيَادَة بن حميد الضبعِي، من أنفسهم، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من يشْتَرك مَعَه فِي هَذِه الكنية، وَرُبمَا كنى بِأبي حَمَّاد، وَهُوَ ثِقَة ثَبت صَالح: مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، روى عَنهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة: وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده رباعي. بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عمرَان بن ميسرَة، وَمُسلم فِي الْقدر عَن شَيبَان بن فروخ، وَالنَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن عمرَان بن مُوسَى الْقَزاز، ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الْوَارِث عَنهُ بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من أَشْرَاط السَّاعَة) ، بِفَتْح الْهمزَة: أَي: علاماتها، وَهُوَ جمع شَرط، بِفَتْح الشين وَالرَّاء، وَبِه سميت: شَرط السُّلْطَان، لأَنهم جعلُوا لأَنْفُسِهِمْ عَلَامَات يعْرفُونَ بهَا. وَقد مر زِيَادَة الْكَلَام فِيهِ فِي الْإِيمَان. قَوْله: (وَيثبت الْجَهْل) ، من الثُّبُوت، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ ضد النَّفْي. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (ويبث) ، من البث، بِالْبَاء الْمُوَحدَة والثاء الْمُثَلَّثَة. وَهُوَ الظُّهُور والفشو. وَقَالَ بَعضهم: وغفل الْكرْمَانِي فعزاها إِلَى البُخَارِيّ، وَإِنَّمَا حَكَاهَا النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) . قلت: لم يقل الْكرْمَانِي: وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، وَلَا قَالَ: روى، وَإِنَّمَا قَالَ: وَفِي بعض النّسخ: يبث من البث، وَهُوَ النشر، وَلَا يلْزم من هَذِه الْعبارَة نسبته إِلَى البُخَارِيّ، لِأَنَّهُ يُمكن أَن تكون هَذِه الرِّوَايَة من غير البُخَارِيّ وَقد كتب فِي كِتَابه، وَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا: ينْبت من النَّبَات، بالنُّون. والمعترض الْمَذْكُور أَيْضا، وَلَيْسَت هَذِه فِي شَيْء من الصَّحِيحَيْنِ قَالَ وَلَا يلْزم من عدم اطِّلَاعه على ذَلِك نَفْيه بِالْكُلِّيَّةِ، وَرُبمَا ثَبت ذَلِك عِنْد أَحْمد من نَقله (الصَّحِيحَيْنِ) ، فنقله ثمَّ جعل ذَلِك نُسْخَة، وَالْمُدَّعِي بالفن لَا يقدر على إحاطة جَمِيع مَا فِيهِ، وَلَا سِيمَا علم الرِّوَايَة، فَإِنَّهُ علم وَاسع لَا يدْرك ساحله. قَوْله: (وَيشْرب الْخمر) قَالَ بَعضهم: المُرَاد كَثْرَة ذَلِك واشتهاره، ثمَّ أكد كَلَامه بقوله: وَعند المُصَنّف فِي النِّكَاح من طَرِيق هِشَام عَن قَتَادَة: (وَيكثر شرب الْخمر) . أَو الْعَلامَة مَجْمُوع ذَلِك. قلت: لَا نسلم أَن المُرَاد كَثْرَة ذَلِك، بل شرب الْخمر مُطلقًا هُوَ جُزْء الْعلَّة من أَشْرَاط السَّاعَة، وَقَوله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (وَيكثر شرب الْخمر) لَا يسْتَلْزم أَن يكون نفي مُطلق الشّرْب من أشراطها، لِأَن الْمُقَيد بِحكم لَا يسْتَلْزم نفي الحكم الْمُطلق، وَالْأَصْل إِجْرَاء كل لفظ على مُقْتَضَاهُ، وَلَا تنَافِي بَين حكم يُمكن حُصُوله مُعَلّقا بِشَرْط تَارَة، وَبِغَيْرِهِ أُخْرَى، وَنَظِيره: الْملك، فَإِنَّهُ يُوجد بِالشِّرَاءِ وَغَيره، وَهَذَا الْقَائِل أَخذ مَا قَالَه من كَلَام الْكرْمَانِي حَيْثُ قَالَ: فَإِن قلت: شرب الْخمر كَيفَ يكون من علاماتها، وَالْحَال أَنه كَانَ وَاقعا فِي جَمِيع الْأَزْمَان، وَقد حد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعض النَّاس لشربه إِيَّاهَا؟ قلت: المُرَاد مِنْهُ أَن يشرب شرباً فاشياً، أَو أَن نقس الشّرْب وَحده لَيْسَ عَلامَة، بل الْعَلامَة مَجْمُوع الْأُمُور الْمَذْكُورَة. قلت: هَذَا السُّؤَال غير وَارِد لِأَنَّهُ لَا يلْزم من وُقُوعهَا فِي جَمِيع الْأَزْمَان، وحد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، شاربها أَن لَا يكون من عَلَامَات السَّاعَة. نعم قَوْله: بل الْعَلامَة مَجْمُوع الْأُمُور الْمَذْكُورَة هُوَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة
وَالسَّلَام، جمع بَين الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بِحرف الْجمع، وَالْجمع بِحرف الْجمع كالجمع بِلَفْظ الْجمع، وَوُجُود الْمَجْمُوع هُوَ الْعَلامَة لوُقُوع السَّاعَة، وكل مِنْهَا جُزْء الْعلَّة، فحينئذٍ تَقْيِيد الشّرْب بِالْكَثْرَةِ لَا يُفِيد. وَقد قُلْنَا: إِن مَا ورد من قَوْله: وَيكثر شرب الْخمر، لَا يُنَافِي كَون مُطلق الشّرْب جُزْء عِلّة، وكل من الشّرْب الْمُطلق وَالشرب الْمُقَيد بِالْكَثْرَةِ والشهرة جُزْء عِلّة لِأَن الْعلَّة الدَّالَّة على وُقُوع الحكم هِيَ الْعلَّة المركبة من وجود الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة. ثمَّ الْخمر فِي اللُّغَة من التخمير، وَهُوَ: التغطية. سميت بِهِ لِأَنَّهَا تغطي الْعقل. وَمِنْه الْخمار للْمَرْأَة، وَفِي (الْعباب) : يُقَال: خمرة وخمر وخمور. مِثَال تَمْرَة وتمر وتمور، وَيُقَال: خمرة صرف، وَفِي الحَدِيث: (الْخمْرَة مَا خامر الْعقل) . وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: سميت الْخمْرَة خمرًا لِأَنَّهَا تركت فَاخْتَمَرت، واختمارها تَغْيِير رِيحهَا، وَعند الْفُقَهَاء: الْخمر هِيَ النيء من مَاء الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد، وَيلْحق بهَا غَيرهَا من الْأَشْرِبَة إِذا أسكر. قَوْله: (وَيظْهر الزِّنَا) أَي: يفشو وينتشر، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ويفشو الزِّنَا) ، وَالزِّنَا: يمد وَيقصر، وَالْقصر لأهل الْحجاز قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تقربُوا الزِّنَا} (الْإِسْرَاء: 32) وَالْمدّ لأهل نجد، وَقد زنى يَزْنِي وَهُوَ من النواقص اليائية، وَالنِّسْبَة إِلَى الْمَقْصُور: زنوي، وَإِلَى المدود: زنائي. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَن) : حرف من الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ يرفع وَينصب فَقَوله: (أَن يرفع الْعلم) فِي مَحل النصب إسمها، و: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْرِيره: رفع الْعلم. وخبرها قَوْله: (من أَشْرَاط السَّاعَة) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يرفع الْعلم) ، من غير أَن فِي أَوله، فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون مَحل (أَن يرفع الْعلم) الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما (من أَشْرَاط السَّاعَة) . وَقَالَ بَعضهم: وَسَقَطت: أَن، من رِوَايَة النَّسَائِيّ حَيْثُ أخرجه عَن عمرَان شيخ البُخَارِيّ. قلت: هَذَا غَفلَة وسهو، لِأَن شيخ البُخَارِيّ هُوَ عمرَان بن ميسرَة، وَشَيخ النَّسَائِيّ هُوَ عمرَان بن مُوسَى. قَوْله: (وَيثبت) بِالنّصب عطفا على: (أَن يرفع) ، وَكَذَلِكَ: (وَيشْرب وَيظْهر) منصوبان بالْعَطْف على الْمَنْصُوب، و: أَن، مقدرَة فِي الْجمع، و: يرفع وَيشْرب، مَجْهُولَانِ، و: وَيثبت وَيظْهر، معلومان. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (أَن يرفع الْعلم) فِيهِ إِسْنَاد مجازي، وَالْمرَاد: رَفعه بِمَوْت حَملته وَقبض الْعلمَاء، وَلَيْسَ المُرَاد محوه من صُدُور الْحفاظ وَقُلُوب الْعلمَاء، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي بَاب: كَيفَ يقبض الْعلم؟ عَن عبد اللَّه بن عمر، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله عز وَجل لَا يقبض الْعلم انتزاعاً ينتزعه من الْعباد، وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء حَتَّى إِذا لم يبْق عَالما اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فيسألوا، فافتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا) . وَبَين بِهَذَا الحَدِيث أَن المُرَاد بِرَفْع الْعلم هُنَا قبض أَهله وهم الْعلمَاء لَا محوه من الصُّدُور، لَكِن بِمَوْت أَهله واتخاذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فيحكمون فِي دين الله تَعَالَى برأيهم ويفتون بجهلهم، قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقد وجد ذَلِك فِي زَمَاننَا، كَمَا أخبر بِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: قلت: هَذَا قَوْله مَعَ توفر الْعلمَاء فِي زَمَانه، فَكيف بزماننا؟ قَالَ العَبْد الضَّعِيف: هَذَا قَوْله مَعَ كَثْرَة الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء من الْمذَاهب الْأَرْبَعَة والمحدثين الْكِبَار فِي زَمَانه، فَكيف بزماننا الَّذِي خلت الْبِلَاد عَنْهُم، وتصدرت الْجُهَّال بالإفتاء والتعين فِي الْمجَالِس والتدريس فِي الْمدَارِس؟ فنسأل السَّلامَة والعافية. 81 - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حدّثنا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ قالَ: لأحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثاً لَا يُحَدِّثُكُمْ أحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (منْ أشْراطِ السَّاعَةِ أنْ يَقلَّ العِلْمُ، ويَظْهَرَ الجَهلُ، ويَظْهَرَ الزِّنا، وتَكْثُرَ النِّساءُ ويَقِلَّ الرِّجالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسينَ امْرَأةً القَيِّمُ الوَاحدُ) .. مُطَابقَة هَذَا أَيْضا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَفِي التَّرْجَمَة: رفع الْعلم، من لفظ الحَدِيث الأول، وفيهَا: ظُهُور الْجَهْل من لفظ هَذَا الحَدِيث. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة، وَالْكل قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَالْكل بصريون، وَبِهَذَا التَّرْتِيب وَقع فِي بَاب الْإِيمَان: (أَن يحب لاخيه) . وَفِي إِسْنَاده تحديث وعنعنة وَسَمَاع. قَوْله: (عَن أنس) ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: عَن أنس بن مَالك. بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْقدر عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن شُعْبَة عَنهُ بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن عَمْرو بن عَليّ وَأبي مُوسَى، وَابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ.
بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (أَن يقل) ، بِكَسْر الْقَاف: من الْقلَّة ضد الْكَثْرَة. قَوْله: (الْقيم الْوَاحِد) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْيَاء الْمُشَدّدَة، وَهُوَ الْقَائِم بِأُمُور النِّسَاء، وَكَذَا الْقيام والقوام. يُقَال: فلَان قوام أهل بَيته وقيامه، وَهُوَ الَّذِي يُقيم شَأْنهمْ. وَمِنْه قَوْله: تَعَالَى: {وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم الَّتِي جعل الله لكم قيَاما} (النِّسَاء: 5) وقوام الْأَمر أَيْضا: ملاكه الَّذِي يقوم بِهِ، وأصل: قيم قيوم على وزن فيعل، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء، وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ، فابدلت من الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. وَلم يعكس الْأَمر هَهُنَا هرباً من الالتباس: بِقوم، الَّذِي هُوَ ماضٍ من التَّقْوِيم. قَوْله: (لأحدثنكم) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة، وَهُوَ جَوَاب قسم مَحْذُوف، أَي وَالله لاحدثنكم، وَلِهَذَا جَازَ دُخُول النُّون الْمُؤَكّدَة عَلَيْهِ، وَصرح بِهِ أَبُو عوَانَة من طَرِيق هِشَام عَن قَتَادَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن غنْدر عَن شُعْبَة: (أَلا أحدثكُم) . فَيحْتَمل أَن يكون قَالَ لَهُم أَولا: أَلا أحدثكُم، فَقَالُوا: نعم. فَقَالَ: لأحدثنكم. قَوْله: (حَدِيثا) قَائِم مقَام أحد المفعولين: لأحدثنكم. قَوْله: (لَا يُحَدثكُمْ أحد) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول وَالْفَاعِل فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله: (حَدِيثا) . قَوْله: (بعدِي) ، كَلَام إضافي صفة: لأحد، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يحدث أحد بعدِي) . بِحَذْف الْمَفْعُول، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه عَن غنْدر عَن شُعْبَة: (لَا يُحَدثكُمْ بِهِ أحد بعدِي) . وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيق هِشَام: (لَا يُحَدثكُمْ بِهِ غَيْرِي) . وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من هَذَا الْوَجْه: لَا يُحَدثكُمْ أحد سَمعه من رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بعدِي. قَوْله: (سَمِعت) بَيَان أَو بدل لقَوْله: (لأحدثنكم) وَقد مر تَوْجِيه كَيْفيَّة جعل الذَّات مسموعاً. قَوْله: (يَقُول) جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (أَن يقل الْعلم) فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَأَن: مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (من أَشْرَاط السَّاعَة) خبر مقدم، وَالتَّقْدِير: من أَشْرَاط السَّاعَة قلَّة الْعلم. قَوْله: (وَيظْهر) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، و: تكْثر ويقل، فِي الْأَخير كلهَا منصوبات بِتَقْدِير: أَن، لِأَنَّهَا عطف على قَوْله: (أَن يقل الْعلم) وَالْكل على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (حَتَّى يكون) حَتَّى، هَهُنَا للغاية، بِمَعْنى إِلَى، و: أَن، بعْدهَا مقدرَة. قَوْله: (الْقيم) مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: يكون، و: الْوَاحِد، صفته. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (وتكثر النِّسَاء ويقل الرِّجَال) قَالَ القَاضِي وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا: يقل الرِّجَال بِكَثْرَة الْقَتْل فَيَمُوت الرِّجَال فتكثر النِّسَاء، وبقتلهم يكثر الْفساد وَالْجهل. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هُوَ إِشَارَة إِلَى كَثْرَة الْفتُوح فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الْوَاحِد عدَّة موطوآت. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ صرح بِالْعِلَّةِ فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْآتِي فِي الزَّكَاة عِنْد المُصَنّف. فَقَالَ: (من قلَّة الرِّجَال وَكَثْرَة النِّسَاء) . وَالظَّاهِر أَنَّهَا عَلامَة مَحْضَة لَا لسَبَب آخر. قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث أبي مُوسَى شَيْء من التَّنْبِيه على الْعلَّة، لَا صَرِيحًا وَلَا دلَالَة، وَإِنَّمَا معنى قَوْله: (من قلَّة الرِّجَال وَكَثْرَة النِّسَاء) مثل معنى قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث: (وتكثر النِّسَاء ويقل الرِّجَال) ، وَالْعلَّة لهَذَا لَا تطلب إلاَّ من خَارج، وَقد ذكرُوا هذَيْن الْوَجْهَيْنِ، وَيُمكن أَن يُقَال: يكثر فِي آخر الزَّمَان ولادَة الْإِنَاث، ويقل ولادَة الذُّكُور، وبقلة الرِّجَال يظْهر الْجَهْل وَيرْفَع الْعلم، وَيَكْفِي كثرتهن فِي قلَّة الْعلم وَظُهُور الْجَهْل وَالزِّنَا، لِأَن النِّسَاء حبائل الشَّيْطَان وَهن ناقصات عقل وَدين. قَوْله: (لخمسين امْرَأَة) يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا حَقِيقَة هَذَا الْعدَد، وَأَن يُرَاد بهَا كَونهَا مجَازًا عَن الْكَثْرَة، وَلَعَلَّ السِّرّ فِيهِ أَن الْأَرْبَعَة فِي كَمَال نِصَاب الزَّوْجَات، فَاعْتبر الْكَمَال مَعَ زِيَادَة وَاحِدَة عَلَيْهِ، ثمَّ اعْتبر كل وَاحِدَة بِعشر أَمْثَالهَا ليصير فَوق الْكَمَال مُبَالغَة فِي الْكَثْرَة، أَو لِأَن الْأَرْبَعَة مِنْهَا يُمكن تألف الْعشْرَة، لِأَن فِيهَا وَاحِد أَو اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة، وَهَذَا الْمَجْمُوع: عشرَة، وَمن العشرات المئات، وَمن المئات الألوف، فَهِيَ أصل جَمِيع مَرَاتِب الْأَعْدَاد، فزيد فَوق الأَصْل وَاحِد آخر ثمَّ اعْتبر كل وَاحِدَة مِنْهَا بِعشر أَمْثَالهَا أَيْضا تَأْكِيدًا للكثرة، ومبالغة فِيهَا. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: من أَيْن عرف أنس، رَضِي الله عَنهُ، أَن أحدا لَا يحدث بعده؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ لَعَلَّه عرفه بِإِخْبَار الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَو قَالَ بِنَاء على ظَنّه أَنه لم يسمع الحَدِيث غَيره من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن أنسا، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يبْق من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيره، أَو لما رأى من التَّغَيُّر وَنقص الْعلم فوعظهم بِمَا سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نقص الْعلم أَنه من أَشْرَاط السَّاعَة، ليحضهم على طلب الْعلم، ثمَّ أَتَى بِالْحَدِيثِ على نَصه. قلت: يحْتَمل أَن يكون الْخطاب بذلك لأهل الْبَصْرَة خَاصَّة، لِأَنَّهُ آخر من مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قلَّة الْعلم تَقْتَضِي بَقَاء شَيْء مِنْهُ، وَفِي الحَدِيث السَّابِق: (يرفع الْعلم) ، وَالرَّفْع عدم بَقَائِهِ، فبينهما تناف. أُجِيب: بِأَن الْقلَّة قد تطلق وَيُرَاد بهَا الْعَدَم، أَو كَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار الزمانين، كَمَا يُقَال مثلا: الْقلَّة فِي ابْتِدَاء أَمر الإشراط والعدم
- (باب فضل العلم)
فِي انتهائه، وَلِهَذَا قَالَ ثمَّة: (يثبت الْجَهْل) ، وَهَهُنَا (يظْهر) وَمن الدَّلِيل على إِطْلَاق الْقلَّة وَإِرَادَة الْعَدَم وَالرَّفْع أَنه وَقع هَهُنَا فِي رِوَايَة مُسلم عَن غنْدر، وَغَيره عَن شُعْبَة: أَن يرفع الْعلم. وَكَذَا فِي رِوَايَة سعيد عِنْد ابْن أبي شيبَة، وَهَمَّام عِنْد البُخَارِيّ فِي الْحُدُود، وَهِشَام عِنْده فِي النِّكَاح، كلهم عَن قَتَادَة، وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة أبي التياح. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة، من طَرِيق هِشَام: أَن يقل، فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة التَّعْرِيف فِي قَوْله: (الْقيم) ، وَكَانَ حق الظَّاهِر أَن يُقَال: قيم وَاحِد؟ أُجِيب: بِأَن فَائِدَته الْإِشْعَار بِمَا هُوَ مَعْهُود من: {الرِّجَال قوامون على النِّسَاء} (النِّسَاء: 34) فَاللَّام للْعهد. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة تَخْصِيص هَذِه الْأَشْيَاء الْخَمْسَة بِالذكر؟ أُجِيب: بِأَن فَائِدَة ذَلِك أَنَّهَا مشعرة باختلال الضرورات الْخمس الْوَاجِبَة رعايتها فِي جَمِيع الْأَدْيَان الَّتِي بحفظها صَلَاح المعاش والمعاد ونظام أَحْوَال الدَّاريْنِ، وَهِي: الدّين وَالْعقل وَالنَّفس وَالنّسب وَالْمَال، فَرفع الْعلم مخل بِحِفْظ الدّين، وَشرب الْخمر بِالْعقلِ وبالمال أَيْضا، وَقلة الرِّجَال سَبَب الْفِتَن بِالنَّفسِ وَظُهُور الزِّنَا بِالنّسَبِ، وَكَذَا بِالْمَالِ. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ كَانَ اختلال هَذِه الْأُمُور من علاماتها؟ أُجِيب: لِأَن الْخَلَائق لَا يتركون سدى وَلَا نَبِي بعد هَذَا الزَّمَان، فَتعين خراب الْعَالم، وَقرب الْقِيَامَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث علم من أَعْلَام النُّبُوَّة، إِذْ أخبر عَن أُمُور ستقع فَوَقَعت، خُصُوصا فِي هَذِه الْأَزْمَان. وَالله الْمُسْتَعَان. 22 - (بابُ فَضْلِ العلْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْعلم، وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر، لِأَن الْمَذْكُور فِي كل مِنْهُمَا الْعلم، وَلَكِن فِي كل وَاحِد بِصفة من الصِّفَات، فَفِي الأول: بَيَان رَفعه، وَفِي هَذَا بَيَان فَضله. وَلَا يُقَال: إِن هَذَا الْبَاب مُكَرر لِأَنَّهُ ذكره مرّة فِي أول كتاب الْعلم، لأَنا نقُول: هَذَا الْبَاب بِعَيْنِه لَيْسَ بِثَابِت فِي أول كتاب الْعلم فِي عَامَّة النّسخ، وَلَئِن سلمنَا وجوده هُنَاكَ فَالْمُرَاد التَّنْبِيه على فَضِيلَة الْعلمَاء، وَهَهُنَا التَّنْبِيه على فَضِيلَة الْعلم، وَقد حققنا الْكَلَام هُنَاكَ كَمَا يَنْبَغِي. وَقَالَ بَعضهم: الْفضل هَهُنَا بِمَعْنى: الزِّيَادَة أَي: مَا فضل عَنهُ، وَالْفضل الَّذِي تقدم فِي أول كتاب الْعلم بِمَعْنى: الْفَضِيلَة، فَلَا يظنّ أَنه كَرَّرَه. قلت: لم يبوب البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب لبَيَان أَن الْفضل بِمَعْنى الزِّيَادَة، وَلم يقْصد بِهِ الْإِشَارَة إِلَى مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، بل قَصده من التَّبْوِيب بَيَان فَضِيلَة الْعلم، وَلَا سِيمَا الْبَاب من جملَة أَبْوَاب كتاب الْعلم، فَإِن كَانَ الْقَائِل أَخذ مَا قَالَه من قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي الحَدِيث: (ثمَّ أَعْطَيْت فضلي عمر بن الْخطاب) ، فَإِنَّهُ لَا دخل لَهُ فِي التَّرْجَمَة، فَإِنَّهَا لَيست فِي بَيَان إِعْطَاء النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، فَضله لعمر، رَضِي الله عَنهُ. وَإِنَّمَا تَرْجَمته فِي بَيَان فضل الْعلم وَشرف قدره، واستنبط البُخَارِيّ بِأَن إعطاءه، عَلَيْهِ السَّلَام، فَضله لعمر عبارَة عَن الْعلم، وَهُوَ عين الْفَضِيلَة، لِأَنَّهُ جُزْء من النُّبُوَّة، وَمَا فضل عَنهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، فَضِيلَة وَشرف، وَقد فسره: بِالْعلمِ، فَدلَّ على فَضِيلَة الْعلم. 82 - حدّثنا سَعيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدّثني عُقَيْلٌ عَن ابْن شِهابٍ عنْ حَمْزَةَ بن عَبْدِ اللَّه بنِ عُمَرَ أنَّ ابنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (بَيْنا أَنا نائِمٌ أتيِتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى أَنِّي لأرى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أظْفارِي، ثُمَّ أعْطَيْتُ فَضْلي عُمَرَ بن الخَطَّابِ) . قالُوا: فمَا أوَّلْتَهُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: (العِلْمَ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، وَقد مر. الثَّانِي: لَيْث بن سعد، الإِمَام الْكَبِير الْمصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره لَام: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: حَمْزَة بن عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُم، المكنى: بَابي عمَارَة، بِضَم الْعين؛ الْقرشِي الْمدنِي الْعَدوي التَّابِعِيّ، سمع أَبَاهُ وَعَائِشَة. قَالَ أَحْمد بن عبد اللَّه:
تَابِعِيّ ثِقَة. وَقَالَ ابْن سعد: أمه أم ولد، وَهِي أم سَالم وَعبيد اللَّه، وَكَانَ ثِقَة قَلِيل الحَدِيث، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا. بَيَان لطائف إِسْنَاده: وَمِنْهَا: أَن فِي إِسْنَاده التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة وَالسَّمَاع، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة: حَدثنِي اللَّيْث حَدثنِي عقيل، وللبخاري فِي التَّعْبِير: أَخْبرنِي، حَمْزَة. وَمِنْهَا: أَن نصف رُوَاته مصريون ونصفهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن آخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن سعيد بن عفير، وَفِي تَعْبِير الرُّؤْيَا عَن يحيى بن بكير وقتيبة، ثَلَاثَتهمْ عَن لَيْث عَن عقيل. وَفِيه عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن الصَّلْت الْكُوفِي، وَفِي فضل عمر، رَضِي الله عَنهُ، عَن عَبْدَانِ، كِلَاهُمَا، عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس، وَفِيه عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن صَالح، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن حسن الْحلْوانِي وَعبد ابْن حميد كِلَاهُمَا عَن يَعْقُوب بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب عَن يُونُس بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الرُّؤْيَا، وَفِي المناقب عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن عبد اللَّه بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب بِهِ، وَفِي المناقب عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَأَعَادَهُ فِي الْعلم عَن قُتَيْبَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (بقدح) ، الْقدح، بِفتْحَتَيْنِ وَاحِد الأقداح الَّتِي هِيَ للشُّرْب فِيهَا، و: الْقدح؛ بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال: السهْم قبل أَن يراش ويركب نصله، وقدح الميسر أَيْضا، والقدح بِالْكَسْرِ: مَا يقْدَح بِهِ النَّار، والقدح: المغرفة. والمقديح: المغرف، والقدوح: الذُّبَاب. قَوْله: (الرّيّ) ، بِكَسْر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مصدر، يُقَال: رويت من المَاء، بِالْكَسْرِ، أروي رياً بِالْكَسْرِ، وَحكى الْجَوْهَرِي الْفَتْح أَيْضا وَقَالَ: ريا وريا، وَرُوِيَ أَيْضا مثل: رضى رضى، وارتويت وترويت كُله بِمَعْنى. وَقَالَ غَيره: يُقَال: رُوِيَ من المَاء وَالشرَاب، بِكَسْر الْوَاو ويروى بِفَتْحِهَا: رياً، بِالْكَسْرِ فِي الِاسْم والمصدر، قَالَ القَاضِي: وَحكى الدَّاودِيّ الْفَتْح فِي الْمصدر، وَأما فِي الرِّوَايَة فعكسه، تَقول: رويت الحَدِيث أرويه رِوَايَة، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل، والرواء من المَاء مَا يروي إِذا مددت فتحت الرَّاء، وَإِذا كسرت قصرت. قلت: الرّيّ: أَصله الروي اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء، وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ، فأبدلت الْيَاء من الْوَاو وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. قَوْله: (فِي أظفاري) : جمع ظفر. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الظفر ظفر الْإِنْسَان، وَالْجمع أظفار، وَلَا تَقول: ظفر، بِالْكَسْرِ. وَإِن كَانَت الْعَامَّة قد أولعت بِهِ، وَتجمع أظفار على أظافير. قَالَ: وَقَالَ قوم: بل الأظافير جمع أظفور، وَالظفر والأظفور سَوَاء، وأظفار الْإِبِل مناسمها، وأظفار السبَاع براثنها. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَينا) ، قد مر غير مرّة أَن أَصله: بَين، فاشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا، وَقد تدخل عَلَيْهَا: مَا، فَيُقَال: بَيْنَمَا. وَقَوله: أَنا، مُبْتَدأ، و: نَائِم، خَبره. قَوْله: (أتيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهُوَ جَوَاب: بَينا، وعامل فِيهِ. والأصمعي لَا يستفصح إلاَّ طرح إِذْ وَإِذا مِنْهُ، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (بقدح لبن) كَلَام إضافي يتَعَلَّق بأتيت. قَوْله: (فَشَرِبت) عطف على: أتيت. قَوْله: (حَتَّى) إِمَّا ابتدائية وَإِمَّا جَارة، فعلى الأول: أَتَى بِكَسْر الْهمزَة، وعَلى الثَّانِي بِفَتْحِهَا، وياء الْمُتَكَلّم اسْم: إِن، وَخَبره قَوْله: لأري الرّيّ) ، وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. وَقَالَ بَعضهم: اللَّام جَوَاب قسم مَحْذُوف. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لَيْسَ هُنَا قسم صَرِيح وَلَا مُقَدّر، وَلَا يَصح التَّقْدِير، وَإِنَّمَا هَذِه اللَّام هِيَ اللَّام الدَّاخِلَة فِي خبر إِن للتَّأْكِيد، كَمَا فِي قَوْلك: إِن زيدا لقائم. وَقَوله: اري، إِن كَانَ من الرُّؤْيَة، بِمَعْنى: الْعلم يَقْتَضِي مفعولين، أَحدهمَا هُوَ قَوْله: الرّيّ، وَالْآخر هُوَ قَوْله (يخرج فِي أظفاري) . وَإِن كَانَ من الرُّؤْيَة، بِمَعْنى: الإبصار، لَا يَقْتَضِي إلاَّ مَفْعُولا وَاحِدًا وَهُوَ قَوْله: (الرّيّ) . وَقَوله: (يخرج) حينئذٍ يكون حَالا من: اللَّبن، وَيكون الضَّمِير فِيهِ رَاجعا إِلَيْهِ، وَيجوز أَن يكون حَالا من: الرّيّ، تجوزاً، وَيكون الضَّمِير رَاجعا إِلَيْهِ. قَوْله: (وَفِي اظفاري) وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: (من أظفاري) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير: (من أطرافي) ، وَالْكل بِمَعْنى: فِي الْحَقِيقَة، فَإِن قلت: يخرج من أظفاري ظَاهر، فَمَا معنى قَوْله: يخرج فِي أظفاري؟ قلت: يجوز أَن تكون: فِي، هَهُنَا بِمَعْنى: على، أَي: على أظفاري، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل} (طه: 71) أَي: عَلَيْهَا، وَيكون بِمَعْنى: يظْهر عَلَيْهَا، وَالظفر إِمَّا منشأ الْخُرُوج أَو ظرفه. قَوْله: (ثمَّ اعطيت) عطف على قَوْله: (فَشَرِبت) ، وَهِي جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَقَوله: (فضلي) كَلَام إضافي، مَفْعُوله الأول، وَقَوله: عمر بن الْخطاب، مَفْعُوله الثَّانِي. قَوْله: (فَمَا أولته) كلمة مَا استفهامية، وأولته جملَة من الْفِعْل
- (باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها)
وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى شرب اللَّبن الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (فَشَرِبت) . قَوْله: (يَا رَسُول الله) منادى مَنْصُوب. فَإِن قلت: مَا الْفَاء فِي قَوْله: (فَمَا أولته) ؟ قلت: زَائِدَة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {هَذَا فليذوقوه} (ص: 57) قَوْله: (الْعلم) بِالنّصب وَالرَّفْع رِوَايَتَانِ، أما وَجه النصب فعلى المفعولية، وَالتَّقْدِير: أولته الْعلم. وَأما وَجه الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: المؤول بِهِ الْعلم. بَيَان الْمعَانِي: فِيهِ: حذف الْمَفْعُول من قَوْله: (فَشَرِبت) ، للْعلم بِهِ وَالتَّقْدِير: فَشَرِبت اللَّبن، يَعْنِي: مِنْهُ، لِأَنَّهُ شرب حَتَّى رُوِيَ ثمَّ أعْطى فَضله لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. وَفِيه: اسْتِعْمَال الْمُضَارع مَوضِع الماضى، وَهُوَ قَوْله: (يخرج) ، وَكَانَ حَقه أَن يُقَال: خرج، وَلكنه أَرَادَ استحضار صُورَة الرُّؤْيَة للسامعين قصدا إِلَى أَن يبصرهم تِلْكَ الْحَالة وقوعاً وحدوثاً. قَوْله: (ثمَّ أَعْطَيْت فضلي) أَي: مَا فضل من اللَّبن الَّذِي هُوَ فِي الْقدح الَّذِي شربت مِنْهُ. قَوْله: (فَمَا أولته) ؟ أَي: فَمَا عبرته؟ والتأويل فِي اللُّغَة: تَفْسِير مَا يؤول إِلَيْهِ الشَّيْء. وَهَهُنَا المُرَاد بِهِ تَعْبِير الرُّؤْيَا. وَفِيه: تَأْكِيد الْكَلَام بصوغه جملَة إسمية، وتأكيدها بِأَن وَاللَّام فِي الْخَبَر، وَهُوَ قَوْله: (إِنِّي لأري الرّيّ) . فَإِن قلت: لم تكن الصَّحَابَة منكرين وَلَا مترددين فِي أخباره، فَمَا فَائِدَة هَذِه التأكيدات؟ قلت: قَوْله: (أرى الرّيّ يخرج فِي أظفاري) أورثهم حيرة فِي خُرُوج اللَّبن من الْأَظْفَار، فأزال تِلْكَ الْحيرَة بِهَذِهِ التأكيدات، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا ابرىء نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء} (يُوسُف: 53) لِأَن: مَا أبرىء، أَي: مَا أزكي، أورث الْمُخَاطب حيرة فِي أَنه كَيفَ لَا ينزه نَفسه عَن السوء مَعَ كَونهَا مطمئنة زكية، فأزال تِلْكَ الْحيرَة بقوله: {إِن النَّفس لأمارة بالسوء} (يُوسُف: 53) فِي جَمِيع الْأَشْخَاص إلاَّ من عصمه الله. قَوْله: (الْعلم) ، تَفْسِير اللَّبن بِالْعلمِ لِكَوْنِهِمَا مشتركين فِي كَثْرَة النَّفْع بهما، وَفِي أَنَّهُمَا سَببا الصّلاح، فاللبن غذَاء الْإِنْسَان وَسبب صَلَاحهمْ وَقُوَّة أبدانهم، وَالْعلم سَبَب الصّلاح فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وغذاء الْأَرْوَاح. وَقَالَ الْمُهلب: رُؤْيَة اللَّبن فِي النّوم تدل على السّنة والفطرة وَالْعلم وَالْقُرْآن، لِأَنَّهُ أول شَيْء يَنَالهُ الْمَوْلُود من طَعَام الدُّنْيَا، وَبِه تقوم حَيَاته كَمَا تقوم بِالْعلمِ حَيَاة الْقُلُوب، فَهُوَ يُنَاسب الْعلم من هَذِه الْجِهَة، وَقد يدل على الْحَيَاة لِأَنَّهَا كَانَت فِي الصغر، وَقد يدل على الثَّوَاب لِأَنَّهُ من نعيم الْجنَّة، إِذْ روى نهر من اللَّبن، وَقد يدل على المَال والحلال. قَالَ: وَإِنَّمَا أَوله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْعلمِ فِي عمر، رَضِي الله عَنهُ، لصِحَّة فطرته وَدينه، وَالْعلم زِيَادَة فِي الْفطْرَة. فَإِن قلت: رُؤْيا الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، حق، فَهَل كَانَ هَذَا الشَّرَاب وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَاقعا حَقِيقَة، أَو هُوَ على سَبِيل التخيل؟ قلت: وَاقع حَقِيقَة وَلَا مَحْذُور فِيهِ إِذْ هُوَ مُمكن، وَالله على كل شَيْء قدير. بَيَان الْبَيَان: فِيهِ: الِاسْتِعَارَة الْأَصْلِيَّة، وَهِي قَوْله: (إِنِّي لأري الرّيّ) ، لِأَن الرّيّ لَا يرى، وَلكنه شبه بالجسم، وأوقع عَلَيْهِ الْفِعْل ثمَّ أضيف إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص الْجِسْم، وَهُوَ كَونه مرئيا. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ فَضِيلَة عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَجَوَاز تَعْبِير الرُّؤْيَا، ورعاية الْمُنَاسبَة بَين التَّعْبِير. وَمَا لَهُ التَّعْبِير. 23 - (بَاب الفُتْيا وهْوَ واقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وغَيْرها) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن الْبَاب مَرْفُوع بِأَنَّهُ خير مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَفِيه حذف تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يستفتى بِهِ الشَّخْص وَهُوَ وَاقِف، أَي: وَالْحَال أَنه وَاقِف على ظهر الدَّابَّة أَو غَيرهَا. الثَّانِي: أَن الْفتيا، بِضَم الْفَاء: إسم، وَكَذَلِكَ الْفَتْوَى، وَهُوَ الْجَواب فِي الْحَادِثَة. يُقَال: استفتيت الْفَقِيه فِي مَسْأَلَة فأفتاني، وتفاتوا إِلَى الْفَقِيه: ارتفعوا إِلَيْهِ فِي الْفتيا، وَفِي (الْمُحكم) : أفتاه فِي الْأَمر أبانه لَهُ، والفتى والفتيا وَالْفَتْوَى مَا افتى بِهِ الْفَقِيه، الْفَتْح لأهل الْمَدِينَة. وَقَالَ الشَّيْخ، قطب الدّين: الْفتيا اسْم، ثمَّ قَالَ: وَلم يَجِيء من المصادر على: فعلى، غير الْفتيا والرجعي وبقيا ولقيا. قلت: فِيهِ نظران إحدهما: أَنه قَالَ أَولا: الْفتيا اسْم، ثمَّ قَالَ: مصدر. الثَّانِي: أَنه قَالَ: لم يجىء من المصادر على فعلى، يَعْنِي بِضَم الْفَاء، غير هَذِه الْأَمْثِلَة الْأَرْبَعَة، وَقد جَاءَ: العذرى بِمَعْنى الْعذر، والعسرى بِمَعْنى الْعسر، واليسرى بِمَعْنى الْيُسْر، والعتبى: بِمَعْنى العتاب، وَالْحُسْنَى بِمَعْنى الْإِحْسَان، والشورى بِمَعْنى المشورة، والرغبى بِمَعْنى الرَّغْبَة، والنهبى بِمَعْنى الانتهاب، وزلفى بِمَعْنى التزلف، وَهُوَ التَّقَرُّب، والبشرى بِمَعْنى الْبشَارَة. قَوْله: (على ظهر الدَّابَّة) ، وَفِي بعض النّسخ: على الدَّابَّة، من دب على الأَرْض يدب دبيباً، وكل ماش على الأَرْض دَابَّة ودبيب، وَالدَّابَّة
الَّتِي تركب، قَالَه فِي (الْعباب) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: الدَّابَّة لُغَة: الْمَاشِيَة على الأَرْض، وَعرفا الْخَيل والبغل وَالْحمار، وَقَالَ بَعضهم: وَبَعض أهل الْعرف خصها بالحمار. قلت: لَيْسَ كَمَا قَالَا، وَإِنَّمَا الدَّابَّة فِي الْعرف اسْم لذات الْأَرْبَع من الْحَيَوَان، وَلَكِن مُرَاد البُخَارِيّ مَا قَالَه الصغاني، وَهِي: الدَّابَّة الَّتِي تركب. وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى جَوَاز سُؤال الْعَالم، وَإِن كَانَ مشتغلاً رَاكِبًا وماشياً وواقفاً وعَلى كل أَحْوَاله، وَلَو كَانَ فِي طَاعَة. وَقَالَ بعض الشَّارِحين: وَلَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي أخرجه فِي الْبَاب لفظ الدَّابَّة ليطابق مَا بوب عَلَيْهِ. وَأجَاب بَعضهم: بِأَنَّهُ أحَال بِهِ على الطَّرِيق الْأُخْرَى الَّتِي أوردهَا فِي الْحَج، فَقَالَ: كَانَ على نَاقَته. قلت: بعد هَذَا الْجَواب كبعد الثرى من الثريا، وَكَيف يعْقد بَاب بترجمة، ثمَّ يُحَال مَا يُطَابق ذَلِك على حَدِيث يَأْتِي فِي بَاب آخر؟ وَيُمكن أَن يُجَاب: بِأَن بَين قَوْله: وَغَيرهَا، أَي: وَغير الدَّابَّة، وَبَين حَدِيث الْبَاب مُطَابقَة، لِأَن مَا فِيهِ وَهُوَ قَوْله: (وقف فِي حجَّة الْوَدَاع بمنى للنَّاس) ، أَعم من أَن يكون وُقُوفه على الأَرْض أَو على الدَّابَّة، وَيكون ذكر لفظ الدَّابَّة إِشَارَة إِلَى أَنه فِي حَدِيث الْبَاب طَرِيق أُخْرَى فِيهَا ذكر الدَّابَّة، وَهِي قَوْله: كَانَ على نَاقَته. الثَّالِث: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ فضل الْعلم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الْفتيا، وَهُوَ أَيْضا من الْعلم. 83 - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَن ابنِ شِهابٍ عنْ عِيَسى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللَّهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرِو بنِ العَاص أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمنى للنَّاس يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أشْعُرْ فَحَلقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ {فَقَالَ: (ادْبَحْ ولاَ حَرَجَ) فَجَاءَ آخرُ فَقَالَ: لَمْ أشْعُرْ فَنحَرْتُ قَبْلَ أنْ أرْميَ} قَالَ: (ارْمِ وَلَا حَرجَ) فمَا سُئِلَ النبيُّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ شَيْءٍ قُدِّمَ ولاَ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: (افْعَلْ ولاَ حَرَجَ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الحَدِيث هُوَ الاستفتاء والإفتاء، والترجمة هِيَ الْفتيا. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، ابْن اخت مَالك. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عِيسَى بن طَلْحَة ابْن عبيد اللَّه الْقرشِي التَّيْمِيّ تَابِعِيّ، ثِقَة من أفاضل أهل الْمَدِينَة وعقلائهم، أَخُو مُوسَى وَمُحَمّد، مَاتَ سنة مائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله عَنْهُمَا. بَيَان لطائف أسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك، وَفِي الْعلم أَيْضا عَن أبي نعيم عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة، وَفِي الْحَج عَن عبد اللَّه بن يُوسُف عَن مَالك، وَعَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح، وَعَن سعيد بن يحيى بن سعيد الْأمَوِي عَن أَبِيه عَن ابْن جريج، وَفِي النذور: وحَدثني عُثْمَان بن الْهَيْثَم عَن ابْن جريج، أربعتهم عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَعَن سعيد ابْن يحيى عَن أَبِيه، وَعَن عَليّ بن خشرم عَن عِيسَى بن يُونُس، وَعَن عبد بن حميد عَن مُحَمَّد بن بكر، ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن جريج بِهِ، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَعَن ابْن عَمْرو عبد بن حميد كِلَاهُمَا عَن عبد الرازق عَن معمر، وَعَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن قهزاد عَن عَليّ بن الْحسن عَن ابْن شَقِيق عَن ابْن الْمُبَارك عَن مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة، أربعتهم عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي وَابْن أبي عمر كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن غنْدر عَن معمر بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد عَن مَالك بِهِ، وَعَن أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن مَالك وَيُونُس بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ أَيْضا عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان بِهِ مُخْتَصرا: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (سُئِلَ عَمَّن ذبح قبل أَن يحلق أَو حلق قبل أَن يذبح؟ قَالَ: لَا حرج) .
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (العَاصِي) : الْجُمْهُور على كِتَابَته بِالْيَاءِ، وَهُوَ الفصيح عِنْد أهل الْعَرَبيَّة، وَيَقَع فِي كثير من الْكتب بحذفها، وَقد قرىء فِي السَّبع نَحوه {كالكبير المتعال} (الرَّعْد: 9) و: {الداع} (الْبَقَرَة: 86، وَالْقَمَر: 6 و 8) قَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: أجوف، وَجمعه الأعياض. قلت: العَاصِي من الْعِصْيَان وَجمعه عصاة، كَالْقَاضِي يجمع على قُضَاة. والأعياص جمع عيص، بِكَسْر الْعين: وَهُوَ الشّجر الْكثير الملتف. وَقَالَ عمار: الْعيص من السدر والعوسج وَالسّلم من العصاة، كلهَا إِذا اجْتمع وتدانى والتف. وَفِي (الْعباب) : وَالْجمع عيصان وأعياص، وَفِيه: والأعياص من قُرَيْش أَوْلَاد أُميَّة بن عبد شمس الْأَكْبَر، وهم أَرْبَعَة: الْعَاصِ، وَأَبُو الْعَاصِ، والعيص وَأَبُو الْعيص. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: العيصان من معادن بِلَاد الْعَرَب. قَوْله: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا، وَالْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَة الْفَتْح، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْحجَّة، بالكسرة: الْمرة الْوَاحِدَة، وَهُوَ من الشواذ، لِأَن الْقيَاس الْفَتْح. وَفِي (الْعباب) : الْحَج، بِالْكَسْرِ، الِاسْم. وَالْحجّة: الْمرة الْوَاحِدَة، وَهَذَا من الشواذ. قلت: يَعْنِي الْقيَاس فِي الْمرة الْفَتْح، قَالُوا. المفعل للموضع، والمفعل للآلة. والفعلة للمرة والفعلة للحالة. وَالْحجّة أَيْضا: السّنة، وَالْجمع: الْحجَج. وَذُو الْحجَّة: شهر الْحَج، وَالْجمع: ذَوَات الْحجَّة، كذوات الْقعدَة، وَلم يَقُولُوا: ذووا على واحده. وَالْحجّة، أَيْضا: شحمة الْأذن، و: الْوَدَاع، بِفَتْح الْوَاو، اسْم التوديع: كالسلام بِمَعْنى التَّسْلِيم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَازَ الْكسر بِأَن يكون من بَاب المفاعلة، وَتَبعهُ على هَذَا بَعضهم، وَمَا أَظن هَذَا صَحِيحا لِأَنَّهُ بِالْكَسْرِ يتَغَيَّر الْمَعْنى، لِأَن الْمُوَادَعَة مَعْنَاهَا الْمُصَالحَة، وَكَذَا الْوَدَاع بِالْكَسْرِ، وَالْمعْنَى هُوَ التوديع، وَهُوَ عِنْد الرحيل مَعْرُوف، وَهُوَ تخليف الْمُسَافِر النَّاس خافضين وادعين وهم يودعونه إِذا سَافر تفاؤلاً بالدعة الَّتِي يصير إِلَيْهَا إِذا نقل، أَو يتركونه وسفره. قَوْله: (بمنى) ؛ هُوَ قَرْيَة بِالْقربِ من مَكَّة تذبح فِيهَا الْهَدَايَا، وترمى فِيهَا الجمرات، وَهُوَ مَقْصُور مُذَكّر مَصْرُوف. قَوْله: (لم أشعر) ، بِضَم الْعين، أَي: لم أعلم، أَي: لم افطنه. يُقَال شعر يشْعر من بَاب: نصر ينصر، شعرًا وشعرة وشعرى، بِالْكَسْرِ فِيهِنَّ، وشعرة وبالفتح، وشعوراً ومشعوراً ومشعورة. قَالَ الصغاني: شَعرت بالشَّيْء أعلمت بِهِ، وفطنت لَهُ، وَمِنْه قَوْلهم: لَيْت شعري: مَعْنَاهُ: لَيْتَني أشعر، وَالشعر وَاحِد الْأَشْعَار. قَوْله: (وَلَا حرج) أَي: وَلَا إِثْم. قَوْله: (فنحرت) ، النَّحْر فِي اللبة مثل الذّبْح فِي الْحلق، وتستعمل بِمَعْنى الذَّبِيح. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وقف) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. قَوْله: (بمنى) ، فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (يسألونه) فِي مَحل النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: وقف، وَيجوز أَن يكون: من النَّاس، أَي: وقف لَهُم حَال كَونهم سائلين عَنهُ، وَيجوز أَن يكون استئنافاً بيانياً لعِلَّة الْوُقُوف. قَوْله: (فجَاء رجل) ، عطف على قَوْله: وقف. قَوْله: (فحلقت) الْفَاء فِيهِ سَبَبِيَّة، وَكَذَلِكَ الْفَاء فِي: فنحرت، كَأَنَّهُ جعل الْحلق والنحر كلا مِنْهُمَا مسبباً عَن عدم شعوره، كَأَنَّهُ يعْتَذر لتَقْصِيره. قَوْله: (قبل أَن أذبح) أَن: فِيهِ مَصْدَرِيَّة، أَي: قبل الذّبْح. قَوْله: (وَلَا حرج) ، كلمة: لَا، للنَّفْي. وَقَوله: (حرج) اسْمه، مَبْنِيّ على الْفَتْح، وَخَبره مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: لَا حرج عَلَيْك قَوْله: (فجَاء آخر) أَي: رجل آخر. قَوْله: (أَن ارمي) أَن: فِيهِ أَيْضا مَصْدَرِيَّة، أَي: قبل الرَّمْي. قَوْله: (فَمَا سُئِلَ) على صِيغَة الْمَجْهُول، و: النَّبِي، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، و: عَن شَيْء، يتَعَلَّق بالسؤال. قَوْله: (قدم) على صِيغَة الْمَجْهُول، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة: لشَيْء. قَوْله: (وَلَا أُخر) أَيْضا على صِيغَة الْمَجْهُول، عطف على: قدم، وَالتَّقْدِير: لَا قدم وَلَا أخر، لِأَن الْكَلَام الفصيح قل مَا يَقع: لَا، الدَّاخِلَة على الْمَاضِي فِيهِ إلاَّ مكررة، وَحسن ذَلِك هُنَا لِأَنَّهُ وَقع فِي سِيَاق النَّفْي، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم} (الْأَحْقَاف: 9) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مَا سُئِلَ عَن شَيْء قدم أَو أخر إلاَّ قَالَ: إفعل وَلَا حرج) . بَيَان الْمعَانِي: فِيهِ: حذف المفاعيل من قَوْله: (فحلقت) و (أَن أذبح) و (أذبح) و (فنحرت) و (أَن ارمي) و (ارْمِ) للْعلم بهَا بِقَرِينَة الْمقَام. قَوْله: (عَن شَيْء) أَي، مِمَّا هُوَ من الْأَعْمَال يَوْم الْعِيد، وَهِي: الرَّمْي والنحر وَالْحلق وَالطّواف. قَوْله: (افْعَل وَلَا حرج) قَالَ القَاضِي: قيل: هَذَا إِبَاحَة لما فعل وَقدم، وإجازة لَهُ لَا أَمر بالعيادة، كَأَنَّهُ قَالَ: إفعل ذَلِك كَمَا فعلته قبل، أَو مَتى شِئْت وَلَا حرج عَلَيْك، لِأَن السُّؤَال إِنَّمَا كَانَ عَمَّا انْقَضى وَتمّ. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ جَوَاز سُؤال الْعَالم رَاكِبًا وماشياً وواقفاً. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْجُلُوس على الدَّابَّة للضَّرُورَة بل للْحَاجة، كَمَا كَانَ جُلُوسه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَلَيْهَا ليشرف على النَّاس، وَلَا يخفى عَلَيْهِم كَلَامه لَهُم. الثَّالِث: فِي تَرْتِيب الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث، هَل هُوَ سنة وَلَا شَيْء فِي تَركه، أَو وَاجِب يتَعَلَّق الدَّم بِتَرْكِهِ؟ فَإلَى الأول ذهب الشَّافِعِي وَأحمد، وَإِلَى الثَّانِي ذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك. وَقَالَ عِيَاض: أجمع الْعلمَاء على أَن سنة الْحَاج أَن يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر، ثمَّ يطوف
- (باب من أجاب الفتيا باشارة اليد والرأس)
وَقَالَ غَيره فَلَو خَالف وَقدم بَعْضهَا على بعض جَازَ، وَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا فديَة لهَذَا الحَدِيث، ولعموم وَقَوله: (وَلَا حرج) ، وَهَذَا مَذْهَب عَطاء وَطَاوُس وَمُجاهد. وَقَول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَالْمَشْهُور من قَول الشَّافِعِي، وحملوا قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تحلقوا رؤسكم حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله} (الْبَقَرَة: 196) على الْمَكَان الَّذِي يَقع فِيهِ النَّحْر. وَللشَّافِعِيّ قَول ضَعِيف أَنه إِذا قدم الْحلق على الرَّمْي وَالطّواف لزمَه الدَّم، بِنَاء على قَوْله الضَّعِيف عِنْد أَصْحَابه أَن الْحلق لَيْسَ بنسك. قَالَ النَّوَوِيّ: وَبِهَذَا القَوْل قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك، ويروى عَن سعيد بن جُبَير وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَقَتَادَة، وَرِوَايَة شَاذَّة عَن ابْن عَبَّاس: أَن من قدم بَعْضهَا على بعض لزمَه الدَّم. وَقَالَ الْمَازرِيّ: لَا فديَة عَلَيْهِ عِنْد مَالك، يَعْنِي: فِي تَقْدِيم بَعْضهَا على بعض إلاَّ الْحلق على الرَّمْي فَعَلَيهِ الْفِدْيَة. وَقَالَ عِيَاض: وَكَذَا إِذا قدم الطّواف للإفاضة على الرَّمْي عِنْده، فَقيل: يُجزئهُ، وَعَلِيهِ الْهَدْي. وَقيل: لَا يُجزئهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ: إِذا رمى ثمَّ أَفَاضَ قبل أَن يحلق. وَأَجْمعُوا على أَن من نحر قبل الرَّمْي لَا شَيْء عَلَيْهِ. وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا فرق بَين الْعَامِد والساهي فِي وجوب الْفِدْيَة وَعدمهَا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الْإِثْم وَعَدَمه عِنْد من منع التَّقْدِيم. قلت: إِذا حلق قبل أَن يذبح فَعَلَيهِ دم عِنْد أبي حنيفَة، وَإِن كَانَ قَارنا فعلية دمان. وَقَالَ زفر: إِذا حلق قبل أَن ينْحَر عَلَيْهِ ثَلَاثَة دِمَاء: دم للقران، وَدَمَانِ للحلق قبل النَّحْر. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: من حلق قبل أَن يذبح أهرق دَمًا. وَقَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم خلافًا فِيمَن نحر قبل أَن يَرْمِي أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ. قَالَ: وَاخْتلفُوا فِيمَن أَفَاضَ قبل أَن يحلق بعد الرَّمْي، فَكَانَ ابْن عمر يَقُول: يرجع فيحلق أَو يقصر، ثمَّ يرجع إِلَى الْبَيْت فيفيض. وَقَالَ عَطاء وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَسَائِر الْفُقَهَاء: يُجزئهُ الْإِفَاضَة ويحلق أَو يقصر، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. قلت: احْتج الشَّافِعِي وَأحمد وَمن تبعهما فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِظَاهِر الحَدِيث الْمَذْكُور، فَإِن معنى قَوْله: (وَلَا حرج) أَي: لَا شَيْء عَلَيْك مُطلقًا من الْإِثْم، لَا فِي ترك التَّرْتِيب وَلَا فِي ترك الْفِدْيَة، واحتجت الْحَنَفِيَّة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: من قدم شَيْئا من حجه أَو اخره فليهرق لذَلِك دَمًا. وَتَأْويل الحَدِيث الْمَذْكُور: لَا إِثْم عَلَيْكُم فِيمَا فعلتموه من هَذَا، لأنكم فعلتموه على الْجَهْل مِنْكُم، لَا الْقَصْد مِنْكُم خلاف السّنة. وَكَانَت السّنة خلاف هَذَا، وَأسْقط عَنْهُم الْحَرج، وأعذرهم لأجل النسْيَان وَعدم الْعلم. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول السَّائِل: فَلم أشعر، وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا فِي حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح: (أَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، سَأَلَهُ رجل فِي حجَّته فَقَالَ: إِنِّي رميت وأفضت ونسيت فَلم احْلق. قَالَ: فَاحْلِقْ وَلَا حرج. ثمَّ جَاءَ رجل آخر فَقَالَ: إِنِّي رميت وحلقت ونسيت أَن أنحر. فَقَالَ: انْحَرْ وَلَا حرج) . فَدلَّ ذَلِك على أَن الْحَرج الَّذِي رَفعه الله عَنْهُم، إِنَّمَا كَانَ لأجل نسيانهم ولجهلهم أَيْضا بِأَمْر الْمَنَاسِك، لَا لغير ذَلِك. وَذَلِكَ أَن السَّائِلين كَانُوا نَاسا أعراباً لَا علم لَهُم بالمناسك، فأجابهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله: (لَا حرج) يَعْنِي: فِيمَا فَعلْتُمْ بِالنِّسْيَانِ وبالجهل، لَا أَنه أَبَاحَ لَهُم ذَلِك فِيمَا بعد وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا ويؤكده قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، الْمَذْكُور. وَالْحَال أَنه أحد رُوَاة الحَدِيث الْمَذْكُور، فَلَو لم يكن معنى الحَدِيث عِنْده على مَا ذكرنَا لما قَالَ بِخِلَافِهِ. وَمن الدَّلِيل على مَا ذكرنَا أَن ذَلِك كَانَ بِسَبَب جهلهم مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، أخرجه الطَّحَاوِيّ قَالَ: (سُئِلَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ بَين الْجَمْرَتَيْن، عَن رجل حلق قبل أَن يَرْمِي. قَالَ: لَا حرج. وَعَن رجل ذبح قبل أَن يَرْمِي، قَالَ: لَا حرج، ثمَّ قَالَ: عباد اللَّه، وضع الله عز وَجل الْحَرج والضيق، وتعلموا مَنَاسِككُم فَإِنَّهَا من دينكُمْ) . قَالَ الطَّحَاوِيّ: أَفلا يرى إِلَى أَنه أَمرهم بتَعَلُّم مناسكهم لأَنهم كَانَ لَا يحسنونها، فَدلَّ ذَلِك أَن الْحَرج الَّذِي رَفعه الله عَنْهُم هُوَ لجهلهم بِأَمْر مناسكهم، لَا لغير ذَلِك. فَإِن قلت: قد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات الصَّحِيحَة: وَلم يَأْمر بكفارة، قلت: يحْتَمل أَنه لم يَأْمر بهَا لأجل نِسْيَان السَّائِل، أَو أَمر بهَا وَذهل عَنهُ الرَّاوِي. 24 - (بَاب مَنْ أجَاب الفُتْيا باشارَةِ اليَدِ والرَّأسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمُفْتِي الَّذِي أجَاب المستفتي فِي فتياه بِإِشَارَة بِيَدِهِ أَو رَأسه. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر. 84 - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قَالَ: حدّثنا وُهَيْبٌ قَالَ: حدّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عَن ابْن
عَبَّاسٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، فَأْوَمَأ بِيدِهِ قَالَ: (وَلَا حَرَجَ) . قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، فَأوْمأ بِيَدِهِ ولاَ حَرَجَ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِشَارَة بِالْيَدِ فِي جَوَاب الْفتيا، وَهُوَ قَوْله: (فاومأ بِيَدِهِ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة، بِفَتْح اللَّام: التَّبُوذَكِي الْحَافِظ الْبَصْرِيّ. وَقد مر ذكره. الثَّانِي: وهيب، بِضَم الْوَاو وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن خَالِد الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: عِكْرِمَة، مولى ابْن الْعَبَّاس. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أَيُّوب بِهِ نَحوه. وَأخرجه أَيْضا فِي الْحَج عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن وهيب عَن عبد اللَّه بن طَاوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن بهز بن أَسد عَن وهيب عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن الْمُعَلَّى بن أَسد عَن وهيب بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله (فَأَوْمأ) أَي: أَشَارَ، وثلاثيه: ومأت إِلَيْهِ أميء ومأً، وأَومأت إِلَيْهِ وأومأته أَيْضا، وومأت تومئة: اشرت. قَوْله: (سُئِلَ) ، بِضَم السِّين. قَوْله: (فَقَالَ) أَي السَّائِل: ذبحت قبل أَن أرمي، أَي: فَمَا حكمك فِيهِ هَل يَصح؟ وَهل عَليّ فِيهِ حرج؟ قَوْله: (فَأَوْمأ) أَي: رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِيَدِهِ. قَوْله: (قَالَ: وَلَا حرج) : أَي: قَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: وَلَا حرج عَلَيْك. فَإِن قلت: مَا مَحل: قَالَ، من الْإِعْرَاب؟ قلت: مَحَله النصب على الْحَال. أَي: فَأَوْمأ بِيَدِهِ حَال كَونه قد قَالَ: وَلَا حرج عَلَيْك، وَالْأَحْسَن أَن يكون بَيَانا لقَوْله: (فَأَوْمأ) ، وَلِهَذَا ذكر بِدُونِ الْوَاو العاطفة حَيْثُ لم يقل: فَأَوْمأ بِيَدِهِ، وَقَالَ: وَأما الْوَاو فِي: (وَلَا حرج) . فَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَغَيره، وَلَيْسَت بموجودة فِي رِوَايَة ابْن ذَر. وَأما فِي (وَلَا حرج) الثَّانِي فَهِيَ مَوْجُودَة عِنْد الْكل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم ترك الْوَاو أَولا فِي: (وَلَا حرج) : وَذكر ثَانِيًا فِيهِ؟ قلت: لِأَن الأول كَانَ فِي ابْتِدَاء الحكم، وَالثَّانِي عطف على الْمَذْكُور أَولا. قلت: هَذَا إِنَّمَا يتمشى على رِوَايَة أبي ذَر على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَقَالَ: حلقت) أَي: قَالَ سَائل آخر، أَو ذَلِك السَّائِل بِعَيْنِه. قَوْله: (قبل أَن اذْبَحْ) أَن، فِيهِ مَصْدَرِيَّة أَي: قبل الذّبْح. قَوْله: (فَأَوْمأ) أَي: رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِيَدِهِ وَلَا حرج. وَلم يذكر هَهُنَا: قَالَ: وَلَا حرج. وَإِنَّمَا قَالَ: فَأَوْمأ بِيَدِهِ وَلَا حرج. وَلم يحْتَج إِلَى ذكر: قَالَ، هَهُنَا لِأَنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ بِحَيْثُ فهم من تِلْكَ الْإِشَارَة أَنه لَا حرج، سِيمَا وَقد سُئِلَ عَن الْحَرج، أَو يقدر لَفْظَة قَالَ. وَالتَّقْدِير: فَأَوْمأ بِيَدِهِ، قَالَ: وَلَا حرج، أَو قَائِلا: وَلَا حرج. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: (فَأَوْمأ بِيَدِهِ أَن لَا حرج) ، ثمَّ قَالَ: ان، إِمَّا صلَة لقَوْله: (أَوْمَأ) . وَإِمَّا تفسيرية، إِذْ فِي الْإِيمَاء معنى القَوْل. 85 - حدّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ: أخبرنَا خَنْظَلةُ بنُ أبي سُفْيانَ عنْ سالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَن النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (يُقْبَضُ العِلْمُ وَيَظْهَرُ الجَهْلُ والفِتَنُ وَيَكْثُرُ الهَرْجُ) قِيلَ: يَا رَسُول الله! ومَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَها كأنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ.. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِشَارَة بِالْيَدِ كَمَا فِي الحَدِيث السَّابِق. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم بن بشر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وبالراء، ابْن فرقد أَبُو السكن الْبَلْخِي أَخُو إِسْمَاعِيل وَيَعْقُوب، سمع حَنْظَلَة وَغَيره من التَّابِعين، وَهُوَ أكبر شُيُوخ البُخَارِيّ من الخراسانيين لِأَنَّهُ روى عَن التَّابِعين، وروى عَنهُ أَحْمد وَيحيى بن معِين، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة والبيوع وَغير مَوضِع، وَأخرج فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَنهُ عَن عبد اللَّه بن سعيد، وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ أَحْمد: ثِقَة. وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة ثَبت، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ. ولد سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة، وَتُوفِّي سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ
ببلخ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة مكي بن إِبْرَاهِيم غَيره، و: مكي، بتَشْديد الْيَاء على وزن النِّسْبَة. وَلَيْسَ بِنِسْبَة، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمه. الثَّانِي: حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان بن عبد الْملك، وَقد مر فِي: بَاب الْحيَاء من الْإِيمَان. الثَّالِث: سَالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُم. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَالسَّمَاع، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ عَن حَنْظَلَة قَالَ: سَمِعت سالما، وَزَاد فِيهِ: لَا أَدْرِي كم رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَة وَاقِفًا فِي السُّوق يَقُول: يقبض الْعلم ... فَذكره مَوْقُوفا، لَكِن ظهر فِي آخِره أَنه مَرْفُوع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي ومكي ومدني. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده من الرباعيات العوالي. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (الْهَرج) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره جِيم: قَالَ فِي (الْعباب) : الْهَرج الْفِتْنَة والاختلاط، وَقد هرج النَّاس يهرجون، بِالْكَسْرِ، هرجاً. وَمِنْه حَدِيث النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يتقارب الزَّمَان وَينْقص الْعلم ويلقى الشُّح وَتظهر الْفِتَن وَيكثر الْهَرج. قيل: وَمَا الْهَرج يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الْقَتْل الْقَتْل) . ثمَّ قَالَ الصغاني: وأصل الْهَرج الْكَثْرَة فِي الشَّيْء، وَمِنْه قَوْلهم فِي الْجِمَاع: بَات يهرجها ليلته جَمْعَاء. وَيُقَال للْفرس: مر يهرج، وَإنَّهُ لمهرج ومهراج إِذا كَانَ كثير الجري، وهرج الْقَوْم فِي الحَدِيث إِذا أفاضوا فِيهِ فَأَكْثرُوا، والهراجة: الْجَمَاعَة يهرجون فِي الحَدِيث. وَقَالَ فِي آخر الْفَصْل: والتركيب يدل على اخْتِلَاط وتخليط. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْهَرج الْفِتْنَة فِي آخر الزَّمَان. وَقَالَ القَاضِي: الْفِتَن بعض الْهَرج، وأصل الْهَرج والتهارج الِاخْتِلَاط والقتال، وَمِنْه قَوْله: فَلَنْ يزَال الْهَرج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَمِنْه: يتهارجون تهارج الْحمر، قيل: مَعْنَاهُ: يتخالطون رجَالًا وَنسَاء ويتناكحون مزاناة. وَيُقَال: هرجها يهرجها إِذا نَكَحَهَا، و: يهرجها، بِفَتْح الرَّاء وَضمّهَا وَكسرهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِرَادَة الْقَتْل من لفظ الْهَرج إِنَّمَا هُوَ على طَرِيق التَّجَوُّز، إِذْ هُوَ لَازم معنى الْهَرج، اللَّهُمَّ إلاَّ أَن يثبت وُرُود الْهَرج بِمَعْنى الْقَتْل لُغَة. وَقَالَ بَعضهم: وَهِي غَفلَة عَمَّا فِي البُخَارِيّ فِي كتاب الْفِتَن. والهرج الْقَتْل بِلِسَان الْحَبَشَة. قلت: هَذَا غَفلَة، لِأَن كَون الْهَرج بِمَعْنى الْقَتْل بِلِسَان الْحَبَشَة لَا يسْتَلْزم أَن يكون بِمَعْنى الْقَتْل فِي لُغَة الْعَرَب، غير أَنه لما اسْتعْمل بِمَعْنى الْقَتْل وَافق اللُّغَة الحبشية، وَأما فِي أصل الْوَضع فالعرب مَا استعملته إلاَّ لِمَعْنى الْفِتْنَة والاختلاط، واستعملوه بِمَعْنى الْقَتْل تجوزاً. فَإِن قلت: قَالَ صَاحب (الْمطَالع) : فسر الْهَرج فِي الحَدِيث بِالْقَتْلِ بلغَة الْحَبَشَة، ثمَّ قَالَ: وَقَوله: بلغَة الْحَبَشَة وهم من بعض الروَاة، وَإِلَّا فَهِيَ عَرَبِيَّة صَحِيحَة. قلت: لَا يلْزم من تَفْسِيره فِي الحَدِيث بِالْقَتْلِ أَن يكون مَعْنَاهُ الْقَتْل فِي أصل الْوَضع. قَوْله: (يقبض الْعلم) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقد مر أَن قَبضه بِقَبض الْعلمَاء، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي الحَدِيث. وَجَاء فِي مُسلم: (وَينْقص الْعلم وَيظْهر الْجَهْل) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَظُهُور الْجَهْل من لَوَازِم قبض الْعلم، وَذكره لزِيَادَة الْإِيضَاح والتأكيد. قَوْله: (الْفِتَن) بِالرَّفْع عطفا على: الْجَهْل، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (وَتظهر الْفِتَن) . قَوْله: (وَيكثر الْهَرج) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ) ، مَعْنَاهُ: أَشَارَ بِيَدِهِ محرفا، وَفِيه إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل، وَهُوَ كثير. وَمِنْه قَول الْعَرَب: قَالُوا بزيد وَقُلْنَا بِهِ، أَي: قَتَلْنَاهُ، قَالَه ابْن الْأَعرَابِي، وَقَالَ الرجل بالشَّيْء، أَي: غلب. وَقَالَ الصغاني: وَفِي دُعَاء النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: سُبْحَانَ من تعطف بالعز وَقَالَ بِهِ، وَهَذَا من الْمجَاز الْحكمِي كَقَوْلِهِم: نَهَاره صَائِم. وَالْمرَاد وصف الرجل بِالصَّوْمِ، وَوصف الله تَعَالَى بالعز. قَوْله: (وَقَالَ بِهِ) أَي: وَغلب بِهِ كل عَزِيز، وَملك عَلَيْهِ أمره. وَفِي (الْمطَالع) : وَفِي حَدِيث الْخضر: (فَقَالَ بِيَدِهِ فأقامه) . أَي: أَشَارَ أَو تنَاول. وَقَوله: (فِي الْوضُوء فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا) أَي: نفضه. قَوْله: (فَقَالَ باصبعه السبابَة وَالْوُسْطَى) أَي: أَشَارَ. وَفِي حَدِيث دُعَاء الْوَالِد: (وَقَالَ بِيَدِهِ نَحْو السَّمَاء) أَي: رَفعهَا. قَوْله: (فحرفها) من التحريف. تَفْسِير لقَوْله: (فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ) كَأَن الرَّاوِي بَين أَن الْإِيمَاء كَانَ محرفاً، وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى الْفَاء التفسيرية. نَحْو: {فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم} (الْبَقَرَة: 54) إِذْ الْقَتْل هُوَ نفس التَّوْبَة على أحد التفاسير. قَوْله: (كَأَنَّهُ يُرِيد الْقَتْل) الظَّاهِر أَن هَذَا زِيَادَة من الرَّاوِي عَن حَنْظَلَة، فَإِن أَبَا عوَانَة رَوَاهُ عَن عَبَّاس الدوري عَن أبي عَاصِم عَن حَنْظَلَة، وَقَالَ فِي آخِره: وأرانا أَبُو عَاصِم كَأَنَّهُ يضْرب عنق الْإِنْسَان، وَكَأن الرَّاوِي فهم من تَحْرِيك الْيَد وتحريفها أَنه يُرِيد الْقَتْل. قلت: وَقع فِي بعض النّسخ: فحركها بِالْكَاف، مَوضِع: فحرفها. فَالظَّاهِر أَنه غير ثَابت، وَفِيه دَلِيل على أَن الرجل إِذْ أَشَارَ بِيَدِهِ أَو بِرَأْسِهِ أَو بِشَيْء يفهم مِنْهُ ارادته أَنه جَائِز عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي كتاب الطَّلَاق حكم الْإِشَارَة بِالطَّلَاق وَاخْتِلَاف الْفُقَهَاء فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
86 - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قَالَ: حدّثنا وُهَيْبٌ قَالَ: حدّثنا هِشامٌ عنْ فاطِمَةَ عنْ أسْماءَ قالَتْ: أَتيْتُ عائِشَةَ وَهْيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شأْنُ النَّاسِ؟ فَأشارَتْ إلَى السَّماءِ فَإذَا النَّاسُ قِيامٌ، فقالَتْ: سُبْحانَ الله! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأشارَتْ بِرَأْسِها أيْ: نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الغَشْيُ فَجَعَلْتُ أصُبُّ عَلَى رَأسِي الماءَ، فَحَمِدَ الله عزَّ وَجَلَّ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأثْنَى عَلِيْهِ ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ شَيْءِ لَمْ أكُنْ أرِيتُه إلاَّ رَأيْتُهُ فِي مَقامِي حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ فأُوحِيَ إلَيَّ أنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أوْ قَرِيبَ، لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قالَتْ أسْماءُ. مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقالُ: مَا عِلْمُكَ بِهذَا الرَّجُلِ؟ فَأمَّا المُؤْمنُ) أَو المُوقِنُ، لَا أدْرِي بِأيّهِما قالتْ أسْماءُ فَيَقولُ: (هُوَ مُحمَّدٌ رسولُ الله جاءَنا بالبَيِّناتِ والهُدَى فَأجَبْنَا واتَّبَعْنا، هُوَ مُحمَّدٌ ثَلاثاً، فَيُقالُ: نَمْ صالِحاً قَد عَلِمْنا إنْ كُنْتَ لُموقِناً بِهِ، وأمَّا المُنَافِقُ) أَو المُرْتابُ، لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قالتْ أسْماءُ (فَيَقولُ: لَا أدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ) .. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِشَارَة بِالرَّأْسِ، لكنه من فعل عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، وَقَالَ بَعضهم: فَيكون مَوْقُوفا، لَكِن لَهُ حكم الْمَرْفُوع لِأَنَّهَا كَانَت تصلي خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ فِي الصَّلَاة يرى من خَلفه. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، بل وجود شَيْء فِي حَدِيث الْبَاب مِمَّا هُوَ مُطَابق للتَّرْجَمَة كافٍ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا يدل إلاَّ على بعض التَّرْجَمَة، وَهُوَ الْإِشَارَة بِالرَّأْسِ، كَمَا أَن الْأَوَّلين لَا يدلان أَيْضا إلاَّ على الْبَعْض الآخر، وَهُوَ الْإِشَارَة بِالْيَدِ. قلت: لَا يلْزم أَن يدل كل حَدِيث فِي الْبَاب على تَمام التَّرْجَمَة، بل إِذا دلّ الْبَعْض على الْبَعْض بِحَيْثُ دلّ الْمَجْمُوع على الْمَجْمُوع صحت التَّرْجَمَة، وَمثله مر فِي كتاب بَدْء الْوَحْي. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. الثَّانِي: وهيب بن خَالِد، وَقد ذكرا الْآن. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله عَنْهُم، وَقد تقدم. الرَّابِع: فَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير بن الْعَوام، وَهِي زَوْجَة هِشَام بن عُرْوَة، وَبنت عَمه. رَوَت عَن جدَّتهَا أَسمَاء، روى عَنْهَا زَوجهَا هِشَام وَمُحَمّد بن إِسْحَاق. وَقَالَ أَحْمد بن عبد اللَّه: تابعية ثِقَة، روى لَهَا الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، زَوْجَة الزبير، رَضِي الله عَنْهُم، وَكَانَ عبد اللَّه بن أبي بكر شقيقها، وَعَائِشَة وَعبد الرَّحْمَن أَخَوَاهَا لأَبِيهَا، وَهِي ذَات النطاقين، ولدت قبل الْهِجْرَة بِسبع وَعشْرين سنة، وَأسْلمت بعد سَبْعَة عشر إنْسَانا، رُوِيَ لَهَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سِتَّة وَخَمْسُونَ حَدِيثا، انْفَرد البُخَارِيّ بأَرْبعَة، وَمُسلم بِمِثْلِهَا، واتفقا على أَرْبَعَة عشر، توفيت بِمَكَّة فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسبعين بعد قتل ابْنهَا عبد اللَّه بن الزبير، وَقد بلغت الْمِائَة وَلم يسْقط لَهَا سنّ وَلم يتَغَيَّر عقلهَا، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تابعية عَن صحابية مَعَ ذكر صحابية أُخْرَى. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْكُسُوف عَن عبد اللَّه بن يُوسُف، وَفِي الِاعْتِصَام عَن القعْنبِي، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك، وَفِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة: أما بعد، وَقَالَ فِيهِ مَحْمُود: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة، وَفِي كتاب الخسوف: وَقَالَ أَبُو أُسَامَة، وَفِي كتاب السَّهْو فِي: بَاب الْإِشَارَة فِي الصَّلَاة، عَن يحيى بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن الثَّوْريّ مُخْتَصرا، وَفِي الخسوف مُخْتَصرا عَن الرّبيع بن يحيى عَن زَائِدَة وَعَن مُوسَى بن مَسْعُود عَن زَائِدَة مُخْتَصرا، وَتَابعه عَليّ عَن الدَّرَاورْدِي وَعَن مُحَمَّد الْمقدمِي عَن تَمام فِي الْعتَاقَة. وَأخرجه مُسلم فِي الخسوف عَن أبي كريب عَن ابْن غير، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب عَن أبي أُسَامَة كلهم عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن امْرَأَته فَاطِمَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (حَتَّى علاني) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة، من: عَلَوْت الرجل غلبته، تَقول: علاهُ يعلوه علوا، وَعلا فِي الْمَكَان يَعْلُو علوا
أَيْضا، وَعلا بِالْكَسْرِ فِي الشِرف يعلي عَلَاء، وَيُقَال أَيْضا: بِالْفَتْح يعلى، قَالَ رؤبة: (دفعك داواني وَقد جويت ... لما علا كعبك لي عليت) فَجمع بَين اللغتين، هَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، أَعنِي: علاني. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: تجلاني، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة وَالْجِيم وَتَشْديد اللَّام، وَأَصله: تجللني، أَي: علاني. قَالَ فِي (الْعباب) : تجلله أَي: علاهُ. قلت: هَذَا مثل: تقضى الْبَازِي، أَصله: تقضض، فاستثقلوا ثَلَاث ضادات، فابدلوا من إِحْدَاهُنَّ يَاء، فَصَارَ يَاء. وَكَذَلِكَ استثقلوا ثَلَاث لامات فأبدلوا من إِحْدَاهُنَّ يَاء فَصَارَ: تجلى. وَرُبمَا يَظُنّهُ من لَا خبْرَة لَهُ من مواد الْكَلَام أَن هَذَا من النواقص، وَهُوَ من المضاعف. وَقَالَ بَعضهم: تجلاني، بمثناة وجيم وَلَام مُشَدّدَة: وجلال الشَّيْء مَا غطي بِهِ. قلت: الْجلَال جمع: جلّ الْفرس، وَلَا مُنَاسبَة لذكره مَعَ: تجلاني، وَإِن كَانَا مشتركين فِي أصل الْمَادَّة، لِأَن ذَلِك فعل من بَاب التفعيل، وَهَذَا اسْم، وَهُوَ جمع. وَلَو قَالَ: وَمِنْه جلال الشَّيْء، كَانَ لَا بَأْس بِهِ، تَنْبِيها على أَنَّهُمَا مشتركان فِي أصل الْمَادَّة. وَأَيْضًا لَا يُقَال: جلال الشَّيْء مَا غطى بِهِ، بل الَّذِي يُقَال: جلّ الشَّيْء. قلت: (الغشي) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره يَاء آخر الْحُرُوف، مُخَفّفَة من غشى عَلَيْهِ غشية وغشياً وغشياناً فَهُوَ مغشي عَلَيْهِ، واستغشى بِثَوْبِهِ وتغشى أَي: تغطى بِهِ. وَقَالَ القَاضِي: روينَاهُ فِي مُسلم وَغَيره بِكَسْر الشين وَتَشْديد الْيَاء، وباسكان الشين وَالْيَاء، وهما بِمَعْنى: الغشاوة، وَذَلِكَ لطول الْقيام وَكَثْرَة الْحر، وَلذَلِك قَالَت: فَجعلت أصب على رَأْسِي، أَو على وَجْهي من المَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: الغشي، بِكَسْر الشين وَتَشْديد الْيَاء: مرض مَعْرُوف يحصل بطول الْقيام فِي الْحر وَغير ذَلِك، وعرفه أهل الطِّبّ بِأَنَّهُ تعطل القوى المحركة والحساسة لضعف الْقلب واجتماع الرّوح كُله إِلَيْهِ. فَإِن قلت: إِذا تعطلت القوى فَكيف صبَّتْ المَاء؟ قلت: أَرَادَت بالغشي الْحَالة الْقَرِيبَة مِنْهُ، فأطلقت الغشي عَلَيْهَا مجَازًا، أَو كَانَ الصب بعد الْإِفَاقَة مِنْهُ. قَالَ بعض الشَّارِحين: ويروى بِعَين مُهْملَة. قَالَ القَاضِي: لَيْسَ بِشَيْء. وَفِي (الْمطَالع) : الغشي، بِكَسْر الشين وَتَشْديد الْيَاء: كَذَا قَيده الْأصيلِيّ، وَرَوَاهُ بَعضهم: الغشي، وهما بِمَعْنى وَاحِد يُرِيد: الغشاوة وَهُوَ الغطاء. ورويناه عَن الْفَقِيه ابْن مُحَمَّد عَن الطَّبَرِيّ: الْعشي، بِعَين مُهْملَة، وَلَيْسَ بِشَيْء. قَوْله: (تفتنون) أَي: تمتحنون. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْفِتْنَة الامتحان والاختبار. تَقول: فتنت الذَّهَب إِذا أدخلته النَّار لتنظر مَا جودته، ودينار مفتون، وَيُسمى الصَّائِغ: الفتان. وأفتن الرجل وَفتن فَهُوَ مفتون إِذا أَصَابَته فتْنَة فَذهب مَاله وعقله، وَذَلِكَ إِذا اختبر. قَالَ الله تَعَالَى: {وَفَتَنَّاك فُتُونًا} (طه: 40) . قَوْله: (الْمَسِيح الدَّجَّال) ، إِنَّمَا سمي مسيحاً لِأَنَّهُ يمسح الأَرْض، أَو لِأَنَّهُ مَمْسُوح الْعين. قَالَ فِي (الْعباب) : الْمَسِيح الْمَمْسُوح بالشوم. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمت الْيَهُود الدَّجَّال مسيحاً لِأَنَّهُ مَمْسُوح إِحْدَى الْعَينَيْنِ. وَبَعض الْمُحدثين يَقُولُونَ فِيهِ الْمَسِيح، مِثَال: سكيت، لِأَنَّهُ مسح خلقه، أَي: شوه. وَأما الْمَسِيح، بِالْفَتْح، فَهُوَ عِيسَى بن مَرْيَم، عَلَيْهِ السَّلَام. وَقَالَ ابْن مَاكُولَا عَن شَيْخه: الصَّوَاب هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: المسيخ، يُقَال مَسحه الله، بِالْمُهْمَلَةِ: إِذا خلقه خلقا حسنا. ومسخه، بِالْمُعْجَمَةِ: إِذا خلقه خلقا ملعوناً. والدجال على وزن فعال من الدجل، وَهُوَ الْكَذِب والتمويه وخلط الْحق بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ كَذَّاب مموه خلاط. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: سمي دجالًا لضربه فِي الأَرْض وقطعه أَكثر نَوَاحِيهَا. يُقَال: دجل الرجل إِذا فعل ذَلِك. وَيُقَال: دجل إِذا لبس، وَيُقَال: الدجل طلي الْبَعِير بالقطران وَبِغَيْرِهِ، وَمِنْه سمي الدَّجَّال. وَيُقَال لماء الذَّهَب: دجال، بِالضَّمِّ، وَشبه الدَّجَّال بِهِ لِأَنَّهُ يظْهر خلاف مَا يضمر، وَيُقَال: الدجل السحر وَالْكذب، وكل كَذَّاب دجال، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي بِهِ لِأَنَّهُ يُغطي الأَرْض بِالْجمعِ الْكثير، مثل دجلة تغطي الأَرْض بِمَائِهَا، والدجل: التغطية. يُقَال: دجل فلَان الْحق بباطله أَي: غطاه. يُقَال: دجل الرجل، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد مَعَ فتح الْجِيم، ودجل أَيْضا بِالضَّمِّ مخففاً. بَيَان الْأَعْرَاب: قَوْله: (عَائِشَة) مَنْصُوب بقوله: (أتيت) ، وَمنع التَّنْوِين لِأَنَّهُ غير منصرف للعلمية والتأنيث، قَوْله: (وَهِي تصلي) جملَة إسمية وَقعت حَالا من: عَائِشَة. قَوْله: (فَقلت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَقَوله: (مَا شَأْن النَّاس) ؟ جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فَأَشَارَتْ) عطف على قَوْله: (فَقلت) . قَوْله: (فَإِذا) للمفاجأة و: النَّاس، مُبْتَدأ و: قيام خَبره. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: عَائِشَة. (سُبْحَانَ الله) . فَإِن قلت: يَنْبَغِي أَن يكون مقول القَوْل جملَة، و: سُبْحَانَ الله، لَيْسَ بجملة. قلت: قَالَت: مَعْنَاهُ هَهُنَا ذكرت، وَقَالَ بَعضهم: فَقَالَت: سُبْحَانَ الله. أَي أشارت قائلة: سُبْحَانَ الله. قلت: هَذَا التَّقْدِير فَاسد، لِأَن: قَالَت، هَهُنَا عطف بِحرف الْفَاء، فَكيف يقدر حَالا مُفْردَة، و: سُبْحَانَ، علم للتسبيح: كعثمان، علم للرجل، وَهُوَ
مفعول مُطلق الْتزم إِضْمَار فعله، وَالتَّقْدِير: يسبح الله سُبْحَانَ أَي تسبيحاً، مَعْنَاهُ: أنزهه من النقائص وسمات المخلوقين. فَإِن قلت: إِذا كَانَ علما كَيفَ أضيف؟ قلت: يُنكر عِنْد إِرَادَة الْإِضَافَة. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: كَونه علما إِنَّمَا هُوَ فِي غير حَالَة الْإِضَافَة. قَوْله: (آيَة) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وحذفها، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ آيَة. أَي: عَلامَة لعذاب النَّاس. قَوْله: (فَأَشَارَتْ) عطف على: قلت. قَوْله: (أَي نعم) تَفْسِير لقَوْله: أشارت. قَوْله: (حَتَّى علاني) حَتَّى، هَهُنَا للغاية بِمَعْنى: إِلَى أَن علاني. وعلاني، فعل ومفعول، و: الغشي، بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (فَجعلت) من الْأَفْعَال النَّاقِصَة، وَالتَّاء اسْمه، وَقَوله: (أصب على رَأْسِي المَاء) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ أَنا الْمُسْتَتر فِي أصب، وَالْمَفْعُول وَهُوَ قَوْله: المَاء، وَمحله النصب، لِأَنَّهَا خبر: جعلت. قَوْله: (فَحَمدَ) فعل وَلَفْظَة: (الله) ، مَفْعُوله، (وَالنَّبِيّ) فَاعله. قَوْله: (وَأثْنى عَلَيْهِ) عطف على: حمد. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) عطف على: حمد. قَوْله: (مَا من شَيْء) كلمة: مَا، للنَّفْي، وَكلمَة: من، زَائِدَة لتأكيد النَّفْي و: شَيْء، اسْم مَا. وَقَوله: (لم أكن أريته) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لشَيْء، وَهُوَ مَرْفُوع فِي الأَصْل وَإِن كَانَ جر بِمن الزَّائِدَة، وَاسم: أكن، مستتر فِيهِ، و: أريته، بِضَم الْهمزَة جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: لم أكن. وَقَوله: (إلاَّ رَأَيْته) اسْتثِْنَاء مفرغ، وَقَالَت النُّحَاة: كل اسْتثِْنَاء مفرغ مُتَّصِل وَمَعْنَاهُ أَن مَا قبلهَا مفرغ لما بعْدهَا إِذْ الِاسْتِثْنَاء من كَلَام غير تَامّ فيلغى فِيهِ إلاَّ من حَيْثُ الْعَمَل لَا من حَيْثُ الْمَعْنى نَحْو: مَا جَاءَنِي إلاَّ زيد، وَمَا رَأَيْت إلاَّ زيدا، أَو مَا مَرَرْت إلاَّ بزيد. فالفعل الْوَاقِع هَهُنَا قبل: إلاَّ، مفرغ لما بعْدهَا، و: إلاَّ، هَهُنَا بِمَنْزِلَة سَائِر الْحُرُوف الَّتِي تغير الْمَعْنى دون الْأَلْفَاظ، نَحْو: هَل وَغَيره، وَلَا يجوز هَذَا إلاَّ فِي الْمَنْفِيّ. فَافْهَم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: و: رَأَيْته، فِي مَوضِع الْحَال وَتَقْدِيره: مَا من شَيْء لم يكن أريته كَائِنا فِي حَال من الْأَحْوَال إلاَّ فِي حَال رؤيتي إِيَّاه. قلت: لَا يَصح هَذَا الْكَلَام، لِأَن ذَا الْحَال إِن كَانَ لَفظه: شَيْء، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مُبْتَدأ يبْقى بِلَا خبر، وَإِن كَانَ هُوَ الضَّمِير الَّذِي فِي: لم أكن، فَلَا يَصح لذَلِك، بل مَحل رَأَيْته فِي نفس الْأَمر رفع على الخبرية، لِأَن التَّقْدِير: إِذا أزيل: مَا وإلاَّ، يكون هَكَذَا: وَشَيْء لم أكن أريته رَأَيْته فِي مقَامي هَذَا، و: شَيْء، وَإِن كَانَ نكرَة وَلكنه تخصص بِالصّفةِ. قَوْله: (فِي مقَامي) حَال تَقْدِيره: حَال كوني فِي مقَامي هَذَا. فَإِن قلت: هَذَا، مَا موقعه من الْإِعْرَاب؟ قلت: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فِي مقَامي هُوَ هَذَا. ويؤول بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ الْمقَام يحْتَمل الْمصدر وَالزَّمَان وَالْمَكَان. قلت: نعم يحْتَمل فِي غير هَذَا الْموضع، وَلكنه هَهُنَا بِمَعْنى الْمَكَان. قَوْله: (حَتَّى الْجنَّة وَالنَّار) يجوز فيهمَا الرّفْع وَالنّصب والجر: أما الرّفْع فعلى أَن تكون: حَتَّى، ابتدائية و: الْجنَّة، تكون مَرْفُوعا على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره: حَتَّى الْجنَّة مرئية، و: النَّار، عطف عَلَيْهِ. كَمَا فِي قَوْله: أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا، بِرَفْع الرَّأْس أَي: رأسُها ماكولٌ، وَهُوَ أحد الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِيهِ. وَأما النصب فعلى أَن تكون: حَتَّى، عاطفة عطف الْجنَّة فِي الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي رَأَيْته، وَأما الْجَرّ فعلى أَن تكون: حَتَّى، جَارة. قَوْله: (فَأُوحي إِلَيّ) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَنكُمْ) بِفَتْح الْهمزَة، لِأَنَّهُ مفعول أُوحِي، قد نَاب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (تفتنون) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (مثل أَو قَرِيبا) كَذَا رُوِيَ فِي رِوَايَة بترك التَّنْوِين فِي: مثل، وبالتنوين فِي: قَرِيبا. وَرُوِيَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: (مثل أَو قريب) بِغَيْر تَنْوِين فيهمَا، وَرُوِيَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: (مثلا أَو قَرِيبا) ، بِالتَّنْوِينِ فيهمَا. قَالَ القَاضِي: روينَاهُ عَن بَعضهم، وَكَذَا رُوِيَ: من فتْنَة الْمَسِيح بِلَفْظَة: من، قبل: فتْنَة الْمَسِيح. رُوِيَ أَيْضا بِدُونِ: من. أما وَجه الرِّوَايَة الأولى: فَهُوَ مَا قَالَه ابْن مَالك إِن أَصله: مثل فتْنَة الدَّجَّال أَو قَرِيبا من فتْنَة الدَّجَّال، فَحذف مَا كَانَ: مثل، مُضَافا إِلَيْهِ، وَترك على هَيئته قبل الْحَذف، وَجَاز الْحَذف لدلَالَة مَا بعده. قَالَ: والمعتاد فِي صِحَة هَذَا الْحَذف أَن يكون مَعَ إضافتين، كَقَوْل الشَّاعِر: (أَمَام وَخلف الْمَرْء من لطف ربه ... كوال تروى عَنهُ مَا هُوَ يحذر) وَجَاء أَيْضا فِي إِضَافَة وَاحِدَة، كَمَا هُوَ فِي الحَدِيث: (مَه عاذلي فهائما لن أبرحا ... كَمثل أَو أحسن من شمس الضُّحَى) وَأما وَجه الرِّوَايَة الثَّانِيَة: فَهُوَ أَن يكون: مثل أَو قريب، كِلَاهُمَا مضافان إِلَى: فتْنَة الْمَسِيح، وَيكون قَوْله: (لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَت أَسمَاء) مُعْتَرضَة بَين المضافين والمضاف إِلَيْهِ، مُؤَكدَة لِمَعْنى الشَّك الْمُسْتَفَاد من كلمة: أَو، وَمثل هَذِه لَا تسمى أَجْنَبِيَّة حَتَّى يُقَال: كَيفَ يجوز الْفَصْل بَين المضافين وَبَين مَا أضيفا إِلَيْهِ؟ لِأَن الْمُؤَكّدَة للشَّيْء لَا تكون أَجْنَبِيَّة مِنْهُ، فَجَاز كَمَا فِي قَوْله: (يَا تيم تيم عدي) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل يَصح أَن يكون لشَيْء وَاحِد مضافان؟ قلت: لَيْسَ هَهُنَا مضافان، بل مُضَاف وَاحِد، وَهُوَ أَحدهمَا، لَا على التَّعْيِين، وَلَئِن سلمنَا فتقديره: مثل الْمَسِيح أَو قريب فتْنَة الْمَسِيح، فَحذف أحد اللَّفْظَيْنِ مِنْهُمَا
لدلَالَة الآخر عَلَيْهِ، نَحْو قَول الشَّاعِر. (بَين ذراعي وجبهة الْأسد) قلت: قَوْله: لَيْسَ هُنَا مضافان غير صَحِيح، بل هَهُنَا مضافان صَرِيحًا، وَقد جَاءَ ذَلِك فِي كَلَام الْعَرَب كَمَا مر فِي الْبَيْت الْمَذْكُور. وَأما وَجه الرِّوَايَة الثَّالِثَة: فَهُوَ أَن يكون: مثلا، مَنْصُوبًا على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف و: أَو قَرِيبا، عطف عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: تفتنون فِي قبوركم فتْنَة مثلا أَي مماثلاً فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال، أَو فتْنَة قَرِيبا من فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال. أما وَجه: من، فِي رِوَايَة من أثبتها قبل قَوْله: فتْنَة الْمَسِيح، على تَقْدِير إِضَافَة الْمثل أَو الْقَرِيب إِلَى فتْنَة الْمَسِيح، فعلى نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا أَن إِظْهَار حرف الْجَرّ بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ لَا يمْتَنع عِنْد قوم من النُّحَاة، وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك: أَلا أَبَا لَك وَالْآخر، مَا قيل: إنَّهُمَا ليسَا بمضافين إِلَى فتْنَة الْمَسِيح على هَذَا التَّقْدِير، بل هما مضافان إِلَى فتْنَة مقدرَة، والمذكورة بَيَان لتِلْك الْمقدرَة. فَافْهَم. قَوْله: (لَا أَدْرِي) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. قَوْله: (أَي ذَلِك) كَلَام إضافي و: أَي، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره قَوْله: (قَالَت اسماء) وَضمير الْمَفْعُول مَحْذُوف، أَي: قالته. ثمَّ قَوْله: (أَي) يجوز أَن تكون استفهامية وموصولة، فَإِن كَانَت استفهامية يكون فعل الدِّرَايَة مُعَلّقا بالاستفهام لِأَنَّهُ من أَفعَال الْقُلُوب، وَيجوز أَن تكون: أَي، مَبْنِيا على الضَّم مُبْتَدأ على تَقْدِير حذف صدر صلته، وَالتَّقْدِير: لَا أَدْرِي أَي ذَلِك هُوَ قالته أَسمَاء، وَإِن كَانَت مَوْصُولَة تكون: أَي، مَنْصُوبَة بِأَنَّهَا مفعول: لَا أَدْرِي، وَيجوز أَن يكون انتصابها: بقالت، سَوَاء كَانَت: أَي، مَوْصُولَة أَو استفهامية. وَيجوز أَن تكون من شريطة التَّفْسِير بِأَن يشْتَغل: قَالَت، بضميره الْمَحْذُوف. قَوْله: (يُقَال) بَيَان لقَوْله: (تفتنون) وَلِهَذَا ترك العاطف بَين الْكَلَامَيْنِ. قَوْله: (مَا علمك) ؟ جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فَأَما الْمُؤمن) كلمة: أما، للتفصيل تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فَلذَلِك دخلت فِي جوابها الْفَاء، وَهُوَ قَوْله: (فَيَقُول: هُوَ مُحَمَّد) . قَوْله: (أَو الموقن) شكّ من الرواي، وَهِي: فَاطِمَة. قَوْله: (لَا أَدْرِي أَيهمَا قَالَت أَسمَاء) جملَة مُعْتَرضَة، أَيْضا. قَوْله: (هُوَ مُحَمَّد) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (هُوَ رَسُول الله) . قَوْله: (جَاءَنَا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ جَاءَنَا. قَوْله: (فأجبنا) ، عطف على: جَاءَنَا. وَقَوله: (وَاتَّبَعنَا) عطف على: (اجبنا) . قَوْله: (هُوَ مُحَمَّد) مُبْتَدأ وَخبر. قَوْله: (ثَلَاثًا) نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: يَقُول الْمُؤمن: هُوَ مُحَمَّد. قَوْله: (قولا ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات، مرَّتَيْنِ بِلَفْظ مُحَمَّد، وَمرَّة بِصفتِهِ وَهُوَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. لَا يُقَال: إِذا قَالَ هَذَا الْمَذْكُور أَي مَجْمُوعه ثَلَاثًا يلْزم أَن يكون هُوَ مُحَمَّد مقولاً تسع مَرَّات، وَلَيْسَ كَذَلِك، لأَنا نقُول لفظ ثَلَاثًا ذكر للتَّأْكِيد الْمَذْكُور، فَلَا يكون الْمَقُول إلاَّ ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (فَيُقَال) عطف على قَوْله: فَيَقُول. قَوْله: (نم صَالحا) جملَة وَقعت مقول القَوْل، و: صَالحا، نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: نم، وَهُوَ أَمر من نَام ينَام. قَوْله: (إِن كنت) كلمة: إِن، هَذِه هِيَ المخففة من الثَّقِيلَة، أَي: إِن الشَّأْن كنت، وَهِي مَكْسُورَة، وَدخلت اللَّام فِي قَوْله: (لموقنا) لتفرق بَين: أَن، هَذِه وَبَين: إِن النافية، هَذَا قَول الْبَصرِيين. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِن، بِمَعْنى: مَا. و: اللَّام، بِمَعْنى: إلاَّ، مثل قَوْله تَعَالَى: {إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ} (الطارق: 4) أَي: مَا كل نفس إلاَّ عَلَيْهَا حَافظ. وَيكون التَّقْدِير هَهُنَا: مَا كنت إلاَّ موقنا. وَحكى السفاقسي فتح: إِن، على جعلهَا مَصْدَرِيَّة، أَي علمنَا كونك موقناً بِهِ. وَيرد مَا قَالَه دُخُول اللَّام. قَوْله: (وَأما الْمُنَافِق) عطف على قَوْله: (فَأَما الْمُؤمن) وَقَوله: (فَيَقُول: لَا أَدْرِي) جَوَاب: أما، ومفعوله مَحْذُوف. أَي: لَا أَدْرِي مَا أَقُول. قَوْله: (يَقُولُونَ) ، حَال من: النَّاس، و: شَيْئا، مَفْعُوله. قَوْله: (فقلته) ، عطف على: يَقُولُونَ. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (مَا شَأْن النَّاس؟) أَي: قَائِمين مضطربين فزعين. قَوْله: (فَأَشَارَتْ) أَي: عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، إِلَى السَّمَاء، تَعْنِي: انكسفت الشَّمْس فَإِذا النَّاس قيام أَي لصَلَاة الْكُسُوف، وَالْقِيَام جمع قَائِم كالصيام جمع صَائِم. قَوْله: (آيَة) : عَلامَة لعذاب النَّاس كَأَنَّهَا مُقَدّمَة لَهُ، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفاً} (الْإِسْرَاء: 59) أَو عَلامَة لقرب زمَان الْقِيَامَة وأمارة من أماراتها، أَو عَلامَة لكَون الشَّمْس مخلوقة دَاخِلَة تَحت النَّقْص، مسخرة لقدرة الله تَعَالَى لَيْسَ لَهَا سلطنة على غَيرهَا، بل لَا قدرَة لَهَا على الدّفع عَن نَفسهَا. فَإِن قلت: ماتقول فِيمَا قَالَ أهل الْهَيْئَة: إِن الْكُسُوف سَببه حيلولة الْقَمَر بَينهَا وَبَين الأَرْض؟ فَلَا يرى حينئذٍ إلاَّ لون الْقَمَر وَهُوَ كمد لَا نور لَهُ، وَذَاكَ لَا يكون إلاَّ فِي آخر الشَّهْر عِنْد كَون النيرين فِي إِحْدَى عقدتي الرَّأْس والذنب، وَله آثَار فِي الأَرْض، هَل جَازَ القَوْل بِهِ أم لَا؟ قلت: الْمُقدمَات كلهَا مَمْنُوعَة، وَلَئِن سلمنَا، فَإِن كَانَ غرضهم أَن الله تَعَالَى أجْرى سنته بذلك، كَمَا أجْرى باحتراق الْحَطب الْيَابِس عِنْد مساس النَّار لَهُ فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَ غرضهم أَنه وَاجِب عقلا، وَله تَأْثِير بِحَسب ذَاته فَهُوَ بَاطِل،
لما تقرر أَن جَمِيع الْحَوَادِث مستندة إِلَى إِرَادَة الله تَعَالَى ابْتِدَاء، وَلَا مُؤثر فِي الْوُجُود إِلَّا الله تَعَالَى. قَوْله: (وَأثْنى عَلَيْهِ) ، من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، لِأَن الثَّنَاء أَعم من الْحَمد، وَالشُّكْر والمدح أَيْضا ثَنَاء. قَوْله: (مَا من شَيْء لم أكن أريته إِلَّا رَأَيْته) قَالَ الْعلمَاء: يحْتَمل أَن يكون قد رأى رُؤْيَة عين، بِأَن كشف الله تَعَالَى لَهُ مثلا عَن الْجنَّة وَالنَّار، وأزال الْحجب بَينه وَبَينهمَا، كَمَا فرج لَهُ عَن الْمَسْجِد الْأَقْصَى حِين وَصفه بِمَكَّة للنَّاس. وَقد تقرر فِي علم الْكَلَام أَن الرُّؤْيَة أَمر يخلقه الله تَعَالَى فِي الرَّائِي، وَلَيْسَت مَشْرُوطَة بِمُقَابلَة وَلَا مُوَاجهَة وَلَا خُرُوج شُعَاع وَغَيره، بل هَذِه شُرُوط عَادِية جَازَ الانفكاك عَنْهَا عقلا وَأَن يكون رُؤْيَة علم ووحي باطلاعه وتعريفه من أمورهما تَفْصِيلًا مَا لم يعرفهُ قبل ذَلِك. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيجوز على هَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى مثل لَهُ الْجنَّة وَالنَّار وصورهما لَهُ فِي الْحَائِط، كَمَا تمثل المرئيات فِي الْمرْآة. ويعضده مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أنس فِي الْكُسُوف، فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (الْجنَّة وَالنَّار ممثلتين فِي قبْلَة هَذَا الْجِدَار) . وَفِي مُسلم: (إِنِّي صورت لي الْجنَّة وَالنَّار فرأيتهما بدور هَذَا الْحَائِط) . وَلَا يستبعد هَذَا من حَيْثُ إِن الانطباع كَمَا فِي الْمرْآة إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَجْسَام الصقيلة، لأَنا نقُول: إِن ذَلِك الشَّرْط عادي لَا عَقْلِي، وَيجوز أَن تنخرق الْعَادة خُصُوصا للنبوة، وَلَو سلم أَن تِلْكَ الْأُمُور عقلية لجَاز أَن تُوجد تِلْكَ الصُّور فِي جسم الْحَائِط، وَلَا يدْرك ذَلِك إلاَّ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ: وَالْأول أولى وأشبه بِأَلْفَاظ الْأَحَادِيث، لقَوْله فِي بعض الْأَحَادِيث: (فتناولت مِنْهَا عنقوداً) وتأخره مَخَافَة أَن يُصِيبهُ النَّار. قَوْله: (مَا علمك) ، الْخطاب فِيهِ للمقبور بِدَلِيل قَوْله: (إِنَّكُم تفتنون فِي قبوركم) ، وَلكنه عدل عَن خطاب الْجمع إِلَى خطاب الْمُفْرد، لِأَن السُّؤَال عَن الْعلم يكون لكل وَاحِد بِانْفِرَادِهِ واستقلاله. قيل: قد يتَوَهَّم أَن فِيهِ التفاتاً، لِأَنَّهُ انْتِقَال من جمع الْخطاب إِلَى مُفْرد الْخطاب، كَمَا قَالَ المرزوقي فِي شرح (الحماسة) فِي قَوْله: (أحمى أباكن يَا ليلى الأماديح) إِنَّه الْتِفَات، وكما فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء} (الطَّلَاق: 1) قلت: الْجُمْهُور من أهل الْمعَانِي على خلاف ذَلِك، وَلَا يُسمى هَذَا التفاتاً إلاَّ على قَول من يَقُول: إِن الِالْتِفَات هُوَ انْتِقَال من صِيغَة إِلَى صِيغَة أُخْرَى، سَوَاء كَانَ من الضمائر بَعْضهَا إِلَى بعض، أَو من غَيرهَا، وَالتَّفْسِير الْمَشْهُور أَن الِالْتِفَات هُوَ التَّعْبِير عَن معنى بطرِيق من الطّرق الثَّلَاثَة بعد التَّعْبِير عَنهُ بطرِيق آخر من الطّرق الثَّلَاثَة، وَهِي التَّكَلُّم وَالْخطاب والغيبة. أما الشّعْر فَإِن فِيهِ تَخْصِيص الْخطاب بعد التَّعْمِيم لكَون الْمَقْصُود الْأَعْظَم هُوَ خطاب ليلى، وَأما الْآيَة فقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: خص النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالنداء، وَعم بِالْخِطَابِ لِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِمَام أمته وقدوتهم، كَمَا يُقَال لرئيس الْقَوْم وَكَبِيرهمْ: يَا فلَان افعلوا كَيْت وَكَيْت، إِظْهَارًا لتقدمه واعتباراً لترؤسه، وَأَنه مَدَرَة قومه ولسانهم، وَالَّذِي يصدر عَنْهُم رَأْيه وَلَا يستبدون بِأَمْر دونه، فَكَانَ هُوَ وَحده فِي حكم كلهم وساداً مسد جَمِيعهم. قَوْله: (بِهَذَا الرجل) أَي: بِمُحَمد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَإِنَّمَا لم يقل: بِي، لِأَنَّهُ حِكَايَة عَن قَول الْمَلَائِكَة للمقبور. وَالْقَائِل هما الْملكَانِ السائلان المسميان بمنكر وَنَكِير. فَإِن قلت: لِمَ لَا يَقُولَانِ رَسُول الله؟ قلت: لِئَلَّا يَتَلَقَّن المقبور مِنْهُمَا إكرام الرَّسُول وَرفع مرتبته فيعظمه تقليداً لَهما لَا اعتقاداً. قَوْله: (أَو الموقن) أَي: الْمُصدق بنبوة مُحَمَّد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَو الموقن بنبوته. قَوْله: (جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أَي: بالمعجزات الدَّالَّة على نبوته، و: الْهدى، أَي: الدّلَالَة الموصلة إِلَى البغية أَو الْإِرْشَاد إِلَى الطَّرِيق الْحق الْوَاضِح. قَوْله: (فأجبنا) أَي: قبلنَا نبوته معتقدين حقيتها معترفين بهَا، واتبعناه فِيمَا جَاءَ بِهِ إِلَيْنَا. وَيُقَال: الْإِجَابَة تتَعَلَّق بِالْعلمِ والاتباع بِالْعَمَلِ. قَوْله: (صَالحا) أَي: مُنْتَفعا بأعمالك وأحوالك، إِذْ الصّلاح كَون الشَّيْء فِي حد الِانْتِفَاع. وَيُقَال: لَا روع عَلَيْك مِمَّا يروع بِهِ الْكفَّار من عرضهمْ على النَّار أَو غَيره من عَذَاب الْقَبْر، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ صَالحا لِأَن تكرم بنعيم الْجنَّة. قَوْله: (إِن كنت لموقنا) قَالَ الدَّرَاورْدِي: مَعْنَاهُ أَنَّك مُؤمن، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كُنْتُم خير أمة} (آل عمرَان: 110) أَي: أَنْتُم. قَالَ القَاضِي: وَالْأَظْهَر أَنه على بَابهَا، وَالْمعْنَى: أَنَّك كنت مُؤمنا. يكون مَعْنَاهُ: إِن كنت مُؤمنا فِي علم الله تَعَالَى، وَكَذَلِكَ قيل فِي قَوْله: {كُنْتُم خير أمه} (آل عمرَان: 110) أَي: فِي علم الله. قَوْله: (وَأما الْمُنَافِق) أَي: غير الْمُصدق بِقَلْبِه لنبوته، وَهُوَ فِي مُقَابلَة الْمُؤمن. قَوْله: (والمرتاب) أَي: الشاك، وَهُوَ فِي مُقَابلَة الموقن. وَهَذَا اللَّفْظ يشْتَرك فِيهِ الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَالْفرق بِالْقَرِينَةِ، وَأَصله: مرتيب، بِفَتْح الْيَاء فِي الْمَفْعُول، وَكسرهَا فِي الْفَاعِل من الريب، وَهُوَ الشَّك. قَوْله: (فقلته) أَي: قلت مَا كَانَ النَّاس يَقُولُونَهُ، وَفِي بعض النّسخ بعده: وَذكر الحَدِيث إِلَى آخِره، وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات الْأُخَر أَنه يُقَال: (لَا دَريت وَلَا تليت، وَيضْرب بمطارق من حَدِيد ضَرْبَة فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ غير الثقلَيْن) . نسْأَل الله الْعَافِيَة.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ كَون الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتين الْيَوْم، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة، وَيدل عَلَيْهِ الْآيَات وَالْأَخْبَار المتواترة، مثل قَوْله تَعَالَى: {وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة} (الْأَعْرَاف: 22، طه: 121) وَقَوله: {عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى} (النَّجْم: 15) : {وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض} (آل عمرَان: 133) إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات، وتواتر الْأَخْبَار فِي قصَّة آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن الْجنَّة ودخوله إِيَّاهَا وَخُرُوجه مِنْهَا، ووعده الرَّد إِلَيْهَا، كل ذَلِك ثَابت بِالْقطعِ. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: أنكر طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة خلقهما قبل يَوْم الْحساب وَالْعِقَاب، وَقَالُوا: لَا فَائِدَة فِي خلقهما قبل ذَلِك، وحملوا قصَّة آدم على بُسْتَان من بساتين الدُّنْيَا. قَالَ: وَهَذَا بَاطِل وتلاعب بِالدّينِ وانسلال عَن إِجْمَاع الْمُسلمين. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: الْجنَّة مخلوقة مهيأة بِمَا فِيهَا، سقفها عرش الرَّحْمَن وَهِي خَارِجَة من أقطار السَّمَوَات وَالْأَرْض، وكل مَخْلُوق يفنى ويجدد أَو لَا يجدد إلاَّ الْجنَّة وَالنَّار، وَلَيْسَ للجنة سَمَاء إلاَّ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح. يَعْنِي قَوْله: (وسقفها عرش الرَّحْمَن) ، وَلها ثَمَانِيَة أَبْوَاب. وَرُوِيَ: أَنَّهَا كلهَا مغلقة إلاَّ بَاب التَّوْبَة مَفْتُوح حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا. وَأما من قَالَ بِأَن قَوْله: {وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض} (آل عمرَان: 133) يدل على أَنَّهَا مخلوقة فَغير مُسْتَقِيم لما تقدم من أَنَّهَا فِي عَالم آخر، وَالْمعْنَى: عرضهَا كعرض السَّمَوَات وَالْأَرْض، كَمَا جَاءَ فِي مَوضِع آخر فَحذف هَهُنَا. وَسَأَلت الْيَهُود عمر، رَضِي الله عَنهُ، عَن هَذِه الْآيَة، وَقَالُوا: أَيْن تكون النَّار؟ فَقَالَ لَهُم عمر، رَضِي الله عَنهُ: أَرَأَيْتُم إِذا جَاءَ اللَّيْل، فَأَيْنَ يكون النَّهَار؟ وَإِذا جَاءَ النَّهَار فَأَيْنَ يكون اللَّيْل؟ فَقَالُوا لَهُ: لقد نزعت مِمَّا فِي التَّوْرَاة. وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنهُ: تقرن السَّمَوَات السَّبع والأرضون السَّبع كَمَا تقرن الثِّيَاب بَعْضهَا بِبَعْض، فَذَلِك عرض الْجنَّة، وَلَا يصف أحد طولهَا لاتساعه. وَقيل: عرضهَا سعتها، وَلم يرد الْعرض الَّذِي هُوَ ضد الطول، وَالْعرب تَقول: ضربت فِي أَرض عريضة، أَي: وَاسِعَة. الثَّانِي: فِيهِ إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر مَعَ غَيره من الْأَدِلَّة، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وإحياء الْمَيِّت. قَالَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي: تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بذلك، وباستعاذة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَذَاب الْقَبْر. الثَّالِث: فِيهِ سُؤال مُنكر وَنَكِير، وهما ملكان يرسلهما الله تَعَالَى يسألان الْمَيِّت عَن الله تَعَالَى وَعَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. الرَّابِع: فِيهِ خُرُوج الدَّجَّال. الْخَامِس: فِيهِ أَن الرُّؤْيَة لَيست مَشْرُوطَة بِشَيْء عقلا من المواجهة وَنَحْوهَا، وَوُقُوع رُؤْيَة الله تَعَالَى لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن من ارتاب فِي صدق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصِحَّة رسَالَته فَهُوَ كَافِر. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز التَّخْصِيص بالمخصصات الْعَقْلِيَّة والعرفية. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز وُقُوع الْفِعْل مُسْتَثْنى صُورَة. الثَّامِن: فِيهِ تعدد المضافين لفظا إِلَى مُضَاف وَاحِد. التَّاسِع: فِيهِ جَوَاز إِظْهَار حرف الْجَرّ بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ. الْعَاشِر: فِيهِ سنية صَلَاة الْكُسُوف وَتَطْوِيل الْقيام فِيهَا. الْحَادِي عشر: فِيهِ مَشْرُوعِيَّة هَذِه الصَّلَاة للنِّسَاء أَيْضا. الثَّانِي عشر: فِيهِ جَوَاز حضورهن وَرَاء الرِّجَال فِي الْجَمَاعَات. الثَّالِث عشر: فِيهِ جَوَاز السُّؤَال من الْمُصَلِّي. الرَّابِع عشر: فِيهِ امْتنَاع الْكَلَام فِي الصَّلَاة. الْخَامِس عشر: فِيهِ جَوَاز الْإِشَارَة، وَلَا كَرَاهَة فِيهَا إِذا كَانَ لحَاجَة. السَّادِس عشر: فِيهِ جَوَاز الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة، وَإنَّهُ لَا يُبْطِلهَا. السَّابِع عشر: فِيهِ جَوَاز التَّسْبِيح للنِّسَاء فِي الصَّلَاة. فَإِن قلت: لَهُنَّ التصفيح لَا التَّسْبِيح إِذا نابهن شَيْء. قلت: الْمَقْصُود من تَخْصِيص التصفيح بِهن أَن لَا يسمع الرِّجَال صوتهن، وَفِيمَا نَحن فِيهِ الْقِصَّة جرت بَين الْأُخْتَيْنِ، أَو التصفيح هُوَ الأولى لَا الْوَاجِب. الثَّامِن عشر: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْخطْبَة بعد صَلَاة الْكُسُوف. التَّاسِع عشر: فِيهِ أَن الْخطْبَة يكون أَولهَا التَّحْمِيد وَالثنَاء على الله، عز وَجل. الْعشْرُونَ: قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ أَن الغشي لَا ينْقض الْوضُوء مَا دَامَ الْعقل بَاقِيا. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا ماقيل: إِن لَفْظَة الشَّيْء فِي قَوْله: (مَا من شَيْء) أَعم الْعَام، وَقد وَقع نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي أَيْضا، وَلَكِن بعض الْأَشْيَاء مِمَّا لَا يَصح رُؤْيَته. أُجِيب: بِأَن الْأُصُولِيِّينَ قَالُوا: مَا من عَام إلاَّ وَقد خص، إلاَّ: {وَالله بِكُل شَيْء عليم} (الْبَقَرَة: 231 و 282، النِّسَاء: 176، الْمَائِدَة: 97، الْأَنْفَال: 75، التَّوْبَة: 115، النُّور: 35 و 64، الحجرات: 16، المجادلة: 7، التغابن: 11) والمخصص قد يكون عقلياً أَو عرفياً، فخصصه الْعقل بِمَا صَحَّ رُؤْيَته، وَالْعرْف بِمَا يَلِيق أَيْضا بِأَنَّهُ مِمَّا يتَعَلَّق بِأَمْر الدّين وَالْجَزَاء وَنَحْوهمَا. وَمِنْهَا مَا قيل: هَل فِيهِ دلَالَة على أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رأى فِي هَذَا الْمقَام ذَات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ أُجِيب: نعم، إِذْ: الشَّيْء يتَنَاوَلهُ وَالْعقل لَا يمنعهُ وَالْعرْف لَا يَقْتَضِي إِخْرَاجه. وَمِنْهَا مَا قيل: من أَيْن علم الغشي وصب المَاء كَانَا فِي الصَّلَاة. أُجِيب: بِأَنَّهُ من حَيْثُ جعل ذَلِك مقدما على الْخطْبَة، وَالْخطْبَة متعقبة للصَّلَاة لَا وَاسِطَة بَينهمَا بِدَلِيل الْفَاء فِي: فَحَمدَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا مَا قيل: هَذَانِ فعلان يفسدان الصَّلَاة. أُجِيب: بِأَنَّهُ مَحْمُول على أَنه لم تكن أفعالها مُتَوَالِيَة، وإلاَّ بطلت الصَّلَاة.
- (باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم)
25 - (بَاب تحْرِيضِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أنْ يَحْفَظُوا الإِيمانَ والعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تحريض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. والتحريض، بالضاد الْمُعْجَمَة، على الشَّيْء: الْحَث عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: والتحريص، بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَاهُ أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: من قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ فقد صحف. قلت: إِذا كَانَ كِلَاهُمَا يسْتَعْمل فِي معنى وَاحِد لَا يكون تصحيفاً، فَإِن أنكر هَذَا الْقَائِل اسْتِعْمَال الْمُهْملَة بِمَعْنى الْمُعْجَمَة فَعَلَيهِ الْبَيَان. والوفد: هم الَّذين يقدمُونَ أَمَام النَّاس، جمع: وَافد، وَعبد الْقَيْس قَبيلَة. وَقد مر تَفْسِير أَكثر مَا فِي هَذَا الْبَاب فِي: بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ السُّؤَال وَالْجَوَاب، وهما غَالِبا لَا يخلوان عَن التحريض لِأَنَّهُمَا تَعْلِيم وَتعلم، وَمن شَأْنهمَا التحريض. وَقَالَ مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لنا النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ارْجِعُوا إِلَى أهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ) . الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث مَشْهُور أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالْأَدب وَخبر الْوَاحِد كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. الثَّانِي: أَن مَالك بن الْحُوَيْرِث، مصغر الْحَارِث، بِالْمُثَلثَةِ: ابْن حشيش، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة المكررة، وَقيل: بِضَم الْحَاء، وَقيل: بِالْجِيم: ابْن عَوْف بن جندع اللَّيْثِيّ، يكنى أَبَا سُلَيْمَان، قدم على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتَّة من قومه فَأسلم وَأقَام عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ أذن لَهُ فِي الرُّجُوع إِلَى أَهله، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسَة عشر حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث. وَهَذَا أحد الْحَدِيثين الْمُتَّفق عَلَيْهِ، وَالْآخر فِي: الرّفْع وَالتَّكْبِير. نزل الْبَصْرَة وَتُوفِّي بهَا سنة أَربع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: قَوْله: (إِلَى أهليكم) جمع الْأَهْل، وَهُوَ يجمع مكسراً نَحْو: الأهال والأهالي، ومصححا بِالْوَاو وَالنُّون. نَحْو: الأهلون، وبالألف وَالتَّاء نَحْو: الأهلات. الرَّابِع: فعلموهم، وَفِي بعض النّسخ: فعظوهم. 87 - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بشَّارٍ قَالَ: حدّثنا عُنْدَرٌ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أتَرْجِمُ بَيْنَ ابنِ عَبَّاسٍ وبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتُوا النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (مَنِ الوَفْدُ؟ أوْ: مَنِ القَوْمُ قالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: (مَرْحَباً بالْقوْمِ) أوْ: بِالوَفْدِ (غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى) . قالُوا: إِنَّا نَأتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ وبَيْننَا وَبيْنَك هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ وَلَا نَسْتَطِيعُ أنْ نَأْتِيَكَ إلاَّ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنا بأمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنا نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فأمَرَهُمْ بأرْبَعٍ ونَهاهُمْ عَنْ أرْبَعٍ، أمَرَهُمْ باْلإِيمان بِاللَّه عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ. قَالَ: (هَلْ تَدرُونَ مَا الإِيمانُ بِاللَّه وحْدَهُ؟) قالُوا: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: (شَهادَةُ أنْ لَا إِلاهَ إِلاَّ الله وأنّ مُحمَّداً رسولُ الله، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ، وَصَوْمُ رَمَضانَ، وتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المغْنَم) ونَهَاهُمْ عنِ الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والمُزَفَّتِ قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّما قَالَ: النَّقِيرِ، وَرُبَّما قالَ: المُقَيَّرِ. قَالَ: (احْفَظُوهُ وأخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا جَمِيعًا، وغندر اسْمه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم اسْمه نصر بن عمرَان، وَهَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي تِسْعَة مَوَاضِع قد ذَكرنَاهَا فِي بَاب: أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة، وَهَذَا ثَانِي الْمَوَاضِع عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة، فلنتكلم هَهُنَا على الْأَلْفَاظ الَّتِي لَيست هُنَاكَ. فَقَوله: (كنت أترجم) أَي: اعبر للنَّاس مَا أسمع من ابْن عَبَّاس، وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (قَالُوا: ربيعَة) إِنَّمَا قَالُوا: نَحن ربيعَة، لِأَن عبد الْقَيْس من أَوْلَاده، وَمَا قَالَ التَّيْمِيّ من قَوْله، لِأَن ربيعَة بطن من عبد الْقَيْس، فَهُوَ سَهْو مِنْهُ. قَوْله: (من شقة بعيدَة) ، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ السّفر الْبعيد، وَرُبمَا قَالُوهُ بِكَسْرِهَا. وَفِي (الْعباب) : الشق، بِالضَّمِّ: الْبعد. قَالَ تَعَالَى: {بَعدت عَلَيْهِم الشقة} (التَّوْبَة: 42) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي النَّاحِيَة الَّتِي تَدْنُو إِلَيْهَا. قَالَ الْفراء: وَجَمعهَا شقق، وَحكي عَن بعض قيس: شقق. وَقَالَ البرندي: إِن فلَانا
- (باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله)
لبعيد الشقة، أَي: بعيد السّفر، قَوْله: (ندخل بِهِ الْجنَّة) ، وَقع هُنَا بِغَيْر الْوَاو، وَهُنَاكَ بِالْوَاو، وَيجوز فِيهِ الرّفْع والجزم، أما الرّفْع فعلى أَنه حَال أَو اسْتِئْنَاف أَو بدل أَو صفة بعد صفة. وَأما الْجَزْم فعلى أَنه جَوَاب الْأَمر. فَإِن قلت: الدُّخُول لَيْسَ هَيْئَة لَهُم فَكيف يكون حَالا؟ قلت: حَال مقدرَة: وَالتَّقْدِير: نخبر مقدرين دُخُول الْجنَّة، وَفِي بعض النّسخ: نخبر، بِالْجَزْمِ أَيْضا، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة: تدخل، بدل مِنْهُ، أَو هُوَ جَوَاب لِلْأَمْرِ بعد جَوَاب. قَوْله: (وتعطوا) كَذَا وَقع بِدُونِ النُّون، لِأَنَّهُ مَنْصُوب بِتَقْدِير: أَن، لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ اسْم، وروى أَحْمد عَن غنْدر، فَقَالَ: (وَأَن تعطوا) ، فَكَأَن الْحَذف من شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة) وَرُبمَا قَالَ: أَي أَبُو جَمْرَة النقير، بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف: وَهُوَ الْجذع المنقور. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ. المقير) أَي: وَرُبمَا قَالَ أَبُو جَمْرَة. المقير. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَإِذا قَالَ المقير يلْزم التّكْرَار، لِأَنَّهُ هُوَ المزفت. قلت: حَيْثُ قَالُوا: المزفت هُوَ المقير تجوزوا، إِذْ الزفت هُوَ شَيْء يشبه القار. انْتهى. قلت: تَحْرِير هَذَا الْموضع أَنه لَيْسَ المُرَاد أَنه كَانَ يتَرَدَّد فِي هَاتين اللفظتين ليثبت إِحْدَاهمَا دون الْأُخْرَى لِأَنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير يلْزم التّكْرَار الْمَذْكُور، بل المُرَاد أَنه كَانَ جَازِمًا بِذكر الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة الأول، شاكاً فِي الرَّابِع، وَهُوَ: النقير، فَكَانَ تَارَة يذكرهُ وَتارَة لَا يذكرهُ، وَكَانَ أَيْضا شاكاً فِي التَّلَفُّظ بالثالث: أَعنِي: المزفت، فَكَانَ تَارَة يَقُول: المزفت، وَتارَة يَقُول: المقير، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه جزم بالنقير فِي الْبَاب السَّابِق، وَلم يتَرَدَّد إلاَّ فِي المزفت والمقير فَقَط. قَوْله: (واخبروا) بِفَتْح الْهمزَة بِدُونِ الضَّمِير فِي آخِره فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَعند غَيره: (وَأَخْبرُوهُ) بالضمير. وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه أَن من علم علما أَنه يلْزمه تبليغه لمن لَا يُعلمهُ، وَهُوَ الْيَوْم من فروض الْكِفَايَة لظُهُور الْإِسْلَام وانتشاره، وَأما فِي أول الْإِسْلَام فَإِنَّهُ كَانَ فرضا معينا أَن يبلغهُ حَتَّى يكمل الْإِسْلَام ويبلغ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا، وَفِيه أَنه يلْزم تَعْلِيم أهل الْفَرَائِض لعُمُوم لفظ: (من وراءكم) ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم. 26 - (بَاب الرِّحْلةِ فِي المَسْألَةِ النَّازِلِةِ وتَعْلِيمِ أهْلِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرحلة، وَهُوَ بِكَسْر الرَّاء: الارتحال، من: رَحل يرحل إِذا مضى فِي سفر، ورحلت الْبَعِير أرحله رحلاً: إِذا شددت عَلَيْهِ الرحل، وَهُوَ للبعير أَصْغَر من القتب، وَهُوَ من مراكب الرِّجَال دون النِّسَاء. وَقَالَ بَعضهم: الرحلة، بِالْكَسْرِ، من الارتحال. قلت: الْمصدر لَا يشتق من الْمصدر وَقَالَ ابْن قرقول: الرحلة، بِكَسْر الرَّاء، ضبطناه عَن شُيُوخنَا، وَمَعْنَاهُ: الارتحال. وَحكى أَبُو عُبَيْدَة ضمهَا قلت: الرحلة بِالضَّمِّ، الْوَجْه الَّذِي تريده. قَالَ: أَبُو عَمْرو: يُقَال أَنْتُم رحلتي أَي: الَّذِي ارتحل إِلَيْهِم. وَقَالَ الْأمَوِي: الرحلة، بِالضَّمِّ: جودة الشَّيْء. وَفِي (الْعباب) : بعير مرحل، بِكَسْر الْمِيم، و: ذُو رحْلَة إِذا كَانَ قَوِيا على السّير، قَالَه الْفراء. قَوْله: (وَتَعْلِيم أَهله) ، بِالْجَرِّ عطف على الرحلة، وَهَذَا اللَّفْظ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيرهَا، وَالصَّوَاب حذفه لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي بَاب آخر. فَإِن قلت: قد تقدم: بَاب الْخُرُوج فِي طلب الْعلم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا بِهَذَا الْمَعْنى، فَيكون تَكْرَارا. قلت: لَيْسَ بتكرار بل بَينهمَا فرق، لِأَن هَذَا لطلب الْعلم فِي مَسْأَلَة خَاصَّة وَقعت للشَّخْص وَنزلت بِهِ، وَذَاكَ لَيْسَ كَذَلِك. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول التحريض على الْعلم، والمحرض من شدَّة تحرضه قد يرحل إِلَى الْمَوَاضِع لطلب الْعلم، وَلَا سِيمَا لنازلة تنزل بِهِ. 88 - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ قَالَ: أخْبرنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أخْبرنا عُمَرُ بنُ سَعِيدِ بن أبي حُسَيْنٍ قَالَ: حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إِهابِ بنِ عَزِيزِ، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ، فقالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمَدِينَة فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَيْفَ وقَدْ قِيلَ) . فَفارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجاً غَيَرَهُ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (فَركب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق قَوْله: (وَتَعْلِيم أَهله)
فَلهَذَا قُلْنَا: وَالصَّوَاب حذفه، لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي بَاب آخر. بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَقد تقدم. الثَّانِي: عبد اللَّه بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَقد تقدم: الثَّالِث: عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، روى عَن طَاوس وَعَطَاء وعدة، وَعنهُ يحيى الْقطَّان وروح وَخلق، وَهُوَ ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل، وَهُوَ ابْن عَم عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن. الرَّابِع: عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: زُهَيْر بن عبد اللَّه التَّيْمِيّ الْقرشِي الْأَحول الْمَكِّيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْحَارِث بن عَامر بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف الْقرشِي الْمَكِّيّ، أَبُو سروعة بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَحكى فتحهَا، أسلم يَوْم الْفَتْح وَسكن مَكَّة، هَذَا قَول أهل الحَدِيث. وَأما جُمْهُور أهل النّسَب فَيَقُولُونَ: عقبَة هَذَا هُوَ أَخُو أبي سروعة، وأنهما أسلما جَمِيعًا يَوْم الْفَتْح. وَقَالَ الزبير بن بكار: وَأَبُو سروعة هُوَ قَاتل حبيب بن عدي، أخرج لعقبة البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا، روى لَهُ البُخَارِيّ ثَلَاثَة أَحَادِيث فِي الْعلم وَالْحُدُود وَالزَّكَاة عَن ابْن أبي مليكَة عَنهُ أَحدهَا هَذَا، وَأخرجه مَعَه هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي رُوَاته مروزيان وَثَلَاثَة مكيون. وَمِنْهَا: أَن هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَانْفَرَدَ عَنهُ أَيْضا بعقبة بن الْحَارِث. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو عمر: ابْن أبي ملكية لم يسمع من عقبَة، بَينهمَا عبيد بن أبي مَرْيَم، فعلى هَذَا يكون الْإِسْنَاد مُنْقَطِعًا. قلت: هَذَا سَهْو مِنْهُ، وَسَيَجِيءُ فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب شَهَادَة الْمُرضعَة، أَن ابْن أبي ملكية قَالَ: حَدثنَا عبيد بن أبي مَرْيَم عَن عقبَة بن الْحَارِث. قَالَ: وسمعته من عقبَة، لكني لحَدِيث عبيد أحفظ، فَهَذَا صَرِيح فِي سَمَاعه من عقبَة. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك، وَعَن أبي عَاصِم كِلَاهُمَا عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن، وَفِي الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير الشَّهَادَات، عَن مُحَمَّد بن كثير عَن الثَّوْريّ عَن عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن، وَفِي الشَّهَادَات عَن عَليّ عَن يحيى بن أبي سعي عَن ابْن جريج، ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة بِهِ، وَفِي النِّكَاح عَن عَليّ عَن إِسْمَاعِيل بن عَليّ عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عبيد بن أبي مَرْيَم عَن عقبَة، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي القضايا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَعَن أَحْمد بن شُعَيْب الْحَرَّانِي عَن الْحَارِث بن عُمَيْر الْبَصْرِيّ عَن أَيُّوب بِهِ، وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة بن الْحَارِث بِهِ. قَالَ ابْن أبي مليكَة: وحدثنيه صَاحب لي عَنهُ، وَأَنا لحَدِيث صَاحِبي أحفظ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الرَّضَاع عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح، عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَفِي الْقَضَاء عَن مُحَمَّد بن أبان وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد ابْن الْحَارِث عَن ابْن جريج بِهِ، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس عَن عمر بن سعيد بِهِ. بَيَان مَا فِيهِ من اللُّغَة وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (ارضعت) مزِيد: رضع الصَّبِي أمه يرضعها رضَاعًا، مثل: سمع يسمع سَمَاعا، وَأهل نجد يَقُولُونَ: رضع يرضع رضعاً، مِثَال: ضرب يضْرب ضربا، وَكَذَلِكَ الرَّضَاع وَالرضَاعَة. قَالَ الله تَعَالَى: {أَن يتم الرضَاعَة} (الْبَقَرَة: 233) وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة وَأَبُو رَجَاء والجارود وَابْن أبي عبلة: (أَن يتم الرضَاعَة) ، بِكَسْر الرَّاء. قَالَ فِي (الْعباب) : قَالُوا: رضع الرجل، بِالضَّمِّ: رضاعة كَأَنَّهُ كالشيء يطبع عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن عباد: رضع الرجل من الرضَاعَة، بِالْفَتْح أَيْضا، مثله رضع فَهُوَ راضع ورضيع ورضاع، وَجمع الراضع: رضع، كراكع وَركع، ورضاع أَيْضا: ككافر وكفار. ثمَّ قَالَ: والتركيب يدل على شرب اللَّبن من الضَّرع أَو الثدي. قَوْله: (تزوج ابْنة) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (لأبي إهَاب) صفة ابْنة. قَوْله: (فَاتَتْهُ أمْرَأَة) عطف على تزوج. قَوْله: (عقبَة) بِالنّصب مفعول: أرضعت. قَوْله: (وَالَّتِي تزوج بهَا) عطف على: عقبَة. قَوْله: (مَا أعلم) جملَة منفية من الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَقَوله: (إِنَّك أرضعتني) إِن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مفعولي: أعلم. وَفِي بعض النّسخ: (ارضعتيني واخبرتيني) بِالْيَاءِ فيهمَا، الْحَاصِلَة من إشباع الكسرة. قَوْله: (وَلَا أَخْبَرتنِي) عطف على قَوْله: لَا أعلم. فَافْهَم. وَإِنَّمَا قَالَ: أعلم بِصِيغَة الْمُضَارع، و: أخْبرت، بِصِيغَة الْمَاضِي لِأَن نفي الْعلم حَاصِل فِي الْحَال بِخِلَاف نفي الْإِخْبَار فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمَاضِي فَقَط. قَوْله: (بِالْمَدِينَةِ) ، يتَعَلَّق بِمَحْذُوف، لَا بقوله: فَركب، ومحلها
النصب على الْحَال، وَالتَّقْدِير: فَركب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَال كَونه بِالْمَدِينَةِ، أَي فِيهَا. وَكَانَ ركُوبه من مَكَّة لِأَنَّهَا دَار إِقَامَته. قَوْله: (فَسَأَلَهُ) أَي: فَسَأَلَ عقبَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الحكم فِي الْمَسْأَلَة النَّازِلَة لذاته. قَوْله: (كَيفَ؟) هُوَ ظرف يسْأَل بِهِ عَن الْحَال. قَوْله: (وَقد قيل؟) أَيْضا حَال، وهما يستدعيان عَاملا يعْمل فيهمَا، وَالتَّقْدِير: كَيفَ تباشرها وتفضي إِلَيْهَا وَقد قيل إِنَّك أَخُوهَا؟ أَي إِن ذَلِك بعيد من ذِي الْمُرُوءَة والورع. قَوْله: (عقبَة) فَاعل: فَارقهَا، قَوْله: (ونكحت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. و: زوجا، مَفْعُوله، و: غَيره، بِالنّصب: صفته. فِيهِ من المبهمات أَرْبَعَة: الأول: قَوْله: (ابْنة) ، قَالَ الْكرْمَانِي كنيتها أم يحيى، وَلم يعلم اسْمهَا. قلت: يعلم، وَاسْمهَا: غنية، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الثَّانِي: قَوْله: أَبُو إهَاب، بِكَسْر الْهمزَة. وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن عَزِيز، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره زَاي أَيْضا، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ: عَزِيز بِضَم الْعين. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: عَزِيز، بِضَم الْمُهْملَة وبالزاي الْمَفْتُوحَة الرَّاء، وَقَالَ بَعضهم: وَمن قَالَ بِضَم أَوله فقد حرف. قلت: إِن كَانَ مُرَاده بِضَم الأول وَفِي آخِره زَاي مُعْجمَة فَيمكن ذَلِك، وَإِن كَانَ مُرَاده الغمز على الْكرْمَانِي فِي قَوْله: وَفِي بعض الرِّوَايَات، فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى بَيَان وَلَيْسَ نَقله أرجح من نَقله، وَأَبُو إهَاب هَذَا لَا يعرف اسْمه، وَهُوَ ابْن عَزِيز بن قيس بن سُوَيْد بن ربيعَة بن زيد بن عبد اللَّه بن دارم التَّمِيمِي الدَّارمِيّ، قَالَه خَليفَة، وَأمه فَاخِتَة بنت عَامر بن نَوْفَل بن عبد منَاف ابْن قصي، وَهُوَ حَلِيف لبني نَوْفَل روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى أَن يَأْكُل أَحَدنَا وَهُوَ متكىء، أخرجه أَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة، وَلم يذكرهُ أَبُو عمر، وَلَا ابْن مَنْدَه. الثَّالِث: قَوْله: (فَأَتَتْهُ امْرَأَة) مَا سَمَّاهَا أحد. الرَّابِع: قَوْله: (زوجا غَيره) ، اسْمه: ظريب، بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن الْحَارِث. قَالَ بعض الشَّارِحين: ضريب بن الْحَارِث تزَوجهَا بعد عقبَة فَولدت لَهُ أم قبال، زَوْجَة جُبَير بن مطعم ومحمداً ونافعاً، وَرَأَيْت فِي مَوضِع نقل عَن خطّ الْحَافِظ الدمياطي: نَافِع بن ضريب بن عَمْرو بن نَوْفَل، وَالله أعلم. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ أَن الْوَاجِب على الْمَرْء أَن يجْتَنب مَوَاقِف التهم وَإِن كَانَ نقي الذيل بَرِيء الساحة. الثَّانِي: فِيهِ الْحِرْص على الْعلم وإيثار مَا يقربهُمْ إِلَى الله تَعَالَى. قَالَ الشّعبِيّ: لَو أَن رجلا سَافر من أقْصَى الشَّام إِلَى أقْصَى الْيمن لحفظ كلمة تَنْفَعهُ فِيمَا بَقِي من عمره لم أر سَفَره يضيع. الثَّالِث: احْتج بِظَاهِرِهِ من أجَاز شَهَادَة الْمُرضعَة وَحدهَا، وَمن منع حمله على الْوَرع دون التَّحْرِيم، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفتاه بالتحرز عَن الشُّبْهَة، وَأمره بمجانبة الرِّيبَة خوفًا من الْإِقْدَام على فرج قَامَ فِيهِ دَلِيل على أَن الْمَرْأَة ارضعتهما، لكنه لم يكن قَاطعا وَلَا قَوِيا، لاجماع الْعلمَاء على أَن شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة لَا تجوز فِي مثل ذَلِك، لَكِن أَشَارَ عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالأحوط. وَقَالَ غَيره: لم يَأْمُرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى وَجه الْقَضَاء، وَإِنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا لما بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع بَاب: تَفْسِير الشُّبُهَات، وَمِنْهُم من حمل حَدِيث عقبَة على الْإِيجَاب، وَقَالَ: تقبل شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة على الرَّضَاع، وَهُوَ قَول أَحْمد. ويروى عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن شهادتها تقبل إِذا كَانَت مُرْضِعَة، وتستحلف مَعَ شهادتها. وَقَالَ مَالك: يقبل قَوْلهَا بِشَرْط أَن يفشو ذَلِك فِي الْأَهْل وَالْجِيرَان، فَإِن شهِدت امْرَأَتَانِ شَهَادَة فَاشِية فَلَا خلاف فِي الحكم بهَا عِنْده، وَإِن شهدتا من غير فشو، أَو شهِدت وَاحِدَة مَعَ الفشو، فَفِيهِ قَولَانِ. وَمن قَالَ بِالْوُجُوب قَالَ: لَو كَانَ أمره لعقبة على الْوَرع أَو التَّنَزُّه لأَمره بِطَلَاقِهَا لتحل لغيره، وَيكون قَوْله: (كَيفَ وَقد قيل؟) على هَذَا ليهون عَلَيْهِ الْأَمر، وَيُؤَيِّدهُ تبسمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمنع أَبُو حنيفَة عَن شَهَادَة النِّسَاء متمحضات فِي الرَّضَاع. وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي ففصل أَصْحَابه، وَقَالُوا: إِذا شهِدت الْمُرضعَة وَادعت مَعَ شهادتها أُجْرَة الرَّضَاع فَلَا تسمع شهادتها، لِأَنَّهَا تشهد لنَفسهَا فتتهم، وَإِن أطلقت الشَّهَادَة وَلم تدع أُجْرَة بِأَن قَالَت: أشهد أَنِّي ارضعته، فَفِيهِ خلاف عِنْدهم. مِنْهُم من قَالَ: لَا تقبل لِأَنَّهَا تشهد على فعل نَفسهَا، فَأَشْبَهت الْحَاكِم إِذا شهد على حكمه بعد الْعَزْل. وَمِنْهُم من قبلهَا، وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم، لِأَنَّهَا لَا تجر بهَا نفعا وتدفع بهَا ضِرَارًا. قلت: وَقد ظهر لَك الْخلَل فِي نقل ابْن بطال الاجماع على أَن شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة لَا تجوز فِي الرَّضَاع وَشبهه من الَّذِي ذكرنَا، لِأَن مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أَن شَهَادَة الْوَاحِدَة فِي كل مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال من الرَّضَاع وَغَيره تقبل، وَمِمَّا نقل عَن مَالك من شَهَادَة الْوَاحِدَة على الشياع. قلت: رُوِيَ عَن الْحسن وَإِسْحَاق أَيْضا نَحْو مَذْهَب أَحْمد، وَكَذَا قَالَ الاصطخري:
- (باب التناوب في العلم)
وَإِنَّمَا يثبت بِالنسَاء المتمحضات. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يثبت الرَّضَاع بِمَا يثبت بِهِ المَال، وَهُوَ شَهَادَة رجلَيْنِ، أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا تقبل شَهَادَة النِّسَاء المنفردات، لِأَن ثُبُوت الْحُرْمَة من لَوَازِم الْملك فِي بَاب النِّكَاح، ثمَّ الْملك لَا يَزُول بِشَهَادَة النِّسَاء المنفردات، فَلَا تثبت الْحُرْمَة. وَعند الشَّافِعِي: تثبت بِشَهَادَة أَربع نسْوَة. وَعند مَالك بامرأتين. وَعند أَحْمد بمرضعة. وَقَالَ التَّيْمِيّ: معنى الحَدِيث: الْأَخْذ بالوثيقة فِي بَاب الْفروج، وَلَيْسَ قَول الْمَرْأَة الْوَاحِدَة شَهَادَة تجوز بهَا الحكم فِي أصل من الْأُصُول، وَفِي: (كَيفَ وَقد قيل؟) الِاحْتِرَاز من الشُّبْهَة، وَمعنى: فَارقهَا: طَلقهَا. فَإِن قلت: النِّكَاح مَا انْعَقَد صَحِيحا على تَقْدِير ثُبُوت الرَّضَاع، والمفارقة كَانَت حَاصِلَة، فَمَا معنى فَارقهَا؟ قلت: إِمَّا أَن يُرَاد بهَا الْمُفَارقَة الصورية، أَو يُرَاد الطَّلَاق فِي مثل هَذِه الْحَالة هُوَ الْوَظِيفَة ليحل للْغَيْر نِكَاحهَا قطعا. 27 - (بَاب التَّناوُبِ فِي العِلْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التناوب فِي الْعلم، والتناوب: تفَاعل من نَاب لي يَنُوب نوباً ومناباً، أَي: قَامَ مقَامي. وَمَعْنَاهُ: أَن تتناوب جمَاعَة لوقت مَعْرُوف يأْتونَ بالنوبة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول: الرحلة فِي طلب الْعلم. وَهِي لَا تكون إلاَّ من شدَّة الْحِرْص فِي طلب الْعلم، وَفِي التناوب أَيْضا هَذَا الْمَعْنى، لأَنهم لَا يتناوبون إلاَّ لطلب الْعلم والباعث عَلَيْهِ شدَّة حرصهم. 89 - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيّ. (ح) قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابنُ وهْبٍ: أخْبرنا يُونُسُ عَن ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي ثَوْرٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسِ عنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنا وجارٌ لِي مِنَ الأنْصارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ، وهْيَ مِنْ عَوالِي المَدِينَةِ، وكُنَّا نَتَناوَبُ النُّزُولَ عَلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَنْزِلُ يَوْماً وأنْزِلُ يَوْماً، فَإذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْي وغَيِرهِ، وإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، فَنَزَلَ صاحِبِي الأَنْصاريُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَضَربَ بَابي ضَرْباً شدِيداً فقالَ: أثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ حَدثَ أمْرٌ عَظِيمٌ! قالَ: فَدَخلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإذَا هيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَتْ: لَا أدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقُلْتْ وأنَا قائِمٌ: أطلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قَالَ: (لَا) ، فَقُلْتُ: الله أكْبَرُ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (كُنَّا نتناوب النُّزُول) . بَيَان رِجَاله: وهم تِسْعَة، لِأَنَّهُ أخرجهم من طَرِيقين: الأولى: عَن أبي الْيَمَان: الحكم ابْن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي جَمْرَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثَوْر، بِالْمُثَلثَةِ، الْقرشِي النَّوْفَلِي التَّابِعِيّ الثِّقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَقد اشْترك مَعَه فِي اسْمه وَاسم أَبِيه فِي الرِّوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابْن عتبَة بن مَسْعُود الْهُذلِيّ الْمدنِي، لَكِن رِوَايَته عَن ابْن عَبَّاس كَثِيرَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَلَيْسَ لِابْنِ أبي ثَوْر عَن ابْن عَبَّاس غير هَذَا الحَدِيث. الطَّرِيق الثَّانِيَة: من التعليقات حَيْثُ قَالَ: قَالَ أَبُو عبد اللَّه، أَرَادَ بِهِ البُخَارِيّ نَفسه. قَالَ ابْن وهب، أَي: عبد اللَّه بن وهب الْمصْرِيّ، أخبرنَا يُونُس، وَهُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن ابْن قُتَيْبَة، عَن حَرْمَلَة عَن عبد اللَّه بن وهب بِسَنَدِهِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَته قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: كنت أَنا وجار لي من الْأَنْصَار نتناوب النُّزُول، وَهُوَ الْمَقْصُود من هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة شُعَيْب وَحده عَن الزُّهْرِيّ، نَص على ذَلِك الذهلي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَآخَرُونَ. فَإِن قلت: لم ذكر هَهُنَا رِوَايَة يُونُس؟ قلت: لينبه أَن الحَدِيث كُله من أَفْرَاد شُعَيْب. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَمِنْهَا:
أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَنه ذكر فِي الْمَوْصُول: الزُّهْرِيّ، وَفِي التَّعْلِيق: ابْن شهَاب، تَنْبِيها على قُوَّة مُحَافظَة مَا سَمعه من الشُّيُوخ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كلمة (ح) مُهْملَة، إِشَارَة إِلَى تَحْويل الْإِسْنَاد. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي الْيَمَان، كَمَا أخرجه هَهُنَا عَن عَنهُ، وَفِي الْمَظَالِم عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن عمر كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق بِطُولِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن الحكم بن نَافِع بِهِ، وَعَن عبيد اللَّه بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُحَمَّد بن ثَوْر عَن معمر بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من الْأَنْصَار) جمع نَاصِر أَو نصير، وهم عبارَة عَن الصَّحَابَة الَّذين آووا ونصروا رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، من أهل الْمَدِينَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَهُوَ اسْم إسلامي سمى الله تَعَالَى بِهِ الْأَوْس والخزرج. وَلم يَكُونُوا يدعونَ الْأَنْصَار قبل نصرتهم رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَا قبل نزُول الْقُرْآن بذلك. قَوْله: (فِي بني أُميَّة بن زيد) أَي: فِي هَذِه الْقَبِيلَة، ومواضعهم يَعْنِي: فِي نَاحيَة بني أُميَّة. سميت الْبقْعَة باسم من نزلها. قَوْله: (من عوالي الْمَدِينَة) هُوَ جمع: عالية، وعوالي الْمَدِينَة عبارَة عَن قرى بِقرب مَدِينَة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من فَوْقهَا من جِهَة الشرق، وَأقرب العوالي إِلَى الْمَدِينَة على ميلين أَو ثَلَاثَة أَمْيَال وَأَرْبَعَة، وأبعدها ثَمَانِيَة. وَفِي (الصِّحَاح) : الْعَالِيَة مَا فَوق نجد إِلَى أَرض تهَامَة، وَإِلَى أَرض مَكَّة وَهِي الْحجاز وَمَا والاها، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: عالي، وَيُقَال أَيْضا: علوي، على غير قِيَاس، وَيُقَال: عالى الرجل، وَأَعْلَى: إِذا أَتَى عالية نجد. قَوْله: (فَفَزِعت) ، بِكَسْر الزَّاي: أَي خفت، لِأَن الضَّرْب الشَّديد كَانَ على خلاف الْعَادة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وجار) ، بِالرَّفْع: لِأَنَّهُ عطف على الضَّمِير الْمُنْفَصِل الْمَرْفُوع. أَعنِي قَوْله: أَنا، وَإِنَّمَا أظهر أَنا لصِحَّة الْعَطف حَتَّى لَا يلْزم عطف الِاسْم على الْفِعْل، هَذَا قَول البصرية. وَعند الكوفية: يجوز من غير إِعَادَة الضَّمِير، وَيجوز فِيهِ النصب على معنى الْمَعِيَّة. قَوْله: (لي) : جَار ومجرور فِي مَحل الرّفْع، أَو النصب على الوصفية لِجَار. قَوْله: (من الْأَنْصَار) كلمة: من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (فِي بني أُميَّة) فِي مَحل نصب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ، أَي: مستقرين فِيهَا، أَو نازلين أَو كائنين، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَهُوَ) مُبْتَدأ، وَخَبره قَوْله: (من عوالي الْمَدِينَة) . قَوْله: (نتناوب) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، و: النُّزُول، بِالنّصب على أَنه مفعول: نتناوب. قَوْله: (ينزل) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: جاري ينزل يَوْمًا، وَهُوَ نصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَأنزل) عطف على: ينزل. قَوْله: (فَإِذا) للظرفية، لكنه تضمن معنى الشَّرْط. وَقَوله: (جِئْته) جَوَابه. قَوْله: (من الْوَحْي) بَيَان للْخَبَر. قَوْله: (وَإِذا نزل) أَي: جاري. قَوْله: (الْأنْصَارِيّ) بِالرَّفْع صفة لقَوْله: (صَاحِبي) ، وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: نزل. فَإِن قلت: الْجمع إِذا أُرِيد النِّسْبَة إِلَيْهِ يرد إِلَى الْمُفْرد، ثمَّ ينْسب إِلَيْهِ. قلت: الْأنْصَارِيّ هَهُنَا صَار علما لَهُم، فَهُوَ كالمفرد، فَلهَذَا نسب إِلَيْهِ بِدُونِ الرَّد. قَوْله: (فَضرب بَابي) عطف على مُقَدّر أَي: فَسمع اعتزال الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن زَوْجَاته، فَرجع إِلَى العوالي، فجَاء إِلَى بَابي فَضرب. . وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى بِالْفَاءِ الفصيحة، وَقد ذَكرنَاهَا غير مرّة. قَوْله: (أَثم؟) هُوَ: بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، وَهُوَ اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمَكَان الْبعيد، نَحْو قَوْله: {وازلفنا ثمَّ الآخرين} (الشُّعَرَاء: 64) وَهُوَ ظرف لَا يتَصَرَّف، فَلذَلِك غلط من أعربه مَفْعُولا: لرأيت، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيما} (الْإِنْسَان: 20) وَلَا يتقدمه حرف التَّنْبِيه وَلَا يتَأَخَّر عَنهُ كَاف الْخطاب. قَوْله: (فَفَزِعت) : الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل، أَي لأجل الضَّرْب الشَّديد فزعت، وَالْفَاء فِي فَخرجت: للْعَطْف، وَيحْتَمل السَّبَبِيَّة، لِأَن فزعه كَانَ سَببا لِخُرُوجِهِ. وَالْفَاء فِي: فَقَالَ، للْعَطْف. قَوْله: (قد حدث أَمر عَظِيم) ، جملَة وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فَدخلت) أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ: دخلت. وَيفهم من ظَاهر الْكَلَام أَن: دخلت، من كَلَام الْأنْصَارِيّ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الدَّاخِل هُوَ عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَإِنَّمَا وَقع هَذَا من الِاخْتِصَار وإلاَّ فَفِي أصل الحَدِيث بعد قَوْله: (امْر عَظِيم طلق رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام نِسَاءَهُ) . قلت: قد كنت أَظن أَن هَذَا كَائِن حَتَّى إِذا صليت الصُّبْح شددت عَليّ ثِيَابِي، ثمَّ نزلت. فَدخلت على حَفْصَة، أَرَادَ أم الْمُؤمنِينَ بنته، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (قد حدث أَمر عَظِيم فَدخلت) بِالْفَاءِ. فَإِن قلت: مَا هَذِه الْفَاء؟ قلت: الْفَاء الفصيحة، تفصح عَن الْمُقدر. لِأَن التَّقْدِير نزلت من العوالي فَجئْت إِلَى الْمَدِينَة فَدخلت. قَوْله: (فَإِذا) للمفاجأة، وَهِي متبدأ: وتبكي، خَبره. قَوْله: (طَلَّقَكُن؟) وَفِي رِوَايَة: (أطلقكن؟) ، بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. قَوْله:
- (باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره)
(قَالَت) أَي: حَفْصَة: (لَا أَدْرِي) أَي: لَا أعلم، ومفعوله مَحْذُوف. قَوْله: (وَأَنا قَائِم) : جملَة اسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (طلقت) أَي: أطلقت، والهمزة محذوفة مِنْهُ. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (وجار لي من الْأَنْصَار) : هَذَا الْجَار هُوَ عتْبَان بن مَالك بن عَمْرو ابْن العجلان الْأنْصَارِيّ الخزرجي، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (ينزل يَوْمًا) أَي: ينزل صَاحِبي يَوْمًا من العوالي إِلَى الْمَدِينَة وَإِلَى مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لتعلم الْعلم من الشَّرَائِع وَنَحْوهَا. قَوْله: (يَوْم نوبَته) أَي: يَوْمًا من أَيَّام نوبَته. قَوْله: (فَفَزِعت) إِنَّمَا كَانَ فزع عمر، رَضِي الله عَنهُ، بِسَبَب مَا يَجِيء فِي كتاب التَّفْسِير مَبْسُوطا، قَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ: (كُنَّا نتخوف ملكا من مُلُوك غَسَّان ذكر لنا أَنه يُرِيد أَن يسير إِلَيْنَا وَقد امْتَلَأت صدورنا مِنْهُ، فتوهمت لَعَلَّه جَاءَ إِلَى الْمَدِينَة، فَخفت لذَلِك) . قَوْله: (أَمر عَظِيم) أَرَادَ بِهِ اعتزال الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،، عَن أَزوَاجه الطاهرات، رَضِي الله عَنْهُن. فَإِن قلت: مَا العظمة فِيهِ؟ قلت: كَونه مَظَنَّة الطَّلَاق، وَهُوَ عَظِيم لاسيما بِالنِّسْبَةِ إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن بنته إِحْدَى زَوْجَاته. قَوْله: (الله أكبر {) وَقع فِي موقع التَّعَجُّب. فَإِن قلت: مَا ذَاك التَّعَجُّب؟ قلت: كَأَن الْأنْصَارِيّ ظن اعتزاله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن نِسَائِهِ طَلَاقا أَو ناشئاً عَن الطَّلَاق، فَالْخَبَر لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالطَّلَاق بِحَسب ظَنّه، وَلِهَذَا سَأَلَ عمر، رَضِي الله عَنهُ، عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن الطَّلَاق. فَلَمَّا رأى عمر أَن صَاحبه لم يصب فِي ظَنّه تعجب مِنْهُ لفظ: الله أكبر. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ الْحِرْص على طلب الْعلم. الثَّانِي: فِيهِ أَن لطَالب الْعلم أَن ينظر فِي معيشته وَمَا يَسْتَعِين بِهِ على طلب الْعلم. الثَّالِث: فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد وَالْعَمَل بمراسيل الصَّحَابَة. الرَّابِع: فِيهِ أَن الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، كَانَ يخبر بَعضهم بَعْضًا بِمَا يسمع من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَيَقُولُونَ: قَالَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. ويجعلون ذَلِك كالمسند، إِذْ لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من يكذب وَلَا غير ثِقَة. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز ضرب الْبَاب ودقه. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز دُخُول الْآبَاء على الْبَنَات بِغَيْر إِذن أَزوَاجهنَّ، والتفتيش عَن الْأَحْوَال، سِيمَا عَمَّا يتَعَلَّق بالمزاوجة. السَّابِع: فِيهِ السُّؤَال قَائِما. الثَّامِن: فِيهِ التناوب فِي الْعلم والاشتغال بِهِ. 28 - (بَاب الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ والتَّعْلِيمِ إِذَا رَأى مَا يَكْرَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْغَضَب، وَهُوَ انفعال يحصل من غليان الدَّم لشَيْء دخل فِي الْقلب. قَوْله: (فِي الموعظة) أَي: الْوَعْظ، وَهُوَ مصدر ميمي. (والتعليم) أَي: وَفِي التَّعْلِيم، أَرَادَ فِي حَالَة الْوَعْظ وَحَالَة التَّعْلِيم. قَوْله: (إِذا رأى) الْوَاعِظ أَو الْمعلم: (مَا يكره) أَي: مَا يكرههُ، لِأَن: مَا، مَوْصُولَة، فَلَا بُد لَهَا من عَائِد، والعائد قد يحذف. وَيُقَال: أَرَادَ البُخَارِيّ الْفرق بَين قَضَاء القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان، وَبَين تَعْلِيم الْعلم وتذكير الْوَاعِظ، فَإِنَّهُ بِالْغَضَبِ أَجْدَر، وخصوصاً بِالْمَوْعِظَةِ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول التناوب فِي الْعلم،، وَهُوَ من جملَة صِفَات المتعلمين، وَمن جملَة الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا بعض صفاتهم، هُوَ أَن الْمعلم إِذا رأى مِنْهُم مَا يكرههُ يغْضب عَلَيْهِم، وينكر عَلَيْهِم، فتناسق البابان من هَذِه الْحَيْثِيَّة. 90 - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قالَ: أخْبرنا سُفْيانُ عنِ ابنِ أبي خالِدٍ عنْ قَيْسِ بنِ أبي حازمٍ عنْ أبي مَسْعُودٍ الأنْصارِيّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله} لَا أكادُ أُدْرِكُ الصَّلاةِ مَمَّا يُطَوّلُ بِنَا فُلانُ، فَمَا رَأيْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَوْعِظَةٍ أشَدَّ غَضَباً مِنْ يوْمِئذٍ، فَقَالَ: (أيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفّرُونَ، فَمنْ صَلَّى بالنَّاسِ فَلْيُخَفّفْ فإنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ والضَّعيفَ وذَا الحاجَةِ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي موعظة أَشد غَضبا من يومئذٍ) . بَيَان رِجَاله: الأول: مُحَمَّد بن كثير، بِفَتْح الْكَاف وبالمثلثة: الْعَبْدي، بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، الْبَصْرِيّ أَخُو سُلَيْمَان بن كثير، وَسليمَان أكبر مِنْهُ بِخمْس سِنِين، روى عَن أَخِيه سُلَيْمَان وَشعْبَة وَالثَّوْري، وروى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا، وروى مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن
رجل عَنهُ. قَالَ أَبُو حاتمٍ: صَدُوق. وَقَالَ يحيى بن معِين: لَا تكْتبُوا عَنهُ لم يكن بالثقة. مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، عَن تسعين سنة، أخرج لَهُ مُسلم حَدِيثا فِي الرُّؤْيَا أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يَقُول لأَصْحَابه: (من رأى مِنْكُم رُؤْيا) عَن الدَّارمِيّ عَنهُ عَن أَخِيه سُلَيْمَان، وَلَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) مُحَمَّد بن كثير غير هَذَا. وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: مُحَمَّد بن كثير الصغاني روى عَن الدَّارمِيّ وَهُوَ ثِقَة اخْتَلَط بِآخِرهِ. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي الأحمسي التَّابِعِيّ، الطَّحَّان الْمُسَمّى بالميزان. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم، بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي، أَبُو عبد اللَّه الأحمسي الْكُوفِي البَجلِيّ المخضرم، روى عَن الْعشْرَة، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ الخزرجي البدري، وَقد تقدم. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار بِصِيغَة الْمُفْرد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي، بل ثَلَاثَة مِنْهُم كوفيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رَاوِيا وَهُوَ ابْن كثير الْعَبْدي لَيْسَ فِي البُخَارِيّ غَيره. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الثَّوْريّ، وَفِيه عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر،، وَفِي الْأَدَب عَن مُسَدّد عَن يحيى، وَفِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد اللَّه عَن ابْن أبي خَالِد وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن هَيْثَم، وَعَن أبي بكر عَن هَيْثَم ووكيع، وَعَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير عَن أَبِيه، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن يحيى الْقطَّان بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (لَا أكاد أدْرك الصَّلَاة) : قد علم أَن: كَاد، مَعْنَاهُ: قرب، وَلِهَذَا عدوه من أَفعَال المقاربة، وَهُوَ لمقاربة الشَّيْء فعل أَو لم يفعل، فمجرده ينبىء عَن نفي الْفِعْل، ومقرونه ينبىء عَن وُقُوع الْفِعْل. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: إِذا دخل النَّفْي على: كَاد، فَهُوَ كالأفعال على الْأَصَح. وَقيل: يكون فِي الْمَاضِي للإثبات، وَفِي الْمُسْتَقْبل كالأفعال، وَهُوَ يرفع الِاسْم وَخَبره فعل مضارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، نَحْو: كَاد زيد يخرج، أَي خَارِجا، إلاَّ أَنهم تركُوا اسْتِعْمَاله، لِأَن: كَاد، مَوْضُوع للتقريب من الْحَال. فالتزم بعده مَا يدل بصيغته على الْحَال، أَعنِي الْمُضَارع، ليَكُون أدل على مُقْتَضَاهُ. وَهَهُنَا اسْمه الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ، وَخَبره قَوْله: (أدْرك الصَّلَاة) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: ظَاهر هَذَا مُشكل، لِأَن التَّطْوِيل يَقْتَضِي الْإِدْرَاك لَا عَدمه. قَالَ: فَكَأَن الْألف زيدت بعد: لَا، وَكَأن: أدْرك، كَانَت أترك. وَأجِيب: عَنهُ بِمَا قَالَ أَبُو الزِّنَاد: مَعْنَاهُ أَنه كَانَ بِهِ ضعف، فَكَانَ إِذا طول بِهِ الإِمَام فِي الْقيام لَا يبلغ الرُّكُوع إلاَّ وَقد ازْدَادَ ضعفه، فَلَا يكَاد يتم مَعَه الصَّلَاة، ورد بِأَن البُخَارِيّ روى عَن الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظ: لاتأخر عَن الصَّلَاة: وَجَاء فِي غير البُخَارِيّ: إِنِّي لَا أدع الصَّلَاة، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَيكون الْمَعْنى: إِنِّي لَا أكاد أدْرك الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة، وأتأخر عَنْهَا أَحْيَانًا من أجل التَّطْوِيل. قلت: هَذَا لَيْسَ فِيهِ إِشْكَال، وَالْمعْنَى صَحِيح. وَقد قُلْنَا: إِن الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ تنبئان أَن معنى هَذَا أَنِّي أتأخر عَن الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة وَلَا أكاد أدْركهَا لأجل تَطْوِيل فلَان. قَوْله: لِأَن التَّطْوِيل يَقْتَضِي الْإِدْرَاك: إِنَّمَا يسلم إِذا طلب الْإِدْرَاك، وَأما إِذا تَأَخّر خوفًا من التَّطْوِيل، لَا يكَاد يدْرك مَعَ التَّطْوِيل فَافْهَم. قَوْله: (مِمَّا يطول) كلمة: من، للتَّعْلِيل، و: مَا، مَصْدَرِيَّة. وَفِي بعض الرِّوَايَات: (مِمَّا يطول لنا) بِاللَّامِ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (مِمَّا يُطِيل) ، فَالْأولى من التَّطْوِيل، وَهَذِه من الإطالة. قَوْله: (فلَان) فَاعله، كِنَايَة عَن اسْم سمي بِهِ الْمُحدث عَنهُ، وَيُقَال فِي غير الْآدَمِيّ: الفلان، مُعَرفا بِاللَّامِ، قَوْله: (أَشد غَضبا من يومئذٍ) وَفِي بعض النّسخ: (أَشد غَضبا مِنْهُ من يومئذٍ) ، وَلَفظه: مِنْهُ، صلَة: أَشد. فَإِن قلت: الضَّمِير رَاجع إِلَى رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَيلْزم أَن يكون الْمفضل والمفضل عَلَيْهِ شَيْئا وَاحِدًا. قلت: جَازَ ذَلِك باعتبارين: فَهُوَ مفضل بِاعْتِبَار يومئذٍ ومفضل عَلَيْهِ بِاعْتِبَار سَائِر الْأَيَّام. و: غَضبا، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (أَيهَا النَّاس) : أَي يَا أَيهَا النَّاس، فَحذف حرف النداء وَالْمَقْصُود بالنداء هُوَ النَّاس، وَإِنَّمَا جاؤوا بِأَيّ ليمكن وَصله إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام لأَنهم كَرهُوا الْجمع بَين التَّخْصِيص بالنداء وَلَام التَّعْرِيف، فَكَانَ المنادى هُوَ الصّفة، وَالْهَاء مقحمة للتّنْبِيه. قَوْله: (منفرون) خبر: أَن، أَي: منفرون عَن الْجَمَاعَات وَفِي بعض الرِّوَايَات: (إِن مِنْكُم منفرين) . فَإِن قلت: كَانَ الْمُقْتَضى أَن يُخَاطب الْمَعْلُول. قلت: إِنَّمَا خَاطب الْكل وَلم يعين المطول كرماً ولطفاً عَلَيْهِ. وَكَانَت هَذِه عَادَته حَيْثُ مَا كَانَ يخصص العتاب والتأديب بِمن يسْتَحقّهُ حَتَّى لَا يحصل لَهُ الخجل، وَنَحْوه على رُؤُوس الأشهاد. قَوْله: (فَمن صلى بِالنَّاسِ) ، كلمة: من شَرْطِيَّة. قَوْله: (فيخفف) جوابها،
فَلذَلِك دَخلهَا الْفَاء. قَوْله: (فَإِن فيهم) الْفَاء فِيهِ تصلح للتَّعْلِيل. (وَالْمَرِيض) ، نصب لِأَنَّهُ اسْم: إِن، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وخبرها هُوَ قَوْله: فيهم، مقدما. قَوْله: (بِالنَّاسِ) أَي: ملتبساً بهم إِمَامًا لَهُم. قَوْله: (وَذَا الْحَاجة) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: (وَذُو الْحَاجة) . وَجهه أَن يكون مَعْطُوفًا على مَحل اسْم: إِن، وَهُوَ رفع مَعَ الْخلاف فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم: أَو هُوَ اسْتِئْنَاف. قلت: لَا يَصح أَن يكون استئنافاً لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سُؤال، وَلَيْسَ هَذَا مَحَله. وَيجوز أَن يكون الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف الْخَبَر، وَتَكون الْجُمْلَة معطوفة على الْجُمْلَة الأولى، وَالتَّقْدِير: وَذُو الْحَاجة كَذَلِك، وَالْفرق بَين الضعْف وَالْمَرَض أَن الضعْف أَعم من الْمَرَض، فالمرض ضد الصِّحَّة. يُقَال: مرض يمرض مَرضا ومرضاً فَهُوَ مَرِيض ومارض. وَيُقَال: الْمَرَض، بالإسكان، مرض الْقلب خَاصَّة. قَالَ الصغاني: وأصل الْمَرَض الضعْف، وَكلما ضعف مرض. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أصل الْمَرَض النُّقْصَان. يُقَال: بدن مَرِيض أَي: نَاقص الْقُوَّة، وقلب مَرِيض أَي: نَاقص الدّين. وَقيل: الْمَرَض اختلال الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها، والضعف خلاف الْقُوَّة، وَقد ضعف وَضعف، وَالْفَتْح عَن يُونُس: فَهُوَ ضَعِيف، وَقوم ضِعَاف وضعفة. وَفرق بَعضهم بَين الضعْف والضعف. فَقَالَ: الضعْف بِالْفَتْح فِي الْعقل والرأي، والضعف بِالضَّمِّ فِي الْجَسَد. وَرجل ضعوف أَي ضَعِيف. فَإِن قيل: لم ذكر هَذَا الثَّلَاثَة؟ قلت: لِأَنَّهُ متناول لجَمِيع الْأَنْوَاع الْمُقْتَضِيَة. للتَّخْفِيف، فَإِن الْمُقْتَضى لَهُ إِمَّا فِي نَفسه أَو لَا، وَالْأول إِمَّا بِحَسب ذَاته، وَهُوَ الضعْف أَو بِحَسب الْعَارِض وَهُوَ الْمَرَض. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ جَوَاز التَّأَخُّر عَن صَلَاة الْجَمَاعَة إِذا علم من عَادَة الإِمَام التَّطْوِيل الْكثير. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز ذكر الْإِنْسَان بفلان وَنَحْوه فِي معرض الشكوى. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز الْغَضَب لما يُنكر من أُمُور الدّين. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الْإِنْكَار على من ارْتكب مَا ينْهَى عَنهُ، وَإِن كَانَ مَكْرُوها غير محرم. الْخَامِس: فِيهِ التَّعْزِير على إطالة الصَّلَاة إِذا لم يرض الْمَأْمُوم بِهِ وَجَوَاز التَّعْزِير بالْكلَام. السَّادِس: فِيهِ الْأَمر بتَخْفِيف الصَّلَاة. وَقَالَ ابْن بطال: وَإِنَّمَا غضب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهُ كره التَّطْوِيل فِي الصَّلَاة من أجل أَن فيهم الْمَرِيض وَنَحْوه، فَأَرَادَ الرِّفْق والتيسير بأمته وَلم يكن نَهْيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من التَّطْوِيل لِحُرْمَتِهِ، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجده وَيقْرَأ بالسور الطوَال مثل سُورَة يُوسُف، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَه أجلة أَصْحَابه، ومَن أَكثر همه طلب الْعلم وَالصَّلَاة. أَقُول: وَلِهَذَا خفف فِي بعض الْأَوْقَات، كَمَا: فِيمَا سمع صَوت بكاء الصَّبِي وَنَحْوه. 91 - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحمَّدٍ قَالَ: حدّثنا أبُو عامِرٍ قَالَ: حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ المدِيِنيُّ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَن زَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ أنّ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سألَهُ رَجُلٌ عنِ اللُّقَطَةِ فقالَ: (اعْرِفْ وكَاءَها) أوْ قَالَ: وِعاءَها. وعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِها، فَإنْ جاءَ رَبُّها فَأدِّها إليهِ قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وجْنَتاهُ أوْ قَالَ: أحْمَرَّ وجْهُهُ فَقَالَ: (وَمَا لَكَ ولَهَا؟ مَعَها سِقاؤُها وحذَاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْها حَتَّى يَلْقاها رَبُّها) قَالَ: فَضَالَّةُ الغنَمِ؟ قَالَ: (لكَ أوْ لأخِيكَ أوْ للْدِّئْبِ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَغَضب حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه) . بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد اللَّه بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر المسندي، بِفَتْح النُّون، وَقد تقدم. الثَّانِي: أَبُو عَامر عبد الْملك، وَقد تقدم. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن بِلَال الْمَدِينِيّ، وَقد تقدم. وَفِي بعض النّسخ: الْمدنِي. قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا نسبت إِلَى مَدِينَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قلت: مدنِي، وَإِلَى مَدِينَة الْمَنْصُور: مديني، وَإِلَى مَدَائِن كسْرَى: مدائني. قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير لَا يَصح الْمَدِينِيّ، لِأَنَّهُ من مَدِينَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْمَقْدِسِي فِي كتاب (الْأَنْسَاب) : قَالَ البُخَارِيّ: الْمَدِينِيّ هُوَ الَّذِي أَقَامَ بِمَدِينَة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يفارقها. وَالْمَدَنِي هُوَ الَّذِي تحول عَنْهَا وَكَانَ مِنْهَا. الرَّابِع: ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف: بربيعة الرَّأْي، وَقد يُقَال: الرئي، بِالتَّشْدِيدِ مَنْسُوبا إِلَى الرَّأْي، وَهُوَ شيخ مَالك وَقد تقدم. الْخَامِس: يزِيد من الزِّيَادَة مولى المنبعث، اسْم فَاعل من الانبعاث، بالنُّون وَالْمُوَحَّدَة والمهملة والمثلثة، الْمدنِي. روى عَن أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد، وَعَن ربيعَة وَيحيى بن سعيد، ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة.
السَّادِس: زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ، بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء وَالنُّون، مَنْسُوب إِلَى جُهَيْنَة بن زيد بن لوث بن سود بن أسلم، بِضَم اللَّام، بن الحاف بن قضاعة، يكنى أَبَا طَلْحَة، وَقيل: أَبَا عبد الرَّحْمَن. وَقيل: أَبَا زرْعَة. وَكَانَ مَعَه لِوَاء جُهَيْنَة يَوْم الْفَتْح، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أحد وَثَمَانُونَ حَدِيثا، ذكر البُخَارِيّ مِنْهَا خَمْسَة، نزل الْكُوفَة وَمَات بهَا سنة ثَمَان وَسبعين وَهُوَ ابْن خمس وَثَمَانِينَ. قيل: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَقيل: بِمصْر، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة زيد بن خَالِد، سواهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بخاري وبصري ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن المسندي عَن الْعَقدي عَن الْمَدِينِيّ، وَفِي اللّقطَة عَن عبد اللَّه بن يُوسُف، وَفِي الشّرْب عَن إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّه، كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَفِي اللّقطَة عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد، كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَفِي اللّقطَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَعَن عَمْرو بن الْعَبَّاس عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمهْدي، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، أربعتهم عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن، وَفِي اللّقطَة عَن إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّه عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى بن سعيد، كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ، وَفِي الطَّلَاق عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن يحيى بن سعيد عَنهُ بِهِ مُرْسلا: إِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، سُئِلَ عَن ضَالَّة الْغنم، قَالَ يحيى: وَيَقُول ربيعَة عَن يزِيد، مولى المنبعث، عَن زيد بن خَالِد قَالَ سُفْيَان: فَلَقِيت ربيعَة وَلم أحفظ عَنهُ شَيْئا غير هَذَا. قلت: أَرَأَيْت حَدِيث يزِيد مولى المنبعث فِي أَمر الضَّالة هُوَ عَن يزِيد بن خَالِد؟ قَالَ: نعم. وَأخرجه مُسلم فِي الْقَضَاء عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك،، وَعَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم الْأَزْدِيّ عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن الثَّوْريّ وَمَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث وَغَيرهم، كلهم عَن ربيعَة بِهِ، وَعَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان ابْن بِلَال عَن يحيى بن سعيد بِهِ مُتَّصِلا، وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن حبَان بن هِلَال عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن يحيى بن سعيد وَرَبِيعَة بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللّقطَة عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن مَالك بِهِ، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة بِهِ، وَعَن أَحْمد بن حَفْص عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عباد بن إِسْحَاق عَن عبد اللَّه بن يزِيد، مولى المنبعث، عَن أَبِيه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الضوال واللقطة عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَعلي بن حجر بِهِ مقطعاً، وَعَن أَحْمد بن حَفْص بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل بن الْعَلَاء الْأَيْلِي عَن سُفْيَان عَن يحيى عَن ربيعَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (عَن اللّقطَة) ، بِضَم اللَّام وَفتح الْقَاف: الشَّيْء الملقوط. وَقَالَ القَاضِي: لَا يجوز فِيهِ غير ضم اللَّام وَفتح الْقَاف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الْمَشْهُور. قَالَ الْأَزْهَرِي: قَالَ الْخَلِيل بالإسكان، قَالَ: وَالَّذِي سمع من الْعَرَب، وَأجْمع عَلَيْهِ أهل اللُّغَة ورواة الْأَخْبَار فتحهَا، وَكَذَا قَالَ الْأَصْمَعِي وَالْفراء وَابْن الْأَعرَابِي، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيُقَال لَهَا: لقطَة، بِالضَّمِّ، ولقط بِفَتْح اللَّام وَالْقَاف بِغَيْر هَاء، وَهُوَ من الِالْتِقَاط، وَهُوَ وجود الشَّيْء من غير طلب. فَإِن قلت: مَا هَذِه الصِّيغَة؟ قلت: قَالَ بعض الشَّارِحين: هُوَ اسْم الْفَاعِل للْمُبَالَغَة، وبسكون الْقَاف اسْم الْمَفْعُول: كالضحكة، وَهُوَ اسْم لِلْمَالِ الْمُلْتَقط، وَسمي باسم المَال مُبَالغَة لزِيَادَة معنى اخْتصَّ بِهِ، وَهُوَ أَن كل من رَآهَا يمِيل إِلَى رَفعهَا، فَكَأَنَّهُ يَأْمُرهُ بِالرَّفْع لِأَنَّهَا حاملة إِلَيْهِ، فأسند إِلَيْهَا مجَازًا فَجعلت كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي رفعت نَفسهَا، وَنَظِيره قَوْلهم: نَاقَة حَلُوب، ودابة ركُوب. وَهُوَ اسْم فَاعل، سميت بذلك لِأَن من رآهما يرغب فِي الرّكُوب والحلب، فَنزلت كَأَنَّهَا أحلبت نَفسهَا، أَو أركبت نَفسهَا، وَفِيه تعسف، وَلَيْسَ كَذَلِك بل اللّقطَة سَوَاء كَانَ بِفَتْح الْقَاف أَو سكونها اسْم مَوْضُوع على هَذِه الصِّيغَة لِلْمَالِ الْمُلْتَقط، وَلَيْسَ هَذَا مثل ضحكة وَلَا مثل نَاقَة حَلُوب ودابة ركُوب، لِأَن هَذِه صِفَات تدل على الْحُدُوث والتجدد. غير أَن الأول فِي الْمُبَالغَة فِي وصف الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، وَالثَّانِي وَالثَّالِث بِمَعْنى الْمَفْعُول للْمُبَالَغَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الْخَلِيل، بِالْفَتْح: هُوَ اللاقط، وبالسكون الملقوط. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: هَذَا هُوَ الْقيَاس فِي كَلَام الْعَرَب، لِأَن فعلة: كالضحكة، جَاءَ فَاعِلا، وفعلة كالضحكة مَفْعُولا، إلاَّ أَن اللّقطَة على خلاف الْقيَاس إِذْ أَجمعُوا على الْهَاء بِالْفَتْح هُوَ الملقوط، وَقَالَ ابْن مَالك: فِيهَا أَربع لُغَات: اللّقطَة بِالْفَتْح وبالسكون واللقاطة بِضَم اللَّام واللقطة بِفَتْح اللَّام وَالْقَاف. قَوْله: (إعرف) بِكَسْر الْهمزَة من الْمعرفَة لَا من الإعراف، قَوْله: (وكاءها) بِكَسْر الْوَاو وبالمد: هُوَ الَّذِي تشد بِهِ رَأس الصرة والكيس وَنَحْوهمَا. وَيُقَال: هُوَ الْخَيط الَّذِي يشد بِهِ الْوِعَاء: يُقَال:
أوكيته إيكاءً فَهُوَ موكىً، مَقْصُور، وَالْفِعْل مِنْهُ معتل اللَّام بِالْيَاءِ، يُقَال: أوكى على مَاء فِي سقائه أَي: شده بالوكاء، وَمِنْه أوكوا قربكم، وأوكى يوكي مثل: أعْطى يُعْطي إِعْطَاء. وَأما المهموز فَمَعْنَى آخر، يُقَال: أوكأت الرجل: أَعْطيته مَا يتَوَكَّأ عَلَيْهِ، واتكأ على الشَّيْء بِالْهَمْزَةِ فَهُوَ متكىء. قَوْله: (وعاءها) بِكَسْر الْوَاو، وَهُوَ الظّرْف. وَيجوز ضمهَا وَهُوَ قِرَاءَة الْحسن: {وعَاء أَخِيه} (يُوسُف: 76) وَهُوَ لُغَة، وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير: (اعاء أَخِيه) . بقلب الْوَاو همزَة، ذكره الزَّمَخْشَرِيّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْوِعَاء وَاحِد الأوعية، يُقَال: أوعيت الزَّاد وَالْمَتَاع إِذا جعلته فِي الْوِعَاء. قَالَ عبيد بن الأبرص. (الْخَيْر يبْقى وَإِن طَال الزَّمَان بِهِ ... وَالشَّر أَخبث مَا أوعيت من زَاد) قَوْله: (وعفاصها) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالفاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وبالقاف، وَالظَّاهِر أَنه غلط من النَّاسِخ أَو سَهْو مِنْهُ، أَو يكون ذهنه بَادر إِلَى مَا قيل: العقاص، بِالْقَافِ: الْخَيط يشد بِهِ أَطْرَاف الذوائب. قَالَ فِي (الْعباب) : العفاص الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ النَّفَقَة إِن كَانَ جلدا أَو خرقَة أَو غير ذَلِك، عَن أبي عبيد. وَكَذَلِكَ يُسمى الْجلد الَّذِي يكبس رَأس القارورة: العفاص، لِأَنَّهُ كالوعاء لَهَا، وَمِنْه الحَدِيث، ثمَّ ذكر هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ اللَّيْث: عفاص القارورة صمامها، وَيُقَال أَيْضا: عفاص القارورة غلافها، وَهُوَ فعال من العفص، وَهُوَ الثني والعطف لِأَن الْوِعَاء ينثني على مَا فِيهِ وينعطف، وَقد عفصت القارورة أعفصها بِالْكَسْرِ عفصاً إِذا شددت عَلَيْهَا العفاص. وَقَالَ الْفراء: عفصت القارورة إِذا جعلت لَهَا عفاصاً، والصمام بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة هُوَ الْجلد الَّذِي يدْخل فِي فَم القارورة، وَكَذَا أَيْضا يُقَال لكل مَا سددت بِهِ شَيْئا: السداد، بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْبلْغَة أَيْضا، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (أضاعوني وَأي فَتى أضاعوا ... ليَوْم كريهة وسداد ثغر) وَأما السداد، بِالْفَتْح: فالقصد فِي الدّين والسبيل. قَوْله: (رَبهَا) أَي: مَالِكهَا، وَلَا يُطلق الرب على غير الله إلاَّ مُضَافا مُقَيّدا. قَوْله: (فضَالة الْإِبِل) قَالَ الْأَزْهَرِي: لَا يَقع اسْم الضَّالة إلاَّ على الْحَيَوَان. يُقَال: ضل الْإِنْسَان وَالْبَعِير وَغَيرهمَا من الْحَيَوَان وَهِي الضوال. وَأما الْأَمْتِعَة وَمَا سوى الْحَيَوَان فَيُقَال لَهُ: لقطَة، وَلَا يُقَال: ضال. وَيُقَال للضوالي أَيْضا: الهوامي والهوافي، واحدتها هامية وهافية، وهمت وهفت وهملت: إِذا ذهبت على وَجههَا بِلَا رَاع. قَوْله: (وجنتاه) ، الوجنة: مَا ارْتَفع من الخد. وَيُقَال مَا علا من لحم الْخَدين، يُقَال فِيهِ: وجنة، بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا وَضمّهَا، وأجنة بِضَم الْهمزَة، ذكره الْجَوْهَرِي وَغَيره. قَوْله: (سقاؤها) ، بِكَسْر السِّين: هُوَ اللَّبن وَالْمَاء، وَالْجمع الْقَلِيل: أسقية، وَالْكثير: أساقي، كَمَا أَن الرطب للبن خَاصَّة، والنحي للسمن والقربة للْمَاء. قَوْله: (وحذاؤها) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد: مَا وطىء عَلَيْهِ الْبَعِير من خفه، وَالْفرس من حَافره، والحذاء: النَّعْل أَيْضا. قَوْله: (ترد) من الْوُرُود. قَوْله: (فذرها) أَي: دعها، من: يذر، وأميت ماضيه، قَوْله: (الْغنم) وَهُوَ اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس يَقع على الذُّكُور وعَلى الْإِنَاث، وَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا. فَإِذا صغرتها ألحقتها الْهَاء، فَقلت: غنيمَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الآدمين فالتأنيث لَهَا لَازم، يُقَال: خمس من الْغنم ذُكُور، فتؤنث الْعدَد وَإِن عنيت الكباش إِذا كَانَ يَلِيهِ من الْغنم، لِأَن الْعدَد يجْرِي تذكيره وتأنيثه على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى، وَالْإِبِل كالغنم فِي جَمِيع ذَلِك. قَوْله: (للذئب) ، بِالْهَمْزَةِ وَقد تخفف بقلبها يَاء، وَالْأُنْثَى ذئبة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (رجل) فَاعل: سَأَلَهُ. قَوْله: (وكاءها) بِالنّصب مفعول: اعرف. وَقَوله: (ثمَّ عرفهَا) عطف على: (أعرفهَا) . قَوْله: (سنة) ، نصب بِنَزْع الْخَافِض، أَي مُدَّة سنة. قَوْله: (ثمَّ استمتع) عطف على: (ثمَّ عرفهَا) . قَوْله: (فأدها) ، جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دَخلته الْفَاء. قَوْله: (فضَالة الْإِبِل) كَلَام إضافي: مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: مَا حكمهَا؟ أَكَذَلِك أم لَا؟ وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف. قَوْله: (فَغَضب) : الْفَاء، فِيهِ للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ} (الْقَصَص: 15) ، قَوْله: (حَتَّى) للغاية بِمَعْنى: إِلَى أَن. وَقَوله: (وجنتاه) فَاعل: احْمَرَّتْ، وعلامة الرّفْع الْألف. قَوْله: (مَالك وَلها) وَفِي بعض النّسخ: وَمَالك بِالْوَاو، وَفِي بَعْضهَا: فمالك بِالْفَاءِ. وَكلمَة: مَا، استفهامية، وَمَعْنَاهُ: مَا نصْنَع بهَا؟ أَي: لم تأخذها وَلم تتناولها، وَإِنَّهَا مُسْتَقلَّة باسباب تعيشها. قَوْله: (سقاؤها) مُبْتَدأ و: مَعهَا، مقدما خَبره. و: حذاؤها، عطف على: سقاؤها. قَوْله: (ترد المَاء) جملَة يجوز أَن تكون بَيَانا لما قبلهَا فَلَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، وَيجوز أَن يكون محلهَا الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ ترد المَاء وترعى الشّجر. قَوْله: (فذرها) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَالْفَاء فِيهَا جَوَاب شَرط مَحْذُوف، التَّقْدِير: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فذرها، فكلمة
حَتَّى للغاية. قَوْله: (فضَالة الْغنم) كَلَام إضافي مُبْتَدأ خَبره: أَي: مَا حكمهَا؟ أَهِي مثل ضَالَّة الْإِبِل أم لَا؟ قَوْله: (لَك أَو لأخيك أَو للذئب) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: لَيست ضَالَّة الْغنم مثل ضَالَّة الْإِبِل هِيَ لَك إِن أَخَذتهَا، أَو هِيَ لأخيك إِن لم تأخذها، يَعْنِي يَأْخُذهَا غَيْرك من اللاقطين، أَو يكون الْمَار من الْأَخ صَاحبهَا. وَالْمعْنَى: أَو هِيَ لأخيك الَّذِي هُوَ صَاحبهَا إِن ظهر؟ أَو هِيَ للذئب إِن لم تأخذها وَلم يتَّفق أَن يَأْخُذهَا غَيْرك أَيْضا؟ لِأَنَّهُ يخَاف عَلَيْهَا من الذِّئْب وَنَحْوه فيأكلها غَالِبا، فَإِذا كَانَ الْمَعْنى على هَذَا يكون مَحل: لَك، من الْإِعْرَاب الرّفْع لِأَنَّهُ: خبر مُبْتَدأ، وَكَذَلِكَ: لأخيك وللذئب. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (سَأَلَهُ رجل) هُوَ عُمَيْر وَالِد مَالك. قَوْله: (أَو قَالَ) شكّ من الرَّاوِي. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ زيد بن خَالِد. قلت: وَيجوز أَن يكون مِمَّن دونه من الروَاة، وَفِي بعض طرقه عِنْد البُخَارِيّ: (أعرف عفاصها ووكائها) ، من غير شكّ. (ثمَّ عرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وإلاَّ فشأنك بهَا) إِنَّمَا أَمر بِمَعْرِِفَة العفاص والوكاء ليعرف صدق واصفها من كذبه، وَلِئَلَّا يخْتَلط بِمَالِه، وَيسْتَحب التَّقْيِيد بِالْكِتَابَةِ خوف النسْيَان. وَعَن ابْن دَاوُد، من الشَّافِعِيَّة، أَن مَعْرفَتهَا قبل حُضُور الْمَالِك مُسْتَحبّ. وَقَالَ الْمُتَوَلِي: يجب مَعْرفَتهَا عِنْد الِالْتِقَاط، وَيعرف أَيْضا الْجِنْس وَالْقدر وَطول الثَّوْب وَغير ذَلِك ودقته وصفاقته. قَوْله: (ثمَّ عرفهَا) أَي للنَّاس، بِذكر بعض صفاتها فِي المحافل: (سنة) ، أَي: مُتَّصِلَة، كل يَوْم مرَّتَيْنِ ثمَّ مرّة ثمَّ فِي كل أُسْبُوع ثمَّ فِي كل شهر فِي بلد اللقط. فَإِن قلت: جَاءَ فِي حَدِيث أبي: ثَلَاث سِنِين، وَفِي بعض طرقه الشَّك فِي سنة أَو ثَلَاث؟ قلت: جمع بَينهَا بطرح الشَّك وَالزِّيَادَة، وَترد الزِّيَادَة لمخالفتها بَاقِي الْأَحَادِيث. وَقيل: هِيَ قصتان: الأولى للأعرابي، وَالثَّانيَِة لأبي، أفتاه بالورع بالتربص ثَلَاثَة أَعْوَام إِذْ هُوَ من فضلاء الصَّحَابَة. قَوْله: (ثمَّ استمتع بهَا) قَالُوا: الْإِتْيَان هُنَا: بثم، دَال على الْمُبَالغَة فِي التثبت على العفاص والوكاء. إِذْ كَانَ وَضعهَا للتراخي والمهلة، فَكَأَنَّهُ عبارَة عَن قَوْله: لَا تعجل وَتثبت فِي عرفان ذَلِك. قَوْله: (فَغَضب) أَي: رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا كَانَ غَضَبه استقصاراً لعلم السَّائِل وَسُوء فهمه، إِذْ لم يراع الْمَعْنى الْمشَار إِلَيْهِ وَلم يتَنَبَّه لَهُ، فقاس الشَّيْء على غير نَظِيره، فَإِن اللّقطَة إِنَّمَا هِيَ اسْم للشَّيْء الَّذِي يسْقط من صَاحبه وَلَا يدْرِي أَيْن مَوْضِعه، وَلَيْسَ كَذَلِك الْإِبِل، فَإِنَّهَا مُخَالفَة للقطة إسما وَصفَة، فَإِنَّهَا غير عادمة أَسبَاب الْقُدْرَة على الْعود إِلَى رَبهَا لقُوَّة سَيرهَا، وَكَون الْحذاء والسقاء مَعهَا، لِأَنَّهَا ترد المَاء ربعا وخمساً، وتمتنع من الذئاب وَغَيرهَا من صغَار السبَاع، وَمن التردي وَغير ذَلِك، بِخِلَاف الْغنم فَإِنَّهَا بِالْعَكْسِ، فَجعل سَبِيل الْغنم سَبِيل اللّقطَة. قلت: فِي بعض من ذكره نظر، وَهُوَ قَوْله: اللّقطَة اسْم للشَّيْء الَّذِي يسْقط من صَاحبه إِلَى قَوْله: وَصفَة. فَإِن الْغنم أَيْضا لَيْسَ كَذَلِك، فَيَنْبَغِي أَن يكون مثل الْإِبِل على هَذَا الْكَلَام، مَعَ أَنه لَيْسَ مثل الْإِبِل. وَقَوله أَيْضا: وتمتنع من الذئاب، فَإِن الجواميس تمْتَنع من كبار السبَاع فضلا عَن صغارها، وتغيب عَن صَاحبهَا أَيَّامًا عديدة ترعى وتشرب ثمَّ تعود، فَيَنْبَغِي أَن تكون مثل الْإِبِل مَعَ أَنه لَيْسَ كَذَلِك. قَوْله: (مَا لَك وَلها) فِيهِ نهي عَن أَخذهَا. وَقَوله: (لَك أَو لأخيك) فِيهِ إِذن لأخذها. وَمن الْبَيَان فِيهِ: التَّشْبِيه، وَهُوَ فِي قَوْله: (مَعهَا سقاؤها وحذاؤها) ، فَإِنَّهُ شبه الْإِبِل بِمن كَانَ مَعَه حذاء وسقاء فِي السّفر. وَمن البديع: فِيهِ الجناس النَّاقِص: وَهُوَ فِي قَوْله: إعرف وَعرف، والحرف المشدد فِي حكم المخفف فِي هَذَا الْبَاب. فَافْهَم. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: حكى القَاضِي عَن بَعضهم الْإِجْمَاع على أَن معرفَة العفاص والوكاء من إِحْدَى عَلَامَات اللّقطَة. قلت: فَإِن وصفهَا وبيّنها، قَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: حل للملتقط أَن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ من غير أَن يجْبر عَلَيْهِ فِي الْقَضَاء. وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: يجْبر على دَفعهَا لما جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فَعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إِيَّاه، وإلاَّ فَهِيَ لَك) . وَهَذَا أَمر، وَهُوَ للْوُجُوب. قَالَت الْحَنَفِيَّة: هَذَا مُدع وَعَلِيهِ الْبَيِّنَة، لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (الْبَيِّنَة على من ادّعى) . والعلامة لَا تدل على الْملك وَلَا على الْيَد، لِأَن الْإِنْسَان قد يقف على مَال غَيره وَيخْفى عَلَيْهِ مَال نَفسه، فَلَا عِبْرَة بهَا. والْحَدِيث مَحْمُول على الْجَوَاز تَوْفِيقًا بَين الْأَخْبَار، لِأَن الْأَمر قد يُرَاد بِهِ الْإِبَاحَة، وَبِه نقُول، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: إِذا وصفهَا، فَهَل يجب إعطاؤها بِالْوَصْفِ أم لَا؟ ذهب مَالك إِلَى وُجُوبه، وَاخْتلف أَصْحَابه: هَل يحلف؟ قَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا يحلف. وَقَالَ أَشهب وَسَحْنُون: يحلف، وألحقوا بِهِ السَّارِق إِذا سرق مَالا وَنسي الْمَسْرُوق مِنْهُ، ثمَّ أَتَى من وَصفه فَإِنَّهُ يعْطى. وَأما الْوَدِيعَة إِذا نسي من أودعها إِيَّاه فَمن أَصْحَابه من أجراها مجْرى اللّقطَة وَالسَّرِقَة، وَمِنْهُم من فرق بَينهمَا، بِأَن كل مَوضِع يتَعَذَّر فِيهِ على الْمَالِك إِقَامَة الْبَيِّنَة اكْتفى فِيهِ بِالصّفةِ. وَفِي
المثالين الْأَوَّلين يتَعَذَّر إِقَامَة الْبَيِّنَة بِخِلَاف الْوَدِيعَة، ثمَّ فِي الْإِعْطَاء بِالْوَصْفِ مِنْهُم من شَرط الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة، وَمِنْهُم من اقْتصر على الْبَعْض. وَعند مَالك خلاف. قيل عِنْده: لَا بُد من معرفَة الْجَمِيع. وَقيل: يَكْفِي وصفان. وَقيل: لَا بُد من العفاص والوكاء. وَفِي (شرح السّنة) : اخْتلفُوا فِي أَنه لَو ادّعى رجل اللّقطَة وَعرف عفاصها ووكاءها فَذهب مَالك وَأحمد إِلَى أَنه: يدْفع إِلَيْهِ من غير بَيِّنَة أَقَامَهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَقْصُود من معرفَة العفاص والوكاء. وَقَالَ الشَّافِعِي وَالْحَنَفِيَّة: إِذا وَقع فِي النَّفس صدق الْمُدَّعِي فَلهُ أَن يُعْطِيهِ وإلاَّ فبينه. الثَّانِي: هَل يجب على اللاقط الْتِقَاط اللّقطَة؟ فَروِيَ عَن مَالك الْكَرَاهَة، وَرُوِيَ عَنهُ أَن أَخذهَا أفضل فِيمَا لَهُ بَال، وَللشَّافِعِيّ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَصَحهَا: يسْتَحبّ الْأَخْذ وَلَا يجب. وَالثَّانِي: يجب. وَالثَّالِث: إِن خَافَ عَلَيْهَا وَجب، وَإِن أَمن عَلَيْهَا اسْتحبَّ. وَعَن أَحْمد: ينْدب تَركهَا. وَفِي (شرح الطَّحَاوِيّ) : إِذا وجد لقطَة، فَالْأَفْضَل لَهُ أَن يرفعها إِذا كَانَ يَأْمَن على نَفسه، وَإِذا كَانَ لم يَأْمَن لَا يرفعها، وَفِي (شرح الأقطع) : يسْتَحبّ أَخذ اللّقطَة وَلَا يجب، وَفِي (النَّوَازِل) قَالَ أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سَلام: ترك اللّقطَة أفضل فِي قَول أَصْحَابنَا من رَفعه وَرفع اللَّقِيط أفضل من تَركه، وَفِي (خُلَاصَة الْفَتَاوَى) : إِن خَافَ ضياعها يفترض الرّفْع، وَإِن لم يخف يُبَاح رَفعهَا، أجمع الْعلمَاء عَلَيْهِ، وَالْأَفْضَل الرّفْع فِي ظَاهر الْمَذْهَب، وَفِي (فتاوي الولواجي) : اخْتلف الْعلمَاء فِي رَفعهَا، قَالَ بَعضهم رَفعهَا أفضل من تَركهَا، وَقَالَ بَعضهم: يحل رَفعهَا، وَتركهَا أفضل. وَفِي (شرح الطَّحَاوِيّ) : وَلَو رَفعهَا ووضعها فِي مَكَانَهُ ذَلِك فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي ظَاهر الرِّوَايَة. وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا: هَذَا إِذا لم يبرح من ذَلِك الْمَكَان حَتَّى وضع هُنَاكَ، فَأَما إِذا ذهب عَن مَكَانَهُ ذَلِك ثمَّ أَعَادَهَا ووضعها فِيهِ فَإِنَّهُ يضمن. وَقَالَ بَعضهم: يضمن مُطلقًا، وَهَذَا خلاف ظَاهر الرِّوَايَة. الثَّالِث: احْتج بِهِ من يمْنَع الْتِقَاط الْإِبِل إِذا استغنت بقوتها عَن حفظهَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد، وَيُقَال عِنْد الشَّافِعِي: لَا يَصح فِي الْكِبَار وَيصِح فِي الصغار، وَعند مَالك: لَا يَصح فِي الْإِبِل وَالْخَيْل والبغل وَالْحمار فَقَط، وَعند أَحْمد: لَا يَصح فِي الْكل حَتَّى الْغنم، وَعنهُ: يَصح فِي الْغنم. وَفِي بعض شُرُوح البُخَارِيّ: وَعند الشَّافِعِيَّة يجوز للْحِفْظ فَقَط، إلاَّ أَن يُوجد بقرية أَو بلد فَيجوز على الْأَصَح. وَعند الْمَالِكِيَّة ثَلَاثَة أَقْوَال فِي الْتِقَاط الْإِبِل. ثَالِثهَا: يجوز فِي الْقرى دون الصَّحرَاء. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: فِي معنى الْإِبِل كل مَا امْتنع بقوته عَن صغَار السبَاع كالفرس والأرنب والظبي. وَعند الْمَالِكِيَّة خلاف فِي ذَلِك. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يلْحق الْبَقر بِالْإِبِلِ دون غَيرهَا إِذا كَانَت بمَكَان لَا يخَاف عَلَيْهَا فِيهِ من السبَاع. وَقَالَ القَاضِي: اخْتلف عِنْد مَالك فِي الدَّوَابّ وَالْبَقر وَالْبِغَال وَالْحمير، هَل حكمهَا حكم الْإِبِل أَو سَائِر اللقطات؟ وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: يَصح الْتِقَاط الْبَهِيمَة مُطلقًا من أَي جنس كَانَ، لِأَنَّهَا مَال يتَوَهَّم ضيَاعه، والْحَدِيث مَحْمُول على مَا كَانَ فِي دِيَارهمْ، إِذْ كَانَ لَا يخَاف عَلَيْهَا من شَيْء، وَنحن نقُول فِي مثله بِتَرْكِهَا، وَهَذَا لِأَن فِي بعض الْبِلَاد الدَّوَابّ يسيبها أَهلهَا فِي البراري حَتَّى يحتاجوا إِلَيْهَا فيمسكوها وَقت حَاجتهم، وَلَا حَاجَة فِي التقاطها فِي مثل هَذِه الْحَالة، وَالَّذِي يدل على هَذَا مَا رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن ابْن شهَاب قَالَ: كَانَ ضوال الْإِبِل فِي زمن عمر، رَضِي الله عَنهُ، إبِلا مؤبلة، تتناتج لَا يمْسِكهَا أحد، حَتَّى إِذا كَانَ زمن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، أَمر بمعرفتها ثمَّ تبَاع، فَإِذا جَاءَ صَاحبهَا أعطي ثمنهَا. قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا كَانَت الْإِبِل للْقنية فَهِيَ إبل مؤبلة. الرَّابِع: التَّعْرِيف باللقطة. قَالَ أَصْحَابنَا: يعرفهَا إِلَى أَن يغلب على ظَنّه أَن رَبهَا لَا يطْلبهَا، وَهُوَ الصَّحِيح، لِأَن ذَلِك يخْتَلف بقلة المَال وكثرته، وروى مُحَمَّد بن أبي حنيفَة: إِن كَانَت أقل عَن عشرَة دَرَاهِم عرفهَا أَيَّامًا، وَإِن كَانَت عشرَة فَصَاعِدا عرفهَا حولا، وَقدره مُحَمَّد فِي الأَصْل بالحول من غير تَفْصِيل بَين الْقَلِيل وَالْكثير، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَمَالك. وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا إِن كَانَت مِائَتي دِرْهَم فَصَاعِدا يعرفهَا حولا، وَفِيمَا فَوق الْعشْرَة إِلَى مِائَتَيْنِ شهرا، وَفِي الْعشْرَة جُمُعَة، وَفِي ثَلَاثَة دَرَاهِم ثَلَاثَة أَيَّام، وَفِي دِرْهَم يَوْمًا، وَإِن كَانَت تَمْرَة وَنَحْوهَا تصدق بهَا مَكَانهَا، وَإِن كَانَ مُحْتَاجا أكلهَا مَكَانهَا. وَفِي (الْهِدَايَة) : إِذا كَانَت اللّقطَة شَيْئا يعلم أَن صَاحبهَا لَا يطْلبهَا كالنواة وقشر الرُّمَّان يكون القاؤه مُبَاحا، وَيجوز الِانْتِفَاع بِهِ من غير تَعْرِيف، لكنه مبقي على ملك مَالِكه لِأَن التَّمْلِيك من الْمَجْهُول لَا يَصح. وَفِي (الْوَاقِعَات) : الْمُخْتَار فِي القشور والنواة تَملكهَا، وَفِي الصَّيْد لَا يملكهُ، وَإِن جمع سنبلاً بعد الْحَصاد فَهُوَ لَهُ لإِجْمَاع النَّاس على ذَلِك، وَإِن سلخ شَاة ميتَة فَهُوَ لَهُ، ولصاحبها أَن يَأْخُذهَا مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الحكم فِي صوفها. وَقَالَ القَاضِي: وجوب التَّعْرِيف سنة إِجْمَاع، وَلم يشْتَرط أحد تَعْرِيف ثَلَاث سِنِين إلاَّ مَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَلَعَلَّه لم يثبت عَنهُ. قلت: وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه يعرفهَا ثَلَاثَة أشهر. وَعَن أَحْمد: يعرفهَا شهرا، حَكَاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه
عَنهُ، وَحكى عَن آخَرين أَنه يعرفهَا ثَلَاثَة أَيَّام، حَكَاهُ عَن الشَّاشِي وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة هَذَا إِذا أَرَادَ تَملكهَا، فَإِن أَرَادَ حفظهَا على صَاحبهَا فَقَط فالأكثرون من أَصْحَابنَا على أَنه لَا يجب التَّعْرِيف وَالْحَالة هَذِه، والأقوى الْوُجُوب، وَظَاهر الحَدِيث أَنه لَا فرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير فِي وجوب التَّعْرِيف، وَفِي مدَّته، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنه لَا يجب التَّعْرِيف فِي الْقَلِيل مِنْهُ، بل يعرفهُ زَمنا يظنّ أَن فاقده يتْركهُ غَالِبا. وَقَالَ اللَّيْث: إِن وجدهَا فِي الْقرى عرفهَا، وَإِن وجدهَا فِي الصَّحرَاء لَا يعرفهَا. وَقَالَ الْمَازرِيّ: لم يجر مَالك الْيَسِير مجْرى الْكثير، وَاسْتحبَّ فِيهِ التَّعْرِيف وَلم يبلغ بِهِ سنة، وَقد جَاءَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام: (مر بتمرة، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَن تكون من الصَّدَقَة لأكلتها) . فنبه على أَن الْيَسِير الَّذِي لَا يرجع إِلَيْهِ أَهله يُؤْكَل. وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن جَابر، رَضِي الله عَنهُ: رخص رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْعَصَا وَالسَّوْط وَالْحَبل وأشباهه، يلتقطه الرجل وَينْتَفع بِهِ. وَقد حد بعض الْعلمَاء الْيَسِير بِنَحْوِ الدِّينَار تعلقاً بِحَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، فِي الْتِقَاط الدِّينَار. وَكَون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يذكر لَهُ تعريفاً، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي (سنَنه) ، وَيُمكن أَن يكون اختصرها الرَّاوِي، هَكَذَا كَلَام الْمَازرِيّ. وَقَالَ القَاضِي: حَدِيث أبي، رَضِي الله عَنهُ، يدل على عدم الْفرق بَين الْيَسِير وَغَيره لاحتجاجه فِي السَّوْط بِعُمُوم الحَدِيث. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، فَعرفهُ عَليّ وَلم يجد من يعرفهُ. قلت: أَرَادَ بِحَدِيث أبي، هُوَ قَوْله: (وجدت صرة، مائَة دِينَار، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عرفهَا حولا، فعرفتها فَلم أجد من يعرفهَا، ثمَّ اتيته فَقَالَ: عرفهَا حولا، فعرفتها فَلم أجد، ثمَّ أَتَيْته ثَلَاثًا فَقَالَ: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فاستمتع) . قَالَ الرَّاوِي: فَلَقِيت، يَعْنِي أبي بن كَعْب، فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَة أَحْوَال أَو حولا وَاحِدًا. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِن السَّوْط والعصا وَالْحَبل وَنَحْوه لَيْسَ فِيهِ تَعْرِيف، وَإنَّهُ مِمَّا يُعْفَى عَن طلبه، وتطيب النَّفس بِتَرْكِهِ كالتمرة وَقَلِيل الطَّعَام. وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: الْيَسِير التافه الَّذِي لَا يتمول كالحبة من الْحِنْطَة وَالزَّبِيب وَشبههَا لَا يعرف، وَإِن كَانَ قَلِيلا متمولاً يجب تَعْرِيفه، وَاخْتلفُوا فِي الْقَلِيل، فَقيل: مَا دون نِصَاب السّرقَة، وَقيل: الدِّينَار فَمَا فَوْقه، وَقيل: وزن الدِّرْهَم. وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي تَعْرِيفه. فَقيل: سنة كالكثير، وَقيل: مُدَّة يظنّ فِي مثلهَا طلب الفاقد لَهَا،، وَإِذا غلب على ظَنّه إعراضه عَنْهَا سقط الطّلب، فعلى هَذَا يخْتَلف بِكَثْرَة المَال وقلته، فدانق الْفضة يعرف فِي الْحَال، ودانق الذَّهَب يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ. الْخَامِس: الِاسْتِمْتَاع بهَا إِن كَانَ فَقِيرا، وَلَا يتَصَدَّق بهَا على فَقير أَجْنَبِي أَو قريب مِنْهُ، وأباح الشَّافِعِي للغني الْوَاجِد لحَدِيث أبي بن كَعْب فِيمَا رَوَاهُ مُسلم وَأحمد: (عرفهَا، فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بعدتها ووعائها ووكاءها فاعطها إِيَّاه وإلاَّ فاستمتع بهَا) . وبظاهر مَا فِي هَذَا الحَدِيث أَعنِي حَدِيث الْبَاب: (ثمَّ استمتع بهَا) . قَالَ الْخطابِيّ: فِي لفظ: ثمَّ استمتع، بَيَان أَنَّهَا لَهُ بعد التَّعْرِيف، يفعل بهَا مَا شَاءَ بِشَرْط أَن يردهَا إِذا جَاءَ صَاحبهَا إِن كَانَت بَاقِيَة، أَو قيمتهَا إِن كَانَت تالفة، فَإِذا ضَاعَت اللّقطَة نظر، فَإِن كَانَ فِي مُدَّة السّنة لم يكن عَلَيْهِ شَيْء، لِأَن يَده يَد أَمَانَة، وَإِن ضَاعَت بعد السّنة فَعَلَيهِ الغرامة لِأَنَّهَا صَارَت دينا عَلَيْهِ. وَأغْرب الْكَرَابِيسِي من الشَّافِعِيَّة، فَقَالَ: لَا يلْزمه ردهَا بعد التَّعْرِيف، وَلَا رد بدلهَا، وَهُوَ قَول دَاوُد، وَقَول مَالك فِي الشَّاة. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَالثَّوْري: يتَصَدَّق بهَا وَلَا يأكلها، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس. وَقَالَ مَالك: يسْتَحبّ لَهُ أَن يتَصَدَّق بهَا مَعَ الضَّمَان. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: المَال الْكثير يَجْعَل فِي بَيت المَال بعد السّنة. وَحجَّة الْحَنَفِيَّة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فليتصدق بِهِ) ، وَمحل الصَّدَقَة الْفُقَرَاء وَأَجَابُوا عَن حَدِيث أبي، رَضِي الله عَنهُ، وَأَمْثَاله بِأَنَّهُ حِكَايَة حَال، فَيجوز أَنه، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، عرف فقره، إِمَّا لديون عَلَيْهِ، أَو قلَّة مَاله أَو يكون إِذْنا مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَذَلِكَ جَائِز عندنَا من الإِمَام على سَبِيل الْقَرْض، وَيحْتَمل أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عرف أَنه فِي مَال كَافِر حَرْبِيّ. السَّادِس: اسْتدلَّ الْمَازرِيّ لعدم الغرامة بقوله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (هِيَ لَك) ، وَظَاهره التَّمْلِيك، وَالْمَالِك لَا يغرم. وَنبهَ بقوله: (للذئب) أَنَّهَا كالتالفة على كل حَال، وَأَنَّهَا مِمَّا لَا ينْتَفع صَاحبهَا ببقائها. واجيب: لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، رحمهمَا الله تَعَالَى، بِأَن اللَّام للاختصاص، أَي: إِنَّك تخْتَص بهَا، وَيجوز لَك أكلهَا وَأَخذهَا، وَلَيْسَ فِيهِ تعرض للغرم وَلَا لعدمه، بل بِدَلِيل آخر، وَهُوَ قَوْله: (فَإِن جَاءَ رَبهَا يَوْمًا فأدها إِلَيْهِ) . السَّابِع: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الحكم والفتيا فِي حَال الْغَضَب، وَأَنه نَافِذ. لَكِن يكره فِي حَقنا بِخِلَاف النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهُ يُؤمن عَلَيْهِ فِي الْغَضَب مَا يخَاف علينا. وَقد حكم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، للزبير، رَضِي الله عَنهُ، فِي شراج الْحرَّة فِي حَال غَضَبه. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز قَول الْإِنْسَان: رب المَال وَرب الْمَتَاع. وَمِنْهُم من كره إِضَافَته إِلَى مَا لَهُ روح. التَّاسِع: فِي قَوْله: (إعرف عفاصها
ووكاءها) دَلِيل بَين على إبِْطَال قَول من ادّعى علم الْغَيْب فِي الْأَشْيَاء كلهَا من الكهنة والمنجمين وَغَيرهم، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَو علم أَنه يُوصل إِلَى علم ذَلِك من هَذِه الْوُجُوه لم يكن فِي قَوْله فِي معرفَة علاماتها وَجه. الْعَاشِر: إِن صَاحب اللّقطَة إِذا جَاءَ فَهُوَ أَحَق بهَا من ملتقطها إِذا ثَبت أَنه صَاحبهَا، فَإِن وجدهَا قد أكلهَا الْمُلْتَقط بعد الْحول، وَأَرَادَ أَن يضمنهُ كَانَ لَهُ ذَلِك، وَإِن كَانَ قد تصدق بهَا فصاحبها مُخَيّر بَين التَّضْمِين وَبَين أَن يتْرك على أجرهَا، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُم، وَهُوَ قَول طَاوس وَعِكْرِمَة وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْحسن بن حَيّ رَحِمهم الله. الْحَادِي عشر: احتجت الشَّافِعِيَّة بقوله: (استمتع بهَا) ، وَبِمَا جَاءَ فِي بعض طرق الحَدِيث: (فَإِن جَاءَ من يعرفهَا وإلاَّ فاخلطها بِمَالك) . وَفِي بَعْضهَا: (عرفهَا سنة ثمَّ أعرف وكاءها وعفاصها، ثمَّ استنفق بهَا، فَإِن جَاءَ رَبهَا فأدها إِلَيْهِ) . وَبِمَا جَاءَ فِي مُسلم: (فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فَعرف عفاصها وعددها وكاءها فاعطها إِيَّاه، وإلاَّ فَهِيَ لَك) . وَفِي بعض طرقه: (ثمَّ عرفهَا سنة، فَإِن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وَدِيعَة عنْدك. فَإِن جَاءَ طالبها يَوْمًا من الدَّهْر فأدها إِلَيْهِ) ، على أَن من عرفهَا سنة وَلم يظْهر صَاحبهَا كَانَ لَهُ تَملكهَا، سَوَاء كَانَ غَنِيا أَو فَقِيرا، ثمَّ اخْتلفُوا: هَل تدخل فِي ملكه بِاخْتِيَارِهِ أَو بِغَيْر اخْتِيَاره؟ فَعِنْدَ الْأَكْثَرين تدخل بِغَيْر الِاخْتِيَار، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب مُسْتَوفى. 92 - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ قَالَ: حدّثنا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ أشياءَ كَرهَها، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ثُمَّ قَالَ للِنَّاسِ: (سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ) قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أبي؟ قَالَ: (أبُوك حُذَافَةُ) فَقامُ آخرُ فَقَالَ: مَنْ أبي يَا رسولَ الله {فَقَالَ: (أبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ) . فَلمَّا رأَى عُمَرُ مَا فِي وجْهِهِ قَالَ: رسولَ الله} إنَّا نَتُوبُ إلَى الله عَزَّ وجَلَّ. (الحَدِيث 92 طرْقَة فِي: 7291) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا أَكثر عَلَيْهِ غضب) . بَيَان رِجَاله: هم خَمْسَة قد ذكرُوا أعيانهم بِهَذِهِ السلسلة فِي: بَاب فضل من علم وَعلم، وَكلهمْ كوفيون، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة. وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد اللَّه، وَأَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، عَامر بن أبي مُوسَى، وَأَبُو مُوسَى عبد اللَّه بن قيس الْأَشْعَرِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن أبي كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء، وَفِي كتاب الِاعْتِصَام فِي: بَاب مَا يكره من كَثْرَة السُّؤَال، عَن يُوسُف بن مُوسَى، وَفِي الْفَضَائِل عَن أبي كريب وَعبد اللَّه بن براد، ثَلَاثَتهمْ عَن أُسَامَة عَنهُ بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (عَن أَشْيَاء) : هُوَ غير منصرف، قَالَ الْخَلِيل: إِنَّمَا ترك صرفه لِأَن أَصله: فعلاء كالشعراء جمع على غير الْوَاحِد، فنقلوا الْهمزَة الأولى إِلَى أول الْكَلِمَة، فَقَالُوا: اشياء، فوزنه: أفعاء. وَقَالَ الْأَخْفَش وَالْفراء: هُوَ أفعلاء كالأنبياء، فحذفت الْهمزَة الَّتِي بَين الْيَاء وَالْألف للتَّخْفِيف، فوزنه أفعاء. وَقَالَ الْكسَائي: هُوَ أَفعَال كأفراخ، وَإِنَّمَا تركُوا صرفهَا لِكَثْرَة استعمالهم لَهَا، وَلِأَنَّهَا شبهت بفعلاء. وَقَالَ فِي (الْعباب) : الشَّيْء تصغيره شَيْء، وشييء بِكَسْر الشين، وَلَا تقل: شوىء، وَالْجمع: اشياء، غير مصروفة. وَالدَّلِيل على قَول الْخَلِيل أَنَّهَا لَا تصرف أَنَّهَا تصغر على اشياء وَأَنَّهَا تجمع على أشاوي، وَأَصلهَا: أشائي، قلبت الْهمزَة يَاء فاجتمعت ثَلَاث ياآت فحذفت الْوُسْطَى، وقلبت الْأَخِيرَة ألفا فابدلت من الأول وَاو. وَحكى الْأَصْمَعِي أَنه سمع رجلا من فصحاء الْعَرَب يَقُول لخلف الْأَحْمَر: إِن عنْدك لأشاوي مِثَال الصحارى، وَيجمع أَيْضا على: أشايا وأشياوات، وَيدخل على قَول الْكسَائي أَن لَا تصرف: أَبنَاء وَأَسْمَاء، وعَلى قَول الْأَخْفَش أَن لَا تجمع على: أشاوى. قَوْله: (كرهها) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة الْأَشْيَاء، وَإِنَّمَا كره لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ سَببا لتَحْرِيم شَيْء على الْمُسلمين فتلحقهم بِهِ الْمَشَقَّة، أَو رُبمَا كَانَ فِي الْجَواب مَا يكره السَّائِل ويسوؤه، أَو رُبمَا أحفوه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والحقوه الْمَشَقَّة والأذى، فَيكون ذَلِك سَببا لهلاكهم، وَهَذَا فِي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا ضَرُورَة وَلَا حَاجَة إِلَيْهَا أَو لَا يتَعَلَّق بهَا تَكْلِيف وَنَحْوه. وَفِي غير ذَلِك لَا تتَصَوَّر الْكَرَاهَة لِأَن السُّؤَال حينئذٍ إِمَّا وَاجِب أَو مَنْدُوب لقَوْله تَعَالَى: {فاسئلوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ} (النَّحْل: 43، والأنبياء: 7) . قَوْله: (فَلَمَّا أَكثر عَلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: فَلَمَّا أَكثر السُّؤَال على النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، غضب. وَهُوَ جَوَاب: لما. وَسبب غَضَبه تعنتهم فِي السُّؤَال وتكلفهم فِيمَا لَا حَاجَة لَهُم فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (إِن أعظم الْمُسلمين جرما من سَأَلَ عَن شي فَحرم من أجل مَسْأَلته) . أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث سعد. قَوْله: (سلوني) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول. قَالَ بعض الْعلمَاء: هَذَا القَوْل
- (باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث)
مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَحْمُول على أَنه أُوحِي إِلَيْهِ بِهِ، إِذْ لَا يعلم كل مَا يسْأَل عَنهُ من المغيبات إلاَّ بإعلام الله تَعَالَى. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: ظَاهر الحَدِيث أَن قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (سلوني) إِنَّمَا كَانَ غَضبا. قَوْله: (عَمَّا شِئْتُم) . وَفِي بعض النّسخ: (عَم شِئْتُم) . بِحَذْف الْألف. قلت: إِنَّه يجب حذف ألف: مَا، الاستفهامية إِذا جرَّت، وإبقاء الفتحة دَلِيلا عَلَيْهَا، نَحْو: فيمَ وإلام وعلام. وَعلة الْحَذف الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: {فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا} (النازعات: 43) . {فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ} (النَّمْل: 35) . {لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصَّفّ: 2) وَثَبت فِي {لمسكم فِيمَا افضتم فِيهِ عَذَاب عَظِيم} (النُّور: 14) {يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك} (الْبَقَرَة: 4، النِّسَاء: 162) {مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي} (ص: 75) . وكما لَا تحذف الْألف فِي الْخَبَر لَا تثبت فِي الِاسْتِفْهَام، وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى: {عَمَّا يتساءلون} (النبأ: 1) ، فنادرة. وَأما قَول حسان، رَضِي الله عَنهُ: (علاما قَامَ يَشْتمنِي لئيم ... كخنزير تمرغ فِي رماد) فضرورة. ويروى: فِي دمان، وَهُوَ كالرماد وزنا وَمعنى. قَوْله: (قَالَ رجل) هُوَ عبد اللَّه بن حذافة. وَقد تقدم تَعْرِيفه فِي: بَاب مَا يذكر من المناولة. قَوْله: (من أبي) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مقول القَوْل، وَكَذَلِكَ قَوْله: (أَبوك حذافة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة المخففة. فَإِن قلت: لم سَأَلَهُ عَن ذَلِك؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ ينْسب إِلَى غير أَبِيه إِذا لاحى أحدا، فنسبه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى أَبِيه. فَإِن قلت: من أَيْن عرف رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنه ابْنه؟ قلت: إِمَّا بِالْوَحْي، وَهُوَ الظَّاهِر، أَو بِحكم الفراسة، أَو بِالْقِيَاسِ، أَو بالاستلحاق. قَوْله: (فَقَامَ إِلَيْهِ) أَي إِلَى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، (آخر) أَي: رجل آخر. قَوْله: (أَبوك سَالم) مُبْتَدأ وَخبر مقول القَوْل. قَوْله: (مَا فِي وَجهه) أَي: من أثر الْغَضَب. وَمَا، مَوْصُولَة، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول: رأى، وَهُوَ من الرُّؤْيَة بِمَعْنى الإبصار، وَلِهَذَا اقْتصر على مفعول وَاحِد. قَوْله: (قَالَ: يَا رَسُول الله) جَوَاب: لما. قَوْله: (إِنَّا نتوب إِلَى الله) جملَة وَقعت مقول القَوْل، أَي: نتوب من الأسئلة الْمَكْرُوهَة مِمَّا لَا يرضاه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك عمر، رَضِي الله عَنهُ، لِأَنَّهُ لما رأى حرصهم، وَقدر مَا علمه الله، خشِي أَن يكون ذَلِك كالتعنت لَهُ وَالشَّكّ فِي أمره، فَقَالَ: إِنَّا نتوب إِلَى الله. وَفِي الحَدِيث: فهمُ عمر وفضلُ علمه، فَإِن الْعَالم لَا يسْأَل إلاَّ فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَفِيه كَرَاهَة لسؤال للتعنت، وَفِيه معْجزَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. 29 - (بابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبتَيْهِ عِنْدَ الإِمامِ أَو المُحِدِّثِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من برك، بتَخْفِيف الرَّاء، يُقَال: برك الْبَعِير بروكاً، أَي استناخ، وكل شَيْء ثَبت وَأقَام فقد برك. قَالَ الصغاني: وبرك بروكاً اجْتهد، والتركيب يدل على ثبات الشَّيْء، ثمَّ يتَفَرَّع فروع يُقَارب بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِسْنَاده إِلَى الْإِنْسَان على طَريقَة الْمجَاز الْمُسَمّى بِغَيْر الْمُقَيد، وَهُوَ أَن تكون الْكَلِمَة مَوْضُوعَة لحقيقة من الْحَقَائِق مَعَ قيد، فيستعملها لتِلْك الْحَقِيقَة لَا مَعَ ذَلِك الْقَيْد بمعونة الْقَرِينَة، مثل أَن يسْتَعْمل المشفر وَهُوَ لشفة الْبَعِير لمُطلق الشّفة. فَيَقُول: زيد غليظ المشفر. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول غضب الْعَالم على السَّائِل لعدم جريه على مُوجب الْأَدَب، وَفِي هَذَا الْبَاب يذكر أدب المتعلم عِنْد الْعَالم، فتناسبا من هَذِه الْحَيْثِيَّة. 93 - حدّثنا أبُو اليَمان قالَ: أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخبْرني أنَسُ بنُ مالِكٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرَجَ، فقامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أبي؟ فَقَالَ: (أبوكَ حُذَافَةُ) ثُمَّ أكْثَرَ أنْ يَقُولَ: (سَلُونِي) فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رضِينَا بِاللَّه ربًّا وبالإِسْلامِ دِيناً وبمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبِيًّا، فَسَكَتَ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله أَرْبَعَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْعلم، وَفِي الصَّلَاة، وَفِي الِاعْتِصَام عَن أبي الْيَمَان عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن الدَّارِيّ عَن أبي الْيَمَان بِهِ. قَوْله: (فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّه) مَعْنَاهُ: رَضِينَا بِمَا عندنَا من كتاب الله وَسنة نَبينَا، واكتفينا بِهِ عَن السُّؤَال أبلغ كِفَايَة. وَقَوله هَذِه الْمقَالة إِنَّمَا كَانَ أدباً وإكراماً لرَسُول الله
- (باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه)
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشفقة على الْمُسلمين لِئَلَّا يؤذوا النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فيدخلوا تَحت قَوْله: {إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَاعد لَهُم عذَابا مهيناً} (الْأَحْزَاب: 57) . وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: كَانَ قوم يسْأَلُون رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، استهزاء فَيَقُول الرجل: من أبي؟ وَيَقُول الرجل تضل نَاقَته: أَيْن نَاقَتي؟ فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة. فَإِن قلت: بِمَاذَا نصب: رَبًّا وديناً وَنَبِيًّا؟ قلت: على التَّمْيِيز، وَهُوَ، وَإِن كَانَ الأَصْل أَن يكون فِي الْمَعْنى فَاعِلا، يجوز أَن يكون مَفْعُولا أَيْضا، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وفجرنا الأَرْض عيُونا} (الْقَمَر: 12) وَيجوز أَن يكون نصبها على المفعولية، لِأَن: رَضِي إِذا عدي بِالْبَاء يتَعَدَّى إِلَى مفعول آخر، وَالْمرَاد من الدّين هَهُنَا التَّوْحِيد، وَبِه فسر الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا} (آل عمرَان: 85) يَعْنِي التَّوْحِيد، وَأما فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم إِذْ طلع علينا رجل) الحَدِيث، فقد أطلق رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الدّين على الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان. بقوله: (إِنَّه جِبْرِيل أَتَاكُم يعلمكم دينكُمْ) . وَإِنَّمَا علمهمْ هَذِه الثَّلَاثَة، وَالْحَاصِل أَن الدّين تَارَة يُطلق على الثَّلَاثَة الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَتارَة يُطلق على الْإِسْلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا} (الْمَائِدَة: 3) وَهَذَا يمْنَع قَول من يَقُول: بَين الْآيَة والْحَدِيث مُعَارضَة حَيْثُ أطلق الدّين فِي الحَدِيث على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَفِي الْآيَة على شَيْء وَاحِد. وَاخْتِلَاف الْإِطْلَاق إِمَّا بالاشتراك أَو بِالْحَقِيقَةِ أَو الْمجَاز أَو بالتواطىء، فَفِي الحَدِيث أطلق على مَجْمُوع الثَّلَاثَة وَهُوَ أحد مدلوليه، وَفِي الْآيَة أطلق على الْإِسْلَام وَحده، وَهُوَ مُسَمَّاهُ الآخر. فَإِن قلت: لم قَالَ. بِالْإِسْلَامِ، وَلم يقل: بِالْإِيمَان؟ قلت: الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَاحِد، فَلَا يرد السُّؤَال. قَوْله: (فَسكت) أَي: رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي بعض النّسخ وجد قبل لَفْظَة ثَلَاثًا أَي: قَالَه ثَلَاث مَرَّات. وَفِي بعض الرِّوَايَات: (فسكن غَضَبه) مَوضِع (فَسكت) . وَكَانَ ذَلِك من أثر مَا قَالَه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلم يزل موفقاً فِي رَأْيه ينْطق الْحق على لِسَانه، رَضِي الله عَنهُ، وَالله أعلم. 30 - (بَاب مَنْ أعادَ الحَدِيثَ ثَلاثاً لِيُفْهَمَ عَنْهُ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من أعَاد كَلَامه فِي أُمُور الدّين ثَلَاث مَرَّات لأجل أَن يفهم عَنهُ، وَفِي بعض النّسخ: ليفهم، بِكَسْر الْهَاء بِدُونِ لَفْظَة: عَنهُ. أَي: ليفهم غَيره. قَالَ الْخطابِيّ: إِعَادَة الْكَلَام ثَلَاثًا إِمَّا لِأَن من الْحَاضِرين من يقصر فهمه عَن وعيه فيكرره ليفهم، وَإِمَّا أَن يكون القَوْل فِيهِ بعض الْإِشْكَال فيتظاهر بِالْبَيَانِ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: أَو أَرَادَ الإبلاغ فِي التَّعْلِيم والزجر فِي الموعظة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول يرجع إِلَى شَأْن السَّائِل المتعلم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي شَأْن المتعلم، لِأَن إِعَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث مَرَّات إِنَّمَا كَانَت لأجل المتعلمين والسائلين ليفهموا كَلَامه حق الْفَهم، وَلَا يفوت عَنْهُم شَيْء من كَلَامه الْكَرِيم. فَقَالَ: ألاَ وقَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكرِّرُها هَذِه قِطْعَة من حَدِيث ذكرهَا على سَبِيل التَّعْلِيق، وَذكره فِي كتاب الشَّهَادَات مَوْصُولا بِتَمَامِهِ، وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا انبئكم بأكبر الْكَبَائِر؟ ثَلَاثًا، قَالُوا: بلَى يَا رَسُول الله. قَالَ: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَجلسَ وَكَانَ مُتكئا، فَقَالَ: أَلا وَقَول الزُّور، فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا: ليته سكت) . قَوْله: (أَلا) مخفف حرف التَّنْبِيه، ذكر ليدل على تَحْقِيق مَا بعده وتأكيده. قَوْله: (وَقَول الزُّور) فِي الحَدِيث مَرْفُوع عطفا على قَوْله: (الْإِشْرَاك بِاللَّه) فههنا أَيْضا مَرْفُوع لِأَنَّهُ حِكَايَة عَنهُ، و: الزُّور، بِضَم الزَّاي: الْكَذِب والميل عَن الْحق، وَالْمرَاد مِنْهُ الشَّهَادَة، فَلذَلِك أنث الضَّمِير فِي قَوْله: يكررها، وأنثه بِاعْتِبَار الْجُمْلَة، أَو بِاعْتِبَار الثَّلَاثَة. وَمعنى قَوْله: (فَمَا زَالَ يكررها) أَي: مَا دَامَ فِي مَجْلِسه لَا مُدَّة عمره. وَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثاً هَذَا أَيْضا، تَعْلِيق وَصله فِي خطْبَة الْوَدَاع عَن عبد اللَّه بن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع: (أَلا أَي شهر تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا شهرنا هَذَا. قَالَ: أَلا أَي بلد تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا بلدنا هَذَا. قَالَ: أَلا أَي يَوْم تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا يَوْمنَا هَذَا. قَالَ: فَإِن الله تبَارك وَتَعَالَى حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ إلاَّ بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي بلدكم هَذَا. فِي شهركم هَذَا أَلا هَل بلغت؟ ثَلَاثًا. كل ذَلِك يجيبونه: أَلا نعم. قَالَ: وَيحكم أَو: وَيْلكُمْ لَا ترجعن بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض) . قَوْله: (ثَلَاثًا) . يتَعَلَّق بقوله: (قَالَ) . لَا بقوله: (بلغت) . وَالْمعْنَى: قَالَ: هَل بلغت؟ ثَلَاث مَرَّات.
94 - حدّثنا عَبْدَةُ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدّثنا ثُمامَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عنْ أَنسٍ عَن النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ كانَ إذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثاً وإذَا تَكَلَّمَ بكلِمَةٍ أعادَها ثَلَاثًا. [/ نه 95 - حدّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدّثنا ثُمَامَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عنْ أنسٍ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ كانَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أعادَها ثَلاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وإذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهْم سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثاً. (انْظُر الحَدِيث: 94 وطرفه) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَبدة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد اللَّه بن عَبدة الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، أَبُو سهل، أَصله كُوفِي، روى عَنهُ الْجَمَاعَة إلاَّ مُسلما. قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، توفّي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. وَفِي الْكتب السِّتَّة: عَبدة، ثَلَاثَة أخر: عَبدة بن سُلَيْمَان الْمروزِي روى لَهُ أَبُو دَاوُد. وَعَبدَة ابْن عبد الرَّحْمَن الْمروزِي روى لَهُ النَّسَائِيّ. وَعَبدَة بن أبي لبَابَة روى لَهُ خَلاد. الثَّانِي: عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بن سعيد بن ذكْوَان التَّمِيمِي الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ، أَبُو سهل الْحَافِظ الْحجَّة، مَاتَ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ. وَفِي الْكتب السِّتَّة: عبد الصَّمد، ثَلَاثَة هَذَا أحدهم. الثَّانِي: عبد الصَّمد بن حبيب العوذي، أخرج لَهُ أَبُو دَاوُد وَفِيه لين. الثَّالِث: عبد الصَّمد بن سُلَيْمَان الْبَلْخِي الْحَافِظ، روى عِنْد التِّرْمِذِيّ. الثَّالِث: عبد اللَّه بن الْمثنى بن عبد اللَّه بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَالِد مُحَمَّد القَاضِي بِالْبَصْرَةِ، روى عَن عمومته وَالْحسن، وَعنهُ ابْنه وَغَيره. قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره: صَالح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا أخرج حَدِيثه. روى لَهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. الرَّابِع: ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الميمين: ابْن عبد اللَّه بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ، قاضيها. روى عَن جده والبراء، وَعنهُ عبد اللَّه ابْن الْمثنى وَمعمر وعدة، وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ ابْن عدي: ارجو أَنه لَا بَأْس بِهِ، وَأَشَارَ ابْن معِين إِلَى تَضْعِيفه. وَقيل: إِنَّه لم يحمد فِي الْقَضَاء. وَذكر حَدِيث الصَّدقَات لِابْنِ معِين فَقَالَ: لَا يَصح، يرويهِ ثُمَامَة عَن أنس وَهُوَ فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) كَمَا سَيَأْتِي، وَانْفَرَدَ بِحَدِيث: كَانَ قيس بِمَنْزِلَة صَاحب الشرطة من الْأَمِير، وَهُوَ فِي البُخَارِيّ أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وروى حَمَّاد عَنهُ عَن أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على صبي فَقَالَ: لَو نجى أحد من ضمة الْقَبْر لنجى هَذَا الصَّبِي، وَهَذَا مُنكر، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة ثُمَامَة بن عبد اللَّه غير هَذَا، فَافْهَم. وَفِيهِمْ ثُمَامَة سِتَّة عشر. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من هُوَ مُنْفَرد فِي البُخَارِيّ لَيْسَ غَيره. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور عَن عبد الصَّمد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور أَيْضا، وَفِي المناقب عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن سَالم بن قُتَيْبَة عَن عبد اللَّه بن الْمثنى بِبَعْضِه: كَانَ يُعِيد الْكَلِمَة ثَلَاثًا لتعقل عَنهُ، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث عبد اللَّه بن الْمثنى. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (كَانَ) قَالَ الأصوليون: مثل هَذَا التَّرْكِيب يشْعر بالاستمرار. قلت: لِأَن: كَانَ، تدل على الثُّبُوت والدوام بِخِلَاف: صَار، فَإِنَّهُ يدل على الِانْتِقَال. فَلهَذَا يجوز أَن يُقَال: كَانَ الله، وَلَا يجوز: صَار الله. وَاسم: كَانَ، مستتر فِيهِ، وَالْجُمْلَة الَّتِي بعده خَبره. قَوْله: (بِكَلِمَة) أَي: بِكَلَام هَذَا من بَاب إِطْلَاق اسْم الْبَعْض على الْكل، كَمَا فِي قَوْله: إِن أصدق كلمة قَالَهَا شَاعِر قَول لبيد: (أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل) قَوْله: (أَعَادَهَا) خبر: إِذا. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (حَتَّى تفهم مِنْهُ) أَي: حَتَّى تعقل مِنْهُ، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، و: حَتَّى، هُنَا مرادفة: لكَي، التعليلية وَقد ذكرنَا عَن قريب وَجه الْإِعَادَة والتكرار. قَوْله: (فَسلم) لَيْسَ جَوَاب: إِذا، وَإِنَّمَا هُوَ عطف على قَوْله: (أَتَى) من تَتِمَّة الشَّرْط، وَالْجَوَاب هُوَ قَوْله: (سلم) وَوجه الثَّلَاث فِي التَّسْلِيم يشبه أَن يكون عِنْد الاسْتِئْذَان، وَقد رُوِيَ عَن سعد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَهُ وَهُوَ فِي بَيته، فَسلم فَلم يجبهُ، ثمَّ سلم ثَانِيًا ثمَّ سلم ثَالِثا، فَانْصَرف. فَخرج سعد فَتَبِعَهُ وَقَالَ: يَا رَسُول الله بِأبي تسليمك، وَلَكِن أردْت أَن استكثر من بركَة تسليمك) . وَفِيه نظر، لِأَن تَسْلِيمَة الاسْتِئْذَان لَا تثنى إِذا حصل الْإِذْن بِالْأولَى وَلَا تثلث إِذا حصل بِالثَّانِيَةِ. ثمَّ إِنَّه ذكره بِحرف إِذا الْمُقْتَضِيَة لتكرار الْفِعْل كرة بعد أُخْرَى وتسليمه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،
- (باب تعليم الرجل أمته وأهله)
على بَاب سعد نَادِر، وَلم يذكر عَنهُ فِي غير هَذَا الحَدِيث. وَالْوَجْه فِيهِ أَن يُقَال مَعْنَاهُ: كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذا أَتَى على قوم سلم عَلَيْهِم تَسْلِيمَة الاسْتِئْذَان، وَإِذا دخل سلم تَسْلِيمَة التَّحِيَّة، ثمَّ إِذا قَامَ من الْمجْلس سلم تَسْلِيمَة الْوَدَاع. وَهَذِه التسليمات كلهَا مسنونة. وَكَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يواظب عَلَيْهَا وَلَا يزِيد عَلَيْهَا فِي هَذِه السّنة على الْأَقْسَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حرف: إِذا، لَا يَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل إِنَّمَا الْمُقْتَضى لَهُ من الْحُرُوف: كلما، فَقَط. نعم التَّرْكِيب مُفِيد للاستمرار، ثمَّ مَا قَالَ هُوَ أَمر نَادِر لم يذكر فِي غَيره مَمْنُوع، وَكَيف وَقد صَحَّ حَدِيث: (إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَليرْجع) ؟ قلت: نعم: إِذا لَا يَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل، وَلَكِن من اقتضائه الثَّبَات والدوام، وَيصدق عَلَيْهِ التّكْرَار. وَقَوله: (إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا) أَعم من أَن يكون بِالسَّلَامِ وَغَيره. وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه أَن الثَّلَاث غَايَة مَا يَقع بِهِ الْبَيَان والأعذار. قلت: اخْتلف فِيمَا إِذا ظن أَنه لم يسمع هَل يزِيد على الثَّلَاث؟ فَقيل: لَا يزِيد أخذا بِظَاهِر الحَدِيث. وَقيل: يزِيد. وَالسّنة أَن يسلم ثَلَاثًا، فَيَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم، أَدخل. 96 - حدّثنا مُسَدَّدُ قَالَ: حدّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بِشْرٍ عنْ يُوسُفَ بنِ ماهِكٍ عنْ عَبْدِ اللَّه بنِ عَمْرٍ وَقال: تخَلَّفَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ سافَرْناهُ فادْرَكَنَا وقَدْ أَرْهقنا الصَّلاةُ، صلاةَ العَصْرِ، ونَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنا نَمْسَحُ عَلى أرْجُلْنا، فَنادَى بأعْلَى صَوْتِهِ: (وَيْلٌ لْلأعْقابِ مِنَ النارِ) مَرَّتَيْنِ أَو ثَلاثاً. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد قد مر فِي: بَاب من رفع صَوته بِالْعلمِ، غير أَنه أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة، وَهنا عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة، واسْمه: الوضاح، وَأَبُو بشر اسْمه: جَعْفَر بن إِيَاس. وَالِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن فِي موضِعين: احدهما: قَوْله: (فِي سفر سافرناه) ، وَهُنَاكَ: (فِي سفرة سافرناها) وَالْآخر: قَوْله: (صَلَاة الْعَصْر) : لَيْسَ بمذكور هُنَاكَ. قَوْله: (فَأَدْرَكنَا) ، بِفَتْح الرَّاء أَي: النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أدركنا، وَالْحَال أَن صَلَاة الْعَصْر قد أدركتنا. قَوْله: (ارهقنا الصَّلَاة) بِوَجْهَيْنِ. أَحدهمَا: بِسُكُون الْقَاف، وَنصب الصَّلَاة على المفعولية. وَالْآخر: بتحريك الْقَاف وَرفع الصَّلَاة على الفاعلية. وَقَوله: (صَلَاة الْعَصْر) بِالرَّفْع وَالنّصب بدل من الصَّلَاة، أَو بَيَان. وَالْوَاو فِي: وَنحن، أَيْضا للْحَال. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. 31 - (بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أمَتَهُ وأهْلَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْلِيم الرجل جَارِيَته وَأهل بَيته. الْأمة: أَصله: أموة بِالتَّحْرِيكِ لِأَنَّهُ يجمع على آم، وَهُوَ أفعل، مثل نَاقَة وأنيق، وَلَا يجمع فعلة بالتسكين على ذَلِك، وَيجمع على إِمَاء أَيْضا. وَيُقَال: أَمُوت أموة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أموى بِالْفَتْح، وتصغيرها: أُميَّة، وَهُوَ اسْم قَبيلَة أَيْضا، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أموى أَيْضا بِالْفَتْح، وَرُبمَا تضم. وَالْفرق بَين الجمعين أَن الأول جمع قلَّة، وَالثَّانِي جمع كَثْرَة. وأصل آم: أءمؤ، على وزن أفعل، كأكلب، فأبدل من ضمة الْوَاو يَاء فَصَارَ: اءمى، ثمَّ أعل إعلال قاضٍ، فَصَارَ: اءم، ثمَّ قلبت الْهمزَة الثَّانِيَة الْفَا فَصَارَ: آم، وأصل إِمَاء: إماو، كعقاب، فابدلت الْوَاو همزَة لوقوعها طرفا بعد ألف زَائِدَة، وَيجمع أَيْضا على: إموان، مثل إخْوَان. قَالَ الشَّاعِر. (إِذا ترامى بَنو الإموان بالعار) فَإِن قلت: الْأمة من أهل الْبَيْت فَكيف عطف عَلَيْهِ الْأَهْل؟ قلت: هُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ التَّعْلِيم الْعَام، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، فتناسبا من هَذِه الْجِهَة. 97 - حدّثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ سَلاَمٍ حدّثنا المُحَارِبِيُّ قَالَ: حدّثنا صالِحُ بنُ حَيَّانَ قالَ: قالَ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حدّثني أبُو بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ثَلاَثُةٌ لَهُمْ أجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنِ، بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ
إذَا أدَّى حَقَّ الله تَعَالَى وَحق مَوالِيهِ، وَرَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ فأدَّبَها فأحسَنَ تَأدِيبهَا وعَلَّمَها فأحْسَنَ تَعْلِيمَها ثمَّ أعْتَقها فَتَزَوَّجَها فَلهُ أَجْرَانِ) ثمَّ قالَ عامِرُ: اعْطَيناكَهَا بَغْيرِ شَيْءٍ قَدْ كانَ يَرْكَبُ فِيما دُونَها إلَى المَدِينَةِ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي الْأمة فَقَط بِحَسب الظَّاهِر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على تَعْلِيم الْأَهْل، وَأما ذكر الْأَهْل فَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون بطرِيق الْقيَاس على الْأمة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا بِالنَّصِّ، والاعتناء بتعليم الْحَرَائِر الْأَهْل من الْأُمُور الدِّينِيَّة أَشد من الْإِمَاء. وَالْآخر: أَن يكون قد أَرَادَ أَن يضع فِيهِ حَدِيثا يدل عَلَيْهِ فَمَا اتّفق لَهُ. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف اللَّام على الْأَصَح، وَقد تقدم. الثَّانِي: الْمحَاربي، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالراء الْمَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف مُشَدّدَة: وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن زِيَاد الْكُوفِي. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق إِذا حدث عَن الثِّقَات، ويروي عَن المجهولين أَحَادِيث مُنكرَة فَيفْسد حَدِيثه بروايته عَنْهُم، مَاتَ سنة خَمْسَة وَتِسْعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: صَالح بن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ اسْم جد أَبِيه نسب إِلَيْهِ وَهُوَ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، ولقبه: حَيّ، وَهُوَ أشهر بِهِ من اسْمه، وَفِي طبقته آخر كُوفِي أَيْضا يُقَال لَهُ: صَالح بن حَيَّان الْقرشِي، لكنه ضَعِيف وَهَذَا ثِقَة مَشْهُور، وَقد طعن من لَا خبْرَة لَهُ فِي البُخَارِيّ أَنه أخرج الصَّالح بن حَيَّان وظنه صَالح بن حَيَّان الْقرشِي، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا أخرج الصَّالح بن حَيَّان الَّذِي يلقب أَبوهُ بالحي، وَهَذَا الحَدِيث مَعْرُوف بروايته عَن الشّعبِيّ دون رِوَايَة الْقرشِي عَنهُ، وَقد أخرج البُخَارِيّ من حَدِيثه من طرق، مِنْهَا فِي الْجِهَاد من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا صَالح ابْن حَيّ، قَالَ: سَمِعت الشّعبِيّ وَصَالح ابْن حَيّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي الثَّوْريّ، ثَوْر هَمدَان، وَهُوَ ثَوْر بن مَالك بن مُعَاوِيَة بن دومان بن بكيل بن جشم بن حَيَوَان بن نوف بن هَمدَان، وَهُوَ وَالِد الْحسن وَعلي، قَالَ الكلاباذي: مَاتَ هُوَ وَابْنه عَليّ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة، وَابْنه الْحسن سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو بردة عَامر الْأَشْعَرِيّ الْكُوفِي قاضيها. السَّادِس: أَبوهُ أَبُو مُوسَى عبد اللَّه بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون مَا خلا ابْن سَلام. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. قَوْله: (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَدثنَا مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام) . وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (حَدثنَا مُحَمَّد) فَحسب، وَاعْتَمدهُ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فَقَالَ: رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد، قيل: هُوَ ابْن سَلام. قَوْله: (أَنبأَنَا الْمحَاربي) ، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَدثنَا الْمحَاربي) ، وَلَيْسَ عِنْد البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر فِي الْعِيدَيْنِ. قَوْله: (قَالَ عَامر) تَقْدِيره: قَالَ صَالح: قَالَ عَامر. وعادتهم حذف قَالَ إِذا تَكَرَّرت خطا لَا نطقاً. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَفِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد اللَّه بن الْمُبَارك، وَفِي النِّكَاح عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، ثَلَاثَتهمْ عَن صَالح بن حَيَّان. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى عَن هشيم، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن عبيد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة، أربعتهم عَن صَالح بن حَيَّان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن ابْن أبي عمر بِهِ، وَعَن هناد بن السّري عَن عَليّ بن مسْهر عَن الْفضل بن يزِيد عَنهُ، وَقَالَ: حسن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم عَن يحيى بن أبي زَائِدَة عَن صَالح بِهِ، وَعَن هناد بن السّري عَن أبي زبيد عشير ابْن الْقَاسِم عَن مطرف عَن عَامر بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي سعيد الْأَشَج عَن عَبدة بن سُلَيْمَان بِهِ. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ثَلَاثَة) مُبْتَدأ تَقْدِيره: ثَلَاثَة رجال أَو رجال ثَلَاثَة. وَقَوله: (لَهُم أَجْرَانِ) مُبْتَدأ وَخبر، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. قَوْله: (رجل) قَالَ الْكرْمَانِي: بدل من ثَلَاثَة أَو الْجُمْلَة صفته، و: رجل، وَمَا عطف عَلَيْهِ خَبره. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِذا كَانَ بَدَلا أهوَ بدل الْبَعْض أَو بدل الْكل؟ قلت: بِالنّظرِ إِلَى كل رجل بدل الْبَعْض، وبالنظر إِلَى الْمَجْمُوع بدل الْكل.
قلت: الأولى أَن يُقَال: رجل، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أَو لَهُم، أَو: الأول رجل من أهل الْكتاب. وَقَوله: (من أهل الْكتاب) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لرجل. قَوْله: (آمن) ، حَال بِتَقْدِير: قد. و (آمن) ، الثَّانِي، عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَالْعَبْد) ، عطف على قَوْله: رجل، قَوْله: (حق الله) كَلَام إضافي مفعول. (أدّى) و: (حق موَالِيه) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَرجل) ، عطف على: رجل، الأول. قَوْله: (كَانَت عِنْده أمة) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لرجل، وارتفاع أمة لكَونهَا اسْم: كَانَت. قَوْله: (يَطَؤُهَا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة، أمة. قَوْله: (فأدبها) عطف على: يَطَؤُهَا. قَوْله: (فَأحْسن تأديبها) عطف على: فأدبها، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَعلمهَا فَأحْسن تعليمها ثمَّ اعتقها فَتَزَوجهَا) بَعْضهَا مَعْطُوف على بعض، وَإِنَّمَا عطف الْجَمِيع بِالْفَاءِ مَا خلا: (ثمَّ اعتقها) ، فَإِنَّهُ عطفه: بثم، وَذَلِكَ لِأَن التَّأْدِيب والتعليم يتعقبان على الْوَطْء، بل لَا بُد مِنْهُمَا فِي نفس الْوَطْء بل قبله أَيْضا لوجوبهما على السَّيِّد بعد التَّمَلُّك، بِخِلَاف الْإِعْتَاق. أَو لِأَن الْإِعْتَاق نقل من صنف من أَصْنَاف الأناسي إِلَى صنف آخر مِنْهَا، وَلَا يخفى مَا بَين الصِّنْفَيْنِ: الْمُنْتَقل مِنْهُ، والمنتقل إِلَيْهِ من الْبعد، بل من الضدية فِي الْأَحْكَام والمنافاة فِي الْأَحْوَال، فَنَاسَبَ لفظ دَال على التَّرَاخِي بِخِلَاف التَّأْدِيب. قَوْله: (فَلهُ اجران) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن الضَّمِير يرجع إِلَى الرجل الثَّالِث، وَيحْتَمل أَن يرجع إِلَى كل من الثَّلَاث. قلت: بل يرجع إِلَى الرجل الْأَخير، وَإِنَّمَا لم يقْتَصر على قَوْله أَولا: لَهُم أَجْرَانِ، مَعَ كَونه دَاخِلا فِي الثَّلَاثَة بِحكم الْعَطف، لِأَن الْجِهَة كَانَت فِيهِ مُتعَدِّدَة، وَهِي التَّأْدِيب والتعليم وَالْعِتْق والتزوج، وَكَانَت مَظَنَّة أَن يسْتَحق الْأجر أَكثر من ذَلِك، فَأَعَادَ قَوْله: (فَلهُ أَجْرَانِ) ، إِشَارَة إِلَى أَن الْمُعْتَبر من الْجِهَات أَمْرَانِ. فَإِن قلت: لِمَ لِمْ يعْتَبر إلاَّ اثْنَتَانِ وَلم يعْتَبر الْكل؟ قلت: لِأَن التَّأْدِيب والتعليم يوجبان الْأجر فِي الْأَجْنَبِيّ وَالْأَوْلَاد وَجَمِيع النَّاس فَلم يكن مُخْتَصًّا بالإماء، فَلم يبْق الِاعْتِبَار إلاَّ فِي الْجِهَتَيْنِ، وهما: الْعتْق والتزوج. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْمُعْتَبر أَمريْن، فَمَا فَائِدَة ذكر الْأَمريْنِ الآخرين؟ قلت: لِأَن التَّأْدِيب والتعليم أكمل لِلْأجرِ، إِذْ تزوج الْمَرْأَة المؤدبة المعلمة أَكثر بركَة وَأقرب إِلَى أَن تعين زَوجهَا على دينه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: يَنْبَغِي أَن يكون لهَذَا الْأَخير أجور أَرْبَعَة: أجر التَّأْدِيب والتعليم وَالْإِعْتَاق والتزوج، بل سَبْعَة. قلت: الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الصُّورَة واخواتها الْجمع بَين الْأَمريْنِ اللَّذين هما كالمتنافيين، فَلهَذَا لم يعْتَبر فِيهَا إلاَّ الْأجر الَّذِي من جِهَة الْأَحْوَال الَّتِي للرقية، وَالَّذِي من جِهَة الْأَحْوَال الَّتِي للحرية، وَلِهَذَا ميز بَينهمَا بِلَفْظ: ثمَّ، دون غَيرهمَا. قلت: هَذَا كَلَام حسن، وَلَكِن فِي قَوْله: هما كالمتنافيين، نظر لَا يخفى. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (من أهل الْكتاب) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هم الَّذين بقوا على مَا بعث بِهِ نَبِيّهم من غير تَبْدِيل وَلَا تَحْرِيف، فَمن بَقِي على ذَلِك حَتَّى بعث نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَآمن بِهِ فَلهُ الْأجر مرَّتَيْنِ، وَمن بدل مِنْهُم أَو حرف لم يبْق لَهُ أجر فِي دينه فَلَيْسَ لَهُ أجر إلاَّ بإيمانه بِمُحَمد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل إجراؤه على عُمُومه إِذْ لَا يبعد أَن يكون طريان الْإِيمَان بِهِ سَببا لإعطاء الْأجر مرَّتَيْنِ: مرّة على أَعْمَالهم الْخَيْر الَّذِي فَعَلُوهُ فِي ذَلِك الدّين، وَإِن كَانُوا مبدلين محرفين. فَإِنَّهُ قد جَاءَ أَن مبرات الْكفَّار وحسناتهم مَقْبُولَة بعد الْإِسْلَام. وَمرَّة على الْإِيمَان بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِهِ هُنَا أهل الْإِنْجِيل خَاصَّة إِن قُلْنَا: إِن النَّصْرَانِيَّة ناسخة لِلْيَهُودِيَّةِ. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى اشْتِرَاط النّسخ لِأَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ قد أرسل إِلَى بني إِسْرَائِيل بِلَا خلاف، فَمن أَجَابَهُ مِنْهُم نسب إِلَيْهِ وَمن كذبه مِنْهُم وَاسْتمرّ على يَهُودِيَّته لم يكن مُؤمنا، فَلَا يتَنَاوَلهُ الْخَيْر، لِأَن شَرطه أَن يكون مُؤمنا بِنَبِيِّهِ. وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الْألف وَاللَّام فِي: الْكتاب، للْعهد، إِمَّا من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَإِمَّا من الْإِنْجِيل. قَالَ الله عز وَجل: {الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله هم بِهِ يُؤمنُونَ} (الْقَصَص: 52) إِلَى وَقَوله: {أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ} (الْقَصَص: 54) فالآية مُوَافقَة لهَذَا الحَدِيث، وَهِي نزلت فِي طَائِفَة آمنُوا مِنْهُم: كَعبد اللَّه بن سَلام وَغَيره. وَفِي الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث رِفَاعَة الْقرظِيّ، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فيّ وَفِي من آمن معي، وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عَليّ بن رِفَاعَة الْقرظِيّ، قَالَ: خرج عشرَة من أهل الْكتاب مِنْهُم أَبُو رِفَاعَة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فآمنوا بِهِ فأوذوا فَنزلت: {الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله هم بِهِ يُؤمنُونَ} (الْقَصَص: 52) الْآيَات، فَهَؤُلَاءِ من بني إِسْرَائِيل، وَلم يُؤمنُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بل استمروا على الْيَهُودِيَّة إِلَى أَن آمنُوا بِمُحَمد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد ثَبت أَنهم يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ، وَيُمكن أَن يُقَال فِي حق هَؤُلَاءِ الَّذين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ: إِنَّهُم لم تبلغهم دَعْوَة عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهَا لم تنشر فِي أَكثر الْبِلَاد، فاستمروا على يهوديتهم مُؤمنين بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى أَن جَاءَ الْإِسْلَام فآمنوا بِمُحَمد،
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي (شرح ابْن التِّين) أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي كَعْب الْأَحْبَار وَعبد اللَّه ابْن سَلام. قلت: عبد اللَّه بن سَلام صَوَاب، وَقَوله: كَعْب الْأَحْبَار خطأ، لِأَن كَعْبًا لَيست لَهُ صُحْبَة وَلم يسلم إلاَّ فِي زمن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْكِتَابِيّ الَّذِي يُضَاعف أجره هُوَ الَّذِي كَانَ على الْحق فِي فعله عقدا وفعلاً إِلَى أَن آمن بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيؤجر على اتِّبَاع الْحق الأول وَالثَّانِي، وَفِيه نظر، لِأَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب إِلَى هِرقل: (أسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ) ، وهرقل كَانَ مِمَّن دخل فِي النَّصْرَانِيَّة بعد التبديل. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك الْبونِي وَغَيره: إِن الحَدِيث لَا يتَنَاوَل الْيَهُود أَلْبَتَّة، وَفِيه نظر أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه يحْتَمل أَن يتَنَاوَل سَائِر الْأُمَم فِيمَا فَعَلُوهُ من خير، كَمَا فِي حَدِيث حَكِيم بن حزَام: (أسلمت على مَا أسلفت من خير) . وَفِيه نظر، لِأَن الحَدِيث مُقَيّد بِأَهْل الْكتاب فَلَا يتَنَاوَل غَيرهم. وَأَيْضًا فَقَوله: (آمن بِنَبِيِّهِ) إِشْعَار بعلية الْأجر، أَي أَن سَبَب الأجرين من الْإِيمَان بالنبيين، وَالْكفَّار لَيْسُوا كَذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَهَذا مُخْتَصّ بِمن آمن مِنْهُم فِي عهد الْبعْثَة أم شَامِل لمن آمن مِنْهُم فِي زَمَاننَا أَيْضا؟ قلت: مُخْتَصّ بهم لِأَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَيْسَ بِنَبِيِّهِمْ بعد الْبعْثَة، بل نَبِيّهم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعْدهَا. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَا يتم بِمن لم تبلغهم الدعْوَة، وَمَا قَالَه شَيخنَا أظهر، أَرَادَ بِهِ مَا قَالَه من قَوْله: إِن هَذِه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث مستمرة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قلت: لَيْسَ بِظَاهِر مَا قَالَه هُوَ،، وَلَا مَا قَالَه شَيْخه، أما عدم ظُهُور مَا قَالَه فَهُوَ أَن ببعثة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْقَطَعت دَعْوَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَارْتَفَعت شَرِيعَته، فَدخل جَمِيع الْكفَّار، أهل الْكتاب وَغَيرهم، تَحت دَعْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَوَاء بلغتهم الدعْوَة أَو لَا. وَلِهَذَا يُقَال: هم أهل الدعْوَة، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن من لم تبلغه الدعْوَة لَا تطلق عَلَيْهِم بِالْفِعْلِ، وَأما بِالْقُوَّةِ فليسوا بِخَارِجِينَ عَنْهَا. وَأما عدم ظُهُور مَا قَالَه شَيْخه فَهُوَ أَنه دَعْوَى بِلَا دَلِيل، لِأَن ظَاهر الحَدِيث يردهُ لِأَنَّهُ قيد فِي حق أهل الْكتاب بقوله: (آمن بِنَبِيِّهِ) ، وَقد قُلْنَا: إِنَّه حَال، وَالْحَال قيد، فَكَانَ الشَّرْط فِي كَون الأجرين للرجل الَّذِي هُوَ من أهل الْكتاب أَن يكون قد آمن بِنَبِيِّهِ الَّذِي كَانَ مَبْعُوثًا إِلَيْهِ، ثمَّ آمن بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. والكتابي بعد الْبعْثَة لَيْسَ لَهُ نَبِي غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قُلْنَا من انْقِطَاع دَعْوَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالبعثة، فَإِذا آمن اسْتحق أجرا وَاحِدًا فِي مُقَابلَة إيمَانه بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوث إِلَيْهِ، وَهُوَ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما الحكم فِي الْأَخيرينِ، وهما: العَبْد وَصَاحب الْأمة فَهُوَ مُسْتَمر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. ثمَّ هَذَا الْقَائِل: وَأما مَا قوى بِهِ الْكرْمَانِي دَعْوَاهُ بِكَوْن السِّيَاق مُخْتَلفا حَيْثُ قيل فِي مؤمني أهل الْكتاب: (رجل) بالتنكير، وَفِي العَبْد بالتعريف، وَحَيْثُ زيدت فِيهِ: إِذا، الدَّالَّة على معنى الِاسْتِقْبَال، فأشعر ذَلِك بِأَن الأجرين لمؤمني أهل الْكتاب لَا يَقع فِي الِاسْتِقْبَال، بِخِلَاف العَبْد، انْتهى. وَهُوَ غير مُسْتَقِيم، لِأَنَّهُ مَشى فِيهِ مَعَ ظَاهر اللَّفْظ، وَلَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ بَين الروَاة، بل هُوَ عِنْد المُصَنّف وَغَيره مُخْتَلف، فقد عبر فِي تَرْجَمَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بإذا، فِي الثَّلَاثَة. وَعبر فِي النِّكَاح بقوله: (أَيّمَا رجل) . فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة، وَهِي صَرِيحَة فِي التَّعْمِيم، وَأما الِاخْتِلَاف بالتعريف والتنكير فَلَا أثر لَهُ هَهُنَا، لِأَن الْمُعَرّف بلام الْجِنْس مؤدٍ مؤدى النكرَة. قلت: لَيْسَ قصد الْكرْمَانِي مَا ذكره الْقَائِل، وَإِنَّمَا قَصده بَيَان النُّكْتَة فِي ذكر أَفْرَاد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث بمخالفة الثَّانِي الأول وَالثَّالِث، حَيْثُ ذكر الأول بقوله: (رجل من أهل الْكتاب) ، وَالثَّالِث كَذَلِك بقول: (رجل كَانَت عِنْده أمة) ، وَذكر الثَّانِي بقوله: (وَالْعَبْد الْمَمْلُوك) فِي التَّعْرِيف، فَخَالف الأول وَالثَّالِث فِي التَّعْرِيف والتنكير، وَأَيْضًا ذكر الثَّانِي بِكَلِمَة: إِذا، حَيْثُ قَالَ: (إِذا أدّى حق الله وَحقّ موَالِيه) ، وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يذكر الْكل على نسق وَاحِد بِأَن يُقَال: وَعبد مَمْلُوك أدّى حق الله، أَو رجل مَمْلُوك أدّى حق الله، ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا مُخَالفَة عِنْد التَّحْقِيق، يَعْنِي الْمُخَالفَة بِحَسب الظَّاهِر، وَلَكِن فِي نفس الْأَمر لَا مُخَالفَة. ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: إِذْ الْمُعَرّف بلام الْجِنْس مؤد مؤدى النكرَة، وَكَذَا لَا مُخَالفَة فِي دُخُول: إِذا، لِأَن: إِذا، للظرف. و: آمن، حَال، وَالْحَال فِي حكم الظّرْف، إِذْ معنى جَاءَ زيد رَاكِبًا جَاءَ فِي وَقت الرّكُوب وَفِي حَاله. وتعليل هَذَا الْقَائِل قَوْله: وَهُوَ غير مُسْتَقِيم، بقوله: لِأَنَّهُ مَشى مَعَ ظَاهر اللَّفْظ، غير مُسْتَقِيم. لِأَن بَيَان النكات بِحَسب مَا وَقع فِي ظواهر الْأَلْفَاظ، وَالِاخْتِلَاف من الروَاة فِي لفظ الحَدِيث لَا يضر دَعْوَى الْكرْمَانِي من قَوْله: إِن الأجرين لمؤمني أهل الْكتاب لَا يَقع فِي الِاسْتِقْبَال، أما وُقُوع: إِذا، فِي الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت: إِذا، للاستقبال فَهُوَ أَن حُصُول الأجرين مَشْرُوط بِالْإِيمَان بِنَبِيِّهِ ثمَّ بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد قُلْنَا: إِن بالبعثة تَنْقَطِع دَعْوَة غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يبْق إلاَّ الْإِيمَان بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يحصل، إلاَّ أجر وَاحِد لانْتِفَاء شَرط الأجرين. وَأما وُقُوع: أَيّمَا، وَإِن كَانَت تدل على التَّعْمِيم
صَرِيحًا، فَهُوَ فِي تَعْمِيم جنس أهل الْكتاب، وَلَا يلْزم من تَعْمِيم ذَلِك تَعْمِيم الأجرين فِي حق أهل الْكتاب، ثمَّ إعلم أَن قَوْله: (رجل من أهل الْكتاب) ، يدْخل فِيهِ أَيْضا الْمَرْأَة الْكِتَابِيَّة، لما علم من أَنه حَيْثُ يذكر الرِّجَال يدْخل فيهم النِّسَاء بالتبعية. قَوْله: (وَالْعَبْد الْمَمْلُوك) إِنَّمَا وصف بالمملوك لِأَن جَمِيع الأناسي عباد الله تَعَالَى، فَأَرَادَ تَمْيِيزه بِكَوْنِهِ مَمْلُوكا للنَّاس. قَوْله: (إِذا أدّى حق الله) أَي: مثل الصَّلَاة وَالصَّوْم (وَحقّ موَالِيه) ، مثل خدمته. وَالْمولى مُشْتَرك بَين المعتَق والمعتِق وَابْن الْعم والناصر وَالْجَار والحليف، وكل من ولي أَمر أحدٍ، وَالْمرَاد هُنَا الْأَخير، أَي السَّيِّد، إِذْ هُوَ الْمُتَوَلِي لأمر العَبْد، والقرينة الْمعينَة لَهُ لفظ العَبْد فَإِن قلت: لِمَ لَا يحمل على جَمِيع الْمعَانِي كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، إِذْ عِنْده: يجب الْحمل على جَمِيع مَعَانِيه الْغَيْر المتضادة، قلت: ذَاك عِنْد عدم الْقَرِينَة، أما عِنْد الْقَرِينَة فَيجب حمله على مَا عينته الْقَرِينَة اتِّفَاقًا. فَإِن قلت: فَهَل هُوَ مجَاز فِي الْمَعْنى الْمعِين إِذْ الِاحْتِيَاج إِلَى الْقَرِينَة هُوَ من عَلَامَات الْمجَاز أم لَا؟ قلت: هُوَ حَقِيقَة فِيهِ، وَلَيْسَ كل مُحْتَاج إِلَيْهِ مجَازًا. نعم، الْمُحْتَاج إِلَى الْقَرِينَة الصارفة عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ مجَاز، ومحصله أَن قرينَة التَّجَوُّز قرينَة الدّلَالَة، وَهِي غير قرينَة الإشتراك الَّتِي هِيَ قرينَة التَّعْيِين، وَالْأولَى هِيَ من عَلَامَات الْمجَاز لَا الثَّانِيَة. فَإِن قلت: لِمَ عدل عَن لفظ: الْمولي، إِلَى لفظ: الموَالِي؟ قلت: لما كَانَ المُرَاد من العَبْد جنس العبيد جمع حَتَّى يكون عِنْد التَّوْزِيع لكل عبد مولى، لِأَن مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ أَو مَا يقوم مقَامه مفيدة للتوزيع، أَو أَرَادَ أَن اسْتِحْقَاق الأجرين إِنَّمَا هُوَ عِنْد أَدَاء حق جَمِيع موَالِيه لَو كَانَ مُشْتَركا بَين طَائِفَة مَمْلُوكا لَهُم. فَإِن قلت: فأجر المماليك ضعف أجر السادات. قلت: لَا مَحْذُور فِي الْتِزَام ذَلِك، أَو يكون لَهُم أجره ضعفه من هَذِه الْجِهَة، وَقد يكون للسَّيِّد جِهَات أخر يسْتَحق بهَا أَضْعَاف أجر العَبْد، أَو المُرَاد تَرْجِيح العَبْد الْمُؤَدِّي للحقين على العَبْد الْمُؤَدِّي لأَحَدهمَا. فَإِن قلت: فعلى هَذَا يلْزم، أَن يكون الصَّحَابِيّ الَّذِي كَانَ كتابياً أجره زَائِد على أجر أكَابِر الصَّحَابَة، وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع. قلت: الْإِجْمَاع خصصهم وأخرجهم من ذَلِك الحكم، ويلتزم ذَلِك فِي كل صَحَابِيّ لَا يدل دَلِيل على زِيَادَة أجره على من كَانَ كتابياً. وَالله علم. قَوْله: (يَطَؤُهَا) هُوَ مَهْمُوز،، فَكَانَ الْقيَاس: يوطؤها، مثل: يوجل، لِأَن الْوَاو إِنَّمَا تحذف إِذا وَقعت بَين الْيَاء والكسرة، وَهَهُنَا وَقعت بَين الْيَاء والفتحة مثل: يسمع. قَالَ الْجَوْهَرِي وَغَيره: إِنَّمَا سَقَطت الْوَاو مِنْهَا لِأَن فعل يفعل مِمَّا اعتل فاؤه لَا يكون إلاَّ لَازِما، فَلَمَّا جَاءَا بَين إخواتهما متعديين خُولِفَ بهما نظائرهما. فَإِن قلت: إِذا لم يَطَأهَا لَكِن أدبها، هَل لَهُ أَجْرَانِ؟ قلت: نعم إِذْ المُرَاد من قَوْله: (يَطَؤُهَا) يحل وَطْؤُهَا سَوَاء صَارَت مَوْطُوءَة أَو لَا. قَوْله: (فأدبها) من التَّأْدِيب، وَالْأَدب هُوَ حسن الْأَحْوَال والأخلاق، وَقيل: التخلق بالأخلاق الحميدة. قَوْله: (فَأحْسن تأديبها) أَي: أدبها من غير عنف وَضرب بل بالرفق واللطف. فَإِن قلت: أَلَيْسَ التَّأْدِيب دَاخِلا تَحت التَّعْلِيم؟ قلت: لَا، إِذْ التَّأْدِيب يتَعَلَّق بالمروآت، والتعليم بالشرعيات، أَعنِي: أَن الأول عرفي، وَالثَّانِي شَرْعِي؛ أَو: الأول دُنْيَوِيّ، وَالثَّانِي ديني. قَوْله: (ثمَّ اعتقها فَتَزَوجهَا) وَفِي بعض طرقه: (أعْتقهَا ثمَّ أصدقهَا) ، وَهُوَ مُبين لما سكت عَنهُ فِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث من ذكر الصَدَاق، فعلى الْمُسْتَدلّ أَن ينظر فِي طَرِيق هَذِه الزِّيَادَة، وَمن هُوَ الْمُنْفَرد بهَا؟ وَهل هُوَ مِمَّن يقبل تفرده؟ وَهل هَذِه الزِّيَادَة مُخَالفَة لرِوَايَة الْأَكْثَرين أم لَا؟ قَوْله: (ثمَّ قَالَ عَامر) أَي: قَالَ صَالح: ثمَّ قَالَ عَامر الشّعبِيّ: أعطيناكها، أَي: أعطينا الْمَسْأَلَة أَو الْمُقَابلَة إياك بِغَيْر شَيْء أَي: بِغَيْر أَخذ مَال مِنْك على جِهَة الْأُجْرَة عَلَيْهِ، وإلاَّ فَلَا شَيْء أعظم من الْأجر الأخروي الَّذِي هُوَ ثَوَاب التَّبْلِيغ والتعليم. فَإِن قلت: الْخطاب فِي (أعطيناكها) لمن؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْخطاب لصالح، وَلَيْسَ كَذَلِك. فَإِنَّهُ غره الظَّاهِر، وَلَكِن الْخطاب لرجل من أهل خُرَاسَان سَأَلَ الشّعبِيّ عَمَّن يعْتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا، على مَا جَاءَ فِي البُخَارِيّ فِي بَاب: {وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم} (مَرْيَم: 16) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل، انبأنا عبد اللَّه، قَالَ: انبأنا صَالح بن حَيّ أَن رجلا من أهل خُرَاسَان قَالَ لِلشَّعْبِيِّ: أَخْبرنِي. فَقَالَ الشّعبِيّ: اخبرني أَبُو بردة عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا أدب الرجل أمته فَأحْسن تأديبها، وَعلمهَا فَأحْسن تعليمها، ثمَّ أعْتقهَا فَتَزَوجهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ. وَإِذا آمن بِعِيسَى ثمَّ آمن بِي فَلهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْد، إِذا اتَّقى ربه وأطاع موَالِيه فَلهُ أَجْرَانِ) . قَوْله: (قد كَانَ يركب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي بعض النّسخ: فقد كَانَ يركب، أَي: يرحل (فِيمَا دونهَا) ، أَي: فِيمَا دون هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى الْمَدِينَة، أَي مَدِينَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَاللَّام فِيهَا للْعهد، وَقد كَانَ ذَلِك فِي زمن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين، ثمَّ تَفَرَّقت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، إِلَى الْبِلَاد بعد فتح الْأَمْصَار، فَاكْتفى أهل كل بلد بعلمائه إلاَّ من طلب التَّوَسُّع فِي الْعلم
- (باب عظة الإمام النساء وتعليمهن)
ورحل، وَلِهَذَا قَالَ الشّعبِيّ، وَهُوَ من كبار التَّابِعين بقوله: وَقد كَانَ يركب. فَإِن قلت: هَل كَانَ سُؤال الْخُرَاسَانِي من الشّعبِيّ عَمَّن يعْتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا مُجَرّد تعلم هَذِه الْمَسْأَلَة، أم لِمَعْنى آخر؟ قلت: بل لِمَعْنى آخر، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (أَن رجلا من أهل خُرَاسَان سَأَلَ الشّعبِيّ، فَقَالَ: يَا عَامر! إِن من قبلنَا من أهل خُرَاسَان يَقُولُونَ فِي الرجل إِذا أعتق أمته ثمَّ تزَوجهَا فَهُوَ كالراكب بدنته) . وَفِي طَرِيق: (كالراكب هَدْيه) ، كَأَنَّهُمْ توهموا فِي الْعتْق والتزوج الرُّجُوع بِالنِّكَاحِ فِيمَا خرج عَنهُ بِالْعِتْقِ، فَأَجَابَهُ الشّعبِيّ بِمَا يدل على أَنه محسن إِلَيْهَا إحساناً بعد إِحْسَان، وَأَنه لَيْسَ من الرُّجُوع فِي شَيْء، فَذكر لَهُم الحَدِيث. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بَيَان أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من النَّاس لَهُم أَجْرَانِ. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْعلَّة فِي التَّخْصِيص بهؤلاء الثَّلَاثَة، وَالْحَال أَن غَيره كَذَلِك أَيْضا مثل من صلى وَصَامَ، فَإِن للصَّلَاة أجرا، وللصوم أجرا آخر، وَكَذَا مثل الْوَلَد إِذا أدّى حق الله وَحقّ وَالِديهِ؟ قلت: الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة وَغَيرهَا أَن الْفَاعِل فِي كل مِنْهَا جَامع بَين أَمريْن بَينهمَا مُخَالفَة عَظِيمَة، كَأَن الْفَاعِل لَهما فَاعل للضدين عَامل بالمتنافيين، بِخِلَاف غَيره عَامل. قلت: هَذَا الْجَواب لَيْسَ بِشَيْء، بل الْجَواب الصَّحِيح أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور. فَإِن قلت: التَّنْصِيص بِعَدَد مَحْصُور يدل على نفي الحكم عَن غَيره، وَإِلَيْهِ مَال صَاحب (الْهِدَايَة) ، لِأَن إِثْبَات الحكم فِي غَيره إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم) . فَإِن ذَلِك يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا الْمَذْكُور. قلت: الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على النَّفْي فِيمَا عداهُ وَإِن كَانَ فِي الْعدَد المحصور، وَالْحكم فِي غير الْمَذْكُور إِنَّمَا يثبت بِدلَالَة النَّص، فَلَا يُوجب إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، فَافْهَم. الثَّانِي: قَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على من أحسن فِي مَعْنيين من أَي فعل كَانَ من أَفعَال الْبر فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ، وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء. الثَّالِث: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي قَول الشّعبِيّ جَوَاز قَول الْعَالم مثله تحريضاً للسامع. الرَّابِع: فِيهِ بَيَان مَا كَانَ السّلف عَلَيْهِ من الرحلة إِلَى الْبلدَانِ الْبَعِيدَة فِي حَدِيث وَاحِد، أَو مَسْأَلَة وَاحِدَة. الْخَامِس: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه إِثْبَات فضل الْمَدِينَة، وَأَنَّهَا مَعْدن الْعلم، وإليها كَانَ يرحل فِي طلب الْعلم، وتقصد فِي اقتباسه. وَبَعض الْمَالِكِيَّة خصصواً الْعلم بِالْمَدِينَةِ بقول الشّعبِيّ، وَهُوَ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَلَا يقبل. 32 - (بَاب عِظَةِ الإِمامِ النِّساءَ وتَعْلِيمهنَّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النِّسَاء، وَهُوَ التَّذْكِير بالعواقب. وتعليمه النِّسَاء من الْأُمُور الدِّينِيَّة، والعظة، بِكَسْر الْعين: بِمَعْنى الْوَعْظ، لِأَنَّهُ مصدر من: وعظ يعظ وعظاً، فَلَمَّا حذفت الْوَاو تبعا لفعله عوضت عَنْهَا الْهَاء. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق تَعْلِيم الرجل أَهله، وَهُوَ خَاص. وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب تَعْلِيم الإِمَام النِّسَاء وَهُوَ عَام، فتناسقا من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَالْمرَاد من الإِمَام هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم أَو من يَنُوب عَنهُ. 98 - حدّثنا سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أشْهَدُ علَى النَّبيِّ أَو قَالَ عَطاءٌ: اشْهَدُ علَى ابنِ عَبَّاس، أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ ومَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَت المَرْأةُ تُلْقِي القُرْطَ والخَاتَمَ وبِلالٌ يأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.. وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فوعظهن) ، لِأَن الْوَعْظ يسْتَلْزم العظة، وَكَانَت الموعظة بقوله: (إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار لأنكن تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . فَإِن قلت: أَيْن مطابقته لقَوْله: (وتعليمهن) ؟ قلت: فِي قَوْله: (وأمرهن بِالصَّدَقَةِ) . وَلَا شكّ أَن فِي الْأَمر بِالصَّدَقَةِ التَّعْلِيم بهَا أَنَّهَا تكفر الْخَطَايَا وتدفع البلايا. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم. الرَّابِع: عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وَاسم أبي رَبَاح: مُسلم الْمَكِّيّ الْقرشِي، مولى ابْن خَيْثَم الفِهري، وَابْن خَيْثَم عَامل عمر بن الْخطاب على مَكَّة،
ولد فِي آخر خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وروى عَنهُ ابْنه. قَالَ: أَعقل قتل عُثْمَان، وَيُقَال إِنَّه من مولدِي الْجند من مخاليف الْيمن وَنَشَأ بِمَكَّة وَصَارَ مفتيها، وَهُوَ من كبار التَّابِعين، وروى عَن العبادلة وَعَائِشَة وَغَيرهم، وروى عَنهُ اللَّيْث حَدِيثا وَاحِدًا، وجلالته وبراعته وثقته وديانته مُتَّفق عَلَيْهَا، وَحج سبعين حجَّة، وَكَانَت الْحلقَة بعد ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، لَهُ. مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَقيل أَربع عشرَة وَمِائَة، عَن ثَمَانِينَ سنة. وَكَانَ حَبَشِيًّا أسود أَعور أفطس أشل أعرج، لامْرَأَة من أهل مَكَّة، ثمَّ عمي بآخرة، وَلَكِن الْعلم وَالْعَمَل بِهِ رَفعه. وَمن غَرَائِبه أَنه يَقُول: إِذا أَرَادَ الْإِنْسَان سفرا لَهُ الْقصر قبل خُرُوجه من بَلَده، وَوَافَقَهُ طَائِفَة من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، وَخَالفهُ الْجُمْهُور. وَمن غَرَائِبه أَيْضا أَنه إِذا وَافق يَوْم عيد يَوْم جُمُعَة يصلى الْعِيد فَقَط، وَلَا ظهر وَلَا جُمُعَة فِي ذَلِك الْيَوْم. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من رأى الصَّحَابَة اثْنَان. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ لَفْظَة: أشهد تَأْكِيدًا لتحققه ووثوقاً بِوُقُوعِهِ، لِأَن الشَّهَادَة خبر قَاطع، تَقول مِنْهُ: شهد الرجل على كَذَا. وَإِنَّمَا قَالَ: أشهد، بِلَفْظَة: على، لزِيَادَة التَّأْكِيد فِي وثاقته، لِأَنَّهُ يدل على الاستعلاء بِالْعلمِ عَن خُرُوجه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعَهُ بِلَال، إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَول ابْن عَبَّاس، أَو على استعلاء الْعلم على سَمَاعه من ابْن عَبَّاس إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَوْله عَطاء. لِأَن الرَّاوِي تردد فِي هَذِه اللَّفْظَة، هَل هِيَ من قَول ابْن عَبَّاس أَو من قَول عَطاء؟ وَرَوَاهُ أَيْضا بِالشَّكِّ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب. أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) . وَأخرجه أَحْمد بن حَنْبَل عَن غنْدر عَن شُعْبَة جَازِمًا بِلَفْظ: أشهد عَن كل مِنْهُمَا. بَيَان من أخرجه غَيره: وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن أبي عمر كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أَيُّوب بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهَا عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد بن حسان عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن أبي معمر عَن عبد اللَّه بن عَمْرو، ومسدد، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَارِث عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) ، وَهِي مَا تبذل من المَال لثواب الْآخِرَة، وَهِي تتَنَاوَل الْفَرِيضَة والتطوع، لَكِن الظَّاهِر أَن المُرَاد بهَا هُنَا هُوَ الثَّانِي. قَوْله: (القرط) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: مَا يعلق فِي شحمة الْأذن، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل مَا فِي شحمة الْأذن فَهُوَ قرط سَوَاء كَانَ من ذهب أَو غَيره. وَفِي (البارع) : القرط يكون فِيهِ حَبَّة وَاحِدَة فِي حَلقَة وَاحِدَة. وَفِي (الْعباب) : وَالْجمع أقراط وقروط وقرطة وقراط، مِثَال: برد وأبراد وبرود، و: قلب وقلبة، و: رمح ورماح. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وَفتحهَا وخيتام وخاتام، الْكل بِمَعْنى وَاحِد. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (خرج) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن، أَي: خرج من بَين صُفُوف الرِّجَال إِلَى صف النِّسَاء. قَوْله: (وَمَعَهُ بِلَال) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة غَيره: (مَعَه بِلَال) . بِلَا وَاو، وَهُوَ جَائِز بِلَا ضعف، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: 36 والأعراف: 24) وبلال: هُوَ ابْن رَبَاح، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، الحبشي الْقرشِي، يكنى أَبَا عبد اللَّه أَو أَبَا عَمْرو أَو أَبَا عبد الرَّحْمَن أَو أَبَا عبد الْكَرِيم، وشهرته باسم أمه حمامة. قَوْله: (فَظن) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنه لم يسمع النِّسَاء) حِين أسمع الرِّجَال، وَفِي بعض النّسخ: فَظن أَنه لم يسمع، بِدُونِ لَفْظَة النِّسَاء، و: أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مسد مفعولي: ظن. قَوْله: (فوعظهن) الْفَاء فِيهِ تصلح للتَّعْلِيل، (وأمرهن) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) الْألف وَاللَّام فِيهَا للْعهد الْخَارِجِي، وَهِي صَدَقَة التَّطَوُّع، وَإِنَّمَا أمرهن بهَا لما رآهن أَكثر أهل النَّار، على مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح: (تصدقن يَا معشر النِّسَاء، إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار) . وَقيل: أمرهن بهَا لِأَنَّهُ كَانَ وَقت حَاجَة إِلَى الْمُوَاسَاة، وَالصَّدَََقَة يومئذٍ كَانَت أفضل وُجُوه الْبر. قَوْله: (فَجعلت الْمَرْأَة) جعلت: من أَفعَال المقاربة، وَهِي مثل: كَاد، فِي الِاسْتِعْمَال، ترفع الِاسْم، وَخَبره الْفِعْل الْمُضَارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، وَقَوله: (القرط) بِالنّصب مفعول: (تلقي) من الْإِلْقَاء. (والخاتم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وبلال) مُبْتَدأ (وَيَأْخُذ فِي أَطْرَاف ثَوْبه) خَبره، وَالْجُمْلَة حَالية، ومفعول: يَأْخُذ، مَحْذُوف. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ اسْتِحْبَاب وعظ النِّسَاء وتذكيرهن الْآخِرَة وَأَحْكَام الْإِسْلَام، وحثهن على الصَّدَقَة، وَهَذَا إِذا لم يَتَرَتَّب على
ذَلِك مفْسدَة أَو خوف فتْنَة على الْوَاعِظ أَو الموعوظ، وَنَحْو ذَلِك. الثَّانِي: فِي قَوْله: (فَظن أَنه لم يسمع النِّسَاء) دَلِيل على أَن على الإِمَام افتقاد رَعيته وتعليمهم ووعظهم. الثَّالِث: فِيهِ أَن صَدَقَة التَّطَوُّع لَا تحْتَاج إِلَى إِيجَاب وَقبُول، وَيَكْفِي فِيهَا المعاطاة، لِأَنَّهُنَّ ألقين الصَّدَقَة فِي ثوب بِلَال من غير كَلَام مِنْهُنَّ وَلَا من بِلَال وَلَا من غَيرهمَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، رَحمَه الله؛ خلافًا لأكْثر الْعِرَاقِيّين من أَصْحَابه حَيْثُ قَالُوا: يفْتَقر إِلَى الْإِيجَاب وَالْقَبُول. الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على أَن الصَّدقَات الْعَامَّة إِنَّمَا يصرفهَا مصارفها الإِمَام. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل أَن الصَّدَقَة قد تنجي من النَّار، قَالَه ابْن بطال. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز صَدَقَة الْمَرْأَة من مَالهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا، وَلَا يتَوَقَّف فِي ذَلِك على ثلث مَالهَا. وَقَالَ مَالك: لَا تجوز الزِّيَادَة على الثُّلُث إلاَّ بِإِذن الزَّوْج، وَالْحجّة عَلَيْهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يسْأَل: هَل هَذَا بِإِذن أَزوَاجهنَّ أم لَا؟ وَهل هُوَ خَارج من الثُّلُث أَو لَا؟ وَلَو اخْتلف الحكم بذلك لسأل. قَالَ القَاضِي عِيَاض، رَحمَه الله، احتجاجاً لمَذْهَب مَالك: الْغَالِب حُضُور أَزوَاجهنَّ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فتركهم الْإِنْكَار رضى مِنْهُم بفعلهن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُنَّ معتزلات لَا يعلم الرِّجَال المتصدقة مِنْهُم من غَيرهَا، وَلَا قدر مَا يتصدقن بِهِ، وَلَو علمُوا فسكوتهم لَيْسَ إِذْنا. فَإِن قلت: احْتج مَالك وَمن تبعه فِي ذَلِك بِمَا خرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يجوز لامْرَأَة أمرٌ فِي مَالهَا إِذا ملك زَوجهَا عصمتها) . وَبِمَا خرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي كَامِل عَن خَالِد، يَعْنِي ابْن الْحَارِث: ثَنَا حُسَيْن عَن عَمْرو بن شُعَيْب أَن أَبَاهُ أخبرهُ عَن عبد اللَّه بن عَمْرو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة عَطِيَّة إلاَّ بِإِذن زَوجهَا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الطَّرِيق إِلَى عَمْرو بن شُعَيْب صَحِيح، فَمن أثبت أَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب لزمَه إثْبَاته. وَالْجَوَاب عَنهُ من أوجه: أَحدهَا: معارضته بالأحاديث الصَّحِيحَة الدَّالَّة على الْجَوَاز عِنْد الْإِطْلَاق، وَهِي أقوى مِنْهُ، فَقدمت عَلَيْهِ. وَقد يُقَال: انه وَاقعَة حَال، فَيمكن حملهَا على أَنَّهَا كَانَت قدر الثُّلُث. الثَّانِي: على تَسْلِيم الصِّحَّة إِنَّه مَحْمُول على الأولى، وَالْأَدب ذكره الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ، قَالَ: وَقد أعتقت مَيْمُونَة، رَضِي الله عَنْهَا، فَلم يعب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا. وكما يُقَال: لَيْسَ لَهَا أَن تَصُوم وَزوجهَا حَاضر إلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت فصومها جَائِز، وَمثله إِن خرجت بِغَيْر إِذْنه فباعت، فَهُوَ جَائِز. الثَّالِث: الطعْن فِيهِ، قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث سمعناه وَلَيْسَ بِثَابِت، فيلزمنا أَن نقُول بِهِ وَالْقُرْآن يدل على خِلَافه ثمَّ الْأَمر ثمَّ الْمَنْقُول ثمَّ الْمَعْقُول. قيل: أَرَادَ بِالْقُرْآنِ، قَوْله تَعَالَى: {فَنصف مَا فرضتم إلاّ أَن يعفون} (الْبَقَرَة: 237) وَقَوله: {فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئاً} (النِّسَاء: 4) . وَقَوله: {فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} (الْبَقَرَة: 229) وَقَوله: {من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين} (النِّسَاء: 12) وَقَوله: {وابتلوا الْيَتَامَى} الْآيَة (النِّسَاء: 6) وَلم يفرق، فدلت هَذِه الْآيَات على نُفُوذ تصرفها فِي مَالهَا دون إِذن زَوجهَا، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلمن لزوجة الزبير رَضِي الله عَنهُ: (إرضخي وَلَا توعي فيوعى الله عَلَيْك) مُتَّفق عَلَيْهِ. وَقَالَ: (يَا نسَاء المسلمات، لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة) . واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زَوجهَا من كل شَيْء، فَلم يُنكر ذَلِك ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَقد طعن إِبْنِ حزم فِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب بِأَن قَالَ: صحيفَة مُنْقَطِعَة، وَقد علمت أَن شعيباً صرح بِعَبْد الله بن عَمْرو، فَلَا انْقِطَاع. وَقد أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن دَاوُد بن أبي هِنْد وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بِهِ، ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، ثمَّ ذكر ابْن حزم من حَدِيث ابْن عمر: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا حق الزَّوْج على زَوجته؟ قَالَ: لَا تصدق إلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت كَانَ لَهُ الْأجر وَعَلَيْهَا الْوزر) . ثمَّ قَالَ: هَذَا خَيرهَا لَك، لِأَن فِيهِ مُوسَى بن أعين وَهُوَ مَجْهُول، وَلَيْث بن أبي سليم وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ، فَإِن مُوسَى بن أعين روى عَن جمَاعَة وَعنهُ جمَاعَة، وَاحْتج بِهِ الشَّيْخَانِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ. نعم، فِيهِ الْحسن بن عبد الْغفار وَهُوَ مَجْهُول، وليته أعله بِهِ. ثمَّ ذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ عَن أبي أُمَامَة رَفعه: (لَا تنْفق الْمَرْأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إلاَّ بِإِذْنِهِ، قيل: يَا رَسُول الله وَلَا الطَّعَام؟ قَالَ: ذَلِك أفضل أَمْوَالنَا) . ثمَّ إِسْمَاعِيل ضَعِيف، وشرحبيل مَجْهُول لَا يدرى من هُوَ، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ. فإسماعيل حجَّة فِيمَا يروي عَن الشاميين، وشرحبيل شَامي، وحاشاه من الْجَهَالَة. روى عَنهُ جمَاعَة. قَالَ أَحْمد: هُوَ من ثِقَات الشاميين، نعم، ضعفه ابْن معِين، وَقد أخرجه ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. الرَّابِع: من أوجه الْجَواب، مَا قيل: إِن المُرَاد من مَال زَوجهَا لَا من مَالهَا، وَفِيه نظر.
- (باب الحرص على الحديث)
وَقَالَ إسْماعِيلُ: عنْ أيُّوبَ عنْ عَطَاءُ، وَقَالَ عنِ ابْن عَباسٍ: أشْهَدُ علَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق أَن إِسْمَاعِيل روى عَن أَيُّوب عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أشهد على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْجَزْمِ، لِأَن لَفْظَة: أشهد، من كَلَام ابْن عَبَّاس فَقَط. وَكَذَا جزم بِهِ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) ، وَكَذَا قَالَ وهيب عَن أَيُّوب: ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه تَعْلِيق، لِأَن البُخَارِيّ لم يدْرك إِسْمَاعِيل بن علية، وَهُوَ مَاتَ فِي عَام ولادَة البُخَارِيّ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيل) عطفا على: (قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة) ، فَيكون المُرَاد مِنْهُ حَدثنَا سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، فَيخرج عَن التَّعْلِيق. قلت: هَذَا لَا يَصح، لِأَن سُلَيْمَان بن حَرْب لَا رِوَايَة لَهُ عَن إِسْمَاعِيل أصلا، لَا لهَذَا الحَدِيث وَلَا لغيره، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الزَّكَاة مَوْصُولا عَن مُؤَمل بن هِشَام عَن إِسْمَاعِيل، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. 33 - (بابُ الحِرْصِ علَى الحدِيثِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحِرْص على تَحْصِيل الحَدِيث، والْحَدِيث فِي اللُّغَة: الْجَدِيد، من حدث أَمر أَي: وَقع، وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. وَيُقَال: أَخَذَنِي مَا قدُم وَمَا حدُث، لَا يضم: حدث، فِي شَيْء من الْكَلَام إلاَّ فِي هَذَا الْموضع، وَذَلِكَ لمَكَان: قدم، على الإزدواج. والْحَدِيث: الْخَبَر يَأْتِي على الْقَلِيل وَالْكثير، وَيجمع على: أَحَادِيث، على غير قِيَاس. قَالَ الْفراء: ترى أَن وَاحِد الْأَحَادِيث أحدوثة، ثمَّ جَعَلُوهُ جمعا للْحَدِيث، وَسمي حَدِيثا لِأَنَّهُ يحدث مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء، والأحدوثة مَا يتحدث بِهِ. وَقَوله تَعَالَى: {وجعلناهم أَحَادِيث} (الْمُؤْمِنُونَ: 44) أَي: عبرا يتحدث بهلاكهم، وَالْحَدَث، والحدثى مثل: بشرى والحادثة والحدثان كُله بِمَعْنى، والحدثان أَيْضا: النَّاس. وَالْجمع: الْحدثَان بِالْكَسْرِ، والتركيب يدل على كَون شَيْء لم يكن، والْحَدِيث فِي عرف الْعَامَّة: الْكَلَام، وَفِي عرف الشَّرْع: مَا يتحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَأَنَّهُ لوحظ فِيهِ مُقَابلَته لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قديم وَهَذَا حَدِيث، والْحَدِيث ضد الْقَدِيم، وَيسْتَعْمل فِي قَلِيل الْكَلَام وَكَثِيره، لِأَنَّهُ يحدث شَيْئا فَشَيْئًا كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن من الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، وَكَذَلِكَ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، لِأَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أجَاب أَبَا هُرَيْرَة فِيمَا سَأَلَهُ بِالْخِطَابِ إِلَيْهِ خَاصَّة، وَالْجَوَاب عَن سُؤال من لَا يعلم جَوَابه تَعْلِيم من الْمُجيب، فَافْهَم. 99 - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حدّثني سُلَيْمانُ عنْ عَمْرو بن أبي عَمْرٍ وعنْ سَعيد بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُريِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله! مَنْ أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يوْمَ القِيامةِ؟ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أنْ لَا يَسْأَلَنِي عنْ هَذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ منْ حِرْصِكَ علَى الحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفاعَتِيِ يَوْمَ القيامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلاَّ الله، خالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أوْ نَفْسِهِ) . (الحَدِيث 99 طرفه فِي: 6570) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث) . بَيَان رِجَاله:. وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّه بن يحيى بن عَمْرو بن أويس بن سعيد بن أبي سرح، بالمهملات، ابْن حُذَيْفَة بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر ابْن لؤَي بن فهر، أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي الْفَقِيه، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى البُخَارِيّ فِي الْإِصْلَاح عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه مَقْرُونا بالفروي عَنهُ عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ أَبُو حَاتِم: مدنِي صَدُوق. وَعنهُ قَالَ: هُوَ أحب إِلَيّ من يحيى بن بكير. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال، أَبُو مُحَمَّد التَّيْمِيّ القريشي الْمدنِي، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو، بِفَتْح الْعين وبالواو فيهمَا، وَأَبُو عَمْرو اسْمه: ميسرَة، وَعَمْرو يكنى أَبَا عُثْمَان، وميسرة مولى الْمطلب بن عبد اللَّه بن حنْطَب، بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْمُهْملَة وبالموحدة، المَخْزُومِي الْقرشِي
الْمدنِي، روى عَن أنس بن مَالك وَغَيره، وَعنهُ مَالك والدراوردي. قَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ. وَأما يحيى بن معِين فَقَالَ: ضَعِيف لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَيْسَ بِحجَّة. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ لِأَن مَالِكًا روى عَنهُ، وَلَا يروي إلاَّ عَن صَدُوق ثِقَة. مَاتَ سنة خلَافَة الْمَنْصُور فِي أَولهَا وَكَانَت أول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَزِيَاد بن عبد اللَّه على الْمَدِينَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، بِضَم الْبَاء وَفتحهَا. وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عبد الْعَزِيز، وَفِي صفة الْجنَّة عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ. وَقَالَ الْمزي. روى عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَحَدِيث النَّسَائِيّ لَيْسَ فِي الرِّوَايَة، وَلم يذكرهُ أَبُو الْقَاسِم. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَنه قَالَ) بِفَتْح: أَن. وَقَوله: قَالَ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (قيل: يَا رَسُول الله) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة البَاقِينَ لَفْظَة: قيل، وَإِنَّمَا هُوَ: (أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقَوله: قيل، وهم، وَالصَّوَاب سُقُوط: قيل، كَمَا جَاءَ عِنْد الْأصيلِيّ والقابسي، لِأَن السَّائِل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة نَفسه، لقَوْله بعد: (لقد ظَنَنْت أَن لَا يسألني عَن هَذَا أحد أول مِنْك) ، وَالْأول وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ وهم. قلت: الصَّوَاب مَا قَالَه القَاضِي، فَإِن البُخَارِيّ أخرجه فِي الرقَاق كَذَلِك. وَأخرجه فِي الْجنَّة أَنه قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله) وَهَذَا مِمَّا يُؤَيّد أَن: قلت، تصحف: بقيل. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (أَنه سَأَلَ) . وَفِي رِوَايَة أبي نعيم أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: (يَا رَسُول الله) . قَوْله: (مَنْ أسعد النَّاس) مُبْتَدأ وَخبر، و: من، إستفهامية، (وَيَوْم الْقِيَامَة) كَلَام إضافي نصب على الظّرْف. قَوْله: (لقد ظَنَنْت) اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف، قَالَه الْكرْمَانِي، وَالْأولَى أَن يُقَال: إِنَّه لَام التَّأْكِيد. قَوْله: (يابا هُرَيْرَة) أَصله يَا أَبَا هُرَيْرَة، فحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَهُوَ معترض بَين ظَنَنْت ومفعوله، وَهُوَ قَوْله: (أَن لَا يسألني عَن هَذَا الحَدِيث أحد) ، وَيجوز ضم اللَّام فِي: يسألني، وَفتحهَا لِأَن كلمة: أَن، إِذا وَقعت بعد الظَّن يجوز فِي مدخولها الْوَجْهَانِ: الرّفْع وَالنّصب. وَاعْلَم أَن: أَن، الْمَفْتُوحَة الْهمزَة الساكنة النُّون على وَجْهَيْن: اسْم وحرف، فالحرف على أَرْبَعَة أوجه: الأول: أَن يكون حرفا مصدرياً ناصباً للمضارع، وَتَقَع فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي الِابْتِدَاء، فَتكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: 184) وَالثَّانِي: بعد لفظ دَال على معنى غير الْيَقِين، فَيكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله} (الْحَدِيد: 16) وَنصب نَحْو: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يُفترى من دون الله} (يُونُس: 37) وخفض نَحْو: {أوذينا من قبل أَن تَأْتِينَا} (الْأَعْرَاف: 129) ومحتملة لَهما نَحْو: {وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي} (الشُّعَرَاء: 82) أَصله: فِي أَن يغْفر لي. الثَّانِي: أَن تكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، فَتَقَع بعد فعل الْيَقِين أَو مَا نزل مَنْزِلَته، نَحْو: {أَفلا يرَوْنَ أَن لَا يرجع إِلَيْهِم قولا} (طه: 89) {علم أَن سَيكون} (المزمل: 20) {وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة} (الْمَائِدَة: 71) فِيمَن رفع: تكون، فَإِن هَذِه ثلاثية الْوَضع، وَهِي مَصْدَرِيَّة أَيْضا، وتنصب الِاسْم وترفع الْخَبَر، خلافًا للكوفيين؛ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تعْمل شَيْئا، وَشرط اسْمهَا أَن يكون محذوفاً، وَرُبمَا ثَبت فِي الضَّرُورَة على الْأَصَح، وَشرط خَبَرهَا أَن يكون جملَة، وَلَا يجوز إِفْرَاده إِلَّا إِذا ذكر الِاسْم فَيجوز الْأَمْرَانِ. الثَّالِث: أَن تكون مفسرة، بِمَنْزِلَة: أَي، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فأوحينا إِلَيْهِ أَن أصنع الْفلك} (الْمُؤْمِنُونَ: 27) وَعَن الكوفية إِنْكَار: أَن، التفسيرية أَلْبَتَّة. وَإِذا ولي: أَن، الصَّالِحَة للتفسير مضارع مَعَه: لَا، نَحْو: أَشرت إِلَيْهِ أَن لَا يفعل، جَازَ رَفعه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة. وجزمه على تقديرها ناهية. وَعَلَيْهِمَا فَأن مفسرة، ونصبه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة و: أَن، مَصْدَرِيَّة. فَإِن فقدت: لَا، امْتنع الْجَزْم وَجَاز الرّفْع وَالنّصب. الرَّابِع: أَن تكون زَائِدَة، وَلها مَوَاضِع ذكرت فِي النَّحْو. قَوْله: (أحد) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: يسألني، قَوْله: (أول مِنْك) ، يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، فالرفع على أَنه صفة لأحد، أَو بدل مِنْهُ. وَالنّصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: على الْمَفْعُول الثَّانِي لظَنَنْت. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء: على الْحَال، أَي: لَا يسألني أحد سَابِقًا لَك: قَالَ: وَجَاز نصب الْحَال عَن النكرَة لِأَنَّهَا فِي سِيَاق النَّفْي فَتكون عاملة كَقَوْلِهِم: مَا كَانَ أحد مثلك. وَاخْتلف فِي: أول، هَل وَزنه: أفعل أَو فوعل، وَالصَّحِيح أَنه: أفعل، واستعماله: بِمن، من جملَة أَدِلَّة صِحَّته. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: أول، تسْتَعْمل إسماً وَصفَة. فَإِن اسْتعْملت صفة كَانَت بِالْألف وَاللَّام، أَو بِالْإِضَافَة أَو: بِمن، ظَاهِرَة أَو مقدرَة. مثل قَوْله تَعَالَى: {يعلم السِّرّ واخفى} (طه: 7) أَي: اخفى من السِّرّ، فَإِن كَانَت: بِمن، جرت فِي الْأَحْوَال كلهَا على لفظ وَاحِد، تَقول: هِنْد أول من زَيْنَب، والزيدان
أول من العمرين، وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الصّفة تَقول: رَأَيْت زيدا أول من عامنا، فَأول بِمَنْزِلَة: قبل، كَأَنَّك قلت: رَأَيْت زيدا عَاما قبل عامنا، فَحكم لَهُ بالظرف حَتَّى قَالُوا: أبدأ بِهَذَا أَوله، وَبَنوهُ على الضَّم كَمَا قَالُوا: أبدأ بِهِ قبل، فَصَارَ كَأَنَّهُ قطع عَن الْإِضَافَة. وَمن النصب على الظّرْف قَوْله تَعَالَى: {الركب أَسْفَل مِنْكُم} (الْأَنْفَال: 42) كَمَا تَقول: الركب أمامك، وَأَصله الصّفة، وَصَارَ: أَسْفَل، ظرفا. وَالتَّقْدِير: والركب فِي مَكَان أَسْفَل من مَكَانكُمْ، ثمَّ حذف الْمَوْصُوف وأقيمت الصّفة مقَامه، فَصَارَ: أَسْفَل مِنْكُم، بِمَنْزِلَة: تحتكم، وَمن لم يَجْعَل أَولا صلَة صرفه بِمَنْزِلَة: فَكل، الَّذِي هُوَ بِمَعْنى: الرعدة. وَلَيْسَ فِيهِ إلاَّ وزن الْفِعْل. تَقول: مَا ترك لنا أَولا وَلَا آخر، كَقَوْلِك: لَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله (لما رَأَيْت) بِكَسْر اللَّام و: مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف. و: من، بَيَانِيَّة تَقْدِيره: للَّذي رَأَيْته من حرصك. أَو تكون: مَا، مَصْدَرِيَّة و: من، تبعيضية، وَتَكون مفعول: رَأَيْت، وَالتَّقْدِير. لرؤيتي بعض حرصك. قَوْله: (على الحَدِيث) يتَعَلَّق بالحرص. قَوْله: (أسعدُ النَّاس) كَلَام إضافي مُبْتَدأ. وَالْبَاء فِي: (بشفاعتي) يتَعَلَّق بِهِ: (وَيَوْم الْقِيَامَة) نصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَوله: (من قَالَ) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ. و: (من) ، مَوْصُولَة. وَقَوله: (خَالِصا) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (قَالَ) . وَقَوله: (من قلبه) يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله: خَالِصا، أَو بقوله: قَالَ. وَالظَّاهِر أَن يتَعَلَّق: بقال. فَإِذا تعلق: بقال يكون ظرفا لَغوا، وَإِن تعلق بخالصاً، يكون ظرفا مُسْتَقرًّا، إِذْ تَقْدِيره حينئذٍ ناشئاً من قلبه، واللغو لَا مَحل لَهُ من الْإِعْرَاب. والمستقر هُنَا مَنْصُوب على الْحَال. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (من أسعد النَّاس) أسعد: أفعل، والسعد هُوَ الْيمن، تَقول مِنْهُ: سعد يَوْمنَا يسْعد سعوداً، والسعودة خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة، تَقول مِنْهُ: سعد الرجل بِالْكَسْرِ فَهُوَ سعيد، مِثَال: سلم فَهُوَ سليم. وَسعد، على مَا لم يسم فَاعله، فَهُوَ: مَسْعُود. فَإِن قلت: أسعد، هُنَا من أَي الْبَاب؟ قلت: من الْبَاب الثَّانِي، وَهُوَ من بَاب: فعل يفعل بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي وَالْفَتْح فِي الغابر، وَالْأول من بَاب: فعل يفعل، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالضَّم فِي الغابر. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل يدل على الشّركَة، والمشرك وَالْمُنَافِق لَا سَعَادَة لَهما. قلت: أسعد هَهُنَا بِمَعْنى سعيد، يَعْنِي سعيد النَّاس، كَقَوْلِهِم: النَّاقِص والأشج أعدلا بني مَرْوَان، يَعْنِي عادلا بني مَرْوَان، وَيجوز أَن يكون على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ الْمَشْهُور، والتفضيل بِحَسب الْمَرَاتِب أَي: هُوَ أسعد مِمَّن لم يكن فِي هَذِه الْمرتبَة من الْإِخْلَاص الْمُؤَكّد الْبَالِغ غَايَته، وَكثير من النَّاس يحصل لَهُ سعد بِشَفَاعَتِهِ، لَكِن الْمُؤمن المخلص أَكثر سَعَادَة بهَا، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يشفع فِي الْخلق بإراحتهم من هول الْموقف، ويشفع فِي بعض الْكفَّار بتَخْفِيف الْعَذَاب، كَمَا صَحَّ فِي حق أبي طَالب، ويشفع فِي بعض الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ من النَّار بعد أَن دخلوها، وَفِي بَعضهم بِعَدَمِ دُخُولهَا بعد أَن يستوجبوا دُخُولهَا، وَفِي بَعضهم بِدُخُول الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَفِي بَعضهم بِرَفْع الدَّرَجَات فِيهَا، فَظهر الِاشْتِرَاك فِي مُطلق السَّعَادَة بالشفاعة، وَأَن أسعدهم بهَا الْمُؤمن المخلص. قَوْله: (بشفاعتك) ، الشَّفَاعَة مُشْتَقَّة من الشفع، وَهُوَ ضم الشَّيْء إِلَى مثله، كَأَن الْمَشْفُوع لَهُ كَانَ فَردا فَجعله الشَّفِيع شفعاً بِضَم نَفسه إِلَيْهِ، والشفاعة: الضَّم إِلَى إِلَى آخر معاوناً لَهُ، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي انضمام من هُوَ أَعلَى مرتبَة إِلَى من هُوَ أدنى. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دَلِيل على أَن الشَّفَاعَة إِنَّمَا تكون فِي أهل الْإِخْلَاص خَاصَّة، وهم أهل التَّوْحِيد، وَهَذَا مُوَافق لقَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لكل نَبِي دَعْوَة، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة، فَهِيَ نائلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى من مَاتَ من أمتِي لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) . قلت: هَذَا الحَدِيث مَعَ غَيره من الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب، الْجَارِيَة مجْرى الْقطع، دَلِيل على ثُبُوت الشَّفَاعَة. قَالَ عِيَاض: مَذْهَب أهل السّنة جَوَاز الشَّفَاعَة عقلا، ووجوبها بِصَرِيح الْآيَات وَالْأَخْبَار الَّتِي بلغ مجموعها التَّوَاتُر لصحتها فِي الْآخِرَة لمذنبي الْمُؤمنِينَ. وَأجْمع السّلف الصَّالح وَمن بعدهمْ من أهل السّنة على ذَلِك، ومنعت الْخَوَارِج وَبَعض الْمُعْتَزلَة مِنْهَا، وتأولت الْأَحَادِيث على زيادات الدَّرَجَات وَالثَّوَاب، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: {فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين} (المدثر: 48) {مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع} (غَافِر: 18) وَهَذِه إِنَّمَا جَاءَت فِي الْكفَّار، وَالْأَحَادِيث مصرحة بِأَنَّهَا فِي المذنبين. وَقَالَ: الشَّفَاعَة خَمْسَة أَقسَام. أَولهَا: الإراحة من هول الْموقف. الثَّانِيَة: الشَّفَاعَة فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَهَذِه أَيْضا وَردت للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي: لَا أعلم هَل هِيَ مُخْتَصَّة أم لَا؟ قلت: يُرِيد القَاضِي بِالصَّحِيحِ مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فأنطلق تَحت الْعَرْش فأقع سَاجِدا) ، وَفِيه: (فَيُقَال يَا مُحَمَّد أَدخل من أمتك من لَا حِسَاب عَلَيْهِ من الْبَاب الْأَيْمن من أَبْوَاب الْجنَّة) ، وَشبهه من الْأَحَادِيث. الثَّالِثَة: قوم استوجبوا النَّار فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عدم دُخُولهمْ فِيهَا، قَالَ القَاضِي: وَهَذِه أَيْضا يشفع فِيهَا نَبينَا مُحَمَّد،
- (باب كيف يقبض العلم)
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من شَاءَ الله أَن يشفع. الرَّابِعَة: قوم دخلُوا النَّار من المذنبين فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْمَلَائِكَة والأنبياء والمؤمنون. الْخَامِسَة: الشَّفَاعَة فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فِي الْجنَّة لأَهْلهَا، وَهَذِه لَا تنكرهَا الْمُعْتَزلَة. وَقَالَ القَاضِي: عرف بالاستفاضة سُؤال السّلف الصَّالح الشَّفَاعَة، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من قَالَ: يكره سؤالها لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا للمذنبين، فقد يكون لتخفيف الْحساب وَزِيَادَة الدَّرَجَات، ثمَّ كل عَاقل معترف بالتقصير مُشفق أَن يكون من الهالكين غير مُعْتَد بِعَمَلِهِ، وَيلْزم هَذَا الْقَائِل أَن لَا يَدْعُو بالمغفرة وَالرَّحْمَة لِأَنَّهَا لأَصْحَاب الذُّنُوب، وَهَذَا كُله خلاف مَا عرف من دُعَاء السّلف وَالْخلف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الشَّفَاعَة الأولى هِيَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى. قيل: وَهِي المُرَاد بالْمقَام الْمَحْمُود، والمختصة بنبينا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهِي الأولى وَالثَّانيَِة، وَيجوز أَن تكون الثَّالِثَة وَالْخَامِسَة أَيْضا. وَالله أعلم. قَوْله: (اِسْعَدْ النَّاس) ، التَّقْيِيد بِالنَّاسِ لَا يُفِيد نفي السَّعَادَة عَن الْجِنّ وَالْملك، لِأَن مَفْهُوم اللقب لَيْسَ بِحجَّة عِنْد الْجُمْهُور. قَوْله: (من قَالَ) فِيهِ دَلِيل على اشْتِرَاط النُّطْق بِكَلِمَة الشَّهَادَة. فَإِن قلت: هَل يَكْفِي مُجَرّد قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله، دون: مُحَمَّد رَسُول الله؟ قلت: لَا يَكْفِي، لَكِن جعل الْجُزْء الأول من كلمة الشَّهَادَة شعاراً لمجموعها، فَالْمُرَاد الْكَلِمَة بِتَمَامِهَا. كَمَا تَقول: قَرَأت: {آلم ذَلِك الْكتاب} (الْبَقَرَة: 1 2) أَي: السُّورَة بِتَمَامِهَا. فَإِن قلت: الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي على الْأَصَح، وَقَول الْكَلِمَة لإجراء أَحْكَام الْإِيمَان عَلَيْهِ، فَلَو صدق بِالْقَلْبِ وَلم يقل الْكَلِمَة يسْعد بالشفاعة؟ قلت: نعم، لَو لم يكن مَعَ التَّصْدِيق منافٍ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالْقَوْل النفساني لَا اللساني، أَو ذكر على سَبِيل التغليب إِذْ الْغَالِب أَن من صدق بِالْقَلْبِ قَالَ بِاللِّسَانِ الْكَلِمَة. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى ارْتِكَاب الْمجَاز، وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مشرع، وَفِي الشَّرْع لَا يعْتَبر إلاَّ القَوْل اللساني، وَالْقَوْل النفساني يعْتَبر عِنْد اللَّه، وَهُوَ أَمر مبطن لَا يقف عَلَيْهِ إلاَّ الله تَعَالَى. قَوْله: (خَالِصا) وَفِي بعض النّسخ: مخلصاً، من الْإِخْلَاص، وَالْإِخْلَاص فِي الْإِيمَان ترك الشّرك وَفِي الطَّاعَة ترك الرِّيَاء. قَوْله: (من قلبه) ذكر للتَّأْكِيد، لِأَن الْإِخْلَاص معدنه الْقلب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّهُ آثم قلبه} (الْبَقَرَة: 283) وَإسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْجَارِحَة الَّتِي تعْمل بهَا أبلغ. أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا أردْت التَّأْكِيد: أبصرته عَيْني وسمعته أُذُنِي! قَوْله: (أَو نَفسه) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: شكّ من أبي هُرَيْرَة. قلت: التَّعْيِين غير لَازم لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أحد من الروَاة مِمَّن هم دونه، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الرقَاق: (خَالِصا من قبل نَفسه) . بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ الْحِرْص على الْعلم وَالْخَيْر، فَإِن الْحَرِيص يبلغ بحرصه إِلَى الْبَحْث عَن الغوامض ودقيق الْمعَانِي، لِأَن الظَّوَاهِر يَسْتَوِي النَّاس فِي السُّؤَال عَنْهَا لاعتراضها أفكارهم، وَمَا لطف من الْمعَانِي لَا يسْأَل عَنهُ إلاَّ الراسخ، فَيكون ذَلِك سَببا للفائدة. وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. الثَّانِي: فِيهِ تفرس الْعَالم فِي متعلمه، وتنبيهه على ذَلِك لكَونه أبْعث على اجْتِهَاده فِي الْعلم. الثَّالِث: فِيهِ سكُوت الْعَالم عَن الْعلم إِذا لم يسْأَل حَتَّى يسْأَل، وَلَا يكون ذَلِك كتماً، لِأَن على الطَّالِب السُّؤَال، اللَّهُمَّ إلاَّ إِذا تعين عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ السُّكُوت إلاَّ إِذا تعذر. الرَّابِع: فِيهِ أَن الشَّفَاعَة تكون لأهل التَّوْحِيد، كَمَا ذكرنَا. الْخَامِس: فِيهِ ثُبُوت الشَّفَاعَة، وَقد مر مفصلا. السَّادِس: فِيهِ فَضِيلَة أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز الْقسم للتَّأْكِيد. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز الكنية عِنْد الْخطاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. 34 - (بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ) أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَالْمعْنَى: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة قبض الْعلم، و: كَيفَ، يسْتَعْمل فِي الْكَلَام على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون شرطا، فَيَقْتَضِي فعلين متفقي اللَّفْظ وَالْمعْنَى غير مجزومين. نَحْو: كَيفَ تصنع أصنع. وَلَا يجوز: كَيفَ تجْلِس أذهب، بِاتِّفَاق، وَلَا: كَيفَ تجْلِس أَجْلِس الْجَزْم عِنْد الْبَصرِيين إلاَّ قطرباً. وَالْآخر: وَهُوَ الْغَالِب فِيهَا أَن تكون استفهاماً: إِمَّا حَقِيقِيًّا نَحْو: كَيفَ زيد؟ أَو غَيره، نَحْو: {كَيفَ تكفرون بِاللَّه} الْآيَة (الْبَقَرَة: 28) ، فَإِنَّهُ أخرج مخرج التَّعَجُّب، وَالْقَبْض نقيض الْبسط، وَالْمرَاد مِنْهُ الرّفْع والانطواء، كَمَا يُرَاد من الْبسط الانتشار. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْحِرْص على الحَدِيث الَّذِي هُوَ من أشرف أَنْوَاع الْعُلُوم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب ارْتِفَاع الْعُلُوم، فبينهما تقَابل فتناسقا من هَذِه الْجِهَة. وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب السَّابِق تَنْبِيها على أَن يهتم بتحصيل الْعُلُوم مَعَ الْحِرْص عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّا تقبض وترفع فتستدرك غنائمها قبل فَوَاتهَا.
وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ: انْظَرْ مَا كانَ منْ حدَيثِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأكْتُبْهُ، فأنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وذَهابَ العُلماءِ، وَلَا يُقْبلُ إِلاَّ حَدِيثُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ولْيُفْشُوا العِلْمَ وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ فإنَ العَلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. هَذَا تَعْلِيق لم يَقع وَصله عِنْد الْكشميهني وكريمة وَابْن عَسَاكِر، وَوَقع وَصله للْبُخَارِيّ عِنْد غَيرهم، وَهُوَ بقوله فِي بعض النّسخ: حَدثنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار ... إِلَى آخِره، على مَا يَأْتِي ذكره عَن قريب. وَقد روى أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) هَذِه الْقِصَّة بِلَفْظ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، إِلَى الْآفَاق: انْظُرُوا حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاجمعوه. أما عمر بن عبد الْعَزِيز فَهُوَ أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين، وَقد مر فِي كتاب الْإِيمَان، وَأما أَبُو بكر بن حزم فَهُوَ: ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي، ابْن زيد بن لودان بن عمر بن عبد عَوْف بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمدنِي. قَالَ الْخَطِيب: يُقَال: إِن اسْمه أَبُو بكر، وكنيته أَبُو مُحَمَّد، وَمثله: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن. قَالَ الْخَطِيب: لَا نَظِير لَهما. وَقد قيل فِي أبي بكر بن مُحَمَّد: لَا كنية لَهُ غير أبي بكر اسْمه. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: قيل: إِن اسْم أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن هَذَا: الْمُغيرَة، وَلَا يَصح. قلت: أَرَادَ الْخَطِيب قَوْله: لَا نَظِير لَهما، أَي: مِمَّن اسْمه أَبُو بكر وَله كنية، وَأما من اشْتهر بكنيته وَلم يعرف لَهُ اسْم غَيره فكثير، ذكر ابْن عبد الْبر مِنْهُم جمَاعَة، وَأَبُو بكر بن حزم ولي الْقَضَاء والإمرة والموسم لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: لما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز الْخلَافَة ولى أَبَا بكر إمرة الْمَدِينَة، فاستقضى أَبُو بكر ابْن عَمه على الْقَضَاء، وَكَانَ أَبُو بكر هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ ويتولى أَمرهم، وَكَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم، توفّي سنة عشْرين وَمِائَة فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ ابْن أَربع وَثَمَانِينَ سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ، سُئِلَ يحيى بن معِين عَن حَدِيث عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، قَالَ: عرضت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مُرْسل. قَوْله: (انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث) أَي: اجْمَعْ الَّذِي تَجِد، وَوَقع هُنَا للكشميهني: عنْدك، مَعْنَاهُ فِي بلدك. قَوْله: (فاكتبه) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن ابْتِدَاء تدوين الحَدِيث النَّبَوِيّ كَانَ فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانُوا قبل ذَلِك يعتمدون على الْحِفْظ، فَلَمَّا خَافَ عمر رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ على رَأس الْمِائَة الأولى من ذهَاب الْعلم بِمَوْت الْعلمَاء، رأى أَن فِي تدوينه ضبطاً لَهُ وإبقاء. قَوْله: (فَإِنِّي) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (دروس الْعلم) بِضَم الدَّال، من: درس يدرس، من بَاب: نصر ينصر، دروساً أَي: عفى ودرست الْكتاب أدرسه وأدرسه من بَاب نصر ينصر وَضرب يضْرب درساً ودراسة ودرس الْحِنْطَة درساً ودراساً أَي: داسها. قَوْله: (وَلَا يقبل) بِضَم الْيَاء أَعنِي حرف المضارعة. قَوْله: (وليفشوا) بِصِيغَة الْأَمر من الإفشاء، وَهُوَ الإشاعة. وَيجوز فِيهِ تسكين اللَّام كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات. وَقَوله: (الْعلم) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (وليجلسوا) بِصِيغَة الْأَمر أَيْضا من الْجُلُوس لَا من الإجلاس، وَيجوز فِي لامه التسكين أَيْضا. قَوْله: (حَتَّى يعلم) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم، أَعنِي بتَشْديد اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى يعلم: بِفَتْح حرف المضارعة وَاللَّام من الْعلم. قَوْله: (من لَا يعلم) بِصِيغَة الْمَعْلُوم من الْعلم. وَكلمَة: من مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل يعلم الَّذِي هُوَ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَأما إِذا قرىء على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم فَتكون مَفْعُولا نَاب عَن الْفَاعِل. فَافْهَم. قَوْله: (لَا يهْلك) بِفَتْح حرف المضارعة وَكسر اللَّام، أَي: لَا يضيع. وَفتح اللَّام لُغَة. وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أبي إِسْحَاق: {وَيهْلك الْحَرْث والنسل} (الْبَقَرَة: 25) بِفَتْح الْيَاء، وَاللَّام وَرفع الثَّاء. قَوْله: (حَتَّى يكون سرا) أَي: خُفْيَة، وَأَرَادَ بِهِ كتمان الْعلم. وَقَالَ ابْن بطال: فِي أَمر عمر ابْن عبد الْعَزِيز بِكِتَابَة حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاصَّة وَأَن لَا يقبل غَيره، الحض على اتِّبَاع السّنَن وضبطها، إِذْ هِيَ الْحجَّة عِنْد الِاخْتِلَاف. وَفِيه: يَنْبَغِي للْعَالم نشر الْعلم وإذاعته. حدّثنا العَلاءُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حدّثنا عبدُ العزِيز بنُ مُسُلْمٍ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ بِذلك، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيز، إِلَى قَولِهِ: ذَهابَ العُلماءِ. أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه روى أثر عمر بن عبد الْعَزِيز مَوْصُولا، و: لَكِن: (إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء) فسر ذَلِك بقوله: يَعْنِي حَدِيث عمر بن
عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله بذلك يَعْنِي بِجَمِيعِ مَا ذكر، يَعْنِي: إِلَى قَوْله: حَتَّى يكون سرا. ثمَّ قَالَ: وَفِي بعض النّسخ بعده: يَعْنِي بعد قَوْله بذلك يَعْنِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، ثمَّ قَالَ: وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَن الْعَلَاء روى كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء فَقَط. قلت: أما بعد قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، يحْتَمل أَن يكون كَلَام عمر، وَلكنه لم يدْخل فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَيحْتَمل أَن لَا يكون من كَلَامه، وَهُوَ الْأَظْهر، وَبِه صرح أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أوردهُ عقيب كَلَام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه: أنبأني الشَّيْخ قطب الدّين عبد الْكَرِيم إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي جدي إجَازَة الْحَافِظ الثِّقَة الْعدْل قطب الدّين عبد الْكَرِيم، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنبأَنَا عبد الْعَزِيز بن باقاء الْبَغْدَادِيّ إجَازَة، أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت سَمَاعا، أَنبأَنَا ثَابت بن بنْدَار، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب البرقاني، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ الْإِسْمَاعِيلِيّ، ثَنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن عبد اللَّه بن دِينَار، قَالَ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن حزم ... فَذكره إِلَى قَوْله: وَذَهَاب الْعلمَاء. فَإِن قلت: لِمَ أخر إِسْنَاد كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز عَن كَلَامه، وَالْعَادَة تَقْدِيم الْإِسْنَاد. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: للْفرق بَين إِسْنَاد الْأَثر وَبَين إِسْنَاد الْخَبَر، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ غير مطرد، وَيحْتَمل أَن يكون قد ظهر بِإِسْنَادِهِ بعد وضع هَذَا الْكَلَام، فَالْحَقْهُ بالأخير، على أَنا قُلْنَا: إِن هَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ بموجود عِنْد جمَاعَة. وَأما الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار فَهُوَ أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ الْعَطَّار الْأنْصَارِيّ مَوْلَاهُم، سكن مَكَّة، أخرج البُخَارِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأبي الْهَيْثَم فِي الْعلم عَنهُ عَن عبد الْعَزِيز هَذَا الْأَثر وَلم يخرج عَنهُ غَيره، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة، توفّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا. وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم الْقَسْمَلِي مَوْلَاهُم، أَخُو الْمُغيرَة بن مُسلم الْخُرَاسَانِي الْمروزِي نِسْبَة إِلَى القساملة، وَقيل لَهُم ذَلِك لأَنهم من ولد قسملة، واسْمه مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان، وَلَهُم محلّة بِالْبَصْرَةِ مَعْرُوفَة بالقسامل، وَقيل: نزل فيهم فنسب إِلَيْهِم، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير والذبائح وَكتاب المرضى وَغير مَوضِع عَن مُسلم بن إِسْمَاعِيل عَنهُ عَن عبد اللَّه بن دِينَار، وحصين وَالْأَعْمَش. وَأخرج لَهُ هَذَا الْأَثر عَن الْعَلَاء عَنهُ. قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ يحيى بن إِسْحَاق: ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم، وَكَانَ من الأبدال. قَالَ عَمْرو بن عَليّ: مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ ابْن مَاجَه. وَأما عبد اللَّه بن دِينَار الْقرشِي الْمدنِي، مولى ابْن عمر فقد مر فِي: بَاب أُمُور الْإِيمَان. 100 - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بن العاصِي قَالَ: سمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (إنَّ الله لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فافْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا) . (الحَدِيث 100 طرفه فِي: 7307) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن يقبض الْعلم) . بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا كلهم، وَمَالك هُوَ الإِمَام الْمَشْهُور، أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (الْمُوَطَّأ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يروه فِي (الْمُوَطَّأ) إلاَّ معن بن عِيسَى، وَقَالَ أَبُو عمر: رَوَاهُ أَيْضا فِيهِ سُلَيْمَان بن برد، وَرَوَاهُ أَصْحَاب مَالك كَابْن وهب وَغَيره خَارج (الْمُوَطَّأ) ، وَقد اشْتهر هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَوَافَقَهُ على رِوَايَته عَن أَبِيه عُرْوَة أَبُو الْأسود الْمدنِي وَحَدِيثه فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَالزهْرِيّ وَحَدِيثه فِي النَّسَائِيّ، وَيحيى بن أبي كثير وَحَدِيثه فِي (صَحِيح أبي عوَانَة) ، وَوَافَقَ أَبَاهُ على رِوَايَته عَن عبد اللَّه بن عمر، وَعمر بن الحكم بن ثَوْبَان وَحَدِيثه فِي مُسلم. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن سعيد ابْن تليد عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَغَيره جَمِيعًا عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة عَن عُرْوَة نَحوه. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن يحيى بن يحيى عَن عباد بن عباد وَأبي مُعَاوِيَة، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع، وَعَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَأبي أُسَامَة وَعبد الله بن نمير وَعَبدَة بن سُلَيْمَان، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد وَعَن أبي بكر
بن نَافِع عَن عمر ابْن عَليّ الْمقدمِي، وَعَن عبد بن حميد عَن يزِيد بن هَارُون عَن شُعْبَة، الثَّلَاثَة عشر كلهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَحده بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن هَارُون بن إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن عَبدة بن سُلَيْمَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عبد الله بن عمر، وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل هَذَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، كِلَاهُمَا عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. قَالَ عبد الْوَهَّاب: فَلَقِيت هشاماً فَحَدثني عَن أَبِيه عَنهُ بِهِ، وَعَن أَبِيه مثله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَعَبدَة بن سُلَيْمَان وَأبي مُعَاوِيَة وَعبد اللَّه بن نمير وَمُحَمّد بن بشر، وَعَن سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك وَعلي بن مسْهر وَحَفْص بن ميسرَة وَشُعَيْب بن إِسْحَاق، تسعتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يَقُول) ، جملَة وَقعت حَالا، وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الْمُضَارع حِكَايَة لحَال الْمَاضِي واستحضاراً لَهُ، وإلاَّ فَالْأَصْل أَن يُقَال: قَالَ: ليطابق: سَمِعت. قَوْله: (لَا يقبض الْعلم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (انتزاعاً) يجوز فِي نَصبه أوجه. الأول: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا عَن معنى يقبض، نَحْو: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقعد جُلُوسًا. الثَّانِي: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا مقدما على فعله، وَهُوَ: ينتزعه. وَيكون: ينتزعه، حَالا من الضَّمِير فِي: يقبض، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه ينتزعه انتزاعاً من الْعباد. الثَّالِث: أَن يكون حَالا من الْعلم بِمَعْنى: منتزعاً، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه منتزعاً. فَإِن قلت: على هَذَا مَا يَقع ينتزعه؟ قلت: قيل: يكون ينتزعه جَوَابا عَمَّا يُقَال: مِمَّن ينتزع الْعلم؟ وَفِيه نظر، والأصوب أَن يكون فِي مَحل النصب صفة، إِمَّا لانتزاعاً، أَو لمنتزعاً من الصِّفَات المبينة. قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. وَقَوله: (يقبض الْعلم) من قبيل إِقَامَة الْمظهر مَوضِع الْمُضمر لزِيَادَة تَعْظِيم الْمُضمر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الله الصَّمد} (الْإِخْلَاص: 2) بعد قَوْله: {قل هُوَ الله أحد} (الْإِخْلَاص: 1) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يُقَال: هُوَ الصَّمد، كَمَا أَن الْمُقْتَضى هُنَا: وَلَكِن يقبضهُ. قَوْله: (حَتَّى) ابتدائية دخلت على الْجُمْلَة، تدل على أَن ذَلِك وَاقع بالتدريج، كَمَا أَن إِذا تدل على أَنه وَاقع لَا محَالة، و: إِذا ظرفية، وَالْعَامِل فِيهَا: اتخذ، وَيحْتَمل أَن تكون شَرْطِيَّة. فَإِن قلت: إِذا للاستقبال وَلم لقلب الْمُضَارع مَاضِيا، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: لما تَعَارضا تساقطا فَبَقيَ على أَصله وَهُوَ الْمُضَارع، أَو تعادلا فَيُفِيد الِاسْتِمْرَار. فَإِن قلت: إِذا كَانَت شَرْطِيَّة يلْزم من انْتِفَاء الشَّرْط انْتِفَاء الْمَشْرُوط، وَمن وجود الْمَشْرُوط وجود الشَّرْط، لكنه لَيْسَ كَذَلِك لجَوَاز حُصُول الاتخاذ مَعَ وجود الْعلم. قلت: ذَلِك فِي الشُّرُوط الْعَقْلِيَّة، أما فِي غَيرهَا فَلَا نسلم اطراد هَذِه الْقَاعِدَة، ثمَّ ذَلِك الاستلزام إِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع لم يكن للشّرط بدل، فقد يكون لمشروط وَاحِد شُرُوط متعاقبة: كصحة الصَّلَاة بِدُونِ الْوضُوء عِنْد التَّيَمُّم، أَو المُرَاد بِالنَّاسِ جَمِيعهم، فَلَا يَصح أَن الْكل اتَّخذُوا رؤوساً جُهَّالًا إلاَّ عِنْد عدم بَقَاء الْعَالم مُطلقًا، وَذَلِكَ ظَاهر. قَوْله: (لم يبْق) بِفَتْح حرف المضارعة من الْبَقَاء. وَقَوله: (عَالم) بِالرَّفْع، فَاعله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لم يبْق عَالما) بِضَم حرف المضارعة من الْإِبْقَاء، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الله، (وعالماً) : مَنْصُوب بِهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى إِذا لم يتْرك عَالما) . قَوْله: (اتخذ) أَصله: ائتخذ، فقلبت الْهمزَة ثمَّ ادغمت التَّاء فِي التَّاء، و: (النَّاس) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (رؤوساً) بِضَم الْهمزَة وبالتنوين جمع رَأس، قَالَ النَّوَوِيّ: ضبطناه بِضَم الْهمزَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (رُؤَسَاء) بِفَتْح الْهمزَة وَفِي آخِره همزَة أُخْرَى مَفْتُوحَة، جمع رَئِيس، وَالْأول أشهر. قَوْله: (جُهَّالًا) بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء الْمُشَدّدَة: جمع جَاهِل، صفة لرؤوساً. قَوْله: (فسئلوا) بِضَم السِّين وَالضَّمِير فِيهِ، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، أَي: فَسَأَلَهُمْ السائلون فافتوا لَهُم. قَوْله: (فضلوا) عطف على: فافتوا، وَهُوَ من الضلال، و: (اضلوا) من الإضلال، يَعْنِي: فضلوا فِي أنفسهم وأضلوا السَّائِلين. فَإِن قلت: الضلال مُتَقَدم على الْإِفْتَاء، فَمَا معنى الْفَاء؟ قلت: الْمَجْمُوع الْمركب من الضلال والإضلال هُوَ متعقب على الْإِفْتَاء وَإِن كَانَ الْجُزْء الأول مقدما عَلَيْهِ إِذْ الضلال الَّذِي بعد الْإِفْتَاء غير الضلال الَّذِي قبله. فَإِن قلت: الإضلال ظَاهر، وَأما الضلال فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو عمل بِمَا افتى وَقد لَا يعْمل بِهِ، قلت: إِن إضلاله للْغَيْر ضلال لَهُ عمل بِمَا أفتى أَو لم يعْمل. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعاً) أَي: إِن الله لَا يقبض الْعلم من بَين النَّاس على سَبِيل أَن يرفعهُ من بَينهم إِلَى السَّمَاء، أَو يمحوه من صُدُورهمْ، بل يقبضهُ بِقَبض أَرْوَاح الْعلمَاء وَمَوْت حَملته. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَن الله لَا ينْزع
- (باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم)
الْعلم من الْعباد بعد أَن يتفضل بِهِ عَلَيْهِم، وَلَا يسترجع مَا وهب لَهُم من الْعلم الْمُؤَدِّي إِلَى مَعْرفَته وَبث شَرِيعَته، وَإِنَّمَا يكون انْتِزَاعه بتضييعهم الْعلم فَلَا يُوجد من يخلف من مضى، فَأَنْذر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِقَبض الْخَيْر كُله، وَكَانَ تحديث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك فِي حجَّة الْوَدَاع، كَمَا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (لما كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: خُذُوا الْعلم قبل أَن يقبض أَو يرفع، فَقَالَ أَعْرَابِي: كَيفَ يرفع؟ فَقَالَ: أَلا إِن ذهَاب الْعلم ذهَاب حَملته، ثَلَاث مَرَّات) وَقَالَ ابْن الْمُنِير: محو الْعلم من الصُّدُور جَائِز فِي الْقُدْرَة، إلاَّ أَن هَذَا الحَدِيث دلّ على عدم وُقُوعه. قَوْله: (بِغَيْر علم) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود فِي الِاعْتِصَام عِنْد البُخَارِيّ: (فيفتون برأيهم) . قَوْله: (جُهَّالًا) فَإِن قلت: المُرَاد بِهَذَا الْجَهْل: الْجَهْل الْبَسِيط، وَهُوَ عدم الْعلم بالشَّيْء لَا مَعَ اعْتِقَاد الْعلم بِهِ، أم الْجَهْل الْمركب وَهُوَ عدم الْعلم بالشَّيْء مَعَ اعْتِقَاد الْعلم بِهِ؟ قلت: المُرَاد هُنَا الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا المتناول لَهما. فَإِن قلت: أَهَذا مُخْتَصّ بالمفتين، أم عَام للقضاة الْجَاهِلين؟ قلت: عَام، إِذْ الحكم بالشَّيْء مُسْتَلْزم للْفَتْوَى بِهِ. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة لِلْقَائِلين بِجَوَاز خلو الزَّمَان عَن الْمُجْتَهد على مَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور خلافًا للحنابلة. الثَّانِي: فِيهِ التحذير عَن اتِّخَاذ الْجُهَّال رؤوساً. الثَّالِث: فِيهِ الْحَث على حفظ الْعلم والاشتغال بِهِ. الرَّابِع: فِيهِ أَن الْفَتْوَى هِيَ الرياسة الْحَقِيقِيَّة، وذم من يقدم عَلَيْهَا بِغَيْر علم. الْخَامِس: قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا الحَدِيث خرج مخرج الْعُمُوم. وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله) . وَيُقَال هَذَا بعد إتْيَان أَمر الله تَعَالَى إِن لم يُفَسر إتْيَان الْأَمر بإتيان الْقِيَامَة، أَو عدم بَقَاء الْعلمَاء إِنَّمَا هُوَ فِي بعض الْمَوَاضِع كفي غير بَيت الْمُقَدّس مثلا إِن فسرناه بِهِ، فَيكون مَحْمُولا على التَّخْصِيص جمعا بَين الْأَدِلَّة. قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حدّثنا عبَّاسٌ قالَ: حدّثنا قُتيْبَةُ، حدّثنا جَريرٌ عنْ هِشَامٍ نحْوَهُ. هَذَا من زيادات الرَّاوِي عَن البُخَارِيّ فِي بعض الْأَسَانِيد وَهِي قَليلَة. والفربري، بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا وَفتح الرَّاء وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى فربر، وَهِي قَرْيَة من قرى بُخَارى على طرف جيحون، وَهُوَ أَبُو عبد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر بن صَالح بن بشر. وَقَالَ الكلاباذي: كَانَ سَماع الْفربرِي من البُخَارِيّ (صَحِيحه) مرَّتَيْنِ: مرّة بفربر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَمرَّة ببخارى سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. ولد سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَات سنة عشْرين وثلثمائة، سمع من قُتَيْبَة بن سعيد فشارك البُخَارِيّ فِي الرِّوَايَة عَنهُ، قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي (أَمَالِيهِ) : وَكَانَ ثِقَة ورعاً. وعباس: هُوَ ابْن الْفضل بن زَكَرِيَّا الْهَرَوِيّ أَبُو مَنْصُور الْبَصْرِيّ ثِقَة مَشْهُور من الثَّانِيَة عشر، بل من الَّتِي بعْدهَا ولد بعد موت ابْن مَاجَه، وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلثمائة، من (اسماء الرِّجَال) لِابْنِ حجر. وقتيبة: هُوَ ابْن سعيد أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَقد تقدم. وَجَرِير: هُوَ ابْن عبد الحميد الضَّبِّيّ، أَبُو عبد اللَّه الرَّازِيّ ثمَّ الْكُوفِي، ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَقد تقدم. قَوْله: (نَحوه) ، أَي نَحْو حَدِيث مَالك، وَرِوَايَة الْفربرِي هَذِه أخرجهَا مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن جرير عَن هِشَام بِهِ. 36 - (بابٌ هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّساءِ يَوْمٌ علَى حِدَةٍ فِي العِلْم) أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَهل، للاستفهام: و: يَجْعَل، على صِيغَة الْمَجْهُول. و: وَيَوْم، بِالرَّفْع مفعول لَهُ نَاب عَن الْفَاعِل، وَهَذِه رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة؛ وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: يَجْعَل، على صِيغَة الْمَعْلُوم. أَي: يَجْعَل الإِمَام. و: يَوْمًا، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (على حِدة) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الدَّال، أَي: على انْفِرَاده، وَهُوَ على وزن الْعدة. قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول أعْط كل وَاحِد مِنْهُم على حِدة، أَي: على حياله، وَالْهَاء عوض من الْوَاو. قلت: لِأَنَّهُ من: وحد يحد وحوداً ووحودة ووحداً ووحدة وحدة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق هُوَ كَيْفيَّة قبض الْعلم، وَمن فَوَائده الْحَث على حفظ الْعلم، وَمن فَوَائِد حَدِيث هَذَا الْبَاب أَيْضا الْحَث على حفظ الْعلم، وَذَلِكَ أَن النِّسَاء لما سألن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن يَجْعَل لَهُنَّ يَوْمًا، ووعدهن يَوْمًا يَأْتِي إلَيْهِنَّ فِيهِ، أَتَاهُنَّ فِيهِ وحثهن على حفظ الْعلم، وَهَذَا الْقدر كافٍ فِي رِعَايَة الْمُنَاسبَة.
101 - حدّثنا آدَمُ قالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ قالَ: حدّثني ابنُ الأصبْهَانِيِّ قالَ: سَمعْتُ أَبَا صالِحٍ ذَكْوان يَحُدِّثُ عنْ أبي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ: قالَتِ النِّساءُ للنِّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: غَلَبنا عَلَيْكَ الرِّجالُ فاجْعَلْ لنَا يَوْماً مِنْ نَفْسكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ. فَكانَ فِيما قالَ لَهُنَّ: (مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقدِّمُ ثَلاثَةً مِنْ وَلَدِها إلاَّ كانَ لَها حِجاباً مِنَ النَّار) فَقالَتِ امْرَأَةٌ: واثنَيْنِ؟ قَالَ: (واثْنَيْنِ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: آدم بن أبي إِيَاس. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّه الْأَصْبَهَانِيّ الْكُوفِي، مولى لجديلة قيس، وهم بطن من قيس غيلَان، وهم فهم وعدوان ابْنا عَمْرو بن قيس، أمّهم جديلة، بِفَتْح الْجِيم، نسبوا إِلَيْهَا. أخرج البُخَارِيّ فِي الْعلم والمحضر وشهود الْمَلَائِكَة بَدْرًا عَن شُعْبَة وَأبي عوَانَة وَابْن عُيَيْنَة عَنهُ عَن عبد اللَّه بن معقل، وَأبي صَالح ذكْوَان أَصله من أَصْبَهَان خرج مِنْهَا حِين افتتحها أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ أَبُو بكر بن منجويه: توفّي فِي إِمَارَة خَالِد على الْعرَاق، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ النَّسَائِيّ، وأصبهان، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا وبالباء وَالْفَاء، وَأهل الْمشرق يَقُولُونَ: أصفهان بِالْفَاءِ، وَأهل الْمغرب بِالْبَاء: وَهِي مَدِينَة بعراق الْعَجم عَظِيمَة، خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْعلمَاء والمحدثين. الرَّابِع: أَبُو صَالح ذكْوَان، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْكَاف غير منصرف، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وواسطي ومدني. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن آدم، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الْعلم أَيْضا عَن بنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة، وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ، وَفِي حَدِيث غنْدر عَن شُعْبَة عَنهُ، قَالَ: وَسمعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث) . وَقَالَ عقيب حَدِيث مُسلم بن إِبْرَاهِيم: وَقَالَ شريك عَن ابْن الْأَصْبَهَانِيّ: حَدثنِي أَبُو صَالح عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي كَامِل الجحدري عَن أبي عوَانَة، وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ، وَذكر الزِّيَادَة عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة، وَعَن عبيد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة بِهِ، وَذكر الزِّيَادَة أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار بِهِ، وَعَن أَحْمد بن سلمَان عَن عبيد اللَّه بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَنهُ بِهِ نَحوه. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (قَالَ: قَالَ النِّسَاء) أَي: قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: قَالَ النِّسَاء. كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: قَالَ، بتذكير الْفِعْل، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (قَالَت النِّسَاء) بالتأنيث، وَكِلَاهُمَا جَائِز فِي كل إِسْنَاد إِلَى ظَاهر الْجمع. قَوْله: (غلبنا) ، بِفَتْح الْبَاء جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول و: (الرِّجَال) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا) عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: انْظُر لنا فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا، وَنَحْو ذَلِك، و: اجْعَل، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، والجعل يسْتَعْمل مُتَعَدِّيا إِلَى مفعول وَاحِد بِمَعْنى: فعل، وَإِلَى مفعولين بِمَعْنى: صير، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا لَازمه وَهُوَ التَّعْيِين، أَي: عين لنا يَوْمًا. و: يَوْمًا، مفعول بِهِ لَا لأَجله. وَلَا مفعول فِيهِ، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من نَفسك) ابتدائية تتَعَلَّق باجعل، يَعْنِي هَذَا الْجعل منشؤه اختيارك يَا رَسُول الله لَا اختيارنا، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من: وَقت نَفسك، بإضمار الْوَقْت، والظرف صفة ل (يَوْمًا) ، وَهُوَ ظرف مُسْتَقر على هَذَا الِاحْتِمَال، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: اجْعَل لنا يَوْمًا من أَيَّام نَفسك، يَعْنِي: الْيَوْم الَّذِي تتفرغ فِيهِ. قَوْله: (فوعدهن) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي يرجع إِلَى النِّسَاء. فَإِن قلت: كَيفَ يعْطف الْجُمْلَة الخبرية على الْجُمْلَة الإنشائية؟ قلت: هَذَا بَاب فِيهِ خلاف، فَمَنعه البيانيون وَابْن مَالك وَابْن عُصْفُور فِي (شرح الْإِيضَاح) ، وَنَقله عَن الْأَكْثَرين. واجازه الصفار وَجَمَاعَة مستدلين بقوله تَعَالَى: {وَبشر الَّذين آمنُوا} (يُونُس: 2) وَاسْتدلَّ الصفار بقول الشَّاعِر: (وقائلة خولان فانكح فَتَاتهمْ) فَإِن تَقْدِيره: هَذِه خولان، هَكَذَا نقل عَن سِيبَوَيْهٍ، وَأَجَابُوا عَن الْآيَة بِمَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: لَيْسَ الْمُعْتَمد بالْعَطْف، الْأَمر حَتَّى يطْلب لَهُ مشاكل، بل المُرَاد عطف جملَة: ثَوَاب الْمُؤمنِينَ، على جملَة: عَذَاب الْكَافرين، كَقَوْلِك: زيد يُعَاقب بالقيد، وَبشر فلَانا بِالْإِطْلَاقِ. وَعَن الْبَيْت: إِنَّه ضَرُورَة، وَفِيه تعسف وَالأَصَح عدم الْجَوَاز. وَأما هَهُنَا فالعطف
لَيْسَ على قَوْله: (فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا) بل الْعَطف على جَمِيع الْجُمْلَة، أَعنِي من قَوْله: (غلبنا عَلَيْك الرِّجَال فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا من نَفسك) . قَوْله: (يَوْمًا) ، مفعول ثَان: لوعد. قَوْله: (لقيهن فِيهِ) أَي: فِي الْيَوْم الْمَوْعُود بِهِ، واللقاء فِيهِ إِمَّا بِمَعْنى الرُّؤْيَة، وَإِمَّا بِمَعْنى الْوُصُول، وَمحل الْجُمْلَة الْجُمْلَة النصب لِأَنَّهَا صفة: ليوماً. وَيحْتَمل أَن يكون استئنافاً. قَوْله: (فوعظهن) الْفَاء فِيهِ فصيحة لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَحْذُوف إِي: فوفى بوعدهن ولقيهن فوعظهن. وَقَوله: (وامرهن) عطف على: وعظهن، وَحذف الْمَأْمُور بِهِ لإِرَادَة التَّعْمِيم، وَالتَّقْدِير: فوعظهن بمواعظ، وأمرهن بِالصَّدَقَةِ أَو بِأُمُور دينية. وَيجوز أَن يكون: فوعظهن وأمرهن من تَتِمَّة الصّفة لليوم. قَوْله: (فَكَانَ) الْفَاء فِيهِ فصيحة. وَاسم: كَانَ، هُوَ قَوْله: (مَا مِنْكُن امْرَأَة) وَخَبره، قَوْله: (فِيمَا قَالَ لَهُنَّ) أَي: الَّذِي قَالَه لَهُنَّ. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (مَا مِنْكُن من امْرَأَة) ، وَكلمَة: من، زَائِدَة لفظا. وَقَوله: امْرَأَة، مُبْتَدأ. ومنكن، حَال مِنْهَا مقدم عَلَيْهَا، وَخبر الْمُبْتَدَأ الْجُمْلَة الَّتِي بعد آلَة الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مفرغ، إعرابه على حسب العوامل،. فَإِن قلت: كَيفَ يَقع الْفِعْل مُسْتَثْنى؟ قلت: على تَقْدِير الِاسْم، أَي: مَا امْرَأَة مُقَدّمَة إِلَّا كَائِنا لَهَا حجاب. وَقَوله: (تقدم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لامْرَأَة. وَقَوله: (ثَلَاثًا) مفعول مقدم، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. قلت: (حِجَابا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (حجاب) ، بِالرَّفْع. أما وَجه النصب فعلى أَنه خبر لَكَانَ، وَاسم كَانَ التَّقْدِيم الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: تقدم. وَأما وَجه الرّفْع فعلى كَون: كَانَ، تَامَّة على معنى: إلاَّ وَقع لَهَا حجاب أَو حصل، أَو وجد وَنَحْو ذَلِك. وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز: (إلاَّ كن لَهَا حِجَابا) على تَقْدِير الْأَنْفس الَّتِي تقدم، وَفِي الِاعْتِصَام: (إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابا) أَي: الْأَوْلَاد. قَوْله: (واثنين) ، وَهُوَ أَيْضا عطف على الْمَنْصُوب بالتقدير الْمَذْكُور، أَي: وَمن قدم اثْنَيْنِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَمثله يُسمى بالْعَطْف التلقيني، وَنَحْوه فِي الْقُرْآن: {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ وَمن ذريتي} (الْبَقَرَة: 124) . قلت: قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَمن ذريتي، عطف على: الْكَاف، كَأَنَّهُ قَالَ: وجاعل بعض ذريتي، كَمَا يُقَال لَك: سأكرمك، فَتَقول: وزيداً، وَإِنَّمَا أورد هَذَا الْمِثَال إِشَارَة إِلَى جَوَاب عَمَّا يُقَال إِن: من ذريتي، مقول قَول إِبْرَاهِيم، و: جاعلك للنَّاس، مقول قَول الله تَعَالَى، فَكيف يعْطف أَحدهمَا على الآخر؟ فَكَأَنَّهُ أجَاب بإيراد الْمِثَال الْمَذْكُور أَنه عطف تلقين، كَأَنَّهُ قَالَ: قل وجاعل بعض ذريتي. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (غلبنا عَلَيْك الرِّجَال) مَعْنَاهُ: أَن الرِّجَال يلازمونك كل الْأَيَّام ويسمعون الْعلم وَأُمُور الدّين، وَنحن نسَاء ضعفة لَا نقدر على مزاحمتهم، فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا من الْأَيَّام نسْمع الْعلم ونتعلم أُمُور الدّين. قَوْله: (ثَلَاثَة) أَي: ثَلَاثَة أَوْلَاد. فَإِن قلت: الثَّلَاثَة مُذَكّر فَهَل يشْتَرط أَن يكون الْوَلَد الْمَيِّت ذكرا حَتَّى يحصل لَهَا الْحجاب؟ قلت: تذكيره بِالنّظرِ إِلَى لفظ الْوَلَد، وَالْولد يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَفِي بعض النّسخ: ثَلَاثًا بِدُونِ الْهَاء، فَإِن صَحَّ فَمَعْنَاه ثَلَاث نسمَة، والنسمة تطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (فَقَالَت امْرَأَة) هِيَ: أم سليم، وَقيل غَيرهَا وَالله أعلم. قَوْله: (قَالَ: واثنين) دَلِيل على أَن حكم الْإِثْنَيْنِ حكم الثَّلَاثَة لاحْتِمَال أَنه أُوحِي إِلَيْهِ فِي الْحِين بِأَن يُجيب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بذلك. وَلَا يمْتَنع أَن ينزل الْوَحْي. عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بذلك حِين السُّؤَال، وَلَا يمْتَنع أَن ينزل الْوَحْي على رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، طرفَة عين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيجوز أَن يكون أُوحِي إِلَيْهِ قبله. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ، وَغَيره: قد أخرج البُخَارِيّ فِي كتاب الرقَاق من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَا يدل على أَن الْوَاحِد كالاثنين، وَهُوَ قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَقُول تَعَالَى: (مَا لعبدي الْمُؤمن جَزَاء إِذا قبضت صفيّه من أهل الدُّنْيَا، ثمَّ احتسبه، إلاَّ الْجنَّة) . وَأي صفّي أعظم من الْوَلَد؟ قلت: قد جَاءَ فِي غير الصَّحِيح مَا يدل صَرِيحًا على أَن الْوَاحِد كالاثنين وَالثَّلَاثَة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قدم ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث كَانُوا لَهُ حصناً حصيناً من النَّار. فَقَالَ أَبُو ذَر، رَضِي الله عَنهُ: قدمت اثْنَيْنِ. قَالَ: واثنين. قَالَ أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قدمت وَاحِدًا. قَالَ: وواحداً) . قَالَ ابْن بطال وعياض وَغَيرهمَا فِي قَول الْمَرْأَة: (واثنين يَا رَسُول الله) ؟ وَهِي من أهل اللِّسَان دَلِيل على أَن تعلق الحكم بِعَدَد مَا لَا يدل من جِهَة دَلِيل الْخطاب على انتفائه عَن غَيره من الْعدَد، لَا أقل وَلَا أَكثر. فَإِن قلت: هَل للرجل مثل مَا للْمَرْأَة إِذا قدم الْوَلَد؟ قلت: نعم، لِأَن حكم الْمُكَلّفين على السوَاء إلاَّ إِذا دلّ دَلِيل على التَّخْصِيص. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ سُؤال النِّسَاء عَن أَمر دينهن وَجَوَاز كلامهن مَعَ الرِّجَال فِي ذَلِك، وَفِيمَا لَهُنَّ الْحَاجة إِلَيْهِ. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْوَعْد. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز الْأجر للثكلي. الرَّابِع: قَالَ الْمُهلب وَغَيره: فِيهِ دَلِيل على أَن أَوْلَاد الْمُسلمين
فِي الْجنَّة، لِأَن الله سُبْحَانَهُ إِذا أَدخل الْآبَاء الْجنَّة بِفضل رَحمته للأبناء، فالأبناء أولى بِالرَّحْمَةِ. قَالَ الْمَازرِيّ: أما أَطْفَال الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فالإجماع مُنْعَقد على أَنهم فِي الْجنَّة، وَكَذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور فِي أَوْلَاد من سواهُم من الْمُؤمنِينَ، وَبَعْضهمْ لَا يَحْكِي خلافًا، بل يَحْكِي الْإِجْمَاع على دُخُولهمْ الْجنَّة، وَبَعض الْمُتَكَلِّمين يقف فيهم، وَلم يثبت الْإِجْمَاع عِنْدهم فَيُقَال بِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي مَوْضِعه من كتاب الْجَنَائِز إِن شَاءَ الله تَعَالَى. 44 - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا غنْدر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ عَن ذكْوَان عَن أبي سعيد بن الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول أَن البُخَارِيّ قصد بِإِخْرَاج هَذَا فائدتين أَحدهمَا تَسْمِيَة ابْن الْأَصْبَهَانِيّ لِأَنَّهُ كَانَ مُبْهما فِي الحَدِيث الأول وَهَذِه الرِّوَايَة فسرته وَإِنَّمَا لم بصرح باسمه هُنَاكَ مُحَافظَة على لفظ الشُّيُوخ وَهُوَ من غَايَة احتياطه حَيْثُ وَضعه كَمَا سَمعه عَن شَيْخه وَالْأُخْرَى التَّنْبِيه على زِيَادَة فِي طَرِيق أَبُو هُرَيْرَة وَهِي قَوْله " لم يبلغُوا الْحِنْث ". النَّوْع الثَّانِي أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَوْصُولَة وَلَيْسَ بتعليق كَمَا قَالَه الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَالَ وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ عَن عبد الرَّحْمَن وَذَلِكَ لِأَن شُعْبَة يرويهِ عَن عبد الرَّحْمَن بِإِسْنَادَيْنِ لآن قَوْله وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني عطف على قَوْله أَولا عَن عبد الرَّحْمَن تَقْدِير الاسناد الأول حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا غنْدر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني عَن ذكْوَان عَن أبي سعيد عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام " مَا مِنْكُن امْرأ تَقْدِيم ثَلَاثَة من وَلَدهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابا من النَّار فَقَالَت امْرَأَة واثنين فَقَالَ واثنين " أَشَارَ إِلَى هَذَا بقوله بِهَذَا أَي بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور وَتَقْدِير الْإِسْنَاد الثَّانِي حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثا غنْدر قَالَ حَدثا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني قَالَ سَمِعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ " مَا مِنْكُن امْرَأَة تقدم ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث من وَلَدهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابا " الحَدِيث فَإِن قلت هَل فَائِدَة فِي تَقْدِيمه الحَدِيث الأول على الثَّانِي قلت نعم لِأَن الحَدِيث الأول أَعلَى دَرَجَة من الثَّانِي اذفيه بَين شُعْبَة وَالْبُخَارِيّ رجل وَاحِد وَهُوَ ابْن آدم بِخِلَاف الثَّانِي فَإِن بَينهمَا رجلَيْنِ وهما مُحَمَّد بن بشار وغندر النَّوْع الثَّالِث فِي رجال الاسنادين وهم ثَمَانِيَة وَقد مضى مِنْهُم ماخلا أَبُو حَازِم بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي وَهُوَ سُلَيْمَان الاشجعي الْكُوفِي مولى عزة بِالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَة وبالزاي الْمُشَدّدَة الاشجعية توفّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ قَالَ يحيى بن معِين هُوَ كُوفِي ثِقَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَرُبمَا يشْتَبه بِأبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الزَّاهِد فَإِنَّهَا تابعيان مشتركان فِي الكنية قَالَ أَبُو عَليّ الجياني أَبُو حَازِم رجلَانِ تابعيان يكنيان بِأبي حَازِم يرويان عَن الصَّحَابَة فَالْأول الاشعي اسْمه سُلَيْمَان يروي عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ الْأَعْمَش وَمَنْصُور وفضيل بن غَزوَان وَالثَّانِي سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج يروي عَن سهل بن سعد روى عَنهُ مَالك وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَسليمَان ابْن بِلَال قلت وَمن الْفرق بَينهمَا أَن الأول توفّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَالثَّانِي توفّي فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَالْأول لم يرو فِي البُخَارِيّ وَمُسلم إِلَّا عَن أبي هُرَيْرَة وَالثَّانِي لم يرو فِي الصَّحَابَة إِلَّا عَن سهل بن سعد وَكِلَاهُمَا ثقتان فَالْأول وثقة يحيى وَالثَّانِي وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم النَّوْع الرَّابِع قَوْله " لم يبلغُوا الْحِنْث " أَي الْإِثْم الْمَعْنى أَنهم مَاتُوا قبل بلوغهم التَّكْلِيف فَلم يكْتب عَلَيْهِم الآثام وَيُقَال مَعْنَاهُ لم يبلغُوا زمَان التَّكْلِيف وَسن الْعقل والحنث بِكَسْر الْحَاء الْإِثْم قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال بلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة وَقَالَ الصغاني وَبلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي بلغ مبلغا جرى عَلَيْهِ الْقَلَم بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَة والحنث الزِّنَا أَيْضا والحنث فِي الْيَمين والحنث الْعدْل الْكَبِير الثقيل والحنث الْميل من بَاطِل إِلَى حق أَو من حق إِلَى بَاطِل يُقَال قد حنثت على أَي ملت إِلَى هُوَ أَن عَليّ فَإِن قلت لم خص الحكم باللذين لم يبلغُوا الْحِنْث وهم صغَار قلت لِأَن قلب الْوَالِدين على الصَّغِير ارْحَمْ واشفق دون الْكَبِير ن الْغَالِب على الْكَبِير عدم السَّلامَة من مُخَالفَة وَالدية وعقوقهم
- (باب من سمع شيئا فراجعه حتى يعرفه)
35 - (بابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئاً فَرَاجَعَهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سمع شَيْئا فراجع الَّذِي سَمعه مِنْهُ حَتَّى يعرف مَا سَمعه كَمَا هُوَ حَقه، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (بَاب من سمع شَيْئا فَلم يفهمهُ فَرَاجعه) . وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فراجع فِيهِ) . وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق وعظ النِّسَاء وتعليمهن، وَفِي فهمهن قُصُور: وَرُبمَا يحتجن إِلَى مُرَاجعَة الْعَالم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي مُرَاجعَة الْعَالم لعدم الْفَهم فِيمَا سمع مِنْهُ، وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تنَاسبا. 103 - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قالَ: أخْبرنا نافِعُ بنُ عُمَرَ قالَ: حدّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ أَن عَائِشَة زوْجَ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئاً لَا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ: (مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ) قالَتْ عائِشَةُ: فَقُلْتُ: أوَ لَيْسَ يَقُولُ الله تَعالى: {فَسوفَ يُحاسَبُ حِساباً يِسيراً} (الانشقاق: 8) قالَتْ: فَقَالَ: (إِنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، ولكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ يَهْلكْ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا تسمع شَيْئا لَا تعرفه إلاَّ راجعت فِيهِ حَتَّى تعرفه) . بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم، هُوَ سعيد بن الحكم بن مُحَمَّد ابْن أبي مَرْيَم الجُمَحِي أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، سمع مَالِكًا وَغَيره، وروى عَنهُ البُخَارِيّ هُنَا وَغَيره، وروى بَقِيَّة الْجَمَاعَة عَن رجل عَنهُ، وروى البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْكَهْف عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه عَنهُ عَن أبي غَسَّان مُحَمَّد بن مطرف وَسليمَان بن بِلَال وَمُحَمّد بن أبي كثير. قَالَ الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي: يُقَال: إِن مُحَمَّد بن عبد اللَّه هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وروى عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَقَالَ: ثِقَة. وَقَالَ ابْن معِين: ثِقَة الثِّقَات، توفّي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: نَافِع بن عمر بن عبد اللَّه الْقرشِي الجُمَحِي الْمَكِّيّ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: ثَبت ثَبت صَحِيح الحَدِيث. وَقَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة يحْتَج بحَديثه، مَاتَ بِمَكَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم، وَقد تقدم. الرَّابِع: الصديقة عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والإخبار. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومكي. وَمِنْهَا: أَنه رباعي صَحِيح. فَإِن قلت: هَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا استدركه الدَّارَقُطْنِيّ على البُخَارِيّ وَمُسلم، فَقَالَ: اخْتلفت الرِّوَايَة فِيهِ عَن ابْن أبي مليكَة فَروِيَ عَنهُ عَن عَائِشَة، وَرُوِيَ عَنهُ عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، وَقد اخْتلف النَّاس فِي الحَدِيث إِذا رُوِيَ مَوْصُولا، وَرُوِيَ مُنْقَطِعًا هَل عِلّة فِيهِ؟ فالمحدثون يثبتونه عِلّة، وَالْفُقَهَاء ينفون الْعلَّة عَنهُ، وَيَقُولُونَ: يجوز أَن يكون سَمعه عَن وَاحِد عَن آخر ثمَّ سَمعه عَن ذَلِك الآخر بِغَيْر وَاسِطَة. قلت: هَذَا هُوَ الْجَواب عَن اسْتِدْرَاك الدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ اسْتِدْرَاك مُسْتَدْرك لِأَنَّهُ مَحْمُول على أَنه سَمعه عَنْهَا بالواسطة، وَبِدُون الْوَاسِطَة فَرَوَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَأكْثر استدراكات الدَّارَقُطْنِيّ على البُخَارِيّ وَمُسلم من هَذَا الْبَاب. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير والرقاق عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن عُثْمَان بن الْأسود، وَفِي الرقَاق أَيْضا عَن عبيد اللَّه بن مُوسَى عَن عُثْمَان بن الْأسود، وَفِي التَّفْسِير عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، وَقَالَ فِي عقب حَدِيث عَمْرو بن عَليّ: تَابعه ابْن جريج مُحَمَّد بن سليم وَصَالح وَأَيوب بن رستم عَن ابْن أبي مليكَة سَمِعت عَائِشَة. وَأخرجه مُسلم فِي أَوَاخِر الْكتاب عَن أبي بكر وَابْن حجر عَن ابْن علية عَن أَيُّوب، وَعَن أبي الرّبيع وَأبي كَامِل عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر عَن يحيى الْقطَّان عَن عُثْمَان بن الْأسود، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مليكَة، وَأخرجه فِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد عَن يحيى، وَفِي الرقَاق عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن روح، وَأخرجه أَيْضا عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر عَن يحيى، كِلَاهُمَا عَن أبي يُونُس حَاتِم عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، وَزَاد فِيهِ الْقَاسِم بن أبي مليكَة وَعَائِشَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن يُونُس عَن مُحَمَّد عَن نَافِع بن عمر بِإِسْنَادِهِ: (من حُوسِبَ يومئذٍ عذب) . فَذكره وَلم يذكر أول الحَدِيث.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (زوج النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام) زوج الرجل امْرَأَته، وَزوج الْمَرْأَة بَعْلهَا، قَالَ الله تَعَالَى: {اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة} (الْبَقَرَة: 35، الْأَعْرَاف: 19) وَيُقَال أَيْضا: هِيَ زَوجته. وَالْأول هُوَ الْأَفْصَح. قَوْله: (الْعرض) بِفَتْح الْعين، من عرضت إِلَيْهِ أَمر كَذَا، وَعرضت لَهُ الشَّيْء أَي أظهرته وأبرزته إِلَيْهِ. قَوْله: (من نُوقِشَ) من المناقشة وَهِي الِاسْتِقْصَاء فِي الْحساب حَتَّى لَا يُترك مِنْهُ شَيْء. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: أصل النقش استقصاؤك الْكَشْف عَن الشَّيْء، وَمِنْه نقش الشَّوْكَة إِذا استخرجها. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: انتقشت مِنْهُ حَتَّى استقصيته مِنْهُ. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَن عَائِشَة) ، بِفَتْح الْهمزَة: وَأَصله بِأَن عَائِشَة، ظَاهر هَذَا الْإِرْسَال لِأَن ابْن أبي مليكَة تَابِعِيّ لم يدْرك مُرَاجعَة عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَكِن ظهر وَصله بعد فِي قَوْله: قَالَت عَائِشَة: فَقلت. قَوْله: (زوج النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) كَلَام إضافي فِي مَنْصُوب لِأَنَّهُ صفة عَائِشَة. قَوْله: (كَانَت) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر: أَن. قَوْله: (لَا تسمع) إِلَى آخِره فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ. قَوْله: (لَا تعرفه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (شَيْئا) . قَوْله: (إلاَّ راجعت فِيهِ) اسْتثِْنَاء مُتَّصِل. وَقَوله: (راجعت) صفة لموصوف مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: لَا تسمع شَيْئا مَجْهُولا مَوْصُوفا بِصفة إلاَّ مَوْصُوفا بِأَنَّهُ مرجوع فِيهِ. قَوْله: (حَتَّى) للغاية بِمَعْنى: إِلَى. وَقَوله: (تعرفه) مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة. قَوْله: (وَأَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،) عطف على قَوْله: (أَن عَائِشَة) . قَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن هَذَا الْقدر من كَلَام ابْن أبي مليكَة مُرْسل، إِذْ لم يسْندهُ إِلَى صَحَابِيّ. قلت: قد ذكرت أَن قَول عَائِشَة: فَقلت، يدل على الْوَصْل، وَإِن كَانَ ذَاك بِحَسب الظَّاهِر يدل على الْإِرْسَال. قَوْله: (قَالَ) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر: أَن. قَوْله: (من حُوسِبَ عذب) مقول القَوْل و: من، مَوْصُولَة، و: حُوسِبَ، جملَة صلتها. وَقَوله: (عذب) خبر: من، لِأَنَّهُ مُبْتَدأ. قَوْله: (فَقلت) عطف على قَوْله: (قَالَ: من حُوسِبَ عذب) . وَقَوله: (قَالَت عَائِشَة) معترض بَينهمَا من كَلَام الرَّاوِي. قَوْله: (أَو لَيْسَ يَقُول الله؟) الْهمزَة للاستفهام. فَإِن قلت: همزَة الِاسْتِفْهَام تَقْتَضِي الصدارة، وحرف الْعَطف يَقْتَضِي تقدم الصدارة، فَمَا تَقْدِيره؟ قلت: هَهُنَا وَفِي أَمْثَاله يقدر الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هُوَ مَدْخُول الْهمزَة نَحْو: أَكَانَ كَذَلِك وَلَيْسَ يَقُول الله تَعَالَى؟ وَفِي بعض النّسخ: أَو لَيْسَ الله يَقُول؟ فلفظة الله اسْم لَيْسَ وَخَبره يَقُول. فَإِن قلت: مَا اسْم لَيْسَ فِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة؟ قلت: إِمَّا أَن يكون لَيْسَ بِمَعْنى: لَا، فَكَأَنَّهُ قيل: أَو لَا يَقُول الله؟ وَإِمَّا أَن يكون فِيهِ ضمير الشَّأْن. قَوْله: (حسابا) نصب على أَنه مفعول مُطلق. و (يَسِيرا) ، صفته. قَوْله: (قَالَت) أَي: عَائِشَة. فَقَالَ: أَي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (إِنَّمَا ذَلِك) بِكَسْر الْكَاف لِأَنَّهُ خطاب للمؤنث، وَالْأَصْل فِيهِ: ذَا، وَهُوَ اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمُذكر، فَإِن خاطبت جِئْت بِالْكَاف، فَقلت: ذَاك وَذَلِكَ، فَاللَّام زَائِدَة وَالْكَاف للخطاب وَفِيهِمَا دَلِيل على أَن مَا يومىء إِلَيْهِ بعيد وَلَا مَوضِع لَهُ من الْإِعْرَاب، وَهُوَ هَهُنَا مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (الْعرض) . قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. قَوْله: (من) مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط. وَقَوله: (نُوقِشَ) فعل الشَّرْط. قَوْله: (يهْلك) ، بِكَسْر اللَّام: جَوَاب الشَّرْط، وَيجوز فِيهِ الرّفْع والجزم، وَذَلِكَ لِأَن الشَّرْط إِذا كَانَ مَاضِيا يجوز الْوَجْهَانِ فِي الْجَواب، وَهُوَ من: هلك يهْلك، لَازم. وتيم تَقول: هلكه يهلكه هلكاً بِمَعْنى أهلكه، وَالْمعْنَى هَهُنَا على اللُّزُوم، وَإِن احْتمل التَّعَدِّي أَيْضا. قَوْله: (الْحساب) نصب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لناقش، لِأَن أصل بَاب المفاعلة لنسبة أصل الْفِعْل إِلَى أحد الْأَمريْنِ مُتَعَلقا بِالْآخرِ صَرِيحًا، وَيَجِيء عكس ذَلِك ضمنا، فلأجل تعلقه بِالْآخرِ جَاءَ غير الْمُتَعَدِّي إِذا نقل إِلَى فَاعل مُتَعَدِّيا نَحْو: كارمته، فَإِن أَصله لَازم وَقد تعدى هَهُنَا، والمتعدي إِلَى مفعول وَاحِد إِذا نقل إِلَى فَاعل يتَعَدَّى إِلَى مفعولين نَحْو: جاذبته الثَّوْب، لَكِن بِشَرْط أَن لَا يصلح مفعول أصل الْفِعْل أَن يكون مشاركاً للْفَاعِل كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور، فَإِن الثَّوْب لمَّا لم يصلح لِأَن يكون مشاركاً للْفَاعِل فِي المجاذبة احْتِيجَ إِلَى مفعول آخر يكون مشاركاً لَهُ فِيهَا، فيتعدى إِلَى اثْنَيْنِ، وَأما إِذا صلح مَفْعُوله للمشاركة فَلَا يتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، بل يَكْتَفِي بمفعول كَمَا فِي: شاتمت زيدا. فَإِن قلت: أَيْن الْمَفْعُول الأول هَهُنَا؟ قلت: الضَّمِير الَّذِي نُوقِشَ فَإِنَّهُ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَالْمعْنَى: من ناقشه الله الْحساب يهْلك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن الْحساب مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: فِي الْحساب، أَي: من جرى فِي حسابه المضايقة يهْلك. قلت: الظَّاهِر مَا ذَكرْنَاهُ. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (كَانَت لَا تسمع) إِنَّمَا جمع بَين: كَانَت، الَّذِي هُوَ الْمَاضِي، وَبَين: لَا تسمع، الَّذِي هُوَ الْمُضَارع لِأَن كَانَت هُنَا لثُبُوت خَبَرهَا والمضارع للاستمرار فيتناسبان، أَو جِيءَ بِلَفْظ الْمُضَارع استحضاراً للصورة الْمَاضِيَة وحكاية عَنْهَا، فلفظه، وَإِن كَانَ مضارعاً، لَكِن مَعْنَاهُ على الْمَاضِي. قَوْله: (عذب) لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: إِن نفس مناقشة الْحساب يَوْم
- (باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب)
عرض الذُّنُوب والتوقيف على قَبِيح مَا سلف لَهُ تَعْذِيب وتوبيخ. وَالْآخر أَنه مفض إِلَى اسْتِحْقَاق الْعَذَاب، إِذْ لَا حَسَنَة للْعَبد يعملها إلاَّ من عِنْد اللَّه وبفضله وإقداره لَهُ عَلَيْهَا وهدايته لَهَا، وَأَن الْخَالِص لوجهه تَعَالَى من الْأَعْمَال قَلِيل، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله: يهْلك مَكَان عذب. قَوْله: (يَسِيرا) أيَّ سهلاً هيناً لَا يناقش فِيهِ وَلَا يعْتَرض بِمَا يشق عَلَيْهِ كَمَا يناقش أَصْحَاب الشمَال. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُعَارضَة هَهُنَا أَعنِي بَين الحَدِيث وَالْآيَة؟ قلت: وَجههَا أَن الحَدِيث عَام فِي تَعْذِيب من حُوسِبَ، وَالْآيَة تدل على عدم تَعْذِيب بَعضهم، وهم أَصْحَاب الْيَمين، وجوابها أَن المُرَاد من الْحساب فِي الْآيَة الْعرض يَعْنِي: الإبراز والإظهار. وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، هُوَ أَن يعرف ذنُوبه ثمَّ يتَجَاوَز عَنهُ. قَوْله: (من نُوقِشَ) الْمَعْنى: أَن التَّقْصِير غَالب على الْعباد، فَمن استقصي عَلَيْهِ وَلم يسامح هلك وَأدْخل النَّار، وَلَكِن الله تَعَالَى يعْفُو وَيغْفر مَا دون الشّرك لمن شَاءَ. وَقيل إِن المناقشة فِي الْحساب نَفسهَا هُوَ الْعَذَاب، لما رُوِيَ عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنه قَالَ: (من يُحَاسب يعذب. فَقيل: يَا رَسُول الله فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا. قَالَ: ذَلِكُم الْعرض، من نُوقِشَ فِي الْحساب عذب) . وَفِيه نظر، لِأَن قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (من يُحَاسب يعذب) . وَقَوله: (من نُوقِشَ فِي الْحساب عذب) يدل على أَن من حُوسِبَ عذب سَوَاء بمناقشة أَو لَا، وَلَا يدل على أَن المناقشة فِي الْحساب نَفسهَا عَذَاب، بل الْمَعْهُود خِلَافه، فَإِن الْجَزَاء لَا بُد وَأَن يكون سَببا عَن الشَّرْط، وَالْجَوَاب: أَن التألم الْحَاصِل للنَّفس بمطالبة الْحساب غير الْحساب ومسبب عَنهُ، فَجَاز أَن يكون بذلك الِاعْتِبَار جَزَاء. بَيَان اسنتباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بَيَان فَضِيلَة عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، وحرصها على التَّعَلُّم وَالتَّحْقِيق، فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا كَانَ يتضجر من الْمُرَاجَعَة إِلَيْهِ. الثَّانِي: فِيهِ إِثْبَات الْحساب وَالْعرض. الثَّالِث: فِيهِ إِثْبَات الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز المناظرة ومقابلة السّنة بِالْكتاب. الْخَامِس: فِيهِ تفَاوت النَّاس فِي الْحساب. 37 - (بابٌ لِيُبَلّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغائبَ) أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون قطعا. قَوْله: (ليبلغ) أَمر للْغَائِب، وَيجوز فِي الْغَيْن الْكسر لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن تحريكه بِالْكَسْرِ إِذا حرك، وَالْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات، وَلَا يجوز غير ذَلِك، و: الشَّاهِد، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: ليبلغ، وَقَوله: الْعلم وَالْغَائِب، منصوبان على أَنَّهُمَا مفعولان لَهُ. وَالتَّقْدِير: ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب الْعلم وَالشَّاهِد الْحَاضِر من شهد إِذا حضر. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق مُرَاجعَة المتعلم أَو السَّامع لضبط مَا يسمعهُ من الْعَالم، وَفِيه معنى التَّبْلِيغ من المراجع إِلَيْهِ إِلَى المراجع، فَكَأَن المراجع كَانَ كالغائب عِنْد سَمَاعه حَتَّى لم يفهم مَا سَمعه وراجع فِيهِ، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِيهِ تَبْلِيغ الشَّاهِد الْغَائِب، فتناسبا من هَذِه الْحَيْثِيَّة. قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: رَوَاهُ عبد اللَّه بن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَهَذَا تَعْلِيق، وَلكنه أسْندهُ فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب الْخطْبَة أَيَّام منى، عَن عَليّ بن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن غَزوَان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خطب النَّاس يَوْم النَّحْر فَقَالَ: أَيهَا النَّاس! أَي يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: يَوْم حرَام) وَفِي آخِره: (اللَّهُمَّ هَل بلغت؟ اللَّهُمَّ هَل بلغت؟) قَالَ ابْن عَبَّاس: فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لوَصِيَّة إِلَى أمته فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب، وَذكر الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا زُهَيْر بن حَرْب وَعُثْمَان بن أبي شيبَة، حَدثنَا جرير عَن الْأَعْمَش عَن عبد اللَّه ابْن عبد اللَّه عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (تَسْمَعُونَ وَيسمع مِنْكُم وَيسمع من يسمع مِنْكُم) . وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي شَيْء من طرق حَدِيث ابْن عَبَّاس بِهَذِهِ الصُّورَة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَته وَرِوَايَة غَيره بِحَذْف الْعلم، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَعْنَى، لِأَن الْمَأْمُور بتبليغه هُوَ الْعلم. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ مثل مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه أبرز أحد المفعولين الَّذِي هُوَ مُقَدّر فِي الحَدِيث، وَهُوَ لَفْظَة: الْعلم. 104 - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ قالَ: حدّثني سَعِيدٌ عنْ أبي شُرَيْحٍ أنَّهُ قالَ لِ عَمْرِو بنِ سعِيدٍ، وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلى مَكَّة: ائْذَنْ لِي أيُّهَا الأمِيرُ أحَدّثْكَ قَوْلاً قامَ بِهِ النبيّ
ُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكلَّمَ بِهِ، حمدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (إِن مكَّةَ حَرَّمَهَا الله وَلَمْ يُحَرّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِها دَماً، وَلَا يَعْضِدَ بِها شَجَرَةً، فإنْ أحَدٌ تَرَخصَّ لقتالِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيها فَقُولُوا: إِنّ الله قدْ أَذِنَ لرِسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا ساعَةً مِنْ نَهَارٍ ثمَّ عادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بالأَمْسِ، ولْيُبلّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ) . فَقِيلَ لأَبِي شرَيْحٍ مَا قالَ عَمْروٌ قالَ: أنَا أعْلَمُ منْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ! إنَّ مَكَّةَ لاَ تُعِيذُ عاصِياً وَلَا فارَّا بدَمٍ وَلَا فارَّا بخَرْبَةٍ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب) . بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة. الأول: عبد اللَّه بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ. الثَّالِث: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وَقد تقدم ذكرهم. الرَّابِع: أَبُو شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: الْخُزَاعِيّ الكعبي. قيل: اسْمه خويلد، قَالَ أَبُو عمر: قيل: اسْمه عَمْرو بن خَالِد. وَقيل: كَعْب بن عَمْرو. قَالَ: وَالأَصَح عِنْد أهل الحَدِيث أَن اسْمه خويلد بن عَمْرو بن صَخْر بن عبد الْعُزَّى بن مُعَاوِيَة بن المحترش بن عَمْرو بن مَازِن بن عدي بن عَمْرو بن ربيعَة الْخُزَاعِيّ الْعَدوي الكعبي، أسلم قبل فتح مَكَّة، وَكَانَ يحمل حينئذٍ أحد ألوية بني كَعْب بن خُزَاعَة، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عشرُون حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث، وَهُوَ: (وَالله لَا يُؤمن (ثَلَاثًا) من لَا يُؤمن جَاره بوائقه) . والمتفق عَلَيْهِ: (من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم جَاره) . الحَدِيث، وَهَذَا الحَدِيث. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَكَانَ أَبُو شُرَيْح من عقلاء أهل الْمَدِينَة، توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَفِي الصَّحَابَة من يشْتَرك مَعَه فِي كنيته اثْنَان: أَبُو شُرَيْح هانىء بن يزِيد الْحَارِثِيّ، وَأَبُو شُرَيْح رَاوِي حَدِيث: (أَعْتَى النَّاس على الله تَعَالَى) الحَدِيث. قَالُوا: هوالخزاعي، وَقَالُوا: غَيره. وَفِي الرِّوَايَة أَيْضا أَبُو شُرَيْح الْغِفَارِيّ، أخرج لَهُ ابْن مَاجَه. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومدني. وَمِنْهَا: أَنه من الرباعيات. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث، وَفِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن شُرَحْبِيل عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَفِي الدِّيات عَن ابْن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد فِي مَعْنَاهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج، وَفِي الْعلم عَن قُتَيْبَة بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (الْبعُوث) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة. جمع الْبَعْث بِمَعْنى الْمَبْعُوث، وَهُوَ الْجند الَّذِي يبْعَث إِلَى مَوضِع. وَمعنى: يبْعَث الْبعُوث أَي: يُرْسل الجيوش، والبعث الْإِرْسَال. وَفِي (الْعباب) بَعثه أَي أرْسلهُ، وَقَوْلهمْ: كنت فِي بعث فلَان، أَي: فِي جَيْشه الَّذِي بعث مَعَه. والبعوث الجيوش، ومصدر بَعثه بعث وَبعث بِالتَّحْرِيكِ أَيْضا، والبعثة الْمرة الْوَاحِدَة. قَوْله: (إيذن) أَمر من: أذن يَأْذَن، وَأَصله: إئذن، قلبت الْهمزَة الثَّانِيَة يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. قَوْله: (لامرىء) قد مر أَن هَذَا اللَّفْظ من النَّوَادِر، حَيْثُ كَانَت عينه دَائِما تَابِعَة للامه فِي الْحَرَكَة. قَوْله: (أَن يسفك) بِكَسْر الْفَاء على الْمَشْهُور، وَحكي ضمهَا، وَمعنى السفك إِرَاقَة الدَّم. وَفِي (الْعباب) : سفكت الدَّم أسفُكه وأسفِكه سفكاً، أَي: هرقته. وَقَرَأَ ابْن قطيب وَابْن أبي عبلة وَطَلْحَة بن مصرف وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة: (ويسفك الدِّمَاء) ، بِضَم الْفَاء، وَكَذَلِكَ الدمع. وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ: لَا يسْتَعْمل السفك إلاَّ فِي صب الدَّم، وَقد يسْتَعْمل فِي نشر الْكَلَام إِذا نشره. قَوْله: (وَلَا يعضد) من الْعَضُد، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الْقطع: يُقَال: عضد الشَّجَرَة، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي، يعضد، بِالْكَسْرِ فِي الْمُضَارع: إِذا قطعهَا بالمعضد، وَهُوَ سيف يمتهن فِي الشّجر، فَهُوَ معضود، وَالْمعْنَى: لَا يعضد أَغْصَانهَا. قَالَ الْمَازرِيّ: يُقَال: عضد واستعضد. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: معنى لَا يعضد: لَا يفْسد وَلَا يقطع، وَأَصله من عضد الرجل إِذا أصَاب عضده، لكنه يُقَال مِنْهُ: عضده يعضده
بِالضَّمِّ فِي الْمُضَارع، وَكَذَلِكَ يُقَال: إِذا أَعَانَهُ بِخِلَاف الْعَضُد بِمَعْنى الْقطع. وَفِي (الْعباب) : عضدته أعضده، بِالضَّمِّ، أَي أعنته، وَكَذَلِكَ إِذا أصبت عضده، وعضدت الشَّجَرَة أعضدها، بِالْكَسْرِ، أَي: قطعتها، والمعضد، بِكَسْر الْمِيم: مَا يعضد بِهِ الشَّجَرَة، وَالشَّجر مَا لَهُ سَاق. قَوْله: (ترخص) من بَاب تفعل من الرُّخْصَة، وَهُوَ حكم ثَبت لعذر مَعَ قيام الْمحرم. قَوْله: (لَا تعيذ) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: من الإعاذة، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي لَا تعصم العَاصِي من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ. قَوْله: (وَلَا فَارًّا) أَي: ملتجئاً إِلَى الْحرم بِسَبَب خَوفه من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ، وَهُوَ بِالْفَاءِ وَالرَّاء الْمُشَدّدَة، وَمَعْنَاهُ فِي الأَصْل: الهارب. قَوْله: (بخربة) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا بَاء مُوَحدَة، وَهِي السّرقَة، كَذَا ثَبت تَفْسِيرهَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، أَعنِي فِي رِوَايَته: (وَلَا فَارًّا بخربة) . يَعْنِي: السّرقَة. وَقَالَ ابْن بطال: الخربة، بِالضَّمِّ: الْفساد، وبالفتح: السّرقَة. وَقَالَ القَاضِي: وَقد رَوَاهُ جَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ غير الْأصيلِيّ: (بخربة) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي مُسلم، وَرَوَاهُ الْأصيلِيّ: (بخربة) ، بِضَم الْخَاء، وَقيل: بِضَم الْخَاء الْعَوْرَة، وبالفتح يَصح على أَن المُرَاد الفعلة الْوَاحِدَة. وَقَالَ الْخَلِيل: الخربة، بِالضَّمِّ: الْفساد فِي الدّين، مَأْخُوذ من الخارب وَهُوَ اللص، وَلَا يكَاد يسْتَعْمل إلاَّ فِي سَارِق الْإِبِل. وَقَالَ غَيره: الخربة، بِالْفَتْح: السّرقَة وَالْعَيْب. وَقَالَ الْخطابِيّ: الخربة هُنَا السّرقَة، والخرابة: سَرقَة الْإِبِل خَاصَّة، كَمَا قَالَ الْخَلِيل، وَأنْشد. (والخارب اللص يحب الخاربا) وَقَالَ غَيره: وَأما الْحِرَابَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَيُقَال فِي كل شَيْء. يُقَال فِي الأول: خرب فلَان بِالْمُعْجَمَةِ وَفتح الرَّاء إبل فلَان يخرب خرابة، مثل: كتب يكْتب كِتَابَة، وَرُوِيَ فِي بعض النّسخ: بجزية، بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَفِي (الْعباب) : الخربة يَعْنِي، بِالْفَتْح: السّرقَة وَالْعَيْب والبلية، والخربة أَيْضا: أَعنِي بِالْفَتْح: الغربال. والخربة، بِالضَّمِّ: ثقب الورك وكل ثقب مستدير. والخرابة، بِالضَّمِّ: جبل من لِيف أَو نَحوه، وخرابة الإبرة: خرقها، وخرابة الورك: ثقبه، وَقد تشدد راؤها. والخارب: اللص. قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ سَارِق البعران خَاصَّة، وَالْجمع الخراب، بِضَم الْخَاء وَتَشْديد الرَّاء. قَالَ: والحربة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: الغرارة السَّوْدَاء. وَقَالَ اللَّيْث: الْوِعَاء. والحربة، بِفتْحَتَيْنِ: الطلعة إِذا كَانَت بقشرها. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وَهُوَ يبْعَث الْبعُوث) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (إيذن لي) مقول القَوْل. قَوْله: (أَيهَا الْأَمِير) ، أَصله: يَا أَيهَا الْأَمِير، حذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: (أحَدثك) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، و: (قولا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان. قَوْله: (قَامَ بِهِ) أَي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، أَعنِي: قَوْله: بِهِ، وَالْفَاعِل أَعنِي قَوْله: النَّبِي، وَهِي فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (قولا) . قَوْله: (الْغَد) بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة، وَهُوَ الْيَوْم الثَّانِي من فتح يَوْم مَكَّة. قَوْله: (سمعته) ، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى القَوْل. وَقَوله: (أذناي) فَاعله، وَأَصله أذنان لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت نون التَّثْنِيَة. فَإِن قلت: مَا موقع هَذِه الْجُمْلَة من الْإِعْرَاب؟ قلت: النصب، لِأَنَّهَا صفة أُخْرَى لِلْقَوْلِ. قَوْله: (ووعاه قلبِي) ، عطف على: سمعته اذناي، من الوعي وَهُوَ: الْحِفْظ. قَوْله: (وأبصرته عَيْنَايَ) أَيْضا عطف على مَا قبله، وَأَصله: عينان لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت نون التَّثْنِيَة، وَاعْلَم أَن كل مَا فِي الْإِنْسَان اثْنَان من الْأَعْضَاء تحو: الْأذن وَالْعين، فَهُوَ مؤنث بِخِلَاف الْأنف وَنَحْوه. قَوْله: (حِين) ، نصب على الظّرْف: لقام، وَسمعت، ووعاه، وأبصرت. قَوْله: (حمد الله) جملَة وَقعت بَيَانا لقَوْله: تكلم. قَوْله: (واثنى عَلَيْهِ) عطف على: حمد، من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (حرمهَا الله) جملَة وَقعت فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. قَوْله: (وَلم يحرمها النَّاس) عطف على خبر: إِن. قَوْله: (فَلَا يحل) ، الْفَاء فِيهِ جَوَاب شَرط مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يحل. قَوْله: (يُؤمن بِاللَّه) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لامرىء. قَوْله: (أَن يسفك) فَاعل لَا يحل، و: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: فَلَا يحل سفك دم. قَوْله: (بهَا) أَي بِمَكَّة، و: الْبَاء، بِمَعْنى: فِي، أَي: فِيهَا، كَمَا هِيَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قَوْله: (دَمًا) مفعول ليسفك. قَوْله: (وَلَا يعضد) بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ عطف على: يسفك. وَالتَّقْدِير: وَأَن لَا يعضد. فَإِن قلت: فعلى هَذَا يكون الْمَعْنى: لَا يحل أَن لَا يعضد؟ . قلت: لَا، زيدت لتأكيد معنى النَّفْي، فَمَعْنَاه: لَا يحل أَن يعضد. قَوْله: (بهَا) أَي: فِيهَا، وَهَكَذَا فِي بعض النّسخ، و: شَجَرَة، بِالنّصب مفعول: يعضد. وَذكر بعض شرَّاح (الْمَشَارِق) للصغاني أَن قَوْله: لَا يعضد، بِالرَّفْع ابْتِدَاء كَلَام، وفاعله ضمير فِيهِ يرجع إِلَى أمرىء، وَعطفه على: لَا يحل، بِأَن يكون تَقْدِيره: إِن مَكَّة حرمهَا الله لَا يعضد بهَا أمرؤ شَجَرَة جَائِز. قلت: هَذَا تَوْجِيه حسن إِن ساعدته الرِّوَايَة. قَوْله: (فَإِن أحد) : إِن
للشّرط، وَأحد، مَرْفُوع بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: فَإِن ترخص أحد، ويفسره قَوْله: ترخص، إِنَّمَا حذف لِئَلَّا يجْتَمع الْمُفَسّر والمفسر، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك} (التَّوْبَة: 6) تَقْدِيره: وَإِن استجارك أحد من الْمُشْركين. قَوْله: (لقِتَال رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) ، اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (فَقولُوا) جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دخلت فِيهِ الْفَاء. قَوْله: (قد أذن) خبر: إِن. وَقَوله: (لم يَأْذَن لكم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَإِنَّمَا أذن لي) ، رُوِيَ بِصِيغَة الْمَجْهُول والمعلوم. قَوْله: (سَاعَة) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (حرمتهَا) بِالرَّفْع فَاعل: عَادَتْ. قَوْله: (الْيَوْم) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (وليبلغ) يجوز بِكَسْر اللَّام وتسكينها، و: الشَّاهِد، بِالرَّفْع فَاعله، و: الْغَائِب، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (يَا باشريح) أَصله يَا أَبَا شُرَيْح حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف. قَوْله: (لَا تعيذ) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: مَكَّة لَا تعيذ. قَوْله: (عَاصِيا) مفعول: لَا تعيذ، ويروى بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، أَي: الْحرم لَا يعيذ عَاصِيا. قَوْله: (وَلَا فَارًّا بِدَم) عطف على: عَاصِيا، وَالْبَاء فِي: بِدَم، للمصاحبة، أَي: مصاحبا بِدَم وملتسباً بِهِ. قَوْله: (وَلَا فار بخربة) ، عطف على مَا قبله، وَالْبَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (لعَمْرو بن سعيد) ، بِفَتْح الْعين: وَهُوَ عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ ابْن أُميَّة الْقرشِي الْأمَوِي، يعرف بالأشدق، لَيست لَهُ صُحْبَة وَلَا كَانَ من التَّابِعين باحسان. ووالده مُخْتَلف فِي صحبته. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يكنى أَبَا أُميَّة، وَكَانَ أَمِير الْمَدِينَة، وغزا ابْن الزبير، رَضِي الله عَنْهُمَا، ثمَّ قَتله عبد الْملك بن مَرْوَان بعد أَن آمنهُ. وَيُقَال: إِنَّه الَّذِي رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وروى عَن عمر وَعُثْمَان، روى عَنهُ بنوه وَأُميَّة وَسَعِيد. قلت: كَانَ قَتله سنة سبعين من الْهِجْرَة. قَوْله: (وَهُوَ يبْعَث الْبعُوث إِلَى مَكَّة) يَعْنِي: كَانَ عَمْرو بن سعيد يبْعَث الْجند إِلَى مَكَّة لقِتَال ابْن الزبير، وَذَلِكَ أَنه لما توفّي مُعَاوِيَة توجه يزِيد إِلَى عبد اللَّه بن الزبير يَسْتَدْعِي مِنْهُ بيعَته، فَخرج إِلَى مَكَّة مُمْتَنعا من بيعَته، فعضب يزِيد وَأرْسل إِلَى مَكَّة يَأْمر واليها يحيى بن حَكِيم بِأخذ بيعَة عبد اللَّه، فَبَايعهُ وَأرْسل إِلَى يزِيد بيعَته، فَقَالَ: لَا أقبل حَتَّى يُؤْتى بِهِ فِي وثاق، فَأتى ابْن الزبير، وَقَالَ: أَنا عَائِذ بِالْبَيْتِ، فَأبى يزِيد، وَكتب إِلَى عَمْرو بن سعيد أَن يُوَجه إِلَيْهِ جنداً، فَبعث هَذِه الْبعُوث. قَالَ ابْن بطال: وَابْن الزبير، رَضِي الله عَنْهُمَا، عِنْد عُلَمَاء السّنة أولى بالخلافة من يزِيد وَعبد الْملك لِأَنَّهُ بُويِعَ لِابْنِ الزبير قبل هَؤُلَاءِ، وَهُوَ صَاحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد قَالَ مَالك: ابْن الزبير أولى من عبد الْملك. قَوْله: (من يَوْم الْفَتْح) يَعْنِي فتح مَكَّة، وَكَانَ فِي عشْرين من رَمَضَان فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة. قَوْله: (سمعته أذناي) إِلَى آخِره، إِشَارَة مِنْهُ إِلَى مبالغته فِي حفظه من جَمِيع الْوُجُوه، فَفِي قَوْله: (سمعته أذناي) نفي أَن يكون سَمعه من غَيره، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير، وأهوى النُّعْمَان بِأُصْبُعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ. وَقَوله: (ووعاه قلبِي) تَحْقِيق لفهمه والتثبت فِي تعقل مَعْنَاهُ. وَقَوله: (وأبصرته عَيْنَايَ) زِيَادَة فِي تحقق السماع والفهم عَنهُ بِالْقربِ مِنْهُ والرؤية، وَأَن سَمَاعه مِنْهُ لَيْسَ اعْتِمَادًا على الصَّوْت دون حجاب، بل الرُّؤْيَة والمشاهدة، وَالْهَاء فِي قَوْله: تكلم بِهِ، عَائِدَة على قَوْله: أحَدثك. قَوْله: (حرمهَا الله) إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ مُطلق التَّحْرِيم، فَيتَنَاوَل كل محرماتها، وَإِمَّا أَن يُرَاد بِهِ مَا ذكر بعده من سفك الدَّم وعضد الشّجر. وَيُقَال: مَعْنَاهُ تفهيم المخاطبين بعظيم قدر مَكَّة بِتَحْرِيم الله إِيَّاهَا، وَنفي مَا تعتقده الْجَاهِلِيَّة وَغَيرهم من أَنهم حرمُوا وحللوا، كَمَا حرمُوا أَشْيَاء من قبل أنفسهم، وأكد ذَلِك الْمَعْنى بقوله: (وَلم يحرمها النَّاس) ، أَي: فتحريمها ابْتِدَاء أَي من غير سَبَب يعزى لأحد لَا مدْخل فِيهِ لَا لنَبِيّ وَلَا لعالم، ثمَّ بيّن التَّحْرِيم بقوله: (فَلَا يحل لامرىء يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يسفك بهَا دَمًا) إِلَى آخِره، لِأَن من آمن بِاللَّه لَزِمته طَاعَته، وَمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر لزمَه الْقيام بِمَا وَجب عَلَيْهِ، وَاجْتنَاب مَا نهى عَنهُ، تخلصاً خوف الْحساب عَلَيْهِ، وَيُقَال: معنى: وَلم يحرمها النَّاس: لَيْسَ من مُحرمَات النَّاس، حَتَّى لَا يعْتد بِهِ، بل هِيَ من مُحرمَات الله. أَو مَعْنَاهُ: إِن تَحْرِيمهَا بِوَحْي الله تَعَالَى، لَا أَنه اصْطلحَ النَّاس على تَحْرِيمهَا بِغَيْر إِذن الله تَعَالَى. قَوْله: (فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مَعْنَاهُ: إِن قَالَ أحد بِأَن ترك الْقِتَال عَزِيمَة، والقتال رخصَة يتعاطى عِنْد الْحَاجة مستدلاً بِقِتَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا، فَقولُوا لَهُ: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، فَإِن الله أذن لرَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يَأْذَن لكم، وَإِنَّمَا أذن لَهُ فِيهَا سَاعَة من نَهَار، يَعْنِي فِي إِرَاقَة دم كَانَ مُبَاحا خَارج الْحرم، وَالْحُرْمَة كَانَت للحرم فِي إِرَاقَة دم محرم الإراقة، فَكَانَ الْحرم فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي تِلْكَ السَّاعَة بِمَنْزِلَة الْحل، ثمَّ عَادَتْ حرمتهَا كَمَا كَانَت، وَإِنَّمَا قَالَ: فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يُقَال: لقتالي بَيَانا لاستظهار التَّرَخُّص، فَإِن الرَّسُول الْمبلغ للشرائع، إِذا فعل ذَلِك كَانَ دَلِيلا على جَوَاز التَّرَخُّص. وَإِنَّمَا الْتفت ثَانِيًا بقوله: (وَإِنَّمَا أذن لي) وَلم يقل: أذن لَهُ، بَيَانا لاختصاصه بذلك بِالْإِضَافَة إِلَى ضَمِيره كَمَا فِي قَول امرىء الْقَيْس:
(وَذَلِكَ من نبأ جَاءَنِي ... وخبرته عَن أبي الْأسود) قَوْله: (سَاعَة من نَهَار) أَرَادَ بِهِ مِقْدَارًا من الزَّمَان من يَوْم الْفَتْح وَهُوَ زمَان الدُّخُول فِيهَا، وَلَا يعلم من الحَدِيث إِبَاحَة عضد الشّجر لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تِلْكَ السَّاعَة. قَوْله: (حرمتهَا) أَي الحكم الَّذِي فِي مُقَابلَة الْإِبَاحَة المستفادة من لفظ الْإِذْن، وَلَفظ الْيَوْم يُطلق وَيُرَاد بِهِ يَوْمك الَّذِي أَنْت فِيهِ. أَي: من يَوْم وَقت طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الزَّمَان الْحَاضِر الْمَعْهُود، وَقد يكون أَكثر من يَوْم وَاحِد وَأَقل، وَكَذَا حكم الأمس. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِهِ هَهُنَا؟ قلت: الظَّاهِر أَنه الْحَاضِر وَيحْتَمل أَيْضا الْمَعْنى الآخر أَي مَا بَين الطُّلُوع إِلَى الْغُرُوب. وَتَكون حينئذٍ اللَّام للْعهد من يَوْم الْفَتْح، إِذْ عود حرمتهَا كَانَ فِي يَوْم الْفَتْح لَا فِي غَيره الَّذِي هُوَ يَوْم صُدُور هَذَا القَوْل، وَكَذَا اللَّام فِي الأمس يكون معهوداً من أمس يَوْم الْفَتْح. قَوْله: (مَا قَالَ عَمْرو) أَي فِي جوابك، فَقَالَ أَبُو شُرَيْح: قَالَ، أَي عَمْرو: أَنا اعْلَم مِنْك: قَالَ ابْن بطال: مَا قَالَه لَيْسَ بِجَوَاب لِأَنَّهُ لم يخْتَلف مَعَه فِي أَن من أصَاب حدا فِي غير الْحرم ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم هَل يُقَام عَلَيْهِ؟ وَإِن مَا أنكرهُ عَلَيْهِ أَبُو شُرَيْح بَعثه الْخَيل إِلَى مَكَّة واستباحته حرمتهَا بِنصب الْحَرْب عَلَيْهَا، فحاد عَمْرو عَن الْجَواب، وَاحْتج أَبُو شُرَيْح بِعُمُوم الحَدِيث، وَذهب إِلَى أَن مثله لَا يجوز أَن يستباح نَفسه وَلَا ينصب الْحَرْب عَلَيْهَا بِقِتَال بَعْدَمَا حرمهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لما سمع عَمْرو ذَلِك رده بقوله: أَنا أعلم، وَيَعْنِي: إِن صَحَّ سماعك وحفظك لَكِن مَا فهمت الْمَعْنى المُرَاد من الْمُقَاتلَة، فَإِن ذَلِك التَّرَخُّص كَانَ بِسَبَب الْفَتْح عنْوَة وَلَيْسَ بِسَبَب قتل من اسْتَحَقَّه خَارج الْحرم، وَالَّذِي أَنا بصدده من الْقَبِيل الثَّانِي لَا من الأول، فَكيف تنكر عَليّ؟ فَهُوَ من القَوْل بِالْمُوجبِ، يَعْنِي: الْجَواب مُطَابق وَلَيْسَ مجاوبة من غير سُؤَاله. قلت: كَونه جَوَابا على اعْتِقَاد عَمْرو فِي ابْن الزبير، وَالله اعْلَم، وَقد شنع عَلَيْهِ ابْن حزم فِي ذَلِك فِي (الْمحلى) فِي كتاب الْجِنَايَات، فَقَالَ: لَا كَرَامَة للئيم الشَّيْطَان الشرطي الْفَاسِق، يُرِيد أَن يكون أعلم من صَاحب رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَهَذَا الْفَاسِق هُوَ العَاصِي لله وَلِرَسُولِهِ وَمن وَالَاهُ أَو قَلّدهُ، وَمَا حَامِل الخزي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إلاَّ هُوَ وَمن أمره وَصوب قَوْله، وَكَأن ابْن حزم إِنَّمَا ذكر ذَلِك لِأَن عمرا ذكر ذَلِك عَن اعْتِقَاده فِي ابْن الزبير، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَقَالَ ابْن بطال اخْتلف الْعلمَاء فِي الصَّحَابِيّ إِذا روى الحَدِيث هَل يكون أولى بتأويله مِمَّن يَأْتِي بعده أم لَا؟ فَقَالَت طَائِفَة تَأْوِيل الصَّحَابِيّ أولى لِأَنَّهُ الرَّاوِي للْحَدِيث، وَهُوَ أعلم بمخرجه وَسَببه. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يلْزم تَأْوِيله إِذا لم يصب التَّأْوِيل. وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي (شرح كتاب الْبُرْهَان) : مُخَالفَة الرَّاوِي لما رَوَاهُ على أَقسَام: مُخَالفَة بِالْكُلِّيَّةِ، وَمُخَالفَة ظَاهِرَة على وَجه التَّخْصِيص، وَتَأْويل مُحْتَمل أَو مُجمل. وكل هَذِه الْأَقْسَام فِيهَا الْخلاف. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: مَذْهَب الشَّافِعِي اتِّبَاع رِوَايَته لَا عمله، وَمذهب أبي حنيفَة اتِّبَاع عمله لَا رِوَايَته، فَإِذا كَانَ الحَدِيث عَاما فَهَل يخص بِعَمَل رَاوِيه، وَكَذَا إِذا كَانَ لفظ الحَدِيث مُجملا فَصَرفهُ الرَّاوِي إِلَى أحد محتملاته، هَل يُصَار إِلَى مذْهبه؟ فَفِي ذَلِك خلاف. وَقَالَ الْخَطِيب: ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه إِن كَانَ تَأْوِيل الرَّاوِي يُخَالف ظَاهر الحَدِيث رَجَعَ إِلَى الحَدِيث، وَإِن كَانَ أحد محتملاته الظَّاهِرَة رَجَعَ إِلَيْهِ، وَمثله إِمَام الْحَرَمَيْنِ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الذَّهَب بِالذَّهَب رَبًّا إلاَّ هَا وَهَا) ، حمله ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، على التَّقَابُض فِي الْمجْلس، وَحَدِيث ابْن عمر: (البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا) حمله ابْن عمر على فرقة الْأَبدَان، وَذكر الْحَنَفِيَّة حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، فِي ولوغ الْكَلْب سبعا، وَأَن مَذْهَب أبي هُرَيْرَة جَوَاز الِاقْتِصَار على الثَّلَاث. وَأَن السَّبع مَنْدُوبَة. وَقَالَ الْمَازرِيّ، وَغَيره: يَنْبَغِي أَن يعد حَدِيث أبي هُرَيْرَة من بَاب الْمُخَالفَة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى النّسخ لَا بِمَعْنى التَّخْصِيص، فَإِن الِاقْتِصَار على الثَّلَاث مُخَالفَة للعدد الْمَحْدُود وَهُوَ السَّبع. قلت: إِنَّمَا خَالف أَبُو هُرَيْرَة الْعدَد السَّبع لثُبُوت انتساخه عِنْده، وَالْحمل عَلَيْهِ تَحْسِين الظَّن فِي حق الصَّحَابِيّ. وَقَالَ الْمَازرِيّ: وَيَنْبَغِي أَن يكون مثله حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، وَقَول أبي القعيس لَهَا: أتحتجبين مني وَأَنا عمك؟ قَالَت: كَيفَ ذَلِك؟ فَقَالَ: أَرْضَعتك امْرَأَة أخي بِلَبن أخي. قَالَت: فَسَأَلت عَن ذَلِك رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: (فَقَالَ: صدق أَفْلح إيذني لَهُ) فروته وأفتته بِخِلَافِهِ، فَكَانَ يدْخل عَلَيْهَا من أرضعه أخواتها وَبَنَات أُخْتهَا، وَلَا يدْخل عَلَيْهَا من أرضعه نسَاء إخوتها. وَلم يحرم بِلَبن الْفَحْل هِيَ وَابْن عمر وَابْن الزبير وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْمسيب وَالقَاسِم وَأَبُو سَلمَة وَأهل الظَّاهِر، وَاحْتَجُّوا بِأَن عَائِشَة روته وَلم تعْمل بِهِ وَلم يَأْخُذ بِهِ الْكُوفِيُّونَ وَلَا الشَّافِعِي وَلَا التفتوا إِلَى تَأْوِيلهَا، وَأخذُوا بحديثها وافتوا بِتَحْرِيم لبن
الْفَحْل. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي بَرِيرَة، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيرهَا بعد أَن اشترتها عَائِشَة وأعتقتها، وَأَن ابْن عَبَّاس يُفْتِي أَن بيعهَا طَلَاق، وَمَا رَوَاهُ مُخَالف لفتياه، لِأَنَّهُ لَو كَانَ بيعهَا طَلَاقا لم يُخَيّر وَهِي مُطلقَة؟ وروت عَائِشَة، قَالَت: فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ فزيد فِي صَلَاة الْحَضَر وأقرت صَلَاة السّفر، وَكَانَت عَائِشَة تتمّ. فَترك الْكُوفِيُّونَ وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيل قَوْلهَا وَأخذُوا بحديثها، وَقَالُوا: قصر الصَّلَاة فِي السّفر فَرِيضَة، وَرَوَاهُ أَشهب عَن مَالك، وروى عَنهُ أَبُو مُصعب أَنه سنة، وَذهب جمَاعَة وَالشَّافِعِيّ إِلَى التَّخْيِير بَين الْقصر والإتمام، وَالله اعْلَم. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِي قَول أبي شُرَيْح: (ائْذَنْ لي أَيهَا الْأَمِير) حُسن التلطف فِي الْإِنْكَار لَا سِيمَا مَعَ الْمُلُوك فِيمَا يُخَالف مقصودهم، لِأَن التلطف بهم أدعى لقبولهم لَا سِيمَا من عرف مِنْهُ بارتكاب هَوَاهُ، وَأَن الغلظة عَلَيْهِم قد تكون سَببا لإثارة فتْنَة ومعاندة. الثَّانِي: فِيهِ وَفَاء أبي شُرَيْح، رَضِي الله عَنهُ، بِمَا أَخذه الله على الْعلمَاء من الْمِيثَاق فِي تَبْلِيغ دينه ونشره حَتَّى يظْهر، وَقد روى ابْن إِسْحَاق فِي آخِره أَنه قَالَ لَهُ عَمْرو بن سعيد: نَحن أعلم بحرمتها مِنْك، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُرَيْح: إِنِّي كنتُ شَاهدا وكنتَ غَائِبا، وَقد أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يبلغ شاهدُنا غائبنا، وَقد أبلغتك فَأَنت وشأنك. وَقَالَ ابْن بطال: كل من خاطبه النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، بتبليغ الْعلم من كَانَ فِي زَمَنه فالتبليغ عَلَيْهِ مُتَعَيّن، وَأما من بعدهمْ فالتبليغ عَلَيْهِم فرض كِفَايَة. قلت: فِيهِ نظر، فقد ذكر أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أَن التَّبْلِيغ عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ وَاحِد سقط عَن البَاقِينَ، وَقد كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَالْحكم لَا يبوح بِهِ فِي النَّاس، لَكِن يخبر بِهِ من حَضَره ثمَّة على لِسَان أُولَئِكَ إِلَى مَن ورَاءهم قوما بعد قوم، قَالَ: فالتبليغ فرض كِفَايَة والإصغاء فرض عين، والوعي وَالْحِفْظ يترتبان على معنى مَا يستمع بِهِ، فَإِن كَانَ مَا يَخُصُّهُ تعين عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ يتَعَلَّق بِهِ وَبِغَيْرِهِ كَانَ الْعَمَل فرض عين، والتبليغ فرض كِفَايَة، وَذَلِكَ عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ، وَلَا يلْزمه أَن يَقُول ابْتِدَاء وَلَا بعده، فقد كَانَ قوم من الصَّحَابَة يكثرون الحَدِيث: قَالَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فحبسهم عمر، رَضِي الله عَنهُ، حَتَّى مَاتَ وهم فِي سجنه. هَذَا آخر كَلَامه. الثَّالِث: اسْتدلَّ بقوله: (لَا يحل لأحد يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر) الحَدِيث، بَعضهم على أَن الْكفَّار غير مخاطبين بِفُرُوع الشَّرِيعَة، وَالصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ خِلَافه. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا مَفْهُوم لَهُ، وَقد اسْتعْمل منطوقه بِتَحْرِيم الْقِتَال على الْمُؤمن فِيهَا. الرَّابِع: اسْتدلَّ بَعضهم بقوله: (أَن يسفك بهَا دَمًا) على تَحْرِيم الْقِتَال بِمَكَّة، وَهُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ السِّيَاق، وَهُوَ قَوْله: (فَإِن أحد ترخص) الخ. وَقَوله فِي بعض طرق الحَدِيث: (وَإنَّهُ لم يحل الْقِتَال لأحد قبلي) ، وَالضَّمِير فِي: إِنَّه، للشأن. وَهَذِه الْأَحَادِيث ظَاهرهَا يدل على أَن حكم الله تَعَالَى أَن لَا يُقَاتل من كَانَ بِمَكَّة، ويؤمن من استجار بهَا وَلَا يتَعَرَّض لَهُ، وَهُوَ قَول قَتَادَة وَغَيره فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {أَو لم يرَوا إِنَّا جعلنَا حرما آمنا} (العنكبوت: 67) وَكَانَت عَادَة الْعَرَب احترام مَكَّة. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: من خَصَائِص الْحرم أَن لَا يحارب أَهله، فَإِن بغوا على أهل الْعدْل، قَالَ بعض الْفُقَهَاء: يحرم قِتَالهمْ ويضيقوا عَلَيْهِم حَتَّى يرجِعوا إِلَى الطَّاعَة. وَقَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء: يُقَاتلُون على بغيهم إِذا لم يُمكن ردهم إلاَّ بِالْقِتَالِ، لِأَن قتال أهل الْبَغي من حُقُوق الله تَعَالَى الَّتِي لَا تجوز إضاعتها، فحفظها فِي الْحرم أولى من إضاعتها. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقد نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي كتاب: اخْتِلَاف الحَدِيث، فِي (الْأُم) . وَأجَاب الشَّافِعِي عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِأَن التَّحْرِيم يعود إِلَى نصب الْقِتَال وقتالهم بِمَا يعم كالمنجنيق وَغَيره إِذا لم يُمكن إصْلَاح الْحَال بِدُونِهِ، بِخِلَاف مَا إِذا تحصن الْكفَّار بِبَلَد آخر، فَإِنَّهُ يجوز قِتَالهمْ على كل وَجه بِكُل شَيْء. وَقَالَ الْقفال، من أَصْحَاب الشَّافِعِي، فِي (شرح التَّلْخِيص) فِي أول كتاب النِّكَاح: لَا يجوز الْقِتَال بِمَكَّة، وَلَو تحصنت جمَاعَة من الْكفَّار فِيهَا لم يجز قِتَالهمْ. قَالَ النَّوَوِيّ: الَّذِي قَالَه الْقفال غلط، نبهت عَلَيْهِ. قلت: بل هُوَ مُوَافق لِلْقَوْلِ الأول الَّذِي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ. وَظَاهر الحَدِيث يعضده، فَإِن قَوْله: (لَا يحل لأحد) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فتعم. الْخَامِس: اسْتدلَّ أَبُو حنيفَة بقوله: (لَا يحل لمن يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يسفك بهَا دَمًا) على أَن الملتجىء إِلَى الْحرم لَا يقتل لِأَنَّهُ عَام يدْخل فِيهِ هَذِه الصُّورَة، وَحكى ابْن بطال اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيمَن أصَاب حدا من قتل أَو زنا أَو سَرقَة، فَقَالَ ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَالشعْبِيّ: إِن إصابه فِي الْحرم أقيم عَلَيْهِ وَإِن أَصَابَهُ فِي غير الْحرم لَا يُجَالس وَلَا يدانى حَتَّى يخرج فيقام عَلَيْهِ، لِأَن الله تَعَالَى جعله آمنا دون غَيره فَقَالَ: {وَمن دخله كَانَ آمنا} (آل عمرَان: 97) وَقَالَ آخَرُونَ: إِذا أَصَابَهُ فِي غير الْحرم ثمَّ لَجأ إِلَيْهِ يخرج ويقام عَلَيْهِ الْحَد، وَلم يحضروا مُجَالَسَته وَلَا مسامعته، وَهُوَ مَذْهَب ابْن الزبير وَالْحسن وَمُجاهد. وَقَالَ آخَرُونَ:
لايمنع من إِقَامَة الْحَد فِيهِ، والملتجىء إِلَيْهِ عَلَيْهِ الْحَد الَّذِي وَجب عَلَيْهِ قبل أَن يلجأ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَب عَمْرو بن سعيد كَمَا ذكر فِي الحَدِيث. وَحكى الْقُرْطُبِيّ أَن ابْن الْجَوْزِيّ حكى الْإِجْمَاع فِيمَن جنى فِي الْحرم: انه يُقَاد مِنْهُ، وفيمن جنى خَارجه ثمَّ لَجأ إِلَيْهِ عَن أبي حنيفَة وَأحمد أَنه لَا يُقَام عَلَيْهِ. قلت: مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ يُقَام عَلَيْهِ. وَنقل ابْن حزم عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة الْمَنْع، ثمَّ قَالَ: وَلَا مُخَالف لَهُم من الصَّحَابَة، ثمَّ نقل عَن جمَاعَة من التَّابِعين موافقتهم، ثمَّ شنع على مَالك وَالشَّافِعِيّ، فَقَالَ: قد خالفا فِي هَذَا هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة وَالْكتاب وَالسّنة، وَاحْتج بَعضهم لمذهبهما بِقصَّة ابْن خطل. وَأجِيب عَنْهَا بأوجه. أَحدهَا: أَنه ارْتَدَّ وَقتل مُسلما وَكَانَ يهجو النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. الثَّانِي: أَنه لم يدْخل فِي الْأمان فَإِنَّهُ اسْتَثْنَاهُ وَأمر بقتْله وَإِن وجد مُعَلّقا باستار الْكَعْبَة. الثَّالِث: أَنه كَانَ مِمَّن قَاتل، وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ إِنَّمَا قتل فِي تِلْكَ السَّاعَة الَّتِي أبيحت لَهُ، وَهُوَ غَرِيب، فَإِن سَاعَة الدُّخُول حِين استولى عَلَيْهَا وأذعن أَهلهَا، وَقتل ابْن خطل بعد ذَلِك، وَبعد قَوْله: (من دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن) ، وَقد دخل لكنه اسْتَثْنَاهُ مَعَ جمَاعَة غَيره. السَّادِس: فِي قَوْله: (فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) دَلِيل على على أَن مَكَّة فتحت عنْوَة، وَهُوَ مَذْهَب الْأَكْثَرين. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ، لَكِن من رَآهَا عنْوَة يَقُول: إِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، منَّ على أَهلهَا وسوغهم أَمْوَالهم ودورهم وَلم يقسمها وَلم يَجْعَلهَا فَيْئا. قَالَ أَبُو عبيد: وَلَا يعلم مَكَّة يشبهها شَيْء من الْبِلَاد. وَقَالَ الشَّافِعِي وَغَيره: فتحت صلحا، وتأولوا الحَدِيث بِأَن الْقِتَال كَانَ جَائِزا، لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَو احْتَاجَ إِلَيْهِ، ويضعف هَذَا التَّأْوِيل قَوْله فِي الحَدِيث: (فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) فَإِنَّهُ يدل على وجود الْقَتْل. وَقَوله: (من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن) ، وَكَذَلِكَ غَيره من النَّاس الْمُعَلق على أَشْيَاء مَخْصُوصَة، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: عِنْدِي أَن أَسْفَل مَكَّة دخله خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله عَنهُ عنْوَة، وأعلاها دخله الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله عَنهُ، صلحا، ودخلها الشَّارِع من جِهَته، فَصَارَ حكم جِهَته الْأَغْلَب. السَّابِع: فِي قَوْله: (وَلَا يعضد بهَا شَجَرَة) دَلِيل على حُرْمَة قطع شجر الْحرم، وَفِي رِوَايَة: (وَلَا يعضد شوكه) ، وَفِي رِوَايَة: (وَلَا يخبط شَوْكهَا) . قَالَ النَّوَوِيّ: اتّفق الْعلمَاء على تَحْرِيم قطع أشجارها الَّتِي لَا ينبتها الآدميون فِي الْعَادة وعَلى تَحْرِيم خَلاهَا، وَاخْتلفُوا فِيمَا ينبته الآدميون، وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي ضَمَان الشَّجَرَة إِذا قلعهَا، فَقَالَ مَالك: يَأْثَم وَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَاجِب فِي الْكَبِيرَة بقرة وَفِي الصَّغِيرَة شَاة، وَكَذَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، رَضِي الله عَنْهُم، وَبِه قَالَ أَحْمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْوَاجِب فِي الْجَمِيع الْقيمَة، وَيجوز عِنْد الشَّافِعِي وَمن وَافقه رعي الْبَهَائِم فِي كلأ الْحرم، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: لَا يجوز، والكلأ والعشب اسْم للرطب، والحشيش اسْم لليابس مِنْهُ، والكلأ يُطلق عَلَيْهِمَا. قَوْله: (وَلَا يعضد شوكه) دَلِيل على تَحْرِيم قطع الشوك المؤذي وَغَيره، وَقد أَخذ بِهِ بَعضهم عملا بِعُمُوم الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم لَا يحرم الشوك لأذاه تَشْبِيها بالفواسق الْخمس، وخصوا الحَدِيث بِالْقِيَاسِ. قَالَ الْخطابِيّ: أَكثر الْعلمَاء على إِبَاحَة الشوك، وَيُشبه أَن يكون الْمَحْظُور مِنْهُ مَا ترعاه الْإِبِل، وَهُوَ مَا رق مِنْهُ دون الصلب الَّذِي لَا ترعاه، فَيكون ذَلِك كالحطب وَغَيره. قلت: صحّح الْمُتَوَلِي، من الشَّافِعِيَّة، التَّحْرِيم مُطلقًا، وَالْقِيَاس الْمَذْكُور ضَعِيف لقِيَام الْفَارِق وَهُوَ أَن الفواسق الْخمس تقصد الْأَذَى بِخِلَاف الشوك. الثَّامِن: فِي قَوْله: (وليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب) صَرَاحَة بِنَقْل الْعلم وإشاعة السّنَن والاحكام، وَهُوَ إِجْمَاع. التَّاسِع: أَن الحَدِيث يدل صَرِيحًا على تَحْرِيم الله مَكَّة، وَأبْعد من قَالَ: إِن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أول من افْتتح ذَلِك، وَالصَّوَاب، أَنَّهَا مُحرمَة من يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض. الْعَاشِر: فِيهِ النَّصِيحَة لولاة الْأُمُور وَعدم الْغِشّ لَهُم والإغلاظ عَلَيْهِم. الْحَادِي عشر: فِيهِ ذكر التَّأْكِيد فِي الْكَلَام. الثَّانِي عشر: فِيهِ تَقْدِيم الْحَمد على الْمَقْصُود. الثَّالِث عشر: فِيهِ إِثْبَات الْقيمَة. الرَّابِع عشر: فِيهِ اخْتِصَاص الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بخصائص. الْخَامِس عشر: فِيهِ جَوَاز الْقيَاس عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَوْلَا الْعلم بِكَوْن الحكم من خَصَائِصه. السَّادِس عشر: فِيهِ جَوَاز النّسخ، إِذْ نسخ الْإِبَاحَة للرسول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالْحُرْمَةِ. السَّابِع عشر: فِيهِ جَوَاز المجادلة. الثَّامِن عشر: فِيهِ مُخَالفَة التَّابِعِيّ للصحابي بِالِاجْتِهَادِ. التَّاسِع عشر: فِيهِ فضل أبي شُرَيْح لاتباعه أَمر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالتبليغ عَنهُ. الْعشْرُونَ: فِيهِ وجوب الْإِنْكَار من الْعَالم على الْأَمِير إِذا رأى أَنه غيّر شَيْئا من الدّين، وَإِن لم يسْأَل عَنهُ. الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: فِي قَوْله: (ووعاه قلبِي) دَلِيل على أَن الْعقل مَحَله الْقلب لَا الدِّمَاغ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مَحَله الدِّمَاغ لقَالَ: ووعاه
رَأْسِي، وَفِي الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث إِنَّه مُشْتَرك بَينهمَا. الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: فِيهِ أَن التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم من عِنْد الله لَا مدْخل لبشر فِيهِ، وَأَن ذَلِك لَا يعرف إلاَّ مِنْهُ فعلا وقولاً وتقريراً. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: (إِن مَكَّة حرمهَا الله وَلم يحرمها النَّاس) يُعَارضهُ قَوْله: عَلَيْهِ السَّلَام: (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة) الحَدِيث. وَأجِيب: بِأَن نِسْبَة الحكم لإِبْرَاهِيم على معنى التَّبْلِيغ، فَيحْتَمل أَن تَحْرِيم إِبْرَاهِيم لَهَا بإعلام الله تَعَالَى أَنه حرمهَا، فتحريمه لَهَا بِتَحْرِيم الله لَا بِاجْتِهَادِهِ، أوكل الله إِلَيْهِ تَحْرِيمهَا فَكَانَ عَن أَمر الله، فأضيف إِلَى الله مرّة لذَلِك، وَمرَّة لإِبْرَاهِيم، أَو أَنه دعى إِلَيْهِ فَكَانَ تَحْرِيم الله لَهَا بدعوته. قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره من الْعلمَاء: قيل: إِن مَكَّة مَا زَالَت مُحرمَة من يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقيل: كَانَت حَلَالا إِلَى زمن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْأول قَول الْأَكْثَرين وأوفق للْحَدِيث. وَأجِيب: عَن حَدِيث إِبْرَاهِيم بِأَن التَّحْرِيم كَانَ خفِيا ثمَّ أظهره إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ أَصْحَاب القَوْل الثَّانِي: إِن معنى الحَدِيث أَن الله كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَغَيره يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض: إِن إِبْرَاهِيم سيحرم مَكَّة، بِإِذن الله تَعَالَى. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ خصص من بَين مَا يجب بِهِ الْإِيمَان هذَيْن اللَّفْظَيْنِ: الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَي الْقِيَامَة؟ أُجِيب: بِأَن الأول إِشَارَة إِلَى المبدأ وَالثَّانِي إِلَى الْمعَاد، والبواقي دَاخِلَة تحتهما. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ سمي يَوْم الْقِيَامَة الْيَوْم الآخر؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ لَا ليل بعده، وَلَا يُقَال: يَوْم إلاَّ لمَا تقدمه ليل. وَمِنْهَا مَا قيل: هَل أحل للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي السَّاعَة الَّتِي أحلّت لَهُ مَكَّة سَائِر الْأَشْيَاء؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ أحلّت لَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَة: الدَّم دون الصَّيْد، وَقطع الشّجر، وَسَائِر مَا حرم الله على النَّاس. 105 - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قالَ: حدّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عَنْ مُحمَّدٍ عنِ ابنِ أبي بَكْرَةَ، عنْ أبي بَكْرَةَ ذُكِرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ: (فإنّ دِمَاءَكُمْ وأموَالَكُمْ) . قالَ مُحمَّدٌ: وأحْسِبُهُ قالَ: وأعْرَاضَكُمْ: (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَة يَوْمكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ) وكانَ مُحَمَّدٌ يَقُولَ: صَدَقَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كانَ ذَلِكَ، (ألاَ هَلْ بَلَّغْتُ) . مَرَّتَيْنِ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَلا ليبلغ الشَّاهِد مِنْكُم الْغَائِب) . بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْبَصْرِيّ انْفَرد البُخَارِيّ بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَهُوَ ثِقَة ثَبت، وَثَّقَهُ يحيى وَآخَرُونَ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق ثِقَة، توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو بكرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه نفيع، وَقد تقدم. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنه وَقع فِي بعض النّسخ: عَن مُحَمَّد عَن أبي بكرَة بِحَذْف ابْن أبي بكرَة بَينهمَا، وَفِي بَعْضهَا: عَن مُحَمَّد بن أبي بكرَة بتبديل: عَن، بِلَفْظ ابْن، وَكِلَاهُمَا وهم فَاحش. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَأما سَنَد هَذَا الحَدِيث فقد وَقع فِي البُخَارِيّ فِيهِ اضْطِرَاب من الروَاة عَن الْفربرِي. قَالَ أَبُو عَليّ الغساني: وَقع فِي نُسْخَة أبي ذَر الْهَرَوِيّ، فِيمَا قَيده عَن الْحَمَوِيّ وَأبي الْهَيْثَم عَن الْفربرِي: عَن مُحَمَّد عَن أبي بكرَة، هُنَا سقط ابْن أبي بكرَة. وَرَوَاهُ سَائِر رُوَاة الْفربرِي، بِإِثْبَات ابْن أبي بكرَة بَين مُحَمَّد وَأبي بكرَة، وَوَقع الْخلَل فِيهِ أَيْضا فِي كتاب بَدْء الْخلق والمغازي، وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: فِي نُسْخَة أبي زيد أَيُّوب: عَن مُحَمَّد بن أبي بكرَة، وَفِي نُسْخَة الْأصيلِيّ: مُحَمَّد عَن أبي بكرَة على الصَّوَاب. وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب الْعِلَل) : إِن إِسْمَاعِيل بن علية وَعبد الْوَارِث روياه عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أبي بكرَة، لم يذكرَا بَينهمَا أحدا، وَكَذَا رَوَاهُ يُونُس: عَن عبيد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي بكرَة، وَرَوَاهُ قُرَّة بن خَالِد: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين. قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَرجل آخر أفضل من عبد الرَّحْمَن. وَسَماهُ أَبُو عَامر الْعَقدي: حميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي. انْتهى كَلَامه. وَقَالَ الغساني: اتِّصَال هَذَا الْإِسْنَاد وَصَوَابه أَن يكون: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَيْضا عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي عَن أبي بكرَة، رَضِي الله عَنهُ. قلت: الصَّوَاب الَّذِي ذكره
- (باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم)
هُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني كَمَا تقدم فِي أَوَائِل كتاب الْعلم من طَرِيق أُخْرَى: عَن مُحَمَّد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه، وَقد تقدم هُنَاكَ أَكثر مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحَدِيث. بَيَان الْإِعْرَاب واللغات: قَوْله: (ذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ: فَإِن دماءكم) أَي: ذكر أَبُو بكرَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَيْسَ هَذَا من الذّكر الَّذِي بعد النسْيَان. وَقَوله: (قَالَ) ، أَي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الْمَعْنى: ذكر أَبُو بكرَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ قَالَ: قَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، و: الْفَاء، فِي فَإِن، عاطفة والمعطوف عَلَيْهِ مَحْذُوف، لِأَن هَذَا الحَدِيث مَخْزُوم، لِأَنَّهُ بعض حَدِيث طَوِيل وَقد سبق بعضه فِي بَاب: قَول النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (رب مبلغ أوعى من سامع) ، حَيْثُ قَالَ رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (أَي يَوْم هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه قَالَ: أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟ فَقُلْنَا: بلَى، قَالَ: فَأَي شهر هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحجَّة؟ قُلْنَا: بلَى. قَالَ: فَإِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ بَيْنكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا) إِلَى آخِرَة، وَقد خرم الحَدِيث هَهُنَا اقتصارا على الْمَقْصُود وَهُوَ بَيَان التَّبْلِيغ. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) أَي: ابْن سِيرِين أحد الروَاة. قَوْله: (واحسبه) أَي: أَظُنهُ، أَي: أَظن ابْن أبي بكرَة، قَالَ: (وَأَعْرَاضكُمْ) ، بِالنّصب عطف على قَوْله: (وَأَمْوَالكُمْ) . وَقَوله: (قَالَ مُحَمَّد وَأَحْسبهُ قَالَ) ، جمل مُعْتَرضَة. قَوْله: (حرَام) خبر: إِن، وَقَالَ الْكرْمَانِي: جمل مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها بِحَسب الظَّاهِر. قلت: بِحَسب الظَّاهِر اعتراضها بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ فِي الْحَقِيقَة بَين اسْم إِن وخبرها. فَإِن قلت: كَيفَ روى مُحَمَّد بن سِيرِين هَهُنَا ظَانّا فِي هَذَا اللَّفْظ، وَفِيمَا تقدم جَازَ مَا فِيهِ كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي ذَلِك الْبَاب؟ قلت: إِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد رِوَايَته لأيوب ظَانّا فِي تِلْكَ اللَّفْظَة، وَبعدهَا تذكر فَحصل لَهُ الْجَزْم بهَا، فرواها لِابْنِ عون جَازِمًا. وَإِمَّا بِالْعَكْسِ لطرو تردد لَهُ أَو لغير ذَلِك، وَالله أعلم. فَإِن قلت: مَا معنى قَوْله: (عَلَيْكُم) إِذْ مَعْلُوم أَن أَمْوَالنَا لَيست حَرَامًا علينا؟ قلت: الْعقل مُبين للمقصود وَهُوَ: أَمْوَال كل أحد مِنْكُم حرَام على غَيره، وَذَلِكَ عِنْد فقدان شَيْء من أَسبَاب الْحل، وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى: وَهِي بَيْنكُم بدل: عَلَيْكُم. قَوْله: (وَأَعْرَاضكُمْ) جمع عرض بِالْكَسْرِ، وَقد فسرناه هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَحَاصِله أَنه يُقَال للنَّفس وللحسب. وَقَالَ فِي (شرح السّنة) لَو كَانَ المُرَاد من الْأَعْرَاض النُّفُوس لَكَانَ تَكْرَارا، لِأَن ذكر الدِّمَاء كافٍ، إِذْ المُرَاد بهَا النُّفُوس فَيتَعَيَّن الأحساب. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الظَّاهِر أَن المُرَاد بالأعراض: الْأَخْلَاق النفسانية. قَوْله: (أَلا) ، بتَخْفِيف اللَّام، كَأَنَّهُ قَالَ: ألاَ يَا قوم هَل بلغت؟ يَعْنِي: هَل عملت بِمُقْتَضى مَا قَالَ الله تَعَالَى: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} (الْمَائِدَة: 67) ؟ قَوْله: (وَكَانَ مُحَمَّد) ، أَي: ابْن سِيرِين. قَوْله: (كَانَ ذَلِك) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: ذَلِك إِشَارَة إِلَى مَاذَا؟ إِذْ لَا يحْتَمل أَن يشار بِهِ إِلَى: ليبلغ الشَّاهِد، وَهُوَ أَمر، لِأَن التَّصْدِيق والتكذيب من لَوَازِم الْخَبَر. قلت: إِمَّا أَن تكون الرِّوَايَة عِنْد ابْن سِيرِين: ليبلغ، بِفَتْح اللَّام فَيكون خَبرا، وَإِمَّا أَن يكون الْأَمر فِي معنى الْخَبَر، وَمَعْنَاهُ: إِخْبَار الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِأَنَّهُ سيقع التَّبْلِيغ فِيمَا بعد. وَإِمَّا أَن يكون إِشَارَة إِلَى تَتِمَّة الحَدِيث، وَهُوَ: أَن الشَّاهِد عَسى أَن يبلغ من هُوَ أوعى مِنْهُ، يَعْنِي: وَقع تَبْلِيغ الشَّاهِد أَو إِلَى مَا بعده، وَهُوَ التَّبْلِيغ الَّذِي فِي ضمن: (ألاَ هَل بلغت) ؟ يَعْنِي: وَقع تَبْلِيغ الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى الْأمة وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك} (الْكَهْف: 78) . قلت: الْجَواب الأول موجه إِن ساعدته الرِّوَايَة عَن مُحَمَّد بِفَتْح اللَّام، وَكَون الْأَمر بِمَعْنى الْخَبَر يحْتَاج إِلَى قرينَة. أَقُول: لَا يجوز أَن يكون للْإِشَارَة إِلَى التَّبْلِيغ الَّذِي يدل عَلَيْهِ: ليبلغ، وَمعنى كَانَ ذَلِك: وَقع ذَلِك التَّبْلِيغ الْمَأْمُور بِهِ من الشَّاهِد إِلَى الْغَائِب. قَوْله: (مرَّتَيْنِ) يتَعَلَّق بقوله: قَالَ مُقَدرا، أَي: قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مرَّتَيْنِ: أَلا هَل بلغت. فَإِن قلت: لم قدرت: قَالَ، وَمَا جعلته من تَتِمَّة: قَالَ، الْمَذْكُور فِي اللَّفْظ، وَيكون: وَكَانَ مُحَمَّد ... إِلَى آخِره جملَة مُعْتَرضَة؟ قلت: حِينَئِذٍ يلْزم أَن يكون مَجْمُوع هَذَا الْكَلَام مقولاً مرَّتَيْنِ، وَلم يثبت ذَلِك. 38 - (بابُ إثْمِ مَنْ كَذَبَ علَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من كذب على النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْكذب خلاف الصدْق. قَالَ الصغاني: تركيب الْكَذِب يدل على خلاف الصدْق، وتلخيصه: أَنه لَا يبلغ نِهَايَة الْكَلَام فِي الصدْق. وَالْكذب عِنْد الأشعرية: الْإِخْبَار عَن الْأَمر على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ عمدا أَو سَهوا، خلافًا للمعتزلة فِي اشتراطهم العمدية. وَيُقَال فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب: الْمَذْهَب الْحق:
أَن الْكَذِب عدم مُطَابقَة الْوَاقِع والصدق مطابقته. وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا مُطَابقَة الِاعْتِقَاد أَو لَا مطابقته. وَالثَّالِث: مطابقته الْوَاقِع مَعَ اعْتِقَاد الْمُطَابقَة، وَلَا مُطَابقَة مَعَ اعْتِقَاد لَا مطابقته. وعَلى الْأَخيرينِ يكون بَينهمَا الْوَاسِطَة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول وجوب تَبْلِيغ الْعلم إِلَى من لَا يعلم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب التحذير عَن الْكَذِب فِي التَّبْلِيغ، وَذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب الْمَذْكُور من أنسب الْأَشْيَاء. 106 - حدّثنا علِيُّ بنُ الجَعْدِ قالَ: أخْبَرَنا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبرنِي مَنْصُورٌ قالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بنَ حِرَاش يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تَكْذِبُوا عليَّ فإنَّهُ مَنْ كَذَبَ عليَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث فِي النَّهْي عَن الْكَذِب على النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، المستلزم للإثم المستلزم لدُخُول النَّار، والترجمة فِي بَيَان إِثْم من كذب عَلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلَام. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: عَليّ بن الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالدال الْمُهْملَة، الْجَوْهَرِي الْبَغْدَادِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الرَّابِع: ربعي، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حِرَاش، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن جحش، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن عَمْرو بن عبد الله بن مَالك بن غَالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضر الْغَطَفَانِي الْعَبْسِي، بِالْمُوَحَّدَةِ أَبُو مَرْيَم الْكُوفِي الْأَعْوَر العابد الْوَرع، يُقَال: إِنَّه لم يكذب قطّ، وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ عاصيان على الْحجَّاج، فَقيل للحجاج: إِن أباهما لم يكذب كذبة قطّ، لَو أرْسلت إِلَيْهِ فَسَأَلته عَنْهُمَا. فَأرْسل إِلَيْهِ فَقَالَ: هما فِي الْبَيْت. فَقَالَ: قد عَفَوْنَا عَنْهُمَا لصدقك وَحلف أَن لَا يضْحك حَتَّى يعلم أَيْن مصيره إِلَى الْجنَّة أَو إِلَى النَّار فَمَا ضحك إلاَّ بعد مَوته. وَله أَخَوان: مَسْعُود، وَهُوَ الَّذِي تكلم بعد الْمَوْت. وربيع، وَهُوَ أَيْضا حلف أَن لَا يضْحك حَتَّى يعرف أَفِي الْجنَّة أم لَا. فَقَالَ غاسله: إِنَّه لم يزل مُبْتَسِمًا على سَرِيره حَتَّى فَرغْنَا. وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لم يروَ عَن مَسْعُود شَيْء إلاَّ كَلَامه بعد الْمَوْت. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: كتب النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى حِرَاش بن جحش، فَحرق كِتَابه، وَلَيْسَ لربعي عقب، والعقب لِأَخِيهِ مَسْعُود. وَقَالَ ابْن سعد: حدث عَن عَليّ وَلم يقل: سمع. وَعَن أبي الْحسن الْقَابِسِيّ: أَنه لم يَصح لربعي سَماع من عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، غير هَذَا الحَدِيث. وَقدم الشَّام وَسمع خطْبَة عمر، رَضِي الله عَنهُ، بالجابية. قَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة، توفّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: توفّي سنة أَربع وَمِائَة، وَلَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : حِرَاش بِالْمُهْمَلَةِ سواهُ. والربعي: بِحَسب اللُّغَة نِسْبَة إِلَى الرّبع. والحراش: جمع الحرش، وَهُوَ الْأَثر. الْخَامِس: عَليّ بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف الْهَاشِمِي الْمَكِّيّ الْمدنِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، ابْن عَم رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَخَتنه على بنته فَاطِمَة الزهراء. وَاسم أبي طَالب: عبد منَاف، على الْمَشْهُور. وَأم عَليّ: فَاطِمَة بنت أَسد بن هَاشم بن عبد منَاف وَهِي أول هاشمية ولدت هاشميا، أسلمت وَهَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة وَتوفيت فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصلى عَلَيْهَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَنزل فِي قبرها. وكنية عَليّ: أَبُو الْحسن، وكناه رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: أَبَا تُرَاب، وَهُوَ أَخُو رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالمؤاخاة. وَقَالَ لَهُ: أَنْت أخي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَهُوَ أَبُو السبطين وَأول هاشمي ولد بَين هاشميين، وَأول خَليفَة من بني هَاشم، وَأحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، وَاحِد السِّتَّة أَصْحَاب الشورى الَّذين توفّي رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ عَنْهُم رَاض، وَأحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَأحد الْعلمَاء الربانيين، وأوحد الشجعان الْمَشْهُورين، والزهاد الْمَذْكُورين، وَأحد السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام، شهد مَعَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الْمشَاهد كلهَا إلاَّ تَبُوك، اسْتَخْلَفَهُ فِيهَا على الْمَدِينَة، وأصابته يَوْم أحد سِتّ عشرَة ضَرْبَة، وَأَعْطَاهُ الرَّايَة يَوْم خَيْبَر وَأخْبر أَن الْفَتْح يكون على يَدَيْهِ. ومناقبه جمة، وأحواله فِي الشجَاعَة مَشْهُورَة وَأما علمه فَكَانَ من الْعُلُوم بِالْمحل الْأَعْلَى. رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَمْسمِائَة حَدِيث وَسِتَّة وَثَمَانُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على عشْرين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِتِسْعَة، وَمُسلم بِخَمْسَة عشر. ولي الْخلَافَة خمس سِنِين. وَقيل: إلاَّ شهرا. بُويِعَ لَهُ بعد عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، لكَونه أفضل
الصَّحَابَة حِينَئِذٍ، ضربه عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي، من حمير، بِسيف مَسْمُوم فأوصله دماغه فِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَمَات بِالْكُوفَةِ لَيْلَة الْأَحَد تَاسِع عشر رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَكَانَ آدم اللَّوْن أصلع ربعَة، أَبيض الرَّأْس واللحية، وَرُبمَا خضب لحيته، وَكَانَت لَهُ لحية كثة طَوِيلَة، حسن الْوَجْه كَأَنَّهُ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، ضحوك السن، وقبره بِالْكُوفَةِ، وَلكنه غيب خوفًا من الْخَوَارِج، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه: عَليّ بن أبي طَالب غَيره، وَفِي الروَاة: عَليّ بن أبي طَالب، ثَمَانِيَة سواهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِي إِسْنَاده التحديث والإخبار بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَنهم مَا بَين بغدادي وواسطي وكوفي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ صَغِير عَن تَابِعِيّ كَبِير. بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي مُقَدّمَة كِتَابه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَابْن مثنى، وَابْن بشار ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى الْفَزارِيّ عَن شريك بن عبد الله عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَنهُ بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَفِي المناقب عَن سُفْيَان بن وَكِيع عَن أَبِيه عَن شريك نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث وَعَن بنْدَار عَن يحيى كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عبد الله بن عَامر بن زُرَارَة وَإِسْمَاعِيل بن مُوسَى كِلَاهُمَا عَن شريك بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (لَا تكذبوا عَليّ) نهي بِصِيغَة الْجمع، وَهُوَ عَام فِي كل كذب مُطلق فِي كل نوع مِنْهُ. فَإِن قلت: هَل فرق بَين كذب عَلَيْهِ، وَكذب لَهُ. أم الحكم فيهمَا سَوَاء؟ قلت: معنى كذب عَلَيْهِ، نِسْبَة الْكَلَام إِلَيْهِ كَاذِبًا، سَوَاء كَانَ عَلَيْهِ أَو لَهُ، وَالْكذب على الله دَاخل تَحت الْكَذِب على الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، إِذْ المُرَاد من الْكَذِب عَلَيْهِ الْكَذِب فِي أَحْكَام الدّين. فَإِن قلت: الْكَذِب من حَيْثُ هُوَ مَعْصِيّة فَكل كَاذِب عاصٍ وكل عاصٍ يلج النَّار لقَوْله تَعَالَى: {وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا} (النِّسَاء: 4) فَمَا فَائِدَة لَفْظَة: عَليّ، فَإِن الحكم عَام فِي كل من كذب على أحد. قلت: لَا شكّ أَن الْكَذِب على الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَشد من الْكَذِب على غَيره لكَونه مقتضيا شرعا عَاما بَاقِيا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَخص بِالذكر لذَلِك أَو الْكَذِب عَلَيْهِ كَبِيرَة، وعَلى غَيره صَغِيرَة، والصغائر مكفرة عِنْد الاجتناب عَن الْكَبَائِر، أَو المُرَاد من قَوْله تَعَالَى: {وَمن يعْص الله} (النِّسَاء: 4) الْكَبِيرَة. فَإِن قلت: الشَّرْط سَبَب للجزاء، فَكيف يتَصَوَّر سَبَبِيَّة الْكَذِب لِلْأَمْرِ بالولوج. نعم، إِنَّه سَبَب للولوج نَفسه. قلت: هُوَ سَبَب للازمه، لِأَن لَازم الْأَمر الْإِلْزَام، وَكَون الْكَذِب سَببا لإلزام الولوج معنى صَحِيح. قَوْله: (فَإِنَّهُ من كذب عَليّ) جَوَاب النَّهْي، فَلذَلِك دَخلته الْفَاء، وَالضَّمِير فِي: فَإِنَّهُ، للشأن. وَهُوَ اسْم: إِن. وَقَوله: (من كذب عَليّ) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: إِن. وَكلمَة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط. وَقَوله: (فليلج النَّار) ، جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دَخلته: الْفَاء، أَي: فَلْيدْخلْ النَّار. من ولج يلج، ولوجا ولجة إِذا دخل. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِنَّمَا جَاءَ مصدره ولوجا، وَهُوَ من مصَادر غير الْمُتَعَدِّي على معنى: ولجت فِيهِ، وأصل فليلج: فليولج، حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة، وبابه من بَاب: ضرب يضْرب، وَكَذَلِكَ لجة واصلها: ولجة، مثل: عدَّة، أَصْلهَا: وعد فَلَمَّا حذفت الْوَاو مِنْهَا تبعا لفعلها عوضت عَنْهَا الْهَاء. قَوْله: (النَّار) مَنْصُوب بِتَقْدِير فِي، لِأَن أَصله لَازم كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ من قبيل قَوْلك: دخلت الدَّار. وَالتَّقْدِير: دخلت فِي الدَّار. لِأَن دخل فعل لَازم، وَاللَّازِم لَا ينصب إلاَّ بالصلة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الحَدِيث: أَن هَذَا جَزَاؤُهُ وَقد يجازى بِهِ وَقد يعْفُو الله عَنهُ، وَلَا يقطع عَلَيْهِ بِدُخُول النَّار، وَهَكَذَا سَبِيل كل مَا جَاءَ من الْوَعيد بالنَّار لأَصْحَاب الْكَبَائِر غير الْكفْر، ثمَّ إِن جوزي وَأدْخل النَّار فَلَا يخلد فِيهَا بل لَا بُد من خُرُوجه مِنْهَا بِفضل الله تَعَالَى وَرَحمته. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ دَلِيل على تَعْظِيم حُرْمَة الْكَذِب على النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وانه كَبِيرَة. وَالْمَشْهُور: أَن فَاعله لَا يكفر إلاَّ أَن يستحله. وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن أَبِيه أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ من أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه كَانَ يَقُول: من كذب على النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مُتَعَمدا كفر وأريق دَمه. وَضَعفه إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَجعله من هفوات وَالِده، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَو كذب فِي حَدِيث وَاحِد عمدا فسق وردَّت رواياته كلهَا. وَقَالَ ابْن الصّلاح: وَلَا يقبل مِنْهُ رِوَايَة أبدا وَلَا تقبل تَوْبَته مِنْهُ، بل يتحتم جرحه دَائِما، على مَا ذكره جمَاعَة من الْعلمَاء، مِنْهُم: أَحْمد بن حَنْبَل، وَأَبُو بكر الْحميدِي شيخ البُخَارِيّ وَصَاحب الشَّافِعِي، وَأَبُو بكر الصَّيْرَفِي من الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة، حَتَّى قَالَ الصَّيْرَفِي: كل من أسقطنا خَبره بَين أهل النَّقْل بكذب وَجَدْنَاهُ عَلَيْهِ لم
نعد لقبوله بتوبة تظهر، وَمن ضعفنا نَقله لم نجعله قَوِيا بعد ذَلِك. قَالَ: وَذَلِكَ فِيمَا افْتَرَقت فِيهِ الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الَّذِي ذكره هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة مُخَالف للقواعد، وَالْمُخْتَار الْقطع بِصِحَّة تَوْبَته من ذَلِك وَقبُول رِوَايَته بعد صِحَة التَّوْبَة بشروطها، وَقد أَجمعُوا على قبُول رِوَايَة من كَانَ كَافِرًا ثمَّ أسلم، وَأكْثر الصَّحَابَة كَانُوا بِهَذِهِ الصّفة، وَأَجْمعُوا على قبُول شَهَادَته، وَلَا فرق بَين الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة. قلت: قد قيل عَن مَالك فِي شَاهد الزُّور: إِذا ثبتَتْ عَلَيْهِ شَهَادَة الزُّور لَا تسمع لَهُ شَهَادَة بعْدهَا، تَابَ أم لَا. وَقد قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، فِيمَن ردَّتْ شَهَادَته بِالْفِسْقِ ثمَّ تَابَ وَحسنت حَالَته: لَا تقبل مِنْهُ إِعَادَتهَا لما يلْحقهُ من التُّهْمَة فِي تَصْدِيق نَفسه. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا ردّت شَهَادَة أحد الزَّوْجَيْنِ للْآخر ثمَّ تَابَ لَا تسمع للتُّهمَةِ، فَلَا يبعد أَن يَجِيء مثله هَهُنَا لِأَن الرِّوَايَة كلهَا كنوع من الشَّهَادَة. الثَّانِي: لَا فرق فِي تَحْرِيم الْكَذِب على النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَين مَا كَانَ فِي الْأَحْكَام وَغَيره: كالترغيب والترهيب. فكله حرَام من أكبر الْكَبَائِر بِإِجْمَاع الْمُسلمين المعتد بهم، خلافًا اللكرامية فِي زعمهم الْبَاطِل أَنه يجوز الْوَضع فِي التَّرْغِيب والترهيب، وتابعهم كثير من الجهلة الَّذين ينسبون أنفسهم إِلَى الزّهْد. وَمِنْهُم من زعم أَنه جَاءَ فِي رِوَايَة: من كذب عَليّ مُتَعَمدا ليضل بِهِ، وتمسكوا بِهَذِهِ الزِّيَادَة: أَنه كذب لَهُ لَا عَلَيْهِ، وَهَذَا فَاسد ومخالف لإِجْمَاع أهل الْحل وَالْعقد، وَجَهل لِسَان الْعَرَب، وخطاب الشَّرْع. فَإِن كل ذَلِك كذب عِنْدهم. وَأما تعلقهم بِهَذِهِ الزِّيَادَة فقد أُجِيب عَنْهَا بأجوبة: أَحدهَا: أَن الزِّيَادَة بَاطِلَة اتّفق الْحفاظ على بُطْلَانهَا. وَالثَّانِي: قَالَ الإِمَام الطَّحَاوِيّ: وَلَو صحت لكَانَتْ للتَّأْكِيد، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا ليضل النَّاس بِغَيْر علم} (الْأَنْعَام: 144) . وَالثَّالِث: أَن اللَّام فِي: ليضل، لَيست للتَّعْلِيل، بل لَام الصيرورة وَالْعَاقبَة، وَالْمعْنَى: على هَذَا يصير كذبه إِلَى الضلال بِهِ. الثَّالِث: من روى حَدِيثا وَعلم أَو ظن أَنه مَوْضُوع فَهُوَ دَاخل فِي هَذَا الْوَعيد إِذا لم يبين حَال رُوَاته وضعفهم، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (من حدث عني بِحَدِيث يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين) . قَالَ النَّوَوِيّ: الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة ضم الْيَاء فِي: يرى، و: الْكَاذِبين، بِكَسْر الْيَاء على الْجمع. الرَّابِع: إِذا روى حَدِيثا ضَعِيفا لَا يذكرهُ بِصِيغَة الْجَزْم، نَحْو: قَالَ أَو فعل أَو أَمر، وَنَحْو ذَلِك، بل يَقُول: رُوِيَ عَنهُ كَذَا، وَجَاء عَنهُ كَذَا، أَو يذكر أَو يُروى أَو يُحكى، أَو يُقال أَو بلغنَا وَنَحْو ذَلِك، فَإِن كَانَ صَحِيحا أَو حسنا قَالَ فِيهِ: قَالَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَذَا، أَو فعله، وَنَحْو ذَلِك من صِيغ الْجَزْم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: استجاز بعض فُقَهَاء الْعرَاق نِسْبَة الحكم الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْقيَاس إِلَى رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، نِسْبَة قولية، وحكاية فعلية، فَيَقُول فِي ذَلِك: قَالَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَذَا، وَكَذَا. قَالَ: وَلذَلِك ترى كتبهمْ مشحونة بِأَحَادِيث مَوْضُوعَة تشهد متونها بِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لِأَنَّهَا تشبه فَتَاوَى الْفُقَهَاء، وَلَا يَلِيق بجزالة كَلَام سيد الْمُرْسلين، فَهَؤُلَاءِ شملهم النَّهْي والوعيد. الْخَامِس: مِمَّا يظنّ دُخُوله فِي النَّهْي: اللّحن وَشبهه، وَلِهَذَا قَالَ الْعلمَاء رَضِي الله عَنْهُم: يَنْبَغِي للراوي أَن يعرف من النَّحْو واللغة والأسماء مَا يسلم من قَول من لم يقل. قَالَ الْأَصْمَعِي: أخوف مَا أَخَاف على طَالب الْعلم، إِذا لم يعرف النَّحْو، أَن يدْخل فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (من كذب عَليّ) الحَدِيث، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لم يكن يلحن، فمهما لحن الرَّاوِي فقد كذب عَلَيْهِ. وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يُعْطي كتبه، إِذا كَانَ فِيهَا لحن، لمن يصلحها، فَإِذا صَحَّ فِي رِوَايَته كلمة غير مفيدة فَلهُ أَن يسْأَل عَنْهَا أهل الْعلم ويرويها على مَا يجوز فِيهِ. رُوِيَ ذَلِك عَن أَحْمد وَغَيره، قَالَ أَحْمد يجْتَنب إِعْرَاب اللّحن لأَنهم كَانُوا لَا يلحنون. وَقَالَ النَّسَائِيّ، فِيمَا حَكَاهُ الْقَابِسِيّ: إِذا كَانَ اللّحن شَيْئا تَقوله الْعَرَب، وَإِن كَانَ فِي لُغَة قُرَيْش، فَلَا يُغير لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، كَانَ يكلم النَّاس بلسانهم، وَإِن كَانَ لَا يُوجد فِي كَلَامهم فالشارع لَا يلحن. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: كَانُوا يعربون وَإِنَّمَا اللّحن من حَملَة الحَدِيث فأعربوا الحَدِيث. وَقيل لِلشَّعْبِيِّ: أسمع الحَدِيث لَيْسَ بإعراب أفأعربه؟ قَالَ: نعم. فَإِن قلت: لَو صَحَّ فِي رِوَايَة مَا هُوَ خطأ مَا حكمه؟ قلت: الْجُمْهُور على رِوَايَته على الصَّوَاب، وَلَا يُغَيِّرهُ فِي الْكتاب، بل يكْتب فِي الْحَاشِيَة كَذَا وَقع وَصَوَابه كَذَا. وَهُوَ الصَّوَاب. وَقيل: يُغَيِّرهُ ويصلحه. وَرُوِيَ ذَلِك عَن الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهمَا وَعَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل. قَالَ: كَانَ أبي إِذا مر بِهِ لحن فَاحش غَيره. وَإِن كَانَ سهلاً تَركه. وَعَن أبي زرْعَة أَنه كَانَ يَقُول: أَنا أصلح كتابي من أَصْحَاب الحَدِيث إِلَى الْيَوْم. السَّادِس: مِمَّا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب بَيَان أَصْنَاف الواضعين: الأول: قوم زنادقة كالمغيرة بن سعيد الْكُوفِي، وَمُحَمّد بن سعيد المصلوب، أَرَادوا إِيقَاع الشَّك فِي قُلُوب النَّاس، فرووا: أَنا خَاتم النَّبِيين لَا نَبِي بعدِي إلاَّ أَن يَشَاء الله. الثَّانِي: قوم متعصبون، وَمِنْهُم من تعصب لعَلي بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ، فوضعوا فِيهِ أَحَادِيث،
وَقوم تعصبوا لمعاوية وَرووا لَهُ أَشْيَاء، وَقوم تعصبوا لأبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ، وَقَالَ ابْن حبَان: وضع الْحسن بن عَليّ بن زَكَرِيَّا الْعَدوي الرَّازِيّ حَدِيث: النّظر إِلَى وَجه عَليّ عبَادَة. وَحدث عَن الثِّقَات لَعَلَّه بِمَا يزِيد على ألف حَدِيث سوى المقلوبات. وَقَالَ الْخَطِيب فِي (الْكِفَايَة) بِسَنَدِهِ إِلَى الْمهْدي، قَالَ: اقر عِنْدِي رجل من الزَّنَادِقَة أَنه وضع أَربع مائَة حَدِيث فَهِيَ تجول بَين النَّاس. وَقوم وضعُوا أَحَادِيث فِي التَّرْغِيب والترهيب. وَعَن ابْن الصّلاح قَالَ: رويت عَن أبي عصمَة، نوح بن أبي مَرْيَم، أَنه قيل لَهُ: من أَيْن لَك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي فَضَائِل الْقُرْآن سُورَة سُورَة. فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت النَّاس قد أَعرضُوا عَن الْقُرْآن وَاشْتَغلُوا بِفقه أبي حنيفَة ومعاذ بن أبي إِسْحَاق، فَوضعت هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ يحيى: نوح هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ مُسلم وَأَبُو حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك. السَّابِع: يعرف الْمَوْضُوع بِإِقْرَار وَاضعه أَو مَا يتنزل منزلَة إِقْرَاره أَو قرينَة فِي حَال الرَّاوِي أَو الْمَرْوِيّ أَو ركاكة لَفظه أَو لروايته عَمَّن لم يُدْرِكهُ، وَلَا يخفى ذَلِك على أهل هَذَا الشَّأْن. وَقيل لعبد الله بن الْمُبَارك: هَذِه الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة: قَالَ: يعِيش لَهَا الجهابذة. وَأما جِهَات الْوَضع فَرُبمَا يكون من كَلَام نَفسه، أَو يَأْخُذ كلَاما من مقالات بعض الْحُكَمَاء أَو كَلَام بعض الصَّحَابَة فيرفعه كَمَا رُوِيَ عَن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل السَّهْمِي عَن مَالك عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (كل صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهَا بِفَاتِحَة الْكتاب فَهِيَ خداج إلاَّ الإِمَام) . وَهُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) عَن وهب عَن جَابر من قَوْله. وَرُبمَا أخذُوا كلَاما للتابعين فزادوا فِيهِ رجلا فَرَفَعُوهُ. وَقوم من المجرحين عَمدُوا إِلَى أَحَادِيث مَشْهُورَة عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بأسانيد مَعْلُومَة مَعْرُوفَة وضعُوا لَهَا غير تِلْكَ الْأَسَانِيد. وَقوم عِنْدهم غَفلَة إِذا لقنوا تلقنوا. وَقوم ضَاعَت كتبهمْ فَحَدثُوا من حفظهم على التخمين. وَقوم سمعُوا مصنفات وَلَيْسَت عِنْدهم فحملهم الشره إِلَى أَن حدثوا عَن كتب مشتراة لَيْسَ فِيهَا سَماع وَلَا مُقَابلَة، وَقوم كَثِيرَة لَيْسُوا من أهل هَذَا الشَّأْن، سُئِلَ يحيى بن سعيد عَن مَالك بن دِينَار وَمُحَمّد بن وَاسع وَحسان بن أبي سِنَان، قَالَ: مَا رَأَيْت الصَّالِحين فِي شَيْء أكذب مِنْهُم فِي الحَدِيث، لأَنهم يَكْتُبُونَ عَن كل من يلقون، لَا تَمْيِيز لَهُم. وروى الْخَطِيب، بِسَنَدِهِ عَن ربيعَة الرَّاعِي، قَالَ: من إِخْوَاننَا من نرجو بركَة دُعَائِهِ، وَلَو شهد عندنَا بِشَهَادَة مَا قبلناها. وَعَن مَالك: أدْركْت سبعين عِنْد هَذِه الأساطين، وَأَشَارَ إِلَى مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُولُونَ: قَالَ: رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَمَا أخذت عَنْهُم شَيْئا، وَإِن أحدهم يُؤمن على بَيت المَال، لأَنهم لم يَكُونُوا من أهل هَذَا الشَّأْن، ونزدحم على بَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. غ 107 - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قالَ: حَدثنَا شعْبَةُ عنْ جامِعِ بنِ شَدَّادٍ عنْ عامِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ أبِيهِ قَالَ: قُلْتُ للزُّبَيْرِ: إنِّي لاَ أسْمَعُكَ تُحَدّثُ عنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ! قَالَ: أمَا إنِّي لَمْ أفارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَنْ كَذَبَ عليَّ فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) . هَذَا هُوَ الحَدِيث الثَّانِي مِمَّا فِيهِ الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: جَامع بن شَدَّاد الْمحَاربي، أَبُو صَخْرَة، وَقيل: أَبُو صَخْرَة الْكُوفِي الثِّقَة، وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث، لَهُ نَحْو عشْرين حَدِيثا، مَاتَ سِتَّة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عَامر بن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام الْأَسدي الْقرشِي، أَبُو حَارِث الْمدنِي، أَخُو عباد وَحَمْزَة وثابت وخبيب ومُوسَى وَعمر، كَانَ عابدا فَاضلا ثِقَة مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: أَبوهُ وَهُوَ: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام أَبُو بكر، وَيُقَال: أَبُو خبيب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بَينهمَا، الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَهُوَ أول من ولد فِي الْإِسْلَام للمهاجرين بِالْمَدِينَةِ، وَلدته أمه أَسمَاء بنت الصّديق بقباء، وَأَتَتْ بِهِ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَوَضَعته فِي حجره ودعى بتمرة فمضعها ثمَّ تفل فِي فِيهِ وحنكه، فَكَانَ أول شَيْء دخل فِي جَوْفه ريق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ دَعَا لَهُ، وَكَانَ أطلس لَا لحية لَهُ، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، ذكر البُخَارِيّ مِنْهَا سِتَّة، وَكَانَ صواما قواما وَلَيْلَة رَاكِعا وَلَيْلَة سَاجِدا حَتَّى الصَّباح بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد موت يزِيد بن مُعَاوِيَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَاجْتمعَ على طَاعَته أهل الْحجاز واليمن وَالْعراق وخراسان مَا عدا الشَّام، وجدد عمَارَة الْكَعْبَة، وَحج بِالنَّاسِ ثَمَان حجج، وَبَقِي فِي الْخلَافَة إِلَى أَن
حصره الْحجَّاج بِمَكَّة أول لَيْلَة من ذِي الْحجَّة سنة ثِنْتَيْنِ وَسبعين، وَلم يزل يحاصره إِلَى أَن أَصَابَته رمية الْحجر فَمَاتَ، وصلب جثته وَحمل رَأسه إِلَى خُرَاسَان. السَّادِس: أَبوهُ الزبير بن الْعَوام، بتَشْديد الْوَاو، الْقرشِي، أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، وَأحد سِتَّة أَصْحَاب الشورى، وَاحِد الْمُهَاجِرين بالهجرتين وحواري النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأمه صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أسلمت وَأسلم هُوَ رَابِع أَرْبَعَة أَو خَامِس خَمْسَة على يَد الصّديق وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة، وَشهد الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بسبعة، وَهُوَ أول من سل السَّيْف فِي سَبِيل الله، وَكَانَ يَوْم الْجمل قد ترك الْقِتَال وَانْصَرف عَنهُ، فَلحقه جمَاعَة من الْغُزَاة فَقَتَلُوهُ بوادي السبَاع بِنَاحِيَة الْبَصْرَة، وَدفن ثمَّة، ثمَّ حول إِلَى الْبَصْرَة وقبره مَشْهُور بهَا، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَكَانَ لَهُ أَربع نسْوَة، وَدفع الثُّلُث فَأصَاب كل امْرَأَة مِنْهُنَّ ألف ألف وَمِائَتَا ألف فَجَمِيع مَاله خَمْسُونَ ألف ألف وَمِائَة ألف. بَيَان لطائف إِسْنَاده. مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ النَّوْع من رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء، وَرِوَايَة الابْن عَن الْأَب عَن الْجد. بَيَان من أخرجه غَيره: لم يُخرجهُ مُسلم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعلم عَن عَمْرو بن عون ومسدد، كِلَاهُمَا عَن خَالِد الطَّحَّان عَن بَيَان بن بشر عَن وبرة بن عبد الرَّحْمَن عَن عَامر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي (السّنة) عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن بشار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (فَليَتَبَوَّأ) بِكَسْر اللَّام هُوَ الأَصْل، وبالسكون هُوَ الْمَشْهُور، وَهُوَ أَمر من التبوء، وَهُوَ اتِّخَاذ المباءة أَي: الْمنزل يُقَال: تبوأ الرجل الْمَكَان إِذا اتَّخذهُ موضعا لمقامه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تبوأت منزلا أَي: نزلته. وَقَالَ الْخطابِيّ: تبوأ بِالْمَكَانِ، أَصله من مباءة الْإِبِل وَهِي: أعطانها. قَوْله: (إِنِّي لَا أسمعك تحدث) مَعْنَاهُ: لَا أسمع تحديثك، وَحذف مَفْعُوله. وَفِي بعض النّسخ، لَيْسَ فِيهِ: إِنِّي. قَوْله: (كَمَا يحدث) ، الْكَاف للتشبيه، وَمَا مَصْدَرِيَّة أَي: كتحديث فلَان وَفُلَان، وَحذف مَفْعُوله أَيْضا إِرَادَة الْعُمُوم. قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم من حُرُوف التَّنْبِيه. قَوْله: (إِنِّي) ، بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (لم أفارقه) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (لكني) ، فِي بعض النّسخ (لكنني) وَيجوز فِي: إِن وَأَخَوَاتهَا إِلْحَاق نون الْوِقَايَة بهَا وَعدم الْإِلْحَاق. قَوْله: (من) ، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، و (كذب عليَّ) صلتها. وَقَوله: (فَليَتَبَوَّأ) ، جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دَخلته الْفَاء. قَوْله: (مَقْعَده) مفعول: (ليتبوأ) . وَكلمَة: (من) فِي: من النَّار، بَيَانِيَّة وابتدائية، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: الأولى أَن يكون بِمَعْنى: فِي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: 9) . بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (كَمَا يحدث فلَان وَفُلَان) ، سمى مِنْهُمَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (لم أفارقه) ، أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (مُنْذُ أسلمت) . وَأَرَادَ بِهِ عدم الْمُفَارقَة الْعُرْفِيَّة، أَي: مَا فارقته سفرا وحضرا على عَادَة من يلازم الْمُلُوك. فَإِن قلت: قد هَاجر إِلَى الْحَبَشَة. قلت: ذَاك قبل ظُهُور شَوْكَة الْإِسْلَام، أَي: مَا فارقته عِنْد ظُهُوره. وَالْمرَاد: فِي أَكثر الْأَحْوَال. قَوْله: (لَكِن) للاستدراك. فَإِن قلت: شَرط: لَكِن، أَن تتوسط بَين كلامين متغايرين، فَمَا هما هَهُنَا؟ قلت: لَازم عدم الْمُفَارقَة السماع، ولازم السماع التحديث عَادَة، ولازم التحديث الَّذِي ذكره فِي الْجَواب عدم التحديث، فَبين الْكَلَامَيْنِ مُنَافَاة، فضلا عَن الْمُغَايرَة. فَإِن قلت: الْمُنَاسب: لسمعت قَالَ ليتوافقا مَاضِيا فَمَا الْفَائِدَة فِي الْعُدُول إِلَى الْمُضَارع؟ قلت: استحضار صُورَة القَوْل للحاضرين، والحكاية عَنْهَا كَأَنَّهُ يُرِيهم أَنه قَالَ بِهِ الْآن. قَوْله: (فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) ، قَالَ الْخطابِيّ: ظَاهره أَمر، وَمَعْنَاهُ خبر؛ يُرِيد أَن الله تَعَالَى يبوؤه مَقْعَده من النَّار. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَمر بالتبوء تهكم وتغليظ، إِذْ لَو قيل: كَانَ مَقْعَده فِي النَّار لم يكن كَذَلِك، وَأَيْضًا فِيهِ إِشَارَة إِلَى معنى الْقَصْد فِي الذَّنب وجزائه، أَي: كَمَا أَنه قصد فِي الْكَذِب التعمد فليقصد فِي جَزَائِهِ التبوء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجوز أَن يكون الْأَمر على حَقِيقَته، وَالْمعْنَى: من كذب فليأمر نَفسه بالتبوء. قلت: والأَوْلى أَن يكون أَمر تهديد، أَو يكون دُعَاء على معنى: بوأه الله. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: التبوء إِن كَانَ إِلَى الْكَاذِب فَلَا شكّ أَنه لَا يبوء نَفسه وَله إِلَى تَركه سَبِيل، وَإِن كَانَ إِلَى الله
فَأمر العَبْد بِمَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهِ غير جَائِز. أُجِيب: بِأَنَّهُ بِمَعْنى الدُّعَاء أَي: بوأه الله كَمَا ذكرنَا. وَمِنْهَا مَا قيل: ذَلِك عَام فِي كل كذب أم خَاص؟ أُجِيب بِأَنَّهُ اخْتلف فِيهِ، فَقيل: مَعْنَاهُ الْخُصُوص أَي: الْكَذِب فِي الدّين كَمَا ينْسب إِلَيْهِ تَحْرِيم حَلَال أَو تَحْلِيل حرَام، وَقيل: كَانَ ذَلِك فِي رجل بِعَيْنِه كذب على الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَادّعى عِنْد قوم أَنه بَعثه إِلَيْهِم ليحكم فيهم، واحتجاج الزبير، رَضِي الله عَنهُ، يَنْفِي التَّخْصِيص، فَهُوَ عَام فِي كل كذب ديني ودنيوي. وَمِنْهَا مَا قيل: من قصد الْكَذِب على الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يكن فِي الْوَاقِع كذب هَل يَأْثَم؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ يَأْثَم، لَكِن لَا بِسَبَب الْكَذِب بل بِسَبَب قصد الْكَذِب، لِأَن قصد الْمعْصِيَة مَعْصِيّة إِذا تجَاوز عَن دَرَجَة الوسوسة، فَلَا يدْخل تَحت الحَدِيث. وَمِنْهَا مَا قيل: لم توقف الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الرِّوَايَة والإكثار مِنْهَا؟ أُجِيب: لأجل خوف الْغَلَط وَالنِّسْيَان، والغالط وَالنَّاسِي، وَإِن كَانَ لَا إِثْم عَلَيْهِ، فقد ينْسب إِلَى التَّفْرِيط لتساهله أَو نَحوه وَقد يتَعَلَّق بالناسي حكم الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة: كغرامات الْمُتْلفَات، وانتفاض الطهارات. قلت: وَأما من أَكثر مِنْهُم فَمَحْمُول على أَنهم كَانُوا واثقين من أنفسهم بالتثبت، أَو طَالَتْ أعمارهم فاحتيج إِلَى مَا عِنْدهم، فسئلوا، فَلم يُمكنهُم الكتمان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله (من كذب عَليّ) هَل يتَنَاوَل غير الْعَامِد أَو المُرَاد مِنْهُ الْعَامِد؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ أَعم من الْعَامِد وَغَيره، وَلم يَقع فِيهِ الْعمد فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَفِي طَرِيق ابْن مَاجَه: (من كذب عَليّ مُتَعَمدا) ، وَكَذَا وَقع للإسماعيلي من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ وَالِاخْتِلَاف فِيهِ على شُعْبَة، وَقد أخرجه الدَّارمِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن عبد الله بن الزبير بِلَفْظ: (من حدث عني كذبا) ، وَلم يذكر الْعمد، فَدلَّ ذَلِك أَن المُرَاد مِنْهُ الْعُمُوم وَقَالَ بعض الْحفاظ: الْمَحْفُوظ فِي حَدِيث الزبير حذف لَفْظَة: مُتَعَمدا، وَلذَلِك جَاءَ فِي بعض طرقه فَقَالَ: مَا لي لَا أَرَاك تحدث وَقد حدث فلَان وَفُلَان وَابْن مَسْعُود؟ فَقَالَ: وَالله يَا بني مَا فارقته مُنْذُ أسلمت، وَلَكِن سمعته يَقُول: (من كذب عَليّ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) ، وَالله مَا قَالَ مُتَعَمدا وَأَنْتُم تَقولُونَ. مُتَعَمدا. قَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: لم يذكر فِي حَدِيث عَليّ وَالزُّبَيْر: مُتَعَمدا، فَمن أجل ذَلِك هاب بعض من سمع الحَدِيث أَن يحدث النَّاس بِمَا سمع. فَإِن قلت: إِذا كَانَ عَاما يَنْبَغِي أَن يدْخل فِيهِ النَّاسِي أَيْضا. قلت: الحَدِيث بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل الْعَامِد والساهي وَالنَّاسِي فِي إِطْلَاق اسْم الْكَذِب عَلَيْهِم، غير أَن الْإِجْمَاع انْعَقَد على أَن النَّاسِي لَا إِثْم عَلَيْهِ، وَالله أعلم. 108 - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ الوَارث عَنْ عَبْدِ العَزِيز قالَ، أنَسٌ: إنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أنْ أُحَدِّثَكُمْ حَديثا كَثِيرا، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَنْ تَعَمَّدَ عَليَّ كَذِبا فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) . هَذَا هُوَ الحَدِيث الثَّالِث مِمَّا فِيهِ الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو الْمَشْهُور: بالمقعد، الْمنْقري الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب الْأَعْمَى الْبَصْرِيّ، وَقد مر. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنه من الرباعيات. بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن زُهَيْر عَن أبي علية عَن عبد الْعَزِيز بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم أَيْضا عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عبد الْعَزِيز عَنهُ بِهِ. وَقَول الْحميدِي صَاحب (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : إِن حَدِيث أنس هَذَا مِمَّا انْفَرد بِهِ مُسلم غير صَوَاب. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (إِنَّه) أَي: الشان. قَوْله: (ليمنعني) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: إِن وَاللَّام، فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (أَن أحدثكُم) كلمة: أَن، بِفَتْح الْهمزَة مَعَ التَّخْفِيف، وَهِي مَعَ معمولها فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول أَو لقَوْله: ليمنعني لِأَن: منع، يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، و: أَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره ليمنعني تحديثكم. وَقَوله: (أَن النَّبِي) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ، هَذِه الْمُشَدّدَة مَعَ اسْمهَا وخبرها فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا فَاعل: ليمنعني. قَوْله: (حَدِيثا) نصب على أَنه مفعول مُطلق، وَالْمرَاد بِهِ جنس الحَدِيث، وَلِهَذَا جَازَ وُقُوع الْكثير صفة لَهُ، لَا حَدِيث وَاحِد، وإلاَّ يلْزم اجْتِمَاع الْوحدَة وَالْكَثْرَة فِيهِ. قَوْله: (من تعمد) الخ، مقول القَوْل. قَوْله: (كذبا) عَام فِي جَمِيع أَنْوَاع الْكَذِب، لِأَن النكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط كالنكرة فِي سِيَاق النَّفْي فِي إِفَادَة الْعُمُوم. فَإِن قلت: مَا المُرَاد
من قَوْله: (أحدثكُم حَدِيثا) ؟ قلت: حَدِيث الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ هُوَ المُرَاد فِي عرف الشَّرْع عِنْد الْإِطْلَاق. وَقَوله: (قَالَ: من تعمد) الخ أَيْضا قرينَة على هَذَا. فَإِن قلت: الحَدِيث لَا يمْنَع كَثْرَة الحَدِيث الصَّادِق بل يجب التَّبْلِيغ والتكثير إِذا كَانَ صَادِقا، فَكيف جعله مَانِعا؟ . قلت: كَثْرَة الحَدِيث، وَإِن كَانَ صَادِقا، ينجر إِلَى الْكَذِب غَالِبا عَادَة، وَمن حام حول الْحمى أوشك أَن يَقع فِيهِ، فالتعليل للِاحْتِرَاز عَن الانجرار إِلَيْهِ، وَلَو كَانَ وُقُوعه على سَبِيل الندرة. 109 - حدّثنا مَكِّيُّ بنُ إبْراهِيمَ قالَ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ أبي عُبيْدٍ عنْ سَلَمَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (مَنْ يَقلْ عَليَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) . هَذَا هُوَ الحَدِيث الرَّابِع مِمَّا فِيهِ الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة. بَيَان رِجَاله: وهم ثَلَاثَة. الأول: الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم الْبَلْخِي، وَقد تقدم. الثَّانِي: يزِيد بن أبي عبيد أَبُو خَالِد الْأَسْلَمِيّ، مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، توفّي سنة سِتّ أَو سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: سَلمَة بِفَتْح السِّين وَاللَّام: ابْن الْأَكْوَع، وَاسم الْأَكْوَع: سِنَان بن عبد الله الْأَسْلَمِيّ الْمَدِينِيّ، يكنى سَلمَة بِأبي مُسلم، وَقيل: بِأبي إِيَاس، وَقيل: بِأبي عَامر. وَقيل: هُوَ عَمْرو بن الْأَكْوَع، شهد بيعَة الرضْوَان وَبَايع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ ثَلَاث مَرَّات: فِي أول النَّاس وأوسطهم وَآخرهمْ. رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَبْعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على سِتَّة عشر، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِخَمْسَة وَمُسلم بِتِسْعَة، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسبعين وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَكَانَ شجاعا راميا محسنا يسْبق الْخَيل، فَاضلا خيّرا، وَيُقَال: إِنَّه كَلمه الذِّئْب، قَالَ سَلمَة: رَأَيْت الذِّئْب قد أَخذ ظَبْيًا، فطلبته حَتَّى نَزَعته مِنْهُ، فَقَالَ: وَيحك مَالِي وَلَك، عَمَدت إِلَى رزق رزقنيه الله تَعَالَى لَيْسَ من مَالك تنزعه مني؟ قَالَ: قلت: أيا عباد الله إِن هَذَا لعجب، ذِئْب يتَكَلَّم! فَقَالَ الذِّئْب: أعجب مِنْهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أصُول النّخل يدعوكم إِلَى عبَادَة الله وتأبون إلاَّ عبَادَة الْأَوْثَان. قَالَ: فلحقت برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأسْلمت. بَيَان لطائف إِسْنَاده: وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَنه من ثلاثيات البُخَارِيّ، وَهُوَ أول ثلاثي وَقع فِي البُخَارِيّ وَلَيْسَ فِيهِ أَعلَى من الثلاثيات، ويبلغ جَمِيعهَا أَكثر من عشْرين حَدِيثا، وَبِه فضل البُخَارِيّ على غَيره. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ، سمع من سَبْعَة عشر نَفرا من التَّابِعين مِنْهُم يزِيد بن أبي عبيد الْمَذْكُور. بَيَان الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى: قَوْله: (يَقُول) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (من يقل عليَّ) كلمة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، وأصل: يقل، يَقُول. حذفت الْوَاو للجزم لأجل الشَّرْط، وَجَوَاب الشَّرْط هُوَ قَوْله: (فلتيبوأ) . فَلذَلِك دَخلته الْفَاء. قَوْله: (مَا لم أقل) كلمة: مَا، مَوْصُولَة و: أقل، جملَة صلتها، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا لم أَقَله. فَإِن قلت: أَهَذا مُخْتَصّ بالْقَوْل أم يتَنَاوَل نِسْبَة فعل إِلَيْهِ لم يَفْعَله؟ قلت: اللَّفْظ خَاص بالْقَوْل، لَكِن لَا شكّ أَن الْفِعْل فِي مَعْنَاهُ لاشْتِرَاكهمَا فِي عِلّة الِامْتِنَاع، وَهُوَ الجسارة على الشَّرِيعَة ومشرعها صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد احْتج بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث الَّذِي منع من رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى. وَأجِيب: من جِهَة المجوزين بِأَن المُرَاد النَّهْي عَن الْإِتْيَان بِلَفْظ يُوجب تَغْيِير الحكم، على أَن الْإِتْيَان بِاللَّفْظِ أولى بِلَا شكّ. 5 - (حَدثنَا مُوسَى قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي حبصن عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ تسموا باسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي وَمن رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي فغن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل فِي صُورَتي وَمن كذب على مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) هَذَا هُوَ الحَدِيث الْخَامِس مِمَّا فِيهِ مُطَابقَة للتَّرْجَمَة (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الْبَصْرِيّ التَّبُوذَكِي. الثَّانِي أَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي الثَّالِث أَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عمان بن عَاصِم بن حُصَيْن الْكُوفِي سمع ابْن عَبَّاس وَأبي صَالح وَغَيرهمَا وَعنهُ شُعْبَة والسفيانان وَخلق وَكَانَ ثِقَة ثبتا صَاحب سنة من حفاظ الْكُوفَة وَكَانَ عِنْده أَربع مائَة حَدِيث وَكَانَ عثمانيا مَاتَ سنة سبع أَو ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه عُثْمَان وكنيته أَبُو حُصَيْن
بِفَتْح الْحَاء إِلَّا هَذَا أَبُو حُصَيْن عُثْمَان وَمن عداهُ حُصَيْن بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَكله بالصَّاد الْمُهْملَة إِلَّا حضين بن الْمُنْذر فَإِنَّهُ بالضاد الْمُعْجَمَة الرَّابِع أَبُو صَالح ذكْوَان السمان الزيات الْمدنِي وَقد مرء الْخَامِس أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بصرى وواسطى وكوفي ومدني. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن إِخْرَاجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه عَن مُحَمَّد بن عبيد بن حِسَاب الغبرى مُقْتَصرا على الْجُمْلَة الأخيره (بَيَان اللُّغَات) وَله " تسموا " أَمر بِصِيغَة الْجمع من بَاب التفعل تَقول سميت فلَانا زيدا وسميته بزيد بِمَعْنى واسميته مثله فتسمى بِهِ وَالِاسْم مُشْتَقّ من سموت لِأَنَّهُ تنويه ورفعة ووزنه افع والذاهب مِنْهُ الْوَاو لآن جمعه أَسمَاء وتصغيره سمى وَفِيه أَربع لُغَات اسْم وَاسم بِالضَّمِّ وسم سم قَوْله " وَلَا تكتنوا " فِيهِ أوجه ثَلَاثَة الأول من بَاب التفعيل من تكنى يتكنى تكنياً فعلى هَذَا بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون أَيْضا مَعَ التَّشْدِيد واصله لَا تنكلوا بالتائين فحذفت احداهما كَمَا فِي (نَارا تلظى) اصله تتلظى الثَّالِث من بَاب الافتعال من اكتنى يكتني اكتناء فعلى هَذَا بِفَتْح التَّاء وَسُكُون الْكَاف وَفتح التَّاء وَضم النُّون وَالْكل من الْكِنَايَة وَهِي فِي الأَصْل أَن يتَكَلَّم بِشَيْء وَيُرِيد بِهِ غَيره وَقد كنت بِكَذَا وَكَذَا وكنوت بِهِ والكنية بِالضَّمِّ والكنية أَيْضا بِالْكَسْرِ وَاحِدَة الكنى وَهُوَ اسْم مصدر بأب أَو أم واكتنى فلَان بِكَذَا وكنيته تكتنيه. وَاعْلَم أَن الِاسْم الْعلم إِمَّا أَن يكون مشعراً بمدح أَو ذمّ وَهُوَ اللقب وَإِمَّا أَن لَا يكون فَأَما يصدر بِنَحْوِ الْأَب أَو الْأُم وَهُوَ الكنية أَولا وَهُوَ الِاسْم فالاسم النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُحَمَّد وكنيته أَبُو الْقَاسِم ولقبه رَسُول الله وَسيد الْمُرْسلين مثلا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله " الشَّيْطَان " إِمَّا مُشْتَقّ من شاط أَي هلك فَهُوَ فعلان وَأما من شطن أَي بعد فَهُوَ فيعال والشيطان مَعْرُوف وكل عَاتٍ متمر دمن الْجِنّ وَالْإِنْس وَالدَّوَاب شَيْطَان وَالْعرب تسمى الْحَيَّة شَيْطَانا وَقَالَ الْجَوْهَرِي الشَّيْطَان نونه أَصْلِيَّة وَيُقَال زَائِدَة فان جعلته فيعالا من قَوْلهم تشيطن الرجل صرفته وان جعلته من تشيط لم تصرفه لِأَنَّهُ فعلان قَوْله " لَا يتَمَثَّل " أَي لَا يتَصَوَّر يُقَال مثلت لَهُ كَذَا تمثيلا فتمثل أَي صورت لَهُ بِالْكِتَابَةِ وَغَيرهَا فتصور قَالَ الله تَعَالَى (فتمثل لَهَا بشرا سويا) والتركيب يدل على من لظرة الشَّيْء للشَّيْء وَالصُّورَة الْهَيْئَة (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله " تسموا " جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وباسمى صلَة لَهُ وَكَذَا قَوْله " وَلَا تكنوا بكنيتي " وَهُوَ من قبيل عطف المنفى على الْمُثبت قَوْله " وَمن رَآنِي " كلمة من مَوْصُولَة متضمنة معنى الشَّرْط وَلِهَذَا دخلت الْفَاء فِي الْجَواب وَهُوَ قَوْله " فقد رَآنِي " فان قلت الشَّرْط يَنْبَغِي أَن يكون غير الْجَزَاء سَببا لَهُ مُتَقَدما عَلَيْهِ وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك قلت لَيْسَ هُوَ الْجَزَاء حَقِيقَة بل لَازِمَة تَقْدِيره فليستبشر فانه قد رَآنِي وَهِي رُؤْيا بعْدهَا شَيْء فَإِن الشَّرْط وَالْجَزَاء إِذا اتحدا صُورَة دلّ على الْكَمَال والغاية نَحْو " من كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله " وَنَحْو من أدْرك الضَّمَان فقد أدْرك المرعى أَي أدْرك مرعى متناهياً قَوْله " فان الشَّيْطَان " الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل والشيطان اسْم أَن وخبرها قَوْله " لَا يتَمَثَّل فِي صُورَتي " وإعراب الْجُمْلَة الْأَخِيرَة قد مر بَيَانه (بَيَان الْمعَانِي) فِي أَرْبَعَة أَحْكَام عطف بَعْضهَا على بعض الأول التَّسْمِيَة باسمه وَالثَّانِي التكنية بكنيته وَالثَّالِث رُؤْيَته فِي الْمَنَام وَالرَّابِع الْكَذِب عَلَيْهِ فَوجه ذكر الحكم الثَّانِي عقيب الحكم الأول ظَاهر وَذَلِكَ لِأَن التَّسْمِيَة والتكنية من وَاد وَاحِد من أَقسَام الْأَعْلَام وَكَذَلِكَ وَجه الحكم الرَّابِع عقيب الحكم الثَّالِث ظَاهر وَهُوَ انه إِذا كذب عَلَيْهِ بِأَنَّهُ رَآهُ فِي الْمَنَام فَهُوَ أَيْضا دَاخل تَحت الْوَعيد الْمَذْكُور وَأما وَجه ذكر الحكم الثَّالِث عقيب الحكم الثَّانِي وَالْأول فَهُوَ (1) قَوْله " وَمن رَآنِي فِي الْمَنَام " إِلَى آخِره جَاءَ فِي الحَدِيث أَرْبَعَة أَلْفَاظ صِحَاح مَا ذكر و " من رَآنِي فقد رأى الْحق " وَجَاء " فسيراني فِي الْيَقَظَة " وَجَاء " فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة " وَفِي رِوَايَة " فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي للشَّيْطَان أَن يتشبه بِي " وَهَذَا الثَّانِي تَفْسِير للْأولِ فَإِنَّهُ قَوْله " فقد رَآنِي فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بِي " مَعْنَاهُ فقد رأى الْحق قَالَ الإِمَام الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره اخْتلف فِي تَأْوِيله فَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن هَامِش - - - - - _ (1) كَذَا بَيَاض فِي جَمِيع الْأُصُول الخطية
الطّيب معنى قَوْله " فقد رَآنِي " أَي رأى الْحق ورؤياه لَيست بأضغاث أَحْلَام وَلَا من تَشْبِيه الشَّيْطَان وَقَوله " فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بِي " إِشَارَة إِلَيْهِ إِلَى أَنَّهَا لَا تكون أضغاث أَحْلَام بل حَقًا ورؤيا صَحِيحَة قَالَ وَقد يرَاهُ الرَّائِي على غير صفته المنقولة إِلَيْنَا كإبياض اللِّحْيَة أَو خلاف لَونه أَو يرَاهُ اثْنَان فِي زمن وَاحِد أَحدهمَا بالمشرق وَالْآخر بالمغرب يرَاهُ كل وَاحِد فِي مَكَانَهُ وَقَالَ آخَرُونَ بل الْحَدث على ظَاهره وَالْمرَاد أَن من رَآهُ فقد أدْركهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلَا مَانع يمْنَع مِنْهُ وَالْعقل لَا يحيله وَمَا يذكر من الاعتلال بِأَنَّهُ قد يرَاهُ على خلاف صفته الْمَعْرُوفَة أوفى مكانين مَعًا فَذَلِك غلط من الرائيفي صِفَاته وتخيل لَهَا على خلاف مَا هِيَ عَلَيْهِ وَقد نظر بعض الخيالات مرئيات والإدراك لَا يشْتَرط فِيهِ تحديق الْأَبْصَار ولأقرب الْمسَافَة وَلَا كَون المرئي مَدْفُونا فِي الأَرْض وَلَا ظَاهرا عَلَيْهَا إِنَّمَا يشْتَرط كَونه مَوْجُودا وَجَاء مَا يدل على بَقَاء جِسْمه عَلَيْهِ السَّلَام وَإِن الْأَنْبِيَاء لَا تغيرهم الأَرْض وَتَكون الصِّفَات المخيلة اثرها وثمرتها اخْتِلَاف الدلالات فقد ذكر أَنه إِذا رَآهُ شَيخا فَهُوَ عَام سلم وَإِذا رَآهُ شَابًّا فَهُوَ عَام جَدب وان رَآهُ حسن الْهَيْئَة حسن الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال مُقبلا على الرَّائِي كَانَ خيرا لَهُ وان رَآهُ على خلاف ذَلِك كَانَ شرا لَهُ وَلَا يلْحق النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمن ذَلِك شَيْء وَلَو رَآهُ أَمر بقتل من لَا يحل قَتله فَهَذَا من الصِّفَات المتخيلة لَا المرئية وَفِيه قَول ثَالِث قَالَه لقَاضِي عِيَاض وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أَن رَآهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِصفتِهِ الْمَعْلُومَة فَهُوَ إِدْرَاك الْحَقِيقَة وَإِن رَآهُ على غير صفته فَهُوَ إِدْرَاك الْمِثَال وَتَكون رُؤْيا تَأْوِيل فان من الرُّؤْيَا مَا يخرج على وَجههَا وَمِنْهَا مَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل قَالَ النَّوَوِيّ القَوْل الثَّالِث ضَعِيف بل الصَّحِيح القَوْل الثَّانِي وَيُقَال معنى قَوْله " فقد رَآنِي " أَي فقد رأى مثالي بِالْحَقِيقَةِ لِأَن المرئي فِي الْمَنَام مِثَال قَوْله " فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بِي " يدل على ذَلِك وَيقرب مِنْهُ مَا قَالَه الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ قَالَ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه رأى جسمي وبدني بل رأى مِثَالا صَار ذَلِك الْمِثَال آلَة يتَأَدَّى بهَا الْمَعْنى الَّذِي فِي نَفسِي إِلَيْهِ بل الْبدن الْيَقَظَة أَيْضا لَيْسَ إِلَّا آلَة النَّفس فَالْحق أَن مَا يرَاهُ مِثَال حَقِيقَة روحه المقدسة الَّتِي هِيَ مَحل النُّبُوَّة فَمَا رَآهُ من الشكل لَيْسَ هُوَ روح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا شخصه بل هُوَ مِثَال لَهُ على التَّحْقِيق. فَإِن قلت الْمَنَام ثَلَاثَة أَقسَام رُؤْيا من الله ورؤيا من الشَّيْطَان ورؤيا مِمَّا حدث بِهِ الْمَرْء نَفسه وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب نفت الْقسم الثَّانِي مِنْهَا وَهُوَ مَا يكون من الشَّيْطَان فَهَل يجوز أَن تكون رُؤْيَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَنَام من الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا يحدث بِهِ الْمَرْء نَفسه أَولا قلت لَا يجوز وَبَيَان ذَلِك مَوْقُوف على تَقْدِيم مُقَدّمَة وَهِي أَن الِاجْتِمَاع بَين الشخصين يقظة ومناما لحُصُول مَا بِهِ الِاتِّحَاد. وَله خَمْسَة أصُول كُلية الِاشْتِرَاك فِي الذَّات أَو فِي صفة فَصَاعِدا أَو فِي حَال فَصَاعِدا أَو فِي حَال أَو فِي حَال الْأَفْعَال وَفِي الْمَرَاتِب وكل مَا يتعقل من الْمُنَاسبَة بَين شَيْئَيْنِ أَو أَشْيَاء لَا يخرج عَن هَذِه الْخَمْسَة وبحسب قوته على مَا بِهِ الِاخْتِلَاف وَضَعفه يكثر الِاجْتِمَاع ويقل وَقد يقوى على ضِدّه فتقوى الْمحبَّة بِحَيْثُ يكَاد الشخصان لَا يفترقان وَقد يكون بِالْعَكْسِ وَمن حصل لَهُ الْأُصُول الْخَمْسَة وَثبتت الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين أَرْوَاح الماضين اجْتمع بهم مَتى شَاءَ وَإِذا عرف هَذَا ظهر أَن حَدِيث الْمَرْء نَفسه لَيْسَ مِمَّا يقدر أَن يحصل مُنَاسبَة بَينه وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليَكُون سَبَب الِاجْتِمَاع بِخِلَاف الْملك الْمُوكل بالرؤيا فَإِنَّهُ يمثل بالوجود مَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ من الْمُنَاسبَة وَقَوله فِي بعض الرِّوَايَات " فسيراني فِي الْيَقَظَة ". " وكأنما رَآنِي فِي الْيَقَظَة قبل مَعْنَاهُ سيرى تَفْسِير مَا رأى لِأَنَّهُ حق وَقيل سيراه فِي الْقِيَامَة وَقيل المُرَاد بقوله " سيراني " أهل عصره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُمل لم يُهَاجر فَتكون الرُّؤْيَة فِي الْمَنَام علما لَهُ على رُؤْيَته فِي الْيَقَظَة قَوْله " فَأن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل فِي صُورَتي " أَي لَا يتَصَوَّر بِصُورَتي وَاخْتلف فِي معنى الصُّورَة فَقيل أَي فِي صِفَتي وَهُوَ صفة الْهِدَايَة وَقيل هِيَ على حَقِيقَته وَهِي التخطيط الْمَعْلُوم الْمشَاهد لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا ظَاهر وَعَن هَذَا وضعوه لرُؤْيَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ميزاناً وَقَالُوا رُؤْيَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ أَن يرَاهُ الرَّائِي بِصُورَة شَبيهَة لصورته الثَّابِتَة حليتها بِالنَّقْلِ الصَّحِيح حَتَّى لَو رَآهُ فِي صُورَة مُخَالفَة لصورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْحس لم يكن رَآهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل أَن يرَاهُ طَويلا أَو قَصِيرا جدا أَو يرَاهُ أشعر أَو شَيخا أَو شَدِيد السمرَة وَنَحْو ذَلِك وَيُقَال خص الله تَعَالَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن رُؤْيَة النَّاس إِيَّاه صَحِيحَة وَكلهَا صدق وَمنع الشَّيْطَان أَن يتَصَوَّر فِي خلقته لِئَلَّا يكذب على لِسَانه فِي النّوم كَمَا خرق الله تَعَالَى الْعَادة للأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بالمعجزة وكما اسْتَحَالَ أَن يتَصَوَّر الشَّيْطَان فِي صورته فِي الْيَقَظَة وَقَالَ مُحي السّنة رُؤْيا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَنَام حق وَلَا يتَمَثَّل الشَّيْطَان بِهِ
وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلَا يتَمَثَّل بهم (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول احْتج أهل الظَّاهِر بقوله " ولاتكنوا " على منع التكنى بكنية النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُطلقًا وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَقَالَ الرّبيع قَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ لأحد أَن يكتنى بِأبي الْقَاسِم سَوَاء كَانَ اسْمه مُحَمَّد أم لم يكن وَقَالَ القَاضِي وَمنع قوم تَسْمِيَته الْوَلَد بالقاسم كَيْلا يكون سَببا للتكنية وَيُؤَيّد هَذَا قَوْله فِيهِ " إِنَّمَا أَنا قَاسم " وَاخْبَرْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَعْنَى الَّذِي اقْتضى اخْتِصَاصه بِهَذِهِ الكنية وَقَالَ قوم يجوز التكنى بِأبي الْقَاسِم لغير اسْمه مُحَمَّد وَأحمد وَيجوز التَّسْمِيَة بِأَحْمَد وَمُحَمّد مَا لم يكن لَهُ كنيته بِأبي الْقَاسِم وَقد روى جَابر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " من تسمى باسمي فَلَا يتكنى بكنيتي وَمن تكنى بكنيتي فَلَا يتسمى بإسمي " وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة " نهى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم أَن يجمع بَين اسْمه وكنيته " وَذهب قوم إِلَى أَن النَّهْي مَنْسُوخ الْإِبَاحَة فِي حَدِيث عَليّ وَطَلْحَة رَضِي الله عَنْهُمَا وَهُوَ قَول الْجُمْهُور من السّلف وَالْعُلَمَاء وسمت جمَاعَة أَبْنَاءَهُم مُحَمَّدًا وكنوهم أَبَا الْقَاسِم قَالَ المازرى قَالَ بَعضهم النَّهْي مَقْصُور بحياة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ ذكر أَن سَبَب الحَدِيث أَن رجلا نَادَى يَا أَبَا الْقَاسِم فَالْتَفت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لم أعنك وَإِنَّمَا دَعَوْت فلَانا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " تسموا باسمى وَلَا تكتنوا بكنيتي " وَبِه قَالَ مَالك وجوزان يُسمى بِمُحَمد ويكنى بِأبي الْقَاسِم مُطلقًا قلت أما الحَدِيث الأول فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَأما الثَّانِي فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَقيل أَن سَبَب النَّهْي أَن الْيَهُود تكنوا بِهِ وَكَانُوا ينادون يَا أَبَا الْقَاسِم فَإِذا الْتفت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالُوا لم نعنك اظهاراً للايذاء وَقد زَالَ ذَلِك الْمَعْنى وَأما الثَّالِث فَهُوَ حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ " قلت يَا رَسُول الله أَن ولد لي من بعْدك أنسميه بِاسْمِك ونكنيه بكنيتك قَالَ نعم " وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله ثَلَاثَة تكنوا بِأبي الْقَاسِم رخص لَهُم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَمُحَمّد بن أبي بكر وَمُحَمّد بن طَلْحَة بن عبد الله وَقَالَ ابْن جرير النَّهْي فِي الحَدِيث للتنزيه وَالْأَدب لَا للتَّحْرِيم. الثَّانِي فِيهِ التَّصْرِيح بِجَوَاز التسمي باسمه. الثَّالِث فِيهِ أَن رُؤْيا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حق. الرَّابِع أَن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بصورته الْخَامِس الْكَاذِب عَلَيْهِ معد لنَفسِهِ النَّار (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل أَن رُؤْيا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كَانَت حَقًا فَهَل يُطلق عَلَيْهِ الصَّحَابِيّ أم لَا أُجِيب بِلَا إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ حد الصَّحَابِيّ وَهُوَ مُسلم رأى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِذا المُرَاد مِنْهُ لَا رُؤْيَة الْمَعْهُودَة الْجَارِيَة على الْعَادة أَو الرُّؤْيَة فِي حَيَاته فِي الدُّنْيَا لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الْمخبر عَن الله وَهُوَ إِنَّمَا كَانَ مخبرا عَنهُ للنَّاس فِي الدُّنْيَا لَا فِي الْقَبْر. وَمِنْهَا مَا قيل الحَدِيث المسموع عَنهُ فِي الْمَنَام هَل هُوَ حجَّة يسْتَدلّ بهَا أم لَا أُجِيب بِلَا إِذْ يشْتَرط فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن يكون الرَّاوِي ضابطاً عِنْد السماع من النّوم لَيْسَ حَال الضَّبْط. وَمِنْهَا مَا قيل حُصُول الْجَزْم فِي نفس الرَّائِي أَنه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل هُوَ حجَّة أَو أم لَا أُجِيب بِلَا بل ذَلِك المرئي هُوَ صُورَة الشَّارِع بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَاد الرَّائِي أَو حَاله أَو بِالنِّسْبَةِ إِلَى صفته أَو حكم من أَحْكَام الْإِسْلَام أَو بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْموضع الَّذِي رأى فِيهِ ذَلِك الرَّائِي تِلْكَ الصُّورَة الَّتِي ظن أَنَّهَا صُورَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَمِنْهَا مَا قيل مَا حَقِيقَة الرُّؤْيَا أُجِيب بِأَنَّهَا ادراكات يخلقها الله تَعَالَى فِي قلب العَبْد على يَد الْملك والشيطان وَنَظِيره فِي الْيَقَظَة الخواطر فَإِنَّهَا قد تَأتي على نسق وَقد تَأتي مسترسلة غير محصلة فَإِذا خلقهَا الله تَعَالَى على يَد الْملك كَانَ وَحيا وبرهاناً مفهوماً نقل هَذَا عَن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَعَن القَاضِي أبي بكر أَنَّهَا اعتقادات قَالَ الإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ منشأ الْخلاف بَينهمَا نه قد يرى نَفسه بَهِيمَة أَو ملكا أَو طائراً وَهَذَا لَيْسَ إدراكاً لِأَنَّهُ لَيْسَ حَقِيقَة فَصَارَ القَاضِي إِلَى أَنَّهَا اعتقادات لَان الِاعْتِقَاد قد يَأْتِي على خلاف المعتقد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ ذهل القَاضِي عَن أَن هَذَا المرئي مثل فالإدراك إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالْمثلِ وَقَالَ أَن الله يخلق فِي قلب النَّائِم اعتقادات كَمَا يخلقها فِي قلب الْيَقظَان فَهُوَ تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء فَلَا يمنعهُ من فعله نوم وَلَا يقظة فَإِذا خلق هَذِه الاعتقادات فَكَأَنَّهُ جعلهَا علما على أُمُور أخر يخلقها فِي ثَانِي الْحَال أَو كَانَ قد خلقهَا فَإِذا خلق فِي قلب النَّائِم اعْتِقَاد الطيران وَلَيْسَ بطائر فقصارى أمره أَنه أعتقد أمرا على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فَيكون ذَلِك الِاعْتِقَاد علما على غَيره كَمَا يخلق الله الْغَيْم علما على الْمَطَر وَيُقَال حَقِيقَة الرُّؤْيَا مَا يَنْزعهُ الْملك الْمُوكل عَلَيْهَا فَإِن الله تَعَالَى قدر كل بالرؤيا ملكا يضْرب من الْحِكْمَة الْأَمْثَال وَقد اطلعه الله تَعَالَى
على قصَص ولد آدم من اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَهُوَ ينْسَخ مِنْهَا وَيضْرب لكل على قصَّته مثلا فَإِذا نَام تمثل لَهُ تِلْكَ الْأَشْيَاء على طَرِيق الْحِكْمَة ليَكُون لَهُ بِشَارَة أَو نذارة أَو معاتبة ليكونوا على بَصِيرَة من أَمرهم (فَائِدَة) أعلم أَن البُخَارِيّ رَضِي الله عَنهُ أخرج حَدِيث " من كذب عَليّ " هَهُنَا عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة وهم عَليّ بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَأنس بن مَالك وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَأَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُم فَقدم حَدِيث عَليّ لَان فِيهِ النَّهْي عَن الْكَذِب عَلَيْهِ صَرِيحًا والوعيد للكاذب وَالْمرَاد من عقد الْبَاب التَّنْبِيه عَلَيْهِ ثمَّ عقبه بِحَدِيث الزبير لزِيَادَة فِيهِ وَهِي التَّنْبِيه على توقي الصَّحَابَة وتحرزهم من كَثْرَة الرِّوَايَة عَنهُ المؤدية إِلَى انجرار الْكَذِب الْخَطَأ ثمَّ عقب ذَلِك بِحَدِيث أنس للتّنْبِيه على نُكْتَة وَهِي أَن توقيهم لم يكن بالامتناع عَن اصل الحَدِيث لأَنهم مأمورون بالتبليغ وَإِنَّمَا كَانَ لخوفهم من الْإِكْثَار المفضى إِلَى الْخَطَأ ثمَّ عقب ذَلِك بِحَدِيث سَلمَة لما فِيهِ من التَّصْرِيح بالْقَوْل لِأَن الْأَحَادِيث الَّتِي قبله أَعم من نِسْبَة القَوْل وَالْفِعْل إِلَيْهِ ثمَّ ختم الْأَرْبَعَة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة لما فِيهِ من الْإِشَارَة إِلَى اسْتِوَاء تَحْرِيم الْكَذِب عَلَيْهِ فِي حَال سَوَاء كَانَ فِي الْيَقَظَة أَو فِي النّوم (فَائِدَة أُخْرَى) اعْلَم أَن حَدِيث " من كذب عَليّ " فِي غَايَة الصِّحَّة وَنِهَايَة الْقُوَّة حَتَّى أطلق عَلَيْهِ جمَاعَة أَنه متواتر ونوزع بِأَن شَرط التَّوَاتُر اسْتِوَاء طَرفَيْهِ وَمَا بَينهمَا فِي الثرة وَلَيْسَت مَوْجُودَة فِي كل طَرِيق بمفردها أُجِيب بِأَن المُرَاد من إِطْلَاق كَونه متواترا رِوَايَة الْمَجْمُوع عَن الْمَجْمُوع من ابْتِدَائه إِلَى انتهائه فِي كل عصر وَهَذَا كَاف فِي إِفَادَة الْعلم وَحَدِيث أنس قد روى عَن الْعدَد الْكثير وتواترت عَنْهُم الطّرق وَحَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ رَوَاهُ عَن سِتَّة من مشاهير التَّابِعين وثقاتهم وَالْعدَد الْمعِين لَا يشْتَرط فِي التَّوَاتُر بل مَا أَفَادَ الْعلم كَاف وَالصِّفَات الْعليا فِي الروَاة تقوم مقَام الْعدَد أَو تزيد عَلَيْهِ وَلَا سِيمَا قد روى هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة كثير من الصَّحَابَة فَحكى الإِمَام أَبُو بكر الصَّيْرَفِي فِي شَرحه لرسالة الشَّافِعِي أَنه روى عَن أَكثر من سِتِّينَ صحابياً مَرْفُوعا وَقَالَ بعض الْحفاظ أَنه روى عَن اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ صحابياً وَفِيهِمْ الْعشْرَة المبشرة وَقَالَ وَلَا يعرف حَدِيث اجْتمع على رِوَايَته الْعشْرَة المبشرة إِلَّا هَذَا وَلَا حَدِيث يرْوى عَن اكثر من سِتِّينَ صحابياً إِلَّا هَذَا وَقَالَ بَعضهم انه رَوَاهُ مِائَتَان من الصَّحَابَة وَقد اعتنى جمَاعَة من الْحفاظ بِجمع طرقه فَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أَنه ورد من حَدِيث أَرْبَعِينَ من الصَّحَابَة وَكَذَا قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار وَجمع طرقه أَبُو مُحَمَّد يحيى بن مُحَمَّد بن صاعد فَزَاد قَلِيلا وَجَمعهَا الطَّبَرَانِيّ فَزَاد قَلِيلا وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم بن مَنْدَه رَوَاهُ اكثر من ثَمَانِينَ نفسا وَجمع طرقه ابْن الْجَوْزِيّ فِي مُقَدّمَة كتاب الموضوعات فجاوز التسعين وَبِذَلِك حرم بن دحْيَة ثمَّ جمعهَا الحافظان يُوسُف بن خَلِيل الدِّمَشْقِي وَأَبُو بكر وهما متعاصران فَوَقع لكل مِنْهُمَا مَا لَيْسَ عِنْد الآخر وَتحصل من مَجْمُوع ذَلِك كُله رِوَايَة مائَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَقَالَ ابْن الصّلاح لم يزل عدده فِي ازدياد وهلم جرا على التوالي والاستمرار وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيث مَا فِي مرتبته من التَّوَاتُر وَقيل لم يُوجد فِي الحَدِيث مِثَال للمتواتر إِلَّا هَذَا وَقَالَ ابْن دحْيَة قد أخرج من نَحْو أَرْبَعمِائَة طَرِيق قلت قَول من قَالَ لَا يعرف حَدِيث اجْتمع على رِوَايَته الْعشْرَة إِلَّا هَذَا غير مُسلم فَإِن حَدِيث رفع الْيَدَيْنِ اجْتمع على رِوَايَته الْعشْرَة كَذَلِك حَدِيث الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَكَذَا قَوْله وَلَا حَدِيث يرْوى عَن اكثر من سِتِّينَ صحابياً إِلَّا هَذَا فَإِن حَدِيث السِّوَاك رَوَاهُ أثر من سِتِّينَ صحابياً بيّنت ذَلِك فِي شرح مَعَاني الْآثَار للطحاوي رَحمَه الله وَكَذَلِكَ قَول من قَالَ لم يُوجد من الحَدِيث مِثَال للمتواتر إِلَّا هَذَا فَإِن حَدِيث " من بنى لله مَسْجِدا " وَحَدِيث الشَّفَاعَة والحوض ورؤية الله فِي الْآخِرَة وَالْأَئِمَّة من قُرَيْش كلهَا تصلح مِثَالا للمتواتر فَافْهَم (فَائِدَة أُخْرَى) تَفْصِيل طرق الْأَحَادِيث الْمِائَة من الصَّحَابَة الَّتِي تحصلت من جَمِيع الْحفاظ الْمَذْكُورين هُوَ أَن أَرْبَعَة عشر حَدِيثا مِنْهَا قد صحت فَعِنْدَ البُخَارِيّ وَمُسلم عَن عَليّ بن أبي طَالب وَأنس بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة والمغيرة أخرج البُخَارِيّ حَدِيثه فِي الْجَنَائِز وَعند البُخَارِيّ أَيْضا عَن الزبير بن الْعَوام وَسَلَمَة ابْن الْأَكْوَع وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أخرجه حَدِيثه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل وَعند مُسلم أَيْضا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعند غَيرهمَا من الصِّحَاح أَيْضا عَن عُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَأبي قَتَادَة وَجَابِر وَزيد بن أَرقم وَمِنْهَا سِتَّة عشر حَدِيثا فِي الحسان وَهِي عَن طَلْحَة بن عبيد الله وَسَعِيد بن زيد وَأبي عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَعقبَة بن عَامر وَعمْرَان بن حُصَيْن وسلمان الْفَارِسِي وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَرَافِع بن خديج وطارق الْأَشْجَعِيّ
- (باب كتابة العلم)
والسائب بن يزِيد وخَالِد بن عرفطة وَأبي أُمَامَة وَأبي قرصافة وَأبي مُوسَى الغافقي وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثُونَ نفسا وَمِنْهَا سَبْعُونَ حَدِيثا مَا بَين ضَعِيف وساقط عَن سبعين نفسا مِنْهُم وهم أَبُو بكر بن عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وعمار بن يَاسر وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَزيد بن ثَابت وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَجَابِر بن عبد الله وَأُسَامَة بن زيد بن وَقيس بن سعد بن عبَادَة وواثلة بن الاسقع وَكَعب بن قُطْبَة وَسمرَة بن جُنْدُب والبراء ابْن عَازِب وَأَبُو مُوسَى الغاففقي وَمَالك بن عبد الله بن زعب وصهيب والنواس بن سمْعَان ويعلى بن مرّة وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان والسائب بن يزِيد وَبُرَيْدَة بن الْحصيب وَسليمَان بن خَالِد الْخُزَاعِيّ وَعبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء بن عَمْرو ابْن عبسة السّلمِيّ وطارق بن أَشْيَم وَأَبُو رَافع إِبْرَاهِيم وَيُقَال اسْلَمْ مولى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَعتبَة بن غَزوَان وَمُعَاوِيَة بن حيدة ومعاذ بن جبل وَسعد بن المدحاس وَأَبُو كَبْشَة الانماري والعرس بن عميرَة والمنقع التَّمِيمِي وَابْن أبي العشراء الدَّارمِيّ ونبيط بن شريط وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ وَيزِيد بن أَسد وَأَبُو مَيْمُون الْكرْدِي وَرجل من أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَرجل آخر (1) 39 - (بابُ كِتَابَةِ العلْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كِتَابَة الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف بَين السّلف فِي الْعَمَل وَالتّرْك مَعَ إِجْمَاعهم على الْجَوَاز، بل على اسْتِحْبَابه، بل لَا يبعد وُجُوبه فِي هَذَا الزَّمَان لقلَّة اهتمام النَّاس بِالْحِفْظِ، وَلَو لم يكْتب يخَاف عَلَيْهِ من الضّيَاع والاندراس. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق حثا على الِاحْتِرَاز عَن الْكَذِب فِي النَّقْل عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حث على الِاحْتِرَاز. عَن ضيَاع كَلَام الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا سِيمَا من أهل هَذَا الزَّمَان، لقُصُور هممهم فِي الضَّبْط وتقصيرهم فِي النَّقْل. 111 - حدّثنا مُحَمَّدُ بنِ سَلاَمٍ قالَ: أخْبَرَنَا وَكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ مطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِي عنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَليٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لاَ! إلاَّ كِتابُ اللَّهِ، أوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلمٌ، أوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: العَقْلُ، وَفَكاكُ الأسِير ولاَ يُقْتلُ مُسْلِمٌ بكافِرٍ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي هَذِه الصَّحِيفَة) ، لِأَن الصَّحِيفَة هِيَ الورقة الْمَكْتُوبَة، وَفِي (الْعباب) : الصَّحِيفَة الْكتاب، وَالَّذِي يقْرَأ هُوَ الصَّحِيفَة. بَيَان رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، أَبُو عبد الله البيكندي، وَفِي (الْكَمَال) : بتَخْفِيف اللَّام، وَقد يشدده من لَا يعرف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ بِالتَّشْدِيدِ لَا بِالتَّخْفِيفِ، وَقد تقدم. الثَّانِي: وَكِيع بن الْجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حَمْحَمَة، وَقيل: غَيره، أَصله من قَرْيَة من قرى نيسابور، الرواسِي الْكُوفِي من قيس غيلَان، روى عَن الْأَعْمَش وَغَيره. وَعَن أَحْمد وَقَالَ: إِنَّه أحفظ من ابْن مهْدي. وَقَالَ حَمَّاد بن زيد: لَو شِئْت قلت: إِنَّه أرجح من سُفْيَان، ولد سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، وَمَات بفيد منصرفا من الْحَج يَوْم عَاشُورَاء سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة. وَقَالَ ابْن معِين: مَا رَأَيْت أفضل من وَكِيع، وَكَانَ يُفْتِي بقول أبي حنيفَة، وَكَانَ قد سمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: سُفْيَان، قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الثَّوْريّ، وَأَن يُرَاد بِهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، لِأَن وكيعا يروي عَنْهُمَا وهما يرويان عَن مطرف، وَلَا قدح بِهَذَا الالتباس فِي الْإِسْنَاد، لِأَن أيا كَانَ مِنْهُمَا فَهُوَ: إِمَام حَافظ ضَابِط عدل مَشْهُور على شَرط البُخَارِيّ، وَلِهَذَا يروي لَهما فِي (الْجَامِع) شَيْئا كثيرا. وَقَالَ بَعضهم عَن سُفْيَان: هُوَ الثَّوْريّ، لِأَن وكيعا مَشْهُور بالرواية عَنهُ، وَلَو كَانَ ابْن عُيَيْنَة لنسبه، لِأَن الْقَاعِدَة فِي كل من روى عَن مُتَّفق الِاسْم أَنه يحمل من أهمل نسبته على من يكون لَهُ بِهِ
خُصُوصِيَّة من إكثار وَنَحْوه، ووكيع قَلِيل الرِّوَايَة عَن ابْن عُيَيْنَة بِخِلَاف الثَّوْريّ. قلت: كل مَا ذكره لَيْسَ يصلح مرجحا أَن يكون سُفْيَان هَذَا هُوَ الثَّوْريّ، بعد أَن ثَبت رِوَايَة وَكِيع عَن سفيانين كليهمَا وروايتهما عَن مطرف، على أَن أَبَا مَسْعُود الدِّمَشْقِي قَالَ فِي (الْأَطْرَاف) هَذَا هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَقَالَ الغساني فِي كِتَابه (تَقْيِيد المهمل) هَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ عَن ابْن عُيَيْنَة. الرَّابِع: مطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالفاء: ابْن طريف، بطاء مُهْملَة مَفْتُوحَة: أَبُو بكر، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، الْكُوفِي الْحَارِثِيّ نِسْبَة إِلَى بني الْحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو، وَيُقَال: الخارفي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالفاء، نِسْبَة إِلَى خارف بن عبد الله. وَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عَامر الشّعبِيّ، وَقد تقدم. السَّادِس: أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء، واسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وبالمد، الْكُوفِي. رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين، وَمُسلم بِثَلَاثَة. وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، يُكرمهُ وَيُحِبهُ ويثق بِهِ وَجعله على بَيت المَال بِالْكُوفَةِ، وَشهد مَعَه مشاهده كلهَا وَنزل الْكُوفَة، وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَكَانَ من صغَار الصَّحَابَة. قيل: توفّي رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يبلغ الْحلم، وَالله أعلم. السَّابِع: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلاَّ شيخ البُخَارِيّ وَقد دخل فِيهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات: قَوْله: (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَآخَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا ابْن سَلام. قَوْله: (عَن الشّعبِيّ) وَفِي رِوَايَة المُصَنّف فِي الدِّيات: (سَمِعت الشّعبِيّ) . قَوْله: (عَن أبي جُحَيْفَة) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الدِّيات: (سَمِعت أَبَا جُحَيْفَة) . وَقد صرح باسمه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر، وَفِي الدِّيات عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة كِلَاهُمَا عَن مطرف بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدِّيات عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم عَن مطرف نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقود عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن عَلْقَمَة بن عَمْرو الدَّارِيّ عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن مطرف نَحوه. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (كتاب) أَي: مَكْتُوب من عِنْد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (أَو فهم) وَهُوَ جودة الذِّهْن. قَالَ الْجَوْهَرِي: فهمت الشَّيْء فهما وفهامية: عَلمته. وَفُلَان فهيم، وَقد استفهمني الشَّيْء فأفهمته وفهمته تفهيما، وتفهم الْكَلَام إِذا فهمه شَيْئا بعد شَيْء. قَوْله: (الصَّحِيفَة) قد مر تَفْسِيرهَا. قَوْله: (الْعقل) أَي: الدِّيَة، وَإِنَّمَا سميت بِهِ لأَنهم كَانُوا يُعْطون فِيهَا الْإِبِل ويربطونها بِفنَاء دَار الْمَقْتُول بالعقال وَهُوَ: الْحَبل. قَوْله: (وفكاك الْأَسير) بِكَسْر الْفَاء، وَهُوَ مَا يفتك بِهِ. وفكه وافتكه بِمَعْنى أَي: خلصه، وَيجوز فتح الْفَاء أَيْضا. قَالَ الْقَزاز: الْفَتْح أفْصح. وَفِي (الْعباب) : فك يفك فكا وفكوكا، وَفك الرَّهْن إِذا خلصه، وفكاك الرَّهْن وفكاكه مَا يفتك بِهِ عَن الْكسَائي. وَفك الرَّقَبَة أَي: أعْتقهَا، وفككت الشَّيْء أَي خلصته،، وكل مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما. قَوْله: (الْأَسير) فعيل بِمَعْنى المأسور من أسره إِذا شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، بِكَسْر الْقَاف وبالمهملة، لأَنهم كَانُوا يشدون الْأَسير بالقد، وَيُسمى كل أخيد أَسِيرًا وَإِن لم يشد بِهِ. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (هَل) للاستفهام و: (كتاب) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله: (عنْدكُمْ) مقدما. قَوْله: (لَا) أَي: لَا كتاب عندنَا إِلَّا كتاب الله، بِالرَّفْع، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُتَّصِل لِأَن الْمَفْهُوم من الْكتاب كتاب أَيْضا، لِأَن المفاهيم تَوَابِع المناطيق. قَوْله: (أَو فهم) بِالرَّفْع عطف على: كتاب الله. و: (أعْطِيه) بِصِيغَة الْمَجْهُول وَفتح الْيَاء أسْند إِلَى قَوْله: (رجل) . وَلكنه هُوَ الْمَفْعُول الأول النَّائِب عَن الْفَاعِل، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. قَوْله: (مُسلم) صفة لرجل. قَوْله: (أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة) عطف على قَوْله: (كتاب الله) وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة مُبْتَدأ، وَقَوله: فِي هَذِه الصَّحِيفَة، خَبره. قَوْله: (قلت: وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة؟) أَي: أَي شَيْء فِي هَذِه الصَّحِيفَة؟ فكلمة: مَا، استفهامية مُبْتَدأ، و: فِي هَذِه الصَّحِيفَة، خَبره. وَفِي بعض النّسخ: فَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة، بِالْفَاءِ، وَكِلَاهُمَا للْعَطْف. قَوْله: (الْعقل) مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ حذف خَبره أَي: فِيهَا الْعقل، والمضاف فِيهِ مَحْذُوف أَيْضا، أَي: حكم الْعقل أَي: الدِّيَة، كَمَا ذكرنَا. قَوْله:
(وفكاك الْأَسير) كَلَام إضافي عطف على الْعقل. قَوْله: (وَلَا يقتل) بِضَم اللَّام وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَأَن لَا يقتل) بِزِيَادَة: أَن، الناصبة. وَأَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: وفيهَا عدم قتل مُسلم بِكَافِر، يَعْنِي: حُرْمَة قصاص الْمُسلم بالكافر، وَأما على رِوَايَة من روى: وَلَا يقتل، بِدُونِ: أَن، فَإِنَّهُ جملَة فعلية معطوفة على جملَة إسمية، أَعنِي قَوْله: (الْعقل) لِأَن تَقْدِيره: وفيهَا الْعقل، كَمَا ذكرنَا. وَالتَّقْدِير: وفيهَا الْعقل وفيهَا حُرْمَة قصاص الْمُسلم بالكافر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ عطف الْجُمْلَة على الْمُفْرد؟ قلت: هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: {فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم وَمن دخله كَانَ آمنا} (آل عمرَان: 97) انْتهى. قلت: لَيْسَ هَهُنَا عطف الْجُمْلَة على الْمُفْرد وَإِنَّمَا هُوَ عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة، فَإِن أَرَادَ بقوله الْمُفْرد الْعقل فَهُوَ لَيْسَ بمفرد لِأَنَّهُ مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، وَهُوَ جملَة، وَلَا هُوَ مثل لقَوْله تَعَالَى: {فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم} (آل عمرَان: 97) ، لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ الْجُمْلَة هَهُنَا مُفْرد، وَلِهَذَا قَالَ صَاحب (الْكَشَّاف) : التَّقْدِير: مقَام إِبْرَاهِيم وَأمن من دخله، فَقدر الْجُمْلَة فِي حكم الْمُفْرد ليَكُون عطف مُفْرد على مُفْرد. وَلم يقدر هَكَذَا، إلاَّ ليَصِح وُقُوع قَوْله {مقَام إِبْرَاهِيم} (آل عمرَان: 97) عطف بَيَان لقَوْله: {آيَات بَيِّنَات} (آل عمرَان: 97) ، لِأَن بَيَان الْجُمْلَة بِالْوَاحِدِ لَا يَصح. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (هَل عنْدكُمْ؟) الْخطاب لعليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَالْجمع للتعظيم، أَو لإرادته مَعَ سَائِر أهل الْبَيْت، أَو للالتفات من خطاب الْمُفْرد إِلَى خطاب الْجمع على مَذْهَب من قَالَ من عُلَمَاء الْبَيَان: يكون مثله التفاتا، وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء} (الطَّلَاق: 1) إِذْ لَا فرق بَين أَن يكون الِانْتِقَال حَقِيقَة أَو تَقْديرا عِنْد الْجُمْهُور. قَوْله: (كتاب) أَي: مَكْتُوب أخذتموه عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِمَّا أُوحِي إِلَيْهِ. وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد: (هَل عنْدكُمْ شَيْء من الْوَحْي إلاَّ مَا فِي كتاب الله؟) . وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى فِي الدِّيات: (هَل عنْدكُمْ شَيْء مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآن؟) وَفِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن جرير بن مطرف: (هَل علمت شَيْئا من الْوَحْي؟) وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَة عَن ذَلِك لِأَن الشِّيعَة كَانُوا يَزْعمُونَ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خص أهل بَيته، لَا سِيمَا عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بأسرار من علم الْوَحْي لم يذكرهَا لغيره، وَقد سَأَلَ عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن هَذِه الْمَسْأَلَة أَيْضا قيس بن عباد، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْأَشْتَر النَّخعِيّ، وحديثهما فِي (سنَن النَّسَائِيّ) . قَوْله: (قَالَ: لَا) . أَي: لَا كتاب، أَي: لَيْسَ عندنَا كتاب غير كتاب الله تَعَالَى. وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد: (لَا، وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة) . قَوْله: (إِلَّا كتاب الله) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ بدل من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَالِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل كَمَا ذكرنَا لِأَنَّهُ من جنسه، إِذْ لَو كَانَ من غير جنسه لَكَانَ قَوْله: (أَو فهم) مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ عطف على الْمُسْتَثْنى، والمستثنى إِذا كَانَ من غير جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ يكون مَنْصُوبًا، وَمَا عطف عَلَيْهِ كَذَلِك وَقَول بَعضهم: الظَّاهِر أَن الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُنْقَطع غير صَحِيح. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: فِيهِ دَلِيل على أَنه كَانَ عِنْده أَشْيَاء مَكْتُوبَة من الْفِقْه المستنبط من كتاب الله، وَهُوَ المُرَاد من قَوْله: (أَو فهم أعْطِيه رجل) . قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، بل المُرَاد من الْفَهم مَا يفهمهُ الرجل من فحوى الْكَلَام وَيدْرك من بواطن الْمعَانِي الَّتِي هِيَ غير الظَّاهِر من نَصه: كوجوه الأقيسة والمفاهيم وَسَائِر الاستنباطات، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الدِّيات بِلَفْظ: (مَا عندنَا إلاَّ مَا فِي الْقُرْآن إلاَّ فهما يعْطى رجل فِي الْكتاب) . وَالْمعْنَى: إلاَّ مَا فِي الْقُرْآن من الْأَشْيَاء المنصوصة، لَكِن إِن أعْطى الله رجلا فهما فِي كِتَابه فَهُوَ يقدر على استنباط أَشْيَاء أُخْرَى خَارِجَة عَن ظَاهر النَّص، وَمن أبين الدَّلِيل على أَن المُرَاد من الْفَهم مَا ذكرنَا، وَأَنه غير شَيْء مَكْتُوب، مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق طَارق بن شهَاب، قَالَ: شهِدت عليا، رَضِي الله عَنهُ، على الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول: (وَالله مَا عندنَا كتاب نقرؤه إلاّ كتاب الله وَهَذِه الصَّحِيفَة) ، وَقد علمت أَن الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. قَوْله: (أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة) ، وَكَانَت هَذِه معلقَة بقبضة سَيْفه إِمَّا احْتِيَاطًا أَو استحضارا وَإِمَّا لكَونه مُنْفَردا بِسَمَاع ذَلِك. وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق الأشتر: فَأخْرج كتابا من قرَاب سَيْفه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن سَبَب اقتران الصَّحِيفَة بِالسَّيْفِ الْإِشْعَار بِأَن مصَالح الدّين لَيست بِالسَّيْفِ وَحده، بل بِالْقَتْلِ تَارَة، وبالدية تَارَة، وبالعفو أُخْرَى. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: كَلَام عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه لَيْسَ عِنْده سوى الْقُرْآن، وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوما دون قوم، وَإِنَّمَا وَقع التَّفَاوُت من قبل الْفَهم واستعداد الاستنباط، وَاسْتثنى مَا فِي الصَّحِيفَة احْتِيَاطًا لاحْتِمَال أَن يكون مَا فِيهَا مَا لَا يكون عِنْد غَيره فَيكون مُنْفَردا بِالْعلمِ بِهِ. قَالَ: وَقيل: كَانَ فِيهَا من الْأَحْكَام غير مَا ذكر هُنَا، وَلَعَلَّه لم يذكر جملَة مَا فِيهَا، إِذْ التَّفْصِيل لم يكن مَقْصُودا حِينَئِذٍ، أَو ذكره وَلم يحفظ الرَّاوِي. قلت: وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم، من طَرِيق يزِيد التَّيْمِيّ عَن عَليّ،
رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (مَا عندنَا شَيْء نقرؤه إلاَّ كتاب الله وَهَذِه الصَّحِيفَة، فَإِذا فِيهَا: الْمَدِينَة حرم) الحَدِيث. وَلمُسلم عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ: (مَا خصنا رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، بِشَيْء لم يعم بِهِ النَّاس كَافَّة إلاَّ مَا فِي قرَاب سَيفي هَذَا، فَأخْرج صحيفَة مَكْتُوبَة فِيهَا: لعن الله من ذبح لغير الله) الحَدِيث. وللنسائي من طَرِيق الأشتر وَغَيره عَن عَليّ: فَإِذا فِيهَا: (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ، يسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم) الحَدِيث. وَلأَحْمَد من طَرِيق ابْن شهَاب: (فِيهَا فَرَائض الصَّدَقَة) . فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث؟ قلت: الصَّحِيفَة كَانَت وَاحِدَة، وَكَانَ جَمِيع ذَلِك مَكْتُوبًا فِيهَا، وَنقل كل من الروَاة مَا حفظه. قَوْله: (الْعقل) أَي: الدِّيَة، وَالْمرَاد أَحْكَامهَا ومقاديرها وأصنافها وَأَسْنَانهَا، وَكَذَلِكَ المُرَاد من قَوْله: (وفكاك الْأَسير) حكمه وَالتَّرْغِيب فِي تخليصه، وَأَنه نوع من أَنْوَاع الْبر الَّذِي يَنْبَغِي أَن يهتم بِهِ. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ مَا يقطع بِدعَة الشِّيعَة والمدعين على عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه الْوَصِيّ، وَأَنه الْمَخْصُوص بِعلم من عِنْد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يعرفهُ غَيره حَيْثُ قَالَ: مَا عِنْده إلاَّ مَا عِنْد النَّاس من كتاب الله، ثمَّ أحَال على الْفَهم الَّذِي النَّاس فِيهِ على درجاتهم، وَلم يخص نَفسه بِشَيْء غير مَا هُوَ مُمكن فِي غَيره. الثَّانِي: فِيهِ إرشاد إِلَى أَن للْعَالم الْفَهم أَن يسْتَخْرج من الْقُرْآن بفهمه مَا لم يكن مَنْقُولًا عَن الْمُفَسّرين، لَكِن بِشَرْط مُوَافَقَته لِلْأُصُولِ الشَّرْعِيَّة. الثَّالِث: فِيهِ إِبَاحَة كِتَابَة الْأَحْكَام وتقييدها. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز السُّؤَال عَن الإِمَام فِيمَا يتَعَلَّق بخاصته. الْخَامِس: احْتج بِهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد على أَن الْمُسلم لَا يقتل بالكافر قصاصا، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن شبْرمَة. وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد بن ثَابت، وَبِه قَالَ جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم عمر بن عبد الْعَزِيز، وَإِلَيْهِ ذهب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ قَالَ مَالك وَاللَّيْث بن سعد: إِن قَتله غيلَة قتل بِهِ وإلاَّ لم يقتل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة وَمُحَمّد وَزفر: يقتل الْمُسلم بالكافر، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن أبي ليلى وَعُثْمَان البتي، وَهُوَ رِوَايَة عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنْهُم. وَقَالُوا: وَلَا يقتل بالمستأمن والمعاهد. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: احتجت الْحَنَفِيَّة بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن الْحسن بن أَحْمد عَن سعيد بن مُحَمَّد الرهاوي عَن عمار بن مطر عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن ابْن الْبَيْلَمَانِي عَن ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (قتل مُسلما بمعاهد، ثمَّ قَالَ: أَنا أكْرم من وَفِي بِذِمَّتِهِ) . ثمَّ قَالَت الشَّافِعِيَّة: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسْندهُ غير إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَهُوَ مَتْرُوك، وَالصَّوَاب إرْسَاله، وَابْن الْبَيْلَمَانِي ضَعِيف لَا تقوم بِهِ حجَّة إِذا وصل الحَدِيث فَكيف إِذا أرْسلهُ؟ وَقَالَ مَالك وَيحيى بن سعيد وَابْن معِين: هُوَ كَذَّاب، يَعْنِي إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى. وَقَالَ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ: ترك النَّاس حَدِيثه. وَابْن الْبَيْلَمَانِي اسْمه: عبد الرَّحْمَن، وَقد ضَعَّفُوهُ. وَقَالَ أَحْمد: من حكم بحَديثه فَهُوَ عِنْدِي مخطىء، وَإِن حكم بِهِ حَاكم نقض. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الحَدِيث على ترك الْمُتَّصِل من حَدِيثه، فَكيف بالمنقطع؟ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: إِنَّه مُنْقَطع لَا احتجاج بِهِ، ثمَّ إِنَّه خطأ إِذْ قيل: إِن الْقَاتِل كَانَ عَمْرو بن أُميَّة وَقد عَاشَ بعد الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، سِنِين؛ ومتروك بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ روى أَن الْكَافِر كَانَ رَسُولا فَيكون مستأمنا لَا ذِمِّيا، وَأَن الْمُسْتَأْمن لَا يقتل بِهِ الْمُسلم وفَاقا، ثمَّ إِن صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخ لِأَنَّهُ روى أَنه كَانَ قبل الْفَتْح. وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم الْفَتْح فِي خطْبَة خطبهَا على درج الْبَيْت الشريف: (وَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر، وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) . وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: لَا يتَعَيَّن علينا الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ، وَإِنَّمَا نَحن نستدل بالنصوص الْمُطلقَة فِي اسْتِيفَاء الْقصاص من غير فصل. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، فَلم يكن مُفردا، وَلَو كَانَ مُفردا لاحتمل مَا قُلْتُمْ، وَلكنه كَانَ مَوْصُولا بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ قيس بن عباد وَالْأَشْتَر، فَإِن فِي روايتهما: لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا ذُو عهد فِي عَهده، فَهَذَا هُوَ أصل الحَدِيث وَتَمَامه، وَهَذَا لَا يدل على مَا ذهبتم إِلَيْهِ، لِأَن الْمَعْنى على أصل الحَدِيث: لَا يقتل مُؤمن بِسَبَب قتل كَافِر، وَلَا يقتل
ذُو عهد فِي عَهده بِسَبَب قتل كَافِر. وَمن الْمَعْلُوم أَن ذَا الْعَهْد كَافِر، فَدلَّ هَذَا أَن الْكَافِر الَّذِي منع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يقتل بِهِ مُؤمن فِي الحَدِيث الْمَذْكُور هُوَ الْكَافِر الَّذِي لَا عهد لَهُ، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ لأحد: أَن الْمُؤمن لَا يقتل بالكافر الْحَرْبِيّ، وَلَا الْكَافِر الَّذِي لَهُ عهد يقتل بِهِ أَيْضا، فحاصل معنى حَدِيث أبي جُحَيْفَة: لَا يقتل مُسلم وَلَا ذُو عهد فِي عَهده بِكَافِر. فَإِن قَالُوا: كل وَاحِد من الْحَدِيثين كَلَام مُسْتَقل مُفِيد فَيعْمل بِهِ، فَمَا الْحَاجة إِلَى جَعلهمَا وَاحِدًا حَتَّى يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل؟ قُلْنَا: قد ذكر أَن أصل الحَدِيث وَاحِد فتقطيعه لَا يزِيل الْمَعْنى الْأَصْلِيّ، وَلَئِن سلمنَا أَن أَصله لَيْسَ بِوَاحِد، وَأَن كل وَاحِد حَدِيث بِرَأْسِهِ وَلَكِن الْوَاجِب حملهما على أَنَّهُمَا وردا مَعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يثبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك فِي وَقْتَيْنِ، مرّة من غير ذكر ذِي الْعَهْد، وَمرَّة مَعَ ذكر ذِي الْعَهْد، وَأَيْضًا إِن أصل هَذَا كَانَ فِي خطبَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة، وَقد كَانَ رجل من خُزَاعَة قتل رجلا من هُذَيْل فِي الْجَاهِلِيَّة، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَلا إِن كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ مَوْضُوع تَحت قدمي هَاتين، لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر، وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) يَعْنِي، وَالله أعلم: الْكَافِر الَّذِي قَتله فِي الْجَاهِلِيَّة. وَكَانَ ذَلِك تَفْسِير لقَوْله: (كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ مَوْضُوع تَحت قدمي) . لِأَنَّهُ مَذْكُور فِي خطاب وَاحِد فِي حَدِيث وَاحِد، وَقد ذكر أهل الْمَغَازِي أَن عهد الذِّمَّة كَانَ بعد فتح مَكَّة، وَأَنه إِنَّمَا كَانَ قبل، بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين الْمُشْركين، عهود إِلَى مدد لَا على أَنهم داخلون فِي ذمَّة الْإِسْلَام وَحكمه، وَكَانَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة: (لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر) منصرفا إِلَى الْكفَّار المعاهدين، إِذْ لم يكن هُنَاكَ ذمِّي ينْصَرف الْكَلَام إِلَيْهِ، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، وَهَذَا يدل على أَن عهودهم كَانَت إِلَى مدد، وَلذَلِك قَالَ: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأتمُّوا إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم} (التَّوْبَة: 4) وَقَالَ: {فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر} (التَّوْبَة: 2) وَكَانَ الْمُشْركُونَ حِينَئِذٍ على ضَرْبَيْنِ. أَحدهمَا: أهل الْحَرْب وَمن لَا عهد بَينه وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْآخر: أهل الْمدَّة. وَلم يكن هُنَاكَ أهل ذمَّة، فَانْصَرف الْكَلَام إِلَى الضربين من الْمُشْركين، وَلم يدْخل فِيهِ من لم يكن على أحد هذَيْن الوصفين، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام. وَقَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: وَقع الْإِجْمَاع على أَن الْمُسلم تقطع يَده إِذا سرق من مَال الذِّمِّيّ، فَكَذَا يقتل إِذا قَتله، وَإِن قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَأَنه يَقْتَضِي تَخْصِيص الْعَام لِأَن الْكَافِر الَّذِي لَا يقتل بِهِ ذُو الْعَهْد هُوَ الْحَرْبِيّ دون الْمسَاوِي لَهُ والأعلى وَهُوَ الذِّمِّيّ، فَلَا يبْقى أحد يقتل بِهِ الْمعَاهد إلاَّ الْحَرْبِيّ، فَيجب أَن يكون الْكَافِر الَّذِي لَا يقتل بِهِ الْمُسلم هُوَ الْحَرْبِيّ، تَسْوِيَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ. واعترضوا بِوُجُوه. الأول: أَن الْوَاو لَيست للْعَطْف بل للاستئناف، وَمَا بعد ذَلِك جملَة مستأنفة فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِضْمَار فَإِنَّهُ خلاف الأَصْل، فَلَا يقدر فِيهِ: بِكَافِر. الثَّانِي: سلمنَا أَنه من بَاب عطف الْمُفْرد، وَالتَّقْدِير: بِكَافِر، لَكِن الْمُشَاركَة بواو الْعَطف وَقعت فِي أصل النَّفْي لَا فِي جَمِيع الْوُجُوه، كَمَا إِذا قَالَ الْقَائِل: مَرَرْت بزيد مُنْطَلقًا وَعَمْرو. قَالَ الشهَاب الْقَرَافِيّ: الْمَنْقُول عَن أهل اللُّغَة والنحو أَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي أَنه مر بالمعطوف مُنْطَلقًا، بل الِاشْتِرَاك فِي مُطلق الْمُرُور. الثَّالِث: أَن الْمَعْنى لَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده خَاصَّة إِزَالَة لتوهم مشابهة الذِّمِّيّ، فَإِنَّهُ لَا يقتل وَلَا وَلَده الَّذِي لم يعاهد، لِأَن الذِّمَّة تَنْعَقِد لَهُ ولأولاده وهلم جرا، وَأما الْجَواب عَن الْقيَاس الْمَذْكُور: فَإِنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص، وَهُوَ قَوْله: (وَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر) فَلَا أثر لَهُ. وَأجِيب عَن الأول: بِأَن الأَصْل فِي الْوَاو الْعَطف، وَدَعوى الِاسْتِئْنَاف يحْتَاج إِلَى بَيَان. وَعَن الثَّانِي: بِأَن مَا ذكرْتُمْ فِي عطف الْمُفْرد، وَهَذَا عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة، وَكَذَلِكَ الْمَعْطُوف فِي الْمِثَال الَّذِي ذكره الْقَرَافِيّ مُفْرد. وَعَن الثَّالِث: بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصح إِذا كَانَت الْوَاو للاستئناف، وَقد قُلْنَا: إِنَّه يحْتَاج إِلَى الْبَيَان، وَأَيْضًا فمعلوم أَن ذَا الْعَهْد يحظر قَتله مَا دَامَ فِي عَهده، فَلَو حملنَا قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، على أَن لَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده لأخلينا اللَّفْظ عَن الْفَائِدَة، وَحكم كَلَام النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حمله على مُقْتَضَاهُ فِي الْفَائِدَة، وَلَا يجوز إلغاؤه وَلَا إِسْقَاط حكمه، وَالْقِيَاس إِنَّمَا يكون فِي مُقَابلَة النَّص إِذا كَانَ الْمَعْنى على مَا ذكرْتُمْ، وَهُوَ غير صَحِيح، وعَلى مَا ذكرنَا يكون الْقيَاس فِي مُوَافقَة النَّص فَافْهَم. وَأما قَول الْبَيْضَاوِيّ: إِنَّه مُنْقَطع، فَإِنَّهُ لَا يضر عندنَا، لِأَن الْمُرْسل حجَّة عندنَا. وجزمه بِأَنَّهُ خطأ غير صَحِيح لِأَن الْقَاتِل يحْتَمل أَن يكون اثْنَيْنِ قتل أَحدهمَا وعاش الآخر بعد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَوله: إِنَّه مَنْسُوخ وَقد كَانَ قبل الْفَتْح، غير صَحِيح، لما ذكرنَا أَن أصل الحَدِيث كَانَ فِي خطبَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من فتح مَكَّة. فَافْهَم.
112 - حدّثنا أَبُو نُعَيْمٍ الفضْلُ بنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدثنَا شَيْبَانُ عنْ يَحيَى عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي ليْثٍ عامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فأُخْبِر بِذَلِكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فقالَ: (إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عنْ مكَّةَ القَتلَ) أَو الفِيلَ شَكَّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمُؤْمِنِينَ، ألاَ وَإنها لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ولَمْ تَحِلَّ لأَحدٍ بَعْدِي ألاَ وإنَّها حَلَّتْ لِي ساعَةً مِنْ نَهَارٍ، ألاَ وإنَّهَا ساعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ لَا يُخْتَلَى شَوْكُها وَلَا يُعُضَدُ شَجَرُهَا وَلَا تُلْتَقطُ ساقِطَتُها إلاَّ لِمُنْشدٍ، فَمَنْ قُتِلَ لهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمّا أَن يُعْقَلَ، وإمّا أَن يُقادَ أهْلُ القَتِيل) فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أهْل اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لي يَا رسولَ اللَّهِ. فقالَ: (اكْتُبُوا لأبي فُلاَنٍ) فقالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إلاَّ الإذْخِرَ يَا رسولَ الله فَإنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنا فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلاَّ الإذْخرِ (إلاَّ الإذْخِرَ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اكتبوا لأبي فلَان) ، وكل مَا يكْتب من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَهُوَ علم. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة، وَقد مر. الثَّانِي: شَيبَان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ الْمُؤَدب الْبَصْرِيّ الثِّقَة، مولى بني تَمِيم، سمع الْحسن وَغَيره، وَعنهُ ابْن مهْدي وَغَيره. وَكَانَ صَاحب حُرُوف وقراآت. قَالَ أَحْمد: هُوَ ثَبت فِي كل الْمَشَايِخ، وشيبان أثبت فِي يحيى بن أبي كثير من الْأَوْزَاعِيّ. قلت: حدث عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة، وَعلي بن الْجَعْد، وَبَين وفاتيهما تسع وَسَبْعُونَ سنة، مَاتَ بِبَغْدَاد وَدفن بمقبره الخيزران، أَو فِي بَاب التِّين سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة، فِي خلَافَة الْمهْدي روى لَهُ الْجَمَاعَة. النَّحْوِيّ: نِسْبَة إِلَى قَبيلَة، وهم ولد النَّحْو ابْن شمس بن عَمْرو بن غنم بن غَالب بن عُثْمَان بن نصر بن زهران، وَلَيْسَ فِي هَذِه الْقَبِيلَة من يروي الحَدِيث سواهُ وَيزِيد بن أبي سعيد، وَأما مَا عداهما فنسبة إِلَى النَّحْو، علم الْعَرَبيَّة، كَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء النَّحْوِيّ وَغَيره، وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ من اسْمه شَيبَان غَيره، وَفِي مُسلم هُوَ وشيبان بن فروخ، وَفِي أبي دَاوُد شَيبَان أَبُو حُذَيْفَة النَّسَائِيّ. وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة غير ذَلِك. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير صَالح بن المتَوَكل، وَيُقَال: اسْم أبي كثير: نشيط، وَيُقَال: دِينَار؛ ودينار مولى عَليّ اليمامي الطَّائِي مَوْلَاهُم الْعَطَّار أحد الْأَعْلَام الثِّقَات الْعباد، روى عَن أنس وَجَابِر مُرْسلا، وَعَن ابْن أبي سَلمَة، وَعنهُ هِشَام الدستوَائي وَغَيره. قَالَ أَيُّوب: مَا بَقِي على وَجه الأَرْض مثله. مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة. وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعد أَيُّوب بِسنة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: يحيى بن أبي كثير، غَيره. نعم، فِيهَا يحيى بن كثير الْعَنْبَري، وَفِي أبي دَاوُد: يحيى بن كثير الْبَاهِلِيّ، وَفِي ابْن مَاجَه: يحيى بن كثير صَاحب الْبَصْرِيّ وهما ضعيفان. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر. بَيَان لطائف إِسْنَاده. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَنهم مَا بَين كُوفِي وبصري ويمامي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من رأى الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ هُنَا. وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم عَن شَيبَان. وَفِي اللّقطَة عَن يحيى بن مُوسَى عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر وَعبد الله بن سعيد عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن عبد الله بن مُوسَى عَن شَيبَان ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود بن غيلَان وَيحيى بن مُوسَى عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ مُنْقَطِعًا، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرج النَّسَائِيّ عَن عَبَّاس بن الْوَلِيد عَن أَبِيه عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن دُحَيْم عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِهِ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (خُزَاعَة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالزاي: حَيّ من الأزد سموا بذلك لِأَن الأزد لما خَرجُوا
من مَكَّة وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد تخلفت عَنْهُم خُزَاعَة وأقامت بهَا، وَمعنى خزع فلَان عَن أَصْحَابه تخلف عَنْهُم، وَبَنُو لَيْث أَيْضا قَبيلَة. وَقَالَ الرشاطي: لَيْث فِي كنَانَة: لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، وَفِي عبد الْقَيْس: لَيْث بن بكر بن حداءة بن ظَالِم بن ذهل بن عجل بن عَمْرو بن وَدِيعَة بن لكيز بن أفصى بن عبد الْقَيْس. قَوْله: (فَركب رَاحِلَته) ، الرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل. وَيُقَال: الرَّاحِلَة الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى. وَفِي (الْعباب) : الرَّاحِلَة النَّاقة الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت، قَالَه القتيبي. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الرَّاحِلَة عِنْد الْعَرَب تكون الْجمل النجيب والناقة النجيبة، وَلَيْسَت النَّاقة أولى بِهَذَا الِاسْم من الْجمل، وَالْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة، كَمَا يُقَال: رجل داهية وراوية. وَقيل: سميت رَاحِلَة لِأَنَّهَا ترحل، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {فِي عيشة راضية} (الحاقة: 21) أَي مرضية. قَوْله: (لَا يخْتَلى) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: لَا يجز وَلَا يقطع. قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: خليت الخلا واختليته أَي: جززته وقطعته فاختلى، والمخلى مَا يجتز بِهِ الخلا، والمخلاة مَا يَجْعَل فِيهِ الْخَلَاء. وَقَالَ ابْن السّكيت: خليت دَابَّتي أخليها إِذا جززت لَهَا الخلا، وَالسيف يخْتَلى أَي: يقطع، والمختلون والخالون الَّذين يختلون الْخَلَاء ويقطعونه، واختلت الأَرْض أَي: كثر خَلاهَا، والخلا مَقْصُورا: الرطب من الْحَشِيش، الْوَاحِدَة خلاة، وَفِي بعض الطّرق وَلَا يعضد شَوْكهَا وَلَا يخبط شَوْكهَا وَمعنى الْجَمِيع مُتَقَارب، والشوك جمع الشَّوْكَة، وَشَجر شائك وَشَوْك وشاك. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: هَذِه شَجَرَة شاكة، أَي: كَثِيرَة الشوك. قَوْله: (وَلَا يعضد) أَي: وَلَا يقطع، وَقد اسْتَوْفَيْنَا مَعْنَاهُ فِي بَاب: ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب. قَوْله: (وَلَا تلْتَقط ساقطتها) أَي: مَا سقط فِيهَا بغفلة الْمَالِك، وَأَرَادَ بهَا اللّقطَة، وَجَاء: وَلَا يحل لقطتهَا إِلَّا لِمُنْشِد، وَجَاء: لَا يلتقط لقطتهَا إِلَّا من عرفهَا. والالتقاط من: لقط الشَّيْء يلقطه لقطا أَخذه من الأَرْض. قَوْله: (إلاَّ لِمُنْشِد) أَي: لمعرف. قَالَ أَبُو عبيد: المنشد الْمُعَرّف. وَأما الطَّالِب فَيُقَال لَهُ: نَاشد. يُقَال: نشدت الضَّالة إِذا طلبتها، وأنشدتها إِذا عرفتها، وأصل الإنشاد رفع الصَّوْت، وَمِنْه إنشاد الشّعْر. قَوْله: (إِمَّا أَن يعقل) من الْعقل وَهُوَ: الدِّيَة. قَوْله: (وَإِمَّا أَن يُقَاد) بِالْقَافِ من الْقود وَهُوَ: الْقصاص، وَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (إلاَّ الْإِذْخر) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة: هُوَ نبت مَعْرُوف طيبَة الرّيح، واحده إذخرة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (خُزَاعَة) لَا تَنْصَرِف للعلمية والتأنيث، مَنْصُوب لِأَنَّهُ اسْم: إِن. و (قتلوا رجلا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَهُوَ: (رجلا) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (من بني لَيْث) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة: (رجلا) . قَوْله: (عَام فتح مَكَّة) نصب على الظّرْف، وَمَكَّة، لَا تَنْصَرِف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (بقتيل) أَي: بِسَبَب قَتِيل من خُزَاعَة. قَوْله: (قَتَلُوهُ) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (بقتيل) ، أَي قتل بَنو اللَّيْث ذَلِك الْخُزَاعِيّ. قَوْله: (فاخبر) على صِيغَة الْمَجْهُول، و (النَّبِي) مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (فَركب) عطف على: فَأخْبر. وَقَوله: (فَخَطب) ، عطف على: ركب، وَالْفَاء فِي: فَقَالَ، تصلح للتفسير. قَوْله: (الْقَتْل) مَنْصُوب مفعول: حبس. قَوْله: (وسلط) ، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: صِيغَة الْمَجْهُول فَيكون مُسْندًا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على أَنه نَاب عَن الْفَاعِل، فعلى هَذَا يكون: والمؤمنون، بِالْوَاو لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ. وَالْآخر: صِيغَة الْمَعْلُوم، وَفِيه ضمير يرجع إِلَى الله وَهُوَ فَاعله وَرَسُول الله مَفْعُوله، فعلى هَذَا يكون و: الْمُؤمنِينَ، بِالْيَاءِ لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (أَلا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام، للتّنْبِيه فتدل على تحقق مَا بعْدهَا. قَوْله: (وَإِنَّهَا) عطف على مُقَدّر لِأَن: أَلاَ، لَهَا صدر الْكَلَام، والمقتضى أَن يُقَال: أَلا إِنَّهَا، بِدُونِ الْوَاو، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَلا إِنَّهُم هم المفسدون} (الْبَقَرَة: 12) وَالتَّقْدِير: أَلا إِن الله حبس عَنْهَا الْفِيل وَإِنَّهَا لم تحل لأحد. قَوْله: (وَلَا تحل) عطف على قَوْله: (لم تحل) وَفِي الْكشميهني: (وَلم تحل) . وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي اللّقطَة من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى: (وَلنْ تحل) . وَهِي أليق بالمستقبل. قَوْله: (أَلا وَإِنَّهَا) الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي: (أَلا وَإِنَّهَا لم تحل) ، وَكَذَا قَوْله: (أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي) . قَوْله: (حرَام) مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر لقَوْل: إِنَّهَا. لَا يُقَال إِنَّه لَيْسَ بمطابق للمبتدأ، والمطابقة شَرط، لأَنا نقُول إِنَّه مصدر فِي الأَصْل فيستوي فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث والإفراد وَالْجمع، أَو هُوَ صفة مشبهة وَلَكِن وصفيته زَالَت لغَلَبَة الإسمية عَلَيْهِ فتساوى فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث. قَوْله: (لَا يخْتَلى) مَجْهُول، وَكَذَا: (لَا يعضد) و: (لَا يلتقط) . قَوْله: (فَمن قتل) على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكلمَة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط وَلِهَذَا دخلت فِي خَبَرهَا الْفَاء، وَهُوَ قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَقْتُول كَيفَ يكون بِخَير النظرين؟ قلت: المُرَاد أَهله، وَأطلق عَلَيْهِ ذَلِك لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ حذف تَقْدِيره: من قتل لَهُ قَتِيل، وَسَائِر الرِّوَايَات تدل عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف وَقع بَيَانه فِي رِوَايَة
المُصَنّف فِي الدِّيات عَن أبي نعيم بِهَذَا الْإِسْنَاد: فَمن قتل لَهُ قَتِيل. قلت: كل ذَلِك فِيهِ نظر، أما كَلَام الْكرْمَانِي فَيلْزم مِنْهُ الْإِضْمَار قبل الذّكر، وَأما كَلَام الْخطابِيّ فَيلْزم فِيهِ حذف الْفَاعِل، وَأما كَلَام بَعضهم فَهُوَ من كَلَام الْخطابِيّ وَلَيْسَ من عِنْده شَيْء، وَالتَّحْقِيق هُنَا أَن يقدر فِيهِ مُبْتَدأ مَحْذُوف وحذفه سَائِغ شَائِع وَالتَّقْدِير: فَمن أَهله قتل فَهُوَ بِخَير النظرين: فَمن، مُبْتَدأ و: أَهله قتل جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت صلَة للموصول. وَقَوله: (فَهُوَ) مُبْتَدأ، وَقَوله (بِخَير النظرين) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالضَّمِير فِي: قتل، يرجع إِلَى الْأَهْل الْمُقدر، وَقَوله: فَهُوَ، يرجع إِلَى من. وَالْبَاء فِي قَوْله: بِخَير النظرين، يتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ مرضِي بِخَير النظرين، أَو عَامل، أَو مَأْمُور وَنَحْو ذَلِك. وَتَقْدِير: مُخَيّر، لَيْسَ بمناسب، وَمعنى خير النظرين: أفضلهما. قَوْله: (إِمَّا) بِكَسْر الْهمزَة للتفصيل، و: أَن، بِفَتْح الْهمزَة مَصْدَرِيَّة، وَكَذَا قَوْله، وَإِمَّا أَن، وَالتَّقْدِير: إِمَّا الْعقل وَإِمَّا الْقود. قَوْله: (من أهل الْيمن) فِي مَحل الرّفْع على أَنه صفة لرجل، وَكَذَا قَوْله من قُرَيْش. قَوْله: (إِلَّا الْإِذْخر يَا رَسُول الله) . قَالَ الْكرْمَانِي: مثله لَيْسَ مُسْتَثْنى بل هُوَ تلقين بِالِاسْتِثْنَاءِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: قل يَا رَسُول الله: لَا يخْتَلى شَوْكهَا وَلَا يعضد شَجَرهَا إلاَّ الْإِذْخر. . وَأما الْوَاقِع فِي لَفظه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَهُوَ ظَاهر أَنه اسْتثِْنَاء من كَلَامه السَّابِق. قلت: كل مِنْهُمَا اسْتثِْنَاء، وَالتَّقْدِير الَّذِي قدره يدل على ذَلِك وَهُوَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَمَا فِي الْوَاقِع فِي لفظ الرَّسُول، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على الْبَدَل مِمَّا قبله، وَالنّصب على الِاسْتِثْنَاء لكَونه وَاقعا بعد النَّفْي. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: إِلَّا الْإِذْخر، اسْتثِْنَاء من: (لَا يخْتَلى خَلاهَا) ، وَهُوَ بعض من كل. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ هَذَا الِاسْتِثْنَاء وَشَرطه الِاتِّصَال بالمستثنى مِنْهُ وَهَهُنَا قد وَقع الفاصلة؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: جَازَ الْفَصْل عِنْد ابْن عَبَّاس، فَلَعَلَّ أَبَاهُ أَيْضا جوز ذَلِك، أَو الْفَصْل كَانَ يَسِيرا وَهُوَ جَائِز اتِّفَاقًا، وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه قَالَ أَولا مثله لَيْسَ مُسْتَثْنى بل هُوَ تلقين بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَإِذا لم يكن مُسْتَثْنى لَا يرد سُؤَاله. وَالْآخر: قَوْله أَو الْفَصْل كَانَ يَسِيرا، وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْفَصْل كثير، وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهُ من غير فصل. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (قتلوا رجلا) لم يسم اسْمه، وَأما الْمَقْتُول الَّذِي قتل فِي الْجَاهِلِيَّة فاسمه أَحْمَر، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: لما كَانَ الْغَد من يَوْم الْفَتْح ... فَذكر إِلَى أَن قَالَ: بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَعند ابْن إِسْحَاق: بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرك، وَذكر الْقِصَّة وَهُوَ أَن خرَاش بن أُميَّة من خُزَاعَة قتل ابْن الأثرع الْهُذلِيّ وَهُوَ مُشْرك بقتيل قتل فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ أَحْمَر، فَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (يَا معشر خُزَاعَة إرفعوا أَيْدِيكُم عَن الْقَتْل، فَمن قتل بعد مقَامي هَذَا فأهله بِخَير النظرين) وَذكر الحَدِيث. قَوْله: (إِن الله حبس) أَي: منع عَن مَكَّة الْقَتْل، بِالْقَافِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا يدل عَلَيْهِ أَنه روى: والفتك أَيْضا بِالْفَاءِ وَالْكَاف، وَفَسرهُ بسفك الدَّم، وَله وَجه إِن ساعدته الرِّوَايَة. قَوْله: (أَو الْفِيل) بِالْفَاءِ الْمَكْسُورَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَشْهُور الَّذِي ذكره الله تَعَالَى فِي قَوْله: {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} (الْفِيل: 1) السُّورَة، فَأرْسل الله تَعَالَى على أَصْحَابه طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل حِين وصلوا إِلَى بطن الْوَادي بِالْقربِ من مَكَّة. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) ، وجعلوه على الشَّك، كَذَا قَالَ أَبُو نعيم: الْفِيل أَو الْقَتْل، وَفِي بعض النّسخ: (إِن الله حبس عَن مَكَّة الْقَتْل أَو الْفِيل) ، كَذَا قَالَ أَبُو نعيم، وَاجْعَلُوا على الشَّك الْفِيل أَو الْقَتْل. وَفِي بَعْضهَا: قَالَ أَبُو عبد الله: كَذَا قَالَ أَبُو نعيم، اجعلوه على الشَّك، وَالْمرَاد من قَوْله: قَالَ مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَكَذَا من قَوْله: قَالَ أَبُو عبد الله، وَالْمعْنَى على النُّسْخَة الأولى، وَجعله الروَاة على الشَّك. كَذَا قَالَ أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن شَيْخه، وعَلى النُّسْخَة الثَّانِيَة يكون: وَاجْعَلُوا من مقول أبي نعيم، وَهِي صِيغَة أَمر للحاضرين. أَي: اجعلوا هَذَا اللَّفْظ على الشَّك. وعَلى النُّسْخَة الثَّالِثَة يكون: إجعلوا، من مقول البُخَارِيّ نَفسه. فَافْهَم. قَوْله: (وَغَيره يَقُول الْفِيل) ، أَي غير أبي نعيم يَقُول الْفِيل، بِالْفَاءِ من غير شكّ، وَالْمرَاد بِالْغَيْر: من رَوَاهُ عَن شَيبَان رَفِيقًا لأبي نعيم، وَهُوَ عبد الله بن مُوسَى، وَمن رَوَاهُ عَن يحيى رَفِيقًا لشيبان هُوَ حَرْب بن شَدَّاد، لما سَيَأْتِي بَيَانه فِي الدِّيات إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَالْمرَاد بِحَبْس الْفِيل حبس أهل الْفِيل، وَأَشَارَ بذلك إِلَى الْقِصَّة الْمَشْهُورَة للحبشة فِي غزوهم مَكَّة وَمَعَهُمْ الْفِيل، فَمنعهَا الله مِنْهُم وسلط عَلَيْهِم الطير الأبابيل، مَعَ كَون أهل مَكَّة إِذْ ذَاك كَانُوا كفَّارًا، فحرمة أَهلهَا بعد الْإِسْلَام آكِد، لَكِن غَزْو النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِيَّاهَا مَخْصُوص بِهِ على ظَاهر هَذَا الحَدِيث وَغَيره. قَوْله: (وَلَا تحل لأحد بعدِي) معنى حَلَال مَكَّة حَلَال الْقِتَال فِيهَا، وَقد مر أَن فِي رِوَايَة الْكشميهني
(وَلم تحل) ، فَإِن قلت: لم تقلب الْمُضَارع مَاضِيا وَلَفظ بعدِي للاستقبال، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: مَعْنَاهُ لم يحكم الله فِي الْمَاضِي بِالْحلِّ فِي الْمُسْتَقْبل. قَوْله: (سَاعَتِي هَذِه) أَي: فِي سَاعَتِي الَّتِي أَتكَلّم فِيهَا، وَهِي بعد الْفَتْح. قَالَ الطَّحَاوِيّ: الَّذِي أحل لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَخص بِهِ دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام وَلَا يجوز لأحد أَن يدْخلهُ بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغَيْر إِحْرَام، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَالقَاسِم وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وصاحبيه، ولمالك وَالشَّافِعِيّ قَولَانِ فِيمَن لم يرد الْحَج أَو الْعمرَة. فَفِي قَول: يجوز، وَفِي قَول: لَا يجوز إلاَّ للحطابين وشبههم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الَّذِي أحل للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قتال أَهلهَا ومحاربتهم، وَلَا يحل لأحد بعده. قَوْله: (شَوْكهَا) دَال على منع قطع سَائِر الْأَشْجَار بِالطَّرِيقِ الأولى، وَقَالَ فِي (شرح السّنة) : المؤذي من الشوك كالعوسج لَا بَأْس بِقطعِهِ كالحيوان المؤذي، فَيكون من بَاب تَخْصِيص الحَدِيث بِالْقِيَاسِ. وَكَذَا لَا بَأْس بِقطع الْيَابِس كَمَا فِي الصَّيْد الْمَيِّت، وَأما لقطتهَا فَقيل: لَيْسَ لواجدها غير التَّعْرِيف أبدا، وَلَا يملكهَا بِحَال، وَلَا يتَصَدَّق بهَا إِلَى أَن يظفر بصاحبها، بِخِلَاف لقطَة سَائِر الْبِقَاع، وَهُوَ أظهر قولي الشَّافِعِي. وَمذهب مَالك والأكثرين إِلَى أَنه: لَا فرق بَين لقطَة الْحل وَالْحرم. وَقَالُوا: معنى إلاَّ لِمُنْشِد: أَنه يعرفهَا كَمَا يعرفهَا فِي سَائِر الْبِقَاع حولا كَامِلا حَتَّى لَا يتَوَهَّم أَنه إِذا نَادَى عَلَيْهَا وَقت الْمَوْسِم فَلم يظْهر مَالِكهَا جَازَ تَملكهَا. وَقَالَ عبد الرحن بن مهْدي: قَوْله: (إلاَّ لِمُنْشِد) يُرِيد: لَا تحل أَلْبَتَّة، فَكَأَنَّهُ قيل: إلاَّ لِمُنْشِد، أَي: لَا يحل لَهُ مِنْهَا إلاَّ إنشادها، فَيكون ذَلِك مِمَّا اخْتصّت بِهِ مَكَّة كَمَا اخْتصّت بِأَنَّهَا حرَام، وَأَنه لَا ينفر صيدها وَغَيرهمَا من الْأَحْكَام. وَقَالَ الْمَازرِيّ: مَعْنَاهُ الْمُبَالغَة فِي التَّعْرِيف، لِأَن الْحَاج قد لَا يعود إلاَّ بعد أَعْوَام فتدعو الضَّرُورَة لإطالة التَّعْرِيف بِخِلَاف غَيرهَا من الْبِلَاد، وَلِأَن النَّاس ينتابون إِلَى مَكَّة. وَيُقَال: جَاءَ الحَدِيث ليقطع وهم من يظنّ أَنه يسْتَغْنى عَن التَّعْرِيف هُنَا إِذْ الْغَالِب أَن الحجيج إِذا تفَرقُوا مشرقين ومغربين ومدت المطايا أعناقها، يَقُول الْقَائِل: لَا حَاجَة إِلَى التَّعْرِيف، فَذكر، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن التَّعْرِيف فِيهَا ثَابت كَغَيْرِهَا من الْبِلَاد، وَمِنْهُم من قَالَ: التَّقْدِير إلاَّ من سمع نَاشِدًا يَقُول: من أضلّ كَذَا، فَحِينَئِذٍ يجوز للملتقط أَن يرفعها إِذا رَآهَا ليردها على صَاحبهَا، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَالنضْر بن شُمَيْل. وَقيل: لَا تحل إلاَّ لِرَبِّهَا الَّذِي يطْلبهَا. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ جيد فِي الْمَعْنى، لَكِن لَا يجوز فِي الْعَرَبيَّة أَن يُقَال للطَّالِب منشد. قلت: قَالَ بَعضهم: الناشد الْمُعَرّف، والمنشد الطَّالِب فَيصح هَذَا التَّأْوِيل على هَذَا التَّقْرِير. قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْمَشَارِق) : ذكر الحريري اخْتِلَاف أهل اللُّغَة فِي الناشد والمنشد، وَأَن بَعضهم عكس فَقَالَ: الناشد الْمُعَرّف والمنشد الطَّالِب، وَاخْتِلَافهمْ فِي تَفْسِير الحَدِيث بِالْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) لَفْظَة خير، هَهُنَا بِمَعْنى أفعل التَّفْضِيل، وَالْمعْنَى: أفضل النظرين، وَتَفْسِير: النظرين، بقوله: إِمَّا أَن يعقل من الْعقل وَهُوَ الدِّيَة. وَإِمَّا أَن يُقَاد أهل الْقَتِيل، بِالْقَافِ أَي: يقْتَصّ. وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: (إِمَّا أَن يفادى) بِالْفَاءِ من المفاداة. وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : (إِمَّا أَن يَأْخُذُوا الْعقل أَو يقتلُوا) ، وَهُوَ أبين الرِّوَايَات، وَهِي تفسر بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَوله فِي مُسلم: (وَإِمَّا أَن يقتل) . وَقَول أبي دَاوُد: (أَو يقتلُوا) مفسران لسَائِر الرِّوَايَات. وَقَالَ عِيَاض: وَقع هُنَا فِي الْعلم فِي جَمِيع النّسخ، وَإِمَّا أَن يُقَاد بِالْقَافِ، وَيُوَافِقهُ مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات إِمَّا أَن يُؤدى وَإِمَّا أَن يُقَاد، وَكَذَلِكَ فِي مُسلم. وَحكى بَعضهم: يَعْنِي فِي مُسلم يفادى بِالْفَاءِ مَوضِع، يُقَاد قَالَ: وَالصَّوَاب الأول وَهُوَ الْقَاف لِأَن على الْفَاء يخْتل اللَّفْظ، لِأَن الْعقل هُوَ الْفِدَاء فيتحصل التّكْرَار. قَالَ: وَالصَّوَاب أَن الْقَاف مَعَ قَوْله: الْعقل، وَالْفَاء مَعَ قَوْله: يقتل، لِأَن الْعقل هُوَ الْفِدَاء. وَأما يعقل مَعَ يفدى أَو يفادى فَلَا وَجه لَهُ. قلت: حَاصِل الْكَلَام أَن الرِّوَايَة على وَجْهَيْن. من قَالَ: وَإِمَّا أَن يُقَاد بِالْقَافِ من الْقود وَهُوَ الْقصاص. قَالَ فِيمَا قبله: إِمَّا أَن يعقل، بِالْعينِ وَالْقَاف: من الْعقل وَهُوَ الدِّيَة، وَمن قَالَ: وَإِمَّا أَن يفادى. بِالْفَاءِ من: المفاداة. قَالَ فِيمَا قبله: إِمَّا أَن يقتل، بِالْقَافِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي هُوَ الْقود. قَوْله: (فجَاء رجل من أهل الْيمن) وَهُوَ أَبُو شاه، وَجَاء بِهِ مُبينًا فِي اللّقطَة، وَهُوَ بشين مُعْجمَة وهاء بعد الْألف فِي الْوَقْف والدرج، وَلَا يُقَال بِالتَّاءِ. قَالُوا: وَلَا يعرف اسْم أبي شاه هَذَا، وَإِنَّمَا يعرف بكنيته وَهُوَ كَلْبِي يمني. وَفِي (الْمطَالع) وَأَبُو شاه مصروفا ضبطته وقرأته أَنا معرفَة ونكرة، وَعَن ابْن دحْيَة أَنه بِالتَّاءِ مَنْصُوبًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ بهاء فِي آخِره درجا ووقفا. قَالَ: وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَا يغتر بِكَثْرَة من يصحفه مِمَّن لَا يَأْخُذ الْعلم على وَجهه وَمن مظانه.
قَوْله: (فَقَالَ: أكتبوا لأبي فلَان) أَرَادَ بِهِ لأبي شاه. وَفِي مُسلم: فَقَالَ الْوَلِيد يَعْنِي: ابْن مُسلم رَاوِي الحَدِيث قلت للأوزاعي مَا قَوْله: اكتبوا لي يَا رَسُول الله؟ قَالَ: هَذِه الْخطْبَة الَّتِي سَمعهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ رجل من قُرَيْش) ، وَهُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا يَأْتِي فِي اللّقطَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَوَقع فِي رِوَايَة لِابْنِ أبي شيبَة: فَقَالَ رجل من قُرَيْش يُقَال لَهُ شاه، وَهُوَ غلط. قَوْله: (فَإنَّا نجعله فِي بُيُوتنَا) لِأَنَّهُ يسقف بِهِ الْبَيْت فَوق الْخشب. وَقيل: كَانُوا يخلطونه بالطين لِئَلَّا يتشقق إِذا بني بِهِ كَمَا يفعل بالتبن. . قَوْله: (وَقُبُورنَا) لِأَنَّهُ يسد بِهِ فرج اللَّحْد المتخللة بَين اللبنات. قَوْله: (إلاَّ الْإِذْخر) وَقع فِي بعض الرِّوَايَات مكررا مرَّتَيْنِ، فَتكون الثَّانِيَة للتَّأْكِيد. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ إِبَاحَة كِتَابَة الْعلم، وَكره قوم كِتَابَة الْعلم لِأَنَّهَا سَبَب لضياع الْحِفْظ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. وَمن الْحجَّة أَيْضا مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من كِتَابَة الْمُصحف الَّذِي هُوَ أصل الْعلم، وَكَانَ للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتَّاب يَكْتُبُونَ الْوَحْي. وَقَالَ الشّعبِيّ: إِذا سَمِعت شَيْئا فاكتبه وَلَو فِي الْحَائِط. قلت: مَحل الْخلاف كِتَابَة غير الْمُصحف، فَمَا اتَّفقُوا لَا يكون من الْحجَّة عَلَيْهِم. وَقَالَ عِيَاض: إِنَّمَا كره من كره من السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كِتَابَة الْعلم فِي الْمُصحف وَتَدْوِين السّنَن لأحاديث رويت فِيهَا. مِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد: (استأذنا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الْكِتَابَة فَلم يَأْذَن لنا) . وَعَن زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أمرنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن لَا نكتب شَيْئا) . وَلِئَلَّا يكْتب مَعَ الْقُرْآن شَيْء وَخَوف الاتكال على الْكِتَابَة. ثمَّ جَاءَت أَحَادِيث بِالْإِذْنِ فِي ذَلِك فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قلت: يُرِيد قَول عبد الله: (استأذنا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي كِتَابَة مَا سَمِعت مِنْهُ، قَالَ: فَأذن لي، فكتبته) فَكَانَ عبد الله يُسَمِّي صَحِيفَته الصادقة. قَالَ: وَأَجَازَهُ مُعظم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَوَقع عَلَيْهِ بعد الِاتِّفَاق ودعت إِلَيْهِ الضَّرُورَة لانتشار الطّرق وَطول الْأَسَانِيد واشتباه المقالات مَعَ قلَّة الْحِفْظ وكلال الْفَهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجابوا عَن أَحَادِيث النَّهْي إِمَّا بالنسخ، فَإِن النَّهْي كَانَ خوفًا من الِاخْتِلَاط بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا اشْتهر أمنت الْمفْسدَة، أَو إِن النَّهْي كَانَ على التَّنْزِيه لمن وثق بحفظه، وَالْإِذْن لمن لم يَثِق بحفظه. الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على أَن الْخطْبَة يسْتَحبّ أَن تكون على مَوضِع عَال منبرٍ أَو غَيره فِي جُمُعَة أَو غَيرهَا. الثَّالِث: اسْتدلَّ بقوله: (وسلط عَلَيْهِم رَسُول الله) من يرى أَن مَكَّة فتحت عنْوَة، وَأَن التسليط الَّذِي وَقع للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مُقَابل بِالْحَبْسِ الَّذِي وَقع لأَصْحَاب الْفِيل وَهُوَ الْحَبْس عَن الْقِتَال، هَذَا قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ الشَّافِعِي: فتحت صلحا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي حَدِيث أبي شُرَيْح. الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم قطع الشّجر فِي الْحرم مِمَّا لَا ينبته الآدميون فِي الْعَادة، وعَلى تَحْرِيم خلاه، وَهَذَا بالِاتِّفَاقِ. وَاخْتلفُوا مِمَّا ينبته الآدميون، قَالَه النَّوَوِيّ. الْخَامِس: اسْتدلَّ أهل الْأُصُول بِهَذَا الحَدِيث وَشبهه على أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ متعبدا بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم، وَمنعه بَعضهم. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْأولِ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو يُوسُف، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ، وَصحح الْغَزالِيّ الْجَوَاز، وَتوقف فِي الْوُقُوع. وَقَالَ ابْن الْخَطِيب الرَّازِيّ: توقف أَكثر الْمُحَقِّقين فى الْكل، وَجوزهُ بَعضهم فِي أَمر الْحَرْب دون غَيره، وَاسْتدلَّ من قَالَ بِوُقُوعِهِ بِمَا جَاءَ فِي هَذَا، وَفِي قَوْله لما سُئِلَ: (أحجنا هَذَا لِعَامِنَا أم لِلْأَبَد؟ وَلَو قلت: نعم، لوَجَبَ) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وشاورهم فِي الْأَمر} (آل عمرَان: 159) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أُسَارَى بدر: {مَا كَانَ لنَبِيّ} الْآيَة، (آل عمرَان: 161، الْأَنْفَال: 67) وَلَو كَانَ حكم بِالنَّصِّ لما عوتب. وَأجَاب المانعون عَن الْكل بِأَنَّهُ يجوز أَن يقارنها نُصُوص أَو تقدم عَلَيْهَا بِأَن يُوحى إِلَيْهِ أَنه إِذا كَانَ كَذَا فَاضل فافعل كَذَا، مثل أَن لَا يَسْتَثْنِي إلاَّ الْإِذْخر حِين سَأَلَ الْعَبَّاس، أَو كَانَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَاضرا فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ يكون بِالْوَحْي لَا بِالِاجْتِهَادِ. قَالَ الْمُهلب: يجوز أَن الله تَعَالَى أعلم رَسُوله بتحليل الْمُحرمَات عِنْد الِاضْطِرَار، فَكَانَ هَذَا من ذَلِك الأَصْل، فَلَمَّا سَأَلَ الْعَبَّاس حكم فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى: {وشاورهم فِي الْأَمر} (آل عمرَان: 159) إِنَّه مَخْصُوص بِالْحَرْبِ. السَّادِس: فِيهِ أَن ولي الْقَتِيل بِالْخِيَارِ بَين أَخذ الدِّيَة وَبَين الْقَتْل، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَار الْجَانِي على أَي الْأَمريْنِ شَاءَ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ: لَيْسَ إلاَّ الْقَتْل أَو الْعَفو، وَلَيْسَ لَهُ الدِّيَة إلاَّ برضى الْجَانِي، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ. قلت: هُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الله بن ذكْوَان وَعبد الله بن شبْرمَة وَالْحسن بن حَيّ. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَكَانَ من الْحجَّة لَهُم أَن قَوْله: أَخذ الدِّيَة، قد يجوز أَن يكون على مَا قَالَ أهل الْمقَالة الأولى: وَيجوز أَن يَأْخُذ الدِّيَة إِن أعطيها، كَمَا يُقَال للرجل: خُذ بِدينِك إِن شِئْت دَرَاهِم، وَإِن شِئْت دَنَانِير، وَإِن شِئْت عرضا، وَلَيْسَ
المُرَاد بذلك أَن يَأْخُذ ذَلِك، رَضِي الَّذِي عَلَيْهِ الدّين أَو كره، وَلَكِن يُرَاد إِبَاحَة ذَلِك لَهُ إِن أعْطِيه. قلت: التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله: (بِخَير النظرين) جَار ومجرور، وَلَا بُد لَهُ من مُتَعَلق مُنَاسِب يتَعَدَّى بِالْبَاء، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن تَقْدِير: مُخَيّر، لَيْسَ بمناسب، فَيقدر: إِمَّا عَامل بِخَير النظرين، أَو مرضِي، أَو مَأْمُور بِخَير النظرين للْقَاتِل، إِشَارَة إِلَى أَن الرِّفْق لَهُ مَطْلُوب حَتَّى كَانَ الْعَفو مَنْدُوب إِلَيْهِ. وَيجوز أَن يكون تَأْوِيله: فَهُوَ بِخَير النظرين من رضى الْقَاتِل ورضى نَفسه فَإِن كَانَ رضى الْقَاتِل خيرا لَهُ، وَقد اخْتَار الْفِدَاء، فَلهُ قبُول ذَلِك. وَإِن كَانَ رضى نَفسه بالاقتصاص خيرا، فَلهُ فعل ذَلِك وَيَنْبَغِي أَن لَا يقف عِنْد رضى نَفسه أَلْبَتَّة، لِأَن الْقَاتِل بِاخْتِيَار الدِّيَة قد يكون خيرا لَهُ، فيؤول وجوب الدِّيَة إِلَى رضى الْقَاتِل. السَّابِع: فِيهِ أَن الْقَاتِل عمدا يجب عَلَيْهِ أحد الْأَمريْنِ: الْقصاص أَو الدِّيَة، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وأصحهما عِنْده أَن الْوَاجِب الْقصاص، وَالدية بدل عِنْد سُقُوطه، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وعَلى الْقَوْلَيْنِ: للْوَلِيّ الْعَفو عَن الدِّيَة، وَلَا يحْتَاج إِلَى رضى الْجَانِي وَلَو مَاتَ أَو سقط الطّرف الْمُسْتَحق وَجَبت الدِّيَة، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعَن أبي حنيفَة وَمَالك: إِنَّه لَا يعدل إِلَّا المَال إِلَّا برضى الْجَانِي، وَإنَّهُ لَو مَاتَ الْجَانِي سَقَطت الدِّيَة، وَهُوَ قَول قديم للشَّافِعِيّ، وَرجحه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي (شَرحه) . 54 - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو قَالَ أَخْبرنِي وهب بن مُنَبّه عَن أَخِيه قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول مَا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحد أَكثر حَدِيثا عَنهُ منى إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ كتب وَلَا أكتب) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهُوَ أَن عبد الله بن عَمْرو من أفاضل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَانَ يكْتب مَا يسمعهُ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَلَو لم تكن الْكِتَابَة جَائِزَة لما كَانَ يفعل ذَلِك فَإِذا قُلْنَا فعل الصَّحَابِيّ حجَّة فَلَا نزاع فِيهِ وَإِلَّا فلاستدلال على جَوَاز الْكِتَابَة يكون بقرير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كِتَابَته (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عَليّ بن عبد الله الْمدنِي الإِمَام وَقد تقدم الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ الجُمَحِي أحد الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة الرَّابِع وهب بن مُنَبّه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة بن كَامِل بن سبج بِفَتْح السِّين وَقيل بِكَسْرِهَا وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم وَقيل الشين مُعْجمَة ابْن ذِي كنار وَهُوَ الاسوار الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ الابناوي الذمارِي سمع هُنَا عَن أَخِيه قَالَ الْبَاجِيّ لم أر لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الْموضع وَسمع فِي غير البُخَارِيّ جَابِرا وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَغَيرهم قَالَ أَبُو زرْعَة ياني ثِقَة وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيّ وَقَالَ الفلاس ضَعِيف وَهُوَ مَشْهُور بِمَعْرِِفَة الْكتب الْمَاضِيَة قَالَ قَرَأت من كتب الله تَعَالَى اثْنَيْنِ وَتِسْعين كتابا وَهُوَ من الْأَبْنَاء الَّذين بَعثهمْ كسْرَى إِلَى الْيمن وَقيل أَصله من هراة مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا ابْن مَاجَه واخرج لَهُ مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أَخِيه همام روى عَنهُ عَمْرو ابْن دِينَار وَاتفقَ لبخاري مُسلم فِي الاخراج عَنهُ وَعَن أَخِيه همام لَا غير الْخَامِس أَخُو وهب همام بن مُنَبّه أَبُو عقبَة وَكَانَ أكبر من وهب وَكَانُوا أَرْبَعَة أَخُو وهب وَمَعْقِل أَبُو عقيل وَهَمَّام وغيلان وَكَانَ أَصْغَرهم وَكَانَ آخِرهم موتا همام وَمَات وهب ثمَّ معقل ثمَّ غيلَان ثمَّ همام توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة السَّادِس أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ (بَيَان الْأَنْسَاب) الجمحى بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم بِالْحَاء الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى جمح ابْن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر الصَّنْعَانِيّ نِسْبَة إِلَى صنعاء مَدِينَة بِالْيمن وصنعا أَيْضا قَرْيَة بِدِمَشْق وهب ينْسب إِلَى صنعاء الْيمن وزيدت فِيهَا النُّون فِي النِّسْبَة على خلاف الْقيَاس الْيَمَانِيّ نِسْبَة إِلَى يمَان وَيُقَال يمنى أَيْضا قَالَ الْجَوْهَرِي الْيمن بِلَاد الْعَرَب وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا يمنى ويمان مُخَفّفَة وَالْألف عوض عَن يَاء النِّسْبَة فَلَا يَجْتَمِعَانِ قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَبَعْضهمْ يَقُول يماني بِالتَّشْدِيدِ الابناوى بِفَتْح الْهمزَة مَنْسُوب إِلَى الْأَبْنَاء بباء مُوَحدَة ثمَّ نون وهم كل من أَبنَاء الْفرس الَّذين وجههم كسْرَى مَعَ سيف ذِي يزن الذمارِي بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَقيل بِفَتْحِهَا نِسْبَة إِلَى ذمار على مرحلَتَيْنِ من صنعاء (بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث وَالْأَخْبَار بِصِيغَة الْأَفْرَاد والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا أَن وهباً لم يرو لَهُ البُخَارِيّ فِي غير
تابعه معمر عن همام عن أبي هريرة
هَذَا الْموضع. مِنْهَا أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي طبقَة مُتَقَارِبَة أَوَّلهمْ عَمْرو (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا لَيْسَ إِلَّا هُوَ من أَفْرَاده عَن مُسلم وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم وَفِي المناقب عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم وَفِي المناقب عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن اسحق بن إِبْرَاهِيم عَن سُفْيَان بِهِ (بَيَان الاعراب وَالْمعْنَى) قَوْله " مَا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة مَا للنَّفْي وَقَوله " أحد " بِالرَّفْع اسْم مَا وَكلمَة من ابتدائية تتَعَلَّق بِمَحْذُوف وَالتَّقْدِير مَا أحد مُبْتَدأ من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَوله أَكثر بِالرَّفْع صفة أحد ويروي بِالنّصب أَيْضا وَهُوَ إِلَّا وَجه لِأَنَّهُ خبر مَا وَقَوله " حَدِيثا " نصب على التَّمْيِيز وَلَفْظَة أَكثر افْعَل التَّفْضِيل وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا بِأحد الْأُمُور الثَّلَاثَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَهَهُنَا اسْتعْمل بِمن وَهُوَ قَوْله منى وَلَكِن فصل بَينه وَبَينه بقوله حَدِيثا عَنهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ باجنبي وَالضَّمِير فِي عَنهُ يرجع إِلَى أحد قَوْله " إِلَّا مَا كَانَ " يجوز أَن يكون اسْتثِْنَاء مُنْقَطِعًا على تَقْدِير لَكِن الَّذِي كَانَ من عبد الله بن عَمْرو أَي الْكِتَابَة لم تكن منى وَالْخَبَر مَحْذُوف بقرينه بَاقِي الْكَلَام سَوَاء لزم مِنْهُ كَونه أَكثر حَدِيثا إِذا الْعَادة جَارِيَة على أَن شَخْصَيْنِ إِذا لَازِما شَيخا مثلا وَسَمعنَا مِنْهُ الْأَحَادِيث يكون الْكَاتِب أَكثر حَدِيثا من غَيره أم لَا يجوز أَن يكون مُتَّصِلا نظرا إِلَى الْمَعْنى إِذْ حَدِيثا إِذْ وَقع تمييزاً والتمييز كالمحكوم عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا أحد حَدِيثه أَكثر من حَدِيثي إِلَّا أَحَادِيث حصلت من عبد الله بن عَمْرو قَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَات مَا كَانَ أحد أَكثر حَدِيثا عَنهُ منى إِلَّا عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب وَلَا أكتب قَوْله " فَإِنَّهُ " الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى عبد الله بن عَمْرو قَوْله " كَانَ يكْتب " جملَة وَقعت خَبرا لَان قَوْله " وَلَا أكتب " عطف على قَوْله فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب تَقْدِيره وَأَنا لَا أكتب وَقد روى عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ اسْتَأْذَنت النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي كِتَابَة مَا سَمِعت مِنْهُ فَأذن لي وَعنهُ قَالَ حفظت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألف مثل وَإِنَّمَا قلت الرِّوَايَة عَنهُ مَعَ كَثْرَة مَا حمل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ سكن مصر وَكَانَ الواردون إِلَيْهَا قَلِيلا بِخِلَاف أبي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ استوطن الْمَدِينَة وَهِي مقصد الْمُسلمين من كل جِهَة وَقيل كَانَ السَّبَب فِي كَثْرَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ بِعَدَمِ النسْيَان وَالسَّبَب فِي قلَّة حَدِيث عبد الله بن عَمْرو هُوَ أَنه كَانَ قد ظفر بجمل من كتب أهل الْكتاب وَكَانَ ينظر فِيهَا وَيحدث مِنْهَا فتجنب الْأَخْذ عَنهُ كثير من التَّابِعين وَالله أعلم. قَالَ البُخَارِيّ روى عَن أبي هُرَيْرَة نَحْو من ثَمَانمِائَة رجل وَكَانَ أَكثر الصَّحَابَة حَدِيثا روى لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسَة آلَاف وَثَلَاث مائَة حَدِيث وَوجد لعبد الله بن عَمْرو سَبْعمِائة حَدِيث اتفقَا على سَبْعَة عشر وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِمِائَة وَمُسلم بِعشْرين (تَابعه معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة) أَي تَابع وهب بن مُنَبّه فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث عَن همام معمر بن رَاشد وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة وأخرجها أَيْضا أَبُو بكر على المرزوي فِي كتاب الْعلم لَهُ عَن الْحجَّاج بن الشَّاعِر عَنهُ عَن معمر عَنهُ وروى أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب عَن مجاهدة والمغيرة بن حَكِيم قَالَا سمعنَا أَبَا هُرَيْرَة يَقُول مَا كَانَ أحد أعلم بِحَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منى إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب بِيَدِهِ ويعي بِقَلْبِه وَكنت أعي وَلَا أكتب وَاسْتَأْذَنَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْكِتَابَة عَنهُ فاذن لَهُ اسناد حسن وَقَالَ الْكرْمَانِي هَذِه مُتَابعَة نَاقِصَة سهلة المأخذ حَيْثُ ذكر المتابع عَلَيْهِ يَعْنِي هماماً ثمَّ أَنه يحْتَمل أَن يكون بَين البُخَارِيّ وَبَين معمر الرِّجَال الْمَذْكُورين بعينهم وَيحْتَمل أَن يكون غَيرهم كَمَا يحْتَمل أَن يكون من بَاب التَّعْلِيق عَن معمر قلت هَذِه احتمالات وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ طَريقَة أهل هَذَا الشَّأْن 114 - حدّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ قَالَ: حدّثني ابنُ وَهْبٍ أخْبرني يُونُسُ عنِ ابنِ شهَابٍ عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: لَمَّا اشْتدّ بالنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجَعُهُ قَالَ: (ائْتُونِي بِكِتَابٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتابا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ) قالَ عُمَرُ: إِن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
غَلَبَهُ الوجَعُ، وعنْدَنَا كِتابُ اللَّهِ حَسْبُنَا، فاخْتَلفوا وكَثُرَ اللَّغَطُ، قالَ: (عَنِّي ولاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التنَازُعُ) . فَخَرَج ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزيَّةِ مَا حالَ بَيْنَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَيْنَ كِتابِهِ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى بن سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي أَبُو سعيد، سكن مصر وَمَات بهَا سنة سبع أَو ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن وهب بن مُسلم الْمصْرِيّ. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد الله بن عبد الله، بتصغير الابْن وتكبير الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود أَبُو عبد الله الْفَقِيه الْأَعْمَى، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومصري ومدني. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الطِّبّ عَن عبيد الله بن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق وَفِيه وَفِي الِاعْتِصَام عَن ابْن إِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى عَن هِشَام بن يُوسُف كِلَاهُمَا عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن رَاهَوَيْه، وَفِي الطِّبّ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَنهُ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (لما اشْتَدَّ) أَي: لما قوي. قَوْله: (اللَّغط) ، بِالتَّحْرِيكِ: الصَّوْت والجلبة. وَقَالَ الْكسَائي: اللَّغط، بِسُكُون الْغَيْن، لُغَة فِيهِ، وَالْجمع ألغاط. وَقَالَ اللَّيْث: اللَّغط أصوات مُبْهمَة لَا تفهم. تَقول: لغط الْقَوْم وألغط الْقَوْم مثل: لغطوا. قَوْله: (الرزيئة) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الزَّاي بعْدهَا يَاء ثمَّ همزَة، وَقد تسهل الْهمزَة وتشدد الْيَاء، وَمَعْنَاهَا: الْمُصِيبَة. . وَفِي (الْعباب) الرزء الْمُصِيبَة وَالْجمع الارزاء وَكَذَلِكَ المرزية والرزيئة وَجمع الرزيئة الرزايا وَقد رزأته رزيئة أَي أَصَابَته مُصِيبَة ورزأته رزأ بِالضَّمِّ ومرزئة إِذا أصبت مِنْهُ خيرا مَا كَانَ، وَيَقُول: مَا رزأت مَاله، وَمَا رزئته بِالْكَسْرِ أَي: مَا نقصته. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (لما) ظرف بِمَعْنى: حِين. قَوْله: (وَجَعه) بِالرَّفْع فَاعل: (اشْتَدَّ) . قَوْله: (قَالَ) جَوَاب (لما) وَقَوله: (ائْتُونِي) مقول القَوْل. قَوْله: (اكْتُبْ) مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، وَيجوز الرّفْع للاستئناف. قَوْله: (كتابا) مفعول: (اكْتُبْ) . قَوْله: (لَا تضلوا) نفي، وَلَيْسَ بنهي، وَقد حذفت مِنْهُ النُّون لِأَنَّهُ بدل من جَوَاب الْأَمر، وَقد جوز بعض النُّحَاة تعدد جَوَاب الْأَمر من غير حرف الْعَطف، و: (بعده) نصب على الظّرْف. قَوْله: (إِن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، غَلبه الوجع) مقول قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ، وغلبه الوجع، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، وَالْفَاعِل وَهُوَ: الوجع، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. قَوْله: (كتاب الله) . كَلَام إضافي مُبْتَدأ، و (عندنَا) مقدما خَبره، و: (الْوَاو) ، للْحَال. قَوْله: (حَسبنَا) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ حَسبنَا. أَي: كافينا. قَوْله: (فَاخْتَلَفُوا) تَقْدِيره: فَعِنْدَ ذَلِك اخْتلفُوا. قَوْله: (وَكثر اللَّغط) بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة جملَة معطوفة على الْجُمْلَة الأولى، وَيجوز أَن تكون الْوَاو للْحَال، وَالْألف وَاللَّام فِي: اللَّغط، عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: فَاخْتَلَفُوا وَالْحَال أَنهم قد كثر لغطهم. قَوْله: (قومُوا عني) أَي: قومُوا مبعدين عني، فَهَذَا الْفِعْل يسْتَعْمل بِاللَّامِ نَحْو: {قومُوا لله} (الْبَقَرَة: 238) وبإلى نَحْو: {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: 6) وبالباء نَحْو: قَامَ بِأَمْر كَذَا، وَبِغير صلَة نَحْو: قَامَ زيد. وتختلف الْمعَانِي باخْتلَاف الصلات لتضمن كُله صلَة معنى يُنَاسِبهَا. قَوْله: (وَلَا يَنْبَغِي) من أَفعَال المطاوعة، تَقول: بغيته فانبغى، كَمَا تَقول: كَسرته فانكسر. وَقَوله: (التَّنَازُع) فَاعله. قَوْله: (يَقُول) حَال من ابْن عَبَّاس. قَوْله: (كل الرزيئة) مَنْصُوب على النِّيَابَة عَن الْمصدر، وَمثل هَذَا يعد من المفاعيل الْمُطلقَة. قَوْله: (مَا حَال) فِي مَحل الرّفْع، لِأَنَّهُ خبر: إِن. و: مَا، مَوْصُولَة، و: حَال، صلتها أَي: حجز أَي: صَار حاجزا. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (وَجَعه) أَي: فِي مرض مَوته، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي: (لما حضر) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (لما حضرت النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الْوَفَاة) . وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ من رِوَايَة سعيد بن جُبَير: إِن ذَلِك كَانَ يَوْم الْخَمِيس
وَهُوَ قبل مَوته بأَرْبعَة أَيَّام. قَوْله: (ائْتُونِي بِكِتَاب) فِيهِ حذف لِأَن حق الظَّاهِر أَن يُقَال: ائْتُونِي بِمَا يكْتب بِهِ الشَّيْء: كالدواة والقلم. وَالْكتاب بِمَعْنى: الْكِتَابَة، وَالتَّقْدِير: ائْتُونِي بأدوات الْكِتَابَة، أَو يكون أَرَادَ بِالْكتاب مَا من شَأْنه أَن يكْتب فِيهِ نَحْو الكاغد والكتف. وَقد صرح فِي (صَحِيح) مُسلم بالتقدير الْمَذْكُور حَيْثُ قَالَ: (ائْتُونِي بالكتف والدواة) ، وَالْمرَاد بالكتف عظم الْكَتف، لأَنهم كَانُوا يَكْتُبُونَ فِيهِ. قَوْله: (اكْتُبْ لكم كتابا) أَي: آمُر بِالْكِتَابَةِ. نَحْو: كسى الْخَلِيفَة الْكَعْبَة، أَي: أَمر بالكسوة، وَيحْتَمل أَن يكون على حَقِيقَته، وَقد ثَبت أَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب بِيَدِهِ. وَلَكِن ورد فِي (مُسْند أَحْمد) من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه الْمَأْمُور بذلك، وَلَفظه: أَمرنِي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن آتيه بطبق أَي: كتف، يكْتب مَا لَا تضل أمته من بعده. وَاعْلَم أَن بَين الْكِتَابَيْنِ جناس تَامّ، وَلَكِن أَحدهمَا بِالْحَقِيقَةِ، وَالْآخر بالمجاز. قَوْله: (لَا تضلوا) ويروى: (لن تضلوا) ، بِفَتْح التَّاء وَكسر الضَّاد من الضَّلَالَة ضد الرشاد، يُقَال: ضللت، بِكَسْر اللَّام: أضلّ، بِكَسْر الضَّاد وَهِي الفصيحة، وَأهل الْعَالِيَة يَقُول ضللت بِالْكَسْرِ أضلّ بِالْفَتْح. وَجَاء: يضل بِالْكَسْرِ بِمَعْنى ضَاعَ وَهلك. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْكتاب الَّذِي همَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بكتابته، قَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ أَن ينص على الْإِمَامَة بعده فترتفع تِلْكَ الْفِتَن الْعَظِيمَة كحرب الْجمل وصفين. وَقيل: أَرَادَ أَن يبين كتابا فِيهِ مهمات الْأَحْكَام ليحصل الِاتِّفَاق على الْمَنْصُوص عَلَيْهِ، ثمَّ ظهر للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْمصلحَة تَركه، أَو أُوحِي إِلَيْهِ بِهِ. وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: أَرَادَ أَن ينص على أسامي الْخُلَفَاء بعده حَتَّى لَا يَقع مِنْهُم الِاخْتِلَاف، وَيُؤَيِّدهُ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ فِي أَوَائِل مَرضه، وَهُوَ عِنْد عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا: (ادعِي لي أَبَاك وأخاك حَتَّى أكتب كتابا، فَإِنِّي أَخَاف أَن يتَمَنَّى متمني، وَيَقُول قَائِل، ويأبى الله والمؤمنون إلاَّ أَبَا بكر) . أخرجه مُسلم. وللبخاري مَعْنَاهُ، وَمَعَ ذَلِك فَلم يكْتب. قَوْله: (قَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ: إِن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، غَلبه الوجع وَعِنْدنَا كتاب الله حَسبنَا) . قَالَ النَّوَوِيّ: كَلَام عمر، رَضِي الله عَنهُ، هَذَا مَعَ علمه وفضله لِأَنَّهُ خشِي أَن يكْتب أمورا فيعجزوا عَنْهَا، فيستحقوا الْعقُوبَة عَلَيْهَا لِأَنَّهَا منصوصة لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قصد عمر، رَضِي الله عَنهُ، التَّخْفِيف على النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حِين غَلبه الوجع. وَلَو كَانَ مُرَاده، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن يكْتب مَا لَا يستغنون عَنهُ لم يتركهم لاختلافهم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد حكى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أهل الْعلم، قيل: إِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَرَادَ أَن يكْتب اسْتِخْلَاف أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ، ثمَّ ترك ذَلِك اعْتِمَادًا على مَا علمه من تَقْدِير الله تَعَالَى. وَذَلِكَ كَمَا همَّ فِي أول مَرضه حِين قَالَ: وارأساه، ثمَّ ترك الْكتاب، وَقَالَ: يأبي الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر، ثمَّ قدمه فِي الصَّلَاة. وَقد كَانَ سبق مِنْهُ قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا اجْتهد وَأَخْطَأ فَلهُ أجر) . وَفِي تَركه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِنْكَار على عمر، رَضِي الله عَنهُ، دَلِيل على استصوابه. فَإِن قيل: كَيفَ جَازَ لعمر، رَضِي الله عَنهُ، أَن يعْتَرض على مَا أَمر بِهِ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ قيل لَهُ: قَالَ الْخطابِيّ: لَا يجوز أَن يحمل قَوْله أَنه توهم الْغَلَط عَلَيْهِ أَو ظن بِهِ غير ذَلِك مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ بِحَالهِ، لكنه لما رأى مَا غلب عَلَيْهِ من الوجع وَقرب الْوَفَاة خَافَ أَن يكون ذَلِك القَوْل مِمَّا يَقُوله الْمَرِيض مِمَّا لَا عَزِيمَة لَهُ فِيهِ، فيجد المُنَافِقُونَ بذلك سَبِيلا إِلَى الْكَلَام فِي الدّين. وَقد كَانَت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، يراجعون النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي بعض الْأُمُور قبل أَن يجْزم فِيهَا، كَمَا راجعوه يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَفِي الْخلاف وَفِي الصُّلْح بَينه وَبَين قُرَيْش، فَإِذا أَمر بالشَّيْء أَمر عَزِيمَة فَلَا يُرَاجِعهُ أحد. قَالَ: وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ فِيمَا لم ينزل عَلَيْهِ فِيهِ الْوَحْي، وَأَجْمعُوا كلهم على أَنه لَا يقر عَلَيْهِ. قَالَ: وَمَعْلُوم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِن كَانَ قد رفع دَرَجَته فَوق الْخلق كلهم، فَلم يتنزه من الْعَوَارِض البشرية، فقد سَهَا فِي الصَّلَاة، فَلَا يُنكر أَن يظنّ بِهِ حُدُوث بعض هَذِه الْأُمُور فِي مَرضه، فَيتَوَقَّف فِي مثل هَذِه الْحَال حَتَّى يتَبَيَّن حَقِيقَته، فلهذه الْمعَانِي وَشبههَا توقف عمر، رَضِي الله عَنهُ. وَأجَاب الْمَازرِيّ عَن السُّؤَال بِأَنَّهُ: لَا خلاف أَن الْأَوَامِر قد تقترن بهَا قَرَائِن تصرفها من النّدب إِلَى الْوُجُوب، وَعَكسه عِنْد من قَالَ: إِنَّهَا للْوُجُوب وَإِلَى الْإِبَاحَة، وَغَيرهَا من الْمعَانِي، فَلَعَلَّهُ ظهر من الْقَرَائِن مَا دلّ على أَنه لم يُوجب ذَلِك عَلَيْهِم، بل جعله إِلَى اختيارهم، وَلَعَلَّه اعْتقد أَنه صدر ذَلِك مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من غير قصد جازم، فَظهر ذَلِك لعمر، رَضِي الله عَنهُ، دون غَيره. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: (ائْتُونِي) أَمر، وَكَانَ حق الْمَأْمُور أَن يُبَادر للامتثال، لَكِن ظهر لعمر، رَضِي الله عَنهُ، وَطَائِفَة أَنه لَيْسَ على الْوُجُوب، وَأَنه من بَاب الْإِرْشَاد إِلَى الْأَصْلَح، فكرهوا أَن يكلفوه من ذَلِك مَا يشق عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالة مَعَ استحضارهم قَوْله تَعَالَى: {مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء}
- (باب العلم والعظة بالليل)
(الْأَنْعَام: 38) وَقَوله تَعَالَى: {تبيانا لكل شَيْء} (النَّحْل: 89) وَلِهَذَا قَالَ عمر: رَضِي الله عَنهُ: حَسبنَا كتاب الله. وَظهر لطائفة أُخْرَى أَن الأولى أَن يكْتب، لما فِيهِ من امْتِثَال أمره وَمَا يتضمنه من زِيَادَة الْإِيضَاح، وَدلّ أمره لَهُم بِالْقيامِ على أَن أمره الأول كَانَ على الِاخْتِيَار، وَلِهَذَا عَاشَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة والسلامغ، بعد ذَلِك أَيَّامًا وَلم يعاود أَمرهم بذلك. وَلَو كَانَ وَاجِبا لم يتْركهُ لاختلافهم، لِأَنَّهُ لم يتْرك التَّكْلِيف لمُخَالفَة من خَالف. وَالله أعلم. قَوْله: (عِنْدِي) . وَفِي بعض النّسخ: (عني) أَي: عَن جهتي. قَوْله: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُع) فِيهِ إِشْعَار بِأَن الأولى كَانَ الْمُبَادرَة إِلَى امْتِثَال الْأَمر، وَإِن كَانَ مَا اخْتَارَهُ عمر، رَضِي الله عَنهُ، صَوَابا. قَوْله: (فَخرج ابْن عَبَّاس يَقُول) ظَاهره أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ مَعَهم، وَأَنه فِي تِلْكَ الْحَالة خرج قَائِلا هَذِه الْمقَالة، وَلَيْسَ الْأَمر فِي الْوَاقِع على مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الظَّاهِر، بل قَول ابْن عَبَّاس إِنَّمَا كَانَ يَقُول عِنْد مَا يتحدث بِهَذَا الحَدِيث، فَفِي رِوَايَة معمر فِي البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام وَغَيره، قَالَ عبيد الله: فَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول، وَكَذَا لِأَحْمَد من طَرِيق جرير بن حَازِم عَن يُونُس بن يزِيد، وَوجه رِوَايَة حَدِيث الْبَاب أَن ابْن عَبَّاس لما حدث عبيد الله بِهَذَا الحَدِيث، خرج من الْمَكَان الَّذِي كَانَ بِهِ، وَهُوَ يَقُول ذَلِك، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) ، قَالَ عبيد الله: فَسمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول ... الخ، وَإِنَّمَا تعين حمله على غير ظَاهره لِأَنَّهُ عبيد الله تَابِعِيّ من الطَّبَقَة الثَّانِيَة لم يدْرك الْقِصَّة فِي وَقتهَا، لِأَنَّهُ ولد بعد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمدَّة طَوِيلَة، ثمَّ سَمعهَا من ابْن عَبَّاس بعد ذَلِك بِمدَّة أُخْرَى. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بطلَان مَا يَدعِيهِ الشِّيعَة من وصاية رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالْإِمَامَةِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ عِنْد عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، عهد من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لأحال عَلَيْهَا. الثَّانِي: فِيهِ مَا يدل على فَضِيلَة عمر، رَضِي الله عَنهُ، وفقهه. الثَّالِث: فِي قَوْله: (ائْتُونِي بِكِتَاب أكتب لكم) دلَالَة على أَن للْإِمَام أَن يُوصي عِنْد مَوته بِمَا يرَاهُ نظرا للْأمة. الرَّابِع: فِي ترك الْكتاب إِبَاحَة الِاجْتِهَاد، لِأَنَّهُ وَكلهمْ إِلَى أنفسهم واجتهادهم. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة، وَالْبَاب مَعْقُود عَلَيْهِ. 40 - (بابُ العِلْمِ والعِظَةِ باللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعلم، والعظة أَي: الْوَعْظ بِاللَّيْلِ، وَفِي بعض النّسخ: واليقظة، وَهَذَا أنسب للتَّرْجَمَة، وَفِي بعض النّسخ هَذَا الْبَاب مُتَأَخّر عَن الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول كِتَابَة الْعلم الدَّالَّة على الضَّبْط وَالِاجْتِهَاد، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ تَعْلِيم الْعلم وَالْمَوْعِظَة بِاللَّيْلِ، الدَّال كل مِنْهُمَا على قُوَّة الِاجْتِهَاد وَشدَّة التَّحْصِيل. 115 - حدّثنا صَدَقَةُ قَالَ: أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِنْدٍ عنْ أمِّ سَلَمَة وعَمْرٍ وويَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ هِنْدٍ عنْ أمِّ سَلَمَةَ قَالَت: اسْتَيْقَظَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: (سُبْحانَ اللَّهِ {ماذَا أنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتن} وماذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِن {أَيْقَظُوا صَوَاحِبَ الحُجَرِ، فَرُبَّ كاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ) .. الْبَاب لَهُ ترجمتان: الْعلم والعظة، أَو الْيَقَظَة بِاللَّيْلِ، فمطابقتة الحَدِيث للتَّرْجَمَة الأولى فِي قَوْله: (مَا أنزل اللَّيْلَة من الْفِتَن} وماذا فتح من الخزائن!) . وَقَوله: (فَرب كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية فِي الْآخِرَة) . ومطابقته للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة فِي قَوْله: (أيقظوا صَوَاحِب الْحجر) . بَيَان رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: صَدَقَة بن فضل الْمروزِي، أَبُو الْفضل، انْفَرد بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ البُخَارِيّ عَن السِّتَّة، وَكَانَ حَافِظًا إِمَامًا، مَاتَ سنة ثَلَاث، وَقيل: سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عمر بن دِينَار. السَّادِس: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَأَخْطَأ من قَالَ: إِنَّه يحيى بن سعيد الْقطَّان. لِأَنَّهُ لم يسمع من الزُّهْرِيّ وَلَا لقِيه. السَّابِع: هِنْد بنت الْحَارِث الفراسية، وَيُقَال: القرشية، وَعند الدَّاودِيّ: الْقَادِسِيَّة، وَلَا وَجه لَهُ. كَانَت زَوْجَة لمعبد بن الْمِقْدَاد، وَفِي (التَّهْذِيب) أسقط معبدًا وَهُوَ وهم، روى لَهَا الْجَمَاعَة إلاَّ مُسلما. الثَّامِن: أم سَلمَة، هِنْد. وَقيل: رَملَة، زوج النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بنت أبي أُميَّة حُذَيْفَة. وَيُقَال: سهل بن الْمُغيرَة
بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم، كَانَت عِنْد أبي سَلمَة فَتوفي عَنْهَا، فَتَزَوجهَا النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رُوِيَ لَهَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِية وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على ثَلَاثَة عشر حَدِيثا. هَاجَرت إِلَى الْحَبَشَة وَإِلَى الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن سعد: هَاجر بهَا أَبُو سَلمَة إِلَى الْحَبَشَة فِي الهجرتين جَمِيعًا. فَولدت لَهُ هُنَاكَ زَيْنَب، ثمَّ ولدت بعْدهَا سَلمَة وَعمر ودرة. تزَوجهَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي شَوَّال سنة أَربع، وَتوفيت سنة تسع وَخمسين، وَقيل: فِي خلَافَة يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَولي يزِيد فِي رَجَب سنة سِتِّينَ وَتُوفِّي فِي ربيع سنة أَربع وَسِتِّينَ وَكَانَ لَهَا حِين توفيت أَربع وَثَمَانُونَ سنة، فصلى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، فِي الْأَصَح، وَاتَّفَقُوا أَنَّهَا دفنت بِالبَقِيعِ، روى لَهَا الْجَمَاعَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صحابية عَن صحابية على قَول من قَالَ: إِن هندا صحابية إِن صَحَّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الأقران فِي موضِعين: أَحدهمَا ابْن عُيَيْنَة عَن معمر، وَالثَّانِي: عَمْرو وَيحيى عَن الزُّهْرِيّ. بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات: قَوْله: (عَن هِنْد) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عَن امْرَأَة) . وَقَوله: عَن امْرَأَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: عَن هِنْد، وَالْحَاصِل أَن الزُّهْرِيّ رُبمَا كَانَ سَمَّاهَا باسمها، رُبمَا أبهمها. قَوْله: (وَعَمْرو) بِالْجَرِّ عطف على معمر، يَعْنِي: ابْن عُيَيْنَة، يروي عَن معمر بن رَاشد وَعَن عَمْرو بن دِينَار وَعَن يحيى بن سعيد، ثَلَاثَتهمْ يروون عَن الزُّهْرِيّ، وَقد روى الْحميدِي هَذَا الحَدِيث فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: حَدثنَا عَمْرو وَيحيى بن سعيد عَن الزُّهْرِيّ، فَصرحَ بِالتَّحْدِيثِ عَن الثَّلَاثَة، وَيجوز وَعَمْرو بِالرَّفْع، وَرُوِيَ بِهِ، وَوَجهه أَن يكون استئنافا. وَقد جرت عَادَة ابْن عُيَيْنَة يحدث بِحَذْف صِيغَة الْأَدَاء. قَوْله: (وَيحيى) عطف على عَمْرو فِي الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي السَّنَد الأول مُتَّصِلا، فَذكر فِيهِ هندا، وَفِي السَّنَد الثَّانِي عَن امْرَأَة لم يسمهَا، وَقد سَمَّاهَا فِي بَقِيَّة الْأَبْوَاب، والاعتماد فِيهِ على الْمُتَّصِل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون أَي الْإِسْنَاد الثَّانِي تَعْلِيقا من البُخَارِيّ عَن عَمْرو، ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر الْأَصَح هُوَ الأول أَي الْإِسْنَاد الأول قلت: كِلَاهُمَا صَحِيحَانِ متصلان كَمَا ذكرنَا. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صَلَاة اللَّيْل عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر، وَفِي اللبَاس عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة فِي موضِعين من (كتاب الْأَدَب) عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَفِي الْفِتَن عَن إِسْمَاعِيل عَن إخيه عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق، كلهم عَن الزُّهْرِيّ عَن هِنْد بِهِ. قَالَ الْحميدِي: هَذَا الحَدِيث مِمَّا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَقَالَ: صَحِيح، وَأخرجه مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن شهَاب مُرْسلا. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (اسْتَيْقَظَ) بِمَعْنى تيقظ. وَلَيْسَ السِّين فِيهِ للطلب، كَمَا فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه) . وَمَعْنَاهُ انتبه من النّوم، وَهُوَ فعل، وفاعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ذَات لَيْلَة) أَي: فِي لَيْلَة، وَلَفْظَة: ذَات، مقحمة للتَّأْكِيد. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أما قَوْلهم: ذَات مرّة، و: ذُو صباح، فَهُوَ من ظروف الزَّمَان الَّتِي لَا تتمكن تَقول: لَقيته ذَات يَوْم وَذَات لَيْلَة. قلت: إِنَّمَا لم يتَصَرَّف: ذَات مرّة. وَذَات يَوْم، و: ذُو صباح، و: ذُو مسَاء، لأمرين: أَحدهمَا: أَن إضافتها من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم، لِأَن قَوْلك: لقيتك ذَات مرّة وَذَات يَوْم، قِطْعَة من الزَّمَان ذَات مرّة وَذَات يَوْم، أَي: صَاحِبَة هَذَا الِاسْم، وَكَذَا: ذُو صباح وَذُو مسَاء. أَي: وَقت ذُو صباح أَي صَاحب هَذَا الِاسْم، فحذفت الظروف وأقيمت صفاتها مقَامهَا فأعربت بإعرابها، وَإِضَافَة الْمُسَمّى للإسم قَليلَة لِأَنَّهَا تفيده بِدُونِ الْمُضَاف مَا تفِيد مَعَه. الثَّانِي: أَن ذَات وَذُو من ذَات مرّة وَأَخَوَاتهَا لَيْسَ لَهما تمكن من ظروف الزَّمَان لِأَنَّهُمَا ليسَا من أَسمَاء الزَّمَان. وَزعم السُّهيْلي أَن ذَات مرّة وَذَات يَوْم لَا يتصرفان فِي لُغَة خثعم وَلَا غَيرهَا. قَوْله: (فَقَالَ) عطف على: اسْتَيْقَظَ. قَوْله: (سُبْحَانَ الله) مقول القَوْل، وَسُبْحَان، علم للتسبيح: كعثمان، علم للرجل، وانتصابه على المصدرية، وَالتَّسْبِيح فِي اللُّغَة التَّنْزِيه، وَالْمعْنَى هُنَا: أنزه الله تَنْزِيها عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ، واستعماله هُنَا للتعجب، لِأَن الْعَرَب قد تستعمله فِي مقَام التَّعَجُّب. قَوْله: (مَاذَا) فِيهِ أوجه: الأول: أَن يكون مَا، استفهاما، و: ذَا، إِشَارَة، نَحْو: مَاذَا الْوُقُوف؟ ، الثَّانِي: أَن تكون مَا، استفهاما، وَذَا، مَوْصُولَة بِمَعْنى: الَّذِي. الثَّالِث: أَن تكون: مَاذَا كلمة اسْتِفْهَام على التَّرْكِيب، كَقَوْلِك: لماذا جِئْت؟ الرَّابِع: أَن تكون: مَا، نكرَة مَوْصُوفَة بِمَعْنى شَيْء. الْخَامِس: أَن تكون: مَا، زَائِدَة، و: ذَا للْإِشَارَة. السَّادِس: أَن تكون: مَا، استفهاما
وَذَا، زَائِدَة أجَازه جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَالك. قَوْله: (أنزل) على صِيغَة الْمَجْهُول. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أنزل الله) ، والإنزال فِي اللُّغَة إِمَّا بِمَعْنى الإيواء كَمَا يُقَال: أنزل الْجَيْش بِالْبَلَدِ، وَنزل الْأَمِير بِالْقصرِ، وَإِمَّا بِمَعْنى تَحْرِيك الشَّيْء من علو إِلَى سفل، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء} (الْمُؤْمِنُونَ: 18، الْفرْقَان: 48، لُقْمَان: 10) وَهَذَانِ المعنيان لَا يتحققان فِي: أنزل الله، فَهُوَ مُسْتَعْمل فِي معنى مجازي بِمَعْنى: أعلم الله الْمَلَائِكَة بِالْأَمر الْمُقدر، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي أنزل الله الْقُرْآن، فَمن قَالَ: إِن الْقُرْآن معنى قَائِم بِذَات الله تَعَالَى، فإنزاله أَن يُوجد الْكَلِمَات والحروف الدَّالَّة على ذَلِك الْمَعْنى، ويثبتها فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَمن قَالَ: الْقُرْآن هُوَ الْأَلْفَاظ، فإنزاله مُجَرّد إثْبَاته فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، لِأَن الْإِنْزَال إِنَّمَا يكون بعد الْوُجُود، وَالْمرَاد بإنزال الْكتب السماوية أَن يتلقاها الْملك من الله تلقيا روحانيا أَو يحفظها من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَينزل بهَا فيلقيها على الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَكَأن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أُوحِي إِلَيْهِ فِي يَوْمه ذَلِك بِمَا سيقع بعده من الْفِتَن، فَعبر عَنهُ بالإنزال. قَوْله: (اللَّيْلَة) بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَمَا فتح من الخزائن) الْكَلَام فِيهِ من جِهَة الْإِعْرَاب مثل الْكَلَام فِيمَا أنزل، وَعبر عَن الرَّحْمَة بالخزائن، كَقَوْلِه: (خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي) ، وَعَن الْعَذَاب بالفتن لِأَنَّهَا أَسبَاب مؤدية إِلَى الْعقَاب. وَقَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على أَن الْفِتَن تكون فِي المَال وَفِي غَيره لقَوْله: (مَاذَا أنزل من الْفِتَن {وماذا فتح من الخزائن} ) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: (مَاذَا أنزل اللَّيْلَة من الْفِتَن) وَهُوَ مَا فتح من الخزائن. قَالَ: وَقد يعْطف الشَّيْء على نَفسه تَأْكِيدًا، لِأَن مَا يفتح من الخزائن يكون سَببا للفتنة، وَاحْتج الأول بقول حُذَيْفَة، رَضِي الله عَنهُ: فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله يكفرهَا الصَّلَاة وَالصَّدَََقَة. قلت: الْمَعْنى أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رأى فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمَنَام، وَفِيه أَنه سيقع بعده فتن. وَأَنه يفتح لأمته الخزائن. وَعرف عِنْد الاستيقاظ حَقِيقَته إِمَّا بالتعبير أَو بِالْوَحْي إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَة قبل النّوم أَو بعده. وَقد وَقعت الْفِتَن كَمَا هُوَ الْمَشْهُور، وَفتحت الخزائن حَيْثُ تسلطت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، على فَارس وَالروم وَغَيرهمَا، وَهَذَا من المعجزات حَيْثُ أخبر بِأَمْر قبل وُقُوعه فَوَقع مثل مَا أخبر. قَوْله: (أيقظوا) بِفَتْح الْهمزَة لِأَنَّهُ أَمر من الإيقاظ بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (صَوَاحِب الْحجر) كَلَام إضافي مَفْعُوله، وَأَرَادَ بهَا زَوْجَاته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ جمع: صَاحِبَة. وَالْحجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم: جمع حجرَة، وَأَرَادَ بهَا منَازِل زَوْجَاته، وَإِنَّمَا خصهن بالإيقاظ لِأَنَّهُنَّ الحاضرات حِينَئِذٍ أخْبرت بذلك أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا. كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَتهَا وَهُوَ الظَّاهِر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجوز أيقظوا، بِكَسْر الْهمزَة أَي: انتبهوا أَو الصواحب منادى لَو صحت الرِّوَايَة بِهِ. قلت: هَذَا مَمْنُوع من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: من جِهَة الرِّوَايَة حَيْثُ لم يَرْوُونَهُ هَكَذَا. وَالْآخر: من جِهَة اللَّفْظ، وَهُوَ أَنه لَو كَانَ كَذَلِك كَانَ يُقَال: أيقظن، لِأَن الْخطاب للنِّسَاء. قَوْله: (فَرب كاسية) أصل: رب، للتقليل، وَقد تسْتَعْمل للتكثير كَمَا فِي رب هَهُنَا، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنه لَيْسَ مَعْنَاهُ التقليل دَائِما خلافًا للأكثرين، وَلَا التكثير دَائِما خلافًا لِابْنِ درسْتوَيْه وَجَمَاعَة، بل ترد للتكثير كثيرا، وللتقليل قَلِيلا. فَمن الأول: {رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين} (الْحجر: 2) (وَرب كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم الْقِيَامَة) . وَمن الثَّانِي: قَول الشَّاعِر: (أَلا رب مَوْلُود وَلَيْسَ لَهُ أَب) وفيهَا لُغَات قد ذَكرنَاهَا مرّة، وفعلها الَّذِي تتَعَلَّق هِيَ بِهِ يَنْبَغِي أَن يكون مَاضِيا ويحذف غَالِبا. وَالتَّقْدِير: رب كاسية عَارِية عرفتها، وَالْمرَاد: إِمَّا اللَّاتِي تلبس رَقِيق الثِّيَاب الَّتِي لَا تمنع من إِدْرَاك الْبشرَة معاقبات فِي الْآخِرَة بفضيحة التعري، وَإِمَّا اللابسات للثياب الرقيقة النفيسة عاريات من الْحَسَنَات فِي الْآخِرَة، فندبهن على الصَّدَقَة وحضهن على ترك السَّرف فِي الدُّنْيَا، يَأْخُذن مِنْهَا أقل الْكِفَايَة ويتصدقن بِمَا سوى ذَلِك، وَهَذِه الْبلوى عَامَّة فِي هَذَا الزَّمَان لَا سِيمَا فِي نسَاء مصر، فَإِن الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ تتغالى فِي ثمن قَمِيص إِمَّا من عِنْدهَا أَو بتكليفها زَوجهَا حَتَّى تفصل قَمِيصًا بأكمام هائلة وذيل سابلة جدا، منجرة وَرَاءَهَا أَكثر من ذراعين، وكل كم من كميها يصلح أَن يكون قَمِيصًا معتدلاً، وَمَعَ هَذَا إِذا مشت يرى مِنْهَا أَكثر بدنهَا من نفس كمها، فَلَا شكّ أَنَّهُنَّ مِمَّن يدخلن فِي هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من جملَة معجزات النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيْثُ أخبر بذلك قبل وُقُوعه، لما علم باطلاع الله تَعَالَى إِيَّاه أَن مثل هَذَا سيقع فِي أمته من فتح الخزائن وَكَثْرَة الْأَمْوَال المؤدية إِلَى مثل هَذِه الجريمة وَغَيرهَا، وَلَكِن لما أَمر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بإيقاظ نِسَائِهِ خص تذكيره ووعظه لَهُنَّ بِهَذَا الْوَصْف تحذيرا لَهُنَّ عَن مُبَاشرَة الْإِسْرَاف الْمنْهِي عَنهُ، وَلِأَنَّهُ من الْأُمُور المؤدية إِلَى فَسَاد عَظِيم على مَا لَا يخفى. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: (رب كاسية) كالبيان لموجب استيقاظ الْأَرْوَاح، أَي: لَا يَنْبَغِي لَهُنَّ أَن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أهالي رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَي: رب كاسية حلى الزَّوْجِيَّة
باب السمر في العلم
المشرفة بهَا وَهِي عَارِية عَنْهَا فِي الْآخِرَة لَا تنفعها إِذا لم تضمها مَعَ الْعَمَل. قَالَ تَعَالَى: {فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون} (الْمُؤْمِنُونَ: 101) قَوْله: (كاسية) على وزن: فاعلة، من: كسا، وَلَكِن بِمَعْنى مَكْسُورَة، كَمَا فِي قَول الحطيئة. واقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي قَالَ الْفراء: يَعْنِي المكسو. كَقَوْلِك: مَاء دافق، وعيشة راضية. لِأَنَّهُ يُقَال: كسي الْعُرْيَان، وَلَا يُقَال: كسا. قَوْله: (عَارِية) بتَخْفِيف الْيَاء. قَالَ القَاضِي: أَكثر الرِّوَايَات بخفض عَارِية على الْوَصْف. وَقَالَ السُّهيْلي: الْأَحْسَن عِنْد سِيبَوَيْهٍ الْخَفْض على النَّعْت لِأَن: رب، عِنْده حرف جر يلْزم صدر الْكَلَام، وَيجوز الرّفْع كَمَا تَقول: رب رجل عَاقل على إِضْمَار مُبْتَدأ، وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع النَّعْت أَي: هِيَ عَارِية، وَالْفِعْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ: رب، مَحْذُوف. وَاخْتَارَ الْكسَائي أَن يكون رب أسما مُبْتَدأ، وَالْمَرْفُوع خَبَرهَا. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَن للرجل أَن يوقظ أَهله بِاللَّيْلِ للصَّلَاة وَلذكر الله تَعَالَى، لَا سِيمَا عِنْد آيَة تحدث أَو رُؤْيا مخوفة، وَجَوَاز قَول: سُبْحَانَ الله، عِنْد التَّعَجُّب واستحباب ذكر الله بعد الاستيقاظ وَغير ذَلِك. 41 - (بابُ السَّمَر فِي العِلْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر فِي الْعلم، هَذِه رِوَايَة أبي ذَر بِإِضَافَة الْبَاب إِلَى السمر، وَفِي رِوَايَة غَيره بَاب السمر فِي الْعلم بتنوين الْبَاب، وَقطع الْإِضَافَة، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، كَمَا ذكرنَا. والسمر، مُبْتَدأ: وَفِي الْعلم، فِي مَحل الصّفة، وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِيهِ السمر بِالْعلمِ أَي: بَيَان السمر بِالْعلمِ، و: السمر، بِفَتْح الْمِيم، هُوَ الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَيُقَال: السمر بِإِسْكَان الْمِيم، وَقَالَ عِيَاض: الأول هُوَ الرِّوَايَة. قَالَ ابْن سراج: الإسكان أولى، وَضَبطه بَعضهم بِهِ، وَأَصله لون الْقَمَر، لأَنهم كَانُوا يتحدثون إِلَيْهِ، وَمِنْه الأسمر لشبهه بذلك اللَّوْن. وَقَالَ غَيره: السمر، بِالْفَتْح: الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَأَصله لَا ُأكَلِّمهُ السمر وَالْقَمَر، أَي: اللَّيْل وَالنَّهَار. وَفِي (الْعباب) السمر المسامرة أَي: الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَقد سمر يسمر وَهُوَ سامر والسامر أَيْضا السمار وهم الْقَوْم يسمرون، كَمَا يُقَال للحجاج: حَاج كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {سامراً تهجرون} (الْمُؤْمِنُونَ: 67) أَي: سمارا يتحدثون، والسمر اللَّيْل والسمير الَّذِي يسامرك، وابنا سمير: اللَّيْل وَالنَّهَار لِأَنَّهُ يسمر فيهمَا، وَيُقَال: أَفعلهُ مَا سمر ابْنا سمير أَي: أبدا. وَيُقَال: السمر الدَّهْر، وابناه اللَّيْل وَالنَّهَار. وَلَا أَفعلهُ سمير اللَّيَالِي، وسجين اللَّيَالِي، أَي مَا دَامَ النَّاس يسمرون فِي لَيْلَة قَمْرَاء. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ، وَقد كَانَ التحدث بعد الْعشَاء مَنْهِيّا، وَهُوَ السمر. وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ السمر بِالْعلمِ، وَنبهَ بهما على أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يكون من الْخَيْر، وَأما السمر بِالْخَيرِ فَلَيْسَ بمنهي بل مَرْغُوب. فَافْهَم. 116 - حدّثنا سَعِيدُ بنُ غُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدّثني عَبْدُ الرَّحْمن بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمٍ وَأبي بَكْرِ بن سُلَيْمَانَ بنِ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ قالَ: صلَّى بنَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ فَقَالَ: (أرأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فإنَّ رَأْسَ مائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلى ظَهْرِ الأرْض أحَدٌ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حدث الصَّحَابَة بِهَذَا الحَدِيث بعد صَلَاة الْعشَاء وَهُوَ سمر بِالْعلمِ. بَيَان رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء، وَقد مر. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر أَبُو خَالِد، وَيُقَال: أَبُو الْوَلِيد الفهمي، مولى اللَّيْث بن سعد أَمِير مصر لهشام بن عبد الْملك. قَالَ ابْن سعد: كَانَت ولَايَته على مصر سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وَقَالَ يحيى بن معِين: كَانَ عِنْده من الزُّهْرِيّ كتاب فِيهِ مِائَتَا حَدِيث أَو ثَلَاثمِائَة، كَانَ اللَّيْث يحدث بهَا عَنهُ، وَكَانَ جده شهد فتح بَيت الْمُقَدّس مَعَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح. وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ ثبتا فِي الحَدِيث، توفّي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَقد تقدم. السَّادِس: أَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، واسْمه عبد الله بن حُذَيْفَة، وَقيل: عدي بن كَعْب بن حُذَيْفَة بن غَانِم بن عبد الله بن عويج
بن عدي بن كَعْب القريشي الْعَدوي. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَبُو بكر هَذَا لَيْسَ لَهُ اسْم، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث خَاصَّة مَقْرُونا بسالم كَمَا ترى، وَمُسلم غير مقرون، وَكَانَ من عُلَمَاء قُرَيْش، روى عَن سعيد بن زيد وَأبي هُرَيْرَة أَيْضا، وروى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَغَيره. أخرجُوا لَهُ خلا ابْن مَاجَه. وَقَالَ ابْن حبَان: ثِقَة، وَلَيْسَ لَهُ حَدِيث عِنْد مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا سواهُ. السَّابِع: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ أَرْبَعَة من التَّابِعين، وهم: عبد الرَّحْمَن وَابْن شهَاب وَسَالم وَأَبُو بكر. وَمِنْهَا: أَن أَبَا بكر لَيْسَ لَهُ حَدِيث عِنْد البُخَارِيّ غير هَذَا، وَمَعَ هَذَا روى لَهُ مَقْرُونا بسالم. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَعَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم وَأبي بكر بن أبي حثْمَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، وَعَن أبي رَافع وَعبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، قَالَ: وَرَوَاهُ اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (حَدثنِي اللَّيْث قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (حَدثنِي اللَّيْث حَدثهُ عبد الرَّحْمَن) أَي: أَنه حَدثهُ عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (صلى لنا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) وَفِي رِوَايَة: (صلى بِنَا) وَمعنى اللَّام: صلى إِمَامًا لنا وإلاَّ فَالصَّلَاة لله لَا لَهُم. قَوْله: (الْعشَاء) أَي: صَلَاة الْعشَاء، وَهِي الصَّلَاة الَّتِي وَقتهَا بعد غرُوب الشَّفق، وَهُوَ بِكَسْر الْعين وبالمد، وَالْعشَاء بِالْفَتْح وبالمد: الطَّعَام. قَوْله: (فِي آخر حَيَاته) ، وَجَاء فِي رِوَايَة جَابر أَن ذَلِك كَانَ قبل مَوته، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، بِشَهْر. قَوْله: (قَامَ) جَوَاب: لما. قَوْله: (أَرَأَيْتكُم؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَفتح الرَّاء وبالخطاب للْجمع وَالْكَاف ضمير ثَان وَلَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، والرؤية بِمَعْنى الإبصار، و (ليلتكم) بِالنّصب مَفْعُوله، وَلَيْسَت الرُّؤْيَة هَهُنَا بِمَعْنى الْعلم لِأَنَّهَا إِذا كَانَت بِمَعْنى الْعلم تَقْتَضِي مفعولين، وَلَيْسَ هَهُنَا إلاَّ مفعول وَاحِد وَهُوَ اللَّيْلَة كَمَا ذكرنَا، و: كم، لَا تصلح أَن تكون مَفْعُولا آخر حَتَّى تكون بِمَعْنى الْعلم لِأَنَّهُ حرف لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب كَمَا ذكرنَا، وَلَو كَانَ اسْما لوَجَبَ أَن يُقَال: أرأيتموكم لِأَن الْخطاب لجَماعَة، فَإِذا كَانَ لجَماعَة يجب أَن يكون بِالتَّاءِ وَالْمِيم كَمَا فِي علمتموكم، رِعَايَة للمطابقة. فَإِن قلت: فَهَذَا يلزمك أَيْضا فِي التَّاء، فَإِن التَّاء اسْم فَيَنْبَغِي أَن يكون: أرأيتموكم. قلت: لما كَانَ الْكَاف وَالْمِيم لمُجَرّد الْخطاب اختصرت عَن التَّاء وَالْمِيم بِالتَّاءِ وَحدهَا للْعلم بِأَنَّهُ جمع، تَقول: كم، وَالْفرق بَين حرف الْخطاب وَاسم الْخطاب أَن الِاسْم يَقع مُسْندًا وَمُسْندًا إِلَيْهِ، والحرف عَلامَة تسْتَعْمل مَعَ اسْتِقْلَال الْكَلَام واستغنائه عَنْهَا بِاعْتِبَار الْمسند والمسند إِلَيْهِ، فوزانها وزان التَّنْوِين وياء النِّسْبَة، وَأَيْضًا اسْم الْخطاب يدل على عين وَمعنى الْخطاب، وحرفه لَا يدل إلاَّ على الثَّانِي. وَقَالَ بَعضهم: الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم أَو الْبَصَر، وَالْمعْنَى: أعلمتم، أَو أبصرتم ليلتكم؟ قلت: قد بَينا أَنه لَا يَصح أَن تكون من الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم، وَهَذَا تصرف من لَا يَد لَهُ فِي الْعَرَبيَّة، وَيُقَال: أَرَأَيْتكُم كلمة تَقُولهَا الْعَرَب إِذا أَرَادَت الاستخبار، وَهُوَ بِفَتْح التَّاء للمذكر والمؤنث وَالْجمع والمفرد، تَقول: أرأيتَكَ، أرأيتَكِ، وأرأيتَكُما وأرأيتَكُم. وَالْمعْنَى: أخبر وأخبري وأخبراني وأخبروني، فَإِن أردْت معنى الرُّؤْيَة أنثت وجمعت. وَقَالَ بَعضهم: الْجَواب مَحْذُوف تَقْدِيره: قَالُوا نعم، قَالَ: فاضبطوه. قلت: كَأَن هَذَا الْقَائِل أَخذ كَلَامه من الزَّرْكَشِيّ فِي حَوَاشِيه، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه احفظوها، أَو احْفَظُوا تاريخها، فَإِن بعد انْقِضَاء مائَة سنة لَا يبْقى مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أحد، انْتهى، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن الْمَعْنى: أبصرتم ليلتكم هَذِه، وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى جَوَاب لِأَن هَذَا لَيْسَ باستفهام حَقِيقِيّ. قَوْله: (فَإِن رَأس) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فَإِن على رَأس مائَة) . فَإِن قلت: مَا اسْم إِن؟ قلت: فِيهِ ضمير الشَّأْن. وَقَوله: (لَا يبْقى) خَبَرهَا. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من تِلْكَ اللَّيْلَة، وَقد اسْتدلَّ بعض اللغويين بقوله: مِنْهَا، أَن: من، تكون لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان: كمنذ، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين. وَقَالَ البصريون: لَا تدخل: من إلاَّ على الْمَكَان ومنذ، فِي الزَّمَان نظيرة: من، فِي الْمَكَان، وتأولوا مَا جَاءَ بِخِلَافِهِ، وَاحْتج من نصر قَول الْكُوفِيّين بقوله تَعَالَى: {من أول يَوْم} (التَّوْبَة: 108) وَبقول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: (وَلم يجلس عِنْدِي من يَوْم قيل فيَّ مَا قيل) . وَقَول أنس، رَضِي الله عَنهُ: (وَمَا زلت أحب الدُّبَّاء من يَوْمئِذٍ) . وَقَول بعض الصَّحَابَة: (مُطِرْنَا من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة) . وَأجَاب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي عَن قَوْله: {من أول يَوْم} (التَّوْبَة: 108) بِأَن
التَّقْدِير، من تأسيس أول يَوْم، وَضَعفه بَعضهم بِأَن التأسيس لَيْسَ بمَكَان. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: التَّقْدِير من أول يَوْم من أَيَّام وجوده. قلت: هَذَا جنوح إِلَى مَذْهَب الْكُوفِيّين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد أَن كل من كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة على الأَرْض لَا يعِيش بعْدهَا أَكثر من مائَة سنة، سَوَاء قل عمره قبل ذَلِك أم لَا، وَلَيْسَ فِيهِ نفي عَيْش أحد بعد تِلْكَ اللَّيْلَة فَوق مائَة سنة. وَيُقَال: معنى الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعظهم بقصر أعمارهم بِخِلَاف غَيرهم من سالف الْأُمَم، وَقد احْتج البُخَارِيّ وَمن قَالَ بقوله على موت الْخضر، وَالْجُمْهُور على خِلَافه. وَمن قَالَ بِهِ أجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ من سَاكِني الْبَحْر فَلَا يدْخل فِي الحَدِيث. وَمن قَالَ: إِن معنى الحَدِيث: لَا يبْقى مِمَّن تَرَوْنَهُ وتعرفونه، فَالْحَدِيث عَام أُرِيد بِهِ الْخُصُوص. وَقيل: أَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْأَرْضِ الْبَلدة الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقد قَالَ تَعَالَى: {ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة} (النِّسَاء: 97) يُرِيد الْمَدِينَة. وَقَوله: مِمَّن هُوَ على وَجه الأَرْض احْتِرَاز عَن الْمَلَائِكَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا تَقول فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام؟ قلت: فَهُوَ لَيْسَ على وَجه الأَرْض بل فِي السَّمَاء، أَو هُوَ من النَّوَادِر. فَإِن قلت: فَمَا قَوْلك فِي إِبْلِيس؟ قلت: هُوَ لَيْسَ على ظهر الأَرْض بل فِي الْهَوَاء أَو فِي النَّار، أَو المُرَاد من لفظ من هُوَ الْإِنْس وَالله أعلم. قلت: هَذِه كلهَا تعسفات، وَلَا يرد على هَذَا لَا بِعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا بإبليس. فَإِن مُرَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أمته، والقرائن تدل على ذَلِك، مِنْهَا قَوْله: (أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه؟) ، وكل من على وَجه الأَرْض من الْمُسلمين وَالْكفَّار أمته، أما الْمُسلمُونَ فَإِنَّهُم أمة إِجَابَة، وَأما الْكفَّار فَإِنَّهُم أمة دَعْوَة. وَعِيسَى وَالْخضر، عَلَيْهِمَا السَّلَام، ليسَا داخلين فِي الْأمة. وَأما الشَّيْطَان فَإِنَّهُ لَيْسَ من بني آدم. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا أَرَادَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن هَذِه الْمدَّة تخترم الجيل الَّذِي هم فِيهِ، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أَن أعمارهم لَيست كأعمار من تقدم من الْأُمَم ليجتهدوا فِي الْعِبَادَة. وَقد أخرج البُخَارِيّ، فِيمَا انْفَرد بِهِ عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ: أَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يكره النّوم قبل الْعشَاء والْحَدِيث بعْدهَا، فَهَذَا يدل على الْمَنْع مُطلقًا، والْحَدِيث الْمُتَقَدّم يدل على جَوَاز السمر فِي الْعلم وَالْخَيْر، فنخص الْعُمُوم فِيمَا عداهما. وَأما مَا عدا ذَلِك فَذهب الْأَكْثَر إِلَى كَرَاهَته، مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، وَكتب عمر، رَضِي الله عَنهُ، أَن لَا ينَام قبل أَن يُصليهَا فَمن نَام فَلَا نَامَتْ عينه. وَهُوَ قَول عَطاء وَطَاوُس وَإِبْرَاهِيم، وَقَول مُجَاهِد وَمَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَرخّص طَائِفَة فِيهِ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه كَانَ رُبمَا غفى قبل الْعشَاء، وَكَانَ ابْن عمر ينَام ويوكل من يوقظه، وَعَن أبي مُوسَى مثله، وَعَن عُرْوَة وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا كَانَا ينامان نومَة قبل الْعشَاء، وَاحْتج لَهُم بِأَن الْكَرَاهَة إِنَّمَا كرهت لمن خشِي عَلَيْهِ تفويتها، أَو تَفْوِيت الْجَمَاعَة فِيهَا. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف قَول مَالك، فَقَالَ مرّة: الصَّلَاة أحب إِلَيّ من مذاكرة الْفِقْه. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الْعِنَايَة بِالْعلمِ، إِذا صحت النِّيَّة، أفضل. وَقَالَ سَحْنُون: يلْتَزم أثقلهما عَلَيْهِ. 117 - حدّثنا آدمُ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدثنَا الحَكَمُ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وكانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَها فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلهِ فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قالَ: (نامَ الغُلَيِّمُ؟) أوْ كَلِمَةُ تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أوْ خَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَام الغليم) ، قَالَه ابْن الْمُنِير، وَيُقَال: ارتقاب ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، لأحوال النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذْ لَا فرق بَين التَّعَلُّم من القَوْل والتعلم من الْفِعْل، فقد سمر ابْن عَبَّاس ليلته فِي طلب الْعلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الَّذِي فِيهِ من الدّلَالَة على التَّرْجَمَة هُوَ مَا يفهم من جعله على يَمِينه كَأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: قف على يَمِيني. فَقَالَ: وقفت. وَيجْعَل الْفِعْل بِمَنْزِلَة القَوْل، أَو أَن الْغَالِب أَن الْأَقَارِب إِذا اجْتَمعُوا لَا بُد أَن يجْرِي بَينهمَا حَدِيث للمؤانسة، وَحَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كُله فَائِدَة وَعلم، ويعد من مكارمه أَن يدْخل بَيته بعد صَلَاة الْعشَاء بِأَصْحَابِهِ، ويجد ابْن عَبَّاس مبايتا لَهُ وَلَا يكلمهُ أصلا. وَاعْترض بَعضهم على هَذَا كُله، فَقَالَ: كل مَا ذَكرُوهُ معترض، لِأَن من يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة لَا يُسمى سامرا، وصنيع ابْن عَبَّاس
يُسمى سهرا لَا سمرا إِذْ السمر لَا يكون إِلَّا بتحدث وأبعدها الْأَخير لِأَن مَا يَقع بعد الانتباه من النّوم لَا يُسمى سمرا، ثمَّ قَالَ: وَالْأولَى من هَذَا كُله أَن مُنَاسبَة التَّرْجَمَة مستفادة من لفظ آخر فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه من طَرِيق أُخْرَى، وَهَذَا يصنعه المُصَنّف كثيرا، يُرِيد بِهِ تَنْبِيه النَّاظر فِي كِتَابه على الاعتناء بتتبع طرق الحَدِيث، وَالنَّظَر فِي مواقع أَلْفَاظ الروَاة، لِأَن تَفْسِير الحَدِيث بِالْحَدِيثِ أولى من الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ هُنَا مَا وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مِمَّا يدل صَرِيحًا على حَقِيقَة السمر بعد الْعشَاء وَهُوَ مَا أخرجه فِي التَّفْسِير وَغَيره من طَرِيق كريب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (بت فِي بَيت مَيْمُونَة، فَتحدث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَهله سَاعَة ثمَّ رقد) فَصحت التَّرْجَمَة بِحَمْد الله تَعَالَى من غير حَاجَة إِلَى تعسف وَلَا رجم بِالظَّنِّ انْتهى. قلت: اعْتِرَاض هَذَا الْمُعْتَرض كُله معترض، أما قَوْله: لِأَن من يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة لَا يُسمى سامرا، فَغير صَحِيح، لِأَن حَقِيقَة السمر التحدث بِاللَّيْلِ، وَيُطلق ذَلِك على التحدث بِكَلِمَة، وَقد بَين ذَلِك ابْن الْمُنِير بقوله: إِن أصل السمر ثَبت بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَهِي قَوْله: (نَام الغليم) . وَالَّذِي قَالَه صَحِيح، لِأَن أحدا لم يشْتَرط أَن لَا يكون السمر إلاَّ بِكَلِمَات مُتعَدِّدَة، وَأهل اللُّغَة قاطبة لم يَقُولُوا إلاَّ أَن السمر هُوَ التحدث بِاللَّيْلِ، وَهُوَ يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير. وَأما قَوْله: وصنيع ابْن عَبَّاس يُسمى سهرا لَا سمرا، فَنَقُول: إِن السمر كَمَا يُطلق على القَوْل يُطلق على الْفِعْل يُقَال: سمر الْقَوْم الْخمر إِذا شَرِبُوهَا. قَالَ الْقطَامِي: (ومصرَّعين من الكلال وَإِنَّمَا ... سمروا الغبوق من الطلاء المعرق) وسامر الْإِبِل مَا رعى مِنْهَا بِاللَّيْلِ، يُقَال: إِن إبلنا تسمر أَي ترعى لَيْلًا. وَأما قَوْله: وأبعدها الْأَخير، فَهُوَ أبعد اعتراضاته، بل هُوَ الْأَقْرَب، لِأَن قَوْله: لِأَن مَا يَقع بعد الانتباه من النّوم لَا يُسمى سمرا، مُخَالف لما قَالَه أهل اللُّغَة، وَبَيَان قرب الْأَخير الَّذِي ادّعى أَنه أبعدها أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ وَقت جعله ابْن عَبَّاس عَن يَمِينه فِي مقَام التَّعْلِيم لَهُ، وَلَا شكّ أَنه لم يكتف وقتئذ بِمُجَرَّد الْفِعْل، بل علمه أَيْضا بالْقَوْل لزِيَادَة الْبَيَان، وَلَا سِيمَا كَانَ ابْن عَبَّاس حِينَئِذٍ صَغِيرا وَلم يكن عَالما بموقف الْمُقْتَدِي من الإِمَام. وَأما قَوْله: وَالْأولَى من هَذَا كُله أَن مُنَاسبَة التَّرْجَمَة إِلَى آخِره ... فَكَلَام لَيْسَ لَهُ تَوْجِيه أصلا، فضلا عَن أَن يكون أولى من غَيره، لِأَن من يعْقد بَابا بترجمة وَيَضَع فِيهِ حَدِيثا، وَكَانَ قد وضع هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه فِي بَاب آخر، وَلَكِن بطرِيق أُخْرَى وألفاظ مُتَغَايِرَة، هَل يُقَال مُنَاسبَة التَّرْجَمَة فِي هَذَا الْبَاب يُسْتَفَاد من ذَلِك الحَدِيث الْمَوْضُوع فِي الْبَاب الآخر؟ فَمَا أبعد هَذَا الْكَلَام وَأبْعد من هَذَا الْبعيد أَنه علل مَا قَالَ بقوله: لِأَن تَفْسِير الحَدِيث بِالْحَدِيثِ أولى من الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ فسبحان الله، هَؤُلَاءِ مَا فسروا الحَدِيث هَهُنَا، بل ذكرُوا مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة بالتقارب، وَمَا ذكره هُوَ الرَّجْم بِالظَّنِّ. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. ذكرُوا مَا عدا الحكم بَين عتيبة، وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين. وعتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره هَاء، ابْن النهاس. واسْمه عبد الْكِنْدِيّ، يُقَال: كنيته أَبُو عبد الله، وَقيل: أَبُو عمر الْكُوفِي مولى عدي بن عدي الْكِنْدِيّ، وَيُقَال: مولى امْرَأَة من كِنْدَة. قَالَ يحيى بن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَكَانَ فَقِيه الْكُوفَة مَعَ حَمَّاد. روى عَن ابْن أبي أوفى وَأبي جُحَيْفَة، وَعنهُ شُعْبَة وَغَيره، وَكَانَ عابدا قَانِتًا ثِقَة صَاحب سنة، مَاتَ سنة أَربع عشرَة، وَقيل: خمس عشرَة وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وَالْحكم الْمَذْكُور من التَّابِعين الصغار. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن آدم، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة عَن الحكم عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن ابْن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن مُحَمَّد بن قيس الْأَسدي عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز بن أَسد عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَوَاضِع فِي كِتَابه عَن كريب وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَأبي جَمْرَة وطاووس وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا.
بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (بت) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من البيتوتة، أَصله: بيتت، بِفَتْح الْبَاء وَالْيَاء فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، فَصَارَ: باتت، فَالتقى ساكنان فحذفت الْألف فَصَارَ: بتت، فأدغمت التَّاء فِي التَّاء، ثمَّ أبدلت كسرة من فَتْحة الْبَاء ليدل على الْيَاء المحذوفة، فَصَارَ: بت على وزن: قلت. وَهَذِه جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (مَيْمُونَة) عطف بَيَان من قَوْله: (خَالَتِي) . قَوْله: (بنت الْحَارِث) مجرور لِأَنَّهُ صفة مَيْمُونَة، وَهُوَ مجرور، وَلكنه غير منصرف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (زوح النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) مجرور أَيْضا لِأَنَّهُ صفة بعد صفة. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَقَوله: (عِنْدهَا) خبر: كَانَ. قَوْله: (فصلى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) الْفَاء، فِيهِ هِيَ الْفَاء الَّتِي تدخل بَين الْمُجْمل والمفصل، لِأَن التَّفْصِيل إِنَّمَا هُوَ عقيب الْإِجْمَال، لِأَن صَلَاة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ومجيئه إِلَى منزله كَانَت قبل كَونه عِنْد مَيْمُونَة، وَلم يَكُونَا بعد الْكَوْن عِنْدهَا. قَوْله: (الْعشَاء) بِالنّصب، وَفِيه حذف الْمُضَاف تَقْدِيره: صَلَاة الْعشَاء. قَوْله: (فصلى أَربع رَكْعَات) الْفَاء فِيهِ للتعقيب، ثمَّ عطف عَلَيْهِ بقوله: (ثمَّ نَام) بِكَلِمَة: ثمَّ، ليدل على أَن نَومه لم يكن عقيب الصَّلَاة على الْفَوْر. قَوْله: (أَو كلمة) مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي: أَو قَالَ كلمة، فَإِن قلت: مقول القَوْل يجب أَن يكون كلَاما لَا كلمة. قلت: قد تطلق الْكَلِمَة على الْكَلَام مجَازًا نَحْو: كلمة الشَّهَادَة. قَوْله: (فَقُمْت) . عطف على قَوْله: (ثمَّ قَامَ) . قَوْله: (عَن يسَاره) بِفَتْح الْيَاء وَكسرهَا. وَقَالَ ابْن عَرَبِيّ: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة أَولهَا يَاء مَكْسُورَة. وَفِي (الْعباب) قَالَ ابْن دُرَيْد: الْيَد الْيَسَار ضد الْيَمين بِفَتْح الْيَاء وَكسرهَا، قَالَ: وَزَعَمُوا أَن الْكسر أفْصح. قَالَ: وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة الْيَسَار بِكَسْر الْيَاء شبهوها بالشمال، إِذْ لَيْسَ فِي كَلَامهم كلمة مَكْسُورَة الْيَاء إلاَّ: يسَار، وَقَالَ ابْن عباد: الْيَسَار، بِالتَّشْدِيدِ لُغَة فِي الْيَسَار. قَوْله: (حَتَّى سَمِعت) حَتَّى هَهُنَا للغاية تَقْدِيره: إِلَى أَن سَمِعت. قَوْله: (غَطِيطه) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الطَّاء على وزن: فعيل، هُوَ صَوت يُخرجهُ النَّائِم مَعَ نَفسه عِنْد استثقاله. وَفِي (الْعباب) غطيط النَّائِم والمخنوق: نخيرهما. قلت: هَذَا يرد تَفْسِير بَعضهم الغطيط: نفس النَّائِم، والنخير: أقوى مِنْهُ، فَإِنَّهُ جعل النخير غير الغطيط، وَصَاحب (الْعباب) جعله عينه: إِذا قَالَت حذام فصدقوها وَأَيْضًا: فَإِن الغطيط لَا بُد فِيهِ من الصَّوْت، وَمَا فسره بِهِ بَعضهم لَيْسَ فِيهِ صَوت، لِأَن مُجَرّد النَّفس لَا صَوت فِيهِ. قَوْله: (أَو خطيطه) بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَكسر الطَّاء، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ بِمَعْنى الغطيط. وَقَالَ ابْن بطال: لم أَجِدهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة عِنْد أهل اللُّغَة، وَتَبعهُ القَاضِي عِيَاض، فَقَالَ: هُوَ هُنَا وهم. قلت: الصَّوَاب مَعَ الدَّاودِيّ، فَإِن صَاحب (الْعباب) قَالَ: وَخط فِي نَومه خطيطا أَي: غط. وَفِي حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (إِنَّه أوتر بِسبع أَو تسع ثمَّ اضْطجع حَتَّى سمع خطيطه) . ويروى: (غَطِيطه) ، ويروى: (فخيخه) ، ويروى: (ضفيزه) ، ويروى: (صفيره) . وَمعنى الْخَمْسَة وَاحِد وَهُوَ: نخير النَّائِم. قلت: الضفيز، بالضاد وَالزَّاي المعجمتين وبالفاء والصفير: بالصَّاد وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، والفخيخ، بِالْفَاءِ والخاءين المعجمتين. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فِي لَيْلَتهَا) أَي: المختصة بهَا بِحَسب قسم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بَين الْأزْوَاج. قَوْله: (ثمَّ جَاءَ) أَي من الْمَسْجِد إِلَى منزله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة المُرَاد بِهِ: بَيت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، أم الْمُؤمنِينَ، تزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة سِتّ أَو سبع من الْهِجْرَة، وَتوفيت سنة إِحْدَى وَخمسين، وَقيل: سنة سِتّ وَسِتِّينَ بسرف، فِي الْمَكَان الَّذِي تزَوجهَا فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالفاء. وَصلى عَلَيْهَا عبد الله بن عَبَّاس قيل: إِنَّهَا آخر أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ لم يتَزَوَّج بعْدهَا. وَهِي أُخْت لبَابَة، بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى، بنت الْحَارِث زَوْجَة الْعَبَّاس وَأم أَوْلَاده عبد الله وَالْفضل وَغَيرهمَا، وَهِي أول امْرَأَة أسلمت بعد خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَكَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يزورها، وَهِي لبَابَة الْكُبْرَى وَأُخْتهَا لبَابَة الصُّغْرَى أم خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (نَام الغليم) يتَحَمَّل الْإِخْبَار لميمونة، وَيحْتَمل الِاسْتِفْهَام عَن مَيْمُونَة، وَحذف الْهمزَة بِقَرِينَة الْمقَام، وَهَذَا أظهر. و (الغليم) بِضَم الْغَيْن وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء، تَصْغِير غُلَام، من بَاب تَصْغِير الشَّفَقَة، نَحْو: يَا بني، وَأَرَادَ بِهِ عبد الله بن عَبَّاس، وَرُوِيَ: يَا أم الغليم، بالنداء وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَلم تثبت بِالثَّانِي الرِّوَايَة. قَوْله: (أَو كلمة) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: شكّ من ابْن عَبَّاس. قلت: لَا يلْزم التَّعْيِين لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أحد مِمَّن دونه، أَي أَو قَالَ كلمة تشبه قَوْله: نَام الغليم، وَالثَّانيَِة بِاعْتِبَار الْكَلِمَة أَو بِاعْتِبَار كَونهَا جملَة، وَفِي رِوَايَة: (نَام الْغُلَام) . قَوْله: (فصلى أَربع رَكْعَات) ، الْجُمْلَة فِي هَذِه الطَّرِيق أَنه صلى إِحْدَى عشرَة رَكْعَة
- (باب حفظ العلم)
أَرْبعا ثمَّ خمْسا ثمَّ رَكْعَتَيْنِ، وَجَاء فِي مَوضِع من البُخَارِيّ: (فَكَانَت صلَاته ثَلَاث عشرَة رَكْعَة) . وَجَاء فِي بَاب قِرَاءَة الْقُرْآن أَنَّهَا كَانَت ثَلَاث عشرَة رَكْعَة غير رَكْعَتي الْفجْر، فَإِن فِيهِ: (فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أوتر. ثمَّ اضْطجع حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذّن فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرج فصلى الصُّبْح) . وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَر فِي الرِّوَايَات، وَيجمع بَينهمَا بِأَن من روى إِحْدَى عشرَة أسقط الْأَوليين وركعتي الْفجْر، وَمن أثبت الْأَوليين عدهَا ثَلَاث عشرَة. وَقد وَقع هَذَا الِاخْتِلَاف فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث وَاصل وَغَيره. وَأجَاب القَاضِي فِي الْجمع بِمثلِهِ، وَقد استدرك الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث وَاصل على مُسلم لِكَثْرَة اختلافه. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَكثر الرِّوَايَات أَنه لم يصل قبل النّوم وَأَنه صلى بعده ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، فَيحْتَمل أَن نوم ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ وقوعا، فَذكر ذَلِك بعض من سَمعه. قلت: الْمَشْهُور أَنَّهَا كَانَت وَاقعَة وَاحِدَة. قَوْله: (ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا فَائِدَة الْفَصْل بَينه وَبَين الْخمس ولِمَ مَا جمع بَينهمَا بِأَن يُقَال: فصلى سبع رَكْعَات؟ قلت: إِمَّا لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الْخمس بِسَلام والركعتين بِسَلام، وَأَن الْخمس باقتداء ابْن عَبَّاس بِهِ، والركعتين بعد اقتدائه. وَقَالَ بَعضهم: أغرب الْكرْمَانِي فِي هَذَا وَكَأَنَّهُ ظن أَن الرَّكْعَتَيْنِ من جملَة صَلَاة اللَّيْل وَهُوَ مُحْتَمل، لَكِن حملهَا على سنة الْفجْر أولى ليحصل الْخَتْم بالوتر. قلت: قطّ مَا ظن هُوَ أَن الرَّكْعَتَيْنِ من صَلَاة اللَّيْل. غَايَة مَا فِي الْبَاب وَقع السُّؤَال عَن تَفْصِيل ابْن عَبَّاس فِي أخباره حَيْثُ لم يجمل، وَجَوَابه عَن وَجه ذَلِك. وَلَئِن سلمنَا أَنه ظن أَن الرَّكْعَتَيْنِ من صَلَاة اللَّيْل فَفِيهِ أَيْضا الْخَتْم بالوتر حَاصِل. قَوْله: (ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة) هَذَا من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ نَومه مضجعا لَا ينْقض الْوضُوء لِأَن عَيْنَيْهِ تنامان وَلَا ينَام قلبه، فَلَو خرج حدث لأحس بِهِ، بِخِلَاف غَيره من النَّاس. وَفِي بعض الرِّوَايَات فِي الصَّحِيح: (ثمَّ اضْطجع فَنَامَ حَتَّى نفخ فَخرج فصلى الصُّبْح وَلم يتَوَضَّأ) . قَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون فِيهِ مَحْذُوف أَي: ثمَّ تَوَضَّأ، ثمَّ خرج قلت: قَوْله فِي الصَّحِيح: وَلم يتَوَضَّأ يرد هَذَا الِاحْتِمَال. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ من فضل ابْن عَبَّاس وحذقه على صغر سنه حَيْثُ أرصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طول ليلته. وَقيل: إِن الْعَبَّاس أوصاه بمراعاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليطلع على عمله بِاللَّيْلِ. الثَّانِي: قَالَ محيي السّنة: فِيهِ جَوَاز الْجَمَاعَة فِي النَّافِلَة. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة خلف من لم ينْو الْإِمَامَة. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز بيتوتة الْأَطْفَال عِنْد الْمَحَارِم، وَإِن كَانَت عِنْد زَوجهَا. السَّادِس: فِيهِ الْإِشْعَار بقسمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين زَوْجَاته. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز التصغير على وَجه الشَّفَقَة، وَالذكر بِالصّفةِ حَيْثُ لم يقل: نَام عبد الله. الثَّامِن: فِيهِ أَن موقف الْمَأْمُوم الْوَاحِد عَن يَمِين الإِمَام، فَإِذا وقف عَن يسَاره يحوله إِلَى يَمِينه. التَّاسِع: فِيهِ أَن صَلَاة الصَّبِي صَحِيحَة. الْعَاشِر: فِيهِ أَن صَلَاة اللَّيْل إِحْدَى عشرَة رَكْعَة. قَالَ الْكرْمَانِي: قلت: يَنْبَغِي أَن يكون تسع رَكْعَات، فَإِن الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ سنة الصُّبْح، والست مِنْهَا نَافِلَة، وختمها بالوتر ثَلَاث رَكْعَات. الْحَادِي عشر: فِيهِ جَوَاز نوم الرجل مَعَ امْرَأَته من غير مواقعة بِحَضْرَة بعض محارمها وَإِن كَانَ مُمَيّزا، وَجَاء فِي بعض الرِّوَايَات: إِنَّهَا كَانَت حَائِضًا وَلم يكن ابْن عَبَّاس ليطلب الْمبيت فِي لَيْلَة فِيهَا حَاجَة، إِلَى أَهله، وَلَا يُرْسِلهُ أَبوهُ الْعَبَّاس. الثَّانِي عشر: فِيهِ أَن نَومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُضْطَجعا غير نَاقض للْوُضُوء، لِأَن قلبه لَا ينَام بِخِلَاف عَيْنَيْهِ، وَكَذَا سَائِر الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. كَمَا أخرجه البُخَارِيّ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء. وَأما نَومه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الْوَادي إِلَى أَن طلعت الشَّمْس فَلَا يُنَافِي هَذَا، لِأَن الْفجْر وَالشَّمْس إِنَّمَا يدركان بِالْعينِ لَا بِالْقَلْبِ. وَأبْعد من قَالَ إِنَّه كَانَ فِي وَقت ينَام قلبه فصادف ذَلِك. الثَّالِث عشر: فِيهِ جَوَاز الرِّوَايَة عِنْد الشَّك فِي كلمة بِشَرْط التَّنْبِيه عَلَيْهِ. 42 - (بابُ حِفْظِ العِلْمِ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حفظ الْعلم. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن من يسمر بِالْعلمِ فَمَا يسمر لأجل الْحِفْظ غَالِبا، وَذكر هَذَا الْبَاب عقيب ذَلِك مُنَاسِب. 118 - حدّثنا عَبْدُ العَزِيز بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حدّثني مَالِكٌ عَن ابنِ شِهَابٍ عَن الأَعْرَج
ِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ، ولوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثا، ثُمَّ يَتْلُو: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والهُدَى إلَى قَوْلهِ الرَّحْيمُ} (الْبَقَرَة: 159 و 174) إنَّ إخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرينَ كانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأَسْوَاقِ، وإنَّ إخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أمْوَالِهِمْ وإنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كانَ يَلْزِمُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ ويَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويحفظ مَا لَا يحفظون) . وَقَوله: (أَكثر أَبُو هُرَيْرَة) لِأَن الْإِكْثَار لَا يكون إلاَّ عَن حفظ. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم، وَابْن شهَاب: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، والأعرج: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. وَقَالُوا: يجوز ذكر الرَّاوِي بلقبه أَو صفته الَّتِي يكرهها إِذا كَانَ المُرَاد تَعْرِيفه لَا نَقصه، كَمَا يجوز جرحهم للْحَاجة. بَيَان لطائف إِسْنَاده: وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُزَارعَة عَن إِبْرَاهِيم، وَفِي الِاعْتِصَام عَن عَليّ عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن قُتَيْبَة وَأبي بكر وَزُهَيْر عَن سُفْيَان، وَعَن عبد الله بن جَعْفَر عَن يحيى عَن مَالك، وَعَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، كلهم عَن الزُّهْرِيّ وَله طرق من غير رِوَايَة الْأَعْرَج. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْحَاق بن عِيسَى عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن أبي مَرْوَان العثماني عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ مُخْتَصرا. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (إِن النَّاس) مقول: قَالَ. وَقَوله: (يَقُولُونَ) جملَة فِي مَحل الرّفْع خبر: إِن، قَوْله: (أَكثر أَبُو هُرَيْرَة) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول يَقُولُونَ. قَوْله: (وَلَوْلَا آيتان) مقول. قَالَ، لَا مقول: يَقُولُونَ. وَحذف اللَّام من جَوَاب لَوْلَا وَهُوَ جَائِز، وَالْأَصْل: لَوْلَا آيتان موجودتان فِي كتاب الله لما حدثت. قَوْله: (حَدِيثا) نصب على المفعولية. قَوْله: (ثمَّ يَتْلُو) مقول: الْأَعْرَج، وَفِي بعض النّسخ: (ثمَّ تَلا) . قَوْله: (إِن إِخْوَاننَا) اسْتِئْنَاف كالتعليل للإكثار، كأنّ سَائِلًا سَأَلَ: لم كَانَ أَبُو هُرَيْرَة مكثرا دون غَيره من الصَّحَابَة؟ فَأجَاب بقوله: (لِأَن إِخْوَاننَا) كَذَا وَكَذَا، فلأجل ذَلِك ترك العاطف بَين الجملتين. قَوْله: (من الْمُهَاجِرين) كلمة: من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (كَانَ يشغلهم الصفق) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. وَقَوله: (يشغلهم) من بَاب: شغل يشغل كفتح يفتح بِفَتْح، عين الْفِعْل فيهمَا من الشّغل، وَيُقَال بِضَم حرف المضارعة من الإشغال، وَهُوَ غَرِيب. وَفِي (الْعباب) يُقَال شغلته أشغله. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: لَا يُقَال أشغلته. وَقَالَ ابْن فَارس: لَا يكادون يَقُولُونَ: أشغلت، وَهُوَ جَائِز. وَقَالَ اللَّيْث: اشتغلت أَنا، وَالْفِعْل اللَّازِم: اشْتغل. وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَابْن دُرَيْد: لَا يُقَال: اشْتغل. وَقَالَ ابْن فَارس فِي (المقاييس) : جَاءَ عَنْهُم: اشْتغل فلَان بالشَّيْء وَهُوَ مشتغل. وَقَوله: (الصفق) بِالرَّفْع فَاعل: يشغل، وَهُوَ بِفَتْح الصَّاد كِنَايَة عَن التبايع. يُقَال: صفقت لَهُ بِالْبيعِ صفقا، أَي: ضربت يَدي على يَده للْعقد. قَالَ الْهَرَوِيّ: يُقَال: أصفق الْقَوْم على الْأَمر، وصفقوا بِالْبيعِ والبيعة. وَقَالَ غَيره: أَصله من تصفيق الْأَيْدِي بَعْضهَا على بعض من المتابعين، أَي: عاقدي الْبيعَة عِنْد عقدهم، والسوق يؤنث وَيذكر، سميت بِهِ لقِيَام النَّاس فِيهَا على سوقهم. قَوْله: (بشبع بَطْنه) بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لشبع بَطْنه) بِاللَّامِ، وَهُوَ الثَّابِت فِي غير البُخَارِيّ أَيْضا، وَكِلَاهُمَا للتَّعْلِيل، أَي: لأجل شبع بَطْنه، وَرُوِيَ: ليشبع بَطْنه، بلام كي، ويشبع، يصيغة الْمُضَارع الْمَنْصُوب، والشبع، بِكَسْر الشين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. وَفِي (الْعباب) : الشِّبَع مِثَال عِنَب، والشبع بِالْفَتْح، وَهَذِه عَن ابْن عباد، نقيض الْجُوع. يُقَال: شبعت خبْزًا وَلَحْمًا، وَمن خبز وَلحم شبعاً، وَهُوَ من مصَادر الطبائع. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الشِّبَع والشبع بِإِسْكَان الْبَاء وتحريكها. وَقَالَ غَيره: الشِّبَع بالإسكان اسْم مَا أشبعك من شَيْء. وَفِي الحَدِيث: (آجر مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَفسه من شُعَيْب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشبع بَطْنه وعفة فرجه) . قَوْله: (مَا لَا يحْضرُون) ، فِي مَحل النصب على أَنه مفعول: (يحضر) وَكَذَلِكَ قَوْله (مَا لَا يحفظون) مفعول (يحفظ) .
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (أَكثر أَبُو هُرَيْرَة) أَي من رِوَايَة الحَدِيث. وَهُوَ من بَاب حِكَايَة كَلَام النَّاس أَو وضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر، إِذْ حق الظَّاهِر أَن يَقُول: أكثرت، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْبيُوع من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ: (أَكثر أَبُو هُرَيْرَة من الحَدِيث) . وَفِي رِوَايَته وَفِي الْمُزَارعَة من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ هُنَا، زِيَادَة وَهِي: (وَيَقُولُونَ مَا للمهاجرين وَالْأَنْصَار لَا يحدثُونَ مثل أَحَادِيثه؟) وَهَذِه الزِّيَادَة تدلك على النُّكْتَة فِي ذكر أبي هُرَيْرَة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. قَوْله: (لَوْلَا آيتان) المُرَاد من الْآيَتَيْنِ {إِن الَّذين يكتمون} (الْبَقَرَة: 159 و 174) إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ، وَالْمعْنَى: لَوْلَا أَن الله تَعَالَى ذمّ الكاتمين للْعلم لما حدثتكم أصلا، لَكِن لما كَانَ الكتمان حَرَامًا وَجب الْإِظْهَار والتبليغ، فَلهَذَا حصل مني الْإِكْثَار لِكَثْرَة مَا عِنْدِي مِنْهُ. ثمَّ ذكر سَبَب الْكَثْرَة بقوله: (إِن إِخْوَاننَا) إِلَى آخِره. قَوْله: (ثمَّ يَتْلُو) أَي: قَالَ الْأَعْرَج: ثمَّ يَتْلُو أَبُو هُرَيْرَة، وَذكر بِلَفْظ الْمُضَارع استحضارا لصورة التِّلَاوَة كَأَنَّهُ فِيهَا. قَوْله: (إِن إِخْوَاننَا) : الإخوان جمع أَخ، هَذَا يدل على أَن أصل أَخ: أَخُو، بِالتَّحْرِيكِ، وَيجمع أَيْضا على: آخاء، مثل: آبَاء. والذاهب مِنْهُ وَاو. وعَلى: إخْوَة بِالضَّمِّ عَن الْفراء، وَفِيه سؤالان: الأول: كَانَ حق الظَّاهِر أَن يَقُول: إِن إخوانه، ليرْجع الضَّمِير إِلَى أبي هُرَيْرَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ عدل عَنهُ لغَرَض الِالْتِفَات، وَهُوَ فن من محَاسِن الْكَلَام. الثَّانِي: قَالَ: إِخْوَاننَا، وَلم يقل: إخْوَانِي. وَأجِيب: لِأَنَّهُ قصد نَفسه وَأَمْثَاله من أهل الصّفة، وَالْمرَاد الإخوان فِي الْإِسْلَام لَا فِي النّسَب، وَالْمرَاد من: (الْمُهَاجِرين) ، الَّذين هَاجرُوا من مَكَّة إِلَى رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَمن (الْأَنْصَار) أَصْحَاب الْمَدِينَة الَّذين آووا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ونصروه بِأَنْفسِهِم وَأَمْوَالهمْ. قَوْله: (الْعَمَل فِي أَمْوَالهم) يُرِيد بِهِ: الزِّرَاعَة وَالْعَمَل فِي الْغِيطَان. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ يشغلهم عمل أَرضهم) . وَفِي رِوَايَة ابْن سعد: (كَانَ يشغلهم الْقيام على أراضيهم) . قَوْله: (وَإِن أَبَا هُرَيْرَة) فِيهِ الْتِفَات أَيْضا، لِأَن حق الظَّاهِر أَن يَقُول: وَإِنِّي. قَوْله: (بشبع بَطْنه) يَعْنِي أَنه كَانَ يلازم قانعا بالقوت لَا مشتغلاً بِالتِّجَارَة وَلَا بالزارعة، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْبيُوع: (كنت امْرأ مِسْكينا من مَسَاكِين الصّفة) . قَوْله: (ويحضر) بِالرَّفْع عطفا على قَوْله: (يلْزم) ، وَيجوز بِالنّصب أَيْضا على رِوَايَة من روى: ليشبع بَطْنه، بلام كي، و: يشْبع، بِصُورَة الْمُضَارع إِن صحت هَذِه الرِّوَايَة. قَوْله: (مَا لَا يحْضرُون) أَي: من أَحْوَال الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، و (يحفظ مَا لَا يحفظون) من أَقْوَاله، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى المسموعات وَذَاكَ إِشَارَة إِلَى المشاهدات. لَا يُقَال: هَذَا الحَدِيث يُعَارضهُ مَا تقدم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (مَا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحد أَكثر حَدِيثا عَنهُ مني إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب وَلَا أكتب) ، لأَنا نقُول: إِن عبد الله كَانَ أَكثر تحملاً، وَأَبُو هُرَيْرَة كَانَ أَكثر رِوَايَة. فَإِن قلت: كَيفَ يكون الْأَكْثَر تحملاً وَهُوَ دَاخل تَحت عُمُوم الْمُهَاجِرين؟ قلت: هُوَ أَكثر من جِهَة ضَبطه بِالْكِتَابَةِ وتقييده بهَا، وَأَبُو هُرَيْرَة أَكثر من جِهَة مُطلق السماع. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: فِيهِ: حفظ الْعلم والمواظبة على طلبه. وَفِيه: فَضِيلَة أبي هُرَيْرَة وَفضل التقلل من الدُّنْيَا وإيثار طلب الْعلم على طلب المَال. وَفِيه: جَوَاز الْإِخْبَار عَن نَفسه بفضيلته إِذا اضْطر إِلَى ذَلِك وَأمن الْإِعْجَاب. وَفِيه: جَوَاز إكثار الْأَحَادِيث وَجَوَاز التِّجَارَة وَالْعَمَل وَجَوَاز الِاقْتِصَار على الشِّبَع، وَقد تكون مندوبات، وَقد تكون وَاجِبَات بِحَسب الْأَشْخَاص والأوقات. 119 - حدّثنا أحْمَدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ أبُو مُصْعَبٍ قالَ: حدّثنا مَحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ دِينَارٍ عَنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللَّهِ! إنِّي أسْمعُ مِنْكَ حَدِيثا كَثِيرا أنُسَاهُ، قالَ: (ابْسُطْ رِدَاءَكَ) فَبَسَطْتُهُ، قالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: (ضمَّهُ) ، فَضَممْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئا بَعْدَهُ. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة بطرِيق الِالْتِزَام، والْحَدِيث الْمَاضِي بطرِيق الْمُطَابقَة، وَأَحَادِيث الْبَاب ثَلَاثَة كلهَا عَن أبي هُرَيْرَة، والْحَدِيث الثَّالِث يدل على أَنه لم يحدث بِجَمِيعِ محفوظه. ودلالته على التَّرْجَمَة بالمطابقة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَحْمد بن أبي بكر، وَاسم أبي بكر: الْقَاسِم، وَقيل: زُرَارَة بن الْحَارِث بن زُرَارَة بن مُصعب بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَبُو مُصعب الزُّهْرِيّ الْعَوْفِيّ، قَاضِي الْمَدِينَة وعالمها، وَهُوَ أحد من حمل (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك، روى عَنهُ السِّتَّة، لَكِن النَّسَائِيّ بِوَاسِطَة. وَأخرج لَهُ مُسلم حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) فَقَط، قَالَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: صَدُوق، مَاتَ سنة
اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، عَن اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين سنة. الثَّانِي: مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن دِينَار الْمدنِي، وَيُقَال: الْأنْصَارِيّ، كَانَ مفتي أهل الْمَدِينَة مَعَ مَالك وَعبد الْعَزِيز بن يزِيد بن سَلمَة، فَقِيها فَاضلا لَهُ بِالْعلمِ عناية. قَالَ البُخَارِيّ: هُوَ مَعْرُوف بِالْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة، الْقرشِي العامري الْمدنِي الثِّقَة. كَبِير الشان. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ ابْن أبي ذِئْب أفضل من مَالك إِلَّا أَن مَالِكًا كَانَ أَشد تنقية للرِّجَال مِنْهُ، وأقدمه الْمهْدي بَغْدَاد حَتَّى حدث بهَا، ثمَّ رَجَعَ يُرِيد الْمَدِينَة فَمَاتَ بِالْكُوفَةِ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة. ولد سنة ثَمَانِينَ. الرَّابِع: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري الْمدنِي. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِي التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن كلهم أَئِمَّة أجلاء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن ابْن أبي فديك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عُثْمَان بن عمر، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح، قد رُوِيَ من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (قلت: يَا رَسُول الله) ويروى: (قلت: لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (كثيرا) صفة لقَوْله: حَدِيثا، لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار كَونه اسْم جنس يُطلق على الْكثير والقليل. قَوْله: (انساه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة أُخْرَى لقَوْله: (حَدِيثا) ، وَالنِّسْيَان جهل بعد الْعلم. وَالْفرق بَينه وَبَين السَّهْو أَن النسْيَان زَوَال عَن الحافظة والمدركة، والسهو زَوَال عَن الحافظة فَقَط. وَالْفرق بَين السَّهْو وَالْخَطَأ أَن السَّهْو مَا يتَنَبَّه صَاحبه بِأَدْنَى تَنْبِيه، وَالْخَطَأ مَا لَا يتَنَبَّه بِهِ. وَيُقَال المأتي بِهِ إِن كَانَ على جِهَة مَا يَنْبَغِي فَهُوَ الصَّوَاب، وَإِن كَانَ لَا على مَا يَنْبَغِي ينظر، فَإِن كَانَ مَعَ قصد من الْآتِي بِهِ يُسمى الْغَلَط، وَإِن كَانَ من غير قصد مِنْهُ فَإِن كَانَ يتَنَبَّه بأيسر تَنْبِيه فَهُوَ السَّهْو، وإلاَّ فَهُوَ الْخَطَأ. وَالنِّسْيَان حَالَة تعتري الْإِنْسَان من غير اخْتِيَاره توجب غفلته عَن الْحِفْظ. والغفلة ترك الِالْتِفَات بِسَبَب أَمر عَارض. قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي هُرَيْرَة: (ابْسُطْ رداءك) . قَوْله: (فبسطته) عطف على: (ابْسُطْ) . وَعطف الْخَبَر على الْإِنْشَاء فِيهِ خلاف، وَالَّذِي يمنعهُ يقدر شَيْئا، وَالتَّقْدِير: لما قَالَ: ابْسُطْ رداءك امتثلت أمره فبسطته. (فغرف) أَي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بِيَدِهِ) ، وَلم يذكر المغروف وَلَا المغروف مِنْهُ، لِأَنَّهُ لم يكن إِلَّا إِشَارَة مَحْضَة. قَوْله: (ضمه) بِالْهَاءِ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ضم، بِلَا هَاء. وَالضَّمِير يرجع إِلَى الحَدِيث يدل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي غير الصَّحِيح: (فغرف بيدَيْهِ، ثمَّ قَالَ: ضم) الحَدِيث، وَفِي بعض طرقه عِنْد البُخَارِيّ: (لن يبسط أحد مِنْكُم ثَوْبه حَتَّى أَقْْضِي مَقَالَتي هَذِه، ثمَّ يجمعها إِلَى صَدره فينسى من مَقَالَتي شَيْئا أبدا. فبسطت نمرة لَيْسَ عَليّ ثوب غَيرهَا حَتَّى قضى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقَالَته، ثمَّ جمعتها إِلَى صَدْرِي، فوالذي بَعثه بِالْحَقِّ مَا نسيب من مقَالَته تِلْكَ إِلَى يومي هَذَا) . وَفِي مُسلم: (أَيّكُم يبسط ثَوْبه فَيَأْخُذ) فَذكره بِمَعْنَاهُ، ثمَّ قَالَ: (فَمَا نسيت بعد ذَلِك الْيَوْم شَيْئا حَدثنِي بِهِ) . فَفِي قَوْله: بعد ذَلِك الْيَوْم دَلِيل على الْعُمُوم، وعَلى أَنه بعد ذَلِك لم ينس شَيْئا سَمعه من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا أَن ذَلِك خَاص بِتِلْكَ الْمقَالة، كَمَا يُعْطِيهِ ظَاهر قَوْله: (من مقَالَته تِلْكَ) ، ويعضد الْعُمُوم مَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (إِنَّه شكى إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ينسى) . فَفعل مَا فعل ليزول عَنهُ النسْيَان. قلت: تنكير: شَيْئا، بعد النَّفْي يدل على الْعُمُوم، لِأَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تدل عَلَيْهِ، فَدلَّ على الْعُمُوم فِي عدم النسْيَان لكل شَيْء من الحَدِيث وَغَيره. فَإِن قلت: قَوْله: (فوالذي بَعثه بِالْحَقِّ مَا نسيت من مقَالَته تِلْكَ إِلَى يومي هَذَا) ، يدل على تَخْصِيص عدم النسْيَان بِتِلْكَ الْمقَالة فَقَط. وَقَوله: (فَمَا نسيت بعد ذَلِك الْيَوْم شَيْئا حَدثنِي بِهِ) ، يدل على تَخْصِيص عدم النسْيَان بِالْحَدِيثِ فَقَط. قلت: الْجَواب يفهم مِمَّا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَكَيف لَا وَأَبُو هُرَيْرَة اسْتدلَّ بذلك على كَثْرَة محفوظه من الحَدِيث، فَلَا يَصح حمله على تِلْكَ الْمقَالة وَحدهَا، أَو نقُول: وَيحْتَمل أَن يكون قد وَقعت لَهُ قضيتان: إِحْدَاهمَا خَاصَّة. وَالْأُخْرَى: عَامَّة. فَإِن قلت: مَا هَذِه الْمقَالة؟ قلت: هِيَ مُبْهمَة فِي جَمِيع طرق الحَدِيث من رِوَايَة الزُّهْرِيّ، غير أَنه صرح بهَا فِي طَرِيق أُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة، أخرجهَا أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من رجل يسمع كلمة أَو كَلِمَتَيْنِ مِمَّا فرض الله تَعَالَى فيتعلمهن ويعلمهن إلاَّ دخل الْجنَّة) . وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقَوله: (وضمه) فِيهِ ثَلَاث لُغَات فِي الْمِيم: الْفَتْح وَالْكَسْر وَالضَّم، وَقَالَ بَعضهم: لَا يجوز إلاَّ الضَّم لأجل الْهَاء المضمومة بعده، وَاخْتَارَهُ الْفَارِسِي، وَجوزهُ صَاحب (الفصيح)
وَغَيره: قلت: مثل هَذِه الْكَلِمَة يجوز فِيهِ أَرْبَعَة أوجه من حَيْثُ قَوَاعِد الصرفيين: الأول: ضم الْمِيم تبعا للضاد. وَالثَّانِي: فتحهَا لِأَن الفتحة أخف الحركات. وَالثَّالِث: كسرهَا لِأَن السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ. وَالرَّابِع: فك الْإِدْغَام، أَعنِي: أضمم. وَقَالَ بَعضهم: وَيجوز ضمهَا. وَقيل: يتَعَيَّن لأجل ضمة الْهَاء. قلت: دَعْوَى التَّعْيِين غير صَحِيحَة، وَلَا كَون الضمة لأجل الْهَاء، وَإِنَّمَا هُوَ لأجل ضمة الضَّاد، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ: وَيجوز كسرهَا لَكِن مَعَ إسكان الْهَاء. قلت: إِن أَرَادَ بالإسكان فِي حَالَة الْوَقْف فَمُسلم، وَإِن أَرَادَ مُطلقًا فَمَمْنُوع، فَافْهَم، فَإِن مثل هَذَا لَا يحققه إلاَّ من أمعن فِي النّظر فِي الْعُلُوم الآلية. قَوْله: (بعد) بِضَم الدَّال لِأَنَّهُ قطع من الْإِضَافَة فيبنى على الضَّم، وَفِي بعض النّسخ: (بعده) ، أَي بعد هَذَا الضَّم. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: معْجزَة النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، حَيْثُ رفع من أبي هُرَيْرَة النسْيَان الَّذِي هُوَ من لَوَازِم الْإِنْسَان حَتَّى قيل: إِنَّه مُشْتَقّ مِنْهُ، وَحُصُول هَذَا من بسط الرِّدَاء وضمه أَيْضا معْجزَة، حَيْثُ جعل الْحِفْظ كالشيء الَّذِي يغْرف مِنْهُ، فَأخذ غرفَة مِنْهُ ورماها فِي رِدَائه، وَمثل بذلك فِي عَالم الْحس. حدّثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذِرِ قالَ: حدّثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ بِهَذَا، أَو قالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيه. سَاق البُخَارِيّ الحَدِيث الْمَذْكُور بِهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، فَقَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، حَدثنَا ابْن أبي فديك عَن ابْن أبي ذِئْب عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله! إِنِّي سَمِعت مِنْك حَدِيثا كثيرا فأنساه. قَالَ: ابْسُطْ رداءك، فبسطت، فغرف بِيَدِهِ فِيهِ، ثمَّ قَالَ: ضمه، فضممته فَمَا نسيت حَدِيثا بعد) . وَالِاخْتِلَاف بَين الْحَدِيثين فِي بعض الْأَلْفَاظ. فَفِي الأول: (إِنِّي أسمع مِنْك) ، وَفِي هَذَا: (سَمِعت مِنْك) . وَهُنَاكَ: (انساه) ، وَهَهُنَا: (فأنساه) ، بِالْفَاءِ. وَهُنَاكَ: (فبسطته) ، وَهنا: (فبسطت) بِدُونِ ضمير الْمَفْعُول. وَهُنَاكَ: (فغرف بيدَيْهِ) ، وَهَهُنَا: (بِيَدِهِ) ، وَهُنَاكَ: (فَمَا نسيت شَيْئا) ، وَهنا: (فَمَا نسيت حَدِيثا) . وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي حَدِيث الْبَاب: (فغرف) وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده: يحذف. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) فِي بَاب حفظ الْعلم، فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي قَوْله: (ابْسُطْ رداءك) قَول ابْن أبي فديك. وَقَالَ: يحذف فِيهِ، أَي: كَأَنَّهُ يَرْمِي بِيَدِهِ فِي رِدَاء أبي هُرَيْرَة شَيْئا لما كَانَ قبل ذَلِك، فغرف بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ: ضمه. انْتهى كَلَامه. وَادّعى بَعضهم أَن هَذَا تَصْحِيف، وَلم يُقِم عَلَيْهِ برهانا، غير أَنه قَالَ: لما وضح من سِيَاقه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَقد رَوَاهُ ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) عَن ابْن أبي فديك، فَقَالَ: فغرف، وَهَذَا لَيْسَ يقوم بِهِ دَلِيل على مَا لَا يخفى، وَلَو كَانَ تصحيفا لنبه عَلَيْهِ صَاحب (الْمطَالع) وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر مر فِي أول كتاب الْعلم، وَابْن أبي فديك هُوَ أَبُو إِسْمَاعِيل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك الْمدنِي، وَأَبُو فديك، بِضَم الْفَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة اسْمه: دِينَار، مَاتَ سنة مِائَتَيْنِ. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِهَذَا الحَدِيث. قَوْله: (قَالَ) أَي ابْن أبي فديك يحذف بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، من الْحَذف بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة وبالفاء. وَفِي (الْعباب) فِي فصل الْحَاء الْمُهْملَة: حذفته بالعصا أَي: رميته. وَهُوَ بَين كل حاذف وقاذف: فالحاذف بالعصا، والقاذف بِالْحجرِ. وَقَالَ اللَّيْث: الْحَذف الرَّمْي عَن جَانب وَالضَّرْب عَن جَانب. وَقَالَ فِي فصل الْخَاء الْمُعْجَمَة. الْخذف، رميك بحصاة أَو نواة أَو نَحْوهمَا تَأْخُذهُ بَين سبابتيك تخذف بِهِ. قلت: وَمن هَذَا قَالَ بَعضهم: الْحَذف، بِالْمُهْمَلَةِ بالعصا، والخذف بِالْمُعْجَمَةِ بالحصى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد وجد فِي بعض النّسخ هَهُنَا: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر ... الخ، ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر أَن ابْن أبي فديك يرويهِ أَيْضا عَن ابْن أبي ذِئْب، فيتفق مَعَه إِلَى آخر الْإِسْنَاد الأول مَعَ احْتِمَال رِوَايَته عَن غَيره. قلت: هَذَا غَفلَة مِنْهُ، وَلَو اطلع على مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة لما تردد هَهُنَا، ولجزم بِرِوَايَة ابْن أبي فديك عَن ابْن أبي ذِئْب. 120 - حدّثنا إسْماعيلُ قالَ: حدّثني أخِي عَن ابنِ أبي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: حَفظْتُ مِنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعاءَيْنِ، فَأمَّا أحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ وأمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا كلهم، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَخُوهُ عبد الحميد
بن أبي أويس الأصبحي الْمدنِي الْقرشِي، أَبُو بكر الْأَعْمَش. مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ. وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَقد مر عَن قريب. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مدنيون، وَهَذَا الحَدِيث انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن الْجَمَاعَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (وعاءين) تَثْنِيَة وعَاء، بِكَسْر الْوَاو وبالمد، وَهُوَ الظّرْف الَّذِي يحفظ فِيهِ الشَّيْء، وَيجمع على: أوعية، وَيُؤْخَذ مِنْهُ الْفِعْل. يُقَال: أوعيت الزَّاد وَالْمَتَاع إِذا جعلته فِي الْوِعَاء، قَالَ عبيد بن الأبرص: (الْخَيْر يبْقى وَلَو طَال الزَّمَان بِهِ ... وَالشَّر أَخبث مَا أوعيت من زَاد) قَوْله: (فبثثته) أَي: نشرته، يُقَال: بَث الْخَيْر: وأبثه بِمَعْنى. قَالَ ذُو الرمة: (غيلَان وأسقيه حَتَّى كَاد مِمَّا أبثه) وبثثت الْغُبَار: إِذا هيجته، وبثثت الْخَبَر: شدد للْمُبَالَغَة، وبثثت الْخَبَر: كشفته ونشرته، والتركيب يدل على تَفْرِيق الشَّيْء وإظهاره. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (حفظت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (حفظت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَهِي أصرح لتلقيه من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِلَا وَاسِطَة. قَوْله: (وعاءين) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: حفظت. قَوْله: (فَأَما أَحدهمَا) كلمة: أما، هِيَ التفصيلية وَقَوله (فبثثته) جَوَاب: أما، وَإِنَّمَا دخلت عَلَيْهِ الْفَاء لتضمنها معنى الشَّرْط. وَقَوله: (وَأما الآخر) . أَي: وَأما الْوِعَاء الآخر، وَجَوَابه قَوْله: (فَلَو بثثته) ، وَقَوله: (لقطع هَذَا البلعوم) جَوَاب: لَو، ويروى قطع بِدُونِ اللَّام، و: (البلعوم) مَرْفُوع بِإِسْنَاد قطع، إِلَيْهِ وَهُوَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. بَيَان الْمَعْنى: فِيهِ ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال، وَهُوَ ذكر الْوِعَاء، وَإِرَادَة مَا يحل فِيهِ. وَالْحَاصِل أَنه أَرَادَ بِهِ نَوْعَيْنِ من الْعلم، وَأَرَادَ بِالْأولِ: الَّذِي حفظه من السّنَن المذاعة لَو كتبت لاحتمل أَن يمْلَأ مِنْهَا وعَاء. وَبِالثَّانِي: مَا كتمه من أَخْبَار الْفِتَن، كَذَلِك. وَقَالَ ابْن بطال: المُرَاد من الْوِعَاء الثَّانِي أَحَادِيث أَشْرَاط السَّاعَة، وَمَا عرف بِهِ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من فَسَاد الدّين على أَيدي أغيلمة سُفَهَاء من قُرَيْش، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: لَو شِئْت أَن أسميهم بِأَسْمَائِهِمْ، فخشي على نَفسه فَلم يُصَرح، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لكل من أَمر بِمَعْرُوف إِذْ خَافَ على نَفسه فِي التَّصْرِيح أَن يعرض، وَلَو كَانَت الْأَحَادِيث الَّتِي لم يحدث بهَا فِي الْحَلَال وَالْحرَام مَا وَسعه كتمها بِحكم الْآيَة. وَيُقَال: حمل الْوِعَاء الثَّانِي الَّذِي لم يُنَبه على الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَبْيِين أسامي أُمَرَاء الْجور وأحوالهم ووذمهم، وَقد كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يكني عَن بَعضهم وَلَا يُصَرح بِهِ خوفًا على نَفسه مِنْهُم، كَقَوْلِه: أعوذ بِاللَّه من رَأس السِّتين وإمارة الصّبيان، يُشِير بذلك إِلَى خلَافَة يزِيد بن مُعَاوِيَة لِأَنَّهَا كَانَت سنة سِتِّينَ من الْهِجْرَة، فَاسْتَجَاب الله دُعَاء أبي هُرَيْرَة، فَمَاتَ قبلهَا بِسنة. فَإِن قيل: الْوِعَاء فِي كَلَام الْعَرَب الظّرْف الَّذِي يجمع فِيهِ الشَّيْء، فَهُوَ معَارض لما تقدم مِمَّا قَالَ: إِنِّي لَا أكتب، وَكَانَ أَي عبد الله بن عَمْرو يكْتب. أُجِيب: بِأَن المُرَاد أَن الَّذِي حفظه من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من السّنَن الَّتِي حدث بهَا وحملت عَنهُ، لَو كتبت لاحتمل أَن يمْلَأ مِنْهَا وعَاء، وَمَا كتمه من أَحَادِيث الْفِتَن الَّتِي لَو حدث بهَا لقطع مِنْهُ البلعوم، يحْتَمل أَن يمْلَأ وعَاء آخر، وَلِهَذَا الْمَعْنى قَالَ: وعاءين، وَلم يقل: وعَاء وَاحِدًا لاخْتِلَاف حكم الْمَحْفُوظ فِي الْإِعْلَام بِهِ والستر لَهُ. وَقَالَت المتصوفة: المُرَاد بِالْأولِ: علم الْأَحْكَام والأخلاق. وَبِالثَّانِي: علم الْأَسْرَار، المصون عَن الأغيار، الْمُخْتَص بالعلماء بِاللَّه من أهل الْعرْفَان. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم: الْعلم الْمكنون والسر المصون علمنَا، وَهُوَ نتيجة الْخدمَة وَثَمَرَة الْحِكْمَة، لَا يظفر بهَا إلاَّ الغواصون فِي بحار المجاهدات، وَلَا يسْعد بهَا إلاَّ المصطفون بأنوار المجاهدات والمشاهدات، إِذْ هِيَ أسرار متمكنة فِي الْقُلُوب لَا تظهر إلاَّ بالرياضة وأنوار لامعة فِي الغيوب لَا تنكشف إلاَّ للأنفس المرتاضة. قلت: نعم مَا قَالَ، لَكِن بِشَرْط أَن لَا تَدْفَعهُ الْقَوَاعِد الإسلامية وَلَا تنفيه القوانين الإيمانية إِذْ مَا بعد الْحق إلاَّ الضلال. فَإِن قلت: قد وَقع فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة: حفظت ثَلَاثَة أجربة. فبثثت مِنْهَا جرابين، وَهَذَا مُخَالف لحَدِيث الْبَاب؟ قلت: يحمل على أَن الجرابين مِنْهَا كَانَا من نوع وَاحِد وَهُوَ الْأَحْكَام، وَمَا يتَعَلَّق بظواهر الشَّرْع، والجراب الآخر الْأَحَادِيث الَّتِي لَو نشرها لقطع بلعومه، وَلَا شكّ أَن النَّوْع الأول كَانَ أَكثر من النَّوْع الثَّانِي، فَلذَلِك عبر عَنهُ بالجرابين، وَالنَّوْع الثَّانِي بجراب وَاحِد فَبِهَذَا حصل التَّوْفِيق بَين الْحَدِيثين. وَلَقَد أبعد بَعضهم فِي قَوْله: يحمل على أَن أحد الوعاءين كَانَ أكبر من الآخر بِحَيْثُ يَجِيء مَا فِي الْكَبِير فِي جرابين، وَمَا فِي الصَّغِير فِي وَاحِد. قَوْله: (فبثثته) زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فِي النَّاس) .
- (باب الإنصات للعلماء)
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْبُلْعُومُ مَجْرَى الطَّعَامِ هَذَا ثَبت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. و: (البلعوم) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مجْرى الطَّعَام فِي الْحلق، وَهُوَ المريء كَمَا فسره القَاضِي الْجَوْهَرِي، وَكَذَا البلعم. وَقَالَ الْفُقَهَاء: الْحُلْقُوم مجْرى النَّفس، والمريء مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب، وَهُوَ تَحت الْحُلْقُوم، والبلعوم تَحت الْحُلْقُوم. وَقَالَ ابْن بطال: البلعوم الْحُلْقُوم، وَهُوَ مجْرى النَّفس إِلَى الرئة، والمريء مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب إِلَى الْمعدة مُتَّصِل بالحلقوم، وَالْمَقْصُود: كنى بذلك عَن الْقَتْل. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (لقطع هَذَا) ، يَعْنِي رَأسه. 43 - (بابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِنْصَات لأجل الْعلمَاء، وَاللَّام، فِيهِ للتَّعْلِيل، و: الْإِنْصَات، بِكَسْر الْهمزَة: السُّكُوت وَالِاسْتِمَاع للْحَدِيث. يُقَال: نصت نصتا وأنصت إنصاتا إِذا سكت واستمع للْحَدِيث. يُقَال: أنصتوه وأنصتوا لَهُ. وانتصت سكت. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْعلم إِنَّمَا يحفظ من الْعلمَاء، وَلَا بُد فِيهِ من الْإِنْصَات لكَلَام الْعَالم حَتَّى لَا يشذ عَنهُ شَيْء، فبهذه الْحَيْثِيَّة تنَاسبا فِي الاقتران. 121 - حدّثنا حَجَّاجٌ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ قالَ: أَخْبرنِي عليُّ بنُ مُدْرِكٍ عَنْ أبي زُرْعَةَ عَنْ جَرِيرٍ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ لَهُ فِي حَجَّةٍ الوَدَاعِ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) ، فقالَ: (لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (استنصت النَّاس) . بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حجاج بن منهال الْأنمَاطِي. وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تقدم غير مرّة. الثَّالِث: عَليّ بن مدرك، بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء: أَبُو مدرك النَّخعِيّ الْكُوفِي الصَّالح الصدوق الثِّقَة، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، اسْمه هرم، بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء، ابْن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ، كَانَ سيدا مُطَاعًا بديع الْجمال كَبِير الْقدر، طَوِيل الْقَامَة يصل إِلَى سَنَام الْبَعِير، وَكَانَ نَعله ذِرَاعا مر فِي: بَاب الدّين النصحية. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار بِصِيغَة الْمُفْرد وَالْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وواسطي وبصري. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة ابْن الابْن عَن جده. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن الْحجَّاج، وَفِي الْمَغَازِي عَن حَفْص بن عَمْرو، وَفِي الْفِتَن عَن سُلَيْمَان، كلهم عَن شُعْبَة عَن عَليّ بن مدرك بِهِ، وَفِي الدِّيات عَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار عَن غنْدر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي صَفْوَان عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن شُعْبَة بِهِ، وَفِي الْمُحَاربَة عَن بنْدَار عَن غنْدر وَابْن مهْدي بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن بنْدَار عَنْهُمَا بِهِ، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أبي بكرَة الطَّوِيل، ذكره البُخَارِيّ فِي الْخطْبَة أَيَّام منى، وَمُسلم فِي الْجِنَايَات وَقد تقدم قِطْعَة من حَدِيث أبي بكرَة فِي كتاب الْعلم فِي موضِعين أَحدهمَا فِي: بَاب رب مبلغ أوعى من سامع. بَيَان الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى: قَوْله: (قَالَ) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا اسْم. إِن. قَوْله: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، مُتَعَلق: بقال، الْمَشْهُور فِي الْحَاء وَالْوَاو الْفَتْح. قَوْله: (استنصت النَّاس) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ: أَنْت فِي اسنتصت، وَالْمَفْعُول وَهُوَ: النَّاس، وَهُوَ مقول القَوْل، واستنصت، أَمر من الاستنصات: استفعال من الْإِنْصَات، وَمثله قَلِيل، إِذْ الْغَالِب أَن الاستفعال يبْنى من الثلاثي وَمَعْنَاهُ طلب السُّكُوت، وَهُوَ مُتَعَدٍّ، والإنصات جَاءَ لَازِما ومتعديا، يَعْنِي اسْتعْمل أنصتوه وأنصتوا لَهُ لَا أَنه جَاءَ بِمَعْنى الإسكات. وَسميت بِحجَّة الْوَدَاع لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودع النَّاس فِيهَا. فَإِن قلت: قد وَقع فِي غَالب النّسخ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: أَي لجرير، وَكَيف يكون هَذَا وَقد جزم ابْن عبد الْبر بِأَن جَرِيرًا أسلم قبل موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا؟ قلت: قد قيل: إِن لَفْظَة: لَهُ، هَهُنَا زِيَادَة لأجل هَذَا الْمَعْنى، وَلَكِن وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: لهَذَا الحَدِيث فِي: بَاب حجَّة الْوَدَاع، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لجرير، وَهَذَا يدل على أَن
لَفْظَة، هَهُنَا غير زَائِدَة، وَأَن رِوَايَة جرير قبل ذَلِك، ويصححه مَا قَالَه الْبَغَوِيّ وَابْن مَاجَه: إِنَّه أسلم فِي رَمَضَان سنة عشر، فَحِينَئِذٍ يخدش مَا ذكره ابْن عبد الْبر، وَالله أعلم. قَوْله: (لَا ترجعوا) مَعْنَاهُ هَهُنَا: لَا تصيروا، قَالَ ابْن مَالك: رَجَعَ هُنَا اسْتعْمل اسْتِعْمَال صَار معنى وَعَملا، أَي: لَا تصيروا بعدِي كفَّارًا، فعلى هَذَا: كفَّارًا مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: لَا ترجعوا، أَي: لَا تصيروا، فَتكون من الْأَفْعَال النَّاقِصَة الَّتِي تَقْتَضِي الإسم الْمَرْفُوع وَالْخَبَر الْمَنْصُوب. قَوْله: (بعدِي) قَالَ الطَّبَرِيّ أَي بعد فراقي فِي موقفي هَذَا، وَقَالَ غَيره: خلافي، أَي لَا تخلفوني فِي أَنفسكُم بعد الَّذِي أَمرتكُم بِهِ، وَيحْتَمل أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، علم أَن هَذَا لَا يكون فِي حَيَاته فنهاهم عَنهُ بعد وَفَاته. وَقَالَ المظهري: يَعْنِي إِذا فَارَقت الدُّنْيَا فاثبتوا بعدِي على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من الْإِيمَان وَالتَّقوى، وَلَا تَحَارَبُوا الْمُسلمين وَلَا تَأْخُذُوا أَمْوَالهم بِالْبَاطِلِ. وَقَالَ محيي السّنة. أَي: لَا تكن أفعالكم شَبيهَة بِأَفْعَال الْكفَّار فِي ضرب رِقَاب الْمُسلمين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قيل فِي مَعْنَاهُ سِتَّة أَقْوَال أخر. أَحدهَا: إِن ذَلِك كفر فِي حق المستحل بِغَيْر حق. ثَانِيهَا: المُرَاد كفر النِّعْمَة وَحقّ الْإِسْلَام. ثَالِثهَا: إِنَّه يقرب من الْكفْر وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ. رَابِعهَا: إِنَّه حَقِيقَة الْكفْر وَمَعْنَاهُ: دوموا مُسلمين. خَامِسهَا: حَكَاهُ الْخطابِيّ، أَن المُرَاد بالكفار المتكفرون بِالسِّلَاحِ يُقَال: تكفر الرجل بسلاحه إِذا لبسه، وَيُقَال للابس السِّلَاح: كَافِر. سادسها: مَعْنَاهُ: لَا يكفر بَعضهم بَعْضًا فتستحلوا قتال بَعْضكُم بَعْضًا. قَوْله: (يضْرب) بِرَفْع الْبَاء، وَهُوَ الصَّوَاب وَهُوَ الرِّوَايَة الَّتِي رَوَاهَا المتقدمون والمتأخرون. وَفِيه وُجُوه: أَحدهَا: أَن يكون صفة لكفار أَي: لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا متصفين بِهَذِهِ الصّفة القبيحة، يَعْنِي ضرب بَعْضكُم رِقَاب آخَرين. وَالثَّانِي: أَن يكون حَالا من ضمير: لَا ترجعوا، أَي: لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا حَال ضرب بَعْضكُم رِقَاب بعض. وَالثَّالِث: أَن يكون جملَة استئنافية، كَأَنَّهُ قيل: كَيفَ يكون الرُّجُوع كفَّارًا؟ فَقَالَ: يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض، فعلى الْوَجْه الأول: يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: لَا ترجعوا عَن الدّين بعدِي فتصيروا مرتدين مقاتلين يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض بِغَيْر حق، على وَجه التَّحْقِيق: وَأَن يكون: لَا ترجعوا كالكفار الْمقَاتل بَعْضكُم بَعْضًا على وَجه التَّشْبِيه بِحَذْف أداته هُوَ على الثَّانِي، يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: لَا تكفرُوا حَال ضرب بَعْضكُم رِقَاب بعض لأمر يعرض بَيْنكُم لاستحلال الْقَتْل بِغَيْر حق، وَأَن يكون: لَا ترجعوا حَال الْمُقَاتلَة لذَلِك كالكفار فِي الانهماك فِي تهييج الشَّرّ وإثارة الْفِتَن بِغَيْر إشفاق مِنْكُم بَعْضكُم على بعض فِي ضرب الرّقاب. وعَلى الثَّالِث: يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: لَا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض بِغَيْر حق فَإِنَّهُ فعل الْكفَّار، وَأَن يكون لَا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض، كَفعل الْكفَّار على مَا تقدم،؛ وَجوز ابْن مَالك وَأَبُو الْبَقَاء جزم الْبَاء على أَنه بدل من: لَا ترجعوا، وَأَن يكون، جَزَاء لشرط مُقَدّر على مَذْهَب الْكسَائي، أَي: فَإِن رجعتم يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض. وَقيل: يجوز الْجَزْم بِأَن يكون جَوَاب النَّهْي على مَذْهَب من يجوز: لَا تكفر تدخل النَّار. وَقَالَ القَاضِي وَالنَّوَوِيّ: وَمن سكَّن الْبَاء مِمَّن لم يضبطه أحَال الْمَعْنى، لِأَن التَّقْدِير على الرّفْع: لَا تَفعلُوا فعل الْكفَّار فتشبهوا بهم فِي حَالَة قتل بَعضهم بَعْضًا، ومحاربة بَعضهم بَعْضًا. قَالَ القَاضِي، وَهَذَا أولى الْوُجُوه الَّتِي يتَنَاوَل عَلَيْهَا هَذَا الحَدِيث. وَقد جرى بَين الْأَنْصَار كَلَام بمحاولة الْيَهُود حَتَّى ثار بَعضهم إِلَى بعض فِي السِّلَاح. فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَكَيف تكفرون وَأَنْتُم تتلى عَلَيْكُم آيَات الله} (آل عمرَان: 101) أَي تَفْعَلُونَ فعل الْكفَّار، وَسِيَاق الْخَبَر يدل على أَن النَّهْي عَن ضرب الرّقاب وَالنَّهْي عَمَّا قبله بِسَبَبِهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي بكرَة، رَضِي الله عَنهُ: (إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام) . وَذكر الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: (ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب، لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا) الحَدِيث. فَهُوَ شرح لما تقدم من تَحْرِيم بَعضهم على بعض. قَوْله: (رِقَاب بعض) ، وَهُوَ جمع رَقَبَة، فَإِن قلت: لَيْسَ لكل شخص إلاَّ رَقَبَة وَاحِدَة، وَلَا شكّ أَن ضرب الرَّقَبَة الْوَاحِدَة مَنْهِيّ عَنْهَا. قلت: الْبَعْض وَإِن كَانَ مُفردا لكنه فِي معنى الْجمع، كَأَنَّهُ قَالَ: رب لَا يضْرب فرقة مِنْكُم رِقَاب فرقة أُخْرَى، وَالْجمع فِي مُقَابلَة الْجمع: أَو مَا فِي مَعْنَاهُ يُفِيد التَّوْزِيع. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ أَن الْإِنْصَات للْعُلَمَاء والتوقير لَهُم لَازم للمتعلمين، قَالَ الله تَعَالَى: {لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي} (الحجرات: 2) وَيجب الْإِنْصَات عِنْد قِرَاءَة حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل مَا يجب لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَلِكَ يجب الْإِنْصَات للْعُلَمَاء لأَنهم الَّذين يحيون سنته ويقومون بِشَرِيعَتِهِ. الثَّانِي: فِيهِ تحذير الْأمة من وُقُوع مَا يحذر فِيهِ. الثَّالِث: تعلق بِهِ بعض أهل الْبدع فِي إِنْكَار حجية الْإِجْمَاع، كَمَا قَالَ الْمَازرِيّ، لِأَنَّهُ نهى الْأمة بأسرها عَن الْكفْر، وَلَوْلَا جَوَاز إجماعها عَلَيْهِ
- (باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله)
لما نهاها، وَالْجَوَاب: إِن الِامْتِنَاع إِنَّمَا جَاءَ من جِهَة خبر الصَّادِق لَا من عدم الْإِمْكَان، وَقد قَالَ تَعَالَى: {لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك} (الزمر: 65) وَمَعْلُوم أَنه مَعْصُوم. 44 - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ للْعَالِمِ إذَا سُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إلَى اللَّهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان: (مَا يسْتَحبّ للْعَالم إِذا سُئِلَ) الخ. وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: اسْتِحْبَاب الْعَالم ... وَكلمَة: إِذا، ظرفية، فَتكون ظرفا لقَوْله: (يسْتَحبّ) ، وَالْفَاء فِي قَوْله: (فيكل) ، تفسيرية على أَن قَوْله: يكل، فِي قُوَّة الْمصدر بِتَقْدِير: أَن، وَالتَّقْدِير: مَا يسْتَحبّ وَقت السُّؤَال هُوَ الوكول، وَيجوز أَن تكون: إِذا شَرْطِيَّة و: الْفَاء، حِينَئِذٍ دَاخِلَة على الْجَزَاء، وَالتَّقْدِير: فَهُوَ يكل، وَالْجُمْلَة بَيَان لما يسْتَحبّ. قَوْله: (أَي النَّاس) أَي: أَي شخص من أشخاص الْإِنْسَان أعلم من غَيره؟ وَرُوِيَ: (إِذا سُئِلَ أَي النَّاس أعلم؟ أَن يكل) . و: أَن مَصْدَرِيَّة. وَالتَّقْدِير: بَاب اسْتِحْبَاب وكول الْعَالم الْعلم إِلَى الله تَعَالَى وَقت السُّؤَال عَنهُ: أَي النَّاس أعلم؟ قَوْله: (يكل) أَصله: يُوكل، لِأَنَّهُ من: وكل الْأَمر إِلَى نَفسه وكلا ووكولاً، وَهَذَا أَمر موكول إِلَى رَأْيك، حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة كَمَا فِي: يعد، وَنَحْوه. وَمعنى أصل التَّرْكِيب يدل على اعْتِمَاد غَيْرك فِي أَمرك. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول لُزُوم الْإِنْصَات للْعَالم، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة وكول أمره إِلَيْهِ فِي حَالَة السماع، وَكَذَلِكَ هَهُنَا: لُزُوم وكول الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى إِذا سُئِلَ عَن الأعلم. 122 - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحمَّدٍ قَالَ: حدّثنا سُفْيانُ قالَ: حدّثنا عَمْرٌ وقالَ: أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قالَ: قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوْفا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ، إنَّمَا هُو مُوسَى آخَرُ. فَقالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حدّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (قامَ مُوسَى النَّبيُّ خَطِيبا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ. فَسُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ؟ فقالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عليهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ عَبْدا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ، قالَ: يَا رَبِّ! وَكَيْفَ لي بهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتا فِي مِكْتَل فإذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ، فانْطَلَقَ وانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشعَ بنُ نُونٍ وَحَمَلاَ حوتا فِي مِكْتَلٍ حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَاما، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا، وكانَ لمُوسَى وفَتَاه عَجَبا، فانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا ويَوْمِهَما فلَمَّا أصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبا، وَلَمْ يَجدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أُمِرَ بهِ، فَقالَ لَهُ فَتَاهُ: {أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ} (الْكَهْف: 63) قالَ مُوسَى: {ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصا} (الْكَهْف: 64) فلمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إذَا رَجُلٌ مُسَجَّى بِثَوْبٍ أوْ قالَ: تَسَجَّى بِثَوْبهِ فَسَلَّمِ مُوسَى فَقالَ الخَضِرُ: وأنَّى بأرْضِكَ السَّلامُ؟ فَقالَ: أنَا مُوسَى. فقالَ: مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: {هَلْ اتَّبِعُكَ عَلَى أنْ تُعَلِّمنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدا. قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرا} (الْكَهْف: 66 67) يَا مُوسى إنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّه عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلَى عِلْمٍ علّمَكَهُ لاَ أعْلَمُهُ، قَالَ: {سَتَجدُنِي إنْ شَاء اللَّهُ صابِرا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْرا} (الْكَهْف: 69) فانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل البَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سفِينَةٌ فَكَلمُوهُمْ أنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلِ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَو نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فقالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى
مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمَكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إلاّ كَنَقْرةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لوْحٍ منْ ألْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فقالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بغيْر نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سفينَتهم فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أهْلَها؟ قالَ: {أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْرا} (الْكَهْف: 72) قالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نسِيتُ، فَكانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانا فانْطَلَقَا، فإذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فأَخَذ الخَضِرُ برَأْسه مِنْ أعْلاَهُ فاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بيدِهِ فقالَ مُوسَى: {أَقْتَلْتَ نَفْسا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} (الْكَهْف: 74) {قالَ: أَلَمْ أقلْ لَكَ أنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرا} (الْكَهْف: 75) . قالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أوْكَد فانْطَلَقَا حَتَّى إِذا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أهْلَهَا فأبَوْا أنْ يُضِيِّفُوهُما، فَوَجَدَا فِيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقضَّ. فأقَامَهُ. قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فأقامَهُ، فقالَ لَهُ موسَى: {لوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا! قالَ: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} (الْكَهْف: 77 78) قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَرْحَمُ الله مُوسَى، لَودِدْنَا لَوْ صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِنْ أمْرهمَا) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي، بِفَتْح النُّون، وَقد تقدم. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. السَّادِس: نوف، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره فَاء: ابْن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: أَبُو يزِيد، وَيُقَال: أَبُو رشيد الْقَاص الْبكالِي، كَانَ عَالما فَاضلا إِمَامًا لأهل دمشق. وَقَالَ ابْن التِّين: كَانَ حاجبا لعَلي، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ قَاصا، وَهُوَ ابْن امْرَأَة كَعْب الْأَحْبَار على الْمَشْهُور، وَقيل: ابْن أَخِيه، والبكالي، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْكَاف: نِسْبَة إِلَى بني بكال، بطن من حمير. وَقَالَ الرشاطي. الْبكالِي فِي حمير ينْسب إِلَى بكال بن دغمي بن عَوْف بن عدي بن مَالك بن زيد بن سدد بن زرْعَة بن سبأ الْأَصْغَر. قَالَ الْهَمدَانِي: وَقيد دغميا بالغين الْمُعْجَمَة، قَالَ: وَسَائِر مَا فِي الْعَرَب بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَضبط، بكالاً، بِفَتْح الْبَاء. وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ بِالْفَتْح وَالْكَسْر. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : ونوف الْبكالِي أَكثر الْمُحدثين يفتحون الْبَاء ويشددون الْكَاف وَآخره لَام، وَكَذَا قيدناه عَن أبي بَحر، وَابْن أبي جَعْفَر عَن العذري، وَكَذَا قَالَه أَبُو ذَر، وَقيد عَن الْمُهلب بِكَسْر الْبَاء، وَكَذَلِكَ عَن الصَّدَفِي وَأبي الْحُسَيْن بن سراج بتَخْفِيف الْكَاف وَهُوَ الصَّوَاب نِسْبَة إِلَى بكال من حمير. . وَقَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي شرح التِّرْمِذِيّ لَهُ: إِنَّه مَنْسُوب إِلَى بكيل، بطن من هَمدَان، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْمَنْسُوب إِلَى بكيل إِنَّمَا هُوَ أَبُو الوداك جبر بن نوف وَغَيره، وَأما هَذَا نوف بن فضَالة فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى بكال بطن من حمير. السَّابِع: أبي بن كَعْب الصَّحَابِيّ، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد وَالسُّؤَال. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ، وهما: عَمْرو وَسَعِيد. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ، وَقد مر فِي بَاب: مَا ذكر فِي ذهَاب مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر، أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي أَكثر من عشرَة مَوَاضِع. بَيَان اللُّغَات: قد مر فِي الْبَاب الْمَذْكُور تَفْسِير: بني إِسْرَائِيل ويوشع بن نون والصخرة والقصص. قَوْله: (فِي مكتل) ، بِكَسْر الْمِيم وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ الزنبيل، وَيُقَال: القفة. وَيُقَال: فَوق القفة والزنبيل. وَفِي (الْعباب) : المكتل يشبه الزنبيل يسع خَمْسَة عشر صَاعا. قَوْله: (فانسل الْحُوت) من: سللت الشَّيْء أسله سلاً فانسلّ. وأصل التَّرْكِيب يدل على مد الشَّيْء فِي رفق وخفة. قَوْله: (سربا) أَي: ذَهَابًا، يُقَال: سرب سربا فِي المَاء إِذا ذهب فِيهِ ذَهَابًا. وَقيل: أمسك الله جرية المَاء على الْحُوت فَصَارَ عَلَيْهِ مثل الطاق، وَحصل مِنْهُ فِي مثل السرب، وَهُوَ ضد النفق، معْجزَة لمُوسَى أَو للخضر، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. والسرب فِي الأَصْل حفير تَحت الأَرْض، والطاق: عِنْد الْبناء وَهُوَ الأزج، وَهُوَ مَا عقد أَعْلَاهُ بِالْبِنَاءِ وَترك تَحْتَهُ خَالِيا. وَجَاء: فَجعل المَاء لَا يلتئم حَتَّى صَار كالكوة، و: الكوة، بِالضَّمِّ وَالْفَتْح: الثقب فِي الْبَيْت. قَوْله: (نصبا) بِفَتْح النُّون وَالصَّاد أَي: تعبا. قَوْله: (إِذْ أوينا) من أَوَى إِلَى منزله لَيْلًا أَو نَهَارا، إِذا أَتَى. قَوْله: (نبغي) أَي: نطلب، من: بغيت الشَّيْء: طلبته. قَوْله: (فارتدا) أَي: رجعا.
قَوْله: (مسجى) أَي: مغطى كُله كتغطية وَجه الْمَيِّت وَرجلَيْهِ وجميعه، كَذَا جَاءَ فِي البُخَارِيّ، وَقد جعل طرفه تَحت رجله، وطرفه تَحت رَأسه، فَسلم عَلَيْهِ مُوسَى، فكشف عَن وَجهه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وسجيت الْمَيِّت تسجية إِذا مددت عَلَيْهِ ثوبا. قَوْله: (رشدا) قَالَ فِي (الْعباب) : الرشد بِالضَّمِّ، والرشد بِالتَّحْرِيكِ، والرشاد والرشدى مِثَال: جمزى، وَهَذِه عَن ابْن الْأَنْبَارِي: خلاف الغي. قَالَ الله تَعَالَى: {قد تبين الرشد من الغي} (الْبَقَرَة: 256) وَقَالَ جلّ ذكره: {وهيء لنا من أمرنَا رشدا} (الْكَهْف: 10) وَقَالَ: {أهدكم سَبِيل الرشاد} (غَافِر: 38) وَقد رشد يرشد، مِثَال: كتب يكْتب، ورشد يرشد مِثَال: سمع يسمع، وَفرق اللَّيْث بَين اللغتين. فَقَالَ: رشد الْإِنْسَان يرشد رشدا ورشادا، وَهُوَ نقيض الغي. ورشد يرشد رشدا وَهُوَ نقيض الضلال. قَالَ: فَإِذا أصَاب وَجه الْأَمر وَالطَّرِيق فقد رشد. قَوْله: (سفينة) فعيلة بِمَعْنى فاعلة، كَأَنَّهَا تسفن المَاء أَي: تقشره. قَالَه ابْن دُرَيْد. قَوْله: (بِغَيْر نول) ، بِفَتْح النُّون أَي، بِغَيْر أجر، والنول بِالْوَاو، والمنال والمنالة كُله الْجعل. وَأما النّيل والنوال فالعطية ابْتِدَاء يُقَال: رجل نَالَ إِذا كَانَ كثير النوال، كَمَا قَالُوا: رجل مَال إِذا كَانَ كثير المَال. تَقول: نلْت الرجل أنوله نولاً، ونلت الشَّيْء أناله نيلاً. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : أنلته ونلته ونولته، والإسم: النول والنيل. يُقَال: نَالَ ينَال منالاً ومنالة. قَوْله: (عُصْفُور) بِضَم الْعين: طير مَشْهُور، وَقيل: هُوَ الصرد. قَوْله: (فَعمد) ، بِفَتْح الْمِيم: من عَمَدت للشَّيْء أعمد من بَاب: ضرب يضْرب عمدا: قصدت لَهُ، وَفعلت ذَلِك عمدا على عين وَعمد عين، أَي: بجد ويقين. وعمدت الشَّيْء: أقمته بعماد يعْتَمد عَلَيْهِ، وعمده الْمَرَض أَي: فدحه وأضناه، وعمدت الرجل إِذا ضَربته بالعمود، وعمدته أَيْضا إِذا ضربت عَمُود بَطْنه، وَعمد الثرى، بِالْكَسْرِ، يعمد عمدا، بِالتَّحْرِيكِ: إِذا بلله الْمَطَر. وَيُقَال أَيْضا: عمد الْبَعِير إِذا انتضح دَاخل السنام من الرّكُوب وَظَاهره صَحِيح، فَهُوَ بعير عمد. وَعمد الرجل إِذا غضب، وَعمد بالشَّيْء إِذا لزمَه. قَوْله: (بِمَا نسيت) أَي: بِمَا غفلت. وَقيل: لم ينس وَلكنه ترك، وَالتّرْك يُسمى نِسْيَانا. قَوْله: (وَلَا ترهقني) قَالَ الزّجاج: لَا تغشني. وَقيل: لَا تلْحق بِي وهما، يُقَال: رهقه الشَّيْء، بِالْكَسْرِ، يرهقه بِالْفَتْح رهقا بِفَتْح الْهَاء: إِذا غشيه. وأرهقته: كلفته ذَلِك. يُقَال: لَا ترهقني لَا أرهقك الله، أَي: لَا تعسرني لَا أعسرك الله. قَوْله: (زكية) أَي: طَاهِرَة لم تذنب، من الزَّكَاة وَهِي الطَّهَارَة. قَالَ تَعَالَى: {وتزكيهم بهَا} (التَّوْبَة: 103) أَي تطهرهُمْ. قَوْله: (قَالَ الْخضر بِيَدِهِ) أَي: أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ. (فأقامه) : وَهُوَ من إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل، وَهَذَا فِي لِسَان الْعَرَب كثير. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: تَقول الْعَرَب: قَالُوا بزيد أَي: قَتَلُوهُ، وَقُلْنَا بِهِ أَي: قَتَلْنَاهُ. وَقَالَ الرجل بالشَّيْء أَي: غَلبه. قَوْله: (لاتخذت) ، قَالَ مكي: التَّاء فَاء الْفِعْل. حكى أهل اللُّغَة: تخذ يتَّخذ. قَالَ الْجَوْهَرِي: الاتخاد افتعال من الْأَخْذ، إلاَّ أَنه أدغم بعد تليين الْهمزَة وإبدالها تَاء، ثمَّ لما كثر اسْتِعْمَاله على لفظ الافتعال توهموا أَن التَّاء أَصْلِيَّة، فبنوا مِنْهَا: فعل يفعل. قَالُوا: تخد يتَّخذ، وَقَوْلهمْ: أخذت كَذَا يبدلون الذَّال تَاء فيدغمونها، وَبَعْضهمْ يظهرها. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (إِن نَوْفًا) ، بِكَسْر الْهمزَة و: نَوْفًا، بِالنّصب اسْم: إِن، هُوَ منصرف فِي اللُّغَة الفصيحة، وَفِي بَعْضهَا غير منصرف وكتبت بِدُونِ الْألف. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النوف السنام العالي، وَالْجمع: أنواف. قَالَ: والنوف: بظارة الْمَرْأَة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: رُبمَا سمى مَا تقطعه الخافضة من الْجَارِيَة: نَوْفًا، زَعَمُوا والنوف: الصَّوْت، يُقَال: نافت الضبعة تنوف نَوْفًا. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: بَنو نوف بطن من الْعَرَب، أَحْسبهُ من هَمدَان. وناف الْبَعِير ينوف نَوْفًا إِذا ارْتَفع وَطَالَ. قلت: فعلى هَذَا: نوف، منصرف أَلْبَتَّة لِأَنَّهُ لفظ عَرَبِيّ وَلَيْسَ فِيهِ إلاَّ عِلّة وَاحِدَة، وَهِي العلمية، وَمن مَنعه الصّرْف رُبمَا يزْعم أَنه لفظ أعجمي، فَتكون فِيهِ عِلَّتَانِ: العجمة والعلمية، والأفصح فِيهِ أَيْضا الصّرْف، لِأَن سُكُون وَسطه يُقَاوم إِحْدَى العلتين، فَيبقى الِاسْم بعلة وَاحِدَة، كَمَا فِي: نوح وَلُوط. قَوْله: (الْبكالِي) بِالنّصب صفة: لنوفا. قَوْله: (يزْعم) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. قَوْله: (أَن مُوسَى) بِفَتْح: أَن، لِأَنَّهُ مفعول: يزْعم، فَإِن قلت: يزْعم من أَفعَال الْقُلُوب يَقْتَضِي مفعولين. قلت: إِنَّمَا يكون من أَفعَال الْقُلُوب إِذا كَانَ بِمَعْنى الظَّن، وَقد يكون بِمَعْنى القَوْل من غير حجَّة فَلَا يَقْتَضِي إلاَّ مَفْعُولا وَاحِدًا، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا} (التغابن: 7) فههنا: يزْعم، يحْتَمل الْمَعْنيين، فَإِن كَانَ بِمَعْنى: القَوْل، فمفعوله: أَن مُوسَى، وَهُوَ ظَاهر. وَإِن كَانَ بِمَعْنى: الظَّن، فَإِن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مسد المفعولين، و: مُوسَى، لَا ينْصَرف للعلمية والعجمة. قَوْله: (لَيْسَ مُوسَى بني إِسْرَائِيل) ، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بمُوسَى، وَالْبَاء زَائِدَة للتَّأْكِيد، وَهِي جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. فَإِن قلت: مُوسَى علم، وَالْعلم لَا يُضَاف، فَكيف يُضَاف مُوسَى إِلَى بني إِسْرَائِيل؟ قلت: قد نكر ثمَّ أضيف، وَمعنى التنكير أَن يؤول بِوَاحِد من الْأمة الْمُسَمَّاة بِهِ. قَوْله:
(إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخر) رُوِيَ بتنوين مُوسَى، وَبِغير تَنْوِين. أما وَجه التَّنْوِين فَلِأَنَّهُ منصرف لكَونه نكرَة. وَقَالَ ابْن مَالك: قد يُنكر الْعلم تَحْقِيقا أَو تَقْديرا، فَيجْرِي مجْرى نكرَة، وَجعل هَذَا مِثَال التحقيقي. وَأما وَجه ترك التَّنْوِين فَظَاهر. وَأما لَفْظَة: آخر. فَإِنَّهُ غير منصرف للوصفية الْأَصْلِيَّة، وَوزن الْفِعْل، فَلَا ينون على كل حَال. فَإِن قلت: هُوَ أفعل التَّفْضِيل فلِمَ لَا يسْتَعْمل بِأحد الْوُجُوه الثَّلَاثَة؟ قلت: غلب عَلَيْهِ الإسمية الْمَحْضَة مضمحلاً عَنهُ معنى التَّفْضِيل بِالْكُلِّيَّةِ. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: ابْن عَبَّاس. وَقَوله: (كذب عَدو الله) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (أبي بن كَعْب) فَاعل: حَدثنَا. قَوْله: (قَامَ مُوسَى) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. وَقَوله: (النَّبِي) ، بِالرَّفْع صفة مُوسَى. قَوْله: (خَطِيبًا) نصب على الْحَال. قَوْله: (أَي النَّاس) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، (وَأعلم) خَبره، وَالتَّقْدِير: أعلم مِنْهُم، كَمَا فِي قَوْلك: الله أكبر، أَي: من كل شَيْء. قَوْله: (فَقَالَ) عطف على قَوْله: (فَسئلَ) . قَوْله: (أَنا أعلم) مُبْتَدأ وَخَبره مقول القَوْل، وَالتَّقْدِير: أَنا أعلم النَّاس. قَوْله: (فعتب الله عَلَيْهِ) ، الْفَاء تصلح للسَّبَبِيَّة. قَوْله: (إِذْ) بِسُكُون الذَّال للتَّعْلِيل. قَوْله: (لم يرد) يجوز فِيهِ وَفِي أَمْثَاله ضم الدَّال وَفتحهَا وَكسرهَا. أما الضَّم فلأجل ضمة الرَّاء، وَأما الْفَتْح فَلِأَنَّهُ أخف الحركات؛ وَأما الْكسر فَلِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ، وَيجوز فك الْإِدْغَام أَيْضا. وَقَوله: (الْعلم) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: (لم يرد) . قَوْله: (أَن عبدا) بِفَتْح: أَن لِأَن أَصله: بِأَن عبدا. قَوْله: (من عبَادي) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة: عبدا. وَقَوله: (بمجمع الْبَحْرين) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف، أَي: كَائِنا بمجمع الْبَحْرين. قَوْله: (هُوَ أعلم مِنْك) . جملَة إسمية فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (رب) أَصله: يَا رَبِّي، فَحذف حرف النداء وياء الْمُتَكَلّم للتَّخْفِيف اكْتِفَاء بِالْكَسْرِ. قَوْله: (وَكَيف لي بِهِ؟) التَّقْدِير: كَيفَ الالتقاء لي بِهِ؟ أَي: بذلك العَبْد؟ وَقَوله: (لي) ، فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ الالتقاء الْمُقدر، وَكَيف، وَقع حَالا، إِذْ التَّقْدِير: على أَي حَالَة الالتقاء لي؟ كَمَا فِي قَوْلك: كَيفَ جَاءَ زيد؟ فَإِن التَّقْدِير فِيهِ: على أَي حَالَة جَاءَ زيد؟ وَقد علم أَن كَيفَ، اسْم لدُخُول الْجَار عَلَيْهِ بِلَا تَأْوِيل فِي قَوْله: على كَيفَ تبيع الأحمرين وللإخبار بِهِ مَعَ مُبَاشرَة الْفِعْل، نَحْو: وَكَيف كنت؟ فبالإخبار بِهِ انْتَفَت الحرفية، وبمباشرته للْفِعْل انْتَفَت الفعلية، وَالْغَالِب عَلَيْهِ أَن يكون استفهاما إِمَّا حَقِيقِيًّا، نَحْو: وَكَيف زيد، أَو غَيره نَحوه {كَيفَ تكفرون بِاللَّه} (الْبَقَرَة: 28) فَإِنَّهُ أخرج مخرج التَّعَجُّب. قَوْله: (بِهِ) يتَعَلَّق بالمقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَالْفَاء فِي: (فَقيل) عاطفة. قَوْله: (احْمِلْ) أَمر، وفاعله: أَنْت، مستتر فِيهِ (وحوتا) مَفْعُوله، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. قَوْله: (فِي مكتل) ، فِي مَوضِع النصب على أَنه صفة لحوتا، أَي: حوتا كَائِنا فِي مكتل. قَوْله: (فَإِذا) ، للشّرط و (فقدته) جملَة فعل الشَّرْط. وَقَوله: (فَهُوَ ثمَّ) ، جملَة وَقعت جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دَخلته الْفَاء. وَقَوله: (ثمَّ) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ظرف بِمَعْنى هُنَاكَ. وَقَالَت النُّحَاة: هُوَ اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمَكَان الْبعيد نَحْو: {وأزلفنا ثمَّ الآخرين} (الشُّعَرَاء: 64) وَهُوَ ظرف لَا يتَصَرَّف، فَلذَلِك غلط من أعربه مَفْعُولا لرأيت فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت} (الْإِنْسَان: 20) . قَوْله: (مَعَه) ، التَّصْرِيح بالمعية للتَّأْكِيد وإلاَّ فالمصاحبة مستفادة من الْبَاء فِي قَوْله: (بفتاه) . قَوْله: (يُوشَع) فِي مَوضِع الْجَرّ لِأَنَّهُ عطف بَيَان من: فتاه، وَلم يظْهر فِيهِ الْجَرّ لكَونه غير منصرف للعلمية والعجمة، و: (نون) منصرف على اللُّغَة الفصحى كنوح، وَلُوط: فَافْهَم. قَوْله: (حَتَّى) للغاية. قَوْله: (فَنَامَا) عطف على: وضعا. قَوْله: (فَاتخذ) عطف على: فانسل. قَوْله: (سربا) . قَالَ الزّجاج: نصب سربا على الْمَفْعُول، كَقَوْلِك: اتَّخذت طريقي مَكَان كَذَا، واتخذت طريقي فِي السرب، واتخذت زيدا وَكيلا. قلت: يجوز أَن يكون نصبا على المصدرية بِمَعْنى: يسرب سربا أَي: يذهب ذَهَابًا يُقَال: سرب سربا فِي المَاء إِذا ذهب ذَهَابًا. قَوْله: (عجبا) نصب على أَنه خبر: كَانَ. قَوْله: (بَقِيَّة ليلتهما) ، كَلَام إضافي، وانتصاب: بَقِيَّة، على أَنه بِمَعْنى الظّرْف، لِأَن بَقِيَّة اللَّيْل هِيَ السَّاعَات الَّتِي بقيت مِنْهُ، وليلتهما مجرورة بِالْإِضَافَة. قَوْله: (ويومهما) يجوز فِيهِ الْجَرّ وَالنّصب. أما الْجَرّ فعطف على: ليلتهما، وَأما النصب فعلى إِرَادَة سير جَمِيع الْيَوْم. وَوَقع فِي التَّفْسِير: فَانْطَلقَا بَقِيَّة يومهما وليلتهما. قَالَ القَاضِي: وَهُوَ الصَّوَاب، لقَوْله: (فَلَمَّا أصبح) . وَفِي رِوَايَة: (حَتَّى إِذا كَانَ من الْغَد) ، وَكَذَا وَقع فِي مُسلم بِتَقْدِيم يومهما وَلِهَذَا قَالَ بعض الأذكياء: إِنَّه مقلوب، وَالصَّوَاب تَقْدِيم الْيَوْم لِأَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا أصبح، وَلَا يصبح إلاَّ عَن ليل. وَقَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله: (فَلَمَّا أصبح) أَي: من اللَّيْلَة الَّتِي تلِي الْيَوْم الَّذِي سارا جَمِيعه. قلت: هَذَا احْتِمَال بعيد لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون سيرهما بَقِيَّة اللَّيْلَة وَالْيَوْم الْكَامِل وَاللَّيْلَة الْكَامِلَة من الْيَوْم الثَّانِي، وَلَيْسَ كَذَلِك. قَوْله: (قَالَ مُوسَى) جَوَاب: لما. قَوْله: (آتنا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَآت، أَمر من الإيتاء. وَقَوله: (غداءنا) بِفَتْح الْغَيْن مفعول آخر، وَاللَّام فِي: لقد للتَّأْكِيد. و: قد، للتحقيق. قَوْله: (نصبا) ، نصب لِأَنَّهُ مفعول: لَقينَا. قَوْله:
(مسا) نصب لِأَنَّهُ مفعول: لم يجد. قَوْله: (من النصب) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة: مسا، أَي: مسا حَاصِلا أَو وَاقعا من النصب. قَوْله: (حَتَّى) ، بِمَعْنى الْغَايَة أَي إِلَى أَن جَاوز. . قَوْله: (فتاه) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: قَالَ لَهُ. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (إِذْ) ظرف بِمَعْنى حِين، وَفِيه حذف تَقْدِيره: أَرَأَيْت مَا دهاني إِذْ أوينا إِلَى الصَّخْرَة؟ قَوْله: (فَإِنِّي) الْفَاء فِيهِ تفسيرية يُفَسر بِهِ مَا دهاه من نِسْيَان الْحُوت حِين أويا إِلَى الصَّخْرَة. قَوْله: (ذَلِك) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (مَا كُنَّا نبغي) وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة والعائد مَحْذُوف، أَي: نبغيه وَيجوز حذف الْيَاء من نبغي للتَّخْفِيف، وَهَكَذَا قرىء أَيْضا فِي الْقُرْآن، وإثباتها أحسن، وَهِي قِرَاءَة أبي عَمْرو. قَوْله: (قصصا) نصب على تَقْدِير: يقصان قصصا أَعنِي نصب على المصدرية. قَوْله: (إِذا رجل مسجى) كلمة إِذا، للمفاجأة، وَرجل، مُبْتَدأ تخصص بِالصّفةِ وَهِي قَوْله: (مسجى بِثَوْب) وَالْخَبَر مَحْذُوف. وَالتَّقْدِير: فَإِذا رجل مسجى بِثَوْب نَائِم. أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (وأنَّى بأرضك السَّلَام؟) كلمة: أَنى، بِهَمْزَة مَفْتُوحَة وَنون مُشَدّدَة تَأتي بِمَعْنى: كَيفَ وَمَتى وَأَيْنَ وَحَيْثُ، وَهَهُنَا فِيهَا وَجْهَان. أَحدهمَا: أَن يكون بِمَعْنى: كَيفَ يعْنى للتعجب. وَالْمعْنَى: السَّلَام بِهَذِهِ الأَرْض عَجِيب. وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي التَّفْسِير: (هَل بأرضى من سَلام!) وَكَأَنَّهَا كَانَت دَار كفر أَو كَانَت تحيتهم بِغَيْر السَّلَام. وَالثَّانِي: أَن يكون بِمَعْنى: من أَيْن؟ كَقَوْلِه تَعَالَى: {أنَّى لكِ هَذَا} (آل عمرَان: 37) فَهِيَ ظرف مَكَان، (وَالسَّلَام) ، مُبْتَدأ، و: أنَّى، مقدما خَبره، وَهُوَ نَظِير مَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: {أَنى لكِ هَذَا} (آل عمرَان: 37) . فَإِن: هَذَا، مُبْتَدأ و: أَنى، مقدما خَبره. وَوجه هَذَا الِاسْتِفْهَام أَنه لما رأى الْخضر مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي أَرض قفر استبعد علمه بكيفية السَّلَام. فَإِن قلت: مَا موقع بأرضك من الْإِعْرَاب؟ قلت: نصب على الْحَال من السَّلَام، وَالتَّقْدِير: من أَيْن اسْتَقر السَّلَام حَال كَونه بأرضك؟ قَوْله: (مُوسَى بني إِسْرَائِيل؟) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أَنْت مُوسَى بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (نعم) مقول القَوْل نَائِب على الْجُمْلَة تَقْدِيره: نعم أَنا مُوسَى بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (هَل) للاستفهام، و: أَن مَصْدَرِيَّة أَي: على اتباعي، إياك. قَوْله: (علمت) أَي: من الَّذِي علمك الله. قَوْله: (رشدا) نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: علما رشدا، أَي: ذَا رشد، وَهُوَ من قبيل: رجل عدل. قَوْله: (لن تَسْتَطِيع) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: أَن. قَوْله: (صبرا) مفعول: لن تَسْتَطِيع. قَوْله: (من علم الله) كلمة من للتَّبْعِيض. قَوْله: (علمنيه) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل والمفعولين أَحدهمَا يَاء الْمَفْعُول، وَالثَّانِي: الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى الْعلم. فَإِن قلت: موقعها من الْإِعْرَاب؟ قلت: الْجَرّ، لِأَنَّهَا صفة لعلم، وَكَذَلِكَ قَوْله: (لَا تعلمه أَنْت) فَالْأول من الصِّفَات الإيجابية، وَالثَّانِي من الصِّفَات السلبية. قَوْله: (وَأَنت على علم) مُبْتَدأ وَخبر عطف على قَوْله: (إِنِّي على علم) . قَوْله: (علمك الله) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَالْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف تَقْدِيره: علمك الله إِيَّاه. وَالْجُمْلَة صفة: لعلم، وَكَذَا قَوْله: لَا أعلمهُ، صفة أُخْرَى. قَوْله: (صَابِرًا) مفعول ثَان: لستجدني. وَقَوله: (إِن شَاءَ الله) معترض بَين المفعولين. قَوْله: (وَلَا أعصى لَك أمرا) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: و: لَا أعصي، فِي مَحل النصب عطف على: صَابِرًا أَي: ستجدني صَابِرًا وَغير عَاص. قَوْله: (يمشيان) حَال وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ مثبتا لَا يجوز فِيهِ الْوَاو. وَقَوله: (أَن يحملوهما) أَي: لِأَن يحملوهما أَي: لأجل حملهمْ إيَّاهُمَا. قَوْله: (نقرة) نصب على المصدرية، و: (أَو نقرتين) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (قوم) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَؤُلَاءِ قوم، أَو: هم قوم. قَوْله: (حملونا) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لقوم. قَوْله. (فخرقتها) عطف على: عَمَدت. قَوْله: (لتغرق) أَي: لِأَن تغرق، وَأَهْلهَا، مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (بِمَا نسيت) كلمة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة أَي: بِالَّذِي نسيت، والعائد مَحْذُوف، أَي: نَسِيته. وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: بنسياني. وَيجوز أَن تكون نكرَة بِمَعْنى شَيْء أَي: بِشَيْء نَسِيته. قَوْله: (الأولى) صفة موصوفها مَحْذُوف، أَي: الْمَسْأَلَة الأولى من مُوسَى. و (نِسْيَانا) نصب لِأَنَّهُ خبر: كَانَت، وَفِي بعض النّسخ: نِسْيَان بِالرَّفْع. وَوَجهه إِن صَحَّ أَن يكون: كَانَت تَامَّة، و: الأولى، مُبْتَدأ ونسيان، خَبره. أَو يكون: كَانَت، زَائِدَة وَالتَّقْدِير: فَالْأولى من مُوسَى نِسْيَان. قَوْله: (فَإِذا) للمفاجأة. وَقَوله: (غُلَام) مَرْفُوع بالإبتداء، وَقد تخصص بِالصّفةِ وَهُوَ قَوْله: (يلْعَب مَعَ الغلمان) وَالْخَبَر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير فَإِذا غُلَام يلْعَب مَعَ الغلمان بالخضرة أَو نَحْوهَا. قَوْله: (بِرَأْسِهِ) الْبَاء فِيهِ زَائِدَة، وَالْأولَى أَن يُقَال: إِنَّهَا على أَصْلهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنى أَنه تنَاول رَأسه ابْتِدَاء، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه جَرّه إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ ثمَّ اقتلعه، وَلَو كَانَت زَائِدَة لم يكن لقَوْله: (فاقتلع) معنى زَائِد على أَخذه. قَوْله: (أقتلت) الْهمزَة لَيست للاستفهام الْحَقِيقِيّ، ونظيرها الْهمزَة فِي قَوْله تَعَالَى: {ألم يجدك يَتِيما فآوى} (الضُّحَى: 6) . قَوْله: (بِغَيْر
نفس) الْبَاء، فِيهِ للمقابلة. قَوْله: (أَن يُضَيِّفُوهُمَا) أَي: من أَن يُضَيِّفُوهُمَا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: من تضييفهما. قَوْله: (يُرِيد أَن ينْقض) أَي: يُرِيد الانقضاض أَي الْإِسْرَاع بالسقوط. وَأَن مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (قَالَ الْخضر بِيَدِهِ) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَمَعْنَاهُ: أَشَارَ بِيَدِهِ فأقامه. قَوْله: (يرحم الله مُوسَى) إِخْبَار، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ الْإِنْشَاء لِأَنَّهُ دُعَاء لَهُ بِالرَّحْمَةِ. قَوْله: (لَوَدِدْنَا) اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف، وَكلمَة: لَو، هَهُنَا بِمَعْنى: أَن الناصبة للْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى: {ودوا لَو تدهن فيدهنون} (الْقَلَم: 9) وَالتَّقْدِير: وَالله لَوَدِدْنَا صَبر مُوسَى، أَي: لِأَنَّهُ لَو صَبر لَأبْصر أعجب الْأَعَاجِيب، وَهَكَذَا حكم كل فعل وَقع مصدرا بلو بعد فعل الْمَوَدَّة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {ودوا لَو تدهن} (الْقَلَم: 9) ودوا ادهانك. قَوْله: (حَتَّى يقص) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (من أَمرهمَا) مفعول مَا لم يسمَّ فَاعله. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (يزْعم أَن مُوسَى لَيْسَ مُوسَى بني إِسْرَائِيل) ، يَعْنِي: يزْعم نوف أَن مُوسَى صَاحب الْخضر، عَلَيْهِمَا السَّلَام، الَّذِي قصّ الله تَعَالَى علينا فِي سُورَة الْكَهْف لَيْسَ مُوسَى بن عمرَان الَّذِي أرسل إِلَى فِرْعَوْن، وَإِنَّمَا هُوَ مُوسَى بن مِيشَا، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بالشين الْمُعْجَمَة، وميشا بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم السَّلَام، وَهُوَ أول مُوسَى، وَهُوَ أَيْضا نَبِي مُرْسل. وَزعم أهل التَّوْرَاة أَنه هُوَ صَاحب الْخضر، وَالَّذِي ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه مُوسَى بن عمرَان، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والسائل هَا هُنَا هُوَ سعيد بن جُبَير، والمجيب ابْن عَبَّاس، وَفِيمَا تقدم أَن ابْن عَبَّاس تمارى هُوَ وَالْحر بن قيس فِي صَاحب مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَى لقِيه، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ خضر، فَمر بهما أبي بن كَعْب، رَضِي الله عَنهُ، فَسَأَلَهُ ابْن عَبَّاس فَأخْبرهُ، فَيحْتَمل أَن يكون سعيد بن جُبَير سَأَلَ ابْن عَبَّاس بعد الْوَقْعَة الأولى الْمُتَقَدّمَة لِابْنِ عَبَّاس وَالْحر، فَأخْبرهُ ابْن عَبَّاس لما سَأَلَهُ عَن قَول نوف أَن مُوسَى لَيْسَ مُوسَى بني إِسْرَائِيل، وَجَاء أَن السَّائِل غير سعيد بن جُبَير. رُوِيَ عَن سعيد أَنه قَالَ: جَلَست عِنْد ابْن عَبَّاس وَعِنْده قوم من أهل الْكتاب، فَقَالَ بَعضهم: يَا أَبَا عبد الله إِن نَوْفًا ابْن امْرَأَة كَعْب يزْعم عَن كَعْب أَن مُوسَى النَّبِي الَّذِي طلب الْخضر إِنَّمَا هُوَ مُوسَى بن مِيشَا؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: كذب نوف، وحَدثني أبي ... وَذكر الحَدِيث. قَوْله: (كذب عَدو الله) ، هَكَذَا وَقع من ابْن عَبَّاس على طَرِيق الإغلاظ على الْقَائِل، بِخِلَاف قَوْله، وألفاظ الْغَضَب تَجِيء على غير الْحَقِيقَة فِي الْغَالِب، وَابْن عَبَّاس قَالَه على وَجه الزّجر عَن مثل هَذَا القَوْل، لِأَنَّهُ يعْتَقد أَنه عَدو لله ولدينه حَقِيقَة، إِنَّمَا قَالَه مُبَالغَة فِي إِنْكَاره، وَكَانَ ذَلِك فِي حَال غضب ابْن عَبَّاس لشدَّة الْإِنْكَار، وَحَال الْغَضَب تطلق الْأَلْفَاظ وَلَا يُرَاد بهَا حقائقها. وَقَالَ ابْن التِّين: لم يرد ابْن عَبَّاس إِخْرَاج نوف عَن ولَايَة الله، وَلَكِن قُلُوب الْعلمَاء تنفر إِذا سَمِعت غير الْحق، فيطلقون أَمْثَال هَذَا الْكَلَام لقصد الزّجر والتحذير مِنْهُ وَحَقِيقَته غير مُرَادة. قَوْله: (فَسئلَ: أَي النَّاس أعلم؟ قَالَ: أَنا أعلم) وَفِيمَا تقدم: هَل تعلم أحدا أعلم مِنْك؟ قَالَ: لَا. وَفِي مُسلم: مَا أعلم فِي الأَرْض رجلا خيرا مني وَأعلم، من غير تقدم ذكر سُؤال، فَأوحى الله إِلَيْهِ: إِنِّي أعلم بِالْخَيرِ عِنْد من هُوَ. إِن فِي الأَرْض رجلا هُوَ أعلم مِنْك. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: الله أعلم، إِذا قيل لَهُ: أَي النَّاس أعلم؟ لِأَنَّهُ لم يحط علما بِكُل عَالم فِي الدُّنْيَا. وَقد قَالَت الْمَلَائِكَة: {سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إلاَّ مَا علمتنا} (الْبَقَرَة: 32) وَسُئِلَ النَّبِي عَن الرّوح وَغَيره، فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أسأَل الله تَعَالَى. وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء، ردا على ابْن بطال فِي حصر الصَّوَاب فِي ترك الْجَواب بقوله: الله أعلم: بل الْجَواب أَن رد الْعلم إِلَى الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مُتَعَيّن أجَاب أم لَا، فَإِن أجَاب قَالَ: أَنا وَالله أعلم، فَإِن لم يجب قَالَ: الله أعلم، وَبِهَذَا تأدب الْمفْتُون عقب أجوبتهم: وَالله أعلم. وَلَعَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَو قَالَ: أَنا وَالله أعلم، أَي: هَذَا لَكَانَ جَوَابا، وَإِنَّمَا وَقعت الْمُؤَاخَذَة على الِاقْتِصَار على قَوْله: (أَنا أعلم) . وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي الْجَواب: أما على رِوَايَة من روى: هَل تعلم؟ فَلَا عتب عَلَيْهِ إِذا أخبر عَمَّا يعلم، وَأما على رِوَايَة: أَي النَّاس أعلم؟ وَقد أخبر الله تَعَالَى أَن الْخضر أعلم مِنْهُ، فمراد مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؛ أَنا أعلم، أَي: فِيمَا ظهر لي واقتضاه شَاهد الْحَال، وَدلَالَة النُّبُوَّة لِأَن مُوسَى فِي النُّبُوَّة، بِالْمَكَانِ الأرفع، وَالْعلم من أَعلَى الْمَرَاتِب، فقد يعْتَقد أَن يكون أعلم لهَذِهِ الْأُمُور. وَقيل: المُرَاد أَنه أعلم بِمَا تَقْتَضِيه وظائف النُّبُوَّة وَأُمُور الشَّرِيعَة، وَالْخضر أعلم مِنْهُ على الْخُصُوص بِأُمُور أخر غير عَيْنِيَّة، وَكَانَ مُوسَى أعلم على الْعُمُوم وَالْخضر أعلم مِنْهُ على الْخُصُوص. قَوْله: (فعتب الله عَلَيْهِ) أَي: لم يرض قَوْله شرعا، فَإِن العتب بِمَعْنى الْمُؤَاخَذَة وَتغَير النَّفس، وَهُوَ مُسْتَحِيل على الله سُبْحَانَهُ، وَهُوَ من بَاب: ضرب يضْرب. وَيُقَال: أصل العتب الْمُؤَاخَذَة، يُقَال مِنْهُ: عتب عَلَيْهِ، فَإِذا واخذه بذلك وَذكر لَهُ قيل: عاتبه، والتغير والمؤاخذة فِي حق الله تَعَالَى محَال، فيراد بِهِ: لم يرض قَوْله شرعا ودينا. وَرُوِيَ عَن أبي، رَضِي الله تَعَالَى
عَنهُ، إِنَّه قَالَ: أعجب مُوسَى بِعِلْمِهِ فَعَاتَبَهُ الله بِمَا لَقِي من الْخضر. قَالَ الْعلمَاء: هَذَا من بَاب التَّنْبِيه لمُوسَى والتعليم لمن بعده لِئَلَّا يَقْتَدِي بِهِ غَيره فِي تَزْكِيَة نَفسه وَالْعجب بِحَالِهَا فَيهْلك. قَوْله: (إِن عبدا) أَي الْخضر، (بمجمع الْبَحْرين) أَي: ملتقى بحري فَارس وَالروم مِمَّا يَلِي الْمشرق. وَحكى الثَّعْلَبِيّ عَن أبي بن كَعْب أَنه بأفريقية. وَقيل: طنجة. قَوْله: (حوتا) أَي: سَمَكَة. قيل: حمل سَمَكَة مملوحة، وَقيل: مَا كَانَت إلاَّ شقّ سَمَكَة. قَوْله: (فَإِذا فقدته) أَي: الْحُوت. قَوْله: (فَهُوَ ثمَّ) أَي: العَبْد الأعلم مِنْك. ثمَّ أَي: هُنَاكَ. قَوْله: (حَتَّى كَانَا عِنْد الصَّخْرَة وضعا رؤوسهما فَنَامَا) ، وَفِي طَرِيق للْبُخَارِيّ: وَفِي أصل الصَّخْرَة عين يُقَال لَهَا الْحَيَاة لَا يُصِيب من مَائِهَا شَيْء إِلَّا حييّ، فَأصَاب الْحُوت من مَاء تِلْكَ الْعين فَتحَرك وانسل من المكتل فَدخل الْبَحْر. وَفِي بَعْضهَا: فَقَالَ فتاه: لَا أوقظه، حَتَّى إِذا اسْتَيْقَظَ نسي أَن يُخبرهُ وَأمْسك الله عَن الْحُوت حَتَّى كَانَ أَثَره فِي حجر. وَفِي بَعْضهَا: فَأمْسك الله عَن الْحُوت جرية المَاء فَصَارَ عَلَيْهِ مثل الطاق، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نسي يُوشَع أَن يُخبرهُ، فنسي يُوشَع وَحده وَنسب النسْيَان إِلَيْهِمَا. فَقَالَ تَعَالَى: {نسيا حوتهما} (الْكَهْف: 61) كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان} (الرَّحْمَن: 22) وَإِنَّمَا يخرج من الْملح. وَقيل: نسي مُوسَى أَن يتَقَدَّم إِلَى يُوشَع فِي أَمر الْحُوت، وَنسي يُوشَع أَن يُخبرهُ بذهابه {فَاتخذ سَبيله فِي الْبَحْر سربا} (الْكَهْف: 61) صَار عَلَيْهِ المَاء مثل الطاق. قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: أحيى الله الْحُوت فَاتخذ سَبيله فِي الْبَحْر سربا وَجَاء فَجعل لَا يلتئم عَلَيْهِ المَاء حَتَّى صَار كالكوة. وَالضَّمِير فِي: اتخذ، يجوز أَن يكون للحوت كَمَا هُوَ الظَّاهِر، وَيجوز أَن يكون لمُوسَى على معنى: فَاتخذ مُوسَى سَبِيل الْحُوت فِي الْبَحْر سربا، أَي: مذهبا ومسلكا، كَمَا يَأْتِي أَنَّهُمَا اتبعا أثر الْحُوت وَقد يبس المَاء فِي مَمَره، فَصَارَ طَرِيقا. لَكِن مَا جَاءَ فِي الحَدِيث يُضعفهُ، وَهُوَ قَوْله: (فَكَانَ للحوت سربا ولموسى عجبا) . قَوْله: (عجبا) قَالَ الزّجاج: يجوز أَن يكون من قَول يُوشَع وَمن قَول مُوسَى، وانْتهى كَلَام يُوشَع عِنْد قَوْله: وَاتخذ سَبيله فِي الْبَحْر، ثمَّ قَالَ مُوسَى: عجبت من هَذَا عجبا، فَيحسن على هَذَا الْوَقْف على الْبَحْر، ويبتدىء من: عجبا. وَقَالَ غَيره: يجوز أَن يكون إِخْبَارًا من الله تَعَالَى، أَي: اتخذ مُوسَى طَرِيق الْحُوت فِي الْبَحْر عجبا. قَوْله: (ذَلِك) أَي: فقدان الْحُوت هُوَ الَّذِي كُنَّا نبغيه أَي نطلبه، لِأَنَّهُ عَلامَة وجدان الْمَقْصُود. قَوْله (فارتدا على آثارهما قصصاً) أَي: يقصان قصصا، يَعْنِي: رجعا يقصان آثارهما حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَة. وَفِي مُسلم (فارتدا على آثارهما قصصا) . (فَأرَاهُ مَكَان الْحُوت فَقَالَ: هَهُنَا وصف لي) ، ويروى: أَن مُوسَى ويوشع اتبعا أثر الْحُوت وَقد يبس المَاء فِي مَمَره فَصَارَ طَرِيقا، فَأتيَا جَزِيرَة فوجدا الْخضر قَائِما يصلى على طنفسة خضراء على كبد الْبَحْر، أَي وَسطه. قَوْله: {إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا} (الْكَهْف: 72) أَي سترى شَيْئا ظَاهره مُنكر فَلَا تصبر عَلَيْهِ. قَوْله: (مَا نقص علمي وعلمك) هَذَا الْبَاب من النَّقْص مُتَعَدٍّ، وَمن النُّقْصَان لَازم، وَهَذَا هُوَ المُرَاد. قَالُوا: لفظ النَّقْص هُنَا لَيْسَ على ظَاهره، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَن علمي وعلمك بِالنِّسْبَةِ إِلَى علم الله تَعَالَى كنسبة مَا نقر العصفور إِلَى مَاء الْبَحْر، وَهَذَا على التَّقْرِيب إِلَى الأفهام، وإلاَّ فنسبة علمهما أقل. وَقيل: نقص بِمَعْنى أَخذ، لِأَن النَّقْص أَخذ خَاص. قَالَ عِيَاض: يرجع ذَلِك فِي حَقّهمَا. أَي: مَا نقص علمنَا مِمَّا جهلناه من مَعْلُومَات إلاَّ مثل هَذَا فِي التَّقْدِير. وَجَاء فِي البُخَارِيّ: (مَا علمي وعلمك فِي جنب علم الله تَعَالَى إلاَّ كَمَا أَخذ هَذَا العصفور) أَي: فِي جنب مَعْلُوم الله تَعَالَى، وَيُطلق الْعلم وَيُرَاد بِهِ الْمَعْلُوم، من بَاب إِطْلَاق الْمصدر لإِرَادَة الْمَفْعُول، كَمَا قَالُوا: دِرْهَم ضرب الْأَمِير، أَي: مضروبه. وَقيل: إِن، إلاَّ، هَهُنَا بِمَعْنى: وَلَا، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا نقص علمي وعلمك من علم الله وَلَا مَا أَخذ هَذَا العصفور من هَذَا الْبَحْر، لِأَن علم الله لَا ينقص بِحَال. قَوْله: (فَعمد الْخضر إِلَى لوح من أَلْوَاح السَّفِينَة) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قلع لوحين مِمَّا يَلِي المَاء. وَفِي البُخَارِيّ: فوتد فِيهَا وتدا، وَفِيه: فَعمد إِلَى قدوم فخرق بِهِ. وَيُقَال: أَخذ فأسا فخرق لوحا حَتَّى دخل المَاء فحشاها مُوسَى بِثَوْبِهِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لما خرق الْخضر السَّفِينَة فنحى مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِنَاحِيَة، ثمَّ قَالَ فِي نَفسه: مَا كنت أصنع بمصاحبة هَذَا الرجل؟ كنت أتلو فِي بني إِسْرَائِيل كتاب الله غدْوَة وَعَشِيَّة، وَآمرهُمْ فيطيعوني. فَقَالَ لَهُ الْخضر: يَا مُوسَى! أَتُرِيدُ أَن أخْبرك بِمَا حدثت بِهِ نَفسك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: قلت كَذَا وَكَذَا. قَالَ: صدقت، ثمَّ انْطَلقَا يمشيان فَإِذا غُلَام يلْعَب مَعَ الغلمان، وَكَانُوا عشرَة وَهُوَ أطرفهم وأوضؤهم، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ غُلَاما لم يبلغ الْحِنْث، وَقَالَ الضَّحَّاك: كَانَ غُلَاما يعمد بِالْفَسَادِ ويتأذى مِنْهُ أَبَوَاهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ الْغُلَام يسرق الْمَتَاع بِاللَّيْلِ، فَإِذا أصبح لَجأ إِلَى أَبَوَيْهِ فيحلفان دونه شَفَقَة عَلَيْهِ، ويقولان: لقد بَات عندنَا. وَاخْتلفُوا فِي اسْمه، فَقَالَ الضَّحَّاك: جيسون. وَقَالَ شُعْبَة: جيسور، وَقَالَ ابْن وهب: كَانَ اسْم أَبِيه ملاس، وَاسم أمه رحمى، فَأَخذه الْخضر بِرَأْسِهِ من أَعْلَاهُ فاقتلعه، كَذَا فِي البُخَارِيّ. وَجَاء فِيهِ فِي بَدْء الْخلق:
فَأخذ الْخضر بِرَأْسِهِ فَقَطعه بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَوْمَأَ سُفْيَان بأطراف أَصَابِعه كَأَنَّهُ يقطف شَيْئا. وَجَاء فِيهِ، فِي التَّفْسِير: (ثمَّ خرجا من السَّفِينَة، فَبَيْنَمَا هما يمشيان على السَّاحِل إِذْ أبْصر الْخضر غُلَاما مَعَ الغلمان، فاقتلع رَأسه فَقتله) . وَجَاء: (فَوجدَ غلمانا يَلْعَبُونَ، فَأخذ غُلَاما كَافِرًا ظريفا، فأضجعه ثمَّ ذبحه بالسكين) . وَقَالَ الْكَلْبِيّ: صرعه ثمَّ نزع رَأسه من جسده فَقتله. وَقيل: رفصه بِرجلِهِ فَقتله. وَقيل: ضرب رَأسه بالجدار حَتَّى قَتله. وَقيل: أَدخل أُصْبُعه فِي سرته فاقتلعها فَمَاتَ، فَلَمَّا قَتله قَالَ مُوسَى: {اقتلت نفسا زكية} (الْكَهْف: 74) أَي: طَاهِرَة {بِغَيْر نفس لقد جِئْت شَيْئا نكرا} (الْكَهْف: 74) أَي مُنْكرا. قَالَ: فَغَضب الْخضر فاقتلع كتف الصَّبِي الْأَيْسَر، وقشر اللَّحْم عَنهُ فَإِذا فِي عظم كتفه مَكْتُوب كَافِر لَا يُؤمن بِاللَّه أبدا. وَفِي مُسلم: (وَأما الْغُلَام فطبع يَوْم طبع كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قد عطفا عَلَيْهِ، فَلَو أَنه أدْرك أرهقهما طغيانا وَكفرا) . والطغيان: الزِّيَادَة فِي الإضلال. قَالَ البُخَارِيّ: وَكَانَ ابْن عَبَّاس يقْرَأ: {وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمنين} (الْكَهْف: 78) وَهُوَ كَانَ كَافِرًا. وَعنهُ: وَأما الْغُلَام فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمنين. وَقَوله: غُلَاما، يدل على أَنه كَانَ غير بَالغ، والغلام اسْم للمولود إِلَى أَن يبلغ، وَزعم قوم أَنه كَانَ بَالغا يعْمل الْفساد، وَاحْتَجُّوا بقوله: بِغَيْر نفس، إِن الْقصاص إِنَّمَا يكون فِي حق الْبَالِغ. وَأجَاب الْجُمْهُور عَن ذَلِك: بِأَنا لَا نعلم كَيفَ كَانَ شرعهم، فَلَعَلَّهُ كَانَ يجب على الصَّبِي فِي شرعهم كَمَا يجب فِي شرعنا عَلَيْهِم غَرَامَة الْمُتْلفَات، وَيُقَال: المُرَاد بِهِ التَّنْبِيه على أَنه قتل بِغَيْر حق. فَإِن قلت: فِي أَيْن كَانَ قَضِيَّة قتل الْغُلَام؟ قلت: فِي أبله، بِضَم الْهمزَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة بعْدهَا هَاء، وَهِي مَدِينَة بِالْقربِ من بصرة وعبادان، وَيُقَال: أيلاء، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء وَاللَّام الممدودة: مَدِينَة كَانَت على سَاحل بَحر القلزم على طَرِيق حجاج مصر. قَوْله: (قَالَ ابْن عُيَيْنَة) أَي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهَذَا أوكد، وَالِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِزِيَادَة: لَك، فِي هَذِه الْمرة. قَالَ الْعَلامَة جَار الله: فَإِن قلت: مَا معنى زِيَادَة لَك؟ قلت: زِيَادَة المكافحة بالعتاب على رفض الْوَصِيَّة والوسم بقلة الصَّبْر عِنْد الكرة الثَّانِيَة. قَوْله: (حَتَّى إِذا أَتَيَا) وَفِي بعض النّسخ: (حَتَّى أَتَيَا) بِدُونِ لَفْظَة: إِذا. قَوْله: (أهل قَرْيَة) هِيَ: أنطاكية، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ ابْن سِيرِين: ابلة وَهِي أبعد الأَرْض من السَّمَاء، وَجَاء أَنهم كَانُوا من أهل قَرْيَة لئام. وَقيل: قَرْيَة من قرى الرّوم يُقَال لَهَا ناصرة وإليها تنْسب النَّصَارَى. وَقَالَ السُّهيْلي: قيل: إِنَّهَا برقة، وَقيل: إِنَّهَا باجروان وَهِي مَدِينَة بنواحي أرمينية من أَعمال شرْوَان، عِنْدهَا فِيمَا قيل عين الْحَيَاة الَّتِي وجدهَا الْخضر، عَلَيْهِ السَّلَام، فوافياها بعد غرُوب الشَّمْس، فَاسْتَطْعَمَا أَهلهَا واستضافاهم فَأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُمَا، وَلم يجدا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فِي تِلْكَ الْقرْيَة قرى وَلَا مأوى، وَكَانَت لَيْلَة بَارِدَة، فالتجآ إِلَى حَائِط على شاطىء الطَّرِيق يُرِيد أَن ينْقض، أَي: يكَاد أَن يسْقط، وَإسْنَاد الْإِرَادَة إِلَى الْجِدَار مجَاز، إِذْ لَا إِرَادَة لَهُ حَقِيقَة، وَالْمرَاد هَهُنَا: المشارفة على السُّقُوط. وَقَالَ الْكسَائي: إِرَادَة الْجِدَار هَهُنَا ميله، وَفِي البُخَارِيّ: مائل، وَكَانَ أهل الْقرْيَة يَمرونَ تَحْتَهُ على خوف قَوْله: (قَالَ الْخضر بِيَدِهِ فأقامه) قد قُلْنَا: إِن مَعْنَاهُ: أَشَارَ بِيَدِهِ فأقامه. وَفِي رِوَايَة قَالَ: (فمسحه بِيَدِهِ) ، وَذكر الثَّعْلَبِيّ أَن سمك الْجِدَار مِائَتَا ذِرَاع بِذِرَاع تِلْكَ الْقرى، وَطوله على وَجه الأَرْض خَمْسمِائَة ذِرَاع، وَعرضه خَمْسُونَ ذِرَاعا. قيل: إِنَّه مَسحه كالطين يمسحه القلاَّل فَاسْتَوَى. وَعَن ابْن عَبَّاس: هَدمه ثمَّ قعد يبنيه. وَقيل: أَقَامَهُ بعمود عمده بِهِ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا فَيكون لنا قوتا وبلغة على سفرنا إِذْ استضفناهم فَلم يضيفونا. فَقَالَ الْخضر: {هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك} الْآيَة. (الْكَهْف: 78) فَإِن قلت: هَذَا إِشَارَة إِلَى مَاذَا؟ قلت: قد تصور فِرَاق بَينهمَا عِنْد حُلُول ميعاده على مَا قَالَ: فَلَا تُصَاحِبنِي، فَأَشَارَ إِلَيْهِ وَجعله مُبْتَدأ، وَيجوز أَن يكون إِشَارَة إِلَى السُّؤَال الثَّالِث أَي: هَذَا الِاعْتِرَاض سَبَب الْفِرَاق. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ اسْتِحْبَاب الرحلة للْعلم. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز التزود للسَّفر. الثَّالِث: فِيهِ فَضِيلَة طلب الْعلم وَالْأَدب مَعَ الْعَالم، وَحُرْمَة الْمَشَايِخ، وَترك الإعتراض عَلَيْهِم وَتَأْويل مَا لم يفهم ظَاهره من أَقْوَالهم وأفعالهم، وَالْوَفَاء بعهودهم، والاعتذار عِنْد الْمُخَالفَة. الرَّابِع: فِيهِ إِثْبَات كرامات الْأَوْلِيَاء وَصِحَّة الْولَايَة. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز سُؤال الطَّعَام عِنْد الْحَاجة. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز الْإِجَارَة. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز ركُوب الْبَحْر وَنَحْو ذَلِك بِغَيْر أُجْرَة برضى صَاحبه. الثَّامِن: فِيهِ الحكم بِالظَّاهِرِ حَتَّى يتَبَيَّن خِلَافه. التَّاسِع: فِيهِ أَن الْكَذِب الْإِخْبَار على خلاف الْوَاقِع عمدا أَو سَهوا خلافًا للمعتزلة. الْعَاشِر: إِذا تَعَارَضَت مفسدتان يجوز دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما، كَمَا فِي خرق الْخضر السَّفِينَة لدفع غصبهَا وَذَهَاب جُمْلَتهَا. الْحَادِي عشر: فِيهِ بَيَان أصل عَظِيم وَهُوَ: وجوب التَّسْلِيم لكل مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْع، وَإِن كَانَ بعضه لَا تظهر حكمته للعقول وَلَا يفهمهُ أَكثر النَّاس، وَقد لَا يفهمونه كلهم: كالقدر، وَمَوْضِع الدّلَالَة قتل الْغُلَام، وخرق السَّفِينَة فَإِن
- (باب من سأل وهو قائم عالما جالسا)
صورتيهما صُورَة الْمُنكر، وَكَانَ صَحِيحا فِي نفس الْأَمر لَهُ حِكْمَة بَيِّنَة، لَكِنَّهَا لَا تظهر لِلْخلقِ فَإِذا علمهمْ الله تَعَالَى بهَا علموها، وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَا فعلته عَن أَمْرِي} (الْكَهْف: 82) الثَّانِي عشر: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه أصل وَهُوَ: مَا تعبد الله تَعَالَى بِهِ خلقه من شَرِيعَته يجب أَن يكون حجَّة على الْعُقُول، وَلَا تكون الْعُقُول حجَّة عَلَيْهِ، أَلا ترى أَن إِنْكَار مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ صَوَابا فِي الظَّاهِر، وَكَانَ غير ملوم فِيهِ، فَلَمَّا بيَّن الْخضر وَجه ذَلِك صَار الصَّوَاب الَّذِي ظهر لمُوسَى فِي إِنْكَاره خطأ، وَالْخَطَأ الَّذِي ظهر لَهُ من فعل الْخضر صَوَابا، وَهَذَا حجَّة قَاطِعَة فِي أَنه يجب التَّسْلِيم لله تَعَالَى فِي دينه وَلِرَسُولِهِ فِي سنته، واتهام الْعُقُول إِذا قصرت عَن إِدْرَاك وَجه الْحِكْمَة فِيهِ. الثَّالِث عشر: فِيهِ أَن قَوْله: {وَمَا فعلته عَن أَمْرِي} (الْكَهْف: 82) يدل على أَنه فعله بِالْوَحْي، فَلَا يجوز لأحد أَن يقتل نفسا لما يتَوَقَّع وُقُوعه مِنْهَا، لِأَن الْحُدُود لَا تجب إِلَّا بعد الْوُقُوع، وَكَذَا لَا يقطع على أحد قبل بُلُوغه، لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن الْغَيْب، وَكَذَا الْإِخْبَار عَن أَخذ الْملك السَّفِينَة، وَعَن اسْتِخْرَاج الغلامين الْكَنْز، لِأَن هَذَا كُله لَا يدْرك إلاَّ بِالْوَحْي. الرَّابِع عشر: فِيهِ حجَّة لمن قَالَ بنبوة الْخضر، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. الْخَامِس عشر: قَالَ القَاضِي: فِيهِ جَوَاز إِفْسَاد بعض المَال لإِصْلَاح بَاقِيه، وخصاء الْأَنْعَام، وَقطع بعض آذانها لتميز. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: فِي قَوْله: (فَإِنِّي نسيت الْحُوت) كَيفَ نسي ذَلِك وَمثله لَا ينسى لكَونه أَمارَة على الْمَطْلُوب، وَلِأَن ثمَّة معجزتين: حَيَاة السَّمَكَة المملوحة الْمَأْكُول مِنْهَا على الْمَشْهُور، وانتصاب المَاء مثل الطاق ونفوذها فِي مثل السرب مِنْهُ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ قد شغله الشَّيْطَان بوسواسه والتعود بمشاهدة أَمْثَاله عِنْد مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْعَجَائِب والاستئناس بأخواته مُوجب لقلَّة الاهتمام بِهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: فِي قَوْله: (على أَن تعلمني مِمَّا علمت رشدا) أما دلّت حَاجته إِلَى التَّعَلُّم من آخر فِي عَهده أَنه كَمَا قيل: مُوسَى بن مِيشَا لَا مُوسَى بن عمرَان، لِأَن النَّبِي يجب أَن يكون أعلم أهل زَمَانه وإمامهم المرجوع إِلَيْهِ فِي أَبْوَاب الدّين؟ أُجِيب: لَا غَضَاضَة بِالنَّبِيِّ فِي أَخذ الْعلم من نَبِي مثله، وَإِنَّمَا يغض مِنْهُ أَن يَأْخُذ مِمَّن دونه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الْجَواب لَا يتم على تَقْدِير ولَايَته. قلت: هَذَا الْجَواب للزمخشري، وَهُوَ قَائِل بنبوته، كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور، بل هُوَ رَسُول وَيَنْبَغِي اعْتِقَاد ذَلِك لِئَلَّا يتوسل بِهِ أهل الزيغ وَالْفساد من المبتدعة الْمَلَاحِدَة فِي دَعوَاهُم: أَن الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي، نَعُوذ بِاللَّه تَعَالَى من هَذِه الْبِدْعَة. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي هَذَا الْجَواب نظر، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم نفي مَا أوجب. قلت: هَذِه الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، فَلَو بَين وَجههَا لأجيب عَن ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: فِي قَوْله: فحملوهما، وهم ثَلَاثَة. فَقَالَ: كلموهم بِلَفْظَة الْجمع، فَلم قَالَ: فحملوهما بالتثنية؟ أُجِيب: بِأَن يُوشَع كَانَ تَابعا فَاكْتفى بِذكر الأَصْل عَن الْفَرْع. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن نِسْبَة النقرة إِلَى الْبَحْر نِسْبَة المتناهي إِلَى المتناهي، وَنسبَة علمهما إِلَى علم الله نِسْبَة المتناهي إِلَى غير المتناهي، وللنقرة إِلَى الْبَحْر فِي الْجُمْلَة نِسْبَة مَا بِخِلَاف علمهما، فَإِنَّهُ لَا نِسْبَة لَهُ إِلَى علم الله. أُجِيب: بِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ التَّشْبِيه فِي الْقلَّة والحقارة، لَا الْمُمَاثلَة من كل الْوُجُوه. وَمِنْهَا مَا قيل: مَتى كَانَت قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام؟ أُجِيب: حَيْثُ كَانَ مُوسَى فِي التيه، فَلَمَّا فَارقه الْخضر رفع إِلَى قومه وهم فِي التيه. وَقيل: كَانَت قبل خُرُوجه من مصر. وَالله أعلم. 45 - (بابُ مَنْ سَأَلَ وَهُوَ قائِمٌ عالِما جالِسا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سَأَلَ، وَالْحَال أَنه قَائِم، عَالما جَالِسا. و: من، مَوْصُولَة، و: الْوَاو، للْحَال. و: عَالما، مفعول: سَأَلَ. و: جَالِسا، صفة: عَالما. ومقصود البُخَارِيّ أَن سُؤال الْقَائِم الْعَالم الْجَالِس لَيْسَ من بَاب من يتَمَثَّل لَهُ النَّاس قيَاما، بل هَذَا جَائِز إِذا سلمت النَّفس فِيهِ من الْإِعْجَاب. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل مِنْهُمَا سؤالاً عَن الْعَالم، وَهَذَا لِأَن فِي الأول سُؤال مُوسَى عَن الْخضر، وَفِي هَذَا سُؤال الْقَائِم عَن الْعَالم الْجَالِس. 123 - حدّثنا عُثْمانُ قالَ: أخبرنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وَائلٍ عَن أبي مُوسَى قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ: يَا رَسُول اللَّهِ! مَا القتالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فإنّ أحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبا ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إلَيْهِ رأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ إلاَّ أنَّهُ كانَ قائِما، فقالَ: (مَنْ قاتَلَ لِتَكونَ كَلِمةُ اللَّهِ هيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا رفع إِلَيْهِ رَأسه إلاَّ أَنه كَانَ قَائِما) . بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم، وَعُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة، وَفِي كتاب الْخمس فِي: بَاب من قَاتل للمغنم هَل ينقص من أجره عَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة، وَفِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد بن كثير عَن الثَّوْريّ عَن الشّعبِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن غنْدر عَن شُعْبَة بن عَمْرو بن مرّة وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن نمير وَابْن رَاهَوَيْه عَن جرير عَن مَنْصُور، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي وَائِل عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن حَفْص بن عَمْرو عَن شُعْبَة، وَعَن عَليّ بن مُسلم عَن أبي دَاوُد عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة، قَالَ: سَمِعت عَن أبي وَائِل حَدِيثا أعجبني، فَذكر مَعْنَاهُ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِنَّمَا عداهُ بِكَلِمَة الِانْتِهَاء مَعَ أَن: جَاءَ، جَاءَ مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ إشعارا بِأَن الْمَقْصُود بَيَان انْتِهَاء الْمَجِيء إِلَيْهِ. قَوْله: (فَقَالَ) عطف على قَوْله: (فجَاء) . قَوْله: (مَا الْقِتَال؟) مُبْتَدأ وَخبر وَقع مقولاً لِلْقَوْلِ. قَوْله: (فَإِن أَحَدنَا) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (يُقَاتل) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. قَوْله: (غَضبا) نصب على أَنه مفعول لَهُ، وَالْغَضَب حَالَة تحصل عِنْد غليان الدَّم فِي الْقلب لإِرَادَة الانتقام. قَوْله: (حمية) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: نصب على أَنه مفعول لَهُ أَيْضا. قَالَ الْجَوْهَرِي: حميت عَن كَذَا حمية، بِالتَّشْدِيدِ، وتحمية إِذا أنفت مِنْهُ وداخلك عَار وأنفة أَن تَفْعَلهُ. وَقَالَ غَيره: الحمية هِيَ الْمُحَافظَة على الْحرم. وَقيل: هِيَ الأنفة والغيرة والمحاماة عَن الْعَشِيرَة، وَالْأول: إِشَارَة إِلَى مُقْتَضى الْقُوَّة الغضبية، وَالثَّانِي: إِلَى مُقْتَضى الْقُوَّة الشهوانية. أَو الأول: لأجل دفع الْمضرَّة، وَالثَّانِي: لأجل جلب الْمَنْفَعَة. قَوْله: (فَرفع إِلَيْهِ) أَي: فَرفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى السَّائِل. قَوْله: (وَمَا رفع إِلَيْهِ رَأسه إِلَّا أَنه كَانَ قَائِما) ، ظَاهره أَن الْقَائِل هُوَ أَبُو مُوسَى، وَيحْتَمل أَن يكون من دونه فَيكون مدرجا فِي أثْنَاء الْخَبَر، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مفرغ وَأَن مَعَ اسْمهَا وخبرها فِي تَقْدِير الْمصدر أَي: مَا رفع لأمر من الْأُمُور إِلَّا لقِيَام الرجل. قَوْله: (قَالَ) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ الْجَواب عَن سُؤال السَّائِل الْمَذْكُور. فَإِن قلت: السُّؤَال عَن مَاهِيَّة الْقِتَال، وَالْجَوَاب لَيْسَ عَنْهَا بل عَن الْمقَاتل. قلت: فِيهِ الْجَواب وَزِيَادَة، أَو أَن الْقِتَال بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل أَي: الْمقَاتل، بِقَرِينَة لفظ: فَإِن أَحَدنَا. وَلَفْظَة: مَا إِن قُلْنَا: إِنَّه عَام للْعَالم وَلغيره فَظَاهر، وَإِن قُلْنَا إِنَّه لغيره فَكَذَلِك إِذا لم يعْتَبر معنى الوصفية فِيهِ إِذْ صَرَّحُوا بِنَفْي الْفرق بَين الْعَالم وَغَيره عِنْد اعْتِبَارهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، فِي قَوْله تَعَالَى: {بل لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض كل لَهُ قانتون} (الْبَقَرَة: 116) فَإِن قلت: كَيفَ جَاءَ بِمَا الَّذِي لغير أولي الْعلم مَعَ قَوْله: {قانتون} ؟ قلت: هُوَ كَقَوْلِه: سُبْحَانَ مَا سخركن لنا، أَو نقُول: ضمير (فَهُوَ) رَاجع إِلَى الْقِتَال الَّذِي فِي ضمن قَاتل، أَي: فقتاله قتال فِي سَبِيل الله. فَإِن قلت: فَمن قَاتل لطلب ثَوَاب الْآخِرَة أَو لطلب رضى الله تَعَالَى عَنهُ فَهَل هُوَ فِي سَبِيل الله؟ قلت: نعم لِأَن طلب إعلاء الْكَلِمَة، وَطلب الثَّوَاب والرضى كلهَا متلازمة، وَحَاصِل الْجَواب أَن الْقِتَال فِي سَبِيل الله قتال منشؤه الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة لَا الْقُوَّة الغضبية أَو الشهوانية، وانحصار القوى الإنسانية فِي هَذِه الثَّلَاث مَذْكُور فِي مَوْضِعه. قَوْله: (لتَكون) ، أَي: لِأَن تكون، وَاللَّام: لَام كي. قَوْله: (كلمة الله) أَي: دَعوته إِلَى الْإِسْلَام. وَقيل: هِيَ قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: (هِيَ) ، فصل، أَو مُبْتَدأ. وفيهَا تَأْكِيد فضل كلمة الله تَعَالَى فِي الْعُلُوّ، وَأَنَّهَا المختصة بِهِ دون سَائِر الْكَلَام. قَوْله: (فَهُوَ) مُبْتَدأ. و (فِي سَبِيل الله) خبر لقَوْله: (من) ، وَإِنَّمَا دخلت الْفَاء لتضمن من معنى الشَّرْط. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بَيَان أَن الْأَعْمَال إِنَّمَا تحسب بِالنِّيَّاتِ الصَّالِحَة. الثَّانِي: فِيهِ أَن الْإِخْلَاص شَرط فِي الْعِبَادَة، فَمن كَانَ لَهُ الْبَاعِث الدنياوي فَلَا شكّ فِي بطلَان عمله، وَمن إِذا كَانَ الْبَاعِث الديني أقوى فقد حكم الْحَارِث المحاسبي بِإِبْطَال الْعَمَل تمسكا بِهَذَا الحَدِيث، وَخَالفهُ الْجُمْهُور وَقَالُوا: الْعَمَل صَحِيح. وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: إِذا ابْتَدَأَ الْعَمَل بِهِ لَا يضرّهُ مَا عرض بعده من عجب يطْرَأ عَلَيْهِ. الثَّالِث: فِيهِ أَن الْفضل الَّذِي ورد فِي الْمُجَاهدين يخْتَص بِمن قَاتل لإعلاء كلمة الله تَعَالَى. الرَّابِع: فِيهِ أَنه لَا بَأْس أَن يكون المستفتي وَاقِفًا إِذا كَانَ هُنَاكَ عذر، وَكَذَلِكَ طلب الْحَاجة. الْخَامِس: فِيهِ إقبال الْمُتَكَلّم على الْمُخَاطب. السَّادِس:
- (باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار)
فِيهِ مَا أعطي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الفصاحة وجوامع الْكَلم لِأَنَّهُ أجَاب السَّائِل بِجَوَاب جَامع لِمَعْنى سُؤَاله لَا بِلَفْظِهِ من أجل أَن الْغَضَب وَالْحمية قد يكون لله عز وَجل، وَقد يكون لغَرَض الدُّنْيَا، فَأَجَابَهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، بِالْمَعْنَى مُخْتَصرا إِذْ لَو ذهب يقسم وُجُوه الْغَضَب لطال ذَلِك ولخشي أَن يلبس عَلَيْهِ. وَجَاء أَيْضا فِي الصَّحِيح: (يُقَاتل للمغنم وَالرجل يُقَاتل للذِّكر، وَالرجل يُقَاتل ليُرى مَكَانَهُ، فَمن فِي سَبِيل الله تَعَالَى، فَقَالَ: عَلَيْهِ السَّلَام: من قَاتل لتَكون كلمة الله أَعلَى فَهُوَ فِي سَبِيل الله) . 46 - (بابٌ السُّؤَال والفُتْيا عِنْدَ رَمْيِ الجِمارِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السُّؤَال والفتيا، فالسؤال من جِهَة المستفتي والفتيا من جِهَة الْمُفْتِي، وَقد ذكرنَا أَن الْفتيا، بِضَم الْفَاء، وَالْفَتْوَى بِفَتْحِهَا إسم من: استفتيت الْفَقِيه فأفتاني، وَهِي جَوَاب الْحَادِثَة، والجمار جمع جَمْرَة وَهِي: الْحَصَاة. وَالْمرَاد جمرات الْمَنَاسِك. وَقَالَ ابْن بطال: معنى هَذَا الْبَاب أَنه يجوز أَن يُسأل الْعَالم عَن الْعلم، ويجيب وَهُوَ مشتغل فِي طَاعَة الله لَا يتْرك الطَّاعَة الَّتِي هُوَ فِيهَا، إلاَّ إِلَى طَاعَة أُخْرَى. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ معنى مَا ترْجم لَهُ. فَإِن قَوْله فِي الحَدِيث: (عِنْد الْجَمْرَة) لَيْسَ فِيهِ إلاَّ السُّؤَال، وَهُوَ بِموضع الْجَمْرَة وَلَيْسَ فِيهِ أَنه فِي خلال الرَّمْي. قلت: لَا نسلم ذَلِك. فَإِن قَوْله: (عِنْد رمي الْجمار) أَعم من أَن يكون مُقَارنًا بشروعه فِي رمي الْجمار، أَو فِي خلال رميه، أَو عقيب الْفَرَاغ مِنْهُ. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: الْمُنَاسبَة بَينهمَا ظَاهِرَة لِأَن كلا مِنْهُمَا مُشْتَمل على السُّؤَال عَن الْعَالم وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى. 124 - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ العَزِيز بنُ أبي سَلَمَةَ عَن الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى ابنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو قَالَ: رأيْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسألُ فقالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ اللَّهِ {نَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ. قالَ: (ارْمِ ولاَ حَرَجَ) قالَ آخَرُ: يَا رسولَ اللَّهِ} حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أنْحَر. قَالَ: (انْحَرْ ولاَ حَرَجَ) فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلاَّ قالَ: (افْعَلْ ولاَ حَرَج) .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عِنْد الْجَمْرَة) وَهُوَ يسْأَل وَهَذَا من جَانب المستفتي، وَقَوله: (ارْمِ وَلَا حرج وَافْعل وَلَا حرج) . من جِهَة الْمُفْتِي فطابق التَّرْجَمَة بجزئيها. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة، نسب إِلَى جده أبي سَلمَة الْمَاجشون، بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا: أَبُو عبد الله الْمدنِي الْفَقِيه التَّيْمِيّ، سكن بَغْدَاد وَمَات بهَا سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَصلى عَلَيْهِ الْمهْدي وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش. قَالَ يحيى بن معِين: كَانَ يَقُول بِالْقدرِ ثمَّ أقبل إِلَى السّنة وَلم يكن من شَأْنه الحَدِيث، فَلَمَّا قدم بَغْدَاد كتبُوا عَنهُ، وَقَالَ: جعلني أهل بَغْدَاد مُحدثا، وَقَالَ بشر بن السّري: لم يسمع الْمَاجشون من الزُّهْرِيّ، وَقَالَ أَحْمد بن سِنَان: مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنه عرض. وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: أَنه كَانَ من أصفهان فَنزل الْمَدِينَة، وَكَانَ يلقى النَّاس فَيَقُول: جَوْنِي جَوْنِي. وَسُئِلَ أَحْمد بن حَنْبَل، فَقَالَ: تعلق بِالْفَارِسِيَّةِ بِكَلِمَة إِذا لَقِي الرجل يَقُول: شوني شوني، فلقب بِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الْمَاجشون فَارسي، وَإِنَّمَا سمي بِهِ لِأَن وجنتيه كَانَتَا حمراوين، فَسُمي بِالْفَارِسِيَّةِ: الماي كَون، ثمَّ عرب أهل الْمَدِينَة بذلك، وَهُوَ: بِفَتْح الْجِيم وَضم الْمُعْجَمَة وبالنون. وَقَالَ الغساني: الْمَاجشون اسْمه يَعْقُوب بن أبي سَلمَة، وَابْن أبي سَلمَة: مَيْمُون، والماجشون بِالْفَارِسِيَّةِ: ماه كَون، فعرب. وَمَعْنَاهُ الْورْد. وَيُقَال: الْأَبْيَض الْأَحْمَر. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْأَوْسَط) : الْمَاجشون هُوَ يَعْقُوب بن أبي سَلمَة أَخُو عبد الله بن أبي سَلمَة، فَجرى على بنيه وعَلى بني أَخِيه. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّمَا لقب الْمَاجشون لحمرة فِي وَجهه، وَقَالَ: إِن سكينَة، بِضَم الْمُهْملَة: بنت الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، لقبت بذلك. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني ومصري، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث مُسْتَوفى فِي بَاب: الْفتيا وَهُوَ وَاقِف على الدَّابَّة. قَوْله: (عِنْد الْجَمْرَة) اللَّام: إِمَّا للْجِنْس فَيشْمَل كل جَمْرَة كَانَت من الجمرات الثَّلَاث، للْعهد فَالْمُرَاد جَمْرَة الْعقبَة لِأَنَّهَا إِذا أطلقت كَانَت هِيَ المرادة.
- (باب قول الله تعالى {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} )
47 - (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً} ) أَي: هَذَا بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا} (الْإِسْرَاء: 85) وَأَرَادَ بإيراد هَذَا الْبَاب المترجم بِهَذِهِ الْآيَة التَّنْبِيه على أَن من الْعلم أَشْيَاء لم يطلع الله عَلَيْهَا نَبيا وَلَا غَيره. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلا مِنْهُمَا مُشْتَمل على سُؤال عَن عَالم، غير أَن المسؤول قد بيَّن فِي الأول لكَونه مِمَّا يحْتَاج إِلَى علمه السَّائِل، وَلم يبين فِي هَذَا لعدم الْحَاجة إِلَى بَيَانه لكَونه مِمَّا اخْتصَّ الله سُبْحَانَهُ فِيهِ، وَلِأَن فِي عدم بَيَانه تَصْدِيقًا لنبوة النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. حَيْثُ قَالَ الواحدي: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِن الْيَهُود اجْتَمعُوا فَقَالُوا: نسْأَل مُحَمَّدًا عَن الرّوح، وَعَن فتية فقدوا فِي أول الزَّمَان، وَعَن رجل بلغ مشرق الشَّمْس وَمَغْرِبهَا، فَإِن أجَاب فِي ذَلِك كُله فَلَيْسَ بِنَبِي وَإِن لم يجب فِي ذَلِك كُله فَلَيْسَ بِنَبِي، وَإِن أجَاب عَن بعض وَأمْسك عَن بعض فَهُوَ نَبِي فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَأنْزل الله تَعَالَى فِي شَأْن الْفتية: {أم حسبت أَن أَصْحَاب الْكَهْف} (الْكَهْف: 9) إِلَى آخر الْقِصَّة. وَأنزل فِي شَأْن الرجل الَّذِي بلغ مشرق الأَرْض وَمَغْرِبهَا: {ويسألونك عَن ذِي القرنين} (الْكَهْف: 83) إِلَى آخر الْقِصَّة، وَأنزل فِي الرّوح قَوْله تَعَالَى: {ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا} (الْإِسْرَاء: 85) . قَوْله: {وَمَا أُوتِيتُمْ} (الْإِسْرَاء: 85) الْخطاب عَام، وَرُوِيَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قَالَ لَهُم ذَلِك قَالُوا: نَحن مختصون بِهَذَا الْخطاب أم أَنْت مَعنا فِيهِ؟ فَقَالَ: (بل نَحن وَأَنْتُم لم نُؤْت من الْعلم إلاَّ قَلِيلا) . فَقَالُوا: مَا أعجب شَأْنك؟ سَاعَة تَقول: {وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا} (الْبَقَرَة: 269) وَسَاعَة تَقول هَذَا {فَنزلت: {وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر مَا نفذت كَلِمَات الله} (لُقْمَان: 27) وَلَيْسَ مَا قَالُوهُ بِلَازِم، لِأَن الْقلَّة وَالْكَثْرَة يدوران مَعَ الْإِضَافَة، فيوصف الشَّيْء بالقلة مُضَافا إِلَى مَا فَوْقه، وَالْكَثْرَة مُضَافا إِلَى مَا تَحْتَهُ، فالحكمة الَّتِي أوتيها العَبْد خير كثير فِي نَفسهَا، إِلَّا أَنَّهَا إِذا أضيفت إِلَى علم الله تَعَالَى فَهِيَ قَليلَة. وَقيل: هُوَ خطاب للْيَهُود خَاصَّة لأَنهم قَالُوا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قد أوتينا التَّوْرَاة فِيهَا الْحِكْمَة، وَقد تَلَوت: {وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا} (الْبَقَرَة: 269) فَقيل لَهُم: إِن علم التَّوْرَاة قَلِيل فِي جنب علم الله تَعَالَى. قَوْله: {إِلَّا قَلِيلا} (الْإِسْرَاء: 85) اسْتثِْنَاء من الْعلم، أَي: إِلَّا علما قَلِيلا، أَو من الإيتاء، أَي إِلَّا إيتَاء قَلِيلا، أَو من الضَّمِير أَي إلاَّ قَلِيلا مِنْكُم. 125 - حدّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ قالَ: حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حدّثنا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْننَا أنَا أَمْشِي مَعَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عسيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عنِ الرُّوحِ؟ وقالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْألُوهُ} لاَ يجيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فقالَ بَعْضُهمْ: ولنَسْألَنَّهُ. فقامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فقالَ: يَا أَبَا القاسِمِ! مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَت، فَقُلْتُ: إنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ فقالَ: {ويَسْألُونَكَ عَنْ الروحِ قلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً} (الْإِسْرَاء: 85) قالَ الأعْمَشُ: هَكَذا فِي قِرَاءَتِنَا. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا بعض آيَة من الْقُرْآن، والْحَدِيث يبين سَبَب نُزُولهَا مَعَ مَا فِيهَا من التَّنْبِيه على أَن علم الرّوح علم قد اسْتَأْثر الله بِهِ وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا، كَمَا قد ذَكرْنَاهُ. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: قيس بن حَفْص بن الْقَعْقَاع الدَّارمِيّ، أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ وأبوزرعة وَأَبُو حَاتِم. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة. وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: شيخ، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، انْفَرد بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ عَن أَئِمَّة الْكتب الْخَمْسَة، وَلَيْسَ فِي مشايخهم من اسْمه قيس سواهُ، توفّي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد أَبُو بشر الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَعْمَش الْكُوفِي. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ. الْخَامِس: عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بصريين وَثَلَاثَة كوفيين. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين الْحفاظ المتقنين يروي بَعضهم عَن بعض. وهم: الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم وعلقمة. وَمِنْهَا: أَن رِوَايَة الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة أصلح الْأَسَانِيد فِيمَا قيل. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه
البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد أَيْضا، وَفِي التَّفْسِير عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه، وَفِي الِاعْتِصَام فِي: بَاب مَا يكره من كَثْرَة السُّؤَال وتكليف مَا لَا يعنيه، عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون عَن عِيسَى بن يُونُس وَفِي التَّوْحِيد عَن يحيى عَن وَكِيع وَأخرجه مُسلم فِي الرقَاق عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه وَعَن أبي بكر والأشج عَن وَكِيع وَعَن إِسْحَاق وَابْن خشرم عَن عِيسَى كلهم عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن خشرم بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (فِي خرب) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: جمع خربة، وَيُقَال بِالْعَكْسِ: أَعنِي الْخَاء وَكسر الرَّاء، هَكَذَا ضبط بَعضهم أخذا عَن بعض الشَّارِحين. قلت: هَذَا مُخَالف لما قَالَه أهل اللُّغَة. فَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخراب ضد الْعِمَارَة، وَقد خرب الْموضع بِالْكَسْرِ فَهُوَ خرب، وَفِي (الْعباب) : وَقد خرب الْموضع، بِالْكَسْرِ: فَهُوَ خرب، وَدَار خربة، وَالْجمع خرب مِثَال: كلمة وكلم، وخرَّب الدَّار وأخربها وخرَّبها، فَعلم من هَذَا أَن الخرب، بِفَتْح الْخَاء وَكسر الرَّاء تَارَة تكون مُفْردَة، كَمَا يُقَال: مَكَان خرب، وَتارَة تكون جمعا كَمَا يُقَال: أَمَاكِن خرب، جمع خربة. وَأما خرب، بِكَسْر الْخَاء وَفتح الرَّاء: فَلَيْسَ بِجمع خربة. كَمَا زعم هَؤُلَاءِ الشارحون، وَإِنَّمَا جمع خربة: خرب ككلمة وكلم، كَمَا ذكره الصغاني. وَقَالَ القَاضِي: رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي غير هَذَا الْموضع: (حرث) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم فِي جَمِيع طرقه. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (يتَوَكَّأ) أَي: يعْتَمد، ومادته: وَاو وكاف وهمزة، وَمِنْه يُقَال: رجل تكأة، مِثَال: تؤدة، كثير الاتكاء، وَأَصلهَا: وكأة أَيْضا. والمتكأة مَا يتكأ عَلَيْهِ، هِيَ المتكأ، قَالَ الله تَعَالَى: {وأعتدت لَهُنَّ متكأ} (يُوسُف: 31) . قَوْله: (على عسيب) ، بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. قَالَ الصغاني: العسيب من السعف فويق الكرب لم ينْبت عَلَيْهِ الخوص، وَمَا ينْبت عَلَيْهِ الخوص فَهُوَ السعف، وَالْجمع: عسب. وَقَالَ غَيره: العسيب جريد النّخل وَهُوَ عود قضبان النّخل، كَانُوا يكشطون خوصها ويتخذونها عصيا، وَكَانُوا يَكْتُبُونَ فِي طرفه العريض مِنْهُ، وَمِنْه قَوْله: فِي الحَدِيث: (فَجعلت أتتبعه فِي العسيب) يُرِيد الْقُرْآن. قَوْله: (بِنَفر) ، بِفَتْح الْفَاء: عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، والنفير مثله، وَكَذَلِكَ النَّفر والنفرة بالإسكان. قَوْله: (من الْيَهُود) هَذَا اللَّفْظ مَعَ اللَّام وَدون اللَّام معرفَة، وَالْمرَاد بِهِ: اليهوديون، وَلَكنهُمْ حذفوا يَاء النِّسْبَة كَمَا قَالُوا: زنجي وزنج، للْفرق بَين الْمُفْرد وَالْجَمَاعَة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَينا أَنا) قد مر غير مرّة أَن أصل: بَينا، بَين، فأشبعت الفتحة بِالْألف، وَالْعَامِل فِيهِ جَوَابه، وَهُوَ قَوْله: (فَمر بِنَفر من الْيَهُود) لَا يُقَال الْفَاء الجزائية تمنع عمل مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا، فَلَا يعْمل: مر، فِي: بَينا، لأَنا نقُول: لَا نسلم أَن الْفَاء هُنَا جزائية إِذْ لَيْسَ فِي: بَين، معنى المجازاة الصَّرِيحَة، بل فِيهَا رَائِحَة مِنْهَا، وَلَئِن سلمنَا، وَلَكِن لَا نسلم مَا ذكرْتُمْ من الْمَنْع، لِأَن النُّحَاة قَالُوا فِي: أما زيدا فَأَنا ضَارب، أَن الْعَامِل فِي: زيدا، هُوَ: ضَارب، سلمنَا ذَلِك، فَنَقُول: الْعَامِل فِيهِ مر مُقَدرا، وَالْمَذْكُور يفسره. وَلنَا أَن نقُول بَين الْفَاء وَإِذا أخوة، حَيْثُ اسْتعْملت الْفَاء هَهُنَا مَوضِع إِذا. وَالْغَالِب أَن جَوَاب: بَينا، يكون: بإذا وَإِذ. وَإِن كَانَ الْأَصْمَعِي يستفصح تَركهمَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: السُّؤَال مُشْتَرك الْإِلْزَام إِذْ هُوَ بِعَيْنِه وَارِد فِي إِذْ وَإِذا حَيْثُ يَقع شي مِنْهُمَا جَوَابا لبين. لِأَن إِذْ وَإِذا أنَّى كَانَ هُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده، والمضاف إِلَيْهِ لَا يعْمل فِي الْمُضَاف، فبالطريق الأولى لَا يعْمل فِي الْمُقدم على الْمُضَاف، فَمَا هُوَ جوابكم فِي إِذْ، فَهُوَ جَوَابنَا فِي الْفَاء. قَوْله: (مَعَ النَّبِي) حَال، أَي: مصاحبا مَعَه. قَوْله: (وَهُوَ يتَوَكَّأ) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (مَعَه) صفة لعسيب قَوْله: (من الْيَهُود) بَيَان للنفر لعسيب. قَوْله: (سلوه) أَصله: اسألوه، أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (لَا تسلوه) أَصله: لَا تسألوه. قَوْله: (لَا يَجِيء فِيهِ) يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه. الأول: الْجَزْم على جَوَاب النَّهْي، أَي: لَا تسألوه لَا يجىء بمكروه. الثَّانِي: النصب على معنى: لَا تسألوه إِرَادَة أَن لَا يَجِيء فِيهِ، وَلَا زَائِدَة، وَهَذَا ماشٍ على مَذْهَب الْكُوفِيّين. وَقَالَ السُّهيْلي: النصب فِيهِ بعيد لِأَنَّهُ على معنى: أَن. الثَّالِث: الرّفْع على الْقطع، أَي: لَا يَجِيء فِيهِ بِشَيْء تكرهونه. قلت: المُرَاد أَنه رفع على الِاسْتِئْنَاف. قَوْله: (لنسألنه) جَوَاب لقسم مَحْذُوف. قَوْله: (يابا الْقَاسِم) أَصله يَا أَبَا الْقَاسِم، حذفت الْهمزَة من الْأَب تَخْفِيفًا. قَوْله: (فَسكت) ، أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقُمْت) عطف على: فَقلت. قَوْله: (قَالَ) جَوَاب قَوْله: (فَلَمَّا انجلى) . بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فَقُمْت) : أَي: حَتَّى لَا أكون مشوشا عَلَيْهِ، أَو قُمْت حَائِلا بَينه وَبينهمْ. قَوْله: (فَلَمَّا انجلى) أَي: فحين انْكَشَفَ الكرب الَّذِي كَانَ يتغشاه حَال الْوَحْي، قَالَ: {ويسألونك عَن الرّوح} (الْإِسْرَاء: 85) وسؤالهم عَن الرّوح بقَوْلهمْ: مَا الرّوح؟ مُشكل إِذْ لَا يعلم
مُرَادهم، لِأَن الرّوح جَاءَ فِي الْقُرْآن على معَان. قَالَ الله تَعَالَى: {نزل بِهِ الرّوح الْأمين} (الشُّعَرَاء: 193) وَقَالَ: {تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا} (الْقدر: 4) وَقَالَ: {روحا من أمرنَا} (الشورى: 52) {يَوْم يقوم الرّوح} (النبإ: 38) فَلَو عينوا سُؤَالهمْ لأمكنه أَن يُجِيبهُمْ. قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَيُمكن أَن يكون سُؤَالهمْ عَن روح بني آدم، لِأَنَّهُ مَذْكُور فِي التَّوْرَاة أَنه لَا يُعلمهُ: إِلَّا الله. وَقَالَت الْيَهُود: إِن فسر الرّوح فَلَيْسَ بِنَبِي، فَلذَلِك لم يجبهم. قَالَ عِيَاض وَغَيره: اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي الرّوح المسؤول عَنْهَا، فَقيل: سَأَلُوهُ عَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فَقَالَ لَهُم: الرّوح من أَمر الله، يَعْنِي: إِنَّمَا هُوَ شَيْء من أَمر الله تَعَالَى، كَمَا تَقول النَّصَارَى، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يكتم تَفْسِير الرّوح. وَعَن ابْن عَبَّاس وَعلي رَضِي الله عَنْهُم: هُوَ ملك من الْمَلَائِكَة يقوم صفا، وَتقوم الْمَلَائِكَة صفا. قَالَ تَعَالَى: {يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا} (النبإ: 38) وَقيل: جِبْرَائِيل، عَلَيْهِ السَّلَام وَقيل: الْقُرْآن، لقَوْله تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا} (الشورى: 52) وَقَالَ أَبُو صَالح: هُوَ خلق كخلق بني آدم لَيْسُوا ببني آدم لَهُم أيد وأرجل. وَقيل: طَائِفَة من الْخلق لَا ينزل ملك إِلَى الأَرْض إلاَّ نزل مَعَه أحدهم. وَقيل: ملك لَهُ أحد عشر ألف جنَاح وَألف وَجه يسبح الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقيل: علم الله أَن الْأَصْلَح لَهُم أَن لَا يُخْبِرهُمْ مَا هُوَ، لِأَن الْيَهُود قَالُوا: إِن فسر الرّوح فَلَيْسَ بِنَبِي، وَهَذَا معنى قَوْله: (لَا تسألوه لَا يَجِيء فِيهِ بِشَيْء تكرهونه) ، فقد جَاءَهُم بذلك لِأَن عِنْدهم فِي التَّوْرَاة كَمَا ذكره لَهُم أَنه من أَمر الله تَعَالَى، لن يطلع عَلَيْهِ أحد. وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن نَفرا من الْيَهُود قَالُوا: يَا مُحَمَّد {أخبرنَا عَن أَربع نَسْأَلك عَنْهُن ... وَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالُوا يَا مُحَمَّد} أخبرنَا عَن الرّوح. قَالَ: أنْشدكُمْ بِاللَّه هَل تعلمُونَ جِبْرَائِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ الَّذِي يأتيني؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نعم، وَلكنه يَا مُحَمَّد هُوَ لنا عَدو وَهُوَ ملك يَأْتِي بالشدة وَسَفك الدِّمَاء، وَلَوْلَا ذَلِك لاتبعناك. فَأنْزل الله تَعَالَى: {من كَانَ عدوا لجبريل} (الْبَقَرَة: 97) قَالَ بَعضهم: هَذَا يدل على أَن سُؤَالهمْ عَن الرّوح الَّذِي هُوَ جِبْرِيل، وَالله أعلم. وَأما روح بني آدم فَقَالَ الْمَازرِيّ: الْكَلَام على الرّوح مِمَّا يدق، وَقد ألفت فِيهِ التآليف، وأشهرها مَا قَالَه الْأَشْعَرِيّ: إِنَّه النَّفس الدَّاخِل وَالْخَارِج. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر: هُوَ مُتَرَدّد بَين مَا قَالَه الْأَشْعَرِيّ وَبَين الْحَيَاة. وَقيل: جسم مشارك للأجسام الظَّاهِرَة والأعضاء الظَّاهِرَة. وَقيل: جسم لطيف خلقه الْبَارِي سُبْحَانَهُ، وأجرى الْعَادة بِأَن الْحَيَاة لَا تكون مَعَ فَقده فَإِذا شَاءَ الله مَوته أعدم هَذَا الْجِسْم مِنْهُ عِنْد انعدام الْحَيَاة، وَهَذَا الْجِسْم وَإِن كَانَ حَيا فَلَا يحيى إِلَّا بحياة تخْتَص بِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَصح عَلَيْهِ الْبلُوغ إِلَى جسمٍ مَا من الْأَجْسَام، وَيكون فِي مَكَان فِي الْعَالم، أَو فِي حواصل طير خضر إِلَى غير ذَلِك مِمَّا وَقع فِي الظَّوَاهِر، إِلَى غَيره من جَوَاهِر الْقلب، والجسم الْحَيَاة. وَقَالَ غَيرهمَا: هُوَ الدَّم. وَقد ذكر بَعضهم فِي الرّوح سبعين قولا. وَاخْتلف هَل الرّوح وَالنَّفس وَاحِد أم لَا؟ وَالأَصَح أَنَّهُمَا متغايران، فَإِن النَّفس الإنسانية هِيَ الْأَمر الَّذِي يُشِير إِلَيْهِ كل وَاحِد منا بقوله: أَنا، وَأكْثر الفلاسفة لم يفرقُوا بَينهمَا. قَالُوا: النَّفس هُوَ الْجَوْهَر البُخَارِيّ اللَّطِيف الْحَامِل لقُوَّة الْحَيَاة والحس وَالْحَرَكَة الإرادية، ويسمونها: الرّوح الحيوانية، وَهِي الْوَاسِطَة بَين الْقلب الَّذِي هُوَ النَّفس الناطقة،، وَبَين الْبدن. وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء وَالْغَزالِيّ: النَّفس مُجَرّدَة، أَي: غير جسم وَلَا جسماني. وَقَالَ الْغَزالِيّ: الرّوح جَوْهَر مُحدث قَائِم بِنَفسِهِ غير متحيز، وَإنَّهُ لَيْسَ بداخل الْجِسْم وَلَا خَارِجا عَنهُ، وَلَيْسَ مُتَّصِلا بِهِ وَلَا مُنْفَصِلا عَنهُ، وَذَلِكَ لعدم التحيز الَّذِي هُوَ شَرط الْكَوْن فِي الْجِهَات، وَاعْترض عَلَيْهِ بِوُجُوه قد عرفت فِي موضعهَا. وَقيل: الرّوح عرض لِأَنَّهُ لَو كَانَ جوهرا، والجواهر مُتَسَاوِيَة فِي الجوهرية، للَزِمَ أَن يكون للروح روح آخر وَهُوَ فَاسد. وَقيل: إِنَّه جَوْهَر فَرد متحيز وَإنَّهُ خلاف الْحَيَاة الْقَائِمَة بالجسم الحيواني، وَإنَّهُ حَامِل للصفات المعنوية. وَقيل: إِنَّه صُورَة لَطِيفَة على صُورَة الْجِسْم لَهَا عينان وأذنان ويدان ورجلان فِي دَاخل الْجِسْم يُقَابل كل جُزْء مِنْهُ عُضْو نَظِيره من الْبدن وَهُوَ خيال. وَقيل: إِنَّه جسم لطيف فِي الْبدن سَار فِيهِ سريان مَاء الْورْد فِيهِ، وَعَلِيهِ اعْتمد عَامَّة الْمُتَكَلِّمين من أهل السّنة. وَقد كثر الِاخْتِلَاف فِي أَمر الرّوح بَين الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمين قَدِيما وحديثا، وأطلقوا أَعِنَّة النّظر فِي شَرحه، وخاضوا فِي غَمَرَات ماهيته، فأكثرهم تاهوا فِي التيه، فالأكثرون مِنْهُم على أَن الله تَعَالَى أبهم علم الرّوح على الْخلق واستأثره لنَفسِهِ حَتَّى قَالُوا: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن عَالما بِهِ. قلت: جلّ منصب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ حبيب الله وَسيد خلقه، أَن يكون غير عَالم بِالروحِ، وَكَيف وَقد منَّ الله عَلَيْهِ بقوله: {وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما} (النِّسَاء: 113) . وَقد قَالَ أَكثر الْعلمَاء: لَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل على أَن الرّوح لَا يعلم وَلَا على أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يعلمهَا. قَوْله: (قَالَ الْأَعْمَش) أَي: سُلَيْمَان بن مهْرَان. قَوْله: (هَكَذَا فِي قراءتنا) رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: كَذَا فِي قراءتنا، يَعْنِي أُوتُوا بِصِيغَة الْغَائِب، وَلَيْسَت هَذِه
الْقِرَاءَة فِي السَّبْعَة وَلَا فِي الْمَشْهُورَة فِي غَيرهَا، وَقد أغفلها أَبُو عبيد فِي كتاب الْقرَاءَات لَهُ من قِرَاءَة الْأَعْمَش. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَكثر نسخ البُخَارِيّ وَمُسلم: وَمَا أُوتُوا. وَذكر مُسلم الِاخْتِلَاف فِي هَذِه اللَّفْظَة عَن الْأَعْمَش، فَرَوَاهُ وَكِيع على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة. وَرَوَاهُ عِيسَى بن يُونُس عَنهُ: وَمَا أُوتُوا. قَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلف المحدثون فِيمَا وَقع من ذَلِك، فَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْإِصْلَاح على الصَّوَاب، وَاحْتج أَنه إِنَّمَا قصد بِهِ الِاسْتِدْلَال على مَا سيقت بِسَبَبِهِ، وَلَا حجَّة إلاَّ فِي الصَّحِيح الثَّابِت فِي الْمُصحف. وَقَالَ قوم: تتْرك على حَالهَا وينبه عَلَيْهَا، لِأَن من الْبعيد خَفَاء ذَلِك على الْمُؤلف وَمن نقل عَنهُ وهلم جرا، فلعلها قِرَاءَة شَاذَّة. قَالَ عِيَاض: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ لَا يحْتَج بِهِ فِي حكم وَلَا يقْرَأ فِي صَلَاة. قَالَ: وَاخْتلف أَصْحَاب الْأُصُول فِيمَا نقل آحادا، وَمِنْه الْقِرَاءَة الشاذة كمصحف ابْن مَسْعُود وَغَيره، هَل هُوَ حجَّة أم لَا؟ فنفاه الشَّافِعِي، وأثبته أَبُو حنيفَة وَبنى عَلَيْهِ وجوب التَّتَابُع فِي صَوْم كَفَّارَة الْيَمين بِمَا نقل عَن مصحف ابْن مَسْعُود من قَوْله: (ثَلَاث أَيَّام مُتَتَابِعَات) . وَبقول الشَّافِعِي قَالَ الْجُمْهُور، وَاسْتَدَلُّوا بِأَن الرَّاوِي لَهُ إِن ذكره على أَنه قُرْآن فخطأ وإلاَّ فَهُوَ مُتَرَدّد بَين أَن يكون خَبرا أَو مذهبا لَهُ، فَلَا يكون حجَّة بِالِاحْتِمَالِ وَلَا خَبرا، لِأَن الْخَبَر مَا صرح الرَّاوِي فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَيحمل على أَنه مَذْهَب لَهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، إِذا لم يثبت كَونه قُرْآنًا فَلَا أقل من كَونه خَبرا. وَقَالَ الْغَزالِيّ وَالْفَخْر الرَّازِيّ: خبر الْوَاحِد لَا دَلِيل على كَونه كذبا، وَهَذَا خطأ قطعا، وَالْخَبَر الْمَقْطُوع بكذبه لَا يجوز أَن يعْمل بِهِ، وَنَقله قُرْآنًا خطأ. قلت: لَا نسلم أَن هَذَا خطأ قطعا، لِأَنَّهُ خبر صَحَابِيّ أَو خبر عَنهُ، وَأي دَلِيل قَامَ على أَنه خبر مَقْطُوع بكذبه، وَقَول الصَّحَابِيّ حجَّة عِنْده؟ . 48 - بابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الإِخْتِيَارِ مَخَافَةَ أنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْض النَّاسِ عَنْهُ فَيقعُوا فِي أشَدَّ مِنْهُ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من ترك ... الخ. وَكلمَة: من، مَوْصُولَة، وَأَرَادَ بِالِاخْتِيَارِ: الْمُخْتَار، وَالْمعْنَى: من ترك فعل الشَّيْء الْمُخْتَار أَو الْإِعْلَام بِهِ، و: مَخَافَة، نصب على التَّعْلِيل أَي لأجل خوف أَن يقصر. و: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الْجَرّ بِالْإِضَافَة، و: فهم بعض النَّاس، بِالرَّفْع فَاعل يقصر. قَوْله: (فيقعوا) عطف على قَوْله: (يقصر) ، فَلذَلِك سقط مِنْهُ النُّون عَلامَة للنصب. قَوْله: (فِي أَشد مِنْهُ) أَي من ترك الِاخْتِيَار، وَفِي بعض النّسخ: (فِي أشر مِنْهُ) وَفِي بَعْضهَا: (فِي شَرّ مِنْهُ) . وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول ترك الْجَواب للسَّائِل لحكمة اقْتَضَت ذَلِك، وَهَهُنَا أَيْضا ترك بعض الْمُخْتَار لحكمة اقْتَضَت ذَلِك، وَهُوَ أَن بِنَاء الْكَعْبَة كَانَ جَائِزا، وَلكنه ترك إِعْلَام جَوَازه لكَوْنهم قريب الْعَهْد بالْكفْر، فخشي أَن تنكر ذَلِك قُلُوبهم، فَتَركه. 67 - (حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود قَالَ قَالَ لي ابْن الزبير كَانَت عَائِشَة تسر إِلَيْك كثيرا فَمَا حدثتك فِي الْكَعْبَة قلت قَالَت لي قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا عَائِشَة لَوْلَا قَوْمك حَدِيث عَهدهم قَالَ ابْن الزبير بِكفْر لنقضت الْكَعْبَة فَجعلت لَهَا بَابَيْنِ بَاب يدْخل النَّاس وَبَاب يخرجُون فَفعله ابْن الزبير الحَدِيث مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من جِهَة الْمَعْنى وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترك نقض الْكَعْبَة الَّذِي هُوَ الِاخْتِيَار مَخَافَة أَن تَتَغَيَّر عَلَيْهِ قُرَيْش لأَنهم كَانُوا يعظمونها جدا فيقعون بِسَبَب ذَلِك فِي أَمر أَشد من ذَلِك الِاخْتِيَار (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة تقدم ذكرهم مَا خلا إِسْرَائِيل وَالْأسود أما إِسْرَائِيل فَهُوَ ابْن يُونُس بن أبي اسحق السبيعِي الْهَمدَانِي الْكُوفِي أَبُو يُوسُف قَالَ أَحْمد كَانَ شَيخا ثِقَة وَجعل يتعجب من حفظه سمع جده أَبَا إِسْحَق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى سبيع ابْن سبع بن صَعب بن مُعَاوِيَة بن كثير بن مَالك بن جشم بن حاشد ولد إِسْرَائِيل فِي سنة مائَة وَمَات فِي سنة سِتِّينَ وَمِائَة وَأما الْأسود فَهُوَ ابْن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ خَال إِبْرَاهِيم أدْرك زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يره مَاتَ سنة خمس وَسبعين بِالْكُوفَةِ سَافر ثَمَانِينَ حجَّة وَعمرَة وَلم يجمع بَينهمَا وَكَذَا ابْنه عبد الرَّحْمَن بن الْأسود سَافر ثَمَانِينَ حجَّة وَعمرَة وَلم يجمع بَينهمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة كَانَ يَقُول فِي تلبيته لبيْك أَنا الْحَاج ابْن الْحَاج وَكَانَ يُصَلِّي كل يَوْم سَبْعمِائة رَكْعَة وَصَارَ عظما وجلدا وَكَانُوا يسمون آل الْأسود أهل الْجنَّة مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين روى لَهُ الْجَمَاعَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ الْأسود جمَاعَة غير هَذَا مِنْهُم الْأسود بن عَامر شَاذان.
(بَيَان لطائف إِسْنَاده) وَمِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته إِلَى الْأسود كوفيون. وَمِنْهَا أَن فِيهِ صحابيين والْحَدِيث دائر بَينهمَا (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج وَفِي التَّمَنِّي عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص. وَمُسلم فِي الْحَج عَن سعيد بن مَنْصُور عَن أبي الْأَحْوَص وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن شَيبَان كِلَاهُمَا عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء عَن الْأسود عَن عَائِشَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث عُرْوَة وَحَدِيث عبد الله بن الزبير وَفِيه سَمِعت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِيمَا انْفَرد بِهِ أَن عبد الْملك بن مَرْوَان بَيْنَمَا هُوَ يطوف بِالْبَيْتِ قَالَ قَاتل الله ابْن الزبير حَيْثُ يكذب على أم الْمُؤمنِينَ يَقُول سَمعتهَا تَقول قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا عَائِشَة لَوْلَا حدثان قَوْمك بالْكفْر لنقضت الْبَيْت حَتَّى أَزِيد فِيهِ من الْحجر فَإِن قَوْمك اقتصروا فِي الْبناء فَقَالَ الْحَارِث بن عبد الله ابْن أبي ربيعَة لَا تقل هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي سَمعتهَا تحدث بِهَذَا قَالَ لَو كنت سمعته قبل أَن أهدمه لتركته على بِنَاء ابْن الزبير (بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب) قَوْله تسر من الْإِسْرَار خلاف الإعلان فَإِن قلت قَوْله كَانَت للماضي وتسر للمضارع فَكيف اجْتمعَا قلت تسر بِمَعْنى أسررت وَذكر بِلَفْظ الْمُضَارع استحضارا لصورة الْإِسْرَار وَهُوَ جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا خبر كَانَت قَوْله كثيرا نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف اي إسرارا كثيرا قَوْله مَا حدثتك كلمة مَا استفهامية فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وحدثتك جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي فِيهِ الرَّاجِع إِلَى عَائِشَة وَالْمَفْعُول هُوَ الْكَاف وَهِي أَيْضا فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر الْمُبْتَدَأ قَوْله فِي الْكَعْبَة أَي فِي شَأْن الْكَعْبَة واشتقاقها من الكعوب وَهُوَ النُّشُوز وَهِي أَيْضا نَاشِرَة من الأَرْض وَقَالَ الْجَوْهَرِي سميت بذلك لتربيعها يُقَال برد مكعب أَي فِيهِ وشى مربع قَوْله قلت قائلة الْأسود وَقَوله قَالَت لي مقول القَوْل قَوْله لَوْلَا قَوْمك كلمة لَوْلَا هَهُنَا لربط امْتنَاع الثَّانِيَة بِوُجُود الأولى نَحْو لَوْلَا زيد لأكرمتك أَي لَوْلَا زيد مَوْجُود لأكرمتك وَقَوله قَوْمك كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَقَوله حَدِيث عَهدهم خبر الْمُبْتَدَأ فَإِن قلت قَالَت النُّحَاة يجب كَون خبر لَوْلَا كونا مُطلقًا محذوفا فَمَا باله هَهُنَا لم يحذف قلت إِنَّمَا يجب الْحَذف إِذا كَانَ الْخَبَر عَاما وَإِمَّا إِذا كَانَ خَاصّا فَلَا يجب حذفه قَالَ الشَّاعِر (وَلَوْلَا الشّعْر بالعلماء يزري ... لَكُنْت الْيَوْم أشعر من لبيد) وَقَوله حَدِيث بِالتَّنْوِينِ وَعَهْدهمْ كَلَام إضافي مَرْفُوع بِإِسْنَاد حَدِيث إِلَيْهِ لِأَن حَدِيثا صفة مشبهة وَهُوَ أَيْضا يعْمل عمل فعله وَفِي بعض النّسخ لَوْلَا أَن قَوْمك بِزِيَادَة أَن وَلَيْسَ بِمَشْهُور قَوْله قَالَ ابْن الزبير جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل قَوْله بِكفْر يتَعَلَّق بقوله حَدِيث عَهدهم وَلكنه من كَلَام ابْن الزبير قَوْله لنقضت الْكَعْبَة جَوَاب لَوْلَا قَوْله فَجعلت عطف على نقضت قَوْله بَاب يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا النصب على أَنه بدل أَو بَيَان لبابين وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْآخر رفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره أَحدهمَا بَاب قَوْله يدْخل النَّاس جملَة وَقعت صفة لباب وَضمير الْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره يدْخلهُ النَّاس وَفِي بعض النّسخ يدْخل النَّاس مِنْهُ فعلى هَذَا لَا يقدر شَيْء وَكَذَا يخرجُون مِنْهُ فِي بعض النّسخ. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله قَالَ ابْن الزبير وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ فَقَالَ ابْن الزبير بِكفْر أَرَادَ أَنه أذكرهُ ابْن الزبير بقولِهَا بِكفْر كَأَن الْأسود نسي ذَلِك وَأما مَا بعْدهَا وَهُوَ قَوْله لنقضت إِلَى آخِره فَيحْتَمل أَن يكون مِمَّا نسي أَيْضا أَو مِمَّا ذكر وَقد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود بِتَمَامِهِ إِلَّا قَوْله بِكفْر فَقَالَ بدلهَا بجاهلية وَكَذَا البُخَارِيّ فِي الْحَج من طَرِيق أُخْرَى عَن الْأسود وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق وَلَفظه قلت حَدَّثتنِي حَدِيثا حفظت أَوله ونسيت آخِره ورجحها الْإِسْمَاعِيلِيّ على رِوَايَة إِسْرَائِيل وعَلى قَوْله يكون فِي رِوَايَة شُعْبَة أدراج وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي قَوْله قَالَ ابْن الزبير فَإِن قلت هَذَا الْكَلَام لَا دخل لَهُ فِي الْبَيَان لصِحَّة أَن يُقَال لَوْلَا قَوْمك حَدِيث عَهدهم بِكفْر لنقضت بل ذكره مخل لعدم انضباط الْكَلَام مَعَه قلت لَيْسَ مخلا إِذْ غَرَض الْأسود إِنِّي كَمَا وصلت إِلَى لفظ عَهدهم فسر ابْن الزبير الحداثة بالحداثة إِلَى الْكفْر فَيكون لفظ بِكفْر فَقَط من كَلَام ابْن الزبير وَالْبَاقِي
باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا
من تَتِمَّة الحَدِيث أَو غَرَضه أَنِّي لما رويت أول الحَدِيث بَادر ابْن الزبير إِلَى رِوَايَة آخِره إشعارا بِأَن الحَدِيث مَعْلُوم لَهُ أَيْضا أَو أَن الْأسود أَشَارَ إِلَى أول الحَدِيث كَمَا يُقَال قَرَأت {الم ذَلِك الْكتاب} وَأَرَادَ بِهِ السُّورَة بِتَمَامِهَا فَبين ابْن الزبير أَن آخِره ذَلِك قلت هَذِه ثَلَاثَة أجوبة وَلَيْسَ الصَّوَاب مِنْهَا إِلَّا الْجَواب الثَّانِي لِأَن عبد الله بن الزبير روى الحَدِيث أَيْضا عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا ثمَّ قَالَ أَيْضا فَإِن قلت فالقدر الَّذِي ذكره ابْن الزبير هَل هُوَ مَوْقُوف عَلَيْهِ قلت اللَّفْظ يَقْتَضِي الْوُقُوف إِذْ لم يسْندهُ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكِن السِّيَاق يدل على أَنه مَرْفُوع وَالرِّوَايَات الْأُخَر أَيْضا دَالَّة على رَفعه قلت من علم أَن ابْن الزبير أَيْضا روى هَذَا الحَدِيث عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى جَوَابه قَوْله فَفعله ابْن الزبير أَي فعل الْمَذْكُور من النَّقْض وَجعل الْبَابَيْنِ قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين قَالُوا بني الْبَيْت خمس مَرَّات بنته الْمَلَائِكَة ثمَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة وَحضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الْبناء وَهُوَ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ وَقيل خمس وَعشْرين وَفِيه سقط على الأَرْض حِين رفع إزَاره ثمَّ بناه ابْن الزبير ثمَّ بناه حجاج بن يُوسُف وَاسْتمرّ. ويروى أَن هَارُون سَأَلَ مَالِكًا عَن هدمها وردهَا إِلَى بِنَاء ابْن الزبير للأحاديث الْمَذْكُورَة فَقَالَ مَالك نشدتك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا تجْعَل هَذَا الْبَيْت لعبة للملوك لَا يَشَاء أحد إِلَّا نقضه وبناه فتذهب هيبته من صُدُور النَّاس انْتهى قلت بنته الْمَلَائِكَة أَولا ثمَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ العمالقة ثمَّ جرهم ثمَّ قُرَيْش وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ رجل شَاب ثمَّ ابْن الزبير ثمَّ حجاج (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَنه قد يتْرك يسير من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ إِذا خشِي مِنْهُ أَن يكون سَببا لفتنة قوم ينكرونه. الثَّانِي فِيهِ أَن النُّفُوس تحب أَن تساس كلهَا لما تأنس إِلَيْهِ فِي دين الله من غير الْفَرَائِض. الثَّالِث قَالَ النَّوَوِيّ فِيهِ أَنه إِذا تَعَارَضَت مصلحَة ومفسدة وَتعذر الْجمع بَين فعل الْمصلحَة وَترك الْمفْسدَة بَدَأَ بالأهم لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر أَن رد الْكَعْبَة إِلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مصلحَة وَلَكِن يُعَارضهُ مفْسدَة أعظم مِنْهُ وَهِي خوف فتْنَة بعض من أسلم قَرِيبا لما كَانُوا يرَوْنَ تغييرها عَظِيما فَتَركهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِع فِيهِ فكر ولي الْأَمر فِي مصَالح رَعيته وَاجْتنَاب مَا يخَاف مِنْهُ تولد ضَرَر عَلَيْهِم فِي دين أَو دنيا إِلَّا الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كأخذ الزَّكَاة وَإِقَامَة الْحَد الْخَامِس فِيهِ تأليف قُلُوبهم وَحسن حياطتهم وَأَن لَا ينفروا وَلَا يتَعَرَّض لما يخَاف تنفيرهم بِسَبَبِهِ مَا لم يكن فِيهِ ترك أَمر شَرْعِي السَّادِس اسْتدلَّ بِهِ أَبُو مُحَمَّد الْأصيلِيّ مِنْهُ فِي مسَائِل من النِّكَاح فِي جَارِيَة يتيمة غنية كَانَ لَهَا ابْن عَم وَكَانَ فِيهِ ميل إِلَى الصباء فَخَطب ابنت عَمه وخطبها رجل غَنِي فَمَال إِلَيْهِ الْوَصِيّ وَكَانَت الْيَتِيمَة تحب ابْن عَمها ويحبها فَأبى وصيها أَن يُزَوّجهَا مِنْهُ وَرفع ذَلِك إِلَى القَاضِي وشاور فُقَهَاء بَلَده فكلهم أفتى أَن لَا يُزَوّج ابْن عَمها وَأفْتى الْأصيلِيّ أَن تزوج مِنْهُ خشيَة أَن يقعا فِي الْمَكْرُوه اسْتِدْلَالا بِهَذَا الحَدِيث فزوجت مِنْهُ (بَاب من خص بِالْعلمِ قوما دون قوم كَرَاهِيَة أَن لَا يفهموا) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من خص وَكلمَة من مَوْصُولَة وَقَوله دون قوم بِمَعْنى غير قوم قَوْله كَرَاهِيَة بِالنّصب على التَّعْلِيل مُضَاف إِلَى قَوْله أَن لَا يفهموا وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير لأجل كَرَاهِيَة عدم فهم الْقَوْم الَّذين هم غير الْقَوْم الَّذين خصهم بِالْعلمِ والكراهية بتَخْفِيف الْيَاء مصدر الْكَرَاهَة من كره الشَّيْء يكرههُ كَرَاهَة وكراهية. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن فِي الْبَاب الأول ترك بعض الْمُخْتَار مَخَافَة قُصُور فهم بعض النَّاس وَهَهُنَا أَيْضا ترك بعض النَّاس من التَّخْصِيص بِالْعلمِ لقُصُور فهمهم والترجمتان متقاربتان غير أَن الأولى فِي الْأَفْعَال وَهَذِه فِي الْأَقْوَال (وَقَالَ عَليّ حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أتحبون أَن يكذب الله وَرَسُوله) أَي عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ كَذَا وَقع هَذَا الْأَثر مُبْتَدأ بِهِ بِصُورَة التَّعْلِيق فِي أصل الْهَرَوِيّ والدمياطي ثمَّ عقب بِالْإِسْنَادِ وَسقط كُله فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني قَوْله حدثوا بِصِيغَة الْأَمر أَي كلموا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أَي بِمَا يفهمون وَالْمرَاد كلموهم على قدر عُقُولهمْ وَفِي كتاب الْعلم لآدَم بن أبي إِيَاس عَن عبد الله بن دَاوُد عَن مَعْرُوف فِي آخِره
ودعوا مَا يُنكرُونَ أَي مَا يشْتَبه عَلَيْهِم فهمه وَفِيه دَلِيل على أَن الْمُتَشَابه لَا يَنْبَغِي أَن يذكر عِنْد الْعَامَّة وَمثله قَوْله ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ ذكره مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه بِسَنَد صَحِيح قَالَ مَا أَنْت بمحدث قوما حَدِيثا لَا يبلغهُ عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ لبَعْضهِم فتْنَة قَوْله أتحبون الْهمزَة للاستفهام وتحبون بِالْخِطَابِ قَوْله أَن يكذب بِصِيغَة الْمَجْهُول وَذَلِكَ لِأَن الشَّخْص إِذا سمع مَا لَا يفهمهُ وَمَا لَا يتَصَوَّر إِمْكَانه يعْتَقد استحالته جهلا فَلَا يصدق وجوده فَإِذا أسْند إِلَى الله وَرَسُوله يلْزم تكذيبهما حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ بذلك أَي حَدثنَا بالأثر الْمَذْكُور عَن عَليّ عبيد الله بن مُوسَى بن باذام عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة وَقد روى بَعضهم بِضَم الْخَاء الْمَكِّيّ مولى قُرَيْش قَالَ يحيى بن معِين ضَعِيف وَقَالَ أَبُو حَاتِم يكْتب حَدِيثه وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سواهُ وَأخرج لَهُ مُسلم حَدِيثا فِي الْحَج وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَهُوَ يروي عَن أبي الطُّفَيْل بِضَم الطَّاء وَفتح الْفَاء عَامر بن وَاثِلَة وَقيل عَمْرو بن وَاثِلَة بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الله بن عَمْرو بن جحش بن جرير بن سعد بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ ولد عَام أحد كَانَ يسكن الْكُوفَة ثمَّ انْتقل إِلَى مَكَّة وَعَن سعيد الْجريرِي عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ لَا يحدثك أحد الْيَوْم على وَجه الأَرْض أَنه رأى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام غَيْرِي وَكَانَ من أَصْحَاب عَليّ المحبين لَهُ وَشهد مَعَه مشاهده كلهَا وَكَانَ ثِقَة ثِقَة مَأْمُونا يعْتَرف بِفضل أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وروى لَهُ عَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تِسْعَة أَحَادِيث وَهُوَ آخر من مَاتَ من أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على الْإِطْلَاق أخرج لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الْأَثر خَاصَّة عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَأخرج لَهُ مُسلم فِي الْحَج وَصفَة النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَعَن معَاذ وَعمر وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة وَغَيرهم سكن الْكُوفَة ثمَّ أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا سنة عشر وَمِائَة وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي كتاب الكنى لَهُ كَانَ من كبار التَّابِعين وَكَانَ صَاحب بلاغة وَبَيَان شَاعِرًا محسنا ثِقَة فَاضلا بليغا عَاقِلا إِلَّا أَنه كَانَ فِيهِ تشيع وَذكر ابْن دُرَيْد فِي كتاب الِاشْتِقَاق الْكَبِير عَن عكراش بن ذُؤَيْب قَالَ لَقِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَله حَدِيث وَشهد الْجمل مَعَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَقَالَ الْأَحْنَف كأنكم بِهِ وَقد أُتِي بِهِ قَتِيلا وَبِه جِرَاحَة لَا تُفَارِقهُ حَتَّى يَمُوت فَضرب يَوْمئِذٍ ضَرْبَة على أَنفه فَعَاشَ بعْدهَا مائَة سنة وَأثر الضَّرْبَة بِهِ فعلى هَذَا تكون وَفَاته بعد سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَوَقع فِي بعض النّسخ حَدثنَا عبد الله هُوَ ابْن مُوسَى عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ بذلك أَي بالأثر الْمَذْكُور وَهَذَا الْإِسْنَاد من عوالي البُخَارِيّ لِأَنَّهُ مُلْحق بالثلاثيات من حَيْثُ أَن الرَّاوِي الثَّالِث مِنْهُ صَحَابِيّ وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْل الْمَذْكُور وعَلى قَول من يَقُول أَنه تَابِعِيّ لَيْسَ مِنْهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لم أخر الْإِسْنَاد عَن ذكر الْمَتْن قلت إِمَّا للْفرق بَين طَريقَة إِسْنَاد الحَدِيث وَإسْنَاد الْأَثر وَإِمَّا لِأَن المُرَاد ذكر الْمَتْن دَاخِلا تَحت تَرْجَمَة الْبَاب وَأما لضعف فِي الْإِسْنَاد بِسَبَب ابْن خَرَّبُوذ وَإِمَّا للتفنن وَبَيَان جَوَاز الْأَمريْنِ بِلَا تفَاوت فِي الْمَقْصُود وَلِهَذَا وَقع فِي بعض النّسخ مقدما على الْمَتْن قلت وَإِمَّا لِأَنَّهُ لم يظفر بِالْإِسْنَادِ إِلَّا بعد وضع الْأَثر مُعَلّقا وَهَذَا أقرب من كل مَا ذكره وأبعده جَوَابه الأول لعدم اطراده والأبعد من الْكل جَوَابه الْأَخير على مَا لَا يخفى 67 - (حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا معَاذ بن هَاشم قَالَ حَدثنِي أبي عَن قَتَادَة قَالَ حَدثنَا أنس بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ رديفه على الرحل قَالَ يَا معَاذ بن جبل قَالَ لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك قَالَ يَا معَاذ قَالَ لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك ثَلَاثًا قَالَ مَا من أحد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صدقا من قلبه إِلَّا حرمه الله على النَّار قَالَ يَا رَسُول الله أَفلا أخبر بِهِ النَّاس فيستبشروا قَالَ إِذا يتكلوا وَأخْبر بهَا معَاذ عِنْد مَوته تأثما) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خص معَاذًا بِهَذِهِ الْبشَارَة الْعَظِيمَة دون قوم آخَرين مَخَافَة أَن يقصروا فِي الْعَمَل متكلين على هَذِه الْبشَارَة فَإِن قلت تَرْجَمَة الْبَاب لتخصيص قوم وَمَا فِي الحَدِيث دلّ على تَخْصِيص شخص وَاحِد وَهُوَ معَاذ قلت الْمَقْصُود جَوَاز التَّخْصِيص إِمَّا بشخص وَإِمَّا بِأَكْثَرَ أما أَمر اخْتِلَاف الْعبارَة فسهل أَو نقُول
لَيْسَ هَهُنَا مَخْصُوصًا بشخص لِأَن أنسا أَيْضا سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَأَقل اسْم الْجمع اثْنَان أَو معَاذ كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ وَقيل لَهُ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا فَقَالَ إِنَّا كُنَّا نشبه معَاذًا بإبراهيم عَلَيْهِ السَّلَام (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه وَتقدم ذكره فِي بَاب فضل من علم وَعلم الثَّانِي معَاذ بِضَم الْمِيم ابْن هِشَام بِكَسْر الْهَاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة ابْن أبي عبد الله الدستوَائي بِالْهَمْزَةِ وَقيل بالنُّون وَقيل بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْبَصْرِيّ روى عَن أَبِيه وَابْن عون وَعنهُ أَحْمد وَغَيره قَالَ ابْن معِين صَدُوق وَلَيْسَ بِحجَّة وَعنهُ ثِقَة ثِقَة وَعَن ابْن عدي رُبمَا يغلط فِي الشَّيْء وَأَرْجُو أَنه صَدُوق مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة مِائَتَيْنِ الثَّالِث أَبوهُ تقدم فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه الرَّابِع قَتَادَة بن دعامة الْخَامِس أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والإفراد وَفِيه الْإِخْبَار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته بصريون مَا خلا إِسْحَاق وَهُوَ أَيْضا دخل الْبَصْرَة وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن إِسْحَق بن مَنْصُور عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله رديفه أَي رَاكب خَلفه قَالَ ابْن سَيّده ردف الرجل وأردفه وارتدفه جعله خَلفه على الدَّابَّة ورديفك الَّذين يرادفك وَالْجمع ردفاء وردافى والردف الرَّاكِب خَلفك والرداف مَوضِع مركب الرديف وَفِي الصِّحَاح كل شَيْء تبع شَيْئا فَهُوَ ردفه وَفِي مجمع الغرائب ردفته أَي ركبت خَلفه وأردفته أركبته خَلْفي وَفِي الْجَامِع للقزاز أنكر بَعضهم الرديف وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ الردف وَحكى ردفت الرجل وأردفته إِذا ركبت وَرَاءه وَإِذا جِئْت بعده وأرداف الْمُلُوك فِي الْجَاهِلِيَّة هم الَّذين كَانُوا يخلفون الْمُلُوك كالوزراء وَعند ابْن حبيب يركب مَعَ الْملك عديله أَو خَلفه وَإِذا قَامَ الْملك جلس مَكَانَهُ وَإِذا سقِِي الْملك سقِِي بعده وَقد جمع ابْن مَنْدَه أرداف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبلغوا نيفا وَثَلَاثِينَ ردفا قَوْله على الرحل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ للبعير وَهُوَ أَصْغَر من القتب وَلَكِن معَاذًا رَضِي الله عَنهُ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالة رديفه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على حمَار كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي الْعباب الرحل رَحل الْبَعِير وَهُوَ أَصْغَر من القتب وَهُوَ من مراكب الرِّجَال دون النِّسَاء وَثَلَاثَة أرحل وَالْكثير رحال ورحلت الْبَعِير أرحله رحلا إِذا شددت على ظَهره رحلا والقتب بِالتَّحْرِيكِ رَحل صَغِير على قدر السنام قَوْله لبيْك بِفَتْح اللَّام تَثْنِيَة لب وَمَعْنَاهُ الْإِجَابَة وَقَالَ الْخَلِيل لب بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ حَكَاهُ عَنهُ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ الْفراء وَمِنْه قَوْلهم لبيْك أَي أَنا مُقيم على طَاعَتك وَكَانَ حَقه أَن يُقَال لبالك فَثنى على معنى التَّأْكِيد أَي إلبابا لَك بعد إلباب وَإِقَامَة بعد إِقَامَة قَالَ الْخَلِيل هَذَا من قَوْلهم دَار فلَان تلب دَاري أَي تحاذيها أَي مواجهك بِمَا تحب إِجَابَة لَك وَالْيَاء للتثنية وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي لبيْك أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا إجَابَتِي لَك مَأْخُوذ من لب بِالْمَكَانِ وألب بِهِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَقَالُوا لبيْك فثنوا لأَنهم أَرَادوا إِجَابَة بعد إِجَابَة كَمَا قَالُوا حنانيك أَي رَحْمَة بعد رَحْمَة وَقَالَ بعض النَّحْوِيين أصل لبيْك لبيْك فاستثقل الْجمع بَين ثَلَاث باآت فأبدلوا من الثَّالِثَة بَاء كَمَا قَالُوا تظنيت أَصله تظننت وَالثَّانِي اتجاهي يَا رب وقصدي لَك فَثنى للتَّأْكِيد أخذا من قَوْلهم دَاري تلب دَارك أَي تواجهها وَالثَّالِث محبتي لَك يَا رب من قَول الْعَرَب امْرَأَة لبة إِذا كَانَت محبَّة لولدها عاطفة عَلَيْهِ وَالرَّابِع إخلاصي لَك يَا رب من قَوْلهم حسب لباب إِذا كَانَ خَالِصا مَحْضا وَمن ذَلِك لب الطَّعَام ولبابه قَوْله وَسَعْديك بِفَتْح السِّين تَثْنِيَة سعد وَالْمعْنَى إسعادا بعد إسعاد أَي أَنا مسعد طَاعَتك إسعادا بعد إسعاد فَثنى للتَّأْكِيد كَمَا فِي لبيْك قَوْله يتكلوا بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الاتكال وَهُوَ الِاعْتِمَاد وَأَصله الاوتكال لِأَنَّهُ من وكل أمره إِلَى آخر فقلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والكشميهني يتكلوا بِسُكُون النُّون من النّكُول وَهُوَ الِامْتِنَاع يَعْنِي يمتنعوا عَن الْعَمَل اعْتِمَادًا على مُجَرّد القَوْل بِلَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَة ينكلُوا بالنُّون من النكال قلت لَيْسَ بِصَحِيح وَإِنَّمَا هُوَ من النّكُول كَمَا ذَكرْنَاهُ والنكال الْعقُوبَة الَّتِي تنكل النَّاس عَن فعل مَا جعلت لَهُ جَزَاء وَقَالَ تَعَالَى {فجعلناها نكالا} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَي جعلنَا المسخة عِبْرَة تنكل من اعْتبر بهَا أَي تَمنعهُ وَمِنْه النكل للقيد النكل بِكَسْر النُّون قَوْله تأثما بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق والهمزة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي تجنبا عَن الْإِثْم يُقَال تأثم فلَان إِذا فعل فعلا خرج بِهِ عَن الْإِثْم وَالْإِثْم الَّذِي يخرج بِهِ كتمان مَا أَمر
الله بتبليغه حَيْثُ قَالَ {وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه} وَقَالَ الْجَوْهَرِي تأثم أَي تحرج عَنهُ وكف قلت هَذَا من بَاب تفعل وَله معَان مِنْهَا التجنب يَعْنِي ليدل على أَن الْفَاعِل جَانب أصل الْفِعْل نَحْو تأثم وتحرج أَي جَانب الْإِثْم والحرج (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله ومعاذ بِالرَّفْع مُبْتَدأ أَو رَدِيف خَبره أَو الْجُمْلَة حَال قَوْله على الرحل حَال أَيْضا قَوْله قَالَ يَا معَاذ فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر إِن أَعنِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَا معَاذ بن جبل يجوز فِي معَاذ وَجْهَان من الْإِعْرَاب أَحدهمَا النصب على أَنه مَعَ مَا بعده كاسم وَاحِد مركب والمنادى الْمُضَاف مَنْصُوب وَالْآخر الرّفْع على أَنه منادى مُفْرد علم وَأما ابْن فَهُوَ مَنْصُوب بِلَا خلاف وَاخْتَارَ ابْن الْحَاجِب النصب فِي معَاذ وَقَالَ ابْن مَالك الِاخْتِيَار فِيهِ الضَّم لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى اعتذار وَقَالَ ابْن التِّين يجوز النصب على أَن قَوْله معَاذ زَائِد فالتقدير يَابْنَ جبل وَفِيه مَا فِيهِ قَوْله لبيْك من المصادر الَّتِي يجب حذف فعلهَا ونصبها وَكَانَ حَقه أَن يُقَال لبالك كَمَا ذكرنَا وَلكنه ثنى على معنى التَّأْكِيد وَكَذَا قَوْله وَسَعْديك مثله وَقَالَ الْأَزْهَرِي معنى لبيْك أَنا مُقيم على طَاعَتك إِقَامَة بعد إِقَامَة أَصْلهَا لبين فحذفت النُّون للإضافة قَالَ الْفراء نصب على المصدرية وَقَالَ ابْن السّكيت كَقَوْلِك حمدا وشكرا قَوْله ثَلَاثًا يتَعَلَّق بقول كل وَاحِد من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ أَي ثَلَاث مَرَّات يَعْنِي النداء والإجابة قيلا ثَلَاثًا وَصرح بذلك من رِوَايَة مُسلم وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا معَاذ ثَلَاث مَرَّات وَقَالَ معَاذ لبيْك ثَلَاث مَرَّات فَيكون من بَاب تنَازع العاملين قلت لَا معنى لذكر الِاحْتِمَال بل الْمَعْنى على مَا ذكرنَا وَأَرَادَ بتنازع لفظ قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَعنِي قَوْله قَالَ يَا معَاذ وَقَوله قَالَ لبيْك فَإِن كلا مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْعَمَل فِي ثَلَاثًا قَوْله مَا من أحد كلمة مَا للنَّفْي وَكلمَة من زَائِدَة لتأكيد النَّفْي وَاحِد اسْم مَا وَيشْهد خَبَرهَا وَكلمَة أَن مفسرة قَوْله صدقا يجوز فِي انتصابه وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون حَالا بِمَعْنى صَادِقا وَالْآخر أَن يكون صفة مصدر مَحْذُوف أَي شَهَادَة صدقا قَوْله من قلبه يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله صدقا فالشهادة لفظية وَيجوز أَن يتَعَلَّق بقوله يشْهد فالشهادة قلبية قَوْله إِلَّا حرمه الله اسْتثِْنَاء من أَعم عَام الصِّفَات أَي مَا أحد يشْهد كَائِنا بِصفة التَّحْرِيم قَوْله أَفلا أخبر الْهمزَة للاستفهام ومعطوف الْفَاء مَحْذُوف تَقْدِيره أقلت ذَلِك فَلَا أخبر وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا قيل أَن الْهمزَة تَقْتَضِي الصدارة وَالْفَاء تَقْتَضِي عدم الصدارة فَمَا وَجه جَمعهمَا وَاعْلَم أَن همزَة الِاسْتِفْهَام إِذا كَانَت فِي جملَة معطوفة بِالْوَاو أَو بِالْفَاءِ أَو بثم قدمت على العاطف تَنْبِيها على أصالتها فِي التصدر نَحْو {أولم ينْظرُوا} {أفلم يَسِيرُوا} {أَثم إِذا مَا وَقع آمنتم بِهِ} وَأَخَوَاتهَا وتتأخر عَن حُرُوف الْعَطف كَمَا هُوَ قِيَاس جَمِيع أَجزَاء الْكَلِمَة المعطوفة نَحْو {وَكَيف تكفرون} {فَأَيْنَ تذهبون} {فَأنى تؤفكون} {فَهَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الْفَاسِقُونَ} {فَأَي الْفَرِيقَيْنِ} {فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين} هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور قَوْله النَّاس بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول أخبر قَوْله فيستبشروا بِحَذْف النُّون لِأَن الْفِعْل ينصب بعد الْفَاء المجاب بهَا بعد النَّفْي والاستفهام وَالْعرض وَالتَّقْدِير فَإِن يستبشروا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر يستبشرون بِإِثْبَات النُّون وَالتَّقْدِير فهم يستبشرون قَوْله إِذا جَوَاب وَجَزَاء أَي إِن أَخْبَرتهم يتكلوا كَأَنَّهُ قَالَ لَا تخبرهم لأَنهم حِينَئِذٍ يتكلون على الشَّهَادَة الْمُجَرَّدَة فَلَا يشتغلون بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة قَوْله تأثما نصب على أَنه مفعول لَهُ أَي مَخَافَة التأثم (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله ومعاذ هُوَ معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ قَوْله صدقا من قلبه احْتَرز بِهِ عَن شَهَادَة الْمُنَافِقين وَقَالَ بَعضهم الصدْق كَمَا يعبر بِهِ قولا عَن مُطَابقَة القَوْل الْمخبر عَنهُ قد يعبر بِهِ فعلا عَن تحري الْأَفْعَال الْكَامِلَة قَالَ الله تَعَالَى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ} أَي حقق مَا أوردهُ قولا بِمَا تحراه فعلا قلت أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى أَيْضا الطَّيِّبِيّ حَيْثُ قَالَ قَوْله صدقا هُنَا أقيم مقَام الاسْتقَامَة وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى دفع مَا قيل فِي أَن ظَاهر الْخَبَر يَقْتَضِي عدم دُخُول جَمِيع من شهد الشَّهَادَتَيْنِ النَّار لما فِيهِ من التَّعْمِيم والتأكيد وَذَلِكَ لِأَن الْأَدِلَّة القطعية قد دلّت عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن طَائِفَة من عصاة الْمُوَحِّدين يُعَذبُونَ ثمَّ يخرجُون من النَّار بالشفاعة قَالَ الطَّيِّبِيّ وَلأَجل خَفَاء ذَلِك لم يُؤذن لِمعَاذ رَضِي الله عَنهُ فِي التبشير بِهِ وَقد أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة أُخْرَى مِنْهَا أَن هَذَا مُقَيّد بِمن يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ تَائِبًا ثمَّ مَاتَ على ذَلِك وَمِنْهَا أَنه أخرج مخرج الْغَالِب إِذْ الْغَالِب أَن الموحد يعْمل الطَّاعَة ويجتنب الْمعْصِيَة وَمِنْهَا أَن المُرَاد بِتَحْرِيمِهِ على النَّار تَحْرِيم خلوده فِيهَا لَا أصل دُخُوله فِيهَا وَمِنْهَا أَن
المُرَاد تَحْرِيم جملَته لِأَن النَّار لَا تَأْكُل مَوَاضِع السُّجُود من الْمُسلم وَكَذَا لِسَانه النَّاطِق بِالتَّوْحِيدِ وَمِنْهَا أَن ذَلِك لمن قَالَه الْكَلِمَة وَأدّى حَقّهَا وفريضتها وَهُوَ قَول الْحسن وَمِنْهَا مَا قيل أَن هَذَا كَانَ قبل نزُول الْفَرَائِض وَالْأَمر وَالنَّهْي وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَجَمَاعَة وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر لِأَن مثل هَذَا الحَدِيث وَقع لأبي هُرَيْرَة كَمَا رَوَاهُ مُسلم وصحبته مُتَأَخِّرَة عَن نزُول أَكثر الْفَرَائِض وَكَذَا ورد نَحوه من حَدِيث أبي مُوسَى رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل بِإِسْنَاد حسن وَكَانَ قدومه فِي السّنة الَّتِي قدم فِيهَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قلت فِي النّظر نظر لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو مُوسَى عَن أنس رَضِي الله عَنهُ كِلَاهُمَا قد روياه عَنهُ مَا رَوَاهُ قبل نزُول الْفَرَائِض وَوَقعت رِوَايَتهَا بعد نزُول أَكثر الْفَرَائِض قَوْله إِلَّا حرمه الله على النَّار معنى التَّحْرِيم الْمَنْع كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها} فَإِن قلت هَل فِي الْمَعْنى فرق بَين حرمه الله على النَّار وَحرم الله عَلَيْهِ النَّار قلت لَا اخْتِلَاف إِلَّا فِي المفهومين وَأما المعنيان فمتلازمان فَإِن قلت هَل تفَاوت بَين مَا فِي الحَدِيث وَمَا ورد فِي الْقُرْآن {حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة} قلت يحْتَمل أَن يُقَال النَّار منصرفة وَالْجنَّة منصرف مِنْهَا وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا هُوَ على المنصرف أنسب فروعي الْمُنَاسبَة قَوْله قَالَ إِذا يتكلوا قد قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ إِن أَخْبَرتهم يمتنعوا عَن الْعَمَل اعْتِمَادًا على الْكَلِمَة وروى الْبَزَّار من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي هَذِه الْقَضِيَّة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أذن لِمعَاذ رَضِي الله عَنهُ فِي التبشير فَلَقِيَهُ عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ لَا تعجل ثمَّ دخل فَقَالَ يَا نَبِي الله أَنْت أفضل رَأيا أَن النَّاس إِذا سمعُوا ذَلِك اتكلوا عَلَيْهَا قَالَ فَرده فَرده وَهَذَا معدوده موافقات عمر رَضِي الله عَنهُ قلت فِيهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد بِحَضْرَتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله عِنْد مَوته أَي عِنْد موت معَاذ رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي الضَّمِير فِي مَوته يرجع إِلَى معَاذ وَإِن احْتمل أَن يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والعندية على هَذَا الِاحْتِمَال بِاعْتِبَار التَّأَخُّر عَن الْمَوْت وعَلى الأول أَي على مَا هُوَ الظَّاهِر بِاعْتِبَار التَّقَدُّم على الْمَوْت وَقَالَ بَعضهم أغرب الْكرْمَانِي فَقَالَ يحْتَمل أَن يرجع الضَّمِير إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت وَيَردهُ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِسَنَد صَحِيح عَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ أَخْبرنِي من شهد معَاذًا حِين حَضرته الْوَفَاة يَقُول سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا لم يَمْنعنِي أَن أحدثكموه إِلَّا مَخَافَة أَن يتكلوا فَذكر الحَدِيث انْتهى كَلَامه قلت الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يرد مَا قَالَه الْكرْمَانِي وَلَا يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أخبر بِهِ النَّاس عِنْد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والآخرين عِنْد موت نَفسه وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا ثمَّ إِن صَنِيع معَاذ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّهْي عَن التبشير كَانَ على التَّنْزِيه لَا على التَّحْرِيم وَإِلَّا لما كَانَ يخبر بِهِ أصلا وَقد قيل أَن النَّهْي كَانَ مُقَيّدا بالاتكال فَأخْبر بِهِ من لَا يخْشَى عَلَيْهِ ذَلِك وَبِهَذَا خرج الْجَواب عَمَّا قيل هَب أَنه تأثم من الكتمان فَكيف لَا يتأثم من مُخَالفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التبشير وَقيل أَن الْمَنْع لم يكن إِلَّا من الْعَوام لِأَنَّهُ من الْأَسْرَار الإلهية لَا يجوز كشفها إِلَّا للخواص خوفًا من أَن يسمع ذَلِك من لَا علم لَهُ فيتكل عَلَيْهِ وَلِهَذَا لم يخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا من أَمن عَلَيْهِ الاتكال من أهل الْمعرفَة وسلك معَاذ أَيْضا هَذَا المسلك حَيْثُ أخبر بِهِ من الْخَاص من رَآهُ أَهلا لذَلِك وَلَا يبعد أَيْضا أَن يُقَال نِدَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معَاذًا ثَلَاث مَرَّات كَانَ للتوقف فِي إفشاء هَذَا السِّرّ عَلَيْهِ أَيْضا وَقَالَ عِيَاض لَعَلَّ معَاذًا لم يفهم النَّهْي لَكِن كسر عزمه عَمَّا عرض لَهُ من تبشيرهم وَقَالَ بَعضهم الرِّوَايَة الْآتِيَة صَرِيحَة فِي النَّهْي قلت لَا نسلم أَن النَّهْي صَرِيح فِي الحَدِيث الْآتِي وَإِنَّمَا فهم النَّهْي من الْحَدِيثين كليهمَا بِدلَالَة النَّص وَهِي فحوى الْخطاب قَوْله وَأخْبر بهَا الخ مدرج من أنس رَضِي الله عَنهُ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ أَنه يجب أَن يخص بِالْعلمِ قوم فيهم الضَّبْط وَصِحَّة الْفَهم وَلَا يبْذل الْمَعْنى اللَّطِيف لمن لَا يستأهله من الطّلبَة وَمن يخَاف عَلَيْهِ التَّرَخُّص والاتكال لتقصير فهمه الثَّانِي فِيهِ جَوَاز ركُوب الِاثْنَيْنِ على دَابَّة وَاحِدَة الثَّالِث فِيهِ منزلَة معَاذ رَضِي الله عَنهُ وعزته عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِع فِيهِ تكْرَار الْكَلَام لنكتة وَقصد معنى الْخَامِس فِيهِ جَوَاز الاستفسار من الإِمَام عَمَّا يتَرَدَّد فِيهِ واستئذانه فِي إِشَاعَة مَا يعلم بِهِ وَحده السَّادِس فِيهِ الْإِجَابَة بلبيك وَسَعْديك السَّابِع فِيهِ بِشَارَة عَظِيمَة للموحدين 68 - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا مُعْتَمر قَالَ سَمِعت أبي قَالَ سَمِعت أنسا قَالَ ذكر لي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِمعَاذ من لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا دخل الْجنَّة قَالَ أَلا أبشر النَّاس قَالَ لَا إِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي مُعْتَمر بن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ لم يكن من بني تيم وَإِنَّمَا كَانَ نازلا فيهم وَهُوَ مولى بني مرّة روى عَن أَبِيه وَمَنْصُور وَغَيرهمَا وَعنهُ ابْن مهْدي وَغَيره وَكَانَ ثِقَة صَدُوقًا رَأْسا فِي الْعلم وَالْعِبَادَة كأبيه ولد سنة سِتّ وَمِائَة وَمَات سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ وَيُقَال كَانَ أكبر من سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِسنة روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث أَبوهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَكَانَ ينزل فِي بني مرّة فَلَمَّا تكلم بِالْقدرِ أَخْرجُوهُ فَقبله بَنو تَمِيم وقدموه وَصَارَ إِمَامًا لَهُم قَالَ شُعْبَة مَا رَأَيْت أصدق من سُلَيْمَان كَانَ إِذا حدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تغير لَونه وَكَانَ من الْعباد الْمُجْتَهدين يُصَلِّي اللَّيْل كُله بِوضُوء الْعشَاء الْآخِرَة كَانَ هُوَ وَابْنه مُعْتَمر يدوران بِاللَّيْلِ فِي الْمَسَاجِد فيصليان فِي هَذَا الْمَسْجِد مرّة وَفِي ذَلِك أُخْرَى مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَكَانَ مائلا إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع مكررا وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم بصريون وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وَمِنْهَا أَنه من الرباعيات العوالي وَهَذَا حَدِيث لم يُخرجهُ غير البُخَارِيّ. (بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني) قَوْله قَالَ ذكر لي الضَّمِير فِي قَالَ يرجع إِلَى أنس وَهِي جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَقَوله ذكر على صِيغَة الْمَجْهُول وَلم يسم أنس من ذكر لَهُ ذَلِك رَوَاهُ عَن معَاذ رَضِي الله عَنهُ وَكَذَلِكَ جَابر بن عبد الله قَالَ أَخْبرنِي من شهد معَاذًا حِين حَضرته الْوَفَاة الحَدِيث كَمَا بَيناهُ عَن قريب وَلم يسم من ذكر لَهُ وَذَلِكَ لِأَن معَاذًا رَضِي الله عَنهُ إِنَّمَا حدث بِهِ عِنْد مَوته بِالشَّام وَجَابِر وَأنس حِينَئِذٍ كَانَا بِالْمَدِينَةِ وَلم يشهداه وَقد حضر فِي ذَلِك من معَاذ عَمْرو بن مَيْمُون الأودي أحد المخضرمين كَمَا سَيَأْتِي فِي كتاب الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة الصَّحَابِيّ أَنه سمع ذَلِك من معَاذًا أَيْضا فَيحْتَمل أَن يكون الذاكر لأنس رَضِي الله عَنهُ إِمَّا عَمْرو بن مَيْمُون وَإِمَّا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَالله أعلم وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لفظ ذكر يَقْتَضِي أَن يكون هَذَا تَعْلِيقا من أنس وَلما لم يكن الذاكر لَهُ مَعْلُوما كَانَ من بَاب الرِّوَايَة عَن الْمَجْهُول فَهَل هُوَ قَادِح فِي الحَدِيث قلت التَّعْلِيق لَا يُنَافِي الصِّحَّة إِذا كَانَ الْمَتْن ثَابتا من طَرِيق آخر وَكَذَا الْجَهَالَة إِذْ مَعْلُوم أَن أنسا لَا يروي إِلَّا عَن الْعدْل سَوَاء رَوَاهُ عَن الصَّحَابِيّ أَو غَيره فَفِي الْجُمْلَة يحْتَمل فِي المتابعات والشواهد مَا لَا يحْتَمل فِي الْأُصُول قلت هَذَا لَيْسَ بتعليق أصلا والذاكر لَهُ مَعْلُوم عِنْده غير أَنه أبهمه عِنْد رِوَايَته وَلَيْسَ ذَلِك قادحا فِي رِوَايَة الصَّحَابِيّ قَوْله من لَقِي الله مقول القَوْل وَكلمَة من مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَقَوله دخل الْجنَّة خَبره وَالْمعْنَى من لَقِي الْأَجَل الَّذِي قدره الله يَعْنِي الْمَوْت قَوْله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا جملَة وَقعت حَالا وَالْمعْنَى من مَاتَ حَال كَونه موحدا حِين الْمَوْت وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا قيل الْإِشْرَاك لَا يتَصَوَّر فِي الْقِيَامَة وَحقّ الظَّاهِر أَن يُقَال وَلم يُشْرك بِهِ أَي فِي الدُّنْيَا وَجَوَاب آخر أَن أَحْكَام الدُّنْيَا مستصحبة إِلَى الْآخِرَة فَإِذا لم يُشْرك فِي الدُّنْيَا عِنْد الِانْتِقَال إِلَى الْآخِرَة صدق أَنه لَا يُشْرك فِي الْآخِرَة فَإِن قلت التَّوْحِيد بِدُونِ إِثْبَات الرسَالَة كَيفَ يَنْفَعهُ فَلَا بُد من انضمام مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله قلت هُوَ مثل من تَوَضَّأ صحت صلَاته أَي عِنْد حُصُول شَرَائِط الصِّحَّة فَمَعْنَاه من لَقِي الله موحدا عِنْد الْإِيمَان بِسَائِر مَا يجب الْإِيمَان بِهِ أَو علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن من النَّاس من يعْتَقد أَن الْمُشرك أَيْضا يدْخل الْجنَّة فَقَالَ ردا لذَلِك الِاعْتِقَاد الْفَاسِد من لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا دخل الْجنَّة فَإِن قلت هَل يدْخل الْجنَّة وَإِن لم يعْمل عملا صَالحا قلت يدْخل وَإِن لم يعْمل إِمَّا قبل دُخُول النَّار وَإِمَّا بعده وَذَلِكَ بِمَشِيئَة الله تَعَالَى إِن شَاءَ عَفا عَنهُ وَإِن شَاءَ عذبه ثمَّ أدخلهُ الْجنَّة وَقَالَ بَعضهم قَوْله لَا يُشْرك بِهِ اقْتصر على نفي الْإِشْرَاك لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي التَّوْحِيد بالاقتضاء ويستدعي إِثْبَات الرسَالَة باللزوم إِذْ من كذب رسل الله فقد كذب الله وَمن كذب الله فَهُوَ مُشْرك قلت هَذَا تصور لَا يُوجد مَعَه التَّصْدِيق فَإِن أَرَادَ بالاقتضاء على اصْطِلَاح أهل الْأُصُول فَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفى وَإِن أَرَادَ بِهِ على اصْطِلَاح غير أهل الْأُصُول فَلم يذهب أحد مِنْهُم إِلَى هَذِه الْعبارَة فِي الدلالات وَقَوله أَيْضا وَمن كذب الله فَهُوَ مُشْرك لَيْسَ كَذَلِك فَإِن المكذب لَا يُقَال لَهُ إِلَّا كَافِر قَوْله قَالَ أَي معَاذ إِلَّا أبشر النَّاس أَي بذلك وَإِلَّا للتّنْبِيه وأبشر النَّاس جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول قَوْله قَالَ أَي النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا وَهَذِه رِوَايَة كَرِيمَة أَعنِي بِإِثْبَات إِنِّي وَفِي رِوَايَة غَيرهَا قَالَ لَا أَخَاف بِغَيْر إِنِّي فكلمة لَا للنَّهْي وَلَيْسَت دَاخِلَة على أَخَاف وَإِنَّمَا الْمَعْنى لَا تبشر ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ أَخَاف وَفِي رِوَايَة الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده عَن عبيد الله بن معَاذ عَن مُعْتَمر قَالَ لَا دعهم فليتنافسوا فِي الْأَعْمَال فَإِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا
باب الحياء في العلم
وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير إِنِّي أَخَاف اتكالهم على مُجَرّد الْكَلِمَة (بَاب الْحيَاء فِي الْعلم) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحيَاء فِي الْعلم وَالْحيَاء مَمْدُود وَهُوَ تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان عِنْد خوف مَا يعاب أَو يذم وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي فَإِن قلت مَا مُرَاده بِالْحَيَاءِ فِي الْعلم اسْتِعْمَاله فِيهِ أَو تَركه قلت مُرَاده كِلَاهُمَا وَلَكِن بِحَسب الْموضع فاستعماله مَطْلُوب فِي مَوضِع وَتَركه مَطْلُوب فِي مَوضِع فَالْأول هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِحَدِيث أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا وَحَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بالأثر الْمَرْوِيّ عَن مُجَاهِد وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا فالحياء فِي الْقسم الأول ممدوح وَفِي الثَّانِي مَذْمُوم وَلَكِن إِطْلَاق الْحيَاء على هَذَا الْقسم بطرِيق الْمجَاز لِأَنَّهُ لَيْسَ بحياء حَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ عجز وكسل وَسمي حَيَاء لشبهه بِالْحَيَاءِ الْحَقِيقِيّ فِي التّرْك فَافْهَم فَإِن قلت مَا الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت من حَيْثُ أَنه لما كَانَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق تَخْصِيص قوم دون قوم بِالْعلمِ لِمَعْنى ذكر فِيهِ ذكر هَذَا الْبَاب عَقِيبه تَنْبِيها على أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يستحي من السُّؤَال مِمَّا لَهُ فِيهِ حَاجَة زاعما أَن الْعلم مَخْصُوص بِقوم دون قوم بل عَلَيْهِ أَن يسْأَل عَن كل مَا لَا يُعلمهُ من أَمر دينه ودنياه (وَقَالَ مُجَاهِد لَا يتَعَلَّم الْعلم مستحي وَلَا مستكبر) مُطَابقَة هَذَا الْأَثر الَّذِي أخرجه مُعَلّقا على مُجَاهِد بن جبر التَّابِعِيّ الْكَبِير لترجمة الْبَاب فِي الْوَجْه الثَّانِي من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرناهما فِي الْحيَاء وَهُوَ الْوَجْه الَّذِي فِيهِ ترك الْحيَاء مَطْلُوب وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ قَوْله مستحي بِإِسْكَان الْحَاء وباليائين ثَانِيهمَا سَاكِنة من اسْتَحى يستحي فَهُوَ مستحي على وزن مستفعل وَيجوز فِيهِ مستحي بياء وَاحِدَة من اسْتَحى يستحي فَهُوَ مستحي على وزن مستفع وَيجوز مستح أَيْضا بِدُونِ الْيَاء على وزن مستف وَيكون الذَّاهِب فِيهِ عين الْفِعْل ولامه وفاؤه بَاقٍ وَكَذَلِكَ يُقَال فِي استحييت استحيت بياء وَاحِدَة فأعلوا الْيَاء الأولى وألقوا حركتها على الْحَاء قبلهَا استثقالا لما دخلت عَلَيْهِ الزَّوَائِد قَالَ سِيبَوَيْهٍ حذفت لالتقاء الساكنين لِأَن الْيَاء الأولى تقلب ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا قَالَ وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك حَيْثُ كثر فِي كَلَامهم وَقَالَ الْمَازرِيّ لم تحذف لالتقاء الساكنين لِأَنَّهَا لَو حذفت لذَلِك لردوها إِذا قَالُوا هُوَ يستحي ولقالوا يستحيي كَمَا قَالُوا يستبيع وَقَالَ الْأَخْفَش اسْتَحى بياء وَاحِدَة لُغَة تَمِيم وبيائين لُغَة أهل الْحجاز وَهُوَ الأَصْل لِأَن مَا كَانَ مَوضِع لامه مُعْتَلًّا لم يعلوا عينه أَلا ترى أَنهم قَالُوا أَحييت وحويت وَيَقُولُونَ قلت وبعت فيعلون الْعين لما لم تعتل اللَّام وَإِنَّمَا حذفوا الْيَاء لِكَثْرَة استعمالهم لهَذِهِ الْكَلِمَة كَمَا قَالُوا لَا أدر فِي لَا أَدْرِي قَوْله وَلَا مستكبر أَي مستعظم فِي نَفسه وَهُوَ الَّذِي يتعاظم ويستنكف أَن يتَعَلَّم الْعلم والاستكبار والتكبر هُوَ التعظم وللعلم آفَات فأعظمها الاستنكاف وثمرته الْجَهْل والذلة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَسُئِلَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ بِمَ حصلت الْعلم الْعَظِيم فَقَالَ مَا بخلت بالإفادة وَلَا استنكفت عَن الاستفادة (وَقَالَت عَائِشَة نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدّين) مُطَابقَة هَذَا الْأَثر الْمُعَلق أَيْضا مثل مُطَابقَة الْأَثر الْمَرْوِيّ عَن مُجَاهِد وَقَالَ الْكرْمَانِي وَقَالَت عطف على وَقَالَ مُجَاهِد وَيحْتَمل أَن يكون عطفا على لَا يتَعَلَّم فَيكون من مقول مُجَاهِد أَيْضا وَالأَصَح أَن مُجَاهدًا سمع من عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قلت هَذَا تعسف وَالصَّوَاب مَا قَالَه أَولا من أَنه عطف على قَالَ مُجَاهِد فَهَذَا من كَلَام مُجَاهِد وَهَذَا من كَلَام عَائِشَة وَلَيْسَ لأَحَدهمَا تعلق بِالْآخرِ وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عبيد الله بن معَاذ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يكن يمنعهن الْحيَاء أَن يسألن عَن الدّين ويتفقهن فِيهِ قَوْله نعم النِّسَاء كلمة نعم من أَفعَال الْمَدْح كَمَا أَن بئس من أَفعَال الذَّم وَهِي مَا وضع لإنشاء مدح أَو ذمّ وَشَرطهَا أَن يكون الْفَاعِل مُعَرفا بِاللَّامِ أَو مُضَافا إِلَى
الْمُعَرّف بهَا وهما فعلان بِدَلِيل جَوَاز اتِّصَال تَاء التَّأْنِيث الساكنة بهما فِي كل اللُّغَات وَيجوز حذفهَا وَإِن كَانَ الْفَاعِل مؤنثا حَقِيقِيًّا لِأَنَّهُ غير متصرف فَأشبه الْحَرْف وَمِنْه قَول عَائِشَة حَيْثُ قَالَت نعم النِّسَاء وَلم تقل نعمت النِّسَاء فارتفاع النِّسَاء على الفاعلية وارتفاع النِّسَاء الثَّانِيَة على أَنَّهَا مَخْصُوصَة بالمدح كَمَا فِي قَوْلك نعم الرجل زيد فَهُوَ مُبْتَدأ وَمَا قبله من الْجُمْلَة خَبره قَوْله الْحيَاء فَاعل لم يمنعهن قَوْله أَن يتفقهن تَقْدِيره عَن أَن يتفقهن وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير عَن التفقه فِي أُمُور الدّين وَالْمرَاد من نسَاء الْأَنْصَار نسَاء أهل الْمَدِينَة 69 - (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن زَيْنَب ابْنة أم سَلمَة عَن أم سَلمَة قَالَت جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن الله لَا يستحي من الْحق فَهَل على الْمَرْأَة من غسل إِذا احْتَلَمت قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا رَأَتْ المَاء فغطت أم سَلمَة تَعْنِي وَجههَا وَقَالَت يَا رَسُول الله وتحتلم الْمَرْأَة قَالَ نعم تربت يَمِينك فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْوَجْه الأول من وَجْهي الْحيَاء اللَّذين ذكرناهما فِي أول الْبَاب. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول مُحَمَّد بن سَلام بتَخْفِيف اللَّام على الْأَكْثَر البيكندي الثَّانِي أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير التَّيْمِيّ الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة الرَّابِع أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْخَامِس زَيْنَب بنت أم سَلمَة وَهِي زَيْنَب بنت عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي أبي سَلمَة ونسبت إِلَى الْأُم الَّتِي هِيَ أم الْمُؤمنِينَ بَيَانا لشرفها لِأَنَّهَا ربيبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإشعارا بِأَن رِوَايَتهَا عَن أمهَا وَاسْمهَا كَانَ برة فَغَيره النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى زَيْنَب وَكَانَت من أفقه نسَاء زمانها ولدتها أمهَا بِأَرْض الْحَبَشَة وقدمت بهَا وَهِي أُخْت عمر وَسَلَمَة ودرة روى لَهَا البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا وَمُسلم آخر مَاتَت سنة ثَلَاث وَسبعين وروى لَهَا الْجَمَاعَة السَّادِس أم سَلمَة زوج النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة وَقد تقدم ذكرهَا فِي بَاب الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الصحابية عَن الصحابية وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الْبِنْت عَن الْأُم. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَعِيل كِلَاهُمَا عَن مَالك وَفِيه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى وَفِي خلق آدم عَن زُهَيْر ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان كِلَاهُمَا عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطَّهَارَة عَن ابْن أبي عمر بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْعلم عَن شُعَيْب بن يُوسُف عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة من حَدِيث عَائِشَة عَن أَحْمد بن صَالح عَن عَنْبَسَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن أم سليم الْأَنْصَارِيَّة وَهِي أم أنس بن مَالك قَالَت قَالَ يَا رَسُول الله إِن الله لَا يستحي من الْحق الحَدِيث (بَيَان اللُّغَات) قَوْله لَا يستحي فِيهِ لُغَتَانِ أفصحهما بالياءين وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب مُسْتَوْفِي قَوْله من الْحق وَهُوَ ضد الْبَاطِل قَوْله من غسل بِضَم الْغَيْن وَهُوَ اسْم للْفِعْل الْمَشْهُور وبفتح الْغَيْن الْمصدر وَأما الْغسْل بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْم مَا يغسل بِهِ كالسدر وَنَحْوه وَفِي الْمُحكم غسل الشَّيْء يغسلهُ غسلا وغسلا وَقيل الْغسْل الْمصدر وَالْغسْل الِاسْم قلت الْحَاصِل أَن الْغسْل بِالْفَتْح وَالضَّم مصدران عِنْد أَكثر أهل اللُّغَة وَبَعْضهمْ فرق بَينهمَا فَقَالُوا بِالْفَتْح الْمصدر وبالضم الِاسْم قَوْله إِذا احْتَلَمت مُشْتَقّ من الْحلم بِالضَّمِّ وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم تَقول مِنْهُ حلم بِالْفَتْح واحتلم تَقول حلمت بِكَذَا وحلمته أَيْضا والحلم بِالْكَسْرِ الأناة تَقول مِنْهُ حلم الرجل بِالضَّمِّ وتحلم تكلّف الْحلم بِالْكَسْرِ وتحلم إِذا ادّعى الرُّؤْيَا كَاذِبًا قَوْله تربت يَمِينك بِكَسْر الرَّاء من ترب الرجل إِذا افْتقر أَي لصق بِالتُّرَابِ وأترب إِذا اسْتغنى وَهَذِه الْكَلِمَة جَارِيَة على أَلْسِنَة الْعَرَب لَا يُرِيدُونَ
بهَا الدُّعَاء على الْمُخَاطب وَلَا وُقُوع الْأَمر بهَا كَمَا يَقُولُونَ قَاتله الله وَقيل مَعْنَاهُ لله دَرك وَقيل أَرَادَ بهَا الْمثل ليرى الْمَأْمُور بذلك الْجد وَأَنه إِن خَالفه فقد أَسَاءَ وَقَالَ بَعضهم هُوَ دُعَاء على الْحَقِيقَة وَلَيْسَ بِصَحِيح وَكَثِيرًا مَا يرد للْعَرَب أَلْفَاظ ظَاهرهَا الذَّم وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بهَا الْمَدْح كَقَوْلِهِم لَا أَب لَك وَلَا أم لَك وهوت أمه وَلَا أَرض لَك وَنَحْو ذَلِك قَالَ الْهَرَوِيّ وَمِنْه قَوْله فِي حَدِيث خُزَيْمَة أنعم صباحا تربت يداك فَأَرَادَ الدُّعَاء لَهُ وَلم يرد الدُّعَاء عَلَيْهِ وَالْعرب تَقول لَا أم لَك وَلَا أَب لَك يُرِيدُونَ لله دَرك وَقَالَ عِيَاض هَذَا خطاب على عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَال هَذِه الْأَلْفَاظ عِنْد الْإِنْكَار للشَّيْء والتأنيس أَو الْإِعْجَاب أَو الاستعظام لَا يُرِيدُونَ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ قلت ولذوي الْأَلْبَاب فِي هَذَا الْبَاب أَن ينْظرُوا إِلَى اللَّفْظ وقائله فَإِن كَانَ وليا فَهُوَ الْوَلَاء وَإِن خشن وَإِن كَانَ عدوا فَهُوَ الْبلَاء وَإِن حسن (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله لَا يستحي جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر إِن قَوْله فَهَل للاستفهام وَكلمَة من فِي من غسل زَائِدَة أَي هَل غسل يجب على الْمَرْأَة قَوْله إِذا رَأَتْ المَاء كلمة إِذا ظرفية تَقْدِيره عَلَيْهَا غسل حِين رَأَتْ الْمَنِيّ إِذا انْتَبَهت وَيجوز أَن تكون شَرْطِيَّة تَقْدِيره إِذا رَأَتْ وَجب عَلَيْهَا غسل وَالْمَاء مَنْصُوب بقوله رَأَتْ من رُؤْيَة الْعين قَوْله فغطت فعل وَأم سَلمَة فَاعله ووجهها مَفْعُوله قَوْله وتحتلم الْمَرْأَة عطف على مُقَدّر يَقْتَضِيهِ السِّيَاق أَي أَتَقول ذَلِك أَو أَتَرَى الْمَرْأَة المَاء وتحتلم وَنَحْوه وروى أَو تحتلم الْمَرْأَة بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام قَوْله تربت فعل ويمينك كَلَام إضافي فَاعله وَالْجُمْلَة خبرية فِي الأَصْل وَلكنهَا دُعَاء فِي الِاسْتِعْمَال وَقيل على حَالهَا خبر لِأَنَّهُ لَا يُرَاد حَقِيقَتهَا قَوْله فَبِمَ أَصله فبمَا فحذفت الْألف قَوْله يشبهها فعل ومفعول وَالضَّمِير يرجع إِلَى الْمَرْأَة قَوْله وَلَدهَا بِالرَّفْع فَاعل (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله إِن الله لَا يستحي أَي لَا يمْتَنع من بَيَان الْحق فَكَذَا أَنا لَا أمتنع من سُؤَالِي عَمَّا أَنا محتاجة إِلَيْهِ مِمَّا تَسْتَحي النِّسَاء فِي الْعَادة من السُّؤَال عَنهُ لِأَن نزُول الْمَنِيّ مِنْهُنَّ يدل على شدَّة شهوتهن للرِّجَال وَإِنَّمَا فسرناه هَكَذَا لِأَن الْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من تخوف مَا يعاب بِهِ أَو يذم وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى فَيكون هَذَا جَارِيا على سَبِيل الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة التمثيلية كَمَا فِي حَدِيث سلمَان قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله حَيّ كريم يستحي إِذا رفع العَبْد يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا حَتَّى يضع فيهمَا خيرا شبه ترك الله إِجَابَة العَبْد ورد يَدَيْهِ إِلَيْهِ صفرا بترك الْكَرِيم ورده الْمُحْتَاج حَيَاء فَقيل ترك الله الرَّد حَيَاء كَمَا قيل ترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء فَأطلق الْحيَاء ثمَّة كَمَا أطلق الْحيَاء هَهُنَا فَلذَلِك استعير ترك الله المستحيي لترك الْحق ثمَّ نفى عَنهُ قَوْله فغطت أم سَلمَة الظَّاهِر أَن هَذَا من كَلَام زَيْنَب فَالْحَدِيث ملفق من رِوَايَة صحابيتين وَيحْتَمل أَن يكون من أم سَلمَة على سَبِيل الِالْتِفَات كَأَنَّهَا جردت من نَفسهَا شخصا فأسندت إِلَيْهِ التغطية إِذْ أصل الْكَلَام فغطيت وَجْهي وَقلت يَا رَسُول الله قَوْله يَعْنِي وَجههَا هَذَا الإدراج من عُرْوَة ظَاهرا وَيحْتَمل أَن يكون من راو آخر وَهَذَا إدراج فِي إدراج قَوْله فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا وَفِي الصَّحِيح من حَدِيث أنس فَمن أَيْن يكون الشّبَه مَاء الرجل غليظ أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة رَقِيق أصفر فمني أَيهمَا علا أَو سبق يكون مِنْهُ الشّبَه وَفِي حَدِيث عَائِشَة وَهل يكون الشّبَه إِلَّا من قبل ذَلِك إِذا علا مَاؤُهَا مَاء الرجل أشبه الْوَلَد أَخْوَاله وَإِذا علا مَاء الرجل ماءها أشبه أَعْمَامه وَقَالَ بَعضهم فِيهِ رد على من يَقُول أَن مَاء الرجل يخالط دم الْمَرْأَة وَأَن مَاء الرجل كالأنفحة ودمها كاللبن الحليب (فَائِدَة) جَاءَ عَن جمَاعَة من الصحابيات أَنَّهُنَّ سألن كسؤال أم سليم مِنْهُنَّ خَوْلَة بنت حَكِيم أخرجه ابْن مَاجَه وَفِي إِسْنَاده عَليّ بن زيد بن جدعَان وبسرة ذكره ابْن أبي شيبَة وسهلة بنت سُهَيْل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَالْأَحَادِيث فِيهِ عَن أم سَلمَة وَعَائِشَة وَأنس رَضِي الله عَنْهُم وَلم يخرج البُخَارِيّ غير حَدِيث أم سَلمَة وَأخرج مُسلم أَحَادِيث الثَّلَاثَة وَحَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت لَهُ وَعَائِشَة عِنْده يَا رَسُول الله الْمَرْأَة ترى مَا يرى الرجل فِي الْمَنَام وَترى من نَفسهَا مَا يرى الرجل من نَفسه فَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فضحت النِّسَاء تربت يَمِينك وَحَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ عُرْوَة عَنْهَا أَنَّهَا أخْبرته أَن أم سليم دخلت على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر الحَدِيث وَفِيه قَالَت عَائِشَة فَقلت لَهَا أُفٍّ لَك أَتَرَى الْمَرْأَة ذَلِك قلت أم سليم بِضَم السِّين وَفتح اللَّام بنت ملْحَان بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالنون النجارية الْأَنْصَارِيَّة اسْمهَا سهلة أَو رميلة أَو رميثة بالراء فيهمَا وبالمثلثة فِي الثَّانِي
أَو مليكَة أَو الغميصاء أَو الرميصاء بالصَّاد الْمُهْملَة فيهمَا والخمسة الْأَخِيرَة بِصِيغَة التصغير تزَوجهَا مَالك بن النَّضر بالضاد الْمُعْجَمَة أَبُو أنس بن مَالك فَولدت لَهُ أنسا ثمَّ قتل عَنْهَا مُشْركًا فَأسْلمت فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَة وَهُوَ مُشْرك فَأَبت ودعته إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم فَقَالَت إِنَّنِي أتزوجك وَلَا آخذ مِنْك صَدَاقا لإسلامك فَتَزَوجهَا أَبُو طَلْحَة رُوِيَ لَهَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة عشر حَدِيثا أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا ثَلَاثَة وَأخرج مُسلم حديثين واتفقا على وَاحِد روى لَهَا الْجَمَاعَة سوى ابْن مَاجَه (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ ترك الاستحياء لمن عرضت لَهُ مَسْأَلَة الثَّانِي فِيهِ وجوب الْغسْل على الْمَرْأَة إِذا وجدت المَاء وَكَذَا على الرجل لِأَن حكمه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على وَاحِد حكمه على الْجَمَاعَة إِلَّا إِذا دلّ دَلِيل على تَخْصِيصه بِهِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم الْقزْوِينِي الشَّافِعِي حكم الْمَرْأَة فِي ثُبُوت الْغسْل بِخُرُوج منيها كَالرّجلِ وَالرجل لمنيه خَواص ثَلَاث إِحْدَاهَا الرَّائِحَة المشبهة برائحة الطّلع أَو الْعَجِين إِذا كَانَ رطبا وَإِذا جف أشبه رَائِحَة الْبيض الثَّانِيَة التدفق بدفقات الثَّالِثَة اللَّذَّة بِخُرُوجِهِ ويعقبه فتور وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي وَالْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط لَا يعرف فِي حَقّهَا إِلَّا بالشهوة وَقَالَ فِي كِتَابه الْوَجِيز إِذا تلذذت بِخُرُوج مَائِهَا لَزِمَهَا الْغسْل وَهَذَا إِشْعَار مِنْهُمَا أَن طَريقَة معرفَة الْمَنِيّ فِي حَقّهَا الشَّهْوَة والتلذذ لَا غير وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ بالتسوية بَين مني الرجل ومني الْمَرْأَة فِي طرد الْخَواص الثَّلَاث قَالَ الْبَغَوِيّ إِذا خرج مني الْمَرْأَة بِشَهْوَة أَو غير شَهْوَة وَجب الْغسْل كمني الرجل وَقَالَ الرَّافِعِيّ وَإِذا وَجب مَعَ انْتِفَاء الشَّهْوَة كَانَ الِاعْتِمَاد على بَقِيَّة الْخَواص وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح مُعْتَرضًا على الْقزْوِينِي فِي قَوْله أَن قَول الْأَكْثَرين التَّسْوِيَة بَين مني الرجل وَالْمَرْأَة فِي الْخَواص الثَّلَاث وَأنكر أَنه قَول الْأَكْثَرين قَالَ وَإِنَّمَا لَهُ خاصيتان الرَّائِحَة والشهوة فالشهوة ذكرهَا الإِمَام وَالْغَزالِيّ والرائحة ذكرهَا الرَّوْيَانِيّ وَأنكر الثَّالِثَة وَهِي التدفق بدفقات للْمَرْأَة وَقَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ إِلَّا أَنَّهَا إِن كَانَ الْمَنِيّ ينزل إِلَى فرجهَا وَوصل إِلَى الْموضع الَّذِي يجب عَلَيْهَا غسله فِي الْجَنَابَة والاستنجاء وَهُوَ الَّذِي يظْهر حَال قعودها لقَضَاء الْحَاجة يجب عَلَيْهَا الْغسْل لِأَنَّهُ فِي حكم الظَّاهِر وَإِن كَانَت بكرا لم يلْزمهَا مَا لم يخرج من فرجهَا لِأَن دَاخل فرجهَا كداخل احليل الرجل قلت لَا خلاف فِي مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يجب عَلَيْهَا الْغسْل إِلَّا بِرُؤْيَة المَاء وَمُرَاد الْغَزالِيّ وَغَيره بقوله لَا يعرف من جِهَتهَا إِلَّا بالشهوة والتلذذ يُرِيد بِهِ تعْيين هَذِه الْخَاصَّة فِي حَقّهَا دون الخاصيتين الموجودتين فِي مني الرجل على اخْتِيَاره لَا غير ذَلِك وَقد ذكر الْغَزالِيّ فِي الْوَجِيز إِذا تلذذت الْمَرْأَة بِخُرُوج منيها فَأثْبت خُرُوجه قلت هَذَا تَحْرِير مَذْهَب الشَّافِعِي فِي هَذَا الْموضع وَطول الْكَلَام فِيهِ لغلط جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة فِيهِ الثَّالِث فِيهِ إِثْبَات أَن الْمَرْأَة لَهَا مَاء الرَّابِع فِيهِ إِثْبَات الْقيَاس وإلحاق حكم النظير بالنظير 70 - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن من الشّجر شَجَرَة لَا يسْقط وَرقهَا وَهِي مثل الْمُسلم حَدثُونِي مَا هِيَ فَوَقع النَّاس فِي شجر الْبَادِيَة وَوَقع فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخْلَة قَالَ عبد الله فَاسْتَحْيَيْت فَقَالُوا يَا رَسُول الله أخبرنَا بهَا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ النَّخْلَة قَالَ عبد الله فَحدثت أبي بِمَا وَقع فِي نَفسِي فَقَالَ لِأَن تكون قلتهَا أحب إِلَيّ من أَن يكون لي كَذَا وَكَذَا) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة كمطابقة الحَدِيث السَّابِق وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب قَول الْمُحدث حَدثنَا وَأخْبرنَا وَذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع تعلقاته وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس بن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس رَضِي الله عَنهُ قَوْله فَحدثت أبي أَي عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَوْله لِأَن تكون بِفَتْح اللَّام وَإِنَّمَا قَالَ قلتهَا بالماضي مَعَ قَوْله تكون وَهُوَ مضارع لِأَن الْغَرَض مِنْهُ لِأَن تكون فِي الْحَال مَوْصُوفا بِهَذَا القَوْل الصَّادِر فِي الْمَاضِي قَوْله أحب إِلَيّ من أَن يكون لي كَذَا وَكَذَا أَي من حمر النعم وَغَيرهَا وَلَفظ كَذَا مَوْضُوع للعدد الْمُبْهم وَهُوَ من الْكِنَايَات قَالَ ابْن بطال وَفِي تمني عمر رَضِي الله عَنهُ أَن يُجَاوب ابْنه النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم بِمَا وَقع فِي نَفسه فِيهِ من الْفِقْه أَن الرجل يباخ لَهُ الْحِرْص على ظُهُور ابْنه فِي الْعلم على الشُّيُوخ وسروره بذلك. وَقيل إِنَّمَا تمنى ذَلِك رَجَاء أَن يسر النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم بإصابته
باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال
فيدعو لَهُ وَفِيه أَن الابْن الْمُوفق الْعَالم أفضل مكاسب الدُّنْيَا لقَوْله لِأَن تكون قلتهَا أحب إِلَيّ من أَن يكون لي كَذَا وَكَذَا (بَاب من استحيا فَأمر غَيره بالسؤال) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الشَّخْص الَّذِي استحيى من الْعَالم أَن يسْأَل عَنهُ بِنَفسِهِ فَأمر غَيره بالسؤال عَنهُ وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لِأَن كلا مِنْهُمَا مُشْتَمل على الْحيَاء 71 - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد عَن الْأَعْمَش عَن مُنْذر الثَّوْريّ عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَن عَليّ قَالَ كنت رجلا مذاء فَأمرت الْمِقْدَاد أَن يسْأَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ فِيهِ الْوضُوء) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول مُسَدّد بن مسرهد الثَّانِي عبد الله بن دَاوُد بن عَامر بن الرّبيع الْخُرَيْبِي نِسْبَة إِلَى خريبة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي محلّة بِالْبَصْرَةِ أَبُو مُحَمَّد أَو أَبُو عبد الرَّحْمَن الْهَمدَانِي الْكُوفِي الأَصْل قَالَ يحيى بن معِين ثِقَة مَأْمُون وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَمُحَمّد بن سعد كَانَ ثِقَة ناسكا وَيُقَال عَنهُ أَنه قَالَ مَا كذبت كذبة قطّ إِلَّا مرّة فِي صغري قَالَ لي أبي ذهبت إِلَى الْمَكَان فَقلت بلَى وَلم أكن ذهبت وَقَالَ أَبُو حَاتِم كَانَ يمِيل إِلَى الرَّأْي وَكَانَ صَدُوقًا روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا مُسلما توفّي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ والكتب الْأَرْبَعَة عبد الله بن دَاوُد غير هَذَا نعم فِي التِّرْمِذِيّ آخر واسطي مُخْتَلف فِيهِ الثَّالِث سُلَيْمَان بن الْأَعْمَش الرَّابِع مُنْذر بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة ابْن يعلى بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام أَبُو يعلى الثَّوْريّ بالثاء الْمُثَلَّثَة الْكُوفِي وَثَّقَهُ أَحْمد بن عبد الله وَعبد الرَّحْمَن روى لَهُ الْجَمَاعَة الْخَامِس مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب الْهَاشِمِي أَبُو الْقَاسِم وَالْحَنَفِيَّة أمه وَهِي خَوْلَة بنت جَعْفَر الْحَنَفِيّ اليمامي وَكَانَت من سبي بني حنيفَة ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عمر رَضِي الله عَنهُ مَاتَ سنة ثَمَانِينَ أَو إِحْدَى وَثَمَانِينَ أَو أَربع عشرَة وَمِائَة وَدفن بِالبَقِيعِ روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) . مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي وحجازي. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ وَهُوَ الْأَعْمَش يروي عَن غير التَّابِعِيّ وَهُوَ مُنْذر. وَمِنْهَا مَا قيل لَا يعلم أحد أسْند عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر وَلَا أصح مِمَّا أسْند مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة عَن جرير قَالَ وَرَوَاهُ شُعْبَة وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر عَن وَكِيع وَأبي مُعَاوِيَة وهشيم وَعَن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة خمستهم عَن الْأَعْمَش عَن الْمُنْذر بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث وَهَذَا الحَدِيث رُوِيَ من وُجُوه مُخْتَلفَة فَأخْرجهُ مُسلم من حَدِيث عبد الله بن وهب عَن مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ أرْسلت الْمِقْدَاد بن الْأسود إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ عَن الْمَذْي يخرج من الْإِنْسَان كَيفَ يفعل بِهِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ وانضح فرجك وَأخرج النَّسَائِيّ عَن هناد بن السّري عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن أبي حُصَيْن عَن أبي عبد الرَّحْمَن قَالَ قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ كنت رجلا مذاء وَكَانَت ابْنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحتي فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل فَقلت لرجل جَالس إِلَى جَنْبي سَله فَسَأَلَهُ فَقَالَ فِيهِ الْوضُوء وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن عمر وَحدثنَا هشيم عَن يزِيد بن أبي زِيَاد وَعَن مَحْمُود بن غيلَان حَدثنَا حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن عَليّ قَالَ سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمَذْي فَقَالَ من الْمَذْي الْوضُوء وَمن الْمَنِيّ الْغسْل قَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَأخرج أَحْمد فِي مُسْنده عَن أسود بن عَامر حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَق عَن هانىء بن هانىء عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ كنت رجلا مذاء فَإِذا مذيت اغْتَسَلت وَأمرت الْمِقْدَاد فَسَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَضَحِك فَقَالَ فِيهِ
الْوضُوء وَأخرج أَبُو دَاوُد حَدثنَا قُتَيْبَة عَن سعيد حَدثنَا عُبَيْدَة بن حميد الْحذاء عَن أبي بكر بن الرّبيع عَن حُصَيْن بن قبيصَة عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ كنت رجلا مذاء فَجعلت أَغْتَسِل حَتَّى تشقق ظَهْري قَالَ فَذكرت ذَلِك للنَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَو ذكر لَهُ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تفعل إِذا رَأَيْت الْمَذْي فاغسل ذكرك وَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة فَإِذا نضحت المَاء فاغتسل وَأخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا وَأخرج النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن عايش بن أنس قَالَ سَمِعت عليا رَضِي الله عَنهُ على الْمِنْبَر يَقُول كنت رجلا مذاء فَأَرَدْت أَن أسأَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاسْتَحْيَيْت عَنهُ لِأَن ابْنَته كَانَت تحتي فَأمرت عمارا فَسَأَلَهُ فَقَالَ يَكْفِي مِنْهُ الْوضُوء وَأخرج الطَّحَاوِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن أبي دَاوُد حَدثنَا أُميَّة بن بسطَام قَالَ حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع قَالَ حَدثنَا روح بن الْقَاسِم عَن ابْن أبي نجيح عَن عَطاء عَن إِيَاس بن خَليفَة عَن رَافع بن خديج أَن عليا رَضِي الله عَنهُ أَمر عمارا أَن يسْأَل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمَذْي قَالَ يغسل مذاكيره وَيتَوَضَّأ وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عُثْمَان بن عبد الله عَن أُميَّة بن بسطَام إِلَى آخِره نَحوه (بَيَان اللُّغَة وَالْإِعْرَاب) قَوْله رجلا خبر كَانَ ومذاء بِالنّصب صفته وَهُوَ على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة فِي كَثْرَة الْمَذْي وَقد مذى الرجل يمذي من بَاب ضرب يضْرب وأمذى والمذاء المماذاة فعال مِنْهُ وَيُقَال مذى بِالتَّشْدِيدِ أَيْضا والمذي بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبكسر الذَّال وَتَشْديد الْيَاء وبكسر الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء حكى ذَلِك عَن ابْن الْأَعرَابِي وَهُوَ المَاء الرَّقِيق الَّذِي يخرج عِنْد الملاعبة والتقبيل وَقَالَ ابْن الْأَثِير هُوَ البلل اللزج الَّذِي يخرج من الذّكر عِنْد ملاعبة النِّسَاء وَلَا يعقبه فتور وَرُبمَا لَا يحس بِخُرُوجِهِ وَهُوَ فِي النِّسَاء أَكثر مِنْهُ فِي الرِّجَال وَقَالَ الْأمَوِي الْمَذْي والودي مشددتان كالمني قلت الْمَشْهُور أَن الودي بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الدَّال هُوَ البلل اللزج يخرج من الذّكر بعد الْبَوْل يُقَال ودي وَلَا يُقَال أودي قَالَه الْجَوْهَرِي وَقَالَ غَيره يُقَال أودي أَيْضا وَقيل التَّشْدِيد أصح وأفصح من السّكُون. والمني بتَشْديد الْيَاء مَاء خاثر أَبيض يتَوَلَّد مِنْهُ الْوَلَد وينكسر بِهِ الذّكر يُقَال مني الرجل وأمنى ومني مشددا الْكل بِمَعْنى قَوْله فَأمر الْمِقْدَاد جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول والمقداد بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وبالمهملتين ابْن عَمْرو بن ثَعْلَبَة البهراني الْكِنْدِيّ وَيُقَال لَهُ ابْن الْأسود لِأَن الْأسود بن عبد يَغُوث رباه أَو تبناه أَو حالفه أَو تزوج بِأُمِّهِ وَيُقَال لَهُ الْكِنْدِيّ لِأَنَّهُ أصَاب دَمًا فِي بهراء فهرب مِنْهُم إِلَى كِنْدَة فحالفهم ثمَّ أصَاب فيهم دَمًا فهرب إِلَى مَكَّة فحالف الْأسود وَهُوَ قديم الصُّحْبَة من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام قيل أَنه سادس سِتَّة شهد بَدْرًا وَلم يثبت أَنه شهد فِيهِ فَارس مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيره وَقيل أَن الزبير رَضِي الله عَنهُ أَيْضا كَانَ فَارِسًا روى لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اثْنَان وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا اتفقَا على حَدِيث وَاحِد وَلمُسلم ثَلَاثَة مَاتَ بالجرف وَهُوَ على عشرَة أَمْيَال من الْمَدِينَة ثمَّ حمل على رِقَاب الرِّجَال إِلَيْهَا سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ ابْن سبعين سنة روى لَهُ الْجَمَاعَة قَوْله أَن يسْأَل أَي بِأَن يسْأَل وَأَن مَصْدَرِيَّة أَي بالسؤال عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم قَوْله فِيهِ الْوضُوء جملَة اسمية لِأَن الْوضُوء مُبْتَدأ وَقَوله فِيهِ مقدما خَبره وَيتَعَلَّق فِيهِ بِمَحْذُوف تَقْدِيره الْوضُوء وَاجِب فِيهِ وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع الْوضُوء على الفاعلية وَالتَّقْدِير يجب فِيهِ الْوضُوء (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله فَأمرت الْمِقْدَاد لَيْسَ هُوَ أَمر الْوُجُوب للقرينة الدَّالَّة على عدم الْوُجُوب وَأَيْضًا الدَّال على الْوُجُوب هُوَ صِيغَة الْأَمر لَا لَفْظَة أَمر وَلَيْسَت هَهُنَا صِيغَة فَافْهَم قَوْله فَسَأَلَهُ أَي عَن حكم الْمَذْي من وجوب الْوضُوء يُقَال سَأَلته الشَّيْء وَسَأَلته عَن الشَّيْء سؤالا وَقد تعدى بِنَفسِهِ إِلَى الْمَفْعُول الأول وبعن وبفي إِلَى الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ وَقد تخفف همزته فَيُقَال سَأَلَهُ قَوْله فَقَالَ أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ أَي الْمَذْي الْوضُوء لَا يُقَال أَنه إِضْمَار قبل الذّكر لأَنا نقُول أَن قَوْله مذاء يدل على الْمَذْي وَهَذِه الْعبارَة تدل على أَن عليا رَضِي الله عَنهُ سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ لم يقل قَالَ الْمِقْدَاد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَئِن قُلْنَا أَنه لم يسمعهُ من النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم فَحكمه حكم مُرْسل الصَّحَابِيّ رَضِي الله عَنهُ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ دَلِيل على أَن الْمَذْي لَا يُوجب الْغسْل بل يُوجب الْوضُوء فَإِنَّهُ نجس وَلِهَذَا يجب مِنْهُ غسل الذّكر وَالْمرَاد مِنْهُ عِنْد الشَّافِعِي غسل مَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَاخْتلف عَن مَالك فِي غسل الذّكر كُله
قَالَ عِيَاض وَالْخلاف مَبْنِيّ على أَنه هَل يتَعَلَّق الحكم بِأول الِاسْم أَو بِآخِرهِ لقَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم يغسل ذكره وَاسم الذّكر يُطلق على الْبَعْض وعَلى الْكل وَاخْتلف عَن مَالك أَيْضا هَل يحْتَاج إِلَى النِّيَّة أم لَا وَعَن الزُّهْرِيّ لَا يغسل الْأُنْثَيَيْنِ من الْمَذْي إِلَّا أَن يكون أصابهما شَيْء وَفِي المغنى لِابْنِ قدامَة الْمَذْي ينْقض الْوضُوء وَهُوَ مَا يخرج لزجا متسبسبا عِنْد الشَّهْوَة فَيكون على رَأس الذّكر وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي حكمه فَروِيَ أَنه لَا يُوجب الِاسْتِنْجَاء وَالْوُضُوء وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة يجب غسل الذّكر والأنثيين مَعَ الْوضُوء وَقَالَ أَبُو عمر الْمَذْي عِنْد جَمِيعهم يُوجب الْوضُوء مَا لم يكن خَارِجا عَن عِلّة بَارِدَة وزمانة فَإِن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ أَيْضا كالبول عِنْد جَمِيعهم فَإِن كَانَ سلسا لَا يَنْقَطِع فَحكمه حكم سَلس الْبَوْل عِنْد جَمِيعهم أَيْضا إِلَّا أَن طَائِفَة توجب الْوضُوء على من كَانَت هَذِه حَاله لكل صَلَاة قِيَاسا على الْمُسْتَحَاضَة عِنْدهم وَطَائِفَة تستحبه وَلَا توجبه وَأما الْمَذْي الْمَعْهُود والمتعارف وَهُوَ الْخَارِج عِنْد ملاعبة الرجل أَهله لما يجْرِي من اللَّذَّة أَو لطول عزبة فعلى هَذَا الْمَعْنى خُرُوج السُّؤَال فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعَلِيهِ يَقع الْجَواب وَهُوَ مَوضِع إِجْمَاع لَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي إِيجَاب الْوضُوء مِنْهُ وَإِيجَاب غسله لنجاسته الثَّانِي فِيهِ جَوَاز الِاسْتِنَابَة فِي الاستفتاء وَأَنه يجوز الِاعْتِمَاد على الْخَبَر المظنون مَعَ الْقُدْرَة على الْمَقْطُوع لِأَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعث من يسْأَل لَهُ مَعَ الْقُدْرَة على المشافهة قَالَ بَعضهم لَعَلَّ عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ حَاضرا وَقت السُّؤَال فَلَا دَلِيل عَلَيْهِ لَكِن يضعف هَذَا قَوْله فِي بعض طرقه فَأَرْسَلنَا الْمِقْدَاد وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه لم يحضر مجْلِس السُّؤَال قلت فِيهِ نظر لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون قد حَضَره بعد إرْسَاله الْمِقْدَاد وَقَالَ الْمَازرِيّ لم يتَبَيَّن فِي هَذَا الحَدِيث كَيفَ أمره أَن يسْأَل وَلَا كَيْفيَّة سُؤال الْمِقْدَاد هَل سَأَلَهُ سؤالا يخص الْمِقْدَاد أَو يعمه وَغَيره فَإِن كَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لم يسْأَل على أَي وَجه وَقع السُّؤَال فَفِيهِ دَلِيل على أَن عليا رَضِي الله عَنهُ كَانَ يرى أَن القضايا تتعدى وَقد اخْتلف أهل الْأُصُول لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَا يتَعَدَّى لأَمره أَن يُسَمِّيه إِذْ قد يجوز أَن يُبِيح لَهُ مَا لَا يُبِيح لغيره لكنه قد جَاءَ مُبينًا فِي الصَّحِيح فَسَأَلَهُ الْمِقْدَاد عَن الْمَذْي يخرج من الْإِنْسَان كَيفَ يفعل بِهِ فَقَالَ تَوَضَّأ وانضح فرجك قلت قد جَاءَ مُبينًا كِلَاهُمَا أَمر عَليّ وسؤال الْمِقْدَاد أما الأول فَفِي الْمُوَطَّأ أَن عليا رَضِي الله عَنهُ أَمر الْمِقْدَاد أَن يسْأَل لَهُ رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة والسلامعن الرجل إِذا دنا من أَهله فَخرج مِنْهُ الْمَذْي مَاذَا عَلَيْهِ قَالَ الْمِقْدَاد فَسَأَلته عَن ذَلِك وَجَاء أَيْضا فِي النَّسَائِيّ مَا يثبت الِاحْتِمَال الْمُتَقَدّم فَقلت لرجل جَالس إِلَى جَنْبي سَله فَقَالَ فِيهِ الْوضُوء الثَّالِث فِيهِ اسْتِحْبَاب حسن الْعشْرَة مَعَ الأصهار وَأَن الزَّوْج يَنْبَغِي أَن لَا يذكر مَا يتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ والاستمتاع بِحَضْرَة أَبَوي الْمَرْأَة وَأُخْتهَا وَغَيرهمَا من أقاربهما لِأَن الْمَعْنى أَن الْمَذْي يكون غَالِبا عِنْد ملاعبة الزَّوْجَة الرَّابِع احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ على وجوب الْوضُوء من الْمَذْي مُطلقًا سَوَاء كَانَ عِنْد ملاعبة أَو استنكاح أَو غَيره وَقَالَ أَصْحَاب مَالك المُرَاد بِهِ مَا كَانَ عَن ملاعبة وَاسْتدلَّ عِيَاض وَغَيره لذَلِك بِمَا وَقع فِي الْمُوَطَّأ فِي الحَدِيث أَنه قَالَ فِي السُّؤَال عَن الرجل إِذا دنا من أَهله وأمذى مَاذَا عَلَيْهِ قَالَ فجواب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مثله فِي الْمُعْتَاد بِخِلَاف المستنكح وَالَّذِي بِهِ عِلّة فَإِنَّهُ لَا وضوء عَلَيْهِ قَالُوا وَإِنَّمَا يتَوَضَّأ مِمَّا جرت الْعَادة بِهِ أَن يخرج من لَذَّة وَقَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب مؤيدا لمذهبهم السُّؤَال صدر عَن الْمَذْي الْخَارِج على وَجه اللَّذَّة لقَوْله إِذا دنا من أَهله وَأَيْضًا مِمَّا يدل عَلَيْهِ استحياء عَليّ رَضِي الله عَنهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ على مرض أَو سَلس لم يستح من ذَلِك قلت فِيمَا قَالُوهُ نظر لِأَن سُؤال الْمِقْدَاد النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَولا مُطلق غير مُقَيّد فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الصَّحِيح فَسَأَلَهُ عَن الْمَذْي يخرج من الْإِنْسَان كَيفَ يفعل بِهِ قَالَ اغسل ذكرك وَتَوَضَّأ فَالْحكم مُتَعَلق بسؤال الْمِقْدَاد الَّذِي وَقع الْجَواب عَنهُ فَصَارَ أَمر عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَجْنَبِيّا عَن الحكم وَقَول القَاضِي عبد الْوَهَّاب حِكَايَة قَول عَليّ لِلْمِقْدَادِ وَهُوَ حَاضر وَأما سُؤال الْمِقْدَاد فَكَانَ عَاما وَهُوَ من فقه الْمِقْدَاد فَوَقع السُّؤَال من الْمِقْدَاد عَاما وَالْجَوَاب من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مترتب عَلَيْهِ والتمسك بقول الْمِقْدَاد فَسَأَلته عَن ذَلِك لَا يُعَارض النَّص بِصَرِيح سُؤَاله وَالْأول مُحْتَمل للتأويل فِي تعْيين مَا يرجع الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَأما ثَانِيًا فَإِنَّهُ قد جَاءَ فِي سنَن أبي دَاوُد مَا يدل على خِلَافه وَهُوَ من عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ كنت رجلا مذاء فَجعلت أَغْتَسِل حَتَّى تشقق ظَهْري فَهَذَا يدل على كَثْرَة وُقُوعه مِنْهُ ومعاودته وَجَاء فِيهِ أَيْضا أَن عليا أَمر عمارا أَن يسْأَل رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَقَالَ يغسل مذاكيره وَيتَوَضَّأ وَفِي بَعْضهَا كنت رجلا مذاء فَأمرت عمار بن يَاسر يسْأَل رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من
باب ذكر العلم والفتيا في المسجد
أجل ابْنَته عِنْدِي وَفِي بعض طرقه فِي أبي دَاوُد فليغسل ذكره وأنثييه وروى عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَغَيرهَا أَنه يجب غسل أنثييه وَهَذَا خلاف قَول الْجُمْهُور وَأول الْجُمْهُور هَذِه الرِّوَايَة على الِاسْتِظْهَار وَفِي بعض أَحْوَال انتشاره وَيُقَال أَن المَاء الْبَارِد إِذا أصَاب الْأُنْثَيَيْنِ رد الْمَذْي وكسره على أَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ هَذِه الزِّيَادَة قد علل بِالْإِرْسَال وَغَيره فَائِدَة فَإِن قلت قد جَاءَ أَنه أَمر مقدادا وَجَاء أَنه أَمر عمارا وَجَاء أَنه سَأَلَ بِنَفسِهِ فَكيف التَّوْفِيق بَينهمَا قلت يحْتَمل على أَنه أرسلهما ثمَّ سَأَلَ بِنَفسِهِ وَالله أعلم (بَاب ذكر الْعلم والفتيا فِي الْمَسْجِد) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر الْعلم فِي الْمَسْجِد وَبَيَان ذكر الْفتيا فِي الْمَسْجِد وَقد مر أَن الْفتيا وَالْفَتْوَى جَوَاب الْحَادِثَة وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على السُّؤَال أما فِي الأول فَلِأَنَّهُ فِيهِ سُؤال الْمِقْدَاد عَن حكم الْمَذْي وَفِي هَذَا الْبَاب سُؤال ذَاك الرجل فِي الْمَسْجِد عَن حكم الإهلال لِلْحَجِّ وكل مِنْهُمَا سُؤال عَن أَمر ديني 72 - (حَدثنِي قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا اللَّيْث بن سعد قَالَ حَدثنَا نَافِع مولى عبد الله بن عمر بن الْخطاب عَن عبد الله بن عمر أَن رجلا قَامَ فِي الْمَسْجِد فَقَالَ يَا رَسُول الله من أَيْن تَأْمُرنَا أَن نهل فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يهل أهل الْمَدِينَة من ذِي الحليفة ويهل أهل الشَّام من الْجحْفَة ويهل أهل نجد من قرن وَقَالَ ابْن عمر ويزعمون أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ويهل أهل الْيمن من يَلَمْلَم وَكَانَ ابْن عمر يَقُول لم أفقه هَذِه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهُوَ أَنه مُشْتَمل على ذكر الْعلم أَعنِي علم إهلال الْحَج فِي الْمَسْجِد واستفتاء ذَلِك الرجل عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وفتواه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كل ذَلِك فِي الْمَسْجِد. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول قُتَيْبَة بن سعيد الثَّانِي اللَّيْث بن سعد الثَّالِث نَافِع بن سرجس بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْجِيم وَفِي آخِره سين أُخْرَى أَصله من الْمغرب وَقيل من نيسابور وَقيل من سبي كابل وَقيل من جبال الطلقان أَصَابَهُ عبد الله بن عمر فِي بعض غَزَوَاته وَبَعثه عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى مصر يعلمهُمْ السّنَن مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سبع عشرَة وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة الرَّابِع عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة قَوْله حَدثنِي قُتَيْبَة وَفِي بعض النّسخ حَدثنَا وَمِنْهَا أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء وَمِنْهَا أَنهم مَا بَين بلخي ومصري ومدني (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْعلم وَفِي الْحَج جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة عَنهُ بِهِ وَثَبت هَذَا الحَدِيث أَيْضا من رِوَايَة ابْن عَبَّاس أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَعَن جَابر أَيْضا أخرجه مُسلم وأكمل الْأَحَادِيث حَدِيث ابْن عَبَّاس لِأَنَّهُ ذكر فِيهِ الْمَوَاقِيت الْأَرْبَعَة وَحَدِيث ابْن عمر لم يحفظ فِيهِ مِيقَات أهل الْيمن وَحَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ لم يجْزم بِرَفْعِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أَن نهل من الإهلال والإهلال بِالْحَجِّ رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ وَمِنْه قيل للصَّبِيّ إِذا فَارق أمه أهل واستهل لرفعه صَوته قَوْله من ذِي الحليفة بِضَم الْحَاء وَفتح اللَّام تَصْغِير الحلفة بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَة كالقصبة وَهِي تنْبت فِي المَاء وَجَمعهَا حلفاء كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَقَالَ الصغاني الحلفاء نبت قَالَ الدينَوَرِي قَالَ أَبُو زِيَاد من الأغلاث الحلفاء وَقيل مَا ينْبت إِلَّا قَرِيبا من مَاء أَو بطن وَاد وَهِي سلسلة غَلِيظَة الْمس لَا يكَاد أحد يقبض عَلَيْهَا مَخَافَة أَن تقطع يَده وَقد تَأْكُل مِنْهَا الْغنم وَالْإِبِل أكلا قَلِيلا وَهِي أحب شَجَرَة إِلَى الْبَقر والواحدة مِنْهَا حلفاة وَقَالَ الْأَصْمَعِي حلفة بِكَسْر اللَّام وَقَالَ الْأَخْفَش وَأَبُو زيد حلفة بِفَتْح اللَّام وَقيل يُقَال حلفة وحلفاء وَحلف مِثَال قَصَبَة وقصباء وقصب وطرفة وطرفاء وطرف وشجرة وشجراء وَشَجر وَقَالَ أَبُو عمر الحلفاء وَاحِدَة وَجمع وَقد يجمع على حلافي على وزن بَخَاتِي
وَقَالَ الْكرْمَانِي وَذُو الحليفة مَوضِع على عشر مراحل من مَكَّة وَقَالَ الرَّافِعِيّ على ميل من الْمَدِينَة وَقَالَ النَّوَوِيّ سِتَّة أَمْيَال وَقَالَ عِيَاض سَبْعَة أَمْيَال وَقَالَ ابْن حزم من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال وَمن مَكَّة على مِائَتي ميل غير ميلين وَقَالَ الْكرْمَانِي الْحَنَفِيّ فِي مَنَاسِكه بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ميل أَو ميلان والميل ثَلَاث فراسخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة عشر مراحل وَهِي الشَّجَرَة وَفِي مَوضِع آخر مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة خَمْسَة أَمْيَال وَنصف مَكْتُوب على الْميل الَّذِي وَرَاءَهَا قريب من سِتَّة أَمْيَال من الْبَرِيد وَمن هَذَا الْبَرِيد أهل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبذي الحليفة عدَّة آبار ومسجدان لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَسْجِد الْكَبِير الَّذِي يحرم مِنْهُ النَّاس وَالْمَسْجِد الآخر مَسْجِد المعرس وَقَالَ ابْن التِّين هِيَ أبعد الْمَوَاقِيت من مَكَّة تَعْظِيمًا لإحرام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله من الْجحْفَة بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة من الْجَانِب الشَّامي يُحَاذِي ذَا الحليفة وَكَانَ اسْمهَا مهيعة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف فأجحف السَّيْل بِأَهْلِهَا أَي أذهب فسميت جحفة وَهِي على سِتّ أَو سبع مراحل من مَكَّة قَالَ النَّوَوِيّ على ثَلَاث مراحل مِنْهَا وَهِي قريبَة من الْبَحْر وَكَانَت قَرْيَة كَبِيرَة وَقَالَ أَبُو عبيد هِيَ قَرْيَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر بَينهَا وَبَين الْبَحْر سِتَّة أَمْيَال وغدير خم على ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْهَا وَهِي مِيقَات المتوجهين من الشَّام ومصر وَالْمغْرب وَهِي على ثَلَاثَة مراحل من مَكَّة أَو أَكثر وعَلى ثَمَانِيَة مراحل من الْمَدِينَة وَقَالَ الْكَلْبِيّ أخرجت العماليق بني عيل وهم إخْوَة عَاد من يثرب فنزلوا الْجحْفَة وَكَانَ اسْمهَا مهيعة فَجَاءَهُمْ السَّيْل فأجحفهم فسميت الْجحْفَة وَفِي كتاب أَسمَاء الْبلدَانِ لِأَن سيل الجحاف نزل بهَا فَذهب بِكَثِير من الْحَاج وبأمتعة النَّاس ورحالهم فَمن ذَلِك سميت الْجحْفَة وَقَالَ أَبُو عبيد رَحمَه الله وَقد سَمَّاهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مهيعة قَالَ الْقُرْطُبِيّ قيل بِكَسْر الْحَاء وَقَالَ ابْن حزم الْجحْفَة مَا بَين الْمغرب وَالشمَال من مَكَّة وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة اثْنَان وَثَمَانُونَ ميلًا قَوْله أهل نجد النجد فِي اللُّغَة مَا أشرف من الأَرْض واستوى وَيجمع على أنجد وأنجاد ونجود ونجد بِضَمَّتَيْنِ وَقَالَ الْقَزاز سمي نجدا لعلوه وَقيل سمي بذلك لصلابة أرضه وَكَثْرَة حجارته وصعوبته من قَوْلهم رجل نجد إِذا كَانَ قَوِيا شَدِيدا وَقيل سمي نجدا لفزع من يدْخلهُ لاستيحاشه واتصال فزع السالكين من قَوْلهم رجل نجد إِذا كَانَ فَزعًا ونجد مُذَكّر قَالَ الشَّاعِر (ألم تَرَ أَن اللَّيْل يقصر طوله ... بِنَجْد ويزداد النطاف بِهِ نجدا) وَلَو أنثه أحد ورده على الْبَلَد لجَاز لَهُ ذَلِك وَالْعرب تَقول نجد ونجد بِفَتْح النُّون وَضمّهَا لُغَتَانِ وَقَالَ الْكَلْبِيّ فِي أَسمَاء الْبلدَانِ النجد مَا بَين الْحجاز إِلَى الشَّام إِلَى العذيب إِلَى الطَّائِف فالطائف من نجد وَالْمَدينَة من نجد وَأَرْض الْيَمَامَة والبحرين إِلَى عمان وَقَالَ أَبُو عمر نجد مَا بَين جرش إِلَى سَواد الْكُوفَة وَحده مِمَّا يَلِي الْمغرب الْحجاز وَعَن يسَاره الْكَعْبَة الْيمن ونجد كلهَا من عمل الْيَمَامَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير نجد مَا بَين العذيب إِلَى ذَات عرق وَإِلَى الْيَمَامَة وَإِلَى جبل طي وَإِلَى وجرة وَإِلَى الْيمن وَالْمَدينَة لَا تهامية وَلَا نجدية فَإِنَّهَا فَوق الْغَوْر وَدون نجد وَقَالَ الْحَازِمِي نجد اسْم للْأَرْض العريضة الَّتِي أَعْلَاهَا تهَامَة واليمن وَالْعراق وَالشَّام وَقَالَ الْبكْرِيّ حد نجد ذَات عرق من نَاحيَة الْحجاز كَمَا يَدُور الْجبَال مَعهَا إِلَى جبال الْمَدِينَة وَمَا وَرَاء ذَلِك ذَات عرق إِلَى تهَامَة وَقَالَ القتبي حَدثنَا الرياشي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ الْعَرَب تَقول إِذا عَلَوْت نجدا مصعدا فقد أنجدت وَلَا تزَال منجدا حَتَّى تنحدر فِي ثنايا ذَات عرق فَإِذا فعلت ذَلِك فقد انْتَهَيْت إِلَى الْبَحْر فَإِذا عرض لَك الْحرار وَأَنت تنجد فَتلك الْحجاز وَقَالَ ياقوت نجد تِسْعَة مَوَاضِع ونجد الْمَشْهُورَة فِيهَا اخْتِلَاف كثير وَالْأَكْثَر أَنَّهَا اسْم للْأَرْض الَّتِي أَعْلَاهَا تهَامَة وأسفلها الْعرَاق وَالشَّام وَقَالَ الْخطابِيّ نجد نَاحيَة الْمشرق وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها وَهِي مشرق أَهلهَا وَذكر فِي الْمُنْتَهى نجد من بِلَاد الْعَرَب وَهُوَ خلاف الْغَوْر أَعنِي تهَامَة وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ عَن الْكَلْبِيّ نجد مَا بَين الْحجاز إِلَى الشَّام إِلَى العذيب والطائف من نجد وَالْمَدينَة من نجد وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ونجد كلهَا من عمل الْيَمَامَة وَقَالَ عمَارَة بن عقيل مَا سَالَ من ذَات عرق مُقبلا فَهُوَ نجد وحد نجد أسافل الْحجاز قَالَ سَمِعت الْبَاهِلِيّ يَقُول كل مَا رَوَاهُ الخَنْدَق خَنْدَق كسْرَى الَّذِي خندقه على سَواد الْعرَاق فَهُوَ نجد إِلَى أَن تميل إِلَى الْحرَّة فَإِذا ملت إِلَى الْحرَّة فَأَنت فِي الْحجاز حَتَّى تغور وَعَن الْأَصْمَعِي مَا ارْتَفع من بطن الرمة فَهُوَ نجد إِلَى ثنايا ذَات عرق والسرف كبد نجد وَكَانَت منَازِل الْمُلُوك من بني آكل المرار وَفِيه الْيَوْم حمى
خربة وَفِيه الربذَة وَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَى الشرق فَهُوَ نجد قَوْله من قرن هُوَ بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ جبل مدور أملس كَأَنَّهُ هضبة مطل على عَرَفَات وَقَالَ ابْن حزم أَن من جَاءَ على طَرِيق نجد من جَمِيع الْبِلَاد فميقاته قرن الْمنَازل وَهُوَ شَرق مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَمِنْه إِلَى مَكَّة اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ميلًا وَقَالَ ابْن قرقول هُوَ قرن الْمنَازل وَقرن الثعالب وَقرن غير مُضَاف وَهُوَ على يَوْم وَلَيْلَة من مَكَّة وَقَالَ الْقَابِسِيّ من قَالَ قرن بالإسكان أَرَادَ الْجَبَل المشرف على الْموضع وَمن قَالَ بِالْفَتْح أَرَادَ الطَّرِيق الَّذِي يفرق مِنْهُ فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ طرق مُتَفَرِّقَة وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي شرح الْمسند وَكَثِيرًا مَا يَجِيء فِي أَلْفَاظ الْفُقَهَاء وَغَيرهم بِفَتْحِهَا وَلَيْسَ بِصَحِيح قلت غلط الْجَوْهَرِي فِي صحاحه غلطين أَحدهمَا أَنه بِفَتْح الرَّاء وَالْآخر زعم أَن أويسا الْقَرنِي مَنْسُوب إِلَيْهِ وَالصَّوَاب سُكُون الرَّاء وأويس مَنْسُوب إِلَى قَبيلَة يُقَال لَهُم بنوا قرن وَلَيْسَ هُوَ بمنسوب إِلَى مَكَان فَافْهَم. قَوْله من يَلَمْلَم بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللامين وَهُوَ جبل من جبال تهَامَة على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة وَقَالَ ابْن حزم هُوَ جنوب مَكَّة وَمِنْه إِلَى مَكَّة ثَلَاثُونَ ميلًا وَفِي شرح الْمُهَذّب يصرف وَلَا يصرف قلت إِن أُرِيد الْجَبَل فمنصرف وَإِن أُرِيد الْبقْعَة فَغير منصرف الْبَتَّةَ بِخِلَاف قرن فَإِنَّهُ على تَقْدِير إِرَادَة الْبقْعَة يجوز صرفه لأجل سُكُون وَسطه وَقَالَ عِيَاض وَيُقَال الملم يَعْنِي بقلب الْيَاء همزَة وَفِي الْمُحكم يَلَمْلَم والملم جبل وَقَالَ الْبكْرِيّ أَهله كنَانَة وتنحدر أوديته إِلَى الْبَحْر وَهُوَ فِي طَرِيق الْيمن وَهُوَ من كبار جبال تهَامَة وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ هُوَ وَاد بِهِ مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبِه عسكرت هوَازن يَوْم حنين فَإِن قلت مَا وَزنه قلت فعنعل كصمحمح وَلَيْسَ هُوَ من لملمت لِأَن ذَوَات الْأَرْبَعَة لَا يلْحقهَا الزِّيَادَة فِي أَولهَا إِلَّا فِي الْأَسْمَاء الْجَارِيَة على أفعالها نَحْو مدحرج قلت فلأجل هَذَا حكمنَا بِأَن الْمِيم الأولى وَاللَّام الثَّانِيَة زائدتان وَلِهَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي فِي بَاب الْمِيم وَفصل الْيَاء يلم ثمَّ قَالَ يَلَمْلَم لُغَة فِي الملم وَهُوَ مِيقَات أهل الْيمن (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله قَامَ فِي الْمَسْجِد فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر أَن قَوْله فَقَالَ عطف على قَوْله قَامَ قَوْله من أَيْن يتَعَلَّق بقوله تَأْمُرنَا وَكلمَة أَيْن اسْتِفْهَام عَن الْمَكَان قَوْله أَن نهل أَصله بِأَن نهل وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير بالإهلال قَوْله يهل أهل الْمَدِينَة جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَقعت مقول القَوْل قَوْله من ذِي الحليفة يتَعَلَّق بيهل وَكلمَة من ابتدائية أَي ابْتِدَاء إهلالهم من ذِي الحليفة قَوْله ويهل أهل الشَّام عطف على قَوْله يهل أهل الْمَدِينَة وَكَذَا قَوْله ويهل أهل نجد عطف عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير فِي الْكل ليهل لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر على صُورَة الْخَبَر وَلكنه فِي الْمَعْنى على صُورَة الْأَمر قَوْله وَقَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عطف على لفظ عَن عبد الله بن عمر عطفا من جِهَة الْمَعْنى على صُورَة الْأَمر كَأَنَّهُ قَالَ قَالَ نَافِع قَالَ ابْن عمر وَقَالَ ويزعمون وَالْوَاو فِي ويزعمون عطف على مُقَدّر وَهُوَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك وَلَا بُد من هَذَا التَّقْدِير لِأَن الْوَاو لَا تدخل بَين القَوْل وَالْمقول وَالْمرَاد من الزَّعْم إِمَّا القَوْل الْمُحَقق أَو الْمَعْنى الْمَشْهُور قَوْله أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِفَتْح همزَة أَن لِأَن أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مسد مفعولي زعم قَوْله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا خبر كَانَ (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله فِي الْمَسْجِد أَي مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله أَن نهل أَي نحرم والإهلال فِي الأَصْل رفع الصَّوْت وَلَكِن المُرَاد هُنَا الْإِحْرَام مَعَ التَّلْبِيَة قَوْله قَالَ ابْن عمر ويزعمون قَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل احْتِمَالا بَعيدا أَن يكون هَذَا تَعْلِيقا من البُخَارِيّ وَهَكَذَا حكم وَكَانَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قلت هَذَا مثل مَا قَالَه احْتِمَال بعيد لِأَنَّهُ قَالَ ويزعمون وَلَا يُرِيد من هَؤُلَاءِ الزاعمين إِلَّا أهل الْحجَّة وَالْعلم بِالسنةِ ومحال أَن يَقُولُوا ذَلِك بآرائهم لِأَن هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُقَال من جِهَة الرَّأْي وَلَكنهُمْ زَعَمُوا بِمَا وقفهم عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي رِوَايَة مَالك قَالَ وَبَلغنِي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ويهل أهل الْيمن من يَلَمْلَم قَوْله لم أفقه أَي لم أفهم وَلم أعرف هَذِه أَي هَذِه الْمقَالة من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي ويهل أهل الْيمن من يَلَمْلَم وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ فِي الْحَج لم أسمع هَذِه من رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ بَيَان الْمَوَاقِيت الثَّلَاثَة بِالْقطعِ وَهِي مِيقَات أهل الْمَدِينَة وميقات أهل الشَّام وميقات أهل نجد وَالرَّابِع شكّ فِيهِ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَهُوَ مِيقَات أهل الْيمن وَقد ثَبت هَذَا أَيْضا بِالْقطعِ فِي حَدِيث
باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله
ابْن عَبَّاس أخرجه الشَّيْخَانِ وَآخَرُونَ وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن جَابر وَزَاد مُسلم فِيهِ ومهل الْعرَاق ذَات عرق وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَقت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأهل الْمشرق العقيق قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْقرشِي أجمع الْعلمَاء على الْمَوَاقِيت الْأَرْبَعَة وَاخْتلفُوا فِي ذَات عرق لأهل الْعرَاق وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا مِيقَات وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي لأهل الْعرَاق أَن يحرموا من العقيق مُعْتَمدًا على حَدِيث أبي دَاوُد الْمَذْكُور وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ حَدِيث حسن قلت وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن أبي زِيَاد وَهُوَ ضَعِيف وَإِنَّمَا استحبه الشَّافِعِي لِأَنَّهُ أحوط عملا بِالْحَدِيثين على تَقْدِير الصِّحَّة فَإِن العقيق فَوق ذَات عرق وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلف الْعلمَاء هَل صَارَت ذَات عرق ميقاتا لأهل الْعرَاق بِالنَّصِّ أَو الِاجْتِهَاد من عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِيه وَجْهَان لأَصْحَاب الشَّافِعِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْأُم أَنه بتوقيت عمر واجتهاده لحَدِيث البُخَارِيّ الْمَذْكُور وَدَلِيل الثَّانِي حَدِيث جَابر لكنه لم يجْزم الرَّاوِي بِرَفْعِهِ قلت قد أخرج هَذِه الزِّيَادَة أَبُو دَاوُد بِالْجَزْمِ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت لأهل الْعرَاق ذَات عرق وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا لَكِن فِي حَدِيث أبي دَاوُد أَفْلح بن حميد وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يُنكر عَلَيْهِ قَوْله هَذَا وَلأَهل الْعرَاق ذَات عرق قَالَ ابْن عدي تفرد بِهِ عَنهُ الْمعَافي ابْن عمرَان قلت قد أخرج لأفلح مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَوَثَّقَهُ يحيى وَأَبُو حَاتِم وَقَالَ يحيى بن معِين وَأحمد بن عبد الله وَغَيرهمَا الْمعَافي بن عمرَان ثِقَة وروى للمعافي البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ بَعضهم هَذِه الزِّيَادَة رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر رَضِي الله عَنْهُمَا وَغَيرهمَا بأسانيد ضَعِيفَة لَكِن يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا لما تقرر من أَن الضعْف إِذا كَانَ بِغَيْر فسق الرَّاوِي فَإِن الحَدِيث ينْتَقل إِلَى دَرَجَة الْحسن ويحتج بِهِ وَأما تَعْلِيل الدَّارَقُطْنِيّ للْحَدِيث بقوله إِنَّه لم يكن عراق يَوْمئِذٍ فقد ضعفه الْعلمَاء وَقَالُوا مثل هَذَا لَا يُعلل بِهِ الحَدِيث فقد أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمَّا لم يكن فِي زَمَانه مِمَّا كَانَ وَيكون وَهَذَا كَانَ من معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ مَا أخبر بِهِ أَنه سَيكون لَهُم مهل ويسلمون ويحجون فَكَانَ ذَلِك وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت لأهل الشَّام الْجحْفَة وَلم يكن فتح وَقد أقطع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلد الْخَلِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لتميم الدَّارِيّ وَكتب لَهُ بذلك وَلم يكن الشَّام إِذْ ذَاك قلت قَالَ الطَّحَاوِيّ ذهب قوم إِلَى أَن أهل الْعرَاق لَا وَقت لَهُم كوقت سَائِر أهل الْبِلَاد وَأَرَادَ بهم طَاوس بن كيسَان وَابْن سِيرِين وَجَابِر بن زيد وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ الْعرَاق وَقَالُوا أهل الْعرَاق يهلون من الْمِيقَات الَّذِي يأْتونَ عَلَيْهِ من هَذِه الْمَوَاقِيت الْمَذْكُورَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر أجمع عوام أهل الْعلم على القَوْل بِظَاهِر حَدِيث ابْن عمر وَاخْتلفُوا فِيمَا يفعل من مر بِذَات عرق فَثَبت أَن عمر رَضِي الله عَنهُ وقته لأهل الْعرَاق وَلَا يثبت فِيهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة انْتهى قلت الصَّحِيح هُوَ الَّذِي وقته النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا ذكره فِي مطامح الأفهام ثمَّ قَالَ ابْن الْمُنْذر اخْتلفُوا فِي الْمَكَان الَّذِي يحرم من أَتَى من الْعرَاق على ذَات عرق فَقَالَ أنس رَضِي الله عَنهُ يحرم من العقيق وَاسْتحبَّ ذَلِك الشَّافِعِي وَكَانَ مَالك وَأحمد وَإِسْحَق وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي يرَوْنَ الْإِحْرَام من ذَات عرق قَالَ أَبُو بكر الْإِحْرَام من ذَات عرق يجزىء وَهُوَ من العقيق أحوط وَقد كَانَ الْحسن بن صَالح يحرم من الربذَة وروى ذَلِك عَن خصيف وَالقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن قلت أخرج الطَّحَاوِيّ فِي كَون الْمِيقَات لأهل الْعرَاق ذَات عرق أَحَادِيث أَرْبَعَة من الصَّحَابَة وهم عبد الله بن عمر وَأنس وَجَابِر وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس عِنْد التِّرْمِذِيّ والْحَارث بن عَمْرو السَّهْمِي عِنْد أبي دَاوُد وَعَمْرو بن الْعَاصِ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ الثَّانِي فِيهِ أَن هَذِه الْمَوَاقِيت لَا تجوز مجاوزتها بِغَيْر إِحْرَام سَوَاء أَرَادَ حجا أَو عمْرَة فَإِن جاوزها بِغَيْر إِحْرَام يلْزمه دم وَيصِح حجه الثَّالِث فِيهِ معْجزَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ أخبر فِي زَمَانه عَن أَمر سَيكون بعده وَقد كَانَ (بَاب من أجَاب السَّائِل بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من أجَاب الشَّخْص الَّذِي سَأَلَ عَنهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على السُّؤَال وَالْجَوَاب وَهُوَ ظَاهر
73 - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن رجلا سَأَلَهُ مَا يلبس الْمحرم فَقَالَ لَا يلبس الْقَمِيص وَلَا الْعِمَامَة وَلَا السَّرَاوِيل وَلَا الْبُرْنُس وَلَا ثوبا مَسّه الورس أَو الزَّعْفَرَان فَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا تَحت الْكَعْبَيْنِ) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ إِلَى آخِره لِأَن هَذَا الْمِقْدَار زَائِد على السُّؤَال وَقيل أَنه نبه على مَسْأَلَة أصولية وَهِي أَن اللَّفْظ يحمل على عُمُومه لَا على خُصُوص السَّبَب لِأَنَّهُ جَوَاب وَزِيَادَة فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن مُطَابقَة الْجَواب للسؤال حِين يكون عَاما أما إِذا كَانَ السُّؤَال خَاصّا فَغير لَازم لَا سِيمَا إِذا كَانَ الزَّائِد لَهُ تعلق. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة كلهم ذكرُوا. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس وَابْن أبي ذِئْب بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وبالهمزة الساكنة هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمدنِي وَنَافِع هُوَ مولى ابْن عمر. وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَهنا إسنادان أَحدهمَا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَالْآخر عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر. وَقَوله وَعَن الزُّهْرِيّ عطف على قَوْله عَن نَافِع وَفِي بعض النّسخ وَقع لَفْظَة (ح) قبل قَوْله وَعَن الزُّهْرِيّ إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر الْمَتْن (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا آدم وَمِنْهَا مَا قيل أصح الْأَسَانِيد الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه وَنسب هَذَا القَوْل إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ وهما الزُّهْرِيّ وَسَالم. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ من طَرِيق نَافِع هَهُنَا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَنهُ بِهِ وَمن طَرِيق سَالم هَهُنَا أَيْضا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بِهِ وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن آدم عَنهُ بِهِ وَفِي الصَّلَاة عَن عَاصِم بن عَليّ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَأَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك وَابْن مَاجَه عَن أبي مُصعب عَن مَالك وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعمر بن عَليّ كِلَاهُمَا عَن يزِيد عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عمر بن نَافِع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا (بَيَان اللُّغَات) قَوْله لَا يلبس من اللّبْس بِضَم اللَّام يُقَال لبس الثَّوْب يلبس من بَاب علم يعلم وَأما اللّبْس بِالْفَتْح فَهُوَ من بَاب ضرب يضْرب يُقَال لبست عَلَيْهِ الْأَمر البس بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل إِذا خلطت عَلَيْهِ وَمِنْه التباس الْأَمر وَهُوَ اشتباهه قَوْله الْعِمَامَة بِكَسْر الْعين قَالَ الْجَوْهَرِي الْعِمَامَة وَاحِدَة العمائم وعممته ألبسته الْعِمَامَة وعمم الرجل سود لِأَن العمائم تيجان الْعَرَب كَمَا قيل فِي الْعَجم توج واعتم بالعمامة وتعمم بهَا بِمَعْنى وَفُلَان حسن الْعمة أَي الاعتمام قَوْله وَلَا السَّرَاوِيل قَالَ الْكرْمَانِي السَّرَاوِيل أَعْجَمِيَّة عربت وَجَاء على لفظ الْجمع وَهُوَ وَاحِد تذكر وتؤنث وَلم يعرف الْأَصْمَعِي فِيهَا إِلَّا التَّأْنِيث وَيجمع على السراويلات وَقد يُقَال هُوَ جمع ومفرده سروالة قَالَ الشَّاعِر (عَلَيْهِ من اللؤم سروالة ... فَلَيْسَ يرق لمستضعف) وَهُوَ غير منصرف على الْأَكْثَر وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ سَرَاوِيل وَاحِدَة وَهِي أَعْجَمِيَّة فأعربت فَأَشْبَهت فِي كَلَامهم مَا لَا ينْصَرف فِي معرفَة وَلَا نكرَة فَهِيَ مصروفة فِي النكرَة وَقَالَ وَإِن سميت بهَا رجلا لم تصرفها وَمن النَّحْوِيين من لَا يصرفهُ أَيْضا فِي النكرَة وَيَزْعُم أَنه جمع سروال وسروالة ويحتج فِي ترك صرفه بقوله ابْن الرُّومِي (فنحى فَارسي فِي سَرَاوِيل رامح ... ) وَالْعَمَل على القَوْل الأول وَالثَّانِي أقوى وسرولته ألبسته السَّرَاوِيل فتسرول قَوْله وَلَا الْبُرْنُس بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَضم النُّون وَهُوَ ثوب رَأسه مِنْهُ ملتزق بِهِ وَقيل قلنسوة طَوِيلَة وَكَانَ النساك يلبسونها فِي صدر الْإِسْلَام وَهُوَ من البرس بِكَسْر الْبَاء وَهُوَ الْقطن وَالنُّون زَائِدَة وَقيل غير عَرَبِيّ وَقَالَ ابْن حزم كل مَا جب فِيهِ مَوضِع لإِخْرَاج الرَّأْس مِنْهُ فَهُوَ
جُبَّة فِي لُغَة الْعَرَب وكل مَا خيط أَو نسج فِي طَرفَيْهِ ليتمسك على اللابسين فَهُوَ برنس كالغفارة وَنَحْوهَا وَيُقَال هُوَ ثوب رَأسه مُتَّصِل بِهِ من دراعة أَو جُبَّة أَو ممطر أَو غَيره قَوْله الورس بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة وَهُوَ نبت أصفر يكون بِالْيمن تصبغ بِهِ الثِّيَاب ويتخذ مِنْهُ الغمرة للْوَجْه وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي الورس يزرع بِالْيمن زرعا وَلَا يكون بِغَيْر الْيمن وَلَا يكون مِنْهُ شَيْء بريا ونباته مثل حب السمسم فَإِذا جف عِنْد إِدْرَاكه يفتق فينفض مِنْهُ الورس ويزرع سنة فيجلس عشر سِنِين أَي يُقيم فِي الأَرْض ينْبت ويثمر وَفِيه جنس يُسمى بالحبشي وَفِيه سَواد وَهُوَ أكبر الورس وللعرعر ورس وللريث ورس وَقَالَ أَبُو حنيفَة لست أعرفهُ بِغَيْر أَرض الْعَرَب وَلَا من أَرض الْعَرَب غير بِلَاد الْيمن وَقَالَ الْأَصْمَعِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا تكون إِلَّا بِالْيمن وَقد مَلَأت الأَرْض الورس واللبان والعصب وَأَخْبرنِي ابْن بنت عبد الرَّزَّاق وَقَالَ الورس عندنَا بِالْيمن بجفاش وملجان وطمام وسحبان والرقعة وَجَوَاز وهوزن وجبال ابْن أبي جَعْفَر كلهَا وَيُقَال لَهُ الحض وَقَالَ ابْن بيطار فِي جَامعه يُؤْتى بالورس من الصين واليمن والهند وَلَيْسَ بنبات يزرع كَمَا زعم من زعم وَهُوَ يشبه زهر العصفر وَمِنْه شَيْء يشبه نشارة البابونج وَمِنْه شَيْء يشبه البنفسج وَيُقَال أَن الكركم عروقه انْتهى يُقَال أورس الْمَكَان وورست الثَّوْب توريسا صبغته بالورس وريسته صبغته بالورس قَوْله والزعفران بِفَتْح الزَّاي وَالْفَاء جمعه زعافر وَهُوَ اسْم أعجمي وَقد صرفته الْعَرَب يُقَال ثوب مزعفر وَقد زعفر ثَوْبه يزعفره زعفرة وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي لَا أعلمهُ ينْبت بِشَيْء من أَرض الْعَرَب وَفِي كتاب الطِّبّ للمفضل بن سَلمَة يُقَال أَن الكركم عروق الزَّعْفَرَان وَقَالَ مورج يُقَال لورق الزَّعْفَرَان الفيد وَمِنْه يُسمى مورج أبافيد قَوْله النَّعْلَيْنِ تَثْنِيَة نعل وَهُوَ الْحذاء بِكَسْر الْحَاء وبالمد يُقَال احتذى إِذا انتعل وَهِي مُؤَنّثَة قَوْله الْكَعْبَيْنِ تَثْنِيَة كَعْب وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا هُوَ الْمفصل الَّذِي فِي وسط الْقدَم عِنْد معقد الشرَاك لَا الْعظم الناتىء عِنْد مفصل السَّاق فَإِنَّهُ فِي بَاب الْوضُوء (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله سَأَلَهُ جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله مَا يلبس كلمة مَا استفهامية أَو مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لسأل قَوْله فَقَالَ عطف على سَأَلَهُ قَوْله لَا يلبس يجوز بِضَم السِّين على أَن تكون لَا نَافِيَة وبكسرها على أَن تكون لَا ناهية والقميص بِالنّصب مَفْعُوله وَمَا بعده من الْمَذْكُورَات معطوفات عَلَيْهِ قَوْله وَلَا ثوبا بِالنّصب وروى وَلَا ثوب بِالرَّفْع فوجهه أَن يكون مَرْفُوعا بِتَقْدِير فعل مَا لم يسم فَاعله أَي وَلَا يلبس ثوب قَوْله مَسّه فعل ومفعول والورس بِالرَّفْع فَاعله وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب أَو الرّفْع صفة للثوب قَوْله فليلبس الْخُفَّيْنِ جَوَاب الشَّرْط فَلذَلِك دخله الْفَاء قَوْله وليقطعهما بِكَسْر اللَّام وسكونها وَهُوَ عطف على قَوْله فليلبس فَإِن قلت اللّبْس بعد الْقطع فَكيف وَجه هَذَا الْعَطف قلت الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب وَمَعْنَاهَا الشّركَة وَالْجمع مُطلقًا من غير دلَالَة على تَقْدِيم أَو مصاحبة وَلِهَذَا صَحَّ جَاءَ زيد وَبكر قبله وَعَمْرو مَعَه وخَالِد بعده وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة {وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة} وَفِي الْأَعْرَاف {وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا} والقصة وَاحِدَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ الْوَاو للشَّرِكَة تَقول مَرَرْت بِرَجُل وحمار وَلم يفد تَقْدِيم رجل فِي الْمَعْنى شَيْئا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء فِي اللَّفْظ فكأنك قلت مَرَرْت بهما قَوْله حَتَّى يَكُونَا التَّقْدِير حَتَّى أَن يَكُونَا وَكلمَة حَتَّى للغاية وَالْمعْنَى حَتَّى يكون غَايَته الْقطع تَحت الْكَعْبَيْنِ (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله مَا يلبس الْمحرم قَالَ الْمَازرِيّ وَغَيره سُئِلَ عَمَّا يلبس فَأجَاب بِمَا لَا يلبس لِأَن الْمَتْرُوك منحصر والملبوس لَا ينْحَصر لِأَن الْإِبَاحَة هِيَ الأَصْل فحصر مَا يتْرك ليبين أَن مَا سواهُ مُبَاح وَهَذَا من بديع كَلَامه وجزله وفصاحته قلت وَفَائِدَة أُخْرَى وَهُوَ مُرَاعَاة الْمَفْهُوم فَإِنَّهُ لَو أجَاب بِمَا يلبس لتوهم الْمَفْهُوم وَهُوَ أَن غير الْمحرم لَا يلْبسهُ فانتقل إِلَى مَا لَا يلْبسهُ لِأَن مَفْهُومه ومنطوقه مُسْتَعْمل فَكَانَ أفْصح وأبلغ وأوجه وَقد أُجِيب بِأَن السُّؤَال كَانَ من حَقه أَن يكون عَمَّا لَا يلبس لِأَن الحكم الْعَارِض الْمُحْتَاج إِلَى الْبَيَان هُوَ الْحُرْمَة وَأما جَوَاز مَا يلبس فثابت فِي الأَصْل مَعْلُوم بالاستصحاب فَلذَلِك أَتَى بِالْجَوَابِ على وَفقه تَنْبِيها عَلَيْهِ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مَا ذكر فِي الحَدِيث لَا يلْبسهُ الْمحرم وَأَنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط فنبه بالسراويل على كل مَا يعم الْعَوْرَة من الْمخيط وبالعمائم والبرانس على كل مَا يغطى بِهِ الرَّأْس مخيطا أَو غَيره وبالخفاف على مَا يستر الرجل وَإِن لِبَاس ذَلِك جَائِز للرِّجَال فِي غير الْإِحْرَام لِأَن الْخطاب إِنَّمَا كَانَ لَهُم وَلِأَن النِّسَاء مأمورات بستر رُؤْسهنَّ قلت وَفِي عطف البرانس على الْعِمَامَة دَلِيل على أَن الْمحرم يَنْبَغِي أَن لَا يُغطي رَأسه بالمعتاد وَغَيره وَكَذَا
نبه بالورس والزعفران على مَا سواهُمَا من أَنْوَاع الطّيب وَهُوَ حرَام على الرجل وَالْمَرْأَة فَإِن قلت مَا تقدم عَلَيْهِ وَمَا تَأَخّر عَنهُ خَاص بِالرِّجَالِ فَمن أَيْن علم عُمُومه وخصوصهما قلت الْخُصُوص من حَيْثُ أَن الْأَلْفَاظ كلهَا للمذكرين وَأما الْعُمُوم فَمن الْأَدِلَّة الْخَارِجَة عَن هَذَا الحَدِيث وَلَو كَانَت الرِّوَايَة بِرَفْع وَلَا ثوب فَالْجَوَاب أظهر قَالَ الْعلمَاء وَالْحكمَة فِي تَحْرِيم اللبَاس الْمَذْكُور على الْمحرم أَن يبعد من الترفه ويتصف بِصفة الخاشع الذَّلِيل وليتذكر أَنه محرم فِي كل وَقت فَيكون أقرب إِلَى كَثْرَة أذكاره وأبلغ فِي مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات وليتذكر بِهِ الْمَوْت ولباس الأكفان والبعث يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة مهطعين إِلَى الدَّاعِي وَالْحكمَة فِي تَحْرِيم الطّيب أَن يبعد من زِينَة الدُّنْيَا وَلِأَنَّهُ دَاع إِلَى الْجِمَاع وَلِأَنَّهُ يُنَافِي الْحَاج فَإِنَّهُ أَشْعَث أغبر ومحصله إِرَادَة أَن يجمع همه لمقاصد الْآخِرَة قَوْله وَلَا ثوبا مَسّه الورس فَإِن قلت فَلم عدل عَن طَريقَة أخواته قلت لِأَن الطّيب حرَام على الرجل وَالْمَرْأَة فَأَرَادَ أَن يعمم الحكم للْمحرمِ والمحرمة بِخِلَاف الثِّيَاب الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا حرَام على الرِّجَال فَقَط قَوْله فليقطعهما قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت فَإِذا فقد النَّعْل فَهَل يجب لبس الْخُف الْمَقْطُوع لِأَن ظَاهر الْأَمر الْوُجُوب قلت لَا إِذْ هُوَ شرع للتسهيل فَلَا يُنَاسب التثقيل قلت هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ مَذْهَب إِمَامه فَإِن الْقطع وَاجِب بِظَاهِر الْأَمر عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء إِلَّا أَن أَحْمد جوزه بِدُونِ الْقطع وَزعم أَصْحَابه أَن الْقطع إِضَاعَة وَهُوَ القَوْل بِالرَّأْيِ بِعَيْنِه ومنازعة السّنة بِهِ وَأوجب أَبُو حنيفَة الْفِدْيَة على من لم يقطعهُ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول قَالَ ابْن بطال فِيهِ من الْفِقْه أَنه يجوز للْعَالم إِذا سُئِلَ عَن الشَّيْء أَن يُجيب بِخِلَافِهِ إِذا كَانَ فِي جَوَابه بَيَان مَا يسْأَل عَنهُ وَأما الزِّيَادَة على السُّؤَال فَحكم الْخُف وَإِنَّمَا زَاد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لعلمه بِمَشَقَّة السّفر وَمِمَّا يلْحق النَّاس من الحفي بِالْمَشْيِ رَحْمَة لَهُم وَلذَلِك يجب على الْعَالم أَن يُنَبه النَّاس فِي الْمسَائِل على مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويتسعون فِيهِ مَا لم يكن ذَرِيعَة إِلَى ترخيص شَيْء من حُدُود الله تَعَالَى الثَّانِي فِيهِ بَيَان حُرْمَة لبس الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة على الْمحرم وَهَذَا إِجْمَاع الثَّالِث فِيهِ حُرْمَة لبس الثَّوْب الَّذِي مَسّه ورس أَو زعفران وَأطلق حرمته جمَاعَة مِنْهُم مُجَاهِد وَهِشَام بن عُرْوَة وَعُرْوَة بن الزبير وَمَالك فِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَنهُ فَإِنَّهُم قَالُوا كل ثوب مَسّه ورس وزعفران لَا يجوز لبسه للْمحرمِ سَوَاء كَانَ مغسولا أَو لم يكن لإِطْلَاق الحَدِيث وَإِلَيْهِ ذهب ابْن حزم الظَّاهِرِيّ وَخَالفهُم جمَاعَة وهم سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَطَاوُس وَقَتَادَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأَبُو ثَوْر فَإِنَّهُم أَجَازُوا للْمحرمِ لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالورس أَو الزَّعْفَرَان إِذا كَانَ غسيلا لَا ينفض لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور إِلَّا أَن يكون غسيلا وَأورد هَذِه الزِّيَادَة الطَّحَاوِيّ فِي مَعَاني الْآثَار قَالَ حَدثنَا يحيى بن عبد الحميد قَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ح وَحدثنَا ابْن أبي عمرَان قَالَ حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عبيد الله بن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل الحَدِيث الْمَذْكُور وَزَاد إِلَّا يكون غسيلا قَالَ ابْن أبي عمرَان رَأَيْت يحيى بن معِين وَهُوَ يتعجب من الْحمانِي إِذْ يحدث بِهَذَا الحَدِيث فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن هَذَا عِنْدِي ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يحيى الْحمانِي فَكتب عَنهُ يحيى بن معِين فقد ثَبت بِمَا ذكرنَا اسْتثِْنَاء رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الغسيل مِمَّا قد مَسّه ورس أَو زعفران انْتهى كَلَامه فَإِن قلت قَالَ ابْن حزم وَلَا نعلمهُ صَحِيحا وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل أَبُو مُعَاوِيَة مُضْطَرب الحَدِيث فِي أَحَادِيث عبيد الله وَلم يَجِيء بِهَذَا أحد غَيره إِلَّا أَن يكون غسيلا قلت هَذَا يحيى بن معِين كَانَ أَولا يُنكر على يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي يَقُول كَيفَ يحدث بِهَذَا الحَدِيث ثمَّ لما قَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ هَذَا الحَدِيث عِنْدِي وَأخرج لَهُ من أَصله عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره الْحمانِي بِهَذِهِ الزِّيَادَة كتب عَنهُ يحيى بن معِين وَكفى حجَّة لصِحَّة هَذِه الزِّيَادَة شَهَادَة عبد الرَّحْمَن وَكِتَابَة يحيى بن معِين وَرِوَايَة أبي مُعَاوِيَة وَأَبُو مُعَاوِيَة ثِقَة ثَبت وَقَول ابْن حزم وَلَا نعلمهُ صَحِيحا نفى علمه بِصِحَّتِهِ وَهَذَا لَا يسْتَلْزم نفي صِحَّته فِي علم غَيره فَافْهَم الرَّابِع فِيهِ جَوَاز لبس الْخُفَّيْنِ إِذا لم يجد النَّعْلَيْنِ وَلَكِن بِشَرْط قطعهمَا فالجمهور على وجوب الْقطع كَمَا ذكرنَا وَجوزهُ أَحْمد بِغَيْر قطع وَهُوَ مَذْهَب عَطاء أَيْضا واستدلا فِي ذَلِك بِظَاهِر حَدِيث جَابر أخرجه مُسلم من لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وَبِحَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه البُخَارِيّ وَمن
لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هذَيْن الْحَدِيثين أَعنِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور وَحَدِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر فَزعم أَصْحَاب أَحْمد أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر نَاسخ لحَدِيث عبد الله بن عمر بِالْقطعِ لِأَنَّهُ إِضَاعَة مَال وَقَالَ الْجُمْهُور الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة والإضاعة إِنَّمَا تكون فِيمَا نهى عَنهُ أما مَا ورد الشَّرْع بِهِ فَلَيْسَ إِضَاعَة بل هُوَ حق يجب الْإِيمَان بِهِ وادعاء النّسخ ضَعِيف جدا فَإِن قلت قَالَ ابْن قدامَة يحْتَمل أَن يكون الْأَمر بقطعهما قد نسخ فَإِن عَمْرو بن دِينَار روى الْحَدِيثين جَمِيعًا وَقَالَ انْظُرُوا أَيهمَا كَانَ قبل وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي حَدِيث ابْن عمر قبل لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي بعض رواياته نَادَى رجل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَسْجِد يَعْنِي فِي الْمَدِينَة فَكَأَنَّهُ كَانَ قبل الْإِحْرَام وَحَدِيث ابْن عَبَّاس يَقُول سمعته يخْطب بِعَرَفَات الحَدِيث فَيدل على تَأَخره عَن حَدِيث ابْن عمر فَيكون نَاسِخا لَهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْقطع وَاجِبا لبينه للنَّاس إِذْ لَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ قلت يُفَسر هَذَا كُله مَا ذكره ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس سَمِعت النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم وَهُوَ يخْطب وَيَقُول السَّرَاوِيل لمن لَا يجد الْإِزَار وَحدثنَا أَحْمد بن الْمِقْدَاد حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بِذَاكَ الْمَكَان فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا يلبس الْمحرم الحَدِيث كَأَنَّهُ يُشِير بذلك الْمَكَان إِلَى عَرَفَات فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على مَا ذَكرُوهُ وادعوه من النّسخ وَالله أعلم فَإِن قلت قد قيل أَن قَوْله وليقطعهما من كَلَام نَافِع وَكَذَا فِي أمالي أبي قَاسم بن بشر بِسَنَد صَحِيح أَن نَافِعًا قَالَ بعد رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث وليقطع الْخُفَّيْنِ أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ وَابْن التِّين أَن جَعْفَر بن برْقَان قَالَ فِي رِوَايَته قَالَ نَافِع وَيقطع الخفان أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ روى حَدِيث ابْن عمر مَالك وَعبيد الله وَأَيوب فِي آخَرين فوقفوه على ابْن عمر وَحَدِيث ابْن عَبَّاس سَالم من الْوَقْف مَعَ مَا عضده من حَدِيث جَابر وَقد أَخذ بِحَدِيث عمر وَعلي وَسَعِيد وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم ثمَّ أَنا نحمل قَوْله وليقطعهما على الْجَوَاز من غير كَرَاهَة لأجل الْإِحْرَام وَينْهى عَن ذَلِك فِي غير الْإِحْرَام لما فِيهِ من الْفساد قلت قَالَ أَبُو عمر قد اتّفق الْحفاظ من أَصْحَاب مَالك على لَفْظَة وليقطعهما أَنَّهَا من لفظ الحَدِيث وَأما جَعْفَر بن برْقَان فَوَهم فِيهِ فِي موضِعين. الأول جعله هَذَا من قَول نَافِع أَنه قَالَ فِيهِ من لم يجد إزارا فليلبس سَرَاوِيل وَلَيْسَ هَذَا حَدِيث ابْن عمر. وَالثَّانِي جعله هَذَا مَوْقُوفا وَقد روى أَحْمد بن حَنْبَل حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا وَفِيه ذكر الْقطع وَقَالَ لَيْسَ نجد أحدا رَفعه غير زُهَيْر قَالَ وَكَانَ زُهَيْر من معادن الصدْق ذكره عَنهُ الْمَيْمُونِيّ الْخَامِس قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا السَّرَاوِيل أطلق الْمَنْع فِيهِ وَجَاء فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس إِبَاحَة لبس السَّرَاوِيل لمن لم يجد الْإِزَار بقوله من لم يجد إزارا فليلبس السَّرَاوِيل فَأخذ بِهِ الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور مِنْهُم عَطاء وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَق وَدَاوُد وَمنعه أَبُو حنيفَة وَمَالك قَالَ فالشافعي أَخذ بِظَاهِر الحَدِيث وَأَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول إِن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِحجَّة علينا وَلَا نَحن نخالفه وَلَا تركنَا الْعَمَل بِهِ فَنحْن أَيْضا نقُول بِهِ ونجوز لبس السَّرَاوِيل للضَّرُورَة كَمَا جوزتم أَنْتُم وَلَكنَّا نقيد الْجَوَاز بِالْكَفَّارَةِ فَإِذا لبس وَجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على نفي وجوب الْكَفَّارَة غَايَة مَا فِي الْبَاب الَّذِي يدل عَلَيْهِ الحَدِيث جَوَاز لبس الْخُفَّيْنِ عِنْد عدم النَّعْلَيْنِ وَجَوَاز لبس السَّرَاوِيل عِنْد عدم الْإِزَار ثمَّ أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لدلائل أُخْرَى دلّت عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد وَأَجْمعُوا أَن الْمحرم إِذا وجد إزارا لم يجز لَهُ لبس السَّرَاوِيل وَاخْتلفُوا فِيهِ إِذا لم يجد الْإِزَار هَل يلبس السَّرَاوِيل وَإِن لبسهَا على ذَلِك هَل عَلَيْهِ فديَة أم لَا فَكَانَ مَالك وَأَبُو حنيفَة يريان على من لبس السَّرَاوِيل وَهُوَ محرم الْفِدْيَة وَسَوَاء عِنْد مَالك وجد الْإِزَار أَو لم يجد وَفِي الْبَدَائِع الْمحرم إِذا لم يجد الْإِزَار وَأمكنهُ فتق السَّرَاوِيل والتستر فِيهِ فتقه فَإِن لبسه وَلم يفتقه فَعَلَيهِ دم فِي قَول أَصْحَابنَا وَقَالَ الشَّافِعِي يلْبسهُ وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِن لم يجد رِدَاء وَله قَمِيص فَلَا بَأْس أَن يشق قَمِيصه ويرتدي بِهِ لِأَنَّهُ لما شقَّه صَار بِمَنْزِلَة الرِّدَاء وَكَذَا إِذا لم يجد إزارا فَلَا بَأْس أَن يفتق سراويله خلاف مَوضِع التكة ويأتزر بِهِ لِأَنَّهُ إِذا فتقه صَار بِمَنْزِلَة الْإِزَار وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب
بسم الله الرحمن الرحيم
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (كتاب الْوضُوء) قد ذكرنَا أَنه افْتتح الْكتاب أَولا بالمقدمة وَهُوَ بَاب الْوَحْي ثمَّ ذكر الْكتب الْمُشْتَملَة على الْأَبْوَاب وَقدم كتاب الْإِيمَان وَكتاب الْعلم للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ عِنْد كتاب الْإِيمَان ثمَّ شرع بِذكر الْكتب الْمُتَعَلّقَة بالعبادات وقدمها على غَيرهَا من الْكتب الْمُتَعَلّقَة بِنَحْوِ الْمُعَامَلَات والآداب وَالْحُدُود وَغير ذَلِك لِأَن ذكرهَا عقيب كتاب الْعلم وَالْإِيمَان أنسب لِأَن أصل الْعِبَادَات ومبناها الْإِيمَان ومعرفتها على مَا يجب وَيَنْبَغِي بِالْعلمِ ثمَّ قدم كتاب الصَّلَاة بأنواعها على غَيرهَا من كتب الْعِبَادَات لكَونهَا تالية الْإِيمَان فِي الْكتاب وَالسّنة وَلِأَن الِاحْتِيَاج إِلَى مَعْرفَتهَا أَشد لِكَثْرَة دورانها ثمَّ قدم كتاب الْوضُوء لِأَنَّهَا شَرط الصَّلَاة وَشرط الشَّيْء يسْبقهُ وَوَقع فِي بعض النّسخ كتاب الطَّهَارَة وَبعده بَاب مَا جَاءَ فِي الْوضُوء وَهَذَا أنسب لِأَن الطَّهَارَة أَعم من الْوضُوء وَالْكتاب الَّذِي يذكر فِيهِ نوع من الْأَنْوَاع يَنْبَغِي أَن يترجم بِلَفْظ عَام حَتَّى يَشْمَل جَمِيع أَقسَام ذَلِك الْكتاب ثمَّ الْكَلَام فِي لفظ الْكتاب قد مر عِنْد كتاب الْإِيمَان. وَالطَّهَارَة فِي اللُّغَة مصدر من طهر الشَّيْء بِضَم الْهَاء وَفتحهَا وَفِي الْعباب طهر الشَّيْء وطهر أَيْضا بِالضَّمِّ وبالفتح أَعلَى طَهَارَة وَالطُّهْر بِالضَّمِّ الِاسْم والطهرة اسْم من التَّطْهِير وَالطُّهْر نقيض الْحيض والتركيب يدل على نقاء وَإِزَالَة دنس. وَفِي الشَّرْع الطَّهَارَة هِيَ النَّظَافَة وَالْوُضُوء بِضَم الْوَاو من الْوَضَاءَة وَهُوَ الْحسن والنظافة تَقول وضؤ الرجل أَي صَار وضيئا وَالْمَرْأَة وضيئة وَالْوُضُوء بِالْفَتْح المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ وَفِي الْعباب الْوضُوء أَيْضا يَعْنِي بِالْفَتْح مصدر من تَوَضَّأت للصَّلَاة مثل الْقبُول وَأنكر أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء الْفَتْح فِي غير الْقبُول وَقَالَ الْأَصْمَعِي قلت لأبي عَمْرو مَا الْوضُوء بِالْفَتْح قَالَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ قلت فَمَا الْوضُوء بِالضَّمِّ قَالَ لَا أعرفهُ وَأما إسباغ الْوضُوء فبفتح الْوَاو لَا غير لِأَنَّهُ فِي معنى إبلاغ الْوضُوء موَاضعه وَذكر الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى {وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة} فَقَالَ الْوقُود بِالْفَتْح الْحَطب والوقود بِالضَّمِّ الإيقاد وَهُوَ الْمصدر قَالَ وَمثل ذَلِك الْوضُوء وَهُوَ المَاء وَالْوُضُوء وَهُوَ الْمصدر ثمَّ قَالَ وَزَعَمُوا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد تَقول الْوقُود والوقود يجوز أَن يَعْنِي بهما الْحَطب وَيجوز أَن يَعْنِي بهما الْمصدر وَقَالَ غَيره الْقبُول والولوع مفتوحان وهما مصدران شَاذان وَمَا سواهُمَا من المصادر فمبني على الضَّم قلت الْحَاصِل أَن فِي الْوضُوء ثَلَاث لُغَات أشهرها أَنه بِضَم الْوَاو اسْم للْفِعْل وَبِفَتْحِهَا اسْم للْمَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ ونقلها ابْن الْأَنْبَارِي عَن الْأَكْثَرين الثَّانِي أَنه بِفَتْح الْوَاو فيهمَا وَهُوَ قَول جماعات مِنْهُم الْخَلِيل قَالَ وَالضَّم لَا يعرف الثَّالِث أَنه بِالضَّمِّ فيهمَا وَهِي غَرِيبَة ضَعِيفَة حَكَاهَا صَاحب الْمطَالع وَهَذِه اللُّغَات الثَّلَاث مثلهَا فِي الطّهُور (بَاب مَا جَاءَ فِي الْوضُوء وَقَول الله تَعَالَى {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ) هَكَذَا وَقع فِي النّسخ الصَّحِيحَة وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة. بَاب فِي الْوضُوء وَقَوله عز وَجل إِذا قُمْتُم. الخ وَوَقع فِي أصل الدمياطي بَاب مَا جَاءَ فِي الْوضُوء وَقَول الله عز وَجل وَعَلِيهِ مَشى ابْن بطال فِي شَرحه وَكَذَا مَشى عَلَيْهِ الْكرْمَانِي فِي شَرحه غير أَن قبله كتاب الطَّهَارَة وَكَذَا فِي شرح الْحَافِظ مغلطاي كتاب الطَّهَارَة مَوضِع كتاب الْوضُوء ثمَّ قَوْله بَاب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده وَالتَّقْدِير هَذَا بَاب فِي بَيَان ماجاء فِي قَول الله عز وَجل وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا جَاءَ من اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي معنى قَوْله تَعَالَى {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} هَل فِيهِ تَقْدِير أَو الْأَمر على ظَاهره وعمومه على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول الْكَلَام فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة على أَنْوَاع (الأول) افْتتح كتاب الْوضُوء بِهَذِهِ الْآيَة لكَونهَا أصلا فِي استنباط مسَائِل هَذَا الْبَاب أَو لأجل التَّبَرُّك فِي الِافْتِتَاح بِآيَة من الْقُرْآن وَإِن كَانَ حق الدَّلِيل أَن يُؤَخر عَن الْمَدْلُول لِأَن الأَصْل فِي الدَّعْوَى تَقْدِيم الْمُدَّعِي (الثَّانِي فِي بَيَان أَلْفَاظ هَذِه الْآيَة) فَقَوله يَا حرف نِدَاء للبعيد حَقِيقَة أَو حكما وَقد يُنَادى بِهِ الْقَرِيب توكيدا وَقيل هِيَ مُشْتَركَة بَين الْبعيد والقريب وَقيل بَينهمَا وَبَين الْمُتَوَسّط وَهِي أَكثر حُرُوف النداء اسْتِعْمَالا وَلِهَذَا لَا يقدر عِنْد الْحَذف سواهَا نَحْو {يُوسُف أعرض عَن هَذَا} وَلَا يُنَادى اسْم الله تَعَالَى وَالِاسْم المستغاث وأيها وأيتها إِلَّا بهَا وَلَا الْمَنْدُوب
إِلَّا بهَا أَو بوا. وَقَول من قَالَ أَن الْيَاء مُشْتَركَة بَين الْقَرِيب والبعيد هُوَ الْأَصَح لِأَن أَصْحَاب اللُّغَة ذكرُوا أَن يَا حرف يُنَادى بِهِ الْقَرِيب والبعيد فَإِن قلت مَا تَقول فِي قَول الدَّاعِي يَا الله وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد} قلت هَذَا استقصار مِنْهُ لنَفسِهِ واستبعاد عَن مظان الْقبُول لعمله وَأي اسْم يَأْتِي لخمسة معَان الأول للشّرط نَحْو {أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى} الثَّانِي للاستفهام نَحْو {أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا} الثَّالِث يكون مَوْصُولا نَحْو {لننزعن من كل شيعَة أَيهمْ أَشد} التَّقْدِير لننزعن الَّذِي هُوَ أَشد نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ الرَّابِع يكون صفة لنكرة نَحْو زيد أَي رجل أَي كَامِل فِي صِفَات الرِّجَال وَحَالا للمعرفة نَحْو مَرَرْت بِعَبْد الله أَي رجل الْخَامِس وصلَة إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ ال نَحْو يَا أَيهَا الرجل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} وَزعم الْأَخْفَش أَن أيا هَذِه هِيَ الموصولة حذف صدر صلتها وَهُوَ الْعَائِد وَالْمعْنَى يَا من هُوَ الرجل وَكَذَلِكَ يكون التَّقْدِير هَهُنَا على قَوْله يَا من هم الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة. وَهَا تسْتَعْمل على ثَلَاثَة أوجه. الأول يكون اسْما لفعل وَهُوَ خُذ تَقول هَاء للمذكر بِالْفَتْح وهاء للمؤنث بِالْكَسْرِ وهاؤما وهاؤم وهاؤن قَالَ الله تَعَالَى {هاؤم اقرؤا كِتَابيه} وَالثَّانِي يكون ضميرا للمؤنث نَحْو ضربهَا وغلامها وَالثَّالِث يكون للتّنْبِيه فَتدخل على أَرْبَعَة: الأول الْإِشَارَة نَحْو هَذَا. الثَّانِي ضمير الرّفْع الْمخبر عَنهُ باسم الْإِشَارَة نَحْو {هَا أَنْتُم أولاء} الثَّالِث اسْم الله تَعَالَى فِي الْقسم عِنْد حذف الْحَرْف نَحْوهَا الله بِقطع الْهمزَة وَوَصلهَا وَكِلَاهُمَا مَعَ إِثْبَات ألفها وحذفها. الرَّابِع نعت أَي فِي النداء نَحْو أَيهَا الرجل وَهِي فِي هَذَا وَاجِبَة للتّنْبِيه على أَنه الْمَقْصُود بالنداء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} قَوْله {الَّذين} اسْم مَوْصُول مَوْضُوع للْجمع وَلَيْسَ هُوَ جمع الَّذِي لِأَن الَّذِي عَام لذِي الْعلم وَغَيره وَالَّذين يخْتَص بذوي الْعلم وَلَا يكون الْجمع أخص من مفرده وَقَول بعض شرَّاح الْهِدَايَة من أَصْحَابنَا أَن الَّذين جمع الَّذِي صادر من غير تَحْقِيق ثمَّ إِن الَّذين لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون صفة لأي أَو يكون موصوفها محذوفا تَقْدِيره يَا أَيهَا النَّاس الَّذين آمنُوا أَو يَا أَيهَا الْقَوْم الَّذين آمنُوا وَنَحْو ذَلِك لِأَن الموصولات وضعت وصلَة إِلَى المعارف بالجمل وَأي لَيْسَ بِمَعْرِِفَة فَلَا يكون الَّذين صفة لَهُ فَإِن قلت كَيفَ يكون الَّذين صفة لأي وَصفَة أَي هُوَ الْمُقدر من النَّاس أَو الْقَوْم قلت الْمَجْمُوع كُله هُوَ صفة أَي لَا الْمُقدر وَحده وَلَا الْمَوْصُول وَحده فَعَن هَذَا سقط اعْتِرَاض الشَّيْخ قوام الدّين الْأَتْقَانِيّ على الشَّيْخ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ فِي قَوْله {الَّذين آمنُوا} صفة لأي بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك لِأَن صفة أَي هُوَ الْمُقدر من الْقَوْم أَو النَّاس ثمَّ آمنُوا صفة لتِلْك الصّفة الْمقدرَة لأي بِوَاسِطَة الَّذين قَوْله {آمنُوا} فعل مَاض للْجمع الْمُذكر الغائبين من آمن يُؤمن إِيمَانًا قَوْله {إِذا} تسْتَعْمل فِي الْكَلَام على وَجْهَيْن الأول أَن تكون للمفاجأة فتختص بالجمل الاسمية وَلَا تحْتَاج إِلَى الْجَواب وَلَا تقع فِي الِابْتِدَاء وَمَعْنَاهَا الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال نَحْو خرجت فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ وَمِنْه {فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى} وَالثَّانِي أَن تكون ظرفا للمستقبل متضمنة معنى الشَّرْط وتختص بِالدُّخُولِ على الْجُمْلَة الفعلية وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْله تَعَالَى {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} فَإِن إِذا هُنَا ظرف تضمن معنى الشَّرْط قَوْله {قُمْتُم} فعل مَاض للْجمع الْمُذكر المخاطبين قَوْله {إِلَى الصَّلَاة} كلمة إِلَى تَأتي لثمانية معَان الأول انْتِهَاء الْغَايَة الزمانية نَحْو {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} والمكانية نَحْو {من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى} الثَّانِي الْمَعِيَّة نَحْو {من أَنْصَارِي إِلَى الله} الثَّالِث التَّبْيِين وَهِي المبينة لفاعلية مجرورها بعد مَا يُفِيد حبا أَو بغضا من فعل تعجب أَو اسْم تَفْضِيل نَحْو {رب السجْن أحب إِلَيّ} الرَّابِع بِمَعْنى اللَّام نَحْو الْأَمر إِلَيْك الْخَامِس بِمَعْنى فِي نَحْو {ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة} السَّادِس الِابْتِدَاء كَقَوْلِه (تَقول وَقد عاليت بالكوز فَوْقهَا ... أيسقى فَلَا يرْوى إِلَى ابْن احمرا) السَّابِع بِمَعْنى عِنْد نَحْو أشهى إِلَيّ من الرَّحِيق السلسل أَي عِنْدِي الثَّامِن التوكيد وَهِي الزَّائِدَة أثبت ذَلِك الْفراء مستدلا بِقِرَاءَة بَعضهم {أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم} بِفَتْح الْوَاو قَوْله {الصَّلَاة} على وزن فعلة من صلى كَالزَّكَاةِ من زكى واشتقاقها من الصلا وَهُوَ الْعظم الَّذِي عَلَيْهِ الأليان لِأَن الْمُصَلِّي يُحَرك صلويه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَقيل للثَّانِي من خيل السباق الْمُصَلِّي لِأَن رَأسه يَلِي صلوي السَّابِق وَيُقَال الصَّلَاة الدُّعَاء وَمِنْه قَول الْأَعْشَى فِي وصف الْخمر (وقابلها الرّيح فِي دنها ... وَصلى على دنها وارتسم) أَي دَعَا لَهَا بالسلامة وَالْبركَة. وَأما فِي الشَّرْع فَهِيَ عبارَة عَن الْأَفْعَال الْمَعْهُودَة والأذكار الْمَعْلُومَة فَإِن قلت كَيفَ يكون
الْمَعْنى فِي الْوَجْهَيْنِ قلت على الْوَجْه الأول يكون لفظ الصَّلَاة من الْأَسْمَاء الْمُغيرَة شرعا وعَلى الْوَجْه الثَّانِي يكون من الْأَسْمَاء المنقولة شرعا لوُجُود الْمَعْنى اللّغَوِيّ مَعَ زِيَادَة فِيهَا شرعا وَفِي النَّقْل المعني اللّغَوِيّ مرعي وَفِي التَّغْيِير يكون بَاقِيا وَلكنه زيد عَلَيْهَا شَيْء آخر قَوْله {فَاغْسِلُوا} أَمر للْجمع الْمُذكر الْحَاضِرين من غسل يغسل غسلا وغسلا بِالْفَتْح وَالضَّم كِلَاهُمَا مصدران وَقيل الْغسْل بِالْفَتْح مصدر وبالضم اسْم للاغتسال وَفِي الشَّرْع الْغسْل إمرار المَاء على الْموضع إِذا لم يكن هُنَاكَ نَجَاسَة فَإِن كَانَ هُنَاكَ نَجَاسَة فغسلها إِزَالَتهَا بِالْمَاءِ أَو مَا يقوم مقَامه قَوْله {وُجُوهكُم} جمع وَجه وَحكى الْفراء حَيّ الْوُجُوه وَحي الْأَوْجه وَقَالَ ابْن السّكيت ويفعلون ذَلِك كثيرا فِي الْوَاو إِذا انضمت وَهُوَ فِي اللُّغَة مَأْخُوذ من المواجهة وَهِي الْمُقَابلَة وَحده فِي الطول من مُبْتَدأ سطح الْجَبْهَة إِلَى مُنْتَهى اللحيين وهما عظما الحنك ويسميان الفكين وَعَلَيْهِمَا منابت الْأَسْنَان السُّفْلى وَمن الْأذن إِلَى الْأذن فِي الْعرض وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ والأقطع حَده من قصاص الشّعْر إِلَى أَسْفَل الذقن إِلَى شحمة الْأذن حكى ذَلِك أَبُو الْحسن الْكَرْخِي عَن أبي سعيد البردعي وَقَالَ الرَّازِيّ وَلَا نعلم خلافًا بَين الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْمَعْنى وَكَذَلِكَ يَقْتَضِي ظَاهر الِاسْم إِذا كَانَ إِنَّمَا سمي وَجها لظُهُوره وَلِأَنَّهُ يواجه الشَّيْء ويقابل بِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ من تَحْدِيد الْوَجْه هُوَ الَّذِي يواجه الْإِنْسَان ويقابله من غَيره فَإِن قلت فَيَنْبَغِي أَن يكون الأذنان من الْوَجْه بِهَذَا الْمَعْنى قلت لَا يجب ذَلِك لِأَن الْأُذُنَيْنِ تستران بالعمامة والإزار والقلنسوة وَنَحْوهَا وَقَالَ فِي الْبَدَائِع لم يذكر حد الْوَجْه فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَذكر فِي غير الْأُصُول كَمَا ذكره فِي الْكتاب وَقَالَ هَذَا حد صَحِيح فَيخرج دَاخل الْعَينَيْنِ وَالْأنف والفم وأصول شعر الحاجبين واللحية والشارب ودنيم الذُّبَاب وَدم البراغيث لخروجها عَن المواجهة وَقَالَ أَبُو عبد الله الْبَلْخِي لَا تسْقط وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْخَفِيف والمزني وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَق مُطلقًا وَحكى الرَّافِعِيّ قولا وَفِي الْمَبْسُوط الْعين غير دَاخل فِي غسل الْوَجْه لما فِي إِيصَال المَاء إِلَيْهَا من الْحَرج لِأَنَّهُ شَحم لَا يقبل المَاء وَمن تكلّف من الصَّحَابَة فِيهِ كف بَصَره فِي آخر عمره كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَفِي الْغَايَة للسروجي عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم أَن من غمض عَيْنَيْهِ فِي غسل الْوَجْه تغميضا شَدِيدا لَا يجْزِيه الْوضُوء وَقل من رمدت عينه فرمصت وَاجْتمعَ رماصها تكلّف إِيصَال المَاء تَحت مُجْتَمع الرمص وَيجب إِيصَال المَاء إِلَى الماق كَذَا فِي الْمُجْتَبى وَفِي المغنى وَالْوَجْه من منابت شعر الرَّأْس إِلَى ماانحدر من اللحيين والذقن إِلَى أصُول الْأُذُنَيْنِ وَلَا يعْتَبر كل أحد بِنَفسِهِ بل لَو كَانَ أجلح ينحسر شعره عَن مقدم رَأسه غسل إِلَى حد منابت الشّعْر فِي الْغَالِب والأقرع الَّذِي ينزل شعره إِلَى الْوَجْه يجب عَلَيْهِ غسل الشّعْر الَّذِي ينزل عَن حد الْغَالِب وَفِي الْأَحْكَام لِابْنِ بزيزة للْوَجْه حد طولا وعرضا فحده طولا من منابت الشّعْر الْمُعْتَاد إِلَى الذقن وَقَوْلنَا الْمُعْتَاد احْتِرَاز عَن الأغم والأقرع وَاخْتلف الْمَذْهَب فِي حَده عرضا على أَرْبَعَة أَقْوَال فَقيل من الْأذن إِلَى الْأذن وَقيل من العذار إِلَى العذار فِي حق الملتحي وَمن الْأذن إِلَى الْأذن فِي حق الْأَمْرَد وَالْقَوْل الرَّابِع أَن غسل الْبيَاض الَّذِي بَين الصدغ وَالْأُذن سنة قَوْله {وَأَيْدِيكُمْ} جمع يَد وَأَصلهَا يدى على وزن فعل بِسُكُون الْعين لِأَن جمعهَا أَيدي ويدى مثل فلس وأفلس وفلوس وَلَا يجمع فعل على أفعل إِلَّا أحرف يسيرَة مَعْدُودَة مثل زمن وأزمن وجبل وأجبل وعصا وأعص وَقد جمعت الْأَيْدِي فِي الشّعْر على أياد قَالَ الشَّاعِر (كَأَنَّهُ بالصحصحان الأنجد ... قطن سخام بأيادي غزل) وَهُوَ جمع الْجمع مثل أكرع وأكارع وَالْيَد اسْم يَقع على هَذَا الْعُضْو من طرف الْأَصَابِع إِلَى الْمنْكب وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن عمارا رَضِي الله عَنهُ تيَمّم إِلَى الْمنْكب وَقَالَ تيممنا إِلَى المناكب مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ ذَلِك بِعُمُوم قَوْله تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} وَلم يُنكر عَلَيْهِ من جِهَة اللُّغَة بل هُوَ كَانَ من أهل اللُّغَة فَكَانَ عِنْده أَن الِاسْم للعضو إِلَى الْمنْكب فَثَبت بذلك أَن الِاسْم يتَنَاوَل إِلَى الْمنْكب فَإِذا كَانَ الْإِطْلَاق يَقْتَضِي ذَلِك ثمَّ ذكر التَّحْدِيد فَجعل الْمرَافِق غَايَة كَانَ ذكرهَا لإِسْقَاط مَا وَرَاءَهَا قَوْله {إِلَى الْمرَافِق} جمع مرفق بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْفَاء وعَلى الْعَكْس وَهُوَ مُجْتَمع طرف الساعد والعضد قلت الأول هُوَ اسْم الْآلَة كالمحلب وَالثَّانِي اسْم الْمَكَان وَيجوز فِيهِ فتح الْمِيم وَالْفَاء على أَن يكون مصدرا أَو اسْم مَكَان على الأَصْل وَذكر ابْن سَيّده فِي الْمُخَصّص أَن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ الْمرْفق والمرفق من الْإِنْسَان وَالدَّابَّة على الذِّرَاع وأسفل الْعَضُد والمرفق المتكأ قَالَ الْأَصْمَعِي الْمرْفق من الْإِنْسَان وَالدَّابَّة بِكَسْر الْفَاء والمرفق الْأَمر الرفيق
بِفَتْحِهَا وَفِي الْجَامِع للقزاز قَالَ قوم الْمرْفق من الْيَد والمتكأ وَالْأَمر بِكَسْر الْمِيم وَلذَلِك قَرَأَ الْأَعْمَش وَالْحسن وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ {ويهيء لكم من أَمركُم مرفقا} بِكَسْر الْمِيم وَقرأَهَا أهل الْمَدِينَة وَعَاصِم بِالْفَتْح وَبِهَذَا يرد على الْجَوْهَرِي حَيْثُ زعم أَن الْفَتْح لم يقْرَأ أحد بِهِ وَفِي الغريبين الْفَتْح أَقيس وَالْكَسْر أَكثر فِي مرفق الْيَد قَوْله {وامسحوا} أَمر من مسح يمسح مسحا من بَاب فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا قَالَ الْجَوْهَرِي مسح بِرَأْسِهِ وتمسح بِالْأَرْضِ وَمسح الأَرْض مساحة أَي ذرعها وَمسح الْمَرْأَة أَي جَامعهَا ومسحه بِالسَّيْفِ أَي قطعه ومسحت الْإِبِل يَوْمهَا أَي سَارَتْ وَمسح الرحل بِالْكَسْرِ مسحا من الأمسح وَهُوَ الَّذِي يُصِيب أحد ربلتيه قلت الربلة بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا هُوَ بَاطِن الْفَخْذ وَقَالَ الْأَصْمَعِي الْفَتْح أفْصح وَالْجمع ربلات وَفِي الشَّرْع الْمسْح الْإِصَابَة وَقد يَجِيء بِمَعْنى الْغسْل على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى والرؤس جمع رَأس وَهُوَ جمع كَثْرَة وَجمع الْقلَّة أرؤس قَوْله {وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ} الأرجل جمع رجل والكعب فِيهِ أَقْوَال الأول هُوَ الناشز عِنْد ملتقى السَّاق والقدم وَأنكر الْأَصْمَعِي قَول النَّاس أَنه فِي ظهر الْقدَم نَقله عَنهُ الْجَوْهَرِي وَقَالَ الزّجاج الكعبان العظمان الناتئان فِي آخر السَّاق مَعَ الْقدَم وكل مفصل للعظام فَهُوَ كَعْب إِلَّا أَن هذَيْن الْكَعْبَيْنِ ظاهران عَن يمنة الْقدَم ويسرته فَلذَلِك لم يحْتَج أَن يُقَال الكعبان اللَّذَان من صفتهما كَذَا وَكَذَا وَفِي الْمُخَصّص فِي كل رجل كعبان وهما طرفا عظمي السَّاق وملتقى الْقَدَمَيْنِ قَالَ ابْن جني وَقَول أبي كَبِير (وَإِذا يهب من الْمَنَام رَأَيْته ... كرتوب كَعْب السَّاق لَيْسَ بزمل) يدل على أَن الْكَعْبَيْنِ هما الناجمان فِي أَسْفَل كل سَاق من جنبيها وَأَنه لَيْسَ الشاخص فِي ظهر الْقدَم وَفِي التَّهْذِيب للأزهري عَن ثَعْلَب الكعبان المنجمان الناتئان قَالَ وَهُوَ قَول أبي عَمْرو بن الْعَلَاء والأصمعي وَفِي كتاب الْمُنْتَهى وجامع الْقَزاز الكعب الناشر عِنْد ملتقى السَّاق والقدم وَلكُل رجل كعبان الْجمع كعوب وكعاب وَقَالَت الإمامية وكل من ذهب إِلَى الْمسْح أَنه عظم مستدير مثل كَعْب الْغنم وَالْبَقر مَوْضُوع تَحت عظم السَّاق حَيْثُ يكون مفصل السَّاق والقدم عِنْد معقد الشرَاك وَقَالَ فَخر الدّين ابْن الْخَطِيب اخْتَار الْأَصْمَعِي قَول الإمامية فِي الكعب وَقَالَ الطرفان الناتئان يسميان النجمين وَهُوَ خلاف مَا نَقله عَنهُ الْجَوْهَرِي وَحجَّة الْجُمْهُور لَو كَانَ الكعب مَا ذَكرُوهُ لَكَانَ فِي كل رجل كَعْب وَاحِد فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول إِلَى الكعاب لِأَن الأَصْل أَن مَا يُوجد من خلق الْإِنْسَان مُفردا فتثنيته بِلَفْظ الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى {فقد صغت قُلُوبكُمَا} وَتقول رَأَيْت الزيدين أَنفسهمَا وَمَتى كَانَ مثنى فتثنيته بِلَفْظ التَّثْنِيَة فَلَمَّا لم يقل إِلَى الكعاب علم أَن المُرَاد من الكعب مَا أردناه الثَّانِي أَنه شَيْء خَفِي لَا يعرفهُ إِلَّا المشرحون وَمَا ذَكرْنَاهُ مَعْلُوم لكل أحد ومناط التَّكْلِيف على الظُّهُور دون الخفاء الثَّالِث حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ غسل رجله الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ الْيُسْرَى كَذَلِك أخرجه مُسلم فَدلَّ على أَن فِي كل رجل كعبين وَحَدِيث النُّعْمَان بن بشير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي تَسْوِيَة الصُّفُوف فقد رَأَيْت الرجل يلصق كَعبه بكعب صَاحبه ومنكبه بمنكبه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ بأسانيد جَيِّدَة وَالْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا وَلَا يتَحَقَّق إلصاق الكعب بالكعب فِيمَا ذَكرُوهُ وَحَدِيث طَارق بن عبد الله أخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده وَقَالَ حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى عَن يزِيد بن زِيَاد ابْن أبي الْجَعْد عَن جَامع بن شَدَّاد عَن طَارق بن عبد الله الْمحَاربي رَضِي الله عَنهُ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سوق ذِي الْمجَاز وَعَلِيهِ جُبَّة حَمْرَاء وَهُوَ يَقُول يَا أَيهَا النَّاس قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله تُفْلِحُوا وَرجل يتبعهُ ويرميه بِالْحِجَارَةِ وَقد أدْمى عرقوبه وكعبيه وَهُوَ يَقُول يَا أَيهَا النَّاس لَا تطيعوه فَإِنَّهُ كَذَّاب فَقلت من هَذَا فَقَالُوا هَذَا ابْن عبد الْمطلب قلت فَمن هَذَا الَّذِي يتبعهُ ويرميه بِالْحِجَارَةِ قَالُوا هَذَا عبد الْعُزَّى أَبُو لَهب وَهَذَا يدل على أَن الكعب هُوَ الْعظم الناتىء فِي جَانب الْقدَم لِأَن الرَّمية إِذا كَانَت من وَرَاء الْمَاشِي لَا تصيب ظهر الْقدَم فَإِن قلت روى هِشَام بن عبد الله الرَّازِيّ عَن مُحَمَّد بن الْحسن رَحمَه الله أَنه فِي ظهر الْقدَم عِنْد معقد الشرَاك قلت قَالُوا أَن ذَلِك سَهْو عَن هِشَام فِي نَقله عَن مُحَمَّد لِأَن مُحَمَّدًا قَالَ ذَلِك فِي مَسْأَلَة الْمحرم إِذا لم يجد النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يقطع خفيه أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ وَأَشَارَ مُحَمَّد بِيَدِهِ إِلَى مَوضِع الْقطع فنقله هِشَام إِلَى الطَّهَارَة وَقَالَ ابْن بطال فِي شَرحه قَالَ أَبُو حنيفَة الكعب هُوَ الْعظم الشاخص فِي ظهر الْقدَم ثمَّ قَالَ وَأهل اللُّغَة لَا يعْرفُونَ مَا قَالَه قلت هَذَا جهل مِنْهُ بِمذهب أبي
حنيفَة رَضِي الله عَنهُ فَإِن ذَلِك لَيْسَ قَوْله وَلَا نَقله عَنهُ أحد من أَصْحَابه فَكيف يَقُول قَالَ أَبُو حنيفَة كَذَا وَكَذَا وَهَذَا جَرَاءَة على الْأَئِمَّة (النَّوْع الثَّالِث فِي إِعْرَاب الْآيَة) فَقَوله {يَا} حرف نِدَاء وَأي منادى وَالْهَاء مقحمة للتّنْبِيه وَالَّذِي صفة لأي وَالتَّقْدِير يَا أَيهَا الْقَوْم الَّذين كَمَا بَيناهُ وَنَظِير ذَلِك يَا أَيهَا الرجل قَوْله {آمنُوا} جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَقعت صلَة للموصول وَلَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب لِأَن الْجُمْلَة لَا يكون لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب إِلَّا إِذا وَقعت موقع الْمُفْرد كَمَا بَين ذَلِك فِي مَوْضِعه قَوْله {إِذا} للشّرط و {قُمْتُم} جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فعل الشَّرْط وَقَوله {فَاغْسِلُوا} جَوَاب الشَّرْط فَلذَلِك دخلت الْفَاء وَهُوَ جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل قَوْله {وُجُوهكُم} كَلَام إضافي مَفْعُوله وَقَوله {أَيْدِيكُم} بِالنّصب عطف على وُجُوهكُم التَّقْدِير فَاغْسِلُوا أَيْدِيكُم وَقَوله {وامسحوا} جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل عطف على {فَاغْسِلُوا} وَقَوله {برؤسكم} جَار ومجرور فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله {وأرجلكم} بِنصب اللَّام وخفضها فالنصب فِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ والخفض فِي قِرَاءَة البَاقِينَ وَقَالَ الرَّازِيّ فِي الْأَحْكَام قَرَأَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَحَمْزَة وَابْن كثير {وأرجلكم} بالخفض وتأولوها على الْمسْح وَقَرَأَ عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة وَإِبْرَاهِيم وَالضَّحَّاك وَنَافِع وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ وَحَفْص عَن عَاصِم بِالنّصب وَكَانُوا يرَوْنَ غسلهمَا وَاجِبا وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى (النَّوْع الرَّابِع فِيمَا يتَعَلَّق بالمعاني وَالْبَيَان) فِيهَا الِافْتِتَاح بالنداء الَّذِي هُوَ نوع من أَنْوَاع الطّلب لِأَنَّهُ طلب إقبال الْمُخَاطب بِحرف نَائِب مناب ادعوا وفيهَا تَقْيِيد الْفِعْل بِحرف الشَّرْط وَذَلِكَ يكون فِي التراكيب لاعتبارات شَتَّى لَا تعرف ذَلِك إِلَّا بِمَعْرِِفَة أدوات الشَّرْط الَّتِي هِيَ إِن وَإِمَّا وَإِذا وَإِذا مَا وَإِذ وإذما وَمَتى وَمَتى مَا وَأَيْنَ وأينما وَحَيْثُ وحيثما وَمن وَمَا وَمهما وَأي وأنى وَلَو وَصَاحب الْمعَانِي لَا يتَكَلَّم إِلَّا فِي إِذا وَإِن وَلَو لِكَثْرَة دورانها مَعَ تعلق اعتبارات لَطِيفَة بهَا أما إِن وَإِذا فللشرط مَعَ الِاسْتِقْبَال يَعْنِي لتعليق الْفِعْل على الْفَاعِل فِي الزَّمَان الْمُسْتَقْبل لَكِن أصل إِن عدم الْجَزْم بِوُقُوع الشَّرْط يَعْنِي عدم جزم الْقَائِل بِوُقُوع شَرطهَا وَلَا وُقُوعه بل تَجْوِيز كل مِنْهُمَا لكَونه غير مُحَقّق الْوُقُوع كَمَا فِي إِذا طلعت الشَّمْس واللاوقوع كَمَا فِي إِن طَار إِنْسَان وَنَحْو إِن يكرمني أكرمك إِذا لم يعلم الْقَائِل أيكرمه أم لَا وأصل إِذا الْجَزْم أَي جزم الْقَائِل بِوُقُوع الشَّرْط تَحْقِيقا كَمَا مر أَو خطابيا كَقَوْلِك إِذا جَاءَ محبي فَإِن مَجِيئه لَيْسَ قَطْعِيا تَحْقِيقا كطلوع الشَّمْس بل تَقْديرا بِاعْتِبَار خطابي أَي ظَنِّي وَهُوَ أَن الْمُحب يزوره الْمُحب فَإِذا تمهد هَذَا فَنَقُول ذكر فِي الْآيَة الْكَرِيمَة بإذا دون إِن وَذكر فِي آيَة الْغسْل بإن دون إِذا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما كَانَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة من الْأُمُور اللَّازِمَة والأشياء الْغَالِبَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الْمُؤمن ذكره بإذا الَّذِي تدخل على أَمر كَائِن أَو منتظر لَا محَالة بِخِلَاف الْجَنَابَة فَإِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقيام إِلَى الصَّلَاة قَليلَة جدا وَهُوَ من الْأَشْيَاء المترددة الْوُجُود والأمور الْعَارِضَة فَلذَلِك خصت بِأَن فَإِن قلت مَا تَقول فِي قَوْلهم إِن مَاتَ فلَان قلت هَذِه الْجَهَالَة فِي وَقت الْمَوْت لَا فِي وُقُوعه فَلَا يقْدَح ذَلِك وفيهَا اسْتِعْمَال الْغَائِب مَوضِع الْمُخَاطب وَذَلِكَ لِأَن الْقيَاس فِي قَوْله {آمنُوا} أَن يُقَال آمنتم لِأَن من حق المنادى بِكَوْنِهِ مُخَاطبا أَن يعبر عَنهُ بالضمير فَيُقَال يَا إياك وَيَا أَنْت إِذْ مُقْتَضى الْحَال فِي الْمُخَاطب أَن يعبر عَنهُ بضميره لَكِن لما كَانَ النداء لطلب الإقبال ليخاطب بعده بِالْمَقْصُودِ والمنادى ذاهل عَن كَونه مُخَاطبا نزل منزلَة الْغَائِب فَعبر عَنهُ بالمظهر الَّذِي هُوَ للْغَائِب ليَكُون أقضى لحق الْبَيَان. وفيهَا اخْتِيَار لفظ الْمَاضِي على الْمُضَارع فِي قَوْله {قُمْتُم} وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما تمّ النداء واستحضر المنادى أَتَى بضمير الْمُخَاطب بقوله {قُمْتُم} وَلما جَاءَ الِاخْتِلَاف بَين {آمنُوا} و {قُمْتُم} ذهب بَعضهم إِلَى أَن هَذَا من قبيل الِالْتِفَات لِأَن آمنُوا مغايبة وقمتم مُخَاطبَة وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك الشَّيْخ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ فِي الْمُسْتَصْفى فِي شرح النافع وشنع عَلَيْهِ الشَّيْخ قوام الدّين الأتراوي فِي شَرحه وَنسبه فِي ذَلِك إِلَى الْغَلَط وَقَالَ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن الِالْتِفَات إِنَّمَا يكون فِيمَا إِذا كَانَ حق الْكَلَام بالغيبة وَذكر بِالْخِطَابِ أَو بِالْعَكْسِ وَلم يَقع الْكَلَام فِي الْآيَة إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي اقْتَضَاهُ قلت على تَقْرِيره كَلَام النَّسَفِيّ صَحِيح والحط عَلَيْهِ مَرْدُود يفهم ذَلِك من التَّقْرِير الَّذِي سبق بل الصَّحِيح أَن منع الِالْتِفَات هَهُنَا مَبْنِيّ على أَن آمنُوا صلَة الَّذين والموصولات غيب وَالضَّمِير الَّذِي يكون رَاجعا من الصِّلَة إِلَى الْمَوْصُول لَا يكون إِلَّا غَائِبا وَلَكِن الْجُمْلَة كلهَا أَعنِي قَوْله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} فِي حكم الْخطاب لِأَنَّهُ
منادى فَوَجَبَ أَن يكون مَا بعده خطابا فَكَانَ قَوْله {قُمْتُم} بِالْخِطَابِ وَاقعا فِي مَحَله مخرج على مُقْتَضى ظَاهره فَلَا يكون من الِالْتِفَات لِأَنَّهُ انْتِقَال من صِيغَة إِلَى صِيغَة أُخْرَى سَوَاء كَانَ من الضمائر بَعْضهَا إِلَى بعض أَو من غَيرهَا ثمَّ اعْلَم أَن بَعضهم قد ذكر بِنَاء على مَا سبق من أَن قَوْله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} فِي حكم الْخطاب أَن الغائبين إِنَّمَا يدْخلُونَ تَحت الْخطاب بِالدّلَالَةِ أَو الْإِجْمَاع وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا قَالَ {آمنُوا} وَلم يقل آمنتم ليدْخل تَحْتَهُ كل من آمن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَو قَالَ آمنتم لاختص بِمن كَانُوا فِي عصر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام. وفيهَا إِرَادَة الْفِعْل بِالْفِعْلِ لِأَن معنى قَوْله {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} إِذا أردتم الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَأَنْتُم محدثون فَاغْسِلُوا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه} التَّقْدِير فَإِذا أردْت قِرَاءَة الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِن قلت لم جَازَ أَن يعبر عَن إِرَادَة الْفِعْل بِالْفِعْلِ قلت لِأَن الْفِعْل يُوجد بقدرة الْفَاعِل عَلَيْهِ وإرادته لَهُ وَهِي قَصده إِلَيْهِ وخلوص داعيه فَكَمَا عبر عَن الْقُدْرَة على الْفِعْل بِالْفِعْلِ فِي قَوْلهم الْإِنْسَان لَا يطير وَالْأَعْمَى لَا يبصر أَي لَا يقدران على الطيران والإبصار كَذَلِك عبر عَن إِرَادَة الْفِعْل بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ لِأَن الْفِعْل مسبب عَن الْقُدْرَة والإرادة فأقيم الْمُسَبّب مقَام السَّبَب للملابسة بَينهمَا ولإيجاز الْكَلَام (النَّوْع الْخَامِس فِي استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على أَنْوَاع الأول ظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي وجوب الطَّهَارَة بعد الْقيام إِلَى الصَّلَاة لِأَنَّهُ جعل الْقيام إِلَيْهَا شرطا لفعل الطَّهَارَة وَحكم الْجَزَاء أَن يتَأَخَّر عَن الشَّرْط أَلا ترى أَن من قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق إِنَّمَا يَقع الطَّلَاق بعد الدُّخُول وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بَين أهل اللُّغَة أَنه مُقْتَضى اللَّفْظ وَحَقِيقَته وَإِلَى هَذَا ذهب أهل الظَّاهِر فَقَالُوا الْوضُوء سَببه الْقيام إِلَى الصَّلَاة فَكل من قَامَ إِلَيْهَا فَعَلَيهِ أَن يتَوَضَّأ وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن معنى الْآيَة إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة من مضاجعكم فَاغْسِلُوا الخ أَو إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة وَأَنْتُم محدثون فَاغْسِلُوا وَالدَّلِيل على ذَلِك من السّنة وَالْقِيَاس أما السّنة فَمَا رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد وحَدثني مُحَمَّد بن حَاتِم وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ أخبرنَا يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان قَالَ حَدثنِي عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الصَّلَوَات يَوْم الْفَتْح بِوضُوء وَاحِد وَمسح على خفيه فَقَالَ لَهُ عمر رَضِي الله عَنهُ لقد صنعت الْيَوْم شَيْئا لم تكن تَصنعهُ فَقَالَ عمدا صَنعته يَا عمر وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح فَدلَّ هَذَا الحَدِيث على أَن الْقيام إِلَى الصَّلَاة غير مُوجب للطَّهَارَة إِذْ لم يجدد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الطَّهَارَة لكل صَلَاة فَثَبت بذلك أَن فِي الْآيَة مُقَدرا يتَعَلَّق بِهِ إِيجَاب الْوضُوء وَهُوَ إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة من مضاجعكم وروى الطَّحَاوِيّ فِي مَعَاني الْآثَار وَأَبُو بكر الرَّازِيّ فِي الْأَحْكَام وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق جَابر عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن عبد الله بن عَلْقَمَة بن الغفراء عَن أَبِيه كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أجنب أَو أهرق المَاء إِنَّمَا نكلمه فَلَا يُكَلِّمنَا ونسلم عَلَيْهِ فَلَا يرد علينا حَتَّى نزلت {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} فَدلَّ هَذَا الحَدِيث على أَن الْآيَة نزلت فِي إِيجَاب الْوضُوء من الْحَدث عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَأَن التَّقْدِير فِي الْآيَة إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة وَأَنْتُم محدثون فَإِن قلت حَدِيث جَابر الْجعْفِيّ غير ثَابت فَلَا يتم بِهِ الِاسْتِدْلَال قلت لَا نسلم ذَلِك لِأَن سُفْيَان يَقُول كَانَ جَابر ورعا فِي الحَدِيث مَا رَأَيْت أورع فِي الحَدِيث مِنْهُ وَعَن شُعْبَة هُوَ صَدُوق فِي الحَدِيث وَعَن وَكِيع ثِقَة وروى ذَلِك أَيْضا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فروى البُخَارِيّ عَن مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن سُفْيَان قَالَ حَدثنِي عَمْرو بن عَامر عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام يتَوَضَّأ عِنْد كل صَلَاة قلت كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ قَالَ يَجْزِي أَحَدنَا الْوضُوء مَا لم يحدث وَقَالَ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا أَبُو بكرَة قَالَ حَدثنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن عَامر قَالَ سَمِعت أنسا رَضِي الله عَنهُ يَقُول كُنَّا نصلي الصَّلَوَات كلهَا بِوضُوء وَاحِد مَا لم نُحدث وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه وَقَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن مَسْعُود بن عَليّ عَن عِكْرِمَة قَالَ قَالَ سعد إِذا تَوَضَّأت فصل بوضوئك ذَلِك مَا لم تحدث وروى الطَّحَاوِيّ وَقَالَ حَدثنَا أَبُو بكرَة قَالَ حَدثنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ أَخْبرنِي مَسْعُود بن عَليّ عَن عِكْرِمَة أَن سَعْدا كَانَ يُصَلِّي الصَّلَوَات كلهَا بِوضُوء وَاحِد مَا لم يحدث وَرِجَاله ثِقَات وَأَبُو دَاوُد هُوَ الطَّيَالِسِيّ صَاحب الْمسند ومسعود بن عَليّ الْبَصْرِيّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَغَيره وروى عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه وَقَالَ حَدثنَا معمر عَن قَتَادَة عَن يُونُس بن جُبَير أبي غلاب عَن عَطاء بن عبد الله الرقاشِي قَالَ كُنَّا مَعَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي جَيش على سَاحل دجلة إِذْ حضرت
الصَّلَاة فَنَادَى مناديه لِلظهْرِ فَقَامَ النَّاس إِلَى الْوضُوء فَتَوَضَّأ ثمَّ صلى بهم ثمَّ جَلَسُوا حلقا فَلَمَّا حضرت الْعَصْر نَادَى مُنَاد الْعَصْر فَهَب النَّاس للْوُضُوء أَيْضا فَأمر مناديه أَلا لَا وضوء إِلَّا على من أحدث قَالَ أوشك الْعلم أَن يذهب وَيظْهر الْجَهْل حَتَّى يضْرب الرجل أمه بِالسَّيْفِ من الْجَهْل وروى ذَلِك أَيْضا عَن جمَاعَة من التَّابِعين فروى الطَّحَاوِيّ عَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة قَالَ حَدثنَا الْحجَّاج قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد أَن شريحا كَانَ يُصَلِّي الصَّلَوَات كلهَا بِوضُوء وَاحِد وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَحَمَّاد هُوَ ابْن سَلمَة وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه وَقَالَ حَدثنَا عبد الله بن إِدْرِيس عَن هِشَام عَن الْحسن قَالَ يُصَلِّي الرجل الصَّلَوَات كلهَا بِوضُوء وَاحِد مَا لم يحدث فَكَذَلِك التَّيَمُّم وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا نَحوا مِنْهُ وَقَالَ أَيْضا حَدثنَا حَفْص عَن لَيْث عَن عَطاء وَطَاوُس وَمُجاهد أَنهم كَانُوا يصلونَ الصَّلَوَات كلهَا بِوضُوء وَاحِد حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن مجَالد قَالَ رَأَيْت سَعْدا يُصَلِّي الصَّلَوَات كلهَا بِوضُوء وَاحِد وروى عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه وَقَالَ حَدثنَا يحيى بن الْعَلَاء عَن الْأَعْمَش عَن عمَارَة بن عُمَيْر قَالَ كَانَ الْأسود بن يزِيد يتَوَضَّأ بقدح قدري الرجل ثمَّ يُصَلِّي بذلك الْوضُوء الصَّلَوَات كلهَا مَا لم يحدث وَأما الْقيَاس فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر كَمَا ذكرُوا كَانَ كل من جلس يتَوَضَّأ لزمَه إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة وضوء آخر وَفِي ذَلِك تَفْوِيت الصَّلَاة بالاشتغال بِالْوضُوءِ وَهَذَا تَفْوِيت الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ بالاشتغال بمقدماته وَهَذَا لَا يجوز وَلِأَن الْحَدث شَرط وجوب الْوضُوء بِدلَالَة النَّص فَإِنَّهُ ذكر التَّيَمُّم فِي قَوْله {وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط} إِلَى قَوْله {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} مَقْرُونا بِذكر الْحَدث وَهُوَ بدل عَن الْوضُوء وَالنَّص فِي الْبَدَل نَص فِي الأَصْل فَإِن قلت إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلم أضمر الْحَدث فِي الْآيَة قلت كَرَاهَة أَن يفْتَتح آيَة الطَّهَارَة بِذكر الْحَدث كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {هدى لِلْمُتقين} حَيْثُ لم يقل هدى للضالين الصائرين إِلَى التَّقْوَى بعد الضلال كَرَاهَة أَن يفْتَتح أولى الزهراوين بِذكر الضَّلَالَة فَإِن اعْترض على الأول بِأَن الْجُلُوس فِي الْوضُوء لَيْسَ بِوَاجِب فَلَا يتم مَا ذكرْتُمْ وعَلى الثَّانِي بِأَن الْآيَة بعبارتها تدل على وجوب الْوضُوء على كل قَائِم وَآيَة التَّيَمُّم تدل بدلالتها على وُجُوبه على الْمُحدثين والعبارة قاضية على الدّلَالَة كَمَا عرف فَالْجَوَاب عَن الأول سلمنَا أَن الْجُلُوس فِي الْوضُوء غير وَاجِب لَكِن خلاف مَا ذكرنَا يُفْضِي إِلَى وجوب الْقيام للْوُضُوء دَائِما لِأَن أَدَاء الصَّلَاة لَا يتَحَقَّق إِذْ ذَاك وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع وَمَا يُفْضِي إِلَى الْبَاطِل بَاطِل وَإِذا ثَبت هَذَا ظهر أَن ظَاهر الْآيَة غير مُرَاد فَلَا يَقْتَضِي وجوب الْوضُوء على كل قَائِم فتسلم الدّلَالَة عَن الْمعَارض وَيسْقط السُّؤَال الثَّانِي فَإِن الْمُعْتَرض اعْترض بِأَن الِاسْتِدْلَال فَاسد هَهُنَا لِأَنَّهَا تدل على اشْتِرَاط وجوب التَّيَمُّم بِوُجُود الْحَدث وَالتَّيَمُّم يدل وَيجوز أَن يتَخَلَّف الْبَدَل عَن الأَصْل فِي الشَّرْط فَإِنَّهُ خَالفه فِي اشْتِرَاط النِّيَّة وَهِي شَرط لَا محَالة أُجِيب بِأَن كلامنا فِي مُخَالفَة الْبَدَل الأَصْل فِي شَرط السَّبَب فَإِن إِرَادَة الْقيام إِلَى الصَّلَاة بِشَرْط الْحَدث سَبَب لوُجُوب التَّيَمُّم وَالْبدل لَا يُخَالف الأَصْل فِي سَببه وَمَا ذكره لَيْسَ بِشَرْط السَّبَب فَإِن إِرَادَة الْقيام إِلَى الصَّلَاة بِشَرْط نِيَّة التَّيَمُّم لَيست بِسَبَب لَهُ وَإِنَّمَا النِّيَّة شَرط صِحَة التَّيَمُّم لَا شَرط سَببه (فَإِن قلت) قد رُوِيَ عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة رَضِي الله عَنْهُم أَنهم كَانُوا يتوضؤن لكل صَلَاة قلت هُوَ مَحْمُول على الْفَضِيلَة للدلائل الَّتِي ذَكرنَاهَا فَثَبت بِمَا ذكرنَا أَن سَبَب وجوب الْوضُوء إِرَادَة الصَّلَاة بِشَرْط الْحَدث وَهَكَذَا ذكر فِي الْمُحِيط والمفيد وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ سَببه الْحَدث عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَالْمُخْتَار هُوَ الأول وَفِي الْحَوَاشِي الْحَدث شَرطه بِدلَالَة النَّص وصيغته أما صيغته فَلِأَنَّهُ ذكر الْحَدث فِي التَّيَمُّم الَّذِي هُوَ بدل عَن الْوضُوء وَالْبدل إِنَّمَا وَجب بِمَا وَجب بِهِ فِي الأَصْل فَكَانَ ذكر الْحَدث فِي الْبَدَل ذكرا فِي الْمُبدل وَأما الدّلَالَة فَقَوله {إِذا قُمْتُم} أَي من مضاجعكم وَهُوَ كِنَايَة عَن النّوم وَهُوَ حدث وَإِنَّمَا صرح بِذكر الْحَدث فِي الْغسْل وَالتَّيَمُّم دون الْوضُوء ليعلم أَن الْوضُوء يكون سنة وفرضا وَالْحَدَث شَرط فِي الْفَرْض دون السّنة لِأَن الْوضُوء على الْوضُوء نور على نور وَالْغسْل على الْغسْل وَالتَّيَمُّم على التَّيَمُّم لَيْسَ كَذَلِك وَهُوَ الْمَشْهُور فيهمَا عِنْد الشَّافِعِي قَالَ الْمُتَوَلِي والشاشي من الشَّافِعِيَّة فِي مُوجب الْوضُوء ثَلَاثَة أوجه. أَحدهَا الْحَدث فلولاه لم يجب. الثَّانِي الْقيام إِلَى الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ قبله. الثَّالِث وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الْمُتَوَلِي وَغَيره أَنه يجب بهما. ثمَّ الْحَدث على جَمِيع الْبدن فِي وَجه كالجنابة حَتَّى منع من مس الْمُصحف بظهره وبطنه والاكتفاء بِغسْل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة تَخْفيف وَفِي وَجه يخْتَص بالأربعة وَعدم جَوَاز الْمس لعدم
طَهَارَة جَمِيع الْبدن وَيشكل بِالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّة وَفِي الْأَصَح اخْتِلَاف عِنْدهم قَالَ الشاطي الْعُمُوم وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيره الِاخْتِصَاص وَرجحه النَّوَوِيّ (النَّوْع الثَّانِي من النَّوْع الْخَامِس) أَن قَوْله {إِلَى الصَّلَاة} يتَنَاوَل سَائِر الصَّلَوَات من المفروضات والنوافل لِأَن الصَّلَاة اسْم للْجِنْس فَاقْتضى أَن يكون من شَرط الصَّلَاة الطَّهَارَة أَي صَلَاة كَانَت الثَّالِث اسْتدلَّ بِظَاهِر الْآيَة طَائِفَة أَن الْوضُوء لَا يجزىء إِلَّا بعد دُخُول وَقت الصَّلَاة وَكَذَلِكَ التَّيَمُّم وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ لم يُقيد فِي النَّص دُخُول وَقت الصَّلَاة وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة غسل الْجَنَابَة وَرَاح فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قرب بقرة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأَنَّمَا قرب كَبْشًا وَمن رَاح فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأَنَّمَا قرب بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام حضرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكر فَهَذَا نَص جلي على جَوَاز الْوضُوء للصَّلَاة قبل دُخُول وَقتهَا لِأَن الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة لَا بُد ضَرُورَة من أَن يخرج قبل الْوَقْت أَو بعده وَأي الْأَمريْنِ كَانَ يتَطَهَّر الرَّائِح من أول النَّهَار كَانَ قبل وَقت الْجُمُعَة بِلَا شكّ الرَّابِع {فَاغْسِلُوا} يَقْتَضِي إِيجَاب الْغسْل وَهُوَ اسْم لإمرار المَاء على الْموضع إِذا لم يكن هُنَاكَ نَجَاسَة فَإِن كَانَت هُنَاكَ نَجَاسَة فغسلها إِزَالَتهَا بإمرار المَاء أَو مَا يقوم مقَامه وَلَيْسَ عَلَيْهِ غسل ذَلِك الْموضع بِيَدِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إمرار المَاء حَتَّى يجْرِي على الْموضع قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ وَقد اخْتلف فِي ذَلِك على ثَلَاثَة أوجه فَقَالَ مَالك بن أنس عَلَيْهِ إمرار المَاء ودلك الْموضع بِهِ وَإِلَّا لم يكن غاسلا وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا وَعَامة الْفُقَهَاء عَلَيْهِ إِجْرَاء المَاء وَلَيْسَ عَلَيْهِ دلكه بِهِ وروى هِشَام عَن أبي يُوسُف أَنه يمسح الْموضع بِالْمَاءِ كَمَا يمسح بالدهن وَفِي التُّحْفَة الْغسْل تسييل المَاء على الْموضع وَالْمسح إمراره عَلَيْهِ فقد فسر الْمسْح بِمَا فسر الرَّازِيّ الْغسْل بِهِ وَفِي الْبَدَائِع لَو اسْتعْمل المَاء من غير إسالة كالتدهن بِهِ لَا يجوز فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن أبي يُوسُف أَنه يجوز وعَلى هَذَا لَو تَوَضَّأ بالثلج وَلم يقطر مِنْهُ شَيْء لَا يجوز وَلَو قطر قطرتان أَو ثَلَاث جَازَ لوُجُود الإسالة وَفِي الذَّخِيرَة تَأْوِيل مَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه إِن سَالَ من الْعُضْو قَطْرَة أَو قطرتان وَلم يتدارك وَفِي الْأَحْكَام لِابْنِ بزيزة صفة الْغسْل فِي الْأَعْضَاء المغسولة أَن يلقى الْعُضْو بِالْمَاءِ لِأَن يبله وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا مسح الْأَعْضَاء كمسح الدّهن يجوز وَقَالَ بعض التَّابِعين مَا عهدناهم يلطمون وُجُوههم بِالْمَاءِ وَجَمَاعَة الْعلمَاء على خلاف مَا قَالَه أَبُو يُوسُف لِأَن تِلْكَ الْهَيْئَة الَّتِي قَالَ بهَا لَا تسميها الْعَرَب غسلا الْبَتَّةَ الْخَامِس قَوْله {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم} يَقْتَضِي فَرضِيَّة غسل الْوَجْه وَقد ذكرنَا حَده السَّادِس مَا ذكرنَا من حد الْوَجْه يدل على أَن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق غير واجبتين بِالْآيَةِ إِذْ لَيْسَ دَاخل الْأنف والفم مواجهين لمن قَابل الْوَجْه فَمن قَالَ بوجوبهما فقد زَاد على الْكتاب وَهُوَ غير جَائِز السَّابِع أَن اللِّحْيَة يحْتَمل أَن تكون من الْوَجْه لِأَنَّهَا تواجه الْمُقَابل وَلَا تتغطى فِي الْأَكْثَر كَسَائِر الْوَجْه فَيَقْتَضِي ذَلِك وجوب غسلهَا وَيحْتَمل أَن لَا تكون من الْوَجْه لِأَن الْوَجْه مَا واجهك من الْبشرَة دون الشّعْر النَّابِت عَلَيْهِ بَعْدَمَا كَانَت الْبشرَة ظَاهِرَة دونه فَلذَلِك اخْتلفُوا فِي غسل اللِّحْيَة وتخليلها ومسحها الثَّامِن قَوْله {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم} يَقْتَضِي جَوَاز الصَّلَاة بِوُجُود الْغسْل سَوَاء قارنته النِّيَّة أَو لم تقارنه وَذَلِكَ لِأَن الْغسْل اسْم شَرْعِي مَفْهُوم الْمَعْنى فِي اللُّغَة وَهُوَ إمرار المَاء على الْموضع وَلَيْسَ هُوَ عبارَة عَن النِّيَّة فَمن شَرط فِيهِ النِّيَّة فقد زَاد على النَّص التَّاسِع قَوْله {وَأَيْدِيكُمْ} يدل على فَرضِيَّة غسل الْيَدَيْنِ وَيجب غسل كل مَا كَانَ مركبا على الْيَدَيْنِ من الْأَصَابِع الزَّائِدَة والكف الزَّائِدَة وَإِن خلق على الْعَضُد غسل مَا يُحَاذِي مَحل الْفَرْض لَا مَا فَوْقه وَفِي مغنى الْحَنَابِلَة وَإِن خلق لَهُ اصبع زَائِد أَو يَد زَائِدَة فِي مَحل الْفَرْض كالعضد أَو الْمنْكب لم يجب غسلهَا سَوَاء كَانَت قَصِيرَة أَو طَوِيلَة هَذَا قَول ابْن حَامِد وَابْن عقيل وَقَالَ القَاضِي إِن كَانَ بَعْضهَا يُحَاذِي مَحل الْفَرْض غسل مَا يحاذيه مِنْهَا وَالْأول أصح وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي ذَلِك كَمَا ذكرنَا وَإِن تعلّقت جلدَة من غير مَحل الْفَرْض حَتَّى تدلت من مَحل الْفَرْض وَجب غسلهَا لِأَن أَصْلهَا فِي مَحل الْفَرْض فَأَشْبَهت الْأصْبع الزَّائِدَة وَإِن تعلّقت فِي مَحل الْفَرْض حَتَّى صَارَت متدلية من غير مَحل الْفَرْض غسلهَا قَصِيرَة كَانَت أَو طَوِيلَة بِلَا خلاف وَإِن تعلّقت فِي أحد المحلين والتحم رَأسهَا فِي الآخر وَبَقِي وَسطهَا متجافيا صَارَت كالنابتة فِي المحلين يجب غسل مَا يُحَاذِي مَحل الْفَرْض من ظَاهرهَا وباطنها وَغسل مَا تحتهَا من مَحل الْفَرْض وَفِي الْحِلْية لَو خلق لَهُ يدان على منْكب
إِحْدَاهمَا نَاقِصَة فالتامة هِيَ الْأَصْلِيَّة والناقصة خلقَة زَائِدَة فَإِن حَاذَى مِنْهَا مَحل الْفَرْض وَجب غسله عندنَا وَالشَّافِعِيّ وَمن أَصْحَابه من قَالَ لَا يجب غسلهَا بِحَال وَفِي الْغَايَة وَمن شلت يَده الْيُسْرَى وَلم يجد من يصب عَلَيْهِ المَاء وَلَا مَاء جَارِيا لَا يستنجي وَإِن وجد ذَلِك يستنجي بِيَمِينِهِ وَإِن شلت يَدَاهُ مسح يَدَيْهِ على الأَرْض وَوجه على الْحَائِط وَلَا يدع الصَّلَاة وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن مَقْطُوع الْيَدَيْنِ من الْمرْفقين وَالرّجلَيْنِ من الْكَعْبَيْنِ يوضىء وَجهه ويمس أَطْرَاف الْمرْفقين والكعبين بِالْمَاءِ وَلَا يجْزِيه غير ذَلِك وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَفِي الدِّرَايَة لَو قطعت يَده من الْمرْفق لَا فرض عَلَيْهِ وَفِي المغنى وَإِن قطعت يَده من دون الْمرْفق غسل مَا بَقِي من مَحل الْفَرْض وَإِن قطعت من الْمرْفق غسل الْعظم الَّذِي هُوَ طرف الْعَضُد وَإِن كَانَ من فَوق الْمرْفقين سقط الْغسْل لعدم مَحَله وَإِن كَانَ أقطع الْيَدَيْنِ فَوجدَ من يوضئه مُتَبَرعا لزمَه ذَلِك لِأَنَّهُ قَادر عَلَيْهِ وَإِن لم يجد من يوضئه إِلَّا بِأَجْر يقدر عَلَيْهِ لزمَه أَيْضا كَمَا يلْزمه شِرَاء المَاء وَقَالَ ابْن عقيل يحْتَمل أَن لَا يلْزمه كَمَا لَو عجز عَن الْقيام لم يلْزمه استيجار من يقيمه ويعتمد عَلَيْهِ وَإِن عجز عَن الْأجر أَو لم يقدر على من يستأجره صلى على حسب حَاله كعادم المَاء وَالتُّرَاب إِن وجد من ييممه وَلم يجد من يوضئه لزمَه التَّيَمُّم وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَا أعلم فِيهِ خلافًا وَفِي مَبْسُوط أبي بكر قَالَ الإسكاف يجب إِيصَال المَاء إِلَى مَا تَحت الْعَجِين أَو الطين فِي الْأَظْفَار دون الدَّرن لتولده فِيهِ وَقَالَ الصفار يجب إِيصَال المَاء إِلَى مَا تَحْتَهُ إِن طَال الظفر وَإِلَّا فَلَا وَفِي النَّوَازِل يجب فِي حق الْمصْرِيّ دون الْقَرَوِي لِأَن فِي أظفار الْمصْرِيّ دسومة فَيمْنَع وُصُول المَاء إِلَى مَا تَحْتَهُ وَفِي أظفار الْقَرَوِي طين لَا يمْنَع وَلَو كَانَ جلد سمك أَو خبز ممضوغ جَاف يمْنَع وُصُول المَاء لم يجز وَفِي ونيم الذُّبَاب والبرغوث جَازَ وَفِي الْجَامِع الْأَصْغَر إِذا كَانَ وافر الْأَظْفَار وفيهَا طين أَو عجين أَو الْمَرْأَة تضع الْحِنَّاء جَازَ فِي الْقَرَوِي وَالْمَدَنِي إِذْ لَا يَسْتَطِيع الِامْتِنَاع عَنهُ إِلَّا بحرج قَالَ الدبوسي وَهَذَا صَحِيح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَفِي فَتَاوَى مَا وَرَاء النَّهر وَلَو بَقِي من مَوضِع الْغسْل قدر رَأس إبرة أَو لزق بِأَصْل ظفره طين يَابِس لم يجزه وَلَو تلطخت يَدهَا بخميرة أَو حناء جَازَ وَفِي المغنى إِذا كَانَ تَحت أَظْفَاره وسخ يمْنَع وُصُول المَاء إِلَى مَا تَحْتَهُ فَقَالَ ابْن عقيل لَا تصح طَهَارَته حَتَّى يُزِيلهُ وَيحْتَمل أَن لَا يلْزمه ذَلِك لِأَن هَذَا مستتر عَادَة وَفِي الْأَحْكَام لِابْنِ بزيزة إِذا طَالَتْ الْأَظْفَار فقد اخْتلف الْعلمَاء هَل يجب غسلهَا لِأَنَّهَا من الْيَدَيْنِ حسا وإطلاقا وَحكما وَمن الْعلمَاء من اسْتحبَّ تقصيص الزَّائِد على الْمُعْتَاد وَلم يُوجب بعض الْعلمَاء غسل الْأَظْفَار إِذا طَالَتْ وَفِي الْمُجْتَبى وَلَا يجب نزع الْخَاتم وتحريكه فِي الْوضُوء إِذا كَانَ وَاسِعًا وَفِي الضّيق اخْتِلَاف الْمَشَايِخ وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة عدم اشْتِرَاط النزع والتحريك فَإِن قلت روى الدَّارَقُطْنِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا تَوَضَّأ حرك خَاتمه قلت فِي سَنَده معمر بن مُحَمَّد بن عبد الله هُوَ وَأَبوهُ ضعيفان وَفِي الْأَحْكَام لِابْنِ بزيزة تَحْرِيك الْخَاتم فِي الْوضُوء وَالْغسْل اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَقيل يحركه فِي الْوضُوء وَالْغسْل وَالتَّيَمُّم وَقيل لَا يحركه مُطلقًا وَقيل إِن كَانَ ضيقا حركه وَإِن كَانَ وَاسِعًا لَا يحركه وَقيل يحركه فِي الْوضُوء وَالْغسْل ويزيله فِي التَّيَمُّم النَّوْع الْعَاشِر قَوْله {إِلَى الْمرَافِق} يدل على أَن الْمرَافِق غَايَة والغاية هَل تدخل تَحت المغيا أم لَا فِيهِ خلاف فَقَالَ زفر الْغَايَة لَا تدخل تَحت المغيا وَأَرَادَ بالغاية الْحَد وبالمغيا الْمَحْدُود كَمَا لَا يدْخل اللَّيْل فِي الصَّوْم فِي قَوْله تَعَالَى {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} بِخِلَاف قَوْله {حَتَّى يطهرن} حَيْثُ دخلت الْغَايَة فِي المغيا لِأَنَّهَا إِنَّمَا لم تدخل إِذا كَانَت عينا أَو وقتا وَهَهُنَا الْغَايَة لَا عين وَلَا وَقت بل فعل وَالْفِعْل لَا يُوجد بِنَفسِهِ فَلَا بُد من وجود الْفِعْل الَّذِي هُوَ غَايَة النَّهْي لانْتِهَاء النَّهْي فَيبقى الْفِعْل دَاخِلا فِي النَّهْي ضَرُورَة وَهَذَا الَّذِي ذكره الإِمَام المرغيناني لزفَر وَذكر غَيره تعَارض الْأَشْيَاء وَهُوَ أَن من الغايات مَا يدْخل كَقَوْلِه قَرَأت الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره وَمِنْهَا مَا لَا يدْخل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة} وَقَوله {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} وَهَذِه الْغَايَة أَعنِي الْمرَافِق تشبه كلا مِنْهُمَا فَلَا تدخل بِالشَّكِّ وَبقول زفر قَالَ أَبُو بكر بن دَاوُد وَأَشْهَب فِي رِوَايَة عَن مَالك وَذكر المرغيناني لِأَصْحَابِنَا أَن هَذِه الْغَايَة لإِسْقَاط مَا وَرَاءَهَا إِذْ لولاها لشملت وَظِيفَة الْغسْل كل الْيَد وكل الرجل بَيَان ذَلِك أَن الْغَايَة على نَوْعَيْنِ غَايَة إِسْقَاط وَغَايَة إِثْبَات فَيعلم ذَلِك بصدر الْكَلَام فَإِن كَانَ صدر الْكَلَام يثبت الحكم فِي الْغَايَة وَمَا وَرَاءَهَا قبل ذكر الْغَايَة فَذكرهَا لإِسْقَاط مَا وَرَاءَهَا وَإِلَّا فلإمداد الحكم إِلَى تِلْكَ الْغَايَة والغاية فِي صُورَة النزاع من قبيل الْإِسْقَاط وَفِي الْمَقِيس عَلَيْهِ من قبيل الْإِثْبَات فَلَا يَصح الْقيَاس هَذَا
تَقْرِيره قَالَه المرغيناني وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن هُنَا مدارك الأول أَن إِلَى بِمَعْنى مَعَ قَالَه ثَعْلَب وَغَيره من أهل اللُّغَة وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم} وبقولهم إِلَى الذودابل وَفِيه ضعف فَإِنَّهُ يُوجب غسل الْعَضُد لاشتمال الْيَد عَلَيْهِ وعَلى الْمرْفق مَعَ أَنا نمْنَع أَن يكون إِلَى فِيمَا اسْتشْهد بِهِ بِمَعْنى مَعَ لِأَن معنى الْآيَة وَلَا تَأْكُلُوهَا مَضْمُومَة إِلَى أَمْوَالكُم أَي وَلَا تضموها إِلَى أَمْوَالكُم آكلين لَهَا وَكَذَا الذوداي مَضْمُومَة إِلَى الزودابل الْمدْرك الثَّانِي أَن الْحَد يدْخل إِذا كَانَ التَّحْدِيد شَامِلًا للحد والمحدود قَالَ سِيبَوَيْهٍ والمبرد وَغَيرهمَا مَا بعد إِلَى إِذا كَانَ من نوع مَا قبلهَا دخل فِيهِ وَالْيَد عِنْد الْعَرَب من رُؤْس الْأَصَابِع إِلَى الْمنْكب وَالرجل إِلَى أَعلَى الْفَخْذ حَتَّى تيَمّم عمار رَضِي الله عَنهُ إِلَى الْمنْكب وَلِهَذَا لَو قَالَ بِعْتُك هَذِه الْأَشْجَار من هَذِه إِلَى هَذِه دخل الْحَد وَيكون المُرَاد بالغاية إِخْرَاج مَا وَرَاء الْحَد فَكَانَ المُرَاد بِذكر الْمرَافِق والكعبين إِخْرَاج مَا وَرَاءَهَا الثَّالِث أَن إِلَى تفِيد الْغَايَة ودخولها فِي الحكم وخروجها مِنْهُ يَدُور مَعَ الدَّلِيل فَقَوله تَعَالَى {فنظرة إِلَى ميسرَة} مِمَّا لَا يدْخل فِيهِ لِأَن الْإِعْسَار عِلّة الِانْتِظَار فيزول بِزَوَال علته وَكَذَا اللَّيْل فِي الصَّوْم لَو دخل لوَجَبَ الْوِصَال وَمِمَّا فِيهِ دَلِيل الدُّخُول قَوْلك حفظت الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره وَقطعت يَد فلَان من الْخِنْصر إِلَى السبابَة فالحد يدْخل فِي الْمَحْدُود فَإِذا كَانَ الدُّخُول وَعدم الدُّخُول يقف على دَلِيل فقد وجد دَلِيل الدُّخُول هَهُنَا لوجوه ثَلَاثَة. الأول حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه تَوَضَّأ فَغسل يَدَيْهِ حَتَّى أشرع فِي العضدين وَغسل رجلَيْهِ حَتَّى أشرع فِي السَّاقَيْن ثمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ رَوَاهُ مُسلم وَلم ينْقل تَركهَا فَكَانَ فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيَانا أَنه مِمَّا يدْخل قَوْله حَتَّى أشرع الْمَعْرُوف شرع فِي كَذَا أَي دخل وَحكى فِيهِ شرع وأشرع وروى حَتَّى أَسْبغ فِي الْعَضُد وَحَتَّى أَسْبغ فِي السَّاق. الْوَجْه الثَّانِي أَن الْمرْفق مركب من عظمي الساعد والعضد وجانب الساعد وَاجِب الْغسْل دون الْعَضُد وَقد تعذر التَّمْيِيز بَينهمَا فَوَجَبَ غسل الْمرْفق لِأَن مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب. الْوَجْه الثَّالِث قد وَجَبت الصَّلَاة فِي ذمَّته وَالطَّهَارَة شَرط سُقُوطهَا فَلَا تسْقط بِالشَّكِّ. الْمدْرك الرَّابِع مَتى كَانَ ذكر الْغَايَة لمد الحكم إِلَيْهَا لَا تدخل الْغَايَة فِي المغيا كَمَا فِي الصَّوْم لِأَنَّهُ عبارَة عَن الْإِمْسَاك أدنى سَاعَة حَقِيقَة وَشرعا حَتَّى لَو حلف لَا يَصُوم يَحْنَث بِالصَّوْمِ سَاعَة وَكَذَا لَو قَالَ ثمَّ أَتموا الصّيام اقْتضى صَوْم سَاعَة وَمَتى كَانَ يتأبد قبل ذكر الْغَايَة أَو يتَنَاوَل زِيَادَة على الْغَايَة تدخل الْغَايَة فِي الحكم وَيكون المُرَاد بهَا إِخْرَاج مَا وَرَاء الْغَايَة مَعَ بَقَاء الْغَايَة وَالْحَد دَاخِلا فِي الحكم وَاسم الْيَد يتَنَاوَل من رُؤْس الْأَصَابِع إِلَى الْإِبِط وَاسم الرجل يَتَنَاوَلهَا إِلَى أَعلَى الْفَخْذ فَكَانَ ذكر الْغَايَة لإِخْرَاج مَا وَرَاءَهَا وإسقاطه من الْإِيجَاب فَبَقيت الْغَايَة وَمَا قبلهَا دَاخِلا تَحت الْإِيجَاب. وَأورد على هَذَا الْمدْرك مَسْأَلَة الْيَمين وَهِي أَنه لَو حلف لَا يكلم فلَانا إِلَى رَمَضَان لَا يدْخل رَمَضَان فِي الْيَمين مَعَ أَنه لَوْلَا الْغَايَة لكَانَتْ الْيَمين متأبدة وَلم يَجْعَل ذكر الْغَايَة مسْقطًا لما وَرَاءَهَا فاليد هَهُنَا كالأيد فِي الْيَمين قَالَ خُوَاهَر زَاده وَلَا وَجه لتخريج هَذَا النَّقْض إِلَّا بِالْمَنْعِ على رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة وَقَالَ رَضِي الدّين النَّيْسَابُورِي هَذِه الْغَايَة لمد الْيَمين لَا للإسقاط لِأَن قَوْله لَا أكلم للْحَال فَكَانَ مدا لَهَا إِلَى الْأَبَد قلت هَذَا مَمْنُوع فَإِن الْمُضَارع مُشْتَرك بَين الْحَال والاستقبال والمشترك يعم فِي النَّفْي حَتَّى لَو حلف لَا يكلم موَالِي فلَان يتَنَاوَل الْأَعْلَى والأسفل ذكره فِي وَصَايَا الْهِدَايَة وَغَيرهَا وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ لَو شَرط الْخِيَار فِي البيع وَالشِّرَاء إِلَى الْغَد فَلهُ الْخِيَار فِي الْغَد كُله لِأَنَّهُ لَو اقْتصر على قَوْله أَنى بِالْخِيَارِ يتَنَاوَل الْأَبَد فَيكون ذكر الْغَد لإِسْقَاط مَا وَرَاءه أما وَجه ظَاهر الرِّوَايَة فِي الْيَمين فالعرف ومبنى الْإِيمَان عَلَيْهِ حَتَّى لَو حلف لَا يكلمهُ إِلَى عشرَة أَيَّام يدْخل الْيَوْم الْعَاشِر وَلَو قَالَ إِن تزوجت إِلَى خمس سِنِين دخلت السّنة الْخَامِسَة فِي الْيَمين وَكَذَا لَو اسْتَأْجر دَارا إِلَى خمس سِنِين دخلت الْخَامِسَة فِيهَا وَهَذَا الْمدْرك الرَّابِع هُوَ المتداول فِي الْكتب. النَّوْع الْحَادِي عشر قَوْله {وامسحوا برؤسكم} يدل على فَرضِيَّة مسح الرَّأْس وَاخْتلفُوا فِي الْمَفْرُوض مِنْهُ فروى أَصْحَابنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا ربع الرَّأْس وَالْأُخْرَى مِقْدَار ثَلَاثَة أَصَابِع وَيبدأ بِمقدم الرَّأْس وَقَالَ الْحسن بن الصَّالح يبْدَأ بمؤخر الرَّأْس وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث يمسح بِمقدم الرَّأْس وَقَالَ مَالك الْفَرْض مسح جَمِيع الرَّأْس وَإِن ترك الْقَلِيل مِنْهُ جَازَ وَقَالَ الشَّافِعِي الْفَرْض مسح بعض رَأسه وَلم يحد شَيْئا قلت للفقهاء فِي هَذَا ثَلَاثَة عشر قولا سِتَّة عَن الْمَالِكِيَّة حَكَاهَا ابْن الْعَرَبِيّ والقرطبي وَقَالَ ابْن مسلمة صَاحب مَالك يجْزِيه مسح ثُلثَيْهِ وَقَالَ أَشهب وَأَبُو الْفرج يجْزِيه الثُّلُث وروى
البرقي عَن أَشهب يجْزِيه مقدم رَأسه وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَظَاهر مَذْهَب مَالك الِاسْتِيعَاب وعنهم يجْزِيه أدنى مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمسْح وَالسَّادِس مسح كُله فرض ويعفى عَن ترك شَيْء يسير مِنْهُ يعزى إِلَى الطرطوشي وللشافعية قَولَانِ صرح أَكْثَرهم بِأَن مسح بعض شَعْرَة وَاحِدَة يجْزِيه وَقَالُوا يتَصَوَّر ذَلِك بِأَن يكون رَأسه مطليا بِالْحِنَّاءِ بِحَيْثُ لم يبْق من الشّعْر ظَاهرا إِلَّا شَعْرَة وَاحِدَة فَأمر يَده عَلَيْهَا وَهَذَا ضَعِيف جدا فَإِن الشَّرْع لَا يرد بالصورة النادرة الَّتِي يتَكَلَّف فِي تصورها وَقَالَ ابْن القَاضِي الْوَاجِب ثَلَاث شَعرَات وَهُوَ أخف من الأول وَيحصل أَضْعَاف ذَلِك بِغسْل الْوَجْه وَهُوَ يجزىء عَن الْمسْح فِي الصَّحِيح وَالنِّيَّة عِنْد كل عُضْو لَيست بِشَرْط بِلَا خلاف عِنْدهم وَدَلِيل التَّرْتِيب ضَعِيف وَعِنْدنَا فِي الْمَفْرُوض مِنْهُ ثَلَاث رِوَايَات فِي ظَاهر الرِّوَايَات ثَلَاث أَصَابِع ذكره فِي الْمُحِيط والمفيد وَهُوَ رِوَايَة هِشَام عَن أبي حنيفَة وَفِي رِوَايَة الْكَرْخِي والطَّحَاوِي مِقْدَار الناصية وَذكر فِي اخْتِلَاف زفر عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أَنَّهُمَا قَالَا لَا يجْزِيه إِلَّا أَن يمسح مِقْدَار ثلث رَأسه أَو ربعه وروى يحيى بن أكتم عَن مُحَمَّد أَنه اعْتبر ربع الرَّأْس وَقَالَ أَبُو بكر عندنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ الرّبع وَثَلَاث أَصَابِع وَبَعض الْمَشَايِخ صحّح الرِّوَايَة بِثَلَاث أَصَابِع وَبَعْضهمْ رِوَايَة الرّبع احْتِيَاطًا وَفِي جَوَامِع الْفِقْه عَن الْحسن يجب مسح أَكثر الرَّأْس وَعَن أَحْمد يجب مسح جَمِيعه وَعنهُ يجزىء مسح بعضه وَالْمَرْأَة يجزيها مسح مقدم رَأسهَا فِي ظَاهر قَوْله وَفِي المغنى وَاخْتلف فِي قدر الْوَاجِب فروى عَن أَحْمد وجوب مسح جَمِيعه فِي حق كل أحد وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْخرقِيّ وَمذهب مَالك وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة يجزىء مسح بعضه قَالَ أَبُو الْحَارِث قلت لِأَحْمَد فَإِن مسح بِرَأْسِهِ وَترك بعضه قَالَ يجْزِيه ثمَّ قَالَ وَمن يُمكنهُ أَن يَأْتِي على الرَّأْس كُله وَنقل عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع أَنه كَانَ يمسح مقدم رَأسه وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا مسح اليافوخ وَمِمَّنْ قَالَ بمسح الْبَعْض الْحسن وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي إِلَّا أَن الظَّاهِر عَن أَحْمد فِي حق الرجل وجوب الِاسْتِيعَاب وَفِي حق الْمَرْأَة يجزيها مقدم الرَّأْس قَالَ الْخلال الْعَمَل فِي مَذْهَب أبي عبد الله أَنَّهَا إِن مسحته بِمقدم رَأسهَا أجزأها وَقَالَ مهني قَالَ أَحْمد أَرْجُو أَن تكون الْمَرْأَة فِي مسح الرَّأْس أسهل وَقَالَ فِي الرَّوْضَة الْوَاجِب فِي مسح الرَّأْس مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم وَلَو بعض شَعْرَة أَو قدره من الْبشرَة وَفِي وَجه شَاذ يشْتَرط ثَلَاث شَعرَات وَشرط الشّعْر الْمَمْسُوح أَن لَا يخرج عَن حد الرَّأْس لَو مد سبطا كَانَ أَو جَعدًا انْتهى اعْلَم أَن الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي مسح الرَّأْس لم يُوجد لَهُ نَص فِي الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي صفة وضوء النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِخِلَاف مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك وأصحابنا أما مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك فَهُوَ حَدِيث عبد الله بن زيد بن عَاصِم رَوَاهُ مَالك عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن أَبِيه قَالَ شهِدت عَمْرو بن أبي حسن سَأَلَ عبد الله بن زيد عَن وضوء رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فأكفأ على يَدَيْهِ من التور فَغسل يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثمَّ أَدخل يَده فِي التور فَمَضْمض واستنشق واستنثر ثَلَاثًا بِثَلَاث غرفات ثمَّ أَدخل يَده فِي التور فَغسل وَجهه ثَلَاثًا وَيَديه إِلَى الْمرْفقين مرَّتَيْنِ ثمَّ أَدخل يَده فِي التور فَمسح رَأسه فَأقبل بهما وَأدبر مرّة وَاحِدَة ثمَّ غسل رجلَيْهِ أخرجه الْجَمَاعَة كلهم من حَدِيث مَالك وَأما مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا فَهُوَ حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تَوَضَّأ وَمسح بناصيته وعَلى الْعِمَامَة وعَلى الْخُفَّيْنِ رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مطولا ومختصرا وَقَالَ أَصْحَابنَا قَوْله تَعَالَى {وامسحوا برؤسكم} مُجمل فالتحق الحَدِيث بَيَانا بِهِ فَإِن قلت الحَدِيث يَقْتَضِي بَيَان عين الناصية وَالْمُدَّعِي ربع غير معِين وَهُوَ مِقْدَار الناصية فَلَا يُوَافق الدَّلِيل الْمَذْكُور قلت الحَدِيث يحْتَمل مَعْنيين بَيَان الْمُجْمل وَبَيَان الْمِقْدَار وَخبر الْوَاحِد يصلح بَيَانا لمجمل الْكتاب والإجمال فِي الْمِقْدَار دون الْمحل لِأَنَّهُ الرَّأْس وَهُوَ مَعْلُوم فَلَو كَانَ المُرَاد مِنْهُ الْمعِين يلْزم نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد فَإِن قلت لَا نسلم أَن الْإِجْمَال فِي الْمِقْدَار لِأَن المُرَاد مِنْهُ مُطلق الْبَعْض بِدَلِيل دُخُول الْبَاء فِي الْمحل وَالْمُطلق لَا يحْتَاج إِلَى الْبَيَان قلت المُرَاد بعض لَا مُطلق الْمِقْدَار لوجوه الأول أَن الْمسْح على أدنى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم وَهُوَ مِقْدَار شَعْرَة غير مُمكن إِلَّا بِزِيَادَة غير مَعْلُومَة. وَالثَّانِي أَن الله أفرد الْمسْح بِالذكر وَلَو كَانَ المُرَاد بِالْمَسْحِ مسح مُطلق الْبَعْض وَهُوَ حَاصِل فِي ضمن الْغسْل لم يكن للإفراد بِالذكر فَائِدَة. وَالثَّالِث أَن الْمَفْرُوض فِي سَائِر الْأَعْضَاء غسل مِقْدَار فَكَذَا فِي هَذِه الْوَظِيفَة فَكَانَ مُجملا فِي حق الْمِقْدَار فَيكون فعله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم بَيَانا وَيُقَال الْبَاء للإلصاق فَاقْتضى إلصاق آلَة الْمسْح بِالرَّأْسِ لَكِن الإلصاق يحصل مَعَ
الْبَعْض كَمَا يحصل مَعَ الْكل وَالْبَعْض الملصق مُجمل فَكَانَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيَانا وَقَالَ صَاحب الِاخْتِيَار الْإِجْمَال فِي النَّص من حَيْثُ أَنه يحْتَمل إِرَادَة الْجَمِيع كَمَا قَالَ مَالك وَيحْتَمل إِرَادَة الرّبع كَمَا قُلْنَا وَيحْتَمل إِرَادَة الْأَقَل كَمَا قَالَ الشَّافِعِي وَهَذَا ضَعِيف لِأَن فِي احْتِمَال إِرَادَة الْجَمِيع تكون الْبَاء فِي برؤسكم زَائِدَة وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمجَاز لَا يُعَارض الأَصْل كَمَا ذكر فِي الْأُصُول وَالْعَمَل هُنَا مُمكن بِأَيّ بعض كَانَ فَلَا يكون النَّص بِهَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ مُجملا فَإِن قلت لَا نسلم أَن الْكتاب مُجمل لِأَن الْمُجْمل مَا لَا يُمكن الْعَمَل بِهِ إِلَّا بِبَيَان من الْمُجْمل وَالْعَمَل بِهَذَا النَّص مُمكن بِحمْلِهِ على الْأَقَل لتيقنه قلت لَا نسلم أَن الْعَمَل بِهِ قبل الْبَيَان مُمكن والأقل لَا يكون أقل من شَعْرَة وَالْمسح عَلَيْهَا لَا يكون إِلَّا بِزِيَادَة عَلَيْهَا وَمَا لَا يُمكن إِلَّا بِهِ فَهُوَ فرض وَالزِّيَادَة غير مَعْلُومَة فتحقق الْإِجْمَال فِي الْمِقْدَار فَإِن قلت سلمنَا أَنه مُجمل وَالْخَبَر بَيَان لَهُ وَلَكِن الدَّلِيل أخص من الْمَدْلُول فَإِن الْمَدْلُول مِقْدَار الناصية وَهُوَ ربع الرَّأْس وَالدَّلِيل يدل على تعْيين الناصية وَمثله لَا يُفِيد الْمَطْلُوب قلت الْبَيَان لما فِيهِ من الْإِجْمَال فَكَأَن الناصية بَيَانا للمقدار لَا للمحل الْمُسَمّى نَاصِيَة إِذْ لَا إِجْمَال فِي الْمحل فَكَانَ من بَاب ذكر الْخَاص وَإِرَادَة الْعَام وَهُوَ مجَاز شَائِع فَكَانَا متساويين فِي الْعُمُوم فَإِن قلت لَا نسلم أَن مِقْدَار الناصية فرض لِأَن الْفَرْض مَا ثَبت بِدَلِيل قَطْعِيّ وَخبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْقطع وَلَئِن سلمناه وَلَكِن لَازمه هُوَ تَكْفِير الجاحد مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُوم قلت الأَصْل فِي هَذَا أَن خبر الْوَاحِد إِذا لحق بَيَانا للمجمل كَانَ الحكم بعده مُضَافا إِلَى الْمُجْمل دون الْبَيَان والمجمل من الْكتاب وَالْكتاب دَلِيل قَطْعِيّ وَلَا نسلم انْتِفَاء اللَّازِم لِأَن الجاحد من لَا يكون مؤولا وَمُوجب الْأَقَل والجميع مؤول يعْتَمد شُبْهَة قَوِيَّة وَقُوَّة الشُّبْهَة تمنع التَّكْفِير من الْجَانِبَيْنِ أَلا ترى أَن أهل الْبدع لَا يكفرون بِمَا منعُوا مِمَّا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل الْقطعِي فِي نظر أهل السّنة لتأويلهم فَافْهَم. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي الْأَحْكَام قَوْله تَعَالَى {وامسحوا برؤسكم} يَقْتَضِي مسح بعضه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَن هَذِه الأدوات مَوْضُوعَة لإِفَادَة الْمعَانِي وَإِن كَانَ قد يجوز دُخُولهَا فِي بعض الْمَوَاضِع صلَة فَتكون ملغاة وَيكون وجودهَا وَعدمهَا سَوَاء وَلَكِن لما أمكن هَهُنَا اسْتِعْمَالهَا على وَجه الْفَائِدَة لم يجز الغاؤها فَلذَلِك قُلْنَا أَنَّهَا للتَّبْعِيض وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك إِذا قلت مسحت يَدي بِالْحَائِطِ كَانَ معقولا مسحها بِبَعْضِه دون جَمِيعه وَلَو قلت مسحت الْحَائِط كَانَ الْمَعْقُول مسح جَمِيعه دون بعضه فوضح الْفرق بَين إدخالها وإسقاطها فِي الْعرف واللغة فَإِذا كَانَ كَذَلِك تحمل الْبَاء فِي الْآيَة على التَّبْعِيض تَوْفِيَة لحقها وَإِن كَانَت فِي الأَصْل للإلصاق إِذْ لَا مُنَافَاة بَينهمَا لِأَنَّهَا تكون مستعملة للإلصاق فِي الْبَعْض الْمَفْرُوض وَالدَّلِيل على أَنَّهَا للتَّبْعِيض مَا روى عمر بن عَليّ بن مقدم عَن إِسْمَعِيل بن حَمَّاد عَن أَبِيه حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم فِي قَوْله {وامسحوا برؤسكم} قَالَ إِذا مسح بِبَعْض الرَّأْس أَجزَأَهُ قَالَ فَلَو قَالَ وامسحوا رؤسكم كَانَ الْفَرْض مسح الرَّأْس كُله فَأخْبر أَن الْبَاء للتَّبْعِيض وَقد كَانَ من أهل اللُّغَة مَقْبُول القَوْل فِيهَا وَيدل على أَنه قد أُرِيد بهَا التَّبْعِيض فِي الْآيَة اتِّفَاق الْجَمِيع على جَوَاز ترك الْقَلِيل من الرَّأْس فِي الْمسْح والاقتصار على الْبَعْض وَهَذَا هُوَ اسْتِعْمَال اللَّفْظ على التَّبْعِيض فَحِينَئِذٍ احْتَاجَ إِلَى دلَالَة فِي إِثْبَات الْمِقْدَار الَّذِي هُوَ حَده فَإِن قلت إِذا كَانَت للتَّبْعِيض لما جَازَ أَن يُقَال مسحت برأسي كُله كَمَا لَا يُقَال مسحت بِبَعْض رَأْسِي كُله قلت قد بَينا أَن حَقِيقَتهَا إِذا أطلقت التَّبْعِيض مَعَ احْتِمَال كَونهَا ملغاة فَإِذا قَالَ مسحت برأسي كُله علمنَا أَنه أَرَادَ أَن تكون الْبَاء ملغاة نَحْو قَوْله تَعَالَى {مَا لكم من إِلَه غَيره} وَنَحْو ذَلِك فَإِن قلت قَالَ ابْن جنى وَابْن برهَان من زعم أَن الْبَاء للتَّبْعِيض فقد جَاءَ أهل اللُّغَة بِمَا لَا يعرفونه قلت أثبت الْأَصْمَعِي والفارسي والقتيبي وَابْن مَالك التَّبْعِيض وَقيل هُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين وَجعلُوا مِنْهُ (عينا يشرب بهَا عباد الله) وَقَول الشَّاعِر (شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعت ... ) وَيُقَال أَن الْبَاء فِي الْآيَة للاستعانة وَأَن فِي الْكَلَام حذفا وَقَلْبًا فَإِن مسح يتَعَدَّى إِلَى المزال عَنهُ بِنَفسِهِ وَإِلَى المزيل بِالْبَاء فَالْأَصْل امسحوا رؤسكم بِالْمَاءِ وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْموضع أَن الْبَاء للإلصاق فَإِن دخلت فِي آلَة الْمسْح نَحْو مسحت الْحَائِط بيَدي يتَعَدَّى إِلَى الْمحل فَيتَنَاوَل كُله وَإِن دخلت فِي الْمحل نَحْو فامسحوا برؤسكم لَا يتَنَاوَل كل الْمحل تَقْدِيره الصقوها برؤسكم فَإِذا لم يتَنَاوَل كل الْمحل يَقع الْإِجْمَال فِي قدر الْمَفْرُوض مِنْهُ وَيكون الحَدِيث مُبينًا لذَلِك كَمَا قَرَّرْنَاهُ. النَّوْع الثَّانِي عشر قَوْله {وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ} يدل على فَرضِيَّة غسل الرجلَيْن فِي الْوضُوء عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء بَيَان ذَلِك أَن قَوْله {وأرجلكم} قرىء بِالنّصب والخفض كَمَا ذكرنَا والقراءتان نقلهما الْأَئِمَّة تلقيا من رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم وَلَا يخْتَلف أهل اللُّغَة أَن كل وَاحِدَة من الْقِرَاءَتَيْن مُحْتَملَة للمسح بعطفها على الرَّأْس ومحتملة للْغسْل بعطفها على المغسول فَلَا يَخْلُو حِينَئِذٍ القَوْل من أحد معَان ثَلَاثَة أما أَن يُقَال أَن المُرَاد هما
جَمِيعًا فَيكون عَلَيْهِ أَن يمسح وَيغسل أَو يكون المُرَاد أَحدهمَا على وَجه التَّخْيِير يفعل المتوضىء أَيهمَا شَاءَ وَيكون مَا يَفْعَله هُوَ الْمَفْرُوض أَو يكون المُرَاد أَحدهمَا بِعَيْنِه لَا على التَّخْيِير فَلَا سَبِيل إِلَى الأول لِاتِّفَاق الْجَمِيع على خِلَافه وَكَذَا لَا سَبِيل إِلَى الثَّانِي إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَة ذكر التَّخْيِير وَلَا دلَالَة عَلَيْهِ فَتعين الْوَجْه الثَّالِث ثمَّ يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى طلب الدَّلِيل على المُرَاد مِنْهُمَا فالدليل على أَن المُرَاد الْغسْل دون الْمسْح اتِّفَاق الْجَمِيع على أَنه إِذا غسل فقد أدّى فَرْضه وأتى بالمراد وَأَنه غير ملوم على ترك الْمسْح فَثَبت أَن المُرَاد الْغسْل وَالصَّحَابَة أَيْضا فَهُوَ صَار فِي حكم الْمُجْمل المفتقر إِلَى الْبَيَان فَمَا ورد فِيهِ من الْبَيَان عَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من فعل أَو قَول علمنَا أَنه مُرَاد الله تَعَالَى وَقد ورد الْبَيَان عَنهُ بِالْغسْلِ قولا وفعلا أما فعلا فَهُوَ مَا ثَبت بِالنَّقْلِ المستفيض الْمُتَوَاتر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غسل رجلَيْهِ فِي الْوضُوء وَلم تخْتَلف الْأَئِمَّة فِيهِ وَأما قولا فَمَا رَوَاهُ جَابر وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ وخَالِد بن الْوَلِيد وَيزِيد بن أبي سُفْيَان وشرحبيل بن حَسَنَة وَأَبُو أُمَامَة وَأَبُو بكر الصّديق وَأنس بن مَالك وَمُحَمّد بن مَحْمُود وَله صُحْبَة وَبَعض الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم. أما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه ثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَق عَن سعيد ابْن أبي كريب عَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم يَقُول ويل لِلْعَرَاقِيبِ من النَّار وَأخرجه ابْن مَاجَه من طَرِيق ابْن أبي شيبَة وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا وَلَفظه رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قدم رجل لمْعَة لم يغسلهَا فَقَالَ ويل لِلْعَرَاقِيبِ من النَّار. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ البُخَارِيّ حَدثنَا آدم بن أبي إِيَاس قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ يمر بِنَا وَالنَّاس يتوضؤن من المطهرة فَقَالَ أَسْبغُوا الْوضُوء فَإِن أَبَا الْقَاسِم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَأخرجه الدَّارمِيّ أَيْضا فِي مُسْنده وَلَفظه ويل للعقب وَأما حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَأخْرجهُ مُسلم من طَرِيق سَالم مولى شَدَّاد قَالَ دخلت على عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم توفّي سعد بن أبي وَقاص فَدخل عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَتَوَضَّأ عِنْدهَا فَقَالَت يَا عبد الرَّحْمَن أَسْبغ الْوضُوء فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن سُفْيَان حَدثنِي مَنْصُور عَن هِلَال بن يسَاف عَن أبي يحيى عَن عبد الله بن عَمْرو أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى قوما وَأَعْقَابهمْ تلوح فَقَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار أَسْبغُوا الْوضُوء وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَرِجَاله ثِقَات وَأَبُو يحيى اسْمه مصدع مولى عبد الله بن عَمْرو وروى لَهُ الْجَمَاعَة سوى البُخَارِيّ والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا وَلما ذكر ابْن مَاجَه حَدِيث جَابر ويل لِلْعَرَاقِيبِ من النَّار قَالَ هَذَا أعجب إِلَيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو وَحَدِيث عبد الله بن عمر وَأخرجه أَيْضا أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي مستخرجه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفْظهمَا وَأَعْقَابهمْ بيض تلوح لم يَمَسهَا المَاء. وَأما حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء فَأخْرجهُ أَحْمد فِي مُسْنده حَدثنَا هَارُون قَالَ حَدثنَا عبد الله بن وهب أَخْبرنِي حَيْوَة بن شُرَيْح أَخْبرنِي عقبَة بن مُسلم عَن عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ وَهُوَ من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَقُول سَمِعت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم يَقُول ويل لِلْأَعْقَابِ وبطون الْأَقْدَام من النَّار وَإِسْنَاده جيد حسن وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا وَصَححهُ الْحَاكِم. وَأما حَدِيث خَالِد بن الْوَلِيد وَيزِيد بن أبي سُفْيَان وشرحبيل بن حَسَنَة فَأخْرجهُ ابْن أبي خُزَيْمَة وَلَفظه أَسْبغُوا الْوضُوء وَأَتمُّوا الرُّكُوع وَالسُّجُود ويل لِلْأَعْقَابِ. وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث لَيْث عَن ابْن سابط عَن أبي أُمَامَة أَو عَن أخي أبي أُمَامَة رأى قوما يتوضؤن فَبَقيَ على أَقْدَامهم قدر الدِّرْهَم لم يصبهُ المَاء فَقَالَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار فَكَانَ أحدهم ينظر فَإِن رأى موضعا لم يصبهُ المَاء أعَاد الْوضُوء وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أبي أُمَامَة وأخيه من غير شكّ وَلَا تردد وَقَالَ أَبُو زرْعَة لما سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث أَخُو أبي أُمَامَة لَا أعرف اسْمه وَأما حَدِيث أبي بكر الصّديق فَأخْرجهُ أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه من حَدِيث عمر عَن أبي بكر الصّديق تَوَضَّأ رجل وَبَقِي على ظهر قدمه مثل ظفر إبهامه فَقَالَ لَهُ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ارْجع فَأَتمَّ وضوءك قَالَ فَفعل وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه نَحْو حَدِيث أبي بكر وَأما حَدِيث مُحَمَّد بن مَحْمُود فَأخْرجهُ
أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب الصَّحَابَة وَأخرجه الشَّافِعِي فِي مُسْنده قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لأعمى يتَوَضَّأ اغسل بطن الْقدَم فَجعل الْأَعْمَى يغسل بطن الْقدَم وَقَالَ أَبُو إِسْحَق الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره فَسمى الْأَعْمَى أَبَا غسيل وَأما حَدِيث بعض الصَّحَابَة فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد عَن خَالِد بن معدان عَن بعض الصَّحَابَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى رجلا يُصَلِّي وَفِي ظهر قدمه لمْعَة قدر الدِّرْهَم لم يصبهَا المَاء فَأمره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُعِيد الْوضُوء وَالصَّلَاة وَزعم أَبُو إِسْحَق الفيروزباذي فِي كتاب غسل الرجلَيْن أَن أَبَا سعيد رَوَاهُ أَيْضا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا غير مُسْتَقِيم لِأَن حَدِيث أبي سعيد لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَسْبغُوا الْوضُوء وَلم يذكر فِيهِ الأعقاب كَذَا ذكره الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ وَأحمد بن حَنْبَل فِي آخَرين فَقَوله ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار وَعِيد لايجوز أَن يسْتَحق إِلَّا بترك الْمَفْرُوض فَهَذَا يُوجب اسْتِيعَاب الرجل بِالْغسْلِ وَفِي الْغَايَة أما وَظِيفَة الرجلَيْن ففيهما أَرْبَعَة مَذَاهِب الأول هُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن وظيفتهما الْغسْل وَلَا يعْتد بِخِلَاف من خَالف ذَلِك الثَّانِي مَذْهَب الإمامية من الشِّيعَة أَن الْفَرْض مسحهما الثَّالِث هُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَأبي عَليّ الجبائي أَنه مُخَيّر بَين الْمسْح وَالْغسْل الرَّابِع مَذْهَب أهل الظَّاهِر وَهُوَ رِوَايَة عَن الْحسن أَن الْوَاجِب الْجمع بَينهمَا وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا هما غسلتان ومسحتان وَعنهُ أَمر الله بِالْمَسْحِ وأبى النَّاس إِلَّا الْغسْل وروى أَن الْحجَّاج خطب بالأهواز فَذكر الْوضُوء فَقَالَ اغسلوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء من ابْن آدم أقرب من مَسّه من قَدَمَيْهِ فَاغْسِلُوا بطونهما وَظُهُورهمَا وعراقيبهما فَسمع ذَلِك أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ صدق الله وَكذب الْحجَّاج قَالَ الله تَعَالَى {وامسحوا برؤسكم وأرجلكم} وَكَانَ عِكْرِمَة يمسح رجلَيْهِ وَيَقُول لَيْسَ فِي الرجلَيْن غسل وَإِنَّمَا هُوَ مسح وَقَالَ الشّعبِيّ نزل جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالْمَسْحِ وَقَالَ قَتَادَة افْترض الله غسلين ومسحين وَلِأَن قِرَاءَة الْجَرّ محكمَة فِي الْمسْح لِأَن الْمَعْطُوف يُشَارك الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي حكمه لِأَن الْعَامِل الأول ينصب عَلَيْهِمَا انصبابة وَاحِدَة بِوَاسِطَة الْوَاو عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَعند آخَرين يقدر للتابع من جنس الأول وَالنّصب يحْتَمل الْعَطف على الأول على بعد فَإِن أَبَا عَليّ قَالَ قد أجَاز قوم النصب عطفا على وُجُوهكُم وَإِنَّمَا يجوز شبهه فِي الْكَلَام المعقد وَفِي ضَرُورَة الشّعْر وَمَا يجوز على مثله محبَّة العي وظلمة اللّبْس وَنَظِيره اعط زيدا وعمرا جوائزهما وَمر ببكر وخَالِد فَأَي بَيَان فِي هَذَا وَأي لبس أقوى من هَذَا ذكره المرسي حاكيا عَنهُ فِي ري الظمآن وَيحْتَمل الْعَطف على مَحل برؤسكم كَقَوْلِه تَعَالَى {يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير} بِالنّصب عطفا على الْمحل لِأَنَّهُ مفعول بِهِ وكقول الشَّاعِر (معاوي أننا بشر فاسجح ... فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا) بِالنّصب على مَحل الْجبَال لِأَنَّهُ خبر لَيْسَ فَوَجَبَ أَن يحمل الْمُحْتَمل على الْمُحكم. وَلنَا الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المستفيضة فِي صفة وضوء النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه غسل رجلَيْهِ وَهُوَ حَدِيث عُثْمَان الْمُتَّفق على صِحَّته وَحَدِيث عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن زيد وَالربيع بنت معوذ بن عفراء وَعَمْرو بن عبسة رَضِي الله عَنْهُم وَثَبت أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام رأى جمَاعَة توضؤا وَبقيت أَعْقَابهم تلوح فَلم يَمَسهَا المَاء فَقَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار وَلم يثبت عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه مسح رجلَيْهِ بِغَيْر خف فِي حضر وَلَا سفر وَالْآيَة قُرِئت بالحركات الثَّلَاث بِالنّصب وَله وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون مَعْطُوفًا على وُجُوهكُم فيشاركها فِي حكمهَا وَهُوَ الْغسْل وَإِنَّمَا أخرت عَن الْمسْح بعد المغسولين لوُجُوب تَأْخِير غسلهمَا عَن مسح الرَّأْس عِنْد قوم ولاستحبابه عِنْد آخَرين وَالثَّانِي أَن يكون عَامله مُقَدرا وَهُوَ واغسلوا لَا بالْعَطْف على وُجُوهكُم كَمَا تَقول أكلت الْخبز وَاللَّبن أَي شربته وَإِن لم يتَقَدَّم للشُّرْب ذكر وَهَهُنَا تقدم للْغسْل ذكر فَكَانَ أولى بالاضمار وَمِنْه علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا أَي سقيتها وَقَالَ رَأَيْت زَوجك فِي الوغى مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا أَي وحاملا رمحا وَقَالَ. شراب البان وتمر وأقط. أَي وآكل تمر وأقط. وبالجر وَعنهُ أجوبة. الأول أَنَّهَا جرت على مجاورة رؤسكم وَإِن كَانَت مَنْصُوبَة كَقَوْلِه تَعَالَى {إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم أَلِيم} على جوَار يَوْم وَإِن كَانَ صفة للعذاب وكقولهم هَذَا جُحر ضَب خرب صفة جُحر وَإِن كَانَ مَرْفُوعا فَإِذا قلت جحرا ضَب خربين وجحرة ضباب خربة لم يجزه الْخَلِيل فِي التَّثْنِيَة وَأَجَازَهُ فِي الْجمع وَاشْترط أَن يكون الآخر مثل الأول وَأَجَازَهُ سِيبَوَيْهٍ فِي الْكل الْجَواب الثَّانِي أَنَّهَا عطفت على الرؤس لِأَنَّهَا تغسل
بصب المَاء عَلَيْهَا فَكَانَت مَظَنَّة لإسراف المَاء الْمنْهِي عَنهُ لَا لتمسح وَلَكِن لينبه على وجوب الاقتصاد فِي صب المَاء عَلَيْهَا فجيء بالغاية ليعلم أَن حكمهَا مُخَالف لحكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا غَايَة فِي الْمَمْسُوح قَالَه صَاحب الْكَشَّاف. الْجَواب الثَّالِث هُوَ مَحْمُول على حَالَة اللّبْس للخف وَالنّصب على الْغسْل عِنْد عَدمه وروى همام بن الْحَارِث أَن جرير بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ بَال ثمَّ تَوَضَّأ وَمسح على خفيه فَقيل لَهُ أتفعل هَذَا قَالَ وَمَا يَمْنعنِي وَقد رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَفْعَله وَكَانَ يعجبهم حَدِيث جرير لِأَن إِسْلَامه كَانَ بعد نزُول الْمَائِدَة قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ اتّفق النَّاس على صِحَة حَدِيث جرير وَهَذَا نَص يرد مَا ذَكرُوهُ فَإِن قلت روى مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ أَن جَرِيرًا أسلم فِي سنة عشر فِي شهر رَمَضَان وَأَن الْمَائِدَة نزلت فِي ذِي الْحجَّة يَوْم عَرَفَة قلت هَذَا لَا يثبت لِأَن الْوَاقِدِيّ فِيهِ كَلَام وَإِنَّمَا نزل يَوْم عَرَفَة {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} الْجَواب الرَّابِع أَن الْمسْح يسْتَعْمل بِمَعْنى الْغسْل الْخَفِيف يُقَال مسح على أَطْرَافه إِذا تَوَضَّأ قَالَه أَبُو زيد وَابْن قُتَيْبَة وَأَبُو عَليّ الْفَارِسِي وَفِيه نظر وَمَا ذكر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ مُحَمَّد بن جرير إِسْنَاده صَحِيح والضعيف الثَّابِت عَنهُ أَنه كَانَ يقرؤ وأرجلكم بِالنّصب فَيَقُول عطف على المغسول هَكَذَا رَوَاهُ الْحفاظ عَنهُ مِنْهُم الْقَاسِم بن سَلام وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا وَثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَنهُ أَنه تَوَضَّأ وَغسل رجلَيْهِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأما قَوْله {يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير} بِالنّصب على الْمحل فَمَمْنُوع لِأَنَّهُ مفعول مَعَه وَلَو سلم الْعَطف على الْمحل فَإِنَّمَا يجوز مثل ذَلِك عِنْد عدم اللّبْس نقل ذَلِك عَن سِيبَوَيْهٍ وَهَهُنَا لبس فَلَا يجوز وَأما الْبَيْت فَغير مُسلم فَإِنَّهُ ذكر فِي العقد أَن سِيبَوَيْهٍ غلط فِيهِ وَإِنَّمَا قَالَ الشَّاعِر بالخفض وَالْقَصِيدَة كلهَا مجرورة فَمَا كَانَ مُضْطَرّا إِلَى أَن ينصب هَذَا الْبَيْت ويحتال بحيلة ضَعِيفَة قَالَ (معاوي أننا بشر فاسجح ... فلسنا بالجبال وَلَا الْحَدِيد) (أكلْتُم أَرْضنَا وجزرتموها ... فَهَل من قَائِم أَو من حصيد) (أتطمع فِي الخلود إِذا هلكنا ... وَلَيْسَ لنا وَلَا لَك من خُلُود) وَقيل هما قصيدتان مجرورة. ومنصوبة وَفِيه بعد قلت ملخص الْكَلَام هَهُنَا أَنه ثَبت الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِي قَوْله {وأرجلكم} الرّفْع قَرَأَ بِهِ نَافِع رَوَاهُ عَنهُ الْوَلِيد بن مُسلم وَهُوَ قِرَاءَة الْأَعْمَش وَالنّصب قَرَأَ بِهِ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة وَإِبْرَاهِيم وَالضَّحَّاك وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ وَحَفْص وَعَاصِم وَعلي بن حَمْزَة وَقَالَ الْأَزْهَرِي وَهِي قِرَاءَة ابْن عَبَّاس وَالْأَعْمَش وَحَفْص عَن أبي بكر وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي والجر قَرَأَ بِهِ ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَحَمْزَة وَابْن كثير وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ وَقَرَأَ أنس وعلقمة وَأَبُو جَعْفَر بالخفض وَالْمَشْهُور هُوَ قِرَاءَة النصب والجر وَبَينهمَا تعَارض وَالْحكم فِي تعَارض الرِّوَايَتَيْنِ كَالْحكمِ فِي تعَارض الْآيَتَيْنِ وَهُوَ أَنه إِن أمكن الْعَمَل بهما مُطلقًا يعْمل وَإِن لم يُمكن يعْمل بهما بِالْقدرِ الْمُمكن وَهَهُنَا لَا يُمكن الْجمع بَين الْغسْل وَالْمسح فِي عُضْو وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة لِأَنَّهُ لم يقل بِهِ أحد من السّلف وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تكْرَار الْمسْح لِأَن الْغسْل يتَضَمَّن الْمسْح وَالْأَمر الْمُطلق لَا يَقْتَضِي التّكْرَار فَيعْمل فِي حالتين فَيحمل فِي قِرَاءَة النصب على مَا إِذا كَانَت الرّجلَانِ باديتين وَتحمل قِرَاءَة الْخَفْض على مَا إِذا كَانَتَا مستورتين بالخفين تَوْفِيقًا بَين الْقِرَاءَتَيْن وَعَملا بهما بِالْقدرِ الْمُمكن وَقد يُقَال أَن قِرَاءَة من قَرَأَ وأرجلكم بِالْجَرِّ مُعَارضَة لمن نصبها فَلَا حجَّة إِذا لوُجُود الْمُعَارضَة فَإِن قلت نَحن نحمل قِرَاءَة النصب على أَنَّهَا مَنْصُوبَة على الْمحل فَإِذا حملناه على ذَلِك لم يكن بَينهمَا تعَارض بل يكون مَعْنَاهُمَا النصب وَإِن اخْتلف اللَّفْظ فيهمَا وَمَتى أمكن الْجمع لم يجز الْحمل على التَّعَارُض وَالِاخْتِلَاف وَالدَّلِيل على جَوَاز الْعَطف على الْمحل قَوْله تَعَالَى {وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام} وَقَالَ الشَّاعِر (أَلا حَيّ نَدْمَانِي عُمَيْر بن عَامر ... إِذا مَا تلاقينا من الْيَوْم أَو غَدا) فنصب غَدا على الْمحل قلت الْعَطف على الْمحل خلاف السّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أما السّنة فَحَدِيث عَمْرو بن عبسة الَّذِي أخرجه مُسلم وَفِيه ثمَّ يغسل قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ الحَدِيث وَأما الْإِجْمَاع فَهُوَ مَا روى عَاصِم عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قَالَ بَينا يَوْم نَحن وَالْحسن يقْرَأ على عَليّ رَضِي الله عَنهُ وجليس قَاعد إِلَى جنبه يحادثه فَسَمعته يقْرَأ (وأرجلكم) فَفتح عَلَيْهِ الجليس بالخفض فَقَالَ عَليّ وزجره إِنَّمَا هُوَ (فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم واغسلوا أَرْجُلكُم) من
تَقْدِيم الْقُرْآن الْعَظِيم وتأخيره وَكَذَلِكَ عَن عُرْوَة وَمُجاهد وَالْحسن وَمُحَمّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَعبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج وَالضَّحَّاك وَعبد الله بن عَمْرو بن غيلَان زَاد الْبَيْهَقِيّ عَطاء وَيَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد التَّيْمِيّ وَأَبا بكر بن عَيَّاش وَذكر ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ أَنه نصب على الِاسْتِئْنَاف وَقيل المُرَاد بِالْمَسْحِ فِي حق الرجل الْغسْل وَلَكِن أطلق عَلَيْهِ لفظ الْمسْح للمشاكلة كَقَوْلِه تَعَالَى {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} وَقيل إِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الْمسْح لِأَن الأرجل من بَين سَائِر الْأَعْضَاء مَظَنَّة إِسْرَاف المَاء بالصب فعطف على الْمَمْسُوح وَإِن كَانَت مغسولة للتّنْبِيه على وجوب الاقتصاد فِي الصب لَا للمسح وَجِيء بالغاية فَقيل إِلَى الْكَعْبَيْنِ إمَاطَة لظن ظان يحسبها أَنَّهَا ممسوحة إِذْ الْمسْح لم يصرف لَهُ غَايَة فَافْهَم فَإِن قلت رويت أَحَادِيث فِي مسح الرجلَيْن مِنْهَا حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ لَا يتم صَلَاة لأحد حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أمره الله تَعَالَى فَيغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ حسنه أَبُو عَليّ الطوسي الْحَافِظ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو بكر الْبَزَّار وَصَححهُ الْحَافِظ ابْن حبَان وَابْن حزم وَمِنْهَا حَدِيث عبد الله بن زيد أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُسْنده عَن أبي عبد الرَّحْمَن بن الْمقري عَن سعيد ابْن أبي أَيُّوب حَدثنِي أَبُو الْأسود عَن عباد بن تَمِيم عَن عبد الله بن زيد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ وَمسح بِالْمَاءِ على رجلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن أبي زُهَيْر عَن الْمقري بِهِ وَمِنْهَا حَدِيث رجل من قيس رَوَاهُ أَبُو مُسلم الْكَجِّي فِي سنَنه عَن حجاج حَدثنَا حَمَّاد عَن أبي جَعْفَر الخطمي عُمَيْر بن يزِيد عَن عمَارَة بن خُزَيْمَة بن ثَابت عَن رجل من قُرَيْش قَالَ تبِعت النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بقدح فِيهِ مَاء فَلَمَّا قضى حَاجته تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة قَالَ فِيهِ ثمَّ مسح على قدمه الْيُمْنَى ثمَّ قبض أُخْرَى فَمسح قدمه الْيُسْرَى وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَمِنْهَا حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ أخرجه ابْن شاهين فِي كتاب النَّاسِخ والمنسوخ وَمِنْهَا حَدِيث أَوْس بن أَوْس أخرجه ابْن شاهين أَيْضا وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخرجه أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا فَقبض قَبْضَة من المَاء فرش على رجله الْيُمْنَى وفيهَا النَّعْل ثمَّ مسحها بيدَيْهِ يَد فَوق الْقدَم وَيَد تَحت النَّعْل ثمَّ صنع باليسرى مثل ذَلِك وَمِنْهَا حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ ذكره أَحْمد بن عَليّ القَاضِي فِي كِتَابه مُسْند عُثْمَان بِسَنَد صَحِيح أَنه تَوَضَّأ ثمَّ مسح رَأسه ثمَّ ظهر قَدَمَيْهِ ثمَّ رَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت أما حَدِيث رِفَاعَة فقد قَالَ ابْن القطام فِي إِسْنَاده يحيى بن عَليّ بن خَلاد وَهُوَ مَجْهُول وَلَكِن يخدشه قَول من صَححهُ أَو حسنه كَمَا ذَكرْنَاهُ وَيحيى ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَأما حَدِيث عبد الله بن زيد فقد قَالَ أَبُو عمر إِسْنَاده لَا تقوم بِهِ حجَّة وَقَالَ الجوزقاني فِي كِتَابه هَذَا حَدِيث مُنكر وَأما حَدِيث رجل من قيس فَإِن الْمسْح فِيهِ مَحْمُول على الْغسْل الْخَفِيف وَأما حَدِيث جَابر وَعمر فَفِي إسنادهما عبد الله بن لَهِيعَة وَأما حَدِيث أَوْس بن أَوْس فَإِنَّهُ كَأَن فِي مبدأ الْإِسْلَام ثمَّ نسخ وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَإِن أَبَا إِسْحَق الْحَرْبِيّ لما ذكره من جِهَة معمر قَالَ لَو شِئْت لحدثتكم أَن زيد بن أسلم حَدثنِي عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أَبُو إِسْحَق الْحَمد لله الَّذِي لم يقدر على لِسَان عمر أَن يحدث بِهِ على حَقِيقَته إِنَّمَا حدث بِهِ على حسبان لِأَنَّهُ حَدِيث مُنكر الْإِسْنَاد وَالْخَبَر جَمِيعًا. وَأما حَدِيث عُثْمَان فَإِنَّهُ مَحْمُول على أَن الْمسْح فِيهِ كَانَ على الْخُف (قَالَ أَبُو عبد الله وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن فرض الْوضُوء مرّة مرّة وَتَوَضَّأ أَيْضا مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَلم يزدْ على ثَلَاث) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه قَوْله وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَعْلِيق وسيذكره مَوْصُولا فِي بَاب مُفْرد لذَلِك وَكَذَا قَوْله وَتَوَضَّأ أَيْضا إِلَى آخِره تَعْلِيق وسيذكره مَوْصُولا فِي بَاب مُفْرد لذَلِك وَأَشَارَ بهما إِلَى أَن الْأَمر من حَيْثُ هُوَ لإيجاد حَقِيقَة الشَّيْء الْمَأْمُور بِهِ لَا يَقْتَضِي الْمرة وَلَا التّكْرَار بل هُوَ مُحْتَمل لَهما فَبين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن المُرَاد مِنْهُ الْمرة حَيْثُ غسل مرّة وَاحِدَة وَاكْتفى بهَا إِذْ لَو لم يكن الْفَرْض إِلَّا مرّة وَاحِدَة لم يجز الاجتزاء بهَا وَأَشَارَ أَيْضا بقوله مرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا إِلَى أَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا مَنْدُوب إِلَيْهَا لِأَن فعل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يدل على النّدب غَالِبا إِذا لم يكن دَلِيل على الْوُجُوب لكَونه بَيَانا للْوَاجِب مثلا فَإِن قلت فِي أَيْن وَقع بَيَان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن فرض الْوضُوء مرّة مرّة قلت هُوَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
تَوَضَّأ مرّة مرّة وَهُوَ بَيَان بِالْفِعْلِ لمجمل الْآيَة وَحَدِيث أبي بن كَعْب رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ مرّة مرّة وَقَالَ هَذَا وضوء لَا تقبل الصَّلَاة إِلَّا بِهِ فَفِيهِ بَيَان بالْقَوْل وَالْفِعْل وَهَذَا أخرجه ابْن مَاجَه وَلكنه ضَعِيف وَله طرق أُخْرَى كلهَا ضَعِيفَة وَقَالَ مهنى سَأَلت أَبَا عبد الله يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْوضُوء مرّة مرّة فَقَالَ الْأَحَادِيث فِيهِ ضَعِيفَة وَفِيه نظر لِأَنَّهُ صَحَّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا الْمَذْكُور وَجَمِيع مَا ذكره البُخَارِيّ وَقع فِي حَدِيث ابْن مَاجَه عَن عبد الله بن عَامر حَدثنَا شريك عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ سَأَلت أَبَا جَعْفَر قلت لَهُ حَدثَك جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ مرّة مرّة قَالَ نعم قلت مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا قَالَ نعم قلت قَالَ التِّرْمِذِيّ روى وَكِيع هَذَا عَن ثَابت قلت لأبي جَعْفَر حَدثَك جَابر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ مرّة مرّة وَهَذَا أصح من حَدِيث شريك لِأَنَّهُ روى من غير وَجه هَذَا غير ثَابت نَحْو رِوَايَة وَكِيع وَشريك كثير الْغَلَط وَسُئِلَ البُخَارِيّ عَن الْحَدِيثين فِيمَا ذكره فِي الْعِلَل الْكَبِير فَقَالَ الصَّحِيح مَا رَوَاهُ وَكِيع وَحَدِيث شريك لَيْسَ بِصَحِيح وَلما ذكر الْبَزَّار حَدِيث شريك قَالَ لَا نعلمهُ يروي عَن جَابر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن عَليّ إِلَّا أَبُو حَمْزَة الثمالِي انْتهى وَفِيه نظر لما ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُعْجَمه حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن حَفْص حَدثنَا عبد الله بن هَاشم الطوسي حَدثنَا الْحَارِث بن عمرَان الْجَعْفَرِي عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قلت لجَابِر فَذكره وَقَالَ ابْن مَاجَه أَيْضا أَنبأَنَا أَبُو بكر بن خَلاد حَدثنِي مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز حَدثنِي عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي عَن أَبِيه عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ تَوَضَّأ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاحِدَة وَاحِدَة وَقَالَ هَذَا وضوء من لَا يقبل الله مِنْهُ صَلَاة إِلَّا بِهِ ثمَّ تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَقَالَ هَذَا وضوء الْقدر من الْوضُوء وَتَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَذَا أَسْبغ الْوضُوء وَهُوَ وضوئي ووضوء الْخَلِيل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ الْمَقْدِسِي هَذَا حَدِيث غير ثَابت وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي الْعِلَل لَا يَصح هَذَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ أَبُو زرْعَة هُوَ عِنْدِي حَدِيث واه وَمُعَاوِيَة بن قُرَّة لم يلْحق ابْن عمر قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب الْعِلَل رَوَاهُ إِسْرَائِيل الْملَائي عَن الْعمي عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَوهم فِيهِ وَالصَّوَاب قَول من قَالَ عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة وَرَوَاهُ أَبُو عرُوبَة الْحَرَّانِي فِي كتاب الطَّبَقَات الْكَبِير عَن الْمسيب بن وَاضح حَدثنَا جَعْفَر بن ميسرَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَلما رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه قَالَ تفرد بِهِ الْمسيب وَهُوَ ضَعِيف وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث من هَذَا الْوَجْه تفرد بِهِ الْمسيب وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقَالَ فِي الْمعرفَة وَالْمُسَيب غير مُحْتَج بِهِ وَرُوِيَ من أوجه كلهَا ضَعِيفَة قلت قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ صَدُوق وَكَانَ يخطىء كثيرا فَإِذا قيل لَهُ لم يقبل وَقَالَ ابو عرُوبَة كَانَ لَا يحدث إِلَّا بِشَيْء يعرفهُ يقف عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو نصر بن فاخر كَانَ شَيخا جَلِيلًا ثِقَة يخطىء وَكَانَ النَّسَائِيّ حسن الرَّأْي فِيهِ وَيَقُول النَّاس يؤذوننا فِيهِ وَقَالَ ابْن عدي لَا بَأْس بِهِ وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه قَوْله مرّة مرّة روى فيهمَا الرّفْع وَالنّصب أما الرّفْع فعلى الخبرية لِأَن وَهُوَ أقرب الْأَوْجه وَأما النصب فعلى أوجه الأول مفعول مُطلق أَي فرض الْوضُوء غسل الْأَعْضَاء غسلة وَاحِدَة. الثَّانِي أَنه ظرف أَي فرض الْوضُوء ثَابت فِي الزَّمَان الْمُسَمّى بالمرة وَهَذَا ذكره الْكرْمَانِي وَفِيه بعد. الثَّالِث أَنه حَال قد سدت مسد الْخَبَر كَقِرَاءَة بَعضهم {وَنحن عصبَة} بِنصب عصبَة. الرَّابِع أَنه نصب على لُغَة من ينصب الجزئين لِأَن فَإِن قلت مَا فَائِدَة تكْرَار لفظ مرّة قلت إِمَّا التَّأْكِيد وَإِمَّا إِرَادَة التَّفْصِيل أَي فرض الْوضُوء غسل الْوَجْه مرّة وَغسل الْيَدَيْنِ مرّة وَغسل الرجل مرّة نَحْو بوبت الْكتاب بَابا بَابا أَو فرض الْوضُوء فِي كل الْوضُوء مرّة فِي هَذَا الْوضُوء وَمرَّة فِي ذَاك الْوضُوء. فالتفصيل إِمَّا بِالنّظرِ إِلَى أَجزَاء الْوضُوء وَإِمَّا بِالنّظرِ إِلَى جزئيات الْوضُوء قَوْله مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر بالتكرار وَفِي رِوَايَة غَيره بِلَا تكْرَار وَوجه انتصابهما مثل انتصاب مرّة قَوْله وَثَلَاثًا أَي وَتَوَضَّأ أَيْضا ثَلَاثًا أَي ثَلَاث مَرَّات وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَفِي بعض النّسخ وَثَلَاثَة بِالْهَاءِ قَوْله وَلم يزدْ على ثَلَاث أَي وَلم يزدْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وضوئِهِ على ثَلَاث مَرَّات وَقَالَ بعض الشَّارِحين وَلم يزدْ على ثَلَاثَة كَذَا ثَبت وَكَأن الأَصْل ثَلَاث كَمَا تَقول عِنْدِي ثَلَاث نسْوَة قلت بل النّسخ الصَّحِيحَة على ثَلَاث على الأَصْل وَلَا يحْتَاج إِلَى التعسف
الْمَذْكُور وَحَاصِل الْمَعْنى لم يَأْتِ فِي شَيْء من الْأَحَادِيث المرفوعة فِي صفة وضوء النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه زَاد على ثَلَاث بل ورد عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ذمّ من زَاد عَلَيْهَا وَهُوَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ من زَاد على هَذَا أَو نقص فقد أَسَاءَ وظلم. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الإِمَام هَذَا الحَدِيث صَحِيح عِنْد من يصحح حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده لصِحَّة الْإِسْنَاد إِلَى عَمْرو فَإِن قلت كَيفَ يكون ظَالِما فِي النُّقْصَان وَقد ورد فِي الْأَحَادِيث الْوضُوء مرّة مرّة ومرتين مرَّتَيْنِ كَمَا ذكر قلت أُجِيب عَنهُ بأجوبة. الأول فِيهِ حذف تَقْدِيره أَو نقص من وَاحِدَة وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم بن حَمَّاد من طَرِيق الْمطلب بن حنْطَب مَرْفُوعا الْوضُوء مرّة ومرتين وَثَلَاثًا فَإِن نقص من وَاحِدَة أَو زَاد على ثَلَاث فقد أَخطَأ وَهُوَ مُرْسل وَرِجَاله ثِقَات الثَّانِي أَن الروَاة لم يتفقوا على ذكر النَّقْص فِيهِ بل أَكْثَرهم اقتصروا على قَوْله فَمن زَاد فَقَط كَذَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَسَأَلَهُ عَن الْوضُوء فَأرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ هَذَا الْوضُوء فَمن زَاد على هَذَا فقد أَسَاءَ وتعدى وظلم ثمَّ قَالَ لم يُوصل هَذَا الْخَبَر غير الْأَشْجَعِيّ ويعلى وَزعم أَبُو دَاوُد فِي كتاب التفرد أَنه من منفردات أهل الطَّائِف وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه كَذَلِك وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه بِلَفْظ فقد أَسَاءَ وتعدى وظلم الثَّالِث أَنه يكون ظَالِما لنَفسِهِ فِي ترك الْفَضِيلَة والكمال وَإِن كَانَ يجوز مرّة مرّة أَو مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ الرَّابِع أَنه إِنَّمَا يكون ظَالِما إِذا اعْتقد خلاف السّنيَّة فِي الثَّلَاث وَيُقَال معنى أَسَاءَ فِي الْأَدَب بِتَرْكِهِ السّنة والتأدب بآداب الشَّرِيعَة وَمعنى ظلم أَي ظلم نَفسه بِمَا نَقصهَا من الثَّوَاب وَفِي تَركه الْفَضِيلَة والكمال وَيُقَال إِنَّمَا يكون ظَالِما إِذا اعْتقد خلاف السّنيَّة فِي الثَّلَاث وَيُقَال الْإِسَاءَة ترجع إِلَى الزِّيَادَة وَالظُّلم إِلَى النُّقْصَان لِأَن الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَحَله قلت الزِّيَادَة على الثَّلَاث أَيْضا وضع الشَّيْء فِي غير مَحَله وَأَيْضًا إِنَّمَا يتمشى هَذَا فِي رِوَايَة تَقْدِيم الْإِسَاءَة على النُّقْصَان وَفِي الْبَدَائِع اخْتلف فِي تَأْوِيله فَقيل زَاد على مَوضِع الْوضُوء وَنقص عَن موَاضعه وَقيل زَاد على ثَلَاث مَرَّات وَلم ينْو ابْتِدَاء الْوضُوء وَنقص عَن الْوَاحِدَة وَالصَّحِيح أَنه مَحْمُول على الِاعْتِقَاد دون نفس الْعَمَل مَعْنَاهُ فَمن زَاد على الثَّلَاث أَو نقص وَلم ير الثَّلَاث سنة لِأَن من لم ير سنة النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فقد ابتدع فيلحقه الْوَعيد حَتَّى لَو زَاد على الثَّلَاث أَو نقص وَرَأى الثَّلَاث سنة لَا يلْحقهُ هَذَا الْوَعيد لِأَن الزِّيَادَة على الثَّلَاث من بَاب الْوضُوء على الْوضُوء إِذا نوى بِهِ وَأَنه نور على نور على لِسَان النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. ثمَّ اعْلَم أَن الثَّلَاث سنة والواحدة تجزىء وَقَالَ أَصْحَابنَا الأولى فرض وَالثَّانيَِة مُسْتَحبَّة وَالثَّالِثَة سنة وَقيل الأولى فرض وَالثَّانيَِة سنة وَالثَّالِثَة إِكْمَال السّنة وَقيل الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة سنة وَقيل الثَّانِيَة سنة وَالثَّالِثَة نفل وَقيل عَكسه وَعَن أبي بكر الأسكاف أَن الثَّلَاث تقع فرضا كَمَا إِذا أَطَالَ الرُّكُوع وَالسُّجُود وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا أَن الزَّائِد على الثَّلَاث لَا يَقع طَهَارَة وَلَا يصير المَاء بِهِ مُسْتَعْملا إِلَّا إِذا قصد بِهِ تَجْدِيد الْوضُوء وَمَا ذكر فِي الْجَامِع أَن مَاء الرَّابِعَة فِي غسل الثَّوْب النَّجس طهُور وَفِي الْعُضْو النَّجس مُسْتَعْمل مَحْمُول على مَا إِذا نوى بِهِ الْقرْبَة وَفِي العتابي وَمَاء الرَّابِعَة مُسْتَعْمل فِي الْعُضْو النَّجس لِأَن الظَّاهِر هُوَ قصد الْقرْبَة حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه وَفِي شرح النَّسَفِيّ فِيهِ لِأَنَّهُ وجد فِيهِ معنى الْقرْبَة لِأَن الْوضُوء على الْوضُوء نور على نور وَلِهَذَا صَار المَاء مُسْتَعْملا بِهِ وَفِي الْمُحِيط والاسبيجاني أَن مَاء الرَّابِعَة لَا يصير مُسْتَعْملا إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَعند الشَّافِعِيَّة خَمْسَة أوجه أَصَحهَا إِن صلى بِالْوضُوءِ الأول فرضا أَو نفلا اسْتحبَّ وَإِلَّا فَلَا وَبِه قطع الْبَغَوِيّ وَثَانِيها إِن صلى فرضا اسْتحبَّ وَإِلَّا فَلَا وَبِه قطع الفوراني. وَثَالِثهَا مُسْتَحبّ إِن فعل بِالْوضُوءِ الأول مَا يقْصد لَهُ الْوضُوء وَإِلَّا فَلَا ذكره الشَّاشِي. وَرَابِعهَا إِن صلى بِالْأولِ أَو سجد لتلاوة أَو شكر أَو قَرَأَ الْقُرْآن فِي مصحف اسْتحبَّ وَإِلَّا فَلَا وَبِه قطع أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ. وخامسها مُسْتَحبّ وَإِن لم يفعل بِالْوضُوءِ الأول شَيْئا أصلا حَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ قَالَ وَهَذَا إِنَّمَا يَصح إِذا تخَلّل بَين الْوضُوء والتجديد زمن يَقع بِمثلِهِ تَفْرِيق فَأَما إِذا وَصله بِالْوضُوءِ فَهُوَ فِي حكم غسلة رَابِعَة (وَكره أهل الْعلم الْإِسْرَاف فِيهِ وَأَن يجاوزوا فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كره مُشْتَقّ من الْكَرَاهَة وَهِي اقْتِضَاء التّرْك مَعَ عدم الْمَنْع من النقيض وَقد يعرف الْمَكْرُوه بِأَنَّهُ مَا يمدح تَاركه وَلَا يذم فَاعله كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت هَذَا لَا يمشي على إِطْلَاقه وَإِنَّمَا يمشي هَذَا فِي كَرَاهَة التَّنْزِيه وَأما فِي كَرَاهَة التَّحْرِيم فَلَا قَوْله الْإِسْرَاف
باب لا تقبل صلاة بغير طهور
هُوَ صرف الشَّيْء فِيمَا يَنْبَغِي زَائِدا على مَا يَنْبَغِي بِخِلَاف التبذير فَإِنَّهُ صرف الشَّيْء فِيمَا لَا يَنْبَغِي قَوْله فِيهِ أَي فِي الْوضُوء وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه من طَرِيق هِلَال بن يسَاف أحد التَّابِعين قَالَ كَانَ يُقَال فِي الْوضُوء إِسْرَاف وَلَو كنت على شاطىء نهر وَأخرج نَحوه عَن أبي الدَّرْدَاء وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وروى فِي مَعْنَاهُ حَدِيث مَرْفُوع أخرجه ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد لين حَدثنَا ابْن مصفى حَدثنَا بَقِيَّة عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم رجلا يتَوَضَّأ فَقَالَ لَا تسرف لَا تسرف قَالَ وَحدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن يحيى بن عبد الله عَن الجباني عَن ابْن عَمْرو أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مر بِسَعْد وَهُوَ يتَوَضَّأ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرف قَالَ أَفِي الْوضُوء إِسْرَاف قَالَ نعم وَإِن كنت على نهر جَار وَقَالَ بعض الشَّارِحين قَول البُخَارِيّ هَذَا إِشَارَة إِلَى نقل الْإِجْمَاع على منع الزِّيَادَة على الثَّلَاث قلت وَفِيه نظر فَإِن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قَالَ فِي الْأُم لَا أحب الزِّيَادَة عَلَيْهَا فَإِن زَاد لم أكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَاصِل مَا ذكره الشَّافِعِيَّة فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أوجه. أَصَحهَا أَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه. وَثَانِيها أَنَّهَا حرَام. وَثَالِثهَا أَنَّهَا خلاف الأولى وَأبْعد قوم فَقَالُوا أَنه إِذا زَاد على الثَّلَاث يبطل الْوضُوء كَمَا لَو زَاد فِي الصَّلَاة حَكَاهُ الدَّارمِيّ فِي استذكاره عَنْهُم وَهُوَ خطأ ظَاهر وَخلاف مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء قَوْله وَإِن يجاوزوا عطف على قَوْله الْإِسْرَاف فِيهِ وَهُوَ عطف تفسيري للإسراف إِذْ لَيْسَ المُرَاد بالإسراف إِلَّا الْمُجَاوزَة عَن فعل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَي الثَّلَاث وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَيْسَ بعد الثَّلَاث شَيْء وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَق لَا تجوز الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَا آمن إِن يَأْثَم. فَإِن قلت الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب كُله تَرْجَمَة فَأَيْنَ الحَدِيث قلت لَا نسلم ذَلِك لِأَن قَوْله وَبَين النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم أَن فرض الْوضُوء مرّة مرّة حَدِيث لِأَن المُرَاد من الحَدِيث أَعم من قَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه ذكره على سَبِيل التَّعْلِيق وَكَذَا قَوْله وَتَوَضَّأ أَيْضا مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ حَدِيث لما ذكرنَا وَلَا شكّ أَن كلا مِنْهُمَا بَيَان للسّنة وَهُوَ الْمَقْصُود من الْبَاب وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ على مَا وجد فِي بعض النّسخ من ذكر لفظ بَاب هَهُنَا وَأما على بعض النّسخ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذكر لفظ بَاب فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف (بَاب لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور) بَاب منون غير مُضَاف خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هَذَا بَاب وَفِي بعض النّسخ لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور وَهُوَ بِضَم الطَّاء وَهُوَ الْفِعْل الَّذِي هُوَ الْمصدر وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا أَعم من الْوضُوء وَالْغسْل وَلَيْسَ كَمَا قَالَه الْكرْمَانِي وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الْوضُوء وَأما بِفَتْح الطَّاء فَهُوَ المَاء الَّذِي يتَطَهَّر بِهِ وَتَقْدِيم هَذَا الْبَاب على مَا بعده من الْأَبْوَاب ظَاهر لِأَن الْكتاب فِي أَحْكَام الْوضُوء وَالْغسْل اللَّذين لَا تجوز الصَّلَاة أصلا إِلَّا بِأَحَدِهِمَا وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَغَيره من حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا بِزِيَادَة قَوْله وَلَا صَدَقَة من غلُول وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق أبي الْمليح عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم قَالَ لَا يقبل الله تَعَالَى صَدَقَة من غلُول وَلَا صَلَاة بِغَيْر طهُور وَله طرق كَثِيرَة لَكِن لَيْسَ فِيهَا شَيْء على شَرط البُخَارِيّ فَلهَذَا عدل عَنهُ إِلَى مَا ذكره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَعَ أَن حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مُطَابق لما ترْجم لَهُ وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يقوم مقَامه 1 - (حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي قَالَ أخبرنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا معمر عَن همام بن مُنَبّه أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تقبل صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ قَالَ رجل من حضر موت مَا الْحَدث يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ فسَاء أَو ضراط) قيل أَن الحَدِيث لَيْسَ بمطابق للتَّرْجَمَة لِأَن التَّرْجَمَة عَام والْحَدِيث خَاص وَجَوَابه أَنه وَإِن كَانَ خَاصّا وَلكنه يسْتَدلّ بِهِ على أَن الْأَعَمّ مِنْهُ نَحوه بل أولى على أَنا قُلْنَا أَن الْأَحَادِيث الَّتِي تطابق التَّرْجَمَة بِحَسب الظَّاهِر لَيست على شَرطه فَلذَلِك لم يذكرهَا وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا على شَرطه فَذكره عوضا عَنْهَا لِأَنَّهُ يقوم مقَامهَا من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن
(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة كلهم ذكرُوا وَأخرج أَصْحَاب السِّتَّة للْجَمِيع إِلَّا إِسْحَق بن رَاهَوَيْه فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه وَعبد الرَّزَّاق هُوَ ابْن همام وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد ومنبه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم يمانيون إِلَّا إِسْحَق وَمِنْهَا أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء أَصْحَاب مسانيد (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَق بن نصر وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان كلهم عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أحدث أَي وجد مِنْهُ الْحَدث أَو أَصَابَهُ الْحَدث أَو دخل فِي الْحَدث من الْحُدُوث وَهُوَ كَون شَيْء لم يكن قَالَ الصغاني أحدث الرجل من الْحَدث فَأَما قَول الْفُقَهَاء أحدث أَي أَتَى مِنْهُ مَا نقض طَهَارَته فَلَا تعرفه الْعَرَب قَوْله من حضر موت بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَهُوَ اسْم بلد بِالْيمن وقبيلة أَيْضا وهما اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا وَالِاسْم الأول مِنْهُ مَبْنِيّ على الْفَتْح على الْأَصَح إِن قيل ببنائهما وَقيل بإعرابهما فَيُقَال حضر موت بِرَفْع الرَّاء وجر التَّاء وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ لُغَتَانِ التَّرْكِيب وَمنع الصّرْف وَالثَّانيَِة الْإِضَافَة فَإِذا أضيف جَازَ فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ الصّرْف وَتَركه وَفِي الْمطَالع حضر موت من بِلَاد الْيمن وهذيل وَيُقَال حضر موت بِضَم الْمِيم وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ حضرمي والتصغير حضيرموت يصغر الْمصدر مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الْجمع فَيُقَال فلَان من الحضارمة قَوْله فسَاء بِضَم الْفَاء وبالمد والضراط بِضَم الضَّاد وهما مشتركان فِي كَونهمَا ريحًا خَارِجا من الدبر ممتازان بِكَوْن الأول بِدُونِ الصَّوْت وَالثَّانِي مَعَ الصَّوْت وَفِي الصِّحَاح فسا يفسو فسوا وَالِاسْم الفساء بِالْمدِّ وتفاست الخنافس إِذا أخرجت استها لذَلِك وَفِي الْعباب قَالَ ابْن دُرَيْد الضراط مَعْرُوف يُقَال ضرط يضرط ضرطا وضروطا وضريطا وضراطا. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يَقُول جملَة وَقعت حَالا قَوْله لَا يقبل الله إِلَى آخِره مقول القَوْل قَوْله صَلَاة مَنْصُوب أَو مَرْفُوع على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ مُضَاف إِلَى قَوْله من وَهِي مَوْصُولَة وأحدث جملَة صلتها قَوْله حَتَّى للغاية بِمَعْنى إِلَى وَالْمعْنَى عدم قبُول الصَّلَاة مغيا بالتوضىء قَوْله قَالَ رجل فعل وفاعل وَقَوله من حضر موت جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لرجل قَوْله مَا الْحَدث جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت مقول القَوْل قَوْله يابا هُرَيْرَة حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف قَوْله فسَاء مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هُوَ فسَاء أَي الْحَدث فسَاء أَو ضراط (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث كَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَاق بن نصر وَكَذَا روى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي أَكثر النّسخ لَا تقبل صَلَاة من أحدث على الْبناء لما لم يسم فَاعله وَالْمرَاد بِالْقبُولِ هُنَا مَا يرادف الصِّحَّة وَهُوَ الْإِجْزَاء وَحَقِيقَة الْقبُول وُقُوع الطَّاعَة مجزئة رَافِعَة لما فِي الذِّمَّة وَلما كَانَ الْإِتْيَان بشروطها مَظَنَّة الْإِجْزَاء الَّذِي هُوَ الْقبُول عبر عَنهُ بِالْقبُولِ مجَازًا وَأما الْقبُول الْمَنْفِيّ فِي مثل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من أَتَى عرافا لم تقبل لَهُ صَلَاة فَهُوَ الْحَقِيقِيّ لِأَنَّهُ قد يَصح الْعَمَل وَلَكِن يتَخَلَّف الْقبُول لمَانع وَلِهَذَا كَانَ يَقُول بعض السّلف لِأَن تقبل لي صَلَاة وَاحِدَة أحب إِلَيّ من جَمِيع الدُّنْيَا. وَالتَّحْقِيق هَهُنَا أَن الْقبُول يُرَاد بِهِ شرعا حُصُول الثَّوَاب وَقد تخلف عَن الصِّحَّة بِدَلِيل صِحَة صَلَاة العَبْد الْآبِق وشارب الْخمر مَا دَامَ فِي جسده شَيْء مِنْهَا وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة على الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَيْضا وَأما مُلَازمَة الْقبُول للصِّحَّة فَفِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار وَالْمرَاد بالحائض من بلغت سنّ الْحيض فَإِنَّهَا لَا تقبل صلَاتهَا إِلَّا بالسترة وَلَا تصح وَلَا تقبل مَعَ انكشاف الْعَوْرَة وَالْقَبُول يُفَسر بترتب الْغَرَض الْمَطْلُوب من الشَّيْء على الشَّيْء فَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ عَام فِي عدم الْقبُول فِي جَمِيع الْمُحدثين فِي جَمِيع أَنْوَاع الصَّلَاة وَالْمرَاد بِالْقبُولِ وُقُوع الصَّلَاة مجزئة بمطابقتها لِلْأَمْرِ فعلى هَذَا يلْزم من الْقبُول الصِّحَّة ظَاهرا وَبَاطنا وَكَذَلِكَ الْعَكْس وَنقل عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الصِّحَّة عبارَة عَن ترَتّب الثَّوَاب والدرجات على الْعِبَادَة والإجزاء عبارَة عَن مُطَابقَة الْأَمر فهما متغايران أَحدهمَا أخص من الآخر وَلَا يلْزم من نفى الْأَخَص نفى الْأَعَمّ فالقبول على هَذَا
التَّفْسِير أخص من الصِّحَّة فَكل مَقْبُول صَحِيح وَلَا عكس قَوْله من أحدث قد قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ من وجد مِنْهُ الْحَدث وَهُوَ عبارَة عَمَّا نقض الْوضُوء وَهُوَ بموضوعه يُطلق على الْأَكْبَر كالجنابة وَالْحيض وَالنّفاس والأصغر كنواقض الْوضُوء وَقد يُسمى الْمَنْع الْمُرَتّب عَلَيْهِ حَدثا وَبِه يَصح قَوْلهم رفعت الْحَدث ونويت رَفعه وَإِلَّا اسْتَحَالَ مَا يرفع أَن لَا يكون رَافعا وَكَأن الشَّارِع جعل أمد الْمَنْع الْمُرَتّب على خُرُوج الْخَارِج إِلَى اسْتِعْمَال المطهر وَبِهَذَا يقوى قَول من يرى أَن التَّيَمُّم يرفع الْحَدث لكَون الْمُرْتَفع هُوَ الْمَنْع وَهُوَ مُرْتَفع بِالتَّيَمُّمِ لكنه مَخْصُوص بِحَالَة مَا أَو بِوَقْت مَا وَلَيْسَ ذَلِك ببدع فَإِن الْأَحْكَام قد تخْتَلف باخْتلَاف محلهَا وَقد كَانَ الْوضُوء فِي صدر الْإِسْلَام وَاجِبا لكل صَلَاة فقد ثَبت أَنه كَانَ مُخْتَصًّا بِوَقْت مَعَ كَونه رَافعا للْحَدَث اتِّفَاقًا وَلَا يلْزم من انتهائه فِي ذَلِك الْوَقْت بانتهاء وَقت الصَّلَاة إِلَّا يكون رَافعا للْحَدَث ثمَّ زَالَ ذَلِك الْوُجُوب كَمَا عرف. وَقد ذكر الْفُقَهَاء أَن الْحَدث وصف حكمي مُقَدّر قِيَامه بالأعضاء على معنى الْوَصْف الْحسي وينزلون الْوَصْف الْحكمِي منزلَة الْحسي فِي قِيَامه بالأعضاء فَمن يَقُول بِأَن التَّيَمُّم لَا يرفع الْحَدث يَقُول أَن الأمد الْمُقدر الْحكمِي بَاقٍ لم يزل وَالْمَنْع الَّذِي هُوَ مُرَتّب عَلَيْهِ التَّيَمُّم زائل قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ نفى الْقبُول إِلَى غَايَة وَهُوَ الْوضُوء وَمَا بعد الْغَايَة مُخَالف لما قبلهَا فَاقْتضى قبُول الصَّلَاة بعد الْوضُوء مُطلقًا وَدخل تَحْتَهُ الصَّلَاة الثَّانِيَة قبل الْوضُوء لَهَا ثَانِيًا وتحقيقه أَن لفظ صَلَاة اسْم جنس فَيعم ثمَّ اعْلَم أَن معنى قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ أَو مَا يقوم مقَامه لِأَنَّهُ قد أَتَى بِمَا أَمر بِهِ على أَن التَّيَمُّم من أَسْمَائِهِ الْوضُوء قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي ذَر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأطلق الشَّارِع على التَّيَمُّم أَنه وضوء لكَونه قَامَ مقَامه وَإِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْوضُوء نظرا إِلَى كَونه الأَصْل وَهَهُنَا قيد آخر ترك ذكره للْعلم بِهِ وَهُوَ حَتَّى يتَوَضَّأ مَعَ بَاقِي شُرُوط الصَّلَاة وَالضَّمِير فِي قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ يرجع إِلَى قَوْله من أحدث وَسَماهُ مُحدثا وَإِن كَانَ طَاهِرا بِاعْتِبَار مَا كَانَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم} وَقَوله حَتَّى يتَوَضَّأ هُوَ آخر الحَدِيث وَالْبَاقِي إدراج وَالظَّاهِر أَنه من همام قَوْله فسَاء أَو ضراط قَالَ ابْن بطال إِنَّمَا اقْتصر على بعض الْأَحْدَاث لِأَنَّهُ أجَاب سَائِلًا سَأَلَهُ عَن الْمُصَلِّي يحدث فِي صلَاته فَخرج جَوَابه على مَا سبق الْمُصَلِّي من الإحداث فِي صلَاته لِأَن الْبَوْل وَالْغَائِط وَنَحْوهمَا غير مَعْهُود فِي الصَّلَاة وَقَالَ الْخطابِيّ لم يرد بِذكر هذَيْن النَّوْعَيْنِ تخصيصهما وَقصر الحكم عَلَيْهِمَا بل دخل فِي مَعْنَاهُ كل مَا يخرج من السَّبِيلَيْنِ وَالْمعْنَى إِذا كَانَ أوسع من الحكم كَانَ الحكم للمعنى وَلَعَلَّه أَرَادَ بِهِ أَن يثبت الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ للمعنى الْمُشْتَرك بَينهمَا قلت وَلَعَلَّ ذَلِك لِأَن مَا هُوَ أغْلظ من الفساء بِالطَّرِيقِ الأولى وَيحْتَمل أَن يُقَال الْمجمع عَلَيْهِ من أَنْوَاع الْحَدث لَيْسَ إِلَّا الْخَارِج النَّجس من الْمُعْتَاد وَمَا يكون مَظَنَّة لَهُ كزوال الْعقل فَأَشَارَ إِلَيْهِ على سَبِيل الْمِثَال كَمَا يُقَال الِاسْم زيد أَو كزيد وَيُسمى مثله تعريفا بالمثال أَو يُقَال كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يعلم أَنه عَارِف بِسَائِر أَنْوَاع الْحَدث جَاهِل بكونهما حَدثا فتعرض لحكمهما بَيَانا لذَلِك كَذَا قَالَ بعض الشَّارِحين وَفِيه بعد وَالْأَقْرَب أَن يُقَال أَنه أجَاب السَّائِل بِمَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فِي غَالب الْأَمر كَمَا ورد نَحْو ذَلِك فِي حَدِيث آخر لَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ الدّلَالَة على أَن الصَّلَوَات كلهَا مفتقرة إِلَى الطَّهَارَة وَيدخل فِيهَا صَلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ وَغَيرهمَا وَحكى عَن الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ أَنَّهُمَا أجازا صَلَاة الْجِنَازَة بِغَيْر وضوء وَهُوَ بَاطِل لعُمُوم هَذَا الحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَمن الْغَرِيب أَن قَوْلهمَا قَالَ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة فَلَو صلى مُحدثا مُتَعَمدا بِلَا عذر أَثم وَلَا يكفر عِنْد الْجُمْهُور وَبِه قَالَت الشَّافِعِيَّة وَحكى عَن أبي حنيفَة أَنه يكفر لتلاعبه الثَّانِي فِيهِ الدَّلِيل على بطلَان الصَّلَاة بِالْحَدَثِ سَوَاء كَانَ خُرُوجه اختياريا أَو اضطراريا لعدم التَّفْرِقَة فِي الحَدِيث بَين حدث وَحدث فِي حَالَة دون حَالَة الثَّالِث قَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث رد على من يَقُول إِذا سبقه الْحَدث يتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته قلت هَذَا قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله وَحكى عَن مَالك وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَهُوَ لَيْسَ يرد عَلَيْهِم أصلا لِأَن من سبقه الْحَدث إِذا ذهب وَتَوَضَّأ وَبنى على صلَاته يصدق عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ وَصلى بِالْوضُوءِ وَإِن كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي بطلَان صلَاته على أَنه ورد الْأَثر فِيهِ الرَّابِع قَالَ الْكرْمَانِي فِيهِ أَن الطّواف لَا يجزىء بِغَيْر طهُور لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَمَّاهُ صَلَاة فَقَالَ الطّواف صَلَاة إِلَّا أَنه أُبِيح فِيهِ الْكَلَام قلت اشْتِرَاط الطَّهَارَة للطَّواف بِخَبَر
باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء
الْوَاحِد زِيَادَة على النَّص وَهِي نسخ فَلَا يثبت بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وليطوفوا بِالْبَيْتِ} غير أَنا نقُول بِوُجُوبِهَا لخَبر الْوَاحِد وَمعنى الحَدِيث الطّواف كَالصَّلَاةِ والتشبيه فِي الثَّوَاب دون الحكم لِأَن التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ أَلا ترى أَن الانحراف وَالْمَشْي فِيهِ لَا يُفْسِدهُ (بَاب فضل الْوضُوء والغر المحجلون من آثَار الْوضُوء) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْوضُوء وَالْبَاب مُضَاف إِلَى قَوْله فضل الْوضُوء قَوْله والغر المحجلين بِالْجَرِّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي عطفا على الْوضُوء وَالتَّقْدِير وَفضل الغر المحجلين وَصرح بِهِ الْأصيلِيّ فِي رِوَايَته وَفِي أَكثر الرِّوَايَات والغر المحجلون بِالرَّفْع وَذكر فِي وَجهه أَقْوَال فَقَالَ الْكرْمَانِي وَجهه أَن يكون الغر مُبْتَدأ وَخَبره محذوفا أَي مفضلون على غَيرهم وَنَحْوه أَو يكون من آثَار الْوضُوء خَبره أَي الغر المحجلون منشؤهم آثَار الْوضُوء وَقَالَ بَعضهم الْوَاو استئنافية والغر المحجلون مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره لَهُم فضل قلت بل الْوَاو عاطفة لِأَن التَّقْدِير بَاب فضل الْوضُوء وَبَاب هَذِه الْجُمْلَة وَقَالَ بعض الشُّرَّاح والغر المحجلون بِالرَّفْع وَإِنَّمَا قطعه عَمَّا قبله لِأَنَّهُ لَيْسَ من جملَة التَّرْجَمَة قلت لَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالَه بل هُوَ من جملَة التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهَا صَرِيحًا لمطابقة مَا فِي حَدِيث الْبَاب إِيَّاهَا على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يكون مَرْفُوعا على سَبِيل الْحِكَايَة مِمَّا ورد هَكَذَا أمتِي الغر المحجلون من آثَار الْوضُوء قلت وَقع فِي رِوَايَة مُسلم أَنْتُم الغر المحجلون فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق عدم قبُول الصَّلَاة إِلَّا بِالْوضُوءِ وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب فضل هَذَا الْوضُوء الَّذِي يحصل بِهِ الْقبُول ويفضل بِهِ على غَيره من الْأُمَم 2 - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن خَالِد عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن نعيم المجمر قَالَ رقيت مَعَ أبي هُرَيْرَة على ظهر الْمَسْجِد فَتَوَضَّأ فَقَالَ إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِن أمتِي يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل) مُطَابقَة الحَدِيث للترجمتين ظَاهِرَة أما مطابقته للأولى وَهِي قَوْله فضل الْوضُوء فبطريق سوق الْكَلَام لَهُ وَأما مطابقته للثَّانِيَة وَهِي قَوْله والغر المحجلين من آثَار الْوضُوء فبطريق التَّصْرِيح فِي لفظ الحَدِيث (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول يحيى بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف الْمصْرِيّ وَقد تقدم الثَّانِي اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ وَقد تقدم غير مرّة الثَّالِث خَالِد بن يزِيد من الزِّيَادَة الإسْكَنْدراني الْبَرْبَرِي الأَصْل أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْمُفْتِي التَّابِعِيّ الثِّقَة مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة الرَّابِع سعيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ مَوْلَاهُم أَبُو الْعَلَاء الْمصْرِيّ ولد بِمصْر وَنَشَأ بِالْمَدِينَةِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر فِي خلَافَة هِشَام وَتُوفِّي فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة الْخَامِس نعيم بِضَم النُّون وَفتح الْعين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن عبد الله وَقيل مُحَمَّد الْمدنِي الْعَدوي من آل عمر روى عَن أبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَغَيرهمَا وَعنهُ ابْنه مُحَمَّد وَمَالك وَجَمَاعَة وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَآخَرُونَ وجالس أَبَا هُرَيْرَة عشْرين سنة قَوْله المجمر اسْم فَاعل من الإجمار على الْأَشْهر وَيُقَال المجمر بتَشْديد الْمِيم من التجمير وَهُوَ التبخير سمى بِهِ نعيم وَأَبوهُ أَيْضا بذلك لِأَنَّهُمَا كَانَا يبخران مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ النَّوَوِيّ المجمر صفة لعبد الله وَيُطلق على ابْنه نعيم مجَازًا وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر فقد جزم إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ بِأَن نعيما كَانَ يُبَاشر ذَلِك قلت كل مِنْهُمَا كَانَ يبخر الْمَسْجِد نقل ذَلِك عَن جمَاعَة فَحِينَئِذٍ إِطْلَاق المجمر على كل مِنْهُمَا بطرِيق الْحَقِيقَة فَلَا يَصح دَعْوَى الْمجَاز فِي نعيم فَائِدَة فِي الصَّحَابَة نعيم بن عبد الله النحام وَهُوَ من الْأَفْرَاد وَفِيهِمْ نعيم جمَاعَة بِدُونِ ابْن عبد الله السَّادِس أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع وَمِنْهَا أَن نصف الْإِسْنَاد مصري وَنصفه مدنِي وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَمِنْهَا أَن فِيهِ من بَاب رِوَايَة الأقران وَهِي رِوَايَة خَالِد عَن سعيد وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم من فرسَان الْكتب السِّتَّة إِلَّا يحيى بن بكير فَإِنَّهُ من رجال البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه فَقَط (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث
عَن سعيد بن أبي هِلَال وَعَن أبي كريب وَالقَاسِم بن زَكَرِيَّا وَعبد بن حميد ثَلَاثَتهمْ عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عمَارَة بن غزيَّة كِلَاهُمَا عَن نعيم المجمر بِهِ وَقَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَعَ أبي هُرَيْرَة سَبْعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم ذكرهم ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه ابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ وَعبد الله بن بسر الْمَازِني وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قلت وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو الدَّرْدَاء أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ ابْن لَهِيعَة فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنا أول من يُؤذن لَهُ بِالسُّجُود يَوْم الْقِيَامَة وَأول من يرفع رَأسه فَأنْظر بَين يَدي فأعرف أمتِي من بَين سَائِر الْأُمَم وَمن خَلْفي مثل ذَلِك وَعَن يَمِيني مثل ذَلِك وَعَن شمَالي مثل ذَلِك فَقَالَ رجل كَيفَ تعرف أمتك يَا رَسُول الله من بَين سَائِر الْأُمَم فِيمَا بَين نوح إِلَى أمتك قَالَ هم غر محجلون من أثر الْوضُوء لَيْسَ لأحد كَذَلِك غَيرهم وأعرفهم أَنه يُؤْتونَ كتبهمْ بأيمانهم وأعرفهم تسْعَى بَين أَيْديهم ذُرِّيتهمْ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله رقيت بِكَسْر الْقَاف أَي صعدت وَحكى صَاحب الْمطَالع فتح الْقَاف بِالْهَمْز وَبِدُون الْهَمْز قلت فَهَذِهِ ثَلَاث لُغَات واللغة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة كسر الْقَاف وَقَالَ كرَاع الْهَمْز أَجود وَخَالفهُ صَاحب الْجَامِع فَقَالَ عَدمه أصح وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ لَا أعلم صِحَة الْفَتْح وَهَذَا من الرقى أما من الرّقية فرقيت بِالْفَتْح كَمَا اخْتَارَهُ ثَعْلَب فِي فصيحه وَقَالَ الْجَوْهَرِي رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ رقيا ورقيا إِذا صعدت وارتقيت مثله وَفِي الْعباب رقأت الدرجَة لُغَة فِي رقيت قَوْله غرا بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع أغر أَي ذُو غرَّة بِالضَّمِّ قَالَ ابْن سَيّده الْغرَّة بَيَاض فِي الْجَبْهَة فرس أغر وغراء وَقيل الْأَغَر من الْخَيل الَّذِي غرته أَكثر من الدِّرْهَم قد وسطت جَبهته وَلم تصب وَاحِدَة من الْعَينَيْنِ وَلم تمل على وَاحِدَة من الدّين وَلم تسل سفلى وَهِي أفشى من القرحة وَقَالَ بَعضهم بل يُقَال للأغر أقرح لِأَنَّك إِذا قلت أغر فَلَا بُد من أَن تصف الْغرَّة بالطول وَالْعرض والصغر والعظم والدقة وكلهن غرر فالغرة جَامِعَة لَهُنَّ وغرة الْفرس بَيَاض يكون فِي وَجهه فَإِن كَانَت مؤزرة فَهِيَ وتيرة وَإِن كَانَت طَوِيلَة فَهِيَ شادخة وَعِنْدِي أَن الْغرَّة نفس الْقدر الَّذِي يشْغلهُ الْبيَاض والأغر الْأَبْيَض من كل شَيْء وَقد غر وَجهه يغر بِالْفَتْح غرا وغرة وعرارة صَار ذَا غرَّة قَوْله محجلين جمع محجل بتَشْديد الْجِيم الْمَفْتُوحَة من التحجيل قَالَ ابْن سَيّده هُوَ بَيَاض يكون فِي قَوَائِم الْفرس كلهَا قَالَ (ذُو ميعة محجل القوائم ... ) وَقيل هُوَ أَن يكون الْبيَاض فِي ثَلَاث قَوَائِم مِنْهُنَّ دون الْأُخْرَى فِي رجل ويدين قَالَ (تعادى من قَوَائِمهَا ثَلَاث ... بتحجيل وقائمة بهيم) وَلَا يكون التحجيل فِي الْيَدَيْنِ خَاصَّة إِلَّا مَعَ الرجلَيْن وَلَا فِي يَد وَاحِدَة دون الْأُخْرَى إِلَّا مَعَ الرجلَيْن والتحجيل بَيَاض قل أَو كثر حَتَّى يبلغ نصف الوظيف ولون سائره مَا كَانَ وَفِي الصِّحَاح يُجَاوز الأرساغ وَلَا يُجَاوز الرُّكْبَتَيْنِ والعرقوبين وَفِي المغيث فَإِذا كَانَ الْبيَاض فِي طرف الْيَد فَهُوَ الْعِصْمَة يُقَال فرس أعصم وَفِي الْعباب التحجيل بَيَاض فِي قَوَائِم الْفرس أَو فِي ثَلَاث مِنْهَا أَو فِي رجلَيْنِ قل أَو كثر بعد أَن يُجَاوز الأرساغ وَلَا يُجَاوز الرُّكْبَتَيْنِ والعرقوبين لِأَنَّهَا مَوَاضِع الأحجال وَهِي الخلاخيل والقيود يُقَال فرس محجل وحجلت قوائمه تحجيلا فَإِذا كَانَ الْبيَاض فِي قوائمه الْأَرْبَع فَهُوَ محجل أَربع وَإِن كَانَ فِي الرجلَيْن جَمِيعًا فَهُوَ محجل الرجلَيْن وَإِن كَانَ بِإِحْدَى رجلَيْهِ وَجَاوَزَ الأرساغ فَهُوَ محجل الرجل الْيُمْنَى أَو الْيُسْرَى وَإِن كَانَ الْبيَاض فِي ثَلَاث قَوَائِم دون رجل أَو دون يَد فَهُوَ محجل ثَلَاث مُطلق يَد أَو رجل فَإِن كَانَ محجل يَد وَرجل من شقّ فَهُوَ مُمْسك الأيامن مُطلق الأياسر أَو مُمْسك الأياسر مُطلق الأيامن وَإِن كَانَ من خلاف قل أَو كثر فَهُوَ مشكول انْتهى قلت الأحجال جمع حجل بِالْفَتْح وَهُوَ الْقَيْد والخلخال أَيْضا والحجل بِالْكَسْرِ والحجل لُغَة فيهمَا وَالْأَصْل فِيهِ الْقَيْد والحجلان مشْيَة الْمُقَيد (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله على ظهر الْمَسْجِد يتَعَلَّق بقوله رقيت قَوْله فَتَوَضَّأ هَكَذَا وَقع لجمهور الروَاة بِلَفْظ تَوَضَّأ وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني يَوْمًا بدل تَوَضَّأ وَهُوَ تَصْحِيف ثمَّ هُوَ فَتَوَضَّأ بِالْفَاءِ فِي غَالب النّسخ وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره من الْوَجْه الَّذِي أوردهُ البُخَارِيّ بِلَفْظ ثمَّ تَوَضَّأ وَوَقع فِي بعض النّسخ تَوَضَّأ بِدُونِ حرف الْعَطف وَإِلَى هَذَا ذهب الْكرْمَانِي وَلِهَذَا قَالَ تَوَضَّأ اسْتِئْنَاف كَأَن قَائِلا يَقُول مَاذَا فعل قَالَ تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ وَلِهَذَا لم يذكر فِيهِ وَاو الْعَطف ثمَّ قَالَ وَفِي بعض النّسخ وَتَوَضَّأ بِالْوَاو وَقلت فِي أَكثر النّسخ فَتَوَضَّأ بِالْفَاءِ التعقيبية كَمَا ذكرنَا قَوْله قَالَ اسْتِئْنَاف وَلِهَذَا لم يذكر فِيهِ حرف
للْعَطْف كَأَن قَائِلا قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ فَقَالَ قَالَ إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَقُول جملَة وَقعت حَالا من النَّبِي قَوْله إِن أمتِي الخ مقول القَوْل وَقَوله أمتِي كَلَام إضافي اسْم إِن وَقَوله يدعونَ على صِيغَة الْمَجْهُول فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر إِن قَوْله يَوْم الْقِيَامَة نصب على الظّرْف قَوْله غرا فِي انتصابه وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي يدعونَ وَالْمعْنَى يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة وهم بِهَذِهِ الصّفة وَيدعونَ يتَعَدَّى فِي الْمَعْنى بالحرف وَالتَّقْدِير يدعونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يدعونَ إِلَى كتاب الله} وَالْوَجْه الآخر أَن يكون مَفْعُولا ثَانِيًا ليدعون على تضمنه معنى يسمون بِهَذَا الِاسْم كَمَا يُقَال فلَان يدعى زيدا وأصل يدعونَ يدعوون بواوين تحركت الأولى وَانْفَتح مَا قبلهَا فقلبت ألفا فَاجْتمع ساكنان الْألف وَالْوَاو بعْدهَا فحذفت الْألف لالتقاء الساكنين فَصَارَ يدعونَ قَوْله محجلين يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين قَوْله من آثَار الْوضُوء كلمة من تصلح أَن تكون للتَّعْلِيل أَي لأجل آثَار الْوضُوء قَوْله فَمن كلمة من مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله فَلْيفْعَل وَدخلت الْفَاء فِيهِ لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط قَوْله اسْتَطَاعَ جملَة صلَة الْمَوْصُول قَوْله أَن يُطِيل فِي مَحل النصب بقوله اسْتَطَاعَ وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم إطالة غرته فَلْيفْعَل ومفعول فَلْيفْعَل مَحْذُوف للْعلم بِهِ أَي فَلْيفْعَل الْغرَّة أَو الإطالة (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله الْمَسْجِد الْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد أَي مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَقُول بِصُورَة الْمُضَارع لأجل الاستحضار لصورة الْمَاضِيَة أَو لأجل الْحِكَايَة عَنْهَا وَإِلَّا فَالْأَصْل أَن يُقَال قَالَ بِلَفْظ الْمَاضِي قَوْله إِن أمتِي الْأمة فِي اللَّفْظ وَاحِد وَفِي الْمَعْنى جمع وَهِي فِي اللُّغَة الْجَمَاعَة وكل جنس من الْحَيَوَان أمة وَفِي الحَدِيث لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها وتستعمل فِي اللُّغَة لمعان كَثِيرَة الطَّرِيقَة وَالدّين يُقَال فلَان لَا أمة لَهُ أَي لَا دين لَهُ وَلَا تَحِلَّة لَهُ والحين قَالَ تَعَالَى {وادكر بعد أمة} أَي بعد حِين وَالْملك وَالرجل الْجَامِع للخير وَالرجل الْمُنْفَرد بِدِينِهِ لَا يشركهُ فِيهِ أحد وَالْأمة اتِّبَاع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تطلق على مَعْنيين أمة الدعْوَة وَهِي من بعث إِلَيْهِم وَأمة الْإِجَابَة وَهِي من صدقه وآمن بِهِ وَهَذِه هِيَ المرادة مِنْهَا قَوْله يدعونَ أما من الدُّعَاء بِمَعْنى النداء أَي يدعونَ إِلَى موقف الْحساب أَو إِلَى الْمِيزَان أَو إِلَى غير ذَلِك وَأما من الدُّعَاء بِمَعْنى التَّسْمِيَة نَحْو دَعَوْت ابْني زيدا أَي سميته بِهِ قَوْله يَوْم الْقِيَامَة يَوْم من الْأَسْمَاء الشاذة لوُقُوع الْفَاء وَالْعين فِيهِ حرفي عِلّة فَهُوَ من بَاب وَيْح وويل وَهُوَ اسْم لبياض النَّهَار وَهُوَ من طُلُوع الْفجْر الصَّادِق إِلَى غرُوب الشَّمْس وَالْقِيَامَة فعالة من قَامَ يقوم وَأَصلهَا قَوَّامَة قلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا قَوْله من آثَار الْوضُوء الْآثَار جمع أثر وَأثر الشَّيْء هُوَ بَقِيَّته وَمِنْه أثر الْجرْح وَالْوُضُوء بِضَم الْوَاو وَيجوز فتحهَا أَيْضا فَإِن الْغرَّة والتحجيل نشآ عَن الْغسْل بِالْمَاءِ فَيجوز أَن ينْسب إِلَى كل مِنْهُمَا قَوْله فَمن اسْتَطَاعَ أَي قدر أَن يُطِيل غرته أَي يغسل غرته بِأَن يُوصل المَاء من فَوق الْغرَّة إِلَى تَحت الحنك طولا وَمن الْأذن إِلَى الْأذن عرضا وَفِيه بَاب الِاخْتِصَار حَيْثُ حذف الْمَفْعُول فِي قَوْله فَلْيفْعَل لأَنا قُلْنَا أَن التَّقْدِير فَلْيفْعَل الْغرَّة أَو الإطالة وَفِيه أَيْضا الِاحْتِرَاز عَن التّكْرَار والإشعار بِأَن أصل هَذَا الْفِعْل مهتم بِهِ وَفِيه بَاب الِاكْتِفَاء حَيْثُ اقْتصر على ذكر الْغرَّة وَلم يذكر التحجيل وَذَلِكَ للْعلم بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {سرابيل تقيكم الْحر} وَالْمرَاد الْحر وَالْبرد وَلم يذكر الْبرد للْعلم بِهِ وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد كِلَاهُمَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم بِذكر كليهمَا مُصَرحًا من طَرِيق عمَارَة بن غزيَّة وَهُوَ قَوْله فليطل غرته وتحجيله وَإِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْغرَّة وَهِي مُؤَنّثَة دون التحجيل وَهُوَ مُذَكّر لِأَن مَحل الْغرَّة أشرف أَعْضَاء الْوضُوء وَأول مَا يَقع عَلَيْهِ النّظر من الْإِنْسَان وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي كَانَ ذَلِك من بَاب التغليب بِالذكر لأحد الشَّيْئَيْنِ على الآخر وَإِن كَانَا بسبيل وَاحِد للترغيب فِيهِ وَقد اسْتعْمل الْفُقَهَاء ذَلِك فَقَالُوا يسْتَحبّ تَطْوِيل الْغرَّة ومرادهم الْغرَّة والتحجيل قلت هَذَا لَيْسَ بتغليب حَقِيقِيّ إِذْ لم يُؤْت فِيهِ إِلَّا بِأحد الاسمين والتغليب اجْتِمَاع الاسمين أَو الْأَسْمَاء ويغلب أَحدهمَا على الآخر نَحْو القمرين والعمرين وَنَحْوهمَا ورد عَلَيْهِ بعض الشَّارِحين بِأَن الْقَاعِدَة فِي التغليب أَن يغلب الْمُذكر على الْمُؤَنَّث لَا بِالْعَكْسِ وَالْأَمر هُنَا بِالْعَكْسِ لتأنيث الْغرَّة وتذكير التحجيل قلت نقل عَن ابْن بابشاد أَنه قَالَ تَغْلِيب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر وَقع فِي موضِعين أَحدهمَا ضبعان للخفة وَالْآخر فِي بَاب التَّارِيخ وَأَن التَّارِيخ عِنْد الْعَرَب من اللَّيْل لَا من النَّهَار فغلبوا اللَّيْلَة على النَّهَار وَالثَّانِي مَرْدُود لما ذكرنَا أَن حَقِيقَة التغليب أَن
يجْتَمع شَيْئَانِ ويغلب أَحدهمَا على الآخر وَهَذَا لم يجْتَمع فِيهِ شَيْئَانِ وَإِنَّمَا جعلت التَّارِيخ بالليلة دون النَّهَار لِأَن أشهر الْعَرَب قمرية فَافْهَم ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا كُله على تَقْدِير أَن يكون قَوْله فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم إِلَى آخِره من الحَدِيث لِأَن الْمَرْفُوع مِنْهُ إِلَى قَوْله من آثَار الْوضُوء وَبَاقِي ذَلِك من قَول أبي هُرَيْرَة أدرجه فِي آخر الحَدِيث وَقد أنكر ذَلِك بعض الشَّارِحين فَقَالَ وَفِي هَذِه الدَّعْوَى بعد عِنْدِي قلت لَيْسَ فِيهَا بعد وَكَيف وَقد رَوَاهُ أَحْمد رَحمَه الله من طَرِيق فليح عَن نعيم وَفِي آخِره قَالَ نعيم لَا أَدْرِي قَوْله من اسْتَطَاعَ إِلَى آخِره من قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من قَول أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقد روى هَذَا الحَدِيث عشرَة من الصَّحَابَة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة وَاحِد مِنْهُم هَذِه الْجُمْلَة وَكَذَا رَوَاهُ جمَاعَة عَن أبي هُرَيْرَة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أحد مِنْهُم غير مَا وجد فِي رِوَايَة نعيم عَنهُ فَهَذَا كُله أَمارَة الإدراج وَالله أعلم (بَيَان الْبَيَان) فِيهِ تَشْبِيه بليغ حَيْثُ شبه النُّور الَّذِي يكون على مَوضِع الْوضُوء يَوْم الْقِيَامَة بغرة الْفرس وتحجيله وَيجوز أَن يكون كِنَايَة بِأَن يكون كنى بالغرة عَن نور الْوَجْه وَقد علم أَن الْأُصُول فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة التَّشْبِيه وَالْمجَاز وَالْكِنَايَة فالتشبيه هُوَ الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي وصف من أَوْصَاف أَحدهمَا فِي نَفسه كالشجاعة فِي الْأسد والنور فِي الشَّمْس وَاللَّفْظ المُرَاد بِهِ لَازم مَا وضع لَهُ أَن قَامَت قرينَة على عدم إِرَادَته فمجاز كَقَوْلِه رَأَيْت أسدا يرْمى وَإِن لم تقم قرينَة على عدم إِرَادَة مَا وضع لَهُ فَهُوَ كِنَايَة كَقَوْلِك زيد طَوِيل النجاد وَمعنى الْمجَاز كجزء معنى الْكِنَايَة من حَيْثُ أَن الْكِنَايَة لَا تنَافِي إِرَادَة الْحَقِيقَة فَلَا يمْتَنع أَن يُرَاد من قَوْلهم فلَان طَوِيل النجاد طول نجاده من غير ارْتِكَاب تَأَول مَعَ إِرَادَة طول قامته بِخِلَاف الْمجَاز فَإِنَّهُ يُنَافِي الْحَقِيقَة فَيمْتَنع أَن يُرَاد معنى الْأسد من غير تَأْوِيل فِي نَحْو رَأَيْت أسدا فِي الْحمام فالحقيقة جَائِزَة الْإِرَادَة مَعَ الْكِنَايَة غير جَائِزَة الْإِرَادَة مَعَ الْمجَاز فَإِن الْمجَاز بِهَذَا الِاعْتِبَار جُزْء من الْكِنَايَة فَافْهَم (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول قَالُوا فِيهِ تَطْوِيل الْغرَّة وَهُوَ غسل شَيْء من مقدم الرَّأْس وَمَا يُجَاوز الْوَجْه زَائِدا على الْقدر الَّذِي يجب غسله لاستيقان كَمَال الْوَجْه وَفِيه تَطْوِيل التحجيل وَهُوَ غسل مَا فَوق الْمرْفقين والكعبين وَادّعى ابْن بطال ثمَّ القَاضِي عِيَاض ثمَّ ابْن التِّين اتِّفَاق الْعلمَاء على أَنه لَا يسْتَحبّ الزِّيَادَة فَوق الْمرْفق والكعب وَهِي دَعْوَى بَاطِلَة فقد ثَبت ذَلِك عَن فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي هُرَيْرَة وَعمل الْعلمَاء وفتواهم عَلَيْهِ فهم محجوجون بِالْإِجْمَاع وَقد ثَبت عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا من فعله أخرجه ابْن أبي شيبَة وَأَبُو عبيد بِإِسْنَاد حسن ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْقدر الْمُسْتَحبّ من التَّطْوِيل فِي التحجيل فَقيل إِلَى الْمنْكب وَالركبَة وَقد ثَبت عَن أبي هُرَيْرَة رِوَايَة ورأيا وَقيل الْمُسْتَحبّ الزِّيَادَة إِلَى نصف الْعَضُد والساق وَقيل إِلَى فَوق ذَلِك وَنقل ذَلِك عَن الْبَغَوِيّ وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة حاصلها ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَنه يسْتَحبّ الزِّيَادَة فَوق الْمرْفقين والكعبين من غير تَوْقِيت وَثَانِيها إِلَى نصف الْعَضُد والساق وَثَالِثهَا إِلَى الْمنْكب والركبتين قَالَ وَالْأَحَادِيث تَقْتَضِي ذَلِك كُله وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي لَيْسَ فِي الحَدِيث تَقْيِيد وَلَا تَحْدِيد لمقدار مَا يغسل من العضدين والساقين وَقد اسْتعْمل أَبُو هُرَيْرَة الحَدِيث على إِطْلَاقه وَظَاهره من طلب إطالة الْغرَّة فَغسل إِلَى قريب من الْمَنْكِبَيْنِ وَلم ينْقل ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا كثر اسْتِعْمَاله فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَلذَلِك لم يقل بِهِ الْفُقَهَاء وَرَأَيْت بعض النَّاس قد ذكر أَن حد ذَلِك نصف الْعَضُد والساق انْتهى قلت قَوْله لم يقل بِهِ الْفُقَهَاء مَرْدُود بِمَا ذَكرْنَاهُ وَمن أَوْهَام ابْن بطال وَالْقَاضِي عِيَاض إنكارهما على أبي هُرَيْرَة بُلُوغه المَاء إِلَى إبطَيْهِ وَأَن أحدا لم يُتَابِعه عَلَيْهِ فقد قَالَ بِهِ القَاضِي حُسَيْن وَآخَرُونَ من الشَّافِعِيَّة وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه كَانَ رُبمَا بلغ بِالْوضُوءِ إبطه فِي الصَّيف فَإِن قلت روى ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن وَكِيع عَن عقبَة بن أبي صَالح عَن إِبْرَاهِيم أَنه كرهه قلت هَذَا مَرْدُود بِذَاكَ فَإِن قلت اسْتدلَّ ابْن بطال فِيمَا ذهب إِلَيْهِ وَمن تبعه أَيْضا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من زَاد على هَذَا اَوْ نقص فقد أَسَاءَ وظلم قلت هَذَا اسْتِدْلَال فَاسد لِأَن المُرَاد بِهِ الزِّيَادَة فِي عدد المرات أَو النَّقْص عَن الْوَاجِب أَو الثَّوَاب الْمُرَتّب على نقص الْعدَد لَا الزِّيَادَة على تَطْوِيل الْغرَّة أَو التحجيل وَكَذَلِكَ تَأْوِيل ابْن بطال الِاسْتِطَاعَة فِي الحَدِيث على إطالة الْغرَّة والتحجيل بالمواظبة على الْوضُوء لكل صَلَاة فتطول غرته بتقوية نور أَعْضَائِهِ وَبِأَن الطول والدوام مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب فَاسد وَوَجهه ظَاهر وَكَذَلِكَ قَوْله الْوَجْه لَا سَبِيل إِلَى الزِّيَادَة فِي غسله إِذْ اسْتِيعَاب الْوَجْه بِالْغسْلِ وَاجِب فَاسد لَا مَكَان
باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن
الإطالة فِي الْوَجْه بِأَن يغسل إِلَى صفحة الْعُنُق مثلا الثَّانِي فِيهِ اسْتِحْبَاب الْمُحَافظَة على الْوضُوء وسننه الْمَشْرُوعَة فِيهِ وإسباغه الثَّالِث فِيهِ مَا أعد الله من الْفضل والكرامة لأهل الْوضُوء يَوْم الْقِيَامَة الرَّابِع فِيهِ دلَالَة قَطْعِيَّة على أَن وَظِيفَة الرجلَيْن غسلهمَا وَلَا يجزىء مسحهما الْخَامِس فِيهِ مَا أطلع الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من المغيبات الْمُسْتَقْبلَة الَّتِي لم يطلع عَلَيْهَا نَبيا غَيره من أُمُور الْآخِرَة وصفات مَا فِيهَا السَّادِس فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد وَهُوَ مستفيض فِي الْأَحَادِيث السَّابِع فِيهِ الدَّلِيل على كَون يَوْم الْقِيَامَة والنشور الثَّامِن فِيهِ جَوَاز الْوضُوء على ظهر الْمَسْجِد وَهُوَ من بَاب الْوضُوء فِي الْمَسْجِد وَقد كرهه قوم وَأَجَازَهُ آخَرُونَ وَمن كرهه كرهه لأجل التَّنْزِيه كَمَا ينزه عَن البصاق والنخامة وَحُرْمَة أَعلَى الْمَسْجِد كَحُرْمَةِ دَاخله وَمِمَّنْ أجَازه فِي الْمَسْجِد ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَطَاوُس وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم وَأكْثر الْعلمَاء وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين وَهُوَ قَول مَالك وَسَحْنُون وَقَالَ ابْن الْمُنْذر أَبَاحَ كل من يحفظ عَنهُ الْعلم الْوضُوء فِيهِ إِلَّا ان يبله ويتأذى بِهِ النَّاس فَإِنَّهُ يكره وَصرح جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة بِجَوَازِهِ فِيهِ وَأَن الأولى أَن يكون فِي إِنَاء قَالَ الْبَغَوِيّ وَيجوز نضحه بِالْمَاءِ الْمُطلق وَلَا يجوز بِالْمُسْتَعْملِ لِأَن النَّفس تعافه وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة يكره الْوضُوء فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَن يكون فِي مَوضِع مِنْهُ قد أعد لَهُ التَّاسِع اسْتدلَّ بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء على أَن الْوضُوء من خَصَائِص هَذِه الْأمة وَبِه جزم الْحَلِيمِيّ فِي منهاجه وَفِي الصَّحِيح أَيْضا لكم سيماء لَيست لأحد من الْأُمَم تردون عَليّ غرا محجلين من أثر الْوضُوء وَقَالَ الْآخرُونَ لَيْسَ الْوضُوء مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الْأمة وَإِنَّمَا الَّذِي اخْتصّت بِهِ الْغرَّة والتحجيل وَادعوا أَنه الْمَشْهُور من قَول الْعلمَاء وَاحْتَجُّوا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا وضوئي ووضوء الْأَنْبِيَاء قبلي وَأجَاب الْأَولونَ عَن هَذَا بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه حَدِيث ضَعِيف وَالْآخر أَنه لَو صَحَّ لاحتمل اخْتِصَاص الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي هَذِه الخصوصية وامتازت بالغرة والتحجيل وَلَكِن ورد فِي حَدِيث جريج كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه أَنه قَامَ فَتَوَضَّأ وَصلى ثمَّ كلم الْغُلَام وَثَبت أَيْضا عِنْد البُخَارِيّ فِي قصَّة سارة عَلَيْهَا السَّلَام مَعَ الْملك الَّذِي أَعْطَاهَا هَاجر أَن سارة لما هم الْملك بالدنو مِنْهَا قَامَت تتوضأ وَتصلي وَفِيهِمَا دلَالَة على أَن الْوضُوء كَانَ مَشْرُوعا لَهُم وعَلى هَذَا فَيكون خَاصَّة هَذِه الْأمة الْغرَّة والتحجيل الناشئين عَن الْوضُوء لَا أصل الْوضُوء وَنقل الزناتي الْمَالِكِي شَارِح الرسَالَة عَن الْعلمَاء أَن الْغرَّة والتحجيل حكم ثَابت لهَذِهِ الْأمة من تَوَضَّأ مِنْهُم وَمن لم يتَوَضَّأ كَمَا قَالُوا لَا يكفر أحد من أهل الْقبْلَة كل من آمن بِهِ من أمته سَوَاء صلى أَو لم يصل وَهَذَا نقل غَرِيب وَظَاهر الْأَحَادِيث يَقْتَضِي خُصُوصِيَّة ذَلِك لمن تَوَضَّأ مِنْهُم وَفِي صَحِيح ابْن حبَان يَا رَسُول الله كَيفَ تعرف من لم يَرك من أمتك قَالَ غر محجلون بلق من آثَار الْوضُوء (بَاب لَا يتَوَضَّأ من الشَّك حَتَّى يستيقن) أَي هَذَا بَاب وَهُوَ منون غير مُضَاف قَوْله لَا يتَوَضَّأ بِفَتْح أَوله على الْبناء للْفَاعِل وَكلمَة من للتَّعْلِيل أَي لأجل الشَّك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {مِمَّا خطاياهم اغرقوا} وَقَول الشَّاعِر (وَذَلِكَ من نبأ جَاءَنِي ... ) الشَّك فِي اللُّغَة خلاف الْيَقِين وَالْيَقِين الْعلم وَزَوَال الشَّك قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره وَفِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء الشَّك فِيهِ مَا يَسْتَوِي فِيهِ طرف الْعلم وَالْجهل وَهُوَ الْوُقُوف بَين الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ لَا يمِيل إِلَى أَحدهمَا فَإِذا قوي أَحدهمَا وترجح على الآخر وَلم يَأْخُذ بِمَا ترجح وَلم يطْرَح الآخر فَهُوَ ظن وَإِذا عقد الْقلب على أَحدهمَا وَترك الآخر فَهُوَ أكبر الظَّن وغالب الرَّأْي وَيُقَال الشَّك مَا اسْتَوَى فِيهِ طرفا الْعلم وَالْجهل فَإِذا ترجح أَحدهمَا على الآخر فالطرف الرَّاجِح ظن والطرف الْمَرْجُوح وهم قَوْله حَتَّى يستيقن أَي حَتَّى يتَيَقَّن يُقَال يقنت الْأَمر بِالْكَسْرِ يَقِينا وأيقنت واستيقنت وتيقنت كُله بِمَعْنى فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت من حَيْثُ اشْتِمَال كل وَاحِد مِنْهُمَا على حكم من أَحْكَام الْوضُوء أما الأول فَلِأَنَّهُ فِي فضل الْوضُوء وَهُوَ حكم من أَحْكَامه وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ فِي حكم الْوضُوء الَّذِي يَقع فِيهِ الشَّك وَلَا يُؤثر فِيهِ مَا لم يحصل الْيَقِين فتناسبا من حَيْثُ أَن كلا مِنْهُمَا حكم من أَحْكَام الْوضُوء وَإِن كَانَت الْجِهَة مُخْتَلفَة 3 - (حَدثنَا عَليّ قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَعَن عباد بن تَمِيم عَن عَمه أَنه شكا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرجل الَّذِي يخيل إِلَيْهِ أَنه يجد الشَّيْء فِي الصَّلَاة فَقَالَ لَا يَنْفَتِل أَو لَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا)
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله لَا يَنْفَتِل إِلَى آخِره لِأَنَّهُ يفهم مِنْهُ ترك الْوضُوء من الشَّك حَتَّى يستيقن وَهُوَ معنى قَوْله حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عَليّ بن عبد الله الْمَشْهُور بِابْن الْمَدِينِيّ وَقد مر الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَقد مر غير مرّة الثَّالِث مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ كَذَلِك الرَّابِع سعيد بن الْمسيب بِفَتْح الْيَاء وَقد تقدم الْخَامِس عباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن تَمِيم بن زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ الْمدنِي وَقَالَ أعي يَوْم الخَنْدَق وَأَنا ابْن خمس سِنِين فَيَنْبَغِي إِذا أَن يعد فِي الصَّحَابَة وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَغَيره أَنه تَابِعِيّ لَا صَحَابِيّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من يُسمى عباد بن تَمِيم سواهُ على قَول من يعده صحابيا وَمِمَّنْ عده من الصَّحَابَة الذَّهَبِيّ وَوَقع فِي بعض نسخ ابْن مَاجَه رِوَايَة عباد عَن أَبِيه عَن عَمه حَدِيث الاسْتِسْقَاء وَتَبعهُ ابْن عَسَاكِر وَالصَّوَاب عَن عبد الله بن أبي بكر قَالَ سَمِعت عباد بن تَمِيم يحدث عَن أَبِيه عَن عَمه وَعباد بالضبط الْمَذْكُور يشْتَبه بعباد بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء وَهُوَ وَالِد قيس وَغَيره وبعباد بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء وبعياذ بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف والذال الْمُعْجَمَة وبعناد بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف النُّون وبالدال الْمُهْملَة السَّادِس عَم عباد الْمَذْكُور وَهُوَ عبد الله بن زيد بن عَاصِم بن كَعْب بن عَمْرو بن عَوْف بن مبدول بن غنم بن مَازِن بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمَازِني من بني مَازِن ابْن النجار الْمدنِي لَهُ ولأبويه صُحْبَة ولأخيه حبيب بن زيد الَّذِي قطعه مُسَيْلمَة عضوا عضوا فَقضى أَن عبد الله هُوَ الَّذِي شَارك وحشيا فِي قتل مُسَيْلمَة وَهُوَ رَاوِي هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث صَلَاة الاسْتِسْقَاء أَيْضا الْآتِي فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَغَيرهمَا من الْأَحَادِيث وَوهم ابْن عُيَيْنَة فَزعم أَنه روى الْأَذَان أَيْضا وَهُوَ عَجِيب فَإِن ذَاك عبد بن زيد بن عبد ربه بن ثَعْلَبَة بن زيد الْأنْصَارِيّ فكلاهما اتفقَا فِي الِاسْم وَاسم الْأَب والقبيلة وافترقا فِي الْجد والبطن من الْقَبِيلَة فَالْأول مازني وَالثَّانِي حارثي وَكِلَاهُمَا أنصاريان خزرجيان فيدخلان فِي نوع الْمُتَّفق والمفترق وَبَين غلط ابْن عُيَيْنَة فِي ذَلِك البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي بَاب الاسْتِسْقَاء كَمَا ستعلمه هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وروى لعبد الله الْمَذْكُور فِي الحَدِيث ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا اتفقَا على ثَمَانِيَة مِنْهَا وَأما عبد الله بن زيد صَاحب الْأَذَان فَلم يشْتَهر لَهُ إِلَّا حَدِيث وَاحِد وَهُوَ حَدِيث الْأَذَان حَتَّى قَالَ البُخَارِيّ فِيمَا نَقله التِّرْمِذِيّ عَنهُ لَا يعرف لَهُ غَيره لَكِن لَهُ حديثان آخرَانِ وَعبد الله رَاوِي هَذَا الحَدِيث قتل فِي ذِي الْحجَّة بِالْحرَّةِ عَن سبعين سنة وَكَانَت الْحرَّة فِي آخر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَهُوَ أحدي وَقَالَ ابْن مَنْدَه وَأَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَأَبُو عبد الله صَاحب الْمُسْتَدْرك أَنه بَدْرِي وَهُوَ وهم وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه عبد الله بن زيد بن عَاصِم سوى هَذَا وَفِيهِمْ أَرْبَعَة أخر اسْم كل مِنْهُم عبد الله بن زيد مِنْهُم صَاحب الْأَذَان (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا ان رِجَاله كلهم من رجال الْكتب السِّتَّة إِلَّا عَليّ بن الْمَدِينِيّ فَإِنَّهُ من رجال البُخَارِيّ وَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فَقَط وَمِنْهَا أَنهم كلهم مدنيون خلا ابْن الْمَدِينِيّ فَإِنَّهُ بَصرِي وخلا سُفْيَان فَإِنَّهُ مكي وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ على قَول من يعد عبادا صحابيا قَوْله وَعَن عباد مَعْطُوف على قَوْله عَن سعيد بن الْمسيب لِأَن الزُّهْرِيّ رَحمَه الله يروي عَن سعيد وَعباد كليهمَا وَكِلَاهُمَا يرويان عَن عَم عباد الْمَذْكُور فَقَوله عَن عَمه يتَعَلَّق بهما فَإِن قلت وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن عباد بِدُونِ وَاو الْعَطف قلت هُوَ غلط قطعا لِأَن سعيدا لَا رِوَايَة لَهُ عَن عباد أصلا فَتنبه لذَلِك. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب من لم ير الْوضُوء إِلَّا من المخرجين الْقبل والدبر عَن أبي الْوَلِيد عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه فِي الْبيُوع عَن أبي نعيم عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَمْرو النَّاقِد عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي خلف عَن سُفْيَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله شكى من شَكَوْت فلَانا أشكوه شكوا وشكاية وشكية وشكاة إِذا أخْبرت عَنهُ بِسوء فعله فَهُوَ مشكو وشكى وَالِاسْم الشكوى وَالْيَاء فِي شكى منقلبة عَن وَاو وَأَصله شكو بِدَلِيل يشكو والشكوى وَيجوز أَن تكون أَصْلِيَّة غير منقلبة فِي لُغَة من قَالَ شكى يشكي قَوْله يخيل على صِيغَة الْمَجْهُول أَي يشبه ويخايل وَفُلَان
يمْضِي على المخيل أَي على مَا خيلت أَي شبهت يَعْنِي على غرر من غير تعين وخيل إِلَيْهِ أَنه كَذَا على مَا لم يسم فَاعله من التخييل وَالوهم قَالَ الله تَعَالَى {يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى} قَوْله لَا يَنْفَتِل بِالْفَاءِ وَاللَّام من الانفتال وَهُوَ الِانْصِرَاف يُقَال فتله فَانْفَتَلَ أَي صرفه فَانْصَرف وَهُوَ قلب لفت (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله شكى جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر أَن وَهُوَ صِيغَة الْمَعْلُوم وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى عبد الله بن زيد عَم عباد لِأَنَّهُ هُوَ الشاكي وَقَوله الرجل بِالنّصب مَفْعُوله وَضَبطه النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم رِوَايَة مُسلم عَن عَمه شكى إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرجل يخيل إِلَيْهِ الحَدِيث فَقَالَ شكى بِضَم الشين وَكسر الْكَاف وَالرجل مَرْفُوع ثمَّ قَالَ وَلم يسم هُنَا الشاكي وَجَاء فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَنه عبد الله بن زيد الرَّاوِي قَالَ وَلَا يَنْبَغِي أَن يتَوَهَّم من هَذَا أَن شكى بِفَتْح الشين وَالْكَاف وَيجْعَل الشاكي عَمه الْمَذْكُور فَإِن هَذَا الْوَهم غلط قلت دَعْوَى الْغَلَط غلط بل يجوز الْوَجْهَانِ شكى بِصِيغَة الْمَعْلُوم والشاكي هُوَ عبد الله بن زيد وَالرجل حِينَئِذٍ بِالنّصب مَفْعُوله وشكى بِصِيغَة الْمَجْهُول والشاكي غير مَعْلُوم وَالرجل حِينَئِذٍ بِالرَّفْع على أَنه مفعول نَاب عَن الْفَاعِل وَقَالَ الْكرْمَانِي الرجل هُوَ فَاعل شكى وَهُوَ غلط لَا يخفى قَوْله الَّذِي يخيل إِلَيْهِ مَوْصُول مَعَ صلته صفة فِي مَحل الرّفْع أَو النصب على تَقْدِير الْوَجْهَيْنِ فِي الرجل وَفِي بعض النّسخ الرجل يخيل إِلَيْهِ بِدُونِ الَّذِي وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يكون الَّذِي يخيل مفعول شكى قلت هَذَا الِاحْتِمَال بعيد قَوْله أَنه يجد الشَّيْء أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها مفعول لقَوْله يخيل نَاب عَن الْفَاعِل وَقَوله يجد فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر أَن وَقَوله الشَّيْء بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول يجد قَوْله فَقَالَ أَي رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله لَا يَنْفَتِل قَالَ الْكرْمَانِي روى مَرْفُوعا بِأَنَّهُ نفى ومجزوما بِأَنَّهُ نهى قَوْله حَتَّى للغاية بِمَعْنى إِلَى أَن يسمع وَيسمع بِالنّصب بِتَقْدِير أَن الناصبة قَوْله أَو يجد بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ عطف على مَا قبله من الْمَنْصُوب (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله يجد الشَّيْء أَي خَارِجا من الدبر قَوْله أَو لَا ينْصَرف كلمة أَو للشَّكّ من الرَّاوِي قَالَ الْكرْمَانِي وَالظَّاهِر أَنه من عبد الله بن زيد قلت يجوز أَن يكون مِمَّن دونه من الروَاة وَوَقع فِي كتاب الْخطابِيّ وَلَا ينْصَرف بِحَذْف الْهمزَة وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ لَا ينْصَرف من غير شكّ قَوْله حَتَّى يسمع صَوتا أَي من الدبر قَوْله أَو يجد ريحًا أَي من الدبر أَيْضا وَكلمَة أَو للتنويع قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا من رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِيمَن شكّ فِي خُرُوج ريح مِنْهُ لَا نفي الْوضُوء إِلَّا من سَماع صَوت أَو وجدان ريح وَفِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان ومستدرك الْحَاكِم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِذا جَاءَ أحدكُم الشَّيْطَان فَقَالَ إِنَّك أحدثت فَلْيقل كذبت إِلَّا مَا وجد ريحًا بِأَنْفِهِ أَو سمع صَوتا بأذنه وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث أبي سعيد أَيْضا أَن الشَّيْطَان ليَأْتِي أحدكُم وَهُوَ فِي صلَاته فَيَأْخُذ شَعْرَة من دبره فيمدها فَيرى أَنه أحدث فَلَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا وَفِي إِسْنَاده عَليّ بن زيد بن جدعَان وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة قَوْله فَلْيقل كذبت أَرَادَ فَلْيقل كذبت بضميره لَا بنطق بِلِسَانِهِ إِذْ الْمُصَلِّي غير جَائِز لَهُ أَن يَقُول كذبت نطقا قلت وَيُؤَيّد مَا قَالَه مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد أَيْضا مَرْفُوعا إِذا جَاءَ أحدكُم الشَّيْطَان فَقَالَ إِنَّك قد أحدثت فَلْيقل فِي نَفسه كذبت وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ إِذا وجد أحدكُم فِي بَطْنه شَيْئا فأشكل عَلَيْهِ أخرج مِنْهُ شَيْء أم لَا فَلَا يخْرجن من الْمَسْجِد وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ فَوجدَ ريحًا بَين النتنة وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم فَوجدَ ريحًا من نَفسه وَفِي كتاب الطّهُور لأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام يجد الشَّيْء فِي مقعدته قَالَ لَا يتَوَضَّأ إِلَّا أَن يجد ريحًا يعرفهَا أَو صَوتا يسمعهُ وروى ابْن مَاجَه بِسَنَد فِيهِ ضعف عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء قَالَ رَأَيْت السَّائِب بن يزِيد يشم ثَوْبه فَقلت مِم ذَلِك قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا وضوء إِلَّا من ريح أَو سَماع وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ بن طلق يرفعهُ إِذا نسي أحدكُم فَليَتَوَضَّأ قَالَ مهنى قَالَ أَبُو عبيد الله عَاصِم الْأَحول يخطىء فِي هَذَا الحَدِيث يَقُول عَليّ بن طلق وَإِنَّمَا هُوَ طلق بن عَليّ وأبى ذَلِك البُخَارِيّ فَقَالَ فِيمَا ذكره أَبُو عِيسَى عَنهُ فِي الْعِلَل وَذكر حَدِيث عَليّ بن طلق هَذَا بِلَفْظ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة والسلامفقال إِنَّا نَكُون بالبادية فَيكون من أَحَدنَا الرويحة فَقَالَ إِن الله تَعَالَى لَا يستحي من الْحق إِذْ فسى أحدكُم فَليَتَوَضَّأ فَقَالَ لَا أعرف
لعَلي بن طلق عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير هَذَا الحَدِيث وَهُوَ عِنْدِي غير طلق بن عَليّ وَلَا يعرف هَذَا من حَدِيث طلق بن عَليّ وَلما ذكره التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع من حَدِيث عَليّ بن طلق حسنه وَذكره ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ إِذا فسى أحدكُم فِي الصَّلَاة فلينصرف ثمَّ ليتوضأ وليعد صلَاته ثمَّ قَالَ لم يقل أحد وليعد صلَاته إِلَّا جرير بن عبد الحميد وَقَالَ أَبُو عبيد فِي كتاب الطّهُور إِنَّمَا هُوَ عندنَا عَليّ بن طلق لِأَنَّهُ حَدِيثه الْمَعْرُوف وَكَانَ رجلا من بني حنيفَة وَأَحْسبهُ وَالِد طلق بن عَليّ الَّذِي سَأَلَ عَن مس الذّكر وَمِمَّنْ ذكره فِي مُسْند عَليّ بن طلق أَحْمد بن منيع فِي مُسْنده وَالنَّسَائِيّ والكجي فِي سنَنَيْهِمَا وَأَبُو الْحُسَيْن بن قَانِع فِي آخَرين. ثمَّ اعْلَم أَن حَقِيقَة الْمَعْنى فِي قَوْله حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا حَتَّى يعلم وجود أَحدهمَا وَلَا يشْتَرط السماع والشم بِالْإِجْمَاع فَإِن الْأَصَم لَا يسمع صَوتا والأخشم الَّذِي راحت حاسة شمه لَا يشم أصلا وَقَالَ الْخطابِيّ لم يرد بِذكر هذَيْن النَّوْعَيْنِ من الْحَدث تخصيصهما وَقصر الحكم عَلَيْهِمَا حَتَّى لَا يحدث بِغَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا هُوَ جَوَاب خرج على حرف الْمَسْأَلَة الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا السَّائِل وَقد دخل فِي مَعْنَاهُ كل مَا يخرج من السَّبِيلَيْنِ وَقد يخرج مِنْهُ الرّيح وَلَا يسمع لَهَا صَوت وَلَا يجد لَهَا ريحًا فَيكون عَلَيْهِ اسْتِئْنَاف الْوضُوء إِذا تَيَقّن ذَلِك وَقد يكون بأذنه وقر فَلَا يسمع الصَّوْت أَو يكون أخشم فَلَا يجد الرّيح وَالْمعْنَى إِذا كَانَ أوسع من الِاسْم كَانَ الحكم للمعنى وَهَذَا كَمَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ إِذا اسْتهلّ الصَّبِي ورث وَصلى عَلَيْهِ لم يرد تَخْصِيص الاستهلال الَّذِي هُوَ الصَّوْت دون غَيره من إمارات الْحَيَاة من حَرَكَة وَقبض وَبسط وَنَحْوهَا (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول أَن هَذَا الحَدِيث أصل من أصُول الْإِسْلَام وَقَاعِدَة من قَوَاعِد الْفِقْه وَهِي أَن الْأَشْيَاء يحكم ببقائها على أُصُولهَا حَتَّى يتَيَقَّن خلاف ذَلِك وَلَا يضر الشَّك الطارىء عَلَيْهَا وَالْعُلَمَاء متفقون على هَذِه الْقَاعِدَة وَلَكنهُمْ مُخْتَلفُونَ فِي كَيْفيَّة اسْتِعْمَالهَا مِثَاله مَسْأَلَة الْبَاب الَّتِي دلّ عَلَيْهَا الحَدِيث وَهِي أَن من تَيَقّن الطَّهَارَة وَشك فِي الْحَدث يحكم بِبَقَائِهِ على الطَّهَارَة سَوَاء حصل الشَّك فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا وَهَذَا بالاجماع بَين الْفُقَهَاء إِلَّا عَن مَالك رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا أَنه يلْزمه الْوضُوء إِن كَانَ شكه خَارج الصَّلَاة وَلَا يلْزمه إِن كَانَ فِي الصَّلَاة وَالْأُخْرَى يلْزمه بِكُل حَال وحكيت الأولى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَهُوَ وَجه شَاذ عِنْد الشَّافِعِيَّة ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وحكيت الثَّانِيَة أَيْضا وَجها للشَّافِعِيَّة وَهُوَ غَرِيب وَعَن مَالك رِوَايَة ثَالِثَة رَوَاهَا ابْن قَانِع عَنهُ أَنه لَا وضوء عَلَيْهِ كَمَا قَالَه الْجُمْهُور وحكاها ابْن بطال عَنهُ وَنقل القَاضِي ثمَّ الْقُرْطُبِيّ عَن ابْن حبيب الْمَالِكِي أَن هَذَا الشَّك فِي الرّيح دون غَيره من الْأَحْدَاث وَكَأَنَّهُ تبع ظَاهر الحَدِيث وَاعْتذر عَنهُ بعض الْمَالِكِيَّة بِأَن الرّيح لَا يتَعَلَّق بِالْمحل مِنْهُ شَيْء بِخِلَاف الْبَوْل وَالْغَائِط وَعَن بعض أَصْحَاب مَالك أَنه إِن كَانَ الشَّك فِي سَبَب حَاضر كَمَا فِي الحَدِيث طرح الشَّك وَإِن كَانَ فِي سَبَب مُتَقَدم فَلَا وَأما إِذا تَيَقّن الْحَدث وَشك فِي الطَّهَارَة فَإِنَّهُ يلْزمه الْوضُوء بِالْإِجْمَاع وعَلى هَذَا الأَصْل من شكّ فِي طَلَاق زَوجته أَو عتق عَبده أَو نَجَاسَة المَاء الطَّاهِر أَو طَهَارَة النَّجس أَو نَجَاسَة الثَّوْب أَو غَيره أَو أَنه صلى ثَلَاثًا أَو أَرْبعا أَو أَنه ركع أَو سجد أم لَا أَو نوى الصَّوْم أَو الصَّلَاة أَو الِاعْتِكَاف وَهُوَ فِي أثْنَاء هَذِه الْعِبَادَات وَمَا أشبه هَذِه الْأَمْثِلَة فَكل هَذِه الشكوك لَا تَأْثِير لَهَا وَالْأَصْل عدم الْحَادِث. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة تستثنى من هَذِه الْقَاعِدَة بضع عشرَة مَسْأَلَة. مِنْهَا من شكّ فِي خُرُوج وَقت الْجُمُعَة قبل الشُّرُوع فِيهَا قيل أَو فِيهَا وَمن شكّ فِي ترك بعض وضوء أَو صَلَاة بعد الْفَرَاغ لَا أثر لَهُ على الْأَصَح. وَمِنْهَا عشر ذكرهن ابْن الْقَاص بتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة من الشَّافِعِيَّة فِي مُدَّة خف وَإِن إِمَامه مُسَافر أَو وصل وَطنه أَو نوى إِقَامَة وَمسح مُسْتَحَاضَة وثوب خفيت نَجَاسَته وَمَسْأَلَة الظبية وَبطلَان التَّيَمُّم بتوهم المَاء وَتَحْرِيم صيد جرحه فَغَاب فَوَجَدَهُ مَيتا قَالَ الْقفال لم يعْمل بِالشَّكِّ فِي شَيْء مِنْهَا لِأَن الأَصْل فِي الأولى الْغسْل وَفِي الثَّانِيَة الْإِتْمَام وَكَذَا فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة أَن أوجبناه وَالْخَامِسَة وَالسَّادِسَة اشْتِرَاط الطَّهَارَة وَلَو ظنا أَو استصحابا وَالسَّابِعَة بَقَاء النَّجَاسَة وَالثَّامِنَة لقُوَّة الظَّن والتاسعة للشَّكّ فِي شَرط التَّيَمُّم وَهُوَ عدم المَاء وَفِي الصَّيْد تَحْرِيمه إِن قُلْنَا بِهِ الثَّانِي من الْأَحْكَام مَا قالته الشَّافِعِيَّة لَا فرق فِي الشَّك بَين تَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ فِي وجوب الْحَدث وَعَدَمه وَبَين تَرْجِيح أَحدهمَا وَغَلَبَة الظَّن فِي أَنه لَا وضوء عَلَيْهِ فالشك عِنْدهم خلاف الْيَقِين وَإِن كَانَ خلاف الِاصْطِلَاح الأصولي وَقَوْلهمْ مُوَافق لقَوْل أهل اللُّغَة الشَّك خلاف الْيَقِين نعم يسْتَحبّ الْوضُوء احْتِيَاطًا فَلَو بَان حَدثهُ أَولا فَوَجْهَانِ أصَحهمَا لَا يجْزِيه هَذَا الْوضُوء لتردده فِي نِيَّته بِخِلَاف مَا إِذا تَيَقّن الْحَدث وَشك فِي الطَّهَارَة فَتَوَضَّأ ثمَّ بَان مُحدثا فَإِنَّهُ يجْزِيه قطعا
باب التخفيف في الوضوء
لِأَن الأَصْل بَقَاء الْحَدث فَلَا يضر التَّرَدُّد مَعَه وَلَو تَيَقّن الطَّهَارَة وَالْحَدَث مَعًا وَشك فِي السَّابِق مِنْهُمَا فأوجه أَصَحهَا أَنه يَأْخُذ بضد مَا قبلهمَا إِن عرفه فَإِن لم يعرفهُ لزمَه الْوضُوء مُطلقًا الثَّالِث قَالَ الْخطابِيّ فِيهِ حجَّة لمن أوجب الْحَد على من وجدت مِنْهُ رَائِحَة الْمُسكر وَإِن لم يُشَاهد شربه وَلَا شهد عَلَيْهِ الشُّهُود وَلَا اعْترف بِهِ قلت فِيهِ نظر لِأَن الْحُدُود تدرأ بِالشُّبْهَةِ والشبهة هُنَا قَائِمَة فَافْهَم الرَّابِع فِيهِ مَشْرُوعِيَّة سُؤال الْعلمَاء عَمَّا يحدث من الوقائع وَجَوَاب السَّائِل الْخَامِس فِيهِ ترك الاستحياء فِي الْعلم وَأَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يعلمهُمْ كل شَيْء وَأَنه يُصَلِّي بِوضُوء صلوَات مَا لم يحدث السَّادِس فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد السَّابِع فِيهِ أَن من كَانَ على حَال لَا ينْتَقل عَنهُ إِلَّا بِوُجُود خِلَافه الثَّامِن فِيهِ أَنهم كَانُوا يَشكونَ إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام جَمِيع مَا ينزل بهم التَّاسِع اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن رُؤْيَة الْمُتَيَمم المَاء فِي صلَاته لَا ينْقض طَهَارَته قلت لَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من بَاب مَا ذَكرْنَاهُ من أَن الْمَعْنى إِذا كَانَ أوسع من الِاسْم كَانَ الحكم للمعنى لِأَنَّهُ هُوَ فِيمَا يَقع تَحت الْجِنْس الْوَاحِد وَلَا شكّ أَن الْمَقْصُود بِهِ جنس الخارجات من الْبدن فالتعدي إِلَى غير الْجِنْس الْمَقْصُود بِهِ اغتصاب الْأَحْكَام (بَاب التَّخْفِيف فِي الْوضُوء) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز التَّخْفِيف فِي الْوضُوء والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على حكم من أَحْكَام الْوضُوء 4 - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو قَالَ أَخْبرنِي كريب عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَام حَتَّى نفخ ثمَّ صلى وَرُبمَا قَالَ اضْطجع حَتَّى نفخ ثمَّ قَامَ فصلى ثمَّ حَدثنَا بِهِ سُفْيَان مرّة بعد مرّة عَن عَمْرو عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بت عِنْد خَالَتِي مَيْمُونَة لَيْلَة فَقَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من اللَّيْل فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيْل قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَوَضَّأ من شن مُعَلّق وضوء خَفِيفا يخففه عَمْرو ويقلله وَقَامَ يُصَلِّي فَتَوَضَّأت نَحوا مِمَّا تَوَضَّأ ثمَّ جِئْت فَقُمْت عَن يسَاره وَرُبمَا قَالَ سُفْيَان عَن شِمَاله فحولني فجعلني عَن يَمِينه ثمَّ صلى مَا شَاءَ الله ثمَّ اضْطجع فَنَامَ حَتَّى نفخ ثمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فآذنه بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَه إِلَى الصَّلَاة فصلى وَلم يتَوَضَّأ قُلْنَا لعَمْرو إِن نَاسا يَقُولُونَ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تنام عينه وَلَا ينَام قلبه قَالَ عَمْرو سَمِعت عبيد بن عُمَيْر يَقُول رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي ثمَّ قَرَأَ {إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك} مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وضوأ خَفِيفا. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكر مِنْهُم عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَمْرو بن دِينَار وَعبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم وكريب بِضَم الْكَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره يَاء مُوَحدَة ابْن أبي مُسلم القريشي الْهَاشِمِي مولى عبد الله بن عَبَّاس ويكنى أَبَا رشدين بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون روى عَن مَوْلَاهُ ابْن عَبَّاس وَغَيره وروى عَنهُ ابناه مُحَمَّد وَرشْدِين ومُوسَى بن عقبَة وَخلق مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَهُوَ من أَفْرَاد الْكتب السِّتَّة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم من فرسَان الْكتب السِّتَّة إِلَّا عَليّ بن الْمَدِينِيّ فَإِن مُسلما وَابْن مَاجَه لم يخرجَا لَهُ. وَمِنْهَا أَن كلهم مكيون مَا خلا عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَابْن عَبَّاس مكي أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضا. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ عَمْرو عَن كريب. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عقبَة عَن دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن ابْن أبي عمر وَمُحَمّد بن حَاتِم كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشَّافِعِي عَن
سُفْيَان بِبَعْضِه وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الْعلم عَن آدم عَن شُعْبَة عَن الحكم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ وَمن أخرجه أَيْضا بِهَذَا الطَّرِيق وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَوَاضِع من الصَّحِيح عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَأبي جَمْرَة وَطَاوُس وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس (بَيَان اللُّغَات) قَوْله نفخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي من خيشومه وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بالغطيط قَوْله بت بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة من بَات يبيت ويبات بيتوتة قَوْله من شن بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون وَهُوَ الْقرْبَة الْخلق وَكَذَلِكَ الشنة وَكَأَنَّهَا صَغِيرَة وَالْجمع أشنان وَيُقَال الشن الْقرْبَة الَّتِي قربت للبلى قَوْله فآذنه بِالْمدِّ أَي أعلمهُ من الإيذان وَهُوَ الْإِعْلَام. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله نَام جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله حَتَّى نفخ بِمَعْنى إِلَى أَن نفخ قَوْله وَرُبمَا أَصله للتقليل وَقد تسْتَعْمل للتكثير وَهَهُنَا يحْتَمل الْأَمريْنِ قَوْله ثمَّ حَدثنَا بِفَتْح الثَّاء جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول وَقَوله سُفْيَان بِالرَّفْع فَاعله قَوْله مرّة نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي تحديثا مرّة وَقَوله بعد مرّة كَلَام إضافي صفة لقَوْله مرّة قَوْله مَيْمُونَة لَا ينْصَرف للعلمية والتأنيث وَهُوَ فِي مَوضِع الْجَرّ لِأَنَّهُ عطف بَيَان عَن قَوْله خَالَتِي وَهُوَ مجرور بِالْإِضَافَة قَوْله لَيْلَة نصب على الظّرْف قَوْله فَقَامَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من اللَّيْل كلمة من هُنَا للابتداء وَالْمعْنَى قَامَ مبتدئا من اللَّيْل أَو التَّقْدِير قَامَ من مضى زمن من اللَّيْل هَذَا على رِوَايَة الْأَكْثَرين قَوْله فَقَامَ بِالْقَافِ من الْقيام وَأما على رِوَايَة ابْن السكن فَنَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من اللَّيْل بالنُّون من النّوم فَكَذَلِك للابتداء وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى فِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} أَي فِي يَوْم الْجُمُعَة وَالْمعْنَى فَنَامَ فِي بعض اللَّيْل كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَنَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى انتصف اللَّيْل أَو قبله بِقَلِيل وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَآخَرُونَ أَن رِوَايَة ابْن السكن هِيَ الصَّوَاب لِأَن بعده فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيْل قَامَ فَتَوَضَّأ وَقَالَ بَعضهم لَا يَنْبَغِي الْجَزْم بخطئها لِأَن توجيهها ظَاهر وَهُوَ أَن الْفَاء فِي قَوْله فَلَمَّا تفصيلية فالجملة الثَّانِيَة وَإِن كَانَ مضمونها مَضْمُون الأولى لَكِن الْمُغَايرَة بَينهمَا بالإجمال وَالتَّفْصِيل قلت الصَّوَاب مَا استصوبه القَاضِي وتوجيه هَذَا الْقَائِل غير موجه لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَضْمُون الْجُمْلَة الأولى إِجْمَال وَلَا فِي مَضْمُون الثَّانِيَة تَفْصِيل بل مَضْمُون الْجُمْلَة الأولى إِخْبَار عَن نوم النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم فِي بعض اللَّيْل ومضمون الْجُمْلَة الثَّانِيَة إِخْبَار عَن قِيَامه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم فِي بعض اللَّيْل فَإِن أَرَادَ هَذَا الْقَائِل إِجْمَال مَا فِي قَوْله من اللَّيْل فَكَذَلِك الْإِجْمَال مَوْجُود فِي قَوْله فِي بعض اللَّيْل فَكيف تكون الثَّانِيَة تَفْصِيلًا للأولى فَإِذا تحقق هَذَا يلْزم من رِوَايَة فَقَامَ بِالْقَافِ التّكْرَار فِي الْكَلَام من غير فَائِدَة وعَلى رِوَايَة فَنَامَ بالنُّون يسلم التَّرْكِيب من هَذَا على مَا لَا يخفى فعلى هَذَا تكون الْفَاء فِي قَوْله فَلَمَّا كَانَ للْعَطْف الْمَحْض لَا كَمَا قَالَه هَذَا الْقَائِل أَنَّهَا تفصيلية وَقَالَ الْكرْمَانِي قَوْله فَلَمَّا كَانَ أَي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتَبعهُ بَعضهم فِي شَرحه على هَذَا التَّفْسِير قلت التَّرْكِيب يسمح بِهَذَا التَّفْسِير لَا يخفى ذَلِك على من لَهُ ذوق وَالْأَحْسَن أَن يُقَال التَّقْدِير فَلَمَّا كَانَ بعض اللَّيْل قَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن قلت فعلى هَذَا تكون كلمة فِي زَائِدَة وَهل جَاءَ زيادتها فِي الْكَلَام قلت نعم أجَاز ذَلِك بَعضهم حَتَّى قَالَ التَّقْدِير فِي قَوْله تَعَالَى {وَقَالَ اركبوا فِيهَا} وَقَالَ اركبوها وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْكشميهني فَلَمَّا كَانَ من بعض اللَّيْل بِكَلِمَة من عوض كلمة فِي وَلَا شكّ أَن من على هَذِه الرِّوَايَة زَائِدَة وكل مِنْهُمَا يَأْتِي بِمَعْنى الآخر كَمَا ثَبت فِي مَوْضِعه ثمَّ اعْلَم أَن كَانَ هَهُنَا تَامَّة بِمَعْنى وجد وَقَوله قَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَوَاب لما وَقَوله فَتَوَضَّأ عطف عَلَيْهِ قَوْله مُعَلّق بِالْجَرِّ صفة لقَوْله شن على تَأْوِيل الشن بِالْجلدِ وَفِي رِوَايَة معلقَة بالتأنيث على مَا يَأْتِي بعد أَبْوَاب على تَأْوِيل الشن بالقربة قَوْله وضوأ نصب على المصدرية وَقَوله خَفِيفا صفته قَوْله يخففه عَمْرو جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول وَالْفَاعِل ويقلله جملَة مثلهَا عطف عَلَيْهَا فَإِن قلت مَا محلهَا من الْإِعْرَاب قلت النصب على أَنَّهُمَا صفتان لقَوْله خَفِيفا قَوْله وَقَامَ عطف على قَوْله فَتَوَضَّأ قَوْله يُصَلِّي جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي قَامَ قَوْله فَتَوَضَّأت عطف على قَوْله فَتَوَضَّأ قَوْله نَحوا نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي تَوَضَّأ نَحوا وَكلمَة مَا فِي قَوْله مِمَّا تَوَضَّأ يجوز أَن تكون مَوْصُولَة وَأَن تكون مَصْدَرِيَّة وَبَقِيَّة الْإِعْرَاب ظَاهِرَة
(بَيَان الْمعَانِي) قَوْله وَرُبمَا قَالَ اضْطجع أَي وَرُبمَا قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة اضْطجع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى نفخ بدل قَوْله نَام حَتَّى نفخ وَقَالَ الْكرْمَانِي قَالَ فِي هَذِه الرِّوَايَة بدل نَام اضْطجع وَزَاد لَفْظَة قَامَ قلت لَفْظَة قَامَ لَا بُد مِنْهَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يُقَال زَاد لَفْظَة قَامَ لِأَن تَقْدِير الرِّوَايَة الأولى نَام حَتَّى نفخ ثمَّ قَامَ فصلى وَتَقْدِير الثَّانِيَة اضْطجع حَتَّى نفخ ثمَّ قَامَ فصلى وَقَالَ بَعضهم أَي كَانَ سُفْيَان يَقُول تَارَة نَام وَتارَة اضْطجع وليسا مترادفين بل بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه لكنه لم يرد إِقَامَة أَحدهمَا مقَام الآخر بل كَانَ إِذا روى الحَدِيث مطولا قَالَ اضْطجع فَنَامَ وَإِذا اخْتَصَرَهُ قَالَ نَام أَي مُضْطَجعا واضطجع أَي نَائِما قلت الِاضْطِجَاع فِي اللُّغَة وضع الْجنب بِالْأَرْضِ وَلَكِن المُرَاد بِهِ هَهُنَا النّوم فَحِينَئِذٍ يكون بَين قَوْله نَام حَتَّى نفخ وَبَين قَوْله اضْطجع حَتَّى نفخ مُسَاوَاة فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل وليسا مترادفين بل بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه وَقَوله لم يرد إِقَامَة أَحدهمَا مقَام الآخر غير صَحِيح لِأَنَّهُ أطلق قَوْله اضْطجع على نَام فِي قَوْله فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اضْطجع حَتَّى نفخ لِأَن مَعْنَاهُ نَام حَتَّى نفخ قَوْله ثمَّ حَدثنَا بِهِ سُفْيَان يَعْنِي قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ ثمَّ حَدثنَا بِالْحَدِيثِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه كَانَ يُحَدِّثهُمْ بِهِ تَارَة مُخْتَصرا وَتارَة مطولا قَوْله مَيْمُونَة هِيَ أم الْمُؤمنِينَ بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة وَأُخْتهَا لبَابَة بِضَم اللَّام وبالموحدتين زَوْجَة الْعَبَّاس عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم عبد الله وَالْفضل وَغَيرهمَا قَوْله يخففه عَمْرو ويقلله أَي عَمْرو بن دِينَار الْمَذْكُور فِي السَّنَد وَهَذَا إدراج من سُفْيَان بن عُيَيْنَة بَين أَلْفَاظ ابْن الْعَبَّاس وَالْفرق بَين التَّخْفِيف والتقليل أَن التَّخْفِيف يُقَابل التثقيل وَهُوَ من بَاب الكيف والتقليل يُقَابله التكثير وَهُوَ من بَاب الْكمّ وَقَالَ ابْن بطال يُرِيد بِالتَّخْفِيفِ تَمام غسل الْأَعْضَاء دون التكثير من إمرار الْيَد عَلَيْهَا وَذَلِكَ أدنى مَا تجوز الصَّلَاة بِهِ وَإِنَّمَا خففه الْمُحدث لعلمه بِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا للفضل والمرة الْوَاحِدَة بِالْإِضَافَة إِلَى الثَّلَاث تَخْفيف وَقَالَ ابْن الْمُنِير يخففه أَي لَا يكثر الدَّلْك ويقلله أَي لَا يزِيد على مرّة مرّة ثمَّ قَالَ وَفِيه دَلِيل إِيجَاب الدَّلْك لِأَنَّهُ لَو كَانَ يُمكن اختصاره لاختصره قلت فِيهِ نظر لِأَن قَوْله يخففه يُنَافِي وجود الدَّلْك فَكيف يكون فِيهِ دَلِيل على وُجُوبه وَالْمرَاد بِالْوضُوءِ الْخَفِيف أَن يكون بَين الوضوءين وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ ترك الإسباغ بل الِاكْتِفَاء بالمرة الْوَاحِدَة مَعَ الإسباغ وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الْوتر فَتَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء قَوْله فَتَوَضَّأت نَحوا مِمَّا تَوَضَّأ أَرَادَ أَنه تَوَضَّأ وضُوءًا خَفِيفا مثل وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ الْكرْمَانِي قَالَ نَحوا وَلم يقل مثلا لِأَن حَقِيقَة مِمَّا ثلته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره قلت يرد على مَا ذكره مَا ثَبت فِي هَذَا الحَدِيث على مَا يَأْتِي بعد أَبْوَاب فَقُمْت فصنعت مثل مَا صنع فَعلم من ذَلِك أَن المُرَاد من قَوْله نَحوا مثلا لِأَن الحَدِيث وَاحِد والقضية وَاحِدَة وَبَعض أَلْفَاظه يُفَسر بَعْضهَا قَوْله فَقُمْت عَن يسَاره كلمة عَن هَهُنَا على مَعْنَاهَا الْمَوْضُوع لَهَا وَهِي الْمُجَاوزَة وَالْمعْنَى قُمْت مجاوزا عَن يسَاره وَلم يذكر البصريون لَهَا معنى سوى معنى الْمُجَاوزَة وَمَعَ هَذَا يحْتَمل أَن تكون هَهُنَا لِمَعْنى الظَّرْفِيَّة كَمَا فِي قَول الشَّاعِر (وَأسر سراة الْحَيّ حَيْثُ لقيتهم ... وَلَا تَكُ عَن حمل الرباعة وانيا) والرباعة نُجُوم الجمالة قَوْله وَرُبمَا قَالَ سُفْيَان عَن شِمَاله هَذَا إدراج من عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَالشمَال بِكَسْر الشين هِيَ الْجَارِحَة وَهِي خلاف الْيَمين وبفتح الشين الرّيح الَّتِي تهب من نَاحيَة القطب وَهِي خلاف الْجنُوب قَوْله فآذنه أَي أعلمهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي بعض النّسخ يُؤذنهُ بِلَفْظ الْمُضَارع بِدُونِ الْفَاء وَفِي بَعْضهَا فناداه بِالصَّلَاةِ قَوْله فَقَامَ مَعَه أَي قَامَ الْمُنَادِي مَعَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى الصَّلَاة وَيجوز أَن يُقَال فَقَامَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَعَ الْمُنَادِي إِلَى الصَّلَاة وَقَالَ الْكرْمَانِي مَعَه أَي مَعَ الْمُنَادِي أَو مَعَ الإيذان قلت قَوْله مَعَ الْمُنَادِي تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَقَوله أَو مَعَ الإيذان بعيد وَإِن كَانَ لَهُ وَجه قَوْله قُلْنَا لعَمْرو أَي قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة قُلْنَا لعَمْرو بن دِينَار قَوْله أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تنام عينه وَلَا ينَام قلبه حَدِيث صَحِيح وَسَيَأْتِي من وَجه آخر قَوْله عبيد بن عُمَيْر كِلَاهُمَا بِصِيغَة التصغير ابْن قَتَادَة اللَّيْثِيّ الْمَكِّيّ وَعبيد هَذَا من كبار التَّابِعين وَقيل إِنَّه رأى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ قاص أهل مَكَّة مَاتَ قبل ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا روى لَهُ الْجَمَاعَة وَأَبوهُ عُمَيْر بن قَتَادَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم قَوْله رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي رَوَاهُ مُسلم مَرْفُوعا الرُّؤْيَا مصدر كالرجعى تخْتَص برؤيا الْمَنَام كَمَا اخْتصَّ الرَّأْي بِالْقَلْبِ والرؤية بِالْعينِ وَالِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ عَلَيْهِ من جِهَة أَن الرُّؤْيَا لَو لم تكن وَحيا لما جَازَ لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْإِقْدَام على ذبح وَلَده لِأَنَّهُ محرم فلولا أَنه أُبِيح لَهُ فِي الرُّؤْيَا بِالْوَحْي لما ارْتكب الْحَرَام وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي شَرحه قَول عبيد بن عُمَيْر لَا تعلق لَهُ بِهَذَا الْبَاب قلت يُرِيد بذلك أَن التَّبْوِيب على تَخْفيف الْوضُوء فَقَط وَلَكِن ذكر هَذَا لأجل أَن مُرَاده فِيهِ هُوَ نوم الْعين دون نوم الْقلب وَلم يلْتَزم البُخَارِيّ أَن لَا يذكر من الحَدِيث إِلَّا مَا يتَعَلَّق بالترجمة فَقَط وَهَذَا لم يَشْتَرِطه أحد بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول فِيهِ أَن نوم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تنام عينه وَلَا ينَام قلبه قَالَ عَمْرو سَمِعت عبيد بن عُمَيْر يَقُول
رَضِي الله عَنْهُم قَوْله رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي رَوَاهُ مُسلم مَرْفُوعا الرُّؤْيَا مصدر كالرجعى تخْتَص برؤيا الْمَنَام كَمَا اخْتصَّ الرَّأْي بِالْقَلْبِ والرؤية بِالْعينِ وَالِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ عَلَيْهِ من جِهَة أَن الرُّؤْيَا لَو لم تكن وَحيا لما جَازَ لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْإِقْدَام على ذبح وَلَده لِأَنَّهُ محرم فلولا أَنه أُبِيح لَهُ فِي الرُّؤْيَا بِالْوَحْي لما ارْتكب الْحَرَام وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي شَرحه قَول عبيد بن عُمَيْر لَا تعلق لَهُ بِهَذَا الْبَاب قلت يُرِيد بذلك أَن التَّبْوِيب على تَخْفيف الْوضُوء فَقَط وَلَكِن ذكر هَذَا لأجل أَن مُرَاده فِيهِ هُوَ نوم الْعين دون نوم الْقلب وَلم يلْتَزم البُخَارِيّ أَن لَا يذكر من الحَدِيث إِلَّا مَا يتَعَلَّق بالترجمة فَقَط وَهَذَا لم يَشْتَرِطه أحد (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ أَن نوم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُضْطَجعا لَا ينْقض الْوضُوء وَكَذَا سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فيقظة قلبهم تمنعهم من الْحَدث وَلِهَذَا قَالَ عبيد بن عُمَيْر رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي وَقَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا منع النّوم من قلب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليعي الْوَحْي إِذا أوحى إِلَيْهِ فِي الْمَنَام فَإِن قلت روى أَنه تَوَضَّأ بعد النّوم قلت ذَاك على اخْتِلَاف حَاله فِي النّوم فَرُبمَا كَانَ يعلم أَنه استثقل نوما فَاحْتَاجَ مِنْهُ إِلَى الْوضُوء الثَّانِي فِيهِ جَوَاز مبيت من لم يَحْتَلِم عِنْد محرمه الثَّالِث فِيهِ مبيته عِنْد الرجل مَعَ أَهله وَقد روى أَنَّهَا كَانَت حَائِضًا الرَّابِع فِيهِ تواضعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا كَانَ عَلَيْهِ من مَكَارِم الْأَخْلَاق الْخَامِس فِيهِ صلَة الْقَرَابَة السَّادِس فِيهِ فضل ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا السَّابِع فِيهِ الِاقْتِدَاء بأفعاله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الثَّامِن فِيهِ جَوَاز الْإِمَامَة فِي النَّافِلَة وَصِحَّة الْجَمَاعَة فِيهَا التَّاسِع فِيهِ جَوَاز ائتمام وَاحِد بِوَاحِد الْعَاشِر فِيهِ جَوَاز ائتمام صبي ببالغ وَعَلِيهِ ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه الْحَادِي عشر فِيهِ أَن موقف الْمَأْمُوم الْوَاحِد عَن يَمِين الإِمَام وَعَن سعيد بن الْمسيب أَن موقف الْوَاحِد مَعَ الإِمَام عَن يسَاره وَعَن أَحْمد إِن وقف عَن يسَاره بطلت صلَاته وَقَالَ ابْن بطال وَهُوَ رد على أبي حنيفَة فِي قَوْله أَن الإِمَام إِذا صلى مَعَ رجل وَاحِد أَنه يقوم خَلفه لَا عَن يَمِينه وَهُوَ مُخَالف لفعل الشَّارِع قلت هَذَا بَاطِل وَلَيْسَ هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَابْن بطال جازف فِي كَلَامه وَقد قَالَ صَاحب الْهِدَايَة وَمن صلى مَعَ وَاحِد أَقَامَهُ عَن يَمِينه لحَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بِهِ وأقامه عَن يَمِينه وَلَا يتَأَخَّر عَن الإِمَام وَإِن صلى خَلفه أَو فِي يسَاره جَازَ وَهُوَ مسيء لِأَنَّهُ خلاف السّنة هَذَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة فَكيف شنع عَلَيْهِ ابْن بطال مَعَ إساءة الْأَدَب على الإِمَام الثَّانِي عشر فِيهِ أَن أقل الْوضُوء يجزىء إِذا أَسْبغ وَهُوَ مرّة مرّة الثَّالِث عشر فِيهِ تَعْلِيم الإِمَام الْمَأْمُوم الرَّابِع عشر فِيهِ التَّعْلِيم فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ من أمرهَا الْخَامِس عشر فِيهِ إيذان الإِمَام بِالصَّلَاةِ السَّادِس عشر فِيهِ قيام الإِمَام مَعَ الْمُؤَذّن إِذا آذنه السَّابِع عشر فِيهِ الْجمع بَين النَّوَافِل وَالْفَرْض بِوضُوء وَاحِد وَلَا شكّ فِي جَوَازه الثَّامِن عشر فِيهِ أَن النّوم الْخَفِيف لَا يجب فِيهِ الْوضُوء قَالَه الدَّاودِيّ فِي شَرحه وَفِيه نظر لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اضْطجع فَنَامَ حَتَّى نفخ وَهَذَا لَا يكون فِي الْغَالِب خَفِيفا التَّاسِع عشر فِيهِ الِاضْطِجَاع على الْجنب بعد التَّهَجُّد الْعشْرُونَ مَا قيل إِن تقدم الْمَأْمُوم على إِمَامه مُبْطل لِأَن الْمَنْقُول أَن الإدارة كَانَت من خلف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا من قدامه كَمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض عَن تَفْسِير مُحَمَّد بن حَاتِم كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشَّافِعِي عَن سُفْيَان بِبَعْضِه وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الْعلم عَن آدم عَن شُعْبَة عَن الحكم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ وَمن أخرجه أَيْضا بِهَذَا الطَّرِيق وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَوَاضِع من الصَّحِيح عَن عَطاء بن أبي حَاتِم وَفِيه نظر لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون إدارته من خَلفه لِئَلَّا يمر بَين يَدَيْهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوه الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِيهِ قيام اللَّيْل وَكَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ نسخ على الْأَصَح الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِيهِ الْمبيت عِنْد الْعَالم ليراقب أَفعاله فيقتدي بهَا الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِيهِ طلب الْعُلُوّ فِي السَّنَد فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي بِإِخْبَار خَالَته أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِيهِ أَن النَّافِلَة كالفريضة فِي تَحْرِيم الْكَلَام لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يتَكَلَّم الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِيهِ أَن من الْأَدَب أَن يمشي الصَّغِير عَن يَمِين الْكَبِير والمفضول عَن يَمِين الْفَاضِل ذكره الْخطابِيّ السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز فتل أذن الصَّغِير للتّنْبِيه على التَّعْلِيم والإرشاد وَلم يذكر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِي هَذِه الرِّوَايَة كَيْفيَّة التَّحْوِيل وَقد اخْتلف فِيهِ رِوَايَات الصَّحِيح فَفِي بَعْضهَا أَخذ بِرَأْسِهِ فَجعله عَن يَمِينه وَفِي بَعْضهَا فَوضع يَده الْيُمْنَى على رَأْسِي فَأخذ بأذني الْيُمْنَى ففتلها وَفِي بَعْضهَا فَوضع يَده الْيُمْنَى على رَأْسِي فَأخذ بأذني الْيُمْنَى ففتلها فِي بَعْضهَا فَأخذ برأسي من ورائي وَفِي بَعْضهَا بيَدي أَو عضدي وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة جَامِعَة لهَذِهِ الرِّوَايَات
باب إسباغ الوضوء
(بَاب إسباغ الْوضُوء) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان إسباغ الْوضُوء والإسباغ مصدر أَسْبغ وثلاثيه من سبغت النِّعْمَة تسبغ سبوغا أَي اتسعت وَقَالَ اللَّيْث كل شَيْء طَال إِلَى الأَرْض فَهُوَ سابغ وأسبغ الله عَلَيْهِ النِّعْمَة أَي أتمهَا قَالَ الله تَعَالَى {وأسبغ عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة} وإسباغ الْوضُوء إبلاغه موَاضعه وإيفاء كل عُضْو حَقه والتركيب يدل على تَمام الشَّيْء وكماله وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول تَخْفيف الْوضُوء وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب مَا يُقَابله صُورَة وَإِن كَانَ لَا بُد فِي التَّخْفِيف من الإسباغ أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ (وَقَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا إسباغ الْوضُوء الإنقاء) هَذَا تَعْلِيق أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه مَوْصُولا بِإِسْنَاد صَحِيح وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فسر الإسباغ بالإنقاء فَإِن قلت قد مر أَن الإسباغ فِي اللُّغَة الْإِتْمَام والاتساع قلت هَذَا من بَاب تَفْسِير الشَّيْء بلازمه إِذْ الْإِتْمَام يسْتَلْزم الإنقاء عَادَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح أَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا كَانَ يغسل رجلَيْهِ فِي الْوضُوء سبع مَرَّات فَإِنَّهُ كَانَ يقْصد بذلك الإنقاء فَإِن قلت لم اقْتصر فِي ذَلِك على الرجلَيْن قلت لِأَنَّهُمَا مَحل الأوساخ غَالِبا لاعتيادهم الْمَشْي حُفَاة بِخِلَاف بَقِيَّة الْأَعْضَاء فَإِن قلت مَا وَجه ذَلِك وَقد مر أَن الزِّيَادَة على الثَّلَاث ظلم وتعد قلت قد ذكرنَا أَن وَجه ذَلِك فِيمَن لم ير الثَّلَاث سنة وَأما إِذا رَآهَا وَزَاد على أَنه من بَاب الْوضُوء على الْوضُوء يكون نورا على نور 5 - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن أُسَامَة بن زيد رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه سَمعه يَقُول دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَة حَتَّى إِذا كَانَ بِالشعبِ نزل فَبَال ثمَّ تَوَضَّأ وَلم يسبغ الْوضُوء فَقلت الصَّلَاة يَا رَسُول الله فَقَالَ الصَّلَاة أمامك فَركب فَلَمَّا جَاءَ الْمزْدَلِفَة نزل فَتَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فصلى الْمغرب ثمَّ أَنَاخَ كل إِنْسَان بعيره فِي منزله ثمَّ أُقِيمَت الْعشَاء فصلى وَلم يصل بَينهمَا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَتَوَضَّأ وأسبغ الْوضُوء فَإِن قلت الْمَذْكُور فِيهِ شَيْئَانِ الإسباغ وَتَركه فَمَا الْمُرَجح فِي تبويب التَّرْجَمَة على الإسباغ قلت لِأَنَّهُ بوب الْبَاب السَّابِق فِي تَخْفيف الْوضُوء فَتعين أَن يكون الْبَاب الَّذِي يتلوه فِي الإسباغ. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول عبد الله بن مسلمة بِفَتْح الميمين وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة القعْنبِي وَقد مر الثَّانِي الإِمَام مَالك رَحمَه الله الثَّالِث مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي مولى الزبير بن الْعَوام وَيُقَال مولى أم خَالِد زَوْجَة الزبير القريشي أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى روى عَن كريب وَأم خَالِد الصحابية وَغَيرهمَا وَعنهُ مَالك والسفيانان وَغَيرهم وَكَانَ من الْمُفْتِينَ الثِّقَات مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة ومغازيه أصح الْمَغَازِي كَمَا قَالَه مَالك وَغَيره وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه مُوسَى بن عقبَة غَيره الرَّابِع كريب وَقد تقدم عَن قريب الْخَامِس أُسَامَة بِضَم الْهمزَة بن زيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل الْكَلْبِيّ الْمدنِي الْحبّ ابْن الْحبّ وَكَانَ نقش خَاتمه حب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ مولى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَابْن حاضنته ومولاته أم أَيمن اسْتَعْملهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة وَقبض النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ ابْن عشْرين روى لَهُ مائَة حَدِيث وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ حَدِيثا اتفقَا على خَمْسَة عشر حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين وَمُسلم بحديثين مَاتَ بوادي الْقرى سنة أَربع وَخمسين على الْأَصَح وَهُوَ ابْن خمس وَخمسين وَذكر الله أَبَاهُ زيدا فِي الْقُرْآن باسمه وَأُسَامَة بن زيد سِتَّة أحدهم هَذَا وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه أُسَامَة بن زيد سواهُ وَإِن كَانَ فيهم من اسْمه أُسَامَة الثَّانِي تنوخي روى عَن زيد بن أسلم وَغَيره الثَّالِث ليثي روى عَن نَافِع وَغَيره الرَّابِع مدنِي مولى عمر بن الْخطاب ضَعِيف الْخَامِس كَلْبِي روى عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَغَيره السَّادِس شيرازي روى عَن أبي حَامِد الفضلي
(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم مدنيون وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ مُوسَى عَن كريب وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم من رجال الْكتب السِّتَّة إِلَّا عبد الله بن مسلمة فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك بِهِ وَعَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن سعيد عَن مُوسَى بن عقبَة عَن كريب وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن يزِيد بن هرون عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رمح عَن لَيْث بن سعد عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن إِسْحَق عَن يحيى بن آدم عَن زُهَيْر كِلَاهُمَا عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة وَعَن إِسْحَق عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عقبَة كِلَاهُمَا عَن كريب بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِهِ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن يزِيد بن هَارُون بِهِ وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ وَعَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِهِ مُخْتَصرا (بَيَان اللُّغَات) قَوْله دفع من عَرَفَة أَي أَفَاضَ مِنْهَا يُقَال دفع السَّيْل من الْجَبَل إِذا انصب مِنْهُ وَدفعت إِلَيْهِ شَيْئا أدفعه دفعا وَدفعت الرجل قَالَ الله تَعَالَى {وَلَوْلَا دفع الله النَّاس} وَدفعت عَنهُ الْأَذَى واندفعوا فِي الحَدِيث أَو الإنشاد أفاضوا فِيهِ والاندفاع مُطَاوع الدّفع وتدافع الْقَوْم فِي الْحَرْب أَي دفع بَعضهم بَعْضًا قَالَ الصغاني التَّرْكِيب يدل على تنحية الشَّيْء قَوْله من عَرَفَة على وزن فعلة اسْم للزمان وَهُوَ الْيَوْم التَّاسِع من ذِي الْحجَّة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل عَرَفَة وعرفات كِلَاهُمَا اسمان للمكان الْمَخْصُوص وَقَالَ الصغاني وَيَوْم عَرَفَة التَّاسِع من ذِي الْحجَّة وَتقول هَذَا يَوْم عَرَفَة غير منون وَلَا تدْخلهَا الْألف وَاللَّام وعرفات الْموضع الَّذِي يقف الْحَاج بِهِ يَوْم عَرَفَة قَالَ الله تَعَالَى {فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات} وَهِي اسْم فِي لفظ الْجمع فَلَا تجمع قَالَ الْفراء لَا وَاحِد لَهَا وَقَول النَّاس نزلنَا عَرَفَة شَبيه بمولد وَلَيْسَ بعربي مَحْض سميت بِهِ لِأَن آدم عرف حَوَّاء بهَا فَإِن الله تَعَالَى أهبط آدم بِالْهِنْدِ وحواء بجدة فتعارفا فِي الْموقف أَو لِأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عرف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمَنَاسِك هُنَاكَ أَو للجبال الَّتِي فِيهَا وَالْجِبَال الَّتِي هِيَ الْأَعْرَاف وكل بَاب فَهُوَ عرف وَمِنْه عرف الديك أَو لِأَن النَّاس يعترفون فِيهَا بِذُنُوبِهِمْ ويسألون غفرانها وَقيل لِأَنَّهَا مَكَان مقدس مُعظم كَأَنَّهُ قد عرف أَي طيب قَوْله بِالشعبِ بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل وَالْمرَاد بِهِ الشّعب الْمَعْهُود للحجاج قَوْله الْمزْدَلِفَة هِيَ مَوضِع مَخْصُوص بَين عَرَفَات وَمنى وَقيل سميت بهَا لِأَن الْحجَّاج يزدلفون فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى أَي يَتَقَرَّبُون بِالْوُقُوفِ فِيهَا إِلَيْهِ وَيُسمى أَيْضا جمعا لِأَن آدم اجْتمع فِيهَا مَعَ حَوَّاء عَلَيْهِمَا السَّلَام وازدلف إِلَيْهَا أَي دنا فَلذَلِك سميت مُزْدَلِفَة أَيْضا وَعَن قَتَادَة لِأَنَّهُ يجمع فِيهَا بَين الصَّلَاتَيْنِ قلت الْمزْدَلِفَة بِضَم الْمِيم من الازدلاف وَهُوَ التَّقَرُّب أَو الِاجْتِمَاع فَمن الأول قَوْله تَعَالَى {وأزلفت الْجنَّة لِلْمُتقين} أَي قربت وَمن الثَّانِي قَوْله تَعَالَى {وأزلفنا ثمَّ الآخرين} أَي جمعناهم وَلذَلِك قيل لَهَا جمع (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله سَمعه جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال قَوْله دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقول القَوْل قَوْله حَتَّى إِذا كَانَ بِالشعبِ كلمة حَتَّى هَذِه ابتدائية أَعنِي حرفا يبتدأ بعده الْجُمْلَة سَوَاء كَانَت اسمية أَو فعلية وَيجوز أَن تكون جَارة على مَا نقل عَن الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى {حَتَّى إِذا فشلتم} فعلى هَذَا قَوْله إِذا فِي مَحل الْجَرّ بهَا وعَلى الأول يكون موضعهَا النصب وَالْعَامِل فِيهِ قَوْله نزل وَالْبَاء فِي بِالشعبِ ظرفية قَوْله فَبَال عطف على نزل قَوْله فَقلت الصَّلَاة بِالنّصب وَاخْتلفُوا فِي الناصب فَقَالَ القَاضِي على الاغراء وَقيل على تَقْدِير أَتُرِيدُ الصَّلَاة وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة تَأتي فَقلت أَتُصَلِّي يَا رَسُول الله يَعْنِي أَتُرِيدُ الصَّلَاة قلت الأولى أَن يقدر نصلي الصَّلَاة يَا رَسُول الله وَيجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير حانت الصَّلَاة أَو حضرت قَوْله الصَّلَاة أمامك بِرَفْع الصَّلَاة على الِابْتِدَاء وَخَبره أمامك قَوْله الْمزْدَلِفَة بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول جَاءَ وَفِي الأَصْل جَاءَ إِلَى الْمزْدَلِفَة وَقَوله نزل جَوَاب لما (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَة أَي رَجَعَ من وقُوف عَرَفَة بِعَرَفَات لأَنا قُلْنَا أَن عَرَفَة اسْم الْيَوْم التَّاسِع من ذِي الْحجَّة فَحِينَئِذٍ يكون الْمُضَاف فِيهِ محذوفا وعَلى قَول من يَقُول أَن عَرَفَة اسْم للمكان أَيْضا لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير وَقد مر أَنه لُغَة بلدية قَوْله وَلم يسبغ الْوضُوء أَي خففه وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم فَتَوَضَّأ وضوأ خَفِيفا
وَيُقَال مَعْنَاهُ لم يكمله يَعْنِي تَوَضَّأ مرّة مرّة لَكِن بالإسباغ وَقيل مَعْنَاهُ خفف اسْتِعْمَال المَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالب عاداته وَقيل المُرَاد بِهِ الْوضُوء اللّغَوِيّ أَي اقْتصر على بعض الْأَعْضَاء وَهُوَ بعيد وَأبْعد مِنْهُ مَا قيل أَن المُرَاد بِهِ الِاسْتِنْجَاء كَمَا قَالَ عِيسَى بن دِينَار وَجَمَاعَة وَمِمَّا يوهنه رِوَايَة البُخَارِيّ الْآتِيَة فِي بَاب الرجل يوضىء صَاحبه أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عدل إِلَى الشّعب فَقضى حَاجته فَجعلت أصب المَاء عَلَيْهِ وَيتَوَضَّأ وَلَا يجوز أَن يصب أُسَامَة عَلَيْهِ إِلَّا وضوء الصَّلَاة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يقرب مِنْهُ أحد وَهُوَ على حَاجته وَأَيْضًا فقد قَالَ أُسَامَة عقيب ذَلِك الصَّلَاة يَا رَسُول الله ومحال أَن يَقُول لَهُ الصَّلَاة وَلم يتَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة وَأبْعد من قَالَ إِنَّمَا لم يسبغه لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ فَفعله ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي مسيره فَإِنَّهُ كَانَ فِي عَامَّة أَحْوَاله على طهر وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد إِنَّمَا لم يسبغه ليذكر الله لأَنهم يكثرون مِنْهُ عَشِيَّة الدّفع من عَرَفَة وَقَالَ غَيره إِنَّمَا فعله لإعجاله الدّفع إِلَى الْمزْدَلِفَة فَأَرَادَ أَن يتَوَضَّأ وضُوءًا يرفع بِهِ الْحَدث لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ لَا يبْقى بِغَيْر طَهَارَة وَكَذَا قَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا ترك إسباغه حَتَّى نزل الشّعب ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي طَرِيقه وَيجوز فِيهِ لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ فَلَمَّا نزل وَأَرَادَهَا أسبغه قَوْله الصَّلَاة أمامك بِفَتْح الْهمزَة أَي قدامك وَقَالَ الْخطابِيّ يُرِيد أَن مَوضِع هَذِه الصَّلَاة الْمزْدَلِفَة وَهِي أمامك وَهَذَا تَخْصِيص لعُمُوم الْأَوْقَات المؤقتة للصلوات الْخمس لبَيَان فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه دَلِيل على أَنه لَا يُصليهَا الْحَاج إِذا أَفَاضَ من عَرَفَة حَتَّى يبلغهَا وَأَن عَلَيْهِ أَن يجمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء بِجمع على مَا سنه الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِفِعْلِهِ وَبَينه بقوله وَلَو أَجْزَأته فِي غير الْمَكَان لما أَخّرهَا عَن وَقتهَا الْمُؤَقت لَهَا فِي سَائِر الْأَيَّام وَقَالَ الْكرْمَانِي لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يجوز إِذْ فعله الْمُجَرّد لَا يدل إِلَّا على النّدب وملازمة الشّرطِيَّة فِي قَوْله لما أَخّرهَا مَمْنُوعَة لِأَن ذَلِك لبَيَان جَوَاز تَأْخِيرهَا أَو بَيَان ندبية التَّأْخِير إِذْ الأَصْل عدم الْجَوَاز قلت لَا نسلم نفي الدَّلِيل على عدم الْجَوَاز لِأَن فعله قارنه قَوْله فَدلَّ على عدم الْجَوَاز وَإِنَّمَا يمشي كَلَامه إِن لَو كَانَ أُسَامَة عَالما بِالسنةِ وَلم يكن يعلم ذَلِك لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أول من سنّهَا فِي حجَّة الْوَدَاع والموضع مَوضِع الْحَاجة إِلَى الْبَيَان فقر أَن بقوله دَلِيل على عدم الْجَوَاز وَوُجُوب تَأْخِيرهَا إِلَى غير وَقتهَا الْمَعْهُود وَالله أعلم فَإِن قلت الصَّلَاة أمامك قَضِيَّة حملية فَكيف يَصح هَذَا الْحمل لِأَن الصَّلَاة لَيست بِإِمَام قلت الْمُضَاف فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره وَقت الصَّلَاة أمامك إِذْ نَفسهَا لَا تُوجد قبل إيجادها وَعند إيجادها لَا تكون أَمَامه وَقيل مَعْنَاهُ الْمصلى أمامك أَي مَكَان الصَّلَاة فَيكون من قبيل ذكر الْحَال وَإِرَادَة الْمحل وَهُوَ أَعم من أَن يكون مَكَانا أَو زَمَانا قَوْله ثمَّ أَنَاخَ كل إِنْسَان بعيره كَأَنَّهُمْ فعلوا ذَلِك خشيَة مَا يحصل مِنْهَا من التشويش بقيامها قَوْله ثمَّ أُقِيمَت الْعشَاء بِكَسْر الْعين وبالمد وَالْمرَاد بِهِ صَلَاة الْعشَاء وَهِي الَّتِي وَقتهَا من غرُوب الشَّفق إِلَى طُلُوع الْفجْر الصَّادِق وَهُوَ فِي اللُّغَة من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة وَقيل من الزَّوَال إِلَى الطُّلُوع (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ دَلِيل لأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن فِيمَا ذَهَبا إِلَيْهِ من وجوب تَأْخِير صَلَاة الْمغرب إِلَى وَقت الْعشَاء حَتَّى لَو صلى الْمغرب فِي الطَّرِيق لم يجز وَعَلِيهِ إِعَادَتهَا مَا لم يطلع الْفجْر وَبِه قَالَ زفر وَجَمَاعَة من الْكُوفِيّين وَقَالَ مَالك لَا يجوز أَن يُصليهَا قبلهَا إِلَّا من بِهِ أَو بدابته عذر فَلهُ أَن يُصليهَا قبلهَا بِشَرْط كَونه بعد مغيب الشَّفق وَحكى ابْن التِّين عَن الْمُدَوَّنَة أَنه يُعِيد إِذا صلى الْمغرب قبل أَن يَأْتِي الْمزْدَلِفَة أَو جمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء بعد مغيب الشَّفق وَقبل أَن يَأْتِيهَا وَعَن أَشهب الْمَنْع إِلَّا أَن يكون صلى قبل مغيب الشَّفق فَيُعِيد الْعشَاء بعْدهَا أبدا وَبئسَ مَا صنع وَقيل يُعِيد الْأَخِيرَة فَقَط وَقَالَ فِي المعونة إِن صلى الْمغرب بِعَرَفَة فِي وَقتهَا فقد ترك الِاخْتِيَار وَالسّنة ويجزيه خلافًا لأبي حنيفَة وَقَالَ أَشهب وَإِذا أسْرع فوصل الْمزْدَلِفَة قبل مغيب الشَّفق جمع وَخَالفهُ ابْن الْقَاسِم فَقَالَ لَا يجمع حَتَّى يغيب وَقَالَت الشَّافِعِيَّة لَو جمع بَينهمَا فِي وَقت الْمغرب فِي أَرض عَرَفَات أَو فِي الطَّرِيق أَو فِي مَوضِع آخر وَصلى كل صَلَاة فِي وَقتهَا جَازَ جَمِيع ذَلِك وَإِن خَالف الْأَفْضَل وَبِه قَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَقَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَأَشْهَب وفقهاء أَصْحَاب الحَدِيث. الثَّانِي فِيهِ عدم وجوب الْمُوَالَاة فِي جمع التَّأْخِير فَإِنَّهُ وَقع الْفَصْل بَينهَا بإناخة كل إِنْسَان بعيره فِي منزله. الثَّالِث فِيهِ الْإِقَامَة لكل من صَلَاتي الْجمع وَهُوَ مَذْهَب عبد الرَّحْمَن بن يزِيد وَالْأسود وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَهُوَ مَذْهَب عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك كل صَلَاة إِلَى الْأَئِمَّة فلهَا أَذَان وَإِقَامَة وَقَالَ
باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة
أَحْمد بن خَالِد أعجب من مَالك أَخذ فِي هَذَا بِحَدِيث ابْن مَسْعُود وَلم يروه وَترك مَا روى وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة لَهما وَهُوَ المروى عَن جَابر وَعبد الله بن عمر وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قلت لم يذكر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور الْأَذَان وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنه يُؤذن للأولى وَبِه قَالَ أَحْمد وَأَبُو ثَوْر وَعبد الْملك بن الْمَاجشون الْمَالِكِي وَهُوَ مَذْهَب الطَّحَاوِيّ وَللشَّافِعِيّ وَأحمد قَول أَنه يُصَلِّي كل وَاحِدَة بِإِقَامَة بِلَا أَذَان وَهُوَ محكي عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم وَعَن كل وَاحِد من مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه يُصَلِّي بأذانين. الرَّابِع فِيهِ تَنْبِيه الْمَفْضُول الْفَاضِل إِذا خَافَ عَلَيْهِ النسْيَان لما كَانَ فِيهِ من الشّغل لقَوْل أُسَامَة الصَّلَاة يَا رَسُول الله. الْخَامِس فِي قَوْله فَتَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء إِن الْوضُوء عبَادَة وَإِن لم يصل بِهِ يَعْنِي بِالْأولِ نبه عَلَيْهِ الْخطابِيّ وَقد قَالَت جمَاعَة من تَوَضَّأ ثمَّ أَرَادَ أَن يجدد وضوءه قبل أَن يُصَلِّي لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يُوقع بِهِ عبَادَة وَيكون كمن زَاد على ثَلَاث فِي وضوء وَاحِد وَهَذَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة قَالُوا وَلَا يسن تجديده إِلَّا إِذا صلى بِالْأولَى صَلَاة فرضا كَانَت أَو نفلا قلت اسْتِدْلَال الْخطابِيّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على مَا ادَّعَاهُ غير تَامّ لَا يخفى ذَلِك. السَّادِس فِيهِ أَنهم صلوا قبل حط رحالهم وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الصَّحِيح وَعَن مَالك يبْدَأ بِالصَّلَاةِ قبل حط الرَّوَاحِل وَقَالَ أَشهب لَهُ أَن يحط رَحْله قبل أَن يُصَلِّي وَبعد الْمغرب أحب إِلَى مَا لم تكن دَابَّته معقلة وَلَا يتعشى قبل الْمغرب وَأَن خفف عشاءه وَلَا يتعشى بعْدهَا وَإِن كَانَ عشاؤه خَفِيفا وَإِن طَال فَبعد الْعشَاء أحب إِلَيّ. السَّابِع فِيهِ ترك النَّافِلَة فِي السّفر كَذَا استنبطه الْمُهلب من قَوْله وَلم يصل بَينهمَا وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَو كنت مسبحا لأتممت وَقَالَ غَيره لَا دلَالَة فِيهِ لِأَن الْوَقْت بَين الصَّلَاتَيْنِ لَا يَتَّسِع لذَلِك أَلا ترى أَن بَعْضهَا قَالَ لَا يحطون رواحلهم تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى يجمعوا وَمِنْهُم من قَالَ يحط بعد الاولى مَعَ مَا فِي ترك الرَّوَاحِل مَا وقى مَا نهى عَنهُ وَلم يُتَابع ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا على قَوْله وَالْفُقَهَاء متفقون على اخْتِيَار التَّنَفُّل فِي السّفر وَقَالَ ابْن بطال وَقد تنفل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاجِلا وراكبا. الثَّامِن اسْتدلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ على جَوَاز التَّنَفُّل بَين صَلَاتي الْجمع قَالَ وَهُوَ قَول ابْن وهب قَالَ وَخَالفهُ بَقِيَّة أَصْحَابنَا فمنعوه قلت الحَدِيث نَص على أَنه لم يصل بَينهمَا وَلَعَلَّه أَخذه من إناخة الْبَعِير بَينهمَا وَمذهب الشَّافِعِيَّة أَنه جَائِز فِي جمع التَّأْخِير مُمْتَنع فِي جمع التَّقْدِيم وَمذهب الْحَنَفِيَّة الْمَنْع من التَّطَوُّع بَينهمَا لِأَنَّهُ يخل بِالْجمعِ وَلَو تطوع أَو تشاغل بِشَيْء أعَاد الْإِقَامَة لوُقُوع الْفَصْل نَص عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَة. التَّاسِع فِيهِ الدّفع من عَرَفَة إِلَى مُزْدَلِفَة رَاكِبًا. الْعَاشِر قَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ الِاسْتِنْجَاء من الْبَوْل لغير صَلَاة تنظفا وقطعا لمادته قلت كَأَنَّهُ حمل الْوضُوء الأول فِيهِ على الِاسْتِنْجَاء وَقد رددنا عَلَيْهِ ذَلِك. الْحَادِي عشر فِيهِ اشْتِرَاك وَقت الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْجمع خَاصَّة وَكَذَا وَقت الظّهْر وَالْعصر فِي عَرَفَة خَاصَّة وَلَيْسَ ذَلِك فِي غَيرهمَا فَإِن قلت مَا السَّبَب فِي جمع التَّأْخِير بِمُزْدَلِفَة قلت السّفر عِنْد الشَّافِعِيَّة وَلِهَذَا لَا يجمع المزدلفي والنسك عِنْد الْحَنَفِيَّة فَلهَذَا يجمع المزدلفي وَالله أعلم. الثَّانِي عشر اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّة على أَن الْفَوَائِت لَا يُؤذن لَهَا لَكِن يُقَام قلت هَذَا الِاسْتِدْلَال غير تَامّ لِأَن تَأْخِير الْمغرب إِلَى الْعشَاء لَيْسَ بِقَضَاء وَإِنَّمَا هُوَ أَدَاء لِأَن وقته قد تحول إِلَى وَقت الْعشَاء لأجل الْعذر المرخص فَكيف يَصح الْقيَاس عَلَيْهِ فِيمَا ذكره وَالله أعلم. الثَّالِث عشر قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن يسير الْعَمَل إِذا تخَلّل بَين الصَّلَاتَيْنِ غير قَاطع نظام الْجمع بَينهمَا لقَوْله ثمَّ أَنَاخَ وَلكنه لَا يتَكَلَّم قلت لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على عدم جَوَاز التَّكَلُّم بَينهمَا وَلَا مَا يدل على عدم قطع الْيَسِير وعَلى قطع الْكثير بل يدل على عدم الْقطع مُطلقًا يَسِيرا أَو كثيرا. (بَاب غسل الْوَجْه باليدين من غرفَة وَاحِدَة) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْوَجْه إِلَى آخِره والغرفة بِالْفَتْح بِمَعْنى الْمصدر وبالضم بِمَعْنى المغروف وَهِي ملْء الْكَفّ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو (إِلَّا من اغترف غرفَة) بِفَتْحِهَا وَفِي الْعباب غرفت المَاء بيَدي غرفا فالغرفة الْمرة الْوَاحِدَة والغرفة بِالضَّمِّ اسْم للْمَفْعُول مِنْهُ لِأَنَّك مَا لم تغرفه لَا تسميه غرفَة وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو جَعْفَر وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو إِلَّا من اغترف غرفَة بِالْفَتْح وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وَجمع المضمومة غراف كنطفة ونطاف والغرفة بِالضَّمِّ أَيْضا الْعلية وَالْجمع غرفات وغرف والغرفة أَيْضا الْخصْلَة من الشّعْر وَالْحَبل الْمَعْقُود بالشوطة أَيْضا انْتهى ويحكي أَن أَبَا عَمْرو وتطلب شَاهدا على قِرَاءَته من أشعار
الْعَرَب فَلَمَّا طلبه الْحجَّاج هرب مِنْهُ إِلَى الْيمن فَخرج ذَات يَوْم فَإِذا هُوَ بِرَاكِب ينشد قَول أُميَّة بن الصَّلْت (رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحل العقال) قَالَ فَقلت لَهُ مَا الْخَبَر قَالَ مَاتَ الْحجَّاج قَالَ أَبُو عَمْرو فَلَا أَدْرِي بِأَيّ الْأَمريْنِ كَانَ فرحي أَكثر بِمَوْت الْحجَّاج أَو بقوله فُرْجَة لِأَنَّهُ شَاهد لقرَاءَته أَي كَمَا أَن مَفْتُوح الفرجة هُنَا بِمَعْنى المنفرج كَذَا مَفْتُوح الغرفة بِمَعْنى المغروف فقراءة الضَّم وَالْفَتْح يتطابقان فَإِن قلت مَا المُرَاد من هَذِه التَّرْجَمَة قلت التَّنْبِيه على عدم اشْتِرَاط الاغتراف باليدين جَمِيعًا فَإِن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لما تَوَضَّأ كوضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ غرفَة من المَاء بِيَدِهِ الْوَاحِدَة ثمَّ ضم إِلَيْهَا يَده الْأُخْرَى ثمَّ غسل بِتِلْكَ الغرفة وَجهه على مَا يَأْتِي الْآن إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين وَبَين أَكثر أَبْوَاب كتاب الْوضُوء غير ظَاهِرَة وَلذَلِك قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت مَا وَجه التَّرْتِيب لهَذِهِ الْأَبْوَاب وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة هَهُنَا ثمَّ قَالَ فِي بَاب التَّسْمِيَة إِذْ التَّسْمِيَة إِنَّمَا هِيَ قبل غسل الْوَجْه لَا بعده ثمَّ إِن توَسط أَمر الْخَلَاء بَين أَبْوَاب الْوضُوء لَا يُنَاسب مَا عَلَيْهِ الْوُجُوه ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بقوله قلت البُخَارِيّ لَا يُرَاعِي حسن التَّرْتِيب وَجُمْلَة قَصده إِنَّمَا هُوَ فِي نقل الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِتَصْحِيحِهِ لَا غير وَنعم الْمَقْصد انْتهى قلت لَا نسلم أَن جملَة قَصده نقل الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِتَصْحِيحِهِ فَقَط بل مُعظم قَصده ذَلِك مَعَ سرده فِي أَبْوَاب مَخْصُوصَة وَلِهَذَا بوب الْأَبْوَاب على تراجم مُعينَة حَتَّى وَقع مِنْهُ تكْرَار كثير لأجل ذَلِك فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك يَنْبَغِي أَن تتطلب وُجُوه المناسبات بَين الْأَبْوَاب وَإِن كَانَت غير ظَاهِرَة بِحَسب الظَّاهِر فَنَقُول وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين من حَيْثُ أَن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول بعض وصف وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي هَذَا الْبَاب الْمَذْكُور أَيْضا وصف وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لما تَوَضَّأ على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَالَ هَكَذَا رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ فَهَذَا الْمِقْدَار من الْوَجْه كَاف على أَن الْمُنَاسبَة الْعَامَّة مَوْجُودَة بَين الْأَبْوَاب كلهَا لكَونهَا من وَاد وَاحِد ثمَّ تَوْجِيه المناسبات الْخَاصَّة إِنَّمَا يكون بِقدر الْإِدْرَاك. 6 - (حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم قَالَ أخبرنَا أَبُو سَلمَة الْخُزَاعِيّ مَنْصُور بن سَلمَة قَالَ أخبرنَا ابْن بِلَال يَعْنِي سُلَيْمَان عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس أَنه تَوَضَّأ فَغسل وَجهه أَخذ غرفَة من مَاء فَمَضْمض بهَا واستنشق ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَجعل بهَا هَكَذَا أضافها إِلَى يَده الْأُخْرَى فَغسل بهَا وَجهه ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَغسل بهَا يَده الْيُمْنَى ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَغسل بهَا يَده الْيُسْرَى ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فرش على رجله الْيُمْنَى حَتَّى غسلهَا ثمَّ أَخذ غرفَة أُخْرَى فَغسل بهَا رجله يَعْنِي الْيُسْرَى ثمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة فَجعل بهَا هَكَذَا أضافها إِلَى يَده الْأُخْرَى فَغسل بهَا وَجهه. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن أبي زُهَيْر أَبُو يحيى الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بصاعقة لقب بذلك لسرعة حفظه وَشدَّة ضَبطه روى عَن يزِيد بن هَارُون وروح وطبقتهما وَعنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وابو حَامِد والمحاملي وَآخَرُونَ وَكَانَ بزازا مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي أَبُو سَلمَة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة مَنْصُور بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ روى عَن مَالك وَغَيره وَعنهُ الصغاني وَغَيره خرج إِلَى الثغر فَمَاتَ بِالْمصِّيصَةِ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سِتَّة عشر وَقيل سنة سبع أَو تسع وَمِائَتَيْنِ الثَّالِث سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي وَقد مر فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان الرَّابِع زيد بن أسلم وَقد مر الْخَامِس عَطاء بن يسَار وَقد مر السَّادِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ يزِيد عَن عَطاء وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي ومدني. وَمِنْهَا ان فِيهِ تَفْسِير الْبَعْض الروَاة الْمُجْمل وَهُوَ قَوْله يَعْنِي سُلَيْمَان وَهُوَ يحْتَمل أَن
يكون كَلَام البُخَارِيّ وَيحْتَمل أَن يكون كَلَام شَيْخه مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا شَاهده ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي مَعْدُودَة قَالَ الدَّاودِيّ الَّذِي صَحَّ مِمَّا سمع من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اثْنَا عشر حَدِيثا وَحكى غَيره عَن غنْدر عشرَة أَحَادِيث وَعَن يحيى الْقطَّان وَأبي دَاوُد تِسْعَة وَوَقع فِي الْمُسْتَصْفى للغزالي أَن ابْن عَبَّاس مَعَ كَثْرَة رِوَايَته قيل أَنه لم يسمع من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث لصِغَر سنه وَصرح بذلك فِي حَدِيث إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة وَقَالَ حَدثنِي بِهِ أُسَامَة بن زيد وَلما روى حَدِيث قطع التَّلْبِيَة حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة قَالَ حَدثنِي بِهِ أخي الْفضل. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن بشر عَن هِشَام بن سعد عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار قَالَ قَالَ لنا ابْن عَبَّاس أتحبون أَن أريكم كَيفَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ فدعى بِإِنَاء فِيهِ مَاء فاغترف غرفَة وَذكر الحَدِيث نَحوه بِطُولِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب الطلقاني وقتيبة بن سعيد كِلَاهُمَا عَن عبد الْعَزِيز بن الدَّرَاورْدِي وَعَن مُجَاهِد بن مُوسَى عَن عبد الله بن إِدْرِيس عَن أبي عجلَان كِلَاهُمَا عَن زيد بن أسلم نَحوه وَحَدِيث ابْن عجلَان أتم وَعَن هناد بن السّري عَن ابْن إِدْرِيس بِبَعْضِه فَمسح بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما وَأخرجه ابْن ماجة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن ابْن إِدْرِيس بِمثل حَدِيث هناد وَعَن عبد الله بن الْجراح وَأبي بكر بن خَلاد كِلَاهُمَا عَن الدَّرَاورْدِي بِبَعْضِه مضمض واستنشق من غرفَة وَاحِدَة وَهَذَا الحَدِيث انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم وَلم يخرج مُسلم عَن ابْن عَبَّاس فِي صفة الْوضُوء شَيْئا. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله فَتَمَضْمَض من الْمَضْمَضَة وَهِي تَحْرِيك المَاء فِي الْفَم وَقَالَ ابْن سَيّده مضمض وتمضمض وكماله أَن يَجْعَل المَاء فِي فِيهِ ثمَّ يديره ويمجه وَأقله أَن يَجْعَل المَاء فِي فِيهِ وَلَا يشْتَرط إدارته على مَشْهُور مَذْهَب الشَّافِعِي وَقَالَ جمَاعَة من أَصْحَابه يشْتَرط وأصل الْمَضْمَضَة التحريك وَمِنْه مضمض النعاس فِي عَيْنَيْهِ إِذا تحرّك وَاسْتعْمل فِي الْمَضْمَضَة لتحريك المَاء فِي الْفَم قَوْله واستنشق من الِاسْتِنْشَاق وَهُوَ إِدْخَال المَاء فِي الْأنف وَقَالَ ابْن طريف نثر المَاء من أَنفه دفْعَة وَقَالَ ابْن سَيّده استنشق المَاء فِي أَنفه صبه فِي أَنفه وَقَالَ فِي الغريين يستنشق أَي يبلغ المَاء خياشيمه وَذكر ابْن الْأَعرَابِي وَابْن قُتَيْبَة الِاسْتِنْشَاق والاستنثار وَاحِد وَقَالَ ابْن سَيّده يُقَال استنثر إِذا استنشق المَاء فِي أَنفه وصبه مِنْهُ وَفِي جَامع الْقَزاز نثرت الشَّيْء أنثره وأنثره نثرا إِذا بددته فَأَنت ناثر وَالشَّيْء منثور والمتوضىء يستنشق إِذا جذب المَاء برِيح أَنفه ثمَّ يستنثره وَفِي الْعباب استنشقت المَاء وَغَيره إِذا أدخلته فِي الْأنف واستنشقت الرّيح إِذا شممتها والتركيب يدل على نشوب شَيْء فِي شَيْء والمنشق الْأنف ونشقت مِنْهُ ريحًا طيبَة بِالْكَسْرِ أَي شممت وَهَذِه ريح مَكْرُوهَة النشق أَي الشم وَقَالَ رؤبة الراجز يصف حمارا وحشيا (كَأَنَّهُ مستنشق من الشرق ... حرا من الْخَرْدَل مَكْرُوه النشق) (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله فَغسل وَجهه عطف على قَوْله تَوَضَّأ وَهُوَ من قبيل عطف مفصل على مُجمل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ} وَقَوله {فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك فَقَالُوا أرنا الله جهرة} وَقد علم أَن الْفَاء العاطفة تفِيد ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا التَّرْتِيب وَهُوَ نَوْعَانِ معنوي كَمَا فِي قَامَ زيد فعمر وذكرى وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل الثَّانِي التعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ الثَّالِث السَّبَبِيَّة قَوْله أَخذ غرفَة بِدُونِ حرف الْعَطف وَإِنَّمَا ترك لِأَنَّهُ بَيَان لقَوْله غسل على وَجه الِاسْتِئْنَاف فَإِن قلت كَيفَ يكون بَيَانا والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق ليستا من غسل الْوَجْه قلت أعطي لَهما حكم الْوَجْه قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة إِنَّمَا عطف بثم لوُجُود المهلة بَين الغرفتين وَقد علم أَن ثمَّ حرف عطف يَقْتَضِي ثَلَاثَة أُمُور التَّشْرِيك فِي الحكم وَالتَّرْتِيب والمهلة قَوْله أضافها بِدُونِ حرف الْعَطف لِأَنَّهُ بَيَان لقَوْله جعل بهَا هَكَذَا قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة عطف على ثمَّ أَخذ غرفَة الْمَذْكُور أَولا قَوْله من مَاء كلمة من للْبَيَان مَعَ إِفَادَة التَّبْعِيض قَوْله حَتَّى غسلهَا أَي إِلَى أَن غسلهَا وَكلمَة حَتَّى للغاية قَوْله يتَوَضَّأ جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله عَن ابْن عَبَّاس أَنه تَوَضَّأ زَاد أَبُو دَاوُد فِي أَوله أتحبون أَن أريكم كَيفَ كَانَ رَسُول الله عَلَيْهِ
الصَّلَاة وَالسَّلَام يتَوَضَّأ فدعى بِإِنَاء فِيهِ مَاء كَمَا قد ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله أضافها مَعْنَاهُ جعل المَاء الَّذِي فِي يَده فِي يَدَيْهِ جَمِيعًا فَإِنَّهُ أمكن فِي الْغسْل قَوْله فَغسل بهَا أَي بالغرفة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة فَغسل بهما أَي باليدين قَوْله ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ قَالَ الْكرْمَانِي وَهَهُنَا تَقْدِير إِذْ لَا يجوز الْمسْح بِمَاء غسل بِهِ يَده وَذَلِكَ نَحْو أَن يقدر ثمَّ بل يَده فَمسح بِرَأْسِهِ قلت فِي رِوَايَة أبي دَاوُد ثمَّ قبض قَبْضَة من المَاء ثمَّ نفض يَده ثمَّ مسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ وَلَو وقف الْكرْمَانِي على هَذِه الرِّوَايَة لقَالَ الحَدِيث يُفَسر بعضه بَعْضًا وَالتَّقْدِير هَهُنَا هَكَذَا وَذكر رِوَايَة أبي دَاوُد وَزَاد النَّسَائِيّ من طَرِيق الدَّرَاورْدِي عَن زيد وَأُذُنَيْهِ مرّة وَاحِدَة وَمن طَرِيق ابْن عجلَان باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه وَزَاد ابْن خُزَيْمَة من هَذَا الْوَجْه وَأدْخل أصبعيه فيهمَا قَوْله فرش على رجله الْيُمْنَى أَي صبه قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى صَار غسلا وَقَوله حَتَّى غسلهَا صَرِيح فِي أَنه لم يكتف بالرش وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت الْمَشْهُور أَن الرش وَالْغسْل يتمايزان بسيلان المَاء وَعَدَمه فَكيف قَالَ أَولا رش ثمَّ قَالَ ثَانِيًا حَتَّى غسلهَا وَأَيْضًا لَا يُمكن غسل الرجل بغرفة وَاحِدَة قلت الْفرق مَمْنُوع وَكَذَا عدم إِمْكَان غسلهَا بغرفة وَلَعَلَّ الْغَرَض من ذكره على هَذَا الْوَجْه بَيَان تقليل المَاء فِي الْعُضْو الَّذِي هُوَ مَظَنَّة للإسراف فِيهِ انْتهى قلت قَوْله الْفرق مَمْنُوع مَمْنُوع من حَيْثُ اللُّغَة وَلَكِن الْجَواب هُوَ أَن يُقَال أَن الرش قد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي حَدِيث أَسمَاء رَضِي الله عَنْهَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ حتيه ثمَّ اقرضيه ثمَّ رشيه وَصلي فِيهِ زَاد اغسليه قَالَه الْبَغَوِيّ وَيُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ قَوْله حَتَّى غسلهَا فَإِنَّهُ قرينَة على أَن المُرَاد من الرش هُوَ الْغسْل وَفَائِدَته التَّنْبِيه على الِاحْتِرَاز عَن الْإِسْرَاف لِأَن الرجل مَظَنَّة الْإِسْرَاف فِي الْغسْل فَإِن قلت وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم فرش على رجله الْيُمْنَى وفيهَا النَّعْل ثمَّ مسحها بيدَيْهِ يَد فَوق الْقدَم وَيَد تَحت النَّعْل قلت المُرَاد من الْمسْح هَهُنَا الْغسْل وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وابو زيد الْأنْصَارِيّ الْمسْح فِي كَلَام الْعَرَب يكون غسلا وَيكون مسحا وَمِنْه يُقَال للرجل إِذا تَوَضَّأ فَغسل أعضاءه قد تمسح وَأما قَوْله تَحت النَّعْل فَمَحْمُول على التَّجَوُّز عَن الْقدَم على أَنا نقُول هَذِه رِوَايَة شَاذَّة رَوَاهَا هِشَام بن سعد وَهُوَ مِمَّن لَا يحْتَج بهم عِنْد الِانْفِرَاد فَكيف إِذا خَالفه غَيره قَوْله فَغسل بهَا رجله يَعْنِي الْيُسْرَى هُوَ بغين مُعْجمَة وسين مُهْملَة من الْغسْل كَذَا وَقع فِي الْأُصُول وَقَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَلَعَلَّه على الرجلَيْن بِمَنْزِلَة الْعُضْو الْوَاحِد فَكَأَنَّهُ كرر غسله لِأَن الْعلَّة هُوَ الشّرْب الثَّانِي ثمَّ قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن أرَاهُ فَغسل فَسَقَطت السِّين انْتهى هَذَا كُله غَرِيب وتكلف وَالصَّوَاب مَا وَقع فِي الْأُصُول فَغسل بهَا وَقَوله يَعْنِي رجله الْيُسْرَى قَائِل لَفْظَة يَعْنِي زيد بن أسلم أَو من هُوَ دونه من الروَاة وَقَالَ الْكرْمَانِي وَلَفظ يَعْنِي لَيْسَ من كَلَام عَطاء بل من راو آخر بعده قلت لم لَا يجوز أَن يكون من كَلَام عَطاء وَلم أدر وَجه النَّفْي عَنهُ مَا هُوَ ثمَّ إِن هَذِه اللَّفْظَة قد وَقعت فِي بعض النّسخ بعد لَفْظَة رجله قبل لفظ الْيُسْرَى وَفِي بَعْضهَا قبل رجله. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول أَن الْوضُوء مرّة مرّة هُوَ مجمع عَلَيْهِ الثَّانِي فِيهِ الْجمع بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بغرفة وَهُوَ حجَّة للشَّافِعِيَّة فِي أحد الْوُجُوه فيهمَا وَقَالُوا فِي كيفيتها خَمْسَة أوجه الأول أَن يجمع بَينهمَا بغرفة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا. وَالثَّانِي أَن يجمع أَيْضا بغرفة لَكِن يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق وَلَفظ الرَّاوِي هَهُنَا يحْتَمل هذَيْن الْوَجْهَيْنِ. وَالثَّالِث أَنه يتمضمض ويستنشق بِثَلَاث غرفات يتمضمض من كل وَاحِدَة ثمَّ يستنشق مِنْهَا. وَالرَّابِع أَن يفصل بَينهمَا بغرفتين فيتمضمض من إِحْدَاهمَا بِثَلَاث ثمَّ يستنشق من الْأُخْرَى ثَلَاثًا. وَالْخَامِس أَن يفصل بست غرفات يتمضمض بِثَلَاث ثمَّ يستنشق بِثَلَاث. قَالَ الْكرْمَانِي وَالأَصَح أَن الْأَفْضَل هُوَ الرَّابِع وَقَالَ النَّوَوِيّ هُوَ الثَّالِث وَاتَّفَقُوا على أَن الْمَضْمَضَة على كل قَول مُقَدّمَة على الِاسْتِنْشَاق وَهل هُوَ تَقْدِيم اسْتِحْبَاب أَو اشْتِرَاط فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا اشْتِرَاط لاخْتِلَاف العضوين وَالثَّانِي اسْتِحْبَاب كتقديم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وَفِي الرَّوْضَة فِي كيفيته وَجْهَان أصَحهمَا يتمضمض من غرفَة ثَلَاثًا ويستنشق من أُخْرَى ثَلَاثًا وَالثَّانِي بست غرفات وَفِي الْجَوَاهِر للمالكية حكى ابْن سَابق فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ أَحدهمَا يغْرف غرفَة وَاحِدَة لفيه وَأَنْفه وَالثَّانِي يتمضمض ثَلَاثًا فِي غرفَة ويستنشق ثَلَاثًا فِي غرفَة فَقَالَ وَهَذَا اخْتِيَار مَالك وَالْأول اخْتِيَار الشَّافِعِي وَفِي الْمُغنِي للحنابلة وَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يتمضمض
ويستنشق ثَلَاثًا من غرفَة أَو بِثَلَاث غرفات فَإِن عبد الله بن زيد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مضمض واستنشق ثَلَاثًا ثَلَاثًا من غرفَة وَاحِدَة وروى الْأَثْرَم وَابْن ماجة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمَضْمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا من كف وَاحِد وَإِن أفرد لكل عُضْو ثَلَاث غرفات جَازَ لِأَن الْكَيْفِيَّة فِي الْغسْل غير وَاجِبَة وَفِي التَّلْوِيح شرح البُخَارِيّ وَالْأَفْضَل أَن يتمضمض ويستنشق بِثَلَاث غرفات كَمَا فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا وَوجه ثَان يجمع بَينهمَا بغرفة وَاحِدَة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَرَوَاهُ أَيْضا وَائِل بن حجر بِسَنَد ضَعِيف عِنْد الْبَزَّار وثالث يجمع بَينهمَا بغرفة وَهُوَ أَن يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ الثَّانِيَة كَذَلِك ثمَّ الثَّالِثَة رَوَاهُ عبد الله بن زيد عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم عِنْد التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب ورابع يفصل بَينهمَا بغرفتين يتمضمض من إِحْدَاهمَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق من الْأُخْرَى ثَلَاثًا وخامس يفصل بست غرفات يتمضمض بِثَلَاث ويستنشق بِثَلَاث انْتهى قلت احْتج أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا هناد وقتيبة قَالَا حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي حَيَّة قَالَ رَأَيْت عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تَوَضَّأ فَغسل كفيه حَتَّى أنقاهما ثمَّ تمضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وذراعيه ثَلَاثًا وَمسح بِرَأْسِهِ مرّة ثمَّ غسل قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ قَامَ فَأخذ فضل طهوره فشربه وَهُوَ قَائِم ثمَّ قَالَ أَحْبَبْت أَن أريكم كَيفَ كَانَ طهُور رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح فَإِن قلت لم يحك فِيهِ أَن كل وَاحِدَة من المضامض والاستنشاقات بِمَاء وَاحِد بل حُكيَ أَنه تمضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا قلت مَدْلُوله ظَاهرا مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن يتمضمض ثَلَاثًا يَأْخُذ لكل مرّة مَاء جَدِيدا ثمَّ يستنشق كَذَلِك وَهُوَ رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي فَإِنَّهُ روى عَنهُ أَن يَأْخُذ ثَلَاث غرفات للمضمضة وَثَلَاث غرفات للاستنشاق وَفِي رِوَايَة غَيره عَنهُ فِي الْأُم يغْرف غرفَة يتمضمض بهَا ويستنشق ثمَّ يغْرف غرفَة يتمضمض بهَا ويستنشق ثمَّ يغْرف ثَالِثَة يتمضمض بهَا ويستنشق فَيجمع فِي كل غرفَة بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَاخْتلف نَصه فِي الكيفيتين فنص فِي الْأُم وَهُوَ نَص مُخْتَصر الْمُزنِيّ أَن الْجمع أفضل وَنَصّ الْبُوَيْطِيّ أَن الْفَصْل أفضل وَنَقله التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ صَاحب الْمُهَذّب القَوْل بِالْجمعِ أَكثر فِي كَلَام الشَّافِعِي وَهُوَ أَيْضا أَكثر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَالْجَوَاب عَن كل مَا روى من ذَلِك أَنه مَحْمُول على الْجَوَاز وَقَالَ المرغيناني لَو أَخذ المَاء بكفه وتمضمض بِبَعْضِه واستنشق بِالْبَاقِي جَازَ وعَلى عَكسه لَا يجوز لصيرورة المَاء مُسْتَعْملا وَالْجَوَاب عَمَّا ورد فِي الحَدِيث فَتَمَضْمَض واستنشق من كف وَاحِد أَنه مُحْتَمل لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه تمضمض واستنشق بكف وَاحِد بِمَاء وَاحِد وَيحْتَمل أَنه فعل ذَلِك بكف وَاحِد بمياه لَا يقوم بِهِ حجَّة أَو يرد هَذَا الْمُحْتَمل إِلَى الْمُحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ تَوْفِيقًا بَين الدَّلِيلَيْنِ وَقد يُقَال أَن المُرَاد اسْتِعْمَال الْكَفّ الْوَاحِد بِدُونِ الِاسْتِعَانَة بالكفين كَمَا فِي الْوَجْه وَقد يُقَال أَنه فعلهمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى ردا على قَول من يَقُول يسْتَعْمل فِي الِاسْتِنْشَاق الْيَد الْيُسْرَى لِأَن الْأنف مَوضِع الْأَذَى كموضع الِاسْتِنْجَاء كَذَا فِي الْمَبْسُوط وَفِيه نظر لَا يخفى. وَأما وَجه الْفَصْل بَينهمَا كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا فَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن طَلْحَة بن مصرف عَن أَبِيه عَن جده كَعْب بن عَمْرو اليمامي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمَضْمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا فَأخذ لكل وَاحِدَة مَاء جَدِيدا وَكَذَا روى عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَسكت عَنهُ وَهُوَ دَلِيل رِضَاهُ بِالصِّحَّةِ. ثمَّ اعْلَم أَن السّنة أَن تكون الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق باليمنى وَقَالَ بَعضهم الْمَضْمَضَة بِالْيَمِينِ وَالِاسْتِنْشَاق باليسار لِأَن الْفَم مطهرة وَالْأنف مقذرة واليمنى للاطهار واليسار للاقذار وَلنَا مَا روى عَن الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه استنثر بِيَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة جهلت السّنة فَقَالَ كَيفَ أَجْهَل السّنة وَالسّنة من بُيُوتنَا خرجت أما علمت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْيَمين للْوَجْه واليسار للمقعد كَذَا ذكره صَاحب الْبَدَائِع وَالتَّرْتِيب بَينهمَا سنة ذكره فِي الْخُلَاصَة لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي صفة وضوئِهِ إِلَّا هَكَذَا. الحكم الثَّالِث قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن المَاء الْمُسْتَعْمل طَاهِر مطهر وَهُوَ قَول مَالك وَالْحجّة لَهُ أَن الْأَعْضَاء كلهَا إِذا غسلت مرّة فَإِن المَاء إِذا لَاقَى أول جُزْء من أَجزَاء الْعُضْو فقد صَار مُسْتَعْملا مَعَ أَنه يُجزئهُ فِي سَائِر أَجزَاء ذَلِك الْعُضْو فَلَو كَانَ الْوضُوء بِالْمُسْتَعْملِ لَا يجوز لم يجز الْوضُوء مرّة مرّة وَلما أَجمعُوا أَنه جَازَ اسْتِعْمَاله فِي الْعُضْو الْوَاحِد كَانَ فِي سَائِر الْأَعْضَاء كَذَلِك قلت هَذَا الِاسْتِدْلَال غير صَحِيح لِأَن المَاء مَا دَامَ بالعضو فَهُوَ فِي
باب التسمية على كل حال وعند الوقاع
نفس الِاسْتِعْمَال بعد فَلَا يصدق عَلَيْهِ أَنه صَار مُسْتَعْملا وَلَا يصدق اسْم الِاسْتِعْمَال عَلَيْهِ إِلَّا بعد انْفِصَاله عَن الْعُضْو فَافْهَم الرَّابِع فِيهِ غسل الْوَجْه باليدين جَمِيعًا إِذا كَانَ بغرفة وَاحِدَة لِأَن الْيَد الْوَاحِدَة قد لَا تستوعبه. الْخَامِس فِيهِ الْبدَاءَة باليمنى وَهُوَ سنة بِالْإِجْمَاع وَمن نقل خِلَافه فقد غلط ثمَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَد وَالرجل أما الخدان والكفان فيطهران دفْعَة وَاحِدَة وَكَذَا الأذنان على الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة. السَّادِس فِيهِ أَخذ المَاء للْوَجْه بِالْيَدِ الْوَاحِدَة وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث عبد الله بن زيد ثمَّ أَدخل يَده فَغسل وَجهه ثَلَاثًا وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ ثمَّ أَدخل يَدَيْهِ بالتثنية وهما وَجْهَان للشَّافِعِيَّة وجمهورهم على الثَّانِي وَقَالَ زاهد السَّرخسِيّ أَنه يغْرف بكفه الْيُمْنَى وَيَضَع ظهرهَا على بطن كَفه الْيُسْرَى ويصبه من أَعلَى جَبهته وَحَدِيث الْبَاب قد يدل لَهُ. السَّابِع فِيهِ أَن مسح الرَّأْس بِغَيْر أَخذ مَاء جَدِيد وَاحْتج بِهِ بَعضهم على أَنه يمسح رَأسه بِفضل الذِّرَاع كَمَا ورد فِي سنَن أبي دَاوُد أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مسح رَأسه بِفضل مَا كَانَ فِي يَده وَهَذَا قَول الْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن وَعُرْوَة وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك لَا يجْزِيه أَن يمسح بِفضل ذِرَاعَيْهِ وَلَا لحيته وَأَجَازَهُ ابْن الْمَاجشون فِي تَخْلِيل اللِّحْيَة إِذا نفذ مِنْهُ المَاء وَقد قُلْنَا أَن فِي الْكَلَام حذفا دلّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ثمَّ قبض قَبْضَة من المَاء ثمَّ نفض يَده ثمَّ مسح رَأسه فَافْهَم (بَاب التَّسْمِيَة على كل حَال وَعند الوقاع) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر اسْم الله تَعَالَى على كل حَال يَعْنِي سَوَاء كَانَ طَاهِرا أَو مُحدثا أَو جنبا وَالتَّسْمِيَة هِيَ قَول بِسم الله قَوْله وَعند الوقاع أَي الْجِمَاع فَإِن قلت قَوْله على كل حَال يَشْمَل حَال الوقاع وَغَيره فَمَا فَائِدَة تَخْصِيصه بِالذكر قلت للاهتمام بِهِ لِأَن حَالَة الوقاع تخَالف سَائِر أَحْوَال الْأَشْيَاء وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب وَقَالَ بَعضهم وَلَيْسَ الْعُمُوم ظَاهرا من المُرَاد الَّذِي أوردهُ لَكِن يُسْتَفَاد من بَاب الأولى أَنه إِذا شرع فِي حَالَة الْجِمَاع وَهِي مِمَّا أَمر فِيهِ بِالصَّمْتِ فَغَيره أولى قلت لَيْت شعري مَا معنى هَذَا الْكَلَام فَمن تَأمل كَلَامه وجده فِي غَايَة الوهاء فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت قد ذكرت لَك مَا قَالَه الْكرْمَانِي من أَن البُخَارِيّ لَا يُرَاعِي حسن التَّرْتِيب وَجُمْلَة قَصده إِنَّمَا هُوَ فِي نقل الحَدِيث وتصحيحه لَا غير وَقد ذكرت لَك مَا يرد هَذَا الْكَلَام فالمتأمل فِيهِ إِذا أمعن فِي نظره عرف وُجُوه المناسبات بَين الْأَبْوَاب وَإِن كَانَ الْوَجْه فِي بعض الْمَوَاضِع يُوجد بِبَعْض التَّكَلُّف فَنَقُول لما ذكر كتاب الْوضُوء عقيب كتاب الْعلم للمناسبة الَّتِي ذَكرنَاهَا هُنَاكَ ذكر عَقِيبه سِتَّة أَبْوَاب لَيْسَ فِيهَا شَيْء من أَوْصَاف الْوضُوء وَإِنَّمَا هِيَ كالمقدمات لَهَا ثمَّ ذكر الْبَاب السَّابِع الَّذِي فِيهِ صفة الْوضُوء وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكرهُ بعد ذكر أَبْوَاب الِاسْتِنْجَاء فِي أثْنَاء الْأَبْوَاب الَّتِي يذكر فِيهَا صِفَات الْوضُوء وَلكنه ذكره عقيب الْبَاب السَّادِس بطرِيق الاستطراد والاستتباع للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ ثمَّ شرع يذكر أَبْوَاب الِاسْتِنْجَاء وَبعدهَا أَبْوَاب صِفَات الْوضُوء على مَا يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيب وَقدم بَاب التَّسْمِيَة على الْجَمِيع لِأَن المتوضىء أَولا يستنجىء فبالضرورة قدم أَبْوَاب الِاسْتِنْجَاء على أَبْوَاب الْوضُوء ثمَّ لَا بُد أَن يقدم التَّسْمِيَة قبل كل شَيْء لأَنا أمرنَا أَن نسمي الله تَعَالَى فِي ابْتِدَاء كل أَمر ذِي بَال ليَقَع المبدؤ بِهِ مبروكا ببركة اسْم الله تَعَالَى فبالضرورة قدم بَاب التَّسْمِيَة 7 - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور عَن سَالم ابْن أبي الْجَعْد عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس يبلغ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَو أَن أحدكُم إِذا أَتَى أَهله قَالَ بِسم الله اللَّهُمَّ جنبنا الشَّيْطَان وجنب الشَّيْطَان مَا رزقتنا فقضي بَينهمَا ولد لم يضرّهُ) مُطَابقَة الحَدِيث لأحد شقي التَّرْجَمَة الَّذِي هُوَ الْخَاص وَهُوَ قَوْله عِنْد الوقاع وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق الشق الآخر الَّذِي هُوَ الْعَام وَهُوَ قَوْله على كل حَال وَلَكِن لما كَانَ حَال الوقاع أبعد حَال من ذكر الله تَعَالَى وَمَعَ ذَلِك تسن التَّسْمِيَة فِيهِ فَفِي سَائِر الْأَحْوَال بِالطَّرِيقِ الأولى فَلذَلِك أوردهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب للتّنْبِيه على مَشْرُوعِيَّة التَّسْمِيَة عِنْد الْوضُوء فَإِن قلت كَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر حَدِيث لَا وضوء لمن لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ قلت هَذَا الحَدِيث لَيْسَ على شَرطه وَإِن كثرت طرقه وَقد طعن فِيهِ الْحفاظ واستدركوا على الْحَاكِم تَصْحِيحه بِأَنَّهُ انْقَلب عَلَيْهِ إِسْنَاده واشتبه وَقَالَ الإِمَام أَحْمد لَا أعلم فِي التَّسْمِيَة حَدِيثا ثَابتا قلت هَذَا
الحَدِيث رَوَاهُ يَعْقُوب بن سَلمَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه أَبُو دَاوُد وَغَيره وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير لَا يعرف لسَلمَة سَماع من أبي هُرَيْرَة وَلَا ليعقوب من أَبِيه وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث سعيد بن زيد عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَفِي إِسْنَاده أَبُو ثعال عَن رَبَاح عَن جدته وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام فِيهِ ثَلَاث مَجَاهِيل الْأَحْوَال جدة رَبَاح لَا يعرف لَهَا اسْم وَلَا حَال وَلَا يعرف بِغَيْر هَذَا ورباح أَيْضا مَجْهُول الْحَال وَكَذَلِكَ أَبُو ثعال وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كتاب الْعِلَل هَذَا الحَدِيث لَيْسَ عندنَا بِذَاكَ الصَّحِيح وَأَبُو ثعال مَجْهُول ورباح مَجْهُول وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَفِي إِسْنَاده ربيح بن عبد الرَّحْمَن وهومنكر الحَدِيث قَالَ البُخَارِيّ وَأَصَح مَا فِي التَّسْمِيَة حَدِيث أنس أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وضع يَده فِي الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ المَاء وَقَالَ توضؤوا بِسم الله الحَدِيث وَبِه احْتج الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه الْمعرفَة وَيقرب مِنْهُ حَدِيث كل أَمر ذِي بَال الحَدِيث (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة قد ذكر عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ وَجَرِير بن عبد الحميد وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وكريب مولى ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَبَّاس وَأما سَالم فَهُوَ ابْن أبي الْجَعْد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة رَافع الْأَشْجَعِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي التَّابِعِيّ روى عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأرْسل عَن عمر وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَالَ أَحْمد لم يسمع من ثَوْبَان وَلم يلقه وَعنهُ مَنْصُور وَالْأَعْمَش مَاتَ سنة مائَة وَهُوَ من الثِّقَات لكنه يُرْسل وَيُدَلس وَحَدِيثه عَن النُّعْمَان بن بشير وَعَن جَابر فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَعَن عبد الله بن عَمْرو وَابْن عمر فِي البُخَارِيّ وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي ابي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم من رجال الْكتب السِّتَّة إِلَّا ابْن الْمَدِينِيّ فَإِن مُسلما وَابْن مَاجَه لم يخرجَا لَهُ وَمِنْهَا أَنهم مَا بَين مكي ومدني وكوفي وبصري ورازي وَمِنْهَا أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم مَنْصُور وَهُوَ من صغَار التَّابِعين وَسَالم وكريب وَمِنْهَا أَن فِيهِ الْبَلَاغ وَهُوَ قَوْله يبلغ بِهِ أَي يصل ابْن عَبَّاس بِالْحَدِيثِ عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهَذَا كَلَام كريب وغرضه أَنه لَيْسَ مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس بل هُوَ مُسْند إِلَى الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لكنه يحْتَمل أَن يكون بالواسطة بِأَن يكون سَمعه من صَحَابِيّ سَمعه من الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَن يكون بِدُونِهَا وَلما لم يكن قَاطعا بِأَحَدِهِمَا أَو لم يرد بَيَانه ذكره بِهَذِهِ الْعبارَة (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن قُتَيْبَة وَفِي الدَّعْوَات عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة كِلَاهُمَا عَن جرير وَفِي النِّكَاح عَن سعيد بن حَفْص عَن شَيبَان وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل عَن همام وَعَن آدم عَن شُعْبَة أربعتهم عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي الْجَعْد بِهِ وَفِي حَدِيث شُعْبَة وَحدثنَا الْأَعْمَش عَنهُ بِهِ وَلم يرفعهُ وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَن جرير بِهِ وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ وَلم يذكر الْأَعْمَش وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه وَعَن عبد الله بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن جرير بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بِمَعْنَاهُ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد بن الْمقري عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن سُلَيْمَان بن عبيد الله الغيلاني عَن بهز عَن شُعْبَة بِإِسْنَاد حَدِيث آدم وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الصَّمد عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش فرقهما كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ مَرْفُوعا عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رزمة عَن الْفضل بن مُوسَى عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن كريب وَلم يذكر سالما وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم بن نعيم عَن ابْن أبي عمر عَن فُضَيْل بن عِيَاض عَن مَنْصُور عَن سَالم عَن ابْن عَبَّاس بِهِ مَوْقُوفا وَلم يذكر كريبا وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن عَمْرو بن رَافع عَن جرير بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أَهله المُرَاد زَوجته وَفِي الْعباب الْأَهْل أهل الرجل وَأهل الدَّار وَكَذَلِكَ الْأَهِلّة وَالْجمع الأهلات وأهلات وأهلون وَكَذَلِكَ الأهالي زادوا فِيهِ الْيَاء على غير قِيَاس كَمَا جمعُوا لَيْلًا على ليَالِي وَقد جَاءَ فِي الشّعْر آهال مِثَال فرخ وأفراخ وزند وأزناد قَوْله جنبنا من جنب الشَّيْء يجنب تجنيبا إِذا أبعده مِنْهُ وَمِنْه الْجنب لِأَنَّهُ بعيد عَن ذكر الله تَعَالَى وأجنب تبَاعد وأجنبته الشَّيْء مثل جنبته وَقَرَأَ الجحدري وَعِيسَى بن عمر وَطَاوُس وَأَبُو الهجهاج الْأَعرَابِي {واجنبني وَبني} وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَفِيه ثَلَاث لُغَات جنبته الشَّرّ وجنبه وأجنبه فَأهل الْحجاز يَقُولُونَ جنبني شَره بِالتَّشْدِيدِ وَأهل نجد
جنبني شَره واجنبني والشيطان وَزنه فيعال إِذا كَانَ من شطن وفعلان إِذا كَانَ من شاط وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَقد جعل سِيبَوَيْهٍ نون الشَّيْطَان فِي مَوضِع من كِتَابه أَصْلِيَّة وَفِي آخر زَائِدَة وَالدَّلِيل على أصالتها قَوْلهم تشيطن واشتقاقه من شطن إِذا بعد لبعده من الصّلاح وَالْخَيْر أَو من شاط إِذا بَطل إِذا جعلت نونه زَائِدَة وَمن أَسْمَائِهِ الْبَاطِل وَقَالَ الْجَوْهَرِي شطن عَنهُ بعد وأشطنه أبعده قَالَ ابْن السّكيت شطنه يشطنه شطنا إِذا خَالفه عَن نِيَّة وجهة وبئر شطون بعيدَة والشيطان مَعْرُوف وكل عَاتٍ متمرد فِي الْجِنّ وَالْإِنْس وَالدَّوَاب شَيْطَان وَالْعرب تسمى الْحَيَّة شَيْطَانا ونونه أَصْلِيَّة وَيُقَال أَنَّهَا زَائِدَة فَإِن جعلته فيعالا من قَوْلهم تشيطن الرجل صرفته وَإِن جعلته من تشيط لم تصرفه لِأَنَّهُ فعلان وَفِي الْعباب الشَّيْطَان وَاحِد الشَّيَاطِين وَاخْتلفُوا فِي اشتقاقه فَقَالَ قوم إِنَّه من شاط يشيط أَي هلك ووزنه فعلان وَيدل على ذَلِك قِرَاءَة الْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأَعْمَش وَسَعِيد بن جُبَير وَأبي البرهسم وَطَاوُس {وَمَا تنزلت بِهِ الشياطون} وَقَالَ قوم أَنه من شطن أَي بعد وَقَالَ وأصل شاط من شاط الزَّيْت أَو السّمن إِذا نضج حَتَّى يَحْتَرِق لِأَنَّهُ يهْلك حِينَئِذٍ وتشيط احْتَرَقَ وَغَضب فلَان واستشاط أَي احتد كَأَنَّهُ التهب فِي غَضَبه والتركيب يدل على ذهَاب الشَّيْء إِمَّا احتراقا وَإِمَّا غير ذَلِك قَوْله مَا رزقتنا من الرزق وَفِي الْعباب الرزق مَا ينْتَفع بِهِ وَالْجمع الأرزاق وَقَالَ بَعضهم الرزق بِالْفَتْح الْمصدر الْحَقِيقِيّ والرزق بِالْكَسْرِ الِاسْم يُقَال رزقه الله يرزقه وَقد يُسمى الْمَطَر رزقا وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من رزق} {وَفِي السَّمَاء رزقكم} وَهُوَ على الاتساع فِي اللُّغَة انْتهى وَيُقَال الرزق فِي كَلَام الْعَرَب الْحَظ قَالَ تَعَالَى {وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون} أَي حظكم من هَذَا الْأَمر والحظ هُوَ نصيب الرجل وَمَا هُوَ خَاص لَهُ دون غَيره وَقيل الرزق كل شَيْء يُؤْكَل أَو يسْتَعْمل وَهَذَا بَاطِل لِأَن الله تَعَالَى أمرنَا بِأَن ننفق مِمَّا رزقنا فَقَالَ تَعَالَى {وأنفقوا مِمَّا رزقناكم} فَلَو كَانَ الرزق هُوَ الَّذِي يُؤْكَل لما أمكن إِنْفَاقه وَقيل الرزق هُوَ مَا يملك وَهُوَ أَيْضا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان قد يَقُول اللَّهُمَّ ارزقني ولدا صَالحا وَزَوْجَة صَالِحَة وَهُوَ لَا يملك الْوَلَد وَالزَّوْجَة. وَأما فِي عرف الشَّرْع فقد اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ هُوَ تَمْكِين الْحَيَوَان من الِانْتِفَاع بالشَّيْء والحظر على غَيره أَي مَنعه من الِانْتِفَاع بِهِ وَلما فسرت الْمُعْتَزلَة الرزق بِهَذَا لَا جرم قَالُوا الْحَرَام لَا يكون رزقا وَقَالَ أهل السّنة الْحَرَام رزق لِأَنَّهُ فِي أصل اللُّغَة الْحَظ والنصيب كَمَا ذكرنَا فَمن انْتفع بالحرام فَذَلِك الْحَرَام صَار حظا لَهُ ونصيبا فَوَجَبَ أَن يكون رزقا لَهُ وَأَيْضًا قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها} وَقد يعِيش الرجل طول عمره لَا يَأْكُل إِلَّا من السّرقَة فَوَجَبَ أَن يُقَال طول عمره لم يَأْكُل من رزقه شَيْئا قَوْله فَقضى من الْقَضَاء وَله معَان مُتعَدِّدَة يُقَال قضى أَي حكم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَقضى رَبك أَن لَا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه} وَقضى حَاجته أَي فرغ مِنْهَا وضربه فَقضى عَلَيْهِ أَي قَتله كَأَنَّهُ فرغ مِنْهُ وسم قَاض أَي قَاتل وَقضى نحبه قَضَاء أَي مَاتَ وَقضى دينه أَي أَدَّاهُ وَقضى إِلَيْهِ الْأَمر أَي أنهاه إِلَيْهِ وأبلغه وَقَالَ تَعَالَى {وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمر} وَقضى إِلَيْهِ أَي مضى إِلَيْهِ وقضاه أَي صنعه وقضاه أَي قدره قَالَ تَعَالَى {فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ} وَمِنْه الْقَضَاء وَالْقدر وَالْمُنَاسِب هَهُنَا إِمَّا حكم أَو قدر فَافْهَم (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله ليبلغ بِفَتْح الْبَاء من الْبَلَاغ جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَقَوله بِهِ صلَة يبلغ وَالنَّبِيّ بِالنّصب مَفْعُوله قَوْله لَو أَن أحدكُم كلمة لَو هَذِه هَهُنَا لمُجَرّد الرَّبْط تفِيد تَرْتِيب الْوُجُود عِنْد الْوُجُود كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا} وَقَول عمر رَضِي الله عَنهُ نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ وَكلمَة أَن فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية إِذْ التَّقْدِير لَو ثَبت قَول أحدكُم بِسم الله قَوْله قَالَ بِسم الله خبر أَن وَقَوله إِذا أَتَى أحدكُم أَهله ظرف لَهُ وَقَوله لم يضرّهُ جَوَاب لَو وَالتَّقْدِير لَو ثَبت قَول أحدكُم بِسم الله عِنْد إتْيَان أَهله لم يضر الشَّيْطَان ذَلِك الْوَلَد قَوْله جنبنا جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَقَوله الشَّيْطَان بِالنّصب مفعول ثَان لجنب وَقَوله وجنب جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل والشيطان مَفْعُوله وَقَوله مَا رزقتنا فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان وَكلمَة مَا مَوْصُولَة والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره الَّذِي رزقتناه وَقَول من قَالَ من الشَّارِحين مَا هَهُنَا بِمَعْنى شَيْء لَيْسَ بِشَيْء قَوْله فَقضى عطف على قَوْله قَالَ الْمَعْنى عقيب قَوْله قدر الله بَينهمَا ولدا وَيحْتَمل أَن تكون للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة} قَوْله لم يضرّهُ يجوز بِضَم الرَّاء وَفتحهَا وَيُقَال الضَّم أفْصح قلت فِي مثل هَذِه الْمَادَّة يجوز ثَلَاثَة أوجه
باب ما يقول عند الخلاء
الضَّم لأجل ضمه مَا قبلهَا وَالْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات وَفك الْإِدْغَام كَمَا علم فِي مَوْضِعه فَافْهَم (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله إِذا أَتَى أَهله أَي جَامعهَا وَهُوَ كِنَايَة عَن الْجِمَاع قَوْله اللَّهُمَّ مَعْنَاهُ يَا الله وَقد مر فِيمَا مضى تَحْقِيقه قَوْله فَقضى بَينهمَا أَي بَين الْأَحَد والأهل هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي فَقضى بَينهم وَوَجهه بِالنّظرِ إِلَى معنى الْجمع فِي الْأَهْل وَالْولد يَشْمَل الذّكر وَالْأُنْثَى قَوْله لم يضرّهُ أَي لم يضر الشَّيْطَان الْوَلَد يَعْنِي لَا يكون لَهُ عَلَيْهِ سُلْطَان ببركة اسْمه عز وَجل بل يكون من جملَة الْعباد المحفوظين الْمَذْكُورين فِي قَوْله تَعَالَى {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} وَيُقَال يحْتَمل أَن يُؤْخَذ قَوْله لم يضرّهُ عَاما فَيدْخل تَحْتَهُ الضَّرَر الديني وَيحْتَمل أَن يُؤْخَذ خَاصّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الضَّرَر البدني بِمَعْنى أَن الشَّيْطَان لَا يتخبطه وَلَا يداخله بِمَا يضر عقله وبدنه وَهُوَ الْأَقْرَب وَإِن كَانَ التَّخْصِيص خلاف الأَصْل لأَنا إِذا حملناه على الْعُمُوم اقْتضى أَن يكون الْوَلَد مَعْصُوما عَن الْمعاصِي وَقد لَا يتَّفق ذَلِك وَلَا بُد من وُقُوع مَا أخبر بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أما إِذا حملناه على الضَّرَر فِي الْعقل وَالْبدن فَلَا يمْتَنع وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قيل المُرَاد أَنه لَا يصرعه الشَّيْطَان وَقيل لَا يطعن فِيهِ عِنْد وِلَادَته بِخِلَاف غَيره قَالَ وَلم نحمله على الْعُمُوم فِي جَمِيع الضَّرَر لوُجُود الوسوسة والإغراء يَعْنِي الْحمل على فعل الْمعاصِي وَقَالَ الدَّاودِيّ لم يضرّهُ بِأَن يفتنه بالْكفْر (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ اسْتِحْبَاب التَّسْمِيَة وَالدُّعَاء الْمَذْكُور فِي ابْتِدَاء الوقاع وَاسْتحبَّ الْغَزالِيّ فِي الْأَحْيَاء أَن يقْرَأ بعد بِسم الله قل هُوَ الله أحد وَيكبر ويهلل وَيَقُول بِسم الله الْعلي الْعَظِيم اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا ذُرِّيَّة طيبَة إِن كنت قدرت ولدا يخرج من صلبي قَالَ وَإِذا قربت الأنزال فَقل فِي نَفسك وَلَا تحرّك بِهِ شفتيك {الْحَمد لله الَّذِي خلق من المَاء بشرا} الْآيَة الثَّانِي فِيهِ الِاعْتِصَام بِذكر الله تَعَالَى ودعائه من الشَّيْطَان والتبرك باسمه والاستشعار بِأَن الله تَعَالَى هُوَ الميسر لذَلِك الْعَمَل والمعين عَلَيْهِ الثَّالِث فِيهِ الْحَث على الْمُحَافظَة على تَسْمِيَته ودعائه فِي كل حَال لم ينْه الشَّرْع عَنهُ حَتَّى فِي حَال ملاذ الْإِنْسَان وَقَالَ ابْن بطال فِيهِ الْحَث على ذكر الله فِي كل وَقت على طَهَارَة وَغَيرهَا ورد قَول من قَالَ لَا يذكر الله تَعَالَى إِلَّا وَهُوَ طَاهِر وَمن كره ذكر الله تَعَالَى على حالتين على الْخَلَاء وعَلى الوقاع قلت روى عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه كَانَ لَا يذكر الله إِلَّا وَهُوَ طَاهِر وروى مثله عَن أبي الْعَالِيَة وَالْحسن وروى عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه كره أَن يذكر الله تَعَالَى على حَالين على الْخَلَاء وَالرجل يواقع أَهله وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد وَقَالَ مُجَاهِد رَحمَه الله يجْتَنب الْملك الْإِنْسَان عِنْد جمَاعه وَعند غائطه وَقَالَ ابْن بطال وَهَذَا الحَدِيث خلاف قَوْلهم قلت لَيْسَ كَذَلِك فَإِن المُرَاد بإتيانه أَهله إِرَادَة ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ خلاف قَوْلهم وَكَرَاهَة الذّكر على غير طهر لأجل تَعْظِيمه الرَّابِع قَالَ ابْن بطال لما كَانَ فِي هَذَا الْحَث على التَّسْمِيَة فِي كل حَال اسْتحبَّ مَالك التَّسْمِيَة عِنْد الْوضُوء قلت فِيهِ مَذَاهِب أَحدهَا أَنه سنة وَلَيْسَت بواجبة فَلَو تَركهَا عمدا صَحَّ وضوؤه وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَجُمْهُور الْعلمَاء وَهُوَ أظهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَعبارَة ابْن بطال أَن مَالِكًا استحبها وَكَذَا عَامَّة أهل الْفَتْوَى. الثَّانِي أَنَّهَا وَاجِبَة وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد وَقَول أهل الظَّاهِر. الثَّالِث أَنَّهَا وَاجِبَة إِن تَركهَا عمدا بطلت طَهَارَته وَإِن تَركهَا سَهوا أَو مُعْتَقدًا أَنَّهَا غير وَاجِبَة لم تبطل طَهَارَته وَهُوَ قَول إِسْحَق بن رَاهَوَيْه كَمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ الرَّابِع أَنَّهَا لَيست بمستحبة وَهِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَعَن مَالك رِوَايَة أَنَّهَا بِدعَة وَقَالَ مَا سَمِعت بِهَذَا يُرِيد أَن يذبح وَفِي رِوَايَة أَنَّهَا مُبَاحَة لَا فضل فِي فعلهَا وَلَا فِي تَركهَا الْخَامِس فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى مُلَازمَة الشَّيْطَان لِابْنِ آدم من حِين خُرُوجه من ظهر أَبِيه إِلَى رحم أمه إِلَى حِين مَوته أعاذنا الله مِنْهُ فَهُوَ يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم وعَلى خيشومه إِذا نَام وعَلى قلبه إِذا اسْتَيْقَظَ فَإِذا غفل وسوس وَإِذا ذكر الله خنس وَيضْرب على قافية رَأسه إِذا نَام ثَلَاث عقد عَلَيْك ليل طَوِيل وتنحل بِالذكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة (بَاب مَا يَقُول عِنْد الْخَلَاء) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الشَّخْص عِنْد إِرَادَة دُخُول الْخَلَاء وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء وبالمد مَوضِع قَضَاء الْحَاجة سمي بذلك لخلائه فِي غير أَوْقَات قَضَاء الْحَاجة وَهُوَ الكنيف والحش والمرفق والمرحاض أَيْضا وَأَصله الْمَكَان الْخَالِي ثمَّ كثر
اسْتِعْمَاله حَتَّى تجوز بِهِ عَن ذَلِك وَأما الخلا بِالْقصرِ فَهُوَ الْحَشِيش الرطب والكلأ الخشن أَيْضا وَقد يكون خلا مُسْتَعْملا فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء فَإِن كسرت الْخَاء مَعَ الْمَدّ فَهُوَ عيب فِي الْإِبِل كالحران فِي الْخَيل وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْخَلَاء مَمْدُود المتوضىء والخلاء أَيْضا الْمَكَان الَّذِي لَا شَيْء بِهِ قلت كل مِنْهُمَا يَصح أَن يكون مرَادا هَهُنَا. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لِأَن فِي كل مِنْهُمَا بَيَان ذكر اسْم الله تَعَالَى 8 - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب قَالَ سَمِعت أنسا يَقُول كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا دخل الْخَلَاء قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي اعوذ بك من الْخبث والخبائث) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة تقدم ذكرهم وآدَم ابْن أبي إِيَاس وصهيب بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وواسطي وبصري. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن مُحَمَّد بن عُرْوَة عَن شُعْبَة وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن إِسْمَعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الْعَزِيز بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن الْحسن بن عَمْرو عَن وَكِيع عَن شُعْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن قُتَيْبَة وهناد كِلَاهُمَا عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْبعُوث عَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَعِيل بن إِبْرَاهِيم عَنهُ بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن عَمْرو بن رَافع عَن إِسْمَعِيل عَنهُ بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أعوذ بك أَي ألوذ وألتجىء من العوذ وَهُوَ عود إِلَيْهِ يلجأ الْحَشِيش فِي مهب الرّيح وَقَالَ ابْن الْأَثِير يُقَال عذت بِهِ عوذا وعياذا وَمعَاذًا أَي لجأت إِلَيْهِ والمعاذ الْمصدر وَالْمَكَان وَالزَّمَان أَي لقد لجأت إِلَى ملْجأ ولذت بملاذ قَوْله من الْخبث قَالَ الْخطابِيّ بِضَم الْخَاء وَالْبَاء جمَاعَة الْخَبيث والخبائث جمع الخبيثة يُرِيد ذكران الشَّيَاطِين وإناثهم. وَعَامة أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ الْخبث مسكنة الْبَاء وَهُوَ غلط وَالصَّوَاب مَضْمُومَة الْبَاء قَالَ وَقَالَ ذَلِك لِأَن الشَّيَاطِين يحْضرُون الأخلية وَهِي مَوَاضِع يهجر فِيهَا ذكر الله تَعَالَى فَقدم لَهَا الِاسْتِعَاذَة احْتِرَازًا مِنْهُم انْتهى وَفِيه نظر لِأَن أَبَا عبيد الْقَاسِم بن سَلام حكى تسكين الْبَاء وَكَذَا الفارابي فِي ديوَان الْأَدَب والفارسي فِي مجمع الغرائب وَلِأَن فعلا بِضَمَّتَيْنِ قد يسكن عينه قِيَاسا ككتب وَكتب فَلَعَلَّ من سكنها سلك هَذَا المسلك وَقَالَ التوربشتي هَذَا مستفيض لَا يسع أحدا مُخَالفَته إِلَّا أَن يزْعم إِن ترك التَّخْفِيف فِيهِ أولى لِئَلَّا يشْتَبه بالخبث الَّذِي هُوَ الْمصدر. وَفِي شرح السّنة الْخبث بِضَم الْبَاء وَبَعْضهمْ يروي بِالسُّكُونِ وَقَالَ الْخبث الْكفْر والخبائث الشَّيَاطِين وَقَالَ ابْن بطال الْخبث بِالضَّمِّ يعم الشَّرّ والخبائث الشَّيَاطِين وبالسكون مصدر خبث الشَّيْء يخْبث خبثا وَقد يَجْعَل اسْما وَزعم ابْن الْأَعرَابِي أَن أصل الْخبث فِي كَلَام الْعَرَب الْمَكْرُوه فَإِن كَانَ من الْكَلَام فَهُوَ الشتم وَإِن كَانَ من الْملَل فَهُوَ الْكفْر وَإِن كَانَ من الطَّعَام فَهُوَ الْحَرَام وَإِن كَانَ من الشَّرَاب فَهُوَ الضار وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي وَصَاحب الْمُنْتَهى الْخبث الْكفْر وَيُقَال الشَّيْطَان والخبائث الْمعاصِي جمع خبيثة وَيُقَال الْخبث خلاف طيب الْفِعْل من فجور وَغَيره والخبائث الْأَفْعَال المذمومة والخصال الرَّديئَة (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال قَوْله كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول جملَة وَقعت مقول القَوْل وَقَوله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر كَانَ وَكلمَة إِذا ظرف بِمَعْنى حِين والخلاء مَنْصُوب بِتَقْدِير فِي لِأَن تَقْدِيره إِذا دخل فِي الْخَلَاء وَهَذَا من قبيل قَوْلهم دخلت الدَّار وَكَانَ حَقه أَن يُقَال دخلت فِي الدَّار إِلَّا أَنهم حذفوا حرف الْجَرّ اتساعا وأوصلوا الْفِعْل إِلَيْهِ ونصبوه نصب الْمَفْعُول بِهِ فَمن هَذَا قَول بعض الشَّارِحين وانتصب الْخَلَاء على أَنه مفعول بِهِ لَا على الظَّرْفِيَّة غير صَحِيح اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يذهب إِلَى مَا قَالَه الْجرْمِي من أَنه فعل مُتَعَدٍّ نصب الدَّار نَحْو بنيت الدَّار وَلَكِن يَدْفَعهُ قَوْله بِأَن مصدره يَجِيء على فعول وَهُوَ من مصَادر الْأَفْعَال اللَّازِمَة نَحْو قعد قعُودا وَجلسَ جُلُوسًا وَلِأَن مُقَابِله لَازم نَحْو خرج قلت التَّعْلِيل الثَّانِي غير مطرد لِأَن ذهب لَازم وَمَا يُقَابله جَاءَ وَهُوَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِه تَعَالَى {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} قَوْله اللَّهُمَّ أَصله يَا الله وَقد ذَكرْنَاهُ قَوْله أعوذ بك جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن وَقَوله من الْخبث يتَعَلَّق بأعوذ
(بَيَان الْمعَانِي) قَوْله كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ذكر لفظ كَانَ لدلالته على الثُّبُوت والدوام وَذكر لفظ يَقُول بِلَفْظ الْمُضَارع استحضار الصُّورَة القَوْل قَوْله إِذا دخل الْخَلَاء أَي إِذا أَرَادَ دُخُول الْخَلَاء لِأَن اسْم الله تَعَالَى مُسْتَحبّ التّرْك بعد الدُّخُول وَهَذَا التَّقْدِير مُصَرح بِهِ فِي رِوَايَة سعيد بن زيد على مَا يَأْتِي عَن قريب وَهَذَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه} وَالتَّقْدِير إِذا أردْت قِرَاءَة الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يذكر فِي الْخَلَاء بِالْقَلْبِ لَا بِاللِّسَانِ وَقَالَ الْقشيرِي المُرَاد بِهِ ابْتِدَاء الدُّخُول قلت لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل فَإِن الْمَكَان الَّذِي تقضى فِيهِ الْحَاجة لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون معدا لذَلِك كالكنيف أَو لَا يكون معدا كالصحراء فَإِن لم يكن معدا فَإِنَّهُ يجوز ذكر الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْمَكَان وَإِن كَانَ معدا فَفِيهِ خلاف للمالكية فَمن كرهه أول الدُّخُول بِمَعْنى الْإِرَادَة لِأَن لَفْظَة دخل أقوى فِي الدّلَالَة على الكنف المبنية مِنْهَا على الْمَكَان البراح أَو لِأَنَّهُ بَين فِي حَدِيث آخر كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَيْضا إِن هَذِه الحشوش محتضرة أَي للجان وَالشَّيَاطِين فَإِذا أَرَادَ أحدكُم الْخَلَاء فَلْيقل أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وَمن أجَازه اسْتغنى عَن هَذَا التَّأْوِيل وَيحمل دخل على حَقِيقَتهَا وَهَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن النَّضر بن أنس عَن زيد بن أَرقم عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلَفظه فَإِذا أَتَى أحدكُم الْخَلَاء وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن ماجة أَيْضا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث زيد بن أَرقم فِي إِسْنَاده اضْطِرَاب وَأَشَارَ إِلَى اخْتِلَاف الرِّوَايَة فِيهِ وَسَأَلَ التِّرْمِذِيّ البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ لَعَلَّ قَتَادَة سَمعه من الْقَاسِم بن عَوْف الشَّيْبَانِيّ وَالنضْر بن أنس عَن أنس وَلم يقْض فِيهِ بِشَيْء وَلِهَذَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَقَالَ الْبَزَّار اخْتلفُوا فِي إِسْنَاده وَقَالَ الْحَاكِم مُخْتَلف فِيهِ على قَتَادَة وَقد احْتج مُسلم بِحَدِيث لِقَتَادَة عَن النَّضر عَن زيد وَرَوَاهُ سعيد عَن الْقَاسِم وكلا الإسنادين على شَرط الصَّحِيح وَقَالَ مُحَمَّد الإشبيلي اخْتلف فِي إِسْنَاده وَالَّذِي أسْندهُ ثِقَة قلت هَذَا الْكَلَام غير جيد لِأَنَّهُ لم يرم بِالْإِرْسَال حَتَّى يكون الحكم لمن أسْندهُ وَإِنَّمَا رمى بِالِاضْطِرَابِ عَن قَتَادَة كَمَا مر. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ الِاسْتِعَاذَة بِاللَّه عِنْد إِرَادَة الدُّخُول فِي الْخَلَاء وَقد أجمع على استحبابها وَسَوَاء فِيهَا الْبُنيان والصحراء لِأَنَّهُ يصير مأوى لَهُم بِخُرُوج الْخَارِج فَلَو نسى التَّعَوُّذ فَدخل فَذهب ابْن عَبَّاس وَغَيره إِلَى كَرَاهَة التَّعَوُّذ وَأَجَازَهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. الثَّانِي قَالَ ابْن بطال فِيهِ جَوَاز ذكر الله تَعَالَى على الْخَلَاء وَهَذَا مِمَّا اخْتلفت فِيهِ الْآثَار فروى عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه أقبل من نَحْو بِئْر جمل فَلَقِيَهُ رجل فَسلم عَلَيْهِ فَلم يرد عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى تيَمّم بالجدار وَاخْتلف فِي ذَلِك أَيْضا الْعلمَاء فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كره أَن يذكر الله تَعَالَى عِنْد الْخَلَاء وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَقَالَ عِكْرِمَة لَا يذكر الله فِيهِ بِلِسَانِهِ بل بِقَلْبِه وَأَجَازَ ذَلِك جمَاعَة من الْعلمَاء وروى ابْن وهب أَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ يذكر الله تَعَالَى فِي المرحاض وَقَالَ الْعَرْزَمِي قلت لِلشَّعْبِيِّ أعطس وَأَنا فِي الْخَلَاء أَحْمد الله قَالَ لَا حَتَّى تخرج فَأتيت النَّخعِيّ فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ لي احْمَد الله فَأَخْبَرته بقول الشّعبِيّ فَقَالَ النَّخعِيّ الْحَمد يصعد وَلَا يهْبط وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَمَالك. وَقَالَ ابْن بطال وَهَذَا الحَدِيث حجَّة لمن أجَاز ذَلِك قلت فِيهِ نظر لَا يخفى وَذكر البُخَارِيّ فِي كتاب خلق الله تَعَالَى أَفعَال الْعباد عَن عَطاء رَحمَه الله الْخَاتم فِيهِ ذكر الله لَا بَأْس أَن يدْخل بِهِ الْإِنْسَان الكنيف أَو يلم بأَهْله وَهُوَ فِي يَده لَا بَأْس بِهِ وَهُوَ قَول الْحسن وَذكر وَكِيع عَن سعيد بن الْمسيب مثله قَالَ البُخَارِيّ وَقَالَ طَاوس فِي المنطقة يكون على الرجل فِيهَا الدَّرَاهِم يقْضِي حَاجته لَا بَأْس بذلك وَقَالَ إِبْرَاهِيم لَا بُد للنَّاس من نفقاتهم وَأحب بعض النَّاس أَن لَا يدْخل الْخَلَاء بالخاتم فِيهِ ذكر الله تَعَالَى قَالَ البُخَارِيّ وَهَذَا من غير تَحْرِيم يَصح. وَأما حَدِيث بِئْر جمل فَهُوَ على الِاخْتِيَار وَالْأَخْذ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْفضل لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَرط رد السَّلَام أَن يكون على وضوء قَالَه الطَّحَاوِيّ وَقَالَ الطَّبَرِيّ أَن ذَلِك مِنْهُ كَانَ على وَجه التَّأْدِيب للْمُسلمِ عَلَيْهِ أَن لَا يسلم بَعضهم على بعض على الْحَدث وَذَلِكَ نَظِير نَهْيه وهم كَذَلِك أَن يحدث بَعضهم بَعْضًا بقوله لَا يتحدث المتغوطان على طوفهما يَعْنِي حاجتهما فَإِن الله يمقت على ذَلِك وروى أَبُو عُبَيْدَة الْبَاجِيّ عَن الْحسن عَن الْبَراء رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه سلم على النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ يتَوَضَّأ فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا حَتَّى فرغ. الثَّالِث فِيهِ أَن لفظ الِاسْتِعَاذَة أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك وَقد اخْتلف فِيهِ أَلْفَاظ الروَاة
فَفِي رِوَايَة عَن شُعْبَة أعوذ بِاللَّه وَفِي رِوَايَة وهب فليتعوذ بِاللَّه وَهُوَ يَشْمَل كل مَا يَأْتِي بِهِ من أَنْوَاع الِاسْتِعَاذَة من قَوْله أعوذ بك أستعيذ بك أعوذ بِاللَّه أستعيذ بِاللَّه اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك وَنَحْو ذَلِك من أشباه ذَلِك. الرَّابِع فِيهِ أَن الِاسْتِعَاذَة من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِظْهَار للعبودية وَتَعْلِيم للْأمة وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَحْفُوظ من الْجِنّ وَالْإِنْس وَقد ربط عفريتا على سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد. قَالُوا وَيسْتَحب أَن يَقُول بِسم الله مَعَ التَّعَوُّذ وَقد روى المعمري الحَدِيث الْمَذْكُور من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب إِذا دَخَلْتُم الْخَلَاء فَقولُوا بِسم الله أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وَإِسْنَاده على شَرط مُسلم وَعَن ابْن عرْعرة عَن شُعْبَة وَقَالَ غنْدر عَن شُعْبَة إِذا أَتَى الْخَلَاء وَقَالَ مُوسَى عَن حَمَّاد إِذا دخل وَقَالَ سعيد بن زيد فِي كتاب ابْن عدي كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا دخل الكنيف قَالَ بِسم الله ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك قَالَ رَوَاهُ أَبُو معشر وَهُوَ ضَعِيف عَن اسحق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أنس وَفِي أَفْرَاد الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ عدي بن أبي عمَارَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ وَهُوَ غَرِيب من حَدِيث قَتَادَة تفرد بِهِ عدي عَنهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث صَالح بن أبي الْأَخْضَر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ قَالَ لم يروه عَن الزُّهْرِيّ إِلَّا صَالح تفرد بِهِ إِبْرَاهِيم بن حميد الطَّوِيل (تَابعه ابْن عرْعرة عَن شُعْبَة قَالَ غنْدر عَن شُعْبَة إِذا أَتَى الْخَلَاء وَقَالَ مُوسَى عَن حَمَّاد إِذا دخل وَقَالَ سعيد بن زيد حَدثنَا عبد الْعَزِيز إِذا أَرَادَ أَن يدْخل) أَي تَابع آدم بن أبي إِيَاس مُحَمَّد بن عرْعرة فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة كَمَا رَوَاهُ آدم وَالْحَاصِل أَن مُحَمَّد بن عرْعرة روى هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة كَمَا رَوَاهُ آدم عَن شُعْبَة وَهَذِه هِيَ الْمُتَابَعَة التَّامَّة وفائدتها التقوية وَحَدِيث مُحَمَّد بن عرْعرة عَن شُعْبَة أخرجه البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عرْعرة حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا دخل الْخَلَاء قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث قَوْله وَقَالَ غنْدر عَن شُعْبَة هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن مُحَمَّد بن بشار بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَنهُ بِلَفْظِهِ وَرَوَاهُ أَحْمد عَن غنْدر بِلَفْظ إِذا دخل وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة على الْمَشْهُور وبالراء وَمَعْنَاهُ المشغب وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ ربيب شُعْبَة وَقد مر فِي بَاب ظلم دون ظلم قَوْله وَقَالَ مُوسَى عَن حَمَّاد إِذا دخل هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي وَقد مر غير مرّة وَحَمَّاد هُوَ ابْن سَلمَة بن دِينَار أَبُو سَلمَة الربعِي وَكَانَ يعد من الابدال وعلامة الابدال أَن لَا يُولد لَهُم تزوج سبعين امْرَأَة فَلم يُولد لَهُ وَقيل فضل حَمَّاد بن سَلمَة بن دِينَار على حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم كفضل الدِّينَار على الدِّرْهَم مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَالْبُخَارِيّ مُتَابعَة وَهَذِه الْمُتَابَعَة نَاقِصَة لَا تَامَّة قَوْله وَقَالَ سعيد بن زيد إِلَى آخِره هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد قَالَ حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا سعيد بن زيد قَالَ حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب قَالَ حَدثنِي أنس قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَرَادَ أَن يدْخل الْخَلَاء قَالَ فَذكر مثل حَدِيث الْبَاب وَسَعِيد بن زيد بن دِرْهَم أَبُو الْحسن الْجَهْضَمِي الْبَصْرِيّ أَخُو حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم وَبَعْضهمْ يُضعفهُ روى لَهُ البُخَارِيّ اسْتِشْهَادًا مَاتَ سنة وَفَاة ابْن سَلمَة وَهَذَا كَمَا ترى اخْتلفت فِيهِ أَلْفَاظ الروَاة وَالْمعْنَى فِيهَا مُتَقَارب يرجع إِلَى معنى وَاحِد وَهُوَ أَن التَّقْدِير كَانَ يَقُول هَذَا الذّكر عِنْد إِرَادَة الدُّخُول فِي الْخَلَاء لَا بعده وَجَاء لفظ الْغَائِط مَعَ مَوضِع الْخَلَاء على مَا روى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُعْجَمه بِسَنَد جيد عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا دخل الْغَائِط قَالَ أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وَكَذَا جَاءَ لفظ الكنيف وَلَفظ الْمرْفق فالاول فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِسَنَد صَحِيح وَإِن كَانَ أَبُو عِيسَى قَالَ إِسْنَاده لَيْسَ بالقوى مَرْفُوعا ستر مَا بَين الْجِنّ وعورات بني آدم إِذا دخل الكنيف أَن يَقُول بِسم الله وَالثَّانِي فِي حَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد ابْن ماجة مَرْفُوعا لَا يعجز أحدكُم إِذا دخل مرفقه أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث الشَّيْطَان الرَّجِيم وَسَنَده ضَعِيف فَإِن قلت هَل جَاءَ شَيْء فِيمَا يَقُول إِذا خرج من الْخَلَاء قلت لَيْسَ فِيهِ شَيْء على شَرط البُخَارِيّ وروى عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا خرج من الْغَائِط قَالَ غفرانك أخرجه ابْن حبَان وَابْن خُزَيْمَة وَابْن الْجَارُود وَالْحَاكِم فِي صحيحهم وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ هُوَ أصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب فَإِن قلت لما أخرجه التِّرْمِذِيّ وَأَبُو عَليّ
باب وضع الماء عند الخلاء
الطوسي قَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب حسن لَا يعرف إِلَّا من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن يُوسُف بن أبي بردة وَلَا يعرف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قلت قَوْله غَرِيب مَرْدُود بِمَا ذكرنَا من تَصْحِيحه وَيُمكن أَن تكون الغرابة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاوِي لَا إِلَى الحَدِيث إِذْ الغرابة وَالْحسن فِي الْمَتْن لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِن قلت غرابة السَّنَد بتفرد إِسْرَائِيل وغرابة الْمَتْن لكَونه لَا يعرف غَيره قلت إِسْرَائِيل مُتَّفق على إِخْرَاج حَدِيثه عِنْد الشَّيْخَيْنِ والثقة إِذا انْفَرد بِحَدِيث وَلم يُتَابع عَلَيْهِ لَا ينقص عَن دَرَجَة الْحسن وَإِن لم يرتق إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وقولهما لَا يعرف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة لَيْسَ كَذَلِك فَإِن فِيهِ أَحَادِيث وَإِن كَانَت ضَعِيفَة مِنْهَا حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ ابْن ماجة قَالَ كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني وَمِنْهَا حَدِيث أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ مثله أخرجه النَّسَائِيّ وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعا الْحَمد لله الَّذِي أخرج عني مَا يُؤْذِينِي وَأمْسك عَليّ مَا يَنْفَعنِي. وَمِنْهَا حَدِيث سهل ابْن أبي خَيْثَمَة نَحوه وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْعِلَل. وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا مَرْفُوعا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ الْحَمد لله الَّذِي أذاقني لذته وابقى عَليّ قوته وأذهب عني أَذَاهُ فَإِن قلت مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله غفرانك إِذا خرج من الْخَلَاء قلت قد ذكرُوا فِيهِ أوجها وأحسنها أَنه إِنَّمَا يسْتَغْفر من تَركه ذكر الله تَعَالَى مُدَّة مكثه فِي الْخَلَاء وَيقرب مِنْهُ مَا قيل أَنه لشكر النِّعْمَة الَّتِي أنعم عَلَيْهِ بهَا إِذْ أطْعمهُ وهضمه فَحق على من خرج سالما مِمَّا استعاذه مِنْهُ أَن يُؤَدِّي شكر النِّعْمَة فِي إعاذته وَإجَابَة سُؤَاله وَأَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى خوفًا أَن لَا يُؤَدِّي شكر تِلْكَ النعم (بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء ليستعمله المتوضىء بعد خُرُوجه مِنْهَا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لِأَن كل مَا فيهمَا مِمَّا يسْتَعْمل عِنْد الْخَلَاء 9 - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم قَالَ حَدثنَا وَرْقَاء عَن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل الْخَلَاء فَوضعت لَهُ وضُوءًا قَالَ من وضع هَذَا فَأخْبر فَقَالَ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي مر فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان. الثَّانِي هَاشم بن الْقَاسِم أَبُو النَّضر بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة التَّمِيمِي اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي الْخُرَاسَانِي نزل بَغْدَاد وتلقب بقيصر وَهُوَ حَافظ ثِقَة صَاحب سنة كَانَ أهل بَغْدَاد يفتخرون بِهِ مَاتَ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ عَن ثَلَاث وَسبعين سنة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة هَاشم بن الْقَاسِم سواهُ وَفِي ابْن ماجة وَحده هَاشم بن الْقَاسِم الْحَرَّانِي شَيْخه وَلَا ثَالِث فيهمَا سواهُمَا. الثَّالِث وَرْقَاء مؤنث الأورق ابْن عمر الْيَشْكُرِي الْكُوفِي أَبُو بشر وَيُقَال أَصله من خوارزم سكن الْمَدَائِن قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ قَالَ لي شُعْبَة عَلَيْك بورقاء فَإنَّك لن ترى عَيْنَاك مثله روى عَن عبيد الله هَذَا وَغَيره وَعنهُ الْفرْيَابِيّ. وَيحيى بن آدم صَدُوق صَالح قيل مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة وَرْقَاء غَيره. الرَّابِع عبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن أبي يزِيد من الزِّيَادَة الْمَكِّيّ مولى آل قارظ بِالْقَافِ وبالراء وبالظاء الْمُعْجَمَة من حلفاء بني زهرَة كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة عبيد الله بن أبي يزِيد غَيره نعم فِي النَّسَائِيّ عبيد الله بن يزِيد الطَّائِفِي روى عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني عبيد الله بن أبي زَائِدَة وَهُوَ غلط وَالصَّحِيح ابْن أبي يزِيد وَلَا يعرف اسْمه. الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي ومكي: وَمِنْهَا أَنه على شَرط السِّتَّة خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ من رِجَاله وَرِجَال التِّرْمِذِيّ فَقَط. وَمِنْهَا أَن هَذَا الحَدِيث من الْأَحَادِيث الَّتِي صرح ابْن عَبَّاس فِيهَا بِالسَّمَاعِ من رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل ابْن عَبَّاس عَن
زُهَيْر بن حَرْب وَأبي بكر بن أبي النَّضر كِلَاهُمَا عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن وَرْقَاء عَنهُ بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن أبي بكر بن أبي النَّضر بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله وضوأ بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ وبالضم الْمصدر وَقد مر تَحْقِيقه فِي أول كتاب الْوضُوء قَوْله فقهه فِي الدّين من الْفِقْه وَهُوَ فِي اللُّغَة الْفَهم تَقول فقه الرجل بِالْكَسْرِ وَفُلَان لَا يفقه وَلَا يفقه ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة والعالم بِهِ فَقِيه وَقد فقه بِالضَّمِّ فقاهة وفقهه الله وتفقه إِذا تعاطى ذَلِك وفاقهته إِذا باحثته فِي الْعلم. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله دخل الْخَلَاء جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله فَوضعت لَهُ جملَة معطوفة على الْجُمْلَة السَّابِقَة قَوْله وضوأ نصب بقوله فَوضعت قَوْله من استفهامية مُبْتَدأ وَقَوله وضع هَذَا خَبره قَوْله فَأخْبر على صِيغَة الْمَجْهُول عطف على مَا قبله وَقد علم أَن فِي عطف الاسمية على الفعلية وَالْعَكْس أقوالا وَالْمَفْهُوم من كَلَام النُّحَاة جَوَاز ذَلِك كَمَا عرف فِي مَوْضِعه قَوْله اللَّهُمَّ أَصله يَا الله فَحذف حرف النداء وَعوض عَنْهَا الْمِيم قَوْله فقهه جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ أَنْت المستكن فِيهِ وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَوله فِي الدّين يتَعَلَّق بِهِ. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله قَالَ من وضع هَذَا أَي قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بعد الْخُرُوج من الْخَلَاء من وضع الْوضُوء قَوْله فَأخْبر أَي النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث خَالَة ابْن عَبَّاس هِيَ المخبرة بذلك لِأَن وضع ابْن عَبَّاس الْوضُوء للنَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم كَانَ فِي بَيتهَا قَوْله اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين مُنَاسبَة دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِابْنِ عَبَّاس بالتفقه فِي الدّين لأجل وَضعه الْوضُوء لَهُ لكَونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تفرس فِيهِ الذكاء والفطنة فالمناسبة أَن يَدعِي لَهُ بالتفقه فِي الدّين ليطلع بِهِ على أسرار الْفِقْه فِي الدّين فينتفع وينفع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَضعه عِنْد الْخَلَاء لِأَنَّهُ كَانَ أيسر لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ لَو وَضعه فِي مَكَان بعيد مِنْهُ كَانَ يحْتَاج إِلَى طلب المَاء وَفِيه مشقة مَا وَلَو دخل بِهِ إِلَيْهِ كَانَ تعرضا للاطلاع على حَاله وَهُوَ يقْضِي حَاجته فَلَمَّا رأى ابْن عَبَّاس هَذِه الْحَالة أوفق وأيسر اسْتدلَّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على غَايَة ذكائه مَعَ صغر سنه فَدَعَا لَهُ بِمَا دَعَا بِهِ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز خدمَة الْعَالم بِغَيْر أمره ومراعاته حَتَّى حَال دُخُوله الْخَلَاء. الثَّانِي فِيهِ اسْتِحْبَاب الْمُكَافَأَة بِالدُّعَاءِ. الثَّالِث قَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ دلَالَة على أَنه رُبمَا لَا يستنجي عِنْدَمَا يَأْتِي الْخَلَاء ليَكُون ذَلِك سنة لِأَنَّهُ لم يَأْمر بِوَضْع المَاء وَقد اتبعهُ عمر رَضِي الله عَنهُ بِالْمَاءِ فَقَالَ لَو استنجيت كلما أتيت الْخَلَاء لَكَانَ سنة وَفِيه نظر وَمَا اسْتشْهد بِهِ حَدِيث ضَعِيف. الرَّابِع قَالَ الْخطابِيّ فِيهِ أَن حمل الْخَادِم المَاء إِلَى المغتسل غير مَكْرُوه وَأَن الْأَدَب فِيهِ أَن يَلِيهِ الأصاغر من الخدم دون الأكابر. الْخَامِس فِيهِ دَلِيل قَاطع على إِجَابَة دُعَاء الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ صَار فَقِيها أَي فَقِيه. السَّادِس قَالَ ابْن بطال مَعْلُوم أَن وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء إِنَّمَا هُوَ للاستنجاء بِهِ عِنْد الْحَدث وَفِيه