شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

المجلد الأول

المجلد الأول باب مقدمة ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني مؤلف المواهب اللدنية ... بسم الله الرحمن الرحيم ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني 1 مؤلف المواهب اللدنية: هو الحافظ شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن محمد، بن أبي بكر، بن عبد الملك، بن أحمد، بن محمد، بن حسين، بن علي القسطلاني المصري الشافعي، الإمام العلامة، الحجة الرحالة، الفقيه المقرئ المسند. قال السخاوي: مولده ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بمصر، ونشأ بها وحفظ القرآن، وتلا السبع وحفظ الشاطبية والجزرية والوردية وغير ذلك، وذكر له عدة مشايخ منهم: الشيخ خالد الأزهري النحوي، والفخر المقدسي، والجلال البكري وغيرهم، وأنه قرأ صحيح البخاري في خمسة مجالس على الشاوي، وتلمذ له أيضًا, وأنه قرأ عليه أعني السخاوي بعض مؤلفاته، وأنه حج غير مرة، وجاور سنة أربع وثمانين وسنة أربع وتسعين، وأنه أخذ بمكة عن جماعة، منهم: النجم بن فهد، وولي مشيخة مقام سيدي الشيخ أحمد الحرار بالقرافة الصغرى، وعمل تأليفًا في مناقب الشيخ المذكور سماه نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار، وكان يعظ بالجامع العمري، وغيره ويجتمع عنده

_ 1 انظر ترجمته في السخاوي: الضوء اللامع 2/ 103-104، ابن العماد، شذرات الذهب 8/ 121-123، الغزي: الكواكب السائرة 1/ 126-127، العيدروسي: النور السافر 113-115، الشوكاني: البدر الطالع 1/ 102-103، الكناني: فهرس الفهارس 2/ 318-320، حاجي خليفة: كشف الظنون 69, 166, 366, 552, 558, 647, 867, 919, 960, 2090, 1232, 1235, 1236, 1235, 1519, 1534, 1551, 1552, 1568, 1662, 1663, 1688, 1799, 1847, 1869, 1938, 1965، العش: فهرس مخطوطات الظاهرية 6/ 58-60، البغدادي: إيضاح المكنون 2/ 484-684، سركيس: معجم المطبوعات العربية والمصرية 1511، كحالة: معجم المؤلفين 2/ 85.

الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا لنفسه ولغيره وأقرأ الطلبة وتعاطى الشهادة، ثم انجمع وأقبل على التأليف، وذكر من تصانيفه: العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية، والكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز، وشرحًا على الشاطبية زاد فيه زيادات ابن الجزري مع فوائد غريبة، وشرحًا على البردة سماه الأنوار المضية، وكتاب نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس، والروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، وتحفه السامع والقاري بختم صحيح البخاري ورسائل في العمل بالربع المجيب. انتهى ما ذكره السخاوي ملخصًا. وقال في النور: ارتفع شأنه بعد ذلك فأعطي السعادة في قلمه وكَلِمِه، وصنف التصانيف المقبولة التي سارت بها الركبان في حياته، ومن أجلها شرح على صحيح البخاري مزجًا في عشرة أسفار كبار، لعله أجمع شروحه وأحسنها وألخصها، ومنها المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، وهو كتاب جليل المقدار عظيم الواقع كثير النفع ليس له نظير في بابه، ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه ويستمد منها ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا، فألزمه بيان مدعاه، فعدد مواضع قال: إنه نقل فيها عن البيهقي، وقال: إنه للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ذكره في أي مؤلفاته لنعلم أنه نقل عن البيهقي، ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته، وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد، أن الشيخ رحمه الله قصد إزالة ما في خاطر الجلال السيوطي، فمشى من القاهرة إلى الروضة إلى باب السيوطي ودق الباب فقال له: من أنت؟ فقال أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك عليّ، فقال له: قد طاب خاطري عليك، ولم يفتح له الباب ولم يقابله، قال في النور: وبالجملة فإنه كان إمامًا حافظًا متقنا جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف، زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره، ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر. توفي في ليلة الجمعة سابع المحرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة بالقاهرة

ودفن بالمدرسة العينية جوار منزله، انتهى. وقال في الكواكب: كان موته بعروض فالحج نشأ له من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاء الله المكي، بحيث سقط عن دابته وأغمي عليه، فحمل إليه منزله ثم مات بعد أيام.

التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية

التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية: قال حاجي خليفة في كشف الظنون: المواهب اللدنية في السيرة النبوية في مجلد، للشيخ الإمام شهاب الدين أبي العباس، أحمد بن محمد القسطلاني المصري، المتوفى سنة 923 ثلاث وعشرين وتسعمائة، وهو كتاب جليل القدر كثير النفع ليس له نظير في بابه، رتبه على عشرة مقاصد: الأول: في تشريف الله تعالى نبيه بسبق نبوته وطهارة نسبه وولادته ورضاعه ومغازيه وسراياه مرتبًا على السنين إلى وفاته عليه الصلاة والسلام. الثاني: في أسمائه وأولاده وأزواجه وأعمامه وخدمه. الثالث: فيما منحه الله تعالى من كمال خلقته؛ وفيه ثلاثة فصول. الرابع: في معجزاته وخصائصه. الخامس: في خصائص المعراج. السادس: فيما ورد من آي التنزيل في رفعة ذكره. السابع: في وجوب محبته واتباع سنته. الثامن: في طبه وتعبيره الرؤيا. التاسع: في لطيفه من حقائق عباداته. العاشر: في إتمامه سبحانه وتعالى نعمته عليه بوفاته, وفيه ثلاثة فصول. وذكر في كشف الظنون عن القسطلاني أنه فرغ من تأليفه في شوال سنة 898 ثمان وتسعين وثمانمائة ومن تبييضه في شعبان سنة 899 تسع وتسعين وثمانمائة. وقال الغزي في الكواكب: وأقام عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فحصل له جذب فصنف

المواهب اللدنية لما صحا ... وقال: وكان له اعتقاد تام في الصوفية وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا ... واختار مذهب مالك -رضي الله عنه- في تفضيل المدينة على مكة؛ قلت: -أي الغزي- وأول دليل على قبول أعماله وإخلاصه في تأليفه، عناية الناس بكتابه المواهب اللدنية، ومغالاتهم في ثمنه مع قلة الرغبات. ا. هـ. وفي كشف الظنون، ترجمه المولى الفاضل عبد الباقي بن ... 1 الشاعر الرومي المشهور أحسن ترجمة وسماه معالم اليقين2، وتوفي سنة 1088هـ. وعلى المواهب حاشية لمولانا نور الدين على القاري المكي المشهور المتوفى سنة 1014 أربع عشر وألف. وللعلامة لالشيخ إبراهيم بن محمد الميموني المصري الشافعي المتوفى سنة 1079 تسع وسبعين وألف، حاشية أيضًا. وشرح المواهب المولى العلامة خاتمة المحدثين محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري المالكي، المتوفى سنة 1122 اثنتين وعشرين ومائة وألف، شرحًا حافلا في أربع مجلدات، جمع فيه أكثر الأحاديث المروية في شمائل المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وسيره وصفاته الشريفة جزاه الله خيرًا ورحمه رحمة واسعة. وللشيخ أبي الضياء علي بن علي الشبراملسي المتوفى سنة 1087 سبع وثمانين، وألف حاشية على المواهب في خمس مجلدات ضخام، نقلها الأميني في خلاصة السير.

_ 1 كذا في المطبوع من كشف الظنون. 2 أي أن المؤلف ترجم المواهب إلى الرومية حسب ما يظهر أو شرحه. ا. هـ.

ترجمة الزرقاني شارح المواهب

ترجمة الزرقاني شارح المواهب: هو محمد الزرقاني بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان المصري، الأزهري المالكي، الشهير بالزرقاني الإمام المحدث، الناسك النحرير، الفقيه العلامة. وقال الزركلي أبو عبد الله: خاتمة المحدثين بالديار المصرية، مولده ووفاته بالقاهرة، ونسبته إلى زرقان من قرى منوف بمصر. وقال كحالة: محدث فقيه أصولي. أخذ عن والده، وعن النور علي الشبراملسي، وعن الشيخ محمد البابلي وغيرهم، كما أخذ عن الشيخ محمد خليل العجلوني الدمشقي والجمال عبد الله الشبراوي: وله من المؤلفات: - شرح على الموطأ. ذكره كحالة1 باسم: أبهج المسالك بشرح موطأ الإمام مالك. - شرح على المواهب اللدنية. قال سركيس: وهو شرح حافل جمع فيه أكثر الأحاديث المروية في شمائل المصطفى وسيره وصفاته الشريفة. - وذكره كحالة2 باسم: إشراق مصابيح السيرة المحمدية بمزج أسرار المواهب اللدنية. - شرح المنظومة البيقونية. - مختصر3 المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة. - وصول الأماني في الحديث.

_ 1 ذكر الزركلي في الأعلام 6/ 184: تلخيص المقاصد الحسنة. 2 انظر معجم المؤلفين 10/ 124. 3 مصادر ترجمته: معجم المؤلفين 10/ 124، الجبرتي: عجائب الآثار 1/ 69، المرادي: سلك الدرر 4/ 32-33، الكناني: فهرس الفهارس 1/ 342-343، البغدادي: هدية العارفين 2/ 311، الزركلي: الأعلام 6/ 184.

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة: الحمد لله الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس، ورفع منابر تشريفنا على منابر صفحات الدهور ثابتة الأساس، ووضع عنا الإصر والأغلال، ومنعنا الاجتماع على الضلال، وقدمنا تقديم البسملة في القرطاس، فنحن الآخرون السابقون تبجيلًا وتكريمًا لمن أرسله فينا رؤوفًا رحيمًا، فأقام دعائم الدين بعد طول تناس؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، تعالى عما يقول الظالمون الأرجاس، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده وسوله، وحبيبه وخليله، الأمين المأمون الطيب الأنفاس، ألا وهو أجل من أن يحيط به وصف، وأشرف من أن يضم جواهره نظم أو وصف، زكي المنابت، طيب الأغراس، أضاءت قبل كونه وإرهاصاته المقباس، وأزهرت في حمله وولادته ورضاعه زهراءي، اقتبس منها النبراس، وأشرقت أعلام نبوته، ولمعت لوامع براهين رسالته، فشيدت منار الهدى بعدما كان في إبلاس، وبهر بالآيات البينات، فشق له البدر في دجى الأغلاس، وغلب بمعجزات بدروها في التمام، وجواهرها تروق في الترصيع والانتظام، ورياضها تتأرج بنسمات سماته، وتنشق عن نور زهر شمائله، ونور زهر صفاته التي كل عن إحصاء راموزها المقياس؛ صلى الله وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين, وعلى آله وصحابته وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين الأكياس، الناهضين بأعباء المناقب، في علياء المناصب، البالغين في نصر الدين, النجوم الثواقب، الهادين من الكفر الجبال الرواس، حتى نسفوها نسفًا، وحكموا بالعدل وأقاموا القسطاس. أما بعد: فهذا الكتاب لم يطلبه مني طالب، ولا رغب إلي من تصنيفه راغب، وإنما تطلبت نفسي فيه مزج المواهب، فأودعته نفائس بها يتنافس في شرح السنة النبوية، وعرائس استجليتها من مخدرات خدور السيرة المحمدية، وجواهر استخرجتها من قاموس الحكم المصطفوية، وزواهر اقتبستها من أرقعة السيرة الهاشمية، وزهور اجتثيتها من جنات وجنات الروضة المدنية، يبهر من عقد نظامها الناظر، وينادي من أي هذا القاصر، فيجيبه حال اللسان الوهاب، قوي قادر، أما العيوب وإن كثرت، فما لا سبيل إلى السلامة منها لغير المعصوم، وقد قال: من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط وقد قال ابن عبدوس النيسابوري: لا أعلم في الدنيا كتابًا سلم إلى مؤلفه ولم يتبعه من يليه، فكيف وفهمي فاتر، ونظري قاصر، ووجودي في الزمان الآخر مع ما أقاسيه من تلاطم أمواج

الهموم وأقلامه من ترادف جيوش الغموم، لكني أنتظر الفرج من الحي القيوم، مستعيذًا به من حسود ظلوم، والله أسال العون على إتمامه، والتوفيق من امتنانه وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا؛ وجامعه الحقير الفاني، محمد بن عبد الباقي الزرقاني، قد أخذ الكتاب رواية ودراية, عن علامة الدنيا؛ الآخذ من بحار التحقيق بالغايتين: القصوى والدنيا، الأصول النحوي النظار الفقيه النحرير الجهبذ الفهامة النبيه الشيخ علي الشمرلسي شيخ الإسلام، فسح الله له وأدام به نفع الأنام. وكم بحمد الله صغى لي وسمع ما أقول وكتب أنقالي وحثني على إحضار ما أراه من النقول، إذا رأى ملالي، ولم أزل عنده من نعم الله بالمحل الأرفع العالي، والله يعلم أني لم أقل ذلك للفخر، وأي فخر لمن لا يعلم ما حاله في القبر، بل امتثالا للأمر بالتحدث بالنعمة، كشف الله عنا كل غمة، بحق روايته له عن شيخ الإسلام أحمد بن خليل السبكي، إجازة عن السيد يوسف الأرميوني عن المؤلف، وعن البرهان إبراهيم اللقاني، عن العرافين المحمدين: البنوفري, وابن الترجمان، عن العارف الشعراني، عن مؤلفها، وعن الفقيه النور الأجهوري, عن البدر القرافي والبنوفري، عن عبد الرحمن الأجهوري، عن مؤلفه. وقد وضع عليه حال القراءة، هاتيك الحاشية الرقيقة، الحاوية لجواهر أبحاثه الدقيقة، وبدور الأنقال الأنيقة. وهو مرادي بشيخنا في الإطلاق، وربما عبرت عنه بالشارح لغرض صحيح لدى الحذاق. ح وأخبرنا به إجازة أبو عبد الله الحافظ محمد العلائي البابلي، قال: أخبرنا بها سماعًا لبعضها وإجازة لباقيها، شيخ الإسلام علي الزيادي, عن قطب الوجود أبي الحسن البكري، عن مؤلفها وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد القسطلاني القتيبي المصري الشافعي، ولد كما ذكره شيخه الحافظ السخاوي، في الضوء بمصر عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، وأخذ عن الشهاب العبادي، والبرهان العجلوني والفخر لمقدسي، والشيخ خالد الأزهري النحوي، والسخاوي وغيرهم. وقرأ البخاري على الشهاوي في خمسة مجالس وحج مرارًا، وجاور بمكة مرتين وروى عن جمع منهم النجم بن فهد، وكان يعظ بالعمري وغيره الجم الغفير، ولم يكن له في الوعظ نظيرًا انتهى. وتوفي ليلة الجمعة بالقاهرة، سابع محرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة بالأزهر، ودفن بمدرسة العيني، وله عدة مؤلفات أعظمها هذه المواهب اللدنية، التي أشرقت من سطورها أنوار الأبهة والجلالة، وقطرت من أديمها ألفاظ النبوة والرسالة، أحسن فيها ترتيبًا وصنعًا، وأحكمها ترصيعًا، وكساه الله فيها رداء القبول، ففاقت على كثير مما سواها عند ذوي العقول.

شرح مقدمة المواهب

شرح مقدمة المواهب مدخل ... بسم الله الرحمن الرحيم شرح مقدمة المواهب:

_ قال رحمه الله: "بسم الله الرحمن الرحيم" بدأ بها عملا بقوله -صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أقطع". رواه الخطيب وغيره من حديث أبي هريرة وأصله في سنن أبي داود، وابن ماجه، والنسائي في عمل يوم وليلة، وابن حبان في صحيحه، بلفظ بالحمد، وفي لفظ أبتر، وآخر أجذم بجيم وذال معجمة، تشبيه بليغ في العيب المنفر. واقتداء بأشرف الكتب السماوية، فإن العلماء متفقون على استحباب ابتدائه بالبسلمة في غير الصلاة وإن لم يقل بأنها منه، كما قاله الخطاب، فسقط اعتراض مالكي على من قال ذلك من المالكية، والأصح أنها بهذه الألفاظ العربية، على هذا الترتيب من خصائص المصطفى وأمته المحمدية، مما في سورة النمل جاء على جهة الترجمة عما في ذلك الكتاب، فإنه لم يكن عربيًا، كما أتقنه بعض المحققين وعند الطبراني عن بريدة رفعه: "أنزل عليّ آية لم ينزل على نبي بعد سليمان غيري {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] ". وحديث: " {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كل كتاب"، رواه الخطيب في الجامع معضلا فيه وجهان أحدهما: لفظ البسملة قد افتتح به كل كتاب من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء، والثاني: إن حقها أن تكون في مفتتح كل كتاب، استعانة وتيمنا بها وهذا أقرب، وإن زعم أن المتبادر الأول، فلا ينافي الخصوصية، ولئن سلم فهو معضل لا حجة فيه. وفي الاسم لغات معلومة، وفي أنه عين المسمى أو غيره كلام سيجيء إن شاء الله تعالى في أول المقصد الثاني، وإضافته إلى الله من إضافة العام للخاص كخاتم حديد، واتفق على أنه أعرف المعارف، وإن كان علمًا انفرد به سبحانه فقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] وهو عربي، ونطق غير العرب به من توافق اللغات، مرتجل جامد عند المحققين وقيل مشتق، وعليه جمهور النحاة وهو اسم الله العظيم، كما قاله جماعة، لأنه الأصل في الأسماء الحسنى، لأن سائر الأسماء تضاف إليه، وعدم إجابة الدعاء به لكثير, لفقد شروط الدعاء التي منها أكل الحلال البحت وحفظ اللسان والفرج. والرحمن المبالغ في الرحمة والإنعام، صفة الله تعالى؛ وعورض بوروده غير تابع لاسم قبله. قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] , {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1/ 2] ، وأجيب بأنه وصف يراد به الثناء، وقيل عطف بيان، ورده السهيلي، بأن اسم الجلالة الشريفة غير مفتقر، لأنه أعرف المعارف كلها؛ ولذا قالوا: "وما الرحمن"، ولم يقولوا: وما الله. والرحيم: فعيل, حول من فاعل للمبالغة، والاسمان مشتقان من الرحمة، وقرن بينهما

الحمد لله................................................................

_ للمناسبة، ومعناهما واحد عند المحققين، إلا أن الرحمن مختص به تعالى، ولذا قدم على الرحيم لأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره, وقول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم: لا زلت رحمانا. عنت في الكفر أو شاذ، أو المختص بالله تعالى، أو المعرف باللام، فالرحمن خاص لفظًا لحرمة إطلاقه على غير الله، عام معنى من حيث إنه يشمل جميع الموجودات، والرحيم عام من حيث الاشتراك في التسمي به خاص معنى لرجوعه إلى اللطف والتوفيق، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: "الله رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما". رواه الحاكم. وقيل: اسم الله الأعظم هو الأسماء الثلاثة: الله الرحمن الرحيم. وروى الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس، أن عثمان بن عفان سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم عن: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقال: "هو اسم من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب". ولكون الحمد من أفرادها اقتصر عليها إمامنا في الموطأ والبخاري وأبو داود، ومن لا يحصى، وأيده الحافظ بأن أول ما نزل: {قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، فطريق التأسي به الافتتاح بها والاقتصار عليها، وبأن كتبه -صلى الله عليه وسلم- إلى الملوك وغيرهم مفتتحة بها دون حمدلة وغيرها، لكن المصنف كالأكثر أردفها به، لأن المقتصر عليها لا يسمى حامدًا عرفًا، فقال: "الحمد لله" وللاقتداء بالكتاب العزيز ولقوله -صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يحب أن يحمد"، رواه الطبراني وغيره. وروى الشيخان وغيرهما مرفوعًا: لا أحد أحب إليه الحمد من الله عز وجل، وقوله -صلى الله عليه وسلم: "فإن الله يحب الحمد يحمد به ليثيب حامده، وجعل الحمد لنفسه ذكرًا ولعباده ذخرًا". رواه الديلمي عن الأسود بن سريع. وقوله -صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع". رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وصححه ابن حبان وأبو عوانة، وإن كان في سنده قرة بن عبد الرحمن تكلم فيه، لأنه لم ينفرد به، بل تابعه سعيد بن عبد العزيز، وأخرجه النسائي. وفي رواية أحمد: لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع. تشبيه بليغ في العيب المنفر بحذف الأداة والأصل هو كالأبتر أو الأقطع في عدم حصول المقصود منه، أو استعارة ولا يضر الجمع فيه بين المشبه والمشبه به، لأن امتناعه إذا كان على وجه ينبئ عن التشبيه لا مطلقًا للتصريح بكونه استعارة في نحو: قد زر ازراره على القمر على أن المشبه في هذا التركيب محذوف، والأصل هو ناقص، كالأقطع، فحذف المشبه وهو الناقص وعبر عنه باسم المشبه به، فصار المراد من الأقطع الناقص، وعليه فلا جمع بين

الذي أطلع في سماء الأزل شمس أنوار معارف النبوة المحمدية، وأشرق من أفق أسرار مظاهر الرسالة تجلي صفات.................................................

_ الطرفين بل المذكور اسم المشبه به فقط. "الذي أطلع" نعت لله، والجملة الفعلية صلة الموصول، وهو وصلته كالشيء الواحد، وهما في معنى المشتق؛ لأن الصلة هي التي حصلت بها الفائدة، وترتيب الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، فكأنه قال الاطلاع إلى آخره، فيكون حمده تعالى لذاته ولصفاته فهو واجب، أي يثاب عليه ثوابه لا أنه يأثم بتركه لا لفظًا ولا نية. وقد قام البرهان عقلا ونقلا على وجوب حمده سبحانه، لأن شكر المنعم واجب به للآيات والأخبار الآمرة بالتدبر الموجبة للتفكر, وهو سبحانه وتعالى، قد أفاض نعمه على كل موجود ظاهره وباطنه وإن كان قد فاوت بينهم فيها، ولذا قيل: نعمتان ما خلا موجود عنهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد. "في سماء الأزل،" بالتحريك القدم؛ فهو استعارة بالكناية شبه الأزل من حيث وجوده قبل العالم بمكان يعلوه سماء، وأثبت له السماء استعارة تخييلية، والسماء المظلة للأرض. قال بن الأنباري: تذكر وتؤنث، وقال الفراء: التذكير قليل، وهو على السقف وكأنه جمع سماوة كسحاب، وسحابة وجمعت على سموات. "شمس الأنوار:" جمع نور، أي: أضواء. "معارف النبوة المحمدية،" ولكونها قبل العالم عبر باطلع المشعر بأنها لم تكن موجودة، ثم كانت لانتفاء القدم لغير الباري، ثم بعد وجوده وإشراقه، بمظاهر الصفات، وهي كائنة في عالم المشاهدة عبر بالإشراق الذي هو الإضاءة لهذا العالم، فقال: "وأشرق" أي: أضاء، وهو لازم؛ كما قال تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} ويعد في كلام المولدين حملا على أضاء، لأنه بمعناه والشيء يحمل على نظيره وضده. وأضاء جاء متعديًا وازمًا بتضمين معناه، أو بمعنى التصيير كما قيل به في ثلاثة: تشرق الدنيا ببهجتها، واستعماله مزيدًا أكثر، وثبت ثلاثية، فقيل هما بمعنى، وقيل أشرقت: أضاءت، وشرقت، طلعت. "من أفق" بضم فسكون وبضمتين؛ كما في القاموس وغيره، أي: ناحية. "أسرار مظاهر الرسالة" جمع مظهر، اسم موضع الظهور، وقال في لطائف الأعلام: الأفق في اصطلاح القوم، يكنى به عن الغاية التي ينتهي إليها سلوك المقربين، وكل من حصل منهم إلى الله على مرتبة قرب إليه، فتلك المرتبة هي أفقه ومعراجه. "تجلي الصفات" هو عند الصوفية ما يكون مبدؤه من الصفات، من حيث تعيينها وامتيازها عن الذات، كذا في التوقيف. وقال صاحب لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام،

الأحمدية، أحمده على أن وضع أساس نبوته على سوابق أزليته، ورفع دعائم رسالته

_ يعنون بالتجلي تجريد القوى والصفات عن نسبتها إلى الخلق بإضافتها إلى الحق، وذلك أن العبد إذا تحقق بالفقر الحقيقي، وهو انتفاء الملك بشهود العز له تعالى، صار قبلة للتجلي الصفاتي، بحيث يصير هذا القلب التقي النقي مرآة ومجلى للتجلي الوحداني الصفاتي الشامل حكمه لجميع القوى والمدارك، كما إليه الإشارة بالحديث القدسي: "فإذا أحببته كنت سمعه" الحديث، وأطال في بيان ذلك. "الأحمدية" المنسوبة إلى أحمد -صلى الله عليه وسلم- وهو اسم لم يتسم به أحد قبله، قال الحافظ: والمشهور أن: "أول من سمي به بعده -صلى الله عليه وسلم- والد الخليل بن أحمد". لكن زعم الواقدي أنه كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد. وحكى ابن فتحون في ذيل الاستيعاب أن اسم أبي حفص بن المغيرة الصحابي أحمد، ويقال في والد أبي السفر أن اسمه أحمد. قال الترمذي: أبو السفر هو سعيد بن يحمد، ويقال: ابن أحمد، انتهى. "أحمده على أن وضع أساس" أصل "نبوته"، أي: النبي المفهوم من نبوة أو نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- المستفاد من المحمدية "على سوابق أزليته"، أي: على الأمور التي اعتبرها في الأزل سابقة على غيرها. قال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: "وليس هو الفخر" صاحب التفسير في كتابه -مختار الصحاح- الأزل: القدم يقال أزلي: ذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم الأب باختصار، فقالوا: يزلي ثم أبدلت الباء ألفًا؛ لأنها أخف، فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن أزني. "ورفع دعائم رسالته" أي: المعجزات عبر عنها بذلك لمشابهتها لها في إثبات رسالته وتقويتها، كتقوية الجدار بما يدعم به، ثم هو استعارة تصريحية شبه المعجزات بالدعائم واستعار اسمها لها، أو مكنية شبه الرسالة المؤيدة، بالمعجزة ببيت مشيد الأركان مدعم بما يمنع تطرق الخلل له، وأثبت الدعائم تخييلا، ولم تزل البلغاء تستعير الدعائم، كقول ابن زيدون: أين البناء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عز ومن ظفر ويقال للسيد في قومه: هو دعامة القوم، كما يقال: هو عمادهم، قال الراغب الرسالة سفارة العبد بين الله وبين خلقه. وقيل: إزاحة علل ذوي العقول فيما تقصر عنه عقولهم من مصالح المعاش والمعاد، وجمع بعض المحققين بينهما، "فقال سفارة بين الله وبين ذوي الألباب لإزاحة عللهم فيما يحتاجونه من مصالح الدراين" وهذا حد كامل جامع بين المبدأ المقصود بالرسالة

على لواحق أبديته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الفرد المنفرد في فردانيته بالعظمة والجلال.................

_ وهي الخصوصية، وبين منتهاها وهو إزاحة عللهم، انتهى. "على لواحق أبديته"، أي: دهوره التي لا انقضاء لها؛ فالأبد الدهر الذي لا نهاية له أو الدهر، وعبر هنا بلواحق، لأنه محل المعجزات وهي إنما تكون بعد وجوده في ذا العالم، فناسب أن تكون على الأمور اللاحقة الخارقة للعادة. وفيما قيل بسوابق؛ لأنه مظهر لأساس النبوة وهو معتبر قبل وجود العالم. "وأشهد" أقر وأعلم وأبين، والشهادة الإخبار عن أمر متيقن قطعًا، "أن لا إله إلا الله" لا معبود بحق، إلا الله، أتى به لخبر أبي داود والترمذي والبيهقي، وصححه مرفوعًا، كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء، أي: القليلة البركة، وأن المخففة من الثقيلة لا الناصبة للفعل إذ لا فعل هنا، ولأن أشهد من أفعال اليقين فيجب أن يكون بعدها أن المؤكدة لتناسب اليقين. "وحده:" نصب على الحال بمعنى متوخذًا، وهو توكيد لتوحيد الذات. "لا شريك" لا مشارك "له" تأكيدًا لتوحيد الأفعال ردًا على نحو المعتزلة. وقد روى مالك وغيره مرفوعًا: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له". "الفرد:" قال الراغب: الفرد الذي لا يختلط بغيره، وهو أعم من الوتر وأخص من الواحد، وجمعه فرادى. قال تعالى: {لا تَذَرْنِي فَرْدًا} [الأنبياء: 89] أي: وحيدًا. ويقال في الله فرد تنبيها على أنه مخالف للأشياء كلها في الازدواج، المنبه عليها بقوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات: 49] ، معناه أنه المستغني عما عداه، فهو كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبت: 6] ، فإذا قيل هو فرد فمعناه منفرد بوحدانيته، مستغن عن كل تركيب مخالف للموجودات كلها. "المنفرد" من باب الانفعال للمطاوعة، والمراد بدون صنع بل بذاته، وإطلاقه على الله، إما لثبوته كما يشعر به كلامهم، أو للاكتفاء بورود ما يشاركه في مادته ومعناه، أو بناء على جواز إطلاق ما لا يوهم نقصًا مطلقًا، أو على سبيل التوصيف دون التسمية كما ذهب إليه الغزالي. "في فرادنيته بالعظمة والجلال" مرادف، فجلال الله: عظمته، والعظمة هي جلاله وكبرياؤه. لكن قال الرازي: الجليل الكامل في الصفات، والكبير الكامل في الذات، والعظيم الكامل فيهما. فالجليل يفيد كمال الصفات السلبية والثبوتية. وقد ذهب الأصمعي إلى أن

الواحد المتوحد في وحدانيته باستحقاق الكمال، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبده ورسوله...................................

_ الجلال لا يوصف به غير الله لغة. وأكثر اللغوين على خلافه، وأنه يوصف به غيره، كقوله: ألمم على أرض تقادم عهدها ... بالجذع واستلب الزمان جلالها وكقول هدبة: فلا ذا جلال هبنه لجلاله ... ولا ذا ضياع هن يتركن للعقد "الواحد" في ذاته وصفاته وأفعاله، من الأسماء الحسنى؛ كما في رواية الترمذي، وفي رواية ابن ماجه: الأحد. قال الأزهري: الفرق بينهما أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد، ما جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير والأحد منفرد بالمعنى. وقال غيره: الأحد الذي ليس بمنقسم ولا متحيز، فهو اسم لمعنى الذات فيه سلب الكثرة عن ذاته، والواحد وصف لذاته فيه سلب النظير والشريك عنه، فافترقا. وقال السهيلي: أحد أبلغ وأعم، ألا ترى أن ما في الدار أحد، أعم وأبلغ من ما فيها واحد, وقال بعضهم: قد يقال: إنه الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، والأحد في وحدانيته إذ لا يقبل التغيير ولا التشبيه بحال. "المتوحد" فيه ما مر في المنفرد ولو أبدله بالأحد لكان فيه تلميح بالروايتين. "في وحدانيته باستحقاق الكمال" إذ الكمال الخالص المطلق ليس إلا له فلا يتغير سبحانه وتعالى. ولما كان الواسطة في وصول الفيض من الله إلينا هو النبي -صلى الله عليه وسلم- وتطابق العقل والنقل على وجوب شكر المنعم عقب الشهادة لله، بالشهادة لرسوله، فقال: "وأشهد أن سيدنا وحبيبنا" طبعًا وشرعًا لحب الله "محمدًا عبده ورسوله" -صلى الله عليه وسلم- ولدخوله في قوله: "كل خطبة ... "، الحديث. قال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] أي: لا أذكر إلا وتذكر معي، كما ورد مفسرًا عن جبريل عن الله تعالى. والمصطفى هو الذي علمنا شكر المنعم، وكان السبب في كمال هذا النوع إذ لا بد من القابل والمفيد، وأجسامنا في غاية الكدورة وصفات الباري في غاية العلو والصفاء والضياء. فاقتضت الحكمة الإلهية توسط ذي جهتين تكون له صفات عالية جدًا وهو من جنس البشر ليقبل عن الله بصفاته الكمالية، وتقبل عنه بصفاته البشرية، فلذا استوجب قرن شكره بشكره؛ و"محمدًا" عطف بيان لا صفة لتصريحهم بأن العلم ينعت ولا ينعت به، ولا بدل؛ لأن البدلية وإن جوزت في {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} ، لكن القصد الأصلي، هنا إيضاح الصفة السابقة وتقرير النسبة تبع، والبدلية تستدعي العكس، وقدم العبودية المضافة لله، لكونها أشرف أوصافه

أشرف نوع الإنسان، وإنسان عيون الأعيان، المستخلص من خالص خلاصة ولد عدنان، الممنوح ببدائع الآيات، والمخصوص بعموم الرسالة وغرائب المعجزات، السر الجامع الفرقاني، والمخصص بمواهب القرب من النوع الإنساني، مورد الحقائق الأزلية ومصدرها، وجامع جوامع مفرداتها ومنبرها، وخطيبها إذا حضر في حظائر......................

_ وله بها كمال اختصاص، ولأن العبد يتكفله مولاه بإصلاح شأنه، والرسول يتكفل لمولاه بإصلاح شأن الأمة، وكم بينهما، وإيماء إلى أن النبوة وهبية، ولأن العبودية في الرسول لكونها انصرافًا من الخلق إلى الحق أجل من رسالته؛ لكونها بالعكس. "أشرف" أفراد "نوع الإنسان" ذاتا وصفات والإضافة بيانية؛ "وإنسان" أي حدقة "عيون الأعيان المستخلص" المنتخب "من خالص خلاصة" قال في المصباح خلاصة الشيء بالضم ما صفا منه، مأخوذ من خلاصته السمن، وهو ما يلقى فيه تمر أو سويق ليخلص به من بقايا اللبن، انتهى. "ولد" بفتحتين وبضم فسكون يكون واحدا وجمعا "عدنان" أحد أجداده "الممنوح" المخصوص، وأصل المنحة العطية، ويتعدى بنفسه وضمنه هنا بمعنى المخصوص فعداه بالباء في قوله: "ببدائع الآيات" جمع آية، ولها معان منها العلامة الدالة على نبوته -صلى الله عليه وسلم, "المخصوص بعموم الرسالة" للعالمين، ومنهم الملائكة على ما رجحه جمع محققون، وردوا على من حكى الإجماع على انفكاكهم عن شرعه، بل زاد بعضهم والجمادات كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله في محله. "وغرائب المعجزات" من إضافة الصفة للموصوف، والآية والمعجزة مشتركان في الدلالة على صدقه، لكن الآية أعم؛ لأنه لا يشترط فيها مقارنة النبوة، والتحدي، فكل معجزة آية ولا عكس. فشق صدره وتسليم الحجر عليه قبل البعثة ونحوه آية لا معجزة؛ "السر الجامع" بين ما تفرقه في غيره وبين الحكم بالظاهر والباطن والشريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما دليل قصة موسى مع الخضر. وقد نص عليه البدر ابن الصاحب في تذكرته وأيد بحديث السارق والمصلي الذي أمر بقتلهما. "الفرقاني" نسبة إلى الفرقان لفرقه بين الحق والباطل، "والمخصص بمواهب القرب" من ربه تبارك وتعالى قرب مكانه، زيادة من سواه "من النوع الإنساني" فإن المقربين منه لهم قرب دون قربه عليه السلام، "مورد الحقائق الأزلية" جمع حقيقة، وهي عند أرباب السلوك العلوم، المدركة بتصفية الباطن "ومصدرها"، يعني: أن ذاته محل لورود الحقائق عليها من الحق، ومحل لصدورها عنها على الخلق، "وجامع جوامع مفرداتها ومنبرها وخطيبها إذا حضر في حظائر

قدسها ومحضرها، بيت الله المعمور الذي اتخذه لنفسه، وجعله ناظمًا لحقائق أنسه، مدة مداد نقطة الأكوان، ومنبع ينابيع الحكم والعرفان، الممد من بحر مدد الوفاء على القائل من أهل المعارف والاصطفاء حيث خاطب.....................

_ قدسها"، بضمتين وتسكن داله، أي: مواضع جمع حظيرة وهي في الأصل ما حظرته على الغنم وغيرها من الشجر للحفظ, والقدس، أصل معناه الطهر سمي به جبل المقدس لطهارته بالعبادة فيه، وقدس الله وحظيرة قدسه الجنة. قال التبريزي في شرح ديوان الحماسة: واسم الجبل يقال أنه غير منصرف، وأنشدوا الكثير كالمصرخي غدًا فأصبح واقفًا في قدس بين مجاثم الأوعال. "ومحضرها،" أي: محل حضورها. "بيت الله المعمور" بما أورده عليه فوعاه مما لا يطيقه غيره، ولم ينزله على أحد قبله وسماه بيتا على التشبيه، وما يروى: القلب بيت الرب. لا أصل له كما في المقاصد، "الذي اتخذه لنفسه" مجاز عن إدخال علومه فيه، وأطلق النفس على الله؛ كقوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، وقوله: "أنت كما أثنيت على نفسك"، وقيل: إنما يراد للمشاكلة، كقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] , "وجعله ناظمًا" أي: جامعًا "لحقائق أنسه"، جمع حقيقة وهي ما أقر في الاستعمال واشتقاقه على أصل وضعه في اللغة، قاله ابن جني وابن فارس، وزاد من قولنا حق الشيء إذا وجب، واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المحكم، وقال المرزوقي: هي في كلام العرب الأور التي يحق حمايتها، والأنفة من تركها عن الرؤساء، وقال الخليل: هي ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه. كما قيل: ألم ترى أني قد حميت حقيقتي ... وباشرت حد الموت والموت دونها "مدة" بالنصب والرفع، أي: أصل؛ "مداد نقطة الأكوان؛" أي: مركزه الذي يدور عليه. ومنبع؛" بفتح الميم والباء مخرج "ينابيع" جمع ينبوع؛ وهي في الأصل العين التي يخرج منها الماء فشبه بها. "الحكم؛" جمع حكمة، وهي تحقيق العلم وإتقان العمل، كما في الأنوار. وقال النووي: فيها أقوال كثيرة صفا لنا منها إنها العلم المشتمل على المعرفة بالله، مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده. والحكيم من جاز ذلك، انتهى ملخصًا، قال الحافظ، وقد تطلق الحكمة على القرءان، وهو مشتمل على ذلك كله وعلى النبوة كذلك، وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة فقط، انتهى. "والعرفان" أي: العلم مصدر عرف "الممد" اسم فاعل، "من بحر مدد الوفاء على القائل من أهل المعارف والاصطفاء" الاختيار، وعلل كونه من أهلهما بقوله "حيث خاطب" القائل

ذاته، بالمنح الأنفسية بشعر من بحر الطويل: فأنت رسول الله أعظم كائن ... وأنت لكل الخلق بالحق مرسل عليك مدار الخلق إذ أنت قطبه ... وأنت منار الحق تعلو وتعدل فؤادك بيت الله دار علومه ... وباب عليه منه للحق يدخل ينابيع علم الله منه تفجرت ... ففي كل حي منه لله منهل منحت بفيض كل مفضل ... فكل له فضل به منك يفضل نظمت نثار الأنبياء فتاجهم ... لديك بأنواع الكمال مكلل

_ "ذاته" -صلى الله عليه وسلم- "بالمنح" العطايا؛ "الأنفسية" أي: الشريفة "بشعر من بحر الطويل" أحد بحور الشعر المعروفة، "فأنت رسول الله" نداء والخبر، "أعظم كائن" موجود "وأنت لكل الخلق بالحق" أي: الأمور المطابقة للواقع، "مرسل" من الله "عليك مدار" مصدر ميمي، أي: دوران، "الخلق إذ أنت قطبه" أي: أصل الخلق الذي يرجع إليه، "وأنت منار الحق تعلو" ترتفع على غيرك "وتعدل" في قضاياك بين الناس "فؤادك" قلبك أو غشاؤه وقوي بحديث: "أرق أفئدة وألين قلوبًا". "بيت الله" إضافة لامية على مجاز الحذف، أي: بيت علوم الله كما أوضحه بقوله "دار علومه" وهي لامية أيضًا وقد أعلمه الله تعالى ما عدا مفاتيح الغيب الخمسة، وقيل: حتى هـ وأمره بكتمها؛ كما في الخصائص "و" أنت "باب عليه منه للحق" أي: للأمور المطابقة للواقع فحذف الموصوف أولا وأمر الله، فحذف المضاف. "يدخل ينابيع" جمع ينبوع، وهو في الأصل العين التي تورد: "علم الله منه تفجرت ... ففي كل حي منه لله منهل" بفتح الميم والهاء، أي: عين تورد "منحت" أي: خصصت: "بفيض الفضل كل مفضل ... فكل له فضل" أي: كل إنسان ثبت له فضل فهو "به منك يفضل"؛ فالبيت على حد قول البوصيري: وكلهم من رسول الله ملتمس ... غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم "نظمت نثار" بكسر النون بعدها مثلثة بمعنى المنثور، ككتاب بمعنى مكتوب، "الأنبياء" أي: شرائعهم. "فتاجهم" مفرد تيجان، وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر وقد توجته إذا ألبسته التاج، كما في النهاية. "لديك" أي: عندك "بأنواع الكمال مكلل" بلامين خبر تاج، أي: مرصع, و"في" نسخة مكمل بالميم يأباها الطبع.

فيما مدة الإمداد نقطة خطه ... ويا ذروة الإطلاق إذ يتسلسل محال يحول القلب عنك وإنني ... وحقك لا أسلو ولا أتحول عليك صلاة الله منه تواصلت ... صلاة اتصال عنك لا تتنصل شخصت أبصار بصائر سكان سدرة المنتهى لجلال جماله، وحنت أرواح رؤساء الأنبياء إلى مشاهدة كماله.........................

_ "فيا مدة" أي: زيادة "الإمداد نقطة خطه ويا ذروة الإطلاق إذا يتسلسل محال": باطل غير ممكن الوقوع أنه "يحول" يتغير "القلب عنك وإنني وحقك لا أسلو" أصبر "ولا أتحول" عن حبك "عليك صلاة الله منه" متعلق بقوله: "تواصلت صلاة اتصال" مفعول مطلق "عنك لا تتنصل" أي: لا تزول عنك "شخصت" بفتحات نظرت "أبصار بصائر" جمع بصيرة، وهي للنفس كالعين للشخص "سكان سدرة المنتهى" بفتحات نظرت "أبصار بصائر" جمع بصيرة، وهي للنفس كالعين للشخص "سكان سدرة المنتهى" وهم الملائكة الكرام. روى أبو يعلى، والبزار وابن جري، وابن ماجه، عن أبي سعيد، رفعه في حديث المعراج وغشيها من الملائكة، أمثال الغربان حين يقعن على الشجر. وعند الحاكم وغيره عن أبي هريرة رفعه: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة "لجلال" عظمة "جماله" حسنه وفي جعله الشخوص لجلال الجمال دون الجمال نفسه لطف وإيماء إلى أن هؤلاء وإن كانوا مقربين ما استطاعوا النظر لنفس الحسن، بل شخصوا في الجلال الحاجب له فكيف بغيرهم، ولذا قال علي يقول ناعته، أي: عند العجز عن وصفه، لم أر قبله ولا بعده مثله، ومن ثم يفتتن به مع أنه أوتي كل الحسن؛ كما قال: بجمال حجبته بجلال ... طاب واستعذب العذاب هناكا "وحنت" اشتاقت، "أرواح رؤساء الأنبياء" أكابرهم، وهم الذين رأوه في السماوات ليلة المعراج "إلى مشاهدة" أي: رؤية "كماله" هو التمام فيما يفضل به الشيء على غيره؛ فيشمل الظاهر؛ والباطن، لكن المراد هنا الظاهر لأنه المشاهد بالحاسة لا الباطن، لعدم تعلقها به، وإن تعلقت بما دل عليه, وتخصيص الأرواح بالذكر لأن الإدراك بها وإن نسب للجسد فهو بواسطتها فلا يشكل بما في تنوير الحلك، من أنه لا يمتنع رؤية ذاته عليه السلام بجسده وروحه، وذلك لأنه وسائر الأنبياء صلى الله عليه وسلم ردت إليهم أرواحهم بعدما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من قبورهم للتصرف في الملكوت العلوي والسفلي، انتهى. ونحوه يأتي للمصنف في غير موضع من هذا الكتاب، وقد روى الحاكم في تاريخه، والبيهقي في حياة الأنبياء، عن أنس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم أربعين ليلة، ولكن يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور". قال البيهقي: فعلى هذا يصيرون، أي: يكونون حيث ينزلهم الله تعالى، انتهى. وهذا لا يشكل بأن الأنبياء في قبورهم، وأن المصطفى أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يقوم من

وتلفتت لفتات أنفس الملأ الأعلى إلى نفائس نفحاته، وتطاولت أعناق العقول إلى أعين لمحاته ولحظاته، فعرج به إلى المستوى الأقدس، وأطلعه على السر الأنفس، في إحاطته الجامعة، وحضرات حظيرة قدسه الواسعة، فوقفت أشخاص الأنبياء في حرم الحرمة، على أقدام الخدمة، وقامت أشباح الملائكة في معارج الجلال، على أرجل

_ قبره. لأن معناه لا يتركون على حالة بحيث لا يقوى تعلق روحهم بجسدهم، على وجه يمنع من ذهاب الروح بعد تعلقها بالجسد حيث شاءت متشكلة بصورة الجسد، وإن بقي الجسد نفسه إلى يوم القيامة في القبر، وبهذا لا تعارض بين الأخبار؛ وطاح زعم من أدعي بطلان كونهم لا يتركون في نفسه. "وتلفتت لفتات أنفس الملأ الأعلى" أي: ذواتهم وأرواحهم "إلى نفائس نفحاته" أي: روائحه الطيبة "وتطاولت" امتدت "أعناق" ذوي "العقول"؛ فهو مجاز بالحذف أو مرسل باستعمال العقول في أهلها، أو شبه العقول بالذوات المدركة استعارة بالكناية. وأثبت لها ما هو من خواصها وهي الأعناق تخييلا، وقد جوزت الأوجه الثلاثة في نحو: واسأل القرية "إلى أعين لمحاته" من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: الأعين اللامحة واللمح: النظر باختلاس البصر، ولمح البصر امتد إلى الشيء ويمكن تنوين أعين. ولمحاته "ولحظاته" بدل اشتمال واللحظ: المراقبة أو النظر بمؤخر العين عن يمين وشمال. "فعرج به إلى المستوى" بفتح الواو: الموضع المشرف وهو المصعد، وقيل: المكان المستوي؛ "الأقدس وأطلعه على السر الأنفس" كما قال: "فأوحى إلى عبده ما أوحى"، فأبهمه للتعظيم في أحد الأقوال فلا يطلع عليه بل يتعبد بالإيمان به؛ كما قيل: بين المحبين سر ليس يفشيه ... قول ولا قلم في الكون يحكيه "في إحاطته الجامعة": متعلق باطلع، أي: فيما تتعلق إحاطته، أي: علمه به؛ "وحضرات" بالضاد المعجمة "حظيرة" بالظاء المعجمة المشالة "قدسه الواسعة" وليس المراد بها هنا الجنة، فإن اطلاعه على السر كان حين العروج إلى المستوى كما كلمه ربه، وهو بعد رفعه إلى السدرة، ورفعه إليها كان بعد دخوله الجنة، وعرض النار عليه؛ كما فصل في المعراج. "فوقفت أشخاص الأنبياء" صورهم "في حرم الحرمة" التعظيم "على أقدام" جمع قدم مؤنث، "الخدمة وقامت أشباح الملائكة" إضافة بيانية، جمع شبح وهو الشخص؛ كما في المصباح، فغاير تفننًا، وللإشارة إلى مغايرتها لأجسام البشر، وإنما هي أجسام لطيفة نورانية على الصحيح. "في معارج الجلال" جمع معرج ومعراج وهو المصعد والمرقى كلها بمعنى؛ "على أرجل" جمع رجل الإنسان التي يمشي بها، مؤنثة ولا جمع لها غيره؛ كما في المصباح.

الإجلال، وهامت أرواح العشاق في معاناة الأشواق: كل إليك بكله مشتاق ... وعليه من رقبائه أحداق يهواك ما ناح الحمام بأيكة ... أو لاح برق في الدجى خفاق شوقي إليه لا يزال يديره ... فجميعه لجميعه عَشاق اشتاق القمر.............................................

_ "الإجلال وهامت أرواح العشاق" خرجت على وجهها فلم تدر أين تتوجه، "في معاناة الأشواق" جمع شوق، وهو نزاع النفس إلى الشيء والحنين، وشوقني إلى كذا هيجني وأنشد لغيره قوله "كل" استغراقية؛ كقوله: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] . "وكل راع مسئول عن رعيته". ولا يستعمل إلا مضافًا لفظًا كما رأيت، أو تقديرًا؛ كقوله: {كُلٌّ يَجْرِي} [الرعد: 2، لقمان: 29، فاطر: 13، الزمر: 5] . قال الأخفش: المعنى كلهم يجري كما تقول كل منطلق، أي: كلهم، ومنه ما هنا، أي: كل الشاخصين ومن بعدهم. "إليك بكله" بجملته روحًا وجسمًا "مشتاق وعليه من رقبائه" جمع رقيب "أحداق" عيون, "يهواك" تميل نفسه إليك "ما ناح الحمام بأيكة" مفرد أيك، كتمر وتمرة شجر، كما في المصباح، أو هو مضاف للضمير لأدنى ملابسة، فيكون جمعًا "أو لاح برق" ما يلمع من السحاب، مصدر "في الدجى" والظلم "خفاق" والدجى لا يكاد ينفك عن برق إن لم يعم فإن فقد في مكان وجد في غيره، "شوقي" فاعل يهوي "إليه" بإشباع الهاء للوزن، وفيه التفات عن الخطاب، وفي نسخ إليك "لا يزال يديره" يحرك الهوى "فجميعه" أي: كل أو الشوق، والأول أولى؛ لأنه المحدث عنه، ولفظ كل واحد ومعناه متعدد، فيجوز عود الضمير على اللفظ وعلى المعنى "لجميعه" أي: النبي -صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتقدم له ذكر لدلالة الكلام عليه فكأنه مذكور؛ كقوله: "ولأبويه, لكل واحد منهما السدس"، أي: الميت، أي: كل محب "عشاق" بفتح المهملة، أي: كثير العشق لجميع أجزاء المصطفى، فجميع متعلق به مقدم عليه "اشتاق القمر" سمي بذلك لبياضه. قال الفارابي وتبعه الجوهري: الهلال ثلاث ليال أول الشهر ثم هو قمر بعد ذلك. وقال الأزهري: القمر يسمى ليلتين أول الشهر هلالا، كليلتي ست وسبع وعشرين، ويسمى قمرًا فيما بين ذلك. وقال غيره: الهلال ثلاث ليال، ثم هو قمر إلى ثلاثة عشر، ثم يستوي ليلة ثلاثة عشر فتسمى تلك الليلة ليلة السواء، ثم تليها ليلة البدر؛ لأنه إذا بدرت الشمس بالغروب بادرها بالطلوع. وقيل: من البدرة، وهي ألف دينار لتمام عدده، ثم يسمى ليلة النصف قمرًا وزبرقانًا بكسر الزاي، ومنه:

لمشاهدته فانشق، فشق مرائر الأشقياء الشاقين، وحن لمفارقته الجذع، فتصدع فانصدعت قلوب الأغبياء المنافقين وبرقت من مشكاة بعثته بوارق طلائع الحقائق، وانقادت لدعوته العامة خاصة خلاصة الخلائق، ولم يزل يجاهد في الله بصدق عزماته، وينظم أشتات الإسلام بعد افتراق جهاته، حتى كملت كمالات دينه..........

_ تضيء بك المنابر حين ترقى ... عليها مثل ضوء الزبرقان "لمشاهدته فانشق" لما سأله أهل مكة آية قبل الهجرة بنحو خمس سنين فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، "فشق مرائر الأشقياء" الكفار "الشاقين" عليه باقتراح الآيات، وفي جعله انشقاقه مفرعًا على اشتياقه وقفة، إذ الثابت أنه انشق لطلب الكفار آية، وقد تدفع الوقفة "وحن" اشتاق، "لمفارقته الجذع" الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر "فتصدع" الجذع وانشق، كما في حديث أبي بن كعب عند الشافعي وغيره بلفظ، فلما صنع، أي: المنبر، وضعه موضعه الذي هو فيه فكان إذا بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه، فلما جاوزه خار حتى تصدع وانشق فنزل، فلما سمع صوت الجذع فمسحه بيده. وفي حديث أنس عند الموصلي: لما قعد على المنبر خار كخوار الثور، وارتج المسجد لخواره حزنًا عليه، فنزل إليه فالتزمه وهو يخور فسكت. فقال -صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة"، فأمر به فدفن. وفي حديث أحمد والدارمي وابن ماجه: فأخذ أبي بن كعب ذلك الجذع لما هدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي واد رفاتًا، قال الجاحظ: وهذا لا ينافي أنه دفن لاحتمال أنه ظهر بعد الهدم عند التنظيف، انتهى. كان الحسن البصري إذا حدث هذا الحديث بكى، وقال: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. "فانصدعت قلوب الأغبياء" الجهال، جمع غبي؛ "المنافقين" غيظًا من هذه المعجزة الباهرة، التي قال فيها الشافعي: إنها أعظم من إحياء عيسى الموتى. "وبرقت" لمعت، "من مشكاة" هي القنديل أو موضع القتيلة منه، أو معلاقه أو كوة غير نافذة، والكوة بفتح الكاف وضمها اسم ما لا ينفذ، قيل: إنها معربة من الحبشية "بعثته بوارق طلائع الحقائق وانقادت لدعوته العامة" بالجر نعت وفاعل انقاد "خاصة خلاصة الخلائق" ما صفا منهم "ولم يزل يجاهد في الله" بالسيف والحجة "يصدق عزماته وينظم" يجمع "أشتات الإسلام بعد افتراق جهاته حتى كملت" بتثليث الميم والكسر أردأها؛ كما في الصحاح، "كمالات دينه

وحججه البالغة، وتمت على سائر أمته نعمته السابغة، وخير فاختار الرفيق الأعلى، وآثر الآخرة على الأولى، فنقله الله قائمًا على قدم السلامة، إلى دار السلام

_ وحججه البالغة" بيناته الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة "وتمت على سائر" أي: جميع "أمته" والأكثر استعماله بمعنى الباقي مطلقًا على الأصح، أو الباقي القليل مشتق من السؤر بالهمز البقية. حتى قال الأزهري: اتفق أهل اللغة على أن سائر الشيء باقيه قل أو كثر، واستعماله بمعنى الجميع ذهب إليه الجوهري والجواليقي وجماعة وخطأهم فيه كثير، كابن قتيبة والحريري في الدرة؛ لأنه مخالف للسماع. ففي الحديث: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن": أي: باقيهن، والاشتقاق فإنه من السؤر فلا يصح كونه بمعنى الجميع، وقال الصغاني: سائر الناس: باقيهم، وليس معناه جميعهم، كما زعم من قصر في اللغة باعه، وجعله بمعنى الجميع من لفظ العوام، انتهى. ولكن انتصر للجوهري والجماعة قوم بأنه سمع من الصحفاء؛ كقوله: ألزم العالمون حبك طرا ... فهو فرض في سائر الأديان وقول عنترة: إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بلمنصل وقول ذي الرمة: معرسًا في بياض الصبح وقعته ... وسائر السير إلا ذلك السير واشتقاقه عندهم من اليسير، أي: يسير فيه هذا الاسم ويطلق عليه، لا البقية. "الأمية" المنسوبة إلى النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم, "نعمته السابغة" الكثيرة التامة، وهو في الأصل صفة للدرع والثوب الطويل استعير من الطول والسعة لما ذكر، ثم صار حقيقة فيه لشيوعه، "وخير" بين الحياة والممات، "فاختار الرفيق الأعلى" أي: الجماعة من الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فعيل كصديق وخليط، أو الله تعالى فإنه الرفيق بعباده، وعند مسلم مرفوعًا: "إن الله رفيق يحب الرفق". فهو فعل بمعنى فاعل، أو المراد حظيرة القدس، وعند النسائي وصححه ابن حبان، فقال -صلى الله عليه وسلم: "أسأل الله الرفيق الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل" وظاهره: أن الرفيق: المكان الذي يحصل فيه المرافقة مع المذكورين. "وآثر الآخرة على الأولى" أي: الدنيا؛ لأنها أحق بالإيثار منها، كما قال بعض الأماجد: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لآثر العاقل الباقي على الفاني، فكيف والنعيم السرمدي الذي لم يخطر على قلب بشر، إنما هو في الأخرى. "فنقله الله قائمًا على قدم السلامة" حسا ومعنى "إلى دار السلام" الجنة لسلام الله

وفردوس الكرامة، وبوأه أسنى مراقي التكريم في دار المقامة، ومنحه أعلى مواهب الشرف في اليوم المشهود، فهو الشاهد المشهود، المحمود بالمحامد التي يلهمها للحامد المحمود، والمنزلة العلية، والدرجة السنية، في حظائر القدس الأقدسية، والمشاهد الأنفسية، واصل الله عليه فضائل الصلوات.................

_ وملائكته على من يدخلها، أو لسلامتهم من الآفات، "وفردوس الكرامة" التكريم والتبجيل له -صلى الله عليه وسلم، "وبوأه أسنى" أنزله أشرف "مراقي التكريم في دار المقامة" بالضم الإقامة، وقد تكون بمعنى القيام لأنك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح، أو من أقام يقيم، فمضمون وقوله تعالى: {لَا مُقَامَ لَكُمُ} [الأحزاب: 13] ، أي: لا موضع لكم وقرئ: {لَا مُقَامَ لَكُمُ} [الأحزاب: 13] ، بالضم، أي: لا إقامة لكم. قال الجوهري: "ومنحه" أعطاه "أعلى مواهب الشرف في اليوم المشهود" يوم القيامة بحضرة جميع الخلائق "فهو الشاهد"؛ كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} [الأحزاب: 45، الفتح: 8] ، أي: على أمته بتبليغه إليهم، وعلى الأمم بأن أنبياءهم بلغتهم "المشهود" المنظور إليه من جميع الرسل، "المحمود" الذي يحمد "بالمحامد التي يلهمها" بالبناء للفاعل في ذلك اليوم، ولم يلهمها قبل "للحامد" الذي هو النبي -صلى الله عليه وسلم, "المحمود" أي: الله سبحانه وتعالى، فاعل يلهمها, "و" بوأه ومنحه "المزلة" المرتبة "العلية" كقيامه عن يمين العرش، وفي نسخ ذو المنزلة "والدرجة السنية" واحدة الدرجات وهي الوسيلة، التي هي أعلى درجة في الجنة؛ "في حظائر القدس الأقدسية" الجنة "والمشاهد الأنفسية" ولما ذكر أن المصطفى وصل إلى أعلى مراتب الكمال في الدارين، وكمال غيره، إما بهدايته والاقتباس من نور شريعته، ناسب أن يعظمه ويدعو له، أداء لبعض حقه وتوسلا إلى الله تعالى في قبول حمده وإتمام قصده. فقال: "واصل الله عليه فضائل الصلوات" قال السهيلي: أصل الصلاة انحناء وانعطاف من الصلوين وهما عرقان في الظهر، ثم قالوا: صلى عليه، أي: انحنى له رحمة له، ثم سموا الرحمة حنوا وصلاة إذا أرادوا المبالغة فيها، فقوله -صلى الله عليه وسلم- أرق وأبلغ من رحمة في الحنو والعطف، فالصلاة أصلها من المحسوسات، ثم عبر بها عن هذا المعنى للمبالغة، ومنه قيل: صليت على الميت، أي: دعوت له دعاء من يحنو عليه ويعطف. ولهذا لا تكون الصلاة بمعنى الدعاء على الإطلاق، انتهى. والصلاة من الله رحمة، ومن العبد دعاء، ومن الملائكة استغفار. كما جاء عن الحبر ترجمان القرءان واعتراضه بقوله: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] ، رد بأنه أخص من مطلق الرحمة، وعطف العام على الخاص مفيد، وخص المعصوم بلفظها تعظيمًا له وتمييزًا.

وشرائف التسليم، ونوامي البركات، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، صلاة وسلامًا لا ينقطع عنهما أمد الأمد، ولا يحصيهما العدد أبد الأبد. وبعد:

_ "وشرائف التسليم" مصدر، وجمع بين الصلاة والسلام للآية. ولما رواه أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج صلى الله عليه وسلم فأتبعته حتى دخل نخلًا، فسجد فأطال السجود، حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه، قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه، فقال: "ما لك يا عبد الرحمن"؟ قال: فذكرت ذلك له، فقال: "إن جبريل قال لي: ألا أبشرك أن الله تعالى قال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه"، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا. "ونوامي البركات" زوائد: والإضافة بيانية، فالبركة الزيادة "وعلى آله الأطهار" أصل معناه الأتباع، ولم يضف في الأكثر المطرد إلا إلى العقلاء الأشراف، وزيد قيد الذكور والكل أغلبي؛ لقولهم: آل الله وآل البيت، قال: وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك وفي أنهم بنو هاشم، أو والمطلب أو عترته وأهل بيته، أو بنو غالب أو أتقياء أمته، واختبر في مقام الدعاء، وأيد بأنه إذا أطلق في التعاريف، شمل الصحب والتابعين لهم بإحسان أقوال: ويجوز إضافته إلى الضمير على الأصح؛ وإن زعم المبرد أنه من لحن العامة، "وأصحابه" جمع قلة لصاحب وإن كانوا ألوفًا؛ لأن جمع القلة والكثرة إنما يعتبران في نكران الجموع، أما في المعارف فلا فرق بينهما. "الأبرار" روى البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الكبير عن ابن عمر رفعه: "إنما سماهم الله تعالى الأبرار، لأنهم بروا الآباء والأمهات والأبناء"، كما أن لوالديك عليك حقًا كذلك لولدك، "صلاة وسلامًا" اسمان مصدران منصوبان على المفعولية المطلقة، مفيدان لتقوية عاملهما مؤكدان لمعناه؛ "لا ينقطع عنهما أمد الأمد" أي: زمانه، والأمد الغاية، "ولا يحصيهما" يطيقهما "العدد" لكثرتهما "أبد الأبد" أي: آخر الدهر؛ كما في الصحاح. قال الراغب: والمد والأبد متقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي لا حد لها ولا تتقيد ولا يقال أبد كذا. والأمد لها حد مجهول إذا أطلق وقد ينحصر فيقال: أمد كذا، كما يقال زمن كذا، والفرق بين الزمان والأمد: أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمن عام في المبدأ والغاية، ولذا قيل: المدى والأمد متقاربان. "وبعد" ظرف مبني على الضم كغيره من الظروف المقطوعة عن الإضافة، وأجاز هشام فتحه من غير تنوين، وقال ابن النحاس: إنه غير معروف. وروي عن سيبويه رفعها ونصبها ظرف

فهذه لطيفة من لطائف نفحات العواطف الرحمانية، ومنحة من منح مواهب العطايا الربانية، تنبئ عن نبذة من كمال شرف نبينا محمد -عليه أفضل الصلوات وأنمى التسليم وأسنى الصلات............................

_ زمان كثيرًا كجاء زيد بعد عمرو، ومكان قليلا كدار زيد بعد دار عمرو، وهي هنا كما قيل صالحة للزمان باعتبار اللفظ، وللمكان باعتبار الرقم. "فهذه" الفاء على توهم الناظر وجود، أما في الكلام البليغ لأن الشيء إذا كثر الإتيان به ترك وتوهم وجوده؛ كقوله: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا وقد كثر مصاحبة أما لبعد فإذا تركت توهم وجودها، أو على تقديرها في نظم الكلام، والواو عوض عنها او دون تعويض. أو لإجراء الظرف مجرى الشرط. قيل -وهو الوجه الوجيه- فلا يشكل بأن الفاء إنما تدخل في جواب الشرط. وذكر الدماميني أن بعد معمول لمحذوف تقديره وأقول بعد هذا الكلام، ومقول القول محذوف، أي: تنبه لكذا، فالفاء سببية، وهي هنا فصيحة والإشارة إلى موجود ذهنًا إن كانت قبل التأليف. هذا، وقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم، كان يقول أما بعد في خطبه وشبهها، كما روى ذلك أربعون صحابيًا كما أفاده الرهاوي في أربعينه المتباينة الأسانيد, وما أدري ما وجه اقتصار كثيرين على الظرف كالمصنف ولا يكفي الاعتذار بأن المدار عليه أو روما للاختصار؛ لأن المطلوب اتباع ما جاءت به السنة، لاسيما والإطناب مطلوب في الخطب، وكون المدار عليه يحتاج لوحي يسفر عنه؛ وفي أن أول من نطق بأما بعد، داود؛ وكانت له فصل الخطاب؛ أو كعب أو يعرب أو ق أو سحبان أو يعقوب أو أيوب أقوال: وفي غرائب مالك للدارقطني أن يعقوب أول من قالها. قال الحافظ: فإن ثبت وقلنا: إن قحطان من ذرية إسماعيل فيعقوب أول من قالها مطلقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم فيعرب أول من قالها، انتهى. "لطيفة" من اللطافة ضد الكثافة، "من لطائف نفحات" عطايا "العواطف الرحمانية" المنسوبة إلى الرحمن تبارك وتعالى، "ومنحة" عطية "من منح مواهب" من إضافة الأعم إلى الأخص "العطايا" بمعنى الإعطاءات، فكأنه قيل منحة: هي بعض المنح التي هي مواهب حاصلة بإعطاء الله "الربانية" المنسوبة إلى الرب المربي لعباده بنعم لا تحصى، "تنبئ": تخبر "عن نبذة" بضم النون وقد تفتح، يقال: ذهب ماله وبقي منه نبذة، أي قليل، لأن القليل ينبذ, أي: يطرح ولا يبالي به لقلته، أي: عن خواص قليلة "من كمال شرف نبينا محمد عليه أفضل الصلوات وأنمى التسليم وأسنى" أرفع "الصلات" بكسر الصاد، جمع صلة بمعنى الإحسان من

وسبق نبوته في الأزمان الأزلية، وثبوت رسالته في الغايات الأحدية، والتبشير بأحمديته في الأزمان الخالية، والتذكير بمحمديته في الأمم الماضية، وإشراق بوارق لوامع أنوار آيات ولادته التي سار ضوء فجرها...................................

_ وصل، والهاء عوض من الواو المحذوفة، كما في النهاية، وهذه النبذة وإن كانت قليلة في نفسها، لكنها محيطة في نوعها فريدة في فنها جامعة في شأنها. "و" تنبئ عن "سبق نبوته في الأزمان الأزلية" القديمة وآدم بين الروح والجسد "وثبوت رسالته في الغايات الأحدية" المنسوبة للأحد، قال الكاشي في لطائفه: الغايات يعني بها ما يتم به ظهور الكمال المختص بكل شيء بالنسبة إلى ما كان له من ذلك الكمال في حضرة العلم الأزلي، كما هو الحال من كون الغاية من السرير الجلوس عليه، والقلم الكتابة به. قال: وهكذا لكل موجود إنسانًا أو غيره غايات، انتهى. "والتبشير بأحمديته" أي: صفاته المحمودة، ومنها أن اسمه أحمد "في الأزمان الخالية" وقد روى أبو نعيم والطبراني أن في التوراة عبدي أحمد المختار, وفي التنزيل عن عيسى {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} "والتذكير بمحمديته في الأمم الماضية" المتبادر بأن اسمه محمد عليه السلام. "و" تنبئ عن "إشراق بوارق" جمع بارق، قال المجد: سحاب ذو برق، "لوامع أنوار آيات ولادته" من نار ينور إذا نفر ومنه نوار للظبية، وبه سميت المرأة فوضع له لانتشاره أو لإزالة الظلام كأنه ينفر منه، ويطلئق على الله والمصطفى والقرءان "التي سار ضوء فجرها" قيل: الضوء أبلغ من النور؛ لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] ، وعليه الزمخشري إذ قال: الإضاءة فرط الإنارة، ورد بأن ابن السكيت سوى بينهما، وأجيب بأن كلامه بحسب أصل الوضع، وما ذكر بحسب الاستعمال، كما في الأساس. والتحقيق ما في الكشف: أن الضوء فرع النور وهو الشعاع المنتشر، ولذا أطلق النور على الذوات دون الضوء، وفي الروض الأنف في قول ورقة: ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن يموجا ما يوضح الفرق بينهما، وأن الضياء الشعاع المنتشر عن النور، فالنور أصله ومنه مبدؤه وعنه يصدر، قال تعالى: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ، {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً} لأن القمر لا ينتشر عنه ما ينتشر عنها، لا سيما في طرفي الشهر, ولذا سمى الله القمر نورًا دون ضياء فعلم أن بينهما فرقًا لغة واستعمالا، وأصل الفجر الشق الواسع، قال الراغب: ومنه قيل للصبح فجر لكونه فاجر الليل.

في سائر بريته، ودار بدر فخرها في أقطار ملته، وعواطف لطائف رضاعه وحضانته، وينابيع أسرار سر مسراه وبعثته وهجرته، وعوارف معارف عبوديته الساري عرف شذاها في آفاق قلوب أهل ولايته، ونفائس أنفاس أحواله الزكية، ودقائق حقائق سيرته العلمية، إلى حين نقلته لروضة قدسه الأحدية، وتشريفه بشرائف الآيات، وتكريمه بكرائم المعجزات، وترفيعه في آي التنزيل برفعه ذكره، وعلو خطره، وتعظيم محاسن................

_ "في سائر بريته" خليقته من برأ النسمة فيجوز همزه وتخفيفه وهو أفصح وأكثر، وهو يدل على أنه غير معتل من البري بمعنى التراب، كما ذهب إليه بعض اللغويين. "ودار بدر" اسم القمر ليلة الرابع عشر لمبادرته بالطلوع غروب الشمس، أو لتمام عدده من البدرة، كما مر "فخرها" بفاء وخاء معجمة، مصدر كالفخار، أي: المباهاة. "في أقطار" نواحي "ملته" قال الراغب: هي اسم لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه، ليتوصلوا به إلى جواره، والفرق بينها وبين الدين: أن الملة لا تضاف إلى الذي تستند إليه، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد الأمة ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها. كذا قال، "و" تنبئ عن "عواطف لطائف رضاعه وحضانته" بفتح الحاء وكسرها؛ كما في المصباح، "وينابيع" عيون "أسرار سر مسراه وبعثته وهجرته" من مكة إلى طيبة، "وعوارف معارف عبوديته الساري عرف" أي: ريح "شذاها" جمع شذاة، وهو في الأصل كسر العود بكسر ففتح، أي: العود الذي يتبخر به وهو مكسر لكونه أقوى في الرائحة، ويطلق على الرائحة نفسها. والمراد هنا المعنى الأول لئلا يتحد المضاف والمضاف إليه. "في آفاق" نواحي "قلوب أهل ولايته" الموالين له باتباع أوامره واجتناب نواهيه واقتباس هداه. "و" تنبئ عن "نفائس" جمع نفيس، أي: جلائل "أنفاس أحواله الزكية" التي لا يدانيه فيها مخلوق "ودقائق" جمع دقيقة من الدقة خلاف الغلظة أو صغر الجرم "حقائق سيرته العلية" هي هيئة السير جمعها سير، ثم خصت بحاله في غزواته ونحوها "إلى حين نقلته لروضة قدسه" الجنة "ألأحدية" المنسوبة للأحد سبحانه، لابتداعه لها وجعلها مختصة بالموحدين محرمة على غيرهم. "و" تنبئ عن "تشريفه بشرائف الآيات" العلامات الدالة على نبوته -صلى الله عليه وسلم، "و" عن "تكريمه بكرائم المعجزات" المور المعجزة للبشر الخارقة للعادة "وترفيعه في آي التنزيل" بمد الهمزة وتخفيف الباء، جمع آية أو اسم جنس جمعي لها "برفعة ذكره وعلو خطره" بفتح الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة: قدره ومنزلته، "وتعظيم" توفير وتكريم "محاسن" جمع حسن على

شمائله وخلائقه، وتخصيصه بعموم رسالته، ووجوب محبته واتباع طريقته وسيادته الجامعة لجوامع السؤدد في مشهد مشاهد المرسلين، وتفضيله بالشفاعة العظمى، العامة لعموم الأولين والآخرين، إلى غير ذلك من عجائب آياته ومنحه، وغرائب أعلام نبوته وحججه. أوردتها حججًا قاهرة على الملحدين، وذكرى نافعة للموحدين..................

_ خلاف القياس، أو جمع مفرد مقدر لم يسمع كمحسن بزنة مقعد أو لا واحد له، وهي الأمر الحسن مطلقًا، أو الحسن الخفي، "شمائله" جمع شمال بالكسر، أي: أخلاقه وصفاته المحمودة "وخلائقه" جمع خلق؛ كقول حسان: إن الخلائق فاعلم شرها البدع ولم يذكره صاحب القاموس في جموع خليقة. "وتخصيصه بعموم رسالته" مع الجواب عن نوح وآدم عليهما السلام، "و" تنبئ عن "وجوب محبته و" وجوب "اتباع طريقته" في غير ما اختص به "و" تنبئ عن "سيادته الجامعة لجوامع السؤدد" بالضم أنواع السيادة "في مشهد مشاهد المرسلين" في الدنيا كاقتدائهم به ليلة الإسراء، والأخرى فآدم فمن سواه تحت لوائه، "وتفضيله بالشفاعة العظمى" في فصل القضاء بين الخلق "العامة لعموم الأولين والآخرين" التي يتنصل منها رؤساء الأنبياء، حتى يقوم لها "إلى غير ذلك من عجائب آياته" جمع آية، وهي العلامة، "ومنحه" بكسر ففتح جمع، أي: عطاياه، "وغرائب أعلام" جمع علم بفتحتين، العلامة المنصوبة في الطريقة ليعرف بها، ولذا سميت نصبًا، ويكون بمعنى الجبل أيضًا لأنه يهتدي به؛ كما قالت الخنساء: إن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار وفي قولها: صخر، وهو اسم أخيها لطيفة اتفاقية لمناسبة الجبل. "نبوته" عرفها إمام الحرمين بأنها صفة كلامية، هي قول الله تعالى: هو رسولي وتصديقه بالأمر الخارق، ولا تكون عن قوة في النفس كما قاله الحكماء، ولا عن رياضة يحصل بها الصفاء فيحصل التجلي في النفس، كما قاله بعض الصوفية، ولا عن قربان الهياكل السبعة كما زعمه المنجمون، ولا هي بالإرث، كما قال بعض أهل البيت وأتباعهم، ولا هي علم الإنسان بربه لأنه عام، ولا علم النبي بكونه نبيًا لتأخره بالذات، انتهى. "وحججه" براهينه "أوردتها حججًا قاهرة" صفة لحجج، أي: مانعة لهم من المعارضة، "على الملحدين" متعلق بحجج فلا حاجة لدعوى التضمين في قاهرة "وذكرى نافعة" أي: أسبابًا مذكرة "للموحدين" خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها كما في قوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى

وتنبيهًا لعزائم المهتدين، ولم أكن -والله- أهلًا لذلك، ولم أر نفسي فيما هنالك، لصعوبة هذا المسلك، ومشقة السير في طريق لم يكن لمثلي يسلك، وإنما هو نكتة سر قراءتي كتاب "الشفا" بحضرة التخصيص والاصطفا.............

_ ت َنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] ، "وتنبيها" إيقاظًا "لعزائم" جمع عزيمة وعزمة اجتهاد "المهتدين" جمع مهتدي. "ولم أكن والله أهلًا" أي: مستحقًا، "لذلك" التأليف من قولهم هو أهل للإكرام، أي مستحق له "ولم أر نفسي فيما هنالك لصعوبة" مصدر صعب، "هذا المسلك ومشقة السير في طريق" يذكر في لغة نجد وبه جاء القرءان في قوله تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} [طه: 77] ، ويؤنث في لغة الحجاز، "لم يكن لمثلي يسلك" يقال سلكه وأسكله، قال: وهم سلكوك في أمر عصيب وهذا من تواضع المصنف، وإلا فهو من العلماء العاملين أصحاب التصانيف المفيدة والباع العالي واليد المديدة، إلا أن عادتهم جرت بمثل هذا في التأليف خصوصًا، في باب السنة "وإنما هو نكتة" كنقطة جمعها نكت، كنقط، ويجمع أيضًا على نكات كبقعة وبقاع، وعليه اقتصر القاموس. وسمع أيضًا نكات بالضم، وهي في الأصل فعلة من النكت وهو النبش الخفيف في التراب بعود ونحوه، وتفعل إذا فكر في أمر خفي فنقلت للمعنى الدقيق النادر والكلام القليل الحسن لتأثيره في النفس أو احتياجه لفكر وتأمل، "سر" أي: خالص، "قراءتي كتاب الشفا" بتعريف حقوق المصطفى للإمام الشهير الجهبذ العلامة الفقيه المفسر الحافظ البليغ الأديب: عياض بن موسى بن عياض اليحصبي البستي المالكي، وشهرته تغني عن ترجمته رحمه الله. وكتابه هذا ذكر ابن المقري اليمني في ديوانه أنه شوهد بركته حتى لا يقع ضرر لمكان هو فيه، ولا تغرق سفينة كان فيا، وإذا قرأه مريض شفي. وقال غيره: إنه جرب قراءته لشفاء الأمراض، وفك عقد الشدائد، وفيه أمان من الغرق والحرق والطاعون ببركة المصطفى، وإذا صح الاعتقاد حصل المراد "بحضرة" ذي "التخصيص" قال الراغب: هو تفرد بعض الشيء بما لا تشاركه فيه الجملة. "والاصطفا" صلى الله عليه وسلم افتعال من الصفوة بالفتح والكسر، وهي: الاختيار، قال في النهاية حضرة الرجل قربه، وتكون بمعنى المجلس والفناء. وفي النسيم استعمله الكتاب في الإنشاء للتعظيم كالمقام العالي وحضرة الخليفة تأدبًا

في مكتب التأديب والتعليم في مشهد مشاهد المؤانسة والتكريم، مستجليًا في مجالي تجليات الأنوار الأحمدية، محاسن صفات خلقته، وعظم أخلاقه الزكية، سائرًا بسر سيرته في منهاج ملته إلى سماء هديه الأسنى، رائعًا في رياض روضة سننه النزهة الحسنى، مستمدًا من فتح الباري..............

_ بإضافة ماله لمحله "في مكتب التأديب والتعليم" قال شيخنا: أي بين روضة النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره, وكان المصنف يقرأه للناس هناك "في مشهد مشاهد المؤانسة والتكريم" ولقد صدق المصنف رحمه الله فإنه في هذا الكتاب اقتبس من أنوار الشفا، وتعلق بأذياله في غالب التقسيم والأبواب، حتى إنه اقتفى في صدر الخطبة، فقال المنفرد مع ما فيه من النزاع، منشدًا بلسان حال الاتباع. وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد "مستجليًا" أي: مستكشفًا، "في مجالي تجليات الأنوار الأحمدية محاسن صفات خلقته وعظم أخلاقه الزكية" فإنها قاطعة بأنه حائز لجميع صفات الحسن متصفًا بها على أكمل وجه، يليق به خَلقًا وخُلقًا وما بعد قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ، مطلب "سائرًا بسر سيرته" طريقته وهيئته وحالته "في منهاج ملته" النهج والمنهج والمنهاج الطريق الواضح، "إلى ساء هديه الأسنى" الأرفع "رائعًا" منبسطًا أو لاهيًا أو متسعًا من الرتعة، قال الهروي: بسكون التاء وفتحها اتساع في الخصب، وكل مخصب مرتع، يقال: رتعت الإبل وأرتعها صاحبها، وقوله تعالى: "نَْتَعْ وَنَلْعَبْ"، قال أبو عبيد: نلهو، وابن الأنباري: أي هو مخصب لا يعدم ما يريده وغيره نسعى وننبسط، وقيل: نأكل، انتهى ملخصًا. "في رياض روضة" هو الموضع المعجب بالزهور، وجمعها ما أضيف إليها، وروضات بسكون الواو للتخفيف؛ كما في قوله تعالى: {فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ} [الشورى: 22] ، وهذيل بفتح الواو على القياس، قيل: سميت بذلك لاستراضة المياه السائلة إليها، أي: لسكونها بها, وفي الغريبين الروضة، أي: في الأصل الموضع الذي يستنقع فيه الماء، ويقال للماء نفسه روضة، قال: وروضة سقيت منها نضرتي أراد ما اجتمع في غدير، انتهى. "سننه" جمع سنة، وهي الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمة "النزهة" قال الزمخشري: أرض نزهة ذات نزهة، وخرجوا يتنزهون: يطلبون الأماكن النزهة والنزه مثل غرفة وغرف، ذكره في المصباح. "الحسنى" تأنيث الأحسن، "مستمدًا من فتح" مصدر فتح،

فيض فضله الساري، فمنحني صاحب هذه المنح من مصون حقائقه، وأبرز لي مما أكنه من مكنون رقائقه، فانفتحت بالفتح المحمدي عين بصيرة الاستبصار، وتنزه الناظر في رياض ارتياض رقائق الأسرار، فاستجليت من أبكار مخدرات السنة النبوية من كل صورة معناها، واقتبست من تلألؤ مصباح مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها، ..............

_ "الباري" أي: من عطاء الله تعالى وفيه تورية بذكر اسم الكتاب الذي هو شرح الحافظ ابن حجر على البخاري، فالأخذ منه من جملة عطاء الله ولا يشك من أحاط بهذا الكتاب. وبشرح البخاري للحافظ أن نحو نصف هذا الكتاب منه بعزو ودونه "فيض" مصدر فاض الماء، كثر حتى سال كالوادي. "فضله الساري فمنحني صاحب هذه المنح من مصون"، وزنه مفعول نقص العين كما في المصباح، أي: محفوظ. "حقائقه" جمع حقيقة وقد مر معناها لغة، وإنها عند أرباب السلوك العلوم المدركة بتصفية الباطن "وأبرز" أظهر ظهورًا تامًا، وأصله جعله على براز بالفتح، أي: مكان مرتفع، "لي مما أكنه" أخفاه "من مكنون رقائقه" جمع رقيقة، وهي اللطيفة الروحانية، وتطلق على أواسطة اللطيفة الرابطة بين الشيئين، كالمدد الواصل من الحق إلى العبد، وتطلق الرقائق على علوم الطريقة والسلوك، وما يلطف به سر العبد وتزول كثافة النفس، "فانفتحت بالفتح المحمدي عين بصيرة الاستبصار"، قال ابن الكمال: البصيرة قوة للقلب المنور بنور القدس، ترى حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر للعين ترى به صورة الأشياء وظاهرها. وقال الراغب: البصر الجارحة كلمح البصر والقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، انتهى. "وتنزه الناظر في رياض" أصل التنزه التباعد عن المياه الأرياف، ومنه فلان يتنزه عن الأقذار، أي: يباعد نفسه عنها، ولذا قال ابن السكيت: قول الناس إذا خرجوا إلى البساتين خرجنا نتنزه غلط قال ابن قتيبة: وليس بغلط، لأن البساتين في كل بلدة إنما تكون خارج البلد، فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل والبيوت، ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر والجنان، انتهى. "ارتياض رقائق الأسرار" جمع سر وهو الحديث المكتتم في النفس، وكنى به عن النكاح السر من حيث إنه يكتم، واستعير للخالص، فقيل: هو في سر قومه. "فاستجليت من أبكار" جمع بكر خلاف الثيب رجلا كان أو امرأة، كما في المصباح "مخدرات" مستورات، "السنة النبوية من كل صورة" تمثال، "معناها واقتبست" أصبت "من تلألؤ مصباح" القنديل أو الفتيلة مأخوذة من الصباح أو الصباحة "مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها" أكثرها ضوءا والبارقة، لغة كل ما لمع، والسيف للمعانه وفي اصطلاح الصوفية لائحة

واستنشقت من كل عبقة صوفية شذاها، واجتنيت من أفنان لطائف تأويل أي الكتاب العزيز من كل ثمرة مشتهاها، ولازلت في جنات لطائف هذه المنح أغدو وأروح، في غبوق وصبوح، حتى انهلت غمائم المعاني على أرباض.............

_ ترد من جانب القدس وتنطفئ سريعًا، وهو من أوائل الكشف ومبادئه، ذكره في التوقيف. "واستنشقت" شممت "من كل عبقة" أي: نكتة تشبه الطيب "صوفية" كلمة مولدة، كما في المصباح. "شذاها" رائحتها. وفي المصباح: قالوا ولا يكون العبق إلا الرائحة الطيبة الذكية، انتهى. منسوبة إلى التصوف، وهو تجريد القلب لله، واحتقار ما عداه بالنسبة لعظمته، وإلا فاحتقار نبي كفر، وقيل فيه غير ذلك، مما عبر فيه كل على مقداره، وقد ألف الأستاذ أبو منصور البغدادي كتابًا في معنى التصوف والصوفي، جمع فيه من أقوال الطريق زهاء ألف قول، مرتبة على حروف المعجم. "واجتنيت" بمعنى جنيت الثمرة، كما في المصباح، "من أفنان" أغصان جمع فتن محركة، وجمع الجمع أفانين، كما في القاموس. "لطائف تأويل"، قال ابن الكمال: هو صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى يحتمله، إذا كان المحتمل الذي يراه موافقًا للكتاب والسنة؛ كقوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [الأنعام: 95، يونس: 31، الروم: 19] ، إن أريد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرًا، أو إخراج المؤمن من الكافر، أو العالم من الجاهل كان تأويلا، انتهى. "آي الكتاب العزيز" القوي الغالب على كل كتاب بمعانيه وإعجازه، ونسخه أحكامها، أو العظيم الشريف، أو الذي لا نظير له في الكتب، أو الممتنع من مضاهاته لإعجازه أو التغيير والتحريف لحفظ الله له، "من كل ثمرة" مؤنثة مفردة ثمرات مثل قصبة وقصبات "مشتهاها" مشتاقها. "ولا زلت" معناه ملازمة الشيء، "في جنات" جمع جنة على لفظها، وتجمع أيضًا على جنان، أي: حدائق. "لطائف هذه المنح" العطايا "أغدو" أذهب وقت الغداوة، وفي الأصل: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان، ومنه الحديث: "اغد يا أنيس"، أي: انطلق "وأروح"، قال ابن فاس: الرواح رواح العشي وهو من الزوال إلى الليل. "في غبوق" بمعجمة، قال في القاموس: كصبور ما يشرب بالعشي، "وصبوح" بالفتح شرب الغداة "حتى انهلت غمائم" جمع غمامة، أي: سحائب "المعاني على أرباض" جمع ربض بفتحتين، وهو ما حول المدينة.

رياض المباني، فأينعت أزهارها، وتكللت بنفائس جواهر العلوم أوراقها، وطابت لمجتني رقائق الحقائق ثمارها، وتدفقت حياض بدائع ألفاظها، بزلال كلماتها، وخطب خطيب قلوب أبناء الهوى، على منبر الغرام الأقدس، يدعو لكمال محاسن الحبيب الأرأس، فترنحت بسلاف راح الارتياح نفائس الأرواح، وتمايلت بمطربات ألحان الحنين إلى جمال المحبوب كرائم الأشباح، وزمزم مزمزم الصفا، بحضرة خلاصة أولي الوفا، منشدًا مرددًا:

_ وفي نسخة: على أرض "رياض المباني" ونسخة أرض أنسب بقوله: "فأينعت" بالألف أكثر استعمالا من ينعت، أي: أدركت "أزهارها" جمع زهر، قالوا: ولا يسمى زهرا حتى يتفتح. وقال ابن قتيبة: حتى يصفر. "وتكللت بنفائس جواهر" جمع جوهر على زنة فوعل "العلوم أوراقها" جمع ورق بفتحتين "وطابت" لذة وحلت "لمجتني رقائق الحقائق ثمارها" جمع ثمر بفتحتين مذكر وجمع الجمع أثمار "وتدفقت" انصبت بشدة "حياض" جمع حوض الماء، ويجمع أيضًا على أحواض، وأصل حياض الواو ولكن قلبت ياء للكسرة قبلها، كما في المصباح. "بدائع ألفاظها بزلال كلماتها" في القاموس ماء زلال كغراب إلى أن قال سريع المر في الحلق بارد عذب صاف سهل، "وخطب" بابه قتل وعظ "خطيب" مفرد خطباء "قلوب أبناء الهوى" بالقصر مصدر هويته إذا أحببته وعلقت به "على منبر" بكسر الميم على التشبيه باسم الآلة من النبر، قال ابن فارس: النبر في الكلام الهمز وكل شيء رفع فقد نبر ومنه المنبر لارتفاعه، "الغرام" وهو ما يصيب الإنسان من شدة ومصيبة "الأقدس" الأطهر "يدعو" ينادي ويطلب الإقبال، "لكمال محاسن الحبيب" في المصباح يستعمل الكمال في الذوات وفي الصفات، يقال: كمل إذا تمت أجزاؤه، وكملت محاسنه، "الأرأس" بالهمز، أي: الشريف القدر "فترنحت" تمايلت "بسلاف" بالضم بخمر "راح" هو أيضًا الخمر، فالإضافة بيانية "الارتياح" الراحة "نفائس الأرواح" جمع روح يذكر ويؤنث، قاله ابن سيده والجوهري، وقال ابن الأعرابي وابن الأنباري: الروح والنفس واحد، غير أن العرب تذكر الروح وتؤنث النفس، "وتمايلت بمطربات" من الطرب، وهو الخفة لشدة حزن أو سرور، "ألحان" جمع لحن، قال في القاموس: من الأصوات المصوغة الموضوعة، ويجمع أيضًا على لحون، "الحنين" المشتاق، "إلى جمال المحبوب كرائم" جمع كريمة، أي: نفائس، "الأشباح" الأشخاص. "وزمزم" في القاموس الزمزمة، الصوت البعيد له دوي، "مزمزم الصفا" الخلوص من الكدر "بحضرة خلاصة" بالضم "أولي الوفا منشدًا" إنشاد الشعر قراءته، "مرددًا:

حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه ... حبسي نعيم زال عنه حسيبه داوى فؤادي الوصل من أدوائه ... طوبى لقلبي والخبيب طبيبه صدق المحب حبيبه في حبه ... فحباه صدق الحب منه حبيبه لباه لب فؤاده فأجابه ... لما دعاه إلى الغرام وجيبه ولجامع الأهواء حيعل حبه ... ........................

_ "حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه" هو الحافظ، إما لمراعاة رقبة المحفوظ، وإما لرفعة رقبته وغيبته من أجل المنح ونهاية الصفاء، فإن ملازمته أمر يضني ومرض يفني، مع أنه هو المبتلي؛ لأنه سهر وتعب وضاع زمانه وذاب فؤاده، بلا فائدة والعاشق يجد في الغرام لذة عليه عائدة، ولذا قال: أحب العذول لترديده ... حديث الحبيب على مسمعي وأهوى الرقيب لأن الرقيب ... أراه إذا كان حبي معي "حسبي" كافي "نعيم زال" ذهب "عنه حسيبه" عاده، "داوى فؤادي الوصل" ضد الهجر، "من أدوائه" متعلق بفؤادي جمع داء مثل باب وأبواب "طوبى" فعلى من الطبيب أي فرح وقرة عين "لقلبي والحبيب طبيبه" مداويه "صدق المحب حبيبه في حبه" بضم الحاء، قال الحرالي: هو إحساس بوصلة، لا يدرى كنهها "فحباه" أعطاه، "صدق الحب منه حبيبه" فاعل حبي "لباه لب" خالص "فؤاده" في المصباح لب كل شيء خالصه ولبابه مثله، "فأجابه لما دعاه إلى الغرام وجيبه" بالجيم، أي: سببه القوي وهو ميل قلبه ومحبته، "ولجامع الأهواء" جمع هوى مقصور وجمع الممدود أهوية، وقد تطرف من قال: جمع الهواء مع الهوى في أضلعي ... فتكاملت في مهجتي ناران فقصرت بالممدود عن وصل الظبا ... ومددت بالمقصور في أكفاني "حيعل حبه" الحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة، إلا أن تؤلف من كلمتين كالحيعلة، قاله الدميري، ونقل المازري عن المطرز في كتاب المواقيت وغيره: أن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة: بسمل إذا قال باسم الله، وسبحل إذا قال سبحان الله، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل إذا قال حي على الفلاح، وحمدل إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال لا إله إلا الله، وجعفل إذا قال جعلت فداك، زاد الثعلبي طبقل إذا قال أطال الله بقاك، ودمعز إذا قال أدام الله عزك. انتهى. وفي قصيدة الشاطبي حسبل، وقبله شراحه وظاهرهم أنها مسموعة، وقول المازري حيصل

........................... ... ولحسنه خطب القلوب خطيبه فلما سمعت هذه المواهب آذان قلوب أولي الألباب، تلفتت عيون أعيانهم لتلخيص خلاصة جوهر هذا الخطاب، في سفر يسفر عن وجه المنح النبوية منيع النقاب،

_ إذا قال حي على الصلاة قياسًا على حيعل، رده عياض بأن حيعل يطلق عليهما معًا لأنها من حي على كذا ولو صح قياسه لقيل في حي على الفلاح الحيفلة، فكيف وهذا باب مسموع لا يقاس عليه، انتهى. "ولحسنه خطب القلوب خطيبه " "فلما سمعت هذه المواهب آذان" جمع أذن بضمتين ويسكن تخفيفًا مؤنثة، "قلوب" ذكر ابن العماد في كشف الأسرار أن للقلب أذنين يسمع بهما، كما في الرأس أذنان "أولي الألباب" جمع لب، قال الراغب: وهو العقل الخالص من الشوائب سمي به لكونه خالص ما في الإنسان من قواه كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زكا من العقل، فكل لب عقل ولا عكس، ولهذا علق الله الأحكام التي لا يدركها إلا العقول الزكية بأولي الألباب نحو: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} [البقرة: 269] ، إلى {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269, آل عمران: 7] ، وقال الحر: إلى اللب باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ الحقائق من الملحوظات، وقال ابن الكمال: هو العقل المنور بنور القدس الصافي عن قشور الأوهام والتخيلات، واللب عند الصوفية، قال بعضهم: ما صين من العلوم عن القلوب المعلقة بالكون، "تلفتت" عطفت وصرفت، قال الزمخشري: لفت رداءه على عنقه عطفه، "عيون أعيانهم" جمع عين، أي: أعين القلوب، فللقلب عين كما أن للبدن عينًا، قاله الراغب. "لتلخيص" هو استيفاء المقاصد بكلام وجيز. "خلاصة جوهر هذا الخطاب" وهو القول الذي يفهم المخاطب بالكسر المخاطب به شيئًا، وأما أحسن جعله تلفت العيون بعد السماع، فهو على حد قوله: يا قوم أذني لبعض البحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانًا قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم ... الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا "في سفر" بالكسر، كتاب كبير جمعه أسفار، وسفر الكتاب كتبه، والسفرة الكتبة، ذكره الزمخشري. وقال الراغب: السفر الكتاب الذي يسفر عن الحقائق، انتهى. "يسفر" من أسفر كشف مطلقًا، وقول القاموس: سفرت المرأة تمثيل لا تقييد، كما في النسيم، أي: يكشف "عن وجه المنح النبوية" الوجه الذي به المواجهة، ويكون بمعنى الجهة المقصودة، ويستعار لخيار الشيء وأوله ورأسه ومفعول يسفر، هو "منيع النقاب"؛ ككتاب جمعه نقب ككتب من إضافة

فأطلقت عنان القلم إلى تحصيل مآربهم، وتسطير مطالبهم، جانحًا صوب الصواب، مودعًا ما كان مستودعًا لي في غيابات الغيب في هذا الكتاب..................

_ الصفة للموصوف، أي: النقاب المنيع. "فأطلقت" من أطلقت الأسير إذا خليت عنه فذهب في سبيله، أي: أرسلت "عنان" ككتاب لجام الدابة من عن يعن اعترض، سمي به لأنه يعن، أي: يعترض الفم فلا يدخله إلا بمحاولة الإدخال. ويقال: جاء ثانيًا عنانه، إذا قضى وطره، وهو ذليل العنان منقاد؛ وفلان طويل العنان، إذا لم يرد عما يرومه لشرفه، "القلم" الذي يكتب فعل بمعنى مفعول؛ كحفر ونقض وخبط، ولذا قالوا: لا يسمى قلما إلا بعد البري وقبله قصبة. قال الأزهري: وسمي السهم قلما لأنه يقلم، أي يبرى، وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شيء فقد قلمته، انتهى. وفي كثير النسخ بدل فأطلقت فثنيت، وفي المصباح ثنيته عن مراده إذا صرفته، فالمعنى هنا صرفت عنان القلم عما كان مشغولا به، "إلى تحصيل" قال ابن فارس: أصل التحصيل استخراج الذهب من المعدن، انتهى. وقال أبو البقاء: التحصيل الإدراك من حصلت الشيء أدركته، وقال غيره: هو إخراج اللب من القشر ومنه: {حُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} ، أي: أظهر ما فيها. "مآربهم" حاجتهم جمع مأربة بفتح الراء وضمها وهي الأرب بفتحتين، والأرب بالكسر: الحاجة، "وتسطير" كتابة "مطالبهم" جمع مطلب في المصباح، يكون المطلب مصدرًا وموضع الطلب "جانحًا" مائلا "صوب" هو المطر تسمية بالمصدر، وصابه المطر صوبًا من باب قال، كما في المصباح. وفي غيره صوب الشيء جهته "الصواب" قال الدماميني: كان المراد به الاستقامة من صاب السهم إذا قصد ولم يحد عن الغرض، والصواب المطر أو نزوله ويمكن أن يرادا هنا على الاستعارة، فأما أن الصواب مشبه بالسحاب فهو استعارة بالكناية وإثبات الصواب له استعارة تخييلية، وأما أنه مشبه بالمطر وأثبت له الصوب المراد به نزول المطر، ووجه التشبيه حصول النفع المبهج للنفوس. وفي صوب الصواب ما يشبه جناس الاشتقاق، انتهى. "مودعًا" بالكسر "ما كان مستودعًا" بالفتح "لي في غيابات" القاموس غيابة: كل شيء ما سترك منه، ومنه غيابات الجب، انتهى. أي: في مستورات "الغيب" وهو ما غاب عنك جمعه غيوب وغياب، كما في القاموس. "في هذا الكتاب" الحاضر في الذهن إن كانت الخطبة قبل تأليفه، والكتاب لغة يدور على الضم، والجمع من جميع وجوهه، وسمى الخط كتابة لجمع الحروف وضم بعضها إلى بعض، ويطلق على اسم الفاعل واسم المفعول. قال الأردبيلي: يطلق الكتاب على مطلق الخط وعلى الكلام المكتوب تسمية لاسم

مستعينًا في ذلك بالقوي الوهاب، حتى أتاح الله لي ذلك، وتمم ما هنالك، فأوضحت ما خفي من الدليل، ومهدت ما توعر من السبيل. وسميته: "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" ورتبته على عشرة مقاصد تسهيلا للسالك والقاصد:

_ المفعول بالمصدر، وعلى مطلق الكلام اتساعًا، كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [النساء: 105] ، ثم شاع استعماله في التعارف، فيما جمع فيه الألفاظ الدالة على نوع من المعنى أو أكثر لما بين المصدر والمكان من التعلق الخاص، فيقال: أتأتي كتاب عن فلان وسيرت إلى فلان كتابًا ومنه اذهب بكتابي هذا، وأما في عرف المؤلفين فيطلق تارة على مكتوب مشتمل على حكم أمر مستقل منفرد عن غيره، وعن آثاره ولواحقه وتوابعه وأسبابه وشروطه، وتارة على مكتوب مشتمل على مسائل علم أو أكثر، وقد يسمى ذلك المكتوب باسم خاص وهو المراد هنا، "مستعينًا في ذلك بالقوي" الذي لا يلحقه ضعف في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا يمسه نصب ولا لغب ولا يدركه قصور ولا تعب، "الوهاب" كثير النعم ذي العطايا سبحانه، من الهبة، وهي العطية بلا سبب سابق ولا استحقاق ولا مقابلة ولا جزاء. "حتى أتاح" بفتح الهمزة الفوقية فألف فحاء مهملة، أي: يسر "الله لي ذلك وتمم ما هنالك فأوضحت" كشفت وجليت "ما خفي" استتر، "من الدليل" اسم فاعل وهو في الأصل المرشد والمكاشف "ومهدت" سلت "ما توعر" صعب "من السبيل" الطريق يذكر ويؤنث. "وسميته المواهب اللدنية" المنسوبة للدن، أي: المواهب التي هي من الله لا ينسب منها لغيره شيء لأن ما جرت العادة بحصول مثله من كسب العبد ينسب له، وما كان بالغًا في النفاسة ينسب إلى الله إشارة إلى أنه لا يمكن حصوله من غيره عادة لعزته، على نحو قول العرب لله دره. قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] ، أي: من عندنا، وهذا هو متعلق الصوفية وأهل السلوك في إثبات العلم اللدني نسبة إلى لدن، وهو إلهام المعرفة بالحقائق الغيبية وغيرها، وقال غيره: العلم اللدني يراد به العلم الحاصل بلا كسب ولا عمل للعبد فيه، سمي لدنيًا لحصوله من لدن ربنا لا من كسبنا. وقد صنف الغزالي كتابًا في بيان هذا وبين فيه كيفية حصوله، وأنه لا يمكن أن يحصل بكسب، وذكر فيه قول علي: لو طويت لي وسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، ولقلت في الباء من بسم الله وقر سبعين جملا. قال: ومعلوم أن عليًا -كرم الله وجهه- إنما أخذه من لدن ربه لا من تعليم بشر، انتهى. ولا يشكل بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما العلم بالتعلم"، رواه ابن أبي عاصم والطبراني والعسكري وغيرهم، وسنده حسن. كما قال الحافظ وجزم به البخاري تعليقًا لجواز أن المراد علم الأحكام والقرآن والأحاديث النبوية، إذ لا طريق إلى معرفتها إلا بالتعليم، فأل، عهدية ولا شك أن عليًا

المقصد الأول

المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام بسبق نبوته في سابق أزليته،

_ كان قد تعلم القرآن والسنة والأحكام قبل أن يقول ذلك "بالمنح" الكاملة "المحمدية" فأل، للكمال، فالتعبير بها أولى بالمدح، فلا يرد أنه يوهم استيعابه جميعها هنا، ولا كذلك "ورتبته" أي: الكتاب، أي المقصود منه بالذات فلا ينافي أن الخطبة مقصودة والترتيب لغة جعل كل شيء في مرتبته، وعرفا جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى بعضها بالتقدم والتآخر، والمراد ألفته مرتبا فأل كونه مشتملا "على عشرة مقاصد" جمع مقصد بالكسر، المقصود من مكان أو غيره، وبما ذكر لا يرد أن ترتيبه عليها يفيد أنه غيرها ضرورة أن المرتب على شيء يغاير ما رتب عليه، "تهسيلا" تليينًا "للسالك والقاصد" اسم فاعل، أي: الآتي، أي: الشارع في قراءة "هذا" الكتاب والطالب للوقوف عليه. "المقصد الأول في" بيان "تشريف الله تعالى" حال لازمة، أي: متعاليًا عما لا يليق بعلى جناب قدسه، قال العكبري: وهو تفاعل من علو القدر والمنزلة هنا، وأصل تفاعل لتعاطي الفعل كتخاشع، وكذا تفعل كتكبر وهما في حقه تعالى بمعنى التفرد لا بمعنى التعالي، انتهى. "له عليه الصلاة والسلام" أي: فيما يدل على شرفه من الأحاديث وغيرها، "بسبق نبوته" أي: تقدمها ولم يشتغل الأكثر بتعريف النبوة والرسالة، بل بالنبي والرسول وقد عرفها إمام الحرمين بأنها صفة كلامية هو قول الله تعالى: هو رسولي، وتصديقه بالأمر الخارق، كما مر. وقال الغزالي: النبوة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره، وهو يختص بأنواع من الخواص، أحدها: أنه يعرف حقائق الأمور المتعلقة بالله وصفاته وملائكته والدار الآخرة، علمًا مخالفًا لعلم غيره، بكثرة المعلومات وزيادة الكشف والتحقيق، ثانيها: أن له في نفسه صفة، بها تتم الأفعال الخارقة للعادة، كما أن لنا صفة تتم بها الحركات المقرونة بإرادتنا وهي القدرة ثالثها: أن له صفة بها يبصر الملائكة ويشاهدهم، كما أن للبصير صفة بها يفارق الأعمى، رابعها: أن له صفة بها يدرك ما سيكون في الغيب، فهذه كمالات وصفات ينقسم كل منها إلى أقسام, انتهى. "في سابق أزليته" قال في التوقيف الأزل: القدم، ليس له ابتداء ويطلق مجازا على ما آل عمره، والأزل: استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، كما أن يد استمراره كذلك في المآل، والأزلي ما ليس مسبوقًا بالقدم وللوجود ثلاثة لا رابع لها، أزلي

ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته في حظائر قدس كرامته، وطهارة نسبه وبراهين أعلام آيات حمله وولادته ورضاعه وحضانته، ودقائق حقائق بعثته وهجرته، ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته، مرتبًا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه.

_ أبدي وهو الحق سبحانه وتعالى، ولا أزلي ولا أبدي وهو الدنيا، وأبدي غير أزلي وهو الآخرة، وعكسه محال، إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه، انتهى. "ونشره" بوزن نصر مصدر نشر، أي: إظهاره "منشور رسالته" أي: أثرها من الأحكام التي هي حياة للعالم، وبهذا التفسير لا يرد أن نشر المنشور من تحصيل الحاصل أو يراد بالمنشور ما من شأنه أن ينشر، فنشره عبارة عن إخراجه من القوة إلى الفعل "في مجلس مؤانسته" أي: مقام رحمته لعباده في الملأ الأعلى، بجعلهم آمنين غير مستوحشين، فالمراد لازم المؤانسة وبالمجلس أيضًا لازمه، وهو مطلق الوجود لتعاليه سبحانه عن الحسي وهو موضع الجلوس، جمعه مجالس ويطلق على أهله مجازًا تسمية للحال باسم المحل، "وكتبه" أي: إثباته، "توقيع" تعلق "عنايته", ومنه قولهم مواقع الغيث مساقطه "في حظائر قدس كرامته" أي: مواضع طهارته، "وطهارة نسبه" عما كان في الجاهلية من نحو السفاح "وبراهين" حجج "أعلام آيات" إضافة بيانية "حمله وولادته" وضعه "ورضاعه" بفتح الراء كرضاعة مصدر أرضع يرضع بفتحتين لغة، كما في المصباح. قال: ولغة نجد رضع رضعًا من باب تعب، ولغة تهامة من باب ضرب، وأهل مك يتكلمون بها. "وحضانته ودقائق حقائق بعثته وهجرته" من مكة إلى طابة بكسر الهاء لغة، مفارقة بلد إلى غيره فإن كانت قربة لله فهي الشرعية، كما وقع لكثير من الأنبياء. "ولطائف معارف مغازيه" جمع مغزاة "وسراياه" جمع سرية وتجمع أيضًا على سريات؛ كعطية وعطايا وعطيات، وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه. "وبعوثه" جمع بعث تسمية بالمصدر، وهو الجيش، كما في القاموس وغيره. وفي كلام المصنف الآتي أنه ما افترق من السرية. "وسيرته" أي: طريقته وهيئته لا ما اصطلح عليه لكونه قدمه حال كوني. "مرتبًا" بالكسر اسم فاعل أو حال كونه مرتبًا بالفتح اسم مفعول أو هو مفعول ثان لجعل مقدرة، أي: وجعلته مرتبًا "على السنين" فيقدم ما وقع في الأولى ثم الثانية وهكذا، وإن كان الأنسب ذكره من حيث ما ينضم إليه في غيره -وهذا أغلبي- لذكره كفاية المستهزئين بعد الأمر بالصدع، لمناسبة كون آيته بعد تلك الآية، وإن كان غيره إنما ذكره قبل انشقاق القمر وكذكره بعض ما وقع للمسلمين من أذى الكفار بعد إسلام حمزة وبعث المشركين إلى اليهود، "من حين نشأته" أي: وجوده، "إلى وقت" زمن "وفاته" أي: موته، "ونقلته" تحوله "لرياض روضته صلى الله عليه وسلم وعلى آله

المقصد الثاني

المقصد الثاني: في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال أخلاقه المنيفة، وأولاده الكرام الطاهرين وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأعمامه وعماته، وإخوته من الرضاعة، وجداته وخدمه ومواليه وحرسه، وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام ومؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه، وآلات حروبه، ودوابه، والوافدين إليه صلى الله عليه وسلم وفيه عشرة فصول.

_ وأزواجه" جمع زوج على اللغة العالية التي جاء بها القرآن، نحو {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35، الأعراف: 19] ، وبالهاء لغة نجدية تكلم بها أهل الحرم، قال أبو حاتم وغيره، وجمعها زوجات، وقول ابن السكيت: أهل الحجاز بلا هاء، وباقي العرب بالهاء فيه نظر، فقد قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة. "وأصحابه" كذا في النسخ، والمناسب للسجع وصحابته. "المقصد الثاني: في ذكر أسمائه" في الفصل الأول منه "الشريفة" مع شرح بعضها "المنبئة" صفة لازمة بين بها دلالة جميعها "على" وفي نسخة عن "كمال أخلاقه" سجاياه، "المنيفة" الزائدة في الكمال على غيرها من قولهم أنافت الدراهم على المائة زادت، ووجه إثباتها من الأسماء التي هي صفات إن أريد بها معنى الوصفية، كالمزمل والمتوكل ظاهر، وأما الأعلام المنقولة كمحمد فباعتبار المعنى اللغوي لا سيما وقد لوحظ ذلك في الوضع، إذ جعل سبب التسمية أو باعتبار أنه يفهم ذلك المعنى منها عند الاستعمال، بالنظر لخصوص أسماء المصطفى، وإن كانت الأعلام بحسب الوضع إنما تدل على مجرد الذات. "و" الفصل الثاني في ذكر "أولاده الكرام الطاهرين" صفتان كاشفتان "وأزواجه الطاهرات أمهات المؤنين" مع بيان هل يقال لهن أمهات المؤمنات وهو الفصل الثالث، وفيه ذكر سراريه أيضًا، "وأعمامه" جمع عم "وعماته" جمع عمة "وإخوته" آثر جمع المذكر تغليبًا؛ كما في قوله: وإن كان له إخوة، إذ المراد ما يشمل الإناث، كما يأتي في كلامه. "من الرضاعة" قيد لبيان الواقع إذ ليس له أخ ولا أخت من النسب، وقد قال الواقدي: المعروف عندنا وعند أهل العلم أن آمنة وعبد الله لم يلدا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى. "وجداته" وهو الفصل الرابع، "وخدمه" جمع خادم، غلامًا كان أو جارية وبالهاء فيها قليل، "ومواليه وحرسه" وهو الفصل الخامس، "وكتابه" جمع كاتب، "وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع"، جمع شريعة سميت باسم الشريعة، وهي مورد الناس للاستقاء لوضوحها وظهورها، "والأحكام ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام" وهو الفصل السادس وفيه ذكر

المقصد الثالث

المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به من كمال خلقته، وجمال صورته، وكرمه به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية، وما تدعو ضرورة حياته إليه صلى الله عليه وسلم وفيه ثلاثة فصول.

_ أمرائه ورسله. "و" في ذكر "مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه" وهو الفصل السابع، "وآلات حروبه" جمع آلة وهو الفصل الثامن. "و" في ذكر "دوابه" وهو التاسع، "والوافدين إليه صلى الله عليه وسلم" وهو الفصل العاشر، "وفيه عشرة فصول" قد علمتها واستحرت من الكشف. "المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به"، أي: في صفات صيره بها أفضل من غيره، من فضل مخففًا على غيره زاد. "من كمال خلقته"، إيجاد أجزاء بدنه تامة معتدلة المقادير "وجمال صورته" أي: حسنها الظاهر في جسده بتناسب أعضائه وصفاء لونه واعتدال قده، وقيل: المراد حسن وجهه وحسن الصورة أمر محمود يدل على حسن السريرة ويمدح به كمل الرجال، ولذا خطأ الآمدي من اعترض على أبي تمام في وصف ممدوحه بالجمال؛ لأنه يليق بالغزل لما ذكر، فقال في كتاب الموازنة: جمال الوجه وحسنه مما يتمدح به، لأنه يتميز به ويدل على الخصال الممدوحة ويزيد في الهيبة، والدمامة يذم بها لعكس ذلك، وقد غلط فيه من توهم أنه لا يدخل في مدح العظماء، انتهى. وهذا هو الفصل الأول. "و" الثاني: فيما "كرمه" أي: عظمه وميزه على غيره، "سبحانه به من الأخلاق الزكية" جمع خلق وهو الموصوف الذي طبع عليه واكتسبه وجمعه بناء على تعدده، كما صار إليه كثيرون، أو باعتبار ما ينشأ عنه من حميد الأوصاف، "وشرفه" أعلاه "به" على غيره في الكتاب العزيز وغيره، "من الأوصاف المرضية" القائمة به مساوٍ في المعنى لما قبله. "و" الفصل الثالث في "ما تدعو ضرورة حياته إليه" متعلق بتدعو أو بضرورة أو بهما على التنازع، والضرورة شدة الاحتياج باعتبار العادة البشرية، وفي عبارة لطف لإيمائه إلى أنه ليس مضطرًا إليه كغيره، وإنما الضرورة هي التي دعته وطلبته، كما قال البوصيري: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم "صلى الله عليه وسلم، وفيه ثلاثة فصول" علمت.

المقصد الرابع، المقصد الخامس

المقصد الرابع، المقصد الخامس ... المقصد الرابع: في معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته وما خص به من خصائص آياته وبدائع كراماته. وفيه فصلان: المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بلطائف المعراج والإسراء، وتعميما بعموم لطائف التكريم في حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة والآيات الكبرى.

_ "المقدمة الرابعة في معجزاته الدالة على ثبوت نبوته" صفة لازمة لا مخصصة؛ لأن معجزاته كلها دالة على ثبوت، "وصدق رسالته" أي: قوتها، في القاموس الصدق بالكسر الشدة فهو مساوٍ للثبوت فغاير تفننا، أو المراد صدقه في ادعاء الرسالة وهذا الفصل الأول، "و" الثاني في "ما خص به" أي: ثبت له دون غيره من الأنبياء أو أممهم وهو عطف على معجزاته عطف عام على خاص، "من خصائص آياته" من إضافة الصفة للموصوف، أي: آياته الخاصة به أي: الفاضلة في الشرف على غيرها فلا يرد أن شرط المبين أن يزيد على المبين اسم مفعول، "وبدائع كراماته" أي: كراماته البديعة التي تفرد بها من بين المكرمات فالصفة مضافة لموصوفها، والمكرمات أمر أكرم الله به من اصطفاه من عباده المتقين بدون تحد ودعوى نبوة، فتكون للنبي والولي، وأعم من المعجزة لاشتراط مقارنة النبوة والتحدي بالقوة أو بالفعل، فخرج بقولهم أكرم ... إلخ السحر وما يصدر عن الكهنة والشياطين. "وفيه فصلان" علمًا. "المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بلطائف" وفي نسخة بخصائص والتخصيص، قال الراغب: تفرد بعض الشيء بما لا تشاركه فيه الجملة. والأصوليون، قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن به وحمله عليه شيخنا، فقال: أي قصره عليها يعني قصرًا إضافيًا دون غيره من الأنبياء فلا يشكل عليه بكثرة المعجزات، فالصواب التعبير بقصرها عليه لأن يجعله إضافيا يساوي ذلك "المعراج" بكسر الميم وتفتح، المصعد مفعال من العروج، "والإسراء" قال الحافظ الدمياطي الإسراء عبارة عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة للمسجد الأقصى، والمعراج سلم من نور أو من جوهر تصعد فيه الأرواح إلى السماء ويطلق كل منهما على ما يشمل الآخر "ونعيمه" تسويده من عمم الرجل بالبناء للمفعول سود، أي: جعل سيدًا لأن العمائم تيجان العرب، كما في الصحاح، وهو لفظ حديث مرفوع أخرجه الديلمي عن ابن عباس، والقضاعي عن علي بزيادة: والاحتباء حيطانها، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه، وهو ضعيف. وفي نسخة: تكريمه، "بعموم" أي: كثرة "لطائف الكريم في حضرة التقريب" هي عند

المقصد السادس

المقصد السادس: فيما ورد في آي التنزيل من عظم قدره، ورفعة ذكره، وشهادته تعالى له بصدق نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته واتباع سنته وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلا ومنة إن أدركوه ليؤمنن به ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل، بأنه صاحب الرسالة والتبجيل، وفيه عشرة أنواع.

_ الصوفية مقام للكامل المكمل بغير واسطة بشر، وهو النبي يأخذ عن الحق ما به يحصل كمال الحق المخلوق، كما في لطائف الكاشي "بالمكالمة والمشاهدة" لله سبحانه على القول بأنه رآه وهما من أعظم الآيات، فعطفه "والآيات الكبرى" عام على خاص، وأتى بهذا لئلا يتوهم غبي أن المراد القرب المكاني. "المقصد السادس: فيما ورد في آي التنزيل" القرآن، جمع آية، وهي ألفاظ منه ذات مقطع ومبدأ مندرجة في سورة، "من عظم قدره" أي: مقداره وشرف رتبته وتكون بمعنى التعظيم كما في قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] ، أي: عظموه حق تعظيمه في أحد الوجوه فيه "ورفعة" بكسر الراء آخر تاء تأنيث مضاف إلى "ذكره" وإن قرئ رفع بفتح الراء، والضمير للتنزيل فذكره بالنصب "وشهادته تعالى" عما لا يليق بعلى كماله "له بصدق نبوته" والشهادة خبر قاطع، كما في القاموس. "وثبوت بعثته وقسمه" بفتحتين "تعالى على تحقيق رسالته وعلو منصبه" بفتح الميم وكسر الصاد المهملة في كلام العرب، بمعنى: الحسب والشرف، كما ذكره اللغويون واستفاض في كلام الفصحاء، وفي المصباح يقال له منصب وزان مسجد، أي: علو ورفعة، وفلان له منصب صدق يراد به المنبت والمحتد، وامرأة ذات منصب، انتهى. وأما المنصب بمعنى الولايات ففي النسيم أنه مولد لم يرد في كلامهم أصلا؛ كقوله: نصب المنصب أوهى جلدي ... وعنائي من مداراة السفل فكأنه للنصب فيه للنظر في الأمور، أو هو من النصب والحيلة وكذا إطلاقه على ما يوضع عليه القدر مولد. "الجليل" العظيم "ومكانته" عظمته عنده من قولهم كما في المصباح: مكن فلان عند السلطان مكانة، وزان ضخم ضخامة، عظم عنده وارتفع فهو مكين، انتهى. أو استقامته، يقال الناس على مكانتهم، أي: على استقامتهم كما في المختار، وفي النسيم: المكان معروف، فإن زيد فيه الهاء أريد به المرتبة المعنوية؛ كالمنزل والمنزلة. "ووجوب طاعته واتباع سننه"

المقصد السابع

المقصد السابع: في وجوب محبته واتباع سنته، والاهتداء بهديه وطريقته، وفرض محبة آله وأصحابه، وقرابته وعترته وحكم الصلاة والتسليم عليه، زاده الله فضلا وشرفًا لديه، وفيه ثلاثة فصول.

_ طريقته "وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلا منه إن أدركوه ليؤمنن به ولينصرنه والتنويه به" بالجر، أي: يذكره، يقال: ناه بالشيء نوها من باب قال ونوه به تنويهًا رفع ذكره وعظمه، وفي حديث عمر: أنا أول من نوه بالعرب، أي: رفع ذكرهم بالديوان والإعطاء، كما في المصباح. "في الكتب السالفة" الماضية؛ "كالتوراة والإنجيل" قيل: مشتقان من الورى والنجل، ووزنهما تفعلة وأفعيل ورد بأنه تعسف لأنهما أعجميتان، ويؤيده أنه قرئ الإنجيل بفتح الهمزة، وهو ليس من أبنية العرب. "بأنه صاحب الرسالة" العامة على وجه لم يوجد لغيره، "والتبجيل" التعظيم والتوقير، "وفيه عشرة أنواع" الأول: في آيات تتضمن عظم قدره إلى آخره، والثاني: في أخذ الله له الميثاق على النبيين فضلا، والثالث: في وصفه له بالشهادة وشهادته له بالرسالة، والرابع: في التنويه به في الكتب السالفة، والخامسة: في أقسامه على تحقيق رسالته وفيه خمسة فصول، والسادس: في وصفه له بالنور والسراج المنير، والسابع: في وجوب طاعته، والثامن: فيما يتضمن الأدب معه، والتاسع: في رده تعالى على عدوه، والعاشر: في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه متشابهات. وهذا وإن لم يكن شيئًا، ففيه إراحة للخاطر ولئلا يتوهم أنه على نسق ما قبله وعبر هنا، وفي التاسع بأنواع تفننا إذ المراد من الأنواع والفصول واحد. "المقصد السابع: في وجوب محبته, و" وجوب اتباع سنته, و" وجوب "الاهتداء بهديه" ومعنى الوجوب اعتقاد حقية ما أمر به عن الله تعالى، وأما مباشرة الفعل فتختلف في الوجوب والندب والإباحة، ولا يشكل بأن المندوب يجب بالنذر لأمره صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر، كالقرآن فهو من سنته وهديه، "وطريقته" وهذا هو الفصل الأول "وفرض محبة آله وأصحابه وقرابته وعترته" بكسر العين وسكون الفوقية، أي: نسله. قال الأزهري: وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه ولا تعرف العرب م العترة غير ذلك، ويقال: رهطه الأدنون، ويقال: أقرباؤه، ومنه قول أبي بكر

المقصد الثامن، المقصد التاسع

المقصد الثامن، المقصد التاسع ... المقصد الثامن: في طلبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات، وتعبيره الرؤيا، وإنبائه بالأنباء المغيبات، وفيه ثلاثة فصول. المقصد التاسع: في لطيفة من حقائق عبادته، ويشتمل على سبعة أنواع.

_ نحن عترة رسول الله التي خرج منها، وبيضته التي تفقأت عنه. وعليه قول ابن السكيت: العترة والرهط بمعنى، ورهط الرجل قومه وقبيلته الأقربون، وكأنه ذكر فرض للاهتمام بطول الفصل، وغاير في التعبير فلم يقل وجوب تفننًا؛ لأنهما بمعنى عند الأكثرين، ولا يصح حمله هنا على مذهب الفارقين، لأن المقام يأباه، إذا يصير معناه محبة المصطفى بدليل ظني، وآله وما عطف عليه بدليل قطعي وهذا الفصل الثالث باللام، "و" الفصل الثاني بالنون في "حكم الصلاة والتسليم عليه" فرضية وسنية وفضيلة وصفة ومحلا "زاده الله فضلا وشرفًا لديه" عنده, "وفيه ثلاثة فصول". "المقصد الثامن: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض" جمع مرض، وهو كما في المصباح حالة خارجة عن الطبع، ضارة بالفعل، ويعلم من هذا أن الآلام والأورام أعراض عن المرض. وقال ابن فارس: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر. "والعاهات" جمع عاهة في تقدير فعلة -بفتح العين- أو الآفات، وهذا الفصل الأول، "و" الثاني في "تعبيره" تفعيل من عبرت الرؤيا مشددًا للمبالغة وأنكرها الأكثرون، وقالوا الوارد التخفيف؛ كما في قوله: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] ، لكن أثبتها الزمخشري اعتمادًا على بيت أنشده المبرد في الكامل، حيث قال: رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا أي: تفسيره "الرؤيا" بوزن فعلى، وقد تسهل الهمزة، ما يراه الشخص في منامه، "و" الفصل الثالث في "إنبائه بالأنباء" إخبار الأخبار "المغيبات" بإلهام أو وحي، "وفيه ثلاثة فصول. "المقصد التاسع: في لطيفة" من لطف بالضم صغر جسمه لا بالفتح إذا رفق "من حقائق عباداته ويشتمل عى سبعة أنواع" الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والاعتكاف والحج، والسابع نبذة من أدعيته وذكره وقراءته.

المقصد العاشر

المقصد العاشر: في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إليه، وزيارة قبره الشريف، ومسجده المنيف، وتفصيله في الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم، والدرجات العمليات، وتشريفه بخصائص الزلفى في مشاهد الأنبياء والمرسلين، وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، وانفراده السؤدد في مجمع مجامع الأولين والآخرين، وترقيه في جنة عدن أرقى معارج السعادة، وتعاليه في يوم المزيد أعلى معالي

_ "المقصد العاشر: في إتمامه تعالى نعمته عليه" قال الإمام الرازي: النعمة المنفعة على جهة الإحسان إلى الغير، فخرج بالمنفعة المضرة المحضة والمنفعة المفعولة لا على جهة الإحسان إلى الغير، كأن قصد الفاعل نفسه كمن أحسن إلى جاريته ليربح فيها، أو أراد استدراجه بمحبوب إلى ألم أو أطعم غيره نحو سكر أو خبيص مسموم ليهلك فليس بنعمة. وقال الراغب: النعمة ما قصد به الإحسان والنفع، "بوفاته" موته وأصله من توفيت الشيء إذا أخذته كله، قاله أبو البقاء. "ونقلته إليه" وهو الفصل الأول "و" الثاني في "زيارة قبره" هو مقر الميت، وهو في الأصل مصدر قبرته إذا دفنته، وهو هنا بمعنى المقبور فيه، كما في التوقيف. "الشريف" شرفًا ما ناله غيره بحيث صار أفضل البقاع إجماعًا، "ومسجده المنيف" المرتفع في الشرف على غيره، حتى المسجد الحرام أو إلا المسجد الحرام على القولين، "و" الفصل الثالث في "تفضيله" في الآخرة بفضائل الأوليات" أي: بالأمور التي يتقدم وصفه بها على جمع الخلق، ككونه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول من يقرع باب الجنة "الجامعة لمزايا" فضائل "التكريم والدرجات" جمع درجة، أي: المراتب، "العليات وتشريفه بخصائص الزلفى" فعلى من أزلف، أي: القربى، "في مشاهد الأنبياء والمرسلين وتحميده بالشافعة" العظمى العامة، "والمقام المحمود" وهو مقام يقوم فيه للشفاعة العظمى فيحمده فيه الأولون والآخرون، ولا شك أنه مغاير للشفاعة وإن احتوى عليها على كلام فيه مبين. "وانفراده بالسؤدد" بالضم المجد والشرف "في مجمع" بكسر الميم وفتحها، وجمعه "مجامع" يطلق على الجمع وعلى موضع الاجتماع، كما في المصباح. "الأولين والآخرين وترقيه في جنة عدن" إقامة "أرقى معارج" جمع معرج ومعراج، كما مر. "السعادة" وهي كما في التوقيف معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير ويضادها الشقاوة، "وتعاليه في يوم المزيد" وهو يوم الجمعة في الجنة، كما في مسند الشافعي عن المصطفى عن جبريل "أعلى معالي

الحسنى وزيادة. وفيه ثلاثة فصول. والله تعالى جل جده وعز مجده أسأل بوجاهة وجهه الوجيه ونبيه النبيه أن يمدني في هذا الكتاب بمدد الإقبال والقبول، وينيلني ومن كتبه أو قرأه أو سمعه والمسلمين من لطائف العواطف المحمدية لطائف السول، ونهاية المأمول، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

_ "الحسنى وزيادة". قال الراغب: الزيادة أن ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر، وقد تكون زيادة مذمومة كالزيادة على الكفاية، كزائد الأصابع، أو قوائم الدابة، وقد تكون محمودة نحو للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وهي النظر إلى وجه الله. "وفيه ثلاثة فصول" قد علمتها "والله تعالى جل جده" بفتح الجيم وشد الدال تكون بمعنى الحظ والغنى ومنه: ولا ينفع ذا الجد منك الجد، يقال: جد بمعنى عظم، وإسناد التعالي للمبالغة، كجد جده فهو إسناد مجازي أو استعارة مكنية. "وعز" غلب "مجده" المجد: العز والشرف، ففي إسناد العز له المبالغة والله بالنصب قدم على عامله للتخصيص عند البيانيين، والحصر عند النحاة، أي: والله لا غيره. "أسأل بوجاهة" هو الحظ والرتبة "وجهه الوجيه" قال بعض العلماء: وجه الله مجاز عن ذاته عز وجل. تقول العرب: أكرم الله وجهك بمعنى. وفي التوقيف: الوجيه من فيه خصال حميدة من شأنه أن يعرف ولا ينكر، "ونبيه النبيه" الشريف في المصباح، نبه بالضم نباهة شرف، فهو نبيه، "أن يمدني" يعينني "في هذا الكتاب بمدد" بزيادة "الإقبال والقبول" بفتح القاف وضمها لغة حكاها ابن الأعرابي، وهو كما في التوقيف ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء. "وينيلني" يبلغني، "ومن كتبه أو قرأه أو سمعه والمسلمين" وإن لم يقع منهم ذلك "من لطائف العواطف المحمدية لطائف السول ونهاية المأمول" قال أبو البقاء: النهاية ما به يصير الشيء ذا كمية، أي: حيث لا يوجد وراءه شيء منه. وقيل: نهاية الشيء آخره أصلا من النهي وهو المنع، والشيء إن بلغ آخره امتنع من الزيادة، فإن قيل: قد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يسل بوجه الله إلا الجنة". رواه أبو داود، وقال: "ملعون من سأل بوجه الله"، رواه الطبراني. قلت: لما كان ما سأله يرجع إلى سؤال الجنة ساغ له ذلك، وقد استظهر أن النهي للتنزيه "وعلى الله قصد السبيل" بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحق، أو إقامة السبيل وتعديلها رحمة وفضلا، "وهو حسبنا" محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه، ويدل على أنه بمعنى المحسب

المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام

المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام مدخل ... المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام بسبق نبوته في سابق أزليته......

_ أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفًا في قولك هذا رجل حسبك، "ونعم الوكيل" ونعم الموكول إليه هو، ذكره في الأنوار، وهذا اقتباس، وهو جائز عند المالكية والشافعية بإتفاق غير أنهم كرهوه في الشعر خاصة هكذا. حكى اتفاق المذهبين الشيخ داود الشاذلي الباهلي وقد نص على جوازه القاضي عياض وابن عبد البر وابن رشيق والباقلاني وهم من أجلة المالكية، والنووي شيخ الشافعية، ورواه الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد إلى الإمام مالك أنه كان يستعمله. قال السيوطي: هذه أكبر حجة على من يزعم أن مذهب مالك تحريمه، وقد نفى الخلاف في مذهبه الشيخ داود وهو أعرف بمذهبه، وأما مذهبنا فأنا أعرف أن أئمته مجمعون على جوازه والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم، فمن نسب إلى مذهبنا تحريمه فقد فسر وأبان عن أنه أجهل الجاهلين، انتهى. وهذا منه يقضي بغلطه فيما أورده في عقود الجمعان. المقصد الأول: اعلم: أن في أسماء الكتب وألفاظ التراجم احتمالات أقربها أن المراد بها الألفاظ والمعروف أنها ظروف وقوالب للمعاني، فإذا عكس كما هنا فهو بتقدير مضاف، أي: "في" بيان "تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام"، وبيان بمعنى مبين، أي: ما من شأنه أن يبين به، ولا شك أن ما ذكره بعض ما يمكن به البيان، فهو من ظرفية الكل لجزئه ويجوز أنه استعارة أو تشبيه للمعاني بالظروف، بجامع أن الألفاظ لا تزيد المظروف على ظرفه المشتمل عليه، أو -في- بمعنى على والتقدير هذه ألفاظ مخصوصة دالة على تشريف، أو بمعنى اللام والمراد بكونه فيه: أنه مقصود منه فلا ينافي ذكر غيره بطريق التبع، "بسبق" تقدم "نبوته" وذلك السبق موجود "في سابق أزليته" أي: ما هو قبل خلق الأشياء، فلا يقال السبق لا يكون مظروفًا في السبق، أو جعل الأزلية ظرفًا يستدعي عدم مسبوق تقدم نبوته بالأولية, فيلزم أن لا أول لتقدم نبوته، كما أنه لا أولى للأزلي، كذا قال شيخنا قال في المجمل: الأزل: القدم، يقال: هو أزلي، والكلمة ليست بمشهورة في كلام العرب، وأحسب أنهم قالوا في القديم: لم يزل ثم نسب إليه، فلم يستقم إلا باختصار، فقالوا: يزلي ثم أبدلوا الياء ألفًا، وقيل: الأزل اسم لما يضيق القلب عن

ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته في حظائر قدس كرامته. وطهارة نسبه. وبراهين أعلام آيات حمله وولادته. ورضاعه وحضانته. ودقائق حقائق بعثته. وهجرته. ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه. وسيرته. مرتبًا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته. اعلم يا ذا العقل.........................

_ بدايته من الزل وهو الضيق فهمزته أصلية. "ونشره" إظهاره وإذاعته "منشور رسالته في مجلس مؤانسته" أي الله سبحانه أو النبي صلى الله عليه وسلم "وكتبه" إثباته "توقيع" تعلق "عنايته في حظائر قدس كرامته" أي: في المواضع التي تظهر فيها كرامته المنزهة عن النقائص، ككتبها على كل موضع في الجنة وعلى نحو العين، وساق العرش كما يجيء، "وطهارة نسبه" نزاهته عن دنس الجاهلية وسفاف الأمور تعاطيه الهمم العلية "وبراهين" جمع برهان وهو الدليل القوي الذي يحصل به اليقين لا المنطقي ليماوانيا، وإن شمله "أعلام آيات" إضافة بيانية، أي: براهين الأعلام التي هي آيات دالة على "حمله" وإضافة براهين إلى أعلام حقيقة، أي: البراهين الدالة على أن ما أدركته أمة من الآيات، هي أمارات على الحمل حقيقة "وولادته ورضاعه وحضانته ودقائق حقائق بعثته", أراد بها ما لا يفهم أنه من آثار الرسالة إلا بعد النظر الدقيق كرؤية الملك في ابتداء الوحي، فإنه إنما يدل على ذلك بعد التأمل وإمعان النظر فيه. "وهجرته" هي في اللغة: الترك، ثم خصت بترك مكان لا آخر، وغالب الأنبياء وقع لهم الهجرة لعداوة الناس لهم، "ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته" هيئته وحالته وطريقته، لا ما غلب في لسان الفقهاء من أنها المغازي لكونه قدمها "مرتبًا على السنين" غالبًا، "من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته". "اعلم" أمر من العلم يصدر به ما يعتني به من الكلام تقوية وتأكيدًا وحثًا على إلقاء البال لما بعده، تنبيهًا على أنه مما ينبغي أن يعلم ولا يترك, وقد ورد في القرآن وكلام العرب. كقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] ، اعلموا {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36] ولذا التزم بعده في الغالب أن المؤكدة؛ كقوله: فاعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا "يا ذا العقل"، مشتق من العقل مبعنى المنع، ومنه العقال لمنعه الإنسان عما لا يليق, ولذا تطرف في التلميح لأصله القائل:

السليم، والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم وفقني الله وإياك بالهداية إلى الصراط المستقيم.................................

_ قد عقلنا والعقل أي وثاق ... وصبرنا والصبر مر المذاق "السليم" من شوائب الكدورات، وإنما خص ذوي العقول بالنداء، لأن شرف الإنسان إنما هو بالعقل، وبه يميز الحسن من القبيح، قال أبو الطيب: لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان وفي حقيقته ومحله كلام ألم المصنف فيما يأتي بشيء منه، "والمتصف" بالنصب؛ لأن تابع المناوي المعرب منصوب لا غير، سواء كان التابع معرفة أم نكرة، محلى باللام أم لا، وأجاز الأخفش رفعه "بأوصاف الكمال" لنفسه، "والتتميم" لغيره وغاير تفننا ورعاية للسجع وإلا فهما بمعنى، كما في الصحاح والقاموس وغيرهما. وقال الزركشي: تفسير الكمال بالتمام خطأ؛ لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، وقد فرق بينهما الشيخ عبد القاهر: بأن الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، وأيضًا التمام يشعر بحصو نقص قبل ذلك والكمال لا يشعر به. وتعقب بأن الإكمال في الآية للدين، والإتمام للنعمة التي من جعلتها ذلك الإكمال والنصر العام على كل معاند؛ فلم يتعاورا على شيء واحد، ووظيفة اللغوي بيان أصل اللغة، وأهل التفسير والمعاني النظر إلى كل مقام يحسبه ولو معنى مجازيًا, وقد جزم ابن أبي الأصبع بأنه قد يطلق كل منهما على الآخر، ومنه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ} الآية. "وفقني الله وإياك" جملة دعائية والتوفيق الهداية إلى وفق الشيء وقدره وما يوافقه، قاله أبو البقاء، وفيه تفاسير معلومة "بالهداية" الثبات عليها أو زيادتها أو حصول المراتب المرتبة عليها، إذ المسلم مهتد، والمراد خلق الاهتداء لا الدلالة هنا، والباء للتصوير والتحقيق، أي: وفقنا بهدايتنا أو السببية، أي: رزقنا مباشرة الطاعات بسبب هدايته لنا "إلى الصراط المستقيم" المستوى، يعني: طريق الخير أو دين الإسلام, قال صاحب الأنوار: والهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير، وقوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23] ، وأراد على التهكم ومنه الهدية، وهو أدى الوحش مقدماتها والفعل منه هدى، وهداية الله تعالى تتنوع أنواعًا لا يحصيها عد لكنها تنحصر في أجناس مترتبة: الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه؛ كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.

أنه لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه، وتقدير رزقه..................................

_ والثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار، حيث قال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] ، وقال: فهديناه فاستحبوا العمى على الهدى. والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياه عنى بقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} ، وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] . والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي، بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ، وقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِيَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه، فإذا قاله العارف الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط به غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك، انتهى. وفي الأساس يقال: هداه للسبيل وإلى السبيل هداية وهدى، وظاهره عدم الفرق بين المتعدى بنفسه والمتعدى بالحرف، قال ابن كمال: ومنهم من فرق بينهما بأن هداه لكذا أو إلى كذا، إنما يقال إذا لم يكن في ذلك فيصل بالهداية إليه، وهداه كذا لمن يكون فيه فيزداد ويثبت، ولمن لا يكون فيصل. والقول بأن ما تعدى بنفسه معناه الإيصال إلى المطلوب ولا يكون إلا فعل الله تعالى فلا يسند إلا إليه؛ كقوله: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} [العنكبوت: 69] ، وما تعدى بالحرف، معناه الدلالة على ما توصل إليه، فيسند تارة إلى القرآن؛ كقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] ، وتارة للنبي، كقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [الشورى: 52] ، ليس بتام لمجيء المتعدى بنفسه في القرآن كثيرًا مستندًا إلى غير الله تعالى؛ كقوله: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 38] ، وقوله تعالى: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] ، انتهى. وفي البيضاوي: وأصله أن يعدى باللام أو إلى فعومل في اهدنا الصراط، معاملة اختار في قوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] ، انتهى. والخلاف في أنها الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وإن لم يصل، وهو مذهب أهل السنة أو الموصلة عند المعتزلة مشهور كأدلتهم، "أنه لما تعلقت إرادة الحق" الثابت الوجود على وجه لا يقبل الزوال ولا العدم، ولم يقل: لما أراد؛ لأن الإرادة أزلية والحادث إنما هو التعلق، "بإيجاد خلقه" أي: مخلوقه؛ لأنه الذي يتعلق به الإيجاد نحو: هذا خلق الله، أي: مخلوقه "وتقدير رزقه" أي: الله أو الخلق، فالمصدر مضاف

أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية، في الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها، علوها وسفلها، على صورة حكمه، كما سبق في سابق إرادته وعلمه، ثم أعلمه بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن إلا -كما قال- بين الروح والجسد، ثم انبجست منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح............................

_ للفاعل أو المفعول، قال السمين: والرزق لغة العطاء وهو مصدر، قال تعالى: {وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 75] ، وقيل: يجوز أنه فعل بمعنى مفعول كذبح بمعنى مذبوح، وقيل: الرزق بالفتح مصدر وبالكسر اسم للمرزوق، واقتصر على الثاني في المختار والمصباح. "أبرز الحقيقة المحمدية" هي الذات مع النعت الأول، كما في التوقيف؛ وفي لطائف الكاشي يشيرون بالحقيقة المحمدية إلى الحقيقة المسماة بحقيقة الحقائق الشاملة لها، أي: للحقائق والسارية بكليتها في كلها سريان الكلي في جزئياته، قال: وإنما كانت الحقيقة المحمدية هي صورة لحقيقة الحقائق؛ لأجل ثبوت الحقيقة المحمدية في خلق الوسيطة والبرزخية والعدالة، بحيث لم يغلب عليه صلى الله عليه وسلم حكم اسمه أو وصفه أصلا، فكانت هذه البرزخية الوسطية هي عين النور الأحمدي المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: "أول ما خلق الله نوري"، أي: قدر على أصل الوضع اللغوي، وبهذا الاعتبار سمي المصطفى بنور الأنوار، وبأبي الأرواح ثم إنه آخر كل كامل إذ لا يخلق الله بعده مثله، انتهى. "من الأنوار الصمدية" المنسوبة للصمد والإضافة للتشريف، كما في حديث جابر عند عبد الرزاق مرفوعًا: يا جابر إن الله قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، "في الحضرة الأحدية" هي أول تعينات الذات وأول رتبها، الذي لا اعتبار فيه لغير الذات، كما هو المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: "كان الله ولا شيء معه"، ذكره الكاشي "ثم سلخ" أخرج "منها العوالم كلها" بكسر اللام جمع عالم، بفتحها سماعًا وقياسًا "علوها" بضم العين وكسرها وسكون اللام، "وسفلها" بضم السين وكسرها وسكون الفاء، أي: عاليها وسافلها، يشير إلى العالم العلوي والسفلي، فهو مجاز من إطلاق اسم الكل وإرادة اسم الجزء "على صورة حكمه" أي: التي تعلق بها خطابه الأزلي لا صورة نفس الحكم؛ لأنه قديم. وفي نسخ حكمته، أي: على الصورة التي اقتضتها حكمته وإرادته والأولى أنسب بالسجعة في قوله: "كما سبق في سابق إرادته وعلمه" على ما سيجيء بيانه في حديث عبد الرزاق "ثم أعلمه بنبوته وبشره برسالته هذا وآدم" الواو للحال "لم يكن إلا كما قال" صلى الله عليه وسلم، "بين الروح والجسد ثم انبجست" تفجرت "منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح" أي: خالصها، كأرواح الأنبياء والمراد بالعيون الكمالات المفرغة من نوره على أرواح الأنبياء، عبر عنها بالعيون مجازًا لمشابهتها بعيون

فظهر بالملأ الأعلى، وهو بالنظر الأجلى، وكان له المورد الأحلى، فهو صلى الله عليه وسلم الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس. ولما انتهى الزمان بالاسم الباطن في حقه صلى الله عليه وسلم إلى وجود جسمه، وارتباط الروح به، انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر، فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بكليته جسمًا وروحًا..........................

_ الإنسان للكمال، فلا يرد تأخر الأعلام والبشارة عن سلخ العوالم منه، "فظهر" عليه السلام، أي: حقيقته "بالملأ" أي: الخلق "الأعلى" وصفهم به إشارة إلى أن المراد المقربون "وهو بالمنظر الأجلى" بالجيم، أي: الأتم في الظهور "وكان له المورد" وزن مسجد تشبيه بليغ، أي: كالمورد الذي يرده الناس ليرتووا منه "الأحلى" بالحاء، الأعذب. "فهو صلى الله عليه وسلم الجنس" أي: كالجنس "العالي" المرتفع "على جميع الأجناس" لتقدمه خلقًا على غيره، "والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس" من حيث أن الجميع خلقوا من نوره، على ما يأتي في حديث عبد الرزاق، وأما ما ذكر أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرفت وذلقت، فخلق الله من كل نقطة نبيًا، وأن القبضة كانت هي النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان كوكبًا دريًا، وأن العالم كله خلق منه، وأنه كان موجودًا قبل أن يخلق أبواه، وأنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه جبريل وأمثال هذه الأمور, فقال الحافظ أبو العباس أحمد بن تيمية في فتاويه، ونقله الحافظ ابن كثير في تاريخه وأقره: كل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بحديثه، والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي صلى الله عليه وسلم، بل خلق كل واحد من أبوابه، انتهى. "ولما انتهى" أي: بلغ النهاية، "الزمان" الحال التي كان عليها قبل خلق السماوات والأرض، "بالاسم" متعلق بانتهى، "الباطن، أي: عالم الملكوت المشار إليه بقوله: إبراز الحقيقة ... إلخ، "في حقه صلى الله عليه وسلم" متعلق بباطن "إلى وجود جسمه وارتباط الروح به" متعلق بانتهى أيضًا. "انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر" يعني: عالم الملك وهو الموجود في العناصر، والباطن والظاهر وصفان للمصطفى، ويجوز -وهو المناسب هنا- أنهما وصفان لله، أي: الظاهر وجوده لكثرة دلائله، أو الغالب على كل شيء من ظهر إذا غلب. والباطن حقيقة ذاته فلا يعرف أصلا؛ كما قال الصديق: غاية معرفته القصور عن وصفه أو العالم بالخفيات، والمعنى: أنه تعالى تصرف فيه بمقتضى علمه الخفي على جميع الكائنات الذي هو صفة الباطن إلى تعلق الإرادة بظهوره إلى عالم العناصر فربط روحه الشريفة بجسمه، فأظهره "فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بكليته" أي: بجملته "جسمًا وروحًا" تمييز أو حال، قال شيخنا: ولو

فهو صلى الله عليه وسلم وإن تأخرت طينته، فقد عرفت قيمته، فهو خزانة السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه. ألا بأبي من كان ملكًا وسيدا ... وآدم بين الماء والطين واقف فذاك الرسول الأبطحي......

_ قال بكله كان أوضح، فإن الكل هو الذات المجتمعة من الأجزاء، والكلية إمكان الاشتراك وهي صفة الكلي، وهو ما لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه، ويمكن توجيهه بأنه من نسبة الفرد إلى كله من جهة تحقق الكل، من حيث هو كل في الواحد للشخص من حيث تشخصه فيساوي التعبير به التعبير بالكل. "فهو صلى الله عليه وسلم وإن تأخرت طينته" أي: خلقته "فقد عرفت قيمته" أي: اعتداله وحسن قوامه وطوله حسًا ومعنى في الجميع، ففي الفاموس القيمة الشطاط، وفيه أيضا الشطاط كسحاب وكتاب الطول وحسن القوام أو اعتداله، "فهو خزانة" بكسر الخاء "السر" أي: محل لأسراره تعالى وكمالاته، حيث أفاض الله عليه ما لا يوجد في غيره من الخلق "وموضع نفوذ الأمر" أي: الموضع الذي يظهر منه الكمالات التي تفاض على خاصة خلقه، "فلا ينفذ أمر" شيء، جمعه أمور "إلا منه، ولا ينقل خير" مفرد خيور وخيار، أو هو بموحدة مفرد أخبر "إلا عنه" إذ هو واسطة العقد، وأنشد المؤلف لغيره "ألا" بفتح الهمزة والتخفيف حرف استفتاح يؤتى به للتنبيه والدلالة على تحقق ما بعده: "بأبي" بكسر الباءين بينهما همزة مفتوحة. قال ابن الأنباري: معناها بأبي هو فحذف هو لكثرة الاستعمال، وأصله أفدية بأبي، "من كان ملكًا" بفتح الميم وسكون اللام تخفيفًا؛ لأن البيت لا يتزن إلا به. في المصباح: ملك على الناس أمرهم، إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام وتخفف بالسكون، انتهى وكذا كل ما كان على وزن فعل، وتوهم إنها لغة قرئ بها غلط؛ لأن ذاك في مصدر مالك: {قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} [طه: 87] ، قرئ بتثليث الميم، وهو في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء، "وسيدًا وآدم بين الماء والطين" أي: بين العلم والجسم، كذا في أنوار المشكاة. "واقف" ولما لم يستقم للناظم لفظ الوارد بتمامه عدل إلى معناه الذي اشتهر، فإن معناهما واحد؛ كما جزم به صاحب النسيم. فلا يقال: لو قال بين الروح والجسم طابقه، "فذاك الرسول" فعول بمعنى مفعل وهو المرسل، أي: المبعوث إلى غيره وقد يأتي بمعنى الرسالة؛ كقوله: ألا أبلغ أبا عمرو رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري "الأبطحي" المنسوب إلى بطحاء مكة على ما يفيده الجوهري، أو إلى أبطح مكة، وهو مسيل واد بها وهو ما بين مكة ومنى ومبتدؤه المحصب، كما صرح به غيره، وهو القياس.

.............. محمد ... له في العلاء مجد تليد وطارف أتى بزمان السعد في آخر المدى ... وكان له في كل عصر مواقف أتى لانكسار الدهر يجبر صدعه ... فأثنت عليه ألسن وعوارف إذا رام أمرًا لا يكون خلافه ... وليس لذاك الأمر في الكون صارف أسبقية نبوته صلى الله عليه وسلم: أخرج مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي............

_ "محمد له في العلا" الارتفاع "مجد" عز وشرف "تليد" قديم "وطارف" حادث، "أتى بزمان السعد" الباء للآلة، "في آخر المدى" بفتحتين، يعني: الزمان الأخير من أزمنة الأنبياء، وهو زمن عيسى وبعثة المصطفى في آخر زمان عيسى، فالإضافة حقيقية فلا يشكل إضافة آخر المدى مع أن الغاية أو مطلق الزمان، مجازًا من تسمية الكل باسم الجزء، "وكان له في كل عصر مواقف" أحوال لتقدم خلقه، "أتى لانكسار الدهر" وفي نسخة: الدين من إضافة الصفة للموصوف، أي: الدين أو الدهر المنكسر بعبادة غير الله، "يجبر صدعه" شقه، أي: يصلحه ويزيل فساده، "فأثنت عليه ألسن" جمع لسان مذكر وهو الأكثر لغة وبه جاء القرآن، قاله أبو حاتم. "وعوارف" جمع عارفة، ومعناه: أن الأمور المعروفة في الشرع أثنت عليه لإظهاره لها وذبه عن معارضتها، وهو استعارة مكنية، شبه أمور الشرع في دلالتها على صدقه وكاله بنفوس ناطقة، وأثبت لها ما هو من لوازم النفوس الناطقة إذا فعل معهم الجميل وهو الثناء تخييلا "إذا رام أمرًا لا يكون" يوجد "خلافه وليس لذاك الأمر في الكون" أراد الوجود وله تعاريف معلومة "صارف" مانع، ثم شرع في المقصود وحسن معه تصديره بحديث صحيح، فقال: "خرج مسلم" بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأعلام مناقبه شهيرة، أخذ عن البخاري وشاركه في كثير من شيوخه، وأحمد وخلق وروى عنه كثيرون، وروى له الترمذي حديثًا واحدًا، مات سنة إحدى وستين ومائتين في رجب، "في صحيحه" الذي صنفه من ثلاثمائة ألف حديث كما نقلوه عنه وهو يلي صحيح البخاري، وتفضيله عليه مردود؛ وفي ألفية السيوطي: ومن يفضل مسلمًا فإنما ... ترتيبه وصنعه قد أحكما "من حديث" أحد العبادلة "عبد الله بن عمرو بن العاصي" بن وائل السهمي الصحابي ابن الصحابي أبي محمد عند الأكثر، أو أبي عبد الرحمن الزاهد العابد أحد المكثرين الفقهاء، أسلم قبل أبيه، قيل: بين مولدهما اثنتا عشرة سنة، ويقال: عشرون سنة. روى ابن سبع والعسكري عنه، أنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل. ومن ثم

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة................

_ ذكر العسكري في كتاب الأمثال ألف مثل عن المصطفى، وحسبك أن أحفظ الصحابة أبا هريرة شهد له بأنه أكثر حديثًا منه؛ لأنه كان يكتب وأبا هريرة لا يكتب، ولا يشكل أن المروي عنه دون المروي عن أبي هريرة بكثير، لأنه سكن مصر والواردون إليها قليل، وأبو هريرة سكن المدينة والمسلمون يقصدونها من كل وجهة, وفي أنه مات بالشام أو مكة أو الطائف أو بمصر أقوال، وهل عام خمس وستين أو ثمان وستين أو تسع وستين أو ثنتين وسبعين أو تسع وسبعين خلاف بسطه في الإصابة. وقال في تقريبه: مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح، والعاصي بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية وهو قول الجمهور كما قال النووي وغيره. وفي تبصير المنتبه، قال النحاس: سمعت الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء لا يجوز حذفها وقد لهجت العامة بحذفها. قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعني: أنه من الأسماء المنقوصة فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، والمبرد لم يخالف النحويين في هذا وإنما زعم أنه سمي العاصي لأنه أعيص بالسيف، أي: أقام السيف مقام العصا، وليس هو من العصيان؛ كذا حكاه الآمدي، عنه قلت: وهذا إن مشي في العاصي بن وائل لكنه لا يطرد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم العاصي بن الأسود والد عبد الله فسماه مطيعًا، فهذا يدل على أنه من العصيان، وقال جماعة: لم يسلم من عصاة قريش غيره، فهذا يدل لذلك أيضًا، انتهى. "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق"" , قال البيضاوي في شرح المصابيح، أي: أجرى القلم على اللوح المحفوظ، وأثبت فيه مقادير الخلائق ما كان وما يكون وما هو كائن إلى الأبد، وعلى وفق ما تعلقت به إرادته أزلا، وقال الأبي: المقادير بمعنى القدر وهو عبارة عن تعلق علم الله وإرادته أزلا بالكائنات قبل وجودها، وهو سبحانه وتعالى بجميع صفاته أزلي لا يتقيد وجوده بزمان، "قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" قال القاضي عياض: حد لكتب ذلك في اللوح المحفوظ، أو فيما شاء الله لا للمقادير فإن ذلك أزلي لا أول له وهي كناية عن الكثرة؛ كقوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] ، قال: ويحتمل أنها حقيقة، ورده القرطبي وتبعه الأبي بأنه لا يتقرر كونها حقيقة بوجه؛ لأن السنين يقدر بها الزمان، والزمان تابع لخلق السماوات لأنه عبارة عن حركات الأفلاك وسير الشمس فيها، فقيل: خلق الزمان لا سماوات، فالخمسون ألف سنة تقديرية، أي:

وكان عرشه على الماء.

_ بمدة في علم الله لو كانت السماوات موجودة فيها لعدت بذلك العدد، انتهى. وهو متعقب بقول البيضاوي وغيره في شرح المصابيح، معناه: أن طول الأمد وتمادي الأزمان بين التقدير والخلق من المدة خمسون ألف سنة مما تعدون، فإن قيل: كيف يحمل على الزمان وهو مقدار حركة الفلك الذي لم يخلق حينئذ؟ أجيب بأنه إن سلم أن الزمان ذلك، فإن مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش موجود حينئذ، بدليل قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] ، أي: ما كان تحته قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء، والماء على متن الريح، كما روي عن ابن عباس، وهو يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض، انتهى. وفي حديث أبي رزين الآتي: أن الماء قبل خلق العرش، وروى أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجه عن أبي رزين العقيلي، أنه قال: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: ""كان" في ماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء". وحكى في الفهم أن أول ما خلق الله ياقوتة حمراء ونظر إليها بالهيبة فصارت ماء، فوضع عرشه على الماء، وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعد الطائي، قال: "العرش ياقوتة حمراء". وأخرج أبو الشيخ عن حامد، قال: "خلق الله العرش من زمردة خضراء، وخلق له أربع قوائم من ياقوتة حمراء، وخلق له ألف لسان وخلق في الأرض ألف أمة، كل أمة تسبح بلسان من ألسن العرش"، وذكر الحافظ محمد بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، عن بعض السلف: أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء، بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، واتساعه خمسون ألف سنة، وبعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وذهبت طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه الفلك التاسع والفك الأطلس. قال ابن كثير: وليس بجيد؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضًا فالعرش في اللغة سرير الملك وليس هو فلكًا، والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير، وقوائم تحمله الملائكة كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات، انتهى. والصحيح كما قال النعماني: أنه غير الكرسي، وما روي عن الحسن أنه عينه فضعيف، بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره، انتهى. كيف! وقد روى ابن جرير، وابن مردويه، وأبو الشيخ، عن أبي ذر قال: قال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا

ومن جملة ما كتب في الذكر أن محمدًا خاتم النبيين.

_ ذر، ما السماوات السبع في الكرسي، إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة". "ومن جملة ما كتب في الذكر" وبينه بقوله: وهو {أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39، آل عمران: 7] ، أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ، إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه وفي أنه حقيقي أو تمثيل، والمراد علم الله، قولان، الأكثر أنه حقيقي وهو الأسعد بصريح الأحاديث والآثار، فقد أخرج الطبراني بطريقين رجال إحداهما ثقات والحاكم والحكيم الترمذي عن ابن عباس، عنه صلى الله عليه وسلم: "أن الله خلق لوحًا محفوظا من درة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور". وفي الطبراني أيضًا: أن عرشه ما بين السماء والأرض. وفي كنز الأسرار: أن طوله كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ بسند جيد عن ابن عباس، قال: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام, وأخرج أبو الشيخ عن أنس رفعه: "أن لله لوحًا أحد وجهيه ياقوتة، والوجه الثاني من زمردة خضراء". وأخرج أيضًا عن ابن عباس رفعه: "خلق الله لوحًا من ندرة بيضاء وقفاه من زبرجدة خضراء كتابه نور، يلحظ إليه في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة يحيي ويميت ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء". وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله لوحًا من زبرجدة خضراء تحت العرش، يكتب فيه إني أنا الله لا إله إلا أنا أرحم وأترحم، جعلت بضعة عشر وثلاثمائة خلق من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة". وقد جمع بين هذا الاختلاف في لونه بجواز أنه يتلون والبياض لونه الأصلي. "أن محمدًا خاتم النبيين" في الوجود، فإن قيل: الحديث يفيد، سبق العرش على التقدير، وعلى كتابة محمد خاتم النبيين فيشكل بأن نوره صلى الله عليه وسلم خلق قبل العرش وغيره. أجاب شيخنا بجواز أن نوره خلق قبل العرش وكتابته لذلك، وإظهاره كان وقت التقدير وهو بعد خلق العرش وقبل خلق السماوات، انتهى. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الماء والعرش مبتدأ العالم لكونهما خلقا قبل كل شيء وعند أحمد وابن حبان والحاكم وصححاه، عن أبي هريرة: قلت: يا رسول الله! إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، أنبئني عن أصل كل شيء، قال: "كل شيء خلق من الماء". وهذا يدل على أن الماء أصل لجميع المخلوقات ومادتها، وأنها كلها خلقت منه، وقال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] قال في اللطائف: والقول بأن المراد النطفة التي

وعن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إني عند الله لخاتم النبيين" وإن آدم لمنجدل في طينته". رواه أحمد..........................

_ بخلق منها الحيوانات بعيدة؛ لأن النطفة لا تسمى ماء مطلقًا بل مقيدًا نحو: من ماء دافق، وقوله: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات: 20] ، وأيضًا من الحيوانات ما يتولد من غير نطفة كدود الخل والفاكهة، فليس كل حيوان مخلوقًا من نطفة. فدل القرآن على أن كل ما يدب وكل ما فيه حياة من الماء، ولا ينافي هذا قوله تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "وخلقت الملائكة من نور" لأن أصل النور والنار الماء" ولا يستنكر خلق النار من الماء، فقد جمع الله بقدرته بين الماء والنار في الشجر الأخضر. وذكر الطبائعيون أن الماء بانحداره يصير بخارًا والبخار ينقلب هواء، والهواء ينقلب نارًا. وزعم مقاتل: أن الماء خلق من النور، وهو مردود بحديث أبي هريرة المتقدم وبغيره، انتهى. ملخصًا، وذكر نحوه المؤلف في الإرشاد. "وعن العرباض" بكسر العين وسكون الراء بعدها موحدة فألف فمعجمة "ابن سارية" السلمي، قديم الإسلام جدًا من البكائين ومن أهل الصفة، ونزل حمص، وروى عنه خالد بن معدان وأبو أمامة الباهلي وخلق، مات سنة خمس وسبعين، وقيل قبلها زمن فتنة ابن الزبير رضي الله عنهم. "عن النبي صلى الله عليه وسلم" أنه "قال: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم" قال الطيبي: الواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب، والمراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبًا في أم الكتاب في ذلك الحال، قبل نفخ الروح في آدم لا أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين، انتهى. وبه اندفع ما يرد أن هذا ينافي رواية مسلم بخمسين ألف سنة المفيد سبق نبوته على جميع الموجودات. "لمنجدل" بضم الميم وسكون النون مطاوع جدله مخففًا، نائبًا عن جدله مشددًا، أي: ألقاه على الجدالة وهي الأرض الصلبة لا مطاوع جدل مخففًا لفساد المعنى، إذ معناه أخذه من الجدالة وليس بمراد هنا، أشار له الطيبي قائلا: "في طينته" خبر ثان؛ لأن لا متعلق بمنجدل، والألزم أن دم مظروف في طينته مع أنه ظرف له وهو حاصل فيه، "رواه" الإمام "أحمد" بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الله المروزي، ثم البغداي أحد كبار الأئمة الحفاظ الطوافين الصابر على البلوي، الذي من الله به على الأمة، ولولاه لكفر الناس في المحنة ذو المناقب الشهيرة. وحسبك قول الشافعي شيخه: خرجت من بغداد فأخلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته. ولد سنة أربع وستين ومائة ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين.

والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وقوله عليه الصلاة والسلام لمنجدل، يعني: طريحًا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه. وعن ميسرة الضبي...................................

_ قال ابن خلكان: وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستون ألفًا، وأسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس، انتهى. وفي تهذيب النووي: أمر المتوكل أن يقاس الموضع الذي وقف الناس للصلاة فيه على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة، ووقع المأتم في أربعة أصناف من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس. "والبيهقي" نسبة إلى بيهق قرية بناحية نيسابور، أحمد بن الحسين الإمام الحافظ المشهور بالفصاحة والبراعة سمع الحاكم وغيره، وتصانيفه نحو ألف. قال الذهبي: ودائرته في الحديث ليست كبيرة بل بورك له في مروياته وحسن تصرفه فيها، لحذفه وخبرته بالأبواب والرجال، وأفتى بجميع نصوص الشافعي، وخرج أحاديثها، حتى قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي فله على الشافعي منة. ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. "والحاكم" الإمام الحافظ الكبير محمد بن عبد الله الضبي، أبو عبد الله النيسابوري الثقة الثبت المجمع على صدقه، ومعرفته بالحديث حق معرفته، أكثر الرحلة والسماع حتى سمع بنيسابور من نحو ألف شيخ وفي غيرها أكثر، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وتصانيفه نحو خمسمائة، قال الذهبي، أو ألف قاله عبد الغافر الفارسي، وقال غيرهما ألف وخسمائة، وعنه شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف. "وقال" الحاكم فيه "صحيح الإسناد" ورواه ابن حبان في صحيحه أيضًا، "وقوله صلى الله عليه وسلم: "لمنجدل" يعني طريحًا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه" لا مأخوذ من الأرض كما قد بادر من بقاء منجدل على أصله، كما مر. "وعن ميسرة" بفتح الميم وسكون التحتية، "الضبي" كذا في النسخ، والذي في العيون والإصابة والسبل كالنور، والمقاصد عن مسند أحمد ميسرة الفجر بفتح الفاء وسكون الجيم، جزم به في السبل، وقاله في النور كذا ضبط في نسخة صحيحة من الاستيعاب بالقلم، لكن بهامشه بخط ابن الأمين الفجر بفتح الجيم، قيده البخاري في التاريخ وهو العطاء، وفي الصحاح الفجر بالفتح: الكرم. قال الذهبي: صحابي من أعراب البصرة, وزعم ابن الفرض أن ميسرة لقبه واسمه عبد الله بن أبي الجدعاء، والذي أفاده صنيع الحسيني أنه غيره وهو الظاهر، انتهى. فيحتمل أنه

قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد". هذا لفظ رواية الإمام أحمد. ورواه البخاري في تاريخه وأبو نعيم في الحلية، وصححه الحاكم.

_ ضبي ويلقب بالفجر فعدل المصنف عما في المسند لبيان نسبته. وقول الشارح ينافيه قول الإصابة أنه تميمي، وما ذكر في اللب: أن ضبة في تميم فيه أنه لم يذكر أن ميسرة تميمي إنما قاله في ابن أبي الجدعاء، وذكر في ميسرة ما يفيد أنهما اثنان؛ لأنه ترجم به ثم قال: وقيل إنه ابن أبي الجدعاء الماضي فحكاه مقابلا أو أنه ضبي خلفًا، ونحو ذلك. "قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" فإن ورد أن حقيقة آدم هذا الهيكل المخلوق من طين المنفوخ فيه الروح، فمجموعهما هو آدم فما معنى البينية؟ أجيب بأنه مجاز عما قبل تمام خلقه قريبًا منه، كما يقال: فلان بين الصحة والمرض، أي: في حالة تقرب منهما، وقال في النسيم: الظاهر أنه ظرف زمان بمعنى أن نبوته محكوم بها ظاهرة بين خلق روح آدم وخلق جسده حيث نبأه في عالم الأرواح، وأطلعها على ذلك، وأمرها بمعرفة نبوته والإقرار بها, وهذا المعنى يفيده قوله بين الماء والطين، أي: بعد خلق عناصره غير مركبة ولا منفوخ فيها الروح، فهو بمعنى الحديث الذي صححوه فتكون رواية بالمعنى إذا لم يثبت بهذا اللفظ، وهذا مما لم يحم أحد حول حماه، انتهى. "هذا لفظ رواية الإمام أحمد" في المسند من طريق بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر وأخرجه من وجه آخر بلفظ متى جعلت، "ورواه البخاري" إمام الفن محمد بن إسماعيل الجعفي مناقبه كالشمس، "في تاريخه" الكبير صنفه وعمره ثمان عشرة سنة عند قبره صلى الله عليه وسلم، قال ابن عقدة: لو كتب الرجل ثلاثين ألفًا ما استغنى عن تاريخ البخاري. وال السبكي: تاريخه لم يسبق إليه ومن ألف بعده في التاريخ أو الأسماء أو الكنى، فعيال عليه. "وأبو نعيم" بالتصغير أحمد بن عبد الله الأصفهاني الحافظ المكثر، أخذ عن الطبراني وغيره وعنه الخطيب وغيره، مات بأصفهان سنة ثلاثين وأربعمائة عن أربع وتسعين سنة، ذكره الذهبي "في الحلية" أي: في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، قالوا: لما صنفه بيع في حياته بأربعمائة دينار, ورواه البغوي وابن السكن وغيرهم كلهم من هذا الوجه. "وصححه الحاكم" وفي الإصابة سنده قوي، لكن اختلف فيه على بديل بن ميسرة، فرواه منصور بن سعد عنه هكذا، وخالفه حماد بن زيد فرواه عن بديل عن عبد الله بن شقيق، قال: قيل: يا رسول الله! ولم يذكر ميسرة، وكذا رواه حماد عن والده وعن خالد الحذاء كلاهما عن

وأما ما اشتهر على الألسنة بلفظ: كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين. فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه "المقاصد الحسنة": لم نقف عليه بهذا اللفظ. انتهى. وقال العلامة الحافظ ابن رجب، في اللطائف: وبعضهم يرويه: متى كتبت نبيًا................

_ عبد الله بن شقيق، أخرجه البغوي، وكذا رواه حماد بن سلمة عن خالد عن عبد الله بن شفيق، عن رجل، قال: قلت: يا رسول الله! وأخرجه من هذا الوجه أحمد وسنده صحيح، انتهى. قلت: هذا اختلاف لا يقدح في الحديث؛ لأن راويه حماد بن زيد وموافقيه المرسلة غير قادحة في رواية من وصله لصحة الإسناد، وقد تابع منصورًا على وصله عن بديل إبراهيم بن طهمان أخرجه ابن نجيد، وهي متابعة تامة، وتابعه أيضا في شيخه خالد الحذاء عند أحمد، ورواية ابن سلمة غاية ما فيها إبهام الصحابي، ولا ضير فيه لعدالة جميعهم، واستظهر البرهان في النور أنه ميسرة، قائلا: لم يذكره الحسيني في مبهمات المسند. "وأما ما اشتهر على الألسنة" ألسنة من لا خبرة له بالحديث من أنه مروي "بلفظ: "كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين" فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير" محمد بن عبد الرحمن "السخاوي" نسبة إلى سخا قرية من أعمال مصر على غير قياس، "في كتابه المقاصد الحسنة" في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة "لم نقف عليه بهذا اللفظ، انتهى" ما نقله من كلام شيخه وبقيته فضلا عن زيادة: "وكنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين". وقد قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- في بعض الأجوبة عن الزيادة أنها ضعيفة والذي قبلها قوي، انتهى. ولعله أراد بالمعنى، وإلا فقد صرح السيوطي في الدرر بأنه لا أصل لهما، والثاني من زيادة العوام وسبقه لذلك الحافظ ابن تيمية فأفتى ببطلان اللفظين وأنهما كذب وأقره في النور. والسخاوي نفسه في فتاويه أجاب باعتماد كلام ابن تيمية في وضع اللفظين، قائلا: ونهايك به اطلاعًا وحظًا، أقر له بذلك المخالف والموافق، قال: وكيف لا يعتمد كلامه في مثل هذا وقد قال فيه الحافظ الذهبي: ما رأيت أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكانت السنة بين عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة وعين مفتوحة، انتهى. "وقال العلامة الحافظ" زين الدين عبد الرحمن بن أحمد، "بن رجب" الحنبلي الواعظ المحدث الفقيه البغدادي ثم الدمشقي، أكثر الاشتغال حتى مهر وشرح الترمذي والعلل له وقطعة من البخاري وله طبقات الحنابلة، مات في رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة. "في اللطائف وبعضهم يرويه" أي: حديث ميسرة "متى كتبت نبيًا؟ " أي: متى كتبت

من الكتابة، انتهى. قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو، إسماعيل بن نجيد، ولفظه: متى كتبت نبيًا؟ قال: "كتبت نبيًا وآدم بين الروح والجسد". فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض على وجوب نبوته وثبوتها، فإن الكتابة تستعمل فيما هو واجب، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] و {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ} [المجادلة: 21] . وعن أبي هريرة..............................................

_ نبوتك؟ أي: ثبتت وحصلت "من الكتابة" لا من الكون، "انتهى. قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو" بفتح العين وزيادة واو كما في النور، "وإسماعيل بن نجيد" بضم النون وفتح الجيم فتحتية ساكنة فدال مهملة، ابن أحمد بن يوسف النيسابوري السلمي أحد الأئمة، الفصيح البارع الصوفي الشافعي، حدث عن محمد بن أيوب الرازي وأبي مسلم الكجي والإمام أحمد وغيرهم، وصحب من أئمة الحقائق الجنيد والخيري، حدث عنه خلق منهم سبطه أبو عبد الرحمن السلمي والحاكم والقشيري، ومات سنة ست وستين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة، "ولفظه" يعني بإسناده إلى ميسرة، وهو: حدثنا محمد بن أيوب الرازي، أنبأنا أبو محمد بن سنان العوقي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله! "متى كنت نبيًا؟ قال: "كتبت نبيًا وآدم بين الروح والجسد". كذا ساقه على أنه من الكتابة، والمذكور في العيون عنه: متى كنت، قال: "كنت من الكون كالأول لا الكتابة". وهو الذي وقع لنا في جزء ابن نجيد، وهو ستة وخمسون حديثًا بخط جرامرد التركي الناصري الحنفي تلميذ السيوطي وعليه خط السيوطي ولكن مثل هذا لا يرد على المصنف؛ لأن روايته هو وقعت، كما قال: ألم تر قوله رويناه، "فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض على وجوب نبوته وثبوتها" عطف تفسير وعلل الحمل بقوله: "فإن الكتابة تسعمل فيما هو واجب" أما شرعًا؛ كما "قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 182] ، وإما تقديرًا؛ كقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ} [المجادلة: 21] أي: قدر. "وعن أبي هريرة" تصغير هرة، قيل كناه بها المصطفى لأنه رآه وفي كمه هرة، وقيل المكنى له غيره، قال ابن عبد البر: لم يختلف في اسم في الجاهلية والاسم مثل ما اختلف في اسمه على عشرين قولا، وسرد ابن الجوزي في التلقيح منها ثمانية عشر، وقال النووي: تبلغ أكثر

أنهم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة قال: "وآدم بين الروح والجسد". رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ورويناه في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح الهمداني، قال: سألت أبا جعفر، محمد بن علي، كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق من بني آدم من.................

_ من ثلاثين، قال الحافظ في الفتح: وقد جمعتها في تهذيب التهذيب فلم تبلغ ذلك، فيحمل كلامه على الخلاف في اسمه واسم أبيه معًا، انتهى. واختلف في أرجحها فذهب جمع إلى أنه عمرو بن عامر، وذهب كثيرون وصححه النووي إلى أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم عام خيبر وشهد بعضها مع المصطفى ثم لزمه وواظبه حتى كان أحفظ أصحابه وأكثر المكثرين. ذكر بقي بن مخلد أنه روى عنه صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا، وتوفي بالمدينة سنة تسع أو ثمان أو سبع وخمسين، وأمه اسمها ميمونة، قال الطبراني، وقال أبو موسى المديني: أميمة، وقال ابن قتيبة في المعارف: أميمة بنت صفيح بن الحارث بن دوس أسلمت، فدعا لها المصطفى، وحديث إسلامها مشهور. "إنهم قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ " أي: حصلت وثبتت "قال: "وآدم بين الروح والجسد". أي: وجبت في هذه الحالة فعامل الحال وصاحبها محذوفان، قال الطيبي "رواه الترمذي" بكسر التاء والميم وضمهما وبفتح التاء وكسر الميم، أبو عيسى محمد بن عيسى أحد أوعية العلم والحفاظ الكبار، كان يضرب به المثل في الحفظ, أخذ عن البخاري وشاركه في شيوخه، بل قال ابن عساكر: كتب عنه البخاري وحسبه بذلك فخرا، مات سنة تسع وثمانين ومائتين. "وقال: حديث حسن وروينا في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح الهمداني"، بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة، نسبة إلى همدان شعب بن قحطان، قال في التبصير: منها الصحابة والتابعون وتابعوهم. "قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي" بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بالباقر، قال النووي: لأنه بقر العلم، أي: شقه. فعرف أصله وخفيه، ولد سنة ست وخمسين، وروى عنه خلق كالزهري وعمرو بن دينار، وكان سيد بني هاشم في زمانه علمًا وفضلا وسؤددًا ونبلا، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث مات سنة ثمان عشرة ومائة. "كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث، قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق" في عالم الذر "من بني آدم من

ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال: بلى، ولذلك صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء، وهو آخر من بعث. فإن قلت: إن النبوة وصف ولا بد أن يكون الموصوف به موجودًا، وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة.................................

_ ظهورهم" بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار "ذرياتهم" بأن أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم نسلا بعد نسل؛ كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان بفتح النون يوم عرفة، ونصب لهم دلائل على ربوبيته، وركب فيهم عقلا، والأخبار والآثار شاهد بهذا فتعسف من جعل الآية للتمثيل: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، قالوا: بلى "كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال: بلى" أنت ربنا "ولذلك صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث". وأورد على قوله وآدم بين الروح والجسد، فالمراد بالوصف الأثر، وهو في الأصل مصدر يقوم بالمحل وهو كونه موحى إليه بأمر يعمل به، فالمراد بالوصف الأثر، وهو في الأصل مصدر، "ولا بد أن يكون الموصوف به موجودًا وإنما يكون" الوصف بالنبوة "بعد بلوغ" الموصوف بها "أربعين سنة" إذ هو سن الكمال ولها تبعث الرسل، ومفاد هذا الحصر الشامل لجميع الأنبياء حتى يحيى وعسى هو الصحيح, ففي زاد المعاد ما يذكر أن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة لا يعرف به أثر متصل يجب المصير إليه. قال الشامي: وهو كما قال فإن ذلك إنما يروى عن النصارى، والمصرح به في الأحاديث النبوية أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة. أخرج الطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات، عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم، قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة: "إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني بالقرآن العام مرتين وأخبرني أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف الذي قبله، وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبًا على رأس الستين". انتهى ملخصًا. وروى أبو يعلى عن فاطمة مرفوعًا، أن عيسى ابن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة، فهذا مما يؤيد ذاك ولا يرد عليه قوله تعالى في حق عيسى: {وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30] ، لأن معناه جعلني مباركًا، نفاعًا للخير، والتعبير بلفظ الماضي باعتبار ما سبق في قضائه، أو لجعل المحقق وقوعه كالواقع. ولا قوله في يحيى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] ، لأن معناه الحكمة وفهم التوراة، ومن فسره بالنبوية فهو مجاز لأنه لظهور آثارها كأنه أوتيها، ولا ما في تهذيب النووي وعرائس الثعلبي أن صالحًا بعثه الله إلى قومه وهو شاب، وأقام فيهم عشرين سنة، وتوفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، لجواز أنه على التقريب بإسقاط عامي الولادة والموت، فلا ينافي أنه أرسل على رأس الأربعين، وكونه في ذلك السن، لا ينافي إطلاق الشاب عليه، كما

مهمة أيضًا، فكيف يوصف به قبل وجوده وإرساله؟

_ أطلق أنس لفظ الشاب على المصطفى في حديث الهجرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وقد روى ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رفعه: "ما بعث الله نبيًا إلا شابًا". مهمة: وقع للحافظ الجلال السيوطي في تكملة تفسير المحلى، وشرح النقابة وغيرهما من كتبه الجزم، بأن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، ويمكث بعد نزوله سبع سنين، وما زلت أتعجب منه مع مزيد حفظه وإتقانه وجمعه للمعقول والمنقول، حتى رأيته في مرقاة الصعود رجع عن ذلك. فقال في شرح حديث: فيمكث في الأرض أربعين سنة، قال ابن كثير يشكل عليه ما في مسلم أنه يمكث سبع سنين إلا أن يحمل على إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مكثه قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره حينئذ ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور. قلت: وقد أقمت سنين أجمع بذلك، ثم رأيت البيهقي قال في كتاب البعث والنشور، هكذا في هذا الحديث: أن عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في قصة الدجال: فيبعث الله عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، قال البيهقي: ويحتمل أن قوله: ثم يلبث الناس بعده، أي: بعد موته، فلا يمكن مخالفًا للأول، انتهى. فترجح عندي هذا التأويل لوجوه أحدها. إن حديث مسلم ليس نصًا في الإخبار عن مدة لبث عيسى وذلك نص فيها، والثاني: أن ثم تؤيد هذا التأويل لأنها للتراخي. والثالث: قوله يلبث الناس بعده فيتجه أن الضمير فيه لعيسى؛ لأنه أقرب مذكور، والرابع: أنه لم يرد في ذلك سوى هذا الحديث المحتمل، ولا ثاني له. وورد مكث عيسى أربعين سنة في عدة أحاديث من طرق مختلفة منها هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وهو صحيح. ومنها ما أخرجه الطبران عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة"، ومنها ما أخرجه أحمد في الزهد عن أبي هريرة، قال: "يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة لو يقول للبطحاء سيلي عسلا لسالت"، ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة مرفوعًا في حديث الدجال: "فينزل عيسى ابن مريم فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلا وحكمًا مقسطًا". ورد أيضًا من حديث ابن مسعود عند الطبراني، فهذه الأحاديث الصريحة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل، انتهى. "أيضًا" أي: كما أنه لا بد للنبوة من محل تقوم به والمتعاطفات هنا اتفقا في الاشتراط فصح لفظ أيضًا، "فكيف يوصف به"، أي: بوصف النبوة "قبل وجوده" صلى الله عليه وسلم في الخارج "وإرساله؟ " في

أجاب العلامة الغزالي رحمه الله في كتابه "النفخ والتسوية" عن هذا، وعن قوله: كنت أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا: بأن المراد بـ"الخلق" هنا: التقدير دون الإيجاد..............

_ ذكره مع أن فرض السؤال في النبوة إشعار بأنهما متقاربان وهو الصحيح، وقيل: نبوته سابقة على إرساله. "أجاب": كذا في نسخ بلا فاء، وفي أخرى بها, والأولى أولى إذ الفعل هنا ماض متصرف، وليس مما تدخل عليه الفاء، فإنها تدخل في سبعة مواضع جمعها القائل: اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس وقد اشتهر أن ذا البيت للفقيه العلامة الأجهوري، وله عزاه شيخنا لكنه قال لنا في قراءة المعنى أنه رآه لأقدم منه، وهو كما قال فقد ذكره الشيخ عمر بن نجيم الحنفي في شرح الكنز في باب تعليق الطلاق، فقال: جواب الشرط يجب اقترانه بالفاء، حيث لم يصلح جعله شرطًا، وذلك في مواضع جمعت في قوله طلبية واسمية ... إلخ. فلعله من توافق الخاطر "العلامة" أبو حامد حجة الإسلام محمد بن محمد "الغزالي" بفتح الغين المعجمة وشدة الزاي على المشهور، كما قال ابن الأثير وفي التبيان عن الغزالي أنه أنكر التشديد، وقال: إنما أنا بالتخفيف، نسبة إلى غزالة من قرى طوس. وفي المصباح عن بعض ذريته أخطأ الناس في تشديد جدنا، لكن قال ابن الأثير أنه خلاف المشهور، قال: وأظن أنه نسبة إلى الغزالي على عادة أهل جرجان وخوارزم كالعصاري إلى العصار. قال: وحكى لي بعض من ينسب إليه من أهل طوس، أنه منسوب إلى غزالة بنت كعب الأحبار، انتهى. وفي طبقات السبكي كان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان بطوس. "رحمه الله" ذكر له الأسنوي في المهمات ترجمة حسنة منها هو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإيمان والطريق الموصل إلى رضا الرحمن يتقرب به إلى الله تعالى كل صديق ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق. قد انفرد في ذلك العصر الزمان، كما انفرد في هذا الباب فلا يترجم معه فيه لإنسان، انتهى. وله كتب نافعة مفيدة خصوصًا الإحياء فلا يستغنى عنه طالب الآخرة، مات بطوس سنة خمس وخمسمائة. "في كتابه النفخ والتسوية عن هذا"، المتقدم وهو وقوله: كنت نبيًا وآدم ... إلخ. "وعن قوله" صلى الله عليه وسلم " "كنت أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا"" , رواه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو إسحاق الجوذقاني, في تاريخه عن أبي هريرة، رفعه بلفظ، كنت، وما يقع في نسخ بلفظ أنا فتحريف أو رواية بالمعنى، "بأن المراد بالخلق هنا التقدير دون الإيجاد" إذ هو

فإن قيل إن ولدته أمه لم يكن موجودًا مخلوقًا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود". قال: وهو معنى قولهم: "أول الفكرة آخر العمل، أول الفكرة" وبيانه: أن المهندس المقدر للدار، أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دار كاملة، وآخرة ما يوجد من أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقه تقديرًا، وآخرها وجودًا، لأن ما قبلها من ضرب اللبنات وبناء الحيطان، وتركيب الجذوع، وسيلة إلى غاية وكمال وهي الدار الكاملة، فالغاية هي الدار ولأجلها تقوم الآلات والأعمال. ثم قال: وأما قوله عليه الصلاة والسلام: كنت نبيًا فإشارة إلى ما...................

_ خلاف الواقع، "فإن قيل: إن ولدته أمه لم يكن موجودًا مخلوقًا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير، لاحقة في الوجود. قال: وهو معنى قولهم" أي: المتقدمين، "أول الفكرة آخر العمل أول الفكرة"، كذا في النسخ الفكرة بالهاء في الموضعين، والمذكور في كتاب الغزالي المزبور بدون هاء فيهما، ونظمه القائل: نعم ما قال زمرة الدول ... أول الفكر آخر العمل "وبيانه" أي: إيضاح قولهم المذكور، "أن المهندس" قال الجوهري: المهندز الذي يقدر مجاري القنا والأبنية، والعرب صيروا زايه سينا، فقالوا مهندس في كلام العرب زاي قبلها دال، وفي القاموس: هندوس الأمر بالضم العالم به، جمعه هنادسة، والمهندس مقدر مجاري القنا حين تحفر، والاسم الهندسة مشتق من الهنداز معرب اندازه، فأبدلت الزاي لأنهم ليس لهم دال بعده زاي، انتهى. "المقدر للدار أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دارًا كاملة وآخرة" وزان قصبة كما في المصباح وغيره، وحكى في القاموس ضم أوله، أي: آخر "ما يوجد في أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقه تقديرا وآخرها وجودًا؛ لأن ما قبلها من ضرب اللبنات" بكسر الموحدة جمع لبنة بالكسر وتسكن للتخفيف ما يعمل من الطين ويبنى به، "وبناء الحيطان" جمع حائط الجدار، قال القاموس: والقياس حوطان، "وتركيب الجذوع" جمع جذع، وهو ساق النخلة "وسيلة إلى غاية" أي: نهاية، "وكمال" عطف تفسير، "وهي الدار الكاملة فالغاية هي الدار، ولأجلها تقوم" بضم الفوقية وفتح القاف والواو المشددة، أي: توجد "الآلات والأعمال ثم قال" الغزالي بعد كلام وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد" "فإشارة" أي: فهو إشارة "إلى ما

ذكرناه، وأنه كان نبيًا في التقدير قبل تمام خلقه آدم عليه الصلاة والسلام، لأنه لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم ويستصفى تدريجًا إلى أن يبلغ كمال الصفات". "قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودًا في ذهن المهندس ودماغه، والوجود الثاني أنه ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن في الأعيان، والوجود الذهني سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة. كذلك فاعلم أن الله تعالى يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيًا"، انتهى.

_ ذكرنا، وأنه كان نبيًا في التقدير قبل تمام خلقه" بكسر فسكون "آدم عليه الصلاة والسلام، لأنه" أي: الحال والشأن "لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم" وقد قال الله تعالى لآدم: لولاه ما خلقتك، "ويستصفى" أي: يستخلص من الكدورات كإخراج العلقة وشق الصدر، "تدريجًا" أي: شيئًا فشيئًا، "إلى أن يبلغ كمال الصفات" من إضافة الصفة للموصوف، أي: الصفات الكاملة أو بمعنى الكامل من الصفات وهو أعلاها، وهذا على ما في النسخ الصفات بالتاء والذي في كتاب الغزالي المذكور الصفا بلا تاء. "قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودًا" بالنصب بدل مفصل من مجمل "في ذهن المهندس ودماغه" عطف تفسير لبيان محله عند الحكماء إذ الذهن القوي المدركة الباطنة، وهي حاصلة في مقدم الدماغ، وذكره لبيان تصويره في حد ذاته، فلا ينافي أن الغزالي كغيره من أهل السنة لا يقول به. "والوجود الثاني: أنه" أي: المهندس "ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن في الأعيان والوجود الذهني سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة" بفتح الميم، أي: لا بد كما في المختار "كذلك" مبتدأ حذف خبره، أي: كهذين الوجودين فعل الله وتصرفه في خلقه؛ كما أشار إليه بقوله "فاعلم" وهذا جواب شرط مقدر نشأ من قوله وكذلك، أي وإذا أردت معرفة ذلك في حقه تعالى وفيه إشارة إلى استحالة الوجود الذهني في حقه تعالى وأن الشبيه إنما هو من حيث سبق التقدم ثم الإيجاد فقط، "إن الله تعالى يقدر" الأشباء قبل إيجادها، "ثم يوجد" ذلك الذي قدره "على وفق التقدير ثانيًا، انتهى". واقتصر على هذين الوجودين؛ لأنهما الصالحان في مادة جوابه، وإلا فللشيء من حيث هو وجودان آخران: وجود في الكتابة ووجود في العبارة. صرح به الجعبري مقدمًا العيني على الذهني، نظرًا إلى الإخبار بالشيء بعد تحصيله وتعقله عند المخبر بالكسر، والغزالي قدم الذهني

وهو متعقب بقول الشيخ تقي الدين السبكي: "إنه قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: كنت نبيًا إلى روحه الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من حين خلق آدم..................

_ نظرًا إلى صورة تحصيل الشيء في نفسه، وللقرافي في شرح تنقيحه قال الغزالي المختار: عندي أن للشيء في الوجود أربع مراتب حقيقية في نفسه، وثبوت مثاله في الذهن. ويعبر عنه بالعلم التصوري، الثالثة تأليف أصوات بحروف تدل عليه، الرابعة تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ، وهي الكتابة؛ فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم، والعلم تبع للمعلوم، فهذه الأربعة متطابقة متوازنة إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان في الأعصار والأمم واللفظ والكتابة، مختلفان فيهما لوضعهما بالاختيار. "وهو" أي: ما قاله الغزالي، "متعقب" أي: مردود "بقول الشيخ" الإمام العلامة أبي الحسن علي بن عبد الكافي الملقب "تقي الدين السبكي" الفقيه الحافظ المفسر الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الجدلي الخلافي، النظار شيخ الإسلام، بقية المجتهدين. ولد بسبك من أعمال المنوفية في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وبرع في العلوم، وانتهت إليه الرئاسة بمصر، وصنف تصانيف عديدة، وتوفي بجزيرة الفيل على شاطئ النيل يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة "إنه جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد" وإذا كان كذلك "فقد تكون الإشارة بقوله" صلى الله عليه وسلم: "كنت نبيًا لى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق" فيكون لنبوته محل قامت به. وهذا جواب قول السائل لا بد للوصف من محل يقوم به، وترك جواب أنها إنما تكون بعد الأربعين. وأجاب شيخنا بجواز أن محله في النبوة المتعلقة بالجسد بعد ارتباط الروح به، فلا ينافي أن إفاضة النبوة على الروح ووصفها به حقيقة لعدم اشتراط المحل الذي تقوم به النبوة خارجًا عن هذا. قال: وقد يؤخذ ذلك من إقصاره على إفاضة النبوة على روحه، إذ من لازم حصولها على الروح عدم اشتراط وجود الجسد في الأعيان، فضلا عن بلوغ أربعين، ولما استشعر سؤال: ما تلك الحقائق؟ قال مجيبًا: "والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي" يدرك ما يخفي من لم يمده، "ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من حين خلق آدم", أي: من وقت

آتاها الله ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك الوقت، فصار نبيًا، وكتب اسمه على العرش، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده. فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، وإنما يتأخر البعث والتبليغ.... ...................

_ ابتدائه وقبل تمامه، "آتاها الله" بالمد أعطاها "ذلك الوصف" وصور الإعطاء بقوله: "بأن يكون خلقها متهيئة لذلك" أي: لقبول النبوة، "وأفاضه" أي: ذلك الوصف "عليها من ذلك الوقت" فحقيقته سابقة على خلق آدم وحصول النبوة عند خلقه, وفي اللطائف والسبل: وهذه، أي: الصفة التي هي النبوة الثابتة، مرتبة ثالثة وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العيني الخارجي. قال شيخنا: فأفاد أن نبوته مقدره في العلم أولا، ثم تعلق بها الكتابة، ثم تعلق بها الإبراز والإيجاد للملائكة في الوجود العيني, وقضية ما مر من إبراز حقيقته قبل سائر الموجودات، أن المراتب أربع تعلق العلم بأنه يصير نبيًا، ثم خلق نوره، ثم كتب في أم الكتاب، ثم إظهاره الملائكة، وقد يشعر بهذا قوله: وهي انتقاله ... إلخ. "فصار" عليه السلام، أي: حقيقته أو روحه "نبيًا وكتب" الله تعالى "اسمه" عليه السلام، "على العرش وأخبر" الله "عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم" من العالم الموجود حينئذ، أو الذي سيوجد من بني آدم "كرامته عنده، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإن تأخر جسده الشريف" أي: إيجاده "المتصف بها" وقوله: "واتصاف حقيقته" مبتدأ "بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه" صفتان للأوصاف، "من الحضرة الإلهية" متعلقة بمفاضة بلا ريب وجعله خبر اتصاف يمجه السمع ويأباه الطبع، فليس القصد الإخبار بأن اتصافه كائن من الحضرة، بل حصوله من ذلك الوقت وإنما سقط خبر المبتدأ من قلم المصنف سهوًا. وهو ثابت في كلام السبكي الناقل عنه لمصنف، ولفظه واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، حاصل من ذلك الوقت؛ "وإنما يتأخر البعث والتبليغ" فلا حاجة أيضًا لجعل اتصاف عطفًا على جسده، أي: تأخر اتصافه بالأوصاف في الوجود العيني لجسده وأنه أقرب، بل هو تعسف أيضًا يأباه قوله بعد وإنما المتأخر تكونه وتنقله ويبعده الحصر في قوله: إنما يتأخر ... إلخ. يصير معناه عسرًا، ولكن قد علمت أن منشأ هذا التحمل سقوط الخير، وأنه موجود في كلام من عزا إليه، فلا معدل عنه وبه استقام الكلام، بلا تعسف.

وكل ما له من جهة الله ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخر فيه, وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم. وقد علم من هذا: أن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت, ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له السلام خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى.

_ "وكل ما له من جهة الله، ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته، معجل لا تأخر فيه" جملة خبرية كالمفسرة لما قبلها؛ كقوله: "وكذلك استنباؤه", أي: جعله نبيًا، فالسين للتوكيد لا للطلب. "وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة" متقدم على ذاته، "وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم، وقد علم من هذا" الخبر الذي هو أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، "أن من فسره" أي: الكون نبيًا وآدم بين الروح والجسد، كالغزالي. "بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى؛ لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت، ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم" أي: علم الله، "بما سيصير في المستقبل". "لم يكن له" عليه "السلام خصوصية" بضم الخاء وفتحها، وهو أفصح، كذا في المختار كأصله الصحاح، وفي المصباح والفتح: لغة، وكذا أفاده القاموس بقوله: وتفتح "بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد؛ لأن جميع الأنبياء، يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية" أمر ثابت "للنبي صلى الله عليه وسلم" دون غيره؛ "لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته، ليعرفوا قدره عند الله تعالى". إلى هنا كلام السبكي بتقديم وتأخير حسبما ذكره في رسالة لطيفة سماها التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه، وفهمه المصنف ردًا على الغزالي بقوله وهو متعقب، وفيه أنه إنما عبر بالتقدير وهو مرتبة غير العلم، فيجوز أنه أمر اختص به قبل خلق آدم، دون بقية الأنبياء فلا يتم رده به, ويحتمل أن مراد السبكي الرد على غير الغزالي، وهو ظاهر قوله. ومن فسر دون من

وعن الشعبي قال رجل: يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد، حين أخذ مني الميثاق". رواه ابن سعد من رواية جابر الجعفي فيما ذكره ابن رجب. فهذا يدل على أنه من حين صور آدم طينًا استخرج منه محمد صلى الله عليه وسلم.........

_ قدر، وفي نسيم الرياض قد يقال من فسره بالعلم مراده علم أظهره الله لغيره من الملائكة والأرواح، تشريفًا له وتعظيمًا، وكونه إشارة إلى حقيقته إن أراد به روحه، رجع إلى ما قبله وإن أراد غيره، فلا يعقل عند من خلع ربقة التقليد من جيده، انتهى. "وعن الشعبي" بفتح المعجمة وسكون المهملة، فموحدة، نسبة إلى شعب بطن من همدان بسكون الميم كما في الكواكب، وصدر به في اللب, وقال ابن الأثير: بطن من حمير عامر بن شراحيل الكوفي، أبي عمرو التابعي الوسط، ولد لست مضين من خلافة عمر على المشهور، وروي عن علي والسبطين وسعد وسعيد وابني عباس وعمر وغيرهم، وقال: أدركت خمسمائة صحابي، وما كتبت سوداء في بيضاء قط، ولا حدثني أحد بحديث إلا حفظته. مر به ابن عمر وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم فلهو أحفظ لها وأعلم بها مني قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وابن عيينة كان أكبر الناس في زمانه، مات بالكوفة سنة ثلاث ومائة أو أربع أو سبع أو عشر ومائة. "قال رجل" يحتمل أنه عمر: "يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق" ", وعند أبي نعيم عن الصنابحي عن عمر بن الخطاب، أنه قال: يا رسول الله، متى جعلت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد"، "رواه" أبو عبد الله محمد "بن سعد" بن منيع الهاشمي، مولاهم البصري كاتب الواقدي روى عنه كثيرًا، وعن هشيم وابن عيينة وابن علية وطبقتهم، وكتب الفقه والحديث والغريب والعربية، وصنف الطبقات الكبير والصغير والتاريخ. قال أبو حاتم وغيره: صدوق مات في جمادى الآخرة سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين عن اثنتين وستين سنة, "من رواية جابر" بن يزيد بن الحارث "الجعفي" بضم الجيم وسكون العين، أي عبد الله الكوفي، عن الشعبي وأبي الطفيل، وعنه شعبة والسفيانان ضعيف شيعي تركه الحفاظ ووثقه شعبة، فشذ, قال أبو داود: ليس له في كتابي حديث سوى السهو، مات سنة ثمان وعشرين ومائة. "فيما ذكره ابن رجب" الحافظ عبد الرحمن، "فهذا" أي: مرسل الشعبي على ضعفه المعتضد بحديث عمر السابق، "يدل على أنه من حين صور آدم طينًا، استخرج منه محمد صلى الله عليه وسلم

ونبئ وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه فهو أولهم خلقًا. لا يقال: يلزم خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ مواتًا لا روح فيه، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان حيًا حين استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا. فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث، والذي تقرر هنا: أنه استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم عليه الصلاة والسلام. أجاب بعضهم: بأنه صلى الله عليه وسلم خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح, فإن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خلق النوع الإنساني، وهو عينه وخلاصته وواسطة

_ ونبئ، وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه، فهو أولهم خلقًا لا يقال يلزم" على ما تقدم "خلق آدم قبله" لأنه استخرج من طينته فينا في خبر كنت أول الأنبياء خلقًا, "لأن آدم" تعليل لنفي القول لا للقول المنفي، فهو نفس الجواب. "كان حينئذ"، أي: حين نبئ النبي وأخذ منه الميثاق، "مواتًا" بفتح الميم" "لا روح فيه" صفة كاشفة، ففي الصحاح: الموات بالضم الموت، وبالفتح ما لا روح فيه. "ومحمد صلى الله عليه وسلم كان حيًا حين استخرج" من طينة آدم "ونبئ وأخذ منه ميثاقه، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا" كما قال: "فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه؛ كما دل عليه أكثر الأحاديث" وأقلها أنه استخراج قبل نفخ الروح. روي عن سلمان وغيره، قال في اللطائف: ويدل له ظاهر قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] ، الآية على ما فسر به مجاهد وغيره، أن المراد إخراج ذرية آدم من ظهره، قبل أمر الملائكة بالسجود له، ويحتمل أن يدل له أيضًا قول آدم بين الروح والجسد جوابًا لمتى استنبئت. "والذي تقرر هنا أنه استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم عليه الصلاة والسلام"، هذه خصوصية للمصطفى؟ أم مبني على خلاف ما دل عليه أكثر الأحاديث؟ "أجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خلق النوع الإنساني"، إذ لولاه ما خلق. "وهو عينه وخلاصته

عقده. والأحاديث السابقة صريحة في ذلك، والله أعلم. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لم يبعث الله تعالى نبيًا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث، وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه. وهو مروي عن ابن عباس أيضًا, كما ذكره العماد بن كثير في تفسيره.

_ وواسطة عقده" بكسر العين، أي: الجوهر الذي في وسط القلادة، وهو أجودها، "والأحاديث السابقة صريحة في ذلك" الذي قلنا: إنه خصوصية له، "والله أعلم". قال العلامة الشهاب القرافي: لفظ والله أعلم لا ينبغي أن توضع هي ونحوها إلا وينوي بها ذكر الله، فإن استعمال ألفاظ الأذكار لا على وجه الذكر والتعظيم، قلة أدب مع الله تعالى ينهى عنه، بل ينوي بها معناها الذي وضعت له لغة وشرعًا، انتهى. "وروي" عند ابني جرير وكثير، "عن علي بن أبي طالب" أمير المؤمنين، زوج البتول الزهراء، تربية من خص بالنظر ليلة الإسراء القائل في حقه: "من كنت مولاه فعلي مولاه". رواه الترمذي والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة. وعند مسلم وأحمد: "ولا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق"، مناقبه شهيرة كثيرة جدًا، حتى قال أحمد والنسائي وإسماعيل القاضي ولم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في حق علي رضي الله عنه، "أنه قال" في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} [آل عمران: 81] الآية، "لم يبعث الله نبيًا من آدم فمن بعده" إلى عيسى، إن قلنا بالمشهور من أنه ليس بينه وبين المصطفى نبي أو إلى من بعده أيضًا؛ كخالد بن سنان، "إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه" المبعوث فيهم الرواية بنصب يأخذ عن عياض؛ كما أفاده الشمني والمصنف في حواشيهما للشفاء، قائلين عطفًا على يؤمنن نون التوكيد الخفيفة ورد بأنه حينئذ يكون من جزاء الشرط فيلزم أن الأخذ من الأمة بعد بعثه المصطفى وليس المراد؛ فالعطف على جملة: لئن بعث ... إلخ، على أنها في موضع مفرد، والوجه أو التقدير وأمر أن يأخذ نحو علفتها تبنًا، "وهو مروي عن ابن عباس أيضًا" موقوف عليها لفظًا، مرفوع حكمًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، "كما ذكره العماد" الحافظ ذو الفضائل إسماعيل بن عمر "ابن كثير" القيسي المفتي المحدث البارع المتقن كثير الاستحضار، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، مات سنة أربع وسبعين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة. "في تفسيره" الذي لم يؤلف على نمطه مثله، ورواه ابن عساكر والبغوي

وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فغشيهم من نوره ما أنطقهم الله به وقالوا: يا ربنا، من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته فقال الله تعالى: أشهد عليكم؟ قالوا: نعم. فذلك قوله تعالى:............

_ بنحوه، ووقع للزركشي وابن كثير والحافظ في الفتح عزوه لصحيح البخاري. قال الشامي: ولم أظفر به فيه، انتهى. وقال البغوي: اختلف في معنى الآية، فقيل: أخذ الميثاق من النبيين أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته وأن يصدق بعضهم بعضًا، وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده وينصره إن أدركه، وأن يأمر قومه بنصره فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد، وقيل: إنما أخذ الميثاق عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم، واختلف على هذا فقيل: الأخذ على النبيين وأممهم كلهم، واكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد على المتبوع عهد على التابع وهو معنى قول علي وابن عباس. وقال مجاهد والربيع: أخذ الميثاق إنما هو على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيون، ألا ترى قوله: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} [آل عمران: 81] ... إلخ، وإنما كان مبعوثًا لأهل الكتاب دون النبيين, يدل عليه قراءة ابن مسعود وأبي: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 187] ، وأما القراءة المعروفة، فالمراد منها أن الله أخذ عهد النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم بذلك، انتهى ملخصًا. "وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم" أي: أكمل خلقه بإفاضة الكمالات والنبوة على نوره "أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" لا خلق نفس النور فلا يرد اقتضاؤه خلق نور الأنبياء قبل نوره؛ لأن تعليق الحكم على شيء يستدعي وجوده قبله، أو المراد لما خلق نوره أخرج منه أنوار بقية الأنبياء، ثم أمرهم بذلك، ولو قبل إفاضة النبوة على ذلك النور، لكن الأول أوفق بقولهم: آمنا به وبنبوته، إذ المتبادر إفاضة النبوة عليه بالفعل. "فغشيهم من نوره ما" أي: الذي "أنطقهم الله به، وقالوا: يا ربنا من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته، فقال الله تعالى" لهم: "أشهد عليكم" بحذف همزة الاستفهام المقدرة، "قالوا: نعم" أشهد علينا، "فذلك قوله تعالى" واذكر " {وَإِذْ} " حين " {أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} " [آل عمران: 81] ، عهدهم.

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} إلى قوله: {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] . قال الشيخ تقي الدين السبكي: في هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه مع ذلك: أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق، من آدم إلى يوم القيامة، ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: "وبعثت إلى الناس كافة". لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا.

_ "لما" بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلق بأخذ، وما موصولة على الوجهين، أي: للذي "ءاتيتكم" إياه وقرئ: "آتَيْنَاكُمْ "من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم"" [آل عمران: 81] ، من الكتاب والحكمة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] ، جواب القسم وأممهم تبع لهم في ذلك، إلى قوله: {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] عليكم وعلى أممكم. "قال الشيخ تقي الدين السبكي" في رسالة صغيرة له سماها التعظيم والمنة، في {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] ،"في هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه" كأنه ذكر على معنى نظم الآية، وإلا فقياس سابقه وفيها: "مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من آدم إلى يوم القيامة" بهذا التقدير، "ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته" مع بقاء الأنبياء على نبوتهم، "ويكون قوله" صلى الله عليه وسلم في أثناء حديث رواه الشيخان وغيرهما: ""وبعثت إلى الناس كافة"" قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر. وفي رواية لمسلم: "إلى الخلق كافة"، وهو يتناول الجن إجماعًا والملائكة في أحد القولين، ورجحه ابن حزم والبارزي والسبكي وغيرهم، ويأتي بسطه إن شاء الله في الخصائص، "لا يختص به الناس" الكائنون "من زمنه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا" ونحوه للبارزي في توثيق عرا الإيمان، وادعى بعضهم أن ما ذكره السبكي غريب لا يوافقه عليه من يعتد به، فالجمهور على أن المراد بالكافة ناس زمنه فمن بعدهم إلى يوم القيامة، ودفعه شيخنا لما ذكرته له بأنه لا ينافي كلام الجمهور إلا إذا أريد التبليغ بالفعل. أما إذا أريد

ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد". ثم قال: فإذا عرف هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء، ولهذا ظهر في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم. ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته. وبذلك أخذ الله عليهم الميثاق. انتهى وسيأتي إن شاء الله تعالى لذلك في المقصد السادس.

_ بالبعث اتصافه صلى الله عليه وسلم بكونهم مأمورين في الأزل بتبعيته إذا وجد؛ كما هو صريح كلامه، فلا يخالفه واحد فضلا عن الجمهور. "ويتبين بذلك" وفي نسخة بهذا، أي: المذكور من أنه نبي وأخذ الميثاق عليهم باتباعه وأن الأرواح قبل الأجساد، "معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد" " فقد يكون إشارة إلى روحه أو حقيقة من الحقائق إلى آخر ما مر، ومعناه: أن حقيقته ظهرت بالنبوة قبل خلق آدم وحلول الروح في جسده. "ثم قال" بعد نحو ورقة من جملتها ما قدمه عنه قريبًا، "فإذا عرف هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء" أي: مرسل إلى الجميع مع بقائهم على نبوتهم، "ولهذا" أي: كونه نبي الأنبياء "ظهر في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه" كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أنس عند أحمد: "وبيدي لواء الحمد آدم فمن دونه تحت لوائي"، وهو معنوي. وهو انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته به على رءوس الخلائق؛ كما جزم به الطيبي والسيوطي أو حقيقي مسمى بذلك وعند الله علم حقيقته ودونه تنتهي جميع المقامات، ولما كان المصطفى أحمد الخلق في الدارين أعطيه ليأوي إليه الأولون والآخرون، ولذا قال آدم فمن دونه ... إلخ؛ كما قاله التوربشتي والطبري. وأما ما رواه ابن منيع والطبري وغيرهما في صفته، فقال الطبري: موضوع بين الوضع. "وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم" إمامًا "ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح" سمي به لنوحه على ذنوب أمته، واسمه عبد الجبار؛ كما في حياة الحيوان، أو عبد الغفار؛ كما في الأنس الجليل، أو يشكر أو لكثرة بكائه على نفسه من قوله في كلب ما أوحشه فأوحى إليه: أخلق أنت أحسن منه، فكان يبكي اعتذارًا من تلك المقالة، فأوحى الله إليه: يا نوح إلى كم تنوح، فسماه بذلك الله؛ كما في تفسير القشيري. وفي ربيع الأبرار بكى نوح ثلاثمائة سنة على قوله: إن ابني من أهلي. "وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ الله عليهم الميثاق، انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في المقصد السادس".

وذكر العارف الرباني عبد الله بن أبي جمرة في كتابه "بهجة النفوس" ومن قبله ابن سبع في "شفاء الصدور" عن كعب الأحبار..................................

_ وهو نقل رسالة السبكي برمتها، ومن جملتها أن الأنبياء نواب له بشرائعهم، وأنه شرعه لأولئك القوم، وقد عاب عليه وشنع صاحب نسيم الرياض، بأن النصوص العقلية والنقلية ناطقان بخلافه؛ كقوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] ، وما في معناها من الآيات، والأنبياء مع تعظيمهم له ومحبتهم غير مكلفين بأحكام شرعه، وإلا لم يكونوا أصحاب شرع، فما تبجح به السبكي واستحسنه هو ومن بعده لا وجه له عند من له أدنى بصيرة، وكيف يتأتى قوله مع قوله تعالى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123] ، فإنه عكسه، وقد طلب موسى أن يكون من أمته فأجابه الله بقوله: استقدمت واستأخر ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال، انتهى. وتعسفه لا يخفى فإن قوله ذلك من جملة مدخول لو في قوله: لو اتفق مجيئه ... إلخ؛ كما هو صريح رسالته فسقط جميع ما قاله. ومن أقوى تعسفه قوله: غير مكلفين بأحكام شرعه، فإنه لم يدع تكليفهم به، بل إن شرائعهم على تقدير وجوده في أزمانهم شرع له فيهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار. "وذكر" الإمام "العارف الرباني" بشد الموحدة، فألف فنون ينسب هذه النسبة من يوصف بسعة العلم والديانة، قاله في التبصير "عبد الله بن أبي جمرة" المقري المالك العالم البارع الناسك، قال ابن كثير: كان قوالا بالحق، أمارًا بالمعروف، مات بمصر في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وستمائة. وفي التبصير في تعداد من هو بجيم وراء ما لفظه والشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة المغربي نزيل مصر، كان عالمًا عابدًا خيرًا شهير الذكر، شرح منتخبًا له من البخاري، نفع الله ببركته، وهو من بيت كبير بالمغرب شهير الذكر، انتهى. "في كتابه بهجة النفوس" وتحليها بمعرفة ما لها وعليها، وهو اسم شرحه على ما انتخبه من البخاري، "ومن قبله" الإمام أبو الربيع "بن سبع" بإسكان الموحدة وقد تضم؛ كما في التبصير. "في شفاء الصدور" ورواه أبو سعد في شرف المصطفى وابن الجوزي في الوفاء، "عن كعب الأحبار" جمع حبر بفتح الحاء وكسرها، وإليه يضاف؛ كالأول لكثرة كتابته بالحبر، حكاه أبو عبيد والأزهري عن الفراء. وقال ابن قتيبة وغيره: كعب الأحبار العلماء واحدهم حبر، كما في مشارق القاضي وتهذيب النووي ومثلثات ابن السيد والنور وغيرهم، وأغرب صاحب القاموس في قوله كعب الحبر ولا تقل الأحبار، فإنها دعوى نفي غير مسموعة مع مزيد عدالة المثبتين، بل إضافته إلى الجمع سواء قلنا أنه المداد، أو العلماء، أي: ملجؤهم أقوى في المدح، وهو كعب بن مانع

قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق محمدًا، أمر جبريل أن يأتيه بالطينه التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منير، فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي، وفي.......................

_ بالفوقية أبو إسحاق الحميري التابعي المخضرم، أدرك المصطفى وما رآه؛ المتفق على علمه وتوثيقه، سمع عمر وجماعة، وعنه العبادلة الأربعة، وأبو هريرة وأنس ومعاوية، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر وكان يهوديًا يسكن اليمن، وأسلم زمن الصديق، وقيل عمر، وشهر، وقيل: زمن المصطفى على يد علي، حكاه المصنف. وسكن الشام وتوفي فيما ذكره ابن الجوزي والحافظ سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان، وقد جاوز المائة، وما وقع في الكشاف وغيره من أدرك زمن معاوية فلا عبرة به، روى له الستة إلا البخاري، فإنما له فيه حكاية لمعاوية عنه. "قال: لما أراد الله أن يخلق محمدًا صلى الله عليه وسلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها" هو الحسن؛ كما في القاموس. "ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع" بالراء والقاف: السماء السابعة كما أشار إليه بقوله: "الأعلى" لأنها العليا وذكر مع أن السماء مؤنثة لانتفاء علامة التأنيث في الرقيع فكأنه قال: الجرم أو المكان الأعلى، "فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منيرة فعجنت بماء التسنيم" وهو أرفع شراب الجنة، ويقال تسنيم: عين تجري من فوقهم تسنمهم في منازلهم، أي: تنزل عليهم من عال. يقال: سنم الفحل الناقة إذا علاها، قال العزيزي بضم العين المهملة وزاءين معجمتين صاحب غريب القرآن، هكذا سار في الآفاق ومر الكلام فيه في الأسماء، قال في التبصير. وملخص الغريب المشهور، ضبطه الدارقطني وخلق بزاي مكررة، وتعقبهم ابن ناصر وخلق بأنه بزاي فراء مهملة، لكنهم لم يستندوا إلى ضبط بالحروف، وإنما عولوا على الخط وضبط القلم ولا يفيد القلم بأن آخره راء إذ الكاتب قد يذهل عن نقط الزاي فكيف يقطع بالوهم على الدارقطني مع أنه لقيه وأخذ عنه، ثم قال: وبالفتح، فذكر جماعة فلا يتوهم أحد أنه لم يتعرض لكونه مكبرًا أو مصغرًا، وإنما نشأ من عدم استيفاء الكلام. وفي القاموس: أن كونه بالراء تصحيف. "في معين أنهار الجنة حتى صارت كالدرة" بضم الدال المهملة: اللؤلؤة العظيمة، "البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش" وحول "الكرسي، وفي

السماوات والأرض والجبال والبحار، فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمدًا وفضله قبل أن تعرف آدم عليه الصلاة والسلام. وقيل: لما خاطب الله تعالى السماوات والأرض بقوله: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] . أجاب موضع الكعبة الشريفة، ومن السماء ما يحاذيها. وقد قال ابن عباس: أصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرة الأرض بمكة. فقال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، ومن موضع الكعبة دحيت الأرض فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل في التكوين...........................

_ السماوات والأرض والجبال والبحار" التي في الأرض وغيرها. "فعرفت الملائكة وجميع الخلق" عطف عام على خاص، "سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وفضله قبل أن تعرف آدم عليه الصلاة والسلام" قال بعض العلماء: وهذا لا يقال من قبل الرأي، انتهى. يعني: فهو إما عن الكتب القديمة لأنه حبرها، أو عن المصطفى بواسطة، فهو مرسل، وتضعيف بعض المتأخرين جدًا له باحتمال أنه من الكتب القديمة وقد بدلت غير مسموع، فإن التضعيف إنما هو من جهة السند لأنه المرقاة كما هو معلوم عند من له أدنى إلمام بالفن، وليس كل ما ينقل من الكتب القديمة مردودًا بمثل هذا الاحتمال. "وقيل: لما خاطب الله تعالى السماوات والأرض بقوله: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} " [فصلت: 11] ، إلى مرادي منكما " {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} " [فصلت: 11] ، بمن فينا "طائعين، أجاب" أي: كان المجيب من الأرض. "موضع الكعبة الشريفة ومن السماء ما يحاذيها" ووافقهما على الجواب البقية، فلا ينافي أتينا طائعين. وقال السهيلي: لم يجبه إلا أرض الحرم، أي: من الأرض، وهو أعم مما هنا، ووجه ذكره لهذا قوله: "وقد قال ابن عباس" عبد الله الحبر البحر ترجمان القرآن. كان الفاروق يجله ويدخله مع أشياخ بدر، "أصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرة الأرض بمكة" وهذا حكمه الرفع إذ لا يقال رأيًا، "فقال بعض العلماء": هو السهروردي صاحب العوارف "هذا" الذي قاله ابن عباس مع ما قبله، "يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة" بضم الدال المهملة: اللؤلؤة العظيمة جمعها در ودرر ودرات؛ كما في القاموس عبر بها عن طينة "المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم" لنفاستها وقراءتها بذال معجمة تصحيف غير لائق بالمقام، فإنها النملة الصغيرة جدًا، وقد مر قريبًا قوله: "صارت كالدرة البيضاء"، ويجيء التعبير عنها بجوهرة. "ومن موضع الكعبة دحيت" مدت "الأرض، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل في التكوين"، أي: الإحداث. القاموس، كونه أحدثه والله الأشياء

والكائنات تبع له. وقيل: لذلك سمي أميًا لأن مكة أم القرى، ودرته أم الخليفة. فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه عليه الصلاة والسلام بمكة، حيث كانت تربته منها. فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف -أفاض الله علينا من عوارفه، وتعطف علينا بعواطفه- بأنه قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحي، فوقعت جوهرة النبي صلى الله عليه وسلم.............................

_ أوجدها، "والكائنات تبع له" حذف من كلام السهروردي ما لفظه: وإليه والإشارة بقوله: "كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين"، وفي رواية: "بين الروح والجسد"، قال: "وقيل لذلك" الذي قاله ابن عباس "سمي أميًا؛ لأن مكة أم القرى ودرته أم الخليفة" وإنما حذف ذلك من كلامه؛ لأنه قدم إنه لم يرو اللفظ الأول، "فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه عليه الصلاة والسلام بمكة حيث كانت تربته منها" فلا تقل ذلك وتذهل عن جوابه. "فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف" هو العلامة عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السهروردي، بضم السين المهملة وسكون الهاء وضم الراء وفتح الواو وسكون الراء الثانية فدال مهملة، نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان كما في التبصير وغيره، الفقيه الشافعي الزاهد الإمام الورع الصوفي أخذ عن الكيلاني وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف ثم انقطع ولازم الخلوة والصوم والذكر، ثم تكلم على الناس عند علو سنه ثم كف وأقعد، ومع ذلك ما أخل بذكر ولا حضور جمع، ولازم الحج لى أن دخل في عشر المائة ووصل إلى الله به خلق كثير، وتاب على يديه كثيرون من العصاة، وكانت محفته تحمل على أعناق الرجال من العراق إلى البيت الحرام، ورأى من الجاه عند الملوك ما لم يره أحد ولما حج آخر حجاته ورأى ازدحام الناس عليه في المطاف واقتداءهم بأقواله وأفعاله، قال في سره: يا ترى أنا عند الله كما يظن هؤلاء فيّ، فكاشفه ابن الفارض وخاطبه بقوله: لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج فصرخ وخلع ما عليه وألقاه، فخلع المشايخ والفقراء ما عليهم وألقوه وكان أربعمائة خلعة، ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي ببغداد مستهل محرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. "أفاض الله علينا من عوارفه" أي: الله أو السهروردي فهو من التوجيه، "وتعطف علينا بعواطفه بأنه قيل: إن الماء" الذي كان عليه العرش "لما تموج رمى الزبد إلى النواحي فوقعت جوهرة" واحدة جوهر معرب؛ كما في الصحاح. أي: طينة "النبي صلى الله عليه وسلم وفي القاموس الجوهر: كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، انتهى. وبه يعلم حسن تسميته الطينة الشريفة جوهرة، كما

إلى ما يحاذي تربته بالمدينة، فكان صلى الله عليه وسلم مكيًا مدنيًا، حنينه إلى مكة وتربته بالمدينة. انتهى. وفي "المولد الشريف" لابن طغربك: ويرى أنه لما خلق الله تعالى آدم، ألهمه أن قال: يا رب، لم كنيتني أبا محمد، قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد في سرادق العرش..................

_ لا يخفى. "إلى ما يحاذي تربته بالمدينة" أي: وبقي منها بمكة ما أخذه جبريل حين أراد الله إبراز المصطفى، "فكان صلى الله عليه وسلم مكيًا" لأن طينته من مكة، "مدنيًا" لدفنه بالمدينة، كما أشار له بقوله: "حنينه" أي: شوقه، "إلى مكة وتربته بالمدينة، انتهى". ووقع لبعض بعد نحو هذا، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس والرقيع الأعلى، فقبضها من محل قبره الشريف وأصلها من مكة موجها الطوفان إلى هناك، فعجنت بماء التسنيم، ويتعين أن المراد بالطوفان الماء الكثير الذي كان عليه العرش، فإنه يطلق لغة على المطر الغالب والماء الغالب يغشى كل شيء؛ كقوله تعالى في قوم موسى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} [الأعراف: 133] ، إلا الكائن في زمن نوح؛ لأن أمر جبريل كان قبل وجود آدم. "وفي" كتاب "المولد الشريف" المسمى بالدر النظيم في مولد النبي الكريم "لابن طغربك" بطاء مهملة مضمومة وغين معجمة ساكنة وراء مضمومة وفتح الموحدة، وكأنه علم مركب من طغر وبك، لقب للإمام العلامة المحدث سيف الدين أبي جعفر عمر بن أيوب بن عمر الحميري التركماني الدمشقي الحنفي، لم أر له في ابن خلكان ترجمة، إنما فيه آخر من الأمراء بهذا الضبط وزيادة لام ساكنة بعد الراء. "ويرى أنه لما خلق الله تعالى آدم ألهمه" قبل أن يناديه أحد من الملائكة به، فيكون ألهمه القول والكنية معًا أو بعد علمه بأنه كني بذلك بطريق آخر على ما يشعر به ألهمه، "أن قال" إذ معناه قول "يا رب لم كنيتني أبا محمد؟ " بالتشديد والتخفيف؛ كما في القاموس, واقتصر المختار على أن الكنية بالتشديد لا غير، وأن المخفف إنما هو فيمن تكلم بشيء مريدًا غيره، "قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك فرفع رأسه فرأى نور محمد"، أي: النور الذي هو صورته، فالإضافة بيانية، لما مر من جعل نوره صورة روحانية "في سرادق العرش" شبهه من حيث الدلالة على كمال العظمة بسرادق حول الخباء مثلا دلالة على عظمة صاحبه، فالمعنى، رأى نوره في العرش الذي هو كالسرادق فهو من إضافته المشبه به إلى المشبه، أو هي بيانية، أو المعنى رأى نوره حول العرش. وسمي ما حوله سرادقًا على التشبيه، فشبه المحيط به بمحيط بخباء، فسماه باسمه؛ كما قال القاضي في أحاط بهم سرادقها فسطاطها، شبه به ما يحيط بهم

فقال: يا رب، ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبي من ذريتك اسمه في السماء أحمد، وفي الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا. ويشهد لهذا، ما رواه الحاكم في صحيحه أن آدم عليه الصلاة والسلام رأى اسم محمد مكتوبًا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم لولا محمد ما خلقتك. ولله در من قال: وكان لدى الفردوس في زمن الصبا ... .................................

_ من النار، قال شيخنا: والأول أقرب. "فقال: يا رب ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبي من ذريتك اسمه" المشهور به "في السماء" بين الملائكة "أحمدو" اسمه المشهور به "في الأرض" بين أهلها "محمد" فلا ينافي أن كتابه محمد على قوائم العرش واطلاع الملائكة عليها، كما يجيء صريح في تسميته في السماء بمحمد أيضًا، "لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا ويشهد لهذا" المروي المنقول من المولد من أوله في الجملة، أي: يقويه، "ما رواه الحاكم في صحيحه" المستدرك عن عمر رفعه، "أن آدم عليه الصلاة والسلام رأى اسم محمد مكتوبًا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم: لولا محمد ما خلقتك". وروى أبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين والحاكم عن ابن عباس: أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن. صححه الحاكم وأقره السبكي في شفاء السقام والبلقيني في فتاويه، ومثله لا يقال رأيًا فحكمه الرفع. وقال الذهبي: في سنده عمرو بن أوس لا يدرى من هو، وعند الديلمي: عن ابن عباس رفعه: "أتاني جبريل" فقال: إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة وللاك ما خلقت النار"، وذكر ابن سبع والعزفي بمهملة وزاي مفتوحتين وفاء؛ عن علي: أن الله قال لنبيه: من أجلك أسطح البطحاء وأموج الموج وأرفع السماء وأجعل الثواب والعقاب، قيل وهذا ليس لغيره من نبي ولا ملك: وما عجب إكرام ألف لواحد ... لعين تفدى ألف عين وتكرم "ولله در" أي: عمل مجازًا استعمل في المدح تعظيمًا، أي: أن اللبن الذي ربي به لا ينسب لغير الله، لخروج كمال الممدوح به عن العادة، "من قال" مضمنًا هذا الخبر وتوسل آدم بالمصطفى في قبول توبته، وهو صالح بن حسين الشاعر، قال بعض ما عمل مثلها في عصره. "وكان" آدم "لدى الفردوس في زمن الصبا" أي: في أول أمره بعد ارتباط الروح بجسده

......................... ... وأثواب شمل الأنس محكمة السدى يشاهد في عدن ضياء مشعشعا ... يزيد على الأنوار في الضوء والهدى فقال إلهي ما الضياء الذي أرى ... جنود السما تعشو إليه ترددا فقال نبي خير من وطئ الثرى ... وأفضل من في الخير راح أو اغتدى تخيرته من قبل خلقك سيدا ... وألبسته قبل النبيين سؤددا

_ لا المعنى اللغوي، وفي نسخ كالشامي الرضا، أي: زمن كونه في الجنة قبل هبوطه، "وأثواب شمل الأنس محكمة السدى" كناية عن قربه من الله، والسدى وزان الحصى من الثوب خلاف اللحمة، "يشاهد" آدم "في عدن" الجنة وعبر به، وفي سابقه بالفردوس إشارة لتعدد أسمائها، والجار والمجرور حال من فاعل يشاهد أو من ضياء بناء على أنه في الأصل نعت له، ونعت المنكرة إذا قدم عليها أعرب حالا، "ضياء" أي: نورًا قويًا، "مشعشعًا" أي: منتشرًا؛ كما في الشامي. "يزيد على الأنوار" المتعارفة "في الضوء والهدى" أي: زيادة النور والاهتداء، فلا ينافي أن الضوء من جملة النور؛ كما في الأنوار. "فقال" آدم "إلهي ما" هذا "الضياء" بالنسبة لبقية الأضواء، "الذي أرى، جنود السما" بالقصر للوزن، "تعشو" بعين مهملة تقصده للاستضاءة به، "إليه ترددًا" مترددين إليه مرة بعد أخرى، "فقال" الله تعالى هو "نبي" أي: ضياؤه "خير من وطئ الثرى" بمثلثة التراب الندى، فإن لم يكن نديًا فتراب لكن المراد هنا الأرض مطلقًا، وسماها ثرى من إطلاق الجزء على الكل. "وأفضل من في" طرق "الخير راح أو اغتدى" أي: أخذ فيه وحصله، أي وقت ليلا أو نهارًا لاستعمال العرب الغدو والرواح في السير مطلقًا على نقل الأزهري، أي مجازًا. "تخيرته من قبل خلقك" يا آدم، "سيدا" حال من المفعول في تخيرته، "وألبسته قبل النبيين سؤددًا" بالضم سيادة فذكره بعد سيدًا إطناب، إذا حيث ثبتت قبل آدم علم ثبوتها قبل الأنبياء، أو المراد اخترته بتقديم السيادة له قبل خلقك، ثم ألبستها له بالفعل قبل النبيين، فهو كما مر في أن إفاضة النبوة عليه بعد النقل من التقدير إلى الكتابة ثم إلى النبوة وبقي من القصيدة أبيات، وهي: وأعددته يوم القيامة شافعًا ... مطاعًا إذا ما الغير حاد وحيدا فيشفع في إنقاذ كل موحد ... ويدخله جنات عدن مخلدا وإن له أسماء سميته بها ... ولكنني أحببت منها محمدًا فقال إلهي امنن علي بتوبة ... تكون على غسل الخطيئة مسعدا بحرمة هذا الاسم والزلفة التي ... خصصت بها دون الخليفة أحمدا

فإن قلت: مذهب الأشاعرة: أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمد علة في خلق آدم عليه السلام؟ أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التي هي غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، ولا علل مقتضية لفاعليته، لأن ذلك محال في حقه تعالى، لما فيه من استكمال بغيره. والنصوص شاهدة بذلك، كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظي لا حقيقي،

_ أقلني عثاري يا إلهي فإن لي ... عدوًا لعينًا جار في القصد واعتدى فتاب عليه ربه وحماه من ... جناية ما أخطاه لا متعمدًا ذكرها بتمامها صاحب مصباح الظلام وغيره، ثم أورد على قوله: لولاه ما خلقتك، "فإن قلت: مذهب الأشاعرة" يعني أهل السنة القائلين بما عليه إمامهم أبو الحسن الأشعري، من ذرية أبي موسى نسبة إلى أشعر، وهو نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبالان، أمه ولدته والشعر على بدنه، "أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض فكيف تكون خلقة محمد" اسم مصدر، أي: وجود. وفي نسخة: خلقه محمد، أي: إيجاده. "علة في خلق آدم صلى الله عليه وسلم" إذ لولا حرف امتناع لوجود، فتدل على امتناع جوابها لوجود شرطها، وجوابها هنا، وهو ما خلقتك نفي وامتناعه ثبوت، فكأنه قال: خلقتك لأجل خلق محمد، قلت: "أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التي هي غايات" أي: ثمرات، "ومنافع" عطف تفسير "لأفعاله تعالى" أي: تترتب عليها، فاللام بمعنى على والغاية بمعنى الترتب "لا بواعث على إقدامه" أي: أسباب حاملة على الفعل، "ولا علل مقتضية" مستلزمة "لفاعليته" بحيث يلزم من وجودها كونه فاعلا؛ "لأن ذلك محال في حقه تعالى" علة لقوله: لا بواعث ... إلخ، وعلل الاستحالة بقوله: "لما فيه من استكماله" أي: الله، أي: التكمل بمعنى صيرورته كاملا أو طلب الكمال "بغيره" وهو محال، "والنصوص شاهدة بذلك" أي: بتعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح يعني على سبيل الظهور، فلا يخالف قوله: بأن الظاهر، وذكره توطئة لقوله: " {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} " [الذاريات: 56] ، ولا ينافيه أن كثيرًا لا يعبدون؛ لأنها عام خص بمؤمنيهم؛ كما قيل أو لما ذكره بقوله: "أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي: خلقتهم وفرضت عليهم العبادة" ولا يلزم من الفرض قيامهم بها، "فالتعليل لفظي لا حقيقي" وحاصله تسليم كونها لا تعلل بالمعنى السابق،

لأن الله تعالى مستغن عن المنافع، فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل. وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء. قال صلى الله عليه وسلم: "يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك................

_ وما وقع من صورة تعليل ليس المراد به ذلك؛ "لأن الله تعالى مستغن عن المنافع"علة لقوله: لا حقيقي، "فلا يكون فعله" تعالى" لمنفعة راجعة" أي: واصلة، "إليه ولا إلى غيره؛ لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل", فلا يتوقف عليه وصول المنفعة. وفي نسخة: فلا يكون فعله لمنفعته؛ لأن الله قادر بإسقاط راجعة إليه ولا إلى غيره، والظاهر أنه ضمير منفعته عائد للعبد المفهوم من {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ} [الذاريات: 56] ، كما يدل عليه؛ لأن الله قادر ... إلخ. "وروى عبد الرزاق" بن همام بن نافع الحميري مولاهم الحافظ أبو بكر الصنعاني، أحد الأعلام روى عن معمر وابن جريج ومالك والسفيانين والأوزاعي وخلق، وعنه أحمد وإسحاق وغيرهما, مات سنة إحدى عشرة ومائتين ببغداد عن خمس وثمانين سنة، "بسنده" إيضاح وإلا فهو مدلول. روى "عن جابر بن عبد الله" بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري الخزرجي السلمي بفتحتين الصحابي ابن الصحابي غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن إحدى وتسعين سنة. "قال: قلت: يا رسول الله" أفديك "ببي أنت وأمي" كلمة تستعملها العرب لتعظيم المفدى بهما، "أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال" صلى الله عليه وسلم: "يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك", لم يقل نوري، وإن كان مقتضى الظاهر للتفخيم، ولا

من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم........................

_ يشكل بأن النور عرض لا يقوم بذاته؛ لأن هذا من خرق العوائد. "من نوره" إضافة تشريف وإشعار بأنه خلق عجيب، وأن له شأنًا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية على حد قوله تعالى: {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] ، وهي بيانية، أي: من نور هو ذاته، لا بمعنى إنها مادة خلق نوره منها، بل بمعنى تعلق الإرادة به بلا واسطة شيء في وجوده، وهذا أولى من احتمال أن المراد من سبق مخلوق له تعالى قبل خلق نور المصطفى، وأضافه إليه لتوليه خلقه وإيجاده لما يلزم عليه من سبق مخلوق على نور المصطفى، وهو خلاف المنصوص. والمراد ومن تجويز أنه معنى عبر عنه بالنور مشابهة، أي: خلق نور المصطفى من معنى يشبه النور موجود أزلا؛ كوجود الصفات القديمة القائمة به تعالى فإنها لا أول لوجودها لما فيه من إثبات ما لم يرد والقلاقة بإيهامه تعد القدماء، وإن كان المراد التشبيه في مطلق الوجود. "فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار" وإنما خلقوا بعد وخلقت الجنة قبل النار؛ كما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس موقوفًا، وحكمه الرفع "ولا ملك" بفتح اللام، "ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي" ولم يقل: ولم يكن في ذلك الوقت شيء وإن شمل المذكورات وغيرها، لئلا يتوهم اختصاصه ببعضها، فأدار النص على سبق وجوده على جميعها، ولأن الشيء يشمل صفاته تعالى وهي موجودة قائمة بذاته، لا أول لها "فلما أراد الله أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء" أي: زاد فيه؛ لا أنه قسم ذلك النور الذي هو نور المصطفى، إذ الظاهر أنه حيث صوره بصورة مماثلة لصورته التي سيصير عليها لا يقسمه إليه وإلى غيره. "فخلق من الجزء الأول القلم" فهو من نور وبه صرح في غير ما حديث؛ كخبر ابن عباس: "قلمه نور" وعند أبي الشيخ عن مجاهد: أول ما خلق الله اليراع القصب، ثم خلق من ذلك اليراع القلم، فقال: اكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فإن صح فلعل تجسمه من نور على صفة اليراع، وإلا فما في المرفوع أولى بالقبول وطوله خمسمائة عام، رواه أبو الشيخ عن ابن عمر، وعنده أيضًا بسند رواه أن عرضه كذلك وسنه مشقوقة ينبع منه المداد ولا يعارضه ما في خبر مرسل أنه من لؤلؤ طوله سبعمائة عام؛ لأن الإخبار بالأقل لا ينفي الأكثر، وكونه من لؤلؤ لعله على التشبيه لشدة بياضه، إذ هو نور.

ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثانين نور قلوبهم -وهي المعرفة بالله- ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله ... الحديث.

_ "ومن الثاني: اللوح، ومن الثالث: العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء" مقتضى ثم تأخر خلق العرش عن اللوح والقلم. وفي المشكاة: تقديمه، ثم الكرسي عليهما فلعلها بمعنى الواو، مردويه وابن خزيمة والحاكم وصححه وغيرهم، عن العباس موقوفًا. ورواه ابن المنذر وغيره من حسان بن عطية وهارون بن رياب بلفظ: "حملة العرش ثمانية"، وكذا رواه عبد بن حميد عن الربيع وهو معضل عن الثلاثة، وقد روى ابن جرير عن ابن زيد رفعه مرسلا: "يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية"، وأخرجه أبو الشيخ من طريقين عن وهب معضلا، وعند ابن جرير وغيره، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17] ، قال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله. "ومن الثاني الكرسي" فيه حجة للقول الصحيح أنه غير العرش، "ومن الثالث باقي الملائكة" وهم أكثر المخلوقات. وحديث عبد الرزاق هذا مفسر لقوله صلى الله عليه وسلم في مسلم: "خلقت الملائكة من نور". وعند أبي الشيخ عن عكرمة، قال: "خلقت الملائكة من نور العزة" وعنده عن يزيد بن رومان أنه بلغه أن الملائكة خلقت من روح الله. "ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات" السبع، "ومن الثاني الأرضين" السبع وهي سابقة على خلق السماوات؛ كما فصل في فصلت. وأما قوله: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] ، فمعناه: بسطها؛ كما قال ابن عباس وغيره، وكانت مخلوقة قبلها من غير دحو "ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار" بمعنى بصائر "المؤمنين" أو الأعم منها ومن الحسية ولم يعتبر أبصار الكفار؛ لأنهم لما فقدوا نفعها كانت ضرورة عليهم لا منفعة لهم. "ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد" وبينه بقوله: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" الحديث. ولم يذكر الرابع من هذا الجزء فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة.

وقد اختلف: هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدي؟ فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني: الأصح أن العرش قبل القلم، لما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش, والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة بن الصامت، مرفوعًا: أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال:...............

_ "وقد اختلف" في جواب قول السائل "هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدي؟ فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني" بفتح الحاء وسكون الميم فمهملة العلامة شيخ الإسلام الحسن بن أحمد المتقن المتفنن في عدة علوم، البارع على حفاظ عصره، الذي لا يغشى السلاطين ولا يقبل منهم شيئًا ولا مدرسة ولا رباطًا ولا تأخذه في الله لومة لائم، توفي سنة تسع وستين وخمسمائة. "الأصح" وهو مذهب الجمهور "أن العرش" خلق "قبل القلم، لما ثبت في الصحيح" أي: صحيح مسلم، "عن عبد الله بن عمرو" بن العاصي، أنه "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض" أي: شيئًا منهما فلا يرد صدقه بخلقه بين خلقهما، "بخمسين ألف سنة" كناية عن الكثرة أو حقيقة، كما مر. "وكان عرشه على الماء فهذا صريح" في "أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير" للأشياء المذكورة في قوله: "قدر الله"، "وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة" بضم العين، "ابن الصامت" بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني النقيب البدري كان طويلا جسيمًا جميلا فاضلا خيرًا، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. وفي الاستيعاب: وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين وبها مات، وقيل: بالرملة سنة أربع وثلاثين ودفن ببيت المقدس، وقبره به معروف. "مرفوعًا" لفظة استعملها المحدثون بدل قال صلى الله عليه وسلم، "أول ما" أي: شيء "خلق الله القلم" بالرفع كما أفاده كلام الحافظ وغيره على الخبرية والأولية نسبية، أي: أول ما خلق الله بعد العرش القلم، ويجوز نصبه مفعول خلق، فالخبر قوله: "قال له: اكتب" لكن قال السيوطي في حواشي الترمذي عن ابن السيد البطليوسي: الوجه الرفع، وما أعلم أحدًا رواه بالنصب وهو خطأ؛ لأن المراد أن القلم أول مخلوق لله، كما دلت عليه الأحاديث، فإن ثبت رواية صحيحة بنصبه خرجت على لغة نصب أن الجزأين، يعني في رواية: "إن أول، كما يجيء قريبًا على وجه أنه مفعول خلق لفساده في المعنى والإعراب، انتهى. "قال": القلم بخلق الله له قوة النطق، كما خلقها في الأعضاء ومحبة أحد وبغض غير

رب، وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء رواه أحمد، والترمذي. ورويا أيضًا من رواية أبي رزين العقيلي مرفوعًا: "إن الماء خلق قبل العرش". وروى السدي...................................

_ وغير ذلك، فاحتمال غيره خروج عن المتبادر بلا دليل ولا طائل، يا "رب، وما أكتب؟ قال: "اكتب مقادير كل شيء" أسقط منه عند من عزاه لهما ما كان وما هو كائن إلى الأبد، أي: ما كان قبل القلم؛ لأن أوليته نسبية كما علم، فلا يرد تصريحه بأن أول مخلوق. والمراد: "بما هو كائن" انقضاء هذا العالم وما بعده مما يمكن تناهيه دون نعيم الآخرة وجحيمها، إذ لا نهاية له فلا يدخل تحت الكتابة، وبه صرح في أبي داود بلفظ: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. "رواه أحمد" بلفظه، "والترمذي" بلفظ: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، من مات على غير هذا فليس مني"، قال شيخنا: وفي الاستدلال به على أن التقدير وقع عند أول خلق القلم نظرًا لجواز أنه إنما قال له: اكتب مقادير الأشياء التي قد أبرزت تقديرها في الوجود الخارجي، وإن كانت مقدرة في علمه في الأزل. "ورويا أيضًا" وفي نسخ: وروى أحمد والترمذي، وصححه أيضًا "من رواية أبي رزين" بفتح الراء وكسر الزاي وسكون التحتية وبنون لقيط بفتح اللام وكسر القاف بن عامر "العقيلي" بضم العين وفتح القاف نسبة إلى عقيل بن كعب صحابي مشهور غير لقيط بن صبرة عند الأكثر؛ كما في التقريب، وعزاه في الأصابة لابن المديني وخليفة وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والبغوي والدارمي والبارودي وابن قانع وغيرهم، وبه جزم المزي في الأطراف، وقيل: هو لقيط بن صبرة بن عامر فنسب لجده، قاله ابن معين وأحمد. ومال إليه البخاري، وجزم به ابن حبان وابن السكن، وعبد الغني وابن عبد البر ضعفًا كونه غيره، وجزم به المزي في التهذيب، ورجح في الإصابة الأول بأن ابن عامر معروف بكنيته وابن صبرة لا كنية له إلا ما شذ به ابن شاهين، فكناه أبا رزين أيضًا وبأن الرواة عن أبي رزين جماعة، وابن صبرة لا يعرف له راوٍ إلا ابنه. "مرفوعًا: إن الماء خلق قبل العرش" فهذا صريح أن القلم ليس أول المخلوقات إذ الماء قبل العرش الذي هو قبل القلم، "وروى" إسماعيل بن عبد الرحمن "السدي" الكبير المفسر المشهور عن أنس وابن عباس وعنه شعبة والثوري وزائدة، ضعفه ابن معين، ووثقه أحمد، واحتج

بأسانيد متعددة: أن الله تعالى لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء. فيجمع بينه وبين ما قبله، بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبوي المحمدي والماء والعرش، انتهى. وقيل: الأولية في كل بالإضافة إلى جنسه، أي أول ما خلق الله من الأنوار نوري، وكذا في باقيها. وفي أحكام ابن القطان، فيما ذكره ابن مرزوق.................

_ به مسلم وفي التقريب أنه صدوق يهم ويتشيع، مات سنة سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري، وهو بضم السين وشد الدال المهملتين، قال الذهبي: تبعًا لعبد الغني في الكمال لقعوده في باب جامع الكوفة، وفي اللب كأصله لبيعه عند سدته، أي: بابه. وفي صحاح الجوهري، وسمي إسماعيل السدي لأنه كان يبيع الخمر والمقانع في سدة مسجد الكوفة، وهي ما يبقى من الطاق المسدودة، وتبعه القاموس مقتصرًا على المقانع فقعوده عند السدة كان للبيع. وأغرب الحافظ أبو الفتح اليعمري، فقال: كان يجلس بالمدينة في مكان يقال له السد، فنسب إليه. "بأسانيد متعددة أن الله لم يخلق شيئًا مما خلق" أي: من جميع المخلوقات، "قبل الماء، فيجمع بينه وبين ما قبله" من حديثي جابر وأبي رزين، "بأن أولية" خلقه "القلم بالنسبة إلى ما عدا النور المحمدي والماء والعرش، انتهى. وقيل": في الجمع أيضًا "الأولية في كل" من المذكرات "بالإضافة إلى جنسه، أي: أول ما خلق الله من الأنوار نوري" الضمير له صلى الله عليه وسلم، "وكذا" يقال "في باقيها" أي: وأول ما خلق مما يكتب القلم الذي كتب المقادير، وأول ما خلق مما يصدق عليه العرش عرش الله إذ العرش يطلق على معان، كما في القاموس وغيره. وقيد البيضاوي الأولية بأولية الأجرام لا مطلقًا، قال في قوله: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] ، الذي هو أول الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتها. "وفي أحكام ابن القطان" الحافظ الناقد أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الحميري الكناني الفاسي، سمع أبا ذر الخشني وطبقته، وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية في الرواية معروفًا بالحفظ والإتقان، صنف الوهم والإيهام على الأحكام الكبرى لعبد الحق، ومات سنة ثمان عشرة وستمائة. "فيما ذكره" أي: نقله عنه العلامة محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر "بن مرزوق" التلمساني، عرف بالخطيب ولد عام عشرة وسبعمائة ومهر وبرع وشرح العمدة والشفاء والبردة والأحكام الصغرى لعبد الحق ومختصر ابن الحاجب الفرعي ومحلات من مختصر الشيخ خليل، ومات في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمصر، ودفن بين ابن القاسم وأشهب

عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام".

_ "عن علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب الملقب زين العابدين التابعي الوسط، قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه ولا أفقه. وقال ابن المسيب: ما رأيت أورع منه. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث عالمًا عابدًا، ولم يكن في أهل البيت مثله، وكان إذا توضأ يصفر لونه فإذا قام يصلي أرعد من الخوف، فقيل له في ذلك: فقال: أتدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجي، وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، وكثير الصدقات سيما ليلا، وإذا خرج من منزله قال: اللهم إني أتصدق أو أهب عرضي اليوم لمن يغتابني، ولد سنة ثلاث وثلاثين، وتوفي أول سنة أربع وتسعين عند الجمهور، أو سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو تسع وتسعين، وأغرب المدائني، فقال سنة مائة ودفن في قبر عمه بالبقيع ابن عساكر، ومسجده بدمشق معروف، وهو الذي يقال له مشهد علي بجامع دمشق ابن تيمية كون قبره بمصر كذب، إنما مات بالمدينة. "عن أبيه" الحسين السبط أشبه الناس بجده، كما قال أنس عند البخاري المقتول ظلمًا وعدوانًا يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء، ودفن جسده حيث قتل، وأما رأسه ففي المشهد الحسيني بالقاهرة عند بعض المصريين، ونفاه بعضهم، قال الحافظ فيما نقله السخاوي. وقال ابن تيمية: اتفق العلماء كلهم على أن المشهد الذي بقاهرة مصر المسمى مشهد الحسين باطل ليس فيه رأسه ولا شيء منه، وإنما حدث بمصر في دولة بني عبيد القداح ملوك مصر المدعين أنهم من ولد فاطمة، والعلماء يقولون: لا نسب لهم بها في أثناء المائة الخامسة بناه طلائع بن رزيك الرافضي، ونقل من عسقلان زعمًا أنه كان في مشهد بها وهو باطل، فإن بني أمية مع ما أظهروه من القتل والعداوة لا يتصور أن يبنوا على الرأس مشهدًا للزيارة، وحجة العلماء ما ذكره عالم النسب الزبير بن بكار أن الرأس حمل إلى المدينة ودفن بها، قال ابن دحية: لم يصح سواه، انتهى ملخصًا. "عن جده" علي كرم الله وجهه، "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نورًا بين يدي ربي" " أي؛ في غاية القرب المعنوي منه، فاستعار لهذا اليدين؛ لأن من قرب من إنسان وقابله يكون بين يديه، "قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام" لا ينافي ما مر أن نوره مخلوق قبل الأشياء، وأن الله قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ لأن نوره خلق قبل الأشياء وجعل يدور بالقدرة حيث شاء الله، ثم كتب في اللوح، ثم جسم صورته على شكل أخص من ذلك النور؛ ولأن التعبير بين اليدين إشارة لزيادة القرب، فالمقدر بهذه المدة مرتبة أظهرت له لم تكن

وفي الخبر: لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره فكان يلمع في جبينه، فيغلب على سائر نوره، ثم رفعه الله تعالى على سرير مملكته وحمله على أكناف ملائكته وأمرهم فطافوا به في السماوات ليرى عجائب ملكوته. قال جعفر بن محمد: مكث الروح في رأس أدم مائة عام، وفي...............

_ قبل، وروى محمد بن عمر العدني شيخ مسلم في مسنده عن ابن عباس أن قريشًا، أي: المسعدة بالإسلام كانت نورًا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، قال ابن القطان: يجتمع من هذا مع ما في حديث علي، يعني المذكور في المصنف أن النور النبوي جسم قبل خلقه باثني عشر ألف عام، وزيد فيه سائر قريش وأنطق بالتسبيح. "وفي الخبر: لما خلق الله تعالى آدم جعل" أودع "ذلك النور" نور المصطفى "في ظهره فكان" لشدته "يلمع في جبينه فيغلب على سائر" باقي "نوره" أي: نور آدم الذي في بدنه أو يغلب على بقية النور الذي خلقه في غير آدم؛ كأنوار الأنبياء. "ثم "رفعه" أي آدم "الله تعالى على سرير مملكته" روى الحكيم الترمذي: لما أكمل الله خلق آدم رفعه على أكناف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل على سرير من ذهب أو ياقوت أحمر له تسعمائة قائمة، فقال: طوفوا به في سمواتي ليرى عجائبها، ثم أمرهم أن يحولوا وجوههم إلى العرش ليسجدوا قبالته ففعلوا، ولذلك يحمل جنازة أولاده أربعة، انتهى. وكان هذا السرير مسمى فيما بينهم سرير المملكة، فقول الشارح أنه من باب التمثيل، أي: رفعه إلى مكان عال وعظمه فجعل حالته تلك كحالة من مكن على سرير وطيف به في جهات غير ظاهرة، فالأصل الحقيقة. "وحمله على أكناف ملائكته" بالنون، أي: أجنحتهم. وفي القاموس: الكنف من الطائر جناحه، ويحتمل أنه بالفوقية جمع كتف؛ لأن لهم قوة التشكل. "وأمرهم" أي: أمر الله ملائكته، "فطافوا به في السماوات ليرى" آدم "عجائب ملكوته" أي: ملكه العظيم، وتاؤه للمبالغة وسئل كعب: كم طاف الملائكة بآدم في السماوات مكرمًا؟ قال: ثلاث مرات، أولها على سرير الكرم، والثاني: على أكناف الملائكة، والثالث: على الفرس الميمون وهو مخلوق من المسك الأذفر وله جناحان من الدر والمرجان، وجبريل آخذ بلجامها وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، فطافوا به في السماوات كلها، وهو يسلم على الملائكة عن يمينه وشماله، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيردون عليه كذلك، فقيل: هذه تحيتك وتحية ذريتك إلى يوم القيامة. "قال جعفر بن محمد: مكثت الروح في رأس آدم مائة عام" من أعوام الدنيا، "وفي صدره مائة عام، وفي ساقيه وقدميه مائة عام" لعل المراد بالرأس ما فوق الصدر وبه ما فوق

صدره مائة عام وفي ساقيه وقدميه مائة عام، ثم علمه الله تعالى أسماء جميع المخلوقات، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس، فطرده الله تعالى وأبعده وخزاه.

_ الساقين، أو المراد بالساقين ما تحت الصدر فيدخل البطن وما يتصل به في الصدر على الأول، وفي الساقين على الثاني. قال شيخنا: ولعل المراد بذا العد التكثير فلا ينافي أن المدة من ابتداء خلقه إلى نزوله إلى الدنيا ثلاث وثمانون سنة، انتهى. قلت: هذا قول ابن جرير ونقص منه وأربعة أشهر، وقال غيره: إن المدة فوق ذلك بكثير، وقد تكلف الشيخ فيما يجيء للتوفيق بينه وبين ما هنا عن جعفر بأنه مبني على أن مدة كونه طينًا كانت قبل دخول الجنة، أو أنه إنما أخرج منها بعد اليوم الذي ابتدأ خلقه فيه، وأن خلقه لم يتم إلا بعد مدة طويلة، وفيه أنه قد لا يقول جعفر يقول ابن جرير ولا يرضاه، فقد قال ابن عباس، مكث في الجنة خمسمائة عام، وقيل: مكثت الملائكة في سجودهم كذلك، وقيل أكثر، فهي أقوال متباينة؛ فاللائق الترجيح لا تعسف الجمع بتجويز عقلي. "ثم علمه الله تعالى" بإلهام أو بخلق علم ضروري فيه أو إلقاء في خاطره، أو على لسان ملك، قال القرطبي: وهو جبريل، "أسماء جميع المخلوقات" كلها روى وكيع في تفسيره عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] ، قال: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة والفسوة والفسية، "ثم أمر" الله "الملائكة بالسجود له" أي: كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص أو ملائكة الأرض أو إبليس ومن كان معه في محاربة الجن، فإن تعالى أسكنهم الأرض أولا فأفسدوا فيها فبعث لهم إبليس في جند من الملائكة فدمرهم في الجزائر والجبال، وظاهر إتيان المصنف بثم اختيار القول بتراخي الأمر بالسجود عن التعليم وإنبائهم بالأسماء وإظهار فضله عليهم وإيجاب خدمتهم له بسبب العلم، وظاهر نظم البقرة يدل عليه، وقيل: سجدوا لما نفخ فيه الروح لقوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] ، والفاء للتعقيب، والأظهر كما قال ابن عقيل وصاحب الخميس الأول: والفاء تكون للتعقيب مع التراخي؛ كقوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36] ، وذلك بعد مدة. والقول بأنهم سجدوا مرتين للآيتين رده النقاش بأنه لم يقل به أحد وإنما سجدوا مرة واحدة. "فسجدوا إلا إبليس" أبي "فطرده الله تعالى" عن رحمته، "وأبعده" عن جنته "وخزاه" في الدارين بعدما كان من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن عند ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وعزاه القرطبي للجمهور، وصححه النووي بأنه لم ينقل أن غيرهم أمر بالسجود، والأصل أن

وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة، كسجود أخوة يوسف له، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وآدم كالقبلة. وروي عن جعفر الصادق..........................

_ الاستثناء من الجنس ولكن ذهب الأكثرون؛ كما قال عياض: إلى أنه لم يكن منهم طرفة عين وهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس وإنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم صغيرًا، وذهب به إلى السماء؛ فالاستثناء منقطع عياض والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب، قال تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] ، ورجحه السيوطي بأنه الذي دلت عليه الآثار. وقول النووي: لم ينقل أمر غيرهم مردود بحكاية ابن عقيل في تفسيره والخميس قولا بأن الملائكة وجميع العالم حينئذ أمروا وخصوا بالخطاب دون غيرهم لكونهم الأشرف حينئذ، وكان من عداهم تبعًا واختلف في كيفية السجود لآدم، فقال الجمهور: هو أمر للملائكة بوضع الجباه على الأرض؛ كسجود الصلاة، لأنه الظاهر من السجود شرعًا وعرفًا ويدل له آية فقعوا له ساجدين، وعن أبي وابن عباس هو الانحناء لا الخرور على الأرض، أي: كما يفعل في لقاء العظماء. وقال قوم: إنما هو اللغوي من التذلل والانقياد، فإن الله سخرهم لآدم وذريته في إنزال المطر وحفظ آثارهم وكتب أعمالهم والعروج بها إلى السماء. "وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية" وإظهار الفضلة وطاعة لله "لا سجود عبادة" لأنه لا عبادة إلا لله تعالى، "كسجود أخوة يوسف له" فإنه ما كان سجود عبادة، "فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى" تفريع على المنفي "وآدم؛ كالقبلة" وهذا ظاهر في أن المراد الشرعي، ففيه إشارة لمذهب الجمهور، وقال قتادة: كان خدمة لله وحرمة لآدم كصلاة الجنازة عبادة لله ودعاء للميت، وقال الحسن: والأصح أنه كان تحية لآدم على الخصوص، ولو كان عبادة لله وآدم قبله لما تكبر إبليس، انتهى. وفيه نظر، فقد حكى القرطبي الاتفاق على أنه لم يكن سجود عبادة واللازم ممنوع؛ لأن تكبره من حيث أنه لم يكن هو قبله لظنه فضله عليه وعلى غيره، قال الشعبي: ومعنى {اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34] ، إلى آدم، كما يقال: صلى للقبلة ورد بأنه يقال: صلى إلى القبلة لا لها ودفع بقوله في علي. أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالقرآن والسنن "وروي عن جعفر الصادق" لقب به لصدقه في مقاله ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، كان من سادات أهل البيت ولد سنة ثمانين أو ثلاث وثمانين،

أنه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون. وعن أبي الحسن النقاش: أول من سجد إسرافيل، قال: ولذا جوزي بتولية اللوح المحفوظ.

_ وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، قال ابن خلكان وابن قتيبة في أدب الكاتب: وكتاب الجفر جلد كتبه جعفر الصادق كتب فيه لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، قال الدميري ونسبه الجفر إلى علي وهم، والصواب لجعفر الصادق. "أنه قال: كان أول" بالنصب خبر، "من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل" ملك الموت القباض لجميع أرواح الجن والإنس والبهائم والمخلوقات، خلافًا لقول المبتدعة إنما يقبض أرواح الجن والإنس صرح به الجزولي في شرح الرسالة، وكأنهم تمسكوا بما أخرجه أبو الشيخ والعقيلي في الضعفاء، والديلمي عن أنس مرفوعًا: "آجال البهائم وخشاش الأرض والقمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها والبقر وغير ذلك في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها وليس إلى ملك الموت منها شيء"، وهو حديث ضعيف جدًا، بل قال العقيلي: لا أصل له، وابن الجوزي موضوع ولا حجة فيه إذ لا حجة بضعيف، ولا سيما مع معارضته لعموم القاطع وهو الله يتوفى الأنفس حين موتها، ولذا لم يلتفت الإمام مالك إلى هذا الحديث بل احتج بالآية لما سأله رجل عن البراغيت: أملك الموت يقبض روحها؟ فأطرق طويلا، ثم قال: ألها نفس؟ قال: نعم، قال: فإن ملك الموت يقبض أرواحها، الله يتوفى الأنفس حين موتها، أخرجه الخطيب وأيد بما أخرجه الطبراني وابن منده وأبو نعيم أن عزرائيل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يأذن الله بقبضها. "ثم الملائكة المقربون" أي: ثم بقة الملائكة ونحوه قول وهب بن منبه أول من سجد لآدم جبريل، فأكرمه الله بإنزال الوحي على النبيين خصوصًا على سيد المرسلين، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم سائر الملائكة. "و" روي "عن أبي الحسن النقاش أن أول من سجد إسرافيل" وهذا رواه ابن أبي حاتم عن ضمرة والسلفي عن عمر بن عبد العزيز، "قال: ولذا" أي: لكونه أول من سجد "جوزي" أي: جازاه الله، "بتولية اللوح المحفوظ" بأن جعل مطلعًا عليه ومتصرفًا فيه بنقل ما فيه مثلا إلى الملائكة، وقيل: رفع رأسه وقد ظهر القرآن كله مكتوبًا على جبهته كرامة له على سبقه فهذا يعارض ما روي عن جعفر، وجمع شيخنا بأن أول من سجد بالفعل إسرافيل، وأول من سجد بامتثال الأمر جبريل، قال: ولعل الحكمة في عدم سجودهم دفعة واحدة أن الساجد أولا فهم بالإشارة أنه المخاطب به أولا، وفي الجمع وقفة.

وعن ابن عباس: كان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر. ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ ورآها سكن إليها....................

_ "وعن ابن عباس: كان" زمن "السجود" لآدم "يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر" لو فرض من أيام الدنيا فلا يشكل بخبر أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة المقدر بألف سنة، "ثم خلق الله تعالى له حواء" بفتح الحاء وشد الواو والمد "زوجته" كذا في نسخ بالهاء على لغة قليلة حكاها الفراء، وشاهدها قول عمار بن ياسر عند البخاري: والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة -يعني عائشة- وقول الفرزدق: وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها أي: يطلب بولها، وقيل: يأخذ أولادها، والكثير وهو لغة القرآن زوج بلا هاء، حتى قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة. "من ضلع" بكسر المعجمة وفتح اللام وتسكن مذكر، وقيل: مؤنث، وقيل: يذكر ويؤنث. "من أضلاعه اليسرى" قال في الفتح: أي: أخرجت منه كما تخرج النخلة من النواة، وجعل مكانه لحم، وقال القرطبي: يحتمل أن معناه أنها خلقت من ضلع فهو كالضلع، أي: عوجاء، "وهو نائم" لم يشعر بذلك ولا تألم، والألم يعطف رجل على امرأته، قال القرطبي وغيره. "وسميت حواء؛ لأنها خلقت من حي" وفي القرطبي: أول من سماها آدم لما انتبه قيل: من هذه؟ قال: امرأة، قيل: وما اسمها؟ قال: حواء، قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرء أخذت، قيل: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. وروي: أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه. وفي الفتح: قيل سميت حواء بالمد لأنها أم كل شيء. "فلما استيقظ ورآها سكن" اطمأن ومال "إليها"، بإلهام الله تعالى، واختلف في أنها خلقت في الجنة، فقال ابن إسحاق خلقت قبل دخول آدم الجنة لقوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، روي عن ابن عباس وقطع به السيوطي في التوشيح: وقيل: بل خلقت في الجنة بعد دخول آدم؛ لأنه لما أسكن الجنة مشى فيها مستوحشًا، فلما نام خلقت من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها، فلما انتبه رآها، قال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وأسكن إليك، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة، واقتصر عليه القرطبي والخازن. قال ابن عقيل: ونسب لأكثر المفسرين، وعلى هذا قيل: قال الله: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، بعد خلقها وهما في الجنة، وقيل: قبل خلقها وتوجه الخطاب للمعدوم لوجوده في علم الله، انتهى.

ومد يده إليها فقالت الملائكة مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لي؟ فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ تصلي على محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. وذكر ابن الجوزي في كتابه "سلوة الأحزان": أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر، فقال: يا رب، وماذا أعطيها، فقال: يا آدم صل على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل.

_ "ومد يده إليها" يريد جماعها أو التلذذ بلا جماع، "فقالت الملائكة: مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لي؟ " وكأنه علم ذلك بإلهام أو علم ضروري أو من إخبارها بأنها خلقت له، "فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلي على محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات". والظاهر: أن علمهم بذلك بالوحي، "وذكر ابن الجوزي" العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الحافظ البكري الصديقي البغدادي الحنبلي الواعظ صاحب التصانيف السائرة في الفنون، قال في تاريخ الحافظ: ما علمت أحدًا صنف ما صنف، وحصل له من الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط، قيل: حضرة في بعض المجالس مائة ألف وحضرة ملوك ووزراء وخلفاء، وقال على المنبر كتبت بإصبعي ألف مجلد وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألفًا، مات يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وقيل له الجوزي لجوزة كانت في دراهم لم يكن بواسط سواها، انتهى. وكأن من قال إلى الجوز ببيع أو غيره لم يحرره "في كتابه سلوة الأحزان أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر" لسماعها قول الملائكة أو ألهمت أو بعلم ضروري، "فقال: يا رب، وماذا أعطيها؟ قال" الله وحيًا أو شفاها، والظاهر الأول: "يا آدم صل على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة" وكأنه رام زيادة البيان من الله تعالى فسأله يعطيها ماذا، فلا ينافي إخبار الملائكة بما يعطيها أو فهم أنهم قالوه اجتهادا فطلب أمر الله والإخبار بالقليل لا ينفي الكثير، أو قول الملائكة بأمر منهم مقدمة لحصول الألفة، وقوله تعلى كان حين إرادة القرب، كما هو ظاهر قوله لما رام فجملة المهر الثلاثة والعشرون لكن الأخير على أن مد يده كان للتلذذ لا الجماع، وصح كون الصلاة مهرًا؛ لأنه لما قالها بقصده كان ثوابها لحواء لكونها في مقابلة آدم ما أمر به من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: قالت الملائكة: مه يا آدم، حتى تنكحها، فزوجه الله إياها وخطب، فقال: الحمد لله والعظمة إزاري والكبرياء ردائي والخلق كلهم عبيدي وإمائي، اشهدوا يا ملائكتي وحملة عشري وسكان سماواتي أني زوجت حواء أمتي عبدي آدم بديع

ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة، ونهاهما عن شجرة الحنطة، وقيل: شجرة العنب، وقيل: التين، فحسدهما إبليس، فهو أول من حسد وتكبر......................

_ قطرتي وصنيع يدي على صداق تقديسي وتسبيحي وتهليلي، يا آدم {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، الآية، كذا في الخميس، والعلم عند الله. "ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة" فقال: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، قال القرطبي: وفيه تنبيه على الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ملكًا بل مدة ثم تنقطع فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول ثواب، انتهى. وقال ابن عطية في الحظر بقوله: {لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] ، دليل على أن سكناهما بها لا تدوم، فالمخلد لا يخطر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى. "ونهاهما عن شجرة الحنطة" في قول ابن عباس والحسن وعطية وقتادة والقرظي ومحارب ومقاتل، قال وهب: وهي التي جعلها الله رزق أولاده في الدنيا وكانت كل حبة ككلى البقر أحلى من العسل، وألين من الزبد. "وقيل" عن "شجرة العنب" وهو قول ابن مسعود وابن جبير والسدي وجعدة بن هبيرة، قالوا: ولذلك حرمت الخمر على بنيه ونسبه مكي لأكثر المفسرين. "وقيل: التين" عند قتادة وابن جريج وحكاه عن بعض الصحابة. قال السهيلي: ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها لندم آدم على أكلها، وعن علي: هي الكافور والدينوري شجرة العلم وهي علم الخير والشر من أكلها علم الأشياء، وابن إسحاق: شجرة الحنظل، وأبي مالك، هي النخلة، وقيل: شجرة من أكل منها أحدث، وقيل غير ذلك مما يطول جلبه. وقد قال ابن عطية: ليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله نهى آدم عن شجرة فخالف وأكل منها، وقال أبو نصر القشيري: كان والدي يقول نعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة، وقال ابن جرير: الأولى أن لا تبين، فإن العلم بها علم لا ينفع وجهل لا يضر. قال السيوطي: وقد يقال إن فيها نفعًا ما إذا قلنا إنها الكرم، فإن فيها إشارة إلى أن الخمر أم الخبائث أولا، فتجتنب لئلا يكون مانعًا من العود إليها في الآخرة، انتهى. "فحسدهما إبليس" وزن إفعيل مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله فلم ينصرف؛ لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية، قاله أبو عبيدة وغيره, وقال الزجاج وغيره: هو أعجمي لا اشتقاق له، فلم يصرف للعجمة والتعريف. قال النووي: وهو الصحيح. وحكى الثعلبي عن ابن عباس، قال: كان اسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحرث، وفي الدميري: قال أكثر أهل اللغة والتفسير: إنما سمي إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله. "فهو أول من حسد وتكبر".

فأتى إلى باب الجنة فاحتال حتى دخل الجنة، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف وناح نياحة أحزنتهما، فهو أول من ناح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: عليكما، تموتان وتفقدان النعيم، ألا أدلكما على شجرة الخلد، فكلا منها، وحلف لهما أنه ناصح.........

_ قال القرطبي: وسبب تكبره أنه كان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفًا وعظمة، فذلك الذي دعاه إلى الكبر فعصى فمسخه الله شيطانًا رجيمًا، فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإن كانت في معصية فارجه، وقيل: إنه عبد الله ثمانين ألف سنة وأعطي الرئاسة والخزانة على الجنة استدراجًا كما أعطي المنافقون الشهادة على طرف لسانهم، وكما أعطي بلعام الاسم الأعظم على طرف لسانه، وكان في رئاسته والكبر متمكن في نفسه. قال ابن عباس: كان يرى لنفسه فضيلة على الملائكة، فلذا قال: أنا خير منه. "فأتى إلى باب الجنة" فجلس في صورة شيخ يعبد ثلاثمائة سنة من الدنيا انتظارًا لأن يخرج منها أحد يأتيه بخبر آدم، فخرج الطاوس، فقال له: من أين؟ قال: من حديقة آدم وبستانه، قال: ما الخبر عنه؟ قال: هو في أحسن الحال وأطيب العيش هنأت له الجنان ونحن من خدامه، فقال: هل تستطيع أن تدخلني عليه؟ قال: من أنت؟ قال: من الكروبيين عندي له نصيحة، قال: اذهب إلى رضوان فإنه لا يمنع أحد من النصيحة، قال: أريد أن أخفيها عنهم، قال: المخفية لا تكون نصيحة، قال: نحن معاشر الكروبيين لا نقول الأسرار إن فعلت ما أقول أعلمك دعاء لن تشيب بعده أبدًا، فقال: ما أقدر ولكن أدلك على الحية، فخرجت إليه فقالت: كيف أدخلك ورضوان لا يمكنني، فقال: أنا أتحول ريحًا فاجعليني بين أنيابك، ففعلت وأطبقت فاها، فقال: اذهبي إلى شجرة البر فذهبت، هكذا في العرائس وغيرها وإياه عنى بقوله: "فاحتال حتى دخل" باب "الجنة، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف" عند شجرة البر وغنى بمزمار وهو في فم الحية، فجاء آدم وحواء يسمعان المزمار ظنًا أن الحية هي التي تغني، فقال لهما إبليس: تقدما فقالا: نهينا عن قرب هذه الشجرة، فبكى "وناح نياحة أحزنتهما" بها "فهو أول من ناح، فقالا" أي آدم وحواء، وفي رواية: فقال له آدم "ما يبكيك؟ قال: "أبكي "عليكما" لأنكما "تموتان وتفقدان" بكسر القاف هذا "النعيم" فقالا له: وما الموت؟ فقال: تذهب الروح والقوة وتعدم حركة الأعضاء ولا يبقى للعين رؤية ولا للأذن سماع، فوقع ذلك في أنفسهما واغتما، فقال لعنه الله: "ألا أدلكما على شجرة الخلد" وملك لا يبلى، "فكلا منها" فقالا: نهينا عنها، فقال: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا} [الأعراف: 20] ، الآية، "وحلف لهما أنه ناصح" أي: أقسم لهما على ذلك والمفاعلة في الآية للمبالغة، وقيل: أقسما عليه بالله أنه

فهو أول من حلف كاذبًا، وأول من غش. فأكلت حواء منها، ثم زينت لآدم حتى أكل، وظنا أن أحدًا لا يتجاسر أن يحلف بالله كاذبًا، فقال الله تعالى: يا آدم، ألم يكن فيما أبحت لك من الجنة مندوحة

_ ناصح، فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة، "فهو أول من حلف كاذبًا وأول من غش" ولما قاسمهما الله، قال: أيكما بادر إلى الأكل فله الغلبة على صاحبه، "فأكلت حواء منها" حبة واحدة "ثم زينت لآدم حتى أكل" فأتت له بثلاث حبات، وقالت: أنا أكلت منها واحدة فكانت طيبة الطعم، وما أصابني منها مضرة، فمكث آدم مائة سنة بعد أكلها لم يأكل، ثم ناول وأخذ منها الحبات وجعل منها حبة في فيه، فقبل أن يصل طعمها إلى حلقة وجرمها إلى جوفه طار من رأسه تاجه المكلل بالدر والياقوت والجوهر ينادي: يا آدم طالت حسرتك وتزحزح السرير من تحتهما، وقال: أستحيي من الله أن أكون سريرًا لمن عصاه، وتساقط ما عليهما من سوار ودملج وخلخال ومنطقة مرصعة ونزع عنهما لباسهما، وكان على آدم سبعمائة حلة وكان من أمرهما ما كان. "و" إنما أكلا منها لأنهما "ظنا أن أحدًا لا يتجاسر" لا يجترئ على "أنه يحلف بالله كاذبًا" لعظمته سبحانه وتعالى في قلوبهما، بل لم يكن الكذب مطلقًا معروفًا، وظاهر سياق المصنف: أن اللعين شافههما بالإغواء، قال القرطبي: وهو قول ابن مسعود وابن عباس والجمهور، لقوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] ، والمقاسمة ظاهرها المشافهة، وقيل: بل وسوس لهما وأغواهما بشيطانه وسلطانه الذي أعطاه الله؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، انتهى. واختلف في صفة توصله إلى إزلالهما بعدما قيل له: {اخرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34] ، فقيل: منع دخول التكرمة لا الوسوسة ابتلاء، وروي أنه قصد الدخول فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية، وقيل: لم يدخلها بعد إخراجه منها، قال الحسن: رآهما ببابها وكان يخرجان، وقيل: كانا يدنوا من السماء فيكلمهما، وقيل: قام عند الباب فناداهما، وقيل: نادى من الأرض فسمعاه من الجنة، حكاه في التعليق الوجيز، وقال قبله: الصحيح أنه لم يدخلها بل وقف بالباب وردته الخزنة عن الدخول، لكن قال السيوطي الوارد عن ابن مسعود وابن عباس وأبي العالية ووهب بن منبه ومحمد بن قيس أنه دخل في فم الحية وقاولهما بذلك، كما أسنده عنهم ابن جرير ولم يسند شيئًا من الأقوال المذكورة عن أحد، انتهى. وفيه: أن كونه لم يسندها لا ينفي ورودها، والله أعلم. "قال الله تعالى": ابتلاء وعتابًا، "يا آدم ألم يكن فيما أبحت لك من الجنة مندوحة".

عن هذه الشجرة؟! قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدًا لا يحلف بك كاذبًا، قال الله: وعزتي وجلالي، لأهبطنك إلى الأرض، لا تنال العيش إلا كدا، فأهبط من الجنة.

_ بفتح الميم سعة وفسحة، "عن هذه الشجرة، قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدًا لا يحلف بك كاذبًا" فهذا الذي حملني على الأكل منها، "قال الله: وعزتي وجلالي لأهبطنك إلى الأرض لا تنال العيش" الكسب "إلا كدًا" بفتح الكاف ودال مهملة مشددة، أي: تعبا فتضرع آدم واعتذر، فقال: لا يجاورني من عصاني اخرج، فسأله بحق محمد أن يغفر له، فقال: قد غفرت لك بحقه ولكن لا يجاورني من عصاني، فبكى وودع كل من في الجنة حتى بكت عليه أشجارها إلا العود، فقيل له: لم تبك؟ قال: أبكي على عاص، فنودي: كما عظمت أمرنا عظمناك، ولكن هيأناك للإحراق، فقال: ما هذا؟ فنودي: أنت عظمتنا فكذلك يعظمونك لكن لم يحترق قلبك على محبينا فلذلك يحرقونك، فلما انتهى لباب الجنة ووضع إحدى رجليه خارج الباب، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له جبريل: تكلمت بكلمة عظيمة، فقف ساعة فربما يظهر من الغيب لطف، فنودي: أن دعه يخرج، فقال: إلهي دعاك رحيمًا فارحمه، فقال: إن أرحمه لا ينقص من رحمتي شيء وإن يذهب لا يعاب عليه شيء، فخل عنه يذهب ثم يرجع في مائة ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا، هذا ملخص ما ساقه أصحاب القصص. "فأهبط من الجنة" بسرنديب بسين وراء مهملتين فنون فدال مهملة فتحتية فموحدة من الهند بجبل نوذ بفتح النون وذال معجمة، ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فامتلأ ما هنالك طيبًا وأهبطت حواء بجدة، وقيل: بعرفة، وقيل: بالمزدلفة، وإبليس بالأبلة بضم الهمزة والموحدة وشد اللام، بلد بقرب البصرة، وقيل: أهبط بجدة والحية ببيسان، وقيل: بسجستان، وقيل: بأصفهان، وقيل غير ذلك. واختلف في قدر مكثه في الجنة. فعن ابن عباس مكث فيها نصف يوم من الآخرة وهو خمسمائة عام، وهذا قول الكلبي. وقال الضحاك: دخلها ضحوة وخرج بين الصلاتين، وقال الحسن البصري: لبث فيها ساعة من نهار وهي مائة وثلاثون سنة من سني الدنيا. وعن وهب وابن جرير: مكث ثلاثة وأربعين عامًا من أعوام الدنيا، وقيل: بعض يوم من أيامها. وروى أحمد ومسلم والنسائي في حديث أبي هريرة مرفوعًا، "وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة" قال ابن كثير: فإن كان يوم خلقه يوم إخراجه وقلنا الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، وقلنا: بأن كل يوم بألف سنة؛ كما قال ابن عباس

وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم، ما حملك على ما صنعت؟ قال: زينته لي حواء، قال: فإني أعقبها أن لا تحمل إلا كرهًا، ولا تضع إلا كرهًا، ولأدمينها في الشهر مرتين. وقال وهب بن منبه:........................

_ ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة، انتهى. وهذا الحديث تكلم فيه البخاري وشيخه ابن المديني وغيرهما من الحفاظ وجعلوه من قول كعب، وإنما سمعه أبو هريرة منه فاشتبه على بعض رواته فرفعه. "وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم ما حملك على ما صنعت، قال: زينته لي حواء" وقد ورد النساء حبائل الشيطان، "قال فإني أعقبها" بضم الهمزة وسكون المهملة وكسر القاف أجازيها "أن لا تحمل إلا كرهًا ولا تضع إلا كرهًا" أي: بمشقة "ولأدمينها في الشهر مرتين" قال الشارح: لعل المراد أن يدميها بحصول ذلك لها في مرة أو بإمكانه لها واستحقاقها إياه وأن تخلف؛ كما في العفو عن المعاصي المستحقة للعقوبة، انتهى. ولا يتم إلا أن ثبت أنه لم يداومها كل شهر مرتين وأنى به، وقيل: إنما عوقبت به لكونها أدمت الشجرة وقيل: بكسرها قوائم الحية ويحتمل أنه لذلك كله. وقد روى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة، وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تتشوف للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وعنده عن عائشة نحوه، وظاهره: أن أول إرساله على نساء بني إسرائيل، قال البخاري: وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم"، أكثر بمثلثة أشمل وبموحدة أعظم. وجمع الحافظ بأن المرسل على بنات إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء بوجوده. وقد روى الطبراني وغيره عن ابن عباس وغيره: أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود: 71] ، أي حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، انتهى. وثم أجوبة أخر لا يقال إن على بنات آدم مخرج لحواء؛ لأنها لما خلقت من ضلعه نزلت منزلة بناته مجازًا أو أنه ليس قصرًا حقيقيًا، بل اقتصر على بنات آدم لكونهن من الجنس المشارك للمخاطبة بهذا الحديث، وهي عائشة تسلية لها. "وقال وهب بن منبه" بضم الميم وفتح النون وشد الموحدة المكسورة، ابن كامل الحافظ أبو عبد الله الصنعاني العلامة الأخباري الصدوق ذو التصانيف أخوهما، روى عن ابن

لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ له دمع. وقال المسعودي: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حين أخرجه الله من الجنة. وقال مجاهد: بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، وأنبت الله من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب، وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأقاوى.

_ عباس وابن عمر وعنه آله، وسماك بن الفضل مات سنة أربع عشرة ومائة، "لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ" بالهمز والقاف، أي: لا يسكن ولا يجف "له دمع" على ما أصابه، "وقال المسعودي" عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي الحافظ، قال ابن نمير: ثقة اختلط آخرًا، وقال ابن مسعر: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود منه، مات سنة ستين أو خمس وستين ومائة. "لو أن دموع أهل الأرض جمعت" وجمعت دموع آدم؛ "لكانت دموع آدم أكثر" من دموع أهل الأرض "حين أخرجه الله من الجنة" حزنًا على فراقها وفراق أهلها وعلى أكله من الشجرة وإن غفر له قبل الخروج؛ كما جزم به القرطبي وغيره لشدة الخشية وكمال عظمة الله في قلبه، وقول شيخنا: لعل المراد إلى وقت التوبة مبني على أنه لم يتب عليه إلا بعد خروجه بمدة. "وقال مجاهد" بن جبير بفتح الجيم وسكون الموحدة، وقيل: جبير بالضم مصغرًا والأول أكثر المخزومي مولاهم المكي الثقة الحافظ الإمام في التفسير، وفي العلم أحد الأعلام المجتمع على إمامته. وذكر ابن حبان له في الضعفاء: مردود مات بمكة وهو ساجد سنة ثلاث ومائة، وقيل غير ذلك، خرج له في الستة. "بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه" حياء من ربه عز وجل، "إلى السماء" وبهذا القيد لا ينافي قول وهب فهذه المائة بعض الثلاثمائة وخصت بالذكر للقيد، "وأنبت الله من دموعه العود الرطب" لعل المراد الذي يتبخر به، قال شيخنا: وقد ذكروا أنه مما نزل معه من الجنة، فإن صح ما ترجاه، فيحتمل أنه ما نبت في الأرض إلا بدموعه، "والزنجبيل" عرق يسري في الأرض ونباته كالقصب والبردي، له قوة مخنة يسيرًا باهية مذكية وإن خلط برطوبة كبد المعز وجفف وسحق واكتحل به أزال الغشاوة وظلمة البصر، "والصندل" خشب معرف أجوده الأحمر أو الأبيض محلل للأورام نافع للخفقان والصداع ولضعف المعدة الحارة والحميات، قاله وما قبله القاموس. "وأنواع الطيب" عام على خاص أي: الذي له رائحة وإن استعمل لغيرها، "وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأقاوى" الطيب، وتطلق على

يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعله واحدة ثلثمائة سنة، فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار، كان آدم كلما رأى الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقًا إلى الأوطان، وتذكر العهد والجيران، يا أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق بيني وبينك، فياذا العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة........................................

_ توابل الطعام؛ كما في المصباح. وفي القاموس: الأفواه التوابل الواحد فوه كسوق وجمع الجمع أفاويه، ونحوه في المصباح. فسقوط الهاء من المصنف تخفيف أو لغة قليلة ثم وشح المؤلف تلك القصة بمنزع صوفي على عادته، فقال: "يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعلة واحدة" بفتح الفاء اسم للمرة من الفعل، وفي نسخة على صغيرة واحدة ولا يناسب ترديده الآتي، كذا قيل وأنت خبير بأن الترديد إنما هو على لسان السائل مع الجزم بأنها صغيرة في الجواب، فكلتاهما مناسبة "ثلاثماة سنة" مع النسيان والتأويل، "فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة"؟ العمد "فاعتبروا" اتعظوا وقيسوا حالكم في استحقاق العقوبة بالذنب على حال أبيكم في إخراجه من الجنة بفعلة "يا أولي الأبصار" البصائر، "كان آدم" عليه السلام "كلما رأى الملائكة تصعد" بفتح العين مضارع صعد بكسرها، "وتهبط، ازداد شوقًا إلى الأوطان" جمع وطن، أي: أماكن الجنة سماها بذلك؛ لأنه أبيح له نعيمها بلا تخصيص محل منها دون آخر، وفيه إشعار بتكرر رؤيته للملائكة وأنها حقيقة وهل على صورهم الأصلية أو غيرها محل نظر، وقد ذكروا أن من خصائص المصطفى رؤية جبريل على صورته مرتين، "وتذكر العهد" الأمان الذي كان فيه قب هبوطه أو المنزل، فهو كالتفسير للأوطان أوائل عهدية، أي: تذكر عهد الله الذي نسيه فصار في هذه الحالة، "والجيران" جمع جار وهو المجاور في السكن والمراد الملائكة وغيرهم من الحيوان سماهم جيرانًا، لكونهم معه في الجنة، "يا أصحاب الذنوب، احذروا زلة يقول فيها الحبيب" لمحبه "هذا فراق بيني وبينك" تلميح بقصة موسى مع الخضر؛ لأن آدم لما أكل تباعد عنه أحبابه وما أواه أحد فكأنهم قالوا له ذلك، "فيا ذا العقل السليم، انظر" بعقلك "كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة" مر قول الحكيم أنه من ذهب أو ياقوت أحمر له سبعمائة قائمة، ونحوه في المشكاة وذلك يأبى ادعاء أنه تمثيل من حيث جعله سرير المملكة، وإن سلم فهو صورة جعلت لآدم اجلس عليها تكريمًا، وعبر عنها بذلك مجازًا، فإن الأصل الحقيقة وإثبات الصورة يمنع التمثيل وغاية الأمر أن التجوز في الإضافة للمملكة مع أنه مسمى بذلك عندهم؛ كما أفاده الخبر وما به ضرر، فليس أقوى من إضافة العرش والكرسي لله في التنزيل مع تنزهه

فمد يده إلى لقمة نهى عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به نزلت به وحطته عن مرتبته. فإن قلت: هذه الفعلة التي أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه بسببها ما جرى من نزع اللباس والإخراج من الجنة وغير ذلك؟ أجاب الزمخشري: بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأذكار الصالحة التي هي أجل الطاعات، وأعظم الأعمال، وإنما جرى عليه ما..................

_ سبحانه عن الحلول والجسم، "فمد يده إلى لقمة نهى عنها، فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به" أي: أصابته، "نزلت به" أي: خفضته، "وحطته عن مرتبته" عطف تفسير، "فإن قلت: هذه الفعلة" بفتح الفاء للمرة كما مر، وبكسرها اسمًا للهيئة، أي: ما هيئة هذه الفعلة؟ "التي أهبط بها آدم من الجنة" أبالغة في المخالفة، فتكون كبيرة أم لا؟ "إن كانت كبيرة، فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء" إجماعًا لا قبل النبوة ولا بعدها، "وإن كانت صغيرة" وقلتم بجوازها عليهم، فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر لآحاد الأمة فكيف بنبي ولد الأنبياء؟ "فلم جرى عليها بسببها ما جرى من نزع اللباس" بمجرد تعلق الإرادة لا بفعل فاعل لما مر أنه بمجرد وضع الحية في فيه طار عنه تاجه وتهافتت ثيابه، "والإخراج من الجنة، وغير ذلك" من المعاتبة بنحو قوله: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة والفضيحة يبدو السوأة وتهافت اللباس ووهن الجلد، بعدما كان الظفر والإخراج من الجنة مع النداء: لا يجاورني من عصاني، والفرقة بينه وبين حواء مدة والعداوة بعضكم لبعض عدو، والنداء بالنسيان: فنسي ولم نجد له عزمًا، وتسليط العدو على ولده وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وجعل الدنيا سجنًا له وولده والتعب والشقاء فلا يخرجنكما من الجنة فتشقا، فهذه خصال ابتلي بها آدم عليه السلام وبها ابتليت حواء مع خمس عشرة معها تطلب من التواريخ. قلت: "أجاب الزمخشري" أبو القاسم محمود العلامة جار الله المعتزلي، قال ابن خلكان وغيره: كان يتظاهر به وإذا استأذن على صاحب له بالدخول يقول أبو القسم المعتزلي بالباب وأول ما صنف الكشاف، توفي ليلة عرفة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. "بأنها ما كانت إلا صغيرة مغمورة" بغين معجمة، مستورة "بأعمال قليلة من الإخلاص والأذكار الصالحة، التي هي أجل الطاعات وأعظم الأعمال" والصغيرة إذا غلبتها الطاعات لا يؤاخذ بها، "وإنما جرى عليه ما

جرى تعظيمًا للخطيئة، وتفظيعًا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفًا له ولذريته في اجتناب الخطايا، واتقاء المآثم. يا هذا، انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين، واجتهاد العابدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين...................

_ جرى تعظيمًا للخطيئة وتفظيعًا" بفاء معجمة، إظهارًا "لشأنها" أي: قبحها، وفي القاموس: الشأن: الخطب والأمر، فلعل الإضافة بيانية ولم يقل لها قصد للمبالغة كما هو عادتهم، "وتهويلا" تخويفًا لمرتكب الخطيئة؛ "ليكون ذلك لطفًا" بضم اللام، رفقًا "له ولذريته في اجتناب الخطايا" لأن ذلك كان سببًا لما حصل له من الكمالات في الدنيا المفيدة لكثرة الثواب وعظم المنزلة في الآخرة، "واتقاء المآثم" جمع مأثم عطف تفسير، وصريح ذا الجواب جواز وقوع الصغيرة من الأنبياء. قال القرطبي: وهو مذهب الأكثرين، والمراد نسيانًا إلا الدالة على خسة كسرقة لقمة، بل قال الطبري وغيره من الفقهاء المتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم خلافًا للرافضة، لكن قال جمهور الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها، انتهى. والأخير رأي الإسفراييني وعياض والشهرستاني والتقي السبكي: لكرامتهم على الله أن يصدر منهم ذنب وقد استدل الأولون بظواهر من الكتاب والسنة إن التزموها أفضت بهم إلى الكفر وخرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلفت فيه وتقابلت الاحتمالات في معناه؛ كما بسطه عياض في الشفاء، ولذا قال شيخنا: الأولى، والجواب بأن محل عصمتهم من الصغائر إن لم يترتب عليها تشريع ونحوه، فجاز وقوع ما هو صورة صغيرة من آدم لما ترتب عليها من المنافع له ولذريته، فلا ينافي أنها لا تقع منهم لا عمدًا ولا سهوًا. "يا هذا انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض" الظاهر: أن الحكمة هنا الفائدة المترتبة على هبوطه، كما يشير إليه قوله: "لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين واجتهاد العابدين" وإن كانت الحكمة في الأصل تحقيق العلم وإتقان العمل، "وا صعدت" بكسر العين، "زفرات" بفتح الزاي والفاء وتسكن للشعر جمع زفرة، أي: أصوات "أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين" وفي تفسير القرطبي: لم يكن إخراج الله آدم من

يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب مجيب، أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، وإن كان فاتك في السماء زجل المسبحين فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار، "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم".

_ الجنة عقوبة له؛ لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته، وإنما أهبطه تأديبًا أو تغليظًا للمحنة، والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم، ويترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا داري تكليف، فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه ولله فعل ما شاء، وقد قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، وقال أرباب المعاني، في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة} [البقرة: 35، الأعراف: 19] ، إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وأن سكناه لا تدوم؛ لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى، والدليل عليه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، انتهى. وفي الأحوذي: خروج منها سبب لوجود الذرية وهذا النسل العظيم، ووجود الأنبياء والمرسلين والصالحين ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها، انتهى. ولما تاب الله على آدم بين له بالوحي والإلهام ما اطمأنت به نفسه، وذهب به روعه، حتى كأنه قال له: "يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب" فلا تحزن "فإني قريب مجيب" فقربي لك في الجنة، كهو في الأرض "أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر" وهو الواقع "فأنا عند المنكسرة قلوبهم" اسم فاعل من انكسر مطاوع كسر من باب ضرب، ووصف القلب به تجوزا كأنه شبه ضعفه وذلته بتفرق أجزاء شيء منكسر، "من أجلي" وليس هذا بحديث قدسي، فغاية ما في المقاصد حديث أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، جرى في البداية للغزالي. "وإن كان فاتك في السماء زجل" بفتح الزاي والجيم ولام: أصوات "المسبحين، فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين" ولا تقل فرق بينهما فـ"أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم" أي: المسبحين، وإذا أحب إلينا فأنت تحب ما نحب، "زجل المسبحين" من حيث هم لا مسبحي السماء، "ربما يشوبه الافتخار" فيفسده "وأنين المذنبين يزينه الانكسار" فبواسطته فاق الثلاثة ثم رشح هذا الوارد الصوفي المساق عن الحق جل جلاله على طريق الصوفية، بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "والذي نفسي بيده " لو لم

سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدًا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وكان عليه وبالا، لقن الله آدم حجته، وألقى عليه ما تقبل به توبته، وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته.........................

_ تذنبوا لذهب الله بكم" أي: لأماتكم بانقضاء آجالكم "ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون" الله تعالى "فيغفر لهم" ليكونوا مظهرًا للمغفرة التي وصف بها ذاته؛ كقوله: {فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيم} [النمل: 11] ، فالغفار يستدعي مغفورًا، والرحيم مرحومًا، أي: فلا تمنعكم ذنوبكم من التوبة والإنابة ليأسكم من روح الله فليس إذنا في الذنب ولا حثًا عليه، بل المقصود منه مجرد التنبيه على عظم الفضل وسعة المغفرة والحث على التوبة. قال الطيبي: لم يرد به ونحوه قلة الاحتفال بمواقعة الذنوب، كما توهمه أهل الغرة، بل كما أنه أحب الإحسان إلى المحسن أحب التجاوز عن المسيء، فمراده لم يكن ليجعل العباد كالملائكة منزهين عن الذنوب بل خلق فيهم من يميل بطبعه إلى الهوى، ثم كلفه توقيه وعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفى فأجره على الله، وإن أخطأ فالتوبة بين يديه، وسر ذلك إظهار صفة الكرم والحلم والغفران، ولو لم يوجد لانثلم طرف من صفة الألوهية، والله يتجلى لعبده بصفات الجلال والإكرام في القهر واللطف، انتهى. "سبحان من إذا لطف بعبده في المحن" بكسر ففتح جمع محنة، أي: البلايا "قلبها" صيرها أو أبدلها "منحا" بكسر ففتح: عطايا، "وإذا خذل عبدًا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وكان عليه" اجتهاد "وبالا" فقد "لقن الله آدم حجته" حيث قال: ما ظننت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا وقد قال قوم: إن آدم وحواء ما أكلا من الشجرة المنهي عنها، وإنما أكلا من جنسها تأولا أن المراد العين، وكان المراد الجنس، حكاه القرطبي. "وألقى عليه ما تقبل به توبته" هو كما قال ابن عباس والحسن وابن جبير الضحاك وابن مجاهد: ربنا ظلمنا أنفسا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. وعن مجاهد أيضًا: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، وقيل: رأى مكتوبًا على سابق العرش محمد رسول الله، فتشفع به، وقيل: المراد البكاء والحياء والدعاء والندم والاستغفار، ذكره القرطبي. "وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته" مر عن القرطبي أنه عبد الله ثمانين ألف سنة، وفي منتهى النقول: تسعة آلاف سنة، وفي الخميس: مائتين وأربعين ألف سنة، ولم يبق في السماوات والأرضين السبع موضع شبر إلا سجد فيه، فقال: إلهي هل بقي موضع لم أسجد فيه؟ فقال:

فصار عمله هباء منصورًا، قال: أخرج منها {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر: 34-35] إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم يبق له سيئة. انظر......................................

_ اسجد لآدم، فقال: أتفضله عليّ؟ قال أفعل ما أشاء ولا أسأل عما أفعل، فأبى فطرد ولعن. وفي المشكاة: قال الحسن: عبد الله في السماء سبعمائة ألف وسبعين ألفًا وخمسة آلاف سنة، وعبد الله في الأرض فلم يترك موضع قدم إلا سجد فيه سجدة. "فصار عمله هباء منثورًا" هو ما يرى في الكوى التي عليها الشمس؛ كالغبار المفرق، أي: مثله في عدم النفع به لعدم شرطه. "قال" تعالى: "اخرج" التلاوة فاخرج، وصرح الدماميني عن ابن السبكي بجواز حذف العاطف في الاستدلال بل والإتيان بواو وفاء؛ لأنه ليس المراد إلا ما بعده، وقد كتب صلى الله عليه وسلم لهرقل: "ويا أهل الكتاب" "منها" أي: في الجنة لا السماء إذ لم يمنع منها إلا بعد البعثة، "فإنك رجيم" مطرود من الخير والكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجارة أو شيطان يرجم بالشهب، "وإن عليك اللعنة" هذا الطرد والإبعاد "إلى يوم الدين" يوم القيامة، وإنما غيابه لانتهاء التكليف الذي هو مظنة الفعل سبب التوبة، ومعلوم أنه حيث انتفى سبب التوبة تأبد الطرد، أو لكونه أبعد ما يتعارفه الناس فجرى على أسلوب كلامهم أو لأنه لشدة العذاب يوم القيامة يذهل عن كونه مطرودًا عن الرحمة بخلاف الدنيا، فإن بالعيان عالم بالطرد. "وإذا وضع عدله على عبد" أي: إذا جازاه على فعله بمقتضى عدله، "لم يبق" بضم الياء أي الله وفتحها، "له حسنة" بالنصب والرفع؛ لأن العبد لا يخلو من أفعال مقتضية للمؤاخذة، قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45] ، أي: من يدب عليها بشؤم المعاصي، وقيل: المراد بالدابة الإنس فقط. "وإذا بسط فضله على عبد" أي: عامله بالرحمة والمغفرة، "لم يبق له سيئة" أي: لم يؤاخذه بذنوبه، والمراد: أن حسناته وسيئاته تمحيان من صحف الملائكة ليكون ذلك بالنسبة للحسنة أشد في إدخال الأسف والحزن عليه لتفريطه حتى ذهبت حسناته، وبالنسبة للسيئة أبلغ في الستر عليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا تاب العبد أنسى الله الحفظة ذنوبه وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله، وليس عليه شاهد من الله بذنب" رواه الأصبهاني في الترغيب، والحكيم الترمذي في النوادر، وابن عساكر. وعبر في الأول بوضع لمناسبته للوزن والمحاسبة. وفي الثاني: بالبسط؛ لأنه المناسب للعفو والستر. "انظر" من النظر، بمعنى إعمال الفكر ومزيد التدبر والتأمل، قال الراغب: النظر إجالة الخاطر

لما ظهرت فضائل آدم عليه الصلاة والسلام على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، إنما هي دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، وكأنك بالعيش الماضي وقد عاد على أكمل من ذلك المعتاد. ولما أظهر إبليس -عليه اللعنة- الحسد، سعى في الأذى، حتى كان سببًا في إخراج السيد آدم من الجنة، وما فهم الأبله..................

_ نحو المرئي لإدراك البصيرة إياه، فللقلب عين، كما أن للبدن عينًا. "لما ظهرت فضائل آدم عليه الصلاة والسلام على الخلائق" من الملائكة وغيرهم "بالعلم" المشار إليه بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] ، وبما آتاه الله من قوة العقل. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى أرجحهم. قال القرطبي: يحتمل أن يخص من عمومه المصطفى فإنه أوفر الناس حلمًا، ويحتمل من المعنى غير الأنبياء. "وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، وإنما هي دار نعيم ومشاهدة" فيه إشارة إلى جنة المأوى، "قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد" إضافة بيانية، أي هي جهاد النفس "وصابر جنود الهوى" بالقصر، أي: هوى النفس، أي: ميلها إلى مشتهياتها "بالجد" بالكسر ضد الهزل، "والاجتهاد" بذل الوسع فهو مغاير للجد مفهومًا مقاربة ما صدق على مقتضى المختار والمصباح يقتضي تساويهما. "وكأنك بالعيش الماضي" أي: نعيم الجنة الذي فارقته، "وقد عاد" إليك بانتقالك للدار الآخرة والنعيم المقيم، وفيه إشارة إلى أن الدنيا وإن طالت لا تعد شيئًا بالنسبة لنعيم الآخرة؛ لبقائها وفناء الدنيا، والفاني كالعدم بالنسبة للباقي. "علي" حال "أكمل من ذلك" الحال "المعتاد" لك أولا في الجنة. "ولما أظهر" عطف على لما ظهرت "إبليس عليه اللعنة" كذا في كثير من النسخ بالواو، ووقع في نسخة شيخنا بدونها، فقال: ينبغي تقديرها "الحسد" لآدم "سعى في الأذى" له "حتى كان سببًا في إخراج السيد آدم من الجنة" في حديث رواه اليافعي في نفحات الأزهار عن علي رفعه: "هبط علي جبريل، فقال: إن لكل شيء سيدًا فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت" فإن صح ففي الفتح السيادة لا تقتضي الأفضلية، فقد قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، وقال ابن عمر: ما رأيت أسود من معاوية، مع أنه رأى العمرين. "وما فهم الأبله" بفتح الهمزة، عديم المعرفة الأحمق الخالي من التمييز، ووصفه بذلك

أن آدم إذا خرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول. قالوا: وفيه إشارة، كأنه تعالى يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين كرمي، بأني أغفر لنفس واحدة، بل أؤخره إلى الدنيا، وآتي بألوف من العصاة حتى أغفر لهم وله ليتبين جودي وكرمي. وأيضًا: علم الله تعالى أن في صلبه الأولاد، والجنة ليست دار توالد.................

_ مشعر بأنه سلب العلم عند كفره، قال القرطبي: لا خلاف أنه كان عالمًا بالله قبل كفره، فمن قال: كفر جهلا، قال: سلب العلم عند كفره، ومن قال عنادًا، قال: كفر ومعه علمه. قال ابن عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعدًا؛ إلا أنه جائز عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء، قال: واختلف هل كان قبله كافر؟ فقيل: لا، وهو أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض، وهل كفر جهلا أو عنادًا، قولان لأهل السنة. "إن آدم إذا أخرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول" ولو فهم ذلك ما سعى فيه، قال القرطبي: لم يقصد إبليس إخراجه منها وإنما أراد إسقاطه عن مرتبته وإبعاده كما أبعده هو، فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده بل ازداد غبنًا وغيظ نفس وخيبة ظن، قال تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 122] ، فتاب عليه وهدي فصار خليفة الله في أرضه بعد أن كان جاره في داره. ا. هـ. "قالوا" أي الصوفية ونسبة للكل كأنه لظهوره صدر عن الجميع، فليس المراد التبرى، "وفيه" أي: إخراج آدم من الجنة، "إشارة" هي شيء يدل على النطق فهي مرادفة له؛ "كأنه تعالى يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين كرمي بأني أغفر" الباء سببية علة للنفي، أي: لانتفى تبين كرمي؛ لأني إنما غفرت "لنفس واحدة" والغفر لها لا يستدعي سعة الكرم، وفي نسخة: بأن أغفر، أي: بسبب المغفرة، "ب أؤخره" بهمزتين أولاهما مضمومة "إلى الدنيا، وآتي بألوف من العصاة حتى أغفر لهم وله" يوم القيامة "ليتبين" له ولغيره، "جودي وكرمي" وكان هؤلاء الذين جعلوا هذا إشارة واستنبطوه لم يقفوا عليه منصوصًا, وفي الخميس: كغيره؛ كما مر قول الله تعالى لجبريل: إن رحمته لا ينقص من رحمتي شيء، وإن يذهب لا يعاب عليه شيء، فخل عنه حتى يذهب ثم يرجع غدًا في مائة ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا. "وأيضًا علم الله تعالى أن في صلبه الأولاد والجنة ليست دار توالد" أي: تكثر فيه الأولاد، فلا ينافي ما حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل الكتاب إن صح أن آدم كان يغشي حواء في الجنة قبل أن يأكل من الشجرة فحملت بقابيل وتوأمته فلم تجد عليهما وجعًا ولا طلقًا حين

وأيضًا: ليخرج من ظهره في الدنيا من لا نصيب له في الجنة. يا هذا، الجنة إن شاء الله إقطاعنا. وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل عليه الصلاة والسلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] ، إنما يخرج الإقطاع عمن خرج عن الطاعة، نسأل الله التوفيق. وقد اختلف في الجنة التي سكنها........................

_ ولدتهما ولم تر معهما دمًا. "وأيضًا ليخرج" الله "من ظهره في الدنيا من لا نصيب له في الجنة" وهم الكفار لما سبق منه سبحانه وتعالى: أن فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير. وقال الأستاذ التاج في التنوير: فكأن مراد الحق من آدم الأكل من الشجرة لينزله إلى الأرض ويستخلفه فيها، فكان هبوطًا في الصورة رقيًا في المعنى، ولذا قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: والله ما أنزل الله آدم إلى الأرض لينقصه، إنما أنزله إلى الأرض ليكمله ثم قال: فما أنزل إلى الأرض إلا ليكمل له وجود التعريف ويقيمه بوظائف التكليف، فتكاملت في آدم العبد عبودية التعريف وعبودية التكليف، فعظمت منه الله عليه وتوافر إحسانه إليه. ا. هـ. "يا هذا الجنة إن شاء الله إقطاعنا" أي: معطاة لنا لنرتفق بها ونتنعم فيها بأنواع النعم أطلق الإقطاع عليها استعارة أو تشبيهًا، والمعنى: أنها لنا كالإقطاع وهو ما يعطيه الإمام من أرض الخراج، "وقد وصل منشور الإقطع" أي: وصل خبرها إلينا، "مع جبريل عليه السلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم" والدليل على وصوله قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} ، صدقوا بالله " {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} " من الفروض والنوافل، "أن" أي: بأن "لهم جنات" حدائق ذات شجر ومساكن "تجري من تحتها" أي: تحت أشجارها وقصورها، "الأنهار" [البقرة: 25] أي: المياه فيها والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء؛ لأن الماء ينهره، أي: يحفره وإسناد الجري إليه مجاز، "إنما يخرج الإقطاع" بتحتية نظرًا للفظ الإقطاع فإنه مذكر وفوقية نظرًا لمعناه، وهي الأرض إذ هي مؤنثة إن أرضي واسعة، "عمن خرج عن الطاعة نسأل الله التوفيق" وأتى بهذا تأكيدًا لاستحقاق المؤمنين نعيم الجنة بمقتضى الوعد وتنبيهًا على استحقاقهم لذلك مشروط ببقائهم على الطاعة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأنهم إذا خالفوا ذلك استحقوا العذاب بمقتضى الوعيد، وقرب ذلك بما هو مشاهد من معاملة السلطان لرعاياه فيما لو أنعم على بعضهم بسبب نصحه في الخدمة، فإنه إذا خرج عنها عاقبه ومنعه ما أولاه من أرض ونحوها. "وقد اختلف في الجنة" بالفتح واحدة الجنات، قال القرطبي: وهي البساتين سميت جنات؛ لأنها تجن من فيها، أي: يستره شجرها، ومنه المجن والجنين والجنة،"التي سكنها

آدم. فقيل: هي جنة الخلد. وقيل: غيرها، جعلها الله دار ابتلاء، لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة، ولأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي، ودار سلامة لا دار ابتلاء وامتحان، ودار قرار لا دار انتقال. واحتج القائلون بأنها جنة الخلد...............................

_ آدم" حين قيل له: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، "فقيل: هي جنة الخلد" وهو قول جمهور الأشاعرة، بل حكى ابن بطال عن بعض المشايخ إجمال أهل السنة عليه؛ لأن اللام للعهد ولا معهود غيرها، ولقوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} ، وذلك صفة جنة الخلد؛ ولقوله: اهبطوا منها، والهبوط يكون من علو إلى سفل ولا يستقيم ذلك في بستان مخلوق على الأرض، ولأن موسى لما لقى آدم عليهما السلام وقال له: أنت أتعبت ذريتك وأخرجتهم من الجنة لم ينكر ذلك آدم، وإنما قال: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق. الحديث الصحيح، ولو كانت غيرها لرد على موسى. "وقيل" هي "غيرها" حكاه منذر بن سعيد زاعمًا كثرة الأدلة عليه، وحكاه الماوردي والرازي وابن عقيل والقرطبي والرماني وغيرهم، واختلف القائلون به، فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني، وحكاه الثعلبي عن القدرية هي بستان بالأرض، أي: بأرض عدن؛ كما في القرطبي، أو بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان؛ كما في البيضاوي. قال الرازي وابن عقيل: ويحمل هؤلاء الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في: اهبطوا مصرا، وقيل: هي جنة أخرى كانت فوق السماء السابعة، وهو قول أبي هاشم، ورواية عن الجبائي. قال ابن عقيل: وهي دعوى بلا دليل فلم يثبت أن في السماء غير بساتين جنة الخلد. ا. هـ. "جعلها الله دار ابتلاء" لآدم وواء؛ "لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة" وهذه قد دخلت قبله، "ولأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي" فلو كانت هي ما وجدوا فيها، "ودار سلامة" من الآفات وكل خوف وحزن، "لا دار ابتلاء وامتحان" وقد وجدا فيها "ودار قرار" لقوله تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] ، "لا دار انتقال" وقد انتقلوا منها، فدل ذلك كله على أنها غيرها. "واحتج القائلون بأنها جنة الخلد" قيل: هي واحدة لها أسماء، وقيل: سبع، ورجح جماعة أنها أربع؛ لما في سورة الرحمن وتحتها أفراد كثيرة لحديث الصحيح: "إنها جنان كثيرة" وعليهما فإطلاق المصنف مجاز من تسمية الكل باسم الجزء، أي:

بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة، وقد دخلها نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وبأن ما ذكره من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن والنصب فإنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها، والله أعلم. وروي أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوبًا على ساق العرش وعلى كل موضع في الجنة............

_ أجابوا عن تلك الشبه التي احتج بها القائلون بأنها غيرها، وإلا فلم يظهر مما ذكره المصنف دليل على أنها جنة الخلد، فأجابوا عن الشبهة الأولى: "بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة و" دليل ذلك أنه "قد دخلها نبيًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء" ثم خرج منها، وأخبر بما فيها وأنها جنة الخلد حقًا، "وبأن ما ذكره" القائلون بأنها غيرها، "من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن" بنحو تساقط اللباس "والنصب" التعب، بنحو طلب ورق الجنة يستر به سوأته، "فإنما" الأولى حذف الفاء لأنه خبر أن، أو هي تعليلية لمحذوف، أي: ما ذكروه من كذا لا يصح، فإنما "هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة؛ كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها" يوم القيامة، وسكت عن جواب الأخير لعلمه من هذا وهو أن كونها دار قرار، إنما هو يوم القيامة، "والله أعلم. ا. هـ". وظاهر المصنف بل صريحة تساوي القولين وليس كذلك، فقد قال القرطبي: هي جنة الخلد، ولا التفات إلى ما ذهب إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن فيها وإنما كان في جنة بعدن، وذكر أدلتهم وردها بما يطول, ورجح أبو القاسم الرماني في تفسيره أنها جنة الخلد أيضًا، وقال: هو قول الحسن وعمر ووصل، وعليه أهل التفسير. "وروي أنه لما خرج آدم من الجنة" أي: لما أراد الخروج لما في الخميس إن الله لما قال له: اخرج لا يجاورني من عصاني رفع آدم طرفه إلى العرش فإذا هو مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقال: يا رب بحق محمد اغفر لي، فقال: قد غفرت لك بحقه، ولكن لا يجاورني من عصاني، ويأتي للمصنف في المقصد الثاني ما يصرح بأن آدم رأى كتابة اسمه على العرش قبل تمام خلقه، ومر الخلاف في قدر مكثه في الجنة. "رأى مكتوبًا على ساق العرش" وكانت الكتابة قبل خلق السماوات والأرض بألفي سنة، كما روي عن أنس. "وعلى كل موضع في الجنة" من قصر وغرفة ونحور حور عين، وورق شجرة طوبى وورق سدرة المنتهى وأطراف الحجب وبين أعين الملائكة، رواه ابن عساكر عن

اسم محمد صلى الله عليه وسلم مقرونًا باسم الله تعالى، فقال يا رب هذا محمد من هو؟ فقال تعالى: هذا ولدك الذي لولاه ما خلقتك. فقال: يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد، فنودي: يا آدم، لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت علي قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك

_ كعب الأحبار نقله المصنف في المقصد الثاني. "اسم محمد" إضافة بيانية فلا يرد أن لفظ محمد، وضع له اسم دال عليه، فالمرئي ذلك الاسم لا لفظ محمد صلى الله عليه وسلم حال كونه "مقرونًا باسم الله تعالى" وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله، "فقال" آدم: "يا رب، هذا" الاسم الذي هو "محمد من هو؟ " من الذات المسماة به، "فقال الله تعالى: هذا ولدك والذي لولاه ما خلقتك، فقال" آدم: "يا رب، بحرمة هذا الولد، ارحم هذا الوالد، فنودي" على لسان ملك أمره الله بالنداء، "يا آدم" قد قبلنا دعاءك و"لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك" قبلنا شفاعتك "وعن عمر بن الخطاب" القرشي العدوي أمير المؤمنين ثاني الخلفاء ضجيع المصطفى مناقبه شهيرة كثيرة "رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما اقترف" بقاف وآخره فاء أتى وفعل "آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي" وفي نسخة لما بفتح اللام وشد الميم بمعنى إلا الاستثنائية؛ كقوله تعالى: {لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ، في قراءة شد الميم، "فقال الله تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه" أي: جسده فلا ينافي أنه خلق نوره قبل جميع الكائنات، وفيه إظهار فضيلة آدم حيث تنبه وسأل عن صاحب الاس بعد رؤيته مكتوبًا، "قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك" أي: من غير واسطة كأم وأب، "ونفخت" أجريت "في من روحك" فصيرتني حيًا، وإضافة الروح إلى الله تشريف لآدم. "رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك" وهذا من وفور عقل آدم وبديع استنباطه،

فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني بحقه قد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك" رواه البيهقي من دلائله من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال تفرد به عبد الرحمن ورواه الحاكم وصححه، وذكره الطبراني وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك. وفي حديث سلمان عند ابن عساكر قال: هبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا، فقد اتخذتك حبيبًا........

_ "فقال الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني" تعليلية، أي: ولسؤالك إياي "بحقه قد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك، رواه البيهقي" ونقلته "من دلائله"، أي: كتابه دلائل النبوة الذي قال فيه الحافظ الذهبي: عليك به فإنه كله هدى ونور، "من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" المدني عن أبيه وابن المنكدر، وعنه أصبغ وقتيبة وهشام ضعفوه له تفسير توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. "وقال" البيهقي: "تفرد به عبد الرحمن" أي: لم يتابعه عليه غيره فهو غريب مع ضعف روايه، "ورواه الحاكم وصححه وذكره" أي: رواه "الطبراني" الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي مسند الدنيا الحافظ المكثر صاحب التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ؛ كأبي زرعة الرازي وطبقته، وعنه أبو نعيم وغيره. قال الذهبي: ثقة صدوق واسع الحفظ بصير بالعلل والرجال والأبواب إليه المنتهى في الحديث وعلومه، مات بمصر سنة ستين وثلاثمائة عن مائة سنة وعشرة أشهر. "وزاد فيه" أي: في آخره "وهو آخر الأنبياء من ذريتك. وفي حديث سلمان" الفارسي الذي تشتاق له الجنة شهد الخندق وما بعدها، وعاش دهرًا طويلا حتى قيل: إنه أدرك حواري عيسى، ويأتي إن شاء الله تحقيق ذلك في خدمه صلى الله عليه وسلم. "عند ابن عساكر" الحافظ أبي القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب تاريخ دمشق وغيره من المصنفات الثقة الثبت الحجة المتقن غزير العلم كثير الفضل دين خير، ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة ورحل إلى بغداد وغيرها وسمع من نحو ألف وثلاثمائة شيخ ونيف، وثمانين امرأة، وروى عنه من لا يحصى ثناء الناس عليه كثير مات سنة إحدى وسبعين وخمسمائة "قال: هبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم" أرسله سلمان فيحمل على أنه حمله على المصطفى أو عمن سمعه منه. "فقال" له: "إن ربك يقول" لك "إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا" كما علمته تحقيقًا، "فـ" علم وتحقق إني "قد اتخذت حبيبًا" فأبشر وطب نفسًا، فإني بصورة الشك تطمينًا له أو

وما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا وما أحسن قول سيدي علي وفى في قصيدته الدالية التي أولها: سكن الفؤاد فعش هنيئًا يا جسد ... هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد روح الوجود حياة من هو واجد ... لولاه ما تم الوجود لمن وجد عيسى وآدم والصدور جميعهم ... ............................

_ إن بمعنى إذ، فلا يرد أن استعمال إن إنما هو في المشكوك فيه، ولا شك هنا. "وما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا وما أحسن قول" وفي نسخة: ولله در، "سيدي علي وفي" الشاذلي العارف الكبير أبي الحسن ابن العارف الكبير، ولد بالقاهرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وكان يقظًا حاد الذهن، ومالكي المذهب وله نظم كثير، وكان أبوه معجبًا به، وأذن له في الكلام على الناس وهو دون العشرين، مات في ذي الحجة سنة سبع وثمانمائة، كذا ترجمه الحافظ ابن حجر، وتبعه السخاوي والسيوطي، ولا يشكل بأن أباه مات وهو ابن سنة، وقيل: ابن ست سنين، كما ادعى النجم ابن فهد؛ لجواز أن أباه أذن له حال الطفولية في ذلك إذا بلغ هذا السن لما اطل عليه فيه من الأسرار الربانية "في قصيدته الدالية" نسبة إلى الدال؛ لوقوعها آخر كل بيت، كما هو اصطلاح العروضين "التي أولها": "سكن الفؤاد فعش هنيئًا يا جسد ... هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد" وبعد هذا البيت: أصبحت في كنف الحبيب ومن يكن ... جار الكريم فعيشه العيش الرغد عش في أمان الله تحت لوائه ... لا خوف في هذا الجناب ولا نكد لا تختشي فقرًا وعندك بيت من ... كل المنى لك من أياديه مدد رب الجمال ومرسل الجدوى ومن ... هو في المحاسن كلها فرد أحد قطب النهى غوث العالم كلها ... أعلى على سار أحمد من حمد ومقول قوله: ما أحسن قول هو قوله: "روح الوجود حياة من هو واجد" بالجيم، أي: هو صلى الله عليه وسلم سبب لحياة من وجدهم من الخلق، أي: علمهم موجودين منهم؛ لأنه "لولاه ما تم الوجود لمن وجد" فهو كالعلة لما قبله "عيسى وآدم" خصهما؛ لأن عيسى آخر الرسل قبله وآدم أولهم "والصدور جميعهم" أي: العظماء الذين يصدرون ويعظمون في المجالس من صدره في

....................... ... هم أعين هو نورها لما ورد لو أبصر الشيطان طلعة نوره ... في وجه آدم كان أول من سجد أو لو رأى النمرود نور جماله ... عبد الجليل مع الخليل ولا عند لكن جمال الله جل فلا يرى ... إلا بتخصيص من الله الصمد ولما خلق الله تعالى حواء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين وصل إليها فاضت بركاته عليها، فولدت له في تلك الأعوام الحسناء...........................

_ المجلس فتصدر "هم أعين" و"هو" صلى الله عليه وسلم "نورها، لما ورد" أتى "لو أبصر الشيطان" نظر بعين البصيرة، لما روي عن ابن عباس أنه لما نفخ في آدم الروح صار نور محمد صلى الله عليه وسلم يلمع من جبهته؛ كالشمس المشرقة، ويحتمل الحقيقة بأن يكون حجب الله بصره مع شدة ظهوره عن أن يرى "طلعة نوره، في وجه آدم كان أول من سجد" له، لكنه لم يبصر ذلك لخذلان الله عز وجل له، "أو لو رأى النمرود" بضم النون آخره دال مهملة، كما في القاموس وبالمعجمة نقله ثعلب عن أهل البصرة وهو الموافق للضابط الذي نظمه الفارابي فرقًا بينهما في لغة الفرس، حيث قال: احفظ الفرق بين دال وذال ... فهو ركن في الفارسية معظم كل ما قبله سكون بلا وا ... ي فدال وما سواه فمعجم واختصره القائل: إن تلت الدال صحيحًا ساكنًا ... أهملها الفرس وإلا أعجموا "نور جماله" في وجه إبراهيم عليهما السلام، "عبد الجليل" بالجيم "مع الخليل" إبراهيم "ولا عند" بفتح العين والنون، أي: خالف ورد الحق مع معرفته به. وأما عند الطريق بمعنى عدل عنها فمثلث النون، كما في الراموز. "لكن جمال الله" كماله ونوره الحامل على الطاعة، "جل" عن الأبصار والبصائر "فلا يرى" بالبصائر "إلا بتخصيص" بإعطاء "من الله الصمد" لمن شاء فلذا لم يره إبليس، وبقي من القصيدة ثلاثة أبيات: فأبشر بمن سكن الجوانح منك يا ... أنا قد ملأت من المنى عينا وبد عين الوفا معنى الصفا سر الندى ... نور الهدى روح النهى جسد الرشد هو للصلاة من السلام المرتضى ... الجامع المخصوص ما دام الأبد "ولما خلق الله تعالى حواء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين وصل" وفي نسخة صار "إليها" أي: واقعًا وكان ذلك بعد هبوطهما بمائة سنة، وقيل: مائة وعشرين حكاهما الخميس، "فاضت بركاته عليها فولدت له في تلك الأعوام الحسناء" قد بينا لك عدة الأعوام فإنه عاش ألف سنة، فأسقط منها مقدار مكثه في الجنة الذي تقدم الخلاف فيه، وهذه المائة أو

أربعين ولدا في عشرين بطنًا، ووضعت شيثا وحده، كرامة لمن أطلع الله بالنبوة سعده. ولما توفي آدم..................................

_ وعشرين بعد الهبوط تعرف عدة هذه الأعوام. "أربعين ولدًا في عشرين بطنًا" كما اقتصر عليه البغوي، قائلا: وكان أولهم قابيل وتوأمته إقليميا، ونقل ابن إسحاق عن بعض أهل الكتاب أنهما ولدا في الجنة وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة الغيث. ا. هـ. وفي النسفي: أولهم الحارث "ووضعت شيثا" بكسر المعجمة فتحتية ساكنة فمثلثة مصروف، وفي سيرة مغلطاي ويقال: شاث، ومعناه هبة الله، ويقال: عطية الله، وقال السهيلي: وهو بالسريانية: شاث، وبالعبرانية: شيث، وقال ابن كثير وغيره: سماه هبة الله؛ لأنهما رزقاه بعد قتل هابيل بخمس سنين ووضعته على شكل هابين لا يغادر منه شيئًا، وقيل: ولد بعده بأربعين سنة، وقيل غير ذلك هذا ووقع في الشامية يقال: شاث، بإمالة الشين ورده شيخنا: بأن الشين مكسورة فلا تمال، وقيل: لا يصرف بناء على أن الثلاثي الأعجمي الساكن الوسط يجوز صرفه وعدمه، قال في الهمع وهو فساد إذ لم يحفظ. "وحده" ولا أخت معه على المشهور، وقيل: كان معه أخته؛ كما في الخميس. وفي بحر النسفي: أول ولد آدم الحارث ولا أخت معه، ثم قابيل وأخته، ثم هابيل وأخته، ثم أسوت وأخته، ثم شيث وحده، ثم أثنى بعده في بطن فزوجها منه، ثم كذا وكذا إلى تمام الأربعين بطنًا عند ابن إسحاق. وقال وهب بن منبه: مائة وعشرين بطنًا، وقيل: خمسمائة بطن لتمام ألف ولد. ا. هـ. "كرامة لمن أطلع الله بالنبوة سعده" وهو المصطفى فكان في وجه شيث نور نبينا صلى الله عليه وسلم وجاءت الملائكة مبشرة لآدم به، "ولما توفي آدم" عليه الصلاة والسلام وسنه ألف سنة؛ كما في حديث أبي هريرة وابن عباس مرفوعًا، وقيل: إلا سبعين، وقيل: إلا ستين، وقيل: إلا أربعين بمكة يوم الجمعة، وصلى عليه جبريل، واقتدى به الملائكة وبنو آدم. وفي رواية صلى عليه شيث بأمر جبريل ودفن بمكة في قبر بغار أبي قبيس، ذكرهما الثعلبي وغيره. وعن ابن عباس: لما فرغ آدم من الحج رجع إلى الهند، فمات. وعن ثابت البناني حفروا لآدم ودفنوه بسرنديب في الموضع الذي أهبط فيه وصححه الحافظ ابن كثير، وقيل: دفن بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، رأسه عند الصخرة ورجلاه عند مسجد الخليل، وقيل: دفن عند مسجد الخيف. وقال ابن إسحاق وغيره: دفنته الملائكة وشيث وأخوته في مشارق الفردوس عند قرية هي

كان شيث -عليه الصلاة والسلام- وصيًا لآدم على ولده، ثم أوصى شيث ولده بوصية آدم: أن لا يضع هذا النور إلا في المطهرات من النساء، ولم تزل هذه الوصية جارية، تنتقل من قرن إلى قرن.......................

_ أول قرية كانت في الأرض وكسفت الشمس والقمر عليه أسبوعًا وعاشت حواء بعده سنة, وقيل: ثلاثة أيام ودفنت بجنبه. "كان شيث عليه الصلاة والسلام وصيًا لآدم على ولده" أي: أولاده ومر أن يكون واحدًا وجمعًا، وأطاعه أولاد أبيه، وروي عن ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ أولاده وأحفاده أربعين ألفًا الصلبية منهم أربعون. وفي مسند الفردوس عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن آدم عليه الصلاة والسلام قام خطيبًا في أربعين ألفًا من ولده وولد ولده، وقال: إن ربي عهد إلي، فقال: يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري، وكان شيث أجمل أولاده وأشبههم به وأحبهم إليه وأفضلهم، وعلمه الله الساعات والعبادة في كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وزوجه الله أخته التي ولدت بعده وكانت جميلة كأمها حواء، وخطب جبريل وشهدت الملائكة، وكان آدم وليها ورزقه الله أولادًا في حياة أبيه وعمر تسعمائة واثنتي عشرة سنة، وقيل: عشرين ومات لمضي ألف واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم، ودفن في غار أبي قيس"، "ثم" بعد ما أوحى الله إلى شيث أن اتخذ ابنك أنوش صفيًا وصيًا علم أنه نعيت إليه نفسه، "أوصى شيث" واستخلف "ولده" هو أنوش بفتح الهمزة فنون مضمومة آخره شين معجمة، ويقال: يانش بتحتية فنون مفتوحة فمعجمة، وقيل: أنش. قال السهيلي: ومعنى أنوش الصادق وهو بالعربية أنش. وقال مغلطاي: يانش ومعناه الصادق، ذكره النور وانتقلت إليه رئاسة الخلق بعد أبيه وقام مقامه، وكان على طوله وبياضه وجماله وعاش تسعمائة وخمسين أو عشرين أو خمسًا وستين سنة. "بوصية آدم" وهي "أن لا يضع هذا النور" الذي كان في وجه آدم كالشمس "إلا في المطهرات من النساء، ولم تزل هذه الوصية جارية تنتقل من قرن إلى قرن" أي: من طائفة إلى أخرى، فإن النور إذا كان في شيث مثلا كان موجودًا في مجموع من عاصره، فإذا مات وانتقل لولده انتقل النور من مجموع تلك الطائفة إلى مجموع طائفة ابنه وهكذا، أو المراد من واحد إلى واحد وسماه قرنًا تجوزًا، قال الحافظ: والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، قال: ويطلق القرن على مدة من الزمان اختلف في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك فقد قال به

إلى أن أدى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله، فطهر الله تعالى هذا النسب الشريف من سفاح الجاهلية، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المرضية. قال ابن عباس -فيما رواه البيهقي في سننه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، ما ولدني

_ قائل. وفي حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور، وفي المحكم: هو القدر المتوسط من أعمال أهل كل زمن وهذا أعدل الأقوال، وبه صرح ابن الأعرابي، وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن حمل المختلف عليه من الأقوال ممن قال: القرن أربعون فصاعدًا. أما من قال: إنه دون ذلك، فلا يلتئم على هذا القول. ا. هـ. "إلى أن أدى" أوصل "الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله" أي: ثم وعبر بالواو لظهوره إذ الاشتراك في وقت واحد لم يقع، أي: ثم أسعد الله آمنة بذلك النور ولم يوص عبد المطلب ولده بذلك لتعاطيه تزويجه من آمنة مع علمه بمكانها من النسب، وإن نكاحه لها لا أثر فيه من الجاهلية فكفاه ذلك عن الوصية هذا، وزعم أن هذا ظاهر فيمن ظهر فيه النور، أما من لم يظهر فيه فمن أين وصلت إليه الوصية؟ فيه نظر، ففي الخميس كغيره: وذلك النور كان ينتقل من جبهة إلى جبهة، وكان يؤخذ في كل مرتبة عهد وميثاق، أنه لا يوضع إلا في المطهرات، فأول من أخذه آدم من شيث وهو من ابنه وهكذا. ا. هـ. فلو لم يظهر في الجميع لما قالوا: كان ينتقل من جبهة إلى جبهة، ويفرض تسليمه فقد أجاب عنه شيخنا: بأن ذلك إما بعلم ضروري أودعه الله في الموصي أو بأن عدم ظهوره فيمن كان من أصوله ليس نفيًا للنور من أصله بل يجوز تفاوته فيهم في ذاته، فمنهم من يظهر فيه تامًا بحيث يدركه من رآه بلا مزيد تأمل، ومنهم من يوجد فيه أصل النور فلا يدرك إلا بمزيد تأمل. "فطهر الله تعالى هذا النسب الشريف من سفاح الجاهلية" هي ما قبل البعثة سموا بذلك لكثرة جهالاتهم، ويقال: هي ما قبل الفتح وهو الظاهر، فقد خطب صلى الله عليه وسلم بهدم أمر الجاهلية، وما كانت عليه في الفتح. وقد قال ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقًا، وابن عباس ولد في الشعب بعد المبعث، قاله في النور. "كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المرضية" عند العلماء وهي الصحيحة والحسنة، كالضعيفة المعتضدة، وفيه إشعار بوجه اقتصاره على ما ذكر من الأحاديث والإعراض عن غيرها مع كثرته، فكأنه قال: اقتصرت عليها لثبوتها على غيرها. "قال ابن عباس فيما رواه البيهقي في سننه" قال السبكي: لم يصنف أحد مثله تهذيبًا وجوده، "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ولدني" " أي: مسني، "من سفاح الجاهلية، شيء ما ولدني

إلا نكاح الإسلام". والسفاح -بكسر السين المهملة- الزنا، والمراد به هنا: أن المرأة تسافح رجلا مدة، ثم يتزوجها بعد ذلك. وروى ابن سعد وابن عساكر، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه محمد قال: كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم........................

_ إلا نكاح الإسلام" أي: نكاح كنكاحه في كونه بعقد صحيح يبيح الوطء، وإن لم يجمع شرائط الإسلام الآن فلا يرد أن نكاح الأخت كما وقع لشيث ليس من نكاح الإسلام الآن إذ المقصود نفي الفجور، فشمل الزواج وغيره، ودخل فيه أم إسماعيل، فإنها كانت ملكًا لإبراهيم بإتفاق المؤرخين وهبتها لها سارة، "والسفاح، بكسر السين المهملة" والفاء فألف فحاء مهملة، "الزنا" من سفحت الماء إذا صببته، فكأنه أراق ماءه وأضاعه وسواء كان جهرًا أو سرًا، كما هو ظاهر إطلاقه؛ كالقاموس والنور والمصباح. وفي الأنوار تفسيره بالمجاهرات. "والمراد به هنا" في الحديث: "أن المرأة تسافح رجلا مدة، ثم" إذا أعجبته وأعجبها "يتزوجها بعد ذلك" والأولى كما قال شيخنا: أن يراد به ما هو أعم من الزنا، فإن جملة الأحاديث دلت على نفي جميع نكاح الجاهلية عن نسبه من نكاح زوجة الأب لأكبر بنيه، والجمع بين الأختين، ونكاح البغايا وهو أن يطأ البغي جماعة متفرقون فإذا ولدت ألحق بمن غلب عليه شبهه منهم. ونكاح الاستبضاع وهو أن المرأة إذا طهرت من الحيض قال لها زوجها: أرسلي لفلان استبضعي منه ويعتزلها زوجها حتى يبين حملها منه، فإن بان أصابها زوجها إن أحب. ومن نكاح الجمع وهو أن يجتمع رجال دون عشرة ويدخلوا على بغي ذات راية كلهم يطؤها، فإذا وضعت ومر لها ليال بعده أرسلت لهم فلا يتخلف رجل منهم، فتقول: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت فيلحق به لا يستطيع نفيه وإن لم يشبهه. ا. هـ. ملخصًا. "وروى ابن سعد وابن عساكر، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي" أبي المنذر المتوفى سنة أربع وثمانين ومائة؛ كما قال المسعودي. قال الدارقطني: هشام رافضي ليس بثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. "عن أبيه محمد" بن السائب بن بشر الكلبي، أبي النضر الكوفي المفسر النسابة الأخباري، روى عن الشعبي وعنه ابنه وأبو معاوية متروك متهم بالكذب، مات سنة ست وأربعين ومائة، "قال: كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم" استشكل بأن أمهاته لا تبلغ هذا العدد، فقال الشامي: يريد الجدات وجدات الجدات من قبل أبيه وأمه. ا. هـ. وفي نسيم الرياض ما محصله: إذا تأملت قولهم لم يكن قبيلة من العرب إلا ولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولادة أو قرابة

فما وجدت فيهن سفاحًا ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من نكاح أهل الجاهلية شيء". رواه الطبراني في الأوسط, وأبو نعيم وابن عساكر. وروى أبو نعيم، عن ابن عباس، مرفوعًا: "لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفى مهذبًا، لا تتشعب شعبتان

_ عرفت المراد، فإنك إذا نظرت لقبيلة، فجميع ذكورهم آباء له، وجميع نسائهم جدات أو عمات أو خالات، فعمد قرابتهم ولادة له، والمراد أن نسبه بحواشيه وأطرافه جميل لم يمسه دنس. "فما وجدت فيهن سفاحًا" زنا، "ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية" عطف خاص على عام لا عكسه، كما زعم فإنهم كانت لهم أنكحه لا يعونها سفاحًا فحرمها الشارع؛ كنكاح المصافحة ونكاح المقت هو نكاح زوجة الأب، وانتقد بأن النضر خلف على زوج أبيه ورد بأن هذا على تسليمه لم يكن محرمًا في شرع من قبلنا، كما سيأتي إيضاحه في النسب الشريف. "و" ورد "عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح" " وذلك "من لدن آدم" أي: من عند أول وَلَد وُلِد له هو في أصوله عليه السلام، واستمر ذلك ممتدًا "إلى أن ولدني أبي وأمي" فهو متعلق بمحذوف، "لم يصبني من نكاح أهل الجاهلية" أي: ما كانوا عليه من زنا وغيره "شيء"، رواه الطبراني. قال الهيثمي الحافظ: بسند رجاله ثقات إلا محمد بن جعفر تكلم فيه وصحح له الحاكم "في" معجمه "الأوسط" الذي ألفه في غرائب شيوخه، يقل: ضمنه ثلاثين ألف حديث، وفي تاريخ ابن عساكر وغيره: أن الطبراني كان يقول: هذا الكتاب روحي؛ لأنه تعب عليه. "وابن عساكر" وكذا ابن عدي. "وروى أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الحافظ "عن ابن عباس مرفوعًا" له صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لم يلتق أبواي قط على سفاح" " أي: أحد من آبائي مع واحدة من أمهاتي، لا خصوص أبيه وأمه الدال عليهما لفظ التثنية، بدليل أنه رتب على ذلك قوله: "لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة" حال كونه "مصفى مهذبًا" صفة لازمة لتقارب التصفية والتهذيب. ففي القاموس: هذبه يهذبه هذبًا، قطعه ونقاه وأصلحه وأخلصه؛ كهذبه والهذب محركة الصفاء والخلوص. وفي نسخة: مصطفى مهذبًا بزيادة طاء من الاصطفاء، "لا تتشعب شعبتان"،

إلا كنت في خيرهما". وعنه، في قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 129] . من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيًا. رواه البزار. وعنه أيضًا في الآية قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه. رواه أبو نعيم. وعن جعفر بن محمد عن أبيه، في قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خرجت من نكاح غير سفاح". وعن أنس قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} -بفتح الفاء- وقال: "أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا".

_ أي: لا تتفرع، أي: لا يولد من أصل طائفتان، "إلا كنت في خيرهما" ورد "عنه" أي: عن ابن عباس "في" تفسير "قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ} تفعل، أي: انتقالك {فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 129] أن المراد بهم "من" صلب "نبي إلى نبي" ولو مع الوسائط وفعلت ذلك معك، "حتى أخرجتك نبيًا" فلا يرد أن المطابق للآية حتى أخرجك، وهذا أحد تفاسير في الآية يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في ذكر الأبوين حيث تعرض المصنف لذلك. "رواه البزار" الحافظ العلامة الشهير أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير المعلل، مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وكذا رواه ابن سعد وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح، والطبراني ورجاله ثقات. "و" ورد "عنه" أي: عن اب عباس "أيضًا في" تفسير "الآية، قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب" ينتقل "في أصلاب الأنبياء حتى" إلى أن "ولدته أمه" آمنة "رواه أبو نعيم," ورد "عن جعفر" الصادق "بن محمد عن أبيه" محمد الباقر "في" تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] ، "قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال" محمد "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خرجت من نكاح غير سفاح" " وهذا مرسل؛ لأن محمدًا تابعي. "و" ورد "عن أنس" بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي الصحابي الشهير خادم المصطفى مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، "قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم" قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] ، بفتح الفاء، وقال: "أنا أنفسكم نسبًا" " مصدر مطلق الوصلة بالقرابة، "وصهرًا" أي من جهة الآباء والأمهات قال ابن السكيت: كل من كان من قبل

وحسبا -بفتحتين- ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح". رواه ابن مردويه. وفي الدلائل لأبي نعيم، عن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم عن جبريل قال:........

_ الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه فهو أحماء، ومن قبل المرأة ويجمع الصنفين الأصهار، وفي الأنوار في قوله تعالى: {فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان: 54] ، أي: قسمه قسمين ذوي نسب، أي: ذكورًا ينسب إليه وذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهن؛ كقوله: وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. "وحسبا -بفتحتين" أي: شرفًا ثابتًا لي ولآبائي؛ كما قال الأزهري. وقال ابن السكيت: الحسب يكون في الإنسان وإن لم يكن في آبائه. ا. هـ. والواقع هنا أنه فيه وفي آبائه، وفي الصحاح: الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آباه، أي: أنا أنفسكم آباء وأمهات ومفاخر آباء" "ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا" أي: أنا وآبائي "نكاح"، إسناده إليهم بتأويل، أي: ذوو نكاح، أو على التجوز في الإسناد كأنهم تجسموا من النكاح؛ كقوله: فإنما هي إقبال وإدبار وفي رواية: كلها نكاح بالتأنيث باعتبار الجماعة، أي: كل جماعة آبائي نكاح فلا يرد أنهم عقلاء، فكان يقال كلهم، أو الضمير للوطآت، وقضية ذا الحديث أنه: لا سفاح في آبائه مطلقًا، واستظهر محقق أن المراد طهارة سلسلته فقط، واستشهد بالخبر المار: "لم يلتق أبواي قط على سفاح" وعندي أن الصواب: خلاف هذا التحقيق العقلي؛ لظهور إطلاق نفي السفاح عنهم في هذا الحديث، ويؤيده استقراء الكلبي المحمول على الحواشي؛ كما مر، فإذا انتفى عن حواشيه فكيف يحتمل وقوعه في نفس الآباء والأمهات في غير السلسلة الشريفة، وأما الاستشهاد بالخبر فضعيف، كما لا يخفى. "رواه" أبو بكر الحافظ أحمد بن موسى "بن مردويه" الأصبهاني اللبيب العلامة، ولد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وصنف التاريخ والتفسير المسند والمستخرج على البخاري، وكان فهمًا بهذا الشأن بصيرًا بالرجال طويل الباع مليح التصنيف، مات لست بقين من رمضان سنة عشر وأربعمائة، قال الحافظ ابن ناصر في مشتبه النسبة: مردويه بفتح الميم، وحكى ابن نقطة كسرها عن بعض الأصبهانيين، والراء ساكنة، والدال المهملة مضمومة، والواو ساكنة، والمثناة تحت مفتوحة تليها هاء. ا. هـ. "وفي الدلائل لأبي نعيم" أحمد بن عبد الله الحافظ "عن عائشة" الصديقة بنت الصديق المكثرة ذات المناقب الجمة، يأتي ذكرها في الزوجات إن شاء الله تعالى. قال المصنف: وعائشة بالهمزة وعوام المحدثين يبدلونها ياء، "عنه صلى الله عليه وسلم، عن جبريل" بلفظ: "قال" لي جبريل

قلبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر رجلا أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم. وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط. قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن. وفي البخاري عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه". وفي مسلم عن واثلة بن الأسقع............................

_ "قلبت مشارق الأرض ومغاربها"، أي: فتشتهم وبحثت عن أحوالهم، سماه تقليبًا تشبيهًا له بتحريك الشيء ظهر البطن وعكسه، وفي القاموس: قلب الشيء حوله ظهر البطن؛ كقلبه والتحريك يلزمه الإحاطة بالشيء ومعرفة أحواله عرفًا، فأطلق التقليب وأراد لازمه. "فلم أر رجلا أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم". قال الحكيم الترمذي: إنما طاف الأرض ليطلب النفوس الطاهرة الصافية المتزكية بمحاسن الأخلاق، ولم ينظر للأعمال؛ لأنهم كانوا أهل جاهلية، إنما نظر إلى أخلاقهم فوجد الخير في هؤلاء، وجواهر النفوس متفاوتة بعيدة التفاوت. ا. هـ. "وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط" والإمام أحمد والبيهقي والديلمي وابن لال وغيرهم. "قال الحافظ" أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي "بن حجر" الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وعانى أولا الأدب وتعلم الشعر فبلغ الغاية, ثم طلب الحديث فسمع الكثير ورحل وبرع فيه وتقدم في جميع فنونه وانتهت إليه الرحلة والرئاسة في الحديث في الدنيا بأسرها، فلم يكن في عصرها حافظ سواه وألف كتبًا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس، وتوفي في ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، قال السيوطي: وختم به الفن "لوائح الصحة لائحة" ظاهرة "على صفحات هذا المتن" الحديث والصفحة لغة من كل شيء: جانبه، ففيه استعارة بالكناية شبه المتن بمكان له جوانب وأثبت له الصفحات تخييلا. "وفي" صحيح "البخاري" في صفة النبي صلى الله عليه وسلم "عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا" ". حال تفصيل والفاء للترتيب في الوجود أو الفضل نحو الأكمل فالأكمل، ومنه: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا} [الصافات: 1, 2] ، "حتى كنت من القرن الذي كنت" أي: وجدت "منه". وفي مسلم عن واثلة" بمثلثة "ابن الأسقع" بالقاف ابن عبد العزى الكناني الليثي من أهل الصفة غزا تبوكًا، وعنه مكحول ويونس بن ميسرة عاش ثمانيًا

قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". رواه الترمذي. وعن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير فرقهم، وخير الفريقين

_ وتسعين سنة، ومات سنة خمس وثمانين وأبوه صحابي أيضًا؛ كما في الإصابة. "قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى" اختار "كنانة" عدة قبائل أبوهم كنانة ابن خزيمة "من ولد إسماعيل" وفي رواية الترمذي: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة" فكان في رواية مسلم اختصارًا. "واصطفى قريشًا من كنانة" ورواية الترمذي: "واصطفى من بني كنانة قريشًا" وهو قريب وفيه إبطال للقول بأن جماع قريش مضر وللآخر أنه الياس، "واصطفى من قريش بني هاشم" غاير أسلوب ما قبله للتعظيم. "واصطفاني من بني هاشم" زاد ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار ابن عبد المطلب من بني هاشم، قال الحليمي: أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم؛ كرجل يقول: كان أبي فقيهًا، لا يريد الفخر؛ بل تعريف حاله دون ما عداه، وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء. ا. هـ. ونقله عنه البيهقي في الشعب وأقره، وقال الحافظ: ذكره لإفادة الكفاءة والقيام بشكر النعم والنهي عن التفاخر بالآباء، موضعه مفاخرة تفضي إلى تكبر أو احتقار مسلم. "رواه" أي: حديث واثلة "الترمذي" أتم منه، كما علم، وقال: حديث حسن صحيح غريب. ا. هـ. وفيه فضل إسماعيل على جميع ولد إبراهيم حتى إسحاق، وفضل العرب على العجم. قال ابن تيمية: وليس فضل العرب فقريش فبني هاشم، بمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، أي: باعتبار الأخلاق الكرام والخصال الحميدة واللسان العربي، قال: وبذلك يثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نفسًا ونسبًا، وإلا لزم الدور. "و" روى الترمذي "عن العباس" بن عبد المطلب عم المصطفى وصنو أبيه، كان يجله ويعظمه ويأتي إن شاء الله تعالى في الأعمام، "قال" قلت يا رسول الله! إن قريشًا تذاكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة، أي: كناسة، فـ"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق" " أي: المخلوقات وأل للاستغراق فتدخل الملائكة فهو نص في أفضلية جنس البشر على جنس الملك، أو المراد الثقلان، أو المراد بنو آدم فرقًا، "فجعلني" صيرني "في خير فرقهم" جمع فرقة، أي: أشرفها. وفي نسخة: فرقتهم، أي: فرقة منهم. "و" جعلني "خير الفريقين" فهو بالنصب عطف على

ثم تخير القبائل فجعلني في خير القبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتا أي أصلا". وفي حديث رواه الطبراني عن ابن عمر قال: إن الله اختار خلقه...........

_ محل في خير، كذا أعربه الواعظ، فإن كان رواية وإلا فيجوز جره عطفًا على مجرور في عطف تفسير، واقتصر عليه شيخنا. والمراد بالفرق الذين هو خيرهم العرب. "ثم تخير القبائل" من العرب، أي: اختار خيارهم فضلا، "فجعلني في خير القبيلة" منهم وهي قريش، أي: قدر إيجادي في خير قبيلة، "ثم تخير البيوت" أي: اختارهم شرفًا، "فجعلني في خير بيوتهم" أي: أشرفها وهم بنو هاشم وإذا كان كذلك، "فأنا خيرهم نفسًا" أي: روحًا وذاتًا، "وخيرهم بيتًا" وفسره بقوله: "أي أصلا". إذ جئت من طيب إلى طيب إلى صلب أبي بفضل الله علي ولطفه في سابق علمه، ولم يقل: ولا فخر، كما في خبر: "أنا سيد ولد آدم"؛ لأن هذا بحسب حال المخاطبين في صفاء قلوبهم بما يعلمه من حالهم أو هذا بعد ذاك. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل، فقسم الناس قسمين، فقسم العرب قسمًا، وقسم مضر قسمًا، وقريشًا قسمًا، وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خير من أنا منهم"، رواه الطبراني وحسن العراقي إسناده، وهو شاهد الخبر المصنف وكالشرح له الجنة قال بعض العلماء: والتفاضل في الأنساب والقبائل والبيوت باعتبار حسن خلقه الذات، والتفاضل فيما قام بها من الصفات حتى في الأقوات والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، وهذا جار في سائر المخلوقات فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا اتجاه لما عساه يقال: الإنسان كله نوع، فما معنى التفاضل في الأنساب. ا. هـ. "و" قال صلى الله عليه وسلم "في حديث رواه الطبراني" في الأوسط، "عن" عبد الله "بن عمر" الخطاب أبي عبد الرحمن العالم المجتهد العابد: "لزوم السنة الفرور من البدعة الناصح للأمة", روى ابن وهب عن مالك: بلغ ابن عمر ستًا وثمانين سنة وأفتى ستين سنة، وقال نافع: ما مات حتى أعتق أكثر من ألف وشهد الخندق وما بعدها، قال الحافظ ولد في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث؛ لأنه ثبت أن كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة، وهي بعد المبعث بخمس عشرة، ومات في أوائل سنة ثلاث وسبعين. "قال" أي: المصطفى كما علم لا ابن عمر؛ لأنه مرفوع عند الطبراني لا موقوف. "إن الله اختار" أي: اصطفى "خلقه" مميزًا لهم على غيرهم ممن لو تعلقت بهم الإرادة ووجدوا

فاختار منهم بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب، ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم. ثم أعلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت، لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه، ليكون مختصًا بنسب جعله الله تعالى للنبوة غاية................

_ كانوا دونهم في الفضل لكونهم لم يختاروا، فلا يرد أن الاختيار إنما يكون فيما يختار من شيء، ولا يقال اختار شيئًا، إذ لا بد من مختار ومختار منه، ومحصل الجواب اختيارهم ممن يقدر وجودهم، "فاختار منهم بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب" كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى:"ثم اختار بني آدم، فاختار منهم العرب"، والمراد: نظر إليهم فاختار ... إلخ. فلا يقال لا حاجة له بل لا يصح؛ لأنه عين ما قبله. "ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار، ألا من أحب العرب، فبحبي" أي: فبسبب حبه لي "أحبهم، ومن أبغض العرب" أظهر للتعليم "فببغضي" بسبب بغضه لي "أبغضهم" وقد روى الترمذي، وقال: حسن غريب عن سلمان رفعه: "يا سلمان لا تبغضني، فتفارق دينك"، قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: "تبغض العرب فتبغضني"، وروى الطبراني عن علي رفعه: "لا يبغض العرب إلا منافق". "ثم اعلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يشركه" بفتح الياء والراء بينهما شين ساكنة، "في ولادته من أبويه أخ ولا أخت" المراد أنهما لم يلدا غيره؛ كما قال الواقدي: أنه المعروف عند العلماء. قال سبط ابن الجوزي: لم يتزوج عبد الله قط غير آمنة ولم تتزوج آمنة غيره. قال: وأجمع العلماء على أن آمنة لم تحمل بغيره صلى الله عليه وسلم، قال: وقولها: لم أحمل حملا أخف منه، المفيد حملها بغيره خرج على وجه المبالغة. وقال الحافظ ابن حجر: جازف سبط ابن الجوزي كعادته في نقل الإجماع ولا يمتنع أن تكون أسقطت من عبد الله سقطًا، فأشارت بقولها المذكور إليه. ا. هـ. وما رده بنقل كما ترى، بل بتجويز إنما يصح على ضعيف، وهو تأخر موت والده بعد ولادته؛ لأنها حملت بالمصطفى عقب التزوج؛ كما هو صريح في الأخبار الآتية. ولم تسقط قبله شيئًا ولم يتفوه به متفوه، فأين المجازفة؟ وإنما لم يلدا غيره. "لانتهاء صفوتهما" أي: خالصهما "إليه وقصور نسبهما عليه" أي: عدم مجاوزته إلى غيره تكريمًا، "ليكون مختصًا بنسب جعله الله للنبوة غاية" أي: خاتمًا للنبوة بحيث لا يولد بعده

ولتمام الشرف نهاية، وأنت إذا اختبرت حال نسبه، وعلمت طهارة مولده تيقنت أنها سلالة آباء كرام. فهو صلى الله عليه وسلم النبي العربي الأبطحي الحرمي الهاشمي القرشي، نخبة بني هاشم، المختار المنتخب من خير بطون العرب وأشرفها في الحسب وأعرقها في النسب، وأنضرها عودًا، وأطولها عمودًا، وأطيبها أرومة، وأعزها جرثومة، وأفصحها لسانًا، وأوضحها بيانًا، وأرجحها..............

_ نبي، "ولتمام الشرف نهاية" لا غاية بعدها "وأنت إذا اختبرت حال نسبه وعلمت طهارة مولده تيقنت أنها" أي: ذاته الشريفة "سلالة آباء كرام، فهو صلى الله عليه وسلم النبي" بالهمز وتركه وهو لغته صلى الله عليه وسلم. وفي المستدرك: عن أبي ذر أن رجلا قال: يا نبي الله، بالهمز، فقال صلى الله عليه وسلم: "لست نبي الله"، قال الزركشي: أنكر الهمز لأنه لم يكن لغته. وقال الجوهري والصغاني: إنما أنكره لأن الرجل أراد يا من خرج من مكة إلى المدينة، يقال: نبأت من أرض إلى أرض إذا خرجت منها إلى أخرى. ا. هـ. وهذا هو الأحسن؛ لأن المصطفى يخاطب كل إنسان بلغته، ألا ترى إلى خبر: "ليس من امبر امصيام في امسفر". "العربي" نسبة إلى العرب خلاف العجم، وهم عاربة وهم الخلص وهم سبع قبائل ومتعربة، وهم بنو قحطان وليسوا بخلص ومستعربة وليسوا بخلص أيضًا، قال ابن دحية: وهم بنو إسماعيل، قال الشامي ملخصًا. "الأبطحي" نسبة إلى أبطح مكة وهو مسيل واديها، وهو ما بين مكة ومنى ومبتدؤه لمحصب، قال الشامي. وفي المختار البطحاء كالأبطح ومنه بطحاء مكة وعليه فهو نسبة إلى بطحاء مكة، ولكن القياس الأول. "الحرمي" إلى الحرمين "الهاشمي القرشي" عام بعد خاص، "نخبة" بالرفع نعت النبي "بني هاشم" وفي القاموس: النخبة بالضم وكهمزة المختار وانتخبه اختاره، فقوله: "المختار المنتخب" لعل مراده من جميع الخلق، وفي الكلام حذف هو ومعلوم أنهم خير العرب، فهو المختار من جمع الناس، "من خير بطون العرب، وأشرفها في الحسب" أي: المفاخر، "وأعرقها" بالقاف: أثبتها وأقواها "في النسب، وأنضرها" أحسنها "عودًا" أي: طيبًا وأصلا، كأنه مأخوذ من عهود البخور شبه أصله من ظهوره بالعود واستعار له اسمه، "وأطولها عمودًا" أعظمها أصلا يستند إليه ويتقوى به، "وأطيبها أرومة" بفتح الهمزة وتضم، أي: أصلا؛ كما في القاموس. "وأعزها جرثومة" بضم الجيم أصلا؛ كما في القاموس، فالجمع بين هذا وما قبله للإطناب إذا المراد منهما واحد، "وأفصحها لسانًا" لغة، "وأوضحها بيانًا" تبيينًا وإظهارًا للمراد، "وأرجحها

ميزانًا وأصحها إيمانًا، وأعزها نفرًا، وأكرمها معشرًا، من قبل أبيه وأمه، ومن أكرم بلاد الله على الله وعباده. فهو محمد بن عبد الله، الذبيح, ابن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، في قول محمد بن إسحاق، وهو الصحيح، وقيل..............................

_ ميزانًا" عملا يفتخر به عبر عنه بميزان؛ لأنه آلة يميز بها الوافي من غيره، "وأصحها إيمانًا" تصديقًا بما يوافق الحق في كل زمن، "وأعزها نفرًا" بفتحتين حشمًا وأعوانًا تمييز محول عن المضاف، والأصل نفره أعز، فحذف المضاف وأضيف أعز إلى الضمير فحصل الإبهام، فبين بذلك المضاف، "وأكرمها معشرًا" طائفة وجماعة ينسب إليهم "و" أكرمها "من قبل" جهة "أبيه وأمه" أكرمها من قبل كونه "من أكرم بلاد الله على الله" يعني مكة، "و" من أكرم "عباده" عليه وهم العرب، "فهو محمد" اسم مفعول على الصفة للتفاؤل بأنه يكثر حمده، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق به في المقصد الثاني. قال في الفتح: المحمد الذي حمد مرة بعد أخرى أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة، قال الأعشى: إليك أبيت اللعن كان وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمد "ابن عبد الله" قال الحافظ: لم يختلف في اسمه. ا. هـ. قال ابن الأثير: وكنيته أبو قثم بقاف فمثلثة، وهو من أسمائه صلى الله عليه وسلم مأخوذ من القثم وهو الإعطاء، أو من الجمع، يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم، وقيل أبو محمد، وقيل: أبو أحمد. ا. هـ. فإن قلنا بالمشهور من وفاته والمصطفى حمل فلعله كني بالإلهام، وإن قلنا بعد ولادته، فظاهر. "الذبيح" بالجر نعت لعبد الله "ابن" شيخ البطحاء، "عبد المطلب" مجاب الدعوة محرم الخمر على نفسه، قال ابن الأثير: وهو أول من تحنث بحراء كان إذا دخل شهر رمضان صعده وأطعم المساكين، وقال ابن قتيبة: كان يرفع من مائدته للطير، والوحوش في رءوس الجبال، فكان يقال له الفياض لجوده ومطعم طير السماء؛ لأنه كان يرفع من مائدته للطير "واسمه شيبة الحمد" مركب إضافي، قال: على شيبة الحمد الذي كان وجهه ... يضيء ظلام الليل كالقمر البدري "في قول محمد بن إسحاق" بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، الحافظ إمام المغازي صدوق، لكنه يدلس ورمي بالتشيع والقدر توفي سنة خمسين ومائة، "وهو" كما قال السهيلي "الصحيح" وعزاه في النور والفتح للجمهور، "وقيل" في سبب تسميته بشيبة الحمد،

سمي به لأنه ولد في رأسه شيبة. وقيل: اسمه عامر، وهو قول ابن قتيبة، وتابعه على ذلك المجد الشيرازي، وكنيته أبو الحارث، بابن له أكبر ولده. قيل: إنما قيل له عبد المطلب، لأن أباه هاشمًا قال لأخيه المطلب، وهو بمكة، حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك بيثرب، فمن ثم سمي عبد المطلب..................

_ "سمي به لأنه ولد في رأسه شيبة" واحدة الشيب، وأقل ما تصدق به شعرة؛ لأنها أقل ما يتحقق فيه البياض. وفي رواية: وكانت ظاهرة في ذوائبه وأخرى وكان وسط رأسه أبيض، وقيل: لأن أباه أوصى أمه بذلك، وبالأول جزم المصنف في شرح البخاري وسوى بينهما الشامي، ولعل وجه إضافته إلى الحمد رجاء أنه يكبر ويشيخ ويكثر حمد الناس له وقد حقق الله ذلك فكثر حمدهم له؛ لأنه كان مفزع قريش في النوائب، وملجأهم في الأمور، وشريفهم وسيدهم كمالا وفعالا. "وقيل: اسمه عامر وهو قول" أبي محمد عبد الله بن مسلم "بن قتيبة" بقاف مصغر الدينوري بفتح الدال وتكسر النحوي اللغوي مؤلف أدب الكتاب وغيره، ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة سبع وستين، وهذا حكاه في الفتح بلفظ زعم ابن قتيبة، وقد قال أبو عمر: إنه لا يصح، "وتابعه" أي: تبعه "على ذلك المجد" مجد الدين محمد بن يعقوب "الشيرازي" بكسر الشين المعجمة وفتح الراء وزاي نسبة إلى شيراز قرية بنواحي سرخس، مؤلف القاموس وغيره، مجدد اللغة على رأس المائة الثامنة ومهر فيها وهو شاب وتفقه وطلب الحديث وجال في البلدان، وكان له فيها الحظوة التامة، حتى عند الملوك وفي شيوخه كثرة وأخذ عنه الحافظ وغيره، ومات سنة سبع عشرة وثمانمائة وقد جاوز التسعين ممتعًا بحواسه. "وكنيته" أي: عبد المطلب "أبو الحارث بابن" لفظ مختص بالذكر إجماعًا حكاه الفكهاني في شرح العمدة، "له أكبر ولده" أي: أولاده وهو يكون واحد وجمعًا، وقيل: أبو البطحاء، "قيل: وإنما قيل له عبد المطلب؛ لأنه أباه هاشمًا قال لأخيه المطلب" بن عبد مناف "وهو بمكة حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك" استعطافًا أو على عادة العرب في قولهم لليتيم المربى في حجر شخص عبده فسماه عبدًا باعتبار الأول؛ لأنه رأى نفسه مختصرًا وأنه لا يقوم على ابنه غيره، "بيثرب" اسم المدينة المنورة قبل الإسلام، وقد غيره النبي صلى الله عليه وسلم إلى طيبة وسماها لأنها طابة، رواه مسلم في آخر الحج. "فمن ثم" أي: من هنا، أي: من أجل قول هاشم لأخيه أدرك عبدك "سمي عبد المطلب" ولا شك أن هذا قول غير القول بأنه مات بغزة، فلا وجه

وقيل: إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه -وهو بهيئة بذة- فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدي، حياء أن يقول: ابن أخي، فلما أدخله وأحسن من حاله، أظهر أنه ابن أخيه، فلذلك قيل له: عبد المطلب. وهو أول من خضب بالسواد من العرب، وعاش مائة وأربعين سنة.

_ لإيراده عليه، "وقيل: إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه وهو بهيئة بذة" بفتح الموحدة والذال المعجمة المشددة، أي: رثة، وفي المنتقى: كان عليه أخلاف ثياب وأثرت فيه الشمس، "فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدي" يقول ذلك "حياء من أن يقول ابن أخي" فيعترض عليه بكونه على تلك الهيئة، وكان بها مع أنه كان عند أمه بالمدينة؛ لأنه أخذه بغير علمها وهو يلعب، وقيل: إنما أخذه بعلمها فلعله استعجل لئلا تمنعه أمه بعد، "فلما أدخله" مكة "وأحسن من حاله أظهر أنه ابن أخيه، فلذلك" أي: قول المطلب هو عبدي، "قيل له" لشيبة الحمد "عبد المطلب، وبهذا القول جزم في شرح البخاري وجزم الحافظ بما نصبه: سمي عبد المطلب واشتهر بها لأن أباه لما مات بغزة، وكان خرج إليها تاجرًا، ترك أمه بالمدينة، فأقامت عند أهلها من الخزرج فكبر عبد المطلب فجاء عمه المطلب فأخذه ودخل به مكة، فرآه الناس مردفه، فقالوا: هذا عبد المطلب؛ فغلبت عليه في قصة طويلة ذكرها ابن إسحاق وغيره. ا. هـ. وقيل: سمي به على عادة العرب في قولهم لليتيم المربى في حجر إنسان عبده، وأتى بقوله: "وهو" كما قال السهيلي "أول من خضب" بابه ضرب "بالسواد من العرب" للإشعار باستمراره على إظهار الصفات الدالة على قوته وشجاعته إلى وفاته. روى ابن سعد عن المسور بن مخرمة، قال: أول من خضب بالوسمة ن قريش بمكة عبد المطلب، كان إذا ورد اليمن ورد على عظيم من حمير، فقال: هل لك من تغيير هذا البياض فتعود شابًا، فقال: ذلك إليك، فأمره به فخضب بحناء ثم علا بالوسمة، فقال له عبد المطلب: زودنا من هذا، فزوده فأكثر فدخل مكة بليل ثم خرج عليهم بالغد، كان شعره حلك الغراب، فقالت له نثيلة: لو دام لك هذا لكان حسنًا، فقال عبد المطلب: لو دام لي هذا السواد حمدته ... وكان بديلا من شباب قد انصرم تمتعت منه والحياة قصيرة ... ولا بد من موت نثيلة أو هرم وماذا الذي يجدي علي بحفظه ... ونعمته يومًا إذا عرشه انهدم فموت جهير عاجلا لا سوى له ... أحب إلي من مقالهم حكم قال: فخضب أهل مكة بالسواد، "وعاش مائة وأربعين سنة" فيما قاله عالم النسب الزبير بن بكار، كما حكاه سيد الناس عن أبي الربيع بن سالم عنه، قائلا: إنها أعلى ما قيل في سنه،

ابن هاشم، واسمه عمرو، وإنما قيل له هاشم لأنه كان يهشم الثريد لقومه في الجدب.

_ وحكاه مغلطاي، وجزم به السهيلي، وتبعه المصنف في شرح البخاري؛ فالتوقف فيه بأن الشامي لم يذكره عجيب، فلا يلزم من ترك مكثر الأنفال لشيء عدم وجود ما لم يحكه في غيره، فمن حفظ حجة بل أخشى أن زيادة أربعة في قول الشامي، يقال: بلغ مائة وأربعة وأربعين من تحريف النساخ لقولهم أعلى ما قيل مائة وأربعين، وقيل: عاش مائة وعشرين سنة، صدر به مغلطاي والمصنف فيما يأتي في وفاة عبد المطلب، ويأتي له مزيد ثم "ابن هاشم واسمه عمرو" قاله مالك والشافعي: منقول من العمر الذي هو العمر، أو العمر الذي هو من عمور الأسنان، أو العمر الذي هو طرف الكم، يقال: سجد على عمريه، أي: كميه، أو العمر الذي هو القرط؛ كما قال: وعمر هند كان الله صوره ... عمرو بن هند يسوم الناس تعنيتا وزاد أبو حنيفة وجهًا خامسًا، فقال: من العمر الذي هو اسم لنحل السكر، ويقال فيه عمر أيضًا، انتهى من الروض. "وإنما قيل له" لعمرو "هاشم؛ لأنه كان يهشم الثريد" بمثلثة: ما اتخذ من لحم وخبز، قال: إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد "لقومه في الجدب" بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة خلاف الخصب، وفي فتح الباري؛ لأنه أول من هشم الثريد بمكة لأهل الموسم ولقومه أولا في سنة المجاعة، وفيه يقول الشاعر: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف وأشعر إتيان المصنف بحرف المضارعة مع كان المفيد للتكرار بتكرر ذلك منه، وهو كذلك. ففي السبل: لما أصاب أهل مكة جهد وشدة، رحل إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقًا كثيرًا وكعكًا، وقدم به مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورًا، وجعلها ثريدًا عم به أهل مكة ولا يزال يفعل ذلك بهم، حتى استقلوا. ا. هـ. وفي المنتقى كان هاشم أفخر قومه وأعلاهم وكانت مائدته منصوبة لا ترفع لا في السراء ولا في الضراء، وكان يحمل ابن السبيل ويؤدي الحقائق، وكان نور رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه يتوقد شعاعه ويتلألأ ضياؤه، ولا يراه حبر إلا قبل يده، ولا يمر بشيء إلا سجد إليه، تغدو إليه قبائل العرب ووفود الأحبار، يحملون بناتهم يعرضون عليه أن يتزوج بهن، حتى بعث إليه هرقل ملك الروم، وقال: إن لي ابنة لم تلد النساء أجمل منها، ولا أبهى وجهًا، فأقدم علي حتى أزوجكها، فقد بلغني جودك وكرمك، وإنما أراد بذلك نور المصطفى الموصوف عندهم في الإنجيل، فأبى هاشم. قال ابن إسحاق: وهو أول من مات من بني عبد مناف. واختلف في سنه،

ابن عبد مناف، واسمه المغيرة. ابن قصي تصغير قصي، أي بعيد، لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة، حين احتملته أمه فاطمة، واسمه مجمع، قال الشاعر: أبوكم قصي كان يدعي مجمعًا ... به جمع الله القبائل من فهر وقيل زيد......................................

_ فقيل: عشرون، وقيل: خمس وعشرون سنة. "ابن عبد مناف" بفتح الميم وخفة النون من أناف ينيف إنافة إذا ارتفع، وقيل: الإنافة الأشراف والزيادة لقب بذلك؛ لأن أمه حبى بضم الحاء المهملة وموحدة مشددة ممالة أخدمته صنمًا عظيمًا لهم يسمى مناة، ثم نظر أبوه فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة فحواه عبد مناف، "واسمه" كما قال الشافعي "المغيرة" منقول من الوصف والهاء للمبالغة سمي به تفاؤلا أنه يغير على الأعداء وساد في حياة أبيه، وكان مطاعًا في قريش ويدعى القمر لجماله، قال الواقدي: وكان فيه نور رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده لواء نزار وقوس إسماعيل. وذكر الزبير عن موسى بن عقبة أنه وجد كتابة في حجر: أنا المغيرة بن قصي آمر بتقوى الله وصلة الرحم، وإياه عنى القائل: كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف قال ابن هشام: ومات بغزة. "ابن قصي" بضم القاف، "تصغير قصي" بفتح فكسر فياء ساكنة من قصا يقصو إذا بعد، قال المصنف تبعًا للسهيلي: وصغر على فعيل؛ لأنهم كرهوا اجتماع ثلاث ياءات فحذفوا لثالثة التي تكون في فعيل، فبقي على وزن فعيل مثل فليس. ا. هـ. وفسر المصغر بقوله: "أي: بعيد؛ لأنه بعد عن عشيرته" أي: قبيلته. وفي القاموس: عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون، أو قبيلة جمعه عشائر. "في بلاد قضاعة" بضم ففتح "حين احتملته أمه فاطمة" بنت سعد العذري في قصة طويلة ذكرها ابن إسحاق. "واسمه مجمع" اسم فاعل من جمع "قال الشاعر: أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ذكر ثعلب في أماليه أنه كان يجمع قومه يوم العروبة، فذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم أنه سيبعث فيهم نبي، "به جمع" بالتثقيل للمبالغة، "الله القبائل من" بني "فهر" في مكة بعد تفرقهم في البلدان، فجمعهم وأدخلهم مكة في قصة طويلة عند ابن إسحاق، "وقيل" اسمه "زيد" وجزم به في السبل والتوشيح والعيون والعراقي، واقتصر عليه في الفتح، فقال: روى السراج في تاريخه من طريق أحمد بن حنبل: سمعت الشافعي يقول: اسم المطلب شيبة الحمد، واسم هشام عمرو، واسم عبد مناف المغيرة، واسم قصي زيد.

وقال الشافعي، كما حكاه عنه الحاكم أبو أحمد يزيد. ابن كلاب، وهو إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو: كالبت العدو مكالبة، وإما من الكلاب: جمع كلب، كأنهم يريدون الكثرة، كما يسمون بسباع.

_ "وقال" الإمام "الشافعي" محمد بن إدريس المطلبي المكي، نزيل مصر، عالم قريش، مجدد الدين على رأس المائتين، حفظ القرآن ابن سبع، والموطأ ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة، وكان يحيى الليل إلى أن مات في رجب سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة، مناقبه جمة أفردها العلماء بالتصانيف. "كما حكاه عنه الحاكم" الكبير "أبو أحمد" كنية الحاكم محمد بن محمد بن إسحاق النيسابوري الإمام الحافظ الجهبذ محدث خراسان، سمع ابن خزيمة والباغندي والسراج، وسمع منه السلمي والحاكم أبو عبد الله، والمشهور الموافق له في الاسم واللقب والنسبة، وإنما افترقا في الكنية ووصفه بأنه إمام عصره في الحديث، كثير التصانيف، مقدم في معرفة شروط الصحيح والأسامي والكنى، وكان صالحًا ماشيًا على سنن السلف، مات في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة. "يزيد" بزيادة ياء أوله، وهذا مقول قول الشافعي، قول ثان له، لكنه لا يساوي ما حكاه أحمد عنه؛ لأنه أجل تلامذته، ثم اقتصار المذكورين عليه يفيد أنه الأصح، فكان حق المصنف تقديمه وفي الخميس قصي هو الذي جمع الله به قريشًا، وكان اسمه زيد فسمي مجمعًا لما جمع من أمرها، وأنشد بيت المصنف فعليه مؤاخذة في مقابلته بزيد؛ لأن مجمعًا ليس اسمه الأصلي ولا هو مقابل لكونه زيدًا، كيف وبعد هذا البيت كما حكاه الماوردي وغيره: وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم ... به زيدت البطحاء فخرًا على فخر وكان مصي أول بني كعب أصاب ملكًا طاعله به قومه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، وحاز شرف مكة جميعًا وكان رجلًا جلدًا وعالم قريش وأقومها بالحق. "ابن كلاب" بكسر الكاف وتخفيف الام، "وهو" كما قال السهيلي "إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو: كالبت العدو مكالبة" وكلابًا القاموس المكالبة المشاورة والمضايقة والتكالب التواثب، "إما من الكلاب، جمع كلب" الحيوان المعروف، "كأنهم" أي: العرب "يريدون الكثرة كما يسمون بسباع" وأنمار وغير ذلك.

وسئل أعرابي: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء، نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو رزق ومرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا, يريدون أن الأبناء عدة للأعداء، وسهام في نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء. واسم كلاب: حكيم، وقيل: عروة. ابن مرة.

_ "وسئل أعرابي" هو كما في الروض: أبو الدقيش، وفي الصحاح: قال يونس لأبي الدقيش الشاعر: ما الدقيش؟ قال: لا أدري، هو أسماء نسمعها نتسمى بها, وفي حياة الحيوان: الدقش -بضم الدال المهملة وفتح القاف-: طائر صغير، "لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو: رزق ومرزوق ورباح" بموحدة "فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعداءنا وعبيدنا لأنفسنا، يريد" الأعرابي "أن الأبناء عدة للأعداء" بضم العين: ما أعد لحوادث الدهر من مال وسلاح؛ كما في المختار. "وسهام في نحورهم" جمع نحر: موضع القلادة من الصدر، ويطلق على الصدر أيضًا عطف خاص على عام على أن معنى العدة ما صدق عليه مفهوم ما أعددته ... إلخ. أو عطف جزء على كل إن أريد بالعدة مجموع ما يدخر من مال وسلاح، وعلى كل هو تشبيه بليغ، أي: كعدة أو استعارة على نحو زيد أسد. "فاختاروا لهم هذه الأسماء" دون عبيدهم؛ لأنهم لا يقصد منهم قتال غالبًا بل كان عارًا عند العرب، "واسم كلاب حكيم" بفتح الحاء وكسر الكاف وقدمه مغلطاي في الإشارة، وصححه المحب بن الشهاب بن الهائم، ويقال: الحكيم بزيادة أل، "وقيل: عروة" حكاه مغلطاي وغيره الفتح. ذكر ابن سعد: أن اسمه المهذب، وزعم محمد بن أسعد: أن اسمه حكيم، وقيل: عروة، فحكى ما قدمه المصنف بلفظ زعم وصدر بغيره، فكأنه اعتمد تصحيح ابن الهائم وتقديم مغلطاي، قال الحافظ: ولقب بكلاب لمحبته كلاب الصيد، وكان يجمعها فمن مرت به فسأل عنها، قيل هذه كلاب ابن مرة، وقال المصنف: لمحبته الصيد، وكان أكثر صيده بالكلاب، قاله المهلب وغيره: "ابن مرة" بضم الميم منقول من وصف الرجل بالمرارة، وقواه السهيلي فالتاء للمبالغة أو من وصف الحنظلة والعلقمة فالتاء للتأنيث، كذا في السبل. وفي المختار: العلقم شجر مر، ويقال للحنظل ولكل مر علقم. قال شيخنا: فالمناسب أن يقول من وصف الحنظل والعلقم بغير تاء أو بالتاء فلا يكون للتأنيث بل للوحدة، أو من اسم نبات مخصوص وهو بقلة تقطع فتؤكل بالخل أو من قولهم: مر

ابن كعب، وهو أول من جمع العروبة، وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا منها قوله: يا ليتني شاهد فحواء دعوته .........................

_ الشيء، إذا اشتد مرارته أو من القوة، وعليهما فالظاهر: أن الهاء للمبالغة فمرجعهما والأول واحد، وله ثلاثة أولاد كلاب وتيم ومن نسله الصديق وطلحة ويقظة، وبه يكنى. "ابن كعب" قال السهيلي: سمي بذلك لستره على قومه ولين جانبه لهم، منقول من كعب القدم، وقال ابن دريد وغيره: من كعب القناة سمي بذلك لارتفاعه وشرفه فيهم، فكانوا يخضعون له حتى أرخوا بموته، قال الفتح، أي: إلى عام الفيل فأرخوا به، ثم بموت عبد المطلب، وقيل: من الكعب الذي هو قطعة السمن الجامد. "وهو" أي: كعب "أو من جمع" الناس لمجرد الوعظ، "العروبة" بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة، ولم يكن ثم صلاة يجمعهم إليها من الإعراب التحسين لتزين الناس فيه، قال النحاس: لا يعرفه أهل اللغة بالألف واللام، وإلا شاذًا، قال: ومعناه المبين المعظم من أعرب إذا بين، ولم يزل يوم الجمعة معظمًا عند أهل كل ملة. ا. هـ. وقال أبو موسى في ذيل الغريبين: الأفصح أن لا تدخله أل وكأنه ليس بعربي. ا. هـ. وهو اسم يوم الجمعة في الجاهلية اتفاقًا اختلف في أن كعبًا سماه الجمعة لاجتماع الناس إليه فيه، وبه جزم الفراء وثعلب وغيرهما وصحح، أو إنما سمي بعد الإسلام، وصححه ابن حزم، وقيل: أول من سماه به أهل المدينة لصلاتهم الجمعة قبل قدومه صلى الله عليه وسلم مع أسعد بن زرارة أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين، وقيل غير ذلك. "وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم فيخطبهم" يعظمهم، وكان فصيحًا خطيبًا وكان يأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم سيبعث فيهم نبي، أخرجه الزبير بن بكار عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مقطوعًا، وفي أمالي ثعلب: أنه قصيًا كان يجمعهم؛ كما مر ولا خلاف. "ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم بأنه من ولده" وعلمه هو به من الوصية المستمرة من آدم أن من كان فيه ذلك النور لا يضعه إلا في المطهرات؛ لأن ختام الأنبياء منه، وقد علمه ظاهرًا فيه قائمًا به أو من الكتب القديمة: أن من كان بصفة كذا كان محمد من ولده، ووجد تلك الصفة فيه، والأول أظهر. "ويأمرهم باتباعه" إن أدركوه "والإيمان به" عطف تفسير، فاتباعه الإيمان به، "وينشد في ذلك" أي معه "أبياتًا منها قوله: يا ليتني شاهد" حاضر "فحواء" بفاء فحاء مهملة ممدود فقط للوزن وفيه القصر أيضًا، أي: معنى "دعوته" الناس إلى الإيمان، وفي نسخة: نجواء بنون وجيم والمد للضرورة من إضافة الصفة للموصوف، أي: دعوته السر إشارة إلى ما وجد في ابتداء

....................... ... إذا قريش تبغي الحق خذلانا ابن لؤي، تصغير اللأي بوزن عصا، وهو الثور, ابن غالب, بن فهر، واسمه قريش، وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه فكناني لا قرشي

_ الدعوة من الخفاء قبل الأمر بالصدع، وفي نسخة: فحواء؛ كالأولى طلعته بطاء ولام وعين. "إذا قريش تبغي" بضم الفوقية. وفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة من بغاه الشيء بالتخفيف طلبة شدد مبالغة، وفي نسخة: حين العشيرة تبغي بفتح فسكون فكسر مخففًا من بغاه الشيء، طلبه له. "الحق خذلانا" والمراد: أنه يتمنى إدراك زمن دعوته صلى الله عليه وسلم للناس، وقريش يعارضونه ويطلبون خذلان دينه، لينصره ويظهر دينه وهذا الذي أورده المؤلف في كعب, رواه أبو نعيم في الدلائل عن كعب الأحبار مطولا، وفي آخره: وكان بين موت كعب ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وستون سنة. "ابن لؤي" بضم اللام والهمزة ويسهل بإبدال همزته واوًا، وفي النور والإرشاد: الهمز أكثر عند الأكثرين. "تصغير اللأي" قال ابن الأنباري: تصغير لأي "بوزن عصا" واللأي الثور، قال: ويحتمل أنه تصغير لأي بوزن عبد وهو البطء بالهمز ضد العجلة، ويؤيده قوله: فدونكمو بني لأي أخاكم ... ودونك مالكًا يا أم عمرو انتهى. واختار السهيلي الثاني، وقد قال الأصمعي: هو تصغير لوا الجيش زيدت فيه الهمزة، وقيل: منقول من لوى الرمل مقصورًا، وفي القاموس: ولأي اسم تصغير لؤي ومنه لؤي بن غالب. قال شيخنا: اقتصر عليه؛ لأن النقل عن الاسم أولى من اسم الجنس وإلا فكل تلك الألفاظ صالح للتصغير. "وهو" كما قال ابن الأنباري وجماعة "الثور" الوحشي، وقال أبو حنيفة: اللأي البقرة وكنيته أبو كعب، وكان له سبعة ذكور. "ابن غالب" بالمعجمة وكسر اللام منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب بفتحات أو فتح فسكون، ويقال: غلبة بهاء وله تيم وبه يكنى، ولؤي "ابن فهر" بكسر الفاء وسكون الهاء فراء، منقول من الفهر الحجر الطويل، قال السهيلي: وقال الخشني: الفهر حجر ملء الكف يذكر ويؤنث وخطأ الأصمعي من أنثه، وفي الفتح: الفهر الحجر الصغير، وفي الإرشاد: الطويل والأملس. "واسمه قريش" وفي الفتح والإرشاد: قيل اسمه قريش، ونقل عن الزهري: أن أمه سمته به وأبوه سماه فهرًا، وقيل: فهر لقبه، وقيل: بالعكس. "وإليه تنسب قريش" فيما قاله جماعة ونسب للأكثر، قال الزهري: وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نساب العرب: إن من جاوز فهرًا فليس من قريش. "فما كان فوقه فكناني" نسبة إلى كنانة بن مدركة، "لا قرشي" نسبة إلى قريش، ويقال: قريش أيضًا على

على الصحيح.

_ القياس. "على الصحيح" صححه الدمياطي والعراقي وغيرهما، والحجة لهم حديث مسلم والترمذي مرفوعًا: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة" الحديث، وذهب آخرون إلى أن أصل قريش النضر، وبه قال الشافعي وعزاه العراقي للأكثرين، فقال: أما قريش فالأصح فهر ... جماعها والأكثرون النضر قال النووي: وهو الصحيح المشهور، وأيضًا صححه الحافظ العلائي وعزاه للمحققين، واحتجوا بحديث الأشعث بن قيس: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة، فقلت: ألستم منا يا رسول الله؟ قال: "لا نحن بنو النضر بن كنانة" رواه ابن ماجه وابن عبد البر وأبو نعيم في الرياضة، وزاد: قال أشعث: والله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدته، والاحتجاج بهذا ظاهر لا خفاء فيه. قال الحافظ في سيرته: وعندي أنه لا خلاف في ذلك؛ لأن فهو إجماع قريش ثم إن أباه مالكًا ما أعقب غيره، فقريش ينتهي نسبها كلها إلى مالك بن النضر، وكذلك النضر ليس له عقب إلا من مالك، فاتفق القولان بحمد الله تعالى. ا. هـ. ومن خطه نقلت: وقيل: إن قريشا هو الياس، وقيل: مضر، وحكى الماوردي وغيره: إنه قصي، قال البرهان: وهو قول باطل وكأنه قول رافضي؛ لاقتضائه أن أبا بكر وعمر ليسا من قريش فإمامتهما باطلة، وهو خلاف إجماع المسلمين. ا. هـ. ونقله عنه الشامي بلفظه وكثيرًا ما سمعت شيخنا حافظ العصر أبا عبد الله محمد البابلي يجزم بأنه قول الرافضة اخترعوه للطعن في الشيخين، ولم أر الجزم به الآن لكنه كان واسع الاطلاع واختلف في سبب تسميتها بقريش، فقيل: منقول من تصغير قرش، وهو دابة في البحر عظيمة من أقوى دوابه سميت به لقوتها؛ لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وكذلك قريش. أخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس: أنه دخل على معاوية وعنده عمرو بن العاصي، فقال عمرو: إن قريشًا تزعم أنك أعلمها فلم سميت قريش قريشًا؟ فقال: بأمر بين، فقال: ففسره لنا، ففسره قال: هل قال فيه أحد شعرًا؟ قال: نعم، سميت قريشًا بدابة في البحر، وقد قال الشمرخ بن عمرو الحميري: وقريش هي التي تسكن البحـ ... ـر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تتـ ... ـرك فيه لدى الجناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهمو والخموشا يملأ الأرض خيله ورجال ... يحشرون المطي حشرًا كشيشا

ابن مالك. ابن النضر، واسمه قيس.

_ وأخرجه ابن عساكر إلا أنه ذكر أن السائل معاوية، ووصف ابن عباس الدابة بأنها أعظم دواب البحر، وعزا هذه الأبيات للجمحي. ا. هـ. وأكلا كميشًا، أي: سريعًا. والخموش: الخدوش، كما في القاموس وغيره. وقيل: من التقريش وهو التفتيش؛ لأنهم كانوا يفتشون عن خلة الناس وحاجاتهم فيسدونها بمالهم، وقيل: بقريش بن بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، وقيل: لأنهم كانوا يتجرون ويأخذون ويعطون من قرش الرجل يقرش كيضرب إذا اتجر، وقيل: من الأقراش، وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على بعض، وقيل: من التقريش وهو التحريش. قال الزجاجي: وهو بعيد؛ لأن المعروف لغة أن التحريش هو الترقيش بتقديم الراء، وقيل غير ذلك. وقد حكى ابن دحية في سبب تسمية قريش، ومن أول من سمي بها عشرين قولا, هذا وقريش فرقتان بطاح وظواهر، فالبطاح من دخل مكة مع قصي، والظواهر من أقام بظاهر مكة ولم يدخل الأبطح. "ابن مالك" اسم فاعل من ملك يملك، فهو مالك والجمع ملاك، ويكنى أبا الحارث، قال الخميس: سمي مالكًا لأنه كان ملك العرب، ويقع في نسخ ابن مالك قريش وإليه تنسب قريش، فما فوقه فكناني لا قريش على الصحيح، وكأنه كان بهامش مسودة المصنف فتحرف على الناسخ فخرجه في غير موضعه، وعلى تقدير صحته، فقوله: قريش، صفة لفهر بعد صفة، لا صفة لمالك "ابن النضر" بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة فراء "واسمه قيس" ولقب بالنضر لنضارة وجهه وإشراقه وجماله، منقول من النضر اسم الذهب الأحمر، وله من الذكور مالك والصلت ويخلد بفتح التحتية وسكون المعجمة وضم اللام فدال مهملة، وبه يكنى أبوه ولكن لم يعقب إلا من مالك، كما مر. وأم النضر برة بنت أد بن طابخة تزوجها كنانة بعد أبيه خزيمة، فولدت له النضر على ما كانت الجاهلية تفعله إذا مات الرجل خلف على زوجته أكبر بنيه من غيرها، كذا قاله الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي وزاد: ولذلك قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] ، أي: من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال: وفائدة الاستثناء هنا لئلا يعاب نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وليعلم أنه لم يكن في أجداده سفاح، ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن إلا ما قد سلف إلا في هذه الآية، وفي الجمع بين الأختين، فإن الجمع بينهما كان مباحًا في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب بين أختين وهما أجيل، أي: بجيم، كما في السبل، أو حاء مهملة كما في القاموس، وليا، فقوله: إلا ما قد سلف، التفات إلى هذا المعنى، وهذه

ابن كنانة. ابن خزيمة، تصغير خزمة.

_ النكتة من الإمام أبي بكر بن العربي، إلى هنا كلامه. وتعقبه الحافظ القطب عبد الكريم الحلبي ثم المصري في شرح السيرة لعبد الغني بما حاصله: أن هذا غلط نشأ من اشتباه، وذلك أن أبا عثمان الجاحظ قال: إن كنانة خلف على زوجة أبيه فماتت ولم تلد له ذكرا ولا أنثى، فنكح ابنة أخيها وهي برة بنت مرة بن أد بن طابخة فولدت لها النضر، قال الجاحظ: وإنما غلط كثيرًا لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه؛ لاتفاق اسمهما وتقارب نسبهما، قال: وهذا الذي عليه مشايخنا من أهل العلم والنسب، ومعاذ الله أن يكون أصاب نسبه صلى الله عليه وسلم نكاح مقت، وقد قال: "ما زلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام" ومن قال غير هذا فقد أخطأ وشك في هذا الخبر، والحمد لله الذي طهره من كل وصم تطهيرًا. ا. هـ. قال الدميري: وهذا أرجو به الفوز للجاحظ في منقلبه، وأن يتجاوز عنه فيما سطره في جميع كتبه. ا. هـ. وقد صوب مغلطاي كلام الجاحظ وأن خلافه غلط ظاهر، قال: وهذا الذي يثلج به الصدر ويذهب وحره ويزيل الشك ويطفئ شرره، قال الشامي: وهو من النفائس التي يرحل إليها والسهيلي تبع الزبير بن بكار، والزبير كأنه تبع الكبي -وهو متروك- بل لو نقله ثقة لم يقبل لعبد الزمان، ومخالفة الأحاديث الناطقة بخلافه. ا. هـ. وكذا ما قيل: إن هاشمًا خلف على واقدة زوجة أبيه بفرض صحته، فليست جدة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن أم عبد المطلب أنصارية؛ ولذا كانت الأنصار أخوال المصطفى. "ابن كنانة" بكسر الكاف ونونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء، منقول من الكنانة التي هي الجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة، سمي بذلك تفاؤلا بأنه يصير كالكنانة الساترة للسهام، فكان سترًا على قومه، قال في السبل. وفي الخميس: إنما سمي كنانة؛ لأنه لم يزل في كن من قومه. وفي الفتح: هو بلفظ وعاء السهام إذا كانت من جلد. ونقل عن أبي عامر العدواني، أنه قال: رأيت كنانة بن خزيمة شيخنا مسنًا عظيم القدر يحج إليه العرب لعلمه وفضله بينهم. "ابن خزيمة تصغير خزمة" بمعجمتين مفتوحتين، وهي مرة واحدة من الحزم وهو شد الشيء وإصلاحه، وقال الزجاجي: يجوز أنه من الخزم بفتح فسكون، تقول: خزمته فهو مخزوم إذا أدخلت في أنفه الخزام، قال في الفتح، وقيل: تصغير خزمة بكسر فسكون، فقيل: هي برة في أنف البعير يشد فيها الزمان، وقيل: الحلقة التي تجعل في أنف البعير من شعر ونحوه، قال في الغر: ولم أر من تعرض لوجه المناسبة للنقل مما ذكر، وقد يقال: الانتقال لا يقال فيه ذلك بخلاف الألقاب. وفي الخميس: إنما سمي خزيمة تصغير خزمة؛ لأنه اجتمع فيه نور آبائه وفيه نور

ابن مدركة. ابن إلياس، بكسر الهمزة في قول ابن الأنباري، وبفتحها في قول قاسم بن ثابت، ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف والهمزة للوصل، قال السهيلي:................

_ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي القاموس: الخزامة كتابة للبرة، ثم قال: والخزمة محركة خوص المقل، قال شيخنا: فيجوز جعل خزيمة مصغر خزامة وخزمة، قال ابن عباس: مات خزيمة على ملة إبراهيم "ابن مدركة" بضم فسكون فكسر ففتح ثم هاء مبالغة، منقول من اسم فاعل من الإدراك، لقب به لإدراكه كل عز وفخر، كان في آبائه وكان فيه نور المصطفى ظاهرًا بينًا واسمه عمر، وعند الجمهور وهو الصحيح، وقال ابن إسحاق: عامر، وضعف. "ابن إلياس" بتحتية والمعروف أنه اسمه، وفي سيرة مغلطاي اسمه حبيب، وفي الخميس: إنما سمي إلياس؛ لأن أباه كبر ولم يولد له، فولد على الكبر واليأس فسمي إلياس، وكنيته أبو عمرو وله أخ يقال له الناس بنون، ذكره ابن ماكولا والجوهري، وإلياس "بكسر الهمزة" وهي همزة قطع تثبت في الابتداء والتدرج "في قول" الحافظ أبي بكر محمد بن القاسم "ابن الأنباريط بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة نسبة إلى الأنبار بلدة قديمة على الفرات على عشرة فراسخ من بغداد، صاحب التصانيف العلامة في النحو واللغة والأدب، المعدود في حفاظ الحديث, كان من أفراد الدهر في سعة الحفظ مع الصدق والدين ومن أهل السنة، مات ببغداد ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقد وافقه على كسر الهمزة طائفة. قال ابن الأنباري: وهو أفعال من قولهم: أليس للشجاع الذي لا يفر، قال الشاعر: أليس كالنشوان وهو صاحي "وبفتحها في قول قسم بن ثابت" جزم العوفي الأندلسي المالكي الفقيه المحدث المشارك لأبيه في رحلته وشيوخه، الورع الناسك مجاب الدعوة المتوفى سنة اثنتين وثلاثمائة، قال: وهو "ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة للوصل" وأنشد قسم على ذلك قول قصي: أمهتي خندف واليأس أبي وصححه المحققون، كما قال بعض مشايخ البرهان. "قال" الإمام الحافظ العلامة ذو الفهم الدقيق والمعاني الرائقة، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ "السهيلي" الخثعمي الأندلسي المالقي، أبو القسم، واسع المعرفة، غزير العلم النحوي اللغوي، الإمام في لسان العرب، العالم بالتفسير وصناعة الحديث ورجاله وأنسابه، وبالتاريخ وعلم الكلام وأصوله وأصول الفقه الذكي النبيه، عمي وهو ابن سبع عشرة سنة، ولد سنة ثمان وخمسمائة، وصنف كتبًا منها الروض الآنف، ذكر فيه أنه استخرجه من مائة وعشرين

وهذا أصح. وهو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام، ويذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج؟!

_ مصنفًا، ومات في شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وهو منسوب إلى سهيل قرية قرب مالقة سميت سهيل بالكوكب؛ لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس، إلا من جبل مطل على هذه القرية، يرتفع نحو درجتين ويغيب. "وهذا" الذي قاله قسم "أصح" من قول ابن الأنباري وصدق المصنف، فلفظ السهيلي والذي قاله غير ابن الأنباري أصح، وقد سقط لفظ غير من بعض نسخ النور، فأوهم اعتراضًا على المصنف مع أنه خطأ نشأ عن سقط. "وهو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام" جمع بدنة، وهي: البعير ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى. وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه في التهذيب. وحكى النووي عنه: أن البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وهو خطأ نشأ عن سقط، وفي الصحاح: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها، قال الحافظ ابن حجر وفي حياة الحيوان، وهو أيضًا أول من وضع مقام إبراهيم للناس بعد غرق البيت وانهدامه زمن نوح، فكان إلياس أول من ظفر به فوضعه في زاوية البيت، كذا قال. والذي في الاكتفاء: وهو أول من وضع الركن للناس بعد هلاكه حين غرق البيت، ومن الناس من يقول: إنما هلك الركن بعد إبراهيم وإسماعيل وهو الأشبه، ولما مات أسفت عليه زوجته خندف أسفًا شديدًا، ونذرت أن لا تقيم في بلد مات فيه ولا يأويها بيت، فتركت بنيها منه، وساحت حتى هلكت حزنًا، ومات يوم الخميس فنذرت أن تبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس، وضربت الأمثال بحزنها عليه. "ويذكر" كما في الروض "أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج" وفي المنتقى: كان يسمع من ظهره أحيانًا دوي تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة؛ كلقمان وأشباهه، وكان يدعى كبير قومه وسيد عشيرته، ولا يقطع أمر ولا يقضي بينهم دونه، قال الزبير بن بكار: ولما أدرك إلياس أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبأن فضله عليهم ولأن جانبه لهم حتى جمعهم رأيه ورضوا به، فردهم إلى سنن آبائهم وسيرهم, قال ابن دحية، وهو وصي أبيه، وكان ذا جمال بارع، قال السهيلي: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا إلياس، فإنه كان مؤمنًا، قال البرهان، ولا أدري أنا حال هذا الحديث.

ابن مضر. وهو أول من سن الحداء للإبل، وكان من أحسن الناس صوتًا. ابن نزار -بكسر النون- من النزر، وهو القليل، قيل: إنه لما ولده، ونظر أبوه إلى نور محمد صلى الله عليه وسلم بين عينيه فرح فرحًا شديدًا، وأطعم وقال: إن هذا كله نزر، أي قليل لحق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك. ابن معد.

_ "ابن مضر" بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير مصروف للعلمية والعدل، قال الحافظ: قيل سمي به لأنه كان يحب شرب اللبن الماضر وهو الحامض، وفيه نظر؛ لأنه يستدعي أنه كان له اسم غيره قبل أن يتصف بهذه الصفة، نعم يمكن أن يكون هذا اشتقاقه، ولا يلزم أن يكون متصفًا بهذه الصفة، وقيل: لبياضه، وقيل: لأنه كان يمضر القلوب لحسنه وجماله، وفي الخميس: لأنه أخذ بالقلوب ولم يكن يراه أحد إلا أحبه، وفي السبل: اسمه عمرو وكنيته أبو إلياس، ومن حكمه من يزرع شرًا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق، بضم الفاء وتفتح ما بين الحلبتين؛ كما في القاموس. "وهو أول من سن الحداء للإبل" بضم الحاء والمد: الغناء. قال البلاذري: وذلك أنه سقط عن بعيره وهو شاب فانكسرت يده، فقال: يا يداه يا يداه، فأبت إليه الإبل من المرعى، فلما صح وركب حدا، "وكان من أحسن الناس صوتًا" وقيل: بل كسرت يد مولى له فصاح فاجتمعت إليه الإبل، فوضع الحداء وزاد الناس فيه، انتهى كلام البلاذري وأخرج ابن سعد في الطبقات من مرسل عبد الله بن خالد: قال صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا مضر، فإنه كان قد أسلم". "ابن نزار، بكسر النون" فزاي فألف فراء: مأخوذ "من النزر، وهو القليل، قيل" سبب ذلك "أنه لما ولد ونظر أبوه إلى نور محمد صلى الله عليه وسلم بين عينيه" وهو نور النبوة الذي كن ينتقل في الأصلاب "فرح فرحًا شديدًا" ونحر "وأطعم، وقال: إن هذا كله نزر، أي: قليل لحق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك" وبهذا القيل جزم السهيلي وتبعه النور والخميس، وزاد: أنه خرج أجمل أهل زمانه وأكبرهم عقلا، وقال أبو الفرج الأصبهاني: سمي بذلك لأنه كان فريد عصره، وعليه اقتصر الفتح والإرشاد، وقيل: لقب به لنحافته. قال الماوردي: كان اسمه خلدان وكان مقدمًا وانبسطت إليه اليد عند الملوك، وكان مهزول البدن، فقال له ملك الفرس: ما لك يا نزار؟ قال: وتفسيره في لغة الفرس يا مهزول، فغلب عليه هذا الاسم وكنيته أبو إياد، وقيل: أبو ربيعة، وفي الوفاء: يقال إن قبر نزار بذات الجيش قرب المدينة. "ابن معد" بفتح الميم والمهملة وشد الدال ابن الأنباري، يحتمل أنه مقعل من العد، أو

ابن عدنان. قال ابن دحية: أجمع العلماء -والإجماع حجة- على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه. ولله در القائل: #ونسبة عز هاشم من أصولها ... ومحتدها...................

_ من معد في الأرض إذا أفسد، وقيل غير ذلك. قال الفتح: وسمي معدًا، قال الخميس: لأنه كان صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل ولم يحارب أحدًا إلا يرجع بالنصر والظفر، وكنيته أبو قضاعة، وقيل: أبو نزار. "ابن عدنان" بزنة فعلان من المعدن، أي: الإقامة، قال الحافظ وغيره. وفي الخميس: سمي به لأن أعين الجن والإنس. كانت إليه وأرادوا قتله، وقالوا: لئن تركنا هذا الغلام حتى يدرك مدرك الرجال ليخرجن من ظهره من يسود الناس، فوكل الله به من يحفظه انتهى. وروى أبو جعفر بن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال: كان عدنان ومعد وربيعة وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير، وروى الزبير بن بكار مرفوعًا: "لا تسبوا مضر ولا ربيعة، فإنهما كانا مسلمين". وله شاهد عند ابن حبيب من مرسل سعيد بن المسيب، وحكى لزبير أن عدنان أول من وضع أنصاب الحرم، وأول من كسا الكعبة، أو كسيت في زمنه. والبلاذري: أول من كساها الإنطاع عدنان، وفي أول من كساها خلاف ليس هذا موضعه، ولما استشعر المصنف قول سئل: لِمَ لَمْ توصل النسب إلى آدم؟ قال: "قال" الإمام الحافظ المتقن أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن محمد المشهور بأنه "ابن دحية" لأنه رحمه الله كان يذكر أنه من ولد الصحابي دحية الكلبي، بفتح الدال وكسرها، قال النور: لغتان مشهورتان الكرماني اختلف في الراجحة منهما، والجوهري اقتصر على الكسر، والمجد قدمه الأندلسي السبتي البصير بالحديث المعتنى به ذو الحظ الوافر من اللغة والمشاركة في العربية صاحب التصانيف وطن مصر وأدب الملك الكامل ودرس بدار الحديث الكاملية، مات رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستائة عن نيف وثمانين سنة. "أجمع العلماء، والإجماع حجة" لعصمة الأمة عن الخطأ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" "على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه. ا. هـ. ولله در القائل: ونسبة عز هاشم من أصولها، ومحتدها" بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الفوقية أصلها؛ كما في القاموس.

......................... ... ...... المرضي أكرم محتد سميت رتبة علياء أعظم بقدرها ... ولم تسم إلا بالنبي محمد ويرحم الله القائل: وكم أب قد علا بابن ذوي شرف ... كما علا برسول الله عدنان وعن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثًا، رواه في مسند الفردوس. لكن قال السهيلي: الأصح في هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود.

_ "المرضى أكرم محتد" كمجلس "سميت" بفتحتين مخفف الميم ارتفعت "رتبة" تمييز محول عن الفاعل، أي: منزلة، "علياء" أي: مرتفعة، وفي القاموس: العلياء كل ما علا من شيء، فالمعنى ارتفعت منزلة هذه النسبة المرتفعة، فكأنه قال: زادت رفعة، "أعظم بقدرها" فعل تعجب، أي: ما أعظم قدرها، "و" الحال أنها "لم تسم إلا بالنبي محمد" أي: بوجوده فيها، "ويرحم الله القائل" غاير تفننًا وكراهة لتوارد الألفاظ، وهو أبو العباس علي بن الروم: قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري ولكن منه شيبان "وكم أب قد علا بابن ذوي شرف ... كما علا برسول الله عدنان" ذرى بضم الذال المعجمة وخفة الراء المهملة، أي: أعالي شرف الواحدة ذروة بكسر الذال وضمها وأنشده المغني بلفظ: ذرى حسب لكن شرف أنسب، كما لا يخفى. قال ابن عصفور، يريد أن المتقدم قد يأتيه الشرف من جهة المتأخر. "وعن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز" من انتسابه "معد بن عدنان، ثم يمسك" توطئة لقوله: "ويقول: كذب النسابون" بقولها: "مرتين أو ثلاثًا" شك من الراوي، "رواه في مسند الفردوس" بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب والفردوس للإمام عماد الإسلام أبي شجاع الديلمي ألفه محذوف الأسانيد مرتبًا على الحرف ليسهل حفظه، وعلم بإزائها بالحروف للمخرقين ومسنده لولده الحافظ أبي منصور شهردار بن شهرويه المتوفى سنة تسع وخمسمائة، خرج سند كل حديث تحته، وكذا رواه ابن سعد في الطبقات. "لكن قال السهيلي: الأصح في هذا الحديث" المروي مرفوعًا "أنه من قول" عبد الله "بن مسعود" بن غافل بمعجمة وفاء قديم الإسلام أحد القراء هاجر الهجرتين وصلى للقبلتين وشهد بدرًا والحديبية وجمع القرآن على العهد النووي، وشهد له المصطفى بالجنة مات سنة اثنتين

وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ} [إبراهيم: 9] قال: كذب النسابون، يعني أنهم يدعون علم الأنساب ونفى الله علمها عن العباد. وروي عن عمر أنه قال: إنما ينسب إلى عدنان وما فوق ذلك لا يدرى ما هو. وعن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون.

_ وثلاثين، وقد جاوز الستين وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع، "وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ} خبر {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ} قوم هود {وَثَمُودَ} قوم صالح {وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ} [إبراهيم: 9] لكثرتهم "قال" احتجاجًا "كذب النسابون يعني" ابن مسعود بذلك "أنهم يدعون علم الأنساب، ونفى الله علمها عن العباد" بقوله: {لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ} [إبراهيم: 9] ، "وروي عن عمر" بن الخطاب القرشي العدوي أمير المؤمنين، وعند ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم كناه أبا حفص، وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، عن عمرو بن سعد، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لقبه بالفاروق، وقال الزهري: لقبه به أهل الكتاب، رواه ابن سعد، وقيل: جبريل، ورواه البغوي. وفي البخاري عن ابن مسعود: "ما زلنا أعزة"، أي في الدين "منذ أسلم عمر". "أنه قال: إنما ينسب" بتحتية فنون النب صلى الله عليه وسلم أو بنونين، أي: معاشر قريش، "إلى عدنان وما فوق ذلك" من عدنان إلى إسماعيل، ومن إبراهيم إلى آدم "لا يدرى" بباء ونون "ما هو" أي: ما عدته، أو ما اسمه، وكلام الحافظين اليعمري والعسقلاني والمصنف وغيرهم صريح في ثبوت الخلاف فيمن بين إبراهيم وآدم، فلا عبرة بمن نفاه، وقال: إنه ثابت بلا خلاف ولفظ سيرة العسقلاني اختلف فيما بين عدنان وإسماعيل اختلافا كثيرًا، ومن إسماعيل إلى آدم متفق على أكثره وفيه خلف يسير في عدد الآباء، وفيه خلف أيضًا من ضبط بعض الأسماء، انتهى. ومن خطه نقلت، وقد التزم فيها الاقتصار على الأصح فلا يصح زعم أن الخلاف ضعيف جدًا لم يعتد به من نفاه، بمجرد تجويز عقلي. "وعن ابن عباس بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبًا لا يعرفون" بأسمائهم، فلا ينافي قوله: ثلاثون، وقيل: بينهما أربعة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرون أو ثمانية وثلاثون أو تسعة وثلاثون أو أربعون أو واحد وأربعون أو غير ذلك أقوال.

وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف بعد معد بن عدنان. وسئل مالك عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك، وقال من أخبره بذلك؟ وكذا روي عنه في رفع نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فالذي ينبغي لنا، الإعراض عما فوق عدنان، لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ، وعواصة تلك الأسماء، مع قلة الفائدة. وقد ذكر الحافظ أبو سعيد النيسابوري..................................

_ "وقال عروة بن الزبير" بن العوام القرشي الأسدي المدني التابعي الكبير أحد فقهاء المدينة السبعة الحافظ، المتوفى سنة أربع وسبعين وقيل غير ذلك. "وما وجدنا أحدًا يعرف بعد معد بن عدنان" هذا لا ينافي وجدان غيره من يعرف ذلك، "وسئل مالك" بن أنس بن مالك أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله المدني عالم المدينة نجم الأثر العابد الزاهد الورع إمام المتقين وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، روى الترمذي وحسنه واللفظ له، والحاكم وصححه والنسائي عن أبي هريرة رفعه: "يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة"، قال النووي: قال سفيان ابن عيينة: هو مالك بن أنس. وفي الحلية: عن مالك: ما بت ليلة إلا رأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي سنة تسع وسبعين ومائة. أفرد مناقبه بالتأليف جمع من العلماء؛ كالدينوري وعياض والذهبي وغيرهم. "عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك" قيل له: فإلى إسماعيل، فكره ذلك أيضًا، "وقال" على سبيل الإنكار، "من أخبره بذلك" حتى يعتمد عليه، "وكذا روي عنه" أنه كره ذلك "في رفع نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" إلى آدم، قال السهيلي: وقع هذا الكلام لمالك في الكتاب الكبير المنسوب إلى المعيطي وإنما أصله لعبد الله بن محمد بن جبير وتممه المعيطي فنسب إليه، وإذا كان كذلك، "فالذي ينبغي لنا الإعراض عما فوق عدنان لما فيه من التخلي والتغيير للألفاظ، وعواصة" بعين وصاد مهملتين، أي: صعوبة؛ كما في القاموس. "تلك الأسماء مع قلة الفائدة" في ذكرها "وقد ذكر الحافظ أبو سعيد" عبد الرحمن بن الحسن الأصبهاني الأصل "النيسابوري" بفتح النون نسبة إلى نيسابور أشهر مدن خراسان صاحب المسند وكتاب شرف المصطفى الثقة المتوفى سنة سبع وثلاثمائة، وقلد المصنف في قوله أبو سعيد بالياء السهيلي، وقد تعقبه مغلطاي بأنه: إنما هو سعد بسكون العين، انتهى، وكذا قال صاحب رونق الألفاظ، وقال: إن الذهبي ذكره، أي: بوصف الحافظ في تاريخه وأغفله من طبقات الحافظ.

عن أبي بكر بن أبي مريم عن سعد بن عمرو الأنصاري عن أبيه عن كعب الأحبار: أن نور النبي صلى الله عليه وسلم لما صار إلى عبد المطلب وأدرك، نام يومًا في الحجر فانتبه مكحولًا مدهونًا، قد كسي حلة البهاء والجمال، فبقي متحيرًا لا يدري من فعل به ذلك، فأخذه أبوه بيده ثم انطلق به إلى كهنة قريش فأخبرهم بذلك، فقالوا له: اعلم أن إله السماوات قد أذن لهذا الغلام أن يتزوج، فزوجه قيلة فولدت له الحارث ثم ماتت، فزوجه بعدها هند بنت عمرو...........................

_ "عن أبي بكر" اسمه بكير، وقيل: عبد السلام، "بن أبي مريم" نسبة لجده للشهرة، واسم أبيه عبد الله الغساني عن خالد بن معدان ومكحول وعنه ابن المبارك وأبو اليمان، قال الذهبي: ضعفوه له علم وديانة، توفي سنة ست وخمسين ومائة، وقال العراقي: ضعفه غير واحد، وسرق له حلي فأنكر عقله ولم يتهمه أحد بكذب. "عن سعد بن عمرو" ابن شرحبيل "الأنصاري" السعدي من ذرية سعد بن عبادة ثقة، روى عنه مالك والدراوري "عن أبيه" عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي مقبول، روى عنه ابنه "عن كعب الأحبار" أي: ملجأ العلماء الحميري، "أن نور النبي صلى الله عليه وسلم لما صار" أي: انتقل، "إلى عبد المطلب وأدرك" أي: بلغ "نام يومًا" أي: في يوم "في الحجر، فانتبه" حال كونه: "مكحولا مدهونًا قد كسي حلة البهاء والجمال، فبقي متحيرًا لا يدري من فعل به ذلك، فأخذه أبوه بيده" أي: عمه المطلب إذ العرب تسمي العم أبا حقيقة أو على التشبيه لقيامه مقامه في تربيته فلا يرد ما مر عن الفتح وغيره من موت أبيه بغزة وهو حمل، أو بمكة على أثر ولادته على ما حكى المصنف، "ثم انطلق به إلى كهنة قريش" قال عياض: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترق من السمع عن السماء، وهذا بطل حين البعثة الثاني أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة ولا بعد في وجودهما الثالث المنجمون وهذا الضرب يخلق الله فيه لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب ومنه العرافة وصاحبها عراف، وقد نهى الشارع عن تصديقهم كلهم والإتيان لهم، "فأخبرهم بذلك، فقالوا له: اعلم أن إله السماوات قد أذن لهذا الغلام أن يتزوج، فزوجه قيلة" بفتح القاف وسكون التحتية فلام فهاء، "فولدت له الحارث" لا ينافي هذا ما في المقصد الثاني للمصنف كالسبل، والخميس من أن أم الحارث صفية بنت جندب لجواز أنه اسمها، وقيلة لقبها "ثم ماتت، فزوجه بعدها هند بنت عمرو" الظاهر: أن هند تحريف صوابه فاطمة، فقد نقل الخميس أن زوجات عبد المطلب خمس: صفية

وكان عبد المطلب يفوح منه رائحة المسك الأذفر، ونور رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيء في غرته، وكانت قريش إذا أصابها قحط شديد تأخذ بيد عبد المطلب فتخرج به إلى جبل ثبير فيتقربون به إلى الله، ويسألونه أن يسقيهم الغيث، فكان يغيثهم ويسقيهم ببركة نور رسول الله صلى الله عليه وسلم غيثًا عظيمًا.

_ بنت جندب من بني عامر بن صعصعة، ونثيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر، وهالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وآمنة بنت هاجر الخزاعي، وفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمرو ابن مخزوم أمهرها مائة ناقة كومًا وعشرة أواق من ذهب، فولدت له أولادًا منهم عبد الله والده صلى الله عليه وسلم فهي مخزومية وجدة أولى للمصطفى، ذكره ابن قتيبة في المعارف ونحوه في المقصد الثاني. "وكان عبد المطلب يفوح منه رائحة المسك" بكسر الميم والمشهور أنه دم يتجمد في خارج سرة ظباء معينة في أماكن مخصوصة وينقلب بحكمة الحكيم أطيب الطيب، "الأذفر" بذال معجمة، أي: المذكى ويطلق على النتن وليس مرادًا هنا، وبالمهملة خاص بالنتن؛ كما في المختار. "وكان نور رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيء في غرته" أي: جبهته بينًا واضحًا، "وكانت قريش إذا أصابها قحط شديد تأخذ بيد عبد المطلب فتخرج به إلى جبل ثبير" بمثلثة فموحدة، كأمير "فيتقربون به إلى الله" لما جربوه من قضاء الحوائج على يده ببركة نوره صلى الله عليه وسلم، ولما جعله الله فيه من مخالفة ما كان عليه الجاهلية بإلهام من الله، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور، ويؤثر عنه سنن جاء بها القرآن والسنة كالوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة وتحريم الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان، حكاه سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان. "ويسألونه أن يسقيهم الغيث" المطر، "فكان" الله "يغيثهم ويسقيهم ببركة نور رسول الله" الكائن في غرة جده "صلى الله عليه وسلم غيثًا عظيمًا" أو ببركة وجوده نفسه بعد ولادته، فإن عبد المطلب كان يخرج به. روى البلاذري وابن سعد عن مخرمة بن نوفل الزهري الصحابي، قال: سمعت أمي رقيقة بنت أبي صفي بن هاشم بن عبد مناف، تقول: تتابعت عن قريش سنون ذهبن بالأموال وأشقين على الأنفس، قالت: فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش، إن هذا النبي المبعوث منكم، وهذا أبان خروجه وبه يأتيكم الحيا والخصب، فانظروا رجلا من أوسطكم نسبًا، طوالا عظامًا، أبيض مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، جعد، أسيل الخدين، رقيق العرنين، فليخرج هو وجميع ولده، وليخرج منكم من كل بطن رجل فتطهروا وتطيبوا، ثم استلموا الركن، ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستقي وتؤمنون فإنكم ستسقون، فأصبحت

عام الفيل وقصة أبرهة

"عام الفيل وقصة أبرهة":

_ فقصت رؤياها عليهم فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فاجتمعوا إليه وأخرجوا من كل بطن منهم رجلا وفعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام فتقدم عبد المطلب، وقال لهم: هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما ترى وتتابعت علينا هذه السنون، فذهبت بالظلف والخف وأشقت على الأنفس، فاذهب عنا الجدب، وائتنا بالحيا والخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم سقوا، فقالت رقيقة: بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء جوني له سبل ... دان فعاشت به الأنعام والشجر منا من الله بالميمون طائره ... وخير من بشرت يومًا به مضر مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام عدل ولا خطر اجلوذ بجيم ساكنة فلام مفتوحة فواو مشددة فذال معجمة: امتدت وقت تأخره وانقطاعه. وجوني بفتح الجيم وسكون الواو فنون فتحتية مشددة: مطر هاطل، وسبل بفتح السين والموحدة وباللام: المطر. وبشرت بالبناء للفاعل. قصة الفيل: أورد المصنف منها طرفًا تنبيهًا على أن دفعهم من أجل النعم على قريش ببركته صلى الله عليه وسلم على يد جده، وحاصلها: أنه لما كان المحرم والنبي صلى الله عليه وسلم حمل في بطن أمه على الصحيح، حضر أبرهة بن الصباح الأشرم يريد هدم الكعبة؛ لأنه لما غلب على اليمن وملكها من قبل النجاشي، رأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج، فقال: أين يذهبون؟ فقيل: يحجون بيت الله بمكة، قال: وما هو؟ قيل: من الحجارة، قال: وما كسوته؟ قيل: ما يأتي من هنا من الوصائل، فقال: والمسيح لأبنين لكم خيرًا منه، فبنى لهم كنيسة بصنعاء بالرخام الأبيض والأصفر والأحمر والأسود، وحلاها بالذهب والفضة وأنواع الجواهر، وأذل أهل اليمن على بنائها وكلفهم فيها أنواعًا من الشجر ونقل لها الرخام المجزع والحجارة المنقشة بالذهب والفضة من قصر بلقيس، وكان على فرسخ من موضعها ونصب فيها صلبانًا من ذهب وفضة ومنابر من عاج وأبنوس وغيره، وكان يشرف منها على عدن لارتفاع بنائها وعلوها، ولذا سماها القليس -بضم القاف- وفتح اللام مشددة ومخففة فتحتية ساكنة فسين مهملة، أو بفتح القاف وكسر اللام؛ لأن الناظر لها تسقط قلنسوته عن رأسه، وقيل: إنما سماها بذلك العرب فيحتمل أنهم تبعوه، واحتمال عكسه

...............................................................................

_ بعيد إذا لا تطيب نفسه بتبعيتهم في تسمية ما بناه افتخارًا عليهم، فلما أراد صرف الحج إليها كتب للنجاشي: إني بنيت كنسية باسم الملك لم يكن مثلها قبلها، أريد صرف حج العرب إليها وأمنع الناس من الذهاب لمكة، فلما اشتهر الخبر عند العرب خرج رجل من كنانة مغضبًا فتغوط فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأغضبه ذلك؛ هذا قول ابن عباس. وقيل: أججت فتية من العرب نارًا وكان في عمارة القليس خشب مموه فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبة، وهو قول مقاتل. وقيل: كان نفيل الخثعمي يتعرض لأبرهة بالمكروه فأمهله حتى إذا كانت ليلة من الليالي لم ير أحدًا يتحرك فجاء بعذرة فلطخ بها قبلتها، وجمع جيفًا فألقاها فيها فأخبر بذلك فغضب غضبًا شديدًا وحلف لينقضن الكعبة حجرًا حجرًا، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه فيله محمودًا، فلما قدم الفيل إليه خرج في ستين ألفًا. وفي سيرة ابن هشام: فلما سمعت العرب بخروجه قطعوه ورأوا جهاده حقًا عليهم، فخرج إليه رجل من ملوك اليمن يقال له: ذو نفر وهو بنون ففاء فراء، فقاتله فهزم هو وأصحابه وأتي به أسيرًا فأراد قتله ثم تركه وحبسه عنده في وثاق ثم مضى، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلته ومن تبعه من العرب فقاتله، فهزم وأخذ نفيل أسيرًا فهم بقتله، فقال: لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، فتركه وخرج به يدله حتى إذا مر على الطائف خرج مسعود بن معتب الثقفي في رجال ثقيف، فقالوا: أيها لملك، إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ولست تريد هذا البيت -يعنون بيت اللات- إنما تريد الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رغال فخرج حتى إذا بلغ المغمس بطريق الطائف مات أبو رغال فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم إلى اليوم، ثم أرسل أبرهة خيلا له إلى مكة فأخذت إبلا لعبد المطلب فذهب له فردها عليه، ثم انصرف إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، ومعه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: لا هم أن المرء يمـ ... ـنع رحله فامنع رحالك وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدًا محالك وزاد بعضهم، بعد البيت الثاني: جروا جميع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك

ولما قدم أبرهة ملك اليمن من قِبَل أصحمة النجاشي..................

_ عمدوا حماك بكيدهم ... جهلًا وما رقبوا جلالك وأنشد ابن هشام البيت الأول والثالث فقط، وقال: هذا ما صح عندي له منها، ثم أرسل حلقة الباب وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة، فمنعه الله من دخولها؛ كما يجيء. وقيل: لم يخرج عبد المطلب من مكة بل أقام بها، وقال: لا أبرح حتى يقضي الله قضاءه، ثم صعد هو وأبو مسعود الثقفي على مكان عال لينظر ما يقع، وأبو رغال بكسر الراء وخفة المعجمة واللام وحكمة تقبيح حاله وإظهار شناعة أمره حتى صار يرجم بعد موته دون نفيل أنه إنما جعل نفسه دليله وقاية من القتل؛ فكان كالمكره على ذلك بخلاف أبي رغال، فإن قومه تلقوا أبرهة بالسلم واختاروه دليلا، وقول الشارح دون ذي نفر ونفيله سبق قلم، فما كان ذو نفر دليلا إنما كان أسيرًا معه في الوثاق، كما تلي عليك. "ولما قدم أبرهة" بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الهاء، "ملك اليمن" بكسر اللام بدل من أبرهة "من قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة جهة، "أصحمة" بوزن أربعة وحاؤه مهملة، وقيل معجمة، وقيل: بموحدة بدل الميم، وقيل: صحمة بغير ألف، وقيل كذلك لكن بتقديم الميم على الصاد، وقيل: بميم في أوله بدل الألف عن ابن إسحاق في المستدرك للحاكم، والمعروف عن ابن إسحاق الأل ويتحصل من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ، لم أرها مجموعة. "النجاشي" بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر عن ثعلب وتخفيف الجيم، وأخطأ من شددها وتشديد آخره. وحكى المطرزي التخفيف، ورجحه الصغاني، قاله في الإصابة. وفي قوله: على المشهور رد للثاني من قول القاموس تكسر نونه أو هو الأفصح، قيل: أصحمة هذا ومعناه بالعربية، عطية، كما قاله ابن قتيبة وغيره: جد النجاشي الذي كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وسبب ولايته اليمن أن بعض أهلها من أصحاب الأخدود لما أكثر القتل فيهم ملكهم وهو ذو نواس آخر ملوك اليمن من حمير فر إلى قيصر ملك الشام يستغيث به، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة ليغيثه، فأرسل معه أميرين أرياط وأبرهة بجيش عظيم فدخلوا اليمن وقتلوا ملكه واستولوا عليه، ثم اختلفا وتقاتلا فقتل أرياط بعد أن شرم أنف أبرهة وحاجبه وعينه وشفته، فبذلك سمي الأشرم فداوى جراحه فبرئ، واستقل بالملك فبلغ النجاشي فغضب وأراد البطش به فترفق له أبرهة وتحيل بإرسال تحف حتى رضي عنه، وأقره في قصة طويلة عند ابن إسحاق هذا، حاصلها: وفي حواشي البيضاوي للسيوطي: قال الطيبي: سمي الأشرم؛ لأن أباه ضربه بحربة فشرم أنفه وجبينه، انتهى. وكذا جزم به الأنصاري، دون عز وللطيبي، لكن معلوم أن ابن إسحاق مقدم على الطيبي في مثل هذا.

لهدم بيت الله الحرام، وبلغ عبد المطلب ذلك، فقال: يا معشر قريش، لا يصل إلى هدم البيت، لأن لهذا البيت ربًا يحميه ويحفظه. ثم جاء أبرهة فاستاق إبل قريش وغنمها، وكان لعبد المطلب فيها أربعمائة ناقة. فركب عبد المطلب في قريش حتى طلع جبل ثبير، فاستدارت دارة غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم........................

_ "لهدم بيت الله الحرام" غضبًا من تغوط الكناني بكنيسته وتلطيخ الخثعمي قبلتها بالعذرة وإلقاء الجيف فيها واحتراقها بنار أججها بعض العرب، فحلف ليهدمن الكعبة، فهدمه الله وملكه. "وبلغ عبد المطلب ذلك، فقال: يا معشر قريش" لا تفزعوا؛ لأنه "لا يصل إلى هدم البيت، لأن لهذا البيت ربًا يحميه" بفتح أوله يدفع عنه من يريد فسادًا كأبرهة، "ويحفظه" بفعل ما هو سبب في بقائه؛ كعمارته، وهذا أولى من جعل يحفظه عطف تفسير. "ثم جاء أبرهة" أي: رسوله؛ كبني الأمير المدينة، فعند ابن إسحاق فلما نزل أبرهة المغمس أمر رجلا من الحبشة، يقال له الأسود بن مفصود بفاء وصاد مهملة على خيل له وأمره بالغارة فمضى حتى انتهى إلى مكة، فساق أموال تهامة وغيرها من قريش وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، "فاستاق" أبرهة، أي: رسوله، "إبل قريش وغنمها". قال ابن إسحاق: فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوه، "وكان لعبد المطلب فيها أربعمائة ناقة" ظاهره: أن الكل إناث، والظاهر: أن فيها ذكورًا فغلبت الإناث لكثرتها، ثم هو مخالف لما عند ابن إسحاق وتبعه ابن هشام، وجزم به البغوي واليعمري والدميري والشامي من قولهم: فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب، فيجوز أن الخاص به مائتان وباقيها لبعض خواصه، فنسبت إليه والبعير يقع على الذكر والأنثى فلا مخالفة، ولم يذكر المصنف كغيره الغنم، فيجوز أن عبد المطلب لم يكن له غنم أوله، ولم تذكر لخستها بالنسبة للإبل، "فركب عبد المطلب في قريش، حتى طلع بل ثبير" بمثلثة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية، جبل بمكة، "فاستدارت دارة غرة" بضم الغين المعجمة، أي: بياض، أي: نور "رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي المختار: الغرة بالضم: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، وفي المصباح: الدارة دارة القمر وغيره، سميت بذلك لاستدارتها، فالمعنى، هنا: فحصلت دارة غرة المصطفى على سبيل التجريد، وإلا فالدارة هي المحيطة بالغرة فلا يصح إسناد الفعل لها؛ لاقتضائه تعلق الاستدارة بالدارة، ولا يصح.

على جبهته كالهلال واشتد شعاعها على البيت الحرام مثل السراج، فلما نظر عبد المطلب إلى ذلك قال: يا معشر قريش: ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر، فوالله ما استدار هذا النور مني إلا أن يكون الظفر لنا، فرجعوا متفرقين. ثم إن أبرهة أرسل رجلا من قومه ليهزم الجيش، فلما دخل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيًا عليه، فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه، فلما أفاق خر ساجدًا لعبد المطلب، وقال: أشهد أنك سيد قريش حقًا.

_ "على جبهته" متعلق باستدارت، وفي نسخة: على جبينه "كالهلال" وجعلت على جبينه؛ لأن الغرة في الجبهة والدائرة حولها إذا وجدت تكون نازلة عن الغر بالجنبين المحيطين بالجبهة، "واشتد شعاعها" حتى صار "على البيت الحرام مثل السراج" أي: الشمس مجازًا على مقتضى البيضاوي وحقيقة على مقتضى قول القاموس: السراج معروف والشمس، "فلما نظر" أي: أبصر "عبد المطلب إلى ذلك" أي: استدارة النور في جبهته، وكونه على البيت مثل السراج ولا يشكل بأن الشخص لا يبصر جبهته؛ لأنه لما استدار كالهلال أبصر شعاعه وعلم استدارته من أحواله السابقة، ويحتمل قصر اسم الإشارة على الشعاع وأخبر عنه بالاستدارة لعله من الحاضرين، أو من سابق أحواله أنه متى وجد مستديرًا، "قال: يا معشر قريش، ارجعوا" فرحين مستبشرين "فقد كفيتم هذا الأمر، فوالله ما استدار هذا النور مني إلا" كان سببًا وعلامة على "أن يكون الظفر لنا" وأقسم عليه لوثوقه به بناء على ما اعتاده قبل، أو لرؤيته على هذه الصورة الزائدة الإشراق غلب على ظنه، فحلف "فرجعوا متفرقين، ثم إن أبرهة أرسل" إلى مكة "رجلا من قومه" هو حناطة -بحاء مهملة مضمومة ونون وطاء مهملة- الحميري، "ليهزم الجيش" أي: يكون سببًا في هزمه بإدخال الرعب على قريش، أو سماهم جيشًا وإن لم ينصبوا القتال، ومر أنه لما جاء رسوله وساق الإبل همت طائفة بقتاله ثم تركوا لعدم طاقتهم له، فيجوز أن من نقل أن عبد المطلب جهز جيشًا لحرب أبرهة أراد هذا، "فلما دخل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع" أي: ذل "وتلجلج" بلامين وجيمين: تردد "لسانه" في الكلام لعجزه "وخر مغشيًا عليه، فكان" أي: صار "يخور" يصوت؛ "كما يخور الثور عند ذبحه" تشبيه لبيان صفة فعله من الصياح واحترز به عن صوت غيره، ففي القاموس: الخوار بالضم: صوت البقر والغنم والظباء والبهائم، "فلما أفاق خر ساجدًا لعبد المطلب" أي: وضع جبهته على الأرض؛ كدأبهم في التعظيم وتجويز غير هذا في ذا المقام عجيب، "وقال: أشهد أنك سيد قريش حقًا" وعند ابن إسحاق:

وروي: أنه لما حضر عبد المطلب عند أبرهة أمر سائس فيله الأكبر الأبيض العظيم الذي كان لا يسجد للملك أبرهة كما تسجد سائر الفيلة..................

_ بعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: اسأل عن سيد أهل البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول: لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربًا فائتني به، فدخل فسأل، فقيل له: عبد المطلب، فقال ما أمره به أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه، قال حناطة: فانطلق إليه، فإنه أمرني أن آتيه بك، فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه فتكلم أنيس سائس فيل أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عزة مكة ويطعم الناس في السهل والوحوش والطير في رؤوس الجبال، فأذن له أبرهة وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم فعظم في عين أبرهة فأجله وأكرمه عن أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال له: حاجتي أن يرد الملك علي مائتي بعير أصابها، فقال لترجمانه: قل له: كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك أتكلمني في مائتي بعير وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه، فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه، قال ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك، فرد عليه إبله، زاد ابن الكلبي: فقلدها وأشعرها وجللها وجعلها هديًا للبيت وبثها في الحرم، انتهى. وانصرف إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفًا عليهم من معرة الحبشة، انتهى. فظاهر هذا السياق: أن حناطة لم يأت لهزم جيش؛ كما ساق المصنف، بل مخبرًا بمراد أبرهة وطريق الجمع حمله على التسبب، كما مر. وأنه لما شاهد شيبة الحمد حصل له ما ذكر المؤلف، ثم لما أفاق أخبره بمراد أبرهة، قال ابن هشام: وكان فيما يزعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حناطة بن عمرو بن نباتة بن عدي بن الديل بن بكر بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني بكر وخويلد بن واثلة الهزلي وهو يومئذ سيد هزيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى؛ فالله أعلم كان ذلك أم لا. "وروي أنه لما حضر عبد المطلب عند أبرهة أمر سائس فيله" هو أنيس بضم الهمزة وفتح النون وسكون المثناة التحتية، "الأكبر الأبيض العظيم" بالجر صفات فيله، "الذي كان لا يسجد للملك أبرهة، كما تسجد سائر" أي: باقي "الفيلة" جمع فيل، ويجمع أيضًا على أفيال

أن يحضره بين يديه، فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب، برك كما يبرك البعير، وخر ساجدًا، وأنطق الله تعالى الفيل، فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب، كذا في النطق المفهوم. ولما دخل جيش أبرهة.................................

_ وفيول؛ كما في القاموس. "أن يحضره بين يديه" ليرهب به شيبة الحمد أو لعلمه من أخبارهم أو كهانهم أن الفيل يهابه، وينطق له، فأحضره، "فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب برك، كما يبرك البعير" قال السهيلي: فيه نظر؛ لأن الفيل لا يبرك، فيحتمل أن بروكه سقوطه إلى الأرض، ويحتمل أنه فَعَل فِعْل البارك الذي يلزم موضعه ولا يبرح، فعبر بالبارك عن ذلك، وسمعت من يقول في الفيل صنف يبرك، كما يبرك الجمل، فإن صح وإلا فتأويله ما قدمناه، انتهى. "وخر ساجدًا" وفي الدر المنظم: فتعجب أبرهة من ذلك، ودعا بالسحرة والكهان فسألهم عن ذلك، فقالوا: إنه لم يسجد له وإنما سجد للنور الذي بين عينيه، "وأنطق الله تعالى الفيل فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب" ألهم الفيل أن أصله في ظهره فلم يقل بين عينيك؛ لأنه فاض مما في ظهره، فنوره صلى الله عليه وسلم حين صار إلى جده فاض حتى ظهر في جبهته مع بقائه في ظهره. وأما السحرة والكهان فنظروا للمشاهد إذ لم يلهموا، وهذا والله أعلم إنما يأتي على القول المردود الموهون: أن ولادته صلى الله عليه وسلم بعد الفيل بأربعين أو بخمسين سنة، ولذا ساقه المصنف بصيغة التمريض وتبرأ منه، بقوله: "كذا في" كتاب "النطق المفهوم" لابن طغربك. وقول الخميس: كان عبد الله موجودًا؛ فالنور منتقل إليه مبني على أن ولادة المصطفى بعد الفيل بسنتين، فأما على المشهور من أنه كان حملا في بطن أمه فشكل؛ لأن النور انتقل إلى آمنة وأجيب بأن الله أحدث في عبد المطلب نورًا يحاكي ذلك النور المستقر في آمنة مع زيادة حتى صار في جبهته؛ كالشمس، وبنور آخر وجده في صلبه وأطلع عليه الفيل فسجد إكرامًا له؛ كما يدل عليه سياق القصة حين احتاج إلى كرامة تخلصه وماله من الجبابرة، وبأن النور لم ينتقل كله بل انتقل ما هو مادة المصطفى وبقي أثره في صلب أصوله تشريفًا لهم، وما رآه أبرهة والفيل منه غايته أن زاد إشراقه علامة على ظفرهم وذلك من إرهاصته صلى الله عليه وسلم إعزازًا لقومه. قلت: الأول أظهر، فإن ظاهر كلامهم أن النور ينتقل كله، ألا ترى قصة التي عرضت نفسها على الأب الشريف. "ولما دخل جيش أبرهة" المغمس بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الميم الثانية مشددة وبكسرها، قال في الروض عن ابن دريد وغيره، وهو أصح، وهو على ثلثي فرسخ من مكة، انتهى. وفي القاموس: المغمس كمعظم ومحدث: موضع بطريق الطائف، فظاهره تساوي

ومعهم الفيل لهدم الكعبة الشريفة برك الفيل: فضربوه في رأسه ضربًا شديدًا ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام.

_ اللغتين، فاقتصار الشامي على الثاني مراعاة لمن صححه، "ومعهم الفيل" محمود وكنيته أبو العباس، حكاه السمرقندي، وقيل: أبو الحجاج، وقدمه الدميري في منظومته؛ فقال: وفيلهم محمود دليل داجي ... وكان يكنى بأبي الحجاج وقال قوم بأبي العباس ... وكان معروفًا بعظم الباس وظاهره: أنهم لم يكن معهم سواه، وهو ما نقله الماوردي عن الأكثر، ويقال: كان معهم ثلاثة عشر فيلا هلكت كلها، حكاه ابن جرير، وجزم به في الروض. وعن الضحاك: ثمانية أفيلة حكاهما البغوي وقال: إنما وجد في الآية؛ لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم، وقيل: لو فاق رؤوس الآي ونقل، أعني البغوي عن الواقدي أن محمودًا نجا لكونه ربض ولم يتجرأ على الحرم، انتهى. فقول ابن جرير: هلكت كلها يريد إلا محمودًا، وقيل: كان معهم ألف فيل، حكاهما الخميس. "لهدم الكعبة الشريفة" قال بعضهم: بأن تجعل السلاسل في أركان البيت وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة، وقال مقاتل: كان القصد أن يجعل الفيل مكان الكعبة ليعبد ويعظم كتعظيمها، وهو بعيد من السياق. "برك" بفتح الراء "الفيل" وعند ابن إسحاق فأصبح أبرهة متهيئًا لدخول مكة وهيأ فيله محمودًا وعبأ جيشه وأجمع على هدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب، كذا عند ابن هشام. وقال السهيلي: عن البرقي كيونس عن ابن إسحاق: نفيل بن عبد الله بن جزي بن عامر بن مالك حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال له: ابرك محمودًا وارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل فضربوه ليقوم، فأبى "فضربوه في رأسه ضربًا شديدًا ليقوم، فأبى" نحوه قول ابن إسحاق: فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى الطبرزين، بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكونها: آلة عوجاء من حديد, والمحاجن جمع محجن: عصا معوجة وقد يجعل في طرفها حديد. والمراق: أسفل البطن. وبزغوه، بفتح الموحدة وزاي مشددة فغين معجمة: شرطوه بحديد المحاجن "فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام" قال ابن إسحاق: يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، قال أمية بن أبي الصلت: إن آيات ربنا بينات ... ما يماري بهن إلا الكفور

ثم أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل من البحر، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجر في منقره وحجران في رجليه كأمثال العدس، لا تصيب أحدًا منهم إلا أهلكته، فخرجوا هاربين........................

_ جلس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور وفي معاني القرآن للزجاج: لم تسر دوابهم نحو البيت، فإذا عطفوها راجعين سارت, وفي رواية يونس عن ابن إسحاق، كما في الروض: أن الفيل ربض، فجعلوا يقسمون بالله أنهم رادوه إلى اليمن فيحرك لهم أذنيه، كأنه يأخذ عليهم عهدًا، فإذا أقسموا له قام يهرول فيردونه إلى مكة فيربض فيحلفون له فيحرك أذنيه كالمؤكد عليهم القسم، ففعلوا ذلك مرارًا. "ثم" بعد بروك الفيل "أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل". قال الشامي: أي: جماعات أمام كل جماعة طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، قيل لا واحد له، وقيل: واحدة أبول كعجول بكسر العين والتشديد مع الفتح أو إبال؛ كمفتاح أو أبيل كسكين البيضاوي، جمع إبالة وهي الحزمة الكبيرة شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها. "من البحر" قال ابن إسحاق: أمثال الخطاطيف والميلسان، وعن عبد المطلب: أمثال اليعاسيب. ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب. عكرمة: لها رؤوس السباع، واختلفوا في ألوانها، فقال عكرمة وسعيد بن جبير: كانت خضراء، وقال عبيد بن عمير: سوداء، وقال قتادة: بيضاء، حكاه ابن الجوزي في زاد المسير. وروى سعيد بن منصور عن عبيد بن عمير: أنها بلق، والجمع بينها إنها كانت مختلفة فأخبر كل بحسب ما رأى أو سمع، في الشرح جمع آخر فيه تكلف. "مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجر في منقره، وحجران في رجليه" وعلى كل حجر اسم من يقع عليه واسم أبيه، كما جاء عن أم هانئ. "كأمثال العدس" تقريبًا، فلا ينافي قول الشامي: أكثر الأحاديث تدل على أنها أكبر من العدسة ودون الحمصة، وفي بعضها: كانت أكبر وكأنها كان فيها الكبير والصغير، فحدث كل بما رأى أو سمع. وعن ابن عباس: أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز حمر مخططة كالجزع الظفاري، بفتح الجيم وتكسر وسكون الزاي، خرز يمان فيه سواد وبياض؛ كما في القاموس، فأراد بالتشبيه أن حمرتها غير صافية، أو في المقدار والشكل فلا يشكل التشبيه مع قوله: حمر والظفاري، قال في الفتح: نسبة إلى ظفار مدينة بسواحل اليمن، وحكى ابن التين في ضبط ظفار: كسر أوله وصرفه أو فتحه، والبناء بوزن قطام، انتهى. "لا تصيب أحدًا منهم إلا أهلكته" وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، فإن كان راكبًا خرج من أسفل مركبه، "فخرجوا هاربين

يتساقطون بكل طريق. وأصيب أبرهة في جسده بداء، وتساقطت أنامله أنملة أنملة، وسال منه الصديد والقيح والدم، وما مات حتى انصدع قلبه.

_ يتساقطون بكل طريق" ويهلكون على كل منهل وليس كلهم أصيب، ووجهوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل: أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب قاله ابن إسحاق: وروى أبو نعيم عن عطاء بن يسار، قال: حدثني من كلم قائد الفيل وسائسه، أنه قال لهما: هل نجا أحد غيركما، قالا: نعم، ليس كلهم أصابه العذاب، وقالت عائشة: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس بمكة، رواه ابن إسحاق مسندًا، وإنما بقي منهم بقية على حالة غير مرضية تذكيرًا لمن رأى، وإعلامًا لمن لم ير فيزداد البيت تعظيمًا ويكون سببًا في تصديقه صلى الله عليه وسلم، والعلم بمنزلته عند الله. وفي زاد المسير: بعث عبد المطلب ابنه عبد الله على فرس ينظر إلى القوم فجعل يركض ويقول: هلك القوم، فخرج عبد المطلب وأصحابه فغنموا أموالهم. وفي الروض عن تفسير النقاش: أن السيل احتمل جثثهم وألقاها في البحر. "وأصيب أبرهة في جسده بداء" هو الجدري، وهو أول جدري ظهر، قاله عكرمة، أي: بأرض العرب، فلا ينافي ما قيل أول من عذب بالجدري قوم فرعون، وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث: أن أول ما رؤيت الحصباء والجدري بأرض العرب ذلك العام، انتهى. وبهذا القيد لا يرد قوم فرعون؛ لأنهم لم يكونوا بها. "وتساقطت أنامله أنملة أنملة" أي: انتثر جسمه، والأنملة طرف الإصبع لكن قد يعبر بها عن طرف غيره ون الجزء الصغير، ففي مسند الحارث بن أبي أسامة مرفوعًا: "أن في الشجر شجرة هي مثل المؤمن لا يسقط لها أنملة"، ثم قال: "هي النخلة، وكذلك المؤمن لا يسقط له دعوة" قال السهيلي. "وسال منه الصديد" القيح وهو المدة الرقيقة، "والقيح" يعني به المدة الغليظة، "والدم" وعند ابن إسحاق كلما سقطت منه أنملة تبعها مدة تمصي قيحًا ودمًا، وظاهر المصنف كغيره أنه لم يصب بحجر، والظاهر: أن الداء الذي أصابه بعد وقوع حجر عليه ولم يعجل هلاكه به زيادة في عقوبته والمثلة به ويؤيده أن الذين أصيبوا بالحجارة لم يموتوا كلهم سريعًا بل تأخر موت جمع منهم. "وما مات حتى انصدع" أي: انشق "قلبه" وفي ابن إسحاق وغيره: حتى انصدع صدره فرقتين عن قلبه بصنعاء، وفي رواية: كلما دخل أرضًا وقع منه عضو حتى انتهى إلى بلاد خثعم

إلى هذه القصة أشار سبحانه وتعالى بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] السورة إلى آخرها. فإن قلت: لم قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: {أَلَمْ تَرَ} مع أن هذه القصة كانت قبل البعث بزمان طويل؟ فالجواب أن المراد من الرؤية هنا: العلم والتذكر، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر، فكأن العلم الحاصل به ضروري، مساوٍ في القوة للرؤية.

_ وليس عليه غير رأسه فمات فيجوز أنه مات بها وحمل إلى صنعاء ميتًا، أو عبر بذلك مجاز القربة منه أو لظن المخبر موته لرؤيته وصل لهذه الحالة لا سيما وهم مشغولون بأنفسهم وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائره يحلق فوق رأسه، وهو لا يشعر به حتى بلغ النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلما أتم كلام رماه الطائر فوقع عليه الحجر ميتًا، فرأى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه. "وإلى هذه القصة أشار سبحانه وتعالى بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم" مما عد على قريش من نعمة عليهم وفضله لبقاء أمرهم ومدتهم، قال ابن إسحاق. {أَلَمْ تَرَ} [الفيل: 1] ، استفهام تقرير، أي: ألم تعلم قرره على وجود علمه بما ذكر، وبه جزم في النهر، وقيل: تعجب لنقله نقل المتواتر، وبه جزم الجلال؛ أي: قد علمت أو تعجب {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] ، عبر بكيف دون ما؛ لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه للدلالة على كمال علم الله وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله، اقرأ "السورة إلى آخرها" وقد تلاها والتي بعدها معًا ابن إسحاق وجعلها متعلقة بها، كما هو أحد الأوجه. وفي الكشاف وحياة الحيوان: وإلى هذه القصة أشار صلى الله عليه وسلم في الصحيح، بقوله: "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين". انتهى. وهو بيان لحالهم إذا خالفوا الله ورسوله والسورة أنسب في تعظيم جد المصطفى وقومه لأجله صلى الله عليه وسلم، فلذا اقتصر عليها المصنف. "فإن قلت: لم قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: {أَلَمْ تَرَ} مع أن هذه القصة كانت قبل البعث بزمان طويل" إذ هي عام ولادته على أصح الأقوال وهو قول الأكثر، وقال مقاتل: قبل مولده بأربعين سنة، وقال الكلبي؛ بثلاث وعشرين سنة، وقيل: بثلاثين، وقيل: بخمسين، وقيل: بسبعين، وقيل غير ذلك. "فالجواب: أن المراد من الرؤية هنا العلم والتذكر" أي: قد علمت فهو تقريري. "وهو إشارة إلى أن الخبر به" أي: بالواقع لأصحاب الفيل؛ "متواتر، فكان العلم الحاصل به ضروري مساوٍ في القوة للرؤية" كما هو شأن المتواتر.

وقد كانت هذه القصة دالة على شرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتأسيسًا لنبوته وإرهاصًا لها، وإعزازًا لقومه بما ظهر عليهم من الاعتناء حتى دانت لهم العرب، واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس، بحماية الله لهم، ودفعه عنهم مكر أبرهة، الذي لم يكن لسائر العرب بقتاله قدرة، وكان ذلك كله إرهاصًا لنبوته عليه الصلاة والسلام. قال الرازي: ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسًا، قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته.

_ "وقد كانت هذه القصة دالة على شرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتأسيسًا لنبوته وإرهاصًا لها" هما متساويان، والمراد: أنها توطئة وتقوية لنبوته، "وإعزازًا لقومه" أي: تقوية لهم بعد الذل بما أصابهم من أبرهة واستعمال العز فيمن لم يسبق له ذل مجاز؛ كقوله: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65] ، "بما ظهر عليهم من الاعتناء" أي: اعتناء الناس "حتى دانت" أي: خضعت وذلك "لهم العرب واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس" بقيتهم، "بحماية الله لهم ودفعه عنهم" عطف تفسير، فالحماية الدفع فقالت العرب، كما في ابن إسحاق: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، وقالوا في ذلك أشعارًا كثيرة. "مكر أبرهة" أي: إرادته السوء بهم سماه مكرًا مع أنه الاحتيال من حيث لا يعلم الممكور به، وأبرهة جاء مجاهرًا لحربهم نظرًا لعزمه على تخريب الكعبة وهم لا يشعرون، "الذي لم يكن للعرب جميعًا" وفي نسخة لسائر العرب، وهي أيضًا بمعنى الجميع عند الجوهري في جماعة، وإن خطّئوه فيها؛ لأنها لغة قليلة حكاها القاموس وغيره، وقد مر بسطه في الديباجة. "بقتاله" أي: عليه متعلق بقوله: "قدرته" قدم عليه لأنه ظرف، "وكان ذلك كله إرهاصًا لنبوته عليه الصلاة والسلام" وهو فائدة ذكر القصة هنا، لا لتعظيم ما كانت عليه قريش، فإن أصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم حينئذ أقرب حالا مما كان عليه أهل مكة؛ لأنهم كانوا عباد أوثان فنصرهم الله نصرًا لا صنع لبشر فيه، فكأنه يقول: لم أنصركم لخير بكم ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سيشرفه خير الأنبياء صلى الله عليه وسلم. "قال" الإمام العلامة فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين البكري الطبرستاني الأصل "الرازي" المولد المعروف بابن الخطيب، فاق أهل زمانه في علم الكلام والأوائل، وتوفي سنة ست وستمائة بمدينة هراة، "ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسًا" تقوية لها، قال: "ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته" وأنت خبير

وخالفه العلامة السيد في شرح المواقف -تبعًا لغيره- فاشترط في المعجزات أن لا تتقدم على الدعوة بل تكون مقارنة لها. كما سيأتي إن شاء الله في المقصد الرابع. فإن قلت: إن الحجاج خرب الكعبة ولم يحدث شيء من ذلك!! فالجواب: أن ذلك وقع إرهاصًا لأمر نبينا صلى الله عليه وسلم والإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه، فلما ظهر عليه.....................

_ بأن قولهم ذلك لا يلزم منه أنهم سموها معجزة الذي هو محل النزاع. "وخالفه العلامة السيد" المحقق على الجرجاني، "في شرح المواقف تبعًا لغيره", وهو الجمهور "فاشترط في المعجزات أن لا تتقدم على الدعوة" إلى كلمة الإسلام؛ "بل تكون مقارنة لها" فالخوارق الواقعة قبل الرسالة إنما هي كرامات، والأنبياء قبل النبوة لا يقصرون عن درجة الأولياء، فيجوز ظهورها عليهم أيضًا، فتسمى إرهاصًا، صرح به السيد وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الرابع". "فإن قلت" إهلاك الله أصحاب الفيل إعزازًا لنبيه وحرمه، "وإن الحجاج" بن يوسف الثقفي الظلوم المختلف في كفره، واختار الإمام أبو عبد الله بن عرفة أنه كافر، قال الأبي رحمه الله: فأوردت عليه صلاة الحسن البصري، فأجاب بأنها تتوقف على صحة الإسناد إليه، انتهى. وفي الكامل للمبرد: مما كفر به الفقهاء الحجاج أنه رأى الناس يطوفون حول حجرته صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما يطوفون بأعواد برمة، قال الدميري: كفروه بهذه لأنه تكذيب لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، رواه أبو داود. "خرب الكعبة" لما أرسله عبد الملك بن مروان إلى قتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لينزع منه الخلافة فتحصن عبد الله منه في البيت، فرمى الكعبة بالمنجنيق ثم ظفر به فقتله سنة ثلاث وسبعين، ووقع قبله في زمن يزيد بن معاوية حين أرسل الحصين بن نمير السكوني لقتال ابن الزبير لامتناعه من مبايعة يزيد فنصب المنجنيق على أبي قبيس وغيره من جبال مكة، ورمى الكعبة وكس الحجر الأسود واحترقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، ثم ورد لهم الخبر بموت يزيد عامله الله بعدله، فرجعوا إلى الشام. "ولم يحدث شيء من ذلك" الذي وقع لأصحاب الفيل، فما الفرق؟ "فالجواب: أن ذلك وقع إرهاصًا" أي: تأسيسًا "لأمر نبينا صلى الله عليه وسلم، إرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه" أي: ظهوره وثبوت نبوته، "فلما" أي: حيث "ظهر عليه

الصلاة والسلام، وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية فلا حاجة إلى شيء من ذلك، ذكر حفر زمزم والذبيحين ولما فرج الله عن عبد المطلب، ورجع أبرهة خائبًا، فبينما هو نائم يومًا في الحجر، إذ رأى منامًا عظيمًا......................

_ الصلاة والسلام وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية، فلا حاجة إلى شيء من ذلك" جواب لما, ودخلته الفاء على قبله، وإيضاح هذا جواب الشامي بأنه إنما لم يمنعوا؛ لأن الدعوة قد تمت والكلمة قد بلغت والحجة قد ثبتت، فأخر الله أمرهم إلى الدار الآخرة، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتن وأن الكعبة ستهدم. ا. هـ. أي: فكان عدم منعهم مظهرًا لمعجزته من الإخبار بالغيب. وأجاب النجم: بأن أبرهة قصد التخريب بالكلية وعدم عودها، فلذا عوجل بالعقوبة، والحجاج إنما قصد بالتخريب إذهاب صورة بناء ابن الزبير وإعادتها على حالتها الأولى، فلم يحدث له شيء وفيه نظر، فإنه حين قتاله لابن الزبير لم يكن قصده إذهاب صورة بنائه وإنما أراد ذلك بعد قتله، فكتب إلى عبد الملك مستشيره، كما قالوه في بناء الكبة، ولك أن تقول: لا يرد الإشكال من أصله؛ لأن جيش يزيد والحجاج إنما قاتلوا على الملك، ولم يقصدوا هدم الكعبة ولم يسيروا إليه كأبرهة، وما وقع من التخريب أدى إليه القتال، ثم أعاده ابن الزبير بعد ذهاب جيش يزيد واستقراره في الخلافة بمكة وبعض البلاد على قواعد إبراهيم على ما حدثته به خالته عائشة، ثم لما غزاه الحجاج وتهدم البيت أعاده الحجاج بأمر عبد الملك على ما كان عليه في الجاهلية وهو صفته اليوم. "ذكر حفر زمزم والذبيحين، ولما فرج الله تعالى عن عبد المطلب ورجع أبرهة خائبًا، فبينما هو نائم يومًا" أراد به مطلق الزمان، فلا ينافي قول عبد المطلب: رأيت الليلة؛ كقوله تعالى: {مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] , {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] , {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30] ، لا مقابل الليلة، نحو: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} [الحاقة: 7] ، ولا مدة القتال، نحو: {يَوْمَ حُنَيْنٍ} [التوبة: 25] ، ولا الدولة، كقوله: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ، "في الحجر إذا رأى منامًا عظيمًا"، هو كما رواه أبو نعيم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي الخيثم، عن أبيه عن جده، قال: سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب، قال: بينما أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعًا شديدًا، فأتيت كاهنة قريش، فقلت لها: إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورًا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفًا، ورأيت العرب والعجم لها ساجدين، وهي تزداد كل ساعة عظمًا ونورًا وارتفاعًا ساعة تخفى وساعة تظهر، ورأيت رهطًا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قومًا من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها

فانتبه فزعًا مرعوبًا، وأتى كهنة قريش، وقص عليهم رؤياه، فقالت له الكهنة: إن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به أهل السماوات والأرض وليكونن في الناس علمًا مبينًا. فتزوج فاطمة، وحملت في ذلك الوقت بعبد الله الذبيح

_ أخذهم شاب لم أر قط أحسن منه وجهًا ولا أطيب ريحًا، فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها نصيبًا، فلم أنل؛ فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك، فانتبهت مذعورًا فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس، فقال عبد المطلب لأبي طالب: لعلك أن تكون هو المولود، فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج، أي: بعث، ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين، فيقال له: ألا تؤمن به؟ فيقول: السبة والعار، أي: أخشى أو يمنعني فهما منصوبان أو مرفوعان، أو المراد بالمنام ما في الروض في سبب تسميته محمدًا عن علي القيرواني العابر في كتابه البستان، قال: زعموا أن عبد المطلب رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء، وطرف في الأرض وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء وأهل الأرض. "فانتبه" حال كونه "فزعًا مرعوبًا" والمراد بهما واحد، فالفزع والرعب، الخوف، "وأتى كهنة قريش وقص عليهم رؤياه" وهذا مخالف لقوله في رواية أبي نعيم: فأتيت كاهنة قريش فقلت لها، إلا أن يقال اللام في الكهنة للجنس، والمعنى: أنه لما خرج قصد جملة الكهنة، فاتفق أنه اختار هذه للسؤل. "فقالت له الكهنة" اللام للجنس، أو اشتهر قولها وبلغهم وأقروه فنسب لهم "إن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به أهل السماوات والأرض، وليكونن في الناس علمًا مبينًا" أي: كالراية الظاهرة، فالعلم بفتحتين، الراية؛ كما في المختار. "فتزوج فاطمة" بنت عمرو بن عائذ بن عمرو بن مخزوم، "وحملت في ذلك الوقت بعبد الله الذبيح" فيه نظر؛ لأن عبد الله أصغر أولاد فاطمة، وقد ذكر اليعمري وغيره أن أبا طالب والزبير وعبد الكعبة أشقاء لعبد الله، اللهم إلا أن يكون تجوز في قوله في ذلك الوقت مبالغة في قرب حملها به، ثم هذا الذي ذكره المصنف من أن الرؤيا وحفر زمزم كانا بعد الفيل، إنما يأتي على أنه قبل المولد النبوي بأربعين أو سبعين سنة. أما على المشهور أنها كانت عامة فلا يتصور إلا أن يكون مراده مجرد الإخبار

وقصته في ذلك مشهورة مخرجة عند الرواة مسطورة. وكان سببها حفر أبيه عبد المطلب زمزم، لأن الجرهمي.................

_ بقصة بعد أخرى، والمعنى: بعدما ذكرنا أن الله فرج عن عبد المطلب، نقول: بينما هو نائم والتزامه الترتيب على السنين إنما هو من حين نشأة المصطفى؛ كما قال في الديباجة، فلا يرد هذا عليه لكن هذا في غاية التعسف بل لا يصح مع قوله: لما خرج وخاب أبرهة نام فرأى فتزوج، فجعله جواب لما. "وقصته" أي: وصفه بالذبيح "في ذلك مشهورة مخرجة عند الرواة مسطورة، وكان سببها حفر أبيه عبد المطلب زمزم" أي: إظهارها وتجديدها، كما يعلم من قوله بعد وبالغ في طمها. وذكر البرقي عن ابن عباس: سميت زمزم؛ لأنها زمت بالتراب لئلا تأخذ يمينًا وشمالا، ولو تركت لساحت على الأرض حتى تملأ كل شيء، وقال الحربي: لزمزمة الماء، وهي صوته. وقال أبو عبيد: لكثرة مائها، وقيل غير ذلك، وليس بخلاف حقيقي فقد تكون التسمية لجميع ذلك، وحكى المطرزي أن اسمها زمازم وزمزم. قال السهيلي: وتسمى أيضًا همزة جبريل بتقديم الميم على الزاي، ويقال أيضًا: هزمة جبريل، أي: بتقديم الزاي، لأنها هزمته في الأرض، وتسمى أيضًا: طعام طعم وشفاء سقم. ا. هـ. والأخير لفظ حديث مرفوع عند الطيالسي عن أبي ذر وأصله في مسلم، كما ذكره السخاوي. وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس رفعه: "ماء زمزم لما شرب له، إن شربته لتستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، هي هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل". وفي سيرة ابن هشام: "هي بين صنمي قريش، إساف ونائلة عند منحر قريش، كان جرهم دفنها حين ظعن من مكة، وهي بئر إسماعيل التي سقاه حين ظمئ، وهو صغير، فالتمست له أمه فلم تجده فقامت على الصفا تدعو الله وتستسقيه لإسماعيل، ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك فبعث الله جبريل فهمزها بعقبه في الأرض، وظهر الماء وسمعت أمه أصوات السباع فخافت عليه، فأقبلت نحوه فوجدته يفحص بيده عن الماء تحت خده ويشرب". قال السهيلي: حكمة همز جبريل بعقبه دون يده أو غيرها الإشارة إلى أنها لعقبه، أي: إسماعيل ووارثه وهو محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 28] . ا. هـ. وإنما حفرها عبد المطلب؛ "لأن الجرهمي" بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء نسبة إلى جرهم حي من اليمن سموا باسم جرهم بن قحطان ابن نبي الله هود؛ كما في التيجان.

عمرو بن الحارث لما أحدث قومه بحرم الله الحوادث، وقيض الله لهم من أخرجهم من مكة، فعمد عمرو إلى نفائس فجعلها في زمزم وبالغ في طمها، وفر إلى اليمن بقومه، فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة.........................

_ "عمرو بن الحارث" بن مضماض بكسر الميم وضمها، "لما أحدث قومه" جرهم وكانوا ولاة البيت والحاكم بمكة لا ينازعهم بنو إسماعيل لخولتهم وقرابتهم وإكرامًا لمكة، أي: يكون بها بغي أو قتال، "يحرم الله الحوادث" فبغوا بمكة وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فساءت حالهم، "وقيض الله لهم من أخرجهم من مكة". قال القاضي تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام: اختلف أهل الأخبار فيمن أخرج جرهمًا من مكة اختلافًا يعسر معه التوفيق، فقيل: بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة، وغيشان بن خزاعة لمنعهم بني عمرو بن عامر الإقامة بمكة حتى يصل إليهم رواؤهم، وقيل: عمرو بن ربيعة بن حارثة لطلبهم حجابة البيت. وقيل: بنو إسماعيل بعد أن سلط الله على جرهم آفات من رعاف ونمل حتى فني به من أصابهم بمكة، وقيل: سلط على ولاة البيت منهم دواب، فهلك منهم في ليلة واحدة ثمانون كهلا سوى الشبان حتى رحلوا من مكة، والقول الأول ذكره ابن إسحاق، فقال: إن بني بكر وغبشان لما رأوا بغيهم، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة فأذنوا بالحرب، فاقتتلوا فغلبهم بنو بكر وغبشان. فنفوهم من مكة، وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها بغيًا ولا ظلمًا لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته فكانت تسمى الناشة ولا يريدها ملك يستحل حرمتها، إلا هلك مكانه، فيقال: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة. "فعمد" بفتح الميم ومضارعه بكسرها، كذا المنقول، ورأيت في بعض الحواشي أن في بعض شروح الفصيح وأظنه عزاه للسبكي أنه يجوز فيه العكس، قاله في النور، أي: قصد "عمرو إلى نفائس" هي غزالان من ذهب وسيوف وأدراع وحجر الركن كما عند ابن هشام وغيره، "فجعلها في زمزم" بمنع الصرف للتأنيث والعلمية، قاله المصباح. "وبالغ في طمها" بفتح الطاء المهملة وكسر الميم المشددة بعدها هاء، قال القاموس: طم الركية دفنها وسواها، وفيه أيضًا الركية البئر. "وفر إلى اليمن بقومه" فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنًا شديدًا، وقال عمرو: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا الأبيات بتمامها في ابن إسحاق، قيل: كانت ولاية جرهم مكة ثلاثمائة سنة وقيل: خمسمائة، وقيل: ستمائة سنة. "فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة" وفي رواية: بقيت

إلى أن رفعت عنها الحجب برؤيا منام رآها عبد المطلب، دلته على حفرها بأمارات عليها. فمنعته قريش من ذلك.................................

_ مطمومة بعد جرهم زهاء خمسمائة سنة لا يعرف مكانها، "إلى أن رفعت" أزيلت "عنها الحجب" الموانع التي منعت من معرفتها، "برؤيا منام رآها عبد المطلب دلته على حفرها بأمارات عليها" روى ابن إسحاق بسنده عن علي، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت، فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني، فقال: احفر برة، فقلت: وما برة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني، فقال: احفر المضنونة، فقلت: وما المضنونة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني وقال: احفر زمزم، قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل. برة بفتح الموحدة وشد المهملة سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها، قال في الروض، هو اسم صادق عليها؛ لأنها فاضت للأبرار وغاضت عن الفجار. والمضنونة بضاد معجمة ونونين: لأنها ضن بها على غير المؤمن فلا يتضلع منها منافق، قاله وهب ابن منبه. وروى الدارقطني مرفوعًا: "من شرب زمزم فليتضلع، فإنه فرق ما بيننا وبين المنافقين لا يستطيعون أن يتضلعوا منها" وفي رواية الزبير بن بكار: أن عبد المطلب قيل له: احفر المضنونة ضننت بها على الناس إلا عليك. ولا ينزف، بكسر الزاي: لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها. ولا تذم بمعجمة لا توجد قليلة الماء من قول العرب: بئر ذمة، أي: قليل ماؤها وهذا لأنه نفي مطلق وخبر صادق أولى من الحمل على نفي ضد المدح؛ لأنها مذمومة عند المنافقين، قاله السهيلي. قل: والغراب الأعصم فسره صلى الله عليه وسلم: "بأنه الذي إحدى رجليه بيضاء"، رواه ابن شيبة وأطال في الروض في وجه تأويل هذه الرؤيا بما يحسن كتبه بالعسجد، لكن الرهبة من التطويل تمنع من جلبه. "فمنعته قريش من ذلك" ظاهره: أنها منعته من أصل الحفر ونازعته ابتداء، والذي رواه ابن إسحاق عن علي عقب ما مر: فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه صدق، غدا بمعوله ومعه ولده الحارث ليس له يومئذ ولد غيره فجعل يحفر ثلاثة أيام، فلما بدا له الطي كبر، وقال: هذا طي إسماعيل، فقاموا إليه فقالوا: إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقًا، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا:

ثم آذاه من السفهاء من آذاه، واشتد بذلك بلواه، ومعه ولده الحارث ولم يكن له ولد سواه، فنذر لئن جاءه عشرة بنين وصاروا له أعوانًا ليذبحن أحدهم لله قربانًا. ثم احتفر عبد المطلب زمزم........................

_ كاهنة سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام بالفاء، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر فخرجوا حتى إذا كانوا بمفازة بين الحجاز والشام ظمئ عبد المطلب وأصحابه، وغيره حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا، وقالوا: إنا بمفازة نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، فأمرهم فحفروا قبورهم، وقال: من مات واراه أصحابه حتى يكون الآخر فضيعته أيسر من ركب؛ وقعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم قال: والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت عجز، لنضربن في الأرض عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، وركب راحلته فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب وأصحابه ثم نزل فشربوا واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا قبائل قريش، فقال لهم: هلم إلى الماء فقد سقانا الله، فاستقوا وشربوا، ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدًا إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو أسقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها. "ثم آذاه من السفهاء من آذاه" هو عدي بن نوفل بن عبد مناف قال له: يا عبد المطلب تستطيل علينا وأنت فذ، لا ولذلك! فقال: أبا القلة تعيرني، فوالله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة، رواه ابن سعد والبلاذري. وفي الخميس: سفه عليه وعلى ابنه ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما، "واشتد بذلك بلواه، وكان معه ولده الحارث ولم يكن له ولد سواه، فنذر" مر أنه حلف، فيحتمل أنه المراد بالنذر، أو أن صورة الالتزام تكررت مرة بالنذر، وأخرى بالحلف. "لئن جاء له عشر بنين وصاروا له أعوانًا" أي: بلغوا أن يمنعوه، وبه عبر ابن إسحاق وأتباعه "ليذبحن أحدهم قربانًا" لله عند الكعبة، واحتفر عبد المطلب زمزم" في عامه ذلك هو وابنه الحارث فقط، فعند ابن إسحاق، فإذا عبد المطلب ومعه الحارث فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين إساف ونائلة الذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها، فجاء بالمعول وقام يحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش، فقالوا: والله ما نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما، فقال لابنه: رد عني حتى أحفر، فوالله لأمضين لما أمرت به؛ فلما عرفوا أنه غير تارك خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرًا حتى بدا له الطين، فكبر وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد الغزالين والأسياف والأدراع التي دفنتها جرهم، فقالت قريش:

فكانت له فخرًا وعزًا. فلما تكامل بنوه عشرة وهم: الحارث والزبير وحجل وضرار والمقوم..................

_ إنا معك في هذا شرك، قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها القداح، قالوا: كيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له, ومن تخلف قدحاه فلا شيء له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وأسودين له وأبيضين لقريش، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، والأسودين على الأسياف والأدراع له، وتخلف قدحًا قريش فضرب الأسياف بابًا للكعبة وضرب بالباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة فيما يزعمون، ثم أتم حفر زمزم وأقام سقايتها للحاج، "فكانت له فخرًا وعزًا" على قريش وعلى سائر العرب، ذكر الزهري في سيرته: أنه اتخذ عليها حوضًا يستقي منه، فكان يخرب بالليل حسدًا له، فلما أهمه ذلك قيل له في النوم قل: لا أحلها لمغتسل، وهي للشارب حل وبل، فلما أصبح قالها فكان من أرادها بمكروه رمي بداء في جسده، حتى انتهوا عنه. حل بكسر الحاء، أي: من الحرام. وبل، بكسر الموحدة: مباح، وقيل: شفاء. وعند ابن إسحاق: فعفت زمزم على آبار كانت قبلها وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام وفضلها على ما سواها؛ ولأنها بئر إسماعيل وافتخر بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب، وعند غيره: فكان منها شرب الحاج، وكان لعبد المطلب إبل كثيرة يجمعها في الموسم ويسقي لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم ويسقيه الحاج ليكسر غلظها وكانت إذ ذاك غليظة، فلما توفي قام بالسقاية العباس وان له كرم بالطائف؛ فكان يحمل زبيبه إليها ويسقيه الحاج أيام الموسم، فلما دخل صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح قبض السقاية منه، ثم ردها إليه. "فلما تكامل بنوه عشرة" بعد حفره زمزم بثلاثين سنة، كما عند ابن سعد والبلاذري، زاد في نسخ "وهم الحارث" وأمه صفية بنت جندب "والزبير" بفتح الزاي عند البلاذري، وأبي القسم الوزير وضمها عند غيرهما, وهو مفاد التبصير وأمه فاطمة بنت عمرو، "وحجل" بفتح المهملة فجيم ساكنة عند الدارقطني، وتبعه النووي والذهبي والعسقلاني، وهو في الأصل القيد والخلخال، وضبطه اليعمري تبعًا لابن إسحاق بتقديم الجيم على الحاء الساكنة، وصدر به المصنف فيما يأتي وهو السقاء الضخم، وذكر المصنف: ثم إن اسمه المغيرة وتبع فيه الذهبي، ووهمه الحافظ، وقال: الذي اسمه مغيرة ابن أخيه حجل بن الزبير بن عبد المطلب، انتهى. وأمه هالة بنت وهيب. "وضرار" بضاد معجمة وراءين بينهما ألف، وهو شقيق العباس، "والمقوم" بفتح الواو مشددة اسم مفعول وكسرها مشددة اسم فاعل، كذا يخطي ولا أدري الآن من أين

وأبو لهب والعباس وحمزة وأبو طالب وعبد الله، وقر الله عينه بهم، نام ليلة عند الكعبة المطهرة فرأى في المنام قائلا يقول: يا عبد المطلب: أوف بنذرك لرب هذا البيت، فاستيقظ فزعًا مرعوبًا، وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين. ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فاستيقظ من نومه وقرب ثورًا، ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرب جملا، وأطعمه للمساكين، ثم نام فنودي: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فقال: ما أكبر من ذلك وقال: قرب أحد أولادك الذي نذرته. فاغتم غمًا شديدًا، وجمع أولاده، وأخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء، فقالوا: إنا نطيعك، فمن تذبح منا؟ قال: ليأخذ.............................

_ هو، قاله في النور، وأمه هالة. "وأبو لهب" عبد العزى وأمه آمنة بنت هاجر، "والعباس" رضي الله عنه، وأمه نتلة بفتح النون وسكون الفوقية، ويقال: نتيلة بضم النون وفتح الفوقية مصغرًا، واقتصر عليه التبصير. "وحمزة" سيد الشهداء رضي الله عنه، وأمه هالة بنت وهيب. "وأبو طالب وعبد الله" والده صلى الله عليه وسلم وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمر بن مخزوم، قال شيخنا: وهذه النسخة لا تناسب ما يأتي أن حمزة والعباس إنما ولدا بعد الوفاء بالنذر، فلعلها غير صحيحة، انتهى. أما الأول: فواضح، وأما ترجي عدم صحتها فلا إذ من المعلوم القول بأن أولاده عشرة فقط فيحتمل أن المراد بحمزة والعباس هنا اثنان من ولد ولده موافقًا اسم ابنيه. "وقر الله عينه بهم" كذا في نسخ وسقطت الجلالة من أخرى، وهي التي عند شيخنا، فقال: العين حاسة الرؤية مؤنثة ذكر الفعل؛ لأن تأنيثها غير حقيقي. "نام ليلة عند الكعبة المطهرة فرأى في المنام قائلا يقول" له: "يا عبد المطلب، أوف" بهمزة قطع "بنذرك لرب هذا البيت، فاستيقظ" حال كونه "فزعًا مرعوبًا" أي: خائفًا وهما بمعنى كما مر، "وأمر ببح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين، ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فاستيقظ من نومه وقرب ثورًا" ذكر البقر سمي ثورًا؛ لأنه يثير الأرض، كما سميت البقرة بقرة؛ لأنها تبقرها، "ثم نام، فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرب جملا" نحره، "وأطعمه للمساكين" والفقراء؛ لأنهما إذا افترقا اجتمعا، "ثم نام، فنودي: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فقال: وما هو أكبر من ذلك؟ وقال: قرب أحد أولادك الذي نذرته" أي: نذرت ذبحه، "فاغتم غمًا شديدًا" أي: أصابه كرب وحزن، "وجمع أولاده وأخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء" بالنذر "فقالوا: إنا نطيعك، فمن تذبح منا؟ " أي: فأي واحد تريد ذبحه لنعينك عليه، "قال: ليأخذ

كل واحد منكم قدحًا -والقدح: سهم بغير نصل- ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا به، ففعلوا، وأخذوا قداحهم ودخلوا على هبل -اسم صنم عظيم- وكان في جوف الكعبة، وكانوا يعظمونه، ويضربون بالقداح عنه، ويستقسمون بها، أي يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك القيم القداح وقام يدعو الله تعالى، فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه. فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله.......................................

_ كل واحد منكم قدحًا" قال المصنف: "والقدح" بكسر القاف وسكون الدال وحاء مهملة، "سهم بغير نصل" ولفظ القاموس القدح بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، "ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا به، ففعلوا وأخذوا قداحهم" بكسر القاف جمع قدح ويجمع أيضًا على أقداح أقاديح؛ كما في القاموس. "ودخلوا على هبل" بضم الهاء وفتح الموحدة فلام، "اسم صنم عظيم" من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب كذا ذكر ابن الكلبي في كتاب الأصنام: أنه بلغه "وكان في جوف الكعبة" وكان تحته بئر يجمع فيها ما يهدى للكعبة، قاله ابن إسحاق وغيره. "وكانوا يعظمونه ويضربون بالقداح عنده" قال ابن إسحاق: كان عنده قداح سبعة كل قدح فيه كتاب قدح العقل، إذا اختلفوا من يحمله، وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه، وقدح فيه لا، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا حفرها، فكانوا إذا أرادوا الختان أو النكاح أو دفن ميت أو شكوا في نسب، ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور فأعطوها الذي يضرب بها ثم ما خرج عملوا به، انتهى، ملخصًا، ففسرها كلها وأقره عبد الملك بن هشام. وأما ابن الكلبي، فقال: مكتوب في أولها صريح والآخر ملصق، وإذا شكوا في مولود أدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح الحقوه وإن كان ملصقًا دفعوه، وقدح على الميتة، وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر لي على ما كانت، فإذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرًا أو عملا، أتوه، فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به، وانتهوا إليه. وفسر ضرب القداح بقوله: "ويستقسمون بها، أي: يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها" والمعنى: كانوا يتفقون عند القيم بالرضا بما خرج، فكل من خرج اسمه على شيء رضي به، "قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك القيم القداح، وقام" عبد المطلب "يدعو الله تعالى" ويقول: اللهم إني نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت، ثم ضرب السادن القدح "فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه، فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله

وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة -صنمين عند الكعبة تذبح وتنحر عندهما النسائك- فقام إليه سادة قريش فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ فقال: أوفي بنذري، فقالوا: لا ندعك أن تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربك، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه وتكون سنة. وقالوا: له: انطلق إلى فلانة الكاهنة. قلت:

_ وأخذ الشفرة" بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء، وهي السكين العظيم؛ كما في القاموس. أو العريض؛ كما في المصباح. ولا خلف "ثم أقبل إلى إساف" بكسر الهمزة وفتح المهملة مخففة، "ونائلة" بنون فألف فتحتية، "صنمين عند الكعبة" قال هشام الكلبي في كتاب الأصنام: إساف رجل من جرهم، يقال له: إساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها في أرض اليمن فحجا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها فيه فمسخا فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين فوضعوهما ليتعظ بهما الناس، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها، "تذبح وتنحر عندهما النسائك، فقام إليه سادة قريش" وعند ابن إسحاق وغيره: فقامت إليه قريش في أنديتها، "فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ " فلعل السادة هم الذين بدءوا بالقيام والقول فتبعوهم، وفي ابن إسحاق، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر، ولا يشكل بقوله قبله: فأطاعوه؛ كقول المصنف: إنا نطيعك فمن تذبح منا؛ لأنهم وافقوه أولا ثم وافقوا قريشًا في طلب الأعذار، ووقع في الشامية أن العباس جذب عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال: إنه شبح وجهه شبحة لم تزل فيه حتى مات. ا. هـ. ولا يصح؛ لأن العباس إنما ولد بعد هذه القصة، إلا أن يقال على بعد شاركه في اسمه غيره من بني إخوته. "فقال: أوفي بنذري" بضم الهمزة وسكون الواو ففاء خفيفة، أو بفتح الواو وشدة الفاء، يقال: أوفى ووفى بمعنى، "فقالوا: لا ندعك تذبحه حتى تعذر" بضم فسكون من الإعذار، يقال: أعذر إذا أبدى العذر، والمراد حتى تطلب عذرًا "فيه" في ذبحه "إلى ربك" بأن تسأل الكاهنة، فإنها إن ذكرت أنه يذبح كان عذرًا عندهم، "ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه" فما بقاء الناس على هذا، وقال المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: وكان عبد الله بن أخت القوم، والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، هكذا في ابن إسحاق. "وتكون سنة" أي: طريقة مستمرة في قومك؛ لأنك رئيسهم فيقتدون بك "وقالوا له: انطلق إلى فلانة الكاهنة" وعند ابن إسحاق وأتباعه: وانطلق إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع من الجن وهو بتقدير مضاف، أي: أحد أرض الحجاز، فلا يخالفه قول القاموس الحجاز مكة والمدينة والطائف.

قيل اسمها: قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني في كتاب المبهمات، وذكر ابن إسحاق أن اسمها: سبجاج -فلعلها أن تأمرك فيه فرج لك. فانطلقوا حتى أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة، فقالت: كم الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل ثم اضربوا أيضًا، هكذا حتى يرضي ربكم. ويخلص صاحبكم فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم. فرجع القوم إلى مكة، وقربوا عبد الله، وقربوا عشرة................

_ "قيل: كان اسمها قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني" بن سعيد بن علي الأزدي الإمام المتقن النسابة إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، قال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ منه له مؤلفات منها المبهمات، ولد سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ومات في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة، "في كتاب" الغوامض و"المبهمات، وذكر ابن إسحاق" في رواية يونس عنه "أن اسمها سبجاج". كذا في النسخ، والذي في الروض: سجساج، "فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك" لفظ رواية ابن إسحاق: إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته، "فانطلقوا حتى" قدموا المدينة فوجدوها بخيبر، فركبوا حتى "أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة" فقالت لهم، كما في ابن إسحاق: ارجعوا عني حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا من عندها؛ فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها "فقالت" لهم: قد جاءني الخبر "كم الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم" أي: أحضروه إلى موضع ضرب القداح "ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صابحكم فزيدوا في الإبل" عشرة أخرى، وهكذا على ما يظهر من أن الزيادة بإشارتها أو أطلقت. وزاد عبد المطلب اجتهادًا نظرًا لأن الدية عشرة فأريد تضعيفها، "ثم اضربوا أيضًا هكذا حتى يرضى ربكم ويخلص صاحبكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم" وكأنه غلب على ظنها أن القداح لا محالة تخرج على الإب مرة، فسكتت عن حكم ما لو لم تخرج عليها لعلمه عندهم، "فرجع القوم إلى مكة وقربوا عبد الله وقربوا عشرة

من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو، فخرجت القداح على ولده، فلم يزل يزيد عشرًا عشرًا حتى بلغت مائة فخرجت القداح على الإبل. فنحرت وتركت، لا يصد عنها إنسان ولا طائر ولا سبع. ولهذا روي -على ما عند الزمخشري في الكشاف- أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أنا ابن الذبيحين". وعند الحاكم في المستدرك، عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم........................

_ من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو" الله تعالى "فخرجت القداح" أي: جنسها إذ الخارج في كل مرة قدح أحد "على ولده، فلم يزل يزيد عشرًا عشرًا حتى بلغت الإبل مائة، فخرجت القداح على الإبل" زاد ابن إسحاق: فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب، فزعموا أنه قال: لا والله حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل فقام عبد المطلب يدعو فخرجت على الإبل، ثم عادوا الثانية وهو قائم يدعو فضربوا فخرجت على الإبل، ثم الثالثة وهو قائم يدعو فخرجت على الإبل،"فنحرت وتركت لا يصد عنها إنسان" ذكر أو أنثى، قال لمجد المرأة إنسان وبالهاء عامية، وسمع في شعر كأنه مولد: لقد كستني في الهوى ... ملابس الصب الغزل إنسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل إذا زنت بها عيني ... من الدموع تغتسل "ولا طائر ولا سبع" بضم الموحدة وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان، قاله القاموس. وعند مغلطاي: أول من سن الدية مائة عبد المطلب، وقيل: العلمس أو سيارة. ا. هـ. "ولهذا" الواقع في قصة عبد الله "روى على ما عند الزمخشري في الكشاف" في سورة: {وَالصَّافَّاتِ} [الصافات: 1] ، استدلالا على أن الذبيح إسماعيل، "أنه صلى الله عليه وسلم، قال: "أنا ابن الذبيحين" قال الزيلعي في تخريج أحاديثه: غريب، ثم ساق حديث الأعرابي المذكور في المتن ونحوه للحافظ، فحاصل كلامهما أنهما لم يجداه بهذا اللفظ؛ كما عزاه لهما الشامي. "وعند الحاكم في المستدرك" وابن جرير وابن مردويه والثعلبي في تفاسيرهم، "عن معاوية بن أبي سفيان" صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين أسلم هو وأبواه وأخوه يزيد في فتح مكة وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامهما ومعاوية من الموصوفين بالحلم توفي بدمشق سنة ستين، "قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا وخلفت المال عابسًا، هلك المال وضاع العيال، فعد علي ما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه. الحديث. وتأتي تتمته إن شاء الله تعالى قريبًا. ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسماعيل بن إبراهيم. وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحاق. فإن صح هذا.................................

_ فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله! خلفت البلاد يابسة" مجدبة لا خصب فيها، "والماء" أي: محلاته التي يصيبها "يابسًا" لعدم الماء, وفي نسخة: خلفت الكلأ يابسًا، أي: العشب وصفه باليبس لبيان صفته التي تركه عليها، فالكلأ العشب رطبًا كان أو يابسًا؛ كما في المختار، وزعم أن هذه النسخة هي التي في غيره والأولى تصحيف عجيب باطل، فالأولى هي الثابتة في المقاصد عن المستدرك، "وخلفت المال عابسًا" أي: كالحًا، أي: متغيرًا مهزولا؛ وكأنه أراد بالمال الماشية، "هلك المال وضاع العيال فعد علي" أعطني شيئًا أستعين به "مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، قال" معاوية "فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه" فأفاد أنه إسماعيل، وهذا احتج به معاوية على من قال: إنه إسحاق، فإن أول الحديث عند الحاكم عن الصنابحي: حضرنا مجلس معاوية فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، فقال بعضهم: إسماعيل الذبيح، وقال بعضهم: بل إسحاق، فقال معاوية، سقطتم على الخبير، وذكره "الحديث، وتأتي تتمته إن شاء الله تعالى قريبًا" جدًا، "ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسماعيل بن إبراهيم" كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم ورجحه جماعة، وقال أبو حاتم: إنه الصحيح، والبيضاوي: إنه الأظهر. "وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحاق" بل عزاه ابن عطية والمحب الطبري والقرطبي للأكثرين، وأجمع عليه أهل الكتابين وقال به من الصحابة، كما قال البغوي وغيره العباس وابنه، وعمر وابنه، وعلي وجابر وهو الصحيح عن ابن مسعود، ومن التابعين: علقمة، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وكعب الأخبار، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقاسم بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمن بن سابط، والزهري، والسدي، وعبد الله بن أبي الهذيل، والقاسم بن زيد، ومكحول، والحسن. وذهب إليه مالك واختاره ابن جرير، وجزم به عياض والسهيلي، ومال إليه السيوطي في علم التفسير. "فإن صح هذا" في نفس الأمر وإلا فكيف لا يصح، وقد قال به من ذكر والحجة لهم

فالعرب تجعل العم أبًا، قال الله تعالى إخبارًا عن بني يعقوب عليهم الصلاة والسلام: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة: 133] . وفي حديث معاوية -الموعود بتتمته قريبًا-....................

_ قوله صلى الله عليه وسلم: "الذبيح إسحاق" رواه الدارقطني عن ابن مسعود وابن مردويه والبزار عن العباس، وفيه المبارك بن فضالة ضعفه الجمهور، لكن رواه الحاكم من طرق عن العباس، وقال: صحيح علي شرطهما. وقال الذهبي: صحيح. ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة قال ابن كثير: وفيه الحسن بن دينار متروك، وشيخه منكر وقد رواه ابن أبي حاتم مرفوعًا ثم رواه عن مبارك بن فضالة موقوفًا وهو أشبه وأصح، وتعقبه السيوطي بأن مباركًا قد رفعه مرة فأخرجه البزار عنه مرفوعًا، وله شواهد عنده وعند الديلمي عن العباس مرفوعًا في حديث بلفظ: "وأما إسحاق فبذل نفسه للذبح"، والطبراني وابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه بسند ضعيف، وللطبراني أيضًا بسند ضعيف عن ابن مسعود: سئل صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس؟ قال: "يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الل"، وأخرج في الكبير عن أبي الأحوص، قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، وفي لفظ: فاخر أسماء بن خارجة رجلا، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله وإسناده صحيح موقوف. ا. هـ. ملخصًا. فهذه أحاديث يعضد بعضها بعضًا، فأقل مراتب الحديث الأول أنه حسن، فكيف وقد صححه الحاكم والذهبي وهو نص صريح لا يقبل التأويل بخلاف حديث معاوية فإنه قابل له. "فالعرب تجعل العم أبا، قال الله تعالى إخبارًا عن بني يعقوب عليهم الصلاة والسلام" جمعها وإن كان فيهم غير أنبياء لجوازها تبعًا وهو استدلال على جعل العم أبا، {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} [البقرة: 133، الأنعام: 144] ، حضورًا والخطاب لليهود، فإنه نزل ردًا عليهم لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، " {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} " [البقرة: 133] ، إذ بدل من إذ قبله: " {قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} " بعد موتي، " {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} " [البقرة: 133] ، فجعل إسماعيل أبا وهو عم لأنه بمنزلته، في حمل حديث معاوية على ذلك جمعًا بين الحديثين. وأما القول بأنهما عبد الله وهابيل فغريب، وإن نقله مغلطاي ولا يصح إلا بجعل العم أبا أيضًا، فإن المصطفى من ولد شيث "وفي حديث معاوية الموعود بتتمته قريبًا" قال: راويه

قال معاوية: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الأمر بها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم، وقالوا أرض ربك، وافد ابنك، ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح الأول وإسماعيل الذبيح الثاني. قال ابن القيم: "ومما يدل على أن الذبيح إسماعيل، أنه لا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار بها تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه وإقامة لذكر الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه".

_ الصنابجي، فقلنا: وما الذبيحان؟ "قال معاوية: إن عبد المطلب لما أمر" بالبناء للمفعول "بحفر زمزم" وعير بقلة الولد "نذر لله إن سهل" الله "الأمر بها" وجاءه عشرة بنين "أن ينحر بعض ولده" أي: واحدًا منهم؛ كما مر، والأخبار يفسر بعضها ببعض، "فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم" من ذبحه حتى يعذر فيه إلى ربه، ومر عن ابن إسحاق أن المغيرة المخزومي قال له: والله لا تذبحه أبدًا حتى يعذر فيه إلى ربه، ومر عن ابن إسحاق أن المغيرة المخزومي قال له: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه ومثله في الشامية، وليس فيه أن المخاطب له بذلك منهم؛ كما ادعي، ولا اللفظ يقتضي ذلك فنقل كلام عن واحد لا ينفي أن غيره قال مثله، حتى يزعم الحصر "وقالوا: أرض ربك" بهمزة قطع مفتوحة "وافد ابن" بهمزة وصل "ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح الأول" من أبويه صلى الله عليه وسلم، سماه أولا لقربه منه وأنه أبوه بلا واسطة، "وإسماعيل الذبيح الثاني" وهذا لم يرفعه معاوية، وإنما قاله استنباطًا من تبسمه صلى الله عليه وسلم بعد قول الأعرابي: يا ابن الذبيحين، ومعلوم أن صريح المرفوع مقدم على الاستنباط، فيرد المحتمل إلى الصريح جمعًا بين الدليلين. "قال ابن القيم: ومما يدل على أن الذبيح إسماعيل، أنه لا ريب" لا شك "أن الذبيح كان بمكة ولذلك جعلت القرابين" بفتح القاف جمع قربان بضمها، وهو ما تقرب به إلى الله،؛ كما في المختار "يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة" وكما جعل "رمي الجمار بها تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه" وقد أجيب عن هذا بقول سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام فسار به من بيت المقدس مسيرة شهر في غدوة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة على البراق، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إن

ثم قال: "ولو كان الذبيح بالشام -كما يزعم أهل الكتاب، ومن تلقى عنهم- لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة". "وأيضًا فإن الله سمى الذبيح حليمًا، لأنه لا أحلم ممن سلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه: عليمًا". "وأيضًا: فإن الله تعالى أجرى العادة البشرية: أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم لما سأل ربه الولد، ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه

_ جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق، قال لأبيه: يا أبت، أوثقني لا أضطرب فينتضح دمي عليك إذا ذبحتني، فشده فلما أخذ الشفرة وأراد ذبحه نودي من خلفه: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا"، "ثم قال" ابن القيم: "ولو كان الذبيح بالشام، كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة" لأنه هو المحل الذي أمر فيه بذبحه على هذا القول وأنت خبير بأن هذا مع ما فيه من الظن لسوء بأكثر العلماء، وهو أنه لا سلف لهم إلا التلقي عن أهل الكتاب لا يصح دليل إذ لا تلازم، وأيضًا فالدليل ما سلمه الخصم وابن عطية، حكى قولين، أحدهما: أنه أمر بذبحه في الشام، والثاني: أنه إنما أمر بذبحه في الحجاز، فجاء به معه على البراق. ا. هـ. ومر نقله عن ابن جبير وتأييده بالمرفوع. "وأيضًا" مما يدل على أنه إسماعيل ظاهر القرآن الكريم، "فإن الله سمى الذبيح حليمًا" في قوله: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101] ، "لأنه لا أحلم ممن سلم نفسه للذبح طاعة لربه" مع كونه مراهقًا ابن ثمان سنين أو ثلاث عشرة سنة، حكاهما الجلال. "ولما ذكر إسحاق سماه عليمًا" في قوله: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53] ، وقوله: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] ، وهذا غير ظاهر، فلا ريب أن إسحاق حليم أيضًا، فأي مانع من جمعه الصفتين؟ "وأيضًا" دليل عقلي، "فإن الله تعالى أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد" بكسر الموحدة وسكون الكاف: أول ولد الأبوين، "أحب إلى الولدين ممن بعده" لكونه أول فيتمكن حبه قبل رؤية غيره، لكن لا ينافي أنه إذا حصلت مزية لمن بعده زاد بسببها حبه؛ كما أحب عبد المطلب الأب الشريف لرؤيته نور المصطفى في وجهه. "وإبراهيم لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة" بضم الشين الغصن لغة "من قلبه

بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيره الخلة تنزعها من قلب الخليل، فأمر بذبح المحبوب، فلما قدم على ذبحه، وكانت محبة الله عنده أعظم من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود، فنسخ الأمر وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا". انتهى. وقد أنشد بعضهم: إن الذبيح هديت إسماعيل ... ظهر الكتاب بذاك والتنزيل

_ بمحبته" فشبه القلب بشجرة استعارة بالكناية، والتعلق الحاصل به أغصانها وإثبات الغصن استعارة تخييلية، ولم يقل: تعلق قلبه بمحبته لئلا يتوهم تعلق قلبه بجملته بمحبة ولده، فلم يكن فيه محل لغيره مع أن قلبه إنما هو متعلق بربه غايته أن ثمة نوع تعلق بالولد. "والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة" بضم الخاء وتفتح الصداقة المحضة التي لا خلل فيها؛ كذا في القاموس. "منصب" بكسر الصاد: أصل "يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك فيها" عطف تفسير "فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيره" بفتح الغين "الخلة تنزعها من قلب الخليل" ليتمحض للجليل "فأمر بذبح المحبوب" ولا ريب أن هذا يأتي على أنه إسحاق أيضًا، فلا شك أن في قلبه شعبة محبة له، غايته: أن محبة إسماعيل أكثر. "فلما قدم على ذبحه وكانت محبة الله عنده أعظم من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ" أي: حين إذ قدم على ذبحه، "من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة إذا كانت المصلحة إنما هي العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود" أي: إظهاره إذ الله عالم به: "فنسخ الأمر، وفدى الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا. ا. هـ." كلام ابن القيم، وهي أدلة إقناعية. "وأنشد بعضهم: أن الذبيح هديت إسماعيل ظهر" وفي نسخة: نطق، أي: دل "لكتاب بذاك والتنزيل" عطف صفة على موصوفها أو تفسيري؛ كأنه يشير به إلى قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} [الصافات: 112] ، ولا حجة فيه، فقد قال ابن عباس: هي بشارته بنبوته؛ كما قال تعالى في موسى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53] ، وهو قد كان وهبه له

شرف به خص الإله نبينا وأبانه التفسير والتأويل وروي مما ذكره المعافى بن زكريا، أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا أسلم من علماء اليهود: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين، إن اليهود ليعلمون أنه إسماعيل.........................

_ قبل ذلك فإنما أراد النبوة فكذلك هذه، قاله ابن عطية وغيره. وبه يعلم: أن قول العلامة التقي السبكي يؤخذ من تعدد البشارة بهما مع وصف إسحاق بأنه عليم، والذبيح بأنه حليم، القطع بأن الذبيح إسماعيل مردود، فكيف يكون قطعيًا مع فهم ترجمان القرآن "شرف به خص الإله نبينا" أي: قصره عليه لا يتجاوزه إلى غيره. "وأبانه" أظهره، وفي نسخة: وأتى به "التفسير والتأويل" عطف مساوٍ هنا. "وروي فيما ذكره المعافى ابن زكريا" بن يحيى بن حميد الحافظ العلامة المفسر الثقة النهرواني الجريري، كان على مذهب ابن جرير مات سنة تسع وثلاثمائة، "أن عمر بن عبد العزيز" بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي الثقة، الحافظ الورع المأمون التابعي الصغير أمير المؤمنين خامس أو سادس الخلفاء الراشدين على عد مدة البسط وعدمه؛ لأنها كالتتمة لولاية أبيه. روى أنس: وصلى أنس خلفه، وقال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، ولي إمرة المدينة للوليد وكان مع سليمان كالوزير، ثم ولي بعده باستخلافه الخلافة سنتين وخمسة أشهر ونصفًا، فملأ الأرض عدلا ورد المظالم وزاد الخراج في زمنه، وأبدل ما كان بنو أمية تذكر به عليًا كرم الله وجهه على المنبر بآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90] ، ومناقبه كثيرة شهيرة مات مسمومًا يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. "سأل رجلا أسلم من علماء اليهود" قال الطبري: وحسن إسلامه "أي: ابني إبراهيم أمر بذبحه، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن اليهود" بالدال مهملة ومعجمة؛ كما في القاموس، "ليعلمون أنه إسماعيل" لأن في التوراة على ما في تفسير ابن كثير: أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فحرفوا وحيده، فقالوا: إن إسحاق كان مع أبيه وحده وإسماعيل كان مع أمه بمكة، قال ابن كثير: وهذا تأويل وتحريف باطل، فلا يقال وحيدًا إلا لمن ليس له غيره. ا. هـ. وفيه نظر، ففي فتح الباري ذكر ابن إسحاق: إن هاجر لما حملت بإسماعيل غارت سارة فحملت بإسحاق فولدتا معًا، ثم نقل عن بعض أهل الكتاب خلاف ذلك وأن بين مولديهما ثلاث عشرة سنة، والأول أولى. ا. هـ. وتبعه السيوطي.

ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون أباكم، للفضل الذي ذكره الله عنه، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم. فانظر أيها الخليل ما في هذه القصة من السر الجليل، وهو أن الله تعالى يرى عباده الجبر بعد الكسر، واللطف بعد الشدة، فإنه كان عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم لذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم الدين، وهذه

_ "ولكنهم يحسدونكم" بضم السين، وحكى الأخفش كسرها "معشر" أي: يا جماعة "العرب" والإضافة بيانية على "أن يكون" إسماعيل "أباكم" فيتمنون زوال نسبة ذلك إليكم، ونقلها إليهم وقيل: الحسد تمني زوال نعمة الغير وإن لم تصل للحاسد وهذا أقبح ولا يعد في حمل حسدهم عليه "للفضل الذي ذكره الله عنه" كقوله: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم: 54] ، الآيتين، "فهم يجحدون ذلك" ينكرونه مع العلم به، كما هو معنى الجحد "ويزعمون أنه إسحاق" عطف تفسير؛ "لأن إسحاق أبوهم" إذ هم من أولاد يهوذا قال السمين بمعجمة وألف مقصورة غيرته العرب إلى المهملة على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وهذا المروي الذي ساقه المصنف ممرضًا، فأفاد ضعفه ذكره تقوية؛ لأنه إسماعيل. والحاصل، كما قال السيوطي: أن الخلاف فيه مشهور بين الصحابة فيمن بعدهم، ورجح كل منهما. "فانظر أيها الخليل" الكامل في الحب والصداقة لله ورسوله "ما في هذه القصة" قصة إسماعيل مع أمه "من السر" هو لغة ما يكتم، أطلق على هذه القصة لما فيها من بدائع الحكم التي خفيت على العباد، "الجليل" بالجيم العظيم، وبين ذلك السر بقوله: "وهو أن الله تعالى يرى عباده الجبر بعد الكسر، واللطف بعد الشدة، فإنه كان عاقبة صبر هاجر" بفتح الجيم، وقد تبدل الهاء همزة اسم سرياني، وكان أبوها من ملوك القبط من قرية بمصر تسمى حفنى بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء من عمل انصنا بالبر الشرقي من الصعيد، قاله في التوشيح تبعًا لغيره. "وابنها على البعد" عن مواطنهم التي كانوا بها وهي بيت المقدس وأرض الشام و"الوحدة" بمكة مدة, فإن إبراهيم حين أسكنهما لم يكن بها أحد "والغربة والتسليم" منها لإبراهيم بمعنى صبرها "لذبح الولد" وصبره هو بتسليم نفسه، وهذا صريح في وجود أمه حين ذلك، بل لم تمت حتى تزوج زوجة ثم أخرى، "آلت" رجعت "إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما" أي: مواضع وطئهما بأقدامهما، "مناسك لعباده المؤمنين" أي: متعبدات، فالعطف في قوله: "ومتعبدات لهم إلى يوم الدين" تفسيري "وهذه" الحالة من إرادته تعالى الجبر بعد الكسر

سنة الله تعالى فيمن يريد رفعته من خلقه بعد استضعافه وذله وانكساره وصبره، وتلقيه القضاء بالرضا فضلا منه، قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] . وقد استشكل بعض الناس: أن عبد المطلب نذر نحر أحد بنيه إذا بلغوا عشرة، وقد كان تزويجه هالة أم ابنه حمزة بعد وفائه بنذره، فحمزة والعباس ولدا عبد المطلب إنما ولدا بعد الوفاء بنذره، وإنما كان أولاده عشرة بهما. قال السهيلي: ولا إشكال في هذا، فإن جماعة من العلماء قالوا: كان أعمامه عليه الصلاة والسلام اثني عشر، فإن صح هذا، فلا إشكال في الخبر، وإن صح قول من قال: كانوا عشرة لا يزيدون.......................

_ "سنة الله تعالى" عدته "فيمن يريد رفعته من خلقه بعد استضعافه وذله وانكساره وصبره وتلقيه القضاء بالرضا فضلا منه" متصل بقوله: هذا سنة، واستظهر عليه بقوله: قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ} ، نتفضل {عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} , بإنقاذهم من البأس {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} , متقدمين في أمر الدين، {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] ، وقد استشكل بعض الناس أن عبد المطلب نذر نحر أي: ذبح "أحد بنيه" وفي نسخة: بعض بنيه، وأخرى: نحر بنيه وهي بتقدير مضاف، أي: أحد أو بعض "إذا بلغوا عشرة، وقد كان تزويجه هالة" من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: تزويج ولي هالة له فلا يرد أن الأولى تزوجه؛ لأن التزويج فعل الولي، أي: إيجابه النكاح والتزوج قبول الزوج. "أم ابنه حمزة بعد وفائه بنذره" كما ذكره ابن إسحاق والعباس: ولد قبل المصطفى بثلاثة أعوام، كما يأتي. "فحمزة والعباس ولدا عبد المطلب، إنما ولدا بعد الوفاء بنذره" ولا نفهم أنهما شقيقان؛ لأنه سيذكر أن أم العباس نتلة أو نثيلة "وإنما كان أولاده عشرة بهما، قال السهيلي: ولا إشكال في هذا، فإن جماعة من العلماء قالوا: كان أعمامه عليه الصلاة والسلام اثني عشر" التسعة السابقة والغيداق وقثم وبعد الكعبة ووالده صلى الله عليه وسلم فأولاده شيبة الحمد ثلاثة عشر، "فإن صح هذا، فلا إشكال في الخبر" لحمل العشرة على من عدا حمزة والعباس، لكن يشكل عليه ما صرح به اليعمري: أن حمزة والمقوم وحجلا، وأراد بعضهم: والعوام من هالة المفيد وجود حمزة قبل النذر. "وإن صح قول من قال: كانوا عشرة لا يزيدون" ويقول الغيداق: وهو حجان وعبد الكعبة هو المقوم، وقثم لا وجود له؛ فالأعمام تسعة فقط، ولم يذكر ابن قتيبة ولا ابن إسحاق ولا ابن سعد غيره، فلا إشكال أيضًا.

فالولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا مجازًا، فكان عبد المطلب قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفى بنذره. ويقع أيضًا في بعض السير أن عبد الله كان أصغر بني أبيه عبد المطلب. وهو غير معروف. ولعل الرواية أصغر بني أمه، وإلا فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة. وروي عن العباس أنه قال: أذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجيء به حتى نظرت إليه، وجعل النسوة يقلن لي: قبل أخاك، فقبلته. فكيف يصح أن يكون عبد الله هو الأصغر؟! ولكن رواه البكائي ولروايته وجه: وهو أن يكون أصغر ولد أبيه حين أراد نحره، ثم ولد له بعد ذلك حمزة والعباس.

_ "فالولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا مجازًا وكان عبد المطلب، قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفى" بخفة الفاء وشدها "بنذره" وهذا أحسن لسلامته من الإشكال، "ويقع أيضًا في بعض السير" يعني: سيرة ابن إسحاق رواية ابن هشام عن البكائي عنه، وأبهمها لعدم اتفاق رواة ابن إسحاق عليها. "أن عبد الله كان أصغر بني أبيه عبد المطلب وهو" كما قال الإمام السهيلي في الروض، "غير معروف" مشهور بينهم "ولعل الرواية أصغر بني أمه وإلا" يكن كذلك لا يصح "فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة" ويأتي له الجواب أن معناه كان أصغر بني أبيه حين أراد ذبحه. "وروي عن العباس، أنه قال: أذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجيء به" بالنبي صلى الله عليه وسلم إلي "حتى نظرت إليه وجعل النسوة يقلن لي: قبل أخاك" للتأليف على العادة بين الصغار، وإن كان ابن أخيه "فقبلته" وحيث روى هذا عن العباس "فكيف يصح أن يكون عبد الله هو الأصغر، ولكن رواه" أي: كونه أصغر بني أبيه زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري، أبو محمد الكوفي أحد رواة المغازي عن ابن إسحاق، صدوق ثبت في المغازي، أثبت الناس في ابن إسحاق. قال الحافظ: وفي حديثه عن غيره لين، ولم يثبت أن وكيعً كذبه، روى له البخاري حديثًا واحدًا في الجهاد مقرونًا بغيره. وروى له مسلم والترمذي وابن ماجه، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، ويقال له "البكائي" بفتح الموحدة وشد الكاف وبعد الألف همزة نسبة إلى البكاء، وهو ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ كما في التبصير وغيره. قال في النور: وإنما لقب ربيعة بالبكاء؛ لأنه دخل على أمه وهي تحت أبيه فبكى وصاح

ذكر تزوج عبد الله آمنة

"ذكر تزوج عبد الله آمنة": ولما انصرف عبد الله مع أبيه من نحر الإبل، مر على امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة، واسمها قتيلة -بضم القاف وفتح المثناة الفوقية- ويقال رقيقة بنت نوفل، فقالت له حين نظرت إلى وجهه، وكان أحسن رجل رئي في قريش: لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع عليّ الآن، لما رأت في وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.............................

_ وقال: إنه يقتل أمي "ولروايته وجه وهو أن يكون" عبد الله "أصغر ولد أبيه حين أراد نحره، ثم ولد له بعد ذلك حمزة" من هالة "والعباس" من نثلة أو نثيلة، قال الخميس: وهذا أيضًا على تقدير أن أولاد عبد المطلب اثنا عشر. ا. هـ. أي: فتكون أعمامه حين أراد نحره تسعة وأبوه عاشرهم. وقد سبق السهيلي إلى ذا الجمع أبو ذر الخشني، فقال له قوله: أصغر بني أبيه، يعني في ذلك الوقت. قال شيخنا: وهو لا يأتي على أن الأعمام اثنا عشر، فأولاده ثلاثة عشر، فالموجودون حينئذ أحد عشرة لا عشرة، إلا أن يكون المراد دفع النقص عن العشرة، فلا ينافي ولادة واحد بعدهم غير حمزة والعباس. ذكر تزوج عبد الله آمنة: "ولما انصرف" أي: فرغ "عبد الله مع أبيه من نحر الإبل مر على امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة واسمها" فيما صدر به مغلطاي "قتيلة بضم القاف وفتح المثناة الفوقية" فتحتية ساكنة فلام فهاء تأنيث، "ويقال" اسمها "رقيقة بنت نوفل" صدر به السهيلي، قال: وهي أخت ورقة بنت نوفل وتكنى أم قتال، وبهذه الكنية ذكرها ابن إسحاق في رواية يونس. قال في العيون: وكانت تسمع من أخيها أنه كائن في هذه الأمة نبي "فقالت له حين نظرت إلى وجهه" وفيه نور المصطفى، وظنت أن النبي الكائن في هذه الأمة منه، "وكان أحسن رجل رئي" بكسر الراء ثم همزة مفتوحة ويجوز ضم الراء وكسر الهمزة ثم ياء، أي: شوهد "في قريش" أدفع "لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع علي الآن" أي: جامعني، ولعله كان من شرعهم أن المرأة تزوج نفسها بلا ولي وشهود؛ لأنها لم تكن زانية ولا مريدة له بل كانت عفيفة. قالت ذلك "لما رأت في وجهه من نور النبوة ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم" فأبى الله أن

فقال لها: أنا مع أبي، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، وقيل: أجابها بقوله: أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه وعند أبي نعيم والخرائطي وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من تبالة متهودة قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر..............................

_ يجعله إلا حيث شاء، "فقال لها: أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه" ولو لم أكن معه لوقعت عليك لوجه جائز كتزوجي بك أو مراده دفع كلامها، وإن لم يرد البغي بها ولا هم بها فلا يفهم أن المانع له مجرد كونه مع أبيه، "وقيل: أجابها بقوله: أما الحرام فالممات" وأنشده السهيلي بلفظ فالحمام "دونه" ومعرفته كالحلال مما بقي عندهم من شرائع إبراهيم؛ كغسل الجنابة والحج، فلا يرد أنهم كانوا في جاهلية لا يعرفون حلالا ولا حرامًا. "والحل لا حل" موجود لعدم تزوجي بك "فأستبينه" بالنصب في جواب النفي، أي: أطلب ظهوره وأعمل بمقتضاه، "فكيف بالأمر الذي تبغينه" أي: تطلبينه لا يكون ذلك، فاستعمل كيف بمعنى النفي وهو أحد مواقعها، "يحمي الكريم عرضه" هي أموره كلها التي يحمد بها ويذم من نفسه وأسلافه وكل ما لحقه نقص يعيبه خلافًا لابن قتيبة في قوله: عرض الإنسان هو نفسه لا أسلافه؛ لأن حسان ذكر عرض وأسلافه بالعطف في قوله: فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء "ودينه" يصونهما فلا يفعل شيئًا يدنسهما، "وعند أبي نعيم والخرائطي وابن عساكر، من طريق عطاء" ابن أبي رباح أسلم الجمحي مولاهم المكي أبي محمد التابعي الوسط الحافظ الثقة العالم الفقيه إليه انتهت فتوى أهل مكة وكان أسود أفطس أشل أعرج أعور، ثم عمي وشرفه الله بالفقه وكثرة الحديث وإدراك مائتين من الصحابة، قدم ابن عمر مكة فسألوه، فقال: تسألوني وفيكم ابن أبي رباح، مات سنة إحدى أو خمس أو سبع ومائة. "عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب" من مكة بعد نحر الإبل على ظاهر سياق المصنف، "بابنه عبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من تبالة" بفتح الفوقية فموحدة خفيفة وألف فلام مفتوحة فتاء تأنيث: موضع باليمن وآخر بالطائف، فيحتمل إرادته هذه وإرادة تلك، قاله البرهان وتبعه الشامي في الضبط، وجزم بأنه موضع باليمن وضبط بعضهم تبالة بضم التاء، سبق قلم، "متهودة" متمسكة بدين اليهود، "قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر" بضم الميم

الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت له ... وذكر نحوه. ثم خرج به عبد المطلب، حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة -وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا- فزوجه ابنته آمنة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا. فزعموا: أنه دخل..................................................

_ وراء مهملة ثقيلة، زاد البرقي عن هشام الكلبي: وكانت من أجمل النساء وأعفهن "الخثعمية" بفتح المعجمة وسكون المثلثة فعين مهملة نسبة إلى خثعم؛ كجعفر جبل وابن أنمار أبو قبيلة من معد، ذكره المجد. وظاهره: أن هذه الأوصاف وهي أنها من تبالة ومتهودة وخثعمية لامرأة واحدة، ووقع في سيرة مغلطاي اسمها قتيلة، وقيل: رقيقة، ويقال: فاطمة بنت مر، ويقال: ليلى العدوية، ويقال: امرأة من تبالة، ويقال: من خثعم، ويقال: كانت يهودية، "فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت له وذكر نحوه" نحو ما تقدم من دعائه إلى نكاحها وإبائه، زاد البرقي عن هشام الكلبي: فلما أبى، قالت: إني رأيت مخيلة نشأت ... فتلألأت بجناثم القطر فسماتها نور يضيء به ... ما حوله كإضاءة الفجر ورأيت سقياها حيا بلد ... وقعت به وعمارة القفر ورأيتها شرفًا ينوء به ... ما كل قادح زنده يوري لله ما زهرية سلبت ... منك الذي استلبت وما تدري وفي غريب ابن قتيبة: أن التي عرضت نفسها عليه ليلى العدوية, ذكره في الروض. "ثم خرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة" بضم الزاي وسكون الهاء زعم ابن قتيبة والجوهري أنها أمه وأبوه كلاب. قال السهيلي: وهذا منكر غير معروف، وفي الفتح المشهور عند جميع أهل النسب أن زهرة اسم الرجل، وشذ ابن قتيبة فزعم أنه اسم امرأته وأن ولدها غلب عليهم النسبة إليها، وهو مردود بقول إمام أهل النسب هشام الكلبي اسم زهرة المغيرة، "وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه ابنته آمنة" قاله ابن عبد البر وجماعة منهم عبد الملك بن هشام عن البكائي عن ابن إسحاق، وقيل: كانت في حجر عمها وهيب وهو المزوج لها. قاله ابن إسحاق في رواية واقتصر عليه اليعمري. "وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا" من جهة الأب، "وموضعًا" من جهة الأم، فأمها بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي وأم أمها أم حبيب بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي؛ كما فصله ابن إسحاق، فليس قوله: وموضعًا عطف تفسير، كما زعم. "فزعموا" كما قال ابن إسحاق "أنه دخل

عليها عبد الله حين ملكها مكانه، فوقع عليها يوم الاثنين من أيام منى، في شعب أبي طالب عند الجمرة، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت عليّ بالأمس؟ فقالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، إنما أردت أن يكون النور فيّ فأبى الله، إلا أن يجعله حيث شاء. تنبيه...............................................

_ عليها عبد الله حين ملكها" أي: تزوج بها "مكانه فوقع عليها" جامعها، زاد الزبير بن بكار "يوم الاثنين من أيام منى" وقيل من شهر رجب، "في شعب أبي طالب عند الجمرة" أي: الوسطى، كما هو المنقول عن الزبير، قال النجم: وهذا موافق لمن ذهب إلى أن ميلاده في رمضان، وأما القول بأنه في رجب، فمنطبق على أن ميلاده في ربيع، "فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم" وزعم الحاكم أبو أحمد أن سن عبد الله حينئذ كان ثلاثين سنة، ويأتي أن الصحيح خلافه، وقد جزم السهيلي بما لفظه: وكان بينه صلى الله عليه وسلم وبين أبيه ثمانية عشر عامًا. ا. هـ. "ثم خرج من عندها" بعدما أقام عندها ثلاثًا، وكان بينه صلى الله عليه وسلم وبين أبيه ثمانية عشر عامًا. ا. هـ. "ثم خرج من عندها" بعدما أقام عندها ثلاثًا، وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها، نقله اليعمري عن محمد بن السائب الكلبي، "فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت" قال في النور: تقدم الكلام على هذه المرأة. ا. هـ. فهو صريح في أنها المختلف فيها الاختلاف السابق. "فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت علي بالإمس؟ قالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك" بوقاعك "اليوم حاجة" لأنني "إنما أردت أن يكون النور في" بشد الياء، "فأبى الله إلا أن يجعله حيث شاء" وقد روي عن العباس: أنه لما بنى عبد الله بآمنة أحصوا مائتي امرأة من بني مخزوم وبني عبد مناف متن ولم يتزوجن أسفًا على ما فاتهن من عبد الله، وأنه لم تبق امرأة في قريش إلا مرضت ليلة دخل عبد الله بآمنة. تنبيه: ما أفاده ظاهر المصنف من أن تزوجه بآمنة عقب انصرافه من نحر الإبل هو مفاد ابن إسحاق. وفي تهذيب ابن هشام واليعمري في العيون هنا. لكن روى ابن سعد وابن البرقي والطبراني والحاكم عن ابن عباس عن أبيه: أن عبد المطلب لما سافر إلى اليمن في رحلة الشتاء، نزل على حبر من اليهود يقرأ الزبور، فقال: يا عبد المطلب بن هشام ائذن لي أنظر إلى بعضك، قلت: انظر ما لم تكن عورة، قال: ففتح إحدى منخريه فنظر فيه ثم نظر في الآخر، فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكًا وفي الأخرى نبوة، وإنا نجد ذلك في بني زهرة، قال:

ولما حملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر لحمله عجائب، ووجد لإيجاده غرائب. فذكروا أنه لما استقرت نطفته الزكية، ودرته المحمدية في صدفة آمنة القرشية نودي في الملكوت.............................

_ ألك زوجة؟ قلت: أما اليوم فلا، فقال: فإذا رجعت فتزوج منهم، فلما رجع تزوج بهالة فولدت له حمزة وصفية، وزوج عبد الله بآمنة، أي: ابنة عمها، فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: فلج عبد الله على أبيه، وهو بفتح الفاء واللام والجيم، أي: ظفر بما طلب، وفيه شيئان: أحدهما ظاهره قوله: نجد ذلك في بني زهرة، ورجوع اسم الإشارة للملك والنبوة مع أن الملك إنما كان في بني العباس وأمه ليست بزهرية، بل من بني عمرو بن عامر؛ كما مر، فيتعين عود الإشارة إلى النبوة فقط. الثاني: قوله: أما اليوم فلا، مع ما ذكره اليعمري وغيره أن ضرارًا كان شقيق العباس المفيد وجود أمه قبل قصة الذبح، فيمكن أن قوله: أما اليوم، أي: هذا الزمن فلا زوج معي بهذه الأرض، فلا ينافي أن له زوجة بغيرها، ثم لا ينافي هذا مفاد المصنف والجماعة لجواز أنه لما رجع من اليمن رأى الرؤيا ووقعت قصة الذبيح، فلما انصرف منها تزوج وزوج ابنه، والعلم عند الله. ولما ذكر المصنف أنه حين بنى بها حملت به صلى الله عليه وسلم، أراد ذكر بعض ما حصل في حملها إظهارًا لشرف المصطفى مصدرًا ذلك بشذا عقبة صوفية، فقال: "ولما حملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر لحمله" اللام للتوقيت، أي: في مدته كلها "عجائب" فليس المراد عند ابتدائه فقط "و" لما وجد "وجد لإيجاده" أي: ظهوره في العالم بولادته وغاير تفننًا "غرائب" وإذا أردت معرفتها "فـ" نقول: "ذكروا أنه لما استقرت نطفته" التي خلق منها، فالإضافة لأدنى ملبسة "الزكية" الطاهرة النامية الممدوحة "ودرته" بضم الدال عطف تفسير إشارة إلى أن نطفته كالدرة التي هي اللؤلؤة العظيمة في النفاسة، ووصفها بقوله: "المحمدية" بمعنى المحمودة مبالغة في كمالها "في صدفة" بفتحتين غشاء الدر جمعها صدف، أي: رحم "آمنة القرشية" فشبه رحمها لاشتماله على نطفته بالصدفة المشتملة على اللؤلؤ استعارة تصريحية، وفي نسخة: صدف بدون هاء، فجعل كل جزء من أجزاء نطفته درة وكل جزء من أجزاء محلها صدفة مبالغة وتعظيمًا، أو جعل محل الولد لكونه مبدأ أو محلا لمن هو بمنزلة جميع العالم بل أعظم أرحامًا كثيرة فشبهها بالصدف، واستعار لها اسمه استعارة تصريحية. "نودي" المنادي ملك على ما يأتي "في الملكوت" اسم مبني من الملك؛ كالجبروت والرهبوت من الجبر والرهبة، قاله في النهاية. وقال الراغب: أصل الجبر إصلاح الشيء يضرب من

ومعالم الجبروت، أن عطروا جوامع القدس الأسني، وبخروا جهات الشرف الأعلى، وافرشوا سجادات العبادات في صفف الصفاء لصوفية الملائكة المقربين، أهل الصدق والوفاء، فقد انتقل النور المكنون إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر، والفخر المصون، قد خصها الله تعالى القريب المجيب بهذا السيد المصطفى الحبيب، لأنها أفضل قومها حسبًا، وأنجب وأزكاهم أخلاقًا وفرعًا وأطيب.

_ القهر، وقد يقال الجبر في الإصلاح المجرد؛ كقول علي: يا جابر كل كسير ومسهل كل عسير، وتارة في القهر المجرد، ولعل الثالث مراد قول النهاية من الجبر. "ومعالم" جمع معلم "الجبروت" فعلوت من التجبر، قاله الراغب. والمراد: نودي في أفق السماء بذلك؛ لأنها الذي يظهر فيها كمال ملك الله وقهره؛ لأن أهلها الملائكة عالمون بذلك فهم دائمًا في مقام الخشية والإجلال؛ كما قال تعالى: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] ، "أن عطروا جوامع القدس" بضمتين وسكون الدال الطهارة "الأسنى" الأشرف من السناء بالمد الرفعة، والمعنى: طيبوا أماكن الطهارة الشريفة، "وبخروا جهات الشرف الأعلى" عطف تفسير على سابقه، والمراد منهما: أظهروا علامات التعظيم في السماوات وما حولها فرحًا بمحمد صلى الله عليه وسلم. "وأفرشوا" بضم الراء وكسرها، كما في المصباح "سجادات" جمع سجادة، قال الجوهري: خمرة بالضم صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط، "العبادات في صفف" بضم الصاد وفتح الفاء جمع صفة "الصفاء" بالمد، ضد الكدر "لصوفية" كلمة مولدة؛ كما في المصباح، نسبة للتصوف وهو تجريد القلب لله واحتقار ما سواه بالنسبة لعظمته سبحانه، وإلا فاحتقار نحو نبي كفر، وقيل غير ذلك حتى أوصلها بعضهم زهاء ألف قول، "الملائكة المقربين أهل الصدق والوفاء" والمراد: تهيئوا للعبادة وإظهار السرور بالمصطفى؛ لأنه يظهر الحق ويبطل الباطل "فقد" الفاء تعليلية، أي: افعلوا ذلك؛ لأنه قد انتقل النور المكنون" المستور المخفي عن الأعين المدخر في الأصلاب من آدم إلى عبد الله "إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر" الظاهر الغالب لغيره، بحيث قيل: أعطاها الله من الجمال والكمال ما كانت تدعي به حكيمة قومها، "والفخر" المباهاة بالمكارم من حسب ونسب، "المصون" بوزن مفعول على نقص العين؛ كما في المصباح، أي: المحفوظ عما يشينه "قد خصها الله تعالى القريب المجيب" من بين النساء التي تعلقن بتزويج عبد الله "بهذا السيد المصطفى الحبيب" وعلل تخصيصها بذلك؛ "لأنها أفضل قومها حسبًا وأنجب وأزكاها أخلاقًا وفرعًا وأطيب" فلم تنجب امرأة قط مضارع من أنجبت، ولا فرعت في نساء الدنيا مشابه من فرعت: من لحواء أنها حملت أحمـ ... ـد أو أنها به نفساء

وقال سهل بن عبد الله التستري فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ: لما أراد الله تعالى خلق محمد صلى الله عليه وسلم في بطن آمنة، ليلة رجب، وكانت ليلة جمعة، أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان، أن يفتح الفردوس..................................

_ وحاصل المعنى: أنه تعالى لما اختار لصفوة خلقه من أصوله في كل عصر أشرفه، وكانت آمنة أفضل قومها جعلها معدنًا لظهور نوره وتكونه. وقال" بواو الاستئناف المبينة لما أخبر به في قوله: فذكروا، فلا يرد أنه دليل على ما قدمه فيجب حذف الواو؛ لأن الدليل لا يعطف. "سهل ابن عبد الله" بن يونس بن عبد الله بن رفيع "التستري" الصالح المشهور الذي لم يسمع بمثله الدهر علمًا وورعًا، صاحب الكرامات الشهرية المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين بالبصرة، وولد سنة مائتين أو إحدى ومائتين بتستر بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة آخره راء مهملة، كما ضبطه النووي وغيره، وحكي ضم الفوقيتين، وفتح الأولى وضم الثانية بالأهواز أو بجوزستان، ويقال أيضًا: شيشتر بمهملتين ومعجمتين. "فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ" أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت صاحب التصنيف الإمام الكبير محدث الشام والعراق المتقن الضابط العالم بصحيح الحديث وسقيمه المتعنت في علله وأسانيده، ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وعني بالحديث ورحل فيه إلى الأقاليم، وسمع أبا الصلت الأهوازي وأبا عمر بن مهدي وخلقًا، وحدث عنه البرقاني أحد شيوخه وابن ماكولا وخلق وقرأ البخاري على كريمة بمكة في خمسة أيام، وعلى إسماعيل الحيري في ثلاثة مجالس ذكره الذهبي، وقال: هو أمر عجب، وتوفي ببغداد سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ودفن عند بشر الحافي؛ لأنه شرب ماء زمزم على ذلك، وإملائه بجامع المنصور، وتحديثه بتاريخ بغداد، فقضي له بالثلاثة. "لما أراد الله تعالى خلق حمد صلى الله عليه وسلم في بطن آمنة ليلة" أول "رجب"، وهذا كما مر عن النجم منطبق على أن ميلاده في ربيع، يعني: على أحد الأقوال الآتية أن مدة الحمل ثمانية أشهر، ورجب من الشهور مصروف؛ كما في المصباح، وذكر التفتازاني منعه أن أريد به معين كصفر ووجه بأنه معدول عن الصفر والرجب فمنعا للعلمية والعدل أو العلمية والتأنيث باعتبار المدة. "وكانت ليلة جمعة" لا ينافي ذلك أن أطواره يوم الاثنين؛ لأن ذلك في الأطوار الظاهرة، كالولادة وما هنا فيما قبلها. "أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس" الذي هو أعلى

ونادى مناد في السماوات والأرض: ألا إن النور المخزون المكنون الذي يكون منه النبي الهادي، في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه ويخرج إلى الناس بشيرًا ونذيرًا. وفي رواية كعب الأحبار: أنه نودي تلك الليلة في السماء وصفاحها، والأرض وبقاعها، أن النور المكنون الذي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطن آمنة، فيا طوبى لها ثم يا طوبى، وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا منكوسة، وكانت قريش في جدب شديد، وضيق عظيم، فاخضرت الأرض وحملت الأشجار، وأتاهم الرفد من كل جانب، فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الفتح والابتهاج. وطوبى: الطيب والحسنى والخير والخيرة......................

_ درجات الجنة، وأعلاه الوسيلة إظهارًا لكرامته صلى الله عليه وسلم، "ونادى مناد في السماوات والأرض: ألا إن النور المخزون المكنون" صفة لازمة "الذي يكون منه النبي الهادي" بإثبات الياء أصح من حذفها، "في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه" أي: في البطن وهو خلاف الظهر مذكر؛ كما في القاموس. "ويخرج إلى الناس بشيرًا ونذيرًا" أي: موصوفًا بهما عند الله وإن تأخر وقوعهما في الخارج إلى بعثته أو حال منتظرة، فلا يرد أنهما إنما يكونان بعد البعثة وليست مقارنة لخروجه. "وفي رواية كعب الأحبار: أنه نودي تلك الليلة" التي حمل فيها بالمصطفى "في السماء وصفاحها" أي: جوانبها، "والأرض وبقاعها" أي: أجزائها وكأن الغرض من عطف الصفاح والبقاح الإشارة إلى تعميم مواضع النداء، "أن النور المكنون الذي منه رسول الله"، أي: تصور منه جسده "صلى الله عليه وسلم" انتقل "في بطن أمه، فيا طوبى لها، ثم يا طوبى" تأكيد لما قبله، "وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا" جميعها "منكوسة" أي: مقلوبة على رءوسها "وكانت قريش في" زمن "جدب" بدال مهملة ضد الخصب، "شديد وضيق عظيم" شدة وكرب عطف مسبب على سبب، أي: إن عدم الخصب كان سببًا في شدة أمرهم، "فاخضرت الأرض وحملت الأشجار وأتاهم" بالقر "الرفد" بكسر الراء: الخير الكثير، "من كل جانب، فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الفتح" وسنة "الابتهاج" أي: السرور "وطوبى" في قوله: فطوبى لها ثم يا طوبى، المراد بها هاهنا "الطيب" فواوها بدل من الياء، "والحسنى والخير والخيرة" قال المصباح: بكسر الخاء وفتح الياء التخير، وبفتح الخاء وسكون الياء الفاضلة من كل شيء، وبكسر الخاء وسكون الياء:

قاله في القاموس. وقال غيره: فرح وقرة عين. وقال الضحاك: عطية. وقال عكرمة: نعم. وفي الحديث: "طوبى للشام فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها". فالمراد بها هنا: "فعلى" من الطيب وغيره مما ذكر، لا الجنة ولا الشجرة. وفي حديث ابن إسحاق: أن آمنة كانت تحدث: أنها أتيت............................

_ الاختيار، "قاله في القاموس" المحيط، أي: البحر في جملة معان ذكرها، اقتصر منها المصنف على ما نقله؛ لأنه المناسب عنده. "وقال غيره" المراد بها "فرح وقرة عين وقال الضحاك" بن مزاحم الهلالي البلخي نسبة إلى بلخ مدينة بخراسان المفسر ضعفه يحيى بن سعد ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وغيرهم، وفي التقريب: صدوق كثير الإرسال، روى له أصحاب السنن الأربعة توفي سنة خمس، وقيل: ست ومائة. "عطية، وقال عكرمة" بن عبد الله البربري مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدني المفسر الحافظ المتوفى سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، "نعم" جمع نعمة، "وفي الحديث" الذي رواه الترمذي عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "طوبى للشام" بهمزة ساكنة يخفف بحذفها وفي لغة شآم بالمد، حكاها جماعة. قال في المطالع: وأباها أكثرهم والمشهور أنه مذكر، وقال الجوهري: يذكر ويؤنث. وفي تاريخ ابن عساكر: دخل الشام عشرة آلاف عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم "فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها" استدلال على أن طوبى تطلق على غير الجنة والشجرة؛ "فالمراد بها هنا" في قوله: فيا طوبى لها "فعلى من الطيب، وغيره مما ذكر" من فرح وقرة عين وعطية ونعم "لا الجنة ولا الشجرة" لأنها كانت زمن حملها في جاهلية، وإنما الجنة والشجرة للمؤمنين، قال صاحب الخميس: ويحتمل أن تفسر بالجنة والشجرة، انتهى. أي: لأنها من أهل الفترة وليسوا كلهم بمعذبين، ولأن المختار أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان، فما آل أمرهما إلى الجنة والشجرة وهذه البشارة من الملك فلا مانع أن الله أعلمه بمآل أمرها، فبشرها بذلك. "وفي حديث ابن إسحاق" إمام المغازي في سيرته بلفظ: ويزعمون فيما يتحدث الناس "أن آمنة كانت تحدث أنها أتيت" بضم الهمزة مبني لما لم يسم فاعله، أي: رأت في امنام، قاله في النور ونحوه قول الشامي هي رؤيا منام وقعت في الحمل، وأما ليلة المولد فرأت ذلك

حين حملت به صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، وقالت: ما شعرت بأني حملت به، ولا وجدت له ثقلا، ولا وحمًا، كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي، وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال: هل شعرت بأنك قد حملت بسيد الأنام، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال لي: قولي: أعيذه بالواحد ... من شر كل حاسد ثم سميه محمدًا. وفي رواية غير ابن إسحاق: وعلقي عليه هذه التميمة..........................

_ رؤية عين. "حين حملت بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة" بل بسيد الأولين والآخرين وقصره على هذه الأمة؛ لأن سيادته بالأمر والنهي إنما وجدت فيها، "وقالت" آمنة أيضًا مما رواه ابن إسحاق مسندًا لا من تتمة ما قبله، ومن ثم لم يعطفه المصنف بالفاء، "ما شعرت" قال النور: بفتح أوله وثانيه، أي: علمت "بأني حملت به ولا وجدت له ثقلا" بكسر المثلثة وفتح القاف وتسكن للتخفيف؛ كما في المصباح والقاموس، وعند الواقدي كما في العيون: ثقلة، قال في النور: بفتح المثلثة والقاف، تقول: وجدت ثقلة في جسدي: أي: ثقلا وفتورًا، حكاه الكسائي. "ولا وحمًا" بفتحتين مصدر وحم بسكر الحاء؛ كما في المختار، أي: شهوة الحبلى. "كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي" بكسر الحاء هنا الاسم من الحيض والحالة التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة، وأما بالفتح فالمرة الواحدة من دفع الحيض ونوه به، قاله البرهان وتبعه الشامي وهو ظاهر؛ لأن الإنكار للهيبة الحاصلة للحائض عند نزول الدم من الضعف المقارن لنزوله أو المتقدم عليه الدال على حصوله، "وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة" بفتح الياء وسكون القاف، والذي عند ابن إسحاق: وأنا بين النوم واليقظة، أو قالت: بين النائمة واليقظانة، ورواه الواقدي كما في العيون بلفظ: بين النائم واليقظان، قاله الشامي تبعًا للبرهان: ذكرت آمنة اللفظين على إرادة الشخص. "فقال: هل شعرت" علمت "بأنك قد حملت بسيد الأنام، ثم أمهلني حتى إذا دنت" قربت "ولادتي أتاني، فقال لي: قولي" إذا وضعتيه "أعيذه" أطلب عصمته وحفظه "بالواحد" في ذاته وأسمائه وصفاته "من شر كل حاسد، ثم سميه محمدًا" ولا يلزم من أمرها بالتسمية أن لها ولايتها بل وافقها جده حين أخبرته؛ كما صرح به المصنف في المقصد الثاني تبعًا للسهيلي هنا، فقال ما حاصله: سماه جده محمدًا لرؤيا رآها مع ما حدثته به أمه حين قيل لها: إذا وضعتيه فسميه محمدًا، ثم هذا الذي قلناه كله رواية ابن إسحاق. "وفي رواية غير ابن إسحاق: وعلقي عليه هذه التميمة" سماها تميمة لمشابهتها لها في

قالت فانتبهت وعند رأسي صحيفة من ذهب مكتوب فيها هذه النسخة. أعيذه بالواحد ... من شر كل حاسد وكل خلق رائد ... من قائم وقاعد عن السبيل حائد ... على الفساد جاهد من نافث وعاقد ... وكل خلق مارد يأخذ بالمراصد ... في طرق الموارد قال الحافظ عبد الرحيم العراقي:.......................................

_ التعليق وإلا فأصلها كما في القاموس: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم تعقد في العنق، جمعها تمائم وتميم. "قالت: فانتبهت وعند رأسي صحيفة" قطعة "من ذهب مكتوب فيها هذه النسخة" هي لغة الكتاب المنقول، لكن المراد هنا مكتوب فيها أحرف قوله: "أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، وكل خلق" مخلوق "رائد" طالب للسوء، وأصله المرسل لطلب الكلأ "من قائم وقاعد" تعميم لرائد "عن السبيل" الطريق السوي "حائد" مائل صفة ثانية الخلق "على الفساد" صفة ثالثة "جاهد" متحمل للمشقة في تحصيله، حتى كأنه استعلى عليه "من نافث" ساحر "وعاقد" يعقد عقدًا في خيط وينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه، وهذا بيان لجاهد فلا يرد أن الأولى الإتيان بالواو، أي: وأعيذه من كل نافث، "و" أعيذه من "كل خلق مارد" عاب متجبر "يأخذ بالمراصد" جمع مرصد كمذهب موضع الرصد والراصد للشيء الراقب له، وبابه نصر كما في المختار والجملة صفة مارد أو خلق، "في طرق الموارد" المواضع التي يجتمع فيها الناس وطرق المياه المقصودة للاستقاء. "وقال الحافظ عبد الرحيم العراقي" أبو الحسين الأثري الإمام الكبير العلم الشهير، ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعني بالفن فبرع فيه وتقدم بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة؛ كالسبكي وابن كثير والعلائي وغيرهم، ونقل عنه الجمال الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر وله مؤلفات في الفن بديعة، قال تلميذه الحافظ ابن حجر: وشرع في إملاء الحديث من سنة ست وتسعين فأحيا الله به السنة بعد أن كانت دائرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من حفظه متقنة مهذبة، محررة كثيرة الفوائد الحديثية، قال: وكان جميل الصورة، منور الشيبة، كثير الوقار، نزر الكلام، سليم الصدر، كثير الحياء لا يواجه أحدًا بما يكره ولو آذاه، صالحًا متواضعًا، ضيق المعيشة، كثير التلاوة إذا ركب، حسن النادرة والفكاهة، لا يترك قيام الليل بل صار له كالمألوف، مات في شعبان سنة ست

هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير، وجعلها من حديث ابن عباس ولا أصل لها. انتهى. نعم عند البيهقي من حديث ابن إسحاق أعيذه بالواحد من شر كل حاسد في كل بر عاهد وكل عبد رائد يرود غير رائد فإنه عبد حميد ماجد حتى أراه أثر المشاهد. وعن شداد بن أوس أن رجلا من بني عامر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حقيقة أمرك، فقال: "بدو شأني أني دعوة "أبي" إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، وأني كنت بكر أبي وأمي

_ وثمانمائة. "هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير وجعلها من حديث ابن عباس، ولا أصل لها" يعتد به "انتهى". وقد رواه أبو نعيم وزاد عقب الأبيات: أنها هم عنه بالله الأعلى، وأحوطه منهم باليد العليا، والكنف الذي لا يرى، يد الله فوق أيديهم، وحجاب الله دون عاديهم، لا يطردونه ولا يضرونه في مقعد، ولا في منام، ولا مسير، ولا مقام أول الليل وآخر الأيام. قال الشامي: وسنده واه جدًا، وإنما ذكرته لأنبه عليه لشهرته في كتب المواليد. ويقع في بعض النسخ زيادة هي: "نعم عند البيهقي من حديث ابن إسحاق: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد في كل بر" ضد بحر "عاهد" اسم فاعل من عهد صفة لحاسد، أي: يتعهده بالحسد أينما سار كأنه لا ينفك عن حسده "و" أعيذه من "كل عبد رائد" طالب السوء "يرود" يطلبه له "غيره رائد" غير طالب له الكلأ كناية عن أنه لا ينفعه بوجه، "فإنه عبد حميد ماجد" اسمان له سبحانه "حتى أراه أثر المشاهد" وهو استدراك على قوله السابق. وفي رواية غير ابن إسحاق: كأنه قال: لكن جاء قريب منه عن ابن إسحاق في غير السيرة عند البيهقي: "وعن شداد بن أوس" بن ثابت الأنصاري، أبي يعلى الصحابي ابن أخي حسان بن ثابت المتوفى بالشام قبل الستين، وقيل: بعدها رضي الله عنه: "أن رجلا من بني عامر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال له: "ما حقيقة أمرك؟ " حالك "فقال: "بدو شأني" ظهور أمري "أني دعوة أبي إبراهيم" في قوله تعالى حكاية عنه وعن إسماعيل: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129] ، ولعله خص إبراهيم بالذكر لمزيد شرفه، أو لأنه الأصل أو الداعي، وإسماعيل أمن "وبشرى أخي عيسى" قال تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] ، "وأني كنت بكر أبي وأمي" أول أولادهما، ومقصوده: أنهما ما ولدا قبله ولا يلزم منه وجود ثان،

وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد، ثم إن أمي رأت في منامها أن الذي في بطنها نور". الحديث. ففيه: أن أمه -عليه الصلاة والسلام- وجدت الثقل في حمله، وفي سائر الأحاديث أنها لم تجد ثقلا وجمع أبو نعيم الحافظ بينهما بأن الثقل به كان في ابتداء علوقها به، والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون على الحالين خارجًا عن المعتاد المعروف، انتهى. وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة...................

_ فلا ينافي أنهما لم يلدا غيره، "وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد" من ذلك الحمل "ثم إن أمي رأت في منامها أن الذي في بطنها نور" الحديث، ففيه" تصريح "أن أمه عليه الصلاة والسلام وجدت الثقل في حمله، وفي سائر الأحاديث أنها لم تجد ثقلا" فحصل التعارض، "وجمع أبو نعيم الحافظ" أحمد بن عبد الله الأصفهاني الصوفي "بينهما" بين حديث شداد وبين سائر الأحاديث، "بأن الثقل به كان في ابتداء علوقها به" ولعلها حملته على أنه مرض أصابها، فلا ينافي أنها ما علمت به أو الابتداء نسبي وهو ما قرب من أول مدة الحمل لا حقيقي، ولم يفهم هذا من اعترض جمعه بأن عدم علمها به يقتضي أن الثقل لم يكن في ابتدائه، "والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون" أمر حمله "على الحالين خارجًا عن المعتاد المعروف" عند النساء، فإنه في ابتدائه خفيف، فإذا استمر اشتد، "انتهى". جمع أبي نعيم: وبه يشعر قولها السابق كما تجد النساء، فإن الكلام إذا اشتمل على قيد زائد كان هو المقصود، كما قال عبد القاهر: فكأنها قالت: وجدت له ثقلا ليس كالثقل الذي تجده النساء، وجمع غيره: بأن المنفي الثقل المعنوي وهو الوجع والألم الحاصل للحوامل والمثبت لحسي وهو رزانته وزيادة مقداره من غير ألم ولا تعب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم وزن بجميع أمته فرجحهم، وعندي: أن هذا تعسف لا دليل عليه وعلته لا تفيد دعواه، وإن زعم صاحبه أنه خير من جمع أبي نعيم. "وروى أبو نعيم" المذكور في الدلائل "عن ابن عباس رضي الله عنهما" أنه "قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم" وهذا موقوف لفظًا وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيًا "أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة" وتخصيص دوابهم بالنطق لعله لإعلامهم فضله من أول الأمر فلا يكون لهم شبهة ولا عذر وقت دعوته لكن لا تتم هذه النكتة إلا إن كانوا سمعوا نطق الدواب

وقالت: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء: أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ميمونًا مباركًا ... الحديث. وهو شديد الضعف.

_ "وقالت: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة" وقالت: "هو" صلى الله عليه وسلم "إمام الدنيا" بالميم: قدوة أهلها، ورأيته في خصائص السيوطي الكبرى عن أبي نعيم أمان بالنون، أي: أمانها من العاهات العامة، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، "و" قالت: هو "سراج أهلها" فهذا من جملة نطق الدواب الذي أخبر به ابن عباس، وتجويز أن الضمير له وأن المصنف قصد به جواب سؤال هو: أن ابن عباس ما شاهد ذلك ولا نقله، فمن أين علمه حتى أخبر به؟ خطأ باطل، فهذا موجود في كتاب أبي نعيم الدلائل، ونقله عنه السيوطي وغيره، وتشبث مجوزه بأن شيخه اقتصر على قوله: ورب الكعبة، وعقبه بقوله: ومثله لا يقال رأيًا لا يجدي، فلا حجة في الترك. وأما جواب السؤال، فهو قوله: لا يقال رأيًا، فقصد بذلك أن حكمة الرفع؛ كما قدمنا ومن العجيب أني لما أوردت على مبدئ هذا الاحتمال قول المصنف بعد الحديث، قال: نعم، لكن يجوز أن جملة معترضة بين أجزاء الحديث وهو فاسد نشأ من الاحتمال العقلي، فليس الإدراك بالتشهي؛ كما صرح به في فتح الباري. وإنما يعرف بورود رواية أخرى مبنية للقدر المدرج أو بالنص عليه من الراوي، أو من إمام مطلع؛ كما في شرح النخبة وغيرها على أن هذا مغلطة؛ لأن الإدراك من قول راو، والدعوى أنه من كلام المصنف، ثم لا يصح إطلاق أن ابن عباس إمام الدنيا وسارج أهلها، فإنهما هما وصفان للنبي صلى الله عليه وسلم. "ولم يبق سرير ملك" بكسر اللام "من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا" مقلوبًا عن الهيئة التي كان عليها بأن صار أعلاه أسفله فهو مجاز إذ نكس قلبه على رأسه على ظاهر المختار إن لم يكن تجوز بالرأس عن الأعلى، وفي الخميس: وكلت الملوك حتى لم يقدروا في ذلك اليوم على التكلم، "وفرت" حقيقة، ولا مانع منه "وحوش" جمع وحش حيوان البر "المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات" بما حصل لها من الفرح والسرور، وكأنها لقربها من موضع الحمل علمت ذلك بنداء الملائكة أو سماع دواب قريش أو بما شاء الله. "وكذلك أهل البحار" صار "يبشر بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء" هو "أن أبشروا فقد آن" قرب "أن يظهر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم" حال كونه "ميمونًا مباركًا ... الحديث، وهو شديد الضعف

وعن غيره: لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور، ولا دابة إلا نطقت. وعن أبي زكريا يحيى بن عائذ: بقي صلى الله عليه وسلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا، لا تشكو وجعًا ولا مغصًا ولا ريحًا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء، وكانت تقول: والله ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة. ولما تم لها من حملها شهران توفي عبد الله.....................

_ و" روي "عن غيره" عن غير ابن عباس "لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت" أضاءت. "ولا مكان" أعم من الدار "إلا دخله النور" لهذه الزيادة أتى به "ولا دابة" ظاهره: عموم الدواب إلا أن يحمل على قوله في الرواية السابقة من دواب قريش "إلا نطقت" ولم يبين في هذه الرواية ما نطقت به، وبينه في السابقة، بقوله: وقالت: حمل برسول الله ... إلخ. ومن العجائب نقله من كلام غير المتن مع كونه قطعة منه، وينادي على ناقله بإبطال ذلك الاحتمال. "وعن أبي زكريا يحيى" بن مالك "بن عائذ" بتحتية وذال معجمة نسبة لجده لشهرته به الحافظ الكبير الأندلسي سمع أبا سهل القطان ودعلج بن أحمد وابن قانع، وأملى الحديث بجامع قرطبة، صعد المنبر يوم الجمعة ليخطب فمات في الخطبة فجأة في شعبان سنة ست وتسعين وثلاثمائة، فأنزل وطلب في الحال من يخطب. "بقي صلى الله عليه وسلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا" بفتحتين مخفف الميم، أي: كاملة، وهذا أحد أقوال خمسة في مدة الحمل تأتي في المصنف، وذكره هنا لما بعده لا مقصود "لا تشكو وجعًا" في رأسها من نحو الدوخة التي تعرض للحامل ولا في بدنها من استرخاء الأعضاء والمفاصل "ولا" تشكو "مغصًا ولا ريحًا" في بطنها "ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء" من حب بعض المأكول وبغض بعضه؛ كما مر في قولها: لم أجد لحمله وحمًا فليس فسيريًا، كما زعم "وكانت تقول: والله ما رأيت" ما علمت "من حمل" لواحدة من النساء؛ لأنها ما حملت بغيره صلى الله عليه وسلم "هو أخف منه، ولا أعظم بركة" كناية عن كونه أخف ما يوجد من الحمل بناء على الاستعمال لا اللغة، فلا يرد أنه لا ينفي رؤيتها من يساويه مع أن قصدها أنه أخف ما يوجد، فهو كقولهم: ليس في البلد أعلم من زيد، يريدون أنه أعلم أهلها، ثم ذكر المصنف وفاة والده صلى الله عليه وسلم توطئة لما يأتي من امتناع الرضعاء من أخذه لموت أبيه، فقال: "ولما تم لها" لآمنة "من حملها شهران" وقيل: قبل ولادته بشهرين "توفي عبد الله" بن عبد المطلب عن خمس وعشرين سنة، قال الواقدي: وهو الأثبت أو عن ثلاثين سنة، قاله أبو أحمد الحاكم، أو عن ثمان وعشرين، أو عن ثمان عشرة سنة، وهو الذي صححه الحافظ العلائي، والحافظ ابن حجر، واختاره السيوطي

وقيل: توفي وهو في المهد، قاله الدولابي. وعن ابن أبي خيثمة: وهو ابن شهرين. وقيل: وهو ابن سبعة أشهر وقيل: وهو ابن ثمانية وعشرين شهرًا. والراجح المشهور: الأول.

_ "وقيل توفي" عبد الله "وهو" صلى الله عليه وسلم "في المهد". قال السهيلي: وهو قول أكثر العلماء، واحتج له بقول عبد المطلب لأبي طالب: أوصيك يا عبد مناف بعدي بمؤتم بعد أبيه، فرد: فارقه وهو ضجيع المهد، انتهى. قال السمين: المهد ما يمهد للصبي ليربى فيه من مهدت له المكان، أي: وطأته ولينته، وفيه احتمالان: أحدهما: أن أصله المصدر فسمي به المكان وأن يكون بنفسه اسم مكان من غير مصدر، وقد قرئ مهدًا ومهادًا في طه. "قاله" الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد بن حامد بن سعيد الأنصاري الرازي "الدولابي" سمع محمد بن بشار وهارون بن سعيد وطبقتهما، ورحل وصنف، وعنه ابن أبي حاتم وابن عدي وابن حبان والطبراني وغيرهم. قال الدارقطني: تكلموا فيه وما يظهر من أمره الأخير، وقال ابن يونس: ضعيف ولد سنة أربع وعشرين ومائتين ومات بالعرج بين مكة والمدينة سنة عشر وثلاثمائة، قال في اللب: كأصله الدولابي صوابه بفتح أوله والناس يضمونه إلى عمل الدولاب، ودولاب قرية بالري، قال ابن السمعاني: وظني أن بعض أجداده نسب إلى عمل الدولاب، قال: وأصله من الري، فيمكن أن يكون من قرية دولاب، انتهى. وفي النور والقاموس: الدولاب القرية بالضم والذي كالناعورة بالضم ويفتح، "و" على كونه توفي وهو في المهد اختلف كم كان سنه صلى الله عليه وسلم، فنقل "عن" الحافظ أحمد "بن أبي خيثمة" زهير بن حرب الحافظ ابن الحافظ الإمام الثابت أبي بكر النسائي ثم البغدادي، قال الخطيب: ثقة عالم متقن حافظ بصير بأيام الناس، راوية للأدب، أخذ علم الحديث عن أحمد وابن معين، وعلم النسب عن مصعب، وأيام الناس عن المدائني، والأدب عن محمد بن سلام الجمحي، ولا أعرف أغزر فوائد من تاريخه بلغ أربعًا وتسعين سنة، ومات في جمادى الأولى ستة تسع وسبعين ومائتين؛ "وهو ابن شهرين، وقيل" مات "وهو" عليه الصلاة والسلام "ابن سبعة أشه" بموحدة بعد السين، حكاه في العيون، وقيل: ابن تسعة "وقيل" مات "وهو" صلى الله عليه وسلم "ابن ثمانية وعشرين شهرًا" فكل هذه الأقوال مبنية على أنه مات وهو في المهد، وهو صريح العيون والسبل، "والراجح المشهور" كما قال ابن كثير ورجحه الواقدي وابن سعد والبلاذري والذهبي: هو

وكان عبد الله قد رجع ضعيفًا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم، ورموا بالمدينة يثرب، فتخلف عند أخواله بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضًا شهرًا، فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه فقالوا: خلفناه مريضًا، فبعث إليه أخاه الحارث فوجده قد توفي، ودفن في دار التابعة، وقيل دفن بالأبواء. وقالت آمنة زوجته ترثيه: عنا جانب البطحاء من آل هاشم ... وجاور لحدًا خارجًا في الغماغم

_ "الأول" يعني أنه مات وهو حمل، والحجة له ما في المستدرك عن قيس بن مخرمة: توفي أبو النبي صلى الله عليه وسلم وأمه حبلى به، قال الحاكم: على شرط مسلم، وأقره الذهبي. "وكان عبد الله" فيما رجحه الواقدي، وقال: هو أثبت الأقاويل، "قد رجع" من غزة "ضعيفًا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم ومروا بالمدينة يثرب" بدل أتى به لدفع توهم أن المراد غيرها؛ لأنها حينئذ ما كانت معروفة إلا بيثرب لا المدينة، سميت بيثرب بن قابل بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها، وقد غيره صلى الله عليه وسلم إلى طيبة وسماها الله طابة، رواه مسلم، قال عيسى بن دينار: من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة، وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب، قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من سمى المدينة بيثرب فليستغفر الله عز وجل، وهي طابة وإنما سميت في القرآن حكاية". "فتخلف عن أخواله بني عدي بن النجار" أي: أخوال أبيه؛ لأن هاشمًا تزوج من بني عدي فولدت له عبد المطلب، أما أخوال عبد الله فإنما هم من قريش من بني مخزوم "فأقام عندهم مريضًا شهرًا، فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه، فقالوا: خلفناه مريضًا" عند أخواله "فبعث" عبد المطلب "إليه أخاه" أخا عبد الله "الحارث" وقال ابن الأثير: الزبير، "فوجده قد توفي" بالمدينة "ودفن" بها "في دار التابعة" بفوقية فموحدة فعين مهملة؛ كما في الزهر الباسم، قال الخميس: وهو رجل من بني عدي بن النجار. "وقيل: دفن بالأبواء" بفتح أوله ومد آخره قوية من عمل الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، والصحيح: أنها سميت بالأبواء لتبويء السيول بها، قاله ثابت بن حزم الحافظ، وقيل: لما فيها من الوباء. قال البرهان وغيره: ولو كان كذلك لقيل الأوباء، أو يكون مقلوبًا منه. "وقالت: آمنة زوجته ترثيه" شعرًا "عنا جانب البطحاء" المختار: عفا المنزل درس وضمنته معنى خلا، فعدته بمن في "من آل هاشم" وجعلت خلوها منه خلوا من آل هاشم مبالغة لعدم قيام غيره منهم مقامه، أو الإضافة عهدية والمعهود زوجها أطلقت عليه آل؛ لأنه اسم لأهل الرجل وعياله، فيطلق على الكثير الواحد. "وجاور" من المجاورة "لحدًا خارجًا في الغماغم" بغينين معجمتين وميمين، أي:

دعته المنايا دعوة فأجابها ... وما تركت في الناس مثل ابن هاشم عشية راحوا يحملون سريره ... تعاوره أصحابه في التزاحم فإنك تك غالته المنون وريبها ... فقد كان معطاء كثير التراحم ويذكرعن ابن عباس، أنه لما توفي عبد الله قالت الملائكة إلهنا وسيدنا، بقي نبيك يتيمًا، فقال الله تعالى: أنا له حافظ ونصير. وقيل لجعفر الصادق: لم يتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: لئلا...................

_ الأغطية، قاله الشامي. وكان المراد الأكفان التي لف فيها؛ فكأنها قالت: جاور حال كونه مدرجًا في أكفانه لحدًا بعيدًا عن أماكن أهله، "دعته المنايا" جمع منية بشد الياء: الموت، "دعوة" ويروى بغتة "فأجابها" وإسناد الدعوة إلى المنايا تجوز؛ وكأنها أرادت: ناداه ملك الموت حيث أراد قبض روحه، فأجابه بمعنى قام به الموت أو أسبابه حتى توفي، "وما تركت" المنايا "في الناس مثل ابن هاشم" عبد الله؛ لأنه كان يتلألأ نورًا في قريش وكان أجملهم فشغفت به نساؤهم وكدن أن تذهل عقولهن، قال أهل السير، فلقي عبد الله في زمنه من النساء ما لقي يوسف في زمنه من امرأة العزيز، "عشية راحوا" أي: ذهب المشيعون له حال كونهم "يحملون" في الوقت المسمى عشية، وهي آخر النهار، "سريره" النعش الذي هو عليه "تعاوره" تداوله "أصحابه في التزاحم" أي: مع التزاحم عليه، ففي بمعنى: مع؛ كقوله: ادخلوا في أمم "فإن تلك غالته" أي: أخذته على غفلة، أي أهلكته "المنون وريبها" أي: حوادثها، أي: الأسباب المؤدية للموت، وعبرت بأن التي للشك لاستبعاد وقوع الموت به استعظامًا له، وجواب الشرط محذوف، أي: أسف الناس لموته، والفاء للتعليل في قولها: "فقد كان معطاء" كثير الإعطاء، "كثير التراحم". "ويذكر عن ابن عباس: أنه لما توفي عبد الله، قالت الملائكة" يا "إلهنا" ويا "سيدنا بقي نبيك يتيمًا" لا أب له، قال الخميس: أعلى اليتم ما توفي الوالد والولد في بطن الأم، "فقال الله تعالى" جوابًا لهم: "أنا له حافظ ونصير" ومن كنت له كذلك لا يضيع، وهذا حكمه الرفع لو صح، لكن مرضه المصنف على عادتهم في نقل التضعيف بيروى ويذكر، وفي لفظ: قالت الملائكة: صار نبيك بلا أب، فبقي من غير حافظ ومرب، فقال الله؛ أنا وليه وحافظه وحاميه وربه وعونه ورازقه وكافيه، فصلوا عليه وتبركوا باسمه. "وقيل لجعفر الصادق" لقب به لأنه ما كذب قط، "لم يتم" بكسر التاء؛ كما اقتصر عليه الجوهري، وزاد المجد فتحها، والمصباح ضمها، "النبي صلى الله عليه وسلم" أي: ما حكمة ذلك "قال: لئلا

يكون عليه حق لمخلوق. نقله عنه أبو حيان في البحر. وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال: سمعت أبي -وكان من أوعية العلم- قال: لما حضرت آمنة الولادة قال للملائكة: افتحوا أبواب السماء كلها، وأبواب الجنان، وألبست الشمس يومئذ نورًا عظيمًا، وكان قد أذن الله تعالى تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورًا.

_ يكون عليه حق لمخلوق" ولا يرد عليه بقاء أمه حتى بلغ ست سنين أو أكثر؛ لأن تعلق الحقوق إنما هو بعد البلوغ "نقله عنه أبو حيان" الإمام أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الأندلسي الغرناطي نحوي عصره ولغويه ومقريه، ولد في شوال سنة أربع وخمسين وستمائة، وأخذ عن ابن الصائغ وابن النحاس وغيرهما، وتقدم في النحو في حياة شيوخه واشتهر اسمه وألف الكتب المشهورة، وأخذ عنه أكابر عصره مات في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة. "في البحر" هو تفسيره الكبير، وقال ابن العماد في كشف الأسرار: إنما رباه يتيمًا؛ لأن أساس كل صغير كبير، وعقبى كل حقير حظير، ولينظر صلى الله عليه وسلم إذا وصل إلى مدارج عزه إلى أوائل أمره ليعلم أن العزيز من أعزه الله تعالى، وأن قوته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال، بل قوته من الله تعالى وأيضًا ليرحم الفقير والأيتام. "وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة" الصوري الصدوق، روى عن الوليد بن مسلم وغيره وعنه النسائي وأحمد بن المعلى، "قال سمعت أبي وكان من أوعية العلم، قال: لما حضرت آمنة الولادة" وفي نسخة: حضرت ولادة آمنة، أي: دخل وقت ولادتها، "قال للملائكة" أي: للخزان، وفي نسخ: قال الله لملائكته "افتحوا أبواب السماء كلها" هو ظاهر في أنها مغلقة وإنما تفتح لأسباب وهو ما صرحت به النصوص وبه تشهد الأخبار، "و" افتحوا "أبواب الجنان" السبع، وهي على ما روي عن ابن عباس: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون؛ لكن قال السيوطي: لم أقف عليه، يعني مسندًا عن ابن عباس، فلا ينافي ذكره في البدور عن القرطبي أنها سبع وعد هذا، إلا أنه قال بدل عليون: دار الجلال، وقيل: الجنة واحدة مسماة بهذه الأسماء، وقيل: أربع، ورجح بما في سورة الرحمن، وقال السبكي: هذه الأربع أنواع تحتها أفراد كثيرة؛ كما في الحديث: أنها جنان كثيرة. "وألبست الشمس يومئذ" أي: زادت "نورًا عظيمًا" على نورها، "وكان قد أذن الله تعالى" أراد "تلك السنة" التي حمل فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم "لنساء الدنيا" أي: الحاملات منهن "أن يحملن ذكورًا" وليس المراد: أن جميع نساء الدنيا حملن إذ فيهن العزباء والكبيرة والصغيرة،

كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم، الحديث وهو مطعون فيه. وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابوري في كتابه المعجم الكبير كما نقله عنه صاحب كتاب السعادة والبشرى عن كعب في حديثه الطويل، ورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس قال: كانت آمنة تحدث وتقول: أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام وقال لي يا آمنة إنك حملت بخير العالمين فإذا ولدته فسميه محمدًا واكتمي شأنك قالت ثم أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد لا ذكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه، فسمعت وجبة عظيمة وأمرًا عظيمًا هالني، ثم رأيت كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرعب وكل وجع أجده، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء

_ ومن لم تتزوج أصلا، ومن زوجها غائب عنها. كل ذلك "كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم" فهو راجع لجميع ما قبله "الحديث وهو مطعون فيه، وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابوري" مر أنه بفتح النون نسبة إلى نيسابور أشهر مدن خراسان، "في كتابه المعجم الكبير" وصريح المصنف أنه غير صاحب شرف المصطفى، فإن اسمه عبد الرحمن كما مر، والمصنف سماه عبد الملك؛ "كما نقله عنه صاحب كتاب السعادة، والبشرى عن كعب في حديثه الطويل، ورواه" أي: روى ما ذكره أبو سعيد عن كعب، "أبو نعيم من حديث ابن عباس" أنه "قال: كانت آمنة تحدث، وتقول" ومعلوم أنه ما سمعها، فيحتمل على أنه سمعه ممن سمعها. "أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام، وقال لي: يا آمنة، إنك قد حملت بخير العالمين" الماضين والموجودين والآتين، "فإذا ولدته" بتاء وهاء، وفي نسخة بينهما ياء على لغة قليلة للإشباع، "فسميه محمدًا واكتمي شأنك" حتى تضعي، فلا ينافي إخبارها به. "قالت: ثم أخذني ما يأخذ النساء" من الطلق "ولم يعلم بي أحد، لا ذكر ولا أنثى" أتت به بعد أحد لدفع توهم أن المراد الذكور فقط، "وإني لوحيدة" منفردة "في المنزل وعبد المطلب في طوافه" بالبيت الحرام، "فسمعت وجبة" بسكون الجيم وفتح الموحدة، أي: هدة "عظيمة" وهي سقوط وقع نحو الحائط "وأمرًا عظيمًا هالني" أفزعني، وهو تفسيري "ثم رأيت" رؤية عين بصرية شيئًا، "كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي" هو القلب عند الجوهري وغشاؤه عند غيره، قال الزركشي: وهو أحسن لحديث: "ألين قلوبًا وأرق أفئدة"، "فذهب عني الرعب" الخوف الحاصل من تلك الوجبة، "وكل وجع أجده" بسبب الطلق فلا ينافي أنها لم تشك ما يعرض للحوامل، "ثم التفت، فإذا أنا بشربة بيضاء" أي: بآنية شربة أو أطلق الشربة على محلها وهو المشربة بكسر الميم

فتناولتها فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا كأنهن من بنات عبد مناف، يحدقن بي فبينما أتعجب وأنا أقول واغوثاه من أين علمن بي. قال في غير هذه الرواية فقلن لي نحن آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وهؤلاء من الحور العين واشتد بي الأمر وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم فبينما أنا كذلك إذ بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض، وإذ بقائل يقول خذاه عن أعين الناس، قالت ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضة، ثم نظرت فإذا أنا بقطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي، مناقيرها............

_ مجازًا من تسمية المحل باسم الحال فيه، إذ الشربة المرة من الشرب، "فتناولتها" فشربتها، وفي رواية: فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنًا، وكنت عطشى فشربتها، فإذا هي أحلى من العسل، "فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا" بكسر الطاء جمع طويلة وأما بضمها ففرد كرجل طوال، وقال ابن الأثير: جمع طولى مثل الكبر في الكبرى، وهذا البناء يلزمه أل أو الإضافة؛ "كأنهن من بنات عبد مناف" شبهت بهن لاشتهارهن بين النساء بالطول والجمال، "يحدقن" بضم الياء وكسر الدال مخففة فقاف ساكنة، وبفتح الياء وكسر الدال، أي: يحطن بي "فبينما أتعجب وأنا أقول: واغوثاه! من أين علمن بي؟ قال في غير هذه الرواية: فقلن لي" أي: اثنتان منهن على أن أقل الجمع اثنان، أو مجاز "نحن آسية" بالمد وكسر السين المهملة؛ كما في التبصير بنت مزاحم، قيل: إنها إسرائيلية، وإنها عمة موسى، وقيل: إنها ابنة عم فرعون وإنها من العمالقة، "امرأة فرعون" ذات الفراسة الصادقة في موسى حين قالت: قرة عين لي ومن فضائلها: أنها اختارت القتل على الملك وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، "ومريم ابنة عمران" أم عيسى عليه السلام، قيل: إنهما نبيتان، بل قال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية، لكن قال عياض: الجمهور على خلافه، وبعضهم نقل الإجماع على عدم نبوة النساء، وعن الأشعري: نبئ منهن ست: هاتان، وحواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى واستعمال نحن فيهما حقيقة؛ لأنها للمتكلم ومعه غيره واحد أو أكثر. "وهؤلاء من الحور العين" ولعل حكمة شهودهم كثرة الحور له في الجنة، كما أن مريم وآسية من نسائه في الجنة؛ كما في الحديث، "واشتد بي الأمر، وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم، فبينما أنا كذلك إذ بديباج" بكسر الدال ويجوز فتحها: نوع من الحرير، قاله في التوشيح "أبيض قد مد بين السماء والأرض" تعظيمًا لولادته عليه السلام، "وإذا بقائل يقول: خذاه" إذا ولد "عن عين الناس، قالت: ورأيت رجلا قد وقفوا في الهواء" أي: ملائكة تشكلوا بصورة الرجال، "بأيديهم أباريق من فضة، ثم نظرت، فإذا أنا بقطعة" جماعة "من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي" لكثرتها "مناقيرها"

من الزمرد وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصري فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات، علمًا بالمشرق وعلمًا بالمغرب، وعلمًا على ظهر الكعبة فأخذني المخاض فوضعت محمدًا صلى الله عليه وسلم فنظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني، ثم سمعت مناديًا ينادي طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلمون أنه سمي فيها الماحي، لا يبقي شيء من الشرك إلا محي في زمنه.......................

_ مبتدأ خبره "من الزمرد" بزاي معجمة فميم فراء مضمومات فدال معجمة؛ كما صوبه الأصمعي، وجزم به المجد، وقال ابن قتيبة: مهملة الزبرجد فارسي معرب، "وأجنحتها من الياقوت، فكشف الله عن بصري، فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت أعلام مضروبات علمًا بالمشرق وعلمًا بالمغرب وعلمًا على ظهر الكعبة" ولعل حكمة ذلك الإشارة إلى أن شرعه يعم المشارق والمغارب ويعلو على مكة ويصير بينا واضحًا؛ كالأعلام، "فأخذني المخاض" قال البيضاوي: بفتح الميم وكسرها مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، "فوضعت محمدًا صلى الله عليه وسلم" الظاهر أن الصلاة من الراوي "فنظرت إليه فإذا هو ساجد" حقيقة "قد رفع أصبعيه" أي: سبابتيه قابضًا بقية أصابعه؛ كما يأتي في رواية الطبراني "إلى السماء؛ كالمتضرع" المتذلل "المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني، ثم سمعت مناديًا ينادي: طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها" خصت الأرض بذلك دون السماء؛ لأنها محل بعثته وظهور رسالته، والمناسب لقوله السابق: خذاه أن يقال طوفا به، فيحتمل أن معهما غيرهما تعظيمًا له، أو على أن الجمع ما فوق الواحد، "وأدخلوه البحار" جميعها وهي سبعة، أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس ووهب، وأخرج أيضًا عن حسان بن عطية، قال: بلغني أن مسيرة الأرض خمسمائة سنة بحورها منها مسيرة ثلاثمائة سنة، والخراب منها مسيرة مائة سنة, والعمران مسيرة مائة سنة. "ليعرفوه باسمه" فيها وهو الماحي؛ كما يأتي على الأثر، ولا تفهم أنه عام فتتعب، "ونعته وصورته" أي: لتعرفه البحار نفسها ولا مانع، فالله على كل شيء قدير، أو أهلها أو هما جميعًا، "و" حين إذ عرفوه بالثلاثة "يعلمون" قالوا: واستئنافية بدليل النون، "أنه سمي فيها" في البحار "الماحي" لأنه "لا يبقى شيء من الشرك إلا محي في زمنه" قال المصنف في أسمائه صلى الله عليه وسلم: ولما كانت البحار هي الماحية للأدران كان اسمه فيها

ثم انجلت عنه في أسرع وقت. الحديث. وهو مما تكلم فيه. وروى الخطيب البغدادي بسنده كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا أن آمنة قالت لما وضعته عليه الصلاة والسلام رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة وكلام الرجال، حتى غشيته وغيب عني فسمعت مناديًا طوفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض واعرضوه على كل روحاني من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلة إبراهيم.............................

_ الماحي، انتهى. وهي مناسبة لطيفة، "ثم انجلت عنه" تلك السحابة "في أسرع وقت ... الحديث، وهو مما تكلم فيه" فذكره لينبه عليه؛ لشهرته في المواليد. "وروى" الخطيب "البغدادي" الحافظ أحمد بن علي بن ثابت "بسنده" إيضاح فهو عندهم مدلول، روى "كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا" كما ذكر الأول: "أن آمنة قالت: لما وضعته عليه الصلاة والسلام" الظاهر: أن التصلية من الراوي؛ كما مر، "رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل" كأمر أصواتها كما في القاموس. "وخفقان الأجنحة" مصدر خفق؛ كضرب، أي: اضطرابها "وكلام الرجال" الملائكة المتشكلين بصفتهم "حتى غشيته" تلك السحابة متعلق بمقدر، أي: أقبلت "وغيب عني، فسمعت مناديًا ينادي: طوفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض" متعلق بيعرفوه "واعرضوه" بهمزة وصل: أظهروه "على كل روحاني" بضم الراء، أي: من فيه روح بدليل قوله: "من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش، وأعطوه خلق آدم" بفتح الخاء وسكن اللام ففي حديث: "أنا أشبه الناس بأبي آدم، وكان أبي إبراهيم خليل الرحمن أشبه الناس بي خَلقًا وخُلقًا"، "ومعرفة شيث" بن آدم. نقل الثعلبي وغيره: أن الله علمه ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الحق في كل ساعة منها، فلعل هذا هو المراد بالمعرفة هنا، "وشجاعة نوح" ولو لم يكن من شجاعته إلا مكثه في قومه ألف سنة إلا خمسين مع تعنتهم عليه، وكفرهم وقلة من آمن معه، وهو لا يبالي بهم ويقاومهم كلهم ومواطن شجاعة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تحصر، "وخلة" بشد اللام "إبراهيم" لله عز وجل في قوله: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] ، وفي الصحيح: قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذًا خليلا غير ربي، لاتخذت أبا بكر خليلا" وأخرج أبو يعلى في حديث المعراج: "فقال له ربه: اتخذتك خليلا وحبيبًا"،

ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وشدة موسى، وصبر أيوب، وطاعة يونس............................

_ فثبت أنه خليل كإبراهيم، وزاد كونه حبيبًا "و" أعطوه "لسان إسماعيل" أي: لغته، نحو: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] ، أخرج الزبير بن بكار بسند جيد عن علي مرفوعًا، "أول من فتق الله لسانه بالعربية البينة إسماعيل"، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أفصح الخلق على الإطلاق. وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن ابن عمر، قال: قال عمر: يا نبي الله! ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاءني بها جبريل فحفظتها" بل زاد على ذلك فكان يخاطب كل ذي لغة بلغته، اتساعًا في الفصاحة. "ورضا إسحاق" بالذبح على أنه الذبيح في حديث: "أن داود سأل ربه مسألة، فقال: اجعلني مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه: إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر" الحديث، وقد رضي نبينا صلى الله عليه وسلم بما هو أقوى من ذلك، فقد أدمى الكفار رجليه، وكسروا رباعيته، وشجوا وجهه، واجتمعوا على قتله، وحاربوه وهو مع ذلك كله راض، ويقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون". "وفصاحة صالح" ذكر الثعلبي أنه كان من أفصح أهل زمانه وأحسنهم منطقًا، قال: وكان له من الحسن والجمال ما لا يقدر أحد أن يتمتع بالنظر إليه من نور وجهه، وكان أشبه الناس بشيث، وأعطاه الله من العلم والحلم والوقار والسكينة شيئًا كثيرًا، وكان لباسه الصوف، ونعلاه من خوص النخل، انتهى. والمصطفى لا يدانيه في الفصاحة أحد. "وحكمة لوط" المشار لها بقوله تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 74] ، قال البيضاوي: أي حكمة أو نبوة أو فصلا بين الخصوم، واقتصر الجلال على الثالث، وما بلغه نبينا من ذلك لا مضارع له فيه. "وبشرى يعقوب" لعلها بسلامة ولده أو بالفوز بدعوة أبيه دون أخيه عبصو، وقد بشر نبينا صلى الله عليه وسلم من ربه بأمور كثيرة. "وشدة موسى" في دين الله وفي القوة، فقد حكي عنه قتل ذلك الرجل بوكزة وغير ذلك، ونبينا أعطي فوق ذلك فقد قتل أبي بن خلف بأدنى شيء حتى عيره قومه، فقال: لو بصق علي محمد لقتلني، وصارع بمكة رجلا كان لا يقدر على صرعه أحد فصرعه، إلى غير ذلك. "وصبر أيوب" الممدوح عليه بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص: 44] ، وأحوال المصطفى في الصبر لا يضبطها الحصر. "وطاعة يونس" لله تعالى من الصغر، روي: أنه لما بلغ سبع سنين قال لأمه: أريد كسوة

وجهاد يوشع، وصوت داود وحب دانيال ووقار إلياس وعصمة يحيى...............

_ الصوف حتى ألحق بالعباد، فلم تجبه فلم يزل بها حتى كسته، وكان معهم حتى تم خمس عشرة سنة، ذكره الثعلبي، وطاعة المصطفى لربه من قبل السبع، فكان يخرج هو وأخوه من الرضاعة في بني سعد، فيمران بالغلمان يلعبون فيلعب أخوه، فإذا رآهم عليه الصلاة والسلام أخذ بيد أخيه، وقال: "إنا لم نخلق لهذا". "وجهاد يوشع" بن نون قاتل الجبارين بعد موسى يوم الجمعة، ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم، وقد جاهد صلى الله عليه وسلم الجبارين ببدر يوم الجمعة ونصره الله عليهم، ثم استمر مجاهدًا في الله حق جهاد حتى توفاه الله، واستمر في شرعه الجهاد إلى يوم القيامة، ولله الحمد. "وصوت داود" المشار له بحديث: "لقد أوتي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود"، يعني: داود نفسه، ولا ريب في أن المصطفى فاقه لما رواه الترمذي من حديث أنس: "ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا". "وحب دانيال" آتاه الله النبوة والحكمة، روى ابن أبي الدنيا: "أن بختنصر ضرى أسدين وألقاهما في جب وأمر بدانيال فألقي عليهما" الحديث. وروى البيهقي: "أن دانيال طرح في الجب وألقيت عليه السباع، فجعلت تلحسه وتبصبص إليه، وأرسل الله له ملكًا بطعام" وروى ابن أبي الدنيا: "أن الملك الذي كان دانيا في سلطانه، قال له منجموه: يولد ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل من يولد تلك الليلة، فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ونجاه الله"، وأقوى من ذلك: مكث نبينا صلى الله عليه وسلم في الغار ليلة الهجرة, وحفظ اللهِ له من الكفار الذين هم أشد من الأسد مع أن أحدهم لو نظر إلى عقبه لرآه وقد حفظه الله حين ولد من اليهودي ومكره به وتحريضه على قتله، بقوله: "يا معشر قريش، ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب"؛ كما يأتي قريبًا. "ووقار إلياس" من ذرية هارون كان على صفة موسى في الغضب والقوة، ونشأ نشأة حسنة يعبد الله وجعله الله نبيًا ورسولا وآتاه آيات، وسخر له الجبال والأسود وغيرها، وأعطاه قوة سبعين نبيًا، ذكره الثعلبي. والمصطفى صلى الله عليه وسلم لا يقارنه أحد في الوقار، وقد كان أصحابه لا يستطيعون إمعان النظر فيه لقوة مهابته ومزيد وقاره، ومن ثم لم يصفه إلا صغارهم أو من كان في تربيته قبل النبوة؛ كهند وعلي. "وعصمة يحيى" بن زكريا من اللعب ونحوه من الصغر، قال الثعلبي: روي في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] ، قيل: تعلم التوراة في صغره، وقيل: نزل عليه الوحي لثلاثين

وزهد عيسى، واغمسوه في أخلاق النبيين قالت: ثم انجلي عني فإذا به قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع من تلك الحريرة ماء وإذا قائل يقول: بخ بخ قبض محمد على الدنيا كلها لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته، قالت ثم نظرت إليه صلى الله عليه وسلم فإذا هو كالقمر ليلة البدر وريحه يسطع..............

_ سنة، وقيل: إن صبيانًا دعوه في صغره للعب، فقال: "أو للعب خلقنا"، وقد حكي أن زكريا قال: إن كان هذا الولد يريد الدنيا فلا حاجة لنا فيه، وإن كان يريد الآخرة فمرحبًا به، فقال جبريل: إنه لا يريد إلا الآخرة، فظهر يحيى ونشأ نشوأ حسنًا، انتهى. وقد عصم نبينا من كل شيء من أول أمره ومر اجتنابه اللعب عقب فطامه، وقوله: "إنا لم نخلق لهذا" وكانت همته وإرادته كلها في مرضاة ربه. "وزهد عيسى" ابن مريم المشهور، وقد فاق المصطفى كل زاهد حتى منع بعضهم من إطلاق الزهد عليه معللا بأنه لا قيمة للدنيا عنده حتى يزهد فيها، وقد عرض عليه أن تسير معه الجبال ذهبًا وفضة فأبى، وخير بين الملك والعبودية، فاختار العبودية. "واغمسوه في أخلاق النبيين" كلها ليجتمع فيه ما تفرق في غيره، كيف وقد كان خلقه القرآن. "قالت" آمنة: "ثم انجلى عني" ما رأيته من السحابة وما فيها، "فإذا به" صلى الله عليه وسلم "قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع" مثلث الموحدة؛ كما في القاموس والإرشاد وغيرهما، أي: يخرج "من تلك الحريرة ماء، وإذا بقائل يقول: بخ بخ" الأول منون والثاني مسكن، وبتسكينهما وبتنوينهما وبتشديدهما، وتفرد ساكنة ومكسورة ومنونة مضمومة، كلمة تقال عند الرضا، أي: عظم الأمر وفخم؛ كما في القاموس. "قبض محمد على الدنيا كلها" والإشارة إلى ذلك قبضه على الحريرة بيده، "لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته" حقيقة أو حكمًا؛ لظهور ما معهم من البراهين الدالة على أن امتناعهم من الإيمان مجرد عناد وظلم، فلا يرد أن كثر ما آمنوا به، أو باعتبار مبدأ الخلق لولادة الجميع على الفطرة. "قالت: ثم نظرت إليه صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كالقمر" كذا في نسخة وهي ظاهرة؛ لأن إذا الفجائية تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء ومعناها الحال لا الاستقبال؛ كما في المغني. وفي نسخة: فإذا به كالقمر فيه خبر مقدم، وكالقمر صفة لمحذوف، أي: نور، والكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو من الوصف بمفرد أو الباء مزيدة في المبتدأ على أن زيادتها فيه مقيسة، والأصل: فإذا هو كالقمر، فانقلب الضمير. "ليلة البدر ريحه يسطع"

كالمسك الأذفر، وإذا بثلاثة نفر في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر طست من زمرد أخضر وفي يد الثالث حريرة بيضاء فنشرها فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه فغسله من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ولفه في الحريرة ثم احتمله فأدخله بني أجنحته ساعة ثم رده إلي ورواه أبو نعيم عن ابن عباس وفيه نكارة. وروى الحافظ أبو بكر بن عائذ في كتابه المولد -كما نقله عنه الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح بردة المديح- عن ابن عباس: لما ولد صلى الله عليه وسلم قال في أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته، فأنت أكثرهم

_ بفتح الطاء يظهر "كالمسك الأذفر" بذال معجمة الذكي "وإذا بثلاثة نفر" بالتنوين، ونفر بدل منه وبالإضافة بيانية عند البصرة، أو من إضافة الصفة لموصوفها عند الكوفة؛ كما صرح به الرضي خلافًا لزعم أبي البقاء: أن الصواب التنوين في مثله. "في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر طست" بفتح الطاء وكسرها وسكون السين المهملة وبمثناة، وقد تحذف وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيئ، وأخطأ من أنكرها قاله الحافظ: "من زمرد" بضمات والراء مشددة والذال معجمة على الأفصح، وقد مر. "أخضر، وفي يد الثالث حريرة بيضاء، فنشرها" أي: فردها، "فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه" أي: في مكان أقرب منه، والمراد: تتحير فيما دون ذلك الخاتم لصفته الخارقة للعادة. "فغسله" أي: غسل الملك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه المحدث عنه "من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم، ولفه" أي: لف الملك النبي صلى الله عليه وسلم "في الحريرة، ثم احتمله فأدخله بين أجنحته ساعة" الظاهر: أن المراد مدة من الزمن لا الفلكية، "ثم رده إلي، وراه" أي: هذا الحديث "أبو نعيم عن ابن عباس، وفيه نكارة، وروى الحافظ أبو بكر ابن عائذ في كتابه المولد؛ كما نقله عنه الشيخ بدر الدين" محمد بن عبد الله "الزركشي" الشافعي العلامة البارع، ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الأسنوي ومغلطاي وابن كثير وغيرهم، وألف تصانيف كثيرة في عدة فنون، مات في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى. "في شرح بردة المديح" للبوصيري التي أولها: أمن تذكر جيران بذي سلم "عن ابن عباس" رضي الله عنه، أنه قال: "لما ولد صلى الله عليه وسلم قال في أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته" وإذا كان كذلك "فأنت أكثرهم

علمًا، وأشجعهم قلبًا. وروى محمد بن سعد من حديث جماعة منهم عطاء وابن عباس: أن آمنة بنت وهب قالت: لما فصل مني -تعني النبي صلى الله عليه وسلم- خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع إلى الأرض معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء. وروى الطبراني: أنه لما وقع إلى الأرض وقع مقبوضة أصابع يديه مشيرًا بالسبابة كالمسبح بها.

_ علمًا وأشجعهم قلبًا" وهذا أرسله ابن عباس ومرسل الصاحب وصل في الأصل وحكمه الرفع إذ لا مجال فيه للرأي. "وروى محمد بن سعد" بن منيع الهاشمي مولاهم البصري، الصدوق، الحافظ، نزيل بغداد، كاتب الواقدي، مات سنة ثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة. "من حديث جماعة منهم عطاء" بن أبي رباح، "وابن عباس: أن آمنة بنت وهب" بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب والدته صلى الله عليه وسلم، "قالت: لما فصل" أي: خرج "مني، تعني" تريد آمنة "النبي صلى الله عليه وسلم خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع" عليه السلام "إلى الأرض" زاد ابن سعد عن الواقدي: جاثيًا على ركبتيه، "معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها" إشارة إلى أنه يغلب أهل الأرض، ويكون التراب من جملة معجزاته، ألا ترى أنه حثا في وجوه أعدائه قبضة من تراب ليلة الهجرة ويوم بدر وأحد وحنين، وللإشارة إلى الإعراض عن الدنيا؛ فكأنه حين رفع رأسه يقول: لا ألتفت إلى الدنيا وما فيها، فإنها كهذا التراب. "ورفع رأسه إلى السماء" ينظر ببصره إليها، قال الجوهري: وفيه إشارة دائمًا إلى ارتفاع شأنه وقدره وأنه يسود الخلق أجمعين، وكان هذا من آياته، وهو أنه أول فعل وجد منه في أول ولادته، وفيه إشارة وإيماء لمن تأمل إلى أن جميع ما يقع له من حين ولد إلى حين يقبض دال على العقل، فإنه لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت وحين، عالي الشأن على المخلوقات، وفي رفعه رأسه إشارة وإيماء إلى كل سؤدد، وأنه لا يتوجه قصده إلا إلى جهات العلو دون غيرها، مما لا يناسب قصده. "وروى الطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب الحافظ "أنه" صلى الله عليه وسلم "لما وقع إلى الأرض" حال كونه "مقبوضة أصابع يديه ميرًا بالسبابة" اللام للاستغراق أو الجنس، فشمل السبابتين ليوافق قوله السابق أصبعيه، "كالمسبح بها" وفي السابقة: كالمتضرع المبتهل.

وروي عن عثمان بن أبي العاصي عن أمه أم عثمان الثقفية -واسمها فاطمة بنت عبد الله- قالت: لما حضرت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت البيت حين وقع قد امتلأ نورًا، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع عليّ. رواه البيهقي. وأخرج أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، إني دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت, وكذلك أمهات النبيين يرين"..........................

_ "وروي عن عثمان بن أبي العاص" الثقفي ولي الطائف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقره أبو بكر، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها سنة خمس أو إحدى وخمسين. "عن أمه أم عثمان الثقفية" الصحابية "واسمها فاطمة بنت عبد الله" ذكرها أبو عمر وغيره في الصحابة: أنها "قالت: لما حضرت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت البيت" الذي ولد فيه "حين وقع" أي: نزل من بطن أمه "قد امتلأ نورًا، ورأيت النجوم تدنو" تقرب مني "حتى ظننت أنها ستقع علي، رواه البيهقي" والطبراني وابن عبد البر، قال في الفتح: وشاهده حديث العرباض فذكره وتبعه المصنف، فقال: "وأخرج أحمد" بن محمد ب حنبل الإمام المشهور "والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي، عن العرباض" بكسر العين "ابن سارية" السلمي رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إني عند الله" بالنون مكتوب "لخاتم النبيين" باللام، ويقع محرفًا في بعض نسخ: "إني عبد الله وخاتم النبيين" , بباء وواو وهو تحريف لا شك فيه، فقد قدم المصنف نفسه الحديث في أول الكتاب على الصواب، وكذا الشامي، وليس القصد الإخبار في هذا الحديث بأنه عبد الله بل بأنه مكتوب عنده خاتم النبيين "و" الحال "إن آدم لمنجدل" أي: مطروح على الأرض "في طينته" خبر ثان؛ لأن لا متعلق بمنجدل، كما مر. "وسأخبركم عن ذلك: إني دعوة أبي إبراهيم" في قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129] ، "وبشارة" قال في النور: بكسر الموحدة وضمها: الاسم، "عيسى" هي قوله: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] ، "ورؤيا أمي التي رأيت"، رؤي2ة عين بصيرة، قال مغلطاي: وذكر ابن حبان أن ذلك كان في المنام، وفيه نظر "وكذلك أمهات النبيين" جمع نبي "يرين" ذلك الذي رأته أمه صلى الله عليه وسلم، فهو من خصائصه على الأمم لا على الأنبياء، كما نصوا عليه. وفي نسخة: وكذلك أمهات الأنبياء، وفي بعض النسخ من المصنف ومن الشامية: وكذلك أمهات المؤمنين، وهو تحريف لا شك فيه ولا ريب، فالحديث في

وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام. قال الحافظ ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم. وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار عن أم سلمة عن آمنة: قالت: لقد رأيت ليلة وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام حتى رأيتها. وأخرج أيضًا، عن بريدة عن مرضعته في بني سعد أن آمنة قالت: رأيت كأنه خرج من فرجي شهاب........................................

_ الجامع الكبير والخصائص وغيرهما من الدواوين: أمهات النبيين، وذكر ما رأته أمه، بقوله: "وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام" أي: أضاء النور وانتشر حتى رأيت قصور الشام، وأضاءت تلك القصور من ذلك النور. "قال الحافظ" أبو الفضل "ابن حجر: صححه" أي: الحديث "ابن حبان" بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة المشددة الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي بضم الموحدة وسكون السين المهملة نسبة إلى بست بلد كبير من بلاد الغور بطرف خراسان؛ كما في التبصير، العلامة صاحب التصانيف، قال الحاكم: كان من أوعية العلم. "والحاكم" أبو عبد الله الحافظ زاد في الفتح وفي حديث أبي أمامة عند أحمد نحوه، وأخرجه ابن إسحاق عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال فيه: "أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام". "وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار" ضد يمين الهلالي الثقة، كثر الحديث، القاص، مولى ميمونة عن مولاته، وأبي ذر وزيد بن ثابت وأبي وعدة، وعنه زيد بن أسلم وشريك بن أبي نمر وخلق، قال في الكاشف: كان من كبار التابعين وعلمائهم وخالف ذلك في طبقات الحافظ، فعده في أواسط التابعين مات سنة أربعمائة، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: تسع وتسعين، عن أربع وثمانين سنة، قيل: بالإسكندرية. "عن أم سلمة" هند بنت أبي أمية أم المؤمنين، ستأتي في الزوجات. "عن آمنة" والدته صلى الله عليه وسلم "قالت: لقد رأيت" رؤية عين بصرة "ليلة وضعه" عليه السلام "نورًا أضاءت له قصور الشام، حتى رأيتها. وأخرج" أبو نعيم "أيضًا" وكذا ابن سعد "عن بريدة" تصغير بردة ابن الحصيب بحاء وصاد مهملتين فتحتية فموحدة مصغر، قال الغساني: وصحف من قاله بخاء معجمة الصحابي الأسلمي شهد خيبر، وروى عنه ابناه والشعبي وعدة، توفي سنة اثنتين وستين. "عن مرضعته في بني سعد" هي امرأة مبهمة غير حليمة المشهورة، قاله الشامي. "أن آمنة، قالت: رأيت" رؤيا نوم "كأنه خرج من فرجي شهاب" ككتاب شعلة من نار، ساطعة؛ كما

أضاءت له الأرض حتى رأيت قصور الشام. وعن همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لما ولدته خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفًا ما به قذر، رواه ابن سعد. وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب في شعره، حيث قال: وأنت لما ولدت أشرقت الـ ... أرض وضاءت بنورك الأفق

_ في القاموس. "أضاءت له الأرض، حتى رأيت قصور الشام" فأول ولد يخرج منها تنور به الدنيا ويحرق أعاديه، قال في شرح الخصائص: بعدما قرر أن الرؤية الواقعة في الأحاديث الأول بصرية، ما لفظه: وأما الرؤيا الواقعة في رواية ابن سعد، يعني هذا فرؤيا منام؛ لأنها حين حملت به كانت ظرفًا للنور المنتقل إليها من أبيه، وقد خلط من جعل كلا منهما في النوم وجعل كلا منهما في اليقظة، انتهى. "وعن همام بن يحيى" بن دينار العوذي الحافظ البصري: قال أبو حاتم: ثقة صدوق، في حفظه شيء، مات سنة ثلاث وستين ومائة، "عن إسحاق بن عبد الله" بن أبي طلحة الأنصاري، أو هو ابن الحارث بن نوفل الهاشمي أو غيرهما "أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت لما ولدته خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفًا ما به قذر" صفة موضحة للمبالغة في نظافته، إذ القذر ضد النظافة. "رواه ابن سعد" محمد قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده أنه ولد لك غلام، فائته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت، وما قيل لها: وما أمرت أن تسميه؟ فيزعمون أن جده أخذه فدخل به الكعبة وقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه ثم خرج به فدفعه إلى أمه، وذكر ابن دريد: أنه ألقيت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جده، فجاء جده والجفنة قد انفلقت عنه. "وإلى هذا" الواقع ليلة الميلاد من إضاءة القصور، وامتلاء البيت بالنور "أشار العباس بن عبد المطلب" عمه صلى الله عليه وسلم على الصحيح، وقيل: حسان بن ثابت ذكره ابن عساكر في حديث ضعيف جدًا، ووهم من زعم أنه العباس بن مرداس الأسلمي؛ كما أشار له المصنف "في شعره" الذي سيذكره المصنف كله في غزوة تبوك، "حيث قال" يخاطبه صلى الله عليه وسلم: "وأنت لما ولدت" ويروى: وأنت لما ظهرت "أشرقت الأرض" من إشراق نورك "وضاءت بنورك الأفق" بضم الفاء وسكونها: الناحية جمعه آفاق مذكر أنثه العباس على تأويله بالناحية، فاعتبر معناه دون لفظه ولا

فنحن في ذاك الضياء وفي النو ... ر وسبل الرشاد نخترق قال في اللطائف: "وخروج هذا النور عند وضعه، إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك. قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} الآية: [المائدة: 15, 16] ، وأما إضاءة قصور بصرى................................

_ يبعد أنه جمع فيكون للمفرد والجمع كالفلك، وأن يكون مضموم الفاء جمعًا لساكنها، وكل هذا احتمال؛ كذا قال أبو شامة، وفيه: أن اللغة لا تثبت بالاحتمال، فتعين الأول. "فنحن في ذلك الضياء، وفي النور وسبل الرشاد نخترق" والبيتان، من المدرج عند العروضيين، أي: الذي أدرج عجزه في الكلمة التي فيها آخر الصدر فلم ينفرد أحدهما من الآخر بكلمة تخصه ويمتاز بها، "قال" الحافظ عبد الرحمن بن رجب "في اللطائف" أي: في كتاب لطائف المعارف: فهو من التصرف في العلم والراجح جوازه. "وخروج هذا النور" الحسي المدرك بالبصر حال كونه "عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور" أي الأحكام والمعارف، سميت نورًا مجازًا للاهتداء بها؛ كالنور الحسي "الذي اهتدى به أهل الأرض" حقيقة؛ كالمؤمنين أو حكمًا بمعنى أنهم عرفوا الحق وامتنعوا منه عنادًا؛ كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14] والجاهلون منهم تابعون لكبرائهم المعاندين أو نزول المشركين منزلة العدم. "وزال به ظلمة الشرك" جهالاته؛ لأن الجهل يطلق عليه الظلمة مجازًا لأن الجاهل متحير في أمره لا يعلم ما يذهب إليه، كما أن الماشي في ظلمه متحير لا يهتدي لما بين يديه وخص الشرك لشدة قبحه أو لغلبته بمكة حين البعث أو أراد به الكفر؛ لأنه إذا أفرد أريد مطلق الكفر وإذا جمع أريد به عبارة الأوثان نحو لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، فهما كالفقير والمسكين. "كما قال تعالى" إخبارًا عما جاء به من الأحكام حيث جعله نورًا {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15] قال البيضاوي: يعني القرآن، فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال والكتاب الواضح الإعجاز، وقيل: يريد بالنور محمدًا صلى الله عليه وسلم، انتهى. فما ذكره بناء على الأول والصحيح الثاني، كما قال المصنف كغيره. " {يَهْدِي بِهِ} " بالكتاب " {اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} " بأن آمن به " {سُبُلَ السَّلَامِ} " طريق السلامة " {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ} " الكفر " {إِلَى النُّورِ} " الإيمان " {بِإِذْنِهِ} " إرادته "الآية" أتلها "وأما إضاءة قصور بصرى".

بالنور الذي خرج معه فهو إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته، فإنها دار ملكه -كما ذكر كعب: أن في الكتب السالفة: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام- فمن مكة بدت نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلى الشام انتهى ملكه، ولهذا أسري به صلى الله عليه وسلم إلى الشام، إلى بيت المقدس، كما هاجر قبله إبراهيم عليه السلام إلى الشام، وبها ينزل عيسى بن مريم عليه السلام، وهي أرض المحشر والمنشر.

_ بضم الموحدة وسكون الصاد المهملة وراء فألف مقصورة بلد بالشام من أعمال دمشق وهي حوران، قاله السيوطي. وفي الفتح: مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران. "بالنور الذي خرج معه" فيما رواه ابن إسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما مر. ورواه ابن سعد عن أبي العجفاء مرفوعًا: "رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاء له قصور بصرى"، فهو "إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته" وفي تخصيص بصرى لطيفة هي أنها أول موضع من بلاد الشام، دخله ذلك النور المحمدي، ولذا كانت أول ما فتح من الشام، قاله في المسكة الفائحة. وقال غيره إشارة إلى أنه ينور البصائر، ويحيي القلوب الميتة. "وأنها دار ملكه، كما ذكر كعب" بن مانع المعروف بكعب الأحبار، "أن في الكتب السالفة" ثابت من جملة ما يميزه عن غيره ويحقق نبوته، لفظ: "محمد رسول الله مولده" يكون "بمكة، ومهاجره" أي: هجرته "بيثر" الباء بمعنى إلى، وفي نسخة حذف الباء، أي: مكان هجرته هو يثرب؛ لأنه اسم مكان من هاجر بزنة اسم المفعول من المزيد يشترك فيه اسم المفعول والمصدر الميمي واسم الزمان والمكان، وهو المناسب هنا. "وملكه بالشام" وروى البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رفعه: "الخلافة بالمدينة والملك بالشام"، "فمن مكة بدت" ظهرت "نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلى الشام انتهى ملكه" أي: أولا، قاله النجم وغيره زاد شيخنا أو إنه صار مقرًا له؛ لأنه كان محلا للخلفاء والأول أولى، لأنه لم يكن محل الملوك إلا في مدة بني أمية، ثم انتقل في البلدان بحسب الملوك "ولهذا أسري" به "صلى الله عليه وسلم إلى الشام إلى بيت المقدس" وقيل غير ذلك في حكمة الإسراء؛ كما تقرر. "كما هاجر قبله إبراهيم عليه السلام" من حران بتشديد الراء آخره نون، "إلى الشام" إلى بيت المقدس منها، ففي تاريخ ابن كثير ولما كان عمر تأرخ خمسًا وسبعين سنة ولد إبراهيم بأرض بابل على الصحيح المشهور عند أهل السير، ثم هاجر إبراهيم إلى حرام ومات بها أبوه، ثم إلى بيت المقدس واستقر بها. "وبها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، وهي أرض المحشر" بكسر الشين وتفتح موضع الحشر؛ كما في القاموس وغيره وسوى بينهما في العين، قال شيخنا: والقياس الفتح؛ لأن فعله كنصر وضرب. "والمنشر" بالفتح اسم مكان من نشر الميت فهو ناشر

وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم في صحيحيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده" انتهى ملخصًا.

_ إذا عاش بعد الموت، والمراد هنا خروج الموتى من قبورهم وانتشارهم إلى الشام، أي: أنها التي يساق إليها الموتى ويجتمعون بها. "وأخرج أحمد" بن محمد بن حنبل الإمام المشهور، قال ابن راهويه: هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، "وأبو داود "سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني الحافظ الكبير والعلم الشهير، روى عن أحمد والقعنبي وابن الحديد، وقال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وحفظًا وعلمًا وإتقانًا ونسكًا وورعًا جمع وصنف وذب عن السنن، وقال ابن داسه: سمعته يقول كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب، يعني السنن، ولد سنة اثنتين ومائتين وتوفي لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة، وقيل غير ذلك. "ابن حبان" الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي البستي، قيل: كتب عن أكثر من ألفي شيخ منهم النسائي وأبو يعلى والحسن بن سفيان، قال تلميذه الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه والحديث واللغة والوعظ ومن عقلاء الرجال وكانت إليه الرحلة، زاد غيره: وكان عالمًا بالطب والنجوم وفنون العلم، وقال الخطيب: كان ثقة نبيلا فهمًا مات في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو في عشر الثمانين. "والحاكم" أبو عبد الله الحافظ مر بعض ترجمته دخل الحمام بنيسابور ثم خرج، فقال: آه وقبض وهو متزر ولم يلبس قميصه في صفر سنة خمس وأربعمائة. "في صحيحيهما" أي: صحيح ابن حبان وصحيح الحاكم المستدرك كلهم عن عبد الله بن حوالة الصحابي. "عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "عليكم بالشام" " أي: الزموا سكناها "فإنها خيرة الله من أرضه" , على معنى من خيرته أو من حيث الخصب ونمو البركات فيطلب سكناها، قيل: مطلقًا لكونها أرض المحشر والمنشر، وهو ظاهر سوق المصنف هنا لهذا الحديث، وقيل: المراد آخر الزمان عند اختلال أمر الدين وغلبة الفساد؛ لأن جيوش الإسلام تنزوي إليها، وفي حديث واثلة عند الطبراني فإنها صفوة بلاد الله، "يجتبي" يفتعل من جبوت الشيء وجبيته جمعته، أي: يجمع، "إليها خيرته من عباده" فهي أفضل البلاد بعد الحرمين ومسجد القدس يلي الحرمين في الفضل حتى المساجد المنسوبة له صلى الله عليه وسلم، "انتهى" كلام اللطائف "ملخصًا" حال.

وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف عن أمه الشفا قالت: لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي فاستهل، فسمعت قائلا يقول: رحمك الله، قالت الشفاء: وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب، حتى نظرت إلى بعض.................

_ "وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف" بن عبد مناف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري أحد العشرة ذي الهجرتين البدري الذي صلى خلفه المصطفى المتصدق بأربعين ألف دينار الحامل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، أخرجه ابن المبارك عن معمر عن الزهري، وفي الحلية لأبي نعيم: أنه أعتق ثلاثين ألف نسمة، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين على الأشهر، وله اثنتان وسبعون سنة على الأثبت، مناقبه جمة رضي الله عنه. "عن أمه الشفا" بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وهي بنت عم أبيه، قاله ابن الأثير؛ أي: عم أبي ابنها عبد الرحمن أسلمت وهاجرت قال ابن سعد: ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الرحمن: يا رسول الله! أعتق عن أمي، قال: "نعم" فأعتق عنها وهي بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء والقصر؛ كما صرح به البرهان في المقتفى والحافظ في التبصير. وقال ابن الأثير في الجامع: بالتخفيف والمد، وقال الدلجي بفتح المعجمة وشد الفاء ومد، وجرى عليه البوصيري في قوله: وشفتنا بقولها الشفاء. "قالت: لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي" لا تعارضه الرواية السابقة، ثم وقع على الأرض لجواز أن ذاك بعد هذه بقرينة ثم "فاستهل" أي: صاح، وزعم الدلجي أن المراد عطس لا صاح بشهادة جواب لما، وهو "فسمعت قائلا" أي: ملكًا "يقول: رحمك الله" ونحا نحوه الجوجري، وهو مردود يقول الحافظ السيوطي في فتاويه: لم أقف في شيء من الأحادث على أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها، كطبقات ابن سعد والدلائل للبيهقي، ولأبي نعيم، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه، والمستدرك للحاكم، وإنما الحديث الذي روته الشفاء فيه لفظ يشبه التشميت لكن لم يصرح فيه بالعطاس، والمعروف في اللغة: أن الاستهلال صياح المولود أول ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فمحتمل، وحمل القائل على الملك ظاهر، انتهى. فلا دلالة في رحمك الله على أنه عطس كما زعم الدلجي؛ لأنه يشبه التشميت ولا يلزم أنه تشميت بالفعل حتى يخرج به اللفظ عن مدلوله اللغوي لشيء محتمل، فتبين أن قوله رحمك الله ليس تشميتًا بل تعظيمًا بقرينة فاستهل؛ لأنه صياح المولود، كما علم. "قالت الشفاء: وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى" بلاد "بعض

قصور الروم، قالت: ثم ألبسته وأضجعته، فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة ثم غيب عني، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله فكنت في أول الناس إسلامًا. ومن عجائب ولادته عليه السلام ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم عن حسان بن ثابت قال: إني لغلام ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت، إذا.....................

_ قصور الروم، قالت: ثم ألبسته" بموحدة فسين مهملة، أي: ألبست النبي صلى الله عليه وسلم ثيابه هكذا في نسخ ولم يقف عليها الشارح فأبعد النجعة، وفي نسخ: ثم ألبنته بنون بعد الباء، أي: سقيته اللبن، لكنهم عدوا مرضعاته عشرًا وما ذكروها مع أنها كانت أولى بالذكر؛ لأنها أول من دخل جوفه لبنها ويمكن صحتها بأن معناها سقيته لبن أمه، بمعنى: قربته إلى ثديها ليشرب منه ويناسب الأولى أيضًا، قولها: "وأضجعته فلم أنشب" أي: ألبث إلا قليلا "أن غشيتني ظلمة" والمعنى أنها رأت هذا عقب ذاك وتجوزت بأنشب عن ألبث؛ لأن من لبث في مكان فقد اتصل به فكأنه أدخل نفسه فيه "ورعب" خوف "وقشعريرة" بضم القاف وفتح الشين "ثم غيب عني، فسمعت قائلا" أي: ملكًا: "يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق" وحذف من خبر أبي نعيم ما لفظه: وقشعريرة عن يميني، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المغرب، وأسفر عني ذلك، أي: انكشف ثم عاودني الرعب والقشعريرة عن يساري، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، "قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى" أي: إلى أن "بعثه الله، فكنت في أول الناس إسلامًا" أي: في جملة السابقين له، ثم لا ينافي وجود الشفاء وفاطمة الثقفية عند الولادة قول آمنة المار: وإني لوحيدة في المنزل؛ لجواز وجودهما عندها بعد تأخر خروجه عليه السلام عن القول المذكور حتى نزل على يدي الشفاء؛ لقولهم: وقع على يدي، جمعًا بين الخبرين. "ومن عجائب ولادته عليه السلام ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم، عن حسان بن ثابت" بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري شاعر المصطفى المؤيد بروح القدس، سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في شعرائه عليه السلام، وجوز الجوهري فيه الصرف وعدمه بناء على أنه من الحس أو الحسن. قال ابن مالك: والمسموع فيه منع الصرف، نقله السيوطي في حواشي المغني. "قال: إني لغلام ابن سبع سنين أو ثمان" سنين على التقريب، فقد ذكروا أنه عاش مائة وعشرين سنة كأبيه وجده وأبي جده، ومات سنة أربع وخمسين، "أعقل ما رأيت وسمعت إذا

يهودي يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود، فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع، قالوا: يا ويلك ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة. وعن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر قريش: هل ولد فيكم الليلة مولود، قالوا: لا نعلم، قال: انظروا، فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة. بين كتفيه علامة. فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فذهب اليهودي معهم إلى أمه، فأخرجته لهم فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيًا عليه، وقال: ذهبت النبوة من بني.........................

_ يهودي يصرخ" بالمدينة، ففي رواية ابن إسحاق، يصرخ على أطمة يثرب، "ذات غداة" أي: في ساعة ذات غداة "يا معشر يهود" بمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل كما في المصباح، وفي نسخة: اليهود أقبلوا "فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع" أي: أقصد سماع ما يتكلمون به، "قالوا: يا ويلك" كلمة عذاب صرفهم الله عن كلمة الترحم. "ما" اسم استفهام مبتدأ خبره "لك" أي: أي شيء عرض لك استنكروا صراخه، "قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به" عنده أو سببية لاعتقاد اليهودي تأثير النجم، "في هذه الليلة" والغرض من سوقه كالذي بعده أن البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم جاءت من كل طريق، وعلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم محق أو مبطل، إنسي أو جني، "و" من عجائب ولادته أيضًا ما ورد "عن عائشة، قالت: كان يهودي قد سكن مكة" زاد في رواية الحاكم يتجر فيها وهو غير اليهودي الذي أخبر عنه حسان بلا ريب؛ لأن حسان كان بالمدينة فلا تغفل "فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" اليهودي ومعلوم أنها ما أدركته فهو مما روته عن غيرها، ومعلوم أنها إنما تروي عن الثقات، فيحتمل أنها سمعته من الشفاء، أو أم عثمان أو غيرهما، "يا معشر قريش! هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلم، قال: انظروا" أي: فتشوا وتأملوا، يقال: نظرت في الأمر تدبرت، أي: انظروا في أهاليكم ونسائكم، "فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة" زاد الحاكم: الأخيرة "بين كتفيه علامة" زاد الحاكم: فيها شعرات متواترت كأنهن عرف الفرس، وأسقط المصنف من رواية يعقوب هذه، ما لفظه: لا يرضع ليلتين؛ لأن عفريتًا من الجن وضع يده على فمه، هكذا ساقه في الفتح متصلا، بقوله: "فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام فذهب اليهودي معهم" ليستكشفوا الخبر ويتحققوه بالعلامة، "إلى أمه" زاد الحاكم فقالوا: أخرجي المولود ابنك "فأخرجته لهم" زاد الحاكم وكشفوا عن ظهره، أي: ورأوا العلامة "فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيًا عليه، وقال" وفي رواية الحاكم: فلما أفاق، قالوا: يا ويلك! ما لك؟ قال: "ذهبت النبوة من بني

إسرائيل، يا معشر قريش: أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب. رواه يعقوب بن سفيان بإسناد حسن كما قاله في فتح الباري. ومن عجائب ولادته أيضًا: ما روي من ارتجاس إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته................................

_ إسرائيل" قال: ذلك لما هو عندهم في الكتب أنه خاتم النبيين، "أما" بتخفيف الميم كلمته يفتتح بها الكلام، وتدل على تحقق ما بعدها، وهي من مقدمات اليمين؛ كقوله: أم والذي لا يعلم الغيب غيره، وقوله هنا: "والله ليسطون بكم سطوة" أي: ليقهرنكم ببطشه بكم، "يخرج خبرها من المشرق والمغرب" أي: ينشر في جميع الأرض حتى يتكلم به أهل المشرق والمغرب، "ورواه يعقوب بن سفيان" الفارسي الثقة المتقن الخير الصالح الحافظ، أبو يوسف الفسوي، بفاء وسين مهملة مفتوحتين فواو نسبة إلى فسا من بلاد فارس، عن القعنبي وسليمان بن حرب وأبي عاصم وأبي نعيم والفضل وغيرهم وعنه الترمذي والنسائي وعبد الله بن درستويه وخلق، قال ابن حبان: ثقة، والنسائي: لا بأس به، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل بعدها. "بإسناد حسن، كما قاله في فتح الباري" بشرح البخاري ورواه الحاكم أيضًا عن عائشة، كما سيذكره المصنف، وقد بينا ألفاظه الزائدة. "ومن عجائب ولادته: ما روي من ارتجاس" بالسين، وهو: الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير، كما ضبطه البرهان، وهو مأخوذ من كلام الجوهري والمجد في باب السين والمهملة، وفي نسخ: ارتجاج بجيم آخره، وفي القاموس: الرج التحريك والتحرك والاهتزاز، فإن صحت تلك النسخ فكأنه لما صوت تحرك واهتز، إذ المراد هنا تصويت "إيوان" كديوان، ويقال: إوان بوزن كتاب بناء أزج غير مسدود الوجه، والأزج بفتح الهمزة والزاي بالجيم بيت يبنى طولا، "كسرى" بفتح الكاف وكسرها اسم ملك الفرس، حتى سمع صوته وانشق لا لخلل في بنائه، فقد كان بناؤه بالمدائن من العراق محكمًا مبنيًا بالآجر الكبار والجص، سمكه مائة ذراع في طول مثلها، وقد أراد الخليفة الرشيد هدمه لما بلغه أن تحته مالا عظيمًا، فعجز عن هدمه، وإنما أراد الله أن يكون ذلك آية باقية على وجه الدهر لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومن ثم أفزع ذلك كسرى ودعا بالكهنة. "وسقوط أربع عشرة" هكذا في نسخ وهو الصواب، وفي نسخة: أربعة عشر وهو تحريف؛ لأن لفظ العدد من ثلاثة إلى عشرة يؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث، ولفظ العشر يجري على القياس والمعدود هنا مؤنث. "شرفة" بضم الشين وسكون الراء "من شرفاته" بضم الراء وفتحها وسكونها جمع قلة

وغيض بحيرة طبرية، وخمود نار فارس. وكان لها ألف عام لم تخمد، كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في "الهواتف" وابن عساكر وابن جرير. وفي سقوط الأربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه يملك منهم ملوك وملكات

_ لشرفه جمع سلامة، قال الشامي: إما تحقيرًا لها أو أن جمع القلة قد يقع موقع جمع الكثرة، وفي الصحاح: وشرفة وشرف، كغرفة وغرف. قال الخميس: وكانت اثنتين وعشرين، "وغيض" بغين وضاد معجمتين، أي: نقص، "بحيرة طبرية" مصغر بحرة ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، قال في ترتيب المطالع: هي بالشام لزمتها الهاء، وإنما هي تصغير بحرة لا بحر؛ لأن تصغيره بحير وهي بحيرة عظيمة يخرج منها نهر بينها وبين الصخرة ثمانية عشر ميلا، قال البكري: طولها عشرة أميال وعرضها ستة أميال، انتهى. لكن المعروف بالغيض إنما هي بحيرة ساوة بسين مهملة وبعد الألف واو مفتوحة فهاء ساكنة من قرى بلاد فارس، كانت بحيرة كبيرة بين همذان وقم. قال الخميس: وكانت أكثر من ستة فراسخ في الطول والعرض، وكانت تركب فيها السفن، ويسافر إلى ما حولها من البلدان. انتهى. فأما بحيرة طبرية فباقية إلى اليوم وغيضها علامة لخروج الدجال، تيبس حتى لا يبقى فيها قطرة، وأجيب: بأن غيض كليهما ثابت في الأحاديث التي نقلها السيوطي وغيره. غاية الأمر: أن بحيرة ساوة نشف ماؤها بالكلية فأصبحت يابسة كأن لم يكن بها شيء من غيضها أراد أنه ما نشف بالكلية كساوة ومن أثبته أراد أنها نقصت نقصًا لا ينقص مثله في زمان طويل، أو أن ماءها غار ثم عاد لما فيها من العيون النابعة التي تمدها الأمطار، وهو جمع حسن إلا أن المذكور في رواية من عزا له المؤلف ساوة؛ كما في الشامية، فتم الاعتراض على المصنف ووقع لبعض المتأخرين، وغاضت بحيرة ساوة وتسم بحيرة طبرية، وكان مراده الجمع أن تسمى في بعض الأحاديث بحيرة طبرية فهي واحدة، فلا يعترض عليه بأن ساوة بفارس، وطبرية بالشام. "وخمود" مصدر خمد؛ كنصر وسمع، خمدًا وخمودًا، كما في النور. "نار فارس" التي كانوا يعبدونها "وكان لها ألف عام لم تخمد" بضم الميم وفتحها، "كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في الهواتف وابن عساكر وابن جرير" في تاريخه كلهم من حديث مخزوم بن هانئ عن أبيه، وأتت عليه مائة وخمسون سنة، قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان، فذكر الحديث بطوله: "وفي سقوط الأربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه يملك منهم" من الفرس "ملوك وملكات" هذا على أن

بعدد الشرفات، وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين، ذكره ابن ظفر زاد ابن سيد الناس: وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه. ومن ذلك أيضًا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب.....................

_ الجمع ما فوق الواحد، فإنه ما ملك منهم سوى امرأتين موران وأزد ميدخت؛ كما قاله البدر بن حبيب في جهينة الأخبار، "بعدد الشرفات، وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين" وأسماؤهم مذكورة في التواريخ، ولا حاجة لنا بذكرهم، "ذكره" محمد بن محمد "بن ظفر" بفتح الظاء المعجمة والفاء بعدها راء الصقلي المولود بها أحد الأدباء الفضلاء صاحب التصانيف المليحة من أهل القرن السادس، ذكر ما نقله عنه المصنف في كتاب البشر، قائلا: وملك الباقون إلى أواخر خلافة عمر، هكذا رأيته فيه في آخر حديث سطيح، وكأنه لم يقع للمصنف فيه، فقال: "زاد ابن سيد الناس" الإمام العلامة الحافظ الناقد أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد اليعمري الأندلسي الأصل المصري، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وستمائة ولازم ابن دقيق العيد وتخرج به وسمع من خلائق يقاربون الألف، وأخذ العربية عن البهاء بن النحاس، كان أحد أعلام الحفاظ أديبًا شاعرًا بليغًا صحيح العقيدة وحسن التصنيف، ولي درس الحديث بالظاهرية وغيرها وألف السيرة الكبرى والصغرى وشرح الترمذي، ولم يكمله فأتمه أبو الفضل العراقي، مات في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. "وملك الباقون إلى خلافة عثمان" ذي النورين المختص بأنه لم يتزوج أحد بنتي نبي غيره، مناقبه جمة، "رضي الله عنه" وآخر ملوكهم يزدجر هلك في سنة إحدى وثلاثين، كذا في تاريخ حماة، وفي كلام السهيلي: أنه قتل في أول خلافة عثمان، قاله في النور. فعلى الثاني: لا مخالفة بين كلام ابن ظفر وابن سيد الناس؛ لأن آخر خلافة عمر قريب من أول خلافة عثمان. أما على الأول: فبينهما خلف كبير، والله أعلم. "ومن ذلك" أي: عجائب ولادته "أيضًا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب" بسبب رميهم بها، وقد اختلف في أن المرجوم يتأذى فيرجع أو يحرق به لكن قد تصيب الصاعد مرة، وقد لا تصيب كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا ولا يرد أنهم من النار فلا يحترقون؛ لأنهم ليسوا من النار الصرفة، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة أهلكتها، قال البيضاوي. وأشعر قوله زيادة: بأنها حرست قبل ولادته، وقد جاء عن ابن عباس: أن الجن كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها، نقله المصنف في المعجزات. وروى الزبير بن بكار في حديث طويل: أن إبليس كان يخترق السماوات ويصل إلى أربع، فلما ولد صلى الله عليه وسلم حجب من السبع، ورميت الشياطين

وقطع رصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع. ولقد أحسن الشقراطسي حيث قال: ضاءت لمولده الآفاق واتصلت ... بشرى الهواتف في الإشراق والطفل وصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقص منكسر الأرجاء ذا ميل

_ بالنجوم، "وقطع رصد الشياطين" بسكون الصاد وفتحها مصدر رصد؛ كنصر، أي: ترقبهم، "ومنعهم من استراق السمع" أي: استراقهم لاستماع ما تقول الملائكة، فيخبرون به غيرهم فيقع، وقضيته منعهم منه رأسًا بحيث لم يقع ذلك من أحد منهم، لكن قال السهيلي: أنه بقي من استراق السمع بقايا يسيرة بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة وفي بعض البلاد، ونحوه قول البيضاوي؛ لعل المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورًا. "ولقد أحسن" أبو محمد عبد الله بن أبي زكريا يحيى بن علي "الشقراطسي" نسبة إلى شقراطسة ذكر لي أنها بلدة من بلاد الجريدة بأفريقيا، قاله أبو شامة في شرحه لهذه القصيدة: "حيث قال: يمدح النبي صلى الله عليه وسلم من جملة قصيدة كبيرة "ضاءت" أشرقت "لمولده" لأجل ولادته أو اللام للتوقيت؛ كقولك: جئت ليوم كذا، أي: فيه يريد ضاءت أيام مولده "الآفاق" جمع أفق بضم الفاء وسكونها وهي نواحي الأرض وأطرافها، وكذلك آفاق السماء وهي أطرافها التي يراها الرائي مع وجه الأرض، يعني بذلك ما ظهر معه عليه السلام من النور حين ولد. "واتصلت" بنا "بشرى" مصدر كالبشارة "الهواتف" جمع هاتف وهو الصالح، أو اتصل إلينا خبر ذلك أو اتصل إلينا خبر ذلك أو اتصل بعضها ببعض لكثرتها فما يبلغنا خبر إلا ويعقبه مثله، أي: كثرت وتواترت، يعني بذلك ما سمع من الجن وغيرهم من بعد ولادته إلى مبعثه من تبشيرهم به ونعيهم الكفر وإنذارهم بهلاكه يهتفون بذلك في كل ناحية، أي: ينادون به وكثر ذلك قبيل المبعث. "في الإشراق" أول النهار عند انتشار ضوء الشمس، "والطفل" وذلك إذا اطفلت الشمس للغروب، أي: دنت منه، وهو عبارة عن كثرة الأزمان التي وقع فيها، ذلك لأنه يعبر بذلك وما في معناه عن الدوام؛ كقوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62] ، "وصرح" القصرة، قيل: البناء المتسع الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعد "كسرى تداعى" تساقط كأن بعضه دعًا بعضًا للوقوع "من قواعده" أساسه ومن لابتداء الغاية مبالغة كأن الانهدام ابتدأ من القواعد، "وانقص" بصاد مهملة سقط من أصله وبمعجمة أسرع سقوطه، "منكسر الأرجاء" النواحي "ذا ميل" بفتح الياء ما كان خلقة، قال ابن سيده: الميل في الحادث والميل في الخلقة والبناء، وهو على الثاني ظاهر. أما الأول فلأنه لما لم يكن بفعل فاعل ولا مسببًا عن خلل بناء نزله منزلة الخلق الطبيعي.

ونار فارس لم توقد وما خمدت ... مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل خرت لمبعثه الأوثان وانبعث ... ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل

_ "ونار فارس" اسم علم كالفرس لطائفة من العجم كانوا مجوسًا يعبدون النار، وكان لبيوتها سدنة يتناوبون إيقادها فلم يخمد لها لهب في ليل ولا نهار، إلى ليلة مولده عليه السلام، فإنه حين أوقدوها "لم توقد" بضم التاء وفتح القاف مبني للمفعول، لكنه وإن صح استعمالا إلا أنه لم ينتف إيقادهم لها بل إيقادها في نفسها مع تعاطيهم الإيقاد، فهذا موضع الآية العجيبة وأجيب بأنه لما لم تحصل فائدة إيقادها لها كأنها لم توقد؛ لأن خمودها من غير سبب يطفئها لا يكون إلا لعدم الإيقاد، ويحتمل فتح التاء وكسر القاف من وقدت النار هاجت، لكنه أصل رفضته العرب فلم تستعمله إلا أن ابن السراج ذكر أن أحسن ما استعمله الشاعر لضرورة ما رد فيه الكلام إلى أصله، فاللفظ ضعيف المخرج صحيح، قوي المعنى. "وما خمدت" بفتح الميم وكسرها "مذ ألف" بالرفع والجر بناء على أن مد حرف ج أو اسم ملتزم حذف المضاف إليه معه وتقديره مدة عدم الخمود، ألف "عام" قبل تلك الليلة، وذلك مدة عبادتهم النار، ولا ينافيه أن مدة ملكهم ثلاثة آلاف سنة ومائة وأربع وستون سنة؛ لأنهم لم يعبدوها أول ملكهم، "ونهر القوم" يعني بحيرة ساوة عبر عنها بنهر القوم، أي: الفرس؛ لأنها في أرضهم ومن جملة أرض عراق العجم الذي هو في ملك كسرى، "لم يسل" أي ماؤه؛ لأنه غاض، أي: غار وكأنه عنى بالسيلان تحركه واضطرابه وإلا فماء البحيرة راكد غير جار، وكانت هذه الأمور أمارات لخمود دولتهم ونفاد ملكهم وظهور الحق عليهم، "خرت" سقطت "لمبعثه" لأجله "الأوثان" الأصنام على وجوهها "وانبعثت" مطاوع بعثه، "ثواقب" جمع ثاقب، وهي النجوم المتوقدة المضيئة، "الشهب" بسكون الهاء للتخفيف جمع شهاب، أي: المصابيح التي أخبر الله أنه زين بها السماء وجعلها رجومًا للشياطين والإضافة من باب سحق عمامة لقول الله: {شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10] ، والمصابيح: النجوم، جعلت راجمة للشياطين بالشهب؛ لا أن النجوم تنقض بأنفسها خلف الشياطين، ولذا قال: "ترمي الجن بالشعل" أي: المنفصلة منها ولم يجعلها رامية بأنفسها، وقد قال الحليمي: ليس في كتاب الله أن الشياطين ترمى بالكواكب أو بالنجوم، ثم أطال في تقرير: أن الرمي إنما هو بالشهب وهو شعل النار وجعل المصابيح كناية عن الشعل لا عن النجوم، قال أبو شامة، وما جاء في الأحاديث وشعر العرب القديم من التصريح بأن الرمي بالنجوم يمكن تأويله، إما بأنه على تقدير مضاف أو استعمل النجم في الشهاب مجازًا، انتهى. ولا ينافيه ما ذكره المصنف في الخصائص عن البغوي، قيل: إن النجم كان ينقض ويرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه، انتهى. لجواز أن صورة الشعلة النازلة رجعت إلى مكانها التي

وولد صلى الله عليه وسلم معذورًا أي مختونًا مسرورًا -أي مقطوع السرة- كما روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن عساكر. وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي" وصححه الضياء في المختارة. وعن ابن عمر قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم مسرورًا مختونًا، رواه ابن عساكر. قال الحاكم في....................................

_ جاءت منه وهو النجم، والله أعلم. "وولد صلى الله عليه وسلم معذورًا" هذا هو الواقع في حديث أبي هريرة وفسره المصنف، بقوله: "أي: مختونًا" لأن العذرة الختان، يقال: عذر الغلام يعذره بالكسر وأعذره بالألف، لغة إذا ختنه؛ كما في المصباح والنور وغيرهما وفيه حسن، كما في "مسرورًا" من التورية؛ لأنه من السرور أو من قطع السرة؛ كما فسره بقوله: "أي مقطوع السرة" الأولى حذف التاء إذ السر بالضم: ما تقطعه القابلة من سرة الصبي؛ كما في النهاية وغيرها، إلا أن يكون سمي السرسرة مجاز العلاقة المجاورة، أو فيه حذف، أي: مقطوعًا منه ما يتصل بالسرة؛ "كما روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم" أي: أنه قال ذلك ورفعه إليه، وأغرب زاعم أن هذا إخبار عن صفته من غيره، "عند ابن عساكر" وابن عدي. "وروى الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق" متعددة "عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا" أي: على صورة المختون إذ هو القطع، ولا قطع هنا؛ كما يأتي. "ولم ير أحد سوأتي" عورتي لا لختان ولا غيره، على ظاهر عموم أحد فتدخل حاضنته ويكون عدم رؤيتها مع احتياجها لذلك من جملة كرامته على ربه، "وصححه" العلامة الحجة الحافظ "الضياء" أي: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي المقدسي الحنبلي الثقة الجبل الدين الزاهد الورع، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، "في" الأحاديث "المختارة" مما ليس في الصحيحين. وقد قال الزركشي وغيره أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، انتهى. وحسنه مغلطاي، قال: ورواه أبو نعيم بسند جيد عن ابن عباس. "و" ورد "عن ابن عمر، قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم مسرورًا مختونًا، رواه ابن عساكر" وقد صرح الحافظ بأن أحاديث الصفات النبوية والشمائل داخلة في قسم المرفوع، "قال الحاكم في

المستدرك: تواترت الأخبار أنه عليه السلام ولد مختونًا. انتهى. وتعقبه الحافظ الذهبي فقال: ما أعلم صحة ذلك؟! فكيف يكون متواترًا؟ وأجيب: باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السير، لا من طريق السند المصطلح عليه. "القول بغير ذلك": حكى الحافظ زين الدين العراقي، أن الكمال بن العديم ضعف أحاديث كونه ولد مختونًا، وقال: إنه لا يثبت في هذا شيء من ذلك. وأقره عليه، وبه صرح ابن القيم....................

_ المستدرك: تواترت الأخبار أنه عليه السلام ولد مختونًا، انتهى. وتعقبه" الإمام "الحافظ" أبو عبد الله محمد بن عثمان "الذهبي" نسبة إلى الذهب؛ كما في التبصير، الدمشقي المتوفى بها سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، "فقال" في مختصر المستدرك، وفي ميزانه في ترجمة الحاكم: "ما أعلم صحة ذلك" لعله أراد على شرط الشيخين، وإلا فقد صححه الضياء وحسنه مغلطاي، كما ترى. "فكيف يكون متواترًا؟ وأجيب باحتمال أن يكون" الحاكم "أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السير، لا من طريق السند المصطلح عليه" وهو أن المتواتر عدد كثير أحالت العادة توافقهم على الكذب ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحسن، وصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه؛ كما في شرح النخبة، وقد استبعد بعضهم هذا الجواب؛ لأنه خلاف المتبادر ولكنه أولى من التخطئة. "وحكى الحافظ زين الدين" عبد الرحيم "العراقي: أن الكمال بن العديم" عمر بن أحمد بن هبة الله الصاحب كمال الدين الحلبي الكاتب البليغ الحنفي، ولد بحلب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وبرع وساد وصار أوحد عصره فضلا ونبلا ورئاسة، وألف في الفقه والحديث والأدب وتاريخ حلب، وتوفي بمصر، "ضعف أحاديث كونه" عليه السلام "ولد مختونًا" في مؤلف صنفه في الرد على الكمال بن طلحة حيث وضع مصنفًا في أنه ولد مختونًا، وجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام؛ كما في النور، "وقال: لا يثبت في هذا شيء، وأقره عليه وبه" أي: بتضعيف أحاديث ولادته مختونًا "صرح ابن القيم" في الهدي النبوي وليس بسديد من الثلاثة؛ لأن منها ما هو صحيح أو حسن، ومنها ما إسناده جيد؛ كما مر. اللهم إلا أن يكون حكمًا على المجموع على أنها وإن كانت ضعيفة، فقد وردت من طرق يقوي

ثم قال: ليس هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فإن كثيرًا من الناس ولد مختونًا. وحكى الحافظ ابن حجر: أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قلفته -أي اتسعت- فيصير كالمختون. وفي "الوشاح" لابن دريد: قال ابن الكلبي: بلغني أن آدم خلق مختونًا واثني عشر نبيًا من بعده خلقوا مختونين..................

_ بعضها بعضًا، وفي مولد الحافظ ابن كثير ذكر ابن إسحاق في السيرة أنه عليه السلام ولد مسرورًا مختونًا، وقد ورد ذلك في أحاديث، فمن الحفاظ من صححها، ومنهم من ضعفها، ومنهم من رآها من الحسان. "ثم قال" ابن القيم: "وليس هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم فإن كثيرًا من الناس" الأنبياء وغيرهم، "ولد مختونًا" وظاهره: أن كونه مسرورًا من خصائصه وهو مقتضى كلام السيوطي وغيره. "وحكى الحافظ ابن حجر" ما فيه الجمع بين إثبات الختان ونفيه ذلك، "أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر" كالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه ولد في سلطانه على القول أنه لاثنتي عشرة "فسخت قلفته" بضم القاف وسكون اللام وبفتحهما: جلدته التي تقطع في الختان، "أي: اتسعت" فتقلصت عن موضعها بحيث تصير الحشفة مكشوفة "فيصير كالمختون" كما في عبارة غيره أن أصل قول العرب ختنه القمر، أن الطفل إذا ولد في ليلة مقمرة واتصل بحشفته ضوء القمر أثر فيها فتقلصت وإن محقت، فإن ضوءه يؤثر في اللحم وغيره، إلا أنه لا يكون قاطعًا لها بالكلية، قال الشاعر: إني حلفت يمينًا غير كاذبة ... لأنت أقلف إلا ما جنى القمر فغرض الحافظ من سوقه أنه بتقدير صحته في حقه صلى الله عليه وسلم يكون سببًا لوصفه بذلك؛ لكونها شابهة في ارتفاع القلفة وتقلصها أو خلقه بلا قلفة، وعبر بتزعم إشارة إلى أنه لا أصل له، فهو القول الذي لم يقم على صحته دليل، وقد قال ابن القيم: الناس يقولون لمن ولد كذلك ختنه القمر، وهذا من خرافاتهم. "وفي الوشاح لابن دريد" أبي بكر محمد بن الحسن اللغوي الثقة المتحري صاحب التصانيف المولود سنة ثلاث وعشرين ومائتين، المتوفى بعمان في رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، قال في المزهر: ولا يقبل فيه طعن نفطويه؛ لأنه كان بينهما منافرة عظيمة بحيث أن كلا منهما هجا الآخر، قال: وقد تقرر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح. "قال ابن الكلبي: بلغني" وفي السبل: نقل ابن دريد في الوشاح وابن الجوزي في التلقيح، عن كعب الأحبار أنهم ثلاثة عشر، فيجوز أنه الذي بلغ ابن الكلبي "ان آدم خلق مختونًا" أي: وجد على هيئة المختون، "واثني عشر نبيًا من بعده خلقوا مختونين" أي: ولدوا

آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم: شيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى، وسليمان وشعيب ويحيى وهود صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن. وفي هذه العبارة تجوز، لأن الختان هو القطع، وهو غير ظاهر، لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع، فيحمل الكلام باعتبار أنه على صفة المقطوع.

_ كذلك، ولعل هذا حكمة إفراد آدم بالذكر، "آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم" وهم "شيث" بن آدم عليهما السلام، "وإدريس" قيل عربي مشتق من الدراسة لكثرة درسه الصحف، وقيل: سرياني ابن يارد بن مهلائيل بن قنان بن أنوش بن شيث، قال ابن إسحاق: الأكثرون أن أخنوخ هو إدريس وأنكره آخرون، وقالوا: إنما إدريس هو إلياس، وفي البخاري يذكر عن ابن مسعود وابن عباس: أن إدريس هو إلياس، واختاره ابن العربي وتلميذه السهيلي؛ لقوله ليلة الإسراء مرحبًا بالأخ الصالح، ولم يقل بالابن الصالح، وأجاب النووي باحتمال أنه قال تلطفًا وتأدبًا وهو أخ وإن كان ابنًا والأبناء أخوة والمؤمنون أخوة، وقال ابن المنير: أكثر الطرق أنه خاطبه بالأخ الصالح، وقال لي ابن أبي الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه بالابن الصالح، قال بعض: وفي صحتها نظر. "ونوح" بن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف، ابن متوشلخ بفتح الميم وشدة الفوقية المضمومة وسكون الواو وفتح المعجمة واللام بدها معجمة ابن خنوخ، وهو إدريس، قال المازري: كذا ذكره المؤرخون: أن إدريس جد نوح، فإن قام دليل على أنه أرسل لم يصح قولهم: أنه قبل نوح لما في الصحيحين: ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وإن لم يقم دليل جازم، قالوا: وحمل على أن إدريس كان نبيًا ولم يرسل، انتهى. قال السهيلي: وحديث أبي ذر الطويل، أي: المروي عند ابن حبان يدل على أن آدم وإدريس رسولان، انتهى. وأجيب بأن المراد أول رسول بعثه الله بالإهلاك وإنذار قومه، فأما رسالة آدم فكانت كالتربية لأولاده، قال القاضي عياض: لا يرد على الحديث رسالة آدم وشيث؛ لأن آدم إنما أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا بل أمر بتبليغهم الإيمان وطاعة الله، وكذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض، انتهى. "و" ابنه "سام" نبي على ما في هذا الخبر، وكذا رواه الزبير وابن سعد عن الكلبي، وقال: به أبو الليث السمرقندي، ومن قلده، والصحيح أنه ليس بنبي؛ كما قاله البرهان الدمشقي وغيره ولا حجة في أثر الكلبي؛ لأنه مقطوع مع أنه متروك متهم بالوضع. "ولوط" ابن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم. "ويوسف" بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكرام، قال بعضهم: هو مرسل؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: 34] وقيل: ليس هو يوسف بن يعقوب، بل يوسف بن افرايم بن يوسف بن يعقوب، وحكى النقاش والماوردي: أن يوسف المذكور في الآية من الجن بعثه الله رسولا إليهم، وهو غريب جدًا، قاله في الإتقان.

وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال

وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال: الأول: أنه ولد مختونًا كما تقدم.

_ "وموسى" بن عمران، "وسليمان" بن داود، "وشعيب، ويحيى، وهود صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين" وزاد محمد بن حبيب: زكريا وصالحًا وعيسى وحنظلة بن صفوان، فاجتمع من ذلك سبعة عشر نظمهم الحافظ السيوطي في قلائد الفوائد فقال: وسبعة مع عشر قدروا خلقوا ... وهم ختان فخذ لا زلت مأنوسا محمد آدم إدريس شيث ونو ... ح سام هود شعيب يوسف موسى لوط سليمان يحيى صالح زكريْ ... يَا وحنظلة الرسى مع عيسى "وفي هذه العبارة" وهي تسمية من ولد بلا قلفة مختونًا "تجوز؛ لأن الختان هو القطع وهو غير ظاهر" هنا "لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع" فيما مضى ويأتي. قال ابن القيم: حدثنا صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس، أنه ولد كذلك وأن أهله لم يختنوه، انتهى. ولذا عبر بيوجد المضارع دون الماضي إشارة إلى أن الإيجاد لا يقصر على من كان قبل المصطفى، فلا يقال الأولى التعبير بالماضي؛ لأنهم وجدوا كذلك وتم أمرهم. "فيحمل الكلام" على المجاز "باعتبار أنه على صفة المقطوع" فهو علة لمقدور وحاصله أنه لما كانت صورته صورة لمختون أطلق عليه اسمه مجازًا لعلاقة المشابهة في الصورة، "وقد حصل من الاختلاف" المذكور في كلامهم "في ختنه" صلى الله عليه وسلم "ثلاثة أقوال: "الأول": منها في الذكر "أنه ولد مختونًا، كما تقدم" وقال الحاكم، وبه تواترت الأخبار، وابن الجوزي: لا شك أنه ولد مختونًا، قال القطب الخيضري: وهو الأرجح عندي، وأدلته مع ضعفها أمثل من أدلة غيره، انتهى. وقد مر أن طريقًا جيدا صححه الضياء، وحسنه مغلطاي، مع أنه أوضح من جهة النظر؛ لأنه في حقه صلى الله عليه وسلم كما قال الخيضري: غاية الكمال؛ لأن القلفة قد تمنع كمال النظافة والطهارة واللذة، فأوجده ربه مكملا سالمًا من النقائص والمعايب، ولأن

الثاني: أنه ختنه جده عبد المطلب يوم سابعه، وصنع له مأدبة وسماه محمدًا. رواه الوليد بن مسلم بسنده إلى ابن عباس وحكاه ابن عبد البر في التمهيد.

_ الختان من الأمور الظاهرة المحتاجة إلى فعل آدمي فخلق سليمًا منها لئلا يكون لأحد عليه منة، وبهذا لا ترد العلقة التي أخرجت بعد شق صدره؛ لأن محلها القلب ولا إطلاع عليه للبشر، فأظهره الله على يد جبريل ليتحقق الناس كمال باطنه كظاهره، انتهى ملخصًا. "الثاني: أنه خنته جده عبد المطلب" الظاهر: أن المراد أمر بختنه وأنه بالموسى إذ لو ختن بغيره لنقل لخرقه للعادة، والخوارق إذا وقعت توفرت الدواعي على نقلها، "يوم سابعه" لأن العرب كانوا يختنون؛ لأنها سنة توارثوها من إبراهيم وإسماعيل لا لمجاورة اليهود؛ كما أشار له في قوله في حديث هرقل: "أرى ملك الختان قد ظهر"، "وصنع له مأدبة" بضم الدال وفتحها اسم لطعام الختان، كما أفاده القاموس والمصباح، وأفاد الثاني: أنه يسمى إعذارًا أيضًا، "وسماه محمدًا. وفي الخميس: روى أنه لما ولد صلى الله عليه وسلم أمر عبد المطلب بجزور فنحرت ودعا رجالا من قريش فحضروا وطعموا، وفي بعض الكتب: كان ذلك يوم سابعه، فلما فرغوا من الأكل قالوا: ما سميته فقال سميته محمدًا، فقالوا: رغبت عن أسماء آبائه، فقال: أردت أن يكون محمودًا في السماء لله وفي الأرض لخلقه، وقيل: بل سمته بذلك أمه لما رأته، وقيل لها في شأنه ويمكن الجمع بأن أمه لما نقلت ما رأته لجده سماه، فوقعت التسمية منه، وإذا كان بسببها يصح القول بأنها سمته به، انتهى. "رواه الوليد بن مسلم" القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي عن مالك والأوزاعي والثوري وابن جريج وخلق، وعنه الليث أحد شيوخه وابن وهب وأحمد وابن راويه وابن المديني متفق على توثيقه، وإنما عابوا عليه كثرة التدليس والتسوية، أخرج له الستة مات أول سنة خمس وتسعين ومائة "بسنده إلى ابن عباس وحكاه" شيخ الإسلام أبو عمر الحافظ يوسف بن عبد الله بن محمد "بن عبد البر" بن عاصم النمري، بفتح النون والميم القرطبي الفقيه المكثر العالم بالقراءات والحديث والرجال والخلاف الدين الصين، صاحب السنة والاتباع والتصانيف الكثيرة، ساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان وانتهى إليه مع إمامته علو الإسناد. توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيام، "في" كتاب "التمهيد" لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ولمؤلفه فيه شعر:

الثالث: أنه ختن عند حليمة، كما ذكره ابن القيم والدمياطي ومغلطاي وقالا: إن جبريل عليه السلام ختنه حين طهر قلبه. وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة. قال الذهبي: وهذا منكر.

_ سمير فؤادي مذ ثلاثين حجة ... وصقيل ذهني والمفرج عن همي بسطت لكم فيه كلام نبيكم ... لأني معانيه من الفقه والعلم وفيه من الآثار ما يهتدى به ... إلى البر والتقوى وينهى عن الظلم "الثالث: أنه ختن عند حليمة" السعدية مرضعته صلى الله عليه وسلم، "كما ذكره ابن القيم" مع القولين السابقين، "والدمياطي" بكسر الدال المهملة وبعضهم أعجمها وسكون الميم وخفة التحتية نسبة إلى دمياط بلد مشهور بمصر؛ كما في اللب الحافظ الإمام العلامة الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين شرف الدين، أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الشافعي. ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتفقه وبرع وطلب الحديث فرحل وجمع فأوعى وألف وتخرج بالمنذري، وبلغت شيوخه ألفًا وثلاثمائة شيخ ضمنهم معجمه، قال المزي: ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وكان واسع الفقه رأسًا في النسب جيد العربية غزيرًا في اللغة، مات فجأة سنة خمس وسبعمائة. "ومغلطاي" الإمام الحافظ علاء الدين بن قليج بن عبد الله بن الحنفي، ولد سنة تسع وثمانين وستمائة وكان حافظًا عارفًا بفنون الحديث، علامة في الأنساب وله أكثر من مائة مصنف؛ كشرح البخاري، وشرح ابن ماجه، وشرح أبي داود ولم يتما، مات سنة اثنتين وستين وسبعمائة وهو بضم الميم وسكون الغين وفتح اللام، كما ضبطه الحافظ بالقلم في كلام نثر، وأما ابن ناصر فضبطه بفتح الغين وسكون اللام في قوله: ذلك مغلطاي فتى قليجي ... ولعله للضرورة فلا تخالف وقليجي بقاف وجيم نسبة إلى القليج: السيف، بلغه الترك. "وقالا: إن جبريل عليه السلام ختنه" بآلة ولم يتألم منها على الظاهر، "حين طهر قلبه" بعد شقه، "وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة" نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه، "قال الذهبي: وهذا" الحديث "منكر" وهو ما رواه غير الثقة مخالفًا لغيره؛ كما في النخبة، ولا يعود اسم الإشارة على القول الثالث؛ لأنه إخراج لألفاظ الحفاظ عن معناها عندهم، وقد احتج للقول بأنه لم يولد مختونًا بأنه الأليق بحاله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم فأتمهن وأشد الناس بلاء الأنبياء والابتلاء به مع الصبر عليه مما يضاعف الثواب، فالأليق بحاله أن لا يسلب هذه الفضيلة، وأن يكرمه الله بها كما أكرم خليله، وأجيب بأنه إنما

واعلم أن الختان: هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى الفرج من المرأة، ويسمى ختان الرجل: إعذارًا -بالعين المهملة والذال المعجمة والراء- وختان المرأة خفاضًا -بالخاء المعجمة والفاء والضاد المعجمة أيضًا. واختلف العلماء: هل هو واجب؟ فذهب أكثرهم إلى أنه سنة وليس بواجب، وهو قول مالك وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. وذهب الشافعي إلى وجوبه، وهو مقتضى قول سحنون من المالكية. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء.

_ ولد مختونًا لئلا يرى أحد عورته؛ كما صرح به في الخبر. واعلم: أن الختان هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى الفرج من المرأة، ويسمى ختان الرجل إعذارًا بالعين المهملة" الساكنة قبلها ألف وحذفها في بعض النسخ تحريف، لا يوافق القاموس. "والذال المعجمة والراء" بعدها ألف ويسمى أيضًا عذرًا، كما في القاموس. "وختان المرأة خفاضًا" كذا في نسخ "بالخاء المعجمة" المكسورة "والفاء والضاد المعجمة أيضًا" فهو كقول القاموس: خفاض كختان وزنا، ومعنى فما في نسخ ختان المرأة خفضًا تحريف، "واختلف العلماء" في جواب قول السائل "هل هو" أي: الختان، لكل من الرجل والمرأة "واجب" أو سنة "فذهب أكثرهم إلى أنه سنة وليس بواجب" أتى به لدفع توهم أن المراد بالسنة الطريقة، "وهو قول مالك وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وذهب الشافعي إلى وجوبه" لكل من المرأة والرجل، "وهو مقتضى قول سحنون" بفتح السين وضمها "من" أئمة "المالكية" واسمه عبد السلام بن سعيد التنوخي القيرواني لقب باسم طائر حديد الذهن ببلاد المغرب، لكونه كان كذلك، ولد في شهر رمضان سنة ستين ومائة، وتلمذ لابن القاسم وغيره وصنف المدونة التي عليها العمل ومات في رجب سنة أربعين ومائتين. "وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء" وهو مذهب أحمد، وعنه الوجوب فيهما، وعن أبي حنيفة: واجب ليس بفرض، وعنه أيضًا: سنة يأثم بتركه، وعن الحسن: الترخيص فيه.

واحتج من قال: إنه سنة، بحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء". رواه أحمد في مسنده والبيهقي. وأجاب من أوجبه بأن ليس المراد بالسنة هنا خلاف الواجب، بل المراد الطريقة، واحتجوا على وجوبه بقوله تعالى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] وثبت في.......................

_ "واحتج من قال: إنه سنة، بحديث أبي المليح" بفتح الميم وكسر اللام وتحتية وحاء مهملة عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد "بن أسامة" التابعي عن أبيه، وابن عمر وجابر وأنس وعائشة وبريدة وغيرهم، وعنه أبو قلابة وقتادة وأيوب وخلق، وثقه أبو زرعة وغيره، وروى له الستة، مات سنة ثمان وتسعين أو أربع ومائة، أو اثنتي عشرة ومائة، أقوال: "عن أبيه" أسامة بن عمير بن عامر الهذلي البصري، صحابي تفرد بالرواية عنه ولده، أخرج له أصحاب السنن الأربعة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء" أي: إنه في حقهن دونه في حق الرجال فهو فيهم متأكد، "رواه أحمد في مسنده والبيهقي" وفي مسنده الحجاج بن أرطاة ضعيف لكن له شواهد، فرواه الطبراني في كبيره من حديث شداد بن أوس، وابن عباس، وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن عباس من وجه آخر، والبيهقي أيضًا عن أبي أيوب، فالحدث حسن، فقامت به الحجة. "وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنة هنا" في هذا الحديث "خلاف الواجب، بل المراد الطريقة" زاعمين أن ذلك المراد في الأحاديث، ورد بأنه لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء، دل على أن المراد افتراق الحكم ودفعه بأنه في حق الرجال للوجوب والنساء للإباحة لما لا يسمح إذ ينبو عنه اللفظ على أنه قد ورد إطلاق السنة على خلاف الواجب في أحاديث كثيرة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله افترض رمضان وسننت لكم قيامه". رواه النسائي والبيهقي. وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن علي فرائض ولكنه سنة: الوتر والسواك وقيام الليل". فهذا الحديث من جملتها والتبادر آية الحقيقة، ويقويه خبر الصحيحين وغيرهما مرفوعًا: "خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط". فإن انتظامه مع هذه الخصال التي ليست واجبة إلا عند بعض من شذ يفيد أن الختان ليس بواجب، إذ المراد بالفطرة بالكسر: السنة، بدليل بقية الحديث وحمله على الوجوب في الختان والسنة في باقيه تحكم بلا دليل. "واحتجوا على وجوبه، بقوله تعالى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] والأمر للوجوب، ومن ملته الختان، "و" ذلك لأنه "ثبت في

الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختتن إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم..........................

_ الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختن" بهمزة وصل "إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنة". وعند مالك في الموطأ والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان عن أبي هريرة موقوفًا، وابن السماك وابن حبان أيضا عنه مرفوعًا: "وهو ابن مائة وعشرين"، وزادوا: "وعاش بعد ذلك ثمانين سنة"، وأعل بأن عمره مائة وعشرون, ورد بأنه مثله عند ابن أبي شيبة وابن سعد والحاكم والبيهقي وصححاه، وأبي الشيخ في العقيقة من وجه آخر، وزادوا أيضًا: "وعاش بعد ذلك ثمانين" فعلى هذا عاش مائتين. قال الحافظ في الفتح وتبعه السيوطي: وجمع بعضهم بأن الأول حسب من منذ نبوته، والثاني حسب من مولده، انتهى. ونحوه قال الحافظ في موضع آخر: يجمع بأن المراد بقوله: وهو ابن ثمانين من وقت فراق قومه وهجرته من العراق إلى الشام، وقوله: وهو ابن مائة وعشرين، أي: من مولده، وبأن بعض الرواة رأى مائة وعشرين، فظنها إلا عشرين أو عكسه، انتهى. والأول أولى، إذ الثاني توهيم للرواة بلا داعية مع أن الجمع أمكن بدون توهيمهم، وأم الجمع بأنه عاش ثمانين غير مختون، وعشرين ومائة مختونًا؛ فرده ابن القيم بأنه قال: أختتن وهو ابن مائة وعشرين، ولم يقل: لمائة وعشرين، وبينهما فرق. "بالقدوم" بالتخفيف عند أكثر رواة البخاري. وقال النووي ولم يختلف فيه رواة مسلم اسم آلة البخار، يعني: الفأس؛ كما في رواية ابن عساكر، ورواه الأصيلي والقابسي بالتشديد وأنكره يعقوب بن شيبة، وقيل: ليس المراد الآلة بل المكان الذي وقع فيه الختان، وهو أيضًا بالتخفيف والتشديد قرية بالشام، والأكثر على أنه بالتخفيف، وإرادة الآلة؛ كما قاله يحيى بن سعيد أحد رواته وأنكر النضر بن شميل الموضع ورجحه البيهقي والقرطبي والزركشي والحافظ مستدلا بحديث أبي يعلى: "أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه، فأوحى الله إليه: عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك"، انتهى. وذكر الحافظ أبو نعيم نحوه، وقال: قد يتفق الأمران فيكون قد اختتن بالآلة وفي الموضع، انتهى هذا. والاستدلال بما ذكر على وجوب الختان لا يصح؛ لأن معنى الآية كما ذكر البيضاوي والرازي وغيرهما؛ أن اتبع ملة إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه برفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى، والمجادلة، مع كل أحد بحسب فهمه، أي: لا في تفاصيل أحكام الفروع وإلا لم يكن صاحب شرع مستقل بل داعيًا إلى شرع إبراهيم كأنبياء بني إسرائيل، فإنهم كانوا داعين إلى شرع موسى، وهذا خلاف الإجماع على أنهم قد وقعوا بهذا الاستدلال في محذور، وهو أنهم لا يرون

وبما روى أبو داود من قوله عليه الصلاة والسلام للرجل الذي أسلم: "ألق عنك شعر الكفر واختتن". واحتج القفال لوجوبه: بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة، ويمنع صحة الصلاة، فيجب إزالتها. وقال الفخر الرازي: "الحكمة من الختان، أن الحشفة قوية الحبس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة، وهو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعًا لها، كما تفعل المانوية،

_ أن شرع من قبلنا شرع لنا، وإن ورد في شرعنا ما يقرره ولا يرد هذا على مالك القائل به ما لم يرد ناسخ؛ لأنه ليس معنى الآية، كما علمت. وعلى التنزل لو سلمنا أنه من شمولها، فالأمر فيه لغير الوجوب، بدليل الحديث الناطق بالنسبة. "و" احتجوا أيضًا "بما روى أبو داود" وأحمد والواقدي "من قوله عليه الصلاة والسلام للرجل الذي أسلم" وهو كليب الحضرمي أو الجهني: "ألق" ندبًا "عنك شعر الكفر" أزله بحلق أو غيره كقص ونورة من رأس وشارب وإبط وعانة، "واختتن" بالواو، وفي رواية: "ثم بدلها" روى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن جريج، قال: أخبرت عن عثيم، وهو مصغر عثمان بن كثير بن كليب عن أبيه عن جده، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أسلمت، فقال: "ألق عنك شعر الكفر واختتن". فأفاد الأمر الوجوب؛ لأنه الأصل فيه، والجواب: أن سنده ضعيف، صرح به الحافظ وقال الذهبي: منقطع، وقال ابن القطان: عثيم وأبوه مجهولان فلا حجة فيه، وعلى فرض حجته فليس الأمر للوجوب للحديث الناطق بالسنية؛ ولأن أوله محمول على الندب، بلا ريب. "واحتج القفال لوجوبه بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة ويمنع صحة الصلاة، فتجب إزالتها" وهذا ممنوع مع قصوره على ختان الرجل دون المرأة، "وقال الفخر الرازي: الحكمة في الختان" سواء قلنا: بوجوبه أو سنيته "أن الحشفة قوية الحبس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة" أي: لذة الجماع، "عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة" وهذا يخالفه ما مر عن الخيضري: أن القلفة تمنع كمال اللذة، إلا أن يريد على بعد ما يدركه المجامع من اللذة بالفعل، ويراد بها عند الفخر قوة الشهرة المقتضية لإطالة الفعل، وكأنه لعدم ملاقاة حشفة محل الجماع يتأخر الإنزال، "وهو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعًا لها، كما تفعل المانوية" من تحريم النكاح وهو قطع لها، وهم أصحاب ماني بن فاتك الزنديق الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير بعد عيسى عليه السلام، وادعى النبوة وأن للعالم أصلين النور فذلك إفراط وإبقاء القلفة تفريط، فالعدل الختان". انتهى. وإذا قلنا بوجوب الختان، فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا، لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه سئل: مثل من أنت حيث قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وأنا يؤمئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك". وقال بعض أصحابنا: يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ، والله أعلم.

وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم

وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم: فالأكثرون على أنه عام الفيل، وبه قال ابن عباس...................

_ خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وأنهما قديمان حيان دراكان، فقيل سابور قوله: فلما ملك بهران بن هرمز بن سابور سلخه وحشا جلده تبنًا وقتل أصحابه، وبعضهم هرب إلى الصين، وقد أجاد أبو الطيب في قوله: وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب "فذلك" أي: فعل المانوية "إفراط" إسراف ومجاوزة حد، "وإبقاء القلفة تفريط" تضييع وتقصير، "فالعدل" فالوسط بينهما، "الختان، انتهى" كلام الرازي. "وإذ قلنا بوجوب الختان فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا" يعني الشافعية ويندب عندهم في اليوم السابع بعد يوم الولادة "لما روى البخاري في صحيحه" من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد "عن ابن عباس أنه سئل مثل" بكسر الميم وسكون المثلثة "من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وأنا يومئذ مختون" قال أبو إسحاق: أو إسرائيل أو من دونه، "وقد كانوا لا يختنون" بفتح التحتية وكسر الفوقية؛ كما اقتصر عليه المصنف، وظاهره: أن الرواية وإن جاز ضم الفوقية لغة، أي: كانت عادتهم لا يختنون "حتى يدرك" الحلم، فأفاد نفي الختان قبله، إذ لو طلب قبله لما أطبقوا على تركه قبل البلوغ، قال السخاوي في البستان والمحفوظ الصحيح أن ابن عباس ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، فتكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، انتهى. "وقال بعض أصحابنا: يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ" مقابل لما قدم أنه الصحيح "والله أعلم" بحقيقة الحكم فيه، "وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم، فالأكثرون" من العلماء "على أنه ولد عام الفيل، وبه قال ابن عباس" على المحفوظ عنه، ووقع عند البيهقي والحاكم عن ابن عباس، قال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الفيل، لكن المراد مطلق الوقت

ومن العلماء من حكى الاتفاق عليه وقال: كل قول يخالفه وهم. والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في جماعة. وقيل: بعده بخمسة وخمسين يومًا، وحكاه الدمياطي في آخرين. وقيل: بشهر، وقيل بأربعين يومًا. وقيل: بعد الفيل بعشر سنين وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل: وغير ذلك. والمشهور أنه بعد الفيل، لأن قصة الفيل كانت....................

_ لقول يحيى بن معين يعني عام الفيل انتهى كما يقال يوم الفتح ويوم بدر، ويحتمل حقيقة اليوم فهو أخص من الأول وبه صرح ابن حبان في تاريخه، فقال ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث الله فيه الطير الأبابيل على أصحاب الفيل، ذكره الحافظ في شرح الدرر. "ومن العلماء من حكى الاتفاق عليه" كابن الجوزي، حيث قال في الصفوة: اتفقوا على أنه ولد عام الفيل، وكذا ابن الجزار، "وقال: كل قول يخالفه" فهو "وهم" بفتح الهاء، أي: غلط، لكن قال مغلطاي: فيه نظر، يعني: لكثرة الخلاف وعلى الأول اختلفوا فيما مضى من ذلك العام. "والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في جماعة" أي: معهم، "وقيل بعده بخمسة وخمسين يومًا، وحكاه الدمياطي في" أي: مع "آخرين" منهم أبو جعفر محمد بن علي، قال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، وكان قدوم الفيل للنصف من المحرم، فبين الفيل ومولده خمس وخمسون ليلة نقله في المنتقى، وفي العيون ذكر الخوارزمي وغيره: أن قدوم الفيل مكة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة. "وقيل" ولد بعده "بشهر" واحد، "وقيل: بأربعين يومًا" حكاهما مغلطاي واليعمري، "وقيل": بل ولد "بعد" عام "الفيل" واختلفوا في مدته، فقيل: بعده بسنتين، وقيل: بعد الفيل "بعشر سنين". قال مغلطاي: يروى هذا القول عن الزهري، ولا يصح. "وقيل" بل ولد "قبل الفيل" لا بعده "بخمس عشرة سنة" وسيأتي رده "وقيل غير ذلك" فقيل: بعده بثلاثين عامًا، وقيل: بأربعين عامًا، وقيل: بسبعين عامًا، وقيل: بثلاثة وعشرين عامًا، حكاها كلها مغلطاي، ثم رد المصنف القول بأنه ولد قبل الفيل، بقوله: "والمشهور: أنه ولد بعد الفيل" لا قبله؛ "لأن قصة الفيل كانت

توطئة لنبوته، وتقدمة لظهوره وبعثته، وإلا فأصحاب الفيل -كما قاله ابن القيم- كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك، لأنهم كانوا عباد، أوثان، فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام. واختلف أيضا في الشهر الذي ولد فيه. والمشهور: أنه ولد في شهر ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء، ونقل ابن الجوزي الاتفاق عليه. وفيه نظر؛ فقد قيل في صفر، وقيل في ربيع الآخر. وقيل: في رجب، ولا يصح. وقيل: في شهر رمضان................................

_ توطئة" تمهيدًا "لنبوته وتقدمه لظهوره" لوجوده "وبعثته" وقد وجد قبل وجوده خوارق كثيرة؛ ككثرة الهواتف، وأخبار الأحبار والكهان، فلا يرد ما قيل الإرهاص إنما يكون بما يوجد بعد مولده وقيل البعثة، إما لأن التعبير بالإرهاص مجاز، وإما لمنع تخصيص الإرهاص بما بعد الوجود، بل هو شامل لكل ما تقدمه البعث من خوارق قبل وجوده أم بعده. "وإلا" يكن توطئة له بل لشرف أهل مكة كان القياس العكس، "فأصحاب الفيل" أي: القوم الذين جاءوا به. "كما قال ابن القيم: كانوا نصارى أهل كتاب" وهو الإنجيل "وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك" ألم تر أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء؛ كما في الصحيح "لأنهم كانوا عباد أوثان" أصنام لا كتاب لهم، "فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب" مع كونهم خيرًا منهم "نصرًا لا صنع للبشر فيه إرهاصًا وتقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج" وجد "من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام" لا لما كان عليه أهله "واختلف أيضًا في الشهر الذي ولد فيه" أهو ربيع أم غيره؟ "والمشهور: أنه ولد في ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء" بضم الجيم معظمهم وجلهم، ونقل التلمساني فتح الجيم أيضًا وأتى به بعد المشهور؛ لأن مجرد الشهرة لا تستلزم كثرة القائل لجواز أن يشتهر عن واحد مع مخالفة غيره له أو سكوته عنه. ونقل" العلامة الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن "ابن الجوزي الاتفاق عليه" فقال في الصفوة: اتفقوا على أنه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول عام الفيل، "وفيه" أي: نقل الاتفاق "نظر، فقد قيل: في صفر، وقيل: في ربيع الآخر" حكاهما مغلطاي وغيره، "وقيل: في رجب، ولا يصح" هذا القول، "وقيل: في شهر رمضان" حكاه اليعمري ومغلطاي.

وروي عن ابن عمر بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن أمه حملت به في أيام التشريق. وأغرب من قال: ولد في عاشوراء. وكذا اختلف أيضًا في أي يوم من الشهر: فقيل إنه غير معين، إنما ولد يوم الاثنين من ربيع الأول من غير تعيين، والجمهور على أنه يوم معين. فقيل: لليلتين خلتا منه. وقيل: لثمان خلت منه، قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم......................

_ "وروي" هذا القول بأنه في شهر رمضان "عن ابن عمر بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن أمه حملت به أيام التشريق" هي ثلاثة أو يومان بعد يوم النحر، سميت بذلك لأنهم يشرقون، أي: يقطعون فيها لحوم الأضاحي أو لصلاة العيد بعد وقت شروق الشمس، يعني: يوافقه على أن الحمل تسعة أشهر. "وأغرب من قال" جاء بقول غريب لا يعرف، "ولد في يوم عاشوراء" فشهر الولادة المحرم، وحكاه مغلطاي فحصل في شهر الولادة ستة أقوال، "وكذا اختلف أيضًا في أي يوم من الشهر" ولد، "فقيل: إنه" أي: اليوم الذي ولد فيه "غير معين" بأنه آخر الشهر أو غيره، "إنما" ثبت عند صاحب هذا الفيل أنه "ولد يوم الاثنين من ربيع الأول من غير تعيين" لكونه ثانية أو ثامنة أو غيرهما، "والجمهور على أنه معين" لكن اختلفوا في تعيينه، "فقيل" ولد "لليلتين خلتا منه" من ربيع الأول؛ فيوم ولادته ثانيه، وبه صدر مغلطاي "وقيل: لثمان خلت منه". "قال الشيخ قطب الدين" أبو بكر محمد بن أحمد بن علي المصري "القسطلاني" الشافعي، جمع بين العلم والعمل وألف في الحديث والتصوف وتاريخ مصر، ولد بمصر سنة أربع عشرة وستمائة، ومات في محرم سنة ست وثمانين وستمائة نسبة إلى قسطلينة من إقليم أفريقية؛ كما قال هو رحمه الله في تاريخ مصر، ونقله عنه ابن فرحون في الديباج في ترجمة أحمد بن علي المصري المالكي المعروف بابن القسطلاني ولم يضبطه، وقال القطب الحلبي في تاريخه: كأنه منسوب إلى قسطلينة بضم القاف من أعمال أفريقية بالمغرب، انتهى، وبعضهم ضبطه بفتح القاف وشد اللام، "وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم"

وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن، واختاره الحميدي، وشيخه ابن حزم، وحكى القضاعي في "عيون المعارف" إجماع أهل الزيج عليه، ورواه الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، وكان عارفًا..............................

_ النوفلي "وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن" يعني التاريخ "واختاره" الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي "الحميدي" بضم الحاء مصغرا نسبة لجده الأعلى حميد المذكور الأندلسي الظاهري من كبار تلامذة ابن حزم صاحب الجمع بين الصحيحين فريد عصره علمًا غزيرًا وفضلا ونبلا وحفظًا وورعًا، الثبت الإمام في الحديث والفقه والأدب والعربية والترسل عن الخطيب وطبقته وسمع بالأندلس ومصر والشام والعراق والحجاز، وعنه ابن ماكولا وغيره مات سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ومن نظمه، كما قال شيخ الإسلام: لقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال "وشيخه" الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد "بن حزم" الأموي مولاهم اليزيدي القرطبي الظاهري الإمام العلامة الزاهد الورع له المنتهى في الذكاء والحفظ مع توسعه في علوم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار، توفي سنة سبع وخمسين وأربعائة، "وحكى القضاعي" بضم القاف وضاد معجمة وعين مهملة نسبة إلى قاضعة شعب من معد أو من اليمن، أو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر الفقيه الشافعي قاضي مصر صاحب الشهاب والخطط وغيرهما، روى عنه الخطيب البغدادي، قال ابن ماكولا: كان متفننًا في عدة علوم، توفي بمصر ليلة الخميس سابع عشر ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة. "في عيون المعارف إجماع أهل الزيج" بزاي مكسورة فتحتية ساكنة فجيم، أي: الميقات، "عليه" وهو لغة خيط البناء ثم نقل وجعل لقب العمل الميقات لقولهم علا الخيط في أخذ استواء النجوم القاموس الزيج خيط البناء معرب ومقتضاه فتح الزاي؛ لأنه إذا أطلق أراد الفتح إلا فيما اشتهر بخلافه؛ كما قال في خطبته وقد ضبطه بعضهم بكسرها فلعله مما اشتهر، "ورواه" الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي، "الزهري" المدني أحد الأعلام نزيل الشام التابعي الصغير المتفق على إمامته وحفظه وإتقانه وفقهه الموصوف بأنه جمع علم جميع التابعين، القائل: ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيه المتوفى سابع عشر شهر رمضان سنة خمس أو ثلاث أو أربع وعشرين ومائة عن اثنتين وتسعين سنة، "عن محمد بن جبير بن مطعم" النوفلي الثقة أحد رجال الستة المتوفى على رأس المائة، "وكان" محمد "عارفًا

بالنسب وأيام العرب، أخذ ذلك عن أبيه جبير. وقيل لعشر، وقيل لاثني عشر، وعليه عمل أهل مكة في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت، وقيل لسبع عشرة وقيل لثمان عشرة، وقيل لثمان بقين منه. وقيل: إن هذين القولين غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية. والمشهور: أنه ولد "يوم الاثنين" ثاني عشر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق وغيره. وإنما كان في شهر ربيع الأول على الصحيح ولم يكن في المحرم، ولا في رجب، ولا في رمضان، ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به كالأماكن........................

_ بالنسب وأيام العرب" وقائعهم وسيرهم، فيدل على قوة هذا القول وترجيحه ومعرفة ذلك مما به يتفاخرون "أخذ ذلك" الذي عرفه من النسب وأيام العرب "عن أبيه جبير" بضم الجيم مصغر بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي الصحابي العارف بالأنساب المتوفى سنة ثمان أو تسع وخمسين، "وقيل: لعشر" مضين من ربيع، حكاه مغلطاي والدمياطي وصححه، "وقيل" ولد "لاثني عشر" من ربيع الأول "وعليه عمل أهل مكة" قديمًا وحديثًا، "في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت" أي: ثاني عشر ربيع "وقيل: لسبع عشرة" ليلة خلت من ربيع، "وقيل: لثمان عشرة" بفتح النون ويجوز كسرها؛ كما في الهمع والتوضيح واقتصر المصباح على الفتح حذف الياء كما هنا، وهو لغة أما مع ثبوتها في اللغة الأخرى فتسكن وتفتح وهو أفصح، "وقيل: لثمان بقين منه، وقيل: إن هذين القولين" الأخيرين "غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية" فتحصل في تعيين اليوم سبعة أقوال، "والمشهور أنه" صلى الله عليه وسلم "ولد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول"، وهو القول الثالث في كلام المصنف، "وهو قول" محمد "بن إسحاق" بن يسار إمام المغازي، "و" قول "غيره" قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور، وبالغ ابن الجوزي وابن الجزار فنقلا فيه الإجماع وهو الذي عليه العمل، "وإنما كان" مولده "في شهر ربيع" الأول "على الصحيح" من الأقوال "ولم يكن في المحرم، ولا في رجب" بالصرف، ولو أريد به معين، ففي المصباح: رجب من الشهور مصروف، "ولا رمضان ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف" كبقية الأشهر الحرم وليلة نصف شعبان؛ "لأنه" كما ذكر ابن الحاج في المدخل "عليه الصلاة والسلام لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به؛ كالأماكن" لا يتشرف بها ومن ثم لم يولد في جوف الكعبة، وإنما الأماكن تتشرف به؛ كالمدينة تشرفت به حتى

فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة، لتوهم أنه تشرف به، فجعل الله تعالى مولده عليه السلام في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه. وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم عليه السلام خص بساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المرسلين. ولم يجعل الله تعالى في يوم الاثنين -المخلوق فيه آدم- من الجمعة والخطبة وغير ذلك، إكرامًا لنبيه عليه الصلاة والسلام بالتخفيف عن أمته......................

_ صارت أفضل من مكة عند كثيرين وصار فيها بقعة روضة من رياض الجنة، وأخرى خير البقاع بإجماع، "فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة لتوهم أنه تشرف به، فجعل الله تعالى مولده عليه السلام في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه" وهذا وجه كونه لم يولد في تلك الأشهر وحكمة كونه في شهر ربيع ما في شرعه من شبه زمن الربيع، فإنه أعدل الفصول وشرعه أعدل الشرائع، ولأن في ظهوره فيه إشارة لمن تفطن لها بالنسبة إلى اشتقاق لفظة ربيع؛ لأن فيه تفاؤلا حسنًا ببشارة أمته، فالربيع تنشق الأرض عما في بطنها من نعم الله، ومولده في ربيع إشارة ظاهرة إلى التنويه بعظيم قدره، وأنه رحمة للعالمين، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب، هذا حاصل ما ذكر ابن الحاج. "وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم عليه السلام، خض بساعة" في تعيينها أقوال كثيرة، "لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا، إلا أعطاه إياه" وأخرج بالخير غيره، وفي رواية أحمد: "ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم"، "فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المرسلين" وهي في يوم الاثنين، وأقرب ما قيل: إنها في أوله فينبغي الاجتهاد فيها رجاء مصادفتها لكن المصنف في عهدة أن فيه ساعة كساعة يوم الجمعة؛ لأنه إن أراد أن ذلك اليوم ومثله إلى يوم القيامة كساعة يوم الجمعة أو أفضل، فدليله هذا لا ينتج ذلك، وإن أراد عين تلك الساعة فساعة الجمعة لم تكن موجودة حينئذ، وإنما جاء تفضيلها في الأحاديث الصحيحة بعد ذلك بمدة، فلم يمكن اجتماعهما حتى يفاضل بينهما وتلك انقضت وهذه باقية إلى اليوم، وقد نص الشارع عليها ولم يتعرض لساعة مولده ولا لأمثالها، فوجب علينا الاقتصار على ما جاءنا عنه ولا نبتدع شيئًا من عند نفوسنا القاصرة عن إدراكه، إلا بتوقيف. "ولم يجعل الله تعالى في يوم الاثنين يوم مولده" بالجر بدل "عليه السلام من التكليف بالعبادات ما جعل في يوم الجمعة المخلوق فيه آدم من" صلاة "الجمعة والخطبة وغير ذلك" من نحو الغسل وحلق العانة، "إكرامًا لنبيه عليه الصلاة والسلام بالتخفيف عن أمته

بسبب عناية وجوده قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، ومن جملة ذلك: عدم التكليف. واختلف أيضًا في الوقت الذي ولد فيه. والمشهور أنه يوم الاثنين، فعن أبي قتادة الأنصاري: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت علي فيه النبوة". رواه مسلم، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ولد نهارًا. وفي المسند، عن ابن عباس قال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم.............................

_ بسبب عناية وجوده، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] مؤمنهم وكافرهم، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33] ، "ومن جملة ذلك عدم التكليف" وأبدى ابن الحاج حكمة تخصيصه بيوم الاثنين وهي خلق الأشجار فيه ومنها أرزاق العباد وأقواتهم، فوجوده فيه قرة عين بسبب ما وجد من الخير العظيم لأمته، "واختلف أيضًا في الوقت الذي ولد فيه" أهو الليل أم النهار؟ "والمشهور: أنه يوم الاثنين" كما مر، فأفاد أنه بالنهار "فعن أبي قتادة الأنصاري" الخزرجي السلمي المدني ارس رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر سائر المشاهد إلا بدرًا، ففيه خلف وليس في الصحابة من يكنى بكنيته غيره، واسمه الحارث بن ربعي بكسر الراء أو النعمان بن ربعي أو النعمان بن عمرو، وبالأول جزم في التبصير، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، أو أربع وخمسين عن سبعين سنة، "أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: "ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت علي فيه النبوة" أي: أنه أول يوم أوحي إلي فيه "رواه مسلم" من طريق شعبة عن غيلان، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة في حديث طويل، وفيه ما لفظه، وسئل عن صوم يوم الاثنين، قال: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه، أو أنزل علي فيه"، فالمصنف نقله بمعناه ويقع في بعض نسخ المواهب عن قتادة بحذف أبي وهو تحريف، فالذي في مسلم عن أبي قتادة، كما رأيت وقتادة هو ابن النعمان الأوسي صحابي آخر. "وهذا" الحديث "يدل" صريحًا "على أنه صلى الله عليه وسلم ولد نهارًا" لقوله: "ذاك يوم ولدت فيه". "و" روى أحمد "في المسند عن ابن عباس، قال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبئ" أي: نبئ فالسين للتأكيد، "يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ورفع صلى الله عليه وسلم "الحجر" الأسود إلى موضعه فوضعه فيه بيده المباركة "يوم

الاثنين. انتهى. وكذا فتح مكة ونزول سورة المائدة يوم الاثنين. وقد روي أنه ولد "يوم الاثنين" عند طلوع الفجر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: كان بمر الظهران راهب يسمى عيصا، من أهل الشام، وكان.......................

_ الاثنين" حين بنت قريش الكعبة سنة خمس وثلاثين من مولده صلى الله عليه وسلم، واختصموا فيمن يرفع الحجر إلى موضعه حتى أعدوا للقتال، ثم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا، قال ابن إسحاق: فزعم أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة، وكان أسنهم يومئذ، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم، فكان صلى الله عليه وسلم أول داخل، فقالوا: هذا الأمين رضينا، وأخبروه الخبر، فقال: "هلم إلي ثوبًا" فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا"، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم، "انتهى" ما في المسند، وفيه إرسال صحابي؛ لأنه لم يدرك ذلك وكان في الهجرة ابن ثلاث سنين؛ كما مر. "وكذا فتح مكة" عند بعضهم، والمعروف ما رواه البيهقي أنه كان يوم الجمعة واقتصر عليه المصنف في غزوة الفتح، "ونزول سورة المائدة" أي قوله فيها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، الآية، كان ذلك "يوم الاثنين" ففي بعض الطرق عند ابن عساكر وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، وكانت وقعة بدر يوم الاثنين، قال ابن عساكر: المحفوظ أن وقعة بدر ونزول {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، يوم الجمعة. "وقد روي: أنه صلى الله عليه وسلم ولد عند طلوع الفجر" من يوم الاثنين "فعن عبد الله بن عمرو بن العاصي" بن وائل القرشي السهمي، قال النووي: الجمهور على كتابة العاصي بالياء، وهو الصحيح عند أهل العربية ويقع في كثير من كتب الحديث وغيرها بحذف الياء، وهي لغة قرئ بها في السبع كالكبير المتعال والداع ونحوهما، وقال في موضع آخر: الصحيح في العاصي وابن أبي الموالي والهادي واليماني إثبات الياء، انتهى. ومر له مزيد أول الكتاب "قال: كان بمر الظهران" موضع على مرحلة من مكة "راهب يسمى عيصا" كذا في نسخ؛ كفتح الباري: بألف منونًا سواء قلنا: إنه أعجمي أو عربي لأنه ثلاثي ساكن الوسط كنوح وهو مصروف، وفي نسخ: عيصي بالياء، وفي الشامية: عيص بلا ألف ولا ياء فهو ممنوع الصرف، "من أهل الشام" زاد في رواية ابن عساكر: آتاه الله علمًا كثيرًا،

يقول: يوشك أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود تدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه، فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه، فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيصا فناداه، فأشرف عليه، فقال له عيصا: كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين. قال: ولد لي الليلة مع الصبح مولود، قال: فما سميته؟ قال: محمدًا، قال: والله لقد كنت أتشهى أن يكون هذا المولود فيكم أهل هذا البيت، بثلاث خصال تعرفه، فقد أتى عليهن منها: أنها طلع نجمه البارحة، وأنه ولد.....................

_ وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة يدخل كل سنة إليها فيلقى الناس "وكان يقول: يوشك" يقرب "أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود تدين له العرب" تنقاد وتخضع وتذل "ويملك العجم، هذا زمانه؛ فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل" بالبناء للمفعول "عنه" ذلك الراهب؛ لقوله لهم ذلك، وفي رواية ابن عساكر: وكان لا يولد بها مولود إلا سألوه عنه. "فلما كان صبيحة" أي: أول "اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيصا" ليسأله عن هذا المولود: أهو الذي قال فيه ما قال؟ "فناداه" أي: فنادى عبد المطلب عيصا، "فأشرف عليه، فقال له عيص: كن أباه" أي: اتصف بكونك أباه بأن تعتقد ذلك، وتسمية الجد أبا حقيقة، ووقع في رواية ابن عساكر عن ابن عمر: والمذكور خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيصا ... إلخ، وإنما يجيء على أن أباه مات وهو في المهد، لكن المخرج متحد، فلعلها شاذة. "قد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث" بعد ذلك إلى الناس بشيرًا ونذيرًا "يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين، قال" عبد المطلب "ولد لي الليلة مع الصبح مولود" فأفادت المعية أنه ولد عند طلوع الفجر، وهو محل الشاهد من هذا الحديث، "قال" الراهب "فما سميته؟ قال: محمدًا" أي: عزمت على تسميته فلا ينافي ما مر أنه سماه يوم سابعه، "قال" الراهب: "والله لقد كنت أتشهى" أتمنى أن يكون "هذا المولود فيكم" يا "أهل هذا البيت" الكعبة، لما رأيته فيكم من تميزكم على غيركم من العرب بالخصال الحميدة ومكارم الأخلاق، وقد علمت وجوده مطابقًا لما كنت أتمناه، "بثلاث" أي: بسبب ثلاث "خصال تعرفه" بضم الفوقية فعين مفتوحة فراء مشددة، أي: تميزه تلك الخصال وتدل على أنه ذلك المولود، وفي نسخة: نعرفه، وكذا عند ابن عساكر بفتح النون، أي: نعرفه نحن بها "فقد أتى" مشتملا "عليهن" وهو مجاز عن أتى بكذا إذا مر عليه، ففي المصباح: أتى عليه: مر به، فكأنه لقيام الصفات به مر بها، "منها" أي: الخصال التي علم وجوده بها "أنه طلع نجمه البارحة، وأنه ولد

اليوم، وأن اسمه محمد. رواه أبو جعفر بن أبي شيبة، وخرجه أبو نعيم في الدلائل بسند ضعيف. وقيل: كان مولده عليه الصلاة والسلام عند طلوع الغفر، وهو ثلاثة أنجم صغار ينزلها القمر، وهو مولد النبيين، ووافق ذلك من الشهور الشمسية نيسان، وهو برج الحمل، وكان لعشرين مضت منه. وقيل ولد ليلا فعن عائشة قالت: كان بمكة يهودي يتجر فيها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا لا نعلمه قال ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخير بين كتفيه علامة فيها

_ اليوم، وإن اسمه محمد، رواه أبو جعفر بن أبي شيبة" محمد بن عثمان العبسي الكوفي محدثها الحافظ البارع، صنف وجمع، وثقه صالح جزرة وابن عدي وعبدان، وقال عبد الله بن أحمد: كذاب، وقال ابن خراش: يضع وقال مطين: هو عصا موسى تلقف ما يأفكون، وقال ابن البرقاني: لم أزل أسمع أنه مقدوح فيه، مات في جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين، وما يقع في نسخ أبو جعفر وابن أبي شيبة بزيادة واو غلط من الجهلة. "وخرجه أبو نعيم في الدلائل" أي: في كتاب دلائل النبوة، وكذا رواه ابن عساكر "بسند ضعيف" ومن ثم عبر أولا بروي تمريضًا على العادة، "وقيل: كان مولده عليه الصلاة والسلام عند طلوع الغفر" بفتح الغين المعجمة وسكون الفاء ثم راء مهملة، كما ضبطه ابن باطيش وهو مقتضى القاموس. "وهو ثلاثة أنجم صغار ينزلها القمر، وهو مولد النبيين" أي: وقت مولدهم، "ووافق ذلك من الشهور الشمسية نيسان" بفتح النون وهو سابع الأشهر الرومية؛ كما في القاموس. "وهو برج الحمل" وفي النور عن الدمياطي ولد في برج الحمل، وهو يحتمل أن يكون في نيسان وأن يكون في آذار، انتهى. لكن ما جزم به المصنف نقله في روضة الأحباب عن أبي معشر البلخي. "وكان" ذلك، أي: مولده، "لعشرين مضت منه" من نيسان، قال الخزارومي "وقيل: ولد ليلا" من غير تعيين وقت ولادته؛ ككونه عند طلوع الغفر فغايره ما قبله، "فعن عائشة" أنها "قالت: كان بمكة يهودي يتجبر فيها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال" اليهودي -وهذا مما تلقته عن غيرها؛ لأن ولادتها بعد ذلك بمدة وهي لا تحدث إلا عن ثقة: "يا معشر قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلمه، قال" زاد في رواية يعقوب بن سفيان السابقة انظروا فإنه "ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة" هي: خاتم النبوة "فيها

شعرات متواترات كأنهن عرف الفرس فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه فقالوا: أخرجي المولود ابنك فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيًا عليه فلما أفاق قالوا ما لك ويلك قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل، رواه الحاكم. قال الشيخ بدر الدين الزركشي: "والصحيح أن ولادته عليه الصلاة والسلام كانت نهارًا، قال: وأما ما روي من تدلي النجوم فضعفه ابن دحية لاقتضائه أن الولادة ليلا. قال: وهذا لا يصح أن يكون تعليلا، فإن زمان النبوة صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارًا" انتهى.

_ شعرات متواترات" أي: مجتمعات؛ كما في رواية في صفة الخاتم، وفي أخرى: متراكمات "كأنهن عرف الفرس" وفي رواية يعقوب: فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام "فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه، فقالوا: لها: "أخرجي المولود ابنك فأخرجته" أمه لهم "وكشفوا عن ظهره، فرأى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيًا عليه، فلما أفاق قالوا: ما لك؟ " أي: أي شيء حصل لك "ويلك، قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل" يعقوب عليه السلام "رواه الحاكم" ورواه يعقوب بن سفيان عن عائشة أيضًا؛ كما قدم المصنف قريبًا في عجائب ولادته، وأعاده هنا استدلالا على أنه ولد ليلا مع إفادة أنه رواه غير من عزاه له هناك، فلا تكرار وإن كانت القصة واحدة؛ لأن المخرج بفتح الميم متحد وهو عائشة رضي الله عنها، ولا يضر اختلاف بعض الألفاظ بالزيادة والنقص؛ لأنه من اختلاف الرواة. "قال الشيخ بدر الدين الزركشي: والصحيح أن ولادته عليه الصلاة والسلام كانت نهارًا" لا ليلا "قال: وأما ما روي من تدلي النجوم" ليلة مولده، كالذي رواه البيهقي في حديث فاطمة بنت عبد الله الثقفية: ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع علي، "فضعفه ابن دحية لاقتضائه أن الولادة ليلا" وإنما كانت نهارًا على الصحي، "قال" الزركشي: "وهذا لا يصلح أن يكون تعليلا" لتضعيف المروي من تدلي النجوم لا لكونه ولد ليلا، بدليل قوله: "فإن زمان النبوة صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارًا، انتهى" كلام الزركشي على أن في تضعيفه بتلك العلة شيئًا على مقتضى الصناعة، فالمحدثون إنما يعللون الحديث من جهة الإسناد الذي هو المرقاة، لا بمخالفة ظاهر القرآن فضلا عن معارضته بأحاديث آخر؛ كما صرح به الحافظ ابن طاهر وغيره، قال النجم: وقد يقال: إن الولادة عقب الفجر وللنجوم حينئذ سلطان كما في الليل، فلا ينافي سقوطها، انتهى.

فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه السلام ولد ليلا، فأيما أفضل: ليلة القدر أو ليلة مولده عليه السلام؟ أجيب: بأن ليلة مولده عليه السلام أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة: أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلم، وليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع في ذلك، فكانت ليلة المولد أفضل من ليلة القدر. الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلم. ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر، على الأصح المرتضى، فتكون ليلة.......................

_ "فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه السلام ولد ليلا" على القول المرجوح، "فأيما أفضل ليلة القدر أو ليلة مولده عليه السلام" الأصل: أليلة القدر بالهمزة؛ لأنه بدل من اسم الاستفهام وحكم المبدل منه أنه يلي الهمز، قال ابن مالك رحمه الله تعالى: وبدل المضمن الهمز يلي ... همزًا كمن ذا أسعيد أم علي قلت: "أجيب بأن ليلة مولده عليه السلام أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة، أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلم، وليلة القدر معطاة له، وما" أي: والذي "شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه ولا نزاع في ذلك" الذي ذكرناه من أن ما شرف ... إلخ، وحيث لا نزاع "فكانت ليلة المولد أفضل من ليلة القدر" بهذا الاعتبار، "الثاني" من الوجوه الثلاثة "أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها" على أحد الأقوال في سبب تسميتها بذلك، والثاني: لنزول القرآن فيها، والثالث: أن الذي يراها يصير ذا قدر، والرابع: لما يكتب فيها من الأقدار فيها يفرق كل أمر حكيم. "وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلم، ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر" وهم الملائكة، "على الأصح المرتضى" عند جمهور أهل السنة من أن النبي أفضل من الملك، وأما نبينًا صلى الله عليه وسلم فأفضل من جميع العالمين إجماعًا، حكاه الإمام الرازي وابن السبكي والسراج البلقيني، قال الزركشي: واستثنوه من الخلاف في التفضيل بين الملك والبشر، فهو أفضل حتى من أمين الوحي خلافًا لما وقع في الكشاف، ولذا قال بعض المغاربة جهل الزمخشري مذهبه، فقد أجمع المعتزلة على استثناء المصطفى من الخلاف، انتهى. نعم، زعم أن طائفة منهم كالرماني خرقوا الإجماع فتبعهم الزمخشري، وحيث كان كذلك "فتكون ليلة

المولد أفضل. الثالث: أن ليلة القدر وقع فيها التفضيل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وليلة المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات، فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعًا، فكانت أفضل. فيا شهرًا ما أشرفه وأوفر حرمة لياليه، كأنها لآلئ..........................

_ المولد أفضل" وهو المدعي. "الثالث: أن ليلة القدر وقع فيها التفضيل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم" فقط؛ لأنها مختصة بهم ولم تكن لمن قبلهم على الصحيح المشهور الذي قطع به جمهور العلماء؛ كما قال النووي. "وليلة المولد الشريف وقع التفضيل فيها على سائر" جميع "الموجودات" أمته وغيرهم، من حيث الأمن من العذاب العام؛ كالخسف والمسخ، "فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين" كما قال في الكتاب المبين "فعمت به" بمولده "النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعًا، فكانت أفضل" من ليلة القدر بهذا الاعتبار، وهذا الذي ساقه المصنف وأقره متعقب، قال الشهاب الهيثمي: فيه احتمال واستدلال بما لا ينتج المدعي؛ لأنه إن أريد أن تلك الليلة ومثلها من كل سنة إلى يوم القيامة أفضل من ليلة القدر، فهذه الأدلة لا تنتج ذلك كما هو جلي، وإن أريد عين تلك الليلة، فليلة القدر لم تكن موجودة إذ ذاك، وإنما أتى فضلها في الأحاديث الصحيحة على سائر ليالي السنة بعد الولادة بمدة، فلم يمكن اجتماعهما حتى يتأتى بينهما تفضيل وتلك انقضت وهذه باقية إلى اليوم، وقد نص الشارع على أفضليتها ولم يتعرض لليلة مولده ولا لأمثالها بالتفضيل أصلا فوجب علينا أن نقتصر على ما جاء عنه ولا نبتدع شيئًا من عند نفوسنا القاصرة عن إدراكه إلا بتوقيف منه صلى الله عليه وسلم على أنا وسلمنا أفضلية ليلة مولده لم يكن له فائدة في تفضيل الأزمنة إلا بفضل العمل فيها وأما تفضيل ذات الزمن الذي لا يكون العمل فيه فليس له كبير فائدة إلى هنا انتهى كلامه، وو وجيه. ثم إذا قلنا بما قال المصنف، وقلنا: إن الولادة نهارًا فهل الأفضل يوم المولد أو يوم البعث، والأقرب كما قال شيخنا: أن يوم المولد أفضل لمن الله به فيه على العالمين، ووجوده يترتب عليه بعثه فالوجود أصل والبعثة طارئة عليه، وذلك قد يقتضي تفضيل المولد، لأصالته. "فيا شهرًا ما أشرفه" بالفاء، "وأوفر حرمة لياليه، كأنها" لشدة لمعانها وضوئها "لآلئ"

في العقود، ويا وجهًا ما أشرقه من مولود، فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعًا وحسنه بديعًا. يقول لنا لسان الحال منه ... وقول الحق يعذب للسميع فوجهي والزمان وشهر وضعي ... ربيع في ربيع في ربيع واختلف أيضًا في مدة الحمل به. فقيل: تسعة أشهر وقيل عشرة وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة. وولد عليه السلام في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج ويقال بالشعب، ويقال بالردم، ويقال بعسفان.

_ جمع لؤلؤة "في العقود" جمع عقد، "ويا وجهًا ما أشرقه" بالقاف، "من" وجه "مولود فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعًا وحسنه بديعًا" وأنشد المصنف لغيره بيتين هما: "يقول لنا لسان الحال منه" صلى الله عليه وسلم "وقول الحق يعذب" يحلو "للسميع" إن سألت عن صفاتي وأحوالي، "فوجهي والزمان وشهر وضعي" فالفاء جواب شرط مقدر "ربيع" المراد به وجهه صلى الله عليه وسلم بالربيع في اعتداله وحسنه ورونقه، "في ربيع" أي: زمن الربيع "في ربيع" أي: شهر ربيع المولود فيه صلى الله عليه وسلم، وقد قال أهل المعاني كما في السبل: كان مولده في فصل الربيع وهو أعدل الفصول ليله ونهاره معتدلان بين الحر والبرد، ويسميه معتدل بين اليبوسة والرطوبة، وشمسه معتدلة في العلو والهبوط، وقمره معتدل في أول درجة من الليالي البيض، وينعقد في سلك هذا النظام ما هيأ الله تعالى له من أسماء مريبه، ففي الوالدة والقابلة الأمن والشفاء، وفي اسم الحاضنة البركة والنماء، وفي مرضعتيه الآتي ذكرهما الثواب والحلم والسعد. "واختلف أيضًا في" قدر "مدة الحمل به" صلى الله عليه وسلم، "فقيل: تسعة أشهر" كاملة وبه صدر مغلطاي، قال في الغرر: وهو الصحيح، "وقيل: عشرة" أشهر "وقيل: ثمانية، وقيل: سبعة، وقيل: ستة" حكى الأقوال الخمسة مغلطاي وغيره، "وولد عليه السلام" بمكة على الصحيح الذي عليه الجمهور، ولكن اختلف في مكانه منها على أقوال، فقيل: ولد "في الدار التي كانت" صارت بعد "لمحمد بن يوسف" الثقفي "أخي الحجاج" الظالم المشهور وهي بزقاق المدكك بدال مهملة، وكانت قبل ذلك بيد عقيل بن أبي طالب، قال ابن الأثير: قيل إن المصطفى وهبها له فلم تزل بيده حتى توفي عنها, فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، وقيل: إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعًا لقريش حين باعوا دور المهاجرين، وفي الخميس: فأدخل محمد بن يوسف ذلك البيت الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم في داره التي يقال لها البيضاء، ولم تزل كذلك حتى حجت خيزران جارية المهدي أم هارون الرشيد، فأفردت ذلك

ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه

"ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه": وأرضعته صلى الله عليه وسلم ثويبة، عتيقة أبي لهب..........................

_ البيت وجعلته مسجدًا يصلي فيه، وفي النور تبعًا للروض: وأما الدار التي لمحمد بن يوسف فقد بنتها زبيدة -يعني زوجة هارون الرشيد- مسجدًا حين حجت وهي عند الصفا. "ويقال: بالشعب" بكسر الشين، أطلقه تبعًا لمغلطاي، وفي العيون: بشعب بني هاشم، وظاهر المصنف كغيره مغايرة هذا القول لما قبله، ووقع في الخميس عن بعضهم: ولد بمكة في الدار التي تعرف بدار محمد بن يوسف في زقاق معروف بزقاف المدكك في شعب مشهور بشعب بني هاشم من الطرف الشرقي لمكة، تزار ويتبرك بها إلى الآن، انتهى. وفيه ما فيه: فبين الصفا والشعب مسافة بعيدة. "ويقال: بالردم" بفتح الراء وسكون الدال المهملتين، قال في النور: أي ردم بني جمح بمكة، وهو لبني قراد. "ويقال" لم يولد بمكة بل "بعسفان" حكاه مغلطاي، قال في النور: وهي قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة، انتهى، لكن ذا القول شاذ لا يعول عليه، كما في شرح الهمزة. ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه: "وأرضعته صلى الله عليه وسلم ثويبة" بضم المثلثة وفتح الواو وسكون التحتية، فباء موحدة فتاء تأنيث، توفيت بمكة سنة سبع من الهجرة، قال: ابن منده: اختلف في إسلامها، وقال أبو نعيم: لا أعلم أحدا ذكره إلا ابن منده، وقال ابن الجوزي: لا نعلم أنها أسلمت والبرهان في النور لم يذكرها أبو عمر في الصحابة. وقال الذهبي: يقال: إنها أسلمت، فإذًا الراجح عنده أنها لم تسلم، وقال الحافظ في طبقات ابن سعد ما يدل على أنها لم تسلم لكن لا يدفع به نقل ابن منده، قال: ولم أقف في شيء من الطرق على إسلامها مع ابنها مسروح وهو محتمل، انتهى. وذكر الحافظ أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: أنه لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت. ونقل السيوطي عن بعضهم، ولعله عناه. "عتيقة أبي لهب" لبن ابنها مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة فراء مضمومة فحاء مهملتين، قال البرهان: لا أعلم أحدًا ذكره بإسلام أيامًا قبل أن تقدم حليمة بعد إرضاع أمه له، وما رواه ابن سعد أول من أرضعه ثويبة فالأولية نسبية، أي: غير أمه وقد ذكر العلماء أن مرضعاته صلى الله عليه وسلم عشر: أمه أرضعته تسعة أيام، ذكره صاحب المورد والغرر وغيرهما، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، حكاهما الخميس عن أهل السير، ووقع لبعضهم سبعة أشهر، وهو وهم كأنه اشتبه عليه سبعة أيام بأشهر، أو تحرف ذلك على الناقل عنه.

أعتقها حين بشرته بولادته عليه السلام.

_ وثويبة أيامًا قلائل قبل قدوم حليمة، وأرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة المخزومي، رواه ابن سعد. وحليمة السعدية التي فازت بجناية سعدها منه، قاله ابن المنذر وابن الجوزي وعياض وغيرهم، وخولة بنت المنذر زيد أم بردة الأنصارية، ذكرها ابن الأمين في ذيل الاستيعاب عن العدوي وتبعه في التجريد والمورد والعيون، قال الشامي: وهو وهم، وإنما أرضعت ولده إبراهيم، كما ذكر ابن سعد وابن عبد البر وغيرهما، وهو الذي في الإصابة بخطه وقد صرح ابن جماعة بأن ابن الأمين ذكرها في المراضع فوهم، قال: وتبعه على ذلك بعض العصريين وكأنه عنى به اليعمري. وامرأة من بني سعد غير حليمة أرضعته وهو عند حليمة، ذكره في الهدى وتجويز البرهان في النور أنها خولة التي قبلها لا يصح، فخولة أنصارية، وهذه سعدية. وأم أيمن بركة الحبشية، ذكرها القرطبي، والمشهور: أنها من الحواضن لا المراضع. وأم فروة ذكرها جعفر المستغفري. وثلاث نسوة من بني سليم، قال في الاستيعاب: مر به صلى الله عليه وسلم على نسوة أبكار من بني سليم فأخرجن ثديهن فوضعنها في فيه فدرت، قال بعضهم: ولذا قال: أنا ابن العواتك من سليم، انتهى. لكن قال السهيلي: عاتكة بنت هلال أم عبد مناف عمة عاتكة بنت مرة أم هاشم وعاتكة بنت الأوقص أم وهب جده صلى الله عليه وسلم لأمه هن عواتك ولدته صلى الله عليه وسلم، ولذا قال: ابن العواتك من سليم، وقيل: في تأويل هذا الحديث أن ثلاث نسوة من بني سليم أرضعنه كل تسمى عاتكة، والأول أصح، انتهى. واقتصر المصنف هنا، وفي المقصد الثاني على ثويبة وحليمة؛ لأنه أراد من استقلت بإرضاعه وهؤلاء لم يتصفن بذلك، وللنزاع في خولة وأم أيمن والعواتك سلمنا إرضاع العواتك، فإنما هو اتفاقي خصوصًا وقد كن أبكارًا وثويبة، وإن قلت: أيام رضاعها مستقلة له فيها، وأما أمه وإن أرضعته تلك المدة فهي في معرض دفعه لمرضعة فلم تستقل به. "أعتقها" أبو لهب "حين بشرته بولادته عليه السلام" على الصحيح، فقالت له: أشعرت أن آمنة قد ولدت غلامًا لأخيك عبد الله، فقال لها: اذهبي فأنت حرة، كما في الروض. وقيل: إنما أعتقها بعد الهجرة، قال الشامي: وهو ضعيف، والجمع بأنه أعتقها حينئذ ولم يظهره إلا بعد الهجرة مما لا يسمع فإنه لما هاجر كان عدوًا، فلا يتأتى منه إظهارًا أنه كان فرح بولادته وأيضًا فالقائل بالثاني لا يقول: إنه أعتقها للبشارة بالولادة، وقد روي أنه أعتقها قبل ولادته بدهر طويل.

وقد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك؟ قال: في النار، إلا أنه خفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي هاتين ماء، وأشار برأس أصبعه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له.

_ "وقد رؤي" بالبناء للمفعول "أبو لهب بعد موته في النوم" والرائي له أخوه العباس بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر ذكره السهيلي وغيره، "فقيل له: ما حالك؟ قال: في النار، إلا أنه خفف عني" بعض العذاب بسبب ما أسقاه من الماء "كل ليلة اثنين" وذلك أني "أمص" بفتح الميم أفصح من ضمها من بابي تعب وقتل؛ كما في المصباح. "ومن بين أصبعي هاتين ماء" والظاهر أنهما السبابة والإبهام وحكمة تخصيصهما إشارته لها بالعتق بهما، وحملناه على أن التخفيف بسبب الماء ليلتئم مع ما رواه البخاري وعبد الرزاق الإسماعيلي عن قتادة أن ثويبة مولاة أبي لهب: كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرحيبة، فقال: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم، زاد عبد الرزاق: راحة. ولفظ الإسماعيلي: رخاء. قال ابن بطال: سقط المفعول من جميع رواة البخاري، ولا يستقيم إلا به غير أني سقيت في هذه، زاد عبد الرزاق وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، بعتاقتي ثويبة حبيبة بحاء مهملة مكسورة وتحتية ساكنة وموحدة مفتوحة أي: سوء حال وأصلها حوبة، وهي المسكنة والحاجة قلبت واوها ياء لإنكسار ما قبلها. وذكر البغوي: أنها بفتح الحاء، وللمستملي بخاء معجمة مفتوحة، أي: في حالة خائبة، وقال ابن الجوزي: أنه تصحيف وروي بالجيم، قال السيوطي: وهو تصحيف باتفاق. "وأشار" أبو لهب إلى تقليل ما يسقاه "برأس أصبعه" إلى النقرة التي تحت إبهامه؛ كما مر في رواية عبد الرزاق، قال ابن بطال: يعني أن الله سقاه ماء في مقدار نقرة إبهامه لأجل عتقها، وقال غيره: أراد بالنقرة التي بين إبهامه وسبابته إذ مد إبهامه فصار بينهما نقرة يسقى من الماء بقدر ما تسعه تلك النقرة، وبهذا علم أن النقرة التي أشار إليها على صورة خلقته في الدنيا، لا على صورة الكفار في جهنم، والمراد بقوله: سقيت من الماء، أنه وصل إلى جوفه بسبب ما يمصه من أصابعه، لا أنه يؤتى له به من خارج جمعًا بين الروايتين، وقد تعسف من قال: ما يسقاه ليسمن الجنة؛ لأن الله حرمها على الكافرين، فإنه لا يتوهم أحد أنه من الجنة سواء قلنا أنه يسقى مما يمصه أو يؤتى له به من خارج حتى ينص عليه. "و" أشار إلى "أن ذلك بإعتاقي لثويبة" وتقدمت رواية الجماعة بعتاقتي بفتح العين، قال في شرح العمدة: عبر به دون إعتاق وإن كان هو المناسب؛ لأنها أثره فلذا أضافها إلى نفسه. وعلى نقل المصنف فمعنى الإضافة ظاهر؛ لأن الإعتاق فعله والعتاقة أثر يترتب عليه. "حين بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له" أي: بأمره فلا يرد أنه ليس فعله حتى يجازى عليه،

قال ابن الجزري: فإذا كان هذا الكافر، الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به، فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم. ولا زال أهل...................................

_ ولا يعارضه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] ، لأنه لما لم ينجهم من النار ويدخلهم الجنة، كأنه لم يفدهم أصلا؛ كما أشار إليه البيهقي أو لأنه هباء بعد الحشر، وهذا قبله. وقال السهيلي: هذا النفع إنما هو نقصان من العذاب، وإلا فعمل الكافر كله محبط بلا خلاف، أي: لا يجده في ميزانه ولا يدخل به الجنة، انتهى. وجوز الحافظ تخفيف عذاب غير الكفر بما عملوه من الخير بناء على أنهم مخاطبون بالفروع. وفي التوشيح قيل هذا خاص به إكرامًا للنبي صلى الله عليه وسلم، كما خفف عن أبي طالب بسببه، وقيل: لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيرًا. "قال" الحافظ أبو الخير شمس الدين "ابن الجزري" محمد بن محمد بن محمد الدمشقي الإمام في القراءات الحافظ للحديث صاحب التصانيف التي منها النشر في القراءات العشر لم يصنف مثله، ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. "فإذا كان هذا الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه" هو "ليلة مولد" وضع "النبي صلى الله عليه وسلم به" أي: بالمولد "فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام" حال كونه "يسر" وفي نسخة الذي يسر "بمولده ويبذل" بضم الذال: يعطى بسماحة "ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم" من الصدقات، وهو استفهام تفخيم، أي: فحاله بذلك أمر عظيم، ولله در حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر، في قوله: إذا كان هذا كافرا جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسرورًا ومات موحدًا وقوله في يوم الاثنين على حذف مضاف، أي: في ليلة يوم الاثنين فلا يرد عليه حديث المصنف: كل ليلة اثنين الصريح في أن التخفيف ليلا فلا وجه لدعوى أنه يخفف نهارًا بسبب سقيه ليلا، لاحتياجه لبرهان ومجرد النظم لا دلالة فيه لما علم من كثرة حذف المضاف. "لعمري" بالفتح، أي: لحياتي، فسمي كما في القاموس لغة في العصر يختص به القسم لإيثار الأخف فيه لكثرة دوره على ألسنتهم؛ كما في الأنوار. "إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم" ويمتعه فيها برؤية وجهه العظيم، "ولا زال" أي: استمر "أهل

الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. ومما جرب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادًا، ليكون أشد علة

_ الإسلام" بعد القرون الثلاثة التي شهد المصطفى صلى الله عليه وسلم بخيريتها، فهو بدعة. وفي أنها حسنة، قال السيوطي: وهو مقتضى كلام ابن الحاج في مدخله فإنه إنما ذم ما احتوى عليه من المحرمات مع تصريحه قبل بأنه ينبغي تخصيص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الصدقات والخيرات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد المستحسن والحافظ أبي الخطاب بن دحية. ألف في ذلك التنوير في مولد البشير النذير، فأجازه الملك المظفر صاحب أربل بألف دينار، واختاره أبو الطيب السبتي نزيل قوص وهؤلاء من أجلة المالكية أو مذمومة وعليه التاج الفاكهاني وتكفل السيوطي، لرد ما استند إليه حرفًا حرفًا، والأول أظهر، لما اشتمل عليه من الخير الكثير. "يحتفلون" يهتمون "بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور" به "ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة" قصة "مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم" وأول من أحدث فعل ذلك الملك المظفر أبو سعيد صاحب أربل، قال ابن كثير في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل فيه احتفالا هائلا وكان شهمًا شجاعًا بطلا عاقلا عالمًا عادلا، وطالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا في سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة، قال سبط بن الجوزي في مرآة الزمان: حكى لي بعض من حضر سماط المظفر في بعض المواليد أنه عد فيه خمسة آلاف رأس غنم شواء وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم، ويطلق لهم البخور وكان يصرف على المولد ثلاثمائة دينار، انتهى. "ومما جرب من خواصه" أي: عمل المولد "أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية" بكسر الباء وضمها لغة الحاجة التي تبغيها، وقيل: بالكسر الهيئة وبالضم الحاجة، قاله المصباح "والمرام" أي: المطلوب فهو تفسيري، إلى هنا كلام ابن الجوزي في مولده المسمى عرف التعريف بالمولد الشريف. "فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادًا" جمع عيد "ليكون" الاتخاذ "أشد علة" بكسر العين في أكثر النسخ، أي: مرضًا، وفي بعضها بغين معجمة مضمومة، أي:

على من في قلبه مرض وأعيى داء. ولقد أطنب ابن الحاج في "المدخل" في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل، ويسلك بنا سبيل السنة، فإنه حسبنا ونعم الوكيل.

_ احتراق قلب، فكلاهما صحيح. "على من في قلبه مرض، وأعيى" بفتح الهمزة وسكون العين مضافًا إلى "داء" المقصور للسجع، وأصله المد عطف على أشد علة، أي بما يصيبه من الغيظ الحاصل له بمولده صلى الله عليه وسلم. "ولقد أطنب ابن الحاج" أبو عبد الله محمد بن محمد العدبري الفارسي أحد العلماء العاملين المشهورين بالزهد والصلاح من أصحاب ابن أبي حمزة، كان فقيهًا عارفًا بمذهب مالك وصحب جماعة من أرباب القلوب، مات بالقاهرة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. "في" كتاب "المدخل" إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنحلة، قال ابن فرحون: وهو كتاب حفيل جمع فيه علمًا غزيرًا، والاهتمام بالوقوف عليه متعين ويجب على من ليس له في العلم قدم راسخ أن يهتم بالوقوف عليه، انتهى. "في الإنكار على ما أحدثه الناس" البشر، وقد يكون من الإنس والجن، قيل: مشتق من ناس ينوس إذا تحرك، وقيل: من النسيان وإلى ترجيحه يومئ كلام المنجد، قال أبو تمام: لا تنسين تك العود فإنما ... سميت إنسانًا لأنك ناسي "من البدع والأهواء" أي: المفاسد التي تميل إليها النفس، فهو مساوٍ للبدع المرادة هنا، "والغناء" مثل كتاب الصوت وقياسه الضم؛ لأنه صوت وغني بالتشديد: ترنم بالغناء؛ كذا في المصباح. "بالآلات المحرمة" كالعود والطنبور "عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل" الجنة ونعيمها "ويسلك بنا سبيل السنة" أي: الطريق الموصلة إليها من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، والمراد: طلب الهداية إلى ذلك، وفي نسخة: بنا وبه والمراد بسلوكها بالنسبة لابن الحاج جعله في زمرة المتقين في الآخرة، "فإنه" سبحانه "حسبنا" كافينا "ونعم الوكيل" الموكول إليه هو، والحاصل: أن عمله بدعة لكنه اشتمل على محاسن وضدها، فمن تحرى المحاسن واجتنب ضدها كانت بدعة حسنة، ومن لا فلا. قال الحافظ ابن حجر في جواب سؤال: وظهر لي تخريجه على أصل ثابت، وهو ما في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى ونحن نصومه شكرًا، قال: فيستفاد منه فعل الشكر على ما من به في يوم معين، وأي نعمة أعظم من بروز نبي الرحمة والشكر يحصل بأنواع العبادة؛ كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن رجب. قال السيوطي: وظهر

وقد ذكروا أنه لما ولد صلى الله عليه وسلم، قيل: من يكفل هذه الدرة اليتيمة، التي لا يوجد لمثلها قيمة؟ قالت الطيور: نحن نكفله ونغتنم خدمته العظيمة، وقالت الوحوش: نحن أولى بذلك ننال شرفه وتعظيمه، فنادى لسان القدرة: أن يا جميع المخلوقات: إن الله كتب في سابق حكمته القديمة أن نبيه الكريم يكون رضيعًا لحليمة الحليمة.

_ لي تخريجه على أصل آخر وهو ما رواه البيهقي عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه، ولا تعاد العقيقة مرة ثانية، فيحمل على أنه فعله شكرًا، فكذلك يستحب لنا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات، وتعقبه النجم بأنه حديث منكر؛ كما قاله الحافظ، بل قال في شرح المهذب: إنه حديث باطل، فالتخريج عليه ساقط، انتهى. "وقد ذكروا" زعم من المراد أهل الإشارة من الصوفية، فأما الفقهاء والمحدثون فلم يذكروا شيئًا من ذلك وفيه نظر، ففي الخميس روي عن مجاهد، قلت لابن عباس: تنازعت الطيور في إرضاع محمد صلى الله عليه وسلم، قال: أي والله، وكل نساء، وذلك لما نادى الملك في السماء الدنيا هذا محمد سيد الأنبياء، طوبى لثدي أرضعه، فتنافست الجن والطير في إرضاعه، فنوديت أن كفوًا فقد أجرى الله ذلك على أيدي الإنس، فخص الله بتلك السعادة وشرف بذلك الشرف حليمة، انتهى. "أنه لما ولد صلى الله عليه وسلم، قيل: من يكفل هذه الدرة اليتيمة؟ " أي: نادى ملك بمعنى هذا الكلام في سماء الدنيا، حيث قال: طوبى لثدي أرضعه؛ كما مر. "التي لا يوجد لمثلها" أي: لنفي ما يماثلها، "قيمة" فليس المراد أن له مثلا لكن لا قيمة له لنفاسته، بل المراد نفي القيمة والمثل معًا، "قالت الطيور" بلسان القال على الظاهر، ولا مانع منه "نحن نكفله ونغتنم خدمته العظيمة، وقالت الوحوش" حيوان البر "نحن أولى بذلك" منكم أيها الطيور لكونه في الأرض ونحن بها بخلافكم "ننال شرفه وتعظيمه" العائدين على من يكفله "فنادى لسان القدرة" شبه القدرة بذي لسان يأمر به وينهى استعارة بالكناية وإثبات اللسان تخييل والنداء ترشيح، "أن: يا جميع المخلوقات إن الله كتب في سابق حكمته القديمة" والمراد: أن قدرته تعلقت بإعلامهم بذلك "أن نبيه الكريم يكون رضيعًا لحليمة الحليمة" من الحلم، وقد ذكر العزفي أن عبد المطلب سمع وقت دخول حليمة هاتفًا، يقول: إن ابن آمنة الأمين محمدا ... خير الأنام وخيرة الأخيار ما أن له غير الحليمة مرضع ... نعم الأمينة هي على الأبرار مأمونة من كل عيب فاحش ... ونقية الأثواب والأزرار

قالت حليمة: فيما رواه ابن إسحاق وابن راهويه......................

_ لا تسلمنه إلى سواها إنه ... أمر وحكم جاء من الجبار "قالت حليمة" بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، وقيل: الحارث بن عبد الله, السعدية، قال في الاستيعاب: روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: جاءت حليمة بنت عبد الله أم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة إليه يوم حنين، فقام إليها وبسط لها رداء، فجلست عليه وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنها عبد الله بن جعفر. قال في الإصابة: وحديث عبد الله بن جعفر عنها بقصة إرضاعها أخرجه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه، وصرح فيه بالتحديث بين عبد الله وحليمة، انتهى. وقول ابن كثير: لم تدرك البعثة رده الحافظ بأن عبد الله بن جعفر حدث عنها عند أبي يعلى والطبراني وابن حبان، وهو إنما ولد بعد البعثة. وزعْم الدمياطي وأبي حيان النحوي أنها لم تسلم مردود، فقد ألف مغلطاي فيها جزأ حافلا سماه التحفة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة وارتضاه علماء عصره، فأما أبو حيان فليس من فرسان ذا الميدان يذهب إلى زيده وعمره. وأما الدمياطي فحسبنا في الرد عليه قوله: وقد وهل غير واحد فذكروها في الصحابة؛ لأنهم مثبتون لذلك، فمن أين له الحكم عليهم، وقد ذكرها في الصحابة ابن أبي خيثمة في تاريخه، وابن عبد البر، وابن الجوزي في الحداء، والمنذري في مختصر سنن أبي داود، وابن حجر في الإصابة، وغيرهم، وحسبك بهم حجة. "فيما رواه ابن إسحاق" محمد في السيرة، فقال: حدثني جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي عن عبد الله بن جعفر، أو عمن حدثه عنه، قال: كانت حليمة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته تحدث أنها خرجت. فذكر الحديث، كما يأتي. "وابن راهويه" إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي، أبو يعقوب الحنظلي المروزي ساكن نيسابور أحد الأئمة الأعلام، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع. روى عن ابن عيينة وابن مهدي وابن علية وغيرهم، وعنه الأئمة الستة إلا ابن ماجه، قال ابن حنبل: هو أمير المؤمنين في الحديث، أملى المسند والتفسير من حفظه، وما كان يحدث إلا من حفظه، وقال: ما سمعت شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا فنسيته، مات ليلة نصف شعبان بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وراهويه براء فألف فهاء مضمومة فتحتية مفتوحة عند المحدثين، قال الحافظ أبو العلاء بن العطار: لأنهم لا يحبون ويه، وبفتح الهاء والواو وسكون التحتية قال الكرماني: وهو المشهور، والنووي: هو مذهب النحويين وأهل الأدب، وفي الكواكب: قال عبد الله بن طاهر لإسحاق: لم قيل لك ابن راهويه؟ فقال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة، فقال المراوزة راهويه؛ لأنه ولد في الطريق، وهو بالفارسية راه.

وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وأبو نعيم: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء في سنة شهباء، على أتان لي ومعي صبي لنا.......................

_ "وأبو يعلى" الحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي صاحب المسند الكبير، سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان وغيره ذو صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد في شوال سنة عشر ومائتين، وعمر وتفرد ورحل الناس إليه، ومات سنة سبع وثلاثمائة. "والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب، "والبيهقي" أحمد بن الحسين بن علي، "وأبو نعيم" أحمد بن عبد الله مر بعض ترجمة الثلاثة، "قدمت مكة" أي: أردت قدومها "في" أي: مع "نسوة" عشرة، فيما ذكر "من بني سعد بن بكر" على عادة نساء القبائل التي حول مكة ونواحي الحرم من أنهن يأتينها كل عام مرتين ربيعًا وخريفًا للرضعاء، ويذهبن بهم إلى بدلاهم حتى تتم الرضاعة؛ لأن عادة نساء قريش دفع أولادهن إلى المراضع، قال العزفي: كن يرين رضاع أولادهن عارًا، وقال غيره: لينشأ الولد عربيًا فيكون أنجب ولسانه أفصح؛ كما في الحديث: "أنا أعربكم، أنا من قريش واسترضعت من بني سعد بن بكر". وكانت مشهورة في العرب بالكمال وتمام الشرف، وقيل: لتفرغ النساء للأزواج لكنه منتف في آمنة لموت زوجها وهي حامل على الصحيح. "نلتمس الرضعاء" جمع رضيع، قال عبد الملك بن هشام: إنما هو المراضع، قال تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: 12] . قال السهيلي: وما قاله ظاهر؛ لأن المراضع جمع مرضع والرضعاء جمع رضيع، لكن للرواية مخرج من وجهين، أحدهما: حذف المضاف، أي: ذوات الرضعاء، الثاني: أن يكون المراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ؛ لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه فقد وجدوا له رضيعًا يرضع معه، فلا بد أن يقال: التسموا له رضيعًا علمًا بأن الرضيع لا بد له من مرضع. "في سنة شهباء" ذات قحط وجدب، والشهباء: الأرض البيضاء التي لا خضرة فيها لقلة المطر من الشهبة وهي البيضاء، سميت بذلك لبياض الأرض لخلوها من النبات. "على أتان لي" بفتح الهمزة والفوقية: الأنثى من الحمير خاصة. قال الجوهري وابن السكيت: ولا يقال إتانة بالهاء، قال ابن الأثير: وإن كان قد جاء في بعض الحديث، لكن في القاموس: إنها لغة سليمية، أي: لبني سليم. "ومعي صبي لنا" هو عبد الله بن الحارث الذي كانت ترضعه حينئذ، لا أعلم له إسلامًا ولا ترجمة؛ كذا في النور، وهو تقصير. ففي الإصابة: سماه بعضهم عبد الله، ذكره في الصحابة، وكذا سماه ابن سعد لما ذكر أسماء أولاد حليمة، قال: وروى ابن سعد من مرسل إسحاق بن عبد الله، قال: كان

وشارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يغذيه، ولا في شارفنا ما يغديه. فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذ قيل إنه يتيم من الأب.......................

_ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخ من الرضاعة، فقال للنبي -يعني بعد النبوة- أترى أن يكون بعث؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أما والذي نفسي بيده، لآخذن بيدك يوم القيامة، ولأعرفنك"، قال: فلما آمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس فيبكي ويقول: أنا أرجو أن يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي يوم القيامة فأنجو، هكذا أورده في ترجمة والده الحارث ثم أعاده في المخضرمين من حرف العين. فقال عبد الله بن الحارث: سماه الواقدي ولم يزد على ذكر خبر ابن سعد هذا، إلا أنه قال: هذا مرسل صحيح الإسناد. "وشارف لنا" بشين معجمة فألف فراء مكسورة ففاء، أي: ناقة مسنة، وعن الأصمعي: يقال: للذكر والأنثى شارف، والمراد هنا: الأنثى لا غير، والجمع الشرف بضم الراء وتسكن، قاله النور. "والله ما تبض" بفتح الفوقية وكسر الموحدة وشد الضاد المعجمة: ما تدر، "بقطرة" وقال أبو ذر في حواشيه: ما تبض بضاد معجمة: ما تسيل ولا ترشح، ومن رواه بصاد مهملة، فمعناه: ما يبرق عليها أثر لين من البصيص وهو البريق واللمعان. "وما ننام ليلنا ذلك أجمع" من شدة الجوع "مع صبينا ذاك" عبد الله لا ينام، قال في الرواية عند ابن إسحاق: من بكائه من الجوع؛ لأنه "لا يجد في ثديي ما يغذيه" أي: يكفيه، "ولا في شارفنا ما يغديه" بدال مهملة عند ابن إسحاق، ومعجمة عند ابن هشام، قال السهيلي: وهو أتم من الاقتصار على الغداء دون العشاء، وعند بعض الرواة يعذبه بعين مهملة وذال منقوطة وموحدة، أي: ما ينقعه حتى يرفع رأسه، وينقطع عن الرضاع، يقال منه: عذبته وأعذبته إذا قطعته عن الشرب ونحوه، قال: والذي في الأصل -يعني الروايتين المذكورتين- أصح في المعنى والنقل، انتهى من الروض. "فقدمنا مكة" أي: دخلناها "فوالله ما علمت منا امرأة" أنا واللاتي قدمت معهن، "إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم" هذا صريح في إسلامها حيث قالت رسول الله وصلت عليه "فتأباه" أي: أخذه، "إذ" تعليلية "قيل: إنه يتيم" زاد ابن إسحاق، وذلك أنا كنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، أي: أخذه "من الأب" صفة كاشفة، فاليتيم من لا أب له، وإن كان له جد. وفي نسخ حذف من الأب، وهنا فائدة حسنة. سئل الحافظ عما يقع من بعض الوعاظ في الموالد في مجالسهم الحفلة المشتملة على الخاص والعام من الرجال والنساء من ذكر الأنبياء بما يخل بكمال التعظيم حتى يظهر للسامعين

فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما لم أجد غيره، قلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فإذا به مدرج في ثوب صوف..................

_ لها حزن ورقة، فيبقى في حيز من يرحم لا من يعظم؛ كقوله: لم تأخذه المراضع لعدم ماله، إلا حليمة رغبت في رضاعه شفقة عليه، وأنه كان يرعى غنمًا وينشد: لأغنامه سار الحبيب إلى المرعى ... فيا حبذا راع فؤادي له مرعى وفيه: فما أحسن الأغنام وهو يسوقها وكثير من هذا المعنى المخل بالتعظيم، فأجاب بما نصه: ينبغي لمن يكون فطنًا أن يحذف من الخبر ما يوهم في المخبر عنه نقصًا ولا يضره ذلك، بل هذا جوابه بحروفه، نقله عنه السيوطي. "فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري" فلم آخذ لأني لم أعط لما أنا عليه من الضيق. "فلما لم أجد غيره" يعطى لي "قلت لزوجي" الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي يكنى أبا ذؤيب، أدرك الإسلام وأسلم، رواه يونس بن بكير، قال: حدثنا ابن إسحاق، حدثني والدي عن رجال من بني سعد بن بكر، قالوا قدم الحارث أبو رسول الله من الرضاعة عليه الصلاة والسلام بمكة حين أنزل عليه القرآن فقالت له قريش: ألا تسمع يا حارث ما يقول ابنك؟ قال: وما يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يبعث من في القبور، وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه ويكرم فيهما من أطاعه، فقد شتت أمرنا وفرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني! ما لك ولقومك يشكونك ويزعمون أنك تقول إن الناس يبعثون بعد الموت، ثم يصيرون إلى جنة ونار، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت لقد أخذت بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم". فأسلم الحارث بعد ذلك فحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني إن شاء الله حتى يدخلني الجنة. قال ابن إسحاق: وبلغني أنه إنما أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا في رواية يونس. قال السهيلي: ولم يذكر ذلك البكائي في روايته عن ابن إسحاق ولا ذكره كثير ممن ألف في الصحابة، وقد ذكره فيهم صاحب الإصابة، وذكر هذا الخبر وعقبه بخبر ابن سعد المتقدم في ابنه، وقال: يحتمل أن يكون ذلك وقع للأب والابن. "والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم" الذي عرض جده علي وسألني أخذه، وقلت له: ألا تذرني أراجع صاحبي، فأذن لها وانتظرها حتى راجعته وعادت، "فلآخذنه" زاد ابن إسحاق، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: "فذهبت" إليه "فإذا به مدرج في ثوب صوف" بالإضافة والتنوين

أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه، يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكًا، وفتح عينيه لينظر إليّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى، وكانت تلك حاله بعد. -قال أهل العلم: ألهمه الله تعالى أن له شريكًا فألهمه العدل- قالت: فروي وروي أخوه. ثم أخذته، بما هو إلا أن جئت به رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب أخوه حتى روي.............................

_ حال كون الثوب "أبيض من اللبن يفوح منه المسك وتحته حريرة خضراء راقد على قفاه يغط" بكسر المعجمة من باب ضرب، أي: يردد نفسه صاعدًا إلى حلقه حتى يسمعه من حوله؛ كما في المصباح. "فأشفقت أن أوقظه" أي: خفت من إيقاظه "من نومه" شفقة عليه "لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا" قليلا بتأن، "فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكًا وفتح عينيه لينظر إليّ فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء" لشدة انتشاره "وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل" الثدي أي: در "عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر، فأبى" أن يشربه "وكانت تلك" الصفة "حاله بعد" وفيها أنها فعلت ذلك معه في مجلسها الذي وضعت فيه يدها على صدره، وهذا من أول قوله: فإذا به مدرج إلى قوله الآتي قريبًا: ثم أخذته، زائد على ما في ابن سيد الناس؛ لأنه اقتصر على رواية ابن إسحاق، ولم يقع ذلك فيها. وأما المصنف فقد نقل الحديث عن ستة من الحفاظ، فلا يعترض عليه بما في اليعمري. "قال أهل العلم" في حكمة امتناعه صلى الله عليه وسلم من الثدي الأيسر "ألهمه الله تعالى أن له شريكًا فألهمه العدل" فلذا امتنع وأخذ الأيمن؛ لأنه كان يحب التيمن في أموره كلها، "قالت" حليمة في بقية حديثها الذي رواه من تقدم وأعاد، قالت: لفصله بقول أهل العلم "فروي وروي أخوه" ابنها عبد الله ووقع للبيهقي أن اسمه ضمرة، وتوقف فيه الشامي، فقال: فالله أعلم. "ثم أخذته بما هو" مشتمل عليه من كونه مدرجًا ... إلخ ما مر "إلى أن جئت به" وفي نسخة: فما هو إلا أن جئت به، أي: فما الشأن، فما مبتدأ، وما بعد إلا هو الخبر. وفي رواية: فقالت آمنة: يا حليمة، قيل لي ثلاث ليال استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر، ثم في آل أبي ذؤيب، قالت حليمة: فإن زوجي أبو ذؤيب، فجئت به "رحلي" بحاء مهملة مسكن الشخص وما يستصحبه من الأثاث والمنزل والمأوى، قاله البرهان وتبعه الشامي. "فأقبل عليه ثدياي بما شاء" الله "من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي،

فقام صاحبي -تعني زوجها- إلى شارفنا تلك، فإذا أنها لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا، وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي: يا حليمة، والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري ما بتنا به الليلة من البركة والخير حين أخذناه، فلم يزل الله يزيدنا خيرًا. قالت في رواية ذكرها ابن طغر بك في "النطق المفهوم": فلما نظر صاحبي إلى هذا قال: اسكتي واكتمي أمرك، فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار قوامًا على أقدامها، لا يهنؤها عيش النهار ولا نوم الليل. قالت حليمة: فودعت النساء بعضهن وودعت أنا أم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركبت أتاني وأخذت محمدًا صلى الله عليه وسلم بين يدي، قالت: فنظرت...................

_ فقام صاحبي- تعني" حليمة بقولها صاحبي "زوجها" الحارث "إلى شارفنا تلك" التي ما كانت تبض بقطرة "فإذا" فجائية "أنها لحافل" بمهملة وفاء: ممتلئة الضرع من اللبن، "فحلب ما" لبنًا "شرب" هو "وشربت" أنا "حتى روينا وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي" حين أصبحنا؛ كما في ابن إسحاق "يا حليمة، والله إني لأراك" بالفتح: أعتقدك، بدليل رواية ابن إسحاق: تعلمي والله يا حليمة، أي: اعلمي؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا أن ربكم ليس بأعور" أي: اعلموا. "قد أخذت نسمة" بفتحات ذاتًا "مباركة". زاد ابن إسحاق: قلت: والله إني لأرجو ذلك، "ألم تري ما بتنا به الليلة من البركة والخير حين أخذناه" قالت حليمة "فلم يزل الله يزيدنا خيرًا" ببركته صلى الله عليه وسلم "قالت" حليمة. وفي نسخة: بتذكير الفعل على معنى الشخص. "في رواية ذكرها ابن طغربك" بضم الطاء والراء المهملتين بينهما معجمة ساكنة؛ كان علم مركب من طغر وبك، "في" ككتاب "النطق المفهوم، فلما نظر صاحبي إلى هذا قال: اسكتي واكتمي أمرك" فلا تبديه لأحد، خشي عليها الحسد، وعلى المصطفى الناس. "فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار" جمع حبر "قواًا على أقدامها لا يهنؤها" بالهمز من هنأ الطعام لذ، أي: لا يلذ لهم "عيش النهار، ولا نوم الليل" وإخباره بذلك عنهم لما بلغه أو شاهده من بعضهم. "قالت حليمة" فلما ذهبت بمحمد إلى منزلي مكثنا بمكة ثلاث ليال؛ كذا في شواهد النبوة. قالت: "فودعت النساء بعضهن" بليل، أي: ودع بعض النساء بعضًا. وفي نسخة: فودعت النساء بعضهم بالتذكير، والأول أنسب، بقوله: "وودعت أنا أم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركبت. أتاني" حماري الأنثى، ويقال: حمارة بالهاء على قلة، "وأخذت محمدًا صلى الله عليه وسلم بين يدي، قالت: فنظرت

إلى الأتان وقد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، وصار الناس يتعجبون مني ويقلن النساء لي وهن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا تخفضك طورًا وترفعك أخرى؟ فأقول: تالله إنها هي فيتعجبن منها ويقلن إن لها لشأنًا عظيمًا، قالت: فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول: والله إن لي لشأنًا ثم شأنًا بعثني الله بعد موتي ورد لي سمني بعد هزالي، ويحكن..................

_ إلى الأتان وقد سجدت" خفضت رأسها أو وضعت وجهها على الأرض وهو الظاهر، فلا مانع "نحو" أي: جهة "الكعبة ثلاث سجدات، ورفعت رأسها إلى السماء" ألهمها الله فعل ذلك شكرًا له أن خصها بكونه صلى الله عليه وسلم على ظهرها، "ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، وصار الناس يتعجبون مني" وفي رواية ابن إسحاق: فوالله لقد قطعت بالركب حتى ما يقدر علي شيء من حمرهم، "ويقلن النساء لي" هذا نحو: أسروا النجوى يتعاقبون فيكم ملائكة، وسموها لغة أكلوني البراغيث، وجوزوا في نحوه أن النون فاعل، والاسم الظاهر بدل منه حتى لا يكون من تلك اللغة. "وهن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب" بذال معجمة كنية أبيها، واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة بكسر الشين المعجمة فجيم ساكنة فنون مفتوحة ثم تاء التأنيث، هكذا في النور. ووقع في الشامية بسين مهملة ابن جابر بن رزام بكسر الراء ثم زاي فألف فميم ابن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن هكذا في الاستيعاب، وقيل في نسبها غير ذلك. "أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا، تخفضك طورًا" بفتح الطاء مرة "وترفعك" مرة "أخرى" فأنت على معنى الطور لضعفها وعجفها، "فأقول: تالله إنها هي، فيتعجبن منها، ويقلن: إن لها لشأنًا عظيمًا، قالت" حليمة "فكت أسمع أتاني تنطق، وتقول: والله إن لي لشأنًا ثم لشأنًا" وكأنه قيل: ماذا الشأن؟ فقالت: "بعثني الله بعد موتي" أعطاني قوة قدر بها على سرعة السير بعدما كنت كالميتة من الضعف، "ورد لي سمني بعد هزالي" بضم الهاء ضد السمن، وفي نسخة: بعد هزلي، بفتح الهاء وتضم وسكون الزاي بلا ألف بمعنى الأول أيضًا. ففي القاموس: الهزال بالضم نقيض السمن هزل، كعنى وهزل كنصر هزلا وبضم، انتهى. وأما نقيض الجد فبابه ضرب وفرح؛ كما فيه أيضًا، وليس مرادًا هنا، كما هو معلوم. والجملتان تفسير للشأن على الاستئناف البياني، كما قررنا. "ويحكن" بالنصب بإضمار فعل كلمة ترحم، وويل كلمة عذاب. وقال اليزيدي: هما بمعنى واحد، تقول: ويح لزيد وويل له، فترفعهما على الابتداء ولك نصبهما كأنك قلت: ألزمه.

يا نساء بني سعد إن كن لفي غفلة وهل تدرين من على ظهري، على ظهري خيار النبيين وسيد المرسلين وخير الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين. قالت -فيما ذكره ابن إسحاق وغيره: ثم قدمنا منازل بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض الله أجدب -بدال مهملة- منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: اسرحوا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح أغنامي شباعًا لبنًا.

_ الله ويحًا وويلا، ولك إضافتهما فنصبهما بإضمار فعل؛ كذا ذكر العلامة الشمني، ومقتضاه: أنه ليس لويح فعل من لفظه، وقد ذكر ابن عصفور في شرح الجمل: أن من الناس من ذهب إلى أنه قد استعمل من ويح فعل فهو على مذهبه منصوب بفعل من لفظه، تقديره واح ويحًا. "يا نساء بني سعد، إن كن لفي غفلة وهل تدرين" بكسر الراء "من" أي: الذي "على ظهري" وقوله: على ظهري خبر مبتدؤه "خيار النبيين، وسيد المرسلين, وخير الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين" وكأنها فرضت أنهن كلمنها بما قلنه لحليمة، فإجابتهن بذلك وفي نطقها وسجودها قبل إرهاص للنبي صلى الله عليه وسلم وكرامة لحليمة، "قالت، فيما ذكره ابن إسحاق" مسندًا في بقية الحديث السابق. "وغيره ثم قدمنا منازل بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض الله أجدب" بجيم "فدال مهملة" فموحدة ضد الخصب. "منها، فكانت غنمي تروح علي" أي: ترجع بعشي "حين قدمنا به" صلى الله عليه وسلم "شباعًا لبنًا" بضم اللام وكسرها لغتان؛ حكاهما الجوهري وشد الموحدة أي كثيرة اللبن جمع لبون "فنحلب" بضم اللام وكسرها لغتان كما في النور. "ونشرب وما يحلب إنسان" غيرنا "قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر" هم القوم النزول على ما يقيمون به ولا يرحلون عنه، ويقولون للمناهل المحاضر للاجتماع والحضور، ذكره البرهان. "من قومنا يقولون لرعيانهم" جمع راع. وفي نسخة: لرعاتهم، جمع ثان. قال القاموس: كل من ولي أمر قوم جمعه رعاة ورعيان ورعاء، ويكسر، انتهى. زاد ابن إسحاق: ويلكم "اسرحوا حيث تسرح" ظرف مكان، أي: اذهبوا إلى المكان الذي تذهب إليه "غنم بنت أبي ذؤيب" ولفظ ابن إسحاق: حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، "فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض" بالضاد معجمة ومهملة "بقطرة لبن، وتروح" ترجع "أغنامي شباعًا لبنًا" مع أن

فلله درها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة وتفوز منه بالحسنى وزيادة. لقد بلغت بالهاشمي حليمة ... مقامًا علا في ذروة العز والمجد وزادت مواشيها وأخصب ربعها ... وقد عم هذا السعد كل بني سعد قال ابن الطراح رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله بن المعلى الأزدي

_ مسرحها واحد، قالت في رواية ابن إسحاق: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، قال المصنف. "فلله درها من بركة" تمييز للنسبة في درها؛ لأن مرجع الضمير هنا معلوم. "كثرت بها مواشي حليمة ونمت" زادت "وارتفع قدرها به، وسمت" أي: علت، فهو مساوٍ؛ "فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة، وتفوز منه بالحسنى وزيادة" وأنشد لغيره: "لقد بلغت بالهاشمي" محمد صلى الله عليه وسلم "حليمة مقامًا علا" ارتفع "في ذروة" بكسر الذال المعجمة: أعلى، "العز والمجد" مستعار من ذروة الجبل: أعلاه، "وزادت مواشيها وأخصب ربعها" بفتح الراء وسكون الموحدة: محلها ومنزلها، ويطلق على القوم مجازًا. "وقد عم هذا السعد كل بني سعد" وذلك أن حليمة، قالت لما دخلت به منزلي: لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك، وألقيت محبته في قلوب الناس حتى إن أحدهم كان إذا نزل به أذى من جسده أخذ كفه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأذى فيبرأ بإذن الله سريعًا، وكذا إذا اعتل لهم بعير أو شاه، ولو لم يكن من سعدهم إلا أنهم لما سبوا في وقعة هوازن ثم جاءوا إليه صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: نحن أهل وعشيرة وقام خطيبهم، وقال: يا رسول الله! إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول، ثم قال: امنن علينا رسول الله في كرم الأبيات المشهورة الآتية في كلام المصنف. فقال صلى الله عليه وسلم: $"ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ورسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ورسوله، فرد عليهم سبيهم. "قال ابن الطراح: رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله بن المعلى الأزدي" البصري، ونقله أيضًا عن كتاب الترقيص مغلطاي في الزهر، والحافظ في الإصابة، وأبو المظفر المقرئ

أن من شعر حليمة ما كانت ترقص به النبي صلى الله عليه وسلم. يا رب إذ أعطيته فأبقه ... وأعله إلى العلا وأرقه وادحض أباطيل العدا بحقه وعند غيره وكانت الشيماء أخته من الرضاعة تحضنه وترقصه وتقول: هذا أخ لم تلده أمي ... وليس من نسل أبي وعمي فديته من مخول معمي ... ....................

_ الواعظ في أربعينه، "أن من شعر حليمة ما كانت ترقص" بضم التاء وشد القاف المكسورة من الترقيص "به النبي صلى الله عليه وسلم: يا رب إذ أعطيته فأبقه وأعله إلى العلا ورقه" بدون ألف؛ كما في نسخ، وهو ما نقله أبو المظفر. وفي نسخ: وأرقه بألف، وكذا في السبل. والأولى أنسب؛ كما يفيده القاموس. "وادحض" بكسر الحاء حذفت همزته للضرورة، أي: أذل، "أباطيل العدا بحقه، وعند غيره" أي: غير ابن الطراح، فإن الزهر والإصابة وأبا المظفر نقلوه كله عن كتاب الترقيص المذكور لابن المعلى، فليس ضمير غيره عائدًا عليه؛ كما زعم. "وكانت الشيماء" بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية، ويقال: الشماء بلا ياء ابنة الحارث بن عبد العزى السعدية، ذكرها أبو نعيم وغيره في الصحابة، واسمها جدامة بضم الجيم وبالدال المهملة والميم، جزم به ابن سعد. وقيل: حذافة بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة، ذكره السهيلي مع الثاني فقط، واقتصر في الإصابة على الأولين. "اخته من الرضاعة" من جهة أنه عليه السلام رضع أمها حليمة بلبن أخيها "تحضنه" بضم الضاد ومن ثم تدعى أم النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا؛ كما في النور. "وترقصه، وتقول: هذا أخ لي لم تلده أمي" من أبي ولا غيره "وليس من نسل أبي" من غير أمي، "و" من نسل "عمي" فاسمه أخي لشدة قربه، ومرادها: تعميم نفي أخوة النسب ولو بسبب رضاعه أمها. "فديته من مخول" بضم الميم وكسرها الواو ومن أخول على الأصل، وتفتح الواو على أن غيره جعله ذا أخوال كثيرة ورجل معم مخول، أي: كريم الأعمال والأخوال، ومنع الأصمعي الكسر فيهما، وقال: كلام العرب الفتح، قال المصباح. "معمي" بكسر الميم الثانية اسم فاعل أنسب بالشعر من فتحها اسم مفعول وإن جاز، قال

................. ... فأنمه اللهم فيما تنمي وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين والخطيب وابن عساكر في تاريخيهما وابن طغر بك السياف في النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بأصبعك فحيث أشرت إليه مال قال: إني كنت أحدثه

_ المصباح: أعم الرجل إذا كرم أعمامه يروى مبنيًا للمفعول والفاعل وجرت من التمييز مع أنه تمييز لنسبة الفعل إلى المفعول؛ لأنه ليس محولا عنه فيجوز زجره، نحو: ما أحسنه من رجل. "فانمه" بفتح الهمزة من أنماه "اللهم فيما تنمي" بضم الفوقية المصباح نمى من باب رمى كثر، وفي لغة: من باب قعد ويتعدى بالهمز والتضعيف فعبر بانمه مجاز لغوي من إطلاق السبب، وإرادة المسبب، فالكثرة يلزمها القوة؛ فكأنها قالت: قوة فيمن قويتهم، وزد رفعته، أو مجاز بالنقص بحذف المضاف، أي: أنم أتباعه وذريته، وقد زاد الجماعة عن كتاب الترقيص المذكور، وقالت الشيماء أيضًا: يا ربنا أبق أخي محمدا ... حتى أراه يافعًا وأمردا ثم أراه سيد مسودًا ... واكبت أعاديه معا والحسدا وأعطه عزًا يدوم أبدا قال الأزدي: ما أحسن ما أجاب الله دعاءها، يعني: لرؤيتها ياه بجميع ما طلبت. "وأخرج البيهقي و" أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم "الصابوني" شيخ الإسلام الإمام المفسر المحدث الفقيه الواعظ الخطيب، وعظ المسلمين ستين سنة، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وتوفي في المحرم سنة سبع أو أربع وأربعين وأربعمائة. "في" كتاب "المائتين والخطيب" البغدادي "وابن عساكر" الدمشقي "في تاريخيهما" لبغداد ودمشق "وابن طغربك السياف في" كتاب "النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطلب" رضي الله عنه "قال: قلت: يا رسول الله! دعاني إلى الدخول في دينك" أي: حملني عليه، واستعماله بهذا المعنى مجاز؛ لأن الدعاء النداء. "أمارة لنبوتك" علامة عليها، فشبه الأمارة بالداعي استعارة بالكناية وإثبات الدعاء لها تخييل، "رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك. فحيث أشرت إليه مال" إلى جهتك، أي: ففي أي وقت فحيث هنا للزمان مجازًا على مقتضى القاموس والمصباح، وبه صرح المغني، فقال: وهي للمكان اتفاقًا، قال الأخفش: وقد ترد للزمان. "قال: إني كنت أحدثه

ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش قال البيهقي تفرد به أحمد بن إبراهيم الحلبي وهو مجهول وقال الصابوني: هذا حديث غريب الإسناد والمتن وهو في المعجزات حسن. والمناغاة: المحادثة، وقد ناغت الأم صبيها: لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة. وفي فتح الباري عن سيرة الواقدي:....................

_ ويحدثني، و" كان بتحديثه لي "يلهيني عن البكاء و" كنت "أسمع وجبته" أي: سقطته؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] ، "حين يسجد تحت العرش، قال البيهقي" عقب إخراجه: "تفرد به أحمد بن إبراهيم" أي: لم يتابعه عليه أحد. "الحلبي" نسبة إلى حلب البلدة الشهيرة، قال في الميزان: قال أبو حاتم: أحاديثه باطلة تدل على كذبه ويقع في نسخ الجيلي بجيم وياء ولام، وهو تحريف فقد استوفى الحافظ في التبصير من ينسب هذه النسبة، وما ذكره فيهم. "وهو مجهول" وهو ثلاثة أنواع: مجهول العين من له راو فقط. ومجهول الحال، وهما مردودان عند الجمهور. مجهول العدالة، وفيه خلف. وظاهر كلام أبي حاتم المار: أن هذا من النوع الثاني. "وقال الصابوني" نسبة إلى الصابون، قال في اللباب: لعله لأن أحد أجداده عمله فعرفوا به، "هذا حديث غريب الإسناد" لأن راويه أحمد بن إبراهيم لم يتابع عليه، فهو كقول البيهقي: تفرد به، وزاد عليه قوله: "والمتن" أي: لفظ الحديث، ولعل غرابته لأن العباس أصغر الأعمام، فحمزة أكبر منه، وحمزة كان أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، كما رواه البكائي عن ابن إسحاق، فرؤية العباس لذلك وروايته غريب. "و" لكن الخوارق لا يقاس عليها فـ "هو في المعجزات حسن" ذكره لأن عادة المحدثين التساهل في غير الأحكام والعقائد ما لم يكن موضوعًا، وأيضًا فإنه يتمشى على القول بأن العباس ولد قبل الفيل بثلاث سنين، وبه جزم المصنف فيما يأتي، ومر له أيضًا: روي عن العباس، أنه قال: أذكر مولد النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فحمزة والعباس متقاربان غايته أن حمزة أسن منه بيسير. "والمناغاة المحادثة، وقد ناغت الأم صبيها" أي: "لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة" مصدر لاعب. "وفي فتح الباري" في كتاب الأنبياء في قوله صلى الله عليه وسلم: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة"، نقلا "عن سيرة" محمد بن عمرو بن واقد "الواقدي" أبي عبد الله الأسلمي مولاهم المدني الحافظ،

أنه صلى الله عليه وسلم تكلم في أوائل ما ولد. وذكر ابن سبع في الخصائص أن مهده كان يتحرك بتحريك الملائكة. وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس قال كانت حليمة تحدث بأنها أول ما فطمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فقال: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الل هـ.........................................

_ روى عن مالك والثوري عن ابن جريج وغيرهم، وعنه الشافعي وابن سعد كاتبه وخلق، كذبه أحمد، وتركه ابن المبارك وغيره، وقال في الميزان، استقر الإجماع على وهنه، وفي التقريب: متروك مع سعة علمه. مات سنة سبع، وقيل: تسع ومائتين، روى له ابن ماجه. "أنه صلى الله عليه وسلم تكلم في أوائل ما ولد" وعند ابن عائذ: أول ما تكلم به حين خرج من بطن أمه: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وفي الروض عن الواقدي: أول ما تكلم به لما ولد: جلال ربي الرفيع. وفي شواهد النبوة: روى أنه صلى الله عليه وسلم لما وقع على الأرض رفع رأسه, وقال بلسان فصيح: "لا إله إلا الله، وإني رسول الله"، وطريق الجمع أنه قال جميع ذلك، ثم الكلام في المهد ليس من خصائصه، بل ولا من خصائص الأنبياء، فقد تكلم فيه ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج، رواه أحمد والحاكم مرفوعًا، وعند مسلم في قصة أصحاب الأخدود: أن امرأة جيء بها لتلقى في النار لتكفر ومعها صبي فتقاعست، فقال لها: يا أماه اصبري، فإنك على الحق. وفي زمنه صلى الله عليه وسلم مبارك اليمامة وقصته من دلائل البيهقي، فهؤلاء خمسة تكلموا وليسوا بأنبياء، ونظم جملة من تكلم السيوطي، فقال: تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم قال بعضهم: وكلام الصبي في مهده يحتمل كونه بلا تعقل؛ كما خلق الله التكلم في الجماد ويحتمل كونه عن معرفة بأن خلق الله فيه الإدراك ولعل كلام النبي كان كذلك. "وذكر ابن سبع" بإسكان الموحدة وقد تضم؛ كما في التبصير. "في الخصائص: أن مهده" أي: ما هيئ له لينام فيه "كان يتحرك بتحريك الملائكة" له. قال بعض: ولم ينقل مثل ذلك لأحد من الأنبياء. "وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس" أنه "قال: كانت حليمة تحدث بأنها أول ما فطمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم، فقال: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله

بكرة وأصيلا"، فلما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيتجنبهم. الحديث. وقد روى ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كانت حليمة لا تدعه يذهب مكانًا بعيدًا، فغفلت عنه، فخرج مع أخته الشيماء في الظهيرة إلى البهم، فخرجت حليمة تطلبه، حتى تجده مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ قالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرًا رأيت غمامة تظل.........................

_ بكرة وأصيلا" وأفاد هذا مع ما مر عن ابن عائذ قريبًا أنه تكلم بهذا في الوقتين، "فلما ترعرع" قوي على الخروج والاختلاط بالصبيان، "كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيتجنبهم الحديث" وروي أنه كان يخرج هو وأخوه فيلعب أخوه مع الغلمان فيتجنبهم عليه السلام ويأخذ بيد أخيه، ويقول: "إنا لم نخلق لهذا". "وقد روى محمد بن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس، قال: كانت حليمة لا تدعه" لا تترك النبي صلى الله عليه وسلم "يذهب مكانًا بعيدًا "خوفًا عليه وشفقة، أي: في غالب الأحوال أو في ابتداء الأمر، فلا ينافي ما روي أنه قال لها: يا أماه مالي لا أرى إخوتي بالنهار، قالت: يرعون غنمًا لنا فيروحون من الليل إلى الليل، فقال: ابعثيني معهم، فكان يخرج مسرورًا ويعود مسرورًا. "فغفلت عنه، فخرج مع أخته الشيماء في الظهيرة" أول الزوال وهو أشد ما يكون من حر النهار "إلى البهم" بفتح الموحدة جمع بهيمة وهي ولد الضأن، كذا في النهاية. وفي القاموس: البهيمة أولاد الضأن والبقر والمعز وجمعه بهم ويحرك. وفي النور: يطلق على الذكر والأنثى لكن يرد عليه حيث أنه عليه السلام قال للراعي: "ما ولدت"؟. قال: بهمة، قال: "اذبح مكانها شاة". فهذا يدل على أن البهمة اسم للأنثى؛ لأنه إنما سأله ليعلم أذكر م أنثى، لعلمه أن المولود أحدهما "فخرجت حليمة تطلبه حتى تجده" غالبًا للطلب أو تعليل له، أي: إلى أن تجده أو لتجده فوجدته "مع أخته" وعلى التقديرين فحتى جارة لوقوع المضارع بعدها منصوبًا. وفي نسخة: فوجدته وهي ظاهرة، "قالت في هذا الحر" الهمزة فيه مقدرة، أي: أفيه تخرجين به؛ كقول الكميت: طربت وما شوقًا إلى البيض أطرب ... ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب أراد أو ذو الشيب، "قالت أخته: يا أمه" الهاء بدل من تاء التأنيث، والأصل: يا أمة بلا تاء عند جمهور البصريين، "ما وجد أخي حرًا" لأن الشمس لم تصبه، فقد "رأيت غمامة" سحابة "تظل

عليه، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع الحديث. وكان صلى الله عليه وسلم يشب شبابًا لا يشبه الغلمان. قالت حليمة: فلما فصلته قدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا: لو تركتيه عندنا حتى يغلظ، فإنا نخشى عليه وباء مكة..............................

_ عليه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت" معه تظلله "حتى انتهى إلى هذا الموضع" الذي نحن فيه "الحديث" وفيه إظلال الغمام له صلى الله عليه وسلم، فهو حجة على من أنكره. قال ابن جماعة من ذهب إلى أن حديث إظلال الغمام لم يصح بين المحدثين فهو باطل، نعم لم يكن كما قال السخاوي وغيره دائمًا في حديث الهجرة: إن الشمس أصابته صلى الله عليه وسلم وظلله أبو بكر بردائه، وثبت أنه كان بالجعرانة ومعه ثوب قد أظل عليه، وأنهم كانوا إذا أتوا على شجرة ظليلة تركوها له صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك. "وكان صلى الله عليه وسلم يشب" بكسر الشين من باب ضرب "شبابًا لا يشبه" أي: لا يشب مثله: "الغلمان" كذا في رواية ابن إسحاق محملا، وفي شواهد النبوة: روي أنه صلى الله عليه وسلم لما صار ابن شهرين كان يتزحلف مع الصبيان إلى كل جانب، وفي ثلاثة أشهر كان يقوم على قدميه، وفي أربعة كان يمسك الجدار ويمشي، وفي خمسة حصل له القدرة على المشي، ولما تم له ستة أشهر كان يسرع في المشي، وفي سبعة أشهر كان يسعى ويغدو إلى كل جانب، ولما مضى له ثمانية أشهر شرع يتكلم بكلام فصيح، وفي عشرة أشهر كان يرمي السهام مع الصبيان. "قالت حليمة: فلما فصلته" بعد مضي عامين "قدمنا به على أمه" على عادة المراضع في إتيانهن بالأولاد إلى أمهاتهم بعد تمام الرضاع، فأتت به موافقة لهن، ثم حاولت الرجوع به لنصل إلى مقصودها؛ كما أفاده قولها: "ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما نرى من بركته" أي: حرصنا على مكثه فينا أشد من حرص كل حريص على شيء يحرص عليه، فلا يرد أن أفعل التفضيل عض ما يضاف إليه، ومعلوم أن حليمة وزوجها وابنتها لم يشاركهم جميع الناس في الحرص على مكثه فيهم. "فكلمنا أمه" وبيان الكلام "وقلنا" نود "لو تركتيه عندنا حتى يغلظ" أي: يعظم جسمه وتزيد قوته، فلو للتمني أو جوابها محذوف، أي: لكان خيرًا له بدليل "فإنا نخشى عليه وباء مكة" بالهمز مقصورًا وممدودًا؛ كما في النهاية والصحاح والقاموس. وفسره بأنه الطاعون أو كل مرض عام، والظاهر أن المراد هنا الثاني، ومن ثم فسره الشامي بأنه كثرة الموت والمرض.

ولم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به. فوالله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة، لفي بهم لنا خلف بيوتنا، جاء أخوه يشتد، فقال: ذاك أخي القرشي، قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائمًا منتقعًا لونه، فاعتنقه أبوه وقال: أي بني، ما شأنك، قال: "جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئًا فطرحاه، ثم رداه كما كان". فرجعناه معنا، فقال أبوه: يا حليمة خشيت أن يكون ابني قد أصيب، فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به..........................

_ "ولم نزل" نتلطف" بها حتى ردته معنا، فرجعنا به فوالله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة" شكت "مع أخيه من الرضاعة" عبد الله "لفي بهم لنا خلف بيوتنا جاء أخوه يشتد" يسرع في المشي "فقال: ذاك أخي القرشي، قد جاء رجلان" ملكان في صورة رجلين "عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه" بعد أن صعدا به ذروة الجبل؛ كما في رواية البيهقي الآتية. "فخرجت أنا وأبوه" من الرضاعة وهو زوجها "نشتد نحوه، فنجده قائمًا" من استعمال المضارع موضع الماضي ففي الكلام حذف، أي: وما زلنا نسرع إلى أن وجدناه قائمًا "منتقعًا لونه" بنون ففوقية فقاف مفتوحة، أي: متغيرًا، قال الكسائي: انتقع مبنيًا إذا تغير من حزن أو فزع، قال: وكذا ابتقع بالموحدة، وامتقع بالميم أجود، قال الجوهري: أي: مبنيًا للمفعول وبه صرح المجد، واقتصر البرهان والشامي. وفي المصباح: ما يفيد بناءه للفاعل. "فاعتنقه أبوه، وقال: أي بني! ما شأنك" ما حالك "قال: "جاءني رجلان" ", هما جبريل وميكائيل؛ كما في النور، "عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني" ولا ينافي هذا قوله الآتي قريبًا: "فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض"؛ لجواز أنه نسب الإضجاع إلى مجموعهما وإن كان في الحقيقة من واحد مجازًا أو نزل فعل المشارك له في الغسل ونحوه منزلة المشارك في نفس الإضجاع، فأطلق عليه اسمه. "ثم استخرجا منه شيئًا" هو مضغة سوداء؛ كما في الحديث الآتي على الأثر، "فطرحاه ثم رداه كما كان" قالت حليمة: "فرجعناه معنا، فقال أبوه: يا حليمة، قد خشيت" خفت "أن يكون ابني قد أصيب من الجن، وأصل الخشية الخوف مع الإجلال، لكنها هنا في مجرد الخوف؛ لأن المعنى: نخاف عليه ما يصيبه من الجن. "فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به

ما نتخوف، قالت حليمة فاحتملناه حتى قدمنا به مكة على أمه، فقالت: ما ردكما به، فقد كنتما حريصين عليه؟ قلنا نخشى عليه الإتلاف والإحداث، فقالت: ما ذاك بكما، فاصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، قالت: أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابني هذا شأن عظيم فدعاه عنكما.

_ ما نتخوف" أي: ما نتخوفه، فالمفعول محذوف "قالت حليمة: فاحتملناه حتى قدمنا به مكة على أمه" بعد أن ضل منا في باب مكة حين نزلت لأقضي حاجتي، فأعلمت عبد المطلب بذلك فطاف بالبيت أسبوعًا، ودعا الله برده، فسمع مناديًا ينادي: معاشر الناس، لا تضحوا فإن لمحمد ربا لا يضيعه ولا يخذله، قال عبد المطلب: يا أيها الهاتف، من لنا به؟ وأين هو؟ قال بوادي تهامة، فأقبل عبد المطلب راكبًا متسلحًا، فلما صار في بعض الطريق لقي ورقة بن نوفل، فسارا جميعًا فوجدوه صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، وفي رواية: بينا أبو مسعود الثقفي وعمرو بن نوفل على راحلتيهما إذ هما به قائمًا عند شجرة الموز يتناول من ورقها، فأقبل إليه عمرو، وهو لا يعرفه، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمد بن عبد المطلب بن هاشم، فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبد المطلب، وعن ابن عباس: لما رد الله محمدًا صلى الله عليه وسلم على عبد المطلب تصدق بألف ناقة كوماء وخمسين رطلا من ذهب، وجهز حليمة أفضل الجهاز؛ كذا في الخميس. "فقالت" أمه: ما ردكما" أي شيء ردكما "به، فقد كنتما حريصين عليه" أي: على مقامه عندكما، "قلنا: نخشى عليه الإتلاف والإحداث" أي: الأسباب العارضة المقتضية لإتلافه أو حصول الأمراض له، "فقالت: ما ذاك؟ " بكسر الكاف خطاب لحليمة، أي: ما خوف الإتلاف والإحداث حملكما على رده، أو بفتح الكاف على أنه خطاب لزوج حليمة، أو على أن الكاف المتصلة باسم الإشارة مفتوحة أبدًا، "فاصدقاني شأنكما" حالكما الحامل لكما على رده، "فلم تدعنا" تتركنا "حتى أخبرناها خبره، قالت" إنكارًا عليهما، "أخشيتما عليه الشيطان" إبليس أو الجنس وهو أظهر، زاد في رواية ابن إسحاق عن حليمة، قلت: نعم، قالت: آمنة "كلا" ردع لهما عن خشية الشيطان عليه، "والله ما للشيطان عليه سبيل" طريق يتوصل له منها "وإنه لكائن لابني هذا شأن" أمر "عظيم" قالت ذلك لما شاهدته في حملها به وعند ولادته؛ كما صرحت به لحليمة، فقالت كما في حديث ابن إسحاق: أفلا أخبرك خبره، رأيت حين حملت به خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. "فدعاه عنكما" وظاهر هذا السياق، بل صريحه: أن شق الصدر ورجوعه إلى أمه كانا في

وفي حديث شداد بن أوس عن رجل من بني عامر، عند أبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فبينما أنا ذات يوم في بطن واد، مع أتراب لي من الصبيان، إذ أنا برهط ثلاثة

_ السنة الثالثة لقوله فيه بشهرين أو ثلاثة، وقد قال ابن عباس: رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين، وقال غيره: وهو ابن أربع؛ حكاهما الواقدي. وقال ابن عبد البر: ردته بعد خمس سنين ويومين. وقال الأموي: وهو ابن ست سنين. وحاول في النور الجمع بتعدد الواقعة مستدلا بأن صدره شق مرارًا، وفيه ما فيه. وأيضًا يعكر عليه أن الأموي ذكر أن حليمة لم تره بعد إلا مرتين بعد تزويج خديجة جاءته تشكو السنة، وأن قومها أسنتوا كلهم فكلم خديجة فأعطتها عشرين من الغنم وبكرات، والثانية يوم حنين. والراجح أنه صلى الله عليه وسلم رجع إلى أمه وهو ابن أربع سنين، وإن شق الصدر إنما كان في الرابعة؛ كما جزم به الحافظ العراقي في نظم السيرة وتلميذه الحافظ ابن حجر في سيرته وهي صغيرة مفيدة، وذكر أنه التزم فيها الاقتصار على الأصح مما اختلف فيه، قال العراقي: أقام في سعد بن بكر عندها ... أربعة الأعوام تجني سعدها وحين شق صدره جبريل ... خافت عليه حدثا يئول ردته سالما إلى آمنة ولفظ سيرة ابن حجر: أقام عندها أربع سنين أرضعته حولين كاملين، ثم أحضرته إلى أمه وسألتها أن تتركه عندها إلى أن يشب ففعلت، فأتاه جبريل فشق صدره وأخرج منه علقة، فقال: هذا خط الشيطان منك، فخافت عليه حليمة فرجعته إلى أمه، انتهى. ومن خطه نقلت: "وفي حديث شداد بن أوس عن رجل من بني عامر" لا يضر إبهامه؛ لأن الصحابة كلهم عدول ولا سيما وهو من رواية صحابي عن صحابي، عند أبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت مسترضعًا" بصيغة اسم الفاعل وسين التأكيد لا الطلب، وإن كان الأصل فيها وليس اسم مفعول؛ لأن فعله لازم، "في بني سعد بن بكر، فبينما أنا ذات يوم" تأنيث ذي بمعنى صاحب، أي: في ساعة ذات يوم، أي: منه، فحذف ذلك لوضوح المراد؛ كقول امرئ القيس: إذا قامتا تضوع المسك منها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل أي: مثل تضوع نسيم الصبا، "في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان" جمع ترب، وهو من ولد معه؛ كما في القاموس بأن كان في سنه. "إذ أنا برهط" بسكون الهاء أفصح من فتحها "ثلاثة" وسمى الملائكة رهطًا لمجيئهم على صورة الرجال، إذ الرهط لغة ما دون العشرة من

معهم طست من ذهب، مليء ثلجًا، فأخذوني من بين أصحابي، وانطلق الصبيان هربًا مسرعين إلى الحي، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعًا لطيفًا، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه، لم أجد لذلك مسًا، ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني فقال لصاحبه تنح، ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي وأنا أنظر إليه وصاعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده...........................

_ الرجال ليس فيهم امرأة؛ كما في النهاية وغيرها. "معهم طست من ذهب مليء" نعت للطست على معنى الإناء، لا اللفظ؛ لأنها مؤنثة. "ثلجًا، فأخذوني من بين أصحابي" أترابي الذين كنت معهم، "وانطلق الصبيان هربًا" بكسر الهاء وتخفيف الراء جمع هارب، ويجوز ضم الهاء مع شد الراء "مسرعين" صفة لازمة، ففي الصحاح هرب الرجل إذا جد في الذهاب مذعورًا، "إلى الحي" بفتح الميم، ونقل في النور عن الليلي كسرها؛ كما مر، "فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعًا لطيفًا" لم يشق عليّ "ثم شق ما بين مفرق" كمسجد وتكسر ميمه أيضًا؛ كما في الصحاح. "صدري" والمراد منه الموضع الذي يفترق فيه عظم الصدر وهو رأس المعدة، "إلى منتهى عانتي". قال الأزهري وجماعة: هي منبت الشعر فوق قبل المرأة وذكر الرجل، والشعر النابت عليها يسمى الشعرة. "وأنا أنظر إليه، لم أجد لذلك مسًا" أي: أثرًا؛ كأنه لم يمس، ولا ينافيه وجدانه منتقعًا لجواز أنه من الفزع الحاصل من مجرد رؤية الملك وشق الصدر، "ثم أخرج أحشاء بطني" جمع حشى بالقصر، وهي المصارين "ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها" أحسنه مجاز عن جعل الشيء ناعمًا، "ثم أعادها مكانها". قال السهيلي في حكمه: الثلج لما يشعر به من ثلج اليقين وبرده على الفؤاد، ولذا حصل له اليقين بالأمر الذي يراد به بوحدانية ربه، انتهى. "ثم قام الثاني، فقال لصاحبه: تنح" فتنحى فوقف مكانه، "ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي، وأنا أنظر إليه وصاعه " شقه، "ثم أخرج منه مضغة سوداء، فرمى بها" وعند مسلم وأحمد من حديث أنس: فأخرج علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك ولا منافاة فقد تكون العلقة لكبرها تشبه المضغة. "ثم قال بيده" أشار بها من إطلاق القول على الفعل مجازًا لغويًا، فقد قال ثعلب وغيره: العرب تطلق القول على جميع الأفعال، قال ابن بطال: سمي الفعل قولا؛ كما سمي القول فعلا في حديث: "لا حسد إلا في اثنتين" حيث قال في الذي يتلو القرآن: لو أوتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما فعل، وتقول

يمنة ويسرة كأنه يتناول شيئًا فإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظر دونه فختم به قلبي فامتلأ نورًا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا، ثم قال الثالث لصاحبه تنح، فأمر يده بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضًا لطيفًا ثم قال الأول للثالث: زنه بعشرة من أمته فوزنني فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فرجحتهم ثم قال زنه بألف فرجحتهم فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك" ...

_ العرب: قل لي برأسك، أي: أمله. "يمنة ويسرة، كأنه يتناول شيئًا فإذا بخاتم في يديه من نور يحار الناظر دونه" أي: في مكان أقرب منه، والمراد يتحير فيما دون ذلك الخاتم لصفته الخارقة للعادة، "فختم به قلبي وامتلأ" قلبي "نورًا، وذلك نور النبوة والحكمة" قال النووي: فيها أقوال كثيرة مضطربة صفا لنا منها أنها العلم المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به، والكف عن ضده والحكيم من حاز ذلك، انتهى ملخصًا قاله الحافظ. "ثم أعاده" أي: قلبي "مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا" أي: مدة طويلة واستمر. ففي رواية: "فأنا الساعة أجد برده في عروقي ومفاصلي"، قاله الشامي. "ثم قال الثالث لصاحبه: تنح، فأمر يده بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني" أقامني "من مكانه" الذي كان أضجعني فيه "إنهاضًا لطيفًا، ثم قال الأول للثالث: زنه بعشرة من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف" فوزنني "فرجحتهم، فقال" يخاطب صاحبيه: "دعوه" اتركوه فهو من استعمال الجمع موضع المثنى، ويجوز أنه كان معهم غيرهم، "فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني" تبركًا وإيناسًا، "ثم قالوا: يا حبيب" الله والمؤمنين "لم ترع" بضم أوله وفتح الراء فمهملة مجزوم، أي: لم تخف بعد ولم يقصد به الأمر. وفي نسخة: لن تراع، بزيادة ألف منصوب بلن وهي أولى، إذ المقصود بشارته والتسهيل عليه حتى لا يحصل له الروع في المستقبل، وبمثل النسختين ورد حديث رؤيا ابن عمر في الصحيح، وروي فيه أيضا: لن ترع، ووجه ابن مالك بوجهين لا داعي لإيرادهما هنا. "إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك" سكنت وبردت كناية عن السرور،

الحديث. وفي رواية ابن عباس، عند البيهقي، قالت حليمة: إذا أنا بابني ضمرة يعدو فزعًا، وجبينه يرشح باكيًا ينادي: يا أبت، يا أمت، الحقا محمدًا فما تلحقانه إلا ميتًا. أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، وعلا به ذروة الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه: أنه عليه السلام قال: "أتاني رهط ثلاثة، بيد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء". الحديث. فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف في الطست خاص به، أو...........

_ قال في الفتح: قرت العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه؛ لأن عينه قرت، أي: سكنت حركتها عن التلفت لحصول غرضها فلا تستشرف لشيء آخر وكأنه مأخوذ من القرار، وقيل: معناه أنام الله عينك وهو يرجع إلى هذا، وقيل: بل هو مأخوذ من القر، وهو البرد، أي: إن عينه باردة لسروره، ولذا قيل: دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة، ومن ثم قيل في ضده: أسخن الله عينه، انتهى. "الحديث". "وفي رواية ابن عباس عند البيهقي: قالت حليمة: إذا أنا بابني ضمرة" مر أن اسمه عبد الله، وأنه وقع في رواية البيهقي هذه: ضمرة، وأن الشامي توقف، فقال والله أعلم. "يعدو فزعًا" بفتح الزاي مفعول لأجله وبكسرها حال، "وجبينه يرشح باكيًا ينادي: يا أبت، يا أمت" وفي نسخة: يا أماه، ولعل الأصل يا أمتا بإشباع الفتحة فتولد منها ألف ثم قدم الألف على التاء للقلب المكاني فصار: يا أمات، ثم قلبت التاء هاء؛ كما قيل بمثله في: يا أبات. "الحقا محمدًا فما تلحقانه إلا ميتًا، أتاه رجل" وتقدم أنه قال: رجلان، الموافق لقول المصطفى فيه: "جاءني رجلان" فيجوز أن المختطف الصاعد واحد فقط؛ كما قد يدل له قوله: "فاختطفه من أوساطنا وعلا" صعد "به ذروة" بكسر الذال وضمها: أعلى "الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه" أي: حديث ابن عباس هذا, أنه عليه السلام، قال: "أتاني رهط ثلاثة" وهو موافق لما في حديث شداد عنه عليه السلام: "لماء فوق هذا" ... الحديث، ومخالف كما ترى لقول ضمرة: رجل أو رجلان، فلعله لم ير سوى اثنين، وأما المصطفى، فرأى الثلاثة "بيد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء" ... الحديث بطوله وغرضه أيضًا من سياقه التنبيه على ما فيه من مخالفة الحديث فوقه في أن الطست من ذهب، فيحتمل والله أعلم أن الزمرد مرصع فوق الذهب، "فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف في الطست خاص به، أو

فعل بغيره من الأنبياء عليهم السلام؟ أجيب: بأنه ورد في خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء، ذكره الطبري، وعزاه العماد ابن كثير في تفسيره لرواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس. فإن قلت: ما الحكمة في ختم قلبه المقدس؟ أجيب: بأنه إشارة إلى ختم............................

_ فعل بغيره من الأنبياء عليهم السلام" قلت: "أجيب بأنه ورد في خبر التابوت" الصندوق الذي كان فيه صور الأنبياء، أنزله الله على آدم قاله الجلال، وقال البيضاوي: هو صندوق التوراة وكان من خشب الشمشار مموهًا بالذهب نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، انتهى. ولا منافاة بينهما "والسكينة" الطمأنينة الحاصلة من ذلك التابوت، وقيل: إنها ريح هفافة لها وجه كوجه إنسان، أخرجه ابن جرير عن علي، زاد مجاهد: ورأس كرأس الهر، وزاد ابن أبي الربيع عن أنس: لعينيها شعاع. زاد أبو الشيخ: إذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليها، فيهزم الجيش من الرعب، "أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء" فليس خاصًا بنبينا صلى الله عليه وسلم، "ذكره الطبري" يعني محمد بن جرير أحد الأعلام، وحكاه عنه السهيلي والحافظ في الفتح، وأقره قائلا: هذا يشعر بالمشاركة، وذكر البرهان أنه رأى بهامش الروض عن ابن دحية أن هذا أثر باطل، انتهى. وهو مردود، فقد رواه سعيد بن منصور وابن جرير بسند ضعيف عن السدي عن ابي مالك عن ابن عباس. "و" هو الذي "عزاه" العماد "بن كثير في تفسيره لرواية السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس" فحيث وجد مسندًا وليس فيه وضاع ولا كذاب، فمن أين يجيء بطلانه خصوصًا وقد أخرجه ابن جرير وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن السدي الكبير، في قوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 248] ، قال: طست من ذهب الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء. وفي الفتح: اختلف هل كان شق صدره وغسله مختصًا به أو وقع لغيره من الأنبياء، فذكر المنقول عن الطبري، قال الشامي: والراجح المشاركة، وما صححه الشيخ -يعني السيوطي- في خصائصه الصغرى من عدم المشاركة لم أر ما يعضده بعد الفحص الشديد، انتهى. "فإن قلت: ما الحكمة في ختم قلبه المقدس" صلى الله عليه وسلم "أجيب" وفي نسخة بالفاء وحذفها أولى، كما مر "بأنه إشارة إلى ختم الرسالة به؟ " الأولى النبوة، لأن ختم الرسالة لا يستلزم ختم النبوة بخلاف

الرسالة به، وهذا مسلم، إن كان الختم خاصا به، أما إذا ورد أنه ليس خاصًا به بل بكل نبي فتكون الحكمة أنه علامة يمتاز بها عن غيره ممن ليس بنبي وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما في الخاتم الشريف من المباحث. والمراد بالوزن: في قوله: "زنه بعشرة ... إلخ" الوزن الاعتباري، فيكون المراد به الرجحان في الفضل، وهو كذلك. وفائدة فعل الملكين، ذلك، ليعلم الرسول عليه السلام ذلك، حتى يخبر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية.

_ العكس، "وهذا مسلم إن كان الختم" أي: خاتم النبوة "خاصًا به، أما إذا" أي: حيث "ورد أنه ليس خاصًا به، بل بكل نبي، فتكون الحكمة أنه علامة يمتاز بها النبي عن غيره ممن ليس بنبي، ويأتي قريبًا" جدًا "إن شاء الله تعالى، ما في الخاتم الشريف من المباحث" ولما كان المتبادر من الوزن في الحديث الحقيقي، وليس مرادًا بين المراد بقوله: "والمراد بالوزن في قوله" أي: الملك "زنه بعشرة إلخ" يريد وزنه بألف "الوزن الاعتباري" لا الحقيقي؛ فكأنه قال: اعتبره بعشرة، "فيكون المراد به الرجحان" وفي نسخة والرجحان، أي: المراد بالرجحان الرجحان، "في الفضل وهو كذلك" ووقع في حديث ساقه الشامي، ثم قال: "زنه بألف فوزنوني فرجحتهم" فجعلت أنظر إلى الألف، فوقي أشفق أن يخر علي بعضهم، وهذا كالصريح في أنه حسي، اللهم إلا أن يقال فيه: تجوز، والمراد: رأيت زيادة رجحان في الاعتبار لو كانت محسوسة لكادت أن يسقط علي بعضها. "وفائدة فعل الملكين ذلك: ليعلم الرسول عليه السلام ذلك حتى يخبر به غيره، ويعتقده إذ هو من الأمور الاعتقادية" ولما نقل الشامي من أول قوله: والمراد إلى هنا عن بعض العلماء قال: وسألت شيخ الإسلام برهان الدين بن أبي شريف عن هذا الحديث قبل وقوفي على الكلام السابق، فكتب لي بخطه: هذا الحديث يقتضي أن المعاني جعلها الله تعالى ذواتًا، فعند ذلك قال الملك لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة، فلعل ترجح ماله صلى الله عليه وسلم رجحانًا طاش معه ما للألف بحيث يخيل إليه أنه يسقط بعضهم، ولما عرف الملكان منه لرجحان، وأنه معنى: لو اجتمعت المعاني كلها التي للأمة ووضعت في كفة ووضع ماله صلى الله عليه وسلم لرجح على الأمة، قالوا: لو أن أمته وزنت به مال بهم؛ لأن مآثر خير الخلق وما وهبه الله تعالى له من الفضائل يستحيل أن يساويها غيرها.

وقد وقع شق صدره الشريف واستخراج قلبه مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء. ومرة أخرى عند الإسراء. وروى الشق أيضًا، وهو ابن عشر أو نحوها، مع قصة له مع عبد المطلب، أبو نعيم في الدلائل. وروي خامسة، ولا تثبت. والحكمة في شق صدره الشريف في حال صباه، واستخراج العلقة منه، تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ على أكمل الأحوال من العصمة.

_ "وقد وقع شق صدره الشريف، واستخرج قلبه مرة أخرى" هي ثالثة "عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء" كما أخرجه أبو نعيم والبيهقي في دلائلهما والطيالسي والحارث في مسنديهما من حديث عائشة، وسأذكر الحديث إن شاء الله تعالى هناك، قال الحافظ: والحكمة فيه زيادة الكرامة ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير. "ومرة أخرى" وهي رابعة "عند الإسراء" رواه الشيخان وأحمد من حديث قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم، فذكره الشيخان والترمذي والنسائي من طريق الزهري، عن أنس عن أبي ذر مرفوعًا، ورواه البخاري من طريق شريك عن أنس رفعه، ومسلم والبرقاني وغيرهما من طريق ثابت عن أنس رفعه بلا واسطة، فلا عبرة بمن نفاه؛ لأن رواته ثقات مشاهير. قال الحافظ: والحكمة فيه الزيادة في إكرامه ليتأهب للمناجاة، قال ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة؛ كما تقرر في شرعه، انتهى. وفيه: أن هذه رابعة؛ كما أشار له بقوله. "وروي" بالبناء للفاع "الشق أيضًا وهو ابن عشر" من السنين "أو نحوها" يعني أشهرًا؛ كما في رواية في الزوائد وهي المرة الثانية، وقد جزم بها الحافظ في كتاب التوحيد "مع قصة له مع عبد المطلب أبو نعيم" فاعل روى "في الدلائل" ورواها أيضًا عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند رجاله ثقات وابن حبان والحاكم وابن عساكر والضياء في المختارة، عن أبي بن كعب: أنا أبا هريرة، قال: يا رسول الله! ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ قال: "إن لفي صحراء ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي، يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على خلق قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني". وفي لفظ: "فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، ففلقاه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي، ثم قال: شق قلبه، فشق قلبي فأخرج الغل والحسد منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به" فذكر الحديث. قال الشامي: والحكمة فيه

ذكر خاتم النبوة

"ذكر خاتم النبوة": وقد روي أنه ختم بخاتم النبوة......................

_ أن العشر قريب من سن التكليف فشق قلبه وقدس حتى لا يتلبس بشيء مما يعاب على الرجال، قال: لكن هل كان في هذه المرة بختم لم أقف عليه في شيء من الأحاديث. وأما الثلاث المرات، ففي كل مرة يختم؛ كما هو مقتضى الأحاديث، انتهى ملخصًا. "وروي" شق صدره مرة "خامسة" وهو ابن عشرين سنة، فيما قيل: "ولا تثبت" فلا تذكر إلا مقرونة ببيان عدم الثبوت، "والحكمة في شق صدره الشريف في حال صباه" وهو عند ظئره، كما مر. قال البرهان: وهو متفق عليه عند الناس. "واستخراج العلقة منه" هي كما قال الحافظ: "تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ على أكمل الأحوال من العصمة" من الشيطان وغيره، وخلقت هذه العلقة؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقت تكملة للخلق الإنساني ولا بد ونزعها كرامة ربانية طرأت بعده، فإخراجها بعد خلقها أدل على مزيد الرفعة وعظيم الاعتناء والرعاية من خلقه بدونهما، قاله العلامة السبكي. وقال غيره: لو خلق سليمًا منها لم يكن للآدميين اطلاع على حقيقته، فأظهره الله على يد جبريل ليتحققوا كمال باطنه، كما برز لهم مكمل الظاهر. ذكر خاتم النبوة: "وقد روي أنه ختم بخاتم النبوة" قال القرطبي في المفهم: سمي بذلك لأنه أحد العلامات التي يعرفه بها علماء الكتب السابقة، ولذا لما حصل عند سلمان من علامات صدقه ما حصل كموضع مبعثه ومهاجره جد في طلبه، فجعل يتأمل ظهره فعلم صلى الله عليه وسلم أنه يريد الوقوف على خاتم النبوة، فأزال الرداء عنه، فلما رأى سلمان الخاتم أكب عليه فقبله، وقال: أشهد أنك رسول الله. وفي قصة بحيراء الراهب: وإني أعرفه بخاتم النبوة، وقال غيره: إضافته للنبوة لكونه من آياتها أو لكونه ختمًا عليها لحفظها، أو ختمًا عليها لإتمامها كما تكمل الأشياء، ثم يختم عليها قال السهيلي: وحكمة وضعه أنه لما شق صدره وأزيل منه مغمز الشيطان ملئ قلبه حكمة وإيمانًا، فختم عليه كما يختم على الإناء المملوء مسكًا، انتهى.

بين كتفيه، وكان ينم مسكًا. وأنه مثل زر الحجلة، ذكره البخاري. وفي مسلم: جمع عليه خيلان، كأنها الثآليل السود عند نغض كتفه، ويروى: غضروب كتفه اليسرى.

_ وروى الحربي في غريبة وابن عساكر في تاريخه عن جابر، قال أردفني صلى الله عليه وسلم خلفه، فالتقمت خاتم النبوة بفمي فكان ينم علي مسكًا. ومر في حديث شداد: أنه من نور يحار الناظر دونه، قال شيخنا: فلعل المراد أن الذي ختم به شديد اللمعان حتى كأنه جسم من نور، قلت: بقاؤه على ظاهره أولى. "بين كتفيه" وفي مسلم: إلى جهة كتفه اليسرى، فالبينية تقريبية إذا الصحيح كما يأتي في المتن عن السهيلي أنه عند كتفه الأيسر، "وكان ينم مسكًا" روي بضم النون وكسرها، أي: تظهر منه رائحة المسك، قال في المقتفى: من قولهم نمت الريح إذا جلبت الرائحة، انتهى، وهو مستعار من النميمة، ومنه سمي الريحان نمامًا لطيب رائحته، وهي استعارة لطيفة شائعة. "وأنه مثل زر" بزاي فراء على المشهور، وقيل بالعكس. "الحجلة" بفتحتين، وقيل: بسكون الجيم مع ضم الحاء، وقيل: مع كسرها ذكره غير واحد. وفي المطالع: أن بعضهم ضبطه بضم الحاء وفتح الجيم على أنه من حجل الفرس. "ذكره" أي: رواه "البخاري" وكذا مسلم كلاهما من حديث السائب بن يزيد. "وفي" صحيح "مسلم" ومسند أحمد من حديث عبد الله بن سرجس وهو بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم، فمهملة: أنه "جمع عليه خيلان؛ كأنها" أي: الخيلان "الثآليل السود" فالتشبيه في لونها لا صورتها "عند نغض" بضم النون وفتحها وسكون المعجمة آخره ضاد معجمة؛ كما ضبطه المصنف بشرح البخاري. "كتفه" اليسرى، "ويروى" بدل نغض "غضورف" بضم الغين وسكون الضاد المعجمتين فراء مضمومة فواو ساكنة ففاء، ويقال: غضروف بتقديم الراء أيضًا، وهو رأس لوح "كتفه اليسرى" محذوف من الأول لدلالة الثاني، وهذا نقل لما في مسلم بالمعنى، ولفظه من حديث المذكور؛ ثم درت خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عندنا غض كتفه اليسرى جمعًا عليه خيلان كأمثال الثآليل، ودرت من الدوران وجمعًا نصب على الحال. قال السهيلي: وحكمة وضعه عند النغض؛ لأنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع منه يدخل الشيطان، وقد روى ابن عبد البر بسند قوي عن عمر بن عبد العزيز: أن رجلا

وفي كتاب أبي نعيم: الأيمن. وفي مسلم أيضًا: كبيضة الحمامة. وفي صحيح الحاكم: شعر مجتمع. وفي البيهقي: مثل السلعة.

_ سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، فأرى جسدًا ممهى يرى داخله من خارجه، وأرى الشيطان في صورة ضفدع عند كتفه حذاء قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس، قال في الفتح: وهو مقطوع وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى وابن عدي، ولفظه: "أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم" الحديث، وممهى بضم الميم الأولى وسكون الثانية وتخفيف الهاء اسم مفعول من أمهاه، أي: مصفى. وفي النهاية: أنه رأى ذلك منامًا قال: والمها البلور، وكل شيء صفى فهو ممهى تشبيهًا به زاد في الفائق أو مقلوب من مموه وهو مفعل من أصل الماء، أي: مجعول الماء. "وفي كتاب أبي نعيم" عند نغض أو غضروف كتفه "الأيمن" ولا شك في شذوذ هذا لمباينته ما في الصحيح الواجب تقديمه، وعلم من تعبيره أولا باليسرى، وثانيًا بالأيمن، أن الكتف يذكر ويؤنث، وبه صرح ابن مالك. "وفي مسلم أيضًا" عن جابر بن سمرة أثناء حديث بلفظ: ورأيت الخاتم عند كتفه، "كبيضة" نقل بالمعنى، ولفظه: مثل بيضة "الحمامة" يشبه جسده، وأخرجه عنه أيضًا من وجه آخر مختصرًا بلفظ: رأيت خاتمًا في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمام، ووقع في رواية لابن حبان: كبيضة نعامة. قال الحافظ الهيثمي: والصواب ما في الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر: قد تبين من رواية مسلم أنها غلط من بعض رواته. "وفي صحيح الحاكم" المستدرك: وكذا في الترمذي وأبي يعلى والطبراني كلهم من حديث عمرو بن أخطب، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادن فامسح ظهري"، فدنوت ومسحت ظهره ووضعت أصابعي على الخاتم، فقيل له: وما الخاتم؟ قال: "شعر مجتمع" عند كتفه، أي: ذو شعر أو فيه شعر، فلا ينافي حديث أبي سعيد عن البخاري في تاريخه، والبيهقي: أنه لحمة ناتئة، وكأنه رآه على استعجال فلم ير إلا الشعر فأخبر عنه. "وفي البيهقي" وأحمد وابن سعد من طرق عن أبي رمثة بكسر الراء وسكون الميم فثاء مثلثة، قال: انطلقت مع أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت إلى "مثل السلعة" بين كتفيه بكسر فسكون فمهملة مفتوحة، أي: خراج كهيئة الغدة تتحرك بالتحريك، ورواه قاسم بن ثابت من

وفي الشمائل: بضعة ناشزة. وفي حديث عمرو بن أخطب: كشيء يختم به. وفي تاريخ ابن عساكر: مثل البندقة. وفي الترمذي ودلائل البيهقي: كالتفاحة. وفي الروض: كأثر المحجمة القباضة على اللحم. وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: شامة خضراء محتفرة في اللحم.

_ حديث قرة بن إياس. "وفي الشمائل" للترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: الخاتم الذي بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم "بضعة" بفتح الموحدة، وحكي كما في الفتح ضمها وكسرها أيضًا وسكون المعجمة، أي: قطعة لحم "ناشزة" بنون وشين مكسورة، فزاي معجمتين مرتفعة ولأحمد عنه لحم ناشز بين كتفيه، وللبيهقي والبخاري في التاريخ عنه لحمة ناتئة وكلتا الروايتين تفسر رواية بضعة. "وفي حديث" ابن أبي شيبة عن "عمرو بن أخطب" بفتح الهمزة وسكون المعجمة صحابي بدري خرج له مسلم والأربعة، "كشيء يختم به" لفظ ابن أبي شيبة عنه: رأيت الخاتم على ظهره صلى الله عليه وسلم هكذا؛ كأنه يختم به، أي: على صورة الآلة التي يختم بها. وفي الشمائل عنه: "شعرات مجتمعات، ومر لفظ الجماعة عنه: شعر مجتمع، فيحمل على أن مراده أن الشعرات على صورة الشيء الذي يختم به بلا منافاة. "وفي تاريخ ابن عساكر" وتاريخ الحاكم وصحيح ابن حبان عن ابن عمر: "مثل البندقة" من اللحم "وفي" جامع "الترمذي ودلائل البيهقي" عن أبي موسى الأشعري"كالتفاحة" ولفظه: كان خاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. "وفي الروض" الأنف على قول ابن هشام كان كأثر المحجم، يعني: "كأثر المحجمة" بكسر الميم "القابضة على اللحم" حتى يكون ناتئًا، انتهى كلام الروض. قال الشامي: هي الآلة التي يجتمع بها دم الحجامة عند المص، والمراد من أثرها اللحم الناتئ من قبضها عليه ويأتي أنه غير ثابت، أي: ضعيف. وقد رواه أحمد والبيهقي عن التنوخي رسول هرقل في حديثه الطويل بلفظ: فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف، مثل المحجمة الضخمة. "وفي تاريخ" أبي بكر "بن أبي خيثمة" عن بعضهم "شامة خضراء محتفرة" بالراء، أي: غائرة "في اللحم" مغطاة بالجلد.

وفيه أيضًا: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكمات كأنها عرف الفرس. وفي تاريخ القضاعي: ثلاث شعرات مجتمعات. وفي كتاب الترمذي الحكيم: كبيضة حمام، مكتوب في باطنها: الله وحده لا شريك له، وفي ظاهرها: توجه حيث كنت فإنك منصور. وفي كتاب المولد لابن عائذ: كان نورًا يتلألأ. وفي سيرة ابن أبي عاصم: عذرة كعذرة الحمام....................

_ "وفيه أيضًا" عن عائشة، قالت: كان خاتم النبوة "شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكمات" مجتمعات "كأنها عرف" بضم العين شعر عنق "الفرس" أي: في الاجتماع، ويأتي أنهما غير ثابتين. "وفي تاريخ" أبي عبد الله محمد بن سلامة "القضاعي" بضم القاف وضاد معجمة وعين مهملة مر بعض ترجمته "ثلاث شعرات مجتمعات" بجره نعت لشعرات، ورفعه نعت لثلاث. "وفي كتاب" نوادر الأصول للإمام الحافظ محمد بن علي "الترمذي الحكيم" الصوفي سمع الكثير من الحديث بالعراق ونحوه، وهو من طبقة البخاري حدث عن قتيبة بن سعيد وغيره، وحسبك فيه قول الحافظ ابن النجار في تاريخه: كان إمامًا من أئمة المسلمين له المصنفات الكبار في أصول الدين ومعاني الحديث، لقي الأئمة الكبار وأخذ عنهم. وقول أبي نعيم في الحلية: له التصانيف الكثيرة في الحديث، مستقيم الطريقة تابع للأثر له حكم عليه الشأن، وقول ابن عطاء الله: كان الشاذلي والمرسي يعظمانه جدًا، ولكلامه عندهما الحظوة التامة، ويقولان: هو أحد الأوتاد الأربعة. وأطال القشيري وغيره الثناء عليه، مات سنة خمس وتسعين ومائتين. "كبيضة حمامة مكتوب في باطنها" أي: البيضة، قال شيخنا: ولعل المراد ما يلي جسده الشريف. "الله وحده لا شريك له، وفي ظاهرها" قال شيخنا: لعل المراد ما يقابل الجهة التي خلفه "توجه حيث كنت" أي: إلى أي جهة أردت، فلا تفرق بين مكان ومكان، "فإنك منصور" ورواه أبو نعيم أيضًا ويأتي أنه غير ثابت، وقال في المورد: هو حديث باطل، انتهى. ولا يقدح في جلاله من خرجه؛ لأن المحدثين عندهم إذا أبرزوا الحديث بسنده برءوا من عهدته. "وفي كتاب المولد" النبوي "لابن عائذ" بمهملة فتحتية فمعجمة عن شداد بن أوس "كان نورًا يتلألأ" أي: صورة ذات نور كأنه لشدته ما يمكن من وصفه بصورة يعبر بها عنه، "وفي سيرة ابن أبي عاصم عذرة كعذرة الحمام" في النهاية العذرة بالضم وجع في الحلق يهيج من الدم أو

قال أبو أيوب: يعني قرطمة الحمامة. وهي نقطة على أصل منقارها كما يأتي فليس المراد بالعذرة حقيقتها. وفي تاريخ نيسابور: مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم: محمد رسول الله. وعن عائشة: كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكان مما يلي الفقار قالت: فلمسته حين توفي فوجدته قد رفع.

_ قرحة تخرج في الخرم الذي بين الأنف والحلق. "قال أبو أيوب: يعني قرطمة الحمامة وهي نقطة على أصل منقارها، كما يأتي فليس المراد بالعذرة حقيقتها وفي تاريخ نيسابور" بفتح النون لأبي عبد الله الحاكم، وكذا في صحيح ابن حبان من طريق إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: كان خاتم النبوة على ظهره صلى الله عليه وسلم "مثل البندقة من اللحم مكتوب فيه باللحم" يحتمل أن اللحم بارز أو غائر بحروف "محمد رسول الله" ولا يتوهم أحد أنه بمداد مع قوله: باللحم، ويأتي أنه ضعيف وإنما قصر عزوه لتاريخ الحاكم لزيادته على ابن حبان لفظًا باللحم، ولقوله: "و" فيه أيضًا "عن عائشة" رضي الله عنها "كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة" بضم الدال السواد، "وكان مما يلي الفقار" بفتح الفاء وكسرها؛ كما في القاموس. واقتصر المصباح على الفتح، فقال جمع فقارة كسحاب جمع سحابة عظام الظهر. "قالت فالتمسته حين توفي فوجدته قد رفع" أي: ظهوره، فاختفى في جسده كما تتقلص الأنثيان عند الوفاة، لا أنه نزع من جسده فلا ينافي قول شيخ الإسلام الولي ابن العراقي في جواب سؤال، وأما دفنه معه فلا شك فيه؛ لأنه قطعة من جسده، انتهى. وعليه: فهل يبعث به يوم القيامة ظاهرًا في جسده كالدنيا إظهارًا لشرفه بتلك العلامة التي لم تكن لغيره، فإن شامات الأنبياء كانت في أيديهم أم لا؟ فإن قيل: النبوة والرسالة باقيتان بعد الموت، كما هو مذهب الأشعري وعامة أصحابه؛ لأن الأنبياء أحياء في قبورهم فلم رفع ما هو علامة على ذلك؟ أجيب: بأنه لما وضع لحكمة هي تمام الحفظ والعصمة من الشيطان، وقد تم الأمن منه بالموت، لم يبق لبقائه من جسده فائدة، لكن توقف العلامة الشامي في رفعه عند الوفاة المروي هنا عن عائشة، قال: لا أظنه صحيحًا، فينظر سنده. قال: وروى أبو نعيم والبيهقي من طريق الواقدي عن شيوخه، قالوا شكوا في موته صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: مات، وبعضهم لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه صلى الله عليه وسلم،

حكى هذا كله الحافظ مغلطاي. لكن قال في فتح الباري: ما ورد من أن الخاتم كان كأثر المحجم، أو الشامة السوداء أو الخضراء، أو المكتوب عليها: محمد رسول الله، أو: سر فإنك المنصور. لم يثبت منها شيء. قال: ولا تغتر بشيء مما وقع منها في صحيح ابن حبان، فإنه غفل حيث صحح ذلك. وقال الهيثمي.................................

_ فقالت: قد مات قد رفع الخاتم من بين كتفيه، قال: والواقدي متروك، بل كذبه جماعة. "حكى هذا" الذي ساقه المصنف من اختلاف الروايات في قدر الخاتم "كله الحافظ مغلطاي" في الزهر الباسم مقرًا له ومن قبله الحافظ القطب الحلبي، وبقي من الروايات: أنه كركبة عنز، رواه الطبراني وابن عبد البر وأبو نعيم في المعرفة من حديث عباد بن عبد عمرو، وزاد: وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن يرى الخاتم، وسنده ضعيف. ورواه ابن عساكر من طريق أبي يعلى، وقال: كركبة البعير. قال في الإصابة: وفي سنده من لا يعرف، وقال الشامي: هو وهم من بعض رواته؛ كأنه تصحف عليه كركبة عنز بركبة بعير، وأنه بين كتفيه كدارة القمر مكتوب فيها سطران، الأول: لا إله إلا الله، وفي السطر الأسفل: محمد رسول الله؛ رواه أحمد بن إسماعيل الدمشقي، قال في المورد والغرور: وهو باطل بين البطلان، وأنه كبيضة نعامة، رواه ابن حبان، ومر أنه غلط. "لكن قال" شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر "في فتح الباري: ما ورد من أن الخاتم كان كأثر المحجم" كما في الروض وغيره "أو الشامة السوداء أو الخضراء" كما في تاريخ ابن أبي خيثمة "أو المكتوب عليها محمد رسول الله"؛ كما في تاريخ الحاكم وغيره "أو سر فإنك المنصور" كما في النوادر، "لم يثبت منها شيء" بل بعضها باطل، وبعضها ضعيف، فلا معنى لذكرها مع السكوت عليها، قال -أعني الحافظ: وقد أطنب الحافظ قطب الدين في استيعابها في شرح السيرة، وتبعه مغلطاي ولم يبينا شيئًا من حالها، والحق ما ذكرته. قال: ولا تغتر بشيء مما وقع منها في صحيح ابن حبان، فإنه غفل" بفتح الفاء وتكسر، ذكره الأنصاري، "حيث صحح ذلك" بإيراده في صحيحه المسمى بالأنواع والتقاسيم، "وقال" الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان "الهيثمي" رفيق أبي الفضل العراقي ولد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، ورافق العراقي في سماع الحديث ولازمه، وألف وجمع ومات في تاسع عشر رمضان سنة سبع وثمانمائة.

في "مورد الظمآن" بعد أن أورد الحديث ولفظه: مثل البندقة من اللحم مكتوب عليه: محمد رسول الله. اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به. وبخط الحافظ ابن حجر على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق ابن إبراهيم قاضي سمرقند وهو ضعيف. وقوله: زر الحجلة -بالزاي والراء- والحجلة -بالحاء المهملة والجيم- قال النووي: هي واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة، لها أزرار كبار وعرًا، هذا هو الصواب. وقال بعضهم: المراد بالحجلة: الطائر المعروف. وزرها بيضها، وأشار إليه الترمذي

_ وفي نسخة: وقال شيخه الهيثمي: والضمير لصاحب فتح الباري؛ لأنه شيخه وذكره في مشايخه "في مورد الظمآن" إلى زوائد ابن حبان "بعد أن أورد الحديث، ولفظه: مثل البندقة من اللحم مكتوب عليه محمد رسول الله، اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به" صلى الله عليه وسلم "وبخط" تلميذه "الحافظ ابن حجر على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق بن إبراهيم" راويه عن ابن جريج "قاضي سمرقند" بفتح المهملة والميم وسكون الراء وفتح القاف وسكون النون ودال مهملة: مدينة عظيمة، يقال لها اثنا عشر بابًا بين كل بابين فرسخ وهو معرب شمركند بالمعجمة والكاف، قال المجد: وإسكان الميم وفتح الراء لحن، "وهو ضعيف" فلا يعول على مروياته، ثم أخذ في تفسير بعض ما مر على عادتهم، فقال: "وقوله: زر الحجلة بالزاي والراء" بعدها في المشهور، وبه جزم عياض وغيره، وقيل قبلها: حكاه الخطابي، وفسره بأنه البيض، يقال: رزت الجرادة بفتح الراء وشد الزاي غرزت ذنبها في الأرض لتبيض، قال التوربشتي: وهو أوفق بظاهر الحديث، لكن الرواية لا تساعده. وقال في المفهم، العرب لا تسمي البيضة رزة ولا تؤخذ اللغة قياسًا والمصنف محتمل للقولين، "والحجلة بالحاء المهملة والجيم" المفتوحتين أو بسكون الجيم مع ضم الحاء أو كسرها. "قال النووي" في شرح مسلم "هي واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعرا" جمع عروة، قال السيوطي وغيره: هي المعروفة الآن بالبخانة، "هذا هو الصواب" في تفسيرها، وبه جزم الأزهري، فقال في التهذيب: الحجلة بيت كالقبة يستر بالثياب ويجعل له باب من جنسه فيه زر وعروة تشد إذا أغلقت، قال القرطبي: وهو المشهور والأشبه بالمعنى، وبه جزم السهيلي، فالزر على هذا حقيقة؛ لأنها ذات أزرار وعرا. "وقال بعضهم: المراد بالحجلة الطائر المعروف وزرها بيضها، وأشار إليه الترمذي"

وأنكره عليه العلماء. وقوله: جمع -بضم الجيم وإسكان الميم- أي كجمع الكف، وصورته: أن تجمع الأصابع وتضمها. وقوله: خيلان -بكسر الخاء المعجمة وإسكان التحتية- جمع خال، وهو الشامة على الجسد. وقوله: نغض -بالنون والغين والضاد، المعجمتين- قال النووي: النُّغْض والنَّغْض والناغض: أعلى الكتف، وقيل هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه............

_ فقال في جامعه: المراد بالحجلة هذا الطائر وزرها بيضها "وأنكره عليه العلماء"؛ لأن اللغة لا تساعد على الزر بمعنى البيض وحمله على الاستعارة تشبيهًا لبيضها بأزرار الحجال إنما يصار إليه إذا ورد ما يصرف اللفظ عن ظاهره، لكن قال ابن الأثير: يشهد له حديث مثل بيضة الحمامة، وقيل: المراد بالحجلة من حجل الفرس، نقله البخاري في الصحيح عن محمد بن عبيد الله، واستبعده السهيلي بأن التحجيل إنما يكون في القوائم؛ وأما الذي في الوجه، فهو الغرة. قال الحافظ: وهو كما قال: إلا أن منهم من يطلقه على ذلك مجازًا، وكأنه أراد أنها قدر الزور إلا فالغرة لا زر لها، انتهى. وفيه ما قد يجاب به عن قول ابن قرقول: إن كان سمى البياض بين عيني الفرس حجلة لكونها بياضًا؛ كما سمي بياض القوائم تحجيلا، فما معنى الزر؟ مع هذا لا يتجه لي فيه وجه. "وقوله: جمع، بضم الجيم" جزم به ابن الأثير وغيره وحكى ابن الجوزي وابن دحية كسرها، وجزم به في المفهم. "وإسكان الميم، أي: كجمع الكف، وهو صورته بعد أن تجمع الأصابع وتضمها" أي: الأصابع إلى باطن الكف؛ كالقابض على شيء هذا المتبادر، واحتمال أن ذلك مع انتشارها بعيد جدًا، بل يمنعه جواب عياض الآتي في المتن، وتفسير المصنف هذا حكاه في الروض عن القتيبي، وصدر بقوله: يعني كالمحجمة لا كجمع الكف، ومعناه كمعنى الأول، أي: كأثر الجمع، كذا قال: وهو تكلف والمتبادر تفسير ابن قتيبة، وقد تبعه عليه عياض والنووي والمصنف وغيرهم، الآتي. "وقوله خيلان بكسر الخاء المعجمة وإسكان التحتية جمع خال، وهو الشامة على الجسد" جمعها شام وشامات، "وقوله: نغض، بالنون" تضم وتفتح "والغين" الساكنة "والضاد المعجمتين، قال النووي: النغض" بضم النون "والنغض" بفتحها "والناغض" بألف بين النون والغين، "أعلى الكتف" وهو رأس لوحه، "وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه.

عند التحرك بأعضاء التحرك، سمي ناغضًا للحركة. وقوله: بضعة ناشزة -بالمعجمة والزاي- قطعة لحم مرتفعة على جسده. وبيضة الحمامة: معروفة. انتهى. والثآليل -بالمثلثة- جمع ثؤلول: وهو حب يعلو ظاهر الجسد، واحدته كالحمصة فما دونها. وفي القاموس: وقرطمتا الحمام -أي بكسر القاف- نقطتان على أصل منقاره. وقال بعض العلماء: اختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة، وليس ذلك باختلاف، بل كل شبه بما سنح له، وكلها ألفاظ مؤداها واحد، وهو: قطعة لحم، ومن قال: شعر، فلأن الشعر حوله متراكم عليه، كما في الرواية الأخرى.

_ عند التحرك بأعضاء التحرك"، وفي شرح مسلم للآبي، قال المازري: قال شمر: الناغض من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ونغض الكتف هو العظم الرقيق على طرفه. وقال غيره: الناغض فرع الكتف، "سمي نغضًا للحركة" ومنه قيل للظلم ناغض؛ لأنه يحرك رأسه إذا عدا، أي: جرى. وقال النووي: ناغض الكتف ما رق منه، سمي بذلك لنغوضه، أي: لتحركه، نغض رأسه حركه، ومنه قوله تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ} [الإسراء: 51] ، أي: يحركونها استهزاء. "وقوله: بضعة ناشزة بالمعجمة" المكسورة "والزاي قطعة لحم مرتفعة على جسده وبيضة الحمامة معروفة، انتهى" كلام النووي. "والثآليل بالمثلثة، جمع ثؤلول" بهمزة ساكنة وزان عصفور، ويجوز تخفيف الهمزة بإبدالها واوًا، "وهو حب يعلو ظاهر الجسد، واحدته كالحمصة فما دونها" وفي المفهم الخيلان جمع خال، وهي نقط سود كانت على الخاتم شبهها لسعتها بالثآليل، لا أنها كانت ثآليل، انتهى. "وفي القاموس: وقرطمتا الحمام" قال المصنف "أي: بكسر القاف" لأن صاحب القاموس عطفه على قوله: وقرطمة بالكسر بلدة بالأندلس، وقرطمتا الحمام. "نقطتان على أصل منقاره، وقال بعض العلماء: اختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة" على نحو عشرين قولا، "وليس ذلك باختلاف" حقيقي "بل كل شبه بما سنح" ظهر "له" لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستهر وواصفه أما رآه من غير قصد؛ كما في حديث عمرو بن أخطب: أو أراه له عليه السلام كما في قصة سلمان مع مزيد ما حواه صلى الله عليه وسلم من المهابة، "وكلها ألفاظ مؤداها واحد، وهو طعة لحم" بارزة عليها شعرات، "فمن قال: شعر فلأن الشعر حوله متراكم" مجتمع "عليه؛ كما في الرواية الأخرى" عن

وقال القرطبي: الأحاديث الثابتة دالة على أن خاتم النبوة كان شيئًا بارزًا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلل، قدر بيضة الحمامة، وإذا كثر: جمع اليد. وقال القاضي عياض: وهذه الروايات متقاربة، متفقة على أنه شاخص في جسده، قدر بيضة الحمامة، وزر الحجلة. وأما رواية جمع الكف فظاهرها المخالفة، فتتأول على وفق الروايات الكثيرة............................

_ عائشة، فإن أشكل برواية محتفرة في اللحم، أجيب: بأنها إن صحت يجوز أن حولها احتفار ليزداد ظهورها وتميزها عن الجلد. "وقال" أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري "القرطبي" المالكي الفقيه المحدث نزيل الإسكندرية ومدرسها، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتوفي في ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة، واختصر الصحيحين، وصنف المفهم في شرح صحيح مسلم، فقال فيه: "الأحاديث الثابتة دالة" وفي نسخة: تدل "على أن خاتم النبوة كان شيئًا بارزًا أحمر عند كتفه الأيسر إذا قلل" قيل فيه: هو "قدر بيضة الحمامة، وإذا كثر" قيل فيه: هو "جمع اليد" أي: قدره فقدر وجمع مرفوعان ويجوز النصب بتقدير كان، وحاصله: أن اختلافه باختلاف الأحوال، وكذا يقال في الاختلاف في لونه. "قال القاضي" أبو الفضل "عياض" بن موسى بن عياض السبتي الدار والبلاد الأندلسي الأصل، حافظ مذهب مالك الأصولي العلامة الحافظ إمام المحدثين وأعرف الناس بعلومه وبالتفسير وفنونه وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، شاعر بليغ حليم صبور جواد كثير الصدقة صاحب التصانيف المشهورة؛ كشرح مسلم والشفاء والأعلام والمشارق، وهو كتاب لو وزن بالجوهر أو كتب بالذهب كان قليلا فيه، وفيه أنشد: مشارق أنوار تبدت بسبتة ... ومن عجب كون المشارق بالغرب ولد بسبتة سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي متغربًا عن وطنه في شهر رمضان أو جمادى الآخر سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ودفن بمراكش، وقيل مات مسمومًا سمه يهودي. "وهذه الروايات" الإشارة إلى جملة روايات ذكرها في شرح مسلم: هي مثل بيضة الحمامة وبضعة ناشزة ومثل السلعة وزر الحجلة، عند ناغض كتفه اليسرى جمعًا، ثم قال: وهذه الروايات كلها "متقاربة" في المعنى "متفقة على أنه شاخص" بارز مرتفع "في جسده قدر بيضة الحمامة، وزر الحجلة" أي: وعليه شعر، ولما كان ذا الجمع شاملا للروايات السابقة، كلها ذكره المصنف عقبها، ولم يبال بأن عياضًا إنما ذكره عقب الروايات المذكورة عنه. "وأما رواية جمع الكف، فظاهرها المخالفة. فتتأول" تحمل "على وفق الروايات الكثيرة،

ويكون معناه: على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة. قال: وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه. قال النووي: هذا الذي قاله ضعيف، بل باطل، لأن شق الملكين إنما كان في صدره وبطنه. انتهى. ويشهد له قول أنس في حديث عند مسلم, يأتي في ذكر قلبه الشريف، من المقصد الثالث، إن شاء الله تعالى: فكنت أرى أثر المخيط في صدره. لكن أجيب: بأن في حديث عتبة بن عبد السلمى -عند أحمد والطبراني- أن الملكين لما شقا صدره قال أحدهما..................................

_ ويكون معناه على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة" وتبعه على ذا الجمع النووي، "قال" يعني عياضًا: "وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه، قال النووي: هذا الذي قاله ضعيف بل باطل؛ لأن شق الملكين إنما كان في صدره وبطنه، انتهى" وفي المفهم: هذا غلط من عياض؛ لأن الشق إنما كان في صدره وأثره إنما كان خطأ واضحًا من صدره إلى مراق بطنه؛ كما في الصحيح، ولم يرد قط في رواية أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره، ولو ثبت لزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى أسفل بطنه؛ لأنه الذي يحاذي الصدر من مسيرته إلى مراق البطن، قال: فهذه غفلة من القاضي، قال: ولعل هذا الغلط وقع من بعض الناسخين لكتابه، فإنه لم يسمع عليه فيما علمت، انتهى. "ويشهد له قول أنس في حديث عند مسلم يأتي في ذكر قلبه الشريف من المقصد الثالث إن شاء الله تعالى، فكنت أرى أثر المخيط" بكسر الميم: ما يخاط به، "في صدره" صلى الله عليه وسلم، وظاهره: أنه كان بآلة كالشق وبدل له قول الملك في حديث أبي ذر: خط بطنه فخاطه، صلى الله عليه وسلم وظاهره: أنه كان بآلة كالشق ويدل له قول الملك في حديث أبي ذر: خط بطنه فخاطه، وقوله في حديث عتبة بن عبد حصه فحاصه، وقد وقع السؤال عن ذلك ولم يجب عنه أحد، ولم أر من تعرض له بعد التتبع. وأما قوله: "وأتيت بالسكينة فوضعت في صدري"، فالصواب كما قال ابن دحية: تخفيف السكينة لذكرها بعد شق البطن، خلافًا للخطابي ذكره الشامي. "لكن أجيب" عن عياض؛ كما ذكره الحافظ متبرئًا من الاعتراض عليه، "بأن في حديث عتبة بن عبد" بلا إضافة "السلمى" أبي الوليد صحابي شهير أول مشاهده قريظة، مات سنة سبع وثمانين، ويقال: بعد السبعين، وقد قارب المائة رضي الله عنه. "عند أحمد والطبراني" وغيرهما ويأتي لفظه قريبًا، "أن الملكين لما شقا صدره" صلى الله عليه وسلم، وهو في بني سعد بن بكر، "قال أحدهما

للآخر: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة، فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه حمل القاضي عياض ذلك على أن الشق لما وقع في صدره، ثم خيط حتى التأم كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الختم. وفهم النووي وغيره منه: قوله بين كتفيه متعلق بالشق وليس كذلك، بل هو متعلق بأثر الختم، وحينئذ فليس ما قاله القاضي عياض باطلا، انتهى،

_ للآخر: خطه فخاطه" نقل بالمعنى، وإلا فالرواية حصه فحاصه، قال الشامي: بمهملة مضمومة، أي: خطه يقال حاص الثوب يحوصه حوصًا، إذا خاطه. "وختم عليه بخاتم النبوة، فلما ثبت أن خاتم النبوة كان بين كتفيه، حمل القاضي عياض ذلك على أن الشق لما وقع في صدره، ثم خيط حتى التأم" عاد "كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر" عقب "الختم، وفهم النووي وغيره" كالقرطبي "منه قوله: بين كتفيه، متعلق بالشق" فغلطوه "وليس كذلك" أي: كما فهموه "بل هو متعلق بأثر الختم". قال الحافظ: ويؤيده ما في حديث شداد عند أبي يعلى وأبي نعيم: أن الملك لما أخرج قلبه وغسله ثم أعاده ختم عليه بخاتم في يده من نور، فامتلأ نورًا وذلك نور النبوة والحكمة، فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر؛ لأن القلب في تلك الجهة. وفي حديث عائشة عند الطيالسي والحارث وأبي نعيم: "أن جبريل وميكائيل لما تراءيا له عند المبعث هبط جبريل فسبقني لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه لأمه، ثم ألقاني وختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي، وقال: "اقرأ" وذكر الحديث، فهذا مسند القاضي. "وحينئذ فليس ما قاله القاضي عياض باطلا انتهى" جواب الحافظ رحمه الله. وأجاب أبو عبد الله الآبي بأنه نص في حديث أبي ذر أن وضع الخاتم كان بعد الشق، قال: فلفظة أثر في كلام القاضي ليست بفتح الهمزة والثاء، وإنما هي بكسر الهمزة وسكون الثاء، ويتخرج الكلام على حذف مضاف تتعلق به لفظة بين، أي: وضع هذا الخاتم بين كتفيه أثر شق الصدر والكلام مستقيم دون غلط، ولا بطلان وإنما جاء ما فهماه من قبيل التصحيف، انتى. وفي نسيم الرياض: حديث أبي ذر المذكور موافق لكلام عياض سواء قرئ أثر بفتحتين أو بكسر فسكون. أما الثاني فظاهر، وأما على الأول، فلأنه لما وقع بعده وبسببه جعل أثرًا، انتهى. وأجاب بعضهم بأن قوله بين كتفيه خبر بعد خبر؛ لقوله هو فقد تحامل من اعترض عياضًا؛ لأن مثل هذا ظاهر جدًا.

وقال السهيلي: والصحيح أنه -يعني خاتم النبوة- كان عند نغض كتفه الأيسر. واختلف هل ولد وهو به؟ أو وضع بعد ولادته؟ على قولين. وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه، في حديث أبي ذر.....................................

_ "قال السهيلي: والصحيح أنه يعني خاتم النبوة كان عند نغض كتفه الأيسر" كما في مسلم، ففيه رد رواية الأيمن ووقع في حديث شداد في مغازي ابن عائذ في قصة شق صدره، وهو في بلاد بني سعد بن بكر، وأقبل الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه، قال الحافظ: وتبعوه وهذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده، ومنعه شيخنا بجواز أن الختم وقع بين كتفيه في مقابلة ما بين الثديين فيكون الغرض تعيين موضعه عنده، قلت: وهو وجيه، لولا مباينته لما في مسلم أنه نغض كتفه المفسر بأعلى الكتف. "واختلف" في جواب قول السائل: "هل ولد وهو به أو وضع بعد ولادته على قولين؟ " فقيل: ولد به، نقله ابن سيد الناس، ورده في الفتح بأن مقتضى الأحاديث السابقة أن الخاتم لم يكن موجودًا حين ولادته، قال: ففيها تعقب على من زعم أنه ولد به، واختلف القائلون بالثاني، فقيل: حين ولد، نقله مغلطاي عن يحيى بن عائذ، وورد به حديث ابن عباس عند أبي نعيم وغيره وفيه نكارة، قيل: عند شق صدره وهو في بني سعد. وورد في حديث عتبة بن عبد عند أحمد والطبراني وقطع به عياض. قال الحافظ: وهو الأثبت. وفي حديث عائشة المار قريبًا أنه عند المبعث، وعند أبي يعلى وابن جرير الحاكم في حديث المعراج من حديث أبي هريرة: ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة وطريق الجمع أن الختم تكرر ثلاث مرات في بني سعد، ثم عند المبعث، ثم ليلة الإسراء؛ كما دلت عليه الأحاديث، ولا بأس بهذا الجمع، فإن فيه إعمال الأحاديث كلها إذ لا داعي لرد بعضها وإعمال بعضها، لصحة كل منها، وإليه أشار الشامي؛ كما مر. وأما رواية بعد الولادة فضعيفة، وأما أنه ولد به، فضعيف أيضًا بطلب زاعمه، بدليله. "وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه في حديث أبي ذر" جندب بن جنادة أو يزيد ابن جنادة أو جندب بن سكن أو خلف بن عبد الله الغفاري قديم الإسلام، ذي الزهد الزائد والفضل المنوه عليه بقول خير شاهد: "ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء بعد النبيين امرأ أصدق لهجة من أبي ذر"، وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه.

عند البزار وغيره قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي، وبم علمت أنك نبي حتى استيقنت؟ قال: $"أتاني آتيان، وفي رواية ملكان، وأنا ببطحاء مكة، فوقع أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: زنه برجل" ... الحديث............................

_ وذكر ابن الربيع أنه سكن مصر مدة ثم خرج منها لما رأى اثنين تنازعا في موضع لبنة؛ كما أمره صلى الله عليه وسلم وحديثه في مسلم وغيره، مات بالربذة في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين، "عند البزار وغيره" كالدارمي وابن أبي الدنيا وابن عساكر والروياني والضياء في المختارة، "قال: قلت: يا رسول الله! " أخبرني "كيف علمت أنك نبي وبم؟ " بأي دليل "علمت أنك نبي حتى استيقنت" أي: تيقنت، أي: علمت، "أتاني آتيان"، وفي رواية: "ملكان" هما جبريل وميكائيل كما في النور، أتياه في صورة طائرين، فروى أحمد والدارمي والحاكم وصححه والطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن عتبة بن عبد: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زاد، فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إليّ طيران كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه، فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة" الحديث. ولابن إسحاق ورواه البيهقي عن يحيى بن جعدة مرسلا يرفعه: "أن ملكين جاءاني في صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد، فشق أحدهما بمنقاره صدري ومج الآخر بمنقاره فيه فغسله" قلت: فإن صحت هذه الرواية أفادت آلة الشق في هذه المرة، لكن قال السهيلي: هي رواية غريبة ذكرها يونس عن ابن إسحاق. "وأنا ببطحاء مكة" أي: بنواحيها؛ لأنه كان في بني سعد وليست بمكة إذ الأبطح بمكة المحصب، ولعله قال ذلك ليبين أنه في ابتداء أمره، إذ جوابه لأبي ذر كان بالمدينة وبهذا اندفع قول السهيلي: أنه وهم من بعض الرواة، ولم يقع في رواية البزار بطحاء مكة، انتهى. "فوقع" نزل "أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: زنه برجل" ... الحديث, أسقط منه ما لفظه: "فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف فوزنني فرجحتهم، فجعلوا ينثرون علي من كفة الميزان؛ فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته رجحها".

وفيه: "ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان".

_ "وفيه" عقب هذا، "ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان" بفتح الميمين وإسكان الغين المعجمة هكذا ضبطه البرهان وضبطه الشامي بكسر الميم الثانية، فالله أعلم. قال في العيون: وهو الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا عيسى وأمه؛ لقول أمها حنة: {إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . ولأنه لم يخلق من مني الرجال وإنما خلق من نفخة روح القدس. قال السهيلي: ولا يدل هذا على فضله على المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عند نزع ذلك منه ملئ حكمة وإيمانا بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد، زاد البرهان: وقوله: "مغمز الشيطان" محل نظر، فإن جاء بسند صحيح فمؤول. وقد رواه مسلم، وقال: "هذا حظ الشيطان منك" انتهى. قلت: لا شك في صحة إسناده فقد صححه الضياء، وقد قال العلماء: إن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم، وتأويله سهل هو أن هذا محل الغمز والغمز عبارة عما يؤلمه ويؤذيه، فهو من الأمراض الحسية التي الأنبياء فيها كغيرهم. وقد قال السهيلي: إنما كان ذلك المغمز فيه لموضع الشهوة المحركة للمني، وذلك المغمز راجع إلى الأب دون الابن المطهر صلى الله عليه وسلم، انتهى. وقوله: وقد رواه: أي: الحديث من حيث هو لا حديث أبي ذر؛ كما قد يوهمه فإن مسلمًا إنما رواه من حديث أنس: أنه صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه وصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب ثم شق القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، فأعاده مكانه وجعل الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فجاءوا وهو منقطع اللون، قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره؛ ورواه أحمد أيضًا عنه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره"، ورواه أحمد أيضًا عنه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "ما من مولد يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه"، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ، قال عياض: يريد أن الله قبل دعاءها مع أن الأنبياء معصومون. وفي رواية: فذهب ليطعن في خاصرته فطعنه من الحجاب، قال النووي: أشار عياض إلى أن جميع الأنبياء يشاركون عيسى في هذه الخصوصية، انتهى. وقد تعقب الآبي عياضًا بأن هذا الطعن من الأمراض الحسية والأنبياء فيها كغيرهم، فيحمل الحديث على العموم إلا فيما استثني ولا يحتاج لقوله: الأنبياء معصومون, انتهى.

وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن، ووليا عني، وكأني أرى الأمر معاينة".

_ قال الطيبي: النخس عبارة عما يؤلمه ويؤذيه، لا كما زعمت المعتزلة أنه تخييل واستهلاله صارخًا منه تصوير لطعمه فيه، انتهى. وقول الزمخشري: المراد بالمس الطمع في إغوائه واستثناء مريم وابنها لعصمتهما، ولما لم يخص هذا المعنى بهما عم الاستثناء كي من يكون على صفتهما شنع عليه التفتازاني بأنه إما تكذيب للحديث بعد صحته، وإما قول بتعليل الاستثناء والقياس عليه وليت شعري من أين ثبت تحقق طمع الشيطان ورجائه في أن هذا المولود محل لإغوائه ليلزمنا إخراج كل ما لا سبيل له إلى إغوائه فلعله يطمع في إغواء من سوى مريم وابنها ولا يتمكن منه، وقال قبل ذلك: طعن الزمخشري في الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه وإلا فأي مانع من أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرح كما يرى ويسمع، وليست تلك المسة للإغواء، انتهى. "وعلق الدم فطرحهما" صريح في أنه غير المغمز، وفي حديث عتبة بن عبد: "ثم استخرجا قلبي فشقاه، ثم أخرجا منه علقتين سوداوين" قال الشامي: فتكون إحداهما محل غمز الشيطان والأخرى منشأ الدم الذي قد يحصل منه إضرار في البدن، وعلى هذا فلا حاجة لما أجيب به عن حديث العلقتين؛ باحتمال أنها علقة واحدة انقسمت عند خروجها قسمين، فسمي كل جزء منها علقة مجازًا. "فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء" جمع ملاءة بالضم والمد: الثوب الذي يتغطى ب، وأسقط المصنف من حديث أبي ذر هذا، ما لفظه: ثم دعا بسكينة كأنها برهرة بيضاء، فأدخلت قلبي. قال السهيلي: البرهرة بصيص البشرة، وزعم الخطابي: أنه أراد بها سكينة بيضاء صافية الحديد، متمسكًا بأنه عثر على رواية فيها، فدعا بسكينة كأنها درهمة بيضاء، قال ابن الأنباري: هي السكينة المعوجة الرأس، التي تسميها العامة: المنجل بالجيم، قال ابن دحية: والصواب السكينة بالتخفيف لذكرها بعد شق البطن، فإنما عنى بها فعلية من السكون وهي أكثر ما تأتي في القرآن بمعنى السكون والطمأنينة. "ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني" هذا لفظ حديث أبي ذر، وحديث عتبة: حصه فحاصه؛ كما مر. "وجعل الخاتم بين كتفي، كما هو الآن" فصرح بأنه ما ولد بالخاتم، وإن واضعه الملك وكيفية وضعه، "ووليا عني وكأني أرى الأمر" الآن "معاينة" أي: عيانًا إشارة إلى شدة استحضاره، وهذا الحديث وإن أورده الشامي في أحاديث فيها ذكر شق

وعند أبي نعيم في الدلائل: أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد، ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، تضيء كالزهرة. وقيل: ولد به. روى الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال: لم يبعث الله نبيًا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنة، إلا أن يكون نبينا فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه. وعلى هذا: فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص به على سائر الأنبياء والله أعلم.

_ الصدر من غير تعيين زمان، لكن سياق الحديث يدل على أنه كان في بني سعد، وبه صرح في حديث عتبة بن عبد، فيحمل انطلق على المقيد، فإن قيل: فكيف جعله صلى الله عليه وسلم علامة على النبوة، وإنما كانت بعد الأربعين؟ أجاب شيخنا: بجواز أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى تلك الحالة العجيبة في صغره علم أنه يكون له شأن وصار مطمئنًا لم يرد عليه، فلما جاءه الوحي علم بالمقدمات المستقرة في نفسه أن هذا أمر من الله، ليس للشيطان فيه سبيل. "وعند أبي نعيم في الدلائل" في حديث طويل مر في ولادته عن ابن عباس، "أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه" أي: أحضره الملك ذلك الوقت في الإبريق الفضة؛ كما مر في حديث أبي نعيم: "ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة" بفتح المهملة والراء والقاف، أي: قطعة. "من حرير أبيض" قال القاموس في باب القاف: السرقة محركة شقق الحرير الأبيض أو الحرير عامة الواحدة بهاء، انتهى. وبالقاف ضبط به الحافظ والمصنف والسيوطي وغيرهم، قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "أريتك في المنام في سرقة من حرير". فأبعد من ضبط ما هنا بالفاء ناقلا قول القاموس في بابه السرف بضمتين شيء أبيض؛ كأنه نسج دود اقز فجعلها من حرير مجاز لمشابهتها له في الهيئة، انتهى. لاحتياجه إلى دعوى المجاز الذي لا قرينة له، إلا الوقوف مع النقطة "فإذا فيها خاتم" زاد فيما مر: يحار أبصار الناظرين دونه، "فضرب على كتفه" فأثر فيه ما صورته "كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة" بضم الزاي وفتح الهاء: النجم، قاله النووي وغيره، فأفاد في ذا الخبر أن الخاتم وضع عقب الولادة، فهو دليل القائل به لكن فيه نكارة؛ كما قدم المصنف كغيره. "وقيل ولد به" كذا يوجد في نسخ، والصواب: حذفه الاستغناء عنه؛ لقوله المار قريبًا، واختلف ... إلخ "وروى الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه" بضم الميم ففتح النون فشد الموحدة المكسورة، أنه "قال: لم يبعث الله نبيًا إلا وقد كان عليه شامات" علامات "النبوة في

ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم

"ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم": ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربع سنين -وقيل: خمسًا، وقيل: ستًا، وقيل: سبعًا، وقيل: تسعًا، وقيل: اثنتي عشرة سنة وشهرًا وعشرة أيام- ماتت أمه بالأبواء وقيل: بشعب أبي ذئب بالحجون. وفي القاموس: ودار رائعة بمكة فيه مدفن آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم.

_ يده اليمنى، إلا أن يكون" النبي المبعوث "نبينا، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه" صلى الله عليه وسلم، "وعلى هذا فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء" أي: حذاء، "قلبه مما اختص به على سائر الأنبياء" وبه جزم الجلال، فقال: وجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان، وسائر الأنبياء كان الخاتم في يمينهم، "والله أعلم". باب وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم: "ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربع سنين" فيما حكاه العراقي، وصدر به مغلطاي، فتبعه المصنف. "وقيل: خمسًا" حكاه مغلطاي ومثله في بعض نسخ الشامي، ويأتي دليله. وفي بعضها بدله عشرًا، وما أراه إلا تحريفًا. "وقيل: ستًا" وبه قطع ابن إسحاق، ويأتي قريبًا دليله، ووقع في نقل الخميس عن المصنف التصدير به وهو الأولى، فقد قدمه العراقي واقتصر عليه الحافظ وقد التزم الاقتصار على الأصح، غير أن الأول قال: ومائة يوم، والثاني: وثلاثة أشهر، فالمراد ستًا ونحوها. "وقيل: سبعًا" حكاه ابن عبد البر، "وقيل: تسعًا" حكاه مغلطاي ويقع في بعض النسخ خمس ست سبع تسع بدون ألف، وذكر أن خط المصنف كذلك فيخرج على أنه بالفتح على نية حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف، أي: خمس سنين أو كتب بصورة المرفوع على لغة ربيعة. "وقيل: اثنتي عشرة سنة وشهرًا وعشرة أيام" حكاه مغلطاي، وبقي قول محمد بن حبيب وهو ابن ثمان سنين، حكاه أبو عمر. "ماتت أمه بالأبواء" بفتح الهمزة والمد: وادٍ بين مكة والمدينة، "وقيل: بشعب" بكسر المعجمة: ما انفرج بين جبلين أو الطريق في الجبل، قاله المصنف وغيره. "أبي ذئب" رجل من سراة بني عمرو، "بالحجون" بفتح المهملة وضم الجيم، قال المجد: جبل بمعلاة مكة، "وفي القاموس" في فصل الراء من باب العين المهملتين في روع "ودار رائعة" براء وبعد الألف تحتية، "بمكة فيه مدفن آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم" وفي ذخائر العقبي قال

روى ابن سعد عن ابن عباس وعن الزهري، وعن عاصم بن عمرو بن قتادة دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم، ومعه أم أيمن، فنزلت به دار التابعة.

_ ابن مسعود: دفنت أمه صلى الله عليه وسلم بمكة وأهل مكة يزعمون أن قبرها في مقابر أهل مكة في الشعب المعروف بشعب أبي ذئب رجل من سراة بني عمرو، وقيل: في دار رائعة في المعلاة. ا. هـ. "وروى ابن سعد" محمد "عن ابن عباس" عبد الله، "وعن الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب، "وعن عاصم بن عمرو بن قتادة" بن النعمان المدني الأنصاري الأوسي العالم الثقة كثير الحديث العلامة بالمغازي، مات سنة عشرين ومائة، خرج له الجماعة. "دخل حديث بعضهم في بعض". قال السيوطي تبعًا لغيره: معناه أن اللفظ لمجموعهم، فعند كل منهم ما انفرد به عن الآخر، انتهى. "قالوا" أرسله الثلاثة، إلا أن مرسل ابن عباس في حكم الموصول؛ لأنه مرسل صحابي. "لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار" بإضافة الأخوال إليه مجازًا؛ لأنهم أخوال جده عبد المطلب؛ لأن أمه سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن عدي بن النجار النجارية. "بالمدينة تزورهم" نسب الزيارة لها؛ لأنها المرادة لها وهي المباشرة، وعند ابن إسحاق تزيره إياهم بضم الفوقية وكسر الزاي وسكون الياء من أزاره إذا حمله على الزيارة، أي: إنها قصدت بزيارتها نقل المصطفى إليهم وإراءته لهم. "ومعه" أضافها إليه لكونها حاضنته. وفي نسخة ومعها "أم أيمن" بركة الحبشية بنت ثعلبة بن حصن أعتقها أبو المصطفى وقيل: بل هو صلى الله عليه وسلم، وقيل: كانت لأمه أسلمت قديمًا وهاجرت الهجرتين مناقبها كثيرة. وفي صحيح مسلم وابن السكن عن الزهري: أنها ماتت بعده صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر، وقيل: بستة، قال البرهان: وبه يرد قول الواقدي ماتت في خلافة عثمان، وقد صرح بعضهم: بأنه شاذ منكر، انتهى. لكن أيده في الإصابة بما رواه ابن سعد بسند صحيح عن طارق بن شهاب لما قتل عمر بكت أم أيمن، فقيل لها: فقالت اليوم وهي الإسلام، وهذا موصول فهو أقوى من خبر الزهري المرسل واعتمد ابن منده وغيره قول الواقدي، وزاد ابن منده: أنها ماتت بعد عمر بعشرين يومًا، وجمع ابن السكن بين القولين بأن التي ذكرها الزهري هي مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي ذكرها طارق هي مولاة أم حبيبة واسم كل منها بركة، ويكنى أم أيمن، وهو محتمل على بعده، انتهى. "فنزلت به دار التابعة" بفوقية فموحدة فمهملة، رجل من بني عدي بن النجار؛ كما مر.

فأقامت به عندهم شهرًا، فكان صلى الله عليه وسلم يذكر أمورًا كانت في مقامه ذلك، ونظر إلى الدار فقال: "ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليّ". قالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت.

_ "فأقامت به عندهم شهرًا، فكان صلى الله عليه وسلم يذكر أمورًا كانت في مقامه" بضم الميم، "ذلك" الخطاب لكل من صلح له أو للجماعة المخاطبين به لتأويلهم بنحو القبيل أو الجمع أو القوم أو هو يجري على أن الكاف المتصلة باسم الإشارة تفتح مطلقًا، "ونظر" صلى الله عليه وسلم "إلى الدار" وهو بالمدينة بعد الهجرة، وهذا قد يشعر بأن ابن عباس حمل الحديث هذا عنه صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أنه حمله عن غيره وحدث به. فقال: "هاهنا نزلت بي أمي" وفي الرواية: "وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله". "وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار" استدل به السيوطي على أنه صلى الله عليه وسلم عام رادًا على القائل من معاصريه، الظاهر أنه لم يعم؛ لأنه لم يثبت أنه سافر في بحر ولا بالحرمين بحر، قال السيوطي: وروى أبو القاسم البغوي وابن عساكر مرسلا وابن شاهين موصولا عن ابن عباس: سبح صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في غدير، فقال: "ليسبح كل رجل إلى صاحبه"، فسبح صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر حتى عانقه، وقال: "أنا وصاحبي، أنا وصاحبي". "وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليّ"، قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه الدار، وهي المدينة "دار هجرته، فوعيت" حفظت "ذلك كله من كلامهم" عبر بالجمع؛ لأن اليهود لما خاطب به أصحابه وأقروه نسب إليهم. وفي نقل الشامي: فوعيت ذلك منه، وهي ظاهرة؛ لأن الضمير للأحد. "ثم رجعت به أمه" قاصدة "إلى مكة" سريعًا خوفًا عليه صلوات الله عليه من اليهود، ففي رواية أبي نعيم: قال صلى الله عليه وسلم: "فنظر إلي رجل من اليهود يختلف ينظر إلي، فقال: يا غلام ما اسمك؟ قلت: أحمد، ونظر إلي ظهري فأسمعه يقول: هذا نبي هذه الأمة، ثم راح إلى إخوانه فأخبرهم فأخبروا أمي فخافت علي فخرجنا من المدينة". وقدرنا قاصدة ليلاقي قوله: "فلما كانت بالأبواء توفيت" ودفنت فيها على المشهور، وهو قول ابن إسحاق، وجزم به العراقي وتلميذه الحافظ، ويعارضه ما مر؛ كالأحاديث من أنها بالحجون، وجمع بعض؛ كما في الخميس: بأنها دفنت أولا بالأبواء، وكان قبرها هناك، ثم نبشت ونقلت بمكة.

وروى أبو نعيم من طريق الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت: آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم في علتها التي ماتت بها، ومحمد عليه السلام غلام يفع له خمس سنين عند رأسها، فنظرت أمه إلى وجهه ثم قالت: بارك فيك الله من غلام ... يابن الذي من حومة الحمام نجا بعون الملك العلام ... فودي غداة الضرب بالسهام بمائة من إبل سوام ... إن صح ما أبصرت في المنام

_ "وروى أبو نعيم" في دلائل النبوة بسند ضعيف "من طريق" محمد "الزهري" ابن شهاب "عن أسماء بنت رهم" بضم الراء، وفي نسخة: بنت أبي رهم، وفي كتب السيوطي نقلا عن أبي نعيم عن أم سماعة بنت أبي رهم، فلعل اسمها أسماء وكنيتها أم سماعة، فتصرف المصنف لإفادة اسمها. "عن أمها، قالت آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم في علتها التي ماتت بها" بسببها صورة، وفي نسخة فيها "ومحمد عليه الصلاة والسلام غلام" هو الطار الشارب أو من حين يولد إلى أن يشب؛ كما في القاموس وغيره، والمراد هنا الثاني، وفي الأساس الغلام الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء غلام فهو مجاز. "يفع" بفتح الفاء؛ كما في القاموس وغيره، أي: مرتفع. "له خمس سنين" هذا دليل القول به؛ كما قدمنا. وإن أبيت إلا الجمع بينه وبين الحديث فوقه، فقل المراد خمس ونحوها، ولعلها جمعت بين هذا ولفظ غلام، مع أن هذا يغني عنه إشارة إلى ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من النجابة الظاهرة، فإن غلام يشعر بذلك بخلاف مجرد ذكر السن. "عند رأسها فنظرت أمه إلى وجهه، ثم قالت: "بارك فيك الله من غلام ... يابن الذي من حومة الحمام" وفي القاموس: حومة القتال وغيره معظمه أو أشد موضع فيه، والحمام الموت، وقيل: قدر الموت، وقضاؤه من حم كذا، أي: قدر، انتهى. والمعنى: هنا يابن الذي من سبب الموت. "نجا بعون الملك العلام" وفي نسخة المنعام، وهو ما أنشده السيوطي. "فودي" بالواو من فاداه مزيد، أقلبت الألف واوًا لانضمام ما قبلها حين بني للمجهول. وفي نسخة: فدى بلا واو من فداه مجردًا، أي: أعطى فداءه "غداة" صبيحة "الضرب بالسهام" والمراد بعد الضرب بالقداح بينه وبين إخوته حين أراد عبد المطلب وفاء نذره "بمائة من إبل سوام" بالفتح جمع سام أو سامية، بمعنى مرتفع أو مرتفعة، أي: فدي حين خرج عليه السهم بمائة إبل مرتفعة القيامة ثم سوام بدون ياء في أكثر النسخ، وهو الذي في كتب السيوطي، وفي بعضها ثبوت الياء، قال شيخنا: وهو القياس؛ لأن الياء أصلية. "إن صح ما أبصرت في المنام" خصته لتقدمه وتحققه

فأنت مبعوث إلى الأنام ... تبعث في الحل وفي الحرام تبعث في التحقيق والإسلام ... دين أبيك البر إبراهام فالله أنهاك عن الأصنام ... أن لا تواليها مع الأقوام ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة

_ عندها حتى كان ما رأته يقظة بعد؛ كالدليل على صحة المنام فلا يرد أنها رأت ما يدل على ذلك يقظة، فكان ذكره أولى لقوته على المنام، وعبرت بإن دون إذا لأن المقصود تعليق ما أولت به الرؤيا، ولا يلزم من كونها محققة أن ما أولت به محقق، وهذا من كمال فطنتها وفهمها حيث لم تجزم في التعليق بصحة ما رأته. "فأنت مبعوث إلى الأنام" الجن والإنس أو جميع من على وجه الأرض، ولعله المراد هنا لكونه أبلغ في التعظيم، وقد بعث صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن إجماعًا وإلى الملائكة عند كثير، واختاره جمع محققون. "تبعث في" بيان "الحل" أي: الحلال، "وفي" بيان "الحرام" أو تبعث في أرض الحل والبلد الحرام؛ فكأنها قالت: تبعث في جميع الأرض وليست بعثتك قاصرة على بلدة دون بلدة؛ كما كانت الرسل. "تبعث في" أي: لبيان، "التحقيق" الحق من الباطل، وبهذا يجاب عن قول السيوطي، كذا هو في النسخة وعندي أنه تصحيف وإنما هو بالتخفيف، انتهى. فحيث صح المعنى لا تصحيف "و" بيان "الإسلام" وأنه الدين "دين" بالجر بدل من الإسلام "أبيك البر" المحسن المطيع "إبراهام" بدل من أبيك وهو لغة في إبراهيم، قرأ بها ابن عامر في مواضع والصرف لمناسبة القوافي لا لقصد تنكيره لعدم صحته؛ لأنها إنما أرادت معينًا وهو الخليل بنص قولها: أبيك. "فالله أنهاك" نصب على التوسع، أي: فأنهاك مقسمة عليك بالله "عن" عبادة "الأصنام أن لا تواليها" لا تناصرها من الموالاة ضد المعاداة، أي: لا تعظمها بنحو عبادتها والذبح إليها والاستقسام عندها. "مع الأقوام" جمع قوم: الجماعة من رجال ونساء معًا في أحد الأقوال وبه صدر المجد، وهو المراد هنا؛ لأنه كان يواليها من الفريقين. "ثم قالت: كل حي ميت" بالتشديد، أي: سيموت. وأما بالتخفيف فمن حل به الموت؛ كما في القاموس وغيره، وليس مرادًا هنا. "وكل جديد بال وكل كبير" بالموحدة "يفنى" وفي نسخة بالمثلثة، قال شيخنا: وهي أظهر لدلالتها على فناء جميع الأشياء، "وأنا ميتة" بالتشديد، أي: سأموت. قال الخليلي: أنشد أبو عمرو: أيا سائلي تفسير ميت وميت ... فدونك قد فسرت إن كنت تعقلي فمن كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميت إلا من إلى القبر يحمل

وذكري باق، وقد تركت خيرًا، وولدت طهرًا، ثم ماتت. فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك: نبكي الفتاة البرة الأمينه ... ذات الجمال العفة الرزينه زوجة عبد الله والقرينه ... أم نبي الله ذي السكينه

_ "وذكري باق وقد تركت خيرًا" عظيمًا كثيرًا، أي: خير وهو المصطفى وكأنه كالتعليل لبقاء ذكرها، "وولدت طهرًا" أي: طاهرًا أطلق المصدر على اسم الفاعل، مبالغة وهذا أولى من تقدير ذا طهر، ومن استعماله بمعنى اسم الفاعل. "ثم ماتت" رضي الله عنها، وهذا القول منها صريح في أنها موحدة إذ ذكرت دين إبراهيم، وبعث ابنها صلى الله عليه وسلم بالإسلام من عند الله ونهيه عن الأصنام وموالاتها، وهل التوحيد شيء غير هذا التوحيد الاعتراف بالله وإلهياته وأنه لا شريك له، والبراءة من عبادة الأصنام ونحوها، وهذا القدر كاف في التبري من الكفر وثبوت صفة التوحيد في الجاهلية قبل البعثة، وإنما يشترط قدر زائد على هذا بعد البعثة، وقد قال العلماء في حديث: "الذي أمر بنيه عند موته أن يحرقوه ويسحقوه ويذروه في الريح" وقوله: "إن قدر الله عليّ فيعذبني" إن هذه الكلمة لا تنافي الحكيم بإيمانه، ولكن جهل فظن أنه إذ فعل ذلك لا يعاد ولا يظن بكل من كان في الجاهلية أنه كافر فقد تخلف فيها جماعة، فلا بدع أن تكون أمه صلى الله عليه وسلم منهم، كيف وأكثر من تحنف إنما كان سبب تحنفه ما سمعه من أهل الكتاب والكهان قرب زمنه صلى الله عليه وسلم من أنه قرب بعث نبي من الحرم صفته كذا، وأمه صلى الله عليه وسلم سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها، وشاهدت في حمله وولادته من آياته الباهرة ما يحمل على التحنف ضرورة، ورأت النور الذي خرج منها أضاء له قصور الشام، حتى رأتها كما ترى أمهات النبيين، وقالت لحليمة حين جاءت به وقد شق صدره: أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وأنه لكائن لابني هذا شأن في كلمات أخر من هذا النمط، وقدمت به المدينة عام وفاتها، وسمعت اليهود فيه وشهادتهم له بالنبوة ورجعت به إلى مكة، فماتت في الطريق فهذا كله مما يؤيد أنها تحنفت في حياتها، ذكره العلامة الحافظ السيوطي في كتاب الفوائد، وهو المسمى أيضًا التعظيم والمنة، شكر الله مسعاه. "فكنا نسمع نوح" مصدر ناح، أي: صياح "الجن عليها" أسفًا، "فحفظنا من ذلك" أبياتًا هي: "نبكي الفتاة" الشابة فإنها ماتت في حدود العشرين تقريبًا، ذكره السيوطي. "البرة" المحسنة، "المطيعة، "الأمينة" كيف وهي قرشية أما وأبا "ذات الجمال" البارع "العفة" بفتح العين وشد الفاء، "الرزينة" أي: ذات الوقار، "زوجة عبد الله والقرينة" عطف تفسير، ومنه قوله تعالى: {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54، الطور: 20] ، أي: قرناهم لهن، "أم نبي الله ذي السكينة" الثبات

وصاحب المنبر بالمدينه ... صارت لدى حفرتها رهينه وقد روي أن آمنة آمنت به صلى الله عليه وسلم بعد موتها. فروى الطبري بسنده عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله عز وجل، ثم رجع مسرورًا، قال: "سألت ربي فأحيا لي أمي، فآمن بي ثم ردها". ورواه أبو حفص بن شاهين..........................................

_ والطمأنينة، "وصاحب المنبر بالمدينة صارت لدى" أي: في "حفرتها" قبرها "رهينة" مرهونة، زاد في رواية: لو فوديت لفوديت ثمينه ... وللمنايا شفرة سنينه لا تبق ظعانًا ولا ظعينه ... إلا أتت وقطعت وتينه أما حللت أيها الحزينه ... عن الذي ذو العرش يعلي دينه فكلنا والهة حزينه ... تبكيك للعطلة أو للزينه وللضعيفات وللمسكينه ولما ذكر وفاة أمه وما يدل على موتها على التوحيد جره ذلك إلى حديث إحيائها وإحياء أبيه، لكن قدمها لكثرة الروايات فيها، فقال: "وقد روي أن آمنة آمنت به صلى الله عليه وسلم بعد موتها" أتى به ممرضًا لضعفه، أي: روى ذلك جماعة فصلهم بقوله: "فروى" الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو العباس المكي "الطبري" الإمام المحدث الصالح، الزاهد الشافعي، فقيه الحرم ومحدث الحجاز، المتوفى في جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وستمائة، "بسنده" فقال في سيرته: أنبأنا أبو إسحاق بن المقير، أنبأنا الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي إجازة، أنبأنا أبو منصور محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزاق الحافظ الزاهد، أنبأنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن الأخضر، حدثنا أبو غزية محمد بن يحيى الزهري، حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه "عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل الحجون كتيبًا حزينًا" صفة لازمة لكئيبًا، "فأقام به ما شاء الله عز وجل ثم رجع مسرورًا، قال" يخاطب عائشة بعد سؤالها له عن اختلاف حاليه؛ كما في الحديث التالي: "سألت ربي" إحياء أمي بدليل الحديث الآتي، ولا محيص عن هذا فخير ما فسرته بالوارد، "فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردها" إلى ما كانت عليه من الموت. "ورواه" أي: حديث عائشة هذا بنحوه، "أبو حفص بن شاهين" الحافظ الكبير الإمام

في كتاب "الناسخ والمنسوخ" له، بلفظ: قالت عائشة: حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فمر بي على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم أنه نزل فقال: "يا حميراء.............................

_ المفيد عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، الثقة المأمون، صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفًا منها التفسير الكبير ألف جزء، والمسند ألف وثلاثمائة جزء، مات في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. "في كتاب الناسخ والمنسوخ له" بعد أن أورد قبله حديث الزيارة والنهي عن الاستغفار وجعله منسوخًا، وروى بعده هذا الحديث، فقال: حدثنا محمد بن الحسين بن زياد مولى الأنصار، حدثنا أحمد بن يحيى الحضرمي بمكة، حدثنا أبو غزية محمد بن يحيى الزهري، حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل إلى الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله عز وجل، ثم رجع مسرورًا، فقلت: يا رسول الله! نزلت إلى الحجون كئيبًا حزينًا فأقمت به ما شاء الله ثم رجعت مسرورًا، قال: "سألت الله ربي فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردها". هذا لفظ ابن شاهين، كما في كتب السيوطي وغيرها. وأما قوله: "بلفظ، قالت عائشة" فإنما عزاه القرطبي والسيوطي وغيرهما للخطيب فلعله سقط من قلم المؤلف والخطيب في السابق واللاحق، قال -أعني الخطيب- أنبأنا أبو العلاء الواسطي، حدثنا الحسين بن محمد الحلبي، حدثنا أبو طالب عمر بن الربيع الزاهد، حدثنا علي بن أيوب الكعبي، حدثنا محمد بن يحيى الزهري عن أبي غزية، حدثنا عبد الوهاب ابن موسى، حدثنا مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: "حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر بي علي عقبة الحجون" أي: الطريق الموصل إلى الحجون، أو الإضافة بيانية "وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه" لفظ الخطيب: لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم إنه نزل، فقال: "يا حميراء" تصغير حمراء، أي: بيضاء للتحبب؛ كقولهم: يا بني يا أخي، وروى النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة: دخلت الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حميراء! أتحبين أن تنظري إليهم" فقلت: نعم، قال الحافظ: إسناده صحيح، ولم أر حديثًا صحيحًا فيه ذكر الحميراء غيره، انتهى. وروى الحاكم عن أم سلمة، قالت: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة: فقال: "انظري يا حميراء، أن لا تكوني أنت"، ثم التفت إلى علي فقال: "إن وليت من أمرها شيئًا، فارفق بها" قال الحاكم: صحيح على شرطهما. قال الذهبي: لكن عبد الجبار لم يخرجا له، قال في الفلك المشحون: هذا حديث فيه يا حميراء صحيح، انتهى.

استمسكي"، فاستندت إلى جنب البعير، فمكث مليًا، ثم عاد إليّ وهو فرح متبسم فقال: "ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمن بي وردها الله".

_ أي: وإن لم يكن على شرط الشيخين؛ لأن الصحيح مراتب. "استمسكي" أي: تمسكي بشيء يمنعك السقوط "فاستندت إلى جنب البعير، فمكث مليًا" بشد الياء زمانًا طويلا، ولفظ الخطيب: فمكث عني طويلا "ثم عاد إلي وهو فرح متبسم" أسقط من لفظ ابن شاهين ما تلي عليك، ومن رواية الخطيب، ما لفظه: فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إلي وأنت فرح متبسم، فمم ذاك يا رسول الله؟ فقال: "ذهبت لقبر أمي فسألت ربي" ولفظ الخطيب: فسألت الله، "أن يحييها فأحياها، فآمنت بي، وردها الله" إلى الموت. وأخرج الدارقطني هذا الحديث من هذا الوجه، وقال: باطل وابن عساكر، وقال منكر وهشام لم يدرك عائشة فلعله سقط من كتابي عن أبيه، قال في اللسان: ثبت في رواية عن أبيه التي ظن أنها سقطت، فهو كما ظن يشير إلى روايتي الطبري وابن شاهين الثابت فيهما عن أبيه، كما قدمنا. وذكره ابن الجوزي في الموضوع ولم يتكلم على رجاله. وفي الميزان: أن عمر بن الربيع كذاب ورده في اللسان بأن الدارقطني ضعفه فقط، وقال مسلمة بن قاسم: تكلم فيه قوم ووثقه آخرون، وكان كثير الحديث. والكعبي، قال الذهبي: لا يكاد يعرف وكأنه تبع قول ابن عساكر مجهول، ورده في اللسان بأن الدارقطني عرفه وسماه علي بن أحمد ويأتي الكلام على باقي رجاله، فلا يتصور كونه موضوعًا بل هو ضعيف فقط. وكذا أورد رواية ابن شاهين في الموضوعات، وقال محمد بن زياد هو النقاش ليس بثقة، ومحمد بن يحيى وأحمد بن يحيى مجهولان. ورده السيوطي بأن محمد بن يحيى ليس مجهولا، فقد قال الدارقطني: متروك والأزدي ضعيف ومن ترجم بهذا إنما يكون حديثه ضعيفًا لا مضوعًا وكذا أحمد بن يحيى ليس بمجهول، فقد ذكره في الميزان، وقال: روى عن حرملة التجيبي وكنيته أبو سعيد ومن ترجم بهذا إنما يعتبر بحديثه، قال: وأما محمد بن زياد فإن كان هو النقاش، كما ذكر فهو أحد علماء القراءات وأئمة التفسير، قال في الميزان: صار شيخ المقرئين في عصره على ضعف فيه، أثنى عليه أبو عمرو الداني، وحدث بمناكير ومع ذلك لم ينفردا به، فله طريقان آخران عن أبي غزية، فذكر طريق الطبري وطريق الخطيب، قال: وأعله الذهبي بجهالة عبد الوهاب بن موسى وليس كما قال، بل هو معروف من رواة مالك، وقد وثقه الدارقطني وأقره

وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم حتى آمنا به. أورده السهيلي، وكذا الخطيب في السابق واللاحق. وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل. وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدًا، وسنده مجهول.

_ الحافظ ابن حجر، ولم ينقل عن أحد فيه جرح، فتلخص أن الحديث غير موضوع قطعًا؛ لأنه ليس في رواية من أجمع على جرحه فإن مداره على أبي غزية بن عبد الوهاب، وقد وثق ومن فوقه من مالك فصاعدًا، لا يسأل عنهم لجلالتهم والساقط بين هشام وعائشة وهو عروة؛ كما ثبت في طريق آخر وأبو غزية، قال فيه الدارقطني: منكر الحديث، وابن الجوزي: مجهول، وترجمه ابن يونس ترجمة جيدة أخرجته عن حد الجهالة والكعبي أكثر ما قيل فيه مجهول، وقد عرف وعمر بن الربيع نقل مسلمة توثيقه عن آخرين، وأنه كان كثير الحديث، فهذا الطريق بهذا الاعتبار ضعيف لا موضوع على مقتضى الصنعة، فكيف وله متابع أجود منه وهو طريق أحمد الحضرمي عن أبي غزية من حديث أن طريق الكعبي فيها رجال على الولاء، تكلم فيهم بخلاف طريق الحضرمي حيث اقتصر فيه عليه، وقد عرف لما نسب باللين، وهي من ألفاظ التعديل الذي يحكم لصاحبه بالحسن إذا توبع، فالحديث إذن مداره على أبي غزية وهو من أفراده ولولا تفرده به لحكمت له بالحسن، انتهى ملخصًا، فلله دره. "وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم" معًا "حتى آمنا به، أورده السهيلي" في الروض، فقال: روي حديث غريب لعله يصح، وجدته بخط جدي القاضي أحمد بن الحسن بسند فيه مجهولون. ذكر أنه نقله من كتاب انتسخ من كتاب معوذ الزاهد، يرفعه إلى أبي الزناد عن عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به، ثم أماتهما. قال السهيلي: والله قادر على كل شيء وليس يعجز رحمته وقدرت عن شيء، ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل أن يختصه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته. "وكذا الخطيب في السابق واللاحق" أي: المتقدم والمتأخر، بمعنى المنسوخ والناسخ، "وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل" وهو يفيد ضعفه فقط، وبه صرح في موضع آخر من الروض وأيده بحديث ولا ينافي هذا ترجيحه صحته، كما مر عنه؛ لأن مراده من غير هذا الطريق إن وجد أو في نفس الأمر؛ لأن الحكم بالضعف وغيره إنما هو في الظاهر. "وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدًا وسنده مجهول" وإن كان ممكنًا بالنظر إلى قدرة الله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه هذا كله كلام ابن كثير، وهو أيضًا صريح في

وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع. انتهى. وقد جزم بعض العلماء: بأن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان، وليسا في النار، تمسكًا بهذا الحديث وغيره.

_ أنه ضعيف فقط، فالمنكر من قسم الضعيف، ولذا قال السيوطي بعدما أورد قول ابن عساكر: منكر هذا حجة لما قلته من أنه ضعيف لا موضوع؛ لأن المنكر من قسم الضعيف وبينه وبين الموضوع فرق معروف في الفن، فالمنكر ما انفرد به الراوي الضعيف مخالفًا لرواته الثقات، وهذا كذلك إن سلم مخالفته لحديث الزيارة ونحوه، فإن انتفت كان ضعيفًا فقط وهي مرتبة فوق المنكر أصلح حالا منه. "وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع" قال تعالى: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18] ، وقال: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: 217] ، فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه، فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه عليه السلام، قال: "ليت شعري ما فعل أبواي"، فنزل: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119] ، "انتهى" كلام ابن دحية بما زدته؛ كما نقله كله القرطبي عنه. وقد عابه السيوطي بأن تعليله بمخالفة ظاهر القرآن ليس طريق المحدثين؛ لأن الحفاظ إنما يعللون الحديث من طريق الإسناد الذي هو المرقاة إليه؛ كما صرح به الحافظ ابن طاهر المقدسي، انتهى. وهذا مراد الشامي بقوله: لو اقتصر أبو الخطاب على قوله موضوع وسكت عن قوله: يرده القرآن والإجماع، لكان جيدًا وتأدبًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى. أي: لكان جيدًا من حيث أن له دعوى وضعه سلفًا وإن لم تسلم دعواه وكان فيه زيادة هي التأدب، فليس قوله: وتأدبًا عطف علة على معلول؛ كما زعم، قال في الفرائد: وأما حديث ليست شعري فمعضل ضعيف، لا تقوم به حجة. "وقد جزم بعض العلماء بأن أبويه" صلى الله عليه وسلم "ناجيان وليسا في النار" بل في الجنة، "تمسكًا بهذا الحديث وغيره" ظاهره: أن البعض واحد ونحوه، ويصرح به قوله الآتي: وتعقبه عالم آخر مع أن القائل بنجاتهما قوم كثير، فأما الذين تمسكوا بالحديث، فقال السيوطي في سبل النجاة: مال إلى أن الله أحياهما حتى آمنا به طائفة من الأئمة وحفاظ الحديث، واستندوا إلى حديث ضعيف لا موضوع؛ كما قال ابن الجوزي: وقد نص ابن الصلاح وأتباعه على تسامحه في الموضوعات، فأورد أحاديث ضعيفة فقط، وربما تكون حسنة أو صحيحة، قال الحافظ العراقي: وأكثر الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف عني أبا الفرج وحديثنا هذا خالفه فيه كثير من الحفاظ، فذكروا أنه ضعيف تجوز روايته في الفضائل

................................................

_ والمناقب لا موضوع؛ كالخطيب، وابن عساكر، وابن شاهين، والسهيلي، والمحب الطبري، والعلامة ناصر الدين بن المنير، وابن سيد الناس، ونقله عن بعض أهل العلم ومشى عليه الصلاح الصفدي في نظم له، والحافظ بن ناصر في أبيات له قال: وأخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على فتيا بخطه شيخ الإسلام ابن حجر أجاب فيها بهذا مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم يذكره ابن الجوزي، وإنما أورد حديثًا آخر من طريق آخر في إحياء أمه فقط، وفيه قصة بلفظ غير لفظ الحديث الذي أورده السهيلي، فعلم أنه حديث آخر مستقل، قال: وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخًا للأحاديث الواردة بما يخالفه ونصوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض بينه وبينها، انتهى. وقال في الدرج المنيفة: جعلوه ناسخًا ولم يبالوا بضعفه؛ لأن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل والمناقب، وهذه منقبة؛ هذا كلام هذا الجهبذ وهو في غاية التحرير، وأغرب الشهاب الهيثمي فقال في مولده بعدما ذكر قول ابن كثير منكر، وليس كما قال؛ لأن حافظ الشام ابن ناصر أثبت منه وقد حسنه، بل صححه وسبقه إلى تصحيحه القرطبي، وارتضى ذلك بعض الحفاظ الجامعين بين المعقول والمنقول، انتهى. وما في تذكرة القرطبي ولا مولد ابن ناصر ما نقله عنهما، فإن الذي في التذكرة هو ما سينقله المصنف قريبًا والذي في مولد ابن ناصر، إنما هو التصريح بضعف الحديث في الأبيات الآتية التي آخرها وإن كان الحديث به ضعيفًا، وأغرب من ذلك قوله في شرح الهمزية، صححه غير واحد من الحفاظ ولم يتلفتوا للطعن فيه، انتهى. وليت شعري من أين يصح وهو ما بلغ درجة الحسن ومن الحفاظ والسيوطي غاية ما وصل إلى القول بضعفه، والذي يظهر لي أن مراده أنهم صححوا العمل به في الاعتقاد، وإن كان ضعيفًا لكونه في منقبه فيرجع لكلام السيوطي ووقع للتلماسني في حواشيه، روى إسلام أمه بسند صحيح، وروى إسلام أبيه وكلاهما بعد الموت تشريفًا له حتى أسلما، فإن أراد إسناد الحديث المتقدم، فلا يسلم له وإن أراد غيره فعليه البيان، ولولا قوله بسند لأولته كالسابق، هذا وفي الدرج المنيفة أيد بعضهم ذا الحديث بالقاعدة المتفق عليها أنه ما أوتي نبي معجزة إلا وأوتي صلى الله عليه وسلم مثلها، وقد أحيا الله لعيسى الموتى من قبورهم، فلا بد أن يكون لنبينا مثل ذلك، ولم يرد من هذا النوع إلا هذه القصة، فلا يبعد ثبوتها وإن كان له من هذا النمط نطق الذراع وحنين الجذع، لكنه غير ما وقع لعيسى فهو أشبه بالمماثلة، ولا شك أن من الطرق التي يعتضد بها الحديث الضعيف موافقته للقواعد المقررة، انتهى. وهو منابذ لما قاله القرطبي إن الله أحيا على

وتعقبه عالم آخر: بأنه لم ير أحدًا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل. انتهى. وقد سبقه لذلك، أبو الخطاب بن دحية، وعبارته: فمن مات كافرًا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة انتهى. وتعقبه القرطبي.................................

_ يد المصطفى جماعة، وقد أقره هو -أعني السيوطي- وغيره، وذكر المصنف في المعجزات أن الله أحيا على يده خمسة منهم الأبوان ويمكن أن لا ينابذه؛ لأن غاية ما صرح به أن الله أحيا على يده والمؤيد به أن الله أحياهم لعيسى من قبورهم، وهذا لم يرد لنبينا منه إلا هذه القصة؛ كما قال مع قصة أخرى تأتي قريبًا لكنها مرسلة، فكأنه لم يعتبرها أو اعتبرها لكنها واحدة، ومراده: أزيد ليوافق ما اتفق لعيسى. "وتعقبه" أي القائل بنجاتهما لأنهما آمنا بعد الموت، "عالم آخر" رأيت بهامش أنه أراد به السخاوي شيخه، وبالبعض الذي أبهمه أولا السيوطي، "بأنه لم ير أحدًا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل، انتهى" ويلزمه إما أن يقول بوضع الحديث فيرد بأن أكثر الحفاظ، قالوا: ليس بموضوع وهو الحق الأبلج الذي أسفر عنه النظر في أسانيده، كما مر تفصيله أو بضعفه ولا يعمل به فيرد بأن طريق الحفاظ العمل به؛ لأنه في منقبه أو يبقى التعارض بين الأحاديث، وليس شأن أهل الفن ولا أهل الأصول. وأما الدليل على الخصوصية فواضح من سياق الأحاديث لقوله: "سألت ربي أن يحييها فأحياها، فآمنت بي"، وقد صرح في فتح الباري بأنه لا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية. "وقد سبقه" أي: هذا المتعقب "لذلك" التعقب بمعناه، "أبو الخطاب الحافظ عمر "ابن دحية وعبارته" عقب قوله السابق: يرده القرآن والإجماع وتلاوة الآيتين، "فمن مات كافرًا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة بل لو آمن عند المعاينة" لأسباب العذاب "لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة انتهى" وقدمت ذلك تتميمًا لعبارته ولبيان أن قوله: فمن ... إلخ، تفسير لقوله: والإجماع. "وتعقبه" تعقب ابن دحية ومن لازمه تعقب من وافقه "القرطبي" الإمام المفسر محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح بإسكان الراء وبالحاء المهملة، كما في الديباج، أبو عبد الله الأنصاري الورع الزاهد، صاحب التصانيف العديدة، المشغول بما يعنيه، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف، سمع أبا العباس القرطبي صاحب المفهم وأبا علي الحسن بن محمد البكري

في "التذكرة" بأن فضائله صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعًا، فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه السلام يحي الموتى

_ وغيرهما، واستقر بمنية ابن خصيب، وبها توفي ودفن في شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة. "في" كتاب "التذكرة" بأمور الآخرة "بأن فضائله صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع عطف تفسير إلى حين مماته فيكون هذا" أي إحياؤهما "مما فضله الله به وأكرمه"، فلا يرد حديث إحيائهما قرآن ولا إجماع؛ لأن محلهما في غير الخصوصية. وقد أخرج ابن شاهين والحاكم عن ابن مسعود، قال: جاء ابنا مليكة فقالا: يا رسول الله! إن أمنا كانت تكرم الضيف وقد وأدت في الجاهلية، فأين أمنا؟ فقال: "أمكما في النار" فقاما وقد شق عليهما فدعاهما صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن أمي مع أمكما"، فقال منافق: ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما، فقال شاب من الأنصار: لو أن أبويك، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما، وإني لقائم المقام المحمود". ففيه كما قال السيوطي إن قوله: "أمي مع أمكما"، كان قبل أن يسأل ربه فيهما فلا ينافي حديث إحيائهما وإيمانهما وأنه جوز صلى الله عليه وسلم أنه إذا سأل ربه يعطيه وأن أصحابه جوزوا ذلك عليه، واعتقدوا أن من خصائصه ما يقتضيه، وقال بعد أن أورد أحاديث امتحان أهل الفترة: وبها يرد على ابن دحية؛ لأن الإيمان إذا كان ينفع أهل الفترة في الآخرة التي ليست دار تكليف، وقد شاهدوا جهنم بشهادة الأحاديث، فلأن ينفعهم بالإحياء عن الموت من باب أولى، انتهى. فقد حصل للمطالب بدليل الخصوصية أدلة كالنهار. "قال" القرطبي "وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا"، لأنه يجوز مثل ذلك فلا يدعي وضع الحديث؛ لأن العقل يخيله، "ولا شرعًا فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله" وذلك أنه قتل لهم قتيل لا يدري قاتله، فسألوا موسى أن يدعو الله يبينه لهم فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة، فذبحوها بعدما قضى الله وضربوها ببعضها، أي: لسانها أو عجب ذنبها أو بالبضعة التي بين كتفيها أو بفخذيها أبو بالعظم الذي يلي الغضروف أو بذنبها أو بعظم من عظامها، أقوال حكاها في المبهمات فحيي، وقال: قتلني فلان وفلان، لابني عمه أو ابني أخيه، ومات فحرما الميراث وقتلا. "وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى" بنص القرآن، فأحيا العازر بفتح الزاي، صديقًا له بعد موته ودفنه بثلاثة أيام، وابن العجوز وهو محمول على نعشه في أكفانه وابنة العاشر فعاشوا مدة وولد لهم وعزيرًا وسام بن نوح ومات في الحال.

وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أحيا الله على يده جماعة من الموتى. قال وإذا ثبت هذا فما يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما، ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته. قال: فقوله: من مات كافرًا إلى آخر كلامه، مردود بما روي في الخبر أن الله رد الشمس على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد مغيبها, ذكره الطحاوي وقال: إنه حديث ثابت، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه لا يتجدد الوقت لما ردها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي صلى الله عليه وسلم نافعًا لإيمانهما...................................

_ "وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أحيا الله على يده جماعة من الموتى" فأحيا ابنة الرجل الذي قال: لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي، فجاء إلى قبرها وناداها، فقالت: لبيك وسعديك، رواه البيهقي في الدلائل، وأباه وأمه، وتوفي شاب من الأنصار فتوسلت أمه وهي عجوز عمياء بهجرتها لله ورسوله فأحياه الله، رواه البيهقي وابن عدي وغيرهما، ولما مات زيد بن حارثة من سراة الأنصار كشفوا عنه، فسمعوا على لسانه قائلًا يقول: "محمد رسول الله" الحديث، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت، وأخرج ابن الضحاك: أن أنصاريًا توفي فلما كفن وحمل، قال محمد رسول الله، هذا ملخص ما ذكره المصنف في المعجزات. "قال وإذا" أي: حيث "ثبت هذا فما يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته" مع ما ورد من الخبر في ذلك، ويكون ذلك مخصوصًا بمن مات كافرًا، هذا أسقطه المصنف من كلام القرطبي "قال: فقوله: من مات كافرًا ... إلخ، كلامه مردود بما روي في الخبر أن الله رد الشمس على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد مغيبها، ذكره" أي: رواه الإمام العلامة الحافظ، صاحب التصانيف البديعة، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سالم الأزدي "الطحاوي" المصري الحنفي، الثقة الثبت الفقيه، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، "وقال: إنه حديث ثابت" أي: صحيح أو حسن، قال السيوطي: وهل يخص بالصحيح الثابت ... أو يشمل الحسن نزاع ثابت ووجه الرد: أنه كما أن إحياء الموتى وانتفاعهم بالحياة بعد موتهم بعيد عقلا لعدم وقوعه، كذلك عود الشمس بعد غروبها وحصول الانتفاع بها كما كانت قبل الغروب بعيد غير متوقع، وقد أعيدت وحصل الانتفاع بها مع استحالة مثله عادة، فلا مانع من جواز إحياء الميت وانتفاعه بحياته بعده خرقًا للعادة، وإلى هذا أشار بقوله: "فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه" لو لم يكن "لا يتجدد الوقت" بل استمر عدم تجدده، "لما ردها عليه" وفي نسخة: وأنه يتجدد بدون لا، عطفًا على نافعًا تفسيرًا، "فكذلك يكون إحياء أبوي النبي صلى الله عليه وسلم نافعًا لإيمانهما

وتصديقهما بالنبي صلى الله عليه وسلم انتهى.

_ وتصديقهما النبي صلى الله عليه وسلم" قال في التعظيم والمنة واستدلاله على عدم تجدد الوقت بقصة رجوع الشمس في غاية الحسن، ولهذا حكم يكون الصلاة أداء وإلا لم يكن لرجوعها فائدة إذ كان يصح قضاء العصر بعد الغروب، وقد ظفرت باستدلال أوضح منه وهو ما ورد أن أصحاب الكهف يبعثون آخر الزمان ويحجون ويكونون من هذه الأمة تشريفًا لهم بذلك، وروى ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعًا: "أصحاب الكهف أعوان المهدي" فقد اعتد بما يفعله أهل الكهف بعد إحيائهم عن الموت، ولا بدع في أن يكون الله تعالى كتب لأبوي النبي صلى الله عليه وسلم عمرًا، ثم قبضهما قبل استيفائه، ثم أعادهما لاستيفاء تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتد به ويكون تأخير تلك اللحظة الباقية بالمدة الفاضلة بينهما لاستدراك الإيمان من جملة ما أكرم الله به نبيه كما أن تأخير أصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما أكرموا به ليحوزوا شرف الدخول في هذه الأمة، "انتهى" ما نقله من كلام القرطبي. وبقيته: وقد قبل الله إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبسهم بالعذاب، كما هو أحد الأقوال، وهو ظاهر القرآن. وأما الجواب عن الآية فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما من العذاب، انتهى. ومراده بالآية ما روي فيها من التفسير الذي احتج به ابن دحية، وكأنه يفرض التسليم للمروي وإلا فقد مر قول السيوطي في الفوائد أنه معضل ضعيف لا تقوم به حجة، وصرح في مسالك الحنفاء بأنه لم يخرج في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتج به ولا يعول عليه، قال: ثم إن هذا السبب مردود من وجوه آخر من جهة الأصول والبلاغة وأسرار البيان وأطال في بيان ذلك، قال شيخنا: ولعل المصنف أسقط إشارة القرطبي لقصة قوم يونس لعدم صراحتها في نفع الإيمان، بعد الأسباب المحققة للعذاب؛ كصراحة إحياء الموتى ورد الشمس، انتهى. وعلى كل حال هي شاهد حسن في المدعي، وإن لم تكن صريحة. وقد نقل الحافظ ابن سيد الناس نحو ما أشار له القرطبي من الخصوصية، فقال في العيون بعد أن ذكر رواية ابن إسحاق، في أن أبا طالب أسلم عند الموت، ما نصه: وقد روي أن عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أسلما أيضًا، وأن الله أحياهما له فآمنا به، وروي ذلك في حق جده عبد المطلب وهو مخالف لما أخرجه أحمد عن أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله! أين أمي؟ قال: "أمك في النار" قلت فأين من مضى من أهلك؟ قال: "أما ترضى أن تكون أمك مع أمي". وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات، ما حاصله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل راقيًا في المقامات السنية صاعدًا إلى الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامات إلى حين القدوم عليه،

وقد طعن بعضهم في حديث رد الشمس. كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات. وقد تمسك القائل بنجاتهما أيضًا بأنهما ماتا قبل البعثة، في زمن الفترة، ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] قال: وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا.

_ فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه وسلم بعد أن لم تكن، وأن يكون الإحياء والإيمان متأخرًا عن تلك الأحاديث فلا تعارض، انتهى. وهو حسن، إلا أن ما ذكره في عبد المطلب باطل، كما يأتي. "وقد طعن بعضهم في حديث رد الشمس" الذي أشار له القرطبي وهو الإمام أحمد، فقال: لا أصل له وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات وكذا صرح ابن تيمية بوضعه، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات" لكن رد مغلطاي والحافظ ابن حجر القطب والخيضري والسيوطي وغيرهم على ابن الجوزي، وقالوا: إنه أخطأ فقد أخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس وابن مردويه من حديث أبي هريرة وإسنادهما حسن، ومن ثم صححه الطحاوي والقاضي عياض، قال العلامة الشامي: وأما قول الإمام أحمد وجماعة من الحفاظ بوضعه، فالظاهر أنه وقع لهم من طريق بعض الكذابين، وإلا فطرقه السابقة، أي: في كلامه يتعذر معها الحكم عليه بالضعف فضلا عن الوضع، انتهى. وأما المتمسكون بغير الحديث، فإليهم أشار بقوله: "وقد تمسك القائل بنجاتهما أيضًا، بأنهما ماتا قبل البعثة في زمن الفترة" التي عم الجهل فيها طبق الأرض، وفقد فيها من بليغ الدعوة على وجهها خصوصًا وقد ماتا في حداثة السن، فإن والده صلى الله عليه وسلم صحح الحافظ صلاح الدين العلائي، أنه عاش من العمر نحو ثمان عشرة سنة، ووالدته ماتت وهي في حدود العشرين تقريبًا، ومثل هذا العمر لا يسع الفحص عن المطلوب في مثل ذلك الزمان، وحكم من لم تبلغه الدعوة، أنه يموت ناجيًا ولا يعذب ويدخل الجنة، قاله في سبل النجاة. "ولا تعذيب قبلها" أي: البعثة؛ "لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] "، يبين لهم الحجج ويمهد لهم الشرائع، ففيه دليل على أن لا وجوب قبل الشرع. "قال: وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا" ويدخل الجنة. قال السيوطي هذا مذهب لا خلاف فيه بين الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول،

...........................................................

_ ونص على ذلك الشافعي في الأم والمختصر وتبعه سائر الأصحاب، فلم يشر أحد منهم لخلاف، واستدلوا على ذلك بعدة آيات منها: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وهي مسألة فقهية مقررة في كتب الفقه، وهي فرع من فروع قاعدة أصولية متفق عليها عند الأشاعرة، وهي قاعدة شكر المنعم وأنه واجب بالسمع لا بالعقل، ومرجعها إلى قاعدة كلامية هي التحسين والتقبيح العقليين، وإنكارهما متفق عليه بين الأشاعرة؛ كما هو معروف في كتب الكلام والأصول وأطنب الأئمة في تقرير هاتين القاعدتين والاستدلال عليهما. والجواب عن حجج المخالفين إطنابًا عظيمًا خصوصًا إمام الحرمين في البرهان، والغزالي في المستصفى، والمنخول والكيا الهراسي في تعليقه، والرازي في المحصول، وابن السمعاني في القواطع والباقلاني في التقريب وغيرهم من أئمة لا يحصون كثرة، وترجع مسألة من لم تبلغه الدعوة ثانية أصولية، وهي أن الغافل لا يكلف، وهذا هو الصواب في الأصول؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] ، ثم اختلف عبارة الأصحاب فيمن لم تبلغه الدعوة فأحسنها من قال إنه ناج، وإياها اختار السبكي، ومنهم من قال على الفترة، ومنهم من قال مسلم. قال الغزالي: والتحقيق أن يقال في معنى مسلم، وقد مشى على هذا السبيل في والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من العلماء فصرحوا بأنهما لم تبلغهما الدعوة، حكاه عنهم سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان وغيره. ومشى عليه الآبي في شرح مسلم، وكان شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي يعول عليه ويجيب به إذا سئل عنهما، قال: وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهي كثيرة. والمصحح منها ثلاثة: الأول: حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة معًا مرفوعًا: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة" الحديث، أخرجه أحمد وابن راهويه والبيهقي وصححه، وفيه: "وأمال الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها سحب إليها". والثاني: حديث أبي هريرة موقوفًا، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم إسناده صحيح على شرط الشيخين. والثالث: حديث ثوبان مرفوعًا، أخرجه البزار والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على

.........................................

_ شرط الشيخين، وأقره الذهبي. ورابع عند البزار وابن أبي حاتم عن أبي سعيد مرفوعًا، وفيه عطية العوفي وفيه ضعف، إلا أن الترمذي يحسن حديثه خصوصًا إذا كان له شاهد وهذا له عدة شواهد؛ كما ترى. وخامس عند البزار وأبي يعلى عن أنس مرفوعًا. وسادس عند الطبراني وأبي نعيم عن معاذ وسند كل منهما ضعيف، والعمدة على الثلاثة الأول الصحيحة. قال: وهذا السبيل نقل حافظ العصر ابن حجر عن بعضهم أنه مشى عليه فيما نحن فيه، ثم قال: والظن بآله صلى الله عليه وسلم كلهم الذين ماتوا في الفترة أن يطيعوا عند الامتحان لتقربهم عينه. وذكر الحافظ ابن كثير قضية الامتحان في والديه صلى الله عليه وسلم وسائر أهل الفترة، وقال: منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، إلا أنه لم يقل الظن في الوالدين أن يجيبا، ولا شك أن الظن أن الله يوفقهما للإجابة بشفاعته؛ كما رواه تمام في فوائده بسند ضعيف عن ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي" الحديث. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن أبويه، فقال: "ما سألتهم ربي فيعطيني فيهما، وإني لقائم يومئذ المقام المحمود" فهذا تلويح بأنه يرتجى أن يشفع لهما في ذلك المقام ليوفقا للطاعة عند الامتحان، وينضم إلى ذلك ما أخرجه أبو سعد في شرف النبوة وغيره عن عمران مرفوعًا: "سألت ربي أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي فأعطاني ذلك" وما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس، في قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] ، قال: من رضا محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا؛ لأن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه أفاد ذلك قوة، كما تقرر في علوم الحديث. وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه، قال: وهذا السبيل قد يعد مغايرًا للأول، يعني أنهما لم تبلغهما الدعوة كما مشيت عليه هنا، وفي الكتاب المطول؛ لأن مقتضى الأول الجزم بنجاة من لم تبلغه الدعوة ودخوله الجنة من غير توقف على الامتحان، وقد يعد مراد قاله: كما مشيت عليه في مسالك الحنفاء، وفي الدرج المنيفة وفي المقامة السندسية، وهو أقرب إلى التحقيق ويكون معنى قولهم: أنه ناج، أي: بشرط لا مطلقًا وقولهم: لا يعذب، أي: ابتداء كما يعذب من عاند بل يجري فيه الامتحان ويكون امتحانه في الآخرة منزلا منزلة بلوغه دعوة الرسل في الدنيا وعصيانه في الآخرة بمنزلة مخالفته للرسل، ويؤيد ذلك أن أبا هريرة راوي حديث أهل الفترة استدل في آخره بالآية التي استدل بها الأئمة على انتفاء التعذيب قبل البعثة. ولفظه فيما أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر الثلاثة من طريق

قال: وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه "أسرار التنزيل" ما نصه: "قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم، بل كان عمه، واحتجوا عليه بوجوه، منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارًا، ويدل عليه وجوه منها: قوله تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 218، 219] قيل معناه: أنه كان ينتقل نوره من ساجد

_ عبد الرزاق، عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسلا أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم تأتنا رسل؟ قال: وايم الله، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا، ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يعطيه". ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، ففهم رضي الله عنه من الآية ما هو أعم من رسل الدنيا والرسول المبعوث إليهم يوم القيامة أن ادخلوا النار ولا تستنكر هذا الفهم العظيم من مثله، وعلى هذين السبيلين؛ فالجواب عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار بأنها قبل ورود قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18] ، وسائر الأحاديث المخالفة لتلك. وقال بعض أئمة المالكية في الجواب عن تلك الأحاديث الواردة في الأبوين: إنها أخبار آحاد، فلا تعارض القاطع، وهو قله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، ونحوها من الآيات في معناها. قلت: مع ضميمة أن أكثرها ضعيف الإسناد، والصحيح منها قابل للتأويل، إلى هنا كلام هذا الإمام، إذا قالت: حذام، ولا تقل: طولت بنقله فكله طائل ولا أكثرت، فكم رجعت منه بنائل. "قال: وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه أسرار التنزيل" اسم تفسير ما يصرح بأنهما كانا على الحنيفية دين إبراهيم، كما كان زيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه وهو سبيل آخر ثالث في نجاتهما، فإنه قال "ما نصه: قيل: إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه، منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارًا" تشريفًا لمقام النبوة وكذلك أمهاتهم، كما جزم به الفوائد واستدل عليه بالاستقراء وذكر أدلة ذلك تفصيلا وإجمالا. "ويدل عليه" أي: على أن آزر لم يكن والد إبراهيم "وجوه، منها قوله تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 218, 219] ، قيل: معناه أنه كان ينتقل نوره من ساجد

إلى ساجد، قال ففيه دلالة على أن جميع آباء محمد كانوا مسلمين". ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين، قوله عليه الصلاة والسلام: "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركًا.............................

_ إلى ساجد"، من آدم إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم، ولهذا يتضح قوله: "قال" أي: الرازي، "ففيه دلالة" وإنما قال: فالآية دالة "على أن جميع آباء محمد كانوا مسلمين" وإلا فمجرد انتقاله من ساجد إلى ساجد لا يقتضي ذلك لجواز كونه في بعض أصوله، "ثم قال" أشار إلى أنه حذف منه ولفظه، وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] ، على وجوه أخرى، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها، وجب حمل الآية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان. "ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين، قوله عليه الصلاة والسلام" فيما رواه أبو نعيم عن ابن عباس: "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات". وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] ، وإذا قيل: إن فيهم مشركًا نافى الحديث، "فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركًا" وقد ارتضى ذلك العلامة المحقق السنوسي والتلمساني محشى الشفاء، فقالا: لم يتقدم لوالديه صلى الله عله وسلم شرك، وكانا مسلمين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام انتقل من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، لا يكون ذلك إلا مع الإيمان بالله تعالى، وما نقله المؤرخون قلة حياء وأدب، انتهى. وهذا لازم في جميع الآباء وإن قصراه على الأبوين والإلزام المحذور، قال السيوطي: وقد وجدت لكلام الرازي أدلة قوية ما بين عام وخاص، فالعام مركب من مقدمتين، إحداهما: أنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن كل جد من أجداده صلى الله عليه وسلم خير قرنه؛ كحديث البخاري: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا حتى بعثت من القرى الذي كنت فيه". والثانية: أنه قد ثبت أن الأرض لم تخل من سبعة مسلمين، فصاعدا يدفع الله بهم عن أهل الأرض، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر بسند صحيح على شرط الشيخين عن علي: قال: "لم يزل على وجه الدهر سبعة مسلمون فصاعدًا، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها". وأخرج أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين،

.....................................................

_ عن ابن عباس، قال: "ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض" وإذا قرنت بين هاتين المقدمتين أنتج ما قاله الإمام؛ لأنه إن كان كل جد من أجداده من جملة السبعة المذكورين في زمانه فهو المدعي، وإن كانوا غيرهم لزم أحد أمرين: إما أن يكون غيرهم خيرًا منهم، وهو باطل لمخالفته الحديث الصحيح. وإما أن يكونوا خيرًا، وهم على الشرك وهو باطل بالإجماع. وفي التنزيل: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ} فثبت أنهم على التوحيد ليكونوا خير أهل الأرض في زمانهم. وأما الخاص، فأخرج ابن سعد عن ابن عباس، قال: ما بين نوح إلى آدم من الآباء، كانوا على الإسلام، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبزار والحاكم، وصححه عن ابن عباس، قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين" قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله كان الناس أمة واحدة، فاختلفوا. وفي التنزيل حكاية عن نوح: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا} وسام بن نوح مؤمن بنص القرآن والإجماع، بل ورد في أثر أنه نبي وولده أرفخشذ صرح بإيمانه في أثر عن ابن عباس، أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر وفيه: أنه أدرك جده نوحًا ودعا له أن يجعل الله الملك والنبوة في ولده. وروى ابن سعد من طريق الكلبي: أن الناس ما زالوا ببابل وهم على الإسلام من عهد نوح إلى أن ملكهم نمروذ فدعاهم إلى عبادة الأوثان، وفي عهد نمروذ كان إبراهيم وآزر, وأما ذرية إبراهيم، فقد قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 26، 27، 28] . أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد في الآية: أنها لا إله إلا الله باقية في عقب إبراهيم، وأخرج عن قتادة في الآية: قال شهادة أن لا إله إلا الله والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها من بعده، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} [إبراهيم: 35] ، الآية، أخرج ابن جرير عن مجاهد فيها، قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنمًا بعد دعوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه سئل هل عبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام؟ قال: لا، ألم تسمع قوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] ، قيل: فكيف ما يدخل ولد إسحاق وسائر ولد إبراهيم؟ قال: لا لأنه دعا لأهل البلد أن لا يعبدوا إذا أسكنهم إياه، قال: {اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35] ، ولم يدع لجميع البلدان، بذلك فقال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] ، فيه وقد خص أهله، وقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي

كذا قال. وهو متعقب: بأنه لا دلالة في قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} على ما ادعاه، وقد ذكر البيضاوي -في تفسيره- أن معنى الآية: وترددك في تصفح أحوال المتهجدين،

_ ب ِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 37] ، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج، في قوله: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40] ، قال: "فلن تزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله"، وقد صحت الأحاديث في البخاري وغيره، وتظافرت نصوص العلماء بأن العرب من عهد إبراهيم على دينه لم يكفر أحد منهم إلى أن جاء عمرو بن عامر الخزاعي، وهو الذي يقال له عمرو بن لحي فهو أول من عبد الأصنام، وغير دين إبراهيم، وكان قريبًا من كنانة جد النبي عليه السلام، ثم ساق أدلة تشهد بأن عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد وإلياس وكعبًا على ملة إبراهيم، ثم قال: فتلخص من مجموع ما سقناه أن أجداده من آدم إلى كعب وولد مرة مصرح بإيمانهم إلا آزر، فإنه مختلف فيه، فإن كان والد إبراهيم فإنه يستثنى، وإن كان عمه كما هو أحد القولين، فهو خارج عن الأجداد وسلمت سلسلة النسب، وبقي بين مرة وعبد المطلب أربعة لم أظفر فيهم بنقل وعبد المطلب فيه خلاف، حكاه السهيلي عن المسعودي. والأشبه فيه أنه لم تبلغه الدعوة، وإلى هذا أشار الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدمشقي، فقال: تنقل أحمد نورًا عظيما ... تلألأ في جباه الساجدين تنقل فيهم قرنًا فقرنا ... إلى أن جاء خبر المرسلينا انتهى كلامه في سبل النجاة. وذكر في الفوائد أدلة تشهد بأن عبد المطلب كان على الحنيفية والتوحيد وكذا في الدرج المنيفة، وزاد فيه قوله ساقط: أن الله أحياه حتى آمن به صلى الله عليه وسلم، حكاه ابن سيد الناس وغيره، وهو مردود لا أعرفه عن أحد من أئمة السنة، إنما يحكى عن بعض الشيعة، وهو قول لا دليل عليه، ولم يرد فيه قط حديث لا ضعيف ولا غيره، انتهى. وأغرب المصنف فتبرأ من كلام الإمام، بقوله: "كذا قال" الرازي "وهو متعقب بأنه لا دلالة في قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] ، على ما" الذي "ادعاه" الحال أنه "قد ذكر البيضاوي" ما يعارضه "في تفسيره أن معنى الآية: وترددك في تصفح" تأمل "أحوال المتهجدين" في العبادة ببحثك عنها مرة بعد أخرى مأخوذ من تصفحت الكتاب إذا قلبت وجوه

كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون، حرصًا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع لها من دندنتهم بذكر الله تعالى. وقد ورد النص بأن أبا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مات على كفر، كما صرح به البيضاوي وغيره، قال تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] ، وأما قوله إنه كان عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل. انتهى.

_ أوراقه لتنظر إليها، "كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصًا على كثرة طاعتهم، فوجدها كبيوت الزنابير" جمع زنبور بضم الزاي، أي: الدبابير، "لما سمع لها من دندنتهم" أصواتهم الخفية وما موصول، والعائد محذوف ومن دندنتهم بيان لما، أي: للأصوات التي سمعها، "بذكر الله تعالى" وهذا التعقب بيت العنكبوت إذ ليس في كلام البيضاوي نفي لغير ما ذكره من التفسير، ولا حكاية إجماع عليه بل ذكر بعده تفسيرًا آخر أن المراد بهم المصلون والرازي أيضًا لم ينف غير التفسير الذي ذكره، بل قال أقصى ما في الباب حمل الآية على وجوه أخرى لا منافاة بينها، فتعقبه بأحد تفاسير اعترف هو بها، وأشار إلى الجمع بينها مما لا يليق تسطيره على أن ما فسر به الرازي هو الأولى بالقبول، فقد أخرج ابن سعد والبزار والطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] ، قال: من نبي إلى نبي، ومن نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيًا، ففسر تقلبه في الساجدين بتقلبه في أصلاب الأنبياء، ولو مع الوسائط، قال في الفوائد: وحمل الآية على أعم منهم، وهم المصلون الذين لم يزالو في ذرية إبراهيم أوضح؛ لأنه ليس في أجداده صلى الله عليه وسلم أنبياء بكثرة بل إسماعيل وإبراهيم ونوح وشيث وآدم وإدريس في قول، انتهى. "وقد ورد النص بأن أبا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مات على كفر، كما صرح به البيضاوي وغيره" ممن استروح وتساهل وذكر ما زعم أنه النص، بقوله: قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ} [التوبة: 114] بالموت على الكفر أو أوحي إليه أنه لن يؤمن ذكرهما البيضاوي واقتصر الجلال على الأول، "تبرأ منه" وترك الاستغفار له، واستشعر نقض قوله النص بأنه ليس نصًا؛ لأن العرب تسمي العم أبا وبلغتهم جاء القرآن، فقال: "وأما قوله: إنه كان عمه" وفيه: أنه لم يقله بل نقله وهو إمام ثبت حجة في النقل، ثم قال وجد عن السلف، "فعدول عن الظاهر من غير دليل" بل دليله كالشمس، فقد صرح الشهاب الهيثمي بأن أهل الكتابين والتاريخ أجمعوا على أنه لم يكن أباه حقيقة، وإنما كان عمه والعرب تسمي العم أبا؛ كما جزم به الفخر بل في القرآن ذلك. قال تعالى: {وَإِلَهَ

وأجاب صاحب العقائق بأنهم كانوا ساجدين، بعضهم للصمد، وبعضهم للصنم. ونقل أبو حيان في "البحر" عند تفسير قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين مستدلين بقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} وبقوله عليه الصلاة والسلام: "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين" انتهى.

_ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} [البقرة: 133] ، مع أنه عم يعقوب، بل لو لم يجمعوا على ذلك وجب تأويله بهذا جمعًا بين الأحاديث. قال: وأما من أخذ بظاهره كالبيضاوي وغيره فقد استروح وتساهل، انتهى. وقال في الدرج المنيفة: الأرجح أن آزر عم إبراهيم؛ كما قال الرازي لا أبوه، وقد سبقه إلى ذلك جماعة من السلف، فروينا بالأسانيد عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج والسدي، قالوا: ليس آزر أبا إبراهيم إنما هو إبراهيم بن تارخ ووقفت على أثر في تاريخ ابن المنذر صرح فيه بأنه عمه، "انتهى" وبه تعلم ما تحامل به بعض المتأخرين جدًا، فخطأ من قال: إنه عمه وزعم أنه تبع الشيعة، وأنه مخالف للكتاب والسنة وأهلها وغيرهم، وزعم اتفاق المفسرين وغيرهم على أن والد إبراهيم كان كافرًا، وإنما الخلاف في اسمه وأطال في بيان ذلك بما لا طائل تحته. وحاصله: أنه احتجاج فقيه بمحل النزاع وتخطئته هي الخطأ وحصره القول به للشيعة هو صنو قول أبي حيان: أنهم الرافضة، ويأتي رده ولا دخل للرفض ولا للتشيع في ذلك، وزعمه الاتفاق باطل، كيف وقد قال أولئك السلف أنه عمه، وحكاه الرازي ونقله حافظ السنة في عصره وأقصره وأيده بما لا محيص عنه إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. "وأجاب صاحب العقائق" عن احتجاج الرازي بالآية، "بأنهم كانوا ساجدين بعضهم للصمد" الذي لا جوف له أو المقصود في الحوائج على الدوام سبحانه وتعالى، "وبعضهم للصنم" كذا رأيت هذا الجواب في بعض نسخ المتن العتيقة وأكثرها سقوطه، وهو لا يساوي فلسًا ولا ينبغي كتبه، فإن سياق الآيات للامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم واطلاع ربه على تنقله حالا وماضيًا، فكيف يليق أن يمتن عليه بأنه رأى تقلبه في بعض آبائه الساجدين للصنم، إن هذا لجمود عظيم. "ونقل أبو حيان في البحر عند تفسير قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] ، أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين مستدلين بقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] ، وبقوله عليه الصلاة والسلام: "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين، انتهى" ومراده من نقله: تقوية تعقبه على الرازي، وقد عرض به وشدد عليه النكير الشهاب الهيثمي، فقال: وقول بعضهم أبو حيان ... إلخ سوء تصرف منه؛ لأنه أعني ناقل

وقد روى ابن جرير عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرًا فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، استأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي"، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ.

_ هذا الكلام عن أبي حيان، لو كان له أدنى مسكة من علم أو فهم، لتعقب قوله: إن الرافضة هم القائلون بذلك، وقال له: هذا الحصر باطل منك أيها النحوي البعيد عن مدارك الأصول والفروع، كيف والأئمة الأشاعرة من الشافعية وغيرهم على ما مر التصريح به في نجاة سائر آبائه صلى الله عليه وسلم كبقية أهل الفترة، فلو كنت ذا إلمام بذلك لما حصرت نقله الرافضة، وزعمت أنهم المستدلون بالآية والحديث، وهذا الفخر من أكابر أئمة أهل السنة قد استدل بهما ونقل ذلك عن غيره، فليتك أيها الناقل عن أبي حيان سكت عن ذلك، ووقيت عرضه وعرضك من رشق سهام الصواب فيهما، انتهى. وقد وافقه على الاستدلال بالآية لهذا المعنى: الماوردي من أئمة الشافعية، وناهيك بهما ثم أيد المصنف تعقبه بأحاديث، وقبل أخذك الجواب عنها واحدًا واحدًا مفصلا، فقد علمت أنا أسلفنا لك عنها جوابين أنها أخبار آحاد، فلا تعارض القاطع؛ كقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، مع ضعف أكثرها وقبول صحيحها للتأويل، وأنها منسوخة بما ورد في الأبوين مما يخالفها، فلا تغفل. فقال: "وقد روى" محم "بن جرير" بن يزيد بن كثير الإمام الحافظ الفرد، أبو جعفر الطبري، أحد الأعلام المجتهد المطلق، صاحب التصانيف، المتوفى سنة عشر وثلاثمائة، "عن علقمة بن مرثد" بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة الحضرمي، أبي الحارث الكوفي الثقة، "عن سليمان بن بريدة" بن الحصيب الأسلمي المروزي، قاضيها الثقة المتوفى سنة خمس ومائة عن تسعين سنة. "عن أبيه" بريدة بن الحصيب بحاء وصاد مهملتين مصغر، قال الغساني: وصحف من قاله بخاء معجمة، "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة" سنة الفتح؛ كما رواه ابن سعد وابن شاهين من هذا الوجه، أتى رسم قبر" أثره لانمحاء صورته "فجلس إليه" عنده "فجعل يخاطب" بكسر الطاء، وفي حديث ابن مسعود: فناجاه طويلا، "ثم قام مستعبرًا" بموحدة: جاري الدمع، "فقلنا: يا رسول الله! إنا رأينا ما صنعت؟ قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي ثم استأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي"، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ". ورواه ابن سعد وابن شاهين عن بريدة بنحوه، وابن جرير من وجه آخر عنه، بلفظ: لما قدم

وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أومأ إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا، ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعاه ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنته في الدعاء لها فلم يأذن لي، وأنزل عليّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113] فأخذني ما يأخذ الولد للوالد.........................

_ مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها، فنزلت الآية، قاله السيوطي وله علتان مخالفته الحديث الصحيح في نزول الآية في أبي طالب، والثانية: قال ابن سعد في الطبقات: هذا غلط ليس قبرها بمكة، قبرها بالأبواء، انتهى. ويأتي قريبًا الجواب عن عدم الإذن في الاستغفار عن البكاء. "وروى ابن أبي حاتم" الإمام الحافظ الناقد عبد الرحمن بن الحافظ الكبير محمد بن إدريس بن المنذر بن داود الرازي الحنظلي التميمي، الثقة الزاهد الذي يعد في الإبدال البحر في العلوم ومعرفة الرجال، كساه الله بهاء نور يسر به من نظر إليه، مات في محرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة "ي تفسيره" وكذا الحاكم "عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أومأ" أشار "إلى المقابر" أنه يريد الذهاب إليها، "فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى" جانب "قبر منها" وفي رواية الحاكم: خرج ينظر في المقابر وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور، حتى انتهى إلى قبر منها، "فناجاه طويلا، ثم بكى" وفي رواية الحاكم: ثم ارتفع نحيبه باكيًا، "فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعاه ثم دعانا، فقال: "ما أبكاكم"؟. فقلنا: بكينا لبكائك". وفي رواية الحاكم: ثم أقبل إلينا، فتلقاه عمر، فقال: يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ فقد أبكانا وأفزعنا، فجاء فجلس إلينا، فقال: "أفزعكم بكائي"؟ قلنا: نعم، فقال: "إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة". زاد الحاكم: بنت وهب، "وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي وإني استأذنته في الدعاء". وفي رواية الحاكم: في الاستغفار، "لها فلم يأذن لي وأنزل عليّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113] ، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد". من الرقة والشفقة. قال الحاكم: هذا حديث صحيح ورده الذهبي في اختصار المستدرك بأن فيه أيوب بن

ورواه الطبراني من حديث ابن عباس. وفي مسلم: "استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة".

_ هانئ ضعفه ابن معين، قال السيوطي: فهذه علة تقدح في صحته والعجب من الذهبي كيف صححه في الميزان اعتمادًا على تصحيح الحاكم، مع أنه خالفه في مختصره، قال: وله علة ثانية هي مخالفته لما في البخاري وغيره من أن هذه الآية نزلت بمكة عقب موت أبي طالب واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم له، ووردت أحاديث أخر في الترمذي وغيره فيها سبب غير قصة آمنة، فإن كان الذهبي رد حديث الإحياء لمخالفته هذا الحديث، فهذا الحديث يرد لمخالفته المقطوع بصحته في صحيح البخاري وغيره، انتهى. "ورواه الطبراني من حديث ابن عباس" بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة واعتمر هبط من ثنية عسفان، فنزل على قبر أمه، فذكر نحو حديث ابن مسعود وفيه نزول الآية، قال السيوطي: وله علتان مخالفة الحديث الصحيح كما سبق وإسناده ضعيف، ثم قال: فبان بهذا أن طرق الحديث كلها معلولة خصوصًا قصة نزول الآية الناهية عن الاستغفار؛ لأنه لا يمكن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة في تقدم نزولها في قصة أبي طالب وغيره، وأصح طرق هذا الحديث ما أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين عن بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه في ألف مقنع، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ هذا القدر، لا علة له وليس فيه مخالفة لشيء من الأحاديث ولا نهي عن الاستغفار، وقد يكون البكاء لمجرد الرقة التي تحصل لزيارة الموتى من غير سبب تعذيب ونحوه، انتهى. والحافظ ابن حجر لما أبدى احتمالا أن لنزول الآية سببين متقدم وهو أمر آمنة رده بأن الأصل عدم تكرار النزول، ثم لا يشكل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، وبراءة من أواخر ما نزل بالمدينة؛ لأن هذه الآية مستثناة من كون السورة مدنية، كما نقله في الإتقان عن بعضهم وأقره، فلا حاجة لجواب الطيبي ونحوه بجواز أنه صلى الله عليه وسلم كان يستغفر له إلى نزولها، فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة؛ لأنه مجرد تجويز مبني على أن جميع السورة مدني. "وفي مسلم" من حديث أبي هريرة مرفوعًا "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة" وكذا رواه ابن ماجه، إلا أنه قال: "فإنها تذكركم الموت"، فهذا حديث صحيح معارض لحديث إحيائهما وكلام الرازين وهذا الذي أراده المصنف أورده في الفوائد بطريق السؤال، فقال: كيف قررت

قال القاضي عياض: بكاؤه عليه السلام على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به.

_ أنها كانت موحدة في حياتها ومتحنفة؟ وهذا الحديث في أنه استغفر لها فلم يؤذن له، وقوله في الحديث الآخر، أي: "مع أمكما"، يؤذنان بخلاف ذلك وهبك أجبت عنهما فيما يتعلق بحديث الإحياء بأنهما متقدمان في التاريخ وذاك متأخر وكان ناسخًا، فما تقول في هذا فإن الموت على التوحيد ينفي التعذيب البتة. وأجاب: بأن حديث عدم الإذن في الاستغفار لا يلزم منه الكفر بدليل أنه صلى الله عليه وسلم كان ممنوعًا في أول الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء، ومن الاستغفار له وهو من المسلمين، وعلل بأن استغفاره مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل عقب دعائه إلى منزله في الجنة، والمديون محبوس عن مقامه حتى يقضي دينه؛ كما في الحديث، فقد تكون أمه مع كونها متحنفة كانت محبوسة في البرزخ عن الجنة لأمور أخرى غير الكفر اقتضت أن لا يؤذن له في الاستغفار إلى أن أذن الله له في بعد ذلك، قال: وأما حديث "أمي مع أمكما" على ضعف إسناده فلا يلزم منه كونها في النار؛ لجواز أنه أراد بالمعية كونها معها في دار البرزخ أو غير ذلك وعبر بذلك تورية وليها ما تطييبا لقلوبهما، قال: وأحسن منه أنه صدر ذلك منه قبل أن يوحى إليه أنها من أهل الجنة؛ كما قال في تبع: "لا أدري تبعًا ألعينًا كان أم لا"؟. أخرجه الحاكم وابن شاهين عن أبي هريرة، وقال بعد أن أوحي إليه في شأنه: "لا تسبوا تبعًا، فإنه كان قد أسلم"، أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عن سهل وابن عباس، فكأنه أولا لم يوح إليه في شأنها ولم يبلغه القول الذي قالته عند موتها، ولا تذكره، فأطلق القول بأنها مع أمها جريًا على قاعدة أهل الجاهلية، ثم أوحي إليه أمرها بعد ويؤيد ذلك أن في آخر الحديث نفسه: "ما سألتهما ربي"، قال: ويمكن الجواب عن الحديثين: بأنها كانت موحدة غير أنها لم يبلغها شأن البعث والنشور، وذلك أصل كبير فأحياها الله له حتى آمنت بالبعث وبجميع ما في شريعته، ولذا تأخر إحياؤها إلى حجة الوداع حتى تمت الشريعة: ونزل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، فأحييت حتى آمنت بجميع ما أنزل عليه، قال: وهذا معنى نفيس بليغ. "قال القاضي عياض: بكاؤه عليه السلام" ليس لتعذيبها إنما هو أسف "على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به" وقد رحم الله تعالى بكاءه فأحياها له حتى آمنت به، وما ألطف هذه العبارة من القاضي، فإنها صريحة في أن البكاء إنما هو لكونها لم تحز شرف الدخول في هذه الأمة، لا لكونها على غير الحنيفية.

وفي مسلم أيضًا: أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار"، فلما قفا دعاه، قال: "إن أبي وأباك في النار".

_ "وفي مسلم أيضًا" وأبي داود كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس "أن رجلا" هو أبو رزين العقيلي، فيما قاله ابن أبي خيثمة أو حصين بن عبيد والد عمران فيما ذكره ابن رشيد وتعقب البرهان الأول بأن والد أبي رزين أسلم، واسمه عامر بن صبرة، قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار". وفي مسند أحمد: أن أبا رزين سأل عن أمه أين هي؟ فقال: كذلك، وجمع البرهان بأنه سأل عن أبيه مرة وعن أمه أخرى، ويتأكد ما قدمه أن أباه أسلم، "فلما قفا" بقاف ففاء مخففة، أي: انصرف عنه وولى بأن جعل قفاه إلى جهته صلى الله عليه وسلم ولا يرد أن قفا، إنما هو بمعنى تبع على مقتضى الصحاح؛ لأنه هنا بمعنى اتبع الجهة التي جاء منها منصرفًا إليها ومن لازمها توليه عن المصطفى. دعاه، فقال: "إن أبي وأباك في النار". فهذا صريح في رد حديث الإحياء، وكلام الرازي ومن قال إنهما أهل فترة لم تبلغهما دعوة، والجواب: أنه منسوخ بالآيات والأحاديث الواردة في أهل الفترة وأراد بأبيه عمه أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم أبا حقيقة، ولأنه رباه والعرب تسمي المربي أبا، أو أنه خبر آحاد فلا يعارض القاطع وهو نص: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، واستظهر في شرح الهمزية الثاني فلم يتم ماد المصنف من سوقه على أن حديث مسلم هذا، كما قال السيوطي: لا يصح للاحتجاج به فإنه انفرد به عن البخاري، وفي إفراده أحاديث تكلم فيها يوشك أن هذا منها، وذلك أن ثابتًا وإن كان إمامًا ثقة فقد ذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال: وقع في أحاديثه نكرة من الرواة عنه؛ لأنه روى عنه ضعفاء. وقد أعل السهيلي هذا الحديث بأن معمر بن راشد في روايته عن ثابت عن أنس خالف حمادًا، فلم يذكر أن أبي وأباك في النار، بل قال: إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار، وهو كما قال فمعمر أثبت في الرواية من حماد؛ لاتفاق الشيخين على تخريج حديثه، ولم يتكلم في حفظه ولم ينكر عليه شيء من حديثه، وحماد وإن كان إمامًا عالمًا عابدًا فقد تكلم جماعة في روايته، ولم يخرج له البخاري شيئًا في صحيحه، وما خرج له مسلم في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وأخرج له في الشواهد عن طائفة، صرح به الحاكم في المدخل. وقال الذهبي: حماد ثقة له أوهام ومناكير كثيرة، وكانوا يقولون: إنها دست في كتبه من ربيبه ابن أبي العوجاء، وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم، ومن ثم لم يخرج له البخاري فحديث معمر أثبت وقد وجدناه ورد بمثل رواية معمر عن ثابت عن أنس، ومن حديث سعد بن

.........................................

_ مالك، ومن حديث ابن عمر. أخرج البيهقي والبزار والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح، عن سعد بن أبي وقاص: أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار"، قال: فأين أبوك؟ قال: "حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار"، زاد الطبراني: فأسلم الأعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. وروى ابن ماجه عن ابن عمر، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان، فأين هو؟ قال: "في النار" فكأنه وجد من ذلك، فقال: أين أبوك أنت؟ فقال: "حيثما مررت بقبر كافر، فبشره بالنار" فأسلم الأعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار، فبين أن السائل أعرابي وهو مظنة خشية الفتنة والردة والمصطفى كان إذا سأله أعرابي وخاف من إفصاح الجواب له فتنته واضطراب قلبه، أجاب بجواب فيه تورية وإيهام وهذا كذلك إذا لم يصرح فيه بالأدب الكريم، إنما قال: حيثما مررت ... إلخ، وهذه جملة لا تدل بالمطابقة على ذلك فكره صلى الله عليه وسلم أن يفصح له بحقيقة الحال ومخالفة أبيه لأبيه في المحل الذي هو فيه خشية ارتداده لما جلبت عليه النفوس من كراهة الاستئثار عليها، ولما كانت عليه العرب من الجفاء وغلظ القلوب، فأورد له جوابًا موهمًا تطمينًا لقلبه، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره وقد أوضحت الزيادة، بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرًا مقتضيًا للامتثال فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة، فعلم أنه تصرف الرواة وأن هذه الطريق في غاية الإتقان. ولذا قال بعض الحفاظ: لو لم نكتب الحديث من ستين وجهًا ما عقلناه، أي: لاختلاف الرواة في إسناده وألفاظه، فهذا الحديث معلل من هذه الحيثية وليس ذلك قد حافى صحته من أصله بل في هذه اللفظة فقط، ثم لو فرض اتفاق الرواة على لفظ مسلم كان معارضًا بالأدلة القرآنية والأدلة الواردة في أهل الفترة والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه؛ كما هو مقرر في الأصول، انتهى ملخصًا. وقد تقدم تأويله، فإن قيل: حيث قررت أن أهل الفترة لا يقضى عليهم بشيء حتى يمتحنوا، فكيف حكم صلى الله عليه وسلم على أبي السائل بأنه في النار؟ أجاب السوطي: بجواز أنه يعصي عند الامتحان وأوحى إليه بذلك فحكم بأنه من أهل النار وبأن حديثه متقدم على أحاديث أهل الفترة، فيكون منسوخًا بها وبجواز أنه عاش حتى أدرك البعثة، وبلغه وأصر ومات في عهده وهذا لا عذر

قال النووي: فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا ينفعه قرابة المقربين. وفيه: أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو في النار، وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء.

_ له البتة، انتهى. وفي الثالث نظر؛ لأنه لو كان كذلك لما كان السؤال عن الأب الكريم وجه إذ الفرق لائح؛ لأن أباه بلغته البعثة والأب الشريف لم تبلغه، اللهم إلا أن يجاب بأن الأعرابي توهم أنه لا يكفي بلوغ البعثة حتى يشاهد النبي ولا ينكر هذا منه؛ لأنه لم يكن حينئذ تفقه في الدين بل لم يكن أسلم؛ كما صرح به في حديث سعد وابن عمر. "قال النووي فيه" أي: حديث مسلم، إفادة " أن من مات على الكفر، فهو في النار ولا ينفعه قرابة المقربين" قال السيوطي: ينبغي عندي أن النووي أراد الحكم على أبي السائل وكلامه ساكت عن الحكم على الأب الشريف، "وفيه" أيضًا إفادة أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو في النار" ووجه استفادة هذا منه أن أبا الأعرابي كان في الفترة بدليل سؤاله عن الأب الكريم، "وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء" وهذا خلاف ما أطبقت عليه الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من أن أهل الفترة لا يعذبون؛ كما تقدم بسطه وقد ورد السيوطي كلام النووي هذا، بما محصله: أنا لو اعتبرنا مطلق وجود بعثة الأنبياء لاستحال وجود من تبلغهم الدعوة إذ ما من فترة إلا وقبلها نبي إلى آدم وهو أول الأنبياء، ولسقطت الأحاديث والآثار الواردة في أهل الفترة بأسرها على كثرتها وصحتها، ولحكم عليهم أجمعين بأنهم في النار من غير امتحان. وفي هذا إلغاء ورد للأحاديث الصحيحة بلا دليل كيف وفي حديث ثوبان: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم"، وذكر بقية الحديث في الامتحان، فهذا نص في المسألة وإذا لم يكن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة، فليت شعري من هم وهل يمكن أن يوجد في الأرض من لم يبلغها، أن الله بعث نبيًا لدن آدم وبعثة أنبياء الله ووقائعهم مع أممهم وإهلاكاتهم مشهورة، ولو لم يكن إلا بعثة نوح وإقامته ألف سنة، والطوفان الذي غرق أهل الأرض جميعًا لكفى على أن العرب ما كانوا مكلفين بشريعة إبراهيم ولا غيره؛ كما دلت عليه الأحاديث وبه صرح القرآن، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92، 155] الآيتين. أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد، قال: الطائفتين اليهود

وقال الإمام فخر الدين: من مات مشركًا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، ولم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، قبح الشرك والوعيد عليه في النار، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين، في كل وقت وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك مستحق للعذاب في النار لمخالفته دعوى الرسل، وهو مخلد فيها دائمًا.......................

_ والنصارى خاف أن تقوله قريش، انتهى. وحكى في شرح الهمزية الاتفاق على أن العرب ما كانوا مكلفين بشرع أحد، ورد به كلام النووي هذا وكلام الرازي الذي ذكره المصنف، بقوله: "وقال الإمام فخر الدين: من مات مشركًا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة؛ لأن المشركين كانوا قد غيروا" الملة "الحنيفية" أي: المائلة إلى الحق "دين إبراهيم" بدل من الحنيفية "واستبدلوا بها الشرك" أي: أخذوه بدلها، فالباء داخلة على المتروك. وقول الشارح على المأخوذ سبق قلم؛ لأن مادة استبدل وتبدل إنما تدخل الباء فيهما على المتروك؛ كقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل. "وارتكبوه وليس معهم حجة من الله به، ولم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم قبح الشرك والوعيد عليه" بالتذيب "في النار، وأخبار عقوبات الله" عليه "لأهله متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فلله الحجة البالغة" التامة "على المشركين، في كل وقت وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده" أي: خلقهم مشتملين "عليه من توحيد ربوبيته وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل" عطف تفسير "أن يكون معه إله آخر" أي: أنه خلقهم قابلين لذلك، وجواب لو محذوف، أي: لكفى ذلك في الحجة "وإن كان سبحانه وتعالى لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها" لأن الصحيح أن الإيمان إنما يجب بالشرع لا العقل، فهم وإن أدركوا بعقولهم لكن لا يعذبهم على عدم الجري على مقتضى ما أدركوه. "فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك" بعبادة الأوثان "مستحق للعذاب في النار لمخالفته دعوى الرسل، وهو مخلد فيها دائمًا" لكن بعد الامتحان

كخلود أهل الجنة في الجنة. انتهى. وقد تعقب العلامة أبو عبد الله الأبي من المالكية فيما وضعه على صحيح مسلم قول النووي الماضي وفيه "أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، إلى آخره" بما معناه: تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، لأن أهل الفترة هم: الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثاني، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم. والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، كالفترة بين نوح وهود، لكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنهم يعنون التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام.

_ فمن عصى خلد فيها، ومن أطاع ففي الجنة؛ كما صرحت به الأحاديث وإن كانت عبارته لا تؤدي ذلك "كخلود أهل الجنة في الجنة، انتهى" كلام الرازي. "وقد تعقب العلامة أبو عبد الله" محمد بن خلف "الأبي، من" أجل علماء "المالكية" المتأخرين أخذ عن ابن عرفة واشتهر في حياته بالمهارة والتقدم في العلوم وكثر انتقاده لشيخه مشافهة وربما رجع؛ إليه كما قال أحمد بابا في ذيل الطبقات، وقال الحافظ في التبصير: الأبي بالضم منسوب إلى أبة من قرى تونس عصرينا بالمغرب محمد بن خلف الأبي الأصولي عالم المغرب بالمعقول، سكن تونس، انتهى. "فيما وضعه على صحيح مسلم" يعني شرحه المسمي بإكمال الإكمال، "قوله النووي الماضي، وفيه: "أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار ... إلخ"، بما معناه: تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة" وهو قد صرح أولا بأنهم أهل فترة، فهو تنافٍ "لأن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثاني؛ كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى عليه السلام ولا لحقوا النبي" محمد صلى الله عليه وسلم وأجيب عن التنافي بأن النووي كمن وافقه وإن كان مرجوحًا يكتفى في وجوب الإيمان على كل أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلا إليه، وإنما يتأتى التنافي لو ادعى أن الخليل وغيره أرسلوا إليهم وهو لم يدع ذلك، "والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين؛ كالفترة" التي "بين نوح وهود، لكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة" وأطلقوا "إنما يعنون" الفترة "التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام".

وذكر البخاري عن سلمان أنها كانت ستمائة سنة. ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة، علمنا أنهم غير معذبين، فإن قلت قد صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة، كحديث: "رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ورأيت صاحب المحجن في النار"، وهو الذي يسرق الحاج بمحجنه، فإذا بصر به، قال: إنما تعلق بمحجني. أجيب بأجوبة: أحدها: أنها أخبار آحاد........................

_ "وذكر" أي: روى "البخاري عن سلمان" الفارسي موقوفًا عليه "أنها كانت ستمائة سنة" قال ابن كثير: وهو المشهور، وقال قتادة: خمسمائة وستون، والكلبي: وأربعون، وغيرهما: أربعمائة، "ولما دلت القواطع" القرآنية نحو أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، "على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة" ببعث الرسل "علمنا أنهم غير معذبين" إذ لا يجب إيمان ولا يحرم كفر، "فإن قلت" يرد على هذا أنه "قد صحت أحاديث بتعذيب" بعض "أهل الفترة؛ كحديث" البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "ورأيت عمر بن لحي" بضم اللام وفتح الحاء المهملة وشد الياء، وفي رواية لهما أيضًا: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي"، قال عياض: والمعروف في نسبته الأول، وأجاب الأبي أخذًا من كلام ابن عبد البر السهيلي بأن عامرًا اسم أبيه، ولحي لقب عرف به، قال: وكونه خزاعيًا لا ينافي أنه من ولد إلياس بن مضر؛ لأن خزاعة من مضر ومضر أبو خزاعة وعزو الشارح لكتاب المناقب من البخاري عمرو بن عامر المخزومي سبق قلم، فالذي فيه إنما هو الخزاعي وضبطه المصنف في شرحه بضم الخاء وفتح الزاي المخففة وبالمهملة، "يجر قصبه" قال النووي: بضم القاف وسكون الصاد، قال الأكثرون: يعني أمعاءه، "في النار". بقية الحديث: "وكان أول من سيب السائبة". "و" كحديث مسلم والإمام أحمد عن جابر مرفوعًا، في حديث أوله: "يا أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله". فذكر الحديث، وفيه: "ورأيت صاحب المحجن في النار". وزان مقود خشبة في طرفها اعوجاج مثل الصولجان، قال ابن دريد: كل عود معطوف الرأس، فهو محجن والجمع المحاجن، قاله المصباح. "وهو الذي يسرق الحاج" أي: متاعه، "بمحجنه فإذا بصر" بضم الصاد وتكسر، أي: علم "به" أحد فالضمير في به لصاحب، وفي بصر للحاج، أي: جنسه، "قال: إنما تعلق بمحجني" لينفي عن نفسه السرقة، ولفظ الحديث عند أحمد ومسلم: "ورأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه فإن فطن به قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به"، "أجيب بأجوبة، أحدها: أنها أخبار آحاد" إنما تفيد

فلا تعارض القطع. الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب. الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة، بما لا يعذر به من الضلال كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع، فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام: الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة، كقس بن ساعدة................................

_ الظن "فلا تعارض القطع" بأنهم غير معذبين وهو القرآن، فوجب تقديمه عليها، وإن صحت "الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء" اتباعًا للوارد ولا نقيس غيرهم عليهم، فلا تنافي القاطع "والله أعلم بالسبب" الموقع لهم في العذاب، وإن كنا نحن لا نعلمه. "الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة" كابن لحي "بما لا يعذر به من الضلال؛ كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع، فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام، الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته" أي: بعلمه وخبرته فمنعه هذا التبصر عن عبادة غير الله ولا يلزم الاتصاف بالصحة ولا بالأجزاء ولا بغيرهما، "ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة" بل طلب التوحيد وعبادة الله وانتظر خروج النبي صلى الله عليه وسلم، "كقس بن ساعدة" الأيادي أول من آمن بالبعثة من أهل الجاهلية، وأول من اتكأ على عصا في الخطبة، وأول من قال: أما بعد، وأول من كتب من فلان إلى فلان، وعاش ثلاثمائة وثمانين سنة، وذكر كثير من أهل العلم أنه عاش ستمائة سنة، وكان خطيبًا حكيمًا عاقلا له نباهة وفضل ذكره المرزباني. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن قس بن ساعدة كان يخطب قومه في سوق عكاظ، فقال في خطبته، سيعلم حق من هذا الوجه، وأشار بيده نحو مكة، قالوا له: وما هذا الحق؟ قال: رجل من ولد لؤي بن غالب يدعوكم إلى كلمة الإخلاص وعيش الأبد ونعيم لا ينفد، فإن دعاكم فأجيبوه، ولو علمت أني أعيش إلى مبعثه لكنت أول من يسعى إليه، وروى الأزدي وغيره من طرق عن أبي هريرة رفعه: رحم الله قسا كأني أنظر إليه على جمل أورق تكلم بكلام له حلاوة ولا أحفظه، فقال بعض قومه: نحن نحفظه، فقال: هاتوه، فذكروا خطبته المشحونة بالحكم والمواعظ، وروى ابن شاهين عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله قسا كأني أنظر إليه على جمل أورق تكلم بكلام لا أحفظه"، فقال أبو بكر: أنا أحفظه، قال: "اذكره". فذكره.

وزيد بن عمرو بن نفيل. ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم، كتبع وقومه من حمير وأهل نجران، ورقة بن نوفل، وعمه عثمان بن الحويرث. القسم الثاني من أهل الفترة: وهم من بدل وغير، فأشرك ولم يوحد، وشرع لنفسه

_ وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات الزهد لما قدم وفد بكر بن وائل على النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم: "ما فعل قس بن ساعدة الأيادي"؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: "كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أحمر" ... الحديث، قال في الإصابة: قال الجاحظ في كتاب البيان لقس وقومه فضيلة ليست لأحد من العرب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى كلامه وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته وعجب من حسن كلامه وأظهر تصويبه، وهذا شرف تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال، وإنما وفق الله ذلك القس لتوحيده وإظهاره الإخلاص وإيمانه بالبعث، ومن ثم كان قس خطيب العرب قاطبة. "وزيد بن عمرو بن نفيل" بضم النون وفتح الفاء والد سعيد بن زيد أحد العشرة، وعم عمر بن الخطاب فإنه كان ممن طلب التوحيد وخلع الأوثان وجانب الشرك، ومات قبل المبعث، فروى ابن سعد والفاكهي عن عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب، قال: قال لي زيد بن عمرو: إني خالفت قومي واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكان يصليان إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيًا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقرئه مني السلام، قال عامر: فلما أعلمت النبي صلى الله عليه وسلم بخبره رد عليه السلام وترحم عليه، وقال: رأيته في الجنة يسحب ذيولا، وروى الزبير بن بكار، عن عروة، قال: بلغنا أن زيدًا كان بالشام فبلغه مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل يريده فقتل بأرض البلقاء، وقال ابن إسحاق: لما توسط بلاد لخم قتلوه، وقيل: مات قبل المبعث بخمس سنين. وفي حديث البزار والطبراني عن سعيد بن زيد: سألت أنا وعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم"، انتهى من فتح الباري ملخصًا. وكذا عامر بن الظرب العدواني وقيس بن عاصم التميمي، وصفوان بن أبي أمية الكناني، وزهير ابن أبي سلمى في جماعة ذكرهم الشهرستاني فلا بدع أن يكون الأبوان الشريفان كذلك بل هما أولى؛ كما تقدم. "ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم" أي: الأثر، "كتبع وقومه من حمير وأهل نجران" بفتح النون وسكون الجيم: بلد قريب من اليمن. "وورقة بن نوفل وعمه عثمان بن الحويرث" فإنهم تنصروا في الجاهلية قبل نسخ دين النصرانية. "القسم الثاني من أهل الفترة وهم من بدل وغير، فأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه،

فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحي، أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام، فبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام..................

_ فحلل وحرم وهم الأكثر" من العرب: "عمرو بن لحي" بن قمعة بن إلياس بن مضر "أول من سن للعرب عبادة الأصنام" روى الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا أو من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبو خزاعة وخندف بكسر الخاء المعجمة آخره فاء، هي زوج إلياس كما مر في النسب الشريف فنسب قمعة لأمه وقد ذكر ابن إسحاق في سبب ذلك أنه خرج إلى الشام، وبها يومئذ العماليق وهم يعبدون الأصنام فاستوهبهم واحدًا منها وجاء به إلى مكة فنصبه إلى الكعبة، وهو هبل؛ وذكر محمد بن حبيب عن ابن الكلبي أن سبب ذلك أنه كان له تابع من الجن، يقال له: أبو ثمامة، فأتاه ليلة، فقال: أجب أبا ثمامة، فقال: لبيك من تهامة، أدخل بلا ملامة، فقال: ائت سيف جدة تجد آلهة معدة فخذها ولا تهب وادع إلى عبادتها تجب، قال فتوجه إلى جدة فوجد الأصنام التي كانت تعبد زمن نوح فحملها إلى مكة ودعا إلى عبادتها، فانتشرت بسبب ذلك عبادة الأصنام في العرب، ذكره في فتح الباري. وقال السهيلي في الروض: كان عمرو بن لحي، حين غلبت خزاعة على البيت ونفت جرهما من مكة جعلته العرب ربًا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم، فنحر في موسم عشرة آلاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلة، وقد ذكر ابن إسحاق أنه أول من أدخل الأصنام الحرم وحمل الناس على عبادتها، قال: وكانت التلبية من عهد إبراهيم: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، حتى كان عمرو بن لحي فبين هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فقال عمرو: لبيك لا شرك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، فقال: ما هذا؟ فقال: قل: تملكه وما ملك فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو: فدانت بها العرب. "وشرع الأحكام فبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام" روى البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى فكانوا يسيبوها بعد بأنثى فكانوا يسيبونها بعد لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحام، وفي الأنوار إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها، أي: شقوها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب.

وتبعته العرب في ذلك وغيره مما يطول ذكره. القسم الثالث من أهل الفترة، وهم من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دين، بل بقي عمره على حين غفلة من هذا كله. وفي الجاهلية من كان على ذلك. وإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام، فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما تعدوا به من الخبائث، والله تعالى قد سمى جميع هذا القسم كفارًا ومشركين، فإنا نجد القرآن....................

_ زاد في المدارك: ولا تطرد من ماء ولا مرعى وسموها البحيرة، وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت من مرضي أو قدمت من سفري فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدًا، قال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وفي الصحاح: السائبة الناقة التي كانت تسيب في الجاهلية إذا ولدت عشرة أبطن كلها أناث فلا تركب ولا يشرب لبنها إلا ولدها، والضيف حتى تموت فإذا مات أكلها الرجال والنساء جميعًا. وبحرت، أي: شقت أذن بنتها الأخيرة فتسمى البحيرة، وهي بمنزلة أمها في أنها سائبة. وفي القاموس: الناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن أناث سيبت، أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابته من مشقة أو حرب، قال: هي سائبة، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظما وكانت لا تمنع عن ماء، ولا كلأ، ولا تركب. وفي الأنوار: وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وذكرًا فهو لآلهتهم، وإن ولدتهما وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح لها الذكر، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى، وقالوا: قد حمى ظهره. وفي المدارك: إذا ولدت الشاة سبعة أبطن، والسابع ذكر أو أنثى، قالوا وصلت أخاها، فهي معنى الوصيلة. "وتبعته العرب في ذلك و" في "غيره مما يطول ذكره" كعبادة الجن والملائكة وخرق البنين والبنات، واتخذوا بيوتًا لها سدنة وحجاب يضاهون بها الكعبة؛ كاللات والعزى ومنات. "القسم الثالث من أهل الفترة: وهم من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا" ابتكر "اختراع دين بل بقي عمره" أي: مدته "على حين غفلة من هذا كله، وفي الجاهلية من كان على ذلك، وإذا" وحيث "انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام، فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لـ"أجل" "كفرهم بما" بسبب ما "تعدوا به من الخبائث، والله تعالى قد سمى جميع هذا القسم كفارًا ومشركين، فإنا نجد القرآن

كلما حكى حال أحدهم سجل عليهم بالكفر والشرك، كقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ} ثم قال: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [المائدة: 103] . والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين. وأما أهل القسم الأول: كقس وزيد بن عمرو، فقد قال عليه السلام في كل منهما: "إنه يبعث أمة وحده".

_ كلما حكى حال أحدهم سجل عليهم بالكفر والشرك؛ كقوله تعالى: في مقام الرد والإنكار لما ابتدعوه {مَا جَعَلَ} ما شرع {اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} [المائدة: 103] ، ثم قال تعالى: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [المائدة: 103] ، يريد: يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون، أي: يفترون عليه في ذلك ونسبته إليه، ولا يعقلون أن ذلك افتراء؛ لأنهم قلدوا فيه آباءهم. "والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين" اتفاقًا، ومنه: والده صلى الله عليه وسلم فنهما لم تبلغهما دعوة لتأخر زمانهما وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين، وكونهما في زمن جاهلية عم الجهل فيها شرقًا وغربًا، وفقد فيها من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفرًا يسيرًا من أحبار أهل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض؛ كالشام وغيرها، وما عهد لهما تقلب في الأسفار سوى المدينة، ولا أعطيا عمرًا طويلا يسع الفحص عن المطلوب مع زيادة أن أمه صلى الله عليه وسلم مخدرة مصونة محجبة عن الاجتماع بالرجال لا تجد من يخبرها، وإذا كان النساء اليوم مع فشو الإسلام شرقًا وغربًا لا يدرين غالب أحكام الشريعة لعدم مخالطتهن الفقهاء فما ظنك بزمان الجاهلية والفترة الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلا عن نسائه، ولهذا لما بعث صلى الله عليه وسلم تعجب أهل مكة، وقالوا: أبعث الله بشرًا رسولا؟ وقالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة، فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل، ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم عليه السلام بعث بما هم عليه، فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعته على وجهها لدثورها، وفقد من يعرفها إذ كان بينهم وبينه أزيد من ثلاثة آلاف سنة، قاله في مسالك الحنفاء والدرج المنفية ملخصًا، وتقدم له مزيد. وأما أهل القسم الأول؛ كقس وزيد بن عمرو، فقد قال عليه السلام في كل منهما: "إنه يبعث أمة وحده". فأخرج الطيالسي عن سعد بن زيد أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي كان كما رأيته وكما بلغك فاستغفر له، قال: "نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده" وروى اليعمري عن ابن عباس مرفوعًا: "رحم الله قسًا، إني أرجو أن يبعثه الله أمة وحده" وصرح العلماء بأن الرجاء من الله ومن نبيه واقع. وروى الطبراني في كبيره وأوسطه بسند رجاله ثقات عنه صلى الله عليه وسلم: "رحم الله قسًا"، قيل: يا رسول الله! تترحم على قس، قال: "نعم، إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم".

وأما عثمان بن الحويرث، وتبع وقومه وأهل نجران، فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحدهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى ملخصًا وسيأتي ما قيل في ورقة في حديث المبعث إن شاء الله تعالى. فهذا ما تيسر في مسألة والديه، وقد كان الأولى ترك ذلك، وإنما جرنا إليه ما وقع من المباحثة فيه بين علماء العصر. ولقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر.......................

_ وأخرج البزار عن جابر، قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو بن نفيل، فقلنا: يا رسول الله! إنه كان يستقبل القبلة ويقول: ديني إبراهيم، وإلهي إله إبراهيم، قال: "ذاك أمة وحده، يحشر بيني وبين يدي عيسى ابن مريم"، وقد عدا في الصحابة، لكن قال الذهبي: فتأكد من أورد قسًا في الصحابة كعبدان وابن شاهين، وأما زيد فذكره ابن منده والبغوي وغيرهما في كتب الصحابة، قيل: وإيراد البخاري يميل إليه ورده البرهان، بما حاصله: أن الثابت أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ومات قبلها، فلم ينطبق عليه حد الصحابي. وقال في الإصابة: فيه نظر؛ لأنه مات قبل البعثة بخمس سنين، ولكنه يجيء على أحد الاحتمالين في تعريف الصحابي، وهو من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، هل يشترط كون رؤيته بعد البعثة، فيؤمن به حين يراه أو بعد ذلك، أو يكفي كونه مؤمنًا بأنه سيبعث؛ كما في قصة هذا وغيره، انتهى. "وأما عثمان بن الحويرث وتبع وقومه وأهل نجران، فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحدهم الإسلام الناسخ لكل دين" يريد غير تبع فإنه لم يدرك الإسلام، فقد تقدم حديث: "لا أدري تبعًا، ألعينا كان أم لا"، وحديث: "لا تسبوا تبعًا، فإن كان قد أسلم" وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن سلام، قال: لم يمت تبع حتى صدق النبي صلى الله عليه وسلم لما كانت ليهود يثرب يخبرونه، "انتهى" كلام الأبي "ملخصًا، وسيأتي ما قيل في ورقة في حديث المبعث إن شاء الله تعالى" من أنه صحابي وأنه أول من أسلم مطلقًا. "فهذا ما تيسر من البحث في مسألة والديه" ولما قوي عند المؤلف توقفه، قال: "وقد كان الأولى ترك ذلك" تبعًا لقول شيخه السخاوي الذي أراه الكف عن ذلك إثباتًا أو نفيًا، "وإنما جرنا إليه ما وقع من المباحثة فيه مع علماء العصر" وقد أحسن الإمام السيوطي في قوله: ثم إني لم أدع أن المسألة إجماعية، بل هي مسألة ذات خلاف، فحكمها كحكم سائر المسائل المختلف فيها، غير أني اخترت أقوال القائلين بالنجاة؛ لأنه الأنسب بهذا المقام. "ولقد أحسن الحافظ شمس الدين" محمد "بن ناصر" أي: ناصر "الدين" أبي بكر بن

الدين الدمشقي حيث قال: حبا الله النبي مزيد فضل ... على فضل وكان به رءوفا فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا والحذر الحذر، من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه، أو وصف بوصف به، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة. وقد قال عليه السلام: "لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات". رواه الطبراني في الصغير، ولا ريب.......

_ عبد الله بن محمد "الدمشقي" بكسر الدال وفتح الميم وبكسرهما، ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وطلب الحديث وصنف تصانيف حسنة، وصار محدث البلاد الدمشقية، ومات في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، "حيث قال" في كتابه مورد الصادي بمولد الهادي، بعد أن خرج الحديث في إحياء أمه من طريق الخطيب: حبا الله النبي مزيد فضل ... على فضل وكان به رءوفا فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا فصرح بضعف الحديث ولم يلتفت لزعم وضعه وكفى به حجة، وحبا بمهملة فموحدة: أعطى والباء في بذا قدير بمعنى على، كما تفيده اللغة. ولما ساق المصنف تلك الأحاديث خاف أن يستروح منها انتقاصهما، فقال: "والحذر الحذر من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه" بفتح أوله وسكون النون أفصح من ضم الياء وفتح النون وشد القاف، "أو وصف بوصف" قائم "به، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة" كيف؟ وقد روى ابن منده وغيره عن أبي هريرة، قال: جاءت سبيعة بنت أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! إن الناس يقولون: أنت بنت حطب النار، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مغضب، فقال: "ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي، ومن آذاني فقد آذى الله". وقد قال عليه السلام: "لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات"، رواه الطبراني في معجمه "الصغير" وهو عن كل شيخ له حديث واحد من شيوخه، وقد أبعد المصنف النجعة، فقد رواه أحمد والترمذي عن مغيرة بن شعبة رفعه، بلفظ: "لا تسبوا الأموات، فتؤذوا الأحياء"، "ولا ريب

أن أذاه عليه السلام كفر يقتل فاعله -إن لم يتب- عندنا. وستأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في الخصائص من مقصد المعجزات.

_ أن أذاه عليه السلام كفر يقتل فاعله، إن لم يتب عندنا" أي: الشافعية احترازًا ممن يحتم قتله، ولو تاب كالمالكية؛ لأن حده فإن أنكر ما شهد به عليه أو تاب غسل وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، وإلا قتل كفرًا ودفن بمقابر الكفار، بلا غسل وصلاة، هذا وقد بينا لك أيها المالكي حكم الأبوين فإذا سئلت عنهما، فقل: هما ناجيان في الجنة، إما لأنهما أحييا حتى آمنا؛ كما جزم به الحافظ السهيلي والقرطبي وناصر الدين بن المنير، وإن كان الحديث ضعيفًا؛ كما جزم به أولهم ووافقه جماعة من الحفاظ؛ لأنه في منقبة وهي يعمل فيها بالحديث الضعيف. وإما لأنههما ماتا في الفترة قبل البعثة ولا تعذيب قبلها؛ كما جزم به الأبي. وإما لأنهما كانا على الحنيفية والتوحيد لم يتقدم لهما شرك؛ كما قطع به الإمام السنوسي والتلمساني المتأخر محشي الشفاء، فهذا ما وقفنا عليه من نصوص علمائنا ولم نر لغيرهم ما يخالفه إلا ما يشم من نفس ابن دحية، وقد تكفل برده القرطبي. "وسيأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في الخصائص من مقصد المعجزات" وقد قال السيوطي: ومن العلماء من لم تقو عندهم هذه المسالك، فأبقوا أحاديث مسلم ونحوها على ظاهرها من غير عدول عنها بنسخ ولا غيره، ومع ذلك قالوا: لا يجوز أحد أن يذكر ذلك. قال السهيلي، بعد إيراد حديث مسلم: وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: "لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات"، والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 57] الآية، وسئل القاضي أبو بكر أحد أئمة المالكية عن رجل قال: إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار، فأجاب بأنه ملعون؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57] ، ولا أذى أعظم من أن يقال: أبوه في النار. ومن العلماء من ذهب إلى الوقف، روى التاج الفاكهاني في الفجر المنير: الله أعلم بحال أبويه، وأخرج ابن عساكر وأبو نعيم والهروي في ذم الكلام أن رجلا من كتاب الشام استعمل رجلا على كورة من كوره وكان أبوه يزن بالمنانية، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فقال: ما حملك على أن تستعمل رجلا على كورة من كور المسلمين، وكان أبوه يزن بالمنانية؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، وما عليّ من كان أبوه، كان أبو النبي صلى الله عليه وسلم مشركًا، فقال عمر: آه، ثم سكت ثم رفع رأسه، ثم قال: أأقطع لسانه! أأقطع يده ورجله! أأضرب عنقه؟ ثم قال: لا تل لي شيئًا ما بقيت، وعزله عن الدواوين.

ولقد أطنب بعض العلماء في الاستدلال لإيمانهما، فالله يثيبه على قصده الجميل.

_ "ولقد أطنب بعض العلماء في الاستدلال لإيمانهما، فالله يثيبه على قصده الجميل" وقد بذل السيوطي في ذلك جهده، فألف فيه ست مؤلفات حفلة، ولذا قيل: لعل المصنف أراده فإن ذلك عادته في النقل عنه، قال في مسالك الحنفاء: وقد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتًا أختم بها هذا التأليف، فقلت: إن الذي بعث النبي محمدا ... أنجى به الثقلين مما يجحف ولأمه وأبيه حكم شائع ... أبداه أهل العلم فيما صنفوا فجماعة أجروهما مجرى الذي ... لم يأته خبر الدعاة المسعف والحكم فيمن لم تجئه دعوة ... أن لا عذاب عليه حكم مؤلف فبذاك قال الشافعية كلهم ... والأشعرية ما بهم متوقف وبسورة الإسراء فيه حجة ... وبنحو ذا في الذكرى آي تعرف ولبعض أهل الفقه في تعليله ... معنى أرق من النسيم وألطف ونحا الإمام الفخر رازي الورى ... منحى به للسامعين تشنف إذ هم على الفطر الذي ولدوا ولم ... يظهر عناد منهم وتخلف قال الأولي ولدوا النبي المصطفى ... كل من التوحيد إذ يتحنف من آدم لأبيه عبد الله ما ... فيهم أخو شرك ولا يستنكف فالمشركون كما بسورة توبة ... نجس وكلهم بطهر يوصف وبسورة الشعراء فيه تقلبا ... في الساجدين فكلهم متحنف هذا كلام الشيخ فخر الدين في ... أسراره هبطت عليه الذرف فجزاه رب العرش خير جزائه ... وحباه جنات النعيم تزخرف فلقد تدين في زمان الجاهليـ ... ـة فرقة دين الهدى وتحنفوا زيد بن عمرو وابن نوفل هكـ ... ـذا الصديق ما شرك عليه يعكف قد فسر السبكي بذاك مقالة ... للأشعري وما سواه مزيف إذ لم تزل عين الرضا منه على الصـ ... ـديق وهو بطول عمر أحنف عادت عليه صحبة الهادي فما ... في الجاهلية للضلالة يعرف فلأُمّه وأبوه أحرى سيما ... ورأت من الآيات ما لا يوصف

وقد قال الحافظ ابن حجر في بعض كتبه: والظن بآله صلى الله عليه وسلم -يعني الذين ماتوا قبل البعثة- أنهم يطيعون عند الامتحان........................

_ وجماعة ذهبوا إلى إحيائه ... أبويه حتى آمنوا لا تخرفوا وروى ابن شاهين حديثًا مسندا ... في ذاك لكن الحديث مضعف هذي مسالك لو تفرد بعضها ... لكفى فكيف بها إذا تتألف وبحسب من لا يترضيها صمته ... أدبًا ولكن أين من هو منصف صلى الإله على النبي محمد ... ما جدد الدين الحنيف محنف وعلى صحابته الكرام وآله ... أوفى رضاه يدوم لا يتوقف "وقد قال الحافظ ابن حجر في بعض كتبه والظن بآله صلى الله عليه وسلم، يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان" يوم القيامة. أخرج البزار وأبو يعلى عن أنس، قال: قال صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني؛ كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تعالى لعنق من النار: ابرز، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه؛ فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أندخلها ومنها كنا نفر؟ ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا، فيقول الله: قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل، هؤلاء الجنة وهؤلاء النار". وأخرج أحمد وابن راهويه والبيهقي، صححه عن الأسود بن سريع وأبي هريرة معًا، رفعاه: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة, فأما الأصم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا, وأما الأحمق، فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر, وأما الهرم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئًا, وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها". وأخرج البزار عن أبي سعيد رفعه: "الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود: رب لم أدرك العقل؛ فترفع لهم نار فيردها من كان في علم الله سعيدًا ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل". وروى البزار عن ثوبان والطبراني وأبو نعيم عن معاذ رفعاه: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا لم ترسل لنا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر

إكرامًا له صلى الله عليه وسلم لتقر عينه. وقال في الأحكام: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة في جملة من يدخلها طائعًا فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن.

_ أتطيعوني؟ "، وذكر نحو ما تقدم. وفي الباب أحاديث آخر كما مرت الإشارة إليه، فإذا أطاع جماعة؛ كما هو صريح الأحاديث فما الظن بالآل إلا أنهم يطيعون ويدخلون الجنة. "إكرامًا له صلى الله عليه وسلم" وكفى بظن هذا الحافظ حجة إذ لايقوله إلا عن أدلة كالنهار، "وقال في الأحكام" وكذا في الإصابة "ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته الجنة في جملة من يدخلها طائعًا، فينجو" لأنه ورد ما يدل على أنه كان على الحنيفية والتوحيد حيث تبرأ من الصليب وعابديه، فقد روى ابن سعد عن ابن عباس، أنه قال لما قدم أصحاب الفيل: لا هم إن المرء يمـ ... ـنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك وأورده جماعة بلفظ: وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك وفي طبقات ابن سعد بأسانيده أن عبد المطلب، قال: لأم أيمن: يا بركة لا تغفلي عن ابني فإني وجدته مع غلمان قريبًا من السدرة وإن أهل الكتاب يقولون: إن ابني نبي هذه الأمة، وقال الشهرستاني: مما يدل على إثباته المعاد والمبدأ أنه كان يضرب بالقداح على ابنه، ويقول: يا رب أنت الملك المحمود ... وأنت ربي الملك المعيد من عند الطارف والتليد ومما يدل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب أمر أبا طالب أن يحضر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فاستقى به. "إلا أبا طالب" لا ينجو "فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن" وقد ثبت في الصحيح: أنه أهون أهل النار عذابًا، قال السيوطي: فهذا مما يدل على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ليسا في النار، إذ لو كانا فيها أهون عذابًا، منه؛ لأنها أقرب منه مكانًا وأبسط عذرًا فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلافه، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذابًا فليس أبواه من أهلها، وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة، ولم يقل وإلا أبا لهب للقطع بكفره فلا يحتاج لإخراجه.

وقد كانت أم أيمن، بركة، دابته وحاضنته بعد موت أمه، وكان عليه السلام يقول لها: أنت أمي بعد أمي. ومات جده عبد المطلب كافله، وله ثمان سنين -وقيل ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل ست، وقيل ثلاث وفيه نظر- وله عشر ومائة سنة، وقيل مائة وأربعون سنة.

_ "وقد كانت أم أيمن" بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح الميم وبالنون ابن عبيد الخزرجي المستشهد يوم حنين، "بركة" الحبشية "دايته وحاضنته بعد موت أمه، وكان عليه السلام يقول لها: "أنت أمي بعد أمي" أي: كأمي في رعايتك لي وتعظيمي والشفقة عليّ أو في رعايتي لك واحترامك، وقد كانت تدل عليه صلى الله عليه وسلم وكان العمران يزورانها بعده، وكانت تبكي وتقول: أنا أبكي لخبر السماء كيف انقطع عنا. ومن مناقبها الشريفة ما رواه ابن سعد، قال: حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن جرير بن حازم، قال: سمعت عثمان بن القاسم يحدث، قال: هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء فعطشت فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض، فأخذته فشربته حتى رويت، فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرض للصوم في الهواجر فما عطشت بعد تلك الشربة. "ومات جده عبد المطلب كافله" بعد أمه، روى أنها لما ماتت ضمه جده إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام ويجلس على فراشه وأولاده لا يجلسون عليه، وذكر ابن إسحاق: أنه كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه من بنيه أحد إجلالا له، وكان صلى الله عليه وسلم يأتي حتى يجلس عليه فتذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول عبد المطلب: دعوا ابني ويمسح على ظهره بيده، ويقول: إن لابني هذا لشأنا، "وله" صلى الله عليه وسلم "ثمان سنين" فيما جزم به ابن إسحاق وتبعه العراقي وتلميذه الحافظ. "وقيل" مات وله "ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل" وله "تسع، وقيل: عشر، وقيل: ست" حكاها مغلطاي وغيره. "وقيل: ثلاث" حكاه ابن عبد البر ومغلطاي، قائلا: "وفيه نظر" لأن أقل ما قيل أنه كان في موت أمه ابن أربع سنين، واتفقوا على أجده كفله بعدها فكيف يتأتى أن يكون ابن ثلاث، "وله" لعبد المطلب "عشر ومائة سنة" قدمه مغلطاي فتبعه المصنف هنا. "وقيل: مائة وأربعون سنة" قاله الزبير بن بكار عالم النسب، وقال: إنها على ما قيل في

وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد أوصاه بذلك لكونه شقيق عبد الله.

_ سنه، وجزم به السهيلي والمصنف فيما مر، وقيل: وله مائة وعشرون، لكن قال الواقدي: ليس ذلك يثبت، وقيل: خمس وتسعون، وقيل: اثنتان وثمانون، وقيل: خمس وثمانون، وعمي قبل موته ودفن على ما ذكر ابن عساكر بالحجون. "وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف" عند الجميع وشذ من قال عمران، بل هو قول باطل نقله ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض، فقال: زعم بعض الروافض في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ} [آل عمران: 33] ، أن آل عمران هم آل أبي طالب، وأنه اسمه عمران ذكره الحافظ في الفتح، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن اسمه كنيته، قال: ووجدت بخط علي الذي لا شك فيه، وكتب علي بن أبي طالب، قال البرهان: وقد رأيت بحلب بحارة المغاربة في مسجد يقال له مسجد غورث فيه عمود أسود مكتوب عليه: كتبه علي بن أبي طالب وقد ذكر هذا العمود الكمال بن العديم في أوائل تاريخ حلب، وأنه خط علي رضي الله عنه، انتهى. "وكان عبد المطلب أوصاه بذلك؛ لكونه شقيق عبد الله" والده دون الحارث ونحوه، فالقصر إضافي فلا يرد أن الزبير شقيقه أيضًا، وقد قيل: شاركه في كفالته وخص أبو طالب بالذكر لامتداد حياته، فإن الزبير لم يدرك الإسلام، وقيل: أقرع عبد المطلب بينهما فخرجت القرعة لأبي طالب. وفي أسد الغابة للحافظ عز الدين بن الأثير: كفله أبو طالب؛ لأنه شقيق أبيه وكذلك الزبير لكن كفالة أبي طالب إما لوصية عبد المطلب، وإما لأن الزبير كفله حتى مات، ثم كفله أبو طالب، وهذا غلط؛ لأن الزبير شهد حلف الفضول وللمصطفى نيف وعشرون سنة، وأجمع العلماء على أنه شخص مع أبي طالب إلى الشام بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين، فهذا يدل على أن أبا طالب هو الذي كفله، انتهى. وذكر الواقدي أن عيال أبي طالب كانوا إذا أكلوا جميعًا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل المصطفى معهم شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم، يقول: كما أنتم حتى يأتي ابني، فيأتي فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وإذا كان لبنًا شرب أولهم ثم يشربون فيروون كلهم من قعب واحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعبًا وحده، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. وروى أبو نعيم وغيره، عن ابن عباس، قال: كان بنو أبي طالب يصبحون عمشًا رمصًا

وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه.........................

_ ويصبح محمد صلى الله عليه وسلم صقيلا دهينًا كحيلا، وكان أبو طالب يحبه حبًا شديدًا لا يحب أولاده كذلك، ولذا لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج به متى خرج. وذكر ابن قتيبة في غريب الحديث: أنه كان يوضع له الطعام ولصبية أبي طالب فيتطاولون إليه ويتقاصر هو وتمتد أيديهم وتنقبض يده تكرمًا منه واستحياء ونزاهة نفس وقناعة قلب، ويصبحون عمصًا رمصًا مصفرة ألوانهم ويصبح هو صلى الله عليه وسلم صقيلا دهينًا كأنه في أنعم عيش وأعز كفاية لطفًا من الله به. "وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة" بضم الجيم وتفتح؛ كما في القاموس "ابن عرفطة" بضم العين والفاء، "قال: قدمت مكة وهم في قحط" بسكون الحاء، وحكى الفراء فتحها، أي: وأهل مكة في زمن شدة لاحتباس المطر عنهم، "فقالت قريش" بعد أن تشاوروا، فلفظ الحديث عند ابن عساكر: قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: أعمدوا اللات والعزى، وقائل منهم: أعمدوا منات الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون، وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل؟ قالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: أيها، فقاموا بأجمعهم فقمت فدققنا عليه الباب فخرج إلينا فثاروا إليه، فقالوا: "يا أبا طالب، أقحط" بالبناء للفاعل والمفعول "الوادي" أصابه القحط، "وأجدب العيال، فهلم" اسم فعل يستعمل متعديًا؛ كقوله تعالى: {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ} [الأنعام: 150] ، ولازمًا كما هنا "فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام" هو النبي صلى الله عليه وسلم، "كأنه شمس دجن" بضم الدال المهملة والجيم وشد النون على مفاد قول القاموس: كعتل الظلمة والغيم المطبق الريان المظلم لا مطر فيه، ثم يحتمل تنوين دجن على الوصف؛ أي: كأنه شمس كسيت ظلمة والإضافة، أي: شمس ذات يوم ظلمة أو ذات يوم دجن، أي: مظلم، "تجلت عنه سحابة قتماء" بفتح القاف وسكون الفوقية والمد تأنيث أقتم، أي: سحابة يعلوها سواد غير شديد وهذا من بديع التشبيه، فإن شمس يوم الغيم حين ينجلي سحابها الرقيق تكون مضيئة مشرقة مقبولة للناس ليست محرقة، "وحوله أغيلمة" تصغير أغلمة جمع غلام، ويجمع أيضًا على غلمة وغلمان؛ كما في القاموس وصغر إشارة إلى صغرهم؛ لأنه الغلام قد يطلق على البالغ؛ كما مر "فأخذه" أي: الغلام، "أبو طالب فألصق ظهره" أي: ظهر الغلام "بالكعبة ولاذ" التجأ "الغلام بأصبعه" أي: أصبع نفسه السبابة على الظاهر؛ لأن الذي يشار

وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق وأغدوق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي. وفي هذا يقول أبو طالب: وأبيض يستقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل

_ به غالبًا، ولعل المعنى: أشار به إلى السماء كالمتضرع الملتجئ. وفسر الشامي: لاذ بطاف والأول أولى وأغرب من رجع ضمير أصبعه لأبي طالب؛ أي: أمسك المصطفى أصبعه؛ لأنه خلاف الظاهر من معنى لاذ، لأنه إنما جاء بمعنى التجأ ودنا وطاف. "وما في السماء قزعة" بقاف فزاي فعين مهملة مفتوحات فهاء، أي: قطعة من السحاب كما في القاموس. "فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا" أي: من جميع الجهات لا من جهة دون أخرى، "وأغدق" السحاب، أي: كثر ماؤه والإسناد مجازي، "واغدودق" مرادف، ففي القاموس: أغدق المطر واغدودق كثر قطره، "وانفجر له" للسحاب "الوادي" أي: جرى الماء فيه وسال، "وأخصب النادي" بالنون أهل الحضر "والبادي" بالموحدة أهل البادية، أي: أخصبت الأرض للفريقين، "وفي هذا يقول أبو طالب" يذكر قريشًا حين التمالؤ عليه صلى الله عليه وسلم يده وبركته عليهم من صغره، "وأبيض" بفتح الضاد مجرور برب مقدرة؛ كما صدر به الحافظ كالكراماني والسيوطي، وجزم به في المغني أو منصوب، قال الحافظ: بإضمار أعني أو أخص، قال: والراجح أنه بالنصب عطفًا على سيد المنصوب في البيت قبله، وهو: وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب موكل انتهى. وبه قطع الدماميني في مصابيحه ورد به على ابن هشام، واستظهره في شرح المغني، وقال: هو من عطف الصفات التي موصوفها واحد أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، وقاله الكرماني وأفاده المصنف عن ضبط الشرف اليونيني في نسخته من البخاري، أي: هو أبيض فقوله: سيدًا معمول ترك بسكون الراء، والذمار بكسر الذال المعجمة: ما يحق على الإنسان حمايته. والذرب بذال معجمة وموحدة على زنة كتف سكنت راؤه تخفيفًا، وهو الحاد. والمواكل المتكل على غيره. وفي رواية بدل وأبيض وأبلج من البلج بفتحين وهو نقاء ما بين الحاجبين من الشعر. "يستسقى" بالبناء للمفعول "الغمام" السحاب "بوجهه" أي: يطلب السقي من الغمام بوجهه، والمراد ذاته، أي: يتوسل إلى الله به، "ثمال اليتامى عصمة للأرامل" قال الدماميني: بنصب ثمال وعصمة ويجوز رفعهما على أنهما خبر محذوف، زاد المصنف: وبجرهما على أن أبيض مجرور.

يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل والثمال -بكسر المثلثة: الملجأ والغياث، وقيل: المطعم في الشدة. وعصمة للأرامل: أي يمنعهم من الضياع والحاجة. والأرامل: والمساكين من رجال ونساء، ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده: أرمل، وهو بالنساء أخص، وأكثر استعمالا، والواحد أرمل وأرملة.

_ "يلوذ" يلتجئ "به الهلاك" جمع هالك، أي: المشرفون على الهلاك، "من آل هاشم" وإذا التجأ إليه هؤلاء السراة فغيرهم أولى، "فهم عنده في نعمة" يد ومنة على حذف مضاف، أي: في ذوي نعمة، أي: سعة وخير أو جعل النعمة ظرفًا لهم مبالغة، "وفواضل" عطف خاص على عام، ففي القاموس الفواضل الأيادي الجسيمة أو الجميلة، إذ المراد بالنعمة النعم الكثيرة الشاملة للنعم العظيمة والدقيقة، وثبت البيت الثاني في بعض النسخ وأكثرها بحذفه ويدل له قوله الآتي: وهذا البيت حيث لم يقل، وهذان البيتان "والثمال بكسر المثلثة" وتخفيض الميم هو "الملجأ والغياث" اسم مصدر من أغاثه، أي: أعانه ونصره، والمراد: أنه يلتجأ إليه ويستعان به فهما متساويان معنى، "وقيل: المطعم في الشدة" ويصح إرادتهما معًا هنا، ومن ثم قال الحافظ الثمال: العماد والملجأ والمطعم والمغيث والمعين والكافي قد أطلق على كل من ذلك، "و" قوله: "عصمة للأرامل" أي: "يمنعهم من الضياع والحاجة" عطف تفسير، أي: الاحتياج وما ألطف قول الفتح، أي: يمنعهم مما يضرهم، "والأرامل المساكين من رجال ونساء" قاله ابن السكيت، قال: ويقال لهم وإن لم يكن فيهم نساء، "ويقال لكل واحد من الفريقين على افنراده: أرمل" قال جرير: هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر "وهو بالنساء أخص" أليق "وأكثر استعمالا" عطف تفسير، "والواحد أرمل و" الواحدة "أرملة" بالهاء، وفي الفتح: الأرامل جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها، وقد يستعمل في الرجل أيضًا مجازًا ومن ثم لو أوصى للأرامل خص النساء دون الرجال، انتهى. وفي هذا الحديث من الفوائد أن أبا طالب منشئ البيت، وأنه قال: يستسقى الغمام بوجهه عن مشاهدة فلا يرد أن الاستسقاء إنما كان بعد الهجرة وهو قد مات قبلها، وقد شاهده مرة أخرى قبل ذلك فروى الخطابي حديثًا فيه: أن قريشًا تتابعت عليهم سنو جدب في حياة عبد المطلب، فارتقى هو ومن حضره من قريش أبا قبيس، فقام عبد المطلب واعتضده صلى الله عليه وسلم فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو قرب، ثم دعا فسقوا في الحال فقد شاهد أبو طالب

وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب، ذكرها ابن إسحاق بطولها، وهي أكثر من ثمانين بيتًا. قالها لما تمالأت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، ونفروا عنه من يريد الإسلام، وأولها: لما رأيت القوم لا ود عندهم ... ..........................

_ ما دله على ما قال، ذكره السهيلي في الروض. وقول الفتح: يحتمل أنه مدحه بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد وقوعه عجيب؛ كما قال في شرح الهمزية وغفلة عن رواية ابن عساكر هذه إذ لو استحضرها لم يبد هذا الاحتمال، انتهى. وأعجب منه جزم السيوطي به، وبنحو هذا لوح المصنف في المقصد التاسع، فقال بعد ذكره: احتمال الحافظ، قلت: قد أخرج ابن عساكر، فذكره. "وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب" على الصواب، وقول الدميري وتبعه جماعة أنه لعبد المطلب غلط، فقد أخرج البيهقي عن أنس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أتيناك وما لنا صبي يغط ولا بعير يئط، وأنشد أبياتًا، فقام صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ودعا، فما رد يديه حتى التقت السماء بأبراقها وجاءوا يضجون الغرق، فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله د أبي طالب، لو كان حيًا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله". فقال علي: يا رسول الله كأنك تريد قوله: وأبيض يستقى. وذكر أبياتًا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أجل"، فهذا نص صريح من الصادق بأن أبا طالب منشئ البيت نبه عليه في شرح الهمزية، وقد ساق المصنف خبر البيهقي بتمامه في المقصد التاسع. "ذكرها ابن إسحاق بطولها وهي" عنده "أكثر من ثمانين بيتًا" بثلاثة أبيات في رواية ابن هشام عن البكائي عنه، قائلا: هذا ما صح له من هذه القصيدة وبعض علماء الشعر ينكر أكثره، وفي شرح المصنف للبخاري وعدة أبياتها مائة بيت وعشرة أبيات. وفي المزهر: قال محمد بن سلام زاد الناس في قصيدة أبي طالب التي فيها: وأبيض يستقي الغمام بوجهه وطولت بحيث لا يدري أين منتهاها، وقد سألني الأصمعي عنها، فقلت: صحيحة، فقال: أتدري منتهاها؟ قلت: لا، وذكر ابن إسحاق أنه "قالها: لما تمالأت" اجتمعت "قريش على" أذى "النبي صلى الله عليه وسلم ونفروا عنه من يريد الإسلام" لا عقب استسقائه في صغره به، ولذا قلت في قوله السابق: وفي ذلك يقول أبو طالب، يذكر قريشًا حين التمالؤ عليه يده وبركته من صغره ليلتئم مع كلام ابن إسحاق هذا، فلا يصح زعم أنه أنشد البيت أثر هذه الواقعة، ثم أكملها بعد البعث إذ مجرد قوله: وفي ذلك يقول: لا يستلزم كونه قال عقب الاستسقاء. "وأولها" عند ابن إسحاق وتبعه في الفتح، "لما رأيت" علمت "القوم" قريشًا "لا ود عندهم"

............................ ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد جاهرونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل أعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم ... تكونوا كما كانت أحاديث وائل أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل وثور ومن أرسى ثبيرًا مكانه ... وراقٍ لبر في حراء ونازل

_ لنا ولفظ ابن إسحاق فيهم، وهو ما في الفتح "وقد قطعوا كل العرا" جمع عروة، قال الشامي: أراد بها العهود "والوسائل" جمع وسيلة وهي القربة، يقال: وسل إلى ربه وسيلة إذا تقرب بعمل إليه، والوسيلة المنزلة عند الملك، انتهى. "وقد جاهرونا" معشر بني هاشم "بالعداوة والأذى، وقد طاوعوا" فينا "أمر العدو المزايل" قال الشامي: هو المحاول المعالج، وقال شيخنا: هو المفارق ففي المختار المزايلة المفارقة، وبعد هذين البيتين: وقد حالفوا قومًا علينا أظنه ... يغضون غيظًا حلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول فقوله: صبرت ... إلخ، جواب لما، ومر الناظم في غرضه إلى أن قال ما أنشده المصنف، وهو: "أعبد" الهمزة للنداء بتقدير مضاف، أي: يا آل عبد "مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل" هو الضعيف النذل الساقط المقصر في الأشياء والمدعي نسبًا كاذبًا والداخل على القوم في طعامهم وشرابهم؛ كما في القاموس. وفيه النذل، أي: بذال معجمة الخسيس من الناس المحتقر في جميع أحواله. "فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم" بالإيمان به صلى الله عليه وسلم "تكونوا كما كانت" تصيروا كما صارت، "أحاديث وائل أعوذ برب الناس" خالقهم ومالكهم، وخصوا بالذكر في التنزيل وكلام العرب تشريفًا لهم، "من كل طاعن علينا بسوء أو ملح" أي: متماد "بباطل" يقال: ألح على الشيء، إذا واظب عليه وبعد هذا البيت عند ابن إسحاق: ومن كاشح يسعى لنا بعبية ... ومن ملحق في الدين ما لم يحاول وبعده قوله: "وثور" بمثلثة مفتوحة فواو فراء: جبل: "ومن أرسى" أثبت "ثبيرًا" بمثلثة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية فراء "مكانه وراق" صاعد "لبر" بموحدة ضد الإثم، "في حراء" بالمد "ونازل" فيه من النزول، هكذا رواه ابن إسحاق وغيره. وأما ابن هشام، فقال: وراق ليرقى من الرقي، قال السهيلي: وهو وهم منه أو من شيخه

وبالبيت حق البيت في بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل كذبتم وبيت الله نبزي محمدا ... ولما نطا عن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ومعنى نناضل: نجادل ونخاصم وندافع. ونبزي: هو بالباء الموحدة والزاي نقهر ونغلب.

_ البكائي، وقد قال البرقي وغيره: الصواب الأول وفي الشامي أنه تصحيف ضعيف المعنى، فمعلوم أن الراقي يرقى، فإنما أقسم بطالب البر يصعد في حراء للتعبد فيه وبالنازل فيه، "وبالبيت" الكعبة "حق البيت في بطن بكة" بموحدة لغة جاء بها التنزيل، "وبالله" كرر القسم به تأكيدًا فإنه أقسم به في قوله: ومن أرسى "إن الله ليس بغافل" عما تعملون من عداوتكم لنا وللنبي صلى الله عليه وسلم وتمالئكم عليه وتنقيركم من يريد الإسلام فيجازيكم على ذلك أشد النكال إن لم ترجعوا، وبعد هذا البيت عند ابن إسحاق أربعة عشر بيتًا، وبعدها قوله: "كذبتم وبيت الله" في قولكم "نبزي" بضم النون وسكون الموحدة وفتح الزاي: نقهر ونغلب "محمدا" كذا ضبطه الشامي، لكن في النهاية أنه بالتحتية بدل النون ورفع محمد على أنه نائب فاعل يبزي، ولفظه يبزى، أي: يقهر ويغلب، أراد لا يبزي فحذف لا من جواب القسم وهي مراده، أي: لا يقهر، "ولما نطا عن" مجزوم بلما وحذف المفعول ليعتم، أي: نطا عنكم وغيركم "دونه ونناضل" بنونين وضاد معجمة، "ومنها" قوله بلصق هذا البيت: فاللائق حذف، ومنها كما هو في نسخ "ونسلمه" لكم معشر قريش تفعلون به ما شئتم، كما قلتم لا "حتى نصرع حوله" وحتى "نذهل" نغفل "عن أبنائنا والحلائل" الزوجات، واحدها حليلة "ومعنى نناضل نجادل ونخاصم وندافع" عنه، وقال الشامي: نرامي بالسهام، "ونبزي هو بالباء الموحدة، والزاي: نقهر", وقال الشامي: معناه نسلب "ونغلب"، انتهى. وما أحل قوله في ختامها عند ابن إسحاق. لعمري لقد كلفت وجد أبا أحمد ... وأحببته دأت المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عاقل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل فوالله لولا أن أجيء بسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدًا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول

قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، لما أخبره به بحيرى وغيره من شأنه. وتعقبه الحافظ أبو الفضل بن حجر: بأن ابن إسحاق ذكر أن إنشاء أبي طالب لهذا الشعر كان بعد المبعث، ومعرفة أبي طالب بنبوته عليه السلام جاءت في كثير من الأخبار. وتمسك بها الشيعة في أنه كان مسلمًا. قال: ورأيت لعلي بن حمزة البصري جزءًا فيه شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلمًا، وأنه مات على الإسلام، وأن الحشوية.........................

_ حديث بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل "قال" الإمام عبد الواحد "بن التين" السفاقسي في شرح البخاري، قال البرهان في مبحث انشقاق القمر، والنطق به كالنطق بالتين المأكول، "إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرًا" الراهب "وغيره من شأنه" وكأنه أخذ ذلك من كون الاستسقاء به في صغره وليس بلازم؛ كما مر. "و" لذا "تعقبه الحافظ أبو الفضل بن حجر" في الفتح؛ "بأن ابن إسحاق ذكر أن إنشاء أبي طالب لهذا الشعر، كان بعد المبعث" ووصفه فيه بما شاهده من أحواله ومنها الاستسقاء به في صغره، "ومعرفة أبي طالب بنبوته عليه السلام جاءت في كثير من الأخبار" فلا حاجة إلى أخذها من شعره هذا "وتمسك بها الشيعة" بكسر الشين اسم لطائفة من الفرق الإسلامية شايعوا عليًا رضي الله عنه، وقالوا: إنه الإمام بعده صلى الله عليه وسلم بالنص إما جليًا وإما خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده وإن خرجت، فإما بظلم من غيرهم، وإما بتبعية منه ومن أولاده، وهم اثنتان وعشرون فرقة بكفر بعضهم بعضًا أصولهم ثلاث فرق غلاة وزيدية وإمامية، قاله في المواقف وشرحها، وفي مقدمة فتح الباري التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر، فقال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض، فقال في الرفض: وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا، فأشد في الغلو، انتهى. "في أنه كان مسلمًا" وهو تمسك واهٍ؛ لأن مجرد المعرفة بالنبوة لا يستلزم الإسلام، "قال: ورأيت لعلي بن حمزة البصري" الرافضي "جزءًا جمع فيه شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلمًا وأنه مات على الإسلام" وزعم "أن الحشوية" بفتح الحاء والشين وبضم الحاء وسكون

تزعم أنه مات كافرًا، واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه. انتهى. ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، حتى بلغ بصري، فرآه بحيرى الراهب، واسمه جرجيس............................

_ الشين، وهم المنتمون للظاهر، قيل: سموا بذلك لقول الحسن البصري لما رأى سقوط كلامهم وكانوا يجلسون في حلقته ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي: جانبها. "تزعم أنه مات كافرًا" وأنهم بذلك يستجيزون لعنه ثم بالغ في سبهم والرد عليهم، "واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه" قال: وقد بينت فساد ذلك كله في الإصابة، "انتهى" كلام الحافظ في كتاب الاستسقاء، وقال في باب قصة أبي طالب: إنه وقف على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شيء، انتهى. "ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة" قاله الأكثر، وقيل: تسع سنين، قاله الطبري وغيره. وقيل: ثلاثة عشر، حكاه أبو عمر. وقال ابن الجوزي: قال أهل السير والتواريخ: لما أتت عليه صلى الله عليه وسلم اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام، وفي سيرة مغلطاي: وشهر، ويمكن حمل القول الأول عليه بأن المراد: وما قاربها، "خرج مع عمه أبي طالب" قاصدًا "إلى الشام" وسبب ذلك؛ كما في ابن إسحاق: أن أبا طالب لما تهيأ للرحيل صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرق له أبو طالب، وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا فارقه أبدًا، فخرج به معه. وصب بصاد مهملة فموحدة، قال السهيلي: الصبابة رقة الشوق، يقال: صببت بكسر الباء أصب وقرئ: أصب إليهن، وعند بعض الرواة: خبث به، أي: لزمه. قال الشاعر: كان فؤادي في يد خبثت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه انتهى. وفي النور: خبث بفتح الضاد المعجمة والموحدة وبالمثلثة، انتهى. فهما روايتان فقصر من اقتصر على الثانية. وسار "حتى بلغ بصري" بضم الموحدة مدينة حوران فتحت صلحًا لخمس بقين من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وهي أول مدينة فتحت بالشام، ذكره ابن عساكر، وردها عليه السلام مرتين. "فرآه بحيرا الراهب" وكان إليه علم النصرانية، قال ابن إسحاق: "واسمه جرجيس" بكسر الجيمين بينهما راء وبعد الثانية تحتية فسين مهملة، هكذا رأيته بخط مغلطاي في الزهري وصحح عليه، وكذا في الإصابة غيره مصروف للعجمة والعلمية وهو في الأصل اسم نبي، قاله الشامي، قال السهيلي وصاحب الإصابة: وقع في سيرة الزهري أن بحيرا كان حبرًا من أحبار اليهود تيمًا. وفي مروج الذهب للمسعود: إنه كان نصرانيًا من عبد القيس واسمه سرجس. قال البرهان: هكذا في نسخة صحيحة من الروض وأخرى قريبة من الصحة، وفي الشامية، قال

فعرفه بصفته فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة، في أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده خوفًا عليه من اليهود. والحديث رواه ابن أبي شيبة، وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم أقبل وعليه غمامة تظله.

_ المسعود: اسمه جرجس، كذا فيما وقفت عليه من نسخ الروض. "فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده" كما رواه الترمذي والبيهقي في الدلائل والخرائطي وابن أبي شيبة عن أبي موسى، قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب يعني بحيرا، هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم وكان قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، قال: فنزل وهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هذا سيد المرسلين، هذا سيد العالمين" ذكره لإفادة تعميم السيادة نصا، وإن استلزمه ما قبله، "هذا يبعثه الله رحمة للعالمين". كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، ففيه أن معنى الآية كان عندهم في الكتب القديمة، "فقيل له" وفي رواية الترمذي والجماعة، فقال له الأشياخ من قريش: "وما علمك بذلك" أي: علم لك به، نحو، وما علمي بما كانوا يعملون، "قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل من غضروف كتفه" بضم الغين وسكون الضاد المعجمتين فراء مضمومة فواو ساكنة، وهو رأس لوح الكتف، ويقال: غضروف بتقديم الراء. وقدمه الجوهري. "مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده خوفًا عليه من اليهود، رواه ابن أبي شيبة" عن أبي موسى الأشعري. قال السخاوي: وهو إما أن يكون تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة، أو كان مشهورا أخذه بطريق الاستفاضة. "وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم أقبل وعليه غمامة تظله" ولفظه ثم رجع يصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وغمامة تظله ... الحديث، وتأتي بقيته في كلام المصنف. وساق ابن إسحاق: الحديث بلفظ: أنه صنع إليهم طعامًا وأرسل إليهم أن احضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرا إن لك يوم لشأنا ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرًا: صدقت، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعامًا فتأكلوا منه كلكم، فاجتمعوا إليه

و "بحيرى"، بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة. قال الذهبي في تجريد الصحابة: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المبعث وآمن به، وذكره ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة. وهذا ينبني على تعريفهم الصحابي: بمن رآه صلى الله عليه وسلم، هل المراد حال النبوة، أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنيفية.......................

_ وتخلف صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحالهم، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش! لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي، فقال له: يا بحيرا! ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام أحدث القوم سنًا فتختلف في رحالهم، فقال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر معكم، فقال رجل من قريش: إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، فقام الحارث بن عبد المطلب فأتى به الحديث، وفيه: أنه أحضرهم للطعام وأن المصطفى تخلف لحداثته. وفي السابق: أنه أتى لهم بالطعام وأن النبي عليه السلام كان في رعية الإبل، وإسناده صحيح فوجب تقديمه على خبر ابن إسحاق؛ لأنه معضل وعلى تقدير ثبوته، فيحتمل على بعد أنه صنع فلهم الطعام مرتين. "وبحيرا بفتح الموحدة وكسر" الحاء "المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة" قاله غير واحد. قال الشامي: ورأيت بخط مغلطاي والمحب بن الهائم وغيرهما: عليها مدة، وقال البرهان: رأيته ممدودًا بخط الإمام شهاب الدين بن المرحل. "قال الذهبي في تجريد الصحابة: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المبعث وآمن به" كما أفاده هذا الخبر، وأصرح منه ما في الإصابة عن أبي سعد في شرف المصطفى أنه صلى الله عليه وسلم مر ببحيرا أيضًا لما خرج في تجارة خديجة ومعه ميسرة، وإن بحيرا قال له: قد عرفت العلامات فيك كلها إلا خاتم النبوة، فاكشف لي عن ظهرك، فكشف له عن ظهره، فرآه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولا يشكل على ما مر أنه رأى الخاتم وهو ابن عمه؛ لاحتمال أنه نسىي صورة ما رآه أو تردد في أنه الخاتم، فأراد التثبت. "وذكره ابن منده" بفتح الميم والدال المهملة بينهما نون ساكنة، كما ضبطه ابن خلكان، "وأبو نعيم في الصحابة" لهما "وهذا" الذي قاله الذهبي "ينبني على تعريفهم الصحابي بمن رآه صلى الله عليه وسلم، هل المراد حال النبوة" وهو ظاهر كلامهم، وعليه صاحب الإصابة، إذ قال: لا ينطبق عليه تعريف الصحابي وهو مسلم لقى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك، فقولنا: مسلم، أظن أنه يخرج من لقيه مؤمنًا به قبل أن يبعث؛ كبحيرا هذا، ولا أدري أدرك البعثة أم لا؟. "أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة، ومات قبلها على دين الحنيفية"

وهو محل نظر، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله في المقصد السابع. وخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله عليه السلام، فاستقبلهم بحيرى، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، فقال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا قال: فبايعوه وأقاموا معه، ورده أبو طالب............................

_ كزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه، "وهو محل نظر" أي: بحث بينهم، "وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في المقصد السابع. وخرج الترمذي وحسنه" فقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، "والحاكم وصححه" فقال على شرطهما، وكذا خرجه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي وابن عساكر. في حديث أبي موسى السابق صدره، وكان المناسب لو أتى بالحديث دون تقطيع، ثم عقبه بالتكلم على بحيرا وعلى إشكاله الآتي. "أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله عليه السلام" ولفظه عقب قوله السابق: فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينا هو قائم عليهم وهو ينشادهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، "فاستقبلهم بحيرا، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: إن هذا النبي" الذي بشر به في كتبنا، فاللام للعهد "خارج في هذا الشهر" أي: إلى السفر لا إلى النبوة؛ لأنه حينئذ كان صغيرًا "فلم يبق طريق إلا بعث" بالبناء للمفعول، أي: بعث ملكهم، "إليها بأناس" وأسقط من الحديث ما لفظه: وأنا مذ أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا، "فقال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه" بفتح الياء خبر لا أمر، قال ابن سيد الناس: إن كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبي صلى الله عليه وسلم فقريب، وإن كان غير ذلك فلا أدري ما هو. قال المحب بن الهائم: الأول هو الظاهر، لتوافق الضمير فيه، وفي "وأقاموا معه" ومعناه: بايعوه على أن لا يأخذوا النبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤذوه على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا مع بحيرا خوفًا على أنفسهم إذا رجعوا بدونه، قال: وهذا وجه حسن جدًا، انتهى. وخفي هذا على الحافظ الدمياطي، فقرأه بكسر الياء أمرًا وحكم بأنه وهم. "ورده" أي: النبي صلى الله عليه وسلم "أبو طالب" بأمر بحيرا، ففي حديث الترمذي والجماعة بعده:

وبعث معه أبو بكر بلالا. قال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي. انتهى. وضعف الذهبي الحديث لقوله في آخره: "وبعث معه أبو بكر بلالا" فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلا، ولا اشترى بلالا. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: الحديث رجاله ثقات، وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر..............

_ فأقاموا معه، فقال: أنشدكم بالله! أيكم؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، "وبعث معه أبو بكر بلالا" بقية الحديث، وزوده الراهب من الكعك والزيت، "قال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي، انتهى. "وضعف" الحاف محمد بن أحمد "الذهبي الحديث؛ لقوله في آخره، وبعث معه أبو بكر بلالا، فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلا" قال ابن سيد الناس: لأنه حينئذ لم يبلغ عشر سنين، فإن المصطفى أزيد منه بعامين وكان له يومئذ تسعة أعوام على ما قاله الطبري وغيره، أو اثنا عشر عامًا، على ما قاله آخرون. "ولا اشترى بلالا" قال اليعمري: لأنه لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأزيد من ثلاثين عامًا؛ فإنه كان لبني خلف الجمحيين وعندما عذب في الله اشتراه أبو بكر رحمة له، واستنقاذًا له من أيديهم، وخبره بذلك مشهور، انتهى. ولفظ الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الرحمن بن غزوان: كان يحفظ وله مناكير، وأنكر ما له حديث عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى في سفر النبي صلى الله عليه وسلم وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام، وقصة بحيرا ومما يدل على أنه باطل، قوله: وبعث معه أبو بكر بلالا، وبلال لم يكن خلق وأبو بكر كان صبيًا. وقال في تلخيص المستدرك، بعد ما ذكر قول الحاكم على شرطهما: قلت أظنه موضوعًا، فبعضه باطل، انتهى. ورد قوله: بلال لم يكن خلق بأن ابن حبان قال في الثقات: إن بلالا كان ترب الصديق، أي: قرينه في السن. "قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: الحديث رجاله ثقات" من رواة الصحيح وعبد الرحمن بن غزوان ممن خرج له البخاري، ووثقه جماعة من الأئمة والحفاظ. قال السخاوي: ولم أر لأحد فيه جرحًا، "وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة" ملحقة "فيه" من أحد رواته من غير تمييز له من الحديث، "مقتطعة من حديث آخر،

وهما من أحد رواته. وفي حديث عند البيهقي وأبي نعيم: أن بحيرى رأى -وهو في صومعته- في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظلله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها. الحديث. وفيه: أن بحيرى قام فاحتضنه وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله: ونومه وهيئته وأموره. ويخبره صلى الله عليه وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.

_ وهما" بفتح الهاء غلطًا "من أحد رواته" فلا يحكم على جميع الحديث بالضعف ولا بغيره لأجلها بل عليها فقط؛ لكون رجال ثقات. "وفي حديث عند البيهقي" في الدلائل "وأبي نعيم" في حديث أبي موسى السابق "أن بحيرا رأى" تأمل "وهو في صومعته في الركب" لعلمه بخروج المصطفى للسفر حينئذ من الكتب القديمة، وهذا أولى من تقدير المفعول وجعل رأى بصرية، وفي نسخة: رآه، أي: رأى بحيرا النبي عليه السلام، والصومعة منزل الراهب. قال البرهان: يقال أتانا بثريد مصمعة إذا دققت وحدد رأسها وصومعة النصارى فوعلة من هذا؛ لأنها دقيقة الرأس "حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبًا منه" من بحيرا، "فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت". قال البرهان: بالصاد المهملة المشددة، أي: مالت وتدلت "أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها الحديث"، وفي الزهر الباسم عن الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسًا تحتها وقام انقلعت من أصلها حين فارقها، "وفيه: أن بحيرا قام فاحتضنه" صلى الله عليه وسلم "وأنه جعل يسأله عن أشياء" وعند ابن إسحاق، أنه قال له: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى، إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تسألني بهما شيئًا، فوالله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما". فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: "سلني عما بدا لك" فجعل يسأله عن أشياء "من حاله ونومه وهيئته وأموره" ليعلم: هل هو أو غيره، "ويخبره صلى الله عليه وسلم فيوافق ذلك" الذي يخبره به "ما عند بحيرا من صفته" وإنما سأله بحق اللات والعزى اختبارًا؛ كما في الشفاء، وهو أنسب من قول ابن إسحاق؛ لأنه سمع قومه يحلفون بهما. "ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده" وعند ابن إسحاق: فلما

وتقدم أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته في الظهيرة، وغمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن عساكر. ولله در القائل: إن قال يومًا ظللته غمامة ... هي في الحقيقة تحت ظل القائل ونقل الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض أهل المعرفة: أنه صلى الله عليه وسلم كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس بالحر ولا بالبرد، وأنه كان في ظل غمامة من اعتداله. كذا نقل رحمه الله.

_ فرغ أقبل على عمه، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما هو ابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه أو عرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده، فخرج به أبو طالب سريعًا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. "وتقدم" في حديث إقامته صلى الله عليه وسلم في بني سعد بعد الفطام، "أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته في الظهيرة" هي انتصاف النهار مطلقًا، أو إنما ذلك في القيظ، حكاهما المجد. "وغمامة تظله إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن عساكر، ولله در القائل إن قال يومًا" المراد: إن دخل في وقت القيلولة وإن لم ينم فيه سائرًا أو غير سائر، "ظللته غمامة" سحابة "هي في الحقيقة تحت ظل القائل" أي: في كنفه وستره من قولهم: فلان يعيش في ظل فلان، أي: كنفه، والمعنى أن الغمامة هي المحتاجة له للتبرك به، وليس هو محتاجًا لها. "ونقل الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض أهل المعرفة: أنه صلى الله عليه وسلم كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس" بضم الياء من أحس بالشيء، إذا شعر "بالحر ولا بالبرد، وإنه كان في ظل غمامة" ناشئة "من اعتداله" كأنها أخذت منه والقصد المبالغة في كماله حتى صلح لأن تؤخذ الغمامة منه، ثم تظله فلا يعترض عليه بأن كلامه يقتضي أنه تمثيل، فيخالف ما شوهد من تظليل الغمام، أو من بمعنى إلى، أي: إلى كمال اعتداله بالنبوة دون ما بعدها، أو المعنى أنها ظللته لكمال الاعتدال فيه إكرامًا له لا لاحتياجه إليها. "كذا قال رحمه الله" تبرأ منه؛ لأنه بعد هذا العنايات في فهمه منابذ لما تشهد به الأحاديث من أنه عليه السلام كان يحس بالبرد والحر، ففي حديث الهجرة عند البخاري أن الشمس أصابته صلى الله عليه وسلم وظلله أبو بكر بردائه, وفي البخاري أيضًا: أنه كان بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به، وروى ابن منده والبيهقي مرفوعًا لا نصبر على حر ولا برد. وروى أحمد بسند جيد:

وأخرج ابن منده، بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر الصديق صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى نزلا منزلا فيه سدرة، فقعد في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى، يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل الشجرة، قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى عليه السلام إلا محمد. ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم اتبعه. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في الإصابة: إن صحت هذه القصة فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب. انتهى.

_ أنه صلى الله عليه وسلم وضع يده في طعام حار فاحترقت أصابعه، فقال: حس. "وأخرج" أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى "بن منده" الأصبهاني الحافظ الجوال ختام الرحالين وفرد المكثرين مع الحفظ والمعرفة والصدق وكثرة التصانيف، سمع ألفًا وسبعمائة، وعاد من رحلته، وكتبه أربعون جملا، قال المستغفري: ما رأيت أحفظ منه، مات سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. "بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر الصديق صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة" سنة، "والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة" فهو أسن منه بعامين، وهذا قول الجمهور. وما رواه حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "من أكبر أنا أو أنت"؟ فقال: أنت أكبر وأكرم وخير مني، وأنا أسن منك، فقال في الاستيعاب: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد وأحسبه وهما لقول جمهور أهل العلم بالأخبار والسير والآثار: أنا أبا بكر استوفى بمدة خلافته سن رسول الله صلى الله عليه وسلم. "وهم يريدون الشام في تجارة، حتى نزلا منزلا فيه سدرة، فقعد" عليه السلام "في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا، يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل الشجرة؟ قال:" هو "محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال" بحيرا "هذا والله نبي! ما استظل تحتها بعد عيسى عليه السلام إلا محمد" وكأنه علم ذلك من رؤيته في كتبهم أو بقرائن قوية ويأتي قريبًا مزيد لذلك عن السهيلي. "ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم اتبعه" سريعًا، فكان أول الناس إيمانًا. "قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في الإصابة إن صحت هذه القصة" في نفس الأمر أو

تزوجه عليه السلام من خديجة

تزوجه عليه السلام من خديجة: ثم خرج صلى الله عليه وسلم أيضًا ومعه ميسرة غلام خديجة بنت خويلد بن أسد، في تجارة لها...............................

_ بورودها من طريق آخر، قال: ذلك لضعف إسنادها، "فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب، انتهى" وفيه توهين قول بعضهم: هذا السفر هو الذي كان مع أبي طالب، فإن أبا بكر حينئذ كان معه، انتهى. للاتفاق على أنه في ذلك السفر ما بلغ هذا السن وقاربه، فإن غاية ما قيل: إنه كان في الثالثة عشرة. تزوجه عليه السلام من خديجة: "ثم خرج صلى الله عليه وسلم أيضًا" إلى الشام مرة ثانية وسبب ذلك؛ كما رواه الواقدي وابن السكن: أن أبا طالب، قال: يابن أخي! أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة وليس لنا مادة ولا تجارة وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة تبعث رجالا من قومك يتجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضلتك على غيرك لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت أكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا نجد من ذلك بدًا، فقال صلى الله عليه وسلم: "لعلها ترسل إليّ في ذلك"، فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك، فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا، وأرسلت إليه، وقالت: دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك، فذكر ذلك صلى الله عليه وسلم لعمه، فقال: إن هذا الرزق ساقه الله إليك. فخرج "ومعه ميسرة غلام خديجة" قال في النور: لا ذكر له في الصحابة فيما أعلمه وظاهر أنه توفي قبل البعث، ولو أدركه لأسلم، وفي الإصابة: لم أقف على رواية صحيحة صريحة في أنه بقي إلى البعثة، فكتبته على الاحتمال، وفيه: أن الصحبة لا تثبت بالاحتمال، بل كما قاله هو في شرح نخبته بالتواتر والاستفاضة أو الشهرة أو بإخبار بعض الصحابة أو بعض ثقات التابعين، أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا دخل تحت الإمكان. "بنت خولد بن أسد في تجارة لها" وعند الواقدي وغيره: وكانت خديجة تاجرة ذات شرف ومال كثير، وتجارة تبعث بها إلى الشام، فتكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربة، وكانت قريش قومًا تجارًا، ومن لم يكن منهم تاجرًا فليس

حتى بلغ سوق بصرى، وقيل سوق حباشة بتهامة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، وفي رواية بعد عيسى................

_ عندهم بشيء، فسار صلى الله عليه وسلم "حتى بلغ سوق بصرى" رواه الواقدي وابن السكن وغيرهما، "وقيل: سوق حباشة" بحاء مهملة مضمومة فموحدة فألف فشين معجمة فتاء تأنيث، قال في الروض: سوق من أسواق العرب، انتهى. وهذا القول رواه الدولابي عن الزهري، ولفظه: استأجرته خديجة إلى سوق حباشة، وهو سوق "بتهامة" بكسر التاء اسم لكل ما نزل عن نجد إلى بلاد الحجاز ومكة من تهامة، قال ابن فارس في مجمله، سميت تهامة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود الريح. وفي المطالع: سميت بذلك لتغير هوائها، يقال: تهم الدهن إذا تغير، وذكر الحازمي في مؤتلفه أنه يقال في أرض تهامة تهائم، انتهى. وقيد بذلك؛ لأن حباشة مشترك، ففي القاموس: حباشة كثمامة سوق تهامة القديمة، وسوق آخر كان لبني قينقاع. "وله" صلى الله عليه وسلم "خمس وعشرون سنة" فيما رواه الواقدي وابن السكن وصدر به ابن عبد البر وقطع به عبد الغني، قال في الغرر: وهو الصحيح الذي عليه الجمهور، وقيل غير ذلك؛ كما يأتي. "لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة" في سوق بصرى قريبًا من صومعة نسطورا الراهب، فاطلع إلى ميسرة وكان يعرفه، "فقال نسطورا الراهب" بفتح النون وسكون السين وضم الطاء المهملتين، قال في النور: وألفه مقصورة كذا نحفظه، ولم أر أحدًا ضبطه ولا تعرض لعدة في الصحابة، وينبغي أن الكلام فيه كالكلام في بحيرا, وعند الواقدي وابن إسحاق، فقال: يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له لراهب: "ما نزل تحت هذه الشجرة" زاد ابن إسحاق: قط، "إلا نبي". "وفي رواية: بعد عيسى" قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة، ولم يرد: ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك، وإن كان في لفظه: قط، فقد تكلم بها على جهة التوكيد للنفي، والشجر لا يعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدري أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء، ويبعد في العادة أيضًا أن تخلو شجرة من نزول أحد تحتها نبي إلا أن تصح رواية من قال في هذا الحديث: أحد بعد عيسى ابن مريم، وهي رواية عن غير ابن إسحاق، فالشجرة على هذه مخصوصة بهذه الآية، انتهى, وأقره مغلطاي والبرهان وتعقبه العز بن جماعة؛ بأنه مجرد استبعاد لا دلالة فيه على امتناع ولا استحالة؛ وبأنه استبعاد يعارضه ظاهر

وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في علية لها، رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره وملكان يظلان عليه. رواه أبو نعيم. وتزوج صلى الله عليه وسلم خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يومًا.........

_ الخبر، وكون متعلقات الأنبياء مظنة خرق العادة، فلا يكون ذلك حينئذ من طول البقاء وصرف غير الأنبياء عن النزول تحتها بعيدًا، وذلك واضح، انتهى. وأيد بما ذكره أبو سعد في الشرف: أن الراهب دنا إليه صلى الله عليه وسلم وقبل رأسه وقدميه، وقال: آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكر الله في التوراة، فلما رأى الخاتم قبله، وقال: أشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى، فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة ولواء الحمد. وعند الواقدي وابن السكن: ثم قال له: في عينيه حمرة، قال: ميسرة نعم، لا تفارقه أبدًا. قال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت إني أدركه حين يؤمر بالخروج، فوعى ذلك ميسرة ثم حضر صلى الله عليه وسلم سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى، وكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال الرجل: أحلف باللات والعزى، فقال: "ما حلفت بهما قط". فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة وخلا به: هذا نبي، والذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتًا في كتبهم، فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعًا. "وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس" فيه جواز رؤية الملائكة وبه وبرؤية الجن، صرح في الحديث الصحيح: وأما قوله: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، فمحمول عل الغالب ولو كانت رؤيتهم محالة، لما قال صلى الله عليه وسلم في الشيطان: "لقد هممت أن أربطه حتى تصبحوا تنظروا إليه كلكم". "ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية" بكسر العين، والضم لغة؛ كما في المصباح. وسوى بينهما في النور، أي: غرفة، والجمع العلالي بالتشديد والتخفيف. "لها، رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعير وملكان يظلان عليه، رواه أبو نعيم" زاد غيره: فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليهما صلى الله عليه وسلم فأخبرها بما ربحوا فسرت، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بقول نسطورًا، وقول الآخر الذي خالفه في البيع، وقدم صلى الله عليه وسمل بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما كانت سمته له، "وتزوج صلى الله عليه وسلم خديجة بعد ذلك" أي: قدومه من الشام، "بشهرين وخمسة وعشرين يومًا"

وقيل: كان سنة إحدى وعشرين سنة، وقيل ثلاثين -وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي، فولدت له هندًا وهالة، وهما ذكران، ثم تزوجها عتيق بن عابد....................

_ قاله ابن عبد البر، وزاد: إن ذلك عقب صفر سنة ست وعشرين، "وقيل: كان سنه" صلى الله عليه وسلم "إحدى وعشرين سنة" قال الزهري، "وقيل: ثلاثين" سنة، حكاه ابن عبد البر عن أبي بكر بن عثمان وغيره، وقال ابن جريج: كان سبعًا وثلاثين سنة، وقال البرقي: تسعًا وعشرين قد راهق الثلاثين، وقيل غير ذلك. "وكانت تدعي في الجاهلية بالطاهرة" لشدة عفافها وصيانتها. وفي الروض: كانت تسمى الطاهرة في الجاهلية والإسلام. وفي سير التميمي: كانت تسمى سيدة نساء قريش، "وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي" بميمين نسبة إلى تميم؛ كما صرح به اليعمري وغيره، واختلف في اسم أبي هالة، فقيل ملك، حكاه الزبير والدارقطني وصدره به في الفتح، وقيل: زرارة حكاه ابن منده والسهيلي، وقيل: هند جزم به العسكري، واقتصر عليه في العيون وصدر به في الروض، وقيل: اسمه النباش، قطع به أبو عبيد وقدمه مغلطاي، واقتصر عليه المصنف في الزوجات، وهو بفتح النون فموحدة ثقيلة فشين معجمة، وفي فتح الباري: مات أبو هالة في الجاهلية. "فولدت له هندًا" الصحابي راوي حديث صفة النبي صلى الله عليه وسلم شهد بدرًا، وقيل: أحدًا، روى عنه الحسن بن علي، فقال: حدثني خالي؛ لأنه أخو فاطمة لأمها وكان فصيحًا بليغًا وصافًا، وكان يقول: أنا أكرم الناس أبا وأما وأخًا وأختًا، أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخي القاسم وأختي فاطمة وأمي خديجة رضي الله عنهم، قتل مع علي يوم الجمل، قاله الزبير بن بكار والدارقطني. وقيل: مات بالبصرة في الطاعون، قال التجاني: والصحيح أن الذي مات في الطاعون ولده واسمه هند كأبيه، انتهى. وهو المذكور في الروض عن الدولابي. وفي فتح الباري: ولهند هذا ولد اسمه هند، ذكره الدولابي وغيره، فعلى قول العسكري أن اسم أبي هالة هند، فهو ممن اشترك مع أبيه وجده في الاسم، انتهى. "وهالة" التميمي، قال أبو عمر: له صحبة، وأخرج المستغفري عن عائشة: قدم ابن لخديجة يقال له هالة والنبي صلى الله عليه وسلم قائل فسمعه، فقال: "هالة هالة هالة"، وأخرج الطبراني عن هالة بن أبي هالة: أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو راقد فاستيقظ فضم هالة إلى صدره، وقال: "هالة هالة هالة". "وهما ذكران" خلافًا لمن وهم، فزعم أن هالة أنثى. "ثم" بعد أن هلك عنها أبو هالة "تزوجها عتيق بن عابد" بالموحدة والدال المهملة؛ كما في الإكمال، وتبعه التبصير، وقال اليعمري: إنه الصواب، ووقع في جامع ابن الأثير أنه بتحتية

المخزومي فولدت له هند. وكان لها -حين تزوجها بالنبي صلى الله عليه وسلم- من العمر أربعون سنة وبعض أخرى. وكانت عرضت نفسها عليه.................................

_ وذال معجمة وهو مردود، فإنه عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقد صرح علامة النساب الزبير بن بكار بأن من كان من ولد عمر بن مخزوم فهو عابد، يعني بموحدة ودال مهملة، ومن كان من ولد أخيه عمران بن مخزوم فعائد، يعني بتحتية وذال معجمة، نقله الأمير في إكماله، والحافظ في تبصيره، وأقراه. "المخزومي" نسبة إلى جده مخزوم المذكور، "فولدت له هندًا" أسلمت وصحبت ولم ترو شيئًا، قاله الدارقطني، فهو أنثى وبه صرح المصنف في الزوجات وغيره تبعًا للزبير، وروى الدولابي عن الزهري أنها أم محمد بن صيفي المخزومي وهو ابن عمه، قال ابن سعد: ويقال لولد محمد: بنو الطاهرة؛ لمكان خديجة. وفي النور عن بعضهم: ولدت لعتيق عبد الله، وقيل عبد مناف، وهذا ثم ما ذكره المصنف من أن عتيقًا بعد أبي هالة، هو ما نسبه ابن عبد البر للأكثر وصححه، ولذا جزم به هنا وصدر به في المقصد الثاني. وقال قتادة وابن شهاب وابن إسحاق، في رواية يونس عنه: تزوجها وهي بكر عتيق بن عابد، ثم هلك عنها، فتزوجها أبو هالة. واقتصر عليه في العيون والفتح، وحكى القولين في الإصابة. "وكان لها حين تزوجها بالنبي صلى الله عليه وسلم" مصدر مضاف لمفعوله، أي: حين تزويج مزوجها إياها منه. وفي نسخة: تزوجها بإضافة المصدر لفاعله، "من العمر أربعون سنة" رواه ابن سعد، واقتصر عليه اليعمري، وقدمه مغلطاي والبرهان. قال في الغرز: وهو الصحيح، وقيل: خمس وأربعون، وقيل: ثلاثون، وقيل: ثمانية وعشرون، حكاه مغلطاي وغيره. وأم قول المصنف هنا: وفي المقصد الثاني أربعون، "وبعض أخرى" فينظر ما قدر البعض، "وكانت عرضت نفسها عليه" بلا واسطة، فعند ابن إسحاق فعرضت عليه نفسها، فقالت: يا ابن عم! إني قد رغبت فيك لقرابتك وسلطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، أو بواسطة؛ كما رواه ابن سعد من طريق الواقدي عن نفيسة بنت منية، قالت: كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبًا وأعظمهم شرفًا وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصًا على نكاحها لو قدر على ذلك، طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسًا إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد! ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: "ما بيدي ما أتزوج به"، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: "فمن هي"؟ قلت: خديجة، قال: "وكيف

فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه. فتزوجها عليه السلام، وأصدقها عشرين بكرة.............................

_ لي بذلك"؟. فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه: أن ائت لساعة كذا، "فذكر ذلك لأعمامه" والجمع ممكن بأنها بعثت نفيسة أولا لتعلم هل يرضى، فلما علمت ذلك كلمته بنفسها، قال الشامي، وسبب عرضها ما حدثها به غلامها ميسرة مع ما رأته من الآيات. وما ذكره ابن إسحاق في المبتدأ، قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه، فاجتمعن يومًا فيه، فجاءهن يهودي، فقال: يا معشر نساء قريش! إنه يوشك فيكن نبي، فأيتكن استطاعت أن تكون فراشًا له فلتفعل، فحصبنه وقبحنه وأغلظن له وأغضت خديجة على قوله؛ ولم تعرض فيها عرض فيه النساء، وقر ذلك في نفسها، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات، وما رأته هي، قالت: إن كان ما قال اليهودي حقًا، ما ذاك إلا هذا، انتهى. وحصبنه: رمينه بالحصباء، وأغضت بغين وضاد معجمتين: سكتت. "فخرج معه منهم حمزة" كذا عند ابن إسحاق، ونقل السهيلي عن المبرد: أن أبا طالب هو الذي نهض معه، وهو الذي خطب خطبة النكاح. قال في النور: فلعلهما خرجا معه جميعًا والذي خطب أبو طالب؛ لأنه أسن من حمزة. "حتى دخل على" أبيها "خويلد" بضم الخاء مصغر "ابن أسد" بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، "فخطبها إليه" أي: فخطبها من خويلد له صلى الله عليه وسلم، "فتزوجها عليه السلام" وظاهر سياقه هذا: أنه عليه السلام ذكر ذلك لأعمامه من غير طلبها حضور واحد بعينه وعند ابن سعد في الشرف، أنها قالت له: اذهب إلى عمك، فقل له: عجل إلينا بالغداة، فلما جاء، قالت: يا أبا طالب، ادخل على عمي، فقل له: يزوجني من ابن أخيك، فقال: هذا صنع الله ... فذكر الحديث. ولا منافاة أصلا فذكره عرضها لأعمامه لا ينافي كونها عينت له واحدًا منهم. وفي الروض: ذكر الزهري في سيرته وهي أول سيرة ألفت في الإسلام: أنه صلى الله عليه وسلم قال لشريكه الذي كان يتجر معه في مال خديجة: هلم فلنتحدث عند خديجة، وكانت تكرمهما وتتحفهما، فلما قاما من عندها جاءت امرأة، فقالت له: جئت خاطبًا يا محمد، قال: كلا، فقالت: ولم!! فوالله ما في قريش امرأة وإن كانت خديجة إلا تراك كفؤًا لها، فرجع صلى الله عليه وسلم خاطبًا لخديجة مستحيًا منها، وكان أبوها خويلد سكران من الخمر، فلما كلم في ذلك أنكحها، فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق، فلما صحا من سكره، قال: ما هذه الحلة والطيب، فقيل: إنك أنكحت محمدًا خديجة وقد ابتنى بها، فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه، وقال راجز من أهل مكة في ذلك:

وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتًا محجوجًا، وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا، محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا

_ لا تزهدي خديج في محمد ... نجم يضيء كما ضياء الفرقد "وأصدقها عشرين بكرة" من ماله صلى الله عليه وسلم زيادة على ما دفعه أبو طالب ويأتي له مزيد قريبًا. "وحضر أبو طالب" هذا هو الصواب المذكور في الروض وغيره، وما في نسخ أبو بكر رضي الله عنه لا أصل له، وقد صرح المصنف نفسه بالصواب في المقصد الثاني، فقال: وزاد ابن إسحاق من طريق آخر: وحضر أبو طالب "ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب" لا ينافيه قوله السابق: فخرج معه منهم حمزة؛ لما مر عن النور، "فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم" خصه دون نوح؛ لأنه شرفهم وأسكنهم البيت الحرام، أما نوح وآدم فيشاركهم فيه جميع الناس، "وزرع إسماعيل" والد العرب الذي هم أشرف الناس لا زرع إسحاق ولا مدين، ولا غيرهما من ولد إبراهيم، أي: مزروعة والمراد ذريته غاير تفننًا وكراهة لتوارد الألفاظ، وأطلق عليها اسم الزرع لمشابهتها له في النضارة والبهجة أو لتسببه في تحصيلها بفعل الزرع من إلقاء الحب وفعل ما يحتاج لتحصيل الإنبات، "وضئضئ معد" بكسر الضادين المعجمتين وبهمزتين الأولى ساكنة، ويقال: ضيضئ بوزن قنديل وضؤضؤ بوزن هدهد وضؤضوء بوزن سرسور، ويقال أيضًا بصادين وسينين مهملتين، وهو في الجميع الأصل والمعدن، ذكره الشامي. "وعنصر مضر" بضم العين المهملة وسكون النون وضم الصاد المهملة وقد تفتح الأصل أيضًا وغاير تفننا والإضافة فيهما بيانية، أي: أصل هو معد ومضر وخصهما لشرفهما وشهرتهما أو لما ورد أنهما ماتا على ملة إبراهيم، لكن وروده كان بعد ذلك بمدة فلعله كان مشهورًا في الجاهلية، قال شيخنا: ويجوز أن المراد بالأصل الشرف والحسب، والمعنى: من أشراف معد ومضر. "وجعلنا حضنة بيته" الكعبة "وسواس حرمه" مدبريه القائمين به، "وجعل له بيتًا محجوجًا" أي: مقصودًا بالحج إليه، "وحرمًا آمنًا" لا يصيبنا فيه عدو؛ كما قال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57] ، "وجعلنا الحكام على الناس" حكم معروف وطوع وانقياد لمكارم أخلاقهم وحسن معاملاتهم، لا حكم ملك وقهر فلا ينافي قول صخر لقيصر ليس في آبائه من ملك، "ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا

رجح به، فإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله من مالي كذا، وهو -والله- بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم، فزوجها.

_ رجح به" زاد في رواية: شرفًا ونبلا وفضلا وعقلا، وعداه بالباء وفيما مر عداه صلى الله عليه وسلم بنفسه في قوله: فوزنوني بهم فرجحتهم فيفيد جواز الأمرين، "فإن" وفي نسخة: وإن بالواو، وهي أولى؛ لأن ما ذكر لا يتفرع على ما قبله، "كان في المال" اللام عوض عن المضاف إليه، أي: ماله "قل" بضم القاف مشترك بين ضد الكثرة، وهو الوصف والشيء القليل؛ كما في القاموس. "فإن المال ظل زائل" تشبيه بليغ، أي: كالظل السريع الزوال، "وأمر" أي: شيء "حائل" لا بقاء له لتحوله من شخص لآخر ومن صفة إلى أخرى فمال زائل وحائل واحد، زاد في رواية: وعارية مسترجعة، "ومحمد ممن" من الذين "قد عرفتم قرابته" أفراد ضميره رعاية للفظ من، وفي نسخ إسقاط من أي ومحمد الذي قد عرفتم قرابته لهاشم وعبد المطلب والآباء والكرام، فالحسب أعظم من كثرة المال، "وقد خطب خديجة بنت خويلد" أي: جاء لها خاطبًا، "وبذل" أعطى بسماحة "لها ما آجله وعاجله من مالي". "كذا" هو ما يأتي عن الدولابي، ففي رواية: إن أبا طالب قال: وقد خطب إليكم راغبًا كريمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق ما حكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ذهبًا ونشا، وقال المحب الطبري في السمط الثمين في أزواج الأمين: أصدقها المصطفى عشرين بكرة، ولا تضاد بين هذا وبين ما يقال أبو طالب أصدقها؛ لجواز أنه صلى الله عليه وسلم زاد في صداقها فكان الكل صداقًا وذكر ادولابي وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم أصدقها اثنتي عشرة أوقية من ذهب، وفي المنتقى: الصداق أربعمائة دينار، فيكون ذلك أيضًا زيادة على ما تقدم ذكره الخميس. "وهو والله بعد هذا" الذي قلته فيه "له نبأ" خبر "عظيم" لا تعلمونه إشارة إلى ما شاهده من بركته عليه في أكله مع عياله، وما أخبر به بحيرا وغير ذلك، "وخطر جليل" عظيم "جسيم" فزوجها بالبناء للمفعول، وفي رواية: فتزوجها صلى الله عليه وسلم. وفي المنتقى: فلما أتم أبو طالب الخطبة تكلم ورقة بن نوفل، فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليّ يا معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمائة دينار، ثم سكت، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها: اشهدوا علي يا معاشر قريش أني قد أنكحت محمدًا بن عبد الله خديجة بنت خويلد،

والضئضئ: الأصل. وحضنة بيته: أي الكافلين له والقائمين بخدمته. وسواس حرمه: أي متولوا أمره. قال ابن إسحاق: وزوجها أبوها خويلد. وقد ذكر الدولابي وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق خديجة اثنتي عشر أوقية ذهبًا ونشًا. قالوا: وكل أوقة أربعون درهمًا، قال المحب الطبري والنش: نصف أوقية تتميم. ولما بلغ صلى الله عليه وسلم خمسًا وثلاثين سنة........................

_ وشهد على ذلك صناديد قريش. "والضئضئ" بجميع وجوهه المتقدمة معناه: "الأصل وحضنة بيته، أي: الكافلين له والقائمين بخدمته" أي: هم المعروفون بذلك وإلا فالأولى الرفع؛ لأن حضنة مبتدأ فهو مرفوع وإن قصد حكاية ما سبق، "وسواس حرمه، أي: متولو أمره" من ساس الرعية، "قال ابن إسحاق: وزوجها أبوها خويلد" للنبي صلى الله عليه وسلم أعاده للغزو، وهذا جزم به ابن إسحاق هنا، وصدر به في آخر كتابه وقابله بقوله: ويقال أخوها عمرو، وفي الفتح: زوجه إياها أبوها خويلد، ذكره البيهقي من حديث الزهري بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمها عمرو بن أسد ذكره الكلبي، وقيل: أخوها عمرو بن خويلد، ذكره ابن إسحاق، انتهى. وكأنه لم يعتبر قول الواقدي الثبت عندنا المحفوظ من أهل العلم أن أباها مات قبل حرب الفجار، وإن عمها عمرًا هو الذي زوجها لمزيد حفظ الثبت وهو الزهري خصوصًا، وقد رواه عن صحابي من السابقين، لكن قال الشامي الذي ذكره أكثر علماء السير: أن الذي زوجها عمها. قال السهيلي: وهو الصحيح لما روى الطبري: أن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن خويلدًا كان قد مات قبل حرب الفجار، ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه، وحكى عليه المؤملي الاتفاق. "وقد ذكر" الحافظ أبو بشر بموحدة مكسورة فشين معجمة محمد بن أحمد الأنصاري، "الدولابي" قال في اللب: كأصله بفتح الدال المهملة والناس يضمونها نسبة إلى عمل الدولاب شبه الناعورة، لكن في النور والقاموس: أن القرية دولاب بالضم والذي كالناعورة بالضم وقد يفتح وقد مر ذلك مع بعض ترجمته. "وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق خديجة" من مال أبي طالب على ما مر فنسب إليه لوقوع النكاح له، "اثنتي عشرة أوقية ذهبًا ونشًا" وظاهر كلام الطبري حمله على ظاهره وأن الذي من أبي طالب غيره، "قالوا وكل أوقية أربعون درهمًا قال المحب الطبري" فتكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي، انتهى. أي: ذهبًا ولا ينافيه تعبيره بدرهم؛ لأنه بيان للوزن فلا يستلزم كونه فضة فأراد الشرعي وزنًا وهو خمسون وخمسًا حبة من مطلق الشعير، أي: لا طبري ولا بغلي ثم هذا لا ينافي أن صداق الزوجات لم يزد على خمسمائة درهم فضة لحمله على ما بعد البعثة، أو على ما إذا كان منه عليه السلام، أما هذا فشاركه فيه أبو طالب. "والنش" بفتح النون وبالشين المعجمة "نصف أوقية" لأن النش لغة نصف كل شيء، روى مسلم عن عائشة: كان صداقه صلى الله عليه وسلم لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم، وهذا أولى من قول ابن إسحاق: صداقه لأكثر زوجاته أربعمائة درهم؛ لأن فيه زيادة، ومن ذكر الزيادة معه زيادة علم، ولصحته "تتميم" ذكر الملأ في سيرته أنه صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ذهب ليخرج، فقالت له: إلى أين يا محمد؟ اذهب وانحر جزورًا أو جزورين وأطعم الناس، ففعل وهو أول وليمة أولمها صلى الله عليه وسلم. وفي المنتقى: فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف، وقالت: مر عمك ينحر بكرًا من بكراتك، وأطعم الناس وهلم فقل مع أهلك، فأطعم الناس ودخل صلى الله عليه وسلم فقال: "معها فقر الله عينه"، وفرح أبو طالب فرحًا شديدًا وقال: الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الهموم، وسيأتي شيء من فضائلها إن شاء الله من المقصد الثاني، وقبله في المبعث.

بنيان قريش الكعبة

بنيان قريش الكعبة: "ولما بلغ صلى الله عليه وسلم خمسًا وثلاثين سنة" فيما جزم به ابن إسحاق وغير واحد من العلماء وقيل: خمسًا وعشرين سنة، رواه ابن عبد البر عن محمد بن جبير وعبد الرزاق عن ابن جريج عن مجاهد، وجزم به موسى بن قبة في معاوية ويعقوب بن سفيان في تاريخه، قال الحافظ: والأول أشهر، ويمكن الجمع بأن الحريق تقدم وقته على الشروع في البناء. وحكى الأزرقي: أنه كان غلامًا، قال الحافظ: ولعل عمدته ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: لما بلغ صلى الله عليه وسلم الحلم أجمرت الكعبة امرأة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت، فذكر القصة، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، حكى الأخير المصنف ولعله غلط قائله. وأما قول الشامي ما حاصله: وسن المصطفى خمس وثلاثون سنة، وقيل: قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين وغلط قائله فعجيب، فإن الثالث هو عين الثاني،

خافت قريش أن تنهدم الكعبة من السيول، فأمروا باقوم -بموحدة فألف فقاف مضومة فواو ساكنة فميم- القبطي مولى سعيد بن العاصي..........................

_ وليس بغلط بل هو قوي، ولذا احتاج الحافظ للجمع بينه وبين الأول كما ترى، وممن ذكر جمعه الشامي. وأما ما رواه ابن راهويه عن علي: أنه صلى الله عليه وسلم كان حينئذ شابًا فهو يأتي على جميع الأقوال. "خافت قريش أن تنهدم الكعبة من السيول" فيما حكاه في العيون والفتح عن موسى بن عقبة، قال: إنما حمل قريشًا على بنائها أن السيل أتى من فوق الردم الذي بأعلى مكة فأخربه فخافوا أن يدخلها الماء، وقيل سبب ذلك احتراقها، فروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الزهري: أن امرأة أجمرت الكعبة فطارت شرارة في ثيابها فأحرقتها، وروى الفاكهي عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: كانت الكعبة فوق القامة فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وروى ابن راهويه عن علي في حديث: فمر عليه الدهر فبنته قريش، حكاه في الفتح، وقيل: إن السيل دخلها وصدع جدرانها بعد توهينها. وقيل: إن الأنفر أسرقوا حلي الكعبة وغزالين من ذهب، وقيل: غزالا واحدًا مرصعًا بدر وجوهر، وكان في بئر في جوف الكعبة، فأرادوا أن يشيدوا بنيانها ويرفعوه حتى لا يدخلها إلا من شاءوا، وجمع بأنه لا مانع أن سبب بنائهم ذلك كله. وقال شيخنا: يجوز أن خشية هدم السيل حصل من الحريق حتى أوهن بناءها ووجدت السرقة بعد ذلك أيضًا، "فأمروا باقوم بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو ساكنة فميم" ويقال: باقول باللام الصحابي؛ كما في الإصابة، "القبطي" بالقاف نسبة إلى القبط نصارى مصر، "مولى سعيد بن العاصي" بن أمية، وفي الإصابة روى ابن عيينة في جامعه عن عمرو بن دينار عن عبيدة بن عمير، قال: اسم الرجل الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان روميًا وكان في سفينة حبسها الريح فخرجت إليها قريش وأخذوا خشبها، وقالوا له: ابنها على بناء الكنائس، رجاله ثقات مع إرساله، انتهى. فيحتمل أنهما اشتركا جميعًا في بنائها أو أحدهما بنى والآخر سقف وإنهما واحد وهو رومي في الأصل ونسب إلى القبط حلفًا ونحوه، وهذا هو الظاهر من كلام الإصابة، فإنه بعدما جزم بأنه مولى بني أمية، وذكر الرواية التي صرحت بأنه مولى سعيد منهم ذكر روايتي بنائه الكعبة وعمله المنبر، وقال في آخره: يحتمل أنه الذي عمل المنبر بعد ذلك ولم يقع عنده أنه قبطي وهو يؤدي ما في بعض نسخ المصنف النبطي بفتح النون والموحدة. قال في الفتح: هذه النسبة إلى استنباط الماء واستخراجه وإلى نبيط بن هانب بن أميم بن

وصانع المنبر الشريف، بأن يبني الكعبة المعظمة.

_ لاود بن سام بن نوح، انتهى. فيحتمل أنه كان يستخرج الماء فنسب إليه وإن كان روميًا، ويؤيده قول بعضهم وكان نجارًا بناء فإن من جملة حرف البناء معرفة استخراج الماء من المواضع بأن يقول: الماء يوجد هنا أقرب من هنا فليست بتحريف. "وصانع المنبر الشريف" النبوي المدني في أحد الأقوال كما يجيء إن شاء الله تعالى، وأخرج أبو نعيم بسند ضعيف عن صالح مولى التوءمة: حدثني باقوم مولى سعيد بن العاص، قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم منبرًا من طرفاء الغابة ثلاث درجات المقعد ودرجتين. "بأن يبني الكعبة المعظمة" وذلك أنه كان بسفينة ألقاها الريح بجدة فتحطمت فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إليها، فابتاعوا خشبها وأعدوه لتسقيف الكعبة وكلموا باقوم الرومي في بنائها فقدم معهم. قال ابن إسحاق: وكان بمكة رجل قبطي نجار فهيأ لهم بعض ما يصلحها، قال: فهاب الناس هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام وهو يقول: اللهم لم ترع، بفوقية مضمومة فراء مفتوحة، أي: لم تفزع الكعبة فأضمرها التقدم ذكرها، وهذا أولى من إعادة السهيلي الضمير لله قائلا: لا روع هنا، فينبغي لكن الكلمة تقتضي إظهار قصد البر فيجوز التكلم بها في الإسلام، واستشهد بحديث: "فاغفر فدا لك ما أبقينا"، قال: وفي رواية: لم نزغ، أي: بفتح النون وكسر الزاي وغين معجمة، قال: وهو جلي لا يشكل، أي: لم نمل عن دينك ولا خرجنا عنه، اللهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين الأسود واليماني وتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء هدمنا فقد رضي الله ما صنعنا فأصبح الوليد من ليلته عائدًا إلى عمله فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسمنة جمع سنام، وهو أعلى الظهر للبعير، ومن رواه كالأسنة جمع سنان شبهها بالأسنة في الخضرة أخذ بعضها ببعض فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلته بين حجرين منها ليقلع بها بعضها، فلما تحرك الحجر تنغصت مكة بأسرها وأبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل، فانتهوا عن ذلك الأساس وبنوا عليه. وفي رواية: لما شرعوا في نقض البناء خرجت عليهم الحية التي كانت في بطنها تحرسها سوداء البطن، فمنعتهم من ذلك فاعتزلوا عند مقام إبراهيم فتشاوروا، فقال لهم الوليد: ألستم تريدون بها الإصلاح؛ قالوا: بلى، قال: فإن الله لا يهلك المصلحين ولكن لا تدخلوا في

وحضر صلى الله عليه وسلم وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا يضعون أزرهم.........

_ بيت ربكم إلا طيب أموالكم، وتجنبوا الخبيث فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. وعند موسى بن عقبة، أنه قال: لا تجعلوا فيها مالا أخذه غصبًا ولا قطعت فيه رحم، ولا انتهكت فيه حرمة. وعند ابن إسحاق: أن الذي أشار عليهم بذلك هو أبو وهب بن عمر بن عامر بن عمران بن مخزوم ففعلوا ودعوا، وقالوا: اللهم إن كان لك في هدمها رضى فأتمه وأشغل عنا هذا الثعبان، فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب ظهره أسود وبطنه أبيض ورجلاه صفراوان والحية على جدار البيت فأخذها ثم طار بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن الله قبل عملكم ونفقتكم. وفي التمهيد عن عمرو بن دينار: لما أرادت قريش بناء الكعبة خرجت منها حية فحالت بينهم وبينها فجاء عقاب أبيض، فأخذها ورمى بها نحو أجياد، انتهى. وعن ابن عباس: أنها الدابة التي تخرج في آخر الزمان تكلم الناس اختطفها العقاب، فألقاها الحجون فابتلعتها الأرض، وقيل: الخارجية فصيل ناقة صالح وهما غريبان. وروى ابن راهويه في حديث عن علي: فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: نحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة، فكان صلى الله عليه وسلم أول من خرج فحكم بينهم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل. وذكر الطيالسي، أنهم قالوا: نحكم أول من يدخل من باب بني شيبة، فكان صلى الله عليه وسلم أول من دخل منه، فأخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه فوضعه بيده. وذكر الفاكهي وابن إسحاق أن الذي أشار عليهم أن يحكموا أول داخل أبو أمية المخزومي أخو الوليد، وعند موسى بن عقبة أن المشير أخوه الوليد. قال السهيلي: وذكر أن إبليس كان معهم في صورة شيخ نجدي، فصاح بأعلى صوته، يا معشر قريش، أقد رضيتم أن يضع هذا الركن وهو شرفكم غلام يتيم دون ذوي أسنانكم، فكاد يثير شرًا بينهم، ثم سكتوا. وحكى في الروض: أنها كانت تعة أذرع من عهد إسماعيل، يعني طولا، ولم يكن لها سقف فلما بنتها قريش زادوا فيها تسعة أذرع ورفعوا بابها على الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا في درج أو سلم. وقال الأزرقي: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر. "وحضر صلى الله عليه وسلم" بناءها "وكان ينقل معهم الحجارة" من أجياد "وكان يضعون أزرهم" جمع

على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك صلى الله عليه وسلم فلبط به -بالموحدة، كعنى أي سقط من قيامه كما في القاموس- ونودي: عورتك، فكان ذلك أول ما نودي.

_ إزار، يذكر ويؤنث، "على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل ذلك صلى الله عليه وسلم" بأمر العباس، فروى الشيخان عن جابر، قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: "إزاري إزاري"، فشد عليه إزاره، فما رئي بعد ذلك عريانًا. "فلبط به بالموحدة، كعنى" فهو من الأفعال التي جاءت بصيغة المبني للمفعول، وهي بمعنى المبني للفاعل، "أي: سقط من قيامه؛ كما في القاموس، ونودي" يا محمد، غط "عورتك" روى عبد الرزاق والطبراني والحاكم عن أبي الطفيل، قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم ليس فيها مدور وكانت ذات ركنين، فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبًا من جدة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا خشبها فوجدوا الرومي الذي فيها نجارًا فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب لهدمه بدت لهم حية فاتحة فاها، فبعث الله طيرًا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمد خمر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك. ففي قول السراج بن الملقن في شرح البخاري: لعل جزعه لانكشاف جسده، وليس في الحديث، يعني حديث جابر المتقدم أنه انكشف شيء من عورته تقصير؛ لأنه وإن لم يكن فيه فقد ورد في غيره، وخير ما فسرته بالوارد نعم ليس المراد العورة المغلظة. "فكان ذلك أول ما نودي" زاد في رواية أبي الطفيل: فما رأيت له عورة قبل ولا بعد، وذكر ابن إسحاق في المبعث: وكان صلى الله عليه وسلم يحدث عما كان الله يحفظه في صغره أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم لذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك، فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل وإزاري عليّ من بين أصحابي". قال السهيلي: إنما وردت هذه القصة في بنيان الكعبة، فإن صح أن ذلك كان في صغره فهي قصة أخرى، مرة في الصغر، ومرة بعد ذلك، قلت: قد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل الغلمان فلا يستحيل اتحاد القصة اعتمادًا على التصريح بالأولية في حديث أبي الطفيل، كذا في

فقال له أبو طالب أبو العباس: يابن أخي اجعل إزارك على رأسك، فقال: "ما أصابني ما أصابني إلا من التعري". خاتمة.

_ فتح الباري. وجمع في كتاب الصلاة بحمل ما عند ابن إسحاق على غير الضرورة العادية، وما في حديث جابر على الضرورة العادية، والنفي فيها على الإطلاق، أو يتقيد بالضرورة الشرعية؛ كحالة النوم مع الأهل أحيانًا، انتهى. "فقال له أبو طالب أو العباس" شك من الراوي "يابن أخي، اجعل إزارك على رأسك" وكأنه توهم أن سقوطه من جعله على رقبته، لا من كشف عورته ولا يشكل أنه نودي عورتك؛ لجواز أنه لم يسمع النداء وإنما سمعه المصطفى، فقال: "ما" نافية "أصابني ما" الذي "أصابني" من السقوط "إلا من التعري". خاتمة: اختلف في أول من بنى الكعبة، فذكر المحب الطبري في منسكه قولا: أن الله وضعه أولا لا ببناء أحد، وروى الأزرقي عن علي بن الحسين: أن الملائكة بنته قبل آدم. وروى عبد الرزاق عن عطاء، قال: أول من بنى البيت آدم. وعن وهب بن منبه: أول من بناه شيث بن آدم. وفي الكشاف: أول من بناه إبراهيم، وجزم به ابن كثير، زاعمًا أنه أول من بناه مطلقًا إذ لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنيًا قبله. قلت: ولم يثبت عن معصوم أنه أول من بناه. وقد روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة بناء آدم لها، ورواه الأزرقي وأبو الشيخ وابن عساكر، عن ابن عباس موقوفًا وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيًا، وأخرج الشافعي عن محمد بن كعب القرظي، قال: حج آدم فلقيته الملائكة، فقالوا: بر نسكك يا آدم. وقد روى ابن أبي حاتم، من حديث ابن عمر: أن البيت رفع في الطوفان فكان الأنبياء بعد ذلك يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإبراهيم فبناه على أساس آدم وجعل طوله في الساء سبعة أذرع بذراعهم، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعًا بذراعهم، وأدخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفًا وجعل له بابًا وحفر به بئرًا عند بابه يلقى فيها ما يهدى للبيت؛ فهذه الأخبار وإن كان مفرداتها ضعيفة، لكن يقوي بعضها بعضًا ثم العمالقة ثم جرهم، رواه ابن أبي شيبة وابن راهويه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن علي: أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقة ثم انهدم، فبنته جرهم ثم قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار وجزم بن الماوردي، ثم قريش فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا وفي رواية: عشرين، ولعل راويها جبر بالكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعًا أدخلوها

باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مدخل ... "بسم الله الرحمن الرحيم" "باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم": ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة وقيل: وأربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين...............................

_ في الحجر لضيق النفقة بهم، ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد تضعضعت من الرمي بالمنجنيق فهدمها في خلافته وبناها على قواعد إبراهيم، فأعاد طولها على ما هو عليه الآن، وأدخل من الحجر الأذرع المذكورة، وجعل له بابًا آخر، فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبد الملك في نقض ما فعله ابن الزبير فكتب إليه: أما ما زاده في طولها فأقره، وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد بابه الذي فتحه، ففعل ذلك؛ كما في مسلم عن عطاء. وذكر الفاكهي: أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها، ولعن الحجاج. وفي مسلم نحوه من وجه آخر: واستمر بناء الحجاج إلى الآن وقد أراد الرشيد أو أبوه أو جده أن يعيده على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه ولم يتفق لأحد من الخلفاء ولا غيرهم تغيير شيء ممخا صنعه الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب وعتبته: وكذا وقع الترميم في الجدار والسقف وسلم السطح غير مرة، وجدد فيها الرخام. قال ابن جريج: أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، فالمتحصل من الآثار؛ كما أفاده الفتح والإرشاد والسبل وشفاء الغرام: أنها بنيت عشر مرات وقد علمتها وذكر بعضهم أن عبد المطلب بناها بعد قصي وقبل بناء قريش، قال الفاسي: ولم أر ذلك لغيره وأخشى أن يكون وهمًا، قال: واستمر بناء الحجاج إلى يومنا هذا وسيبقى على ذلك إلى أن تخر بها الحبشة وتقلعها حجرًا حجرًا؛ كما في الحديث، وقد قال العلماء: إن هذا البنيان لا يغير، انتهى. والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: "ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة" قاله جمهور العلماء. السهيلي: هو الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر. النووي هو الصواب وهو المروي في الصحيحين عن ابن عباس وأنس، وروي أيضًا عن عطاء وابن المسيب وجبير بن مطعم، وقباث بن أشيم الصحابي. "وقيل: أربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين" حكاه في الروض ممرضًا بلفظ: روي، وقيل: ويوم واحد، حكاه المنتقى.

يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان, وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة. وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: في أول ربيع: بعثه الله رحمة للعالمين........................

_ وفي تاريخ يعقوب بن سفيان وغيره عن مكحول: أنه بعث بعد اثنتين وأربعين سنة. وقال الواقدي وابن عاصم والدولابي: وهو ابن ثلاث وأربعين. وفي كتاب العتقي: ابن خمس وأربعين، قال مغلطاي: وجمع بأن ذلك حين حمى الوحي وتتابع. وقال البهران: هما شاذان، والثاني أشد شذوذًا. وفي الفتح حديث ابن عباس: فمكث بمكة ثلاث عشرة أصح مما عند أحمد من وجه آخر عنه أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرًا، وأصح مما أخرجه مسلم من وجه آخر عنه: أنه أقام بمكة خمس عشرة سنة. "يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان" رواه ابن سعد واقتصر عليه المصنف في إرشاده، "وقيل: لسبع" منه، "وقيل: لأربع وعشرين ليلة" من رمضان على ما في حديث واثلة الآتي، ثم كون البعث فيه هو قول الأكثر والمشهور عند الجمهور، قال الحافظان ابنا كثير وحجر وصححه الحافظ العلائي، قال في الفتح: فعلى الصحيح المشهور أن مولده في ربيع الأول يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر، وكلام ابن الكلبي يؤذن بأن ولد في رمضان، وبه جزم الزبير بن بكار وهو شاذ، انتهى. "وقال ابن عبد البر" والمسعودي بعث "يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، من" عام "الفيل" وبه صدر ابن القيم، وعزاه للأكثرين، ثم حكى أنه كان في رمضان عكس النقل الأول، فعلى هذا يكون له أربعون سنة سواء، قاله الفتح. وجمع بين النقلين: بما في حديث عائشة: أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة. وحكى البيهقي: إن مدتها ستة أشهر فيكون نبئ بالرؤيا في ربيع الأول ثم أتاه جبريل في رمضان وحمل عليه بعضهم الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ لأن مدة الوحي كانت ثلاثًا وعشرين سنة فيها ستة أشهر منام وذلك جزء من ستة وأربعين. وأما الجمع بأن نزول {اقْرَأْ} [العلق: 1] في رمضان، وأول المدثر في ربيع، فاعترض بأن نزول المدثر بعد ثلاث سنين. "وقيل: في أول ربيع بعثه الله رحمة للعالمين" أوحى إليه وأمره بتبليغ ما أوحاه فنزل ذلك

ورسولا إلى كافة الثقلين أجمعين. ويشهد لبعثه يوم الاثنين ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل عليّ". وقال ابن القيم في "الهدى النبوي": واحتج القائلون بأنه كان في رمضان بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] . قالوا: أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن.

_ منزلة الإرسال، فعبر عنه بالبعث مجازًا وإلا فحقيقة إرسال شخص من مكان لآخر يتعدى إليه الفعل بنفسه وإن وصل بنفسه كما هنا، وإلا فبالياء كبعثت بالكتاب عند أكثر اللغويين، وبه قطع المصباح. "ورسولا إلى كافة الثقلين" الإنس والجن "أجمعين" وكأنه اقتصر عليهما؛ لأن آثار الإرسال إنما يتعلق بهما، والملائكة وإن كان مرسلا إليهم في الراجح غير مكلفين بشرعة وأشعر المصنف بتقارن الرسالة والنبوة، قال شيخنا: وهو الصحيح كما قال بعض مشايخنا، وقيل: النبوة متقدمة على الرسالة، وعليه ابن عبد البر وغيره، واقتصر عليه المصنف فيما يجيء. "ويشهد لبعثه يوم الاثنين، ما رواه مسلم" مختصرًا من طريق مهدي بن ميمون عن غيلان عن عبد الله بن معبد، "عن أبي قتادة" الخزرجي السلمي الحارث بن ربعي بكسر الراء، شهد المشاهد، إلا بدرًا ففيها خلف "أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم" يوم "الاثنين، فقال: "فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ" ورواه مسلم قبل ذلك في حديث طويل من طريق شعبة عن غيلان عن ابن معبد عن أبي قتادة، بلفظ: وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه" أو قال: "أنزل عليّ فيه"، فصدق كل من المصنف والشامي في العزو لمسلم؛ لأنهما روايتان فيه. "وقال ابن القيم في الهدي" بفتح الهاء وسكون الدال، "النبوي" يعني: كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد؛ لأن تراجمه كلها يقول: هديه عليه السلام في كذا "واحتج القائلون بأنه كان في رمضان" وإن اختلفوا في تعيين، أي: يوم منه على ما مر. وأما حديث واثلة: وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان على تسليم أن المراد على المصطفى، فإنما هو دليل للقائل به إذ المعنى: احتج المتفقون على أنه كان في رمضان، "بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] ، أي: ابتدئ فيه إنزاله، "قالوا: أو ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن" وهو إنما أنزل في رمضان

وقال آخرون: إنما نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم نزل نجومًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.

_ فيكون ابتداء نزوله فيه، "وقال آخرون: إنما أنزل القرآن جملة واحدة" من اللوح المحفوظ "في ليلة القدر إلى بيت العزة" في سماء الدنيا؛ كما جاء عن ابن عباس، فلا دلالة على الآية على أن ابتداء نزوله على المصطفى في رمضان ولا أن ابتداء نبوته فيه، لكن روى أحمد وابن جرير والطبراني والبيهقي عن واثلة مرفوعًا: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان"، قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث مطابق لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] ، ولقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] ، فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين، أي: صبيحتها إلى الأرض أول {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، انتهى. قال في الإتقان: لكن يشكل على ذا الحديث ما عند ابن أبي شيبة عن أبي قلابة، قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان، انتهى. ولا إشكال فالمقطوع لا يعارض المرفوع. "ثم نزل نجومًا" قطعًا متفرقة؛ لأن كل جزء منه يسمى نجمًا، "بحسب الوقائع" خمس آيات وعشر أو أكثر وأقل، وصح نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات من أول المؤمنين جملة، وصح نزول {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] ، وحدها وهي بعض آية، وكذا: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} [التوبة: 28] إلى آخر الآية، نزول بعد نزول أول الآية وذلك بعض آية، وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة: أنزل الله القرآن نجومًا ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات وما عند البيهقي عن عمر: تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات؛ فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم خمسًا خمسًا. ومن طريق ضعيف عن علي: أنزل القرآن خمسًا خمسًا إلا سورة الأنعام، فمعناه: إن صح إلقاؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا القدر حتى يحفظه ثم يلقي الباقي لا إنزاله بهذا القدر خاصة، ويوضح ذلك ما عند البيهقي عن أبي العالية: كان صلى الله عليه وسلم يأخذ القرآن من جبريل خمسًا خمسًا، قاله في الإتقان. "في ثلاث وعشرين سنة" على قول الجمهور: أنه صلى الله عليه وسلم بعث لأربعين وعاش ثلاثًا وستين، ولا ينافيه أن الفترة التي لم ينزل فيها القرآن بعد نزول {اقْرَأ} [العلق: 1] ثلاث سنين؛ لأنه نزل قبلها أول اقرأ فصدق أنه نزل ثلاث وعشرين سنة؛ لأنه لم يقل كان ينزل عليه كل يوم ولا كل

....................................................................

_ شهر، وقيل: نزل في عشرين بناء على أنه عاش ستين أو على إلغاء الفترة. قال الأصفهاني: اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله منزل، واختلفوا في معنى الإنزال، فقيل: إظهار القراءة، وقيل: ألهم الله تعالى كلامه جبريل وهو في السماء وهو عال من المكان وعلمه قراءته، ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان. وقال القطب الرازي: المراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تلقفًا روحانيًا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم، وقال غيره في المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال: أحدها: اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف، وتحت كل حرف منها معان لا يحيط بها إلا الله. الثاني: أن جبريل نزل بالمعاني خاصة وعلم صلى الله عليه وسلم تلك المعاني، وعبر عنها بلغة العرب لظاهر قوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 193، 194] . الثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى وعبر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية، ثم نزل به كذلك بعد. ويؤيد الأول ما رواه الطبراني عن النواس بن سمعان مرفوعًا إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أرادوا، وينتهي به على الملائكة كلما مر بسماء سأله أهلها: ماذا قل ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمر. وقال البيهقي: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] ، يريد والله أعلم إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع فيكون الملك متنقلا من علو إلى سفل، قال أبو ثمامة: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قدم القرآن وأنه صفة قائمة بذاته تعالى. وقال العلامة الخوي، بضم الخاء المعجمة: كلام الله المنزل قسمان، قسم قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول لك كذا وكذا، وأمر بكذا وكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قال ربه ولم تكن العبارة تلك العبارة؛ كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند يتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب وتقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر، قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل بكلام الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابًا ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفًا، انتهى.

وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب. وروى البخاري في "التعبير" من حديث عائشة: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي....................................

_ والقرآن هو القسم الثاني، والأول هو السنة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة؛ كما ينزل بالقرآن. وقد رأيت ما يعضد كلامه، فروى ابن أبي حاتم عن الزهري أنه سئل عن الوحي، فقال: الوحي ما يوحي الله إلى نبي من أنبيائه فيثبته في قلبه فيتكلم به ويكتبه، وهو كلام الله ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته ولكنه يحدث به الناس حديثًا ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه، قاله في الإتقان ببعض اختصار. وذكر في فتاويه عن شيخه الكافيجي أن التلقف الروحاني لا يكيف. "وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب" حكى مغلطاي وغيره من العتقي أنه بعث وهو ابن خمس وأربعين سنة لسبع وعشرين من رجب، قال شيخنا: فيحتمل أن هذا اليوم هو المراد لصاحب هذا القول وهو وضاح وإن ثبت أنه يقول: سنة خمس وأربعون سنة. "وروى البخاري في" كتاب "التعبير" من صحيحه، وفي التفسير، وفي بدء الوحي والإيمان لكنه اختار ما في التعبير؛ لأن سياقه فيه أتم فذكر الحزن والتردي إلى آخر الحديث إنما هو فيه دون تلك المواضع ودون كتاب مسلم ولذا لم يعزه لهما. وأما جعل نكتة ذلك أنه كان بصدد ما وقع له يقظة والآن بصدهه أوقع له قبل ذلك فناسب نقله من التعبير، فبادرة لا محصل لها والتعبير تفعيل من عبرت مشددًا، قال المصنف: وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد لكن أثبته الزمخشري اعتمادًا على بيت أنشده المبرد في الكامل لبعض الأعراب: رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارًا وقال غيره: يقال عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرتها بالتشديد للمبالغة، انتهى. وهو تفسير الرؤيا؛ لأنه يعبر من ظاهرها إلى باطنها والعبر والعبور الدخول والتجاوز، وقيل: لأنه ينظر فيها، ويعتبر بعضها ببعض حتى تفهم فهو من الاعتبار وسيأتي بسط القول فيه إن شاء الله تعالى في مقصد الرؤيا بحول الله وقوته. "من حديث عائشة" مرسلا؛ لأنها لم تدرك ذلك الوقت فإنما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابي آخر عنه، قال الحافظ تبعًا للطيبي: ويؤيد سماعها له منه قولها في أثناء الحديث، قال: فأخذني فغطني. "أول ما بدئ" بضم الموحدة وكسر المهملة فهمزة "به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي" أي: من أقسامه فمن للتبعيض، وقول القزاز لبيان الجنس: كأنها قالت: من جنس الوحي

الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وكان يأتي حراء...................................

_ وليست منه، أي: فهي مجاز علاقته المشابهة للوحي في أنه لا دخل للشيطان فيها رده عياض بحديث: "إنها جزء من النبوة". "الرؤيا الصادقة" هكذا في التعبير والتفسير، أي: لا كذب فيها أو لا تحتاج لتعبير، أو ما يقع بعينه، أو ما يعبر في المنام، أو يخبر به صادق، وفي بدء الوحي ومسلم الصالحة، قال المصنف: وهما بمعنى بالنسبة إلى الآخرة في حق الأنبياء. وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص فرؤيا الأنبياء كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا كرؤيا يوم أحد، انتهى. "في النوم" زيادة للإيضاح أو لتخرج رؤية العين يقظة مجازًا، قاله الحافظ وغيره ويأتي إن شاء الله تعالى. الخلاف فيه في الإسرء حيث تكلم فيه المصنف، ثم فلا نطيل به هنا. قال الحافظ: وبدء بذلك ليكون توطئة وتمهيدًا لليقظة، ثم مهد له في اليقظة أيضًا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر، انتهى. "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت" في بياتها، وللحموي والمستملي: إلا جاءته مجيئًا "مثل" فنصب نعت مصدر محذوف، "فلق" بفتحتين "الصبح" أي: شبيهة له في الضياء والوضوح أو التقدير مشبهة ضياء الصبح، فالنصب على الحال، وقدمه الفتح واقتصر عليه النور، وأكثر الشراح. وقال العيني: الأول أولى؛ لأنه مطلق والحال مقيد. قال الحافظ: وخص بالشبه لظهوره الواضح الذي لا يشك فيه، أو للتنبيه على أنه لم يكن في باعث البشر أو كون ذلك من باعث الأفهام. وقال المصنف: لأن شمس النبوة كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى ظهور أشعتها وتمام نورها. وقال البيضاوي: شبه ما جاء في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه، والفلق: الصبح، لكنه لما استعمل في ذا المعنى وغيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام للخاص. "وكان يأتي حراء" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء والمد والتذكير والصرف على الصحيح، وحكى الفتح والقصر، وهي لغة مصروف على إرادة المكان ممنوع على إرادة البقعة، فيذكر ويؤنث جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، وزعم الخطابي خطأ المحدثين في قصره وفتح حائه والأربعة في قباء أيضًا، وجمعهما القائل: حرا وقبا ذكر وأنثهما معا ... ومد أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا

فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى فجأه..........................................

_ "فيتحنث فيه" بحاء مهملة آخره مثلثة، أي: يتجنب الحنث، أي: الإثم فهو من الأفعال التي معناها السلب، وهو اجتناب فاعلها لمصدرها مثل تأثم وتحوب إذا اجتنب الإثم والحوب بضم المهملة، أي: الذنب العظيم أو هو بمعنى رواية ابن هشام في السيرة يتحنف بفاء خفيفة، أي: يتبع الحنيفية دين إبراهيم والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم وقدمه الفتح. وفي كتاب الأضداد للصغاني: تحنث إذا أتى الحنث وإذا تجنبه. "وهو التعبد" من تسمية المسبب باسم السبب على التفسير الأول؛ لأن التعبد سبب لإزالة الإثم وليس نفسه. وعلى الثاني ظاهر "الليالي" نصب على الظرفية متعلق بيتحنث لا بالتعبد؛ لأنه لا يشترط فيه الليالي بل مطلق التعبد، "ذوات العدد" مع أيامهن واقتصر عليهن تغليبًا؛ لأنهن أنسب للخلوة ووصفها بذلك للتقليل كما في دراهم معدودة أو للتكثير لاحتياجها إلى العدد، وهو المناسب للمقام والتفسير للزهري أدرجه في الخبر؛ كما جزم به الطيبي. قال الحافظ: ورواه البخاري في التفسير تدل عليه وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وللبخاري ومسلم جاورت بحراء شهرًا، ولابن إسحاق: أنه شهر رمضان، ولم يصح عنه أكثر منه. وروى سوار بن معصب: أربعين يومًا لكنه متروك الحديث، قال الحاكم وغيره. وفي تعبده قبل البعثة بشريعة أم لا قولان، الجمهور على الثاني. واختار ابن الحاجب والبيضاوي الأول ففي أنه بشريعة إبراهيم أو موسى أو عيسى أو نوح أو آدم أو بشريعة من قبله دون تعيين، أو بجميع الشرائع. ونسب للمالكية أو الوقف أقوال، ولم يأت تصريح بصفة تعبده بحراء، فيحتمل أنه أطلق على الخلوة بمجردها تعبد، فإن الانعزال عن الناس، ولا سيما من كان على باطل عبادة، وعن ابن المرابط وغيره كان يتعبد بالفكر، وهذا على قول الجمهور. "ويتزود" بالرفع عطفًا على يتحنث، أي: يتخذ الزاد، "لذلك" أي: للتعبد، "ثم يرجع إلى خديجة، فتزوده لمثلها" أي: الليالي؛ كما اقتصر عليه الفتح في بدء الوحي ورجحه في التعبير وإن رجح غيره في التفسير لأن مدة الخلوة كانت شهرًا، فكان يتزود لبعض ليالي الشهر، فإذا نفد رجع إلى أهله فيتزود قدر ذلك، ولم يكونوا في سعة بالغة من العيش وكان غالب أدمهم اللبن واللحم ولا يدخر منه كفاية شهر لسرعة فساده، لا سيما وقد وصف بأنه كان يطعم من يرد عليه، وفيه أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينقطع بالغار بالكلية بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم، ثم يرجع لتحنثه. "حتى" على بابها من انتهاء الغاية، أي: واستمر بفعل ذلك حتى "فجأه" بفتح الفاء وكسر

الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، $"فقلت ما أنا بقارئ...............................

_ الجيم وتفتح؛ كما في الديباج فهمزة، أي: جاءه؛ كما في رواية بدء الوحي بغتة، فإنه لم يكن متوقعًا له "الحق" بالرفع صفة لمحذوف، أي: الأمر حق، وهو الوحي سمي حقًا لمجيئه من عند الله أو رسول الحق وهو جبريل فأصله الجر بتقديم مضاف لكنه حذف وأقيم مقامه، فأعطى على الإعراب، "وهو في غار حراء" فترك ذلك التحنث والجملة حالية، "فجاءه الملك" جبريل اتفاقًا "فيه" واللام لتعريف الماهية لا العهد، إلا أن يكون المراد: ما عهده عليه السلام لما كلمه في صباه أو اللفظ لعائشة وقصدت به ما يعهده من تخاطبه به. قال الإسماعيلي: هي عبارة عما يعرف بعد أنه ملك وإنما الأصل فجاءه جاء وكان الجائي ملكًا فأخبر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم أخبر بحقيقة جنسه، والحامل عليه أنه لم يتقدم له معرفة به، انتهى. وهو ظاهر ولا ينافيه أن اللفظ لعائشة؛ لأنها حكت ما سمعته وفاء، فجاءه تفسيرية؛ كقوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] ، لا تعقيبية، قال الحافظ: لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقب به بل هو نفسه ولا يلزم منه تفسير الشيء بنفسه بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال وغيره من جهة التفصيل، انتهى. ولا سببية؛ لأن المسبب غير المسبب. "فقال" له: "اقرأ" أمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقى إليه أو على بابه من الطلب، فهو دليل على تكليف ما لا يطاق في الحال وإن قدر عليه بعد. قال الحافظ: وهل سلم قبل قوله: اقرأ، أم لا؟ وهو الظاهر؛ لأن المقصود حينئذ تفخيم الأمر وتهويله وابتداء السلام متعلق بالبشر لا الملائكة، وتسليمهم على إبراهيم؛ لأنهم كانوا في صورة البشر، فلا يرد هنا ولا سلامهم على أهل الجنة؛ لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبًا نعم. في رواية الطيالسي: أن جبريل سلم أولا لكن لم يرد أنه سلم عند الأمر بالقراءة، انتهى. "فقلت" هذه رواية الأكثر في البخاري في التعبير. وفي رواية أبي ذر فيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وفي بدء الوحي قال بدون فاء. وفي رواية: فيه، أي: بدء الوحي، قلت: بلا فاء أيضًا. "ما أنا بقارئ" وجعل المصنف في التعبير متنه الأحمر رواية أبي ذر، وعقبها بقوله: ولغير أبي ذر، فقلت: "ما أنا بقارئ ما أحسن أن أقرأ"، انتهى. فلم ينتبه لذلك الشارح فوهم حيث أشار للاعتراض على المصنف هنا، بما حاصله: أن لفظ فقلت لما يقع في التعبير ولا بدء الوحي مع أنك قد علمت أن رواية الأكثر، وما نافية، وقيل: استفهامية وضعفه عياض وابن قرقول بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على ما الاستفهامية، وأجيب: بأن رواية أبي الأسود عن

فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] " -حتى.......................

_ عروة: "كيف أقرأ"؟. وابن إسحاق عن عبيد بن عمير: "ماذا أقرأ"؟. دلتا على أنها استفهامية وقد جوز الأخفش دخول الباء على الخبر المثبت، وجزم به ابن مالك في: بحسبك زيد، فجعل الخبر حسبك، والباء زائدة. "فأخذني فغطني" بغين معجمة فطاء مهملة مشددة، أي: ضمني وعصرني. وفي رواية الطبري وابن إسحاق: "فغتني" بالتاء الفوقية، وهو حبس النفس، وللطيالسي بسند جيد: "فأخذ بحلقي" , "حتى بلغ مني الجهد". قال الحافظ: روي بالفتح والنصب، أي: بلغ الغط مني غاية وسعي، وروى بالضم والرفع، أي: بلغ مني الجهد مبلغه، "ثم أرسلني" أي: أطلقني "فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ" أي: حكمي كسائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلم وعدمه بعدمه فلذا كرر عظمه ليخرجه عن حكم سائر الناس، ويستفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من صفات الملكية، قاله شارح المشكاة الطيبي. "فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذن فغطني". كذا رواه الكشميهني ولغيره بحذف: فأخذني، "الثالثة، حتى بلغ مني الجهد" كذا ثبت الغلط ثلاثًا في التعبير والتفسير، وسقطت في بدء الوحي الثالثة، قال الحافظ: ولعل الحكمة في تكرير اقرأ، الإشارة إلى انحصار الإيمان الذي ينشأ عنه الوحي بسببه في ثلاث: القول والعمل والنية، وأن الوحي يشتمل على ثلاث التوحيد والأحكام والقصص، ويأتي حكمة الغط في كلام المصنف. قال في الروض: وانتزع شريح القاضي التابعي أن لا يضرب الصبي إلا ثلاثًا على القرآن؛ كما غط جبريل محمدًا صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، "ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] "، استدل به القائل بأن البسملة ليست آية من كل سورة، فهذه أول سورة نزلت وليست فيها. وقال السهيلي: نزلت بعد ذلك مع كل سورة لا منها، وقد ثبتت في المصحف بإجماع الصحابة وما ذكره البخاري عن مصحف الحسن البصري شذوذ ولا نلتزم قول الشافعي: أنها آية من كل سورة، ولا أنها آية من الفاتحة بل آية من القرآن مقترنة مع السورة، وهو قول داود وأبي حنيفة، وهو قول بين لمن أنصف، انتهى. وهو اختيار له مخالف للمعتمد من مذهب مالك. " {الَّذِي خَلَقَ} " وصف مناسب مشعر بعلية الحكم بالقراءة، "حتى" هي رواية أبي ذر ولغيره

بلغ- {مَا لَمْ يَعْلَمِ} [العلق: 5] . فرجع بها ترجف بوارده فؤاده، حتى دخل على خديجة، فقال: "زملوني زملوني". فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: "يا خديجة، ما لي"؟. وأخبرها الخبر، وقال: "قد خشيت على نفسي". فقالت له: كلا.................................

_ ثم "بلغ {مَا لَمْ يَعْلَمْ} فرجع بها" قال الحافظ: أي: بالآيات أو بالقصة، "ترجف" بضم الجيم تضطرب "بوارده" بفتح الموحدة وخفة الواو فألف فدال مهملة قراء، قال المصنف: جمع باردة وهي اللحمة بين العنق والمنكبين، وقال ابن بري: ما بين المنكب والعنق، أي: لا تختص بعضو واحد وذلك لما فجأه من الأمر المخالف للعادة إذ النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها وفي بدء الوحي يرجف "فؤاده"، قال المصنف: أي قلبه أو باطنه أو غشاؤه، انتهى. فعلى الثالث عدل عن القلب؛ لأن الغشاء إذا حصل له الرجفان حصل للقلب، ففي ذكره من تعظيم الأمر ما ليس في ذكر القلب. "حتى دخل على خديجة" التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له، "فقال: "زملوني زملوني" بكسر الميم مع التكرار مرتين من التزميل، وهو التلفيف، أي: غطوني بالثياب ولفوني بها، قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفيف، "فزملوه" بفتح الميم، أي: لفوه، أي: خديجة ومن معها فلذا لم يؤنث أو خديجة وحدها وعبر بجمع الذكور للتعظيم؛ كقوله: وإن شئت حرمت النساء سواكم وقوله: وكم ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كل الناس بالقمر "حتى ذهب عنه الروع" بفتح الراء: الفزع، فقال: "يا خديجة ما" استفهام تعجب، أي: أي شيء ثبت "لي" حتى حصل لي ما حصل "وأخبرها الخبر" جملة حالية، وقال: "قد خشيت عليّ". بتشديد الياء في رواية الحموي والمستملي للصحيح في التعبير ولغيرهما كالتفسير وبدء الوحي على "نفسي". فقالت له, وفي بدء الوحي، فقالت خديجة: "كلا" نفي وإبعاد، أي: لا تقل ذلك أو لا خوف عليك بدليل رواية: فقالت: معاذ الله، قال الشامي: ومن اللطائف أن هذه الكلمة التي ابتدأت خديجة النطق بها عقب ما ذكر لها من القصة هي التي وقعت عقب الآيات،

أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

_ فجرت على لسانها اتفاقًا؛ لأنها لم تنزل إلا بعد في قصة أبي جهل على المشهور. "أبشر" بقطع الهمزة أمر أيد به الخبر، والمقصود منه، تعجيل المسرة بالبشرى، أي: إني مبشرة لك بخير أو بأنك رسول الله، "فو الله لا يخزيك الله أبدًا" بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الزاي فتحتية ساكنة، أي: لا يفضحك. وللكشميهني: يحزنك، بفتح أوله وسكون الحاء وضم الزاي؛ كما اقتصر عليه الحافظ، زاد المصنف وغيره: أو بضم أوله مع كسر الزاي وبالنون، يقال: حزنه وأحزنه أوقعه في بلية. "إنك" بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء، قال الدماميني: فصلت هذه الجملة عن الأولى؛ لكونها جوابًا عن سؤال اقتضته، وهو عن سبب خاص، فحسن التأكيد وذلك أنها لما أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه وأقسمت عليه، انطوى ذلك على اعتقادها أن ذلك بسبب عظيم فيقدر السؤال عن خصوصه حتى كأنه قيل هل سبب ذلك الإنصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف؛ كما بشر إليه كلامك؟ فقالت: إنك "لتصل الرحم" أي: القرابة بالإحسان إليهم على حسب حال الواصل والموصول إليه، فتارة بالمال والخدم وبالزيارة وبالسلام وغير ذلك، "وتصدق الحديث" فما كذب قط ولا اتهم به قبل النبوة؛ كما اعترف به أو سفيان عند هرقل وكان حينئذ عدوه وثبتت هذه الخصلة في التعبير والتفسير وسقطت في بدء الوحي، وهي من أشرف الخصال. "وتحمل الكل" بفتح الكاف وشد اللام من لا يستقل بأمره كما قال تعالى: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} [النحل: 76] ، أو الثقل بكسر المثلثة وسكون القاف. وقال الداودي: الكل المنقطع ويدخل فيه الاتفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك من الكلال وهو الإعياء، زاد هنا في بدء الوحي؛ كمسلم وتكسب المعدوم بفتح التاء في الأشهر، وروي بضمها، أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين، يقال: كسبت الرجل مالا وأكسبته بمعنى، أو ما يعجز عنه غيرك تصيبه وتكسبه ثم تجود به في الوجود التي ذكرت، وعلى رواية ضم التاء، قال الخطابي: الصواب المعدم بلا واو، ورده الحافظ بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالميت الذي لا تصرف له، فكأنها قالت: إذا رغب غيرك أن يستفيد مالا موجودًا رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزًا فتعاونه، "وتقري الضيف" بفتح الفوقية من غير همز ثلاثيًا، قال الأبي: وسمع بضمها رباعيًا، أي: تهيئ له طعامه وتنزله، قال المصنف في بدء الوحي، وفيه إفادة أن الرواية الأول ولذا اقتصر عليه في التعبير. "وتعين على نوائب الحق" جمع نائبة، أي: حوادثه، وهذه جامعة لإفراد ما سبق ولغيره وقيدت بالحق؛

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخو أبيها -وكان امرأ تنصر في الجاهلية.................

_ لأنها تكون فيه، وفي الباطل قال لبيد: نوائب من خير وشر كلاهما ... فلا الخير ممدود ولا الشر لازب أي: فلا يصيبك مكروه، لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل، وفيه دلالة على أن ذلك سبب للسلامة من مصارع السوء ومدح الإنسان في وجهه لمصلحة تطرأ، وأما خبر: "احثوا في وجوه المداحين التراب"، ففي مدح بباطل أو يؤدي إلى باطل وتأنيس من حصلت له مخافة وتبشيره وذكر أسباب السلامة له، وكمال خديجة وجزالة رأيها وعظم فقهها فقد جمعت كل أنواع المحاسن وأمهاتها فيه عليه السلام؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب، وإما إلى الأجانب، وإما بالمال أو البدن، وإما لمن يستقل بأمره أو غيره، وإجابته بجواب فيه قسم وتأكيد بأن، واللام لتذهب حيرته ودهشته، واستدلت على ذلك بأمر استقرائي جامع لأصول المكارم. "ثم" قبل أن تأتي به ورقة، انطلقت خديجة على ما عند سليمان التيمي وموسى بن عقبة حتى أتت غلامًا لعتبة بن ربيعة نصرانيًا من أهل نينوى بكسر النون وفتحها وتحتية ساكنة فنون، يقال عداس بفتح العين وشد الدال وبسين مهملات، فقالت له: أذكرك الله! إلا ما أخبرتني هل عندكم علم من جبريل؟ فقال عداس: قدوس قدوس يا سيدة نساء قريش، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان؟ فقالت: أخبرني بعلمك فيه، قال: هو أمين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى، فرجع من عنده، ثم "انطلقت به" أي: مضت معه فالباء للمصاحبة، قاله الحافظ، وسارت به "خديجة" مصاحبة له "حتى أتت به ورقة" بفتح الواو والراء والقاف. "ابن نوفل" بفتح النون والفاء "ابن أسد بن عبد العزى" تأنيث الأعز، وهو الصنم "ابن قصي" بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، وأنهى الحديث نسبة إلى قصي؛ لأنه الذي يشترك فيه مع المصطفى عليه السلام توفي ولم يعقب، ويأتي قريبًا الكلام في أنه صحابي عند قول المتن، وقيل: أول من أسلم ورقة. "وهو ابن عم خديجة" لأنها بنت خويلد بن أسد، وهو "أخو أبيها" بالرفع خبر مبتدأ محذوف ولابن عساكر أخي بالجر صفة لعم. وفائدته: رفع المجاز في إطلاق العم. "وكان امرأ"ترك عبادة الأوثان و"تنصر" قال الحافظ: أي صار نصرانيًا، "في الجاهلية" وذلك أنه خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأعجب ورقة النصرانية وكأنه لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولذا أخبر

وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب -وكان شيخًا كبيرًا قد عمي- فقالت له خديجة: أي ابن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال له ورقة: هذا

_ بشأنه صلى الله عليه وسلم والبشارة به إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل، انتهى. وذكر ابن عبد البر أنه تهود، ثم تنصر "وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية" أي: باللغة العربية، "من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب" أي: الذي شاء الله كتابته، فحذف العائد هكذا في التعبير؛ كمسلم. وفي بدء الوحي العبراني وبالعبرانية، فرجح الزركشي الرواية الأولى؛ لاتفاقهما. وجمع النووي وتبعه الحافظ بأنه تمكن من دين النصارى وكتابهم بحيث صار يتصرف في الإنجيل، فيكتب إن شاء بالعربية وإن شاء بالعبرانية انتهى. فعلم أن الإنجيل ليس عبرانيًا، قال الكراماني: وهو المشهور خلافًا للتيمي، انتهى. وإنما هو سرياني والتوراة عبرانية بكسر العين، قال الحافظ: وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرًا كتيسر حفظ القرآن الذي خصت به هذه الأمة فلهذا جاء في صفتها أناجيلها في صدورها، انتهى. "وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم! " نداء على حقيقته، ووقع في مسلم: أي عم، قال الحافظ: وهو وهم؛ لأنه وإن صح بجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين فتعين الحمل على الحقيقة، وإنما جوزنا ذلك في العبراني والعربي، لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة، انتهى. وفي اديباج: وعندي أنها قالت: ابن عم على حذف حرف النداء، فتصحفت ابن بأي، انتهى. "اسمع" بهمزة وصل "من ابن أخيك" تعني النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأب الثالث لورقة وهو عبد العزى، هو الأخ للأب الرابع للمصطفى، وهو عبد مناف، كأنها قالت: من ابن أخي جدك، فهو مجاز بالحذف، قال الحافظ: أو لأن والده عبد الله في عدد النسب إلى قصي الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة أخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه، قال: وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسئول، وذلك مستفاد من قولها، أرادت أن يتأهب لسماع كلامه، وذلك أبلغ في التعظيم. "فقال ورقة: ابن أخي" بالنصب منادى مضاف، "ماذا ترى" قال الحافظ: فيه حذف دل عليه السياق، وصرح به في دلائل أبي نعيم بسند حسن بلفظ: فأتت به ورقة ابن عمها، فأخبرته بالذي رأى، فقال: ماذا ترى؟ "فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى" وفي بدء الوحي خبر ما رأى، فهنا مضاف مقدر "فقال ورقة: هذا" أي: الملك الذي ذكره عليه السلام نزله منزلة القريب لقرب

الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا..........................

_ ذكره؛ كما في الفتح. "الناموس" بنون وسين مهملة وهو صاحب السر؛ كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء، أي: مطلقًا عند الجمهور وهو الصحيح خلافًا لمن زعم أن صاحب سر الشر، يقال له الجاسوس، وقال ابن دريد: وهو صاحب سر الوحي، والمراد جبريل وأهل الكتاب يسمونه الناموس الأكبر "الذي أنزل" بالبناء للمفعول في التعبير والتفسير، وفي بدء الوحي: نزل الله، وللكشميهني: أنزل الله، "على موسى" لم يقل عيسى مع أنه كان نصرانيًا تحقيقًا للرسالة؛ لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب بخلاف عيسى، فكثير من اليهود ينكر نبوته أو لاشتمال كتاب موسى على أكثر الأحكام؛ ككتاب نبينا بخلاف الإنجيل فأمثال ومواعظ، أو لأن النصارى يتبعون أحكام التوراة ويرجعون إليها. قال الحافظ: أو لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون وأتباعه بخلاف عيسى وكذلك وقعت النقمة على يده صلى الله عليه وسلم لفرعون هذه الأمة ومن معه ببدر، قال: وأما ما تمحل به السهيلي من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى، ودعواهم أنه أحد الأقانيم فهو محال لا يعرج عليه في حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل في التبديل، أو أخذ عمن لم يبدل على أن قد ورد عند الزبير بن بكار بلفظ عيسى، ولا يصح نعم لأبي نعيم في الدلائل بسند حسن: أن خديجة أتت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر، فقال: إن كنت صدقتني، إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة ناموس موسى، فعند إخبار خديجة له بالقصة، قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه من النصرانية، وعند إخبار النبي صلى الله عليه وسلم، قال له ناموس موسى، والكل صحيح، انتهى. "يا ليتني" أكون "فيها" أي: مدة النبوة أو الدعوة، "جذعًا" بفتح الجيم والمعجمة شابًا، فالنصب وهو المشهور في الصحيحين خبر أكون المقدرة، كذا أعربه الخطابي والمازري وابن الجوزي على رأي الكوفيين في نحو: انتهوا خيرًا لكم وضعف بأن كان لا تضمر إلا إذا كان في الكلام لفظ يقتضيها، نحو: إن خيرًا فخير، أو على الحال من الضمير المستكن في خبر ليت، وهو فيها، أي: كائن فيها حال التشبيه والقوة لأبالغ في نصرك، ورجحه عياض ثم النووي وعزاه للمحققين. قال السهيلي: والعامل في الحال ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار أو على أن ليت تنصب الجزأين؛ كقوله: يا ليت أيام الصبا رواجعًا

ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو مخرجي هم"؟. فقال

_ وقال ابن بري: بفعل محذوف، والتقدير: يا ليتني جعلت، ورواه الأصيلي في البخاري وابن ماهان في مسلم بالرفع خبر ليت. قال ابن بري: المشهور عند أهل اللغة: والحديث جذع بسكون العين، قال السيوطي: هو رجز مشهور عندهم يقولون: يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها واضع "ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك" هكذا هو في التعبير بلفظ: حين، وفي بدء الوحي: إذ بدلها باستعمال إذا في المستقبل تنزيلا له منزلة الماضي؛ لتحقق وقوعه، كقوله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} [مريم: 39] ، قال الحافظ: فيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في خير؛ لأن ورقة تمنى أن يعود شابًا وهو مستحيل عادة ويظهر لي أن التمني ليس على بابه بل المراد التنبيه على صحة ما أخبر به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به، انتهى. وقيل: هو تحسر لتحققه عدم عود الشباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو" بفتح الواو "مخرجي" بشد الياء مفتوحة خبر مقدم لقوله "هم" جمع مخرج، قاله ابن مالك، وأصله مخرجون لي حذفت اللام تخفيفًا ونون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، فصار: أو مخرجي اجتمعت الواو والياء وسبقت الواو بالسكون، فقلبت ياء، ثم أدغمت في ياء المتكلم وقلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء والهمزة للاستفهام، ولم يقل: أو مخرجي مع أن الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف، نحو: فأين تذهبون لاختصاص الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أصالتها، نحو: أو لم يسيروا، هذا مذهب سيبويه والجمهور. وقال الزمخشري وجماعة: الهمزة في محلها الأصلي والعطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، والتقدير: أمعادي هم ومخرجي هم، وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التقدير فلا يستنكر وعطفه مع أنه إنشاء على قول ورقة: حين يخرجك قومك، وهو خبر؛ لأن الأصح كما قال المصنف: جوازه عند النحويين وإنما منعه البيانيون، فاحتاجوا للتقدير المذكور فالتركيب سائغ عند الجميع. وأما كونه عطف جملة على جملة والمتكلم مختلف، فسائغ معروف في القرآن والكلام الفصيح: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: 124] ، ثم الاستفهام إنكاري؛ لأنه استبعد صلى الله عليه وسلم إخراجه من الوطن لا سيما حرم الله وبلد أبيه إسماعيل من غير سبب يقتضيه، فإنه كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه وإنزاله منهم منزلة الروح من الجسد ويؤخذ منه؛ كما قال السهيلي: إن مفارقة الوطن

ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي..............................................

_ على النفس شديدة لإظهاره الانزعاج لذلك، بخلاف ما سمعه من ورقة من إيذائهم وتكذيبهم له، ففي مرسل عبيد بن عميران ورقة قال له: لتكذبنه ولتؤذينه ولتقاتلنه، بهاء السكت. "فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط" بفتح القاف وشد الطاء مضمومة في أفصح اللغات ظرف لاستغراق الماضي، فتختص بالنفي "بما" وللكشميهني في التعبير كبدء الوحي: بمثل ما "جئت به إلا عودي" وفي التفسير: إلا أوذي، ذكر ورقة أن علة ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم، ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه وأنه يلزم ذلك منابذتهم فتنشأ العداوة، وفيه دليل على أنه يلزم المجيب إقامة الدليل على جوابه إذا اقتضاه المقام. "وإن يدركني" بالجزم بأن الشرطية، "يومك" فاعل يدرك، أي: يوم انتشار نبوتك، زاد في التفسير: حيًا، "أنصرك" بالجزم جواب الشرط "نصرًا" بالنصب على المصدرية، ووصفه بقوله: "مؤزرًا" بضم الميم وفتح الزاي المشددة آخره راء مهموز من الأزر، أي: قويًا بليغًا وإنكار القزاز الهمز لغة رد بقول الجوهري، أزرت فلانًا عاونته، والعامة تقول: وأزرته، وقال أبو شامة: يحتمل أنه من الإزار إشارة إلى تشميره في نصرته، قال الأخطل: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم البيت. وفي رواية ابن إسحاق من مرسل عبيد بن عميران: أدرك ذلك اليوم. قال السهيلي: والقياس رواية الصحيح؛ لأن ورقة سابق بالوجود والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده، كما جاء: أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي، قال: ولرواية ابن إسحاق وجه؛ لأن المعنى إن أر ذلك اليوم فسمى روايته إدراكًا، وفي التنزيل: لا تدركه الأبصار رأى لا تراه على أحد القولين، انتهى. "ثم لم ينشب" بفتح التحتية والمعجمة، أي: لم يلبث "ورقة" بالرفع فاعل ينشب، "أن توفي" بفتح الهمزة وخفة النون بدل اشتمال من ورقة، أي: لم تتأخر وفاته، وتجويز أن محله جر بجار مقدر، أي: عن الوفاة أو نصب بنزع الخافض لا يلتفت إليه إذ الأول شاذ، والثاني مقصور على السماع، فلا يخرج عليه كلام الفصحاء، قال الحافظ: وأصل النشوب التعلق، أي: لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات، وهذا يخالف ما في سيرة ابن إسحاق: إن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب ذلك يقتضي تأخيره إلى زمن الدعوة ودخول بعض الناس في الإسلام، فإن تمكنا بالترجيح

وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل فقال: "يا محمد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه

_ فما في الصحيح أصح، وأن لحظنا الجمع أمكن أن الواو في: وفتر الوحي، ليست للترتيب ولعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكرًا بعد ذلك في أمر من الأمور فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه لا إلى ما هو الواقع، انتهى. واعتمد هذا في الإصابة، وأول قوله: أن توفي بأن معناه قبل اشتهار الإسلام والأمر بالجهاد، انتهى. وقد أرخ الخميس موت ورقة في السنة الثالثة من النبوة، وقيل: الرابعة. وأما قول الواقدي إنه قتل ببلاد لخم وجذام بعد الهجرة فغلط بين، فإنه دفن مكة؛ كما نقله البلاذري وغيره. "وفتر الوحي" أي: احتبس جبريل عنه بعد أن بلغه النبوة، "فترة" سيذكر المصنف قدرها، حتى حزن" بكسر الزاي "النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا" جزم عياض بأن هذا قول معمر وخالفه السيوطي والمصنف تبعًا للحافظ، وقالوا: هو شيخه الزهري، "حزنًا غدا" بغين معجمة من الذهاب، وبمهملة من الغدو وهو الذهاب بسرعة "منه" أي: الحزن "مرارًا كي يتردى" يسقط "من رءوس شواهق الجبال" أي: طوالها جمع شاهق وهو العالي الممتنع. وعند ابن سعد من حديث ابن عباس: مكث أيامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي نفسه، "فكلما أوفى" بفتح الهمزة وسكون الواو: أشرف، "بذروة" بكسر الذال المعجمة وتفتح وتضم: أعلى، "جبل لكي يلقي نفسه" إشفاقًا أن تكون الفترة لأمر أو سبب "منه" فخشي أن تكون عقوبة من ربه، ففعل ذلك بنفسه ولم يرد بعد شرع بالنهي عنه فيعترض به أو لما أخرجه من تكذيب من بلغه؛ كما قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} [الكهف: 6] الآية، ذكرهما عياض. وقول المصنف: أو حزن على ما فاته من بشارة ورقة، ولم يخاطب عن الله بأنه رسول الله ومبعوث إلى عباده فيه أن في مرسل عبيد بن عمير عند ابن إسحاق: أنه ناداه: أنت رسول الله وأنا جبريل بعد الغط، وقبل أن يأتي إلى خديجة. "تبدى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا" وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد: فبينما هو عامد لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتًا فوقف فزعًا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا، يقول: يا محمد، أنت رسول الله حقًا وأنا جبريل، "فيسكن لذلك جأشه" بجيم فهمزة ساكنة، ويجوز تسهيلها فشين معجمة، أي: اضطراب قلبه، "وتقر" بفتح الفوقية والقاف، "نفسه"

فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك". وقد تكلم العلماء في معنى قوله عليه السلام لخديجة: "قد خشيت علي" فذهب الإسماعيلي إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند الله. وكان أشق شيء عليه أن يقال عليه مجنون.

_ والعطف تفسيري "فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى". وفي رواية: بدا في الموضعين بدل تبدى "له جبريل، فقال له مثل ذلك" يا محمد، إنك رسول الله حقًا، وهذا البلاغ ليس بضعيف؛ كما ادعى عياض متمسكًا بأنه لم يسنده؛ لأن عدم إسناده لا يقدح في صحته بل الغالب على الظن أنه بلغه من الثقات؛ لأنه ثقة ثم إن معمرًا لم ينفرد به عن الزهري بل تابعه عليه يونس بن يزيد عند الدولابي، ورواه ابن سعد من حديث ابن عباس بنحوه، وفي بعض النسخ السقيمة هنا، وفي رواية أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، قال: جاورت بحراء شهرًا، فذكر حديث جابر الآتي إلى قوله: ولم تكن الرجفة هي خطأ محض لتكررها مع الآتي وقصر عزوها لأبي داود مع أنه أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، والذي في النسخ الصحيحة المقروءة: إنما هو ما يأتي لا ما هنا ولم يتعرض شيخنا لهذا إنما كتب على الآتي وأيضًا فالمناسب ذكره، ثم لأنه شرع هنا يتكلم على بعض حديث البخاري، فقال: "وقد تكلم العلماء في معنى قوله عليه السلام لخديجة: "قد خشيت علي" لأن ظاهره مشكل لاقتضائه الشك في أن ما أتاه من الله ولا يجوز بمقامه صلى الله عليه وسلم فهو محتاج للتكلم في معناه، فاختلفوا فيه على اثني عشر قولا، "فذهب" الإمام الحافظ الثبت، أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس "الإسماعيلي" الجرجاني، قال الحاكم: كان واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم رئاسة ومروءة وسخاء، علا إسناده وتفرد ببلاد العجم، ومات في رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. "إلى" حمله على ظاهره ولا ضير فيه لجواز "إن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند الله" وأما بعد وصوله فلا "وكان أشق" بالنصب خبر "شيء عليه" والاسم "أن يقال" أي: قولهم، "عليه مجنون" فكان يكره ذلك في نفسه، وإن لم يقل عليه حينئذ، فإنهم إنما قالوه بعد دعائهم إلى الإيمان تنفيرًا للناس عنه، أو علم بنور أودعه الله في قلبه، أنه يقال عليه.

وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غرو، فإنه بشر يخشى من القتل والأذية، كما يخشى البشر. وقوله: "ما أنا بقارئ" أي: أنا أمي فلا أقرأ الكتب.

_ وحاصل هذا القول ما لخصه الحافظ، بقوله: أولها أنه خشي الجنون وأن يكون ما جاءه من جنس الكهانة جاء مصرحًا به في عدة طرق، وأبطله أبو بكر بن العربي وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على ذلك، انتهى. قال السهيلي: ولم ير الإسماعيلي أن هذا محال في مبدأ الأمر؛ لأن العلم الضروري لا يحصل دفعة واحدة وضرب مثلا بالبيت من الشعر تسمع أوله فلا تدري أنظم هو أم نثر، فإذا استمر الإنشاد علمت قطعًا أنه قصد به الشعر، كذلك لما استمر الوحي واقترنت به القرائن المقتضية للعلم القطعي، وقد أثنى الله عليه بهذا العلم، فقال: {آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة: 285] إلى قوله: {وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285] . "وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه" وإن كان عالمًا بأن ما جاءه من ربه، "ولا غرو" بغين معجمة مفتوحة فراء فواو: ولا عجب في خشيته ذلك، وإن كان سيد أهل اليقين؛ لأن ذلك مما يرجع للطبع. "فإنه بشر يخشى من القتل والأذية كما يخشى البشر" ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة قاله في الروض. ثالثها: خشي الموت من شدة الرعب. رابعها: تعييرهم إياه، قال الحافظ: وهذان أَولى الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب وما عداهما معترض؛ خامسها خشي المرض، وبه جزم ابن أبي جمرة. سادسها: دوامه. سابعها: العجز عن رؤية الملك من الرعب. ثامنها: مفارقة الوطن. تاسعها: عدم الصبر على أذى قومه. اشرها: تكذيبهم إياه. حادي عشرها: مقاومة هذا الأمر وحمل أعباء النبوة، فتزهق نفسه أو ينخلع قلبه لشدة ما لقيه أولا عند لقاء الملك. ثاني عشرها: إنه هاجس، قال الحافظ: وهو باطل؛ لأنه لا يستقر وهذا استقر وحصلت بينهما المراجعة. وأما قول عياض: هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحقق رسالة ربه، أما بعد أن جاءه بالرسالة، فلا يجوز عليه الشك فضعفه النووي بأنه خلاف تصريح الحديث، بأن هذا بعد الغط وإتيانه: {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، وأجاب العيني: بأن مراده إخبارها بما حصل له؛ لأنه خاف حال الإخبار فلا يكون ضعيفًا. وقوله: "ما أنا بقارئ". أي: إني أمي، فلا أقرأ الكتب, فما نافية لا استفهامية لوجود الباء في الخبر، وإن جوزه الأخفش فهو شاذ والباء زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أحسن القراءة. قال السهيلي: فلما قال ذلك ثلاثًا، قيل له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، أي: لا بقوتك ولا

وقال القاضي عياض: إنما ابتدئ عليه السلام بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشر، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة. انتهى. فإن قلت: فلم كرر قوله: "ما أنا بقارئ" ثلاثًا؟ فأجاب أبو شامة كما في فتح الباري: بأن يحمل قوله أولا على الامتناع، وثانيًا: على.........................................................

_ بمعرفتك لكن بحول ربك وإعانته، فهو يعلمك كما خلقك وكما نزع علق الدم ومغمز الشيطان منك في الصغر بعدما خلقه فيك كما خلقه في كل إنسان؛ فالآيتان المتقدمتان لمحمد صلى الله عليه وسلم والأخريان لأمته، وهما: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 4، 5] ؛ لأنها كانت أمة أمية لا تكتب، فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم، فتعلموا القرآن بالقلم وتعلمه نبيهم تلقيا من جبريل عليهما السلام. "وقال القاضي عياض وغيره: إنما ابتدئ عليه السلام بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة، فلا تحتملها قوى البشر، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة" من المرائي الصادقة الصالحة الدالة على ما يئول إليه أمره. وقد روى ابن إسحاق في مرسل عبيد بن عمير: "جاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، قال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ، فغتني حتى ظننت أنه الموت". وذكر أنه فعل به ذلك ثلاث مرات، وهو يقول: "ما أقرأ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] ، فقرأتها ثم انصرف عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابًا". فذكر الحديث. وذكر السهيلي عن بعض المفسرين: أن الإشارة في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2] ، للذي جاء به جبريل حينئذ، "انتهى". واعترض على المصنف بأن الأولى تقديم هذا على قوله تكلم العلماء، ورده شيخنا بأن الغرض منه بيان ما يوهم خلاف المراد، فكان الاعتناء ببيانه أهم. "فإن قلت: فلم كرر قوله: "ما أنا بقارئ" ثلاثًا، فأجاب" الأولى حذف الفاء؛ كما في الفتح. "أبو شامة" الإمام الحافظ العلامة أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المقدسي ثم الدمشقي، الشافعي المقرئ النحوي المتوفى تاسع عشر رمضان سنة خمس وستين وستمائة، ومولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة. "كما في فتح الباري" بأن ذلك لحكمة "بأن يحمل قوله أولا على الامتناع، وثانيًا: على

الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا: على الاستفهام. والحكمة من الغط ثلاثًا، شغله عن الالتفات لشيء آخر، وإظهاره الشدة والجد في الأمر، تنبيهًا على ثقل القول الذي سيلقى إليه. وقيل: إبعادًا لظن التخيل والوسوسة، لأنهما ليسا من صفات الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله. فإن قلت: من أين عرفه صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله، وليس من الجن؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى أظهر على يدي جبريل عليه السلام معجزات عرفه بها............

_ الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا: على الاستفهام" بدليل روايتي: "كيف أقرأ"؟. "وماذا أقرأ"؟. كما مر، فهو حجة للأخفش في جواز دخول الباء في الخبر المثبت، وبه جزم بعض الشراح ومرت حكمة تكرير اقرأ، "والحكمة من الغط ثلاثًا شغله عن الالتفات لشيء آخر، وإظهاره الشدة والجد في الأمر" وأن يأخذ الكتاب بقوة "تنبيهًا على ثقل القول" القرآن "الذي سيلقى إليه" فإنه لما فيه من التكاليف ثقيل على المكلفين، سيما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يتحملها ويحملها أمته، قاله البيضاوي. "وقيل: إبعادًا لظن التخيل والوسوسة" اللذين ظنهما عليه الصلاة والسلام قبل؛ كما في رواية يونس عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: أنه صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر"، قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك ذلك، إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث. "لأنهما ليسا من صفات الأجسام، فلما وقع ذلك" الغط ثلاثًا "بجسمه علم أنه من أمر الله" فاطمأن، وقيل: الغطة الأولى للتخلي عن الدنيا، والثانية: لما يوحى إليه، والثالثة: للمؤانسة. وقيل: إشارة إلى الشدائد الثلاث التي وقعت له وهي الحصر في الشعب وخروجه إلى الهجرة وما وقع يوم أحد، وفي الإرسالات الثلاث إشارة إلى حصول الفرج والتيسير له عقب الثلاث أو في الدنيا والبرزخ والآخرة. وقيل: للمبالغة في التنبيه، ففيه أنه ينبغي للمعلم الاحتياط في تنبيه المتعلم وأمره بإحضار قلبه. "فإن قلت: من أين عرف صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله، وليس من الجن" وبم عرف أنه حق لا باطل؟ "فالجواب من وجهين أحدهما" يجوز "أن الله تعالى أظهر على يدي جبريل عليه السلام معجزات عرفه بها" ولم تذكر لأنها مما لا تحيط

كما أظهر الله تعالى على يدي محمد صلى الله عليه وسلم معجزات عرفناه بها. وثانيهما: أن الله خلق في محمد صلى الله عليه وسلم علمًا ضروريًا بأن جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان، كما أن الله تعالى خلق في جبريل علمًا ضروريًا بأن المتكلم معه هو الله تعالى، وأن المرسل له ربه تعالى لا غيره. وقول ورقة: يا ليتني فيها جذعًا. الضمير للنبوة، أي: ليتني كنت شابًا عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها. وأصل الجذع:.........................

_ بها عقولنا أو لا يتعلق لنا بها غرض. "كما أظهر الله تعالى على يدي محمد صلى الله عليه وسلم معجزات عرفناه بها" وعلى هذا اقتصر في الكوكب وعمدة القارئ "وثانيهما: أن الله خلق في محمد صلى الله عليه وسلم علمًا ضروريًا بأن جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان" عطف مباين بالصفة على ما ذكر الحافظ: أن من كان كافرًا سمي شيطانًا وإلا فهو جني أو بالذات على ما في المقاصد أن الغالب على الجن عنصر الهواء وعلى الشياطين عنصر النار، "كما أن الله تعالى خلق في جبريل علمًا ضروريًا بأن المتكلم معه هو الله تعالى، وأن المرسل له ربه تعالى لا غيره" ولعل الثاني أولى "وقول ورقة: يا ليتني فيها جذعًا الضمير للنبوة" أي: مدة النبوة، زاد الحافظ: أو الدعوة والعيني أو الدولة، واستشكل هذا النداء، بأن لا منادى ثم يطلب إقباله بيا وبأن ليت حرف النداء، لا يدخل على، فجعل أبو البقاء والأكثر المنادى محذوفًا، أي: يا محمد! وضعفه ابن مالك بأن قائل ليتني قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى؛ كقول مريم: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ} ، وأجيب بأنه يجوز أن يجرد من نفسه نفسًا يخاطبها كأن مريم قالت: يا نفسي ليتني، فكذا يقدر هنا. وضعف ابن مالك دعوى الحذف أيضًا؛ بأنه إنما يجوز إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كحذف المنادى قبل أمر، نحو: "ألا يا اسجدوا". في قراءة الكسائي، أي: يا قوم أو دعاء، نحو: ألا يا سلمى، أي: ألا يا دار فحسن حذف المنادى قبلها اعتياد ثبوته، نحو: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} ، {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} ، بخلاف ليت فلم تستعمله العرب ثابتًا قبلها، فادعاء حذفه باطل ورده العيني بأنه لا ملازمة بين جواز الحذف وبين ثبوت استعماله، قلت: وهو رد لين والذي اختاره ابن مالك أن يا هذه لمجرد التنبيه مثل: ألا في: ألا ليت شعري، هو الوجيه. وفسر جذعًا بقوله: "أي: ليتني كنت شابًا عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها" بنصرك وحمايتك، وفي مرسل عبيد بن عمير: لئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرًا يعلمه، "وأصل الجذع" قال ابن سيده: مفرد جذعان وجذاع بالكسر والضم وأجذاع، قال

من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابًا فتيا. وأخرج البيهقي من طريق العلاء بن جارية الثقفي عن بعض أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة، وهي تحية بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله. الحديث.

_ الأزهري: ويسمى الدهر جذعًا؛ لأنه شاب لا يهرم. "من أسنان الدواب" واستعير للإنسان، ومعناه على التشبيه حيث أطلق الجذع الذي هو الحيوان المنتهي إلى القوة، وأراد به الشاب الذي فيه قوة الرجل وتمكنه من الأمور، "وهو ما كان منها شابًا فتيًا" قال ابن سيده: قيل الجذع من المعز الداخل في السنة الثانية، ومن الإبل فوق الحق، وقيل: منها لأربع، ومن الخيل لسنتين، ومن الغنم لسنة، وقيل معناه: يا ليتني أدرك أمرك فأكون أول من يقوم بنصرك؛ كالجذع الذي هو أول الأسنان، قال صاحب المطالع: والقول الأول أبين. "وأخرج البيهقي من طريق العلاء بن جارية" بجيم وراء وتحتية "الثقفي" صحابي؛ كما في الإصابة وغيرها، لكن الراوي هنا إنما هو حفيده فالذي عند البيهقي من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان العلاء بن جارية الثقفي وكان واعية، أي: للعلم فسقط على المصنف اسمه واسم أبيه وكنية جده المسمى بالعلاء وأتى باسمه وليس هو الراوي؛ لأن ابن إسحاق ليس تابعيًا بل من صغار الخامسة، وقد قال: حدثني، فإنما الراوي حفيد العلاء وهو عبد الملك. "عن بعض أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه" عطف تفسير "بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه" ذكره لأنه لا يلزم من السلام أن يسمعه وكان ابتداء ذلك قبل النبوة بسنتين على ما روى ابن الجوزي، عن ابن عباس، قال: أقام صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة سبعًا يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، وثمان وستين يوحى إليه، قال الخازن: وهذا إن صح يحمل على سنتين قبل النبوة فيما كان يراه من تباشيرها وثلاث سنين بعدها قبل إظهار الدعوة، وعشر سنين معلن بالدعوة بمكة، انتهى. وهو حمل مناف لقوله ثمانية، اللهم إلا أن يقال الحق سنتين من ابتداء العشر بما قبلها؛ لعدم ظهور الدعوة فيهما كل الظهور. "فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه وعن يمينه وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة، وهي تحية بتحية النبوة" التي لم تكن معروفة قبلها إكرامًا وإعلامًا بأنه سيوحى إليه بالرسالة، تقول: "السلام عليك يا رسول الله ... الحديث" وأفاد المصنف فيما يأتي استمرار.

وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا فلم أثبت له, فأتيت خديجة فقلت: دثروني دثروني وصبوا عليّ ماء باردًا" , فنزلت: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ

_ السلام بعد النبوة، قال السهيلي: الأظهر أنهما نطقا بذلك حقيقة وليست الحياة والعلم والإرادة شرطًا له؛ لأنه صوت وهو عرض عند الأكثر لا جسم؛ كما زعم النظام، وإن قدر الكلام صفة قائمة بنفس الشجر والحجر فلا بد من شرط الحياة والعلم مع الكلام فيكونان مؤمنين به، ويحتمل أنه مضاف في الحقيقة إلى ملائكة يسكنون تلك الأماكن، فهو مجاز؛ كاسأل القرية، وفي كلها علم على النبوة لكن لا يسمى معجزة إلا ما تحدى به الخلق، فعجزوا عن معارضته، انتهى ملخصًا. "وعن جابر" بن عبد الله الأنصاري الخزرجي الصحابي ابن الصحابي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "جاورت بحراء" أقمت فيه، والفرق بينه وبين الاعتكاف أنه لا يكون إلا داخل المسجد، والجوار قد يكون خارجه، قاله ابن عبد البر وغيره ولذا لم يسمه اعتكافًا؛ لأن حراء ليس من المسجد. "شهرًا" في مدة الفترة غير الشهر الذي نزل عليه فيه جبريل بسورة {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، ففي مرسل عبيد بن عمير عند البيهقي أنه كان يجاور في كل سنة شهرًا وهو رمضان، فلا حجة في الحديث على أن أول ما نزل المدثر. "فلما قضيت جواري" بكسر الجيم وخفة الواو، أي: مجاورتي، "هبطت" وفي مسلم: "نزلت، فاستبطنت بطن الوادي"، أي: صرت في باطنه، "فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا" هو جبريل؛ كما قال في بدء الوحي. والتفسير: فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، وهو معنى رواية التفسير أيضًا: وهو جالس على عرش بين السماء والأض، "فلم أثبت له" وفي بدء الوحي: فرعبت منه، قال الحافظ: فدل على بقية بقيت معه من الفزع الأول، ثم زالت بالتدريج، "فأتيت خديجة، فقلت: دثروني دثروني" مرتين هكذا في الصحيحين في التفسير. وفي البخاري في بدء الوحي: "زملوني زملوني" والأول أولى، لاتفاقهما عليه ولأنها، كما قال الزركشي: أنسب بنزول المدثر. "وصبوا علي ماء باردًا" أي: على جميع بدني على ظاهره "فنزلت" أيناسا له وإعلامًا بعظيم قدره وتلطفًا، {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، بثيابه، قاله الجمهور. وعن عكرمة: بالنبوة وأعبائها، {قُمْ} [المدثر: 2] من مضجعك أو هو مجاز، أي: قم مقام تصميم،

فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} الآية, وذلك قبل أن تفرض الصلاة. رواه البخاري ومسلم والترمذي. ولم يكن جواره عليه الصلاة والسلام لطلب النبوة، لأنها أجل من أن تنال بالطلب أو الاكتساب، وإنما هي موهبة من الله، وخصوصية يخص بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.

_ {فَأَنْذِرْ} [المدثر: 2] ، حذر من العذاب من لم يؤمن بك، وحذف المفعول تفخيمًا، وفيه: أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي للإتيان بفاء التعقيب، واقتصر على الإنذار وإن كان بشيرًا ونذيرًا؛ لأن التبشير إنما يكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن حينئذ من دخل فيه. {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] ، عظمه ونزهه عما لا يليق به، وقيل: المراد تكبير الصلاة واعترض. "الآية" أل للجنس، بدليل رواية بدء الوحي: فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1، 2] إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] يعني: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} من النجاسة أو قصرها أو طهر نفسك من كل نقص، أي: اجتنب النقائص، {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ، الرجز: لغة العذاب وفسر في الحديث بالأوثان؛ لأنها سبب العذاب، وقيل: الشرك، وقيل: الظلم، وكلها أفراد، فالمراد ما ينافي التوحيد ويئول إلى العذاب. "وذلك قبل أن فرض الصلاة" التي هي ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي؛ لأنها المحتاجة للتنبيه عليها، وأما الخمس فمتأخرة عن ذلك؛ لكونها ليلة الإسراء، "رواه البخاري" في التفسير والأدب وبدء الوحي، "ومسلم" في التفسير "والترمذي والنسائي ولم يكن جواره عليه الصلاة والسلام لطلب النبوة" لأنه ولو علم بالبشارات الحاصلة قبل ولادته، وإخبار الكهنة وبحيرا وغيرهم بأنه نبي آخر الزمان لكن صانه الله سبحانه عن اعتقاد ما يخالف ما عنده تعالى من أنها لا تنال بطلب فإنه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة منشرح الصدر بالتوحيد والإيمان وكذلك الأنبياء فإنهم، كما قال عياض: معصومون قبلها من الشك في ذلك والجهل به اتفاقًا، فإنما كان جواره مجرد عبادة وانعزال عن الناس واقتفاء لآثار جده، فإنه كما مر أول من تحنث بحراء لا للنبوة؛ "لأنها أجل من أن تنال بالطلب والاكتساب" عطف تفسير "وإنما هي موهبة" بكسر الهاء "من الله وخصوصية يخص بها من يشاء من عباده" ولو كانت تنال بذلك لنالها كثير من العباد سنين كثيرة. "و" قد قال سبحانه: "الله أعلم حيث يجعل رسالاته" أي: المكان الذي يضعها فيه، وغرض المصنف دفع ما يتوهم أن الجواز للنبوة التي الكلام فيها: فأين إشعاره بأن الولاية مكتسبة حتى يعترض عليه بنص بعض المحققين على امتناع اكتساب الولاية أيضًا، لكن لا يكفر إلا

ولم تكن الرجفة المذكورة خوفًا من جبريل عليه السلام، فإنه صلى الله عليه وسلم أجل من ذلك وأثبت جنانًا، وإنما رجف غبطة بحاله وإقباله على الله عز وجل، فخشي أن يشغل بغير الله عن الله. وقيل: خاف من ثقل أعباء النبوة. وفي رواية البيهقي في الدلائل: أن خديجة قالت لأبي بكر: يا عتيق اذهب به إلى ورقة، فأخذه أبو بكر، فقص عليه ما رأى، فقال عليه الصلاة والسلام: "إذا خلوت وحدي سمعت نداء: يا محمد، فأنطلق هاربًا" , فقال: لا تفعل إذا قال: فاثبت

_ مجوزًا اكتساب النبوة، نعم لا يقصر كما قال بعض المتأخرين شأن مجوز اكتساب الولاية عن التبديع، "ولم تكن الرجفة المذكورة" في قوله: فلم أثبت له، وفي رواية: فرعبت منه، وفي أخرى: فجئت بضم الجيم وكسر الهمزة وسكون المثلثة ففوقية، وفي أخرى: فجثثت بمثلثتين من جثى كعنى، وفيه روايات أخر والكل في الصحيح. "خوفًا من جبريل عليه السلام، فإنه صلى الله عليه وسلم أجل من ذلك وأثبت جنانًا" بفتح الجيم، أي: قلبًا، "وإنما رجف" بفتحتين "غبطة" بكسر الغين: فرحًا، "بحاله" وهي في الأصل حسن الحال؛ كما في القاموس. "وإقباله على الله عز وجل فخشي أن يشغل بغير الله عن الله" وقد أمن الله خوفه فلم يكن يشغله عن الله شيء، "وقيل" لم يخش ذلك بل "خاف من ثقل أعباء النبوة" أثقالها جمع عبء مهموز، فالإضافة بيانية. "وفي رواية البيهقي في الدلائل أن خديجة قالت لأبي بكر" الصديق، قال الزمخشري: لعله كنى بذلك لابتكاره الخصال الحميدة، "يا عتيق" ظالهر في القبول بأنه اسمه الأصلي؛ لأن أمه استقبلت به الكعبة لما ولد وقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت؛ لأنه كان لا يعيش لها ولد، وقيل: سمي به لقول المصطفى: "من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر"، وبينهما تناف، فإن قول خديجة قبل ظهور النبوة وقد يتعسف التوفيق بأنه اسمه ابتداء لكن لم يشتهر به إلا بعد قول المصطفى، والصحيح ما جزم به البخاري وغيره أن اسمه عبد الله بن عثمان. "اذهب به إلى ورقة، فأخذه أبو بكر فقص عليه ما رأى" ووفق العيني بين هذا ونحوه وبين ما في الصحاح: أنها ذهبت معه إلى ورقة بأنها أرسلته مع الصديق مرة وذهبت به أخرى، وسألت عداسًا بمكة وسافرت إلى بحيرا؛ كما رواه التيمي كل ذلك من شدة اعتنائها به صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، انتهى. وبين ما قصه بقوله: فقال عليه الصلاة والسلام: "إذا خلوت وحدي سمعت نداء: يا محمد فأنطلق هاربًا" , خوفًا أن يكون من الجن، "فقال: لا تفعل، إذا قال" المنادي ذلك "فاثبت

حتى تسمع، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد فثبت فقال: قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1، 2] إلى آخرها. ثم قال: قل لا إله إلا الله ... الحديث. واحتج بذلك من قال بأولية نزول الفاتحة. والصحيح أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن {اقْرَأْ} كما صح ذلك عن عائشة، وروي عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير. قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف. وأما ما روي عن جابر وغيره: أن أول ما نزل {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} فقال النووي: ضعيف، بل باطل، وإنما نزلت بعد فترة الوحي.

_ حتى تسمع" ما بعد يا محمد، "ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه" على عادته التي كان يفعلها معه، "يا محمد، فثبت فقال: قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1، 2] إلى آخرها" أي: الفاتحة، "ثم قال: قل: لا إله إلا الله ... الحديث" وغرضه من سياقه أنه معارض بحديث الصحيح في أن أول ما نزل اقرأ، كما أرشد إلى ذلك قوله الآتي، فقال البيهقي: هذا منقطع ... إلخ، وكذا قوله: "واحتج بذلك من قال بأولية نزول الفاتحة" أولية مطلقة، "والصحيح أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن" أول سورة {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] ، "كما صح ذلك عن عائشة" مرفوعًا. "وروي عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير" بن قتادة بن سعد، أبي عاصم الليثي المكي قاضيها الثقة الحافظ أحد كبار التابعين، "قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وأما ما روي عن جابر وغيره أن أول ما نزل" مطلقًا أول سورة {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] ، "فقال النووي: ضعيف بل باطل" بطلانًا ظاهرًا ولا تغير بجلالة من نقل عنه فإن المخالفين له هم الجماهير ثم ليس إبطالنا قوله تقليد للجماهير بل تمسكًا بالدلائل الظاهرة، ومن أصرحها حديث عائشة. "وإنما نزلت" {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، "بعد فترة الوحي" بعد نزول {اقْرَأْ} [العلق: 1] ؛ كما صرح به في مواضع من حديث جابر نفسه؛ كقوله وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال: فأنزل الله {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] ، وقوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيه بين السماء والأرض". وقوله: "فحمى الوحي وتتابع"، أي: بعد فتراته، انتهى كلام النووي كله في شرحه للبخاري، وهو قطعة من أوله فلا حجة في حديث جابر على الأولية المطلقة، وإن استدل

وأما حديث البيهقي أنه الفاتحة -كقول بعض المفسرين- فقال البيهقي: هذا منقطع، فإن كان محفوظًا فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعدما نزلت عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] و {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] . وقال النووي -بعد ذكر هذا القول- بطلانه أظهر من أن يذكر. انتهى.

_ به جابر عليه. ففي البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة ابن عبد الرحمن: أي القرآن أنزل أول؟ فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، فقلت: أنبئت أنه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، فقلت: أنبئت أنه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، قال: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "جاورت بحراء" الحديث المتقدم في المصنف، ولذا قال الكرماني: استخرج جابر أن أول ما أنزل {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] باجتهاده، وليس هو من روايته، فالصحيح ما في حديث عائشة: من أول ما نزل {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، انتهى. لأنها رفعته والمرفوع مقدم على الاستنباط ولا سيما مع قبوله للتأويل، بل هو الظاهر منه وبهذا علمت صعوبة قول السيوطي والمصنف مراد جابر أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو بالأمر بالإنذار، أو بقيد السبب، وهو ما وقع من التشديد. وأما {اقْرَأْ} [العلق: 1] فنزلت ابتداء بغير سبب، انتهى. لأن هذا إنما يصح لو لم يقل له السائل أنبئت أن أوله: {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، نعم هي أجوبة عن دليله. فإن قلت: كيف حكم النووي وغيره بالضعف بل بالبطلان على المروي عن جابر مع صحة الطريق إليه، كيف وهو أرفع الصحيح مروي الشيخين؟ قلت: حكمه إنما هو على نفس القول الذي صحت نسبته لقائله بصحة إسناده، ونظير هذا في القرآن كثير، وقالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، فلا شك أن قولهم باطل، ولا في القطع بأنهم قالوه. "وأما حديث البيهقي" المار "أنه الفاتحة؛ كقول بعض المفسرين، فقال البيهقي: هذا منقطع", فلا حجة فيه؛ لأنه من أقسام الضعيف، "فإن كان محفوظًا" من غير هذا الوجه، "فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعد ما نزلت عليه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] و {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، فلا حجة فيه للأولية المطلقة، وبهذا يسقط زعم أن رواية البيهقي قبل أن يرى المصطفى جبريل بالمرة. "وقال النووي: بعد ذكر هذا القول: بطلانه أظهر من أن يذكر لمخالفته للمرفوع مع صحته وعدم تطرق الاحتمال إليه لصراحته، ولذا جزم به الجمهور، "انتهى". فتحصل ثلاثة أقوال في أول ما نزل: {اقْرَأْ} ، "المدثر"، "الفاتحة"، وقيل:

وقد روي أن جبريل عليه السلام أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن أمره بالاستعاذة، كما رواه الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال: أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد، استعذ، قال: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، قال: قل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] ، ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1] . قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ عماد الدين بن كثير بعد أن ذكره: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا، والله أعلم. وقد أورد ابن أبي جمرة سؤالا، وهو أنه: لم اختص صلى الله عليه وسلم بغار حراء، فكان يخلو فيه ويتحنث دون غيره من المواضع؟ وأجاب: بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره من جهة أنه منزو مجموع

_ "المزمل"، وقيل: {ن وَالْقَلَمِ} ، وهما ضعيفان أيضًا. "وقد روي أن جبريل عليه السلام أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن أمره بالاستعاذة؛ كما رواه الإمام" المجتهد المطلق "أبو جعفر" محمد "بن جرير" الطبري البغدادي الحافظ، "عن ابن عباس، قال: أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد، استعذ، قال: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم" يحتمل أنه فهم منه هذا اللفظ أو قال له: قال ذلك، كما "قال" له "قل: بسم الله الرحمن الرحيم" فقالها: "ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، "قال عبد الله" بن عباس: "وهي أول سورة أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم"، ولو صح لكان حكمه الرفع، إذ لا مجال للرأي فيه، لكن "قال الحافظ عماد الدين بن كثير، بعد أن ذكره: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا" ولا يقدح ذلك في جلالة مخرجه ابن جرير؛ لأن المحدثين إذا أرادوا الحديث بسنده برئوا من عهدته، "والله أعلم بصحته في نفس الأمر وضعفه". "وقد أورد" الإمام "ابن أبي جمرة" بجيم وراء "سؤالا وهو أنه: لم اختص صلى الله عليه وسلم بغار حراء" الباء داخلة على المقصور عليه، أي: لم قصر نفسه على الخلوة به دون غيره؟ وفي نسخة: لم خص غار حراء؟، أي: لم ميزه؟ والمعنى واحد. "فكان يخلو فيه ويتحنث دون غيره من الواضح وأجاب بأن" المصطفى خصه لأن "هذا الغار له فضل زائد على غيره من جهة أنه منزو مجموع" صفة كاشفة، ففي المختار: زوى الشيء جمعه، ولعل المعنى هنا منعطف مائل عن

لتحنثه وهو يبصر بيت ربه، والنظر إلى البيت عبادة، فكان له فيه اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة والتحنث والنظر إلى البيت. وغيره ليس فيه هذه الثلاث. ولله در المرجاني حيث قال في فضائل حراء وما اختص به: تأمل حراء في جمال محياه ... فكم من أناس من حلا حسنه تاهوا فمما حوى من جا لعلياه زائرا ... ..............................

_ مرور الناس عليه فيتمكن من عدم مخالطتهم، فيتخلى للعبادة صالح "لتحنثه" فهو متعلق بمحذوف أو بمجموع على أنه نعت سببي، أي: مجموع حواس من يختلى به، "وهو يبصر" فيه "بيت ربه" الكعبة "والنظر إلى البيت عبادة" كما في الخبر: "إن الله ينزل عليه عشرين رحمة" "فكان له فيه اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة" هي أن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يكون خليقًا بأن يكون قالبه ممر الواردات من علوم الغيب وقلبه مقرًا لها، قاله المصنف. "والتحنث والنظر إلى البيت، وغيره ليس فيه هذه الثلاث" وناهيك بالخلوة من عبادة؛ لأنها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق والراحة من أشغال الدنيا والتفرغ لله فيجد الوحي فيه متمكنًا؛ كما قيل: وصادف قلبًا خاليًا فتمكنا ... ولذا حببت للمصطفى ثم هذا الجواب أولى من قول المصنف في شرح البخاري، إنما كان يخلو بحراء دون غيره؛ لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش وكانوا يعظمونه لجلالته وسنه، فتبعه على ذلك فكان يخلو بمكان جده وكان الزمن الذي يخلو فيه شهر رمضان فإن قريشًا كانت تعظمه، كما كانت تصوم شهر عاشوراء، انتهى. "ولله در المرجاني" عبد الله بن محمد القرشي الإمام القدوة الواعظ المفسر أحد الأعلام في الفقه والتصوف، قدم مصر ووعظ بها واشتهر في البلاد وامتحن وأفتى العلماء بتكفيره ولم يؤثروا فيه، فعملوا عليه الحيلة فقتل بتونس سنة تسع وستمائة، ذكره في اللواقح "حيث قال في فضائل حراء وما اختص به" أبياتًا، هي: "تأمل حراء" بالمد على اللغة الفصحى فيه، ولا يقصر هنا للوزن، "في جمال محياه" هو الوجه، "فكم من أناس من حلا" بضم الحاء، "حسنه تاهوا" بإشباع الهاء للروي. "فمما حوى" الظاهر: أنه مبتدأ بمعنى بعض على حد ما قيل في نحو قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] ، وما موصول وصلته جملة حوى والعائد محذوف، أي: فبعض الذي حواه، "من" فاعل حوى "جا" صلته "لعلياه" متعلق به "زائرًا" حال من الفاعل للتبرك

........................ ... يفرج عنه الهم في حال مرقاه به خلوة الهادي الشفيع محمد ... وفيه له غار له كان يرقاه وقبلته للقدس كانت بغاره ... وفيه أتاه الوحي في حال صبراه وفيه تجلى الروح بالموقف الذي ... به الله في وقت البداءة سواه وتحت تخوم الأرض في السبع أصله ... ومن بعد هذا اهتز بالسفل أعلاه ولما تجلى الله قدس ذكره ... لطور تشظى فهو إحدى شظاياه ومنها ثبير................... ... ............................

_ بحلول المصطفى وجبريل فيه؛ كما نزل صلى الله عليه وسلم في أماكن حل بها أنبياء ليلة الإسراء، والخبر هو قوله: "يفرج عنه الهم في حال مرقاه" بالبناء للمفعول، أي: يفرج الله كل همه في حال صعوده ذلك الجبل فضائله أنه كانت "به خلوة الهادي الشفيع محمد" قبل النبوة وبعدها في مدة الفترة، "وفيه له غار له" كررها للتقوية والإشارة إلى اختصاصه به حتى كأنه ملكه "كان يرقاه" فجاءه فيه جبريل "وقبلته للقدس كانت بغاره" فه نظر، فإنه إنما صلى للقدس بعد الإسراء وفرض الصلاة، وأول ما صلى إلى الكعبة؛ كما يجيء مبينًا في تحويل القبلة، ويحتمل أنه بناه على أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدًا قبل النبوة بشرع موسى وكانت قبلته للقدس. "وفيه أتاه الوحي في حال صبراه" من الصبر حبس النفس على الخلوة به والتعبد فيه، وفي نسخ: مبدأه، والأولى أحسن؛ لعدم الإيطاء فإنه سيقول مبدأه رابع بيت بعد هذا: "وفيه تجلى الروح بالموقف الذي به الله في وقت البداءة سواه وتحت تخوم الأرض" جمع تخم كفلس وفلوس، وهو منتهى كل قرية أو أرض أو حدودها، وقال ابن السكيت: تخوم مفرد، وجمعه: تخم، مثل صبور وصبر؛ كما في الصحاح وغيره. "في السبع أصله" أي: أن أصله تحت الأرض السابعة، "ومن بعد هذا اهتز" تحرك طربًا بمن علاه "بالسفل" أي: بسبب تحرك أسفله وفاعل اهتز "أعلاه" معجزة، روى مسلم عن أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" ووقع ذلك لأحد وثبير أيضًا، ويأتي إن شاء الله تفصيله في المعجزات. "ولما تجلى الله قدس ذكره" أي: أظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر؛ كما في حديث صححه الحاكم. "لطور تشظى" أي: تفلق وتطاير منه قطع فصارت جبالا، "فهو إحدى شظاياه" جمع شظى وهو كل فلقة من شيء، وتشظى العود: تطاير شظا؛ كما في القاموس "ومنها" أي: شظاياه، "ثبير" بمثلثة فموحدة فتحتية فراء بوزن أمير، جبل مقابل حراء، وبينهما

........... ثم ثور بمكة ... كذا قد أتى في نقل تاريخ مبداه وفي طيبة أيضًا ثلاث فعدها ... فعيرًا وورقانًا وأحدًا رويناه ويقبل في ساعة الظهر من دعا ... به وينادي من دعانا أجبناه وفي أحد الأقوال في عقبة حرا ... أتى ثم قابيل لهابيل غشاه

_ الوادي وهما على يسار السالك إلى منى، حراء قبلى ثبير مما يلي شمال الشمس. "ثم ثور" بمثلثة جبل "بمكة" به الغار المذكور في التنزيل دخله صلى الله عليه وسلم في الهجرة "كذا قد أتى في نقل تاريخ مبداه" أي: حراء والله أعلم بصحته. "وفي طيبة أيضًا" تشظى الطور، "ثلاث فعدها فعيرا" أي: فتشظى عيرا بفتح العين وسكون التحتية وراء مهملة بلفظ مرادف الحمار جبلي قبلي المدينة قرب ذي الحليفة، قال فيه صلى الله عليه وسلم "وعير يبغضنا ونبغضه، وإنه على باب من أبواب النار"، ورواه البزار وغيره ولكن الناظم في عهدة: إن عيرًا منها، فالذي رواه الواحدي مرفوعًا كما يأتي، وحكاه البغوي عن بعض التفاسير بدل عير رضوى وهو بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة جبل بالمدينة على ما في الصحاح. وفي حديث رضوى رضي الله عنه: وقدس، فهذا المناسب؛ لكونه من شظايا الطور مع أنه الوارد، لا عير المبغوض. "وورقانا" بفتح الواو وكسر الراء وسكنها للنظم فقاف، قال في القاموس: ورقان بكسر الراء جبل أسود بين العرج والرويثة بيمين المصعد من المدينة إلى مكة حرسهما الله تعالى، "وأحدًا" بضم الهمزة والحاء وسكنها للوزن، الجبل المشهور الذي قال فيه المصطفى: "أحد جبل يحبنا ونحبه". "رويناه" أخرج الواحدي عن أنس رفعه: "لما تجلى ربه للجبل جعله دكا طار لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكة: ثور وثبير وحراء". وقال البغوي: وفي بعض التفاسير فذكره، ولم يرفعه في فتح الباري. أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي مالك رفعه، وهو غريب مع إرساله. "ويقبل فيه" في حراء "ساعة الظهر" دعاء "من دعا به وينادي من دعانا أجبناه وفي أحد الأقوال في عقبة حرا" بالقصر والصرف وسكون قاف عقبة للشعر، قال القاموس: العقبة بالتحريك، أي: بفتح العين والقاف مرقى صعب من الجبال والجمع عقاب، "أتى ثم" جاء هناك "قابيل" بن آدم "لهابيل" أخيه "غشاه" أي: قتله، قال الثعلبي: كان لهابيل يوم قتل عشرون سنة، واختلفوا في مصرعه وموضع قتله، فقال ابن عباس: على جبل ثور، وقال بعضهم: على عقبة حراء، وقال جعفر الصادق: بالبصرة في المسجد الأعظم، انتهى.

ومما حوى سرًا حوته صخوره ... من التبر إكسيرا يقام سمعناه سمعت به تسبيحها غير مرة ... وأسمعته جمعًا فقالوا سمعناه به مركز موضع النور الإلهي مثبتًا ... فلله ما أحلى مقامًا بأعلاه وروى أبو نعيم أن جبريل وميكائيل شقا صدره وغسلاه ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ

_ وذكر السدي بأسانيده أن سبب قتله أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن من ولده بأنثى الآخر، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فأراد قابيل أن يستأثر بأخته فمنعه آدم فلما ألح عليه به أمرهما أن يقربا قربانًا، فقرب قابيل حزمة من زرع، وكان صاحب زرع، وقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب مواش، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل دون قابيل، فكان ذلك سبب الشر بينهما، قال في فتح الباري: هذا هو المشهور. ونقل الثعلبي بسنده عن جعفر الصادق أنه أنكر أن يكون آدم زوج ابنا له بابنة له، وإنما زوج قابيل جنية وزوج هابيل حورية، فغضب قابيل، وقال له: يا بني ما فعلته إلا بأمر الله، فقربا قربانًا وهذا لا يثبت عن جعفر ولا عن غيره ويلزم منه أن بني آدم من ذرية إبليس؛ لأنه أبو الجن كلهم أو من ذرية الحور العين وليس لذلك أصل ولا شاهد، انتهى. "ومما حوى" حراء "سرًا" هو لغة ما يكتم ويستعار للشيء النفيس، "حوته صخوره" أي: حراء، "من التبر" بالكسر: الذهب والفضة أو فتاتهما قبل أن يصاغا فإذا صيغا فهما ذهب وفضة، أو ما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ، قال القاموس. "إكسيرا" بالكسر: الكيمياء؛ كما في القاموس. "يقام" يصاغ، ومعنى البيت "سمعناه" أي: روينا عن غيرنا تسبيحًا ويصدقه أنني "سمعت به" بحراء "تسبيحها" أي: صخوره "غيره مرة وأسمعته جمعًا فقالوا سمعناه" أي: نفس التسبيح بآذاننا فاندفع الإيطاء بوجه بديعي، "به مركز موضع النور الإلهي مثبتًا" ثابتًا "فلله ما أحلى" أعذب "مقامًا" بضم الميم وفتحها على ما في القاموس، أي: إقامة، "بأعلاه" وجعل الجوهري الضم للإقامة من أقام يقيم، والفتح للموضع، قال: وقوله تعالى: {لَا مُقَامَ لَكُمُ} [الأحزاب: 13] ، أي: لا موضع لكم وقرئ بالضم، أي: لا إقامة لكم، انتهى. واعلم: أن قوله: ولله در المرجاني إلى هنا ساقط في أكثر النسخ؛ لكنه ثابت في بعض النسخ القديمة المقروءة. "وروى أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الأصبهاني في دلائل النبوة من حديث عائشة، "أن جبريل وميكائل شقا صدره وغسلاه، ثم قال" جبريل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] .

رَبِّكَ} ، الآيات، الحديث، وفيه: فقال ورقة: أبشر، أشهد بأنك الذي بشر بك المسيح ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل. وكذا روى شق صدره الشريف هنا أيضًا الطيالسي والحارث في مسنديهما. والحكمة فيه: ليتلقى النبي صلى الله عليه وسلم ما يوحى إليه بقلب قويي من أكمل الأحوال من التطهير. قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له من الوحي مراتب عديدة: إحداها: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. الثانية: مال كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه،......

_ وفي نسخة: قالا: فإن كان محفوظًا فلعله نسبة لهما وإن كان القائل جبريل لإقرار ميكائيل مقالة جبريل ورضاه بها، "الآيات" إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] ، "الحديث، وفيه: فقال ورقة: أبشر أشهد بأنك الذي بشر بك المسيح ابن مريم" في قوله: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} ، "وأنك على مثل" أي: صفة مماثلة لصفة "ناموس موسى" من مجيء الوحي لك كما جاء له، "وأنك نبي مرسل" وفيه دلالة ظاهرة على إيمانه. "وكذا روى شق صدره الشريف هنا" عند مجيء الوحي، "أيضًا" وفاعل روى "الطيالسي" أبو داود سليمان بن الجارود البصري الحافظ الثقة كثير الحديث، روى عن ابن عون وشعبة وخلق، وعنه أحمد وابن المديني وغيرهما، علق له البخاري، وأخرج له مسلم والأربعة توفي سنة ثلاث أو أربع ومائتين عن اثنتين وسبعين سنة، "والحارث" بن محمد بن أبي أسامة واسمه داهر الحافظ أبو محمد التميمي البغدادي ولد سنة ست وثمانين ومائة، وسمع يزيد بن هارون وغيره وعنه ابن جرير والطبري وعدة، وثقه ابن حبان والحربي مع علمه بأنه يأخذ على الرواية، وضعفه الأزدي وابن حزم، وقال الدارقطني: صدوق، وأما أخذه على الرواية فكان فقيرًا كثير البنات، توفي يوم عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين. "في مسنديهما" والبيهقي وأبو نعيم في دلائلهما كلهم عن عائشة: "أنه صلى الله عليه وسلم نذر أن يعتكف شهرًا هو وخديجة فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة، فقال: "السلام عليك، قال: فظننت أنها فجأة الجن، فجئت مسرعًا حتى دخلت على خديجة، فقالت: ما شأنك؟ فأخبرتها فقالت: أبشر فإن السلام خير، ثم خرجت مرة أخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب، فهلت منه فجئت مسرعًا؛ فإذا هو بيني وبين الباب، فكلمني حتى أنست منه، ثم وعدني موعدًا فجئت له فأبطأ عليّ، فأردت أن أرجع فإذا أنا به وبميكائيل قد سد الأفق، فهبط جبريل وبقي ميكائيل بين السماء والأرض فأخذني جبريل فألقاني لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله في طست من ماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه ثم كفأني كما يكفأ الإناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي". "والحكمة فيه" أي: الشق، حينئذ هي كما قال في الفتح "ليتلقى النبي صلى الله عليه وسلم ما يوحي إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير." وهذا الشق ثالث مرة، والأولى: عند حليمة، والثانية: وهو ابن عشر سنين، والرابعة: ليلة الإسراء، ولم تثبت الخامسة، كما مر ذلك مبسوطًا.

مراتب الوحي

مراتب الوحي: "قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له" أي: أعطاه "من الوحي مراتب" جمع مرتبة، أي: منازل، أي: أنواعًا انحصرت في مراتب "عديدة" هي هذه المراتب لا ما يتبادر من لفظ كمل وهو حصول وحي قبلها لعدم وجود شيء من الوحي قبل نزوله، وعبر بمراتب دون أنواع وإن عبر به الشامي إشارة لشرفها، وتعبير الحافظ كاليعمري بحالات يوهم أنها غير الوحي ضرورة أن المضاف غير المضاف إليه، إلا أن تكون الإضافة بيانية، ومن في الوحي ابتدائية أو بيانية فلا وحي غير المراتب أو تبعيضية؛ لأنه عليه السلام لم يقع له مما يروى أن من الأنبياء من يسمع صوتًا ولا يراه فيكون نبيًا، ففي أنه صوت ليس بحرف يخلق في الجو ويخلق في سامعه علم ضروري يعلم به المراد أو بحرف يسمعه من قصدت نبوته مع خلق علم ضروري أنه من الله احتمالان وأيضًا فهو لم يستوف المراتب لقوله الآتي: ويزاد ... إلخ. "إحداها" أي: المراتب، وفي نسخة: أحدها بالتذكير نظرًا إلى أن المراد بالمراتب الأنواع والتأنيث فيما بعدها نظرًا للفظ، والأولى أنسب. "الرؤيا الصادقة" بعد النبوة أو قبلها لأنها مقررة لما بعدها. نعم، المختص بما بعدها الوحي بالأحكام التي يعمل بها، "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" كما مر عن عائشة واستدل السهيلي وغيره على أنها من الوحي، يقول إبراهيم {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] ، فدل على أن الوحي يأتيهم منامًا كما يأتيهم يقظة، وبرواية ابن إسحاق: أن جبريل أتاه ليلة النبوة وغطه ثلاثًا وقرأ عليه أول سورة {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، ثم أتاه وفعل ذلك معه يقظة، وفي الصحيح عن عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ {يَا بُنَيَّ} الآية. "الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه" وإطلاق الوحي على ذلك مجاز من إطلاق المصدر بمعنى اسم المفعول وحقيقة الوحي هنا الإعلام في خفاء أو الإعلام بسرعة، وشرعًا الإعلام بالشرع، قاله الشامي. "من غير أن يراه" وعلم أنه وحي دون الإلهام الذي لا يستلزم

كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث في روعي، لن تموت نفسي حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" ... الحديث رواه ابن أبي الدنيا.........

_ الوحي بعلم ضروري أنه وحي لا مجرد إلهام، كما خلق في جبريل أن المخاطب له الحق تعالى وأنه أمره بتبليغ من أراد، على نحو ما مر. "كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث" بفاء مثلثة "في روعي" أي: ألقى الوحي في خلدي وبالي أو في نفسي أو قلبي أو عقلي من غير أن أسمعه ولا أراه، ومفعول نفث قوله: "لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها" الذي كتبه لها الملك وهي في بطن أمها، فلا وجه للوله والكد والتعب والحرص فإنه سبحانه قسم الرزق وقدره لكل أحد بحسب إرادته لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص، بحسب علمه القديم الأزلي، {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: 32] فلا يعارض هذا ما ورد الصبحة تمنع الرزق، والكذب ينقص الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وغير ذلك مما في معناه، أو أن الذي يمنعه وينقصه هو الحلال أو البركة فيه لا أصل الرزق، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني وأبي نعيم: "إن نفسا لن تمون حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها". وفي حديث جابر عند ابن ماجه: "أيها النس، اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله". رواه البيهقي وغيره وقال عليه السلام: "والذي بعثني بالحق إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله". رواه العسكري. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغ آخر الرزق، فأجملوا في الطلب". رواه البيهقي وغيره. "فاتقوا الله" أي: ثقوا بضمانه لكنه أمرنا تعبدًا بطلبه من حله، فقال: "وأجملوا في الطلب" بأن تطلبوه بالطرق الجميلة المحللة بلا كد ولا حرص ولا تهافت على الحرام والشبهات، أو غير منكبين عليه مشتغلين عن الخالق الرازق به، أو بأن تعينوا وقتًا ولا قدرًا؛ لأنه تحكم على الله أو ما فيه رضا الله لا حظوظ الدنيا، أو لا تستعجلوا الإجابة وقد أبدى العلامة العارف ابن عطاء الله في التنوير في معناه وجوهًا عديدة هذه منها، وفي أن طلب نحو المغفرة يمنع تعيينه نظر، استظهر شيخنا المنع لجواز أنه تعالى يريد مغفرته على سبب لم يوجد وعلم أنه سيوجد، فطلب تعيينها تحكم. "الحديث"، بقيته: "ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته". "رواه" بتمامه "ابن أبي الدنيا" عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس الأموي

في القناعة، وصححه الحاكم. والروع -بضم الراء- أي نفسي، وروح القدس: جبريل عليه السلام.

_ مولاهم، أبو بكر البغدادي الحافظ صاحب التصانيف المشهورة المفيدة، وثقه أبو حاتم وغيره، مات سنة إحدى وثمانين ومائتين. "في" كتاب "القناعة" والحاكم من حديث ابن مسعود "وصححه الحاكم" من طرق، ورواه ابن ماجه عن جابر ومر لفظه، والطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة الباهلي بنحوه. قال الطيبي: والاستبطاء بمعنى الإبطاء، والسين للمبالغة، وفيه: أن الرزق مقدر مقسوم لا بد من وصوله إلى العبد لكنه إذا سعى وطلب على وجه مشروع فهو حلال وإلا فحرام، فقوله: ما عنده، إشارة إلى أن الرزق كله من عنده الحلال والحرام، وقوله: أن يطلبه بمعصية الله، إشارة إلى أن ما عنده إذا طلب بها سمي حرامًا، وقوله: إلا بطاعته، إشارة إلى أن ما عنده إذا طلب بطاعته مدح وسمي حلالا، وفيه دليل ظاهر لأهل السنة أن الحرام يسمى رزقًا والكل من عند الله خلافًا للمعتزلة، انتهى. وفيه: أن الطلب لا ينافي التوكل. وأما حديث ابن ماجه والترمذي والحاكم وصححاه عن عمر رفعه: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" فقال الإمام أحمد: فيه ما يدل على الطلب لا القعود، أراد: لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير، لكنهم يعتمدون على قوتهم وكسبهم، وهذا خلاف التوكل. وفي الإحياء أن أحمد قال في القائل: أجلس لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عل رزقي تحت ظل رمحي"، وقوله: "تغدو خماصًا وتروح بطانًا"، وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم، وبهم القدوة. "والروع بضم الراء" لا بفتحها؛ لأن معناه الفزع ولا دخل له هنا، ورعى لفظ الحديث، فقال: "أي نفسي" وإلا فالظاهر، والروع النفس فهو مجاز شبه إلقاء جبريل بالنفث الذي هو دون التفل بالفوقية لعدم ظهروه، ولا ينافيه قول المصباح: نفث الله الشيء في القلب: ألقاه؛ لأنه بيان للمعنى المجازي إذا أسند لله لاستحالة الحقيقة عليه، وهذا يقتضي أن المراد به غير القلب، قال شيخنا: والظاهر أن المراد بهما واحد، وهو محل الإدراك وقد يشعر به لفظ الحديث. "وروح القدس جبريل عليه السلام" سمي به لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، فإنه المتولى لإنزال الكتب الإلهية التي بها تحيا الأرواح الربانية والقلوب الجسمانية كالمبدأ لحياة القلب؛ كما أن الروح مبدأ لحياة الجسد، وأضيف إلى القدس لأنه مجبول على الطهارة والنزاهة من

الثالثة: كان يتمثل له الملك رجلا، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه في صورة دحية الكلبي، رواه النسائي بسند صحيح من حديث ابن عمر. وكان دحية جميلا وسيما، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن لتراه. فإن قلت: إذا لقي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كانت في الجسد الذي له ستمائة جناح.........................

_ العيوب، وخص بذلك وإن كانت جميع الملائكة كذلك؛ لأن روحانيته أتم وأكمل، ذكره الإمام الرازي وعليه يحمل قول الشامي: سمي به لأنه خلق من محض الطهارة. وقال الراغب: خص بذلك لاختصاصه بنزوله بالقدس من الله، أي بما يطهر به نفوسنا من القرآن والحكمة والفيض الإلهي. المرتبة "الثالثة" خطاب الملك له حين "كان يتمثل له الملك رجلا فيخاطبه" ويديم خطابه "حتى يعي" أي: يفهم. "عنه ما يقول له" فحتى غائية، "فقد" ثبت أنه "كان يأتيه في صورة دحية" بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان؛ كما في النور. واقتصر الجوهري على الكسر وقدمه المجد. وفي التبصير اختلف في الراجحة منهما، وهو بلسان أهل اليمن رئيس الجند ابن خليفة بن فضالة بن فروة "الكلبي" شهد المشاهد كلها بعد بدر. "رواه النسائي" أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني ثم المصري، الحافظ أحد الأئمة المبرزين والأعلام الطوافين والحفاظ المتقنين، حتى قال الذهبي: هو أحفظ من مسلم، مات سنة ثلاث وثلاثمائة. "بسند صحيح من حديث ابن عمر" وزعم أن مجيء جبريل على صورة دحية كان بعد بدر، إذ يبعد مجيئه على صورته قبل إسلامه ممنوع وسند أنه لا ضير في التمثل بصورته لجمالها، وإن قبل إسلامه لعلم الله أزلا بأنه من السعداء وخير القرون، فكان يأتي على صفته، فلما رأى المصطفى دحية أخبر بأنه يأتيه في صورته، والأمور النقلية لا دخل فيها للعقول. "وكان دحية جميلا وسيما" أي: حسن الوجه، ولذا كان "إذا قدم لتجارة خرجت الظعن" بضم الظاء المعجمة والعين المهملة جمع ظعينة، سميت بذلك لأن زوجها يظعن بها "لتراه". وفي النور حكوا أنه كان إذا قدم من الشام لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه، والمعصر: التي بلغت سن المحيض، "فإن قلت: إذا لقي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية" مثلا والمراد في غير صورته التي خلق عليها "فأين تكون روحه فإن كانت في الجسد الذي له ستمائة جناح"

فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت في هذا الذي هو في صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية. فأجيب -كما ذكره العيني- بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجبًا موته، فيبقى الجسد حيًا، لا ينقص من معارفه شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر، وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غيرهم. انتهى.

_ حقيقة من لؤلؤ، أخرجه ابن منده. وقول السهيلي: إنها في حقهم صفة ملكية وقوة روحانية، لا كأجنحة الطير. قال الحافظ: ممنوع فلا مانع من الحمل على الحقيقة إلا قياسه الغائب على المشاهد وهو ضعيف، وقال غيره: هذا التأويل لا يليق بالإمام السهيلي بل هو أشبه بكلام الفلاسفة والحشوية ولا ينكر الحقيقة إلا من ينكر وجود الملائكة. "فالذي أتى لا روح جبريل"؛ لأن الفرض أنها في جسده الأصلي، "ولا جسده" لأنه لم يأت، "وإن كانت في هذا الجسد الذي هو صورة دحية" بقي جسده الأصلي بلا روح، "فهل يموت" ذلك "الجسد العظيم أم" لا يموت ولكن "يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية" ولا يلزم من انتقالها موت الجسد العظيم، "فأجيب" باختيار ما بعد أم؛ كما سيقرره "كما ذكره العيني" بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى الحنفي ولد في رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وتفقه واشتغل بالفنون وبرع وولي الحسبة مرارًا وقضاء الحنفية وغير ذلك، ومات في ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وفي بناء أجيب للمفعول إشعار بأن الجواب ليس له بل نقله فقط، وهو كذلك، فقد نقله بمعناه عن العز الحافظ في الفتح ونقل السؤال بعينه، والجواب أصحاب الحبائك عنه، أي: الشيخ عز الدين بن عبد السلام. "بأنه لا يبعد أن يكون انتقالها موجبًا موته فيبقى الجسد حيًا لا ينقص من معارفه شيء ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خطر" مع اتصالها بقبورها، "وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا" لتجويزه ذهاب الروح، ولا الجسد "بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غيرهم، انتهى".

الرابعة: كأن يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه...................

_ وحاصله: أنه يزول الزائد دون فناء. وقال إمام الحرمين: معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعده، والسراج البلقيني يجوز أن الآتي هو جبريل بشكله الأول إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد نفشه، وهذا على سبيل التقريب. قال في فتح الباري: والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة أنيسًا لمن يخاطبه. والظاهر: أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط، انتهى. وفي الحبائك أجاب العلاء القونوي بجواز أن خصه بقوة ملكية يتصرف فيها بحيث تكون روحه في جسده الأصلي مدبرة له ويتصل أثرها بجسم آخر يصير حيًا بما اتصل به من ذلك الأثر، وقد قيل: إنما سمي الأبدال أبدالا؛ لأنهم قد يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم شبحًا آخر شبيهًا بشبحهم الأصلي بدلا عنهم، وأثبت الصوفية عالمًا متوسطًا بين عالم الأجساد والأرواح سموه عالم المثال، وقالوا: إنه ألطف من عالم الأجساد وأكثف من عالم الأرواح وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صورة مختلفة من عالم المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] ، ويجوز أن جسمه الأول بحاله لم يتغير وقد أقام شبحًا آخر وروحه متصرفة فيهما جميعًا في وقت واحد، قال: والجواب بأنه كان يندمج إلى أن يصغر حجمه فيصير بقدر دحية ثم يعود كهيئته الأولى تكلف، وما ذكره الصوفية أحسن. وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: لا قدرة للملائكة والجن على تغيير خلقهم والانتقال في الصورة، وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إن فعلوه وتكلموا به نلهم الله من صورة إلى صورة. الحالة "الرابعة: كان يأتيه" مخاطبًا له بصوت "في مثل" أي: صفة، "صلصلة" بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة، "الجرس" بجيم ومهملتين: الجلجل الذي يعلق في رءوس الدواب، قال الحافظ والمصنف. وقال الشامي: الجرس مثال يشبه الجلجل الذي يعلقه الجهال في رءوس الدواب، انتهى. قال في الفتح: والصلصلة المذكورة قيل صوت الملك بالوحي. وقال الخطابي: صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد، وقيل: صوت حفيف، أي: بمهملة وفاءين، دوي أجنحة الملك. والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه مكان لغيره. "وكان أشده عليه" لأنه يرد فيه من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية، فيوحي إليه كما يوحي إلى الملائكة؛ كما

...........................................................

_ يأتي في حديث أبي هريرة، ولأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أثقل من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، ودل اسم التفضيل على أن الوحي كله شديد. قال الحافظ: وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى ورفع الدرجات، وقال شيخنا شيخ الإسلام، يعني البلقيني: سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به؛ كما في حديث ابن عباس: وكان يعالج من التنزيل شدة. وقال بعضهم: إنما كان شديدًا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع، وقيل: نزوله هكذا إذا نزلت آية وعيد، وفيه نظر. والظاهر: أنه لا يختص بالقرآن؛ كما في قصة المتضمخ بالطيب بالحج، ففيه: أنه رآه صلى الله عليه وسلم حالة نزول الوحي عليه وأنه ليغط، فإن قيل صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه، والإعلام بأن الملائكة لا تصحبهم؛ كما في مسلم وأبي داود وغيرهما. والمحمود -وهو الوحي- هنا لا يشبه بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، فالجواب: أنه لا يلزم من التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، والمقصود هنا بيان الجنس فذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم. والحاصل؛ أن للصوت جهتين: جهة قوة وبها وقع التشبيه، وجهة طنين وبها وقع التنفير عنه وعلل بكونه مزمار الشيطان، انتهى ببعض اختصار. وقال التوربشتي: لما سئل عليه السلام عن كيفية الوحي، وكان من المسائل العويصة التي لا يماط نقاب التغور عن وجهها لكل أحد، ضرب لها في الشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء، تنبيها على أن إتيانها يرد على القلب في هيئة الجلال وأبهة الكبرياء، فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، وتلاقي من ثقل القول ما لا علم له به مع وجود ذلك، فإذا سري عنه وجد القول المقول بينا ملقى في الروع واقعًا موقع المسموع، وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة مرفوعًا "إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا"؛ لقوله: كأنها سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، انتهى. هذا وقد روى أحمد والحاكم وصححه، والترمذي والنسائي عن عمر، قال: "كان صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي سمع عنده دوي كدوي النحل" الحديث، فأفهم قوله عنده أن ذلك بالنسبة للصحابة، ولذا قال الحافظ: إنه لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأنه سماع الدوي بالنسبة للحاضرين،

حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، حتى إن راحلته لتبرك به في الأرض، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.

_ كما شبهه عمر، والصلصلة بالنسبة إليه، كما شبهه به صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى مقامه، انتهى. وجزم به في فتح القريب بأن سماعه كدوي النحل حين كان يتمثل له رجلا، انتهى. وبه تعلم الصفة التي كان عليها حين خطابه بذلك الصوت. "حتى" ابتدائية غائية متعلقة بمحذوف، أي: فتناوله مشقة عظيمة حتى "إن" بكسر الهمزة "جبينه ليتفصد" بفاء وصاد مهملة مشددة، أي يسيل، "عرقًا" بفتح الراء والنصب على التمييز، شبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق من كثرة معاناة التعب والكرب عند نزوله لطروه على طبع البشر، وذلك ليبلو صبره فيرتاض لما كلفه من أعباء النبوة وقراءته بالقاف تصحيف، قاله العسكري وغيره. قال الدماميني: والجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ، والصدغ ما بين العين والأذن، فالإنسان جبينان يكتفيان الجبهة، والمراد والله أعلم أن جبينيه معًا يتفصدان، وأفراده لجواز أنه يعاقب التثنية في كل اثنين بغنى أحدهما عن الآخر كالعينين والأذنين، تقول: عين حسنة، وتزيد عينيه معًا. "في اليوم الشديد البرد" قال المصنف: الشديد صفة جرت على غير من هي له؛ لأنه صفة البرد لا اليوم. "حتى" الأولى بالواو كما في الشامية؛ لأنه عطف غاية على غاية لا غاية للغاية. "إن راحلته لتبرك" بضم الراء "به في" أي: على "الأرض" كما رواه البيهقي في الدلائل في حديث عائشة، بلفظ: "وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب جرانها من ثقل ما يوحى إليه". "ولقد اءه الوحي مرة كذلك وفخذه" بكسر الخاء وتسكن تخفيفًا، "على فخذ زيد بن ثابت" الأنصاري النجاري أحد كتاب الوحي ومن كان يفتي في العصر النبوي، وروى أحمد بسند صحيح: "أفرضكم زيد"، مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين. "فثقلت" بضم القاف "عليه، حتى كادت ترضها" بفتح الفوقية وشد المعجمة تكسرها؛ كما رواه البخاري عن زيد: "أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي". لما ذكر ابن القيم دليل المرتبتين الأولتين، وكانت الثالثة والرابعة غير محتاجين لذكر الدليل لشهرته في الصحيحين والموطأ عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا،

قلت: وروى الطبراني عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقًا شديدًا مثل الجمان، ثم سري عنه. وكنت أكتب وهو يملي عليّ، فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدًا. ولما نزلت عليه سورة المائدة، كادت أن ينكسر عضد ناقته من ثقل السورة، ورواه أحمد والبيهقي في الشعب. الخامسة: أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين............................

_ ولم يذكر دليل قوله: حتى إن راحلته تبرك به المصنف تقوية لابن القيم، فقال: "قلت: وروى الطبراني عن زيد بن ثابت، قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا نزل عليه" الوحي "أخذته برحاء" بضم الباء وفتح الراء وحاء مهملة والمد: شدة أذى الحمى وغيرها، "شديدة وعرق" بكسر الراء، "عرقًا" بفتحها، أي: رشح جلده رشحًا "شديدًا مثل الجمان" بضم الجيم وخفة الميم، قال في الدر: اللؤلؤ الصغار، وقيل: خرز يتخذ من الفضة مثله، "ثم سري" بضم السين المهملة وكسر الراء الثقيلة، أي: انكشف الوحي، "عنه، وكنت أكتب وهو يملي علي" وربما وضع فخذه على فخذي حال الكتابة، "فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدًا" لظني كسرها، "ولما نزلت عليه سورة المائدة" لعل المراد بعضها، نحو: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية [المائدة: 3] ، فإنه نزلت وهو صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على راحلته؛ كما في الصحيح. "كادت" هي: أي: ناقته، "أن ينكسر والأصل كادت ناقته، أي: ينكسر عضدها، لكنه لما حول الإسناد عن الاسم الظاهر إلى الضمير لم يبق له مرجع نبه عليه، بقوله: "عضد ناقته" فلا يرد أن المناسب كاد بالتذكير لتأويل الفعل بعده بمصدر، أي: كاد انكسار على أنه اسم كاد، "من ثقل السورة، ورواه أحمد والبيهقي في الشعب"، وهذه المراتب ثلاث من صفات الوحي، وواحدة من صفات حامله، وهي تمثّله رجلا. المرتبة "الخامسة" وهي من صفات حامله أيضًا "أن يرى الملك" جبريل "في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح" كل جناح منها يسد أفق السماء حتى ما يرى في السماء شيء "فيوحي" يوصل "إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين" إحداهما في الأرض حين سأله أن يريه نفسه، فرآه في الأفق الأعلى، قال الحافظ ابن كثير: كأنك والنبي بغار حراء

كما في سورة النجم. السادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها.

_ أوائل البعثة بعد فترة الوحي، والثانية عند سدرة المنتهى. "كما" دل عليه قوله تعالى: "في سورة النجم" {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 13-14] ، وروى أحمد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود: لم ير صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته الأصلية إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يريه نفسه فأراه نفسه سد الأفق، وأما الأخرى فليلة الإسراء عند السدرة. قال في الفتح: وهو مبين لما في صحيح مسلم عن عائشة: لم يره -يعني جبريل- على صورته التي خلق عليها إلا مرتين. وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة: لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد. وهو يقوي رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة: كان صلى الله عليه وسلم أول ما رأى جبريل بأجياد وصرخ: يا محمد فنظر يمينًا وشمالا فلم ير شيئًا فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال جبريل: يا محمد فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئًا ثم خرج عنهم فناداه فهرب ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، ذكر قصة إقرائه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يخطفان البصر، فتكون هذه المرة غير المرتين وإنما لم تضمها عائشة إليهما؛ لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله تعالى، انتهى. ووقع عند أبي الشيخ، عن عائشة: أنه صلى الله عله وسلم، قال لجبريل: "وددت أني رأيتك في صورتك الأصلية". قال: وتحب ذلك؟ قال: "نعم". قال: موعدك كذا وكذا من الليل ببقيع الغرقد، فلقيه موعده فنشر جناحًا من أجنحته فسد أفق السماء حتى ما يرى في السماء شيء". وفي مرسل الزهري عند ابن المبارك في الزهد: أنه سأله أن يتراءى له في صورته الأصلية، قال: إنك لن تطيق ذلك، قال: "إني أحب أن تفعل". فخرج إلى المصلى في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته فغشي عليه حين رآه، ثم أفاق" الحديث، فإن صحا فيمكن أنه أراه بعض صورته الأصلية؛ كما هو صريح قوله: فنشر جناحًا ... إلخ؛ لأنها مرة ثالثة على تمام الصفة، فلا يخالف ما في الصحيح ولا ما عدوه من خصائصه من رؤيته له مرتين على صورته الأصلية، وقد كنت أبديت هذا قبل وقوفي على كلام الفتح، الذي سقته فحمدت الله على الموافقة. المرتبة "السادسة" وهي واللتان بعدها من صفات الوحي: "ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها" كالجهاد، والهجرة، والصدقة، وصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما صرح به في حديث أبي سعيد عند البيهقي: أن الله قال له

السابعة: كلام الله تعالى له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم موسى. قال: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب. انتهى. قال شيخ الإسلام الولي ابن عبد الرحيم العراقي: وكأن ابن القيم أخذ ذلك من روض السهيلي لكنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحي قبل جبريل.

_ ذلك ليلة الإسراء، وساقه المصنف في المقصد السادس. وفي نسخة وغيره، قال شيخنا: وهي أولى لشمولها السنن وفرض غير الصلوات. المرتبة "السابعة: كلام الله تعالى منه إليه بلا واسطة، كما كلم موسى" ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى: 51] ؛ لأن معناه كما "قال" البيضاوي: كلامًا خفيًا يدرك بسرعة؛ لأنه ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة يتوقف على متموجات متعاقبة، أو هو ما يعم المشافهة به؛ كما في حديث المعراج. وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف، كما اتفق لموسى في طوى والطور، ولكن عطف قوله: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51] عليه يخصه بالأول، فالآية دالة على جواز الرؤية لا على امتناعها، انتهى. "وزاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي: تكليم الله له كفاحًا" بكسر الكاف، أي: مواجهة، "بغير حجاب، انتهى" كلام ابن القيم. "قال شيخ الإسلام" عبر به على عادتهم أن من ولي قاضي القضاة يطلقون عليه ذلك، "الولي" أي: ولي الدين فهو من التطرف في العلم والراجح جوازه، واسمه أحمد "بن عبد الرحيم" بن الحسين "العراقي" المصري قاضيها الإمام العلامة الحافظ ابن الحافظ الأصولي الفقيه ذو الفنون والتصانيف النافعة المشهورة، تخرج في الفن بأبيه واعتنى به أبوه، فأسمعه الكثير من أصحاب الفخر وغيره، واستعلى على أبيه، ولازم البلقيني في الفقه وأملى أكثر من ستمائة مجلس، توفي في سابع عشرين شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة. "وكأن ابن القيم أخذ ذلك" المذكور من المراتب الخمسة الأولى، "من روض السهيلي" فإنه عدها سبعًا فذكر الخمسة وكلام الله من وراء حجاب، إما في اليقظة أو المنام ونزل إسرافيل؛ فدع عنك احتمالات العقول لا تغتر بها في روض النقول. "كنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحي" بعدما أوحى إليه جبريل أول سورة اقرأ و"قبل" تتابع مجيء "جبريل" مع

فقد ثبت في الطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة والشيء، ثم وكل به جبريل فجاءه بالقرآن. وأما قوله -أعني ابن القيم: السادسة، ما أوحاه الله إليه فوق السماوات، يعني ليلة المعراج، السابعة كلام الله بلا واسطة. فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل فهو داخل فيما تقدم، لأنه إما أن يكون جبريل في تلك الحالة على صورته الأصلية، أو على صورة الآدمي، وكلاهما قد تقدم ذكره...............................

_ أنه ذكره في الروض، بقوله: "فقد ثبت في الطرق الصحاح" بفتح الصاد وكسرها، "عن عامر الشعبي" التابعي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل به" أي: قرن، كما هو المنقول عن الشعبي فيما يأتي، بلفظ: فقرن بنبوته، "إسرافيل" على الثابت عن الشعبي لا ميكائيل وإن جزم به ابن التين، قاله الشامي: كالحافظ. "فكان يتراءى" أي: يظهر، "له" بحيث يراه النبي صلى الله عليه وسلم "ثلاث سنين" بناء على الظاهر من الرؤية، وقيل: كان يسمعه ولا يراه فإن صح، فيحتمل أنه قبل النبوة وأنه بعدها، ولا يلزم من الترائي الرؤية بل مجرد الالتقاء نحو: فلما تراءت الفئتان، أي: التقت، "ويأتيه بالكلمة" أي: اللفظ الذي يخاطبه به "والشيء" الأفعال والآداب التي يعلمه إياها وهذا أولى من أن الشيء تفسيري، "ثم وكل" قرن "به جبريل" ليوحي إليه ما يؤمر بتبليغه له "فجاءه بالقرآن" والوحي هكذا بقية كلام الروض، وكان المصنف حذفه؛ لأنه لم يقع في المسند عن الشعبي، كما يأتي فعله اقتصر على القرآن؛ لأنه الذي انفرد به جبريل، ولأنه أعظم المعجزات، وظاهر هذا الأثر: أن جبريل لم يأته تلك المدة وقد ورد أنه لم ينقطع عنه، وجمع بأنه كان يأتيه فيها أحيانًا، وإسرافيل قرن به ليفعل معه كل ما يحتاج له، فقد اجتمعا في المجيء إليه فيا لكن أثر الشعبي هذا وإن صح إسناده إليه مرسل أو معضل وقد عارضه ما هو أصح منه؛ كما يأتي قريبًا. وقد أنكر الواقدي كون غير جبريل وكل به، قال الشامي: وهو المعتمد، انتهى. فلذا لم يذكره ابن القيم. "وأما قوله -أعني ابن القيم- السادسة ما أوحاه الله إليه فوق السماوات، يعني: ليلة المعراج" مع قوله: "السابعة: كلام الله بلا واسطة" فلا يظهر التغاير بينهما حتى يجعلهما مرتبتين فلا يخلو من إرادة أحد أمرين، "فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل" أي: ما أوحاه الله إليه على لسانه "فهو داخل فيما تقدم" له من المراتب وذلك "لأنه إما أن يكون جبريل في تلك الحالة على صورته الأصلية، أو على صورة الآدمي وكلاهما قد تقدم ذكره" في كلامه، فلا يصح كونها

وإن أراد وحي الله إليه بلا واسطة -وهو الظاهر- فهي الصورة التي بعدها. وأما قوله: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة: وهي تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب، فهذا على مذهب من يقول أنه عليه السلام رأى ربه تعالى، وهي مسألة خلاف يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. ويحتمل أن ابن القيم رحمه الله أراد بالمرتبة السادسة وحي جبريل، وغاير بينه وبين ما قبله باعتبار محل الأحياء، أي كونه فوق السماوات، بخلاف ما تقدم، فإن كان في......................

_ مرتبة مستقلة. "وإن أراد وحي الله إليه بلا واسطة" ملك "وهو الظاهر" المتبادر من قوله: أوحاه الله إليه، "فهي الصورة التي بعدها" وهي السابعة، وأجاب شيخنا: بأنه أراد الشق الأول ويمنع دخوله فيما قبله لجواز أنه أوحاه إليه بصفة من صفات الملائكة وليست صفته الأصلية، فإنه كما هو متمكن من مجيئه على صورة بني آدم، متمكن من مجيئه على صورة ليست مألوفة، ولا هي صورته الأصلية. "وأما قوله: وزاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي: تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب، فهذا" بناه "على مذهب من يقول: أنه عليه السلام رأى ربه تعالى" وأما على مذهب من قال: لم يره، فلا يصح عدها مرتبة زائدة لدخولها في السابعة، هذا تقريره. قال شيخنا: ولا يتعين لجواز أنهما حالتان، وإن قلنا: بمنع الرؤية بأن يكون سمع الكلام بمجرده لكن مرة على وجه على غاية القرب اللائق به من كونه بعد مجاوزة الرفرف، ومرة فيما دون ذلك، قال: ويجوز التغاير أيضًا. وإن قلنا: رآه بأن يكون كلمة مرة بدون واسطة ملك بلا رؤية، ومرة بعد مجاوزة الرفرف برؤية. "وهي مسألة خلاف" الراجح منه عند أكثر العلماء أنه رآه؛ كما قال النووي. "يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى" في المقصد الخامس، ويأتي فيه ذكر الحجب، وكم هي في نفس كلام المصنف، وأنها بفرض صحتها، إنما هي بالنسبة إلى المخلوقين، أما هو تعالى فلا يحجبه شيء، ولذا قال ابن عطية ونقله عنه السبكي: معنى: {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} أن يمع كلامه من غير أن يعرف له جهة ولا خبرًا، أي: من خفاء عن المتكلم لا يجده السامع ولا يتصور بذهنه، وليس كالحجاب الشاهد، انتهى. "ويحتمل" في وجه التغاير بين السادسة والسابعة، "أن ابن القيم رحمه الله أراد بالمرتبة" السادسة وحي جبريل" لا ما هو الظاهر منه، "و" لكنه "غاير بينه وبين ما قبله" من المراتب الخمسة، "باعتبار محل الأحياء، أي: كونه فوق السماوات بخلاف ما تقدم، فإن كان في

الأرض، ولا يقال، يلزم عليه أن تتعدد أقسام الوحي باعتبار البقعة التي جاء فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير ممكن، لأنا نقول: الوحي الحاصل في السماء باعتبار في تلك المشاهد من الغيب نوع غير نوع الأرض على اختلاف بقاعها. انتهى. قلت: ويزاد أيضًا: كلامه تعالى له في المنام، كما في حديث الزهري: "أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى".....................

_ الأرض" والأولى جواب شيخنا المار: أنه باعتبار الصفة، "ولا يقال: يلزم" على هذا الاحتمال "أن تتعدد أقسام" أي: أنواع "الوحي باعتبار البقعة" بضم الباء أكثر من فتحها: القطعة من الأرض وجمعها على الضم بقع كغرف، وعلى الفتح بقاع ككلاب وأول جنسية فيصدق بجميع الأماكن التي نزل عليها فيها، فلا يرد أن الأولى التعبير بالجمع، "التي جاء فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو غير ممكن" لكثرة نزوله عليه في أماكن لا تحصى، "لأنا نقول: الوحي الحاصل في السماء باعتبار ما في تلك المشاهد من الغيب نوع غير الأرض على اختلاف بقاعها، انتهى" كلام الولي العراقي، ومحصله: أن جميع بقاع الأرض نوع واحد، وما في السماء نوع واحد، فلم يلزم تعدد أنواعه باعتبار البقعة. "قلت: ويزاد أيضًا كلامه تعالى له في المنام" فقد عده في الروض منها، قال في الإتقان: وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم، نعم يمكن أن يعد منه آخر سورة البقرة وبعض سورة الضحى، و {أَلَمْ نَشْرَحْ} ، واستدل على ذلك بأخبار. "كما في حديث الزهري" نسبة إلى جده الأعلى زهرة بن كلاب القشي من رهط آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم اتفقوا على إتقانه وإمامته بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أتاني" الليلة "ربي" تبارك وتعالى "في أحسن صورة" أي: صفة هي أحسن الصفات، وفي رواية: أحسبه قال: في المنام، "فقال: يا محمد، أتدري" وفي رواية: هل تدري، "فيم يختصم الملأ الأعلى" قال في النهاية: أي: فيم تتقاول الملائكة المقربون سؤالا وجوابًا فيما بينهم؟ وقال التوربشتي: المراد بالاختصام التقاول الذي كان بينهم في الكفارات والدرجات، شبه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين، انتهى. أي: واستعير له اسمه ثم اشتق منه يختصم، فهو استعارة تصريحية تبعية. وقال البيضاوي: هو إما عبارة عن تبادرهم إلى كتب تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء، وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها وإنافتها على غيرها، وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل لاختصاصهم بها وتفضيلهم على الملائكة بسببها مع تفاوتهم في الشهوات وتماديهم في

الحديث. ثم مرتبة أخرى، وهي العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام، لأنه اتفق على أنه عليه الصلاة والسلام إذا اجتهد أصاب قطعًا، وكان معصومًا من الخطأ، وهذا خرق للعادة في حقه دون الأمة، وهو يفارق النفث في الروع من حيث حصوله بالاجتهاد، والنفث بدونه. ومرتبة أخرى: وهي مجيء جبريل في صورة رجل غير دحية................

_ الجنايات، انتهى. "الحديث" تمامه: "قلت: لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، فقال: يا محمد، هل تدري فيم يخاصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفارات والدرجات. فالكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في المكاره، قال: صدقت يا محمد، ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان في خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وتتوب عليّ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام". رواه بتمامه عبد الرزاق وأحمد والترمذي والطبراني، عن ابن عباس مرفوعًا. والترمذي وابن مردويه والطبراني من حديث معاذ. "ثم مرتبة أخرى، وهي العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام" على القول بأنه يجتهد، وإنما عد اجتهاده من مراتب الوحي؛ "لأنه اتفق على أنه عليه الصلاة والسلام إذا اجتهد أصاب قطعًا" إما لظهور الحق له ابتداء، وإما بالتنبيه عليه إن فرض خلافه فلا يقدح فيه القول بجواز وقوع الخطأ في اجتهاده، لكن لا يقر عليه. "وكان معصومًا من الخطأ" فلا يقع منه أصلا على الصحيح، "وهذا خرق لعادة في حقه دون الأمة، وهو" أي: العلم الحاصل بالاجتهاد، "يفارق النفث" أي: ما يحصل به، "في الروع" فالمشبه به ليس نفي النفث؛ لأنه إلقاء الملك في الروع ولا يحسن تشبيه العلم به. "من حيث حصوله بالاجتهاد و" حصول "النفث" أي: أثره؛ لأنه الحاصل في الروع "بدونه" أي: الاجتهاد، "ومرتبة أخرى، وهي: مجيء جبريل في صورة رجل غير دحية" كما في الصحيحين عن أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارز للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان ... الحديث، وفي رواية: فأتاه جبريل، وفي آخره: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم". ورواه مسلم أيضًا عن عمر، بلفظ: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب

لأن دحية كان معروفًا عندهم، ذكره ابن المنير، وإن كانت داخلة في المرتبة الثالثة التي ذكرها ابن القيم. وذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا، فذكرها، وغالبها -كما قال في فتح الباري- من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر والله أعلم.

_ شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فهذا صريح في أنه تمثل بصورة رجل غير دحية؛ "لأن دحية كان معروفًا عندهم، ذكره" أي: هذا النوع "ابن المنير" والأوفق ذكرها بالتأنيث؛ لقوله: مرتبة، ولقوله: "وإن كانت داخلة في المرتبة الثالثة التي ذكرها ابن القيم" لأنه صدرها بقوله: كان يتمثل له الملك رجلا، ولا ترد هذه على قول السبكي في تائيته: ولازمك الناموس إما بشكله ... وإما بنفث أو بحلية دحية لأن هذه الأحوال الثلاثة لما غلبت لم يعتد بغيرها، ولذا قال: ولازمك، على أنه أراد لازمك على الصورة التي تعلم منها حين المجيء أنه وحي، وأما هذه فلم يعلم أنه جبريل حتى ولي؛ كما دل عليه قوله في الصحيح: ثم أدبر، فقال: "ردوه". فلم يروا شيئًا، وصرح به في حديث أبي عامر، بلفظ: "والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة" وفي رواية سليمان التيمي وابن حبان: "والذي نفسي بيده، ما شبه عليّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفت به حتى ولى". "وذكر الحليمي" بالتكبير نسبة إلى جد أبيه، فإنه العلامة البارع المحدث القاضي أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الشافعي الفقيه صاحب اليد الطولى في العلم والأدب المفيدة، مات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة. "أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا، فذكرها وغالبها كما قال في فتح الباري: من صفات حامل الوحي، ومجموعها" أي: جملتها، "ويدخل فيما ذكر، والله أعلم" ومنها ما في الإتقان: أن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرآن أم لا؟ والأشبه أنه نزل كله يقظة، وفهم فاهمون من خبر مسلم وأبي داود والنسائي، عن أنس: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ غفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: "أنزل علي آنفًا سورة"، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] إلى آخرها، إن الكوثر نزلت في تلك الإغفاءة؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي. وأجاب الرافعي: بأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة أو عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم وفسرها لهم، أو الإغفاءة ليست نومًا بل هي البرحاء التي كانت تعتريه عند الوحي، قال صاحب الإتقان: والأخير أصح من

وذكر ابن المنير أن الحال كان يختلف في الوحي باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد وبشارة نزل الملك بصورة الآدمي، وخاطبه من غير كد، وإن نزل بوعيد ونذارة كان حينئذ كصلصلة الجرس. انتهى.

_ الأول؛ لأن قوله: "أنزل علي آنفًا" يدفع كونها نزلت قبل ذلك، انتهى. ووهم من ذكر هذا عند قوله الماهر كلامه تعالى له في المنام؛ لأنه في الإتقان إنما ذكره في مجيء الملك منامًا، وما ذكر في تلك المرتبة إلا ما قدمته عنه، ومنها: تصوره بصورة فحل من الإبل فاتحًا فاه ليلتقم أبا جهل لما أراد أن يلقي على النبي صلى الله عليه وسلم حجرًا كبيرًا وهو يصلي، وأخبر عليه السلام أنه جبريل، وما اقتضى منه دين الإراشي الذي مطله بثمن إبله وشكى لقريش فدلوه على المصطفى استهزاء لعلمهم بشدة عداوته، فلما أتاه قال: لا تبرح حتى يأخذ حقه، فعيره قريش؛ فقال: رأيت فحلا من الإبل لو امتنعت لأكلني، ذكرهما ابن إسحاق. "وذكر" القاضي ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور المعروف بأنه "ابن المنير" الجروي الجذامي الإسكندري قاضيها وخطيبها المصقع الإمام العلامة البارع الفقيه الأصولي المفسر المتبحر في العلوم، ذو التصانيف الحسنة المفيدة والباع الطويل في التفسير والقراءات والبلاغة والإنشاء، توفي أول ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة عن ثلاث وستين سنة، قال العز بن عبد السلام: الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها ابن دقيق العيد بقوص، وابن المنير بالإسكندرية. "أن الحال كان يختلف في الوحي باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد" خاص بالخير حيث أطلق كالعدة؛ كما قال الفراء ولذا عطف عليه، "وبشارة" بكسر الباء وتضم مختصة بالخير، حيث أطلقت أيضًا لبيان المراد به، ولعله أراد بها ما قابل التخويف بالعذاب، فشمل القصص والأحكام وغيرها مما لم يصرح فيه بالعذاب، على أن القصص باعتبار ما سيقت له، فيها إيماء بأن من لم يؤمن ربما يصيبه ما أصاب من فيهم القصص. "نزل الملك بصورة الآدمي، وخاطبه من غير كد" إتعاب في تلقي الوحي، "وإن نزل بوعيد" بشر لاختصاصه به كالإبعاد، "ونذارة كان حينئذ كصلصلة الجرس" وظاهره: أنه لا فرق في انقسام ما نزل به إلى القسمين بين القرآن وغيره، ولعله أشار إلى أن هذا مراد ابن المنير، وإلا فالذي في كلامه تقسيم ما جاء به من القرآن إلى هذين ونظر فيه الحافظ بأن الظاهر: أنه لا يختص بالقرآن، ولما ذكر مراتب الوحي ناسب أن يذكر عدد مراته، وذكر غير المصطفى بيانًا لزيادة كرامته على ربه، وهذا أولى من جعله استطرادًا ولوقوعه في كلام الناقل عنه، فقال:

وقد ذكر ابن عادل، في تفسيره: أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرة، ونزل على آدم اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات. كذا قال رحمه الله. وقد روي: أن جبريل بدى له صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة وأطيب رائحة فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسولي إلى الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله......................................

_ "وقد ذكر ابن عادل في تفسيره أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرة، ونزل على آدم اثنتي عشرة مرة، ونزل على إدريس أربع مرات، وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتي وأربعين مرة" وفي كلام الحافظ عثمان الديمي أربعين فقط، "وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات" قال بعضهم: ثلاث مرات في صغره، وسبع مرات في كبره. وزاد الحافظ الديمي، كما نقله عنه تلميذه الشمس التتائي في شرح الرسالة: وعلى يعقوب أربعًا، وعلى أيوب ثلاثًا. وظاهره، كابن عادل: أنه لم يبلغهما عدد في غيرهم، وظاهرهما أيضًا: أن نزوله على المذكورين يقظة، وفي الإتقان عن بعضهم: أن الوحي إلى جميعهم منامًا، إلا أولي العزم المصطفى ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، فإنه كان يأتيهم يقظة ومنامًا. وقال بعض: للملك صورتان: حقيقية ومثالية، فالحقيقية لم تقع إلا للمصطفى، والمثالية هي الواقعة لبقية الأنبياء، بل شاركهم فيها بعض الصحابة، انتهى. "كذا قال، رحمه الله" تبرأ منه؛ لأنه لم يسنده ومثله يحتاج لتوقيف. "وقد روى" مرضه؛ لأن له طرقًا لا تخلو من مقال لكنها متعددة يحصل باجتماعها القوة، واعتضاد بعضها ببضع فيفيد أن للحديث أصلا. "أن جبريل بدا" أي: ظهر، وفي نسخة: تبدى، والأولى أوفق باللغة. "له صلى الله عليه وسلم" وهو بأعلى مكة؛ كما عند ابن إسحاق، أي: بجبل حراء؛ كما في الخميس، وهو يفسر قول زيد بن حارثة عند ابن ماجه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل فعلمه الوضوء، "في أحسن صورة وأطيب رائحة، فقال: يا محمد! إن الله يقرئك" بضم الياء والهمزة: من أقرأ، "السلام، ويقول لك: أنت رسولي إلى الجن والإنس" لعله اقتصر عليهما؛ لقوله: "فادعهم إلى قول لا إله إلا الله" أي: ومحمد رسول الله، فلا ينافي أنه مبعوث إلى الملائكة أيضًا على الأصح عند جمع محققين، منهم: البارزي وابن حزم والسبكي، أو لاختصاص الدعوة

ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل ثم أمره أن يتوضأ وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه فعلمه الوضوء والصلاة ثم عرج إلى السماء ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر بحجر ولا مدر ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله، حتى أتى خديجة فأخبرها فغشي عليها من الفرح ثم أمرها فتوضأت وصلى بها كما صلى به جبريل فكان ذلك أول فرضها ركعتين ثم إن الله تعالى أقرها في السفر كذلك وأتمها في الحضر.

_ في الابتداء بهما، ويأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في الخصائص. "ثم ضرب برجله الأرض" من إطلاق الكل على الجزء، بدليل رواية ابن إسحاق وغيره، فهمز بعقبه بفتح السين وكسر القاف: مؤخر القدم. "فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل" زاد ابن إسحاق: ورسول الله ينظر إليه ليريه كيف الطهور إلى الصلاة, "ثم أمره أن يتوضأ" كما رآه يتوضأ، وروى أحمد وابن ماجه والحارث وغيرهم، عن أسامة بن زيد عن أبيه: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحى إليه فأراه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، "وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه" زاد في رواية أبي نعيم عن عائشة: فصلى ركعتين نحو الكعبة، "فعلمه الوضوء والصلاة، ثم عرج إلى السماء ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر بحجر ولا مدر" محركة جمع مدرة: قطع الطين اليابس أو العلك الذي لا رمل فيه والمدن والحضر؛ كما في القاموس. "ولا شجرة، إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله" يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يرد عليها مكافأة وإن لم يكن واجبًا، قال الدلجي: ورد بأن السلام شرع للتحية وليست من أهلها وبأنه يتوقف على بقل وفيه نظر، فإن المكافأة تكون ولو لغير الأهل، وهو لم يجزم به حتى طالب بنقل إنما أبداه احتمالا وهو كاف في مثل هذا. وسار صلى الله عليه وسلم "حتى أتى خديجة، فأخبرها فغشي عليها من الفرح" زاد في رواية: ثم أخذ بيدها وأتى بها إلى العين فتوضأ ليريها الوضوء، "ثم أمرها فتوضأت وصلى بها كما صلى به جبريل" وزاد في رواية: وكانت أول من صلى. وفي رواية أبي نعيم، فقالت: أرني كيف أراك، فأراها فتوضأت ثم صلت معه، وقالت: أشهد أنك رسول الله، "فكان ذلك أول فرضها" أي الصلاة من حيث هي لا الخمس؛ لأن فرضها إنما كان صبح الإسراء، وهذه وقعت عقب الوحي؛ كما مر. والمراد: أول تقديرها، "ركعتين" فلا يخالف ما يجيء عن النووي من أنه لم يفرض قبل الخمس إلا قيام الليل، "ثم إن الله تعالى أقرها" أي: شرعها على هيئة ما كان يصليها قبل "في السفر كذلك" ركعتين، "وأتمها في الحضر" أربعًا وبهذا التقرير اندفع الإشكال.

وقال مقاتل: كانت الصلاة أول فرضها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، لقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] . قال في فتح الباري: كان صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء يصلي قطعًا، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف: هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [طه: 130] . انتهى. وقال النووي: أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد.............

_ "وقال مقاتل" بن سلميان البلخي المفسر: قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة. وقال وكيع: كان كذابًا. وقال النسائي: يضع الحديث، مات سنة خمس ومائة، وقيل بعدها. "كانت الصلاة أول فرضها ركعتين بالغداة" وهي أول النهار، والمتبادر أنه كان يصليها قبل طلوع الشمس؛ كما يأتي عن الفتح. "وركعتين بالعشي" قبل غروبها، ويحتمل أنه كان يصليها قبل طلوع الشمس؛ كما يأتي عن الفتح. "وركعتين بالعشي" قبل غروبها، ويحتمل أنه كان يقرأ فيهما بما أتاه من سورة {اقْرَأ} [العلق: 1] ، حتى نزلت افاتحة، "لقوله تعالى: {وَسَبِّحَ} [غافر: 55] صل ملتبسًا {بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] ، قيل: يرده ما جاء أن تاجرًا قدم الحج في الجاهلية، فأتى العباس ليبتاع منه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وخديجة وعليًا خرجوا من خباء، وصلى بهم حين زالت الشمس، وسأل التاجر العباس: فأخبره بهم وإن هذا الفعل صلاة مشروعة لهم ولا رد فيه، فقد قيل: العشي ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه قيل للظهر والعصر: صلاتا العشي، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقيل: من الغرب إلى العتمة. "قال في فتح الباري: كان صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء يصلي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة، أم لا؟ فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه" أي: الدليل له، "قوله تعالى: {وَسَبِّحْ} " [طه: 130] ، أي: صل حال كونك ملتبسًا {بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] ، "انتهى". "وقال النووي" الإمام الفقيه الحافظ الأوحد القدوة المتقن البارع الورع الزاهد الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر التارك ملاذ الدنيا حتى الزواج المهاب عند الملوك شيخ الإسلام علم الأولياء: محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن سرى المبارك له في علمه وتصانيفه لحسن قصده، المتوفى في رابع عشري رجب سنة ست وسبعين وستمائة عن ست وأربعين سنة، "أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد" لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ} ، [المدثر: 1، 2]

ثم فرض الله تعالى من قيام الليل ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأما ما ذكره في هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به فيدل على أن فريضة الوضوء كانت قبل الإسراء. ثم فتر الوحي فترة حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم وأحزنه. وفترة الوحي: عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده عليه السلام من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود.

_ "ثم فرض الله تعالى من قيام الليل" عليه وعلى أمته، "ما ذكره في أول سورة المزمل" بقوله: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 1، 2] ، نصفه أو أنقص منه قليلا أو زد عليه، "ثم نسخه بما في آخرها" من قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] ، إذ المراد: صلوا ما تيسر لكم، "ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة" فقد حكى الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي: أن قيام الليل كان واجبًا أول الإسلام عليه وعلى أمته، ثم نسخ عنه بما في آخر سورة المزمل وعن أمته بالصلوات الخمس، قال النووي: وهو الأصح، أو الصحيح. وفي مسلم عن عائشة ما يدل عليه، انتهى. لكن الذي عليه الجمهور وأكثر أصحاب الشافعي وغيرهم: أنه لم ينسخ؛ لقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] ، أي: عبادة زائدة في فرائضك، نعم نسخ الوجوب في حق الأمة وبقي الندب لأحاديث كثيرة. "وأما ما ذكره في هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به، فيدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء" قال السهيلي: فالوضوء على هذا الحديث مكي بالفرض مدني بالتلاوة؛ لأن آية الوضوء مدنية، وإنما قالت عائشة: فأنزل الله آية التيمم، ولم تقل آية الوضوء وهي هي؛ لأن الوضوء كان مفروضًا قبل، غير أنه لم يكن قرآنًا يتلى حتى نزلت آية المائدة، انتهى. ثم عقب المصنف هذا المبحث بفترة الوحي لبيان أن الوضوء والصلاة كانا عقب الوحي قبل الفترة، خلافًا لمن توهم أنهما بعد نزول المدثر، فقال: "ثم فتر الوحي فترة حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم وأحزنه" خوفًا أن يكون لتقصير منه، أو لما أخرجه من تكذيب من بلغه؛ كما مر عن عياض. "وفترة الوحي كما قال في الفتح "عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده عليه السلام من الروع" بفتح الراء: الفزع، "وليحصل له التشوق إلى العود" فقد روى البخاري من طريق معمر ما يدل على ذلك، انتهى كلام الفتح. يعني: البلاغ

وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين، كما جزم به ابن إسحاق وفي تاريخ الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان عن الشعبي: أنزل عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، وكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، وكذا رواه ابن سعد والبيهقي.

_ المذكور آخر الحديث السابق. "وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين" قال السهيلي: جاء في بعض الأحاديث المسندة أنها سنتان ونصف، وفي رواية أخرى: أن مدة الرؤيا ستة أشهر، فمن قال: مكث بمكة عشرًا حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال: ثلاث عشرة أضافهما، قال في الفتح: ولا يثبت وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة كانت أيامًا، انتهى. وقال مغلطاي في الزهر: يخدش فيه ما في تفسير ابن عباس إنها كانت أربعين يومًا. وفي تفسير ابن الجوزي ومعاني الزجاج: خمسة عشر. وفي تفسير مقاتل: ثلاثة أيام، ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه، لا ما ذكره السهيلي، وجنح لصحته، انتهى. وعلى فرض الصحة جمع بأنها كانت سنتين ونصفًا، فمن قال: ثلاثة جبر الكسر، ومن قال: سنتان ألغاه، والمراد بأربعين فما دونها: إن مدة الانقطاع بحيث لا يأتيه فيها إسرافيل ولا جبريل اختلفت؛ فأقلها ثلاثة أيام وأكثرها أربعون، وفي بعضها: خمسة عشر، وبعضها: اثنا عشر. وقوله: "كما جزم به" أي: بأنها ثلاث سنين، "ابن إسحاق" مخالف لقول العيون تبعًا للروض وفترة الوحي لم يذكر لها ابن إسحاق مدة معينة، انتهى. وهو الصواب، وتبع المصنف في ذلك الحافظ كما تبعه السيوطي ورد على الثلاثة جميعًا بالصراحة الشامي، فقال: هذا وهم بلا شك وعزو ذلك بالجزم لابن إسحاق أشد، انتهى. "و" دليل كونها ثلاث سنين ما "في تاريخ الإمام أحمد" بن حنبل "ويعقوب بن سفيان" الحافظ "عن الشعبي" عامر بن شراحيل التابعي، أنه قال: "أنزل عليه" صلى الله عليه سلم "النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، وكان يعلمه الكلمة" اللفظ الذي يخاطبه به، "والشيء" لأفعال الآداب التي يعلمها له، "ولم ينزل عليه القرآن على لسانه" لأن إنزال الكتب الإلهية من خصائص جبريل. "فما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام، فنزل عليه القرآن" وغيره "على لسانه" ومر أنه خص القرآن بالذكر لاختصاص جبريل به، "عشرين سنة، وكذا رواه" أي: أثر الشعبي "ابن سعد والبيهقي" وأثر الشعبي هذا وإن صح إسناده إليه مرسل أو معضل وكلاهما

قد تبين أن نبوته عليه الصلاة والسلام كانت متقدمة على إرساله، كما قال أبو عمر..................

_ من أقسام الضعيف وقد أنكره الواقدي، وقال: لم يكرم به من الملائكة إلا جبريل، قال الشامي: وهو المعتمد، انتهى. وتوقف الحافظ فيه بأن المثبت مقدم على النافي إن لم يصحبه دليل نفيه، وجوابه قول الحافظ السيوطي: قد ورد ما يوهي أثر الشعبي، وهو ما أخرجه مسلم والنسائي والحاكم عن أبي عباس، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا من السماء من فوق فرفع جبريل طرفه إلى السماء، فقال: يا محمد! هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. قال جماعة من العلماء: هذا الملك إسرافيل، وأخرج الطبراني عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي ولا يهبط على أحد بعدي، وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربي إليك، أمرني أن أخبرك إن شئت نبيًا عبدًا وإن شئت نبيًا ملكًا، فنظرت إلى جبريل فأومأ إلي أن تواضع، فلو أني قلت: نبيًا ملكًا لسارت معي الجبال ذهبًا"، قال: وهاتان القضيتان بعد ابتداء الوحي بسنين كما يعرف من سائر طرق الأحاديث وهما ظاهرتان في أن إسرافيل لم ينزل إليه قبل ذلك، فكيف يصح قول الشعبي أنه اتاه في ابتداء الوحي؟ انتهى. وفي شرح البخاري للمصنف تبعًا للفتح قول الشعبي: معارض بما روي عن ابن عباس أن الفترة المذكورة كانت أيامًا قلائل فلا يحتج بمرسله لا سيما مع ما عارضه، انتهى. فلم تكن الفترة إلا أيامًا؛ كما قال مغلطاي: أنه الأشبه وصريح قوله في حديث البخاري المار: وفتر الوحي فترة حتى حزن حزنًا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ... إلخ، وورد أنه لم ينقطع عنه كما مر، أي إلا أيامًا على أنه لو صح أن إسرافيل أتاه في الابتداء لم يمنع مجيء جبريل فكانا يختلفان في المجيء إليه زيادة إكرام له من ربه، وقد صرح في فتح الباري بأنه ليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين بين نزول {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، و {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، عدم مجيء جبريل إليه بل تأخر نزول القرآن فقط. ا. هـ. "فقد تبين" من جملة ما ساقه "أن نبوته عليه الصلاة والسلام كانت متقدمة على إرساله" لأن نزول {قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 2] ، إنما كان بعد الفترة الواقعة بعد النبوة، "كما قال أبو عمر" بن

وغيره، كما حكاه أبو أسامة بن النقاش. وكان في نزول سورة {اقْرَأْ} نبوته، وفي سورة المدثر إرساله بالنذارة والبشارة والتشريع، وهذا قطعًا متأخر عن الأول، لأنه لما كانت سورة {اقْرَأْ} متضمنة لذكر أطوار الآدمي: من الخلق والتعليم والإفهام، ناسب أن تكون أول سورة أنزلت، وهذا هو الترتيب الطبيعي، وهو أن يذكر سبحانه وتعالى ما أسداه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام من العلم والفهم والحكمة والنبوة، ويمن عليه بذلك في معرض تعريف عباده بما أسداه إليهم من نعمة البيان الفهمي والنطقي والخطي، ثم يأمره سبحانه وتعالى أن يقوم فينذر عباده.

_ عبد البر "وغيره؛ كما حكاه أبو أسامة بن النقاش، وكان" الأول الفاء؛ لأنه بيان لسبق نبوته، "في نزول سورة {اقْرَأْ} نبوته، وفي سورة المدثر إرساله بالنذارة والبشارة والتشريع، وهذا قطعًا متأخر عن الأول" فيفيد المدعي، وهو سبق النبوة؛ "لأنه لما كانت سورة اقرأ متضمنة لذكر أطوار" جمع طور، أي: أحوال، "الآدمي من الخلق والتعليم والإفهام ناسب أن تكون أول سورة أنزلت، وهذا هو الترتيب الطبيعي وهو أن يذكر سبحانه وتعالى ما أسداه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام من العلم والفهم والحكمة والنبوة، ويمن عليه بذلك في معرض" بفتح الميم وكسر الراء، أي: موضع ظهوره "تعريف عباده بما أسداه" أوصله "إليهم من نعمة البيان الفهمي والنطقي والخطي، ثم يأمره سبحانه وتعالى أن يقوم فينذر عباده" فلهذه النكتة كانت النبوة سابقة، وقيل: هما متقارنان. وذكر شيخنا فيما مر عن بعض شيوخه أنه الصحيح، قال: ويؤيده أن الوضوء والصلاة كانا أول الوحي مع نزول {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، فإن مفاده أنه لم يأمر خديجة وعليًا بهما إلا بعد الوحي إليه بذلك، وهذا عين الرسالة وتأخر إظهارها لا يضر؛ لجواز أنه أمر بالتبليغ حالا لمن علم ابنه وعدم إبائه؛ كما كان يصلي مستخفيًا، "والله أعلم" بحقيقة ذلك.

ذكر أول من آمن بالله ورسوله

"ذكر أول من آمن بالله ورسوله": وكان أول من آمن بالله وصدق صديقة النساء خديجة، فقامت بأعباء الصديقية. قال لها عليه الصلاة والسلام: $"خشيت على نفسي". فقالت له: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا. ثم استدلت بما فيه من الصفات والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبدًا.

_ ذكر أول من آمن بالله ورسوله: "وكان أول" بالنصب "من آمن بالله وصدق" عطف تفسير، فالإيمان التصديق، "صديقة" بالرفع اسم كان ويجوز عكسه، الأول أولى إذ المجهول الأولية وأضافها لقوله: "النساء" أي: الدائمة الصدق منهن مع اختصاص الصديقة بالنساء دفعًا لتوهم أنها صديقة الأمة فيوهم تميزها على أبي بكر، "خديجة" قاله ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي والأموي وغيرهم، قال النووي: عند جماعة من المحققين، وحكى الثعلبي وابن عبد البر والسهيلي عليه الاتفاق. وقال ابن الأثير؛ لم يتقدمها رجل ولا امرأة بإجماع المسلمين، "فقامت بأعباء" أي: بالمشاق التي يطلب تحملها وفاء بحقوق "الصديقية" والأعباء في الأصل: الثقل، فشبه الأحوال بها مبالغة ودليل قيامها بتلك الحقوق أنه "قال لها عليه الصلاة واللام" لما رجع يرجف فؤاده بعد مجيء جبريل له: "خشيت على نفسي". فقالت له: أبشر. بهمزة قطع "فوالله لا يخزيك الله أبدًا، ثم استدلت" على ذلك "بما فيه من الصفات" الحميدة كقرى الضيف وحمل الكل، "والأخلاق" الزكية المرضية، أي: الملكات الحاملة على الأفعال الحسنة، "والشيم" بمعنى الأخلاق، فالعطف مساوٍ وعطفهما على الصفات عطف سبب على مسبب، "على أن من كان كذلك لا يخزى أبدًا" وهو من بديع علمها وقوة عارضتها. قال ابن إسحاق: وآزرته على أمره فخفف الله بذلك عنه، فكان لا يسمع شيئًا يكرهه من رد وتكذيب إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، ولهذا السبق وحسن المعروف جزاها الله سبحانه فبعث جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بغار حراء كما في رواية الطبراني، وقال له: "اقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب"؛ كما في الصحيح. وفي الطبراني: فقالت هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام. وفي النسائي: وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، وهذا من وفور رفقها حيث جعلت مكان رد السلام على الله الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق به وما يليق بغيره. قال ابن هشام: والقصب هنا اللؤلؤ المجوف، وأبدى السهيلي لنفي الصخب والنصب لطيفة هي أنه صلى الله عليه وسلم ما عاد إلى الإيمان أجابت طوعًا ولم تحوجه لرفع صوت ولا منازعة ولا نصب، بل أزالت عنه كل تعب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير، فناسب أن تكون منزلتها التي بشرها بها وبها بالصفة المقابلة لفعلها وصورة حالها رضي الله عنها، واقرأ السلام من ربها خصوصية لم تكن لسواها ولم تسؤه صلى الله عليه وسلم قط، ولم تغاضبه وجازاها فلم يتزوج عليها مدة حياتها وبلغت منه ما لم تبلغه امرأة قط من زوجاته.

وكان أول ذكر آمن بعدها صديق الأمة، وأسبقها إلى الإسلام أبو بكر، فآزره في الله. وعن ابن عباس أنه أول الناس إسلامًا، واستشهد بقول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجوى من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي.............

_ "وكان أول" بالنصب والرفع على ما مر رجل "ذكر آمن بعدها صديق الأمة" لسبقه بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وروى الطبراني برجال ثقات: أن عليًا كان يحلف بالله أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق وحكمه الرفع فلا مدخل فيه للرأي، وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء، "وأسبقها" أي: الأمة بعد خديجة "إلى الإسلام أبو بكر" بدل أو عطف بيان لصديق على أنه اسم كان، وعلى أنه خبرها فهو خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة على المشهور، ويقال: كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، قاله الفتح. وفي جامع الأصول يقال: كان اسمه في الجاهلية عبد رب الكعبة، فغيره صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله، وينافيه ما روى ابن عساكر عن عائشة أن اسمه الذي سماه به أهله عبد الله ولكن غلب عليه اسم عتيق، إلا أن يكون سمي بهما حين الولادة، لكن اشتهر في الجاهلية بذاك وفي الإسلام بعبد الله، فمعنى سماه النبي صلى الله عليه وسلم قصر اسمه على عبد الله. قال في الفتح: وكان يسمى أيضًا عتيقًا واختلف في أنه اسم أصلي له، أو لأنه ليس في نسبة ما يعاب به أو لقدمه في الخبر ولسبقه إلى الإسلام، أو لحسنه، أو لأن أمه استقبلت به البيت، وقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت؛ لأنه كان لا يعيش لها ولد، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بأن الله أعتقه من النار؛ كما في حديث عائشة عند الترمذي، وصححه ابن حبان، انتهى. قال الزمخشري: ولعله كني بأبي بكر لابتكاره الخصال الحميدة، انتهى. ولم أقف على من كناه به هل المصطفى أو غيره. "فآزره" بالهمز، أي: واساه وعاونه، وبالواو شاذ؛ كما في القاموس. "في" نصر دين "الله" بنفسه وماله، "وعن ابن عباس: أنه أول الناس إسلامًا، واستشهد" ابن عباس، وفي لفظ: وتمثل، "يقول حسان بن ثابت" الأنصاري "إذا تذكرت شجوًا" أي: همًا وحزنًا يريد ما كابده أبو بكر، فأطلق عليه شجوًا لاقتضائه ذلك، أو أراد حزنه مما حرى على المصطفى "من أخي ثقة" أي: صديق أو صاحب ائتمان، والمعنى: إذا تذكرت من يقتدي به في تحمل المشاق القلبية والبدنية لأجل صديقه، "فاذكر أخاك أبو بكر بما فعلا" صلة اذكر، وما مصدرية، أي: تذكر بفعله الجميل "خير البرية" بالنصب بدل من "أبا بكر" أو صفة له "أتقاها" صفة بعد صفة والعاطف مقدم، "وأعدلها بعد النبي" تنازعه خير البرية وما عطف عليه وأل للعهد وهو المصطفى، فالمراد بالبرية

........................... ... ......... وأوفاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس قدمًا صدق الرسلا رواه أبو عمر.

_ أمته، وبالبعدية في رتبة الفضل لا الزمانية، فإن خيريته وما بعدها كان ثابتًا في حياته صلى الله عليه وسلم، هكذا نبهنا عليه شيخنا العلامة البابلي لما قرأ قول البخاري باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أو أل للاستغراق فالمراد بها من عدا الأنبياء. "وأوفاها" اسم تفضيل من وفى بالعهد، أي: أحفظها "بما حملا" أي: بالذي حمله عنه عليه السلام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بحقوق الله وآدابه، وعطف على خير، قوله: "والثاني" للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار و"التالي" التابع له باذلا نفسه مفارقًا أهله وماله ورئاسته في طاعة الله ورسوله وملازمته ومعاديًا للناس فيه جاعلا نفسه وقاية عنه، وغير ذلك من سيره الحميدة التي لا تحصى، بحيث قال صلى الله عليه وسلم: "إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر"، وقال: "ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر، واساني بنفسه وماله"، رواه الطبراني. وقال: "إن أعظم الناس علينا منًّا أبو بكر زوني ابنته وواساني بنفسه" رواه ابن عساكر. وقال الشعبي: عاتب الله أهل الأرض جميعًا في هذه الآية، أي آية: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ} [التوبة: 40] ، غير أبي بكر، وقد جوزي بصحبة الغار الصحبة على الحوض؛ كما في حديث ابن عمر رفعه: "أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار" فيا نعم الجزاء "المحمود مشهده" بفتح الهاء، أي: الممدوح مكان حضوره من الناس؛ لأنه كما قال ابن إسحاق: كان رجلا مؤلفًا لقومه محببًا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بها، وبما كان فيها من خير وشر، وكان تاجرًا ذا خلق حسن ومعروف، وكان رجال من قومه يأتونه ويألفونه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه جماعة عدهم كما يأتي. "وأول الناس قدمًا" بكسر القاف وسكون الدال تخفيفًا، وأصلها الفتح، أي: قديمًا، أو بضم القاف وسكون الدال، أي: تقدمًا، وهو معمول لقوله: "صدق الرسلا" بالجمع؛ لأن تصديقه تصديق لجميعهم؛ كما في نحو: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] ، وفي نسخة منهم بذل قدمًا، أي: حال كونه معدودًا منهم لمهماتهم فصرح بأنه أول من بادر لتصديق المرسلين، وهو محل الاستشهاد من الأبيات والألف في آخر كل منها للإطلاق، وهو إشباع حركة الروي فيتولد منها حرف مجانس لها. "رواه أبو عمر" بن عبد البر، وكذا الطبراني في الكبير.

وممن وافق ابن عباس وحسانا على أن الصديق أول الناس إسلامًا، أسماء بنت أبي بكر، والنخعي وابن الماجشون ومحمد بن المنكدر والأخنس.

_ وروى الترمذي عن أبي سعيد، قال: أبو بكر: ألست أول من أسلم "وممن وافق ابن عباس وحسانًا" بالصرف ومنعه على أنه من الحسن أو الحسن، قال الجوهري، لكن قال ابن مالك: المسموع فيه منع الصرف. "على أن الصديق أول الناس إسلامًا أسماء بنت أبي بكر" ذات النطاقين زوج الزبير المتوفاة بمكة سنة ثلاث وسبعين، وقد بلغت المائة ولم يسقط لها سن، ولم يتغير لها عقل. "و" إبراهيم بن يزيد بن قيس "النخعي" بفتح النون والخاء المعجمة نسبة إلى النخع قبيلة الكوفي الفقيه الحافظ التابعي الوسط المتوفى وهو مختف من الحجاج سنة ست وتسعين، "وابن الماجشون" بفتح الجيم وكسرها وضم الشين، لفظ: فارسي لقب به؛ لأنه تعلق من الفارسية بكلمة: إذ لقي الرجل يقول: شوني شوني، قاله الإمام أحمد، أو لأنه لما نزل المدينة كان يلقى الناس ويقول: جوني جوني، قاله ابن أبي خيثمة أو لحمرة وجنتيه، سمي بالفارسية المايكون فعربه أهل المدينة بذلك، قاله الحربي. وقال الغساني: هو بالفارسية الماهكون فعرب، ومعناه: المورود، ويقال: الأبيض الأحمر. وقال الدارقطني: لحمرة وجهه، ويقال: أن سكينة بالتصغير بنت الحسين بن علي لقبته بذلك، وقال البخاري في تاريخه الأوسط: الماجشون هو يعقوب بن أبي سلمة أخو عبد الله، فجرى على بنيه وبني أخيه. "ومحمد بن المنكدر" بن عبد الله التيمي التابعي الصغير كثير الحديث عن أبيه، وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة وخلق، وعنه الزهري ومالك وأبو حنيفة وشعبة والسفيانان، قال ابن عيينة: كان من معادن الصدق ويجتمع إليه الصالحون، مات سنة ثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين ومائة. "والأخنس" بفتح الهمزة وخاء معجمة ساكنة ونون مفتوحة وسين مهملة، ابن شريق بفتح المعجمة وكسر الراء وتحتية وقاف الثقفي، واسم الأخنس أبي حليف بني زهرة صحابي من مسلمة الفتح، وشهد حنينًا وأعطي مع المؤلفة وتوفي أول خلافة عمر، ذكره الطبري وابن شاهين هذا على ما في النسخ. والذي عند البغوي بدله والشعبي، وكذا رواه عنه في المستدرك ووقوع إسلام الصديق عقب خديجة؛ لأنه كان يتوقع ظهور نبوته عليه السلام لما سمعه من ورقة، وكان يومًا عند حكيم بن حزام إذ جاءت مولاة له، فقالت: إن عمتك خديجة تزعم في هذا اليوم أن زوجها نبي

.............................................

_ مرسل مثل موسى، فانسل أبو بكر حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم. وروى ابن إسحاق بلاغًا: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر ما عكم عنه حين ذكرت له، قال ابن هشام قوله: ما عكم، أي: تلبث. قال في الروض: وكان من أسباب توفيق الله له أنه رأى القمر نزل مكة ثم تفرق على جميع منازلها وبيوتها فدخل في كل بيت منه شعبة، ثم كان جمعه في حجرة فقصها على بعض الكتابيين فعبرها له بأن النبي المنتظر الذي قد أطل زمانه يتبعه ويكون أسعد الناس به، فلما دعاه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام لم يتوقف. وذكر ابن الأثير في أسد الغابة وابن ظفر في البشر عن ابن مسعود: أن أبا بكر خرج إلى اليمن قبل البعثة، قال: فنزلت على شيخ قد قرأ الكتب وعلم من علم الناس كثيرًا, فقال: أحسبك حرميًا؟ قلت: نعم، وأحسبك قرشيًا؟ قلت: نعم، وأحسبك تيميًا؟ قلت: نعم، قال: بقيت لي فيك واحدة، قلت: وما هي؟ قال: تكشف لي عن بطنك، قلت: لا أفعل، أو تخبرني لم ذاك، قال: أجد في العلم الصحيح الصادق أن نبيًا يبعث في الحرم يعاونه على أمره فتى وكهل، أما الفتى فخواض غمرات ودفاع معضلات، وأما الكهل فأبيض نحيف على بطنه شامة وعلى فخذه اليسرى علامة، وما عليك إلا أن تريني ما سألتك، فقد تكاملت لي فيك الصفة إلا ما خفي علي، فكشفت له بطني فرأى شامة سوداء فوق سرتي، فقال: أنت هو ورب الكعبة! وإني متقدم إليك في أمره، قلت: وما هو؟ قال: إياك والميل عن الهدى وتمسك بالطريق الوسطى، وخف الله فيما خولك وأطاك فقضيت باليمن أربي، ثم أتيت الشيخ لأودعه، فقال: أحامل أنت مني أبياتًا إلى ذلك النبي؟ قلت: نعم، فذكر أبياتًا، فقدمت مكة، وقد بعث صلى الله عليه وسلم فجاءني صناديد قريش، فقلت: نابكم أو ظهر فيكم أمر؟ قالوا: أعظم الخطب يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي، ولولا أنت ما انتظرنا به والكفاية فيك، فصرفتهم على أحسن شيء وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرعت عليه الباب فخرج إلي، فقلت: يا محمد! قدحت منازل أهلك وتركت دين آبائك؟ فقال: "إني رسول الله إليك وإلى الناس كلهم، فآمن بالله"، قلت: وما دليلك؟ قال: "الشيخ الذي لقيته باليمن"، قلت: وكم لقيت من شيخ باليمن، قال: "الذي أفادك الأبيات"، قلت: ومن أخبرك بهذا يا حبيبي؟ قال: "الملك المعظم الذي يأتي الأنبياء قبلي" قلت: مد يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فانصرفت وقد سر صلى الله عليه وسلم بإسلامي. وفي سياقه نكارة، فإن كان محفوظًا أمكن الجمع بأن سفره لليمن قبل البعثة؛ كما صرح به ورجوعه عقب إسلام خديجة، واجتمع بحكيم وسمع الخبر عنده ولقيه الصناديد، وقالوا له ما ذكر، فأتاه صلى الله عليه وسلم وآمن به

وقيل: إن علي بن أبي طالب أسلم بعد خديجة، وكان في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا يكون أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ويكون علي أول صبي أسلم، لأنه كان صبيًا لم يدرك، ولذا قال:

_ بعد حصول الأمرين. وأما الجمع بأنه آمن به أولا ثم سافر إلى اليمن ولم يظهر إسلامه لقومه، فلما رجع وأخبروه بذلك أتى المصطفى وأظهر إسلامه بين يديه ثنيًا، ففاسد لتصريحه بأن سفره قبل البعثة، ولأنه لو كان آمن ما خاشنه في الخطاب، بقوله: يا محمد! قدحت ... إلخ، على أنه مما لا يليق التفوه به في هذا المقام، كيف وقد صرح غير واحد، منهم ابن إسحاق بأنه لما أسلم أظهر إسلامه، ودعا إلى الله ورسوله. "وقيل: إن علي بن أبي طالب" الهاشمي "أسلم بعد خديجة" قبل الصديق، قطع به ابن إسحاق وغيره محتجين بحديث أبي رافع: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول يوم الاثنين، وصلت خديجة آخره، وصلى علي يوم الثلاثاء"، رواه الطبراني، وبما في المستدرك: نبئ النبي يوم الاثنين، وأسلم علي يوم الثلاثاء، وروى ابن عبد البر: أن محمد بن كعب القرظي سئل عن أولهما إسلامًا، فقال: سبحان الله علي أولهما إسلامًا، وإنما اشتبه على الناس؛ لأن عليًا أخفى إسلامه عن أبيه وأبو بكر أظهره، "وكان" مما أنعم الله به عليه؛ كما قال ابن إسحاق: أنه كان "في حجر" مثلث الحاء، أي: منع "النبي صلى الله عليه وسلم" وكفالته وحفظه مما لا يليق به، وذلك أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال صلى الله عليه وسلم للعباس، وكان من أيسر بني هاشم: "يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت رجلا، فنكفهما عنه" قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتياه وأخبراه بما أراد، فقال: إذا تركتماني عقيلا، ويقال: وطالبًا، فاصنعا ما شئتما، فأخذ المصطفى عليًا، فلم يزل معه حتى بعثه الله فاتبعه وآمن به وصدقه، وأخذ العباس جعفرًا فلم يزل عنده حتى أسلم، واستغنى عنه. "فعلى هذا" المذكور من كونه في حجر النبي لا تنافي بين القولين في أيهما بعد خديجة لإمكان الجمع؛ كما قال السهيلي بأنه "يكون أول من أسلم من الرجال" البالغين "أبو بكر، ويكون عليّ أول صبي أسلم، لأنه كان صبيًا لم يدرك" أي: لم يبلغ، "ولذا قال" علي: ما حكى أن معاوية كتب إليه: يا أبا حسن، إن لي فضائل أنا صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتبه، فقال علي: والله ما أكتب إليه إلا شعرًا، فكتب: محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي

سبقتكم إلى الإسلام طرًا ... صغيرًا ما بلغت أوان حلمي وكان سن علي إذ ذاك عشر سنين، فيما حكاه الطبري. وقال ابن عبد البر: وممن ذهب إلى أن عليًا أول من أسلم من الرجال:

_ وجعفر الذي يضحى ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي ... مشوب لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ابناي منها ... فمن منكم له سهم كسهمي "سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صغيرًا ما بلغت أوان حلمي" فلما قرأ معاوية الكتاب، قال: مزقه يا غلام لا يراه أهل الشام، فيميلوا إلى ابن أبي طالب. قال البيهقي: هذا الشعر مما يجب على كل متوان في علي حفظه ليعلم مفاخره في الإسلام. وطرا بضم الطاء المهملة وفتحها، أي: جميعًا وما بلغت بيان للمراد من صغيرًا؛ لأن الصغر يتفاوت. وحلمي بضم المهملة وسكون اللام على إحدى اللغتين والثانية بضمهما، أي: احتلامي، أي: خروج المني. وزعم المازني، وصوبه الزمخشري: أنه لم يقل غير بيتين هما: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك ما بروا ولا ظفروا فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر وذات ودقين الداهية كأنها ذات وجهين، ذكره القاموس. وهو مردود بما في مسلم، فقال علي، أي: مجيبًا لمرحب اليهودي: أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره وروى الزبير بن بكار في عمارة المسجد النبوي، عن أم سلمة, وقال علي بن أبي طالب: لا يستوي من يعمر المساجدا ... بدأت فيها قائمًا وقاعدا ومن يرى عن التراب حائدا "وكان سن علي إذا ذاك عشر سنين، فيما حكاه الطبري" وهو قول ابن إسحاق: واقتصر المصنف عليه لقول الحافظ أنه أرجح الأقوال، وروى ابن سفيان بإسناد صحيح عن عروة، قال: أسلم علي وهو ابن ثمان سنين، وصدر به في العيون، لكن ابن عبد البر بعد أن حكاه عن أبي الأسود يتيم عروة، قال: لا أعلم أحدًا قال كقوله، وقيل: اثنتي عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: ست، وقيل: خمس، حكاهما العراقي. "وقال ابن عبد البر: وممن ذهب إلى أن عليًا أول من أسلم من الرجال" أي: الذكور

سلمان وأبو ذر والمقداد وخباب وجابر وأبو سعيد الخدري، وزيد بن الأرقم، وهو قول ابن شهاب وقتادة وغيرهم. قال: واتفقوا على أن خديجة أول من أسلم مطلقًا. وقيل: أول رجل أسلم ورقة بن نوفل. ومن يمنع، يدعى أنه أدرك نبوته عليه السلام لا رسالته......................................

_ وإن كان صبيًا، "سلمان" الفارسي "وأبو ذر" جندب بن جنادة الغفاري الزاهد أحد السابقين، روى الطبراني عنهما، قالا: أخذ صلى الله عليه وسلم بيد علي، فقال: "إن هذا أول من آمن بي"، "وخباب" بفتح المعجمة وشد الموحدة فألف فموحدة ابن الأرت بشد الفوقية التميمي البدري أحد السباق، روى عنه علقمة وقيس بن أبي حازم، توفي سنة سبع وثلاثين. "وجابر" بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، "وأبو سعيد" سعد بن مالك بن سنان، "الخدري" بدال مهملة، "وزيد بن الأرقم" بن زيد بن قيس الخزرجي أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، مات سنة ست أو ثمان وستين، والروايات عن هؤلاء بكونه أول من أسلم عند الطبراني بأسانيده، ورواه، أعني الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا، وبسند ضعيف عنه مرفوعًا، ورواه الترمذي من طريق آخر عنه موقوفًا. "وهو قول" محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله "ابن شهاب" نسب إلى جد جده لشهرته، "وقتادة" بن دعامة الأكمه "وغيرهم" بالرفع، أي: غير سلمان، ومن عطف عليه كأبي أيوب ويعلى بن مرة وعفيف الكندي وخزيمة بن ثابت وأنس؛ كما أسنده عنهم الطبراني، "قال" الحافظ في التقريب: ورجحه جمع، وجملة: وهو قول معترضة ويصح جر غير بناء على أن الجمع ما فوق الواحد، ونشد المرزبان لخزيمة في علي: أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعلم الناس بالقرآن والسنن وقال كعب بن زهير من قصيدة يمدحه بها: إن عليًا لميمون نقيبته ... بالصالحات من الأفعال مشهور صهر النبي وخير الناس مفتخرا ... فكل من رامه بالفخر مفخور صلى الطهور مع الأمي أولهم ... قبل المعاد ورب الناس مكفور "واتفقوا على أن خديجة أول من أسلم مطلقًا" من جملة كلام ابن عبد البر، ووافقه على حكاية الاتفاق الثعلبي والسهيلي، "وقيل: أول رجل" خرجت خديجة؛ لأنها آمنت قبل ذهابها بالمصطفى إليه، "أسلم ورقة بن نوفل" قال جماعة ومنعه آخرون، "و" لكن "من يمنع" إنه أول من أسلم "يدعى" تأخر الرسالة عن النبوة و"أنه أدرك نبوته عليه السلام لا رسالته" التي لا يحكم

لكن جاء في السير، وهي رواية أبي نعيم المتقدمة أنه قال: أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد، وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك, فهذا تصريح منه بتصديقه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

_ بالإسلام إلا لمن آمن بعدها "لكن" لا تسلم له هذه الدعوى، فقد "جاء في السير" كما في زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير، عن ابن إسحاق عن عمرو بن أبي إسحاق عن أبيه، عن أبي ميسرة التابعي الكبير مرسلا "وهي رواية أبي نعيم المتقدمة" قريبًا قبل مراتب الوحي مسندة عن عائشة: "أنه" أي: ورقة، "قال: ابشر فأنا أشهد" أقر وأذعن "أنك" الرسول "الذي بشر به ابن مريم، وإنك على مثل" أي: صفة مماثلة لصفة "ناموس موسى، وإنك نبي مرسل" تأكيد زيادة في تطمينه، "وإنك ستؤمر بالجهاد" علم ذلك من الكتب القديمة لتبحره في علم النصرانية، "وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك" وفي آخر هذا الحديث: فلما توفي، قال صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي وصدقني". وأخرجه البيهقي في الدلائل أيضًا، وروى ابن عدي عن جابر مرفوعًا: "رأيت ورقة في بطنان الجنة عليه السندس"، ورواه ابن السكن بلفظ: "رأيت ورقة على نهر من أنهار الجنة". "فهذا تصريح منه بتصديقه، برسالة محمد صلى الله عليه وسلم" لكن يجوز أنه قاله قبل الرسالة؛ لعلمه بالقرائن الدالة على ذلك، فيكون كبحيرا سيما وقد مر أن ذهاب خديجة لورقة كان عقب نزول {اْرَأْ} [العلق: 1] ، ولم تتأخر وفاته وإلى هذا أشار الحافظ، فقال: حديث الصحيح ظاهر في أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل أن يدعو الناس إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا، وفي إثبات الصحبة له نظر. وتعقبه تلميذه البرهان البقاعي، فقال: هذا من العجائب، كيف يماثل من آمن بأنه قد بعث بعدما جاءه الوحي فانطبق عليه تعريف الصحابي الذي ذكره في نخبته بمن آمن أنه سيبعث، ومات قبل أن يوحى إليه. قال العلامة البرماوي: ليس ورقة من هذا النوع؛ لأنه اجتمع به بعد الرسالة لما صح في الأحاديث أنه جاء له بعد مجيء جبريل وإنزال اقرأ، وبعد قوله: أبشر يا محمد، أنا جبريل أرسلت إليك وإنك رسول هذه الأمة، وقول ورقة: أبشر ... وذكر ما ساقه المصنف، وقال بعده: ورؤيته عليه السلام لورقة في الجنة وعليه ثياب خضر، وجاء أنه قال: "لا تسبوه، فإني رأيت له جنة أو جنتين". رواه الحاكم في المستدرك. وأما قول الذهبي في التجريد، قال ابن منده: اختلف في إسلامه والأظهر أنه مات بعد النبوة، وقيل: الرسالة، فبعيد لما ذكرناه فهو صحابي قطعًا بل أول الصحابة كما كان شيخنا شيخ الإسلام يعني البلقيني يقرره، انتهى.

قال البلقيني: بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال. وبه قال العراقي في نكته على ابن الصلاح. وذكره ابن منده في الصحابة. وحكى العراقي: كون علي أول من أسلم عن أكثر العلماء، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه. وادعى الثعلبي..........................................

_ ونقل كلام البلقيني، بقوله: "قال" شيخ الإسلام علامة الدنيا سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصر "البلقيني" الحافظ الفقيه البارع المجتهد المفنن المصنف، المتوفى سنة خمس وثمانمائة بضم الموحدة وسكون اللام والياء وكسر القاف، نسبة إلى قرية بمصر قرب المحلة؛ كما في اللب والمراصد والنسخ المعتمدة من القاموس، خلاف ما في بعضها من أن بلقين كغرنيق، "بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال" وذكره وإن استفيد مما قدمه؛ لأنه على أنه بعد الرسالة ولم يتقدم تصريح به "وبه قال العراقي" الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم "في نكته على" كتاب "ابن الصلاح" في علوم الحديث وبه جزم في نظم السيرة، حيث قال: فهو الذي آمن بعد ثانيًا، وكان برًا صادقًا مواتيًا، "وذكره ابن منده في الصحابة" حاكيًا الخلاف؛ كما مر، وذكره فيهم أيضًا الطبري والبغوي وابن قانع وابن السكن وغيرهم كما في الإصابة، وحسبك بهم حجة، ومر أن الصحيح أن النبوة والرسالة متقارنان. وروى الزبير بن بكار عن عروة: أن ورقة مر ببلال وهو يعذب برمضاء مكة ليشرك، فيقول: أحد أحد، فقال ورقة: أحد أحد يا بلال، والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا، قال في الإصابة: وهذا مرسل جيد، يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، والجمع بينه وبين قوله عائشة: فلم ينشب ورقة أن توفي، أي: قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر المصطفى بالجهاد، قال: وما روي في مغازي ابن عائد، عن ابن عباس: أنه مات على نصرانيته، فضعيف، انتهى باختصار. وقد أرخ الخميس وفاة ورقة في السنة الثالثة من النبوة، قال: وفي المنتقى في السنة الرابعة، قلت: وما وقع في الخميس من قوله، وفي الصحيحين عن عائشة: أن الوحي تتابع في حياة ورقة، فغلط إذ الذي فيهما عنها: فلم ينشب ورقة أن توفي. "وحكى العراقي كون علي أول من أسلم عن أكثر العلماء" وقال الحاكم: لا أعلم فيه خلافًا بين أصحاب التواريخ، قال: والصحيح عند الجماعة أن أبا بكر أول من أسلم الرجال البالغين؛ لحديث عمرو بن عبسة، يعني: حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" يعني أبا بكر وبلالا، رواه مسلم ولم يذكر عليًا لصغره. "وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه" فقال: اتفقوا على أن خديجة أول من آمن ثم علي بعدها، "وادعى الثعلبي" أحمد بن

اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها. قال ابن الصلاح: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر. ومن الصبيان أو الأحداث علي. ومن النساء خديجة. ومن الموالي زيد بن حارثة.

_ محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق النيسابوري صاحب التفسير والعرائس في قصص الأنبياء. قال الذهبي: وكان حافظًا رأسًا في التفسير والعربية متين الديانة والزهادة، مات سنة سبع وعشرين أو سبع وثلاثين وأربعمائة، ويقال له: الثعلبي والثعالبي، "اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها" هل الصديق أو علي أو ورقة؛ لأنها آمنت قبل مجيئها بالمصطفى له لما أخبرها عن صفة ما رأى في الغار لما ثبت عندها قبل ذلك عن بحيرا وغيره أنه النبي المنتظر، وقيل: زيد بن حارثة ذكره معمر عن الزهري، وقدمه ابن إسحاق على الصديق، فقال: أول من آمن خديجة، ثم علي، ثم زيد، ثم أبو بكر، انتهى. وقيل: بلال وذكر عمر بن شيبة أن خالد بن سعيد بن العاصي أسلم قبل علي، وذكر ابن حبان أنه أسلم قبل الصديق. "قال" شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمر وعثمان "بن الصلاح" بن عبد الرحمن بن عثمان الكردي الشهروري الإمام الحافظ المتبحر في الأصول والفروع والتفسير والحديث، الزاهد وافر الجلالة المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة. "والأورع" أي: الأدخل في الورع والأسلم من القول، بما لا يطابق الواقع "أن" لا يطابق القول في تعيين أول المسلمين على الحقيقة؛ لكونه هجومًا على عظيم وتعارض الأدلة فيه وعدم وجود قاطع يستند عليه بل يذكر قول يشمل جمع الأقوال، بأن "يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان أو الأحداث" تنويع في العبارة، "علي، ومن النساء خديجة" وسبق ابن الصلاح لهذا الجمع إلى هنا الخبر، فأخرج ابن عساكر عن ابن عباس، قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، فتبعه العسكري وابن الصلاح، وزاد العبيد والموالي، فقال: "ومن الموالي زيد بن حارثة" حب المصطفى ووالد حبه أسر في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة درهم فاستوهبه النبي صلى الله عليه وسلم منها فوهبته

ومن العبيد بلال. والله أعلم، انتهى. وقال الطبري: الأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها فيقال: أول من أسلم مطلقًا خديجة. وأول ذكر أسلم علي بن أبي طالب، وهو صبي لم يبلغ، وكان مستخفيًا بإسلامه. وأول رجل عربي بالغ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبي قحافة. وأول من أسلم من الموالي زيد. قال: هو متفق عليه لا اختلاف فيه، وعليه يحمل قول من قال: أول من أسلم من الرجال البالغين الأحرار، ويؤيد هذا ما روي عن الحسن أن علي بن أبي طالب قال: إن أبا بكر سفيان إلى أربع لم أؤتهن: سبقني إلى إفشاء الإسلام، وقدم الهجرة،

_ له، وجاء أبوه وعمه كعب مكة وطلبا أن يفدياه، فخيره عليه السلام بين أن يدفعه إليهما أو يثبت عنده، فاختار أن يبقى عنده، فلاماه فما رجع، وقال: لا اختيار عليه أحد، فقام صلى الله عليه وسلم إلى الحجر، وقال: "اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه"، فطابت نفسهما وانصرفها، فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام فصدقه وأسلم في قصة مطولة، ذكرها ابن الكلبي وابن إسحاق هذا حاصلها. "ومن العبيد بلال" المؤذن "والله أعلم" بحقيقة الأولية المطلقة، "انتهى. وقال" نحوه الحافظ المحب "الطبري" بفتح الطاء والموحدة وراء نسبة إلى طبرستان على غير قياس، "الأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها، فيقال: أول من أسلم مطلقًا خديجة" لكنه خالف فيها ابن الصلاح لقوة الأدلة، كيف وقد قال ابن الأثير: لم يتقدمها رجل ولا امرأة بإجماع المسلمين. "وأول ذكر أسلم علي بن أبي طالب وهو صبي لم يبلغ الحلم، وكان مستخفيًا بإسلامه" من أبيه "وأول رجل عربي بالغ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبي قحافة" عبد الله بن عثمان، "وأول من أسلم من الموالي زيد" بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي، "قال: وهو متفق عليه لا اختلاف فيه" إطناب للتأكيد، "وعليه يحمل قول من قال: أول من أسلم من الرجال البالغين الأحرار" لا مطلقًا "ويؤيد هذا ما روي عن الحسن: أن علي بن أبي طالب، قال" لما جاءه رجل، فقا: يا أمير المؤمنين، كيف سبق المهاجرون والأنصار إلى بيعة أبي بكر، وأنت أسبق سابقة، وأورى منه منقبة، فقال علي: ويلك "إن أبا بكر سبقني إلى أربع لم أؤتهن" ولم أعتض منهن بشيء؛ كما في الرواية "سبقني إلى إفشاء الإسلام" هذا محل التأييد، وقد يمنع بأن السبق على إفشائه لا يلزم منه السبق على الإسلام نفسه، "وقدم الهجرة" لأنه هاجر

ومصاحبته في الغار، وإقام الصلاة، وأنا يومئذ بالشعب يظهر إسلامه وأخفيه ... الحديث، خرجه صاحب فضائل أبي بكر وخيثمة بمعناه. وأما ما روي: من صحبة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، وحديث بحيرى، وأنه وقع في قلب أبي بكر اليقين، وقول ميمون بن مهران: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرى، فالمراد بهذا الإيمان اليقين بصدقه، وهو ما وقر في قلبه.............................

_ مع المصطفى وتأخر علي بعده، حتى أدى عنه الودائع التي كانت عنده صلى الله عليه وسلم ثم لحقه بقباء "ومصاحبته في الغار، وأقام الصلاة وأنا يومئذ بالشعب" بالكسر شعب بني هاشم بمكة، "يظهر إسلامه وأخفيه ... الحديث" تتمته: يستحقرني قريش وتستوفيه، والله لو أن أبا بكر زال عن مزيته ما بلغ الدين العبرين -يعني الجانبين- ولكان الناس كرعة ككرعة طاولت، ويلك إن الله ذم الناس ومدح أبا بكر، فقال: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] ، الآية كلها. "خرجه صاحب فضائل أبي بكر وخيثمة" ابن سليمان بن حيدرة الإمام الحافظ أبو الحسن القرشي الطبرابلسي أحد الثقات الرحالة جمع فضائل الصحابة، ولد سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، قال ابن منده: كتبت عنه بطرابلس، ألف جزء "بمعناه" ورواه الدارقطني في الغرائب وضعفه. قال في الرياض النضرة، بعد سوق الحديث تامًا: وأورى من ورى الزند خرجت ناره وظهرت، أي: أظهر منقبة وأنور. وتستوفيه، أي: توفيه حقه من الإعظام والإكرام. والمزية: الفضيلة، أي: زال عن فضيلته بالتقديم على الناس إمامًا. وكرعة جمع كارع كركبة وراكب من كرع بالفتح يكرع إذا شرب الماء من فيه دون إناء، ولعله أراد: لولا أبو بكر لخالف الناس الدين كما خالفه كرعة طالوت بالشرب من النهر الذي نهوا عنه، انتهى. "وأما ما روي" عند ابن منده بسند ضعيف عن ابن عباس "من صحبة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وهم يريدون الشام في تجارة وحديث بحيرا" أي: سؤاله لأبي بكر: من الذي تحت الشجرة؟ وقوله: هو محمد بن عبد الله، فقال: هذا نبي "وأنه وقع في قلب أبي بكر اليقين" من ذلك "وقول ميمون بن مهران" بكسر فسكون الكوفي أبي أيوب الجزري نزيل الرقة الثقة الفقيه التابعي الوسط كثير الحديث والي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز المتوفى سنة سبع عشرة ومائة، وله سبع وسبعون سنة. "والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرا، فالمراد بهذا الإيمان" اللغوي، وهو "اليقين صدقه، وهو ما وقر" ثبت "في قلبه" فلا ينافي أنه أول المسلمين أو ثانيهم أو ثالثهم بعد النبوة.

وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج خديجة وسافر إلى الشام قبل المبعث. ثم أسلم بعد زيد بن حارثة، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله......................

_ "وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج خديجة وسافر" مع غلامها ميسرة "إلى الشام قبل المبعث" بعد تلك السفرة التي كان فيها أبو بكر وكان ذلك سبب التزوج بها وسنه صلى الله عليه وسلم خمس وعشرون سنة؛ كما مر فالواو عطفت سابقًا على لاحق على أنه لا يصح إيراد قصة صحبته له في تلك السفرة؛ لأن في بقية خبرها؛ كما مر. ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبي اتبعه. "ثم أسلم بعد زيد بن حارثة وعثمان بن عفان" أمير المؤمنين ذو النورين؛ لأنه كما قال المهلب: لم يعلم أحد تزوج ابنتي نبي غيره، أو لأنه كان يختم القرآن في الوتر؛ فالقرآن نور وقيام الليل نور، أو لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين، أخرج أبو سعد في الشرف عنه: كنت بفناء الكعبة، فقيل: أنكح محمد عتبة ابنته رقية، فدخلتني حسرة أن لا أكون سبقت إليها، فانصرفت إلى منزلي فوجدت خالتي سعدى بنت كريز، أي: الصحابية العبشمية فأخبرتني أن الله أرسل محمدًا وذكر حثها له على اتباعه مطولا، قال: وكان لي مجلس من الصديق، فأصبته فيه وحده فسألني عن تفكري، فأخبرته بما سمعت من خالتي فذكر حثه له على الإسلام، قال: فما كان بأسرع من أن مر صلى الله عليه وسلم ومعه علي يحمل له ثوابًا، فقام أبو بكر فساره فقعد صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل عليّ، فقال: "أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى جميع خلقه" فوالله ما تمالكت حين سمعته أن أسلمت، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية. "والزبير بن العوام" بن خويلد القرشي الأسدي الحواري وهو ابن اثنتي عشرة سنة عند الأكثر، وقيل: خمس عشرة، وقول عروة وهو ابن ثمان سنين أنكره ابن عبد البر، وكان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه بالنار، ويقول: ارجع، فيقول: لا أكفر أبدًا. "وعبد الرحمن بن عوف" القرشي الزهري أحد العشرة والثمانية والستة، "وسعد بن أبي وقاص" مالك الزهري أحد العشرة وآخرهم موتًا، وأحد الستة والثمانية أسلم بعد ستة هو سابعهم، وهو ابن تسع عشرة سنة؛ كما قاله ابن عبد البر وغيره. وأما قوله: لقد رأيتني وأنا ثالث الإسلام، أخرجه البخاري فحمل على ما اطلع هو عليه. "وطلحة بن عبيد الله" التيمي أحد العشرة والثمانية السابقين إلى الإسلام والستة أصحاب الشورى، ويقال: إن سبب إسلامه ما أخرجه ابن سعد عنه، قال: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة: نعم أنا، فقال: هل ظهر أحمد؟ قلت: من أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه

بدعاء أبي بكر الصديق، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا. ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بعد تسعة أنفس. والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون الجمحي.................

_ وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخيل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه، فوقع في قلبي فخرجت سريعًا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة فخرجت حتى أتيت أبا بكر فخرج بي إليه، فأسلمت فأخبرته بخبر الراهب، "بدعاء أبي بكر الصديق" لأنه كان محببًا في قومه فجعل يدعو من وثق به فأسلموا بدعائه، "فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استجابوا له" أي: أجابوا دعاءه إياهم، "فأسلموا وصلوا" أي أظهروا إسلامهم عند المصطفى على ما أفادته الفاء في قوله فجاء بهم من أنه كان عقب إسلامهم والأظهر أن المراد انقاد والدعائة فأسلموا حين جاء بهم لقصة عثمان وطلحة، "ثم أسلم" أمين هذه الأمة، "أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح" القرشي الفهري اشتهر بجده، "وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد" القرشي المخزومي البدري توفي في حياته صلى الله عليه وسلم فخلفه على زوجه أم سلمة وأولاده منها، وهم أربعة حال كون إسلامهما جميعًا، "بعد تسعة أنفس" فيكون أبو سلمة الحادي عشر؛ كما قال ابن إسحاق وهم خديجة وعلي وزيد والصديق والخمسة المسلمون على يده، وأبو عبيدة وأبو سلمة. "والأرقم بن أبي الأرقم" عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي "المخزومي" البدري وشهد أحدًا والمشاهد كلها، وأقطعه صلى الله عليه وسلم دارًا بالمدينة، قيل: أسلم بعد عشرة. وفي المستدرك: أسلم سابع سبعة وتوفي سنة خمس أو ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وثمانين سنة، وأوصى أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص، فصلى عليه، "وعثمان بن مظعون" بظاء معجمة وغفل من أهملها؛ كما في النورين حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع القرشي، "الجمحي" بضم الجيم وفتح الميم وحاء مهملة نسبة إلى جده المذكور، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر إلى الحبشة. روى ابن شاهين والبيهقي عنه، قلت: يا رسول الله! إني رجل يشق علي العزبة في المغازي، فتأذن لي في الخصي؟ فقال: $"لا، ولكن عليك يابن مظعون بالصوم"، وشهد بدرًا، وتوفي بعدها في السنة الثانية، وأول مهاجري مات بالمدينة، وأول من دفن بالبقيع منهم. روى الترمذي عن عائشة: قبل صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تذرفان، فلما توفي

وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وامرأته فاطمة ابنة الخطاب. وقال ابن سعد: أول امرأة أسلمت بعد خديجة أم الفضل زوج العباس، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة أختها. كذا قاله ابن إسحاق وغيره. وهو وهم، لأنه لم تكن عائشة ولدت بعد فكيف أسلمت. وكان مولدها سنة أربع من النبوة، قاله مغلطاي وغيره.

_ ابنه إبراهيم، قال: "الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون". "وأخواه قدامة" يكنى أبا عمر من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وكانت تحبه صفية بنت الخطاب أخت عمر، واستعمله على البحرين فشرب فأحضره عمر، فلما أراد حده، قال: لو شربت كما قالوا، أي: الذين شهدوا عليه ما كان لكم أن تحدوني، قال الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} [المائدة: 93] الآية، فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم ثم حده، فلما حجا وقفلا من الحج، قال عمر: عجلوا بقدامة، فوالله لقد أتاني آت من منامي، فقال لي: سالم قدامة، فإنه أخوك، فأبى قدامة أن يأتي عمر إن أبى فجروه، فأتى إليه فكلمه واستغفر له، رواه عبد الرزاق وغيره مطولا مات سنة ست وثلاثين أو ست وخمسين، وهو ابن ثمان وستين سنة. "وعبد الله" يكنى أبا محمد هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا، "وعبيدة" بضم العين وفتح الموحدة، "ابن الحارث بن المطلب" أخي هاشم، "ابن عبد مناف" بن قصي المستشهد يوم بدر، "وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" بضم النون القرشي العدوي أحد العشرة، "وامرأته فاطمة ابنة الخطاب" بن نفيل المذكور فهي ثانية النساء إسلامًا. "وقال ابن سعد: أول امرأة أسلمت بعد خديجة أم الفضل" لبابة الكبرى بضم اللام وخفة الموحدتين بنت الحارث الهلالية، "زوج العباس" وأم بنيه الستة النجباء ورده في الفتح: بأنها وإن كانت قديمة الإسلام لكنها لا تذكر في السابقين فقد سبقتها سمية والدة عمار وأم أيمن. "وأسماء بنت أبي بكر" ذات النطاقين "وعائشة أختها" وهي صغيرة "كذا قاله ابن إسحاق وغيره" ممن تبعه، فلا يخالف قول العراقي: كذا ابن إسحاق بذاك انفردا "وهو وهم" غلط "لأنه لم تكن عائشة ولدت بعد" أي: في ذلك الزمن، وهو أول البعثة. "فكيف أسلمت، وكان مولدها سنة أربع" وبه جزم في العيون والإصابة، وقال ابن إسحاق: سنة خمس "من النبوة، قاله مغلطاي وغيره" وقد قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين؛ كما في

ودخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء. ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصدع بما جاءه، أي يواجه المشركين به. وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة. وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود:..............................

_ الصحيح ولم يذكر بناته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا شك في تمسكهن قبل البعثة بهديه وسيرته، وقد روى ابن إسحاق عن عائشة: لما أكرم الله نبيه بالنبوة أسلمت خديجة وبناته، وكان أبو العاص زوج زينب عظيمًا في قريش فكلمته قريش في فراقها على أن يتزوج من أحب من نسائهم، فأبى. وفي الشامية أسلمت رقية حين أسلمت أمها خديجة وبايعت حين بايع النساء، وأم كلثوم حين أسلمت أخواتها وبايعت معهن. ا. هـ. فاطمة لا يسأل منها لولادتها بعد النبوة أو قبلها بخمس سنين. والحاصل أنه لا يحتاج للنص على سبقهن للإسلام؛ لأنه معلوم هذا، ولا يشكل تزويج زينب بأبي العاصي ورقية وأم كلثوم بولدي أبي لهب مع صيانة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل البعثة عن الجاهلية؛ لأن تحريم المسلمة على الكافر لم يكن ممنوعًا حتى نزل قوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221] ، وقوله تعالى: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} بعد صلح الحديبية؛ كما صرح به العلماء، وقد كفاه الله ولدي أبي لهب فطلقاهما قبل الدخول، واستمرت زينب حتى أسر أبو العاصي ببدر فأرسلت في فدائه، فلما عاد بعثها إليه صلى الله عليه وسلم فلم تزل حتى أسلم وهاجر، فردها إليه صلى الله عليه وسلم. ووقع في حديث عائشة عند ابن إسحاق: أن الإسلام فرق بينهما لكنه صلى الله عليه وسلم لم يقدر على نزعها منه حينئذ، "ودخل الناس في الإسلام" أي: تلبسوا به فالظرفية مجازية حال كونهم "أرسالا" جماعات متتابعين، "من الرجال والنساء" وقد عد العراقي وغيره من كل جملة صالحة، "ثم" بعد ذلك فشوة ذكره بمكة، وتحدث الناس به؛ كما عند ابن إسحاق، "أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصدع بما جاءه" منه "أي: يواجه" يخاطب "المشركين" على وجه العموم فلا يخص بعضًا دون بعض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بلغ ما أمر به لمن ظن إجابته دون مبالغة في التعميم فآمن به من مر مع كثيرين، ثم أمر بالمبالغة في إظهار الدعوة، بقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] ، "وقال مجاهد: هو" أي: الصدع المفهوم من {فَاصْدَعْ} ، "الجهر بالقرآن في الصلاة" ومن لازمه المواجهة بما جاءه، وخص الصلاة؛ لأنها كانت أعظم ما يخفيه لكنه على طريق الدلالة والأول شفاها؛ كما صرح به قول ابن إسحاق: ينادي الناس بأمره ويدعوهم إليه، "وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود" الكوفي الثقة مشهور بكنيته، قال الحافظ: والأشهر أنه الاسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه،

ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيًا حتى نزلت {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] فجهر هو وأصحابه. وقال البيضاوي: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} الآية، من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا أو أفرق به بين الحق والباطل، وأصله: الإبانة والتمييز. و "ما" مصدرية أو موصولة، "والعائد" محذوف، أي بما تؤمر به من الشرائع انتهى. قالوا: وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة، وهي المدة التي أخفى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره. فبادئ قومه بالإسلام وصدع به............................

_ مات بعد سنة ثمانين. "ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيًا" هو والمسلمون في دار الأرقم، "حتى نزلت {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] ، فجهر هو وأصحابه" ثم بعد بيان المراد من الآية ذكر مأخذها بقوله: "وقال البيضاوي" في تفسير قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} الآية، فاجهر به "من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا" وعطف على فاجهر الذي حذفه المصنف من كلامه، قوله: "أو" يعني: وقيل معناه "افرق به بين الحق والباطل" لأن الصدع الفرق بين الشيئين، فالصدع بالحجة يفرق كلمة من ظهرت عليه وقهر بها وكأنه صدع على جهة البيان والتشبيه لظلمة الجهل والشرك بظلمة الليل، ولنور القرآن بنور الفجر؛ لأن الفرج يسمى صديعًا، قال الشاعر: ترى السرحان مفترشًا يديه ... كأن بياض غرته صديع "و" هو مجاز من صدع الشيء شقه إذ "أصله" لغة "الإبانة والتمييز" وفي القاموس: صدعه كمنعه شقه أو شقه نصفين أو شقه، ولم يفترق ولا منافاة لجواز أن يراد بالإبانة الشق مع الفصل وهو مستفاد من شقه، أي: مطلقًا وبالتميز الشق بلا فاصل، وهو مستفاد من الأول والثالث. "وما مصدرية" أي: بأمرنا لك، "أو موصولة والعائد" على أنها موصولة "محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع، انتهى" ولا يشكل بأن شرط حذف عائد الموصول أن يجر بمثل ما جر به الموصول لفظًا ومتعلقًا، نحو: ويشرب مما تشربون، أي: منه؛ لأن الصداع بمعنى الأمر المؤثر ولا تشترط المناسبة اللفظية. "قالوا: وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة" تبرأ منه لجزم الحافظ في سيرته بأن تزول الآية كان في السنة الثالثة، "وهي المدة التي أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره، فبادى" قال البرهان: الظاهر أنه بموحدة، أي: جاهر، "قومه بالإسلام و" لم يقتصر على مجرد المجاهرة بالدعوة بل كرر ذلك وأكده وبالغ في إظهار الحجة حتى كأنه "صدع به"

كما أمره الله تعالى. ولم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، وكان ذلك سنة أربع، كما قال العتقي. فأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام. وحدب عليه عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه. فاشتد الأمر، وتضارب القوم، وأظهر بعضهم لبعض العداوة، وتذامرت قريش على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب وببني هاشم -ما عدا أبا لهب-................

_ قلوبهم بما أورده عليهم من الحجج والبراهين التي عجزوا عن دفعها "كما أمره الله تعالى و" مع ذلك "لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه" بل كانوا؛ كما قال الزهري: غير منكرين لما يقول وكان إذا مر عليهم في مجالسهم يقولون: هذا ابن عبد المطلب يكلم من السماء واستمروا على ذلك، "حتى ذكر آلهتهم وعابها" لما دخل المسجد يومًا فوجدهم يسجدون للأصنام فنهاهم، وقال: "أبطلتم دين أبيكم إبراهيم"، فقالوا: إنما نسجد لها لتقربنا إلى الله، فلم يرض بذلك منهم وعاب صنعهم، "وكان ذلك في سنة أربع" من النبوة؛ "كما قاله العتقي" بضم المهملة وفتح الفوقية وقاف، وقيل: سنة خمس، وجمع بأن ابتداء الإظهار والمعاداة في الرابعة، وكماله واشتداده في الخامسة. "فأجمعوا على خلافه" أي: عزموا على مخالفته وصمموا عليه "و" على "عداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام" وهم قليل مستخفون؛ كما في العيون، ولا ينافيه قول الزهري: استجاب له من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به "وحدب" بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين فموحدة، أي: عطف "عليه عمه أبو طالب ومنعه" وأصل الحدب انحناء في الظهر، ثم استعير فيمن عطف على غيره ورق له؛ كما في الشامية. "وقام دونه" كناية عن منعهم من الوصول له، يقال: هذا دون ذلك، أي: أقرب منه، أي: قام في مكان قريب منه حاجزًا بينه وبينهم، "فاشتد الأمر وتضارب القوم" ضرب بعضهم بعضًا بالفعل؛ كما جاء أن سعد بن أبي وقاص كان في نفر من قريش يصلون في بعض شعاب مكة فظهر عليهم نفر من المشركين فعابوا صنعهم حتى قاتلوهم فضرب سعد رجلا منهم بلحى بعير فشجه، فهو أول دم أهريق في الإسلام، أو المعنى: أرادوا التضارب وعزموا عليه إشارة إلى ما كان بين أبي طالب وقومه. "وأظهر بعضهم لبعض العداوة وتذامرت قريش" بذال معجمة: حض بعضهم بعضًا؛ كما في النور وغيره. وفي نسخة: توامرت بالواو، أي: تشاورت والأولى أنسب، بقوله: "على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب، وببني هاشم

وببني المطلب. وقال مقاتل: كان صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي صلى الله عليه وسلم سوءًا، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم. وقال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينًا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا

_ ما عدا أبا لهب وببني المطلب" أخي هاشم بن عبد مناف بطلب أبي طالب لذلك منهم لما رأى ما صنعوا بالمسلمين، فاجتمعوا إليه وأقاموا معه. وفي بعض نسخ العيون: وببني عبد المطلب، قال النور: والصواب الأول. "وقال مقاتل: كان صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي صلى الله عليه وسلم سوءًا" هو أنهم أتوه بعمارة بن الوليد ليتخذه ولدًا ويعطيهم النبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، "فقال أبو طالب" والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدًا، وقال: "حين تروح الإبل" ترجع من مراعيها "فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم" تعليق على محال على طريق إلزامهم إنها لا تحن إلى غيره مع كونها عجماء، فكيف أنا مع كوني من ذوي اللب والمعرفة؟ "وقال" شعرًا في النبي تطمينًا له: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا "فاصدع بأمرك" جهرًا بالشيء الذي أمرت بتبليغه، أو الأمر مصدر بمعنى الطلب، أي: اصدع بسبب أمر الله لك، "ما عليك غضاضة" بفتح الغين وضادين معجمات: ذلة ومنقصة، "وابشر" بحذف الهمزة للضرورة، وأصله بقطع الهمزة؛ كقوله تعالى: {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ} [فصلت: 30] ، "وقر بذاك منك عيونا" بفتح القاف من قرت عينه سكنت أو بردت، لكنه حول الإسناد من العين إلى ذاته الكريمة وجيء بـ"عيونًا" تمييزًا للنسبة، ولغة نجد كسر القاف وبهما قرئ: "وَقِرِّي عَينًا"، "ودعوتني" طلبت مني الدخول في دينك "وزعمت" ذكرت لي "أنك ناصحي" فلم يستعمل الزعم في معناه المشهور أنه القول الذي لا دليل عليه، بدليل قوله: "ولقد صدقت وكنت ثم" فيما دعوتني إليه "أمينًا" لم تزد فيما أمرت بتبليغه ولم تنقص، "وعرضت" أظهرت لنا "دينًا لا محالة" بفتح الميم: لا حيلة في دفع "إنه من خير أديان البرية دينًا" إذ هو حق ثابت

لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحًا بذاك مبينا وقد كفى الله تعالى نبيه المستهزئين. كما قال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} أي لا تلتفت إلى ما يقولون: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95] يعني بقمعهم وإهلاكهم. وقد قيل للتحقيق لأن قول الجمهور: إنهم كانوا خمسة من أشراف قريش. الوليد بن المغيرة. والعاصي بن وائل. والحارث بن قيس.

_ بالحجج القاطعة، "لولا الملامة" العذل "أو حذاري" بكسر الحاء مصدر حاذر، أي: خوفي، "سبة" بضم السين عارًا وفتح الحاء تعسف؛ لأنه يكون اسم فعل أمر ولا يصح هنا إلا بتقدير أن خوفي من أن يقال لي حذار، أي: احذر العار مع جعل الياء للإشباع، "لوجدتني سمحًا بذاك" الذي دعوتني إليه، "مبينًا" ولما تكلم على المراد من آية الصدع جره ذلك إلى ذكر الآية الثانية، وإن كان اليعمري إنما ذكره بعد ذلك قبل انشقاق القمر، فقال على ما في بعض النسخ. "وقد كفى الله تعالى نبيه المستهزئين؛ كما قال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] ، أي: لا تلتفت إلى ما يقولون" وهذا كان قبل الأمر بالجهاد، {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} بك ومن استهزاء الحارث قوله عن محمد نفسه وصحبه إذ وعدهم أن يحيوا بعد الموت: والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والحوادث، رواه ابن جرير عن قتادة. "يعني بقمعهم" مصدر قمع كمنع، أي: بقهرهم وإذلالهم "وإهلاكهم" حكم على المجوع، فلا ينافي أن من أسلم لم يهلك "وقد قيل للتحقيق؛ لأن قول الجمهور" ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه "إنهم كانوا خمسة من أشراف قريش الوليد بن المغيرة" بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قال البغوي: وكان رأسهم، "والعاصي بن وائل" السهمي "والحارث بن قيس" بن عدي السهمي ابن عم العاصي كان أحد أشراف قريش في الجاهلية وإليه كانت الحكومة والأموال التي كانوا يسمونها، قال ابن عبد البر: أسلم وهاجر إلى الحبشة مع بنيه الحارث وبشر ومعمر، وتعقبه ابن الأثير بأن الزبير بن بكار وابن الكلبي ذكر أنه كان من المستهزئين. وزاد الذهبي في التجريد: لم يذكر أحد أنه أسلم إلا أبو عمر ورده في الإصابة بأنه ذكره في الصحابة أيضًا أبو عبيد ومصعب والطبري وغيرهم، ولا مانع أن يكون تاب وصحب وهاجر، والآية ليست صريحة في عدم توبة بعضهم، انتهى. وأمه كنانية واسمها العيطلة، وينسب إليها.

والأسود بن عبد يغوث. والأسود بن المطلب. وكانوا يبالغون في إيذائه صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به. فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أكفيكهم. فأومأ إلى ساق الوليد، فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظيمًا لأخذه، فأصاب عرقًا في عقبه فمات، وأومأ إلى أخمص العاصي فدخلت فيه شوكة فانتفخت رجله حتى صارت كالوحي فمات، وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحًا فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات...........

_ روى ابن جرير عن أبي بكر الهذلي، قال: قيل للزهري: إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: الحارث بن عيطلة، وقال عكرمة: الحارث بن قيس، فقال: صدقا جميعًا، كانت أمه عيطلة وكان أبوه قيسًا، وما ذكر من أنه الحارث هو ما وقفت عليه. وفي نسخ صحيحة، وفي بعضها: وعدي بن قيس، وهو وإن قيل: بأنه منهم لكن يعين الأول قوله الآتي: فأشار إلى أنف الحارث. "والأسود بن عبد يغوث" بن وهب بن زهرة الزهري ابن خاله صلى الله عليه وسلم, من استهزائه: أنه كان يقول: أما كلمت اليوم من السماء يا محمد؟ "والأسود بن المطلب" بن أسد بن عبد العزى "وكانوا يبالغون في إيذائه صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به" فكان جبريل عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وسلم فمروا بهما واحدًا بعد واحد فشكاهم إلى جبريل، "فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد، فمر بنبال" يريش نبله ويصلحها "فتعلق بثوبه سهم" وفي البغوي: فمرض، "فمات" كافرًا "وأومأ" جبريل "إلى أخمص" بفتح أوله وإسكان الخاء المعجمة فميم فصاد مهملة، "العاصي" فخرج يتنزه فنزل شعبًا، "فدخلت فيه شوكة" من رطب الضريع "فانتفخت رجله حتى صارت كالوحي" وفي البغوي: كعنق البعير، "فمات" مقامه. "وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحًا، فمات" وقيل: أكل حوتًا مملوحًا فما زال يشرب عليه حتى انقد بطنه، وقيل: أخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه، فمات. وعلى القول بإسلامه فمعنى: كفيناك بإسلامه وهو لذي يظهر من الإصابة ترجيح، فإنه أورده في القسم الأول ورد على من جزم بخلافه، "و" أشار جبريل "إلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات" على

وإلى عيني الأسود بن عبد المطلب فعمي. وكان صلى الله عليه وسلم يطوف على الناس في منازلهم يقول: "إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا"، وأبو لهب...........................

_ كفره، وقيل: أشار جبريل إلى بطنه بإصبعه فاستسقى بطنه فمات، رواه الطبراني بسند ضعيف. وقيل: خرج في رأسه قروح فمات، ويمكن أنها سبب نطحه الشجرة. وروى الطبراني والبيهقي والضياء بإسناد صحيح: أن جبريل أومأ إلى رأسه فضربته الأكلة فامتخض رأسه قيحًا بخاء وضاد معجمتين، أي: تحرك شديدًا، وعند ابن أبي حاتم والبلاذري بسند صحيح عن عكرمة: أنه حنى ظهره حتى احقوقف صدره، فقال صلى الله عليه وسلم: "خالي خالي"، فقال جبريل: دعه عنك، فقد كفيته. احقوقف: انحنى، وقيل: خرج من عند أهله فأصابته السموم حتى صار حبشيًا، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب فرجع وصار يطوف بشعاب مكة حتى مات عطشًا، ويقال: إنه عطش فشرب الماء حتى انشق بطنه وجمع باحتمال أن جميع ذلك وضع له. "و" أشار جبريل "إلى عيني الأسود بن المطلب" قال ابن عباس: رماه بورقة خضراء، "فعمي" بصره كما عميت بصيرته فلم يميز بين الحسن والقبيح، ورجعت عينه فضرب برأسه الجدار حتى هلك، وهو يقول: قتلني رب محمد، وقال ابن عباس في رواية: كانوا ثمانية، وصححه في الغرر وجزم به ابن عبد البر والعراقي فزادوا أبا لهب هلك بالعدسة، وهي ميتة شنيعة بعد بدر بأيام كما يأتي، وعقبة ابن أبي معيط قتل صبرًا بعد انصرافه صلى الله عليه وسلم من بدر، والحكم بن العاصي بن أمية أسلم يوم الفتح، وتوفي في آخر خلافة عثمان. قال العراقي: ثامنهم أسلم وهو الحكم ... فقد كفاه شره إذ يسلم وأسقط الشامي ابن أبي معيط وأبدله بمالك بن الطلاطلة وهو خلاف ما في العيون ونظم السيرة على أن اليعمري سماه قبل ذكر المستهزئين بقليل في المجاهرين بالظلم الحارث بن الطلاطلة الخزاعي بطاءين مهملتين، الأولى مضمومة، والثانية مكسورة بينهما لام خفيفة، ثم لام مفتوحة، ثم تاء تأنيث، وهي لغة الداء العضال الذي لا دواء له. وعند ابن إسحاق: أن الحارث هذا مر به صلى الله عليه وسلم فأشار إلى رأسه فامتخض قيحًا فقتله كافرًا. "وكان صلى الله عليه وسلم" كما رواه عبد الله في زوائد المسند والحاكم، وقال على شرطهما عن ربيعة بن عباد بكسر العين مخففًا الديلي الكناني الصحابي، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم "يطوف على الناس" في أول أمره "في منازلهم يقول: "إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا"، وأبو لهب عمه على المحفوظ ويروى أبو جهل قال ابن كثير: وقد يكون وهمًا ويحتمل أنهما تناوبا

وراءه يقول: يا أيها الناس: إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم. ورماه الوليد بن المغيرة بالسحر، وتبعه قومه عن ذلك.

_ على إيذائه صلى الله عليه وسلم، قال الشامي: وهو الظاهر. "وراءه" يتبعه إذا مشى "يقول: يا أيها الناس! إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم" وذلك عار عليكم، فانظر هذا الابتلاء في الله فلو كان من غير قريب كان أسهل؛ لأن العرب كانت تقول: قوم الرجل أعلم به، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "ما أوذي أحد ما أوذيت"، "ورماه الوليد بن المغيرة بالسحر" مع اعترافه بأنه باطل، لكنه لعنه الله لما ضاقت عليه المذاهب، قال إنه أقرب القول فيه تنفيرًا للناس عنه. "وتبعه قومه عن ذلك" بعد التشاور فيما يرمونه به، فعند ابن إسحاق والحاكم والبيهقي بإسناد جيد أنه اجتمع إلى الوليد نفر من قريش وكان ذا سن فيهم، فقال لهم: يا معشر قريش، قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فاجمعوا فيه رأيًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، قالوا: فأنت فأقم لنا رأيًا نقوله فيه قال: بل أنتم فقولوا: أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: والله ما هو بمجنون، لقد رأينا المجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا بخابخه ولا وسوسته، قالوا: شاعر، قال: ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، قالوا: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما تقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناه وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا لا أعرف إنه باطل وأن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره فصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها. وفي سيرة الحافظ: فانتشر بذلك ذكره في الآفاق، وانقلب مكرهم عليهم حتى كان من أمر الهجرة ما كان وقدم عليه عشرون من نجران، فأسلموا فبلغ أبا جهل فسبهم وأقذع في القول، فقالوا له: سلام عليكم وفيهم نزل: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا} [القصص: 55] الآيات، انتهى. قال السهيلي: رواه ابن إسحاق لعذق بفتح المهملة وسكون المعجمة استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وهي العذق أفصح من رواية ابن هشام لغذق بفتح المعجمة وكسر المهملة من

وآذته قريش ورموه بالشعر والكهانة والجنون. ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه، ويجعل الدم على بابه. ووطئ عقبة بن أبي معيط على رقبته الشريفة وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان. وخنقوه خنقًا شديدًا، فقام أبو بكر دونه، فجذبوا رأسه ولحيته صلى الله عليه وسلم.............................

_ الغذق وهو الماء الكثير، ومنه يقال: غيذق الرجل إذا كثر بصاقه؛ لأنها استعارة تامة يشبه آخر الكلام أوله، وإن فزعه لجناه استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوي وطاب فرعها إذا جني، انتهى. وفي حواشي أبي ذر: لجناه، أي: فيه ثمر يجنى، انتهى. فانظر هذا اللعين، كيف تيقنت نفسه الحق وحمله البطر والكبر على خلافه وقد ذمه الله ذمًا بليغًا، في قوله: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: 10] ، حتى قوله: على الخرطوم، وقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ} [المدثر: 11] ، حتى قوله: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر: 26] . "وآذته قريش" أشد الأذية "ورمته بالشعر والكهانة والجنون" وبرأه الله من جميع ذلك في الكتاب العزيز، "ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه" روي أن فرعون هذه الأمة أبا جهل رآه صلى الله عليه وسلم عند الحجون فصب التراب على رأسه، ووطئ برجله على عاتقه، "ويجعل الدم على بابه" كما قال صلى الله عليه وسلم: "كنت بين شر جارين، بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي، حتى إنهم ليأتون ببعض ما يطرحونه من الأذى فيطرحوه على بأبي"، رواه ابن سعد عن عائشة. "ووطئ عقبة بن أبي معيط على رقبته الشريفة، وهو ساجد عند الكعبة، حتى كادت عيناه تبرزان" وروى البخاري في كتاب خلق أفعال العباد وأبو يعلى وابن حبان، عن عمرو بن العاصي: ما رأيت قريشًا أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم إلا يوم أغروا به وهم في ظل الكعبة جلوس وهو يصلي عند المقام، فقام إليه عقبة فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه وتصايح الناس، وأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، ثم انصرفوا عنه فلما قضى صلاته مر بهم، فقال: "والذي نفسي بيده، ما أرسلت إليكم إلا بالذبح"، فقام له أبو جهل: يا محمد، ما كنت جهولا، فقال: "أنت منهم". "وخنقوه خنقًا" بفتح الخاء وكسر النون وتسكن للتخفيف؛ كما في المصباح "شديدًا" قويًا ونسبه إليهم مع أن الفعل من عقبة فقط، كما في رواية البخاري الآتية على الأثر لإقرارهم عليه ومعاونتهم له إن لم نقل بتعدد القصة. "فقام أبو بكر دونه فجذبوا رأسه ولحيته صلى الله عليه وسلم" وسقطت

حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر دونه وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله. وقال ابن عمرو -كما في البخاري: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلف ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر فأخذه بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية ثم قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28] . وقد ذكر العلماء............................

_ الصلاة في نسخة "حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر دونه، وهو" يبكي و"يقول: أتقتلون رجلا" لأجل "أن يقول ربي الله! " فقال صلى الله عليه وسلم: "دعهم يا أبا بكر، فوالذي نفسي بيده، إني بعثت إليهم بالذبح"، ففرجوا عنه عليه السلام. "وقال" عبد الله "بن عمرو" بفتح العين ابن العاصي الصحابي ابن الصحابي "كما في البخاري" في مناقب أبي بكر، وفي باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين بمكة عن عروة بن الزبير، قال: سألت ابن عمرو بن العاصي، قلت: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينا" بلا ميم، وفي رواية بالميم "رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة" لفظ البخاري في الباب المذكور: يصلي في حجر الكعبة، "إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب النبي صلى الله عليه وسلم فلف ثوبه" أي: ثوب النبي صلى الله عليه وسلم "في عنقه" الشريف "فخنقه" بفتح النون "خنقًا" بكسرها وتسكن "شديدًا فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه" أي: بمنكب عقبة بفتح الميم وكسر الكاف "ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد ابن إسحاق: وهو يبكي، ثم جزم عبد الله بأن هذا أشد ما صنعه المشركون بالمصطفى يخالف ما في البخاري عن عائشة، قلت: هل أتى عليك يوم أشد من أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك"، فذكر قصته بالطائف مع ثقيف لما ذهب إليهم بعد موت أبي طالب ويأتي الحديث في محله. قال الحافظ: والجمع بينهما أن عبد الله استند إلى ما رآه ولم يكن حاضرا للقصة التي وقعت بالطائف. "وفي رواية" للبخاري أيضًا "ثم قال" الصديق {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا} [غافر: 28] كراهية لـ {أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} بقية الرواية في الباب الآتي، وفي المناقب: {وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28] استفهام إنكاري وفي الكلام ما يدل على حسن هذا الإنكار؛ لأنه ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتة. "وقد ذكر العلماء" وفي شرحه للبخاري بعضهم فكان أصله لبعضهم وسكت الباقون

أنا أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون، لأن ذاك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر رضي الله عنه فأتبع اللسان يدًا، ونصر بالقول والفعل محمدًا صلى الله عليه وسلم. وفي رواية البخاري أيضًا: "كان عليه الصلاة والسلام يصلي عند الكعبة، وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي،

_ عليه، فنسب للعلماء "أن أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون" رجل من أقاربه، وقيل: غريب بينهم يظهر دينهم خوفًا منهم وهو مؤمن باطنًا، قال الحافظ: اختلف في اسمه، فقيل: هو يوشع بن نون وهو بعيد؛ لأنه من ذرية يوسف لا من آل فرعون، وقد قيل: إن قوله من آل فرعون متعلق بيكتم إيمانه والصحيح أنه من آل فرعون، قال الطبري: لأنه لو كان من بني إسرائيل لم يصغ إليه فرعون ولم يسمعه، وقيل: اسمه شمعان بالشين المعجمة، وصححه السهيلي، وقيل: حيزر، وقيل: خرييل، وقيل: جالوت، وقيل: حبيب ابن عم فرعون، وقيل: حبيب النجار وهو غلط، وقيل: خونكة بن سود بن أسلم بن قضاعة. ا. هـ. باختصار. "لأن ذاك اقتصر حين انتصر" لموسى حين أراد فرعون قتله، "على لسان" فقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا} [غافر: 28] الآية. "وأما أبو بكر رضي الله عنه، فاتبع اللسان يدًا ونصر بالقول والفعل محمدًا صلى الله عليه وسلم" والمراد أن هذا من جملة ما فضل به أبو بكر، لا أن فضله إنما جاء من هذه الحيثية ضرورة أن الحكم يدور مع العلة كذا أفاده بعض شيوخنا، وأصل هذا المنسوب للعلماء جاء عن علي كرم الله وجهه بمعناه، فقد روى البزار وأبو نعيم من رواية محمد بن علي عن أبيه: أنه خطب، فقال: من أشجع الناس؟ قالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكنه أبو بكر لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته قريش فهذا يجؤه وهذا يتلببه، ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، ويدفع هذا، ويقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم بكى علي ثم قال: أنشدكم بالله أمؤمن من آل فرعون أفضل أم أبو بكر، فسكت القوم، فقال علي: والله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا أعلن إيمانه. "وفي رواية البخاري أيضًا" في الطهارة والصلاة والجزية والجهاد والمغازي، والمذكور هنا لفظه في الصلاة عن عبد الله يعني ابن مسعود، "كان عليه الصلاة والسلام" نقل بالمعنى، فلفظه: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم "يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم" هو أبو جهل؛ كما في مسلم. وفي رواية: قالوا: ولا منافاة لجواز أنه قاله ابتداء وتبعوه عليه، "ألا تنظرون إلى هذا المرئي"

أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجئ به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم، فلما سجد عليه السلام وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم....................

_ يتعبد في الملأ دون الخلوة "أيكم يقوم إلى جزور" بفتح الجيم وضم الزاي يقع على الذكر والأنثى، وفي الفائق الجزور بفتح الجيم قيل: النحر فإذا نحر، قيل: جزور بالضم "آل فلان" زاد مسلم: وقد نحرت جزور بالأمس، "فيعمد" بكسر الميم وتفتح مرفوع عطفًا على يقوم، وفي رواية بالنصب جوابًا للاستفهام، "إلى فرثها" بفتح الفاء وسكون الراء ومثلثة: ما في كرشها، "ودمها وسلاها" بفتح المهملة والقصر: وعاء جنين البهيمة كالمشيمة للآدميات، وبه يعلم أن الجزور كانت أنثى، قال في المحكم: ويقال: الآدميات أيضًا سلى، "فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم" وفي رواية الطهارة: أشقى القوم به، وبه يفسر هذا الضمير وهو عقبة بن أبي معيط؛ كما في الصحيحين، أي: بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السير، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشد كفرًا وإيذاء للمصطفى منه لاشتراكهم في الكفر والرضا، وانفراد عقبة بالمباشرة ولذا قتلوا في الحرب وقتل هو صبرًا، وحكى ابن التين عن الداودي أنه أبو جهل، فإن صح احتال أن عقبة لما انبعث حمل أبا جهل شدة كفره فانبعث على أثره، والذي جاء به عقبة. وفي رواية: فانبعث أشقى قوم بالتنكير وفيه مبالغة ليست في المعرفة؛ لأن معناه أشقى كل قوم من أقوام الدنيا، قال الحافظ: لكن المقام يقتضي التعريف؛ لأن الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك القوم فقط. "فلما سجد عليه السلام وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا" لا يرفع رأسه، كما في رواية "وضحكوا حتى مال بعضهم على" وفي رواية: إلى "بعض من الضحك" استهزاء لعنهم الله "فانطلق منطلق" قال الحافظ: يحتمل أن يكون هو ابن مسعود، انتهى، أي: وأبهم نفسه لغرض صحيح ولا ينافيه رواية فهبنا أن نلقيه عنه لما لا يخفى. "إلى فاطمة" بنته سيدة نساء هذه الأمة ذات المناقب الجمة، "وهي" يومئذ "جويرية صغيرة" السن؛ لأنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد أبيها صلى الله عليه وسلم على الصحيح، "فأقبلت تسعى وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا حتى ألقته" أي: الذي وضعوه، "عنه وأقبلت عليهم تسبهم" وفي رواية للشيخين: ودعت على من صنع ذلك زاد البزار فلم يردوا عليها شيئًا، قال: في الفتح وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها لشرفها في قومها ونفسها لكونها صرحت بشتمهم وهم رءوس

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش"، ثم سمى فقال: "اللهم عليك بعمرو بن هشام, وعتبة بن ربيعة, وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط،..........................

_ قريش، فلم يردوا عليها "فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش"، هكذا كرره البخاري في الصلاة لفظًا، وذكره في غيره بلفظ: "اللهم عليك بقريش"، ثلاث مرات. وفي رواية مسلم: وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، والمراد بإهلاك كفارهم على حذف المضاف أو الصفة بقريش الكفار أو من سيأتي منهم بعد فهو عام أريد به الخصوص. وفي البخاري: فشق عليهم إذ دعا عليهم، وفي مسلم: فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، وصريح الحديث: أن الدعاء بعد الفراغ من الصلاة، وفي رواية: فسمعته يقول وهو قائم يصلي: "اللهم اشدد وطأتك على مضر سنين كسني يوسف"، فيمكن أنه دعا به في الصلاة وبعدها، وهذا خير من تجويز أن معنى قضى صلاته قارب الفراغ منها، وقوله: وهو قائم ثابت في صلاته وإن لم يكن في خصوص القيام؛ لأن فيه مع تعسفه إخراج المتبادر من لفظ كل من الحديثين مع إمكان الجمع بدون ذلك. "ثم سمى" أي: عين في دعائه وفصل من أجمل فقال: "اللهم عليك بعمرو بن هشام" المخزومي الأحوال المأبو فرعون هذه الأمة كنته العرب بأبي الحكم وكناه الشارع بأبي جهل، ذكره غير واحد، وللبخاري أيضًا: "اللهم عليك بأبي جهل"، قال الحافظ: فلعله سماه وكناه. "وعتبة بن ربيعة و" أخيه "شيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة" بن ربيعة ثاني المذكورين، قال الحافظ: لم تختلف الروايات في أنه بعين مهملة بعدها مثناة ساكنة، ثم موحدة لكن عند مسلم من رواية زكريا بالقاف بدل المثناة وهو وهم قديم نبه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم. ا. هـ. قيل: وسبب الوهم أن الوليد بن عقبة بالقاف لم يكن حينئذ موجودًا، أو كان صغيرًا جدًا، قال في النور: ويوضح فساده أن الزبير وغيره من علماء السير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما عن الهجرة بعد الحديبية ولا خلاف أن قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ} [الحجرات: 6] نزلت فيه، فالظاهر أنه كان كبيرا؛ كما قال بعضهم، انتهى. يعني: فهو وهم بلا سبب. "وأمية بن خلف" وفي بعض روايات البخاري: أبي بن خلف، قال في الفتح: وهو وهم والصواب: وهو ما أطبق عليه أصحاب المغازي أمية؛ لأنه المقتول ببدر. وأما أخوه أبي فإنما قتل بأحد، "وعقبة بن أبي معيط" أشقى القوم واسم والده أبان بن أبي عمرو واسمه ذكوان بن أمية بن

وعمارة بن الوليد". قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأتبع أصحاب القليب لعنة".

_ عبد شمس، "وعمارة" بضم العين وخفة الميم "ابن الوليد" هكذا رواه البخاري في الصلاة جزمًا من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله، ورواه في الوضوء من رواية إسحاق وشعبة عن أبي إسحاق عن عمرو عن ابن مسعود، بلفظ: وعد السابع فلم يحفظه. ولمسلم من رواية الثوري، قال أبو إسحاق: ونسيت السابع، قال الحافظ: ففيه أن فاعل عد عمرو بن ميمون، ولم يحفظه أبو إسحاق خلاف ترديد الكرماني في فاعل عد بين النبي وابن مسعود، وفاعل فلم يحفظه بين ابن مسعود وعمرو بن ميمون على أن أبا إسحاق تذكره مرة؛ كما عند البخاري في الصلاة وسماع إسرائيل منه في غاية الإتقان للزومه إياه؛ لأنه جده وكان خصيصًا به. قال ابن مهدي: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا اتكالا على إسرائيل؛ لأنه يأتي به أتم. وقال إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق، كما أحفظ سورة الحمد، انتهى ملخصًا. "قال عبد الله" بن مسعود "فوالله لقد رأيتهم" وفي رواية: فوالذي نفسي بيده، لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وسلم "صرعى" موتى مطروحين على الأرض، "يوم بدر ثم سحبوا" أي: جروا، "إلى القليب" بفتح القاف وكسر اللام البئر قبل أن تطوى، أي: تبنى بالحجارة ونحوها أو العادية القديمة التي لا يعرف صاحبها، "قليب بدر" الرواية بالجر على البدل ويجوز الرفع بتقدير هو والنصب بأعني، كما أفاده المصنف وغيره. قال العلماء: وإنما أمر بإلقائهم فيه لئلا يتأذى الناس بريحهم، وإلا فالحربي لا يجب دفنه، والظاهر أن البئر لم يكن فيها ماء معين، قال الحافظ. قال المصنف وتحقيرًا لشأنهم، "ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأتبع أصحاب القليب لعنة" بضم الهمزة ورفع أصحاب إخبار منه صلى الله عليه وسلم بعد إلقائهم في القليب بأن الله أتبعهم، أي: كما أنهم مقتولون في الدنيا فهم مطرودون في الآخرة عن رحمة الله، ورواه أبو ذر بفتح الهمزة وكسر الموحدة ونصب أصحاب عطفًا على عليك بقريش؛ كأنه قال: أهلكهم في حياتهم وأتبعهم اللعنة في مماتهم، وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم والنسائي والبزار وغيرهم. قال الحافظ رحمه الله: وفيه جواز الدعاء على الظالم، لكن قال بعضهم: محله إذا كان كافرًا، فأما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة، ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر ما بعد؛ لاحتمال إطلاعه صلى الله عليه وسلم على أن المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يدعى لكل أحد بالهداية، وفيه حلمه صلى الله عليه وسلم عمن آذاه.

واستدل بهذا الحديث: على أن من عرض له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال، ولا أثر لها صحت صلاته اتفاقًا. واستدل به أيضًا: على طهارة فرث، ما يؤكل لحمه، وعلى أن إزالة النجاسة ليست بفرض، وهو ضعيف. وأجاب النووي: بأنه عليه السلام لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده، استصحابًا لأصل الطهارة.

_ ففي رواية الطيالسي عن ابن مسعود: لم أره دعا عليهم إلا يومئذ وإنما استحقوا الدعاء حينئذ لما قدموا عليه من الاستخفاف به حال عبادة ربه، وفيه استحباب الدعاء ثلاثًا، وغير ذلك. "واستدل بهذا الحديث على أن من عرض له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء" لأن من شروطها طهارة الخبث عند الأكثرين، "لا تبطل صلاته، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال" أو لم تستقر عليه "ولا أثر لها، صحت صلاته اتفاقًا" وقال الخطابي: لم يكن إذ ذاك حكم بنجاسة ما ألقي عليه كالخمر، فإنهم كانوا يلاقون بثيابهم وأبدانهم الخمر قبل نزول التحريم، ورده ابن بطال بأنه لا شك أنها كانت بعد نزول قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] ؛ لأنها أول ما نزل قبل كل صلاة، اللهم إلا أن يقال المراد بها طهارة القلب ونزاهة النفس عن الدنايا والآثام. "واستدل به أيضًا على طهارة فرث ما يؤكل لحمه" وتعقب: بأن الفرث لم يفرد بل كان مع الدم؛ كما في رواية إسرائيل والدم نجس اتفاقًا، وأجيب بأن الفرث والدم كانا داخل السلى، وجلدة السلى الظاهرة ظاهرة فكان كحمل القارورة المرصصة ورد بأنها ذبيحة عبدة أوثان، فجميع أجزائها نجسة؛ لأنها ميتة، وأجيب بأن ذلك كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم وتعقب بأنه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال. "و" استدل به أيضًا "على أن إزالة النجاسة ليست بفرض" بل سنة، "وهو" أي: الاستدلال "ضعيف" لأنها قضية عين مع احتمال كون النجاسة داخل الجلدة، "وأجاب النووي" قائلا: إنه الجواب المرضي، "بأنه عليه السلام لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا لأصل الطهارة" ولا يرد عليه أنه كان صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما ينظر أمامه؛ لجواز أن هذه الخصوصية إنما كانت بعد هذه الواقعة، ولكن تعقب بأنه يدل على علمه بما وضع عليه أن

وتعقب: بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة، في مثل هذه الصورة. وأجيب عنه، بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة، فإن ثبت أنها فريضة فالوقت متسع فلعله أعاد. وتعقب: بأنه لو أعاد لنقل، ولم ينقل، وبأن الله لا يقره على صلاة فاسدة. وقد استشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين، لأنه لم يقتل ببدر، بل ذكر أصحاب المغازي: أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره فتوحش، وصار مع البهائم............

_ فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه، وعقب هو في صلاته بالدعاء عليهم. "وتعقب" أيضًا "بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة في مثل هذه الصورة" على الصحيح، "وأجيب عنه بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة" فلعل صلاته كانت نافلة، "فإن ثبت أنها فريضة فالوقت متسع، فلعله أعاد" صلاته "وتعقب بأنه لو أعاد لنقل ولم ينقل وبأن الله لا يقره على صلاة فاسدة" وقد خلع نعليه وهو في الصلاة لما أخبره جبريل أن فيهما قذرًا، ويمكن الانفصال عنه هنا بأنه أقره لمصلحة إغاظة الكفار بإظهار ثباته وعدم التفاته إلى فعلهم؛ كما أقر على السلام من ركعتين لتشريع عدم بطلانها بالسلام سهوًا. "وقد استشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين؛ لأنه لم يقتل ببدر بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل" مجرى بول "عمارة من سحره عقوبة له فتوحش وصار مع البهائم" وذلك كما ذكره أبو الفرج الأموي الأصبهاني وغيره أن المسلمين لما هاجروا الهجرة الثانية إلى الحبشة بعثت قريش عمرًا وعمارة إلى النجاشي بهدية، فألقى الله بينهما العداوة في مسيرهما؛ لأن عمرا كان دميمًا ومعه امرأته وعمارة جميل، فهوى امرأة عمرو وهويته فعزما على دفع عمرو في البحر فدفعاه فسبح ونادى أصحاب السفينة فأخذوه فرفعوه إليها فأضمرها في نفسه ولم يبدها لعمارة، بل قال لامرأته: قبلي ابن عمك عمارة لتطيب نفسه، فلما أتيا الحبشة وردهما الله خائبين مكر عمرو بعمارة، فقال له: أنت جميل والنساء يحببن الجمال، فتعرض لامرأة النجاشي فلعلها أن تشفع لنا عنده في قضاء حاجتنا ففعل وتكرر تردده إليها وأخذ من عطرها فأتى عمرو للنجاشي، فأخبره فأدركته عزة الملك، وقال: لولا أنه جاري لقتلته، ولكن سأفعل به ما هو شر من القتل، فأمر الساحرات فنفحن في إحليله نفحة طار منها هائمًا على وجهه حتى

إلى أن مات في خلافة عمر. وأجيب: بأن كلام ابن مسعود -أنه رآهم صرعى في القليب- محمول على الأكثر، ويدل عليه: أن عقبة بن أبي معيط لم يصرع في القليب، وإنما قتل صبرًا بعد أن رحلوا عن بدر بمرحلة. وأمية بن خلف لم يطرح في القليب، كما هو بل مقطعًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأتبع أصحاب القليب لعنة". يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة ويحتمل أن يكون قاله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن ألقوا في القلبيب

_ لحق بالوحوش في الجبال، وكان إذا رأى آدميًا ينفر منه. "إلى أن مات في خلافة عمر" لما جاءه ابن عمه عبد الله بن أبي ربيعة الصحابي بعد أن استأذن عمر بن الخطاب في السير إليه لعله يجده، فأذن له فسار إلى الحبشة فأكثر الفحص عنه حتى أخبر أنه في جبل يرد مع الوحوش ويصدر معها فسار إليه حتى كمن له في طريقه إلى الماء، فإذا هو قد غطاه شعره وطالت أظفاره وتمزقت عليه ثيابه حتى كأنه شيطان، فقبض عليه وجعل يذكره بالرحم ويستعطفه وهو ينتفض منه ويقول: أرسلني أرسلني حتى مات بين يديه، ذكره أيضًا أبو الفرج في كتاب الأغاني، وكان عمرو قال يخاطب عمارة: إذ المرء لم يترك طعامًا يحبه ... ولم ينه قلبًا غاويًا حيث يمما قضى وطرا منها وغادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما "وأجيب بأن كلام ابن مسعود نه رآهم صرعى في القليب محمول على الأثر، ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يصرع في القليب"؛ لأنه لم يقتل ببدر بل أسر، "وإنما قتل" أي: قتله عاصم بن ثابت، أو علي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم "صبرًا" أي: بعد حبسه. ففي المصباح كل ذي روح يوثق حتى يقتل، فقد قتل صبرًا، "بعد أن" أسروا "رحلوا عن بدر مرحلة" بمحل يقال له: عرق الظبية، "وأمية بن خلف لم يطرح في القليب كما هو بل مقطعًا" فإنه كان رجلا بادنًا قبل أن يبلغ به إليه؛ "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" في غزوة بدر، وفي ذكره تبعًا للفتح أمية شيء؛ لأن كلام ابن مسعود يصدق على أنه رآه ولو مقطعًا إذ لم يقل رأيتهم فيه بلا تقطيع، "وقوله: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأتبع أصحاب القليب لعنة". يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي, فيكون عطفًا على قوله: "عليك بقريش"، "فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة" هو أنه أطلع على أنهم سيلقون في القليب، وأخبر بذلك في ضمن دعائه، وجاء كما قال: وهذا على رواية أبي ذر أتبع بفتح الهمزة وكسر الموحدة ونصب أصحاب.

إسلام حمزة

"إسلام حمزة": ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب، وكان أعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، وكان إسلامه -فيما قاله العتقي- سنة ست.....................

_ "ويحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم بعد أن ألقوا في القليب" فيكون إخبارًا بأن الله أتبعهم، وهذا على رواية الباقين: أتبع بالبناء للمفعول. إسلام حمزة: "ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب" سيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله خير أعمام المصطفى وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة؛ كما في الصحيح، ولا يشكل بأنه أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين أو أربع؛ لأنها أرضعتهما في زمانين؛ كما قال البلاذري، وقريبه من أمة أيضًا؛ لأن أمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة عم آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، يكنى أبا عمارة بضم العين بابن له من امرأة من بني النجار، وقيل: هي بنت له كني بها، وقيل: كنيته أبو يعلى وقدمه بعضهم. قال السهيلي: ولم يعش لحمزة ولد غير يعلى وأعقب خمسة بنين ثم انقرض عقبهم، فيما ذكر مصعب. "وكان" كما قال ابن إسحاق "أعز فتى" أي: أقوى شاب، "في قريش وأشده" أي أشد فتى، والمراد به الجنس؛ لأن اسم التفضيل بعض ما يضاف إليه فلا بد من حمل فتى على ما يشمله وغيره ليكون الأعز والأشد واحدًا منهم، "شكيمة" بفتح المعجمة وكسر الكاف، يقال؛ كما في الصحاح وغيره لمن كان عزيز النفس أبيًا قويًا، وأصله من شكيمة اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس التي فيها الفاس، ويقال: شكيم أيضًا، والجمع شكائم. "وكان إسلامه فيما قاله العتقي" وابن الجوزي "سنة ست" من النبوة، وقيل: في السنة الثانية بالنون، قطع به في الإصابة، وصدر به في الاستيعاب، وتبعه المصنف في ذكر الأعمام وسببه أن أبا جهل آذى النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في تنقيصه وما جاء به عند الصفا؛ كما لابن إسحاق ولغيره عند الحجون ولا مانع من تكرره، فأخبرته مولاة ابن جدعان؛ كما عند ابن إسحاق ولغيره صفية أخته، ولا منافاة فعند ابن أبي حاتم: فأخبره امرأتان فغضب حمزة لما أراد الله من إكرامه فجاء المسجد فعلا رأس اللعين بقوسه فشجه شجة منكرة وقال: أتشتمه أنا على دينه، فرد ذلك علي إن استطعت، فقام رجال من بني مخزوم لنصره، فقال: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، وعند ابن أبي حاتم: فقال حمزة: ديني دين محمد، إن كنتم صادقين

فعز به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفت عنه قريش قليلا، وقال حمزة حين أسلم: حمدت الله حين هدى فؤادي ... إلى الإسلام والدين الحنيف لدين جاء من رب عزيز ... خبير بالعباد بهم لطيف

_ فامنعوني، فوثبت إليه قريش، فقالوا: يا أبا يعلى، يا أبا يعلى، أي ما هذا الذي تصنع؟ فأنزل الله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ} [الفتح: 26] ، إلى قوله: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26] ، "فعز به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفت عنه قريش قليلا" أي: بعض ما كانوا ينالون منه؛ كما عبر به ابن إسحاق لشدته، وعلمهم أنه يمنعه، "وقال حمزة حين أسلم: حمدت الله حين هدى فؤادي إلى" الثبات على "الإسلام" بعد ترددي في البقاء عليه، فعند يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم رجع حمزة؛ أي: بعد إسلامه وشجه أبا جهل إلى بيته، فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك للموت، خير لك بما صنعت، وقال: اللهم إن كان هذا رشدًا، فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلة لم يبت مثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يابن أخي، إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وإقامة مثلي على ما لا أدري أهو رشد أم لا؟ غي شديد، فحدثني حديثًا فقد اشتهيت يابن أخي أن تحدثني، فأقبل صلى الله عليه وسلم فذكره ووعظه وخوفه وبشره، فألقى الله في قلبه الإيمان بما قاله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك الصادق، فأظهر دينك، فوالله ما أحب أن لي ما ظلته السماء وأنا على ديني الأول، وتم حمزة إسلامه، وعلى ما بايع عليه النبي صلى الله عليه وسلم. "والدين الحنيف" عطف تفسير بجعل الإسلام نفس الأحكام أو مغاير يحمله على الانقياد الباطني والدين على الأحكام المشروعة، والمعنى: حمدت الله حين دلني على حقيقة هذا الدين، فانقدت إليه باطنًا وتلبست به ظاهرًا فيكون جمع التصديق والإذعان والإقرار والانقياد الظاهري "لدين" بدل من قوله: إلى الإسلام، "جاء من رب عزيز" ممتنع لا يدرك ولا ينال أو غالب أو جليل القدر أو لا نظير له أو معز لغيره، وفي إتيانه بهذا اسم هنا لطاقة ومناسبة ظاهرة للإيماء إلى أن المشركين وإن عاندوا وجحدوا مآلهم إلى الذل بالقتل والأسر، ومآل هذا الدين الحنيف إلى العزة والظهور؛ لمجيئه من العزيز. "خبير بالعباد" مطلع على حقيقة الشيء عالم به أو مخبر أنبياءه، ورسله بكلامه المنزل عليهم وعباده يوم القيامة بأعمالهم، إذ لا يعزب عن علمه شيء، وفي ذكره إيماء إلى أن سبهم للمصطفى وإيذاءهم سينالون عقابه من الخبير. "بهم" متعلق بقوله: "لطيف" مقدم عليه، أي: لطيف بعباده برهم وفاجرهم، حيث لم يهلكهم جوعًا وعطشًا بمعاصيهم، وفي ذكره رمز إلى أن المشركين لا يغتروا بالنعم، وقد كذبوا المرسلين؛ لأن هذا من لطف الله بهم في الدنيا ومتاعها

إذا تليت رسائله علينا ... تحدر دمع ذي اللب الحصيف رسائل جاء أحمد من هداها ... بآيات مبينة الحروف وأحمد مصطفى فينا مطاع ... فلا تغشوه بالقول العنيف فلا والله نسلمه لقوم ... ولما نقض فيهم بالسيوف وعند مغلطاي: وسألوه -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- إن كنت تطلب الشرف فينا

_ قليل، "إذا تليت رسائله" أي: أحكام الرب التي أمرنا بها "علينا" وسمى ما جاء به من الله رسالة؛ لأن جبريل بلغه إياه عن الله وأمره بتبليغه للناس، "تحدر" تساقط "دمع ذي اللب" العقل "الحصيف" بحاء وصاد مهملتين، أي: الكامل المحكم لينا إليها وتكفرًا وفي أحكامها بعجيب النظم وبديع المعاني وتفصيلها بالأحكام والقصص والمواعظ، "رسائل جاء أحمد من" أجل "هداها" أي: الرشاد بها أو الدلالة عليها "بآيات" ظاهرة "مبينة الحروف" يعني القرآن، "وأحمد مصطفى مختار من الخلق "فينا" متعلق بقوله: "مطاع" أي: واجب الطاعة لما ظهر على يديه من الآيات، فلا عبرة بمخالفة المنكرين ولا اتداد بها لظهور بطلانها، "فلا تغشوه" تغطوا ما جاء به من الحق "بالقول العنيف" الباطل الموقع في المشقة والتعب من العنف بالضم ضد الرفق، "فلا والله نسلمه لقوم" ولا نترك نصرته "ولما نقض" بالنون والبناء للفاعل: نحكم، "فيهم" أي: نستأصلهم قتلا "بالسيوف" بل نقاتل دونه إلى منتهى الطاقة، وهذا أولى من قراءة يقض بتحتية مبنيًا للمفعول، وبعده: ونترك منهم قتلى بقاع ... عليها الطير كالورد العكوف وقد خبرت ما صنعت ثقيف ... به فجزى القبائل من ثقيف إله الناس شر جزاء قوم ... ولا أسقاهمو صوب الخريف الورد بكسر الواو وسكون الراء العكوف بضم العين، أي: إن الطير مستديرة على القتلى كالقوم المجتمعين على الماء المستديرين حوله، "وعند مغلطاي" بضم الميم وسكون الغين، "وسألوه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم" حين أسلم حمزة ورأوا الصحابة يزيدون؛ كما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما، وسمي السائلين أن عتبة وشيبة وابن حرب ورجلا من بني عبد الدار وأبا البختري والأسود بن المطلب وزمعة والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاصي بن وائل ونبيها ومنبهًا اجتمعوا، فقالوا: يا محمد! ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة، فما من قبيح إلا وقد جلبته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، "وإن كنت تطلب الشرف فينا،

فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك رئيًا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر.

_ فنحن نسودك علينا" زاد في رواية: حتى لا نقطع أمرًا دونك، "وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا" فانظر إلى حمقهم وجهلهم رضوه ملكًا مع أن الغالب من الملوك التجبر وسلب الأموال بغير حق، ولم يرضوا به نبيًا رسولا يدعوهم إلى الصراط المستقيم، ويوصلهم جنات النعيم. "وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك رئيًا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك" مثلث الطاء العلاج في النفس والجسم؛ كما في النور والقاموس. "حتى نبرئك منه أو نعذر" بفتح النون وضمها من عذر وأعذر، أي: يرتفع عنا اللوم؛ كما في المصباح. وروى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عمر وأبو يعلى بسند جيد عن جابر: اجتمع نفر من قريش يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه، قالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، وعند ابن إسحاق والبيهقي وغيرهما عن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثت أن عتبة قال يومًا، وكان جالسًا في نادي قريش والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فقام حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضي من آبائهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها، فقال صلى الله عليه وسلم: "قل يا أبا الوليد أسمع"، قال: يابن أخي! إن كنت ... فذكر الأمور الأربع، حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه، قال له: "أقد فرغت أبا الوليد"؟ قال: نعم، قال: "فاسمع مني"، قال: أفعل، قال صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم {حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 1-2] ، إلى قوله: {مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] ، فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف، ثم انتهى إلى السجدة سجد. ثم قال: "قد سمعت أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك" الحديث، في عدم رجوع عتبة لقومه وظنهم إسلامه وذهابهم به وغضبه لذلك وحلفه لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: قد علمتم أنه لا يكذب فخفت نزول العذاب عليكم، فأطيعوني واعتزلوه فإن يصبه غيركم كفيتموه، وإن ظهر فملكه ملككم وعزه عزكم، فقال سحرك والله يا أبا الوليد، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم، والظاهر أن هذه القصة في مرة ثانية قبل مجيء عتبة مع الجماعة أو بعده فأجابه المصطفى بما ذكر.

فقال لهم عليه الصلاة والسلام: "ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني رسولا، وأنزل علي كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله بيني وبينكم". والرئي -بفتح الراء، وقد تكسر، ثم همزة، فياء مشددة جني يرى فيحب، المكسورة للمحبوب منها. قاله في القاموس. ثم إن النضر بن الحارث،............................

_ وأما مع الجماعة، فأجابهم: فقال لهم عليه الصلاة والسلام: "ما بي ما تقولون" أي: ولا شيء منه، بدليل قوله: "ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا" بالجنة إن صدقتم "ونذيرًا" منذرًا بالنار إن كذبتم، "فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر" بالجزم جواب الشرط، "لأمر الله بيني وبينكم". وفي بقية حديث ابن عباس هذا، فقالوا له: فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا ولا أقل مالا ولا أشد عيشًا منا، فسل ربك فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهارًا كالشام والعراق، ويبعث لنا من مضى من آبائنا ويكون فيهم قصي، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول أهو حق أم باطل، وسله يبعث معك ملكًا يصدقك ويراجعنا عنك، ويجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عن المشي في الأسواق والتماس المعاش، فإن لم تفعل؛ فأسقط السماء علينا كسفًا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن يفعل، فقام صلى الله عليه وسلم ... الحديث، وفيه: فأقسم أبو جهل ليرضخن رأسه بحجر غدا، فلم دنا منه رجع منهزمًا منتقعًا لونه مرعوبًا قد يبست يداه على حجره حتى قذفه من يده، وقال: عرض لي فحل إبل ما رأيت مثله، فهم أن يأكلني؛ قال ابن إسحاق: فذكر لي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ذاك جبريل لو دنا لأخذه". "والرئي" بزنة كمي "بفتح الراء، وقد تكسر" لاتباعها ما بعدها، "ثم همزة فياء مشددة جني يرى فيحب" فعيل أو مفعول سمي به؛ لأنه يتراءى لمتبوعه أو هو من الرأي من قولهم، فلان رأى قومه إذا كان صاحب رأيهم؛ كما في النور. "و" قيل الراء "المكسورة للمحبوب منها" أي: جماعة الجن إلا أن لفظ القاموس منهم وهو أصرح، "قاله في القاموس" اللغوي "ثم إن النضر" بنون وضاد معجمة ساكنة "ابن الحارث"

وعقبة بن أبي معيط ذهبا إلى أحبار يهود، فسألاهم عنه عليه السلام فقالوا لهما: سلوه عن ثلاثة، فإن أخبركما بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يجب فهو متقول...............

_ ابن علقمة بن كلدة بفتح الكاف واللام العبدري المشتري لهو الحديث القائل: اللهم إن كان هذا هو الحق ... إلخ، أسر ببدر وقتل كافرًا بالصفراء بإجماع أهل السير، وهم ابن منده وأبو نعيم، فقالا: شهد حنينًا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه مائة من الإبل وكان من المؤلفة وقلبا نسبه فقالا: كلدة بن علقمة، وأطنب الحافظ العز بن الأثير وغيره من الحفاظ في تغليظهما والرد عليهما، وتعقب باحتمال أن يكون له أخ سمي باسمه فهو الذي ذكراه لا هذا المقتول كافرًا؛ كذا في الإصابة، وفي مغازي ابن عبد البر ذكر في المؤلفة قلوبهم النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صبرًا، انتهى. فجزم بأنه أخوه. "وعقبة" بقاف "ابن أبي معيط" أحد رءوس الكفر لعنه الله قتل بعد بدر، "ذهبا" إلى المدينة ببعث قريش لهما بعد مراجعة بينهم وبين النضر؛ كما رواه ابن إسحاق والبيهقي، عن ابن عباس، قال: إن النضر كان من شياطين قريش، فقال: يا معشر قريش، والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم وأصدقكم حديثًا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، فلما قال ذلك بعثوه مع عتبة "إلى أحبار" بفتح الهمزة جمع حبر بفتح الحاء وكسرها، أي: علماء "يهود" علم لمن دخل دين اليهودية غير مصروف للعلمية وزن الفعل ويجوز دخول أل فلا يمتنع التنوين لنقله من وزن الفعل إلى باب الأسماء، "فسألاهم عنه عليه السلام" بعد إخبارهما لهم بصفته وبعض قوله: وقولهما إنكم أهل الكتاب الأول، أي: التوراة، وعندكم علم ليس عندنا من علم الأنبياء، وقد أتيناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا؛ كما في حديث ابن عباس. "فقالوا لهما: سلوه عن ثلاثة، فإن أخبركم بهن" على طريق الحقيقة والإجمال؛ لأنه لم يجب عن الروح إلا إجمالا، لأنها مما استأثر الله بعلمه. وفي بعض التفاسير: إن أجابكم عن البعض فهو نبي، وفي كتابهم: إن الروح من الله. وفي رواية: إن أجابكم عن حقيقة الروح فليس بنبي، وإن أجابكم بأنها من أمر الله، فهو نبي. وفي رواية: إن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحد "فهو نبي مرسل" تأسيس إذ لا يلزم من النبوة الرسالة على المشهورة، "وإن لم يجب" عن شيء منها بأن سكت أو أجاب عن جميعها تفصيلا "فهو متقول" اسم فاعل من

سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، وعن رجل طواف، وعن الروح ما هو؟ فقال لهم عليه السلام: "أخبركم غدًا". ولم يقل إن شاء الله تعالى، فلبث الوحي أيامًا، ثم نزل قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23-24] وأنزل الله تعالى ذكر الفتية الذين ذهبوا،

_ تقول، أي: ذاكر ما لا حقيقة له، "سلوه" أمر من سال مخفف سأل "عن فتية ذهبوا في الدهر الأول" أي: الزمان المتقدم، سموه أول بالنظر لتقدمه على زمانهم بمدة طويلة، وبقية الرواية: ما كان من أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجيب "وعن رجل طواف" قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه "وعن الروح" يذكر ويؤنث، ولذا قال: "ما هو" فأقبل النضر وعقبة، وقالا: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، فجاءوا رسول الله فسألوه، "فقال لهم عليه السلام: "أخبركم غدًا" ولم يقل: إن شاء الله فلبث الوحي أيامًا" خمسة عشر يومًا؛ كما عند ابن إسحاق عن ابن عباس، وفي سير التيمي وابن عقبة: إنما أبطأ ثلاثة أيام"، وعن مجاهد: اثنا عشر، وقيل: أربعة، وقيل: أربعين، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: قد لاه ربه وتركه، وقالت حمالة الحطب: ما أرى صاحبك إلا وقد ودعك وقلاك. وفي رواية: فقالت امرأة قريش: أبطأ عليه شيطانه، حتى أحزنه ذلك صلى الله عليه وسلم. وقد نزل في الرد عليهم: {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1-3] ، وأفتاه الله تعالى في سورة الكهف والإسراء عن مسائلهم، "ثم نزل قوله تعالى" عتابًا لنبيه: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23-24] استثناه من النهي، أي: لا تقولن لشيء تعزم عليه إني فاعله في المستقبل إلا ملتبسًا بمشيئة الله، قائلا: إن شاء الله، وقيل: المراد وقت أن يشاء الله أن تقوله بمعنى أن يأذن لك فيه، والأول أوفق بكونه عتابًا على عدم الاستثناء، "وأنزل الله تعالى ذكر الفتية" جمع قلة لفتى آثره على جمع الكثرة وهو فتيان لكونهم دون عشرة، "الذين ذهبوا" ولا يعلمهم إلا قليل، قال ابن عباس: أنا من القليل، وذكر أنهم سبعة، وفي رواية عنه: ثمانية، أخرجهما ابن أبي حاتم، وفي التلفظ بأسمائهم خلف تركته لقول الحافظ في النطق بها اختلاف كثير لا يقع الوثوق من ضبطها بشيء، انتهى. وعن ابن عباس: لم يبق منهم شيء بل صاروا ترابًا قبل البعث، وقيل: لم تأكلهم الأرض ولم تغيرهم، وفي معجمات الأقران أكثر العلماء على أنهم كانوا بعد عيسى، وذهب ابن قتيبة إلى أنهم كانوا قبله، وأنه أخبر قومه خبرهم، وأن يقظتهم بعد رفعه زمن الفترة. وفي تفسير ابن مردويه، عن ابن عباس: أصحاب الكهف أعوان المهدي، قال الحافظ: وسنده ضعيف، فإن ثبت حمل على أنهم لم يموتوا بل هم في المنام إلى أن يبعثوا لإعانة المهدي، وقد ورد حديث آخر بسند واهٍ أنهم يحجون مع عيسى ابن مريم، انتهى.

وهم أصحاب الكهف، وذكر الرجل الطواف. وهو ذو القرنين..................

_ "وهم أصحاب الكهف" الغار الواسع في الجبل اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم أو الصخرة التي أطبقت على الوادي، أو اسم قربتهم أو كلبهم أو لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف، أو كتب فيه شرعهم الذي كانوا عليه، أو الدواة, واختلف في مكان الكهف، فالذي تظافرت به الأخبار أنه في بلاد الروم, وروى الطبري بإسناد ضعيف عن ابن عباس: أنه بالقرب من أيلة، وقيل: قرب طرسوس، وقيل: بين أيلة وفلسطين، وقيل: بقرب زايزا، وقيل: بغرناطة من الأندلس، انتهى ملخصًا من فتح الباري. وذكر غيره أن اسم البلد الذي هو بها بالروم وعريسوس، وفي الفتح أيضًا. وقد روى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن عباس قصة أصحاب الكهف مطولة غير مرفوعة، وملخصها: أنهم كانوا في مملكة جبار يعبدون الأوثان فخرجوا منها فجمعهم الله على غير ميعاد فأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق، فجاء أهاليهم يطلبونهم ففقدوهم فأخبروا الملك، فأمر بكتابة أسمائهم في لوح من رصاص وجعله في خزائنه، ودخل الفتية فضرب الله على آذانهم فناموا، فأرسل الله من يقلبهم ويحول الشمس عنهم، فلو طلعت عليهم لأحرقتهم، ولولا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض، ثم ذهب الملك وجاء آخر فكسر الأوثان وعبد الله وعدل، فبعث الله أصحاب الكهف فبعثوا أحدهم يأتيهم بما يأكلون، فدخل المدينة مستخفيًا فرأى هيئة وناسًا أنكرهم لطول المدة فدفع درهمًا لخباز فاستنكر ضربه، وهم بأن يرفعه إلى الملك، فقال. أتخوفني بالملك وأبي دهقانه؟ فقال: من أبوك؟ قال: فلان، فلم يعرفه فاجتمع الناس فرفعوه إلى الملك، فسأله قال: علي باللوح وكان قد سمع به فسمى أصحابه فرفعهم من اللوح، فكبر الناس وانطلقوا إلى الكهف وسبق الفتى، لئلا يخافوا من الجيش، فلما دخل عليهم عمى الله على الملك ومن معه المكان، فلم يدر أين ذهب الفتى، فاتفقوا على أن يبنوا عليهم مسجدًا، فجعلوا يستغفرون لهم ويدعون لهم، انتهى. "وذكر الرجل الطواف وهو ذو القرنين" الأكبر الحميري المختلف في نبوته والأكثر وصح أنه كان من الملوك الصالحين، وذكر الأزرقي وغيره أنه حج وطاف مع إبراهيم وآمن به واتبعه وكان الخضر وزيره. وعن علي: لا نبيًا ولا ملكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا دعا قومه إلى عبادة الله فضربوه على قرني رأسه ضربتين، وفيكم مثله -يعني نفسه- رواه الزبير بن بكار وابن عيينة في جامعه بإسناد صحيح وصححه الضياء في المختارة، وقيل: كان من الملائكة، حكاه الثعلبي، وقيل: من بنات آدم وأبوه من الملائكة، حكاه الجاحظ في كتاب الحيوان. لقب بذي القرنين واسمه الصعب على الراجح؛ كما في الفتح، أو المنذر أو هرمس أو

.................................................

_ هردويس أو عبد الله أو غير ذلك، وفي اسم أبيه أيضًا خلاف لطوافه قرني الدنيا شرقها وغربها؛ كما في حديث، أو لانقراض قرنين من الناس في أيامه، أو لأنه كان له ضفيرتان من شعر، والعرب تسمي الخصلة من الشعر قرنًا، أو لأن لتاجه قرنين أو على رأسه ما يشبه القرنين، أو لكرم طرفيه أما وأبا، أو لرؤياه أنه أخذ بقرني الشمس، أو لغير ذلك أقوال. قال البيضاوي: ويحتمل لشجاعته، كما يقال الكبش للشجاع، لأنه ينطح أقرانه. وأما ذو القرنين الأصغر فهو الإسكندر اليوناني قتل دارا وسلبه ملكه وتزوج ابنته، واجتمع له الروم وفارس ولذا سمي بذلك. قال السهيلي: ويحتمل أنه لقب به تشبيهًا بالأول، لملكه ما بين المشرق والمغرب فيما قبل أيضًا واستظهره الحافظ وضعف قول من زعم أن الثاني هو المذكور في القرآن، كما أشار إليه البخاري بذكره قبل إبراهيم؛ لأن الإسكندر كان قريبًا من زمن عيسى، وبين إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة، قال: والحق أن الذي قص الله نبأه في القرآن هو المتقدم، والفرق بينهما من وجوه: أحدها: أن الذي يدل على تقدم ذي القرنين ما روى الفاكهي، طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين حج ماشيًا فسمع به إبراهيم، فتلقاه. ومن طريق عطاء عن ابن عباس: أن ذا القرنين دخل المسجد الحرام فسلم على إبراهيم وصافحه، ويقال: إنه أول من صافح. ومن طريق عثمان بن ساج أنه سأل إبراهيم أن يدعو له، فقال: وكيف وقد أفسدتم بئري؟ فقال: لم يكن ذلك عن أمري، يعني أن بعض الجند فعل ذلك بغير علمه. وذكر ابن هشام في التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذي القرنين في بئر فحكم له. وروى ابن أبي حاتم من طريق علبا بن أحمر: قدم ذو القرنين مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة، فاستفهمهما عن ذلك، فقالا: نحن عبدان مأموران، فقال: من يشهد لكما؟ فقامت خمسة أكبش فشهدت، فقال: صدقتما، قال: وأظن الأكبش المذكورة حجارة، ويحتمل أن تكون غنمًا، فهذه الآثار يشد بعضها بعضًا وتدل على قدم عهد ذي القرنين. الوجه الثاني: قال الفخر الرازي: كان ذو القرنين نبيًا والإسكندر كافرًا ومعلمه أرسطاطاليس، وكان يأتمر بأمره وهو من الكفار بلا شك. ثالثها: كان ذو القرنين من العرب والإسكندر من اليونان من ولد يافث بن نوح على الأرجح، والعرب كلها من ولد سام بن نوح باتفاق، وإن اختلف هل كلهم من ولد إسماعيل أم لا؟ فافترقا، وشبهة من قال: إن ذا القرنين هو الإسكندر. ما أخرجه ابن جرير ومحمد بن الربيع الجيري: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين،

وقال فيما سألوه عن الروح {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] الآية. وفي البخاري من حديث عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث، وهو متكئ على عسيب. إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إليه.............................

_ فقال: "كان من الروم فأعطي ملكًا فسار إلى مصر فبنى الإسكندرية فلما فرغ أتاه ملك فعرج به، فقال: انظر ما تحتك، فقال: أرى مدينتي ومدائن حولها، ثم عرج به فقال: انظر ما تحتك، قال أرى مدينة واحدة، قال: تلك الأرض كلها، وإنما أراد الله تعالى أن يريك، وقد جعل الله لك في الأرض سلطانًا، فسر فيها وعلم الجاهل وثبت العالم"، وهذا لو صح لرفع النزاع كله، لكنه ضعيف، انتهى. وذكر نحوه الحافظ ابن كثير وصوب أيضًا أن ذا القرنين غير الإسكندر فعض عليه بالنواجذ. "وقال فيما سألوه" ما مصدرية، أي: في جواب سؤالهم "عن الروح" ولعل حكمة المغايرة بينه وبين ما قبله أنه بين فيه نفس المسئول عنه وهو الفتية والرجل، ولم يبينه هنا بل رد علمه إليه سبحانه، فقال تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ، أي: علمه لا تعلمونه. "وفي البخاري" في العلم والتفسير والاعتصام والتوحيد ما يعارض ما علم من أن السؤال من قريش بمكة، فإنه أخرج "من حديث عبد الله بن مسعود، قال بينا أنا" أمشي "مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث" بفتح الحاء وراء مهملتين فمثلثة، أي: زرع، وفي العلم: في خرب المدينة بمعجمة مفتوحة وراء مكسورة وموحدة، قال الحافظ: والأول أصوب لرواية مسلم في نخل، زاد في العلم: بالمدينة، وابن مردويه: للأنصار، "وهو متئ" معتمد، وفي العلم: وهو يتكئ "على عسيب" بفتح العين وكسر السين المهملتين وسكون التحتانية وموحدة، وهي الجريدة التي لا خوص فيها، ولابن حبان: ومعه جريدة، "إذ مر اليهود" كذا في التفسير بالرفع على الفاعلية في المواضع الثلاثة مر بنفر من اليهود، وكذا رواه مسلم، قال الحافظ فيحمل على أن الفريقين تلاقوا فيصدق أن كلا مر بالآخر، ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية أحد من هؤلاء اليهود، "فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح" وفي الاعتصام والتوحيد: وقال بعضهم: لا تسألوه، "فقالوا" وفي العلم والتفسير: قال بالإفراد، أي: بعضهم، "ما رابكم إليه" بلفظ الفعل الماضي بلا همز من الريب، قال عياض: أي ما شككم في أمر الروح، أو ما الريب الذي رابكم حتى احتجتم إلى معرفته والسؤال عنه، أو ما دعاكم إلى شيء يسوءكم عقباه، ألا ترى قوله: لا يستقبلكم ... إلخ، انتهى.

وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك فلم يرد عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] الآية.

_ وللحموي: ما رأبكم بهمزة مفتوحة وموحدة مضمومة من الرأب، وهو الإصلاح، يقال فيه: رأب بين القوم إذا أصلح بينهم، قال الحافظ: وفي توجيهه هنا بعد، وقال الخطابي: الصواب ما أربكم بتقديم الهمزة وفتحتين من الأرب وهو الحاجة، وهذا واضح المعنى لو ساعدته الرواية، نعم رأيته في رواية المسعودي عن الأعمش عند الطبري، كذلك قال. وفي رواية القابسي، قال المصنف: رأيته عن الحموي أيضًا، ما رأيكم بسكون الهمزة وتحتية بدل الموحدة من الرأي. "وقال بعضهم: لا يستقبلكم" بالرفع على الاستئناف، أي: لا تسألوه لئلا يستقبلكم لا بالجزم لانتفاء شرطه وهو صحة وقوع إن الشرطية قبل أداة النهي مع استقامة المعنى، إذ لا يستقيم هنا أن لا تسألوه يستقبلكم، قال في الفتح: ويجوز السكون وكذا النصب أيضًا، انتهى. ولعل الجزم على النهي مبني على رأي من لا يشترط ذلك. "بشيء" وفي العلم: لا تسألوه لا يجيء بشيء "تكرهونه" إن لم يفسره؛ لأنهم قالوا: إن فسره فليس بنبي؛ لأن في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من عباده، فإذا لم يفسره دل على نبوته وهم يكوهونها، وقامت الحجة عليهم في نبوته. وفي الاتصام: لا يسمعكم ما تكرهون، "فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك فلم يرد عليهم شيئًا" وللكشميهني: عليه بالإفراد، أي: السائل. وفي العلم: فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم! ما الروح؟ فسكت. وفي الاعتصام: فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم! حدثنا عن الروح، فأقام ساعة ينظر، قال ابن مسعود: "فعلمت" وفي التوحيد: فظننت، وفي الاعتصام: فقلت "إنه يوحى إليه" وهي متقاربة وإطلاق العلم على الظن مشهور، وكذا إطلاق القول على ما يقع في النفس؛ كما في الفتح. "فقمت مقامي" أي: مكثت بمحلي الذي كنت فيه. وفي العلم: فقمت فقط، أي: حتى لا أكون مشوشًا عليه، أو فقمت حائلا بينه وبينهم؛ كما في المصنف. وفي الاعتصام: فتأخرت، قال الحافظ: أي أدبًا معه لئلا يتشوش بقربي منه، انتهى. ولا ينافيه رواية مقامي؛ لأنه تأخر قليلا فكأنه فيه، "فلما نزل الوحي" وفي العلم: فلما انجلى عنه، أي الكرب الذي كان يغشاه حال الوحي. "قال" وفي الاعتصام حتى صعد الوحي، فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي من الإبداعيات الكائنة يكن من غير مادة وتولد عن أصل، واقتصر على هذا الجواب؛ كما اقتصر موسى في جواب وما رب العالمين بذكر بعض صفاته؛ لكونها مما استأثر الله بعلمه،

قال الحافظ ابن كثير: وهذا يقتضي -فيما يظهر من بادئ الرأي- أن هذه آية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا: بأنه قد تكون نزلت عليه مرة ثانية بالمدينة، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك, ومما يدل على نزولها بمكة ما روى الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت. الحديث. انتهى. وهذا الحديث رواه الترمذي أيضًا بإسناد رجاله رجال مسلم. فيحمل على تعدد النزول كما أشار إليه ابن كثير...............................

_ ولأن في عدم بيانها تصديقًا لنبوته، زاد البخاري في التوحيد: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] ، فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. "قال الحافظ ابن كثير: وهذا يقتضي فيما يظهر من بادئ الرأي" بالهمز، أي: أوله من غير تثبت وتفكر فيه أو ظاهره دون تفكر فيه باطنًا، "أن هذه آية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة مع أن السورة كلها مكية" وقيل: إلا قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] ، إلى آخر ثمان آيات؛ كما في الأنوار، وبه جزم الجلال، "وقد يجاب عن هذا" الاختلاف "بأنه قد تكون نزلت عليه مرة ثانية بالمدينة؛ كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، ومما يدل على نزولها بمكة ما روى الإمام أحمد من حديث ابن عباس، قال: قالت قريش لليهود: أعطونا" بفتح الهمزة "شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت. الحديث، انتهى". "وهذا الحديث" الذي عزاه ابن كثير لأحمد، "رواه الترمذي أيضًا" وقال: إنه صحيح فقصر ابن كثير بل عليه معمر في غزوه لأحمد فقط؛ لأن الحديث إذا كان في أحد الستة لا ينقل من غيرها إلا لزيادة أو صحة؛ كما قال مغلطاي، فكيف وقد صرح الترمذي رواية بصحته وهو ظاهر؛ لأنه "بإسناد رجاله رجال مسلم" فهو من المرتبة السادسة من مراتب الصحيح؛ كما في الألفية، وإن كان لا يلزم أنه كصحة ما رواه مسلم نفسه، كما نبه على ذلك ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم، فقال: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في الصحيح بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك يتوقف على النظر في كيفية روايته عنه، وعلى أخرج حديثه؟ "فيحمل على تعدد النزول؛ كما أشار إليه ابن كثير" وكذا الحافظ ابن

ويحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك. وقد اختلف في المراد بالروح المسئول عنه في هذا الخبر: فقيل: روح الإنسان. وقيل: جبريل. وقيل: عيسى: وقيل: ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة. وقيل غير ذلك.

_ حجر، وحيث قلنا بذلك فالعلم حاصل، فما وجه ترك المبادرة بالجواب؟ "و" جهه كما قال الحافظ أنه "يحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك" قال: أعني الحافظ، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح. وفي الإتقان: إذا استوى الإسنادان صحة رجح أحدهما بحضور رواية القصة ونحو ذلك من وجوه الترجيحات، ومثل بحديثي ابن مسعود وابن عباس المذكورين، ثم قال: وحديث ابن عباس يقتضي نزولها بمكة والأول خلافه، وقد يرجح بأن ما رواه البخاري أصح وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة لكنه نقل في الإتقان نفسه بعد قليل عن الزركشي في البرهان: قد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا عند حدوث سببه خوف نسيانه، ثم ذكر منه آية الروح، فإن سورة الإسراء مكية وسبب نزولها يدل على أنها نزلت بالمدينة، ولذا أشكل ذلك على بعضهم ولا إشكال؛ لأنها نزلت مرة بعد مرة، انتهى. "وقد اختلف في المراد بالروح المسئول عنه في هذا الخبر" لأن الروح جاء في التنزيل على معان، "فقيل: روح الإنسان" الذي يحيا به البدن، وقيل: روح الحيوان، "وقيل جبريل" كقوله: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم: 17] ، "وقيل: عيسى" كقوله: وروح منه. وقيل: القرآن؛ كقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا} [الشورى: 52] . وقيل: الوحي؛ كقوله: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} [غافر: 15] . "وقيل: ملك يقوم وحده صفًا يوم القيامة، وقيل غير ذلك" فقيل: ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه، وقيل: ملك له سبعون ألف لسان، وقيل: سبعون ألف وجه في كل وه سبعون ألف لسان، لكل لسان ألف لغة، يسبح الله بكلها فيخلق بكل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة، وقيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى ورأسه عند قائمة العرش. وقيل: خلق كخلق بني آدم، يقال لهم الروح يأكلون ويشربون لا ينزل ملك من السماء إلا ومعه واحد منهم. وقيل: خلق يرون الملائكة ولا تراهم الملائكة، كالملائكة لبني آدم؛ كذا ذكره ابن التين بزيادات من كلام غيره. قال الحافظ: وهذا إنما اجتمع من كلام أهل التفسير في معنى: لفنا الروح الوارد في القرآن، لا في خصوص هذه الآية، فمنه نزل به الروح، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا} [الشورى: 52] ،

وقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح. وقال الإمام فخر الدين: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته، وهل هي متحيزة أم لا؟ وهل هي حالة في متحيز أم لا؟ وهل هي قديمة أم حادثة، وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد...................

_ {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} ، {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] ، يوم يقوم الروح تنزل الملائكة والروح، فالأول جبريل، والثاني القرآن، والثالث الوحي، والرابع القوة، والخامس والسادس محتمل لجبريل ولغيره, وورد إطلاق روح الله على عيسى. وروى إسحاق يعني ابن راهويه في تفسيره بإسناد صحيح، عن ابن عباس، قال: الروح من أمر الله، وخلق من خلق الله، وصور كبني آدم لا ينزل ملك إلا ومعه واحد من الروح، انتهى. "قال القرطبي: الراجح" وهو قول الأكثر "أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله" واضح، وأما قوله: "ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح" فغير واضح، إذ سؤالهم تعنت وامتحان لا استفهام، كما هو معلوم، وجنح ابن القيم في كتاب الروح إلى ترجيح أن الروح المسئول عنه، ما وقع في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} [النبأ: 38] ، قال: فأما أرواح بني آدم فلم تسم في القرآن إلا نفسًا، قال الحافظ: ولا دلالة فيه لما رجحه بل الراجح الأول، فقد أخرج الطبري من طريق العوفي، عن ابن عباس، أنهم قالوا: أخبرنا عن الروح وكيف يعذب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية. "وقال الإمام فخر الدين" الرازي "المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل" أنه عن "ماهيته" أي حقيقته، "وهل هي متميزة" منفصلة عن البدن غير حالة فيه، تتعلق به تعلق العاشق بالمعشوق وتدبر أمره على وجه لا يعلمه إلا الله؛ كما قال الغزالي والحكماء وكثير من الصوفية، "أم لا؟ " بل حالة فيه حلول الزيت في الزيتون؛ كما قال جمهور أهل السنة. "وهل هي حالة في متحيز، أم لا؟ وهل هي قديمة" كما قال الزنادقة، "أم حادثة؟ " مخلوقة، كما أجمع عليه أهل السنة، وممن نقل الإجماع: محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة، ومن الأدلة عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة، والمجندة لا تكون إلا مخلوقة"، "وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد" بالموت وهو الصحيح والأخبار به طافحة، ففي فنائها عند القيامة ثم

وتفنى، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها، وغير ذلك من متعلقاتها. قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني، إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية. وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: {كُنْ} ، فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه. قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله تعالى: {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} :

_ عودها توفية بظاهر قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] ، وعدمه بل تكون مما استثنى الله في قوله: {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [النمل: 87، الزمر: 68] قولان، حكاهما السبكي في تفسيره، وقال الأقرب الثاني، "أو تفنى؟ " كما قال الفلاسفة وشرذمة قليلة من الأندلسيين وشدد عليهم النكير ورد عليهم بما أخرجه ابن عساكر عن سحنون أنه ذكر عنده رجل يذهب إلى أن الأرواح تموت بموت الأجساد، فقال: معاذ الله، هذا قول أهل البدع. وقال ابن القيم: الصواب أنه إن أريد بذوقها للموت مفارقتها للجسد، فنعم هي ذائقة الموت بهذا المعنى، وإن أريد أنها تعدم فلا؛ بل هي باقية بإجماع في نعيم أو عذاب. "وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من متعلقاتها؟ قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني؛ إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب" الصادر من الله لنبيه "يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع" جمع طبيعة، وهي مزاج الإنسان المركب من الأخلاط؛ كما في المصباح ونحوه في القاموس. "والأخلاط" جمع خلط، قال في القاموس: أخلاط الإنسان أمزجته الأربعة. "وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: {كُنْ} [يس: 82] ، قيل: هو عبارة عن سرعة الحصول، أي: متى تعلقت إرادته تعالى بشيء كان، وقيل: إذا أراد شيئًا قال قولا نفسانيًا له: {كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] ، وعليه فكن علامة وسبب لوجود ما أراده تعالى؛ "فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه" إيجاده فهو تفسير للأمر، "ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد" بجعل الله تعالى إياها سببًا في وجود الحياة، فلا ينافي أن التأثير إنما هو بإرادته تعالى وخلقه "ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله: {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ،

الفعل، كقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] أي فعله. فيكون الجواب: أنها حادثة. ثم قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها. انتهى. وقال في فتح الباري: وقد تنطع قوم فتباينت أقوالهم. فقيل: هي النفس الداخل الخارج. وقيل: جسم لطيف، يحل في جميع البدن. وقيل: هي الدم. وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة. ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين: أن لكل نبي خمسة أرواح، ولكل مؤمن ثلاثة............

_ "الفعل؛ كقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] ، أي: مرشد أو ذي رشد، وإنما هو غي محض وضلال صريح، "أي: فعله فيكون الجواب: أنها حادثة، ثم قال: سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها، انتهى" كلام الرازي. "وقال في فتح الباري" في التفسير بعد نقله كلامي القرطبي والرازي المذكورين، "وقد تنطع قوم" من جميع الفرق؛ أي: تعمقوا وبالغوا في الكلام وخرجوا عن الحد في معرفة ماهية الروح، "فتباينت أقوالهم" قال بعضهم: وما ظفروا بطائل ولا رجعوا بنائل، "فقيل: هي النفس الداخل الخارج" وعزى للأشعري "وقيل: جسم لطيف يحل" بضم الحاء، "في جميع البدن" ويسري فيه سريان ماء الورد فيه، وهذا اعتمده عامة المتكلمين من أهل السنة؛ كما قال المصنف وهو أقرب الأقوال "وقيل: هي الدم" أسقط من الفتح، وقيل: هي عرض قبل قوله: "وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة"، وقيل: هي أكثر من ألف قول، قال ابن جماعة: وليس فيها قول صحيح، بل هي قياسات وتخيلات عقلية. "ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمسة أرواح" فما به حياتهم روح، وما ثبت في قلوبهم من الإيمان روح، وما ترقوا به من معرفة الله وهدايتهم إلى الأعمال الصالحة واجتنابهم المناهي روح، ويشاركهم المؤمنون في الثلاثة، وهو المراد بقوله: "ولكل مؤمن ثلاثة" وأيدت الأنبياء زيادة عليهم بقبول وحي الله ويسمى روحًا لحياة القلوب به وبقوة خلقها الله

ولكل حي واحدة. وقال ابن العربي: اختلفوا في الروح والنفس، فقيل متغايران، وهو الحق، وقيل هما شيء واحد.....................

_ فيهم، فيتمكنون بها من سماع كلامه تعالى بلا واسطة فيتحققون أنه ليس من جنس كلام البشر ذكر الخمسة هذه ابن القيم في كتاب الروح ملخصًا، ولا تشكل الأخيرة بأن الكلام لم يقع للجميع؛ لأنه لا يلزم من خلق القوة وقوعه بالفعل، وهذا أولى من تفسير ثلاثة: المؤمن، بما ذكره الأنصاري في شرح الرسالة القشيرية أن في باطن الجسد روح اليقظة، وهي التي ما دامت فيه كان متيقظًا فإذا فارقته نام ورأى المرائي. وروح الحياة: التي ما دامت فيه كان حيًا، فإذا فارقته مات فالنوم انقطاع الروح عن ظاهر البدن فقط. والموت: انقطاعه عن ظاهره وباطنه، وروح الشيطان ومقرها الصدر؛ لقوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5] ، انتهى؛ لأن هذه الثلاثة لا تخص المؤمن بل يشاركه الكافر. "ولكل حي واحدة" بقية، نقل ابن منده؛ كما في الفتح، وإن سقط في كثير من نسخ المصنف: ونقل ابن القيم عن طائفة أن للكافر والمنافق روحًا واحدة، وقال: أما الروح التي تتوفى وتقبض فواحدة، وما زاد عليها مما سمي روحًا مجاز، والمراد خاصة نسبتها لروح الحياة كنسبة الروح إلى الجسد، فإنه إنما يحس ويدرك ويقوى بحلولها فيه، فإذا فقدها كان بمنزلة الجسد إذا فقد روحه، قال: وتسمى قوى البدن روحًا، فيقال: الروح الباصر والسامع والشام ويطلق على أخص من هذا كله وهو قوة معرفة الله والإنابة إليه وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، فللعلم روح، وللأجساد روح، وللإخلاص روح، انتهى. زاد البقاعي: ولكل من التوكل والمحبة والصدق روح، والناس متفاوتون، فمن غلب عليه الأرواح صار روحانيًا، ومن فقدها أو أكثرها صار أرضيًا مهينًا. "وقال" القاضي محمد أبو بكر "بن العربي" الحافظ المشهور "اختلفوا في الروح والنفس، فقيل: متغايران" كما عليه فرقة محدثون وفقهاء وصوفية، قال السهيلي: ويدل عليه {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] ، وقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ، فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك، ولذا رجحه ابن العربي، فقال: "وهو الحق" فالنفس تخرج في النوم والروح في الجسد، والنفس لا تريد إلا الدنيا والشيطان معها، والروح تدعو إلى الآخرة والملك معها، وقيل: هما شيء واحد" قاله الأكثرون وهو الصحيح؛ كما قال ابن القيم والسيوطي وسبقهما الإمام أبو الوليد بن رشد أحد أئمة المالكية، فقال: إنه الصواب، وجزم به ابن السبكي وأقره شارحوه، وقيل: لابن آدم نفس مطمئنة

قال وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس. وقال ابن بطال القرطبي حقيقتها مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر. قال: والحكمة في إبهامه، اختيار الخلق، ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه. وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى. وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يطلع نبيه على حقيقة الروح بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أن يطلعهم. وقد قالوا في علم الساعة.

_ ولوامة وأمارة، قال الصفوي: والتحقيق أنها واحدة لها تسمى باعتبار كل صفة باسم، "قال" أي ابن العربي، "وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس" حقيقة على الثاني ومجازًا على الأول، قال ابن العربي: كما يعبر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء، بل الجماد مجازًا. "قال" العلامة أبو الحسن علي بن خلف "بن بطال القرطبي" شارح البخاري أحد شيوخ ابن عبد البر كان من أهل العلم والمعرفة والفهم عنى بالحديث العناية التامة وأتقن ما قيد، ومات سنة أربع وأربعين وأربعمائة، "معرفة حقيقتها مما استأثر بعلمه بدليل هذا الخبر" كالقرآن وتلك الأقوال تنطع، "قال: والحكمة في إبهامه" أي: عدم بيان حقيقته، "اختبار" بموحدة "الخلق ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم" يلجئهم "إلى رد العلم إليه" وأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد الضاد. "وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء؛ لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى" ذكره بعد سابقه، إشارة إلى أن الاختبار إذا نسب إلى الحق كان مستعملا في لازمه وهو إظهار عجز المختبر؛ لأن الاختبار الامتحان والقصد به طلب بيان ما عليه المختبر، وإنما يكون ممن لا يعلم حقيقة الحال لا من العليم بما في الصدور. "وقال بعضهم: ليس في الآية" ولا في الحديث "دلالة على أن الله لم يطلع نبيه على حقيقة الروح، بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أن يطلعهم" بل أمره بعدم إطلاعهم، وذكر في الأنموذج هذا الاحتمال قولا، قال شارحه: والصحيح خلافه، "وقد قالوا في علم الساعة"

نحو هذا فالله أعلم. انتهى ملخصًا. ولما كثر المسلمون، وظهر الإيمان................................................

_ وباقي الخمس المذكورة في آية {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] "نحو هذا" يعني: أنه أوتي علمها ثم أمر بكتمها، قال بعضهم: وظاهر الأحاديث يأباه، "فالله أعلم" بحقيقة ذلك "انتهى" كلام الفتح "ملخصًا" وفيه بعد هذا: وممن رأى الإمساك عن ذلك الأستاذ أبو القاسم القشيري، فقال بعد كلام الناس في الروح: وكان الأولى الإمساك عن ذلك والتأدب بأدبه صلى الله عليه وسلم، وقد قال الجنيد: إنها مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود، وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير. وأجاب من خاض في ذلك: بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز وتغليظ، لكونه يطلق على أشياء فأضمروا أنه بأي شيء أجاب، قالوا: ليس هذا المراد، فرد الله كيدهم، وأجابهم جوابًا مجملا كسؤالهم المجمل. وقال السهروردي: يجوز أن من خاض فيها سلك التأويل لا التفسير، إذ لا يسوغ إلا نقلا. أما التأويل فتمتد العقول إليه بذكر ما تحتمل الآية من غير قطع بأنه المراد، وقد خالف الجنيد ومن تبعه جماعة من متأخري الصوفية فأكثروا من القول في الروح، وصرح بعضهم بمعرفة حقيقتها وعاب من أمسك عنها، انتهى. ثم ذكر المصنف بعض ما أوذي به المسلمون, سنة الله في الذين خلوا من قبل؛ كما قال تعالى: {الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [العنكبوت: 1-3] الآية، يقال: نزلت في عمار. وفي البخاري عن خباب: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدة شديدة، فقلت: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ فقعد محمرًا وجهه، فقال: "إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه"، انتهى. إلا أن المصنف يشعر بأنه بعد إسلام حمزة وبعث المشركين إلى اليهود وليس بمراد؛ لأن إسلام حمزة في السادسة والهجرة الأولى في الخامسة، نعم يأتي على أن إسلامه في الثانية، فقال: "ولما كثر المسلمون وظهر الإيمان" لم يقل الإسلام مع أنه أنسب بالمسلمين إيماء إلى أن ما صدقهما واحد إذ لا اعتداد بأحدهما دون الآخر شرعًا؛ فالإسلام النافع هو الانقياد ظاهرًا وباطنًا لإجابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتحقق بدون الإيمان، كما أن الإيمان الذي هو التصديق لاعتداد به

أقبل كفار قريش على من آمن يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم. حتى إنه مر عدو الله، أبو جهل، بسمية أم عمار بن ياسر، وهي تعذب فطعنها في فرجها فقتلها. وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه منهم وأعتقه، منهم بلال

_ شرعًا بدون انقياد، "أقبل كفار قريش" أي: التفتوا وسعوا لا الإقبال بالوجه "على من آمن" بإغراء أبي جهل "يعذبونهم" بأنواع العذاب إن لم يكن لهم قوة ومنعة، "ويؤذونهم" بالتوبيخ بالكلام ونحوه لمن له منعة؛ كما روي أن أبا جهل كان إذا سمع برجل أسلم وله شرف ومنعة لامه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك ولنغلبن رأيك ولنضعن شرفك؛ وإن كان تاجرًا، قال: لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك؛ وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به، واستمر الملعون في أذاه "حتى إنه" بكسر الهمزة "مر عدو الله أبو جهل بسمية" بضم المهملة مصغر، إحدى السابقات كانت سابع سبعة في الإسلام، "أم عمار بن ياسر وهي تعذب" هي وابناها عمار وعبد الله وأبوهما ياسر بن عامر؛ كما رواه البلاذري عن أم هانئ، قالت: فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" فمات ياسر في العذاب وأعطيت سمية لأبي جهل "فطعنها في فرجها" بحربة وهي عجوز كبيرة "فقتلها" ورمى عبد الله فسقط، وقد روى ابن سعد بسند صحيح عن مجاهد أن سمية أول شهداء الإسلام. وروى ابن عبد البر عن ابن مسعود: أن أبا جهل طعن بحربة في فخذ سمية أم عمار حتى بلغت فرجها فماتت، فقال عمار: يا رسول الله! بلغ منا أو بلغ منها العذاب كل مبلغ، فقال صلى الله عليه وسلم: "اصبر أبا اليقظان، اللهم لا تعذب من آل ياسر أحد بالنار" وأما عمار ففرج الله عنه بعد طول تعذيبه؛ فقد جاء أنه كان يعذب حتى لا يدري ما يقول، ورئي في ظهره أثر كالمخيط فسئل، فقال: هذا ما كانت تذبني قريش في رمضاء مكة، وجاء أنهم أحرقوه بالنار، فمر صلى الله عليه وسلم فأمر يده عليه، وقال: "يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار، كما كنت على إبراهيم"، "وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب" أراد ما يشمل الإناث لكونهن فيهم "اشتراه منهم" من سادتهم المعذبين لهم. "وأعتقه" ابتغاء وجه ربه الأعلى، "منهم" من العبيد الذين اشتراهم: "بلال" بن رباح براء مفتوحة فموحدة خفيفة فألف مهملة، الحبشي على المشهور، وهو ما رواه الطبراني وغيره عن أنس، وقيل: النوبي ذكر ابن سعد أنه كان من مولدي السراة، وكان مولى بعض بني جمح، ثم مولى الصديق. روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أن أبا بكر اشتراه

وعامر بن فهيرة. وعن أبي ذر: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد......................

_ بخمس أواق وهو مدفون بالحجارة، "وعامر بن فهيرة" بضم الفاء وفتح الهاء وإسكان التحتانية وفتح الراء فتاء تأنيث، أسلم قديمًا. روى الطبراني عن عروة: أنه كان ممن يعذب في الله، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكذا اشترى أبا فكيهة. ذكر ابن إسحاق: أنه أسلم حين أسلم بلال فعذبه أمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، واشترى أيضًا حمامة بفتح المهملة وخفة الميم، أم بلال وجارية بني المؤمل، قال في الإصابة: وردت في غالب الروايات غير مسماة وسماها البلاذري لبينة، أي: بلام وموحدة تصغير لبنة، والنهدية وابنتها وزبيرة وأمة بني زهرة. "وعن أبي ذر: كان أول من أظهر الإسلام" إظهارًا تامًا لا خفاء معه بحيث لا يبالي بمن علم به "سبعة" فلا ينافي إسلام كثيرين غيرهم، وإظهار بعضهم لبعض خفاء "رسول الله صلى الله عليه وسلم" ودعا إلى الله وليس ثم من يوحده وهذا من أقوى شجاعته، "وأبو بكر" وكانت له اليد العليا في الإسلام وعادى قومه بعدما كان محببًا فيهم، ودفع عن المصطفى قولا ويدًا ودعا إلى الله، وحسبه أن فضلاء الصحابة أسلموا على يده. "وعمار" بن ياسر المملوء إيمانًا الصابر على البلوى أولا وآخرًا، المجاهد في الله حق جهاده. وروى الطبراني في الكبير عنه: قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن والإنس, أرسلني إلى بئر بدر فلقيت الشيطان في صورة الإنس فصارعني فصرعته، فجعلت أدقه بفهير أو حجر معي، فقال صلى الله عليه وسلم: "عمار لقي الشيطان عند البئر فقاتله"، فرجعت فأخبرته، فقال: "ذاك الشيطان". "وأمه سمية" بنت سلم، قاله ابن سعد. وقال شيخه الواقدي: بنت خاط بمعجمة مضمومة وموحدة ثقيلة، ويقال: بمثناة تحتية، وعند الفاكهي: بنت خبط بفتح أوله بلا ألف مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وكان ياسر حليفًا له فزوجه سمية فولدت عمارًا، فأعتقه. "وصهيب" بضم الصاد المهملة وفتح الهاء وتحتية ساكنة فموحدة، ابن سنان الرومي مولى عبد الله بن جدعان أسلم هو وعمار في يوم واحد بعد بضع وثلاثين رجلا على يد المصطفى ومكثا عنده بقية يومهما، ثم خرجا مستخفين فدخل عمار على أبويه، فسألاه أين كان، فأخبرهما بإسلامه وقرأ عليهما ما حفظ من القرآن في يومه ذلك، فأعجبهما فأسلما على يده، فكان صلى الله عليه وسلم يسميه الطيب المطيب. "وبلال" المؤذن "والمقداد" بن عمرو المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبناه, شهد بدرًا

فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون ليعذبونهم فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، وإن بلالا هانت نفسه عليه في الله عز وجل، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد. رواه أحمد في مسنده. وعن مجاهد مثله، وزاد في قصة بلال: وجعلوا في عنقه حبلا....................

_ والمشاهد كلها. "فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله" من أذية الكفار البالغة المتوالية، فلا ينافي وطء عتبة رقبته وسب أبي جهل، ونحو ذلك. "بعمه أبي طالب" وبغيره كبعث جبريل في صورة فحل ليلتقم أبا جهل لما أراد أذاه، ورؤيته أفق السماء سد عليه لما نذر أن يطأ عنقه الشريف، ورؤيته رجالا عن يمينه وعن شماله معهم رماح، حتى قال: لو خالفته لكانت إياها، أي: لأتوا على نفسه لما أخذ صلى الله عليه وسلم بظلامة الزبيدي في جماله التي كان أكسدها عليه وظلمه، فأقبل إليه المصطفى، وقال: "يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت، فترى مني ما تكره" فجعل يقول: لا أعود لا أعود، كما بين في الأخبار، وكستر ملك له بجناحه لما أرادته امرأة أبي لهب فلم تره، وغير ذلك من الآيات البينات. "وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه" من الأذى المتوالي "وأما سائرهم" أي: باقيهم، "فأخذهم المشركون يعذبونهم فألبسوهم أدراع الحديد" جمع درع ولعل الإضافة للاحتراز عن نحو القمص، "وصهروهم" بفتح الهاء مخففًا طرحوهم، "في الشمس" لتؤثر حرارتها فيهم "وإن بلالا" بكسر الهمزة استئناف، "هانت نفسه عليه في الله عز وجل" فلم يبال بتعذيبهم، وصبر على أذاهم، "وهان على قومه" أي: مواليه، "فأخذوه فأعطوه الولدان" جمع وليد "فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد" قال البرهان: مرفوع منون كذا أحفظه، وكذا هو في أصلنا من سنن ابن ماجه خبر مبتدأ محذوف، أي: الله أحد، كأنه يشير إلى أني لا أشرك بالله شيئا، ويحتمل أنه مرفوع غير منون، أي: يا أحد، قال شيخنا: وأما النطق به حكاية لكلام بلال، فالظاهر أنه بالسكون لكونه موقوفًا عليه غير موصول بما يقتضي تحريكه، "رواه أحمد في مسنده، وعن مجاهد مثله. وفيه: أنه نزل فيهم {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ} [النحل: 110، 119] الآية، وأخرجه بقي بن مخلد في مسنده، لكنه أبدل المقداد بخباب، "وزاد" مجاهد "في قصة بلال، وجعلوا في عنقه حبلا

ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه. فانظر كيف فعل ببلال ما فعل من الإكراه على الكفر، وهو يقول: أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وهذا كما وقع له أيضًا عند موته، كانت امرأته تقول: واحرباه وهو يقول: واطرباه. غدا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء. ولله در أبي محمد الشقراطسي حيث قال: لاقى بلال بلاء من أمية قد ... أحله الصبر فيه أكرم النزل إذ أجهدوه............... ... ........................

_ ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه" ليرجع إلى الكفر والله يعيذه وحسبه بهذا منقبه، قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، وقال صلى الله عليه وسلم لبلال: "سمعت دق نعليك في الجنة"، رواهما البخاري. "فانظر كيف" تأمل صفته مع صبره، فليست كيف للاستفهام أو هي بتقدير مضاف، أي: انظر جواب السائل عن حاله، بقوله: كيف، "فعل ببلال ما فعل من الإكراه على الكفر" بيان لما "وهو يقول: أحد أحد، فمزج" خلط "مرارة العذاب" مشقته وألمه" بحلاوة الإيمان" أي: الراحة الحاصلة به فهو استعارة تصريحية فشبه تحمله ألم العذاب بمن خلط الصبر ونحوه بنحو سكر فسهل عليه تناوله على أن في كون هذه الحلاوة حقيقية لأولياء الله أو استعارة خلافًا بسطه المصنف في مقصد المحبة. "وهذا كما وقع له أيضًا عند موته كانت امرأته تقول: واحرباه" روي بفتح الحاء والراء المهملتين والموحدة من الحرب بالتحريك، وهو كما في النهاية نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له، وبفتح الحاء والزاي ونون وبضم الحاء وسكون الزاي، وروي: واحوباه بفتح الحاء وسكون الواو فموحدة من الحرب وهو الإثم، والمراد ألمها بشدة جزعها وقلقها في المصيبة أو من الحوبة بمعنى رقة القلب وهو تكلف، كما في النسيم. "وهو يقول: واطرباه" أي: فرحاه، "غدا ألقى الأحبة" الذين طال شوقي إليهم، "محمدًا وصحبه فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، ولله در أبي محمد الشقراطسي، حيث قال" في قصيدته المشهورة: "لاقى بلال بلاء من أمية قد" وروى إذا "أحله" من الحلول بالمكان، "الصبر فيه" أي: أحله الصبر على البلاء الذي كان يعذب به لما أسلم ليرجع عن دينه فما أعطاهم كلمة مما يريدون، ففي بمعنى على، "أكرم" بالنصب على الظرف مواضع "النزل" وهو طعام الضيف الذي يكرم به إذا نزل وأكرم تلك المواضع هو الجنة، قال تعالى: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر: 35] ، وفسر ما لاقاه، بقوله: "إذ" ظرف لقوله: لاقى أو أحله، "أجهدوه" حملوه

...... بضنك الأسر وهو على ... شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل ألقوه بطحا برمضاء البطاح ... وقد عالوا عليه صخورًا جمة الثقل فوحد الله إخلاصًا وقد ظهرت ... بظهره كندوب الطل في الطلل إن قد ظهر ولي الله من دبر ... قد قد قلب عدو الله من قبل

_ فوق طاقته من العذاب من الجهد وهو المشقة "بضنك" ضيق "الأسر وهو على شدائد الأزل" بفتح الهمزة وبالزاي واللام الحبس والتضييق، "ثبت" مصدر بمعنى اسم الفاعل "الأزر" بزاي فراء القوة، أي: ثابت القوة، "لم يزل" بفتح الزاي من زال أخت كان وبضمها، أي: لم يزل عن ذلك وبين سبب ذلك بقوله: "ألقوه بطحًا" مفعول مطلق، أي: إلقاء هو بطح على وجهه أو حال من ضمير الفاعل، أي: باطحين أو المفعول، أي: مبطوحًا "برمضاء" بفتح الراء وسكون الميم وضاد معجمة ممدود، أي: بأرض اشتد وقع الشمس فيها سواء كان بها رمل أو حصى أو غيرهما، قاله أبو شامة. وفي النور الرمضاء الرمل إذا اشتدت حرارته، "البطاح" جمع بطحاء أبو أبطح على غير القياس إذ قياس أبطح وبطحاء بطحاوات والكل مستعمل والإضافة من الأعم إلى الأخص كشجر أراك، أي: في أرض شديدة الحر، هو أودية واسعة، "وقد عالوا" مثل أعلوا، أي: رفعوا، "عليه صخورًا جمة الثقل" أي: كثيرته وألقوها عليه. وأخرج الزبير بن بكار وأبو الفتح اليعمري عن عروة، قال مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذب يلصق ظهره برمضاء البطحاء في الحر، وهو يقول: أحد أحد، فقال: يا بلال صبرًا يا بلال صبرًا، لم تعذبونه فوالذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا، يقول: لأتمسحن به واستأنف قوله: "فوحد الله" حال كون توحيده "إخلاصًا" أو هو مفعول مطلق في موضع توحيد إلا أنه بمعنى يوحد، قال أبو شامة: ويجوز أن يكون فوحد الله في موضع الحال من القوه أو من عليه، أي: في حال توحيده لله. ورده شيخنا بأن الحال لا تقع جملة إلا خبرية غير مصدرة بعلم استقبال مرتبطة بالواو والضمير أو بالواو فقط، كما هو مقرر. "و" الحال أنه "قد ظهرت بظهره كندوب" جمع ندب بفتح الدال، أي: آثار، وقيل: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، "الطل" المطر الضعيف "في الطلل" ما شخص من آثار الديار على وجه الأرض وقد يعبر به عن محل القوم ومنزلهم وهو مراده هنا، فكأنه يقول: أثر التعذيب في ظهره؛ كما أثر المطر في الأطلال فخدد أرضها ومحا وسومها، قاله الطرابلسي. قال أبو شامة: وإذا كان المطر ضعيفًا ظهرت آثار نقطه في الأرض. "إن قد ظهر ولي لله من دبر قد قد قلب عدو الله من قبل" فيه كما قال أبو شامة: من البديع اللفظي والمعنوي ذكر

يعني إن كان ظهر ولي الله بلال قد ظهر فيه التعذيب بقده، فقد جوزي عدو الله أمية وقد قلبه ببدر، لأنه قتل يومئذ، وكان عبد الرحمن بن عوف قد أسره يومئذ وأراد استبقاء لأخوة كانت بينهما في الجاهلية، فرآه بلال معه فصاح بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا..................

_ المتصفين في الآيتين إن كان قميصه قد من قبل وإن كان قميصه قد من دبر، وجعل صفة بلال الصفة التي كان عليها نبي الله يوسف، والصفة المكروهة صفة الكافر أمية، فأضاف إلى كل ما يليق بحاله والتجانس بين قد وقد، وبين قلب عدو الله ومن قبل، وذكره للقلب دون غيره من أعضاء الجسد مبالغة في تقطيعه بالسيوف، أي: أنها وصلت إلى قلبه فقدته، والمقابلة بين ولي الله وعدو الله وظهر وقلب إذ القلب من أعضاء الباطن والظهر بخلافه، والإشارة بقوله: من دبر إلى أن تعذيبه، كانت صورته صورة من أتى من ورائه غيلة؛ لأنه عذب بعد أن بطح وألقي عليه الصخر، وعدو الله أتى من قبل وجهه لا غيلة ولا خديعة. "يعني: إن كان ظهر ولي الله بلال قد ظهر فيه التعذيب بقده فقد جوزي عدو الله أمية وقد قلبه ببدر؛ لأنه قتل يومئذ" وكان السيف وصل إلى قلبه فقده؛ كما مر؛ وأشار إلى أن حذف الفاء للضرورة؛ لأنه من المواضع التي يجب اقتران الجواب فيها بالفاء؛ لأن الشرط ماض مقرون بقد، وبه جزم الطرابلسي. وقال أبو شامة: أو هو جواب قسم محذوف، فلا تلزم الفاء نحو: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون لكن حذف لام القسم، أي: لقد قد، فجواب الشرط محذوف؛ لأنه إذا قدر القسم قبله يكون ما اجتمع فيه الشرط والقسم فيحذف جواب المتأخر منهما؛ قال: ويجوز أنه عبر بقد قلبه عن همه ووجعه وتألمه وجزعه بإخبار سعد بن معاذ إياه بمكة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقتله، ففزع لذلك فزعًا شديدًا ولم يخرج لبدر إلا كرهًا؛ كما في الصحيح. أو عبر بقد قلبه عن انفلاقه وتقطعه حسرة وغيظًا لمشاهدته قتل صناديدهم يوم بدر، واختلال أمرهم وعلو كلمة الإسلام وأسره هو ثم قتله وعذاب بلال كان غير مشعر بشيء من ذلك فكأنه من وراء وراء. وعذاب أمية مباشرة مواجهة، فقال فيه من قبل، وفي بلال من دبر، وهذا معنى دقيق، انتهى. "وكان عبد الرحمن بن عوف قد أسره يومئذ وأراد استبقاءه لأخوة كانت بينهما في الجاهلية، فرآه بلال معه فصاح بأعلى صوته" وكان حسنًا نديًا فصيحًا، وما يروى سين بلال عند الله شين، أنكره الحافظ المزي وغيره، "يا أنصار الله" خصهم لمزيد اعتنائهم بالنصرة ومعاهدتهم المصطفى عليها، وخشية أن المهاجرين لا يعينونه عليه إكرامًا لعبد الرحمن، "رأس الكفر" قال السيوطي وغيره بالنصب على الإغراء والرفع على حذف المبتدأ، أي: هذا "أمية بن خلف لا نجوت إن نجا" وفي البخاري عن عبد الرحمن فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم

فنهسوه بأسيافهم حتى قتلوه. وأخرج البيهقي عن عروة أن أبا بكر أعتق ممن كان يعذب في الله سبعة منهم: الزنيرة، فذهب بصرها، وكانت ممن تعذب في الله، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى فقالت: والله ما هو كذلك فرد الله عليها بصرها. والزنيرة: بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة، كسكينة: كما في القاموس.

_ ابنه عليا لأشغلهم فقتلوه، ثم تبعونا وكان رجلا ثقيلا فلما أدركونا، قلت له: آبرك، فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه "فنهسوه" تناولوه "بأسيافهم حتى قتلوه" ففيه استعارة تصريحية تبعية شبه ضربهم بالسيوف بالنهس بالمهملة أخذ اللحم بمقدم الأسنان للأكل وبالمعجمة أخذه بالأسنان والأضراس، وفي نسخة: فنهبوه بموحدة وهو استعارة أيضًا، شبه ما ذكر بالنهب وهو أخذ المال بالغلبة والقهر فظهر مصداق، وأعلم أن النصر مع الصبر صبر على تعذيبه له فكان قتله على يديه قبل، فهناه الصديق بأبيات منها: هنيئًا زادك الرحمن فضلا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال "وأخرج البيهقي عن عروة: أنا أبا بكر أعتق ممن كان يعذب في الله سبعة" هم: بلال وعامر بن فهيرة وأم عنيس بعين مهملة مضمومة فنون، وقيل: بموحدة فتحتي فسين مهملة أمة لبني زهرة، كان الأسود بن عبد يغوث يعذبها، وزنيرة والنهدية وبنتها والمؤملية؛ كما في سيرة ابن هشام. وذكر ابن إسحاق أنه أعتق أبا فكيهة وابن عبد البر, وغيره أنه اعتق أم بلال، فاقتصار عروة على سبعة باعتبار ما بلغه فلا ينافي أنهم تسعة. وأخرج الحاكم عن عبد الله بن الزبير، قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك أعتقت رجالا جلدًا يمنعونك ويقومون دونك، فقال: يا أبة، إني إنما أريد له عند الله، فنزلت هذه الآية فيه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} [الليل: 5] ، إلى آخر السورة. "منهم الزنيرة" الرومية أمة عمر بن الخطاب أسلمت قبله، فكان يضربها "فذهب بصرها" عميت من شدة العذاب، "وكانت ممن يعذب في الله" وروى الواقدي أن عمر وأبا جهل كانا يعذبانها، "فتأبى إلا الإسلام" وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء وأتباعهم لو كان ما أتى محمد خيرًا وحقًا ما سبقونا إليه، أفتسبقنا زنيرة إلى رشد. وأخرج ابن المنذر عن عون أبي شداد، قال: كان لعمر أمة أسلمت قبله، يقال لها زنيرة فكان يضربها على إسلامها حتى يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرًا ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا} [الأحقاف: 11] الآية، وروى نحوه ابن سعد عن الضحاك والحسن. "فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى" وعند البلاذري، فقال لها أبو جهل: إنهما فعلا بك ما ترين، فيحتمل أنهم تبعوه

الهجرة الأولى إلى الحبشة

"الهجرة الأولى إلى الحبشة": ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة للحبشة...............

_ في قوله: "فقالت": وهي لا تبصر "والله ما هو كذلك" وما يدري اللات والعزى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على أن يرد علي بصري، "فرد الله عليها بصرها" صبيحة تلك الليلة، فقالت قريش: هذا من سحر محمد، فاشتراها أبو بكر فأعتقها. "والزنيرة بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة" فتحتية فراء "كسكينة؛ كما في القاموس" قال الشامي: وهي لغة الحصاة الصغيرة، ويروى زنيرة بفتح الزاي وسكون النون فموحدة، انتهى. وفي الإصابة: زنيرة بكسر الزاي وشد النون المكسورة بعدها تحتية ساكنة: الرومية ووقع في الاستيعاب زنيرة بنون وموحدة وزن عنبرة، وتعقبه ابن فتحون، وحكى عن مغازي الأموي بزاي ونون مصغرة من السابقات إلى الإسلام وممن يعذب في الله، انتهى. والله أعلم. الهجرة الأولى إلى الحبشة: "ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة للحبشة" بالجانب الغربي من بلاد اليمن ومسافتها طويلة جدًا، وهم أجناس وجميع فرق السودان يعطون الطاعة لملك الحبشة ويقال أنهم من ولد حبش بن كوش بن حام، قال ابن دريد: جمع الحبش أحبوش بضم أوله، وأما قولهم الحبشة فعلى غير قياس، وقد قالوا أيضًا: حبشان وأحبش وأصل التحبيش التجميع، ذكره في فتح الباري. وعند ابن إسحاق أن سبب الهجرة أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى المشركين يؤذون أصحابه ولا يستطيع أن يكفهم عنهم، قال: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه". فخرجوا إليها مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: لما كثر المسلمون وظهر الإسلام أقبل كفار قريش على من آمن من قبائلهم يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم فبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين: "تفرقوا في الأرض، فإن الله سيجمعكم"، قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: "إلى هاهنا"، وأشار بيده إلى أرض الحبشة.

وذلك في رجب سنة خمس من النبوة. فهاجر إليها ناس ذوو عدد، منهم من هاجر بأهله، ومنهم من هاجر بنفسه، وكانوا أحد عشر رجلا, وقيل: اثنا عشر رجلا, وأربع نسوة, وقيل: وخمس نسوة، وقيل: وامرأتين.

_ "وذلك في رجب" بالصرف ولو كان معينًا ففي المصباح رجب من الشهور مصروف، "سنة خمس من النبوة" كما قاله الواقدي، وزاد: فأقاموا شعبان وشهر رمضان وفيه كانت السجدة وقدموا في شوال من سنة خمس، "فهاجر إليها ناس ذوو عدد منهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه، وكانوا أحد عشر رجلا" عثمان بن عفان، وعبد الرحمن، والزبير بن العوام، وأبو حذيفة بن عتبة هاربًا من أبيه بدينه، ومصعب، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمر والعامريان، وابن مسعود، كذا قال الواقدي. قال في الفتح: وهو غير مستقيم مع قوله أول كلامه: كانوا إحدى عشر، فالصواب ما قاله ابن إسحاق أنه اختلف في الحادي عشر هل هو أبو سبرة أو حاطب. وجزم ابن إسحاق بأن ابن مسعود إنما كان في الهجرة الثانية، ويؤيده ما عند أحمد بإسناد حسن عنه، قال: بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا، انتهى. وقال أبو عمر: اختلف في هجرة أبي سبرة إلى الحبشة، ولم يختلف في شهوده بدرًا، قال في النور: ولم أر أحدًا سماه. "وقيل: اثنا عشر رجلا" وجزم في العيون والحافظ في سيرته إلا أن الأول ترك الزبير وذكر سليط بن عمرو وأهمل الثاني حاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء، وذكر بدلهما حاطب بن الحارث وهاشم بن عمرو، "وأربع نسوة" السيدة رقية مع زوجها عثمان، وسهلة بنت سهيل مع زوجها أبي حذيفة مراغمة لأبيها فارة عنه بدينها فولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة، وأم سلمة مع زوجها، وليلى العدوية مع زوجها عامر بن ربيعة. "وقيل: وخمس نسوة" هؤلاء الأربع وأم كلثوم بنت سهل بن عمرو زوج أبي سبرة، وبهذا جزم الحافظ اليعمري قائلا: لم يذكرها ابن إسحاق، وذكر ابن عبد البر وتبعه ابن الأثير في المهاجرات أم أيمن بركة الحاضنة. قال البرهان: وأظنها هاجرت مع رقية؛ لأنها جارية أبيها، انتهى. فلعل من أسقطها لكونها تبعًا. "وقيل: وامرأتين" بالباء عطفًا على أحد عشر، وفي نسخة بالألف، أي: ومعهم امرأتان أو على لغة من يلزم المثنى الألف، وقيل: كانوا اثني عشر رجلا وثلاث نسوة، وقيل: عشرة رجال

وأميرهم عثمان بن مظعون، وأنكر ذلك الزهري وقال: لم يكن لهم أمير، وخرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار. وكان أول من خرج عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما، فقدمت امرأة فقالت: قد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال:

_ وأربع نسوة. "وأميرهم" قال ابن هشام: فيما بلغني "عثمان بن مظعون" بالظاء المعجمة "وأنكر ذلك الزهري" محمد بن مسلم "وقال: لم يكن لهم أمير" ويحتمل أنهم أمروه بعد سيرهم باختيارهم ولم يؤمر المصطفى عليهم أحدًا، فلا خلف. "وخرجوا" سرًا من مكة "مشاة" ثم عرض لبعضهم الركوب، وانتهوا في خروجهم "إلى البحر" فهو متعلق بمحذوف لا صلة مشاة أو غلب المشاة لكثرتهم على الراكبين، فلا تنافي بينه وبين قول العيون والمنتقى والسبل: فخرجوا متسللين سرًا حتى انتهوا إلى الشعبية منهم الراكب ومنهم الماشي، والشعبية بمعجمة مضمومة ومهملة مفتوحة ساكنة فموحدة فتاء تأنيث: واد، كما قال الصغاني والمجد؛ كما في النور وفي السبل: مكان على ساحل البحر بطريق اليمن، لكن وقع في بعض نسخة الشعبية بزيادة ياء بعد الموحدة وهو تحريف من النساخ لقوله تصغير شعبة، إذ تصغيره بلا ياء وهو الذي في الذيل والقاموس, "فاستأجروا سفينة" جزم به تبعًا لفتح الباري، والذي في العيون وغيرها: فوفق الله ساعة للمسلمين جاءوا سفينتين للتجارة حملوهم فيهما "بنصف دينار" وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهما أحدًا، ويحتمل الجمع بأنهم استأجروا سفينة واحدة لقلتهم فضاقت عنهم لشحنها بالتجار وتجارتهم، فحملوهم في اثنتين، واستئجار واحدة لا ينافي الحمل في اثنتين، وهذا أقرب من إمكان أنهم استأجروا صاحب السفينتين على حملهم إلى مقصودهم في السفينتين أو مجموعهما، فاتفق حملهم بواحدة، فالمصنف نظر إلى الحمل وغيره لما وقع عليه التوافق؛ لأن فيه قصر حملهم في واحدة وأتى به مع قولهم: حملوهم فيهما."وكان أول من خرج عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقيل: حاطب بن عمرو، وقيل: سليط بن عمرو، حكاهما اليعمري هنا وذكر في أزواج المصطفى، وتبعه المصنف ثم أن أم سلمة وزوجها أول من هاجر، فهي أربعة أقوال. "وأخرج يعقوب بن سفيان" الحافظ الفسوي بالفاء "بسند موصول إلى أنس" وأما بعده فمرسل صحابي "قال: أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما فقدمت امرأة فقالت: قد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال" صلى الله عليه وسلم: "صحبهما الله"، كما في نفس رواية يعقوب قبل قوله: "إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط" نبي الله هاجر من كوثي إلى حران ولما وصلوا الحبشة أقاموا عند النجاشي آمنين، وقالوا: جاورنا بها خير جار على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا

إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط. فلما رأت قريش استقرارهم في الحبشة وأمنهم أرسلوا عمرو بن العاصي، وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا وتحف من بلادهم إلى النجاشي, واسمه أصحمة, وكان معهما عمارة بن الوليد، ليردهم إلى قومهم، فأبى ذلك وردهما خائبين ولم يقبل هديتهما.

_ نسمع شيئًا نكرهه، "فلما رأت قريش استقرارهم في الحبشة وأمنهم أرسلوا عمرو بن العاصي" القرشي السهمي الصحابي أسلم بعد ذلك على يد النجاشي وهي لطيفة صحابي أسلم على يد تابعي، ولا يعلم مثله. "وعبد الله بن أبي ربيعة" عمر بن المغيرة المخزومي المكي أسلم بعد وصحب وكان حسن الوجه ولاه صلى الله عليه وسلم الجندي ومخالفيها فلما حوصر عثمان جاء لينصره فوقع عن راحلته بقرب مكة فمات. "بهدايا وتحف من بلادهم إلى النجاشي" بفتح النون وتكسر وخفة الجيم فياء ثقيلة وتخفف، لقب قديم لملك الحبشة، قال الحافظ. وأما اليوم فيقال له الحطي بفتح الحاء وكسر الطاء الخفيفة المهملتين وتحتانية خفيفة، "واسمه" كما في البخاري "أصحمة" بمهملتين بوزن أربعة، وفي مصنف ابن أبي شيبة: صحمة بحذف الهمزة، وحكى الإسماعيلي أصخمة بخاء معجمة، وقيل: أصحبة بموحدة بدل الميم، وقيل: صحبة بلا ألف، وقيل: مصحمة، بميم أوله بدل الهمزة ابن أبجر، وقيل: اسمه مكحول بن صصة، قال مغلطاي. ولقب ملك الترك خاقان، والروم قيصر واليمن تبع، واليونان بطليوس، واليهود القيطون، فيما قيل والمعروف مالخ، وملك الصابئة النمروذ ودهمز، وملك الهند يعفور، والزنج زغانة، ومصر والشام فرعون، فإن أضيف إليهما الإسكندرية سمي العزيز، ويقال المقوقس، ولملك العجم كسرى، ولملك فرغانة الأخشيد، ومل العرب من قبل العجم النعمان، وملك البربر جالوت. "وكان معهما عمارة بن الوليد" بن المغيرة المخزومي، والذي في العيون: وكان عمرو بن العاصي رسولا في الهجرتين ومعه في أحداهما عمارة وفي الأخرى عبد الله، ثم قال في الهجرة الثانية ولم يذكر ابن إسحاق مع عمرو إلا عبد الله في رواية زياد. وفي رواية ابن بكير لعمارة ذكر. وفي الشامية: الصحيح أن في الأولى عمارة, وفي الثانية عبد الله، انتهى. وهو خلاف ما اقتصر عليه الحافظ في سيرته من أن عمرًا وعمارة ذهبا في الهجرة الثانية، انتهى. ورواه أحمد عن ابن مسعود "ليردهم" أي: ليرد النجاشي المهاجرين "إلى قومهم، فأبى ذلك وردهما" أي: عمرًا وعبد الله "خائبين" لم يجبهما إلى ما طلبا "ولم يقبل هديتهما" ولم يذكر عمارة لأنه تبع لهما، لا لما تقدم أنه توحش ولم يعد لأن المتقدم إنما هو في الهجرة الثانية، نعم على ما صححه الشامي إن ثبت يكون المعنى لم يجبهما، وزاد عمارة: خيبة بفعله ذلك معه.

باب الفهرس

باب الفهرس: 3 ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني 6 التعريف بالمواهب اللدنية 8 ترجمة الزرقاني 9 المقدمة 11 شرح مقدمة المواهب 40 محتوى الكتاب: المقصد الأول 42 محتوى الكتاب: المقصد الثاني 43 محتوى الكتاب: المقصد الثالث 44 محتوى الكتاب: المقصد الرابع والخامس 45 محتوى الكتاب: المقصد السادس 46 محتوى الكتاب: المقصد السابع 47 محتوى الكتاب: المقصد الثامن والتاسع 48 محتوى الكتاب: المقصد العاشر 50 المقصد الأول في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام 156 عام الفيل وقصة أبرهة 190 ذكر تزوج عبد الله آمنة 236 الاختلاف في شختنه 243 وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم 257 وفي مدة حمله 258 ذكر رضاعة صلى الله عليه وسلم وما معه 289 ذكر خاتم النبوة 307 ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم 370 تزوجه عليه السلام خديحة 379 بنيان قريش الكعبة 385 باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

420 مراتب الوحي 444 ذكر أول من آمن بالله ورسوله 477 إسلام حمزة 503 الهجرة الأولى إلى الحبشة

المجلد الثاني

المجلد الثاني تابع المقصد الأول في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام إسلام الفاروق ... تابع المقصد الأول في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام: بسم الله الرحمن الرحيم "إسلام الفاروق": وأسلم عمر بن الخطاب بعد حمزة بثلاثة أيام فيما قاله أبو نعيم بدعوته صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب"

_ إسلام عمر الفاروق: "وأسلم عمر بن الخطاب" بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بكسر الراء وتحتية، وقيل: بكسرها وموحدة، وهو بعيد ابن عبد الله بن قرط بضم القاف وإسكان الراء وطاء مهملة، ابن رزاح بفتح الراء والزاي، كما قاله الدارقطني وابن ماكولا وخلق، وقيل: بكسر الراء ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب، قال في الفتح: وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت بواحد فبين المصطفى وكعب سبعة آباء، وبينه وبين عمر ثمانية، قال ابن إسحاق: أسلم عقب الهجرة الأولى إلى الحبشة، وذكر ابن سعد عن ابن المسيب في ذي الحجة سنة ست من المبعث، وحكى عليه ابن الجوزي في بعض كتبه الاتفاق لكنه قال في التلقيح: سنة ست، وقيل: سنة خمس. "بعد حمزة بثلاثة أيام" لا أشهر كما قيل، "فيما قاله أبو نعيم" لأنه قد رواه عن ابن عباس، قال: سألت عمر عن إسلامه، قال: خرجت بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام فذكر القصة وهو موافق لما حكاه ابن سعد. أما على قول ابن إسحاق، فلا يجيء لأن الهجرة في الخامسة وإسلام حمزة في السادسة، كما أنه لا يأتي على القول بأن إسلام حمزة في الثانية بالنون "بدعوته صلى الله عليه وسلم" كما رواه الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل" بن هشام "أو بعمر بن الخطاب"، قال: فأصبح فغدا عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، ورواه أبو نعيم من وجه آخر عن ابن عمر، قال: قال صلى الله عليه وسلم "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر أو بأبي جهل"، وأخرجه خيثمة في فضل الصحابة من حديث علي به، والحاكم عن ابن مسعود بلفظ: أيد بدل جهل. وفي حديث خباب عند البزار مرفوعا: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو

وكان المسلمون إذ ذاك بضعة وأربعين رجلا، وإحدى عشرة إمرأة. وكان سبب إسلامه -فيما ذكره أسامه بن زيد عن أبيه عن جده عن......

_ بعمر بن الخطاب"، فيمكن أنه قال هذا مرة وهذا أخرى، ودعوى أن بأبي جهل رواية بالمعنى لا تصح؛ لأنها رد للروايات المتعددة الطرق لرواية واحدة. وأخرج الحاكم وصححه عن نافع عن ابن عمر عن ابن عباس رفعه: "اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة"، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي من حديث عائشة وجمع ابن عساكر لأنه صلى الله عليه وسلم دعا بالأول أولا، فلما أوحى إليه أن أبا جهل لن يسلم خص عمر بدعائه، انتهى. ثم بحديث عائشة هذا الصحيح يرد ما نقل عن الدارقطني أن عائشة قالت: إنما قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعز عمر بالإسلام"؛ لأن الإسلام يعز ولا يُعز. وقد قال السخاوي: ما زعمه أبو بكر التاريخي أن عكرمة سئل عن قوله: "اللهم أيد الإسلام"، فقال: معاذ الله دين الإسلام أعز من ذلك، ولكنه قال: "اللهم أعز عمر بالدين، أو أبا جهل"، فأحسبه غير صحيح، انتهى. وفي الدر قد اشتهر هذا الحديث الآن على الألسنة، بلفظ: "بأحب العمرين"، ولا أصل له في شيء من طرق الحديث بعد الفحص البالغ. "وكان المسلمون إذ ذاك بضعة" بكسر الباء وقد تفتح من ثلاثة إلى سبعة ولا تستعمل فيما زاد على عشرين إلا عند بعض المشايخ، كما في المصباح. "وأربعين رجلا" كما قاله السهيلي، زاد: "وإحدى عشرة امرأة" لكنه مخالف لقول فتح الباري في مناقب عمر: روى ابن أبي خيثمة عن عمر: لقد رأيتني وما أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسعة وثلاثون، فكملتهم أربعين فأظهر الله دينه وأعز الإسلام. وروى البزار نحوه من حديث ابن عباس، وقال فيه: فنزل جبريل، فقال: أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين، انتهى. اللهم إلا أن يكون عمر لم يطلع على الزائد؛ لأن غالب من أسلم كان يخفيه خوفا من المشركين لا سيما وقد كان عمر عليهم شديدا، فلذا أطلق أنه كملهم أربعين، ولم يذكر النساء؛ لأنه لا إعزاز بهن لضعفهن. "وكان سبب إسلامه فيما ذكره أسامة بن زيد" بن أسلم العدوي مولاهم المدني ضعيف من قبل حفظه مات في خلافة المنصور وروى له ابن ماجه "عن أبيه" زيد بن أسلم العدوي مولاهم المدني أبو أسامة أو أبو عبد الله الفقيه العالم المفسر الثقة الحافظ التابعي المتوفى سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الستة، "عن جده" أسلم مولى عمر اشتراه سنة إحدى عشرة كنيته أبو خالد، ويقال: أبو زيد التابعي الكبير، قيل: إنه من سبي عين النمر، وقيل: حبشي روى عن مولاهم والصديق ومعاذ، قال أبو زرعة: ثقة مات سنة ثمانين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة، أخرج له الجماعة "عن

عمر- أنه قال: بلغني إسلام أختي، فدخلت عليها، فقلت يا عدوة نفسها، قد بلغني عنك أنك صبوت، ثم ضربتها، فسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت. قال: فدخلت وأنا مغضب، فإذا كتاب في ناحية.................

_ عمر، أنه قال: بلغني" من نعيم بن عبد الله النجام القرشي الصحابي؛ كما في رواية ابن إسحاق، وجزم به ابن بشكواك، وقال: إن في كلام أبي القسم البغوي شاهده أو من سعد بن أبي وقاص؛ كما في الصفوة ويحتمل أن يكونا معا بلغاه ذلك في سيره مريدا قتل النبي، كما اتفق مع قريش على ذلك "إسلام أختي" فاطمة عند الأكثر، وقيل: أميمة، حكاه الدارقطني قال في الإصابة: فكأن اسمها فاطمة ولقبها أميمة وكنيتها أم جميل، وقيل: اسمها رملة لها حديث أخرجه الواقدي عن فاطمة بنت الخطاب أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "لا تزال أمتي بخير ما لم يظهر فيهم حب الدنيا في علماء فساق وقراء جهال، وجوره فإذا ظهرت خشيت أن يعمهم الله بعقاب". وحذف المصنف صدر حديث أسلم، فلفظه: قال لنا عمر: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدو إسلامي؟ قلنا: نعم، قال: كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما أنا في يوم حار شديد الحر بالهاجرة في بعض طرق مكة، إذ لقيني رجل من قريش، فقال: أين تذهب؟ إنك تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد صبأت، فرجعت مغضبا وقد كان صلى الله عليه وسلم يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند رجل به قوة فيكونان معه ويصيبان من طعامه، وقد ضم إلى زوج أختي رجلين، فجئت حتى قرعت الباب، فقيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، قال: وكان القوم جلوسا يقرءون صحيف معهم فلما سمعوا صوتي تبادروا واختلفوا، أو قال: نسوا الصحيفة من أيديهم، فقامت المرأة معهم فلما سمعوا صوتي تبادروا واختفوا، أو قال: نسوا الصحيفة من أيديهم، فقامت المرأة ففتحت لي "فدخلت عليها، فقلت: يا عدو نفسها، قد بلغني عنك أنك صبوت" أي: خرجت من دينك "ثم ضربتها" وفي الصفوة: فوثب عمر على ختنه سعيد بن زيد وبطش بلحيته وضرب به الأرض وجلس على صدره، فجاءته أخته لتكفه عن زوجها فلطمها لطمة شج بها وجهها، "فسال الدم، فلما رأت الدم بكت" وغضب "وقالت" زاد في الصفوة: أتضربني يا عدو الله على أن أوحد الله، لقد أسلمنا على رغم أنفك، "يابن الخطاب، ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت". وفي رواية ابن عباس عن عمر عند ابن عساكر والبيهقي: فوجدت همهمة فدخلت فقلت: ما هذا؟ فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته وأدميته، فقامت إلي أختي فأخذت برأسي، وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييت حين رأيت الدماء "قال: فدخلت وأنا مغضب" زاد في الرواية: على السرير فنظرت "فإذا كتاب في ناحية" جانب من جوانب

البيت، فإذا فيه {بسم الله الرحمن الرحيم} فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالصحيفة من يدي، ثم رجعت فإذا فيها {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} حتى بلغت {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه} [الحديد: 7] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

_ "البيت" أسقط من رواية أسلم: فقلت: ما هذا الكتاب؟ أعطينيه، فقالت: لا أعطيكه، لست من أهله أنت لا تغتسل من الجناية ولا تطهر، وهذا لا يمسه إلا المطهرون، قال: فلم أزل بها حتى أعطتنيه. وفي الصفوة: قال: أعطوني هذا الكتاب أقرؤه، وكان عمر يقرأ الكتب، قالت أخته: لا أفعل، قال: ويحك وقع في قلبي مما قلت، فأعطينيها أنظر إليها وأعطيك من المواثيق أن لا أخونك حتى تحوزها حيث شئت، قالت: إنك رجس، فانطلق فاغتسل أو توضأ فإنه كتاب لا يمسه إلا المطهرون فخرج ليغتسل، فخرج ليغتسل، فخرج خباب، فقال: أتدفعين كتاب الله إلى كافر، قالت: نعم، إني أرجو أن يهدي الله أخي، فدخل خباب البيت وجاء عمر فدفعته إليه "فإذا فيه: {بسم الله الرحمن الرحيم} ، فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت" بضم الذال المعجمة وكسر المهملة أفزعت، زاد في رواية البزار: فجعلت أفكر من أي شيء اشتق "ورميت بالصحيفة من يدي، ثم رجعت" لفظ الرواية: ثم رجعت إلى نفسي، أي: فأخذت الصحيفة "فإذا فيها: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحديد: 1] ، زاد البزار: فجعلت أقرأ وأفكر "حتى بلغت {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه} كما في الروض. ولفظ رواية غيره: فإذا فيها {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحديد: 7] ، هذا لفظ رواية البزار كما في الروض. ولفظ رواية غيره: فإذا فيها {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحديد: 1] ، فكلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت ثم ترجع إليَّ نفسي، حتى بلغت {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] إلى قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} [الحديد: 8] ، "فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله". وفي رواية ابن عساكر وأبي نعيم عن ابن عباس والدارقطني عن أنس كلاهما عن عمر، فقلت: أروني هذا الكتاب، فقالوا: إنه لا يمسه إلا المطهرون، فقمت فاغتسلت فأخرجوا لي صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، فقلت: أسماء طيبة طاهرة، {طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 1، 2] إلى قوله تعالى: {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 8] ، فعظمت في صدري، وقلت: من هذا فرت قريش، فأسلمت. وعند الدارقطني: فقام فتوضأ ثم أخذ الصحيفة، وكذا ذكره ابن إسحاق: وأنه تشهد لما بلغ فلا يصدنك عنها. وزاد يونس عنه: أنه كان فيها مع سورة طه {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] ، وأن عمر انتهى في قراءتها إلى قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَت} [التكوير:

فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوه مني، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت في أسفل الصفا، فدخلت عليه وأخذ رجلان، بعضدي حتى دنوت.....................

_ 14] ، فيمكن أنه توضأ ثم اغتسل أو عكسه، وأنه وجد السور الثلاث في صحيفة أو صحيفتين فقرأها وتشهد عقب بلوغ كل من الآيتين. وفي الصفوة: فلما بلغ {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] ، قال: ما ينبغي لمن يقول هذا أن يعبد معه غيره!! دلوني على محمد، "فخرج القوم" الذين كانوا عند أخته، يعني زوجها سعيد بن زيد وخباب بن الأرت أحد الرجلين اللذين ضمهما المصطفى إلى سعيد، وكان خباب يقرؤهم القرآن والرجل الثاني، قال في النور: لا أعرفه، "يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوه مني" وحمدوا الله، ثم قالوا: يابن الخطاب! أبشر فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا يوم الاثنين، فقال: "اللهم أعز الإسلام بعمرو أو عمر"، وإنا نرجو أن تكون دعوته لك فأبشر، فلما عرفوا مني الصدق، قلت: أخبروني بمكانه -صلى الله عليه وسلم- قالوا: هو في أسفل الصفا. "فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت في أسفل الصفا" هي دار الأرقم الصحابي، كان صلى الله عليه وسلم مختفيا فيها بمن معه من المسلمين، قال المحب الطبري: ويقال لها اليوم دار الخيزران، وفي الصفوة: فقال عمر: يا خباب، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خباب وسعيد عه. وفي حديث أسلم: فقرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، قال: وقد عرفوا شدتي على رسول الله ولم يعلموا بإسلامي، فما اجترأ أحد منهم أن يفتح الباب، فقال صلى الله عليه وسلم: "فافتحوا له فإن يرد الله بخيرا يهده"، وأخرجه ابن عائذ من حديث ابن عمر، وقال: وهذا وهم إنما الذي قال: " فإن يرد الله به خيرا يهده وإلا كفيتموه بإذن الله حمزة" وتجويز أن الوهم إنما هو في نسبة قوله: "وإلا كفيتموه" للنبي صلى الله عليه وسلم فلا ينافي ما في الشامي من أن: "فإن يرد الله به خيرا يهده" من كلام المصطفى فيه نظر، إذ كيف يأتي هذا مع قول ابن عائذ: إنما الذي ... إلى آخره، والشامي: إنما هو في مقام سياق الحديث الذي حكم ابن عائذ على هذه القطعة منه بالوهم، ولذا حسن من المصنف إسقاطهما. وفي رواية: فلما رأى حمزة وجل القوم منه، قال فإنه يرد الله به خيرا يسلم ويتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يرد غير ذلك كان قتله علينا هينا، والنبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، ففتح الباب "فدخلت عليه وأخذ رجلان" قال البرهان: لا أعرفهما ولعل حمزة أحدهما؛ لأنه الذي أذن في دخوله، "بعضدي" بشد الياء تثنية عضد، وفي هامش: إن حمزة أخذ بيمينه والزبير بيساره "حتى دنوت

من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أرسلوه"، فأرسلوني فجلست بين يديه، فأخذ بمجمع ثيابي فجذبني إليه ثم قال: "أسلم يابن الخطاب، اللهم اهد قلبه"، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة واحدة سمعت بطرق مكة. وكان الرجل إذا أسلم استخفى ثم خرجت إلى رجل لم يكن يكتم السر،

_ من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أرسلوه"،" يفتح الهمزة: "فأرسلوني، فجلست بين يديه فأخذ بمجمع ثيابي" لفظ رواية أسلم: بمجمع قميصي، وعند ابن إسحاق، بحجزته أو بمجمع ردائه، "فجذبني إليه" جذبه شديدة؛ كما في الرواية، وفي رواية: فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم في صحن الدار، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وفي لفظ: أخذه ساعة وهزه فارتعد عمر من هيبته وجلس. وفي آخر: أخذ بمجامع ثيابه فنثره فما تمالك أن وقع عمر على ركبته، وقال له: "فما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك ما أنزل بالوليد بن المغيرة"، يعني الخزي والنكال ولعله صلى الله عليه وسلم فعل معه ذلك ليثبته الله على الإسلام ويلقي حبه الطبيعي في قلبه، ويذهب عنه رجز الشيطان، فكان كذلك حتى كان الشيطان يفر منه وليكون شديدا على الكفار وفي الدين، فصار كذلك. وعند ابن إسحاق، فقال: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة"، فقال: يا رسول الله! جئت لأؤمن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، "ثم قال" صلى الله عليه وسلم بعد اخذه بمجامع ثوبه وهزه، وقوله ما ذكر "أسلم يابن الخطاب، اللهم اهد قلبه" لفظ رواية أسلم اهده؛ كما في العيون والإرشاد للمصنف، فلعه هنا بالمعنى أو جمع بينهما. وفي رواية: "اللهم هذا عمر بن الخطاب اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب" "قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وانك رسول الله، فكبر المسلمون" بعد تكبير النبي صلى الله عليه وسلم، كما في رواية "تكبير واحدة سمعت بطرق مكة، وكان الرجل إذا أسلم استخفى" بإسلامه، زاد أبو نعيم وابن عساكر في رواية ابن عساكر عن عمر، فقلت: يا رسول الله! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق إن متم وإن حييتم"، فقلت: ففيهم الخفاء يا رسول الله؟ علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ فقال: "يا عمر، إنا قليل قد رأيت ما لقينا"، وقال: والذي بعثك بالحق نبينا لا يبقي مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، ثم خرج في صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر، حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش إلينا فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ الفاروق "ثم خرجت" فذهبت بعد كراهتي عدم ضربي كمن آمن وإخباري لخالي ورجل من عظماء قريش بإسلامي وقول رجل، قال في النور: لا أعرفه، ويظهر أنه مسلم: تحب أن يعلم إسلامك، فأرشدني "إلى رجل لم يكتم السر" هو جميل بفتح الجيم وكسر الميم، ابن معمر بفتح الميم بينهما مهملة

فقلت له: إني صبوت، قال فرفع صوته بأعلاه: ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقال خالي: ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب، فقام على الحجر وأشار بكمه فقال: ألا إني قد أجرت ابن أختي، قال: فانكشف الناس عني؛

_ ساكنه ثم راء، ابن حبيب الجمحي أسلم يوم الفتح وقد شاخ وشهد حنينا وفتح مصر، ومات في خلافة عمر فحزن عليه حزنا شديدا، "فقلت له" سرا "إني صبوت" ملت من دين إلى دين، "قال: فرفع صوته بأعلاه: ألا إن ابن الخطاب" عمر، وكأنه لم يسمه لشهرته فيهم "قد صبأ" وروى ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث، فقيل له: جميل، فغدا عليه وغدوت أتبع أثره وأنا غلام أعقل ما رأيت حتى جاءه فقال: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمدا فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة، ألا إن ابن الخطاب قد صبا، ويقول عمر من خلفه، كذب، ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فتعبير عمر لجميل أولا بقوله: صبؤت، يعني على زعمكم "فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقال خالي" يحتمل أنه أبو جهل أو أخوه الحارث بن هشام؛ لأنهما خالاه مجازا لأن عصبة الأم أخوال، الابن وأمه حنتمة بفتح المهملة وسكون النون وفتح الفوقية فتاء التأنيث ابنه هاشم بن المغيرة المخزومي، وهاشم وهاشم أخوان فهما ابنا عم أمه، ومن قال: إنها بنت هشام فقد أخطأ وصحف هاشما بهشام؛ كما قاله ابن عبد البر والسهيلي والحافظ وغيرهم؛ ويحتمل أنه أراد غيرهما من بني مخزوم. كما ال البرهان: فالجزم بأنه أبو جهل يحتاج لبرهان واختيار أنه خاله حقيقة مبني على خطأ مخالف، لما نبه عليه الحفاظ وأقره ختامهم في فتح الباري. "ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب فقام" خالي "على الحجر" بكسر الحاء وغلط من فتحها؛ كما في النور "وأشار بكمه، فقال: ألا إني قد أجرت ابن أختي" قال في النور، أي: هو في ذمامي وعهدي وجواري، "قال: فانكشف الناس عني" لجلالة خاله عندهم، وعند ابن إسحاق في حديث ابن عمر أن العاصي بن وائل أجاره منهم حينئذ، فيحتمل أنهما معا أجاراه. وروى البخاري عن ابن عمر، قال: بينا عمر في الدار خائفا إذ جاءه العاصي بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير، فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني لأنني أسلمت، قال: لا سبيل إليك، بعد أن قال آمنت، فخرج العاصي فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد ابن الخطاب الذي قد صبا، قال: لا سبيل إليه، فكر الناس وانصرفوا عنه وطريق الجمع أن العاصي أجاره مرتين، مرة مع خاله والأخرى بعد

فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام.

_ كونه في الدار، والله أعلم. "فما زلت" بعد رد جواز خالي كراهة أن لا أكون كالمسلمين وقول خالي: لا تفعل يابن أختي، فقلت: بلى هو ذاك، قال: فما شئت؛ كما في حديث أسلم، قال: فما زلت "أضرب" بالبناء للفاعل "وأضرب" للمفعول "حتى أعز الله الإسلام". روى حديث أسلم عن عمر هذا بطوله البزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي، ورواه الدارقطني من حديث أنس وابن عساكر، والبيهقي عن ابن عباس، وأبو نعيم عن طلحة وعائشة كلهم عن عمر نحوه، فهذه طرق يعضد بعضا، فانجيز ما فيه من ضعف أسامة. وفي فتح الباري ألمح البخاري بإيراد قصة سواد بن قارب في باب إسلام عمر إلى ما جاء عن عائشة وطلحة عن عمر، أن هذه القصة كانت سبيل إسلامه، انتهى. ومن جملة القصة التي رواها البخاري آخر حديث سواد، قال عمر: بينا أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل فصيح يقول: لا إله إلا أنت، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله فما نشبنا إن قيل هذا نبي. وروى أبو نعيم في الدلائل عن طلحة وعائشة عن عمر: أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمدا مائة ناقة حمراء أو سوداء وألف أوقية من فضة، فقلت له: يا أبا الحكم! الضمان صحيح، قال: نعيم، فخرجت متقلدا السيف متنكبا كنانتي أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت على عجل وهم يريدون ذبحه فقمت أنظر إليه، فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح رجل يصيح بلسان فصيح يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا ثم مررت بصنم، فإذا هاتف من جوفه، يقول: يا أيها الناس ذوو الأجسام ... ما أنتم وطائش الأحلام ومسند الحكم إلى الأصنام ... أصبحتهم كراتع الأنعام أما ترون ما أرى أمامي ... من ساطع يجلو دجى الظلام قد لاح للناظر من تهام ... وقد بدا للناظر الشآمي محمد ذو البر والإكرام ... أكرمه الرحمن من إمام قد جاء بعد الشرك بالإسلام ... يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للأرحام ... ويزجر الناس عن الآثام فبادروا سبقا إلى الإسلام ... بلا فتور وبلا إحجام قال عمر: فقلت: والله ما أراه إلا أرادني، ثم مررت بالضمائر فإذا هاتف من جوفه، يقول:

قال ابن عباس: لما أسلم عمر قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد، لقد استبشر أهل

_ أودي الضمار وكان يعبد مدة ... قبل الكتاب وقبل بعث محمد إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي سيقول من عبد الضمار ومثله ... وليت الضمار ومثله لم يعبد أبشر أبا حفص بدين صادق ... تهدي إليه وبالكتاب المرشد واصبر أبا حفص فإنك آمر ... يأتيك عز غير عز بني عدي لا تعجلن فأنت ناصر دينه ... حقا يقينا باللسان وباليد قال عمر: فوالله لقد علمت أنه أرادني، فلقيني نعيم وكان يخفي إسلامه فرقا من قومه، فقال: أين تذهب؟ قلت: أريد هذا الصابي الذي فرق أمر قريش فأقتله، فقال نعيم: يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وبالغ في منعه، ثم قال: ألا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم، فذكر دخوله على أخته ... القصة بطولها ولا تنافي بينهما فهو حديث واحد طوله مرة واختصره أخرى. وفي رواية عند ابن إسحاق: أن سبب إسلامه أنه دخل المسجد يريد الطواف فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقال: لو سمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت: إن دنوت منه استمع لأرد عنه فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابه، أي: البيت، فجعلت أمشي حتى قمت في قبلته وسمعت قراءته، فرق له قبلي فبكيت وداخلني الإسلام فمكثت حتى انصرف، فتبعته فالتفت في أثناء طريقه فرآني، فظن إنما تبعته لأوذيه، فنهمني، ثم قال: "ما جاء بك في هذه الساعة"؟ قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، قال: فمحمد الله ثم قال: "قل هداك الله"، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات ثم انصرفت عنه، ودخل بيته. نهمني بالنون، أي: زجرني، والنهم زجر الأسد، كما في الروض. ففيه من شجاعته صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. وروى ابن سنجر في مسنده عن عمر: خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هو شاعر كما قالت قريش: فقرأ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 40، التكوير: 19] إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع، الواقعة تكفل شيخنا برده. "قال ابن عباس: لما أسلم عمر، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد لقد استبشر أهل

السماء بإسلام عمر. رواه ابن ماجه.

_ السماء بإسلامه عمر" لأن الله أعز به الدين ونصر به المستضعفين، قال ابن مسعود، كان إسلام عمر عزا وهجرته نصرا وإمارته رحمة، والله ما ستطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، رواه ابن أبي شيبة والطبراني، وقال صهيب، لما أسلم عمر، قال المشركون: أنتصف القوم منا، رواه ابن سعد. وروي: أنه لما أسلم، قال: يا رسول الله! لا ينبغي أن يكتم هذا الدين، أظهر دينك، فخرج ومعه المسلمون وعمر أمامهم معه سيف ينادي: لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى دخل المسجد، فقالت قريش: لقد أتاكم عمر مسرورا، ما وراءك يا عمر؟ قال: ورائي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن تحرك أحد منكم لأمكنن سيفي منه، ثم تقدم أمامه صلى الله عليه وسلم يطوف ويحميه حتى فرغ من طوافه. "رواه ابن ماجه" أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني الثقة المتفق عليه المحتج به له معرفة بالحديث وحفظه ومصنفات في السنن والتفسير والتاريخ والسماع بعده أمصار مات سنة ثلاثة وثمانين ومائتين، ورواه أيضا الحاكم وصححه ورده الذهبي بأن فيه عبد الله بن خراش، ضعفه الدارقطني، انتهى. وضعفه أيضا غيره ورواه ابن سعد عن الزهري وداود بن الحصين مرسلا، والله أعلم

دخول الشعب وخبر الصحيفة

"دخول الشعب وخبر الصحيفة": ولما رأت قريش عزة النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه، وإسلام عمر، وعزة أصحابه بالحبشة، وفشو الإسلام في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم..........

_ دخول الشعب وخير الصحيفة: "ولما رأت قريش" كما قال ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما بمعناه، "عزة النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه وإسلام" بالجر، أي: ابن إسحاق ودخولهم في أول المحرم من السابعة، "وعزة أصحابه بالحبشة" يريد بهم أهل الهجرة الثانية، فإن عود الأولين كان في الخامسة؛ كما مر "وفشو الإسلام في القبائل أجمعوا على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم" وقالوا: قد أفسد أبناءنا ونساءنا، وقالوا لقومه: خذوا منا دية مضاعفة ويقتل رجل من غير قريش فتريحوننا وتريحون أنفسكم، "فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وبني" أخيه "المطلب" فأمرهم "فأدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم" بكسر الشين كان

ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه لذلك حتى كفارهم، فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية. فلما رأت قريش ذلك أجمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعون منهم شيئا، ولا يبتاعوات منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل. وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة -وقيل بغيض بن عامر- فشلت

_ منزل بني هاشم غير مساكنهم ويعرف بشعب ابن يوسف كان لهاشم، فقسمه عبد المطلب بين بنيه حين ضعف بصره وصار للنبي صلى الله عليه وسلم فيه خط أبيه؛ كذا في المطالع، وتعقبه في النور: بأن عبد الله مات في حياة أبيه وما أظنهم كانوا يخالفون شرعنا، قال: ويحتمل أنه وصل إليه حصة أبيه بطريق آخر، انتهى. قال شيخنا في تقريره بجوار أن عبد المطلب قسمه في حياته على أولاده في حياة عبد الله، فلما مات صار للمصطفى حظ أبيه وهو حسن، وإن كان شيخنا البابلي يتوقف فيه بأن القسم لم ينقل عن عبد المطلب في حياة عبد الله؛ لأنه احتمال يكفي في الجواب، يمكن أنهم جعلوا له بعد موت جده حصة أبيه أن لو كان حيا، فهو ابتداء عطية من أعمامه وهذا حسن جدا، وكل هذا على تسليم ظن البرهان أنهم لا يخالفون شرعنا ومن أين ذاك الظن؟ "ومنعوه ممن أراد قتله" لما سألهم أبو طالب "فأجابوا لذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك أجمعوا وائتمروا" تشاوروا في "أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني المطلب أن لا ينكحوا إليهم" بفتح حرف المضارعة، أي: لا يتزوجوا المضارعة، أي: لا يتزوجوا منهم فإلى بمعنى من "ولا ينكحوهم" بضمها لا يزوجوهم "ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا" زاد في العيون ولا تأخذهم بهم رأفة "حتى يسلموا" من أسلم أو سلم مثقلا "رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل" أي: يخلو بينه وبينهم، "وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة" كما ذكره ابن إسحاق قائلا: فشلت يده فيما يزعمون، وصدر به في الفتح، قال في النور: والظاهر هلاكه على كفره، "وقيل" بخط "بغيض" بموحدة ومعجمتين بينهما تحتية "ابن عامر" بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، قاله ابن سعد. "فشلت" بفتح الشين المعجمة واللام المشددة وضم الشين خطأ، أو قليل أو لغة ردية والشلل نقص في الكف وبطلان لعملها وليس معناه القطع؛ كما زعم بعضهم، قاله المصنف. وفي الفتح: يجوز ضمها في لغة، ذكر الجيلاني.

يده، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، هلال المحرم سنة سبع من النبوة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه، إلا أبا لهب فكان مع قريش. فأقاموا على ذلك سنتن أو ثلاثا، وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا.

_ وقال ابن درستويه: هي خطأ. "يده" أي: الكاتب سواء قيل منصور أو بغيض؛ لأن القائل بالأول، قال: شلت كالثاني، قال في النور: الظاهر أنه لم يسلم وهو بغيض كاسمه، قال ابن هشام: ويقال بخط النضر بن الحرث فدعا عليه صلى الله عليه وسلم فشلت بعض أصابعه، وقتل كافرا بعد بدر، وقيل: بخط هشام بن عمرو بن الحرث العامري وهو من الذين سعوا في نقضها، قاله ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما، أسلم وكان من المؤلفة، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدري، حكاه في الفتح، وقيل: منصور بن عبد شرحبيل بن هاشم، حكاه الزبير بن بكار مع القول بأنه بغيض فقط، قال السهيلي والزبير: أعلم بالإنسان، وجمع البرهان وتبعه الشامي باحتمال أن يكون كتب بها نسخ. "وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة" وتمادوا على العمل بما فيها، وكان ذلك "هلال المحرم سنة سبع من النبوة" قال ابن سعد وابن عبد البر وغيرهما، وبه جزم في الفتح، وقيل: سنة ثمان، حكاه الحافظ في سيرته وكان ذلك بخيف بني كنانة؛ كما في الصحيح وهو المحصب، "فانجاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه" أضافه له لأنه كبيرهم؛ كذا نسبه في الفتح لابن إسحاق، وهو ظاهر في أن انحيازهم بعد كتابة الصحيفة للعطف بالفاء، وفي العيون: ودخلوا شعبهم مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينا والكافر حمية، فلما رأت قريش أنه قد منعه قومه أجمعوا على كتابة صحيفة، وهذا صريح في أن كتابتها بعد دخولهم. "إلا أبا لهب فكان مع قريش" وأما المؤمنون من غير بني هاشم والمطلب، فظاهر العيون أنهم ذهبوا كلهم إلى الحبسة، "فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا" قاله ابن إسحاق: وأو تحتمل الشك والإشارة إلى قول وجزم موسى بن عقبة بأنها ثلاث سنين. "وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا" بالبناء للمفعول لقطعهم عنهم الميرة والمادة، "وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا" ولا يحجون إلا من موسم، وكان يصلهم فيه حكيم بن حزام وهشام بن عمرو والعامري وهو أوصلهم لبني هاشم، وكان أبو طالب مدة إقامتهم في الشعب يأمرهم صلى الله عليه وسلم فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا أو غائلة، فإذا نام أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه، فاضطجع على فرش المصطفى وأمره أن يأتي بعض فرشهم فيرقد

وقدم نفر من مهاجرة الحبشة، حين قرأ عليه الصلاة والسلام: {النَّجْمِ إِذَا هَوَى} حتى بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته: تلك الغرانيق العي وإن شفاعتهن لترتجى، فلما ختم السورة سجد صلى الله عليه وسلم وسجد معه المشركون،............................

_ عليها، "وقدم" في شوال سنة خمس؛ كما مر. "نفر من مهاجرة الحبشة" فخالف شرطه في الترتيب على السنين، ولو رعاه لذكرها قبل إسلام عمر؛ كما فعل اليعمري والشامي وغيرهما، وهذا مما يعطي أن الشرط أغلبي ثم كلامه يقتضي أنهم لم يقدموا كلهم، وهو خلاف قول اليعمري والحافظ وغيرهما كان سبب رجوع الاثني عشر، وفي لقظ: قدم أولئك الفقراء مكة، "حين قرأ عليه الصلاة والسلام" وهو يصلي أو خارج الصلاة على اختلاف الروايات، كما يأتي عن عياض، وأما ما عند ابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ النجم، فسجد بنا فأطال السجود فلم يذكر فيه هذه القصة فلا معنى لذكره هنا الموهم أن ابن عمر روى هذه القصة، ولا قائل به لما يأتي أنها لم ترو عن صحابي سوى عن ابن عباس،" {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: 1] ، حتى بلغ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19، 20] ألقى الشيطان في أمنيته أي في قراءته" يقال تمنى إذا قرأ، قال حسان يمدح عثمان: تمنى كتاب الله أول ليلة ... تمنى داود الزبور على رسل لأن أصل معناه: تفعل من المنى بمعنى القدر، ومنه المنية وقوله إلا أماني، أي: تلاوة بلا معرفة، فأجرى مجرى التمني لما لا وجود له. "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى"، ويروى لترتضى، ويروى أن شافعتها لترتجى وإنها لمع الغرانيق الأولى، وفي أخرى والغرانقة العلى، ذكره في الشفاء، "فلما ختم السورة سجد صلى الله عليه وسلم، وسجد معه المشركون" والجن والإنس؛ كما في الصحيحين غير أمية بن خلف؛ كما في تفسير سورة النجم من البخاري أخذ كفا من تراب فسجد عليه، وقال: يكفيني هذا، وقيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: أبو لهب وفيهما نظر؛ لأنهما لم يقتلا، وقيل: عتبة بن ربيعة. قال المنذري: وما رواه البخاري أصح، وقول ابن بزيزة كان منافقا وهم. قال في النور: لأن النفاق إنما كان بالمدينة، انتهى. وقيل: إنه المطلب بن أبي وداعة، وهو باطل؛ لأنه صحابي أسلم في الفتح؛ والجمع بأنه لا مانع أنهم فعلوه جميعا بعضهم تكبرا وبعضهم عجزا لا يصح فالمانع موجود، وهو قول راوي الحديث الذي شاهده وهو ابن مسعود: فما بقي أحد إلا سجد إلا رجلا، فلقد رأيته قتل كافرا بالله، يعني يوم بدر.

لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير، وفشا ذلك في الناس، وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة، ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا معه صلى الله عليه وسلم، وقد أمن المسلمون بمكة، فأقبلوا سراعا من الحبشة.

_ "لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير" كما ارتضاه الحافظ لا خوفا من مخالفة المسلمين في ذلك المجلس؛ كما جوزه الكرماني إذ لا يظهر له وجه بل الظاهر العكس، انتهى. فرضوا وقالوا: قد عرفنا أنه يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس في البيت. "وفشا ذلك في الناس وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة و" بلغ "من بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمن المسلمون بمكة" من الأذى، فقال القوم: عشائرنا أحب إلينا، "فأقبلوا" حال كونهم "سراعا" أي: مسرعين، "من الحبشة" حتى إذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم عن قريش، فقالوا: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ ثم عاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر، فتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكة فندخل فننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله، ثم نرجع؛ فدخلوها ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود، فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى الحبشة؛ كذا في العيون. وروى ابن إسحاق عن صالح بن إبراهيم عمن حدثه عن عثمان بن مظعون أنه لما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة دخل مكة في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى المشركين يؤذون المسلمين وهو آمن رد عليه جواره، فبينما هو في مجلس لقريش وفد عليهم لبيد بن ربيعة قبل إسلامه فقعد ينشدهم من شعره، فقال لبيد: إلا كل شيء ما خلا الله باطل فقال عثمان، صدقت، فقال: وكل نعيم لا محالة زائل فقال: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: متى كان يؤذي جليسكم يا معشر قريش، فقام رجل منهم فلطم عثمان فاخضرت عينه، فلامه الوليد على رد جواره، فقال: قد كنت في ذمة منيعة، فقال عثمان: إن عيني الأخرى إلى ما أصاب أختها في الله لفقيرة، فقال له الوليد: فعد إلى جوارك، فقال: بل أرضى بجوار الله تعالى.

والغرانيق في الأصل: الذكور من طير الماء، وأحدها: غرنوق وغرنيق، سمي به لبياضه. وقيل: هو الكركي. والغرنوق أيضا: الشاب الأبيض الناعم. وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله، وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع. ولما تبين للمشركين عدم ذلك، رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه. وقد تكلم القاضي عياض -رحمه الله- في "الشفاء" على هذه القصة وتوهين أصلها بما يشفي ويكفي، لكن تعقب في بعضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

_ "والغرانيق" بغين معجمة المراد بها هنا الأصنام، وهي "في الأصل الذكور من طير الماء" وقيل: طير الماء مطلقا إذا كان أبيض طويل العنق، وهي جمع "واحدها غرنوق" بضم الغين والنون وكسر الغين وإسكان الراء وفتح النون، ذكرهما في النور. "وغرنيق" بضم المعجمة وفتح النون؛ كما في النور والقاموس. وفي الشامي: بكسر الغين وفتح النون، "سمي به لبياضه، وقيل: هو الكركي، والغرنوق أيضا الشاب الأبيض الناعم، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم" عنده كما في التنزيل: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، ونقل الحليمي في تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] ، أن مشركي العرب زعمت في اللات والعزى ومناة أنها بنات الله تقربهم له لسماعهم كلامها، وإنما كان يكلمهم شياطين الجن من أجوافها، "فشبهت" الأصنام "بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع" تشبيها بليغا بحذف الأداة أو استعارة بحذف المشبه، والأصل تلك آلهة مرتفعة كالغرانيق في ارتفاعها، فحذف المشبه واستعمل اسم المشبه به فيه بجامع الارتفاع فيهما: المعنوي للأصنام الحسي للطيور، "ولما تبين للمشركين عدم ذلك" الذي توهموه من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لآلهتهم حاشاه "رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه" من إيذائه وإيذاء أصحابه ولقي مهاجرو الحبشة منهم الأذى الشديد "وقد تكلم القاضي عياض في الشفاء على هذه القصة" لإشكالها إذ مدح إله غير الله كفر ولا يصح نسبته إلى نبي، فذكر لها محامل على تقدير الصحة. "و" تكلم على "توهين" تضعيف "أصلها" من جهة الرواة "بما يشفي ويكفي لكن تعقب في بعضه" وهو دعواه بطلانها، وفي بعض المحامل "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" قريبا.

وقال الإمام فخر الدين الرازي -مما لخصته من تفسيره- هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3] وقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] . وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون. وأيضا: فقد روى البخاري في صحيحه أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق. بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون ...

_ "وقال الإمام فخر الدين الرازي" نحو كلام عياض "مما لخصته من تفسيره: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها"، إلا مع بيان بطلانها كما هو شأن الموضوع. "قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ} بما يأتيكم به {عَنِ الْهَوَى} هوى نفسه، {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3] "، إليه "وقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] "، فإنه كان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من الوحي حتى يتكلم صلى الله عليه وسلم بأوله مخافة أن ينساه فأنزل الله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] ، رواه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عبس بإسناد ضعيف. "وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون" من الحذف والإيصال، أي: مطعون، أي: مقدوح فيهم، "وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه" وكذا مسلم عن ابن مسعود "أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق" فدل على خطأ من ذكرها "بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة" بهمزة قطع على غير قياس "حديث الغرانيق" فهذا دليل بطلانها من جهة الإسناد والرواية. "و" أما من جهة النظر فإنه "لا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه"، وعطف سببا على مسبب قوله: "وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون

كذلك. ويبطل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي والزيادة فيه. فبهذه الوجوه، عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. وقد قيل: إن هذه القصة من موضوع الزنادقة لا أصل لها. انتهى. وليس كذلك. بل لها أصل. فقد خرجها: ابن أبي حاتم، والطبري، وابن المنذر، من طرق عن شعبة عن ابن بشر، عن سعيد جبير.

_ كذلك" أي: مما ألقاه الشيطان على لسانه، "ويبطل قوله تعالى" أي: فائدة قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] "، أي: فلم تكن عاملا بالآية؛ إذ العمل بها تبليغ ما أنزل إليه، فلو زاد انتفى التبليغ؛ "فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي والزيادة فيه، فبهذه الوجوه" النقلية والعقلية "عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، وقد قيل: إن هذه القصة من موضوع الزنادقة لا اصل لها، انتهى". قال عياض: لا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين، ليلبس على ضعفاء المسلمين، انتهى. "وليس كذلك بل لها أصل" قوي "فقد خرجها ابن أبي حاتم" الحافظ، أو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، صاحب التصانيف الكثيرة الثقة، كان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال وزاهدا يعد من الأبدال، توفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وقد ناهز التسعين، "والطبري" محمد بن جرير البغدادي عالم الدنيا "و" محمد بن إبراهيم "ابن المنذر" النيسابوري نزيل مكة صاحب التصانيف الحافظ كان غاية في معرفة الخلاف والدليل فقيها مجهدا لا يقلد أحدا مات سنة تسع أو عشر أو ست عشرة أو ثمان عشرة وثلاثمائة، "من طرق عن شعبة" بضم المعجمة وسكون المهملة، ابن الحجاج الواسطي ثم البصري أمير المؤمنين في الحديث كان من سادات زمانه حفظا وإتقانا وورعا وفضلا، قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، ولد سنة اثنتين وثمانين ومات بالبصرة سنة ستين ومائة. "عن أبي بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشية بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وشد التحتية، اسمه إياس بالكسر وخفة التحتية، الواسطي الثقة من رجال الصحيح توفي سنة ربع أو خمس أو ست وعشرين ومائة، "عن سعيد بن جبير"، التابعي المشهور

وكذا ابن مردويه، والبزار، وابن إسحاق في السيرة، وموسى بن عقبة في المغازي، وأبو معشر في السيرة. كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وأنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وهذا متعقب بما سيأتي: وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام والحافظ أبو الفضل العسقلاني فال: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم،...............

_ المقتول ظلما، "وكذا" خرجها الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى "ابن مردوديه" بفتح الميم وتكسر، كما مر. "والبزار" الحافظ العلامة الشهير أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، "وابن إسحاق" محمد "في السيرة وموسى بن عقبة" بالقاف ابن أبي عياش القرشي مولاهم المدني التابعي الصغير الثقة الثبت الحافظ الفقيه، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة "في المغازي" له التي كان تلميذه ملك إذا سئل عنها، قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتاب موسى مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره، رواه الخطيب. "وأبو معشر" بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم السندي، قال أحمد: صدوق لا يقيم الإسناد، وابن معين ليس بالقوي، وابن عدي يكتب حديثه مع ضعفه، مات سنة سبعين ومائة. "في السيرة" وقد قال مغلطاي: أبو معشر من المعتمدين في السير "كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال" ابن كثير "إن طرقها كلها مرسلة وإنه لم يرها مسندة" أي: موصولة، "من وجه صحيح وهذا متعقب بما سيأتي" قريبا من إخراج جماعة لها عن ابن عباس، وجوابه: أنه قيد عدم رؤيته بالصحة والآتي لم يبلغها فلا يتعقب به، "وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ السلام والحافظ أو الفضل" أحمد بن علي بن حجر "العسقلاني، فقال: أخرج ابن أبي حاتم" الحافظ الكبير ابن الحافظ الشهير. "والطبري" محمد بن جرير "وابن المنذر" بضم الميم وإسكان النون وكسر المعجمة ثم راء، "من طرق عن شعبة" ابن الحجاج بن الورد وليس الثقفي الظالم، "عن أبي بشر" جعفر بن إياس "عن سعيد بن جبير" تقدم الستة قريبا "قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم" في رمضان سنة خمس من المبعث، وكان خروج أهل الحبشة إليها في رجب وقدومهم في شوال، قاله الواقدي.

فلما بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] الآية. وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب، ثم ساق الحديث. وقال البزار: لا يروي متصلا إلا بهذا الإسناد. وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور. قال: إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انتهى، والكلبي متروك لا يعتمد عليه.

_ قال في النور: فهذا تباين لكن يحتمل أنه تحدث بذلك قبل وقوعه وفيه ما فيه، انتهى. وقد يقال: لا تباين؛ لأن الحبشة باليمن كما مر، فيمكن وصول الخبر في تلك المدة ولا سيما البحر قد يقطع فيه مسافات كثيرة في أيام قليلة، "فلما بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19، 20] ، ألقى الشيطان على لسانه، تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد" لما ختم السورة "وسجدوا" معه وكبر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم "فنزلت هذه الآية" تسلية له {وَمَا أَرْسلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] ، أي: في قراءته بين كلمات القرآن "الآية" أتلها "وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد" ابن الأسود العنسي، أبي عبد الله البصري، مات سنة مائتين أو وإحدى "عن شعبة، فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب" أي: أظن، "ثم ساق الحديث" المذكور. "وقال البزار" عقب تخريجه "لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور" أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، مع كون سعيد لم يجزم بوصله إنما ظنه كما علم، "وقال" البزار أيضا "إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح" باذان بنون أو باذام بميم وذاله معجمة عن مولاته أم هانئ وعلي وعنه السدي وغيره، أخرج له أصحاب السنن، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وفي التقريب: إنه مقبول "عن ابن عباس، انتهى". "والكلبي" وهو محمد بن السائب "متروك لا يعتمد عليه"، بل قال ابن الجوزي إنه من كبار الوضاعين، وشيخه أبو صالح فيه مقال، وقال ابن حبان يروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن

وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي. وذكرها ابن إسحاق في السيرة مطولا، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب الزهري. وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وأورده من طريقه الطبري. وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي. ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب............

_ عباس، التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت الأرض أفلاذ كبدها لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به، "وكذا أخرجه النحاس" الحافظ الإمام الصدوق أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى المصري نزيل نيسابور ذو الرحلة الواسعة والمعرفة الجيدة، روى عنه الحاكم، وقال: حافظ يتحرى الصدق في مذاكراته مات سنة ست وسبعين وثلاثمائة عن خمس وثمانين سنة "بسند آخر فيه الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني الذي استقر الإجماع على وهنه؛ كما في الميزان. "وذكرها ابن إسحاق في السيرة" ذكرا "مطولا وأسندها عن محمد بن كعب" القرظي "وكذلك" ذكرها "موسى بن عقبة في المغازي عن" شيخه "ابن شهاب" محمد بن مسلم "الزهري" "وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي" بضم القاف وفتح الراء وظاء معجمة نسبة إلى بني قريظة، نزل الكوفة مدة ثقة عالم ولد سنة أربعين، ووهم من قال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم يثبت في سبي قريظة، مات محمد سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك. "ومحمد بن قيس" شيخ أبي معشر ضعيف، ووهم من خلطه بمحمد بن قيس المدني القاص الثقة؛ كما في التقريب. "وأورده من طريقه" أي: أبي معشر، "الطبري" محمد بن جرير "وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط" بن نصر الهمداني بسكون الميم، قال في التقريب: صدوق كثير الخطأ يغرب "عن السدي" بضم السين وشد الدال المهملتين إسماعيل بن عبد الرحمن "ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب" قال البخاري والنسائي وأبو حاتم: متروك، وابن المديني ذهب حديثه، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ في الصناعة أنها موضوعة، وقال زكريا الساجي: كانت كتبه ملأى من الكذب، وقال

عن يحيى بن كثير، عن الكلبي عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة وعن سليمان التيمي عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس. وأوردها الطبري أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناهم كلهم في ذلك واحد. وكلها سوى طريق................

_ أبو داود: هو صدوق فيما قد روى، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب، وجمع الحافظ في الأمالي بأنه كان لا يتعمد الكذب بل يقع ذلك في روايته من غلطه وغفلته، ولذا تركوه. "عن يحيى بن كثير" أبي النضر ضعيف "عن الكلبي عن أبي صالح" البصري اشتهر بكنيته ومراسمه "وعن أبي بكر الهذلي" قيل: اسمه سلمى بضم السين المهملة ابن عبد الله، وقيل: روح الأخباري متروك الحديث؛ كما في التقريب مات سنة سبع وستين ومائة، روى له ابن ماجه. "وأيوب" بن كيسان البصري التابعي الصغير، قال فيه شعبة: أيوب سيد الفقهاء ما رأيت مثله، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا حجة عدلا جامعا، ولد سنة أربع وستين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، ويقال له السختياني: بفتح المهملة على الصحيح وحكى ضمها وكسرها وفتح الفوقية؛ كما في اللباب، وكرها كما في المطالع نسبه إلى بيع السختيان، هو الجلد أو إلى عمله. "عن عكرمة" بن عبد الله البربري ثم المدني مولى ابن عباس أحد الأعلام الكبار، كان بحرا من البحار ونسبته للكذب على سيده أو البدعة أو سوء العقيدة لا تثبت، كما بسطه الحافظ في مقدمة الفتح مات سنة ست أو سبع ومائة. "و" رواه ابن مردويه أيضا عن "سليمان" بن بلال "التيمي" مولاهم المدني أحد علماء البصرة، قال ابن سعد: كان بربريا جميلا حسن الهيئة عاقلا ثقة كثير الحديث، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. "عمن حدثه ثلاثتهم" يعني أبا صالح وعكرمة والذي حدث سليمان "عن ابن عباس وأوردها الطبربي من طريق العوفي" بسكون الواو وبالفاء عطية بن سعد بن جنادة بجيم مضمومة فنون خفيفة، الجدلي بفتح الجيم والمهملة الكوفي أبي الحسن: صدوق شيعي مدلس يخطئ كثيرا؛ إلا أن الترمذي يحسن حديثه خصوصا مع الشاهد وهذا له شواهد كما ترى، مات سنة إحدى عشرة ومائة، أخرج له أبو داود والنسائي والترمذي وتجويز أن المراد سليمان بن يحيى قاضي مرو؛ لأنه يروي عن ابن عباس وابن عمر مردود، فقد جزم في الأنساب من التقريب بأن العوفي عطية بن سعد. "عن ابن عباس ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكلها" أي: كل طريق منها "سوى طريق

سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا. مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح. أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فذكر نحوه. والثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.

_ سعيد بن جبير، إما ضعيف، وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا" وإن كان فيها ذلك "مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح أحدهما" أي: الطريقين، والطرق يذكر ويؤنث "ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد" بتحتية وزاي، الأيلي الحافظ روى عن الزهري ونافع وغيرهما، وعنه الليث وابن وهب والأوزاعي وخلق، مات بمصر سنة سبع وخمسين ومائة على الصحيح، روى له الجميع ووثقه الجمهور مطلقا حتى بالغ أحمد بن صالح، فقال: لا نقدم على يونس في الزهري أحدا، "عن" محمد بن مسلم "بن شهاد" الزهري العلم الشهير، قال: "حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام" بن المغيرة المخزومي المدني الثقة أحد الفقهاء السبعة التابعي الكبير، كثير الحديث من سادات قريش، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه وكنيته واحد، ولد في خلافة عمر، ومات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، "فذكر نحوه" وهذا رجاله على شرط الشيخين. "والثاني: ما أخرجه" ابن جرير" أيضا من طريق المعتمر بن سليمان" بن طرخان التيمي الثقة الحافظ البصري المتوفى بها سنة سبع وثمانين ومائة، روى له الستة. "وحماد بن سلمة" بفتحات ابن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات العابد الزاهد الحافظ مجاب الدعوة، كان يعد من الأبدال تزود سبعين امرأة، فلم يولد له؛ لأنه لا يولد للبدل، احتج به مسلم والأربعة والبخاري في التاريخ وعلق له في الصحيح، قال الحافظ: ولم يخرج له فيه احتجاجا ولا مقرونا ولا متابعة إلا في موضع واحد في الرقاق؛ لأنه ساء حفظه في الآخر، مات سنة سبع وستين ومائة. "كلاهما عن داود بن أبي هند" القشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمد، ثقة متقن أخرج له مسلم والأربعة مات سنة أربعين ومائة، فهذا على شرط مسلم. "عن أبي العالية" بمهملة وتحتية، رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران الرياحي براء وتحتية ومهملة، البصري التابعي الكبير أسلم

قال الحافظ ابن حجر: وقد تجرأ ابن العربي -كعادته- فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه. وكذا قول القاضي عياض: "هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده". وكذا قوله: "ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية".

_ بعد الوفاة النبوية بسنتين، وقيل فيه: ليس بعد الصحابة أعلم منه بالقرآن مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث، وقيل غير ذلك. "قال الحافظ ابن حجر" أيضا إذ ما قبله كلامه: "وقد تجرأ ابن العربي" الحافظ المتجر في العلوم محمد بن عبد الله بن أحمد الإشبيلي المالكي القاضي، يكنى أبا بكر، له التصانيف الحسنة والمناقب الجمة والرحلة إلى عدة بلاد في طلب العلوم، توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. "كعادته" في التجرؤ "فقال: ذكر الطبري" يعني ابن جرير "في ذلك روايات كثيرة" باطلة؛ كما في الفتح عنه قبل طوله "لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه" لكثرة الطرق مع المراسيل الثلاثة الصحيحة، "وكذا قول القاضي عياض" في الشفاء "هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم" أي: سالم من الطعن فيه، "متصل" قال: وإنما أولع به ويمثله المفسرون والمؤرخون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون. "مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده" واختلاف كلماته، فقائل تقول في الصلاة وآخر في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول بل حدث نفسها فسها، وآخر قالها الشيطان على لسانه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فلما بلغ النبي ذلك، قال: "والله ما هكذا أنزلت"، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، "وكذا قوله" أي: ياض عقب ما زدته منه "ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين" كالزهري وابن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن "والمفسرين" كابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، "لم يسندها أحد منهم" إلى النبي صلى الله عليه وسلم "ولا رفعها إلى صاحب" من أصحابه "وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية" ساقطة غير مرضية.

قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره، إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله. "ثم رده من طريق النظر: بأن ذلك لو وقع لارتد كثير من أسلم. قال: ولم ينقل ذلك". انتهى. وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل على أن لها أصلا. وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل، وكذا من لا يحتج بها الاعتضاد. وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فإن..........

_ "قال" ابن عياض "وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق" شعبة عن "أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله" من سعيد، وهو قوله: عن ابن عباس فيما أحسب، قال: ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال القاضي: وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار، انتهى كلامه في الشفاء. قال شارحه: وفي قوله: لقوة ضعفه طباق بديع جدا فهذا رده من حيث الإسناد، "ثم رده" أي: عياض، "من طريق النظر" أي: الفكر الصادر عن عقل سليم مستقيم "بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم" أنهم إذا سمعوه مع قرب عهدهم بالإسلام اعتقدوا في الأصنام النفع فيميلون لها، "قال: ولم ينقل ذلك، انتهى". قال الحافظ ابن ججر: "وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها" جمع مخرج، أي: محل خروجها "دل ذلك على أن لها أصلا" إذ يبعد اتفاق طوائف متباينين على ما لا أصل له، "وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح" ولو لأحدهما وهي طريق ابن جبير وطريق أبي بكر بن عبد الرحمن وطريق أبي العالية، "وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل" لصحتها "وكذا من لا يحتج بها الاعتضاد" بعضها ببعض فحصلت لها القوة فقامت بها الحجة عند الفريقين "وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فإن

ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته. وقد سلك العلماء في ذلك مسالك: فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم الله بذلك أحكم آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة. ورده القاضي عياض: بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم. وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره. ورده ابن العربي..........................

_ ذلك لا يجوز" أي: يحرم بإجماع "حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه" كيف؟ وقد قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} [الحاقة: 44] إلخ. وقال: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ} الآية، "وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته" وهذا يؤذن بجواز زيادته على ما في القرآن سهوا، إن وافق ما جاء به من التوحيد وفيه ما فيه، فلا يقع منه ذلك ولا سهوا وإجماعا حكاه عياض وغيره "وقد سلك العلماء في ذلك مسالك" عبر عن تلبسهم بالأجوبة المختلفة بالدخول في الطرق المختلفة مجازا، إذ سلوك الطريق الدخول فيه والمسالك الطرق التي يدخل فيها، وقد أنصف في الشفاء، حيث قال: وأجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة، منها الغث والسمين. "فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته" أي: عرضت له، "سنة" فتور مع وائل النوم قبل الاستغراق فيه، "وهو لا يشعر، فلما علم الله" أظهر علمه للناس "بذلك أحكم آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة" ونقله عياض عنه وعن مقاتل، "ورده القاضي عياض بأنه لا يصح" وقوعه منه "لكونه لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم" ولذا احتاجوا للجواب عن نومه في الوادي، وأجاب شارح الهمزية بأن هذا لا يثبت له الولاية عليه؛ غاية الأمر أن الشيطان لما رآه أصابته تلك السنة حكى قراءته بصوت يشبه صوته، ودفعه شيخنا بأن عياض لم يرد بالولاية عليه السلطنة، بحيث يصير فاعلا لما أمره به، بل مراده بنفي الولاية أنه لا تسلط له عليه في شيء مما يريد فعله بوجه ما، أعم من أن يكون بحمله موافقته أو بحكاية شيء عنه على وجه الكذب والبهتان. "وقيل: إن الشيطان ألجاه إلى أن قال ذلك بغير اختياره ورده" محمد "ابن العربي بقوله

بقوله تعالى، حكاية عن الشيطان: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} الآية [إبراهيم: 22] ، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة. وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك، فعلق ذلك بحفظه صلى الله عليه وسلم فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا. وقد رد ذل القاضي عياض فأجاد. وقيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار. قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائز. وإلى هذا نحا الباقلاني.

_ تعالى حكاية عن الشيطان: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} [إبراهيم: 22] الآية، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة" لأنه إذا قدر على إلجائه، وحاشاه من ذلك فما الناس بعده، فهذا الجواب أقبح من القصة. "وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك فعلق ذلك" بكسر اللام، أي: تعلق "بحفظه صلى الله عليه وسلم فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا، وقد رد ذلك القاضي عياض، فأجاد" حيث قال: هذا إنما يصح فيما لم يغير المعاني ويبدل الألفاظ، وزيادة ما ليس من القرآن؛ بل الجائز عليه السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة، ولكنه لا يقر عليه بل ينبه عليه ويذكر به للحين، انتهى. "وقيل: لعله" صلى الله عليه وسلم "قال ذلك توبيخا للكفار" كقول إبراهيم: هذا ربي على أحد التأويلات، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت، وبيان الفصل بين الكلامين ثم رجع إلى تلاوته، "قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد" مع بيان الفصل، وأنه ليس من المتلو "ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا" لفظ عياض، ولا يعترض هذا بما روي أنه كان في الصلاة، فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع. "وإلى هذا نحا" مال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب "الباقلاني" البصري ثم البغدادي الملقب بشيخ السنة ولسان الأمة الأصولي الأشعري المالكي مجدد الدين على رأس المائة الرابعة على الصحيح؛ كما قال الزناتي في طبقات المالكية. وفي الديباج: انتهت إليه رئاسة المالكية في وقته، وكان حسن الفقه عيم الجدل، وكان له بجامع المنصور حلقة عظيمة،

وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} خشى المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم على عادتهم في قولهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك. أو المراد بالشيطان شيطان الإنس. وقيل المراد بالغرانيق العلى، الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله، ويعبدونها، فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك،

_ وحدث عنه أبو ذر، وتوفي يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأوربعمائة "وقيل: أنه لما وصل إلى قوله: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 20] ، خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به" كعادته إذا ذكرها "فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم على عادتهم في قولهم: لا تسمعوا لهذا القرآن" إذا قرأ "والغوا فيه" أظهروا اللغو برفع الأصوات تخليطا وتشويشا عليه بما يشغل عنه الخواطر لعجزهم عن مثله؛ زاد في الشفاء وأشاعوا ذلك وأذاعوه، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم من كذبهم عليه فسلاه الله بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ} الآية [يوسف: 109] ، [الأنبياء: 25] ، وبين للناس الحق من ذلك الباطل، وحفظ القرآن وأحكم آياته ودفع ما ليس به العدو؛ كما ضمنه قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} الآية [الحجر: 9] . "ونسب ذلك للشيطان" إبليس "لكونه الحامل لهم على ذلك" كما جزم به عياض، "أو المراد بالشيطان شيطان الإنس" أي: جنسه، قال شيخنا: وهذا الجواب أقرب الأجوبة فيما ينبغي، وإن قال في شرح الهمزية: إنه تعسف. "وقيل المراد" واستظهره عياض، والمراد: "بالغرانيق العلا الملائكة" كما قاله الكلبي بناء على رواية مجاهد، والغرانقة العلا؛ كما قال عياض، لا على رواية تلك: لأنه لم يتقدم للملائكة ذكر حتى يرجع إليه اسم الإشارة. "وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله ويعبدونها" قال: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19، 20] والغرانقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى؛ "ليرد عليهم بقوله: {لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} [النجم: 21] ، فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع" جهلا أو عنادا أو تلبيسا، "وقالوا: قد عظن آلهتنا ورضوا بذلك" مع أنه إنما يعود الغرانقة أي: الملائكة؛ لأن استعارة الطير لهم أظهر من استعارة الأصنام.

فنسخ الله تينك الكلمتين وأحكم آياته. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكته من تلك السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله، وأشاعها. وقال: وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما ورد عن ابن عباس في تفسير "تمنى" بـ"تلا". وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال: معنى قوله: في أمنيته، أي في تلاوته، فأخبر الله تعالى أن سنة الله في رسله، إذا قالوا....

_ قال عياض: ورجاء الشفاعة منهم صحيح "فنسخ الله تينك الكلمتين" اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للتلبيس، وهما: والغرانقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى، عبر عنهما بالكلمتين مجازا من تسمية الكل باسم الجزء، "وأحكم آياته" كما نسخ كثير من القرآن، وكان في كل من إنزالهما ونسخهما حكمة ليضل به من يشاء ويهدي من يشاء، وما يضل به إلا الفاسقين، وليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد، وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، ذكره القاضي عياض. "وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن" ترتيلا ويفصل الآيات تفصيلا في قراءته، كما رواه عنه الثقات "فارتصده الشيطان في سكتة من تلك السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمة" أي: صوت "النبي صلى الله عليه وسلم" والنغمة في الأصل الصوت الخفي؛ كما في القاموس. "بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله" أي: مما تلاه من القرآن، "وأشاعها" ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل على ما أنزلت وتحققهم حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان، بل حكى ابن عقبة أن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم، ويكون حزنه صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة، وسبب هذه الفتنة، ذكره عياض مريدا به بيان القرينة القائمة على أنه ليس من قوله ولا مما أوحي إليه، فسقط الاعتراض عليه بأنه لا سبيل للشيطان عليه حتى يتمكن من إدخاله في كلامه ومتلوه ما ليس منه. "وقال" أي: عياض ما معناه "وهذا أحسن الوجوه" وهو الذي يظهر ويترجح، "ويؤيده ما ورد عن ابن عباس في تفسير تمني بتلا" قال تعالى: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] ، أي: تلاوة، "وكذا استحسن ابن العربي" الحافظ محمد "هذا التأويل، وقال: معنى قوله في أمنيته، أي: في تلاوته فأخبر الله تعالى أن سنة الله في رسله" عليهم الصلاة والسلام "إذا قالوا

قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. وقد سبق إلى ذلك الطبري، مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر، فصوب هذا المعنى. انتهى.

_ قولا زاد الشيطان فيه من قبل"، بكسر ففتح جهة "نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" حتى يحتاج للعذر بشيء مما سبق، "وقد سبق" عياضا وابن العربي "إلى ذلك" أبو جعفر بن جرير "الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه" بحيث قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم منه. وقال الخطيب: كان أحد الأئمة يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، حافظا للقرآن بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين بصيرا بأيام الناس وأخبارهم، له تاريخ الإسلام والتفسير الذي لم يصنفه مثله. "وشدة ساعده في النظر" وله في الأصول والفروع كتب كثيرة، وعده السيوطي في العشرة الذين دونت مذاهبهم وكان لهم أتباع يفتون بقولهم ويقضون، ولم ينقرضوا إلا بعد الخمسمائة لموت العلماء، لكن قال ابن فرحون في الديباج: انقطعت أتباع الطبري بعد الأربعمائة. "فصوب هذا المعنى، انتهى" كلام فتح الباري في التفسير، وكذا ارتضاه الإمام الرازي، وقال: إنه الجواب السديد، واختاره أيضا في المواقف والمدارك والأنوار وغيرها، والله أعلم.

الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة

"الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة": ثم هاجر المسلمون الثانية إلى أرض الحبشة وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم،.........

_ الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة: "ثم هاجر المسلمون" الهجرة "الثانية إلى أرض الحبشة" بإذنه صلى الله عليه وسلم؛ كما في رواية: لما استقبلوهم حين رجعوا بالأذى والشر، فرجع الأولون ومعهم خلق سواهم، "وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم" فقد شك فيه ابن إسحاق، وقال السهيلي: الأصح عند أهل السير كالواقدي وابن عقبة وغيرهما أنه لم يكن فيهم، انتهى. وجزم في الاستيعاب بهجرته،

وثماني عشرة امرأة. وكان منهم عبيد الله بن جحش مع امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فتنصر هناك................

_ وكلام العيون كما في النور يقتضي اختياره؛ لأنه قال في تعدادهم: وعمار بن ياسر، وفيه خلاف، وقيل: إن أبا موسى كان فيهم، وليس كذلك، ولكنه خرج في طائفة من قومه إلى أرضهم باليمن يريدون المدينة فركبوا البحر فرمتهم الريح إلى الحبشة فأقام هناك حتى قدم مع جعفر، انتهى. وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود: بعثنا صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا فيهم ابن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى الأشعري ... الحديث. واستشكل ذكر أبي موسى؛ لأن الذي في الصحيحين عنه: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب قأقمنا معه حتى قدمنا المدينة فوافتنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، فقال: "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان"، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن موسى هاجر أولا إلى مكة، فأسلم، فبعثه صلى الله عليه وسلم مع من بعث إلى الحبشة، فتوجه إلى بلاد قومه وهم مقابل الحبشة من الجانب الشرقي، فلما تحققوا استقراره صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، هاجر هو ومن أسلم من قومه إلى المدينة فألقتهم السفينة لأجل هيجان الريح إلى الحبشة، فهذا محتمل وفيه جمع بين الأخبار، فليعتمد. وعلى هذا فقول أبي موسى بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، أي: إلى المدينة لا بلغنا مبعثه؛ لأنه يبعد كل البعد أن يتأخر علم مبعثه إلى مضي نحو عشرين سنة، ومع الحمل على مخرجه إلى المدينة فلا بد من زيادة استقراره بها وانتصافه ممن عاداه ونحو ذلك؛ إذ يبعد أيضا أن يخفي عنهم خبر خروجه إلى المدينة ست سنين، ويحتمل أن إقامة أبي موسى بالحبشة طالت لتأخر جعفر عن الحضور إلى المدينة حتى يؤذنه صلى الله عليه وسلم بالقدوم، وذكر ابن مظعون فيهم، وإن كان مذكورا في الأولى؛ لأنهم رجعوا معهم، كما ذكره ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما. "وثماني عشر امرأة" إحدى عشرة قرشيات وسبع غرباء؛ كما في العيون، فالجملة مائة أو واثنان إن عد عمار وأبو موسى، قال ابن إسحاق: فلما سمعوا بمهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا وثمان نسوة، فمات منهم رجلان بمكة وحبس سبعة وشهد منهم بدرا أربعة وعشرون. "وكان منهم: عبيد الله" بضم العين "ابن جحش" أخو عبد الله بفتح العين المستشهد بأحد "مع امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان فتنصر هناك" روى ابن سعد عنها: رأيت في المنام كان زوجي عبيد الله بأسوأ صورة ففزعت فأصبحت فإذا به قد تنصر فأخبرته بالمنام

ثم مات على دين النصرانية. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان سنة سبع من الهجرة إلى المدينة، وهي بالحبشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني عند ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم. وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه مهاجرا إلى الحبشة....

_ فلم يحفل به وأكب على الخمر حتى مات، فأتاني آت في نومي، فقال: يا أم المؤمنين! ففزعت فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن فإذا هي جارية يقال لها: أبرهة، فقالت: إن الملك يقول لك: وكلي من يزوجك، فوكلت خالد بن سعيد بن العاصي.. الحديث، "ثم مات على دين النصرانية، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة" رملة على الأصح، وقيل: هند اشتهرت بابنتها حبيبة من عبيد الله المذكور، وهي صحابية ربيبة المصطفى اختلف هل ولدت بمكة أو الحبشة، "بنت أبي سفيان" صخر بن حرب رضي الله عنه "سنة سبع من الهجرة إلى المدينة" متعلق بالهجرة "وهي بالحبشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني عند ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم" وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود، قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية فقدما على النجاشي فدخلا عليه وسجدا له وابتدراه، فقعد واحد عن يمينه والآخر على شماله، فقالا: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا، قال: وأين هم؟ قال: هم بأرضك، فأرسل في طلبهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه فدخل فسلم فقالوا: ما لك لا تسجد للملك؟ فقال: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل، قالوا: ولم ذلك؟ قال: إن الله أرسل فينا رسولا وأمرنا أن لا نسجد إلا لله، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو: فإنهم يخالفونك في ابن مريم وأمه، قال: فما تقول فيهما؟ قال: نقول كما قال الله تعالى: {رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يعرضها ولد، فرفع النجاشي عودا من الأرض، فقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيد على ما تقولون أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضئه، وقال: انزلوا حيث شئتم، وأمر بهدية الآخرين فردت عليهما؛ وتعجل ابن مسعود فشهد بدرا. وفي رواية: فقال النجاشي: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه رسول الله، وتوفي النجاشي بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة؛ كما ذكره البيهقي في الدلائل. "وخرج أبو بكر الصديق" كما في الصحيح عن عائشة: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولا يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر "رضي الله عنه مهاجرا إلى الحبشة" ليلحق من سبقه من المهاجرين

حتى بلغ برك الغماد، ورجع في جوار سيد القارة، ابن الدغنة -بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة، وتخفيف النون. وبضم الدال وتشديد النون-.............

_ إليها "حتى بلغ برك" بفتح الموحدة وحكى كسرها وسكون الراء فكاف، "الغماد" بكسر المعجمة على المشهور ومن الروايات وجزم ابن خالويه بضمها، وخطأ الكسر، وجوز أبو عبيد وغيره الضم والكسر، والقزاز وغيره الفتح أيضا، وذكره ابن عديس في المثلث، وأغرب من حكى إهمال العين وميم خفيفة فألف فدال مهملة، قال الحازمي: موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن. وقال البكري: هي أقاصي هجر، وقال الهمداني: في أقصى اليمن، قال الحافظ: والأول أولى، انتهى. وعورض هذا بما رواه ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة: استأذن أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرا حتى إذا سار يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة. الحديث، وسنده حسن أو صحيح، وبين برك الغماد وبين يوم أو يومين تباين كثير، وجمع بأنها لم تعن المكان المخصوص بل مكانا بعيدا، فإنها تقال فيما تباعد كسعفان وهجر وحوض الثعلب، أو أرادت حتى بلغ أقصى المعمور من مكة، فإن برك الغماد فسرت بذلك أو حديث الصحيح فيه زيادة، فيؤخذ بها. "ورجع في جوار سيد القارة" بقاف وراء خفيفة قبيلة مشهورة من بني الهون بضم الهاء والتخفيف، ابن خزيمة من مدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا حلفاء بني زهرة من قريش ويضرب بهم المثل في قوة الرمي، قال الشاعر: قد أنصف القارة من راماها "ابن الدغنة" قال في النور: لا أعلم له إسلاما، "بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون" كما نسبه الحافظ للرواة، وقال: قال الأصيلي: قرأه لنا المروزي بفتح الغين والصواب الكسر. "وبضم الدال والغين وتشديد النون" عند أهل اللغة وبه رواه أبو ذر في الصحيح، ولذا قال النووي: روي بهما في الصحيح، وفي الفتح: ثبت بالتخفيف والتشديد من طريق وهي أمه، وقيل أم أبيه، وقيل: دايته، وقيل: لاسترخاء كان في لسانه، ومعنى الدغنة المسترخية وأصلها الغمامة الكثيرة المطر، واختلف في اسمه: فعند البلاذري من طريق الواقدي عن معمر عن الزهري أنه الحارث بن يزيد حكى السهيلي أنه مالك، وقول الكرماني سماه ابن إسحاق ربيعة بن ربيع وهم، فالذي ذكره ابن إسحاق شخص غير هذا سلمي، وهذا من القارة وأيضا إنما ذكره في غزوة حنين وأنه صحابي ولم يذكر في قصة الهجرة وكان رجوعه بطلب ابن الدغنة، ففي الصحيح خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في

يعبد ربه في داره، وابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، ويعجبون منه. وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فقالوا............

_ الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا تخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف عشية في أشراف قريش، فقال: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا له: مر أبا بكر، فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك "يعبد ربه في داره" ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. قال الحافظ: ولم يقع لي بيان المدة التي أقام فيها أبو بكر على ذلك، "وابتنى" لفظ عائشة: ثم بدا لأبي بكر فابتنى "مسجدا بفناء داره" بكسر الفاء وخفة النون والمد، أي: أمامها، "وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن" أي: ما نزل منه كله أو بعضه، "فيتقصف" بتحتية ففوقية فقاف فصاد مهملة ثقيلة مفتوحتين، أي: يزدحم "عليه نساء المشركين وأبناؤهم" حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر، قال الحافظ: وأطلق يتقصف مبالغة، يعني لأنهم لم يصلوا إلى هذه الحالة. وفي رواية المستملي والمروزي: ينقذف بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فقاف مفتوحة فذال معجمة مكسورة ففاء. قال الخطابي: ولا معنى له والمحفوظ الأول، إلا أن يكون من القذف أي يتدافعون فيقذف بعضهم بعضا بعضا فيتساقطون عليه فيرجع إلى معنى الأول، وفي رواية الكشميهني والجرجاني: فينقصف بنون ساكنة بدل الفوقية وكسر الصاد أي: يسقط، "ويعجبون منه وكان أبو بكر رجلا بكاء" بشد الكاف: كثير البكاء، "لا يملك عينيه" قال الحافظ: أي لا يطيق إمساكهما عن البكاء من رقة قلبه "إذا قرأ القرآن" إذا ظرفية والعامل فيه لا يملك أو شرطية والجزاء مقدر، "فأفزع ذلك" أي: أخاف ما فعله أبو بكر "أشراف قريش من المشركين" لما يعلمونه من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا إلى الإسلام. قال في الرواية: فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، "فقالوا" إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة

إنا قد خسينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك. فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله الحديث رواه البخاري. ثم قام رجال في نقض الصحيفة،.............

_ والقراءة فيه، و"إنا قد خشينا أن يفتن" بفتح أوله أبو بكر "نساءنا وأبناءنا" بالنصب مفعول كذا رواه أبو ذر، ورواه الباقون يفتن بضم أوله: نساؤنا بالرفع على البناء للمجهول، قال الحافظ. "فانهه" عن ذلك "فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن فسله" بفتح السين وسكون اللام بلا همز نسب هذا الحافظ للكشميهني وصدر بقوله: فسأله بالهمز "أن يرد إليك ذمتك" أمانك له، "فإنا قد كرهنا أن نخفرك" بضم النون وسكون المعجمة وكسر الفاء، يقال: خفره إذا حفظه وأخفره إذا غدر، أي: نغدرك. قال في الرواية: ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، قال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له "فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإني أرد إليك جوارك" بكسر الجيم وضمها وراء "وأرضى بجوار الله" عز وجل، أي: بحمايته، "الحديث، رواه البخاري" في باب الهجرة إلى المدينة مطولا وليس في بقيته غرض يتعلق بما هنا، فإنما أراد المصنف إفادة أن ما ذكره قطعة منه، ورواه البخاري أيضا في مواضع مختصرا، قال الحافظ: وفيه من فضائل الصديق أشياء كثيرة قد امتاز بها عمن سواه ظاهرة لمن تأملها، قال: وفي موافقة ابن الدغنة في وصف الصديق لخديجة فيما وصفت به النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على عظيم فضل الصديق واتصافه بالصفات البالغة في أنواع الكمال، انتهى. ونحوه في النور، وزاد: وفي الحديث: كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان، فسبقته إلى النبوة، وقد خلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر من طينة واحدة، "ثم" في السنة العاشرة أو التاسعة "قام رجال في نقض الصحيفة" التي كتبت على بني هاشم والمطلب أشدهم في ذلك صنيعا هشام بن عمرو بن الحارث العامري أسلم بعد ذلك -رضي الله عنه، وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوجها جده، وكان يصلهم في الشعب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاما فعلمت قريش، فمشوا إليه حين أصبح فكلموه، فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم،

فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على أن الأرضة أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا أسماء الله فقط،..........

_ فانصرفوا عنه ثم رد الثانية، فأدخل عليهم حملا أو حملين فغالظته قريش وهمت به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه رجل وصل أهل رحمه أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل لكان أحسن بنا، ثم مشى هشام إلى زهير بن أبي أمية وأسلم بعد وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت؟ فقال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع فإنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، فقال: أنا معك. فقال: ابغنا ثالثا ومشيا جميعا إلى المطعم بن عدي، فقالا له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد، فقالا: إنما أنا واحد، فقالا: أنا معك، فقال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري القاضي ابن هشام، فقال: ابغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بن الأسود فقعدوا ليلا بأعلى مكة وتعاقدوا على ذلك، فلما جلسوا في الحجر تكلموا في ذلك وأنكروه، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل وفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة ومزقوها وأبطلوا حكمها، وهذا ملخص ما ذكر ابن إسحاق. "فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على أن الأرضة" بفتح الهمز والراء والضاد المعجمة: دويبة صغيرة كالعدسة تأكل الخشيب، "أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا أسماء الله فقط" فيما ذكر ابن هشام، وأما ابن إسحاق وابن عقبة وعروة فذكروا عكس ذلك، وهو أن الأرضة لم تدع اسما لله إلا أكلته، وبقي ما يها من الظلم والقطيعة. قال البرهان، ما حاصله: وهذا أثبت من الأول فعلى تقدير تساوي الروايتين يجمع بأنهم كتبوا نسختين فأبقت في إحداهما ذكر الله وفي الأخرى خلافه، وعلقوا إحداهما في الكعبة والأخرى عندهم، فأكلت من بعضها اسم الله ومن بعضها ما عداه لئلا يجتمع اسم الله مع ظلمهم، انتهى. قال في الرواية: فذكر صلى الله عليه وسلم ذلك لعمه، فقال: أربك أخبرك بهذا، قال: "نعم"، قال: لا، والثواقب ما كذبتني قط، فانطلق في عصابة من بني هشام والمطلب حتى أتوا المسجد فأنكر قريش ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال أبو طالب: جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم فائتوا بها لعل أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها، فأتوا بها معجبين لا يشكون أنه صلى الله عليه وسلم يدفع إليهم فوضعوها بينهم، وقالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال: إنما أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله بعث

فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال عليه الصلاة والسلام. وكان ذلك في السنة العاشرة.

_ على صحيفتكم دابة فلم تترك فيها اسما لله إلا لحسته، وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان كما قال فأفيقوا فلا والله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم، فقالوا: رضينا، ففتحوها فوجدوها كما قال -صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا، والجمع بين هذا وبين ما مر من سعي رجال في نقضها باحتمال أنهم لما جلسوا في الحجر وتكالموا وافق قدوم أبي طالب وقومه عليهم بهذا الخبر، فزادهم ذلك رغبة فيما هم فيه. "فلما أنزلت لتمزق" اللام للعاقبة "وجدت كما قال عليه الصلاة والسلام" لا للتعليل فلا يرد أنها لم تنزل وقت سؤال أبي طالب لتمزق بل لينظر ما فيها فقط، وإن القائمين في نقضها لم يستندوا إلى أخباره -صلى الله عليه وسلم. وأجاب شيخنا: بأن إنزالها لتمزق كان بفعل المجتهدين لإنزالها لا لسؤال أبي طالب. "وكان ذلك في السنة العاشرة" من النبوة بناء على ما صدر به فيه ما مر أن إقامتهم بالشعب ثلاث سنين، أما على قول ابن سعد سنتين، فيكون في التاسعة، والله أعلم.

وفاة خديجة وأبي طالب

وفاة خديجة وأبي طالب: ولما أتت عليه -صلى الله عليه وسلم- تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما، مات عمه أبو طالب. وقيل: مات في شوال من السنة العاشرة. وقال ابن الجزار: قبل هجرته عليه الصلاة والسلام بثلاث سنين.

_ وفاة خديجة وأبي طالب: "ولما أتت عليه -صلى الله عليه وسلم- تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما" كما حرره بعض المتقنين "مات عمه أبو طالب" بعد خروجهم من الشعب في ثاني عشر رمضان سنة عشر من النبوة، "وقيل: مات" بعد ذلك بقليل، "في شوال من السنة العاشرة" متعلق بكل من القولين؛ كما علم "وقال ابن الجزار قبل هجرته عليه الصلاة والسلام بثلاث سنين" وهذا يأتي على كلا القولين قبله؛ لأنه إذا مات في ذلك كان قبلها بثلاث. وفي الاستيعاب: خرجوا من الشعب في أول سنة خمسين وتوفي أبو طالب بعده بستة أشهر فتكون وفاته في رجب. وفي سيرة الحافظ: مات في السنة العاشرة بعد خروجهم من الشعب بثمانية أشهر

وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول له عند موته: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فلما رأى أبو طالب حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: يابن أخي، لولا مخافة قريش أني إنما قلتها جزعا.........

_ وعشرين يوما، "وروي" مرضه لأن مجموع رواية ابن إسحاق ضعيف، فلا يرد أن صدر الحديث إلى قوله: فلما رأى أبو طالب صحيح، فقد أخرجه البخاري في الجنائز والتفسير وبابه قصة أبي طالب عن سعيد بن المسيب عن أبيه، أي: المسيب بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي، "أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول له عند موته" قبل الغرغرة "يا عم" وفي رواية: "أي عم"، وأي هنا لنداء القريب، "قل: لا إله إلا الله" أي: ومحمد رسول الله؛ لأن الكلمتين صارا كالكلمة الواحدة، ويحتمل أن يكون أبا طالب كان يتحقق أنه رسول الله، ولكن كان لا يقر بتوحيد الله ولذا قال في الأبيات النونية: ودعوتني وعلمت أنك صادق ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا فاقتصر على أمره له بقوله: لا إله إلا الله فإذا أقر بالتوحيد لم يتوقف على الشهادة له بالرسالة، قاله الحافظ. "كلمة" نصب بدل من مقول القول وهو لا إله إلا الله أو على الاختصاص، قال الطبيبي: والأول أحسن ويجوز الرفع، أي: هي كلمة "أستحل لك بها الشفاعة" وفي الوفاة أحاج، وفي الجنائز أشهد لك بها عند الله، قال الطيبي: مجزوم على جواب الأمرن أي: أن تقل أشهد. وقال الزركشي: في موضع نصب صفة كلمة. قال الحافظ: كأنه -صلى الله عليه وسلم- فهم امتناعه من الشهادة في تلك الحالة أنه ظن أن ذلك لا ينفعه لوقوعه عند الموت، أو لكونه لم يتمكن عن سائر الأعمال كالصلاة وغيرها، فلهذا ذكر له المحاجة، وأما لفظ الشهادة فيحتمل أن يكون ظن أن ذلك لا ينفعه إذا لم يحضره حينئذ أحد من المؤمنين مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فطيب قلبه بأنه يشهد له بها، فينفعه "يوم القيامة" والشفاعة لا تستلزم أن تكون عن ذنب، بل تكون على نحو رفع الدرجات في الجنة فلا يشكل بأن الإسلام يجب ما قبله، فأي ذنب يشفع فيه لو أسلم ويتعسف الجواب بأنها فيما يحصل من الذنوب بتقدير وقوعها، "فلما رأى أبو طالب حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم" على إيمانه "قال له يابن أخي، لولا مخافة" قول "قريش إني إنما قلتها جزعا" بجيم وزاي خوفا؛ كما نقله النووي عن جميع روايات المحدثين وأصحاب الأخبار، أو بخاء معجمة وراء مفتوحتين؛ كما قاله الهروي وثعلب وشمر

من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها، فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه فقال: يابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: لم أسمع. كذا في رواية ابن إسحاق أنه أسلم عند الموت. وأجيب بأن شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعد ما أسلم كانت مقبولة ولم ترد بقوله عليه الصلاة والسلام: "لم أسمع"، لأن الشاهد العدل إذا قال سمعت وقال من هو أعدل منه: لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع. ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم. مع أن الصحيح من الحديث قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك، كما رويناه في صحيح البخاري من حديث سعيد بن المسيب..........

_ واختاره الخطابي والزمخشري. قال عياض: ونبهنا غير واحد من شيوهنا على أنه الصواب، أي: خوارا وضعفا، وقال شمر دهشا "من الموت لقلتها" ولو قلتها "لا أقولها إلا لأسرك بها" لا إذعانا حقيقة حكمة بالغة "فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه، فقال: يابن أخي، والله لقد قال أخي الكملة التي أمرته بها" لم يصرح بها العباس؛ لأنه لم يكن أسلم حينئذ "فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لم أسمع" وثبت في نسخة زيادة: ولم يكن العباس حينئذ مسلما، وهي وإن صحت في نفسها لكنها ليست عند ابن إسحاق، "كذا في رواية ابن إسحاق" عن ابن عباس بإسناد فيه من لم يسم "أنه" أي: إفادة أنه "أسلم عند الموت" من قول العباس، لقد قال: لم يروه بلفظ أنه أسلم عند الموت كما توهم، فقد ساق ابن هشام في السيرة والحافظ في الفتح لفظه، وما فيه ذلك وبهذا احتج الرافضة ومن تبعهم على إسلامه. "وأجيب" كما قال الإمام السهيلي في الروض "بأن شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعد ما أسلم كانت مقبولة ولم ترد" شهادته "بقوله عليه السلام "لم أسمع لأن الشاهد العدل إذا قال: سمعت، وقال من هو أعدل منه: لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع" قال السهيلي لأن عدم السماح يحتمل أسبابا منع الشاهد من السمع، "ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم" فلا تقبل شهادته "مع أن الصحيح من الحديث قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك؛ كما رويناه في صحيح البخاري" في مواضع "من حديث سعيد بن المسيب" عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بن

حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "والله..............

_ المغيرة، فقال: "أي عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزد لإيراد أنه "حتى قال أبو طالب: آخر" تصب على الظرفية "ما كلمهم" وفي رواية: آخر شيء كلمهم به" على ملة عبد المطلب" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو وثبت ذلك في طريق أخرى، قاله الحافظ. قال السهيلي في الروض: ظاهر الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات مشركا، وحكى المسعودي فيه خلافا، وأنه قيل مات مسلما لما رأى من دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم، وعلم أنه إنما يبعث بالتوحيد، لكن روى البزار والنسائي عن عبد الله بن عمرو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة: وقد عزت قوما من الأنصار عن ميتهم: "لعلك بلغت معهم الكدي"، قالت: لا، قال: "لو كنت بلغته معهم الكدي ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك"، قال: وقد رواه أبو داود ولم يذكر فيه حتى يراها جد أبيك، وفي قوله: "جد أبيك"، ولم يقل جدك تقوية الحديث الضعيف إن الله أحيا أباه وأه وآمنا به، قال: ويحتمل أنه أراد تخويفهما بذلك؛ لأن قوله -صلى الله عليه وسلم- حق، وبلوغها معهم الكدي لا يوجب خلودا في النار، انتهى. لكن يؤيد القول بإسلامه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- انتسب إليه يوم حنين، فقال: أنا ابن عبد المطلب، مع نهيه عن الانتساب إلى الآباء الكفار في عدة أحاديث وإن كان حديث البخاري المذكور مصادقا قويا لا يوجد له تأويل قريب، والبعيد يأباه أهل الأصول، ولذا وقف السهيلي عن الترجيح. قال السيوطي: وخطر لي في تأويله وجهان بعيدان فتركتهما، وأما حديث النسائي فتأويله قريب. وقد فتح السهيلي بابه ولم يستوفه انتهى. قلت: التأويل وإن كان بعيدا لكنه قد يتعين هنا جمعا بينه وبين حديث البخاري عن أبي هريرة رفعه: بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه، وفي مسلم: واصطفى من قريش بني هاشم ومعلوم أن الخيرية والاصطفاء من الله تعالى والأفضلية عنده لا تكون مع الشرك. وفي التنزيل: ولعبد مؤمن خير من مشرك وقد أورده في الإصابة، أعني عبد المطلب، وقال: ذكره ابن السكن في الصحابة لما جاء عنه أنه ذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سيبعث؛ كما ذكروا بحيرا الراهب أنظاره ممن مات قبل البعثة، انتهى. "وأبى أن يقول لا إله الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "والله" وفي رواية مسلم: "أما والله" بزيادة، أما قال النووي بألف ودونها وكلاهما صحيح، قال ابن الشجري في أماليه: ما الزائدة للتوكيد ركبوها مع همزة الاستفهام واستعملوا مجموعهما عن وجهين، أحدهما: أن يراد به معنى حقا في قولهم، أما والله لأفعلن، والآخر أن يكون افتتاحا للكلام بمنزلة ألا كقولك: أما إن زيدا

لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113] .....

_ منطلق وأكثر ما تحذف الألف إذا وقع بعدها القسم ليدل على شدة اتصال الثاني بالأول؛ لأن الكلمة إذا بقيت على حرف لم تقم بنفسها فعلم بحذف ألف ما افتقارها إلى الاتصال بالهمز، انتهى. "لأستغفرن لك" كما استغفر إبراهيم لأبيه "ما لم أنه" بضم الهمزة وسكون النون مبني لمفعول، "عنك" أي: إن لم ينهني الله عن الاستغفار لك، "فأنزل الله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113] ، ما صح الاستغفار في حكم الله وحكمته من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، أي: ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك فهو كالعلة للمنع من الاستغفار ولا يشكل بأن براءة من أواخر ما نزل بالمدينة وهذه القصة قبل الهجرة بثلاث سنين؛ لأن هذه الآية مستثناة من كون السورة مدنية؛ كما نقله في الإتقان عن بعضهم وأقره فلا حاجة لتجويز أنه كان يستغفر له إلى نزولها؛ لأن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، ثم لفظ البخاري في التفسير: فأنزل الله بعد ذلك، فقال في الفتح الظاهر نزولها بعده بمدة لرواية التفسير، انتهى. وكأنه لم يقف على القول باستثنائها من كونها مدنية، فإن صح فلا يعارضه قوله بعد ذلك لكون المعنى بعد موته والاستغفار له بمكة أو بالمدينة فالبعدية محتملة، وأما قول السيوطي في التوشيح المعروف أنها نزلت لما زار -صلى الله عليه وسلم- قبر أمه واستأذن في الاستغفار لها، كما رواه الحاكم وغيره فتساهل جدالا يليق بمثله فإنها لا تعادل رواية الصحيح. وقد رد الذهبي في مختصر المستدرك تصحيح الحاكم بأن في إسناده أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين وتعجب السيوطي نفسه في الفوائد من الذهبي كيف أقر الحديث في ميزانه مع رده في مختصر المستدرك، قال وله علة ثانية وهي مخالفته للمقطوع بصحته في البخاري من نزلها عقب موت أبي طالب، ثم قال السيوطي بعد طعنه في جميع أحاديث نزولها في آمنة، فبان بهذا إن طرقه كلها معلولة، خصوصا قصة نزول الآية الناهية عن الاستغفار؛ لأنه لا يمكن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة في تقدم نزولها في أبي طالب، انتهى. وقد تقدم ذلك مبسوطا بما يشفي، ثم هذه الآية وإن كان سببها خاصا عامة في حقه وحق غيره، ولذا استشكل قوله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، وأجيب بأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة من الشرك حتى يغفر لهم بدليل رواية من روى: "اللهم اهدي قومي"، وبأنه أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من مسخ وخسف.

وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] . وفي الصحيح عن العباس أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح".

_ "وأنزل الله في أبي طالب" أيضا "فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ، هدايته أو لقرابة، أي: ليس ذلك إليك، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وإنما عليك البلاغ ولا ينافيه قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ؛ لأن الذي أثبته وأضافه إليه هداية الدعوة والدلالة والمنفي هداية التوفيق، "وفي الصحيح" للبخاري ومسلم "عن العباس، أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: إن أبا طالب كان يحوطك" بضم الحاء المهملة من الحياطة، وهي المراعاة وفي رواية: يحفظك، "وينصرك ويغضب لك" يشير إلى ما كان يرد به عنه من قول وفعل، وفيه تلميح إلى ما ذكره ابن إسحاق، قال: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، وكانت خديجة وزيرة صدق له على الإسلام يسكن إليها وكان أبو طالب له عضدا وناصرا على قومه فلما هلك نالت قريش منه من الأذى ما لم تطمع به في حياته، حتى اعترضه سفيه من سهاء قريش فنثر على رأسه ترابا، فحدثني هشام بن عروة عن أبيه، قال: فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيته، يقول: "ما نالتني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب"، ذكره في الفتح. "فهل ينفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح" بضادين معجمتين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة وأصله ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير للنار، قاله المصنف وغيره. وفي الفتح: هو من الماء ما يبلغ الكعب، ويقال أيضا: لما قرب من الماء وهو ضد الغمر والمعنى أنه خفف عنه العذاب، انتهى. زاد في رواية: "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، وصريح هذا الحديث أنه خفف عنه عذاب القبر في الدنيا، كما يومئ إليه كلام الحافظ ويوم القيامة يكون في ضحضاح أيضا؛ كما في الحديث الآتي، ففي سؤال العباس عن حاله دليل على ضعف رواية ابن إسحاق؛ لأنه كانت تلك الشهادة عنده لم يسأل لعلمه بحاله، وقد قال الحافظ: هذا الحديث لو كان طريقه صحيحة لعارضه هذا الحديث الذي هو أصح منه فضلا عن أنه لا يصح، ويضعف ما ذكره السهيلي أنه رأى في بعض كتب المسعودي أنه أسلم، لا أن مثل ذلك لا يعارض ما في الصحيح.

وفي الصحيح أيضا أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه". وفي روية يونس عن ابن إسحاق زيادة فقال: "يغلي منه دماغه حتى يسيل على قدميه". قال السهيلي: من باب النظر في حكمة الله تعالى، ومشاكلة الجزاء للعمل؛ أن أبا................

_ وروى أبو داود والنسائي وابن الجارود وابن خزيمة من علي لما مات أبو طالب، قلت: يا رسول الله! إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: "اذهب فواره"، قلت: إنه مات مشركا، قال: "اذهب فواره"، فلما واريته رجعت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، فقال لي: "اغتسل"، وفي الحديث جواز زيارة القريب المشرك وعيادته وأن التوبة مقبولة ولو في شدة مرض الموت حتى يصل إلى المعاينة فلا تقبل؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 85] ، وأن الكافر إذا شهد شهادة الحق نجا من العذاب؛ لأن الإسلام يجب ما قبله وأن عذاب الكفار متفاوت والنفع الذي حصل لأبي طالب من خصائصه ببركة النبي -صلى الله عليه وسلم، وقد قال: "إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب" رواه مسلم، انتهى ملخصا. "وفي صحيح" للبخاري ومسلم "أيضا" عن أبي سعيد الخدري "أنه -صلى الله عليه وسلم، قال": وذكر عنده عمه أبو طالب "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي" بفتح أوله وسكون المعجمة وكسر اللام، "منه دماغه" وفي رواية أم دماغه، أ: رأسه من تسمية الشيء بما يقاربه ويجاوره وقد صرح العلماء بأن الرجاء من الله ومن نبيه للوقوع، بل في النور عن بعض شيوخه: إذا وردت عن الله ورسله وأوليائه معناها التحقيق. "وفي رواية يونس" بن كبير الشيباني الحافظ، قال ابن معين: صدوق، وقال أبو داود: ليس بحجة لكن احتج به مسلم، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وعلق له البخاري قليلا. "عن ابن إسحاق زيادة، فقال: "يغلي منه دماغه حتى يسل على قديمه" واستشكل الحديث بقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] ، وأجاب البيهقي بأنه خص لثبوت الخبر، ولذا عد في الخصائص النبوية، والقرطبي بأن المنفعة في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث بالتخفيف، وقيل: يجوز أن الله يضع عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيهم تطييبا لقلب الشافع، وقيل: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- في أبي طالب بالحال لا بالمقال. "قال السهيلي من باب النظر في حكمة الله تعالى ومشاكلة الجزاء للعمل: أن أبا

طالب كان مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجملته متحيزا له، إلا أنه كان متثبتا لقدميه على ملة عبد المطلب، حتى قال عند الموت: أنا على ملة عبد المطلب، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه. ثبتنا الله على الصراط المستقيم. وفي شرح التنقيح للقرافي: الكفار على أربعة أقسام، فذكر منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكي عن أبي طالب أنه كان يقول: إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أخاف أن تعيرني نساء قريش لاتبعته. وفي شعره يقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... يقينا ولا يعزى لقول الأباطل

_ طالب كان مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجملته متحيزا" ناصرا "له" وحده ويجمع بني هاشم والمطلب لمناصرته، "إلا أنه كان مثبتا لقدميه على ملة عبد المطلب حتى قال عند الموت" آخر كل شيء كلمهم "أنا على ملة عبد المطلب فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه" ولا يعارض هذا بقول الإمام الرازي آباء الأنبياء ما كانوا كفارا، وأيده السيوطي بأدلة عامة وخاصة، كما مر؛ لأن هذا بعد نسخ جميع الملل بالملة المحمدية فليس في الحديث ولا كلام السهيلي أن عبد المطلب وآباءه لها كانوا مشركين، "ثبتنا الله على الصراط المستقيم" قال في الفتح: ولا يخلو كلام السهيلي عن نظر، انتهى. فإن كان وجهه أن الثبات على الدين إنما هو بالقلب؛ لأنه اعتقاد فلا يحسن ما ذكر توجيها لتخصيص القدم بالعذاب، أجاب شيخنا بأنه لما لازم ما كان عليه ولم يتحول عنه شبه بمن وقف في محل ولم يتول عنه إلى غيره، وذلك يستدعي ثبوت القدم في المحل الذي وقف فيه خصت العقوبة بالقدم. "وفي شرح التنقيح" في الأصول والمتن والشرح "للقرافي" العلامة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي البهنسي المصري البارع في العلوم ذي التصانيف الشهيرة كالقواعد والذخيرة وشرح المحصول، مات في جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة، "الكفار على أربعة أقسام فذكر منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكي عن أبي طالب أنه كان يقول: إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أخاف أن تعيرني نساء قريش لاتبعته، وفي شعره يقول" في قصيدته المشهورة: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... يقينا ولا يعزى لقول الأباطل وفي شعره من هذا النحو كثير.

قال فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن. انتهى. وحكي عن هشام بن السائب الكلبي، أو أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه.............

_ "قال" القرافي: "فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن" وحبه للمصطفى كان طبيعيا فكان يحوطه وينصره لا شرعيا فسبق القدر فيه، واستمر على كفره ولله الحجة البالغة "انتهى" والأربعة حكاها ابن الأثير في النهاية وكذا البغوي، وهي كفر إنكار وهو أن لا يعرف الله بقلبه ولا يعترف باللسان، وكفر جحود وهو من عرفه بقلبه دون لسانه كإبليس واليهود، وكفر نفاق وهو المقتر باللسان دون القلب، وكفر عناد وهو أن يعرفه بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به كأبي طالب، قال البغوي: وجميع الأربعة سواء في أن الله لا يغفر لأصحابها إذا ماتوا، انتهى. وأقبحها على الراجح كفر النفاق لجمعه بين الكفر والاستهزاء بالإسلام؛ لذا كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار، وقيل: أقبحها الكفر ظاهرا وباطنا، وقيل: الكفر صنفان، أحدهما الكفر بأصل الإيمان وهو ضده، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإسلام، وبهذا صدر في النهاية وقابله بقوله: وقيل الكفر على أربعة أنحاء، فذكرها. "وحكى عن هشام بن السائب" نسبه لجده لأنه ابن محمد بن السائب "الكلبي" أبي المنذر الكوفي وثقه ابن حبان، وقال الدارقطني: هشام رافضي ليس بثقة مات سنة أربع وثمانين ومائة، "أو أبيه" محمد شك، "أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش" وروى ابن إسحق عن ابن عباس: لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله، قال بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما وفشا أمر محمد، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب يأخذ لنا على ابن أخيه ويعطه منا، فمشى إليه عتبة وشبية وأبو جهل وأمية وابن حرب في رجال من أشرافهم فأخبروه بما جاءوا له، فبعث أبو طالب إليه -صلى الله عليه وسلم- فجاءه فأخبره بمرادهم، فقال عليه الصلاة والسلام: "نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"، فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، فعرض عليهم الإسلام فصفقوا وعجبوا ثم قالوا: ما هو بمعطيكم شيئا، ثم تفرقوا، فيحتمل أن أبا طالب جمعهم بعد ذلك، أو قال لهم ما حكى الكلبي في هذه المرة قبل عرض الإسلام أو بعده وقبل تفرقهم. "فأوصاهم، فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه" وقلب العرب، فيكم السيد المطاع وفيكم المقدم الشجاع والواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضلة ولهم به إليكم الوسيلة،

إلى أن قال: وإني أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وايم الله كأني انظر إلى صعاليك العرب، وأهل الأطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أرباب، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد

_ والناس لكم حرب وعلى حربكم ألب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية -يعني الكعبة- فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش وثباتا للوطأة، صلوا أرحامكم فإن في صلة الرحم منسأة -أي: فسحة في الأجل- وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعي وأعطوا السائل، فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام، "إلى أن قال" عقب ما ذكرته "وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش والصديق" الكثير الصدق "في العرب" فلم يعرفوه من ابتداء نشأته إلا بالأمانة والصدق، ومن ثم لما كذبوه، قال بعضهم: والله قد ظلمنا محمدا. "وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به" من هذه الخصال الحميدة التي ذكرها في وصيته لهم ومدحهم بها "وقد جاءنا بأمر قبله الجنان" بالجيم "وأنكره اللسان مخافة الشنآن" أي: البغض لما تعيرونه به من تبعيته لابن أخيه تربيته، "وايم الله" بهمزة وصل عند الجمهور ويجوز القطع مبتدأ حذف خبره، اي: قسمي. وقال الهروي: بقطع الهمزة ووصلها وهي حلف ووهم الشارح، فقال: عبارة الشامي: أما والله، ثم قال: قال النووي: وقال الهروي بقطع الهمزة ووصلها وهي حلف ووهم الشارح، فقال عبارة الشامي: أما والله، ثم قال: قال النووي ... فذكر كلامه ظنا منه أنه في هذه الوصية مع أن ذاك اللفظ إنما ذكره الشامي كغيره شرحا لقوله -صلى الله عليه وسلم- في رواية مسلم: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". "كأني انظر إلى صعاليك" أي: فقراء "العرب" جمع صعلوك كعصفور؛ كما في القاموس. "وأهل الأطراف" النواحي جمع طرف بفتحتين، "والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت" وقد وقع ذلك يوم بدر "فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا" أتباعا وسفلة جمع صنديد وهو السيد الشجاع أو الحليم أو الجواد أو الشريف؛ كما في القاموس. "ودورها خرابا" حيث قتل سبعون وأسر سبعون، "وضعفاؤها أربابا" ملوكا، قال القاموس: رب كل شيء مالكه ومستحقه أو صاحبه والجمع أرباب وربوب. "وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه" كما وقع يوم فتح مكة، "وأبعدهم منه أحظاهم عنده قد

محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي. ثم هلك. ثم بعد ذلك بثلاثة أيام -وقيل: بخمسة- في رمضان، بعد البعث بعشر سنين، على الصحيح، ماتت...........

_ محضته" بمهملة فمعجمة أخلصت له "العرب ودادها وأصفت" بالفاء "له فؤادها" أزالت ما فيه من حسد وبغض، وفي نسخة بالغين، أي: استمعوا بقلوبهم، أي: أمالوها له. "وأعطته قيادها" كما انقاد له العرب لما سار بهم إلى فتح مكة، وكما وقع في مجيء هوازن منقادين لحكمه فمن عليهم برد سباياهم. "يا معشر قريش! " كذا في النسخ، وفيها سقط فلفظه كما في الروض عن الكلبي: دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم "كونوا له ولاة" موالين ومناصرين "ولحزبه حماة" من أعدائهم وتأمل ما في قوله ابن أبيكم من الترقيق والتقريع والتصريح بأنه منهم فعزه عزهم ونصره نصرهم، فكيف يسعون في خذلانه فإنما هو خذلان لأنفسهم، وهذا من حيث النظر إلى مجرد القرابة فكيف وهو على الصراط المستقيم ويدعو إلى ما يوصل إلى جنات النعيم، كما أشار إليه مؤكدا بالقسم، فقال: "والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد" بكسر الشين وفتحها والكسر أولى بالسجع، "ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد" في الدارين "ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز" بهاءين وزاءين منقوطين بعد أولاهما ألف، قال الجوهري: الهزاهز الفتن تهتز فيها الناس، وفي القاموس: الهزاهز تحريك البلايا والحروب في الناس، "ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك" على كفره، فانظر واعتبر كيف وقع جميع ما قاله من باب الفراسة الصادقة، وكف هذه المعرفة التامة بالحق وسبق فيه قدر القهار؛ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ولهذا الحب الطبيعي كان أهون أهل النار عذابا؛ كما في مسلم وفي فتح الباري تكملة من عجائب الاتفاق إن الذين أدركهم الإسلام من أعمام النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة لم يسلم منهم اثنان وأسلم اثنان، وكان اسم من لم يسلم ينافي أسامي المسلمين وهما أبو طالب واسمه عبد مناف وأبو لهب واسمه عبد العزى بخلاف من أسلم وهما: حمزة والعباس. "ثم بعد ذلك بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة" وقيل: بشهر، وقيل: بشهر وخمسة أيام، وقيل: بخمسين يوما، وقيل: بخمسة أشهر، وقيل: ماتت قبله "في رمضان بعد البعث بعشر سنين على الصحيح" كما قال الحافظ، وزاد: وقيل بعده بثمان سنين وقيل: بسبع، "ماتت" الصديقة الطاهرة

خديجة رضي الله عنها. وكان عليه الصلاة والسلام يسمى ذلك العام عام الحزن، فيما ذكره صاعد. وكانت مدة إقامتها معه خمسا وعشرين سنة سنة على الصحيح. ثم بعد أيام من موت خديجة تزوج عليه السلام بسودة بنت زمعة.

_ "خديجة رضي الله عنها" ودخل عليها صلى الله عليه وسلم وهي في الموت، فقال: "تكرهين ما أرى منك، وقد يجعل الله في الكره خيرا"، رواه الزبير بن بكار، وأطعمها من عنب الجنة، رواه الطبراني بسند ضعيف وأسند الواقدي عن حكيم بن حزام أنها دفنت بالحجون ونزل صلى الله عليه وسلم في حفرتها وهي ابنة خمس وستين سنة، ولم تكن يومئذ الصلاة على الجنازة. "وكان عليه الصلاة والسلام يسمي ذلك العام" الذي ماتا فيه "عام الحزن" وقالت له خولة بنت حكيم: يا رسول الله! كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة؟ قال: "أجل، كانت أم العيال وربة البيت"، وقال عبيد بن عمير: وجد عليها حتى خشي عليه حتى تزوج عائشة، رواهما ابن سعد "فيما ذكره صاعد" بن عبيد البجلي أبو محمد، وأبو سعيد الحراني مقبول من كبار العاشرة؛ كما في التقريب، يعني الطبقة التي أخذت عن تبع التابعين كما أفصح عنه في خطبته. "وكانت مدة إقامتها معه خمسا وعشرين سنة على الصحيح" كما في الفتح، وزاد: وقال ابن عبد البر أربعا وعشرين سنة وأربعة أشهر. "ثم بعد أيام ممن موت خديجة" الواقع في رمضان "تزوج عليه السلام" في شوال "بسودة بنت زمعة" بفتح الزاي وإسكان الميم وتفتح؛ كما في القاموس. وبه يرد قول المصباح: لم أظفر بسكونها في شيء من كتب اللغة. وفي سيرة الدمياطي: ماتت خديجة في رمضان وعقد على سودة في شوال ثم على عائشة وبنى بسودة قبل عائشة، والله أعلم.

خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف

خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف: ثم خرج عليه السلام إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر، في ليال بقين من شوال سنة عشرة.................

_ خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف: "ثم خرج عليه السلام إلى الطائف" قال ابن إسحاق: يلتمس النصر من ثقيف والمنعة ورجاء أن يقبلوا منه ما جاء به من الله تعالى، قال المقريزي: لأنهم كانوا أخواله، قال غيره: ولم يكن بينه وبينهم عداوة. "بعد موت خديجة بثلاثة أشهر في ليال بقين من شوال سنة عشرة

من النبوة. لما ناله من قريش بعد موت أبي طالب. وكان معه زيد بن حارثة. فأقام به شهرا، يدعو أشارف ثقيف إلى الله فلم يجيبوه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه.

_ من النبوة" هذا على موتها في رجب، لا على ما جزم به أنه في رمضان، وعادة العلماء أنهم إذا مشوا في محل على قول وفي آخر على غيره، لا يعد تناقضا. "لما ناله" صلة خرج واللام للتعليل، أي: خرج للأذى الذي ناله "من قريش بعد موت أبي طالب وكان معه زيد بن حارثة" فيما رواه ابن سعد عن جبير بن مطعم، وذكر ابن عقبة وابن إسحاق وغيرهما أن خرج وحده ماشيا، فيمكن أن زيدا لحقه بعد ولا يؤيده ما يأتي أنه صار يقيه بنفسه، ولم يحك فيه خلافا كما زعم؛ لأن الآتي إنما هو كلام ابن سعد وحده الذي روى أنه كان معه، "فأقام به شهرا" وقال ابن سعد: عشرة أيام، وجمع في أسنى المطالب بأن العشرة في نفس الطائف العشرين فيما حولها وطريقها وأقرب منه؛ كما قال شيخنا: إن الشهر كله في الطائف، لكنه مكث عشرين قبل اجتماعه بعبد ياليل وعشرة بعده؛ لأنه لم يرجع عقب دعائه بل مكث "يدعو أشراف ثقيف إلى الله" ويدور عليهم واحدا واحدا رجاء أن أحدا يجيبه "فلم يجيبوه" لا إلى الإسلام ولا إلى النصرة والمعاونة. وعند ابن إسحاق والواقدي وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم عمد إلى عبد ياليل ومسعود وحبيب بني عمرو بن عوف وهم أشراف ثقيف وساداتهم، وعند أحدهم صفية بنيت معمر القرشي الجمحي فجلس إليهم وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام والقيام على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك، والثاني: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك، والثالث: والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسول الله، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك، فقال صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خيرهم، وقال: "إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي"، وكره أن يبلغ قومه عنه ذلك فيزيدهم عليه، فلم يفعلوا، وقد أسلم مسعود وحببيب بعد ذلك وصحبا؛ كما جزم به في الإصابة. وفي عبد ياليل خلف يأتي فيحتمل أن المصنف أراد بأشرافهم هؤلاء الثلاثة، وكأنه لم يعتد بغيرهم أو لأنه دعاهم أولا لكونهم العظماء ثم عمم الدعوة. ففي رواية: إنه لم يترك أحدا من أشرافهم إلا جاء إليه وكلمه فلم يجيبوه وخافوا على أحداهم منه، فقالوا: يا محمد اخرج من بلدنا، والحق بمحابك من الأرض. "وأغروا" بفتح الهمزة: سلطوا، "به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه" زاد ابن إسحاق: ويصيحون

قال موسى بن عقبة: ورموا عراقبيه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، زاد غيره: وكان إذا أزلقته الحجارة قعد إلى الأرض؛ فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجا. وفي البخاري ومسلم من حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال،..........

_ به حتى اجتمع عليه الناس "قال موسى بن عقبة: ورموا عراقيبه" جمع عرقوب لخفته لفظا كعريض الحواجب، "بالحجارة" فقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، "حتى اختضبت نعلاه بالدماء، زاد غيره" وهو سليمان التيمي "وكان إذا أزلقته" بمعجمة وقاف: ألمته "الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه" مبالغة في أذاه إذ لم يمكنوه من القعود ليخف تعبه وليتمكنوا من إدامة رميه بالحجارة في المراق والمفاصل التي ألم إصابتها أشد من غيرها، "فإذا مشى رجموه وهم يضحكون" قال ابن سعد: "وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج" زيد، أي: جرح "في رأسه" احتراز عن الوجه إذ الجراحة إنما تسمى شجة إذا كانت في أحدهما، "شجاجا" بكسر المعجمة جمع شجة بفتحها، ويقال أيضا: شجات؛ كما في المصباح. "وفي البخاري" في ذكر الملائكة من بدء الخلق تاما، وفي التوحيد: مختصرا، "ومسلم" في المغازي والنسائي في البعوث "من حديث عائشة، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم" عزوة "أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك" قريش وسقط المفعول في رواية مسلم، وثبت في البخاري بلفظ: "لقيت من قوك ما لقيت"، وأبهمه تعظيما "وكان أشد" بالرفع، ولأبي ذر بالنصب خبر كان واسمه عائد إلى مقدر هو مفعول لقد لقيت، "ما لقيت منهم" من قومك قريش إذ كانوا سببا لذهابي إلى ثقيف، فهو من إضافة الشيء إلى سببه فلا يرد أن ثقيفا ليسوا قومها "يوم العقبة:" ظرف، جزم المصنف بأنها التي بمنى، وفيه ما فيه فأين منى والطائف؟ ولذا قال شيخنا: لعل المراد به هنا موضع مخصوص اجتمع فيه مع عبد يا ليل، لا عقبة منى التي اجتمع فيها مع الأنصار، "إذا" أي: حين "عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عد كلال" كذا في الحديث، والذي ذكره أهل المغازي أن الذي كلمه صلى الله عليه وسلم عبد يا ليل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه، قاله الحافظ وغيره.

فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت -وأنا مهموم- على وجهي، فلم أستفق مما أنا فيه إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا به عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين............"

_ "فلم يجبني إلى ما أردت" منه من النصرة والمعاونة والإسلام "فانطلقت وأنا مهموم على وجهي" قال المصنف: أي الجهة المواجهة لي. وقال الطيبي: أي انطلقت حيرانا هائما لا أدري أين أتوجه من شدة ذلك، "فلم أستفق" أي: أرجع "مما أنا فيه" من الغم "إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أطلتني فنظرت" إليها "فإذا فيها جبريل" على غير صورته الأصلية، لما مر أنه لم يره عليها إلا بغار حراء وعند سدرة المنتهى، "فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك" لك، كما في الصحيحين فسقط من قلم المؤلف، والأحسن أنه يعني بقومه قريشا وغيرهم لا خصوص ثقيف؛ لأنهم وإن كانوا قومه؛ لأنه بعث إليهم كغيرهم، لكنهم ليسوا بمكة والأخشبان حيطان بها، "وما ردوا به عليك" ظاهر في إنه إخبار عما قاله أشراف ثقيف، ويحتمل أنه أراد قريشا لما دعاهم للإيمان، فقالوا ساحر شاعر كاهن مجنون، وغير ذلك. "وقد بعث إليك" وفي رواية الكشميهني: وقد بعث الله إليك "ملك الجبال" الذي سخرت له وبيده أمرها، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، "لتأمره بما شئت" فيهم، قال صلى الله علي وسلم: "فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وأنا ملك الجبال وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك" هذا لفظ مسلم، زاد الطبري: فما شئت، ولفظ البخاري: ثم قال: يا محمد! ذلك فيما شئت، قال المصنف: ذلك كما قال جبريل، أو كما سمعت منه فيما، ولأبي ذر عن الكشميهني: مما شئت، استفهام جزاؤه مقدر، أي: فعلت، وعزا المصنف لفظه هنا في شرح البخاري للطبراني مع أنه لفظ مسلم كما علمت؛ لأنه كما في الفتح أخرجه من طريق شيخ البخاري فيه: "إن شئت أن أطبق" بضم الهمزة وسكون الطاء وكسر الموحدة، "عليهم الأخشبين" بمعجمتين جبلي مكة: أبا قبيس ومقابله قعيقعان؛ كما جزم به المصنف وغيره، وبه صدر البرهان. وفي الفتح: وكأنه قعيقعان. وقال الصغاني: بل هو الجبل الأحمر المشرف وجهه على قعيقعان، انتهى. وجرى ابن الأثير على الثاني. وقول الكرماني: ثور وهموه، سميا بذلك

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له". وعبد يا ليل؛ بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام -ابن عبد كلال- بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام، وكان ابن عبد يا ليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف.

_ لصلابتهما وغلظ حجارتهما، ويقال: هما الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد. قال الحافظ: والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يصيرا طبقا واحدا وجزء إن مقدر، أي: فعلت. "قال للنبي -صلى الله عليه وسلم" لا أشاء ذلك "بل أرجو" وللكشميهني: أنا أرجو "أن يخرج الله" بضم الياء من الإخراج "من أصلابهم من يعبد الله" يوحده قوله: "وحده لا شريك له" تفسيره وهذا من مزيد شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه، وعن عكرمة رفعه مرسلا: "جاءني جبريل، فقال: يا محمد! إن ربك يقرئك السلام وهذا ملك الجبال قد أرسله وأمره أن لا يفعل شيئا إلا بأمرك، فقل له إن شئت دممت عليهم الجبال، وإن شئت خسفت بهم الأرض، قال: يا ملك الجبال، فإني آتي بهم لعله أن يخرج منهم ذرية يقولون لا إله إلا الله، فقال ملك الجبال: أنت كما سماك ربك رءوف رحيم"، ولعل هذين الاسمين كانا معلومين له عند الملائكة قبل نزول الآية، فلا ينافي أنها من أواخر ما نزل، وبقي أنه قيد فيها بالمؤمنين وهؤلاء كفار فكيف قول الملك، ولعله باعتبار ما رجاه من ربه؛ لأنه محقق. "وعبد يا ليل بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام" بزنة هابيل؛ كما في القاموس. قال في الإصابة: عبد يا ليل بن عمرو الثقفي، قال ابن حبان: له صحبة ان من الوفد، وقال غيره: إنما هو ولده مسعود اختلف فيه كلام ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: إن القصة لمسعود، انتهى. منه في النوع الرابع فيمن ذكره في الصحابة غلطا. "ابن عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام" بعد الألف بوزن غراب "وكان ابن عبد ياليل" مسعود أو كنانة "من أكابر أهل الطائف من ثقيف" كأبيه وعميه، وقد روى عبد بن حميد عن مجاهد قوله تعالى: {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] ، قال: نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي، ورواه ابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد: يعني كنانة، وقال قتادة: هما الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود، رواه عبد بن حميد. قال ابن عبد البر: وفد كنانة وأسلم مع وفد ثقيف سنة عشر، وكذا قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغير واحد. وقال

وقرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل. وأفاد ابن سعد: أن مدة إقامته عليه الصلاة والسلام بالطائف كانت عشرة أيام. ولما انصرف عليه السلام عن أهل الطائف ولم يجيبوه، مر في طريقه بعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما في حائط لهما، فلما رأيا ما لقي تحركت له رحمهما، فبعثا له مع عداس النصراني -غلامهما- قطف...........

_ المدائني: وفد في قومه فأسلموا إلا كنانة فقالا: لا يرني رجل من قريش، وخرج إلى نجران ثم إلى الروم فمات بها كافرا. قال في الإصابة: ويقويه ما حكاه ابن عبد البر أن هرقل دفع ميراث أبي عامر الفاسق إلى كنانة بن عبد ياليل لكونه من أهل المدر كأبي عامر، انتهى. فقول النور: لا أعلم له إسلاما تقصير شديد. "وقرن الثعالب" بفتح القاف وإسكان الراء اتفاقا، وحكى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء، قال: وهو غلط، وذكر القابسي: أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي تتفرق منه. وغلط الجوهري في فتحها ونسبة أويس إليها وإنما هو إلى قرن بفتح الراء بطن من مراد "وهو ميقات أهل نجد" تلقاء مكة على يوم وليلة منها "ويقال له" أيضا "قرن المنازل" قال في النور والفتح: وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير. "وأفاد ابن سعد" محمد "أن مدة إقامته عليه الصلاة والسلام بالطائف كانت عشرة أيام" خلاف ما مر أنها شهر، ومر الجمع "ولما انصرف عليه السلام عن أهل الطائف ولم يجيبوه" ورجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف؛ كما عند ابن إسحاق. "مر في طريقه بعتبه وشيبة ابني ربيعة" الكافرين المقتولين ببدر "وهما في حائطا" بستان إذا كان عليه عليه جدار؛ كما في النور وغيره، وأطلق المصباح "لهما" بشراء أو غيره وهو من بساتين الطائف المنسوبة إليه كما يفيده قول موسى بن عقبة، فخلص منهم ورجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم، فاستظل في ظل حبلة منه وهو مكروب موجع، وكذا قول ابن إسحاق فاجتمعوا عليه وألجئوه إلى حائط لعتبة وسيبة والحيلة، بفتح الحاء والموحدة وتسكن الأصل أو القضيب، من شجر العنب؛ كما في النهاية وغيرها، ولا ينافي استظلاله قوله في الحديث: "فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب"؛ لجواز أنه لم يعد استظلاله مكروبا موجعا محزونا مفكرا فيما أصابه إفاقة. "فلما رأيا ما لقي تحركت له رحمهما" قرابتهما؛ لأنهما من بني عبد مناف "فبعثا له مع عداس" بفتح العين وشد الدال فألف فسين مهملات "النصراني غلامهما قطف" بكسر القاف

عنب، فلما وضع -صلى الله عليه وسلم- يده في القطف قال: "بسم الله، ثم أكل"، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له -صلى الله عليه وسلم: "من أي البلاد أنت. وما دينك"؟ قال نصراني من نينوى. فقال له -صلى الله عليه وسلم: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى"؟ قال: وما يدريك؟..............

_ عنقود "عنب" وعند ابن عقبة: ووضعه عداس في طبق بأمرهما، وقالا له: اذهب إلى ذلك الرجل، فقال له يأكل منه، ففعل ولم يذكر زيد بن حارثة لأن هذا من كلام ابن عقبة، وهو ممن قال إنه خرج وحده، أو لأنه تابع والحامل على بعث القطف إنما هو المصطفى فخص بتقديمة له وخطابه، "فلما وضع -صلى الله عليه وسلم- يده في القطف" ليأكل قال: "بسم الله" فقط كما عند ابن عقبة وابن إسحاق، ووقع في الخميس: "الرحمن الرحيم"، "ثم أكل فنظر عداس إلى جهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له -صلى الله عليه وسلم: "من أي البلاد أنت؟ وما دينك"؟ قال: نصراني من نينوي" بكسر النون وسكون التحتية فنون مفتوحة على الأشهر. قال أبو ذر: وروي بضمها فواو مفتوحة فألف. قال ياقوت: ممالة بلد قديم مقابل الموصل خرب وبقي من آثار مشي، وبه كان قوم يونس. وقال الصغاني: هي قرية يونس بالموصل. "فقال له -صلى الله عليه وسلم: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى"، بفتح الميم وشد الفوقية مقصور اسم أبيه. وفي تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه وتبعه صاحب تاريخ حماة قائلا: لم يشتهر بأمه غيره وغير عيسى ورده الحافظ بحديث ابن عباس عند البخاري لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه، فإن فيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متى اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه، وذكره الطبري وتبعه ابن الأثير في الكامل، والذي في الصحيح أصح، وقيل: سبب قوله: ونسبه إلى أبيه، أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم أبيه وكنى عنه بفلان، فقال الذي نسي يونس بن متى وهي أمه ثم اعتذر، فقال: ونسبه أي شيخه إلى أبيه، أي: سماه فنسيته ولا يخفى بعد هذا التأويل وتكلفه، قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، انتهى من فتح الباري. يؤيده ما نقله الثعلبي عن عطاء: سألت كعب الأحبار عن متى، فقال: هو أبو يونس واسم أمه برورة أي: صديقة بارة قانتة وهي من ولد هارون، انتهى. فقول السيوطي التأويل عندي أقوى وإن استبعده الحافظ، فيه نظر. "فقال" عداس "وما يدريك" ما يونس بن متى؟ كما في الرواية، وعند التيمي: فقال عداس: والله لقد خرجت من نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفته وأنت أُمي في أمة

قال: "ذاك أخي، وهو نبي مثلي". فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم.

_ أمية؟ "قال: "ذاك أخي وهو نبي مثلي" وعند ابن عقبة والتيمي: "كان نبيا وأنا نبي"، "فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم" رضي الله عنه وهو معدود في الصحابة، وفي سير التيمي، أنه قال: أشهد أنك عبد الله ورسوله. وعند ابن إسحاق: ونظر إليه ابنا ربيعة، فقال أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه، قال: يا سيدي -بشد الياء مثنى- ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفك عن دينك، فإنه خير من دينه. وفي الروض: ذكروا أن عداسا لما أراد سيداه الخروج إلى بدر أمراه بالخروج معهما، فقال: أقتال ذلك الرجل الذي رأيت بحائطكما تريدان؟ والله ما تقوم له الجبال، فقالا له: ويحك يا عداس، سحرك بلسانه. وفي الإصابة عن الواقدي: قيل قتل عداس بدر، وقيل: لم يقتل، بل رجع فمات.

ذكر الجن

ذكر الجن: ولما نزل نخلة -وهو موضع على ليلة من مكة- صرف إليه سبعة من جن نصيبين، مدينة بالشام............

_ ذكر الجن: "ولما نزل" صلى الله عليه وسلم، في منصرفه من الطائف سنة عشر، وهو ابن خمسين سنة تقريبا، "نخلة" غير مصروف للعلمية والتأنيث، وفي مسلم: بنخل، قال البرهان: والصواب نخلة، ويحتمل أن يقال الوجهان، انتهى. "وهو موضع على ليلة من مكة صرف إليه" بالبناء للمفعول للعلم به، قال الله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ} [الأحقاف: 29] ، "سبعة" كما رواه الحاكم في المستدرك وابن أبي شيبة وأحمد بن منيع من طريق عاصم عن زر عن عبد الله، قال: هبطوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ ببطن نخلة، فلما سمعوه، قالوا: أنصتوا وكانوا سبعة أحدهم زوبعة وإسناده جيد، وقيل: تسعة، وقيل غير ذلك. "من جن نصيبين" بنون مفتوحة وصاد مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة أيضا فنون، بلد مشهور يجوز صرفه وتركه، وفي خبر أن جبريل رفعها للنبي -صلى الله عليه وسلم- ورآها، قال: "فسألت الله أن يعذب ماؤها، ويطيب ثمرها ويكثر مطرها" وهي بالجزيرة، كما في مسلم وبه جزم غير واحد، قال البرهان: ووهم من قال باليمن، وقوله: "مدينة بالشام" تبع فيه ابن

وكان عليه السلام قد قام في جوف الليل يصلي فاستعموا له وهو يقرأ سورة الجن. وفي الصحيح أن الذي آذنه -صلى الله عليه وسلم- بالجن ليلة الجن شجرة، وأنهم سألوه الزاد فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أو فرما كان لحما،..............

_ التين السفاقسي، قال الحافظ: وفيه تجوز فإن الجزيرة بين الشام والعراق، انتهى. وفي تفسير عبد بن حميد أنهم من نينوى، وقيل: ثلاثة من نجران وأربعة من نصيبين، وعن عكرمة: كانوا اثني عشر ألفا من جزيرة الموصل. "وكان عليه السلام قد قام في جوف الليل يصلي" كما ذكره ابن إسحاق ولا يعارضه ما في الصحيحين عن ابن عباس: وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه كان قبل في أول مرة عند المبعث لما منعوا من استراق السمع، نعم وقع لبعض من ساق هذه القصة التي هنا وهو يصلي الفجر، فإن صح فيكون أطلق على وقت الفجر جوف الليل لاتصاله به، أو ابتدأ الصلاة في الجوف واستمر حتى دخل وقت الفجر، أو صلى فيهما وسمعوهما معا، والمراد بالفجر الركعتان اللتان كان يصليهما قبل طلوع الشمس، وإطلاق الفجر عليهما صحيح لوقوعهما بعد دخول وقته، فسقط اعتراض البرهان بأن صلاة الفجر لم تكن فرضت، وقال الحافظ في حديث ابن عباس وهو يصلي بأصحابه: لم يضبط من كان معه في تلك السفرة غير زيد بن حارثة، فلعل بعض الصحابة تلقاه لما رجع، انتهى. وكأنه بناه على تسليم اتحاد مجيء الجن. "فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن" قاله ابن إسحاق وأقره اليعمري ومغلطاي واعتراضه البرهان بما في الصحيح أنها إنما نزلت بعد استماعهم، وجوابه أن الذي في الصحيح كان في المرة الأولى عند المبعث كما هو صريحه، وهذه بعده بمدة فلا تعترض به. "وفي الصحيح" عن ان مسعود "أن الذي آذنه" بالمد أعلمه -صلى الله عليه وسلم- "بالجن ليلة الجن شجرة" هي كما في مسند إسحاق بن راهويه سمرة فتح السن وضم الميم من شجر الطلح جمعه كرجل وفيه معجزة باهرة، "وأنهم سألوه الزاد" أي: ما يفضل من طعام الإنس، وقد يتعلق به من يقول الأشياء قبل الشرع على الخطر حتى ترد الإباحة، ويجاب عنه بمنع الدلالة على ذلك، بل لا حكم قبل الشرع على الصحيح، قاله في فتح الباري. وقال شيخنا: أي نوعا يخصهم به كما جعل للإنس في المطعوم حلالا وحراما ولعلهم قبل السؤال كانوا يأكلون ما اتفق لهم أكله بغير قيد نوع مخصوص أو ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام الإنس. "فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه" هو زادكم "يقع في يد أحدكم أو فرما كان لحما" ولأبي داود: "كل عظم

وكل بعر علف لدوابكم". وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب.

_ لم يذكر اسم الله عليه"، وجمع بأن رواية مسلم في حق المؤمنين، وهذه في حق شياطينهم. قال السهيلي: وهو صحيح يعضده الأحاديث. "وكل بعر علف لدوابكم" زاد في سلام في تفسيره: أن البعر يعود خضرا لدوابهم واعترض على المؤلف ومتبوعه السهيلي في سياق حديث الصحيح هنا بما صرح به الحافظ الدمياطي أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يشعر بهم حين استمعوه في رجوعه من الطائف حتى نزل عليه {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا} [الأحقاف: 29] الآية، قال: وسؤالهم الزاد كان في قصة أخرى. "وفي هذا" دليل على أن الجن يأكلون ويشربون و"رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب" لأن صيرورته لحما إنما تكون للأكل حقيقة، ثم اختلف هل أكلهم مضغ وبلع أو يتعذون بالشم، وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله"، مجاز أي: يحبه الشيطان ويزينه ويدعو إليه، قال ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء فلا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما انتهى. وهو الراجح عند جماعة من العلماء حتى قال ابن العربي: من نفى عن الجن الأكل والشرب فقد وقع في حبالة إلحاد وعدم رشاد، بل الشيطان وجميع الجان يأكلون ويشربون وينكحون ويولد لهم ويموتون وذلك جائز عقلا، وورد به الشرع، وتظافرت به الأخبار لا يخرج عن هذا المضمار إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شم فما شم رائحة العلم، انتهى. ورى ابن عبد البر عن وهب بن منبه: الجن أصناف، فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون وصنف يفعل ذلك ومنهم السعالي والغيلان والقطرب، قال الحافظ: وهذا إن ثبت كان جامعا للقولين، ويؤيده ما روى ابن حبن والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا: "الجن تلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون ويظعنون ويرحلون". وروى ابن بي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعا نحوه، لكن قال في الثالث: "وصنف عليهم الحساب والعقاب"، انتهى. قال السهيلي: ولعل هذا الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب إن صح القول به، انتهى. وقال صاحب آكام المرجان: وبالجملة فالقائلون الجن لا تأكل ولا تشرب إن أرادوا جميعهم فباطل؛ لمصادمة الأحاديث الصحيحة وإن أرادوا صنفا منهم فمحتمل، لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون.

وذكر صاحب الروض من أسماء السبعة الذين أتوه عليه السلام، عن ابن دريد: منشى وناشى وشاصر وماصر والأحقب. لم يزد على تسمية هؤلاء.

_ "وذكر صاحب الروض" السهيلي فيه هنا "من أسماء السبعة الذين أتوه عليه السلام عن ابن دريد منشى" بميم فنون فمعجمة "وناشى" بنون "وشاصر" بشين معجمة فألف فصاد فراء "وماصر" بميم فألف فمعجمة ضبطهما في الإصابة، "والأحقب" قال في الروض "لم يزد" ابن دريد "على تسمية هؤلاء" الخمسة، وقد ذكرنا تمام أسمائهم فيما تقدم يعني قبيل المبعث، إذ قال وعمرو بن جابر وسرق، انتهى. وفي الإصابة: الأرقم الجني أحد من استمع القرآن من جن نصيبين، ذكر إسماعيل بن زياد في تفسيره عن ابن عباس أنهم تسعة: سليط وشاصر وماضر وحسا ونسا وبجعم والأرقم والأدرس وخاضر، نقلته مجودا من خط مغلطاي، ثم ضبط في الإصابة خاضرا بخاء وضاد معجمتين وآخره راء، وسرق بضم السين وفتح الراء المشددة المهملتين وقاف، قال: وضبطه العسكري بتخفيف الراء على وزن عمر وأنكر على أصحاب الحديث شد الراء، انتهى. فهؤلاء أربعة عشر صحابة من الجن، وترجم في الإصابة أبيض الجني ذكره في كتاب السنن لأبي علي بن الأشعث أحد المتروكين المتهمين، فأخرج إسناده أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "أخزى الله شيطانك" الحديث، وفيه: "ولكن الله أعانني عليه حتى أسلم واسمه أبيض وهو في الجنة، وهامة بن الهيم بن الأقيس بن إبليس في الجنة"، انتهى. وفي التجريد هامة بن الهيم حديثه موضوع، انتهى. وسمحج بسين مهلمة أوله بوزن أحمر آخره جيم وسماه المصطفى عبد الله، رواه الفاكهي وغيره؛ كا في الإصابة، وعد أبو موسى المديني في الصحابة عمرو بن جابر المتقدم ومالك بن مالك وعمرو بن طارق وزوبعة ووردان. قال الذهبي: وزوبعة إما لقب لواحد منهم أو اسم له والمذكور لقب، ولم يذكر ذلك صاحب الإصابة، بل ترجم لكل منهم، فاقتضى أن زوبعة اسم علم على جني غير الأربعة وهو الأصل، وذكر في عمرو بن طلق، ويقال ابن طارق، أخرج الطبراني في الكبير عن عثمان بن صالح، قال: حدثني عمر والجني، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة النجم فسجد وسجدت معه. وأخرج ابن عدي عن عثمان بن صالح، قال: رأيت عمرو بن طلق الجني، فقلت له: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم وبايعته وأسلمت معه وصليت خلفه الصبح، فقرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، وعثيم الجني وعرفطة بن سمراح الجني من بني نجاح ذكره الخرائطي في الهواتف عن سلمان الفارسي بسند ضعيف جدا، انتهى. وعبد النور الجني، قال الذهبي: روى شيخنا ابن حمويه عن رجل عنه، وهذه خرفة

قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر ابن إسحاق خروجه عليه السلام إلى أهل الطائف ودعاءه إياهم، وأنه لما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعه الجن من أهل نصيبين. قالك وهذا صحيح، لكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء،............

_ مهتوكة، انتهى. وامرأة اسمها رفاعة، وفي رواية عفراء، قال ابن الجوزي: حديثها موضوع، ولو صح لعدت في الصحابيات، ولم أر أحدا ذكرها لا في رفاعة ولا في عفراء، ثم ذكر الحديث من وجه آخر وسماها الفارعة بنت المستورد، وترجم لها في الإصابة الفارعة وذكر حديثها، وقال: في سنده من لا يعرف، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال أعني صاحب الإصابة في ترجمة زوبعة: أنكر ابن الأثير على أبي موسى المديني ترجمة الجن في الصحابة، ولا معنى لإنكاره؛ لأنهم مكلفون وقد أرسل إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأما قوله كان الأولى أن يذكر جبريل، ففيه نظر؛ لأن الخلاف في أنه أرسل إلى الملائكة مشهور بخلاف الجن. وفي فتح الباري الراجح دخول الجن؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- بعث إليهم قطعا وهم ملكفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة، وأما الملائكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته وعكس بعضهم، انتهى. "قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر ابن إسحاق خروجه عليه السلام إلى أهل الطائف ودعاءه إياهم وأنه لما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن" أي: بعضه، وهو كما مر سورة الجن، وقيل: اقرأ، وقيل: الرحمن وجمع بأن اقرأ في الأولى والرحمن في الثانية، أي: والجن في الثالثة. "فاستمعه الجن من أهل نصيبين" من العرب من يجعله اسما واحدا ويلزمه الإعراب كالأسماء المفردة الممنوعة الصرف، والنسبة نصيبين بإثبات النون، ومنهم من يجريه مجرى الجمع، والنسبة نصيبي بحذف النون، وعكس ذلك الجوهري فاعترض لأن المثنى والجمع وما ألحق بهما إن جعلا علمين وبقي إعرابها بالحروف ثم نسب إليهما ردا إلى مفردهما، وإن جعلا اسمين تامين أعربا بالحركات على النون ونسب إليهما على لفظهما بلا خلاف. "وقال: وهذا صحيح لكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء" ولا نظر، فهذه المرة بعد تلك، وقد جزم في فتح الباري بأن

ويدل له حديث ابن عباس عند أحمد قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوه حقا وما زادوه باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب منه، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبعث جنوده فإذا هم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي بين جبلي نخلة فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. ورواه النسائي وصححه الترمذي.

_ كلام ابن إسحاق ليس صريحا في أولية قدوم بعضهم، قال: والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دال على أن ذلك عند المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا عن ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذا لم يقيد البخاري الترجمة بقدوم ولا وفادة أي وإنما، قال باب ذكر الجن: لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم، قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة، انتهى. ونقله الشامي عن ابن كثير نفسه أيضا. "ويدل له حديث ابن عباس عند أحمد، قال: كان الجن يستمعون الوحي" هو ما كانت تسمعه الملائكة مما ينزل الأرض، فيتكلمون به، "فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا فيكون ما سمعوه حقا، وما زادوه باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك" البعث النوي "فلما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصابه منه" ولا يشكل هذا بما مر أن السماء حرست بمولده -صلى الله عليه وسلم- لجواز أنه بقي لهم بعض قدرة على الاستماع كاللص، فلما بعث زال ذلك، بل قال السهيلي: إنه بقي منه بقايا يسيرة بدليل وجوده نادرا في بعض الأزمنة وبعض البلاد. وقال البيضاوي: لعل المراد منعهم من كثرة وقوعه. "فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث فبث جنوده" في الأرض، وفي الصحيحين: فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمن النفر جماعة أخذوا نحو تهامة "فإذا هم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي بين جبلي نخلة فأخبروه" أي: إبليس، "فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض، ورواه النسائي وصححه الترمذي" ورواه الشيخان بنحوه، ولم يعزه لهما لزيادة فيما ذكر على روايتهما.

قال: وخروجه علي السلام إلى الطائف كان بعد موت عمه. وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، فأنزل الله عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} الآية [الأحقاف: 29] . فهذا مع حديث ابن عباس يقتضي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما بعد قوم وفوجا بعد فوج.

_ "قال" ابن كثير "وخروجه عليه السلام إلى الطائف كان بعد موت عمه" أبي طالب الواقع في السنة العاشرة من النبوة، والاستماع كان عقب البعثة، فلا يصح ما في ابن إسحاق وقد علم جوابه، "وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود، قال:" إن الجن "هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن" وفي نسخة: وهو يقرأ الجن، أي: سورة الجن، لكن الأولى هي المعزوة في لباب النقول لابن أبي شيبة "ببطن نخلة فلما سمعوه، قالوا: أنصتوا" حذف من رواية ابن أبي شيبة بعد قوله: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، "فأنزل الله عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} [الأحقاف: 29] الآية"، يريد جنسها، فلفظ ابن أبي شيبة فأنزل الله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ} [الأحقاف: 29] إلى قوله: {ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 32] ، وقولهم من بعد موسى، قيل: لأنهم كانوا يهودا وفي الجن ملل كالإنس، وقيل: لم يسمعوا بعيسى واستبعد، وقيل: لأنهم كانوا يعلمون بشارة موسى به وكأنهم قالوا هذا الذي بشر به موسى ومن بعده. "فهذا" أي: حديث ابن مسعود، "مع حديث ابن عباس" الذي قبله "يقتضي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم" وبهذا جزم الدمياطي، فقال: فلما انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا إليه وهو يقرأ سورة الجن ولم يشعر بهم حتى نزل عليه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْك} [الأحقاف: 29] ، انتهى. وبه تعقب قول من قال: لما وصل في رجوعه إلى نخلة جاءه الجن وعرضوا إسلامهم عليه. "ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا" بفتح الهمزة وأبدل منه قوله: "قوما بعد قوم وفوجا" أي: جماعة جمعه فؤوج وأفواج وجمع الجمح أفاوج وأفاويج؛ كما في القاموس. "بعد فوج" كما تفيده الأحاديث العديدة، ففي حديث أنهم كانوا على ستين راحلة وآخر

وفي طريقه -عليه السلام- هذه، دعا بالدعاء المشهورة: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين،.........

_ ثلاثمائة وآخر خمسة عشر، وعن عكرمة: اثني عشر ألفا، فهذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم؛ كما أشار إليه البيهقي وابن عطية، وقال: إنه التحرير بمكة والمدينة، فالمتحصل من الأخبار أنهم وفدوا عليه لما خرجوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها لاستكشاف الخبر عن حراسة السماء بالشهب، فوافوه -صلى الله عليه وسلم- بنخلة عامدا سوق عكاظ يصلي بأصحابه الفجر فسمعوا القرآن، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا، فأنزل الله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} [الجن: 1] ، وما قرأ عليهم ولا رآهم؛ كما قاله ابن عباس في الصحيحين وغيرهما وأخرى بنخلة وهو عائد من الطائف وأخرى بالحجون. وفي لفظ: بأعلى مكة بالجبال، لما أتاه داعي الجن فذهب معه وقرأ عليهم القرآن، ورجع لأصحابه من جهة حراء، وأخرى ببقيع الغرقد، وفي هاتين حضر ابن مسعود وخط عليه خطا بأمر المصطفى وأخرى خارج المدينة وحضرها الزبير، وأخرى في بعض أسفار لها وحضرها بلال بن الحارث؛ بل حديث أبي هريرة في الصحيح يحتمل أنهم أتوه حين حمل أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم الأدواة وإنما قدم أبو هريرة في سابعة الهجرة، وبهذا لا يبق تعارض بين الأخبار ويحصل الجمع؛ كا قال الحافظ بين نفي ابن عباس رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لهم، قال المصنف: وهو ظهر القرآن وبين ما أثبته غيره من رؤيته لهم، والله أعلم. "وفي طريقه عليه السلام هذه" لما اطمأن في ظل الحيلة، أي: الكرمة، "دعا بالدعاء المشهور" المسمى كما قال بعضهم بدعاء الطائف، وهو: "اللهم إليك أشكو" قدم المعمول ليفيد الحصر، أي: لا إلى غيرك فإن الشكوى إلى الغير لا تنفع "ضعف قوتي" بضم الضاد أرجح من فتحها وهما لغتان؛ كما في الأنوار، وفي المصباح: الضم لغة قريش. وفي القاموس: الضعف بالفتح والضم ويحرك ضد القوة. "وقلة حيلتي" في مخلص أتوصل به إلى القيام بما كلفني، "وهواني على الناس" احتقارهم واستهانتهم بي واستخفافهم بشأني واستهزاءهم، والشكوى إليه عز وجل لا تنافي أمره بالصبر في التزيل؛ لأن إعراضه عن الشكوى لغيره وجعلها إليه وحده هو الصبر، والله سبحانه يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه، "يا أرحم الراحمين" أي: يا موصوفا بكمال الإحسان، "أنت أرحم الراحمين" وصف له تعالى بغاية الرحمة بعدما ذكر لنفسه ما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب بصريح اللفظ تلطفا في السؤال وأدبا وأكد ذلك ولمح للمراد، فقال: "وأنت رب المستضعفين"

إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبانا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات............

_ في ذكر لفظ رب والإضافة إليهم مزيد الاستعطاف، فطوى في ضمن هذه الألفاظ العذبة البديعة نحو أن يقول: فقوني واجعل لي المخلص وأعزني في الناس، وعدل إلى الثناء على ربه بهاتين الجملتين الثابتتين عند ابن إسحاق الساقطتين في رواية الطبراني؛ لأن الكريم بالثناء يعطي المراج ولا أكرم منه سبحانه وتعالى. "إلى من تكلني" تفوض أمري "إلى عدو بعيد" وسقط في رواية الطبراني لفظ بعيد "يتجهمني" بتحتية ففوقية فجيم فهاء مشددة مفتوحات والاستفهام للاستعطاف بحذف أداة، أي: اتكلني إلى عدو "أم إلى صديق قريب ملكته أمري" جعلته مسلطا على إيذائي ولا أستطيع دفعه، والجملة دالة على المدعو به، أي: لا تجعل لي ذلك. "إن لم تكن غضبانا" وفي رواية: إن لم تكن ساخطا، وأخرى: إن لم يكن بك سخط وأخرى إن لم يكن بك غضب، "علي لا أبالي" بما تصنع بي أعدائي وأقاربي من الإيذاء طلبا لمرضاتك ووثوقا بما عندك، "غير أن عافيتك" وهي السلامة من البلايا والأسقام مصدر جاء على فاعله، "أوسع لي" فيه أن الدعاء بالعافية مطلوب محبوب ونحوه ل تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، وهكذا عادة الأنبياء عليهم السلام إنما يسألون بعد البلاء عنهم، "أعوذ بنور وجهك" أي: ذاتك، زاد الطبراني: الكريم، أي: الشريف والكريم يطلق على الشريف النافع الدائم نفعه، قال السهيلي: وأتى بالوجه إيذانا بأن بغيته الرضا والقبول والإقبال؛ لأن من رضى عنك أقبل عليك بوجهه لا صلة للتأكيد؛ كما زعم من غلظ طبعه ولو قال بنورك لحسن ولكنه توصل إليه بما أودع قلبه من نوره، فتوسل إلى نعمته بنعمته وإلى فضله ورحمته بفضله ورحمته، انتهى. "الذي" زاد الطبراني الأضاءت له السماوات والأرض و "أشرقت" بالبناء للفاعل، أي: أضاءت "له الظلمات" أي: أزيلت، وعطفه عليه في رواية الطبراني مع أنه بمعناه؛ لأن اختلاف اللفظ سوغ العطف ولذا غاير في التعبير كراهة توالي لفظين بمعنى، ولم يسقطه للإطناب المطلوب في الدعاء، وضبط بعضهم أشرقت بالبناء للمفعول لقول الزمخشري في قراءة: واشرقت الأرض بنور ربها بالمفعول من شرقت بالضوء تشرق إذا امتلأت به مردود، فإنما هو ظاهر في الآية لا الحديث، إذ لا يظهر فيه امتلأت الظلمات بالضوء إلا بتعسف، قال في الروض: النور هنا عبارة من الظهور وانكشاف الحقائق الإلهية وأشرقت الظلمات، أي: محالها وهي القلوب التي كانت فيها ظلمات الجهالات والشكوك فاستنارت بنور الله تعالى، قال: وقد تكون الظلمات هنا أيضا

وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك". أورده ابن إسحاق، ورواه الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال: لما توفي أبو طالب، خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ماشيا إلى الطائف،..............

_ المحسوسة وإشراقها دلالتها على خالقها وكذلك الأنوار المحسوسة الكل دال عليه فهو نور النور، أي: مظهره ومنور الظلمات، أي: جاعلها نورا في حكم الدلالة عليه سبحانه، انتهى. والحمل على ما يشمل الحسي والمعنوي أولى، وإن أخره وقلله، فيكون من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو عموم المجاز، ثم لا يشكل الحديث بأن المعروف أنه لا ظلمة في الملأ الأعلى؛ لأنه إنما هو به تعالى وله وما أحسن قول صاحب الحكم الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو قبله أو عنده أو بعده فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار، انتهى. "وصلح" بفتح اللام وتضم استقام وانتظم، "عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل" بكسر الحاء يجب وضمها، أي: ينزل وبهما قرئ: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81] ، "بي سخطك" أي: غضبك فهو من عطف الرديف مرفوعان فاعل ينزل، ويحل بالتحتية ومنصوبان على المفعولية لكن بالفوقية في الفعلين مضمومة مع كسر حاء تحل فقط، وأفاد بعضهم أن الوجهين رواية في لفظ الطبراني أن يحل علي غضبك أو ينزل علي سخطك. "ولك العتبى" بضم العين وألف مقصور أي: أطلب رضاك "حتى ترضى" قال في النهاية: استعتب طلب أن يرضى عنه، وقال الهروي: ويقال عتب عليه وجد فإذا فاوضه ما عتب عليه، قيل: عاتبه والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي المعاتب، انتهى. ولا يظهر تفسير الشامي العتبى بالرضا لركة قولنا لك الرضا حتى ترضى. "ولا حول" أي: تحول عن المعاصي، "ولا قوة" على فعل الطاعات "إلا بك" بتوفيقك واستعاذ بهما بعد الاستعاذة بذاته تعالى للإشارة إلى أنه لا توجد حركة ولا سكون في خير أو شر إلا بأمره تعالى التابع لمشيئته إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، "وأورده ابن إسحاق" محمد في السيرة بلفظ: فلما اطمأن، قال فيما ذكره فساقه "ورواه الطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب "في كتاب الدعاء" وهو مجلد، وكذا رواه في معجمة الكبير "عن عبد الله بن جعفر" بن أبي طالب الصحابي ابن الصحابي، "قال" وهذا مرسل صحابي؛ لأنه ولد بالحبشة فلم يدرك ما حدث به لقوله: "لما توفي أبو طالب خرج النبي صلى الله عليه وسلم ماشيا إلى الطائف" بلد معروف سمي بذلك لأن رجلا من حضرموت أصاب دما في قومه وفر إليه، فقال لهم: ألا أبني لكم

فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: "اللهم إليك أشكو". فذكره. وقوله: يتجهمني -بتقديم الجيم على الهاء- أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه. ثم دخل عليه السلام مكة في جوار المطعم بن عدي.

_ حائطا يطيف ببلدتكم، فبناه. أو لأن الطائف المذكور في القرآن وهو جبريل اقتلع الجنة التي كانت بصوران على فراسخ من صنعاء، فأصبحت كالصريم وهو الليل وأتى بها إلى مكة فطاف بها ثم وضعها به فكان الماء والشجر بالطائف دون ما حولها؛ أو لغير ذلك أقوال. "فدعاهم إلى الإسلام" أو إلى نصره وعونه حتى يبلغ رسالة ربه، "فلم يجيبوه" لا إلى الإسلام ولا إلى غيره، "فأتى ظل شجرة" من عنب، فعند ابن إسحاق جلس إلى ظل حبلة بمهملة فموحدة مفتوحة، قال السهيلي: وسكونها ليس بالمعروف، أي: كرمة اشتق اسمها من الحبل؛ لأنها تحبل بالعنب، ولذا فتح حمل الشجرة والنخلة فقيل: حمل بفتح الحاء تشبيها بحمل المرأة وقد يقال حمل بكسرها تشبيها بالحمل على الظهر، انتهى. "فصلى ركعتين" قبل الدعاء ليكون أسرع إجابة وليزول غمه وهمه مناجاة ربه فيها، "ثم قال: "اللهم إليك أشكو" ... فذكره بنحو ما أورده ابن إسحاق، وقد بينا ألفاظه التي زادها ونقصها. "وقوله: يتجهمني بتقديم الجيم على الهاء" المشددة "أي: يلقاني بالعلظة والوجه الكريه" قاله في النهاية، وقال الزمخشري: وجه جهم غليظ وهو البائس الكريه ويوصف به الأسد وتجهمت الرجل وجهمته استقبلته بوجه كريه، وقيل: هو أن يغلظ له في القول ومن المجاز الدهر يتجهم الكرام، وتجهمه: أمله إذا لم يصبه، "ثم دخل عليه السلام مكة في جوار المطعم بن عدي" بعد أن أقام بنخلة أيام، وقال له زيد بن حارثة: كيف دخل عليهم وهم قد أخرجوك؟ فقال: "يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله مظهر دينه وناصر نبيه"، ثم انتهى إلى حراء، وبعث عبد الله بن الأريقط إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه فدخل صلى الله عليه وسلم فبات عنده، فلما أصبح تسلح المطعم هو وبنوه وهم ستة أو سبعة، فقالوا له -صلى الله عليه وسلم: "طف، واحتبوا بحمائل سيوفهم بالمطاف"، فقال أبو سفيان للمطعم: أمجير أم تابع، قال: بل مجير، قال: إذن لا تخفر قد أجرنا من أجرت فقضى -صلى الله عليه وسلم- طوافه وانصرفوا معه إلى منزله، ذكر ابن إسحاق هذه القصة مبسوطة، وأوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل، لكن فيه أنه أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح وقام كل واحد عند ركن من الكعبة،

وقت الإسراء

وقت الإسراء: ولما كان في شهر ربيع الأول أسرى بروحه وجسده يقظة من المسجد الحرام................

_ فقالت له قريش: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك، ويمكن الجمع بأن الأربعة عند الأركان والمطعم وباقيهم في المطاف، قال في النور: وفي جواب سهيل والأخنس نظر؛ لأنهما لو لم يكونا ممن يجير لما سألهما النبي صلى الله عليه وسلم، كيف وعامر الذي هو جد سهيل وكعب أخوان ولدا لؤي، انتهى. قيل: ولذا قال -صلى الله عليه وسلم- في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له"، وقيل: لقيامه في نقض الصحيفة ولا مانع أنه لكليهما وسماهم نتنى لكفرهم؛ كما في النهاية وغيرها. وقول المصنف: المراد قتلى بدر الذين صاروا جيفا يرده قول الحديث في أسارى بدر وهذا من شيمه صلى الله عليه وسلم الكريمة تذكر وقت النصر والظفر للمطعم هذا الجميل، ولم يذكر قوله صبح الإسراء كل أمرك كان قبل اليوم أمما هو يشهد أنك كاذب، وقد قال واصفه: لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولما مات المطعم قبل وقعة بدر رثاه حسان بن ثابت؛ كما سأذكره إن شاء الله في غزوتها، ولا ضير فيه؛ لأن الرثاء تعداد المحاسن بعد الموت، ولا ريب أن فعله مع المصطفى من أجلها، فلا مانع منه ومن ذكر نحو كرم أصله وشرفهم هذا، وذكر ابن الجوزي في دخوله -صلى الله عليه وسلم- في جوار كافر، وقوله في المواسم: "من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي"، حكمتين، إحداهما: اختبار المبتلى، أي: معاملته معاملة من يختبر ليسكن قلبه إلى الرضا بالبلاء فيؤدي القلب ما كلف به من ذلك، والثانية: أن بت الشبهة في خلال الحجج لثبات المجتهد في دفع الشبهة، انتهى. وقت الإسراء: "ولما كان في شهر ربيع الأول" أو الآخر أو رجب أو رمضان أو شوال، أقوال خمسة "أسرى بروحه وجسده يقظة" لا مناما مرة واحدة في ليلة واحدة عند جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عنه، وقيل: وقع الإسراء والمعراج في مرتين مناما ويقظة، وقيل: الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة، وقيل: الإسراء يقظة والمعراج منام، وقيل: الخلاف في أنه يقظة أو منام خاص بالمعراج لا بالإسراء، وقيل: الإسراء مرتان يقظة الأولى بلا معراج والثانية به، "من المسجد الحرام" عند البيت في الحطيم أو الحجز.

إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سماوات، ورأى ربه بعيني رأسه، وأوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه الصلاة، ثم انصرف في ليلته إلى مكة. فأخبر بذلك، فصدقه الصديق، وكل من آمن بالله. وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس، فمثله الله له،............

_ وفي رواية: فرج سقف بيتي، وفي أخرى أنه أسرى به من شعب أبي طالب، وفي أخرى: من بيت أم هانئ، وجمع الحافظ بأنه كان في بيت أم هانئ وهو عند شعب أبي طالب ففرج سقف بيته وأضافه إليه؛ لأنه كان يسكنه فنزل منه الملك فأخرجه منه حتى أتى المسجد وبه أثر النعاس ثم أخرجه إلى باب المسجد فأركبه البراق، "إلى المسجد الأقصى" وصرحت السنة بأن دخله، وإليه أشار بقوله: "ثم عرض به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سماوات" إلى حيث شاء العلي الأعلى "ورأى ربه بعيني رأسه" على ما رجحه جمع ونفتها عائشة وابن مسعود، ورجح في المفهم القول بالوقف وعزاه لجماعة من المحققين، وقول عائشة: ما فقدت جسده، إنما احتج به من قال إن الإسراء كان مناما؛ كما سيأتي بسط ذلك للمصنف في مقصده. "وأوحى إليه ما أوحى" أيهم للتعظيم فلا يطلع عليه بل يتعبد بالإيمان به أو {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى: 6] الآية، ألخ أو الجثة حرام على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك أو تخصيصه بالكوثر أو الصلوات الخمس، أقوال. "وفرض عليه الصلاة ثم انصرف في ليلته إلى مكة، فأخبر بذلك" الناس مؤمنهم وكافرهم "فصدقه الصديق" قيل: فلقب بذلك يومئذ، "وكل من آمن بالله" تعالى إيمانا قويا لا تعرض له الشكوك والأوهام فلا ينافي أنه ارتد كثيرا استبعادا للخبر "وكذبه الكفار" وزادوا عليه عتوا "واستوصفوه مسجد بيت المقدس" فسألوه عن أشياء لم يثبتها، قال صلى الله عليه وسلم: "فكربت كربا شديدا لم أكرب مثله قط"، ومن جملة اأشياء قولهم: كم للمسجد من باب، قال: ولم أكن عددتها، "فمثله الله له" وعند ابن سعد: "فخيل إلي بيت المقدس وطفقت أخبرهم عن آياته"، قال الحافظ: يحتمل أن المراد مثل قريبا منه كما قيل في حديث: "أريت الجنة والنار". وفي البخاري: "فجلى الله لي بيت المقدس"، أي: كشف الحجب بيني وبينه حتى رأته ويحتمل أنه حمل حتى وضع حيث يراه ثم أعيد، ففي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار: "فجيء بالمسجد وأنا انظر إليه"، وهذا أبلغ في المعجزة ولا استحالة فيه فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين، انتهى ملخصا.

فجعل ينظر إليه ويصفه. قال الزهري: وكان ذلك بعد المبعث بخمس سنين. حكاه عنه القاضي عياض، ورجحه القرطبي والنووي. واحتج: بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. وتعقب: بأن موت خديجة عبد المبعث بعشر سنين على الصحيح في رمضان، وذلك قبل أن تفرض الصلاة. ويؤيده إطلاق حديث عائشة أن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ويلزم منه أن يكون موتها قبل الإسراء وهو المعتمد، وأما تردده في سنة وفاتها فيرده جزم عائشة بأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين قاله الحافظ ابن حجر.

_ "فجعل ينظر إليه ويصفه" فيطابق ما عندهم ولكن من يضلل الله فما له من هاد، "قال الزهري" الأولى العطف بالواو؛ لأنه مقابل ما أفاده قوله في شهر ربيع الأول من أنه من سنة إحدى عشرة من المبعث؛ لأنه يرتب الوقائع على السنين. "وكان ذلك" الإسراء "بعد المبعث" كذا في النسخ والذي في الفتح عن الزهري قيل الهجرة "بخمس سنين" فيكون بعد المبعث بثمان؛ لأنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، اللهم إلا أن يكون المصنف ألغى مدة الفترة على أنها ثلاث سنين وهذا إن أمكن به صحته لكن المنقول عن الزهري كما ترى خلافه "حكاه عنه القاضي عياض" ورجحه كما في الفتح عنه. "و" كذا "رجحه القرطبي والنووي" تبعا لعياض ثلاثتهم في شرح مسلم "واحتج" عياض وتابعاه "بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعض فرض الصلاة ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة، إما بثلاث أو بخمس ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء وتعقب بأن موت خديجة بعد المبعث بعشر سنين على الصحيح في رمضان وذلك قبل أن تفرض الصلاة" فبطل قولهم: صلت معه الخمس اتفاقا "ويؤيده" أي: الصحيح، "إطلاق حديث عائشة أن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلوات الخمس ويلزم منه أن يكون موتها قبل الإسراء وهو المعتمد، وأما تردده" أي: عياض وتابعيه "في سنة وفاتها" بقوله: إما بثلاث أو بخمس "فيرده جزم عائشة" عند البخاري، "بأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، قاله الحافظ ابن حجر" في فتح الباري، وقال فيه في باب المعراج في جميع ما نفاه أي: عياض وتابعاه من الخلاف نظر، أما أولا فقد حكى العسكري أنا ماتت قبل الهجرة بسبع سنين وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابي أنها ماتت عام

وقيل: الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السيدي وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال. وقيل: كان في رجب. حكاه ابن عبد البر، وقبله ابن قتيبة، وبه جزم النووي في الروضة. وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، فعلى هذا يكون في ذي الحجة، وبه جزم ابن فارس. وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكر ابن الأثير.

_ الهجرة، وأما ثانيا فإن فرض الصلاة اختلف فيه، فقيل: كان من أول البعثة وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وأما الذي فرض ليلة الإسراء، فالصلوات الخمس، وأما ثالثا: فقد جزمت عائشة بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة المكتوبة فالمعتمد أن مراد من قال بعد أن فرضت الصلاة ما فرض قبل الصلوات الخمس إن ثبت ذلك، ومراد عائشة الصلوات الخمس، فيجمع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإسراء، انتهى. "وقيل" كان الإسراء "قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي، وأخرجه من طريقه" أي: عنه، "الطبري" ابن جرير "والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال" لما يجيء أنه خرج إلى المدينة لهلال ربيع الأول وقدمها لاثنتي عشرة خلت منه، وقال الحافظ: فعلى هذا كان في رمضان أو شوال على إلغاء الكسرين، "وقيل: كان في رجب حكاه" أبو عمرو يوسف "بن عبد البر" النمري بفتحتين القرطبي الحافظ المشهور ساد أهل الزمان في الحفظ والاتقان ولد في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، ومات سنة ثلاث وستين وأربعمائة، مر بعض ترجمته. "و" حكاه "قبله" بسكون الباء ظرف أبو محمد عبد الله بن مسلم "بن قتيبة" الدينوري بفتح الدال وتكسر النحوي اللغوي مؤلف أدب الكاتب وغيره ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة سبع وستين ومائتين، "وبه جزم النووي الروضة" تبعا للرافعي وقيل: قبل الهجرة بسنة واحدة قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النووي وقاله ابن حزم وبالغ وادعى فيه الإجماع قال الحافظ: وهو مردود، ففي ذلك خلاف يزيد على عشرة أقوال، "وقيل: قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر فعلى هذا يكون في ذي الحجة" لما مر في خروجه من المدينة، "وبه جزم" أحمد "بن فارس" اللغوي أبو الحسين الرازي الإمام في علوم شتى المالكي الفقيه غل عليه علم النحو ولسان العرب فشهر به له مصنفات وأشعار جيدة مات سنة تسعين، وقيل: خمس وسبعين وثلاثمائة. "وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكر ابن الأثير" وقيل: قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة

وقال الحربي: إنه كان في سابع عشري ربيع الآخر، وكذا قال النووي في فتاويه، لكن قال في شرح مسلم: في ربيع الأول. وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب، واختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي. وأما اليوم الذي يسفر عن ليلتها، فقيل الجمعة، وقيل السبت،.............

_ أشهر، حكاهما ابن الجوزي، وقيل: بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر "وقال": إبراهيم بن إسحاق "الحربي" نسبة إلى محلة الحربية ببغداد، البغدادي شيخ الإسلام الإمام البارع في العلوم الزاهد، مات في ذي الحجة سنة خمس وسبعين ومائتين، "أنه كان في سابع عشري ربيع الآخر" قبل الهجرة بسنة واحدة، ورجحه ابن المنير في شرح سيرة ابن عبد البر كذا نسبه للحربي جمع منهم الحافظ في الفتح، وابن دحية في الابتهاج، والذي نقله ابن دحية في التنوير والمعراج الصغير، وأبو شامة في الباعث، والحافظ في فضائل رجل عن الحربي ربيع الأول. "وكذا قال النووي في فتاويه" على ما في بعض نسخها "لكن قال في شرح مسلم" على ما في بعض نسخه "ربيع الأول" وفي أكثر نسخ الشرح ربيع الآخر والذي في النسخ المعتمدة من الفتاوى الأول، وهكذا نقله عنها الإسنوي والأذرعي والدميري، "وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب" وعليه عمل الناس، قال بعضهم: وهو الأقوى، فإن المسألة إذا كان فيها خلاف للسلف ولم يقم دليل على الترجيح واقترن العمل بأحد القولين أو الاقوال، وتلقى بالقبول فإن ذلك مما يغلب على الظن كونه راجحا. "و" لذا "اختاره الحافظ عبد الغني" ابن عبد الواحد بن علي "بن سرور المقدسي" فنسبه لجد أبيه الحنبلي الإمام أوحد زمانه في الحديث والحفظ الزاهد العابد صاحب العمدة والكمال وغير ذلك، نزل مصر في آخر عمره وبها مات يوم الاثنين ثالث عشرى ربيع الآخر سنة ستمائة وله تسع وخمسون سنة، وقال ابن عطية بعد نقل الخلاف: والتحقيق أنه كان بعد شق الصحيفة، قبل بيعة العقبة، وقيل: كان قبل المبعث، قال الحافظ: وهو شاذ إلا أن حمل على أنه وقع حينئذ في المنام. "وأما اليوم الذي يسفر" بفتح الياء وكسر الفاء من سفرت الشمس: طلعت، "عن ليلتها" أي: الذي يطلع فجره بعد ليلتها وبضمها من أسفر الصبح إسفارا أضاء، أي: الذي يضيء بعد ليلتها وعن بمعنى بعد عليهما، "فقيل" هو "الجمعة" أي: اليوم المسمى به، "وقيل": هو "السبت" أي: يومه.

وعن ابن دحية: يكون إن شاء الله تعالى يوم الاثنين، ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات: وجودا ونبوة ومعراجا وهجرة ووفاة. وستأتي إن شاء الله تعالى قصة الإسراء والمعراج وما فيهما من المباحث والله الموفق والمعين.

_ "وعن ابن دحية" الحافظ أبي الخطاب عمر بفتح الدال وكسرها نسبة إلى جده الأعلى دحية بن خليفة الكلبي الصحابي؛ لأنه كان يقول إنه من ولده، "يكون إن شاء الله تعالى يوم الاثنين ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات وجودا ونبوة ومعراجا وهجرة ووفاة" لكن في عده المعراج شيء؛ لأنه محل النزاع فكيف يستدل به؟ وحاصله؛ كما قال الشامي أنه استنبطه بمقدمات حساب من تاريخ الهجرة وحاول موافقته لتلك الأطوار، وقال: يكون الاثنين في حقه كالجمعة لآدم، "وستأتي إن شاء الله تعالى قصة الإسراء والمعراج وما فيهما من المباحث" في المقصد الخامس، وإنما ذكر هنا زمن وقوعه مراعاة لالتزامه ترتيب الوقائع، "والله الموفق" للخير "والمعين" عليه لا غيره.

ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار

ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار: ولما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج -صلى الله عليه وسلم- في الموسم الذي لقي فيه الأنصار -الأوس والخزرج.

_ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار: "ولما أراد الله تعالى إظهار دينه" انتشاره بين الناس ودخولهم فيه، "وإعزاز نبيه" تصييره عزيزا معظما عند جميع الناس، ومنع من يريده بسوء بعدما لقي من قومه، "وإنجاز موعده" تعالى "له" صلى الله عليه وسلم، أي: نصره على أعدائه، فهو تفسير لما قبله، وقد قال تعالى: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33] ، وفي الصحيح: "إن الله روى ليس الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما روى لي منها". "خرج صلى الله عليه وسلم في الموسم" وكان في رجب كما في حديث جابر عند أصحاب السنن "الذي لقي فيه الأنصار" جمع ناصر كأصحاب وصاحب على تقدير حذف ألف ناصر لزيادتها، فهو ثلاثي يجمع على أفعال قياسا، ويقال: جمع نصير كشريف وأشراف على القياس وجمعوا جمع قلة وإن كانوا ألوفا؛ لأن جمع القلة والكثرة إنما يعبتران في نكرات الجموع.

فعرض -صلى الله عليه وسلم- نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم،..........

_ أما في المعارف فلا فرق بينهما وتسميتهم بالأنصار حينئذ باعتبار المآل وإلا فهو اسم إسلامي لما فازوا به دون غيرهم من نصره -صلى الله عليه وسلم- وإيوائه ومن معه ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم. "الأوس والخزرج" بنصبهما على البدلية، وفي نسخة بواو عطف التفسير سموا باسم جديهما الأعليين الأوس والخزرج الأكبر، ولدى حارثة بن ثعلبة، قال السهيلي: الأوس في الأصل الذئب والعطية والخرزج الريح الباردة، وفي الصحاح الأوس العطية والذئب وبه سمي الرجل، وفيه أيضا الخزرج ريح، قال الفراء: الجنوب غير مجراة فلم يقيده بالباردة، وتبعه القاموس لكنه قال الأوس إلا عطاء، وبينه وبين العطية التي عبر بها فرق. "فعرض -صلى الله عليه وسلم- نفسه على قبائل العرب" بأمر الله تعالى؛ كما في حديث علي الآتي، "كما كان يصنع في كل موسم" ذكر الواقدي أنه -صلى الله عليه وسلم- مكث ثلاث سنين مستخفيا، ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة فيردون عليه أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: قومك أعلم بك، فكان ممن سمي لنا من تلك القبائل بنو عامر بن صعصعة ومحارب وفزارة وغسان ومرة وحنيفة وسليم وعبس وبنو نصر والبكاء وكندة وكعب والحارث بن كعب وعذرة والحضارمة، وذكر نحوه ابن إسحاق بأسانيد متفرقة. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كان قبل الهجرة يعرض نفسه على القبائل ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول: "لا أكره أحد منكم بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالات ربي"، فلا يقبله أحد بل يقولون: قوم الرجل أعلم به، وأخرج أحمد والبيهقي وصححه ابن حبان عن ربيعة بن عباد بكسر المهملة وخفة الموحدة، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله تعالى. وروى أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم، عن جابر: كان -صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على الناس بالموسم، فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"، فأتاه رجل من همدان فأجابه ثم خشي أن لا يتبعه قومه فجاء إليه، فقال: آتي قومي فأخبرهم ثم أتيك من العام المقبل، فانطلق الرجل وجاء وفد الأنصار في رجب. وأخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن عن ابن عباس: حدثني علي بن أبي طالب، قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدم أبو بكر وكان نسابة، فقال: من القوم؟ قالوا:

فبينما هو عند العقبة، لقي رهطا من الخزرج، أراد الله بهم خيرا، فقال لهم: "من أنتم"؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم"؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان من صنع الله، أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيا سيبعث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه. فلما كلمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عرفوا النعت، فقال بعضهم لبعض:

_ من ربيعة، قال: من أي ربيعة أنتم؟ قالوا: من ذهل، فذكر حديثا طويلا في مراجعتهم وتوقفهم أخيرا عن الإجابة، قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخرزج وهم الذين سماهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأنصار لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره، قال: فما نهضنا حتى بايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم. "فبينما هو عند العقبة" الأولى كما في ابن إسحاق، أي: عقبة الجمرة كما جزم به غير واحد، واستظهره البرهان تبعا للمحب الطبري إذ ليس ثم عقبة أظهر منها، ويجوز أن المراد بها المكان المرتفع عن يسار قاصد منى، ويعرف عند أهل مكة مسجد البيعة، وعليه فالمعنى في مكان قريب من العقبة، "لقي رهطا" رجالا دون عشرة "من الخزرج" لا ينافي قوله: أولا الأوس والخرزج؛ لجواز أنه لقيهم من جملة القبائل قبل لقي أولئك الرهط من الخزرج، "أراد الله بهم خيرا" هو الهداية للدين القويم، "فقال لهم: "من أنتم"؟ قالوا: نفر" بفتحتين "من الخزرج" زاد ابن إسحاق: قال: "أمن موالي يهود"؟ قالوا: نعم، يعني من حلفائهم؛ لأنهم كانوا تحالفوا على التناصر والتعاضد، "قال: "أفلا تجلسون أكلمكم" بالجزم جواب الطلب وجازمه شرط مقدر على الصحيح، ويجوز الرفع على الاستئناف، "قالوا: بلى" زاد في رواية: من أنت؟ فانتسب لهم وأخبرهم خبره، "فجلسوا معه" وفي رواية: وجدهم يحلقون رءوسهم فجلس إليهم، "فدعاهم إلى الله" وبين المراد منه بقوله: "وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن" أي: بعضه، "وكان من صنع الله أن اليهود كانوا معهم" مع الأوس والخزرج "في بلادهم كانوا أهل كتاب" وعلم وكانوا هم أصحاب شرك أصحاب أوثان وكانوا قد عزوهم ببلادهم؛ كما عند ابن إسحاق "وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء" من خصومة أو محاربة "قالوا" أي: اليهود "إن نبيا سيبعث" السين لتخليص الفعل عن وقت التكلم فلا تنافي بينه وبين قوله: "الآن" أي: الزمان الذي فيه الحروب والمخالفة بينهم وإن امتد وأطلق اسم الآن عليه للعرف في مثله، ولفظ المصنف هو ما في الفتح عن ابن إسحاق، ولفظ العيون عنه أن نبيا مبعوث الآن "قد أظل" قرب "زمانه نتبعه فنقتلكم معه" قتل عاد وإرم؛ كما في ابن إسحاق، أي: نستأصلكم، "فلما كلمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عرفوا النعت" الوصف الذي كانوا يسمعونه قبل من اليهود، "فقال بعضهم لبعض"

لا تسبقنا اليهود إليه. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، فأسلم منهم ستة نفر وكلهم من الخزرج وهم: أبو أمامة، أسعد بن زرارة. وعوف بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء. ورافع بن مالك بن العجلان.

_ بادروا لاتباعه "لاتسبقنا اليهود إليه" وفي رواية: فلما سمعوا قوله أيقنوا به واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه وعرفوا ما كانوا يسمعون من صفته، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقونكم إليه، "فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام" وكانوا من أسباب الخير الذي سبب له -صلى الله عليه وسلم، "فأسلم منهم ستة نفر" وقيل: ثمانية، ذكره غير واحد "وكلهم من الخزرج" أتى به مع علمه من قوله: لقي رهطا من الخزرج لما قد يتوهم أنه انضم إليهم وقت الإسلام بعض الأوس، أو لدفع توهم التغليب لما جرت به عادتهم من تغليب الخزرج على الأوس والخزرج معا، قال شيخنا البابلي: ولم يعكس ذلك فرارا من إشعار لفظ الأوس بالذم؛ لأنه معناه لغة الذئب ولزجر البقر والمعز بخلاف لفظ الخزرج، فإنما يشعر بالمدح لأنه الريح أو الريح الباردة. "وهم أبو أمامة أسعد" بألف قبل السين الساكنة "ابن زرارة" بضم الزاي النجاري شهد العقبات الثلاث، وكان أول من صلى الجمعة على قول، وأول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأول ميت صلى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا قول الأنصار، أما المهاجرون، فقالوا: أول ميت صلى عليه عثمان بن مظعون، رواه الواقدي. قال في الإصابة: واتفق أهل المغازي والأخبار على أن أسعد مات في حياته -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة سنة إحدى من الهجرة في شوال. "وعوف بن الحارث بن رفاعة" بكسر الراء وبالفاء النجاري استشهد ببدر، "وهو ابن عفراء" بنت عيد النجارية الصحابية وهي أم معاذ ومعوذ وإليها ينسبون، "ورافع بن مالك بن العجلان" ضد المتاني الزرقي بزاي فراء فقاف العقبي اختلف في شهوده بدرا، قال ابن إسحاق: هو أول من قدم المدينة بسورة يوسف. وروى الزبير بن بكار عن عمر بن حنظلة أن مسجد بني زريق أول مسجد قرئ فيه القرآن، وأن رافع بن مالك لما لقيه -صلى الله عليه وسلم- بالعقبة أعطاه ما أنزل عليه في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع المدينة ثم جمع قومه فقرأ عليهم في موضعه، قال: وتعجب -صلى الله عليه وسلم- من اعتدال قبلته،

وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر بن نابي. وجابر بن عبد الله بن رئاب، وليس بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام.

_ استشهد بأحد، "وقطبة" بضم القاف وسكون المهملة "ابن عامر بن جديدة" بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين، أبو الوليد السلمي، حضر العقبات الثلاث وبدرا والمشاهد، قال أبو حاتم: مات في خلافة عمر، وقال ابن حبان: في خلافة عثمان. "وعقبة" بضم العين وسكون القاف "ابن عامر بن نابي" بنون فألف فموحدة منقوص كالقاضي، قال ابن دريد: من نبا ينبو إذا ارتفع؛ كما في النور، وفي سبل الرشاد بنون فألف فموحدة فتحتية، السلمي حضر بدرا وسائر المشاهد واستشهد باليمامة، "وجابر بن عبد الله بن رياب" بكسر الراء فتحتية خفيفة فألف فموحدة ضبطه ابن ماكولا وغيره ابن النعمان بن سنان السلمي شهد بدرا وما بعدها، له حديث عند الكلبي عن أبي صالح عنه رفعه في قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] ، قال: يمحو من الرزق، قال ابن عبد البر: لا أعلم له غيره، ورده في الإصابة بأن البغوي وابن السكن وغيرهما رووا عنه: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مر بي ميكائيل في نفر من الملائكة" الحديث، قال البغوي: لا أعرف له غيره، وهو مردود أيضا بالحديث قبله، وبأن البخاري في التاريخ روى عنه قصة أبي ياسر بن أخطب والأحاديث الثلاثة طرقها ضعيفة، انتهى ملخصا. "وليس" جابر هذا "بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام" بفتح المهملة الأنصاري الصحابي بن الصحابي، وجابر بن عبد الله في الصحابة خمسة، الثالث جابر بن عبد الله العبدي من عبد القيس، الرابع: جابر ن عبد الله الراسبي نزل البصرة، روى ابن منده عنه رفعه: "من عفا عن قاتله دخل الجنة"، قال ابن منده: غريب إن كان محفوظا. وقال أبو نعيم: قوله الراسبي وهم، إنما هو الأنصاري. الخامس: جابر بن عبد الله الأنصاري استصغره النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد فرده وليس بالذي يروى عنه الحديث، رواه ابن سعد عن زيد بن حارثة وذكره الطبري وكذا اليعمري في المغازي كما في الإصابة، فقصر البرهان في قوله: إنهم أربعة، فترك الخامس مع أن ممن ذكره اليعمري الذي حشاه هو ونبه على أنه غير راوي الحديث، لكن البرهان قال في غزوة أحد: هو إما الراسبي أو العبدي، انتهى. وفيه نظر للتصريح بأنه أنصاري وأيضا فالعبدي من وفد عبد القيس وإنما وفدوا سنة تسع ولهم قدمة قبلها سنة خمس، وأُحد سنة ثلاث باتفاق. وقوله أيضا: لا أعلم رواية لغير جابر بن عبد الله بن عمرو تقصير، فقد علمت أن لابن رياب ثلاثة أحاديث وكذا العبدي، فقد روى أحمد

ومن أهل العلم بالسير، من يجعل فيهم عبادة بن الصامت، ويسقط جابر بن رئاب، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم: "تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي". فقالوا: يا رسول الله، إنما كانت بعاث أول عام أول، يوم من أيامنا، اقتتلنا به،

_ والبغوي عنه، قال: كنت في وفد عبد القيس مع أبي فنهاهم -صلى الله عليه وسلم- عن الشرب في الأوعية.. الحديث. "ومن أهل العلم بالسير" كما قال أبو عمر "من يجعل فيهم عبادة بن الصامت" أبا الوليد البدري وحضر سائر المشاهد، مات بفلسطين ودفن ببيت المقدس عن الأشهر، وقيل: بالرملة سنة أربع وثلاثين، وحكى ابن سعد أنه بقي إلى خلافة معاوية وأمه قرة العين بنت عبادة أسلمت وبايعت. "ويسقط جابر بن رياب" نسبة لجده كما علم، ولكن الأول قول ابن إسحاق وتبعه جماعة وبه صدر في الفتح، ثم قال: وقال موسى بن عقبة عن الزهري وأبو الأسود عن عروة هم أسعد ورافع ومعاذ بن عفراء، ويزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة، ويقال كان فيهم عبادة بن الصامت وذكوان، انتهى. واختلف في أول الأنصار إسلاما، فقال ابن الكلبي وغيره: أولهم رافع بن مالك، وقال ابن عبد البر: جابر بن عبد الله بن رياب، وقال مغلطاي: لما ذكر ابتداء إسلام الأنصار فأسلم منهم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس، فلما كان من العام المقبل في رجب أسلم منهم ستة، وقيل: ثمانية فذكرهم، انتهى. ويمكن الجمع بأن أسعد ما أظهره إلا مع الخمسة أو السبعة المذكورين معه وإن رافعا وابن رياب أول من أظهره من الستة. "فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم: "تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي"، فقالوا: يا رسول الله، إنما كانت بعاث" بضم الموحدة، وحكى القزاز فتحها وتخفيف المهملة فألف فمثلثة، وذكر الأزهري أن الليث صحفه عن الخليل بغين معجمة، وذكر عياض أن الأصيلي رواه بالمهملة والمعجمة، وأن رواية أبي ذر بالمعجمة فقط، ويقال: إن أبا عبيدة ذكره بالمعجمة أيضا وهو مكان، ويقال: حصن، يقال: مزرعة عند بني قريظة على ميلين من المدينة كانت به وقعة بين الأوس والخزرج قتل فيها كثير منهم وكان رئيس الأوس حضير والد أسيد الصحابي، ويقال له رئيس الكتاب، ورئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي وقتلا يومئذ وكان النصر فيها أولا للخزرج، ثم ثبتهم حضير فرجعوا وانتصرت الأوس، ذكره الفتح، قال في المطالع: يجوز صرف بعاث وتركه. قال العيني: إذا كان اسم يوم صرف وإذا كان اسم بقعة منع للتأنيث والعلمية، انتهى. "أول عام أول" بالإضافة ومنعه ابن السكيت وأجازه غيره كالعام الأول، وهو "يوم من أيامنا اقتتلنا به" ذكر أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني أن سبب ذلك أنه كان من قاعدتهم أن الأصيل

فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا، لعل الله أن يصلح ذات بيننا، وندعوهم إلى ما دعوتنا، فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل. وانصرفوا إلى المدينة. ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

_ لا يقتل بالحليف، فقتل أوسي حليفا للخزرج فأرادوا أنه يقتدوه فامتنعت فوقعت الحرب بينهم لأجل ذلك فقتل فيها من أكابر من كان لا يؤمن، أي: لا يتكبر ويأنف أن يدخل في الإسلام حتى لا يكون تحت حكم غيره، وإلى ذلك أشارت عائشة رضي الله عنها؛ بقولها في الصحيح: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم، فقدم رسول الله وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم وجرحوا، قال الحافظ: وقد كان بقي منهم من هذا النحو عبد الله بن أُبي ابن سلول وكانت هذه الوقعة قبل الهجرة بخمس سنين على الأصح، وقيل: بأربعين سنة، وقيل بأكثر. "فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا" وقد فعل كما أشار إليه -صلى الله عليه وسلم- يوم خطبهم، بقوله: "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي"، "وندعوهم" أي: عشائرنا، "إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد" بالنصب اسم لا النافية للجنس، "أعز منك" بالرفع خبرها وهو أظهر من رفع أحد ونصب أعز على أنها نافية للوحدة لإفادة النافية للجنس التنصيص على العموم. "وموعدك الموسم العام المقبل وانصرفوا إلى المدينة، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم" لتحدثهم بما علموا منه فظهر وانتشر، "فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلا، وفي الإكليل" اسم كتاب للحكام بكسر الهمزة وسكون الكاف وهو في الأصل؛ كما في الفتح العصابة التي تحيط بالرأس وأكثر استعماله إذا كانت العصابة مكللة بالجوهر، وهي من سمات ملوك الفرس، وقيل: أصله ما أحاط بالظفر من اللحم ثم أطلق على كل ما أحاط بشيء ما.

فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلا -وفي الإكليل: أحد عشر- وهي العقبة الثانية، فأسلموا فيهم خمسة من الستة المذكورين، وهم: أبو أمامة. وعوف بن عفراء، ورفع بن مالك وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، ولم يكن جابر بن عبد الله بن رياب لم يحضرها. والسبعة تتمة الاثني عشر هم: معاذ بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور. وذكوان بن عبد قيس الزرقي، وقيل إنه رحل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة فسكنها معه، فهو مهاجري أنصاري قتل يوم أحد.

_ "أحد عشر وهي العقبة الثانية" وعدها أولى ابن إسحاق وغيره باعتبار المبايعة أو بالنسبة للثالثة؛ كما في نحو: ادخلوا الأول فالأول فسمى غير الأول أولا بالنسبة لمن بعده، "فأسلموا فيهم خمسة من الستة المذكورين" في الأولى "وهم أبو أمامة" أسعد بن زرارة "وعوف بن عفراء ورافع بن مالك وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر بن نابي ولم يكن منهم جابر بن عبد الله بن رياب لم يحضرها" صفة لازمة لمجرد التأكيد "والسبعة تتمة الاثني عشر وهم معاذ بن الحارث بن رفاعة" كما في العيون وأقره البرهان وبه جزم في الإصابة، وأبدل الشامي معاذا بأخيه معوذ وضبطه بصيغة اسم الفاعل ولكن لم يذكر ذلك في الإصابة في ترجمة معوذ، "وهو" أي: معاذ المشهور بأنه "ابن عفراء" أمه "أخو عوف المذكور" وأخو معوذ أيضا الثلاثة أشقاء وأخوتهم لأمهم إياس وعاقل وخالد وعامر بنو البكير الليثي وشهد السبعة بدرا وهل جرح معاذ بأحد فمات بالمدينة من جراحته أو شهد جميع المشاهد، ومات في خلافة عثمان وفي خلافة علي أقوال حكاها أبو عمر. قال ابن الأثير: وزعم ابن الكلبي أنه استشهد ببدر لم يوافق عليه، "وذكوان" بفتح المعجمة وإسكان الكاف، "ابن عبد قيس" البدري "الزرقي" بتقديم الزاي المضمومة على الراء وكذا كل ما في نسب الأنصار، قاله ابن ماكولا وغيره نسبه إلى جده زريق الخزرجي يكنى أبا اليسع. "وقيل: إنه رحل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة فسكنها معه، فهو مهاجري أنصاري" وبه جزم أبو عمر وتبعه الذهبي وروى الواقدي عن حبيب بن عبد الرحمن، قال: خرج أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس إلى عتبة بن ربيعة بمكة فسمعا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتياه فأسلما ولم يقربا عتبة وكانا أول من قدم المدينة بالإسلام، "قتل يوم أحد" قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق فشد علي رضي الله عنه على أبي الحكم فقتله، وقال -صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن ينظر إلى رجل يطأ بقدمه غدًا خضرة الجنة، فلينظر إلى هذا"، رواه ابن المبارك.

وعبادة بن الصامت بن قيس. وأبو عبد الرحمن، يزيد بن ثعلبة البلوي. والعباس بن عبادة بن نضلة. وهؤلاء من الخزرج، ومن الأوس رجلان: أبو الهيثم بن التيهان، من بني عبد الأشهل.

_ "وعبادة" بمهملة مضمومة فموحدة "ابن الصامت بن قيس" بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج، "وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة" بن خزمة بفتح المعجمتين ضبطه الدارقطني كالطبري، وقال ابن إسحاق والكلبي بسكون الزاي ابن أصرم بن عمرو بن عمارة بفتح العين وشد الميم ابن مالك بن فران بفتح الفاء وتخفيف الراء وتشديدها، ويقال فيه أيضا فاران بن بلى، "البلوي" بفتحتين نسبة إلى جده: بلى هذا حليف الخزرج، ذكر ابن إسحاق أنه شهد العقبة الثانية، وقال الطبري شهد العقبتين، "والعباس بن عبادة بن نضلة" بنون مفتوحة وضاد معجمة ابن مالك بن العجلان، روى ابن إسحاق أنه قال: إنكم تأخذون محمدا على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذ أنهكتكم الحرب أسلمتموه، فمن الآن فاتركوه وإن صبرتم على ذلك فخذوه، قال عاصم بن عمر: والله ما قال ذلك إلا ليشد العقد، وقال عبد الله بن أبي بكر لحضور ابن سلول: وأقام العباس بمكة حتى هاجر معه -صلى الله عليه وسلم- فكان أنصاريا مهاجريا واستشهد بأحد، "وهؤلاء من الخزرج ومن الأوس رجلان أبو الهيثم" مالك، ويقال: عبد الله "ابن التيهان" بفتح الفوقية فتحتية مخففة عند أهل الحجاز مشددة عند غيرهم، قال السهيلي: واسمه أيضا مالك، لكن في الإصابة: يقال التيهان لقب واسمه مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعوراء الأنصاري الأوسي، وزعوراء وأخو عبد الأشهل شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها وشهد صفين مع علي في قول الأكثر، ويقال: قتل بها سنة سبع وثلاثين، ويقال: مات سنة عشرين، ويقال: سنة إحدى وعشرين، قال أبو أحمد الحاكم: ولعلها أصوب، وقد قال الواقدي: لم أر من يعرف أنه قتل بصفين ولا يثبته، وقيل: مات في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر: هذا لم يتابع عليه قائله، انتهى ملخصا. "من بني عبد الأشهل" على حذف مضاف، أي: بني أخي عبد الأشهل، وفي الاستيعاب: حليف بني عبد الأشهل، ونسبه أوسيا، قال السهيلي: وأنشد فيه ابن رواحة: فلم أر كالإسلام عزا لأهله ... ولا مثل أضياف الأراشي معشرا فجعله أراشيا نسبة إلى أرأشه في خزاعة، وإلى أراش بن لحيان بن الغوث، وقيل: إنه بلوي من بني أرأشة بن فاران بن بلى والهيثم لغة العقاب وضرب من العشب، وبه أو بالأول سمي

وعويم بن ساعدة. فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، أي وفق بيعتهم التي أنزلت عند فتح مكة وهي: أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، والسمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط.............

_ الرجل، انتهى. "وعويم" بضم المهملة وفتح الواو وسكون التحتية فميم ليس بعدها راء، "ابن ساعدة" ابن عائش بتحتية وشين معجمة بن قيس بن النعمان شهد العقبتين وبدرا وباقي المشاهد، ومات في خلافة عمر عن خمس أو ست وستين سنة، ووقف عمر على قبره، وقال: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير من صاحب هذا القبر، ما نصبت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- راية إلا وعويم تحت ظلها، أخرجه البخاري في التاريخ، وبه جزم غير واحد وهو أصح من قول الواقدي: مات عويم في حياته -صلى الله عليه وسلم؛ كما في الإصابة. "فأسلموا وبايعوا" كما رواه ابن إسحاق عن عبادة، قال: كنت فيمن حضر العقبة وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "على بيعة النساء، أي: على وفق بيعتهم" أي: المذكورين من إضافة المصدر لمفعوله، أي: إن بيعة النساء "التي أنزلت عند فتح مكة" وفق بيعة هؤلاء النفر، وجعل بيعة النساء موافقة لتأخيرها عن هذه "وهي أن لا نشرك بالله شيئا" عام؛ لأنه نكرة في سياق النهي كالنفي وقدم على ما بعده؛ لأنه الأصل "ولا نسرق" بحذف المفعول ليدل على العموم كان فيه قطع أم لا، "ولا نزني ولا نقتل أولادنا" خصهم بالذكر؛ لأنهم كانوا غالبا يقتلونهم خشية الإملاق ولأنه قتل وقطيعة رحم فصرف العناية إليه أكثر، "ولا نأتي ببهتان" قال المصنف وغيره، أي: يكذب يبهت سامعه، أي: يدهشه لفظاعته، كالرمي بالزنا والفضيحة والعار "نفتريه" نختلقه "بين أيدينا وأرجلنا" أي: من قبل أنفسنا فكنى باليد والرجل عن الذات؛ لأن معظم الأفعال بهما أو إن البهتان ناشئ عما يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل ثم يبرزه بلسانه، أو المعنى لا نبهت الناس بالمعايب كفاحا مواجهة، انتهى. "ولا نعصيه" -صلى الله عليه وسلم- "في معروف" قيد به، تطيبيا لقلوبهم إذ لا يأمر إلا به، أو تنبيها على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، "و" نعطيه "السمع والطاعة" فهما بالنصب بفعل محذوف أو بالجر عطف على بيعة النساء أو على معروف، قال الباجي: السمع هنا يرجع إلى معنى الطاعة، "في العسر واليسر" أي: عسر المال ويسره "والمنشط" بفتح الميم والمعجمة

والمكره، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: فإن وفيتم فلكم الجنة، ومن غشي من ذلك شيئا كان أمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. ولم يفرض يومئذ القتال.

_ بينهما نون ساكنة، أي: ما تنشط له النفوس مما يسرها "والمكره" ما تكرهه النفوس مما يشق عليها، والمراد أنهم يطيعونه -صلى الله عليه وسلم- في كل أمره ونهيه سهل أو شق، "وأثرة" بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما وبكسر الهمزة وسكون المثلثة، كما ذكره المصنف في حديث: "ستلقون بعدي أثرة"، وهو بالجر والنصب أيضا، أي: وعلى أثرة أو نعطيه أثره "علينا" بأن نرضى بفعله استبد لنفسه أو لغيره لكن لم يقع استئثاره لنفسه أو لغيره، لكن لم يقع استئثار لنفسه الشريفة في الأمور الدنيوية عليهم ولا على غيرهم إلا في نحو الزوجات ولسن بدنيوية محضة، "وأن لا ننازع الأمر" الملك والإمارة "أهله" فلا نتعرض لولاة الأمور حيث كانوا على الحق، قال الباجي في شرح الموطأ: يحتمل أنه شرط على الأنصار ومن لبس من قريش أن لا ينازعوا قريشا ويحتمل عمومه في جميع الناس أن لا ينازعوا من ولاه الله الأمر منهم، وإن كان فيهم من يصلح له إذا صار لغيره، قال السيوطي: والصحيح الثاني، ويؤيده أن في مسند أحمد زيادة وإن رأيت أن لك في الأمر حقا ولابن حبان وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، وزاد البخاري إلا أن تروا كفر بواحا، أي: ظاهرا باديا، انتهى. "وأن نقول" ضمنه معنى نعترف فعداه بالباء، "بالحق" أي: "نعترف به" حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم" بل نتصلب في ديننا واللومة المرة من اللوم، وفيها: وفي تنكير لائم مبالغتان "ثم قال عليه الصلاة والسلام" بعد هذه المبايعة "فإن وفيتم فلكم الجنة" فضلا من الله "ومن غشى" بغين وشين معجمتين، أي: فعل، "من ذلك شيئا كان أمره مفوضا إلى الله إن شاء عذبه" بعدله، "وإن شاء عفا عنه" بفضله، "ولم يفرض يومئذ القتال" فلم يبايعهم عليه. وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ متقاربة لكن لم يقع في رواية الشيخين التصريح بأن المبايعة هذه ليلة العقبة، نعم إخراج البخاري الحديث في وفود الأنصار ظاهر في وقوعها ليلتئذ، وبه جزم عياض وغيره، لكن رجح الحافظ أن المبايعة ليلة العقبة، إنما كانت على الإيواء والنصر وما يتعلق بذلك، وأما على الصفة المذكورة فإنما هي بعد فتح مكة وبعد نزول آية الممتحنة بدليل ما في البخاري في حديث عبادة هذا أنه -صلى الله عليه وسلم- لما بايعهم قرأ الآية كلها، ولمسلم فتلا علينا آية النساء، وله أيضا أخذ علينا كما أخذ على النساء، وعند النسائي "ألا تبايعوني على ما أبايع عليه النساء". وفي حديث أبي هريرة: ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا وإسلام أبي هريرة متأخر عن

ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام. وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم. وكتبت الأوس والخزرج إلى النبي -صلى الله عليه وسلم: ابعث إلينا من يقرئنا القرآن، فبعث إليهم مصعب بن عمير. وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى مصعب بن عمير أن

_ ليلة العقبة عند ابن أبي خيثمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال -صلى الله عليه وسلم: "أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا"، فذكر نحو حديث عبادة ورجاله ثقات، فإذا كان عبد الله بن عمرو ممن حضر البيعة وليس أنصاريا ولا ممن حضر بيعتهم، وإنما أسلم قرب إسلام أبي هريرة وضح تغاير البيعتين، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة حضر البيعتين معا، وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقيته؛ فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء، توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن بيعة العقبة وقعت على ذلك، وإنما وقعت على الإيواء والنصر وما يتعلق بذلك، انتهى ملخصا. وقال المصنف: الراجح أن التصريح بذلك، أي: بأن بيعة العبة وقعت على وفق بيعة النساء، وهم من بعض الرواة؛ والذي دل عليه الأحاديث أن البيعة ثلاثة العقبة، وكانت قبل فرض الحرب، والثانية بعد الحرب على عدم الفرار، والثالثة على نظير بيعة النساء، انتهى. "ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم" وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كان أبي إذا مسع الأذان للجمعة استغفر لأسعد بن زرارة، فسألته فقال: كان أول من جمع بنا بالمدينة. "وكتب الأوس والخزرج إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ابعث إلينا من يقرئنا القرآن فبعث إليهم مصعب بن عمير" وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين وكان يسمى بالمدينة المقرئ والقارئ ونزل على أسد بن زرارة، وذلك أن الأوس والخزر كره بعضهم أن يؤمهم بعض، هكذا ذكرها ابن إسحاق في رواية وذكر في رواية أخرى أنه -صلى الله عليه وسلم- بعث مع الاثني عشر رجلا مصعب بن عمير العبدري، وهو الذي ذكره ابن عقبة. قال البيهقي وسياق ابن إسحاق أتم، انتهى. وجمع بجواز أنه أرسله معهم ابتداء واتفق أنهم كانوا كتبوا له قبل علمهم بإرساله وفيه بعد. "وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى مصعب بن عمير أن

يجمع بهم.. الحديث، وكانوا أربعين رجلا. فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار، وأسلم في جماعتهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير،.........

_ يجمع بهم ... الحديث" ولفظه عن ابن عباس: أذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة ولا يبدي ذلك لهم فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا زال النهار عن شطره فتقربوا إلى الله بركعتين. قال: فهو أول من جمع حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع عند الزوال وأظهر ذلك، ولا تنافي بين هذا وبين قوله قبل كان أسعد يجمع بهم، الموافق لقول كعب بن مالك: أول من جمع بهم أسعد؛ لأن جمع مصعب بمعاونته لأنه لما نزل عليه وكان يقوم بأمره وسعى في التجميع نسب إليه لكونه سببا في الجمع. "وكانوا أربعين رجلا" كما رواه أبو داود: وصريح هذا أنهم إنما جمعوا بأمره -صلى الله عليه وسلم؛ وروى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن سيرين، قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله المدينة وقبل أن ينزل بهم الجمعة، فقال الأنصار: إن اليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد من زرارة فصلى بهم يومئذ وأنزل الله بعد ذلك: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} [الجمعة: 9] الآية، قال الحافظ: فهذا يدل على أنهم اختاروه بالاجتهاد، وقال السهيلي: تجميع الصحابة الجمعة وتسميتهم إياها بهذا الاسم هداية من الله لهم قبل أن يؤمروا بها، ثم نزل سورة الجمعة بعد ن هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة فاستقر فرها واستمر حكمها، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم: "أضلته اليهود والنهارى وهداكم الله له"، قال الحافظ: ولا يبعد أنه -صلى الله عليه وسلم- علم بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها. وقد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني ولذا جمع بهم أول ما قدم المدينة؛ كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوقيف، انتهى. يعني أنهم لما اجتهدوا فيه، وأجمعوا على فعله يوم الجمعة قدم عليهم الكتاب النبوي إلى مصعب بالجمع بهم فوافق اجتهادهم النص، فلذا قال: هداكم الله له، "فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصاري الأوسي سيدهم وافق حكمه حكم الله واهتز عرش الرحمن لموته، "وأسيد" بضم الهمزة وفتح السين "ابن حضير" بضم المهملة وفتح

وأسلم بإسلامهم جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد، الرجال والنساء، ولم يبق منهم أحد إلا أسلم، حاشا الأصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل الجنة. ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة، بل كانوا كلهم حنفاء مخلصين رضي الله عنهم. ثم قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في العقبة الثالثة في العام المقبل في ذي الحجة، أوسط أيام التشريق منهم سبعون رجلا وقال ابن سعد: يزيدون.............

_ المعجمة ابن سماك بن عنيك الأنصاري الأوسي الأشهلي المتوفى في خلافة عمر سنة عشرين على الأصح وصلى عليه عمر، أسلما في يوم واحد أسيد أولا ثم سعد والقصة مبسوطة في السير. "وأسلم بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل" بفتح الهمزة والهاء بينهما معجمة ساكنة آخره لام ابن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس، قال ابن دريد: زعموا أن الأشهل صنم "في يوم واحد الرجال والنساء ولم يبق منهم أحد إلا أسلم" وذلك أن سعدا لما ذهب لمصعب وأسلم أقبل إلى نادي قومه ومعه أسيد، فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال في الرواية: فوالله ما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة. "حاشي الأصيرم" بصاد مهملة تصغير أصرم وبه يلقب أيضا وقدمه بعض على المصغر، "وهو عمرو" بفتح العين "ابن ثابت" بمثلثة "ابن وقش" بفتح الواو وسكون القاف وتفتح وشين معجمة، ويقال: أقيش، وقد ينسب إلى جده فيقال عمرو بن أقيش، "فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد" بأحد "ولم يسجد لله سجدة وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل الجنة" رواه ابن إسحاق بإسناد حسن مطولا عن أبي هريرة، أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل صلاة قط فإذا لم يعرفه الناس، قال: هو أصيرم بني عبد الأشهل ... فذكر الحديث. "ولم يكن في" بني "عبد الأشهل منافق ولامنافقة، بل كانوا كلهم حنفاء مخلصين رضي الله عنهم" وهذه منقبة عظيمة "ثم قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في العقبة الثالثة في العام المقبل في ذي الحجة أوسط أيام التشريق منهم" أي: الأنصار، "سبعون رجلا" كما ورد من حديث جابر وأبي مسعود الأنصاري وقطع به الحافظ في سيرته، وقدمه مغلطاي "وقال ابن سعد: يزيدون

رجلا أو رجلين -وامرأتان. وقال ابن إسحاق: ثلاث وسبعون وامرأتان. وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسا. فكان أول من ضرب على يده عليه السلام البراء بن معرور. ويقال أسعد بن زرارة،.........

_ رجلا أو رجلين وامرأتان" عطف على سبعون "وقال ابن إسحاق: ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان" وعينهما ابن إسحاق، فقال: نسيبة، أي: بفتح النون وكسر المهملة بنت كعب بن عمرو بن عوف المازني البخاري شهدت هذه العقبة مع زوجها زيد بن عاصم وولديها حبيب وعبد الله، والثانية، أسماء بنت عمرو بن عدي بن ناني، وقد صدر في الاستيعاب، يقول ابن إسحاق. قال اليعمري: هذا العدد هو المعروف وإن زاد في التفصيل على ذلك فليس بزيادة في الجملة، وإنما هو بمحل الخلاف فيمن شهد، فبعض الرواة يثبته وبعضهم يثبت غيره بدله وقد وقع ذلك في أهل بدر وشهداء أحد وغير ذلك، انتهى. وبينهم هو وغيره بما يطول ذكره. "وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسا" هو عين ما قبله إن لم يثبت أنه كان فيهم أكثر من امرأتين، "فكان" كما روى الحاكم من طريق ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس "أول من ضرب على يده عليه السلام" في البيعة ليلة العقبة "البراء" بفتح الباء الراء ممدود مخففا "ابن معرور" بميم مفتوحة فمهملة ساكنة فراء مضمومة فواو فراء ثانية. قال السهيلي: معناه مقصود بن صخر الخزرجي السلمي، ابن عمة سعد بن معاذ، كان سيد قومه وأفضلهم، قدم في هذه العقبة مسلما وصلى في سفره ذلك إلى الكعبة مع نسخها باجتهاد منه، وخالفه غيره، فلما سأله -صلى الله عليه وسلم، قال له: "قد كنت على قبلة لو صبرت عليها"، ولم يأمر بالإعادة. قال السهيلي: لأنه كان مأولا ثم أمره أن يستقبل المقدس فأطاع، فلما حضر موته أمر أهله أن يوجهوه قبل الكعبة، ومات في صفر قبل قدومه -صلى الله عليه وسلم- بشهر، قاله ابن إسحاق وغيره، وأوصى بثلث ماله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقبله ثم رده على ولده وهو أول من أوصى بثلثه، "ويقال" كما نله ابن إسحاق عن بني عبد الأشهل "أسعد بن زرارة" ورواه العدني عن جابر، وزاد: وهو أصغر السبعين إلا أنا، وأخرج ابن سعد عن سليمان بن نجيم، قال: تفاخرت الأوس والخزرج فيمن ضرب على يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة أول الناس، فقالوا: لا أحد أعلم به من العباس بن عبد المطلب فسألوه، فقال: ما أحد أعلم بهذا مني، أول من ضرب على يده -صلى الله عليه وسلم- تلك الليلة

على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأحمر والأسود. وكانت أول آية نزلت في الإذن بالقتال {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} [الحج: 39] وفي الإكليل {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 111] الآية. ونقب عليهم اثني عشر نقيبا. وفي حديث جابر عند أحمد بإسناد صحيح، وصححه الحاكم وابن حبان: مكث -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم بمنى وغيرها، يقول: "من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة"؟ حتى يعثنا الله له من...........

_ أسعد بن زرارة ثم البراء بن معرور ثم أسيد بن الحضير. "على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وعلى حرب الأحمر والأسود" قال في النور: يعني العرب والعجم، والظاهر أنه يجيء فيه ما جاء في بعثه -صلى الله عليه وسلم- إلى الأسود والأحمر العجم والعرب أو الجن والإنس؛ لأنه مبعوث للكل بخلاف الحرب "وكانت أول آية نزلت في الإذن بالقتال": {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} [الحج: 39] الآية"، كما قاله الزهري عن عروة عن عائشة أخرجه النسائي، "وفي الإكليل" أول آية نزلت في الإذن به، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 111] الآية، وهذه فائدة استطرادية هنا، المناسبة المبايعة على الحرب، "ونقب عليهم اثني عشر نقيبا" قال السهيلي: اقتداء بقوله تعالى في قوم موسى: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} [المائدة: 12] . قال ابن إسحاق: تسعة من الخزرج: أسعد بن زرارة، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ورافع بن مالك، وأبو جابر عبد الله بن عمرو، والبراء بن معرور، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبادة بن الصامت. وثلاثة من الأوس: أسيد بن حضير، وسعيد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة، وروى البيهقي عن الإمام مالك حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير له إلى من يجعله نقيبا، وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قال للنقباء: "أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم"، قالوا: نعم. "وفي حديث جابر" بن عبد الله "عند أحمد بإسناد صحيح وصححه الحاكم وابن حبان: مكث -صلى الله عليه وسلم" بمكة "عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بمنى وغيرها، يقول: "من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة"، أن أسلم "حتى بعثنا" معشر الأنصار "الله له من

يثرب، فذكر الحديث. وفيه: "وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة". الحديث. وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثقا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، ومؤكدا على أهل يثرب، وكان يومئذ على دين قومه.

_ يثرب" المدينة المنورة "فذكر الحديث" وهو فصدقناه فرحل إليه منا سبعون رجلا فواعدناه شعب العقبة، فقلنا: علام نبايعك، فقال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. "وفيه" عقب هذا: "وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".. الحديث، ولأحمد من وجه آخر عن جابر، قال: كان العباس آخذ بيد رسول الله، فلما فرغنا، قال -صلى الله عليه وسلم: "أخذت وأعطيت"، وللبزار عن جابر، قال: قال -صلى الله عليه وسلم- للنقباء من الأنصار: "تؤوني وتمنعوني"، قالوا: نعم، فما لنا؟ قال: "الجنة". وروى البيهقي بإسناد قوي عن الشعبي ووصله الطبري من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: انطلق -صلى الله عليه وسلم- معه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة، فقال له أبو أمامة، يعني أسعد بن زرارة، سل يا محمد لربك ولنفسك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب قال: "أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم"، قالوا: فما لنا؟ قال: "الجنة"، قالوا: ذلك لك، وأخرجه أحمد من الوجهين جميعا وعند ابن إسحاق، فقال أبو الهيثم: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال، أي: اليهود، حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم والهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم". "وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثقا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومؤكدا على أهل يثرب وكان يؤمئذ على دين قومه" إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، فلما جلس كان أول متكلم، فقال: إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، فقالوا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لربك ولنفسك ما أحببت.. الحديث، ذكره ابن إسحاق، والله أعلم.

باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة

باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة: قال ابن إسحاق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة، وكانت سرا عن كفار قريش، أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كان معه بالهجرة....

_ باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة: قال -صلى الله عليه وسلم: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب"، رواه الشيخان. وروى البيهقي عن صهيب رفعه: "رأيت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين، فإما أن تكون هجر أو يثرب"، ولم يذكر اليمامة. وأخرج الترمذي والحاكم عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الله أوحى إلي -أي هؤلاء الثلاثة- نزلت هي دار هجرتك المدينة أو الحرين أو قنسرين"، زاد الحكام: فاختار المدينة صححه الحاكم وأقره الذهبي في تلخيصه، لكنه قال في الميزان: ما في الصحيح من ذكر اليمامة؛ لأن قنسرين من الشام من جهة حلب واليمامة إلى جهة اليمن، إلا إن حمل على اختلاف المأخذ فالأول جرى على مقتضى الرؤية، والثاني خير بالوحي، فيحتمل أنه أُري أولا ثم خير ثانيا، فاختار المدينة. وفي الصحيح مرفوعا: "أريت دار هجرتكم بين لابتين"، قال الزهري: وهما الحرتان. قال ابن التين: رأى -صلى الله عليه وسلم- دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرا ثم رأى الصفة المختصة بالمدينة فتعينت، انتهى. "قال ابن إسحاق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول لله -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة، وكانت سرا" عن كفار قومهم و"عن كفار قريش" هكذا عند ابن إسحاق أنها كانت سرا عن الفريقين فكأنه سقط من قلم المصنف أو لم يتعلق به غرضه، أي كفار الأنصار الذين قدموا معهم حجاجا، قال الحاكم: وكانوا خمسمائة، ثم ظهرت لهم بعد، ففي حديث عائشة وأبي أمامة ابن سهل: لما صدر السبعون من عنده -صلى الله عليه وسلم- طابت نفسه، وقد جعل الله له منعة أهل حرب ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلنون من الخروج فضيقوا على أصحابه وأتعبوهم ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكوا للنبي -صلى الله عليه وسلم، فقال: "قد أريت دار هجرتكم سبخة"، ثم مكث أياما ثم خروج مسرورا، فقال: "قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد منكم أن يخرج فليخرج إليها"، فجعلوا يتجهزون ويترافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك، وهذا معنى قوله: "أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كان معه بالهجرة" بعد الأذى والشكوى، الرؤيا والإخبار بالوحي أنها يثرب، خلاف مقتضى جعله جواب لما من اتصاله بالبيعة، وأنهما في زمن واحد.

إلى المدينة. فخرجوا أرسالا، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج، فكان أول من هاجر من مكة إلى المدينة أو سلمة بن عبد الأسد، قبل بيعة العقبة بسنة، قدم من الحبشة لمكة، فآذاه أهلها، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار فخرج إليهم.

_ "إلى المدينة" علم على النبوة بحيث إذا أطلق لا يتبادر إلى غيرها، سميت بذلك في القرآن، وبالدار ودار والإيمان في التوراة بطابة وطائب وطيبة والمسكينة والجابرة والمحبة والمحبوبة والقاصمة والمجبورة والعذراء والمرحومة، وفي مسلم: "إن الله سمى المدينة طابة". وفي الطبراني: "إن الله أمرني أن أسمي المدينة طيبة"، ومن أسمائها دار الأخيار والإسلام ودار الأبرار، وغير ذلك إلى نحو مائة اسم، وكثرة الأسماء آية شرف المسمى، وألف في ذلك المجد الشيرازي مؤلفا حافلا. "فخرجوا أرسالا" بفتح الهمزة، أي: أفواجا وفرقا متقطعة وأحدهم رسل بفتح الراء والسين؛ كما في النور. قال شيخنا: وفيه تغليب فقد خرج كثير منهم منفردين مستخفين. "وأقام" صلى الله عليه وسلم "بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج، فكان أول من هاجر من مكة إلى المدينة" بنصب أول خبر كان واسمها "أبو سلمة" عبد الله "بن عبد الأسد" بسين ودال مهملتين؛ كما في السبل، ابن هلال المخزومي البدري أخو المصطفى من الرضاعة وابن عمته برة، وقال فيه: أول من يعطي كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد الأسد، رواه ابن أبي عاصم توفي سنة أربع عند الجمهور، وهو الراجح. وفي الاستيعاب سنة ثلاث. وفي التجريد تبعا لابن منده سنة اثنتين. "قبل: بيعة العقبة بسنة" وذلك أنه "قدم من الحبشة لمكة فآذاه أهلها وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار" وهم الاثنا عشر أصحاب العقبة الثانية؛ كما قال ابن عقبة "فخرج إليهم" وكلام المصنف متناف؛ إذ أوله صريح في أن خروج أبي سلمة بعد العقبة الثالثة، وهذا صريح في أنه قبلها، إلا أن تكون الفاء بمنزلة الواو ليست مرتبة على أمره -صلى الله عليه وسلم- بل غرضه مجرد الإخبار عن أول من هاجر، وهذا قول ابن إسحاق وبه جزم ابن عقبة، وأنه أول من هاجر مطلقا. وفي الصحيح عن البراء: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم. قال الحافظ: فيجمع بينهم بحمل الأولية على صفة خاصة هي أن أبا سلمة خرج لا لقصد الإقامة بالمدينة، بل فرارا من المشركين بخلاف مصعب، فكان على نية الإقامة بها، وجمع شيخنا بأن خروج مصعب، لما كان لتعليم من أسلم بالمدينة لم يعده من الخارجين لأذى المشركين بخلاف أبي سلمة، انتهى. وفي النور حاصل الأحاديث في أول من هاجر، هل هو مصعب وبعده ابن أم مكتوم، أو أبو سلمة، أو عبد الله بن جحش، وحاصلها في النسوة أم سلمة، أو ليلى بنت أبي حثمة، أو أم

ثم عامر بن ربيعة وامرأته ليلى، ثم عبد الله بن جحش. ثم المسلمون أرسالا،

_ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أو الفارعة بنت أبي سفيان. "ثم عامر بن ربعية" المذحجي أو العنزي بسكون النون من عنز بن وائل أحد السابقين الأولين، هاجر إلى الحبشة بزوجته أيضا شهد بدرا وما بعدها، وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين وغيرهما توفي سنة ثلاثا أو اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك. "و" معه "امرأته ليلى" بنت أبي حثمة بفتح المهملة وسكون المثلثة ابن غانم، قال أبو عمر: هي أول ظعينة قدمت المدينة، وقال موسى بن عقبة وغيره: أولهن أم سلمة، وجمع بأن ليلى أول ظعينة مع زوجها وأم سلمة وحدها. فقد ذكر ابن إسحاق: أن أهلها بني المغيرة حبسوها عن زوجها سنة ثم أذنوا لها في اللحاق به، فهاجرت وحدها حتى إذا كانت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة العبدري، وكان يؤمئذ مشركا فشيعها حتى إذا أوفى على قباء، قال لها: زوجك في هذه القرية ثم رجع إلى مكة، فكانت تقول: ما رأيت صاحبا قط أكرم من عثمان، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده بالشجر، ثم يضطجع تحت شجرة، فإذا دنا الرواح قام إلى البعير فرحله ثم استأخر عني، وقال: اركبي، فإذا استوت عليه أخذ بخطامه فقادني، قال البرهان: ويكفيه من مناقبه هذه التي يثاب عليها في الإسلام على الصحيح لحديث حكيم: "أسلمت على ما سلف لك من خير"، انتهى. "ثم عبد الله بن جحش" بأهله وأخيه أبي أحمد عبد بلا إضافة، الصحيح؛ كما قاله السهيلي تبعا لابن عبد البر. وقيل: اسمه ثمامة ولا يصح، وقيل: عبد الله وليس وليس بشيء كان ضريرا يطوف أعلى مكة وأسفلها بلا قائد فصيحا شاعرا، وعنده الفارعة بمهملة بنت أبي سفيان، ومات بعد العشرين وكان منزلهما ومنزل أبي سلمة على مبشر بن عبد المنذر بقباء في بني عمرو بن عوف، قال أبو عمر: هاجر جميع بني جحش بنسائهم فعدا أبو سفيان على دارهم فتملكها، زاد غيره فباعها من عمرو بن علقمة العامري، فذكر ذلك عبد الله بن جحش لما بلغه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال: "ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا في الجنة خيرا منها"؟ قال: بلى، قال: "فذلك لك"، فلما فتح مكة كلمة أبو أحمد في دارهم فأبطأ عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: يا أبا أحمد، إنه -صلى الله عليه وسلم- يكره أن ترجعوه في شيء أصيب منكم في الله، فأمسك أبو أحمد عن كلام رسول الله، هكذا في العيون. وسقط في الشامية فاعل أمسك فأوهم أنه أمر وإنما هو فعل مات. "ثم المسلمون أرسالا" ومنهم عمار بن ياسر وبلال وسعد بن أبي وقاص؛ كما في

ثم عمر بن الخطاب وأخوه زيد وعياش بن أبي ربيعة في عشرين راكبا، فقدموا المدينة فنزلوا في العوالي.

_ الصحيح أنهم هاجروا قبل عمر. "ثم عمرو بن الحطاب" أمير المؤمنين تقدم قول ابن مسعود: كان إسلام عمر عزا وهجرته نصرا وأمارته رحمة، وأخرج ابن عساكر وابن السمان في الموافقة عن علي، قال: ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا، إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وأنفض بدنة، أي: أخرج أسهما من كنانته وجعلها في يديه معدة للرمي بها، واختصر عترته، أي: حملها مضمومة إلى خاصرته، ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها فطاف بالبيت سبعا ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه لا يرغم الله إلا هذه المغاطس، من أراد أن تثلكه أمه أو يؤتم ولده أو ترمل زوجته فيلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم إليه، ثم مضى لوجهه. "وأخوه زيد" بن الخطاب أسن من عمر وأسلم قبله وشهد بدرا والمشاهد، واستشهد باليمامة وراية المسلمين بيده سنة اثنتي عشرة، وحزن عليه عمر شديدا، وقال: سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي واستشهد قبلي. "وعياش" بفتح المهملة وشد التحتية وشين معجمة "ابن أبي ربيعة" واسمه عمرو، ويلقب ذا الرمحين بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن محزوم القرشي المخزومي من السابقين الأولين وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل إلى أن رجع من المدينة إلى مكة فحبسوه، فكان -صلى الله عليه وسلم- يدعو له في القنوت؛ كما في الصحيحين. وقول العسكري: شهد بدرا غلطوه، مات بالشام سنة خمس عشرة، وقيل: استشهد باليمامة، وقيل: باليرموك "في عشرين راكبا" كما في الصحيح عن البراء، وسمى ابن إسحاق منهم زيا وعياشا المذكورين وعمرا وعبد الله ابني سراقة بن المعتمر العدوي، وخنيس بن حذافة السهمي، وسعيد بن زيد، وواقد بن عبد الله، وخولي بن أبي خولي، ومالك بن أبي خولي، واسم أبي خولي عمرو بن زهير وبنو البكير أربعتهم إياس وعاقل وعامر وخالد، وزاد ابن عائذ في مغازيه: الزبير، قال في الفتح: فلعل بقية العشرين كانوا من أتباعهم. "فقدموا المدينة فنزلوا" على رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر بقباء؛ كما قاله ابن إسحاق وهو بيان قوله تبعا لأبي عمر، "في العوالي" جمع عالية، قال السمهودي: وهي ما كان في جهة قبلتها من قباء وغيرها على ميل فأكثر لما قالوه في السنح بضم المهملة وسكون النون وتضم وحاء مهملة أنه بالعوالي على ميل من المسجد النبوي، وهو أدناه وأقصاها عمارة ثلاثة أميال أو

ثم خرج عثمان بن عفان، حتى لم يبق معه -صلى الله عليه وسلم- إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر. كذا قال ابن إسحاق، قال مغلطاي وفيه نظر لما يأتي بعده. وكان الصديق كثيرا ما يستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة فيقول: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا، فيطمع أبو بكر أن يكون هو.

_ أربعة وأقصاها مطلقا ثمانية أميال أو ستة. "ثم خرج عثمان بن عفان" ذو النورين أمير المؤمنين وتتابع الناس بعده، "حتى لم يبق معه -صلى الله عليه وسلم- إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر" الصديق؛ "كذا قال ابن إسحاق" وغيره "قال مغلطاي: وفيه نظر، لما يأتي بعده" في كلام ملغطاي من أنه لما رأى ذلك، أي: هجرة الجماعة من كان بمكة يطيق الخروج خرجوا، فطلبهم أبو سفيان وغيره فردوهم وسجنوهم، فافتتن منهم ناس، ولما ذكر ابن هشام وغيره أن صهيبا لما أراد الهجرة، قال له الكفار: أتينا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك!! والله لا يكون ذلك، فقال صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي، فتركوه فسار حتى قدم المدينة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال له: "ربح بيعك ثلاثا"، والجواب: أن المعنى لم يبق ممن قدر على الخروج، وقد عبر اليعمري وغيره بلفظ: لم يتخلف معه أحد من المهاجرين إلا من حبس بمكة أو افتتن إلا علي وأبو بكر، قال البرهان الحلبي: هذا صحيح لا اعتراض عليه. "وكان الصديق كثيرا ما يستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة" إلى المدينة بعد أن رد على ابن الدغنة جواره؛ كما في حديث عائشة في البخاري، قالت: وتجهز أبو بكر قبل المدينة، ولابن حبان عنها: استأذن أبو بكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخروج من مكة، "فيقول: "لا تعجل، لعل الله أن يجعل لك صاحبا"، فيطمع أبو بكر أن يكون هو" وعند البخاري: فقال: له -صلى الله عليه وسلم: "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي" فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك؟ بأبي أنت وأمي، قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر، ورسلك بكسر الراء والرسل السير الرفيق. وفي رواية ابن حبان: فقال: "اصبر"، ولفظ أنت مبتدأ خبره بأبي، ويحتمل أنه تأكيد لفاعل ترجو، وبأبي قسم، وحبس نفسه منعها. وفي رواية ابن حبان: فانتظره أبو بكر؛ والسمر بفتح المهملة وضم الميم، وقوله: وهو الخبط مدرج من تفسير الزهري، وفي قوله: أربعة أشهر بيان المدة التي كانت بين ابتداء هجرة الصحابة بين العقبة الأولى والثانية، وبين هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم.

ثم اجتمع قريش ومعهم إبليس، في صورة شيخ نجدي، في دار الندوة، دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمره عليه الصلاة والسلام..................،

_ ومر أن بين العقبة الثانية وبين هجرته -صلى الله عليه وسلم- شهرين وبعض شهر على التحرير، انتهى من فتح الباري. "ثم اجتمع قريش" قال ابن إسحاق: لما رأوا هجرة الصحابة وعرفوا أنه صار له أصحاب من غيرهم فحذروا خروجه وعرفوا أنه أجمع لحربهم، فاجتمعوا "ومعهم إبليس في صورة شيخ نجدي" وذلك أنه وقف على باب الدار في هيئة شيخ جليل عليه بت، بفتح الموحدة وشد الفوقية، قيل: كساء غليظ أو طيلسان من خز، قال في النور: والظاهر أنه فعل ذلك تعظيما لنفسه، فقالوا: من الشيخ؟ قال: من نجد، سمع بالذي اتعدتم له فحضر ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم رأيا ونصحا، قالوا: ادخل، فدخل "في دار الندوة" بفتح النون والواو بينهما مهملة ساكنة ثم تاء تأنيث "دار قصي بن كلاب" قال ابن الكلبي: وهي أول دار بنيت بمكة. وحكى الأزرقي: أنها سميت بذلك لاجتماع الندى فيها يتشاورون، والندى الجماعة ينتدون، أي: يتحدثون، فلما حج معاوية اشتراها من الزبير العبدري بمائة ألف درهم ثم صارت كلها بالمسجد الحرام، وهي في جانبه الشمالي. وقال الماوردي: صارت بعد قصي لولده عبد الدار فاشتراها معاوية عن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وجعلها دار الإمارة. وقال السهيلي: صارت بعد بني عبد الدار إلى حكيم بن حزام فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم زمن معاوية فلامه، وقال: أبعت مكرمة آبائك وشرفهم، فقال حكيم: ذهبت والله المكارم إلا التقوى، والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، وقد بعتها بمائة ألف وأشهدكم أن ثمنها في سبيل الله، فأينا المغبون، ذكر ذلك الدارقطني في رجال الموطأ، انتهى. "وكان قريش لا تقضي أمرا إلا فيها" قيل: وكانوا لا يدخلون فيها غير قرشي إلا إن بلغ أربعين سنة بخلاف القرشي، وقد أدخلوا أبا جهل ولم تتكامل لحيته واجتمعوا يوم السبت ولذا ورد يوم السبت يوم مكر وخديعة، "يتشاورون فيما يصنعون في أمره عليه الصلاة والسلام" وكانوا مائة رجل كما في المولد لابن دحية، وزعم بن دريد في الوشاح أنهم كانوا خمسة عشر رجلا، فقال أبو البختري بفتح الموحد وسكون المعجمة وفتح الفوقية فراء فياء كياء النسب، ابن هشام المقتول كافرا ببدر: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله، فقال النجدي: ما هذا برأي، والله لو حبستموه ليخرجن أمره من وراء

فأجمع رأيهم على قتله وتفرقوا على ذلك. فإن قيل: لم تمثل الشيطان في صورة نجدي؟ فالجواب: لأنهم قالوا -كما ذكره بعض أهل السير- لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة؛ لأن هواهم مع محمد، فلذلك تمثل في صورة نجدي. انتهى. ثم أتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:............

_ الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم تكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا برأي، فانظروا في غيره، فقال أبو الأسود: ربيعة بن عمرو العامري، قال في النور: لا أعلم ماذا جرى له، نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فلا نبالي أين ذهب، فقال النجدي لعنه الله: والله ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب، فيغلب بذلك عليهم من قوله حتى يتابعوه عليكم، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا، فقال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه، أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمد إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه ويتفرق دمه في القبائل، فلا تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فنعقله لهم، فقال النجدي لعنه الله: القول ما قال، لا أرى غيره. "فأجمع رأيهم على قتله وتفرقوا على ذلك" هكذا رواه ابن إسحاق، وفي خلاصة الوفاء: وصوب إبليس قول أبي جهل: أرى أن يعطى خمسة رجال من خمس قبائل سيفا فيضربوه ضربة رجل واحد، انتهى. فلعلهم استبعدوا عليه قوله: من كل قبيلة؛ إذ لا يمكن عشرون مثلا أن يضربوا شخصا ضربة واحدة، فقال لهم: خمسة رجال. "فإن قيل: لم تمثل الشيطان في صورة نجدي؟ فالجواب": كما قال السهيلي في الروض "لأنهم قالوا، كما ذكره بعض أهل السير: لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة؛ لأن هواهم" أي: ميلهم، "مع محمد، فلذلك تمثل في صورة نجدي، انتهى". ووقع له ذلك أيضا يوم وضع الحجر الأسود قبل النبوة، فصاح: يا معشر قريش! أقد رضيتم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، فإن صح فلمعنى آخر "ثم أتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:

لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كان الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبوا عليه، فأمر عليه السلام عليا فنام مكانه، وغطى ببرد أخضر، فكان أول من شرى نفسه في الله ووفى بها رسول الله وفي ذلك يقول علي. وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجاه ذو الطول الإله من المكر

_ لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كان الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه"، بضم الصاد: يرقبونه، "حتى ينام فيثبوا عليه، فأمر عليه السلام عليا فنام مكانه وغطي ببرد" له -صلى الله عليه وسلم- بأمره بقوله كما رواه ابن إسحاق: "وتسج بردي هذا الحضري الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم"، وكان -صلى الله عليه وسلم- ينام في برده ذلك إذا نام "أخضر" قيل: كان يشهد به الجمعة العيدين بعد ذلك عند فعلهما وعورض بقول جابر: كان يلبس رداء أحمر في العيدين والجمعة، وجمع باحتمال أن الخضرة لم تكن شديدة فتجوز من قا أحمر. "فكان" علي "أول من شرى" باع "نفسه في الله، ووفى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم" واستشكل هذا بقوله عليه السلام: "أن يخلص إليك شيء تكرهه"؛ لأن بعد خبر الصادق تحقق أن لا يصيبه ضرر وأجيب بجواز أنه أخبره بذلك بعد أمره بالنوم وامتثاله فصدق أنه بالامتثال باع نفسه قبل بلوغ الخبر، ويحمل أنه فهم أنه لن يخلص إليك ما دام البرد عليك لجعله ذلك علة لأمره بتغطيه به والبرد لا يؤمن زواله عنه بريح أو انقلاب في نوم، فصدق مع هذا أنه باع نفسه. وأما معارضة رواية ابن إسحاق: "لن يخلص إليك"، بأنه لم يذكرها المقريزي في الأمتاع، وإنما فيه أنه أمره ينام مكانه لأمر جبريل له بذلك، ففاسدة، إذ الترك لا يقضي على الذاكر مع أن روايته لا علة لها إلا إرسال الصحابي وليس بعلة وهب إن ما في الأمتاع رواية لا علة فيها، فزيادة الثقة مقبولة، ولكن القوس في يد غير باريها. "وفي ذلك يقول علي: "وقيت بنفسي خير من طئ الثرى ... ومن طاف وبالبيت العتيق وبالحجر" "رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجاه ذو الطول الإله من المكر" وبعدهما في الشامية وغيرها: وبات رسول الله في الغار آمنا ... موقى وفي حفظ الإله وفي ستر وبت أراعيهم وما يتهمونني ... وقد وطنت نفسي على القتل والأسر يتهمونني بضم التحتية من اتهمه بكذا إتهاما أدخل عليه التهمة؛ كما في القاموس. ومر

ثم خرج -صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ الله على أبصارهم، فلم يره أحد منهم، ونثر على رءوسهم كلهم ترابا كان في يده، وهو يتلو قوله تعالى: {يس} إلى قوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} ...............

_ ما صوبه الزمخشري أنه لم يقل إلا بيتين مرا في أول من أسلم، لكن في مسلم: فقال علي، أي: مجيبا لمرحب اليهودي يوم خيبر: أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره إلا أن يقال لم يقل في غير الافتخار الجائز في الحرب، هذا وما في الإحياء أن الله أوحى إلى جبريل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بحياة، فاختار كل منهما الحياة، فأوحى الله إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، ينادي: بخ بخ، من مثلك يابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة، وفيه نزل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 207] الآية. فقال الحافظ ابن تيمية: إنه كذب، باتفاق علماء الحديث والسير. وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: رواه أحمد مختصرا عن ابن عباس شرى علي نفسه فلبس ثوب النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم نام مكانه.. الحديث، وليس فيه ذكر جبريل وميكائيل ولم أقف لهذه الزيادة على أصل، والحديث منكر، انتهى. ورد أيضا بأن الآية في البقرة وهي مدنية اتفاقا، وقد صحح الحاكم نزولها في صهيب. "ثم خرج -صلى الله عليه وسلم" من الباب عليهم "وقد أخذ الله على أبصارهم فلم يره أحد منهم" وروى ابن منده وغيره عن مارية خادم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها طأطأت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين، قال البرهان: والأولى أولى؛ لأن ابن إسحاق أسنده وما فيه إلا الإرسال، أي: إرسال الصحابي، وهو ابن عباس وحديث مارية فيه مجاهيل فإن صحا وفق بينهما، انتهى. بأن يكون صعد الحائط ليراهم ثم رجع وخرج من الباب أو يكون أراد ذلك أولا كراهة رؤيتهم، ثم ترك ذلك ثقة بالله تعالى، وخرج من الباب. "ونثر على رءوسهم كلهم ترابا كان في يده، وهو يتلو قوله تعالى: {يس} [يس: 1] ، إلى قوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] . قال الإمام السهيلي: يؤخذ منه أن الشخص إذا أراد النجاة من ظالم أو من يريد به سوءا وأراد الدخول عليه يتلو هذه الآيات، وقد روى ابن أبي أسامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ذكر في فضل

ثم انصرف حيث أراد. فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ههنا؟ قالوا: محمدا، قال: قد خيبكم الله، قد والله خرج محمد عليكم، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل يده على رأسه، فإذا عليه تراب.

_ يس إن قرأها خائف أمن، أو جائع أشبع، أو عار كسي أو عاطش سقي، أو سقم شفي، حتى ذكر خلالا كثيرة. "ثم انصرف حيث أراد" روى أحمد بإسناد حسن تشاورت قريش ... الحديث. وفيه: فأطلع الله نبيه على ذلك فبات علي على فراشه، وخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى لحق بالغار، أي: غار ثور؛ كما في رواية ابن هشام وغيره، فأفاد أنه توارى فيه حتى أتى أبا بكر منه في نحر الظهيرة، ثم خرج إليه هو وأبو بكر ثانيا، وبهذا علم الجواب عن قوله في النور: لم أقف على ما صنع من حين خروجه إلى أن جاء إلى أبي بكر في نحو الظهيرة، ووقع في البيضاوي، فبيت عليا على مضجعه وخرج مع أبي بكر إلى الغار. وفي سيرة الدمياطي: أنه ذهب تلك الليلة إلى بيت أبي بكر، فكان فيه إلى الليلة، أي: المقبلة، ثم خرج هو وأبو بكر إلى جبل ثور، انتهى. وفيه أن الثابت في الصحيح أنه عليه السلام أتى أبا بكر في نحر الظهيرة. وفي رواية أحمد: جعل انتهاء خروجه بعد أن بيت عليا على فرشه لحوقه بالغار، فيفيد ما قلنا، والله أعلم. "فأتاهم آت" قال في النور: لا أعرفه، "ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ههنا، قالوا: محمدا!! قال: قد خيبكم الله قد والله خرج محمد عليكم ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا" قال البرهان: وحكمة وضع التراب دون غيره الإشارة لهم بأنهم الأرذون الأصغرون الذين أرغموا وألصقوا بالرغام وهو التراب، أو أنه سيلصقهم بالتراب بعد هذا. "وانطلق لحاجته فما ترون ما بمكم فوضع كل رجل يده على رأسه، فإذا عليه تراب" بقية رواية ابن إسحاق: ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا برد رول الله -صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم عليه برده، فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش، فقالوا: لقد صدقنا الذي كان حدثنا وعند أحمد، فبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتفقوا عليه فلما أصبحوا ورأوا عليا رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، وعند ابن عقبة عن الزهري: وباتت قريش يختلفون ويأتمرون أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، فلما أصبحوا إذا هم بعلي.

وفي رواية ابن أبي حاتم، مما صححه الحاكم من حديث ابن عباس: فما أصاب رجلا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا. وفي هذا نزل قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال: 30] الآية. ثم أذن الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة. قال ابن عباس: بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ...............

_ قال السهيلي: ذكر بعض أهل السير أنهم هموا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم وهتكنا ستر حرمتنا، فهذا الذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا. "وفي رواية ابن أبي حاتم مما صححه الحاكم من حديث ابن عباس: فما أصاب رجلا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا" لا يشكل على القول بأنهم كانوا مائة، وقتلى بدر سبعون لجواز أن التراب الذي كان بيده فيه حصى فمن أصابه الحصى قتل، ومن أصابه التراب لم يقتل "وفي هذا نزل" بعد ذلك بالمدينة يذكره الله نعمته عليه؛ كما في نفس رواية ابن أبي حاتم هذه قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 30] الآية، وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة "ليثبتوك" يوثقوك ويحبسوك إشارة لرأي أبي البختري فيه "أو يقتلوك" كلهم قتلة رجل واحد إشارة لرأي أبي جهل فيه الذي صوبه صديقه إبليس لعنهما الله، "أو يخرجوك" من مكة منفيا إشارة لرأي أبي الأسود: {اتْلُ} [النعكبوت: 45] ، الآية أي: بقيتها وهي ويمكرون ويمكر الله، أي: بهم بتدبير أمرك بأن أوحي إليك ما دبروه وأمرك بالخروج والله خير الماكرين أعلمهم به، زاد ابن إسحاق: ونزل قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} [الطور: 30، 31] . هذا وروى ابن جرير عن المطلب بن أبي وداعة أن أبا طالب، قال للنبي -صلى الله عليه وسلم: ما يأتمر بك قومك؟ قال: "يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني"، قال: من حدثك بهذا؟ قال: "ربي"، قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرا، قال: "أنا أستوصي به هو يستوصي بي" فنزلت: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 30] الآية، قال الحافظ ابن كثير: ذكر أبي طالب فيه غريب بل منكر؛ لأن القصة ليلة الهجرة وذلك بعد موت أبي طالب بثلاث سنين. "ثم أذن الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، قال ابن عباس بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي} [الإسراء: 80] ، المدينة {مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] " إدخالا مرضيا لا أرى فيه ما أكره، {وَأَخْرِجْنِي} [الإسراء: 80] من مكة {مُخْرَجَ صِدْقٍ} إخراجا لا ألتفت إليها

وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] أخرجه الترمذي وصححه الحاكم. فإن قيل ما الحكمة في هجرته عليه السلام إلى المدينة وإقامته بها إلى أن انتقل إلى ربه عز وجل؟ أجيب: بأن حكمة الله تعالى قد اقتضت أنه عليه السلام تتشرف به الأشياء، لا أنه يتشرف بها، فلو بقي عليه السلام في مكة إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم أنه قد تشرف بها، إذ إن شرفها قد سبق بالخليل وإسماعيل، فأراد الله تعالى أن يظهر شرفه عليه السلام فأمره بالهجرة إلى المدينة، فلما هاجر إليها تشرفت به، حتى وقع الإجماع على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة صلوات الله وسلامه عليه.

_ يقلبي {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] "، قوة تنصرني بها على أعدائك. "أخرجه الترمذي وصححه" هو و"الحاكم" في المستدرك "فإن قيل: ما الحكمة في هجرته عليه السلام" من مكة "إلى المدينة وإقامته بها إلى أن انتقل إلى ربه عز وجل" وهلا أقام بها إذ هي دار أبيه إسماعيل التي نشأ ومات بها وفي حديث: "قبر إسماعيل في الحجر"، رواه الديلمي عن عائشة مرفوعا بسند ضعيف. "أجيب بأن حكمة الله تعالى قد اقتضت أنه عليه السلام تتشرف به الأشياء" حتى الأزمنة والأمكنة "لا أنه يتشرف بها، فلو بقي عليه السلام في مكة إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم أنه قد تشرف بها إذ إن شرفها قد سبق بالخليل وإسماعيل، فأراد الله تعالى أن يظهر شرفه عليه السلام فأمره بالهجرة إلى المدينة"، ولذا لم تكن إلى الأرض المقدسة مع أنها أرض المحشر والمنشر وموضع أكثر الأنبياء، لئلا يتوهم ما ذكر أيضا "فلما هاجر إليها تشرفت به" لحلوله فيها وقبره بها، "حتى وقع الإجماع" كما حكاه عياض والباجي وابن عساكر "على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة صلوات الله وسلامه عليه" حتى من الكعبة لحلوله فيه، بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنه أفضل من العرض، وصرح الفاكهاني بتفضيله على السماوات، بل قال البرماوي: الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف م كل ما سواها من الأرض والسماء. ومحل الخلاف في أن السماء أفضل أو الأرض غير ذلك، كما كان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يقرره، انتهى.

وذكر الحاكم أن خروجه عليه السلام كان بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبا منها. وجزم ابن إسحاق: بأنه خرج أول يوم من ربيع الأول. فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يوما، وكذا جزم الأموي....

_ يعني: وأفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع، واستشكله العز بن عبد السلام بأن معنى التفضيل أن ثواب العمل في أحدهما أكثر من الآخر، وكذا التفضيل في الأزمان وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه؛ لأن العمل فيه يحرم فيه عقاب شديد، ورد عليه تلميذه العلامة الشهاب القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محدث ولا يلابس بقذر، لا لكثرة الثواب وإلا لزمه أن لا يكون جلد المصحف بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره لتعذر العمل فيه، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة وأسباب التفضيل أعم من الثواب، فإنها منتهية إلى عشرين قاعدة وبينها في كتابه الفروق، ثم قال: بل إنها أكثر وإنه لا يقدر على إحصائها خشية الإسهاب. وقال التقي السبكي: قد يكون التفضيل بكثرة الثواب، وقد يكون لأمر آخر وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عنه، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة؛ وأيضا فباعتبار ما قيل كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه وقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعبتار حياته -صلى الله عليه وسلم- به، وإن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد، قال السمهودي: والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمة وهي غير متناهية لدوام ترقياته -صلى الله عليه وسلم، فهو منبع الخيرات، انتهى. "وذكر الحاكم أن خروجه عليه السلام" من مكة "كان بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبا منها، وجزم ابن إسحاق أنه خرج أول يوم من ربيع الأول فعلى هذا يكون بعد البيعة لشهرين وبضعة عشر يوما"؛ لأن البيعة كما مر في ذي الحجة ليلة ثاني أيام التشريق، فالباقي من الشهر ثمانية عشر يوما إن كان تاما وإلا فسبعة عشر، "وكذا جزم الأموي" بفتح الهمزة وضمها كما ضبطه في النور في أول من أسلم نسبة لبني أمية، قال الحافظ في تقريره يحيى بن سعيد بن إبان بن سعيد العاصي الأموي أبو أيوب الكوفي نزيل بغداد لقبه الجمل، صدوق يضطرب من كبار التاسعة مات سنة أربع وتسعين ومائتين، روى له الستة، انتهى. فنسبه أمويا فليس هو الحافظ محمد بن خير الأموي بفتح الهمزة والميم بلا مد نسبة إلى أمة جبل بالمغرب كما ترجى من مجرد قول التبصير له برنامج حافل، فإنه فاسد نقلا كما علم وعقلا لأن التبصير، قال: إنه خال السهيلي، أي: أخو أمه وزمنه متأخر عن هذا بكثير فقد أرخوا

-في المغازي- عن ابن إسحاق فقال: كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال. وخرج لهلال ربيع الأول وقادم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. قال في فتح الباري: وعلى هذا خرج يوم الخميس. وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين، ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس. ويجمع بينهما: بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأن أقام فيه ثلاث ليال: ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الاثنين. وكانت مدة مقامه بمكة من حين النبوة إلى ذلك الوقت بضع عشرة سنة.

_ وفاة ابن خير في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقد قال المصنف "في المغازي" وهو يروي فيها عن أبيه وغيره "عن ابن إسحاق" وهو قد توفي سنة خمسين ومائة فلا يدرك ابن خير اتباعه، وفي الألقاب للحافظ في حرف الجيم جمل يحيى بن سعيد الأموي صاحب المغازي من الثقات، "فقال كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال" أتى بنصه لفائدة فيه لم تستفد مما قبله، "وخرج" -صلى الله عليه وسلم- من مكة "لهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول" على الراجح، قيل: لثمان خلت منه كما في الاستيعاب، وقيل: خرج في صفر وقدم في ربيع، حكاه في الصفوة. "قال في فتح الباري: وعلى هذا خرج يوم الخميس، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال إنه خرج من مكة يوم الخميس"، وهذا يوافق نقل الأموي ويخالف ما تواترت به الأخبار، قال الحافظ: "ويجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال ليلة الجمعة، وليلة السبت، وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الاثنين" فقول الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه يوم الاثنين مجاز أطلق اليوم مريدا به الليلة لقربه منها، والمراد الخروج من الغار لا مكة. وفي الاستيعاب عن الكلبي: قدم المدينة يوم الجمعة، والله أعلم. "وكانت مدة مقامه بمكة من حين النبوة إلى ذلك الوقت بضع عشرة سنة" ثلاث عشرة سنة؛ كما رواه البخاري عن ابن عباس. وروى مسلم عنه خمس عشرة، قال الحافظ: والأول أصح، انتهى، وهو قول الجمهور.

ويدل عليه قول صرمة: ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى صديقا مواتيا وقيل غير ذلك. وأمره جبريل أن يستصحب أبا بكر. وأخبر عليه السلام عليا بمخرجه وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة:.............

_ "ويدل عليه قول صرمة" بكسر الصاد ابن أنس، ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي أنس بن مالك بن عدي أبي قيس الأنصاري النجاري صحابي له أشعار حسان فيها حكم ووصايا وكان قوالا بالحق ولا يدخل بيتا فيه جنب ولا حائض، معظما في قومه إلى أن أدرك الإسلام شيخا كبيرا وعاش عشرين ومائة سنة. "ثوى" بمثلثة أقام -صلى الله عليه وسلم- "في قريش بضع" بكسر الباء وتفتح "عشرة حجة" بكسر الحاء على الراجح وتفتح "يذكر" الناس بما جاء به عند الله فيدعوهم إليه وحده ويتحمل مشاقه، ويود "لو يلقى صديقا مواتيا" موافقا ومطيعا، فلو للتمني فلا جواب لها، أو جوابها محذوف نحو لسهل عليه أمرهم وهذا البيت ثبت في بعض نسخ مسلم وهو من قصيدة لصرمة عند ابن إسحاق. "وقيل غير ذلك" فعن عروة أنها عشرة سنين، ورواه أحمد عن ابن عباس والبخاري في باب الوفاة عنه وعن عائشة، لكن أول بأنهما لم يحسبا مدة الفترة بناء على قول الشعبي أنها ثلاث سنين لقولهما أقام عشرا ينزل عليه القرآن والأنافي ما رواه البخاري عقبه عن عائشة أنه توفي وهو ابن ثلاث وستين، "وأمره جبريل أن يستصحب أبا بكر" روى الحاكم عن علي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لجبريل: "من يهاجر معي"، قال أبو بكر الصديق، قال الحاكم: صحيح غريب. "وأخبر عليه السلام عليا بمخرجه" بفتح فسكون مصدر ميمي بمعنى الخروج، أي: بإرادة خروجه "وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس" قاله ابن إسحاق وزاد: وليس بمكة أحد عنده شيء يخلف عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته. "قال ابن شهاب" الزهري فيما رواه عنه البخاري في الحديث الطويل المتقدم بعضه في إرادة أبي بكر الهجرة للحبشة ورجوعه في جوار ابن الدغنة ثم قال: قال ابن شهاب: قال الحافظ: هو بالإسناد المذكور أولا، "قال عروة" بن الزبير بن العوام أحد الفقهاء "قالت عائشة:

فبينما نحن جلوس يوما في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستأذن فأذن له فدخل، فقال -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: "أخرج من عندك"، فقال أبو بكر: إنما هم

_ فبينما" بالميم "نحن جلوس يوما في بيت أبي بكر في نحر" بفتح النون وسكون المهملة "الظهيرة" بفتح المعجمة وكسر الهاء، قال الحافظ: أي أول الزوال وهو أشد ما يكون من حرارة النهار والغالب في أيام الحر القيلولة فيها. وفي رواية ابن حبان: فأتاه ذات يوم ظهرا. وفي حديث أسماء عند الطبراني: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتينا بمكة كل يوم مرتين بكرة وعشية، فلما كان يوم من ذلك جاءنا في الظهيرة، فقلت: يا أبت هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم، "قال قائل": قال الحافظ في مقدمة الفتح: يحتمل أن يفسر بعامر بن فهيرة. وفي الطبراني: أن قائل ذلك أسماء بنت أبي بكر، انتهى. أي: وهو لا يمنع الاحتما المذكور لجواز أنهما معا قالا "لأبي بكر: هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متقنعا" أي: مغطيا رأسه، قاله المصنف. وقال الحافظ: أي متطيلسا "في ساعة لم يكن يأتينا فيها". وفي رواية موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: قالت عائشة: وليس عند أبي بكر إلا أنا وأسماء، قيل فيه جواز لبس الطيلسان وجزم ابن القيم بأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يلبسه ولا أحد من الصحابة وأجاب عن الحديث بأن التقنع يخالف التطيلس، قال: ولم يكن يفعل التقنع عادة بل للحاجة، وتعقب بأن في حديث أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكثر التقنع. وفي طبقات ابن سعد مرسلا: وذكر الطيلسان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا ثوب لا يؤدي شكره، انتهى. ويأتي بسط ذلك في اللباس، إن شاء الله تعالى. "قال أبو بكر: فداء" بكسر الفاء والقصر، وللحموي والمستملي: فداء بالمد والهمز، "له أبي وأمي" في حجة لا لأصح القولين بجواز التفدية بهما، قال البرهان: وما أظن الخلاف إلا في غير النبي -صلى الله عليه وسلم، لأن كل الناس يجب عليهم بذل أنفسهم دون نفسه، "والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر" وفي رواية يعقوب بن سفيان: إن جاء به بأن النافية بمعنى ما، وابن عقبة: فقال أبو بكر: يا رسول الله! ما جاء بك إلا أمر حدث، "قالت" عائشة: "فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستأذن، فأذن له" أبو بكر "فدخل" زاد في رواية: فتنحى أبو بكر عن سريره وجلس عليه رسول الله "فقال -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: "أخرج" بهمزة قطع مفتوحة "من عندك" هكذا في البخاري في الهجرة وله في محل آخر ما عندك بما مرادا بها من يعلم نحو: لما خلقت بيدي {وَالسَّمَاءِ} [الشمس: 5] ، و {وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] ، {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 3، 5] "فقال أبو بكر: إنما هم

أهلك بأبي أنت وأمي. قال السهيلي: وذلك أن عائشة قد كان أبوها أنكحها منه عليه الصلاة والسلام قبل ذلك. فقال -صلى الله عليه وسلم: "فإنه قد أذن لي في الخروج". فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال -صلى الله عليه وسلم: "نعم". فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "بل بالثمن".

_ أهلك" يعني عائشة وأسماء، ففي رواية ابن عقبة، فقال: لا عين عليك إنما هما ابنتاي، وكذا في رواية هشام. "بأبي أنت وأمي، قال السهيلي: وذلك" أي: وجه قوله هم أهلك "إن عائشة قد كان أبوها أنكحها منه عليه الصلاة والسلام قبل ذلك" وأسماء صارت بمنزلة أهله لنكاحه أختها فلا يخشى عليه منهما؛ كما يرشد إليه قوله: لا عين عليك، وقيل كما في النور: أطلق عليهما أهله، كقول الإنسان حريمي حريمك وأهلي أهلك، يعني: أنا وأنت كالشيء الواحد، وقول من قال كانت أمهما عنده وتركها سترا يرده قول عائشة: وليس عنده إلا أنا وأسماء وأيضا فأم عائشة غير أم أسماء، "فقال -صلى الله عليه وسلم: "فإنه" كذا رواه الكشميهني وللأكثر فإني "قد أذن" بالبناء للمفعول "لي في الخروج" من مكة إلى المدينة "فقال أبو بكر" أريد "الصحبة" ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: مطلوبي، "بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال -صلى الله عليه وسلم: "نعم"، زاد ابن إسحاق: قالت عائشة: فرأيت أبا بكر يبكي وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح، وفي رواية هشام: قال الصحبة: يا رسول الله! قال: "الصحبة"، "فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إحدى راحلتي هاتين" إشارة للتين كان علفهما أربعة أسهر، لما قال المصطفى إنه يرجو الهجرة، "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم": لا أخذها مجانا "بل بالثمن"، وعند ابن إسحاق، قال: "لا أركب بعيرا ليس هو لي"، قال: هو لك، قال: "لا ولكن بالثمن بالذي ابتعتها به"، قال: "أخذتها بكذا وكذا"، قال: هي لك. وفي حديث أسماء عند الطبراني، فقال: "بثمنها يا أبا بكر"، فقال: بثمنها إن شئت، وأفاد الواقدي أن الثمن ثمانمائية درهم، وأن التي أخذها النبي -صلى الله عليه وسلم- هي القصواء وكانت من نعم بني

فإن قلت: لم يقبلها إلا بالثمن، وقد أنفق عليه أبو بكر من ماله ما هو أكثر من هذا فقيل؟ أجيب: بأنه إنما فعل ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله رغبة منه عليه السلام في استكماله فضل الهجرة إلى الله تعالى، وأن تكون على أتم الأحوال، انتهى.

_ قشير وعاشت بعده عليه السلام قليلا، وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وذكر ابن إسحاق: إنها الجدعاء وكانت من إبل بني الحريش. وكذا في رواية ابن حبان عن هشام عن أبيه عن عائشة: أنها الجدعاء، ذكره في فتح الباري وعجب إبعاده النجعة بالعز. ولابن حبان فقد رواه البخاري في غزوة الرجيع من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بلفظ: فأعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- أحدهما وهي الجدعاء والحريش بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وسكون التحتية وشين معجمة. وفي سيرة عبد الغني وغيره: أن الثمن كان أربعمائة درهم؛ كما في المقدمة، فصدق حفظ البرهان إذ قال في النور: في حفظي أنه أربعمائة، انتهى. وكأنه مستند من قال الثمانمائة ثمن الراحلتين. "فإن قلت: لم يقبلها إلا بالثمن، وقد أنفق عليه أبو بكر من ماله ما هو أكثر من هذا فقبل"، بموحدة وحذف المفعول، أي: فقبله. فقد روى ابن حبان عن عائشة، قال: أنفق أبو بكر على النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعين ألف درهم. وروى الزبير بن بكار عنها أن أبا بكر لما مات ما ترك دينارا ولا درهما. وفي الصحيح قوله -صلى الله عليه وسلم: "ليس أحد من الناس أمن على نفسه وماله من أبي بكر". وروى الترمذي مرفوعا: "ما لأحد عندنا يدا إلا كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة". "أجيب" كما ذكره السهيلي: حدثني بعض أصحابنا، قال ابن دحية، يعني ابن قرقول عن الفقيه الزاهد أبي الحسن بن اللوان "بأنه إنما فعل ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله رغبة منه عليه السلام في استكماله فض الهجرة إلى الله تعالى وأن تكون على أتم الأحوال"، قال السهيلي: وهو قول حسن. انتهى. وهذا الحديث الصحيح يعارض ما رواه ابن عساكر عن أنس رفعه: "إن أعظم الناس علينا منا أبو بكر زوجني ابنته وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالا أبو بكر أعتق منه بلال وحملني إلى دار الهجرة"، والمنكر منه آخره فقط، وهو حمله إلى الهجرة فإن كان محفوظا فالحمل مجاز عن المعاونة والخدمة في السفر وعلف الدابة أربعة أشهر حتى باعها للمصطفى بحيث لم يحتج

قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة من جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب فبذلك سميت بذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر بغار ثور -جبل بمكة.

_ لتطلب شراء دابة فلا معارضة. "قالت عائشة" عند البخاري بإسناد: "فجهزناهما احث" بمهملة ومثلثة: أسرع، وفي رواية: بموحدة، والأولى أصح "الجهاز" قال الحافظ: بفتح الجيم وتكسر ومنهم من أنكره وهو ما يحتاج إليه في السفر، وقال في النور: بكسر الجيم أفصح من فتحها، بل لحن من فتح والذي في الصحاح وأما جهاز العروس والسفر فيفتح ويكسر، انتهى. "وصنعنا لهما سفرة من" كذا في النسخ، والذي في البخاري في "جراب" قال الحافظ سفرة، أي: زادا في جراب؛ لأن أصل السفرة لغة الزاد الذي يصنع للمسافر ثم استعمل في وعاء الزاد ومثله المزادة للماء وكذا الرواية فاستعملت هنا على أصل اللغة، وأفاد الواقدي أنه كان في السفرة شاة مطبوخة، انتهى. "فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها" بكسر النون "فربطت بها على فم الجراب" بكسر الجيم وفتحها لغتان الكسر أفصح وأشهر وهو وعاء من جلد، قاله النووي تبعا لعياض، وفي القاموس: الجراب ولا يفتح أو هو لغة فيما ذكره عياض وغيره المزود أو الوعاء "فبذلك سميت بذات النطاقين" بالتثنية رواية الكشميهني، ورواية غيره النطاق بالإفراد، قال الحافظ: النطاق ما يشد به الوسط، وقيل: هو إزار فيه تكة، وقيل: ثوب تلبسه المرأة، ثم تشد وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل، قاله أبو عبيد الهروي. قال: وسميت ذات النطاقين لأنها كانت تجعل نطاقا على نطاق، وقيل: كان لها نطاقان تلبس إحداهما وتحمل في الآخر الزاد، قال الحافظ والمحفوظ كما سيأتي بعد هذا الحديث، أي: في البخاري أنها شقت نطاقها نصفين فشدت بأحدهما الزاد واقتصرت على الآخر، فمن ثم قيل لها ذات النطاق وذات النطاقين بالثنية والإفراد بهذين الاعتبارين. وعند ابن سعد في حديث الباب: شقت نطاقها فأوكت بقطعة منه الجراب وشدت فم القربة بالباقي فسميت ذات النطاقين، انتهى. "قالت" عائشة "ثم لحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر بغار ثور" بمثلثة ولفظ البخاري: بغار في جبل ثور، فكمنا ثلاث ليال "جبل بمكة" بجره على البدلية ورفعه على الخبرية وهو أولى؛ لأنه من كلام المصنف لا من الحديث، قال في الأنوار: الغار ثقب في أعلى ثور في يمني مكة على مسيرة ساعة، وقيل: إنه من مكة على ثلاثة أميال.

وكان من قوله -صلى الله عليه وسلم- حين خرج من مكة، لما وقف على الحزورة، ونظر إلى البيت: "والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت". وهذا من أصح ما يحتج به في تفضيل مكة على المدينة.

_ وفي معجم: ما استعجم أنه منها على ميلين وارتفاعه نحو ميل وفي أعلى الغار الذي دخله النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وهو المذكور في القرآن، والبحر يرى من أعلى هذا الجبل وفيه من كل نبات الحجاز وشجره، وفيه شجر البان. وفي القاموس: ثور جبل بمكة فيه الغار المذكور في التنزيل، ويقال له ثور أطحل واسم الجبل أطحل نزله ثور بن عبد مناف فنسب له، انتهى. فقول النور: إنه كالثور الذي يحرث عليه، أي: في النطق ولم أر فيه أنه سمي به لأنه على صورة الثور كما تصرف عليه من زعمه، ثم فصل المؤلف بين أجزاء حديث الصحيح بجمل وسيعود إلى بقية منه، أولها: وكان يبيت عندهما عبد الله.. إلخ، فقال: "وكان من قوله -صلى الله عليه وسلم- حين خرج من مكة لما وقف على الحزورة" بفتح المهملة فزاي ساكنة فواو فراء، سوق كان بمكة أدخلت في المسجد، وعن الشافعي: الناس يشددونها وهي مخففة، "ونظر إلى البيت "والله إنك" بكسر الكاف خطاب لمكة "لأحب أرض الله إلي وإنك لأحب أرض الله إلى الله" من خطف العلة على المعلول، "ولولا أن أهلك أخرجوني" تسببوا في إخراجي، "ما خرجت منك" أخرجه أحمد والترمذي وصححه عن عبد الله بن عدي، بلفظ: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحزورة، فقال: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". وروى الترمذي أيضا، وقال: حسن صحيح عن ابن عباس رفعه: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك"، و"وهذا من أصح ما يحتج به في تفضيل مكة على المدينة" وجوابه أن التفضيل إنما يكون بين شيئين يأتي بينهما تفضيل وفضل المدينة لم يكن حصل حتى يكون هذا حجة، ولو سلم ففي الحجج البينة هو مؤول بأنه قبل أن يعلم تفضيل المدينة أو بأنها خير الأرض ما عدا المدينة؛ كما قاله ابن العربي، وهو أحد التأويلين في قوله عليه السلام لمن قال له: "يا خير البرية، ذاك إبراهيم"، ومعارض بما في البخاري عن عائشة رفعته: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد"، ونحن نقطع بإجابة دعائه -صلى الله عليه وسلم- فقد كانت أحب إليه من مكة. وفي الصحيحين مرفوعا: "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة"، انتهى.

..........................................................................................................

_ وقال غيره: قد استجاب الله دعوة المصطفى للمدينة فصار يجبى إليها في زمن الخلفاء الراشدين من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كل شيء، وكذا مكة ببركة دعاء الخليل، وزادت المدينة عليها لقوله -صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه"، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة شيئان أحدهما في ابتداء الأمر وهو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما وإنفاقها في سبيل الله على أهلها، وثانيهما في آخر الأمر وهو أن الإيمان يأرز إليها من الأقطار، انتهى. وقد اختلف السلف، أي: البلدين أفضل فذهب الأكثر إلى تفضيل مكة، وبه قال الشافعي وابن وهب ومطرف وابن حبيب واختاره من متأخري المالكية ابن رشد وابن عرفة؛ كما قاله الأبي وذهب عمر بن الخطاب في طائفة وأكثر المدنين إلى تفضيل المدينة على مكة وهو مذهب مالك، ومال إليه من متأخري الشافعية السمهودي والسيوطي والمصنف في المقصد الأخير واعتذر عن مخالفة مذهبه بأن هوى كل نفس حيث حل حبيبها والأدلة الكثيرة من الجانبين، حتى قال الإمام ابن أبي جمرة بتساوي البلدين، والسيوطي: المختار الوقف عن التفضيل لتعارض الأدلة بل الذي تميل إليه النفس تفضيل المدينة، ثم قال: وإذا تأمل ذو البصيرة لم يجد فضلا أعطيته مكة إلا وأعطيت المدينة نظيره وأعلى منه، هكذا قال في الحجج البينة وجزم في أنموذجه بأن المختار تفضيل المدينة. وأما التشبث بأن مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض والمدينة حرمها المصطفى وما حرمه الله أعظم، فشبهة فاسدة؛ لأن الأشياء كلها حرامها وحلالها حرم وأحل من القدم بخطابه تعالى القديم النفسي. وفي البخاري حرمت المدينة على لساني، فهذا صريح في أن الله حرمها، قال في الحجج: وأما كون مكة بها المشاعر والمناسك فقد عوض الله تعالى المدينة عن الحج والعمرة بأمرين وعد الثواب عليهما. وأما العمرة ففي الصحيح "صلاة في مسجد قباء كعمرة". وأما الحج، فعن أبي أمامة مرفوعا: "من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة"، انتهى. ومحل الخلاف كما مر، فيما عدا البقعة التي ضمت أعضاءه -صلى الله عليه وسلم، فإنها أفضل إجماعا ويليها الكعبة فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا، كما قال الشريف السمهودي. وذكر الدماميني: أن الروضة تنضم لموضع القبر في الإجماع على تفضيله بالدليل الواضح إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هي، فلذا أورد البخاري حديث: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"، تعريفا بفضل المدينة؛ إذ لا شك في تفضيل الجنة على الدنيا، كذلك، قال: ولا يخلو

ولم يعلم بخروجه عليه السلام إلا علي وآل أبي بكر. وروي أنهما خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ليلا إلى الغار. ولما فقدت قريش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طلبوه بمكة، أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافلة أثره في كل وجه، فوجد الذي ذهب قبل ثورا أثره..............

_ من نظر لما فيه من الاحتجاج بالاحتمال؛ لأن في معنى روضة احتمالات كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة وكون الموضع نفسه روضة من رياض الجنة الآن ويعود روضة كما كان، وإن كان لا مانع من الجمع بين الثلاثة؛ كما هو معلوم في محله هذا. وكان من قوله -صلى الله عليه وسلم- أيضا لما خرج مهاجرا: "الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعني على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام، اللهم أصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذللني، وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك رب فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض وكشفت به الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن يحل بي غضبك أو ينزل علي سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك وفجأة نقمتك وتحول عافيتك وجميع سخطك، لك العتبى عندي حيثما استطعت، ولا حول ولا قوة إلا بك"، رواه عن ابن إسحاق بلاغا. "ولم يعلم بخروجه عليه السلام إلا علي" لكونه خلفه مكانه "وآل أبي بكر" لأن ذهب إليه فعلم به من عنده وآل الرجل لغة أهله وعياله، فشمل عامر بن فهيرة؛ لأنه مولاه. "وروى" عند الواقدي "أنهما خرجا من خوخة" بفتح المعجمتين بينهما واو ساكنة: باب صغير "لأبي بكر في ظهر بيته" بعد دخول عليه في نحر الظهيرة؛ كما مر، فخرجا "ليلا" ومضيا "إلى الغار" وروى أن أبا جهل لقيهما فأعمى الله بصره عنهما حتى مضيا، قالت أسماء: وخرج بو بكر بماله خمسة آلاف درهم. قال البلاذري: وكان ماله يوم أسلم أربعين ألف درهم، فخرج إلى المدينة للهجرة وماله خمسة آلاف أو أربعة، فبعث ابنه عبد الله فحملها إلى الغار، "ولما فقدت" بفتح القاف "قريش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها وبعثوا القافة" جمع قائف وهو الذي يعرف الأثر "أثره" بفتحتين وبكسر فسكون، أي: عقب خروجه "في كل وجه" وذكر الواقدي أنهم بعثوا في أثرهما قاصدين أحدهما كرز بن علقمة ولم يسم الآخر، وسماه أبو نعيم في الدلائل من حديث زيد بن أرقم وغيره سراقة بن جعشم، كما في الفتح. "فوجد الذي ذهب قبل" بكسر ففتح جهة، "ثورا

هنالك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع لما انتهى إلى ثور. وشق على قريش خروجه وجزعوا لذلك، وجعلوا مائة ناقة لمن رده. ولله در الشيخ شرف الدين الأبوصيري...............

_ أثر هناك فلم يزل يتبعه حتى انقطع لما انهى إلى ثور" ويروى أنه قعد وبال في أصل الشجرة، ثم قال: ههنا انقطع الأثر، ولا أدري أخذ يمينا أم شمالا أم صعد الجبل. وفي رواية: فقال لهم القائف: هذا القدم قدم ابن أبي قحافة، وهذا الآخر لا أعرفه إلا أنه يشبه القدم الذي في المقام -يعني مقام إبراهيم- فقالت قريش: ما وراء هذا شيء ولا يشكل هذا بما روي أنه عليه السلام كان يمشي على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثرهما على الأرض، ويقول لأبي بكر: "ضع قدمك موضع قدمي، فإن الرمل لا يتم"، بفتح أوله وضم النون وكسرها، أي: لا يظهر أثر القدم حتى تضع قدمك موضع قدمي لجواز أنهما لما قربا من الغار مشيا ووضع المصطفى جميع قدمه فلما وصل القائف وجد أثر القدمين فأخبر بما رأى. "وشق على قريش خروجه وجزعوا" بكسر الزاي لم يصبروا، "لذلك وجعلوا مائة ناقة لمن رده" عن سيره ذلك بقتل أو أسر، فلا ينافي ما في الصحيح: جعلوا الدية لمن قتله أو أسره. "ولله در الشيخ شرف الدين" محمد بن سعيد بن حماد الدلاصي المولد المغربي الأصل البوصيري المنشأ ولد بناحية دلاص يوم الثلاثاء أول شوال سنة ثمان وستمائة، وبرع في النظم، قال فيه الحافظ ابن سيد الناس: هو أحسن من الجزار والوراق مات سنة خمس وتسعين وستمائة، ذكره السيوطي وقوله: "الأبوصيري" فيه نظر؛ لأن اسم القرى وهي أربعة بمصر بوصير بضم الموحدة وإسكان الواو وكسر الصاد المهملة وإسكان التحتية وراء والنسبة إليها بوصيري؛ كما في المراصد واللباب وإنه في باب الموحدة ولم يذكر واشيا في الهمزة. قال ابن ججر الهيثمي: كان أحد أبوي المذكور من بوصير الصعيد والآخر من دلاص، أي: بفتح الدال المهملة قرية بالبهنسي، أي: كفر مصري كما في المراصد والقاموس، فركبت النسبة نهما، فقيل الدلاصيري: ثم اشتهر بالبوصيري، قيل: ولعلها بلد أبيه فغلبت عليه، انتهى. أو لنشأته بها كما مر عن السيوطي، ولو سلم أن القرية بلفظ الكنية فإنما يقال في النسبة صيري بحذف الجزء الأول كما يقال بكري في النسبة إلى أبي بكر؛ إذ لا ينسب إلى الاسمين معا المضاف والمضاف إليه؛ لأن إعراب أولهما بحسب العوامل، والثاني مخفوض بالإضافة كما بينه الشاطبي والرضي وغيرهما.

حيث قال: ويح قوم جفوا نبيا بأرض ... ألفته ضبابها والظباء وسلوه وحن جذع إليه ... وقلوه ووده الغرباء أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحمامة الحصداء يقال شجرة حصداء: أي كثيرة الورق، فكأنه استعاره للحمامة لكثرة ريشها.

_ "حيث قال: ويح" نصب بفعل محذوف لا بالنداء كلمة ترحم لمن وقع في مهلكة لا يستحقها، فالترحم من حيث قرابتهم له عليه السلام وإنهم من عمود نسبه وجلدته ولا محظور فيه؛ لا لأن كثيرا منهم أسلم بعد، فالترحم باعتبار المآل إذ لم يقعوا في هلكة أصلا، فلا يقال فيهم ويح، "قوم جفوا نبيا" أبغضوه وآذوه أشد الأذى بل قصدوا قتله، "بأرض ألفته ضبابها" جمع ضب "والظباء" جمع ظبي ويأتي حديثهما في المعجزات، "وسلوه" أي: نفرت قلوبهم عنه حتى هجروه مع نشأته فيهم وعلمهم بغاية نزاهته وكماله، "و" الحال أنه قد "حن جذع إليه" كان يخطب عليه بالمدينة قبل أن يصنع له المنبر فصار يخور كما يخور الثور حتى نزل وضمه، كما يأتي إن شاء الله تعالى في المعجزات. "وقلوه" أبغضوه "و" الحال أنه قد "وده الغرباء" كالأنصار الذين ليسوا من عشيرته ولا عرفوا في ابتداء ودادهم له ما عرفه قومه من كماله الظاهر، وفضله الباهر "أخرجوه" بدل من جفوه، أي: كانوا السبب في خروجه "منها"، من تلك الأرض التي هي وطنه ووطن آبائه "وآواه غار" بجبل ثور "وحمته" منهم "حمامة ورقاء" لونها أبيض يخالطه سواد فباضت عليه، "وكفته بنسجها عنكبوت" دويبة تنسج في الهواء يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى، والجمع العناكب "ما" أي: الأعداء الذين "كفته" إياهم "الحمامة الحصداء، يقال" لغة "شجرة حصداء أي: كثيرة الورق فكأنه استعارة للحمامة لكثرة ريشها"، أي: استعارة مصرحة حيث شبه كثيرة الريش بكثرة الورق، واستعار له اسمها ووصفها بورقاء وحصداء لاجتماعهما فيها، ومنع تعدد الوصف إنما هو إذا كان بمتضادين أو متماثلين، وزعم أن البيت حرفه شراحه والمصنف وإنما هو ما كفته الجنانة بجيم ونونين؛ لأنها تجن البدن، أي: تستره والحصداء المحكمة النسج كما في اللغة. رده شيخنا بأن المناسب للسياق والقصة ما ذكروه وهم ثقات وتلقوه بسندهم إلى الناظم، وأدري بكلامه، فلا وجه للعدول عنه إلى غيره وإن صح في نفسه لغة.

وفي حديث مروي في الهجرة، أنه عليه السلام ناداه ثبير: اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب، فناداه حراء: إلي يا رسول الله. وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما دخل الغار وأبو بكر معه، أنبت الله على بابه الراءة. قال قاسم: وهي شجرة معروفة،................

_ "وفي حديث مروي في الهجرة" وذكره عياض في الشفاء "أنه عليه السلام ناداه ثبير" لما صعده "اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري، فأعذب" بالنصب عطفا على تقتل، وإنما خاف العذاب؛ لأنه لو لم يذكر له ذلك مع علمه بأنه لا مكان فيه يستره كان غشا منه يستحق به العذاب، أو لأنه لو قتل على ظهره غضب الله على المكان الذي يقع فيه مثل هذا الأمر العظيم كما غضب على أرض ثمود، فلا يرد كيف يعذب بذنب غيره ولا تزر وازرة وزر أخرى، ويوجه بأن خوفه بمعنى حزنه وتأسف عليه، ونحو ذلك مما لا وجه له. "فناداه حراء: إلي يا رسول الله! " وهو مقابل ثبير مما يلي شمال الشمس وبينهما الوادي وهما على يسار السالك إلى منى، ولم يذهب له لسبق عبده فيه فخشي طلبهم فيه لما عهدوه من ذهابه إليه، فذهب إلو ثور دون غيره لحبه الفال الحسن، فقد قيل: الأرض مستقرة على قرن الثور فناسب استقراره فيه تفاؤلا بالطمأنينة والاستقرار فيما قصده هو وصاحبه. قال السهيلي: وأحسب في الحديث أن ثورا ناداه أيضا لما قال له ثبير: اهبط عني، انتهى. وذكر بعضهم: أنه ذهب إلى حنين فناداه: اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب، فناداه ثور إلي: يا سول الله فإن صح ذلك كله فيحتمل أنه ذهب له أولا فلما قال ذلك وناداه حراء لم يذهب له لما ذكر فناداه ثور إن صح أو ذهب إليه دون نداء لكن الذي في الحديث الصحيح أنهما وعدا الدليل غار ثور بعد ثلاث ليال يقتضي أنهما ما خرجا إلا قاصدين إليه. "وذكر قاسم بن ثابت" بن حزم أبو محمد العوفي السرقسطي الأندلسي المالكي الفقيه المحدث المقدم في المعرفة بالغريب والنحو والشعر المشارك لأبيه في رحلته وشيوخه، الورع الناسك مجاب الدعوة، سأله الأمير أن يلي القضاء فامتنع فأراد أبوه إكراهه فقال: أمهلني ثلاثة أيام فمات فيها سنة ستين وثلاثمائة، فكانوا يرون أنه دعا نفسه بالموت. "في الدلائل" في شرح ما أغفل أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث: مات قاسم ولم يكمله فأتمه أبوه ثابت الحافظ المشهور، "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما دخل الغار وأبو بكر معه أنبت الله على بابه الراءة" بالراء المهملة والمد والهمز والجمع الراء بلا هاء؛ كما في القاموس. "قال" قاسم المذكور: "وهي شجرة معروفة" فحجبت عن الغار أعين الكفار، إلى هنا كلام

وهي أم غيلان. وعن أبي حنيفة: تكون مثل قامة الإنسان لها خطيان وزهر أبيض يحشى به المخاد فيكون كالريش لخفته ولينه؛ لأنه كالقطن، فحجبت عن الغار أعين الكفار. وفي مسند البزار: أن الله عز وجل أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على وجه الغار، وأن ذلك مما صد المشركين عنه، وإن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين. ثم.................

_ قاسم؛ كما في النور. قال المصنف تبعا لابن هشام "وهي أم غيلان" بفتح المعجمة ضرب من العضاه، كما في المصباح. "وعن أبي حنيفة" الدينوري، كما في الشامية لا الإمام الراءة من أعلاث الشجر، و"تكون مثل قامة الإنسان لها خيطان وزهر أبيض يحشى به المخاد" بفتح الميم جمع مخدة بكسرها، "فيكون كالريش لخفته ولينه؛ لأنه كالقطن فحجبت عن الغار أعين الكفار" من كلام قاسم، كما علم. قال في النور: هذه الشجرة التي وصفها أبو حنيفة غالب ظني أنها العشار كذا رأيتها بأرض البركة خارج القاهرة وهي تنفق عن مثل قطن يشبه الريش في الخفة، ورأيت من يجعله في اللحف في القاهرة، انتهى. "وفي مسند البزار" من حديث أبي مصعب المكي، قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك يتحدثون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كان ليلة بات في الغار أمر الله تعالى شجرة فنبتت في وجه الغار، فسترت وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- و"إن الله عز وجل" أمر العنكبوت" "فنسجت على وجه الغار" هكذا أوله عند البزار ولو ساقه المصنف من أوله كان أولى؛ لأن فيه تقوية ما ذكره قاسم وما كان يزيد به الكتاب، وقد رواه أحمد عن ابن عباس، وفيه: ونسج العنكبوت على بابه، أي: فالشجرة لما نبتت على وجه الغار انتشرت أغصانها فغطت فمه، ونسج العنكبوت عليه فصار نسجها بين أغصانها وفتحه الغار، وقول بعض نسجت ما بين فروع الشجرة كنسج أربع سنين مخالف لرواية البزار، ولرواية أحمد أشد مخالفة، اللهم إلا أن يراد أنها نسجت على مقابل وجه فيصدق بالملتصق بفهمه وبما بين أغصان الشجرة المقابلة لفم الغار، كن فيه رد الروايات المسند إلى كلام لا يعلم حاله. "وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على وجه الغار" فعششتا على بابه "وأن ذلك مما صد المشركين عنه، وإن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين" جزاء وفاقا لما حصل بهما الحماية جوز بابا لنسل وحمايته في الحرم فلا يتعرض له، وفي المثل: آمن من حمام الحرم، "ثم

أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم، فجعل بعضهم ينظر في الغار، فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: ما لك؟ فقال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه أحد. وقال آخر: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما أربكم إلى الغار، إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد. وقد روي أن الحمامتين باضتا في أسفل النقب ونسج العنكبوت، فقالوا لو دخلا لكسر البيض................

_ أقبل فتيان من كل بطن بعصيهم وهراويهم" بفتح الهاء الأولى جمع هراوة، وهي العصا الضخمة فهو عطف خاص على عام، قال البرهان: وكان ينبغي أن يكتب بالألف وينطق بها، فيقال: هراواهم، أو أنه يقال هراوي وهراوى كصحاري وصحارى. "وسيوفهم فجعل بعضهم ينظر في الغار، فرأى حمامتين وحشيتين بفم الغار" هذا ظاهر في قربه منه جدا، وفي الشامية: حتى إذا كانوا من الغار على أربعين ذراعا جعل بعضهم ينظر فيه والمنافاة. ففي الاكتفاء: حتى إذا كانوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- على قدر أربعين ذراعا تقدم أحدهم فنظر فرأى الحمامتين، "فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك؟ فقال حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه أحد" زاد في رواية: فسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- ما قاله، فعرف أن الله قد درأ عنه. "وقال آخر: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف": الكافر المقتول ببدر "وما أربكم؟ " بفتحتين وبكسر فسكون، أي: حاجتكم، "إلى الغار إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد" تتمة الحديث: ثم جاء فبال. وفي حديث أسماء عند الطبراني: وخرجت من قريش حين فقدوهما وجعلوا في النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة ناقة، وطافوا في جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذي فيه -صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: يا رسول الله! إن هذا الرجل ليرانا وكان ماجهه، فقال: "كلا إن ثلاثة من الملائكة تسترنا بأجنحتها"، فجلس ذلك الرجل يبول مواجه الغار، فقال -صلى الله عليه وسلم: "لو كان يرانا ما فعل هذا"، ومر أن القائف قعد وبال، فيحتمل أنه هو أو أمية أو غيرهما. "وقد روي أن الحمامتين باضتا في أصل النقب ونسج" بالجيم "العنكبوت" والنسج في الأصل الحياكة استعمل في فعل العنكبوت مجازا لما بينهما من المشابهة، وفي حياة الحيوان: العنكبوت دويبة تنسج في الهواء، ومنه نوع من حكمته أنه يمد السدى ثم يعمل اللحمة ويبتدئ من الوسط ونسجها ليس من جوفها بل من خارج جلدها، وفمها مشقوق بالطول، وهذا النوع ينسج بيته دائما مثلت الشكل وسعته بحيث يغيب فيه شخصها. "فقالوا: لو دخل لكسر البيض

وتفسخ العنكبوت. وهذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود. فتأمل كيف أظلت الشجرة المطلوب وأضلت الطالب، وجاءت العنكبوت فسدت باب الطلب، وحاكت وجه المكان فحاكت ثوب نسجها، فحاكت سرا حتى عمي على القائف الطلب "ولله در القائل": والعنكبوت أجادت حوك حلتها ... فما تخال خلال النسج من خلل ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك، وما أحسن قول ابن النقيب:

_ وتفسخ" بمعجمة: تقطع، "العنكبوت وهذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود" لأنها معتادة ونبات الشجرة وبيض الحكام ونسج العنكبوت في زمن يسير مع حصول الوقاية به خارق للعادة، "فتأمل" انظر بعين البصيرة، "كيف أظلت الشجرة المطلوب وأضلت" حيرت "الطالب وجاءت عنكبوت فسدت باب الطلب، وحاكت وجه المكان" أي: نزلت فيه وثبتت من قولهم حاك في صدري كذا إذا رسخ، "فحاكت ثوب نسجها" أي: أوجدت الثوب الذي نسجته وهو ما على فم الغار من نسجها، "فحاكت" أي: آثرت، "سترا" بما نسجته "حتى عمي على القائف الطالب" من قولهم: حاك الشيء إذا أثر، وأنشد لغيره بيتا هو: "والعنكبوت أجادت" أحكمت "حوك" نسج "حلتها" أي: ما نسجته والحلة لغة زار ورداء، فاستعار له اسمها، وأطلقه على ما نسجته "فما تخال" تظن "خلال النسج من خلل"، أي: فبسبب ذلك الإحكام لا ترى خللا فيما نسجته، وعبر عن الرؤية بالظن مجازا، "ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك" وروي أن حمام مكة أظلته -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة فدعا لها بالبركة ونهى عن قتل العنكبوت، وقال: "هي جند من جنود الله". وقد روى الديلمي في مسند الفردوس مسلسلا بمحبة العنكبوت حديا، فقال: أخبرنا والدي، قال: وأنا أحبها، أخبرنا فلان: وأنا أحبها، حتى قال عن أبي بكر: لا أزال أحب العنكبوت منذ رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- أحبها، ويقول: "جزى الله العنكبوت عنا خيرا، فإنها نسجت علي وعليك يا أبا بكر في الغار حتى لم يرنا المشركون ولم يصلوا إلينا"، وكذا رواه أبو سعد السمان البصري في مسلسلاته، قال في العمدة: إلا أن البيوت تظهر من نسجها، انتهى. وأسند الثعلبي وابن عطية وغيرهما عن علي، قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيت يورث الفقر. وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رفعه: "العنكبوت شيطان مسخه الله، فاقتلوه"، وهو حديث ضعيف ورواه أبو داود مرسلا بدون مسخه الله. "وما أحسن قول ابن النقيب" محمد بن الحسن الكناني من مشاهير الشعراء مات سنة سع وثمانين وستمائة عن تسع وسبعين سنة:

ودود القز إن نسجت حريرا ... يجمل لبسه في كل شيء فإن العنكبوت أجل منها ... بما نسجت على رأس النبي وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعم أبصارهم"، فعميت عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار. وهذا يشير إليه قول صاحب البردة: أقسمت بالقمر المنشق إن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكل طرف من الكفار عنه عم فالصدق...........

_ "ودود القز إن نسجت حريرا ... يجمل لبسه في كل شيء" أي: في كل حال ن الأحوال للملابس، فليست أشرف من غيرها مطلقا. "فإن العنكبوت أجل منها ... بما نسجت على رأس النبي فهو علة لجواب الشرط المحذوف، وما مصدرية، أي: بنسجها. "وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعم" بهمزة قطع "أبصارهم" اجعلها كالعمياء الإدراك ولم يرد الدعاء عليهم بالعمى الحقيقي إذ لو أراده لعمو؛ لأنه مجاب الدعوة ولم يعموا، كما أفاده قوله: "فعميت عن دخوله" ويصرح به قوله: "وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار وهذا يشير إليه قول صاحب البردة، أقسمت" حلفت "بالقمر المنشق" آية للنبي -صلى الله عليه وسلم- وجواب القسم "إن له" أي: للقمر المنشق، "من قلبه نسبة" شبها بقلب المصطفى في انشقاق كل منهما وما أحلى قوله في الهمزية: شق عن قلبه وشق له البدر "مبرورة القسم" صفة يمينا دل عليه أقسمت، قيل: والقسم جائز بالقمر، ويحتمل تقدير مضاف، أي: برب القمر. "وما" منصوب بتقدير اذكر أو مجرور عطفا على القمر وجوابه مقدر بما قبله، أي: أن له من قلبه نسبة، أي: واذكر من أو وأقسمت بمن "حوى" جمعه "الغار من خير ومن كرم" يعني المصطفى والصديق وصفهما بما هو من شأنهما وجوز بقاء ما على معناها، وحمل الخير والكرم على صفاتهما، أي: ما جمعه الغار من الخير والكرم الصادرين من النبي -صلى الله عليه وسلم- والصديق، وقال المصنف من خير بكسر الخاء، وقيل: بفتحها، فالكرم عطف خاص على عام، وقال غيره بفتح الخاء، وقيل: بكسرها والخطب سهل. "وكل طرف" بصر "من الكفار عنه" عن المحوى "عمى" والجملة حال من ما وعمى يحتمل الفعل والاسم، ويمكن الياء على الأول للوقف، وردها على الثاني له أيضا على لغة. "فالصدق"

في الغار والصديق لم ير ما ... وهم يقولون ما بالغار من أرم ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعم عال من الأطم أي عموا عما في الغار مع خلق الله ذلك فيهم؛ لأنهم ظنوا أن الحمام لا يحوم حوله -صلى الله عليه وسلم- وأن العنكبوت لا تنسج عليه إسلام لما جرت العادة أن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معمورا، فمهم أحسا بالإنسان فرا منه، وما علموا أن الله يسخر ما شاء عن خلقه لمن شاء من خلقه، وأن وقاية عبده بما شاء تغني

_ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- مبالغة أوفذ والصدق وهو "في الغار الصديق" وهو فيه "لم ير ما" بكسر الراء: لم يبرحا، يقال: لا أريم مكانه، أي: لا أبرح وأصله يريما بياء قبل الميم حذفت تبعا لحذفها في إسناده إلى المفرد لالتقاء الساكنين، والمعروف في مثله إثبات الياء، نحو: استقيما. "وهم" أي: الكفار، "يقولون ما بالغار من أرم" بفتح الهمزة وكسر الراء، أي: أحد نظرا إلى حوم الحمام حول الغار ونسج العنكبوت على فمه، كما أشار إليه قوله: "ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية" الخلق "لم تنسج" بفتح التاء وكسر السين وضمها: العنكبوت، "ولم تحم" لم تدر الحمام حوله ففيه لف ونشر مقلوب، "وقاية الله" حفظه بهذين الضعيفين جدا من عدوه مع شدة بأسه، "أغنت" كفت "عن مضاعفة من الدروع" بمهملة، أي: من الدروع المضاعفة وهي المنسوجة حلقتين حلقتين تلبس للحفظ من العدو "وعن وعال من الأطم" بضم الهمزة والطاء: الحصون التي يتحصن فيها، "أي: عموا عما في الغار مع خلق الله ذلك" العمى المفهوم من قوله قبل فعميت عن دخوله، "فيهم" والمراد إن الله خلق في أعينهم هيئة منعتهم الرؤية مع سلامة أبصارهم، "لأنهم ظنوا أن الحمام لا تحوم حوله عليه السلام" لأن عادته النفرة "وأن العنكبوت لا تنسج عليه السلام لما جرت" به" العادة أن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معمورا فهم أحسا بالإنسان فرا منه" وقد روي أن المشركين لما مروا على باب الغار طارت الحمامتان فنظروا بيضهما ونسج العنكبوت، فقالوا: لو كان هنا أحد لما كان هنا حمام، فلما سمع -صلى الله عليه وسلم- حديثهم علم أن الله حماهما بالحمام وصرف كيدهم بالعنكبوت، "وما علموا أن الله يسخر ما شاء من خلقه لمن شاء من خلقه" وقد سخر الأسد ولبوته ولدانيال في الجب حتى صارا يلحسانه، وسخر العصا ثعبانا لموسى وهارون إذا ناما تدور حولهما وتحميهما، ولكن ما هنا أبلغ في إذلال المشركين لما نالهم من شدة الحسرة لما علموا بعد ذلك وأنهم منعوا بشيء لا يضرهم لو أزالوه بزعمهم بخلاف الأسد والحية، "وأن وقاية الله عبده بما شاء تغني

عبده عن التحصن بمضاعفة من الدروع، وعن التحصن بالعالي من الأطم، وهي الحصون، فلله در الأبوصيري شاعرا، وما أحسن قوله في قصيدته اللامية حيث قال: وأغيرتا حين أضحى الغار وهو به ... كمثل قلبي معمور ومأهول كأنما المصطفى فيه وصاحبه الـ ... ـصديق ليثان قد آواهما غيل وجلل الغار نسج العنكبوت على ... وهن فيا حبذا نسج وتجليل عناية ضل كيد المشركين بها ... وما مكائدهم إلا الأضاليل إذ ينظرون وهم لا يبصرونهما ... كأن أبصارهم من زيغها حول وفي الصحيح عن أنس قال أبو بكر: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا،

_ عبده عن التحصن بمضاعفة من الدروع وعن التحصن بالعالي من الأطم وهي الحصون، فلله در الأبوصيري من شاعر، وما أحسن قوله في قصيدته اللامية" التي أولها: لى متى أنت باللذات مشغول ... وأنت عن كل ما قدمت مسئول "حيث قال" في الجمع بين هذا وما قبله تسامح، "واغيرتا حين أضحى الغار وهو به" عبر بالندبة أسفا على ما فعله قومه معه حتى ألجئوه إلى دخول الغار، "مثل قلبي" صفة مصدر محذوف، أي: تعمير وتأهيل قلبي، "معمور ومأهول" والجملة خبر أضحى "كأنما المصطفى فيه وصاحبه الصديق ليثان" أسدان "قد آواهما غيل" بكسر المعجمة: أجمة أو شجر كثير ملتف فلا يستطاع الوصول إليهما، "وجلل" بجيم غطى "الغار نسج العنكبوت على وهن" ضعف "فيا حبذا نسج وتجليل" تغطية "عناية" بكسر العين وفتحاها مصدر عناه يعنيه ويعنوه، "ضل" من الضلالة ضد الرشاد، "كيد المشركين" مكرهم وخديعتهم "بها وما مكائدهم إلا الأضاليل" جمع أضليلة من الضلال، "إذ ينظرون" للحمام وبيضه ونسج العنكبوت "وهم لا يبصرونهما" أي: النبي -صلى الله عليه وسلم وصاحبه، "كأن أبصارهم من زيغها حول" وهذا من بقاء بصرهم أبلغ من عماهم. "وفي" الحديث "الصحيح" الذي أخرجه البخاري في المناقب والهجرة والتفسير ومسلم في الفضائل، والترمذي في التفسير، والإمام أحمد كلهم "عن أنس" قال: "قال أبو بكر" وفي التفسير من البخاري: حدثنا أنس، قال: حدثني أبو بكر، قال: قلت للنبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن في الغار، وزاد: في الهجرة فرفعت رأسي فرأيت أقدام القوم "لو أن أحدهم نظر إلى قدميه" بالتثنية "لرآنا" لأبصرنا، قال الحافظ: وفيه مجيء لو الشرطة للاستقبال خلافا للأكثر، واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها؛ كقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] ، وعلى هذا فيكون قاله حاله وقوفهم على الغار، وعلى قول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكرا

فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما". وروي أن أبا بكر قال: نظرت إلى قدمي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الغار وقد تقطرتا دما فاستبكيت وعلمت أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن تعود الحفا والجفوة.

_ لله تعالى على صيانتهما، "فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ما ظن" استفهام تعظيم، أي: أي ظن تظنه، أي: لا تظن إلا أعظم ظن "باثنين الله ثالثهما"، أي: جاعلهما ثلاثة بضم ذاته تعالى إليهما في المعية المعنوية المشار إليها بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] ، وهو من قوله ثاني اثنين إذ هما في الغار، ومن لازم ذلك الظن أنه لا يصل إليهما سوء وذكر بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال له -صلى الله عليه وسلم: "لو جاءونا من ههنا لذهبنا من ههنا"، فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه. قال ابن كثير: وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا. "وروي أن أبا بكر، قال: نظرت إلى قدمي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الغار وقد تقطرتا دما" أي: سال دمهما، فدما تمييز محول عن الفاعل، أي: أثر حفاة في قدميه حتى أسال دمهما، "فاستبكيت" اسين زائدة للتأكيد لا للطلب لما علم من رقة قلبه وشدة حبه للمصطفى المقتضي لغلبة البكاء بلا استجلاب له، "وعلمت أنه" بحذف مفعول علمت، أي: أن ما أصابه إنما هو لما ناله من المشقة؛ لأنه "لم يكن تعود الحفى" بفتح المهملة مقصور المشي بلا خف ولا نعل، "والجفوة" بفتح الجيم وتكسر، أي: الجفاء، أي: لم يتعود كونه مجفوا أو لم يتعود أن قومه جفوة له، قال في الرياض النضرة: ويشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل وكان حافيا وإلا فبعد المكان لا يحتمل ذلك أو لعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة، ويدل عليه رواية: فمشى رسول الله ولا يحتمل ذلك مشي ليلة إلا بتقدير ذلك أو سلوك غير الطريق تعمية على الطالب، انتهى. ويروى أنه عليه السلام خلع نعليه في الطريق، وعند ابن حبان أنهما ركبا حتى أتيا الغار فتواريا، ولا ينافي ذلك ما روي من تعب المصطفى وحمل أبي بكر إياه على كاهله؛ لاحتمال أن يكون ذلك في بعض الطريق، قال في الوفا: ولا ينافي ركوبهما مواعدتهما الدليل بأن يأتي بالراحلتين بعد ثلاث؛ لاحتمال أنهما ركبا غير الراحلتين أو هما، ثم ذهب بهما ابن فهيرة إلى الدليل ليأتي بعد ثلاث. وفي دلائل النبوة من مرسل ابن سيرين، وهو عند أبي القاسم البغوي من مرسل ابن أبي مليكة وابن هشام عن الحسن بلاغا: أن أبا بكر ليلة انطلق معه -صلى الله عليه وسلم- إلى الغار كان يمشي بين يديه ساعة ومن خلفه ساعة، فسأله فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك،

وروي أيضا أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقيه بنفسه، وأنه رأى جحرا فيه، فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم فجعلت الحيات والأفاعي تضربنه وتلسعنه، فجعلت دموعه تتحدر. وفي رواية: فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووضع رأسه في حجر أبي بكر ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك فسقطت دموعه على وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما لك يا أبا بكر"؟ قال لدغت فداك أبي وأمي، فتفل عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذهب ما يجده. رواه ابن رزين.

_ وأذكر الرصد فأمشي أمامك، فقال: "لو كان شيء أحببت أن تقتل دوني"، قال: أي والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار، قال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار، فاستبرأه. "وروي أيضا أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقيه بنفسه، وإنه رأى جحرا" بضم الجيم وإسكان المهملة، "فيه فألقمه عقبه" بعد أن سد غيره بثوبه، فيروي أنه قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك فدخله فجعل يلتمس بيده فكلما رأى جحرا قطع من ثوبه وألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع فبقي جحر فوضع عقبه عليه. وروي أن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي بكر: أنهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فألقمه أبو بكر رجليه، وقال: يا رسول الله! إن كانت لدغة أو لسعة كانت بي، وهو صريح في إلقامه رجليه جميعا فتحمل رواية عقبة على الجنس فتصدق بهما، وهي مبينة للمراد من رجليه؛ "لئلا يرج منه ما يؤذي رسول اله -صلى الله عليه وسلم" لاشتهاره بكونه مسكن الهوام، فدخل فرأى غارا مظلما فجلس وجعل يلتمس بيده كلما وجد جحرا أدخل فيه أصبعه حتى انتهى إلى جحر كبير فأدخل رجله إلى فخذه، كذا في البغوي. "فجعلت الحيات والأفاعي تضربنه وتلسعنه" عطف تفسير "فجعلت دموعه تنحدر" من ألم لسعها. "وفي رواية" عن عمر بن الخطاب، ثم قال -أي بعد استبرائه الغار لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: ادخل، فإني سويت لك مكانا، "فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووضع رأسه في حجر أبي بكر" بكسر الحاء وسكون الجيم، "ونام فلدغ" بمهملة فمعجمة لذوات السموم وعكسه للذع النار "أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك" لئلا يوقظ المصطفى "فسقطت دموعه على وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: $"ما لك يا أبا بكر"؟ قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل" بالفوقية "عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذهب ما يجده، رواه ابن رزين" بفتح الراء وكسر الزاي ابن معاوية أبو الحسن العبدري السرقسطي الأندلسي المالكي مؤلف تجريد الصحاح جمع فيه الموطأ والصحيحين

وروي أيضا: أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال إن قتلت أنا رجل............

_ وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، قال ابن بشكوال: كان صالحا فاضلا عالما بالحديث وغيره، جاور بمكة أعواما وبها مات سنة خمس وعشرين، وقيل: خمس وثلاثين وخمسمائة. وفي الرياض النضرة: فلما أصبحا رأى على أبي بكر أثر الورم فسأله، فقال: من لدغة الحية، فقال: "هلا أخبرتني"، قال: كرهت أن أوقظك، فمسحه فذهب ما به من الورم. ولأبي نعيم عن أنس: فلما أصبح قال لأبي بكر: "أين ثوبك"، فأخبره بالذي صنع فرفع -صلى الله عليه وسلم- يديه، وقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة"، فأوحى الله إليه قد استجبنا لك. وعن ابن عباس، فقاله -صلى الله عليه وسلم: "رحمك الله صدقتني حين كذبني الناس، ونصرتني حين خذلني الناس، وآمنت بي حين كفر بي الناس، وآنستني في وحشتي"، والظاهر كما قال شيخنا أنه كان عليه غير ثوبه مما يستر جميع البدن إذ لم ينقل طلبه لغيره ممن كان يأتي لهما بالغار كابنه وابن فهيرة. وروي ابن مردويه عن جندب بن سفيان، قال: لما انطلق أبو بكر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الغار، قال: يا رسول الله! لا تدخل الغار حتى أستبرئه لقطع الشبهة عني، فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن أصبعيه، ويقول: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وذكر الواقدي وابن هشام: إن ذا البيت للوليد بن المغيرة الصحابي لما رجع في صلح الحديبية إلى المدينة وعثر بحرتها، فانقطعت أصبعه. وروى ابن أبي الدنيا: إن جعفرا لما قتل بمؤتة دعا الناس بعبد الله بن رواحة فأقبل فأصيب أصبعه، فارتجز يقول: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت يا نفس ألا تقلتي تموتي ... هذا حياض الموت قد صليت وما تمنيه فقد لقيت ... أن تفعلي فعلهما هديت وروى الشيخان وغيرهما عن جندب: بينما نحن مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أصابه حجر فدميت أصبعه، فقال: هل أنت.. البيت والذي يظهر أنه من إنشاء الصديق وأن كلا من المصطفى والوليد تمثل به والممتنع على النبي عليه السلام إنشاء الشعر لا إنشاده وضمنه ابن رواحة شعره المذكور. "وروي أيضا أن أبا بكر لما رأى القافة" أتوا على ثور وطلعوا فوقه، كما في رواية "اشتد حزنه" وبكى وأقبل عليه الهم والخوف والحزن، "على رسول الله -صلى الله علي وسلم، وقال: إن قتلت أنا رجل

واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا تحزن إن الله معنا"، يعني بالمعونة والنصر، فأنزل الله سكينته -وهي أمنة تكن عندها القلوب- على أبي بكر لأنه كان منزعجا، وايده -يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- بجنود لم تروها يعني الملائكة ليحرسوه في الغار، وليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته. انظر، لما رأى الرسول حزن الصديق قد اشتد لكن لا على نفسه، قوي قلبه ببشارة "لا تحزن إن الله معنا" وكان تحفة "ثاني اثنين" مدخرة له دون الجميع، فهو

_ واجد" لا تهلك الأمة بقتلي فلا تفوتهم نفع ولا يلحقهم ضرر، "وإن قتلت أنت هلكت الأمة" بهلاك الدين "فعندها" وبعد فراغه من الصلاة "قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا تحزن إن الله معنا" فروى عن الحسن البصري: جاءت قريش يطلبون النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو قائم يصلي وأبو بكر يرتقب، فقال: هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره، فقال: "لا تحزن إن الله معنا". "يعني بالمعونة والنصر" فالمراد المعنوية لاستحالة الحسية في حقه تعالى لا بالعلم فقط؛ إذ لا يختص بهما وهو معكم أينما كنتم، "فأنزل الله سكينته" عليه "وهي" أي السكينة، "أمنة" بفتحتين، أي: حالة للنفس، "تكن عندها القلوب" لا منها مما تكرهه "على أبي بكر" فالضمير في الآية عائد على صاحبه في قول الأكثر، قال البيضاوي: وهو الأظهر "لأنه كان منزعجا" لا على النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه لم تزل السكينة معه، قال ابن عباس كما رواه ابن مردويه والبيهقي وغيرهما. "وأيده -يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- بجنود لم تروها -يعني الملائكة- ليحرسوه في الغار، وليصروا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته" عطف سبب على مسبب، أي: ليحرسوه بصرف وجوههم عنه. وفي نسخ بأو يعني أن القصد أحد الأمرين وإن لزم أولهما للثاني، وقيل: معناه لقوا العرب في قلوب الكفار حتى رجعوا، حكاهما البغوي مصدرا بما اقتصر عليه المصنف. "انظر" تأمل بعين البصيرة في أمر المصطفى وشفقته على الصديق "لما رأى" علم "الرسول حزن الصديق" مفعول رأي الأول والثاني، "قد اشتد" ويجوز أنها بصرية مجازا؛ لأنه لما رأى ما علاه من الكآبة نزل الحزن القائم به منزلة المبصر حتى جعله مرئيا عليه، فالجملة حال. "لكن لا على نفسه قوي" الرسول عليه السلام "قلبه ببشارة لا تحزن إن الله معنا، وكانت تحفة" بفتح الحاء وتسكن، ما أتحفت به غيرك؛ كما في المصباح بمعنى الإتحاف، أي: كان

الثاني في الإسلام والثاني في بذل النفس والعمر وسبب الموت لما وقى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بماله ونفسه جوزي بمواراته معه في رمسه، وقام مؤذن التشريف ينادي على منائر الأمصار "ثاني اثنين إذ هما في الغار" ولقد أحسن حسان حيث قال: وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صاعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا ... من الخلائق لم يعدل به بدلا وتأمل قول موسى لبني إسرائيل: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] وقول نبينا -صلى الله عليه وسلم- للصديق: "إن الله معنا".....

_ إتحاف المصطفى لأبي بكر بكونه "ثاني اثنين مدخرة له دون الجميع" أي: جميع الصحابة، "فهو الثاني" من الرجال "في الإسلام والثاني في بذل النفس والعمر وسبب الموت" عطف تفسير، والمراد أنه لما جعل نفسه وقاية له كأنه بذل نفسه وعمره حفظا عليه السلام، "لما وقى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بماله ونفسه" مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل: ما كان جزاؤه فيما فعل؟ فقيل: "جوزي بمواراته معه في رمسه وقام مؤذن التشريف ينادي على منائر الأمصار" جمع منارة بفتح الميم، والقياس كسرها لأنها آلة، "ثاني اثنين إذ هما في الغار، ولقد أحسن حسان، حيث قال": يمدحه "وثاني اثنين في الغار المنيف" الزائد في الشرف على غيره بدخول أفضل الخلق فيه وإقامته به هو وصاحبه، "وقد طاف العدو به إذ" لمجرد الوقت "صاعد" بالألف لعله بمعنى صعد بالتشديد، لكن لم يذكر الجوهري والمجد ولا المصباح صاعد "الجبلا" نصب بنزع الخافض والألف للإطاق، والمعنى: إذ ارتقى العدو على الجبل، "وكان" الصديق "حب" بكسر الحاء محبوب "رسول الله قد علموا" أي عامة الناس العارفين بحال المصطفى والصديق مسلما أو غيره، "من الخلائق" متعلق بيعدل من قوله: "لم يعدل به بدلا" وأنشد الشامي رجلا، والتقدير: علم كل أحد أنه عليه السلام لم يعدل بأبي بكر أحد، أي: لم ينزل أحدا منزلته بحيث يجعله قائما مقامه. وروى ابن عدي وابن عساكر عن أنس: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لحسان: "هل قلت في أبي بكر شيئا"؟ قال: نعم، قال: "قل، وأنا أسمع"، فقال: وثاني اثنين.. إلخ، فضحك -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه، ثم قال: "صدقت يا حسان، هو كما قلت". فصريح هذا أنه قالهما في حياته. وفي ينبوع الحياة الذي أعرف أنهما من أبيات رثى بها حسان أبا بكر، فهذا يخالف ذاك إذ الرثاء تعداد المحاسن بعد الموت وجمع باحتمال أنه مدحه بهما في حياته، ثم أدخلهما في مرئيته بعد وفاته. "وتأمل" عطف على انظر "قول موسى لبني إسرائيل: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] ، وقول نبينا -صلى الله عليه وسلم- للصديق: "إن الله معنا"، قدم المسند إليه للإشارة إلى أنه

فموسى خص بشهود المعية ولم يتعد إلى أتباعه، ونبينا تعدى منه إلى الصديق، ولم يقل "معي" لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر السكينة إلى أبي بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلي والشهود، وأين معية الربوبية في قصة موسى عليه السلام من معية الإلهية في قصة نبينا -صلى الله عليه وسلم، قاله العارف شمس الدين بن اللبان. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة، قال: نسجت العنكبوت مرتين، مرة على داود حين كان طالوت يطلبه،......

_ لا يزول عن الخاطر لشدة التعلق به أو لأنه يستلذ به لكونه محبوبا للعباد إذ لا انفكاك لأحد عن الاحتياج إليه أو لتعظيمه بوصفه بالألوهية لأن سائر صفات الكمال تتفرع عليه، "فموسى خص" من ربه "بشهود المعية" له وحده "ولم يتعد" ذلك الشهود "إلى أتباعه ونبينا تعدى منه" شهوده" إلى الصديق" ولهذا "لم يقل معي لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر السكينة إلى أبي بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلي والشهود" إذ ليس في طوق البشر إلا بذلك الإمداد "وأين" استفهام تعجب وتعظيم للفرق بين المقامين، "معية الربوبية في قصة موسى عليه السلام" حيث قال: إن معي ربي والرب من التربية وهي التنمية والإصلاح، "من معية الإلاهية في قصة نبينا -صلى الله عليه وسلم" حيث عبر بالاسم الجامع لصفات الكمال، "قاله العارف شمس الدين بن اللبان" محمد بن أحمد الدمشقي، ثم المصري الشافعي الفقيه الأصولي النحوي الأديب الشاعر قدم مصر من دمشق، فأكرمه ابن الرفعة إكراما كثيرا، اختصر الروضة ورتب الأم، مات بالطاعون في شوال سنة تسع وأربعين وسبعمائة، هذا وما نقله الشارح عن شرح الهمزية هو معنى ما نقله المصنف عن ابن اللبان. "وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة" الخراساني صدوق يهم ويرسل كثيرا روى له مسلم والأربعة ولم يصح أن البخاري أخرج له كما زعم المزي، مات سنة خمس وثلاثين ومائة. "قال: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود" عليه السلام "حين كان طالوت" بن قيس من ذرية بنيامين شقيق يوسف عليه السلام، يقال إنه كان سقاء، ويقال: كان دباغا، "يطلبه" لأن داود لما قتل جالوت رأس الجبارين وكان طالوت وعد من قتله أن يزوجه ابنته ويقاسمه الملك، فوفى طالوت لداود قتله، وعظم قدر داود في بني إسرائيل حتى استقل بالمملكة فتغيرت نية طالوت لداود وهم بقتله، فلم يتفق له ذلك، ثم رآه في برية، فقال: اليوم أقتله، ففر منه ووجد مغرة فتوارى بها، فنسجت العنكبوت عليه فمر به طالوت فلم يره فتاب وانخلع من الملك وخرج مجاهدا هو ومن معه من ولده حتى ماتوا كلهم شهداء، وكانت مدة ملك طالوت أربعين سنة، وانتقل ملكه إلى داود واجتمعت عليه بنو إسرائيل ولم تجتمع على ملك واحد إلا

ومرة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الغار. وكذا نسجت على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس لما بعثه -صلى الله عليه وسلم- لقتل خالد بن نبيح الهذلي بعرنة، فقتله ثم حمل رأسه ودخل في غار فنسجت عليه العنكبوت، فجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين. وفي تاريخ ابن عساكر: أن العنكبوت نسجت أيضا على عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما صلب عريانا في سنة إحدى وعشرين ومائة.

_ عليه ومدة ملكه سبع سنين في قصة طويلة مذكورة في المبتدأ لابن إسحاق، كما في فتح الباري. "ومرة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الغار" لأن كل كرامة ومعجزة أوتيها نبي لا بد وأن يكون للمصطفى مثلا أو نظيرها أو أجل، فنسج عليه العنكبوت كداود وتعدى إلى بعض أصحابه وذريته، كما قال: "وكذا نسجت على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس" بن أسعد الجهني الأنصاري السلمي "لما بعثه -صلى الله عليه وسلم- لقتل خالد" بن سفيان "بن نبيح" بضم النون وفتح الموحدة وإسكان التحتية وحاء مهملة، "الهذلي" فنسبه المصنف لجده بناء على قول ابن إسحاق: أن البعث لخالد بن سفيان بن نبيح، وذكر ابن سعد نه سفيان بن خالد بن نبيح، وتبعه المصنف فيما يأتي واليعمري وغيرهما؛ لأنه كان يجمع الجموع للنبي -صلى الله عليه وسلم. "بعرنة" بالنون وادي عرفة "فقتله ثم حمل رأسه ودخل في غار، فنسجت عليه العنكبوت فجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين" ثم سار بالرأس فلما رآه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أفلح الوجه"، قال: وجهك يا رسول الله، ووضع الرأس بين يديه وأخبره الخبر فدفع -صلى الله عليه وسلم- إليه عصا كانت بيده، وقال: "تحضر بهذه في الجنة"، فلما حضره الموت أوصى أهله أن يجعلوها في كفنه، ففعلوا "وفي تاريخ ابن عساكر أن العنكبوت نسجت أيضا على عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب" رضي الله عنهم أبي الحسين المدني الثقة، ولد سنة ثمانين وروى عن أبيه وجماعة، وأخرج له أصحاب السنن. "لما صلب عريانا" أربع سنين كما في تاريخ ابن عساكر وبه جزم غير واحد، وقيل: خمس سنين، وكان قد بايعه خلق كثير من أهل الكوفة، وقالوا: تتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى، فقالوا: نرفضك فسموا الرافضة، وقالت طائفة: نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما فسموا الزيدية فخرجوا معه وحارب متولي العراق لهشام بن عبد الملك وهو يوسف بن عمر ابن عم الحجاج الثقفي فظفر به يوسف فقتله وصلبه ووجهوه لغير القبلة، فاستدارت خشبته إلى القبلة، ثم أحرقوا جسده وخشبته وذري رماده في الرياح على شاطئ الفرات وكان قتله وصلبه "في" صفر "سنة إحدى وعشرين ومائة" فيما قاله سعيد بن عفير وأبو بكر بن أبي شيبة وخليفة وآخرون قائلين:

وكان مكثه -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر في الغار ثلاث ليال، وقيل بضعة عشر يوما. والأول هو المشهور. وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف -أي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه لقن- فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت معهم، فلا يسمع بأمر يكادان به.........

_ وبقي مصلوبا إلى سنة ست وعشرين، وقال ابن سعد: ومصعب في ثاني صفر سنة عشرين، وقال الليث بن سعد وهشام الكلبي والهيثم بن عدي والزبير بن بكار وآخرون، قتل يوم الاثنين ليومين مضيا من صفر سنة اثنين وعشرين ومائة، وقال ابن عساكر: صلب في سنة ست وعشرين، قال البرهان: وعليه يكون في خلافة الوليد بن يزيد؛ لأن هشاما مات سنة خمس وعشرين ومائة. "وكان مكثه -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر في الغار ثلاث ليال" كما في الصحيح: فكمنا فيه ثلاث ليال، "وقيل: بضعة عشر يوما" رواه أحمد والحاكم عن طلحة البصري مرسلا، قال: قال -صلى الله عليه وسلم: "لبثت مع صاحبي في الغار بضعة عشر يوما، ما لنا طعام إلا طعام البرير". "والأول هو المشهور" كما قال ابن عبد البر وغيره، وجمع الحاكم بأنهما كمنا في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما، لكن قال الحافظ: لم يقع في رواية أحمد ذكر الغار وهي زيادة في الخبر من بعض رواته، ولا يصح حمله على حال الهجرة لما في الصحيح كما تراه من أن عامر بن فهيرة كان يروح عليهما في الغار باللبن، ولما وقع لهما في الطريق من لقي الراعي ومن النزول بخيمة أم معبد وغير ذلك، فالذي يظهر أنها قصة أخرى، انتهى. "وكان يبيت عندهما" في الغار "عبد الله بن أبي بكر" الصديق أصابه سهم في غزوة الطائف فاندمل جرحه ثم نقض بعد ذلك فمات في خلافة أبيه، قال الحافظ: وفي نسخة من البخاري عبد الرحمن وهو وهم. "وهو غلام شاب ثقف" بفتح المثلثة وكسر القاف ويجوز سكانها وفتحها، كما قال الحافظ، وتبعه المصنف وجوز البرهان ضمها وأسقطه الفتح، وبعدها فاء" أي" حاذق "ثابت المعرفة بما يحتاج إليه" تفسير من المصنف زائد على الحديث وهو من الفتح، وما ألطف قوله في مقدمته، أي: فطن وزنا ومعنى "لقن" بفتح اللام وكسر القاف وتسكن؛ كما في النور: فنون، أي: سريع الفهم، "فيدلج" بضم الياء وسكون الدال، ولأبي ذر بشد الدال بعدها جيم؛ كما قال المصنف، واقتصر الحافظ وتبعه الشامي على رواية أبي ذر، أي: يخرج "من عندهما بسحر" إلى مكة "فيصبح مع قريش بمكة كبائت" لشدة رجوعه بغلس يظنه من لا يعرف حقيقة أمره مثل البائت، "فلا يسمع بأمر يكادان به" بضم التحتية فكاف فألف، رواية

إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك اليوم حين يختلط الظلام. ويرعى عليهما عامر بن فهيرة -مولى أبي بكر- منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، عبد الله بن أريقط............

_ الكشميهني ولغيره: يكتاد أنه بفتح أوله وفوقيه بعد الكاف، أي: يطلب لهما فيه المكروه وهو من الكيد، "إلا وعاه" حفظه "حتى يأتيهما بخبر ذلك اليوم حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة" بضم الفاء مصغر "مولى أبي بكر" من السابقين الأولين، ذكر ابن عقبة عن ابن شهاب: أن أبا بكر اشتراه من الطفيل بن سخبرة فأسلم فأعتقه وهو مخالف لما رواه الطبراني عن عروة أنه كان ممن يعذب في الله فاشتراه أبو بكر فأعتقه، اشتهد ببئر معونة. "منحة" بكسر الميم وسكون النون وفتح المهملة: شاة تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي، قال الحافظ: وتطلق أيضا على كل شاة، "من غنم" ذكر ابن عقبة عن الزهري أنها كانت لأبي بكر فكان يروح عليهما الغنم كل ليلة فيحلبان ثم يسرح بكرة، فيصبح في رعيان الناس فلا يفطن له. "فيريحها" بضم أوله، أي: يردها. قال المصنف: أي الشاة أو الغنم، "عليهما حين تذهب ساعة من العشاء" فيحلبان ويشربان "فيبيتان في رسل" بكسر الراء وسكون المهملة: لبن طري، "وهو لبن منحتهما" أسقط من الرواية: ورضيفهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس. رضيف بفتح الراء وكسر المعجمة بزنة رغيف لبن فيه حجارة محماة بالشمس أو النار، لينعقد وتزول رخاوته وهو بالرفع ويجوز الجر. وينعق بكسر المهملة يصيح بغنمة ويزجرها. وفي رواية بهما بالتثنية، أي: يسمع المصطفى والصديق صوته إذا زجر غنمه. "يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث" ولابن عقبة عن ابن شهاب: وكان عامر أمينا مؤتمنا حسن الإسلام وفي رواية: وكانت أسماء تأتيهما من مكة إذا أمست بما يصلحهما من الطعام. وعند ابن إسحاق: فإذا أمسى عامر أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما تبع عامر أثره بالغنم حتى يعفي أثره وخرج معهما حتى قدم المدينة، ولا ينافي بيات ابن الصديق عندهما وتردد عامر وأسماء نسج العنكبوت على فم الغار؛ لأنه خارق فيجوز عدم نسج العنكبوت أو تكرّر النسج كل يوم أو غير ذلك. "واستأجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر" قبل خروجهما من مكة، بدليل: وغداة الغار، قال في الصحيح: رجلا من بني الدبل وبينه ابن عقبة وابن سعد، فقالا: استأجر "عبد الله بن أريقط"

دليلا -وهو على دين كفار قريش، ولم يعرف له إسلام- فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال. فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل،...........

_ بالقاف والطاء مصغر وسماه ابن إسحاق في رواية ابن هشام: عبد الله بن أرقد، وفي رواية الأموي عنه: أريقد، بالدال بدل الطاء وبالطاء أشهر، وقال مالك في العيبة: اسمه رقيط، والديل بكسر الدال وسكون التحتية، وقيل: بضم أوله وكسر ثانيه مهموز، ذكره في الفتح. "دليلا" حال منتظرة أو ليكون دليلا "وهو" أي: الرجل الذي استأجره، "على دين كفار قريش" من عبدة الأوثان لا من أهل الكتاب ومع ذلك سخره الله ليقضي أمره، وهذا من جملة الرواية. "ولم يعرف له إسلام" هكذا جزم به الحافظ عبد الغني المقدسي في سيرته وتبعه النووي، وقال السهيلي: لم يكن إذ ذاك مسلما ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ولا يعترض بأن الواقدي ذكر أنه أسلم؛ لأنه قيد بصحيح وضعّف الواقدي معلوم خصوصا مع الانفراد وكأنه سلف الذهبي في عده صحابيا، وقد قال في الإصابة: لم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي في التجريد ووصفه في الرواية بأنه كان هاديا ضريتا، أي: ساديا للطريق، قال: والخريت، أي: بكسر الخاء المعجمة والراء الثقيلة وتحتية ساكنة ففوقية: الماهر بالهداية، أي: هداية الطريق، وهذا التفسير مدرج من كلام الزهري، كما بينه ابن سعد. قال الأصمعي: سمي خريتا لأنه يهتدي بمثل خرت الإبرة، أي: ثقبها. وقال غيره: لاهتدائه لآخرات المفازة وهي طرقها الخفية، قال في الرواية: فأمناه، بفتح الهمزة مقصورة كسر الميم، أي: ائتمناه، "فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه" بمعنى التواعد، وهو الذي في البخاري بلفظ: ووعداه، "غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث" وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب: حتى إذا هدأت عنهما الأصوات جاء صاحبهما ببعيريهما، "وانطلق معهما عامر بن فهيرة" زاد ابن عقبة: يخدمهما ويعينهما يردفه أبو بكر ويعقبه ليس معهما غيره، "والدليل: فأخذ بهم طريق السواحل" بسين وحاء مهملتين، أسفل عسفان. وفي رواية ابن عقبة: فأجازهما أسفل مكة ثم مضى بهما حتى جاء بهما الساحل أسفل من عسفان، ثم أجارهما حتى عارض الطريق، وقد بين الزبير بن بكار من حديث عائشة، وابن عائذ من حديث ابن عباس سيرهما منزلة منزلة إلى قبا، ثم فصل المصنف حديث الصحيح بذكره قصة أم معبد، وسنذكر منه بقية في خبر سراقة، وقد مروا قبل ذلك كما في الصحيح بصخرة فنام المصطفى في ظلها، ورأى أبو بكر راعيا معه غنم فاستحلبه فحلب له منها فبرده أبو بكر حتى

فمروا بقديد علي أم معبد -عاتكة بنت خالد الخزاعية- وكانت برزة جلدة، تحتبي بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم. وكان القوم مرملين مسنتين، فطلبوا لبنا أو لحما يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا، فنظر -صلى الله عليه وسلم- إلى شاة في كسر الخيمة، خلفها الجهد عن الغنم، فسألها رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "هل بها لبن"؟ فقال: هي أجهد من ذلك،..........

_ قام -صلى الله عليه وسلم- فسقاه ثم ارتحلوا، "فمروا" كما رواه الحاكم وصححه البيهقي وصاحب الغيلانيات ومن طريقه اليعمري عن أبي سليط الأنصاري البدري، وابن عبد البر وابن شاهين وابن السكن والطبراني وغيرهم، عن أخي أم معبد حبيش صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قالا: لما خرج -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة ومعه أبو بكر وابن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق مروا "بقديد" بضم القاف وفتح الدال الأولى إسكان التحتية: موضع معروف، "على أم معبد" بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة ودال مهملة "عاتكة" بكسر الفوقية وبالكاف "بنت خالد" ابن خليد مصغر آخره دال مهملة كما صدر به ابن الأثير في الجامع، وقيل: ابن خليف، بفاء بدل الدال مصغر وقيل: ابن منقذ بضم الميم وسكون النون وكسر القاف وذال معجمة وقال الطبراني: عاتكة بنت خليف، وقال: بنت خالد بن منقذ. وفي ثقات ابن حبان: أم معبد بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس. وفي الإكمال: عاتكة بنت خليفة بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حزام بن حبشية، زاد السهيلي: ابن كعب بن عمرو الكعبية. "الخزاعية" بضم الخاء والزاي المنقوطتين ومهملة، صحابية خرج لها أبو يعلى الموصلي وروى ابن السكن حديث نزول النبي -صلى الله عليه وسلم- عليها من حديثها نفسها من رواية أخيها حبيش عنها. "وكانت برزة" كضخمة عفيفة جليلة مسنة أو غيرها، وقيل: هي المسنة التي برزت فلم تنخدر لسنها وخرجت عن حد المحجوبات، حكاهما ابن المنير وغيره. "جلدة" قوية أو عانية "تحتبي" تجلس "بفناء القبة" الخيمة والفناء سعة أمام البيت أو ما امتد من جوانبه، "ثم تسقي وتطعم" من يمر بها "وكان القوم مرملين مسنتين" بكسر النون والمثناة الفوقية، أي: أصابتهم السنة، "فطلبوا بنا أو لحما" وعند أبي عمر: سألوها لحما وتمرا فكأنهم طلبوا ما تيسر من الثلاثة، "يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئا" وقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القرى؛ كما في الرواية، أي: أحوجناكم، "فنظر -صلى الله عليه وسلم- إلى شاة في كسر الخيمة خلفها" بشد اللام "الجهد" بفتح الجيم، وضمها، أي: الهزال، "عن الغنم فسألها -صلى الله عليه وسلم: "هل بها من لبن"؟ فقالت: هي أجهد من ذلك" تريد أنها لضعفها وعدم طروق الفحل لها دون من

فقال: "أتأذنين لي أن حلها"؟ فقالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها ومسح ضرعها، وسمى الله، فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يربض الرهط -أي يشبع الجماعة حتى يربضوا- فحلب فيه ثجا وسقى القوم حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى علا بعد نهل، ثم غادره عندما وذهبوا. فلما لبث أن جاء أبو معبد زوجها...........

_ لهما لبن، فكأنها قالت: هي على صفة دون المسئول عنه، "فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها"؟ بضم اللام وكسرها؛ كما في القاموس. "فقالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا" بفتح اللام وسكونها، أي: لبنا في الضرع، "فاحلبها، فدعا بالشاة" طلبها أن تأتي إليه، فالباء زائدة فيكون معجزة، لكن في رواية: فبعث معبدا وكان صغيرا، فقال: "ادع هذه الشاة"، ثم قال: "يا غلام هات" فأحضرها إليه "فاعتقلها" أي: وضع رجلها بين ساقه وفخذه ليحلبها، "ومسح ضرعها" زاد في رواية: وظهرها "وسمى الله" زاد في رواية: ودعا لها في شاتها، "فتفاجت ودرت ودعا بإناء يربض الرهط" أي: طلب إناء موصوفا بذلك، كما يفيده العيون، لا أنه طلب مطلق إناء فأحضر بتلك الصفة، وفسره فقال: "أي: يشبع الجماعة حتى يربضوا" بكسر الموحدة "فحلب فيه ثجا" بمثلثة وجيم حلبا قويا "وسقى القوم" بعد أن سقى أم معبد حتى رويت؛ كما في رواية. "حتى رووا ثم شرب آخرهم" وقال: "ساقي القوم آخرهم شربا"، "ثم حلب فيه مرة أخرى" فشربوا "علا" بفتح المهملة واللام والأولى "بعد نهل" بفتح النون والهاء وتسكن ولام، أي: شربا ثانيا بعد الأول، "ثم" حلب فيه آخر و"غادره" بغين معجمة: تركه، "عندها" زاد في رواية: قال لها: "ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك"، ثم ركبوا "وذهبوا، فلما لبث" أي: ما لبث إلا قليلا "أن جاء أبو معبد زوجها" وهذا كله صريح في أنها لم تذبح لهم. ووقع في بعض الروايات عن أم معبد، قالت: طلع علينا أربعة على راحلتين فنزلوا بي، فجئت رسول الله بشاة أريد ذبحها فإذا هي ذات در، فأدنيتها منه فلمس ضرعها، وقال: "لا تذبحها"، وجئت بأخرى وذبحتها وطبختها فأكل هو وأصحابه وملأت سفرتهم منها، ما وسعت، وبقي عندنا لحمها أو أكثر، وبقيت الشاة التي مس ضرعها إلى زمن عمر، فإن صحت مع أنه لم يكن عندها إلا شاة واحدة، فيحتمل أنها لما أتته بها وشاهدت فيها الآية البينة تسلفت من جيرانها التي ذبحت إكراما

قال السهيلي: ولا يعرف اسمه، وقال العسكري: اسمه أكثر بن أبي الجون، ويقال: ابن الجون يسوق أعنزا عجافا، يتساوكن هزلا، مخهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا والشاة عازب حيال، ولا حلوب بالبيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. فقال: صفيه يا أم معبد. فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة. مبلج الوجه حسن الخلق،...........

_ للمعجزة الظاهرة فشاهدت فيها آية أخرى، والله أعلم. "قال السهيلي: ولا يعرف اسمه، وقال العسكري": الحافظ الإمام أبو الحسن علي بن سعيد بن عبد الله نزيل الري صنف وجمع، ومات سنة خمس وثلاثمائة، "اسمه أكثر" بفتح الهمزة والمثلثة "ابن أبي الجون" بفتح الجيم وبالنون، قال السهيلي: له رواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وتوفي في حياته، وقال الذهبي: قيل اسمه حبيش. وقيل: أكثم، قديم الوفاة. "ويقال: ابن الجون" بإسقاط أبي حبيش بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالمعجمة على الأصح. وقيل: بمعجمة مضمومة ونون مفتوحة وسين مهملة، وفي الإصابة أبو معبد الخزاعي ذكره ابن الأثير، وقال: تقدم في حبيش، والمتقدم إنما وصف بأنه أخو أم معبد، وأما زوجها فلم يسم وترجم ابن منده لمعبد بن أبي معبد ولم يسم أباه، وأخرج البخاري في التاريخ وابن خزيمة والبغوي قصة أم معبد من طريق الحر بن الصباح النخفي عن أبي معبد الخزاعي، قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر وأبو بكر وعمر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمة أم معبد.. الحديث، وفي آخره عند البغوي، قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت. قال البخاري: هذا مرسل، فأبو معبد مات قبل النبي -صلى الله عليه وسلم. "يسوق أعنزا عجافا" بكسر المهملة جمع عجفاء، وهي المهزولة. "يتساوكن هزلا" بضم الهاء وسكون الزاي "مخهن قليل" بخاء معجمة، أي: الودك الذي في العظم. وسقط في نسخ لأنه مساو لعجاف، "فلما رأى اللبن أبو معبد عجب، وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا والشاة عازب" بمهملة فألف فزاي فموحدة "حيال" بكسر المهملة وتحتية "ولا حلوب بالبيت" أي: ليس فيه ذات لبن تحلب؛ كما في المصباح. فليس للمبالغة، "فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا" أي: رأى الشاة ودعا لها، فحكت له القصة، فهي مركبة من كاف التشبيه وذا الأشاربة كنى بها عن غير عدد على أحد أوجهها، "فقال: صفية" يا أم معبد! فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة" بفتح الواو وضاد معجمة ومد: الحسن والبهجة، "مبلج الوجه" مشرقة "حسن الخلق" بضم الخاء واللام

لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور أكحل، أزج أرقن، شديد سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم طوال تحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد،..........

_ عرفت ذلك من حاله مع رفقته، أو بفتح فسكون تأكيدا لما علم من أوصافها، والظاهر الأول. "لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة" لعدم وجودهما فيه، وهو "وسيم قسيم" عطف مرادف إذ معناهما الحسن كما يجيء، "في عينيه دعج" بفتح الدال والعين المهملتين وجيم، "وفي أشفاره وطف" بفتح الواو والطاء المهملة وبالفاء، ويروي غطف بغين معجمة بدل الواو، ورجحها الحافظ عبد الغني المقدسي والقطب الحلبي ومعناهما طول، ويروي بعين مهملة، ويأتي بيانه. "وفي صوته صحل" بفتح المهملتين ولام "أحور، أكحل، أزج" بفتح الهمزة والزاي وشد الجيم بصوف به الرجل والحاجب في المدح، "أقرن" مثله في حديث علي، وهو مخالف لما في حديث هند بن أبي هالة: أزج الحواجب سوابغ من غير قرن. قال ابن الأثير: وهو الصحيح، وقال غيره: إنه المشهور وإن قول راويه وكان هند وصافا رد لما خالفه، وأجيب بأن بينهما شعرا خفيفا جدا يظهر إذا وقع عليه الغبار في نحو سفر، وحديث أم معبد سفري، وبغير ذلك. "شديد سواد الشعر، في عنقه سطع" طول "وفي لحيته كثاثة" بمثلثتين، "إذا صمت" بفتح الميم "فعلية الوقار" بفتح الواو: الحلم والرزانة، "وإذا تكلم سما وعلاه البهاء وكأنه منطقه خرزات نظم طوال يتحدرن" لعل وجه التشبيه التناسق بين كلماته وشدة اتصال بعضها ببعض، فأشبهت في تناسقها الكلمات، وفي تواليها الخرزات إذا تتابعت، "حلو المنطق" الحلو في المطعوم مستلذ، فاستعير لما يعجب السامع ويستلذ بماعه، "فصل" بفاء فصاد ساكنة بين الحق والباطل أو بين قاطع للشك لا لبس فيه، أو ذو فصل بين أجزائه؛ كقول عائشة: ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسرد سردكم هذا. "لا نزر ولا هذر، أجهر الناس" أرفعهم صوتا إذا تكلم من بعد "وأجمله" أحسنه، "من بعيد" يعني أن علو صوته لا ينقصه بل يزيد معه حسنا وكمالا، وهذا على ما في نسخ المصنف والذي في الشفاء: أجمل الناس من بعيد، ولغيره: أجمل الناس وأبهاه من الجمال الذي هو الحسن وجعل الجمال من بعيد؛ لأنه يحقق للناظر النظر فيه لمهابته بحيث لا يطيل القريب منه النظر له إلا الصغير أو المحرم أو الأعراب، فإذا فعل ذلك أدرك فوق الجمال مرتبة أخرى؛ كما قيل:

وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذ أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند. فقال: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتبعته. قالت أسماء بنت أبي بكر: لما خفي علينا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم، فقال: أين أبوك؟ فقلت: والله لا أدري أين............

_ يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا وإليه أشار قولها: "وأحلاه" من حلا بعينه وقلبه إذا أعجبه واستحسنه، فالعطف تفسيري في قولها: "وأحسنه من قريب" بإفراد الضمير فيها حملا على لفظ الناس، أو على الجنس، كأنها قالت: أحلى وأحسن هذا الجنس أو لسد واحد مسدهم، كما في التسهيل. ومثله في شرحه بقوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ} [المؤمنون: 21] ؛ لأن النعم تسد مسد الأنعام. "ربعة لا تشنؤه" بمعجمة ونون وهمزة مضمومة فهاء الضمير، "من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن" أي: كغصن "بين غصنين" تعني الصديق ومولاه؛ لأنهما المقصودان له بالصحبة، والدليل كان على دينه فلم تعنه، "فهو أنضر" بضاد معجمة "الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون" بضم الحاء: يطوفون "به" ويستدبرون حوله "إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، محفود" أي: مخدوم، "محشود" أي: عنده قوم، "لا عابس ولا مفند" بكسر النون: كثير اللوم، كما يأتي. "فقال" أبو معبد: "هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتبعته" ولأجتهدن أن أفعل. وفي رواية: ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. وفي الوفاء: فهاجرت هي وزوجها وأسلما. وفي خلاصة الوفاء: فخرج أبو معبد في أثرهم ليسلم، فيقال: أدركهم بطن ريم فبايعه وانصرف. وفي شرح السنة للبغوي: هاجرت هي وزوجها وأسلم أخوها حبيش واستشهد يوم الفتح، وكان أهلها يؤرخون بيوم نزول الرجل المبارك. "قالت أسماء بنت أبي بكر" فيما رواه في الغيلانيات من طريق ابن إسحاق، قال: حدثت عن أسماء فهو منقطع، لكن رواه الحافظ أبو الفتح اليعمري متصلا، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء، قالت: "لما خفي علينا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم فقال: أين أبوك؟ " يابنة أبي بكر "فقلت: والله لا أدري أين

أبي، قالت: فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدي لطمة خرج منها قرطي، ثم انصرفوا. ولما لم ندر أين توجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أتى رجل من الجن يسمعون صوته ولا يرونه، وهو ينشد هذه الأبيات: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم ترحلا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد فيما لقصي ما زوى.........

_ أبي قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدي لطمة" واحدة "خرج منها" أي: بسبب اللطمة. وفي رواية: خرم. وفي أخرى: طرح منها "قرطي" بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة: نوع من حلي الأذن معروف، "ثم انصرفوا" قالت: "ولما لم ندر أين توجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتى رجل" بعد ثلاث ليال، كما في رواية الغيلانيات. وفي رواية اليعمري: فلبثنا أياما ثلاثة أو أربعة أو خمسة ليال لا ندري أين وجه، ولا يأتينا عنه خبر، حتى أقبل رجل "من الجن" من مؤمنيهم ولا أعرف اسمه، قال في النور. وفي رواية عن أسماء: إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة تغنى بأبيات غنى بها العرب، وإن الناس يتبعونه "يسمعون صوته ولا يرونه" وفي رواية الغيلانيات عن أبي سليط: حتى سمعوا هاتفا على أبي قبيس. واليعمري ذكر الروايتين. وعذر شيخنا أنه لم يقرأ له الرواية الأولى التي عن أبي سليط. "وهو ينشد هذه الأبيات: جزى الله رب الناس خير جزائه" هكذا رواية أسماء. ورواية أبي سليط: جزى الله خيرا والجزاء يكفه، "رفيقين" مفعول جزى، "حلا" من الحلول، كما في نسخة صحيحة من الاستيعاب بالهامش. ورواه اليعمري، قال: من القيلولة، وضبب عليها في الاستيعاب كما في النور. "خيمتي أم معبد" تثنية خيمة بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر، قال ابن الأنباري: لا تكون عندهم من ثياب بل من أربعة أعواد ثم تسقف بالثمام. وفي معجم: ما استعجم من قديد إلى المشلل ثلاثة أميال بينهما خيمتا أم معبد، "هما نزلا بالبر" ضد الإثم، "ثم ترحلا" وفي رواية: هما نزلا بالهدى واغتدوا به، "فأفلح" وفي رواية: هما رحلا بالحق وانتزلا به. وفي أخرى: هما نزلاها بالهدى فاهتدت به فقد فاز "من أمسى رفيق محمد" فعيل يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، فيدخل في قوله: رفيقين عامر بن فهيرة، وقد ينافيه حلا إلا أن يكون ثنى نظرا للفظ. "فيالقصي" بضم القاف وفتح المهملة وشد التحتية، "ما زوى" بفتح

................الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدهما للمؤمنين بمرصد سلو أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزيد فغادرها رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه -صلى الله عليه وسلم.

_ الزاي والواو أي: جمع وقبض، "الله عنكم به من فعال" قال البرهان وتبعه الشامي: الظاهر أنه بفتح الفاء وخفة العين وهو الكرم، ويجوز أن يكون بكسر الفاء جمعا، "لا تجاري" بالراء وفي رواية: بالزاي، "وسؤدد" بضم السين وإسكان الواو مصدر ساد "ليهنا" بفتح الياء وتثليث النون، أي: ليسر "بني كعب" هو ابن عمر وأبو خزاعة، "مكان" فاعل يهنأ. وفي نسخة: مقام بفتح الميم "فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد" بفتح الميم والصاد، أي: مقعدها بمكان ترصد، أي: ترقب المؤمنين فيه لتواسيهم "سلو أختكم" أم معبد "عن" المعجزة التي شاهدتها في "شاتها" التي حلبها المصطفى ولم يطرقها فحل ولم تستطع الرعي من الهزال، و"إنائها" الذي حلب فيها منها مرارا، فإنها معجزة باهرة لا تنكر، "فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل" لا حمل بها "فتحلبت له" مطاوع احتلبها وضمنه معنى سمحت، فعداه بالياء في "بصريح" بصاد وحاء مهملتين: لبن خالص لم يخلط "ضرة" بفتح الضاد وشد الراء الفوقية: أصل الضرع؛ كما في النهاية مرفوع فاعل تحلبت، "الشاة مزبد" بضم الميم وإسكان الزاي وكسر الموحدة فدال مهملة: علاه الزبد، "فغادرها" تركها "رهنا لديها لحالب يرددها" الحالب" في مصدر ثم مورد" أي: يحلبها مرة ثم أخرى، والمعنى: ترك الشاة عندها ذات لبن مستمر، "يردد الحالب الحلب" عليها مرة بعد مرة لكثرة لبنها، "فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه -صلى الله عليه وسلم" وفي الرواية: فلما سمع حسان الأبيات، قال يجاوب الهاتف، قال في النور: والظاهر أنه إنما قاله بعد إسلامه: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليه ويغتدي ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتدي وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتا الله في كل مشهد وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى غد

وقوله: مرملين: أي نفدت أزوادهم. ومسنتين: أي مجدبين، ويروى: مشتين: أي دخلوا الشتاء. وكسر الخيمة: بكسر الكاف وفتحها، وسكون السين، جانبها. وتفاجت: -بتشديد الجيم- فتحت ما بين رجليها. ويربط الهرط: -بضم المثناة التحتية، وكسر الموحدة- أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض. من ربض بالمكان يربض: إذا لصق به وأقام. والثج: السيلان. وفي رواية: فحلب ثجا حتى علاه الثمال -بضم المثلثة- الرغوة واحده: ثمالة. .............

_ ليهنأ أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد "وقوله: مرملين، أي: نفدت" بالمهملة "أزوادهم ومسنتين، أي: مجدبين" بالمهملة، أي: أصابتهم سنة جدبة، "ويروى مشتين" بشين معجمة اسم فاعل من أشتى القوم، "أي: دخلوا في الشتاء" وحينئذ يقل طعامهم، "وكسر الخيمة بكسر الكاف وفتحها وسكون السين" المهملة "جانبها" وهذه رواية ابن عبد البر الحاكم والبيهقي، وفسرها ابن المنير وغيرها بما ذكر. ورواه اليعمري بلفظ، قال: ما هذه الشاة التي أرى لشاة رآها في كفاء البيت. قال البرهان: بكسر الكاف وبالفاء المخففة ممدود. قال المؤلف، يعني اليعمري، في الفوائد: كفاء البيت ستره من أعلاه إلى أسفله، من مؤخره، وقيل الكفاء: الشقة التي تكون في مؤخر الخباء، وقيل: كساء يلقى على الخبار كالآزرار حتى يبلغ الأرض، وقد أكفأ البيت، ذكره ابن سيده، انتهى. والجمع بين الروايتين سهل بأن تكون الشاة في جانب الخيمة تحت كفائها، فالمعبر بهذا أو ذاك صادق. "وتفاجت بتشديد الجيم: فتحت ما بين رجليها، ويربط الرهط بضم المثناة التحتية وكسر الموحدة، أي: يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض من ربض بالمكان يربض إذا لصق به وأقام" ملازما له يقال: أربضت الشمس إذ اشتد حرها حتى تربض الوحوش في كياسها، أي: تجعلها تربض. ويروى بتحتية بدل الموحدة، أي: يرويهم بعض الري من أراض الحوض إذا صب فيه من الماء ما يواري أرضه، والمشهور الرواية الأولى بالموحدة، كما في النور، ولذا اقتصر عليها المصنف. "والثج" بمثلثة وجيم "السيلان، وفي رواية: فحلب ثجا حتى علاه الثمال بضم المثلثة الرغوة" مثلث الراء: لبن الزبد "واحده ثمالة" لكن في تفيره الجمع بالمفرد نظر، والأظهر لو قال: الثمال واحدة ثمالة وهي الرغوة إلا أن يراد جنس الرغوة وإن كل جزء مما على وجه اللبن

والبهاء أي بها اللبن: وهو وبيص رغوته. وتساوكن هزالا: أي تمايلن، ويروي: تشاركن من المشاركة، أي في الهزال. وغادره: -بالغين المعجمة- أي: أبقاه والشاة عازب، أي بعيدة المرعى. والأبلح: -بالجيم- المشرق الوجه المضيئة. والثجلة: -بفتح المثلثة، وسكون الجيم- عظم البطن، ويروى بالنون والحاء: أي نحول ودقة. والصعلة: -بفتح الصاد- صغر الرأس، وهي أيضا الدقة والنحول في البدن.

_ رغوة، "والبهاء بها اللبن وهو وبيص" بمهملة، أي: لمعان، "رغوته وتساوكن هزلا، أي: تمايلين" من الهزال "ويروى: تشاركن بمعجمة بدل المهملة والراء بدل الواو، "من المشاركة، أي: في الهزال، وغادره بالغين المعجمة، "أي: أبقاه" تفسر باللازم إذ هو الترك "والشاة عازب، أي: بعيدة المرعى" والحيال بكسر الحاء المهملة جمع حائل، وهي التي ليس بها حمل "والأبلج" بالموحدة و"الجيم المشرق الوجه المضيئة" وفي النور: مبلج الوجه مشرقه مسفره، ومنه تبلج الصبح وابتلج، فأما الأبلج فهو الذي وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، والاسم البلج بفتح اللام ولم ترده أم معبد؛ لأنها وصفته بالقرن. "والثجلة بفتح المثلثة": كذا في النسخ، والذي في النور: والسبل بضم المثلثة، "وسكون الجيم" وفتح اللام آخره تاء، "عظم البطن" وسعته، يقال: رجل أثجل بين الثجل وامرأة ثجلاء، قال أبو ذر في حواشيه: فالثجلة عظم البطن، يقال: بطن أثجل، إذا كان عظيما. و"يروى بالنون والحاء" المهملة، "أي: نحول ودقة من الجسم الناحل وهو القليل اللحم، قاله أبو ذر. "والصعلة بفتح الصاد" وإسكان العين المهملتين، "صغر الرأس وهي أيضا الدقة والنحول في البدن"، كما قال ابن الأثير. وفي رواية: سقلة بقاف وبسين معها على الإبدال من الصاد، وذكره ابن الأثير بالصاد السين مع القاف وبالعين المهملة، وكذا الهروي في الغربيين، لكن لم يذكر السين ومعناه نحل ودقة قال شمر: من صقلت الناقة ضمرتها وصقلها السير أضمرها، والسقل الخاصرة. وقال غيره: أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدا ولا ناحلا جدا، انتهى. وفي حاشي أبي ذر: لم تزر، أي: لم تقصر، والصقل والصقلة جلدة الخاصرة، تريد: أنه ناعم الخاصرة، وهذا من الأوصاف الحسنة انتهى. وعلا كلام غيره وهو نفي للأوصاف الغير الحسنة. وقال ابن المنير: الصعلة انتفاخ الأضلاع، وقيل: الرقة، وقيل: صغر الرأس واختير في هذه الكلمة فتح العين، ذكر الهروي.

والوسيم: الحسن، وكذلك: القسيم. وفي عينيه دعج: أي سواد. والوطف: قال في القاموس: محركة كثرة شعر الحاجبين والعينين. وفي صوته صحل: -بالتحريك- هو كالبحة -بضم الموحدة وأن لا يكون حاد الصوت. وأحور: قال في القاموس: الحور -بالتحريك- أن يشتد بياض العين، وسواد سوادها. والكحل: -بفتحتين- سواد في أجفان العين خلقة، والرجل: أكحل وكحيل. والأزج: الدقيق طرف الحاجبين وفي القاموس: والزجج -محركة...........

_ انتهى. ولم أر ذلك في الغربيين. "والوسيم الحسن وكذلك القسيم وفي عينيه دعج، أي: سواد" شديد "والوطف، قال في القاموس: محركة" أي: مفتوح الطاء، "كثرة شعر الحاجبين والعينين" وفي الغربيين: في أشفاره وطف، أي: طول قد ووطف يوطف، انتهى. وفي حواشي أبي ذر: في أشفاره غطف أو عطف، ويروى وطف الوطف طول أشفار العين، وفي كتاب العين: الغطف بالغين المعجمة مثل الوطف، وإما بالمهملة فلا معنى له هنا، وفسره بعضهم بأن تطول أشفار العين حتى تنعطف، انتهى. واقتصر ابن المنير على المعجمة، وقال: لم يعرفه الرياشي بغيرها. "وفي صوته صحل" بالتحريك، أي: فتح الحاء وكذا الصاد المهملتين فلام، "هو كالبحة بضم الموحدة وأن لا يكون حاد الصوت" يقال: منه صحل الرجل، بالكسر يصحل صحلا بفتحها إذا صار أبح فهو صحل وصاحل، "وأحور، قال في القاموس: الحور بالتحريك" أي: فتح الواو، "أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها"، وهو المحمود المحبوب، ولذا كان أغزل ما قالت العرب، قول جرير: إن العيون التي في طرفها حور ... قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا "والحكل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحيل" والمرأة كحلاء وكثر تغزل المولدين بذلك؛ كقول ابن النبيه: كحلاء نجلاء لها ناظر ... منزه عن لوثة المرود "والأزج الدقيق طرف الحاجبين، وفي القاموس: والزج محركة" أي: مفتوحة الجيم

دقة الحاجبين في طول. والأقرن: المقرون الحاجبين. وفي عنقه سطع: -بفتحتين- أي ارتفاع وطول. وفي لحيته كثاثة: بمثلثتين الكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة، وفيها كثاثة، يقال: رجل كث اللحية -بالفتح- وقوم كث -بالضم.. وإذا تكلم سما وعلاه البهاء: أي ارتفع وعلا على جلسائه. وفصل -بالصاد المهملة- لا نزر -بسكون المعجمة- ولا هذر -بفتحها: أي: بين ظاهر، يفصل بين الحق والباطل. ولا تشنؤه من طول: كذا جاء في رواية، أي لا يبغض لفرط طوله، ويروى: لا يشنى من طول: أبدل من الهمزة ياء، يقال: شنئته أشنؤه، شنا........

_ الأولى، "دقة الحاجبين في طول" أي: امتداد إلى مؤخر العين، والزجج خلقة والتزجيج ما كان يصنع كما قال: وزججن الحواجب والعيونا، أي: صنعن ذلك وهو ما تسميه العوام تخفيفا بمهملة، "والأقرن المقرون" الحاجبين" قال ثابت في كتاب خلق الإنسان: رجل أقرن وامرأة قرناء فإذا نسب إلى الحاجبين، قالوا: مقرون الحاجبين ولا يقال: أقرن الحاجبين، انتهى. "وفي عنقه سطح بفتحتين، أي: ارتفاع وطول" كما قال الهروي، وزاد: يقال عنق سطعاء وهي المنتصبة الطويلة، ورجل أسطع، ومن هذا قيل للصبح أول ما ينشق مستطيلا قد سطع يسطع. "وفي لحيته كثاثة بمثلثتين الكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة وفيها كثاثة، يقال: رجل كث اللحية بالفتح"، للكاف "وقوم كث بالضم"، لها "وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، أي: ارتفع وعلا على جلسائه، وفصل بالصاد المهملة، لا نزر بسكون المعجمة" التي هي الزاي، أي: قليل "ولا هذر بفتحها" أي المعجمة التي هي الذال، أي: كثير بل وسط، هكذا ضبطه الحافظ العلائي وغيره بالفتح وضبطه بعض شراح الشفاء بسكون الذال مصدر قال بفتحها الاسم وفي غريبي الهروي في وصف كلامه عليه السلام لا نزر ولا هذر، أي: لا قليل ولا كثير ورجل هذر وهذار مهذار وهذريان كثير الكلام، وقوله: "أي: بين ظاهر يفصل بين الحق والباطل"، تفسير لقولها فصل، وقال العلائي: يفسره قولها: لا نزر ولا هذر، "ولا تشنؤه من طول، كذا جاء في رواية، أي: لا يبغض لفرطه طوله، ويروى: لا يشنى من طول أبدل من الهمزة ياء" ثم قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، "يقال: شنئته أشنؤه شنا" بوزن فلس، كما في المصباح.

وشنأنا، قاله ابن الأثير. ولا تقتحمه عين من قصر: أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقارا له وكل شيء ازدريته فقد اقتحمته. ومحفود: أي مخدوم. والمحشود: الذي عنده حشد وهم الجماعة. ولا عابس: من عبوس الوجه. والمنفد: الذي يكثر اللوم وهو التفنيد. والضرة: لحمة الضرع. وغادرها أي خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر، انتهى. وأخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق الواقدي: حدثني حزام ابن هشام عن أبيه..............

_ "وشنأنا، قاله ابن الأثير" في النهاية "ولا تقتحمه عين من قصر، أي: لا تتجاوزه إلى غيره احتقارا له وكل شيء ازدريته فقد اقتحمته" قال أبو بكر بن الأنباري: كما في الغربيين، "ومحفود، أي: مخدوم والمحشود الذي عنده حشد" بفتح المهملة وسكون المعجمة وتفتح فدال مهملة، "وهم الجماعة ولا عابس من عبوس الوجه، والمنفذ الذي يكثر اللوم" فهو اسم فاعل، "وهو التنفيد والضرة لحمة الضرع"، وقال الهروي: أصل الضرع، "وغادرها، أي: خلف الشاة عندها مرتهنه بأن تدر" بضم الدال، "انتهى" ما أراده من شرح غريبه. قال ابن المنير: وفي الحديث من الفقه أنه لا يسوغ التصرف في ملك الغير ولا إصلاحه وتنميته إلا بإذنه، ولهذا استأذنها في إصلاح شاتها وفيه لطيفة عجيبة، وهو أن اللبن المحتلب من الشاة لا بد أن يفرض مملوكا، والملك ههنا دائر بين صاحب الشاة وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- وأشبه شيء بذلك المساقاة؛ فإنها تكرمة الأصل وإصلاحه بجزء من الثمرة، وكذلك فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أكرم الشاة وأصلحها بجزء من اللبن، ويحتمل أن يقال: إن اللبن مملوك للنبي -صلى الله عليه وسلم- وسقاها تفضلا منه لأنه ببركته كان وعن دعائه وجد والفقه الأول أدق وألطف، انتهى. "وأخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أبي عبد الله المدني، قال: "حدثني حزام بن هشام" بكسر الحاء المهملة وبالزاي كما ضبطه الأمير وغيره، "عن أبيه" هشام بن خنيس بمعجمة ونون ومهملة مصغر عند إبراهيم بن سعد وسلمة بن

عن أم معبد قالت: بقيت الشاة التي لمس عليه السلام ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة، زمن عمر بن الخطاب، وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا وما في الأرض لبن قليل ولا كثير.

_ الفضل عن ابن إسحاق ولغيرهما عنه حبيش بضم المهملة وفتح الموحدة فياء فشين معجمة، قال في الإصابة: وهو الصواب ابن خالد الخزاعي، "عن" عمته "أم معبد، قالت: بقيت الشاة التي لمس عليه السلام ضرعها عندنا حتى كان زمن الرمادة" سنة ثمان أو سبع عشرة من الهجرة، قيل لها ذلك لأن الريح كانت إذا هبت ألقت ترابا كالرماد وأجدبت الأرض إلى الغابة حتى أوت الوحوش إلى الإنس، "زمن عمر بن الخطاب" رضي الله عنه وآلى أن لا يذوق لحما ولا سمنا ولا لبنا، حتى حيى الناس، أي: يأتي إليهم الحيا بالقصر ويمد: المطر، وقال: كيف لا يعنين شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم حتى استسقى بالعباس بإشارة كعب فسقوا، وفي ذلك يقول عقيل: بعمي سقى الله البلاد وأهلها ... عشية يستسقي بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب داعيا ... فما حار حتى جاد بالديمة المطر "وكنا نحلبها" بضم اللام وكسرها، كما في القاموس وما بالعهد من قدم، "صبوحا" بفتح المهملة وضم الموحدة: ما شرب بالغداة مما دون النائلة، "وغبوقا" بفتح الغين المعجمة الشرب بالعشي، "وما في الأرضي لبن قليل ولا كثير" في بقية حديث هشام هذا: وكانت أم معبد يوم نزل عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلمة. قال الواقدي: وقال غير هشام: قدمت بعد ذلك وأسلمت وبايعت؛ كما في الإصابة. وذكر السهيلي عن هشام المذكور، قال: أنا رأيتها وإنها لتأدم أم معبد وجميع صرمها، أي: أهل ذلك الماء. وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار عن هند بنت الجون، قالت: نزل -صلى الله عليه وسلم- خيمة خالتي أم معبد، فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومج في عوسجة إلى جانب الخيمة فأصبحت كأعظم دوحة، وجاءت بتمر كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشهد ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا در لبنها، فكنا نسميها المباركة حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها واصفر ورقها، ففزعنا فما راعنا إلا نعي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك وذهبت صفرتها، فما شعرنا إلا بقتل أمير المؤمنين علي، فما أثمرت بعد ذلك، وكنا ننتفع بورقها، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من أسفلها دم عبيط، وقد ذبل ورقها، فبينما نحن فزعون مهمومون إذ أتانا خبر قتل الحسين ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت، والعجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كالشاة، كذا ذكره وعهدته عليه، والله أعلم.

قصة سراقة

قصة سراقة: ثم تعرض لهما بقديد سراقة من مالك بن جعشم المدلجي، فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله أتينا، قال: "كلا"، ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدعوات،.........

_ قصة سراقة: "ثم" بعد رواحهم من عند أم معبد، كما عند مغلطاي، "تعرض" أي: تصدى، "لهما" يريد منعهما وردهما إلى قومهما. وذكر ابن سعد أن سراقة عارضهم يوم الثلاثاء، "بقديد" ولا يخالفه قول مغلطاي: فلما راحوا من قديد؛ لأن معناه: لما ساروا وإن لم ينفصلوا عنه تعرض لهما "سراقة بن مالك بن جعشم" بضم الجيم والشين المعجمة بينهما مهملة ساكنة ثم ميم، وحكى الجوهري فتح الجيم والشين، نقله النووي في التهذيب، والبرهان في النور، وإن انتقد بعدم وجوده في نسخ الصحاح؛ لأنهما حجة، أي: حجة "المدلجي" بضم الميم وسكون المهملة وكسر اللام ثم جيم من بني مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة، الكنان الحجازي أسلم سراقة عنده -صلى الله عليه وسلم- بالجعرانة منصرفة من حنين والطائف، وروى عنه ابن عباس وجابر وابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم وابن المسيب وطاوس، ومات سنة أربع وعشرين في أول خلافة عثمان، وقيل: مات بعده. والصحيح الأول، أخرج له البخاري والأربعة وأحمد، وسبب تعرضه لهما ما رواه البخاري عنه، قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إن قد رأيت آنفا أسودة بالسواحل، أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: أنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي، أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت..الحديث، وفيه: أنه لما دنا منهم سقط عن فرسه، واستقسم بالأزلام فخرج ما يكره لا يضرهم ثم ركبها ثانيا، وقرب حتى سمع قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت يدا فرسه في الأرض إلى الركبتين فسقط عنها، ثم خلصها واستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره فناداهم بالأمان. وفي رواية ابن عقبة: وكنت أرجو أن أرده فآخذ المائة ناقة. وفي رواية عن أبي بكر: تبعنا سراقة ونحن في جلد من الأرض، فقلت هذا الطلب لقد لحقنا، فقال: "لا تحزن إن الله معنا"، فلما دنا منا وكان بيننا وبينه رمحان أو ثلاثة، قلت: هذا الطلب لقد لحقنا وبكيت، قال -صلى الله عليه وسلم: "ما يبكيك"؟ قلت: أما والله ما على نفسي أبكي ولكن عليك، "فبكى أبو بكر، وقال: يا رسول الله! أتينا، قال: "كلا" ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدعوات"

فساخت قوائم فرسه، وطلب الأمان، فقال: أعلم أن قد دعوتهما علي، فادعوا لي ولكما أن أرد الناس عنكما ولا أضركما. قال: فوقفا لي، فركبت فرسي حتى جئتهما، قال: ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فأخبرتهما أخبار ما يريد بهما الناس، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يرزآني.

_ وعند الإسماعيلي وغيره، فقال: "اللهم اكفناه بما شئت". وفي حديث أنس عند البخاري، فقال: "اللهم اصرعه"، فصرعه فرسه، "فساخت" بسين مهملة وخاء معجمة، أي: غاصت، "قوائم فرسه" حتى بلغت الركبتين، كما في حديث عائشة. في حديث أسماء عند الطبراني: فوقعت لمنخريها. وللبزار: فارتطمت به فرسه إلى بطنها. وللإسماعيلي: فساخت في الأرض إلى بطنها. "وطلب الأمان، فقال": زاد ابن إسحاق: أنا سراقة، انظروني أكلمكم، فوالله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه، "أعلم أن قد دعوتما علي، فادعوا لي" وللإسماعيلي: قد علمت يا محمد، أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيها، و"لكما" خبر مقدم "أن أرد الناس" في تأويل المصدر مبتدأ، أي: لكما علي رد الناس "عنكما"، وفي رواية: فالله لكما مبتدأ وخبر، أي: ناصر وعلي أن أرد، وبالجر على القسم والنصب بإسقاط حرف القسم كله، قال: أقسم بالله، فحذف فنصب "ولا أضركما" وفي حديث ابن عباس: وأنا لكم نافع غير ضار، ولا أدري لعل الحي يغني قومه فزعوا لركوبي وأنا راجع ورادهم عنكم، "قال: فوقفا لي" وفي حديث البراء، قال: ادع لي ولا أضرك، فدعا له -صلى الله عليه وسلم، "فركبت فرسي حتى جئتهما، قال: ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت" من الحبس عنهم؛ كما في حديث عائشة. "أن سيظهر" مرفوع وأن مخففة، أي: أنه سيظهر، "أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم" وفي رواية ابن إسحاق: أنه قد منع مني، قال: "فأخبرتهما خبر ما يريد بهما الناس" من الحرص على الظفر بهما وبذلك المال لمن يحصلهما. وفي حديث ابن عباس: وعاهدهم أن لا يقاتلهم ولا يخبر عنهم وأن يكتم عنهم ثلاث ليال، "وعرضت عليهما الزاد والمتاع، فلم يرزآني" بفتح أوله وسكون الراء فزاي فهمزة، أي: لم ينقصاني مما معي شيئا. وللإسماعيلي: وهذه كنانتي فخذ منها سهما، فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال: لا حاجة لنا في إبلك ودعا له. وفي حديث عائشة: ولم يسألاني شيئا إلا أن قال: أخف عنا، بفتح الهمزة وسكون المعجمة بعدها فاء: أمر من الإخفاء فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم.

واجتاز -صلى الله عليه وسلم- في وجهه ذلك بعبد يرعى غنما، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقي.........

_ وفي حديث أنس، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت، قال: تقف مكانك لا تتركن أحد يلحق بنا، فكان أول النهار جاهدا على نبي الله، وكان آخر النهار مسلحة له، رواهما البخاري، أي: حارسا له بسلاحه. وذكر ابن سعد: أنه لما رجع قال لقريش: قد عرفتم نظري بالطريق وبالأثر، وقد استبرأ لكم، لم أر شيئا، فرجعوا. وفي رواية ابن إسحاق وابن عقبة: فسألته كتابا يكون بيني وبينك آية، فأمر أبا بكر فكتب لي في عظم أو رقعة أو خرقة، ثم ألقاه إلي فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت وجمع في النور بأن عامرا لما كتب طلب سراقة كتابة الصديق لشهرته وعظمته. وعند ابن عقبة وابن إسحاق: فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حنين خرجت لألقاه ومعي الكتاب لقيته بالجعرانة حتى دنوت منه فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: يا رسول الله! هذا كتابك، قال: "يوم وفاء وبردان"، فدنوت منه وأسلمت. وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم عن الحسن عن سراقة: فبلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومه فأتيته، فقلت: أحب أن توادع قومي أسلموا، وإلا آمنت منهم، فأخذ -صلى الله عليه وسلم- بيد خالد، فقال: "اذهب معه، فافعل ما يريد"، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله -صلى الله عليهوسلم- وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 90] ، فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. قال ابن إسحاق: ولما بلغ أبا جهل ما لقي سراقة ولامه في تركهم، أنشده: أبا حكم واللات لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا ... نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه زاد بعضهم: عليك بكف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه وفي الحديث: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لسراقة: "كيف بك إذا لبست سواري كسرى". وذكر ابن المنير عليه السلام قال له، ذلك يوم لحقهما في الهجرة: "تعجب من ذلك"، فلما أتى بهما عمر وبتاجه ومنطقته دعا سراقة فألبسه السوارين، وقال: "ارفع يديك، وقل: الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيا من بني مدلج"، ورفع عمر صوته ثم قسم ذلك بين المسلمين. "واجتاز -صلى الله عليه سلم- في وجهه" أي: طريقه، "ذلك" الذي هو مار به "بعيد" قال في النور: أسود، ولا أعرفه ولم أر من ذكره في الصحابة، "يرعى غنما، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقي

بسنده عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر مستخفيين، مرا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت عام أول، وما بقي لها لبن، فقال: "ادع بها"، فاعتقلها -صلى الله عليه وسلم- ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك. فقال: "أوتراك تكتم عليَّ حتى أخبرك"؟ قال: نعم، قال: "فإني رسول الله"، فقال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: "إنهم ليقولون ذلك" قال: فأشهد أنك نبي، وأن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: "إنك لن تستطيع

_ بسنده عن قيس بن النعمان" السكوني أحد وفد عبد القيس الكوفي، يقال: قرأ القرآن على عهد المصطفى وأحصاه على عهد عمر، له حديث في سنن أبي داود. "قال: لما انطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر" حال كونهما "مستخفين مرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب" بالبناء للمفعول، "غير أن ههنا عناقا" بفتح العين: الأنثى من ولد المعز قبل استكمال الحول، كذا في المصباح. فلعله عبر بالعناق جازا من تسمية الشيء بما يقرب منه، والأنا في قوله: "حملت عام أول وما بقي لها لبن"، فإنه ظاهر في أنه سبق لها حمل وولادة، لكن رواية البيهقي كما في العيون: حلمت أول بإسقاط عام، وزيادة: وقد أخدجت وما بقي لها لبن، وأخدجت بفتح الهمزة وإسكان المعجمة فمهملة فجيم مفتوحتين فتاء تأنيث، أي: ألقت ولدها ناقص الخلق وإن تم حملها، أو ألقته وقد استبان حمله، كما في أفعال ابن القطاع، ورواه أبو الوليد الطيالسي، بلفظ: حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها حمل، "فقال: "ادع بها"، فدعا بها، كما في رواية البيهقي فكأنه سقط من قلم المصنف "فاعتقلها -صلى الله عليه وسلم- ومسح ضرعها ودعا" ربه "حتى أنزلت" اللبن "وجاء أبو بكر بمجن" بكسر الميم وفتح الجيم وشد النون: ترس سمي مجنا لأنه يواري حامله، أي: يستره، والميم زائدة. "فحلب سقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك، قال: "أوتراك" الهمزة داخلة على محذوف، أي: أأخبرك وتراك "تكتم عليَّ حتى أخبرك"؟ قال: نعم، قال: "فإني محمد رسول الله"، قال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ" بالهمز: خارج من دين إلى دين، سموه بذلك زعما منهم أنه خرج من دينهم إلى الإسلام مع أنه ما دخل دينهم قط إجماعا، ولذا "قال" -صلى الله عليه وسلم: "إنهم ليقولون ذلك" أي: وهم فيه كاذبون، "قال: فأشهد أنك نبي وإن ما جئت به حق، وإنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك" أي: ذاهب معك إلى ما تريد على المتبادر، لا أنه أتبعه في الدين، "قال: "إنك لن تستطيع

ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا". قال الحافظ مغلطاي -بعد ذكره لقصة أم معبد: وفي الإكليل قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد. قال الحاكم: فلا أدري أهي هي، أم غيرها. خاتمة.

_ ذلك يومك" لعلمه أنه إذا ذهب معه تبعه قومه ومنعوه من ذهابه معه وعاقبوه، والمراد باليوم مطلق الزمن، لا خصوص اليوم الذي هو فيه، بدليل قوله: "فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا"، وهو يرد احتمال: أنا متبعك فأظهر إيماني وإن نهيه خوفا عليه من الإيذاء، ثم هذا الحديث قطعا غير قصة الراعي الذي أتى يريد ظل الصخرة التي نام تحتها -صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: إن في غنمه لبنا وحلب هو لأبي بكر وبرّد أبو بكر اللبن حتى استيقظ المصطفى كراهة أن يوقظه ثم سقاه، وأما هذا العبد فذكر أنه لا لبن معه وإنما أتى اللبن معجزة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي حلب وسقاه بعد أبي بكر ثم شرب هو آخرهم، ففي ظن صاحب الخميس اتحادهما، فإنه ذكر قطعة من حديث الراعي وعقبها بخبر العبد، ثم قال: أورد في المواهب قصة العبد الراعي بعد قصة أم معبد نظر ظاهر، وقصة الراعي كانت قبل قصة سراقة، وهي بعد قصة أم معبد؛ كا أفاده في فتح الباري. فقال: قبل حديث سراقة في قوله: فأخذ بهم طريق الساحل تقدم في علامات النبوة، وفي مناقب أبي بكر ما اتفق لهما حين خرجا من الغار من لقى راعي الغنم وشربهما من اللبن، انتهى. "قال الحافظ مغلطاي بعد ذكره لقصة أم معبد، وفي الإكليل" للحاكم أبي عبد الله "قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد، قال الحاكم: فلا أدري أهي هي أم غيرها"، وفي قوله: أخرى، وقوله شبيهة رد لتردد الحاكم فيها، وقد رواه تلميذه البيهقي بسند حسنه ابن كثير عن أبي بكر، قال: خرجت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنزلنا على بيت منه لم يكن فيه إلا امرأة وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها فقالت له أمة: انطلق بهذه الشفرة والشاة لهذين الرجلين، وقل لهما: اذبحاها وكلا منها وأطعمانا، فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- الشفرة، وقال له: "ائتني بقدح"، فقال له: إنها عزبة، أي: لم يطرقها الفحل، قال: "انطلق"، فانطلق فجاء بقدح، فمسح -صلى الله عليه وسلم- ضرعها ثم حلب ملء القدح وأرسلها لأم الغلام معه فشربت حتى رويت، ثم دعا -صلى الله عليه وسلم- بأخرى ففعل بها كذلك، ثم سقى أبا بكر، ثم دعا بأخرى ففعل بها كذلك وشرب -صلى الله عليه وسلم، فلبثنا ليلتين ثم انطلقنا، فكانت تسميه المبارك وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر عليها فعرفه ابنها، وقال لها: هذا الذي كان مع المبارك فسألته عنه، فقال لها: هو نبي الله -صلى الله عليه وسلم، فأدخلها عليه فأطعمها وأعطاها، قال: ولا أعلمه إلا قال: "أسلمت ". قال البيهقي في الدلائل: وهذه القصة قريبة من قصة أم معبد ويشبه أن تكونا واحدة. وذكر ابن إسحاق ما يدل على أنهما واحدة، فيحتمل أنه رأى التي في كسر الخيمة أولا، ثم رجع

ولما بلغ المسلمين بالمدينة خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة، فكانوا يغدون كل غادة إلى الحرة ينتظرونه حتى............

_ ابنها بأعنز ففعل بها ما مر، ثم لما أتى زوجها وصفته له، والله أعلم. انتهى. والذي يظهر أنها غيرها كما أشار إليه مغلطاي، كيف وفي قصة أم معبد أن الشاة التي حلب، إنما هي التي في كسر الخيمة وسقى الجميع منها ثم شرب، وإن الآتي بالأعنز إنما هو زوجها بعدما ذهبوا، وأيضا فقد قال في هذه: فلبثنا ليلتين إذ لو لبثا هما لأدركهما زوجها على المبتادر ولا مانع من التعدد، إلى هذا جنح في فتح الباري فقال: أخرج البيهقي في الدلائل شبيها بأصل قصة أم معبد في لبن الشاة المهزولة دون ما فيها من صفته -صلى الله عليه وسلم- لكنه لم يسمها في هذه الرواية ولا نسبها، فاحتمل التعدد. والله أعلم. خاتمة: ومما وقع لهم في الطريق أنه -صلى الله عليه وسلم- لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثيابا بيضاء، رواه البخاري عن عروة مرسلا، ووصله الحاكم عن عروة عن أبيه الزبير، وكذا لقيهما طلحة بن عبيد الله وكساهما، رواه ابن أبي شيبة وغيره، وأخرج البيهقي عن بريدة بن الحصين، قال: لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن يرد النبي -صلى الله عليه وسلم- حملني الطمع فركبت في سبعين من بني سهم فلقيته، فقال: "من أنت"؟ قلت: بريدة، فالتقت -صلى الله عليه وسلم- إلى أبي بكر، وقال: "بردًا مرنًا وصلح"، ثم قال: "ممن أنت"؟ قلت: من أسلم، قال: "سلمنا"، ثم قال: "ممن"؟ قلت: من بني سهم، قال: "خرج سهمك يا أبا بكر"، فقال بريدة للنبي -صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: "أنا محمد بن عبد الله رسول الله"، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا، قال بريدة: الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين، فلما أصبح قال بريدة: يا رسول الله! لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء فحل عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة. "ولما بلغ المسلمين" حال كونهم "بالمدينة خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة" ولعله بلغهم لما سمع أهل مكة الهاتف أو نحو ذلك، فلا ينافي أنه لم يعلم بخروجه من مكة إلا علي وآل أبي بكر، "فكانوا" جواب لما دخلته الفاء على قلة "يغدون" بسكون المعجمة: يخرجون غدوة، وأتى بقوله: "كل غادة" أي: بكرة النهار مع قوله يغدون إشارة إلى تكرر ذلك منهم وهو أقوى من كان من المضارع؛ لأن منهم من صحح أنها لا تفيد التكرار أو لأنه لما استعمل الغدوة في الذهاب، أي: وقت كان، كان ذكره الأزهري أتى به ليعين المراد منه "إلى الحرة" بفتح المهملة وشد الراء: أرض ذات حجارة سود كانت بها الوقعة المشهورة أيام يزيد، "ينتظرونه حتى

يردهم حر الظهيرة، فانقبلوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم، فبصر برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي نفسه فصاح فأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم -أي حظكم ومطلوبكم- قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة -وهم الأوس والخزرج- سراعا بسلاحهم، فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف.. الحديث رواه البخاري. وفيه: أن أبا بكر قام للناس، وجلس.........

_ يردهم حر الظهيرة" كما في حديث عائشة في البخاري، وعند ابن سعد: فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم، وللحاكم عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن رجل من قومه: كنا نخرج فنلجأ بظاهر الحرة نلجأ إلى ظل المدر حتى تغلبنا عليه الشمس، ثم نرجع إلى رحالنا، ولم أر عدة الأيام التي فعلوا ذلك فيها، ويحتمل أنها الثلاثة التي مكثها في الغار واليومان اللذان لبثهما عند المرأة، "فانقلبوا يوما بعدما طال انتظارهم" له عليه السلام، "فلما أووا إلى بيوتهم أوفى" بفتح الهمزة والفاء طلع، "رجل من يهود" قال الحافظ: لم أقف على اسمه "على أطم" بضم الهمزة والطاء، "من آطامهم" وهو الحصن، ويقال: إنه كان بناء من حجارة كالقصر، كما في الفتح. "فبصر" بفتح الموحدة وضم المهملة، أي: علم "برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه" كأبي بكر ومولاه، والدليل: وبريدة حال كونهم "مبيضين" أي: عليهم الثياب البيض التي كساها إياهم الزبير وطلحة، وقال ابن التين: يحتمل أن معناه مستعجلين، قال ابن فارس: يقال بائض، أي: مستعجلين ويدل عليه "يزول بهم" أي: يرفعهم ويظهرهم، "السراب" المرئي نصف النهار في شدة الحر كأنه ماء، وفي الفتح: أي يزول بسبب عروضهم له، وقيل: معناه ظهرت حركتهم فيه للعين، "فلم يملك اليهودي نفسه فصاح بأعلى صوته: يا بني قيلة" بفتح القاف وسكون التحتية: الجدة الكبرى للأنصار والدة الأوس والخرزج وهي بنت كاهل بن عذرة، "هذا جدكم" بفتح الجيم وشد المهملة، "أي: حظكم ومطلوبكم" وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه، وفي رواية: هذا صاحبكم، "قد أقبل فخرج إليه بنو قيلة وهم الأوس والخزرج سراعا بسلاحهم" إظهارا للقوة والشجاعة لتطمئن نفسه -صلى الله عليه وسلم- بقدومه عليهم ويظهر صدقهم له في مبايعتهم إياه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبنائهم وأنفسهم، "فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف" بن مالك من الأوس بن حارثة على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهدم، قيل: كان يومئذ مشركا، وجزم به محمد بن زبالة. "الحديث رواه البخاري" من حديث عائشة "وفيه: أن أبا بكر قام للناس" يتلقاهم "وجلس

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك. وظاهر هذا أنه عليه الصلاة والسلام كانت الشمس تصيبه، وما تقدم من تظليل الغمام والملك له كان قبل بعثه، كما هو صريح في موضعه. قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان قدومه عليه السلام لهلال ربيع الأول، أي أول يوم منه. وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ونحوه عند أبي معشر،........

_ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صامتا فطفق" بكسر الفاء وفتحها: جعل، "من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحيي أبا بكر" أي: يسلم عليه يظنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، كما في رواية ابن عقبة عن ابن شهاب، وهو ظاهر السياق خلافا لقول ابن اللتين لمعرفتهم أبا بكر لكثرة تردده لهم في التجارة إلى الشام، بخلاف المصطفى فلم يأتها بعد أن كبر، قاله الحافظ ملخصا، أي: وأما من رآه كاهل العقبات فإنهم يحيونه لمعرفتهم به، لكن لو وقع لعلمه غيرهم ممن لم يره بتحية الرأس، فلعلهم تأخروا ذلك الوقت لعذر، "حتى أصابت الشمس رسول -صلى الله عليه وسلم- فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله عند ذلك"، وعن ابن عقبة عن الزهري: فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رآه يحسبه إياه، حتى إذا أصابته الشمس أقبل أبو بكر بشيء أظله به، وعند ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن عويم: أناخ إلى الظل هو وأبو بكر، والله ما أدري أيهما هو حتى رأينا أبا بكر ينحاز له عن الظل فعرفناه بذلك. "وظاهر هذا أنه عليه الصلاة والسلام كانت الشمس تصيبه وما تقدم من تظليل الغمام والملك له كان قبل بعثته كما هو صريح في موضعه" فلا ينافي ما هنا "ال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان قدومه عليه السلام لهلال ربيع الأول، أي أول يوم منه" فليس دخوله مقارنا لطلوع الهلال، كما قد يتوهم من قوله لهلال إذ اللام بمعنى عند. "وفي رواية جرير بن حازم" بن زيد بن عبد الله الأزدي البصري الثقة المتوفى سنة سبعين ومائة، "عن ابن إسحاق قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول"، وهذا يجمع بينه وبين ما قبله بالاختلاف في رؤية الهلال كما يأتي قريبا، "ونحوه عند أبي معشر" نجيح بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم السندي بكسر المهملة وسكون النون فيه مقال، لكن قال مغلطاي: هو من

لكنه قال: ليلة الاثنين. وعن ابن سعد: قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وفي "شرف المصطفى" من طريق أبي بكر بن حزم: قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول. وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال. وقيل: كان حين اشتد الضحاء يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. وبه جزم النووي في كتاب السير من الروضة. وقال ابن الكلبي: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم ربيع الأول............

_ المعتمدين في السير مر بعض ترجمته، "لكنه قال ليلة الاثنين" ومثله عن ابن البرقي، وثبت كذلك في أواخر مسلم، قال مغلطاي: وفيه نظر، والدمياطي: هو غير محفوظ ويأتي جمع الحافظ، "وعن ابن سعد" ليس هو محمد بن سعد كانت الواقدي كما هو المتبادر عند الإطلاق، وإنما هو هنا كما في فتح الباري إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، "قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول" وإبراهيم هذا آخر من روى المغازي عن ابن إسحاق، كما في الروض. "وفي" كتاب "شرف المصطفى" لأبي سعد النيسابوري "من طريق أبي بكر" بن محمد بن عمرو "بن حزم" بمهملة وزاي الأنصاري النجاري قاضي المدينة ثم أميرها، مات سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة. "قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول". قال الحافظ في الفتح: "وهذا" أي: المذكور، "يجمع بينه وبين الذي قبله" من القولين الأولين وهما لهلال ولليلتين والأخيرين وهما لاثنتي عشرة ولثلاث عشرة، "بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال" زاد في الفتح: وعند أبي سعد في الشرف من حديث عمر: ثم نزل على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول، كذا فيه ولعله كان خلتا ليوافق رواية جرير بن حازم. "وقيل: كان حين اشتد الضحاء" بالفتح والمد كما في النور، أي: قوي وكمل ببلوغه آخر وقته، فلا ينافي ما مر أن اليهود رآهم يزول بهم السراب. وأما الضحى بالضم والقص فالشمس، كما في القاموس "يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وبه جزم النووي في كتاب السير من الروضة"، وثنى به في الإشارة. "وقال ابن الكلبي" هشام بن محمد "خرج من الغار يوم" الذي في الفتح عن ابن الكلبي: ليلة "الاثنين أول ربيع الأول"، قال الحافظ: ويوافقه جزم ابن حزم بأنه خرج من مكة ثلاث ليال بقين من صفر، فإن كان محفوظا فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، انتهى.

ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة خلت منه، وقيل ليلتين خلتا منه. وعند البيهقي: لاثنتين وعشرين ليلة. وقال ابن حزم: خرجا من مكة وبقي من صفر ثلاث ليال. وأقام علي بمكة بعد مخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء يوم الاثنين سابع -وقيل: ثامن- عشر ربيع الأول، وكان مدة مقامه مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة أو ليلتين. وأمر -صلى الله عليه وسلم- بالتاريخ...........

_ وهذا الذي ترجاه صدر به مغلطاي في الإشارة، قال الحافظ: وإن ضم إلى قول أنس أقام بقباء أربع عشرة ليلة خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكنه قال: "ودخل المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت منه"، فعلى هذا تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبان فإنه قال: أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس، يعني: وخرج يوم الجمعة فلم يعد يوم الخروج، وكذا قال ابن عقبة: أنه أقام فيهم ثلاث ليال، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج ولا الدخول، انتهى. "وقيل: ليلتين خلتا منه" قاله ابن الجوزي. قال مغلطاي: وفيه نظر، وعند ابن الزبير عن الزهري: قدم في نصف ربيع الأول، وقيل: في سابعه، والأكثر أنه قدم نهارا. وفي مسلم: ليلا، وجمع الحافظ بأن القدوم كان آخر الليل فدخل فيه نهارا. "وعند البيهقي: لاثنتين وعشرين ليلة" فيوافق قول أنس: أقام بقباء أربع عشرة ليلة، مع ضمه لقوله: "وقال ابن حزم: خرجا من مكة، وبقي من صفر ثلاث ليال" فيكون خروجهما يوم الخميس والإقامة بالغار ليلة الجمعة والسبت والأحد والخروج منه ليلة الاثنين، وهذا يوافق الجمع السابق. "وأقام علي بمكة بعد مخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام" حتى أدى للناس ودائعهم التي كانت عند المصطفى وخلفه لردها، "ثم أدركه بقباء يوم الاثنين سابع، وقيل: ثامن عشر ربيع الأول، وكانت مدة مقامه مع النبي -صلى الله عليه وسلم" بقباء "ليلة أو ليلتين" وفي روضة الأحباب: وكان علي يسير بالليل ويختفي بالنهار، وقد نقبت قدماه فمسحهما النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعا له بالشفاء، فبرئتا في الحال، وما اشتكاهما بعد اليوم قط. "وأمر -صلى الله عليه وسلم" وهو بقباء "بالتاريخ" قال الجوهري: هو تعريف الوقت والتوريخ مثله، يقال: أرخت وورخت، وقيل: اشتقاقه من الأخ، وهو الأنثى من بقر الوحش، كأنه شيء حدث كما يحدث الولد، وقيل: هو معرب، ويقال: أول ما أحدث التاريخ من الطوفان، قاله في الفتح.

فكتب من حين الهجرة. وقيل: إن عمر أول من أرخ وجعله من المحرم.

_ واصطلاحا، قيل: توقيت الفعل بالزمان ليعلم ما بين مقدار ابتدائه وبين أي غاية وضعت له فإذا قلت: كتبت كذا في يوم كذا من شهر كذا، ثم قرئ بعد سنة مثلا علم أن ما بين القراءة والكتابة سنة، وقيل: هو أول مدة من شهر ليعلم به مقدار ما مضى، واختصت العرب بإنها تؤرخ بالسنة القمرية لا الشمسية، فلذا قدمت الليالي؛ لأن الهلال إنما يظهر ليلا. "فكتب من حين الهجرة" رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري وهو معضل والمشهور خلافه، وأن ذلك زمن عمر، كما قال الحافظ. "وقيل: إن عمر أول من أرخ" أخرج أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه، ومن طريقه الحاكم عن الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم أرخ بالمبعث وبعضهم بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها وبالمحرم؛ لأنه منصرف الناس من حجهم، فاتفقوا عليه وذلك سنة سبع عشرة. ورواه ابن أبي خيثمة عن ابن سيرين بنحوه، قال: ولك في سنة سبع عشرة، وقيل: ست عشرة في ربيع الأول، فلذا قال: "وجعله من المحرم"؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فيه، إذا البيعة وقعت أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة وأول هلال استهل بعدها، والعزم على الهجرة الهلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ؛ والمتحصل من مجموع آثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي، وذكر السهيلي: أن الصحابة أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] ؛ لأن من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقا فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام وعبد النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه آمنا وابتدأ فيه بناء المسجد، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] ، أنه أول التاريخ الإسلامي، قال في الفتح: كذا قال والمتبادر أن معنى قوله: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] ، أي: دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه المدينة، انتهى. وقد قال ابن المنير: كلام السهيلي تكلف وتسعف وخروج عن تقدير الأقدمين فإنهم قدروه من تأسيس أول يوم، فكأنه قيل: من أول يوم وقع فيه التأسيس، وهذا تقدير تقتضيه العربية وتشهد له الآية، وقيل: أول من أرخ يعلى بن أبية حين كان باليمن، حكاه مغلطاي. ورواه أحمد بإسناد صحيح عن يعلى. قال الحافظ: لكن فيه انقطاع بين عمرو بن دينار ويعلى، ولم يؤرخوا بالمولد ولا بالمبعث؛ لأن وقتهما لا يخلو من نزاع من حيث الاختلاف فيهما، ولا بالوفاة النبوية

وأقام عليه السلام بقباء في بني عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة. وفي صحيح مسلم: أقام فيهم أربع عشرة ليلة. ويقال: إنه أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. وأسس مسجد قباء، الذي أسس على التقوى، على الصحيح،............

_ لما يقع في تذكره من الأسف والتألم على فراقه، وقيل: بل أرخ بوفاته عليه السلام، حكاه مغلطاي. "و" اختلف في قدر إقامته في قباء، فذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن مجمع بن جارية: أنه "أقام عليه السلام بقباء في بني عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة" وحكاه الزبير بن بكر عن قوم بن بني عمرو. "وفي صحيح مسلم" لا وجه لاقتصار عليه بل والبخاري كلاهما عن أنس، "أقام فيهم أربع عشرة ليلة" وبه يفسر قول عائشة: بضع عشرة ليلة، "ويقال: أنه أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس"، قاله ابن إسحاق، وجزم به ابن حبان. قال اليعمري: وهو المشهور عند أصحاب المغازي، قيل: أقام ثلاثا فقط، رواه ابن عائذ عن ابن عباس وابن عقبة عن الزهري، وقال إسحاق: أقام فيهم خمسا وبنو عمرو بن عوف يزعمون أكثر من ذلك. قال الحافظ: أنس ليس من بني عمرو فإنهم من الأوس وأنس من الخزرج، وقد جزم بما ذكر فهو أولى بالقبول من غيره انتهى. لا سيما مع صحة الطريق إليه لاتفاق الشيخين عليه، وفي ذخائر العقبى: أقام ليلة أو ليلتين. "وأسس" -صلى الله عليه وسلم- "مسجد قباء" وصلى فيه، روى ابن زبالة: أنه كان لكلثوم بن الهدم مربد فأخذه -صلى الله عليه وسلم- فأسسه وبناه مسجدا. وأخرج عبد الرزاق والبخاري عن عروة وابن عائد عن ابن عباس: الذي بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف. وروى يونس في زيادات المغازي عن الحكم بن عتيبة: لما نزل -صلى الله عليه وسلم- قباء، قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله بد من أن نجعل له مكانا يستظل فيه ذا استيقظ، ويصلي فيه، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء، فهو أول مسجد بني، يعني في الإسلام. وروى ابن أبي شيبة عن جابر، قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة، ولذا أقبل المتقدمون في الهجرة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والأنصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلون فيه، فلما هاجر -صلى الله عليه وسلم- وورد بقباء صلى فيه إلى بيت المقدس ولم يحدث فيه شيئا، وجمع بينها بما حاصله: أنه لم يحدث فيه شيئا في أول بنائه لكن لما قدم وصلى فيه غير بناءه وقدم القبلة موضعها اليوم، كما في حديث عند ابن أبي شيبة أيضا. "الذي أسس على التقوى على الصحيح" في تفسير الآية، وهو ظاهرها وقول الجمهور،

وهو أول مسجد بني في الإسلام وأول مسجد صلى فيه عليه السلام بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان تقدم بناء غيره من المساجد لكن لخصوص الذي بناه.

_ وبه جزم عروة بن الزبير عند البخاري وغيره، كما علم وذهب قوم منهم ابن عمر وأبو سعد وزيد بن ثابت إلى أنه مسجد المدينة وحجته قوية فقد صح مرفوعا نصا. أخرج مسلم عن أبي سعيد: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: "وهو مسجدكم هذا". وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألاه عن ذلك، فقال: "هو هذا، وفي ذلك خير كثير"، وأخرجه أحمد عن سهل بن سعد نحوه. وأخرجه من وجه آخر عن سهل عن أبي كعب مرفوعا، ولهذه الأحاديث وصحتها جزم الإمام مالك في العتيبة بأن الذي أسس على التقوى مسجد المدينة. وقال ابن رشد في شرحها: أنه الصحيح، قال الحافظ: والحق أن كلا منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى في بقية {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} ، الآية يؤيد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: نزلت رجال يحبون أن يتطهروا في أهل قباء، وعلى هذا فالسر في جوابه -صلى الله عليه وسلم- بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء، قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافا؛ لأن كلامهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي وزاد غيره: أن قوله من أول يوم يقتضي مسجد قباء؛ لأن تأسيسه في أول يوم حل النبي -صلى الله عليه وسلم- بدار الهجرة، انتهى. "وهو" في التحقيق، كما قال الحافظ: "أول مسجد بني في الإسلام وأول مسجد صلى فيه عليه السلام بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان تقدم بناء غيره من المساجد" كبناء أبي بكر بفناء داره، "لكن لخصوص الذي بناه" فلا يعادل هذا، وقد روى الترمذي عن أسيد بن ظهير عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصلاة في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل". وأخرج الشيخان عن ابن عمر: كان -صلى الله عليه وسلم- يزور قباء أو يأتي قباء راكبا أو ماشيا، وأخرجا عنه أيضا رفعه: "من صلى فيه كان كعدل عمرة". روى ابن ماجه عن سهل بن حنيف رفعه: "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة، كان كأجر عمرة". وأخرج مالك وأحمد والبخاري والنسائي والحاكم عن ابن عمر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا أو

ثم خرج عليه السلام من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، في بطن وادي رانوناء -براء مهملة ونونين ممدودا، كعاشوراء وتاسوعاء- واسم المسجد "غبيب"، بضم الغين المعجمة، بتصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة،

_ ماشيا وكان عبد الله يفعله. "ثم خرج عليه السلام من قباء يوم الجمعة" كما عند ابن عائذ وابن إسحاق، وإنما يأتي على أنه أقام بقباء أربعة أيام، كما قال زين الحافظ: أقام أربعا لديه وطلع ... في يوم جمعة فصلى وجمع في مسجد الجمعة وهو أول ... ما جمع النبي فيما نقلوا وقيل بل أقام أربع عشرة ... فيهم وهم ينتحلون ذكره وهو الذي أخرجه الشيخان ... لكن ما مر من الإتيان لمسجد الجمعة يوم جمعة ... لا يستقيم مع هذي المدة إلا على القول بكون القدمة ... إلى قبا كانت بيوم الجمعة "حين ارتفع النهار فأدركته الجمعة" أي: صلاتها وتعبيره بيوم الجمعة مشعر بقدم تسميتها بذلك، وهو أحد الأقوال لجمع الخلائق فيه يوم القيامة، أو لأن خلق آدم جمع فيه، وقيل: أول من سماه بذلك كعب بن لؤي، وقيل: قصي، كما مر في النسب الكريم. وقيل: التسمية به إسلامية لاجتماع الناس للصلاة فيه، لما جمع أسعد بن زرارة بالناس قبل الهجرة النبوية. "في" أرض أو مساكن "بني سالم بن عوف فصلاها" بمسجدهم "بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة" وقيل: أربعون، ولا ينافيهما رواية: أنه حين قدم عليه السلام استقبله زهاء خمسمائة بقباء لجوا أنهم رجعوا بعد إلى المدينة، فلم يبق معه لما دخل بني سالم إلا هؤلاء. "في بطن وادي رانوناء، براء مهملة ونونين ممدودا كعاشوراء وتاسوعاء، واسم المسجد غبيب بضم الغين المعجمة" وفتح الموحدة وسكون التحتية فموحدة، "بتصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة" في فضائل طابة، وهو المجد الشيرازي صاحب القاموس، ويقع في بعض النسخ السقيمة زيادة. وفي القاموس: الغبغب كجندب وكان أصله طرة معارضة لضبط المصنف؛ لأن تصغيره على هذا: غبيب، بشد الياء فألحقها من لا يميز وهي خطأ شنيع؛ لأن القاموس إنما ذكره في العين

والودي: ذي صلب، ولذا سمي مسجد الجمعة، وهو مسجد صغير مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء. وركب -صلى الله عليه وسلم- على راحلته بعد الجمعة متوجها إلى المدينة. وروى أنس بن مالك أنه -صلى الله عليه وسلم- أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر،.........

_ المهملة، فقال: العب شرب الماء، إلى أن قال: والعيعب كجندب كثرة الماء وواد، وصرح في الغين المعجمة بمثل ما هنا، فقال: وكزبير موضع بالمدينة. "الوادي" اسمه "ذي صلب" كذا في نسخ بالياء، وكان اسمه بالياء، فقصد حكايته. وفي نسخة: ذو صلب، وأخرى: والوادي صلب، وهما ظاهرتان. وفي القاموس: الصلب بالضم وعسكر وأسير. "ولذا" أي: لصلاته عليه السلام فيه "سمي مسجد الجمعة" وهي أول جمعة صلاها، وأول خطبة خطبها في الإسلام؛ كما قال ابن إسحاق، وجزم به اليعمري، وقيل: كان يصلي الجمعة في مسجد قباء مدة إقامته. "وهو مسجد صغير مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء" أي: وكان مختصا بني سالم، لما مر أن أول مسجد بني لعامة المسلمين مسجد قباء، وبكونه للعامة لا ينافيه قول جابر: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- سنتن نعمر المساجد، ولا يرد أن التحرير أن بين ابتداء هجرة الصحابة وبين الهجرة النبوية شهرين؛ وبعض شهر؛ لأن ابتداء الهجرة كان بعد العقبة الثالثة هجرة الصحابة وبين الهجرة النبوية شهرين؛ وبعض شهر؛ لأن ابتداء الهجرة كان بعد العقبة الثالثة بتلك المدة، وعمارة المساجد بعد الأولى، ودفع اتشكاله بزيادة المدة على سنتين بأنهم لم يعمروا بمجرد رجوع الستة الأولين إلى المدينة، بل بعد ظهور الإسلام بها. "وركب -صلى الله عليه وسلم- على راحلته بعد" صلاة "الجمعة متوجها إلى المدينة. وروى أنس بن مالك: أنه -صلى الله عليه وسلم- أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر" خلفه على الراحلة التي هو عليها إكراما له، وإلا فقد كان له راحلة، كما مر. وفي فتح الباري، قال الداودي: يحتمل أنه مرتدف خلفه على راحلته، ويحتمل أن يكون على راحلة أخرى. قال الله تعالى: {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] ، أي: يتلو بعضهم بعضا. ورجح ابن التين الأول، وقال: لا يصح الثاني لأنه يلزم منه أن يمشي أبو بكر بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم. قلت: إنما يلزم ذلك لو كان الخبر جاء بالعكس، كأن يقول: والنبي مرتدف خلف أبي بكر، فأما ولفظه: وهو مردف أبا بكر فلا، وسيأتي في الباب بعده، يعني في البخاري من وجه آخر عن أنس: فكأني انظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- على راحلته وأبو بكر ردفه، انتهى. وذكر ابن هشام: أنهم لما وصلوا إلى العرج أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوس بن حجر

وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك، فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، الحديث رواه البخاري. وقد روى ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "أله عني الناس"، فكان إذا سئل من أنت؟ قال: باغي فإذا قيل: من هذا معك؟ قال: هذا يهديني السبيل. وفي حديث الطبراني، من رواية أسماء: وكان أبو بكر رجلا معروفا في الناس، فإذا لقيه لاق يقول لأبي بكر: من هذا معك؟ فيقول: هذا يهديني الطريق يريد الهداية في الدين، ويحسبه الآخر دليلا.

_ الأسلمي على جمل له إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، وأخرجه الطبراني وغيره عن أوس وفيه: أنه أعطاهما فحل إبله وأرسل معهما غلامه مسعودا، وأمره أن لا يفارقهما حتى يصلا المدينة. "وأبو بكر شيخ" قد أسرع إليه الشيب "يعرف" لأنه كان يمر على أهل المدينة في سفر التجارة، كما في الفتح، "والنبي صلى الله عليه وسلم شاب" لا شيب فيه، "لا يعرف" لعدم تردده إليهم، فإنه كان بعيد العهد بالسفر من مكة. "قال" أنس: "فيلقى الرجل أبا بكر: فيقول: يا أبا بكر! من هذا الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب" بفتح السين في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة فكسروها في المضارع والماضي على غير قياس، "الحاسب أنه إنما يعني الطريق" الحسية، "وإنما يعني" أبو بكر "سبيل الخير ... الحديث" ذكر في بقيته تعرض سراقة وتلقي الأنصار ثم ركوبه إلى أن وصل دار أبي أيوب، "رواه البخاري" في الهجرة. "وقد روى" محمد "بن سعد" ما يبين سبب هذه التورية، وهو "أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "أله" بفتح الهمزة وإسكان اللام "عني الناس، فكان إذا سئل من أنت، قال: باغي حاجة، فإذا قيل: من هذا معك؟ " حذف الموصول الاسمي وأبقى صلته، أي: الذي معك، وهو جائز عند الكوفيين، أو هو حال من ذا، "قال: هذا يهدين السبيل،" وهذا من معاريض الكلام المغنية عن الكذب جمعا بين المصلحتين: "وفي حديث الطبراني من رواية أسماء" بنت الصديق: "وكان أبو بكر رجلا معروفا في الناس، فإذا لقيه لاق، يقول لأبي بكر: من هذا" حال كونه "معك؟ " أو الذي معك، "فيقول: هذا يهديني الطريق، يريد الهداية في الدين" المتجددة المتكررة لتعبيره بالمضارع دون الماضي، "ويحسبه الآخر" الذي سأله، "دليلا" للطريق الحقيقي، وإلى هنا انتهى

وإنما كان أبو بكر معروفا لأهل المدينة لأنه مر عليهم في سفره للتجارة، وكان صلى الله عليه وسلم لم يشب، وكان صلى الله عليه وسلم أسن من أبي بكر. وفي حديث: لم يكن في الذين هاجروا أشمط غير أبي بكر.

_ ما نقله من رواية الطبراني. وبين المصنف سبب قول أنس: يعرف ولا يعرف، فقال: "وإنما كان أبو بكر معروفا لأهل المدينة لأنه مر عليهم في سفره للتجارة" إلى الشام مرور تردد ومخالطة حتى عرفوه لا مجرد السير؛ إذ لا يستدعي المعرفة. وفي الفتح: لأنه كان يمر على المدينة في سفر التجارة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم في الأمرين، فإنه كان بعيد العهد بالسفر من مكة، أي: لأنه سافر مع عمه وهو صغير، كما مر. "وكان صلى الله عليه وسلم لم يشب" حينئذ ثم شاب بعض شعرات في راسه ولحيته، كما يأتي في شمائله، "و" إلا ففي نفس الأمر، "كان صلى الله عليه وسلم أسن من أبي بكر" فإنه استكمل بمدة خلافته سن المصطفى، على الصحيح خلاف ما يتوهم من قوله شاب وأبو بكر شيخ. وقد ذكر أبو عمر من رواية حبيب بن الشهيد عن ميمون مهران عن يزيد بن الأصم: أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "أيما أسن أنا أو أنت"؟ قال: أنت أكرم يا رسول الله مني وأكبر، وأنا أسن منك، قال أبو عمر: هذا مرسل، ولا أظنه إلا وهما. قال الحافظ: وهو كما ظن وإنما يعرف هذا الناس. وأما أبو بكر ففي مسلم عن معاوية أنه عاش ثلاثا وستين سنة، وعاش بعد المصطفى سنتين وأشهرا، فيلزم على الصحيح في سنة صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر أصغر منه بأكثر من سنتين، انتهى. ولا يرد عليه قول أنس شيخ؛ لأنه من جاوز الأربعين كان في المصباح. "وفي حديث أنس" عند البخاري "لم يكن في الذين هاجروا أشمط" بفتح الهمزة والميم بينهما معجمة ساكنة ثم طاء مهملة، أي: خالط سواد شعره بياضه، "غير أبي بكر" فغلفها بالحناء والكتم حتى قنأ لونها غلف، بفتح الغين المعجمة واللام الثقيلة، كما قال عياض: إنه الرواية وبالفاء قال الحافظ: أي خضبها، والمراد اللحية وإن يقع لها ذكر حتى قنأ بفتح القاف والنون والهمزة، أي: اشتدت حمرتها. ا. هـ. أي: حتى ضربت إلى السواد وإطلاق الشمط على شيب غير الرأس نقله في المغرب عن الليث وخصه غيره بشيب الرأس، والحديث شاهد للأول. والكتم فتح الكاف والمثناة الخفيفة، وحكي تثقيلها: ورق يخضب به كالآس ينبت في أصغر الصخور فيتدلى حيطانا لطافا ومجتناه صعب، ولذا قال. وقيل: إنه يخلط بالوسمة، وقيل: إنه الوسمة، وقيل: هو النيل، وقيل: حناء قريش وصبغه أصفر.

وكان عليه الصلاة والسلام كلما مر على دار من دور الأنصار يدعوه إلى المقام عندهم: يا رسول الله، هلم إلى القوة والمنعة، فيقول: خلوا سبيله -يعني ناقته- فإنها مأمورة. وقد أرخى زمامها، وما يحركها، وهي تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار ابن مالك بن النجار، بركت على باب المسجد، وهو يومئذ مربد

_ "وكان عليه الصلاة والسلام كلما مر على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام" بضم الميم، أي: الإقامة، "عندهم" بقولهم: "يا رسول الله! هلم إلى القوة والمنعة" العز والجماعة الذي يمنعونك ويحمونك بحيث لا يقدر عليك، من استعمال المشترك في معنييه، فالمنعة بفتحتين: مشترك بين العز والجماعة الذين يحمونك وإن سكنت النون فبمعنى العز فقط، قال الحافظ: وسمي ممن سأله الزول عندهم: عنبان بن مالك في بني سالم، وفروة بن عمرو في بني بياضة، والمنذر بن عمرو وسعد بن عبادة وغيرهما في بني ساعدة، وأبو سليط وغيره في بني عدي. "فيقول:" لكل منهم: "خلو سبيلها"، يعني ناقته" القصواء أو الجدعاء، وفي إنهما ثنتان أو واحدة لها لقبان خلاف، وفي الألفية: عضباء جدعاء هما القصواء، لكن روى البزار عن أنس: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم على العضباء وليست الجدعاء. قال السهيلي: فهذا من قول أنس أنها غير الجدعاء، وهو الصحيح، "فإنها مأمورة" قال ابن المنير: الحكمة البالغة في إحالة الأمر على الناقة أن يكون تخصيصه عليه السلام لمن خصه الله بنزوله عند آية معجزة تطيب بها النفوس، وتذهب معها المنافسة، ولا يحيك ذلك في صدر أحد منهم شيئا. "وقد أرخى زمامها وما يحركها وهي تنظر يمينا وشمالا حتى إذا أتت دار ابن مالك بن النجار بركت" بفتح الراء "على باب المسجد" كذا عند ابن إسحاق، ولابن عائذ وسعيد بن منصور مرسلا: عند موضع المنبر من المسجد. وفي الصحيح عن عائشة: عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو فيه يومئذ رجال من المسلمين. وفي حديث البراء عن ابن بكر: فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال: "إني أنزل على أخوال عبد المطلب"، أكرمهم بذلك. وقد قيل: يشبه أن يكون هذا أول قدومه من مكة قبل نزوله قباء لا في قدومه باطن المدينة، فلا يخالف قوله: "إنها مأمورة". "وهو يومئذ مربد" بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة: هو الموضع الذي يجفف فيه التمر. وقال الأصمعي: المربد كل شيء حبست فيه الإبل أو الغنم، وبه سمي مربد البصرة؛ لأنه كان موضع سوق الإبل، قاله الحافظ. وفي النور: أصله من ربد بالمكان إذا أقام فيه، وربده: حبسه، والمربد أيضا الذي يجعل فيه التمر لينشف كالبيدر للحنطة، انتهى. والمراد هنا التمر. ففي البخاري عن عائشة: وكان مربدا للتمر.

لسهل وسهيل ابني رافع بن عمرو، وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء -وقال أسعد بن زرارة وهو الراجح- ثم ثارت، وهو صلى الله عليه وسلم عليها حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت منه وبركت في مبركها الأول،..........................

_ "لسهل" مكبرا ذكره اليعمري في البدريين، وقال أبو عمر: لم يشهدها. وقال ابن منده: يقال: شهد أحدًا ومات في خلافة عمر، "وسهيل" مصغرا بدرا وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر، قاله ابن عبد البر. قال في الإصابة: وزعم ابن الكلبي أنه قتل مع علي بصفين. "ابني رافع بن عمرو" كما عند ابن الكلبي، وتبعه الزبير بن بكار وابن عبد البر والذهبي وغيرهم، وقال الزهري وابن إسحاق: هما ابنا عمرو. وقال اليعمري: وهو الأشهر. والحافظ في الإصابة: هو الأرجح. وحاول السهيلي التوفيق، فقال: هما ابنا رافع بن عمرو، يعني كما صرح به الجماعة فنسبهما الزهري وابن إسحاق إلى جدهما، وهذا حسن. وابن عقبة في الإصابة بأن أرجح قول الزهري وتلميذه؛ لأنه ذكر في الفتح ما جمع به السهيلي عن نص الزبير بن بكار وهو ابن الكلبي إماما أهل النسب، فتعين جمع السهيلي. "وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء" كما عند ابن إسحاق وأبي عبيد في التقريب، "وقال: أسعد" بالألف "ابن زرارة" أبو أمامة من سباق الأنصار إلى الإسلام، ذكر ابن سعد أن أسعد كان يصلي فيه قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم "وهو الراجح" إذ هو الثابت في البخاري وغيره. قال في الإصابة: ويمكن الجمع بأنهما كانا تحت حجرهما معا، ولذا وقع في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "يا بني النجار، ثامنوني". ووقع في رواية أبي ذر وحده للبخاري سعد بلا ألف، والصواب كما في الفتح والنور: أسعد، بالألف وهو الذي في رواية الباقين. قال الحافظ: وسعد تأخر إسلامه، انتهى. وذكره غير واحد في الصحابة، قال عياض: لم يذكره كثيرو؛ لأنه ذكر في المنافقين. وحكى الزبير أنهما كانا في حجر أبو أيوب. قال في فتح الباري: وأسعد أثبت وقد يجمع باشتراكهم أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكروا واحدا بعد واحدا. "ثم ثارت وهو صلى الله عليه وسلم عليها" ومشت "حتى بركت على باب أبي أيوب" خالد بن زيد بن كليب "الأنصاري" من بني مالك بن النجار من كبار الصحابة، شهد بدرا والمشاهد ومات غازيا الروم سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنتين وخمسين، وهو الأكثر. "ثم ثارت" بمثلثة وفوقية: قامت "منه وبركت في مبركها الأول" عند المسجد إشارة إلى أن بروكها في الأول بطريق القصد لا الاتفاق، قاله الحافظ. أو إلى أنه منزله حي وميتا، وقد يكون مشيها قليلا ثم رجوعها إشارة إلى الاختلاف اليسير الذي وقع في دفنه، ثم الموافقة لرأي أبي بكر في أنه يخط له تحت الفرش الذي توفي عليه، قاله البرهان البقاعي.

وألقت جرانها بالأرض -يعني باطن عنقها أو مقدمه من المذبح- وأرزمت -يعني صوتت من غير أن تفتح فاها- ونزل عنها صلى الله عليه وسلم وقال: "وهذا المنزل إن شاء الله". واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله في بيته، ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وهم أخوال عبد المطلب، جده عليه السلام. وفي حديث أبي أيوب الأنصاري، عند أبي يوسف يعقوب...........................

_ "وألقت جرانها" بكسر الجيم "بالأرض، يعني باطن عنقها" كما قاله السهيلي "أو مقدمه من المذبح" إلى المنحر، وبه جزم المجد، وذكر السهيلي عن بعض السير: أنها لما ألقت جرانها في دار بني النجار جعل جبار بن صخر السلمي ينخسها بحديدة رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة، فلم تفعل. "وأرزمت" بهمزة فراء ساكنة فزاي مفتوحة "يعني: صوتت من غير أن تفتح فاها" قاله أبو زيد، قال: وذلك على ولدها حين ترأمه، وقال صاحب العين: أرزمت بالألف معناه رغت ورجعت في رغائها، ويقال منه أرزم الرعد وأرزمت الريح، ويروى: رزمت بلا ألف، أي: نامت من الإعياء والهزال ولم تتحرك. "ونزل عنها صلى الله عليه وسلم، وقال: "وهذا المنزل إن شاء الله" واحتمل أبو أيوب رحله" بإذنه صلى الله عليه وسلم "وأدخله بيته ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها،" عطف تفسير لأوسط، كما في الصحيح مرفوعا: "خير دور الأنصار بنو النجار"، "وهم أخول عبد المطلب جده عليه السلام" ولذا أكرمهم بنزوله عليهم، كما مر. وروى ابن عائذ وسعيد بن منصور عن عطاف بن خالد: استناخت به أولا فجاءه ناس، فقالوا: المنزل يا رسول الله؟ فقال: "دعوها"، فانبعثت حتى أناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلت فنزل عنها فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل، فائذن لي أن أنقل رحلك، قال: "نعم"، فنقله وأناخ الناقة في منزله. وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لما نقل رحله، قال صلى الله عليه وسلم: "المرء مع رحله"، وأن أسعد بن زرارة جاء فأخذ ناقته فكانت عنده، قال: وهذا أثبت. "وفي حديث أبي أيوب الأنصاري" النجاري "عند أبي يوسف يعقوب" ابن إبراهيم الأنصاري الإمام العلامة الحافظ فقيه العراق الكوفي، صاحب أبي حنيفة، وروى عن هشام بن عروة وأبي إسحاق الشيباني وعطاء بن السائب وطبقتهم، وعنه محمد بن الحسن وابن حنبل وابن معاوية وخلق: نشأ في طلب العلم وكان أبوه فقيرا، فكان أبو حنيفة يتعاهد أبو يوسف بمائة بعد مائة، قال ابن معين: ليس في أصحاب الرأي أكثر حديثا ولا أثبت من أبي يوسف وهو

في كتاب الذكر والدعاء له قال: لما نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فكنت في العلو، فلما خلوت إلى أم أيوب قلت لها: رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالعلو منا، تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فما بت تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب فلما أصبحت، قلت: يا رسول الله، ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال: "لِمَ يا أبا أيوب"؟ قال: قلت: كنت أحق بالعلو منا تنزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي، لا والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدا. الحديث.....................

_ صاحب حديث وسنة، مات في ربيع الآخر سنة وثمانين ومائة عن تسع وستين سنة. "في كتاب الذكر والدعاء له، قال" أبو أيوب: "لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فكنت في العلو" وفي رواية ابن إسحاق: لما نزل صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وكنت أنا وأم أيوب في العلو، فقلت: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فأظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن ونكون في السفل، فقال: "يا أبا أيوب، إن الأرفق بنا ومن يغشانا أن نكون في سفل البيت"، قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن. "فلما خلوت إلى أم يوب" زوجته بنت خالة قيس بن سعد الأنصارية النجارية الصحابية، لم يذكر لها اسما في الإصابة. "قلت لها: رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالعلو منا، تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فما بت تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب" بحالة هنية بل بشر ليلة لتلك الفكرة، أو استعمل المبيت في النوم، كأنه قال: ما نمنا من اشتغال الفكر بذلك. وفي رواية: أن أبا بكر أيوب انتبه ليلا فقال: نمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحول، فباتوا في جانب. وفي رواية ابن إسحاق: فلقد انكسر لنا حب فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب لقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها تخوفا أن يقطر على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء، فيؤذيه، "فلما أصبحت، قلت: يا رسول الله! ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب. قال: "لِمَ يا أبا أيوب"؟ قال: قلت: كنت" أنت "أحق بالعلو منا، تنزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي،" زاد في رواية: فقال صلى الله عليه وسلم: "الأسفل أرفق بنا"، فقلت: "لا،" يكون ذلك فهي داخلة على محذوف، فقوله: "والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدا،" تأكيد لاشتماله على القسم. زاد في رواية: فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى تحول إلى العلو وأبو أيوب في السفل ... "الحديث" تمامه: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا إليه بعشائه، وقد جلنا فيه بصلا أو ثوما، فرده ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا، قال: "إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي فأما أنتم فكلوه" فأكلنا ولن نصنع له تلك الشجرة بعد، أخرجه بتمامه ابن إسحاق في السيرة.

رواه الحاكم أيضا. وقد ذكر أن هذا البيت الذي لأبي أيوب، بناه له عليه الصلاة والسلام تبع الأول لما مر بالمدينة وترك فيها أربعمائة عالم، وكتب كتابا للنبي صلى الله عليه وسلم ودفعه إلى كبيرهم، وسألهم أن يدفعه للنبي صلى الله عليه وسلم فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم..........................................................

_ "وراه الحاكم أيضا" وغيرهم "وقد ذكر" في المبتدأ لابن إسحاق وقصص الأنبياء: "إن هذا البيت لأبي أيوب بناه عليه الصلاة والسلام، تبع الأول" ابن حسان الحميري، الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: "لا تسبوا تبعا، فإنه قد أسلم"، أخرجه الطبراني. وذكر ابن إسحاق في السيرة. أن اسمه تباب، بضم الفوقية وخفة الموحدة فألف فموحدة: ابن سعد، وفي مغاص الجوهري في أنساب حمير أنه كان تدين بالزبور. "لما مر بالمدينة" في رجوعه من مكة، "وترك فيها أربعمائة عالم" روى ابن عساكر في ترجمته: أنه قدم مكة، وكسا الكعبة وخرج إلى يثرب، وكان في مائة ألف وثلاثين ألفا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة، ولما نزلها أجمع أربعمائة رجل من الحكماء والعلماء وتبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم، فقالوا: إن شرف البيت وشرف هذه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له محمد صلى الله عليه وسلم، فأراد تبع أن يقيم وأمر ببناء أربعمائة دار لكل رجل دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها وزوجها منه وأعطاهم عطاء جزيلا وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، "وكتب كتابا للنبي صلى الله عليه وسلم" فيه إسلامه، ومنه: شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم وختمه بالذهب، "ودفعه إلى كبيرهم وسألهم أن يدفعه للنبي صلى الله عليه وسلم" وعند ابن عساكر: ودفع الكتاب إلى عالم عظيم فصيح كان معه يدبره، وأمره أن يدفع الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم إن أدركه، وإلا من أدركه من ولده وولد ولده أبدا إلى حين خروجه، وكان في الكتاب: أنه آمن به وعلى دينه. وخرج تبع من يثرب، فمات بالهند، ومن موته إلى مولده صلى الله عليه وسلم ألف سنة سواء. "فتداول الدار" التي بناها تبع للنبي صلى الله عليه وسلم لينزلها إذا قدم المدينة كما في المبتدأ والقصص: "الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب وهو من ولد ذلك العالم،" الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج صلى الله عليه وسلم أرسلوا إليه كتاب تبع مع أبي ليلى، فلما رآه صلى الله عليه وسلم، قال له: "أنت أبو ليلى ومعه كتاب تبع الأول" فبقي أبو ليلى متفكرا ولم يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أنت؟ فإني لم أرَ في وجهك أثر السحر، وتوهم أنه ساحر، فقال: "أنا محمد، هات الكتاب"، فلما قرأه قال: "مرحبا

قال: وأهل المدينة الذين نصروه عليه الصلاة والسلام من ولد أولئك العلماء. فعلى هذا: إنما نزل في منزل نفسه، لا في منزل غيره، كذا حكاه في تحقيق النصرة. وفرح أهل المدينة بقدومه صلى الله عليه وسلم، وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وسرى السرور إلى القلوب. قال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير عند قدومه يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع

_ بتبع الأخ الصالح"، ثلاث مرات. "قال: وأهل المدينة الذين نصروه عليه الصلاة والسلام من ولد أولئك العلماء" الأربعمائة، وفي رواية: أنهم كانوا الأوس والخزرج، "فعلى هذا" المذكور من أن تبعا بنى للمصطفى دارا "إنما نزل في منزل نفسه لا في منزل غيره، كذا حكاه في تحقيق النصرة،" في تاريخ دار الهجرة لقاضيها الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي من مراغة الصعيد من فضلاء طلبة الجمال الإسنوي، "وفرح أهل المدينة بقدومه صلى الله عليه وسلم." روى البخاري عن البراء بن عازب: فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى أبو داود عن أنس: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه، "وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وسرى السرور إلى القلوب. قال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أضاء منها كل شيء" فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أكرنا قلوبنا، أخرج الترمذي في المناقب، وقال: صحيح غريب، وابن ماجه في الجنائز، واقتصر المصنف على حاجته منه هنا. وروى ابن أبي خيثمة والدارمي عن أنس أيضا: شهدت يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه صلى الله عليه وسلم المدينة، "وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير" بجيمين جمع أجار، وفي لغة: الأناجير بالنون، أي: الأسطحة، "عند قدومه يقلن" تهنئة له حال دخوله: "طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع" "وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع" زاد رزين:

قلت: إنشاد هذا الشعر عند قدومه عليه السلام المدينة رواه البيهقي في الدلائل، وأبو بكر المقرئ في كتاب الشمائل له عن ابن عائشة، وذكره الطبري في الرياض عن ابن الفضل الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول: أراه عن أبيه فذكره. وقال خرجه الحلواني على شرط الشيخين. انتهى. وسميت ثنية الوداع لأنه عليه السلام ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره. وقيل: لأنه عليه السلام شيع إليها بعض سراياه، فودعه عندها. وقيل: لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديما.

_ أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع "قلت: إنشاد هذا الشعر عند قدومه عليه السلام المدينة، رواه البيهقي في الدلائل" النبوية "وأبو بكر المقرئ" بضم الميم وسكون القاف الحافظ محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الأصبهاني، صاحب المعجم الكبير وغيره، سمع أبا يعلى وعبدان، وعنه ابن مردويه، وأبو نعيم وأبو الشيخ، مات سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، "في كتاب الشمائل له، عن ابن عائشة" عبيد الله بضم العين، ابن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي، ثقة مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، قال الحافظ: ورمي بالقدر ولا يثبت، ويقال له: ابن عائشة، والعائشي والعيشي نسبة إلى عائشة بن طلحة؛ لأنه من ذريتها. وذكر ابن أبي شيبة أنه أنفق على إخوانه أربعمائة ألف دينار، حتى التجأ إلى أن باع سقف بيته. "وذكره الطبري في الرياض" النضرة" عن ابن الفضل الجمحي، قال: سمعت ابن عائشة يقول: أراه" أظنه "عن أبيه" محمد بن حفص التيمي "فذكره، وقال" المحب الطبري: "خرجه الحلواني" بضم المهملة وسكون اللام نسبة إلى حلوان آخر العراق، الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال نسبة إلى الخل نزيل مكة، ثقة حافظ له تصانيف شيخ الجماعة، خلا النسائي مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، "على شرط الشيخين، انتهى" كلام الطبري. وفيه معمر، فالشيخان لم يخرجا لابن عائشة، فلا يكون على شرطهما ولو صح الإسناد عليه، "وسميت ثنية الوداع؛ لأنه عليه السلام ودعه به بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره" هو غزوة تبوك، "وقيل: لأنه عليه السلام شيع إليها بعض سراياه،" هي سرية مؤتة "فودعه عندها" وهذان يعطيان أن التسمية حادثة، "وقيل: لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديما،

وصحح القاضي عياض الأخير، واستدل عليه بقول نساء الأنصار حين قدومه عليه السلام: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع فدل على أنه اسم قديم. وقال ابن بطال: إنما سميت ثنية الوداع لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها، ويودعونهم عندها، وإليها كانوا يخرجون عند التلقي. انتهى. قال شيخ الإسلام الولي بن العراقي: وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع. قال: وهذا صريح في أنها من جهة الشام، ولهذا لما نقل والدي رحمه الله في شرح الترمذي كلام ابن.................................

_ وصحح القاضي عياض الأخير: واستدل عليه بقول نساء الأنصار حين قدومه عليه السلام: "طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع" "فدل على أنه اسم قديم"، وهي في الأصل: ما ارتفع من الأرض، وقيل: الطريق في الجبل، "وقال ابن بطال: إنما سميت بثنية الوداع؛ لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها، ويودعونهم عندها، وإليها كانوا يخرجون عند التلقي. انتهى. "قال شيخ الإسلام الولي بن العراقي: وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري" في الجهاد والمغازي "وسنن أبي داود والترمذي عن السائب بن يزيد" بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل في نسبه غير ذلك، صحابي صغير له أحاديث قليلة ولاه عمر سوق المدينة، وهو آخر من مات بها سنة إحدى وتسعين أو قبلها، "قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك خرج الناس" كلهم رجالا ونساء وصبيانا وولائد فرحا به وسرورا بضد ما أرجف به المنافقون إذ كانوا يخبرون عنه أخبار السوء في غيبته، ولأنهن ألفنه صلى الله عليه وسلم بخلاف الهجرة، صعدت المخدرات على الأسطحة؛ لأنهن لم يكن رأينه وإن فشا فيهم الإسلام، "يتلقونه من ثنية الوداع، قال" ابن العراقي: "وهذا صريح في أنها من جهة الشام" لا مكة، فظهر منه رد كلام ابن بطال، وأثر ابن عائشة ولم يظهر منه رد كلام عياض؛ لأنه لم يقل حين قدومه من مكة، فيحمل على أنه حين قدومه من تبوك، وكذا القولان قبله في سبب التسمية؛ لأن بعض أسفاره وسراياه مبهم، فيحمل على تبوك ومؤتة، ففي قوله: وهذا كله مردود، نظر بل بعضه. "ولهذا لما نقل والدي" الحافظ عبد الرحيم "رحمه الله في شرح الترمذي كلام ابن

بطال قال: إنه وهم، قال: وكلام ابن عائشة معضل لا تقوم به حجة. انتهى. وسبقه إلى ذلك ابن القيم في الهدي النبوي فقال: هذا وهم من بعض الرواة؛ لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك. لكن قال ابن العراقي أيضا: ويحتمل أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها بثنية الوداع.

_ بطال، قال: إنه وهم" بفتحتين: غلط، "قال: وكلام ابن عائشة، معضل لا تقوم به حجة، انتهى" ونحوه قول الفتح هنا بعد أثر ابن عائشة، وعزوه لتخريج أبي سعد في الشرف، والخلعي في فوائد هذا سنده معضل، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك، انتهى. وأما قوله في الفتح: في تبوك، في شرح حديث السائب أنكر الداودي هذا، وتبعه ابن القيم وقال: ثنية الوداع من جهة مكة لا من جهة تبوك، بل هي مقابلها كالمشرق والمغرب، قال إلا أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة. قلت: لا يمنع كونها من جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر من جهتها وهذا واضح، كما في دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى، وينتهي كلاهما إلى طريق واحدة، وقد روينا بسند منقطع في الخليعات قول النسوة لما قدم المدينة: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع فقيل ذلك عند قدومه من غزوة تبوك، انتهى. فهو مع ما فيه من المخالفة لكلام شيخه العراقي وابنه، وكلامه نفسه هنا آخره مخالف لأوله، ونقله عن ابن القيم مخالف لقول المصنف. "وسبقه إلى ذلك ابن القيم في الهدي النبوي،" أي: كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، "فقال: هذا وهم من بعض الرواة؛ لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك" وأجاب الشريف السمهودي: بأن كونها شامي المدينة لا يمنع كون هذه الأبيات أنشدت عند الهجرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ركب ناقته وأرخى زمامها، وقال: " دعوها فإنها مأمورة" ومر بدور الأنصار من بني ساعدة، ودارهم شامي المدينة وقرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية، فلا وهم وهو جواب حسن، وإن كان شيخنا البابلي رحمه الله يستبعده بأنه يلزم عليه أن يرجع ويمر على قباء ثانيا، فلا يعد فيه ولو لزم ذلك لإرخائه زمام الناقة، وكونها مأمورة. "لكن قال ابن العراقي أيضا: ويحتمل" في دفع الوهم "أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها بثنية الوداع" قال الخميس: يشبه أن هذا هو الحق ويؤيده جمع

وفي "شرف المصطفى" وأخرجه البيهقي عن أنس: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار بالدفوف ويقلن: نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار فقال صلى الله عليه وسلم: "أتحببنني"، قلن: نعم يا رسول الله. وفي رواية الطبراني في الصغير فقال عليه السلام: "الله يعلم أن قلبي يحبكم". وقال الطبري: وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون جاء محمد، جاء رسول الله. ووعك أبو بكر وبلال،....................................................................

_ الثنيات؛ إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم تجمع، قال: ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة، ومرة عند قدومه من تبوك، فلا ينافي ما في البخاري وغيره، ولا ما قاله ابن القيم، انتهى. "وفي شرف المصطفى" لأبي سعد النيسابوري، "وأخرج البيهقي" وشيخه الحاكم "عن أنس: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار" في الطرقات "من بني النجار" زاد الحاكم: يضربن "بالدفوف" جمع دف بضم الدال وفتحها. لغة، "ويقلن" عطف على يضربن، "نحن جوار" جمع جارية وهي الشابة أمة أو حرة، وهو المراد: لقولهن "من بني النجار" دون لبني النجار "يا" قومنا "حبذا" فدخل حرف النداء على مقدر؛ لأنه لا يدخل على الأفعال، وحب فعل ماض "محمد بن جار" تمييز، "فقال صلى الله عليه وسلم: "أتحبنني"؟ بضم التاء من أحب، وبفتحها وكسر الموحدة من حب، "قلن: نعم يا رسول الله. وفي رواية الطبراني في الصغير" زيادة "فقال عليه السلام: "الله يعلم إن قلبي يحبكم"، بالميم: يا معشر الأنصار أنتن منهم أو الميم للتعظيم، كقوله: وإن شئت حرمت النساء سواكم وفي رواية: فقال: "والله وأنا أحبكن"، قالها ثلاث مرات، فلعله قال الجميع، أو ذا لبعض وذا لبعض. "وقال الطبري: وتفرق الغلمان" جمع غلام وهو الابن الصغير، "والخدم" جمع خادم ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا، "في الطريق ينادون" فرحا "جاء محمد جاء رسول الله" وهذا أخرجه الحاكم في الإكليل عن البراء، ولفظه: فخرج الناس حين قدم المدينة في الطرق والغلمان والخدم، يقولون: جاء محمد رسول الله، الله أكبر جاء محمد رسول الله، "و" لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة "وعك" بضم الواو وكسر العين، أي: حم "أبو بكر وبلال" قالت عائشة:

وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل..........................

_ فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت، كيف تجدك؟ ويا بلال، كيف تجدك؟ كما في رواية للبخاري. وأخرج ابن إسحاق والنسائي عنهما: لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وهي أوبأ أرض الله، أصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه، وأصابت أبا بكر وبلالا وعامر بن فهيرة، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فأذن لي فدخلت عليهم وهم في بيت واحدة، قالت: "وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى، يقول:" وفي رواية ابن إسحاق والنسائي: فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: "كل امرئ مصبح" بضم الميم وفتح المهملة والموحدة الثقيلة، أي: مصاب الموت صباحا، وقيل: يقال هـ: صبحك الله بالخير وهو منعم "في أهله والموت أدنى" أقرب إليه "من شراك" بكسر المعجمة وخفة الراء: سير، "نعله" الذي على ظهر القدم، والمعنى: أن الموت أقرب إلى الشخص من قرب شراك نعله إلى رجله، وذكر عمر بن شيبة في أخبار المدينة: أن هذا الرجز لحنظلة بن سيار قاله يوم ذي قار، وتمثل به الصديق رضي الله عنه. وفي رواية ابن إسحاق والنسائي: فقلت: إنا لله، إن أبي ليهذي وما يدري ما يقول: ثم دنوت إلى عامر فقلت: كيف تجدك يا عامر، فقال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي أنفه بروقه فقلت: هذا والله ما يدري ما يقول، أي: لأنها سألتهم عن حالهم فأجابوها بما لا يتعلق به. والطوق: الطاقة. والروق: القرن يضرب مثلا في الحث على حفظ الحريم، قال السهيلي: ويذكر أن هذا الشعر لعمرو بن مامة. "وكان بلال إذا أقلعت" بفتح الهمزة واللام، ولأبي ذر بضم الهمزة وكسر اللام، "عنه الحمى" أي: تركته، كما في رواية ابن إ سحاق والنسائي، وزادا: اضطجع بفناء البيت، ثم "يرفع عقيرته" بفتح المهملة وكسر القاف وسكون التحتية وفتح الراء وفوقية، أي: صوته بالبكاء، "ويقول: ألا" بخفة اللام أداة استفتاح "ليت شعري" أي: مشعوري، أي: ليتني علمت بجواب ما تضمنه قولي "هل أبيتن ليلة بواد" هو وادي مكة، "وحولي إذخر" بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين: حشيش مكة ذو الرائحة الطيبة، "وجليل" بجيم: نبت ضعيف، "وهل

...أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل اللهم العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححه لنا..........................................

_ أردن" بنون التوكيد الخفيفة "يوما مياه" بالهاء "مجنة" بفتح الميم والنون المشددة وتكسر الميم: موضع على أميال من مكة كان به سوق في الجاهلية، "وهل يبدون" بنون التأكيد الخفيفة: يظهرن، "لي شامة" بمعجمة وميم خفيفة على المعروف، "وطفيل" بفتح المهملة وكسر الفاء وسكون التحتية، قيل: وهذان البيتان ليسا لبلال بل لبكر بن غالب الجرهمي أنشدهما لما بعثهم خزاعة من مكة، فتمثل بهما بلالا "اللهم العن" عتبة بن ربيعة و"شيبة بن ربيعة ,وأمية بن خلف،" هكذا ثبت لعنه للثلاثة في البخاري، آخر كتاب الحج وسقط الأول من قلم المصنف سهوا، وبه يستقيم الجمع في "كما أخرجونا" فلا حاجة للاعتذار بأن المراد: ومن كان على طريقهما في الإيذاء ولذا جمع والكاف للتعليل وما مصدرية، أي: أخرجهم من رحمتك لإخراجهم إيانا "من أرضنا" التي توطناها، ولا يشكل بأن لعن المعين لا يجوز لإمكان أنه علم من النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يؤمنون، وقد قيل في آية {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6] ، أنها نزلت في معينين، كأبي جهل وأضرابه "إلى أرض الوباء" بالقصر والمد: المرض العام، وهو أعم من الطاعون. وقال المصنف في مقصد الطب: الدليل على مغايرة الطاعون للوباء أن الطاعون لم يدخل المدينة. وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وقال بلال: أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، انتهى. فلا يعارض قدومه إليها وهي وبئة نهيه عن القدوم على الطاعون، لاختصاص النهي به وبنحوه من الموت السريع لا المرض، ولو عم "ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" بعد أن أخبرته عائشة بشأنهما. ففي رواية البخاري هنا: قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته. وفي رواية ابن إسحاق والنسائي: فذكرت ذلك لرسول الله، فقلت: يا رسول الله! إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى، فنظر إلى السماء، وقال: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد" فاستجاب الله له وكانت أحب إليه من مكة، كما جزم به السيوطي. "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححها لنا"، فاستجاب الله له فطيب هواءها وترابها وساكنها والعيش بها، قال ابن طبال وغيره: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها. قال العلامة الشامي: وقد تكرر دعاؤه عليه الصلاة والسلام بتحبيب

وانقل حماها إلى الجحفة". قالت -يعني عائشة: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله،...................................

_ المدينة والبركة في ثمارها، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول، والتكرير لطلب المزيد فيها من الدين والدنيا، وقد ظهر ذلك في نفس الكيل بحيث يكفي المد بها ما لا يكفيه بغيرها، وهذا أمر محسوس لمن سكنها. "وأنقل حماها إلى الجحفة" بضم الجيم وسكون المهملة وفتح الفاء: قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلا من مكة نحو خمس مراحل وثمانية من المدينة، وكانت تسمى مهيعة، وبه عبر هنا في رواية ابن إسحاق والنسائي بفتح الميم وسكون الياء على وزن جميلة، وكانت يومئذ مسكن اليهود، وهي الآن ميقات مصر والشام والمغرب، ففيه جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والهلاك وللمسلمين بالصحة وإظهار معجزة عجيبة فإنها من يومئذ وبئة لا يشرب أحد من مائها إلا حم، ولا يمر بها طائر إلا حم وسقط. وروى البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر رفعه: "رأيت في المنام، كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إليها". وفي رواية: قدم إنسان من طريق مكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل لقيت أحدًا"؟ قال: يا رسول الله، إلا امرأة سوداء عريانة ثائرة الرأس فقال صلى الله عليه وسلم: "تلك الحمى، ولن تعود بعد اليوم"، ولا مانع من تجسم الأعراض خرقا للعادة، لتحصل الطمأنينة لهم بإخراجها. قال السمهودي: والموجود الآن من الحمى بالمدينة ليس من حمى الوباء بل رحمة ربنا، ودعوة نبينا للتكفير، قال: وفي الحديث: "أصح المدينة ما بين حرة بني قريظة، والعريض"، وهو يؤذن ببقاء شيء منها به، وأن الذي نقل عنها أصلا ورأسا سلطانها وشدتها ووباؤها وكثرتها بحيث لا يعد الباقي بالنسبة إليها شيئا، قال: ويحتمل أنها رفعت بالكلية ثم أعيدت خفيفة لئلا يفوت ثوابها، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر، ويدل له ما رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني عن جابر: استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "من هذه"؟ فقالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل قباء، فبلغوا ما لا يعلمه إلا الله فشكو ذلك إليه، فقال: "ما شئتم" إن شئتم دعوت الله ليكشفها عنكم، وإن شئتم تكون لكم طهورا؟ " قالوا: أوتفعل؟ قال: "نعم"، قالوا: فدعها، انتهى. "قالت: يعني عائشة: وقدمنا المدينة" بعد ذلك والمسجد يبنى، كما يأتي "وهي أوبأ أرض الله" أي: أكثر وباء وأشد من غيرها، زاد ابن إسحاق: قال هشام بن عروة: وكان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها، قيل: انهق، فينهق كما

فكان بطحان يجري نجلا. تعني: ماء آجنا. وقال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك. رواه البخاري.

_ ينهق الحمار، وفي ذلك يقول الشاعر: لعمري لئن غنيت من خيفة الردى ... نهيق حمار إنني لمروع وفي حديث البراء عند البخاري: أن عائشة وعكت أيضا وكان أبو بكر يدخل عليها. وأخرج ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: أصابت الحمى الصحابة حتى جهدوا مرضا، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه حتى ما كانوا يصلون إلا وهم قعود، فخرج صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك، فقال: "اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فتجشموا القيام" أي: تكلفوه على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل، "فكان بطحان" بضم الموحدة وحكى فتحها وسكون الطاء المهملة: معهما، وقيل: بفتح أوله وكسر الطاء، وعزا عياض الأول للمحدثين، والثالث للغويين وبين واد بالمدينة. روى البزار وابن أبي شيبة عن عائشة مرفوعا: "بطحان على ترعة من الجنة" بضم الفوقية، أي: باب أو درجة "يجري نجلا" بفتح النون وسكون الجيم، أي: ينزنز، أي: ماء قليلا، وقيل: هو الماء حين يسيل، وقيل: الغدير الذي لا يزال فيه الماء. وقال البخاري: "تعني" عائشة "ماء آجنا" أي: متغير الطعم واللون، وخطأه عياض ورده الحافظ: بأنها قالته كالتعليل لكون المدينة وبئة، ولا شك أن النجل إذا فسر بالماء الحاصل من النز فهو بصدد أن يتغير، وإذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة، انتهى. "و" استجاب الله لرسوله فسكن محبة المدينة في قلوب صحبه، حتى "قال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك" لما في كل منهما من الفضل العظيم، فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها"، أي: أخصه بشفاعة غير العامة زيادة في إكرامه. قال السمهودي: فيه بشرى لساكنها بالموت على الإسلام، لاختصاص الشفاعة بالمسلمين وكفى به مزية، فكل من مات بها مبشر بذلك، وقال ابن الحاج: فيه دليل على فضلها على مكة لإفراده إياها بالذكر، انتهى. واستجاب الله دعاء الفاروق فرزقه الشهادة بها على يد فيروز النصراني عبد المغيرة ودفن عند حبيبه. "رواه" أي: هذا الحديث الذي أوله: ووعك أبو بكر "البخاري" عن عائشة في كتاب

وقوله: يرفع عقيرته: أي صوته؛ لأن العقيرة الساق، وكان الذي قطعت رجله رفعها وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك، حكاه الجوهري. وشامة وطفيل: عينان بقرب مكة، والمراد بالوادي وادي مكة. وجليل: نبت ضعيف.

_ الحج وغيره، ورواه أيضا مسلم وأحمد وابن إسحاق والنسائي، "وقوله: يرفع عقيرته، أي: صوته؛ لأن العقيرة السابق" المقطوعة كما في القاموس فغيرها لا يسمى به. "وكان" فعل ماض "الذي قطعت رجله فرفعها" كما قال الأصمعي، أصله أن رجلا انعقرت رجله فرفعها "وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك" وإن لم يرفع رجله، "حكاه الجوهري" قال ثعلب: وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها، انتهى. فجعله مأخوذا من العقيرة بمعنى الساق، إشارة إلى أنه الأصل لا أنه لا يمكن غيره، فإنه يمكن تفسيره بالصوت الكائن من ألم الحمى التي أصابته. ففي القاموس إطلاق العقيرة على صوت الباكي، "وشامة وطفيل عينان بقرب مكة" كما ارتضاه الخطابي، فقال: كنت أحسبهما جبلين حتى مررت بهما، ووقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء، وقواه السهيلي بقول كثير: وما أنس مشيا ولا أنس موقفا ... لنا ولها بالخب خب طفيل والخب: منخفض الأرض، انتهى. وقيل: هما جبلان على نحو ثلاثين ميلا من مكة. وقال البكري: مشرفان على مجنة على بريد من مكة، وجمع باحتمال أن العينين بقرب الجبلين أو فيهما، إلا أن كلام الخطابي يبعد الثاني. وزعم القاموس أن شامة بالميم تصحيف من المتقدمين، والصواب: شابة، بالباء، قال: وبالميم وقع في كتب الحديث جميعها، كذا قال وأشار الحافظ لرده. فقال: زعم بعضهم أن الصواب بالموحدة، بدل الميم، والمعروف بالميم، انتهى. "والمراد بالوادي" في قول بلال: بواد "وادي مكة" وقد رواه النسائي وغيره بفج، وهو أيضا واد خارج مكة، يقول فيه الشاعر: ماذا بفج من الأسواق والطيب ... ومن جوار نقيات عرابيب "وجليل: نبت ضعيف" له خواص أو شيء يشبه الخوص يحشى به البيوت وغيرها، وهو الثمام بضم المثلثة. قال السهيلي رحمه الله: وفي هذا الخبر وما ذكر فيهم من حنينهم إلى مكة ما جلبت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إليه، وقد جاء في حديث أصيل الغفاري، ويقال فيه الهذلي: أنه قدم من مكة فسألته عائشة: كيف تركت مكة يا أصيل؟ فقال: تركتها حين ابيضت أباطحها، وأحجن ثمامها، وأغدق إذخرها، وأبشر سلمها، فاغروقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "تشوقنا يا أصيل". ويروى أنه قال: "دع القلوب تقر" وقد قال الأول:

وأقام صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب سبعة أشهر. وقيل: إلى صفر من السنة الثانية. وقال الدولابي: شهرا.

_ ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي الخزامى حيث ربتني أهلي بلاد بها نيطت على تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي انتهى. وأصيل بالتصغير، كما في الإصابة. "وأقام صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب سبعة أشهر" قاله ابن سعد، وجزم به في الفتح. "وقيل: إلى صفر من السنة الثانية، وقال الدولابي:" أقام عنده "شهرا" حكى الأقوال الثلاثة مغلطاي، والله أعلم.

ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر

"ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر": وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ولما أراد عليه السلام بناء المسجد الشريف، قال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم، قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأبى ذلك صلى الله عليه وسلم...................................................................

_ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر: "وكان" عليه الصلاة والسلام "يصلي حيث أدركته الصلاة" فأراد بناء مسجد جامع للمصلين معه، "ولما أراد عليه السلام بناء المسجد الشريف، قال" الأظهر: فلما، بالفاء كما عبر بها أنس. أخرج الشيخان وغيرهما عنه: كان صلى الله عليه وسلم يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، فأرسل إلى ملأ من بني النجار، فقال: "يا بني النجار ثامنوني" بالمثلثة، أي: اذكروا لي ثمنه لأشتريه منكم، قاله الحافظ في كتاب الصلاة. وقال هنا، أي: قرروا معي ثمنه أو ساوموني بثمنه، ثامنت الرجل إذا ساومته، واقتصر المصنف على الثاني، ونحوه قول الشامي، أي: بايعوني وقاولوني، انتهى. وهو بالنظر إلى الصيغة فقط إذ ليس ثم مفاعلة، فالأول أولى وخاطب البعض بخطاب الكل؛ لأن المخاطبين أشرافهم "بحائطكم" أي: بستانكم، وتقدم أنه كان مربدا، فلعله كان أولا حائطا ثم خرب فصار مربدا، ويؤيده قوله أي أنس: أنه كان فيه نخل وحرث، وقيل: كان بعضه بستانا وبعضه مربدا، قاله الحافظ. ويؤيده أيضا حديث عائشة فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، ولا ينافيه حديث أنس؛ لأنه لا مانع من وجود النخل والحرث في المربد وسماه حائطا باعتبار ما كان. وفي رواية ابن عيينة: فكلم عمهما، أي: الذي كانا في حجره أن يبتاعه منهما. "قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله" قال الحافظ: تقديره من أحد لكن الأمر فيه إلى الله، أو إلى بمعنى من، كما في رواية الإسماعيلي وزاد ابن ماجه: أبدا "فأبى" أي: كره "ذلك صلى الله عليه وسلم"

وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان قد خرج من مكة بماله كله. قال أنس: وكان في موضع المسجد نخل وخرب...................................

_ وامتنع من قبوله إلا بالثمن، "وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه" كما رواه الواقدي عن الزهري، أي: ابتاعها من اليتيم أو من وليهما، إن كنا بالغين، ولا ينافيه وصفهما باليتم؛ لأنه باعتبار ما كان أو كانا يتيمين وقت المساومة، وبلغا قبل التبايع. وفي حديث عائشة عند البخاري، ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا. قال الحافظ: ولا منافاة بينه وبين حديث أنس: فيجمع بأنهم لما قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، سأل عمن يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين فابتاعه منهما، وحينئذ يحتمل أن القائلين: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، تحملوا عنه للغلامين بالثمن. وعند الزبير أن أبا يوب أرضاهما عن ثمنه، انتهى. وكذا عند أبي معشر. وفي رواية: أن أسعد بن زرارة عوضهما نخلا في بني بياضة، وفي أخرى: أن معاذ بن عفراء، قال: أنا أرضيهما. قال الشامي: ويجمع بأن كلا منهم أرضى اليتمين بشيء فنسب ذلك لكل منهم، ورغب أبو بكر في الخير فدفع العشرة زيادة على ما دفعه أولئك، أو أنه صلى الله عليه وسلم أخذ أولا بعض المربد في بنائه الأول سنة قدومه، ثم أخذ بعضا آخر؛ لأنه بناه مرتين. وزاد فيه: فكان الثمن من مال أبي بكر في إحداهما، ومن الآخرين في الأخرى، انتهى. وذكر البلاذري أن العشرة التي دفعها من مال أبي بكر كانت ثمن أرض متصلة بالمسجد لسهل وسهيل وعرض عليه أسعد أن يأخذها ويغرم عنه لهما ثمنهما، فأبى. وجمع البرهان بأنهما قضيتان وأرضان كلتاهما لليتيمين، فاشترى كل واحدة بعشرة إحداهما المسجد والأخرى زيادة فيه، وأدى ثمنهما معا أبو بكر والواحدة عاقده عليها أسعد، والأخرى معاذ، قال: وما ذكر من شراء أبي أيوب منهما فيحمل على المجاز أنه كان متكلما بينهما أو عقد معهما بطريق الوكالة أو الوصية، أو أنها أرض ثالثة وفيه بعد، انتهى. "وكان قد خرج من مكة بماله كله" وهو أربعة آلاف أو خمسة، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يعطيهما ثمنه عشرة دنانير، كره ابن سعد عن الواقدي عن معمر عن معمر وغيره عن الزهري وقبله لعموم نفع المسجد له ولغيره على عادته من قبول ماله في المصالح بخلاف الهجرة، فأحب كونها من ماله عليه السلام، كما مر. "قال أنس" بن مالك فيما رواه الشيخان وغيرهما: "وكان في موضع المسجد نخل وخرب" بفتح المعجمة وكسر الراء فموحدة جمع خربة ككلم وكلمة هكذا ضبط في سنن أبي داود، قال الخطابي: وهي رواية الأكثر. قال ابن الجوزي: وهو المعروف، وحكى

ومقابر مشركين، فأمر بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطعت، ثم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده خشب النخل،

_ الخطابي: كسر أوله وفتح ثانيه جمع خربة كعنب وعنبة. وللكشميهني بفتح المهملة وسكون الراء ومثلثة وهو وهم؛ لأن البخاري أخرجه من طريق عبد الوارث. وبين أبو داود أن رواية عبد الوارث بمعجمة وموحدة، ورواية حماد بن سلمة بمهملة ومثلثة، ذكره الحافظ، فالوهم إنما هو في روايته في البخاري وإن ثبتت في رواية غيره فهي ثلاث روايات. وجوز الخطابي أنه حرب بضم المهملة وسكون الراء وموحدة وهي الخروق المستديرة في الأرض، أو حدب بمهملتين، أي: مرتفع من الأرض، أو جرب بكسر الجيم وفتح الراء: ما تجر فيه السيول وتأكله الأرض. قال: وهذا لائق بقوله: فسويت؛ لأنه إنما يسوى المكان المحدوب أو الذي جرفته الأرض. أما الخراب فيبنى ويعمر دون ن يصلح ويسوّى. ورده الحافظ، فقال: ما المانع من تسوية الخراب بأن يزال ما بقي منه وتسوى أرضه، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحيحة، انتهى. "ومقابر مشركين" زاد في رواية: من الجاهلية، "فأمر بالقبور فنبشت" زاد في رواية وبالعظام فغيبت، "وبالخرب فسويت" بإزالة ما كان فيها، "وبالنخل فقطعت،" وجعلت عمدا للمسجد فيه جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع ونبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدا نصا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تنبش لطلب المال، فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعي. وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن امشرك لا حرمة حيا ولا ميتا فيه جواز الصلاة في مقابر المشركين، بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها. قيل: وفيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة وفيه نظر، لاحتمال أن تكون مما لا يثمر. واحتج من أجاز بيع غير المالك بهذه القصة؛ لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين، وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجار فساوهما واشترك معهما في المساومة عمهما الذي كانا في حجره، كما تقدم ذكره في فتح الباري في موضعين. "ثم أمر باتخاذ اللبن" بفتح اللام وكسر الموحدة: الطوب النيء، "فاتخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده" بفتح أوله وثانيه، ويجوز ضمهما "خشب" بفتحتين وبضم فسكون، "النخل" الذي كان في الحائط. وفي حديث أنس: قصفوا النخل قبلة المسجد. وظاهر هذا الحديث الصحيح أن بناءه باللبن وتسقيفه بالجريد من يومئذ. وروى ابن الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن أنس، قال: بنى صلى الله عليه وسلم مسجده أول ما بناه بالجريد، وإنما بناه باللبن بعد

وعمل فيه المسلمون وكان عمار بن ياسر ينقل لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام: "للناس أجر ولك أجران،..................................

_ الهجرة بأربع سنين، فإن صح أمكن أن معنى أول ما بناه، سقفه وإنما بناه، أي: طينه ويؤيده ما أخرجه رزين عن جعفر بن محمد أنه بنى ولم يلطخ وجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوا بالجريد، فشكوا الحر فطينوه بالطين، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح، ولا سيما وقد اتفق عليه أنس وابن عمر وعائشة وأبو سعيد وأحاديثهم في الصحيح. وروى محمد بن الحسن المخزومي وغيره عن شهر بن حوشب: لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يبنى المسجد، قال: "ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك". قيل: ما ظلة موسى؟ قال: "كان إذا قام أصاب رأسه السقف"، فلم يزال المسجد كذلك حتى قبض صلى الله عليه وسلم، وثمامات بضم المثلث جمع ثمام واحده ثمامة نبت ضعيف، وذكر في الأوج أن قامة موسى وعصاه ووثبته سبعة أذرع، فهو تشبيه تام؛ لأنه جعل ارتفاع سقف المسجد سبعة. وعلى ما ذكر ابن كثير: إن قامة موسى وعصاه ووثبته عشرة، فالتشبيه في أن السقف يصيب رأسه لا يقيد الطول ثم مرسل ابن حوشب هذا، لا معارضة فيه الخبر الصحيح أصلا؛ لأن ذلك لا يمنع أن جدرانه باللبن، كما هو ظاهر. ووقع عند ابن عائذ عن عطاف بن خالد أنه عليه السلام صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوما، ثم بناه وسقفه. "وعمل فيه المسلمون" روى أبو يعلى رجال الصحيح عن عائشة والبيهقي عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا: لما بنى صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة وضع حجرا، ثم قال: "ليضع أبو بكر حجره إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر، ثم ليضع علي" فسئل عن ذلك، فقال: "هؤلاء الخلفاء من بعدي". وأخرج أحمد عن طلق بن علي، قال: بنيت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقول: "قربوا اليمامي من الطين، فإنه أحسنكم له مسيسا". وروى أحمد عنه أيضا: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد، وكأنه لم يعجبه عملهم فأخذت المسحاة فخلطت الطين، فكأنه أعجبه فقال: "دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين" وعند ابن حبان، فقلت: يا رسول الله أأنقل كما ينقولون؟ قال: "لا، ولكن أخلط لهم الطين، فأنت أعلم به". "وكان" المسلمون يحملون لبنة لبنة، وكان "عمار بن ياسر ينقل لبنتين" كما في البخاري عن أبي سعيد وزاد معمر في جامعه عنه: "لبنة عنه ولبنة عن النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية الإسماعيلي وأبي نعيم، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عمار، ألا تحمل كما يحمل أصحابك"؟، قال: إني أريد من الله الأجر. "فقال له عليه السلام" بعد مسح ونفض التراب عنه: "للناس أجر، ولك أجران"

وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية". وروينا أنه صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول وهو ينقل اللبن: "هذا الحمال لا حمال......

_ فيه جواز ارتكاب المشقة في عمل البر، وتوقير الرئيس والقيام عنه بما يتعاطاه من المصالح. "وآخر زادك من الدنيا شربة لبن" فكان كذلك، أخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي سنان الدؤلي الصحابي، قال: رأيت عمار بن ياسر دعا غلاما له بشراب فأتاه بقدح من لبن فشرب منه، ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمد، أو حزبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن آخر شيء تزوده من الدنيا صبحة لبن"، ثم قال: "والله لو هزمونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، يعني لقوله صلى الله عليه وسلم: "وتقتلك الفئة الباغية" فقتل مع علي بصفين ودفن بها سنة سبع وثلاثين عن ثلاث أو أربع وتسعين سنة، تراجع وروى البخاري في بعض نسخه ومسلم والترمذي وغيرهم مرفوعا: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار"، أي: إلى سبب فيهما. واستشكل بأن معاوية كان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار. وأجاب الحافظ، بما حاصله: إنهم ظنوا أنهم يدعونه إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فإن الإمم الواجب الطاعة إذ ذاك هو علي الذي كان عمار يدعوهم إليه كما أرشد له بقوله: "يدعوهم إلى الجنة" وبجعله قتلة عمار بغاة وقول ابن بطال تبعا للمهلب: إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم علي يدعوهم إلى الجماعة وهم إذ الخوارج إنما خرجوا على علي بعد عمار اتفاقا. وأما الذين بعثه إليهم فإنما هم أهل الكوفة يستفزهم على قتال عائشة ومن معها قبل وقعة الجمل، وكان فيهم من الصحابة جماعة كمن كان مع معاوية وأفضل فما فر منه المهلب، وقع في مثل مع زيادة إطلاقه عليهم الخوارج وحاشهم من ذلك. وفي الحديث فضيلة ظاهرة لعلي وعمار ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه، انتهى ملخصا. "وروينا" في صحيح البخاري في حديث عائشة الطويل "أنه صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم اللبن" بفتح اللام وكسر الموحدة الطوب النيء "في بنائه" ولا يعارضه أن عمارا كان يحمل عنه؛ لأنه عليه السلام ابتدأ في النقل ترغيبا لهم في العمل، "ويقول: وهو ينقل اللبن" هذا هو الصواب المروي عنه البخاري، فما في بعض النسخ السقيمة الأحمال تصحيف، "هذا الحمال لإحمال"

..........خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا. انتهى. وقد قيل: إن الممتنع عليه صلى الله عليه وسلم إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلا.

_ بالرفع ولا وجه لنصبه، قاله في النور. "خيبر هذا أبر" بموحدة وشد الراء يا "ربنا وأطهر" بمهملة، أي: أشد طهارة وهذا البيت لعبد الله بن رواحة، يقول: "اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة" بكسر الجيم وهذا البيت لابن رواحة أيضا، كما قال ابن بطال، وتبعه في الفتح وغيره. وبعضهم نسبة لامرأة من الأنصار. وفي حديث أنس عند الشيخين: اللهم لا خير إلا خيرة الآخرة ... فانصر الأنصار والمهاجرة وزعم الكرماني في كتاب الصلاة: أنه كان يقف على الآخرة والمهاجرة بالتاء ليخرجه عن الوزن، قال الحافظ: ولم يذكر مستنده والكلام الذي بعد هذا، يعني كلام الزهري، يرده، انتهى. بل فيه الوقف على متحرك وليس عربيا، فكيف ينسب إلى سيد الفصحاء، وزعم الداودي أن ابن رواحة: إنما قال لا هم ... إلخ، فأتى به بعض الرواة على المعنى، وإنما يتزن هكذا، ورده الدماميني بأن توهيم للرواة بلا داعية فلا يمتنع أنه قاله بألف ولا على جهة الخزم بمعجمتين، وهو الزيادة على أول البيت حرفا فصاعدا إلى أربعة، وكذا على أول النصف الثاني حرفا أو اثنين على الصحيح، هذا لا نزاع فيه بين العروضيين، ولم يقل أحد بامتناعه، وإن لم يستحسنوه، وما قال أحد أن الخزم يقتضي إلغاء ما هو فيه على أن يعد شعرا، نعم الزيادة، لا يعتد بها في الوزن، ويكون ابتداء النظم ما بعدها فكذا ما نحن فيه، انتهى. "قال ابن شهاب" محمد بن مسلم الزهري "ولم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم تمثل بشعر تام غير هذا" البيت، كما هو بقية قوله في البخاري ولأبي ذر غير هذه الأبيات، أي: البيتين المذكورين، وزاد ابن عائذ عن الزهري التي كان يرتجز بهن، وهو ينقل اللبن لبنيان المسجد، "انتهى" قول الزهري. قال الحافظ: ولا اعتراض عليه ولو ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أنشد غير ما نقله، لأنه نفى أن يكون بلغه ولم يطلق النفي، واستشكل هذا بقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69] ، ولذا قال ابن التين: أنكر هذا على الزهري؛ لأن العلماء اختلفوا هل أنشد صلى الله عليه وسلم شعرا أم لا، وعلى الجواز هل ينشد بيتًا واحدًا أو يزيد، وقيل: البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظر. "و" أجاب الحافظ وتبعه المصنف، بأنه "قد قيل: إن الممتنع عليه صلى الله عليه وسلم إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلا" فالمفهوم من الآية الكريمة منع إنشائه لا إنشاده،

وقوله: هذا الحمال: -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم- أي المحمول من اللبن أبر عند الله من حمال خيبر، أي: التي تحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك. وفي رواية المستملي بالجيم. وفي كتاب "تحقيق النصرة" قيل: وضع عليه السلام رداءه فوضع الناس أوديتهم وهم يقولون: لئن قعدنا والنبي يعمل ... ذاك إذا للعمل المضلل

_ قال ابن التين أيضا: وأنكر على الزهري من جهة أنه رجز لا شعر ولذا يقال لقائله: راجز وأنشد رجز الأشاعر وأنشد شعرا، وأجاب الحافظ بأن الجمهور على أن الرجز الموزون من الشعر، وقد قيل: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يطلق القافية بل يقولها متحركة ولا يثبت ذلك، وسيأتي في الخندق من حديث سهل بلفظ: "فاغفر للمهاجرين والأنصار"، وهذا ليس بموزون، انتهى. وقال في المصابيح: لا نسلم أن هذا الحمال لإحمال البيت من الرجز، وإنما هو من مشطور السريع دخله الكشف والخبن، انتهى. "وقوله: هذا الحمال، بكسر الحاء المهملة" وكذا في الإحمال. ولأبي ذر بفتحها فيهما ذكره المصنف، "وتخفيف الميم" وهو جمع، أي: هذا الحمل أو مصدر بمعنى المفعول، "أي:" هذا "المحمول من اللبن أبر عند الله" قال الحافظ: أي أبقر ذخرا وأكثر ثوابا وأدوم منفعة وأشد طهارة، "من حمال خيبر، أي: التي يحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك" وتفسيره بهذا مراد المتمثل به صلى الله عليه وسلم. وقول القاموس، يعني تمر الجنة، وأنه لا ينفد مراد منشئ الشعر ان رواحة، "وفي رواية المستملي" أبي إسحاق إبراهيم البلخي المتوفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة أحد رواة البخاري عن الفريري "بالجيم" المفتوحة على ما في بعض النسخ عنه كما في الفتح، ولذا قال في العيون: قيل: رواه المستملي بالجيم فيهما وله وجه، والأول أظهر. ونحوه في المطالع، أي: لأن وجه تخصيصها بالذكر كونها تأتي بما يحتاج إليه من تمر وزبيب ونحوهما. "وفي كتاب تحقيق النصرة" للزين المراغي "قيل: وضع عليه السلام رداءه فوضع الناس أرديتهم" أي: ما كان على عواتقهم. ففي رواية: وضعوا أرديتهم وأكسيتهم "وهم" يعملون و"يقولون لئن قعدنا والنبي يعمل ذاك إذا" التنوين عوض عن المضاف إليه، أي: ذاك إذا فعلناه "للعمل المضلل" صاحبه ففيه حذف وإيثال، والذي رواه الزبير بن بكار عن مجمع بن يزيد ومن طريق آخر عن أم سلمة، قال قائل من المسلمين في ذلك، قال في النور، ولا أعرفه: لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل

وآخرون يقولون: لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن التراب حائدا وجعلت قبلته للقدس،............................................................................

_ وهو كذلك في بعض نسخ المصنف. "وآخرون يقولون" ورواه ابن بكار عن أم سلمة بلفظ، وقال علي بن أبي طالب: "لا يستوي من يعمر المساجدا" بألف الإطلاق "يدأب" يجد في عمله، "فيها قائما وقاعدا، ومن يرى عن التراب حائدا" أي: مائلا، قال ابن هشام: سألت غير واحد من علماء الشعر عن هذا الرجز، فقالوا: بلغنا أن عليا ارتجز به فلا يدري أهو قائله أم غيره، قال: وإنما قال علي ذلك مباسطة ومطايبة كما هو عادة الجماعة إذا اجتمعوا على عمل وليس ذلك طعنا، انتهى. وعند البيهقي عن الحسن: لما بنى صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، وكان عثمان بن مظعون رجلا متنطعا بميم مضمومة ففوقية فنون مفتوحتين فطاء مكسورة فعين مهملتين: من تنطع إذا تغالى وتأتق، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه ونظر إلى ثوبه فإن أصابه شيء من التراب نفضة، فنظر إليه علي بن أبي طالب فأنشد يقول: لا يستوي ... إلخ، فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها ولا يدري من يعني بها، فمر بعثمان، فقال: يابن سمية، لأعرفن بمن تعرض ومعه حديدة، فقال: لتكفن أن لأعترضن بها وجهك، فسمعه صلى الله عليه وسلم فغضب، ثم قالوا لعمار: أنه قد غضب فيك، وناف أن ينزل فينا قرآن، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله! ما لي ولأصحابك؟ قال: "ما لك ولهم" قال: يريدون قتلى يحملون لبنة ولبنة، ويحملون علي لبنتين، فأخذ صلى الله عليه وسلم بيده وطاف به المسجد وجعل يمسح وفرته، ويقول: "يابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية" وقوله: يحملون ... إلخ، استعطاف ومباسطة ليزول الغضب، وإنما كان يحمل عن المصطفى إرادة للأجر، كما مر. وفي هذه الأحاديث جواز قول الشعر وأنواعه خصوصا الرجز في الحرب، وفي التعاون على سائر الأعمال الشاقة لما فيه من تحريك الهمم وتشجيع النفوس وتحريكها على معالجة الأمور الصعبة. "وجعلت قبلته القدس" كما رواه النجار وغيره ووقع في الشفاء، رواه الزبير بن بكار عن نافع بن جبير وداود بن قيس وابن شهاب مرسلا رفعت له الكعبة حين بنى مسجده. وفي الروض روي عن الشفاء بنت عبد الرحمن الأنصارية، قال: كان صلى الله عليه وسلم حين بنى المسجد يؤمه جبريل إلى الكعبة ويقيم له القبلة، انتهى.

وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخرة، وباب يقال له باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه. وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع،............................

_ وأخرج الطبراني برجال ثقات عن الشموس بنت النعمان الأنصارية رضي الله عنها وإسماعيل الأزدي عن رجل من الأنصار والغرافي بغين معجمة وفاء من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم أقام رهطا على زاوية المسجد ليعدل القبلة فأتاه جبريل، فقال: ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، لا يحول دون بصره شيء، فلما فرغ قال جبريل بيده هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها وصارت القبلة على الميزاب، واستشكل بأنه صلى الله عليه وسلم لما هاجر كان يستقبل القدس واستمر بعد الهجرة مدة كما يأتي، ولذا قال التجاني في شرح الشفاء أن ما فيها غريب والمعروف أن جبريل أعلمه بحقيقة القبلة وأراه سمتها لا أنه رفع له الكعبة حتى رآها، ولذا جاءت الآثار من غير تقييد. وقال أبو الوليد ابن رشدي في شرح قول مالك في العتيبة: سمعن أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة مسجد المدينة، يعني أراه سمتها وبين لها جهتها، والصواب أن ذلك كان حين حولت القبلة لا حين بناء مسجده، وكون جبريل أراه سمتها لا يقتضي رفعها، انتهى. وأجيب: بأنه لا مانع من أن يسأل جبريل أن يريه سمتها حتى إذا وقع استقبالها لم يتردد فيه، ولا يتحير. وفي الإصابة: خطر لي في جوابه أنه أطلق الكعبة وأراد القبلة أو الكعبة على الحقيقة، فإذا بين له جهتها كان إذا استدبرها استقبل بيت المقدس وتكون النكتة فيه أنه سيحول إلى الكعبة فلا يحتاج إلى تقويم آخر، قال: ويرجح الاحتمال الأول، رواية محمد بن الحسن المخزومي بلفظ تراءى له جبريل حتى أم له القبلة، انتهى. وأكثر الناس اأجوبة عن ذلك بما فيه نزاع، وهذا أحسنها. "وجعل له ثلاث أبواب في مؤخره" وهو المعروف بباب أبي بكر "وباب يقال له باب الرحمة،" وكان يقال له باب عاتكة، "والباب الذي يدخل منه" وهو المعروف بباب آل عثمان، ولما حولت القبلة سد صلى الله عليه وسلم الباب الذي كان في مؤخره وفتح بابا حذاءه، ولم يبق من الأبواب إلا باب عثمان المعروف بباب جبريل، ذكره ابن النجار. "وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع" كما رواه يحيى بن الحسن عن زيد بن حارثة، ورواه رزين عن محمد الباقر، روى ابن النجار وغيره عن خارجة بن ثابت، قال: بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده مربعا وجعل قبلته إلى بيت المقدس وطوله سبعون ذراعا في ستين

وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه. وجعلوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع،..............................................

_ ذراعا، فيحتمل أنه كان كذلك ثم زاد فيه فبلغ المائة، ويؤيده قول أهل السير: بنى صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة أقل من مائة في مائة ثم بناه، وزدا فيه: "وفي الجانبين" أي: العرض "مثل ذلك" كما في خبر محمد الباقر وزيد بن حارثة فكان مربعا "أو دونه" إشارة للقول بأن عرضه كان أقل من مائة حكاه غير واحد، "وجعلوا أساسه" أي: طرفه الثابت عن الأرض، "قريبا من ثلاثة أذرع" بالحجارة ولم يسطح فشكوا الحر فجعل خشبه وسواريه جذوعا وظللوه بالجريد ثم بالجص، فلما وكف عليهم طينوه بالطين وجعلوا وسطه رحبة وكان جداره قبل أن يسقف قامة وشيئا، رواه رزين عن جعفر بن محمد. وذكر البلاذري ورواه يحيى بن الحسن عن النوار أم زيد بن ثابت: أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل، قالت: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم صلى بهم في ذلك المسجد وبناه هو فهو مسجده، فإن صح فكأنه هدم بناء أسعد وزاد فيه أو زاد بدون هدم لضيقه عن المسلمين أو نحو ذلك، وإلا فما في الصحيح أصح من أنه اشترى المربد وبناه، كما قالت عائشة، وقال: "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم"، رواه أنس هذا وفي البخاري, وأبي داود عن ابن عمر: أن المسجد كان على عهده صلى الله عليه وسلم مبنيا اللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهده صلى الله عليه وسلم وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده جارة منقوشة وسقفه بالساج، قال ابن بطال وغيره: هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة بيت المال عنده لم يغيره عما كان عليه وإنما احتاج إلى تجديد؛ لأن جريد النخل قد نخر في أيامه فكلم العباس في بيع داره ليزيدها فيه فوهبها العباس لله وللمسلمين فزادها عمر في المسجد، ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر عليه بعض الصحابة. وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت العلماء عن إنكار ذلك خوف الفتنة، ورخص فيه بعضهم وهو قول أبي حنيفة إذا وقع تعظيما للمساجد ولم يصرف عليه من بيت المال، وقال ابن المنير لما شيد الناس بيوتهم، وزخرفوها، ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة، وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية، فهو كما قال: وإن كان لخشية شغل بال المصلي للزخرفة، فلا لبقاء العلة.

وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى لعائشة في البيت الذي يليه شارعا إلى المسجد، وجعل سودة بن زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان.

_ "وبنى بيوتا" أي: بيتين فقط، كما صرح به غير واحد، "إلى جنبه" أي: المسجد، "باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد،" ويفيد أنهما بيتان، قوله: "فلما فرغ من البناء" للمسجد "بنى لعائشة" لأنها كانت زوجه وإن تأخر دخوله بها "في البيت الذي يليه شارعا إلى المسجد" وكان باب عائشة مواجه الشام بمصراع واد من عرعر أو ساج، ذكره ابن زيالة عن محمد بن هلال "وجعل سودة بنت زمعة" بفتح الزاي وسكون الميم عند المحدثين وصدر به المجد، فقول المصباح: لم أظفر بالسكون في كتب اللغة قصور "في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي" باب "آل عثمان" ثم بنى عليه السلام بقية الحجرات عند الحاجة إليها، قال الواقدي: كان لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله، فكلما أحدث صلى الله عليه وسلم أهلا نزل له حارثة عن منزل، أي: محل حجرة حتى صارت منازله كلها له عليه السلام، قال أهل السير: ضرب الحجرات ما بين عائشة وبين القبلة والشرق إلى المسجد، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة من المسجد. قال ابن الجوزي: كانت لها في الشق الأيسر إلى وجه الأمام المنبر إلى جهة الشام، وعن عطاء الخراساني ومحمد بن هلال: أدركنا حجر الزوجات من جريد على أبوابها مسوح من شعر أسود. وروى البخاري في الأدب عن داود بن قيس: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر، وأظن أن عرض البيت من باب الحجرة إلى البيت نحوا من ستة أو سبعة أذرع، ومن داخل عشرة أذرع، وأظن السمك ما بين الثمان والسبع. وعند ابن سعد: وعلى أبوابها المسوح السود من الشعر. وكتب الويد بن عبد الملك بإدخالها في المسجد، فهدمت، فقال ابن المسيب: ليتها تركت ليراها من يأتي بعد فيزهد الناس في التكاثر والتفاخر. وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت ليرى الناس ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده. قال ابن سعد: أوصت سودة ببيتها لعائشة وباع أولياء صفية بيتها من معاوية بمائة ألف، وقيل: بثمانين ألفا، وتركت حفصة بيتها فورثه ابن عمر، فلم يأخذ له ثمنا، وأدخل المسجد. قال ابن النجار: وبيت فاطمة اليوم جوف المقصورة وفيه محراب وهو خلف حجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال السمهودي: المقصورة اليوم دائرة على بيت فاطمة وعلى حجرة عائشة من جهة

ثم تحول عليه السلام من دار أبي أيوب إلى مساكنه التي بناها. وكان قد أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه إلى مكة، فقدما بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن، وخرد عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه. وكان في المسجد موضع مظلل، تأوي إليه المساكين، يسمى الصفة، وكان أهله يسمون: أهل الصفة،.......................

_ الزوراء، وبينهما موضع يحترمه الناس ولا يدوسونه بأرجلهم، ويذكر أنه قبر فاطمة على أحد الأقوال. "ثم تحول عليه السلام من دار أبي أيوب إلى مساكنه التي بناها، وكان قد أرسل زيد بن حارثة" كما رواه الطبراني عن عائشة، قالت: لما هاجر صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفنا بمكة، فلما استقر بالمدينة بعث زيد بن حارثة، "وأبا رافع مولاه إلى مكة" قال: وبعث أبو بكر عبد الله بن أريقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان وأم أبي بكر وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا وخرج زيد وأبو رافع، "فقدما بفاطمة وأم كلثوم" وأما رقية فسبقت مع زوجها عثمان وزينب أخرت عند زوجها أبي العاصي بن الربيع حتى أسر ببدر، فلما من عليه أرسلها إلى المدينة، "وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن" وولدها أيمن، كما في رواية الطبراني. "وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه" ومنهم عائشة، كما علم؛ لأنه إنما بنى بها بعد. قالت عائشة: واصطحبنا حتى قدمنا المدينة فنزلنا في عيال أبي بكر ونزل آل النبي صلى الله عليه وسلم عنده وهو يومئذ يبني مسجده وبيوته، فأدخل سودة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، رواه الطبراني. "وكان في المسجد موضع مظلل يأوي إليه المساكين، يسمى الصفة" بضم الصاد وشد الفاء، قال عياض: وإليها نسبوا على أشهر الأقاويل، وقال الذهبي: كانت القبلة قبل أن تحول في شمال المسجد، فلما حولت بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة. وقال الحافظ: الصفة مكان في مؤخر المسجد مظلل أعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم، أو يموت، أو يسافر. وفي الحلية من مرسل الحسن: بنيت صفة في المسجد لضعفاء المسلمين. "وكان أهله يسمون أهل الصفة" قال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة الفقراء. وقال أبو هريرة: أهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد إذا أتته صلى الله عليه وسلم صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، رواهما البخاري.

وكان عليه السلام يدعوهم بالليل، فيفرقهم على أصحابه، وتتعشى طائفة منهم معه عليه السلام. وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساق، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. وهذا يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة.

_ "وكان عليه السلام يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه" لاحتياجهم وعدم ما يكفيهم عنده، "وتتعشى طائفة منهم معه عليه السلام" مواساة وتكرما منه وتواضعا لربه، وفي حديث: أن فاطمة طلبت منه، فقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم" , "وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد" وفي رواية بحذف لقد، "رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء" بكسر الراء: ما يستر أعالي البدن فقط، لشدة فقرهم لا يزيد الواحد منهم على ساتر عورته، كما أفاده بقوله: "إما إزار" فقط "وإما كساء" على الهيئة المشروحة، بقول: "قد ربطوا" الأكسية فحذف المفعول للعلم به، "في أعناقهم" لعدم تيسر عورتهم، وجمع؛ لأن المراد بالرجل الجنس، "فمنها" أي: الأكسية، قال المصنف: والجمع باعتبار أن الكساء جنس "ما يبلغ نصف الساق" وفي نسخة: آخر الساق، والذي في البخاري: نصف الساقين بالتثنية، وهو أنسب بقوله: "ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه" الواحد منهم "بيده كراهية أن ترى عورته" لأنه لا يستمسك بنفسه وربطه على تلك الهيئة إنما يمنع سقوطه لا ظهور العورة. قال الحافظ: وزاد الإسماعيلي أن ذلك في حال كونهم في الصلاة، ومحصله أنه لم يكن لأحد منهم ثوبان، انتهى. وفي شرح المصنف: الأصيلي بدل الإسماعيلي، وهو سبق قلم. "وهذا" أي: قوله من أصحاب الصفة، "يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين" لأن من للتبعيض على المتبادر. وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن سيرين، قال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة فأما سعد بن عبادة فكان ينطلق بثمانين. "وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم" النبي صلى الله عليه وسلم "في غزوة بئر معونة" سنة ثلاث من الهجرة بعد أحد، "وكانوا من أهل الصفة أيضا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة" لأنه كان عام خيبر سنة سبع، وذكر المصنف قصتهم في المغازي، فذكر

وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي والسلمي، والحاكم وأبو نعيم، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشته، قال في فتح الباري. وكان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد قائما، فقال: $"إن القيام قد شق علي، فصنع له المنبر".

_ ههنا تكثير للسواد، "وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي،" الإمام الحافظ الزاهد أبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد البصري الورع الثقة الثبت العابد الرباني كبير القدر صاحب التصانيف، سمع أبا داود وخلقا عمل لهم معجما، وعنه ابن منده وغيره، ولد سنة ست وأربعين ومائتين، ومات سنة أربع وثلاثمائة. "والسلمي" في كتاب تاريخ أهل الصفة بضم السين نسبة لجد له اسمه سليم، هو الإمام الزاهد محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري، أبو عبد الرحمن الرحال سمع الأصم وغيره، وعنه الحاكم والقشيري والبيهقي، وحدث أكثر من أربعين سنة، وكان وافر الجلالة، وصنف نحو مائة، وقيل: نحو ألف، وفي اللسان كأصله ليس بعمدة ونسبه البيهقي للوهم، وقال القطان: كان يضع الصوفية الأحاديث، وخالفه الخطيب، وقال: إنه ثقة صاحب علم، وحال قال السبكي: وهو الصحيح، ولا عبرة بالطعن فيه، مات سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. "والحاكم" في الإكليل، "وأبو نعيم" في الحلية فزادوا عنده على مائة، "وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشة" لا يسعها هذا المختصر. "قال في فتح الباري:" وقال ابن تيمية: جملة من أوى إلى الصفة مع تفرقهم، قيل: أربعمائة، وقيل أكثر. "وكان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع" بمعجمة واحدة: الجذوع وهو ساق النخلة، قيل: ولا يسمى جذعا إلا بعد يبسه، وقيل: يسمى أخضر أو يابسا بعد قطعه. "في المسجد قائما، فقال: "إن القيام قد شق علي"، فصنع له المنبر" من إثل الغابة، كما في الصحيحين عن سهل بن سعد بفتح الهمزة وسكون المثلثة: شجر كالطرفاء لا شوك له وخشبه جيد يعمل منه القصاع والأواني، والغابة بمعجمة وموحدة موضع بالعوالي، واختلف في اسم صانعه، فروى قاسم بن أصبغ، وأبو سعد في الشرف عن سهل: أنه ميمون. قال الحافظ وغيره: وهو الأصح الأشهر والأقرب، وهو مولى امرأة من الأنصار، كما في الصحيح. وقيل: إنه مولى سعد بن عبادة، فكأنه في الأصل مولى امرأته، ونسب إلى سعد مجازا واسم امرأته فكيهه بنت عمه عبيد بن دليم أسلمت وبايعت، لكن عند ابن راهويه أنه مولى لبني بياضة.

وكان عمه وحنين الجذع في السنة الثامنة -بالميم- من الهجرة، وبه جزم ابن النجار.........................................................

_ وقول جعفر المستغفري، اسمها علاثة بمهملة ومثلثة تصحيف، كما قاله أبو موسى المديني. وعند الطبراني في الأوسط: اسمها عائشة، وإسناده ضعيف. وروى أبو نعيم: أن صانعه باقوم بموحدة فألف فقاف فواو فميم، الرومي مولى سعيد بن العاصي، أو باقوم بلام آخره، وهي رواية عبد الرزاق أو صباح بضم المهملة وخفة الموحدة، أو قبيصة المخزومي، أو مينا بكسر الميم، أو صالح مولى العباس، أو إبراهين، أو كلاب وهو أيضا مولى العباس، أو تميم الداري. روى أبو داود وغيره عن ابن عمر أن تميما الداري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كثر لحمه: "ألا تتخذ لك منبرا يحمل عظامك؟ " قال: "بلى"، فاتخذ له منبرا ... الحديث، قال في الفتح: وليس في جميع الروايات التي سمي فيه النجار شيء قوي السند، إلا حديث ابن عمر فإن إسناده جيد، لكن لا تصريح فيه بأن صانعه تميم، بل بين ابن سعد في روايته من حديث أبي هريرة أن تميما لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب القول بأنه ميمون، لكونه من طريق سهل بن سعد. وأما الأقوال الأخرة فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جدا أن يجمع بينها بأن النجار كانت له أسماء متعددة. وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيمنع منه قوله في كثير من الروايات السابقة لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، يقال له ميمون، إلا أن حمل على المراد بالواحد في صناعته والبقية أعوانه، فيمكن. وكان ثلاث درجات إلى أن زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات، وسبب ذلك أن معاوية كتب إليه أن يحمل إليه المنبر، فأمر بقلعه فقلع، فأظلمت المدينة وانكسفت الشمس، حتى رأوا النجوم، فخرج مروان فخطب، فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجارا فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس، أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق، واستمر على ذلك إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق، فجدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرا، فأزيل منبر المظفر فلم يزل منبر بيبرس إلى سنة عشرين وثمانمائة، فأرسل المؤيد شيخ منبرا فبقي إلى سنة سبع وستين وثمانمائة، فأرسل الظاهر خشقدم منبرا. "وكان عمله" أي: المنبر النبوي "وحنين الجذع في السنة الثامنة، بالميم" والنون احترازا من الثانية بنون وياء، "من الهجرة" حكاه ابن سعد، "وبه جزم ابن النجار" الحافظ الإمام البارع المؤرخ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي الثقة الدين

وعورض: بما في حديث الإفك في الصحيحين، قالت عائشة: فثار الحيان -الأوس والخزرج- حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا. وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة: وعورض: بذكر العباس وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع. وعن بعض أهل السير: أنه عليه السلام كان............................................................

_ الورع الفهم، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وسمع ابن الجوزي وطبقته وله ثلاثة آلاف شيخ وتصانيف، ومات سنة ثلاث وأربعين وستمائة، "وعورض بما في حديث الإفك في الصحيحين" لما رقى صلى الله عليه وسلم المبر، وقال: "يا معشر المسلمين!! من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي -يعني عبد الله بن أبي- والله ما علمت على أهلي إلا خيرا" فقام سعد بن معاذ، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير فقال لابن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه. "قالت عائشة: فثار الحيان الأوس والخزرج" بمثلثة، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب، "حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل فخفضهم" بالتشديد، أي: تلفط بهم "حتى سكتوا" وتركوا المخاصمة وسكت عليه السلام. وقصة الإفك كانت في سنة خمس، كما في مغازي ابن عقبة، ونقل البخاري عنه سنة أربع وهم كما قاله الحافظ وغيره، وقال ابن إسحاق: سنة ست فعلى كل لا يصح كون عمله في الثامنة، قال الحافظ: فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر، ألا فهو أصح مما مضى، انتهى. يعني القول بأنه سنة ثمان، وبأنه سنة سبع، ولولا ذكر تميم فيه لأمكن الجواب باحتمال أن المنبر الذي رقاه في قصة الإفك الجذع الذي كان يخطب عليه؛ ذ المنبر كما في الصحاح وغيره: كل ما ارتفع. وأما جواب شيخنا البابلي باحتمال أنه منبر آخر غير هذا، فيرده قول ابن سعد: إن هذا أول منبر عمل في الإسلام. "وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة" بسين فألف فموحدة، "وعورض بذكر العباس" بن عبد المطلب "وتميم" الداري "فيه، وكان قدوم العباس" المدينة "بعد الفتح" لمكة "في آخر سنة ثمان وقدوم تميم سنة تسع" بفوقية فسين، "وعن بعض أهل السير أنه عليه السلام كان

يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب. وعورض. بأن الحديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب. وستأتي قصة حنين الجذع إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات.

_ يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب" ولو صح لأمكن الجواب منه وسقط الإشكال، "و" لكن "عورض بأن الحديث الصحيحة" المروية في الصحيحين وغيرهما من عدة طرق، "أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب" قبل اتخاذه المنبر الذي من خشب "وستأتي قصة حنين الجذع إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات،" وهو الرابع.

ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

"ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين":

_ ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: وكانت كما قال ابن عبد البر وغيره: مرتين، الأولى بمكة قبل الهجرة بين المهاجرين بعضهم بعضا على الحق والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر وطلحة والزبير، وبين عثمان وعبد الرحمن، رواه الحاكم. وفي رواية له: بين الزبير وبين ابن مسعود، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وهكذا بين كل اثنين منهم إلى أن بقي علي، فقال: آخيت بين أصحابك، فمن أخي؟ قال: "أنا أخوك". وجاءت أحاديث كثيرة في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي، وقد روى الترمذي وحسنه الحاكم وصححه عن ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "أما ترضى أن أكون أخاك"؟ قال: بلى، قال: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"، وأنكر ابن تيمية هذه المؤاخاة بين المهاجرين خصوصا بين المصطفى وعلي، وزعم أن ذلك من الأكاذيب وأنه لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري، قال: لأنها شرعت لإرفاق بعضهم بعضا، ولتتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاته لأحد ولا لمؤاخاة المهاجرين، ورده الحافظ بأنه رد للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة؛ لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر حكمة مؤاخاته لعلي؛ لأنه هو الذي يقوم به من الصبا قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد لأن زيدا مولاهم فقد ثبتت أخوتهما وهما من المهاجرين. وفي الصحيح في عمرة القضاء أن زيدا، قال: إن بنت حمزة ابنة أخي، وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن ابن عباس: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين الزبير وابن مسعود، وهما من المهاجرين، وأخرجه الضياء في المختارة، وابن تيمية يصرح بأن أحاديث المختارة أصح وأقوى

ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر، آخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من كل طائفة خمسة وأربعون،...................................

_ من أحاديث المستدرك، انتهى. والثانية هي التي ذكرها المصنف، فقال: "ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر" كما قال أبو عمر، وقيل: بثمانية، وقيل: بسبعة، وقيل: بسنة وثلاثة أشهر قبل بدر، وقيل: والمسجد يبنى، وقيل: قبل بنائه، "آخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار" قال السهيلي: ليذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد أزر بعضهم ببعض، فلما عز الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث وجعل المؤمنين كلهم أخوة، وأنزل {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة} [الحجرات: 10] يعني: في التوادد وشمول الدعوة، انتهى. وقال العز بن عبد السلام: الأخوة حقيقية ومجازية، فالحقيقية المشابهة، يقال: هذا أخو هذا؛ لأنه شابهه في خروجه من البطن الذي خرج منه ومن الظهر أيضا، وآثارها المعاضدة والمناصرة، فتستعمل في هذه الآثار من التعبير بالسبب عن المسبب، ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة} [الحجرات: 10] هو خبر معناه الأمر، أي، لينصر بعضهم بعضا، وقوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن أخو المؤمن" خبر أيضا، بمعنى الأمر، ولما انقسمت الحقيقية إلى أعلى المراتب كالشقيق وإلى ما دون ذلك، كالأخ للأب أو للأم كانت المجازية كذلك، فالأخوة الناشئة عن الإسلام هي الدنيا من المجازية، ثم إنها كملت بالأخوة التي سنها صلى الله عليه وسلم بمؤاخاته بين جماعة من أصحابه ومعناها أنه أمر ندب أن يعين كل واحد أخاه على المعروف ويعاضده وينصره، فصار المسلمان في هذه الأخوة الثانية في أعلى مراتب الأخوة المجازية كالشقيقين في الحقيقة، فإن قيل هذه الأخوة مستفادة من أصل الإسلام، فإنه يقتضي المعاونة على كل أمر جوابه، أن الأمر الثاني مؤكد لا منشئ لأم آخر؛ لأنه لا يستوي من وعدته بالمعروف من المسلمين ومن لم تعده، فإن الموعود قد وجد في حقه سببان الإسلام والمواعدة وهذه الأخوة هي التزام ومواعدة، ولا شك أن طلب الشارع للوفاء بالخير الموعود به أعلى رتبة من طلب الخير الذي لم يعد به، فقد تحقق طلب لم يكن ثابتا بأصل الإسلام وفيها فائدة أخرى، وهي أن هذه العزم المتجدد من هذا الوعد يترتب عليه من الثواب على عدد معلوماته لقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة"، ولا شك أن هذا ثواب عظيم، وكذلك كل من وعد بخير فإنه يثاب على عزمه ووعده ما لا يثاب على العزم المتلقى عن أصل الإسلام، انتهى. "وكانوا تسعين رجلا من كل طائفة خمسة وأربعون" كما ذكره ابن سعد بأسانيد الواقدي، قائلا: وقيل مائة من كل طائفة خمسون. وروى ابن إسحاق: أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: "تآخوا في الله

على الحق والمواساة والتوارث. وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] تتميم.

_ أخوين أخوين"، ثم أخذ بيد علي فقال: "هذا أخي" وآخى بينهم في دار أنس بن مالك، كما في الصحيح. وعند أبي سعد في الشرف: آخى بينهم في المسجد، "على الحق والمواساة" وبذل الأنصار رضي الله عنهم في ذلك جهدهم حتى عرض سعيد بن الربيع على أخيه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نصف ماله، وكان له زوجان فقال: اختر إحداهما أطلقها وتزوجها، كما في الصحيح. وروى أبو داود والترمذي عن أنس: لقد رأيتنا وما الرجل المسلم أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، وعزاه اليعمري لمسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر وتعقبه في النور بأنه لم يره فيهما بعد التفتيش. "و" على "التوارث" وشدد الله عقد نبيه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا} [الأنفال: 72] ، إلى قوله: {وَرِزْقٌ كَرِيم} [الأنفال: 74] ، فاحكم الله بهذه الآيات العقد الذي عقده بينهما بتوارث الذين تآخوا دون من كان مقيما بمكة والقرابا. "وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر" حين أعز الله الإسلام وجمع الشمل وذهبت الوحشة، {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] الآية" فانقطعت المؤاخاة في الميراث، وبقيت في التوادد وشمول الدعوة والمناصرة "تتميم". روى البخاري عن عاصم، قلت لأنس: أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا حلف في الإسلام"، فقال: قد حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري، وأخرجه أبو داود بلفظ: حالف بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثا، وروى أبو داود عن جبير بن مطعم مرفوعا: "لا حلف في الإسلام، وأي حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة". وروى أحمد والترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رفعه: "أوفوا بحلف الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام". قال في النهاية: أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات فذاك الذي نهى عنه، بقوله: "لا حلف في الإسلام" وما كان منه على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذاك الذي قال فيه: "وأي حلف ... " إلخ، يريد من المعاقدة على الخير ونصر الحق، انتهى. وقول سفيان بن عيينة: حمل العلماء قول أنس على المؤاخاة تعقبه الحافظ بأن سياق عاصم عنه يقتضي

وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر, وقيل ثمانية، وقيل ثمانية عشر شهرا في شوال.

_ أنه أراد المحالفة حقيقة، وإلا لما كان الجواب مطابقا. وقول البخاري باب الإخاء: والحلف ظاهر في المغايرة بينهما. "وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر" من هجرته، "وقيل: ثمانية عشر شهرا" من الهجرة فيكون البناء في السنة الثانية، وبه صدر المصنف في الزوجات، وجزم به النووي في تهذيبه، قال الحافظ: ويخالفه ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين، "في شوال" كما في مسلم عنها، ولذا كانت تحب أن تدخل أهلها وأحبتها على أزواجهن في شوال، قاله أبو عمر. وقيل: بنى بها في الثامن والعشرين من ذي الحجة، والأول أصح. قال الحافظ: وإذ ثبت أنه بنى بها في شوال من السنة الأولى، قوي قول من قال دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، ووهاه النووي في تهذيبه وليس بواه إذا عددناه من ربيع الأول. انتهى.

باب بدء الأذان

"باب بدء الأذان": وكان الناس -كما في السير وغيرها- إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحين مواقيتها،.......................................

_ باب بدء الأذان: هو لغة الأعلام، قال: آذتنا ببينها أسماء ... ليت شعري متى يكون اللقاء وشرعا الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة، وهو كالإقامة من خصائص الأمة المحمدية، واستشكل بما رواه لحاكم وابن عساكر وأبو نعيم بإسناد فيه مجاهيل: إن آدم لما نزل الهند استوحش فنزل جبريل فنادى بالأذان، وأجيب بأن مشروعيته للصلاة هو الخصوصية، واستطرد بعض هنا بعض خصائص سيذكرها المصنف في المقصد الرابع، واستأنف فقال: "وكان الناس كما في السير وغيرها، إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحين" بكسر اللام وفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة وسكون التحتية مضافا إلى "مواقيتها" ففي المختار: الحين الوقت، وربما أدخلوا عليه التاء، فقالوا: تحين بمعنى حين، فضبطه بفتح الحاء وشد التحتية مضمومة يخالفه مع عدم ظهور المعنى؛ إذ التحيين ضرب الحين، أي: الوقت، إلا أن يوجه بأنهم لا يحضرونها حتى يطلبوا لها وقتا يعرفون به دخولها بمعنى: إن كان واحد منهم يتخذ له علامة

من غير دعوة. وأخرج ابن سعد في الطبقات، من مراسيل سعيد بن المسيب: أن بلالا كان ينادي للصلاة بقوله: الصلاة جامعة. وشاور صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة -ذلك فيما قيل في السنة الثانية-

_ يهتدي بها لدخول الوقت "من غير دعوة" بل إذا عرفوا دخوله بعلامة أتوا المسجد، وقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر: كان المسلمون لما قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: نتخذ ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا بلال قم فناد بالصلاة". "وأخرج ابن سعد في الطبقات" للصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته فأجاد فيه وأحسن، قاله الخطيب "من مراسيل سعيد بن المسيب" بفتح الياء على المشهور وبكسرها، قاله عياض وابن المديني ابن حزن القرشي المخزومي التابعي الكبير، فقيه الفقهاء ابن الصحابي، مات سنة أربع أو ثلاث وتسعين، "أن بلالا كان ينادي للصلاة" قبل التشاور والرؤيا وبعد قول عمر: تبعثون رجلا ينادي بالصلاة، فاستحسن عليه السلام ذلك فأمر بلالا أن ينادي: "الصلاة جامعة" بنصب الأول على الإغراء، والثاني على الحال ورفعهما على الابتداء والخبر، ونصب الأول ورفع الثاني، وعكسه قاله الحافظ وغيره. وعن الزهري ونافع بن جبير وابن المسيب: وبقي، أي: بعد فرض الأذان ينادي في الناس الصلاة جامعة للأمر يحدث فيحضرون له يخبرون به وإن كان في غير وقت صلاة، "وشاور صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة" لما كثر المسلمون، وروى أبو داود بإسناد صحيح: اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، "وذلك فيما قيل في السنة الثانية" مرضه لقول الحافظ الراجح: إنه شرع في السنة الأولى من الهجرة. وروي عن ابن عباس: أن فرض الأذان نزل مع قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] ، رواه أبو الشيخ. وذكر أهل التفسير: أن اليهود لما سمعوا الأذان، قالوا: يا محمد! لقد أبدعت شيئا لم يكن فيما مضى، فنزلت: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا} [المائدة: 58] ، الآية، وعدى النداء في الأولى باللام، وفي الثانية بإلى؛ لأن صلات الأفعال يختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى معنى الاختصاص، وفي الثانية معنى الانتهاء، قاله الكرماني. ويحتمل أن اللام بمعنى إلى أو العكس، انتهى.

فقال بعضهم: ناقوس النصارى، وقال آخرون: بوق كبوق اليهود، وقال بعضهم: بل نوقد نارا ونرفعه فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة. فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه في منامه رجلا فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى،.......................................

_ "فقال بعضهم" الذي يجمع به "ناقوس" وفي أبي داود: قيل له: أنصب راية فإذا رأوها أذن بعضهم بعض، فلم يعجبه ذلك، فذكر له ناقوس "كناقوس النصارى" الذي يعلمون به أوقات صلاتهم وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، فيخرج منهما صوت، كما في الفتح والنور وغيرهما. وقال في مقدمة الفتح وتبعه الشامي: آلة من نحاس أو غيره تضرب، فتصوت. ولأبي الشيخ في كتاب الأذان، فقالوا: لو اتخذنا ناقوسا، فقال عليه السلام: "ذلك للنصارى". ولأبي داود: فقال: "هو من أمر النصارى". "وقال آخرون: بوق" بضم الموحدة قرن ينفخ فيه، "كبوق اليهود" ولأبي الشيخ فقالوا: لو اتخذنا بوقا، فقال: "ذاك اليهود". ولأبي داود: فذكر له القنع -يعني الشبور- فلم يعجبه ذلك، وقال: "هو من أمر اليهود"، القنع بضم القاف وسكون النون ومهملة، وروي بموحدة مفتوحة، وروي بفوقية ساكنة، وروي بمثلثة ساكنة بدل النون والنون أشهر. قال السهيلي: وهو أولى بالصواب، والشبور بفتح المعجمة وضم الموحة مشددة، كما في الفتح وغيره وقول النور بفتحهما سبق قلم ففي القاموس وكتنور البوق. "وقال بعضهم: بل نوقد نارا ونرفعها، فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة" ولأبي الشيخ فقالوا: لو رفعنا نارا، فقال: "ذاك للمجوس" وعند أبي داود: فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، "فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه" أبو محمد الأنصاري العقبي البدري، قال الترمذي لا نعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان، وكذا قال ابن عدي: قال في الإصابة: وأطلق غير واحد أنه ما له غير وهو خطأ، فقد جاءت عنه أحاديث ستة أو سبعة جمعتها في جزء مفرد، مات سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين، وصلى عليه عثمان، قاله ولده محمد بن عبد الله، نقله المدائني. وقال الحاكم: الصحيح أنه قتل بأحد، فالروايات عنه كلها منقطعة وخالف ذلك في المستدرك، انتهى. "في منامه رجلا" يحمل ناقوسا "فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى" وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه: أن عبد الله بن زيد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا، وجمع باحتمال أن المراد: فلما قارب الصباح.

وفي رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد قال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم -ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت- رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران. فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، مثنى مثنى، حتى فرغ من الأذان. الحديث، فقال عليه السلام: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله تعالى، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى منك صوتا".........................................

_ "وفي رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد، قال" عبد الله بن زيد: ففيه من للطائف رواية صحابي عن صحابي فليس معاذ رائيا ولا قائلا "يا رسول الله، إني رأيت فيما" أي: الحالة التي "يرى النائم" فيها، أشار من أول كلامه إلى أنه غير حقيقي وأفصح بذلك في قوله: "ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت" لقرب نومه من اليقظة، فروحه كالمتوسطة بين النوم واليقظة، قال السيوطي: يظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون ويسمعون ما يسمعون، والصحابة رءوس أرباب الأحوال. "رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران" زاد في رواية ابن إسحاق الآتية: يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله1 أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة؟ قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت: بلى، "فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر" بكون الراء وضمها عامي، لأنه روي موقوفا، قاله ابن الأثير والهروي، وزاد: وكان المبرد يقول: الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، والأصل إسكان الراء فحركت فتحة الألف من اسم الله في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها ففتحت، كقوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو} [آل عمران: 1، 2] ، وفي المطالع: اختلف في فتح الراء الأولى وضمها وتسكينها، وأما الثانية فتضم أو تسكن "مثنى مثنى حتى فرغ من الأذان ... الحديث" وفيه:"فقال عليه السلام: "إنها الرؤيا حق" بالرفع صفة رؤيا والجر بإضافة رؤيا إليه لأدنى ملابسة: أي: إنها مخصوصة بكونها حقا لمطابقتها للواقع، "إن شاء الله قم مع بلال، فألق" بفتح الهمزة ثلاث مزيد "عليه ما رأيت فيؤذن به" ولأبي داود عن أبي بشر: فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان مريض لجعله صلى الله عليه وسلم مؤذنا وكأنه عبر بلفظ تزعم؛ لأنه مناف بحسب الظاهر لقوله: "فإنه أندى منك صوتا" بفتح الهمزة وسكون النون، أي: أرفع وأعلى أو أحسن وأعذب أو أبعد حكاها ابن الأثير، ولا مانع من إرادة الثلاثة. والظاهر كما قال شيخنا: تساوي الأول والثالث بحسب التحقيق؛ إذ يلزم من كونه أرفع وأعلى أن يكون أبعد. وفي هذا رد للحديث المشهور على الألسنة: "سين بلال عند الله شين"، وقد قال الحافظ المزي: لم نره في شيء من الكتب، وذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان أنه لما عذب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان

قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن. قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أرى. ووقع في الأوسط للطبراني: أن أبا بكر أيضا رأى الأذان. وفي الوسيط للغزالي، أنه رآه بضعة عشر رجلا. وعبارة الجيلي في شرح التنبيه: أربعة عشر. وأنكره ابن الصلاح ثم النووي، وفي سيرة مغلطاي: أنه رآه سبعة من الأنصار.

_ المشتمل على التوحيد من ابتدائه وانتهائه. "قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن، قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته فخرج يجر رداءه" استعجالا فرحا بصحة منامه وموافقة غيره لرؤياه، "يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله! لقد رأيت مثل ما أرى" وكأنه أخبر بذلك في طريقه قبل وصوله له عليه السلام، قال الحافظ: ولا يخالفه ما راه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار، قال: وكان عمر قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: "ما منعك أن تخبرني"؟ فقال له: ما صنعك أن تخبرني، فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت؛ لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بن زيد بل متراخيا عنه لقوله: "ما منعك أن تخبرني"؟ أي: عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء فدل على أنه لم يخبره على الفور، "ووقع في الأوسط للطبراني أن أبا بكر أيضا رأى الأذان" أخرجه من طريق زفر بن الهذيل عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه: أن رجلا من الأنصار مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حزين لأمر الأذان بالصلاة، فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آت في النوم، فقال: قد علمت ما حزنت له، فذكر قصة الأذان، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أخبرنا بمثل ذلك أبو بكر"، فأمر بلالا بالأذان. قال الطبراني: لم يروه عن علقمة إلا أبو حنيفة. "وفي الوسيط للغزالي أنه رآه بضعة عشر رجلا وعبارة الجيلي في شرح التنبيه،" رآه "أربعة عشر" فيمكن أن يفسر بها قول الغزالي ضعة عشر "وأنكره ابن الصلاح" فقال: لم أجد هذا بعد إمعان البحث، "ثم النووي" في تنقيحه فقال: هذا ليس بثابت ولا معروف وإنما الثابت خروج عمر يجر رداءه "وفي سيرة مغلطاي" عن بعض كتب الفقهاء، "أنه رآه سبعة من الأنصار،

قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله: ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض الطرق. قال السهيلي: فإن قلت: ما الحكمة التي خصت الأذان بأن يراه رجل من المسلمين في نومه. ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية. وفي قوله عليه السلام: "إنها لرؤيا حق". ثم بنى حكم الأذان عليها، وهل كان ذلك عن وحي من الله له أم لا؟ وأجاب: بأنه صلى الله عليه وسلم قد أريه ليلة الإسراء. فروى البزار عن علي قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل عليه السلام بدابة يقال لها البراق فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك خرج ملك من الحجاب،

_ قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله" في فتح الباري: "ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد وقصة عمر جاءت في بعض الطرق" في سنن أبو داود. "قال السهيلي" في الروض: "فإن قلت: ما الحكمة التي خصت الأذان بأن يراه رجل من المسلمين في نومه، ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية" فإنها كلها عن وحي، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] ، ولا يرد هذا على القول بأنه يجتهد؛ لأنه مأذون فيه من ربه، ولا يقول إلا حقا، فكأنه وحي "وفي قوله عليه السلام: "إنها لرؤيا حق"، ثم بنى حكم عليه السلام، وهل كان ذلك" أي: بناؤه حكم الأذان على الرؤيا، "عن وحي، من الله له" عليه السلام، يعني أن ابن زيد حين رأى ولم يكن عن وحي، هل أوحي إليه بعد حتى بنى حكم الأذان عليها، "أم لا؟ " فهذا الاستفهام راجع لابتناء حكم الأذان، فلا ينافي جزمه أولا بأنه لم يكن عن وحي؛ لأنه بخصوص الرؤيا وجدت من ابن زيد "وأجاب بأنه صلى الله عليه وسلم قد أريه ليلة الإسراء، فروى البزار" في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد، قال: حدثنا أبي علي بن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، "عن علي" بن أبي طالب، "قال: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل عليه السلام بدابة يقال لها البراق،" بضم الموحدة، "فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن" وهذا يأتي على أنه عرج به على البراق، كظاهر حديث البخاري. والصحيح أن العروج إنما كان على المعراج، قال النعماني: ولا مانع أنه ركب البراق فوق المعراج، "فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب" بالنسبة للمخلوق، أما الخالق تبارك

فقال: "يا جبريل من هذا" قال: والذي بعثك بالحق، إني لأقرب الخلق مكانا، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه. فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر.. وذكر بقية الأذان. قال السهيلي: وهذا أقوى من الوحي لأنه سماع بواسطة وهذا بدونها، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى صلى الله عليه وسلم فلذلك قال: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله تعالى"، وعلم حينئذ أن مراد الله بما رآه في السماء أن يكون سنة في الأرض وقوى ذلك عند موافقة رؤيا عمر للأنصاري. انتهى.

_ وتعالى فلا يحجبه شيء، "فقال: "يا جبريل من هذا"؟ قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا" في العالم العلوي "وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر أنا أكبر ... وذكر بقية الأذان" وفي هذا أنه شرع بمكة قبل الهجرة، قال الحافظ: ويمكن على تقدير صحته أن يحمل على تعدد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة. وأما قول القرطبي: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروع في حقه، ففيه نظر، لقوله أوله: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان، وكذا قول المحب الطبري يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام فيه نظر أيضا، لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه، انتهى. "قال السهيلي" بعد ميله إلى صحة هذا الخبر مائلا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء: "وهذا أقوى من الوحي؛ لأنه سماع بواسطة وهذا بدونها، لما تأخر فرض" أو مشروعية "الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي،" أي: تأخر نزوله "حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى صى الله عليه وسلم، فلذلك قال: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله" قاله تبركا أو قبل الوحي اعتمادا على رؤيته في السماء إن ثبت ولم يفهمه إنها وحي جبرا له ابتداء مع العزم على إخباره بحقيقة الأمر بعد لا تعليقا فينا في العلم بحقيقتها حيث كانت عن وحي "وعلم حينئذ" أي: حين أقر المصطفى رؤياه، وقال: "إنها لرؤيا حق" "إن مراد الله بما أراده" له، وفي نسخة: بما رآه، أي: النبي عليه السلام بإرادة الله تعالى إياه ذلك، "في السماء أن يكون سنة في الأرض، وقوى ذلك عند موافقة رؤيا عمر للأنصاري" قال السهيلي: لأن السكينة تنطق على لسان عمر، "انتهى" كلام السهيلي.

وتعقب: بأن حديث البزار في إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك. وقال في فتح الباري: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي: وأجيب: باحتمال مقارنة الوحي لذلك. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وأبو داود في المراسيل، من طريق عبيد بن عمير الليثي -أحد كبار التابعين- أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد جاءه وفي نسخة قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "سبقك بذل الوحي".

_ قال في الفتح: وحاول بذلك الجمع بين حديث كونه رؤيا وبين الأحاديث الدالة على أنه شرع بمكة قبل الهجرة، فتكلف وتعسف والأخذ بما صح أولى. "وتعقب بأن حديث البزار" لا يصح الاحتجاج به؛ لأن "في إسناده زياد بن المنذر" وهو "أبو الجارود" الأعمى الكوفي الرافضي المتوفى بعد الخمسين ومائة، "وهو متروك" وإن خرج له الترمذي، بل قال ابن معين: هو كذاب عدو الله. وقال الذهبي وابن كثير: هذا الحديث من وضعه، قال السهيلي أيضا، ما ملخصه: والحكمة أيضا في إعلام الناس به على غير لسانه صلى الله عليه وسلم التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخر لشأنه. قال الحافظ: وهذا حسن بديع ويؤخذ منه حكمة عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف عمر للتقوية التي ذكرها ولم يقتصر على عمر ليصير في معنى الشهادة. "وقال في فتح الباري: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي" بل ورؤيا الشخص للنبي كذلك، وإن كان حقا؛ لأن النائم لا يضبط ما يقال له، "وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك" لم يجزم به لعدم وقوفه على التصريح به، "ويؤيده ما رواه عبد الرزاق" بن همام الحافظ الصنعاني "وأبو داود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير" بن قتادة "الليثي أحد كبار التابعين" المكي قاضيها ولد في حياة النبوة، وقيل له رؤية ومات قبل ابن عمر، "أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد جاءه" وفي نسخة: قد ورد، بذلك، فما راعه إلا أذان بلال" أي ما أشعر عمر، أي: ما أعلمه، قال الشامي: فحقيقة الروع هنا منتفية واستعمل في البيان ففسره لغة ثم مرادا، "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "سبقك بذلك الوحي"،" فهذا يؤيد احتمال المقارنة وليس نصا فيه، لجواز أن الوحي إنما جاء بعد إذنه في الأذان اعتمادا على ماظهر له عند الإخبار بالرؤيا، فيكون مقررا للأمر به.

وهذا أصح مما حكى الداودي عن ابن إسحاق: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بن عمر بثمانية أيام. وقد عرفت رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحاق وغيره وذلك أنه قال: "طاف بي -وأنا نائم- رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟.........................................................................

_ "وهذا" المرسل "أصح مما حكمى الداودي" أحمد بن نصر اليشكري، أبو جعفر الأسدي الطرابلسي وبها ألف شرح الموطأ، وسماه النامي العالم الفاضل المالكي الفقيه المفنن المجيد له حظ من اللسان، والحديث والنظر ثم انتقل إلى تلمسان وألف الواعي في الفقه وشرح البخاري وسماه النصيحة وغير ذلك، وحمل عنه أبو عبد الملك البوني وأبو بكر بن محمد بن أبي زيد وتوفي بتلمسان سنة ثلاثين وأربعمائة، "عن ابن إسحاق" محمد إمام المغازي "أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام" ولو صح أمكن حمله، كما قال شيخنا: على أنه أوحي إليه بإعلام الناس بوقت الصلاة من غير بيان ما يعلم به، وبهذا الإجمال وقعت المشاورة فيما يعلم به، ثم بعدها جاء الوحي بخصوص كلمات الأذان ليلة الرؤيا فلما أخبر بها، قال: "سبقك الوحي بهذه الكلمات". وأجاب في الفتح أيضا عن الإشكال بأنه عليه السلام أمر بمقتضى الرؤيا لينظر: أيقر على ذلك أم لا؟ ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الأحكام، وهو المنصور في الأصول. انتهى. "وقد عرفت" بالبناء للمفعول زيادة على ما مر، "رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحاق" وليس عرفت بالخطاب، كما ضبط بالقلم إذ لم تتقدم رواية ابن إسحاق "وغيره" كأبي داود والترمذي وابن ماجه، كلهم من طريقه "وذلك أن" أي: عبد الله، كما أخرجه ابن إسحاق، فقال: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: حدثني أبي، "قال:" لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعلم ليضرب به للناس لجمع الصلاة "طاف بي" أي: دار حولي "وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله! " ليقال لمن لا يعرف اسمه على أصل معناه الحقيقي؛ لأن الكل عبيد الله، "أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو" أنا ومن معي من المسلمين "به" الناس "إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك" ولم يقل أفاد لك مع أن القصد الدلالة لا عدمها لأنه لما رآه راغبا في طلب الناقوس نزله منزلة المعرض عن غيره الراغب في نفي إرادة الدلالة فاستفهمه عن النفي والهمزة داخلة على مقدر،

فقلت: بلى، قال: تقول الله أكبر، الله أكبر، وذكر بقية كلمات الأذان. قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر، الله أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة". ورواه أبو داود بإسناد صحيح. ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل الذي رأى. وفي مسند الحارث: أول من أذن الصلاة جبريل أذن في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا إلى رسول الله صلى الله عيه وسلم فأخبره بها، فقال عليه السلام لبلال: "سبقك بها عمر"، وظاهره: أن عمر وبلالا سمعا النداء في اليقظة. وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرح بمكة قبل الهجرة. منها ما للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر،...............................

_ أي: أأعرض عنك فلا أدلك أم لا، فأدلك، ولذا أجاب بقوله: "فقلت: بلى" الذي هو لرد النفي "قال" بعد أن استقبل القبلة، كما مر، "نقول: الله أكبر الله أكبر، وذكر بقية كلمات الأذان، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر الله أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة، ورواه أبو داود" وفيه عند ابن إسحاق وهو ثقة يدلس، لكنه صرح هنا بالتحديث فانتفت تهمة تدليسه، ولذا قال: "بإسناد صحيح" وقال الترمذي بعد إخراجه من طريقه: حسن صحيح، وأخرجه من طريقه أيضا ابن حبان وابن خزيمة ناقلا عن الذهلي باللام أنه ليس في طرقه أصح منه، "ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل الذي رأى" وغاية ما تفيده المثلية المشاركة في أصل رؤيا الأذان ولا يستلزم أنه رأى رجلا يطوف، إلى آخر ما وقع لابن زيد. "وفي مسند الحارث" بن أبي أسامة بسند واه عن كثير الحضرمي: "أول من أذن بالصلاة جبريل، أذن في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بها" ثم جاء بلال "فقال عليه السلام لبلال: "سبقك بها عمر" وهذا لو صح لم يدل على تقدمها على رؤيا عبد الله، لاحتمال سماعهما ذلك بعد رؤياه، "وظاهره: أن عمر وبلالا سمعا النداء في اليقظة" بفتحات: ضد النوم، ولا مانع من ذلك كرامة لهما، "وقد وردت أحايث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة" لكن لا يصح منها شيء "منها ما للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر" بن الخطاب أحد الفقهاء أشبه ولد أبيه به، مات في ذي القعدة

عن أبيه، قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه الأذان فنزل به وعلمه بلالا. وفي إسناده طلحة بن زيد وهو متروك. ومنها: للدارقطني في "الأفراد" من حديث أنس أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان حيث فرضت الصلاة. وإسناده ضعيف. ومنها: حديث البزار عن علي، المتقدم. قال في فتح الباري: والحق أنه لا يصح شيء من هذا الأحاديث. وقد جزم ابن المنذر بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك. والله أعلم.

_ أو الحجة سنة ست أو خمس أو سبع أو ثمان ومائة، "عن أبيه، قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه الأذان فنزل" ملتبسا "به" حيث علمه "وعلمه بلالا، وفي إسناده طلحة بن زيد" القرشي، أبو مسكين أو أبو محمد الرقي، وأصله دمشقي، روى له ابن ماجه، "وهو متروك" كما في الفتح والتقريب، وزاد فيه: قال أحمد وعلي وأبو داود: كان يضع. "ومنها: ما للدارقطني في الأفراد" بفتح الهمزة "من حديث أنس أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان حين فرضت الصلاة وإسناده ضعيف" فلا حجة فيه. "ومنها: حديث البزار عن علي المتقدم" قريبا، وأن فيه زياد بن المنذر متروك، وغفل الشارح فنقل كلام ابن كثير في زياد هذا في قول المصنف في إسناده طلحة. ومنها حديث عائشة عند ابن مردويه مرفوعا: "لما أسري بي أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدمني فصليت"، وفيه من لا يعرف، كما في الفتح. ومنها: ما عند ابن شاهين عن زياد بن المنذر المتروك، قال: قلت لابن الحنفية: كنا نتحدث أن الأذان كان رؤيا، فقال: هذا والله باطل، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به بعث إليه ملك علمه الأذان، قال الذهبي: هذا باطل. "قال في فتح الباري" أيضا إذا الذي قبله كله منه: "والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث" الدالة على مشروعية الأذان بمكة ومر قوله أيضا: لا يصح شيء من ذلك، أي: رؤيا الأذان لأحد من الصحابة إلا لعبد الله بن زيد وهذا غير ذاك، كما هو واضح جدا. "وقد جزم ابن المنذر بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك" فأمر به بعد رؤيا ابن زيد في السنة الأولى أو الثانية، فجزمه بذلك دليل على ضعف تلك الأحاديث عنده، "والله أعلم".

فإن قلت: هل أذن عليه الصلاة والسلام بنفسه قط؟ أجاب السهيلي: بأنه قد روى الترمذي من طريق يدور على عمر بن الرماح، قاضي بلخ يرفعه إلى أبي هريرة، أنه صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى وهم على رواحلهم. الحديث. قال: فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه عليه السلام أذن بنفسه. انتهى. وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو من حديث يعلى بن مرة. وكذا جزم النووي بأنه عليه السلام أذن مرة في السفر، وعزاه للترمذي وقواه. ولكن روى الحديث الدارقطني وقال فيه: أمر بالأذان، ولم يقل: أذن. قال السهيلي والمفصل يقضي على المجمل المحتمل.

_ يضعفها في نفس الأمر وعدمه، فإن الحكم إنما هو على ظاهر الأسانيد. "فإن قلت: هل أذن عليه الصلاة والسلام بنفسه قط" فقد كثر السؤال عنه، "أجاب السهيلي بأن قد روى الترمذي من طريق يدور" يرجع وإن تعدد طرقه، "على عمر بن الرماح" هو ابن ميمون بن بحر بن سعد الرماح البلخي أبي علي، وسعد هو الرماح، كما في التقريب فنسبه لجده الأعلى "قاضي بلخ" المتوفى سنة إحدى وسبعين ومائة، روى الترمذي ووثقه ابن معين وأبو داود فلا يقصر حديثه عن درجة الحسن، ولو انفرد به؛ لأنه ثقة "يرفعه إلى أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى وهم على رواحلهم..الحديث، قال" السهيلي: "فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه عليه السلام أذن بنفسه" وتبع بهذا البعض النووي، "انتهى". "وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو" عند الترمذي والدارقطني "من حديث يعلى بن مرة" بن وهب الثقفي ممن بايع تحت الشجرة، فسبق السهيلي حفظه أو سبق مستمليه قلمه؛ لأنه كان ضريرا، فقال أبو هريرة: "وكذا جزم النووي" في شرح المهذب وغيره "بأنه عليه السلام أذن مرة في السفر، وعزاه للترمذي وقواه" فقال في الخلاصة: حديث صحيح، وفي المجموع: قد ثبت فذكره، انتهى. وقال الترمذي: غريب تفرد به عمر بن الرماح، ولا يعرف إلا من حديثه. "لكن روى الحديث الدارقطني" بسند الترمذي ومتنه" وقال في أمر بالأذان" وفيه بعده، فقام المؤذن فأذن "ولم يقل أذن،" كما قاله في رواية الترمذي، "قال السهيلي: والمفصل يقضي على المجمل المحتمل" فلا يصح تمسك بعض الناس به وجزمه، وإن تبعه النووي، وعجبت كيف لم يقف

وفي مسند أحمد من الوجه الذي أخرج منه الترمذي هذا الحديث: فأمر بلالا فأذن، قال في فتح الباري: فعرف أن في رواية الترمذي اختصارا، وأن قوله أذن: أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر، انتهى.

_ على كلام السهيلي مع أنه متأخر عنه، وجواب الشهاب الهيثمي بأن هذا إنما يصار إليه لو لم يحتمل تعدد الواقعة، أما إذا أمكن فيجب المصير إليه إبقاء الإذن على حقيقته عملا بقاعدة الأصول أنه يجب إبقاء اللفظ على حقيقته مردود بأن ذاك إنما يصح إذا اختلف سند الحديث ومخرجه، أما مع الاتحاد فلا، ويجب رجوع المجمل للمفصل، كما هو قاعدة المحدثين وأهل الأصول. وقد قال بعض الحفاظ: لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه لاختلاف الرواة في إسناده وألفاظه، وليس كل احتمال يعمل به خصوصا في الحديث، فهذه قصة المعراج والإسراء وردت عن نحو أربعين صحابيا مع اختلاف أسانيدها ومتونها إلى الغاية، ومع ذلك فالجمهور على أنها واحدة، حتى قال ابن كثير وغيره: من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب، وحديث الأذن من هذا القبيل، لقوله في رواية الدارقطني: فقام المؤذن فأذن. "و" لقوله "في مسند أحمد من الوجه" أي: الطريق "الذي أخرج منه الترمذي هذا الحديث فأمر بلالا فأذن، قال في فتح الباري: فعرف" من روايتي أحمد والدارقطني "أن في رواية الترمذي اختصارا وأن قوله: أذن،" معناه: "أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا، وإنما باشر العطاء" اسم من الإعطاء ولم يعبر به؛ لأنه لا وجود لشيء من المصادر في الخارج بل آثارها، "غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر، انتهى" كلام فتح الباري. وهذا سائغ شائع. نعم قال السيوطي في شرح البخاري: قد ظفرت بحديث آخر مرسل أخرجه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن ابن أبي مليكة، قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، فقال: "حي على الفلاح" وهذ رواية لا تقبل التأويل، انتهى. فهذا الذي يجزم فيه بالتعدد لاختلاف سنده، وانظر ما أحسن قوله آخر، ولذا قال في شرحه للترمذي: من قال إنه صلى الله عليه وسلم لم يباشر هذه العبادة بنفسه وألغز في ذلك بقوله: ما سنة عمل بها ولم يفعلها فقد غفل، انتهى. وفي التحفة: أذن مرة، فقال: "أشهد أن محمدًا رسول الله"، انتهى. هذا وإنما لم يواظب صلى الله عليه وسلم على الأذان مع فضله المنوه عليه، بنحو قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة" أخرج مسلم. وفي شعب البيهقي عن داود السجستاني: "المؤذنون لا يعطشون يوم

فإن قلت هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أحد من أصحابه؟ قلت: نعم، ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، ولفظه: عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك،...............................

_ القيامة" فأعناقهم قائمة لاشتغاله، كما قال العز بن عبد السلام في الفتاوي الموصلية بالقيام بأعباء الرسالة ومصالح الشريعة، كالقتال والفصل بين الناس وغير ذلك التي هي خير من الأذان وأفضل. لذا قال عمر: لولا الخليفي لأذنت، ولأنه كان إذا عمل عملا أثبته وداوم عليه، وقول بعضهم مخافة أن يعتقد أن محمدًا غيره، إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، انتهى ملخصا. وفي الفتح: اختلف في الجمع بين الإمامة والأذان، فقيل: يكره. وفي البيهقي عن جابر مرفوعا: "النهي عن ذلك"، لكن سنده ضعيف وصح عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخليفي لأذنت، رواه سعيد بن منصور وغيره. وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يستحب، وصححه النووي، انتهى. وقول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شرح الترغيب تبعا للنيسابوري وغيره؛ لأن فيه ثناء وتزكية وشهادة للنفس وهي غير مقبولة، ولأن في حي على الصلاة أمر إيجاب، فإن معناه: أقبلوا، فلو أذن لوجبت الإجابة مردود بأن النهي عن تزكية النفس إنما هو إذا كان افتخارا وهو منه عليه السلام ليس كذلك، بل تحدثا بالنعمة وعدم قبول الشهادة للنفس إنما هو في نحو حق ما لي على غيره، وهذا ليس منه، بل هي سهادة أريد بها طلب ما أوجبه الله على الناس إنقاذا لهم من الضلال، ولا يزيد قوله في الأذان: أشهد أن محمدا رسول الله، على قوله للناس: أدعوكم إلى وحدانية الله وشهادة أني رسوله، فلم يخرج عن قوله تعالى: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] على أن من خصائصه أن يشهد ويحكم لنفسه، وليس القصد بحي على الصلاة في الأذان خصوص لطلب الحضور، بل الإعلام بدخول الوقت؛ لأنه شرعا الإعلام بوقت الصلاة المفروضة. "فإن قلت: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أحد من الصحابة؟ قلت: نعم،" كذا في نسخ، وهو حسن. وفي أكثرها إسقاط السؤال والاقتصار على نعم، وليس استدراكا على ما قبله، بل تقريرا لسؤال نشأ منه تقديره هذا ما تقرر في الأذان، ومعلوم أنه كان يؤم فهل أمه أحد، أو هو استدراك من جهة نفيه أذانه مع تقرر إمامته فقد يتوهم أنه لم يقتد بغيره، فنفاه بقوله: نعم، "ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلف عبد الرحمن بن عوف" وهذا السؤال سئل عنه الصحابي قديما، فأخرج ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن المغيرة بن شعبة: أنه سئل هل أم النبي صلى الله عليه وسلم أحد من هذه الأمة غير أبي بكر؟ قال: نعم فذكر الحديث. "ولفظه" أي: مسلم "عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك" بعدم

فتبرز صلى الله عليه وسلم قبل الغائط، فحملت معه إدواة قبل صلاة الفجر ... الحديث إلى أن قال: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح،

_ الصرف على المشهور للتأنيث والعلمية، كذا قال النووي وتبعه في الفتح، ورد بأنه سهو؛ لأن علة منعه كونه على مثال الفعل كنقول، والمذكر والمؤنث في ذلك سواء، ومن صرف أراد الموضع، "فتبرز" بالتشديد "صلى الله عليه وسلم" أي: خرج لقضاء حاجته، وعند ابن سعد: لما كنا بين الحجر وتبوك ذهب لحاجته "قبل" بكسر ففتح، أي: جهة "الغائط" أي: المكان المطمئن الذي تقضي فيه الحاجة، فاستعمل في أصل حقيقته اللغوية، فليس المراد الفضلة، والظاهر: أن تبرز معمول لقال مقدرة ليظهر قوله: "فحملت" وفي نسخة: فحمل، وهو أنسب بما قبله، "معه أدواة قبل صلاة الفجر" أي: الصبح، ولابن سعد: وتبعته بماء بعد الفجر ويجمع بأن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، "الحديث، إلى أن قال" أسقط منه: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت أهريق على يديه من الأدواة وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته، فأدخل يديه على الجبة حتى أخرج ذراعيه إلى المرفقين، ثم توضأ على خفية، ثم اقبل قال المغيرة: "فأقبلت معه حتى نجد" بمعنى الماضي، أي: وسرنا إلى أن وجدنا "الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف" ولابن سعد: فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا الشمس، فقدموا عبد الرحمن "فصلى بهم" أي: أحرم، ولابن سعد: فانتهينا إلى عبد الرحمن وقد ركع ركعة، فسبح الناس له حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كادوا يفتنون فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه صلى الله عليه وسلم أن أثبت، فليس المراد فرغ من صلاته، والأنافي أيضا قوله: "فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين" أي: الثاني، لقوله "فصلى مع الناس الركعة الآخرة" ودفع به توهم أن معنى أدرك: حضر، ولا يلزم منه الاقتداء، لجواز صلاته مفردا أو بجماعة لم يصلوا أو انتظر سلامه، فأتى بها كاملة. وعند ابن سعد: فصلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة، "فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين" لسبقهم النبي صلى الله عليه وسلم "فأكثروا التسبيح" رجاء أن يشير لهم هل يعيدونها معه أم لا؟ وليس لظنهم أنه أدرك الصلاة من أولها وأن قيامه لأمر حدث، كأنهم ظنوا الزيادة في الصلاة لتصريحه في رواية ابن سعد بأنهم علموا بالنبي صلى الله عليه وسلم حين دخل معهم، فسبحوا حتى كادوا يفتتنون، ويحتمل أن الفاء في: فأفزع، بمعنى الواو، لرواية ابن سعد: أن التسبيح حين رأوا النبي، كما رأيت.

فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنهم، أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا لوقتها. ورواه أبو داود في السنن بنحوه ولفظه: ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبد الرحمن، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته. الحديث. قال النووي: فيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف بعض أمته. وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر ليتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي صلى الله عليه وسلم التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم،...................................................

_ "فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم، ثم قال: "أحسنتم"، أو قال: "أصبتم"، شك الراوي قال ذلك، "يغبطهم" بالتشديد، أي: يحملهم على الغبط لأجل "أن صلوا لوقتها" ويجعل هذا الفعل عندهم مما يغبط عليه، وإن رُوي بالتخفيف فيكون قد غبطهم لتقدمهم وسبقهم إلى الصلاة، قال في النهاية: "ورواه أبو داود" سليمان بن الأشعث السجستاني "في السنن بنحوه، ولفظه: ووجدنا" فأفاد هذا أن رواية مسلم: نجد، من استعمال المضارع بمعنى الماضي، "عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من الفجر" الصبح، "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف" نفسه "مع المسلمين" بأن دخل معهم في الصف، أو هو لازم بمعنى: اصطف، أي: دخل معهم فيه وصف جاء لازما ومتعديا، "فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية" ففي هذا بيان للمعية في رواية مسلم وتصريح بأنه صلى خلفه، "ثم سلم عبد الرحمن فقام النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ... الحديث بنحوه، والمراد من سوق هذا منه إيضاح ما قد يخفى في رواية مسلم، فالروايات تفسر بعضها. "قال النووي" في شرح مسلم "فيه" من الفوائد "جواز اقتداء الفاضل بالمفضول" وإن كان تقديم الفاضل أفضل "وجواز صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف بعض أمته وأما بقاء عبد الرحمن بن وف في صلاته، وتأخر أبي بكر ليتقدم لنبي صلى الله عليه وسلم فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي صلى الله عليه وسلم التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم" قال شيخنا: لأنه إذا قام لإتمام

كتاب المغازي

كتاب المغازي مدخل ... "بسم الله الرحمن الرحيم" "كتاب المغازي": وأذن الله تعالى لرسوله عليه السلام بالقتال. قال الزهري: أول آية نزلت في الإذن بالقتال {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] أخرج النسائي بإسناد صحيح. قال في البحر: والمأذون فيه -أي في الآية- محذوف، أي: في القتال، لدلالة الذين "يقاتلون" عليه، وعلل...............................................................

_ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المغازي: "وأذن الله تعالى لرسوله عليه السلام بالقتال" لاثنتي عشرة ليلة مضت من صفر في السنة الثانية من الهجرة. "قال الزهري" محمد بن مسلم شيخ الإسلام: "أول آية نزلت في الإذن بالقتال" كما أخبرني عروة عن عائشة، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] "أخرجه النسائي بإسناد صحيح" موقوفا عن عائشة، كما هو في النسائي وحكمه الرفع لا على الزهري كما أوهمه المصنف، نعم رواه ابن عائذ عن الزهري معضلا بإسقاط قوله: كما أخبرني عروة عن عائشة، وزاد تلاوة الآية التي تليها إلى قوله: {لَقَوِيٌّ عَزِيز} [الحج: 40] ، وأخرج أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي وابن سعد والحاكم، وصححه عن ابن عباس، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن، فنزلت: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] الآية قال ابن عباس: فهي أول آية أنزلت في القتال، وقيل: قوله تعالى: {قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 19] ، أخرجه ابن جرير عن أبي العالية. وفي الإكليل للحاكم: أول آية نزلت فيه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُم} [التوبة: 111] . "قال في البحر" أي: التفسير الكبير لأبي حيان: "والمأذون فيه، أي: في الآية محذوف، أي في القتال لدلالة الذي يقاتلون عليه وعلل" في الآية فهو مبني للمفعول أو

الإذن: بأنهم ظلموا، كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج، فيقول لهم: "اصبروا، فإني لم أؤمر بالقتال"، حتى هاجر فأذن له بالقتال بعدما نهي عنه في نيف وسبعين آية. انتهى. وقال غيره: وإنما شرع الله الجهاد في الوقت اللائق به؛ لأنهم كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر المسلمين -وهم قليل- بقتال الباغين لشق عليهم فلما بغى المشركون، وأخرجوه عليه السلام من بين أظهرهم وهموا بقتله، واستقر عليه السلام بالمدينة واجتمع عليه أصحابه، وقاموا بنصره، وصارت المدينة دار إسلام، ومعقلا يلجئون إليه، شرع الله تعالى جهاد الأعداء، فبعث عليه السلام البعوث والسرايا..................................................

_ الفاعل، أي: الله "الإذن" لهم في القتال، "بأنهم ظلموا كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج، فيقول لهم: "اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال" حتى هاجر فأذن له بالقتال، ولم يفرض عليهم، وظاهره: أنه لم يؤمر بالصبر بعد الهجرة مع أنه أمر بالصبر على أذى اليهود ووعد بالنصر عليهم، كما قال العلماء فيما نقله في الشامية لكنه نزله كالعدم بالنسبة لأذى أهل مكة، فإن كان بالمدينة في غاية العزة والقوة من أول يوم، وأذى اليهود غايته بالمجادلة والتعنت في السؤال، وكان جبريل يأتيه من ربه بغالب الأجوبة أو لقلة مدته أتى بالتعقيب، أي: فأذن له بعد صبر قليل على أذى اليهود لما قويت الشوكة واشتد الجناح، "بعدما نهي عنه في نيف وسبعين آية" غالبها بمكة، "انتهى" ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتل، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وبين المصنف في غزوة قينقاع أن الكفار بعد الهجرة كانوا معه ثلاثة أقسام. "وقال غيره" في بيان حكمة تأخر مشروعية الجهاد حتى هاجر، "وإنما شرع لله الجهاد في الوقت الائق به؛ لأنهم كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر" الله "المسلمين وهم قليل بقتال الباغين لشق عليهم، فلما بغى المشركون وأخرجوه عليه السلام من بين أظهرهم وهموا بقتله" عطف على بغي، "واستقر عليه السلام بالمدينة واجتمع عليه أصحابه" المهاجرون والأنصار، "وقاموا بنصره وصارت المدينة دار إسلام ومعقلا" بفتح الميم وكسر القاف: ملجأ "يلجئون إليه" تصريح بما علم من المعقل، وفي هامش تفسير المعقل بالحصن الكبير، "شرع الله جهاد الأعداء" جواب لما بغى، وفي نسخة: ولما استقر، بزيادة لما وحذفها أولى، لاحتياجها إلى تقدير جواب لما بغى، أي: هاجر "فبعث عليه السلام البعوث والسرايا

وغزا وقاتل هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا. وكان عدد مغازيه عليه السلام التي خرج فيها بنفسه، سبعا وعشرين...............

_ وغزا" بنفسه، وقد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحاتهم غالبا أن يسموا كل عسكر حضره النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضا من أصحابه إلى العدو سرية وبعثا، "وقاتل هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا" جماعات بعد جماعات جاءوه بعد الفتح من أقطار الأرض طائعين، "وكان عدد مغازيه عليه السلام" قال في الفتح: جمع مغزى، يقال: غزا غزوا ومغزى، والأصل: غزو، والواحد غزوة وغزاة والميم زائدة. وعن ثعلب: الغزوة المرة والغزاة عمل سنة كاملة، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالمغازي هنا ما وقع من قصد النبي صلى الله عليه وسلم الكفار بنفسه أو بجيش من قبله وقصدهم أعم من أن يكون إلى بلادهم أو إلى الأماكن التي حلوها حتى دخل مثل أحد والخندق، انتهى. "التي خرج فيها بنفسه سبعا وعشرين" كما قاله أئمة المغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق وأبو معشر والواقدي وابن سعد، وأسنده عن هؤلاء وجزم به الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم. وقال ابن إسحاق في رواية البكائي عنه ستا وعشرين، وجزم به في ديباجة الاستيعاب، قائلا: وهذا أكثر ما قيل. قال السهيلي: وإنما جاء الخلاف لأن غزوة خيبر اتصلت بغزوة وادي القرى، فجعلهما ابن إسحاق غزوة واحدة، وقيل: خمسا وعشرين، ولعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن المسيب: أربعا وعشرين. وعند أبي يعلى بإسناد صحيح عن جابر: أنها إحدى وعشرين غزاة، وروى الشيخان والترمذي عن زيد بن أرقم: أنها تسع عشرة. وفي خلاصة السير للمحب الطبري جملة، المشهور منها: اثنتان وعشرون، ويمكن الجمع على نحو ما قال السهلي بأن من عدها دون سبع وعشرين نظر إلى شدة قرب بعض الغزوات من غيره، فجمع بين غزوتين وعدهما واحدة، فضم للأبواء بواطا لقربهما جدا؛ إذ الأبواء في صفر، وبواط في ربيع الأول، وضم حمراء الأسد لأحد، لكونها صبيحتها. وقريظة للخندق، لكونها ناشئة عنها وتلتها. ووادي القرى لخيبر، لوقوعها في رجوعه من خيبر قبل دخول المدينة. والطائف لحنين، لانصرافه منها إليها، فبهذا تصير اثنتين وعشرين، وإلى هذا أشار الحافظ، فقال بعد نقل كلام السهيلي المار، وقول جابر: إحدى وعشرين، فلعل الستة الزائدة من هذا القبيل. وأما من قال: تسع عشرة فلعله أسقط الأبواء وبواطا، وكان ذلك خفي عليه لصغره ويؤيد ما قلته: ما وقع عند مسلم، بلفظ: قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير أو العسيرة،

وقاتل في تسع منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. وهذا على قول من قال: فتحت مكة عنوة. وكانت سراياه التي بعث فيها سبعا وأربعين سرية. وقيل: إنه قاتل في بني النضير.

_ والعسيرة هي الثالثة، انتهى. "وقاتل في تسع منها" قال ابن تيمية: لا يعلم أنه قاتل في غزاة إلا في أحد ولم يقتل أحد إلا أبي بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل في كذا أنه بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله عليه السلام، انتهى. ففي قوله: "بنفسه" شيء وأجيب بأن المراد قتال أصحابه بحضوره فنسب إليه لكونه سببا في قتالهم، ولم يقع في باقي الغزوات قتال منه ولا منهم، قال في النور: قد يرد على ابن تيمية حديث. كنا إذا لقينا كتيبة أو جيشا أول من يضرب النبي صلى الله عليه وسلم ويمكن تأويله. "بدر وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف" وقال ابن عقبة: قاتل في ثمان وأهمل عد قريظة؛ لأنه ضمها للخندق لكونها أثرها وأفردها غيره لوقوعها عقبة: قاتل في ثمان وأهمل عد قريظ؛ لأنه ضمها للخندق لكونها أثرها وأفردها غير لوقوعها مفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره وعد الطائف وحنين واحدة لكونهاكانت في أثرها، هكذا في الباري وأيما كان لا ينفي أنه قاتل في جميعها، غايته أنه على عد الاثنتين واحدة بالاعتبار المذكور يكون قاتل في موضعين منها. "وهذا على قول من قال" وهم الجمهور "فتحت مكة عنوة" أي: بالقهر والغلبة. وأما على قول الأقل: فتحت صلحا، فيكون القتال في ثمان. "وكانت سراياه" أراد بها ما يشمل البعوث، لقوله الآتي: وكان أول بعوثه، ولقوله: "التي بعث فيها سبعا وأربعين سرية" كما رواه ابن سعد عن ذكر في عد المغازي، وبه جزم أول الاستيعاب فيما قال الشامي، والذي في النور: قال ابن عبد البر في ديباجة الاستيعاب: كانت بعوثه وسراياه خمسا وثلاثين من بعث النور: قال ابن عبد البر في ديباجة الاستيعاب: كانت بعوثه وسراياه خمسا وثلاثين من بعث وسرية، انتهى. وقال ابن إسحاق: رواية البكائي ثمانيا وثلاثين. وفي الفتح عن ابن إسحاق: ستا وثلاثين، والواقدي: ثمانيا وأربعين. وابن الجوزي: ستا وخمسين. والمسعودي: ستين ومحمد بن نصر المروزي سبعين. والحاكم في الإكليل: إنها فوق المائة. قال العراقي: ولم أجده لغيره، وقال الحافظ: لعله أراد بضم المغازي إليها وقرأت بخط مغلطاي أن مجموع الغزوات والسرايا مائة،، وهو كما قال، انتهى. "وقيل:" وحكاه اليعمري بلفظ: وفي بعض رواياتهم "إنه قاتل في بني النضير" ولكن الله جعلها له نفلا خاصة وقاتل في غزوة وادي القرى، وقاتل في الغابة، انتهى. ولم يقدم هذا على

وأفاد في فتح الباري: أن السرية -بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية- هي التي تخرج بالليل، والسارية: التي تخرج بالنهار. قال: وقيل سميت بذلك -يعني السرية- لأنها تخفي ذهابها. وهذا يقتضي أنها أخذت من السر، ولا يصح، لاختلاف المادة. وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، وما زاد على الخمسمائة يقال له: منسر، بالنون ثم المهملة.....................................

_ عد السرايا؛ لأنه أراد حكاية المروي عن الجماعة على حدة ثم تذكر ما في بعض روايتهم، وأفاد صلى الله عليه وسلم حكمة بعوثه وسراياه، فقال: "والذي نفسي بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني، ويشق أن يقعدوا بعدي، والذي نفسي بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل"، رواه مالك وأحمد والشيخان عن أبي هريرة بتكرير ثم ست مرات. "وأفاد في فتح الباري أن السرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية، هي: التي تخرج بالليل" وجمعها سرايا وسرايات، مثل: عطية وعطايات. "والسارية" بالتحتية أيضا وقراءته بموحدة غلط، "التي تخرج بالنهار" سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء النفيس، كما في النهاية. "قال" في الفتح: "وقيل سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها" فتسري في خفية "وهذا يقتضي أنها أخذت من السر ولا يصح لاختلاف المادة" لأن لام السرراء وهذه ياء، قاله ابن الأثير. وأجاب شيخنا: بأن اختلاف المادة إنما يمنع الاشتقاق الصغير وهو رد فرع إلى أصل لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية، ويجوز أنه أراد بالأخذ مجرد الرد للمناسبة والاشتراك في أكثر الحروف. "وهي قطعة من الجيش تخرج منه" فتغير "وتعود إليه" وكأنه أريد بالجيش عسكر الأمام، فيشمل ما إذا بعث طائفة مستقلة كسرية حمزة، "وهي من مائة إلى خمسمائة" قضيته أن ما دونها لا يسمى سرية وهو مخالف لقوله نفسه في مقدمة الفتح، قال ابن السكيت: السرية ما بين الخمسة إلى الثلاثمائة، وقال الخليل: نحو أربعمائة، انتهى. ونحوه في القاموس، بل في النهاية: يبلغ أقصاها أربعمائة، "وما زاد على الخمسمائة، يقال له: منسر بالنون ثم المهملة" بوزن مجلس ومنبر، كما في القاموس. وهذا لا يوافق المصباح ولا القاموس، فإنه حكى أقوالا أكثرها أن المنسر من المائة إلى المائتين، وصدر به المصباح وقابله بقول الفارابي جماعة من الخيل، ويقال: هو الجيش لا يمر

فإن زاد على الثمانمائة سمي جيشا، فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلا، والخميس: الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثا، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى ملخصا.

_ بشيء إلا اقتلعه. "فإن زاد على الثمانمائة" الأولى حذف أل لقولهم: إنها لا تدخل على أول المتضايفين مع تجرد الثاني بإجماع كالثلاثة أثواب، قاله في الهمع إلا أن يقرأ مائة بالنصب بجراء أل في تصحيح المميز مجر التنوين، والنون كما في التصريح في نحوه. "سمي جيشا" وقال ابن خالويه: الجيش من ألف إلى أربعة آلاف، وأسقط والمصنف من الفتح قوله: وما بين المنسر والجيش يسمى هبطة؛ لأنه فسر الجيش بما زاد على ثمانمائة فلم يكن بين المنسر والجيش واسطة ثم حرر ضبط هبة، "فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلا" بفتح الجيم والفاء بينهما مهملة ساكنة، وأسقط من الفتح قوله: فإن زد فجيش جرار بفتح الجيم وراء مهملتين الأولى مشددة. "والخميس" بلفظ اليوم "الجيش العظيم" الكثير، وكذا المجير والمدهم والعرمرم، كما في سامي الأسامي. وقال ابن خالويه: الخميس من أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفا، "وما افترق من السرية يسمى بعثا" وقدم أن مبدأها مائة، فظاهره: أن ما دون المائة يسمى بعثا لكن بقية كلام الفتح وهو فالعشرة فما بعدها تسمى حفيرة، والأربعون عصبة وإلى ثلاثمائة مقنب بقاف ونون وموحدة، أي: بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون فإن زاد سمي جمرة بجيم مفتوحة وسكون الميم، انتهى. يفيد تخصيص البعث بما دون العشرة. "والكتيبة" بفتح الكاف وكسر الفوقية وإسكان التحتية فموحدة فتاء تأنيث. "ما اجتمع ولم ينتشر" وفي القاموس: الكتيبة الجيش أو الجماعة المتحيزة من الخيل أو جماعة الخيل إذا أغارت من المائة إلى الف، "انتهى" كلام فتح الباري في قول البخاري في أواخر المغازي باب السرية التي قبل نجد "ملخصا" بمعنى أنه أسقط منه ما ذكرته عند لا التلخيص المتعارف، ومقتضاه: أن ما أرسله الإمام مستقلا وهو دون مائة لا يسمى بعثا ولا سرية. وفي القاموس: البعث، ويحرك الجيش جمعه بعوث. وقال ابن خالويه: أقل العساكر الجريدة، وهي قطعة جردت من سائرها لوجه ما، ثم السرية أكثرها وهي من خمسين إلى أربعمائة، ثم الكتيبة من أربعمائة إلى ألف، ثم الجيش من ألف إلى أربعة آلاف، وكذلك الفيلق والجحفل، ثم الخميس من أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفا، والعسكر يجمعها انتهى. روى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وحسنه عن صخر بن وداعة مرفوعا: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" قال صخر: وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية بعثها أول النهار، وكان صخر تاجرا وكان لا يبعث غلمانه إلا من أول النهار فكثر ماله حتى كان لا يدري أين يضعه. وروى الطبراني عن عمران عن عمران: كان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أغزاها أول النهار، وقال: "اللهم بارك لأمتي في بكورها".

بعث حمزة رضي الله عنه

بعث حمزرة رضي الله عنه: وكان أول بعوثه صلى الله عليه وسلم على رأس سبعة أشهر، في رمضان، وقيل في ربيع الأول سنة اثنتين. بعث عمه حمزة، وأمره على ثلاثين رجلا من المهاجرين. وقيل من الأنصار، وفيه نظر؛ لأنه لم يبعث أحدا من الأنصار حتى غزا بهم بدرا؛ لأنهم شرطوا له أن يمنعوه في دارهم. فخرجوا يعترضون عيرا لقريش،..............................................

_ بعث حمزة رضي الله عنه: "وكان أول بعوثه صلى الله عليه وسلم" حال كونه "على رأس سبعة أشهر في رمضان" قال ابن سعد، أي: تقريبا أو اعتبرت السبعة من أول تهيئته للخروج من مكة، فلا ينافي ما مر أن قدومه كان لاثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول أو ثلاثة عشرة أو ثنتين وعشرين أو لليلتين، "وقيل: في ربيع الأول سنة اثنتين" قاله المدائني، وقال أبو عمر: بعد ربيع الآخر، "بعث عمه حمزة" كما رواه ابن عائذ عن عروة، وجزم به ابن عقبة والواقدي وأبو معشر وابن سعد في آخرين، وقيل: أولها بعث عبيدة، وقيل: عبد الله بن جحش، قال ابن البر: والأول أصح "وأمره على ثلاثين رجلا من المهاجرين" قاله ابن سعد وغيره، "وقيل: من الأنصار" كذا في النسخ، وصوابه: ومن الأنصار، بالواو إذ لم يقل أحد بخلوهم من المهاجرين. وقد حكى مغلطاي وغيره القولين على ما صوب، وذكر بعضهم: أنهم كانوا شطرين من المهاجرين والأنصار، "وفيه نظر؛ لأنه" كما قال ابن سعد: "لم يبعث أحدا من الأنصار حتى غزا بهم بدرا؛ لأنهم شرطوا له" ليلة العقبة "أن يمنعوه في دارهم" ولذا لما أراد بدرا صار يقول: أشيروا علي، حتى قال الأنصاري: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال في النور: وذكر ابن سعد في غزوة بواط أن سعد بن معاذ حمل اللواء وكان أبيض، فهذا تناقض منه. ويحتمل أن خروج سعد فيها من غير أن يندبه عليه السلام، إلا أن حمل اللواء يعكر على ذلك. والظاهر أن ابن سعد أراد أنه يبعث أحدا منهم، وتخلف عليه السلام إلى غزوة بدر، وبعدها جهزهم وقعد، لكن آخر الكلام يعكر على هذا التأويل، انتهى. "فخرجوا يعترضون عيرا لقريش" جاءت من الشام تريد مكة، أي: يتعرضون لها ليمنعوها

فيها أبو جهل اللعين، فلقيه في ثلاثمائة راكب فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فلما تصافوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان عليه الصلاة والسلام قد عقد له لواء أبيض. "واللواء هو العلم الذي يحمل في الحرب، يعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر. وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية، لكن روى أحمد والترمذي عن ابن عباس: كان راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، ولواؤه أبيض، ومثله عند الطبراني عن بريدة،..........................................................

_ من مقصدها باستيلائهم عليها، "فيها أبو جهل اللعين فلقيه في ثلاثمائة راكب،" قال ابن إسحاق وابن سعد. وقال ابن عقبة: في ثلاثين ومائة راكب من المشركين، "فبلغوا سيف" بكسر المهملة وسكون التحتية وبالفاء: ساحل "البحر من ناحية العيص" بكسر العين وسكون التحتية وصاد مهملتين، "فلما تصافوا" للقتال "حجز" بفتح الحاء والجيم وبالزاي: فصل "بينهم مجدي" بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الدال المهملة وياء كياء النسب "ابن عمرو الجهني" وكان موادعا للفريقين: أي: مصالحا مسالما. قال في النور: ولا أعلم له إسلاما، فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال، وأفاد الواقدي أن رهط مجدي قدموا عليه صلى لله عليه وسلم فكساهم، وقال في مجدي: إنه ما علمت ميمون النقيبة مبارك الأمر، أو قال: رشيد الأمر، "وكان عليه الصلاة والسلام قد عقد له" أي: لحمزة، "لواء" بكسر اللام والمد. روى أبو يعلى عن أنس رفعه: "إن الله أكرم أمتي بالألوية" وسنده ضعيف. "أبيض" زاد ابن سعد: وكان الذي حمله أبو مرثد البدري، أي: بفتح الميم وإسكان الراء وفتح المثلثة ودال مهملة: كناز بفتح الكاف وشد النون فألف فزاي، ابن الحصين بمهملتين مصغر الغنوي بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غني بن يعصر فألف فزاي، ابن الحصين بمهملتين مصغر الغنوي بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غني بن يعصر حليف حمزة. "واللواء" كما قال الحافظ في غزاة خيبر "هو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به موضع صاحب" أي: أمير "الجيش، وقد يحمله أمير الجيش وقد يدفعه لمقدم العسكر" وفي الفتح أيضا في الجهاد: اللواء الراية، ويسمى أيضا العلم وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحلم على رأسه، "وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية" فقالوا: في كل منها علم الجيش، ويقال: أصل الراية الهمز وآثرت العرب تركه تخفيفا ومنهم من ينكر هذا القول، ويقول: لم يسمع الهمز. "لكن روى أحمد والترمذي عن ابن عباس" قال: "كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض، ومثله عند الطبراني عن بريدة" بن الحصيب بهملتين: مصغر الأسلمي، "و" مثله

وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد: مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة فيه عرفية. وذكر ابن إسحاق، وكذا أبو الأسود عن عروة: أن أول ما حدثت الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية" انتهى.

_ "عند ابن عدي" الحافظ عبد الله أبي أحمد الجرجاني أحد الأعلام، مات سنة خمس وستين وثلاثمائة، "عن أبي هريرة، وزاد: مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله" وروى أبو داود عن رجل: رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء، وجمع الحافظ بينهما باختلاف الأوقات، قال: وقيل: كانت له راية تسمى العقاب سوداء مربعة وراية تسمى الربية بيضاء، وربما جعل فيها شيء أسود. "وهو ظاهر في التغاير" بين اللواء والراية، وبه جزم ابن العربي، فقال: اللواء غير الراية، فاللواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه. والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقيل: اللواء دون الراية، وقيل: اللواء العلم الضخم والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية: يتولاها صاحب الحرب. "فلعل التفرقة فيه عرفية" فلا يخالف ما صرح به الجماعة من الترادف، وقد جنح الترمذي إلى التفرقة فترجم الألوية، وأورد حديث البراء: أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض، ثم ترجم الرايات. وأورد حديث البراء: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء مربعة، وحديث ابن عباس المذكور أولا. "وذكر ابن إسحاق" محمد إمام المغازي "وكذا أبو الأسود" محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي النوفلي المندين يتيم عروة، وثقه أبو حاتم والنسائي وأخرج له الجميع، "عن عروة" بن الزبير أحد الفقهاء: "إن أول ما حدثت الرايات" جمع راية "يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية" وهذا أيضا ظاهر في التغاير بينهما، "انتهى" لفظ فتح الباري في خيبر.

سرية عبيدة المطلبي

"سرية عبيدة المطلبي": ثم سرية عبيدة بن الحارث إلى بطن رابغ، في شوال، على رأس ثمانية أشهر،.............................................

_ سرية عبيدة المطلبي: "ثم سرية عبيدة" بضم العين وفتح الموحدة وإسكان التحتية فدال فهاء، "ابن الحارث" بن المطلب بن عبد مناف المستشهد ببدر، "إلى بطن رابغ" بموحدة مكسورة وغين معجمة، "في شوال على رأس ثمانية أشهر" من الهجرة تقريبا أو تحقيقا على ما مر، وأوردها ابن هشام وأبو

في ستين رجلا، وعقد له لواء أبيض، حمله مسطح بن أثاثة، يلقى أبا سفيان بن حرب. وكان على المشركين -وقيل مكرز بن حفص، وقيل عكرمة بن أبي جهل- في مائتين، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام.

_ الربيع في الاكتفاء بعد غزوة الأبواء في السنة الثانية في ربيع الأول، ورواه ابن عائذ عن ابن عباس، وبه صرح بعض أهل السير، لكن ذكر غير واحد أن الراجح الأول، فلذا اقتصر عليه المصنف. "في ستين رجلا" أو ثمانين كذا عند ابن إسحاق، فيحتمل أنه شك أو إشارة إلى قولين، ولفظه: في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، "وعقد" عليه السلام "له" لعبيدة "لواء أبيض حمله مسطح" بميم مكسورة وسين ساكنة وطاء مفتوحة وحاء مهملات، "ابن أثاثة" بضم الهمزة وخفة المثلثتين ابن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي اسمه عوف ومسطح لقبه، أسلم قديما ومات سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، ويقال: عاش إلى خلافة علي وشهد معه صفين، ومات تلك السنة سنة سبع وثلاثين. "يلقى أبا سفيان" صخر "بن حرب" أسلم في الفتح رضي الله عنه، "وكان على المشركين" كما قال الواقدي: إنه الثبت عندنا، وصدر به مغلطاي. "وقيل:" أي: قال ابن هشام عن أبي عمرو بن العلاء المدني: يلقى "مكرز" بكسر الميم وإسكان الكاف وفتح الراء والزاي، كما ضبطه الغساني وغيره. قال السهيلي: وهكذا الرواية حيث وقع، قال ابن ماكولا: ووجدته بخط ابن عبدة النسابة بفتح الميم، قال الحافظ: وبخط يوسف بن خليل بضم الميم وكسر الراء والمعتمد الأول، "ابن حفص" بن الأخيف بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح التحتية وبالفاء ابن علقمة العامري، وهو الذي جاء في فداء سهيل بن عمرو بعد بدر، وجاء أيضا في قصة الحديبية، قال في الإصابة والنور، ولم أرَ من ذكره في الصحابة إلا ابن حبان، فقال في ثقاته: يقال له صحبة. "وقيل" أي: قال ابن إسحاق: يلقى "عكرمة بن أبي جهل" أسلم في الفتح "في مائتين ولم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص" مالك "رمى" يومئذ "بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام" كذا عند ابن إسحاق، والمراد: جنس سهم، فلا ينافي قول الواقدي: إنه نثر كنانته وتقدم أمام أصحابه وقد تترسوا عنه فرمى بما في كنانته، وكان فيها عشرون سهما ما منها سهم إلا ويجرح إنسانا أو دابة. قال ابن إسحاق: ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان، وكانا مسلمين ولكنهما خرجا

قال ابن إسحاق: وكانت راية عبيدة -فيما بلغنا- أول راية عقدت في الإسلام، وبعض الناس يقول: راية حمزة. قال: وإنما أشكل أمرهما لأنه عليه السلام بعثهما معا، فاشتبه ذلك على الناس. انتهى. وهذا يشكل بقولهم: إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر، لكن يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عقد رايتيهما معا، ثم تأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية، لأمر اقتضاه، والله أعلم.

_ ليتوصلا بالكفار. "قال ابن إسحاق: وكانت راية عبيدة فيما بلغنا أول راية عقدت في الإسلام" قال: وبعض العلماء يزعم أنه صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة، قال: "وبعض الناس يقول" كانت "رواية حمزة " أول راية "قال: وإنما أشكل أمرهما؛ لأنه عليه السلام بعثهما معا، فاشتبه ذلك على الناس" فكل من قال ذلك في واحد منهما فهو صادق، "انتهى" قول ابن إسحاق بما زدته من سيرته. "وهذا يشكل بقولهم إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر" في رمضان وبعث عبيدة على رأس ثمانية في شوال، فكيف يشتبه مع هذا؟ "لكن يحمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عقد رايتيهما معا، ثم تأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية لأمر اقتضاه" فيلتئم القولان، "والله أعلم" بحقيقة الحال.

سرية سعد بن ملك

سرية سعد بن ملك ... "سرية سعد بن مالك": ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار -بخاء معجمة وراءين مهملتين، وهو واد يصب في الجحفة...................................

_ سرية سعد بن مالك: "ثم سرية سعد بن أبي وقاص" واسمه مالك الزهري آخر العشرة موتا من السابقين الأولين المختص بكثرة جمع المصطفى له أبويه يوم أحد حيث كرر له: "ارم فداك أبي وأمي"، رضي الله عنه. "إلى الخرار بخفاء معجمة" مفتوحة "وراءين مهملتين" الأولى ثقيلة، كما ذكره الصغاني في خزر المجد في فصل الخاء من باب الراء وهو الذي في النور في نسخة صحيحة مقروءة على ابن مصنفها، فما في نسخة محرفة منه ومن سيرة الشامي وتشديد الزاي الأولى لا يلتفت إليه، ولعلها كانت همزة عقب الألف فصحفت ياء فظنت زايا من تحريف النساخ. "وهو" كما في سيرة مغلطاي "واد في الحجاز يصب في الجحفة" وفي ذيل الصغاني: موضع قريب الجحفة.

وكان ذلك في القعدة، على رأس تسعة أشهر، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو، في عشرين رجلا، يعترض عيرا لقريش، فخرجوا على أقدامهم، فصبحوها صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس.

_ وفي القاموس: عين قرب الجحفة. "وكان ذلك في القعدة" بكسر القاف وفتحها، "على رأس تسعة أشهر" عند ابن سعد وشيخه الواقدي، وجعلها ابن إسحاق في السنة الثانية، وتبعه أبو عمر، فقال: بعد بدر. "وعقد له لواء أبيض حمله المقداد" بكسر الميم وسكون القاف ودالين مهملتين،"ابن عمرو" بن ثعلبة الكندي البدري المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبناه، "في عشرين رجلا" من المهاجرين، وقيل: ثمانية، "يعترض عيرا" إبلا تحمل الطعام وغيره من التجارات، ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك، كما في النور. وكانت "لقريش فخرجوا على أقدامهم فصبحوها" أي: الخرار، وأنت لأنها اسم عين وهي مؤنثة، "صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس،" فرجعوا ولم يلقوا كيدا، والله أعلم.

أول المغازي ودان

"أول المغازي: ودان": ثم غزوة ودان، وهي الأبوء وهي أول مغازيه، كما ذكره ابن إسحاق وغيره.

_ أول المغازي ودان: قال الزهري: في علم المغازي خير الدنيا والآخرة. وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي: كنا نعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلم السور من القرآن، رواهما الخطيب وابن عساكر. وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها. "ثم غزوة ودان" بفتح الواو وشد المهملة فألف فنون قرية جامعة من أمهات القرى من عمل الفرع، وقيل: واد في الطريق يقطعه المصعدون من حجاج المدينة. "وهي" أي: غزوة ودان، "الأبواء" بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد: قرية من عمل الفرع بينها وبين لجحفة من جهة المدينة وثلاثة وعشرون ميلا. قيل: سميت بذلك لما فيها من الوباء، وهو على القلب وإلا لقيل الأوباء، والصحيح كما قال قاسم بن ثابت: إنها سميت بذلك لتبوء السيول بها، ومراد المصنف أن منهم من أضافها لودان وبعضهم للأبواء لتقاربهما، فليس ضمير هي راجعة لودان، لاقتضائه أنه مكان واحد له اسمان، وهو خلاف الواقع كما يأتي. "وهي" أي: غزوة ودان، "أول مغازيه" صلى الله عليه وسلم "كما ذكره ابن إسحاق وغيره،" وآخرها تبوك، ولا يرجع ضمير هي للأبواء وإن كان

وفي صحيح البخاري عنه: أوله الأبواء. خرج صلى الله عليه وسلم في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمة المدينة، يريد قريشا، في ستين رجلا وحمل اللواء حمزة بن عبد المطلب. فكانت الموادعة -أي المصالحة- على أن بني ضمرة لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعا، ولا يعينون عليه عدوا. واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. وليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحاق وبين ما نقله عنه البخاري اختلاف، لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال أو ثمانية.

_ أقرب مذكور؛ لأنه لا يتخيل تناف حتى يحتاج للجواب الآتي. "وفي صحيح البخاري عنه" أي: ابن إسحاق تعليقا: "أولها" أي: المغازي "الأبواء" ثم بواط ثم العشيرة، ولا تنافي كما يأتي، "خرج صلى الله عليه وسلم في صفر" لاثنتي عشرة مضت منه، كما عند بعض الرواة عن ابن إسحاق، "على رأس" أي: عند أول "اثني عشر شهرا" ففي المصباح: رأس الشهر: أوله، "من مقدمه المدينة يريد قريشا" زاد ابن إسحاق: وبني ضمرة، فكأنه قصره على قريش؛ لأنهم المقصودون بالذات والمراد غيرهم، "في ستين رجلا" من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، "وحمل اللواء" قال أبو عمر: كان أبيض، "حمزة بن عبد المطلب" سيد الشهداء "فكانت الموادعة" أي: فكان الأثر المترتب على خروجه الموادعة "أي: المصالحة" مع بني ضمرة ولم يدرك العير التي أراد "على أن بني ضمرة" بفتح المعجمة وإسكان الميم: ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة "لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعا، ولا يعينون عليه عدوا" وإنه إذا دعاهم لنصر أجابوه، قال ابن إسحاق وابن سعد وأبو عمر: عقد ذلك معه سيدهم مخشي ابن عمرو الضمري. وقال ابن الكلبي وابن حزم: عمارة بن مخشي بن خويلد، ومخشي بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين ثم ياء مشددة كياء النسبة، قال البرهان: لا أعلم له إسلاما. وقال الشامي: لم أر من ذكر له إسلاما، وكتب بينهم بذلك كتابا، كما قال السهيلي، وسيذكره المصنف بعد بواط، والأولى تقديمه هنا. "واستعمل على المدينة سعد بن عبادة" كما ذكره ابن المصنف بعد بواط، والأولى تقديمه هنا. "واستعمل على المدينة سعد بن عبادة" كما ذكره ابن هشام وابن سعد وابن عبد البر: وغاب عنها خمسة عشر يوما ثم رجع ولم يلق كيدا. "و" أفاد في فت الباري أنه "ليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحاق" من أن أول غزواته ودان "وبين ما نقله عنه البخاري" أن أولها الأبواء "اختلاف؛ لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال" وبه جزم اليعمري، "أو ثمانية" كما قال غيره، زاد في الفتح: ولهذا وقع في حديث الصعب بن جثامة وهو بالأبواء أبو بودان، كما مر في الحج. وفي مغازي الأموي: حدثني أبي عن ابن إسحاق، قال: ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم غازيا بنفسه حتى انتهى إلى ودان وهي الأبواء. وعند ابن عائذ عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى الأبواء، انتهى. فكما وقع في العيون أنه سار حتى بلغ ودان وقع في غيره أنه سار حتى بلغ الأبواء. وروى البخاري في التاريخ الصغير والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، قال: أول غزوة غزوناها مع النبي صلى الله عليه وسلم الأبواء.

غزوة بواط

غزوو بواط: ثم غزوة بواط -بفتح الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو وآخره مهملة- غزاها صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة، حتى بلغها من ناحية رضوى -بفتح الراء وسكون المعجمة، مقصور- في مائتين من أصحابه،.....................................................................

_ ثم غزوة بواط: "بفتح الموحدة" عند الأصيلي والمستملي من رواة البخاري والعذري من رواة مسلم، وصدر به في الفتح فتبعه السيوطي والمصنف هنا، قائلين: "وقد تضم" صريح في قلته مع أنه الأعرف، كما قاله في المطالع، واقتصر عليه في المقدمة، والمصنف في الشرح، وصاحب القاموس. "وتخفيف الواو" فألف "وآخره" طاء "مهملة" جبل من جبال جهينة بقرب ينبع لعلى أرعة برد من المدينة. وقال السهيلي: بواط جبلان فرعان لأصل واحد، أحدهما جلسي والآخر غوري. وفي الجلسي بنو دينار ينسبون إلى دينار مولى عبد الملك بن مروان "غزاها صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول" قاله ابن إسحاق، وقال أبو عمر وتلميذه ابن حزم في ربيع الآخر "على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة، حتى بلغها من ناحية رضوي بفتح الراء وسكون" الضاد "المعجمة مقصور" جبل بالمدينة والنسبة إليه رضوي، قاله الجوهري. وفي السبل: على أربعة برد من الميدنة وبه يفسر قول المجد على أبراد. وفي خلاصة الوفاء: رضوى كسكرى جبل على يوم من ينبغ وأربعة أيام من المدينة ذو شعاب وأودية وبه مياه وأشجار، هذا هو المعروف ومنه يقطع أحجار المنارة، قيل: هو أول تهامة، انتهى. وهو مباين لكلام أولئك بكثير، ويذكر أن رضوى من الجبال التي بني منها البيت، أنه من جبال الجنة. وفي حديث رضوي رضي الله عنه: وقدس وتزعم الكيسانية أن محمدا ابن الحنفية مقيم به حي يرزق. "في مائتين من أصحابه" المهاجرين وحمل لواءه وكان أبيض سعد بن أبي وقاص، كما في الشامية وغيرها. وفي العيون: سعد بن معاذ، فيما ذكر ابن سعد. وتقدم مناقضة البرهان

يعترض عيرا لقريش فيهم أمية بن خلف الجمحي. واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون. فرجع ولم يلق كيدا، أي حربا، قال ابن الأثير: والكيد الاحتيال والاجتهاد، وبه سميت الحرب كيدا. ثم غزوة العشيرة -بالشين المعجمة، والتصغير، آخره هاء. لم يختلف أهل المغازي في ذلك، وفي البخاري..........................................................

_ له وتأويله ولكن الأقرب أنه ابن أبي واقاص، للتصريح بأن الذين خرجوا من المهاجرين، نعم قيل إنه استخلف ابن معاذ على المدينة، قال شيخنا: فعله التباس للاستخلاف بالحمل. "يعترض عيرا" لتجار قريش عدتها ألفان وخمسمائة بعير، قاله ابن سعد وشيخه الواقدي. "فيهم أمية بن خلف الجمحي" ومائة رجل من قريش، "واستعمل على المدينة" فيما قال ابن هشام وابن عبد البر ومغلطاي، "السائب بن عثمان بن مظعون" الجمحي أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة وشهد بدرا في قول الجميع إلا ابن الكلبي، فقال: الذي شهدها عمه، ووهمه ابن سعد لمخالفته جميع أهل السير، واستشهد يوم اليمامة. وفي نسخة من سيرة ابن هشام، كما في الفتح: استخلف السائب بن مظعون وجرى عليه السهيلي. انتهى. وهو أخو عثمان شهد بدرا عند ابن إسحاق ولم يذكره موسى بن عقبة فيهم، وربما علم من أنهما نسختان عن ابن هشام سقط انتقد البرهان وتبعه الشامي على السهيلي بأن الذي في الهشامية السائب ابن الأخ لا عمه. وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ. "فرجع" عليه السلام "ولم يلق كيدا، أي: حربا، قال ابن الأثير" في النهاية أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم بن محمد الشيباني الجزري العالم النبيل أحد الفضلاء صاحب التصانيف الشهيرة، ولد في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ومات بالموصل يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة، "والكيد الاحتيال والاجتهاد وبه سميت الحرب كيدا" مجازا لاقترانها بالاشتهار فيه. وذكر القاموس من معاني الكيد الحرب، فمقتضاه اشتراكه فيه وفي غيره وضعا. وجمع شيخنا بأن القاموس أراد التنبيه على المعاني التي يصدق عليها الكيد أعم من أن يكون حققة أو مجازا، والله أعلم. ثم غزوة العشيرة: بالعين المهملة المضمومة "بالشين المعجمة والتصغير آخره هاء" قال السهيلي: واحدة العشيرة مصغر، "لم يختلف أهل المغازي في ذلك" الضبط، قال في المشارق: وهو المعروف. قال الحافظ: وهو الصواب، ووقع في الصحيحين خلافه، فنبه عليه فقال: "وفي البخاري" ومسلم

العشيرة، أو العسيرة بالتصغير، والأولى بالمعجمة بلا هاء، والثانية: بالمهملة وبالهاء -وأما غزوة العسرة- بالمهملة بغيرة تصغير- فهي غزوة تبوك، وستأتي إن شاء الله تعالى. ونسب هذه إلى المكان الذي وصلوا إليه، وهو موضع لبني مدلج بينبع. وخرج إليها صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى..................................

_ والترمذي من طريق أبي إسحاق: سألت زيد بن أرقم ... الحديث، وفيه: فأيهم كانت أول؟ قال: "العشيرة أو العسيرة" هكذا ثبت في أصل الحافظ من البخاري، فقال في الفتح: "بالتصغير" فيهما "والأولى بالمعجمة بلا هاء والثانية بالمهملة وبالهاء" وفي أصل المصنف من البخاري: العسيرة أو العشير؟ فقال: بالتصغير فيهما وبالمهملة مع الهاء في الأولى والمعجمة بلا هاء في الثانية، ولأبي ذر: العسير بالمهملة بلا هاء والعشير بالمعجمة بلا هاء. وللأصيلي: العشير أو العسير بالمعجمة في الأول والمهملة في الثاني مع حذف الهاء والتصغير في الكل. وفي نسخة عن الأصيلي: العشير بفتح العين وكسر الشين المعجمة بغير هاء، كذا رأيته في الفرع كأصله، انتهى. وفي مسلم: العسير أو العشير، قال النووي: هكذا في جميع نسخ صحيح مسلم بضم العين، والأول بالسين المهملة والثاني بالمعجمة، انتهى. ورواية الترمذي كرواية مسلم كما أفاده الحافظ، وبهذا كله بأن خطّأ من زغم أنه بالهمز ومنشؤه قراءته العشيراء بالمد، والعسيرة بالواو. "وأما غزوة السعرة بالمهملة بغير تصغير، فهي غزوة تبوك" قال الله تعالى: {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة} [التوبة: 117] ، "وستأتي إن شاء الله تعالى" سميت بذلك لما كان فيها من المشقة، كما يأتي بيانه. ولما كان يتوهم في هذه على ضبطه الثاني أنها سميت بذلك لما سميت به تبوك، وصغرت دفع هذا الوهم وخصها دون السابقين، فقال: "ونسبت هذه إلى المكان الذي وصلوا إليه، وهو موضع لبني مدلج بينبع" لس بينها وبين البلد إلا الطريق السالك، كما في النور وغيره. وفي القاموس: موضع ناحية ينبع وفيه ينبع كينصر حصن له عيون ونخيل وزرع بطريق حاج مصر، فهو غير مصروف كيشكر. وفي الفتح: يذكر ويؤنث. قال ابن إسحاق: موضع ببطن ينبع. وفي الروض: معنى العسير أو العسيرة أنه اسم مصغر من العسرى والعسر، إذا صغرت تصغير ترخيم، قيل: عسير وهي بقلة تكون أذنة، أي: عصيفة، ثم تكون سحاء، ثم يقال لها: العسري. "خرج إليها صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى" قاله ابن إسحاق وتبعه ابن حزم وغيره.

-وقيل: الآخرة- على رأس ستة عشرة شهرا من الهجرة، في خمسين ومائة رجل -وقيل في مائتي رجلا- ومعهم ثلاثون بعيرا يعتقبونها، وحمل اللواء -وكان أبيض- حمزة، يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة. فخرج إليها ليغنمها فوجدها قد مضت. ووادع بني مدلج من كنانة. تتميم.

_ "وقيل: الآخرة" قاله ابن سعد، أي: المتأخرة وفي نسخة الأخرى: وعبر به لمقابلتها بالأولى، فاندفع اللبس بالواحدة المتناولة للمتقدمة والمتأخرة. وقد ذكر السيوطي في الشماريخ ما حاصله: أنه إذا دلت قرينة على المراد ساغ التعبير بالآخر والأخرى، وفي نسخة: الأول. وقيل: الآخر بتذكيرهما ذهابا إلى معنى الشهر، وإن كان المصباح إنما نقل تأويله إذا وقع في شعره، وإلا فحمادان مؤنثان دون الشهور، ويخرج تذكير الآخر أيضا على مفاد الشماريخ. "على رأس ستة عشر شهرا من الهجرة في خمسين ومائة رجل، وقيل:" في "مائتين" حكاهما ابن سعد، وزاد: من قريش من المهاجرين ممن انتدب ولم يكره أحدًا على الخروج، "رجلا" تمييز مائتين وهو شاذ، كقوله: إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب المسرة والغناء ولا يقاس عليه عند الجمهور، والقياس في مائتي رجل بالإضافة. "ومعهم ثلاثون بعيرا يعتقبونها" يركبها بعضهم ثم ينزل فيركب غيره، "وحمل اللواء، وكان أبيض حمزة" أسد الله وأسد رسوله، "يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجار" وكانت قريش جمعت أموالها في تلك العير، ويقال: إن فيها خمسين ألف دينار وألف بعير، ولا يرد على هذا العير الإبل التي تحمل الميرة، لقول المصباح: إنها غلبت على كل قافلة. "فخرج إليها ليغنما فوجدها قد مضت" قبل ذلك بأيام، وهي العير التي خرج إليها حين رجعت من الشام فكان بسببها وقعة بدر الكبرى، كما في العيون وغيرها. قال أبو عمر: فأقام هناك بقية جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة وبه يعلم أن في قول اليعمري: فأقام بها جمادى الأولى ... إلخ، تجوزا بدليل قوله: أولا خرج في أثناء جمادى الأولى. "ووادع" في هذه السفرة "بني مدلج" زاد ابن إسحاق: وحلفاؤهم من بني ضمرة، وتقدم في ودان إنه وادع بن ضمرة فلعلها تأكيد للأولى، أو أن حلفاء بن يمدلج كانوا خارجين عن بني ضمرة لأمر ما، وبسببه حالفوا بني مدلج فكان ابتداء صلح لبني مدلج "من كنانة" هي تجمع بني مدلج وبني ضمرة؛ لأن كلا قبيلة من كنانة. وذكر الواقدي أن هذه السفرات الثلاث كان صلى الله عليه وسلم يخرج فيها لتلقي تجار قريش حين يمرون إلى الشام ذهابا وإيابا، وبسبب ذلك كانت

وكانت نسخة الموادعة.................................................................

_ وقد بدر وكذلك السرايا التي بعثها قبل بدر. تتميم: روى ابن إسحاق وأحمد من طريقه، عن عمار: أن النبي صلى الله عليه وسلم كنى عليا أبا تراب حين نام هو وعمار في نخل لبني مدلج مجتمع، ولصق بهما التراب، قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحركنا برجله وقد تتربنا، فيومئذ قال لعلي بن أبي طالب: "ما لك يا أبا تراب"؟، ويعارضه ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يجد عليا، فقال صلى الله عليه وسلم لإنسان: "انظر أين هو"، فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب، فجعل صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: "قم أبا تراب". وفي رواية: "اجلس أبا تراب" مرتين، قال سهل: وما كان له اسم أحب إليه منه. وغلط ابن القيم رواية السيرة، وقال: إنما كناه بذلك بعد بدر، وهو أول يوم كناه فيه. وقال السهيلي: ما في الصحيح أصح، إلا أن يكون كناه بها مرة في هذه الغزوة ومرة بعدها في المسجد، ومال الحافظ وصاحب النور إلى ذا الجمع، لكنهما قالا: فإن صح فيكون كناه ... إلخ، إشارة للتوقف فيه، فإن إسناده لا يخلو من مقال. قيل: ولهذا اختص علي بقولهم كرم الله وجهه دون غيره من الصحابة والآل، وقيل: لأنه لم يسجد لصنم قط وقيل غير ذلك. وروى الطبراني عن ابن عباس، وابن عساكر عن جابر: أنه صلى الله عليه وسلم لما آخى بين أصحابه ولم يؤاخ بين علي وبين أحد غضب فذهب إلى المسجد، فذكر نحو حديث الصحيح. قال الحافظ: ويمتنع الجمع بينهما؛ لأن المؤاخاة كانت أول ما قدم المدينة ودخول علي على فاطمة بعد ذلك بمدة. وما في الصحيح أصح، انتهى. ولم يظهر من تعليله امتناع الجم، فإنه ممكن بمثل ما جمعوا به بين الحديثين قبله، فيكون كناه ثلاث مرات، أولها: يوم المؤاخاة في المسجد. وثانيها: في هذه الغزوة في نخل بني مدلج. وثالثها: بعد بدر في المسجد لما غاضب الزهراء وإنما يمتنع لو قال في رواية الصحيح: إنه أول يوم كناه فيه، كما ادعى ابن القيم. "وكانت نسخة الموادعة" بينه صلى الله عليه وسلم وبين بني ضمرة الواقعة في غزوة ودان، وذكر ههنا وإن كان الأولى تقديمها، ثم كان فعل السهيلي وأتباعه لأنه أراد ذكر الغزوات الثلاث على حدة ولم يخش لبس أنها لبني مدلج لتصريح الكتاب أنها لبني ضمرة، ولذا أسقط أولا قول ابن إسحاق

فيما ذكره غير ابن إسحاق. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة، بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم أن لا يحاربوا في دين الله ما بل بحر صوفة، وأن النبي إذا دعاهم لنصر أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله ورسوله. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلم بن عبد الأسد.

_ وحلفاؤهم من بني ضمرة، "فيما ذكر غير ابن إسحاق" كما أفاده السهيلي في الروض: "بسم الله الرحم الرحيم" فيه ندب افتتاح الكتب بالبسملة فقط، وقد جمعت كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم فوجدت مفتتحة بها دون حمدلة وغيرها، "هذا كتاب من محمد رسول الله صلى لبني ضمرة بأنهم" بالباء الموحدة، كما هو المنقول في الروض وغيره، ويقع في نسخ: فإنهم، بالفاء وفي توجيهها عسر. "آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم" أي: قصدهم بسوء بشرط "أن لا يحابوا" أي: يخالفوا "في دين الله" بإرادتهم إبطال ما جاء به الشرع أو المعنى على من قصدهم، يريد منهم: أن لا يحاربوا في نصرة دين الله "ما بل بحر صوفة" كناية عن تأييد مناصرتهم؛ إذ معلوم أن ماء البحر لا ينقطع، "وأن النبي" صلى الله عليه وسلم "إذا دعاهم لنصر أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله" بكسر الذال المعجمة، أي: عهده "و" عهد "رسوله" وفسرها الشامي بأمانة، والأول أولى، وفي مقدمة الفتح: ذمة الله، أي: ضمانه، وقيل: الذمام الأمان، زاد في الروض: ولهم النصر على من بر منهم واتقى، وعلى بمعنى اللام، أي: لمن بر منهم واتقى النصر منا على عدوهم. "قال ابن هشام" عبد الملك، ,واستعمل" صلى الله عليه وسلم "على المدينة" في خروجه للعشيرة "أبا سلمة" عبد الله "بن عبد الأسد" بسين ودال مهملتين المخزومي البدري أحد السابقين.

غزوة بدر الأولى

غزوة بدر الأولى: "ثم غزوة بدر الأولى": قال ابن إسحاق: ولما رجع عليه الصلاة والسلام -أي: من غزوة العشيرة- لم يقم إلا ليالي، وقال ابن حزم: بعد العشيرة بعشرة أيام،.............................

_ ثم غزوة بدر الأولى: "قال ابن إسحاق: ولما رجع عليه الصلاة والسلام، أي: من غزوة العشيرة لم يقم إلا ليالي" قلائل لا تبلغ العشر، كما هو نص ابن إسحاق. "وقال ابن حزم: بعد العشيرة بعشرة أيام"

حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ سفوان -بفتح المهملة والفاء- موضع من ناحية بدر، ففاته كرز بن جابر. وتسمى بدرا الأولى. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وحمل اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

_ نقله عنه مغلطاي، ونقل الشامي عنه أنه عليه السلام خرج في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، هو مبني على أن هذه قبل العشيرة، كما ذهب إليه ابن سعد ورزين وغيرهما، وابن إسحاق إلى أنها بعدها، "حتى " غاية للإثبات المستفاد من نقض النفي بألا، فكأنه قال: استمر إقامته إلى أن "أغار كرز" بضم الكاف وسكون الراء وبالزاي، "ابن جابر الفهري" نسبة إلى جده الأعلى فهر بن مالك بن النضر كان من رؤساء المشركين، ثم أسلم وصحب وأمر على سرية واستشهد في غزوة فتح مكة، "على سرح المدينة" بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: الإبل والمواشي التي تسرح للرعي بالغداة، كما في النور والسبل، ولعل المراد بالمواشي المال السائم، كما في المختار في الشرح، وإن كان المواشي، كما في القاموس: الإبل والغنم. وفي العيون: السرح ما رعوا من نعمهم، ويروى: أنه أغار عليهم من سعر، وفي خلاصة الوفاء: سعر كزفر جمع سعير الواردي جبل بأصل حمى أم خالد يهبط منه إلى بطن العتيق، كان يرعى بها السرح. "فخرج صلى الله عليه وسلم حتى بلغ سفوان بفتح المهملة و" فتح "الفاء" وبالنون "موضع من ناحية بدر" ذكره في النهاية وتبعه السمهودي، فقال: سفوان بفتحات واد من ناحية بدر، وقيل: الفاء ساكنة "ففاته كرز بن جابر، وتسمى بدرا الأولى، قال ابن هشام واستعمل على المدينة زيد بن حارثة وحمل اللواء" وكان أبيض، كما في الشامية "علي بن أبي طالب رضي الله عنه" فرجع ولم يلق كيدا.

سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش

سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش: ثم سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش....................................................

_ ثم سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش: ابن رباب براء مكسورة فتحتية فموحدة ابن معمر الأسدي أحد السابقين البدري، وهاجر إلى الحبشة واستشهد بأحد. وروى أبو القاسم البغوي عن سعد بن أبي وقاص: بعثنا صلى الله عليه وسلم في سرية، وقال: "لأبعثن عليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش"، فبعث علينا عبد الله بن جحش فكان أول أمير في الإسلام. قال اليعمري: سمي في هذه السرية أمير المؤمنين، وقال

في رجب على رأس سبعة عشر شهرا، وكان معه ثمانية -وقيل اثنا عشر- من المهاجرين، إلى نخلة على ليلة من مكة، يترصد قريشا، فمرت به عيرهم تحمل زبيبا وأدما، فيها عمرو بن الحضرمي،...................................

_ غيره: سماه صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين فهو أول من تسمى به في الإسلام، ولا ينافيه القول بأن أول من تسمى به عمر؛ لأن المراد من الخلفاء أو على العموم وهذا على من معه. "في رجب" عند الأكثر, وقطع به الحافظ في سيرته وفي الفتح، وقيل: في جمادى الآخرة، "على رأس سبعة عشر شهرا، وكان معه ثمانية" كما رواه ابن إسحاق وسماهم، فقال: أبو حذيفة بن عتبة العبشمي، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء. "وقيل: اثنا عشر" فزيد: عامر بن إياس، والمقداد بن عمرو، وصفوان بن بيضاء، فلعل القائل بالثاني عد الأمير منهم، وهو ظاهر قول الحافظ في كتاب العلم: وكانوا اثني عشر رجلا، انتهى. وزيادة بعضهم وجابر السلمي خطأ لأنه أنصاري، وقد قال المؤلف كغيره "من المهاجرين" زاد ابن سعد: ليس فيهم من الأنصار أحد يعتقب كل اثنين منهم بعيرا، "إلى نخلة على ليلة من مكة" بين مكة والطائف، وفي المعجم: نخلة على يوم وليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة التي استمعه الجن فيها. روى ابن إسحاق عن عروة مرسلا ووصله الطبراني بإسناد حسن من حديث جندب البجلي: أنه صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا، فلما سار يومين فتح الكتاب، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم"، فقال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه أنه نهاه أن يستكره أحدا منهم، فلم يتخلف منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان ببحران بفتح الموحدة وضمها أضل سعد وعتبة بعيرهما الذي كانا يعتقبان عليه، فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله وأصحابه حتى نزل بنخلة، "يرتصد قريش فمرت به عيرهم تحمل زبيبا وأدما" بفتح الهمزة والدال، أي: جلود، زاد ابن القيم وغيره: وتجارة من تجارة قريش، أي: مالا من أموالهم. وفي الفتح: لقوا أناسا من قريش راجعين بتجارة من الشام، "فيا عمرو بن الحضرمي" بمهملة ومعجمة ساكنة، واسمه عبد الله بن عباد أو ابن عمار له عمر، وهذا وعامر والعلاء وأختهم الصعبة أسلم، والعلاء كان من أفاضل الصحابة، وكذا الصعبة وهي أم طلحة بن عبيد الله وفيها أيضا عثمان ونوفل ابنا عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان فنزلوا قربهم فهابوهم فأرشدهم عبد الله إلى ما يزيل فزعهم،

فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، فإن قتلناهم هتكنا حرمة الشهر، وإن تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة، فأجمعوا على قتلهم فقتلوا عمرا واستأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وهرب من هرب، واستاقوا العير، فكانت أول غنيمة في الإسلام، فقسمها ابن جحش، وعزل الخمس من ذلك قبل أن يفرض، ويقال: بل قدموا بالغنيمة كلها.

_ فحلق عكاشة رأسه، وقيل: واقد وأشرف عليهم فلما رأوهم آمنوا، وقالوا: عمار، بضم العين وشد الميم، أي: معتمرون، لا بأس عليكم منه، فقدوا ركابهم وسرحوها وصنعوا طعاما. "فتشاور المسلمون، وقالوا: نحن في آخر يوم رجب" ويقال: أول يوم من شعبان، وقيل: في آخر يوم من جمادى الآخرة. وفي الاستيعاب: الأكثر أن سرية عبد الله في غرة رجب إلى نخلة وفيها قتل ابن الحضرمي لليلة بقيت من جمادى الآخرة. قال البرهان: وهو تباين ولعله غلط من الناسخ، صوابه: لليلة بقيت من رجب فيتفق الكلامان مع تأويل، أي: قوله في غرة رجب، وقوله: بقيت من رجب على ما صوب مع تأويل اليوم بالليلة لقربها منه أو الليلة باليوم، وقد يقال: لا تباين ولا غلط، بل هو إشارة للشك الذي وقع لهم، ففي حديث جندب عند الطبراني وغيره: ولم يدروا أذلك اليوم من رجب أو من جمادى، وحاصله: أنهم شكوا في اليوم أهو من الشهر الحرام أم لا؟ "فإن قتلناهم هتكنا حرمة الشهر" الحرام "وإن تركناهم الليلة دخلوا حرمة مكة" فامتنعوا به منا ثم شجعوا أنفسهم عليهم، "فأجمعوا على قتلهم" أي: قتل من قدروا عليه منهم، كما في الرواية: "فقتلوا عمرا" الحضرمي وفيه تجوز؛ لأنه لما كان برضاهم نسب إليهم، وإلا فالقاتل له، كما في الرواية: واقد بن عبد الله رماه بسهم فقتله، "واستأسروا" أي: أسروا "عثمان بن عبد الله" بن المغيرة المخزومي "والحكم بن كيسان" بفتح الكاف وسكون التحتية وسين مهملة ونون. روى الواقدي عن المقداد قال: أنا الذي أسرت الحكم، فأرادوا قتله فأسلم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وهرب من هرب" وسمي في الرواية منه: نوفل بن عبد الله، "واستاقوا العير" أي: ساقوها فالمجرد والمزيد بمعنى، كما في القاموس، أي: أخذوها، "فكانت أول غنيمة في الإسلام" قال في الفتح: وأول قتل وقع في الإسلام، "فقسمها ابن جحش" بين أصحابه، "وعزل الخمس من ذلك" باجتهاد منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، "قبل أن يفرض" الخمس، كما رواه ابن إسحاق عن بعض آل عبد الله. قال ابن سعد: فكان أول خمس خُمس في الإسلام. "ويقال: بل قدموا بالغنيمة كلها" المدينة فقسمها صلى الله عليه وسلم بدر، ويقال: تسلمها منهم وخمسها ثم قسمها عليهم، ولم يحكه لمنابذته للمروي عند ابن إسحاق والطبراني، بلفظ: فقدموا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فأخر الأسيرين والغنيمة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنمائمها. وتكلمت قريش: إن محمدًا سفك الدماء، وأخذ المال في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} الآية [البقرة: 217] . وفي ذلك يقول عبد الله بن جحش:

_ على رسول الله صلى الله عليه وسلم. "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فأخر الأسيرين والغنيمة" لتوقفه في حل ذلك، وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك، وفيه أن شرع من قبلنا شرع لنا حتى يرد ناسخ. قال في الرواية: فلما قال صلى الله عليه وسلم ذلك سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم هلكوا وعنفهم إخوانهم فيما صنعوا، "حتى رجع من بدر فقسمها مع غنمائمها" على غانميها فقط، لا إنه خلطها مع غنائم بدر وعم بها الجميع. وذكر ابن وهب: أنه صلى الله عليه وسلم رد الغنيمة، وودى القتيل. قال ابن القيم: والمعروف في السير خلافه، "وتكلمت قريش أن محمدًا سفك الدماء وأخذ المال" أي: أمر بهما "في الشهر الحرام" أو هو حقيقة بأن علموا أو ظنوا أخذه عليه السلام الغنيمة من أصحابه، زاد ابن إسحاق في روايته: وأسر فيه الرجال، فقال: من يرد عليهم من المسلمين ممن كانوا بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفاءل بذلك عليه صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله عمر وعمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد وقدت الحرب، فجعل الله ذلك عليهم، لا لهم. "فأنزل الله تعالى" بعد أن أكثر الناس القول: " {يَسْأَلُونَكَ} [البقرة: 217] ، قال البيضاوي: أي الكفار بعثوا يعيرون، وقيل: أصحاب السرية، {عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217] ، بدل اشتمال "الآية" قال في الرواية: ففرج الله عن المسلمين وأهل السرية ما كانوا فيه، ولكنهم ظنوا أنه إنما نفى عنهم الإثم فلا أجر لهم فطمعوا فيه، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين. وفي رواية: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فلا أجر لهم، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218] ، فوضعهم الله تعالى من ذلك على أعظم الرجاء. "وفي ذلك يقول عبد الله بن جحش" كما قال ابن هشام. وقال ابن إسحاق: الصديق، ورجح البرهان الأول بما في الاستيعاب عن الزهري: أن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام حتى مات، فإن صح فلا يعارضه كل امرئ مصبح في أهله ... البيت؛ لأنه تمثل به وإنما هو لحنظلة بن سيار، كما قاله عمر بن شبة، وقد ذكرها ابن إسحاق ستة أبيات اقتصر المصنف كاليعمري على

تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد وبعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء الأسيرين، وهما: عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الحكم فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما.................................. عثمان فلحق بمكة فمات بها كافرا.

_ ثلاثة واذكر ما حذفه، فقال: "تعدون قتلا في" الشهر "الحرام عظيمة وأعظم" أكبر وأشد "منه" من القتل الواقع منافيه وجملة "لو يرى الرشد راشد"، معترضة وجواب لو محذوف، أي: لعلم إن فعلكم أعظم، "صدودكم" خبر أعظم، "عما يقول محمد، وكفر به والله راء وشاهد" جملة حالي، والثالث والرابع: وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وارجف بالإسلام باغ وحاسد "سقينا من" عمرو "بن" عبد الله "الحضرمي رماحنا، بنخلة لما" حين "أوقد الحرب واقد" ابن عبد الله التميمي برميه ابن الحضرمي بسهم قتله به، ومفعول سقينا الثاني دماني البيت السادس، وهو: دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازهه غل من القيد قاعد وغل بضم المعجمة: طوق من حديد يجعل في العنق، وأما بكسرها فالحقد كما في المصباح، ولم يذكر الناظم الحكم مع أنه أسير أيضا، لجواز أنه بعد إسلامه أو قبله وصرفه الله عن ذلك لعلمه بأنه من السعداء الشهداء. "وبعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء الأسيرين، وهما: عثمان بن عبد الله" المخزومي "والحكم بن كيسان" فقال صلى الله عليه وسلم: "لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا -يعني سعدا وعتبة- فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم"، فقدم سعد وعتبة بعدهم بأيام، "ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم" كل واحد بأربعين أوقية، كما الشامية. "فأما الحكم" بن كيسان مولى عمرو المخزومي والد أبي جهل، "فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا" ذكره ابن إسحاق وابن عقبة وعروة بن الزبير، وروى الهيثم بن عدي عن يونس عن ابن عباس، وعن أبي بكر بن أبي جهم، قال: تزوج الحكم بن كيسان مولى بني مخزوم وكان حجاما، آمنة بنت عفان أخت عثمان، وكانت ماشطة، ذكره في الإصابة. و"وأما عثمان فلحق بمكة، فمات بها كافرا" ومن يضلل الله فلا هادي له.

تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر

"تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر": ثم حولت القبلة إلى الكعبة، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس بالمدينة ستة عشرا شهرا. وقيل سبعة عشر،...........................

_ تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر: "ثم حولت القبلة" أي: الاستقبال لا ما يستقبله المصلي؛ إذ لا يتعلق به تحويل أو حول، أي: غير وجوب استقبال المقدس، "إلى الكعبة" الترتيب ذكري لا زماني، فلا يرد عليه جزمه أن السرية على رأس سبعة عشر شهرا في رجب، وحكايته الخلاف الآتي في التحويل. "وكان صلى الله عليه وسلم يصلي إلى" صخرة "بيت المقدس" التي كان موسى يصلي إليها بحذاء الكعبة، وهي قبلة الأنبياء كلهم، نقله القرطبي عن بعضهم. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، قال: ما خالف نبي نبيا في قبلة ولا سنة، إلا أنه صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس ثم تحول إلى الكعبة. وروى أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن الحسن في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] الآية، قال: أعلم قبلته فلم يبعث نبي إلا وقبلته البيت، وهذا قواه الحافظ العلائي، فقال في تذكرته: الراجح عند العلماء أن الكعبة قبلة الأنبياء كلهم، كما دلت عليه الآثار. قال بعضهم: وهو الأصح، انتهى. اختار ابن العربي وتلميذه السهيلي: أن قبلة الأنبياء بيت المقدس، قال بعض: وهو الصحيح المعروف. فعد صاحب الأنموذج من خصائص المصطفى وأمته استقبال الكعبة: إنما هو على أحد القولين المرجحين، نعم ذكر فيما اختص به على جميع الأنبياء والمرسلين أن الله جمع له بين القبلتين صلى الله عليه وسلم "بالمدينة" حال "ستة عشر شهرا" كما رواه مسلم عن أبي الأحوص، والنسائي عن زكريا بن أبي زائدة، وشريك وأبو عوانة عن عمار بن زريق بتقديم الراء مصغر، أربعتهم عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب جزما. ورواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، ورجحه النووي في شرح مسلم، وفي رواية زهير عند البخاري وإسرائيل عنده، وعند الترمذي عن أبي إسحاق عن البراء ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا بالشك. "وقيل: سبعة عشر" شهرا، رواه البزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف، والطبراي

وقيل ثمانية عشر شهرا. وقال الحربي: قدم عليه الصلاة والسلام المدينة في ربع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام السنة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر. ثم حولت القبلة. وقيل: كان تحويلها في جمادى، وقيل: كان يوم الثلاثاء في نصف شعبان،

_ أيضا من حديث ابن عباس، وهو قول ابن المسيب ومالك وابن إسحاق. قال القرطبي: وهو الصحيح. قال الحافظ: والجمع بينها سهل بأن من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور. ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني ربيع الأول، انتهى. قال البرهان: ويمكن أن هذا مراد من قال سبعة عشر بإلغاء الكسر. "وقيل: ثمانية عشر شهرا" رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء، قال الحافظ: وهو شاذ، وأبو بكر سيئ الحفظ وقد اضطرب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية سبعة عشر، وفي آخر: ستة عشر، قال: ومن الشذوذ أيضا ثلاثة عشر شهرا، ورواية تسعة أشهر أو عشرة، ورواية: شهرين، ورواية: سنتين، ويمكن حمل الأخيرة على الصواب وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على الثلاثة الأول، فجملة ما حكي تسع روايات، انتهى. وكأنه لم يعد رواية الشك، وإلا كانت عشرة، وكذا لم يعدها البرهان وعد الأقوال عشرة، فزاد القول بأنه بضعة عشر شهرا ولم يعده الحافظ؛ لأنه يمكن تفسيره بكل ما زاد على العشرة. "وقال" إبراهيم "الحربي: قدم عليه الصلاة والسلام المدينة في ربيع الأول فصلى إلى بين المقدس تمام السنة، وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر، ثم حولت القبلة" وهذا محتمل، لكون المراد أن مدة الصلاة لبيت المقدس دون سة عشر، ولذا قال في النور: هذا كاد أن يكون قولا، انتهى. ومحتمل لأن يكون مراده ستة عشر بشهر القدوم. "وقيل: كان تحويلها في جمادى" الآخرة، وبه جزم ابن عقبة "وقيل: كان يوم الثلاثاء في نصف شعبان" قاله محمد بن حبيب، وجزم به في الروضة مع ترجيحه في شرح مسلم رواية ستة عشر شهرا للجزم بها في مسلم، كما مر. قال الحافظ: ولا يستقيم أنه في شعبان إلا بإلغاء شهري القدوم والتحويل، انتهى. نعم هو يوافق سبعة عشر بتلفيق واحد من شهري القدوم والتحويل، والقول الشاذ بأنه ثمانية عشر بإلغاء

وقيل يوم الاثنين نصف رجب. وظاهر حديث البراء في البخاري: أنها كانت صلاة العصر. ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى: أنها الظهر. وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت...................................

_ الكسر واعتبار شهري التحويل والقدوم. "وقيل: يوم الاثنين نصف رجب" رواه أحمد عن ابن عباس بإسناد صحيح. قال الواقدي: وهذا أثبت. قال الحافظ: وهو الصحيح، وبه جزم الجمهور، كما مر، وهو صالح لروايتي ستة عشر وسبعة عشر والشك، فالحاصل في الشهر ثلاثة أقوال، وفي اليوم قولان. "وظاهر حديث البراء" بتخفيف الراء والمد على الأشهر، ابن عازب الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي "في البخاري أنها" أي: الصلاة التي وقع فيها التحويل، "كان صلاة العصر" لقوله وأنه، أي: النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة صلاها صلاة العصر، أي: متوجها إلى الكعبة. "ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى" بضم الميم وفتح المهملة وشد اللام، صحابي جليل اسمه سعيد، وقيل: رافع ووهاه ابن عبد البر، وقوى الأول. "أنها الظهر" وكذا عند الطبراني والبزار من حديث أنس، وعند ابن سعد: حولت في صلاة الظهر أو العصر، وجمع الحافظ فقال في كتاب الإيمان: التحقيق: أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر الأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر. "وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر" أي: الصبح، "من اليوم الثاني" وقال في كتاب الصلاة: لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارجها وهم أهل قباء، "كما في الصحيحين" البخاري في الصلاة والتفسير ومسلم في الصلاة، وكذا النسائي "عن ابن عمر" بن الخطاب "أنه قال: بينما الناس" المعهودون في الذهن "بقباء" بالمد والتذكير والصرف على الأشهر ويجوز القصر وعدم الصرف ويؤنث. موضع معروف ظاهر المدينة وفيه مجاز الحذف، أي: بمسجد قباء. "في صلاة الصبح" ولمسلم في صلاة الغداة وهو أحد أسمائها ونقل بعضهم كراهة تسميتها بذلك، "إذ جاءهم آت" قال الحافظ: ولم يسم وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه

فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وفي هذا أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء والله أعلم.

_ عباد بن بشر ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوه محفوظا فيحتمل أن عبادا أتى بني حارثة أولا وقت العصر ثم توجه إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك في الصبح، ومما يدل على تعددهما أن مسلما روى عن أنس: أن رجلا من بني سلمة مر وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سلمة غير بني حارثة انتهى. وكون مخبر بني حارثة عباد بن بشر رواه ابن منده وابن أبي خيثمة، وقيل: عباد بن نهيك، بتفح النون وكسر الهاء، ورجح أبو عمر الأول. وقيل: عباد بن نصر الأنصاري. قال الحافظ: والمحفوظ عباد بن بشر، انتهى. وقيل: عباد بن وهب. قال البرهان: ولا أعرفه في الصحابة إلا أن يكون نسب إلى جده أو جد له أعلى إلى خلاف الظاهر، انتهى. "فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم" أسقط من الحديث ما ألفظه: قد أنزل عليه الليلة قرآن، قال الحافظ: فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازا والتنكير لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} [البقرة: 144] الآية. "قد أمر" بضم الهمزة مبنيا للمفعول "أن" أي: بأن "يستقبل" بكسر الموحدة، أي: باستقبال "الكعبة، فاستقبلوها" بفتح الموحدة عن أكثر رواة الصحيحين على أنه فعل ماض، أي: تحول أهل قباء إلى جهة الكعبة، "وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" وضمير استقبلوها ووجوههم لأهل قباء، ويحتمل أنه للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. وفي رواية الأصيلي للبخاري، والعذري لمسلم: فاستقبلوها بكسر الموحدة بصيغة الأمر، قال الحافظ: وفي ضمير وجوههم الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر. وترجح رواية الكسر رواية البخاري في التفسير، بلفظ: وقد أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله، انتهى. وفي النور أن بعض الحفاظ، قال: الكسر أفصح وأشهر وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده. "وفي هذا" الحديث من الفوائد "أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به وإن تقدم نزوله؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء" زاد الحافظ: واستنبط منه الطحاوي أن من لم تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام فالفرض غير لازم له، وفيه جواز الاجتهاد في زمنه صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لما تمادوا في الصالة ولم يقطعوها، دل على أنه رجح عندهم التمادي والتحول

وروى الطبري عن ابن عباس: لما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرا، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء فنزلت الآية.

_ على القطع والاستئناف، ولا يكون ذلك إلا عن اجتهاد، كذا قيل وفيه نظر، لاحتمال أن عندهم في ذلك يقينا سابقا لأنه عليه السلام كان مترقبا للتحويل، فلا مانع من تعليمهم ما صنعوا من التمادي والتحول، وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ونسخ ما تقرر بطريق العلم به؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاته صلى الله عليه وسلم إليه، وتحولوا إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد، وأجيب: بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم عندهم بصدق المخبر، فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم. وقيل: كان النسخ بخبر الواحد جائزا في زمنه صلى الله عليه وسلم مطلقا، وإنما منع بعده ويحتاج إلى دليل. انتهى. "وروى الطبري" محمد بن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، "عن ابن عباس" قال: "لما هجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون" خبر ثان لليهود أو لمبتدأ محذوف، أي: وهم يستقبلون "بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس" ليجمع له بين القبلتين، كما عده السيوطي من خصائصه على الأنبياء والمرسلين وتأليفا لليهود، كما قال أبو العالية "ففرحت اليهود" لظنهم أنه استقبله اقتداء بهم مع أنه كان لأمر ربه "فاستقبلها سبعة عشر شهرا، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم" وعند الطبري أيضا من طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: إنما أحب أن يتحول إلى الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا. وعند ابن سعد: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا جبريل، وددت أن الله صرف وجهي عن قبلة يهود"، فقال جبريل: إنما أنا عبد فادع ربك وسله. وعند السدي في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس: كان صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يصلي قبل الكعبة؛ لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل، فقال لجبريل: "وددت أنك سألت الله أن يصرفني إلى الكعبة"، فقال جبريل: لست أستطيع أن أبتدئ الله عز وجل بالمسألة ولكن إن سألني أخبرته. "فكان يدعو" دعاء محبة لذلك بالحال لا بالقال، ففي الفتح فيه بيان شرف المصطفى وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال، وعليه فالعطف تفسيري في قوله: "وينظر إلى السماء" ينظر جبريل ينزل عليه، كما عند السدي وغيره، ولأنها قبلة الداعي "فنزلت الآية" يعني قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] الآية، وبقية حديث ابن عباس هذا عند ابن جرير: فارتاب في ذلك

قال في فتح الباري وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة. لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصل بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، قال: والجمع بينهما ممكن: بأن يكون أمر لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس. وأخرج الطبري أيضا من طريق ابن جريج قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاثة حجج، ثم هاجر، فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله إلى الكعبة.

_ اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] الآية. "قال في فتح الباري" في كتاب الصلاة "وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس" قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصل بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه" فحصل تخالف بين حديثيه؛ إذ مقتضى الأول أنه إنما أمر به في المدينة، وهذا صريح في أنه كان بمكة. "قال" يعني في الفتح: "والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر" صلى الله عليه وسلم "لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس" فالأمر بابتداء استقباله كان بمكة، والذي بالمدينة باستمراره، ثم نسخ باستقبال الكعبة، فلم يقع نسخ بيت المقدس إلا مرة واحدة. "وأخرج الطبري" محمد بن جرير "أيضا من طريق ابن جريج" بجيمين مصغر عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي الثقة الفقيه الحافظ أحد الأعلام، مات سنة خمسين ومائة، "قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاثة حجج" بكسر المهملة وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية منون، أي: سنين بناء على أن الإسراء قبل الهجرة بخمس سنين. أما على أنه قبلها بسنة أو نحوها، فالمراد: ما كان يصليه قبل فرض الخمس، "ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله إلى الكعبة" فهذا الأثر صريح في الجمع المذكور، فلا بأس. وقوله في حديث ابن عباس الثاني: والكعبة بين يديه يخالف قول البراء عند ابن ماجه صلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة، فإن ظاهره: أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا. وحكى الزهري خلافا في أنه كان بمكة يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبين

وقوله في حديث ابن عباس الأول: "أمره الله تعالى" يرد قول من قال: إنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد. وعن أبي العالية: أنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب. وهذا لا ينفي أن يكون.................................................................

_ بيت المقدس. قال الحافظ: فعلى الأول: كان يجعل الميزان خلفه. وعلى الثاني: كان يصلي بين الركنين اليمانيين وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ، وحمل ابن عبد البر هذا على قول الثاني ويؤيده حمله على ظاهره إمامة جبريل ففي بعض طرقه: أن ذلك كان عند البيت. وفي الفتح أيضا اختلفوا في الجهة التي كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه كان لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون: أنه كان يصلي إليها بمكة. فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما هاجر استقبل المقدس. وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع به بين القولين وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، انتهى. ولا يخالفه قول ابن العربي: نسخ الله القبلة ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية مرتين مرتين ولا أحفظ رابعا.. وقال أبو العباس العزفي -بفتح المهملة والزاي وبالفاء: رابعها الوضوء مما مست النار، ونظم ذلك السيوطي؛ لأن مراد الحافظ أن خصوص نسخ بيت المقدس لم يتكرر، وما أثبته ابن العربي النسخ للقبلة في الجملة، بمعنى: أنه أمر باستقبال الكعبة ثم نسخ باستقبال بيت المقدس، ثم نسخ بالكعبة، كما هو مدلول كلاميهما، ودل عليه أثر ابن جريج. "وقوله في حديث ابن عباس الأول: أمره الله يرد قول من قال" وهو الحسن البصري، "أنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد" وكذا قول الطبري: كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختاره طمعا في إيمان اليهود، ويرده أيضا سؤاله لجبريل؛ إذ لو كان مخيرا لاختار الكعبة لما أحبها من غير سؤال. قال شيخنا: إلا أن يقال بعد اختياره وجب عليه لكنه استبعد هذا بمجلسه؛ لأن فيه تضييقا عليه ولو خير كان كتخييره بين المسح على الخفين وغسل الرجلين، والذي عليه الجمهور، كما قال القرطبي: أنه إنما كان بأمر الله ووحيه. "وعن أبي العالية" رفيع بضم الراء مصغر بن مهران بكسر الميم، الرماحي بكسر الراء وتحتية، مولاهم البصري التابعي الكبير، أخرج له الجميع. "أنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب" وعن الزجاج امتحانا للمشركين؛ لأنهم ألقوا الكعبة "وهذا لا ينفي أن يكون

بتوقيف. واختلفوا في المسجد الذي كان يصلي فيه: فعند ابن سعد في الطبقات: أنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه ودار معه المسلمون. ويقال: إنه عليه السلام زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما، وكانت الظهر، فصلى عليه السلام بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستداروا إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين...................

_ بتوقيف" فقد يكون الأمر به لتأليفهم، "واختلفوا في المسجد الذي كان يصلي فيه" حين حولت القبلة، "فعند ابن سعد في الطبقات أنه" صلى الله عليه وسلم "صلى ركعتين من الظهر في مسجده" النبوي "بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام" أي: الكعبة وعبر به كالآية دون الكعبة؛ لأنه كما قال البيضاوي: كان عليه السلام بالمدينة والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها، أي: للبعيد، حرج عليه بخلاف القريب. "فاستدار إليه ودار معه المسلمون" فصلى بهم ركعتين أخريين؛ لأن الظهر كانت يومئذ أربعا، فثنتان منها لبيت المقدس، وثنتان للكعبة، ووقع التحويل في ركوع الثالثة، كما في النور، فجعلت كلها ركعة للكعبة مع أن قيامها وقراءتها وابتداء ركوعها للقدس؛ لأنه اعتداد بالركعة إلا بعد الرفع من الركوع ولذا يدركها المسبوق قبله. "ويقال: إنه عليه السلام زار أم بشر بن البراء بن معرور" بمهملات، يقال: اسمها خليدة، كما في التجريد. "في بني سلمة" بكسر اللام والنسبة إليها بفتحها على المشهور، وفي الألفية. والسلمي افتحه في الأنصاري. وفي اللب كسرها المحدثون في النسبة أيضا. "فصنعت له طعاما، وكانت" أي: وجدت "الظهر" أي: دخل وقتها، فكان تامة، لكن المذكور في الفتح الذي هو ناقل عنه، وكذا العيون والسبل عن ابن سعد، بلفظ: وحانت الظهر بمهملة، أي دنا وقتها، "فصلى عليه السلام بأصحابه ركعتين ثم أمر" باستقبال الكعبة في ركوع الثالثة، "فاستدارواإلى الكعبة" بأن حول الإمام من مكانه الذي كان يصلي فيه إلى مؤخره، فتحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال، ولا يشكل بأنه عمل كثير، لاحتمال أنه قبل تحريمه فيها كالكلام، أو اغتفر هذا العمل للمصلحة، أو لم تتوال الخطا عند التحويل بل وقعت متفرقة، "فسمي مسجد القبلتين" لنزول النسخ وتحويله عليه السلام

قال ابن سعد قال الواقدي: هذا عندنا أثبت. ولما حول الله القبلة حصل لبعض الناس من المنافقين والكفار واليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وشك، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا، فأنزل الله جوابهم في قوله: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب} أي الحكم والتصرف، والأمر كله لله، فحيثما وجهنا توجهنا فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعددة فنحن عبيده، وفي تصريفه وخدامه حيثما وجهنا توجهنا. ولله تعالى بنبينا عليه الصلاة والسلام وبأمته عناية عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة خليله إبراهيم................................

_ فيه ابتداء فلا يرد أن التحويل وقع في مسجدي قباء وبني حارثة، ولم يسميا بذلك، وأيضا فحكمة التسمية لا يلزم اطرادها. "قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا عندنا أثبت" من القول الأول أن التحويل وقع في المسجد النبوي "ولما حول الله القبلة حصل لبعض الناس من المنافقين والكفار" المشركين من قريش، "واليهود ارتياب" شك "وزيغ" ميل "عن الهدى وشك" فيه، "وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها" على استقبالها في الصلاة "أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا،" وصريحه أن هذا قول الطوائف الثلاث، وبه صرح البيضاوي وسيذكر المصنف مقابله أخيرا. "فأنزل الله جوابهم في قوله:" {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: 142] ، أي: الجهات كلها؛ لأنهما ناحيتا الأرض، فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، لا اعتراض عليه، كما في الجلال، فحمله على الحقيقة، وحمله المصنف على المجاز، فقال: "أي الحكم والتصرف والأمر كله لله" لا يسأل عما يفعل، "فحيما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده. وفي تصريفه و" ونحن "خدامه حيثما وجهنا توجهنا" وقد قال تعالى: {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب} [البقرة: 142] ، فأينما تولوا فثم وجه الله، تقدم عن ابن عباس أن سبب نزولها إنكار اليهود. قال السيوطي: وإسناده قوي فليعتمد. وفي سببها روايات أخر ضعيفة. "ولله تعالى بنبينا عليه الصلاة والسلام وبأمته عناية" أي: رعاية "عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة خليله إبرهيم" وألقى

قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد عن عائشة: "إن اليهود لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله إليها وضلوا عنها.....................

_ حبها في قلب حبيبه عليه السلام، ولم يفعل ذلك بغير أمته بل تركوا على ضلالهم الذي وقعوا فيه مع أنها قبلة الأنبياء كلهم على أحد القولين، كما مر. وربما يؤيد الحديث الذي ذكره بقوله: "قال عليه الصلاة والسلام، فيما رواه أحمد عن عائشة: "إن اليهود لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها" قال الحافظ: يحتمل بأن نص لنا عليه، ويحتمل بالاجتهاد، ويشهد له أثر ابن سيرين في جمع أهل المدينة قبل قدوم المصطفى، فإنه يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها. ثم قد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني، ولذا جمع بهم أول ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق، انتهى ملخصا. "وضلوا عنها" لأنه فرض عليهم يوم الجمعة وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أي الأيام هو ولم يهتدوا ليوم الجمعة، قاله ابن بطال، ومال إليه عياض قواه. وقال النووي: يمكن أنهم أمروا به صريحا، فاختلفوا هل يلزم بعينه أن يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا فأخطئوا، قال الحافظ: ويشهد له ما للطبري عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْت} [النحل: 124] ، قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا وأخذوا السبت مكانه. وقد روى ابن أبي حاتم عن السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، ولفظه: "إن الله فرض على اليهود الجمعة، فأبوا"، وقالوا يا موسى: إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا فجعل عليهم، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58] الآية، وغير ذلك، وكيف لا؟ وهم القائلون: سمعنا وعصينا، انتهى. "وعلى القبلة التي هدانا الله إليها" بصريح البيان بالأمر المكرر، أولا لبيان تساوي حكم السفر وغيره، وثانيا للتأكيد، "وضلوا عنها" لأنهم لم يؤمروا باستقبال الصخرة، كما دل عليه هذا الحديث، وهو يؤيد ما رواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن خالد بن يزيد بن معاوية قال: لم تجد اليهود في التوراة القبلة، ولكن تابوت السكينة على الصخرة، فلما غضب الله على بني إسرائيل رفعه، وكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشورة منهم. وروى أبو داود أيضا: أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: كان موسى يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام، فكانت قبلته، وكانت الصخرة بين يديه، وقال

وعلى القبلة التي هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين". وقال بعض المؤمنين: فكيف صلاتنا التي صليناها نحو بيت المقدس؟ وكيف من مات من إخواننا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] .

_ اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي عليه السلام، فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته إلى الكعبة وفي مسجد ذي القرنين وقبلته إليها. وفي البغوي في تفسير قوله تعالى: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة} [يونس: 87] الآية، روى ابن جريج عن ابن عباس، قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه، انتهى. وبه قطع الزمخشري والبيضاوي. "وعلى قولنا خلف الإمام: آمين" فإنها لم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا هارون فإنه كان يؤمن على دعاء موسى، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أنس عند ابن مردويه وغيره. "و" روى ابن إسحاق وغيره عن البراء، قال: "قال بعض المؤمنين:" لما حولت القبلة "فكيف صلاتنا التي صليناها نحو بيت المقدس؟ وكيف من مات من إخواننا" من المسلمين؟ قال في الفتح: وهم عشرة، فبمكه من قريش: عبد الله بن شهاب: والمطلب بن أزهر الزهريان، وسكران بن عمر، والعامري. وبأرض الحبشة: حطاب بالمهملة ابن الحارث الجمحي، وعمرو بن أمية الأسدي، وعبد الله بن الحارث السهمي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة العدويان. ومن الأنصار بالمدينة: البراء بن معرور بمهملات، وأسعد بن زرارة، فهؤلاء العشرة متفق عليهم، ومات في المدة أيضا: إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه. "وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل اله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ، صلاتكم إلى بيت المقدس، انتهى. وبهذا جزم الجلال، فلا عليك ممن قال إيمانكم بالقبلة المنسوخة. وروى البخاري من طريق زهير عن أبي إسحاق عن البراء: مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ، قال الحافظ: وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم صحيحا عن ابن عباس، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا قتل من المسلمين قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة، فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير جهاد،

وقيل قال اليهود: اشتاق إلى بلد أبيه، وهو يريد أن يرضي قومه، ولو ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي ننتظر أن يأتي. فأنزل الله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 144] يعني أن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله سيوجهك إليه بما في كتبهم عن أنبيائهم. ثم فرض صيام شهر رمضان...................................................

_ ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك، ثم وجدت في المغازي رجلا اختلف في إسلامه. فقد ذكر ابن إسحاق: أن سويد بن الصامت لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة، فعرض عليه الإسلام، فقال: إن هذا القول حسن، وانصرف إلى المدينة فقتل به في وقعة بعاث، بضم الموحدة وإهمال العين ومثلثة، وكانت قبل الهجرة، قال: وكان قومه يقولون: قتل وهو مسلم. وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار، فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسرار، انتهى. "وقيل: قال اليهود" مقابل ما فهم من كلامه المتقدم أن ما ولاهم عن قبلتهم صدر عنهم وعن المنافقين والمشركين، "اشتاق إلى بلد أبيه،" مكة "وهو يريد أن يرضي قومه" قريشا "ولو ثبت عى قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي ننتظر أن يأتي" وهذا القول نقله في العيون عن السدي، وزاد عنه: وقال المنافقون: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وقال كفار قريش: تحير على محمد دينه، فاستقبل قبلتكم وعلم أنكم أهدى منه ويوشك أن يدخل في دينكم، "فأنزل الله تعالى" في اليهود: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البقرة: 144] ، أي: التوراة، {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 144] يعني أن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم" قال السدي: وأنزل فيهم: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البقرة: 145] الآيتين، قال: أي يعرفون أن قبلة النبي الذي يبعث من ولد إسماعيل قبل الكعبة كذلك هو مكتوب عندهم في التوراة وهم يعرفونه بذلك، كما يعرفون أبناءهم وهم يكتمون ذلك وهم يعلمون أنه الحق، يقول الله تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: 147] ، أي الشاكين: وأنزل الله في المنافقين: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب} [البقرة: 142] ، وفي المشركين: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّة} [البقرة: 150] الآية. "ثم فرض صيام شهر رمضان" ذكر بعضهم حكمة كونه شهرا، فقال: لما تاب آدم من

بعدما حولت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه عليه السلام. وزكاة الفطر قبل العيد بيومين: أن يخرج عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب، أو صاع من بر، وذلك قبل أن تفرض زكاة الأموال. وقيل إن زكاة الأموال فرضت فيها، وقيل: قبل الهجرة والله أعلم.

_ أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام شهر، انتهى. روى الواقدي عن عائشة وابن عمر وأبي سعيد الخدري، قالوا: نزل فرض شهر رمضان "بعدما حولت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان،" أي: في نصفه بناء على أن التحويل في نصف رجب، أو في أوله بناء على أنه في آخر جمادى الآخرة، ولا يأتي هنا القول بأنها حولت في نصف شعبان؛ لأنه يلزم أن فرض الصوم في نصف رمضان، "على رأس" أي: أول، "ثمانية عشر شهرا، من مقدمة عليه السلام" المدينة تقريبا، فلا بد من التجوز إما في شهر أو في ثمانية عشر، "و" فرضت "زكاة الفطر" في هذه السنة، كما في حديث الثلاثة، وزاد المؤلف: تبعا لما في أسد الغابة. "قبل العيد بيومين" وهي كما في حديثهم "أن يخرج عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى صاع من تمر، أو صاع من شعير" بفتح الشين وتكسر "أو صاع من زبيب، أو صاع من بر" أي: قمح، كذا في حديث الثلاثة، كرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عند أبي داود وأحمد والترمذي وحسنه. وذكر أبو داود: أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بر مكان هذه الأشياء. وفي الصحيحين: أن معاوية هو الذي قوم ذلك. وعند الدراقطني عن عمر: أمر صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم بنصف صاع من حنطة، ورواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس مرفوعا، وفيه: فقال علي: أما إذ وسع الله فأوسعوا، اجعلوه صاعا من بر وغيره، ويرى صاعا من دقيق، ولكنها وهم من سفيان بن عيينة نبه عليه أبو داد. "وذلك قبل أن تفرض زكاة الأموال" من جملة حديث عائشة وابن عمر وأبي سعيد، "وقيل: إن زكاة الأموال فرضت فيها" أي: السنة الثانية، وقيل: بعدها، وقيل: سنة تسع، "وقيل:" فرضت زكاة الأموال "قبل الهجرة" حكاه مغلطاي وغيره، واعترض بأنه لم يفرض بمكة بعد الإيمان إلا الصلاة كل الفروض بالمدينة، وإن قيل فرض الحج قبل الهجرة فالصحيح خلافه، والأكثر أن فرض الزكاة إنما كان بعد الهجرة "والله أعلم" بالصواب من ذلك، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.

باب غزوة بدر العظمي

"باب غزوة بدر العظمى": ثم غزوة بدر الكبرى، وتسمى العظمى، والثانية، وبدر القتال. وهي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، كان نزلها، وقيل: بدر بن الحارث، حافر بئرها، وقيل بدر اسم البئر التي بها سميت لاستدارتها، أو لصفائها ورؤية البدر فيها. وقال ابن كثير: وهو يوم الفرقان، الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله،.................

_ باب غزوة بدر العظمى: "ثم" بعد مجموع ما ذكر "غزوة بدر" أو في العطف تغليب أو الترتيب ذكرى، فلا يرد تأخر زكاة الفطر عن وقت بدر "الكبرى" نعت لغزوة لا لبدر، "وتسمى العظمى والثانية وبدر القتال" لوقوعه فيها دون الأولى والثالثة، وتسمى أيضا بدر الفرقان، "وهي قرية مشهورة" بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة، قاله النووي، وفي معجم ما استعجم: على ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة يذكر ولا يؤنث جعلوه اسم ماء، "نسبت إلى بدر بن يخلد" بفتح التحتية وإسكان الخاء المعجمة وضم اللام غير منصرف للعلمية ووزن الفعل هكذا في نسخة صحيحة، وهي المنقول فما في أكثر النسخ كبعض نسخ الفتح مخلد بالميم تحريف من النساخ "ابن النضر" بضاد معجمة جماع قريش، ولا يستعمل إلا باللام، فلا يلتبس بنصر بمهملة؛ لأنه بلا لام "ابن كنانة" لأنه "كان نزلها" وعلى هذا اقتصر اليعمري، وصدر به في الفتح. "وقيل: بدر بن الحارث حافر بئرها" وبهذا صدر مغلطاي وأسقط الأول قائلا: وقيل بدر بن كلدة: "وقيل": نسبت القرية إلى "بدر" فهو مجرور منون، "اسم البئر التي بها سميت" البئر بدرا "لاستدارتها" كبدر السماء "أو" يعني، وقيل: كما في سيرة مغلطاي: سميت البئر بدرا "لصفائها" أي: صفاء مائها "ورؤية البدر فيها" وقال ابن قتيبة: كانت البئر لرجل يسمى بدرا من غفار، وقيل: بدر رجل من بني ضمرة. وحكى الواقدي إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غفار: وإنما هي ماؤنا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. قال البغوي: وهذا قول الأكثر. "قال ابن كثير: وهو" أي: يوم بدر، "يوم الفرقان" المذكور في قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَان} [الأنفال: 41] الآية؛ لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل، قاله ابن عباس رواه ابن جرير وابن المنذر وصححه الحاكم، "الذي أعز الله فيه الإسلام" قواه وأظهره، "و" قوى "أهله

ودمغ فيه الشرك وخرب محله، وهذا مع قلة عدد المسلمين، وكثرة العدو مع ما كانوا فيه من سوابغ الحديد، والعدة الكاملة، الخيل المسومة، والخيلاء الزائد، أعز الله به رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين:.........................

_ ودمغ" الله "في الشرك أخفاه وأذهب شوكته، يقال: دمغه كسر عظم دماغه، فشبه الشرك بالدماغ المكسورة استعارة بالكناية، وأثبت الدمغ له تخييلا أو الاستعارة في الفعل فهي تبعية، "وخرب محله" أي: أهله الذين كانوا يعظمونه، أو خرب الأماكن التي كان ظاهرا فيها، والأول أظهر؛ لأن تخريب أماكنه إنما كان بعد فتح مكة بهدم العزى وتكسير هبل وإزالة جميع الأصنام. "وهذا" المذكور من عز الإسلام ودمغ الشرك حاصل "مع قلة عدد المسلمين وكثرة العدو" فهو آية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإسلام وأهله، "مع ما" أي: حال "كانوا" أي: العدو "فيه من" القوة الحاصلة لهم بلبس "سوابغ الحديد" أي: الدروع الحديد السوابغ، أي: الواسعة من إضافة الصفة للموصوف وتقدير القوة إلخ؛ لأن السوابغ ليست حالا حتى يبين بها ما كانوا عليه. "والعدة" بضم العين "الكاملة" أي: الاستعداد والتأهب، والعدة ما أعددته من المال والسلاح أو غير ذلك، كما في المصباح، فعطفه على ما قبله عطف عام على خاص على الثاني ومسبب على سبب على الأول. "والخيل" جمع لا واحد له من لفظه "المسومة" الراعية أو من السمة وهي العلامة أو البارعة الجمال، وذكره بعد العدة من الخاص بعد العام، "والخيلاء" بضم الخاء وكسرها الكبر "الزائد" فذكر رعاية لمعناه، وفي نسخة الزائدة بالهاء رعاية للفظة؛ لأن فيه ألف التأنيث، "أعز الله به رسوله وأظهر وحيه وتنزيله" أي: القرآن عطف أخص على أعم أو تفسير إن أريد الأعم على أن الوحي بمعنى الموحى والتنزيل بمعنى المنزل أعم من أن يكون لفظا أو معنى، "وبيض وجه النبي" كناية عن ظهور بهجة السرور، فأطلق البياض وأريد لازمه نحو يوم تبيض وجوه، أي: أظهر سرور النبي صلى الله عليه وسلم، "وقبيله" أي: أتباعه بالنصب عطف على رسوله أو على وجه بتقدير مضاف، أي: وبيض وجه قبيلة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. "وأخزى الشيطان" إبليس وغيره من الشياطين "وجيله" أتباعه من أهل الضلال والزيغ نسبوا إليه لقبولهم ما وسوس به فضلوا عن الحق واتبعوه، أو المراد إبليس وأعوانه من الشياطين، والأول أولى لإفادته العموم في أنه أخرى شياطين الجن والأنس. "ولهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين" قال شيخنا: أضافهم إليه تشريفا، فالمراد الكاملون في الإيمان، فقوله: "وحزبه" أي: أنصار دينه "المتقين" مساوٍ لما قبله بالنظر للتحقيق والوجود، وهو ما صدق عليه المؤمن والمتقي له في المفهوم، فإن العبد معناه الذي لا يملك لنفسه شيئا مع سيده، فكأنه قال: على

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123] أي قليل عددكم، لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدد. انتهى. فقد كانت هذه الغزوة أعظم غزوات الإسلام، إذ منها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الآفاق نوره، ومن حين وقوعها أذل الله الكفار، وأعز الله من حضرها من المسلمين، فهو عنده من الأبرار.

_ عباده الذين لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، بل كانوا منقادين له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} حال من الضمير، ولم يقل ذلائل، ليدل على قتلهم، "أي: قليل عددكم" فهو من ذكر السبب وإرادة المسبب وإلا فأذلة جمع ذليل ضد عزيز، وقلة العدد سبب لذلك، أي: قليلون بالنسبة إلى من لقيتم من المشركين من جهة أنهم كانوا مشاة إلا قليلا وعارين من السلاح؛ لأنهم لم يأخذوا أهبة القتال كما ينبغي، وإنما خرجوا لتلقي الغير بخلاف المشركين، "لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله" كما قال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم} [آل عمران: 160] ، "لا بكثرة العدد" بفتح العين "والعدد" بضمها جمع عدة، كغرفة وغرف، "انتهى" كلام اب كثير. "فقد كانت هذه الغزوة أعظم غزوات الإسلام" أي: أفضلها وأشرفها، قال في الاستيعاب: وليس في غزواته ما يصل لها في الفضل ويقرب منها غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان، انتهى. فليس المراد العظم من حيث كثرة الجند والشدة؛ لأن في غيرها ما هو أقوى منها في ذلك، ويدل لهذا قوله: "إذ منها كان ظهوره" أي: كمال انتشار الإسلام وكثرة الداخلين فيه، "وبعد وقوعها أشرق على الآفاق" جمع أفق بضمتين وبسكون الفاء أيضا، كما مر في: وضاءت بنورك الأفق. وفي القاموس: الأفق بضمة وبضمتين الناحية، انتهى. أي: من الأرض والسماء "نوره" عدله وإصلاحه بعد الشدة التي كان فيها من المشركين، سماه نورا؛ لأنه يزين البقاع ويظهر الحقوق "ومن حين" أي: وقت "وقوعها أذل الله الكفار" بقتل صناديدهم وأسرهم، "وأعز الله من حضرها من المسلمين" والملائكة "فهو عنده من الأبرار" الأتقياء المقربين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "لعل الله أطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة "، أو: "فقد غفرت لكم". وقال في حارثة بن سراقة الأنصاري: وقد أصيب يومئذ وأنه في جنة الفردوس وجاءه جبريل، فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة"، رواها البخاري وهي بشارة عظيمة، وقد قال العلماء: الترجي في كلام الله ورسوله للوقوع، على أن أحمد وأبا داود وغيرهما، ورووه بلفظ: "إن الله أطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار من شهد

وكان خروجهم يوم السبت لثنتي عشرة خلت من رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا، ويقال: لثمان خلون منه. قاله ابن هشام. واستخلف أبا لبابة. وخرجت معه الأنصار، ولم تكن قبل ذلك خرجت معه. وكان عدة من خرج معه ثلاثمائة......................................

_ بدرا وا لحديبية"، رواه مسلم. "وكان خروجهم يوم السبت" كما جزم به مغلطاي وعند ابن سعد: يوم الاثنين، وقالا: معا "لثنتي عشرة" ليلة "خلت من رمضان" وزاد مغلطاي: "على رأس تسعة عشر شهرا" لأن باقي سنة القدوم عشرة أشهر تقريبا والماضي من السنة الثانية ثمانية أشهر كاملة، وما مضى من رمضان في مقابله الماضي من ربيع الأول "ويقال: لثمان خلون منه، قاله" أي: هذا القول الثاني عبد الملك "بن هشام" تفسيرا لقول شيخ شيخه ابن إسحاق. خرج لليال مضت من رمضان، "واستخلف أبا لبابة" بشيرا، وقيل: رفاعة بن عبد المنذر الأوسي رده من الروحاء واليا على المدينة، كذا قاله ابن إسحاق. قال الحاكم: لم يتابع على ذلك إنما كان أبو لبابة زميل النبي صلى الله عليه وسلم ورده مغلطاي بمتابعته له في المستدرك، قال: وبنحوه ذكره ابن سعد وابن عقبة وابن حبان، انتهى. فيكون زميل المصطفى حصل قبل رده إياه من الروحاء: قرية على ليلتين من المدينة والصلاة معا قبل رد أبي لبابة من الروحاء قبل رده إياه من الروحاء: قرية على ليلتين من المدينة، والصلاة معا قبل رد أبي لبابة من الروحاء، انتهى. أي: فبقي على الصلاة فقط. "وخرجت معه الأنصار ولم تكن قبل ذلك خرجت معه" وما ظنوا أنه يقع قتال؛ لأن خروجهم إنما كان لتلقي العير "وكان عدة" البدريين ثلاثمائة عشر، كما رواه أحم والبزار والطبراني عن ابن عباس، وهو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي وللطبراني والبيهقي عن أبي أيوب، قال: خرج صلى الله عليه وسلم إلى بدر، فقال لأصحابه: "تعادوا" فوجدهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، ثم قال لهم: "تعادوا" فتعادوا مرتين فأقبل رجل على بكر له ضعيف وهم يتعادون فتمت العدة ثلاثمائة وخمسة عشر، وللبيهقي أيضا بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: خرج صلى الله عليه وسلم يوم بدر ومعه ثلاثمائة وخمسة عشر ولا تنافي، لاحتمال أن الأول لم يعد المصطفى ولا الرجل الآتي آخرا. وفي حديث عمر عند مسلم: ثلاثمائة وتسعة عشر، قال الحافظ: فيحمل على أنه ضم إليهم من استصغر ولم يؤذن له في القتال، كابن عمر والبراء وأنس وجابر وللبزار من حديث أبي موسى ثلاثمائة وسبعة عشر. وحكى السهيلي أنه حضر مع المسلمين سبعون نفسا من الجن كانوا أسلموا، وإذا تحرر هذا، فليعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال، وإنما عدة "من خرج معه" واستمر حتى شهد القتال "ثلاثمائة

وخمسة، وثمانية لم يحضروها، إنما ضرب لهم بسهمهم وأجرهم فكانوا كمن حضرها.

_ وخمسة" قاله ابن سعد: ولابن جرير عن ابن عباس: وستة. قال الحافظ: فكأن ابن سعد لم يعد النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، قال ابن سعد: المهاجرون منهم أربعة وستون وسائرهم من الأنصار، وهو يفسر قول البراء عند البخاري: كان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والأنصار نيفا وأربعين ومائتين. وفي البخاري عن الزبير، قال: ضربت يوم بدر للمهاجرين بمائة سهم، وجمع الحافظ بأن حديث البراء فيمن شهدها حسا وحكما، أو المراد بالعدد الأول الأحرار، والثاني: بانضمام مواليهم وأتباعهم. وسرد ابن إسحاق أسماء من شهدها من المهاجرين، وذكر معهم خلفاءهم مواليهم، فبلغوا ثلاثة وثمانين رجلا، وزاد عليه ابن هشام ثلاثة. وسردهم الواقدي خمسة وثمانين. ولأحمد والبزار والطبراني عن ابن عباس: أن المهاجرين ببدر كانوا سبعة وسبعين، فلعله لم يذكر من ضرب له بسهم ممن لم يشهدها حسا. وقال الداودي: كانوا على التحرير أربعة وثمانين ومعهم ثلاثة أفراس فأسهم لهم بسهمين وضرب لرجال أرسلهم في بعض أمره بسهامهم، فصح أنها كانت مائة بهذا الاعتبار. قال الحافظ: ولا بأس بما قاله، لكن ظهر لي أن إطلاق المائة إنما هو باعتبار الخمس وذلك أنه عزله ثم قسم ما عداه على ثمانين سهما عدد من شهدها ومن ألحق بهم، فإذا أضيف له الخمس كان ذلك من حساب مائة سهم، انتهى. وقد ينازع فيما ظهر له بأن الخمس لا يكون نسبته للمهاجرين فقط، وسرد اليعمري: المهاجرين أربعة وتسعين، والخزرج مائة وخمسة وتسعين، والأوس أربعة وسبعين، فلذلك ثلاثمائة وثلاثون وستون، قال: وإنما ذلك من جهة الخلاف في بعضهم. وفي الكواكب: فائدة ذكرهم معرفة فضيلة السبق وترجيحهم على غيرهم والدعاء لهم بالرضوان على التعيين. وقال العلاة الدواني: سمنا من مشايخ الحديث أن الدعاء عند ذكرهم في البخاري مستجاب وقد جرب. "وثمانية لم يحضروها" لكنهم "إنما" تخلفوا للضرورات ولذا "ضرب لهم بسهمهم" بأن أعطاهم ما يخصهم من الغنيمة، "وأجرهم" بأن أخبرهم أن لهم أجر من شهدها، "فكانوا كمن حضرها" فعدوا في أهلها، وهم: عثمان بن عفان تخلف على زوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه وكانت مريضة مرض الموت، فقال له صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: "إن لك لأجر رجل ممن شهدها وسهمه"، وطلحة وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان عير قريش، ومن الأنصار: أبو لبابة استخلفه على المدينة، وعاصم بن عدي على أهل العالية، والحارث بن حاطب على بني عمرو بن عوف

وكان معهم ثلاثة أفراس: "بعزجة" فرس المقداد، وفرس الزبير وفرس لمرثد الغنوي، لم يكن لهم خيل يومئذ غير هذه، وكان معهم سبعون بعيرا.

_ لشيء بلغن عنهم، والحارث بن الصمة وقع بالروحاء فكسر فرد هؤلاء من الروحاء وخوات بن جبير أصابه حجر في ساقه فرده من الصفراء هؤلاء الذين ذكرهم ابن سعد. وذكر الواقدي عن سعد بن مالك الساعدي والد سهل، قال: تجهز ليخرج لبدر فمات فضرب له بسهمه وأجره، وممن اختلف فيه هل شهدها أو رد لحاجة سعد بن عبادة، وصبيح مولى أبي أحيحة رجع لمرضه، وفي المستدرك: أن جعفر بن أبي طالب ضرب له صلى الله عليه وسلم يومئذ بسهمه وأجره وهو بالحبشة، وأقره الذهبي، فهؤلاء اثنا عشر. "وكان معهم ثلاثة أفراس بعزجة" بفتح الموحدة وإسكان المهملة فزاي فجيم مفتوحتين فتاء تأنيث، كما في النور. وحرف نساخ الشامية الزاي بالراء، فقد قال السهيلي: البعزجة شدة جري الفرس في مغالبة، كأنه منحوت من أصلين: من بعج إذا شق، وعز، أي غلب، انتهى. "فرس المقداد" بن عمرو الشهير بابن الأسود، كأنها سميت بذلك لشدة جريها، ويقال: اسمها سبحة، بفتح السين وإسكان الموحدة وبالحاء المهملتين وتاء تأنيث، وبه صدر الشامي، لكن صدر اليعمري بالأول، وجزم به في الروض، فلذا اقتصر المصنف عليه. واليعسوب بفتح التحتية فعين فسين مضمومة مهملتين فواو ساكنة فموحدة "فرس الزبير" بن العوام، وقيل: اسمها السيل، وبه صدر الشامي وعلى الأول اقتصر اليعمري. "وفرس لمرثد" بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة ودال مهملة، ابن أبي مرثد كناز بن الحصين، "الغنوي" بفح المعجمة والنون نسبة إلى غنى بن يعصر، صحابي ابن صحابي، بدري ابن بدري، "لم يكن لهم يومئذ خيل غير هذه" الثلاثة وثبت ذكر فرس مرثد عند ابن سعد في روية، وجزم المصنف في المقصد الثامن بأنه لم يكن معهم غير فرسين للمقداد والزبير، وقال ابن عقبة: ويقال كان معه عليه السلام فرسان، واستشكل هذا بما رواه أحمد بإسناد صحيح عن علي، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، وأجيب بحمل النفي على بعض الأحوال دون الباقي، لكن في التقريب للحافظ: لم يثبت أنه شهدها فارس غير المقداد. "وكان معهم" كما قال ابن إسحاق: "سبعون بعيرا" فاعتقبوها، فكان صلى الله عليه وسلم وعلي وزيد بن حارثة، ويقال: مرثد يعتقبون بعيرا هكذا. وقد روى الحارث بن أبي أسامة وابن سعد عن ابن مسعود: كنا يوم بدر كل ثلاثة بعير، وكان أبو لبابة وعلي زميل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا كانت عقبة النبي صلى الله عليه وسلم، قالا: اركب حتى نمشي عنك، فيقول: "ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما" وعليه فجملة الذين يعتقبون مائتان وعشرة، فيحتمل أن الباقين لم

وكان المشركون ألفا ويقال: تسعمائة وخمسون رجلا، معهم مائة فرس، وسبعمائة بعير.

_ يركبوا، أو أن الثلاثة تركب مدة يدفعونه إلى غيرهم ليركبه مدة أخرى، والعقبة النوبة، كما في المصباح. فالمراد: أن كل واحد يركب مدة وركوب أبي لبابة معهم كان قبل رده من الروحاء وبعده أعقب مرثدا، كما عند ابن إسحاق، أو زيدا، كما عند غيره. وذكر ابن إسحاق: أنه صلى الله عليه وسلم دفع اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير، قال: وكان أمامه عليه السلام رايتان سوداوان بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الأوس مع سعد بن معاذ. قال اليعمري: والمعروف أن سعد بن معاذ كان على حرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وأن لواء المهاجرين كان بيد علي ثم روى بسنده عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عليا الراية يوم بدر، وهو ابن عشرين سنة. وأجيب عن الأول بأن هذا كان عند خروجهم وفي الطريق، فيحتمل أن سعد لغيره أدفعه لغيره بإذنه صلى الله عليه وسلم ليحرسه في العريش، إذ هو ببدر. "وكان المشركون ألفا" كما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس عن عمر، ورواه ابن سعد عن ابن مسعود، "ويقال" هم "تسعمائة وخمسون رجلا" مقاتلا "معهم مائة فرس وسبعمائة بعير" قال ابن عقبة وابن عائذ، والتقييد بمقاتلا لفظهما، فيمكن الجمع بأن باقي الألف الخمسين غير مقاتلين. وعند ابن إسحاق: أنه صلى الله عليه وسلم بعث عليا والزبير وسعد بن مالك في نفر إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر، فأصابوا رواية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وغريض أبو يسار غلام بني العاصي فأتوا بهما، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي فلما سلم، قال: "أخبراني عن قريش" قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي تراه بالعدوة القصوى، قال: "كم القوم"؟ قالا: كثير، قال: "ما عدتهم"؟ قال: ما ندري قال: "كم ينحرون كل يوم" قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، قال صلى الله عليه وسلم: "القوم ما بين التسعمائة والألف"، ثم قال: "فمن فيهم من أشرف قريش"، فسميا له خمسة عشر، فأقبل صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها" أي: قطع كبدها، شبه أشرافهم بفلذة الكبد بفاء ومعجمة المستور في الجوف وهو أفضل ما يشوى من البعير عند العرب، وأمرؤ. قال ابن عقبة: وزعموا أن أول من نحر لهم عشر جزائر حين خرجوا من مكة أبو جهل، ثم صفوان تسعا بسعفان، ثم سهيل عشرا بقديد، ومالوا منه إلى نحو البحر فضلوا، فأقاموا يوما فنحر شيبة تسعا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر مقيس الجمحي تسعا، ونحر العباس عشرا، والحارث تسعا، وأبو البختري على ماء بدر عشرا، ومقيس عليه تسعا، ثم شغلهم الحرب فأكلوا من أزوادهم.

وكان قتالهم يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل يوم الاثنين وقيل غير ذلك. وكانت من غير قصد من المسلمين إليها ولا ميعاد، كما قال تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] . وإنما قصد صلى الله عليه وسلم والمسلمون التعرض لعير قريش، وذلك أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكبا منهم عمرو بن العاصي،..................

_ "وكان قتالهم يوم الجمعة" عند الأكثرين، قال ابن عساكر: وهو المحفوظ، "لسبع عشرة خلت من رمضان" قاله ابن إسحاق، وتبعه في الاستيعاب والعيون والإشارة، ولا يوافق ما مر أن خروجهم يوم السبت لثنتي عشرة خلت من رمضان، إلا أن يكون وقع خلاف في هلاله، فالقائل بخروجهم ثاني عشرة بناء على أن أوله الثلاثاء، والقائل بأن القتال في سابع عشره بناء على أن أوله الأربعاء. "وقيل: يوم الاثنين" رواه ابن عساكر في تاريخه بإسناد ضعيف، قال أبو عمر: لا حجة فيه عند الجميع، "وقيل غير ذلك،" فقيل: لسبع عشرة بقيت من رمضان، وقيل: لثنتي حجة فيه عند الجميع، "وقيل غير ذلك" فقيل: لسبع عشرة بقيت من رمضان، وقيل: لثنتي عشرة خلت منه، ويقال: لثلاث خلون منه، حكاها كلها مغلطاي. وعلى الأخير فخروجهم قبل رمضان. "وكانت من غير قصد من المسلمين إليها ولا ميعاد، كما قال تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ} أنتم وهم للقتال ثم علمتم حالهم وحالكم، {لَاخْتَلَفْتُم} ، أنتم وهم {فِي الْمِيعَاد} الآية، هيبة منه وبأسا من الظفر علهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صنيعا من الله خارقا للعادة، فيزدادوا إيمانا وشكرا، {وَلَكِنْ} جمعكم بغير ميعاد {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] حقيقا بأن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه، "وإنما قصد صلى الله عليه وسلم والمسلمون التعرض لعير قريش" التي خرج عليه السلام في طلبها وهي ذاهبة. من مكة إلى الشام، حتى بلغ العشيرة فوجدها سبقته بأيام، فلم يزل مترقبا لرجوعها من الشام، "وذلك" كما أخرجه ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة: "أن أبا سفيان" صخر بن حرب المسلم في الفتح رضي الله عنه، "كان بالشام في ثلاثين راكبا" كذا نقله الفتح عن ابن إسحاق والذي في ابن هشام عن البكائي عنه في ثلاثين أو أربعين، وتبعه اليعمري وغيره، فإما أنه اقتصار على المحقق، أو رواية أخرى عنه. "منهم:" مخرمة بن نوفل و"عمرو بن العاصي" أسلما بعد ذلك وصحبا رضي الله عنهما،

فأقبلوا في قافلة عظيمة، فيها أموال قريش، حتى إذا كانوا قريبا من بدر، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدو، وقال: "هذه عير لقريش فيها أموال فأخرجوا إليها، لعل الله أن ينفلكموها". فلما سمع أبو سفيان بسيره عليه السلام، استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري أن يأتي قريشا بمكة، فيستغفرهم ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لعيرهم في أصحابه. فنهضوا في قريب من ألف مقنع ولم يتخلف أحد من أشراف قريش إلا أبا لهب، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة.

_ وقال ابن عقبة: وابن عائذ في سبعين رجلا وكانت عيرهم ألف بعير، ولم يكن لحويطب بن عبد العزى شيء فلم يخرج معهم، "فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش" يقال: كان فيها خمسون ألف دينار، وكأن لم يبق قرشي ولا قرشية له مثقال إلا بعث به في العير، "حتى إذا كانوا قريبا من بدر، فبلغ النبي صلى الله عليه ذلك" حذف الفاء أولى؛ لأن ما بعدها جواب إذا وهو ماض متصرف، فلا تقترن به الفاء "فندب أصحابه" أي: دعاهم "إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدو" إذ غاية ما قيل: أنهم سبعون، "وقال: "هذه عير لقريش فيها أموال" كثيرة "فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها" مثله في العيون، وفي نسخة: "يغنمكموها" ومثله في السبل. وكل عزى لابن إسحاق والخطب سهل، قال في الرواية: فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم؛ لأنهم ظنوا أنهم لم يلقوا حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان، "فلما سمع أبو سفيان بسيره عليه السلام" عن بعض الركبان أن محمدا قد استنفر لك ولعيرك، "استأج ضمضم" بفتح المعجمة بعد كل ميم أولاهما ساكنة، "ابن عمرو الغفاري" بكسر المعجمة وتخفيف الفاء، قال في النور: الظاهر هلاكه على كفره، "أن يأتي قريشا بمكة" بعشرين مثقالا وأمره أن يجدع بعيره، أي: يقطع أنفه ويحول رحله ويشق قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة، "فيستنفرهم" يحثهم على الخروج بسرعة، "ويخبرهم أن محمد قد عرض" أي: ظهر "لعيرهم في" مع "أصحابه" فلما بلغ مكة فعل ما أمر به، وهو يقولك يا معشر قريش!! اللطيمة اللطيمة، أموالك مع أبي سفيان عقد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، كلا والله ليعلمن غير ذلك، "فنهضوا في قريب من ألف مقنع" وكانوا ما بين رجلين إما خارج وإما باعث مكثه رجلا، "ولم يتخلف أحد من أشراف قريش، إلا أبا لهب" وفي نسخة: إلا أبا لهب، وكلاهما صحيح. "وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة" أخا أبي

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، حتى بلغ الروحاء، فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن عيرهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في طلب العير، وحرب النفير، وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير وإما قريش..............................................

_ جهل كان له عليه أربعة آلاف درهم أفلس له بها فاستأجره بها على أن يجزئ عنه بعثه واشتد حذر أبي سفيان، فأخذ طريق الساحل وجد في السير حتى فات المسلمين، فلما أمن أرسل إلى قريش يأمرهم بالرجوع، فامتنع أبو جهل، "وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال ابن إسحاق: وضرب عسكره ببئر أبي عنبة، كواحدة العنب المأكول على ميل من المدينة، فعرض "أصحابه" ورد من استصغر وسار "حتى بلغ الروحاء" بفتح الراء وسكون الواو وحاء مهملة ممدودة: قرية على نحو أربعين ميلا من المدينة. وفي مسلم: على ستة وثلاثين. وفي كتاب ابن أبي شيبة: على ثلاثين، ونزل صلى الله عليه وسلم سجسجا، يفتح السين المهملة وسكون الجيم بعدهما مثلهما، وهي بئر الروحاء سميت بذلك، قال السهيلي: لأنها بين جبلين، وكل شيء بين شيئين سجسج، انتهى. وهو تفسير مراد، ففي اقاموس: السجسج: الأرض ليست بصلبة ولا سهلة، وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، "فأتاه الخبر" بعد أن سار من الروحاء وقرب من الصفراء، كما عند ابن إسحاق. "فأتاه الخبر" بعد أن سار من الروحاء وقرب من الصفراء، كما عند ابن إسحاق. "عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن عيرهم" من رسوليه اللذين بعثهما يتجسسان الأخبار عن أبي سفيان، أحدهما: بسبس، بموحدتين مفتوحتين ومهملتين أولاهما ساكنة، ووقع لجميع رواة مسلم وبعض رواة أبي داود: بسبسة بضم الموحدة وفتح المهملة وإسكان التحتية وفتح السين وتاء تأنيث والمعروف، قال الذهبي وغيره: وهو الأصح الأول، وكذلك ذكره ابن إسحاق والدارقطني وابن عبد البر وابن ماكولا والسهيلي، قال في الإصابة: وهو الصواب، فقد قال ابن الكلبي: إنه الذي أراده الشاعر بقوله: أقم لها صدورها يا بسبس ... إن مطايا القوم لا تجسس وهو ابن عمرو الجهني، كما نسبه ابن إسحاق: قال السهيلي: ونسبه غيره إلى ذبيان الأنصاري حليف الخزرج، والثاني: عدي بن أبي الزغباء سنان الجهني حليف بني النجار، الزغباء بفتح الزاي وسكون المعجمة وموحدة ممدودة، فمضي حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، وأخذا يستسقيان من الماء فسمعا جاريتين، تقول إحداهما لصاحبتها: إن أتاني الغير غدا أو بعد غد أعمل لهم ثم أقضك الذي لك، فانطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا، "فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس" أصحابه رضي الله عنهم "في طلب العير و" في "حرب النفير" القوم النافرين للحرب، يعني: خيرهم بين أن يذهبوا للعير أو إلى محاربة النافرين لقتالهم، وأخبرهم عن قريش بمسيرهم، "وقال: "إن الله وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما قريش"

وكانت العير أحب إليهم. فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا برك...........................

_ كما قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُم} [الأنفال: 7] ، "وكانت العير أحب إليهم" كما قال تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُم} [الأنفال: 7] ، والمراد بذات الشوكة: الطائفة التي فيها السلاح. قال أبو عبيدة في المجاز: يقال ما أشد شوكة بني فلان، أي: حدهم، وكأنها استعارة من واحدة الشوك. وروى الطبري وأبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس: أقبلت عير لأهل مكة من الشام، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يريدها، فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا إليها فسبقت العير المسلمين، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم وأيسر شوكة وأخصر مغنما من أن يلقوا النفير، "فقام أبو بكر" وفي الشامية: استشار الناس فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم فقام أبو بكر "فقال فأحسن،" أي: جاء بكلام حسن، ولم أرَ من ذكره، "ثم قام عمر، فقال فأحسن" ذكر ابن عقبة وابن عائذ أنه قال: يا رسول الله! إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته، وأعزها بالنصب مفعول معه أو مبتدأ حذف خبره، أي: ثابت لم يتغير، "ثم قام المقداد بن عمرو" وعند النسائي: جاء المقداد يوم بدر على فرس، "فقال: يا رسول الله! امضِ لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول" بنون الجميع، أي: معاشر المسلمين "لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى". وفي رواية البخاري: كما قال قوم موسى " {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون} [المائدة: 24] الآية،" قالوه استهانة وعدم مبالاة بالله ورسوله، وقيل: تقدير اذهب أنت وربك يعينك، فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة، وقال السمرقندي: أنت وسيدك هارون؛ لأنه أكبر من موسى بسنتين أو ثلاثة، "ولكن" نقول: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون" هذه رواية ابن إسحاق. ورواية البخاري: ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، زاد ابن إسحاق: "فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا برك" بفتح الموحدة عند الأكثر. وفي رواية بكسرها، وصوبه بعض اللغويين لكن المشهور المعروف في الرواية الفتح والراء ساكنة، وحكى عياض عن الأصيلي فتحها، قال النووي: وهو غريب ضعيف آخره كاف.

الغماد -يعني مدينة الحبشة- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير........................................

_ "الغماد" بكسر المعجمة وتخفيف الميم، قال الحازمي: موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن، وقال البكري: هي أقاصي هجر. وقال الهمداني: هو في أقصى اليمن. قال الحافظ: والأول أولى. وحكى ابن فارس ضم الغين، والقزاز فتحها، وأفاد النووي أن المشهور في الرواية الكسر، وفي اللغة الضم وفي فتح الباري: قال ابن خالويه. حضرت مجلس المحاملي وفيه زهاء ألف، فأملى عليهم حديثا فيه: لو دعوتنا إلى برك الغماد، قالها بالكسر، فقلت للمستملي: هي بالضم، فذكر له ذلك، فقال لي: وما هو فقلت: سألت ابن دريد عنه، فقال: هو بقعة في جهنم، فقال المحاملي: وكذا في كتاب أبي علي الغين ضمت. قال ابن خالويه: وأنشد ابن دريم: وإذا تنكرت البلا ... فأولها كف البعاد واجعل مقامك أو مقـ ... ـرك جانبي بكر الغماد لست ابن أم القاطنيـ ... ـن ولا ابن عم للبلاد وبعض المتأخرين قال القول بأنه موضع باليمن لا يثبت؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يدعوهم إلى جهنم وخفي عليه أن ذلك بطريق المبالغة، فلا يراد به الحقيقة على أنه لا يتنافي بين القولين، فيحمل قوله جهنم على مجاز المجاورة بناء على القول أن برهوت مأوى أرواح الكفار، وهم أهل النار، انتهى ملخصا. وقد دلت رواية ابن عائذ في قصة سعد بن معاذ، بلظ: لو سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمن على أنها من جهة اليمن، وذكر السهيلي أنه رأى في بعض كتب السهيلي أنه رأى في بعض كتب التفسير أنه "يعني مدينة الحبشة" قال الحافظ: وكأنه أخذه من قصة الصديق مع ابن الدغنة، فإن فيها: أنه لقيه ذاهبا إلى الحبشة ببرك الغماد، كما مر ويجمع بأنها من جهة اليمن مقابل الحبشة وبينهما عرض البحر، انتهى. ونقل عياض عن إبراهيم الحربي: برك الغماد وشعفات هجر، يقال فيما تباعد، ولذا قال شيخنا: الأولى تفسيره هنا بأقصى معمور الأرض، كما هو أحد معانيه في القاموس؛ لأنه أتم في امتثال أمره واتباعه. "لجالدنا" أي: لضاربنا "معك من دونه" أي: برك الغماد، يعني: لو طلبتنا له وعارضك قبله أحد جالدناه ومنعناه، "حتى تبلغه، فقال له صلى الله عليه وسلم "خيرا"، ودعا "له بخير" هذا لفظ رواية ابن إسحق. وروى البخاري عن ابن مسعود: شهدت من المقداد مشهد لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، الحديث، وفي آخره: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره، يعني قوله.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس أشيروا عليَّ"، وإنما يريد الأنصار. لأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. وكان صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك عليه الصلاة والسلام: قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك............................

_ وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم، عن أبي أيوب، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان، فهل لكم أن تخرجوا إليها لعل الله يغنمناها ويسلمنا"، قلنا: نعم، فخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين، قال: "قد أخبروا خبرنا فاستعدوا للقتال"، فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، فأعاد فقال المقداد: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى، ولكن نقول: إنا معكما مقاتلون. قال: فتمنينا معشر الأنصار، لو أنا قلنا كما قال المقداد، قال: فأنزل الله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] ، "ثم قال عليه الصلاة والسلام" ثالث مرة، "أيها الناس أشيروا عليَّ وإنما يريد الأنصار" كما ذكره سعد جوابا له، والمصنف تابع للفظ الرواية عند ابن إسحاق، فلذا لم يذكر جواب سعد، ثم يعلله بذلك وإن كان أولى على أنه ق يقال الأولى ما في الرواية للاهتمام بحكمة تكرير الاستشارة من سيد الحكماء مع حصول الجواب الكافي من المقداد بحضورهم وسكوتهم عليه وتمنيهم لو كانوا قالوا مثله، "لأنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله! إنا برآء من ذمامك" بكسر الذال، فسره البرهان بالحرمة، ويطلق على الضمان أيضا. قال شيخنا: ولعله المراد، أي: من ضمان مناصرتك، "حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمعنك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، وكان صلى الله عليه وسلم يتخوف" يخشى "أن لا تكون الأنصار ترى" تعتقد "عليها نصرته إلا ممن دهمه" بفتح الدال وكسر الهاء وفتحها، كما في المصباح. أي: نزل به وفحاه "بالمدينة من عدوه" وذكر ابن القوطية: أن اللغتين في دهمتهم الخيل، وأن دهمه الأمر بالكسر فقط، "وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال ذلك عليه الصلاة والسلام، قال له سعد بن معاذ" السيد الذي هو في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين، صرح به البرهان في غير هذا الموضع: "والله لكأنك

تريدنا يا رسول لله؟ قال: "أجل". قال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله ما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقي عدونا، إن لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله تعالى. فسر عليه السلام بقول سعد، ونشطه ذلك،........................................

_ تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل" أي: نعم، "قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودا ومواثيقا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت". وفي رواية: لما أمرت به وعند ابن عائذ من مرسل عروة، وابن أبي شيبة من مرسل علقمة بن وقاص عن سعد: ولعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، ولعلك يا رسول الله خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر فمرنا نتبع لأمرك، لئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن، لفظ علمقة، ولفظ عروة: ولو سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمن، وغمد بضم المعجمة وسكون الميم ودال مهملة، لنسيرن معك. وفي رواية ابن إسحاق: "فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت" أي: طلبت أن تقطع "بنا" عرض "هذا البحر" أي: الملح "فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا أنا لصبر" بضم الصاد والموحدة "عند الحرب صدق" بضم الصاد والدال، "عند اللقاء" هكذا ضبطه البرهان وتبعه الشامي، وهو جمع صبور وصديق بزنة فعيل وفعول بالفتح، بمعنى فاعل على فعل بضمتين قياسا مطردا، "ولعل الله أن يريك" منا "ما تقر به عينك" وقد فعل، فأراه ذلك منهم في هذا اليوم وفي غير رضي الله عنهم، "فسر على بركة الله تعالى، فسر عليه السلام بقول سعد ونشطه" أي: صيره "ذلك" مسرعا في طلب العدو، ووقع عن ابن مردويه عن علمقة أن سعدا قال: فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك وخلفك، ولا نكونن كالذين قالوا لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما

ثم قال: "سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم". قال ثابت عن أنس قال عليه الصلاة والسلام: "هذا مصرع فلان"، ويضع يده على الأرض، ههنا وههنا ... قال فما ماط أحدهم -أي ما تنحى- عن موضع يده عليه السلام. تنبيه: قال ابن سيد الناس في "عيون الأثر": روينا من طريق مسلم أن الذي قال ذلك: سعد بن عبادة سيد الخزرج، وإنما يعرف ذلك عن سعد بن معاذ، كذا رواه

_ متبعون. قال الحافظ: والمحفوظ أن هذا الكلام للمقداد وإن سعدا إنما قال ما ذكر عنه. "ثم قال: "سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا"، بفتح الهمزة وكسر الشين: أمر، "فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين" إما العير وإما النفير، وقد فاتت العير فلا بد من الطائفة الأخرى؛ لأن وعد الله لا يختلف وإلى هذا أرشد أيضا بقوله: "والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم" الذين سيقتلون ببدر وأقسامه على ذلك وهو الصادق المصدوق زيادة في تبشيرهم وطمأنينتهم. "قال ثابت" البناني فيما رواه مسلم من طريقه، "عن أنس" بن مالك عن عمر، كما في مسلم: ففيه من لطائف الإسناد عن صحابي، "قال" عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم ليرينا مصارع أهل بدر، بقول النبي "عليه الصلاة والسلام: "هذا مصرع فلان" غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان، "ويضع يده على الأرض ههنا وههنا" يشير إلى مواضع قتلهم إشارة محسوسة، "قال: فما ماط أحدهم، أي: ما تنحى" وفي شرح النووي: أي تباعد، "عن موضع يده عليه السلام" فهو معجزة ظاهرة. قال الحافظ: وهذا وقع وهم ببدر في الليلة التي التقوا في صبيحتها، انتهى. فقد بين الحديث أنه سمى وعين جماعة. وفي رواية: أنه أخر بمصارعهم قبل الواقعة بيوم أو أكثر. وفي أخرى: أخبر بذلك يوم الواقعة، وجمع ابن كثير بأنه لا مانع من أنه يخبر به في الورقتين. تنبيه: "قال ابن سيد الناس" الحافظ أبو الفتح اليعمري "في عيون الأثر" في فنون المغازي والشمائل والسير: "روينا من طريق مسلم أن الذي قال ذلك" المذكور عن سعد بن معاذ "سعد بن عبادة سيد الخزرج" ولفظه عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا ... الحديث، "وإنما يعرف ذلك" القول "عن سعد بن معاذ، كذا رواه

ابن إسحاق وغيره. واختلف في شهود سعد بن عبادة بدرا، ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكره الواقدي والمدائني وابن الكلبي منهم انتهى. ثم ارتحل صلى الله عليه وسلم قريبا من بدر، نزل قريش بالعدوة القصوى من الوادي، ونزل المسلمون على كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء.............................................

_ ابن إسحاق وغيره" كابن أبي شيبة وابن عائذ وابن مردويه. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنه صلى الله عليه وسلم استشارهم مرتين، الأولى بالمدينة أول ما بلغه خبر العير، وذلك بين من لفظ مسلم: أنه شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، كانت بعد أن خرج، كما في حديث الجماعة. ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب، انتهى. "واختلف في شهود سعد بن عبادة بدرا، ولم يذكره" موسى "ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكره الواقدي" محمد بن عمر بن واقد المدني أبو عبد الله الأسلمي الحافظ المتروك مع سعة علمه، "المدائني" أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله الأخباري صاحب تصانيف، وثقه ابن معين. وقال ابن عدي: ليس بالقوي، مات سنة أربع وخمسين ومائتين عن ثلاث وتسعين سنة. "وابن الكلبي منهم، انتهى" كلام العيون. وفي فتح الباري إشارة إلى أنه ليس بخلاف حقيقي؛ لأنه قال: لم يشهد سعد بن عبادة بدرا وإن عد منهم، لكونه ممن ضرب له بسهمه وأجره. وفي العيون بعد ما نقله المصنف عنه، وروين عن ابن سعد أنه كان يتهيأ للخروج إلى بدر، ويأتي دور الأنصار يحضهم على الخروج، فنهش قبل أن يخرج فأقام، فقال صلى الله عليه وسلم: "لئن كان سعد لم يشهدها لقد كان عليها حريصا". قال وروى بعضهم أنه عليه السلام ضرب بسهمه وأجره، انتهى. وهو أيضا إيماء إلى أن الخلاف بالاعتبار لا حقيقي. "ثم ارتحل صلى الله عليه وسلم" من المكان الذي كان فيه وهو ذفران. بفتح المعجمة وكسر الفاء فراء فألف فنون: واد قرب الصفراء، وسار حتى نزل "قريبا من بدر ونزل قريش بالعدوة" بضم العين وكسرها وبهم قرئ في السبع، وقرئ شاذا بفتحها جانب الوادي وحافته. وقال أبو عمرو: المكان المرتفع، "القصوى" البعدي من المدينة تأنيث الأقصى وكان قياسه قلب الواو كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة فجاء على الاسم، كالقعود، وهو أكثر استعمالا من القصيا، كما في الأنوار. "من الوادي، ونزل المسلمون على كثيب" بمثلثة: رمل مجتمع، "أعفر" أحمر أو أبيض ليس بالشديد ولعله المراد، "تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب وسبقهم المشركون إلى ماء

بدر فأحرزوه، وحفروا القلب لأنفسهم. وأصبح المسلمون بعضهم محدث وبعضهم جنب، وأصابهم الظمأ، وهم لا يصلون إلى الماء، ووسوس الشيطان لبعضهم وقال: تزعمون أنكم على الحق، وفيكم نبي الله، وأنكم أولياء الله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم عطاش، وتصلون محدثين مجنبين، وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم ويذهب قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاءوا. فأرسل الله عليهم مطرا سال منه الوايد، فشرب المسلمون واغتسلوا وتوضئوا وسقوا الركاب وملئوا الأسقية، وأطفأ الغبار ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام. ووالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم،.........................

_ بدر، فأحرزوه وحفروا القلب" جمع قليب: البئر قبل أن تبنى بالحجارة ونحوها، "لأنفسهم" ليجعلوا فيها الماء من الآبار المعينة فيشربوا منها ويسقوا دوابهم، ومع ذلك ألقى الله عليهم الخوف حتى ضربوا وجوه خيلهم إذا صهلوا من شدة الخوف، وألقى الله الأمنة والنوم على المسلمين بحيث لم يقدروا على منعه، "وأصبح المسلمون بعضهم محدث وبعضهم جنب وأصابهم الظمأ" العطش، "وهم لا يصلون إلى الماء" لسبق المشركين له، ثم نهض المسلمون إلى أعدائهم فغلبوهم على الماء وعاروا القلب التي كانت تلي العدو فعطش الكفار وجاء النصر، قاله السهيلي ويأتي قريبا في حديث الحباب. "ووسوس الشيطان لبعضهم، وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنكم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم عطاش وتصلون محدثين" الحدث الأصغر، "مجنبين" محدثين الحدث الأكبر؛ لأنهم لما ناموا احتلم أكثرهم، كما في الأنوار، ولم تكن آية التيمم نزلت، فرأى إبليس لعنه الله تلك الغرة، "وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم" قطعا مجازيا، فلذا عطف عليه عطف تفسير، "ويذهب قواكم" إذ لو كان حقيقة ما استقام قوله: "فيتحكموا فيكم كيف شاءوا" من قتل من أرادوا وسبي من أرادوا، "فأرسل الله عليهم مطرا سال منه الوادي فشرب المسلمون" واتخذوا الحياض على عدوة الوادي، "واغتسلوا وتوضئوا وسقوا الركاب" الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة لا واحد لها من لفظها، كما في المختار. "وملئوا الأسقية وأطفأ" المطر "الغبار ولبد الأرض" أيبسها "حتى ثبت عليه الأقدام" والحوافر "وزالت عنهم وسوسة الشيطان" ورد كيده في نحره، "وطابت أنفسهم" وضر ذلك

فذلك قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} أي من الأحداث والجناية {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَان} بالصبر {ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11] حتى لا تسوغ في الرمل، بتلبيد الأرض. وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم..........................................................

_ بالمشركين لكون أرضهم كانت سهلة لينة وأصابهم ما لم يقدروا معه على الارتحال، "فذلك قوله تعالى: " {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] الآية، أي: من الإحداث والجنابة" وهو طهارة الظاهر، "ويذهب عنكم رجز الشيطان، أي: وسوسته" وتخويفه إياهم من العطش، وقيل: الجنابة؛ لأنها من تخييله وهو تطهير الباطن، "وليربط على قلوبكم بالصبر" والإقدام على مجالدة العدو وهو شجاعة الباطن، وفي الأنوار: بالوثوق على لطف الله بهم، "ويثبت به الأقدام" أي: بالمطر، حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض" وهو شجاعة الظاهر، وفي الأساس تلبد التراب والرمل ولبده المطر، ثم قال: ومن المجاز كذا فأفاد أنه هنا حقيقة، وقيل: ضمير به للربط على القلوب حتى تثبت في المعرفة، قال ابن إسحاق: فخرج صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به، فقال الحباب بن المنذر بن الجموع: يا رسول الله! هذا منزل أنزلكه الله لا تتقدمه ولا تتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، قال: فإن هذا ليس بمنزله فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فننزل ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا، فنملئه ماء فنشرب ولا يشربون، فقال صلى الله عليه وسلم: "أشرت بالرأي"، وعند ابن سعد: فنزل جبريل فقال: الرأي ما أشار به الحباب، فنهض صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فنزل حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآية، وقوله: نغور بالغين المعجمة وشد الواو، أي: ندفنها ونذهبها وبالعين المهملة بمعناه عند ابن الأثير، وقال أبو ذر: معنى المهملة نفسدها، انتهى. والسهيلي ضبطه بضم المهملة وسكون الواو على لغة من يقول قول القوع وبوع المتاع، انتهى. "وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم" بإشارة سعد كما رواه ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أن سعد بن معاذ، قال: يا رسول الله! ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقي عدونا، فإن أغزنا الله وأظهرنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم ولو ظنوا أنك

عريش فكان فيه. ثم خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار وهم: عوف ومعاذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء-................................................................................

_ تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير. "عريش" شبه الخيمة يستظل به. "فكان فيه" قال السمهودي: مكانه الآن عند مسجد بدر، وهو معروف عند النخيل والعين قريبة منه، قال: وبقربه في جهة القبلة مسجد آخر يسميه أهل بدر مسجد النظر، ولم أقف فيه على شيء. "ثم" لما عدل صلى الله عليه وسلم صفوف أصحابه وأقبلت قريش ورآها عليه السلام، فقال: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم احنهم الغداة" كما رواه ابن إسحاق. "خرج عتبة بن ربيعة" بن عبد شمس بن عبد مناف وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم في القوم على جمل أحمر، فقال: إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر أن يطيعوه ويرشدوا، وذكر ابن إسحاق أنه قام خطيبا، فقال: يا معشر قريش! والله ما تصنعوا بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه وابن خاله ورجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب فإن أصابه غيركم فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألقاكم ولم تعدموا منه ما تريدون، وأرسل بذلك حكيم بن حزام إلى أبي جهل فأخبره، فقال: والله ما بعتبه ما قال، ولكنه رأى أن محمدًا وأصحابه آكلة جزور وفيهم ابنه فتخوفكم عليه ثم أفسد على الناس رأي عتبة وبعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال: هذا حليفك يريد الرجوع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشده مقتل أخيك، فقام عامر فصرخ: واعمراه! واعمراه! فحميت الحرب وتعبوا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم، فخرج الأسود المخزومي وكان شرسا سيئ الخلق، فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهتد منه أو لأموتن دونه، فتبعه حمزة رضي الله عنه فضربه دون الحوض، ثم خرج بعده عتبة "بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة" حتى فصل من الصف، "ودعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار، وهم: عوف" بالفاء قال ابن عبد البر: وسماه بعضهم عوذا أي بالذال وعوف أصح "ومعاذ" كذا في النسخ والذي في الرواية: معوذ "ابن الحارث" الأنصاريان النجاريان، "وأمهما عفراء" جملة استئنافية لشهرتهما بها لا أنها خرجت معهم وهي بنت عبيد بن ثعلبة الأنصاري الجارية الصحابية، قال في

وعبد الله بن رواحة. فقالوا من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال صلى الله عليه وسلم: "قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي". فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم؟ فتسموا لهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة -وكان أسن القوم- عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة. فقتل علي الوليد. هكذا ذكره ابن إسحاق. وعند موسى بن عقبة -كما نقله في فتح الباري- برز حمزة لعتبه، وعبيدة لشيبة وعلي للوليد.

_ الإصابة: لها خصوصية لا توجد لغيرها وهي أنها تزوجت بعد الحارث البكير بن ياليل الليثي فولدت له إياسا وعاقلا وخالدا وعامرا وأربعتهم شهدوا بدرا، وكذلك أخوتهم لأمهم بنو الحارث، يعني: عوفا ومعوذا ومعاذا، فانتظم من هذا أنها صحابية لها سبعة أولا شهدوا بدرا معه صلى الله عليه وسلم، "وعبد الله بن رواحة" النقيب البدري الأمير المستشهد بموتة، "فقالوا: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم حاجة" وفي رواية لابن إسحاق: فقال عتبة: أكفاء كرام إنما نريد قومنا، "ثم نادى مناديهم" قال في النور: لا أعرف اسمه، والظاهر أنه أحد الثلاثة: "يا محمد أخرج" بقطع الهمزة "إلينا أكفاءنا من قومنا" وعند ابن عقبة وابن عائذ: أنه صلى الله عليه وسلم استحيا من خروج الأنصار؛ لأنه أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون وهو عليه السلام شاهد معهم، فأحب أن تكون الشوكة ببني عمه فنادهم أن ارجعوا إلى صافكم وليقم إليهم بنو عمهم، "فقال صلى الله عليه وسلم: "قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي"، فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟ " لأنهم كانوا متلثمين لما خرجوا فلا يرد أنهم يعرفونهم لولادتهم بمكة ونشأتهم بينهن، "فتسموا لهم" اختصار لقول ابن إسحاق: فقال عبيدة عبيدة، وقال حمزة حمزة، وقال علي علي، "قالوا: نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم" المسلمين "عتبة بن ربيعة" وكان أسن الثلاثة المشركين "وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة فقتل علي الوليد"، وقتل حمزة شيبة واختلف عبيدة وعتبة بضربتين كلاهم أثبت صاحبه فكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه، "وهكذا ذكره ابن إسحاق" محمد في السيرة. "وعند موسى بن عقبة كما في فتح الباري: برز حمزة لعتبة وعبيدة لشيبة وعلي للوليد ثم

ثم اتفقنا: فقتل علي الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه، واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين، فوقعت الضربة في ركبة عبيدة ومال علي وحمزة على الذي بارزه عبيدة فأعاناه على قتله. وعند الحاكم، من طريق عبد خير عن علي: مثل قول موسى بن عقبة. وعند أبي الأسود عن عروة مثله. وأورد ابن سعد من طريق عبيدة السلماني: أن شيبة لحمزة، وعبيدة لعتبة، وعليا للوليد، ثم قال: الثبت أن عتبة لحمزة، وشيبة لعبيدة. وأخرج أبو داود عن علي قال: تقدم عتبة وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارزه فانتدب له شبان من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال:........................

_ اتفقا" معا على قولهما "فقتل علي الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه" وهو عتبة أو شيبة على الروايتين "بضربتين" بأن ضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة أثخنه بها، "فوقعت الضربة في ركبة عبيدة،" فمات منها لما رجعوا بالصفراء كما في الفتح قبل قوله: "ومال حمزة وعلي على الذي بارزه عبيدة فأعاناه على قتله" فهو قاتله بإعانتهما، وعلى رواية ابن إسحاق: هما اللذان قتلاه، أي: عجلا موته وإلا فعبيدة كان أثخنه. "وعند الحاكم من طريق عبد خير" بن يزيد الهمداني اللذان قتلاه أي قال في التقريب: مخضرم ثقة لم يصح له صحبة، "عن علي مثل قول موسى بن عقبة وعند أبي الأسود" محمد يتيم عروة "عن عروة" بن الزبير "مثله" فقويت رواية ابن عقبة على ابن إسحاق، "وأورد ابن سعد من طريق عبيدة" بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمرو وقيل: ابن قيس بن عمرو "السلماني" الكوفي التابعي الكبير أحد الأعلام أسلم قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بسنتين ولم يلقه ومات سنة سبعين، وقيل: ثلاث وقيل أربع وسبعين "أن شيبة لحمزة وعبيدة لعتبة" مثل ما عند ابن إسحاق "وعليا للوليد، ثم قال" ابن سعد القول "الثبت" أي القوي: "أن عتبة لحمزة وشيبة لعبيدة" لوروده عن علي الذي هو أحد الثلاثة من طرق عدة ومن وجوه الترجيح حضورا لراوي القصة ثم اعتضد بمرسل عروة، وهو من كبار التابعين لا سيما أن كان حمله عن الترجيح حضور الراوي للقصة ثم اعتضد بمرسل عروة، وهو من كبار التابعين لا سيما أن كان حمله عن أبيه وهو من البدريين، وجزم به موسى بن عقب في مغازيه التي قال مالك والشافعي: إنها أصح المغازي. قال في فتح الباري: قال بعض من لقيناه: اتفقت الروايات على أن عليا للوليد، وإنما اختلف في عتبة وشيبة أيهما لعبيدة وحمزة والأكثر أن شيبة لعبيدة، قلت: "و" في دعوى الاتفاق نظر فقد "أخرج أبو داود" من الحارث بن مضرب "عن علين قال: تقدم عتبة وتبعه ابنه وأخوه فنادى من يبارزه فانتدب له" أي: أجابه شبان من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال:

لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة"، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فاثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة. قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السير من أن الذي بارزه علي هو الوليد هو المشهور وهو اللائق بالمقام؛ لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف علي والوليد فكانا شابين. وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن علي قال: أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة، فلم يعب النبي صلى الله عليه وسلم علينا ذلك. وهذا موافق لرواية أبي داود.

_ لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة" فأقبل حمزة إلى عتبة" فهذا طريق ثان عن علي، أنه لا لشيبة، "وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه" فصرح بأن الوليد لعبيدة وشيبة لعلي بخلاف ما ادعى عليه ذلك البعض الاتفاق مع صحته، "ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة" إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخ ساقه يسيل، فقال: أشهيد أنا يا رسول الله، قال: "نعم"، قال: وددت والله أن أبا طالب كان حيا ليعلم إننا أحق منه، بقوله: ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم أنشأ يقول: فإن يقطعوا رجلي فإني مسلم ... أرجى به عيشا من الله عاليا وألبسني الرحمن من فضل منه ... لباسا من الإسلام غطى المساويا هذا بقية رواية أبو داود. "قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الروايات" من جهة الإسناد؛ لأن إسناد أبي داود صحيح، "لكن الذي في السير من أن الذي بارزه علي هو الوليد هو المشهور، وهو اللائق بالمقام؛ لأن عبيدة وشيبة" مبارزة عند الأكثرين، "كانا شيخين" فإن سن عبيدة يومئذ ثلاث وستون سنة "كعتبة وحمزة" مبارزة على الأرجح، فإن سن حمزة حينئذ كان ثمانيا وخمسين سنة، "بخلاف علي والوليد فكانا شابين" إذ سن علي يومئذ عشرون سنة، "وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن علي، قال: أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة، فلم يعب النبي صلى الله عليه وسلم علينا ذلك،" ففيه جواز الإعانة لمن فرغ من قرنه، "وهذا موافق لرواية أبي داود" في

والله أعلم. انتهى. قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش............................................

_ أن الوليد لعبيدة فكيف يقول ذلك البعض. اتفقت الروايات على أن عليا للوليد "والله أعلم" بما كان من ذلك، "انتهى" كلام الحافظ، وفيه جواز المبارزة خلافا لمن أنكرها، كالحسن البصري وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق للجواز إذن أمير الجيش وفضيلة ظاهرة لعبيدة وحمزة وعلي رضي الله عنهم، وقد أقسم أبو ذر أن {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] ، نزلت في الذين برزوا يوم بدر فذكر هؤلا الستة، وقال علي: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة فينا نزلت هذه الآية {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] رواهما البخاري. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: أنها نزلت في أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله منكم، وأقدم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، فقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب. وعن مجاهد: أنها مثل المؤمن والكافر اختصما في البعث، وهذا يشمل جميع الأقوال وينتظم فيه قصة بدر وغيرهما، فالمؤمنون يريدون نصرة دين الله، والكافرون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، واختار ابن جرير هذا واستحسن، ولذا قال: فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار. "قال ابن إسحاق و" لما قتل المبارزون وخرج صلى الله عليه وسلم من العريش لتعديل الصفوف ثم عاد إليه "تزاحف الناس" أي: مشى كل فريق جهة الآخر، "ودنا" قرب "بعضهم من بعض" وعند ابن إسحاق أيضا: أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوضه صلى الله عليه وسلم، فقال: "دعوهم" فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا حكيم بن حزام ثم أسلم وحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمنه قال: لا والذي نجاني من يوم بدر، وأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا على المشركين حتى يأمرهم وإن أكثبوكم فانضحوهم عنكم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم واستبقوا نبلكم، فقال أبو بكر: يا رسول الله! قد دنا القوم ونالوا منا، فاستيقظ وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا فأخبر أصحابه فكان تثبيتا لهم. وفي الصحيح عن أبي أسيد: قال لنا صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم" قال ابن السكيت: أكثب الصيد إذا أمكن من نفسه، فالمعنى: إذا قربوا منكم فأمكنوكم فارموهم واستبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم لا تصيب غالبا. "ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش

ومعه أبو بكر، ليس معه فيه غيره، وهو عليه الصلاة والسلام يناشد ربه إنجاز ما وعده من النصر ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإيمان اليوم فلا تعبد في الأرض أبدا". وأبو بكر يقول: يا رسول الله، خل بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وعند سعيد بن منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،...............

_ ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره" وسعد بن معاذ متوشحا سيفه في نفر من الأنصار على باب العريش يحرسونه، "وهو عليه الصلاة والسلام يناشد" أي: يسأل "ربه إنجاز ما وعده من النصر" قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْن} [الأنفال: 7] {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين} [الروم: 47] الآية، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171، 172، 173] ، "يقول" مع سؤال ذلك: "اللهم إن تهلك هذه العصابة". قال النووي: ضبطوه بفتح التاء وضمها فعلى الفتح العصابة بالرفع فاعل، وعلى الضم بالنص مفعول، والعصابة: الجماعة، انتهى. وجوز نصبها مع فتح التاء على أنه متعد والثلاثة مع سر اللام، وفي لغة بني تميم بفتح اللام مع فتح التاء ورفع ما بعده، فهي أربعة لكن الرواية بالأوليين فقط، كما أفاده النووي بقوله ضبطوه بل اقتصر الحافظ على فتح التاء وكسر اللام ورفع العصابة ففيه إشارة إلى أنه أشهر الروايتين. "من أهل الإيمان اليوم فلا تعبد في الأرض أبدا" لفظ ابن إسحاق الذي هو ناقل عنه: "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد" وفي حديث ابن عباس عند البخاري: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد". وفي حديث عمر عند مسلم: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض"، والاعتذار للمصنف بأنه نقله بالمعنى إشارة إلى أن المراد من الإيمان والإسلام واحد، إنما يصح لو عزاه المصنف لمسلم، وهو إنما نقله عن ابن إسحاق، ولم يقع ذلك عنده، وفيه إشعار بأن من أسباب سؤاله ربه إنجاز وعده بقاء عبادته في الأرض. "وأبو بكر يقول" شفقة عليه ومحبة: "يا رسول الله! خل" أترك "بعض مناشدتك" مصدر مضاف لفاعله و"ربك" مفعوله، وعلله بقوله: "فإن الله منجز" قاض أو معجل "لك ما وعدك" من النصر والظفر عليهم وغير ذلك. "وعند سعيد بن منصور" بن شعبة، أبي عثمان الخراساني الحافظ الثقة أحد الأعلام صاحب السنن، أخذ عن مالك والليث وخلق، وعنه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم، مات بمكة سنة سبع وعشرين ومائتين، وهو في عشر التسعين، "من طريق عبيد الله" بضم العين "ابن عبد الله" بفتحها "ابن عتبة" بضم العين وإسكان الفوقية ابن مسعود الهذلي، أبي عبد الله المدني

قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، تكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال عليه السلام وهو في صلاته: "اللهم لا تخذلني، اللهم إني أنشدك ما وعدتني". وروى النسائي والحاكم عن علي قال: قاتلت يوم بدر شيئا من قتال، ثم جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: "يا حي، يا قيوم". فرجعت وقاتلت ثم جئت فوجدته كذلك. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لماكان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي الله عنه، أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة من النوم..................................

_ التابعي الوسط الثقة الثبت الفقيه كثير العلم والحديث، أحد الفقهاء السبعة المتوفى سنة أربع أو ثمان أو خمس أو تسع وتسعين، "قال: لما كان" تامة، أي: حضر "يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين" إلى "تكاثرهم" وفي نسخة: فتكاثرهم بفتح المثلثة والراء من التفاعل، وهي أنسب بقوله: "وإلى المسلمين فاستقلهم" من القلة "فركع ركعتين" أي: أحرم بهما لا فرغ منهما لما بعده، "وقام أبو بكر عن يمينه" يحرسه لا يصلي معه، ويؤيده قول علي: قام أبو بكر شاهر السيف على رأسه صلى الله عليه وسلم لا يهوى إليه أحد إلا أهوى إليه، "فقال عليه السلام، وهو في صلاته:" لعله في سجودها إذ هو الأليق بمقام الدعاء لخبر أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد "اللهم" أسقط من رواية من عزا له: "لا تودع مني، اللهم" "لا تخلني" بفتح التاء وضم المعجمة، أي: لا تترك عوني ونصري، "اللهم إني أنشدك" بفتح الهمزة وسكون النون وضم المعجمة والدال، أي: أطلب منك "ما وعدتني" وعند الطبراني بإسناد حسن عن ابن مسعود: ما سمعنا مناشدا ينشد ضالة أشد من مناشدة محمد لربه يوم بدر: "اللهم أنشدك ما وعدتني". "وروى النسائي والحاكم عن علي: قال: قاتلت يوم بدر شيئا من قتال، ثم جئت" لاستكشاف حاله صلى الله عليه وسلم، "فإذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: "يا حي يا قيوم"،" أي: لا يزيد على ذلك، كذا قاله الشامي ولا يعارضه الحديث قبله المحتمل أنه قال ما فيه من سجوده؛ لأنه قاله قبل إتيان علي، "فرجعت فقاتلت، ثم جئته فوجدته كذلك" فعل ذلك أربع مرات، وقال في الرابعة: ففتح عليه. "وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي الله عنه، أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة من النوم" فتور يتقدم النوم، يحتمل بعد فراغه من صلاته، ويحتمل فيها. وعند ابن إسحاق: أنه عليه السلام خفق في العريش خفقة، قال في النور: بفتح

ثم استيقظ متبسما، فقال: "أبشر يا أبا بكر، وهذا جبريل على ثناياه النقع" ثم خرج من باب العريش وهو يتلو {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر} .

_ المعجمة والقاف، أي: حرك رأسه وهو ناعس، انتهى. ففيه أنه لم يستغرق على أنه لو استغرق ما ضر؛ لأن نومه ليس بناقض. "ثم استيقظ متبسما، فقال: "أبشر" بقطع الهمزة "يا أبا بكر"، زاد ابن إسحاق: أتاك نصر الله، "هذا جبريل على ثناياه النقع" بفتح النون وسكون القاف وعين مهملة: الغبار إشارة للاهتمام بمناصرته صلى الله عليه وسلم ليدخل عليه وعلى أصحابه السرور. وفي البخاري عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب". قال الحافظ: وأخرج سعيد بن منصور تتمة لهذا الحديث مفيدة من مرسل عطية بن قيس: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فرغ من بدر على فرس حمراء معقودة الناصية قد عصب الغبار ثنيته عليه درعه، وقال: "يا محمد إن الله بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، أفرضيت؟ قال: "نعم". وروى البيهقي عن علي، قال: هبت ريح شديدة لم أر مثلها، ثم هبت شديدة، وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبرائيل، والثانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل، فكان ميكائيل عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره، وأنا فيها، انتهى. ورواه ابن سعد وذكر الثلاثة جزما، وقال: فكانت الأولى جبريل في ألف من الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية ميكائيل في ألف عن يمينه، والثالثة إسرافيل في ألف عن يساره. وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي عن علي، قال: قيل لي ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل، مالك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال. قال الحافظ: والجمع بينه وبين هبت ريح ... إلخ، ممكن. "ثم خرج من باب العريش، وهو يتلو: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] الآية،" قال الزجاج: يعني الإدبار؛ لأن اسم الواحد يقع على الجمع، أي: سيفرق شملهم ويغلبون، وقيل: أفرد لأن كل واحد يولي دبره. وقيل: إشارة إلى أنهم في التولية والهزيمة كنفس واحدة ولا يثبت أحد فيهم دبر أحد. وقيل: لأجل رءوس الآي، وفي هذا علم من أعلام النبوة؛ لأن هذه الآية نزلت بمكة وأخبرهم بأنهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال. وأخرج الطبري وابن مردويه عن ابن عباس: لما نزلت {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] الآية، قال عمر: أن جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت في الدرع، وهو يقول: "سيهزم الجمع"، ولابن مردويه عن أبي هريرة عن عمر: لما نزلت هذه الآية، قلت: يا رسول الله! أي جمع؟ فذكره. ولابن أبي حاتم: فعرفت تأويلها يوم بدر.

فإن قلت: كيف جعل أبو بكر يأمره عليه السلام بالكف عن الاجتهاد في الدعاء ويقوي رجاءه ويثبته، ومقام الرسول صلى الله عليه وسلم هو المقام الأحمد، ويقينه فوق يقين كل أحد؟ أجاب السهيلي نقلا عن شيخه: بأن الصديق في تلك الساعة كان في مقام الرجاء، والنبي صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف؛ لأن الله تعالى أن يفعل ما يشاء، فخاف أن لا يعبد الله في الأرض، فخوفه ذلك عبادة انتهى. وقال الخطابي: لا يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعملون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال، كف عن ذلك وعلم أن استجيب له لما وجد أبا بكر في نفسه من القوة...............................

_ "فإن قلت: كيف جعل" أي: شرع "أبو بكر يأمره عليه السلام" يسأله أو يلتمس منه على التسوية بين الأمر والدعاء والالتماس "بالكف عن الاجتهاد في الدعاء، ويقوي رجاءه ويثبته، ومقام الرسول صلى الله عليه وسلم هو المقام الأحمد" الذي لا يصل إليه أحد، ومقام الصديق رضي الله عنه دونه بمراحل، فإنه بعد النبيين، ومقام النبي صلى الله عليه وسلم فوق الجميع. "ويقينه فوق يقين كل أحد، أجاب السهيلي نقلا عن شيخه" القاضي أبي بكر بن العربي الحافظ: "بأن الصديق في تلك الساعة كان في مقام الرجاء" ثقة بوعد الله نبيه "والنبي صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف" قال القاضي أبو بكر: وكلا المقامين سواء في الفضل. قال السهيلي: لا يريد: يعني شيخه، أن النبي صلى الله عليه وسلم والصديق سواء، ولكن الخوف والرجاء مقامان لا بد للإيمان منهما، فكان الصديق في مقام الرجاء والنبي صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف من الله، "لأن الله تعالى أن يفعل ما شاء فخاف أن لا يعبد الله في الأرض" بعدها "فخوفه ذلك عبادة، انتهى" ولا ريب أن خوفه أعلى من رجاء أبي بكر "وقال الخطابي: لا يتوهم" لفظه، لا يجوز أن يتوهم "أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، في تلك الحالة بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم باطنا، "والدعاء" الطلب باللسان "والابتهال" التضرع والإخلاص في الدعاء "لتسكن نفوسهم عند ذلك؛ لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك" الاجتهاد في الدعاء "وعلم أنه استجيب له لما" حين "وجد أبا بكر في نفسه من القوة

والطمأنينة، فلهذا عقبه بقوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر. وقال غيره: وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملا. هذا هو الذي يظهر من بادئ الرأي. وإنما قال عليه الصلاة والسلام: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد بعد اليوم" لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هلك هو ومن معه حينئذ، لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان.

_ والطمأنينة" اللتين هما علامة بحسب العادة الربانية مع المصطفى وصحبه على عدم ضررهم وحصول مطلوبهم، "فلهذ أعقبه بقوله: {سَيُهْزَمُ الْجَمْع} [القمر: 45] ،" الذين قالوا: نحن جميع منتصر، {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ،" قال في الفتح: وزل من لا علم عنده ممن ينسب إلى الصوفية في هذا الموضع زللا شديدا، فلا يلتفت إليه، ولعل الخطابي أشار إليه. "وقال غيره: وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة" الدعاء أو الشرعية، فإن وقوعها في الخوف أعلى الأحوال والدرجات، "وجاز عنده" عليه السلام "أن لا يقع النصر يومئذ؛ لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملا" فبفرض تأخره مدة لا ينافي أنه أعطاه ما وعده به، "هذا هو الذي يظهر من بادئ الرأي" وهذا غير جواب السهيلي؛ لأن محلظه تجويز أن النصر لا يقع يومئذ ويتأخر مدة، وملحظ جواب السهيلي أنه خاف أن لا يعبد الله في الأرض، ويأتي ما قاله النووي عن العلماء. وذهب قاسم بن ثابت في معنى الحديث إلى غير ذلك، فقال: إنما قال ذلك الصديق رة عليه صلى الله عليه وسلم لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه، فقال له بعض هذا: يا رسول الله! أي: لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدم بالنصر، وكان رقيق القلب شديد الإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم: "وإنما قال عليه الصلاة والسلام: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام" ساقه هنا بلفظ مسلم وفيما مر بمعناه "فلا تعبد بعد اليوم لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك هو ومن معه" أفاد أن العصابة هو وأصحابه لا هم فقط، لجواز أنه يدعو غيرهم أفيؤمنون ويعبدون، "لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان" وذلك مستلزم عادة لعدم الإيمان، وإن كان الله قادرا على أن الناس يعبدونه بغير واسطة رسول تتعلق إرادته بعبادتهم، كما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء} [النحل: 40] الآية.

وأما شدة اجتهاده عليه الصلاة والسلام ونصبه في الدعاء، فإنه رأى الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار وأنصار الله يخوضون غمرات الموت. والجهاد على ضربين جهاد بالسيف وجهاد بالدعاء، ومن سنة الإمام أن يكون وراء الجند لا يقاتل معه، فكان الكل في جد واجتهاد، ولم يكن ليريح نفسه من أحد الجدين وأنصار الله وملائكته يجتهدون، ولا ليؤثر الدعة وحزب الله مع أعدائه يجتلدون. انتهى. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال عمر بن الخطاب: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا دخل العريش فاستقبل القبلة ومد يديه، وجعل يهتف..............................

_ "وأما شدة اجتهاده عليه الصلاة والسلام ونصبه" بفتحتين: تعبه، "في الدعاء، فإنه" كما قال السهيلي " رأى الملائكة تنصب" بفتح الصاد، "في القتال وجبريل على ثناياه الغبار وأنصار الله يخوضون" يقتحمون "غمرات الموت" شدائده "والجهاد على ضربين جهاد بالسيف، وجهاد بالدعاء. ومن سنة الإمام" عادته وطريقته "أن يكون وراء الجند" خلف الجيش، "لا يقاتل معه، فكان الكل في جد" بكسر الجيم "واجتهاد" عطف تفسير، "ولم يكن" مريدا "ليريح نفسه من أحد الجدين وأنصار الله وملائكته يجتهدون" جملة حالية، "ولا ليؤثر الدعة" الراحة، "وحزب الله" المؤمنون "مع أعدائه يجتلدون، انتهى" كلام السهيلي. "وفي صحيح مسلم" وسنن أبي داود والترمذي "عن ابن عباس، قال": حدثني "عمر بن الخطاب،" قال: "لما كان يوم بدر ونظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف" هذ أولى بالصواب لصحته وكونه عن عمرو، وافقه عليه ابن مسعود وهما بدريان، ومر قول ابن عقبة وابن عائذ أنهم تسعمائة وخمسون مقاتلا وأنه يمكن الجمع بأنه الخمسين باقي الألف غير مقاتلين، وهذا خير من تأويل الحديث بأنه في نظر الرائي؛ لأن فيه رد الحديث لصحيح المسند عمن حضر الواقعة إلى كلام أهل السير بلا إسناد على أن الرائي إنما كان يراهم قليلا، كما في القرآن وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا، "وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا" بفوقية فسين مهملة، ونسخة وبضعة عشر بموحدة فضاد تحريف من النساخ للعز، ولمسلم: فإن بضعة رواية البخاري عن البراء. أما رواية مسلم عن عمر فتسعة بفوقية وسين، وكذا نقله عنه اليعمري والحافظ جامعا بأنه ضم إلى الثلاثمائة عشر من لم يؤذن له في القتال، "دخل العريش، فاستقبل القبلة ومد يديه وجعل يهتف" بفتح أوله وكسر الفوقية، قال النووي: أي يصيح ويستغيث بالدعاء، وفيه

بربه: "اللهم أنجر لي ما وعدتني" ... فمازال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فانزل الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي....................

_ استحباب استقبال القبلة ورفع اليدين في الدعاء، وأنه لا بأس برفع الصوت فيه، "بربه" بقول: رافعا صوته، "اللهم أنجز" بفتح الهمزة "لي ما وعدتني" أسقط من رواية مسلم: "اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، "فما زال يهتف بربه مادا يديه" أسقط من الرواية مستقبل القبلة، "حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كذاك" بالذال المعجمة، بمعنى: كفاك. قال قاسم بن ثابت: كذا يراد بها الإغراء والأمر بالكف عن الفعل، وهو المراد هنا. ومنه قول جرير: تقول وقد ترامحت المطايا ... كذاك القول إن عليك عينا أي: حسبك من القول، فاتركه. قال الحافظ: وخطأ من زعم أنه تصحيف وأن الأصل كفاك. ا. هـ. وقال النووي: قوله كذاك بالذال. ولبعضهم، أي الرواة: كفاك بالفاء. وفي البخاري: حسبك، وكله بمعنى "مناشدتك" بالنصب على الأشهر بما فيه من معنى الفعل من الكف وبالرفع فاعل به، قاله عياض ثم النووي. "ربك" بالنصب، قال السهيلي: أتى بالمفاعلة والرب لا ينشد عبده؛ لأنها مناجاة للرب، ومحاولة لأمر يريده. وفي البخاري: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك قد ألححت على ربك، "فإنه سينجز لك ما وعدك" من النصر، قال النووي: قال العلماء: إنما فعل صلى الله عليه وسلم هذه المناشدة ليراه أصحابه بتلك الحال يتقوى قلوبهم بدعائه وتضرعه مع أن الدعاء عبادة، وقد كان الله وعده إحدى الطائفتين إما العير وإما الجيش، والعير قد ذهبت فكان على ثقة من حصول الأخرى، ولكن سأل تعجيل ذلك من غير أذى يلحق المسلمين. "فأنزل الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم بدل من إذ يعدكم أو متعلق بقوله: ليحق الحق، أو على إضمار اذكر، وجمع وإن كان الدعاء من المصطفى وحده للتعظيم، أو لأنه يعم الجميع فكأنهم مشاركون له، أو لأن الصحابة كانوا يستغيثون أيضا، كما روى أنهم لما علموا أن لا محيص من القتال، قالوا: أي رب، انصرنا على عدوك، أغثنا يا غياث المستغيثين، {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي} [الأنفال: 9] الآية، قال البيضاوي: أي بأني فحذف الجار وسلط عليه الفعل، وقرأ أبو عمرو بالكسر على إرادة القول، أو إجراء استيجاب

مُمِدُّكُمْ} مرسل إليكم مددا لكم {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِين} أي متتابعين بعضهم في أثر بعض. وعلى قراءة فتح الدال معناه: أردف الله عز وجل المسلمين وجاءهم بهم مددا. وفي الآية الأخرى {بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِين} [آل عمران: 124] فقيل معناه: إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف. فكان الأكثر مددا للأقل، وكان الألف مردفين بمن وراءهم. والألف هم الذي قاتلوا مع المؤمنين، وهم الذين قال لهم: {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} وكانوا في صور الرجال،.............................

_ مجرى، قال: لأن الاستجابة من القول. {مُمِدُّكُم} [الأنفال: 9] ، أي: "مرسل إليكم مددا لك {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِين} بكسر الدال اسم فاعل حال من الملائكة، "أي: متتابعين بعضهم في أثر" حكى تثليث الهمزة، كما في النور. "بعض" من أردفته إذا جئت بعده أو متبعين أنفسهم المؤمنين من أردفته إياه فردفه، "وعلى قراءة فتح الدال" وهي قراءة نافع ويعقوب اسم مفعول "معناه: أردف الله عز وجل المسلمين" بألف من الملائكة "وجاءهم بهم مددا" وهو حال من مفعول من يمدكم أو من الملائكة، والمعنى: أنهم مردفون بملائكة تعقبهم وتنضم إليهم، قال النحاس ومكي وغيرهما: وقراءة كسر الدال أولى؛ لأن أهل التأويل عليها ولأن عليه أكثر القراء، ولأن فيها معنى الفتح، قال القرطبي. "وفي الآية الأخرى" في آل عمران: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 124] "، قرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدري بألف بضم اللام جمع ألف، كفلس جمع فلس، فلا خلاف بين الآيتين، وعلى القراءة المشهور بالإفراد، "فقيل في معناه:" جمعا بينهما، "إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف، فكان الأكثر مددا للأقل، وكان الألف مردفين" بفتح الدال "بمن وراءهم" والمعنى أن الثلاثة آلاف قوت الألف وزادتهم، "والألف هم الذين قاتلوا مع المؤمنين" والباقون كانوا عددا ومددا، فاتفقت الآيتان. وقيل في الجمع أيضا: أن الألف كانوا على المقدمة أو الساقة أو هم وجوههم وأعيانهم، "وهم الذين قال لهم: {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12] كالتفسير لقوله {إِنِّي مَعَكُمْ} [المائدة: 12، هود: 93] ، وفيه دليل على أنهم قاتلوا "وكانوا في صور الرجال" فكان الملك يمشي أمام الصف في صورة رجل، ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم عليهم، ويظن

ويقولون للمؤمنين: اثبتوا فإن عدوكم قليل وإن الله معكم. وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف. وعن عامر الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر الفهري يمد المشركين فشق عليهم، فأنزل الله: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِين} ..........................................

_ المسلمون أنه منهم، ذكره القرطبي. "ويقولون للذين آمنوا اثبتوا"، وعللوا ذلك بقولهم: "فإن عدوكم قليل، باعتبار ما انضم إليهم من الملائكة، أو بخذلان الله لهم حتى قلوا في المعنى، وإن كثروا في العدد أو قليل في نظركم، كما قال: وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا، حتى قال ابن مسعود لمن بجنبه: أتراهم سبعين، فقال: أراهم مائة، "وإن الله معكم"، بالنصر والمعونة، وقد رأى المشركون الملائكة لتضعف قلوبهم وتنكسر، كما في عدة أخبار. "وقال الربيع بن أنس" البكري أو الحنفي البصري نزيل خراسان، صدوق له أو هام ورمى بالتشيع مات سنة أربعين ومائة، وقيل: قبل الأربعين. "أمد الله المسلمين بألف" أو لا وهو الذي في الأنفال، "ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم" لما صبروا واتقوا "صاروا خمسة آلاف" كما قال تعالى: {إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ} [آل عمران: 125] ، الآية قال في فتح الباري: كان الربيع جمع بذلك بين آيتي آل عمران والأنفال. "وقال سعيد بن أبي عروبة" مهران اليشكري مولاهم البصري مما رواه ابن أبي حاتم عنه، "عن قتادة" بن دعامة الأكمه المفسر المشهور: "أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف" من الملائكة، وهذا موافق للربيع. "و" روى ابن أبي حاتم بسد صحيح، "عن عامر الشعبي" التابعي: "أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز" بضم الكاف وسكون الراء وزاي، "ابن جابر الفهري" صحب بعد واستشهد في الفتح، كما مر "يمد" بضم الياء وكسر الميم من الإمداد، أي: يعين "المشركين فشق عليهم، فأنزل الله تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِين} [آل عمران: 124] الآية، إنكار أن لا يكفيهم ذلك، وإنما جيء بلن إشعارا بأنهم كانوا كالآيسين من

إلى قوله: {مُسَوِّمِين} [آل عمران: 125] ، قال: فبلغت كرر الهزيمة فلم يمد المشركين، ولم تمد المسلمون بالخمسة. وعن ابن عباس: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما أقبل جبريل عليه السلام والملائكة كانت يده في يد رجل

_ النصر لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم، كذا في الأنوار. قال شيخنا: وكان وجه الإشعار أنه لما أدخل همزة الاستفهام الإنكاري على النفي للكفاية في المستقبل أفاد أنهم كانوا لا يرجونه ولا يأملونه، "إلى قوله: مسومين" معلمين من التسويم وهو إظهار سيماء الشيء، وقيل: مرسلين من التسويم بمعنى الأسامة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو. "قال" الشعبي: "فبلغت كرز الهزيمة" للمشركين "فلم يمد المشركين ولم تمد المسلمون بالخمسة" وإنما أمدوا بالألف ثم بالثلاثة، وما ذكره من أن هذه الآية في قصة بدر، قال الحافظ: هو قول الأكثر، فهي متعلقة بقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْر} [آل عمران: 123] الآية، وبه جزم الداودي، وعليه عمل البخاري، وأنكره ابن التين فذهل. وقيل: متعلقة بقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِك} [آل عمران: 121] الآية، فهي في غزوة أحد، وهو قول عكرمة وطائفة. وقد لمح البخاري للاختلاف في النزول فذكر قوله تعالى: {وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِك} [آل عمران: 121] الآية، فهي في غزوة أحد، وهو قول عكرمة وطائفة. وقد لمح البخاري للاختلاف في النزول قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِك} ، وكذا {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْء} [آل عمران: 128] الآية، في أحمد، وذكر له غدا ذلك في بدر، وهو المعتمد. انتهى. "و" روى البيهقي وغيره "عن ابن عباس" قال: "جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين في صورة سراقة بن مالك بن جعشم" بضم الجيم وسكون المهملة وضم المعجمة على المشهور، وحكي فتحها، تقدم في الهجرة وكان جنده في صورة رجال من بني مدلج، وذلك كما عند ابن إسحاق أن قريشا لما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن نؤتى من خلفنا، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، "فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، "وإني جار" مجير "لكم". وفي رواية ابن إسحاق: وأنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، "فخرجوا سراعا، "فلما أقبل جبريل عليه السلام والملائكة" إلى إبليس، كما في رواية البيهقي، ورآه إبليس "كانت يده في يد رجل

من المشركين فانتزع يده ثم نكص على عقيبه، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب. وروي أن جبريل نزل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة الرجال على خيل بلق، عليهم ثياب بيض، وعلى رءوسهم.....................................................

_ من المشركين" هو عمير بن وهب أو الحارث بن هشام، ذكرهما ابن إسحاق، وأسلم كل منهما بعد ذلك وصحب، "فانتزع يده ثم نكص على عقبيه" أي: رجع بلغة سليم، قال: ليس النكوص على الإدبار مكرمة ... إن المكارم إدبار على الأسل وقال: وما نفع المستأخرين نكوصهم ... ولا ضر أهل السابقات التقدم وليس هنا قهقرى بل هو فرار، كما قال إذا سمع الأذن أدبروا له ضراط، قاله القرطبي. قال في رواية البيهقي: ثم ولى هاربا هو وشيعته، "فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار" وقد خذلتنا وانهزمت لتكون سببا في هزيمتنا، "فقال: إني أرى ما لا ترون" من مجيء الملائكة لنصر المسلمين ولا ينافيه أن المشركين رأوا الملائكة لأنهم رأوهم في صورة الرجال فظنوهم رجالا، وإبليس عرف أنهم ملائكة، أو رأى جملتهم والمشركون بعضهم أو غير ذلك، "إني أخاف الله" قال الحسن: خاف أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه إذ رأى فيه ما لم ير قبله، وقال قتادة: كذب ما به من خوف ولكن علم أنه لا قوة له، فأوردهم وأسلمهم، وهذه عادته لمطيعه، وقيل غير ذلك. "والله شديد العقاب" قال البيضاوي: ويجوز أنه من كلامه وأنه مستأنف، وفي ذلك يقول حسان: سرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لم يعلمون يقين العلم ما ساروا دلاهمو بغرور ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار وحمل الآية على تصوره بصفة سراقة، هو مذهب الجمهور. وقيل: المراد الوسوسة، وقوله: إني جار لكم مقالة نفسانية، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما رأى الشيطان يوما هو أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة"، وما ذلك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عز وجل عن الذنوب العظام، إلا ما رأى يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: "أما إنه رأى جبريل والملائكة" رواه مالك في الموطأ. "وروي أن جبريل نزل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة الرجال،" لا ينافي هذا أن كلا نزل في ألف، كما رواه ابن سعد وغيره، كما مر، لجواز أنه أردف كل بخمسمائة أو الخمسمائة بقيد كونهم "على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رءوسهم

عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض، ويوم حنين: عمائم خضر. وعن علي: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكانت سيماهم أيضا في نواصي خيلهم. رواه ابن أبي حاتم. وروى ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه، في قوله تعالى: {مُسَوِّمِينَ} قال: معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود ويوم حنين عمائم خضر. وروى ابن أبي حاتم عن الزبير: أن الملائكة نزلت وعليهم عمائم صفر.

_ عمائم بيض" من نور، كما في الرواية: "قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم" ففي كونها من نور إشارة إلى ذلك بالنظر لما تصوروا به إذ لم يكن عليهم شيء من العمائم المعروفة عليهم الصلاة والسلام، "وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان سيما" خبر مقدم، أي: علامات "الملائكة يوم بدر عمائم" اسم كان "بيض" صفته "وعن علي: كانت سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض" أي: النور المرئي للناظر، مثل الصوف الأبيض إذ الملائكة أجسام نورانية لا يليق بها الملابس الجسمانية "وكانت سيماهم أيضا في نواصي خيلهم" وأذناها، كما هو بقية الرواية عند من عزا له، بقوله: "رواه ابن أبي حاتم" عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي الحافظ ابن الحافظ. "وروى ابن مردويه" بسند فيه عبد القدوس بن حبيب وهو متروك، "عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه" لفظة استعملها المحدثون بدل قال صلى الله عليه وسلم "في" تفسير قوله تعالى {مُسَوِّمِينَ} قال: "معلمين"، بضم الميم وسكون العين اسم مفعول من أعلم الفارس جعل لنفسه علامة الشجعان، أو بفتح العين وشد اللام من علم، أو اللام مخففة من علم كنصر وضرب: وسم. "وكانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم سود" أي: بعضهم، فلا يخالف ما قبله لا ما بعده إشارة للمسلمين بالسؤدد والنصر، وأنهم يسودون عدوهم بالقتل والأسر، كما لبس صلى الله عليه وسلم العمامة السوداء يوم فتح مكة، "ويوم حنين عمائم خضر" موافق لما قبله. "وروى ابن أبي حاتم، عن الزبير" بن العوام البدري الحواري "أن الملائكة نزلت" يوم بدر "وعليهم عمائم صفر" ورواه ابن جرير بإسناد حسن ع أبي أسيد الساعدي وهو بدري،

قيل: ولم تقاتل الملائكة غير يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا، وبذلك صرح العماد بن كثير في تفسيره فقال: المعروف من قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، ثم روى عن ابن عباس قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وقال ابن مرزوق: ولم تكن تقاتل في غيرها بل يحضرون خاصة على المختار من الأقوال عند بعضهم. وفي نهاية البيان في تفسير التباين عند تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْن} وهل قاتلت............................................................................................

_ ولفظه: خرجت الملائكة يوم بدر في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم، وذلك إظهار لإمارات السرور للمسلمين، وإن هذا الحرب الذي هم فيه إنما هو فرح ينالهم لا ترح، وفي الأصفر من التفريح والسرور ما يشهد به قوله تعالى {تَسُرُّ النَّاظِرِين} [البقرة: 69] الآية، ولذا قيل: من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، ورفعه كذب، كما قال أبو حاتم، فعلم من هذه الروايات أن عمائمهم اختلفت ألوانها. لكن قال السيوطي: الذي صح من الروايات في العمائم أنها صفر مرخاة بين الأكتاف ورواية البيض والسود ضعيفة، ثم هذا كله مع ما يأتي يرد قول عكرمة ومن وافقه أن نزول الملائكة في غزوة أحد، ويؤيد قول الأكثرين وهو المعتمد، كما مر عن الحافظ أنه في بدر. وقد قال البخاري في صحيحه باب شهود الملائكة بدرا، وقال مسلم في الصحيح باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر. وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جبير بن مطعم: رأيت قبل هزيمة القوم ببدر مثل البجاد الأسود أقبل من السماء كالنمل، فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم والأخبار طافحة بقتالهم يوم بدر، وو ظاهر القرآن. حتى "قيل: ولم تقاتل الملائكة غير يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه عددا" بضم العين جمع عدة كغرف وغرفة، "ومددا" لا يضربون "وبذلك" بل وبترجيحه "صرح العماد بن كثير في تفسيره، فقال: المعروف من قتال الملائكة" على العموم "إنما كان يوم بدر، ثم روى" بإسناده "عن ابن عباس: قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر،" وهذا حجة على من زعم أنهم لم يقاتلوا فيها. "وقال ابن مرزوق: ولم تكن تقاتل في غيرها، بل يحضرون خاصة على المختار من الأقوال" الثلاثة "عند بعضهم" التي هي قاتلت فيها دون غيرها قاتلت فيها، وفي غيرها لم تقاتل فيها ولا في غيرها، وإنما يكثرون السود ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك أهل الدنيا، وهذه شبهة يدفعها ما يأتي عن السبكي. "وفي نهاية البيان في تفسير التباين عند تفسير قوله تعالى، {وَيَوْمَ حُنَيْن} وهل قاتلت

الملائكة أم لا؟ فيه قولان: أحدهما -وهو قول الجمهور- إنها لم تقاتل، انتهى. وهذا يرده حديث مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أنه رأى عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد -يعني جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام- يقاتلان كأشد القتال. قال النووي: فيه بيان إكرامه صلى الله عليه وسلم بإنزال الملائكة تقاتل معه، وبيان أن قتالهم لم يختص بيوم بدر. قال: وهذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاصه، فهذا صريح في الرد عليه. قال وفيه أن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل يراهم الصحابة والأولياء. انتهى. قال ابن الأنباري: وكانت الملائكة.............................................

_ الملائكة" يوم حنين "أم لا؟ فيه قولان، أحدهما، وهو قول الجمهور: إنها لم تقاتل" لأن الله إنما قال: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 26] الآية، ولا دلالة فيه على قتال، "انتهى، وهذا" أي: القول بأنها لم قتال إلا ببدر "يرده حديث مسلم في صحيحه" في المناقب لا المغازي، "عن سعبد بن أبي وقاص أنه رأى عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين" ملكين في صفة رجلين، "عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد،" وفي رواية الطيالسي: لم أرهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، "يعني جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام يقاتلان كأشد القتال" الكاف زائدة أو للتشبيه، أي: كأشد قتال بني آدم، وإنما عزاه لمسلم فقط مع أن البخاري أخرجه أيضا لزيادة مسلم: يعني جبريل وميكائيل. "قال النووي: فيه" من الفوائد "بيان إكرامه صلى الله عليه وسلم بإنزال الملائكة تقاتل معه وبيان أن قتالهم لم يختص بيوم بدر، قال:" النووي "وهذا هو الصواب خلاف لمن زعم اختصاصه" أي: يوم بدر بقتال الملائكة، "فهذا" الحديث "صريح في الرد عليه" ولا صراحة فيه، وقد أجاب عنه البيهقي وغيره، بما حاصله: إن قتال الملائكة ببدر كان عاما عن جميع القوم، وأما في أحد فإنهما ملكان وقتالهما عن النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، على أنه لا يلزم من ذلك قتالهما بل يجوز أنهما كانا يدفعان عنه ما يرمى به من نحو السهام، وعبر عن ذلك بالقتال مجازا. "قال" النووي: "وفيه" أيضا "أن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل يراهم الصحابة والأولياء" ولكن غير صورهم الأصلية، "انتهى". وقد يعلمون بأنهم ملائكة وقد لا يعلمون، كما في حديث: ولا يعرفه منا أحد، وقال صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم". "قال ابن الأنباري:" بفتح الهمزة وسكون النون نسبة إلى الأنبار بالعراق، "وكانت الملائكة

لا تعلم كيف يتقتل الآدميون، فعلمهم الله تعالى بقوله: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاق} أي الرءوس {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} قال ابن عطية: كل مفصل. قال السهيلي: جاء في التفسير أنه ما وقعت ضربة يوم بدر إلا في رأس أو مفصل، وكانوا يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوه بآثار سود في الأعناق والبنان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا على جبل يشرف على بدر -ونحن مشركان-

_ لا تعلم كيف تقتل" بالبناء للمفعول. "الآدميون فعلمهم الله تعالى بقوله: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاق} [الأنفال: 12] الآية، "أي: الرءوس" فالتعبير بالأعناق مجاز، فإنها الوصلة بين الرأس والجسد والضرب على الرأس أبلغ، لأن أدنى شيء يؤثر في الدماغ، وهذا قول عكرمة ويوافقه قول ابن عباس: كل هام وجمجمة. وقال الضحاك وعطية والأخفش: فوق زائدة، وخطأهم محمد بن يزيد؛ لأن فوق تفيد معنى، فلا تجوز زيادتها، ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها. {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاق} قال ابن عطية، أي: "كل مفصل" وهو قول الضحاك. قال الزجاج: وواحده بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء. قال ابن فارس: البنان الأصابع، ويقال: الأطراف، وقيل: المراد بالبنان في الآية أطراف الأصابع من اليدين والرجلين؛ لأن ضربهما يعطل المضروب عن القتال بخلاف سائر الأعضاء، ويؤيد الأول قوله: "قال السهيلي: جاء في التفسير أنه ما وقعت ضربة يوم بدر إلا في رأس أو مفصل، وكانوا" كما رواه يونس بن بير في زيادات المغازي والبيهقي عن الربيع بن أنس، قال: كان الناس "يعرفون قتلى" جمع قتيل "الملائكة ممن قتلوه بآثار سود في الأعناق والبنان" مثل سمة النار قد احترق، كما هو بقية الرواية، ولعله الغالب عنه المصنف، قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة". "وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: حدثني رجل من بني غفار" قال البرهان: لا أعرف اسمه وهو مذكور في الصحابة. قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا" أي: علونا، يقال: صعد وأصعد بمعنى، كما في المطالع، "على جبل يشرف على بدر، ونحن مشركان"

ننظر الوقعة على من تكون الدبرة، فننهب مع من ينهب، فبينما نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه في الحال. وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت. رواه البيهقي وأبو نعيم. والدبرة: بفتح الموحدة وفي نسخه -بسكون الموحدة- الهزيمة في القتال. وحيزوم: اسم فرس جبريل. قاله في القاموس.

_ أي: كافران، قال البرهان: ورأيت في نسخه من سيرة ابن هشام مشتركان بزيادة تا، وصحح عليها، انتهى. فإن صحت فترد لما هنا، أي: مشتركان في الكفر وفي كوننا "ننظر الوقعة على من تكن الدبرة" بفتح الدال المهملة الهزيمة، "فننهب مع من ينهب، فبينا نحن في الجبل إذ دنت سحابة فيها حمحمة" بحاءين مهملتين بعد كل ميم: صوت "الخيل" دون الصهيل "فسمعت قائلا يقول: أقدم" بهمزة قطع مفتوحة وكسر الدال من الإقدام، كما رجحه ابن الأثير وصوبه الجوهري، وقال النووي: إنه الصحيح المشهور، أو بهمزة وصل مضمومة وضم الدال المهملة من التقدم، وقدمه ابن قرقول وبكسر الهمزة وفتح الدال، واقتصر عليه في البارع، قال أبو ذر: كلمة يزرج بها الخيل، "حيزوم" بحذف حرف النداء، أي: يا حيزوم، بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فزاي مضمومة فميم فيعول من الحزم، وتطلق أيضا على الصدر. قال الشامي: فيجوز أنه سمي به لأنه صدر خيل الملائكة ومتقدم عليها، انتهى. ورواه العذري بالنون بدل الميم، قال عياض: والصواب الأول، وهو المعروف لسائر الرواة والمحفوظ. "فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه" بكسر القاف وتخفيف النون وعين مهملة: غشاؤه تشبيها بقناع المرأة، "فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت" مثله في العيون، وفي السبل: ثم انتعشت بعد ذلك، "رواه البيهقي وأبو نعيم" وابن إسحاق "والدبرة بفتح الموحدة وفي نسخة بسكون موحدة" وفي النور: بإسكان الموحدة ويجوز فتحها. وفي السبل بفتحتين وتسكن. "الهزيمة في القتال" وفي تذكرة القرطبي: الدبرة ويروى الدابرة والمعنى متقارب. قال الأزهري: الدابرة الدولة تدول على الأعداء، والدبرة النصر والظفر، يقال لمن الدبرة، أي: الدولة. وعلي من الدبرة، أي: الهزيمة، انتهى. "وحيزوم اسم فرس جبريل، قاله في القاموس" تبعا لجمع، ورده الشامي بما رواه البيهقي عن خارجه بن إبراهيم عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: "من القائل يوم بدر من الملائكة:

وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. رواه الحاكم وصححه البيهقي وأبو نعيم. قال الشيخ تقي الدين السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم مع أن جبريل عليه السلام قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه.

_ أقدم حيزوم"؟ فقال جبريل: ما كل أهل السماء أعرف"، وجوابه أن قائله غير جبريل خاطب به فرس جبريل، فلا ينافيه قوله: ما كل ... إلخ، على أن ذا الحديث دال لمن قال إنها فرس جبريل، لقوله: "من القائل"؟ ولم يقل: وما حيزوم. قال البرهان: ولجبريل فرس أخرى ويحتمل أن أحدهما اسم والآخر لقب الحياة، وهي التي قبض أثرها السامري فألقاها في العجل الذي صاغه، فكان له خوار. "وروى أبو أمامة" أسعد، وقيل: سعد "بن سهل بن حنيف" الأنصاري المعروف بكنيته المعدود في الصحابة؛ لأن له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ولد قبل وفاته بعامين، وأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه اسم باسم جده لأمه أبي أمامة أسعد بن زرارة وكناه وبارك عليه، مات سنة مائة وله اثنتان وتسعون سنة، روى له الجميع، "عن أبيه" سهل بن حنيف بضم المهملة وفتح النون وسكون التحتية وبالفاء ابن واهب الأنصاري الأوسي شهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد وبايع يومئذ على الموت، استخلفه علي على البصرة بعد الجمل، ثم شهد معه صفين، ومات في خلافته سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه وصح أنه كبر عليه خمسا، وفي رواية: ستا، وقال: إنه شهد بدرا، "قال: لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف" وما ذاك إلا من الملائكة ففيه حجة لى من أنكره. "رواه الحاكم وصححه" تلميذه "البيهقي وأبو نعيم" أحمد بن عبد الله. وروى ابن إسحاق عن أبي واقد المازني، قال: إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذا وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قتله غيري، لكن قال ابن عساكر: في سنده من لا يعرف، وهذه القصة إنما كانت لأبي واقد يوم اليرموك والصحيح قول الزهري عن سنان الديلي أن أبا واقد إنما أسلم عام الفتح، وقال أبو عمر: لا يثبت أنه شهد بدرا، وكذا قال أبو نعيم. "قال الشيخ تقي الدين" علي بن عبد الكافي "السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم مع أن جبريل عليه السلام قادر على أن يدفع الكفار" بأجمعهم "بريشة من جناحه" كما روي أنه رفع مدائن قوم لوط، وهي أربع مدائن في كل مدينة أربعمائة ألف

فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة الجيوش، رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله في عباده، والله فاعل الجميع انتهى. ولما التقى الجمعان، تناول صلى الله عليه وسلم كفا من الحصباء، فرمى به في وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخريه منها شيء فانهزموا

_ مقاتل من الأرض السفلى على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها ودجاجها وقبلها، "فقلت:" في الجواب فعل "ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله في عباده والله فاعل الجميع، انتهى" وذكر ابن هشام أن شعار الملائكة كان يوم بدر: أحد، "ولما التقى الجمعان" بعد ما مر من الصلاة والابتهال النبوي، وقتال علي ورجوعه يجد المصطفى ساجدا، وتزاحف الناس ونزول الملائكة، وقول أبي جهل، كما عند ابن إسحاق: اللهم إينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه. "تناول صلى الله عليه وسلم كفا" أي: ملء كف بأمر جبريل، كما جاء عن ابن عباس "من الحصباء" بالمد صغار الحصى. وفي رواية: ثلاث حصيات، كما يأتي. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن حكيم بن حزم: سمعنا صوتا من السماء يوم بدر وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصاة فانهزمنا، فذلك قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْت} [الأنفال: 17] الآية، الآية. وعن جابر: سمعت صوت حصيات وقعت من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست. وعن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "ناولني قبضة من الحصباء"، وعنه أيضا: أن جبريل قال له: خذ قبضة من تراب، والجمع بينها سهل بأن تكون الحصيات نزلت من المسلمين وبعض عبر عنها بحصاة، وبعض بحصيات بحسب ما تخيله، ثم تفتت فقال له جبريل: خذها، فقال لعلي: "ناولني قبضة من الحصباء"، فناوله "فرمى به" أي: بما تناوله فلذا ذكر الضمير؛ لأنه لو أراد الكف لأنثه لأنها مؤنثة، "في وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه" أي: قبحت خبر بمعنى الدعاء، أي: اللهم تنح وجوههم، ويحتمل أنه خبر؛ لأن جبريل لما أمره برميهم بالحصباء تحقق ذلك، "فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخريه" وفمه كما في رواية: والمنخر بفتح الميم والخاء وكسرها وضمهما، وكمجلس وعصفور الأنف، كما في القاموس وغيره. "منها شيء، فانهزموا" قال ابن عقبة وغيره: فكانت تلك الحصباء عظيما شأنها صار

وقتل الله من قتل من صناديد قريش،.............................................................

_ المشرك لا يدري أين يتوجه، يعالج التراب ينزعه من عينيه، فصاروا يقتلونهم ويأسرونهم. "فقتل الله من قتل" أسند إليه تعالى لكونه الخالق له والمميت حقيقة، وإن نسب الضرب للعبد. "من صناديد قريش" أشرافهم وشجعانهم فمنهم أمية بن خلف أسره عبد الرحمن بن عوف، وأراد استبقائه لصداقة كانت بينهما فنظره بلال، فنادى: يا أنصار الله! رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فهبروه أسيافهم. وذكر الواقدي أن الذي تولى قتله خبيب، بمعجمة وموحدة مصغر، ابن أساف بكسر الهمزة وخفة المهملة وفاء، الأنصاري، وقال ابن إسحاق: رجل من بني مازن من الأنصار. وفي المستدرك: أن رفاعة طعنه بالسيف. وقال ابن هشام: اشترك في تقله معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وخبيب بن أساف، ويقال: قتله بلال، والجمع: أن الكل اشتركوا فيه، وكان أمية قد عذب بلالا بمكة في المستضعفين فجعل الله قتله على يده وفجعه قبل قتله يومئذ بقتل ابنه علي بن أمية قتله عمار بن ياسر حتى صاح أمية صيحة لم يسمع مثلها، قيل: وهنأ الصديق بلالا بقوله: هنيئا زادك الرحمن فضلا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال ومنهم: عدو الله أبو جهل، قال ابن إسحاق: أقبل يرتجز، ويقول: ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني لمثل هذا ولدتني أمي فأذاقه الله الهوان بأن قتله حفزا في زعمه وجعل ذلك حسرة عليه، حتى قال: لو غير أكار قتلني، بشدة الكاف، أي: زارع، يعني أن الأنصار أصحاب زرع فأشار إلى تنقيص من قتله منهم، والمعنى: لو كان الذي قتلني غير أكار لكان أحب إلي وأعظم لشأني، ولم يكن علي نقص في ذلك. وروى البخاري وغيره عن عبد الرحمن بن عوف، قال: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه، يا عم أرني أبا جهل، فقلت: يابن أخي، وما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أقتله أن أموت دونه، فقال لي الآخر سرا مثل صاحبه، فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء معاذ، ومعوذ في الصحيحين عن أنس، قال صلى الله عليه وسلم: "من ينظر ما فعل أبو جهل"؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبا جهل فقال: فهل فوق رجل قتله قومه، أو قال: قتلتموه والرواية: أنت أبا جهل بالنصب

.................................

_ ولها توجيهات معلومة، من غريبها أنه خاطبه باللحن قصدا لإهانته. وعند ابن إسحاق والحاكم: قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فوضعت رجلي على عنقه، فقلت: أخزاك الله يا عدو الله، قال: ولم أخزاني هل أعمد رجل قتلتموه؟ أي: أشرف، أي: إنه ليس بعار، أخبرني لمن الدبرة اليوم؟ أي: النصر والظفر، قلت: لله ورسوله، قال: وزعم رجال من بني مخزوم أنه قال لابن مسعود: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا، ثم احترزت رأسه. وعند ابن عقبة وأبي الأسود عن عروة، أنه أي بعد هذه المكالمة وجده لا يتحرك منه عضو، فأتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبي جهل فاستله ورفع بيضته عن قفاه فوقع رأسه بين يديه. وعند ابن إسحاق والحاكم في حديث ابن مسعود: فجئت برأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال: "الله الذي لا إله إلا هو" فحلفت له، ثم ألقيت رأسه بين يديه، فحمد الله. وفي زيادات المغازي ليونس بن بكير: فأخذ صلى الله عليه وسلم بيد ابن مسعود: ثم انطلق حتى أتاه، فقام عنده، ثم قال: "الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله" ثلاث مرات. وروى ابن عائذ من مرسل قتادة رفعه: "إن لكل أمة فرعونا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل، قتله الله شر قتلة، قتله ابنا عفراء وقتلته الملائكة"، وتذافه ابن مسعود بفتح الفوقية والذال معجمة ومهملة وشد الفاء، أي: أجهز عليه. والحاصل: أن معاذا ومعوذا ابني عفراء وهي أمهما، كما مر، وأبوهما الحارث بلغا به بضربهما إياه بسيفهما منزلة المقتول حتى لم يبق به إلا مثل حركة المذبوح، وي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فكالمه ثم ضرب عنقه بسيف نفسه. لكن في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه قتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نظر في سيفيهما وقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. قال ابن عبد البر وعياض: وأصح منه حديث الصحيحين عن أنس، أي: وعبد الرحمن أيضا، كما مر أن قاتله ابن عفراء، وجمع الحافظ باحتمال أن معاذ بن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو ضربه بعد ذلك معوذ بن عفراء حتى أثبته ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلها، انتهى. وسبقه إليه النووي، فقال: اشترك الثلاثة في قتله، لكن ابن الجموح أثخنه أولا، فاستحق السلب، وإنما قال: "كلاكما قتله"، تطييبا لقلب الآخر من حيث إن له مشاركا في قتله، وإن كان القتل الشرعي الذي يستحق السلب وهو الإثخان وإخراجه عن كونه ممتنعا إنما وجد من ابن الجموح، انتهى. قال في النور: وهو صحيح لكن عطاء بن الجموح السلب يدل على أنه الذي أزال امتناعه.

وأسر من أسر من أشرافهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] قال: هذا يوم بدر، أخذ صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم، وبحصاة بين أظهرهم، وقال: "شاهت

_ قلت: هذا حاصل الجمع، وبه صرح النووي كما ترى، فلا معنى لاستدراكه، وجاء أنه قال لابن مسعود: احتز من أصل العنق ليرى عظيما مهابا في عين محمد، وقل له: ما زلت عدوا لله إلى سائر الدهر واليوم أشدة عدواة، فلما أتاه برأسه وأخبره قال: "كما أني أكرم النبيين على الله، وأمتي أكرم الأمم على الله، كذلك فرعون هذه الأمة أشد وأغلظ من فراعنة سائر الأمم، إذ فرعون موسى حين أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وفرعون هذه الأمة ازداد عداوة وكفرا". وذكر عياض أن ابن مسعود إنما وضع رجله على عنقه ليصدق رؤياه. قال ابن قتيبة: ذكر أن أبا جهل قال لابن مسعود: لأقتلنك، فقال: والله لقد رأيت في النوم إني أخذت حدجة حنظل فوضعتها بين كتفيه ورأيتني أضرب كتفيك ولئن صدقت رؤياي لأطأن على رقبتك ولأذبحنك ذبح الشاة الحدجة -بفتح المهملتين والجيم وتاء تأنيث- الحنظلة الشديدة ومنهم ومنهم وقد أطلت لتشوف النفس لقتل هذا الفرعون، مع أنه ما خلا من فائدة. "وأسر من أسر" وهم سبعون "من أشرافهم" جمع شريف، ويجمع أيضا على شرفاء، ولعله خصهم بهذا. والقتلى بالصناديد تنبيها على أن القتلى هم المعروفون بالشجاعة بينهم وإن كانوا شرفاء. وعند ابن إسحاق: أنهم لما جعلوا يأسرون، والنبي صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ على شرفاء. وعند ابن إسحاق: أنهم لما جعلوا يأسرون، والنبي صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ على بابه متوشح السيف في نفر من الأنصار يحرسونه يخافون كرة العدو، فرأى عليه السلام في وجه سعد الكراهة، فقال له: "والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم"؟ قال: أجل والله يا رسول الله! كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك فكأن الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجل. "وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" العدوي مولاهم المدني "في" تفسير "قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] الآية، أتيت بصورة الرمي، " {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] الآية" بإيصال ذلك إليهم؛ لأن كفا من الحصباء لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر، وقيل: ما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا، ولكن أعانك الله وظفرك وصنع ذلك، حكاه أبو عبيدة في المجاز عن ثعلب. "قال" عبد الرحمن وأعاده للفصل بين كلام الله وتفسيره: "هذا يوم بدر أخذ صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات" نزلت من السماء وأمره جبريل بأخذها فناولها له علي، كما مر. "فرمى بحصاة في ميمنة القوم" جهة يمينهم "وبحصاة في مسيرة القوم" جهة شمالهم، "وبحصاة بين أظهرهم" أي: بينهم فأظهر زائدة، "وقال: "شاهت"

الوجوه" فانهزموا. وقد روي عن غير واحد: أن هذ الآية نزلت في رميه صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وإن كان فعل ذلك يوم حنين أيضا سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد اعتقد جماعة: أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلا في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده!! وهذا غلط.........................................................................................................

_ قبحت "الوجوه" زاد في الرواية: "اللهم أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم"، "فانهزموا" لا يلوون على شيء، أي: لا يلتفتون وألقوا دروعهم. "وقد روي عن غير واحد" كعمر عند الطبراني وحكيم بن حزام عنده، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عباس كلاهما عند أبي الشيخ، وقاله الجمهور، قال القرطبي: وهو الصحيح، والسيوطي هو المشهور. "أن هذه الآية نزلت في رميه صلى الله عليه وسلم يوم بدر وإن كان قد فعل ذلك" أي: الرمي بالحصباء، "يوم حنين أيضا" ويوم أحد أيضا، كما عند الحاكم على شرط مسلم، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" في غزوتيهما، وقيل: نزلت في طعنة طعنها عليه السلام لأبي بن خلف يوم أحد بحربته فوقع عن فرسه، ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتى مات، رواه الحاكم بسند صحيح. قال السيوطي: لكنه غريب، وقيل: في سهم يوم خيبر فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه، رواه ابن جرير بإسناد مرسل جيد لكنه غريب، وقيل: في حصبه يوم خيبر. قال القرطبي، ما حاصله: وهذا كله ضعيف؛ لأن الآية نزلت عقب بدر، وأما قوله: فلم تقتلوهم، فروي أن الصحابة لما صدروا عن بدر، ذكر كل واحد منهم ما فعل: فعلت كذا فعلت كذا، فجاء من ذلك تفاخر ونحوه ذلك، فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المحيي المميت والمقدر لجميع الأشياء وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده، انتهى. "وقد اعتقد جماعة" كما قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: أن المراد بالآية سلب فعل الرسول" صلى الله عليه وسلم "عنه وإضافته إلى الرب تعالى" لغرضهم الفاسد المشار له بقوله: "وجعلوا ذلك أصلا في الجبر" بجيم وموحدة ساكنة، أي: مذهب الجبريين الزاعمين جبر العبد على الفعل لا ينسب له منه شيء، كما فسره بقوله: "وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده" تعالى عن ذلك علوا كبيرا، "وهذا" كما قال ابن القيم: "غلط

منهم في فهم القرءان، ولو صح ذلك لوجب طرده، فيقال: ما صليت إذ صليت، ولا صمت إذ صمت، ولا فعلت كذا إذ فعلت ولكن الله فعل ذلك، فإن طردوا لزمهم في أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم إذ لا فرق، وإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها، أو برميه وحده ناقضوا. فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية. ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه صلى الله عليه وسلم مبدأ الرمي، وهو الحذف، ومن الرب تعالى نهايته وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته. ونظير هذا في الآية نفسها قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ

_ منهم في فهم القرآن، ولو صح ذلك لوجب طرده، فيقال: ما صليت إذ صليت ولا صمت إذ صمت، ولا فعلت كذا إذ فعلت" بفتح التاء في الجميع خطابا على المتبادر أو بضمها للمتكلم، "ولكن الله فعل ذلك فإن طردوا ذلك لزمهم في أفعال العباد" وبينها بقوله: طاعتهم معاصيهم إذ لا فرق" فلا ينسب لهم منها شيء فلا يكونون ممتثلين لفعل مأمور به ولا ترك منهي عنه، فلا يثابون على طاعة ولا يعاقبون على معصية، وهذا هدم للشريعة وإبطال للآيات والأحاديث. "وإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله" أي: بأفعال الرسول "جميعها أو" خصوه "برميه وحده" دون باقي أفعال، "ناقضوا" أنفسهم حيث نفوا جملة الأفعال عن العباد ونسبوا بعضها إلى بعضهم، "فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية و" إنما تأويلها مع الجواب أنه "معلوم أن تلك الرمية من البشر" وخصوصا من واحد "لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه صلى الله عليه وسلم مبدأ الرمي وهو الحذف" بمهملة ومعجمة الرمي بالحصباء "ومن الرب تعالى نهايته وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه" من إضافة الأعم إلى الأخص، أي: الرمي الذي هو الحذف وكذا يقال في "نفي عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته،" وذهب ثعلب في معنى الآية إلى أن المنفي الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم حتى انهزموا، كما مر، ولكنه يقتضي انهزامهم بمجرد الرعب، وهو خلاف الواقع من تسليط الملائكة والمسلمين بالقتل والأسر، فأثر ذلك انهزامهم لا بمجرد الرعب، فما عليه ابن القيم في فهم الآية كغيره أولى. "ونظير هذا في الآية نفسها" باعتبار المآل إذ ليس فيها نفي قتل عنهم وإثباته لهم، "قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} [الأنفال: 17] لم تزهقوا روحهم بقوتكم وضربكم، {وَلَكِنَّ اللَّهَ

قَتَلَهُمْ} ثم قال: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فأخبر أنه تعالى وحده هو الذي انفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن برسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابا تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتال والنصر مضافا إليه وبه {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِين} . قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن الأسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا فقال له: "قاتل به"، فهزه فعاد في يده سيفا طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديد، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون،..................................................................

_ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17] ، إذ هو الذي أهلكهم وأماتهم، وقيل: قتلهم بتمكينكم منهم، وقيل: بالملائكة الذين أمدكم بهم، حكاهما القرطبي، ولم يقل إذ قتلتموهم، كما قال: إذ رميت لمشاركة الملائكة لهم في قتلهم بخلاف الرمي فلم يشاركه صلى الله عليه وسلم فيه أحد. "ثم قال: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ، فأخبر أنه تعالى وحده هو الذي تفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن برسوله صلى الله عليه وسلم ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه وتعالى أقام أسبابا تظهر للنا، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصر مضافا إليه" صلوات الله وحاصلا بفعله، ولا يرجع الضمير للأسباب لتذكيره، وبه {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران: 150] الآية، كما قال في الكتاب المبين. "قال" محمد "بن إسحاق" بن يسار إمام المغازي: "وقاتل عكاشة" بضم العين وشد الكاف وتخفف "ابن محصن" بكسر الميم وفتح الصاد، ابن حرثان بضم المهملة وسكون الراء ومثلثة، "الأسدي" ممن يدخل الجنة بغير حساب، كما في الصحيحين. "يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا" بكسر الجيم وفتحها وسكون الدال المعجمة واحد الأجذال وهي أصل الحطب، قال الشامي: والمراد هنا العرجون بضم المهملة أصل العذق بكسر العين الذي يفرج وينعطف ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخلة يابسا، "فقال له: "قاتل به" يا عكاشة، فأخذه منه "فهزه فعاد في يده سيفا طويل القامة شديد المتن" أي: الظهر من إضافة الوصف إلى فاعله، أي: شديدا متنه، أو المراد بالمتن هنا الذات تسمية للكل باسم جزئه، "أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون" بفتح المهملة وإسكان الواو وبالنون، قاله البرهان وتبعه الشامي.

ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل وهو عنده. وجاءه عليه الصلاة والسلام يومئذ -فيما ذكره القاضي عياض عن ابن وهب- معاذ بن عمرو يحمل يده، ضربه عليها عكرمة، فبصق عليه الصلاة والسلام عليها فلصقت. قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان.

_ "ثم لم يزل" السيف "عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل وهو عنده" في قتال أهل الردة زمن الصديق قتله طليحة بن خويلد الأسدي، وروى الواقدي: حدثني أسامة بن زيد الليثي عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل، قالوا: انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريس يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب، فقال: اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد، ورواه البيهقي أيضا الحريس بفتح المهملة وكسر الراء وسين مهملة، قاله البرهان محتجا بقول الزبير: ليس في الأنصار حريش بمعجمة غير الحريش بن حجبي، وما سواه بالمهملة وضبطه الشامي بالمعجمة، وأعزل بفتح الهمزة وسكون المهملة فزاي، وابن طاب بمهملة فألف فموحدة نوع من تمر المدينة نسب إلى ابن طاب رجل من أهلها، وجسر أبي عبيد كان سنة أربع عشرة. "وجاءه عليه الصلاة والسلام يومئذ" أي: يوم بدر "فيما ذكره القاضي عياض عن" عبد الله "بن وهب" بن مسلم الفهري مولاهم المصر الحافظ الإمام الزاهد من أجله الناس وثقاتهم ورجال الجميع، مات في شعبان سنة سبع وتسعين ومائة، "معاذ بن عمرو" قلد في ذلك اليعمري وانتقده محشيه البرهان بأن الذي في الشفاء معوذ بن عفراء، "يحمل يده ضربه عليها عكرمة" ابن أبي جهل أسلم بعد الفتح وقلد في ذلك اليعمري أيضا، ورده محشيه بأن الذي في الشفاء أن القاطع لها أبو جهل، "فبصق عليه الصلاة والسلام" بالصاد والزاي، أي: أخرج ريقه ورمى به "عليها فلصقت" بكسر الصاد وفيه علم من علم من أعلام النبوة باهر، نعم روى ابن إسحاق، ومن طريقه الحاكم عن ابن عباس، قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة سمعتهم يقولون: وأبو جهل في مثل الحرجة أبو جهل يخلص إليه فجعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، قال: فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخه حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها. "قال ابن إسحاق" في بقية ذا الحديث الذي ذكرته: "ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان"

وعن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها: لما أمر صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، فطرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. وإنما ألقوا في القليب ولم يدفنوا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن......................................................

_ رضي الله عنه ولم يذكر في حديثه هذا أنه أتى بها المصطفى فتوهم اليعمري وتبعه المصنف أن كلام القاضي فيه فوهما؛ لأنها قصة أخرى، كما علم. والحرجة بفتح المهملة والراء الجيم وتاء تأنيث: شجر ملتف، كالغيصة، قاله في النهاية، وفي حواشي أبي ذر: الشجرة الكبيرة الأغصان، وفي العين: الحرجة الغيضة أطنت قدمه أسرعت قطعها، مرضخه بضاد وخاء معجمتين، كما في النهاية وفي الصحاح أنه بحاء مهملة أيضا، وأجهضني بجيم وهاء معجمة: شغلني، واشتد علي. "و" روى ابن إسحاق: حدثني يريد بن رومان "عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها" قالت: "لما أمر صلى الله عليه وسلم بالقتلى" أي: بعظمائهم "أن يطرحوا في القليب" ففي الصحيح عن أنس عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقدموا في طوى من إطواء بدر خبيث مخبث. وعند ابن عائذ: ببضعة وعشرين. قال الحافظ: ولا تنافي فالبضع يطلق على الأربع أيضا، قال: ولم أقف على تسمية الأربع والعشرين جميعهم بل تسمية بعضهم، ويمكن إكمالهم ممن سرده ابن إسحاق من قتلى الكفار ببدر بأن يقتصر على من كان يذكر بالرئاسة ولو تبعا لأبيه. وفي حديث البراء في الصحيح أن قتلى بدر من الكفار سبعون، فكان المطروحين في القليب الرؤساء منهم، ثم من قريش وخصوا بالمخاطبة الآتية لما تقدم منهم من المعاندة وطرح باقي القتلى في أمكنة أخرى، وأفاد الواقدي أن هذا القليب كان حفره رجل من بني النار، فناسب أن يلقى فيه هؤلاء الكفار. "فطرحوا فيه" بالفاء في جواب لما على رأي ابن مالك أو زائدة على رأي الجمال بن هشام، لكن الثابت عند ابن إسحاق بدون فاء فهي زائدة من قلم المصنف أو نساخه، "إلا ما كان من أمية بن خلف فإن انتفخ في درعه فملأها" أي: الدرع لأنها مؤنثة عند الأكثر، "فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة" قال السهيلي الله في الروض "وإنما ألقوا في القليب" لأنه كان من سنته عليه السلام في مغازيه إذ مر بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنا كان أو كافرا، كذا وقع في السنن للدارقطني فإلقاؤهم في القليب من هذا الباب. "ولم يدفنوا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن

يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم. وفي الطبراني عن أنس بن مالك قال: أنشأ عمر بن الخطاب يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر، يقول: "هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله" قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدها صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى إليهم...............................................................

_ يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم" قال: ووافق أن القليب حفره رجل من بني النار اسمه بدر، فكان فألا مقدما لهم وهذا على أحد القولين في بدر، انتهى كلامه السهيلي برمته، ولا يرد على قوله؛ لأنه كان من سنته أن بدرا أول مغازيه التي وقع فيها القتل، لجواز أن المراد أنها طريقته التي كان يحبها في نفسه ويميزها على غيرها، ففعل ما سهل عليه في بدر، ثم داوم على ما يحبه في بقية مغازيه. "وفي الطبراني عن أنس بن مالك": روى أحمد بسند صحيح عنه أنه سئل: هل شهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر. قال الحافظ في الفتح: وكأنه كان في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم لما ثبت عنه أنه خدمه عشر سنين، وذلك يقتضي أن ابتداء خدمته له حين قدومه المدينة، فكأنه خرج معه إلى بدر أو مع عمه زوج أمه أبي طلحة، وقال في الإصابة: إنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سن من يقاتل. "قال: أنشا" بفتح أوله وهمزة أخره، أي: أبتدأ "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه "يحدثنا عن أهل بدر، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرين مصارع أهل بدر بالأمس من بدر" وهذا ظاهر في أنه كان ليلا، وبه صرح الحافظ، فقال: وقع هذا في الليلة التي التقوا في صبيحتها، كما مر، وإن في رواية أخبر بذلك قبل الواقعة بيوم أو أكثر. وفي أخرى: يوم الواقعة، وجمع ابن كثير بأنه لا مانع أن يخبر بذلك في الوقتين وعلى أنه أراهم ليلا فيمكن أنه مراد رواية يوم الواقعة بإطلاق اليوم على ما يقرب منه الليل، ولا ينافيه قوله: "يقول: "هذا مصرع فلان" لجواز أن قوله ذلك ليلا وحينئذ فقوله "غدا" مستعمل في حقيقته "إن شاء الله" ويقع في أكثر النسخ. وفي الطبراني عن أنس بن مالك، قال: أنشا، فظاهره أن الحديث من مسند أنس وإنه شهد تحديث المصطفى بذلك، والذي في الطبراني إنما هو عن أنس عن عمر، كما سقناه، وكذا أخرجه مسلم بنحوه عنه عن عمر وتلك النسخ، فيها سقط، ويدل عليه قوله: "قال عمر: فوالذي بعثه بالحق، ما أخطئوا الحدود التي حدها صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم" غاية لمحذوف، صرح به في حديث أبي طلحة عند البخاري عقب قوله الذي قدمته قريبا عنه: خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر

فقال: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟! فإني وجدت ما وعدني الله حقا". وفي رواية فنادى: "يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل هشام"

_ براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه، فقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، "فقال: "يا فلان بن فلان" جوز في النور ضم فلان وفتح ابن وفتحهما وضمهما، قال: وذكر الثالث في التسهيل، انتهى. فضم الأول على الأصل وفتحه على الإتباع لفتحه ابن، واختاره البصريون والمبرد لخفته، وضمهما قال الدماميني على التسهيل: رواه الأخفش عن بعض العرب، قال: وكأن قائله راعى أن التابع ينبغي أن يتأخر عن المتبوع، ولم يراع أن الأصل الحامل على الإتباع قصد التخفيف. وفي التصريح حكى الأخفش: أن بعض العرب يضم الابن إتباعا لضم المنادى نظير الحمد لله بضم اللام في تبديل حركة بأثقل منها للإتباع وفي كون ذلك من كلمتين وفي تبعية الثاني للأول لكنه مخالف في كونه إتباع معرب لمبني، والحمد لله بالعكس. "ويا فلان بن فلان" كناية عن علم مذكر لعاقل، وأنثاه فلانة بزيادة تاء، وزادوا أل في علم ما لا يعقل فرقا بينه وبين العاقل، لكن في الهمع: إنه وقع في الحديث بغير لام فيما لا يعقل. أخرج ابن حبان والبيهقي وأبو يعلى عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة، فقالت: يا رسول الله فلانة تعني الشاة. "هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟ فإني وجدت ما وعدني الله حقا" وفي رواية عن أنس: إن وقوفه على شفة الركي ومناداته لهم بذلك كان ليلا، وشفة الركي طرف البئر. وللكشميهني: شفا بفتح المعجمة والفاء مقصور حرفه، والركي بفتح الراء وكسر الكاف وشد الياء: البئر أن تطوى والإطواء جمع طي، وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار. قال الحافظ: ويجمع بأنها كانت مطوية فاستهدمت فعادت كالركي. "وفي رواية" أخرجها ابن إسحاق وأحمد ومسلم وغيرهم، عن أنس: "فنادى: "يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام" فسمى أربعة من الأربعة والعشرين الذين ألقوا في القليب. قال الحافظ: ومن رؤساء قريش ممن يصح إلحاقه بمن سمي عبيدة والعاصي والدا أبي أحيحة سعيد بن العاصي بن أمية، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي وهؤلاء من بني عبد مناف. ومن سائر قريش: نوفل بن عبد، وزمعة وعقيل ابنا الأسود، والعاصي بن هشام أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد أخو

وفي بعضه نظر؛ لأن أمية بن خلف لم يكن في القليب لأنه كان -كما تقدم- ضخما وانتفخ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه. لكن يجمع بينهما بأنه كان قريبا من القليب فنودي فيمن نودي لكونه كان من جملة رؤسائهم. قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: "يا أهل القليب: بئس العشيرة كنتم، كذبتموني وصدقني الناس". فقال عمر بن الخطاب: كيف تكلم أجسادا لا أروح فيها،............................

_ خالد، ونبيه ابنا الحجاج السهمي، وعلي بن أمية بن خلف، وعمرو بن عثمان عم طلحة أحد العشرة، ومسعود بن أبي أمية أخو أم سلمة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، والأسود بن عبد الأسد أخو أبي سلمة، وأبو العاصي بن قيس بن عدي السهمي، وأمية بن رفاعة، فهؤلاء عشرون تنضم إلى الأربعة فتكمل العدة، انتهى. "وفي بعضه نظر؛ لأن أمية بن خلف لم يكن في القليب؛ لأنه كان كما تقدم ضخما وانتفخ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه" وقد أخرج ذلك ابن إسحاق حديث عائشة، كما مر. "ولكن" قال الحافظ في الفتح: "يجمع بينهم بأنه كان قريبا من القليب فنودي فيمن نودي لكونه كان من جملة رؤسائهم،" وخصت الرؤساء بالمخاطبة لما تقدم منهم من المعاندة، كما مر عن الحافظ فتخصيصهم زيادة في إذلالهم. "قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه عليه الصلاة والسلام، قال: "يا أهل القليب! بئس العشيرة" أنتم، فالمخصوص بالذم محذوف "كنتم" ولفظ ابن إسحاق: بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، "كذبتموني وصدقني الناس" وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فجزاكم الله عني من عصابة شرا خونتموني أمينا وكذبتموني صادقا، إلى هنا رواية ابن إسحاق، وهو مرسل أو معضل. وذكر ابن القيم في الهدي، أنه قال ذلك قبل أن يأمر بطرحهم في القليب، فإن كان مراده خصوص رواية ابن إسحاق هذه فمحتمل، ولا يرد قوله: "يا أهل القليب" لأنه سماهم أهله باعتبار الأول، وإلا فحديث أبي طلحة في الصحيح يرد عليه فإن صرح بأنه أمر بطرحهم فلما كان اليوم الثالث قام على شفا الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائه: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان 1 أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا" قال -أي أبو طلحة: فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، وفي بقية رواية الطبراني التي قدمها المصنف عن أنس، "فقال عمر بن الخطاب" مستفهما: "كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ " وفي رواية مسلم: فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول الله!

فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا". وتأولت عائشة رضي الله عنها ذلك فقالت: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم الحق. ثم قرأت {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} الآية، فقولها يدل على أنها كانت تنكر ذلك مطلقا، لقولها: إنهم الآن ليعلمون.

_ أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ ويقول الله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] الآية، "فقال" صلى الله عليه وسلم، زاد في رواية الصحيحين: "والذي نفسي بيده "، "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" بل هم أسمع منهم، قال الحافظ: بآذان رءوسهم على قول الأكثر، أو بآذان قلوبهم، انتهى. وإن صدق النفي بالمساواة لغة، لكن خصه الاستعمال بأن المنفي عنه الحكم أقوى في ثبوت مدلوله ممن فضل عليه، ويؤيده رواية: "ما أنتم بأفهم لقولي منهم" ويؤيد المساواة قوله عند الطبراني بسند صحيح من حديث ابن مسعود: "يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون"، "غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا" هذه رواية الطبراني، ولفظ رواية مسلم: "لكن لا يستطيعون أن يجيبوا"، أي: لعدم الإذن لهم في إجابة أهل الدنيا، كقوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} هذا هو الأصل، فلا يقدح فيه ما اتفق من كلام بعض الموتى لبعض الأحياء لاحتمال الآذان لذلك البعض، "وتأولت عائشة رضي الله عنها ذلك، فقالت: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم" من استعمال المضارع بمعنى الماضي، أي: ليعلمون أن ما قلت لهم فيما مضى من التوحيد والإيمان وغيرهما هو "الحق، ثم قرأت" مستدلة لما ذهب إليه: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} الآية،" وهذه عبارة اليعمري، والذي في الصحيح عن عروة عن ابن عمر، قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر، فقال: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقا" ثم قال: "إنهم الآن ليسمعون ما أقول"، فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق"، ثم قرأت {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} حتى قرأت الآية "فقولها يدل على أنها كانت تنكر ذلك مطلقا" أي في حالة استقرارهم في النار وغيرها خلاف قول عروة في البخاري، تقول: أي عائشة حين تبوءوا مقاعدهم من النار، قال الحافظ: مراده أن يبين مراد عائشة فأشار إلى أن الإطلاق في إنك لا تسمع الموتى مقيد باستقرارهم في النار، وعلى هذا فلا معاوضة بين إنكار عائشة وإثبات ابن عمر لكن قولها يدل على أنها كانت تنكر ذلك مطلقا، "لقولها" إن الحديث إنما هو بلفظ "إنهم الآن ليعلمون" وأن ابن عمر وهم في قوله: ليسمعون. ا. هـ. فالمصنف أسقط من كلام الحافظ ما يبين الإطلاق فتحير شيخنا فيه، فقال: لعله في أهل القليب وغيرهم أولا بحالهم ولا بأحيائه في قبورهم وإنما يحيون بعد البعث، انتهى. قال

وقال قتادة: أحياهم الله تعالى توبيخا وتصغيرا، ونقمة وحسرة. وفيه رد على من أنكر أنهم يسمعون، كما روي عن عائشة رضي الله عنها. ومن الغريب، أن في المغازي -لابن إسحاق- من رواية يونس بن بكير، بإسناد جيد عن عائشة حديثا وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن. فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة.

_ البيهقي: والعلم لا يمنع السماع والجواب عن الآية أنهم لا يسمعون وهم موتى، "و" لكن أحياهم حتى سمعوا كما "قال قتادة" بن دعامة فيما رواه البخاري عنه عقب حديث أبي طلحة السابق "أحياهم الله تعالى" زاد الإسماعيلي، بأعيانهم، وأسقط المصنف من قول قتادة: حتى أسمعهم قوله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري قبل قوله: "توبيخا وتصغيرا" قال الحافظ: الصغار الذلة والهوان "ونقمة" بكسر النون وسكون القاف كما في الناصرية، وفي حاشية اليونينية بفتح النون وكسر القاف، قال المصنف. "وحسرة" وندما كما هو بقية قول قتادة في البخاري: أي لأجل التوبيخ فالمنصوبات للتعليل، "وفيه" أي قول قتادة هذا "رد على من أنكر أنهم يسمعون" لأنه أثبت سماعهم غايته أنه بعد الإحياء "ما روي عن عائشة رضي الله عنها" إنكار ذلك، وفي التعبير بروي شيء لأنه في الضعيف وهذا ثابت عنها في الصحيح، ولذا عبر الحافظ بلفظ كما جاء عن عائشة، "ومن الغريب" أي خلاف المشهور عنها "أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد،" أي مقبول كما قال السيوطي وللقبول يطلقون جيدا "عن عائشة رضي الله عنها حديثا" مثل حديث أبي طلحة السابق كما في الفتح، "وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". "وأخرجه الإمام أحمد" عنها "بإسناد حسن فإن كان" ذلك "محفوظا" عن عائشة، "فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة" الذين رووا القصة وهم فصحاء عارفون بمواقع الكلام كيف وهم عمرو بن مسعود وعبد الله بن سيلان بكسر المهملة وسكون التحتية أخرج أحاديثهم الطبراني وأبو طلحة وابن عمر أخرجهما البخاري وغيره، "لكونها لم تشهد القصة" وهؤلاء شهدوها إلا ابن عمر وابن سيلان، فأما ابن عمر فاستصغر يوم بدر كما في الصحيح. وأما ابن سيلان فلم يذكر فيمن شهدوها فأرسلا ذلك عن غيرهما ومرسل الصحابي حكمه الوصل وهو حج كما تقرر وهذا كما هو ظاهر إنما هو على رواية الصحيح عن عائشة أن

وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة رضي الله عنها من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؛ لأن قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: "إنهم الآن يسمعون"؛ لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: "إنهم ليعلمون"، فإن كانت سمعت ذلك فلا ينافي رواية "يسمعون" بل يؤيدها.

_ المصطفى إنما قال: "إنهم الآن ليعلمون" أما على ما قدمه المصنف أنها تأولت إنما أراد لنبي إلخ، فلا يتأتى هذا فإن نفي الإرادة لا ينافي أنه قاله بل التأويل فرع الثبوت، اللهم إلا أن يكون المراد أنها رجعت عن إنكارها بقاء اللفظ على ظاهره، وأن تأويله واجب وأبقته على ظاهره والمحوج لهذا التعسف عدول المصنف عن رواية الصحيح عنها إلى عبارة اليعمري كما مر، ثم أفتى بكلام الحافظ في شرح الصحيح. "وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة رضي الله عنها من الفهم والذكاء" سرعة الفطنة، كما في القاموس "وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه" أتى بذلك تأدبا وتمهيدا للاستدراك لئلا يتوهم غبي منه أنه لم يعرف مقامها، "لكن لا سبيل" طريق "إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله" في كونه رواية عن الثقة أيضا "يدل على نسخه أو تخصيصه" ويصار لهما بالواية "أو استحالته" عطف على بنص أو على نسخه والأول أقرب وتدرك بالعقل والثلاثة منتفي هنا، "فكيف" يصار إلى إنكارها مع انتفاء الثلاثة، "والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن" وذلك "لأن قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: "إنهم الآن يسمعون" لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك" ولم يسمعهم المصطفى فحصل التوفيق بين الآية والحديث. "وأما جوابها بأنه إنما قال: "إنهم ليعلمون"، فإن كانت" بنته على فهمها الآية فقد علمت أن لا تنافي، وإن كانت "سمعت ذلك" من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أو غيره لأنا لم تشهد القصة، "فلا تنافي رواية: "يسمعون" إذ العلم لا يمنع السماع "بل تؤيدها" لأن علم المخاطب في العادة إنما يكون بما يسمعه.

وقال السهيلي ما محصله: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم لقول الصحابة له: أتخاطب أقواما قد جيفوا؟! فأجابهم بما أجابهم. قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذان رءوسهم إذا قلنا إن الروح تعاد إلى الجسد، أو إلى بعضه عند المسألة، وهو قول أكثر أهل السنة، وإما بآذان القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال على الروح من غير رجوع إلى الجسد أو بعضه.

_ "وقال السهيلي ما محصله: أن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك" من الله "لنبيه صلى الله عليه وسلم لقول الصحابة له" كما رواه مسلم في حديث أنس عن عمر: "أتخاطب أقواما قد جيفوا" بفتح الجيم وشد الياء، أي صاروا جيفا منتنين كما تفيده النهاية وغيرها وضبطه شيخنا في النسخ الصحيحة خلاف ما في بعضها من ضبطه بالبناء للمجهول، فإنه أمر بالضرب عليه وأثبت فتح الجيم كما قلنا "فأجابهم بما أجابهم" أجمله ليأتي على كل الروايات فيما أجابهم به، وإلى هنا ما تصرف فيه على السهيلي، ولذا احتاج أن يقول ما محصله: ولفظه في الروض: عائشة لم تحضر وغيرها ممن أحضر أحفظ للفظة صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا له: يا رسول الله! أتخاطب أقواما قد جيفوا؟ فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، "وقال" السهيلي تلو هذا ما لفظه: "وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين" كما أثبتته عائشة "جاز أن يكونوا سامعين" كما أثبته عمر وابنه وأبو طلحة وغيرهم إذ لا فرق وأيضا فالعلم لا يمنع السماع كما قال البيهقي، "وذلك إما بآذان رءوسهم" على قول الأكثر، وأما بآذان قلوبهم هذا ما نقله الحافظ عن محصل كلام السهيلي وتبعه المصنف في الشر والشامي ولم ينقلوا ما زاده هنا عنه بقوله: "إذا قلنا إن الروح تعاد إلى الجسد" كله "أو إلى بعضه عند المسألة وهو قول أكثر أهل السنة. وأما بآذان القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال على الروح من غير رجوع إلى الجسد أو بعضه" ولعلهم حذفوه من كلامه لإشكاله لأنه إذا قيل: لا تعاد الروح لشيء من الجسد لزم أن لا يكون السماع بإذن القلب، فالمناسب أن يقول: أما بآذان رءوسهم أو قلوبهم إذا قلنا ... إلخ، اللهم إلا أن يكون لم يرد بالقلوب الشكل الصنوبري بل الأحوال القائمة به فيحصل بها الإدراك كما قال غير واحد في معنى القلب. وفي الفتح قال السهيلي: وقد تمسك بهذا الحديث من قال السؤال يتوجه على الروح والبدن ورده من قال: إنما يتوجه على الروح فقط بأن الأسماع لأذن الرأس لا لأذن القلب، فلم يبق فيه حجة. قلت: إذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبي صلى الله عليه وسلم لم يحسن التمسك به في مسألة السؤال أصلا، انتهى.

قال: وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها احتجت بقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [فاطر: 22] وهذه الآية كقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي} [الزخرف: 40] أي إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت. وجعل الكفار أمواتا وصما على جهة التشبيه بالأموات وهم أحياء وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء، لا نبيه ولا أحد، فإذًا لا تعلق بالآية من وجهين: أحدهما: أنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان. والثاني: أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير.........................

_ "قال" السهيلي: "وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها احتجت بقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} وفي الصحيح أنها احتجت أيضا بقوله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، "و" لا حجة فيه؛ لأن "هذه الآية كقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي} ، أي أن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت" وإن أوصلتها إلى آذان الرءوس، "وجعل الكفار أمواتا" في {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} صريحا، و {أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور} استلزاما "وصما" في {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} ، "على جهة التشبيه بالأموات وهم أحياء، وبالضم فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء لا نبيه ولا أحد، فإذًا لا تعلق بالآية من وجهين، أحدهما: أنها إنما نزلت" أي: وردت "في دعاء الكفار إلى الإيمان" فهو مجاز "والثاني" لو حملت على الحقيقة لم يكن فيها معارضة وذلك "أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير" إلى هنا انتهى كلام السهيلي، كما يعلم من رؤية روضه لا كما زعمه من قال الفصل بأي في قوله: أي إن الله..إلخ، مشعر بأنه ليس من كلامه بل هو كله كلامه، وأتى بأي ليفسر المراد بالآية، وهذا ظاهر جدا، يعني: فحمل الحديث على أنه أسمعهم كلام نبيه صلى الله عليه وسلم لا ينافي الآية. وفي فتح الباري اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى وبمن في القبور، فحملته عائشة على الحقيقة وجعلته أصلا احتاجت معه إلى تأويل الحديث، وهذا قول الأكثر. وقيل: هو مجاز والمراد بالموتى وبمن في القبور: الكفار شبهوا بالموتى وهم أحياء، والمعنى: من هم في حال

ولقد أحسن العلامة ابن جابر حيث قال: بدا يوم بدر وهو كالبدر حوله ... كواكب في أفق الكواكب تنجلي وجبريل في جند الملائك دونه ... فلم تغن أعداد العدو المخذل رمى بالحصى في أوجه القوم رمية ... فشردهم مثل النعام بمجهل

_ الموتى أو في حال من سكنوا القبور، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة، والله أعلم. "ولقد أحسن العلامة" أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي، "بن جابر" فنسهب لجد أبيه لاشتهاره به الأندلسي الأعمى صاحب شرح الألفية الشهير بالأعمى والبصير، "حيث قال: بدا" ظهر صلى الله عيه وسلم "يوم بدر، وهو كالبدر" الواو للحال "حوله، كواكب" رجال كالكواكب في الظهور والإشراق تشبيه بليغ بحذف الأداة أو استعارة "في أفق" بسكون الفاء على إحدى اللغتين للوزن، أي: في ناحية "الكواكب" أو فيما يظهر من نوحي الفلك التي هي مطلع الكواكب ومظهرها، أو في مهب الرياح. ففي القاموس: الأفق بضمة وبضمتين الناحية جمعه آفاق أو ما ظهر من نواحي الفلك، أو هي مهب الجنوب والشمال والدبور والصبا، انتهى. وفي نسخ المواكب بميم، وكذا أنشده الشامي، وقال: جمع موكب، أي: بكسر الكاف وهو جماعة ركاب يسيرون برفق وهم أيضا القوم الركاب للزينة والتنزه، "تنجلي" تظهر وتتميز ع غيرها "وجبريل في جند" أعوان وأنصار "الملائك" من إضافة الأعم إلى الأخص: أي: جندهم الملائك جمع ملك ويجمع أيضا على ملائكة، "دونه" أي: أمامه صلى الله عليه وسلم، وفرع على ما أثبته له ولصحبه من كثرة الملائك المناصرين له قوله: "فلم تغن" بالفوقية "أعداد" بفتح الهمزة جمع عدد، أي: كثرة "العدو" أي: الأعداء. ففي القاموس: العدو ضد الصديق للواحد والجمع، ويحتمل قراءة يغن بتحتية وكسر همزة إعداد مصدر أعد الشيء هيأه، أي: لم تعن تهيئة العدو والسلاح وغيره شيئا "المخذل" اسم مفعول من خذله تخذيلا إذا حمله على الفشل وترك القتال، كما في المصباح، يعني: إن شدة المسلمين وقوتهم في أعينهم حملتهم على ذلك حتى انهزموا وتمكن المسلمون من قتلهم وأسرهم، "رمى بالحصى في أوجه القوم رمية، فشردهم" طردهم وبدد جمعهم، وفي حديث عمر عند الطبراني: لما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتا بالسيف، يقول {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر} [البقرة: 45] الآية، ورماهم فوسعتهم الرمية وملأت أعينهم حتى إن الرجل ليقتل وهو يقذى عينيه وفاه "مثل النعام" حال كونه "بمجهل" بفتح الميم والهاء بينهما جيم ساكنة، قال القاموس: أرض مجهل كمقعد لا يهتدى فيها ولا يثنى

وجاد لهم بالمشرفي فسلموا ... فجاد له بالنفس كل مجندل عبيدة سل عنهم وحمزة واستمع ... حديثهم في ذلك اليوم من علي هم عتبوا بالسيف عتبة إذ غدا ... فذاق الوليد الموت ليس له ولي وشيبة لما شاب خوفا تبادرت ... إليه العوالي بالخضاب المعجل وجال أبو جهل.............

_ ولا يجمع، انتهى. وأما قوله: إنا لنصفح عن مجاهل قومنا، فمعناه زلاتهم الحاملة لنا على الجهل وهو جمع مجهل ما يحمل على الجهل وزعم ابن سيدة أنه اسم للأرض ورد بأنه لا يصح إذ لا يتأتى الصفح عن الأراضي إلا بتعسف. وفي نسخة المجفل بشد الفاء، أي: المبالغ في طرده وله ما يهتدي إليه، وفي أخرى بمجفل بفاء ساكنة دون أل، أي: بمحل يطرد منه والأولى أبلغ في المقام، "وجادلهم" من المجادلة خاصمهم وضاربهم، أو من الجود تهكما، أي: سمح لهم "بالمشرفي" بفتح الميم والراء: السيف نسبة لمشارف بالفاء، وهي كما في الصحاح وغيره: قرية من أرض العرب تدنو من الريف "فسلموا، فجاد" سمح "له بالنفس" وسلم فيها قهرا عليه، "كل مجندل" مصروع مطروح على الأرض، ولم يقل متجدل للوزن. وفي نسخ: كل مجدل بشد الدال، وهي أولى. ففي المصباح: جدته تجديلا ألقيته إلى الجدالة وطعنه فجدله، "عبيدة" بضم أوله ابن الحارث المطلبي، "سل عنهم و" سل "حمزة" الهاشمي "واستمع، حديثهم في ذلك اليوم من علي" بن أبي طالب، وخصهم لأنهم الذين برزوا لعتبة وشيبة والوليد الذين طلبوا المبارزة وأظهروا من أنفسهم الشدة، وخص عليا بالاستماع منه؛ لأنه عاش وروى الحديث بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف عبيدة، فاستشهد يومئذ، وحمزة ثاني عام، وزعم أنه على القدر، وهو المصطفى خلاف الظاهر المتبادر بل يأباه قوله: "هم عتبوا" بفوقية مخففا ومشددا للمبالغة، أي: ضربوا "بالسيف عتبة" بن ربيعة وهو مجاز عن اللوم أو مضمن معنى القطع، "إذ غدا" أتى مبادرا لطب البراز "فذاق" هو وابنه "الوليد الموت ليس له ولي" ناصر "وشيبه لما شاب" رأسه ولحيته "خوفا" من الخوف، كناية عن الحزن الذي أصابه بحيث حصل منه الشيب في غير أوان، "تباردت، إليه العوالي" جمع عالية، وهي السنن من القنا "بالخضاب المعجل" المنساق سريعا، والمعنى: أنهم أسالوا دمه بالرماح فشبهه بخضاب الحناء، واستعار له اسمه تهكما، "وجال" دار في مكن الحرب يظهر شدته، "أبو جهل"، فكان يقول في جولاته: ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني

.........فحقق جهله ... غدة تردى بالردى عن تذلل وأضحى قليبا في القليب وقومه ... يؤمونه فيه إلى شر منهل وجاءهم خير الأنام موبخا ... ففتح من أسماعهم كل مقفل وأخبر ما أنتم بأسمع منهم ... ولكنهم لا يهتدون لمقول سلا عنهم يوم السلا إذا تضاحكوا ... فعاد بكاء عاجلا لم يؤجل ألم يعلموا علم اليقين بصدقه ... ولكنهم لا يرجعون لمعقل

_ كما مر. "فحقق جهله،" فعمل بمقتضاه فقتله الله شر قتلة، "غداة" حين "تردى بالردى" الهلاك شبهه بالرداء فأثبت له ما هو من لوازمه، فقال: تردى، أي: تسربل "عن تذلل" هوان وحقارة "وأضحى قليبا" أي: صار ملقى "في القليب" حين جر وطرح فيه "وقومه، يؤمونه" يقصدونه "فيه" ويسيرون به "إلى شر منهل" مورد وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي عبر به عن النار التي وردوها تهكما واستهزاء، "وجاءهم خير الأنام" صلى الله عليه وسلم "موبخا" لائما لهم حيث وقف ونادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقل: "يا أهل القليب! بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم"، إلى آخر ما مر. "ففتح من أسماعهم كل مقفل" مغلق من قولهم أقفلته إقفالا فهو مقفل، يعني: أنهم كانوا في غفلة وإعراض لما عليها من الختم المانع من حلول الحق فيها وأزيل بعد الموت، فعلموا الحق عيانا، كما أرشد لذلك صلى الله عليه وسلم قوله: "فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا" فوصل خطابه إلى أسماعهم على أكمل حالات السماع. "وأخبر" عليه السلام من سأله مستفهما كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها، بقوله: "ما أنتم بأسمع" لما أقول "منهم"، بل هم أسمع أو مساوون، على ما مر، "ولكنهم لا يهتدون لمقول" كمنبر، أي: لقول الجواب إذ هو إشارة لقوله عليه السلام: "غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا"، "سلا عنهم"، فعل أمر لاثنين على عادة الشعراء من فرض اثنين يخاطبونهما "يوم" وضع "السلا" بفتح السين وعاء جنين البهيمة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد في صلاته عند الكعبة بإشارة عدو الله أبي جهل "إذ تضاحكون" مال بعضهم على بعض من الضحك، وثبت عليه السلام ساجدا حتى ألقته عنه فاطمة الزهراء "فعاد" ضحكهم "بكاء عاجلا لم يؤجل" ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم عليك بقريش" ثلاث مرات وغيره ذلك، وقد مر شرح القصة مبسوطا في أوائل المبعث، "ألم يعلموا" استفهام تقريري، أي: قد علموا الآن "علم اليقين" ما يتيقن "بصدقه، ولكنهم لا يرجعون" لا يتمكنون من الرجوع، "لمعقل" ملجأ يخلصهم مما أصابهم، والمعنى، قد علموا صدقه فيما مضى علم اليقين، بما شاهدوه من الآيات البينات الشاهدات

فيها خير خلق الله جاهك ملجئي ... وحبك ذخري في الحساب وموئلي عليك صلاة يشكل الآل عرفها ... وأصحابك الأخيار أهل التفضل وحكى العلامة ابن مرزوق أن ابن عمر رضي الله عنهما مر مرة ببدر فإذا رجل يعذب ويئن، فلما اجتاز به ناداه: يا عبد الله، قال ابن عمر، فلا أدري أعرف اسمي أم كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه يا عبد الله، فالتفت إليه، فقال: اسقني، فأردت أن أفعل، فقال الأسود الموكل بتعذيبه: لا تفعل يا عبد الله، فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر. ورواه الطبراني في الأوسط.

_ بصدقه، كما في شعر أبي طالب: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... يقينا ولا يعزى لقول الأباطل ولكنهم لم يرعووا وفعلوا ما فعلوا لعدم رجوعهم لملجأ يهتدون بما، وإنما اتبعوا الفخر والكبر. "فيا خير خلق الله جاهك ملجئي، وحبك ذخري" بضم الذال اعتمادي "في" يوم "الحساب وموئلي" مرجعي "عليك صلاة يشمل الآل عرفها" رائحتها الذكية، "و" يشمل "أصحابك الأخيار أهل التفضل" بالنفس والمال. "وحكى العلامة" محمد بن محمد "بن مرزوق" التلمساني المتوفى في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمصر، ودفن بين ابن القاسم وأشهب مر بعض ترجمته أوائل الكتاب، "أن ابن عمر" عبد الله "رضي الله عنهما مر مرة ببدر فإذا رجل يعذب ويئن" من وجع العذاب، "فلما اجتاز به ناده: يا عبد الله! قال ابن عمر: فلا أدري أعرف اسمي أم كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه عبد الله" على عادة العرب نظرا إلى المعنى الحقيقي؛ لأن الجميع عبيد الله، "فالتفت إليه، فقال: اسقني فأردت أن أفعل" أي: اسقيه، "فقال: الأسود" ولم يقل الملك "الموكل بتعذيبه" لاحتمال أنه لم يعلم بأنه ملك؛ لأنه إنما رأى شخصا فيجوز أنه عبد سلط عليه أو حيوان على صورته أو علم إنه ملك، ولكن عبر بالأسود تفظيعا له، "لا تفعل" لا تسقه "فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر" هو أبو جهل، فإن هذا الذي حكاه ابن مرزوق قد رواه الطبراني وابن أبي الدنيا وابن منده وغيرهم، عن ابن عمر قال: بينما أنا سائر بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسله فناداني: "يا عبد الله! اسقني" فلا أدري أعرف اسمي أو دعاني بدعية العرب، وخرج رجل من تلك الحرة في يده سوط، فناداني: يا عبد الله، لا تسقه فإنه كافر، ثم ضربه بالسوط فعاد إلى حفرته، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم مسرعا فأخبرته بذلك، فقال لي: "قد رأيته"؟ قلت: نعم، قال: "ذاك عدو الله أبو جهل، وذاك عذابه إلى يوم القيامة".

قال: ومن آيات بدر الباقية، ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجاج أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع يسمعون هيئة الطبل طبل ملوك الوقت، ويرون أن ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك، وربما تأولته بأنه الموضع لعله صلب فتستجيب فيه حوافر الدواب، وكان يقال لي: إنه دهس رمل غير صلب، وغالب ما يسير هناك الإبل وأخفافها لا تصوت في الأرض الصلبة، فكيف بالرمال؟ قال ثم لما من الله عليه بالوصول إلى ذلك الموضع المشرف، نزلت عن الراحلة أمشي وبيدي عود طويل من شجر السعدان المسمى بأم غيلان،........................................

_ وروى ابن أبي الدنيا عن الشعبي: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ثم يخرج، فيفعل به مثل ذلك ففعل ذلك مرارا، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة"، كذلك والرجل الذي أبهمه الشعبي، الظاهر أنه ابن عمر ويحتمل أنه غيره فيكون الرائي لأبي جهل تعدد. "قال" أي: ابن مرزوق في شرح البردة: "ومن آيات بدر" أضافها إليها لترتبها على غزوتها فهي لأدنى ملابسة "الباقية" على مدى الأزمان، وبه صرح الإمام المرجاني، فقال: وضربت طبل خانة النصر ببدر فهي تضرب إلى يوم القيامة، ونقله الشريف في تاريخيه وأقره، والشامي وأقره "ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجاج أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع" أي: بدر، "يسمعون هيئة الطبل طبل ملوك الوقت ويرون" يعتقدون "أن ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك وربما تأولته بأن الموضع صلب" بضم فسكون، أي: شديد لا سهولة فيه "فتستجيب" تجيب "فيه حوافر الدواب" أي: تقابل بصوت يشبه تصويتها في الأرض وهو الصدى الذي يجيب بمثل الصوت في الجبال وغيرها، "وكان يقال لي: إنه دهس" بمهملتين: سهل ليس يرمل ولا ترا ولا طين، كما في الصحاح والقاموس. زاد في نسخة: "رمل" أي: أنه للينه يشبه المكان الذي به الرمل أو استعمل دهس في مجرد كون الأرض لينة لا تقتضي سماع الصوت، فقال: رمل "غير صلب" صفة كاشقة، "وغالب ما يسير هناك الإبل وأخفاقها لا تصوت في الأرض الصلبة فكيف بالرمال" فانتفى تأويلك "قال: ثم لما من الله علي بالوصول إلى ذلك الموضع المشرق" المضيء "نزلت عن الراحلة أمشي وبيدي عود طويل من شجر السعدان" بفتح المهملة، قال في القاموس: نبت من أفضل مراعي الإبل ومنه مرعى ولا كالسعدان وله شوك يشبه حلمه الثدي "المسمى بأم غيلان" بكسر المعجمة ولعله عند العوام فلا ينافي ما رأيت عن القاموس، وفيه أيضا: وأم غيلان من شجر

وقد نسب ذلك الخبر كنت أسمع، فما راعني وأنا أسير في الهاجرة إلا واحد من عبيد الأعراب الجمالين يقول: أتسمعون الطبل، فأخذتني -لما سمعت كلامه- قشعريرة بينة وتذكرت ما كنت أخبرت به، وكان في الجو بعض ريح، فسمعت صوت الطبل، وأنا دهش مما أصابني من الفرح أو الهيبة، أو ما الله أعلم به، فشككت، وقلت: لعل الريح سكنت في هذا العود الذي في يدي أوجدت مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقيق لهذه الآية العظيمة، فألقيت العود من يدي، وجلست على الأرض، أو وثبت قائما، أو فعلت جميع ذلك، فسمعت صوت الطبل سماعا محققا، أو صوتا لا أشك فيه أنه صوت طبل، وذلك من ناحية اليمين ونحن سائرون إلى مكة المشرفة، ثم نزلنا إلى بدر، فظللت أسمع ذلك الصوت يومي أجمع، المرة بعد المرة. قال: ولقد أخبرت أن ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس، انتهى.

_ السمر، "وقد نسيت ذلك الخبر الذي كنت أسمع فما راعني وأنا أسير في الهاجرة" شدة الحر "إلا واحد" فاعل راعني؛ لأن الاستثناء مفرغ "من عبيد الأعراب الجمالين" وفي نسخة: إلا وواحد، بواوين لكن الفاعل لا يقترن بالواو فإن صحت ففيه حذف، أي: إلا أمر عرض لي وواحد، بواوين لكن الفاعل لا يقترن بالواو فإن صحت ففيه حذف، أي: إلا أمر عرض لي وواحد، فاللعطف تفسيري أو خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو واحد أو مبتدأ أخبره "يقول: أتسمعون الطبل فأخذتني لما" حين "سمعت" أو اللام اللتعليل، أي: لسماعي "كلامه قشعريرية" بضم القاف وفتح الشين "بينة" قوية لا تلبس بغيرها "وتذكرت ما كنت أخبرت به وكان في الجو بعض ريح، فسمعت صوت الطبل وأنا دهش" متحير "مما أصابني من الفرح أو الهيبة، أو ما الله أعلم به" يعني حصل له حالة لم يتحقق ما هي حتى يعبر عنها، "فشككت وقلت لعل الريح سكنت في هذا العود الذي في يدي أوجدت مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقيق لهذه لآية العظيمة، فألقيت العود من يدي وجلست على الأرض، أو وثبت قائما أو فعلت جميع ذلك" شك فيما حصل له حين أخبر، "فسمعت صوت الطبل سماعا محققا أو صوتا لا أشك فيه أنه صوت طبل وذلك من ناحية اليمن ونحن سائرون إلى مكة المشرفة لم نزلنا بدر إلى فظللت" بكسر اللام الأولى وإسكان الثالثة، "أسمع ذلك الصوت يومي أجمع" بالنصب تأكيد ليومي، "المرة بعد المرة" بالنصب على الحال، أي: متتابعا جميع يومه من ابتداء سماعه من الهاجرة فاستعمل اليوم في بقيته مجازا، "قال: ولقد أخبرت أن ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس، انتهى" كلام ابن مرزوق. قال صاحب الخميس: ولما نزلت بدرا سنة ست وثلاثين وتسعمائة وصليت الفجر يوم

وروى الطبراني من حديث أبي اليسر، أنه أسر العباس، وقيل للعباس -وكان جسيما- كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم، ولو شئت لجعلته في كفك، فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني كالخندمة..................................

_ الأربعاء أوائل شعبان، وأقمنا يوما، ابتكرت نحوذ لك الصوت يجيء من كثيب ضخم طويل مرتفع كالجبل شمالي بدر، فطلعت أعلاه وتتابع الناس لسماعه، وكانوا زهاء مائة من رجال ونساء، فما سمعت شيئا، فنزلت أسلفه فسمعت من سفح الكثيب صوتاكهيئة الطبل الكبير سماعا محققا بلا شك مرارا متعددة وسمعه الناس كلهم، كما سمعت، وكان الصوت يجيء تارة من تحتنا ثم ينقطع، وتارة من خلفنا ثم ينقطع، وتارة قدامنا، وتارة من شمالنا، فسمعنا سماعا محققا وكان الوقت صحوا رائفا لا ريح فيه، انتهى. ولما ذكر ما أراد من الغزوة، في ذكر الأساري، فقال: "وروى الطبراني" والبزار "من حديث أبي اليسر" بفتح التحتية والسين المهملة وبالراء كعب بن عمرو الأنصاري السلمي بفتحتين مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة وبدرا والمشاهد، ومات سنة خمس وخسمين بالمدينة. وقول ابن إسحاق كان آخر من مات من الصحابة كأنه يعني أهل بدر، كما في الإصابة. "أنه أسر العباس" بن عبد المطلب رضي الله عنه. أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إني عرفت أن رجلا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنما خرج مستكرها". فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنه السيف فبلغه صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر: "يا أبا حفص"، قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه بأبي حفص "أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله بالسيف"، فقال عمر: يا رسول الله! دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقولك ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فاستشهد يوم اليمامة رضي الله عنه. "وقيل للعباس وكان جسيما" جميلا وسيما أبيض له ضفيرتان معتدلا. وقيل: طويلا والقائل ابنه. ففي رواية الطبراني وأبي نعيم عن ابن عباس، قال: قلت لأبي "كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم" بدال مهملة قبيح المنظر صغير الجسم، "ولو شئت" أن تجعله في كفك، "لجعلته في كفك" فالمفعول محذوف دل عليه الجواب. وفي رواية البزار: ولو أخذته بكفك لوسعته، "فقال:" زاد البزار: يا بني لا تقل ذلك، "ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني" بالتثنية أو الإفراد مرادا به الجنس، "كالخندمة" وفي رواية

وهي بالخاء المعجمة -جبل من جبال مكة، قاله في القاموس. ولما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وثاق الأسرى شد وثاق العباس، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يئن فلم يأخذه النوم، فبلغ الأنصار، فأطلقوا العباس، فكأن الأنصار فهموا رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفك وثاقه، وسألوه..................................

_ أبي نعيم: لقيني وهو في عيني أعظم من الخندمة، وهذا قاله جوابا لسائله: كيف أسرك مع صغره وضعفه عنك جدا، وفي السياق إشعار بأنه بعد معرفة أبي اليسر؛ لأن السائل له ابنه ولم يشهد بدرا فلا تعارض بينه وبين ما في مسند أحمد في حديث طويل عن علي، فجاء رجل من الأنصار بالعباس أسيرا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أره في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال صلى الله عليه سلم: "اسكت فقد أيدك الله بملك كريم"؛ لأن هذا قاله أول ما رأى أبا اليسر بصورة خلقته، فنفى أن يكون أسره لأنه إنما رأى وقت الأسر الصورة التي وصفها في الملك، وفي أبي اليسر كالخندمة، ولذا قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: "اسكت" إلى آخره، إشارة إلى أنه لم يستقل بأسره، وقوله: "أنا أسرته رد لإنكار أسره من أصله، فلا يعارض ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم سأله: "كيف أسرته"؟ فقال: "قد أعانني الله عليه ملك كريم". "وهي" أي: الخندمة "بالخاء المعجمة" المفتوحة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة فميم فتاء تأنيث "جبل من جبال مكة" شرفها الله تعالى، "قاله في القاموس" والعيون وغيرهما، ويقع في نسخ من جبال تهامة بدل مكة وهو وإن صح في نفسه؛ لأن مكة بعض تهامة غير صحيح للعزو فالذي في القاموس مكة لا تهامة، "ولما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه" كما روى ابن عائذ في المغازي من طريق مرسل أن عمر لما ولي "وثاق" بالفتح والكسر: ما يوثق ويشد به، "الأسري شد وثاق العباس" رجاء إسلامه وإلا فقد علم تغيظ المصطفى ممن قال: لألجمنه السيف، "فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يئن فلم يأخذه النوم فبلغ الأنصار" يحتمل من عمر "فأطلقوا العباس" كما جاء عن ابن عمر: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى وفيهم العباس وعدته الأنصار أن يقتلوه فبلغ رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه"، قال عمر: أفآتيهم، قال: "نعم"، فأتاهم فقال: أرسلوا العباس، فقالوا: والله لا نرسله، فقال عمر: فإن كان لرسول الله رضا، قالوا: فإن كان لرسول الله رضا فخذه، فأخذه عمر فلما صار في يده، قال له: يا عباس، أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك، "فكأن الأنصار فهموا" بقرائن أو من تصريح عمر "رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفك وثاقه" ففكوه، "وسألوه" أي: سأل بعض الأنصار

أن يتركوا له الفداء طلبا لتمام رضاه فلم يجبهم. وفي حديث أنس عند الإمام أحمد: استشار عليه الصلاة والسلام الناس في الأسرى يوم بدر فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم"، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم،...........................................................

_ المصطفى، والمذكور في الفتح عقب رواية ابن عائذ لفظه، فكان الأنصار لما فهموا رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفك وثاقه سألوه، "أن يترك له الفداء طلبا لتمام رضاه فلم يجبهم" كما أخرج البخاري من حديث ابن شهاب: حدثنا أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، قال: "والله لا تذرون منه درهما"، قال الحافظ: وأم العباس ليست من الأنصار بل جدته أم عبد المطلب هي الأنصارية فسموها أختا لكونها منهم، وعلى العباس ابنها لأنها جدته وهي سلمى بنت عمر والخزرجية، قال: وإنما لم يجبهم؛ لأنه خشي أن يكون فيه محاباة لكونه عمه لا لكونه قريبهم من النساء، وفيه أيضا إشارة إلى أن القريب لا ينبغي له أن يتظاهر بما يؤذي قريبه، وإن كان في الباطن يكره ما يؤذيه، ففي ترك قبول ما تبرع له الأنصار به من الفداء تأديب لمن يقع منه مثل ذلك، انتهى. أو للتسوية بينهم حتى لا يبقى في نفوس أصحابه الذين لهم أقارب أسرى شيء بسبب مسامحته وأخذ الفداء منهم. "وفي حديث أنس عند الإمام أحد استشار عليه الصلاة والسلام الناس في الأسرى يوم بدر" أي: زمنه "فقال: "إن الله قد أمكنكم" وفي نسخة: "مكنكم" وهما بمعنى "منهم" أسقط من رواية أحمد عن أنس: "وإنما هم إخوانكم بالأمس" "فقام عمر" ظاهره أنه تكلم قبل أبي بكر، وفي حديث عمر عند مسلم إن أبا بكر تكلم قبل عمر، ولفظه: استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلي، فقال أبو بكر: يا نبي الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدا، فقال: "ما ترى يا عمر"؟ قال: والله ما أرى ما رأى أبو بكر.... الحديث مطولا. وأخرجه بنحوه أحمد والترمذي وغيرهما، عن ابن مسعود وابن مردويه عن ابن عباس ويمكن الجمع بأنه صلى الله عليه وسلم استشار الناس عموما وخصوصا. فلما خص تكلم أبو بكر قبل عمر، ولما عم، بادر عمر في الجواب على عادته في الشدة في دين الله تعالى، "فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم" أمر أو مضارع ويؤيد الأول رواية مسلم والجماعة بلفظ: ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فاضرب عنه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا مودة للمشركين،

فأعرض عنه عليه السلام، ثم عاد صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم". فقال عمر: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه عليه السلام، فعل ذلك ثلاثا، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، أرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فذهب من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا وقبل منهم الفداء...........................................................

_ هؤلاء أئمة الكفر وصناديد قريش وأئمتهم وقادتهم، فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى فإنما نحن راعون مؤلفون، "فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام" لما جبل عليه من الرأفة والرحمة في حالة إيذائهم له، فكيف في حال قدرته عليهم؟ "ثم عاد صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم" فيه ترقيقهم عليهم واستعطافهم؛ لأن العفو بعد القدرة من شيم الكرام، "فقال عمر: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام، ففعل ذلك ثلاثا" وما تغير عمر عن رأيه، "فقام أبو بكر الصديق" رضي الله عنه "فقال: يا رسول الله أرى أن تعفو عنهم" بفتح الهمزة والواو، أي: فلا تقتلهم، هكذا في نسخ صحيحة، "وأن تقبل منهم الفداء" بالفتح أيضا، أي: رأى عدم القتل استبقاء للقرابة ورجاء لإسلامهم مع أخذ الفداء مراعاة للجيش ليقووا على الكفار، وفي نسخة: أن تعف بحذف الواو فالهمزة فيهما مكسورة والجواب محذوف، أي: أن تعف مجانا فلا بأس إذ هم بنو العم والعشيرة، وإن تقبل مهم الفداء فلا بأس لأنا نستعين به، ودعوى أنها أليق بأدب الصديق مع المصطفى، فلا، ينسب لنفسه أمرا مردودة بأنه لكل مقام مقال، والمقام هنا بيان الرأي الذي طلبه المصطفى خصوصا مع مخالفة عمر وإعراضه عنه، وأيضا فالكسر يقتضي أنه خيره في العفو مجانا والأحاديث تأباه، كيف وقد صرح الصديق في رواية مسلم، بقوله: أرى أن تأخذ منهم الفدية. وفي رواية الترمذي وغيره: استبقهم وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم. "فذهب من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان" ظهر "فيه من" التغير الدال على "الغم" من قول عمر وهوى ما قال أبو بكر "فعفا عنهم" فلم يقتلهم "وقبل منهم الفداء" فلم يسترقهم ولم يضرب عليهم جزية هذا، ولم يذكر عن علي جواب مع أنه أحد الثلاثة المستشارين، كما في مسلم؛ لأنه لما رأى تغير المصطفى حين اختلف الشيخان عليه لم يجب، أو لم تظهر له مصلحة حتى يذكرها، ولهذا لما ظهر لعبد الله بن رواحة الجواب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد تخصيص الثلاثة، قال -كما رواه الترمذي والجماعة: يا رسول الله! أنظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك. وفي رواية: ثكلتك أمك، فدخل صلى الله عليه وسلم بيته فقال أناس: يأخذ بقول عمر، وأناس بقول أبو

قال: وأنزل الله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} الآية..................................................

_ بكر، وأناس بقول ابن رواحة، ثم خرج فقال: "إن الله تعالى ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين ن اللبن، وإن الله ليشدد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر في الملائكة كمثل ميكائيل ينزل بالرحمة ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم، قال: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيم} [إبراهيم: 36] الآية. ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم، قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118] الآية. ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومثلك في الأنبياء مثل نوح، إذ قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] الآية، ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} [يونس: 88] الآية، لو اتفقتما ما خالفتكما أنتم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق"، فقال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله! إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخاف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال صلى الله عليه وسلم: "إلا سهيل بن بيضاء" "قال: وأنزل الله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَق} بإحلال الغنائم والأسرى لكم {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} من الفداء {عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 68، 69] "الآية" يريد: واتقوا الله إن الله غفور رحيم، وهذه رواية أحمد عن أنس، وفي روايته وهو الترمذي والحاكم عن ابن مسعود، فنزل القرآن بقول عمر: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67] إلى آخهر الآيات. وفي رواية مسلم عن عمر فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هوى أبو بكر ولم يهو، ما قلت: فلما كان من الغد غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو أبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما، فقال صلى الله عليه وسلم: "أبكي للذي عرض على أصحابك من الفداء لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله {عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] الآية. وفي رواية: إن كاد ليسمنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن لخطاب، زاد في رواية: وسعد بن معاذ، أي: لأنه كره يوم الوقعة والأسر وأحب الإثخان، كما مر ولم يقل وابن رواحة لأنه أشار بإضرام النار وليس بشرع، وهذه من جملة موافقات عمر المنتهية إلى نحو الثلاثين، وتحدث عمر ببعضها من باب وأما بنعمة ربك فحدث، فقال كما في الصحيح: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، ومقام إبراهيم، وفي أسارى بدر، واستشكل هذا كله بأنه وافق رأي

ويأتي الكلام عليها في النوع العاشر في إزالة الشبهات من الآيات المشكلات من المقصد السادس إن شاء الله تعالى. وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا عباس، افد نفسك وابني أخيك، عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو". قال: إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني. قال: "الله أعلم بما تقول، إن يكن ما تقول حقا فإن الله يجزيك، ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا". وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم.....................................................

_ المصطفى ولا أجل منه ولا أسد من رأيه. "ويأتي الكلام عليها في النوع العاشر في إزالة الشبهات عن الآيات المشكلات من المقصد السادس إن شاء الله تعالى" في نحو ورقة بما يشفي ويكفي. وفي فتح الباري هنا اختلف السلف، في أي الرأيين كان أصوب، فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر؛ لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر ولدخول كثير منهم في الإسلام، إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت له بعد الواقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب، كما ثبت ذلك عن الله تعالى في حق من كتب له، الرحمة, وأما من رجح الرأي الآخر فتمسك بما وقع من العتاب على أخذ الفداء وهو ظاهر، لكن الجواب عنه أنه لا يدفع حجة الرجحان عن الأول بل ورد للإشارة إلى ذم من آثر شيئا من الدنيا على الآخرة، ولو قل قال. وروى الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن علي، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقال: خير أصحابك في الأسرى إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلًا مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا، انتهى. ورواه، ابن سعد من مرسل عبيد، وفيه فقالوا: بل نفاديهم فنقوى به عليهم ويدخل قابلا منا الجنة سبعون ففادوهم. "وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم، قال" هذا من مراسيل الصحابة،؛ لأن ابن عباس لم يشهد ذلك بل كان صغيرا مع أمه بمكة فكأنه حمله على أبيه أو غيره، "يا عباس افد" بفتح الهمزة وكسرها "نفسك وابني أخيك عقيل" بفتح العين وكسر القاف "ابن أبي طالب ونوفل بن الحارث" أكبر ولد عبد المطلب، "وحليفك عتبة بن عمر، وقال: إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني" بسين للتأكيد أو زائدة، "قال الله أعلم بما تقول إن يكن ما تقول حقا فإن الله يجزيك" الثواب الأخروي والدنيوي، "ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا" وشريعتنا العمل بالظاهر لا بما في نفس الأمر، وفيه رد على من قال: لو كان مسلما ما أسروه ولا أخذوا منه الفداء، "وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم" أي: الأسرى لا العباس ومن ذكر معه، فلا

كان أربعين أوقية ذهبا. وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس أنه جعل على العباس مائة أوقية وعلى عقيل ثمانين فقال له العباس: أللقرابة صنعت هذا؟ فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ} [الأنفال: 70] فقال العباس: وددت لو كنت أخذت مني أضعافه لقوله تعالى: {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُم} [الأنفال: 70] .

_ ينافي ما بعده، أي: كل واحد منهم "كان أربعين أوقية ذهبا" وقال قتادة: كان فداء كل أسير أربعة آلاف. وفي العيون: كان الفداء من أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف درهم، وعارضه في النور بما في أبي داود والنسائي عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم جعل فداءهم يوم بدر أربعمائة، قال: فبينهما تفاوت كبير، انتهى. وروى ابن سعد من مرسل الشعبي، قال: كان صلى الله عليه وسلم يفاديهم على قد أموالهم، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه، وهذا يمكن أن يجمع به بين الأقوال، ومن ثم قال في الشامية: ومنهم من عليه؛ لأنه لا مال له. "وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس، أنه" قال: كان فداء الرجل أربعين أوقية، هذا أسقطه المصنف من الدلائل. والأوقية أربعون درهما فمجموع ذلك ألف وستمائة درهم، قال: وجعل لى العباس مائة أوقية، وعلى عقيل ثمانين أوقية" وبما أسقطه من الدلائل، أو كأنه اكتفى بما قبله عن موسى وإن كان لا يليق لأنه دليله، أو عم يتضح قوله: "فقال له" صلى الله عليه وسلم "العباس: اللقرابة صنعت هذا؟ " يعاتبه، إذ مقضتى القرابة التخفيف، وقد شددت وأخذت منا أزيد مما أخذ من غيرنا، وإنما فعل النبي صل الله عليه وسلم ذلك لثروة العباس حتى لا يكون في الدين محاباة، وقد كان يفاديهم على قدر أموالهم. وقيل: جعل عليه أربعمائة أوقية. وقيل: أربعين أوقية من ذهب، "فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70] "الآية،" هذا يفيد أن سبب النزول خاص واللفظ عام، لكن في الشامية: قال جماعة له صلى الله عليه وسلم منهم العباس: إنا كنا مسلمين وإنما خرجنا كرها، فعلام يؤخذ منا الفداء فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال: 70] ، أي: إيمانا وإخلاصا {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 70] من الفداء بأن يضعفه لكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة، زاد في رواية: فقد آتاني الله خيرا منها مائة عبد. وفي لفظ: أربعين عبدا كل عبد في يده مال يضرب

وكان قد استشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين،.................................

_ به، أي: يتجر فيه، وإني لأرجو من الله المغفرة، أي: لقوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70] الآية. وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس، قال: قال العباس: في والله نزلت حين أخبرت رسول اله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي وجدت معني، فأعطاني الله بها عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي في يده مع ما أرجو من مغفرة الله. وفي الصحيح عن أنس: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين، فقال: "انثروه في المسجد"، وكان أكثر مال أتى به، فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جلس إليه فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه إذ جاءه العباس، فقال: أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال له: "خذ" فحثا في ثوب ثم ذهب يقله فلم يستطيع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه إلي، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت علي، قال: "لا"، فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق وهو يقول: إنما أخذت ما وعد الله فقد أنجز، فما زال صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفى علينا عجبا من حرص، فما قام صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم. وعند ابن أبي شيبة: أن المال كان مائة ألف، وهذا كله صريح في أنه لم يفد إلا نفسه وعقيلا، قيل وفدى نوفلا لقوله صلى الله عليه وسلم: "فادِ نفسك وابني أخيك نوفلا وعقيلا"، ولما أسلم نوفل آخى بينه وبين العباس، ذكره ابن إسحاق. وقيل: بل فدى نوفل نفسه، فقد روى ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم قال لنوفل: "أفد نفسك"، قال: ليس لي مال أفتدي به، فقال: "أفد نفسك بأرماحك التي بجدة"، قال: والله ما علم أحد أن لي بجدة رماحا غير الله، أشهد أنك رسول الله، وفدى نفسه بها وكانت ألف رمح. ويمكن الجمع بأنه أمر العباس قبل أن يعلم أن لنوفل مالا فلما أعلمه الله بذلك أمر نوفلا بفداء نفسه ويؤيد ذلك قول العباس في الصحيح: فاديت نفسي وعقيلا ولم يذكر نوفلا وصدر السهيلي بأن نوفلا أسلم عام الخندق، وهاجر ومات بالمدينة سنة خمس عشرة وصلى عليه عمر. "وكان قد استشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلا" قيل: وأسهم لهم صلى الله عليه وسلم "ستة من المهاجرين" عبيدة بن الحارث المطلبي قطعت رجله في المبارزة، فمات بالصفراء فدفنه صلى الله عليه وسلم بها، وقيل: مات بالروحاء. ومهجع بكسر الميم وإسكان الهاء وفتح الجيم وعين مهملة، مولى عمر. قال ابن إسحاق: وابن سعد كان أول قتيل من المسلمين وأول من جرح، قتله عامر بن الحضرمي بسهم أرسله إليه، وقال صلى الله عليه وسلم يومئذ: "مهجع سيد الشهداء". وروى الحاكم عن واثله رفعه: "خير السودان لقمان وبلال ومهجع" قاله البرهان. ونقل بعض مشايخي أنه أول من يدعى

وثمانية من الأنصار، ستة من الخزرج،....................................................

_ من شهداء هذه الأمة. وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهدي ذكر الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم رده لأنه استصغره فبكى عمير، فلما رأى بكاءه أذن له في الخروج فقتل وهو ابن ست عشرة سنة، قتله العاصي بن سعيد، قاله السهيلي. وفي الإصابة: يقال قتله عمرو بن عبدود العامري، وعاقل -بعين وقاف- ابن البكير بالتصغير الليثيي. وجزم ابن حبان بأنه مات سنة ثلاثين، والواقدي وتبعه أبو أحمد والحاكم بأنه مات ثمان وثلاثين، وقيل: مات في طاعون عمواس، ذكره في الإصابة. وذو الشمالين عمير، وقيل: الحارث، ويقال: عمرو بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي وكان أعسر، وقيل: اسمه خلف بن أمية وهو غير ذي اليدين، فإن اسمه الخرباق، كما في مسلم ابن عمرو السلمي. قال العلماء: وهم الإمام ابن شهاب على جلالته، وتبعه ابن السمعاني، فقال: إنهما واحد، وخالفه غيره وجعلوهما اثنين، فإن ذا اليدين عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى أبو هريرة أنه الذي نبه على السهو، وأبو هريرة إنما أسلم عام خيبر وذو الشمالين استشهد ببدر، نعم ذكر البرهان عن بعض الحفاظ أن ذا اليدين كان يقال له أيضا ذو الشمالين، وأنه ليس هذا المستشهد ببدر. "وثمانية من الأنصار، ستة من الخزرج" عوف بن عفراء، ذكر ابن إسحاق أنه قال: يا رسول الله! ما يضحك الرب من عبده؟ قال: "غمسه يده في القوم حاسرا فنزع درعا عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل". وشقيقه معوذ، قال في الفتح: بشد الواو وبفتحها معاذا استشهد ببدر أيضا لم يوافق عليه. وحارثة بن سراقة بحاء مهملة ومثلثة وكان في النظارة، أي: الذين لم يخرجوا لقتال فجاءه سهم غرب فوقع في نحره فقتله، فجاءت أمه الربيع -بضم الراء وفتح الموحدة وشد التحتية- فقالت: يا رسول الله! قد علمت مكان حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإلا فسترى ما أصنع!! فقال: "إنها ليست بجنة واحدة، ولكنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس"، كما في الصحيح، وقتله -كما في العيون: حبان بكسر المهملة وشد الموحدة، ابن العرقة بفتح المهملة وكسر الراء. ونقل الواقدي فتحها وفتح القاف فتاء تأنيث وهي أمة، وأبوه قيس. قال ابن إسحاق: وهو أول قتيل بعد مهجع، والروايات الصحيحة في البخاري وأحمد والترمذي والنسائي وغيرهم أن حارثة هذا قتل في بدر، ولم يختلف في ذلك أهل المغازي، وما في بعض

واثنان من الأوس.

_ الروايات أنه قتل في أحد وإن اعتمده ابن منده أنكره أبو نعيم، كما أوضح ذلك في الإصابة. ويزيد بن الحارث بن قيس بن مالك، ورافع بن المعلى قتله عكرمة بن أبي جهل. وعمير بن الحمام، بضم المهملة وخفة الميم، ابن الجموح، ذكر ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم خرج على الناس فحرضهم، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة"، فقال عمير بن الحمام، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل، وهو يقول: ركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد وقتله خالد بن الأعلم العلقمي. وروى مسلم عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "قوموا إلى الجنة عرضها السموات والأرض"، فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: "عم"، قال: بخ بخ، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قولك بخ بخ"؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها"، فأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل. قال ابن عقبة وهو أول قتيل قتل يومئذ، ومر قول ابن إسحاق وابن سعد: أولهم مهجع، وجمع في النور بأنه أول قتيل بسهم وعمير بغيره، أو من المهاجرين وعمير من الأنصار، ولا يعارضه ما حكاه ابن سعد: أول قتيل من الأنصار حارثة بن سراقة؛ لأنه أول قتيل من الفتيان، انتهى. وهو ظاهر لكن لا يعلم منه أول قتيل على الإطلاق. "واثنان من الأوس" سعدبن خيثمة أحد النقباء بالعقبة الصحابي ابن الصحابي، الشهيد ابن الشهيد، قيل: قتله طعمية بن عدي، وقيل: عمرو بن عبدود، واستشهد أبوه يوم أحد، ومبشر بن عبد المنذر، وقيل: إنما قتل بأحد. قال السمهودي في الوفاء: يظهر من كلام أهل السير أنهم دفنوا ببدر ما عدا عبيدة لتأخر وفاته، فدفن بالصفراء أو الروحاء، انتهى. وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن مسعود، قال: إن الذين قتلوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسرح في الجنة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربهم اطلاعه، فقال: يا عبادي ماذا تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا من شيء؟ قال: فيقول: ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا، موقوف لفظا مرفوع حكما؛ لأنه لا مدخل

تنبيه: لا يقدح في وعد الله تعالى أن استشهد هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، وإنما هذا الوعد كقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، فقد نجز الموعود وغلبوا كما وعدوا، فكان وعد الله مفعولا ونصره للمؤمنين ناجزا والحمد لله. وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون،............................................

_ للرأي فيه، والله أعلم. تنبيه: "لا يقدح في وعد الله تعالى" للمسلمين بالظفر بقوله سبحانه: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْن} [الأنفال: 7] الآية، "إن استشهد هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم" لأنه وعدهم بالظفر بقريش وقد فعل ولم يعدهم أنه لا يقتل أحد منهم، فلا ينافي قتل هؤلاء، "إنما هذا الوعد، كقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29] الآية، إلى قوله {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة: 29] ،" حال، أي: منقادين أو بأيديهم لا يوكلون بها {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] الآية، أذلاء منقدون لحكم الإسلام، ووجه التشبيه أن هذه الآية دلت على أمرهم بالقتال حتى يتمكنوا من عدوهم بإذلالهم وأخذ الجزية إن لم يؤمنوا، وآية {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ} [الأنفال: 7] الآية، تلد على الظفر بالأعداء من غير دلالة على عدم قتل أحمد منهم، "فقد نجز الموعود" به "وغلبوا" بالبناء للفاعل "كما وعدوا" بالبناء للمفعول "فكان وعد الله مفعولا"، أي: موعوده، "ونصره للمؤمنين ناجزا والحمد لله وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون" كما في حديث البراء عند البخاري وابن عباس، وعمر عند مسلم ووافقهم آخرون وبه جزم ابن هشام ونقله عن أبي عمر، وقال ابن كثير: وهو المشهور. قال الحافظ: وهو الحق وأن أطبق أهل السير على إن القتلى خمسون قتيلا يريدون قليلا أو ينقصون وأطلق كثير من أهل المغازي أنهم بضعة وأربعون، وسرد ابن إسحاق أسماؤهم فبلغوا خمسين. وزاد الواقدي ثلاثة أو أربعة، وسردهم ابن هشام فزادوا على الستين لكن لا يلزم من معرفة أسماء من قتل على التعيين أن يكونوا جميع من قتل، وقد قال الله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] الآية. اتفق علماء التفسير على أن المخاطب بذلك أهل أحد، وإن المراد بإصابتهم مثليها يوم بدر، وبذلك جزم ابن هشام واستدل له بقول كعب بن مالك من قصيدة:

وكان من أفضلهم العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب،...............................

_ فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود يعني عتبة بن ربيعة ومر من قتله، والأسود بن عبد الاسد المخزومي قتله حمزة، انتهى. وفي البخاري عن جبير بن مطعم: أنه صلى الله عليه وسلم قال في أساري بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له"، والنتنى بنون وفوقية كزمنى جمع نتن سماهم بذلك لكفرهم، كما في النهاية وغيرها، وبه جزم الحافظ. وقول المصنف: المراد قتلى بدر الذي صاروا جيف يرده قول الحديث في أسارى بدر، قال الحافظ: أي لتركتهم له بغير فداء. وبين ابن شاهين من وجه آخر أن سبب ذلك اليد التي كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من الطائف ودخل في جواره، وقيل: اليد أنه كان من أشد القائمين في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم والمسلمين لما حصروهم في الشعب. وروى الطبراني عن جبير بن مطعم، قال: قال المطعم بن عدي لقريش: إنكم قد فعلتم بمحمد ما فعلتم فكونوا أكف الناس عنه، وذلك بعد الهجرة، ثم مات المطعم قبل وقعة بدر وله بضع وتسعون سنة. وذكر الفاكهي بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات مجازاة له على ما صنع مع النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى. ونقل ابن إسحاق رثاء حسان، وهو: عيني ألا أبكي سيد الناس واسفحي ... بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدما وبكى عظيم المشعرين كليهما ... على الناس معروفا له ما تكلما فلو كان مجد يخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبى مهل وأحرما لو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما لقالوا هو الموفي بخفرة جاره ... وذمته يوما إذا ما تذمما فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله فيهم أعز وأعظما وأنأى إذا يأبى وألين شيمة ... وأنوم عن جار إذا الليل أظلما ورثاء حسان رضي الله عنه له وهو كافر لأنه تعداد المحاسن بعد الموت، ولا ريب في أن فعله مع المصطفى من أقوى المحاسن، فلا ضير في ذكره، وقد كفن المصطفى عبد الله بن أبي المنافق بثوبه مجازاة له على إلباس العباس قميصه يوم بدر، لما كان في الأساري. "وكان من أفضلهم العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب" أسره عبيد بن أوس

ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكل أسلم. وكان العباس -فيما قاله أهل العلم بالتاريخ- قد أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه، وخرج مع المشركين يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لقي العباس فلا يقتله، فإنه خرج مستكرها"،

_ الذي يقال له مقرن؛ لأنه قرن أربعة أسرى يوم بدر، قاله ابن هشام، وأسلم قبل الحديبية، ويقال: عام الحديبية "ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب" أسلم عام الخندق وهاجر، ويقال: بل أسلم حين أسر، قاله السهيلي. "وكل أسلم" رضي الله عنهم وهؤلاء من بني هاشم، وممن أسلم من الأسرى من سائر قريش: أبو العاصي بن الربيع زوج السيدة زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم قبيل الفتح وأثنى عليه المصطفى في مصاهرته ورد عليه زينب. وأبو عزيز بفتح العين وكسر الزاي الأولى وإسكان التحتية، واسمه زرارة بن عمير أخو مصعب أسلم يوم بدر وله صحبة وسماع من النبي صلى الله عليه وسلم وقول الزبير بن بكار: قتل كافرا يوم أحد، رده ابن عبد البر بأن ابن إسحاق عد من قتل من الكفار من بني عبد الدار أحد عشر رجلا ليس فيهم أبو عزيز، وإنما فيهم يزيد بن عمير. وقال السهيلي: غلط الزبير فلا يصح هذا عند أحد من أهل الأخبار. وقد روى عنه نبيه بن وهب وغيره، ولعل المقتول بأحد كافرا أخ لهم غيره، انتهى. وقد علم من كلام أبي عمر أنه يزيد بن عمير فتوهم الزبير أنه اسم أبي عزيز فغلط، وإنما اسمه زرارة. وقد رى الطبراني في الكبير عنه، قال: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالأسارى خيرا" قال الحافظ الهيثمي: إسناده حسن، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر بعد أن أسرى وفدى نفسه، نقله الذهبي عن أبي الطيب الطبري. وعدي بن الخيار، والسائب بن أبي حبيش، وأبو وداعة السهمي، وسهيب بن عمرو العامري أسلموا في فتح مكة، وخالد بن هشام المخزومي، وعبد الله بن السائب، والمطلب بن حنطب، وعبد الله بن أبي بن خلف أسلم يوم الفتح وقتل يوم الجمل، قاله أبو عمر، وعبد بن زمعة أخو سدوة، ووهيب بن عمير الجمحي، وقيس بن السائب المخزومي، ونسطائس مولى أمية بن خلف، ذكره السهيلي وقال: أسلم بعد أحد، والوليد بن الويد أسره عبد الله بن جحش فافتكوه وذهبوا به مكة فأسلم فحبسوه بها، فكان صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت فنجا وهاجر إلى المدينة فمات بها في الحياة النبوية. "وكان العباس فيما قاله أهل العلم بالتاريخ قد أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه" قال ابن عبد البر: وذلك بين في حديث الحجاج بن علاط، أن العباس كان مسلما يسره ما يفتح الله على المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم الفتح. "وخرج مع المشركين يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرها" ولا ينافيه قوله عليه السلام له: "ظاهر أمرك كنت

ففادى نفسه ورجع إلى مكة. وقيل إنه أسلم يوم بدر، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بالأبواء، وكان معه حين فتح مكة، وبه ختمت الهجرة. وقيل أسلم يوم فتح خيبر. وقيل كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح مكة، وكان إسلامه قبل بدر، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يحب القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه عليه الصلاة والسلام: "إن مقامك بمكة خير لك". وقيل إن سبب إسلامه، أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب ليطعم به المشركين، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسب العشرين أوقية من فدائه، فأبى وقال: "أما شيء خرجت تستعين به

_ علينا"؛ لأن كونه عليهم في الظاهر لا ينافي أنه مكره في الباطن. "ففادى نفسه ورجع إلى مكة" فأقام بها على سقايته والمصطفى عنه راض "وقيل: أنه أسلم يوم بدر" ولكنه كتمه حتى تمكن من إظهاره، "فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بالأبواء" وأظهر إسلامه "وكان معه حين فتح مكة" فشهده وحنينا والطائف وثبت يوم حنين، "وبه ختمت الهجرة" كما قال عليه السلام. "وقيل: أسلم يوم خيبر" قبل فتحها، كما حكاه أبو عمر. "وقيل: كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح مكة وكان إسلامه قبل بدر" وهذا حاصل القول الأول. "وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحب القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤده لإسلامه باطنا وعدم تمكنه من إظهاره، قال مولاه أبو رافع: لأنه كان يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان ذا مال، رواه ابن إسحاق. "فكتب إليه عليه الصلاة والسلام: "إن مقامك بمكة خير لك" لما علمه من ضياع عياله وأمواله لو تركهم وهاجر، ولأنه كان عونا للمسلمين المستضعفين بمكة. "وقيل: إن سبب إسلامه أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها المشركين" لأنه كان من الأغنياء المشهورين بالكرم، وكانوا يذبحو لهم الجزائر فلو لم يفعل لعيب عليه ونسب للبخل، ولذا نحر لهم، كما مر، فلا ينافي هذا أن خروجه مكرها ولا يصح هنا أن يقال لا ينافي ذلك إسلامه باطنا؛ لأن صاحب هذا القول لا يقول به إذ هو قائل بأنه إنما أسلم بوم بدر، وأن ذلك سبب إسلامه. "فأخذت منه في الحرب فكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسب" بضم السين: يعد "العشرين أوقية من فدائه فأبى، وقال: "أما شيء خرجت تستعين به

علينا فلا نتركه لك"، فقال العباس: تركتني أتكفف قريشا، فقال له عليه السلام: "فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة"، فقال العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني ربي"، فقال: "أشهد أنك صادق، فإن هذا لم يطلع عليه إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله". ولما فرغ صلى الله عليه وسلم من بدر في آخر رمضان وأول يوم من شوال، بعث زيد بن حارثة بشيرا فوصل المدينة ضحى، وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو

_ علينا" ظاهرا وإن كرهته باطنا، "فلا نتركه لك"، فقال العباس: تتركني أتكفف قريشا" أمد كفي إليهم بالمسألة أو أخذ الشيء منهم بكفي، كما في المصباح. وفي رواية: تتركني فقير قريش ما بقيت، "فقال له عليه السلام: "فأين الذهب" استفهام إنكاري "الذي دفعته إلى أم الفضل" لبابة الكبرى زوجه رضي الله عنهما، "وقت خروجك من مكة"؟ فقال العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني ربي" فقال: أشهد أنك صادق، فإن هذا لم يطلع عليه إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله" وهذا القول كالشرح للقول الثاني في كلامه. وفي رواية: فنزل في العباس: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ} [الأنفال: 70] الآية، قال العباس: فأبدلني الله عشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها، أي: بدلها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي. "ولما فرغ صلى الله عليه وسلم من" جميع أمر "بدر في آخر" يوم من "رمضان، وأول يوم من شوال" قاله ابن إسحاق: وقد كان القتال يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان على أرجح الأقوال المتقدمة، وقول المقريزي في إمتاع الأسماع: أنه صلى الله عليه وسلم دخل المدينة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رمضان مبني على أن الخروج منها كان لثلاث مضين من رمضان، "بعث زيد بن حارثة" حبه ومولاه "بشيرا" بما فتح الله عليه إلى أهل المسافلة وبعث عبد الله بن رواحة بشرا إلى أهل العالية، قاله ابن إسحاق وغيره. "فوصل المدينة" يوم الأحد "ضحى وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية" بضم الراء وفتح القاف وشد التحتية "بنت النبي صلى الله عليه وسلم" بعد دفنها بالبقيع، وهي ابنة عشرين سنة. وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري: أنها كانت قد أصابها الحصبة، قال ابن إسحاق: ويقال إن ابنها عبد الله بن عثمان مات بعدها سنة أربع من الهجرة وله ست "وهذا هو

الصحيح في وفاة رقية. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم شهد دفن بنته رقية، فقعد على قبرها ودمعت عيناه، وقال: "أيكم لم يقارف الليلة" فقال أبو طلحة أنا، فأمره أن ينزلها قبرها. وأنكر البخاري هذه الرواية، وخرج الحديث في الصحيح فقال فيه: عن أنس: شهدنا دفن بنت النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث ولم يسم رقية ولا غيرها. وذكر الطبري أنها أم كلثوم فحصل في حديث الطبري التبيين. ومن قال: كانت رقية فقد وهم.

_ الصحيح في وفاة رقية" كما قاله السهيلي وغيره. "وقد روي" عند البخاري في التاريخ الأوسط، والحاكم في المستدرك من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس "أنه صلى الله عليه وسلم شهد دفن بنته رقية فقعد على قبرها ودمعت عيناه، وقال: "أيكم لم يقارف"، بقاف وفاء، يجامع "الليلة" أهله، كما صرح به في رواية وقول فليح بن سليمان يعني الذنب خطأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى بهذا، قاله السهيلي "فقال أبو طلحة" زيد بن سهل الأنصاري "أنا فأمره أن ينزلها قبرها" زاد في رواية: فقبرها، ففيه إيثار بعيد العهد بالملاذ بمواراة المبيت ولو امرأة على الزوج، وعلل بأنه حينئذ يأمن أن يذكره الشيطان ما كان منه تلك الليلة، "وأنكر البخاري هذه الرواية" في تاريخه، فقال: ما أدري ما هذا فإن رقية ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر لم يشهدها، وهو وهم. قال الحافظ بن حماد في تسميتها فقط، "وخرج الحديث في الصحيح فقال فيه عن أنس: شهدنا دفن بنت النبي صلى الله عليه وسلم ... وذكر الحديث" وهو: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبر وعيناه تدمعان، وقال: $"هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، فقال: "أنزل قبرها" فنزل "ولم يسم رقية ولا غيرها. وذكر" أي: روى محمد بن جرير "الطبري" والطحاوي والواقدي وابن سعد والدولابي "أنها" أي: البنت التي شهد صلى الله عليه وسلم دفنها " أم كلثوم فحصل في حديث الطبري" والجماعة "التبيين و" إن "من قال كانت رقية فقد وهم،" بكسر الهاء غلط بلا شك، ووقع في مقدمة الفتح أن ابن بشكوال صحح أنها زينب، انتهى. لكنه لا يعادل رواية الجماعة. وفي التاريخ والمستدرك: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة" فتنحى عثمان. حكى ابن حبيب أنه جامع بعض جواريه تلك الليلة، قال ابن بطال: أحرم صلى الله عليه وسلم عثمان إنزالها في قبرها وكان أحق الناس لأنه بعلها لأنه لم يشغله الحزن بالمصيبة التي فقد فيها ما لا عوض لها منه وانقطاع صهره من النبي صلى الله عليه وسلم عن المقورفة، ولم يقل له شيئا؛ لأنه فعل حلالا، غير

وكان عثمان رضي الله عنه قد تخلف لأجل رقية زوجته فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره. وأمر صلى الله عليه وسلم عند انصرافه عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- بقتل عقبة بن أبي معيط، فقتله........................................................................

_ أن المصيبة مع عظمها لم تبلغ عنده مبلغا يشغله، فحرم ما حرم بتعريض دون تصريح ولعله عليه السلام كان قد علم ذلك بالوحي، انتهى. وقال الحافظ: لعل مرض المرأة طال واحتاج عثمان إلى الوقاع ولم يظن موتها تلك الليلة وليس في الحديث ما يقتضي أنه واقع بعد موتها ولا حين احتضارها، انتهى. "وكان عثمان رضي الله عنه قد تخلف" عن بدر "لأجل" مرض "رقية زوجته" بأمره صلى الله عليه وسلم ففي المستدرك: خلف النبي صلى الله عليه وسلم عثمان وأسامة بن زيد على رقية في مرضها لما خرج إلى بدر، فماتت حين وصل زيد بالبشارة، "فضرب له" لعثمان "رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره" مع أحد عشر رجلا، كما مر، وجزم الخطابي وتبعه السيوطي بأن ذلك خاص بعثمان لما رواه أبو داود بإسناد صالح عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم ضرب لعثمان يوم بدر بسهم ولم يضرب لغائب غيره، والجواب: أن المراد غائب تخلف لأمر لا تعلق له بمصالح المسلمين ولم يمنعه العذر فلا يرد أولئك الذين ضرب لهم؛ لأن منهم من تخلف للعذر ومنهم للمصالح، كما مر بسطه. "وأمر صلى الله عليه وسلم عند انصرافه" من بدر "عاصم بن ثابت" بن أبي الأقلح بفتح الهمزة واللام بينهما قاف ساكنة وحاء مهملة آخره، واسمه قيس بن عصمة بن النعمان من السابقين الأولين من الأنصار، وأصحاب العقبة وبدر والعلماء بالحرب، كما أنزلت بالنص النبوي "وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب" لأمه، قال في الفتح: هذا وهم من بعض رواية عاصم بن ثابت حال عاصم بن عمر أن أم عاصم جميلة بنت ثابت أخت عاصم كان اسمها عاصية فغيرها النبي صلى الله عليه وسلم جميلة، انتهى. وعاصم بن عمر هذا، قال ابن عبد البر: مات النبي صلى الله عليه وسلم وله سنتا، وكان طوالا جسيما جميلا شاعرا، قال أخوه عبد الله: أنا وأخي عاصم لا نغتاب الناس، زوجه أبوه في حياته وأنفق عليه شهرا، ثم قال: حسبك، ومات سنة سبعين أو ثلاث وسبعين، ثم هذا قول ابن إسحاق. وقال ابن هشام. أمر علي بن أبي طالب "بقتل عقبة بن أبي معيط" أسير عبد الله بن سلمة بكسر اللام العجلاني، قال ابن إسحاق: فقال عقبة: يا محمد من للصبية؟ قال: "النار"، "فقتله" بعرق الظبية بكسر العين وسكون الراء المهملتين وقاف وبضم الظاء المعجمة وسكون الموحدة وفتح التحتية

صبرا. ثم أقبل عليه الصلاة والسلام قافلا إلى المدينة ومع الأساري من المشركين، واحتمل النفل، وجعل عليه عبد الله بن كعب من بني مازن. فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل بين المسلمين...........................................................

_ فتاء تأنيث، مكان على ثلاثة أميال من الروحاء مما يلي المدينة، وثَمَّ مسجد للنبي صلى الله عليه وسلم، ذكره الصغاني. وقال السهيلي: الظبية شجرة يستظل بها "صبرا" هو كل ذي روح يوثق حتى يقتل، كما في المصباح. ويروى أنه قال: يا معشر قريش، ما لي أقتل من بينكم صبرا؟ فقال عليه السلام: "بكفرك وافترائك على الله"، وإنه قال له: "لست من قريش، هل أنت إلا يهودي من أهل صفورية"، وذلك لأن أمية جد أبيه خرج إلى الشام فوقع على يهودية لها زوج من صفورية فولدت ذكوان المكنى أبا عمرو وهو والد أبي معيط على فراش اليهودي، فاستلحقه بحكم الجاهلية، قال الإسماعيلي: وهذا الطعن خاص بنسب عقبة من بني أمية، وفي نسب أمية نفسه مقالة أخرى، وهي أن أم أمية يقال لها الزرفاء، واسمها أرنب كانت في الجاهلية من ذوات الرايات لكن قد عفا الله عن أمر الجاهلية ونهى عن الطعن في الأنساب، ولو لم يجب الكف عن نسب أمية إلا لموضع عثمان لكفى، انتهى. وفي معجم البكري: صفورية بفتح أوله وثم ثانيه المشدد وكسر الراء المهملة وخفة الياء: موضع من ثغور الشام، وفي الميزان روى أبو الهيثم عن إبراهيم التيمي مرسلا أنه عليه السلام صلب عقبة إلى شجرة وأبو الهيثم لا يدري من هو. "ثم أقبل عليه الصلاة والسلام قافلا" بقاف وفاء: "راجعا "إلى المدينة ومع الأساري من المشركين، واحتمل النفل" بفتح النون والفاء: الغنيمة والجمع الأنفال، "وجعل عليه عبد الله بن كعب" بن زيد بن عاصم "من بني مازن" بن النجار، كما قال ابن إسحاق. قال الواقدي: مات زمن عثمان سنة ثلاث وثلاين وكنيته أبو الحارث وتبع الواقدي المدائني وابن أبي خيثمة والعسكري وغيرهم، وأسقط ابن الكبي وابن سعد زيدا من نسبه وتبعهما البغوي وغيره، فجعلوا الكنية والوظيفة، أي: كونه على النفل والوفاة لعبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف من بني مازن بن النجار أيضا، كما في الإصابة والمصنف محتمل لهما؛ لأنه لم يسم جده فيحتمل أنه زيد وأنه عمرو. "فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل بين المسلمين" وقد كانوا اختلفوا فيه، كما رواه ابن إسحاق وغيره عن عبادة بن الصامت، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه: لولا نحن ما أصبتموه نحن شغلنا عنكم العدو فهو لنا، وقال الذين كانوا يحرسونه صلى الله عليه وسلم لقد رأينا أن نقتل العدو حين منحنا الله أكتافهم، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين

على السواء. وأمر عليا رضي الله عنه بالصفراء بقتل النضر بن الحارث.

_ لم يكن له من يمنعه ولكن خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو، فما أنتم بأحق به منا، فنزعه الله تعالى من أيديهم فجعله إلى رسوله وأنزل عليه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَال} [الأنفال: 1] الآية، فقسمه بينهم "على السواء" لفظ الرواية عن بواء بفتح الموحد وخفة والواو وبالمد، أي: على السواء، فأتى المصنف بمعناها؛ لأنه لم يتقيد بها، ورواه أبو عبيد عن فواق، وقال: معناه جعل بعضهم فوق بعض في القسم ممن رأى تفضيله أو يعني سرعة القسم من فواق الناقة. قال السهيلي: ورواية ابن إسحاق أشهر وأثبت عند أهل الحديث، انتهى. ويرد على تفسيره الأول للفواق ما جاء أن سعد بن معاذ، قال: يا رسول الله! أتعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف؟ فقال صلى الله عليه وسلم: $"ثكلتك أمك وهل تنصرون إلا بضعفائك"، "وأمر" صلى الله عليه وسلم "عليا رضي الله عنه بالصفراء" كما ذكره ابن إسحاق ومن لا يحصى، وغلط من قال بعرق الظبية؛ لأن ذاك إنما هو عقبة "بقتل النضر" بضاد معجمة "ابن الحارث" بن علقمة بن كلدة بفتحتين بن عبد مناف بن عبد الدر بن قصي هذا هو الصواب في نسبه، كما ذكره ابن الكلبي والزبير بن بكار وخلق لا يحصون، وغلط ابن منده وأبو نعيم فيه غلطين فاحشين، فقالا: كلدة بن علقمة، وأن النضر شهد حنينا، وأعطاه صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل وكان مسلم من المؤلفة قلوبهم وعزيا ذلك لابن إسحاق، وهو غلط، فالذي قاله ابن إسحاق وأجمع عليه أهل المغازي والسير، أنه قتل كافرا بعد بدر صبرا، وقد أطنب الحافظ العز بن الأثير وغيره من الحفاظ في تغليظهما والرد عليهما، لكن تعقب كما في الإصابة باحتمال أن يكون له أخ سمي باسمه، فهو الذي ذكرها لا هذا المقتول كافرا، انتهى. لكن إنما ينهض هذا الاحتمال لو وجد ما نسباه لابن إسحاق فيه، أما حيث لم يوجد فالمتبادر أنه غلط، كما قال الجماعة. نعم قال ابن عبد البر في كتاب المغازي: قد ذكر في المؤلفة النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صبرا وذكر آخرون النضر بن الحارث فيمن هاجر إلى البحبشة، فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة؛ لأنه ممن رسخ الإيمان في قلبه وقاتل دونه، لا ممن يؤلف عليه. وفي قتله تقول قتيلة بضم القاف وفتح الفوقية وسكون التحتية وهي أخته في قول ابن هشام، وتبعه جمع منهم النووي واليعمري وبنته في قول الزبير بن بكار، وتبعه ابن عبد البر والجوهري والذهبي وغيرهم، قال السهيلي: وهو الصحيح وهو كذلك في الدلائل، وذكر أبو

ثم مضى صلى الله عليه وسلم حتى دخل المدينة قبل الأساري بيوم

_ عمر أنها أسلمت يوم الفتح وكانت شاعرة محسنة: يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبغ خامسة وأنت موفق أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما أن تزال بها النجائب تخفق مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تحنق هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق أمحمد يا خير ضن كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق فيقال إنه صلى الله عليه وسلم بكى حتى اخضلت لحيته، وقال: "لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه". وفي رواية الزبير بن بكار: فرق صلى الله عليه وسلم حتى دمعت عيناه، وقال: "يا أبا بكر، لو سمعت شعرها ما قتلت أباها"، قال الزبير: سمعت بعض أهل العلم يغمز هذه الأبيات، ويقول: إنها مصنوعة. قال ابن المنير: وليس معنى كلامه صلى الله عليه وسلم الندم؛ لأنه لا يقول ولا يفعل إلا حقا والحق لا يندم على فعله، ولكن معناه: لو شفعت عندي بهذا القول لقلبت شفاعتها، ففيه تنبيه على حق الشافعة والضراعة ولا سيما الاستعطاف بالشعر، فإن مكارم الأخلاق تقتضي إجازة الشاعر وتبليغه قصده، انتهى. والأثيل: بمثلثة مصغر أثل موضع. مظنة بفتح الميم وكسر المعجمة وفتح النون المشددة: تخفق تسرع، الواكف: السائل، تحنق بضم النون. والضن: الولد، معرى بفتح الراء وكسرها: العريق المغيظ بفتح الميم وكسر المعجمة وإسكان التحتية وظاء معجمة. وأقرب من أسرت، أي: من أقرب، وإلا فالعباس وغيره أقرب منه. "ثم مضى صلى الله عليه وسلم حتى دخل المدينة قبل الأسارى بيوم" فدخلها من ثنية الوداع، مؤيدا منصورا قد خافه كل عدو له بها وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، ودخل عبد الله بن أبي في الإسلام ظاهرا، وقالت اليهود تيقنا: إنها لنبي الذي نجد نعته في التوراة، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.

فلما قدموا فرقهم بين أصحابه وقال: "استوصوا بهم خيرا". وقد استقر الحكم في الأساري عند الجمهور أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل إياهم كما فعل صلى الله عليه وسلم ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسارى بدر، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الشافعي وطائفة من العلماء وفي المسألة خلاف مقرر في كتب الفقه والله أعلم. و.........................

_ "فلما قدموا فرقهم بين أصحابه، وقال: "استوصوا بهم خيرا" ذكره ابن إسحاق، وزاد: فكان أبو عزيز بن عمير شقيق مصعب بن عمير في الأساري، فقال: مر بي أخي ورجل من الأنصار يأسرني، فقال له: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، قال: فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا. "وقد استقر الحكم في الأسارى عند الجمهور أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل إياهم، كما فعل صلى الله عليه وسلم ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل ببعض أسرى بدر، كأبي العاصي بن الربيع زوج بنته زينب بعثت بقلادة لهاكانت خديجة أدخلتها بها عليه حين بنى بها فلما رآها صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها فافعلوا"، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها، رواه أبو داود وغيره من حديث عائشة، وكذا من على المطلب بن حنطب وقد أسلم كأبي العاصي رضي الله عنهما، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبي عزة الجمحي وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدًا أبدا، فلم يفعل فقتله صلى الله عليه وسلم يوم أحد صبرا، "هذا مذهب الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف مقرر في كتب الفقه، والله أعلم" بالحق. وذكر أبو عبيد أنه صلى الله عليه وسلم لم يفد بعد بدر بمال إنما كان يمن أو يفادي أسيرا بأسير، قال السهيلي: وذلك والله أعلم، لقوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: 67] الآية، يعني الفداء بالمال، وإن كان قد أحل ذلك وطيبه، ولكن ما فعله الرسول بعد ذلك أفضل من المن أو المفاداة بالرجال، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] الآية، كيف قدم المن على الفداء، فلذلك اختاره رسول الله وقدمه، انتهى. ومما يتصل بغزوة بدر هلاك أبي لهب فذكره المصنف كغيره، فقال: "و" روى ابن إسحاق

لما قدم أبو سفيان بن الحارث، سأله أبو لهب عن خبر قريش. فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله -مع ذلك- ما لمت الناس. لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، والله لا يقوم لها شيء. قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ من حديث عكرمة عن أبي رافع، قال: "لما قدم أبو سفيان بن الحارث" بن عبد المطلب أخو المصطفى من رضاع حليمة، لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو سائر إلى غزوة الفتح بالأبواء أو غيرها، فأسلم وشهدها معه وحنينا، وثبت يوم حنين اسمه وكنيته وذكر إبراهيم بن المنذر والزبير بن بكار وجماعة أن اسمه المغيرة، لكن جزم ابن قتيبة وابن عبد البر والسهيلي بأن المغيرة أخوه مات سنة عشرين. "سأله أبو لهب" عبد العزى "عن خبر قريش" فقال: هلم إلي فعندك الخبر، "قال: والله ما هو" شيء فهو مبتدأ وشيء خبره وما بعد إلا بدل منه، لكن لما حذف الخبر أعطى ما بعد إلا حكمه فصار هو الخبر لفظا، وإن كان بدلا في الأصل، وكذا كل ما حذف فيه المستثنى منه وسبق ما يخرجه عن الإيجاب من نفي نحو: وما محمد إلا رسول، أو نهي نحو: لا تقولوا على الله إلا الحق، أو استفهام إنكاري نحو: فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، ولا فرق بين الجملة الاسمية كهذه الأمثلة والفعلية، نحو: ما قام إلا زيد أصله ما قام أحد، حذف الفاعل وأعرب ما بعد إلا بأعرابه. "إلا أن لقينا" بإسكان الياء "القوم" نصب مفعول ويجوز فتح الياء ورفع القوم، قال البرهان: الأول أحسن، لقوله: فمنحناهم أكتافنا" لينتسق الكلام، يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا" بكسر السين "كيف شاءوا، وايم الله" بهمزة وصل أو قطع، أي: قسمي "مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجال بيض" هكذا رواية ابن إسحاق كما في العيون، وأوردها الشامي: رجالا بيضا، "على خيل بلق بين السماء والأرض، والله لا يقوم لها شيء" والمصنف تصرف في الرواية وحذف منها كثيرا؛ لأنه لم يتقيد بها ولفظها هنا: والله لا تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، بضم الفوقية وكسر اللام وسكون التحتية وقاف، أي: ما تبقي، كما قال أبو ذر في الإملاء. "قال أبو رافع:" أسلم أو إبراهيم، أو صالح، أو هرمز، أو ثابت، أو سنان، أو يسار، أو عبد الرحمن، أو قزمان، أو يزيد، فتلك عشرة كاملة أشهرها الأول، كما قال أبو عمر "مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم" أسلم قبل بدر وشهد أحدًا وما بعدها، وفتح مصر وزوجه المصطفى مولاته سلمى فولدت له، ومات بالمدينة في أول خلافة علي، كما قال ابن حبان.

وكان غلاما للعباس بن عبد المطلب قال: وكان الإسلام قد دخلنا فقلت له: والله تلك الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضربني في وجهي ضربة، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربت به في رأس أبي لهب وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده. قال: فوالله ما عاش إلا سبع ليال، حتى رماه الله

_ قال في التقريب: وهو صحيح، وقال الواقدي: مات قبل عثمان أو بعده بيسير. "وكان غلاما" مملوكا "للعباس بن عبد المطلب" فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه لما بشره بإسلام العباس، ومن الموالي النبوية آخر يقال له أبو رافع والد البهي، قيل: اسمه رافع كان عبد السعيد بن العاصي فلما مات أعتق كل بنيه العشرة نصيبه منه إلا خالد بن سعيد، فوهب حصته للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه، فزعم جماعة أنه هو الأول. قال في الإصابة: وهو غلط بين، فالأول كان للعباس، فالصواب أنهما اثنان. "قال: وكان الإسلام قد دخلنا" أهل بيت فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت أنا، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم فكان يكتم إسلامه وكان ذا مال، هذا كله قول أبي رافع عند ابن إسحاق. "فقلت له" وقد سرنا ما جاءنا من الخبر: "والله تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضربني في وجهي ضربة" شديدة، قال: وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني "فقامت أم الفضل" لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية أخت ميمونة أم المؤمنين قديمة الإسلام، حتى قال ابن سعد: إنها أول امراة أسلمت بعد خديجة، لكن رده في الفتح بأنها وإن كانت قديمة الإسلام لكنها لا تذكر في السابقين، فقد سبقتهما سمية أم عمار وأم أيمن، انتهى. وجزم غيره بأن أول من أسلم بعد خديجة فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، كما مر، أنجبت للعباس بنيه الستة النجباء: الفضل، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وقثم، ومعبدا، وأختهم أم حبيب ويقال أم حبيبة بالهاء. ذكر ابن إسحاق في رواية يونس: أنه صلى الله عليه وسلم رآها وهي طفلة تدب بين يديه، فقال: "إن بلغت وأنا حي تزوجتها" فقبض قبل أن تبلغ فتزوجها سفيان بن الأسود المخزومي. "إلى عمود" من عمد الخيمة وكانت جالسة عند أبي رافع بحجرة زمزم "فضربت به في رأس أبي لهب" لفظ الرواية: فضربته به ضربة فلغت في رأسه شجه منكرة، وفلغت بفتح الفاء واللام والغين المعجمة: شدخت، "وقالت: استضعفته أن" بفتح الهمزة، أي: لأن "غاب عنه سيده" وفي نسخة: إذ وهي للتعليل بلا تقدير، "قال" أبو رافع: فقام موليا ذليلا "فوالله ما عاش" صحيحا سليما "إلا سبع ليال" واستمر على ما هو عليه "حتى" إلى أن "رماه الله" ابتلاه

بالعدسة، وهي قرحة كانت العرب تتشاءم بها. وقيل إنها تعدي أشد العدوى، فتباعد عنه بنوه حتى قتله الله، وبقي بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يحاول دفنه. فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه.

_ "بالعدسة" بمهملات مفتوحات آخره تاء تأنيث، "وهي قرحة كان العرب تتشاءم بها، وقيل: إنها" كذا جعله قولا، والذي في تاريخ ابن جرير: كانت العرب تتشاءم بها ويرون أنها "تعدي" بضم أوله "أشد العدوى" أي: تجاوز صاحبها إلى من قاربه، وفي النور: العدسة بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل صاحبها غالبا. وفي حواشي أبي ذر: قرحة قاتلة كالطاعون، فتباعد عنه بنوه "عتبة ومعتب أسلما يوم الفتح وثبتا يوم حنين، وأختهما درة لها صحبة وهي من المهاجرات، وأما عتيبة المصغر فقتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، رواه الحاكم وصححه وكان ذلك في حياة أبي لهب، كما رواه أبو نعيم، فتردد البرهان في أنه هلك زمن أبيه أو بعده تقصير، "حتى قتله الله وبقي بخلاف ثأر بعد موته ثلاثا لا تقرب" بالبناء للمفعول ونائبه "جنازته" بكسر الجيم أفصح من فتحها، وهو من إضافة الأعم إلى الأخص، كشجر أراك، أي: لا يقرب هو فإطلاق الجنازة تجوز من تسمية المطلق باسم المقيد إذ هي الميت في النعش أو النعش وعليه الميت، وكلاهما لا يراد هنا؛ لأنه لم يكن على نعش "ولا يحاول دفنه" لا يفكر فيه ولا يشرع في أسبابه من الحيلة، "فلما خافوا السبة" بضم المهملة وشد الموحدة فتاء تأنيث، أي: العار الذي يلحقهم فيسبون به "في تركه" أي: بسببه، "حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته" وقيل: لم يحفروا له بل دفعوه إلى أن ألصقوه بالحائط، "وقذفوه بالحجار من بعيد حتى واروه" قال اليعمري: ويروى أن عائشة كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها، قال البرهان: الظاهر أن ذلك لنتنه، انتهى. فكأنه كان يظهر من قبره إهانة له أبدا، ويحتمل أن فعلها ذلك لكونه محل عذاب، كما فعل صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر فغطى وجهه بثوبه واستحث راحلته إشارة إلى التباعد عنه، هذا والقبر الذي يرجم خارج باب شبيكة ليس بقبر أبي لهب، كما أفاده البرهان، وإنما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة في الدولة العباسية، فلما أصبح الناس ورأوها كمنوا لهما فأخذا ثم صلبا في هذا الموضع ودفنا واستمرا يرجمان إلى الآن، كما قاله المحب الطبري، وأنه لا أصل لما اشتهر عند المكيين أنه قبر أبي لهب، وقيل: إنه قبر أبي الطاهر القرمطي بكسر القاف والميم، عدو الله الذي قتل الحجيج في المسجد الحرام وطرح القتلى في زمزم واقتلع الحجر الأسود، فابتلي بالجدري فقطع جسده.

وقال ابن عقبة: أقام النوح على قتلى قريش شهرا.

_ "قال ابن عقبة" موسى الإمام الحافظ: "أقام النوح" أي: دام من النائحات "على قتلى قريش شهرا" واستعمال القيام بهذا المعنى مأخوذ من قامت السوق إذا نفقت، على حد ما ذكر البيضاوي في يقيمون الصلاة. وروى ابن إسحاق من مرسل عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدًا وأصحابه فيشتموا بكم، وقد اقتصر المصنف في هذه الغزوة العظيمة على ما ذكر قصدا للاختصار، وإن كان بسطها يحتمل أضعاف ذلك، والله يهدينا إلى الصواب بجاه النبي صلى الله عليه وسلم.

قتل عمير عصماء

"قتل عمير عصماء": ثم سرية عمير بن عدي الخطمي، وكانت لخمس ليال بقين من رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة، إلى عصماء بنت مروان -زوج يزيد بن زيد الخطمي-

_ قتل عمير عصماء: "ثم سرية" إطلاقها على الواحد تجوز لأن فيه خلافا، مر أقله خمسة "عمير بن عدي" بن حرشة الأنصاري، ثم "الخطمي" بفتح المعجمة وسكون الطاء المهملة وميم، نسبة إلى جده خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس الأعمى إمام بني خطمة، وقيل: إنه أول من أسلم منهم، وكان يدعى القارئ صحابي شهير كان صلى الله عليه وسلم يزوره، روى عنه ابن عدي وسماه ابن دريد غشمير بمعجمتين قبل الميم، وقال: إنه فعليل من الغشمرة وهي أخذ الشيء بالغلبة، قال الذهبي: وقيل غشمين بنون آخره. قال في الإصابة: صحفه ابن دريد ثم تكلف توجيهه، وإنما هو عمير لا شك فيه ولا ريب. انتهى. "وكانت لخمس ليال بقين من" شهر "رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة" كذا قاله ابن سعد، وهو منابذ لما مر أن فراغه من بدر كان آخر يوم من رمضان وأول يوم من شوال، نعم هو يأتي على ما مر عن الإمتاع، أنه دخل المدينة ثاني عشر رمضان، وقد ذكره ابن إسحاق بعد قتل أبي عفك وتبعه أبو الربيع، وبعضهم ذكرها بعد قرقرة الكدر، "إلى عصماء" بفتح العين وسكون الصاد المهملتين والمد "بنت مروان" اليهودية "زوج" بلا هاء أفصح من زوجة، أي: امرأة يزيد بن زيد" بن حصن الأنصاري "الخطمي" الصحابي شهد أحدا وهو والد عبد الله الصحابي وجد عدي بن ثابت لأمه، وقول الاستيعاب في ترجمة عمير بن عدي قتل أخته لشتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكانت تعيب الإسلام، وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءها ليلا، وكان أعمى، فدخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه، فحبسها بيده، ونحى الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها، حتى أنقذه من ظهرها. وصلى الصبح معه صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأخبره بذلك، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، أي لا يعارض فيها معارض ولا يسأل عنها فإنها هدر.

_ قال في الإصابة: وهم وخلط قصة بقصة، فإن قاتل أخته عمير بن أمية كما رواه الطبراني وغيره، ولم يقف البرهان على هذا فتوقف في كلام أبي عمر بأنها يهودية وعمير أنصاري، انتهى. ولا يعارض كونها يهودية نسبة من نسبها إلى بني أمية بن زيد وهو في الأنصار لجواز أنها منهم بالحلف، أو لكون زوجها منهم، أو نحو ذلك. "و" سبب ذلك أنها "كانت تعيب الإسلام" بفتح فكسر من عاب يستعمل لازما ومتعديا أو بضم ففتح وشد التحتية من عيبه إذا نسبه العيب أو أحدث فيه عيبا، "وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم" عطف لازم على ملزوم؛ لأن سب الإسلام يلزمه إيذاؤه أو أعم على أخص؛ لأن عيب الإسلام يكون بذكر خلل في الدين وإيذاء المصطفى يكون به وبغيره، وكانت تحرض عليه وتقول الشعر ونافقت لما قتل أبو عفك، وذكر ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم لما كان في بدر قالت في الإسلام وأهله أبياتا، فسمعها عمير بن عدي فنذر إذا رد الله رسوله من بدر سالما ليقتلنها، "فجاءها" لما قدم صلى الله عليه وسلم وسل سيفه ودخل عليها "ليلا، وكان أعمى" وسماه المصطفى البصير "فدخل عليها بيتها وحولها نفر" بفتحتين، والمراد هنا جماعة "من ولدها نيام" لا بقيد كونهم رجالا ولا ذكورا، لقوله: "منهم من ترضعه" إذ الرضيع لا يتبادر من الرجل وإن أطلق عليه على أحد قولين اللمس لا بقيد كونه باليد فيكون تأسيسا، "ونحى" أبعد"الصبي" الذي ترضعه "عنها" مخافة أن يصيبه شيء فيهلك، "ووضع سيفه على صدرها حتى أنقذه" أي: أخرجه "من ظهرها، ثم" رجع فأتى المسجد و"صلى الصبح معه صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأخبره بذلك" لما قال له، كما رواه ابن سعد: "أقتلت ابنة مروان"؟ قال: نعم، فهل علي في ذلك من شيء؟ "فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم "أي: لا يعارض فيها معارض" ليأخذ بثأرها "ولا يسأل عنها" يطلب بدمها "فإنها هدر" وفي النور: أي أن قتلها هين لا يكون فيه طلب ثأر ولا اختلاف، انتهى. وقد تحقق ذلك، فذكر ابن إسحاق وغيره: أن عميرا رجع إلى قومه بعد قتلها فوجد بنيها

قالوا: وهذا من الكلام المفرد الموجز البليغ، الذي لم يسبق إليه عليه الصلاة والسلام، وسيأتي لذلك نظائر إن شاء الله تعالى. وفي أول شوال صلى صلاة الفطر.

_ وهم خمسة رجال في جماعة يدفنوها، فقال: أنا قتلتها فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده، لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم، فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة وكان يستخفي بإسلامه فيهم من أسلم، وأسلم يومئذ رجال لما رأوا من عز الإسلام، ولكن يعارضه ما وقع في مصنف حماد بن سلمة أنها كانت يهودية وكانت تطرح المحايض في مسجد بني خطمة، فأهدر صلى لله عليه وسلم دمها ولم ينتطح فيها عنزان، فإن المسجد صريح في ظهور الإسلام قبل ذلك، إلا أن يقال ظهر كل الظهور. وإن المعنى كان الضعيف الذي لم يقدر على الإسلام يستخفي بإسلامه، وأثنى صلى الله عليه وسلم على عمير بعد قتله عصماء، فأقبل على الناس، وقال: "من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله، فلينظر إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى هذ الأعمى الذي يرى. وفي رواية: بات في طاعة الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "مه يا عمر، فإنه بصير"، وسماه البصير لما رأى من كمال إيمانه وقوة قلبه في الله حتى قتلها وهدد بنيها وقومها مواجها لهم مع عجزه الظاهر، وكونه قاتلها هو المشهور. وفي الروض: أن زوجها قتلها. وفي رواية أنه عليه السلام، قال: "ألا رجل يكفينا هذه"؟ فقال رجل من قومها: أنا، فأتاها وكانت تبيع التمر، قال: أعندك أجود من هذا التمر؟ قالت: نعم، فدخلت البيت وانكبت لتأخذ شيئا فالتف يمينا وشمالا فلم ير أحدا فضرب رأسها حتى قتلها. "قالوا" ليس للتبري بل للإشارة إلى شهرته حتى كأنه إجماع "وهذا من الكلام المفرد الموجز البليغ الذي لم يسبق إليه عليه الصلاة والسلام، وسيأتي لذلك نظائر إن شاء الله تعالى" في المقصد الثالث، وذكر صاحب النور هنا جملة منها: "وفي أول شوال صلى صلاة الفطر" وهذا مع ما مر يعطي أنه صلاها ببدر، وذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى وحملت العنزة بين يديه وغرزت في المصلى وصلى إليها صلاة الفطر، والله أعلم.

غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر

"غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر": وفي أول شوال أيضا -وقيل بعد بدر بسبعة أيام،

_ غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر: "وفي أول شوال أيضا، وقيل: بعد بدر بسبعة أيام" وبه جزم ابن إسحاق ومن تبعه، وتقدم

وقيل في نصف المحرم سنة ثلاث -خرج عليه الصلاة والسلام يريد بني سليم. فبلغ ماء يقال له الكدر، وتعرف بغزوة قرقرة، وهي أرض ملساء. والكدر: طير في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع. فأقام بها عليه الصلاة والسلام ثلاثا، وقيل عشرا، فلم يلق أحدا

_ قوله: فرغ من بدر في آخر رمضان وأول شوال، ويمكن أن لا تنافي بين القولين، "وقيل: في نصف المحرم سنة ثلاث" وبه جزم ابن سعد وابن هشام "خرج عليه الصلاة والسلام" في مائتي رجل "يريد بني سليم" بضم المهملة وفتح اللام، "فبلغ ماء يقال له الكدر" بضم الكاف وسكون المهملة؛ لأنه كما ذكر ابن إسحاق وابن سعد وابن عبد البر وابن حزم: بلغه صلى الله عليه وسلم أن بهذا الموضع جمعا من بني سليم وغطفان، "وتعرف" غزوة بني سليم بالكدر "بغزوة ذي قرقرة" بفتح القافين. وحكى البكري ضمهما، قال الدميري وغيره: والمعروف فتحهما بعد كل قاف راء أولاهما ساكنة، ثم تاء تأنيث. قال ابن سعد: ويقال قرارة الكدر، وفي الصحاح: قراقر، وإن عرف ما حكاه البكري يكون أربعة. "وهي أرض ملساء والكدر" كما قال السهيلي وابن الأثير وغيرهما "طير في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع" الذي هو قرقرة لاستقرار هذه الطيور به، فهما غزوة واحدة، وتبع المصنف على ذلك تلميذه الشامي، فقال: غزوة بني سليم بالكدر، ويقال لها: قرقرة الكدر، وجعلهما اليعمري غزوتين، وجعل شيخه الدمياطي غزوة بني سليم هي غزوة نجران الآتية، ويجي قول المصنف فيها وتسمى غزوة بني سليم. "فأقام بها عليه الصلاة والسلام ثلاثا" قاله ابن إسحاق والجماعة "وقيل: عشرا، فلم يلق أحدًا" من سليم وغطفان الذين خرج يريدهم في المحال، وذكر ابن إسحاق والجماعة أنه أرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي، واستقبلهم صلى الله عليه وسلم في بطن الوادي فوجد رعاة، بالكسر جمع راع فيهم غلام يقال له يسار، بتحتية ومهملة، فسأله عن الناس، فقال: لا علم لي بهم، إنما أرود لخمس وهذا يوم ربعي والناس قد ارتفعوا في المياه، ونحن عزاب في النعم، فانصرف صلى الله عليه وسلم وقد ظفر بالنعم فانحدر بها إلى المدينة واقتسموا غنمائهم بصرار على ثلاثة أميال من المدينة وكانت خمسمائة بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماسه على المسلمين، فأصاب كل رجل منهم بكران، وكانوا مائتي رجل وصار يسار في سهمه صلى الله عليه وسلم فأعتقه لأنه رآه يصلي، أي: لأنه أسلم بعد الأسر وتعلم الصلاة من المسلمين، واستشكل بأنه لما أسلم لم يقم به رق، فلا يكون غنيمة فكيف وقع في سهم؟ وأجيب: بأن إسلامه إنما يعصم دمه ويخير الإمام فيه بين الرق والفداء

وكانت غيبته عليه السلام خمس عشرة ليلة، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل ابن أم مكتوم. وحمل اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق.

_ والمن بلا شيء، فيجوز أنه صلى الله عليه وسلم اختار رقه بعد علمه بإسلامه أو قبله ثم صار في سهمه حين القسمة، فأعتقه لرؤيته يصلي. وخمس بكسر المعجمة: من أظماء الإبل أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع، وقد أخمس الرجل، أي: وردت إبله خمسا. ومياه بالهاء، وغلط فيه بعض المدرسين فقاله بالتاء. وصرار بكسر المهملة وراء مهملة مخففة فألف فراء ثانية، كما قيده الدارقطني وغيره للحموي والمستملي بضاد معجمة وهو وهم، كما في المطالع: موضع قريب من المدينة. وقيل: بئر قديمة على ثلاثة أميال منها من طريق العراق. "وكانت غيبته عليه السلام" كما قال ابن إسحاق والجماعة: "خمس عشرة ليلة" قال ابن إسحاق وغيره: وأقام بالمدينة شوالا وذا القعدة وأفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش "واستخلف على المدينة سباع" بمهملة مكسورة فموحدة فألف فمهملة "ابن عرفطة" بمهملة مضمومة فراء ساكنة ففاء مضمومة فطاء مهملة، الغفاري ويقال له الكناني، الصحابي الشهير، واستعمله عليها أيضا عام خيبر، فجاء أبو هريرة وصلى خلفه الصبح، "وقيل" وبه جزم ابن سعد وابن هشام: استخلف عليها "ابن أم مكتوم" عمرا على الأكثر، وقيل: عبد الله بن قيس بن زائدة القرشي العامري، والصحيح الأول. ففي مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم سماه عمرا في حديث فاطمة بنت قيس وأم مكتوم لم تسلم، واسمها عاتكة بنت عبد الله، وجمع بينهما بأنه استخلف سباعا للحكم، وابن مكتوم للصلاة على عادته في استخلافه للصلاة. "وحمل اللواء" وكان أبيض، كما عند الجماعة "علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق" ضرورة جزمه بأنها في المحرم سنة ثلاث، وأن غزوة السويق في ذي الحجة، وكأنه وجه جعل اليعمري لهما غزوتين؛ لأن الكدر بعد بدر وقرقرة بعد السويق، فترجم هنا غزوة بني سليم، وذكر فيها ما حاصله: أنه بلغ ماء يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاثا، ثم رجع ولم يلق كيدا، ثم بعد السويق ترجم غزوة قرقرة الكدر، وساق فيها القصة بتمامها من طريق ابن سعد، فعليه يكون غزا بني سليم مرتين، مرة وصل فيها لذلك الماء فلم يجد شيئا من النعم، ومرة وصل فيها تلك الأرض ووجد فيها النعم، والله أعلم.

قتل أبي عفك اليهودي

"قتل أبي عفك اليهودي": ثم سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي -وكان شيخا كبيرا، قد بلغ عشرين ومائة سنة-وكان يحرض على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول فيه الشعر، فأقبل إليه سالم ووضع سيفه على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله أبو عفك، فثار إليه أناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله فقتل.

_ قتل أبي عفك اليهودي: "ثم" في شؤال أيضا "سرية سالم بن عمير" ويقال ابن عمرو، وقال ابن عقبة: سالم بن عبد الله بن ثابت الأنصاري الأوسي أحد بني عمرو بن عوف، العقبي شهد بدرا والمشاهد، أحد البكائين، مات في آخر خلافة معاوية رضي الله عنهما. "إلى أبي عفك" بفتح المهملة والفاء الخفيفة وكاف، يقال: رجل أعفك بين العفك، أي: أحمق، "اليهودي" من بني عمرو بن عوف "وكان شيخا كبيرا قد بلغ" من السن "عشرين ومائة سنة، وكان يحرض" يحث ويحمل الناس "على" قتال "النبي صلى الله عليه وسلم ويقول فيه الشعر" يهجوه به، فقال صلى الله عليه وسلم كما عند ابن سعد وغيره: "من لي بهذا الخبيث"؟ فقال سالم: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة، بكسر المعجمة وشد الراء المفتوحة: غفلة، حتى كانت ليلة صائفة، أي: حارة نام أبو عفك بفناء منزله وعلم سالم به، "فأقبل إليه سالم ووضع سيفه على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش" دخل "في الفراش فصاح عدو الله أبو عفك فثار" بمثلثة وراء، كذا في النسخ. والذي في العيون والسبل عن ابن سعد: فثاب بمثلثة وموحدة، أي: اجتمع وهو أولى؛ لأن ثاب لغة اجتمع ورجع فأطلق على أحد استعماليه فإنه لازم لمعنى ثاب لا مدلوله، "إليه أناس ممن هم على قوله" في موافقته على الكفر والتحريض "فأدخلوه منزله فقتل" أي: مات، ولفظ ابن سعد: فأدخلوه منزله وقبروه، وعند غير ابن سعد: فقالت أمامة المريدية في ذلك: تكذب دين الله والمرء أحمدا ... لعمر والذي أمناك أن بئس ما يمنى حباك حنيف آخر الليل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السن أمامة بضم أوله، ويقال: أسامة المريدية بضم الميم وكسر الراء، كما في التبصير كأصله الذهبي. وقال في الألقاب: بفتحها فتحتية ساكنة فدال مهملة فتحتية مشددة نسبة إلى مريد بطن من بلى صحابية رضي الله عنهما، ولعمر والذي أمناك، أي: وحياة الذي أنشأك. وحباك بموحدة: أعطاك وحنيف: مسلم.

وكانت هذه السرية في شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة.

_ "وكانت هذه السرية" فيه تجوز، كما مر، "في شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة" قاله ابن سعد. قال اليعمري: وكان أبو عفك ممن نجم، أي: ظهر نفاقه حين قتل صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بن الصامت، وتوقف فيه البرهان بأنه قتل بعد أحد، كما قال ابن إسحاق: قال: إلا أن هذا ليس عن ابن إسحاق، انتهى والله أعلم.

غزوة بني قينقاع

غزوة بني قينقاع: ثم غزوة بني قينقاع -بتثليث النون، والضم أشهر- بطن من يهود المدينة، لهم شجاعة وصبر. وكانت يوم السبت نصف شوال، على رأس عشرين شهرا من الهجرة. وقد كانت الكفار بعد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم صلى الله عليه وسلم على أن لا يحاربوه ولا يؤلبوا عليه عدوه وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وبنو قينقاع. وقسم حاربوه ونصبوا له العدواة كقريش.

_ "ثم غزوة بني قينقاع": بفتح القافين وسكون التحتية و"بتثليث النون" كما حكاه ابن قرقول وغيره، "والضم أشهر" كما أفاده الحافظ وغيره "بطن من يهود المدينة" قال في الوفاء: منازلهم عند جسر بطحان مما يلي العالية، وفي الصحيح عن ابن عمر: وهم رهط عبد الله بن سلام، "لهم شجاعة وصبر" هو لازم للشجاعة، قيل: كانوا أشجع اليهود وأكثرهم مالا وأشدهم بغيا، "وكانت" كما قال ابن سعد: "يوم السبت نصف شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة" النبوية "وقد كانت الكفار،" كما أفاده الحافظ في غزوة بني النضير "بعد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام، قسم وادعهم" صالحهم "عليه الصلاة والسلام على أن لا يحاربوه ولا يؤلبوا" يحرضوا "عليه" على قتاله "عدوه"، وقيل: على أن لا يكونوا معه ولا عليه، وقيل: على أن ينصروه ممن دهمه من عدوه، "وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة" بالظاء المعجمة المشالة، "والنضير، وبنو قينقاع،" فنقض الثلاثة العهد، فمكن الله رسوله منهم فقتل قريظة وأجلى الأخيرين. "وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، كقريش" فنصره الله عليهم، فقتل سبعين وأسر سبعين ببدر، وقتل في أُحد اثنين وعشرين منهم أهل اللواء بنو عبد الدار وأبي بن خلف، وفي الخندق

وقسم تركوه، وانتظروا ما يؤول إليه أمره، كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة. وبالعكس كبني بكر. ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا، وهم المنافقون. وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم عليه الصلاة والسلام في شوال بعد وقعة بدر. قال الواقدي بشهر. وأغرب الحاكم، فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني

_ عمرو بن عبدود، وغيره، حتى فتح مكة فصار أعظمهم عليه أحوجهم إليه، ثم في حجة الوداع لم يبق قرشي إلا أسلم وصاروا كلهم أتباعه، ولله الحمد. "وقسم تركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره" فإن آل إلى النصر والظفر بقريش تبعوه وإلا تبعوهم، "كطوائف من العرب" إلا أن هذا القسم ليسوا سواء بل "منهم من كان يحب ظهوره في الباطن، كخزاعة" ولذا دخلوا في عقده وعهده عام الهدنة ولما استنصروه صلى الله عليه وسلم حين غارت عليهم بنو بكر، قال: "لا نصر إن لم أنصركم"، "وبالعكس، كبني بكر" ولذا دخلوا في عهد قريش وعقدهم سنة الحديبية، "ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا، وهم المنافقون" فكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، "وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع" ثم النضير، ثم قريظة، "فحاربهم عليه الصلاة والسلام في شوال" أي: نصفه على ما مر "بعد وقعة بدر" وهذا كله لفظ الحافظ في الفتح في أول غزوة بني النضير، ثم قال فيه بعد قليل: "قال الواقدي: "أجلاهم في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر "بشهر" ويؤيده ما روى ابن إسحاق بسند حسن عن ابن عباس، قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق قينقاع، فقال: "يا معشر يهود! أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا"، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قتلناك لعرفت إنا الرجال، فأنزل الله عالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} [آل عمران: 12] إلى قوله {لِأُولِي الْأَبْصَار} [آل عمران: 13] الآية، انتهى لفظ الفتح. فأفاد أن المحاربة بعد بدر بنصف شهر، والإجلاء بعد بدر بشهر، وهو ظاهر؛ لأنه حاصرهم نصف شهر. وأما عبارة المصنف ففيها قلاقة، لجزمه بأنها نصف شوال وأن الفراغ من بدر أوله فينا في نقله هنا عن الواقدي أن الحرب بعد بدر بشهر، وأيضا فالواقدي لم يقل ذلك، إنما قال: أجلاهم في شوال سنة اثنتين. فقال الحافظ: يعني بدر بعد شهر، فاختلط على المصنف رحمه الله الحرب بالإجلاء. "وأغرب الحاكم" جاء بقول غريب لا يعرف، زعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني

النضير كانا في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر، على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق. وكان من أمر بني قينقاع، أن امرأة من العرب جلست إلى صائغ يهودي، فراودها على كشف وجهها، فأبت فعمد إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، ووقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع. فسار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن استخلف أبا لبابة

_ النضير كانا في زمن واحد" حيث قال: هذه وغزوة بني النضير واحدة، وربما اشتبها على من لا يتأمل، "ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة" بن الزبير وعمل عليه البخاري، "أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق" أنها بعد أحد، ونصره ابن كثير بأن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير. وفي الصحيح: أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا، فدل على أنها كانت حلال حينئذ، وإنما حرمت بعد ذلك، ويأتي مزيد لذلك في غزوتها، إن شاء الله. "وكان" كما رواه ابن هشام "من أمر بني قينقاع أن امرأة" قال البرهان: لا أعرف اسمها، "من العرب" وفي الإمتاع أنها كانت زوجة لبعض الأنصار، أي: من العرب فلا ينافي أن الأنصار بالمدينة. وفي الرواية: أنها قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، "وجلست إلى صائغ يهودي" لا أعرف اسمه، والظاهر أنه من قينقاع، قاله البرهان. "فراودها على كشف وجهها" أراد منها ذلك، ولفظ الرواية عند ابن هشام: فجعلوا يريدونها على كشف وجهها "فأبت فعمد" بفتح الميم وتكسر: الصائغ "إلى طرف" بفتح الراء "ثوبها" من ورائها "فعقده" ضمه "إلى ظهرها" وخله بشوكة "فلما قامت انكشفت سوأتها" هو لفظ رواية ابن هشام، أي: عورتها "فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه" فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون "ووقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع" وذكر ابن سعد أنهم لما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد ونبذوا العهد والمدة، فأنزل الله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنا أخاف من بني قينقاع"!! "فسار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن استخلف" على المدينة "أبا لبابة"

ابن عبد المنذر. فحاصرهم أشد الحصار، خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن له أموالهم، وأن لهم النساء والذرية. فأمر عليه الصلاة والسلام المنذر بن قدامة بتكتيفهم. وكلم عبد الله بن أبي سلول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وألح عليه من أجلهم.

_ بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة، أو رفاعة، ووهم من سماه مروان "ابن عبد المنذر" الأنصاري الأوسي المدني أحد النقباء عاش إلى خلافة علي، فحاربوا وتحصنوا في حصنهم "فحاصرهم أشد الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة،" بفتح القاف وكسرها "وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب وكان أبيض،" قال ابن سعد: ولم تكن الرايات يومئذ، "فقذف الله في قلوبهم الرعب" الخوف "فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن له أموالهم وأن لهم النساء والذرية، فأمر عليه الصلاة والسلام المنذر بن قدامة" السلمي الأوسي البدري "بتكتيفهم" مصدر كتفه بالتشديد للمبالغة، والأصل التخفيف، أي: بشد أيديهم خلف أكتافهم موثقا بحبل ونحوه، قال ابن هشام: فكتفوا وهو يريد قتلهم فمر بهم ابن أُبي فأراد أن يطلقهم، فقال له المنذر: أتطلق أقواما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بربطهم، والله لا يفعله أحد إلا ضربت عنقه. "وكلم عبد الله بن أبي بن سلول" رأس المنافقين "رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم" لما أراد قتلهم وهذا مشكل؛ إذ مقتضى نزولهم على أن لهم النساء والذرية أنهم نزلوا بأمان، ولا يتصور من المصطفى غدر إلا أن يقال نزولهم على حكمه لا يقتضي موافقته لهم، كما نزل بنو قريظة على حكم سعد، فحكم فيهم بحكم الله. "وألح عليه من أجلهم" فقال، كما ذكر ان هشام وابن سعد وغيرهما: يا محمد! أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج فأبطأ عليه صلى الله عليه وسلم،، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفه وكان يقال لها ذات الفضول، فقال صلى الله عليه وسلم: "ويحك أرسلني" وغضب عليه السلام حتى رأوا وجهه ظلالا جمع ظلة وهي السحابة استعيرت لتغير وجهه الكريم لما اشتد غضبه، ويروى ظلالا جمع ظلة أيضا كبرمة وبرام ومهما بمعنى، كما في الروض، ثم قال: "ويحك أرسلني"، قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر بمهملتين، أي: لا درع معه وثلاثمائة دراع وقد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر،

فأمر عليه الصلاة والسلام أن يحلوا من المدينة، وتركهم من القتل، وأمر أن يجلوا من المدينة، فلحقوا بأذرعات. فما كان أقل بقاءهم فيها. وأخذ من حصنهم سلاحا وآلة كثيرة. وكانت بنو قينقاع حلفاء لعبد الله بن أبي، وعبادة بن الصامت، فتبرأ عبادة من حلفهم، فقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله أنزل. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إلى قوله: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الَْالِبُون} [المائدة: 56] .

_ فقال صلى الله عليه وسلم: "وهم لك"، "فأمر عليه الصلاة والسلام أن يحلوا" من كتافهم، فقال: "حلوهم لعنهم الله ولعنه معهم"، "وتركهم من القتل، وأمر أن يجلوا" بالجيم مبني للمفعول، أي: يخرجوا "من المدينة" قال ابن سعد: وولى إخراجهم عبادة بن الصامت، وقيل: محمد بن مسلمة ولا مانع أنهما اشتركا في إخراجهم، "فلحقوا بأذرعات" بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الراء فمهملة وبالصرف: بلدة الشام "فما كان" زائدة "أقل بقاءهم فيها" قيل: لم يدر عليهم الحول "وأخذ من حصنهم سلاحا وآلة كثيرة" وكان الذي ولي قبض أموالهم محمد بن مسلمة، قاله ابن سعد، فأخذ صلى الله عليه وسلم خمسة وفض أربعة أخماسه على أصحابه، فكان أول ما خمس بعد بدر، ووقع عند ابن سعد: أخذ صفية الخمس، وتوقف فيه اليعمري بأن المعروف الصفي غير الخمس، فعند أبي داود عن الشعبي: كان له صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي قبل الخمس. وعن عائشة: كانت صفية من الصفي، قال: فلا أدري أسقطت الواو أو كان هذا قبل حكم الصفي، انتهى. "و" أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبادة بن الصامت، قال: "كانت بنو قينقاع حلفاء لعبد الله بن أبي وعبادة بن الصامت فتبرأ عبادة رضي الله عنه من حلفهم" بكسر المهملة وإسكان اللام، حين قال صلى الله عليه وسلم لما رأى من فعلهم القبيح: "ما على هذا أقررناهم"، "فقال: يا رسول الله أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف" جميع "الكفار وولايتهم" أو هو تأكيد لما قبله من إقامة الظاهر مقام المضمر، وفائدته التشنيع عليهم بالكفر، "ففيه وفي عبد الله" بن أبي "أنزل" الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] الآية، فلا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] ، إيماء إلى علة النهي، أي: فإنهم متفقون على خلافكم يولي بعضهم بعض لاتحادهم في الدين واجتماعهم على مضادتكم من يتولهم منكم فإنه منهم، تشديد في وجوب مجانبتهم "إلى قوله: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون} " [المائدة: 56] الآية، أي: فإنهم هم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه، وكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فهو حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتنويها بذكرهم وتعظيما لشأنهم وتشريفا لهم بهذا الاسم، وتعريضا بمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان، وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم، قاله البيضاوي.

غزوة السويق

غزوة السويق: ثم غزوة السويق في ذي الحجة، يوم الأحد لخمس خلون منها، على رأس اثنين وعشرين شهرا، من الهجرة، وقال ابن إسحاق في صفر. وسميت: غزوة السويق؛ لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه المسلمون. واستخلف أبا لبابة على المدينة. وكان سبب هذه الغزوة أن أبا سفيان حين رجع بالعير من بدر إلى مكة نذر

_ ثم غزو السويق: هو قمح أو شعير يقلى ثم يطحن فيتزود به ملتوتا بماء أو سمن أو عسل أو وحده بالسين، قال ابن دريد: وبنو العنبر يقولونه بالصاد، وفي الجمهرة بنو تميم، ولا خلف فالعنبر هو عمرو بن تميم، وكانت "في ذي الحجة" بفتح الحاء وكسرها "يوم الأحد لخمس" من الليالي "خلون منها على رأس اثنين وعشرين شهرا من الهجرة" قاله ابن سعد، "وقال ابن إسحاق: في صفر" بمنع الصرف؛ لأنه أريد من سنة بعينها ففيه العلمية والعدل عن الصفر، وانتقد صاحب الخميس المصنف بأن الذي في ابن هشام عن البكائي عن ابن إسحاق أن رخوجه إنما كان في ذي الحجة، وهو كما قال، وكذا نقل عن اليعمري وغيره، يحمل أنها رواية غير البكائي؛ لأن رواة سيرة ابن إسحاق جماعة، وفيها اختلاف بالزيادة والنقص، وقد ذكر بعض أهل السير أن هذه الغزوة في سنة ثلاث، فيصح كونها في صفر. "وسميت غزوة السويق لأنه كان أكثر زاد المشركين" فكانوا يلقونه للتخفيف "وغنمه" بفتح الغين وكسر النون "المسلمون" أي: استفادوه وأخذوه بلا عوض، لكن فيه مجاز إذ الغنيمة، كما قال أبو عبيدة: ما نيل من أهل الشرك والحرب قائمة، والفيء ما نيل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها. "واستخلف أبا لبابة" بشير أو رفاعة أو مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بفتح الزاي والموحدة بينهما نون ساكنة آخره راء، "على المدينة، وكان سبب هذه الغزوة" كما عند ابن إسحاق وغيره: "أن أبا سفيان" صخر بن حرب "حين رجع بالعير من بدر إلى مكة" ورجع فل قريش من بدر بفتح الفاء وشد اللام، أي: منهزموهم "نذر" أن لا يمس رأسه ماء من جنابة، هكذا الرواية عن ابن إسحاق قال مغلطاي: كنى بحلفه عن أن لا يمس النساء والطيب، فاقتصر

أن لا يمس النساء والدهن حتى يغزو محمدا -عليه الصلاة والسلام- فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه، حتى أتوا العريض -ناحية من المدينة على ثلاثة أميال-

_ المصنف على تفسير الرواية، فقال: "أن لا يمس النساء والدهن" لأنه لم يتقيد بها أو هي رواية أخرى وردت باللفظ أو بالمعنى، "حتى يغزو محمدًا عليه الصلاة والسلام" ليأخذ بثأر المشركين الذين قتلوا ببدر. واستدل به السهيلي على أن غسل الجنابة كان في الجاهلية لبقية من دين إبراهيم وإسماعيل كالحج والنكاح، ولذا سموها جنابة لمجانبتهم البيت الحرام وموضع حرماتهم، أطلق في {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] بخلاف الوضوء فلم يعرف قبل الإسلام، فبين بقوله: اغسلوا وجوهكم ... إلخ، "فخرج في مائتي راكب" وقيل: أربعين "من قريش ليبر" بضم التحتية النجدية حتى نزل صدر قناة إلى جبل يقال له نيب على بريد من المدينة أو نحوه، ثم خرج حتى أتى بني النضير تحت الليل، فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف إلى سلام بن مشكم وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له وقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حى أتى أصحابه فبعث رجالا من قريش، فساروا "حتى أتوا العريض" بضم المهملة وفتح الراء وإسكان التحتية وضاد معجمة: "ناحية من المدينة على ثلاثة أميال" وفي النور: إنه واد بالمدينة به أموال لأهلها، انتهى. ففي سياق ابن إسحاق هذا الذي ذكرته أن أبا سفيان لم يأت العريض معهم خلاف ما يفيده المصنف، وقناة بفتح القاف وخفة النون: واد بالمدينة. ونيب بنون فتحتية فموحدة، قال البرهان: كذا في نسختي، أي: في العيون أصولها ولم أره فلعله تصحيف يتيب بفتح التحتية وكسر الفوقية وسكون التحتية فموحدة بوزن يغيب: جبل بالمدينة، ذكره القاموس، أو هو تيت بفوقيتين أولاهما مفتوحة بينهما تحتية ساكنة أو مشددة كميت جبل قرب المدينة، ذكره في الذيل والقاموس، انتهى ملخصا. والذي يظهر أن ذا الأخير هو المراد لقوله على بريد أو نحوه من المدينة، أو لأن الرسم لا يخالفه يتيب الذي بزنة يغيب، وحيي بمهملة مصغر، وأخطب بخاء معجمة، وسلام بالتشديد ويخفف، ومشكم بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الكاف، وقراه: أضافه وسقاه، أي: الخمر، كما قال أبو سفيان:

فحرقوا نخلا وقتلوا رجلا من الأنصار. فرأى أبو سفيان أن قد انحلت يمينه، فانصرف بقومه راجعين. وخرج عليه الصلاة والسلام في طلبهم، في مائتين من المهاجرين والأنصار، وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق -وهي عامة أزوادهم- يتخففون للهرب، فأخذا المسلمون، ولم يلحقهم عليه الصلاة والسلام، فرجع إلى المدينة. وكانت غيبته خمسة أيام.

_ سقاني فرواني كميتا مدامة ... على ظمأ مني سلام بن مشكم "فحرقوا" بخفة الراء وشدها مبالغة "نخلا" صغارا، كما دل عليه قوله في الرواية: فحرقوا في أصوار من نخل، بفتح الهمزة الصاد المهملة وراء: نخل مجتمع صغار، كما في الصحاح. "وقتلوا رجلا من الأنصار" زاد في رواية: وحليفا لهم، قال البرهان: ولا أعرفهما وفيه تقصير فقد ذكر الواقدي أن الأنصاري معبد بن عمرو "فرأى أبو سفيان أن قد انحلت يمينه" بقتل الرجلين وحرق الأصور، "فانصرف بقومه راجعين" إلى مكة ونذر الناس، بفتح النون وكسر الذال المعجمة: علموا بهم "وخرج عليه الصلاة والسلام في طلبهم في مائتين من المهاجرين والأنصار" وعند مغلطاي: في ثمانين راكبا، وجمع البرهان بأن الركبان ثمانون وكل الجيش مائتان، "وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق" بضمتين جمع جراب، ككتاب وكتب، ولا يفتح مفرده أو هو لغية، فيما حكاه حياض وغيره، كما في القاموس، ويجمع أيضا على أجربه. "وهي عامة أزوادهم" أي: أكثرها أو جميعها من عمه بالعطاء إذا شمله، "يتخففون للهرب" خوفا ممن نصر بالرعب "فيأخذها المسلمون" ولذا سميت غزوة السويق، كما مر "ولم يلحقهم عليه الصلاة والسلام، فرجع إلى المدينة وكان غيبته خمسة أيام" بيومي الخروج والرجوع فدخوله يوم التاسع بدليل صلاة العيد وأن خروجه لخمس خلون من الحجة، أو دخل ليلا أو أول يوم العيد، وأدركه قبل الزوال، وعند ابن إسحاق: وقال المسلمون حين رجعوا: يا رسول الله!! أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: "نعم"، وأورد ابن هشام وتبعه أبو الربيع في الاكتفاء: هذه الغزوة قبل بني قينقاع، وعند بعض أهل العلم والسير أنها في سنة ثلاث.

ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة

"ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة": وفي ذي الحجة صلى الله عليه وسلم العيد وأمر بالأضحية. وفيه مات عثمان بن مظعون. وفي أول شوال ولد عبد الله بن الزبير. تم بعون الله الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أوله ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله تعالى عنهما.

_ ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة: "وفي ذي الحجة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد" بالمصلى وضحى بكبشين، "وأمر" الناس "بالأضحية" وهو أول عيد أضحى رآه المسلمون، "وفيه مات عثمان بن مظعون" بالظاء المعجمة ابن حبيب القرشي الجمحي البدري، وقبله النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وعيناه تذرفان ودفنه بالبقيع، وهو أول ميت من المهاجرين وأول من دفن به منهم، ولما مات ولده إبراهيم، قال: "الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون". وقد علم أن غرض المصنف بيان بعض وقائع السنة الثانية وإن لم تتعلق بالمغازي، ولذا قال: "وفي أول شوال" سنة اثنتين بعد عشرين شهرا، فيما جزم به الواقدي وتبعه جمع، منهم: ابن الأثير والذهبي. "ولد عبد الله بن الزبير" قال الحافظ: والمعتمد أنه ولد في السنة الأولى؛ لأن هجرة أمه أسماء وعائشة وآل الصديق كانت بعد استقراره صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فالمسافة قريبة جدا لا تحتمل تأخر عشرين شهرا، بل ولا عشرة أشهر، وقد ثبت في الصحيحين عن أسماء أنها هاجرت وهي حبلى به متم فولدته بقباء، ثم أتت به النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنكه بتمرة ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام. وزاد الإسماعيلي: ففرح المسلمون فرحا شديدا؛ لأن اليهود كانوا يقولون: قد سحرناهم حتى لا يولد لهم. وللإسماعيلي أيضا: أنها لم ترضعه حتى أتت به النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. وزاد: ثم صلى عليه، أي: دعا له، ثم سماه عبد الله، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة، وولد لهم بالحبشة عبد الله بن جعفر، وأول مولود للأنصار بعد الهجرة مسلمة بن مخلد، رواه ابن أبي شيبة. وقيل: النعمان بن بشير، انتهى ملخصا.

ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما

"ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما": وفي هذه السنة تزوج علي رضي الله عنه، بفاطمة رضي الله عنها كما قاله الحافظ مغلطاي وغيره. وقال الطبري في كتابه "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى": تزوجها في صفر في السنة الثانية، وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من التاريخ. وقال أبو عمر بعد وقعة أحد، وقال غيره: بعد بنائه صلى الله عليه وسلم بعائشة

_ ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما: "وفي هذه السنة" الثانية من الهجرة، "تزوج علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها" الزهراء البتول، أفضل نساء الدنيا، حتى مريم، كما اختاره المقريزي والزركشي والقطب الخيضري والسيوطي في كتابيه، شرح النقاية وشرح جمع الجوامع، بالأدلة الواضحة التي منها أن هذه الأمة أفضل من غيرها. والصحيح أن مريم ليست نبية، بل حكي الإجماع على أنه لم تنبأ امرأة، وقد قال صلى الله عليه ولسلم: "مريم خبير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها"، رواه الحارث في مسنده والترمذي، بنحوه. وقال صلى الله عليه وسلم: "يا بنية، ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين"؟، قالت: يا أبت، فأين مريم؟ قال: "تلك سيدة نساء عالمها"، رواه ابن عبد البر، وبسط ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني. وقد أخرج الطبراني بإسناد على شرط الشيخين. قالت عائشة: ما رأيت أحدا قط أفضل من فاطمة غير أبيها. "قاله الحافظ مغلطاي وغيره" وفيه إجمال بينه بقوله: "وقال الطبري" أحمد بن عبد الله الحافظ محب الدين المكي، "في كتابه ذخائر العقبى" بالمعجمة، جمع ذخيرة، "في مناقب ذوي القربى" للنبي صلى الله عليه وسلم: "تزوجها" أي: عقد عليها "في صفر". وفي الإصابة: في أوائل المحرم، "في السنة الثانية" وفي الخميس عقد عليها في رجب، على الأصح، وقيل: في رمضان. "وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من التاريخ" للهجرة. "وقال أبو عمر" ابن عبد البر "بعد وقعة أحد": ووقعتها في شوال سنة ثلاث، اتفاقا ورده في الإصابة، بأن حمزة استشهد بأحد. وقد ثبت في الصحيحين قصة الشارفين لما ذبحهما حمزة، وكان علي أراد أن يبني بفاطمة، انتهى. "وقال غيره": عقد عليها "بعد بنائه صلى الله عليه وسلم بعائشة"، الواقع في شوال سنة اثنين أو بعد سبعة

بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف. وتزوجها وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر -أو ستة أشهر ونصف- وسنة يومئذ إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر. ولم يتزوج عليها حتى ماتت. وعن أنس قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسكت ولم يرجع إليهما شيئا

_ أشهر من الهجرة، وقولان ذكرهما المصنف في الزوجات "بأربعة أشهر ونصف" فيكون العقد في نصف صفر سنة اثنين، أن حسب شهر بنائه بعائشة من المدة، "وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف" فيكون في شوال، فيوافق قول أبي عمر أنه بعد أحد، فهذا القول كما ترى غير قائل بأن البناء في الحجة، حتى يقال عليه العقد في أوائل جمادى الأولى كما وهم. "وتزوجها وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، أو ستة أشهر ونصف" شهر، والقولان مبنيان على نقل أبي عمر عن عبيد الله بن محمد بن جعفر الهاشمي، أنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد أبيها صلى الله عليه وسلم. أما على ما رواه الواقدي عن العباس، وجزم به المدائني وابن الجوزي، أنها ولدت قبل النبوة بخمس سنين، فتكون ابنة تسع عشر سنة وشهر ونصف "وسنة"، أي: "يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر"، بناء على قول عروة الذي ضعفه أبو عمر، أنه أسلم وهو ابن ثمان سنين، أما على قول ابن إسحاق وهو الراجح، كما مر أنه أسلم وهو ابن عشر سنين، فيكون سنة يوم التزويج، أربعة وعشرين سنة وشهرا ونصف شهر. ويقع في كثير من النسخ إحدى وعشرين بالجر، فقوله: وسنه اسم كان مقدرة وهو أظهر من تقدير نحو إحدى وعشرين؛ لأن العبارة تصير محتملة للزيد والنقص، "ولم يتزوج عليها". ولما خطب ابنة أبي جهل، واسمها جويرية، في أشهر الأقوال قام صلى الله عليه وسلم على المنبر وقال: "لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن"، وقال: "والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا، فترك علي الخطبة"، رواه الشيخان وغيرهما. قال أبو داود: حرم الله على علي أن ينكح على فاطمة حياتها لقوله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، [الحشر: 7] ، وألحق بعضهم أخواتها بها، ويحتمل اختصاصها ويأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في الخصائص، واستمر ذلك "حتى ماتت" فتزوج بعدها أمامة بنت أختها زينب بوصية من فاطمة بذلك، قاله الحافظ وغيره. "وعن أنس قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة" كل لنفسه "إلى النبي" غاية لجاء "صلى الله عليه وسلم، فسكت ولم يرجع إليهما شيئا" أي: لم يرد عليهما جوابا بشيء.

فانطلقا إلى علي رضي الله عنه يأمرانه بطلب ذلك. قال علي: فنبهاني لأمر، فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: تزوجني فاطمة؟ قال: "وعندك شيء"؟ فقلت: فرسي وبدني، قال: "أما فرسك فلا بد لك منها وأما بدنك فبعها"، فبعتها بأربعمائة وثمانين، فجئته بها، فوضعتها في حجره، فقبض منها قبضة فقال: "أي بلال: ابتع بها لنا طيبا"

_ وفي رواية أبي داود: أن أبا بكر خطبها فأعرض عنه، ثم عرم فأعرض عنه، ويروى أنه قال لكل منهما: أنتظر بها القضاء وأنها بكت لما خطباها، فلم يرد عليهما بشيء. "فانطلقا إلى علي رضي الله عنه يأمرانه بطلب ذلك" لرؤيتهما أنه أصلح لها من غيره، لقربه وخلوه من النساء، أو بطلب ذلك لهما على عادة الاستشفاع بالأقارب، وفيه بعد. "قال علي: فنبهاني لأمر" بنون وموحدة ثقيلة، أوقفاني على أمر كنت عنه غافلا، وهو خطبتها، فتنبهت "فقمت أجر ردائي" فرحا بما تنبهت له وهو خطبة خير النساء، "حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: تزوجني"، بحذف الهمزة المقدرة، أي: أتزوجني "فاطمة؟ قال:" "وعندك" فهو على تقدير همزة الاستفهام أيضا، "شيء" تصدقها به؟ "، "فقلت: فرسي وبدني" بفتح الباء والدال، درعي. وروى ابن إسحاق في السيرة الكبرى، عن علي، أنه صلى الله عليه وسلم قال: "هل عندك شيء"؟ " قلت: لا، قال: "فما فعلت الدرع التي سلحتكها"، يعني من مغانم بدر، وروى أحمد عن علي، أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فقلت: والله ما لي من شيء، ثم ذكرت صلته وعائدته، فخطبتها إليه، فقال: "وهل عندك شيء"؟، قلت: لا، قال: "فأين درعك الحطيمة التي أعطيتك يوم كذا وكذا"؟ قلت: هي عندي، قال: "فأعطها إياها" وله شاهد عند أبي داود عن ابن عباس، ولا منافاة؛ لأنه فهم أولا أن مراده النقد، فنفاه، فلما سأله عن درعة علم أنه لا يريد خصوص النقد، فقال: فرسي وبدني، وفي النهاية: الحطيمة التي تحطم السيوف، أي: تكسرها، أو العريضة الثقيلة، أو نسبة إلى بطن من عبد القيس يقال لهم حطمة، كهمزة ابن محارب كانوا يعملون الدروع، وهذا أشبه الأقوال، انتهى. "قال: "أما فرسك فلا بد لك منها" للحروب، "وأما بدنك فبعها"، أي: الدرع وهي مؤنثة وتذكر، "فبعتها" عن عثمان بن عفان "بأربعمائة وثمانين" درهما، ثم إن عثمان رد الدرع إلى علي فجاء بالدرع والدراهم إلى المصطفى، فدعا لعثمان بدعوات، كما في رواية "فجئته بها، فوضعتها في حجره فقبض منها قبضة،" مفعول به بضم القاف أكثر من فتحها، ما قبضت عليه من شيء، كما في القاموس والصحاح، والمعنى أخذ بيده دراهم قبض عليها، "فقال -أي بلال-" بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء: "ابتع" اشتر "بها لنا طيبا".

وأمرهم أن يجهزوها، فجعل لها سرير مشروط، ووسادة من أدم حشوها ليف. وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك. فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أههنا أخي"، قالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك؟ قال: "نعم". ودخل صلى الله عليه وسلم فقال لفاطمة: "ائتني بماء"، فقامت إلى قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه ثم

_ وفي رواية ابن أبي خيثمة، عن علي أمر صلى الله عليه وسلم أن يجعل ثلث الأربعمائة وثمانين في الطيب، وعلى هذا فهذه القبضة ثلثها، أو أقل، وكملها إلى الثلث. ووقع عند ابن سعد وأبي يعلى، بسند ضعيف عن علي، فقال صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا ثلثين في الطيب وثلثا في الثياب" "وأمرهم أن يجهزوها، فجعل لها سريرا مشروطا" أي: مجعول فيه شرائط، أي: حبال. وفي القاموس: الشريط خوص مفتول يشرط به السرير ونحوه، "ووسادة من أدم حشوها ليف" وعن جابر: كان فرشهما ليلة عرسهما إهاب كبش، رواه ابن فارس. وفي رواية: كان لهما فراشان أحدهما محشو بليف، والآخر بحذاء الحذاءين وأربع وسائد، وسادتين من ليف وثنتين من صوف، ولا معارضة لجواز أن واحدة للنوم على السرير، والثلاثة في البيت. "وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئا" من جماع ولا مقدماته "حتى آتيك". زاد في رواية: فأرسل صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس، فهيأت البيت، فصلى العشاء، وأرسل فاطمة، "فجاءت مع أم أيمن" بركة الحبشية مولاته عليه السلام، "حتى قعدت" فاطمة مع أم أيمن "في جانب البيت وأنا"، أي: علي، كما في الرواية، "في جانب" آخر من البيت، "وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم" بعدما صلى العشاء الآخرة، "فقال: أههنا أخي! " قالت أم أيمن" مباسطة له عليه السلام، لا مستفهمة إذ لا يخفى حال علي عليها، "أخوك وقد زوجته ابنتك، قال: "نعم" هو كأخي في المنزلة والمواخاة، التي سلفت بين وبينه في الدين لا في النسب والرضاع، فلا يمتنع علي تزويج إياه بنتي. صح أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" "ودخل صلى الله عليه وسلم" البيت "فقال لفاطمة: "ائتني بماء" فقامت" امتثالا لأمره، زاد في رواية: تعثر في ثوبها، وربما قال: في مرطها من الحياء، "إلى قعب" بقاف مفتوحة، فعين ساكنة فموحدة، قدح كبير، أو صغير، أو يروي الرجل، كما في القاموس، وفي مقدمة الفتح: هو إناء من خشب "في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه" أي: أخذ منه ماء ووضعه في فمه، ثم رمى به في القعب، "ثم

قال لها: "تقدمي"، فتقدمت: فنضح بين ثديها وعلى رأسها وقال: " اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". ثم قال: "أدبري" فأدبرت فصب بين كتفيها. ثم فعل مثل ذلك بعلي رضي الله عنه. ثم قال له: "ادخل بأهلك بسم الله والبركة". خرجه أبو حاتم، وأحمد في المناقب بنحوه. وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي: خطبها علي بعد أن خطبها أبو بكر ثم عمر................................

_ قال لها: "تقدمي"، فتقدمت، فنضح" بفتحات رش "بين ثدييها وعلى رأسها وقال: "اللهم إني أعيذها بك" أجيرها بحفظك "وذريتها من الشيطان الرجيم" المطرود. وقد استجاب الله تعالى دعاء أم مريم، فما بالك بدعاء سيد الخلق. "ثم قال: "أدبري" بفتح الهمزة، "فأدبرت، فصب بين كتفيها، ثم فعل مثل ذلك بعلي رضي الله عنه" اختصر الرواية فلفظ: من عزى له ثم قال لعلي: "ائتني بماء"، قال: فعلمت الذي يريده، فقمت فملأت القعب ماء فأتيته به، فأخذه فمج فيه، ثم صب على رأسي وبين ثديي، ثم قال لي: "أدبر"، فصب بين كتفي، ثم قال: "اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم". وفي حديث أسماء بنت عميس، عند الطبراني تقديم علي على فاطمة في ذلك، "ثم قال له: "ادخل بأهلك باسم الله والبركة"، خرجه أبو حاتم" بن حبان التميمي البستي، "وأحمد في المناقب"، وكذا خرجه أبو داود كلاهما "بنحوه،" من حديث أنس، وحكايته ليلة البناء من قوله: وجاء رسول الله.. إلى آخر الحديث. أما عن مشاهدة بأن يكون دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خادمه، وكان ذلك قبل بلوغه، وقبل نزول الحجاب، وأما أن يكون حمله عن علي وهو ظاهر قوله، فعلمت الذي يريد.. إلخ، وروى النسائي عن علي: توضأ صلى الله عليه وسلم في إناء ثم أفرغه على علي وفاطمة، ثم قال: "اللهم بارك فيهما، وبارك لهما في شملهما"، وهو بالتحريك الجماع. في رواية: في شبليهما قال: في الصواعق، قيل: وهي تصحيف، فإن صحت فالشبل ولد الأسد، فيكون ذلك كشفا وإطلاعا منه صلى الله عليه وسلم على أنها تلد الحسنين، فأطلق عليهما شبلين وهما كذلك، انتهى. يروى عن علي أنه صلى الله عليه وسلم حين زوجه دعا بماء فمجه، ثم صبه، ثم رشه في جبينه وبين كتفيه، وعوذه بقل هو الله أحد والمعوذتين. "وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي" وابن عساكر، وابن شاذان، بنحوه قال: "خطبها علي،" طلب تزويجها، "بعد أن خطبها أبو بكر، ثم عمر" وذكرهما ذلك

فقال له عليه الصلاة والسلام: "قد أمرني ربي بذلك". قال أنس: ثم دعاني عليه الصلاة والسلام بعد أيام فقال: "ادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدة من الأنصار"، فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم وكان علي غائبا فقال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم

_ لعلي كما في حديثه السابق فوقه، "فقال له عليه الصلاة والسلام: "قد أمرني ربي بذلك"، التزويج المفهوم من خطبها. وقد روى الطبراني برجال ثقات مرفوعا، "أن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي"، ولا يقال لم أخره حتى سأله علي لجواز أن الأمر ورد بعد سؤال علي، أو قبله بأن يزوجه إذا سأله. "قال أنس: ثم دعاني عليه الصلاة والسلام بعد أيام، فقال: "ادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن" بن عوف رضي الله عنهم، "وعدة من الأنصار" جماعة بينهم له، لا أنه قال له: أدع عدة، ففي رواية ابن عساكر، عن أنس: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ غشيه الوحي، فلما سرى عنه قال: "إن ربي أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر"، وسمي جماعة من المهاجرين وبعددهم من الأنصار، "فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم"، أي: قعد كل واحد في مجلسه اللائق به، "وكان علي غائب" عن هذا المجلس، وما رواه ابن عساكر أنه عليه السلام أمر عليا أن يخطب لنفسه، فخطب، وأوجب له صلى الله عليه وسلم في حضوره فقبل، واستشهد على الصحابة الحاضرين على ذلك، فقال ابن كثير: هذا خبر منكر، "فقال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله المحمود" من أسماء الله تعالى، كما صرح به هذا الخبر، وعده بعض العلماء في أسمائه، وفي شعر حسان: فذو العرش محمود؛ لأنه تعالى حمد نفسه وحمده عباده "بنعمته" التي لا تتناهى ولا يستطاع حصرها ولا تضاهي، "المعبود بقدرته" إذ لا قدرة على عبادته إلا بأقداره، "المطاع" المتبع الذي ينقاد له فيما أراده وفي التنزيل: {أَطِيعُوا اللَّه} [الأنفال: 20] ، "المرهوب" الذي يخاف "من عذابه" وفي التنزيل: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُون} [البقرة: 40] ، "وسطوته" قهره وإذلاله، "النافذ أمره في سمائه وأرضه" جنسهما، فالمراد جميع السموات والأرضين، "الذي خلق الخلق" قدرهم وأوجدهم "بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه وأكرمهم" كلهم مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم وملكهم، "بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم". ودليل العموم قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] فإرساله إكرام لجميع الخلائق.

إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا، أمرا مفترضا، أوشج به الأرحام، وألزم به الأنام"، فقال عز من قائل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54] فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت

_ ويحتمل تخصيص الإكرام بالمؤمنين من الخلق، والأول أولى "إن الله تبارك اسمه، وتعالت عظمته، جعل المصاهرة"، المناكحة، "سببا" أمرا يتوصل به إلى اتصال بعض الأنساب ببعض "لاحقا" لازما لا يستغني عنه، ولا ينفك عن الناس. "وأمرا مفترضا" ثابتا، وهو قريب في المعنى مما قبله، فهو إطناب مستحسن في الخطب، "أوشج" بشين وجيم، أوصل "به الأرحام" القرابات، فإن من تزوج من قوم حصل بينه وبينهم قرابة بالنسل، ولم يذكر المجد، تعديته بالهمزة. وفي المغني: النقل بالهمزة قيل: كله قياسي، وقيل: سماعي في القاصر، والمتعدي إلى واحد. والحق أنه قياسي في القاصر، سماعي في غيره، وهذا ظاهر مذهب سيبويه، "وألزم" بلام وزاي، "به" بالتلبس بذلك السبب "الأنام"، وفي نسخة: بكاف وراء، من الإكرام "فقال عز من قائل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا} " [الفرقان: 54] ، من المني إنسانا "فجعله نسبا"، أي: ذا نسب، "وصهرا" ذا صهر، بأن يتزوج ذكر أو أنثى طلبا للتناسل. قال الكيا الهراسي: وهو يدل على أن الله جعل الماء سبب الاجتماع والتآلف والرضاع، وفيه إشارة إلى المحرمات بالنسب والسبب، وأن كل ذلك تولد من الماء، "فأمر الله يجري إلى قضائه"، هو إرادته إيجاد العالم على نظامه العجيب، كذا في شرح المشكاة للشهاب المكي، وفي شرحه للأربعين، هو عند الأشعرية إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، وفي شرح المقاصد: هو عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم مجتمعة، ومجملة على سبيل الإبداع. "وقضاؤه يجري إلى قدره" هو تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها، كما في شرح المشكاة، وفي شرح الأربعين: إيجاده على ما يطابق العلم، وأنه يرحم من يشاء من خلقه فضلا، ويعذب من شاء عدلا، وفي شرح المقاصد: هو عبارة عن وجود مواد الموجودات الخارجية مفصلة واحدا بعد واحد، فيما لا يزال بشهادة وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم، "ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل" مدة، "ولكل أجل كتاب" لكل وقت وأمد حكم مكتوب فيه تحديد، "يمحو" منه "ما يشاء ويثبت" بالتخفيف والتشديد، فيه ما يشاء من الأحكام وغيرها.

وعنده أم الكتاب. ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي". ثم دعا صلى الله عليه وسلم بطبق من بسر ثم قال: "انتهبوا"، فانتهبنا. ودخل علي فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه ثم قال: "إن الله عز وجل أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت بذلك"؟ فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال: عليه الصلاة والسلام

_ واستدل به الحنفية على تبدل السعادة والشقاوة، وأجاب الأشعرية: بأن ذلك التبديل في غير الكتاب الأزلي لقوله: "وعنده أم الكتاب"، أي: أصله الذي لا يغير منه شيء، وهو ما كتبه في الأزل. وقيل: أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ؛ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه وذكر هذا في هذا المقام للإلماج إلى أن من سنن المرسلين النكاح؛ لأن صدر الآية: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} ، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن هشام، قال: قلت لعائشة: إني أريد أن أتبتل، قالت: لا تفعل، أما سمعت الله يقول: وتلت الآية. "ثم" أقول: "إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته" إياها "على أربعمائة مثقال فضة". وفي الحديث السابق: أنه باع بدنه بأربعمائة وثمانين درهما، فيجوز أن الدراهم كانت مقدرة بما تساوي المثاقيل وزنا، أو أنه زاد على ما باع به الدرع، "إن رضي بذلك علي" وفي ذخائر العقبى: اختلف في صداقها كيف كان، فقيل: كان الدرع ولم يكن إذ ذاك بيضاء ولا صفراء، وقيل: كان أربعمائة وثمانين، وورد ما يدل لكلا القولين. ويشبه أن العقد وقع على الدرع، وأنه صلى الله عليه وسلم أعطاها عليا ليبيعها فباعها، وأتاه بثمنها، فلا تضاد بين الحديثين، انتهى ملخصا. وهذا الجمع مدلول الحديث السابق، ثم إياك أن تفهم أن هذا الصداق يماثلها. وقد ذكر السيوطي، أنه رأى في بعض المجاميع عن التكريتي: أن مهر المثل لا يتصور في حق فاطمة؛ لأنه لا مثل لها، قال وهو قول حسن بالغ: "ثم دعا صلى الله عليه وسلم بطبق" أي: طلب طبقا، على التوسع، أدخلت عليه الباء أو الباء سببية، والمفعول محذوف تقديره: دعا رجلا بسبب إحضار طبق "من بسر، ثم قال: "انتهبوا" أمر من الانتهاب، وهو أخذ الجماعة الشيء على غير اعتدال، "فانتبهنا، ودخل علي" بعد ذلك، "فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه" تبشيرا له، بأن الله رضيها لمن خطبها قبل، كما أرشد له قوله، "ثم قال: "إن الله عز وجل أمرني أن أزوجك فاطمة" فلا تنافي بين هذا وبين السابق، أن عليا خطبها وركن له المصطفى "على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت بذلك"؟ فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام:

"جمع الله شملكما وأعز جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا". قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب. والعقد لعلي وهو غائب محمول على أنه كان له وكيل حاضر، أو على أنه لم يرد به العقد، بل إظهار ذلك، ثم عقد معه لما حضر،

_ "جمع الله شملكما وأعز جدكما"، بفتح الجيم، حظكما، "وبارك عليكما" ودعا لهما أيضا بنحو ذلك ليلة البناء كما مر، "وأخرج منكما" نسل "كثيرا طيبا". وفي رواية أبي الحسن بن شاذان: أنه لما زوجه وهو غائب قال: "جمع الله شملهما، وأطاب نسلهما، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة، ومعادن الحكمة، وأمن الأمة" فلما حضر علي تبسم صلى الله عليه وسلم وقال: "إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة، وإن الله أمرني أن أزوجكها على أربعمائة مثقال فضة"، فقال: رضيتها يا رسول الله، ثم خر علي ساجدا لله شكرا، فلما رفع رأسه قال صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لكما، وبارك فيكما، وأعز جدكما، وأخرج منكما الكثير الطيب". "قال أن" بن مالك: راوي الحديث رضي الله عنه مشيرا إلى أن الله تعالى أجاب دعاءه صلى الله عليه وسلم، مؤكدا ذلك بالقسم، "فوالله لقد أخرج" الله "منهما الكثير الطيب" الطاهر، وجعل فيهم علماء وأولياء وكرماء، وملأ بهم الأرض ولله الحمد، وهم نسل النبوة. وقد روى الطبراني والخطيب، عن ابن عباس، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يبعث نبيا قط إلا جعل ذريته من صلبه غيري، فإن الله جعل ذريتي من صلب علي"، ثم حديث أنس هذا، قال ابن عساكر: غريب فيه مجهول، وأقره الحافظ في اللسان، وإشارة صاحب الميزان إلى أنه كذب مردوده، كيف وله شاهد عند النسائي بإسناد صحيح عن بريدة: أن نفرا من الأنصار قالوا لعلي: لو كانت عندك فاطمة، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ليخطبها، فسلم عليه فقال: "ما حاجة ابن أبي طالب"؟ قال: فذكرت فاطمة، فقال صلى الله عليه وسلم: "مرحبا وأهلا" فخرج إلى الرهط من الأنصار ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري غير أنه قال لي: "مرحبا وأهلا"، قالوا: يكفيك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما قد أعطاك الأهل، وأعطاك الرحب، فقلما كان بعدها زوجة، قال: "يا علي لا بد للعرس من وليمة"، قال سعد: عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار آصعا من ذرة، فلماكان ليلة البناء، قال: "يا علي لا تحدث شيئا حتى تلقاني"، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ، ثم أفرغه على علي وفاطمة، فقال: "اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما"، "والعقد لعلي وهو غائب محمول، على أنه كان له وكيل حاضر" قبل العقد من المصطفى فورا، "أو على أنه لم يرد به العقد، بل إظهار ذلك ثم عقد معه لما حضر" وقد يرد على هذا قوله: "اشهدوا أني قد زوجته"، ثم لم ينقل عقده له بعد حضوره، إلا أن يقال قوله له:

أو على تخصيصه بذلك، جمعا بينه وبين ما ورد، مما يدل على شرط القبول على الفور. وأخرج الدولابي، عن أسماء قالت: لقد أولم علي على فاطمة، فما كان وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن ردعه عند يهودي بشطر من شعير، وكانت وليمته آصعا، من شعير وتمر وحيس. والحيس: التمر والأقط.

_ "أمرني الله أزوجك فاطمة"، وإن كان إخبارا تضمن العقد لقوله: "أرضيت"؟، فقال علي: "قد رضيت"، "أو على تخصيصه بذلك" لأن له صلى الله عليه وسلم أن يزوج من شاء لمن شاء، "جمعا بينه وبين ما ورد مما يدل على شرط القبول على الفور. وقد ذهب المالكية إلى أن التفريق اليسير لا يضر، فلعل غيبة علي كانت قريبة جدا، وقد يفهم من ظاهر الحديث أنه أتى في المجلس وهم ينتهبون البسر أو بعده، وأجاز أبو حنيفة التفريق مطلقا، ومنعه الشافعي مطلقا، هذا وأخذ بعضهم من هذا الخبر، أن نكاح القرابة القريبة ليس خلاف الأولى، كما تقول الشافعية، وأجيب بأن عليا قريب بعيد؛ إذ المراد بالقرابة القريبة من هي في أول درجات الخؤلة والعمومة، وفاطمة بنت ابن عم، فهي بعيدة، ونكاحها أول من الأجنبية، وأما الجواب بأن عليا لم يكن كفئا حينئذ لفاطمة سواه، فرد بأن أباه كافر، وأبوها سيد الخلق، "وأخرج الدولابي" بفتح الدال وضمها، الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الرازي، "عن أسماء قالت: لقد أولم علي على فاطمة، فما كان" وجد "وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته" لتقللهم حينئذ "رهن درعه عند يهودي" لا ينافي أنه باعها؛ لأن عثمان ردها له، كما مر أو أنها غيرها لتخلل مدة بين العقد والبناء. ولم أر تسمية اليهودي "بشطر من شعير" قيل: أراد نصف مكوك، وقيل: صف وسق، قاله في النهاية، "وكانت وليمته آصعا" بفتح الهمزة وضم الصاد ومد "من شعير وتمر وحيس" وكبش من عند سعد، وآصع ذرة من عند جماعة من الأنصار. كما في حديث بريدة "والحيس"، بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية وسين مهملة، "التمر والأقط" فعطفه على التمر من عطف الكل على الجزء، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف. قال عياض: هو جبن اللبن المستخرج زبده، وقيل: لبن مجفف مستحجر يطبخ به، وفي القاموس: الحيس: تمر يخلط بسمن، وأقط يعجن شديدا، ثم يندر منه نوه. قال الحافظ: وقد يخلط مع هذه الثلاثة غيرها، كالسويق انتهى، ولا ينافي هذا قول الشاعر: التمر والسمن جميعا والأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط لأنه أراد أنه لم يختلط فيما حضره، وأنها حيس بالقوة لوجود الأجزاء دون الخلط.

وأخرج أحمد في المناقب عن علي: كان جهاز فاطمة رضي الله عنها خميله وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف.

_ "وأخرج" الإمام "أحمد في المناقب عن علي" قال: "كان جهاز فاطمة رضي الله عنها، خميله" باللام والهاء، بساط له خمل، أي: هدب رقيق، والجمع خميل بحذف الهاء، "وقربة ووسادة،" بكسر الواو، مخدة "من أدم" جلد "حشوها ليف،" أي: وسريرا مشروطا، كما في الرواية السابقة، ومر أن في رواية: أربع وسائد، وأنه يجمع بأن واحدة على السرير، وثلاثة في البيت، ومر أن فرشهما ليلة عرسهما كان جلد كبش، وأنه كان لهما فراشان، ولا معارضة؛ لأن الجهاز مجموع ذلك، فبعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر. وروي عن الحسن البصري قال: كان لعلي وفاطمة قطيفة، إذا لبسوها انكشفت ظهورهما، وإذا لبسوها بالعرض انكشفت رءوسهما، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم مكث ثلاثة أيام لا يدخل عليهما بعد البناء، ثم دخل في الرابع في غداة باردة وهما في لحاف واحد، فقال: "كما أنتما"، وجلس عند رأسهما، ثم أدخل قدميه وساقيه بينهما، فأخذ علي أحدهما فوضعها على صدره وبطنه، ليدفيهما، وأخذت فاطمة الأخرى فوضعتها على صرها وبطنها لتدفيهما، وطلبت خادما فأمرها بالتسبيح والتحميد والتكبير. وروي عن الحسن البصري قال: كان لعلي وفاطمة قطيفة، إذا لبسوها انكشفت ظهورهما، وإذا لبسوها بالعرض انكشفت رءوسهما، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم مكث ثلاثة أيام لا يدخل عليهما بعد البناء، ثم دخل في الرابع في غداة باردة وهما في لحاف واحد، فقال: "كما أنتما"، وجلس عند رأسهما، ثم أدخل قدميه وساقيه بينهما، فأخذ علي أحدهما فوضعها على صدره وبطنه، ليدفيهما، وأخذت فاطمة الأخرى فوضعتها على صدرها وبطنها لتدفيهما، وطلبت خادما فأمرها بالتسبيح والتحميد والتكبير. وعن أنس قال: جاءت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني وابن عمي، ما لنا فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل، ونعلف ناضحنا بالنهار، فقال: "يا بنية، اصبري، فإن موسى بن عمران أقام مع امرأته عشر سنين ما لهما فراش إلا عباءة قطوانية"، أي: بيضاء قصيرة الخمل، كما في النهاية، وهو بفتحتين نسبة إلى موضع بالكوفة كما في القاموس، وفي الصحيحن ومسند أحمد عن علي أن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحى مما تطحن، فأتى النبي صلى اله عليه وسلم سبي، فانطلقت فلم تجده، فأخبرت عائشة، فلما جاء صلى الله عليه وسلم، أخبرته عائشة بمجئيء فاطمة، فجاء صلى الله عليه وسلم إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم فقال: "على مكانكما" فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: "ألا أعلمكما خيرا مما سألتماني"؟، قلنا: بلى، قال: "كلمات علمنيهن جبريل، إذ أخذتما مضاجعكما من الليل، فكبرا ثلاثا وثلاثين وسبحا ثلاثا وثلاثين، وأحمد ثلاثا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم"، ويأتي إن شاء الله تعالى من مناقبهما في الأولاد والكتب النبوية، والله تعالى أعلم.

قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة

"قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة": ثم سرية محمد بن مسلمة وأربعة معه إلى كعب بن الأشرف اليهودي، لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. روى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن

_ قتل كعب بن الأشرف: "ثم سرية محمد بن مسلمة،" بفتح الميم واللام، الأنصاري الأوسي، أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أكبر من اسمه محمد فيهم، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي، وهو ممن سمي محمدا في الجاهلية ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين. والإضافة بيانية، أي: السرية التي هي محمد، "وأربعة معه،" سيأتي أسماؤهم، وخص بالذكر لأنه الأمير عليهم والملتزم لقتل كعب، وإطلاق السرية عليهم، على قول ابن السكيت وغيره، أن مبدأها خمسة، كما مر "إلى كعب بن الأشرف،" بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الراء وبالفاء "اليهودي" حلفا. قال ابن إسحاق وغيره: كان عربيا من بني نبهان، وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية، فأتى المدينة، فحالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، شاعرا مجيدا، ساد يهود الحجاز بكثرة ماله، فكان يعطي أحبار يهود ويصلهم، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، جاءه أحبار اليهود من بني قينقاع، وبني قريظة لأخذ صلته على عادتهم، فقال لهم: "ما عندكم من أمر هذا الرجل؟ "، قالوا: هو الذي كنا ننتظر، ما أنكرنا من نعوته شيئا، فقال لهم: "قد حرمتم كثيرا من الخير، ارجعوا إلى أهليكم، فإن الحقوق في مالي كثير"، فرجعوا عنه خائبين، ثم رجعوا إليه وقالوا له: إنا أعجلنا فيما أخبرناك به أولا، ولما استنبانا علمنا أنا غلطنا، وليس هو المنتظر، فرضي عنهم ووصلهم، وجعل لكل من تابعهم من الأحبار شيئا من ماله، وكانت كما قال ابن سعد: "لأربع عشرة ليلة" أي: في الليلة الرابعة عشر، لما يأتي أن قتله كان ليلا "مضت من ربيع،" بالتنوين، "الأول" وصف تابع له في الإعراب، وتجوز الإضافة من إضافة الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظين، نحو: حب الحصيد، واستعماله بدون شهر مخالف لقول الأزهري: العرب تذكر الشهور كلها مجردة من لفظ شهر إلا شهري ربيع ورمضان، للفرق بين ربيع الشهور والزمان، لاشتراك ربيع بين الشهر والفصل. فالتزموا لفظ شهر في الشهر، وحذفوه في الفصل للفصل، ولم يبال المصنف بذلك تبعا للحافظ، لأمن اللبس هنا لا سيما مع قوله: "على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة" النبوية، "روى أبو داود والترمذي من طريق الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب، "عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك" الأنصاري، أبي الخطاب المدني، الثقة العالم من رجال الصحيحين، مات في إمارة هشام، "عن أبيه" عبد الله أحد الإخوة الأنصاري، الشاعر المدني الثقة، يقال له: رؤية،

كعب بن مالك عن أبيه: أن كعب بن الأشرف كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط، فأراد استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر. فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذاه

_ مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين. "أن كعب بن الأشرف كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش،" واستأنف قوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط،" جمع خلط كأحمال وحمل، أي: مجتمعون، من قبائل شتى، "فأراد" لاختلاف عقائدهم وأحوالهم "استصلاحهم" بجمعهم على كلمة الإسلام، "وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى،" كما قال تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران: 186] ، "فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم،" لفظ الرواية كما في الفتح، فأمر الله رسوله والمسلمين، "بالصبر" قال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] . قال البيضاوي: من معزوماتها التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله عليه، أي: أمر به وبالغ فيه، "فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذاه" وقد كان عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن لا يعين عليه أحد، فنقض كعب العهد، وسبه وسب أصحابه، وكان من عداوته، أنه لما قدم البشير أن يقتل من قتل ببدر، وأسر من أسر، قال كعب: أحق هذا؟ أترون أن محمدًا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان فهؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها، فلما أيقن الخبر، ورأى الأسرى، مقرنين كبت وذل، وخرج إلى قريش يبكي على قتلاهم ويحرضهم على قتاله صلى الله عليه وسلم فنزل بمكة على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وعنده زوجه عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، فأنزلته وأكرمته، فجعل يحرض على النبي، وينشد الأشعار، فبلغه ذلك، فدعا حسان فهجا المطلب وزوجته، وأسلما بعد رضي الله عنهما، فلما بلغ ذلك عاتكة ألقت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي، فخرج من عندها وصار يتحول من قوم إلى قوم، فيفعل مثل ما فعل عند عاتكة ويبلغ خبره النبي صلى الله عليه وسلم، فيذكره لحسان، فيهجوه فيفعلون معه كما فعلت عاتكة، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. ذكر ابن إسحاق وغيره قال في الإملاء، أي: تغزل فيهن وذكرهن بسوء، قال السهيلي: وكان قد شبب بمكة بأم الفضل زوج العباس فقال: أراحل أنت لم ترحل بمنقبة ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه. وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: "من يتكفل لنا بابن الأشرف"؟ وفي أخرى: "من لكعب بن الأشرف" أي من ينتدب لقتله، "فقد استعلن بعداوتنا وهجانا، وقد خرج إلى قريش فجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك". ثم قرأ على المسلمين {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ

_ في أبيات رواها يونس عن ابن إسحاق. "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه" ففعل كما يأتي، "وفي رواية:" عند ابن عائذ، من طريق أبي الأسود عن عروة، "قال عليه الصلاة والسلام: "من يتكفل لنا بابن"، أي: يقتل ابن "الأشرف"، فإنه قد آذى الله ورسوله"، قال في الفتح: "أي: من" الذي "ينتدب لقتله،" أي: يتوجه له، وجمع شيخنا بين هذه الروايات، بأنه سأل خصوص سعد مرة، ثم قال: "من لنا بابن الأشرف"؟ مرة ثانية، وفي أخرى: "من لكعب بن الأشرف"؟، وفي رواية ابن عائذ عن عروة، "فقد استعلن" الفاء تعليلية، والسين للتأكيد، أي: أعلن بعداوتنا" أو للطلب، والياء زائدة، أي: طلب إظهار عداوتنا حتى من غيره، "وهجانا، وقد خرج إلى المشركين" بمكة "فجمعهم" حملهم "على قتالنا" بقوله الشعر لهم، وتذكيرهم قتلى بدر. وعند ابن عائذ أيضا عن الكلبي: أنه خالف قريشا عند أستار الكعبة على قتال المسلمين، ثم لفظ ابن عائذ عن عروة: "فأجمعهم على قتالنا"، وتوقف فيه الجمال ابن هشام النحوي، بقول اللغويين أجمع في المعاني، خاصة نحو: فأجمعوا أمركم، وأما جمع، ففي المعاني كجمع كيده، والإجرام كجمع مالا، قال: فإن صح لفظ الحديث وجب تأويله على حذف مضاف، أي: فاجمع رأيهم، انتهى. "وقد أخبرني الله بذلك". حذف من الرواية ما لفظه: ثم قدم أخبث ما كان ينتظر قريشا تقدم فيقاتلنا، ثم قرأ على المسلمين" ما أنزل الله عليه فيه، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] . قال الجلال: صنمان لقريش، وقال البيضاوي: الجبت الصنم في الأصل، واستعمل في كل ما يعبد من دون الله، وقيل: أصله الجبس، وهو الذي لا خير فيه، فقلبت سينه تاء، والطاغوت الباطل من معبود أو غيره. {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} لأجلهم وفيهم {هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} أقوم دينا، وأرشد طريقه، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} طردهم،

وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 51، 52] . وفي الإكليل: "فقد آذانا بشعره، وقوى المشركين".

_ {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} ، مانعا من عذابه، ذكر ابن عائذ في صدر هذه الرواية عن أبي الأسود، عن عروة قال: أنبعث عدو الله يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويمتدح عدوهم، ويحرضهم عليهم، فلم يرض بذلك حتى ركب إلى قريش فاستقواهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه، وأي ديننا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟، فقال: أنتم أهدى سبيلا وأفضل، إلى أن قال: فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَاب} [آل عمران: 23] الآية، وخمس آيات فيه وفي قريش، فجزم عروة بأنها نزلت في كعب، ونحوه ما روى أحمد وغيره، عن ابن عباس قال: لما قدم كعب مكة قالت قريش: ألا ترى إلى هذا المنبصر المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السقاية، قال: أنتم خير، فنزل فيهم: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر} [الكوثر: 3] ، ونزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} إلى {نصيرا} [آل عمران: 23] . وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس، كان الذين خربوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع، وعمارة، وهوذة، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتب الأولى، فسلوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 23] ، إلى قوله: {مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54] ، ولذا قال الجلال والبيضاوي: أنها نزلت في كعب، وفي جمع من اليهود خرجوا إلى مكة وساقا نحو القصة، وزاد البيضاوي: إنهم سجدوا لآلهة الكفار، ليطمئنوا إليهم. وقوله في صدر عبارته نزلت في يهود، قالوا: عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يقول محمد، وقيل: في حيي وكعب في جمع من اليهود.. إلخ، ليس بخلاف محقق، لإمكان حمل الأول المبهم على الثاني المبين، خصوص من نزلت فيه كما هو الواقع. "وفي الإكليل" لأبي عبد الله الحاكم من حديث جابر: "فقد آذانا بشعره وقوى المشركين" علينا، قال الحافظ: ووجدت لقتل كعب بن الشرف سببا آخر في فوائد عبد الله بن إسحاق الخراساني، بسند ضعيف من مرسل عكرمة، وهو أنه صنع طعاما وواطأ جماعة من اليهود، أنه يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوليمة، فإذا حضر فتكوا به، ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه جبريل بما أضمروا بعد أن جالسه، فقام يستره جبريل بجناحه، فلما فقدوه تفرقوا، فقال حينئذ: "من ينتدب لقتل كعب؟ "، ويمكن الجمع بتعدد الأسباب، انتهى.

وفي رواية ابن إسحاق: فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: "فافعل إن قدرت على ذلك". قال: يا رسول الله إنه لابد لنا أن نقول، قال: "قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك".

_ "وفي رواية ابن إسحاق" عن شيخه عبد الله بن أبي المغيث بن أبي بردة، "فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا" أتكفل "لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: "فافعل إن قدرت على ذلك"، قال: "وفي البخاري عن جابر، فقال: أي محمد: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم". وعند الحاكم، عن جابر فقال صلى الله عليه وسلم: ""أنت له"، وفي رواية ابن عائذ، عن عروة، فسكت صلى الله عليه وسلم، فقال محمد بن مسلمة: أقر صامت ومثله في فوائد سمويه، قال الحافظ: فإن ثبت احتمل أنه سكت أولا، ثم أذن له، فإن في رواية عروة أيضا أنه قال له: "إن كنت فاعلا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ"، قال: فشاروه، فقال له: توجه إليه، وأشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاما، انتهى. وعند ابن إسحاق: فرجع محمد بن مسلمة ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه، فذكر ذلك له صلى الله عليه وسلم، فدعاه فقال: "لم تركت الطعام والشراب"؟، قال: يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفين لك به أم لا؟، قال: "إنما عليك الجهد". وعند ابن عبد البر: فمكث أياما مشغول النفس بما وعده من قتل ابن الأشرف، فأتى أبا نائلة، وعباد بن بشر، والحارث بن أوس، وأبا عبس بن جبر فأخبرهم بما وعد به رسول الله صل الله عليه وسلم من قتله، فأجابوه وقالوا: كلنا نقتله، ثم أتوا رسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: "يا رسول الله، لا بد لنا أن نقول" قولا غير مطابق للواقع، يسر كعبا لنتوصل به إلى التمكن من قتله، وقال المبرد: حقه أن يقول نتقول، يريد نفتعل قولا نحتال به، "قال: "قولوا مابدا لكم فأنتم في حل من ذلك" فأباح لهم الكذب؛ لأنه من خدع الحرب. وفي البخاري: قال محمد: فأذن لي أن أقول شيئا، قال: "قل"، فكأنه قال له ذلك، ثم قاله للجماعة. قال الحافظ: وظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوه في أن يشكوا منه وأن يعيبوا دينه، انتهى. قال ابن المنير: هنا لطيفة هي أن النيل من عرضه كفر، ولا يباح إلا بإكراه لمن قلبه مطمئن بالإيمان، وأين الإكراه هنا، وأجاب أن كعبا كان يحرض على قتل المسلمين، وكان في قتله خلاصهم، فكأنه أكره الناس على النطق بهذا الكلام، بتعريضه إياهم للقتل، فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم، مع أن قلوبهم مطمئنة، بالإيمان، انتهى. وهو حسن نفيس.

فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وأبو نائلة -بنون وبعد الألف تحتية-

_ وفي البخاري ومسلم: فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، زاد الواقدي: ونحن ما نجد ما نأكل، وفي مرسل عكرمة: إن نبينا أراد منا الصدقة، وليس مال نصدقه. انتهى. وأنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال كعب: وأيضا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه فلا يجب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين. وفي رواية عروة: وأحب أن تسلفنا طعاما، قال: وأين طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه، قال: ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل، انتهى. قال: نعم ارهنوني، قالوا: أي شيء تريد؟، قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ زاد ابن سعد من مرسل عكرمة: ولأنا منك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك. وفي رواية الخراساني: وأنت رجل حسان يعجب النساء، وحسان بضم الحاء، وشد السين المهملتين، ولعلهم قالوا له: أنت أجمل العرب تهكما، وإن كان هو في نفسه جميلا كما قال الحافظ، انتهى. قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيسب أحدهم، فيقال رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللأمة، يعني السلاح. وفي مرسل عكرمة: ولكنا نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه، قال: نعم. وفي رواية الواقدي: وإنما قالوا له ذلك لئلا ينكر عليهم مجيئهم إليه بالسلاح، انتهى. فواعده أن يأتيه هكذا في الصحيح: أن الذي خاطب كعبا بذلك، هو محمد بن مسلمة، وعند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي: أنه أبو نائلة جاءه وقال له: ويحك يابن الأشرف، إني قد جئتك لحاجة أريد أن أذكرها لك فاكتم عني، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السيل حتى جاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، فقال كعب: أنا ابن الأشرف، فأما والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول، فقال: إني أردت أن تبيعنا طعاما لك، ونرهنك ونوثق لك، وتحسن في ذلك وإن معي أصحابا على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم وتحسن نرهنك من الحلقة ما فيه وفاء، فقال: إن في الحلقة لوفاء، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، قال الحافظ: ويحتمل أن كلا منهما كلمه في ذلك لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخيه، "فاجتمع في قتله،" أي: الذهاب له، "محمد بن مسلمة وأبو نائلة، بنون بعد الألف تحتية،" وهذا لفظ الفتح. وفي شرح المصنف: وبعد الألف همزة، ويمكن الجمع أنه يكتب بالياء، وينطق بالهمزة،

سلكان بن سلامة -وكان أخا كعب من الرضاعة- وعباد بن بشر، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر. وهؤلاء الخمسة من الأوس.

_ "سلكان،" بكسر السين المهملة، وإسكان اللام اسمه، وقيل: لقبه واسمه سعد، وقيل: سعد أخوه "ابن سلامة" بن وقش، بسكون القاف وفتحها، الأوسي الأشهلي. شهد أحدًا وغيره، وكان شاعرا ومن الرماة المذكورين كما في الإصابة، "وكان أخا كعب من الرضاعة" كما في البخاري. وذكروا أنه كان نديمه في الجاهلية فكان يركن إليه. وعند الواقدي: أن محمد بن مسلمة كان أيضا أخاه، ووقع في جميع نسخ مسلم إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعه، وأبو نائلة، ونقل عياض عن شيخه القاضي الشهيد، يعني الحافظ أبا علي بن سكرة، أن صوابه أبو نائلة بلا واو، كما ذكر أهل السير: أن أبا نائلة كان رضيعا لابن مسلمة، انتهى فتحصل أن أبا نائلة رضيع لمحمد وكعب "وعباد" بفتح العين وشد الموحدة. "ابن بشر" بكسر الموحدة وإسكان المعجمة، الأشهلي الأوسي البدري، من كبار الصحابة، استشهد يوم اليمامة، وله خمس وأربعون سنة. قال البرهان: ورأيت بخط ابن الجوزي في جامع الترمذي ابن بشير بزيادة يا ولا أعلم ذلك في الصحابة، "والحارث بن أوس بن معاذ" بن النعمان بن امرئ القيس، ابن أخي سعد بن معاذ. ووقع في رواية الحميدي الحارث بن معاذ، نسبه إلى جده ومن قال: الحارث بن أوس بن النعمان، نسبه إلى جده الأعلى، وذكر ابن عائذ: أن عمه سعدا بعثه مع ابن مسلمة، وقول ابن الكلبي وتبعه أبو عمر، استشهد يوم أحد، وهو ابن ثمان وعشرين سنة. قال في الإصابة: وهم؛ لأن أحدًا قبل الخندق بمدة. وقد روى أحمد وصححه ابن حبان عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق، فسمعت حسا فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس، نعم ذكر ابن إسحاق في شهداء أحد الحارث بن أوس بن معاذ، لكن لم يقل إنه ابن أخي سعد، فهو غيره، انتهى ملخصا. "وأبو عبس" بمهملتين بينهما موحدة، عبد الرحمن على الصحيح كما قل النووي وغيره، وقيل: عبد الله "بن جبر" بفتح الجيم، وإسكان الموحدة، وقيل: ابن جابر بن عمرو بن زيد الأنصاري الأوسي الحارثي البادري، المتوفى سنة أربع وثلاثين عن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان. له في الكتب الستة ومسند أحمد حديث واحد وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار". "وهؤلاء الخمسة من الأوس" فتفردت الأوس بقتل كعب، كما

....................................

_ تفردت الخزرج بقتل سلام بن أبي الحقيق، قاله عبد الغني الحافظ، وفي البخاري عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: أن ابن مسلمة جاء معه برجلين، قال سفيان: وقال غير عمرو، وأبو عبس بن جبر والحارث بن أوس، وعباد بن بشر. قال الحافظ: فعلى هذا كانوا خمسة، وكذا سماهم في رواية ابن سعد، ويؤيده قول عباد بن بشر، وكان الله سادسنا، وهو أولى مما وقع في رواية الحاكم وغيره، إنهم ثلاثة فقط، ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة، وفي الأخرى خمسة، انتهى. ووقع في الشامية عدهم ستة، فزاد الحارث بن عبس، وفيه نظر، فليس في الصحابة من سمي بذلك إلا الحارث بن عيسى، وقيل: ابن عبس، بالموحدة العبدي أحد وفد عبد القيس، كما في الإصابة وقدوم عبد القيس سنة تسع ولهم قدمة قبل ذلك سنة خمس وأياما كان، فهذه القصة سابقا على القدمتين؛ لأنها في الثالثة، وأيضا فليس أوسيا، والذاهبون لقتله أوسيون، باتفاق. وأخرج ابن إسحاق بإسناد حسن. عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم وقال: "انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم" ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى بيته وهو في ليلة مقمرة، وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، وكان حديث عهد بعرس، فهتف به أبو نائلة، فوثب على ملحفته فأخذته امرأته بناحيتها وقالت: إنك امرؤ تحارب، وإن أصحاب الحروب لا ينزلون في مثل هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر، ولم تسم امراة كعب كما في مقدمة الفتح. وقوله في الفتح: تقدم أن اسمها عقيلة سهو، وإذ المتقدم أن عقيلة أمه، وفي البخاري قالت: أسمع صوته كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب، انتهى. فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه وقالوا: هل لك يابن الأشرف أن تمشي إلى شعب العجوز، فنتحدث به بقية ليلتنا، فقال: إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده، بمعجمة وميم مخففا، أدخلها في فود رأسه، ثم شد يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى اطمأن، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، فأخذ بقود رأسه وقال: اضربوا عدو الله. وفي البخاري: أن ابن مسلمة قال لأصحابه: إذا ما جاء كعب فإني قائل بشعره، أي: آخذ به من إطلاق القول على الفعل مجازا وأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحا، أي: أطيب، فقال: عندي أعطر نساء العرب، وأكمل العرب، فقال ابن مسلمة: أتأذن لي أن أشم

وفي رواية ابن سعد: فلما قتلوه وبلغوا بقيع الغرقد

_ رأسك؟ قال: نعم، فشمه، ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فيحتمل أن كلا من محمد بن مسلمة وأبي نائلة استأذنه في ذلك. وفي رواية الواقدي: وكان كعب يدهن بالمسك المفتت والعنبر حتى يتلبد في صدغيه، انتهى. فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا، فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، فوضعته في ثنته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله. إلى هنا رواية ابن إسحاق، وميزت الزائد عليها بعزو، أوله وقول انتهى آخره، وثنته، بضم المثلثة وشد النون المفتوحة، أي: سرته، كما هو رواية ابن سعد، والمغول، بكس الميم وسكون الغين المعجمة، وفتح الواو، شبه سيف قصير تغطيه الثياب، أو حديدة دقيقة لها حد ماض، وقفا أو سوط دقيق يسده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس، كما في النهاية. وعند ابن عائذ عن الكلبي: فضربوه حتى برد وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود، فأخذوا على غير طريق الصحابة ففاتوهم. وعند ابن سعد: أنه صاح، وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين، واستشكل قتله على هذا الوجه. وأجاب المازري: بأنه إنما قتله كذلك؛ لأنه نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهجه وسبه، وكان عاهده أن لا يعين عليه أحدا، ثم جاءه مع أهل الحرب معينا عليه، قال عياض: وقدر لأن محمد بن مسلمة لم يصرح له بالأمان في شيء من كلامه، وإنما كلمه في أمر البيع والشراء، واشتكى إليه وليس في كلامه عهد ولا أمان، قال: ولا يح لأحد أن يقول إن قتله كان غدرا. وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب، فأمر به فضربت عنقه، وإنما يكون الغدر بعد أمان، موجود وكعب كان قد نقض عهده صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنه محمد ورفقته، لكنه استأنس بهم، فتمكنوا منه من غير عهد ولا أمان. قال: وأما ترجمة البخاري على هذا الحديث، باب الفتك فليس معناه الغدر، بل الفتك هو القتل على غرة وغفلة، والغيلة نحوه، انتهى. وأقره النووي وقال السهيلي في هذه القصة: قتل المعاهد إذا سب الشارع، خلافا لأبي حنيفة، ونظر فيه الحافظ بأن صنيع البخاري في الجهاد يعطي أن كعبا كان محارب حيث ترجم الفتك بأهل الحرب، وترجم له أيضا الكذب في الحرب، وفيه قتل المشرك بغير دعوة، إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته، وجواز الكلام المحتاج إليه في الحرب، ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته. "وفي رواية ابن سعد: فلما قتلوه وبلغوا بقيع الغرقد،" قال عياض في المشارق بالموحدة، بلا خلاف، سميت به مقبرة المدينة لشجرات غرقد وهو العوسج، كان فيه، انتهى.

كبروا، وقد قام عليه الصلاة والسلام تلك الليلة يصلي، فلما سمعوا تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: "أفلحت الوجوه". قالوا وجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله تعالى على قتله. وفي كتاب "شرف المصطفى" أن الذين قتلوا كعبا حملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة، فقيل إنه أول رأس حمل في الإسلام. وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس بن معاذ فجرح ونزف الدم فتفل عليه

_ وفي القاموس: الغرقد شجر عظام، أو العوسج إذا عظم، وسمى به مقبرة المدينة لأنه كان منبتها، وهذا صريح في قدم تسميته بذلك، وذكر الأصمعي أنه سمي لقطع غرقدات دفن فيها ابن مظعون، ومران موته في السنة الثانية، "كبروا وقد قام عليه الصلاة والسلام تلك الليلة يصلي، فلما سمعوا تكبيرهم كبر، وعرف أن" أي: أنهم "قد قتلوه، ثم انتهوا إليه". وفي رواية ابن إسحاق: ثم جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بمقتل عدو الله، "فقال: "أفلحت الوجوه"، قالوا: وجهك" وفي الفتح: والسبل، قالوا: ووجهك "يا رسول الله،" بواوين وحذفها أمس بالأدب؛ لأنها تثبت فلاح وجهه مع وجوههم، إلا أن كلا عزاه لابن سعد، "ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله تعالى على قتله"، لعنه الله. "وفي كتاب شرف المصطفى" لأبي سعد النيسابوري: "أن الذين قتلوا كعبا، حملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة، فقيل: إنه أول رأس حمل في الإسلام" وقيل: بل رأس أبي عزة الجمحي الذي قال له صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، فقتل، واحتمل رأسه في رمح إلى المدينة، قاله السهيلي في الروض. قال البرهان في غزوة بدر: فإن صح ما قال، فمراده من بلدة إلى بلدة، أو من مكان بعيد إلى المدينة فلا ينافي ما رواه ابن ماجه بسند جيد عن عبد الله بن أبي أوفى، لما قتل أبو جهل، حمل رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عليه السلام كان قريبا جدا من مكان الوقعة. انتهى. وفي مبهمات ابن بشكوال: أن عصماء جيء برأسها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقتلها قبل كعب. "و" في حديث ابن عباس عند ابن إسحاق: "أصاب ذباب السيف الحارث بن أوس بن معاذ، فجرح" في رأسه، أو في رجله أصابه بعض أسيافنا، كذا فيه على الشك، "ونزف الدم،" قال: فجرحنا حتى سلكنا عن نبي أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث، حتى استندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا، فوقفنا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا، فاحتملناه فجئنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل "فتفل عليه الصلاة والسام على جرحه" زاد في رواية الواقدي:

الصلاة والسلام على جرحه فلم يؤذه بعد.

_ "فلم يؤذه بعد،" وبقية رواية ابن إسحاق: ورجعنا إلى أهلنا، وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه. وفي رواية: فلما أصبح صلى الله عليه وسلم قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فخافت اليهود، فلم يطلع من عظمائهم أحد، ولم ينطقوا وخافوا أن يبيتوا كما بيت. وفي مرسل عكرمة عند ابن سعد: فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم صنيعه وما كان يحرض عليه، ويؤذي المسلمين، فخافوا، فلم ينطقوا، ثم دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحا، فكان ذلك الكتاب مع علي بعد، وروى الحاكم القصة في المستدرك بنحو رواية ابن إسحاق، وزاد: وقال عباد بن بشر في ذلك شعرا: صرخت به فلم يعرض لصوتي ... وأوفى طالعا من رأس خدر فعدت له فقال: من المنادي؟ ... فقلت: أخوك عباد بن بشر وهذي درعنا هنا فخذها ... لشهران وفي أو نصف شهر فقالوا: معاشر سغبوا وجاعوا ... وما عدموا الغني من غير فقر فأقبل نحونا يهوي سريعا ... وقال لنا: لقد جئتم لأمر وفي أيماننا بيض حداد ... مجربة بها الكفار نفري فعانقه ابن مسلمة المردي ... به الكفار كالليث الهزبر وشد بسيفه صلتا عليه ... فقطره أبو عبس بن جبر وكان الله سادسنا فأبنا ... بأنعم نعمة وأعز نصر وجاء برأسه نفر كرام ... هم ناهيك من صدق وبر

غزوة غطفان

غزوة غطفان: غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر -بفتح الهمزة والميم-

_ غزوة غطفان: بفتح المعجمة، والطاء المهملة، قبيلة من مضر، أضيفت لها الغزوة؛ لأن بني ثعلبة الذين قصدهم من غطفان، "وهي" كما قال ابن إسحاق: "غزوة ذي أمر" أي: المسماة بهذا كالأول، فدفع توهم الواقف على العبارتين أنهما غزوتان، "بفتح الهمزة والميم" وشد الراء، موضع من ديار غطفان، قاله ابن الأثير وغيره. وقال ابن سعد: بناحية النخيل، وأفاد قول البكري في معجمه: أفعل من المرارة أنه ممنوع

وسماها الحاكم غزوة أنمار. وهي بناحية نجد. كان لثنتي عشرة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. وسببها: أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة، جمعهم دعثور. ابن الحارث المحاربي، وسماه الخطيب: غورث،....................................

_ الصرف، "وسماها الحاكم غزوة أنمار"، فلها ثلاثة أسماء، "وهي بناحية نجد" عند واسط الذي بالبادية، كما في معجم البكري، "وكانت لثنتي عشرة مضت من" شهر "ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. كذا قاله ابن سعد، ولا ينتظم مع قوله: إن قتل كعب، كان لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع، وأنهم جاءوا برأسه تلك الليلة للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فإن ما هنا يقتضي أنه لم يكن تلك الليلة بالمدينة. نعم قال ابن إسحاق: أقام بنجد صفر كله، أو قريبا من ذلك، وجزم أبو عمر بأنه أقام صفر كله، وعليهما يصح كون السرية في التاريخ المذكور؛ إذ من لازم إقامته صفر بنجد، أن خروجه قبل ربيع، وعلى هذا يكون ابن سعد متبوع المصنف بني كلامه هنا على قول غير الذي مشى عليه في السرية، والعلماء إذا مشوا في محل على قول، وعلى غيره في آخر، لا يعد تناقضا، "وسببها" كما عند ابن سعد، "أن جمعا من بني ثعلبة" بن سعد بن قيس، بسكون العين، ابن ذبيان، بمعجمة، فموحدة، فتحتية، فألف فنون، ابن بغيض، بفتح الموحدة، وكسر المعجمة، وإسكان التحتية وضاد معجمة، ابن ريث، براء مفتوحة، وتحتية ساكنة ومثلثة، ابن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، "و" من بني "محارب" بضم الميم وحاء مهملة وراء، فموحدة، ابن خصفة، بمعجمة، فمهملة، ففاء مفتوحات، ابن قيس عيلان، بفتح العين المهملة، وسكون التحتية، فغطفان ومحارب ابنا عم، "تجمعوا، يريدون الإغارة" ولفظ ابن سعد: يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم، "جمعهم دعثور،" بضم الدال وسكون العين المهملتين، وضم المثلثة وإسكان الواو فراء. "ابن الحارث المحاربي" نسبة لمحارب المذكور، هكذا سماه ابن سعد ونسبه، "وسماه الخطيب غورث" بفتح المعجمة، وعن المستملي والحموي: إهمالها، لكن قال عياض الواب بمعجمة وإسكان الواو وفتح الراء ومثلثة، وبعضهم ضم أوله. قال القرطبي: والفتح أصح مأخوذ من الغرث وهو الجوع، وقال الخطابي: يقال له غويرث، أي: بمعجمة، أو عويرث، أي: بمهملة على التصغير، والصحيح بالغين المعجمة، انتهى.

وغيره: عورك -وكان شجاعا. فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وخرج في أربعمائة وخمسين فارسا، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه. فلما سمعوا بمهبطه صلى الله عليه وسلم هربوا في رءوس الجبال، فأصابوا رجلا منهم من بني ثعلبه يقال له: حبان، فأدخل

_ "وغيره عورك" بكاف آخر بدل المثلثة مع إعجام أوله وإهماله، وظاهر كلام ابن بشكوال أن دعثورا غير غورث، وفي الإصابة قصة دعثور، تشبه قصة غورث المخرجة في الصحيح من حديث جابر، فيحتمل التعدد أو أحد الاسمين، لقب أن ثبت الإتحاد، انتهى. بل يمكن كما قال شيخنا: إن دعثورا يقال له غورث، وأحدهما اسم، والآخر لقب، غايته أنه شارك المذكور في الصحيح، في التسمية بغورث، "وكان شجاعا فندب،" أي: دعا "رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين" للخروج، أو حثهم عليه، "وخرج في أربعمائة وخمسين فارسا" أي: شجاعا أو تناوبوا ما معهم من الأفراس، فعدوا فرسانا فلا ينافي قول ابن سعد في أربعمائة وخمسين رجلا، ومعهم أفراس. قال البرهان: ولا أعلم عدتها، "واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه" ذا النورين أمير المؤمنين، "فلما سمعوا بمهبطه صلى الله عليه وسلم" أي: المسلمون، لما كانوا بذي القصة كما في الرواية، بفتح القاف والصاد المهملة الثقيلة، وتاء تأنيث، موضع على أربعة وعشرين ميلا من المدينة، "رجلا منهم من بني ثعلبة" زاد في نسخة: كالعيون، "يقال له حبن" بكسر الحاء وبالموحدة، بالقلم، ولا أعلم له ترجمة في الصحابة، ولا التصريح بإسلامه، فينبغي أن يستدرك على من لم يذكره للتصريح، بأنه أسلم. كذا قاله البرهان بناء على هذا التصحيف الواقع من النساخ، والصواب ما في الشامية أنه جبار، بالجيم وشد الموحدة، وبعد الألف راء، فقد ذكره كذلك أبو بكر بن فتحون في ذيل الاستيعاب، وصاحب الإصابة كلاهما في حرف الجيم، فقالا: جبار الثعلبي أسره الصحابة في غزوة ذي أمر، فادخلوه على النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فأسلم، ذكره الواقدي. زاد في الإصابة، وذكر، أي الواقدي، في موضع آخر أنه كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى غطفان، فهربوا، انتهى. غلط بعض المتأخرين لما رأى كلامي البرهان والشامي، فحكاهما قولين في اسمه، وما درى أن الحافظ في التبصير استوفى حبان، بالمهملة والنون، وما ذكره فيهم، ولكن القوس في يد غير باريها، "فأدخل" أي: أدخله الصحابة بعد أن قالوا له: أين تريد؟، قال: يثرب لأرتاد

على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وضمه إلى بلال. وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم مطر فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا، واضطجع تحتهما، وهم ينظرون، فقالوا لدعثور: قد انفرد محمد فعليك به، فأقبل ومعه سيف حتى قام على رأسه عليه الصلاة والسلام فقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال له النبي: "الله". فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من يمنعك مني"؟ قال: لا أحد يمنعني منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام وأنزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} الآية. [المائدة: 1] .

_ لنفسي وأنظر "على رسول الله صلى الله عليه وسلم" فأخبره من خبرهم، وقال: لن يلاقوك، سمعوا بمسيرك هربوا في رءوس الجبال، وأنا سائر معك، "فدعاه إلى الإسلام، فأسلم" رضي الله عنه، "وضمه" النبي صلى الله عليه وسلم "إلى بلال" ليعلمه الشرائع، "وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم" وأصحابه "مطر، فنزع ثوبيه، ونشرهما على شجرة ليجفا، واضطجع تحتهما وهم،" أي: المشركون "ينظرون" إليه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنهم كانوا بمرأى منه، وقد اشتغل المسلمون في شئونهم، "فقالوا لدعثور:" لشجاعته "قد انفرد محمد فعليك به". وفي رواية: لما رآه قال: قتلني الله إن لم أقتل محمدا. "فأقبل ومعه سيف، حتى قام على رأسه عليه الصلاة والسلام، فقال: "من يمنعك مني اليوم؟ "." وفي رواية: الآن، "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "الله" يمنعني منك"، "فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده" بعد وقوعه على ظهره، "فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من يمنعك مني"؟ قال: لا أحد يمنعني منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك"، وفي العيون، وأن محمدا "رسول الله". زاد ابن فتحون في الذيل: فأعطاه صلى الله عليه وسلم سيفه، ثم أقبل بوجهه فقال: أما والله لأنت خير مني، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنا أحق بذلك منك"، "ثم أتى قومه"، فقالوا له: ما لك، ويلك، فقال: نظرت إلى رجل طويل أبيض، قد دفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت بأن محمدًا رسول الله لا أكثر عليه جمعا، "فدعاهم إلى الإسلام". قال في رواية الواقدي: فاهتدى به خلق كثير، "وأنزل الله تعالى" على ما ذكر الواقدي، وابن سعد في طائفة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11] بالقتل والإهلاك، يقال: بسط إليه يده، إذا بطش، "الآية" وقال قتادة ومجاهد وغيرهما: نزلت في بني النضير، وقيل: والمصطفى بعسفان، لما أراد المشركون الفتك بالمسلمين وهم في الصلاة، فأنزل الله صلاة الخوف.

ويقال كان ذلك في ذات الرقاع. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.

_ قال القشيري: وقد تنزل الآية في قصة، ثم تنزل في أخرى، لإذكار ما سبق، "ويقال كان ذلك،" أي: قصة السيف ونزول الآية، "في" غزوة "ذات الرقاع،" واستظهره اليعمري إذ قال: هناك الظاهر أن الخيرين واحد، لكن قال غيره من المحققين: الصواب أنهما قصتان في غزوتين، نقله المصنف ثمة، وقال ابن كثير: إن كانت هذه القصة التي هنا محفوظة، فهي غيرها قطعا؛ لأن ذلك الرجل اسمه غورث، ولم يسلم، بل استمر على دينه، لكن عاهد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتله، انتهى. نعم، ذكر الذهبي أن غورث صاحب ذات الرقاع أسلم، وعزاه للبخاري وانتقده في الإصابة، بأنه ليس في البخاري تصريح بإسلامه، وباقتضائه الجزم، باتحاد القصتين مع احتمال التعدد، "ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا،" أي: حربا، "وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة" كما قال ابن سعد، وقيل: خمس عشرة ليلة، ومر قولان آخران، والله أعلم.

غزوة بحران

"غزوة بحران": وتسمى غزوة بني سليم، من ناحية الفرع -بفتح الفاء والراء- كما قيده السهيلي،

_ غزوة بحران: بضم الموحدة، وسكون المهملة، فراء فألف فنون، وبعضهم فتح الباء. قال المنذري: والمشهور الضم، انتهى. لكن قدم الصغاني والمجد الفتح، وسوى بينهما في النهاية والدرر، ويحتمل أنه أكثر لغة، والضم المشهور بين المحدثين، "وتسمى غزوة بني سليم،" بضم السين وفتح اللام؛ لأن الذين اجتمعوا وبلغ خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم منهم. وبحران موضع "من ناحية الفرع، بفتح الفاء والراء، كما قيده السهيلي" تبع اليعمري، وقد اعترضه محشيه البرهان، بأن الذي في الروض الفرع، بضمتين، من ناحية المدينة يقال هي أول قرية مارت إسماعيل وأمه التمر بمكة، وفيها عينان يقال لهما: الربض والنخف، يسقيان عشرين ألف نخلة. كانت لحمزة بن عبد الله بن الزبير، والربض منابت الإراك في الرمل، والفرع، بفتحتين، موضع بين الكوفة والبصرة، فانتقل نظر المصنف، أو سقط بعض الكلام من نسخته بالروض، أو سقط من ميرته، أي: من الكتبة، انتهى.

وقال في القاموس: وبحران موضع بناحية الفرع، كذا رأيته بخطه بضم الفاء لا غير. وسببها: أنه بغله عليه الصلاة والسلام أنه به جمعا كبيرا من بني سليم، فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع ولم يلق كيدا. وكان قد استتعمل على المدينة ابن أم مكتوم، قاله ابن هشام، وكانت غيبته عشر ليال.

_ "وقال في القاموس" في باب الراء: "وبحران،" ويضم، "موضع بناحية الفرع، كذا رأيته بخطه بضم الفاء لا غير". وبذلك صرح في باب العين فقال: الفرع، بالضم، موضع من أضخم أعراض المدينة، أي: والراء ساكنة كما هو عادته، والذي قال السهيلي كما ترى ضم الراء، وبه جزم عياض في المشارق، وقال في كتابه التنبيهات: هكذا قيده الناس، وكذا رويناه، وحكى عبد الحق عن الأحول: إسكان الراء، ولم يذكره غيره، انتهى. ونقل مغلطاي في الزهر، أن الحازمي وافق الأحول، وبه صرح في النهاية، والنووي في تهذيبه لكنه مرجوح كما علم، "وسببها أنه بلغه عليه الصلاة والسلام أن بها جمعا كثيرا، من بني سليم" لم نر سبب اجتماعهم، "فخرج" لست خلون من جمادى الأولى. قاله ابن سعد: "في ثلاثمائة رجل من أصحابه" ولم يظهر وجها للسير، حتى إذا كان دون بحران بليلة، لقي رجلا من بني سليم، فأخبره أن القوم افترقوا فحبسه مع رجل، وسار حتى ورد بحران، "فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، ولم يلق كيدا،" أي: حربا، ولا وجد به أحدا. "وكان قد استعمل على المدينة" عمرا، أو عبد الله "بن أم مكتوم قاله ابن هشام" وظاهره للقضاء الأحكام، ويحتمل للصلاة فقط "وكانت غيبته عشر ليال" عند ابن سعد، ومر عنه وقت خروجه، فيكون رجوعه لستة عشر من جمادى الأولى. وقال ابن إسحاق: فخرج صلى الله عليه وسلم يريد قريشا حتى بلغ بحران بالحجاز من ناحية الفرع، فأقام به شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا، انتهى. فلم يوافقه في سبب الغزوة ولا مقدار الغيبة، والله أعلم.

سرية زيد إلى القردة

"سرية زيد إلى القردة": سرية زيد بن حارثة إلى القردة -بالقاف المفتوحة وسكون الراء، وقيل بالفاء وكسر الراء، كما ضبطه ابن الفرات- اسم ماء من مياه نجد. وسببها: -كما قال ابن إسحاق- أن قريشا خافوا من طريقهم التي يسلكون إلى الشام، حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب،

_ سرية زيد إلى القرد: "سرية زيد" حب رسول الله صلى الله عليه وسلم والد حبه "ابن حارثة" الطبراني، أحد السابقين الأولين، ابن الصحابي، ووالد الصحابي، وأخو الصحابي، الخليق هو وابنه للإمارة بالنص النبوي المختص، بأن الله لم يصرح في كتابه العزيز باسم أحد من الصحب سوى زيد البدري، ثم السجل أن ثبت "إلى القردة بالقاف المفتوحة وسكون الراء" كما ضبطه أبو نعيم، "وقيل: بالفاء" المفتوحة "وكسر الراء، كما ضبطه" الحافظ البارع أبو الحسن محمد بن العباس بن محمد "بن الفرات" بضم الفاء ومد التاء في الخط وصلا ووقفا البغدادي سمع ابن مخلد وطبقته، وجمع فأوعى. قال الخطيب: كان غاية في ضبطه حجة في نقله، مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وهذا نقله عنه الحموي، وقال أيضا: أنه رآه بخط ابن الفرات في غير موضع، بفتح القاف وفتح الراء، وصدر اليعمري، بأنه بفتح الفاء وسكون الراء، فهي أربعة، "اسم ماء من مياه نجد،" قاله ابن إسحاق وغيره. زاد ابن سعد: بين الربذة والغمزة ناحية ذات عرق، "وسببها، كما قال ابن إسحاق" محمد المشهور: "أن قريشا خافوا من طريقهم التي يسلكون إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار" بكسر الفوقية وخفة الجيم، وبضم الفوقية وشد الجيم، كما ضبطه الشامي كالبرهان، "فيهم أبو سفيان" صخر "بن حرب" بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، المسلم في الفتح رضي الله عنه. روى ابن أبو حاتم، عن السدي قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل وأبي سفيان وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك، وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان، وقال: ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي، فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى أبي جهل، فوقع به وخوفه، فنزلت: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الأنبياء: 36] ،

ومعهم فضة كثيرة. وعند ابن سعد: بعثه صلى الله عليه وسلم لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة، في مائة راكب يعترض عيرًا لقريش فيها صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى، ومعهم مال كثير وآنية فضة. فأصابوها وقدموا بالعير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخمسها وبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم.

_ "ومعهم فضة كثيرة" بقية كلام ابن إسحاق، وهي عظم، بضم فسكون، أي: أكثر تجاراتهم واستأجروا فرات بن حيان دليلا، وبعث صلى الله عليه وسلم زيدا، فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب العير وما فيها، وأعجزه الرجال فقدم بها، فقال حسان في غزوة بدر الأخيرة: يؤنب قريشا في أخذها تلك الطريق: دعوا فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك بأيدي رجال هارجوا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك "وعند ابن سعد" أنها أول سرية خرج فيها زيد أميرا، وأنه "بعثه صلى الله عليه وسلم، لهلال جمادى الآخر، على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة في مائة راكب يعترض عيرا،" بكسر العين، الإبل التي تحمل الميرة، بكسر الميم، ثم غلب على كل قافلة كما مر، "لقريش فيها صفوان بن أمية" بن خلف القرشي الجمحي، أسلم بعد حنين، وصحب رضي الله عنه. "وحويطب" بضم المهملة وفتح الواو، وسكون التحتية، وكسر الطاء المهملة، وموحدة، "ابن عبد العزى" القرشي العامري، أسلم في الفتح، وكان من المؤلفة وشهد حنينا، وحسن إسلامه، وصحب رضي الله عنه، وعاش مائة وعشرين سنة، ومات سنة أربع وخمسين. وأسقط المصنف من كلام ابن سعد، وعبد الله بن أبي ربيعة، وقد أسلم بعد رضي الله عنه، "ومعهم مال كثير وآنية فضة"، عطف خاص على عام. قال ابن سعد: وزنها ثلاثون ألف درهم، "فأصابوها، وقدموا بالعير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخمسها وبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم،" إضافة بيانية، أي: قيمة، هي عشرون ألف درهم، والأولى أن يقول بلغ قيمة الخمس عشرين ألف درهم، لكنه أتى بلفظ ابن سعد؛ لأنه ناقل عنه، والخطب سهل. "وعند مغلطاي خمسة وعشرين ألف درهم،" فزاد خمسة آلاف، لكن بالأول جزم الحافظ في سيرته حيث قال: فحصلوا مائة ألف غنيمة، وذكر في ديباجتها، أنه اقتصر على الأصح، مما اختلف فيه، انتهى. وبقية كلام ابن سعد: وأسر الدليل فرات بن حيان، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل

وعند مغلطاي: خمسة وعشرين ألف درهم. وذكرها محمد بن إسحاق قبل قتل كعب بن الأشرف.

_ له: "إن تسلم تترك"، فأسلم، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم من القتل وحسن إسلامه، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: "إن منكم رجالا نكلهم إلى إسلامهم منهم فرات بن حيان"، انتهى. وهذا الحديث رواه أبو داود في الجهاد منفردا به، من حديث فرات المذكور، وهو بضم الفاء، وأبوه بفتح المهملة وشد التحتية، ابن ثعلبة بن عبد العزى الربعي البكري، حليف بني سهم. روى له أبو داود، وأحمد في المسند، وروى عنه حارثة بن مضرب، وقيس بن زهير، والحسن البصري، وعند الواقدي: وأسروا رجلين، أو ثلاثة فيهم فرات بن حيان، وكان أسر يوم بدر فأفلت على قدميه، فكان الناس عليه أحنق شيء، وكان الذي بينه وبين أبي بكر حسنا، فقال له: أما آن لك أن تقصر، أي بضم الفوقية، وكسر الصاد، من أقصر عن الشيء إذا أمسك عنه مع القدرة عليه، قال: إن أفلت من محمد هذه المرة لم أفلت أبدا، فقال له أبو بكر: فأسلم، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فتركه. قال في الروض: وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثمامة بن أثال في شأن مسليمة وردته ومر به عليه السلام وهو مع أبي هريرة والرحال بن عنفوة، فقال: "ضرس أحدكم في النار مثل أحد"، فما زال فرات وأبو هريرة خائفين حتى بلغهما ردة الرحال وإيمانه بمسيلمة، فخرا ساجدين والرحال لقبه واسمه نهار، انتهى. "وذكرها"، أي: هذ السرية "محمد بن إسحاق" في السيرة، "قبل قتل كعب بن الأشرف" ومر أن قتله لأربع عشرة ليلة من ربيع الأول، فهذه السرية قبل ذلك فيخالف قول ابن سعد، أنها لهلال جمادى الآخرة، لكنه تبع شيخه الواقدي، وجزم به الحافظ في سيرته، وقد التزم الاقتصار على الأصح والله أعلم.

غزوة أحد

"غزوة أحد": ثم غزوة أحد وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها.

_ ثم غزوة أحد: بضم الهمزة والحاء وبالدال المهملتين: قال المصباح: مذكر مصروف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهم البقعة فيمنع، وليس بالقوي، "وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها" لأن بين أوله وبين بابها المعروف بباب البقيع ميلين وأربعة أسباع ميل تزيد يسيرا. كما حرره الشريف السمهودي قائلا: تسمح النووي في قوله: على نحو ميلين، قلت: لكن عادتهم في مثل ذلك عدم الجزم بالتحديد للاختلاف في قدر الميل، فيقولون: على نحو،

وسمي بلك لتوحده وانقطاعه عن جبال آخر هناك، ويقال له: ذو عينين، قال في القاموس: بكسر العين وفتحها مثنى، جبل بأحد. انتهى. وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: "أحد جبل يحبنا ونحبه"

_ وشبهه "وسمي بذلك لتوحده وانقطاعه" تفسيري، "عن جبال آخر هناك" كما قاله السهيلي. قال: أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد، وقال ياقوت في معجم البلدان: هو اسم مرتجل لهذا الجبل، وهو أحمر "ويقال له: ذو،" أي: صاحب "عينين"، لمجاورته لجبل يسمى عينين. "قال في القاموس" ما نصه: وعينين، "بكسر العين" المهملة "وفتحها مثنى" على كل منهما لا بفتح العين، وسكون الياء وكسر النون الأولى، كما قال المطرزي وعليه فليس مثنى "جبل بأحد" وقف عليه إبليس، فنادى: أن محمدًا قد قتل، "انتهى". نص القاموس بقوله وقف إلى آخره، وفي البخاري ومسلم: وعينين، جبل بجبال أحد بينه وبينه واد. قال في الفتح: حيال بحاء مهملة مكسورة بعدها تحتية خفيفة، أي: مقابله، وهو تفسير من بعض الرواة، لقول وحشي خرج الناس عام عينين، والسبب في نسبه وحشي العام إليه دون أحد، أن قريشا نزلوا عنده. قال ابن إسحاق: فنزلوا بعينين جبل ببطن السبخة على شفير الوادي، مقابل المدينة، انتهى. و"هو" أي: أحد، كما قال في الفتح والعيون والنور وغيرها لا عينين، كما زعم من وهم، "الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام" كما أخرجه الشيخان عن أنس والبخاري عن سهل بن سعد "أحد". وفي رواية لهما أيضا عن أنس: أن أحدا، "جبل" خبر موطئ لقوله: "يحبنا،" حقيقة كما رجحه النووي وغيره، وقد خاطبه صلى الله عيه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب: "أسكن أحد.." الحديث، فوضع الله الحب فيه، كما وضع التسبيح في الجبال مع داود، وكما وضع الخشية في الحجارة التي قال فيها: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه} وكما حن الجذع لمفارقته صلى الله عليه وسلم، حتى سمع الناس حنينه فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلم عليه الحجر والشجر، وسبحت الحصاة في يده، وكلمه الذراع، وأمنت حوائط البيت وأسكفه الباب على دعائه، إشار إلى حب الله إياه صلى الله عليه وسلم، حتى أسكن حبه في الجماد، وغرس محبته في الحجر مع فضل يبسه وقوة صلابته، "ونحبه" حقيقة؛ لأن جزاء من يحب أن يحب، ولكونه كما قال الحافظ: من جبال الجنة، كما في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا: "أحد جبل يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة"، أخرجه أحمد، انتهى.

تنبيه: وقيل: وفيه قبر هارون، أخي موسى، عليهما السلام.

_ وروى البزار والطبراني: "أحد هذا جبل يحبنا ونحبه، على باب من أبواب الجنة"، أي: من داخلها، كما في الروض، فلا ينافي رواية الطبراني أيضا: "أحد ركن من أركان الجنة"؛ لأنه ركن بجانب داخل الباب، بدليل رواية ابن سلام في تفسيره: أنه ركن باب الجنة، وقيل: هو على الحال، إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولقائهم، وذلك فعل المحب بمن يحب، وضعف بما للطبراني عن أنس، فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه، بكسر المهملة وبالضاد معجمة، كل شجرة عظيمة ذات شوك، فحث على عدم إهمال الأكل حتى لو فرض أنه لا يوجد إلا ما لا يؤكل، كالعضاة يمضغ منه تبركا ولو بلا ابتلاع. قال في الروض: ويقوى على الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب"، مع أحاديث أنه في الجنة، فتناسبت هذه الآثار وشد بعضها بعضا، وقد كان عليه السلام يحب الاسم الحسن، ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد سماه الله تعالى بهذا الاسم تقدمة لما أراده مشاكلة اسمه لمعناه، إذا هله وهم الأنصار نصروا التوحيد، والمبعوث بدين التوحيد، واستقر عنده حيا وميتا، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يستعمل الوتر، ويحبه في شأنه كله استشعارا للأحدية، فقد وافق اسمه أغراضه ومقاصده عليه السلام قال: ومع أنه مشتق من الأحدية، فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب به منه صلى الله عليه وسلم اسما ومسمى، فخص من بين الجبال، بأن يكون معه في الجنة إذا بست الجبال بسا انتهى. وأخذ من هذا أنه أفضل الجبال، وقيل: عرفة، وقيل: أبو قيس، وقيل: الذي كلم الله عليه موسى، وقيل: قاف. "تنبيه:" علق الشارح بجد المؤلف، ما لم يقله أحد، فرجع ضمير قوله وهو الذي قال فيه لعينين لا لأحد؛ لأنه لو كان كذلك لحتج للبيان؛ لأن أحا نص فيه وهو عجب كيف يتوهم ذلك الصادق المصدوق، يقول أحد والمتعلق بالضمائر يقول عينين، مع أن جبل آخر مقابل له، كما علمت، ولذا لم يبال المصنف تبعا لمغلطاي بإيهام ذلك؛ لأنه غير متوهم، بل قصد كغيره من أصحاب المغازي وغيرهم، تشريف الجبل الذي أضيفت إليه هذه الغزوة بالحديث الصحيح. "وقيل: وفيه قبر هارون،" بفتح القاف وسكون الباء اسما لا بضمها، وكسر الباء لقوله: "أخي موسى عليهما السلام" وفيه: قبض، وقد كانا مرا حاجين أو معتمرين. روي هذا المعنى في حديث أسنده الزبير بن بكار في كتاب فضل المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا في الروض. قال في الفتح: وسند الزبير في ذلك ضعيف جدا، ومنقطع وليس بمرفوع انتهى. بل في

وكانت عنده الوقعة المشهورة، في شوال سنة ثلاث بالاتفاق، يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه -وقيل لسبع ليال خلون منه، وقيل وفي نصفه. وعن مالك: بعد بدر بسنة، وعنه أيضا: كانت على أحد وثلاثين شهرا من الهجرة. وكان سببها، كما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود

_ النور عن ابن دحية أنه باطل بيقين، إنما مات بنص التوراة في موضع على ساعة من مدينة جبلة من مدن الشام، انتهى. وبه تعلم أنه لا يصح الجمع، بأنه يقول للمدينة شامية، وقيل: قبره بجبل مشرف قبلي بين المقدس، يقال له: طور هارون، حكاه ياقوت في المشترك، وفي الأنوار الأكثر أن موسى وهارون ماتا في التيه، وأن موسى مات بعد هارون بسنة انتهى. وفي النور: بنحو خمسة أشهر. وقال المصنف وغيره: مات هارون قبل موسى بنحو أربعين سنة، "وكانت عنده الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث بالاتفاق" أي: باتفاق الجمهور، كما عبر به في الفتح قائلا، وشذ من قال سنة أربع، ولعله لشذوذه لم يعتد به فحكى الاتفاق "يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه،" عند ابن عائذ، كما في العيون وابن إسحاق، كما في الفتح، "وقيل: لسبع ليال خلون منه" قاله ابن سعد. زاد في الفتح، وقيل: لثمان، "وقيل": لتسع، "وفي نصفه" جزم به إسحاق في رواية ابن هشام، عن زياد عنه قال: وكان يوم السبت. "وعن مالك" الإمام كانت "بعد بدر بسنة" قال الحافظ: وفيه تجوز؛ لأن بدرا كانت في رمضان باتفاق، فهي بعدها بسنة وشهر، ولم يكمل "و" لذا روى "عنه أيضا: كانت على أحد وثلاثين شهرا من الهجرة" لكن قال شيخنا: قد مر أن انصرافه من بدر كان أول شوال، فمن لازمه أن أحدًا بعدها بسنة، كما قال مالك في شوال، وكذا قوله الآخر لا يخالف أن أحدًا في شوال؛ لأن دخول المدينة كان في ربيع الأول، الأحد وثلاثون، إذا كان ابتداؤها من دخوله عليه السلام المدينة، كان نهايتها آخر رمضان من السنة الثالثة، إذا ألغى كسر ربيع الأول، وإلا فنهايتها في أثناء شوال، فاتفقت الأقوال على أن أحدً في شوال، "وكان سببها كما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه" الذين عين منهم أربعة، فقال: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ وغيرهم، "وموسى بن عقبة" بالقاف، "عن ابن شهاب" الزهري، "وأبو الأسود" المدني، يتيم عروة، ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، الأسدي الثقة، المتوفى سنة بضع وثلاثين

عن عروة، وابن سعد، قالوا -أو من قال منهم- ما حاصله: إن قريشا لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب، ورجع أبو سفيان بعيره، قال عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، في جماعة ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه -بعنون عير أبي سفيان، ومن كانت له في تلك العير تجارة- لعلنا أن ندرك به ثأرنا

_ ومائة، "عن عروة" بن الزبير، "و" كما ذكره "ابن سعد، قالوا:" أرسله الجميع، "أو من قال منهم:" هذا لفظ ابن إسحاق، وهو بمعنى قول المحدثين: دخل حديث بعضهم في بعض، ومعناه: أن اللفظ لجميعهم، فعند كل ما ليس عند الآخر، وهو جائز، إن كان الجميع ثقات، كما هنا، وقد فعله الزهري في حديث الإفك، "ما حاصله" من كلام المصنف، إشارة إلى أنه لم يتقيد بلفظ واحد من الأربعة، "أن قريشا لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب" خصهم لكونهم أشرافهم، وهم أربعة وعشرون، وجملة قتلى بدر سبعون، "ورجع أبو سفيان" المسلم في الفتح "بعيره". "قال عبد الله بن أبي ربيعة" عمرو أو يقال حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، أسلم في فتح مكة، وصحب، "وعكرمة بن أبي جهل" أسلم بعد الفتح، وصحب، "في" أي: "مع "جماعة" منهم: الحارث بن هشام، وحويطب بن عب العزى، وصفوان بن أمية، وأسلموا كلهم بعد ذلك رضي الله عنهم، "ممن أصيب آباؤهم" كعرمة، وصفوان، "وإخوانهم" كالحارث، وأبي جهل، "وأبناؤهم"، كأبي سفيان أصيب ابنه حنظلة "يوم بدر". والمراد من القوم الذين أصيبوا بمن ذكر سواء كانت بالبعض أو الكل، "يا معشر قريش" إضافة حقيقية، أي: يا هؤلاء الجماعة المنسوبون إلى قريش أو بيانية أطلق على الحاضرين لأنهم أشرافهم، فلا يخالفهم غيرهم ثم القول من الجميع أو بعضهم، ونسب لهم لسكوتهم عليه، "أن محمدا قد وتركم" بفتح الواو والفوقية، قال أبو ذر: قد ظلمكم، والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك دمه. قال الشامي كالبرهان ويطلق على النقص كقوله تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] ، تصح إرادته، أي: نقصكم بقتل أشرافكم، "وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال" أي: بربحه، "على حربه، يعنون عير أبي سفيان، ومن كانت له في ذلك تلك العير تجارة" وكانت موقوفة بدار الندوة، كما عند ابن سعد، "لعلنا أن ندرك منه ثأرنا" بمثلثة وهمزة، وتسهل الحقد،

فأجابوا لذلك، فباعوها وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار. وفيهم -كما قال ابن إسحاق وغيره- أنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36] . واجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتب العباس بن عبد المطلب كتابا يخبر

_ أي: ما يذهب حقدنا على من قتل منا بأخذ جماعة في مقابلتهم، "فأجابوا لذلك". وعند ابن سعد: مشت أشراف قريش إلى أبي سفيان، فقالوا: نحن طيبو أنفس إن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: فأنا أول من أجاب إلى ذلك، وبنو عبد مناف. قال البلاذري: ويقال بل مشى أبو سفيان إلى هؤلاء الذين سمعوا "فباعوها" قال ابن سعد: فصارت ذهبا، قال: "وكانت" أي: الإبل الحاملة للتجارة، "ألف بعير والمال خمسين ألف دينار" فسلموا إلى أهل العير رءوس أموالهم، وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون في تجاراتهم لكل دينار دينارا، قاله ابن سعد، وهو ظاهر في أن الربح خمسون ألفا، لكن حمله النور وتبعه الشامي، على أنهم أخرجوا خمسة وعشرين ألفا لمسيرهم لحربه صلى الله عليه وسلم وعليه ففي قوله: وأخرجوا أرباحهم، تجوز، أي: نصف أرباحهم، وقوله: وكانوا ... إلخ، مجرد أخبار. "وفيهم كما قال اب إسحاق" عن بعض أهل العلم: قال في النور: لا أعرفه، ووقع في لباب النقول، وعن ابن إسحاق، ففيهم كما ذكر عن ابن عباس، ولعله في رواية غير البكائي عنه "وغيره أنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} [الأنفال: 36] ، أي: يريدون إنفاقها في حرب النبي صلى الله عليه وسلم: {لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا} بالفعل، {ثُمَّ تَكُونُ} في عاقبة الأمشر {عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} ندامة أو غما، لفواتها وفوات ما قصدوه، جعل ذاتها حسرة وهي عاقبة إنفاقها مبالغة، {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} في الدنيا آخر الأمر، وإن كان الحرب بينهم سجالا قبل ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن عتيبة، تصغير عتبة الباب، قال: نزلت في أبي سفيان: أنفق على المشركين أربعين أوقية من ذهب، وأخرج ابن جرير عن ابن أبزى، وسعيد بن جبير قالا: نزلت في أبي سفيان: استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش، ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في المطمعين يوم بدر، وهم اثنا عشر رجلا من قريش، أطعم كل واحد منهم كل يوم عشرة حزر. "واجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال ابن إسحاق: بأحابيشها، ومن أطاعها من قبل كنانة، وأهل تهامة، وكان خروجهم من مكة لخمس مضين من شوال، "وكتب" كما قال ابن سعد "العباس بن عبد المطلب كتابا يخبر

رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم، وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد مقابل المدينة. وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر. ورأى صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: "والله إني قد رأيت خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع

_ رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم" وبعثه مع رجل من بني غفار، وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها، فقدم عليه وهو بقباء، فقرأه عليه أبي بن كعب، واستكتم أبيا، ونزل صلى الله عليه وسلم على سعد بن الربيع، فأخبره بكتاب العباس، فقال: والله إني لأرجو أن يكون خيرا، فاستكتمه، "وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد مقابل المدينة. قال ابن إسحاق: حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي، مقابله المدينة. وقال المطرزي: فنزلوا بدومة من وادي العقيق، يوم الجمعة، وقال ابن إسحاق والسدي: يوم الأربعاء ثاني عشر شوال، فأقاموا بها الأربعاء والخميس والجمعة، وقال ابن إسحاق والسدي: يوم الأربعاء ثاني عشر شوال، فأقاموا بها الأربعاء، والخميس والجمعة، فخرج إليهم صلى الله عليه وسلم فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال، هكذا نقله البغوي عنهما، ولعله في رواية غير البكائي، عن ابن إسحاق أو هو مما انفرد به السدي عنه، "وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر" لما سمعوه من أخباره صلى الله عليه وسلم، بفضل من شهدها وعظيم ثوابه، فودوا غزوة ينالون بها مثل ما ناله البدريون، وإن استشهدوا. "ورأى" وفي نسخة: وأرى بالبناء للمفعول "صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة" كما عند ابن عقبة وابن عائذ، "رؤيا" بلا تنوين، "فلما أصبح، قال: "والله إني قد رأيت خيرا". وفي الصحيح: "ورأيت فيها بقرا، والله خير". قال الحافظ: مبتدأ وخبر، بتقدير وصنع الله خير، وقال السهيلي: معناه والله عنده خير، وهو من جملة الرؤيا، كما جزم به عياض وغيره، انتهى. ولذا فسره صلى الله عليه وسلم، فقال: "وإذا الخير ما جاء الله به من الخير"، كما رواه البخاري. وفي رواية ابن إسحاق: "رأيت والله خيرا"، "رأيت بقرا"، بفتح الموحدة والقاف، جمع بقرة، استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا رأيت؟، فقال: رأيت بقرا "تذبح ورأيت في ذباب" بمعجمة فموحدة، طرف "سيفي" الذي يضرب به، وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: "رأيت سيفي ذا الفقار قد انفصم صدره"، وكذا عند ابن سعد، وأخرجه البيهقي في الدلائل من حديث أنس قاله في الفتح، "ثلما" بمثلثة مفتوحة فلام ساكنة، أي: كسرا، "ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة" أنث الصفة؛ لأن الدرع مؤنثة، وبقي من الرؤيا شيء لم يذكر هنا، وهو ما رواه أحمد عن أنس رفعه: "طرأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا"، وكان ضبطة سيفي انكسرت، فأولت يأني

حصينة، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل". وقال موسى بن عقبة، ويقول رجال: كان الذي بسيفه ما أصاب وجهه، فإن العدو أصابوا وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم، يومئذ، وكسروا رباعيته، وجرحوا شفته.

_ أقتل صاحب الكتيبة، وكبش القوم سيدهم، فصدق الله رسوله الرؤيا، فقتل علي رضي الله عنه طلحة بن عثمان، صاحب لواء المشركين يومئذ، "فأما البقر" جواب لقولهم، كما في رواية قالوا: ما أولتها؟ قال: البقر، "فناس من أصحابي يقتلون". وفي الصحيح: "ورأيت فيها بقرا، خير"، فإذا هم المؤمنون يوم أحد. قال السهيلي: البقر في التعبير بمعنى رجال متسلحين يتناطحون. قال الحافظ: وفيه نظر، فقد رأى الملك بمصر البقر، وأولها يوسف بالسنين. وفي حديث ابن عباس ومرسل عروة: فأولت البقر الذي رأيت بقرا يكون فينا، قال: فكان أول من أصيب من المسلمين، وقوله: بقرا، بسكون القاف، وهو شق البطن، وهذا أحد وجوه التعبير أن يشتق من الاسم معنى يناسب، ويمكن أن يكون ذلك لوجه آخر من وجوه التأويل، وهو التصحيف، فإن لفظ: بقر، مثل لفظ: نفر، بالنون والفاء خطأ. وعند أحمد والنسائي، وابن سعد من حديث جابر بسند صحيح في هذا الحديث، "ورأيت بقرا منحورة"، وقال فيه: فأولت الدرع المدينة والبقر نفر، هكذا فيه بنون وفاء، وهو يؤيد الاحتمال المذكور، انتهى. وخالفه المصنف، فضبط بقرا الثاني، بسكون القاف، فلا أدري لم خالفه، ثم لا تعارض بين الأحاديث في التأويل بالقتل أو البقر كما هو ظاهر. "وأما الثلم"، الكسر، "الذي رأيت في" ذباب "سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل" فكان حمزة سيد الشهداء رضي الله عنه، هكذا قال ابن هشام عن بعض أهل العلم مرفوعا معضلا. "وقال موسى بن عقبة: ويقول رجال" منهم عروة "كان الذي بسيفه ما أصاب وجهه الشريف، فإن العدو أصابوا وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم يومئذ وكسروا رباعيته" بتخفيف الياء، أي: تثنيته اليمنى، "وجرحوا شفته" السفلى، ولعل هذا تفسير للكسر الذي أصاب صدر سيفه، وتفسيره صلى الله عليه وسلم للثلم الذي بطرفه فيكون في سيفه خلل في موضعين، فسر عليه السلام واحدًا منهما، وهؤلاء الرجال فسروا الموضع الآخر. وفي الصحيح: "رأيت في رؤياي أني هززت سيفا فانقطع صدره"، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. قال المهلب: لما كان صلى الله عليه وسلم يصول بأصحابه، عبر عن السيف بهم وبهزه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم.

وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: "وأولت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا، فإن دخل القوم المدينة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت". فقال أولئك القوم، يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم.

_ "وفي رواية" عند أحمد والنسائي وابن سعد بسند صحيح، عن جابر قال: "قال عليه الصلاة والسلام:" "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر" "وأولت الدرع الحصينة المدينة" نصب بنزع الخافض، أي: بالمدينة، ووجه التأويل أنهم كانوا شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، وجعلوا فيها الآطام والحصون، فهي حصن، ولذا قال: "فامكثوا فإن دخل القوم المدينة". وفي نسخة: الأزقة، أي: أزقة المدينة، "قاتلناهم ورموا"، بالبناء للمفعول، "من فوق البيوت" وعند ابن إسحاق: "فإن رأيت أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلو، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها"، وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأية صلى الله عليه وسلم، وكان عليه السلام يكره الخروج إليهم، "فقال أولئك القوم" أي: الرجال الذين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر، وغالبهم أحداث، لم يشهدوا بدرا وأحبوا لقاء العدو، وطلبوا الشهادة، فأكرمهم الله يومئذ، "يا رسول الله، إنا كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا" بفتح الجيم وضم الموحدة وشد النون، فعل ماض وفاعله "عنهم". زاد ابن إسحاق: وضعفنا، فقال ابن أبي: يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إل أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعواخائبين كما جاءوا، فلم يزل أولئك القوم به صلى الله عليه وسلم وعند غيره، فقال حمزة وسعد بن عبادة، والنعمان بن مالك، وطائفة من الأنصار: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أن كرهنا الخروج جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جراءة منهم علينا. زاد حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة، وقال النعمان: يا رسول الله، لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها، فقال صلى الله عليه وسلم: "لمه" فقال: لأني أحب الله ورسوله، وفي لفظ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ولا أفر يوم الزحف، فقال صلى الله عليه وسلم: "صدقت"، فاستشهد يومئذ فإن قيل لم عدل صلى الله عليه وسلم عن رأيه الذي

فصلى عليه الصلاة والسلام بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك. ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ثم دخل عليه الصلاة والسلام بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فعمماه وألبساه. وصف الناس ينتظرون خروجه عليه الصلاة والسلام، فقال لهم سعد بن معاذ

_ لا أسد منه، وقد وافقه عليه أكابر المهاجرين والأنصار وابن أبي، وإن كان منافقا، لكنه من الكبار المجربين للأمور، ولذا أحضره عليه السلام واستشاره إلى رأي هؤلاء الأحداث، قلت: لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالجهاد خصوصا، وقد فاجأهم العدو، فلما رأى تصميم أولئك على الخروج، لا سيما وقد وافقهم بعض الأكابر من المهاجرين، كحمزة والأنصار، كابن عبادة، ترجح عنده موافقة رأيهم، وإن كرهه ابتداء ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وهذا ظهر لي ولم أره لأحد. "فصلى عليه الصلاة والسلام بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد" بكسر الجيم، وشد الدال، ضد الهزل "والاجتهاد" في التأهب للقتال وإعداد الجيش، "وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا" مدة صبرهم على أمره، بأن لا يبرحو من مكانهم، فلما تأولوا وفارقوه، استشهدوا ليتخذ الله منهم شهداء، "وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك" لأنهم لا غرض لهم في الدنيا وزهرتها لما وقر في قلوبهم، وارتاحت له نفوسهم من حب لقاء الله، والمسارعة إلى جنات النعيم. وعند ابن إسحاق: وقد مات ذلك اليوم مالك بن عمرو النجاري، فصلى عليه صلى الله عليه وسلم ويقال: بل هو محرر بمهملات، قال الأمير: بوزن محمد، وقال الدارقطني: آخره زاي معجمة، بوزن مقبل ابن عامر النجاري "ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا" بفتح المعجمة، ومضارعة بكسرها، أي: اجتمعوا، "وحضر أهل العوالي" جمع عالية، وهي القرى التي حل المدينة من جهة نجد على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وذلك أدناها وأبعدها ثمانية، وما دون ذلك من جهة تهامة، فالسافلة كما في النور، "ثم دخل عليه الصلاة والسلام بيته" الذي فيه عائشة، كما عند الواقدي وغيره، "ومعه صاحباه" دنيا وبرزخا وموقفا وحوضا وجنة، "أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فعمماه وألبساه". قال شيخنا: الظاهر أن المراد عاوناه في لبس عمامته, ثيابه والتقليد بسيفه، غير ذلك مما تعاطاه عند إراد الخروج، "وصف" لازم بمعن اصطف "الناس" مرفوع فاعل، كما في النور ما بين حجرته إلى منبره، "ينتظرون خروجه عليه الصلاة وا لسلام، فقال لهم سعد بن معاذ" سيد

وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، فردوا الأمر عليه، فخرج صلى الله عليه وسلم وقد لبس لأمته -وهي بالهمز وقد يترك تخفيفا: الدرع- وتقلد سيفه، فندموا جميعا على ما صنعوا،

_ الأوس وهو في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين، فهو أفضل الأنصار، قاله البرهان "وأسيد" بضم الهمزة وفتح السين المهملة، "ابن حضير" بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، ويقال: الحضير باللام. روى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وصححه الحاكم، عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعقد عليهم فضلا، كلهم من بني عبد الأشهل، سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، "استكرهتم" بسين التأكيد، لا الطلب، أي: أكرهتم "رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج". زاد في رواية: وقلتم له ما قلتم، والوحي ينزل عليه من السماء، "فردوا الأمر إليه" لأنه أعلم منكم بما فيه المصلحة ولا ينطق عن الهوى، ولا يفعل إلا بأمر الله، "فخرج" عطف على مقدر، أي: وانتظروه فخرج "صلى الله عليه وسلم، وقد لبس لامته وهي بالهمز، وقد يترك تخفيفا" وجمعها لام، كتمرة وتمر، ويجمع أيضا على لؤم بوزن نغر، على غير قياس؛ لأنه جمع لؤمة، قاله الجوهري، أي: بضم اللام. "الدرع" وقيل: السلاح ولامة الحرب أداته، كما في الصحاح. وروى أبو يعلى والبزار بسند حسن، عن سعد وطلحة: أنه ظاهر بين درعين يوم أحد، قال البرهان: بالظاء المعجمة، أي: لبس درعا فوق درع، وقيل: طارق بينهما، أي: جعل ظهر إحداهما لظهر الأخرى، وقيل: عاون والظهير العوين، أي: قوي إحدى الدرعين بالأخرى في التوقي، ومنه تظاهرون ولم يظاهر بين درعين إلا في أحد وفي حنين. ذكر مغلطاي أنه ظاهر فيها بين درعين. وفي سيرة عبد الغني روى عن محمد بن مسلمة، رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم نين درعين، درعه ذات الفضول، والسعدية، وكان سيفه ذو الفقار، تقلده يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، انتهى. "وتقلد سيفه" أي: جعل علاقته على كتفه الأيمن وهو تحت إبطه الأيسر. وعند ابن سعد: أظهر الدرع وخرم وسطها بمنطقة من أدم، من حمائل سيفه، وتقلد السيف ألقى الترس في ظهره. وقول ابن تيمية: لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم شد على وسطه منطقة، يرد برواية ابن سعد فإنه ثقة حافظ، وقد أثبته وأقره عليه اليعمري، فهو حجة على من نفاه، لا سيما وإنما نفى أنه بلغه ولم يطلق النفي، "فندموا جميعا على ما صنعوا" الطالبون للخروج على فعله، ومن لم

فقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه". وفي حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم: نحو حديث ابن إسحاق، وفيه إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة، ولبسه لأمته، وندامتهم على ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" وفيه: "إني رأيت أني في درع حصينة" الحديث. وعقد عليه الصلاة والسلام ثلاثة ألوية:

_ يطلب على الموافقة، أو هو قاصر على الطالبين، "فقالوا: ما كان" ينبغي "لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت،" ولابن سعد: ما بدا لك، وعند ابن إسحاق: فإن شئت فاقعد، "فقال: "ما ينبغي" قال الشامي: "أي: ما يحسن، أو ما يستقيم "لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه". وعند ابن إسحاق حتى يقاتل، زاد في رواية: "أو يحكم الله بينه وبين أعدائه"، وروى البيهقي عن ابن عباس، والإمام أحمد عن جابر رفعاه: "لا ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب، وأذن في الناس بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل"، وعلقه البخاري قال البرهان: وظاهره أن ذلك حكم جميع الأنبياء عليهم السلام، ولم أر فيه نقلا، قال: وفيه دليل على حرمة ذلك، وهو المشهور خلافا لمن قال بكراهته. "وفي حديث ابن عباس عند أحمد" بن حنبل، "والنسائي" أحمد بن شعيب، "والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب، "وصححه الحاكم" محمد بن عبد الله، "نحو حديث ابن إسحاق" هذا الذي سقناه مع من ذكرناه معه أولا. ولما كان قوله نحو: قد يقتضي خروج بعض ما ذكره من غير تعيين نص على أن فيه ما ذكره بقوله، "وفيه إشارة الني صلى الله عليه وسلم إليهم أن لا يبرحوا" لا يخرجوا "من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة، ولبسه لأمته وندامتهم على ذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" إن وجد من يقاتله، "وفيه: "أني رأيت أني في درع حصينة"، الحديث" وغرضه من هذا تقوية رواية ابن إسحاق، ومن ذكر معه؛ لأنها مرسلة بالحديث الموصل حكما؛ لأن ابن عباس، ما شاهد ذلك، فهو مرسل صحابي، وحكمه الموصل إلى الصواب، وقد أخرج حديث الرؤيا بنحوه الشيخان وغيرهما. "وعقد عليه الصلاة والسلام ثلاثة ألوية، لواء" للأوس، "بيد أسيد بن الحضير" باللام، للمح الأصل المنقول عنه، "ولواء

- لواء بيد أسيد بن حضير. - ولواء للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب وقيل بيد مصعب بن عمير. - ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة. وفي المسلمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة.

_ للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب، وقيل: بيد مصعب بن عمير" وليس بخلاف حقيقي، فإنه كان بيد علي، ثم بيد مصعب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "من يحمل لواء المشركين"؟، فقيل: طلحة بن أبي طلحة، فقال: "نحن أحق بالوفاء منهم" فأخذه من علي، ودفعه إلى مصعب بن عمير، أي: لأنه من بني عبد الدار بن قصي، وكان بكر قصي، فجعل إليه اللواء، والحجابة، والسقاية، والرفادة، وكان قصي مطاعا في قومه، لا يرد عليه شيء صنعه، فجرى ذلك في عبد الدار وبنيه حتى قام الإسلام. كما أسنده ابن إسحاق، عن علي فيما مر فإلى هذا أشار عليه السلام، أي: بوفاء عهد قصي؛ لأنه لم يخالف شرعه، "ولواء الخزرج بيد الحباب" بضم الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة، فألف فموحدة، "ابن المنذر، وقيل: بيد سعد بن عبادة" سيدهم، "وفي المسلمين مائة دارع"، أي: لابس الدرع، وهو الزردية، وركب صلى الله عليه وسلم فرسه السكب على إحدى الروايتين، والأخرى أنه خرج من منزل عائشة على رجليه إلى أحد، "وخرج السعدان" القائل فيهما الهاتف بمكة، فإن يسلم السعد أن يصبح محمد بمكة، لا يخشى خلاف المخالف "أمامه يعدوان" بعين مهملة، أي: يمشيان مشيا مقارب الهرولة ودون الجري، "سعد بن معاذ وسعد بن عبادة" رضي الله عنهما، حال كونهما "دارعين" مثنى دارع بوزن فاعل، والناس عن يمينه وشماله، "واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم" أي: على الصلاة بالناس، كما قاله هشام وتبعه جمع، ومقتضاه أنه لم يول أحدا للقضاء بين الناس، وكأنه لقرب المسافة، أو لأنه لم يبق فيها إلا القليل، اذين لا يتخاصمون، "وعلى الحرس تلك الليلة" التي باتها بالشيخين، تثنية شيخ موضع بين المدينة وأحد على الطريق الشرقي إلى أحد مع الحرة، "محمد بن مسلمة" الأنصاري، أكبر من اسمه محمد في الصحابة، في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر، وعين المشركون لحراستهم. عكرمة بن أبي جهل في جماعة، وروى أنه عليه السلام بعدما صلى العشاء قال: "من يحرسنا الليلة"؟ فقال ذكوان بن عبد قيس: أنا، قال: "اجلس" ثم قال: "من يحرسنا"؟، فقال

وأدلج عليه الصلاة والسلام في السحر، وقد كان صلى الله عليه وسلم لما عسكر رد جماعة من المسلمين لصغرهم، منهم: أسامة، وابن عمر،

_ رجل: أنا، ثم قال: "من يحرسنا"، فقال رجل: أنا، قال: "اجلس" فأمر بقيام الثلاثة، فقام ذكوان وحده، فسأله عن صاحبيه، فقال: يا رسول الله، أنا كنت المجيب في كل مرة، قال: "اذهب حفظك الله"، فلبس لامته، وأخذ قوسه، وحمل سلاحه وترسه، فكان يطوف بالعسكر ويحرس خيمته صلى الله عليه وسلم. "وأدلج عليه الصلاة والسلام" قال البرهان: اختلف اللغويون في أن أدلج مخففا ومثقلا لغتان، في سير الليل كله أو بينهما فرق، وهو قول الأكثر فأدلج بالتشديد، سار آخر الليل، وأدلج، بسكون الدال، سار الليل كله، وسار دلجة من الليل، أي: في ساعة، انتهى. فإن قرئ المصنف بالتشديد، فقوله "في السحر" وهو قبيل الفجر، بيان للمراد من آخر الليل، وإن خفف كان بيانا لوقت السير، ويؤخذ من كلام ابن إسحاق، أنهم خرجوا من ثنية الوداع شامي المدينة. وقد روى الطبراني في الكبير والأوسط، برجال ثقات، عن أبي حميد الساعدي، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد، حتى إذا جاوز ثنية الوداع، فإذ هو بكتيبة خشناء، فقال: "من هؤلاء"؟ قالوا: عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود، فقال: "وقد أسلموا"؟، قالوا: لا يا رسول الله، قال: "مروهم فليرجعوا" فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين". قال ابن إسحاق: وكان دليله صلى الله عليه وسلم أبو خيثمة الحرثي، بخاء معجمة، وياء ومثلثة، ووهمه اليعمري ومغلطاي بأن الذي ذكره الواقدي، وابن سعد، أنه أبو حتمة، والد سهل بن أبي حتمة، يعني بحاء مهملة ففوقية، زاد مغلطاي: وقول ابن أبي حاتم، كان الدليل سهل بن أبي حتمة غير صحيح، لصغر سنه عن ذلك، انتهى, "وقد كان صلى الله عليه وسلم لما عسكر" بالشيخين قال السمهودي: بلفظ تثنية شيخ اطمأن بجهة الوالج، سميا بشيخ وشيخة، كانا هناك هيأ مسجدا له صلى الله عليه وسلم صلى به في مسيره لأحد وعسكر هناك، "رد جماعة من المسلمين لصغرهم". قال الإمام الشافعي: رد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر صحابيا، عرضوا عليه وهم أبناء أربع عشرة سنة؛ لأنه لم يرهم بلغوا، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة، فأجازهم. قال البرهان: يحتمل أن يريد ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذا السن في غزواته وكل منهما فائدة. وظاهر الشامي احتمال الأول فإنه عد من رده في أحد سبعة عشر، ثم أجاز اثنين منهم، "منهم: أسامة" بن زيد، "و" عبد الله "بن عمر" بن الخطاب، وما وقع في نسخة سقيمة من الشامية عمر، وبزيادة واو خطأ، لا يعول عليه، فإن ابن عمرو بن العاص لم يكن أسلم حينئذ، وكان مع أبيه.

وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري. والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر. وكان المسلمون الخارجون ألف رجل، ويقال: تسعمائة، والمشركون ثلاثة آلاف رجل

_ والحديث عند أحمد، والبخاري، وأبي داود والنسائي، لابن عمر بن الخطاب، "وزيد بن ثابت" الأنصاري، "وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر" لأنه ولد في السنة الثانية قبل أحد بسنة، زاد اليعمري وغيره، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسعد بن عقيب، وسعد بن حبتة، وزيد بن جارية، بجيم وراء، الأنصاري، وجابر بن عبد الله: وليس بالذي يروي الحديث. قال البرهان: وهو إما الراسبي البصري، وإما العبدي، وعمرو بن حزم ذكره مغلطاي، ورافع بن خديج ذكره الواقدي، وأوس بن ثابت الأنصاري، كذا رواه ابن فتحون، عن ابن عمر بن الخطاب، وسمرة بن جندب، ثم أجاز رافع بن خديج لما قيل له: إنه رام، فقال سمرة لزوج أمه: أجاز رافعا وردني وأنا أصرعه، فأعلمه صلى الله عليه فقال: "تصارعا"، فصرع سمرة رافعا فأجازه، وعقيب، بصم المهملة، وفتح القاف، وسكون التحتية، والموحدة، وحبتة، بفتح المهملة، وسكون الموحدة، وفتح الفوقية، فتاء تأنيث، هي أمه، واسم أبيه بجير، بضم الموحدة، وفتح الجيم عند ابن سعد، وبفتحها، وكسر الحاء المهملة عند الدارقطني. "وكان المسلمون الخارجون" معه حقيقة وظاهرا "ألف رجل"، كما عند ابن إسحاق وغيره. "ويقال: تسعمائة" حكاه مغلطاي وغيره، فلما انخذل ابن أبي بالمنافقين الثلاثمائة صاروا سبعمائة على الأول، وستمائة على الثاني، كما في النور، فغلط من زعم أن تسعمائة مصحف عن سبعمائة؛ إذ الكلام في الخارجين أولا هل ألف أو إلا مائة. قال ابن عقبة: وليس في المسلمين إلا فرس واحد، وقال الواقدي: لم يكن معهم من الخيل إلا فرسه صلى الله عليه وسلم، وفرس بي بردة. وفي الاستيعاب، في ترجمة عباد بن الحارث بن عدي: أنه شهد أحدا، والمشاهد كلها معه عليه السلام على فرسه ذي الحزق. قال الحافظ في الفتح: وقع في الهدى، أنه كان معهم خمسون فرسا، وهو غلط بين، وقد جزم موسى بن عقبة، بأنه لم يكن معهم في أحد شيء من الخيل، ووقع عند الواقدي، كان معهم فرس له عليه السلام، وفرس لأبي بردة، انتهى بلفظه. "والمشركون ثلاثة آلاف رجل" كما جزم ابن إسحاق، وتبعه اليعمري. قال البرهان: وقال بعض الحفاظ: فجمع أبو سفيان قريبا من ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء والأحابيش، انتهى. وعطف الأحابيش على الحلفاء مساو هنا؛ لأن المراد بهم، كما في العيون وغيرها بنو

فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس، وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة. ونزل عليه الصلاة والسلام بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق

_ المصطلق وبنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناة، الذين حالفوا قريشا بذنبة حبشي، جبل بأسفل مكة، فسموا به، ويقال: هو واد بمكة، ويقال: سموا بذلك، لتجمعهم على أنهم يد واحدة على غيرهم أبدا. "فيهم سبعمائة دارع" لابس الدرع، وهكذا ذكره ابن سعد. "ومائتا فرس" قاله ابن إسحاق، "وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة" من أشرافهم. قال ابن إسحاق: خرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة، وأن لا يفروا، بفتح الحاء المهملة، وكسر الفاء، فتحتية ساكنة، ثم ظاء معجمة مفتوحة، ثم تاء تأنيث. قال السهيلي: أي الغضب للحرم، وقال أبو ذر: الأنفة والغضب، وسمي ابن إسحاق منهن هند بنت عتبة، خرجت مع أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية، وريطة بنت منبه السهمية مع زوجها عمرو بن العاص، وهي أم ابنة عبد الله، وسلافة بنت سعد الأنصارية مع زوجها طلحة الحجبي، وخناس بنت مالك مع ابنها أبي عزيز بن عمير أخي مصعب شقيقه، وخرجت عميرة بنت علقمة، ولم يسم الباقين، ونقله عنه الفتح، ولم يزد عليه. وكذا ذكر في النور الثمانية فقط، وقد أسلمن بعد ذلك وصحبن الأخناس، وعميرة بنت مالك، فلم أر لما ذكرا في الإصابة، وقد صرح في النور، بأنه لا يعلم لهما إسلاما، "ونزل عليه الصلاة والسلام بأحد، ورجع عنه عبد الله بن أبي" بن سلول "في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق" وقال: كما عند ابن سعد عصاني، وأطاع الوالدان ومن لا رأي له ولإبن إسحق قال: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا، فأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، وكان خزرجيا كابن أبي، فقال: أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم بعدما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما أبوا، قال: أبعدكم الله فسيغني الله عنكم نبيه، واعتذاره لعبد الله، بما ذكر، وإن كان كاذبا فلا ينافي قوله أطاعهم وعصاني، كما توهم؛ لأنه خطاب لقومه الذين هم منافقون مثله. قال ابن عقبة: فلما انخزل ابن أبي بمن معه، سقط في أيدي طائفتين من المسلمين، وهما أن يقتتلا، وهما بنو حارثة من الخزرج، وبنو سلمة، بكسر اللام، من الأوس. وفي الصحيح، عن جابر، نزلت هذه الآية فينا: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} [آل

ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالانصراف لكفرهم، بمكان يقال له الشوط، ويقال بأحد.

_ عمران: 122] ، بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: والله وليهما. قال الحافظ: أي: أن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم، لكن في آخرها غاية الشرف لهم. قال ابن إسحاق: قوله والله وليهما، أي الدافع عنهما ما هموا به من الفشل؛ لأن ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وهن منهم في دينهم. وفي الصحيح أيضا عن عبد الله بن زيد، لما خرج صلى الله عليه وسلم إلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحابه صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم. فنزل: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88] ، وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الحديد، وهذا هو الأصح في سبب نزولها، وقوله: الذنوب، كذا رواه البخاري في المغازي، وفي الحج بلفظ: تنفي الرجال، وفي التفسير: تنفي الخبث، وهو المحفوظ قاله في الفتح: "ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالانصراف لكفرهم"، حكاه مغلطاي وغيره. والتنظير فيه بأن الذين ردهم لكفرهم، حلفاء ابن أبي اليهود، وكان رجوعهم قبل الشوط لا يلتفت إليه، فنقل الحفاظ لا يدفع بالتوهمات العقلية، وأيضا فهؤلاء ثلاثمائة، واليهود ستمائة، كما مر. والجواب: بأن المعنى أمر بالكف عنهم ونهي عن طلب رجوعهم، فكأنه أمرهم "بمكان يقال له: الشوط" بشين معجمة مفتوحة، فواو ساكنة، فطاء مهملة، اسم حائط بالمدينة، كما في النور. وفي ابن إسحاق: بين المدينة وأحد. "ويقال:" انخزلوا "بأحد"، وبالأول جزم ابن إسحاق، ثم قال: قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "من يخر بنا على القوم من كثب" أي: "من قرب من طريق لا يمر بنا عليهم" فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرة بني حارثة بوبين أمواله، حتى سلك في مال لمربع بن قيظي، وكان منافقا ضريرا، فلما سمع حس المصطفى والمسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله، فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي، وقد ذكر لي، أنه أخذ وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر"، وقد بدر إليه سعد بن زيد الأشهلي قبل النهي، فضربه بالقوس في رأسه فشجه، ومضى صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد. وفي رواية: أنه لما وصل إلى أحد صلى به الصبح صفوفا عليهم سلاحهم وغلط من

ثم صف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة. قال ابن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وجعل صلى الله عليه وسلم على الرماة -وهم خمسون رجلا- عبد الله بن جبير، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم

_ زعم أنه بات بأحد ومربع، بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحدة، وعين مهملة، وقيظي، بفتح القاف، وسكون التحتية، وظاء معجمة، وياء مشددة، ويحثي بالياء، على إحدى اللغتين. ففي القاموس: حثى التراب، يحثوه ويحثيه وحثيا، "ثم صف" أي: اصطف "المسلمون بأصل أحد" أي: سفحه، "وصف المشركون بالسبخة" بفتح السين المهملة، وفتح الموحدة، وسكونها، الأرض المالحة وجمعها سباخ، فإذا وصفت بها الأرض قلت: سبخة بالكسر، كما في النور. "قال" موسى "بن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد" سيف الله الذي سله على المشركين بعد، "وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل" زاد غيره: وجعلوا على المشاة صفوان بن أمية، ويقال: عمرو بن العاص، وعلى الرماة وكانوا مائة عبد الله بن أبي ربيعة، وأسلموا كلهم. "و" في البخاري "جعل الله على الرماة" بضم الراء بالنبل، "وهم خمسون رجلا" هذا هو المعتمد. وفي الهدي: أن الخمسين عدد الفرسان، وهو غلط بين، كما في الفتح، وقد قدمته، وقيل: ما في الهدى انتقال حفظ من الرماة إلى الفرسان، قال البرهان: والظاهر أنه ليس بانتقال؛ لأنه ذكرهم فيما يليه، فقال: واستعمل على الرماة، وكانوا خمسين، انتهى، أي: فهو غلط محض. "عبد الله بن جبير" بن النعمان، أخا بني عمرو بن عوف الأنصاري الأوسي العقبي البدري، المستشهد يومئذ، وهو أخو خوات بن جبير "وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير" قال المصنف، بفتح الفوقية، وسكون الخاء المعجمة، وفتح المهملة مخففا، ولأبي ذر تخطفنا، بفتح الخاء وشد الطاء، وأصله تتخطفنا بتاءين إحداهما، أي: إن رأيتمونا قد زلنا من مكاننا وولينا، أو إن قتلنا، أو أكلت الطير لحومنا "فلا تبرحوا من مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم". وعند ابن إسحاق: انضحوا الخيل عنا النبل، لا يأتوننا من خلفنا، "وإن رأيتمونا هزمنا القوم

وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم". كذا في البخاري من حديث البراء. وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم: أن صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا". قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يأخذ هذا السيف بحقه"، فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: "أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني"،

_ وأوطأناهم" بهمزة مفتوحة، فواو ساكنة، فطاء فهمزة ساكنة، أي: مشينا عليهم، وهم قتلى "فلا تبرحوا" أي: من مكانكم "حتى أرسل إليكم، كذا في البخاري" في الجهاد، بهذا اللفظ. وفي المغازي بتغيير قليل "من حديث البراء" بن عازب. وفي حديث ابن عباس، عند أحمد والطبراني والحاكم، أنه صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع، ثم قال لهم: "احموا ظهورنا؛ لا يأتونا من خلفنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا" بفتح التاء والراء، أي: لا تكونوا مشاركين لنا. زاد في رواية: "وارشقوهم بالنبل، فإن الخيل لا تقوم على النبل، إنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم"، وكان أول من أنشب الحرب أبو عامر الفاسق كما يأتي. "قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يأخذ هذا السيف"؟ ذكر أبو الربيع في الاكتفاء، أنه كان مكتوبا في إحدى صفحتيه: في الجبن عار وفي الأقدام مكرمة ... والمرء بالجبن لا ينجو من القدر وروى أحمد ومسلم عن أنس، والطبراني عن قتادة بن النعمان وابن راهويه، والبزار عن الزبير، قالوا: عرض صلى الله عليه وسلم سيفا يوم أحد، فأخذه رجال ينظرون إليه. وفي لفظ: فبسطوا أيديهم، كل إنسان يقول: أنأ، فقال: "من يأخذه بحقه" فأحجم القوم، "فقام إليه رجال" سمى منهم عمرو الزبير، كما عند ابن عقبة، وعلي كما في الطبراني، وأبو بكر كما في الينابيع، "فأمسكه عنهم". ولابن راهويه، أن الزبير طلبه ثلاث مرات، كل ذلك يعرض عنه، "حتى قام إليه أبو دجانة" بضم الدال المهملة، وبالجيم والنون، "سماك" بسين مهملة، ابن خرشة وقيل: ابن أوس بن خرشة الأنصاري المتفق على شهود بداره، وعلى أنه استشهد باليمامة، "فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: "أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني".

قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إليه وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، فلما رآه عليه الصلاة والسلام، يتبختر قال: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن".

_ وروى الدولابي في الكنى عن الزبير، قال عليه السلام: "لا تقتل به مسلما، ولا تفر به من كافر". "قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله" أي: بما يقابله من الثمن، وهو الصفة التي ذكرتها، وجعل القتال به ثمنه مجازا. وعند الطبراني قال: "لعلك إن أعطيتكه تقاتل به في الكيول"، قال: لا، "فأعطاه إليه،" ولعله علم بالوحي أنه لا يقوم به حق القيام إلا هو وهي مزية. "وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب" قال في النور: الخيلاء والمخيلة والاختيال، كله التكبر، "فلما رآه عليه الصلاة والسلام يتبختر قال: "إنها لمشية يبغضها الله" بضم الياء وكشر الغين، من أبغض لا بفتحها، وضم الغين من بغض؛ لأنه لغة رديئة، كما في المصباح والقاموس، وقد وهم في ذلك بعضهم، "إلا في مثل هذا الموطن" لدلالتها على احتقار العدو، وعدم مبالاته بهم على حد قوله: جاء شقيق عارضا رمحه فينكسر قلب العدو، ويداخله مزيد الرعب. "قال الزبير بن العوام فيما قاله" عبد الملك "بن هشام" الحميري المعافري المصري، وأصله من البصرة، العلامة في النسب والنحو، المشهور بحمل العلم، مهذب سيرة ابن إسحاق التي رواها عن زيادة البكائي، عنه المتوفى بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين. ولفظه: حدثني غير واحد من أهل العلم، أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف، فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش، وقد قمت إليه وسألته إياه قبله، فأعطاه أبا دجانة وتركني "فقلت: والله لأنظرن ما يصنع أبو دجانة فاتبعته" لأشاهد الآية الباهرة في منع المصطفى لي ولغيري فيزداد يقيني. وقوله: وجدت، أي غضبت، أو حزنت، كما في النور وغيره، أي: على نفسه، خوفا أن المنع بسبب فيه يقتضيه، "فأخذ" لفظ ابن هشام، فأخرج. وفي الينابيع ثم أهوى إلى ساق خفه، فأخرج منها "عصابة له حمراء" مكتوبا في أحد طرفيها نصر من الله وفتح قريب، وفي طرفها الآخر الجبانة في الحرب عار، ومن فر لم ينج من النار، انتهى. "فعصب" قال البرهان: مخفف

بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت فخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول فجعل لا يلقى أحدًا من المشركين إلا قتله.

_ ومشدد، "بها رأسه فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت" في ابن هشام، وهكذا كانت تقول له: إذا تعصب بها، "فخرج وهو يقول: أن الذي" وأنشده الجوهري بلفظ: إني امرؤ "عاهدني" أراد قوله: لعلك إن أعطيتكه تقاتل به في الكيول فقال: "لا "خليلي" قال: في الروض أنكره عليه بعض الصحابة، وقالوا له: متى كان خليلك؟ وإنما أنكره لقوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا غير ربي لأتخذت أبا بكر خليلا، ولكن إخوة الإسلام" قال: وليس في الحديث ما يدفع أن يقول الصحابي خليلي؛ لأنهم يريدون به معنى الحبيب، ومحبتهم له تقتضي هذا وأكثر منه، ما لم يكن غلوا وقولا مكروها، وإنما فيه أنه عليه السلام لم يكن يقولها لأحد، ولا خص بها أحدًا دون أن يمنع أصحابه أن يقولوها له، انتهى. "ونحن بالسفح،" قال في النور: رأى جانب الجبل عند أصله، "لدى" بفتح اللام والمهملة، أي: عند "النخيل" اسم جنس نخلة، "أن لا أقوم الدهر في الكيول اضرب" بضم الموحدة، قال الجوهري: وإنما سكنه لكثرة الحركات، قال شيخنا: أو لإرادة الإدغام؛ لأن النظم لا يستقيم بدونه، "بسيف الله والرسول" وأنشده الجوهري، بدون الشطر الثاني، ولكن مثله لا يعترض به لأنه زيادة ثقة، "فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلا قتله". وفي مسلم من حديث أنس: ففلق أبو دجانة بالسيف هام المشركين. وعند ابن هشام عن الزبير، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا دفف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبو دجانة فأتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته حمل بالسيف على رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها. قال ابن إسحاق، وقال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمس الناس حمسا شديدا، فصمدت إليه، فلما حملت عليه السيف ولول فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة، وعن الزبير خرج أبو دجانة بعدما أخذ السيف وأتبعته، فجعل لا يمر بشيء إلا أفراه وهتكه وفلق به المشركين، وكان إذا كل شحذه بالحجارة، ثم يضرب به العدو كأنه منجل، حتى أتى نسوة في سفح الجبل ومعهن هند، وهي تغني، تحرض المشركين فحمل عليها، فنادت: يا لصخر، فلم يجبها أحد، فانصرف عنها فقلت له: كل سيفك رأيته فأعجبني، غير أنك لم تقتل المرأة، قال: كرهت

وقوله: في الكيول -بفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية- مؤخر الصفوف. وهو: فيعول من كال الزند يكيل كيلا إذا كبا ولم يخرج نارا، فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل. قال أبو عبيدة: ولم يسمع إلا في هذا الحديث.

_ أن أضرب بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة لا ناصر لها. ذفف، بالذال المعجمة وشد الفاء الأولى، مفتوحات أسرع قتله، ويحمس حمسا، بحاء مهملة، يروى بالسين المهملة، يشجعهم من الحماسة، وبالشين المعجمة، من أحمشت النار أوقدتها، قاله السهيلي وغيره. وصمدت إليه قصدته، والمعروف صمدته، لكن ضمن معنى قصد فعداه بإلى؛ لأن قصد يتعدى بإلى وبنفسه، وولولت قالت: يا ويلها هذا قول أكثر اللغويين. وقال ابن دريد: الولولة، رفع المرأة صوتها في فرح أو حزن، قاله أبو ذر في حواشيه. "وقوله في الكيول، بفتح الكاف وتشديد المثناذة التحتية" مضمومة ثم واو ساكنة ثم لام، "مؤخر الصفوف" كما قاله الجوهري، وأبو عبيد والهروي، وقالا: ما معناه: "وهو فيعول من كال الزند يكيلك يلا إذا كبا ولم يخرج نارا" وذلك شيء لا نفع فيه، "فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل" وقيل: الكيول الجبان، وقيل: ما أشرف من الأرض بريد تقوم فوقه فتنظر ما يصنع غيرك، كما في النهاية وغيرها، والأول أنسب بالمقام، ولذا اقتصر عليه المصنف تبعا للجماعة، وأما الجبان فلا معنى له هنا إلا بتكلف، وكذا الثالث بعيد من السياق، فإنه وإن كان له معنى لا يناسب قوله: تقاتل به في الكيول، وقال أبو ذر في حواشيه: الكيول، بالتشديد والتخفيف، آخر الصفوف في الحرب. وقال ابن سراج: من رواه بالتخفيف، فهو من قولهم: كال الزند، إذا نقص، انتهى. وفي الصحاح: كال الزند يكيل، إذا لم يخرج نارا. قال البرهان: وفي نسخة بهذه السير، يعني العيون في الهامش الكبول، بضم الكاف والموحدة بالقلم جمع كبل، وهو القيد الضخم. وهذا إن صح رواية فله معنى، وفي صحته نظر، انتهى. "قال أبو عبيدة" معمر بن المثنى: ولد سنة اثنتي عشرة ومائة، ومات سنة تسع أو ثمان، أو عشر أو إحدى عشرة ومائتين، "ولم يسمع" لفظ الكيول، "إلا في هذا الحديث" قال شخنا: لعل المراد لم يسمع في حديث غيره، وإلا فهو منقول عن اللغة، كما يدل عليه الخلاف المتقدم في معناه. وعند ابن سعد: وكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر، وذكر ابن إسحاق عن

وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف. والتقى حنظلة الغسيل وأبو سفيان فضربه شداد بن أوس فقتله فقال صلى الله عليه وسلم: "إن حنظلة لتغسله الملائكة"،

_ عاصم بن عمر قتادة أنه حين خرج إلى مكة مباعدا له صلى الله عليه وسلم معه خمسون غلاما من الأوس، وقيل: خمسة عشر، كان يعد قريشا لو لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلقيهم في الأحابيش، وعبدان أهل مكة فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، فقالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وكان يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه صلى الله عليه وسلم الفاسق، فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا. قال ابن سعد: ثم تراموا بالحجارة حتى ولى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالدفوف والغرابيل، ويحرضن ويذكرنهم قتلى بدر، ويقلن شعرا. قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أثخن في الناس كما مر، "وقاتل حمزة بن عبد المطلب،" فأثخن خصوصا في الرؤساء، "حتى قتل أرطأة بن شرحبيل" بضم الشين "ابن هاشم بن عبد مناف" بن عبد الدار بن قصي، كما في ابن إسحاق، ولو زادهما المصنف، كان أحسن لئلا يوهم أنهما اللذان في النسب الشريف، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ولذا خصه بالذكر وكونه قاتله، جزم به ابن إسحاق، وقال ابن سعد وغيره: قتله علي وصححه، "والتقى حنظلة الغسيل" بن أبي عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان الأوسي. قال البرهان: ووقع في العيون عبد بن عمرو، والصواب حذف ابن، "وأبو سفيان" بن حرب، فعلاه حنظلة، "فضربه شداد بن أوس" ابن شعوب، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق والواقدي وغيرهما: شداد بن الأسود، وهو ابن شعوب الليثي، قال في الإصابة: قال المرزباني: شعوب أمه، والأسود أبوه أسلم بعد ذلك وصحب، انتهى. فقصر البرهان في قوله: لا أعلم لشداد إسلاما. وفي تفسير الحميدي، كما قاله السهيلي: مكان شداد جعونة ابن شعوب الليثي، وهو مولى نافع القاري، وجعونة هو أخو شداد له إدراك، كما في الإصابة في قسم المخضرمين، "فقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن حنظلة لتغسله الملائكة". وعند ابن سعد: "رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن، في صحافي الفضة بين السماء

فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله بن أبي فقالت: خرج وهو جنب فقال عليه الصلاة والسلام: "لذلك غسلته الملائكة". وبذلك تمسك من قال من العلماء: إن الشهيد يغسل إذا كان جنبا. وقتل علي رضي الله عنه طلحة بن أبي طلحة لواء المشركين،

_ والأرض"، "فسألوا امرأته جميلة، أخت عبد الله بن أبي" ابن سلول المنافق، وكان ابتني بها تلك الليلة، وكان عرسوا عنده، فرأت في المنام تلك الليلة كأن بابا من السماء، قد فتح له، فدخله، ثم أغلق دونه، فعلمت أنه ميت من غده، فدعت رجالا حين أصبحت من قومها، فأشهدتهم على الدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع، ذكره الواقدي، كما في الروض، "فقالت: خرج وهو جنب" حين سمع الهاتفة، "فقال عليه الصلاة والسلام: "لذلك غسلته الملائكة". قال في الروض: وذكر أنه التمس في القتلى، فوجدوه يقطر رأسه ماء، وليس بقربة ماء تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم انتهى. والهاتفة، بالتاء والفاء، عند ابن إسحاق أي: الذات الصائحة، قال ابن هشام: ويقال الهائعة، يعني بتحتية، فعين مهملة. قال: والهائعة الصيحة التي فيها فزع، قال: وفي الحديث: "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها". قال الطرماح: أنا ابن حماة المجد من آل هاشم ... إذا جعلت خور الرجال تهيع "وبذلك" أي: إخبار المصطفى أن الملائكة غسلته، "تمسك من قال من العلماء" كالحنابلة: "أن الشهيد يغسل إذا كان جنبا". والجواب عن الجمهور: أن تغسيل الملائكة إكرام له، وهو من أمور الآخرة لا يقاس عليه، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بتغسيل أحد ممن استشهد جنبا، "وقتل علي رضي الله عنه طلحة بن أبي طلحة" عثمان، أخو شيبة بن عثمان، "صاحب لواء المشركين" أحد بني عبد الدار لما صاح: من يبارز؟ فبرز له علي، فقتله وهو كبش، أي: سيد الكتيبة، الذي رآه صلى الله عيه وسلم في رؤياه، هكذا ذكر ابن سعد وابن عائذ. وعند ابن إسحاق: لما قتل مصعب بن عمير أعطى صلى الله عليه وسلم اللواء عليا. قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يوم أحد، جلس صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي أن قدم الراية، فتقدم وقال: أنا أبو القصم بالقاف والفاء" فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، صاحب لواء المشركين: أن هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟، قال: نعم، فبرز بين الصفين، فاختلقا ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم انصرف عنه،

ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة، فحمل عليه حمزة رضي الله عنه فقطع يديه وكتفيه. ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوا الكفار بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة، فولى الكفار لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم. ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما

_ ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: "أفلا أجهزت عليه؟ قال: إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن الله قتله. ويقال: إن أبا سعد بن أبي طلحة خرج بين الصفين فنادى: أين قاصم، من يبارز مرارا، فلم يخرج إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة وأن قتلانا في النار، كذبتم واللات والعزى لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلي بعضكم، فخرج إليه علي فقتله. وقال ابن إسحاق: قتله سعد بن أبي وقاص، "ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة" وهو يقول: إن علي أهل اللواء حقا ... أن يخضبوا الصعدة أو تندقا "فحمل عليه حمزة رضي الله عنه، فقطع يديه وكتفيه" أي: ثم مات. زاد ابن سعد: ثم حمله أبو سعد بن أبي طلحة، فقتله سعد بن أبي وقاص، أي: أو علي كما رأيت، ثم حمله مسافع بن طلحة فرماه عاصم فقتله، ثم حمله الحارث بن طلحة فقتله عاصم، ثم حمله كلاب بن طلحة فقتله الزبير، ثم حمله الجلاس بن طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله، ثم حمله أرطأة بن شرحبيل فقتله علي، ثم حمله شريح بن قارظ فلا يدرى قاتله، ثم حمله صواب غلامهم، فقيل: قتله علي، وقيل: سعد، وقيل: قزمان، وهو أثبت الأقاويل، انتهى. وجزم به ابن إسحاق كما جزم، بأن قاتل أرطأة حمزة كما مر، "ثم أنزل الله نصره على المسلمين" وصدقهم وعده، "فحسوا الكفار" بفتح الحاء وضم السين مشددة المهملتين، أي: لاستأصلوهم قتلا "بالسيوف، حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت" تامة، أي: وقعت "الهزيمة" لا شك فيها، "فولى الكفار لا يلوون"، يعرجون "على شيء ونساؤهم يدعون بالويل. روى ابن إسحاق: عن الزبير قال: والل لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عقبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل، ولا كثير، وأصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد، "وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم،" بجيم وضاد معجمة. قال البرهان: أي: نحوهم وأزالوهم، ووقعوا"، أي شرعا، "ينتهبون العسكر، ويأخذون ما

فيه من الغنائم. وفي البخاري: قال البراء: فقال أصحاب عبد الله بن جبير: أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين.

_ فيه من الغنائم" واشتغلوا عن الحرب. قال الزبير: فخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارح: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا قوم. قال ابن إسحاق، وحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به، بمثلثة، أي: استداروا حوله. قال البرهان: ولا أعلم لها إسلاما، والظاهر هلاكها على دينها. "وفي البخاري:" عقب ما قدم المصنف عنه قريبا، "قال البراء:" فأنا والله رأيت النساء يشتددن، قد بدت خلاخلهن وأسواقهن رافعات ثيابهن، "فقال أصحاب عبد الله بن جبير" وهم الرجالة، الغنيمة، "أي: قوم" أي: يا قوم، "الغنيمة" نصب على الإغراء فيهما، قاله المصنف "ظهر،" أي: غلب "أصحابكم" المؤمنون الكافرين، "فما تنتظرون؟ " أي: فأي شيء تنتظرون بعد ظفر أصحابكم وهزمهم العدو؟، "فقال عبد الله بن جبير:" إنكارا عليهم، "أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم". وفي المغازي من البخاري، فقال عبد الله عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا فأبوا. "قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة". وعند ابن سعد: وثبت أميرهم عبد الله بن جبير، في نفر يسير دون العشرة مكانه، وقال: لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لم يرد هذا، قد انهزم المشركون فما مقامنا ههنا، فانطلقوا يتبعون العسكر، وينتهبون معهم، وخلو الخيل، "فلما أتوهم صرفت وجوههم". قال المصنف: أي: قلبت وحولت إلى الموضع الذي جاءوا منه، قال شيخنا: ولعل سببه أن المشركين كروا عليهم، "فأقبلوا" حال كونهم "منهزمين" عقوبة لهم لمخالفتهم قوله صلى الله عليه وسلم "لا تبرحوا". قال الحافظ: وفيه شؤم ارتكاب النهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} وأن من آثر دنياه أضر بأمر آخرته ولم تحصل له دنياه.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري أيضا: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولادهم فاجتلدت مع أخراهم. وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس: أنهم لما رجعوا اختلطوا بالمشركين والتبس العسكران فلم يتميزوا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض. وفي رواية غيرهما: ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبي جهل فحملوا على من بقي من النفر الرماة

_ "وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري أيضا" أنها قالت: "لما كان يوم" وقعة "أحد، هزم المشركون هزيمة بينة" ظاهرة، "فصاح إبليس" وفي رواية: فصرخ إبليس، لعنة الله عليه، "أي: عباد الله" يعني المسلمين، "أخراكم". قال الحافظ: أي: احترزوا من جهة أخراكم، وهي كلمة تقال لمن يخشى أن يؤتى عند القتال من ورائه. وكان ذلك لما ترك الرماة مكانهم، ودخلوا ينتهبون عسكر المشركين كما سبق، انتهى. "فرجعت أولادهم فاجتلدت" بالجيم، اقتتلت، "مع أخراهم" هي رواية الكشميهني في المناقب ولغيره، فرجعت أخراهم على أولاهم فاجتلدت أخراهم. قال الدماميني: أي: وأولاهم، ففيه حذف عاطف ومعطوف، مثل سرابيل تقيكم الحر، أي: والبرد ومثله كثير. وفي المغازي: فاجتلدت هي وأخراهم، أي: لظنهم أنهم من العدو، "وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنهم لما رجعوا، اختلطوا بالمشركين والتبس" اختلط "العسكران فلم يتميزوا" لشدة ما دهشهم، صاروا لا يعرفون المسلم من الكافر، وتركوا شعارهم الذي يتميزون به، وهو أمت أمت. قال الشامي: أمر بالموت، والمراد التفاؤل بالنصر، يعني الأمر بالإماتة مع حصول الغرض للشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها، انتهى. "فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض" فكان ممن قتلوه خطأ اليمان، والد حذيفة، فقال: غفر الله لكم وترك ديته لهم. "وفي رواية غيرهما" يعني ابن سعد، "ونظر خالد بن الوليد" المخزومي، أسلم بعد الحديبية، وصحب وصار سيف الله صبه على المشركين، وسيأتي إن شاء الله تعالى في أمراء المصطفى، "إلى خلاء الجبل" بفتح الخاء والمد، "وقلة أهله" عطف سبب على مسبب، "فكر" رجع "بالخيل وتبعه عكمة بن أبي جهل، فحملوا على من بقي من النفر الرماة" الذين

فقتلوهم وأميرهم عبد الله بن جبير. وفي البخاري: أنهم لما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل من مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فشد عليه فكان كأمس الدابر، وكان وحشي كامنا تحت صخرة، فلما دنا منه رماه بحريته حتى خرجت من بين

_ دون العشرة، "فقتلوهم، و" قتلوا "أميرهم عبد الله بن جبير" رضي الله عنهم. "وفي البخاري" في حديث وحشي الطويل: "أنهم لما اصطفوا للقتال خرج سباع" بكسر المهملة بعدها موحدة خفيفة، ابن عبد العزى الخزاعي، الغبشاني بضم المعجمة، وسكون الموحدة، ثم معجمة، ذكر ابن إسحاق أن كنيته أبو نيار، بكسر النون وتخفيف التحتانية، وليس المراد أنه خرج في ابتداء الحرب؛ لأن حمزة قاتل قبله، وقتل عدة، وهذا آخر من قتله، بل المراد خرج في زمن اصطفاف القوم، "فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه". وللطيالسي: فإذا حمزة جمل أو رق، ما وقع له أحد إلا قمعه بالسيف، ولابن إسحاق: فجعل يهد الناس بسيفه، ولابن عائذ: رأيت رجلا إذ حمل لا يرجع حتى يهزمنا، فقلت: من هذا؟، قالوا: حمزة، فقلت: هذا حاجتي. وفي البخاري، فقال: يا سباع، يابن أم أنمار، مقطعة البظور اتحاد الله ورسوله، "فشد" حمزة "عليه" على سباع، "فكان كأمس الذاهب". قال الحافظ: كناية عن قتله، أي: صيره عدما، وفي رواية ابن إسحاق: فكأنما أخطأ رأسه، وهذا يقال عند المبالغة في الإصابة. "وكان وحشي" بن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم "كامنا" مختفيا، وهذا نقل بالمعنى، ولفظ البخاري قال: أي: وحشي، وكمنت لحمزة "تحت صخرة" لأن مولاه جبير أو عده بالعتق إن قتله، فصدر هذا الحديث عند البخاري. قال وحشي: إن حمزة قتل طعيمة بن عدي ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، فلما إن خرج الناس عام عينين، جبل بحيال أحد، بينه وبينه واد، خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع، فذكر ما نقله المصنف. وفي رواية الطيالسي: فانطلقت يوم أحد معي حربتي وأنا رجل من الحبشة ألعب لعبهم، قال: وخرجت ما أريد أن أقتل، ولا أقاتل إلا حمزة. وعند ابن إسحاق: وكان وحشي يقذف بالحربة قذف الحبشة قلما يخطئ، "فلما دنا منه رماه بحربته"، لفظ البخاري: فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته، "حتى خرجت من بين

وركيه وكان آخر العهد به. انتهى. وكان مصعب بن عمير قاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاح ابن قمئة أن محمدًا قد قتل. ويقال كان ذلك أزب العقبة،

_ وركيه" وعند ابن عائذ: أنه كمن عند شجرة، وعند ابن أبي شيبة من مرسل عمير بن إسحاق: أن حمزة عثر، فانكشف الدرع عن بطنه، فرماه في ثنته، بضم المثلثة، وشد النون، أي: عانته، وقيل: ما بين السرة والعانة. وللطيالسي: فجعلت ألوذ من حمزة بشجرة، ومعي حربتي حتى إذا استمكنت منه هززت الحربة حتى رضيت منها، ثم أرسلتها فوقعت بين ثندوتيه، وذهب ليقوم فلم يستطع، والثندوة بفتح المثلثة، وسكون النون وضم المهملة بعدها واو خفيفة هي من الرجل، موضع الثدي من المرأة، والذي في الصحيح أن الحربة أصابت ثنته أصح، انتهى من الفتح. "وكان" ذلك، أي: الرمي بالحربة، "آخر العهد به" كناية عن موته رضي الله عنه، "انتهى" ما نقله من حديث الباري عن وحشي، وذكر في بقيته ضيق مكة والطائف عليه، لما فشا الإسلام ثم قدومه على المصطفى وإسلامه، وقوله: "غيب وجهك عني"، ثم مشاركته في قتل مسيلمة بتلك الحربة. "وكان مصعب بن عمير" الذي أطلق عبد الرحمن بن عوف أنه خير منه، كما في الصحيح. "قاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل". قال ابن سعد: وكان حامل اللواء فأخذه ملك في صورته، وعند غيره فلما قتل أعطى صلى الله عليه وسلم الراية عليا، "وكان الذي قتله ابن قمئة" بفتح القاف وكسر الميم بعدها همزة، واسمه عبد الله كما قاله ابن هشام، "وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم" لأنه كان إذ لبس لامته يشبه النبي صلى الله عليه وسلم كما قال بعضهم، "فصاح ابن قمئة" لظنه الخائب ولله الحمد "أن محمدًا قد قتل". روى ابن سعد، عن محمد بن شرحبيل: أن مصعبا حمل اللوء يوم أحد، فقطعت يده اليمنى، فأذه بيده اليسرى وهو يقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144] الآية، ثم قطعت يده اليسرى فحتى على اللواء، أي: أكب عليه، وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} [آل عمران: 144] الآية. قال محمد بن شرحبيل: وما نزلت هذه الآية يومئذ حتى نزلت بعد، "ويقال" وبه جزم ابن هشام، "كان ذلك" الصارخ بأن محمدا، قد قتل، "أزب" أي: عامر، "العقبة" وجاء في حديث مرفوع أنه صلى الله عليه وسلم قال: "هذا إزب العقبة".

ويقال: إبليس لعنه الله تصور في صورة جعال. وقال قائل: أي عباد الله أخراكم، أي: احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزمت طائفة منهم إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل.

_ قال السهيلي: قيد هنا بكسر الهمزة، وسكون الزاي، وابن ماكولا قيده بفتح الهمزة. وحديث ابن الزبير يشهد للأول إذا رأى رجلا طوله شبران على برذعة رحله، فقال: ما أنت؟ قال: إزب، قال: ما إزب؟ قال: رجل من الجن، فضربه على رأسه بعود السوط حتى باض، أي: هرب. وقال يعقوب بن السكيت في الألفاظ: الإزب القصير، فالله أعلم، أي الضبطين أصح هل الإزب والأزب شيطان واحد أو اثنان، انتهى. وظاهره سكون الزاي، وخفة الباء مع كسر الهمزة وفتحها، ومقتضى القاموس، أي: مفتوحها بفتح الزاي وشد الموحدة، وبعض المتأخرين جعلهما قولين. "ويقال إبليس لعنه الله" كما جزم به ابن سعد، "تصور في صورة جعال"، ويقال له جعيل بن سراقة الضمري، أو الغفاري، أو الثعلبي. قال في الاستيعاب: وكان رجلا صالحا دميما أسلم قديما وشهد معه عليه السلام أحدًا، ويقال: إنه الذي تصور إبليس في صورته يوم أحد، انتهى. فصرخ ثلاث صرخات أن محمدا قد قتل ولم يشك فيه أنه حق، وكان جعال إلى جنب أبي بردة بن نيار، وخوات بن جبير يقاتل أشد القتال، ثم ليس هذا بخلاف محقق، فالثلاثة صاحوا ابن قمئة لظنه، والأزب وإبليس لمحاولة ما لم يصلا إليه. "وقال قائل" هو إبليس لعنه الله، كما في البخاري، وقدمه المصنف قريبا، فنقله عن غيره عجب، "أي: عباد الله أخراكم، أي: احترزوا من جهة أخراكم". قال المصنف: أي: احترزوا من الذين وراءكم متأخرين عنكم، وهي كلمة تقال لمن يخشى أن يؤتى عند القتال من ورائه، وغرض اللعين أن يغلطهم ليقتل المسلمون بعضهم بعضا، "فعطف" أي: رجع "المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون" من العجلة والدهش، "وانهزمت طائفة" قليلة "منهم"، واستمروا "إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم ووقع فيهم القتل". قال الحافظ: والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق، فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفض القتال وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [آل عمران: 155] ، وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فصارت غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه، أو يستمر على بصيرته في القتال إلى أن يقتل وهم أكثر

وقال موسى بن عقبة: ولما فقد عليه الصلاة والسلام، قال رجل: منهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلو البيوت. وقال رجال منهم: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله عز وجل شهداء. منهم أنس بن مالك بن النضر شهد له بها عند النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ. قال في "عيون الأثر": كذا وقع في هذا الخبر: أنس بن مالك، وإنما هو

_ الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم تراجعت إليه الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا أنه حي، انتهى. "وقال موسى بن عقبة: ولما فقد" بالبناء للمفعول، "عليه الصلاة والسلام"، أي: غاب عن أعينهم لشدة ما دهشهم، أو في ظنهم، أو بحسب الإشاعة فلا يرد أنه عليه السلام لم يفارق مكانه، ولم تزل قدمه شبرا واحدا. "قال رجل منهم"، قال في النور لا أعرف اسمه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل". وفي رواية الطبراني قال بعض من فر إلى الجبل: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليستأمن لنا من أبي سفيان، يا قوم إن محمدًا قد قتل، "فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم" الكفار "فيقتلوكم فإنهم داخلوا البيوت" مجرور بالإضافة، ولذا حذفت النون، ويجوز عربية نصب البيوت، وقد قرئ شاذا، والمقيمي الصلاة بنصب الصلاة كما في النور، أي تخفيفا بحذف النون كما يحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وهي قراءة الحسن وأبي عمر. وفي رواية كما في إعراب السمين. وفي رواية الطبراني فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمدا قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وأسقط من كلام ابن عقبة، وقال رجال منه: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا وهؤلاء منافقون. "وقال رجال منهم" مؤمنون، قد تمكن الإيمان من قلوبهم، وهم الذين غشاهم النعاس أمنة: "إن كا رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل" شكوا في الأخبار لما وقر في قلوبهم، واطمأنت عليه نفوسهم أنه صلى الله عليه وسلم لا بد وأن يظهره الله على أعدائه، ويفتح له الفتح المبين، وهم أهل الصدق واليقين، "أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله عز وجل شهداء منهم أنس بن مالك بن النضر" بنون وضاد معجمة ساكنة، "شهد له بها" بهذه المقالة، "عند النبي صلى الله عليه وسلم" بعد قتله يومئذ "سعد بن معاذ" سيد الأوس. "قال" الحافظ اليعمري "في عيون الأثر: كذا وقع في هذا الخبر أنس بن مالك، وإنما هو

أنس بن النضر عم أنس بن مالك بن النضر. انتهى. وثبت النبي صلى الله عليه وسلم...................................................................

_ أنس بن النضر عم أنس بن مالك بن النضر، انتهى" وهو تعقيب حسن كما في النور، والجمع بإمكان أن كلا قال ذلك فاسد لصغر أنس عن قول مثل ذلك في المشاهد، فقد صح أنه خدم النبي لما قدم المدينة وهو ابن عشر سنين، فيكون يوم أحد ابن ثلاث عشرة سنة، فإن كان حضر الوقعة، فإنما كان في خدمة المصطفى، أو مع عمه على نحو ما مر في بدر. وقد روى ابن إسحاق أن أنس بن النضر عم أنس بن مالك جاء إلى عمر وطلحة في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟، قالوا: قتل صلى الله عليه وسلم، قال: فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل العدو فقاتل حتى قتل، وبه سمي أنس بن مالك. فحدثني حميد الطويل، عن أنس قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته عرفته ببنانه. وفي الصحيح عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون قال: اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال الحافظ: وأو للتقسيم لا للشك، قال: وسياق الحديث يشعر بأن أنس بن مالك إنما سمع هذا الحديث من سعد بن معاذ؛ لأنه لم يحضر قتل عمه، انتهى. وهذا مما يرد الجمع المار، "وثبت النبي صلى الله عليه وسلم" بإجماع. قال ابن سعد: ما يزول يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا، ويرمي بالحجر. وروى البيهقي عن المقداد: فوالذي بعثه بالحق ما زالت قدمه شبرا واحدا، وإنه لفي وجه العدو، وتفيء إليه طائفة من أصحابه مرة، وتفترق مرة، فربما رأيته قائما يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر حتى انحازوا عنه. وروى أبو يعلى بسند حسن عن علي لما انجلى الناس يوم أحد، نظرت في القتلى فلم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن أرى أن الله غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثم حملت على

وانكشفوا عنه، وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسبعة من الأنصار. وفي البخاري: لم يبق معه عليه الصلاة والسلام إلا اثنا عشر رجلا

_ القوم فأفرجوا إلي، فإذا أنا برسول الله بينهم، أي: يقاتلهم صلى الله عليه وسلم. وروى الحاكم في المستدرك بسند على شرط مسلم، عن سعد: لما جال الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الجولة يوم أحد، قلت: أذود عن نفسي فإما أن أستشهد، وإما أن ألحق حتى ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما أنا كذلك إذا رجل مخمر وجهه، ما أدري من هو، فأقبل المشركون حتى قلت قد ركبوه، فملأ يده من الحصى، ثم رمى به في وجوههم فتنكبوا على أعقابهم القهقري حتى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مرارا، ولا أدري من هو وبيني وبينه المقداد، فبينا أنا أريد أن أسأل المقداد عنه، إذ قال المقداد: يا سعد هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقلت: وأين هو، فأشار لي إليه، فقمت ولكأنه لم يصبني شيء من الأذى، وأجلسني أمامه، فجعلت أرمي وأقول: اللهم سهمك، فارم به عدوك، ورسول الله يقول: "اللهم استجب لسعد، اللهم سدد رميته وأجب دعوته"، حتى إذا فرغت من كنانتي، نثر صلى الله عليه وسلم ما في كنانته، فنبلني سهما نضا. قال: وهو الذي قد ريش وكان أشد من غيره. "وانكشفوا عنه" قال محمد بن سعد، "وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه" وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة، "وسبعة من الأنصار" أبو دجانة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وقيل: سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة بدل الأخيرين، ذكره الواقدي كما في الفتح، وذكر غيره في المهاجرين علي بن أي طالب، وكان من لم يذكره لأنه كان حامل اللواء بعد مصعب، فلا يحتاج إلى أن يقال ثبت، قال في السبل، ويقال ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودع. "وفي البخاري" في حديث البراء الذي قدم المصنف منه قطعتين عقب قوله في الثانية: فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فـ" لم يبق معه عليه الصلاة والسلام إلا اثنا عشر رجلا" ولفظه: فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا. زاد ابن عائذ من مرسل عبد الله بن حنطب من الأنصار. وفي مسلم عن أنس أفرد صلى الله عليه وسلم يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فقول

فأصابوا منا سبعين، وكان عليه الصلاة والسلام وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا.

_ طلحة وسعد إنه لم يبق معه غيرهما رواه البخاري، أي من المهاجرين. وعند الحاكم أن المقداد ممن ثبت، فيحتمل أنه حضر بعد تلك الجولة، وللنسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر، تفرق الناس يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة، وهو كحديث أنس إلا أنه زاد ثلاثة، فلعلهم جاءوا بعد، ويجمع بينه وبين حديث غير طلحة وسعد، بأن سعدا جاءهم بعد ذلك كما مر عنه، وأن المذكورين من الأنصار استشهدوا كما في مسلم عن أنس، فقال صلى الله عليه وسلم: "من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة" فقام رجال من الأنصار فاستشهدوا كلهم، فلم يبق غير طلحة وسعد، ثم جاء بعدهم من جاء، وسمى ابن إسحاق بسنده ممن استشهد من الأنصار الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ زياد بن السكن، قال: وبعضهم يقول: عمارة بن زياد بن السكن في خمسة من الأنصار، واختلاف الأحاديث باعتبار اختلاف الأحوال، وأنهم تفرقوا في القتال، فلما ولى من ولى، وصاح الشيطان، اشتغل كل واحد بهمه والذب عن نفسه، كما في حديث سعد، ثم عرفوا عن قرب بقائه صلى الله عليه وسلم فتراجعوا إليه أولا فأولا، ثم بعد ذلك كان يقدمهم إلى القتال، فيشتغلون به، ذكره الحافظ ملخصا، وذكر بعض شراح البخاري أن الانثي عشر قيل هم العشرة، وجابر، وعمار، وابن مسعود. قال الحافظ في مقدمة الفتح: هذا غلط من قائله إنما ذلك حال الانفضاض يوم الجمعة، وقد ثبت في الصحيح أن عثمان لم يبق معه. وقال البرهان: وهؤلاء ثلاثة عشر، وكأنه انتقل حفظه من الانفضاض في الجمعة إلى هنا. "فأصابوا منا" أي: من المسلمين، وفي رواية منهم "سبعين" قتيلا، "وكان عليه الصلاة والسلام" وأصحابه أصابوا" هكذا رواه الكشميهني ولغيره أصاب فينبغي كما قال شيخنا قراءة، وأصحابه بالنصب مفعولا معه، أي: أصاب مع أصحابه "من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرا وسبعين قتيلا" كما أشير إليه بقوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] . قال الحافظ: وروى سعيد بن منصور من مرسل أبي الضحى: قتل يوم أحد سبعون، أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب، وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان وسائرهم من الأنصار، وبهذا جزم ابن إسحاق، وأخرج ابن حبان والحاكم عن أبي بين كعب قال: أصيب يوم أحد من الأنصار أربعة وستون من المهاجرين، ستة، وكان الخامس سعدا مولى حاطب بن أبي بلتعة، والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني شمس.

فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات،

_ وذكر المحب الطبري عن الشافعي أنهم اثنان وسبعون، وعن مالك خمسة وسبعون من الأنصار خاصة أحد وسبعين، وسرد أبو الفتح اليعمري أسماءهم فبلغوا ستة وتسعين من المهاجرين، أحد عشر وسائرهم من الأنصار منهم من ذكره ابن إسحاق، والزيادة من عند موسى بن عقبة، أو ابن سعد، أو هشام بن الكلبي، ثم ذكر عن ابن عبد البر، وعن الدمياطي أربعة، أو خمسة: قال: فزادوا على المائة. قال اليعمري: قد ورد في تفسير قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] أنها نزلت تسلية للمؤمنين عمن أصيب منهم يوم أحد، فإن ثبت، فالزيادة ناشئة عن الخلاف في التفصيل، وليست زيادة في الجملة. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي يعول عليه، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي عن علي: أن جبريل هبط فقال: خيرهم في أسارى بدر القتل، أو الفداء على أن يقتل منهم قابل مثلهم. قالوا: الفداء ويقتل منا. قال اليعمري: ومن الناس من يجعل السبعين من الأنصار خاصة، وبه جزم ابن سعد. قال الحافظ: فكان الخطاب بقوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ} [آل عمران: 165] ، للأنصار خاصة، ويؤيده قول أنس: أصيب منا يوم أحد سبعون وهو في الصحيح بمعناه، انتهى. قال الحافظ برهان الدين الحلبي: ولم أر أحدا ذكر أسرى في أحد، وما وقع في بعض نسخ سيرة مغلطاي الصغرى، وتفسير الكواشي من أنه أسر سبعون، ويقال: خمسة وستون، فغلط وخطأ أو شاذ منكر لا التفات إليه. "فقال أبو سفيان" لما انحاز الفريقان وأراد الانصراف إلى مكة: "أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فناههم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه" هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد، ولفظه في كتاب المغازي: وأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟، فقال: "لا تجيبوه"، وهي التي وقف عليها شيخنا، فاعترض على المصنف بها وهو معذور، "ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ " أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان، "ثلاث مرات" هكذا ثبت في الجهاد من البخاري، وفي المغازي قال: أي النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تجيبوه". "ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب" عمر، "ثلاث مرات". قال المصنف: والهمزة في الثلاثة للاستفهام الاستخباري ونهيه عليه السلام عن إجابة

ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لكما يسوءك، قال: يوم بيوم، والحرب سجال.

_ أبي سفيان تصاونًا عن الخوض فيما لا فائدة فيه، وعن خصام مثله. وكان ابن قمئة قال لهم: قتلته "ثم رجع" أبو سفيان عن السؤال "إلى" أخبار "أصحابه،" فلا ينافي ما قيل إنه ناداهم وهو على فرسه في مكانه، "فقال: أما،" بشد الميم، "هؤلاء فقد قتلوا". وفي المغازي فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، "فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت" والله "يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم". قال المصنف: إنما أجابه بعد النهي حماية للظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قتل وأن بأصحابه الوهن فليس فيه عصيان له في الحقيقة، انتهى، يعني على ظاهر حديث البخاري هذا في الجهاد والمغازي، وإلا ففي فتح الباري في حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم أن عمر قال: يا رسول الله ألا أجيبه؟ قال: "بلى"، فكأنه نهى عن إجابته في الأولى، وأذن فيها في الثالثة، انتهى. ولا منافاة بين الحديثين لأن عمر لم يتمكن من إدامة ترك الجواب، فاستأذنه صلى الله عليه وسلم فأذن له، فأجابه سريعًا "وقد بقي لك ما يسوءك". قال المصنف: يعني يوم الفتح، وهذا لفظ البخاري في الجهاد، ولفظه في المغازي: أبقى الله عليك، وفي لفظ: لك ما يحزنك. قال المصنف: بالتحتية المضمومة، وسكون الحاء المهملة بعدها نون ساكنة أو بالمعجمة وبعدها تحتية ساكنة، انتهى. "قال" أبو سفيان: "يوم بيوم بدر" أي: هذا اليوم في مقابلة يوم بدر، وفي حديث ابن عباس، فقال عمر: لا سواء قتلاا في الجنة وقتلاكم في النار. قال أبو سفيان: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا، "والحرب سجال" قال الحافظ وغيره: بكسر المهملة وتخفيف الجيم، أي: دول مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء. وفي حديث ابن عباس: الأيام دول والحرب سجال، واستمر أبو سفيان على اعتقاد ذلك حتى قاله لهرقل وقد أقر، بل نطق صلى الله عليه وسلم بقوله: "الحرب سجال"؛ كما في حديث أوس بن أوس عند ابن ماجه، ويؤيده قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ، بعد قوله: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140] ، فإنها نزلت في قصة أحد بالاتفاق، والقرح: الجراح، انتهى. قال ابن إسحاق: فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم إلي يا عمر، فقال صلى الله عليه وسلم لعمر: "ائته فانظر ما شأنه"، فقال: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدًا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك

وتوجه صلى الله عليه وسلم أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، والذي جرح وجهه الشريف عبد الله بن قمئة، وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد هو الذي كسر رباعيته،

_ الآن، قال: أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر. قال الحافظ: في الحديث منزلة أبي بكر وعمر من النبي صلى الله عليه وسلم وخصوصيتهما به بحيث كان أعداؤهم لا يعرفون غيرهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما، ولم يسأل عن هؤلاء الثلاثة إلا لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم. "وتوجه صلى الله عليه وسلم يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون، فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته" بفتح الراء وتخفيف الموحدة، والجمع رباعيات، وهي السن التي بين الثنية والناب، والمراد أنها كسرت فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها، قاله في الفتح والنور، "والذي جرح وجهه الشريف عبد الله"، وسماه ابن القيم في الهدى عمرو "بن قمئة، لكن بالأول جاء حديث أبي أمامة الآتي، وبه جزم ابن هشام، "وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد،" أحد العشرة، "هو الذي كسر رباعيته" لأنه رماه بأربعة أحجار، فكسر حجر منها رباعيته. روى ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص: ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة بن أبي وقاص لما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله". وروى عبد الرزاق في تفسيره من مرسل مقسم، وسعيد بن المسيب، أنه صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة حين كسر رباعيته ودمى وجهه، فقال: "اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا" فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار. وروى الحاكم في المستدرك بإسناد فيه مجاهيل عن حاطب بن أبي بلتعة، أنه لما رأى ما فعل قال: يا رسول الله، من فعل بك هذا؟، قال: "عتبة" قلت: أين توجه؟ فأشار إلى حيث توجه، فمضيت حتى ظفرت به، فضربته بالسيف، فطرحت رأسه، فنزل، فأخذت رأسه وفرسه وسيفه، وجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى ذلك، ودعا لي، فقال: "رضي الله عنك" مرتين. قال الحافظ: وهذا لا يصح لأنه لو قتل إذ ذاك كيف كان يوصي أخا سعدا، وقد يقال لعله ذكر له، قبل وقوع الحرب احتياطا، انتهى. قال ابن إسحاق: وقال حسان لعتبة: إذا الله جازى معشرا بفعالهم ... ونصرهم الرحمن رب المشارق فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق بسطت يمينا للنبي تعمدا ... فأدميت فاه قطعت بالبوارق

ومن ثم لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم -أي مكسور الثنايا من أصلها- يعرف ذلك في عقبه. وقال ابن هشام: في حديث أبي سعيد الخدري: إن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب

_ فهلا ذكرت الله والمنزل الذي ... تصير إليه عند إحدى البوائق قال ابن هشام: تركت منها بيتين أقذع فيهما وفي هذا كله أنه مات كافرا. قال في الإصابة في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة غلطا لم أر من ذكره في الصحابة إلا ابن منده، واستند لقول سعد في ابن أمة زمعة: عهد إلى أخي عتبة أنه ولده، وليس فيه ما يدل على إسلامه، وقد شدد أبو نعيم في الإنكار على ابن منده، واحتج بما مر عن عبد الرزاق، وفي الجملة ليس من الآثار ما يدل على إسلامه بل فيها ما يصرح بموته على الكفر كما مضى، فلا معنى لإيراده في الصحابة، انتهى. "ومن ثم" كما قال في الروض: "لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث" أي: أوانه، وهو الحلم كما عبر به السهيلي، "إلا وهو أبخر"، منتن الفم. وقال صاحب الخميس: أي: عطشان لا يروى. وفي القاموس: البخر العطش، فلا يروى من الماء، "أو اهتم، أي: مكسور الثنايا من أصلها يعرف ذلك في عقبه" هكذا لفظ الروض أبخر، أو أهتم بأو، كما رأيته فيه، وكما نقله في النور عنه، وهو يفيد أن الحاصل لهم أحد الأمرين لا هما معا، ووقع في نقل السبل عن الروض بحذف أو، فإن لم تكن سقطت أو من الكاتب فكان نسخ الروض اختلفت، فتجعل أو مانعة خلو، فلا ينافي الجمع في نسله بينهما، ولم يحصل مثل ذلك في نسل ابن شهاب، وابن قمئة؛ لأن أثر جراحتهما لم يدم بخلاف كسر الرباعية، فباق وإن لم يشنه صلى الله عليه وسلم لا سيما والزهري أسلم، فجب ما قبله هذا. وروى ابن الجوزي والخطيب في تاريخه، عن محمد بن يوسف الحافظ الفريابي قال: بلغني أن الذي كسر رباعيته صلى الله عليه وسلم لم يولد له صبي، فتنبت له رباعية، وجمع شيخنا بينهما بحمل الثنايا في المصنف على الرباعية لمجاورتها لها، والكسر على عدم نباتها من أصلها. "وقال ابن هشام" عبد الملك في السيرة: من زيادته على ابن إسحاق، "في حديث أبي سعيد الخدري: أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى" هذا فائدة ذكره رواية ابن هشام؛ لأن فيها تعيين الرباعية المبهمة في الرواية السابقة، ولقوله: "جرح شفته السفلى" ولقوله: "وإن عبد الله بن شهاب" بن عبد الله بن الحارث بن زهرة

الزهري شجه في جبهته، وإن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته، ووقع صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين. وفي رواية: وهشموا البيضة على وجهه -أي كسروا الخوذة- ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما،

_ ابن كلاب القرشي "الزهري" جد الإمام الفقيه من قبل أبيه، شهد أحدًا مع الكفار، ويقال: هو الذي شج وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم بعد ذلك، ومات بمكة. قاله أبو عمر تبعا للزبير بن بكار، وذكر البلاذري أنه مات في أيام عثمان، وأما جده من قبل أمه وهو أخو هذا، واسمه أيضا عبد الله، فكان من السابقين، ذكره الزهري والزبير والطبري فيمن هاجر إلى الحبشة، ومات بمكة قبل هجرة المدينة. زاد ابن سعد: وليس له حديث ذكره في الإصابة. وفي الروض: أن الأول أصغر من الثاني، واختلف من المهاجر منهما للحبشة، وقيل لابن شهاب: أكان جدك ممن شهد بدرا؟ فقال: نعم، ولكن من ذلك الجانب، يعني مع الكفار، انتهى. "شجه في جبهته" ذكر البرهان عن بعض أشياخه أن هذا غريب، ولذا مرضه في الإصابة حيث قال: يقال: هو الذي شج وجهه كما رأيت، "وإن ابن قمئة جرح وجنته" مثلث الواو، والأشهر الفتح، أي: ما ارتفع من لحم خده، فحصل في رواية ابن هشام هذه بيان مبهم قوله في الأول جرح وجهه، "فخلت حلقتان من المغفر" بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، قاله المصنف في المقصد الثالث "في وجنته، ووقع صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق" كما سماه صلى الله عليه وسلم، وكان يقال له الراهب، وهو عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان الأوسي، مات كافرا سنة تسع، وقيل: سنة عشر، ذكرهما ابن عبد البر. وقال غيره: سنة سبع، وقد مر أنه أول من أنشب الحرب، "يكيد بها المسلمين" لفظ ابن هشام من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيه المسلمون وهم لا يعلمون. "وفي رواية: وهشموا البيضة على وجهه" لفظ مسلم عن عمر: وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه، "أي: كصروا الخوذة ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه" أي: عليه، "في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر، فأخذ علي بيده واحتضنه" ولفظ ابن هشام، ورفعه "طلحة بن عبيد الله" التيمي، أحد العشرة، "حتى استوى قائما". وفي الصحيح عن قيس: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وفي

ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه الشريف، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه الشريف.

_ الإكليل: أن طلحة جرح يوم أحد تسعا وثلاثين، أو خمسا وثلاثين، وشل أصبعاه، أي: السبابة والتي تليها. وللطيالسي عن عائشة: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: كان ذلك اليوم كله لطلحة. وروى النسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر: أدرك المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من للقوم"؟ فقال طلحة: أنا، فذكر قتل الذين كانوا معهما من الأنصار، قال: ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده، فقطعت أصابعه، فقال: حس، فقال صلى الله عليه وسلم: "لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء ثم رد الله المشركين" "ونشبت" بكسر الشين المعجمة، أي: علقت، والمراد دخلت، "حلقتان" تثنية حلقة بسكون اللام، "من المغفر في وجهه الشريف" أي: في وجنته بسبب جراح ابن قمئة وجنته، كما بينه في رواية ابن هشام التي قبل هذه الرواية، "فانتزعهما أبو عبيدة" عامر بن عبد الله "بن الجراح" أحد العشرة، أمين هذه الأمة، "وعض عليهما حتى سقطت ثنتياه" في مرتين، "من شدة غوصهما في وجهه الشريف" كما روى ابن إسحاق عن أبي بكر بسند صحيح: أن با عبيدة نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين. وفي الاستيعاب قيل: إن عقبة بن وهب بن كلدة هو الذي نزع الحلقتين، وقيل: أبو عبيدة. قال الواقدي: قال عبد الرحمن بن أبي الزياد: نرى أنهما جميعا عالجاهما وأخرجاهما من وجنتي النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وفي الرياض النضرة قيل: إن المنتزع أبو بكر، انتهى. فيجوز أن الثلاثة عالجوهما، وقول النور قوله يعني اليعمري في العيون: أن طلحة بن عبيد الله نزع إحدى الحلقتين وهم، فلم يقع ذلك في العيون ولا في غيرها. وروى أبو حاتم عن الصديق: رمي صلى الله عليه وسلم ووجنته، فأهويت إلى السهم لأنزعه، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر ألا تركتني، فتركته، فأخذ أبو عبيدة الهم بشفته، فجعل يحركه ويكره أن يؤذيه صلى الله عليه وسلم ثم استله بفيه. قال في الرياض النضرة: يجوز أن السهمين أثبتا حلقتي الدرع، فانتزع الجميع فسقطتا لذلك، انتهى.

وامتص مالك بن سنان -والد أبي سعيد الخدري رضي الله عنه- الدم من وجنته ثم ازدرده، فقال عليه الصلاة والسلام: "من مس دمي لم تصبه النار"، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم دمه عليه الصلاة والسلام. وفي الطبراني من حديث أبي أمامة قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته فقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه: "أقماك الله"، فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة.

_ وعند الواقدي عن أبي سعيد: أن الحلقتين لما نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشن بسين مهملة وضم الراء، أي: يجري، "وامتص" أي: مص، وبه عبر ابن هشام، "مالك بن سنان، والد أبي سعيد" سعد، "الخدري رضي الله عنهما الدم من وجنته، ثم ازدرده" كله على ظاهر رواية ابن هشام هذه، لكن في رواية: أنه جعل يأخذ الدم بفيه، ويمجه ويزدرد منه، فقال له: "أتشرب الدم"؟ فقال: نعم يا رسول الله، "فقال عليه الصلاة والسلام: "من مس دمي لم تصبه" وفي رواية: "لم تمسه" "النار"، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم دمه عليه الصلاة والسلام وهو الطهارة على الراجح، ومجموع من قيل: إنه شرب دمه لا في خصوص هذا اليوم مالك بن سنان هذا، وعلي، وابن الزبير، وأبو طيبة الحجام، وسالم بن أبي الحجاج وسفينة مولى المصطفى. "وفي الطبراني من حديث أبي أمامة" صدى بصاد ودال مفتوحة مهملتين، ابن عجلان الباهلي، "قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فشج وجهه وكسر رباعيته" مر إن الذي كسرها عتبة بن أبي وقاص، وجعلهم صاحب المنتقى قولين، وجمع شيخنا بأن عتبة كسرها أولا، فلما شجه ابن قمئة، أثرت ضربته في رباعيته، فنسب كسرها له، "فقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه: "أقمأك الله". قال البرهان: بهمزة مفتوحة في أوله، وأخرى في آخره، أي: صغرك وذلك، "فسلط الله عليه تسيل جبل" وهو ذكر الظباء، فإن لم يضف للجبل فذكر المعز، "فلم يزل" أي: استمر، "ينطحه حتى قطعه" فعل، وفاعل ومفعول، "قطعة قطعة" أي: قطعة بعد قطعة. وروى ابن عائذ عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر، قال: انصرف ابن قمئة عن ذلك اليوم إلى أهله، فخرج إلى غنمه، فوافاها على ذروة جبل، فأخذ فيها يعترضها، ويشد عليه تيسها، فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل، فتقطع وهو منقطع، كما قال الحافظ: فإن أردت الترجيح، فرواية الطبراني موصولة، فتقدم على المنقطع، ولذا اقتصر عليها المصنف، وإن أردت الجمع

وروى ابن إسحاق عن حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه الشريف، وجعل يمسحه ويقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم"، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:

_ فيمكن أنه لما نطحه تيس غنمه، وقع من هاشق الجبل إلى أسفل، فسلط الله عليه تيس الجبل، فنطحه حتى قطعه قطعا زيادة في نكاله وخزيه ووباله. "وروى ابن إسحاق" محمد في السيرة، "عن حميد الطويل" الخزاعي البصري، ثقة تابعي صغير حافظ، توفي وهو قائم يصلي سنة أربعين ومائة، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: اثنتين، وله خمس وسبعون سنة، واختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، قيل: كان طويل اليدين، فلقب بذلك. وقال الأصمعي: رأيته ولم يكن طويلا، لكن كان له جار يعرف بحميد القصير، فقيل له: الطويل، ليعرف من الآخر. ولفظ ابن إسحاق: حدثني حميد، وكان الأولى للمصنف أن يأتي به؛ لأن ابن إسحاق وإن كان ثقة حافظا، لكنه يدلس فلا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث، كما هو الواقع هنا، ثم حميد يدلس أيضا، ولذا علقه البخاري، وقرنه بثابت، فقال: حميد وثابت، "عن أنس قال: كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه الشريف، وجعل يمسحه، ويقول: "كيف" استفهام تعجب، "يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم" وذلك مقتض لمزيد إكرامه، وإنزالهم إياه منزلة الروح من الجسد لا إيذائه، "فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] ، إنما أنت عبد مأمور بإنذارهم، وجهادهم وشيء اسمه ليس ولك خبر، ومن الأمر حال من شيء لأنها صفة مقدمة، {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم} إن أسلموا فنسر به، {أَوْ يُعَذِّبَهُم} إن أصروا فتشتفي منهم، وأو بمعنى إلا أن كما قطع به الجلال، وزاد البيضاوي: أو عطف على الأمر، أو شيء بإضمار أن، أي: أليس لك شيء من أمرهم، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم، {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون} [آل عمران: 128] ، بالكفر، وأما جعله عطفا على قوله: ليقطع طرفا من الذين كفروا، كما جزم به المصنف في شرح الصحيح، أو على قوله: أو يكبتهم وليس لك من الأمر اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، كما هو أحد الوجوه في البيضاوي، فقيه وقفة؛ لأن عامل يكبتهم هو قوله: ليقطع، وهو متعلق بقوله: نصركم، فكيف يكون سبب لنزول قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ} الآية، المسوق لغير ما سيق له ما قبله، ثم قوله فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ

128] . ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طرق حميد به. وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعي: بلغنا أنه لما جُرِحَ -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، أخذ شيئًا فجعل ينشف دمه ويقول: "لو وقع شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء،

_ شَيْءٌ} الآية. ليس قول المصنف، بل قول أنس، وحكمه الرفع, فإنه في ابن إسحاق، كما ذكر المصنف حرفًا بحرف لم يتصرَّف عليه إلّا في إبدال، حدَّثني حميد بقوله عن حميد، وقد رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس بلفظ: فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية. "ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طرق، عن حميد" عن أنس، "به" إشارة إلى ابن إسحاق, لم ينفرد به عن حميد، والحديث صحيح. وروى البخاري أيضًا، وأحمد، والنسائي والترمذي في سبب نزول الآية، عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعدما يقول سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد" , فأنز الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} إلى قوله {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] ، وجمع الحافظ بأنه دعا على المذكورين في صلاته، بعدما وقع له يوم أحد، فنزلت الآية فيما وقع له وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم. قال: لكن يشكل ذلك بما في مسلم عن أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في الفجر: "اللهم العن لحيان ورعلًا، وذكوان وعصية" حتى أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] ووجه الإشكال أنَّ الآية نزلت في قصة أحد، وقصة رعل وذكوان بعدها، ثم ظهرت لي علة الخبر، وأنَّ فيه إدراجًا، فإن قوله: حتى أنزل الله منقطع من رواية الزهري عمَّن بلغه, بَيِّنَ ذلك مسلم، وهذا البلاغ لا يصح لما ذكرته، ويحتمل أن قصتهم كانت عقب ذلك، وتأخَّر نزول الآية عن سببها قليلًا، ثم نزلت في جميع ذلك، وقال في محل آخر فيه بعد: والصواب أنها نزلت بسبب قصة أحد، انتهى. "وعند" الحافظ محمد "بن عائذ" -بتحتية وذال معجمة- الدمشقي الكاتب، صاحب المغازي وغيرها، وثَّقه ابن معين وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، "من طريق الأوزاعي،" عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل زمانه. قال ابن سعد: ثقة مأمون صدوق، فاضل خيِّر، كثير الحديث والعلم والفقه، وُلِدَ سنة ثمان وثمانين، ومات في الحمام سنة سبع وخمسين ومائة. قال: "بلغنا أنه لما جُرِحَ -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد أخذ شيئًا، فجعل ينشف دمه" فيه ليمنعه من النزول على الأرض، "ويقول: "لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء" لعل

ثم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- يومئذ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها, أو المبالغة في الكثرة. انتهى. وقاتلت أم عمارة نسيبة

_ حكمته أنَّ نزوله يحقق مرادهم من آذاه، ويدوم فيما أصابه من الأرض، وهي محلّ الامتهان, بخلاف إزالته بالمسح، فلم يبق له أثرظاهر، فكأنه لم ينزل، فلا امتهان، وهذا من كمال شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه، "ثم" لم يكتف بإزالة ما ينزل العذاب عليهم حتى "قال: " اللهم اغفر لقومي" , فأظهر سبب الشفقة بإضافتهم إليه، فإن الطبع البشري يقتضي الحنوَّ على القرابة بأي حال، وليبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإيمان، ثم اعتذر عنهم، فقال: "فإنهم لا يعلمون" , فاعتذر عنهم بالجهل الحكمي، لعدم جريهم على مقتضى علمهم، وإن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البينات عذرًا تضرعًا إلى الله أن يمهلهم حتى يكون منهم، أو من ذريتهم مؤمن، وقد حقق الله رجاءه, ولم يقل: يجهلون تحشينًا للعبارة، ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، ثم استشكل هذا بنحو قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} ، وإن كان سببها خاصًّا فهي عامَّة في حق كل مشرك، وأجيب كما قال السهيلي في الروض: بأنَّ مراده الدعاء لهم بالتوبة من الشرك حتى يغفر لهم، بدليل رواية من روى: "اللهم اهد قومي"، وهي رواية عن ابن إسحاق، ذكرها بعض سيرته عنه بهذا اللفظ، وبأنه أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من نحو خسف ومسخ، انتهى. وفي الينابيع: كان -صلى الله عليه وسلم- يأخذ قطرات الدم، ويرمي بها إلى السماء، ويقول: "لو وقع منها شيء على الأرض لم ينبت عليها نبات". "وروى عبد الرزاق" بن همام الحافظ الصنعاني، "عن معمر" بن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمني، الحافظ المتقن، الفقيه الورع، المتوفَّى في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة، "عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- يومئذ"، أي: يوم أحد، "بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها" فلم يحصل مرادهم بالضرب، ولله المنة. "قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي" إسناده؛ لأنَّ رجاله من رواة الصحيح، "ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها" على أصل مدلول اللفظ، "أو المبالغة في الكثرة" على عادة العرب في ذلك، "وقاتلت أم عمارة" بضم العين وتخفيف الميم، "نسيبة" بفتح النون، وكسر السين المهملة فمهملة مفتوحة، فهاء كما ضبطها في الإكمال، والتبصير، والإصابة، والنور وغيرهم،

بنت كعب المازنية يوم أحد -فيما قاله ابن هشام, فخرجت أوَّل النهار حتى انتهت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس, حتى خلصت الجراحة إلي، أصابني ابن قمئة -أقمأه الله تعالى- لما ولَّى الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم, أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت له، فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته ثلاث ضربات على ذلك، ولكنَّ عدو الله عليه درعان. قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور.

_ وقول الشامي بالتصغير على المشهور، عن ابن معين والفربري ككريمة وهم, إنما هذا في نسيبة أم عطية، كما في الفتح الباري في الجنائز، فنقله في أمّ عمارة غلط، "بنت كعب المازنية" من بني مازن بن النجار الأنصارية النجارية. قال أبو عمر: شهدت العقبة وأحدًا مع زوجها زيد بن عاصم، وولديها حبيب -بحاء مهملة، وكسر الموحدة، وعبد الله، وشهدت بيعة الرضوان، وخرجت يوم اليمامة اثنتي عشرة جراحة، وقطعت يدها، وقتل ولدها حبيب. روت عن المصطفى، وعنها عكرمة وغيره، "يوم أحد فيما قاله" عبد الملك "بن هشام"، عن سعيد بن أبي يزيد الأنصاري، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع، عنها قالت: "فخرجت أوَّل النهار حتى انتهيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه" صلى الله عليه وسلم، "بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت" أي: وصلت، "الجراحة" هذا, فاللام للحضور، "إليَّ" بالتشديد، من أجل أن "أصابني ابن قمئة -أقمأه الله" بهمزتين مفتوحتين أوّله وآخره، "لما ولَّى الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقبل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت" أي: تعرَّضت "له" لأمنعه عنه -صلى الله عليه وسلم, أنا، ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت معه -صلى الله عليه وسل، كما قالته عند ابن هشام، "فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته على ذلك ضربات" وثبت لفظ ثلاث عند ابن هشام، وسقط من أكثر نسخ المصنف، "ولكن عدوَّ الله عليه درعان،" فلم تؤثر فيه ضرباتي. "قالت" رواية هذا الحديث عنها "أم سعد" واسمها جميلة، كما قال ابن سعد، "بنت سعد بن الربيع" الصحابية بنت الصحابي، قُتِلَ أبوها يوم أحد, وكانت يتيمة في حجر الصديق، وقيل: إنها زوجة زيد بن ثابت، أخرج لها أبو داود، "فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور،" فبيَّنَت صفة الجراحة ومحلها، وأخرج الواقدي عن عمارة ابن غزية: إن أم عمارة قتلت يومئذ فارسًا من المشركين، وبسند آخر عن عمر، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما التفت يوم أحد

وتترِّس دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فيما قاله ابن إسحاق- أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل وهو لا يتحرك. ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم. قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل ويقول: "ارم فداك أبي وأمي،

_ يمينًا، ولا شمالًا إلّا وأراها تقاتل دوني"، "وتترَّس دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم" أي: جعل نفسه كالترس المانع من وصول سهام العدو إليه، "فيما قاله ابن إسحاق، أبو دجانة بنفسه, يقع النبل في ظهره، وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل، وهو لا يتحرك، ورمى سعد بن أبي وقاص" مالك الزهري، أحد العشرة، "دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم" بألف سهم، كما رواه الحاكم، وبعضها من سهام المصطفى حين فرغت سهام سعد. "قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل، ويقول: "ارم فداك أبي وأمي" بكسر الفاء وتفتح، أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل، لفديتك بأبوي اللذين هما عزيزان عندي، والمراد من التفدية لازمها، أي: ارم مرضيًا، قاله المصنف. وقال النووي: والمراد بالتفدية الإجلال والتعظيم؛ لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظّمه، وكأنَّ مراده بذلت نفسي، أو مَنْ يعزّ علي في مرضاتك وطاعتك. انتهى. وروى البخاري عن سعد: نثل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كنانته يوم أحد, فقال: "ارم فداك أبي وأمي". وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي وابن ماجه عن علي: "ما سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: "يا سعد، ارم فداك أبي وأمي". وفي رواية أخرى عن علي: ما جمع -صلى الله عليه وسلم- أبويه إلّا لسعد. قال السهيلي: والرواية الأولى أصح، والله أعلم؛ لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع. وقد قال الزبير ن العوام أنه جمع له أبويه، وقال له كما قال لسعد، رواه الزبير بن بكار. انتهى. أي: في هذا اليوم كما هو صريحه، وبه صرَّح في رواية أخرى. وروى الشيخان عن الزبير قال: جمع لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبويه يوم بني قريظة. قال البرهان: ويحتمل أن عليًّا أراد تفدية خاصَّة؛ لأن الحاكم روى أن سعدًا رمى يوم أحد بألف سهم، وفي شرف المصطفى ما منها سهم إلّا والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول له: "ارم فداك أبي وأمي"، فلم يفد أحدًا ألف مرة على هذا إلّا سعد بن أبي وقاص، انتهى. قال القاضي عياض: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك, سواء كان المفدى به مسلمًا أو كافرًا. قال النووي: وجاء من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى.

حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: "ارم به". وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فأخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده, وردَّها إلى موضعها وقال: "اللهم اكسه جمالًا"، فكانت أحسن عينيه وأحدُّهما نظرًا. ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إن شاء الله تعالى لفظه

_ وقال السهيلي عن شيخه ابن العربي: فقه هذا الحديث جوازه إن كان أبواه غير مؤمنين وإلّا فلا؛ لأنه كان كالعقوق. قال البرهان: وقد فدى الصديق النبي -صلى الله عليه وسلم- بأبويه حين كانا مسلمين، وقد لا يمنع ابن العربي هذه المسألة؛ لأنه يجب على الخلق تفديته، بالآباء والأمهات والأنفس, انتهى. وصار -صلى الله عليه وسلم- يناول سعد السهام كيفما اتفق، "حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: "ارم به" كما عند ابن إسحاق، "وأصيبت" بسهم، ويقال: برمح، "يومئذ" أي: يوم أحد، وقيل: يوم بدر، وقيل: يوم الخندق, والأول أصح, قاله في الاستيعاب. "عين قتادة بن النعمان" بن زيد الأوسي المدني، شهد جميع المشاهد معه -صلى الله عليه وسلم، سمعه -عليه السلام يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} [الإخلاص: 1] يردِّدها، فقال: "وجبت"، وحديثه في الموطأ, توفي سنة ثلاث وعشرين عن خمس وستين سنة، وصلى عليه عمر, "حتى وقعت على وجنته", وقيل: صارت في يده، "فأتى بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم". زاد في الصفوة فقال له: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها، ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئًا"، فقال: يا رسول الله، إن الجنة لجزاء جميل وطاء جليل، ولكني رجل مبتلى بحب النساء، وأخاف أن يقلن أعور فلا يردنني، ولكن تردها وتسأل الله لي الجنة، فقال: "أفعل يا قتادة". وفي الروض: وإن لي امرأة أحبها، وأخشى إن رأتني تقذرني، "فأخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده وردَّها إلى موضعها، وقال: "اللهم اكسه جمالًَا". وعند الطبراني وأبي نعيم، عن قتادة: كنت أتقي السهام بوجهي دون وجهه -صلى الله عليه وسلم, فكان آخرها سهمًا ندرت منه حدقتي، فأخذتها بيدي, وسعيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فلما رآها في كفِّي دمعت عيناه فقال: "اللهم قِ قتادة، كما وقى وجه نبيك, فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظرًا"، "فكانت أحسن عينيه وأحدّهما" أقواهما "نظرًا". زاد في رواية: وكان لا ترمد إذا رمدت الأخرى، وفي رواية: إنها صارت لا تعرف، ولا يدري أيتهما التي سالت على خده، "ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إن شاء الله تعالى لفظه"

في مقصد المعجزات. ورمي أبو رهم الغفاري كلثوم بن الحصين بسهم فوقع في نحره, فبصق عليه -صلى الله عليه وسلم- فبرئ. وانقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه -صلى الله عليه وسلم- عرجونًا فعاد في

_ وهو: أصيبت عيناي يوم أحد، فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي -صلى الله عليه وسلم, فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما، فعادتا تبرقان. قال الدارقطني: تفرَّد به عن مالك عمارُ بن نصر، وهو ثقة, هكذا ساق لفظه "في مقصد المعجزات" هو الرابع، فلا يصح الجمع بأنَّ إحداهما وقعت على وجنته، والأخرى أصيبت، لكنها لم تصل إلى مثل ما وصلت إليه الأخرى؛ لأنه صرَّح في رواية العينين، كما ترى بأنهما معًا, فأسقطتا على وجنتيه. وقد قال النووي: وقال أبو نعيم: سالت عيناه، وغلطوه. قال البرهان في النور، وروى الأصمعي عن أبي معشر قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة بن النعمان، فقال: ممن الرجل؟ فقال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد فقال عمر: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا انتهى. وفي رواية: فقال عمر: بمثل هذا فليتوسّل المتوسِّلون، ووصله وأحسن جائزته، وقوله: ويا حسن ما خد، هكذا رواية الأصمعي، وبها استدرك البرهان إنشاده اليعمري، ويا حسن ما رَدَّ وعلى صحتها فلا إيطاء فيه؛ لأنَّ الأوّل معرف، والثاني منكر، هذا ووقع في مسند أبي يعلى الموصلي أنَّ أبا ذر أصيبت عينه يوم أحد، وفيه عبد العزيز بن عمران، متروك، وأبو ذر لم يحضر بدرًا، ولا أحدًا ولا الخندق، قاله في الاستيعاب. "ورُمِيَ" بالبناء للمفعول, ونائبه "أبو رهم الغفاري، كلثوم بن الحصين" بن خالد، أحد من بايع تحت الشجرة، واستخلفه -عليه السلام- على المدينة في عمرة القضاء، وعام الفتح. وروى الزهري عن ابن أخيه عنه: "بسهم، فوقع في نحره", قال في النور: فسمي المنحور، "فبصق عليه -صلى الله عليه وسلم- فبرئ", في هذا كسابقه معجزة باهرة، "وانقطع" كما ذكر الزبير بن بكار، "سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه -صلى الله عليه وسلم- عرجونًا" لفظ الزبير: عرجون نخلة، "فعاد في

يده سيف، فقاتل به, وكان ذلك السيف يسمَّى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغا التركي من أمراء المعتصم بالله في بغداد بمائتي دينار. وهذا نحو حديث عكاشة السابق في غزوة بدر, إلّا أن سيف عكاشة كان يسمَّى العون، وهذا يسمَّى العرجون. واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون, وهم يظنون أنهم أصابوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وأشراف أصحابه.

_ يده سيفًا، فقاتل به" حتى قُتِلَ -رضي الله عنه، قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي، ثم قتله علي بعده، ودُفِنَ هو وخاله حمزة في قبرٍ واحد كما يأتي. "وكان ذلك السيف يسمَّى العرجون" باسم أصله قبل الآية الباهرة، "ولم يزل يتوارث" هذا لفظ السهيلي عن الزبير. ولفظ أبي عمر عنه: يتناول، واليعمري عنه: يتناقل، والمعنى قريب، وإنما ذكرته لأنَّ البرهان استدرك على اليعمري بأبي عمر، "حتى بيع من بغا التركي من أمراء المعتصم بالله" الخليفة العباسي، إبراهيم بن هارون الرشيد، "في بغداد بمائتي دينار"، وهذا" كما قال السهيلي، "نحو حديث عكاشة -بضم العين وشد الكاف وتخفف- ابن مصحن "السابق في غزوة بدر، إلّا أن سيف عكاشة كان يسمَّى العون -بفتح العين، وسكون الواو بعدها نون, وهذا يسمَّى العرجون" -بضم العين وسكون الراء، وجيم، فواو فنون؛ لأنه عرجون نخلة، فافترقا، "واشتغل المشركون" ذكورًا وإناثًا، فهو تغليب. وذكر النساء بعد من عطف الخاص على العام، لمبالغتهنَّ وإظهارهنَّ الفرح "بقتلى المسلمين يمثلون بهم" -بفتح الياء، وضم المثلثة مخففة، وبضم الياء وفتح الميم، وكسر المثلثة مشددة- أي: بجميعهم. قال في العيون: إلّا حنظلة بن أبي عامر، فإن أباه كان معهم فلم يمثلوا به، ذكره ابن عقبة. انتهى، لكنه مختلف، فبالغوا في بعضهم دون بعض. "يقطعون الآذان" بدل من يمثلون، "والأنوف" جمع أنف، ويجمع أيضًا على آناف وآنف كما في القاموس، حتى اتخذت هند منهما خلاخل، "وقلائد, "والفروج ويبقرون" بفتح الياء، وضم القاف: يشقون "البطون, وهم يظنُّون أنهم أصابوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وأصابوا "أشراف أصحابه" اعتمادًا على قول ابن قمئة, وما وقع بهامش: إنَّ التمثيل إنما وقع من النساء فقط لا يصح، فعند الواقدي، وتبعه الحافظ أبو الربيع بن سالم في مغازيه: أنَّ وحشيًّا بعدما رمى حمزة تركه حتى مات، ثم أتاه وأخذ حربته، وأخرج كبده، وذهب بها إلى هند, وقال لها: هذه كبد حمزة قاتل أبيك، فأخذتها ومضغتها، فلم تقدر

وكان أوَّل مَنْ عرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فلمَّا عرفوه نهضوا ونهض معهم نحو الشِّعْب، معه أبو بكر وعمر وعلي ورهط من المسلمين، فلمَّا أسند

_ أن تسيغها، فلفظتها وأعطته ثوبها وحليها, ووعدته عشرة دنانير بمكة، انتهى. وعند ابن إسحاق: إن سيد الأحابيش الحليس مَرَّ بأبي سفيان وهو يضرب بزجّ الرمح في شدق حمزة ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بني كنانة, هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحمًا، فقال: ويحك اكتمها عني، فإنها كانت زلة. وفي العيون: كان خارجة بن زيد بن أبي زهير أخذته الرماح يوم أحد، فجُرِحَ بضعة عشر جرحًا، فمَرَّ به صفوان بن أمية فعرفه، فأجهز عليه، ومثَّلَ به, وقال: هذا ممن أغرى بأبي يوم بدر. "وكان أوَّل" بالفتح خبر مقدّم، والضم اسم، وهو أَوْلَى؛ لأن المبتدأ والخبر إذا عُرِفَا قُدِّمَ المبتدأ، ولأنَّ الذي يقصد بيانه وتعيينه هو الخبر، قرره شيخنا "مَنْ عرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم" بعد التحدث بقتله وخفائه عن أعينهم، "كعب بن مالك" بن عمرو، الخزرجي السلمي العقبي، أحد الثلاثة الذي تيبَ عليهم في تخلفهم عن تبوك. روى له الستة، وأحمد في المسند, "قال: عرفت عينيه تزهران،" أي: تضيئان، ومن رواه تزران، فمعناه تتوقدان، قاله أبو ذر في الإملاء. وفي الصحاح: زرت عينه تزر -بالكسر- زريرًا، وعيناه تزران إذا توقدتا، "من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين" أبشروا، كما في رواية ابن إسحاق، "هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم", زاد في رواية ابن إسحاق: فأشار لي -صلى الله عليه وسلم- أن أنصت. وروى الطبراني برجال ثقات عن كعب: كان يوم أحد، وصرنا إلى الشِّعب، كنت أول من عرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فقلت: هذا رسول الله، فأشار إلي بيده أن اسكت، ثم ألبسني لامته ولبس لامتي، فلقد ضربت حتَّى جرحت عشرين جراحة، أو قال: بضعًا وعشرين، كل من يضربني يحسبني رسول الله -صلى الله عليه وسلم, "فلمَّا" سمعوا ذلك، وأقبلوا عليه، و"عرفوه نهضوا" أي: أسرعوا إليه، حتى أتوه، "ونهض معهم نحو الشِّعْب"؛ لينظر حال الناس, "معه أبو بكر، وعمر وعلي ورهط من المسلمين". قال ابن عقبة: بايعوه على الموت، انتهى. منهم طلحة، والزبير، والحارث بن الصمة، كما في ابن إسحاق وغيره. قال شيخنا: وظاهره أنهم لم يكونوا ممن نهض إليه، ولا مانع منه لجواز أن كعبًا حين نادى سمعه طائفة لم يكونوا عنده فأقبلوا, وكان عند أبو بكر ومن معه فساروا معه، "فلمَّا أسند،"

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشِّعْب أدركه أُبَيّ بن خلف وهو يقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه رجل منَّا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم: "دعوه"، فلمَّا دنا تناول -عليه الصلاة والسلام- الحربة من الحارث بن الصمة، فلمَّا أخذها منه -عليه الصلاة والسلام- انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله -عليه الصلاة والسلام، فطعنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طعنة

_ قال في النور: أي صعد "رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشِّعب"، وكأنَّ معناه: إنهم لما دخلوا به في الشعب صعدوا به في الصخرة، فاستندوا إلى جانب من الجبل، بدليل رواية ابن إسحاق: نهض -صلى الله عليه وسلم- إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان قد بدن وظاهر بين درعين، فلمَّا ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به، حتى استوى عليها، فقال كما حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير بن العوام، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ: "أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع". قال ابن هشام: وبلغني عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يبلغ الدرجة المبنية في الشِّعب. قال البرهان: بدن -بفتح الدال المهملة المشددة أي: أسنّ، أو ثقل من السنّ، وأوجب طلحة. قال اليعمري: يعني أحدث شيئًا يستوجب به الجنة. "أدركه أُبَيّ بن خلف وهو يقول: أين محمد لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله! "يعطف" فهو استفهام بتقدير الهمزة، وكأنها سقطت من قلم المصنف؛ إذ هي ثابتة في ابن إسحاق، "عليه رجل منا، فقال -صلى الله عليه سلم: "دعوه" , وعند ابن عقبة: عن سعيد بن المسيب، فاعترضه رجال من المؤمنين، فأمرهم -صلى الله عليه وسلم, فخلوا طريقه، واستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه، فقتل مصعب، "فلمَّا دنا تناول -عليه الصلاة والسلام- الحربة من الحارث بن الصمة", ويقال من الزبير، ويقال من طلحة، ويقال من سهل بن حنيف، "فلمَّا أخذها -عليه الصلاة والسلام- منه, انتفض بها انتفاضة تطايرنا،" وفي نسخة: تطايروا، أي: بعدنا، "عنه تطاير الشعراء" بشين معجمة، فعين مهملة ساكنة فراء، فألف تأنيث. قال ابن هشام: ذباب صغير له لذع، "عن ظهر البعير إذا انتفض" البعير. قال السهيلي: ورواه العتيبي: تطاير الشعر، أي: بضم الشين وسكون العين، وقال: هي جمع شعراء. "ثم استقبله -عليه الصلاة والسلام، فطعنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم طعنة" في عنقه، وفي لفظ: في

وقع بها عن فرسه, ولم يخرج له دم, فكسر ضلعًا من أضلاعه. فلمَّا رجع إلى قريش قال: قتلني والله محمد، أليس قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني، فمات عدو الله بسرف

_ ترقوته من فرجة، في سابغة البيضة والدرع. وفي لفظ: فخدشه في عنقه خدشًا غير كبير، والترقوة في أصل العنق فلا خلف، "وقع بها عن فرسه" مرارًا، وجعل يخور كما يخور الثور، "ولم يخرج له دم،" بل احتبس، "فكسر ضلعًا" بكسر الضاد وفتح اللام، وتسكن "من أضلاعه", ففيه آية باهرة، سواء كان كسره من الطعنة، أو من سقوطه عن فرسه؛ لأن سقوطه من الطعنة، "فلمَّا رجع إلى قريش" يركض فرسه حتى بلغهم وهو يخور كالثور، "قال: قتلني والله محمد", فقالوا: ليس عليك بأس ما أجزعك، إنما هو خدش, لو كان بعين أحدنا ما ضره، فقال: واللات لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز، وفي رواية: بربيعة ومضر لماتوا أجمعين، وفي رواية: بجميع الناس لقتلهم، "أليس قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك". وروى ابن إسحاق عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: إن أبيًّا كان يلقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة فيقول: يا محمد, إن عندي فرسًا أعلفه كل يوم فرقًا من ذرة أقتلك عليه، فيقول -صلى الله عليه وسلم: "بل أنا أقتلك عليه إن شاء الله تعالى"، فلمَّا رجع إلى قريش، وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير، فاحتقن الدم, قال: قتلني والله محمد، قالوا: ذهب والله فؤادك، والله ما بك بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك, "فوالله لو بصق عليّ لقتلني". وفي رواية: قال له أبو سفيان: ويلك ما بك إلّا خدشة، قال: ويلك يا ابن حرب, ما تعلم من ضربها، أما ضربها محمد، وإنه قال لي: سأقتلك، فعلمت أنه قاتلي، ولا أنجو منه ولو بزق عليَّ بعد هذه المقالة لقتلني، وأنا أجد من هذه الطعنة ألمًا لو قُسِّمَ على جميع أهل الحجاز لهلكوا، وكان يصرخ ويخور حتى مات، وإنما اقتصر أُبَيّ على قوله: قال لي بمكة, مع أنه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك بالمدينة أيضًا بعد بدر, لما بلغه قول أُبَيّ: إنه يقتله على فرسه كما في رواية؛ لأنه لم يبلغ أبيًّا، أو بلغه، واقتصر على ما شافهه به هذا. وفي النور ما نصه: ذكر الذهبي ما لفظه، وأخبر، أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يقتل أُبَيّ بن خلف الجمحي، فخدشه يوم بدر، أو أحد خدشًا فمات منه، وهو غريب، والمعروف أنه يوم أحد، انتهى. فلم يذكر أن الذهبي روى حديثًا يدل على ذلك كما زعم، "فمات عدو الله بسرف،" بفتح السين المهملة، وكسر الراء وبالفاء، على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، وتسعة واثني

وهم قافلون إلى مكة. رواه أبو نعيم والبيهقي ولم يذكر: فكسر ضلعًا من أضلاعه. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أُبَيّ بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذا نار تأجج فهبتها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله -صلى الله عليه وسلم، هذا أُبَيّ بن خلف، ورواه البيهقي.

_ عشر، ووجه هلاكه بها أنه مسرف, قاله البرهان، "وهم قافلون" أي: راجعون "إلى مكة، رواه أبو نعيم و" كذا "البيهقي، و" لكنه "لم يذكر: فكسر ضلعًا من أضلاعه", وهي ثابتة عند ابن عقبة وغيره. وقد روى الحاكم، عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أُبَيّ بن خلف يوم أحد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, فاعترضه رجال من المؤمنين، فأمرهم -صلى الله عليه وسلم, فخلوا سبيله, ورأى -صلى الله عليه وسلم- ترقوة أُبَيّ من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته، فسقط عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فكسر ضلعًا من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خور الثور، فقالوا له: ما أعجزك إنما هي خدش، فذكر لهم قوله -صلى الله عليه وسلم: "بل أنا أقتل أبيًّا"، ثم قال: "والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات أُبَيّ قبل أن يقدم مكة، فأنزل الله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] . قال في اللباب: صحيح الإسناد لكنه غريب، والمشهور أنها نزلت في رميه يوم بدر بالقبضة من الحصباء. انتهى. "قال الواقدي" محمد بن مر بن واقد، أبو عبد الله المدني: "وكان ابن عمر" عبد الله "يقول: مات أُبَيّ بن خلف ببطن رابغ" بكسر الموحدة وغين معجمة، بطن واد عند الجحفة، "فإني لأسير ببطن رابغ بعد هويّ" بفتح الهاء، وكسر الواو وشد التحتية، الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص باليل، كما في الشامية، فقوله: "من الليل" صفة مقيدة على الأول، ولازمة على الثاني، "إذا نار تأجّج" بحذف إحدى التاءين، "تتوقد، "فهبتها, وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها" بذال معجمة يسحبها: "يصيح" بفتح الياء من صاح، "العطش" بالرفع والنصب، "وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله -صلى الله عليه وسلم, هذا أُبَيّ بن خلف، ورواه البيهقي". وقد روى البخاري وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- اشتدَّ غضب الله على رجل قتله رسول الله في سبيل الله.

ولما انتهى -صلى الله عليه وسلم- إلى فم الشِّعب ملأ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- درقته من المهراس -وهو صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقيل هو اسم ماء بأحد-

_ وروى البرقاني عن ابن مسعود قال: قال -صلى الله عليه وسلم: "إن أشدَّ الناس عذابًا من قتله نبي أو مصور". قال المحب الطبري: وجه ذلك، والله أعلم، أن المصور ضاهى فعل الله -عز وجل، ومن قتله نبي محمول على أنه قتله دفعًا عن نفسه، أو بارز لعناده، فإن الأنبياء مأمورون باللطف والشفقة على عباد الله، والرأفة, فما يحمله على قتله إلّا أمر عظيم، انتهى. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في ذلك هذه الأبيات: لقد ورث الضلالة عن أبيه ... أُبَيّ حين بارزه الرسول أتيت إليه تحمل رم عظم ... وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت بنو النجار منكم ... أمية إذ يغوث يا عقيل وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل وأمهما الهيول وأفلت حارث لما اشتغلنا ... بأسر القوم أسرته قليل وقال حسان أيضًا: ألا من مبلغ عني أُبَيًّا ... فقد ألقيت في سحق السعير تمنى بالضلالة من بعيد ... وتقسم إن قدرت مع النذور تمنيك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ ... كريم البيت ليس بذي فجور له فضل على الأحياء طرًّا ... إذا نابت ملمات الأمور "ولما انتهى -صلى الله عليه وسلم- إلى فم الشِّعب، ملأ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- درقته من المهراس" بكسر الميم، وسكون الهاء، وبالراء وسين مهملة آخره، "وهي صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء" تجعل إلى جانب البئر، ويصبّ فيها الماء لينتفع به الناس، "وقيل: هو اسم ماء بأحد". قال الشاعر: وقتيلًا بجانب المهراس، قاله المبرد، وحكاه عنه أبو ذر الهرويّ، وتبعه ابن الأثير، لكن غلط السهيلي المبرد، فقال: المهراس حجر منقور يمسك الماء فيتوضأ منه, شبه بالمهراس الذي هو الهاون، ووهم المبرد، فجعل المهراس اسمًا علمًا للمهراس الذي بأحد خاصة، وإنما اسم لكل حجر نقر، فأمسك الماء. ورى ابن عبدوس عن مالك أنه سُئِلَ عن رجل مَرَّ بمهارس في أرض فلاة، كيف يغتسل

فجاء به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وغسل عن وجهه الدم، وصبّ على رأسه وهو يقول: "اشتدَّ غضب الله على من دمى وجه نبيه". وصلى النبي -صلى لله عليه وسلم- الظهر يومئذ قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلَّى المسلمون خلفه قعودًا. قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثِّلن بالقتلى

_ منه، فقال مالك: هلَّا قلت بغدير، ومن يجعل له مهراسًا في أرض فلاة، وبهذا يتبين لك أن المهراس ليس مخصوصًا بالذي كان بأُحد، ولذا وقع في غريب الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بقوم يتحارون مهراسًا أن يرفعوه. انتهى. "فجاء به،" أي: بالماء الذي ملأ به درقته، وفي الشامية: فجاء بها، أي: بالدرقة، لكن الذي في ابن إسحاق، وتبعه اليعمري به، "إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم". قال ابن إسحاق: ليشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه فلم يشرب منه، "وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه", وهذا وقع قبل انصراف الكفَّار من علي وحده، ثم لما انصرفوا، كما في رواية الطبراني: أتت فاطمة في النسوة، فجعلت تغسل وعلي يسكب كما يأتي، فلا يورد على هذا كما زعم، "وهو" صلى الله عليه وسلم "يقول" كما ذكره ابن إسحاق بلا إسناد: "اشتد غضب الله على من دمى". قال البرهان: بفتح الميم المشددة، وهذا ظاهر، انتهى. أي: جرح, "وجه نبيه" , وأسنده البخاري وغيره عن ابن عباس بلفظ: "غضب الله على قوم دموا وجه نبي الله". قال المصنف: بفتح الدال المهملة، والميم المشددة، أي: جرحوا. انتهى. "وصلى النبي -صلى الله عليه وسلم" فيما ذكره ابن هشام مرسلًا، "الظهر يومئذ قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلَّى المسلمون خلفه قعودًا" من الجراح التي أصابتهم، أو لأنَّ موافقة الإمام كانت واجبة، ثم نسخت. "قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة" بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان بليلة، وشهدت معه اليرموك. روى الأزرقي وغيره: أنها لما أسلمت جعلت تضرب صنمها في بيتها بالقدوم فلذة فلذة وتقول: كفاني غرورًا. روى عنها ابنها معاوية وعائشة، ماتت سنة أربع عشرة. "والنسوة اللاتي معها" تقدَّمت عدتهن، "يمثِّن بالقتلى" يقال: مَثَل به -بفتح الميم والثاء المخففة- يمثل، بضم الثاء، مثلًا، بفتح

من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم, يجدعن الآذان والآنف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.

_ الميم وإسكان الثاء، أي: نكَّل، والاسم المثلة بالضم، ومثَّل بالقتيل: جدعه, وكثير من الناس يشدد مثل، وكأنه إذا أريد التكثير يجوز ذلك، "من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجدعن" بفتح الياء وإسكان الجيم وخفة الدال، وكأنه إذا أريد المبالغة يجوز التشديد، "أي: يقطعن "الآذان والآنف" بفتح الهمزة الممدودة وضم النون, قاله كله البرهان. قال ابن إسحاق: حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدمًا وقلائد، وأعطت خدمها، وقلائدها، وقرطها وحشيًّا الخدم -بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة: الخلاخيل, الواحدة خدمة، "وبقرت" بموحدة وقاف، أي: شقَّت، "عن كبد حمزة -رضي الله عنه, فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها". قال البرهان: يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغًا، أي: سهل مدخله في الحلق، وسغته أنا أسوغه وأسيغه يتعدَّى ولا يتعدَّى، والأجود أسغته إساغة، "فلفظتها" طرحتها، ولا ينافي هذا ما ذكره الواقدي وغيره أن وحشيًّا لما قتل حمزة شقَّ بطنه وأخرج كبده، فجاء بها إلى هند فقال: هذه كبد حمزة، فمضغتها ثم لفظتها, وقامت معه حتى أراها مصرع حمزة، فقطَّعت من كبده، وجدعت أنفه؛ لأن الذي أخذه وجاء به إليها بعض الكبد، ثم أخذت هي باقيه كما هو صريحه. قال ابن إسحاق: ثم علت، أي: هند، على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها، فقالت: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمه وبكر شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري فشكر وحشي على عمري ... حتى ترم أعظمي في قبري فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب المطلبية، أخت مسطح: خزيت في بدر وبعد بدر ... يابنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر ... بالهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفري ... حمزة ليثي وعليّ صقري إذا رام شيب وأبوك غدري ... فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر قال الحافظ أبو الربيع في الاكتفاء: هذا قول هند، والكفر يحنقها، والوتر يقلقها، والحزن يحرقها، والشيطان ينطقها، ثم إن الله هداها للإسلام وعبادة الله وترك الأصنام، وأخذ بحجزتها

ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل. وكان أبو سفيان حين أراد الخروج إلى أُحد، كتب على سهم نعم، وعلى آخر: لا، وأجالها عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج إلى أُحد، فلما قال: أعل هبل، أي: زد علوًّا. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمر: "أجبه فقل: الله أعلى وأجل". فقال أبو سفيان:

_ عن سوء النار، ودلها على دار السلام فصلحت حالها، وتبدَّلت أقوالها حتى قالت له -صلى الله عليه وسلم: والله يا رسول الله, ما كان على أهل الأرض خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم أهل خباء أحبَّ إليَّ أن يعِزُّوا من أهل خبائك، فالحمد لله الذي هدانا برسوله أجمعين، انتهى. "ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت" روي بفتح التاء خطابًا لنفسه وبسكونها، أي: الواقعة، أو الحرب، أو الأزلام، "فعال" بفتح الفاء وتخفيف المهملة، "إن الحرب سجال" بكسر المهملة وخفة الجيم، أي: مرَّة لنا ومرَّة علينا, من مساجلة المستقيين على البئر بالدلاء. وفي رواية: سمال جمع سملة، وهي الماء القليل، والمراد بها ما أريد بالأول؛ لأن الماء القليل يتناوبه وراده ولا يزدحمون عليه لقِلَّته، "يوم بيوم بدر". وعند الطبراني حنظلة بحنظلة، ويوم أُحد بيوم بدر، "أعل" بضم الهمزة، وسكون العين المهملة وضم اللام، "هبل"، أي: أظهر دينك، قاله ابن إسحاق. وقال السهيلي: معناه: زد علوًّا، وقال الكرماني: فإن قلت ما معنى أعل ولا علوًّا في هبل، فالجواب هو بمعنى العلى، أو المراد: أعلى من كل شيء. انتهى من الفتح. وعند البخاري في الجهاد، ثم جعل يرتجز: أعل هبل أعل هبل، "و" سبب قوله ذلك أنه "كان أبو سفيان حين أراد الخروج إلى أحد،" استقسم بالأزلام، "كتب على سهم نعم، "وعلى الآخر لا، وأجالهما" أي: أدارهما، "عنده" أي: هبل، "فخرج سهم نعم، فخرج إلى أُحد، "فلمَّا قال: أعل هبل" بضم الهاء، وفتح الموحَّدة ولام، اسم صنم كان في الكعبة، "أي: زد علوًّا" كما قال السهيلي، أو ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت. "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمر" بن الخطاب: "أجبه، فقل: الله أعلى وأَجَلّ"، فقال أبو سفيان:

أنعمت فعال، أي: اترك ذكرها, فقد صدقت في فتواها وأنعمت، أي: أجابت بنعم. فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: إن لنا عزى ولا عزى لكم. فقال له -عليه الصلاة والسلام- قولوا: "إن الله مولانا ولا مولى لكم".

_ أنعمت" بسكون التاء "فعال، أي: اترك ذكرها فقد صدقت في فتواها، وأنعمت" الأزلام، "أي: أجابت بنعم" التي يحبها، وهذا كله ظاهر في سكون التاء، وإن فاء فعال من بنية الكلمة لا حرف عطف, فهو معدول عن فاعلة كحذام عن حاذمة. وقال أبو ذر في الإملاء: أنعمت يخاطب نفسه، ومن رواه: أنعمت عني الحرب، أو الواقعة وفعال. قال اليعمري: اسم الفعل الحسن، وأنعم زاد. وقال السهيلي: فعال أمر، أي: عالٍ عنها، وأقصر عن لومها, تقول العرب: أعل عني، وعالٍ بمنى ارتفع عني ودَعْني. ويروى أن الزبير قال لأبي سفيان يوم الفتح: أين قولك أنعمت؟ فقال: قد صنع الله خيرًا، وذهب أمر الجاهلية. وقال أبو ذر: عالٍ من فعال، ارتفع يقال: عالٍ وأعل عن الوسادة، أي: ارتفع. قال: وقد يجوز أن تكون الفاء من نفس الكلمة، ويكون معدولًا عن الفعلة كما عدلوا، فجار عن الفجرة، أي: بالغت هذه الفعلة، ويعني بها: الوقعة، انتهى. "فقال عمر: لا سواء" قال السهيلي: أي: لا نحن سواء، ولا يجوز دخول لا على اسم مبتدأ معرفة إلّا مع التكرار نحو: لا زيد قائم، ولا عمرو خارج، ولكنه جاز في هذا الموضع؛ لأن القصد فيه إلى نفي الفعل، أي: وهو لا يجب تكرار لا معه، فكذا ما هو بمعناه، أي: لا نستوي, كما جاز لا لك، أي: لا ينبغي لك. وفي رواية أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعمر:"قل: لا سواء, قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". قال أبو سفيان: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا، "فقال: إن لنا العزى ولا عزى لكم" تأنيث الأعزّ -بالزاي- اسم صنم لهم، "فقال -عليه الصلاة والسلام: "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: إن الله مولانا ولا مولى لكم" هكذا في رواية البخاري. وفي رواية: فقال لعمر: "قل إن الله ... إلخ ". قال المصنف: أي: لا ناصر لكم، فالله تعالى مولى العباد جميعًا من جهة الاختراع، وملك التصرف، ومولى المؤمنين خاصَّة من جهة النصرة.

ولما انصرف أبو سفيان وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال -عليه الصلاة والسلام- لرجل من أصحابه: "قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد". وذكر الطبراني: أنه لما انصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعنّهم, فكانت فاطمة فيمن خرج، فلمَّا لقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتنقته, وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلمَّا رأت ذلك أخذت شيئًا

_ "ولما انصرف أبو سفيان وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر" هكذا رواية ابن إسحاق وأتباعه. وفي بعض الروايات: ألا إن موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول. قال الشامي: بالإضافة, وبدر تقدمت, والصفراء -بفتح الصاد المهملة، وسكون الفاء- تأنيث الأصفر، قرية فوق ينبع، كثيرة النخل والزرع، والحول السنة, انتهى. وفي رواية: يا محمد, موعدنا موسم بدر لقابل إن شئت. "فقال -عليه الصلاة والسلام- لرجل من أصحابه" هو عمر بن الخطاب، كما عند الواقدي، وذكره الشامي في غزوة بدر الأخيرة، فقول البرهان لا أعرفه تقصير: "قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد" زاد في رواية: إن شاء الله. قال ابن إسحاق: ثم بعث -صلى الله عليه وسلم- عليَّ بنِ أبي طالب، وقال ابن عائذ: سعد بن أبي وقاص، ويحتمل أنه بعثهما جميعًا، فقال: "اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرنَّ إليهم، ثم لأناجزنهم" , قال علي، أو سعد: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة, قال الله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب} [آل عمران: 151] الآية. قال في الكشاف: قذف الله في قلوبهم الخوف يوم أحد، فانهزموا إلى مكة من غير سبب. "وذكر"، أي: روى "الطبراني" من طريق سعيد بن عبد الرحمن عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، "أنه لما" كان يوم أحد، "وانصرف المشركون, خرج النساء إلى الصحابة يعنَّهم، فكانت فاطمة" الزهراء سيدة النساء، "فيمن خرج، فلمَّا لقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتنقته" فرحًا وشوقًا، "وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد الدم، فلمَّا رأت ذلك". وفي رواية البخاري: فلمَّا رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلّا كثرة، "أخذت شيئًا،" وفي

من حصير أحرقته بالنار وكمَّدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم. ثم أرسل -عليه الصلاة والسلام- محمد بن سملة -كما ذكره الواقدي- فنادى في القتلى: "يا سعد ...

_ البخاري، قطعة "من حصير" زاد في رواية: بردى، هو نبات يعمل منه الحصر، "أحرقته", وللبخاري في النكاح: عمدت إلى حصيرها فأحرقتها "بالنار", وللطبراني من طريق آخر: حتى صار رمادًا، فأخذت من ذلك الرماد، "وكمَّدته" بشد الميم, أي: ألصقته "به", وفعلت ذلك "حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم", وللطبراني من الطريق الآخر: فوضعته فيه حتى رقا الدم، وقال في آخر الحديث: ثم قال يومئذ: "اشتدَّ غضب الله على قوم دموا وجه رسوله"، ثم مكث ساعة، ثم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". قال الحافظ: وفي الحديث جواز التداوي، وأنَّ الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر، وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسَّى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره, والعاقبة للمتقين, انتهى. قال غيره: وليتحقق الناس أنهم مخلوقون لله، فلا يفتتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات، كما افتتن النصارى بعيسى، وفيه أنه لا ينافي التوكُّل والاستعانة في المداواة، وأنَّ الدواء حصير فاطمة التي أحرقتها. وروى الجوزجاني عن أبي أمامة بن سهل، أنه -صلى الله عليه وسلم- داوى جرحه يوم أحد بعظم بال، لكنه حديث غريب، كما قال ابن كثير، فلا يعادل ما في الصحيح، وعلى فرض الصحة, فقد يكون جمع بينهما، وإنما عزاه المصنف للطبراني، مع أنه في الصحيحين، والترمذي وابن ماجه؛ لأنه بَيِّنَ فيه سبب مجيء فاطمة إلى أُحد -رضي الله عنها. "ثم أرسل -عليه الصلاة والسلام"؛ لينظر خبر سعد بن الربيع، فقال كما في رواية ابن إسحاق: "من ينظر إلى سعد بن الربيع، أفي الأحياء أم في الأموات، فإني رأيت اثني عشر رمحًا شرعا إليه" , فقال رجل من الأنصار، يعني "محمد بن سلمة، كما ذكره" محمد بن عمر بن واقد "الواقدي". وعند الحاكم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه، قال: بعثني -صلى الل عليه وسلم- يوم أُحد لطلب سعد بن الربيع، وقال لي: "إن رأيته، فأقرأه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله: كيف تجدك"؟. وقال ابن عبد البَرِّ واليعمري: أرسل أُبَيّ بن كعب. قال البرهان: فلعله أرسل الثلاثة متعاقبين، أو دفعة واحدة. "فنادى في القتلى: يا سعد،"

ابن الربيع، مرة بعد أخرى، فلم يجبه، حتى قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسلني إليك، فأجابه بصوت ضعيف، فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق, فقال: أبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني السلام، وقل له: يقول لك: جزاك الله عنَّا خير ما جزى به نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: لا عُذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، ثم مات -رضي الله عنه. وقتل أبو جابر,

_ بضم الدال وفتحها، "ابن" بالفتح "الربيع مرة بعد أخرى، فلم يجبه"؛ لكونه في غمرات الموت، واستمرّ لا يجيبه، "حتى قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسلني إليك", وعند ابن إسحاق: أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ "فأجابه بصوت ضعيف" قال: أنا في الأموات، "فوجده جريحًا في القتلى", وفي حديث زبد بن ثابت: وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، "وبه رمق" بقية حياة، "فقال: أبلغ". قال البرهان: بقطع الهمزة وكسر اللام رباعي، وهذا ظاهر جدًّا, "رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني السلام, وقل له: يقول لك: جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبيًّا عن أمته" وقل له: إني أجد ريح الجنة، "وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص" -بضم أوله وفتح ثالثه- مبني للمفعول، كما في النور، والأصل: أن يخلص أحد "إلى نبيكم, وفيكم عين تطرف" بفتح أوله وكسر الراء، أي: تطبق أحد جفنيها على الآخر، والمراد كما قال البرهان وغيره: وفيكم حياة، "ثم مات -رضي الله عنه". وعند ابن إسحاق: ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته خبره. قال ابن هشام: وحدثني أبو بكر الزبيري: أن رجلًا دخل على أبي بكر، وبنت سعد بن الربيع جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها، فقال له الرجل، من هذه؟ قال: بنت رجل خير مني، سعد بن الربيع، كان من النقاباء يوم العقبة وشهد بدرًا، واستُشهد يوم أُحد. وروى الطبراني عن أم سعد بنت سعد بن الربيع: إنها دخلت على الصديق فألقى لها ثوبه، حتى جلست عليه، فدخل عمر فسأله فقال: هذه ابنة من هو خير مني ومنك، قال: ومن هو يا خليفة رسول الله؟ قال: رجل قبض على عهد رسول الله مقعده من الجنة وبقيت أنا وأنت. "وقتل أبو جابر" عبد الله بن عمرو بن حرام -بمهملة وراء. قال المصنف: قتله أسامة أبو الأعور بن عبيد، أو سفيان بن عبد شمس، أبو أبي الأعور السلمي، وعن جابر: أنه أول قتيل من المسلمين، وأن أخته هندًا حملته هو وزوجها عمرو بن الجموح وابنها خلّاد على بعير، ورجعت بهم إلى المدينة, فلقيتها عائشة وقالت لها: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابني خلّاد وزوجي، قالت:

فما عرف إلّا ببنانه -أي أصابعه، وقيل أطرافها، واحدتها بنانة. وخرج -صلى الله عليه وسلم- يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي، قد بُقِرَ بطنه عن كبده، ومُثِّل به فجدع أنفه وأذناه، فنظر -عليه الصلاة والسلام- إلى شيء لم ينظر إلى شيء أوجع لقلبه منه, فقال: "رحمة الله عليك، لقد كنت فعولًا للخير، وصولًا للرحم، أما والله

_ فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها، ثم زجرت بعيرها فبرك، فقالت لها عائشة لما عليه قالت: ما ذاك به؟ فإنه لربما حمل ما يحمل بعيران، ولكن أراه لغير ذلك, وزجرته ثانيًا، فقام وبرك, فوجهته إلى أُحد فأسرع, فرجعت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, فأخبرته فقال: "إن الجمل مأسور، هل قال عمرو -يعني ابن الجموح، شيئًا"؟ قالت: إنه لما توجه إلى أُحد قال: اللهمَّ لا تردني إلى أهلي وارزقني الشهادة، فقال -صلى الله عليه وسلم: "فلذلك الجمل لا يمضي, إن فيكم معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبَرَّه, منهم عمرو بن الجموح، ولقد رأيته يطأ بعرجته في الجنة". وهذا يناكد من قال: لعل سرَّ عدم سير الجمل أنه ورد الأمر بدفن الشهداء في مضاجعهم. "فما عرف"؛ لأنه مُثِّل به وجدع "إلّا ببنانه، أي: أصابعه،" قيل: سميت بنانًا؛ لأن بها صلاح الأحوال التي يستقر بها الإنسان، يقال: أبن بالمكان إذا استقرَّ به كما في المصباح، "وقيل: أطرافها واحدتها بنانة". قال ابن إسحاق: "وخرج -صلى الله عليه وسلم" فيما بلغني، "يلتمس حزة، فوجده ببطن الوادي قد بقر" بالبناء للمفعول، أي: شُقَّ "بطنه عن كبده", وفاعل ذلك هند ووحشي كما مَرَّ، "ومثل به" بضم الميم وكسر المثلثة المخففة, وتشدد لإرادة التكثير كما مَرَّ، "فجدع" بالتخفيف والتشديد للمبالغة، أي: قطع "أنفه وأذناه" بالرفع نائب الفاعل. قال ابن إسحاق: فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير، أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير". زاد ابن هشام وقال: "لن أصاب بمثلك أبدًا"، ونزل جبريل فقال: إن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع أسد الله وأسد رسوله. وأخرج اليعمري من طريق أبي طالب في الغيلانيات بسنده عن أبي هريرة، أنه -صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد، "فنظر -عليه الصلاة والسلام- إلى شيء لم ينظر إلى شيء أوجع لقلبه منه, فقال: "رحمة الله عليك لقد كنت" ما علمتك كما في الرواية، أي: مدة علمي لك، "فعولًا للخير" أي: مكثرًا لفعله، "وصولًا للرحم"، مكثرًا لوصلهم يما يليق بكل منهم، وأسقط المؤلف من ذا الحديث ما لفظه: "ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواهٍ شتى" قبل قوله: "أما والله" بألف بعد ميم وبحذفها.

لأمثِّلنَّ بسبعين منهم مكانك"، قال: فنزلت عليه خواتيم سورة النحل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه} [النحل: 126] الآية, فصبر وكفَّر عن يمينه وأمسك عمَّا أراد.

_ قال ابن الشجري في الأمالي: ما الزائدة للتوكيد، ركبوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين: أحدهما أن يراد به معنًى حقًّا في قولهم: أما والله لأفعلنَّ، والآخر: أن تكون افتتاحًا للكلام بمنزلة ألَّا, كقولك: أما إن زيدًا منطلق، وأكثر ما تحذف ألفًا إذا وقع بعدها القسم؛ ليدلَّ على شدة اتصال الثاني بالأول؛ لأنَّ الكلمة إذا بقيت على حرف لم تقم بنفسها، فعُلِم بحذف ألفها افتقارها إلى الاتصال بالهمزة، هكذا قاله النووي في شرح: أما والله لأستغفرنَّ لك، فنقله هنا البرهان وهو حسن, إلا أنه لم يعجبني نقله قول النووي: أم من غير ألف بعد الميم، وفي كثير من الأصول أو أكثرها: إما بالألف بعد الميم، وكلاهما صحيح؛ لأن هذا إنما قاله النووي في لفظ حديث مسلم، لا في هذا الحديث، فإنه ليس في مسلم، فلذا أسقطت صدر عبارة النووي. "لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك" , وفي رواية ابن إسحاق: "ولئن أظهرني الله على قريش لأمثلنَّ بثلاثين رجلًا منهم". قال البرهان: فيحتمل أنه قال مرتين، أو أنَّ مفهوم العدد ليس بحجة، ورواية الأقل داخلة في رواية الأكثر، "فنزلت عليه" لفظ الحديث: فنزل جبريل والنبي -صلى الله عليه وسلم- واقف بـ "خواتيم سورة النحل، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] الآية, {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] إلى آخر السورة، "فصبر" كما أمره ربه بقوله: فاصبر، "وكفَّر عن يمينه" لعزمه على الضد، "وأمسك عمَّا أراد، وهذا الحديث رواه الحاكم، والبيهقي، والبزار والطبراني, قال في الفتح بإسناد فيه ضعف، عن أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- لما رأى حمزة قد مُثِّلَ به قال: "رحمة الله عليك, لقد كنت وصولًا للرحم، فعولًا للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى"، ثم حلف وهو مكانه: "لأمثلنَّ بسبعين منهم"، فنزل القرآن: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إلخ السورة. وعند ابن مردويه، عن ابن عباس نحوه، وقال في آخره: بل نصبر يا رب. وروى الترمذي، وحسَّنه، والحاكم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، والطبراني عن أُبَيّ بن كعب، قال: لما كان يوم أحد مثَّل المشركون بقتلى المسلمين، فقال الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا من الدهر لنريين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل: لا قريش بعد اليوم، فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "كفّوا عن القوم". قال في اللباب: وظاهر هذا تأخر نزولها إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد،

وممن مثِّل به كما بحمزة عبد الله بن جحش، ابن أخت حمزة, ولذا يعرف بالمجدع في الله، وكان حين قتل ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع حمزة في قبر واحد. ولما أشرف -عليه الصلاة والسلام- على القتلى

_ وجمع ابن الحصار، بأنها نزلت أولًا بمكة، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا بعد الفتح تذكيرًا من الله لعباده، انتهى. وروى الحاكم عن ابن عباس قال: قتل حمزة جنبًا، فقال -صلى الله عليه وسلم: "غسَّلته الملائكة". وعند ابن سعد من مرسل الحسن: لقد رأيت الملائكة تغسّل حمزة. وروى الطبراني برجال ثقات عن أبي أسيد، والحاكم عن أنس قالا: كفَّن -صلى الله عليه وسلم- حمزة في نمرة، فمدت على رأسه فانكشف رجلاه, فمدت على رجليه فانكشف رأسه، فقال -صلى الله عليه وسلم: "مدوها على رأسه، واجعلوا على رجليه شيئًا من الحرمل" , وفي لفظ: من الإذخر. "وممن مثِّل به كما مثِّل بحمزة عبد الله بن جحش" ابن رياب براء مكسورة وتحتية وموحدة. قال في العيون: غير أنه لم يبقر عن كبده، "ابن أخت حمزة" أميمة -بميمين مصغرًا- بنت عبد المطلب, شقيقة والده -صلى الله عليه وسلم، اختُلِف في إسلامها، فنفاه ابن إسحاق, ولم يذكرها غير ابن سعد، "ولذا يعرف بالمجدع في الله"؛ لأنه سأل الله ذلك. روى الطبراني وأبو نعيم بسند جيد عن سعد بن أبي وقاص: أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله, فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو، فبلغني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده -بفتح المهملة والراء ودال مهملة- أي: غضبه, أقاتله فيك، ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه، فأمَّنَ عبد الله، ثم قال: "اللهم ارزقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني فيقتلني, ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك قلتَ: يا عبد الله, فيم جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فيقول الله: صدقت. قال سعد: كانت دعوته خيرًا من دعوتي, لقد رأيته أخير النهار، وأنَّ أنفه وأنه معلقان في خيط، "وكان حين قتل" على يد أبي الحكم ابن الأخنس الثقفي, "ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع" خاله "حمزة في قبر واحد", وهذا صريح في أنه قتل بأُحد. قال البرهان: وهو الصحيح، ورأيت بعضهم حكى قولًا أنه قتل بمؤتة. انتهى، وكان قائله انتقل حفظه لعبد الله بن رواحة، "ولما أشرف" أي: اطَّلع "عليه الصلاة والسلام" كما قال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أشرف "على القتلى"

قال: "أنا شهيد على هؤلاء، وما من جريح يجرح في الله إلّا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه, اللون لون الدم, والريح ريح المسك".

_ يوم أحد، "قال: "أنا شهيد على هؤلاء" راقب أحوالهم، وشفيع لهم بما فعلوه من بذل أجسامهم، وأرواحهم وأموالهم، وترك من له الأولاد كأبي جابر، ترك تسع بنات، طيبة بذلك قلوبهن، فرحين مستبشرين بوعد خالقهم، حتى إنه منهم من قال: إني لأجد ريح الجنة دون أُحد؛ كأنس بن النضر، وسعد بن الربيع, ومنهم من ألقى تمرات كنَّ في يده، وقاتل حتى قُتِل كما في الصحيح، ومنهم من قال: اللهمَّ لا تردَّني إلى أهلي؛ كعمرو بن الجموح، ومنهم من خلفه المصطفى لكبر سِنِّه، فخرج رجاء الشهادة, وهو اليمان وثابت بن وقش، فحذف المشهود به للعلم به. قال السهيلي: شهيد من الشهادة, وهي ولاية وقيادة، فوصلت بحرف على؛ لأنه مشهود له وعليه. وقال البيضاوي في قوله تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ، وهذه الشهادة وإن كانت لهم، لكن لما كان -صلى الله عليه وسلم- كالرقيب المؤتمن على أمته عدّي بعلى، وظاهره أن مجرَّد كون اللفظ بمعنى لفظ آخر يعدَّى بما يعدَّى به ما هو بمعناه، وليس من التضمين. قال شيخنا: والمراد لما اطَّلع عليهم بعد البحث عن حمزة وغيره، وعرف جملة من قتل قال ذلك, فلا يرد أنه يقتضي قوله بمجرد رؤيتهم، والسياق يدل على خلافه، وأنه إنما قال ذلك بعد الإحاطة بهم. "وما من جريح يجرح في" القتال لمحبة, "الله" وإخلاصه في إعزاز دينه، ففيه حذف شيئين، أو هو استعارة تبعية, شبه تمّن المجروح في المحبَّة بتمكّن المظروف في الظرف، فاستعار له لفظ في بدل اللام كما في قوله: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل} [طه: 71] ، "إلّا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه" بفتح الياء والميم، أي: يخرج منه الدم, "اللون" أي: لوم ما يخرج من جرحه، "لوم الدم" , والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل ما صفة دمائهم؟ هل هي على صفة دماء الدنيا أم لا؟ "والريح ريح المسك". قال المصنف: أي كريحه, أي: ليس هو مسكًا حقيقة, بخلاف اللون لون الدم، فلا يقدر فيه ذلك؛ لأنه دم حقيقة، فليس له من أحكام الدنيا وصفاتها إلا اللون فقط. قال: وظاهر قوله في رواية مسلم: كل كلم يكلمه المسلم إنه لا فرق في ذلك بين أن يموت، أو تبرأ جراحه، لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة، وجرحه يجري دمًا من فارق الدنيا وجرحه كذلك، ويؤيده ما رواه ابن حبان في حديث معاذ: عليه طابع الشهداء, والحكمة في بعثته كذلك أن يكون معه

وفي رواية عبد الله بن ثعلبة: قال -عليه الصلاة والسلام- لقتلى أحد: "زمّلوهم بجراحهم".

_ شاهد فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله. ولأصحاب السنن، وصحّحه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث معاذ: "من جرح جرحًا في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت, لونها الزعفران, وريحها المسك". قال الحافظ ابن حجر: وعرف بهذه الزيادة أنَّ الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد, كذا قال فليتأمل. وقال النووي: قالوا: وهذا الفضل، وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفّار، فيدخل فيه من جرح في سبيل الله في قتال البغاة وقطّاع الطريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ونحو ذلك، وكذا قال ابن عبد البر، واستشهد على ذلك بقوله -عليه الصلاة والسلام: "من قتل دون ماله فهو شهيد". لكن قال الولي بن العراقي: قد يتوقف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل؛ لإشاراته -صلى الله عليه وسلم- إلى اعتبار الإخلاص في ذلك في قوله: "والله أعلم بمن يكلم في سبيله"، والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه الله, وإنما يقصد صون ماله وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطبع لا بداعية الشرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأي بذلٍ بذَلَ نفسه فيه لله حتى يستحق هذا الفضل، انتهى. "وفي رواية" النسائي من طريق الزهري، عن "عبد الله بن ثعلبة" بن صعير بصادٍ وعين مهملتين مصغرًا، العذري، حليف بني زهرة، له رؤية ولم يثبت له سماع. مات سنة سبع أو تسع وثمانين، وقد قارب التسعين. "قال -عليه الصلاة والسلام- لقتلى أحد" اللام للتعليل، أي: لأجلهم بيانًا لما يفعل في تكفينهم: "زمّلوهم بجراحهم" , أي: معها باقية على ما هي عليه, فلا تزيلوا ما عليها من الدم بغسل ولا غيره. قال أبو عمر: اختُلِف في صلاته -صلى الله عليه وسلم- على شهداء أحد، ولم يختلف في أنه أمر بدفنهم بثيابهم ودمائهم ولم يغسّلوا. وقد ثبت في الصحيح عن جابر، أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلّ عليهم، ولم يغسَّلوا. قال العلماء: وأما حديث صلاته عليهم صلاته على الميت، فالمراد دعاؤه لهم كدعائه للميت جمعًا بين الأدلة.

وروى أبو بكر بن مردويه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا جابر ألا أخبرك، ما كلم الله تعالى أحدًا قط إلّا من وراء حجاب، وإنه كلَّم أباك كفاحًا، فقال: سلني أعطك، فقال: أسألك أن أردَّ إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب -عز وجل: إنه سبق مني أنهم لا يرجعون إلى الدنيا، قال: يا رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} " [آل عمران: 169] الآية.

_ "وروى أبو بكر بن مردويه" وكذا الترمذي، وحسَّنه وابن ماجه, كلهم عن جابر: "أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا جابر ألا أخبرك". وفي رواية الترمذي وابن ماجه: "ألا أبشرك بما لقي الله به أباك"، وللترمذي أيضًا: لقيني النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما لي أراك منكسرًا"، قلت: يا رسول الله! استشهد أبي يوم أُحد وترك دينًا وعيالًا، قال: "أفلا أبشرك"، وفي رواية: قلت: بلى، قال: "ماكلم الله أحدًا قط" غير من قام الدليل على تكليمهم بلا واسطة كالمصطفى ليلة الإسراء وموسى, قال: "إلّا من وراء حجاب" , أو المراد من هؤلاء الشهداء، كما يرشد إليه السياق فلا يردّان؛ لأنه كلمهما في حياتهما، "وإنه كلم أباك" عبد الله بن عمر، المدفون هو وعمرو بن الجموح في قبر واحد بأمره -صلى الله عليه وسلم, قال: لماكان بينهما من الصفاء, فحفر لهما وعليهما نمرتان، وعبد الله قد أصابه جرح في وجهه ويده عليه، فأميطت يده عن وجهه، فانبعث الدم فردت إلى مكانها، فسكن، ذكره ابن سعد. "كفاحًا" بكسر الكاف، مصدر كافح الشيء إذا باشره بنفسه، أي: بلا واسطة، "فقال: سلني أعطك" عطف مفصل على مجمل. وفي رواية الترمذي وابن ماجه: "فقال: يا عبدي تمنَّ علي أعطك" , "قال: أسألك أن أردَّ إلى الدنيا". وفي رواية الترمذي وابن ماجه قال: "يا رب تحييني فأقتل فيك" قتلة "ثانية, "فقال الرب -عز وجل: إنه سبق مني" الوعد. وفي رواية: "قد قضيت"، "أنهم" بفتح الهمزة "لا يرجعون" أي: يعدم رجوعهم " إلى الدنيا، قال: يارب فأبلغ من ورائي" ما صنعت بي لئلَّا يزهدوا في الجهاد، "فأنزل الله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا} - بالتخفيف والتشديد- {فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} الآية". وناهيك بها شرفًا حيث وصفهم بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهي عندية تخصيص وتشريف، والمراد حياة الأرواح في النعيم الأبدي لا حقيقة الدنيوية، بدليل أن الشهيد يورث وتتزوج زوجته. قال بعضهم: ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها، كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام المشاهدة، بل يكون لها

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلَّا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا

_ حكم آخر, فليس في العقل ما يمنع من إثبات الحياة الحقيقية لهم، وأمَّا الإدركات فحاصلة لهم ولسائر الموتى، ثم المراد بالآية جنسها، فلا ينافي قوله الآتي، فأنزل الله على نبيه هذه الآيات، وهي كما في الشامية إلى قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 171] الآية، وأما قوله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ} [آل عمران: 172] الآية إلخ، فليس في شأن الشهداء، بل في حمراء الأسد كما يأتي. "وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب" بحسب الظاهر بالقتل، "إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم" مع اتصالها بأجسادهم، "في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها" كما قال: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [آل عمران: 169] الآية، "وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش"، أنكر هذا قوم، وقالوا: لا يكون روحان في جسد. قال القاضي عياض: وليس للأقيسة والعقول في هذا حكم، فإذا أراد الله جعلها في قناديل أو أجواف طير وقع ذلك ولا إشكال، فإن الروح وإن وجدت في جوف الطير فليس فيه قيام روحين بجسد واحد، بل قيام الروح بجوف الطير، كقيام الجنين في بطن أمه، وروحه غير روحها. وقال السهيلي والبيضاوي: خلق الله لأرواحهم بعد مفارقة أجسامهم صورة طيور تجعل فيها الأرواح خلفًا عن الأبدان، توسلًا لنيل اللذات الحسية إلى أن يعيده الله يوم القيامة. وقال بعضهم: في بمعنى على، أي: أرواحهم على أجواف هي طيور، وسمي الطير جوفًا لإحطاته واشتماله عليه, فهو من تسمية الكل باسم المجزء, وفيه تعسّف. وقال السهيلي: أي في صورة طير خضر، كما تقول: رأيت ملكًا في صورة إنسان، "فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم" من الأنهار, "وحسن مقيلهم" مكانهم الذي يأوون إليه للاسترواح والتمتع تجوّز به عن مكان القيلولة على التشبيه، أو لأنه لا يخلو من ذلك غالبًا؛ إذ لا نوم في الجنة، كما قاله البيضاوي في قوله: {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} . "قالوا: يا" للتنبيه أو النداء المحذوف، أي: يا هؤلاء "ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلّا يزهدوا في الجهاد" , أي: يتركوه ويعرضوا عنه، "ولاينكلوا" بضم الكاف وتفتح في لغة،

عن الحرب، "قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم, فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} " رواه أحمد. قال بعض من تكلّم على هذا الحديث: قوله: ثم تأوي إلى قناديل، يصدقه قوله تعالى: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} , وإنما تأوي إلى ذلك القناديل ليلًا وتسرح نهارًا قبل دخول الجنة, وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في البرزخ.

_ ومنعها الأصمعي, "عن الحرب" أي: ولئلَّا يجبنوا عنه ويتأخروا، "قال الله تعالى: أن أبلغهم عنكم, فأنزل الله -عز وجل- على نبيه هذه الآيات: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} " [آل عمران: 169] مفعول ثانٍ، والأول الذين, والفاعل إمَّا ضمير كل مخاطب، أو ضمير الرسول -صلى الله عليه وسلم, وهذا صريح في نزولها في شهداء أحد. وحكى البيضاوي قولًا: إنها نزلت في شهداء بدر، فإن صحَّ أمكن أنها مما تكرر نزوله، وعليه فكأنهم تمنَّوا علم إخوانهم بما حصل لهم، مع أنَّ الآيات عندهم متلوّة؛ لأنه عَبَّر فيها بالماضي, في قوله: قُتِلُوا، ثم لا يعارض هذا ما قبله من نزولها في شأن أبي جابر؛ لأن كلامه تعالى له لا يمنع قول قية الشهداء ما ذكر, فنزلت إبلاغًا عن الجميع على مفاد الخبرين، ولا مانع من تعدد سبب النزول وهو أولى من تجويز أنها مم تعدَّد نزوله؛ لأن الأصل عدمه، "روه أحمد", أخرجه مسلم عن مسروق، قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات، قال: أمَّا إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: "لما أصيب إخوانكم" الحديث. ولم يعزه له المصنف لعدم صراحته برفع الحديث، فلذا عدل لحديث ابن عباس عند أحمد لكونه صريحًا في الرفع. "قال بعض من تكلَّم على هذا الحديث" هو الإمام السهيلي في الروض، "قوله: "ثم تأوي إلى قناديل" يصدقه قوله على أحد الأقوال: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} مبتدأ وخبر، أي: الذين استشهدوا {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} وقيل: المراد الأنبياء من قوله: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وقيل: هو عطف على الخبر وهو الصديقون: أي: أولئك بمنزلة الصديقين والشهداء، أو المبالغون في الصدق لتصديقهم جميع أخبار الله ورسله، وقائمون بالشهادة لله ولهم، أو على الأمم يوم القيامة، حكاها كلها البيضاوي وغيره. "وإنما تأوي إلى تلك القناديل ليلًا، وتسرح نهارًا قبل دخول الجنة", فتعلم بذلك الليل من النهار، "وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في" مدة "البرزخ" هذا ما يدل عليه ظاهر الحديث.

وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها. وقد ردَّ هذا القول، ويشهد له ما وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق, عند باب الجنة، في قباب خضر, يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشيًّا". قال الحافظ عماد الدين بن كثير: كأنَّ الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر, فيجتمعون هناك ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح.

_ "وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها، وقد ردَّ هذا القول" أنكره ابن عبد البر. قال السهيلي: وليس بمنكر عندي، "ويشهد له" أي: لقول مجاهد ويبيّن مراده "ما وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره"؛ كالإمام أحمد والطبراني والحاكم, كلهم عن ابن عباس, "أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الشهداء بنهر أو على نهر" شكَّ، "يقال له بارق" بالموحدة وبعد الألف راء مكسورة، ثم قاف في الحديث نهر، "عن باب الجنة, في قباب خضر, يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشيًّا". ولفظ أحمد ومن ذكر بعده: "الشهداء على بارق بباب الجنة, في قبة خضراء, يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا". قال البيضاوي: يعني تعرض أرزاقهم على أرواحهم, فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض الناس على آل فرعون غدوًّا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع، وفيه دلالة على أنَّ الأرواح جواهر قائمة بأنفسها, مغايرة لما يحس من البدن، باقية بعد الموت داركة، وعليه الجمهور, وبه نطقت الآية والسنن، فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الربّ, ومزيد البهجة والكرامة. "قال الحافظ عماد الدين بن كثير" في الجمع بين مختلف الروايات، الدالّ بعضها على دخولهم الجنة، وبعضها على وقوفهم ببابها عند النهر، "كأنَّ الشهداء أقسام منهم من تسرح أرواحهم في الجنة" كما دلَّ عليه حديث ابن عباس الأول، "ومنهم من تكون على هذا النهر بباب الجنة" كما دل عليه حديثه الثاني، وعبَّر بكان؛ لأنه عل سبيل الاحتمال لا القطع؛ لأن حقيقة الحال غيب عنَّا، "وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هناك ويغدى" بالبناء للمفعول وضمّنه معنى يمر, فعدَّاه بعلى في قوله: "عليهم برزقهم هناك ويراح"

قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه بشرى لكل مؤمنٍ بأنه روحه تكون في الجنة أيضًا, وتسرح فيها, وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور, وتشاهد ما أعدَّ الله لها من الكرامة. قال: وهو إسناد صحيح عزيز عظيم, اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتَّبعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعي عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه يرفعه: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة

_ مبنى للمفعول أيضًا, والغدوّ والرَّوَاح هنا بمعنى السير، أي: وقت كان، فالعطف تفسيري. "قال" ابن كثير: "وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه بشرى لكل مؤمن" وإن لم يكن شهيدًا، "بأن روحه تكون في الجنة أيضًا، وتسرح فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة" بسكون الضاد- والرونق، "والسرور" عطف مسبب على سبب، فإن الحسن سبب السرور، والرؤية علمية لا بصرية؛ إذ البصر لا يتعلّق بالسرور، أو بصرية، بتقدير مضاف، أي: ترى ما فيها من أسباب السرور، أو استعمل السرور فيما يحصله مجازًا، "وتشاهد ما أعدَّ الله لها من الكرامة، قال: وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم" جمعها مبالغة في الثناء على إسناده، "اجتمع فيه ثلاث من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبَعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعي عن مالك بن أنس، عن الزهري" محمد بن مسلم، "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك" الأنصاري السلمي, يكنَّى أبا الخطاب. وُلِدَ في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم, وذكره البغوي في الصحابة. روى عن أبيه وأخيه عبد الله, وجابر وسلمة بن الأكوع, وأبي قتادة وعائشة، وعنه أبو أمامة بن سهل، وهو من أقرانه وأسنّ منه, والزهري وغيرهما. قال ابن سعد: ثقة، وهو أكثر حديثًا من أخيه، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك، "عن أبيه يرفعه" لفظة استعملها المحدثون بدل قال -صلى الله عليه وسلم: "نسمة" أي: روح "المؤمن طائر يعلق" بفتح اللام في رواية الأكثر، كما قاله القرطبي, "في شجر الجنة" تسرح فيها لتأكل منها. وقال الإمام السهيلي في الروض: ويعلق -بفتح اللام- يتشبث بها، ويرى مقعده منها، ومن رواه بضم اللام فمعناه: يصيب منها العلقة من الطعام، فقد أصاب دون ما أصاب غيره ممن أدرك الرغد، أي: العيش الواسع, فهو مثل مضروب يفهم منه هذا المعنى، وإن أراد بيعلق الأكل نفسه, فهو مخصوص بالشهيد، فتكون رواية من رواه بالضم للشهداء، ورواية الفتح لمن دونهم، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله من ذلك، انتهى.

حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه". وقوله: يعلق، أي: يأكل، وفي هذا الحديث أنَّ روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأمَّا أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها. فنسأل الله تعالى الكريم المنَّان أن يميتنا على الإسلام. وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون -فيما ذكره مغلطاي وغيره, وقيل: خمسة وستون, أربعة من المهاجرين. وروى ابن منده من حديث أُبَيّ بن كعب قال:

_ ووقع في بعض نسخ الشافية تصحيف، فقال: يعلق -بضم اللام: يتشبث، وبفتحها: يصيب منها العلقة، والصواب ما في الروض وهو المناسب لقوله العلقة؛ إذ هي بالضم, كلَّ ما يتبلّغ به من العيش كما في القاموس، "حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" يوم القيامة، "وقوله: يعلق" بالتحتية، صفة لطائر كتذكير الضمير في يرجعه، "أي: يأكل، وفي هذا الحديث: "إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة" , لا أن روحه جعل في جوف طائر ليأكل ويشرب كالشهيد. "وأمَّا أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها" على ما دلَّ عليه الحديثان، وقد تأوَّل بعضهم كما في الروض حديث "نسمة المؤمن" مخصوصًا بالشهيد، انتهى. ولكن المتبادر خلافه، ولذا جزم ابن كثير بالعموم, "فنسأل الله تعالى الكريم المنَّان أن يميتنا على الإسلام" بمنِّه وكرمه, "وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون فيما ذكره مغلطاي وغيره" اعتمادًا على ما صرَّح به حديث البراء وأنس في الصحيح، وأُبَيّ بن كعب، وقد صحَّحه ابن حِبَّان وهو المؤيَّد بقوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] . اتفق علماء التفسير على أن المخاطب بذلك أهل أُحد، وأنَّ المراد بإصابتهم مثليها يوم بدر بقتل سبعين، وأسر سبعين، وبه جزم ابن إسحاق, وقد مَرَّ له مزيد، وأنَّ الزيادة إن ثبتت إنما نشأت عن الخلاف في التفصيل, وليست زيادة في الجملة، قاله اليعمري والعسقلاني: "وقيل: خمسة وستون, أربعة من المهاجرين" حمزة، وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان، ومصعب بن عمير كما عند ابن إسحاق. "وروى ابن منده" والحاكم في الإكليل والمستدرك "من حديث أُبَيّ بن كعب، قال:

استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون, ومن المهاجرين ستة, وصحَّحه ابن حِبَّان من هذا الوجه. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلًا، وقتل -عليه الصلاة والسلام- بيده أُبَيّ بن خلف.

_ استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة. قال الحافظ: وكان الخامس سعد مولى حاطب، ذكره موسى بن عقبة، والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس، فقد عدَّه الواقدي منهم، "وصحَّحه ابن حبان من هذا الوجه", وكذا الحاكم وهو قول الأكثر، وعد ابن سعد من استشهد بأحد من غير الأنصار: الحارث بن عقبة بن قابوس المزني، وعمَّه وهب بن قابوس، وعبد الله وعبد الرحمن ابني الهبيب -بموحدتين- مصغَّر من بني سعد بن ليث، ومالكًا والنعمان ابني خلف بن عون الأسلميين، قال: إنهما كانا طليعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقتلا. قال الحافظ: ولعلَّ هؤلاء كانوا من حلفاء الأنصار فعدوا فيهم، فإن كانوا من غير المعدودين أولًا، فحينئذ تكمل العدة سبعين من الأنصار، وتكون جملة من قتل أكثر من سبعين. ومن قال سبعون، ألغى الكسر، انتهى. "وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلًا" منهم حملة اللواء من بني عبد الدار بن قصي، عشرة بغلامهم قد سبق ذكرهم. وقال ابن إسحاق: اثنان وعشرون رجلًا، فأسقط واحدًا, وهو شريح بن قارظ. وفي سيرة مغلطاي ما لفظه: وقتل من المشركين ثلاثة، ويقال: اثنان وعشرون رجلًا، وهذه عبارة موهمة كما قاله البرهان. "وقتل -عليه الصلاة والسلام- بيده أُبَيَّ بن خلف", ولم يقتل بيده أحد سواه. ففي قول ابن إسحاق: ناول سيفه فاطمة فقال: "اغسلي عن هذا دمه" نظر، وكذا في قوله: "رمى عن قوسه حتى صارت شظايا"، كذا ذكر ابن تيمية، وقال: الشجاعة تكون شيئين: قوة القلب وثباته عند المخاوف، والثاني: شدة القتال بالبدن بأن يقتل كثيرًا، أو يقتل قتلًا عظيمًا, والأول هو الشجاعة، والثاني يدل على قوة البدن وعمله، وليس كل قوي البدن قوي القلب، ولا عكسه، والخصلة الأولى يحتاج إليها أمراء الجيوش والحروب وقوادها أكثرمن الثانية، فإن المقدم إذا كان شجاع القلب ثابتًا، أقدم وثبت ولم ينهزم، فقاتل معه أعوانه، وإذا كان جبانًا ضعيف القلب ذلَّ ولم يقدم ولم يثبت، ولو كان قوي البدن, وكان -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة في أئمة الحرب، ولم يقتل بيده إلّا أُبَيّ بن خلف. قال البرهان: وفي المستدرك عن ابن عباس، لما رجع -صلى الله عليه وسلم- من أُحد أعطى فاطمة ابنته

وحضرت الملائكة يومئذ، ففي حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم في صحيحه: أنه رأى عن يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل يقاتلان عنه كأشد القتال. وفيه -كما قدمناه في غزوة بدر- أن قتال الملائكة معه -صلى الله عليه وسلم- لا يختص بيوم بدر، خلافًا لمن زعمه، كما نصَّ عليه النووي في شرح مسلم كما قدَّمته, والله أعلم.

_ سيفه، فقال: "بنية اغسلي عنه الدم" وأعطاها علي سيفه. وقال هذا: فاغسلي عنه دمه.. الحديث. ولم يتعقبه الذهبي ففيه ردّ على ابن تيمية. "وحضرت الملائكة يومئذ، ففي حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم في صحيحه" في كتاب المناقب، لا المغازي، "أنه رأى", ولفظه قال: رأيت، "عن يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن شماله يوم" وقعة "أُحد رجلين" أي: ملكين في صورة رجلين, "عليهما ثياب بيض, ما رأيتهما قبل ولا بعد". وفي رواية الطيالسي: لم أرهما قبل ذلك اليوم ولا بعده. "يعني: جبريل وميكائيل يقاتلان عنه" صلى الله عليه وسلم "كأشد القتال". قال المصنف: الكاف زائدة، أو للتشبيه، أي: كأشد قتال بني آدم، وهذ الحديث أخرجه البخاري أيضًا، ولكنه لم يقع عنده التصريح باسم الملكين، فلذا اقتصر المصنّف على عزوه له، "وفيه كما قدمناه في غزوة بدر أن قتال الملائكة معه -صلى الله عليه وسلم- لا يختص بيوم ببدر،" لتصريحه بأنهما قاتلا يوم أُحد. وأيضًا روى الطبراني وابن منده أنه -صلى الله عليه وسلم- سأل الحارث بن الصمَّة عن عبد الرحمن بن عوف، فقال: هو بجنب الجبل، فقال -صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة تقاتل معه". قال الحارث: فذهبت إليه فوجدت بين يديه سبعة، فقلت له: ظفرت يمينك أكل هؤلاء قتلت؟ فقال: أما هذا وهذا فأنا قتلتهما، وأمَّا هؤلاء فقتلهم من لم أره، فقلت: صدق الله ورسوله. وروى ابن سعد: أن مصعبًا لما قُتِلَ أخذ اللواء ملك في صورته، فجعل -صلى الله عليه وسلم- يقول: "تقدَّم يا مصعب" فالتفت الملك إليه وقال: لست بمصعب، فعرف أنه ملك أُيّد به، "خلافًا لمن زعمه كما نصَّ عليه انووي في شرح مسلم كما قدمته، والله أعلم" وقد قدَّمنا ثمة الجواب عن البيهقي وغيره, بما حاصله أنَّ قتالهم ببدر كان عامًّا عن جميع القوم، وأمَّا في أُحد فإنهما ملكان, وقتالهما عن المصطفى فقط.

ولما بكى المسلمون على قتلاهم سر بذلك المنافقون, وظهر غش اليهود. ذكر القاضي عياض في الشفاء, عن القاضي أبي عبد الله بن المرابط من المالكية أنه قال: من قال إن النبي -صلى الله عليه وسلم- هزم يستتاب, فإن تاب وإلّا قُتِل؛ لأنه تنقص،؛ إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته؛ إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته،

_ قال شيخنا: على أنه لا يلزم من ذلك قتال, بل يجوز أنهما كانا يدفعان عنه ما يُرْمَى به من السهام، ونحوهما، وعبَّر عن ذلك بالقتال مجازًا، وأمَّا الذي حمل اللواء فليس فيه أنه قاتل، فيجوز أنه رفع اللوء ليراه المسلمون فلا ينكسروا، وكذا لا يرد مقاتلتهم مع ابن عوف؛ لأنه ليس عن عموم الجيش, فهو مخصوص بعبد الرحمن. "ولما بكى المسلمون على قتلاهم سُرَّ بذلك المنافقون" باطنًا، ولذا عبَّر بسُرَّ لإسلامهم ظاهرًا, حتى بعد أُحد, وإن خذلوا وأمروا بالتفرق، وقالوا: {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} ، فرد الله عليهم: {فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ} ، "وظهر غش اليهود" الذي كانوا يخفونه خوفًا من المسلمين؛ حيث تخيَّلوا وهنهم، فلذلك عبَّر بظهر لمخالفتهم في الظاهر والباطن، فقالوا: ما محمد إلّا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبيّ قط, أصيب في بدنه وفي أصحابه، وما هذا البهتان بأقوى من قتلهم الأنبياء بغير حق. تتمة إيقاظ لئلَّا يغترَّ ناقص العلم بما قد وقع في سياق الحديث، فيسري إلى وهمه أنه يجوز اعتقاده أو التكلم به. "ذكر القاضي عياض في الشفاء عن القاضي أبي عبد الله" محمد بن خلف بن سعيد، المعروف ب"ابن المرابط, من المالكية" الإفريقي، فقيه بلده، ومفتيه وقاضيه، كان من أهل الفضل والفقه والتفنن, سمع أبا القاسم المهلب، وأجازه أبو عمر الطلمنكي، وشرح البخاري شرحًا كبيرًا حسنًا، ورحل إليه الناس وسمعوا منه. توفِّي بعد الثمانين وأربعمائة، "أنه قال: من قال إنَّ النبي -صلى عليه وسلم- هزم", وما في معناه من فَرَّ وهَرَب وتوارى واختفى؛ إذ العلة في ذلك تنقيصه, ولا توقف عندنا في ذلك، "يستتاب"" أي: يطلب منه الرجوع عمَّا قاله، "فإن تاب" قبلت توبته، "وإلّا قُتِلَ؛ لأنه تنقُّص" أي: ذم وتعييب، لكن في القاموس وغيره: انتقصه، فالمناسب أن يقول: لأنه انتقاص، والذي في الشفاء تنقيص بياء قبل الصاد، "إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصيته" أي: لا مرخصه الله به، حيث ثبَّت قلبه، وألقى الرعب في قلوب أعدائه؛ "إذ هو على بصيرة من أمره" يعرف بها أن أحدًا لا يقدر على إصابته بسوء، "ويقين من عصمته", أي: عصمة الله له بحفظه، وأي يقين مثل ما وقع له يوم أُحد بحيث لم يبق معه غير طلحة وسعد في بعض الأوقات، وهو

انتهى. وهذا موافق لمذهبنا. لكن قال العلامة البساطي من المالكية: هذا القائل إن كان يخالف في أصل المسألة، أعني: حكم السابّ، فله وجه، وإن وافق على أن السابّ لا تقبل توبته فمشكل, انتهى. وقد كان في قصة أُحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحِكَم الربانية أشياء عظيمة: منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية, وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا يبرحوا منه.

_ ثابت, ما يزال يرمي عن قوسه ينادي إلي عباد الله، ولم يبال بأن تسمع الأعادي صوته. "انتهى" كلام ابن المرابط وهو ضعيف، وإن مشى عليه صاحب المختصر؛ لأنه خلاف قول مالك وأصحابه، ولذا عقَّب صاحب الشفاء كلامه بقول القروي مذهب مالك وأصحابه أنَّ من قال فيه ما فيه نقص قُتِلَ دون استتابة. "و" لذا قال المصنف: "هذا موافق لمذهبنا" أي: الشافعية، أنَّ سبَّ الرسول رِدَّة, "لكن قال العلامة" شيخ الإسلام " البساطي" قاضي القضاة المالكية بمصر, شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، وُلِدَ سنة ستين وسبعمائة، وبرز في الفنون ودرس بالشيخونية وغيرها، وصنَّف تصانيف، ومات في رمضان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة "من المالكية" في شرح المختصر، "هذا القائل إن كان يخالف" المالكية "في أصل المسألة، أعني: حكم السباب" بمعنى السبّ، أي: الشتم، من أنه يقتل حدًّا وإن تاب، ويقول بمذهب الشافعية من قبول توبته مطلقًا، "فله وجه"؛ لأنه خرج عن مذهبه لغيره، "وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته" بالنسبة إلى أحكام الدنيا، بمعنى أنها لا تفيده في نفي قتله؛ لأنه حدٌّ كالزنا والشرب، "فمشكل" لمخالفته، نص مالك وأصحابه، "انتهى. وقد كان في قصة أُحد" كما نقله في الفتح عن العلماء: "وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحِكَم الربانية أشياء عظيمة, منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي،" أي: المنهيّ عنه، "لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ايبرحوا منه", وإلى هذا أشار -سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152] الآية، إلى قوله: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 152] الآية. أخرج الطبري عن السدي وغيره: إن المراد بالوعد قوله -صلى الله عليه وسلم- للرماة: "إنكم ستظهرون

ومنها: إن عادة الرسل أن تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، والحكمة في ذلك أن لو انتصروا دائمًا لدخل في المسلمين من ليس منهم, ولم يتميز الصادق من غيره, ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميّز الصادق من الكاذب, وذلك أنَّ نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين, فلمَّا جرت هذه القصة وأَظْهرَ أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول, عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًّا في دورهم, فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. ومنها:

_ عليهم فلا تبرحوا من مكانكم حتى آمركم" , وعن قتادة ومجاهد: تحسونهم، أي: تقتلونهم. وقال البخاري وابن هشام: تستأصلونهم قتلًا، وهو من كلام أبي عبيدة. قال جرير: تحسهم السيوف كما تسامى ... حريق النار في الأجمّ الحصيد قال ابن مسعود: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية يوم أحد: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152] الآية. رواه السدي، وقد يرد عليه قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: 67] الآية، فإنها نزلت في شأن بدر وهي قبل هذه. "ومنها: أنّ عادة الرسل أن تبتلى، وتكون لهم العاقبة" كما قاله هرقل لأبي سفيان, "والحكمة في ذلك: أن لو انتصروا دائمًا، لدخل في المسلمين من ليس منهم, ولم يتميز الصادق من غيره" كما قال تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] الآية، ذكره ليدل على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفى عليه ما في الصدور وغيرها؛ لأنه عالم بجميع المعلومات، وإنما ابتلاهم لمحض الإلهية، أي: للاستصلاح. "ولو انكسرو دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب" كما قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] الآية، أي: المنافقين من المؤمنين، "وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين" أي: مستورًا، اسم مفعول من خفاء لا من خفي، فإنه لازم ولا يأتي المفعول منه إلّا بالصلة, "فلمَّا جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول" كانخزالهم وقولهم: لو نعلم قتالًا لاتَّبعناكم، "عاد التلويح تصريحًا" أي: عاد ما كانوا يضمرونه ويتكلمون به فيما بينهم ويخفونه عن المسلمين مصرحًا

أنَّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها, فلمَّا ابتلي المسلمون صبروا وجزع المنافقون. ومنها: أنَّ الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيِّضَ لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها. ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحَّص ذنوب المؤمنين

_ به، "وعرف المسلمون أنَّ لهم عدوًّا في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم، ومنها: أنَّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس، وكسرًا لشماختها" تكبرها وتعاظمها، تفسير لهمضها، "فلمَّا ابتلي المسلمون صبروا وجزع" بكسر الزاي "المنافقون" أي: لم يصبروا. "ومنها: أنَّ الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته" الجنة، "لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمِحَن" جمع محنة، مساوٍ للابتلاء، "ليصلوا إليها" كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين} [آل عمران: 142] . قال ابن إسحاق: أي: حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أخبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم أصدق ذلك منكم الإيمان بي, والصبر على ما أصابكم فيّ. "ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها،" إكرامًا لهم؛ حيث اتخذ منهم شهداء، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده, لولا أنَّ رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنِّي, ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلَّفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله, ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل" رواه البخاري ومسلم وغيرهما. "ومنها: أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك"؛ حيث اعتقدوا أنهم على شيء من ظفرهم الصوري بالمسلمين، فزادوا وعتوًّا وتجبرًا، وإلّا فقد ألقى في قلوبهم الرعب "من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحَّص ذنوب المؤمنين،" التمحيص التخليص من الشيء المعيب، وقيل: هو الابتلاء والاختيار. قال: رأيت فصيلًا كأن شيئًا ملفقًا ... فكشفه التمحيص حتى بداليا

ومحق بذلك الكافرين.

_ "ومحق بذلك الكافرين" كما قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين} الآية. أي: يهلك الكافرين الذين حاربوا يوم أحد ولم يسلموا؛ لأنه تعالى لم يمحق كل كافر، بل بقي منهم كثير على كفرهم. والمعنى: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإن كان على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم. ومنها: أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام تعظيمًا لأجرهم, تأسَّى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين. قال ابن إسحاق: أنزل الله في شأن أُحد ستين آية من آل عمران. وروى ابن أبي حاتم وأبو يعلى من طريق المسْوَر بن مخْرَمَة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أخبرني عن قصتكم يوم أُحد؟ قال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها، {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} إلى قوله: {أَمَنَةً نُعَاسًا} . قال: ألقى عليهم النوم، والله أعلم.

غزوة حمراء الأسد

"غزوة حمراء الأسد": وهي على ثمانية أميال من المدينة, على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة. وكانت صبيحة يوم الأحد لست عشرة، أو لثمان خلون من شوال, على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة لطلب عدوهم بالأمس،

_ غزوة حمراء الأسد: بالحاء المهملة والمد. قال أبو عبيد البكري: تأنيث أحمر مضافة إلى أسد، "وهي" أنَّثه لكونه اسمًا للبقعة أو نظرًا للفظ حمراء، وإلّا ففي النور اسم مكان، والقاموس موضع، "على ثمانية أميال", وقيل: عشرة كما في الخميس، "من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت" أيها الذاهب من المدينة "ذا الحليفة", تكون عن يسارك، "وكان صبيحة يوم أحد" وهو يوم السبت، فهذه الغزوة يوم الأحد "ليست عشرة ليلة مضت" عند ابن إسحاق, "أو لثمانٍ خَلَوْنَ" عند ابن سعد، "من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة". قال اليعمري: والخلاف عندهم كما سبق في أُحد، "لطلب عدوهم" مصدر مضاف لمفعوله، أي: الذين عادوهم "بالأمس" أي: اليوم الذي قبل يوم خروجهم؛ لأنه كما ذكر الواقدي، باتت وجوه الأنصار على بابه -صلى الله عليه وسلم خوفًا من كرة العدوّ، فلمَّا طلع الفجر وأذَّن بلال بالصلاة، وجاء عبد الله ابن عمرو المزني, فأخبره -صلى الله عليه وسلم- أنه قد أقبل من أهله, حتى إذا كان بملل بميم

ونادى مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أن لا يخرج معنا أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس"، أي: من شهد أُحدًا.

_ ولامين, موضع قرب المدينة، إذا قريش قد نزلوا فسمعهم يقولون: ما صنعتم شيئًا، أصبتم شوكة القوم وحدهم, ثم تركتموهم ولم تبيدوهم، فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا -بمهملة وموحدة، أي: غضبوا، وأخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج، فارجعوا والدولة لكم, فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. فقال -صلى الله عليه وسلم: "أرشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي نفسي بيده, لقد سومت لهم الحجارة, ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب"، ودعا -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر وعمر, فذكر لهما ما أخبر به المزني، فقالا: يا رسول الله, اطلب العدو ولا يقحمون على الذرية، أي: يدخلون، فلمَّا انصرف من صلاة الصبح ندب الناس، "وأذَّن مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم". قال البرهان: لا أعرفه، وفيه تقصير، فقد ذكر الواقدي أنه بلال, أمره أن ينادي: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمركم بطلب عدوكم, و"أن لا يخرج معنا أحد إلّا من خرج معنا أمس". زاد ابن إسحاق: وكلمه جابر فقال: إن أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع, وفي لفظ: تسع، وهو الصحيح. وقال: يا بني, إنه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هذه النسوة لا رجل فيهنّ, ولست بالذي أترك الجهاد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نفسي, فتخلف على أخواتك, فتخلفت عليهنَّ فأذن له -صلى الله عليه وسلم- فخرج معه. وعند الواقدي: فوثب المسلمون إلى سلاحهم, وما عولوا على دواء جراحهم, وجرح من بني سلمة أربعون جريحًا, بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبخراش بن الصمة عشر، وبقطبة بن عامر تسع، وبكعب بن مالك بضعة عشر. "أي: من شهد أُحد"؛ لعل حكمة ذلك وإن كان خروج المتخلفين فيه زيادة في إرهاب الأعداء وتقوية المسلمين، أنه أراد إظهار الشدة للعدو, فيعلمون من خروجهم مع كثرة جرحاتهم أنَّهم على غاية من القوة والرسوخ في الإيمان وحب الرسول, والزيادة في تعظيم من شهد أُحد، أو أنه خاف اختلاط المنافقين بهم فيمنون عليه بعد بخروجهم معهم وهم مسلمون ظاهرًا، فلا يرد أنه كان يمنعهم دون المسلمين. وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة: لما انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم"، فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير. زاد الطبراني عن ابن عباس، وعمر وعثمان وعلي وعمّار وطلحة وسعد وابن عوف وأبو عبيدة وحذيفة وابن مسعود.

وإنما خرج -عليه الصلاة والسلام- مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنّوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

_ قال الحافظ ابن كثير: هذا سياق غريب جدًّا، فالمشهور عند أصحاب المغازي أنَّ الذين خرجوا إلى حمراء الأسد كل من شهد أُحدًا، وكانوا سبعمائة، قُتِلَ منهم سبعون، وبقي الباقون. قال الشامي: والظاهر أنه لا تخالف بين قولي عائشة وأصحاب المغازي؛ لأن معنى قولها: فانتدب منهم سبعون، أنهم سبقوا غيرهم، ثم تلاحق الباقون, ولم ينبه على ذلك الحافظ في الفتح، انتهى. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم. قال ابن سعد: ودعا -صلى الله عليه وسلم- بلوائه وهو معقود لم يحل, فدفعه إلى عليِّ، ويقال: إلى أبي بكر الصديق. "وإنما خرج -عليه الصلاة والسلام- مرهبًا." قال البرهان: بكسر الهاء, اسم فاعل، أي: مخيفًا "للعدو, وليبلغهم أنه خرج في طلبهم" عطف سبب على مسبب، أي: خرج ليبلغهم فيخافوا، وفي نسخة: حذف الواو وهو الذي في ابن إسحاق، وكذا في العيون عنه، "ليظنوا به قوةً, وأن الذي أصابهم لم يوهنهم", أي: لم يضعفهم، "عن عدوهم،" فهذا سبب الغزوة عند ابن إسحاق، وعند موسى بن عقبة وغيره أن سببها ما بلغه من إرادة أبي سفيان العود لاستئصال المسلمين، كذا جعله الشامي خلافًا، وانتقده شيخنا بأنَّ مثل هذا لا يستلزم أن يكون خلافًا في السبب، بل يجوز أنه لما بلغه خبر أبي سفيان خرج لإرهاب العدو حتى لا يرجعوا إلى المدينة, فذكر ابن عقبة السبب الحقيقي وهو بلوغ خبر أبي سفيان وابن إسحاق, ما أراده -صلى الله عليه وسلم- بعد بلوغ الخبر. وذكر ابن سعد أنه -صلى الله عليه وسلم- ركب فرسه وهو مجروح، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعةً في آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد, ولهم زجل, ويأتمرون بالرجوع, وينهاهم صفوان، فبصروا بالرجلين فقتلوهما، ومضوا ومضى -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه, ودليله ثابت بن الضحاك بن ثعلبة بن الخزرج، حتى عسكر بحمراء الأسد، فوجد الرجلين فدفنهما بقبر واحد. وروى النسائي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم ارجعوا، فسمع بذلك -صلى الله عليه وسلم, فندب المسلمين فانتدبوا, حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، فأنزل الله -عز وجل: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول} [آل عمران: 172] الآية، وهذا قول أكثر المفسرين ورجَّحه ابن جرير. وقال مجاهد وعكرمة: نزلت في بدر الصغرى. قال ابن كثير: والصحيح الأول.

وأقام -عليه الصلاة والسلام- بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة, وقد غاب خمسًا. وظفر -عليه الصلاة والسلام- في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص, فأمر بضرب عنقه صبرًا.

_ "وأقام -عليه الصلاة والسلام- بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء". قال ابن سعد: وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار، حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معكسرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله بذلك عدوهم. وعند ابن إسحاق: أنه لقيه بحمراء الأسد معبد بن أبي معبد الخزاعي، فعزاه بمصاب أصحابه، وهو يومئذ مشرك، وأسلم بعد, كما جزم به ابن عبد البر وابن الجوزي، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان وأصحابه وهم بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة وقالوا: أصبنا في أُحد أصحاب محمد وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؛ لنكِرنَّ عليهم فلنفرغنَّ منهم، فلمَّا رأى أبو سفين معبدًا قال: ما وراءك؟ قال: محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط, يتحرقون عليكم تحرقًا, قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم, وندموا على ما صنعوا, فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول! قال: ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فثنى ذلك المشركين فرجعوا إلى مكة. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة. فقال -صلى الله عليه وسلم: "إن أبا سفين قد أصاب منكم طرفًا، وقذف الله في قلبه الرعب". "ثم رجع" -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء "إلى المدينة يوم الجمعة", لم يذكر ابن إسحاق وأتباعه يوم الجمعة، فلعله -صلى الله عليه وسلم- خرج من حمراء الأسد يوم الخميس، وبات بالطريق لغرض ما ليلة الجمعة، ثم دخل يومها، "وقد غاب خمسًا" كما جزم به البلاذري، "وظفر -عليه الصلاة والسلام- في مخرجه ذلك", أي: رجوعه من حمراء الأسد قبل روعه إلى المدينة "بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص" بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان أبو أمه عائشة، "فأمر بضرب عنقه صبرًا" بأن أوثقه حتى أمر بقتله. قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعمَّار بن ياسر قتلاه بعد حمراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان فاستأمن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فأمَّنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قُتِل، فأقام بعد ثلاث

قال الحافظ مغلطاي: وحُرِّمَت الخمر في شوال، ويقال: سنة أربع. انتهى. قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حُرِّمَت الخمر ثلاث مرات, قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر،.............................................

_ وتوارى، فبعثهما -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا"، فوجداه فقتلاه، وبهذ عارض البرهان الأول. وجمع شيخنا بأنه لما توارى أرسل يطلبه، فظفر به زيد وعمَّار وأوثقاه وجاءا به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, فأمرهما بقتله, وأنهما لما ظفرا به أوثقاه ثم قتلاه اكتفاء بإشارته لهما بقتله، فيكون في قوله: "أمر بضرب عنقه صبرًا" تسمح. وفي سيرة ابن هشام: وأخذ -صلى الله عليه وسلم- أبا عزَّة -بعين مهملة وزاي مشددة مفتوحة وتاء تأنيث- عمرو بن عبد الله الجمحي، وكان أسره ببدر، ثم مَنَّ عليه فقال: يا رسول الله, أقلني، فقال: "والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدًا مرتين، اضرب عنقه يا زبير"، فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال -صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت"، فضرب عنقه. "قال الحافظ مغلطاي: وحُرِّمَت الخمرة في شوال" سنة ثلاث بعد وقعة أُحد. ففي الصحيح عن جابر قال: اصطبح الخمر يوم أُحد ناس، ثم قتلوا شهداء. زاد في رواية: وذلك قبل تحريمها، "ويقال: سنة أربع"، ذكره ابن إسحاق وفيه نظر؛ لأن أنسًا كان الساقي يوم حُرِّمَت، فلمَّا سمع النداء بتحريمها بادر فأراقها. فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر ع ذلك "انتهى" كلام مغلطاي بما زدته، كما نقله عنه المصنف في الحديبية، وفي نظره نظر؛ لأن أنسًا كان ابن أربع عشرة سنة، فليس يصغر عن ذلك على أن إراقتها كان بأمر الصحابة له، كما في البخاري عنه. وجزم الدمياطي بأن تحريمها كان سنة الحديبية. "قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حُرِّمَت الخمر ثلاث مرات", أي: نزل تحريمها في القرآن ثلاثًا، إلّا أنها حرمت ثم حرمت. وهكذا قال الإمام الشافعي: ليس شيء أُحِلَّ ثم حُرِّمَ، ثم أُحِلَّ ثم حُرِّمَ إلا المتعة. قال بعضهم: نسخت ثلاثًا، وقيل: أكثر. ويدل عليه اختلاف الروايات في وقت تحريمها، نقله الحافظ في تخريج الرافعي, ومَرَّ في تحويل القبلة عن ابن العربي أنها كنكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية, نُسِخَت مرتين. وزاد أبو العباس العزفي: الوضوء مما مسَّت النار، وأيًّا كان فليس الخمر منها, وبين المرات بقوله: "قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر" أي: يتناولون المال المتحصل من القمار، ويصرفونه في منافعهم، وخصَّ الأكل لكثرة وقوعه وعمومه

فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] إلى آخر الأية. فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: فيهما إثم كبير. وكانوا يشربون الخمر حتى كان يومًا من الأيام صلى رجل من المهاجرين, أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها فيها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] .

_ والاحتياج إليه، "فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهما" عن حكمهما أحلال أم حرام؟ "فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219] الآية، ما حكمهما؟ {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِير} [البقرة: 219] الآية، عظيم, وفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش، {وَمَنَافِعُ لِلنَّاس} باللذة والفرح في الخمر، وإصابة المال بلا كَدٍّ في الميسر "إلى آخر الآية", يعني: وإثمهما أكبر من نفعهما، "فقال الناس: ما حرم علينا, إنما قا فيهما إثم كبير" كأنهم فهموا أن المراد به ما يكون سببًا لفعل الحرام من تغيير العقل بالخمرة، وقيام النفوس بالقمار, فهما مظنة للحرام، ولا يلزم منه التحريم، "وكانوا يشربون الخمر", وفي إقراره -صلى الله عليه وسلم- لهم دليل على أن المراد ما فهموه "حتى كان" وجد "يوم من الأيام" وفي نسخة: يومًا بالنصب على الظرفية، أي: في يوم، وعلى التقديرين فقوله: "صلى رجل" في موضع المصدر, لكن على النصب, المصدر المؤوّل اسم كان، وعلى الرفع فاعل لفعل مقدَّر، أي: حتى وجد يوم وقع فيه صلاة رجل "من المهاجرين" هو علي، وقيل: ابن عوف، على ما حكاه ابن كثير، "أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته". وروى أبو داود، والترمذي، وحسَّنه النسائي والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منَّا وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} ونحن نعبد ما تعبدون، "فأنزل الله آية أغلظ منها فيها،" ولم تقع هذه الجملة في حديث علي, إنما قال: فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} [النساء: 43] الآية، أي: لا تصلوا {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] الآية، من الخمر عند الأكثرين؛ لأن سبب نزولها صلاة جماعة حال السكر. وقال الضحاك: المراد من النوم، قاله البغوي، {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] الآية" بأن تصحوا، وكان وجه الغلظ اشتمالها على النهي صريحًا، لكنه ليس عن شرب الخمر،

وكان الناس يشربون ثم نزلت آية أغلظ منها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] قال: انتهينا ربنا. والميسر: القمار وقيل غيره.

_ وإنما هو عن الصلاة مع السكر خصوصًا، وقد فسَّر البيضاوي السكر بما يشمل غير الخمر من نحو نوم حتى ينتبهوا. وقال ابن كثير: يحتمل أنَّ المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية؛ لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة أوقات من الليل والنهار، فلا يتمكَّن شارب الخمر من أدائها في أوقاتها دائمًا، انتهى. فكأنما قيل لهم: حال الصحو لا تسكروا لئلّا يفوتكم به شيء من الصلاة. "وكان الناس يشربون،" لأنهم ما نهوا عنه، "ثم نزلت آية أغلظ من ذلك" للأمر الصريح باجتنابها، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] "الآية، إلى قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الآية، وضمير اجتنبوه للرجس المعبّر به عن هذه الأشياء، كما جزم به الجلال. وزاد البيضاوي: أو للتعاطي. قال: وأكد تحريمهما فصدر الجملة بإنما, وقرنهما بالأنصاب والأزلام، وسمَّاهما رجسًا، وجعلهما من عمل الشيان تنبيهًا على أنَّ الاشتغال بهما شر بحت أو غالب، وأمر باجتناب عينهما، وجعله سببًا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بيِّن ما فيهما من المفاسد، فقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَان} الآية. "قال: انتهينا ربنا" كذا في النسخ. فقال الشارح: قائله عمر، كما مَرَّ عن البيضاوي, والذي مَرَّ حديث آخر غير هذ، والذي في المسند لأحمد عن أبي هريرة، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] الآية، إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون} [المائدة: 91] الآية، قالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] الآية، إلى آخر الآية. "والميسر" بكسر السين، وتضم وتفتح كما في القاموس، "القمار" بكسر القاف. قال البيضاوي: سُمِّيَ به؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره، أي: غناه، "وقيل غيره", فقيل هو التردد، وقيل: اللعب بالقداح، وقيل: الجزور التي كانوا يتقامرون عليها إذا أرادوا أن ييسروا، اشتروا جزورًا نسيئة، ونحروه قبل أن ييسروا، وقسموه ثمانية وعشرين قسمًا، وعشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل، ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء،

وولد الحسن بن علي في هذه السنة.

_ وغرم من خرج لهم الغفل، كذا في القاموس، انتهى. "وولد الحسن بن علي في هذه السنة"، سنة ثلاث في منتصف رمضان. قال أبو عمر: هذا أصحّ ما قيل، وقيل: ولد لنصف شعبان سنة ثلاث، وقيل: ولد بعد أُحد بسنة، وقيل: بسنتين، حكاها ابن الأثير. قال الواقدي: وحملت فاطمة بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، وكانت الداية أسماء بنت عميس وأم أيمن. وروى ابن منده عن سوادة الكندية، قالت: كنت فيمن شهد فاطمة حين ضربها المخاض، فجاء -صلى الله عليه وسلم- فقال: "كيف هي"؟ قلت: إنها لتجهد، قال: "فإذا وضعت فلا تحدثي شيئًا" فوضعت ابنًا، فسررته ووضعته في خرقة صفراء، فقال: "ائتيني به"، فلففته في خرقة بيضاء، فتفل في فيه، وسقاه من ريقه، ودعا عليًّا فقال: "ما سميته"؟، قال جعفرًا، قال: "لا, ولكنه الحسن". وأخرج أحمد وأبو حاتم عن علي, لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أروني ابني ما سميتموه" , قلنا: سميناه حربًا فقال: "بل هو حسن"، فلمَّا ولد الحسين الثالث سميته حربًا، فجاء -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أروني ابن ما سميتموه" قلنا: حربًا، قال: "بل هو حسين" , فلمَّا ولد الثالث سميته حربًا, فجاء -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أروني ابني ما سميتموه"، قلنا: حربًا، فقال: "بل هو محسن".

سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد

"سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد": ثم سرية عبد الله بن عبد الأسد، هلال المحرَّم على رأس خمس وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى قطن -جبل بناحية فيد-

_ ثم سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد: بسين مهملة، ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، "هلال المحرَّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى قطن" بفتح القاف، والطاء المهملة وبالنون، "جبل بناحية فيد" بفتح الفاء وسكون التحتية، وبالدال المهملة. قال ابن سعد: ماء لبني أسد بن خزيمة، قال غيره: على يمينك إذا فارقت الحجاز وأنت صادر من النفرة. وقال ابن إسحاق: قطن ماء من مياه بني أسد بنجد, بعث إليه -صلى الله عليه وسلم- أبا سلمة في سرية، فقتل مسعود بن عروة، وما في القاموس: إن فيد قطعة بطريق مكة لا تفهم منه أن السرية إليها؛ إذ لم يقل هو ذلك، والذي ذكره أصحاب المغازي إنما هو ما ذكره، فإنما ذكر الشارح كلامه استطرادًا،

ومعه مائة وخمسون رجلًا من الأنصار والمهاجرين، لطلب طليحة وسلمة ابني خويلد، فلم يجدهما، ووجد إبلًا وشاء فأغار عليهما ولم يلق كيدًا.

_ "ومعه مائة وخمسون رجلًا من المهاجرين والأنصار" منهم أبو عبيدة وسعد وأسيد بن حضير وأبو نائلة وأبو سبرة وعبد الله بن سهل والأرقم، كذا في الخميس، "لطلب طليحة" بالتصغير, وأسلم بعد ذلك، ثم ارتدَّ بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- وادَّعى النبوة, فقاتله خالد بن الوليد فهزمه, فهرب إلى الشام، ثم أسلم إسلامًا صحيحًا، ولم يغمض عليه في إسلامه بعد ذلك، وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين، وذكر له الواقدي وغيره مواقف عظيمة في الفتوح، ويقال: إنه استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين، ووقع في الأم للشافعي أن عمر قتل طليحة وعيينة. قال في الإصابة: وراجعت في ذلك جلال الدين البلقيني فاستغربه جدًّا، ولعله قبل بالباء الموحدة، أي: قبل منهما الإسلام، "وسلمة". قال البرهان: لا أعرف له إسلامًا، وجزم الشامي بأنه لم يسلم. "ابني خويلد" قال ابن سعد وغيره: وذلك أن الوليد بن زبير الطائي أخبره -صلى الله عليه وسلم- أنه مَرَّ على طليحة وسلمة وهما يدعوان قومهما ومن أطاعهما لحربه -صلى الله عليه وسلم, فنهاهم قيس بن الحارث فلم ينتهوا، فدعا -صلى الله عليه وسلم- أبا سلمة وعقد له لواء، وقال: "سِرْ حتى تنزل أرض بني أسد بن خزيمة فأغر عليهم"، فخرج فأسرع السير حتى انتهى إلى أدنى قطن، فأغار على سرح لهم مع رعاء لهم مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم، فجاءوا جمعهم، وأخبروهم الخبر، فتفرقوا في كل وجه، "فلم يجدهما"؛ لأنهم خافوا، فهربوا عن منازلهم، "ووجد إبلًا وشاء" جمع شاة، "فأغار عليهما ولم يلق كيدًا" أي: حربًا. وعند ابن سعد وغيره: وورد أبو سلمة الماء فعسكر به وفرَّق قومه ثلاث فرق, فرقة قامت معه، وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتّى، فرجعتا إليه سالمتين، وقد أصابتا نعمًا وشاءً، فانحدر بهم أبو سلمة إلى المدينة. وأخرج منه صفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبدًا، وأعطى الطائي الدليل ما رضي به، ثم خمسها, وقسم الباقي على أهل السرية، قيل: فبلغ سهم كل واحد سبع بعير، وأغنامًا، ومدة غيبته في تلك السرية عشرة أيام، والله أعلم.

سرية عبد الله بن أنيس

"سرية عبد الله بن أنيس":

_ ثم سرية عبد الله بن أنيس: بضم أوَّله، وفتح النون وسكون التحتية، ابن أسعد الجهني الأنصاري السلمي، وتردَّد المحب الطبري فيمن هو بعينه لا معنى له؛ لأنه الجهني وهو أشهر ذكرًا من الخمسة الذين

ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده، يوم الإثنين لخمس خلون من المحرَّم، على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى سفيان بن خالد الهذلي بعرنة -وادي عرفة؛ لأنه بلغه -صلى الله عليه وسلم- أنه جمع الجموع لحربه. فلمَّا وصل إليه قال له: ممن الرجل؟ قال: من بني خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد, فجئتك لأكون معك، قال: اجلس. فمشى معه ساعة، ثم اغترَّه.....

_ وافقوه في الاسم، واسم الأب من الصحابة -رضي الله عنهم، ذكره الشامي. "ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده" إطلاق السرية على الواحد مجاز، "يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى سفيان بن خالد" بن نبيح -بضم النون، وفتح الموحدة، وسكون التحتية وبالحاء المهملة, "الهذلي" ثم اللحياني، قاله ابن سعد، وتبعه اليعمري. وقال ابن إسحاق: لقتل خالد بن سفيان بن نبيح، وفي حياة لحيوان: لقتل خالد بن نبيح، وتبعه المصنف فيما مرَّ, فنسباه لجدّه على قول ابن إسحاق. "بعرنة" بضم العين المهملة، وفتح الراء، والنون فتاء تأنيث، موضع بقرب عرفة موقف الحجيج، كذا في السبل، وقد ينافي قوله "وادي عرفة"؛ لأن ظاهره أن عرفة، بعضه, إلّا أن يكون أضافها إليها لاتصالها بها، ففي النور: عرنة موضع عند الموقف بعرفات. وقال بعض مشايخ مشايخي قرية بوادي عرفة؛ "لأنه بلغه -صلى الله عليه وسلم- أنه جمع الجموع لحربه،" فقال لعبد الله: "ائته فاقتله"، فقلت: صفه لي حتى أعرفه" قال: "إذا رأيته هبته, وفرقت ووجدت له قشعريرة, وذكرت الشيطان"، وكنت لا أهاب الرجال"، فقلت: يا رسول الله, ما فرقت من شيء قط، فقال: "آية ما بينك وبينه ذلك"، واستأذنته أن أقول، فقال: "قل ما بدا لك". وقال: انتسب لخزاعة، فأخذت سيفي ولم أزد عليه, وخرجت أعتزي إلى خزاعة، "فلمَّا وصل إليه" بعرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش, فهبته, وعرفته بنعته -صلى الله عليه وسلم, فقلت: صدق الله ورسوله، وقد دخل وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا أمشي أومئ برأسي إيماءً، فلمَّا دنوت منه، "قال له: ممن الرجل؟ قال: من بني خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد، فجئتك لأكون معك", قال: أجل إني لفي الجمع له، فمشيت معه، وحدَّثته فاستحلى حديثي، وأنشدته, وقلت عجبًا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث, فارق الآباء وسفّه أحلامهم، قال: إنه لم يلق أحدًا يشبهني، وهو يتوكأ على عصا يهد الأرض، حتى انتهى إلى خبائه، وتفرَّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به، فقال: هلمَّ يا أخا خزاعة، فدنوت منه، "قال: اجلس، فمشى معه ساعة" قبل الجلوس، أو المراد مشى معه في الكلام، "ثم اغترَّه" بغين معجمة، أي:

وقتله، وأخذ رأسه، فكان يسير الليل ويتوارى النهار، حتى قدم المدينة، فقال له -عليه الصلاة والسلام: "أفلح الوجه"، قال: أفلح وجهك يا رسول الله، ووضع رأسه بين يديه. وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من محرم.

_ أخذه في غفلة، "وقتله", عند ابن سعد، فقال: اجلس، أي: في الخباء، فجلست معه حتى إذا نام الناس اغتررته، وفي أكثر الروايات، وهي رواية ابن إسحاق أنه قال: مشيت معه حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف وقتلته، "وأخذ رأسه", قال: ثم أقبلت فصعدت جبلًا فدخلت غارًا وأقبل الطلب، وأنا مكتمن في الغار، وضرب العنكبوت على الغار، وأقبل رجل معه إداوة ضخمة، ونعلاه في يده، وكنت حافيًا، فوضع إداوته ونعله، وجلس يبول قريبًا من فم الغار، ثم قال لأصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت فشربت ما في الإداوة ولبست النعلين، "فكان يسير الليل ويتوارى النهار" خوفًا من الطلب، "حتى في المدينة" فوجده -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، "فقال له -عليه الصلاة والسلام: "أفلح الوجه" أي: فاز، قال: أفلح وجهك يا رسول الله", هكذا رواية ابن سعد، وفيها من الأدب ما لا يخفى؛ حيث لم يأت بالعطف المفيد للمشاركة؛ لأن فلاحه -صلى الله عليه وسلم- لا يشاركه فيه أحد، وإن شاركوه في أصل الفلاح. نعم في رواية: ووجهك بالواو, فلعل إحداهما بالمعنى، أو تكررت بالعطف، ودونه، "ووضع رأسه بين يديه", وأخبرته خبري فدفع إليَّ عصا وقال: "تخصّر بها في الجنة, فإنَّ المتخصرين في الجنة قليل"، فكانت العصا عنده، حتى إذا حضرته الوفاة، أوصى أن يدرجوها في أكفانه، ففعلوا, والتخصر بفتح الفوقية، والخاء المعجمة وضم الصاد المهملة: الاتكاء على قضيب ونحوه، "وكانت غيبته ثماني عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم". قال ابن عقبة: وزعموا أنه -صلى الله عليه وسلم- أخبر بموته قبل قدوم عبد الله بن أنيس.

بعث الرجيع

[بعث الرجيع] :

_ بعث الرجيع: "ثم سرية عاصم بن ثابت" بن أبي الأقلح -بالقاف، واللام والمهملة- قيس بن عصمة بن النعمان الأنصاري، من سباقهم إلى الإسلام. روى الحسن بن سفيان: لما كان ليلة العقبة، أو ليلة بدر، قال -صلى الله عليه وسلم- لمن معه: "كيف تقاتلون"، فقام عصام بن ثابت، فأخذ القوس والنبل، وقال: إذا كان القوم قريبًا من مائتي ذراع، كان الرمي، وإذا دنوا حتى تنالهم الرماح، كانت المداعبة حتى تقصف، فإذا تقصفت وضعناها،

ثم سرية عاصم بن ثابت، في صَفَر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى الرجيع -بفتح الراء وكسر الجيم، اسم ماء لهذيل بين مكة وعسفان- بناحية الحجاز، وكانت الوقعة بالقرب منه فسميت به. وحديث عضل والقارة -بفتح الضاد المعجمة بعده لام- بطن من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش، وأما القارة -بالقاف وتخفيف الراء: بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور، وقال ابن دريك: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسموا بها. وقصة عضل والقارة كانت في بعث الرجيع، لا في سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحاق، فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة

_ وأخذنا السيوف وكانت المجالدة, فقال -صلى الله عليه وسلم: "هكذا أنزلت الحرب من قاتل، فليقاتل كما يقاتل عاصم". وشهد العقبة وبدرًا وأحدًا، "في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة" فتكون في السنة الرابعة، "إلى الرجيع -بفتح الراء وكسر الجيم فتحتية ساكنة فعين مهملة. قال في الفتح: هو في الأصل اسم للروث, سمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا "اسم ماء لهذيل" بذال معجمة, "بين مكة وعسفان", وبينهما مرحلتان "بناحية الحجاز، كانت الوقعة بالقرب منه" بالهداة، كما يأتي، "فسميت به، وحديث عضل" عطف على سرية، "والقارة" وعضل "بفتح" العين المهملة، والضاد "المعجمة بعدها لام، بطن من بين الهون" بضم الهاء وسكون الواو وبالنون كما في الصحاح. "ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش" بفتح الدال المهملة وكسرها، ثم تحتية ساكنة ثم شين معجمة، كما قاله البرهان، وشيخه المجد في القاموس، ووقع في السبل بدال وسين مهملتين "ابن محكم، والقارة بالقاف وتخفيف الراء" فتاء تأنيث. "بطن من الهون أيضًا، ينسبون إلى الديش المذكور". "وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء، فيها حجارة كأنهم نزلوا بها" أي: عندها، "فسموا بها" قال: ويضرب بهم المثل في إصابة الرمي, قال الشاعر: قد أنصف القارة من راماها "وقصة عضل والقارة كان في" أي: مع "بعث الرجيع لا في سرية بئر معونة" كما قد يوهمه ترجمة البخاري، "وقد فصل" فرق "بينهما ابن إسحاق, فذكر بعث الرجيح في أواخر سنة

ثلاث، وبئر معونة أوائل سنة أربع. وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة واحدة. وسياق ترجمة البخاري يوهِمُ أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهي مع عضل والقارة. وبئر معونة كان سرية القراء، وهي مع رعل وذكوان، وكأن البخاري أدمجها معها لقربها منها. ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي -صلى الله عليه وسلم- بين بني لحيان وبين عصية وغيرهم في الدعاء عليهم. ولم يرد البخاري -رحمه الله- أنهما

_ ثلاث" وهذا قول ابن إسحاق, وما مَرَّ أنها في صفر قول ابن سعد فلا يورد عليه، "وبئر معونة في أوائل سنة أربع". "وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة واحدة", فهذا يدل على أن البخاري أدمجها معها للقرب، والجائي بالخبر الوحي فسيأتي في المتن، فاستجاب الله لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا، ويأتي في بئر معونة عن الحافظ، أن الله أخبر بهم على لسان جبريل. "وسياق ترجمة البخاري" بقوله: باب غزوة الرجيع، ورعل، وذكوان وبئر معونة، وحديث عضل، والقارة، وعاصم بن ثابت، وخبيب وأصحابه، "يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن بعث الرجيع كانت سرية عاصم وخبيب" بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى مصغرًا، "وأصحابهما, وهي مع عضل، والقارة وبئر معونة كان سرية القراء, وهي مع رعل" بكسر فسكون "وذكوان" بذال معجمة، "وكأنَّ البخاري أدمجها" أدخلها، "معها لقربها منها، ويدل على قربه منها ما في حديث أنس" في الصحيح، "من تشريك النبي -صلى الله عليه وسلم- بين بني لحيان" بكسر اللام وفتحها، "وبين عصية" بضم الضم مصغرًا، "وغيرهم" كرعل وذكوان "في الدعاء عليهم" في قنوت الصبح شهرًا. ووجه الدلالة أن بعث الرجيع مع بني لحيان وبئر معونة كانت مع عصية ورعل وذكوان، وقد جمع بين الكل في الدعاء، وهنا قال الحافظ، وذكر الواقدي، أنَّ خبر بئر معونة ... إلخ، استدلالًا على القرب أيضًا، فما كان ينبغي للمصنف تقديمه، "ولم يرد البخاري -رحمه الله- أنهما

قصة واحدة، ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا. وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق, فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أُحدٍ رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه, وأمَّرَ -عليه الصلاة والسلام- على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي, كذا في السيرة له, وفي الصحيح: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي، وهو

_ قصة واحدة"؛ لأنه خلاف الواقع، فلا يحمل عليه وإن أوهمه كلامه، "ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا، وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق، فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر" بضم العين "ابن قتادة" الأنصاري الظفري العلامة في المغازي "قال: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أُحد رهط من عضل والقارة" سبعة، كما في رواية الواقدي عن شيوخه، مشت بنو لحيان من هذيل بعد قتل سفيان بن نبيح الهذلي إلى عضل والقارة، فجعلوا لهم إبلًا على أن يكلموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخرج إليهم نفرًا من أصحابه، فقدم سبعة نفر منهم مقرِّين بالإسلام، "فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا" في الدين، ويقرؤننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام. وفي الصحيح عن أبي هريرة, بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية عينًا، وفي رواية: بعث عشرة عينًا يتجسسون له، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: بعثهم عيون إلى مكة ليأتوه بخبر قريش، ويجمع بأنه لما أراد بعثهم عيونًا، وافق مجيء النفر في طلب مَنْ يفقههم، فبعثهم في الأمرين، "فبعث معهم ستة من أصحابه", وسماهم ابن إسحاق فقال: وهم: عاصم ومرثد وخبيب وزيد بن الدثنة وعدب الله بن طارق وخالد بن البكير، وجزم ابن سعد بأنهم كانوا عشرة، فزاد: معتب بن عبيد، وكذا سمَّى موسى بن عقبة السبعة المذكورين، لكن قال: مغيث بن عوف. قال الحافظ: فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعًا فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. "وأمَّرَ -عليه الصلاة والسلام- على القوم مرثد" بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلثة وبالدال المهملة "ابن أبي مرثد", صحابي وأبوه صحابي, واسمه كناز -بنون ثقيلة- ابن الحصين، وهما ممن شهد بدرًا "الغنوي" بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غني بن أعصر، "كذا في السيرة له" لابن إسحاق. "وفي الصحيح" من حديث أبي هريرة: "وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي وهو

أصح -فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع- ماء لهذيل, غدروا بهم, فاستصرخوا عليهم هذيلًا فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلّا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنَّا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأبوا، فأمَّا مرثد وخالد وعاصم، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا, وقاتلوا حتى قتلوا -رضي الله عنهم. وفي البخاري: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدأة

_ أصح" كما قاله السهيلي وغيره. قال في الفتح: وجمع بعضهم بأن أمير السرية مرثد وأمير العشرة عاصم بناء على التعدد، ولم يرد البخاري أنهما قصة واحدة، "فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع ماء لهذيل" بن مدركة بن إلياس بن مضر, "غدروا بهم فاستصرخوا" أي: استغاثوا "عليهم هذيلًا" ليعينوهم على قتلهم، "فلم يرع القوم" أي: يبغتهم ويفجأهم أو يفزعهم، "وهم في رحالهم إلّا الرجال بأيديهم السيوف وقد غشوهم" بضم الشين وهذا ظاهر، قاله البرهان؛ لأن فعله غشي كتعب، فإذا أسند إلى واو الجماعة قيل: غشيوا كرضيوا، استثقلت الضمة إلى الياء فحذفت الضمة ثم الياء, ثم قلبت كسرة الشين ضمة، لمناسبة الواو، "فأخذوا" أي: عاصم ومن معه، "أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة", بأن نسلمكم لهم ونأخذ بدلكم شيئًا منهم، لعلمهم أنه لا شيء أحبَّ إليهم من أن يؤتوا بأحد من الصحابة يمثلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر وأحد، "ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم فأبوا، فأمَّا مرثد" بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة "وخالد" بن البكير -بضم الموحدة وفتح الكاف- الليثي حليف بني عدي, من السابقين، وشهد بدرًا, استشهد يومئذ وهو ابن أربع وثلاثين سنة. ذكره ابن إسحاق وغيره، "وعاصم" بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، "فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا، وقاتلوا حتى قتلوا -رضي الله عنهم" في الموضع الذي جاءوهم فيه حتى استصرخ عليهم الآتي بهم إليه وقسيم، أمَّا تركه المصنف استغناء بذكره بمعناه كما يأتي, وهو ثابت في ابن إسحاق قال: وأما زيد وخبيب وابن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة. "وفي البخاري" في الجهاد وغزوة بدر، وهنا من طريق الزهري عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشرة رهط سرية عينًا، "وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهدأة" -بفتح الهاء.

بين عسفان ومكة -وذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو الحيان، فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل. وعند بعضهم فتبعوهم بقريب من مائة رام. والجمع بينهما واضح، بأن تكون المائة الأخرى غير رماة. وفي رواية أبي معشر في مغازيه: فنزلوا بالرجيع سحرًا، فأكلوا تمرة عجوة، فسقط نواه بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون بالنهار،

_ قال الحافظ: وسكون الدال بعدها همزة مفتوحة لأكثر الرواة. وللكشميهني: بفتح الدال وتسهيل الهمزة. وعند ابن إسحاق بالهدة بتشديد الدال بغير ألف موضع. "بين عسفان ومكة" وعند ابن إسحاق وهي على سبعة أميال من عسفان، "وذكروا" بضم المعجمة مبنيًّا للمفعول "لحي من هذيل" بضم الهاء، وفتح المعجمة، وسكون التحتية وباللام "يقال لهم بنو لحيان" بكسر اللام، وقيل: بفتحها وسكون المهملة، ولحيان هو ابن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وزعم الهمداني النسَّابة أن أصل بني لحيان من بقايا جُرْهُم, دخلوا في هذيل فنسِبُوا إليهم، قاله الحافظ: "فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل", هكذا عند البخاري في الجهاد من رواية شعيب عن الزهري بسنده، وزاد كلهم رامٍ، "وعند بعضهم" أي: الرواة، وهو معمر عن الزهري في صحيح البخاري في هذا الباب، "فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ" بالنبل، ومثله عنده في غزوة بدر من رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري، ولفظه: فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، والجمع بينهما واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة" ولم أقف على اسم أحد منهم, هكذا قال الحافظ، وفيه وقفة. فإن لفظ رواية شعيب في الجهاد: فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلهم رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مآكلهم تمرًا تزودوه من المدينة, فقالوا: هذا تمر يثرب. "وفي رواية أبي معشر" بفتح الميم، وسكون المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن السندي "في مغازيه، فنزلوا بالرجيع سحرًا, فأكلوا تمرة عجرة" إضافة بيانية، أي: تمرًا مسمَّى بهذا الاسم "فسقط نواه في الأرض، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون" بضم الميم وفتحها. قال في القاموس: كمن كنصر وسمع كمونًا: استخفى "بلنهار", وهذا واضح على أنهم كانوا عيونًا ليأتوه بخبر قريش، وكذا على أنهم ذهبوا ليفقهوا الآتين في طلب من يفقههم؛ لأنهم قليل؛ إذ غاية ما قيل في السرية عشرة، والآتين في طلبهم سبعة، ومثل هذا العدد في زمن المحاربة خصوصًا بعد أُحد لا يأمنون على أنفسهم فيسيروا ظاهرين نهارًا، فلذا كانوا يكمنون به،

فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا، فرأت النواءات وأنكرت صغرهن، وقالت: هذا تمر يثرب, فصاحت في قومها قد أتيتم، فجاءوا في طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، وتبعوا آثارهم حتى لحقوهم. وفي رواية ابن سعد: فلم يرع القوم إلّا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم. فلما حسَّ بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد -بفاءين مفتوحتين ومهملتين, الأولى ساكنة- وهي الرابية المشرفة، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا،

_ "فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا فرأت النواءات" هذا جمع تصحيح لم يذكره القاموس والمصباح، فإنهما قالا: النوى جمع نواة، وجمع الجمع أنواء, مثل سبب وأسباب، فالظاهر كما قال شيخنا: إنه كان يقال: فلمَّا رأت النوى بالقصر، أو الأنواء، "فأنكرت صغرهن وقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: قد أتيتم" بالبناء للمفعول من قِبل العدو، "فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد كمنوا" بفتحتين وبفتح فكسر: استخفوا "في الجبل، واتبعوا آثارهم" حين أخبرتهم المرأة "حتى لحقوهم" بالجبل، والواو لا ترتب, فلا يرد اقتضاؤه أن اقتفاء الأثر بعد وجدانهم كامنين بالجبل. "وفي رواية ابن سعد" في حديث أبي هريرة هذا، "فلم يرع القوم إلّا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم", أعاده وإن مَرَّ عن ابن إسحاق؛ لأن ذاك مرسل، وهذا مسند، ويقع سقوطه في نسخ وهو خطأ؛ لإيهامه أن ما بعده رواية ابن سعد، مع أنه من جملة حديث البخاري, ففيه عقب قوله: حتى لحقوهم، "فلمَّا حسَّ". قال المصنف: صوابه كما قال السفاقسي أحسَّ رباعيًّا، أي: علم "بهم عاصم وأصحابه لجأوا" بفتح الجيم وكسرها آخره همزة- تحرزوا واعتصموا "إلى فدفد -بفاءين مفتوحتين ودالين مهملتين الأولى ساكنة- وهي الرابية المشرفة". قال الحافظ: ووقع عند أبي داود إلى قردد -بقاف وراء ودالين. قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفع، ويقال: الأرض المستوية، والأول أصح, "فأحاط بهم القوم فقالوا: لكم العهد والميثاق" تفسيري، "إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا". وعند ابن سعد فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم، إنما نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، وهي رواية ابن إسحاق المتقدمة.

فقال عاصم بن ثابت أيها القوم: أما أنا فلا أنزل في ذمَّة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنَّا رسولك، فاستجاب الله تعالى لعاصم فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا. فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم على العهد والميثاق: خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة -بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة والنون المفتوحة المشددة, وعبد الله بن طارق.

_ "فقال عاصم بن ثابت" لأصحابه: قاله المصنف: "أيها القوم أمَّا" بتشديد الميم "أنا فلا أنزل في ذمة كافر" أي: في عهده. وعند سعيد بن منصور، فقال عاصم: لا أقبل اليوم عهدًا من مشرك. "ثم قال: اللهمَّ أخبر عنّا رسولك" وفي لفظ: نبيك، وقوله، "فاستجاب الله تعالى لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا", هذه الجملة إنما نسبها في الفتح لرواية الطيالسي، وتبعه المصنف في شرح البخاري في المواضع الثلاثة، كما أوهمه المصنف، "فرموهم" أي: رمى الكفار المسلمين حين امتنعوا من النزول، "بالنبل" -بفتح النون وسكون الموحدة- السهام العربية، ورماهم عاصم بالنبل حتى فني نبله. وفي رواية: نثر عاصم كنانته فيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلًا من عظماء المشركين، ثم طاعنهم حتى انكسر رمحه، ثم سلَّ سيفه، وقال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخره، "فقتلوا عاصمًا", زاد البخاري في هذا الباب: وفي الجهاد في سبعة، أي: في جملة سبعة، وقد مَرَّ أنهم عشرة, سمَّى منهم سبعة, وثلاثة لم يسموا؛ لأن الظاهر أنهم أتباع فلم يعتن بتسميتهم، كما قاله الحافظ، "ونزل إليهم على العهد والميثاق خبيب" بضم المعجمة وفتح الموحدة الأولى "ابن عدي" الأنصاري الأوسي البدري، "وزيد بن الدثنة" بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي، شهد بدرًا وأحدًا "بفتح الدال المهملة وكسر" الثاء "المثلثة" زاد البرهان: وقد تسكن "والنون المفتوحة المشددة" ثم تاء تأنيث. قال ابن دريد: من قولهم: دثن الطائر إذا طاف حول وكره ولم يسقط عليه. وفي القاموس: دثن الطائر تدثينًا: طار وأسرع السقوط ف مواضع متقاربة. قال في رواية البخاري: ورجل آخر وسماه ابن إسحاق فقال: "وعبد لله بن طارق" البلوي البدري، فليست تسميته من رواية البخاري، كما أوهمه المصنف. وفي رواية أبي الأسود عن عروة: إنهم صعدوا في الجبل فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم العهد والميثاق. وفي حديث البخاري: فلمَّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها, فقال الرجل الثالث، أي: ابن طارق: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم, إن لي بهؤلاء أسوة، يريد

فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبًا،

_ القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه. قال الحافظ: هذا يقتضي أن ذلك وقع منه أول ما أسروهم. وفي رواية ابن إسحاق: فخرجوا بالنفر الثلاثة، حتى إذا كانوا بمر الظهران أشرع عبد الله بن طارق يده، وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، فيحتمل أنهم إنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مر الظهران, وإلا فما في الصحيح أصح، انتهى. "فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة،" والذي باعهما زهير وجامع الهذليان. قال ابن هشام: باعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة. وعند سعيد بن منصور: أنهم اشتروا خبيبًا بأمة سوداء، ويمكن الجمع، قاله الحافظ. وقال الواقدي: بيع خبيب بمثقال ذهبًا، ويقال: بخمسين فريضة، وبيع الثاني بخمسين فريضة. وعند ابن سعد وابن إسحاق: فأمَّا زيد فابتاعه صفوان بن أمية، فقتله بأبيه. وعند ابن سعد: أن الذي قتله نسطاس مولى صفوان، ويقال: اشترك فيه ناس من قريش، ودخلوا بهما في شهر حرام في ذي القعدة, فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم. "فابتاع بنو الحارث بن عامر" بن نوفل بن عبد مناف "خبيبًا", وهم عقبة وأبو سروعة وأخوهما لأمهما حجير -بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم وسكون التحتية وبالراء- ابن أبي إهاب -بكسر أوله وبالموحدة- التميمي, حليف بني نوفل، وبَيِّنَ ابن إسحاق أنه الذي تولّى شراءه وقد أسلم الثلاثة بعد ذلك وصحبوا. قال في حديث البخاري: وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر. قال الحافظ: هكذا وقع في حديث أبي هريرة، واعتمده البخاري، فذكر خبيب بن عدي فيمن شهد بدرًا وهو متجه، لكن تعقَّبه الدمياطي بأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أن خبيب بن عدي شهد بدرًا ولا قتل الحارث بن عامر، وإنما ذكروا أن الذي قتل الحارث ببدر خبيب بن إساف الخزرجي, وابن عدي أوسي, قلت: يلزم من كلامه رد الحديث الصحيح, فلو لم يقتل ابن عدي الحارث ما كان لاعتناء بن الحارث بن عامر بأسر خبيب معنى، ولا بقتله, مع تصريح الحديث الصحيح أنهم قتلوه به، لكن يحتمل أنهم قتلوه لكون ابن أساف قتل الحارث على عادة الجاهلية بقتل بعض البيلة عن بعض، ويحتمل أن يكون خبيب بن عدي شارك في

فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى اجتمعوا على قتله, استعار من بعض بنات الحارث موسى ليستحد بها -يعني يحلق عانته-

_ قتل الحارث، والعلم عند الله تعالى. "فلبث خبيب عندهم أسيرًا" في بيت ماوية، مولاة حجير بن أبي إهاب، وأسلمت بعد. قال في الروض: ماوية -بواو، أي: مكسورة وشد التحتية في رواية يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وكذا في النسخ العتيقة من رواية غيره عن ابن إسحاق بالراء، أي: والتخفيف، والماوية بالتخفيف البقرة، وبالتشديد القطاة الملساء، انتهى. وعند سعيد بن منصور، فأساءوا إليه فقال لهم: ما يصنع القوم الكرام هذا بأسيرهم، فأحسنوا إليه بعد ذلك, وجعلوه عند امرأة تحرسه. وروى ابن سعد عن موهب مولى آل نوفل قال: قال لي خبيب: وكانوا جعلوه عندي يا موهب, أطلب إليك ثلاثًا، أن تسقيني العذب، وأن تجنبني ما ذُبِحَ على النصب، وأن تعلمني إذا أرادوا قتلي. قال الشامي: فكان موهبًا كان زوج ماوية. انتهى. ويؤيده أن في رواية الواقدي عنها, كانت تحدث بقصة خبيب بعد أن أسلمت وحسن إسلامها، وفيها: وكان يتهجد بالقرآن، فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه، فقلت له: له لك من حجاجة، قال: لا، إلا أن تسقيني العذب, ولا تطعميني ما ذبح على النصب، وتخبريني إذا أرادوا قتلي، فلمَّا أرادوا ذلك أخبرته، فوالله ما اكترث بذلك, فكأنه طلب ذلك من ماوية وموهب معًا، وقد أسلم موهب في فتح مكة كما في الإصابة. "حتى اجتمعوا" عزموا واتفقوا "على قتله" حين خرجت الأشهر الحرم، "استعار من بعض بنات الحارث". ذكر خلف في الأطراف أن اسمها زينب بن الحارث أخت عقبة، قاتل خبيب، وقيل: امرأته، وعند ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح قال: حدثت عن ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب، وكانت قد أسلمت قالت: حبس خبيب في بيتي، ولقد اطَّلعت عليه يومًا، وإن في يده لقطفًا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، فإن كان محفوظًا احتمل أن كلًّا من ماوية وزينب رأت القطف في يده يأكله، والتي حبس في بيتها ماوية، والتي كانت تحرسه زينب، جمعًا بين الروايتين، ويحتمل أن الحارث أب لماوية من الرضاع، وفي ابن بطال: أن اسم المرأة جويرية، فيتمله أن وجده رواية, أو سماها جويرية لكونها أمة، قاله الفتح. "موسى" بعدم الصرف؛ لأنه على وزن فعلى، وبالصرف على وزن مفعل على خلاف بين الصرفيين، والذي في اليونينية الصرف قاله المصنف. "ليستحدَّ بها، يعني يحلق عانته،" لئلا

فغفلت عن ابن لها صغير, فأقبل إليه الصبي فأجلسه عنده, فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأغدر. قال: قالت: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفًا من

_ تظهر عند قتله، "فغفلت عن ابن لها صغير، فأقبل إليه الصبي، فأجلسه عنده". زاد في حديث البخاري: على فخذه والموسى بيد، "فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت" بكسر الزاي. وفي رواية البخاري: ففزعت فزعة عرفها خبيب، "فقال:" أتخشين أن أقتله, ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله. وفي مرسل بريدة بن سفيان: "ما كنت لأغدر". قال في الفتح: ذكر الزبير ابن بكار: أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وفي رواية بريدة بن سفيان: وكان لها ابن صغير، فأقبل إليه الصبي, فأخذه فأجلسه عنده، فخشيت المرأة أن يقتله، فناشدته. وعند أبي الأسود عن عروة: فأخذ خبيب بيد الغلام فقال: هل أمكن الله منك؟ فقالت: ماكان هذا ظني بك، فرمى لها الموسى، وقال: إنما كنت مازحًا. وعند ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح وعاصم بن عمر: أن ماوية قالت: قال لي خبيب حين حضره القتل: ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل، قالت: فأعطيت غلامًا من الحي الموسى، فقلت: ادخل بها على هذا الرجل البيت، فوالله ما هو إلّا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب الله الرجل ثأره يقتل هذ الغلام، فيكون رجل برجل، فلمَّا ناوله الحديدة، أخذها من يده, ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي، ثم خلَّى سبيله. قال ابن هشام: يقال إن الغلام ابنها. قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه طلب الموسى من كلٍّ من المرأتين، فأوصله إليه ابن إحداهما، وأما الابن الذي خشيت عليه، ففي رواية هذا الباب، فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه, فهذا غير الذي أحضر إليه الحديدة، انتهى. "قالت: والله ما رأيت أسيرًا" زاد في رواية: قط، "خيرًا من خبيب". وعند الواقدي في حديث ماوية: وأسلمت وحسن إسلامها. قالت: كان يتهجد بالقرآن، فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه، "والله لقد وجدته يأكل قطفًا" بكسر القاف، عنقودًا "من

عنب، مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقًا رزقه الله تعالى خبيبًا. وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب، آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه لتصحيح رسالته. والكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا عند أهل السنة, لكن استثني بعض المحققين مهم كالعلامة الرباني أبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء, فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك, وهذا أعدل

_ عنب،" وقوله: "مثل رأس الرجل" زائد على خبر الصحيح من رواية ابن إسحاق، كما قدمنا, فما كان ينبغي للمصنف إلا البيان، "وأنه لموثق" بالمثلثة، مقيد "بالحديد، وما بمكة من ثمرة" بمثلثة وفتح الميم، أي: من ثمرة عنب. وفي رواية ابن إسحاق عن ماوية: وما أعلم في الأرض حبة عنب فأطلقت الأرض، وأرادت أرض مكة، ووقع في بعض نسخ البخاري بالمثناة وسكون الميم، "وما كان" ذلك القطف "إلّا رزقًا رزقه الله تعالى خبيبًا، وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه لتصحيح رسالته" وتوسط ابن بطال بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها، فجعل الثابت ما جرت به العادة لآحاد الناس أحيانًا, والممتنع ما يقلب الأعيان. "و" لكن "الكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا" سواء كانت من معجزات الأنبياء، أم لا "عند أهل السنة، لكن استثني بعض المحققين منهم، كالعلامة الرباني، أبي القاسم" عبد الكريم بن هوازن، الحافظ المفسر، الفقيه النحوي اللغوي، الأديب، الكاتب، "القشيري" الشجاع، البطل، المجمَع على إمامته، وأنه لم ير مثل نفسه، ولا رأى الراءون مثله، وأنه الجامع لأنواع المحاسن, ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وسمع الحديث من الحاكم وغيره. وروى عنه الخطيب وغيره، وصنّف التصانيف الشهيرة، وتوفي سنة خمس وستين وأربعمائة، "ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء، فقال: ولا يصلون"، أي: الأولياء "إلى مثل إيجاد ولد من غير أب، ونحو ذلك" كقلب جماد بهيمة، لكن الجمهور على الإطلاق, والتفصيل أنكروه على قائله, حتى ولده أبو نصر في المرشد، وإمام الحرمين في الإرشاد، وقال: إنه مذهب متروك، وبالغ النووي فقال: إنه غلط، وإنكار للحس, وأن الصواب وقوعها بقلب الأعيان ونحوه, انتهى. ولكن له قوة ما فقد اختاره السبكي وغيره، والحافظ ابن حجر فقال: "وهذا أعدل

المذاهب في ذلك. فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام, والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي, ونحو ذلك, قد كثر جدًّا، حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة. فانحصر الخارق الآن في نحو ما قاله القشيري، وتعيّن تقييد من أطلق، بأن كل معجزة لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي. ووراء ذلك: إن الذي استقر عند العامة، أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأَوْلى من ذكروه: أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا

_ المذاهب" الثلاثة، إثبات الكرامة نفيها التفصيل، "في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال،" أي: سريعًا، "ولكثير الطعام والمكاشفة بما يغيب عن العين والإخبار بما سيأتي, ونحو ذلك قد كثر جدًّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق" المذكور في تعريف الكرامة، بأنها ظهور أمر خارق للعادة على يد الولي، مقرون بالطاعة والعرفان، بلا دعوى نبوة, "الآن في نحو ما قاله القشيري وتعيّن تقييد من أطلق" القول، "بأن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي،" لا فارق بينهما إلّا التحدي, بقصر الجواز على غير إيجاد ابن بلا أب، وقلب العصا حية، والجمهور كما علمت على الإطلاق, إلّا بمثل القرآن مما خرج من المعجزات إلى الخصائص، قاله السعد والنووي "ووراء ذلك" الذي حققناه، "أن الذي استقرَّ عند العامَّة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى وهو غلط، فإن الخارق" كما قال الباقلاني: "قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب". وقال إمام الحرمين: فيه نظر, فلسنا نثبت لهم كرامة، "فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق" بين الولي وغيره، "وأولى مما ذكروه أن يختبر حال من وقع له" الخارق، "فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا،" فقد حكي الاتفاق على أن الكرامة لا تظهر على الفسقة الفجرة، بل على الموفَّقين البررة. نعم، قد تظهر على يد فاسق إنقاذًا له مما هو فيه، ثم يتوب بعدها، ويصير على أحسن

والله أعلم, انتهى ملخصًا من الفتح. ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين -وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم -وقال: اللهمَّ أحصهم عددًا، ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا -يعني متفرقين، فلم يحل الحول ومنهم أحد حي.

_ حال, كأصحاب الكهف كانوا عبدة أوثان، فحصل لهم ما حصل إرشادًا وتذكرة "والله أعلم، انتهى". كل ما ذكره من أول هذه السرية "ملخصًا من الفتح" أي: فتح الباري للحافظ -رحمه الله. قال في حديث البخاري: "ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه،" في الحل، "قال: "دعوني" اتركوني "أصل" بلا ياء للكشميهني، ولغيره بثبوت الياء، ولكل وجه قاله الحافظ، "ركعتين", قال في حديث البخاري: فتركوه، فركع ركعتين. "وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم" بفتح الفوقية، يقال له الآن: مسجد عائشة، وهو عند طرف حرم مكة من جهة المدينة والشام, على ثلاثة أميال، وقيل: أربعة من مكة، سمي بذلك؛ لأنَّ عن يمينه جبلًا يقال له نعيم، وعن شماله جبلًا يقال له ناعم، والوادي نعمان بفتح النون، ويقال له: نعما الأراك، قال الشاعر: أما والراقصات بذات عرق ... ومن صلى بنعمان الأراك وفي حديث البخاري: ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أنَّ ما بي جزع من الموت لزدت، وفي مرسل بريدة بن سفين: لزدت سجدتين أخريين، "وقال: اللهمَّ أحصهم،" بقطع الهمزة وحاء ساكنة وصاد مكسورة مهملتين، "عددًا" أي: أهلكهم واستأصلهم، بحيث لا يبقى من عددهم أحد، "ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا". قال السهيلي: بفتح الموحدة، والدال المهملة الأولى, مصدر بمعنى: التبدد، أي: ذوي بدد، "يعني متفرقين". قال -أعني السهيلي: ومن رواه بكسر الباء، فجمع بدة وهي الفرقة والقطعة من الشيء المتبدد، ونصبه على الحال من المدعو عليهم. قال الدماميني: ويحتمل أن بددًا نفسه حال على جهة المبالغة، أو على تأويله باسم الفاعل انتهى. "فلم يحل الحول ومنهم أحد حي" كما في مرسل بريدة بن سفيان، ولفظه: فلما وقع

وفي رواية بريدة بن سفيان، فقال خبيب: اللهمَّ إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه. وفي رواية أبي الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره, فأخبر أصحابه بذلك.. الحديث. ثم أنشأ خبيب يقول: فلست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان لله مصرعي

_ على الخشبة استقبل الدعاء, فلبد رجل بالأرض خوفًا من دعائه, فلم يحل الحول ومنهم أحد حي غير ذلك الرجل الذي لبد في الأرض. وحكى ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنت مع أبي، فجعل يلقيني إلى الأرض خوفًا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه. قال في الروض: فإن قيل: هل أجيبت عوة خبيب، والدعوة في تلك الحال من مثله مستجابة، قلنا: أصابت منهم من سبق في علم الله أن يموت كافرًا، ومن أسلم منهم لم يعنه خبيب ولا قصد بدعائه، ومن قتل منهم بعد الدعوة فإنما قتلوا بها بددًا غير معسكرين ولا مجتمعين كاجتماعهم في أُحد وبدر، وإن كانت الخندق بعدها، فقد قتل منهم آحاد متبددون, ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع، ولا معسكر غزوا فيه، فنفذت الدعوة على صورتها فيمن أراد خبيب، وحاشاه أن يكره إيمانهم، انتهى. "وفي رواية" سعيد بن منصور من مرسل "بريدة بن سفيان" الأسلمي المدني، ليس بالقوي، وفيه رفض من السادسة. روى له النسائي، كما في التقريب "فقال خبيب: اللهمَّ إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه". "وفي رواية أبي الأسود عن عروة: جاء جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره, فأخبر أصحابه بذلك. الحديث". وعند موسى بن عقبة، فزعموا أنه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك اليوم وهو جالس: "وعليك السلام, خبيب قتلته قريش"، "ثم أنشأ خبيب يقول: فلست أبالي" هذه رواية الكشميهني، واختارها المصنّف لقول الحافظ، هي أوزن قال: وللأكثر: ما إن أبالي، وهو جائز, لكنه مخروم، ويكمل بزيادة الفاء وما نافية، وإن بكسر الهمزة نافية أيضًا للتأكيد. وفي رواية: وما إن أبالي، بزيادة واو في أخرى، ولست أبالي، "حين أقتل" بالبناء للمفعول، حال كوني مسلم، على أيّ شق" بكسر الشين المعجمة، أي: جنب، "كان لله مصرعي" أي:

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع والأوصال: جمع وصل، وهو العضو. "والشلو -بكسر المعجمة- الجسد, ويطلق على العضو. لكن المراد به هنا الجسد. والممزع -بالزاي ثم المهملة- المقطّع, ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع. وعند أبي الأسود عن عروة, زيادة في هذا الشعر فقال: لقد أجمع الأحزاب فيّ وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وفيه أيضًا: إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي وساقه ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا،

_ مطرحي على الأرض، "وذلك في ذات الإله،" أي: في وجه الله وطلب رضاه وثوابه، كما قاله المصنف. "وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع" بضم الميم الأولى، وفتح الثانية وزاي مشددة "والأوصال جمع وصل، وهو العضو، والشلو بكسر" الشين "المعجمة" وإسكان اللام وبالواو: الجسد, ويطلق على العضو، لكن المراد به هنا الجسد" كما قال الخليل لقوله: على أوصال -يعني: أعضاء جسد؛ إذ لا يقال أعضاء عضو. انتهى. "والممزَّع بالزاي" المشددة "ثم" العين "المهملة المقطع، ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع" مفرق. "وعند أبي الأسود عن عروة، زيادة في هذا الشعر، فقال: لقد أجمع الأحزاب في" أي: في شأني، "وألَّبوا" بشدّ اللام وموحدة أي: حضوا "قبائلهم", ولا يفسّر يجمعوا أيضًا، كما في النور ليغاير قوله: أجمع "واستجمعوا كل مجمع, وفيه أيضًا: إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي روي أن قريش طلبوا جماعة ممن قتل آباؤهم وأقرباؤهم ببدر، فاجتمع أربعون بأيديهم الرماح والحراب، وقالوا لهم: هذا الرجل قتل آباءكم، فطعنوه بالرماح والحراب، فتحرَّك على الخشبة، فانقلب وجهه إلى الكعبة، فقال: الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته، فلم يستطع أحد أن يحوله، "وساقه" أي: الشعر محمد "ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا" هكذا في الفتح، ولعله في رواية غير زيادة، وإلّا فروايته عشرة فقط، وكذا عند الواقدي وغيره وهي: لقد جمع الأحزاب حوالي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي؛ لأني في وثاق مضيع وقد جمعوا أبناءهم ونساؤهم ... وقربت من جذع طويل ممنع

قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب. فكان أول مَن سنَّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا، كذا قاله ابن إسحاق، وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية. وإنما صار فعل خبيب سنة -والسنة إنما هي أقوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريره؛ لأنه فعلها في حياته -صلى الله عليه وسلم, فاستحسن ذلك من فعله واستحسنها المسلمون

_ إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع ووالله ما أخشى إذا مت مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مضجعي فلست بمبد للعدوّ تخشعًا ... ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي "قال ابن هشام: ومن الناس من" لفظه: وبعض أهل العلم، "ينكرها لخبيب،" والمثبت مقدم على النافي كيف وبيتان منها في الصحيح. قال الحافظ: وفيه إنشاء الشعر، وإنشاده عند القتل، وقوة نفس خبيب، وشدة قوته في دينه. قال في حديث البخاري: ثم قال إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو الذي سنَّ لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، هكذا في البخاري في بدر من رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري, ونحوه في الجهاد من رواية شعيب عن ابن شهاب، وسقط ذلك في هذا الباب من رواية معمر، فوقف معه المصنف, فعزا لابن إسحاق قوله: "فكان أوّل من سنَّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا" أي: مصبورًا، أي: محبوسًا للقتل، "كذا قاله ابن إسحاق" عن شيخه عاصم ابن عمر بن قتادة، ولا أدري ما وجه التبري ولا قصر العزو. ولابن إسحاق مع كونه في الصحيح موصولًا، وفي السيرة مرسلًا، وقيل: أول من سنهما زيد بن حارثة للبلاغ الآتي، وردّ بأنه لم يتصل، فلا يقاوم ما في الصحيح. "وقوله: هذا" كما قال صاحب الروض، "يدل على أنها سنة جارية، وإنما صار فعل خبيب سنة، والسنة إنما هي أقوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريره؛ لأنه فعلها في حياته -صلى الله عليه وسلم, فاستحسن ذلك من فعله" فهو تقرير له، "واستحسنها المسلمون", وفعلوها كحجر بن عدي

والصلاة خير ما ختم به عمل العبد. وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته -عليه الصلاة والسلام، كما رويناه من طريق السهيلي بسنده إلى الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى بغلًا من الطائف، فاشترط عليه الكراء أن ينزله حيث شاء. قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال: فلمَّا أراد أن يقتله قال له: دعني أصلي ركعتين، قال: صلِّ فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا، فلمَّا صليت أتاني ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئًا، فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثًا، فإذا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها

_ الصحابي، فدلَّ ذلك على عدم نسخها, "والصلاة خير ما ختم به عمل العبد" هو وجه استحسانهم لها, فهو عطف علة على معلول, ولفظ الروض: مع أن الصلاة، "وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته -عليه الصلاة والسلام، كما رويناه من طريق السهيلي" في الروض "بسنده إلى الليث" وهو: حدثنا أبو بكر بن طاهر الإشبيلي، حدثنا أبو علي الغساني، حدثنا أبو عمر النمري، حدثنا أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان بن خيرون، حدثنا قسم بن أصبغ، حدثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، حدثنا ابن معين، حدثنا يحيى عبد الله بن بكير المصري، حدثني الليث "بن سعد، قال: بلغني أن زيد بن حارثة" الحِبّ والد الحبّ المختص، بأن الله لم يصرّح في القرآن باسم أحد من الصحابة سواه, البدري، "اكترى" من رجل "بغلًا من الطائف، واشترط عليه الكراء أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل، فنزل, فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال: فلمَّا أراد أن يقتله، قال: دعني أصلي ركعتين، قال: صلِّ، فقد صلى قبلك هؤلاء" الفرائض وغيرها، "فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا" فمراده الاستهزاء بالمسلمين وصلاتهم من حيث هي، أو الركعتين عند القتل، وهؤلاء كانوا بعد قتل خبيب، فلا ينافي أنه أول من سنَّهما. "قال: فلمَّا صليت أتاني ليقتلني، فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا لا تقتله فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئًا، فرجع إليّ فناديت: يا أرحم الراحمين, فعل ذلك ثلاثًا، فإذا بفارس" يحتمل أنه جبريل أو غيره، "على فرس, في يده حربة حديد, في رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها" كذا في نسخ، وهي ظاهرة.

من ظهره فوقع ميتًا. ثم قال: لما دعوت المرة الأولى: يا أرحم الراحمين, كنت في السماء السابعة، فلمَّا دعوت المرة الثانية: يا أرحم الراحمين, كنت في سماء الدنيا، فلمَّا دعوت الثالثة أتيتك. انتهى. في رواية أبي الأسود عن عروة: فلمَّا وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب -نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدًا مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه. ويقال: إن الذي قال ذلك زيد بن الدثنة، وأنَّ أبا سفيان قال له: يا زيد، أنشدك بالله, أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تُضْرَب عنقه، وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني لجالس في أهلي

_ وفي أخرجه: وهي التي رأيتها بالروض فأنفذه، أي: أنفذ ما طعنه به، "من ظهره، فوقع ميتًا، ثم قال: لما دعوت المرة الأولى: يا أرحم الراحمين, كنت في السماء السابعة، فلما دعوت المرة الثانية: يا أرحم الراحمين, كنت في سماء الدنيا، فلما دعوت" المرة "الثالثة": يا أرحم الراحمين "أتيتك. انتهى" فيه الاعتناء بهذا الدعاء، وأن المخلص فيه كزيد محقق الإجابة، ولعلَّ حكمة عدم نزوله في أوّل مرة رجاء أن الكافر ينتهي عن قتله بالقول، فلمَّا كرره ثلاثًا ولم يكف تحقق عتوه فاستحقّ القتل، ولعلَّ عدم استمراره في السماء السابعة لآخر الدعوات مع قدرته على نزوله في أسرع زمن, الاعتناء بشأن الداعي في تقربه منه، وتعليمه بذلك الفعل, وإخباره عنه, بعد كيف يعين من استغاث به، وذلك بأن يبادر إلى جوابه ويشرع في إغاثة الملهوف بالأخذ في أسباب الدفع عنه، هكذا أبدعه شيخنا -رحمه الله. "وفي رواية أبي الأسود عن عروة: فلمّا وضعوا فيه السلاح،" الرماح والحرب وطعنوه بها طعنًا خفيفًا، "وهو مصلوب, نادوه وناشدوه: أتحب أنّ محمدًا مكانك، قال: لا والله ما" أحب أن يفديني" بفتح الياء وسكون الفاء "بشوكة في قدمه، ويقال" وهو الذي عند ابن إسحاق: "إن الذي قال ذلك زيد بن الدثنة" لما بعث به صفوان مع مولاه نسطاس إلى التنعيم ليقتله، واجتمع هو وخبيب في الطريق, فتواصوا بالصبر والثبات على ايلحقهما من المكاره. "وأنَّ أبا سفيان قال له: يا زيد, أنشدك" بفتح الهمزة وضم الشين، أسألك "بالله, أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تُضْرَب عنقه، وإنك في أهلك, فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني لجالس في أهلي،" ولا منافاة بين النقلين، فقد يكونون

قال أبو سفيان: ما رأيت الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. ثم قتله نسطاس -بكسر النون. وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم

_ قالوا ذلك لخبيب، وقاله أبو سفيان لزيد، "فقال أبو سفيان: ما" نافية لا تعجبية كما زعم، وإن كان معنى كلامه التعجب، "رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، ثم قتله نسطاس بكسر النون" مولى صفوان حضر يوم أُحد مع الكفار، ثم أسلم وحسن إسلامه, فكان يحدِّث عن يوم أُحد كما في الإصابة، وضمير قتله راجع لزيد فقط, كما هو المنقول في ابن إسحاق وأتباعه، وأما خبيب ففي الصحيح عن أبي هريرة وجابر, أن الذي قتله أبو سروعة -بكسر السين المهملة وفتحها- عند الأكثر، والراء ساكنة. قال الحافظ: زاد سعيد بن منصور والإسماعيلي عن سفيان بن عيينة, واسمه: عقبة بن الحارث، وهذا خالف سفيان فيه جماعة من أهل السير والنسب، فقالوا: أبو سروعة أخو عقبة, حتى قال العسكري: من زعم أنهما واحد فقد وَهِمَ. وفي الإصابة: أبو سروعة النوفلي: هو عقبة بن الحارث عند الأكثر، وقيل: أخوه, واسمه: الحارث, أسلم يوم الفتح، وكذا قال الزبير بن بكار وغيره, انتهى. ولابن إسحاق بإسناد صحيح عن عقبة بن الحارث قال: ما أنا قتلت خبيبًا؛ لأني كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله، انتهى. وروى أحمد عن عمرو بن أمية الضمري قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحدي عينًا إلى قريش، فجئت خشبة خبيب بن عدي لأنزله من الخشبة، فصعدت خشبته ليلًا فقطعت عنه وألقيته، فسمعت وجبة خلفي، فالتفت فلم أر خبيبًا، وكأنما ابتلعته الأرض, فلم أر له أثرًا حتى الساعة. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- أرسل الزبير والمقداد بن الأسود فأتياه، فإذا هو رطب لم يتغير منه شيء بعد أربعين يومًا ولونه لون الدم، وريحه ريح المسك, فحمله الزبير على فرسه وسارا, فلحقهم سبعون من الكفار، فقذفه الزبير، فابتلعته الأرض, فسمي بليع الأرض. "وبعثت قريش إلى عاصم" الأمير المقتول أولًا في جملة السبعة حين حدّثوا أنه قتل "ليؤتوا" بضم التحتية وفتح الفوقية "بشيء من جسده يعرفونه" به كرأسه، "و" سبب ذلك أنه

قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، ولعلَّ العظيم المذكور: عقبة بن أبي معيط، فإن عاصمًا قتله صبرًا بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن انصرفوا من بدر. ووقع عند ابن إسحاق, وكذا في رواية بريدة بن سفيان: أن عاصمًا لما قُتِل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وهي أمّ مسافع وجلاس ابني طلحة العبدري، وكان عاصم قتلهما يوم أُحد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنَّ الخمر في قحفة -بكسر القاف، وهو ما انفلق من الجمجمة فبان. قال الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة. فمنعهم منهم الدبر -بفتح الدال

_ "كان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر" هكذا في حديث أبي هريرة في الصحيح. قال الحافظ: "ولعلَّ العظيم المذكور عقبة بن أبي معيط، فإن عاصمًا قتله" على قول ابن إسحاق "صبرًا بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن انصرفوا من بدر،" بمحلٍّ يُقال له: عرق الظبية, "ووقع عند ابن إسحاق، وكذا في رواية بريدة بن سفيان: أن عاصمًا لما قُتِلَ أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة" بضمِّ السين المهملة وخفة اللام وبالفاء. وصحَّف ابن الأثير فأبدلها ميمًا "بنت سعد" بن شهيد -بضم الشين المعجمة وفتح الهاء- الأنصارية الأوسية، أسلمت في فتح مكة بعدما نازعت طويلًا في إعطاء مفتاح البيت كما في الإصابة، "وهي أم مسافع" بضم الميم وكسر الفاء "وجلاس" بضم الجيم وخفة اللام وسين مهملة، "ابني طلحة العبدري" -بفتح العين المهملة وسكون الموحَّدة وفتح الدال المهملة وبالراء- نسبة إلى عبد الدار بن قصي، "وكان عاصم قتلهما يوم أُحد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها" المذكورين "يوم أُحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنَّ الخمر في قحفة -بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وبالفاء، "وهو ما انفلق من الجمجمة فبان" ظهر، ولا ينافيه قول غيره أعلى الدماغ؛ لأن الجمجمة إذا انفلقت ظهر أعلى الدماغ، فإذا شربت في القحف فقد شربت في الجمجمة. قال الحافظ: فإن كان محفوظًا احتمل أن تكون قريش لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدبر لها من أخد رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك، ورجعوا أن يكون الدبر تركته فيتمكنوا من أمره. "قال الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة، فمنعهم منهم الدبر -بفتح الدال المهملة

المهملة وسكون الموحَّدة: الزنابير -فلم يقدروا منه على شيء. وكان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا, وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه في حياته. وإنما استجاب الله تعالى له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه.

_ وسكون الموحدة الزنابير: قال الحافظ: وقيل: ذكور النحل ولا واحد له من لفظه، وللبخاري: فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر, فحمته من رسلهم، "فلم يقدروا منه على شيء". وفي رواية البخاري في الجهاد: فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئًا، ولأبي الأسود عن عروة: فبعث الله عليهم الدبر، تطير في وجوههم وتلدغهم، فحالت بينهم وبين أن يقطعوا. ولابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، فلمَّا حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصمًا، فذهب به. وفي معالم التنزيل: فاحتمله السيل، فذهب به إلى الجنة, وحمل خمسين من المشركين إلى النار، وفي حياة الحيوان أنهم لما قتلوه أرادوا أن يمثلوا به, فحماه الله بالدبر حتى أخذه المسلمون فدفنوه. "و" في رواية ابن إسحاق، عن شيخه عاصم بن عمر، "كان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسَّه مشرك،" قوي رجاؤه في الله فعاهده بذلك، أو عاهده أن لا يمكِّن مشركًا من مَسِّه، أو المراد: سأله ذلك، "ولا يمس مشركًا" بمصافحة ونحوها مما يشعر بتعظيمه، أو الميل له, فلا ينافي أنه يقتلهم بالسيف والرمح. "وكان عمر" بن الخطاب، "لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه في حياته" ففيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيًّا وميتًا، "وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين"؛ لقوله: اللهمَّ إني حميت لك دينك صدر النهار فاحم لحمي آخره. "ولم يمنعهم من قتله لما أراد الله من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه" كما طلب، ولا يستلزم ذلك كونه أفضل من حمزة ونحوه كما هو ظاهر، والله أعلم.

بئر معونة

بئر معونة: سرية المنذر بن عمرو -بفتح العين المهملة- إلى بئر معونة -بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان. في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أُحد. بعث معه المطلب السلمي ليدلهم على الطريق. وكانت مع رعل -بكسر الراء وسكون العين المهملة: بطن من بني سليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك، وذكوان بطن من بني سليم أيضًا, ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة. فنسبت الغزوة إليها.

_ بئر معونة: "سرية المنذر" بضم فسكون، وكسر الذال المعجمة وراء "ابن عمرو -بفتح العين المهملة" الخزرجي العقبي، البدري، النقيب، من أكابر الصحابة، له حديث رواه عنه سهل بن سعد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجد سجدتي السهو قبل التسليم. أخرجه الدارقطني وغيره. "إلى" أهل "بئر معونة" ليدعوهم إلى الإسلام، أو مددًا لهم على عدو لهم، ويجيء بسطه "بفتح الميم، وضم المهملة، وسكون الواو بعدها نون: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان" هذا لفظ الفتح تبعًا للمطالع، وفي ابن إسحاق، وتبعه اليعمري، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم, كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب. قال شيخنا: والظاهر أنه لا تنافي؛ لجواز أن يكون ذلك الموضع المنسوب لهذيل بين مكة وعسفان, وبجواره أرض بني عامرة وحرة بني سليم. "في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة, على رأس أربعة أشهر من أُحد" عند ابن إسحاق، وجعلها بعضهم في المحرّم، وقدمها على بعث الرجيع، "وبعث" -صلى الله عليه وسلم "معه" أي: المنذر, خصَّ بالذكر لأنه الأمير، وفي نسخة معهم، أي: السرية "المطلب السلمي" بضم السين وفتح اللام، نسبة لبني سليم, صحابي له ذكر في هذه الغزوة، "ليدلهم على الطريق, وكانت مع رعل -بكسر الراء وسكون المهملة: بطن من بني سليم" بلفظ التصغير "ينسبو إلى رعل بن عوف" بالفاء "بن مالك" بن امرئ القيس بن نهية بن سليم، "و" مع "ذكوان" بفتح المعجمة وسكو الكاف، وواو وألف ونون "بطن من بني سليم" أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة" بن نهية بن سليم "فنُسِبَت الغزوة إليها،" أي: بئر معونة لنزولهم بها.

وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها -كما قاله ابن إسحاق: أنه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر, المعروف بملاعب الأسنّة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم

_ "وهذه الوقعة" كما تعرف بسرية المنذر وبئر معونة "تعرف بسرية القرّاء" جمع قارئ؛ لكثرة قراءة السبعين الذين ذهبوا فيها، "وكان من أمرها كما قاله ابن إسحاق" عن شيوخه: "أنه قدم أبو براء" بفتح الموحدة وبالراء والمد "عامر بن مالك بن جعفر" العامري. اختُلِفَ في إسلامه، فذكره جماعة في الصحابة. وقال الذهبي: الصحيح أنه لم يسلم. وقال في الإصابة: ليس في شيء من الأخبار ما يدل على إسلامه، وعمدة من ذكره في الصحابة ما عند ابن الأعرابي وغير عنه، أنه قال: بعثت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ألتمس منه دواء، فبعث إليّ بعكة عسل، وليس ذلك بصريح في إسلامه، بل ذكر أبو حاتم السجستاني عن هشام الكلبي، أن عامر بن الطفيل، لما أخفر ذمّة عمه عامر بن مالك، عمد إلى الخمر فشربها صرفًا حتى مات. نعم، ذكر عمرو بن شبة، عن مشيخة من بني عامر، قالوا: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسة وعشرون رجلًا من بني جعفر، ومن بني بكر, فيهم عامر بن مالك، فنظر -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فقال: "قد استعملت عليكم هذا" , وأشار إلى الضحاك بن سفيان الكلابي، وقال لعامر بن مالك: "أنت على بني جعفر"، وقال للضحاك: "استوص به خيرًا", فهذا يدل على أنه وفد بعد ذلك مسلمًا، انتهى. "المعروف بملاعب الأسنة،" جمع سنان، وهو نصل الرمح، كما في القاموس, عبَّر به لكونه المقصود من الرمح. قال في الرض: سمي بذلك في يوم سوبان، وهو يوم كان بين قيس وتميم, وجبلة اسم لهضبة عالية؛ لأن أخاه طفيلًا الذي يقال له فارس قرزل، أسلمه ذلك اليوم وفرّ، فقال الشاعر: فررت وأسلمت ابن أمك عامرًا ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع فسمِّي ملاعب الرماح، وملاعب الأسنة، وهم عم لبيد بن ربيعة. انتهى. "على رسول الله -صلى الله عليه وسلم". وفي رواية: أنه أهدى إليه فرسين وراحتلين، فقال -صلى الله عليه وسلم: "لا أقبل هدية مشرك". وفي رواية: "إني نهيت عن زبد المشركين" بفتح الزاي، وسكون الموحدة وبالدال المهملة: الرفد والعطاء. قال السهيلي في غزوة تبوك: ولم يقل من هديتهم؛ لأنه إنما كره ملاينتهم ومداهنتهم إذا كانوا حراب له؛ لأن الزبد مشتق من الزبد، كما أن المداهنة مشتقة من الدهن، فعاد المعنى إلى معنى اللين ووجود الجد في حربهم والمخاشنة، وقد ردَّ هدية أبي براء، وكان أهدى إليه فرسًا،

فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد, وقال: يا محمد, لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك, فقال -عليه الصلاة والسلام: "إني أخشى أهل نجد عليهم". قال أبو براء: أنا لهم جاء فابعثهم. فبعث -عليه الصلاة والسلام- المنذر بن عمرو، ومعه القراء وهم سبعون -وقيل: أربعون, وقيل: ثلاثون. وقد بَيِّنَ قتادة في روايته أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل

_ وأرسل إليه أنني قد أصابني وجع، أحسبه قال: يقال له الدبلة، فابعث إلي شيء أتداوى به، فأرسل إليه بعكة عسل، وأمره أن يستشفي به, وردَّ عليه هديته، وقال: "إني نهيت عن زبد المشركين" انتهى. وهذا قبل ما تقدَّم بلا ريب لا بعده؛ لموته أسفًا على ما صنع عامر سريعًا. "فعرض عليه الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد" بفتح أوله وضم العين, بل قال: يا محمد, إني أرى أمرك هذا حسنًا شريفًا، وقومي خلفي، فلو أنك بعث معي نفرًا من أصحابك؛ لرجوت أن يتبعوا أمرك، فإنهم إن اتبعوك فما أعز أمرك، "وقال: يا محمد, لو بعثت رجال من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم" بفتح التاء خطابًا، أي: بواسطة من ترسله إليهم، "إلى أمرك لرجوت" بضم التاء على التكلم "أن يستجيبوا لك، فقال -عليه الصلاة والسلام: "إني أخشى أهل نجد عليهم" هو في الأصل ما أشرف من الأرض. "قال أبو براء: أنا لهم جار" أي: هم في ذمامي وعهدي وجواري، "فابعثهم، فعث -عليه الصلاة والسلام- المنذر بن عمرو، ومعه القراء" وانفصل المصنف عن رواية ابن إسحاق التي هو فيها دون بيان، فقال: "وهم سبعون" كما في البخاري ومسلم من طرق عن أنس. قال السهيلي: وهو الصحيح، "وقيل: أربعون،" كما في رواية ابن إسحاق وموسى بن عقبة. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنّ الأربعين كانوا رؤساء، وبقية العدة أتباعًا "وقيل: ثلاثون". قال الحافظ: هو وهم، لكن قال في الغرر: إن رواية القليل لا تنافي رواية الكثير، وهو من باب مفهوم العدد، وكذا قول من قال ثلاثين، انتهى. "وقد بَيِّنَ قتادة" بن دعامة "في روايته", عن أنس في الصحيح "أنهم كانوا يحتطبون،" يجمعون الحطب "بالنهار، ويصلون بالليل", ولفظه: استمدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فأمدَّهم بسبعين من الأنصار, كنَّا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل, وادَّعى الدمياطي أن هذه الرواية وهم، فإنهم لم يستمدوه -صلى الله عليه وسلم, وإنما الذي استمدَّهم عامر بن الطفيل على الصحابة. قال الحافظ: ولامانع أن يستمدوه -صلى الله عليه وسلم- في الظاهر, وقصدهم الغدر بهم، ويحتمل أن

وفي رواية ثابت: ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل. فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام بن ملحان بكتابه -صلى الله عليه وسلم- إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري، ومات كافرًا -وليس هو عامر بن

_ الذي استمدوه غير الذين استمدهم عامر، والكل من بني سليم. وفي رواية عاصم عن أنس عند البخاري أنه -صلى الله عليه وسلم- بعث أقوامًا إلى ناس من المشركين بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد، ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدو، وإنما هو للدعاء للإسلام، وقد أوضح ذلك ابن إسحاق، فذكر ما نقله المصنف عنه، وقيل في تأويله أيضًا، أي: طلبوا منه مدة يمهلهم فيها، أي: للتروي في الإسلام؛ لأنهم لم يسلموا ولم يظهروا إسلامًا. "وفي رواية ثابت" البناني، عن أنس في الصحيح: "ويشترون به،" أي: الحطب, "الطعام لأهل الصفة" وللفقراء. وفي رواية: ويأتون به إلى حجر أزواجه -صلى الله عليه وسلم، "ويتدارسون القرآن بالليل"، ويصلون كما هو بقية رواية ثابت، والجمع بين هذه الروايات سهل, بأنهم كانوا يصلون بعض الليل، ويدرسون بعضه، ويحتطبون ويبيعون بعضه، يشترون به طعامًا لأهل الصُّفَّة والفقراء، وبعضه يأتون به الحجر الشريفة, أو بعضهم يفعل كذا، والآخر كذا، أو يفعلون ذا مرة وذا مرة، وقوله: لأهل الصفة, لا يفهم أنهم ليسوا من أهلها. وقد نصَّ المصنف في بناء المسجد على أنهم من أهل الصفة، فبعض أهل المحل يشتري لبعض، كما هو مشاهد في كثير من الزوايا والربط, فلا حاجة لحمله على النفي والإثبات وتعسف الجمع، بأن من عدهم من أهلها نظر إلى إعراضهم عن نحو: التجارة والزراعة ومخالطة أهلها إلّا وقت الحاجة, ومن لم يعد بناه على أن أهلها هم الملازمون للمسجد الذين لم يتعلقوا بشيء غير العبادة، أو أمر ضروري يخرجون له ويعودون سريعًا. "فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام" بمهملة وراء "ابن ملحان" بكسر الميم أشهر من فتحها، أخو أم سليم, خال أنس بن مالك "بكتابه -صلى الله عليه وسلم- إلى عدو الله عامر بن الطفيل" ابن مالك بن جعفر الكلابي "العامري", وهو ابن أخي أبي براء، "ومات كافرًا" بإجماع أهل النقل، وعدَّه المستغفري صحابيًّا غلط، قاله البرهان. وقال الحافظ: هو خطأ صريح، فإن عامرًا مات كافرًا، وقصته معروفة -يريد في الصحيح وغيره, من قدومه على النبي -صلى الله عليه وسلم، وقوله: لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بألف أشقر وألف شقراء، فقال -صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفني عامرًا"، فطعن في بيت امرأة فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، "وليس هو عامر بن

الطفيل الأسلمي الصحابي -فلمَّا أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فلم يجبيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم: عصية

_ الطفيل الأسلمي الصحابي. قال الحافظ: وسبب وهم المستغفري: أنه أخرج عن أبي أمامة عن عامر بن الطفيل، أنه قال: يا رسول الله, زودني كلمات، قال: "يا عامر, أفش السلام، وأطعم الطعام، واستحي من الله، وإذا أسأت فأحسن" في ترجمة العامري، والحديث إنما هو للأسلمي, كما أخرجه البغوي عن عبد الله بن بريدة الأسلمي قال: حدثني عمّي عامر بن الطفيل فذكره. وفي رواية الطبري: فخرج حرام، فقال: يا أهل بئر معونة, إني رسولُ رسولِ الله إليكم, فآمنوا بالله ورسوله، فخرج رجل برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر. وفي الصحيح: فجعل يحدثهم فأومئوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه بالرمح، قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، قال الحافظ: لم أعرف اسم الرجل الذي طعنه. وفي سيرة ابن إسحاق ما ظاهره، أنه عامر بن الطفيل؛ لأنه قال: "فلما أتاه لم ينظر في كتابه،" بل أعرض عنه، واستمرّ في طغيانه، "حتى عدا على الرجل فقتله". لكن في الطبراني من طريق ثابت عن أنس, قاتل حرام بن ملحان أسلم، وعامر بن الطفيل مات كافرًا كما تقدَّم، انتهى من الفتح. فكان نسبة ذلك إليه على سبيل التجوّز؛ لكونه رأس القوم، كما قاله نفس الحافظ بعد في ابن فهيرة. وفي الصحيحين، عن أنس: لما طُعِنَ حرام بن ملحان قال: فزت ورب الكعبة. واتفق أهل المغازي على أنه استشهد يوم بئر معونة المذكور. وحكى أبو عمر عن بعض أهل الأخبار أنه ارتثّ يومئذ. فقال الضحاك ابن سفيان الكلابي، وكان مسلمًا يكتم إسلامه، لامرأة من قومه: هل لك من رجل إن صح كان نعم الراعي، فضمته إليها, فعاجته, فسمعته يقول: أيا عامر ترجو المودة بيننا ... وهل عامر إلا عدو مداهن إذا ما رجعنا لم يك وقعة ... بأسيافنا في عامر أو تطاعن فوثبوا عليه فقتلوه. "ثم استصرخ" استغاث "عليهم من بني عامر" قومه، "فلم يجيبوه، وقالوا: لن نخفر" بضم أوله وكسر الفاء، "أبا براء" أي: لن ننقض عهده وذمامه. "و" الحال أنه "قد عقد لهم عقدًا وجوارًا" بكسر الجيم وضمها، فالأجانب راعوه, وابن أخيه نقض عقده، "فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية،" بدل من قبائل بضم العين، وفتح الصاد

ورعلًا, فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم، إلّا كعب بن زيد, فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قُتِلَ يوم الخندق شهيدًا. وأسرَّ عمرو بن أمية الضميري، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل

_ المهملتين، وشد التحتية وتأنيث, "ورعلًا" بكسر فسكون، وذكوان هكذا هو ثابت في سيرة ابن إسحاق، وكأنه سقط من قلم المصنف كابن سيد الناس، وبه يستقيم ضمير الجمع في قوله، "فأجابوه إلى ذلك", ولا حاجة إلى أنه نظرًا لإفراد القبيلتين، أو الضمير للقبائل "ثم خرجوا" وساروا "حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم" حين أتوهم "في رحالهم،" أي: في منازلهم التي نزلوا بها، "فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، وقاتلوهم حتى قتلوا،" مبتدئًا القتل من أولهم، منتهيًا "إلى آخرهم" يعني استأصلوهم. ولفظ ابن إسحاق: من عند آخرهم "إلّا كعب بن زيد" بن قيس بن مالك بن كعب بن حارثة ابن دينار بن النجاري الأنصاري البدري، "فإنهم تركوه" لظنّهم موته، "وبه رمق" بفتح الراء والميم وبالقاف: بقية الحياة، فارتثّ من بين القتلى، "فعاش حتى قُتِلَ يوم الخندق" قتله ضرار بن الخطاب، قاله الواقدي. وقال ابن إسحاق: أصابه سهم غرب، فقتله "شهيدًا" رضي الله عنهم، ناس اتخذ الله منهم شهداء بكثرة. قال قتادة: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا، أعز يوم القيامة من الأنصار، قال: وحدثنا أنس أنه قتل منهم يوم أُحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون يوم قتال مسيلمة الكذاب. رواه البخاري. "وأسرَّ عمرو" استثناء في المعنى، كأنه قال: قتلوا إلّا كعبًا وعمرو "بن أمية الضميري" بفتح فسكون. قال ابن إسحاق: كان في سرح القوم هو ورجل من الأنصار. قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلّا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنًا، فاقبلا لينظرا, فإذا القوم في دمائهم والخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو: ما ترى، قال: أرى أن نلحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ماكنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل حتى قُتِلَ وأخذ عمرو أسيرًا، "فلمَّا أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل".

وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فلمَّا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرهم، قال: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ ذلك أبا براء, فمات أسفًا على ما صنع عامر بن الطفيل. وقُتِل عامر بن فهيرة يومئذ, فلم يوجد جسده -رضي الله عنه، دفنته الملائكة.

_ قال ابن إسحاق: وجزّ ناصيته، أي: الشعر المجاور لها مجازًا، "وأعتقه عن رقبة، زعم أنها كانت على أمه، فلمَّا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرهم" قال الحافظ: قد ظهر من حديث أنس أن الله أخبره بذلك على لسان جبريل. وفي رواية عروة: فجاء خبرهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تلك الليلة، "قال: هذا" سببه "عمل أبي براء"؛ حيث أخذهم في جواره، "قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ أبا براء فمات" عقب ذلك كما في الفتح، "أسفًا على ما صنع" ابن أخيه "عامر بن الطفيل", ومات عامر بعد ذلك كافرًا بدعائه -عليه السلام- كما مَرَّ، وذكر أبو سعيد السكريّ في ديوان حسان, روايته عن أبي جعفر بن حبيب. قال حسان لربيعة بن عامر: ملاعب الأسنة يحرضه بعامر بن الطفيل بإخفاء ذمة أبي براء: ألا من مبلغ عني ربيعًا ... فما أحدثت في الحدثان بعدي أبوك أبو الفعال أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد تحكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطا كعمد فلما بلغ ربيعة هذا الشعر، جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله, أيغسل عن أبي هذه الغدرة أن أضرب عامًا ضربة أو طعنة، قال: نعم، فرجع, فضرب عامرًا ضربة أشواه بها، فوثب عليه قومه، فقالوا لعامر: اقتصّ، فقال: قد عفوت. قال في الإصابة: لم أر من ذكر ربيعة في الصحابة إلّا ما تفيده هذه القصة، ورأيت له رواية عن أبي الدرداء، فكأنه عمَّر في الإسلام. "وقتل عامر بن فهيرة" بضم الفاء وفتح الهاء، وسكون التحتية، وراء وتاء تأنيث- أحد السابقين, مولى أبي بكر "يومئذ", وهو ابن أربعين سنة, "فلم يوجد جسده -رضي الله عنه، دفنته الملائكة، كما رواه ابن المبارك عن عروة. وفي الصحيح عنه: لما قتلوا وأُسر عمر، وقال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فقال: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع, وفي هذا تعظيم لعامر، وترهيب للكفّار وتخويف، ومن ثَمَّ تكرَّرَ سؤال

قال ابن سعد عن أنس بن مالك ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وَجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة. وفي صحيح مسلم عن أنس أيضًا: دعا -صلى الله عليه وسلم- على الذين قتلوا أصحب بئر معونة ثلاثين صباحًا،

_ ابن الطفيل عن ذلك. روى يونس عن ابن إسحاق عن هشام، عن أبيه، لما قدم عامر بن الطفيل عليه -صلى الله عليه وسلم- قال له: من الرجل الذي لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض، حتى رأيت السماء دونه ثم وضع، فقال: هو عامر بن فهيرة. وفي رواية ابن المبارك عن عروة: وكان الذي قتله رجلًا من بني كلاب جبار بن سلمى، ذكر أنه لما طعنه، قال: فزت والله، قال: فقلت في نفسي: ما قوله فزت، فأتيت الضحاك بن سفيان، فسألته فقال، بالجنة، قال: فأسلمت, ودعاني إلى ذلك ما رأيت من عامر بن فهيرة من رفعه إلى السماء علوًّا. قال البيهقي: يحتمل أنه رفع، ثم وضع، ثم فقد بعد ذلك، ثم روي عن عائشة موصولًا بلفظ: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء, حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ولم يذكر فيها ثم وضع، ورواه بنحوه ابن سعد وعنده مرفوعًا: أن الملائكة وارت جثته، وأنزل في عليين. قال السيوطي: فقويت الطرق وتعدّدت بمواراته في السماء، وجبار -بالجيم والموحدة: مثقل بن سلمى بضم المهملة، وقيل: بفتحها وسكون اللام والقصر، صحابي كما في الإصابة. ووقع في الاستيعاب أن عامر بن الطفيل قتل عامر بن فهيرة. قال الحافظ: وكأنّ نسبة ذلك له على سبيل التجوّز لكونه كان رأس القوم. "قال" أي: روى "ابن سعد" بسند صحيح "عن أنس بن مالك: ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجد" بجيم، أي: حزن، "على أحدٍ ما وجد على أهل بئر معونة"؛ لعل حكمته أنه لم يرسلهم لقتال, إنما هم مبلغون رسالته، وقد جرت عادة العرب قديمًا بأن الرسل لا تقتل. "وفي صحيح مسلم" لا وجه لقصر عزوه له، كابن سيد الناس، فإنه في صحيح البخاري أيضًا كلاهما، "عن أنس أيضًا, دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا. وفي البخاري أيضًا: فدعا -صلى الله عليه وسلم شهرًا في صلاة الغداة بعد القراءة، وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت.

يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا قرأناه ثم نسخ بعد -أي: نسخت تلاوته- بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه.

_ وفي البخاري في الجهاد: فدعا عليهم أربعين صباحًا, والأخبار بالأقل لا ينفي الزائد. "يدعو على رعل، ولحيان وعصية" بيان لتعيين المدعو عليهم، فلا يتكرر مع قوله أولًا دعا، "عصت الله ورسوله" ليس حكمة التسمية, بل بيان لما هم عليه من الفعل القبيح. "قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا ثم نسخ بعد،" بالبناء على الضم. وفي رواية: ثم رفع، ذلك ولا حمد. ثم نسخ ذلك، "أي: نسخت تلاوته" وبقي معناه. قال في الروض: فإن قيل هو خبر، والخبر لا ينسخ، قلنا: لم ينسخ منه الخبر، وإنما نسخ الحكم، فإن حكم القرآن أن يتلى في الصلاة، ولا يمسّه إلا طاهر، ويكتب بين اللوحين, وتعلمه فرض كفاية، فما نسخ رفعت منه هذه الأحكام، وإن بقي محفوظًا فهو منسوخ, فإن تضمن حكمًا جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولًا به، وإن تضمَّن خبرًا بقي ذلك الخبر مصدقًا به، وأحكام التلاوة منسخوة عنه، كما نزل: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف بن آدم إلّا التراب، ويتوب الله على من تاب. ويروى: ولا يملأ عيني ابن آدم وفم ابن آدم، وكلها في الصحاح. وكذا روي من مال, فهذا خبر حق، والخبر لا ينسخ، وإنما نسخت أحكام تلاوته، قال: وكانت هذه الآية في سورة يونس بعد قوله: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] الآية. كما قال ابن سلام، انتهى. وفي رواية البخاري في الجهاد: فأخبر جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم قد لقوا ربهم, فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نقرأ: "بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا, فرضي عنا ورضينا عنه". وفي رواية: فرضي عنا وأرضانا. وسبب نزوله أنهم قالوا: اللهمَّ بلغ عنا نبينا، وفي لفظ: إخواننا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، فأخبره جبريل، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "إن إخوانكم" إلخ. قال الإمام السهيلي: ثبت هذا في الصحيح وليس عليه رونق الإعجاز، فيقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم معجم كنظم القرآن، انتهى.

كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة، وليس كذلك. وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأمَّا بنو لحيان فهم الذي أصابوا بعث الرجيع. وإنما أتى الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم كلهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاءً واحدًا. والله أعلم. خاتمة.

_ قال الحافظ اليعمري في العيون تبعًا لشيخه الدمياطي: "كذا وقع في هذه الرواية" يدعو على رعل، ولحيان وعصية، "وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإنما أصاب هؤلاء" القراء "رعل، وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم،" كزعب بكسر الزاي، وسكون العين المهملة والموحدة, "وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع" كما مَرَّ، "وإنما أتى الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم كلهم في وقت واحد"، أي: في ليلة واحدة، كما قاله الواقدي، "فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدًا", فيحمل على ذلك الحديث، ويندفع الإيهام "والله أعلم". "خاتمة" ذكر صاحب شرف المصطفى، أنه -صلى الله عليه وسلم- لما أصيب أهل بئر معونة جاءت الحمَّى إليه فقال لها: "اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية الله ورسوله"، فأتتهم، فقتلت منهم سبعمائة رجل بكل رجل من المسلمين عشرة. قال شيخنا: وإنما لم يخبره -سبحانه وتعالى- بما ترتَّب على ذهاب القراء، وأهل الرجيع قبل خروجهم، كما أخبره بنظير ذلك في كثير من الأشياء؛ لأنه سبق في علمه تعالى إكرامهم بالشهادة، وأراد حصول ذلك بمجيء أبي براء، ومن جاء في طلب أصحاب الرجيع.

حديث بنى النضير

حديث بني النضير: ثم غزوة بني النضير -بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- قبيلة كبيرة من اليهود، في ربيع الأول سنة أربعة. وذكرها ابن إسحاق هنا.

_ حديث بني النضير: "ثم غزوة بني النضير -بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة فتحتية فراء- قبيلة كبيرة من اليهود, دخلوا في العرب وهم على نسبتهم إلى هارون -عليه السلام, "في ربيع الأول سنة أربعة، وذكرها" محمد "بن إسحاق" بن يسار, إمام أهل المغازي "هنا"، أي: بعد أُحد وبئر معونة مجزومًا به في مغازيه, وعنه حكاه البخاري, ووقع في رواية القابسي للصحيح إسحاق. قال عياض: وهو وهم، يعني: إن الصواب ابن إسحاق، ووقع في شرح الكرماني محمد بن

قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد. ورجَّح الداودي ما قاله ابن إسحاق، من أن غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [الأحزاب: 26] . قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بني

_ إسحاق بن نصر. قال الحافظ: وهو غلط، إنما اسم جده يسار. "قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل" بضم العين وفتح القاف "ابن خالد" الإيلي, "وغيره" كمعمر "عن الزهري", وصدَّر به البخاري تعليقًا جزمًا عنه عن عروة، "قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد". قال الحافظ: وصله عبد الرزاق في مصنَّفه عن معمر، عن الزهري, أتمّ من هذا، وهو في حديثه عن عروة، ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود, على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة, فحاصرهم -صلى الله عليه وسلم- حتى نزلوا على الجلاء, وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل من الأمتعة والأموال إلّا الحلقة، يعني السلاح, فأنزل الله فيهم: {سَبَّحَ لِلَّه} [الحديد: 1] الآية، إلى قوله: {لِأَوَّلِ الْحَشْر} [الحشر: 2] الآية، وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء، فكان جلاؤهم أول حشر حشر في الدنيا إلى الشام، انتهى. وهذا مرسل، وقد وصله الحاكم عن عائشة، وصحَّحه وقال في آخره: فأنزل الله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} سورة الحشر. الآية. "ورجَّح الداودي" أحمد بن نصر الطرابلسي في شرح البخاري "ما قاله ابن إسحاق, من أنَّ غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} [الأحزاب: 26] الآية، أي: عاونوا الأحزاب، {مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب} [الأحزاب: 26] الآية، وهم قريظة، {مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [الأحزاب: 26] الآية. حصونهم. "قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بني

قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان, فكيف يصير السابق لاحقًا. انتهى. وقد تقدَّم قريبًا أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة, فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من

_ قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب" وهي بعد بني النضير بلا ريب. "وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع" بلا واو على الصواب المذكور في الفتحِ؛ لأنه اسم كان, ولا تدخل عليه الواو، فنسخة الواو تحريف "من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي" بلفظ تصغير "حي ابن أخطب" بفتح الهمزة وبالخاء المعجمة، "وهو الذي حسَّن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب, حتى كان من هلاكهم ما كان, فكيف يصير السابق لاحقًا، انتهى" كلامه في الفتح, ومنازعته إنما هي في الدليل فقط؛ لقوله بعد نحو ورقة، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير همهم بالفتك به، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم يستعين في دية قتيلي عمر، وتعين ما قاله ابن إسحاق؛ لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق، وأغرب السهيلي، فرجَّح ما قاله الزهري، انتهى. لكن يقويه السبب الآتي صحيحًا مسندًا، وقد قدم البخاري قول الزهري عن عروة، وجرى عليه وضعًا، فذكر بني النضير عقب بدر فلم يغرب السهيلي في ترجيحه، لا سيما وقد ثبت عن عائشة عند الحاكم وصحَّحه، وأما كون سببها ما ذكره ابن إسحاق فهو مرسل كما يجيء، "وقد تقدَّم قريبًا". وذكره ابن إسحاق عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيره من أهل العلم، "أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف" بالقرقرة من صدر قتادة، كما في ابن إسحاق بفتح القاف، والنون "رجلين من بني عامر" ثم من بني كلاب. قال ابن هشام: وذكر أبو عمرو المدني أنها من بني سليم. قال ابن إسحاق: حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان "معهما عقد وعهد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر،

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك, فقال: "لقد قتلت قتيلين لأدينهما". قال ابن إسحاق وغيره: ثم خرج -عليه الصلاة والسلام- إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان -صلى الله عليه وسلم- عقده لهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف. فلمَّا أتاهم -عليه الصلاة والسلام- يستعينهم في ديتهما قالوا: يا أبا القاسم, نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكان -صلى الله عليه وسلم- إلى جنب جدار من بيوتهم. قالوا: من رجل يعلو على هذا البيت

_ فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر بثأر" بالهمز، وتركه "بعض أصحابه، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك" لما قدم عليه" فقال: "لقد قتلت قتيلين لأدينهما"، أي: لأعطين ديتهما لما بيننا وبينهما من العهد. "قال ابن إسحاق وغيره" الواقدي، وابن سعد، وعائذ: وجل أهل المغازي في سبب هذه الغزوة، "ثم خرج -عليه الصلاة والسلام" إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان -صلى الله عليه وسلم- عقده لهما" كما حدثني يزيد بن رومان، "وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف" بكسر الحاء وسكون اللام. قال شيخنا: ولعل سؤالهم لسهولة الإعطاء عليهم لكون المدفوع لهم من حلفائهم؛ إذ لو كانوا أعداءهم لشق عليهم الإعطاء لهم، فاندفع ما قيل هذا يقتضي أن الحليف يلزمه دية من قتل من محالفيه، "فلما أتاه -عليه الصلاة والسلام- يستعينهم في ديتهما، قالوا:" نعم "يا أبا القاسم, نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه" يحتمل أنهم قالوا ذلك ليتمكنوا من تدبير ما أرادوه، ويحتمل أنه إنما طرأ لهم الغدر بعد, حين رأوه جنب الجدار. وفي رواية: إنهم قالوا: نفعل ما أحببت، قد آن لك أن تزورنا، وأن تأتينا، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئنتنا به. "ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال" منفردًا ليس معه من أصحابه إلّا نحو العشرة، "وكان -صلى الله عليه وسلم" قاعدًا "إلى جنب جدار من بيوتهم، قالوا: من" بفتح الميم "رجل يعلو على هذا البيت, فيلقي هذا الصخرة عليه" هكذا في نقل المصنّف كالفتح عن ابن إسحاق، وظاهره أنه معينة.

فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب, فقال: أنا لذلك، فصعد ليقي عليه الصخرة, ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفرٍ من أصحابه, فيهم أبو بكر وعمر وعلي. قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه. قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام -عليه الصلاة والسلام- مظهرًا أنه يقضي حاجته، وترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة. واستبطأ النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، فقاموا في طلبه

_ وفي سيرة ابن هشام عنه: وجرى عليه اليعمري فيلقي عليه صخرة، وظاهره أن المراد، أي: صخرة "فيقتله ويريحنا منه, فانتدب لذلك عمرو بن جحاش" بفتح الجيم وشد الحاء المهملة آخره شين معجمة "بن كعب, فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة". وفي رواية: فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه, "ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفرٍ من أصحابه, فيهم أبو بكر وعمر وعلي" زاد عكرمة وغيره: وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف. رواه ابن جرير، وزاد غيره: والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة. "قال ابن سعد: فقال سلّام" بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره، ورجَّح الحافظ التخفيف مستندًا لوقوعه في أشعار العرب كقول أبي سفيان: سقاني فرواني كميتًا مدامة ... على ظمأ مني سلام بن مشكم "ابن مشكم" بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف "لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ" بفتح اللام جوابًا للقسم والبناء للمفعول, مؤكَّد بالنون الثقيلة، أي: ليخبره ربه "بما هممتم به، ونه لنقض العهد الذي بيننا وبينه". وفي رواية قال لهم: يا قوم أطيعوني في هذه المرة، وخالفوني الدهر، والله لئن فعلتم ليخبرنّ بأنّا قد غدرنا به, وإن هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه. "قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر من السماء" مع جبريل، "بما أراد القوم, فقام -عليه الصلاة والسلام- مظهرًا،" أي: موهمًا، "أنه يقضي حاجته" ويرجع, مخافة أن يفطنوا فيجتمعوا عليهم وهم قليل, فقد يؤذون أصحابه, "و" لذا "ترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة، واستبطأ النبي أصحابه فقاموا في طلبه." فقال لهم حيي: لقد عجل أبو القاسم, كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صويراء -بضم الصاد

حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما أردت يهود من الغدر به. قال ابن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11] .

_ المهملة، وفتح الواو، وسكون التحتية وبألف التأنيث الممدودة: هل تدرون لم قام محمد؟ قالوا: والله ما ندري وما تدري أنت؟ فقال: والله أُخْبِرَ بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، والله إنه لرسول الله "حتى انتهوا إليه" فقالوا: قمت ولم نشعر، "فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به". "قال" موسى بن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11] الآية. وهكذا قاله عكرمة ويزيد بن أبي زياد ومجاهد وعاصم بن عمر وغيرهم في سبب النزول، كما أخرج عنهم ابن جرير، وكله مرسل أو معضل، وقيل: نزلت لما أراد بنو ثعلبة وبنو محارب الفتك به -صلى الله عليه وسلم, فعصمه الله. وقال ابن عقبة في سبب الغزوة: وكانوا قد دسوا إلى قريش في قتاله -صلى الله عليه وسلم, فحضوهم على القتال, ودلوهم على العروة. وروى ابن مرديه بسند صحيح, وعبد بن حميد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري, أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبَيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر، يهددونهم بإيوائهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجمع العرب، فهمَّ ابن أُبَيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ماكادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن يلقوا بأسكم بينكم"، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرّقوا، فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود أنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم، فاجتمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إليه -صلى الله عليه وسلم- أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، فاشتمل اليهود الثالثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النصير إلى أخٍ لها من الأنصار مسلم, تخبره بأمرهم، فأخبر أخوها النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يصدر إليهم، فرجع وصبَّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبل إلّا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها, ويحملون ما يوافقهم من خشبه، وكان جلاؤهم ذلك أوّل حشر الناس إلى الشام. قال في الفتح: وفي هذا ردّ على زعم ابن التين، أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد،

قال ابن إسحق: فأمر -صلى الله عليه وسلم- بالتيهؤ لحربهم والسير إليهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ثم سار بالناس حتى نزل بهم, فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون, فقطع النخل وحرقها

_ فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق أن سبب غزوة بني النضير طلبه -صلى الله عليه وسلم- أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافقه جلّ أهل المغازي. "قال ابن إسحاق: فأمر -صلى الله عليه وسلم- بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم". "قال ابن هشام: واستعمل على المدينة، ابن أمّ مكتوم" إمامًا على الصلاة، ولم يستعمل على أمرها أحدًا لقربها؛ لأن بينها وبين المدينة ميلين، كما قال البيضاوي، "ثم سار بالناس حتى نزل بهم، فحاصرهم ست ليال". وقال ابن سعد والواقدي وأبو معشر والبلاذري وابن حبان: خمسة عشر يومًا. وقال التيمي: قريبًا من عشرين. وقال ابن الطلاع: ثلاثًا وعشرين ليلة. وعن عائشة: خمسًا وعشرين. وفي تفسير مقاتل: إحدى وعشرين ليلة. وجمع شيخنا بأن حصار الستة كان وهم مصرون على الحرب طمعًا فيما منَّاهم به المنافقون، وما زاد إلى الخمسة عشر كانوا آخذين في أسباب الخروج، وفيما بعد خرجوا في أوقات مختلفة، فكان آخر خروجهم خمسًا وعشرين، وقد يؤيده ما في الشامية، أنه لما ولّى إخراجهم محمد بن مسلمة، قالوا: إن لنا ديونًا على الناس، فقال -صلى الله عليه وسلم: "تعجلوا وضعوا" , فكان لأبي رافع سلام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارًا، وأبطل ما فضل. انتهى. "قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون, فقطع النخل،" أي: أمر بقطعها أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام، فكان أبو ليلى يقطع العجوة, وابن سلام يقطع اللين، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو ليلى: كانت العجوة أحرق لهم. وقال ابن سلام: قد عرفت أن الله سيغنمه أموالهم، وكانت العجوة خير أموالهم، فلمّا قطعت العجوة شقّ النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل، "وحرَّقها" بشد الراء كما ضبط به المصنف قول ابن عمر: حرَّق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نخل بني النضير وقطع. ويجوز

وخرب. فنادوا: يا محمد, قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها. قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء, حتى أنزل الله: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} إلى قوله: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5] واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني

_ التخفيف, وهو بمعناه كما في القاموس. وذكر المصباح أن حرَّق إذا أكثر الإحراق. قال شيخنا: وعليه فالأنسب التخفيف لقول البغوي، قيل: قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وقيل: جملة ما قطع وحرق ست نخلات، وكتبنا عنه في التقرير أن المناسب هنا التشديد، كأنه بولغ في التحريق والقطع حتى أنكاهم، ونادوه: يا محمد، وشق النساء الجيوب إلخ، ولا ينافي ذلك قول البغوي بفرض صحته؛ لأنهم ظنوا أنه -عليه السلام- يديم ذلك. "وخرب" أماكنهم، أي: تسبَّب في خرابها بقطع نخيلهم التي هي قوام أمرهم، وهذا لم يقع في ابن إسحاق، ولا في نقل الفتح والعيون عنه، ولا يحمل على يخربون بيوتهم؛ لأنه إنما وقع بعد موافقتهم على الجلاء، "فنادوه: يا محمد, قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه"، أي: تعده عيبًا "على من صنعه, فما بال" أي: حال "قطع النخل وتحريقها" أهو فساد أم صلاح؟ توبيخ على قطعه. "قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء" فخافوا أن يكون فعلهم فسادًا، وبعض المسلمين قال: بل نقطع لنغيظهم بذلك، وكان أولئك لم يسمعوا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى بالقطع والتحريق، فاعتقدوا أنه باجتهاد من القاطعين، أو زيادة المباشر على أمره، أو أنه للتهديد، فلا يلزم القطع بالفعل، أو ذلك ممن قرب عهده بالإسلام. وفي تفسير السبكي: إنَّ من كان يقطع الأجود يقصد إغاظة الكفار، ومن كان يبقيه يقصد إبقاءه للنبي -صلى الله عليه وسلم. انتهى واستمر ما في نفوسهم، "حتى أنزل الله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} [الحشر: 5] الآية. بيان لما المنصوب محلًّا بقطعتم، "كأنه قيل: أي شيء قطتعتم "الآية إلى قوله -يريد: {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} ، فبإذن الله قطعها وتركها ومشيئته {وَلِيُخْزِيَ} [الحشر: 5] الآية بالإذن في القطع {الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5] الآية. اليهود في اعتراضهم، بأن قطع شجر الثمر فساد، وفيه جواز قطع الشجر الكفار وإحراقه، وبه قال الجمهور؛ كمالك والثوري والشافعي وأحمد. "واللينة" بالياء المنقلبة عن الواو لكسر اللام، وجمعها ليان، مثل كتاب، "ألوان" أي: أنواع "التمر" كلها "ما عدا العجوة والبرني،" هكذا قاله في الروض تبعًا لابن

ففي هذه الآية أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يحرق من نخلهم إلّا ما ليس بقوت الناس، وكانوا يقتاتون، العجوة، وفي الحديث: "العجوة من الجنة

_ هشام، عمَّا حدثه أبو عبيدة به. قال ذو الرمة: كان فؤادي فوقها عش طائر ... على لينة سوقاء تهفو جنوبها وصدَّر به المصنف في شرح البخاري، وقابله بقوله: وقيل: كرام النخل، وقيل: كل الأشجار للينها, وأنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعًا. انتهى. وفي الجامع والمصباح والأنوار: اللينة: النخلة، وقيل: الدقل -بفتحتين- أردأ التمر. وعن الفراء: كل شيء من النخل سوى العجوة، فعلى كلام هؤلاء في تفسيره تسمح؛ لأن اللينة النخلة لا ثمرها. "ففي هذ الآية: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يحرق من نخلهم إلّا ما ليس بقوت الناس" ولا يشكل بما روي أنه لما قطع العجوة شقّ النساء الجيوب، وضربن الخدود ودعون بالويل، إما لقلة ما قطع من العجوة، فلم يعتدّ به, أو لأنَّ الحاصل الهم لا القطع بالفعل، "وكانوا يقتاتون العجوة" عطف علة على معلول، ووجه دلالة الآية أن اللينة اسم لما عداها. وعند البرني: وإنما كانوا يقتاتونها، وكان موضع نخل بني النضير يقال له البويرة -بضم الموحدة وسكون التحتية وفتح الراء بعده هاء تأنيث. قاله المصنف. وفي الصحيح عن ابن عمر: حرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نخل بني النضير وقطع, وهي البويرة، فنزل: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} الآية. وفي الفتح: البويرة -بضم الموحدة- مصغَّر بورة وهي الحفرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيما من جهة الغرب، ويقال لها أيضًا: البويلة بالام، بدل الراء، انتهى. فجميع نخلهم بهذا الموضع، فلا يقال القطع في جميع بساتينهم, بل في موضع يقال له البويرة كما زعم؛ لأن البويرة اسم لموضع البساتين التي فيها النخل لا لبستان منها يسمَّى بذلك. "وفي الحديث" الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد وجابر عنه -صلى الله عليه وسلم: "العجوة من الجنة" , ولأبي نعيم في الطب عن بريدة: من فاكهة الجنة. قال الحليمي وغيره: أي في الاسم والشبه الصوري، لا اللذة والطعم؛ لأن طعام الجنة لا يشبه طعام الدنيا، غير أن ذلك الشبه يكسبها فخرًا وفضلًا، ولذا قال في بقية الحديث: وفيها شفاء من السمّ، وذلك لأنه قاتل, وثمر الجنة خالٍ من المضار، فإذا اجتمعا في جوف عدل

وتمرها يغذوا أحسن غذاء", والبرني أيضًا كذلك. ففي قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة} ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين. قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من بني عوف بن

_ السليم الفاسد فدفع الضرر. وقال البيضاوي: يريد المبالغة في الاختصاص بالمنفعة والبركة، فكأنها من طعامها؛ لأن طعامها يزيل الأذى، أو المراد أنَّ أصلها نزل به آدم من الجنة. روى الثعلبي عن ابن عباس: هبط آدم من الجنة بثلاثة أشياء: بالآسة وهي سيدة ريحان الدنيا، والسنبلة وهي سيدة طعام الدنيا، والعجوة وهي سيدة ثمار الدنيا، وهي ظاهر ما رواه أحمد، وابن ماجه وصححه الحاكم مرفوعًا: "العجوة والصخرة والشجرة من الجنة"، "وتمرها يغذو أحسن غذاء". قال السمهوري: لم يزل أطباق الناس على التبرك بالعجوة، وهو النوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السلف بالمدينة, ولا يرتابون في تسميته بذلك. وقال ابن الأثير: ضرب من التمر أكبر من الصيحاني، عمَّا غرسه المصطفى بيده بالمدينة. "والبرني أيضًا كذلك" كانوا يقتاتونه؛ لأنه يغذو أحسن غذاء، فليس تشبيهًا في كل ما سبق حتى يشمل أنه من الجنة كالعجوة؛ لعدم وروده. وفي الفتح: والبرني دون اللينة، وأسقط المصنف من كلام الروض عقب قوله كذلك ما لفظه. وقال أبو حنيفة: معناه بالفارسية: حمل مبارك، فإن بر معناه: حمل وني، ومعناه: جيد أو مبارك, فعربته العرب وأدخلته في كلامها. وفي حديث وفد عبد القيس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لهم، وذكر البرني أنه من خير تمركم، وإنه دواء وليس بداء، "ففي قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة} [الحشر: 5] الآية، ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيهًا على كراهة قطع ما يقتات، ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين", وقد كان أبو بكر يوصي الجيوش أن لا يقطعوا شجرًا مثمرًا، وأخذ بذلك الأوزاعي، فأمّا تأولوا حديث بني النضير، وإما رأوه خاصًّا برسول الله -صلى الله عليه وسلم, إلى هنا كلام الروض. "قال ابن إسحاق": عقب ما مَرَّ عنه قبل كلام السهيلي: "وقد كان رهط من بني عوف بن

الخزرج منهم عبد الله بن أُبَيّ بن سلول, بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا, فقذف في قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم. فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يجليهم عن أرضهم ويكفّ عن دمائهم. وعند ابن سعد: أنهم حين هموا بغدره -صلى الله عليه وسلم, وأعلمه الله بذلك، بعث إليهم محمد بن مسلمة: "أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجَّلتكم عشرًا، فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت عنقه". فمكثوا على ذلك أيامًا يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع إبلًا، فأرسل

_ الخزرج،" منافقون "منهم: عبد الله بن أُبَيّ بن سلول" رأسهم, وديعة بن مالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس "بعثوا" سويدًا وداعسًا "إلى بني النضير" حين هموا بالخروج، كما عند ابن سعد، ولذا عقب بها المصنف رواية ابن إسحاق هذه تبعًا لما في العيون قصدًا إلى الإحاطة بالروايتين: "أن اثبتوا وتمنّعوا". قال البرهان: بتشديد النون المفتوحة، "فإنّا لن نسلمكم, إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا" أي: انتظروا ذلك، "فقذف الله في قلوبهم الرعب" بقتل سيدهم كعب بن الأشرف. روى عبد بن حميد: إن غزوة بني النضير كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف، "فلم ينصروهم،" وفيهم نزل قوله تعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} الآية. إلى قوله: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم} الآية. قاله ابن إسحاق. "فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يجليهم" يخرجهم، "عن أرضهم،" وكان لهم الجلاء نقمة من الله، "ويكف عن دمائهم", أي: بد سؤالهم في أنه يخرجهم مع بقاء أموالهم، كما أمرهم أولًا، فقال: "لا أقبله اليوم" كما ذكر ابن سعد. "وعند ابن سعد أنهم حين هموا بغدره -صلى الله عليه وسلم, وأعلمه الله بذلك" نهض سريعًا إلى المدينة، "بعث إليهم محمد بن مسلمة" الأنصاري "أن أخرجوا من بلدي" المدينة؛ لأن مساكنهم من أعماله، فكأنها منها، "فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر" جملة حالية، "وقد أجَّلتكم عشرًا فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت" بالبناء للمفعول "عنقه" يذكر ويؤنث، وهو لغة الحجاز بمعنى: أنه يأذن إذنًا عامًّا يقتل كل يهودي، "فمكثوا على ذلك أيامًا". روى البيهقي في الدلائل عن محمد بن مسلمة أنه -صلى الله عليه وسلم- بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام، "يتجهزون وتكاروا،" أي: اكتروا، "من أناس من أشجع إبلًا،

إليهم عبد الله بن أُبَيّ: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم, وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أُبَيّ، فأرسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم: إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. فأظهر -صلى الله عليه وسلم- التكبير، وكبَّر المسلمون بتكبيره، وسار إليهم -عليه الصلاة والسلام- في أصحابه، فصلَّى العصر بفناء بني النضير، وعلي يحمل رايته، فلمَّا رأوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم ابن أُبَيّ ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان،

_ فأرسل إليهم عبد الله بن أُبَيّ" سويداء "وداعسًا: "لا تخرجوا من دياركم، وأقيمو في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم, وتمدكم قريظة" بالظاء المعجمة المشالة، "وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أُبَيّ، فأرسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم" مع أخيه جُدَيّ -بضم الجيم، وفتح الدال المهملة وشد التحتية: "إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك، فأظهر -صلى الله عليه وسلم- التكبير، وكبَّر المسلمون بتكبيره،" وقال: حاربت يهود، "وسار إليهم -عليه الصلاة والسلام- في أصحابه", قيل: مشى المسلمون إليهم على أرجلهم؛ لأنهم كانوا على ميلين، وركب -عليه السلام- على حمار فحسب، "فصلَّى العصر بفناء بني النضير, وعليّ -رضي الله عنه- يحمل رايته، فلمَّا رأوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاموا على حصونهم ومعهم البل والحجارة" واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، "واعتزلهم ابن أُبَيّ ولم يمنعهم، كذا حلفاؤهم من غطفان", فقال ابن مشكم وكنانة لحيي: أين الذي زعمت؟ قال: ما أصنع, هي ملحمة كتبت علينا, وحلمت معه -صلى الله عليه وسلم- حين سار قبَّة من خشب عليها مسوح، أرسل بها إليه سعد بن عبادة، فلمَّا صلى العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، واستعمل على العسكر عليًّا، ويقال: أبا بكر، وبات المسلمون يحاصرونهم حتى أصبحوا، ثم أذَّن بلال الفجر, فغدا -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه الذين كانوا معه, فصلى بالناس في فضاء بني خطمة, وأمر بلالًا فضرب القبة في موضع المسجد الصغير الذي بفناء بني خطمة، ودخلها -صلى الله عليه وسلم, وكان عزوك اليهودي أعسر راميًا، فتباعدت من النبل، فيرمي فيبلغ القبة, فحولت إلى مسجد الفضيخ -بفاء مفتوحة, فضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية, فتباعدت من النبل, ففقد علي في ليلة قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله, ما نرى عليًّا، فقال: "دعوه, فإنه في بعض شأنكم" , فعن قليل جاء برأس عزوك، وقد كمن له حين خرج يطلب غرة من المسلمين، وكان شجاعًا راميًا فشد عليه، فقتله وفَرَّ من كان معه، وبعث -صلى الله عليه وسلم- خلفهم

فيئسوا من نصرهم، فحاصرهم -صلى الله عليه وسلم, وقطع نخلهم، وقال لهم -عليه الصلاة والسلام: "اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة" -بإسكان اللام, قال في القاموس: الدرع, فنزلت يهود على ذلك, فحاصرهم خمسة عشر يومًا، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم. ثم أجلاهم عن المدينة, وولي إخراجهم محمد بن مسلمة. وحملوا النساء والصبيان، وتحمَّلوا أمتعتهم على ستمائة بعير

_ أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة، فأدركوا اليهود الذين فروا من علي، فقتلوهم وطرحوا رؤسهم في بعض الآبار، انتهى من السبل. "فيئسوا من نصرهم, فحاصرهم -صلى الله عليه وسلم, وقطع نخلهم". زاد ابن سعد، فقالوا: نحن نخرج من بلادك، فقال: لا أقبله اليوم، "وقال لهم -عليه الصلاة والسلام: "اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة -بإسكان اللام". "قال في القاموس: الدرع"، وقيل: السلاح كله، حكاه في النور، واقتصر عليه المصباح، وهو المراد هنا لقوله بعد، ووجد من الحلقة إلخ. "فنزلت يهود على ذلك, وكان حاصرهم خمسة عشر يومًا", وقيل: أكثر وأقل كما مَرَّ بالجمع. "فكانوا" كما قال الله تعالى: {يُخْرِبُونَ} بالتشديد والتخفيف، من أخرب، {بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره, {وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} يخربون باقيها. وفي الروض: يخربونها من داخل, والمؤمنون من خارج، وقيل: معنى بأيديهم: بما كسبت أيديهم من نقض العهد, وأيدي المؤمنين، أي: بجهادهم, انتهى. "ثم أجلاهم عن المدينة"؛ لأنه كتب عليهم كما في التنزيل {وَلَوْلا} ، أي: {أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} ، أي: بالقتل والسباء, {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} مع ذلك، فلذا لم يستأصلهم بالقتل، أو لأنه رآه مصلحة, وإن حربهم قد يؤدي إلى سفك دماء المسلمين، وقد يرجع حلفاؤهم ويعينونهم، "وولي إخراجهم محمد بن مسلمة" الأنصاري، "وحملوا النساء والصبيان" على الهوادج، وعليهنّ الديباج والحرير والخز الأخضر والأحمر وحلي الذهب والفضة والمعصفر، وأظهروا تجلدًا عظيمًا. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث أنهم خرجوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدفوف والمزامير والقينات، يعزفن خلفهم بزهاء وفخر لم ير مثله، قال: ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب، فأحرزوا أموالهما. قال: وحدثني بعض آل يامين، أنه -صلى الله عليه وسلم- قال له: "ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني" , فجعل يامين لرجل من قيس عشرة دنانير، ويقال: خمسة أوسق من تمر على أن يقتل عمرو بن جحاش, فقتله غيلة، "وتحمَّلوا" بمعنى احتملوا، أي: حملوا "أمتعتهم على ستمائة بعير

فلحقوا بخيبر. وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا. وقبض -صلى الله عليه وسلم- الأموال، ووجد من الحلقة خمسين درعًا وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفًا. وكانت بنو النضير صفيًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم, حبسًا لنوائبه، ولم يسهم منها

_ فلحقوا بخيبر،" أي: أكثرهم, منهم حيي وسلام بن أبي الحقيق, وكنانة بن صويرا, فدان لهم أهلها، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، كما في الشامية، ولا ينافيه قول البيضاوي: لحق أكثرهم بالشام، لجواز أن الأكثر نزلوا أولًا بخيبر، ثم خرج منهم جماعة إلى الشام، فكان جملة من لحق به بآخرة الأمر أكثرهم. لكن في ابن إسحاق: فخرجوا إلى خيبر, ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم من سار إلى خيبر سلام وكنانة وحيي. وفي الخميس: ذهب بعضهم إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء، ولحق أهل بيتين وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بخيبر, انتهى. وفي الروض: روى موسى بن عقبة أنهم قالوا: إلى أين نخرج يا محمد؟ قال: "إلى الحشر"، يعني: أرض المحشر، وهي الشام، وقيل: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، فلذا قال لأوَّل الحشر، والحشر الجلاء، وقيل: الحشر الثاني، هو حشر النار التي تخرج من قعر عدن، فتحشر الناس إلى الموقف، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف، والآية متضمَّنة لهذه الأقوال كلها، ولزائد عليها لإيذانها أن ثَمَّ حشرًا آخر، فكان هذا الحشر والجلاء إلى خيبر، ثم أجلاهم عمر منها إلى تيماء وأريحاء حين بلغه خبر: "لا يبقين دينان بأرض العرب"، انتهى. "وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا، لكونهم إخوانهم "وقبض -صلى الله عليه وسلم- الأموال، ووجد من الحلقة" السلاح كله "خمسين درعًا وخمسين بيضة"، أي: خودة, "وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وكانت بنو النضير صفيًّا" بالتشديد، أي: مختارة "لرسول الله -صلى الله عليه وسلم". قال في الروض: لم يختلفوا أنَّ أموالهم كانت خاصَّة به -صلى الله عليه وسلم, وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب, ونه لم يقع قتال أصلًا، "حبسًا" بضم الحاء، وإسكان الموحدة وبالسين المهملة، أي: وقفًا كما في النور, ولعله الرواية، "وإلا ففي المصباح الحبس -بضمتين وإسكان الثاني للتخفيف- لغة "لنوائبه" أي: ما يعرض له من النوازل جمع نائبة, فكان ينفق منها على أهله، ويزرع تحت النخل ويدخر قوت أهله سنة من الشعير والتمر لأزواجه, وبني عبد المطلب، وما

لأحد؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وإنما قدف في قلوبهم الرعب، وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك من المسلمين لهم، فقسمها -عليه الصلاة والسلام- بين المهاجرين؛ ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار؛ إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار،

_ فضل جعله في السلاح والكراع -بضم الكاف وخفة الراء، أي: جماعة الخيل، "ولم يسهم منها لأحد؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها" أي: يحركوا ويتعبوا في السير. قال عبد الملك بن هشام: أوجفتم: حركتم وأتعبتم في السير. قال الشاعر: مذاويد بالبيض الحديث صقالها ... عن الركب أحيانًا إذا القوم أوجفوا والوجيف وجيف القلب والكبد، وهو الضربان، "بخيل ولا ركاب وإنما قذف في قلوبهم الرعب وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر, ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم", فكانت له -صلى الله عليه وسلم- خاصَّة, يضعها حيث شاء, كما حكى عليه السهيلي الاتفاق وأقرَّه الحافظ، وفي الخميس: أكثر الروايات على أنَّ أموال بني النضير وعقارهم كان فيئًا له -صلى الله عليه وسلم- خاصة له, خصها الله حبسًا لنوائبه، لم يخمسها، ولم يسهم منها لأحد، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة. وورد في بعض الروايات أنه خمَّسَها. وذهب إليه الإمام الشافعي "فقسمها -عليه الصلاة والسلام- بين المهاجرين؛ ليرفع بذلك مؤنتهم" أي: مشقتهم "عن الأنصار" باعتبار ما في نفس الأمر، وإن رأى الأنصار ذلك من أَجَلِّ النعم، كما في التنزيل: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة} [الحشر: 9] الآية، "إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار" لما هاجروا, وآخى بينهم -صلى الله عليه وسلم, فذهب كل أنصاريّ بالمهاجري الذي واخى بينه وبينه -صلى الله عليه وسلم- إلى منزله, وكفاه المؤنة، ثم تنافسوا حتى آل أمرهم إلى القرعة، فأي أنصاري تخرج القرعة باسمه يذهب بالمهاجري، فبلغت مواساتهم الغاية القصوى حتى ورد في الصحيح: أن سعد بن الربيع الأنصاري قال لأخيه عبد الرحمن بن عوف: هلمَّ أقسم مالي بيني وبينك نصفين, ولي امرأتان, انظر أعجبهما إليك أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك. روى الحاكم في الإكليل من طريق الواقدي بسنده عن أم العلاء قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في القرعة، فكان في منزلي حتى توفي: قالت: فكان المهاجرون في دورهم وأموالهم، فلما غنم -صلى الله عليه وسلم- بني النضير, دعا ثابت بن قيس بن شماس، فقال: "ادع لي قومك". قال ثابت: الخزرج، فقال -صلى الله عليه وسلم: "الأنصار كلها" فدعا له الأوس والخزرج, فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم وأموالهم، وأثرتهم على

غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما. وفي الإكليل: وأعطى سعد بن معاذ سيف بن أبي الحقيق، وكان سيفًا له ذكر عندهم.

_ أنفسهم، "ثم قال: "إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم"، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول الله, بل تقسم بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا وسلّمنا يا رسول الله، فقال -صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار" وقسم ما أفاء الله، وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدًا من الأنصار شيئًا. "غير أنه أعطى أبا دانة وسهل بن حنيف لحاجتهما". وعند ابن إسحاق، أنهما ذكرا فقرًا فأعطاهما. قال السهيلي: وقال غير ابن إسحاق: أعطى ثلاثة، فذكر الحارث بن الصمّة, انتهى. ونظر فيه بأنه قتل في بئر معونة، ولذا تركه المصنف، والنظر إنما يأتي على أنها بعدها، أما على قول عروة أنها قبلها بمدة فلا نظر. "وفي الإكليل" لأبي عبد الله الحاكم بقية حديثه الذي سقته، "وأعطى سعد بن معاذ سيف" سلام "بن أبي الحقيق" بحاء مضمومة فقاف مفتوحة فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى، "وكان سيفًا له ذكر عندهم". وذكر البلاذري أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للأنصار: "ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعًا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه خاصة"، فقالوا: بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 5] الآية. قال أبو بكر الصديق: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلّا كما قال الغنوي: وهو بالمعجمة والنون: جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت قال: وكان يزرع تحت النخيل في أرضهم، فيدَّخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح. انتهى، فهذا صريح في أنه لم يقسم الأرض والنخيل بين المهاجرين, بل الدور والأموال. قال ابن إسحاق: ونزل في أمر بني النضير سورة الحشر بأسرها. قال السهيلي: اتفاقًا، انتهى. فقول البيضاوي: فأنزل الله: {سَبَّحَ لِلَّه} الآية. إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} الآية. لعلَّ المراد منه نزول هذا القدر في أخبار خروجهم حتى جلوا، وبقيتها فيما ترتَّب عليه من قسم الأموال، ومدح الأنصار، وذمّ المنافقين وغير ذلك, فهي كلها فيهم. وفي البخاري عن سعيد بن جبير, قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: قل: سورة النضير. قال الداودي: كأنه كره تسميتها بذلك لئلَّا يظن أنه يوم القيامة، أو لإجماله فكرة النسبة إلى غير معلوم، كذا قال. وعند ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الحشر في بني النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النقمة. ذكره في الفتح، والله أعلم.

غزوة ذات الرقاع

"غزوة ذات الرقاع": واختلف فيها متى كانت: فعند ابن إسحاق: بعد بني النضير سنة أربع، في شهر ربيع الآخر، وبعض جمادى. وعند ابن سعد وابن حبان: في المحرم سنة خمس. وجزم أبو معشر........

_ غزوة ذات الرقاع: بكسر الراء بعدها قاف فألف فعين مهملة جمع رقعة بضمها، وهي غزوة محارب، وغزوة بني ثعلبة، وغزوة بني أنمار، وغزوة صلاة الخوف لوقوعها فيها، وغزوة الأعاجيب لما وقع فيها من الأمور العجيبة، وقول البخاري: وهي غزوة محارب بن حصفة من بني ثعلبة بن غطفان، وهم لاقتضائه أن ثعلبة جَدٌّ لمحارب, وليس كذلك، فصوابه كما عند ابن إسحاق وغيره: وبني ثعلبة بواو العطف، فإن غطفان هو ابن سعد بن قيس عيلان، ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان, فمحارب وغطفان ابنا عم، فكيف يكون الأعلى منسوبًا إلى الأدنى، وقد ذكر في الباب حديث جابر بلفظ: محارب وثعلبة بواو العطف على الصواب، وفي قوله: ابن غطفان بموحدة ونون, نظر أيضًا، والأولى ما وقع عند ابن إسحاق, وبني ثعلبة من غطفان بميم ونون، فإنه ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان, على أنَّ لقوله ابن غطفان وجهًا بأن يكون نسبه إلى جدِّه الأعلى, قاله الحافظ. وكذا نبَّه على ذلك أبو علي الجيالي في أوهام الصحيح. "واختلف فيها متى كانت", وفي سبب تسميتها بذلك. "فعند ابن إسحاق" كانت "بعد بني النضير سنة أربع, في شهر ربيع الآخر وبعض جمادى" لفظ ابن إسحاق، ثم أقام -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى. "وعند ابن سعد وابن حبان" أنها كانت "في المحرم سنة خمس، وجزم أبو معشر"

بأنها بعد بني قريظة في ذي القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر السنة الخامسة وأول التي تليها. قال في فتح الباري: قد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستدلّ لذلك بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر، فلا أدري: هل تعمّد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين -كما أشار إليها البيهقي. على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمنها. انتهى. والذي جزم به ابن عقبة تقدمها، لكن تردَّد في وقتها فقال: لا ندري كانت قبل بدر أو بعدها؟ أو قبل أُحد أو بعدها؟ قال الحافظ ابن حجر: وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به

_ نجيح بن عبد الرحمن السندي "بأنها بعد بني قريظة". قال الحافظ، وهو موافق لصنيع البخاري وقريظة: كانت "في ذي القعدة" أي: لسبع بقين منها -كما يأتي, "في سنة خمس" فليس قوله في ذي القعدة من مقول أبي معشر، كما أوهمه المصنف, فيعرب حالًا من بني قريظة, بدليل قوله: "فتكون ذات الرقاع في آخر السنة الخامسة، وأول التي تليها"؛ لأن الانصراف من قريظة كان في أواخر الحجة. "قال في فتح الباري: قد جنح" مال "البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر" صريحًا، فقال: وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، أي: وخيبر كانت في المحرم سنة سبع، "واستدلَّ لذلك بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر" عقب بني قريظة، "فلا أدري هل تعمَّد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسم لغزوتين مختلفتين" واحدة بعد خيبر، وأخرى قبلها، "كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمنها". فعند ابن إسحق أنها سنة أربع. وعند ابن سعد وابن حبان سنة خمس.. إلخ ما مرَّ كما في الفتح، وأسقطه المصنف لكونه قدَّمه, "انتهى" كلام الفتح، والذي بعده له أيضًا, فلو أسقط انتهى هذه واكتفى بالآتية. "والذي جزم به ابن عقبة تقدُّمها, لكن تردد في وقتها فقال: لا ندري أكانت قبل بدر" الكبرى، كما هو المراد عند الإطلاق، وفي كلام مغلطاي أنها بعد بدر الصغرى، لن لم ينقله عن ابن عقبة "أو بعدها، أو قبل أُحد أو بعدها".

أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعَت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع. فدلَّ على تأخرها بعد الخندق. ثم قال عند قول البخاري: "وهي بعد خيبر"؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، وإذ كان كذلك وثبت أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع لزم أنها كانت بعد خيبر. قال: وعجبت من ابن سيد الناس كيف قال: جعل البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر. قال: وليس في حديث

_ "قال الحافظ ابن حجر" في الفتح: "وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة" كما صنع البخاري، وبه جزم أبو معشر. قال مغلطاي: وهو من المعتمدين في السِّيَر، وقوله موافق لما ذكره أبو موسى، "لأن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعَت، وقد ثبت" في الصحيح عن جابر وغيره "وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، فدلَّ على تأخرها بعد الخندق". وروى أحمد وأصحاب السنن وصحَّحه ابن حبان عن أبي عيَّاش الزرقي قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعسفان, فصلى بنا الظهر, وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة، ثم قالوا: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلَّى بنا العصر. الحديث. وهو ظاهر في أنَّ صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وإذا تقرَّر أن أوَّل ما صليت صلاة الخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية, وهي بعد الخندق وقريظة, تعيِّنَ تأخرها عنهما وعن الحديبية أيضًا، فيقوى القول بأنها بعد خيبر؛ لأن خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية. قاله في الفتح. "ثم قال" الحافظ ابن حجر "عند قول البخاري: وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى" الأشعري "جاء بعد خيبر" من الحبشة سنة سبع، هكذا استدلَّ به, وقد ساق حديث أبي موسى بعد قليل، وهو استدلال صحيح, وسيأتي أنَّ أبا موسى إنما قَدِمَ من الحبشة بعد فتح خيبر في باب غزوتها, ففيه في حديث طويل. قال أبو موسى: فوافينا النبي -صلى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبر "وإذا كان كذلك، وثبت أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع، لزم أنها كانت بعد خيبر، قال: وعجبت من" شيخ شيوخنا "ابن سيد الناس كيف قال: جعل البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أنَّ غزوة ذات الرقاع متأخرة

أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك، انتهى كلام ابن سيد الناس. قال: وهذا النفي مردود، والدلالة على ذلك واضحة كما قررته. قال: وأما الدمياطي فادَّعى غلط الحديث الصحيح، وأن جميع أهل السِّيَر على خلافه, وقد تقدَّم أنهم مختلفون في زمانها. فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الصحيح. وأمَّا قول الغزالي: إنها آخر الغزوات, فهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره.

_ عن خيبر، قال: وليس في حديث أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك, انتهى كلام ابن سيد الناس". "قال" الحافظ: "وهذا النفي مردود, والدلالة من ذلك واضحة، كما قررته" بقوله: وإذا كان كذلك وثبت إلخ. "قال" ابن حجر: "وأمَّا" شيخه "الدمياطي" مَرَّ مرارًا أنه -بكسر الدال المهملة، وبعضهم أعجمها، "فادَّعى غلط الحديث الصحيح" يعني: حديث أبي موسى، "وأن جميع أهل السير على خلافه، وقد تقدَّم أنهم مختلفون في زمانها، فالأَوْلَى الاعتماد على ما ثبت في الصحيح". وقد ازداد قوّة بحديث أبي هريرة، وبحديث ابن عمر: فإن أبا هريرة في ذلك نظير أبي موسى؛ لأنه إنما جاء والنبي -صلى الله عليه وسلم- بخيبر, فأسلم، وقد ذكر في حديثه أنه صلى معه صلاة الخوف في غزوة نجد، وكذلك ابن عمر ذكر أنه صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف بنجد، وقد تقدَّم أن أوّل مشاهده الخندق، فتكون ذات الرقاع بعد الخندق، وقد قيل: الغزوة التي شهدها أبو موسى وسميت ذات الرقاع, غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف؛ لأن أبا موسى قال: إنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف ذلك، والجواب عن ذلك أنَّ العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان مرافقًا له, ولم يرد جميع من كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم. قال في الفتح. ثم قال فيه: بعد أوراق في شرح حديث جابر لا عند قول البخاري, وهي بعد خيبر كما أوهمه المصنف ما نصه. "وأما قول الغزالي: إنها" أي: غزوة ذات الرقاع، "آخر الغزوات, فهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره" على الغزالي ذلك القول.

وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صليت فيها صلاة الخوف. وهو انتصار مردود بما أخرجه أبو داود والنسائي وصحَّحه ابن حبان من حديث أبي بكرة: أنه صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف. وإنَّما أسلم أبو بكرة بعد غزوة الطائف بالاتفاق. انتهى. وأما تسميتها بذات الرقاع: فلأنهم رقَّعوا فيها راياتهم، قاله ابن هشام. وقيل: لشجرة في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع. وقيل: الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض، كأنها مرقعة برقاع مختلفة، فسميت ذات الرقاع لذلك. وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض. قاله ابن حبان.

_ "وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صُلّيَت فيها صلاة الخوف, وهو انتصار مردود بما أخرجه أبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبان من حديث أبي بكرة" نفيع بن الحارث "أنه صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف، وإنما أسلم أبو بكرة بعد" لفظ الفتح في "غزوة الطائف بالاتفاق", وذلك بعد ذات الرقاع قطعًا، هذا أسقطه من كلام الفتح، أي: فيلزم من صلاة أبي بكر صلاة الخوف مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا تكون ذات الرقاع آخر صلاة الخوف. قال -أعني الحافظ: وإنما ذكرت هذا استطرادًا لتكميل الفائدة. "انتهى" كلام الحافظ. "وأما تسميتها بذات الرقاع، فلأنهم رقعوا" بالتخفيف، ويشدد مبالغة على مفاد اللغة، أي: جعلوا مكان القطع رقعة, ويجمع على رقاع, كبرمة وبرام، "فيها راياتهم. قاله" عبد الملك "بن هشام". قال أيضًا: "وقيل لشجرة في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع", قيل: لأن هذه الشجرة كانت العرب تعبدها، وكل من كان له حاجة منهم يربط فيها خرقة، كذا بهامش وهو غريب. وقال غير هشام: "وقيل الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض كأنها مرقعة برقاع مختلفة، فسميت" الغزوة "ذات الرقاع لذلك", وصحَّحه صاحب تهذيب المطالع، "وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان" وأبو حاتم البستي.

وقال الواقدي: سميت بحبل هناك فيه بقع. قال الحافظ ابن حجر: وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحّف عليه بخيل. قال: وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها. قال السهيلي: وأصحّ من هذه الأقوال كلها، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة, ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه،

_ "وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع". "قال الحافظ ابن حجر: وهذا" أي: قول الواقدي، "لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف عليه" جبل -بجيم وموحدة، الواقع عند الواقدي "بخيل" بخاء معجمة وتحتية. "قال: وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها"؛ لأنهم لما فعلوا بعضها منفردين عن المصطفى أشبه ذلك إصلاح خلل الثوب برقعة, فكأنه جعل انفراد الفرقة الأولى بمنزلة رقعة، وقيام الثانية وإتمامها في جلوسه بمنزلة رقعة أخرى. قال في الفتح: وبهذ الخلاف استدلَّ على تعدد ذات الرقاع، فإنهم اتفقوا في تسميتها على غير السبب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس ذلك مانعًا من اتحاد الوقعة ولازمًا للتعدد، وقد رجَّح السهيلي السبب الذي ذكره أبو موسى، وكذا النووي، ثم قال: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع. "قال السهيلي" في الروض بعد ذكر الأقوال الثلاثة الأول: "وأصح من هذه الأقوال كلها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى" عبد الله بن قيس "الأشعري قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة", وفي رواية: في غزاة "ونحن ستة نفر". قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم وأظنّهم من الأشعريين. "بيننا بعير نعتقبه" أي: نركبه عقبة، وهو أن يركب هذا قليلًا، ثم ينزل فيركب الآخر بالنوبة حتى يأتي على سائرهم، وفيه جواز مثل هذا إذا لم يضر المركوب. هذا ما قاله النووي والحافظ والمصنف وغيرهم من شراح الحديث، فعلى من زعم أن المراد بين كل ستة منا بعير، لا أنَّ الجميع كانوا ستة، بيان الرواية التي صرَّحت بأنَّ الجميع فعلوا فعل أبي موسى ورفقته وأنَّى بها، وإنما أراد أبو موسى كما مَرَّ عن الحافظ من كان مرافقًا مزاملًا له لا جميع الجيش، فإن إخباره عن نفسه ورفقته لا يستلزم أن

فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا. وكان من خبر هذه الغزوة، كما قاله ابن إسحاق: أنه -صلى الله عليه وسلم- غزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة -بالمثلثة- من غطفان -بفتح الغين المعجمة والمهملة؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- بلغه أنهم جمعوا المجموع. فخرج في

_ الجيش كله كذلك. "فنقبت" قال الحافظ: بفتح النون وكسر القاف بعدها موحدة، أي: رقت "أقدامنا" يقال: نقب البعير، إذا رقَّ خفه. انتهى. وقال النووي: أي: قرحت من الحفاء، وجمع بينهما المصنّف فقال: أي: رقَّت وتقرَّحت وقطعت الأرض جلودها من الحفاء، "ونقبت قدماي" عطف خاص على عام؛ ليعطف عليه قوله: "وسقطت أظفاري" لذلك "فكنَّا نلف" بضم اللام "على أرجلنا الخرق, فسميت غزوة ذات الرقاع لما" أي: لأجل ما "كنا نعصب". قال الحافظ: بفتح أوله وكسر الصاد المهملة، زاد المصنف ولأبي ذر: نعصب -بضم النون وفتح العين وتشديد الصاد "من الخرق على أرجلنا", وبقية خبر الصحيح هذا، وحدث أبو موسى بهذا، ثم كره ذلك قال: ماكنت أصنع بأن أذكره كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه. "وكان من خبر هذه الغزوة كما قاله ابن إسحاق أنه -صلى الله عليه وسلم- غزا" أي: قصد "نجدًا، يريد بني محارب" بضم الميم وحاء مهملة وموحدة، ابن خصفة -بفتح المعجمة والصاد المهملة والفاء، ابن في عيلان، "وبني ثعلبة بالمثلثة" وعين مهملة "من غطفان"؛ لأن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض -بفتح الموحدة وكسر المعجمة وإسكان التحتية فضاد معجمة، ابن ريث -بفتح الراء وسكون التحتية ومثلثة، ابن غطفان -بفتح الغين المعجمة والظاء المهملة والفاء, ابن سعد بن قيس عيلان -بفتح العين المهملة وسكون التحتية، فمحارب وغطفان ابنا عم، وهذا هو الصواب الثابت في الصحيح وغيره عن جابر. ووقع في ترجمة البخاري وَهْمٌ مَرَّ التنبيه عليه. قال في الفتح جمهور أهل المغازي: على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب. وعند الواقدي: أنهما اثنتان، وتبعه القطب الحلبي في شرح السيرة، والله أعلم بالصواب، انتهى، "لأنه عليه الصلاة والسلام" تعليل, أي: سبب لغزوهم، "بلغه أنهم جمعوا الجموع". قال ابن سعد قالوا: قدم قادم المدينة بجلب له، فأخبر الصحابة أن أنمارًا وثعلبة قد جمعوا إليهم الجموع, "فخرج" ليلة السبت لعشر خَلَوْنَ من المحرم على قول ابن سعد ومن وافقه "في

أربعمائة من أصحابه -وقيل: سبعمائة, واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، وقيل: أبا ذر الغفاري. حتى نزل نخلًا -بالخاء المعجمة- موضع من نجد من أراضي غطفان. قال ابن سعد: فلم يجد في مجالسهم إلّا نسوة فأخذهنَّ. وقال ابن إسحاق: فلقي جمعًا منهم فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف الناس.

_ أربعمائة من أصحابه، وقيل: سبعمائة" قاله ابن سعد، وقيل: ثمانمائة كما في السبل، "واستعمل على المدينة عثمان بن عفان" ذا النورين أمير المؤمنين "رضي الله عنه" فيما قال الواقدي وابن سعد وابن هشام، "وقيل: أبا ذر الغفاري" قاله ابن إسحاق، وتعقَّبه ابن عبد البر، بأنه خلاف ما عليه الأكثر, وبأنَّ أبا ذر لما أسلم بمكة رجع إلى بلاده، فلم يجئ إلّا بعد الخندق, انتهى. وعلى مختار البخاري أنها بعد خيبر, وأبي معشر أنها بعد قريظة لا تعقب، وسار -صلى الله عليه وسلم- إلى أن وصل إلى وادي الشقرة -بضم الشين المعجمة وسكون القاف، فأقام فيها يومًا وبت السرايا، فرجعوا إليه من الليل وخبَّروه أنهم لم يروا أحدًا، فسار "حتى نزل نخلًا -بالخاء المعجمة- موضع من نجد من أراضي غطفان". وفي الفتح: هو مكان من المدينة على يومين, وهو بواد يقال له: شدخ -بشين معجمة بعدها مهملة ساكنة ثم خاء معجمة، وبذلك الوادي طوائف من قيس من بني فزارة، وإنما ذكره أبي عبيد البكري انتهى. وادَّعى البكري أنه غير مصروف. قال الدماميني: فإن أراد تحتمه فليس كذلك ضرورة أنه ثلاثي ساكن، وغفل من قال: المراد نخل المدينة. "قال ابن سعد: فلم يجد في مجالسهم إلّا نسوة فأخذهنَّ", وفيهنَّ جارية وضيئة, وهربوا في رءوس الجبال. "وقال ابن إسحاق: فلقي جمعًا منهم" والجمع بينهما واضح، بأن يكون لقي الجمع في غير مجالسهم، "فتقارب الناس" دنا بعضهم من بعض, "ولم يكن بينهم حرب, وقد أخاف الناس" بالألف، وفي نسخة بدونها وكلاهما صحيح، "بعضهم" بدل من الناس "بعضًا" مفعوله، أي: أوقع بعض الناس في قلوب بعضهم الرعب، "حتى صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس صلاة الخوف", وكان ذلك في صلاة العصر، كما رواه البيهقي عن جابر، "ثم انصرف الناس".

قال ابن سعد: وكان ذلك أوّل ما صلاها. وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة, ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما تيسَّر منها في مقصد عباداته -صلى الله عليه وسلم. وكانت غيبته -صلى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة خمس عشرة ليلة. وفي البخاري عن جابر قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي -صلى الله عليه وسلم, فجاء رجل من المشركين وسيف النبي -صلى الله عليه وسلم- معلق بالشجرة, فاخترطه -يعني سله من غمده, فقال: تخافني, قال: "لا"، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله".

_ "قال ابن سعد: وكان ذلك أوّل ما صلاها" بناءً على قوله -أعني: ابن سعد: أن هذه الغزوة سنة خمس، أمَّا على أنه صلاها بعسفان، وأنها أوّل صلاته, كما رواه أحمد وأصحاب السنن كما مَرَّ، فتكون هي أول, ويكون نزول جبريل في الأولى معلمًا والثانية مذكرًا. "وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما تيسَّر منها في مقصد عباداته -صلى الله عليه وسلم" وهو التاسع, "وكانت غيبته -صلى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة خمس عشرة ليلة". قاله ابن سعد, قال: وبعث جعال بن سراقة بشيرًا بسلامته وسلامة المسلمين. "وفي البخاري" تعليقًا, ووصله مسلم، فلو عزاه المصنف لهما كان أَوْلَى "عن جابر قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بذات الرقاع، فإذا أتينا" ظرفية لا شرطية، أي: ففي وقت إتياننا "على شجرة ظليلة" ذات ظل، وفي نسخة: إذ وهي ظاهرة، لكنها ليست في البخاري "تركناها للنبي -صلى الله عليه وسلم" لينزل تحتها فيستظل بها. وفي البخاري أيضًا قبل هذا بلصقه بمسندًا عن جابر، أنه غزا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل نجد، فلمَّا قفل قفل معه, فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاء، فنزل النبي -صلى الله عليه وسلم- وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة, فعلق بها سيفه, قال جابر: فنمنا نومة، "فجاء رجل من المشركين وسيف النبي -صلى الله عليه وسلم- معلق بالشجرة" وهو نائم "فاخترطه، يعني: سله من غمده، فقال: له "تخافني، قال: "لا"، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله" يمنعني منك، وبقية هذا الحديث، فتهدده أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، وأقيمت الصلاة, فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي -صلى الله عليه وسلم أربع، وللقوم ركعتان، وبقية الحديث الآخر الذي سقت أوله: فنمنا نومة، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال -صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الأعرابي اخترط سيفي وأنا نائم, فاستيقظت وهو في

وعند أبي عوانة: فسقط السيف من يده, فأخذه -عليه الصلاة والسلام- فقال: "من يمنعك مني"؟ قال: كن خير آخذ. قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"؟ قال الأعرابي: أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. قال: فخلى سبيله. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. وفي رواية عند البخاري: ولم يعاقبه. وإنما لم يؤاخذه -عليه الصلاة والسلام- بما صنع، وعفا عنه، لشدة رغبته -عليه الصلاة والسلام- في استئلاف الكفَّار. وفي رواية أبي اليمان عند البخاري -في الجهاد- قال: من يمنعك مني ثلاث مرات. وهو استفهام......

_ يده صلتًا، فقال لي: من يمنعك مني، قلت: "الله"، فها هو ذا جالس"، ثم لم يعاقبه النبي -صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ: وظاهر قوله فتهدده يشعر بأنهم حضروا القصة، وأنه إنما رجع عمَّا كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل في رواية البخاري في الجهاد بعد قوله قلت: الله فشام السيف، أي: بفاء وشين معجمة، أي: أغمده, وهي من الأضداد, شمه استله وأغمده، قاله الخطابي وغيره. وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه فألقى السلاح وأمكن من نفسه. "وعند أبي عوانة" في حديث جابر: "فسقط السيف من يده", وكأنه لما شامه سقط من يده زيادة في المعجزة، "فأخذه -عليه الصلاة والسلام، فقال: "من يمنعك مني"، قال: كن خير آخذ"، "قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" , قال الأعرابي: أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك" أجابه بغير ما سأله، فلم يثبت؛ لأنه لم يهتد حينئذ، ولم ينف كراهة لمواجهته بعد هذه الآية الباهرة والحلم الذي لا يباري بخلاف ما أمره، ونسخة: بل لا أعاهدك يأباها الطبع. "قال: فخلى سبيله، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس". "وفي رواية عند البخاري ولم يعاقبه", فيجمع مع قوله في رواية ابن إسحاق: "قم فاذهب لشأنك"، بأن قوله فاذهب كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته, فمَنَّ عليه, قاله الحافظ. قال: وإنما لم يؤاخذه -عليه الصلاة والسلام- بما صنع وعفا عنه؛ لشدة رغبته -عليه الصلاة والسلام- في استئلاف الكفار". "وفي رواية أبي اليمان" الحكم ابن نافع، شيخ البخاري، أخبرنا شعيب عن الزهري، فذكر الحديث. "عند البخاري في الجهاد" في باب من علَّق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة "قال: من يمنعك مني ثلاث مرات، وهو" كما في الفتح هنا في المغازي "استفهام

إنكاري، أي: لا يمنعك مني أحد. وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده, والنبي -صلى الله عليه وسلم- جالس لا سيف معه. ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه منع نبيه، وإلّا فما الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله. وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- في جوابه: الله، أي: يمنعني منك، إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابي فلم يزده على ذلك الجواب، وفي ذلك غاية التهكم وعدم المبالاة به. وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه أسلم، ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير. وقال فيه: إنه رمي بالزلخة حين همَّ بقتله -صلى الله عليه وسلم, فندر السيف من يده وسقط إلى الأرض. والزلخة -بضم الزاي وتشديد اللام- وجع يأخذ في الصلب.

_ إنكاري، أي: لا يمنعك مني أحد، وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده, والنبي -صلى الله عليه وسلم- جالس لا سيف معه، ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه منع نبيه" منه "وإلّا فما الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه" استفهام يفيد استبعاد كون ذلك من غير مانع من الله تعالى "إلى الحظوة" بضم الحاء المهملة وكسرها، كما في القاموس, وبالظاء المعجمة المكانة، أي: المنزلة الرفيعة "عند قومه بقتله" كما قاله لهم. فعند ابن إسحاق أنه قال: ألا أقتل لكم محمدًا، قالوا: بلى، وكيف تقتله، قال: أفتك به. "وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- في جوابه: "لله"، أي: يمنعني منك إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابي لم يزده على ذلك الجواب, وفي ذلك التهكم وعدم المبالاة به" أصلًا عطف تفسير. "وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه" أي: الأعرابي الذي هو دعثور المذكور عند الواقدي "أسلم ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير". وفي رواية ابن إسحاق ثم أسلم بعد، "وقال فيه: إنه رمي الزلخة حين همَّ بقتله -صلى الله عليه وسلم, فندر" بنون ودال وراء مهملتين: سقط أو خرج "السيف من يده وسقط" هو، أي: الأعرابي "إلى الأرض" لشدة وجع صلبه, فلم يستطع القيام، ولا يظهر جعل ضمير سقط للسيف، وأنه عطف مسبب على سبب؛ لأن خروجه من يده سبب لسقوطه؛ لأن هذا ليس فيه كبير فائدة، لأنه مستفاد من ندر، فإنما أراد أنه حين رمي بالزلخة أصابه شيئان: سقوط سيفه وقامة نفسه لشدة الوجع، "والزلخة بضم الزاي وتشديد اللام" بعدها خاء معجمة فتاء تأنيث "وجع يأخذ في الصلب".

وقال البخاري: قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، أي: على وزن جعفر. وحكى الخطابي فيه: غويرث -بالتصغير. وقد تقدَّم في غزوة غطفان, وهي غزوة ذي أمر بناحية نجد, مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور، وأنه قام على رأسه -صلى الله عليه وسلم- بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال -صلى الله عليه وسلم: "الله"، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده وأنه أسلم. قال في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد.

_ "وقال البخاري" في الصحيح. "قال مسدد" بن مسرهد شيخه، "عن أبي عوانة" الوضاح اليشكري البصري، "عن أبي بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن إياس. قال الحافظ: اختصر البخاري إسناده وتمامه، كما أخرجه مسدد في مسنده, رواية معاذ بن المثنى عنه، وكذا أخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خصفة بنخل, فرأوا من المسلمين غرة فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، حتى قام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالسيف فذكره، فاختصر البخاري متنه أيضًا، فقال: "اسم الرجل غورث بن الحارث" بفتح الغين المعجمة، وسكون الواو، وفتح الراء فمثلثة، "أي: على وزن جعفر" وقيل: بضم أوله مأخوذ من الغرث وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة. "وحكى الخطابي فيه غويرث بالتصغير". وحكى عياض أن بعض المغاربة قاله في البخاري بالعين المهملة، قال: "وصوابه بالمعجمة، "وقد تقدَّم في غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر" بفتح الهمزة والميم وشد الراء، "بناحية نجد مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور" بضم الدال وسكون العين المهملتين وضم المثلثة وسكون الواو وراء، وتقدَّم للمصنف أيضًا أن الخطيب سماه غورث، وغيره غورك. "وأنه قام على رأسه -صلى الله عليه وسلم- بالسيف فقال: من يمنعك مني اليوم؟ ". وفي رواية الآن, "فقال -عليه الصلاة والسلام: "الله"، فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، وأنه أسلم". "قال" الحافظ فتح الدين اليعمري "في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد" اختلف الرواة في اسمه، فبعضهم سماه غورث، وبعضهم دعثور، وقد استدرك الذهبي في التجريد غورث ابن الحارث على من تقدمه، وعزاه للبخاري وتعقبه في الإصابة، بأنه ليس في البخاري تعرض

وقال غيره من المحققين: الصواب أنهما قصتان في غزوتين. وفي هذه القصة: فرط شجاعته، وقوة يقينه وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال -صلى الله عليه وسلم. وفي انصرافه -صلى الله عليه وسلم- من هذه الغزوة، أبطأ جمل جابر بن عبد الله فنخسه -صلى الله عليه وسلم- فانطلق متقدمًا بين يدي الركاب،

_ لإسلامه, وبأنه يلزم عليه الجزم بكون القصتين واحدة مع احتمال كونهما واقعتين، وأطال في بيان ذلك، وقال: قد يتمسّك لإسلمه بقوله: جئتكم من عند خير الناس، انتهى. وجزم صاحب النور بإسلام غورث بعد رجوعه إلى قومه، إنما تبع فيه الذهبي على عادته, وقد علم التوقف فيه. "وقال غيره من المحققين" كابن كثير: "الصواب أنهما قصتان في غزوتين" قصة لرجل اسمه دعثور بغزوة ذي أمر، وفيها التصريح بأنه أسلم، ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير، وقصة بذات الرقاع لرجل اسمه غورث، وليس في قصته تصريح بإسلامه. وفي فتح الباري: وقع عند الواقدي في شبيه هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور وأنه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين، فالله أعلم. وفي الإصابة قصة تشبه قصة غورث المخرَّجة في الصحيح، فيحتمل التعدد, أو أحد الاسمين لقب إن ثبت الاتحاد. "وفي هذه القصة" كما قال في الفتح: "فرط شجاعته وقوة يقينه و" قوة "صبره على الأذى و" قوة "حلمه على الجهّال -صلى الله عليه وسلم" قال: وفيه جواز تفرّق العسكر في النزول ونومهم، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه، انتهى. "وفي انصرافه -صلى الله عليه وسلم- من هذه الغزوة" كما رواه ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن جابر مطولًا، ومثله في طبقات ابن سعد. وفي البخاري: أن ذلك كان في غزوة تبوك. وفي مسلم أنه في غزوة الفتح "أبطأ جمل جابر بن عبد الله" فلا يكاد يسير, "فنخسه" النبي "صلى الله عليه وسلم" بعد أن أناخه جابر بأمره نخسات بعصا من يد جابر، أو قطعها من شجرة، كما في رواية ابن إسحاق، ولمسلم وأحمد: فضربه برجله ودعا له،"فانطلق متقدمًا بين يدي الركاب" وللإسماعيلي: فضربه ودعا, فمشى مشية ما مشى مثل ذلك قبله. ولأبي نعيم: أنه نفث في ماء ثم مج من الماء في نحره ثم ضربه بالعصا، فوثب فقال: "اركب"، قلت: إني أرضى أن يساق معنا، قال: "اركب"، فركبت، فوالذي نفسي بيده لقد رأيتني وأنا أكفه عنه -صلى الله عليه وسلم, إرادة أن لا يسبقه, وليس هذا اختلافًا، بل يحمل على أنه -عليه السلام- فعل به

ثم قال: "أتبيعنيه"؟ فابتاعه منه, وقال: "لك ظهره إلى المدينة"، فلما وصلها أعطى الثمن وأرجح، ووهب له الجمل. والحديث أصله في البخاري. ولا حجة فيه لجواز بيع وشرط، لما وقع فيه من الاضطراب. وقيل غير ذلك مما يطول ذكره والله أعلم.

_ جميع ما ذكر. "ثم قال: "أتبيعنيه"، فابتاعه منه" بأوقية، "وقال: "لك ظهره" أي: الركوب عليه "إلى المدينة"، فلمَّا وصلها أعطى الثمن وأرجح" فزاده شيئًا يسيرًا على الأوقية، كما في رواية بن إسحاق، "ووهب له الجمل، والحديث أصله في البخاي" في عشرين موضعًا، لكن لم يقع فيه أن ذلك في ذات الرقاع، ولذا لم يذكره في غزواتها، بل في بعضها أنه في تبوك، "ولا حجة فيه لجواز بيعه، وشرط" كما قال به أحمد والبخاري في طائفة لكثرة رواة الاشتراط، ومنعه أبو حنيفة والشافعي مطلقًا، وإن وقع بطلًا للنهي عن بيع وشرط وتوسط مالك، ففصل كما قرر في الفروع، وقالوا: لا حجة في خبر جابر، "لما وقع فيه من الاضطراب". قال في الروض: فقد روي: أفقرني ظهره إلى المدينة، وروي: شرط لي ظهره إليها. وقال البخاري: الاشتراط أكثر وأصح، واضطربوا في الثمن، فقيل: بأوقية وبأربع أواق وبخمس أواق وبخمسة دنانير وبأربعة دنانير، وهو في معنى أوقية, وبدينارين ودرهمين، وكل هذه الروايات ذكرها البخاري, "وقيل غير ذلك مما يطول ذكره". ومنه أنه لم يرد حقيقة البيع، بل أراد أن يعطيه الثمن بهذه الصورة، أو لم يكن الشرط في نفس العقد، بل كان سابقًا أو لاحقًا فلم يؤثِّر في العقد. ووقع عند النسائي: "أخذته بكذا، وأعرتك ظهره إلى المدينة" فزال الإشكال, لكن فيها اضطراب "والله أعلم" بالصواب في نفس الأمر. قال السهيلي -رحمه الله: ومن لطيف العلم في حديث جابر بعد أن يعلم قطعًا أنه -عليه السلام- لم يفعل شيئًا عبثًا، بل لحكمة مؤيدة بالعصمة اشتراؤه الجمل منه ثم أعطاه الثمن، وزاده ثم ردَّه عليه، وكان يمكن أن يعطيه ذلك بلا مساومة، ولا اشتراء, ولا شرط توصيل، فالحكمة فيه بديعة جدًّا, فلتنظر بعين الاعتبار، وذلك أنه سأله "هل تزوجت"؟ ثم قال: "هلَّا بكرًا"، فذكر مقتل أبيه وما خلف من البنات. وقد كان -عليه السلام- أخبر جابرًا، بأنَّ الله قد أحيا أباه، وردَّ عليه روحه، وقال: ما تشتهي فأزيدك؟ فأكد -صلى الله عليه وسلم- هذا الخبر بمثل شبهه، فاشترى منه الجمل وهو مطيته، كما اشترى الله من أبيه ومن الشهداء أنفسهم بثمن هو الجنة, ونفس الإنسان مطيته، كما قال عمر بن العزيز: إن نفسي مطيتي. ثم زادهم زيادة، فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ثم ردَّ عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 169] الآية. فأشار -صلى الله عليه وسلم- باشتراء الجمل من جابر وإعطائه الثمن وزيادة، ثم رد الجمل المشترى عليه إشارة بذلك كله إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن فعل الله بأبيه, فتشاكل الفعل مع الخبر كما تراه، وحاشا لأفعاله أن تخلو من حكمة، بل هي كلها ناظرة إلى القرآن ومنتزعة منه. انتهى. فما أحسن استنباطاته. هذا واقتصر المصنف من الآيات الواقعة في هذه الغزوة على قصتي غورث وجابر لتعلقهما بها، وتعلق قصة جابر من جهة سيره معه -عليه الصلاة والسلام.

غزوة بدر الأخيرة وهي الصغري

"غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى": وتسمَّى: بدر الموعد. وكانت في شعبان، بعد ذات الرقاع. قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها جمادى الأولى إلى آخر رجب، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان. ويقال: كانت في هلال ذي القعدة.

_ غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى: بعدم وقوع حرب فيها، فكانت صغرى بالنسبة للكبرى للقتال، ونصر المؤمنين، فهي تسمية اصطلاحية للتمييز. وأما قول الشامي في غزوة أُحد بدر الصغرى, الإضافة تأنيث الأصغر، فلعله اسم للبقعة في حَدِّ ذاتها، "وتسمَّى بدر الموعد" للمواعدة عليها مع أبي سفيان يوم أُحد، وهي الثالثة، "وكانت في شعبان" سنة أربع "بعد ذات الرقاع" في قول أبي إسحاق. قال ابن كثير: وهو الصحيح. وقال الواقدي: في مستهلّ ذي القعدة، يعني: سنة أربع، ووافق ابن عقبة على أنها في شعبان، لكنه قال: سنة ثلاث وهو وَهْم، فإن هذه تواعدوا عليها من أُحد, وكانت في شوال سنة ثلاث. "قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها جمادى الأولى، آخر رجب" نقل بالمعنى, تبع فيه ابن سيد الناس، ولفظ ابن إسحاق: أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبًا، "ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان" حتى نزله، إلى هنا انفصل المصنّف من كلام ابن إسحاق دون بيان، فإن قوله: "ويقال: كانت في هلال ذي القعدة"

وميعاد أبي سفيان: هو ما سبق أنَّ أبا سفيان قال يوم أُحد: الموعد بيننا وبينكم بدر العام القابل، فقال -عليه الصلاة والسلام- لرجل من أصحابه: $"قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد". فخرج -عليه الصلاة والسلام- ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه، وعشرة أفراس، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، فأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان. وخرج أبو سفيان حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران،

_ قول الواقدي كما مَرَّ، وفي تعبيره: بِيُقَالُ إشارة إلى ضعفه، "وميعاد أبي سفيان هو ما سبق أن أبا سفيان قال يوم أحد: الموعد بيننا وبينكم بدر من العام القابل، فقال -عليه الصلاة والسلام- لرجل من أصحابه" هو عمر كما عند الواقدي: "قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد"، فخرج -عليه الصلاة والسلام- ومعه" كما رواه الحاكم في الإكليل، عن الواقدي "ألف وخمسمائة من أصحابه, وعشرة أفراس" وعدَّها فقال: فرس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم, وفرس لأبي بكر، وفرس لعمر، وفرس لأبي قتادة، وفرس لسعيد بن زيد، وفرس للمقداد، وفرس للحباب، وفرس للزبير، وفرس لعباد بن بشر، كذا نقله في العيون. قال البرهان: هي تسعة: فينبغي أن يطلب العاشر مع من قال, أعني: الواقدي، "واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة" الأنصاري الخزرجي، الأمير المستشهد بموتة، قال: وحمل اللواء علي بن أبي طالب. وقال ابن هشام: استخلف عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ بن سلول, هكذا عزاه لنفسه في تهذيب السيرة، وتبعه اليعمري، وأمَّا الشامي فعزاه لابن إسحاق, ولعله وقف عليه في رواية غير زياد البكائي، كيونس أو إبراهيم بن سعد، ويحتمل أنه استخلف أحدهما على الصلاة والآخر على الحكم، أو وجه الخطاب إلى أحدهما، ثم عدل إلى الآخر لأمرٍ اقتضاه، فروى كل ما علم وعاد المصنف إلى خبر ابن إسحاق، فقال: "فأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان" ثمان ليال، "وخرج أبو سفيان" في قريش، وهم ألفان ومعهم خمسون فرسًا، كذا عند الواقدي، "حتى نزل مجنة" بميم فجيم فنون مشددة مفتوحات، ويجوز كسر الميم والنون: سوق بقرب مكة، كما في الشامية، أي: إمالة النون في الوقف والجيم مفتوحة، إلّا أن انون مكسورة في الوصل لفتح ما قبل هاء التأنيث أبدًا، "من ناحية مَرَّ" بفتح الميم وشد الراء "الظهران" بفتح الظاء المعجمة وإسكان

ويقال: عسفان، ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلّا عام خصيب، ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فرجع الناس. فسماهم أهل مكة: جيش السويق, يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق. وأقام -صلى الله عليه وسلم- ببدر ثمانية أيام،

_ الهاء، وادٍ بين مكة وعسفان, تسمِّيه العامة: بطن مرو، "ويقال" حتى نزل "عسفان" بدل مجنة، "ثم بدا له الرجوع" أي: ظهر له صورة، وإلّا فقد كان دبره لقريش وهو بمكة. روي أن نعيم بن مسعود الأشجعي قدم مكة، فأخبر قريشًا بتهيؤ المسلمين لحربهم، فذكر أبو سفيان أنه كاره للخروج، وجعل له عشرين بعيرًا على أن يخذّل المسلمين ضمنها له سهيل بن عمرو, وحمله على بعير فقدم المدينة، وأرجف بكثرة العدو حتى قذف في قلوبهم الرعب، ولم يبق لهم نية في الخروج حتى خشي -عليه السلام- أن لا يخرج معه أحد، وجاءه العمران، فقالا: إن الله مظهر دينه ومعز نبيه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلّف عنه، فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم, فوالله إن في ذلك لخيرة، فسر بذلك وقال: "والذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معي أحد" فأذهب الله عن المسلمين ما كان الشيطان رعبهم به، وقال أبو سفيان لقريش: قد بعثنا نعيمًا يخذّل أصحاب محمد عن الخروج، وهو جاهد لكن نخرج فنسير ليلة أو ليلتين، ثم نرجع، فإن لم يخرج محمد بلغه أنا خرجنا فرجعنا؛ لأنه لم يخرج، فيكون لنا هذا عليه، وإن خرج أظهرنا أن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب، قالوا: نعم ما رأيت، "فقال: يا معشر قريش, إنه لا يصلحكم" أي: لا يريحكم ويزيل عنكم مشقة اسفر، "إلّا عام خصب" بالتنوين، أي: ذو خصب، أو مخصب، والإضافة لوجود النماء فيه، والبركة بظهور النبات وكثرته "ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإنّ عامكم هذا عام جدب" بالإضافة والتنوين، أي: محل، وهو انقطاع المطر، ويبس الأرض، "وإني راجع فارجعوا، فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيس السويق، ويقولون: إنما خرجتم تشربون السويق" وهو قمح، أو شعير يقلى ثم يطحن، ويتزوّد به ملتوتًا بماء، أو عسل، أو سمن، أو وحده، فسمع الناس بمسير جيش الإسلام، وذهب صيته إلى كل جانب، وكبت الله عدوهم، فقال صفوان لأبي سفين: والله نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترأوا علينا, ورأونا قد اخلفناهم, وأخذوا في الكيد والنفقة والتهيؤ لحرب الخندق. "وأقام عليه الصلاة والسلام ببدر ثمانية أيام" ينتظر أبا سفيان لميعاده، كذا عند ابن إسحاق، ومقتضاه أنها أيام الموسم، وصرّح بذلك السبل فقال: فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة, وقام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام والسوق قائمة.

وباعوا ما معهم من التجارة، فربحوا الدرهم درهمين. وأنزل الله في المؤمنين: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: 172] إلى قوله {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 174] . والصحيح أن هذه الآية نزلت في شأن حمراء الأسد، كما نصَّ عليه العماد بن كثير.

_ وفي البغوي: كانت بدر الصغرى موضع سوق الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام لهلال ذي القعدة إلى ثمانٍ تخلو منه، ثم يتفرّقون إلى بلادهم، لكنه مشكل مع ما قدَّمه المصنف من أن الخروج في شعبان، ويقال لهلال ذي القعدة، بل لا يصح إلّا على القول بأن الخروج في شوال، اللهمَّ إلا أن يخرج على الثاني مع تأويله بأنه كانت كذلك بالنظر لوصوله إلى بدر، لا لخروجه من المدينة، أو أطلق الهلال، وأراد ما يقاربه, بقي أنه يشكل على تصحيح قول ابن إسحاق أنه خرج في شعبان إلا أن يئول بأن معناه: عزم على الخروج فيه، وأمر أصحابه بالتهيؤ، ولم يخرج بالفعل إلّا في أواخر شوال, حتى وصل هلال ذي القعدة، وهذا جمع بين الأقوال. "وباعوا ما معهم من التجارة" التي خرجوا بها معهم، "فربحوا الدرهم درهمين" كما روي أن عثمان قال: ربحت للدينار دينارًا، "وأنزل الله في المؤمنين: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: 172] الآية، بأُحد، وخبر المبتدأ قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} إلى قول: {فَانْقَلَبُوا} [آل عمران: 174] الآية. رجعوا من بدر {بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْل} [آل عمران: 174] الآية. بسلامة وربح {لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 174] , من قتل أو جرح. هذا قول مجاهد وعكرمة. "والصحيح" وهو قول المفسرين: "إن هذه الآية نزلت" قبل ذلك "في شأن حمراء الأسد كما نص عليه العماد بن كثير" وسبقه إلى ترجيحه ابن جرير, ووقع في البيضاوي والجلال ما يشبه التناقض, فذكر أن قوله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا} [آل عمران: 172] الآية. في حمراء الأسد، وأعرب الجلال {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ} بدلًا منه، ثم قالا: فانقلبوا، أي: رجعوا من بدر بنعمة من الله، وفضل ربح في التجارة، فإنهم أتوا بدرًا وافوا بها سوقًا، فاتَّجروا وربحوا. انتهى. وهذا إنما يأتي على أنها نزلت في بدر، فهو خلط بين قولين متنافيين، إلّا أن يقال قولهما رجعوا من بدر، بيان لما ترتَّب على استجابتهم له -عليه السلام- في حمراء الأسد، ولم يبالوا بكونها في عام آخر لكونها من ثمرات الأولى, فكأنهما شيء واحد، وعليه فتفسيرهما قوله: {فَانْقَلَبُوا} برجعوا من بدر يكون حملًا للآية على أنه عبَّر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه, هكذا أملاني شيخنا.

غزوة دومة الجندل

"غزوة دومة الجندل": وهي بضم الدال "من "دومة" هي مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال، وبعدها من المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. قال أبو عبيدة الله البكري: سميت بدومي بن إسماعيل، كان نزلها. وكان في شهر ربيع الأول، على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة، وكان سببها أنه بلغه -صلى الله عليه وسلم- أن بها جمعًا كثيرًا يظلمون من مَرَّ بهم،

_ غزوة دومة الجندل: "وهي بضم الدال من دومة" عند أهل اللغة وأصحاب الحديث يفتحونها كذا في الصحاح. ورجَّح الحازمي وغيره من المحدثين الضم. وقال اليعمري: بضم الدال وفتحها. وقال ابن القيم: بضم الدال، وأما بفتحها فمكان آخر. وقال بعضهم: دومة الجندل بالضم والفتح، وأما المكان الآخر الذي باليمن فبالفتح فقط، "وهي مدينة بينها وبين دمشق" بكسر الدال وفتح الميم، على المشهور. وحكي في المطالع كسر الميم، قاله النووي. قال الجواليقي: أعجمي معرّب، فهو ممنوع الصرف, "خمس ليال وبعدها من المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة" كما قاله ابن سعد. "قال أبو عبد الله البكري: سميت بدومي بن إسماعيل, كان نزلها" وفي الوفاء قيل: كان منزل أكيدر أولًا دومة الحيرة، وكان يزور أخواله من كلب، فخرج معهم للصيد، فرفعت له مدينة متهدمة لم يبق إلا حيطانها مبنية بالجندل، فأعادوا بناءها وغرسوا الزيتون وسموها دومة الجندل، تفرقة بينها وبين دومة الحيرة، وكان أكيدر يتردد بينهما. "وكان في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة" فتكون سنة خمس، وبه صرح ابن هشام، "وكان سببها" كما قال ابن سعد وغيره: "أنه بلغه -صلى الله عليه وسلم- أن بها جمعًا يظلمون من مَرَّ بهم", وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة, وهي طرف من أفواه الشام، فأراد -عليه الصلاة والسلام- الدنوَّ إلى أدنى الشام، وقيل له: لو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر، وكان بها سوق عظيم وتجار.

فخرج -عليه الصلاة والسلام- لخمس ليالٍ بقين من شهر ربيع، في ألف من أصحابه، فكان يسير الليل ويكمن النهار. واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة. فلمَّا دنا منهم، لم يجد إلّا النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم, فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه. وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا، ونزل -صلى الله عليه وسلم- بساحتهم, فلم يلق بها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبعث السرايا وفرَّقها، فرجعوا ولم يصب منهم أحد. ودخل المدينة في العشرين من ربيع الآخر.

_ "فخرج -صلى الله عليه وسلم- لخمس ليالٍ بقين من شهر ربيع" الأول "في ألف من أصحابه، فكان يسير الليل، ويكمن النهار" بضم الميم وفتحها, "واستخلف على المدينة" كما قال ابن هشام: "سباع" -بكسر السين المهملة فموحدة فألف فعين مهملة, "ابن عرفطة" -بضم العين والفاء- الغفاري، ويقال له: الكناني. وعندا بن سعد وغيره: فقال له دليله مذكور العذري، ونكب عن طريقهم لما دنا من دومة: يا رسول الله, إن سوائمهم ترعى عندك, فأقم لي حتى أطلع لك، قال: "نعم"، فخرج العذري طليعة وحده، فوجد آثار النعم والشاء وهم مغربوم -بفتح الغين المعجمة وكسر الراء مشددة، فرجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره, وقد عرف مواضعهم، "فلما دنا منهم لم يجد" النبي -صلى الله عليه وسلم، وفي نسخة: لم يجدوا، أي: النبي ومن معه "إلّا النعم والشاء" عطف خاص على عام، على أن النعم الإبل والبقر والغنم أو المال الراعي، "فهجم على ماشيتهم ورعاتهم" جمع راعٍ، كقاض وقضاة, ويجمع أيضًا على رعاء بالكسر والمد، ورعيان كرغفان كما في المصباح. زاد القاموس: ورعاء -بالفتح، أي: من ولي أمر مواشيهم. "فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة، فتفرقوا" فرقًا من المنصور بالرعب، "ونزل -عليه الصلاة والسلام- بساحتهم, فلم يلق بها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبعث السرايا وفرَّقها، فرجعوا ولم يصب منهم أحد" بالبناء للمفعول، أي: من المسلمين في تلك الغزوة، أو من الكفار الذي بعث لهم السرايا. وفي نسخة: أحدًا -بالنصب, وهي المنقولة في العيون عن ابن سعد, وزاد: وأخذوا منهم رجلًا فسأله -صلى الله عليه وسلم- عنهم، فقال: هربوا حيث علموا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه الإسلام فأسلم "ودخل المدينة في" يوم "العشرين من ربيع الآخر", فتكون غيبته خمسًا وعشرين ليلة، ولعله جَدَّ في السير لما مَرَّ أن بعد دومة من المدينة خمس عشرة، فيكون الذهاب والإياب في ثلاثين، وأقام بها أيام وأقلها ثلاثة، والله أعلم.

الفهرس

الفهرس: 3 إسلام الفاروق 12 دخول الشعب وخبر الصحيفة 31 الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة 38 وفاة خديجة وأبي طالب 49 خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف 56 ذكر الجن 67 وقت الإسراء 72 ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار 89 باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة 143 قصة سراقة 175 ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر 191 ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين 194 باب بدء الأذان كتاب المغازي 224 بعث حمزة رضي الله عنه 226 سرية عبيدة المطلبي 228 سرية سعد بن مالك 229 أول المغازي ودان 231 غزوة بواط 236 غزوة بدر الأولى 237 سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش 242 تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر 255 باب غزوة بدر العظمى 342 قتل عمير عصماء 344 غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر 347 قتل أبي عنك اليهودي 348 غزوة بني قينقاع

353 غزوة السويق 356 ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة 357 ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما 367 قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة 378 غزوة غطفان 382 غزوة بحران 384 سرية زيد إلى القردة 386 غزوة أحد 464 غزوة حمراء الأسد 471 سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد 472 سرية عبد الله بن أنيس 474 بعث الرجيع 496 بئر معونة 505 حديث بني النضير 521 غزوة ذات الرقاع 535 غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى 539 غزوة دومة الجندل

المجلد الثالث

المجلد الثالث تابع كتاب المغازي غزوة المريسيع ... تابع كتاب المغازي: بسم الله الرحمن الرحيم "غزوة المريسيع": غزوة المريسيع: بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتيتين بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة- وهو ماء لبني خزاعة، بينه وبين الفرع مسيرة اليوم. وتسمى غزوة بني المصطلق -بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء المشالة المهملة، وكسر اللام بعدها قاف- وهو لقب اسمه: جذيمة بن سعد بن عمرو، بطن من خزاعة.

_ غزوة المريسيع: "بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتيتين بينهما مهملة مكسورة آخره عين مهملة" قال في القاموس مصغر مرسوع. قال السهيلي: وهو من قولهم: رسعت عين الرجل، إذا دمعت من فساد، "وهو ماء لبني خزاعة" بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة، قال في القاموس: حي من الأزد سموا بذلكن؛ لأنهم تخزعا، أي: تخلفوا عن قومهم، وأقاموا بمكة "بينه وبين الفرع" بضم الفاء والراء كما قاله السهيلي. وجرى عليه في المشارق، وقال في التنبيهات: كذا قيده الناس، وكذا رويناه، وحكى عبد الحق عن الأحول، إسكان الراء ولم يذكر غير ا. هـ. ونقل مغلطاي أن الحازمي وافقه وتبعهما ابن الأثير والصغاني، وغيرهما موضع من ناحية المدينة، وأما الفرع بفتحتين، فموضع بين الكوفة والبصرة "مسيرة يوم" هكذا في الفتح، وشرح المصنف، ويقع في بعض النسخ يومين ومثله في سيرة مغلطاي، وقال: بين الفرع والمدينة ثمانية برد، "وتسمى غزوة بني المصطلق، بضم الميم وسكون" الصاد "المهملة وفتح الطاء المشالة المهملة" المبدلة من التاء لأجل الصاد "وكسر اللام بعدها قاف، هو لقب" لحسن صوته، وهو أول من غنى من خزاعة قاله المصنف. وفي الروض: هو مفتعل من الصلق، وهو رفع الصوت، فأفاد أنه كان حسن الصوت شديده، واقتصر المصنف على الحسن؛ لأنه المرغوب في سماعه، "واسمه جذيمة" بجيم مضمومة فذال معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة "ابن سعد بن عمرو" بفتح العين، ابن ربيعة بن حارثة "بطن من بني خزاعة". وقد روى الطبراني من حديث سفيان بن وبرة قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع،

وكانت يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، سنة خمس، وفي البخاري قال ابن إسحاق في شعبان سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع ا. هـ. قالوا: وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس. وسببها أن بلغه عليه الصلاة والسلام أن رئيسهم الحارث بن أبي

_ غزوة بني المصطلق، "وكانت" كما قال ابن سعد: "يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس" ورواه البيهقي عن قتادة وعروة وغيرهما، ولذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق، ورجحه الحاكم. "وفي البخاري: قال ابن إسحاق" محمد في مغازيه: رواية يونس بن بكير وغيره "في شعبان سنة ست" وبه جزم خليفة والطبري. "وقال موسى بن عقبة: سنة أربع ا. هـ، قالوا: وكأنه سبق قلم" من البخاري، "أراد أن يكتب سنة خمس" لأنه الذي قاله ابن عقبة، "فكتب سنة أربع" سهوا، وتبعه عليه اليعمري، وهو عجيب، "والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق، أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل، وغيرهم سنة خمس" ولفظه عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، ثم قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس. قال في فتح الباري بعد ذكر ما ساقه المصنف من أول الغزوة إلى هنا غير أنه أسقط صورة التبري، ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عن ابن عمر؛ أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق في شعبان، وابن عمر سنة أربع لم يؤذن له في القتال؛ لأنه إنما أذن له فيه في الخندق، وهي بعد شعبان سواء قلنا إنها كانت سنة خمس، أو سنة أربع. وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره أنها كانت سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا؛ لأنه مات أيام قريظة، وكانت في سنة خمس على الصحيح، وإ كانت كما قيل سنة أربع، فهو أشد غلطا، فظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان قبل الخندق؛ لأنها كانت في شوال سنة خمس أيضا، فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع، ورمي بها بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة ا. هـ. "وسببها أنه بلغة عليه الصلاة والسلام أن رئيسهم" أي: بني المصطلق، "الحارث بن أبي

ضرار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوه، وتهيئوا للمسير معه إليه. فبعث عليه الصلاة والسلام بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعا في بشر كثير من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قط مثلها, واستخلف على المدينة زيد بن حارثة, وقادوا الخيل، وكانت ثلاثين فرشا

_ ضرار" والد جويرية أم المؤمنين، وأسلم لما جاء في فدائها، "سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوه وتهيئوا للمسير معه إليه" وكانوا ينزلون ناحية الفرع، "فبعث عليه الصلاة والسلام" كما قال ابن سعد "بريدة" بضم الموحدة وفتح الراء مصغر "ابن الحصيب" بضم الحاء. قال الغساني: وصحف من أعجمها وفتح الصاد المهملتين. "الأسلمي يعلم علم ذلك" أي: ليعلم حالهم الذي هم عليه، فاستأذنه أن يقول, فأذن له، "فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار، وكلمه" فوجدهم قد جمعوا الجموع، قالوا: من الرجل؟، قال: منكم قدمت لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني فنكون يدا واحدة حتى نستأصله. قال الحارث: فنحن على ذلك فعجل علينا، فقال بريدة: اركب الآن وآتيكم بجمع كثير من قومي، فسروا بذلك منه، "ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" فأخبره خبرهم، فندب صلى الله عليه وسلم الناس "وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعا في"، أي: مع "بشر" يطلق على الواحد والجمع، لكن العرب ثنوه ولم يجمعوه. وفي التنزيل: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ} [المؤمنون: 47] ، كما في المصباح، لكن وصفه بقوله "كثير" دليل على استعماله في الجمع "من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قط مثلها". قال الشامي: ليس بهم رغبة في الجهاد، إلا أن يصيبوا من عرض الدنيا بفتحتين ما سوى العين، ولقرب السفر، "واستخلف على المدينة" حبه "زيد بن حارثة" قاله ابن سعد وشيخه. وقال ابن هشام: أبا ذر الغفاري، ويقال: نميلة بن عبد الله الليثي، ونميلة تصغير نملة، كما قال البرهان، "وقادوا الخيل، وكانت ثلاثين فرسا" قاله ابن سعد قال: منها عشرة في المهاجرين, وفي الأنصار عشرون ومعه صلى الله عليه وسلم لزاز والظرب.

وخرجت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. وبلغ الحارث ومن معه مسيره عليه الصلاة والسلام فسيء بذلك هو ومن معه، وخافوا خوفا شديدا، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب. وبلغ عليه الصلاة والسلام المريسيع، وصف أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة

_ وذكر الشامي أنهما من جملة عشرة المهاجرين. قال البرهان: لزاز بكسر اللام وزاي مكررة مخففة بينهما ألف، من لاززته، أي: ألصقته، كأنه لصق بالمطلوب لسرعته، وقيل: لاجتماع خلقه، واللزز المجتمع الخلق، ا. هـ. والظرب بفتح الظاء المعجمة كما في القاموس والنور في الخيل النبوية، والسبل وتكسر على ما في بعض نسخ النور هنا، وصدر به الشامي في ذكر الخيل النبوية فراء مكسورة فموحدة واحد الظراب، وهي الروابي الصغار سمي بذلك لكبره وسمنه، وقيل: لقوته وصلابته. "وخرجت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما" فسار صلى الله عليه وسلم حتى سلك على الخلائق بالخاء والقاف، مكان به مزارع وآبار قرب المدينة، فنزل بها فأتي يومئذ برجل من عبد القيس، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "أين أهلك"؟، قال: بالروحاء من عمل الفرع، قال: "أين تريد"؟، قال: إياك جئت لأؤمن بك، وأشهد أن ما جئت به حق وأقاتل معك عدوك، فقال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام"، فقال: "أي الأعمال أحب إلى الله"؟، قال: "الصلاة، لأول وقتها". فكان بعد ذلك يصلي الصلاة لأول وقتها، وأصاب صلى الله عليه وسلم عينا للمشركين، أي: جاسوسا لهم، فسألوه عنهم فلم يذكر من شأنهم شيئا، فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر عمر بن الخطاب فضرب عنقه كما في الشامية. "وبلغ الحارث ومن معه مسيره عليه الصلاة والسلام" وأنه قتل جاسوسه "فسيء بذلك" الخبر "هو ومن معه" أي: ساءهم خبر مسيره إليهم، كما قاله البيضاوي، وسيء بهم معناه ساءه مجيئهم، وفي إعراب السمين سيء مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير لوط من ساءني بكذا، أي: حصل لي سوء وبهم متعلق به، أي: بسببهم "وخافوا شديدا" للرعب الذي قذفه الله في قلوب أعدائه، "وتفرق عنهم من كان معهم من العرب" الذين جمعهم الحارث من غير قومه، "وبلغ عليه الصلاة والسلام إلى المريسيع". قال ابن سعد: فضرب عليه قبة فتهيئوا للقتال، "وصف أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر" الصديق، قاله ابن سعد، ويقال: إلى عمار بن ياسر "وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة".

فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر عليه الصلاة والسلام أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، وقتلوا عشرة وأسروا سائرهم، وسبوا الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء.

_ وروي أنه صلى الله عليه وسلم أمر عمر، فنادى في الناس: قولوا: لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، فأبوا "فتراموا بالنبل ساعة" فكان أول من رمى رجل منهم، "ثم أمر عليه الصلاة والسلام أصحابه فحملوا حملة رجل واحد" فما أفلت منهم إنسان، "وقتلوا عشرة وأسروا سائرهم" أي: باقيهم. قال البرهان: لم يذكر عدتهم، وقد قال بعض شيوخي: كانت الأسرى أكثر من سبعمائة فطلبتهم منه جويرية ليلة دخوله بها فوهبهم لها ا. هـ، ولا يشكل بما رواه ابن إسحاق وغيره من حديث عائشة، وخرج الخبر إلى الناس أنه صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، ا. هـ؛ لأن طلبها إياهم منه وكونه وهبهم لها لا يمنع كون المسلمين حين سمعوا أنه تزوجها أطلقوا الأسرى، فكان ذلك زيادة إكرام من الله لنبيه حتى لا يسأل أحدا منهم في ذلك بشيء أو مجانا. نعم، روى الواقدي بسند له مرسل أن جويرية قالت: رأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث ليال، كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبرها أحدا من الناس حتى قدم صلى الله عليه وسلم، فلما سبينا رجوت الرؤيا، فلما أعتقني وتزوجني والله ما كلمته في قومي، حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم من أيديهم وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر فحمدت الله تعالى، فإن صح أمكن أن يكون قولها ما كلمته، أي: ألححت عليه، بل اكتفيت بأول مرة ليلة الدخول، أو ما كلمته حين خطبني. "وسبوا الرجال والنساء والذرية" تفسير لأسر سائرهم، "و" ساقا "النعم والشاء" فهو مفعول لمحذوف؛ لأن السبي مخصوص بأسر العدو، أو ضمن سبي معنى أخذ فلا تقدير. قال ابن سعد: وكانت الإبل ألفي بعير، والشاء خمسة آلاف شاة، وكان المسبي مائتي بيت. قال البرهان: وأحد البيوت. وفي نسخة: بنت بكسر الموحدة ونون ساكنة وفوقية، والأولى أظهر ا. هـ. وهو الذي دل عليه حديث عائشة: لقد أعتق..... إلخ، ثم ظاهر حديث عائشة أنهم كلهم أطلقوا بلا فداء. وذكر الواقدي أنه قدم وفدهم فافتدوا الذرية والنساء كل واحد منهم بست فرائض ورجعوا إلى بلادهم وخير من خير منهن أن تقيم عند من صارت في سهمه، فأبين إلا الرجوع، فإن صح

ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحدا، كذا ذكره ابن إسحاق. والذي في صحيح البخاري من حديث ابن عمر يدل على أن أغار عليهم على حين غفلة منهم فأوقع بهم ولفظه: أن النب صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تستقي على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وهم على الماء. يحتمل أنهم حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلا، فلما كثر فيهم القتل انهزموا بأن يكونوا لما دهمهم

_ فيحتمل أن بعض الوفد قدم ففادى جملة، وذهبوا بهم قبل تزوج جويرية، ثم أعتق المسلمون الباقي بعد تزوجها وإلا فالأصلح الأول. "ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد" هو هشام بن صبابة، بصاد مهملة مضمومة فموحدة مخففة فألف فموحدة أخرى، أصابه أنصاري يقال له أوس من رهط عبادة بن الصامت، يرى أنه من المشركين فقتله خطأ، وقدم أخوه مقبس بن صبابة من مكة مسلما في الظاهر، فقال: يا رسول الله جئتك مسلما، وأطلب دية أخي قتل خطأ، فأمر له بدية أخيه، فأقام غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا، كما ذكر ابن إسحاق وأتباعه، فأهدر صلى الله عليه وسلم دمه فقتل يوم الفتح، "كذا ذكره" أي: حاصل المعنى الذي ساقه المصنف "ابن إسحاق" وإلا فأكثره لفظ ابن سعد، كما فصله صاحب العيون. وإنما قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحيى، قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث، فخرج حتى لقيهم على المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه. قال الحافظ: كذا عنده بأسانيد مرسلة، "والذي في صحيح البخاري" في كتابه العتق، وكذا في صحيح مسلم "من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم" القتل والأسر. قال المصباح: وقع بالقوم وقيعة قتلت وأثخنت وتميم تقول: أوقعت بهم بالألف، "ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون" بغين معجمة فألف فراء مشددة، أي: غافلون "وأنعامهم تستقي على الماء فقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم وهم على الماء" فهذا خلاف رواية ابن إسحاق أنهم اقتتلوا. "فيحتمل" في الجمع بينهما، كما قاله الحافظ "أنهم حين الإيقاع بهم" وإن كانوا غافلين "ثبتوا قليلا، فلما كثر فيهم القتل" بحمل المسلمين عليهم حملة واحدة، "انهزموا بأن يكونوا" تصوير لما فعل بهم "لما دهمهم" بكسر الهاء وفتحها، أي:

وهم على الماء وتصافوا وقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم. قيل وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم. وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فذكر حديث التيمم.

_ فجأهم "وهم على الماء وتصافوا، وقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم" للمسلمين، والحمد لله. وذكر ابن سعد القصة بنحو ما ذكر ابن إسحاق، ثم أشار إلى حديث ابن عمر، ثم قال: الأول أثبت وأقره اليعمري، ورده الحافظ، فقال: والحكم يكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردوده، ولا سيما مع إمكان الجمع ا. هـ. وذكر ابن إسحاق من جملة السبي جويرية أم المؤمنين، وسيذكر المصنف قصتها التي ساقها الشارح في الزوجات، فلا نطيل بها هنا. "قيل: وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم". قال ابن بطال: هي آية النساء، أو المائدة. وقال القرطبي: آية النساء ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء. وكذا ذكر الواحدي في سبب النزول الحديث في آية النساء. قال الحافظ: وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أنها آية المائدة بلا تردد لرواية عمرو بن الحارث، إذ صرح فيها بقوله: فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] . "وفي الصحيحين" البخاري في التيمم والمناقب والنكاح والتفسير والمحاربين، ومسلم في الطهارة "من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فذكر" كل في صحيحه "حديث التيمم" بطوله، وهو حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا له: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيه في خاصرتي،

قال في فتح الباري: "قوله في بعض أسفاره" قال ابن عبد البر في التمهيد: يقال كان ذلك في غزوة بني المصطلق. وجزم بذلك في الاستذكار. وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان، وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع. وفيها كانت قصة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا. فإن كان ما جزموا به ثابتا، حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين, لاختلاف القصتين، كما هو بين من سياقهما.

_ فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثا البعير فأصبنا العقد تحته. "قال في فتح الباري" في كتاب التيمم "قولا في بعض أسفاره. قال ابن عبد البر في التمهيد" لما في الموطأ من المعاني والأسانيد رتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، ولم يتقدمه أحد إلى مثله، وهو سبعون جزءا. قال ابن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه "يقال كان ذلك في غزوة بني المصطلق، وجزم بذلك في الاستذكار" بمذاهب علماء الأمصار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، شرح فيه الموطأ على وجهه، ونسق أبوابه، "وسبقه إلى ذلك" الجزم "ابن سعد وابن حبان وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع، وفيها كانت" تامة، أي: وقعت، وبه عبر الفتح "قصة الإفك لعائشة" حال من قصة أو صفة لها، أي: المنسوبة لعائشة لا حال من الإفك وإلا لقال عن عائشة، ثم هو كما ترى لم يذكر قصة الإفك كما توهمه الشارح، وجعل له ترجمة وتكلم فيها على لفظ الإفك لغة. "وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا" كما أنه سبب حديث التيمم، "فإن كان ما جزموا به" من أن قصة التيمم في غزوة المريسيع "ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين، كما هو بين من سياقهما" فقد علمت سياق حديث التيمم. وأما حديث الإفك ففي البخاري ومسلم عن عائشة خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه حت إذا فرغ صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين أذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل، فمضيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع،

واستبعد بعض شيوخنا ذلك؛ لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، وهما بين مكة وخيبر كما جزم به النووي. قال: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التين فإنه قال: البيداء هو ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش وراء ذي الحليفة.

_ فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش في نحر الظهيرة وهم نزول، فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول ... الحديث في نحو أربع ورقات. "واستبعد بعض شيوخنا ذلك" أي: ما جزموا به، أي: ابن سعد وابن حبان وابن عبد البر، من أن قصة التيمم في غزاة المريسيع؛ "لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة" أي: قصة التيمم، "كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء" بفتح الموحدة والمد، "أو بذات الجيش" بفتح الجيم، وسكن التحتية وشين معجمة، والشك من عائشة قاله المصنف، "وهما بين مكة وخيبر" وليست خيبر من جهة قديد التي بها المريسيع "كما جزم به النووي". "قال" أي: بعض شيوخه: "وما جزم به" النووي "مخالف لما جزم به ابن التين" شارح البخاري "فإنه قال: البيداء هو ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة وذات الجيش وراء ذي الحليفة" وهذا يرد الاستبعاد، ويدل على أن قصة التيمم كانت بالمريسيع كما جزموا به.

وقال أبو عبيد البكري في معجمه: البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا، ثم قال: وذات الجيش من المدينة على بريد. قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال, والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، فاستقام ما قاله ابن التين تنبيه.

_ "وقال أبو عبيد البكري في معجمه: البيداء أدنى" أقرب "إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا" في التيمم، ثم ساق حديث ابن عمر، قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد. قال: والبيداء هو الشرف الذي قدام ذي الحليفة من طريق مكة، هكذا أسقطه المصنف من الفتح قبل قوله، "ثم قال: وذات الجيش من المدينة على بريد قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال". قال ابن حجر: قلت: "والعقيق من طريق مكة، لا من طريق خيبر، فاستقام ما قاله ابن التين" وظهر به عدم استبعاد كون قصة التيمم بالمريسيع. "تنبيه" لا يخفى عليك أن الكلام كله صريح في أن الاستبعاد، إنما هو في كون قصة التيمم بالمريسيع، ولم أدر ما وجه ترجيع اسم الإشارة لقصة الإفك، وأيضا فقصة الإفك لا نزاع في كونها في غزاة المريسيع؛ لأنه المنقول في البخاري عن الزهري. ورواه الجوزقي والبيهقي عنه عن عروة عن عائشة، وجزم به ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فلا يتأتى من شيخ الحافظ استبعادها؛ لأنه يشبه خرق الإجماع؛ فإنما استبعد ما جزم به أولئك، كما هو صريح الكلام السابق واللاحق. وفي الفتح عقب قوله: فاستقام، ما قال ابن التين ويؤيده ما رواه الحميدي: أن القلادة سقطت ليلة الأبواء، والأبواء بين مكة والمدينة. وعند الفريابي: وكان ذلك المكان يقال له الصلصل بمهملتين مضمومتين ولامين أولاهما ساكنة بين الصادين. قال البكري: جبل عند ذي الحليفة، كذا ذكره في حرف الصاد المهملة، ووهم مغلطاي وغيره، فزعم أنه ضبطه بالمعجمة، وعرف من تظافر هذه الروايات تصويب ما قال ابن التين ا. هـ. ثم قال في الفتح في شرح قول أسيد: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، أي: بل مسبوقة بغيرها من البركات، وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيقوى قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد، فأخذه المصنف ووصله بكلامه الأول وهو صادق؛ لأنه كله كلامه.

وقد قال قوم بتعدد ضياع العقد مرتين، ومنهم محمد بن حبيب الأخباري فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق. وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أولا. وقال الداودي: كانت قصة التيمم في غزاة الفتح ثم تردد في ذلك. وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع, فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف. وكان البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة. ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة...........

_ فقال: "وقد قال قوم بتعدد ضياع العقد مرتين، ومنهم محمد بن حبيب الأخباري". قال أبو ذر في حواشيه: أكثر العلماء لا يصرف حبيب هنا يجعله اسم أمه، فعلى هذا لا ينصرف للتعريف والتأنيث ا. هـ، أي: العلمية والتأنيث المعنوي. وبهذا جزم النووي في شرح مسلم وهو مردود. ففي الروض للسهيلي ما لفظه وابن حبيب النسابة مصروف اسم أبيه، ورأيت لابن المغربي إنما هو حبيب بفتح الباء غير مجرى، أي: مصروف لأنها أمه، وأنكر عليه غيره، وقالوا: هو حبيب بن المحبر معروف ا. هـ. "فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق" فليست المرتان في غزوة واحدة، "وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أولا" بالفتح وشد الواو. "وقال الداودي" أحمد بن نصر المالكي شارح البخاري: "كانت قصة التيمم في غزاة الفتح، ثم تردد في ذلك وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع" لأنه ليس فيها بيان كيفية التيمم، "فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة وهي بعدها" أي: بعد غزوة بني المصطلق، "بلا خلاف" وهذا أيضا يرد أن المرتين كانتا في غزوة واحدة، "وكان" فعل ماض "البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة" في سنة سبع، "ومما يدل على تأخر القصة" للتيمم "أيضا عن

الإفك ما رواه الطبراني من طريق يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى جلس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة.

_ قصة الإفك ما رواه الطبراني من طريق" محمد بن إسحاق، عن "يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير" بن العوام، المدني الثقة، مات بعد المائة، وله ست وثلاثون سنة "عن أبيه" عباد قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج ثقة. روى له الجميع "عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان من أمر عقدي" أي: قلادتي، وكانت من جزع ظفار كما مر عنها في حديث الإفك، ورواه أبو داود وغيره عن عمار في هذه القصة، وجزع بفتح الجيم وسكون الزاي خرز يمني وظفار مدينة باليمن. وفي رواية عروة، عنها في الصحيح: أنها استعارتها من أسماء أختها فهلكت، أي: ضاعت. قال الحافظ: والجمع أن إضافتها إليها لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها لتصريحها بأنها استعارتها منها "ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى جلس الناس" بجلوس النبي صلى الله عليه وسلم "على التماسه" أي: لأجل طلبه. وفي أبي داود: فبعث أسيد بن حضير وناسا معه في طلبه، وفيه اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين، وإن قلت فقد نقل ابن بطال أنه روي أن ثمن العقد كان اثني عشر درهما، وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال, قاله الحافظ وقد مر في حديث الصحيحين، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. "فقال لي أبو بكر" قال الحافظ: لم تقل أبي؛ لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر، فلذا أنزلته منزلة الأجنبي، فقال أبو بكر: "يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم". اختلف فيه هل هو عزيمة أو رخصة، وفصل بعضهم قال هو لعدم الماء عزيمة وللعذر رخصة، "فقال أبو بكر: إنك لمباركة" هذا لفظ الفتح، ولفظ العيون: والله يا بنية إنك كما علمت لمباركة. وكل عزى للطبراني فكأنهما روايتان له، أو الفتح اختصر وقال لها صلى الله عليه وسلم: "ما كان

وفي إسناده محمد بن حميد الرازي. وفيه مقال. وفي سياقه من الفوائد: بيان عتاب أبي بكر رضي الله عنه الذي أبهم في حديث الصحيح، والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين. ا. هـ. وفي هذه الغزوة

_ أعظم بركة قلادتك" رواه ابن إسحاق القتيبي في تفسيره، وقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية: لقد بارك الله فيكم، وفي رواية: فقال أسيد: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا، وفي رواية: إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة، رواها كلها البخاري. قال الحافظ: إنما قال ذلك دون غيره؛ لأنه كان رئيس من بعث في طلب العقد الذي ضاع، قال: وقولها: فأصبنا العقد تحته ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه لم يجدوه. وللبخاري أيضا: فبعث رجلا فوجدها وله ولمسلم، فبعث ناسا من أصحابها في طلبها, ولأبي داود: فبعث أسيد بن حضير، وناسا معه قال: وطريق الجمع أن أسيدا كان رأس من بعث لذلك، فلذا سمي في بعض الروايات دون غيره وأسند الفعل إلى واحد منهم، وهو المراد به، وكأنهم لم يجدوا العقد أولا، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم، وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده أسيد، فرواية وجدها, أي: بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره انتهى ملخصا. "وفي إسناده" الحافظ "محمد بن حميد الرازي" أبو عبد الله التميمي عن ابن المبارك وخلق. وعنه أبو داود والترمذي وابن ماجه وطائفة، توفي سنة ثلاثين ومائتين، "وفيه مقال" فضعفه النسائي والجوزجاني، ووثقه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد، "وفي سياقه من الفوائد بيان عتاب أبي بكر رضي الله عنه الذي أبهم في حديث الصحيح" في قولها: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول. "والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين" في قولها: خرجت مرة أخرى فسقط أيضا عقدي، وقول أبيها في كل سفرة "انتهى" كلام الفتح، وحاصله: هل السفر المبهم في قول عائشة في بعض أسفاره المريسيع، أو ذات الرقاع، أو الفتح أقوال، وهل سقط العقد مرتين في غزوة واحدة وهي المريسيع, أو مرتين في غزوتين "وفي هذه الغزوة" على ما عند ابن إسحاق وأهل المغازي. وعند النسائي أن ذلك كان في غزوة تبوك وأيده الحافظ, بأن في رواية للبخاري في سفر

قال ابن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فسمعه زيد بن أرقم، ذو الأذن الواعية، فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فأرسل إلى ابن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فأنزل الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد صدقك يا زيد". رواه البخاري. وكانت غيبته عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة ثمانية وعشرين يوما.

_ أصاب الناس فيه شدة، ورجح ابن كثير الأول، بأن ابن أبي لم يخرج في غزوة تبوك، بل ورد أنه رجع بطائفة من الجيش. "قال ابن أبي" ابن سلول، رأس المنافقين: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز" يعني نفسه، "منها" أي: المدينة، "الأذل" يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وما أحسن قول أسيد بن حضير بالموجب، لما قال له ذلك عليه السلام، قال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: ارفق به فوالله لقد جاء الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه وإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا، ذكره ابن إسحاق، وذلك أنه ضرب مهاجري أنصاريا بيده, فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها الله رسوله الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما هذا"؟ فأخبروه، فقال: "دعوها فإنها منتنة"، فقال ابن أبي أوقد: فعلوا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" رواه البخاري عن جابر، وأورده ابن إسحاق مطولا، وسمى المهاجري جهجاه بن مسعود أجير عمر بن الخطاب والأنصاري سنان بن وبر, "فسمعه زيد بن أرقم" الأنصاري استصغر بأحد وأول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، كما في الصحيح وله حديث كثير وشهد صفين مع علي، ومات بالكوفة سنة ست، وقيل: ثمان وستين "ذو الأذن الواعية" الضابطة لما سمعته؛ لأنه لما نقل قول ابن أبي، واتهم فيه نزل القرآن مصدقا له، فدل على قوة ضبطه وحفظه لما سمعه، "فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك" بنفسه، كما في رواية أو ذكر ذلك لعمه، فذكره عمه له صلى الله عليه وسلم كما في أخرى، وكلاهما في الصحيح، "فأرسل إلى ابن أبي وأصحابه، فخافوا ما قالوا". قال في حديث البخاري فصدقهم، وكذبني فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي، "فأنزل الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون: 1] فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد صدقك يا زيد" وفي مرسل الحسن: أنه أخذ بإذنه فقال له: وفي الله بإذنك يا غلام، وكان عليه السلام لما حلف له ابن أبي قال لزيد: لعله أخطأ سمعك، "رواه" أي: أصل الحديث بمعناه، لا كونه في هذه الغزوة "البخاري" بطرق عديدة من حديث زيد. وفي الترمذي فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي: والله لا تنقلب، أي: إلى المدينة، حتى تقول إنك أنت الذليل ورسول الله العزيز، ففعل. "وكانت غيبته عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة ثمانية وعشرين يوما" وقدم المدينة لهلال رمضان، قاله ابن سعد، وفي هذه الغزوة أيضا نهى صلى الله عليه وسلم عن العزل، رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد.

غزوة الخندق وهي الأحزاب

"غزوة الخندق وهي الأحزاب": جمع حزب، أي: طائفة فأما تسميتها بالخندق: فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره عليه الصلاة والسلام، ولم يكن اتخاذ الخندق من شأن العرب، ولكنه من مكايد الفرس وكان الذي أشار به سلمان

_ غزوة الخندق وهي الأحزاب: هذه الترجمة للبخاري قال الحافظ: يعني أن لها اسمين وهو كما قال: والأحزاب "جمع حزب، أي: طائفة فأما تسميتها بالخندق" بفتح الخاء المعجمة وسكون النون، "فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة" في شاميها من طرف الحرة الشرقية إلى طرف الحرة الغربية "بأمره عليه الصلاة والسلام". روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني: أنه صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر الشيخين تثنية شيخ ضد شاب، وهما أطمان تثنية أطم بضمتين، طرف بني حارثة حتى بلغ المداحج، فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا. قال شيخنا: لعلها حاصلة من ضرب قدر من الطول في العرض، والحاصل في ذلك في العمق وليس المراد لكل عشرة أربعين طولا لزيادة ذلك على مسافة عرض المدينة بكثير لكثرة الصحابة الذين حفروا فيه، قلت: وفي رواية خط صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع، "ولم يكن" كما أفاده السهيلي "اتخاذ الخندق من شأن العرب، ولكنه من مكايد الفرس" وحروبها جمع مكيدة، أي: حيلها التي يتوصلون بها إلى مرادهم، "و" لذا "كان الذي أشار به سلمان" الفارسي. قال ابن جرير: أول من اتخذ الخنادق موشهر بن أيرج، وإلى رأس ستين سنة من ملكه

فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفره، وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين. وأما تسميتها بالأحزاب، فلاجتماع طوائف من المشركين على حزب المسلمين، وهم: قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم

_ بعث موسى عليه السلام، وأول من فعل الكمائن في الحروب بختنصر انتهى من الروض، وتبعه العيون وهو بميم مفتوحة فواو فشين معجمة فهاء ساكنة فراء، وإيرج بهمزة في أوله مكسورة فتحتية فراء فجيم، كما في نسخة صحيحة من الروض والعيون قرئت على مصنفيهما. "فقال" سلمان، كما ذكره أصحاب المغازي منهم، أبو معشر "يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفرة" حول المدينة "وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين"، فسارعوا إلى عمله، حتى فرغوا منه وجاء المشركون فحاصروهم. وذكر ابن سعد وغيره أنه لما تهيأت قريش للخروج، أتى ركب خزاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أربع ليال حتى أخبروه، فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في أمرهم أيبرز من المدينة، أم يكون فيها ويحاربهم عليها؟، وفي طرقها، فأشار سلمان بالخندق، فأعجبهم وأحبوا الثبات بالمدينة وأمرهم صلى الله عليه وسلم بالجد ووعدهم النصران إن هم صبروا واتقوا وأمرهم بالطاعة. "وأما تسميتها بالأحزاب فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين وهم قريش وغطفان واليهود"، عد اليهود مشركين وإن كانوا أهل كتاب؛ لأنهم لما ظاهروهم وخالفوا ما يعلمونه من كتابهم المقتضي لمبادرتهم للإسلام، أفلا أقل من كف الأذى وترك القتال، كانوا كأنهم منهم أو ضمهم إليهم بالتبعية؛ لأن الجل مشركون، أو لأن المراد مطلق الكفار، كما هو المراد بهم إذا أفردوا، فإن جمعوا فعباد الأوثان، "ومن تبعهم" كبني سليم. ذكر موسى بن عقبة في المغازي، قال: خرج حيي بن أخطب بعد بني النضير إلى مكة يحرض المشركين على حربه صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحرضهم على قتاله على أن لهم نصف تمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بقريش، فنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مددا لهم، فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله الأحزاب. وذكر الواقدي أنهم جعلوا لهم تمر خيبر سنة، ولعلهما كان قصدهما خروج حيي لمكة وكنانة لغطفان ابتداء ثم طرأ لهما الذهاب جملة لمكة، ثم لغطفان فلا ينافي رواية ابن إسحاق الآتية لذلك.

وقد أنزل الله تعالى في القصة صدرا من سورة الأحزاب. واختلف في تاريخها: فقال موسى بن عقبة: كانت سنة أربع. وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي. ومال البخاري إلى قول موسى بن عقبة، وقواه بقول ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه

_ "وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدرا" أي: جملة، "من سورة الأحزاب" من قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 11] ، إلى قوله: {قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] سميت صدرا لارتفاعها على غيرها من بقية السورة من حيث دلالتها على فضل المؤمنين، وثباتهم وخبث المنافقين وعنادهم. وفي المصباح صدر المجلس مرتفعه. "واختلف في تاريخها فقال موسى بن عقبة" في مغازيه التي شهد مالك والشافعي بأنها أصح المغازي "كانت سنة أربع". قال الحافظ: وتابع على ذلك الإمام مالك أخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه. "وقال ابن إسحاق:" كانت "في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي". قال ابن القيم: وهو الأصح والذهبي هو المقطوع به، والحافظ هو المعتمد، انتهى غايته أن ابن سعد وشيخه قالا: كانت في ذي القعدة "ومال البخاري إلى قول موسى بن عقبة" فنقله عنه مقتصرا عليه، "وقواه بقول ابن عمر" الذي أخرجه أول أحاديث الباب عن نافع عنه بلفظ: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد". قال الحافظ: عرض الجيش اختبار أحوالهم قبل مباشرة القتال للنظر في هيآتهم، وترتيب منازلهم وغير ذلك، "وهو ابن أربع عشرة" سنة. وفي رواية مسلم: عرضني يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة، "فلم يجزه" بضم أوله وكسر الجيم فزاي، أي: لم يمضه، ولم يأذن له لعدم أهليته للقتال، "وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة" سنة، "فأجازه". وفي رواية مسلم: عرضني يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة، "فلم يجزه" بضم أوله وكسر الجيم فزاي، أي: لم يمضه، ولم أذن له لعدم أهليته للقتال، "وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة" سنة، "فأجازه". قال الحافظ: أي: أمضاه وأذن له في القتال. وقال الكرماني: أجازه من الإجازة وهي للأنفال، أي: أسهم له، قلت: والأول أولى، ويرد

فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق في سنة أربع. ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس، لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي. وقال الشيخ ولي الدين بن العراقي: والمشهور أنها في السنة الرابعة. وكان من حديث هذه الغزوة:

_ الثاني هنا أنه لم يكن في غزوة الخندق غنيمة يحصل منها نقل. وفي حديث أبي واقد الليثي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز ورد من رد إلى الذراري، فهذا يوضح أن المراد بالإجازة الإمضاء للقتال؛ لأن ذلك كان في مبدأ الأمر قبل حصول الغنيمة، أن لو حصلت غنيمة ا. هـ. وعلى هذا "فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث" باتفاق "فيكون الخندق في سنة أربع" كما قال ابن عقبة، "ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس"، كما جزم به أهل المغازي "لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي". زاد الحافظ ويؤيد قول ابن إسحاق: أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر، فخرج صلى الله عليه وسلم من السنة المقبلة إليها، فلم يأت أبو سفيان للجدب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان، أو دونها، ذكره ابن إسحاق وغيره، وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة، ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأحد في الثانية، والخندق في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة، وهو المعتمد، ا. هـ. "و" لكن "قال الشيخ" الحافظ ابن الحافظ "ولي الدين بن العراقي المشهور: أنها" أي: الخندق، "في السنة الرابعة" حقيقة لمزيد إتقان القائلين بذلك كيف وهم موسى بن عقبة ومالك والبخاري، ولذا صححه النووي في الروضة. "وكان من حديث" أي: سبب هذه الغزوة، "هذه الغزوة" كما رواه ابن إسحاق بأسانيد

أن نفرا من يهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حربه عليه الصلاة والسلام وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك واجتمعوا معهم. فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن

_ كلها مرسلة، "أن نفرا من يهود" منهم سلام بن مشكم وابن أبي الحقيق وحيي وكنانة النضيريون وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان، "خرجوا" من خيبر "حتى قدموا على قريش مكة، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله". قال في رواية ابن إسحاق: فقالت لهم قريش: إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه، قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فأنزل الله تعالى فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} إلى قوله {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} فسر ذلك قريشا ونشطوا لما دعوهم إليه، "فاجتمعوا لذلك واتعدوا له" أي: تواعدوا على وقت يخرجون فيه، وفي نسخة: واستعدوا له، والأول هو الرواية في ابن إسحاق والمناسب لقوله، "ثم خرج أولئك اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان" بعين مهملة. قال الجوهري: وليس في العرب عيلان غيره، وهو في الأصل اسم فرسه، ويقال هو لقب مضر؛ لأنه يقال قيس بن عيلان، "فدعوهم إلى حربه عليه الصلاة والسلام وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه". قال الواقدي: وجعلوا لهم خيبر سنة إن هم نصروهم، "وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فخرجت قريش" في أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن أبي طلحة "وقائدها أبو سفيان بن حرب" المسلم في الفتح، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألفا وخمسمائة بعير ولاقتهم بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدي، قاله ابن سعد، وأسلم طليحة بعد ذلك. "وخرجت غطفان وقائدها يينة بن حصن" بن حذيفة بن بدر الفزاري، "في فزارة" قبيلته،

في فزارة، والحارث بن عوف المري في مرة. وكان عدتهم -فيما ذكره ابن إسحاق- عشرة الآف, والمسلمون ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك.

_ وكانو ألفا. قال في الروض: سمي عيينه لشتر كان بعينيه واسمه حذيفة، وهو الذي قال في صلى الله عليه وسلم: "الأحمق المطاع" لأنه كان يتبعه عشرة الآف قناة. وقال فيه أيضا: إن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره. وفي رواية: إني أداريه لأني أخشى أن يفسد علي خلقا كثيرا، وفيه بيان معنى الشر الذي أتقي منه، ودخل عليه صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فقال له: "أين الإذن"، قال: "ما استأذنت على مضري قبلك"، وقال: "ما هذه الحميراء معك"؟ قال: "عائشة بنت أبي بكر"، فقال: "طلقها"، وأنزل لك عن أم البنين في أمور كثيرة من جفائه أسلم، ثم ارتد وآمن بطليحة حتى تنبأ، وأخذ أسيرا، فأتي به للصديق، فمن عليه، ولم يزل مظهرا للإسلام على جفوته وعنجهيته ولوثة أعرابيته حتى مات. قال الشاعر: وإني على ما كان من عنجهيتي ... ولوثة أعرابيتي لأديب ا. هـ. "والحارث بن عوف المري" بضم الميم وشد الراء، أسلم بعد تبوك في وفد قومه بني مرة، وكانوا ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث أحد الفرسان المشهورين "في" بني "مرة" وكانوا أربعمائة. زاد ابن سعد: وخرجت أشجع، وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، بضم الراء وفتح الخاء، وأسلم بعد وخرج معهم غيرهم. قال: وقد روى الزهري: أن الحارث بن عوف رجع ببني مرة، فلم يشهد الخندق منهم أحد، وكذلك روت بنو مرة والأول أثبت ا. هـ. "وكان عدتهم فيما ذكره ابن إسحاق" بأسانيده, وابن سعد "عشرة الآف". قال ابن سعد: وكانوا ثلاثة عساكر، وعاج الأمر إلى أبي سفيان، قالا أيضا: "والمسلمون ثلاثة آلاف". قال الشامي: وهو الصحيح المشهور "وقيل غير ذلك". قال في الفتح: وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف. ونقل ابن القيم في الهدى عن ابن إسحاق أن المسلمين كانوا سبعمائة. قال: وهذا غلط

وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسا. ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحزاب، ما أجمعوا عليه من الأمر، ضرب على المسلمين الخندق، فعمل فيه عليه الصلاة والسلام ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، فدأب ودأبوا. وأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين في عملهم ذلك ناس من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعف عن العمل

_ من خروجه يوم أحد. قال الشامي: ولا دليل في قول جابر في قصة الطعام، وكانوا ألفا؛ لأنه أراد الآكلين فقط لا عدة من حضر الخندق ا. هـ. وقيل: كان المشركون خمسة عشر ألفا، كذا حكاه في النهر. قال ابنا سعد وهشام: واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. "وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين سنة وثلاثون فرسا، ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحزاب وما أجمعوا عليه من الأمر" الذي زعموه، وهو استئصال المسلمين "ضرب على المسلمين الخندق"، أي: جعل على كل عشرة أربعين ذراعا كما مر، وكان الخندق بسطة أو نحوها، "فعمل فيه عليه الصلاة والسلام" بنفسه "ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فدأب ودأبوا" جدوا وتعبوا، حتى كان سلمان يعمل عمل عشرة رجال حتى عانه قيس بن صعصعة، أي: أصابه بالعين فلبط، بضم اللام وكسر الموحدة وطاء مهملة، أي: صرع فجأة من عين، أو علة وهو ملتو، فقال صلى الله عليه وسلم: "مروه فليتوضأ وليغتسل به سلمان وليكفئ الإناء خلفه" ففعل، فكأنما حل من عقال. وعند الطبراني: وت نافس المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا. فقال صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" بنصب أهل على الاختصاص، أو على إضمار، أعني وأما الخفض على البدل فلم يجزه سيبويه من ضمير المتكلم، ولا من ضمير المخاطب؛ لأنه في غاية البيان، وأجازه الأخفش، قاله السهيلي. "وأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين في عملهم ذلك" أي: تأخر عن العمل معهم، "ناس من المنافقين" وهذا كالاستثناء من دأب ودأبوا، كأنه قال: إلا المنافقين وإنما أخرجوا؛ لأنهم مسلمون ظاهرا، "وجعلوا يورون بالضعف عن العمل" أي: يخفون مقصودهم من خذلان المسلمين بإظهار الضعف. ففي القاموس وراه تورية أخفاه كواراه أو يتعللون به سماه تورية، لإظهارهم خلاف

وفي البخاري: عن سهل بن سعد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار". والأكتاد: بالمثناة الفوقية- جمع كتد -بفتح أله وكسر المثناة- وهو ما بين الكاهل إلى الظهر، وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بالموحدة، وهي موجه على أن المراد به مما يلي الكبد من الجنب.

_ قصدهم من عدم إعانة المسلمين وخذلانهم، وأبرزوه في صورة الضعف، لكن حيث صح المعنى اللغوي بالحقيقة، فلا معدل عنه للمجاز. "وفي البخاري" ثاني حديث في هذا الباب. "عن سهل بن سعد" الساعدي "قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون" بكسر الفاء "ونحن ننقل التراب على أكتادنا" بالتاء والباء. وفي حديث أنس: على متونهم كما عند البخاري. ق ال الحافظ: ووهم ابن التين فعزا هذه اللفظة لحديث سهل. "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله لا عيش" دائم "إلا عيش الآخرة". قال الداودي: إنما قال ابن رواحة: لا هم إن العيش بلا ألف ولام، فأورده بعض الرواة على المعنى. قال الحافظ: وحمله على ذلك ظنه أنه يصير بالألف واللام غير موزون، وليس كذلك بل يكون دخله الجزم، ومن صوره زيادة شيء من حروف المعاني في أول الجزء "فاغفر للمهاجرين والأنصار"، وفي حديث أنس بعده، " فاغفر للأنصار والمهاجرة". قال الحافظ: وكلاهما غير موزون، ولعله صلى الله عليه وسلم تعمد ذلك، ولعل أصله فاغفر للأنصار وللمهاجرة بتسهيل همزة الأنصار، وباللام في المهاجرة، وفي الرواية الأخرى فبارك بدل فاغفر، "والأكتاد بالمثناة الفوقية، جمع كتد، بفتح أوله وكسر المثناة". زاد المصباح وفتحها "ما بين الكاهل" كصاحب الحارك، أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى، وفيه ست فقرات، أو ما بين الكتفين، أو موصل العنق في الصلب، كما في القاموس "إلى الظهر". وقال ابن السكيت: الكتد مجتمع الكتفين، وحاصل المعنى أنهم كانوا يحملون على أكتافهم أعالي ظهورهم، "وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بموحدة، وهو موجه على أن المرد به ما يلي الكبد من الجنب" لاستحالة الحقيقة.

وفي البخاري أيضا: عن أنس: فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة" فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا قال ابن بطال: وقوله: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، هو من قول ابن رواحة تمثل به عليه الصلاة والسلام

_ "وفي البخاري أيضا" ثالث حديث في الباب عن حميد، "عن أنس": خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، "فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم". قال الحافظ: أي: إنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا مجرد الرغبة في الأجر، "فلما رأى ما بهم من النصب" بفتح النون والصاد التعب "والجوع". "قال:" وفي رواية أبي الوقت فقال: والأولى أولى؛ لأن جواب لما لا يقترن بالفاء "صلى الله عليه وسلم" وفي هذا كما قال الفتح بيان سبب قوله: "اللهم إن العيش" المعتبر الدائم "عيش الآخرة " لا عيش الدنيا لكدورته، وكونه مع المنغصات التي لا تتناهى، ثم بعد هو فإن وإن طال قل متاع الدنيا قليل، هكذا رواية أنس في الصحيح كما سقته. ومت رواية سهل لا عيش إلا عيش الآخرة، وما يقع في نسخ من جعله كذلك في خبر أنس مخالف للبخاري. "فاغفر للأنصار والمهاجرة" بكسر الجيم وسكون الهاء، "فقالوا": أي الطائفتان حال كونهم، "مجيبين له نحن الذين بايعوا" صفة الذين لا صفة نحن، قاله الفتح "محمدا على الجهاد". وفي رواية عبد العزيز، عن أنس عند البخاري على الإسلام بدل الجهاد، والأول أثبت، قاله الحافظ. "ما بقينا أبدا. قال ابن بطال وقوله: اللهم لا عيش إلى عيش الآخرة، هو من قول ابن رواحة" عبد الله الصحابي الشهير "تمثل به عليه الصلاة والسلام" قال: ولو لم يكن من لفظه لم يكن بذلك شاعرا، قال: وإنما يسمى شاعرا من قصده، وعلم السبب والوتد، وجميع معايبه من الزحاف ونحو ذلك، قال الحافظ كذا، قال: وعلم الوتد إلخ، إنما تلقوه من العروض التي اخترع ترتيبها الخليل بن أحمد وقد كان من شعراء الجاهلية والمخضرمين والطبقة الأولى والثانية من شعراء الإسلام قبل أن يضعه الخليل، كما قال أبو العتاهية، أن أقدم من العروض، يعني أنه نظم

وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في آخر الرجز: والعن عضلا والقارة ... هم كلفونا ننقل الحجارة وفي البخاري من حديث البراء قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه،

_ الشعر قبل وضعه: وقال أبو عبد الله بن الحجاج الكاتب: قد كان شعر الورى قديما ... من قبل أن يخلق الخليل ا. هـ. "وعند الحارث" بن محمد "بن أبي أسامة" داهر الحافظ المشهور، "من مرسل طاوس" بن كيسان اليماني الفارسي تابعي ثقة، فقيه، كثير الحديث. يقال اسمه ذكوان وطاوس لقب. مات سنة ست ومائة، وقيل بعدها "زيادة في آخر" هذا "الرجز" هي: والعن عضلا والقاره ... هم كلفونا ننقل الحجاره قال الحافظ: والأول غير موزون أيضا، ولعله والعن الهي عضلا والقارة. وفي رواية عبد العزيز عن أنس عند البخاري: وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا يقول صلى الله عليه وسلم وهو يجيبهم: "اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجره". قال الحافظ: ولا أثر للتقديم والتأخير فيه؛ لأنه يحمل على أنه كان يقول إذا قالوا ويقولون إذا قال، يعني يجيبونه تارة ويجيبهم أخرى، قال: وفيه أن في إنشاد الشعر تنشيطا في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب، وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز. "وفي البخاري" من طريقين ذكر المصنف الثانية "من حديث البراء" بن عازب، "قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى" أخفى، "عني الغبار" لتراكمه، "جلدة بطنه". وفي الطريق الأولى حتى أغمر أو اغبر بطنه بالشك، وغين معجمة فيهما، فإما بالموحدة فواضح، وإما بالميم. فقال الخطابي: إن كانت محفوظة فمعناها وارى التراب جلدة بطنه، أي: فبطنه بالنصب، ومنه غمار الناس وهو جمعهم إذا تكاثف، ودخل بعضهم في بعض. قال: وروي اعفر بمهملة وفاء، والعفر بالتحريك التراب.

وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد رغبوا علينا

_ قال عياض: وقع للأكثر بمهملة وفاء وبمعجمة وموحدة، فمنهم من ضبطه بنصب بطنه، ومنهم من ضبطه برفعها. وعند النسفي حتى غبر بطنه، أو أغبر بمعجمة فيهما وموحدة. ولأبي ذر وأبي زيد: حتى أغمر. قال: ولا وجه لها إلا أن تكون بمعنى ستر، كما في الرواية الأخرى حتى وارى عني التراب جلدة بطنه. قال: وأوجه هذه الروايات اغبر بمعجمة وموحدة، ورفع بطنه. "وكان كثير الشعر" بفتحتين، أي: شعر بطنه، وفي حديث أم سلمة عند أحمد بسند صحيح كان صلى الله عليه وسلم يعاطيهم اللبن يوم الخندق، وقد أغبر شعر صدره، وظاهره أنه كان كثير شعر الصدر، وليس كذلك فإن في صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان دقيق المسربة، أي: الشعر، الذي في الصدر إلى البط، فيمكن أن يجمع بأنه كان مع دقته كثيرا، أي: لم يكن منتشرا بل كان مستطيلا، والله أعلم انتهى كله من الفتح. "فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول: اللهم" وفي الطريق الأولى والله، "لولا أنت ما اهتدينا" وعلى الطريق الأولى وهو موزون، وأما الثانية فقال الزركشي: صوابه في الوزن لا هم، أو تالله لولا أنت، قال الدماميني: هذا عجيب، فإنه صلى الله عليه وسلم هو المتمثل بهذا الكلام والوزن لا يجري على لسانه الشريف غالبا. قلت: إنما قال صوابه في الوزن، ولا عجب في ذلك أصلا. "ولا تصدقنا" ولفظ أبي يعلى: اللهم لولا أنت، وقال بدل تصدقنا صمنا كذا في الشامية، ومراده أنه ذكره بإحدى روايتي الصحيح في أوله، وأبدل تصدقنا بصمنا كما هو ظاهر جدا، إلا أنه انفرد عن البخاري بلفظ: اللهم لولا أنت، كما توهم فإنه فاسد لثبوتها في البخاري "ولا صلينا فأنزلن" بنون التوكيد الخفيفة "سكينة" بالتنكير، أي: وقارا، "علينا" هكذا رواية البخاري في المغازي من الطريقين، وله في الجهاد: فأنزل السكينة علينا، وللحموي والمستملي: فأنزل سكينة، وللكشميهني كما هنا، "وثبت" قوّ "الأقدام إن لاقينا" العدو "إن الأولى" هو من الألفاظ الموصولات، لا من أسماء الإشارة جمعا للمذكر، "قد رغبوا" بغين معجمة، العدو "علينا" أي: على قتالنا. قال الحافظ: كذا للسرخسي، والكشميهني، وأبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر وللباقين قد بغوا كالأولى، لكن الأصيلي ضبطها بالعين المهملة الثقيلة والموحدة، وضبطها في

إذا أرادوا فتنة أبينا قال: ويمد بها صوته ... وفي روية له أيضا: إن الأولى بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا وفي حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي أنه صلى الله عليه وسلم ضرب في الخندق قال: بسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا حبذا ربا و..............

_ المطالع بالغين المعجمة، وكذا ضبطت في رواية أبي الوقت لكن بزاي أوله، والمشهور ما في المطالع ا. هـ، وعلى خلاف المشهور، وهو الإهمال فتشديد رعبوا للمبالغة، أي: رعبوا المسلمين بتحزبهم علينا، فلا حاجة إلى أنه ضمنه معنى جمعوا، فعداه بعلي مع أنه يتعدى بنفسه وبالهمزة، "إذا أرادوا فتنة أبينا" بالموحدة، الفرار، كما رجحه عياض وبالفوقية، أي: جئنا وأقدمنا على عدونا، وتتمة حديث البراء من هذا الطريق لفظها "قال:" ثم يمد صوته بآخرها. قال المصنف كالحافظ، أي: بقوله: أبينا، ولفظه في الطريق الأولى ورفع صوته أبينا أبينا، وكان المصنف ذكر حاصل معنى الروايتين بقوله: "ويمد بها صوته" أي: باللفظة الأخيرة لا بالجميع. "وفي رواية له" للبخاري "أيضا" في الطريق الأولى: "إن الأولى بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا". قال الحافظ: ليس بموزون وتحريره إن الذين قد بغوا علينا، فذكر الراوي الأولى بعنى الذين وحذف قد وزعم ابن التين أن المحذوف هم وقد والأصل أن الأولى هم قد بغوا علينا وهو يتزن بما قال لكن لم يتعين، وذكر بعض الرواة في مسلم أبوا بدل بغوا، ومعناه صحيح، أي: أبوا أن يدخلوا في ديننا. "وفي حديث" الحارث بن أبي أسامة من طريق "سليمان" بن طرخان "التيمي" أبي المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم الثقة العابد، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين سنة. روى له الجميع "عن أبي عثمان" عبد الرحمن بن مل، بميم مثلثة ولام ثقيلة "النهدي" بفتح النون وسكون الهاء، ثقة عابد مخضرم، مات سنة خمس وتسعين، وقيل بعدها وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: أكثر. روى له الستة وهو مرسل، وقد أخرجه البيهقي موصولا عن سلمان "أنه صلى الله عليه وسلم حين ضرب في الخندق قال: بسم الإله وبه بدينا" لا بحولنا وقوتنا، "ولو عبدنا غيره شقينا، حبذا ربا" هو

.............حبذا دينا قال في النهاية: يقال بديت بالشيء -بكسر الدال- أي: بدأت به، فلما خفف الهمزة كسر الدال، فانقلبت الهمزة ياء، وليس هو من بنات الياء. ا. هـ. وقد وقع في حفر الخندق آيات من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. منها ما في الصحاح عن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة -وهي بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على التحتية، وهي القطعة الصلبة-.........

_ "وحبذا دينا" ديننا، وهذا غير موزون، ويتزن بإسكان باء حبذا، الثانية لكن الذي في الفتح عن رواية النهدي هذه حبذا ربا حبذ دينا بإسقاط ذا الثانية وهذا موزون. "قال في النهاية يقال: بديت بالشيء بكسر الدال، أي: بدأت به، فلما خفف الهمز كسر الدال فانقلبت الهمزة ياء، وليس هو من بنات الياء" أي: ليس فيه أصلية، "انتهى". قال شيخنا: يرد عليه أن الدال مكسورة قبل التخفيف، إذ الظاهر من قوله بديت أن كسره أصلي غايته أن مكسور الدال بمعنى مفتوحها، اللهم إلا أن يقال المراد إن مكسور الدال أصله الفتح فقلبت الهمزة ياء، ثم كسرت الدال لمناسبة الياء، "وقد وقع في حفر الخندق آيات" علامات "من أعلام" جمع علم، وهو العلامة وجمعها علامات فكأنه قال وقع علامات هي بعض علامات "نبوته عليه الصلاة والسلام" وتفنن فعبر أولا بالآيات، وثانيا بإعلام "منها ما في الصحاح" البخاري وغيره. "عن جابر قال: إنا" بتشديد النون "يوم الخندق" ظرف لقوله: "نحفر" أي: كنا في وقت حفرنا مشغولين به. وفي رواية الإسماعيلي: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق نحفر "فعرضت" أي: ظهرت، "كدية شديدة، وهي بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على التحتية، وهي القطعة الصلبة" من الأرض لا يعمل فيها المعول، وبهذه الرواية صدر المصنف في شرح البخاري، وعزاها الحافظ لرواية الإسماعيلي وأحمد وصدر بقوله كيدة كذا لأبي ذر بفتح الكاف وسكون التحتية، قيل: هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض. وقال عياض: كأن المراد أنها واحدة الكيد، كأنهم أرادوا أن الكيد وهو الحيلة أعجزهم، فلجئوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وللأصيلي عن الجرجاني كندة بالنون. وعند ابن السكن: كتدة بفوقية. قال عياض: لا أعرف لهما معنى ا. هـ. وحكى الأنصاري كبدة بفتح الكاف، وسكون الموحدة انتهى فهي خمسة.

فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم. كذا بالشك من الراوي، وفي رواية الإسماعيلي باللام من غير شك،

_ وفي شرح المصنف عن الفتح: أن رواية الجرجاني بفتح الكاف والموحدة، أي: قطعة صلبة من الأرض لكن الذي في الفتح كما رأيت بالنون، "فجاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق". وفي رواية الإسماعيلي فقال: رشوها بالماء، فرشوها "فقام وبطنه معصوب بحجر" زاد في رواية من الجوع، ولأحمد أصابهم جهد شديد حتى ربط صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع. قال الحافظ: وفائدة ربطه على البطن أنها تضمر من الجوع، فيخشى على انحناء الصلب بواسطة ذلك، فإذا وضع فوقها الحجر وشد عليها العصابة استقام الظهر. وقال الكرماني: لعله لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر، أو لأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء، لئلا يتحلل شيء مما في البطن، فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل، "ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا" بفتح الذال المعجمة، أي: شيئا. قال الحافظ وهي جملة معترضة أوردها لبيان السبب في ربطه صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه.. وزاد الإسماعيلي: ولا نطعم شيئا، ولا نقدر عليه ا. هـ. قال شيخنا: أو لبيان اجتهاد الصحابة ومبالغتهم في امتثال أمره، وإن كانوا على غاية من الجهد وتوطئة لصنع جابر للطعام. "فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول" بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو بعدها لام، أي: المسحاة. وفي رواية أحمد: فأخذ المعول، أو المسحاة بالشك أي: في اللفظ الذي قاله وإن اتحدا معنى "فضرب" في رواية الإسماعيلي، ثم سمي ثلاثا، ثم ضرب "فعاد" المضروب "كثيبا" بمثلثة، أي: رملا "أهيل" بفتح الهمزة والتحتية بينهما هاء ساكنة آخره لام. وعند ابن إسحاق بلاغا عن جابر أنه دعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: والذي بعثه بالحق لاهالت حتى عادت مثل الكثيب، لا ترد فاسا ولا مسحاة "أو أهيم" بالميم بدل اللام، "كذا بالشك من الراوي" ولم يعينه الحافظ ولا غيره. "وفي رواية الإسماعيلي باللام من غير شك" كما في الفتح. قال: وكذا عند يونس.

والمعنى: أنه صار رملا يسيل ولا يتماسك. وأهيم: بمعنى أهيل. وقد قيل في قوله تعالى: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} [الواقعة: 55] المراد: الرمال التي لا يرويها الماء. وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول

_ وفي رواية أحمد كثيبا يهال، "والمعنى أنه صار رملا يسيل، ولا يتماسك" قال الله تعالى: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} الآية، أي: رملا سائلا، "و" أما "أهيم" بالميم، فقال عياض: ضبطها بعضهم بالمثلثة، وبعضهم بالمثناة، وهي "بمعنى أهيل" باللام، ووقع للمصنف في شرح البخاري أن رواية الإسماعيلي بالميم، فكأنه سبق قلم، فما بعد هذا البيان من الحافظ بيان، "وقد قيل في قوله تعالى: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} المراد الرمال التي لا يرويها الماء" أي: لا يظهر أثره فيها لكثرتها شبه ظهور الماء، بزوال العطش الذي هو الري، واستعير له اسمه، ثم اشتق منه الفعل على أنه جمع هيام بالفتح كسحاب، فخفف بنقل حركة الياء إلى الهاء بعد سلب حركتها، أو حذفت ضمتها بلا نقل، ثم قلبت كسرة لتسلم الياء، فصار هيم كما أشار إليه البيضاوي، وصدر بأن المراد الإبل التي بها الهيام، أي: بضم الهاء وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم وهيماء. قال ذو الرمة: فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد ... صداها ولا يقضي عليها هيامها ا. هـ. وما أفاده من اختلاف مفرده بالمعنيين قد ينافي ما يشعر المصنف من ن أهيم يجمع على هيم، فلا يختص بالإبل اللهم إلا أن يكون إذا وصف به الكثيب جمع على هيم، ولا يطلق إلا هيم على الرمل بل الهيام، وإذا جمع قيل هيم، و"قد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء" بن عازب "قال: لما كان" تامة وفاعلها "حين" بالبناء على الفتح لإضافته إلى الجملة الماضوية في قوله: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهو الأكثر لإضافته إلى مبني، ويجوز فيه الإعراب أو كان ناقصة، أي: عملنا في الخندق حاصلا حين أمرنا "بحفر الخندق"، وجواب لما هو قوله: "عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول" جمع معول، وهو الفأس العظيمة التي ينقر بها قوي الصخر، كما في الجوهري. وقول شيخنا

فاشتكينا ذلك لرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة فنشر ثلثها، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة وقال بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة.

_ جوابها محذوف، أي: لما كان زمن أمره بالحفر حفرنا؛ لأن نسخته فعرضت بالفاء لكن الثابت في النسخ الصحيحة، وهو الذي رأيته في الفتح في نسختين صحيحتين عرضت بدون فاء فهي الجواب على أنه قد يقترن بالفاء جواب لما، فلا حاجة للتقدير، "فاشتكينا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فجاء وأخذ المعول" من سلمان "فقال: بسم الله، ثم ضربه فنشر" بشين معجمة قطع، والذي في الفتح فكسر "ثلثها" بالمعول. وفي رواية: فخرج نور أضاء ما بين لابتي المدينة، "وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة" من مكاني" "ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر". زاد في رواية: فبرقت برقة من جهة فارس أضاء ما بين لابتيها، "فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن" مدائن كسرى "الأبيض" لعل المراد به قصر كسرى المعد له "الآن". وفي رواية: والله إني لأبصر قصور الحيرة، ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا بالنصر، فسر المسلمون، "ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر". زاد في رواية فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كان مصباحا في جوف ليل مظلم، "فقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة" " وهذا الحديث الحسن لا يعارضه رواية ابن إسحاق بلفظ عن سلمان فذكره، وفيه أما الأولى فإن الله فتح بها على اليمن، والثانية الشام والمغرب، والثالثة المشرق فارس؛ لأنه منقطع، فلا يعارض المسند المرفوع الحسن، ومن ثم لم يلتفت الحافظ لرواية ابن إسحاق وإن تبعه عليها اليعمري وغيره، بل اقتصر على هذا الحديث وأيده، بأن طرقه تعددت بقوله عقبه، وللطبراني من حديث عبد الله بن عمر ونحوه، وأخرجه البيهقي مطولا من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده. وفي رواية: خط صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع، وفيه فمرت بنا صخرة بيضاء

ومن أعلام نبوته ما ثبت في الصحيح من حديث جابر من تكثير الطعام والقليل يوم حفر الخندق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في مقصد المعجزات مع غيره. وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريبا من عشرين ليلة. وعند الواقدي: أربعا وعشرين. وفي الروضة للنووي: خمسة عشر يوما. وفي الهدي النبوي لابن القيم: أقاموا شهرا.

_ كسرت معاويلنا، فأردنا أن نعدل عنها ثم قلنا حتى نشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلنا إليه سلمان، وفيه فضرب ضربة صدع الصخرة، وبرق منها برقة، فكبر وكبر المسلمون، وفيه رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك قال: "إن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم"، وفي آخره ففرح المسلمون واستبشروا، وأخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاصي بنحوه ا. هـ. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة، أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وعثمان افتحوا ما بدا لكم، والذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدًا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك. "ومن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ما ثبت في الصحيح من حديث جابر" المتقدم أوله في حديث الكدية "من تكثير الطعام القليل" وهو صاع من شعير وعنز صغير "يوم حفر الخندق" فجاء بالقوم وهم ألف، فبصق في العجين والبرمة. قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه، وإن برمتنا كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى، مستوفى في مقصد المعجزات مع غيره". ومنها خبر الحفنة من التمر التي جاءت بها ابنة بشير بن سعد، أخت النعمان لأبيها وخالها ابن رواحة ليتغديا به، فقال لها صلى الله عليه وسلم: "هاتيه فصبته في كفيه" فما ملأهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم قال لإنسان: "اصرخ في أهل الخندق، أن هلموا إلى الغداء"، فاجتمعوا عليه فجعلوا يأكلون، وجعل يزيد حتى صدروا عنه، وإنه ليسقط من أطرا الثوب رواه ابن إسحاق، "وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق" أي: مدة حفره، "قريبا من عشرين ليلة، وعند الواقدي: أربعا وعشرين" وعند ابن سعد: ستة أيام. قال السمهودي، وهو المعروف. "وفي الروضة للنووي: خمسة عشر يوما، وفي الهدي النبوي لابن القيم: أقاموا شهرا"

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة. ونزل عيينة بن حصن في غطفان ومن تبعهم من أهل نجد إلى جانب أحد.

_ كذا قاله المصنف تبعا للفتح حرفا بحرف، ورد ذلك الشريف السمهوري، بأن الذي في الروضة، والهدي ومغازي ابن عقبة، إنما هو في مدة الحصار، لا في عمل الخندق، ثم استدرك على الرد بأن ابن سيد الناس بعد نقله عن ابن سعد، أنه كمل في ستة أيام. قال وغيره يقول بضع عشرة ليلة، وقيل: أربعا وعشرين ا. هـ، وليست بواثق من هذا التعقب، فإن الحافظ نقل أولا عن ابن عقبة، أن مدة الحصار عشرون يوما، ثم بعد قليل ذكر هذا الخلاف في مدة الحفر، وتوهيم مثله بمجرد نسخ قد يكون سقط منها أحد الموضعين، لا ينبغي فإنه لا يجازف في النقل. قال ابن إسحاق: "ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من: حفر "الخندق, أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع" بضم الميم الأولى، وسكون الجيم، وفتح الفوقية والميم الثانية، أي: الموضع الذي تجتمع فيه "السيول" جمع سيل, كما في القاموس وغيره، ويجمع أيضا على أسيال. وفي ابن إسحاق على أسيال من رومة بين الجرف وزغابة. قال السهيلي: بزاي مفتوحة وغين منقوطة، وقيل: بضم الراء وعين مهملة اسم موضع ذكرهما البكري، مقدما الثاني وحكي عن الطبري، أنه قال في هذا الحديث: بين الجرف والغابة، واختار هذه الرواية، وقال: لأن زغابة لا تعرف وإلا عرف عندي رواية الغين المنقوطة لحديث: ألا تعجبون لهذا الأعرابي، أهدى إلي ناقتي أعرفها بعينها ذهبت مني يوم زغابة، وقد كافأته بست فيسخط ا. هـ، وتحققت ووجدت جملة قريش، ومن معهم "في عشرة آلاف" منهم، "ومن أحابيشهم" فهو ظرف لمقدر لا لقريش، وإلا لاقتضى أنهم ليسوا من العشرة والجار والمجرور عطف على محذوف مع حذف العاطف، حتى لا يقتضي ذلك أيضا، مع أن الجميع عند ابن إسحاق الذي هذا كلامه عشرة آلاف فقط، ثم الأحابيش الحلفاء من التحبيش التجميع لتجمعهم على أنهم يد واحدة، أو لتحالفهم بذنبة حبشي جبل بأسفل مكة، أو واديها كما مر في أحد، "ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، ونزل عيينة بن حصن في" على بابها، أو بمعنى مع "غطفان، ومن تبعهم من أهل نجد". قال ابن إسحاق: بذنب نقمي، "إلى جانب أحد" ونقمي بفتح النون، والقاف وفتح الميم مقصور.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين حتى جعلوا أظهرهم إلى سلع، وكانوا ثلاثة آلاف رجل, فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم, وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة وكان صلى الله عليه وسلم يبعث الحرس إلى المدينة خوفا على الذراري من بني قريظة. قال ابن إسحاق: وخرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده، فأغلق كعب دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقا. فقال: ويحك افتح لي، ولم يزل، به حتى فتح له

_ قال الصغاني: موضع من أعراض المدينة ذكره البرهان. "وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع" بفتح السين المهملة، وسكون اللام وبالعين المهملة، جبل بالمدينة "وكانوا ثلاثة آلاف رجل". قال الشافعي: ووهم من قال كانوا سبعمائة، "فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم". قال ابن هشام: واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، "وكان" كما ذكر ابن سعد "لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة، وكان صلى الله عليه وسلم يبعث الحرس إلى المدينة". قال ابن سعد: كان يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير "خوفا على الذراري من بني قريظة" زاد غيره فإذا أصبحوا أمنوا. قال ابن إسحاق: وخرج عدو الله حيي بن أخطب" فسار "حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم"، تفسيري، "وكان وادع" صالح "رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاقده فأغلق كعب دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال" بعدما ناداه حيي: ويحك يا كعب، "ويحك يا حيي"، كلمة ترحم وتوجع، والمراد أمره بالانصراف عنه، كأنه قال: اذهب عني "إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أرم من إلا وفاء وصدقا فقال: ويحك افتح لي" أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، "ولم يزل به حتى فتح له"، ذلك أنه نسبه إلى البخل بالطعام، والله إني أغلقت دوني إلا تخوفا على

فقال: ويلك يا كعب جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، ومن دونه غطفان وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، ولم يزل به حتى نقض عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب أنا وعمر بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان

_ جشيشتك أن آكل معك منها، ففتح له "فقال: ويلك" كلمة تقال لمن وقع في هلاك يستحقه، والمعنى وقعت في الهلاك إن لم توافقني، "يا كعب جئتك بعز الدهر" أي: بسبب عز مدته وبينه بقوله، "جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال" جمع سيل، "ومن دونه" أي: منزل قريش "غطفان، وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا، حتى نستأصل محمدًا ومن معه" فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه يرعد، ويبرق وليس فيه شيء، ويحك يا حيي دعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمدًا إلا صدقا ووفاء، "ولم يزل به" يفتله في الذروة والغارب. قال في الروض: هو مثل أصله البعير، يستصعب عليك، فتأخذ القراد من ذروته، وغارب سنامه فيجد لذة، فيأنس عند ذلك، فضرب مثلا في المراوضة. قال الحطيئة: لعمرك ما قراد بني بغيض ... إذا نزع القراد بمستطاع "حتى نقض عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم" وأعطاه عهدا على أنه إن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك يصيبني ما أصابك. "وعن عبد الله بن الزبير" الصحابي أمير المؤمنين ابن الصحابي الحواري "قال: كنت يوم الأحزاب أنا وعمر" بضم العين "ابن أبي سلمة" بن عبد الأسد القرشي المخزومي الصحابي ابن الصحابي ربيبه صلى الله عليه وسلم أمه أم سلمة "مع النساء" يعني نسوة النبي صلى الله عليه وسلم "في أطم" بضمتين حصن مبني بالحجارة "حسان" بن ثابت أضيف إليه لكونه فيه مع النساء، وهذا لفظ مسلم، وله في رواية في الأطم الذي فيه النسوة. قال ابن الكلبي: كان حسان لسا شجاعا فأصابته علة أحدثت فيه الجبن، فكان لا ينظر إلى قتال ولا يشهده. وأخرج ابن إسحاق من مرسل يحيى بن عباد، عن أبيه، والطبراني برجال الصحيح من مرسل عروة، وأبو يعلى والبزار بإسناد حسن عن الزبير بن العوام قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم

فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلما رجعت قلت يا أبت رأيتك تختلف، قال: أرأيتني يا بني قلت: نعم

_ إلى الخندق جعل نساءه وعمته صفية في حصن، ومعهم حسان فأقبل عشرة من اليهود، فجعلوا يرمون الحصن، ودنا أحدهم إلى بابه، وجعل يطيف به. قالت صفية: وقد حاربت قريظة، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، والنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم، فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي، كما ترى ولا آمنه أن يدل على عوراتنا، فانزل إليه فاقتله، قال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، ولو كان في لخرجت مع رسول الله، قالت: فلم لم أر عنده شيئا أخذت عمودا، ثم نزلت فضربته به ضربة شدخت رأسه، حتى قتلته، ورجعت فقلت: يا حسان اسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه، إلا أنه رجل قال ما لي بسلبه من حاجة، فقلت: خذ الرأس وارم به إلى اليهود، قال: ما ذاك في، قالت: فأخذت الرأس فرميت به على اليهود، فقالوا: قد علمنا أن محمدًا لم يترك أهله خلوا ليس معهم أحد فتفرقوا. زاد أبو يعلى، فأخبر بذلك صلى الله عليه وسلم فضرب لها بسهم كالرجال، أي: من غنائم قريظة. قال في الروض: محمل هذا الحديث على أن حسان كان جبانا شديد الجبن، وأنكره بعض العلماء منهم ابن عبد البر في الدرر؛ لأنه حديث منقطع الإسناد، ولو صح لهجي به حسان، فإنه كا يهاجي الشعراء كطرار وابن الزهراء، وكانوا يناقضونه، ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن، ولا وسمه به، فدل ذلك على ضعف حديث ابن إسحاق وإن صح فالأولى أنه كان معتلا ذلك اليوم بعلة تمنعه شهود القتال ا. هـ. وإنما كان أولى لأن ابن إسحاق لم ينفرد به، بل جاء بسند حسن متصل، كما علم فاعتضد حديثه، وقد قال ابن السراج: سكوت الشعراء عن تعبيره بذلك من أعلام النبوة؛ لأنه شاعره صلى الله عليه وسلم وفي مسلم وكان، أي: عمر، يطأطئ لي مرة فأنظر، وأطأطئ له مرة، فينظر فكنت أعرف أبي إذا مر على فرسه في السلاح "فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة" أي: يذهب ويجيء، "مرتين أو ثلاثا". قال المصنف بالشك، كذا بإثبات مرتين أو ثلاثا في كل ما وقفت عليه من الأصول، وعزاه الحافظ ابن حجر، وتبعه العيني لرواية الإسماعيلي من طريق أبي أسامة لا يقال مراد الحافظ زيادة لك عند الإسماعيلي على رواية البخاري بعد قوله يختلف؛ لأنه ذكر ذلك عقب قوله إلى بني قريظة، "فلما رجعت" من أطم حسان إلى منزلنا، "قلت: يا أبت رأيتك تختلف" تجيء وتذهب إلى بني قريظة "قال" مستفهما بالهمز استفهام تقرير: "أرأيتني يا بني؟ قلت:

قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه في الفداء فقال: "فداك أبي وأمي". أخرجه الشيخان والترمذي وقال: حديث حسن. وفي رواية أصحاب المغازي: فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابن رواحة وخوات بن جبير ليعرفوا الخبر،

_ نعم" رأيتك "قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من يأت بني قريظة، فيأتيني بخبرهم" بتحتية ساكنة بعد الفوقية، ولأبي ذر عن الكشميهني، فيأتني بحذفها، "فانطلقت" إليهم، "فلما رجعت" بخبرهم "جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبويه في الفداء" تعظيما لي وإعلاء لقدري، فإن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل له نفسه، "فقال: فداك أبي وأمي" لا يعارضه قول على ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لغير سعد بن مالك؛ لأن مراده بقيد يوم أحد أو تفدية خاصة كما مر. قال الحافظ: وفي هذا الحديث صحة سماع الصغير، وأنه لا يتوقف على أربع، أو خمس؛ لأن ابن الزبير كان ابن سنتين وأشهر، أو ثلاث وأشهر بحسب الاختلاف في وقت مولده. وفي تاريخ الخندق فإن قلنا: إنه ولد في أول سنة الهجرة، والخندق سنة خمس فيكون ابن أربع وأشهر، وإن عجلنا إحداهما وأخرنا الأخرى فيكون ابن ثلاث سنين وأشهر، "أخرجه الشيخان والترمذي، وقال: حديث حسن" من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير. قال الحافظ: وبين مسلم أن في هذه الرواية أدراجا، فساقه من رواية علي بن مسهر إلى قوله إلى بني قريظة. ثم قال: قال هشام، وأخبرني عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال فذكرت ذلك لأبي، إلخ الحديث ثم ساقه من طريق أبي أسامة عن هشام، فساق الحديث نحوه، ولم يذكر عبد الله بن عروة، ولكن أدرج القصة في حديث هشام عن أبيه، ويؤيده أن النسائي أخرج القصة الأخيرة من طريق عبدة عن هشام، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، والله أعلم. "وفي رواية أصحاب المغازي فلما انتهى الخبر" أي: خبر نقض قريظة العهد، "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ومعهما ابن رواحة وخوات" بفتح الخاء المعجمة، وشد الواو فألف ففوقية "ابن جبير" الأنصاري الأوسي، شهد بدرا والمشاهد كلها. زاد الواقدي وأسيد بن الحضير "ليعرفوا الخبر".

فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، قالوا من رسول الله وتبرءوا من عقده وعهده، ثم أقبل السعدان ومن معهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: عضل والقارة، أي: كغدرهما بأصحاب الربيع. فعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، فأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن.

_ وعند ابن إسحاق فقال: انطلقوا لتنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟، فإن كان حقا فالحنوا إلي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا فاجهروا به للناس. قال في الروض: اللحن العدول بالكلام على الوجه المعروف عند الناس إلي وجه لا يعرفه إلا صاحبه، كما أن اللحن الذي هو الخطأ عدول على الصواب المعروف، وتفتوا بضم الفاء وشد الفوقية. قال في الروض: أي تكسروا من قوتهم، وتوهنوهم وضرب العضد مثلا، وقال في أعضاد ولم يقل أعضاء؛ لأنه كناية عن الرعب الداخل في القلب، ولم يرد كسرا حقيقيا، ولا العضد الذي هو العضو، وإنما هو عبارة عما يدخل في القلب من الوهن، وهو من أفصح الكلام، فخرجوا حتى أتوهم، "فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، قالوا من رسول الله" فتكلموا فيه بما لا يليق، وقالوا من رسول الله "وتبرءوا من عقده وعهده" فقالوا: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، "ثم أقبل السعدان، ومن معهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم،" فلحنوا له كما أمرهم، "وقالوا: عضل والقارة أي:" غدرروا "كغدرهما بأصحاب الربيع" خبيب وأصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين"، كذا في ابن إسحاق، ثم رواية أصحاب المغازي هذه لا تنافي رواية الصحيح التي قبلها أنه أرسل الجميع دفعة، أو بعد إرسال الزبير لاحتمال أن يرجعوا إلى العهد بعد نقضه حياء من حلفائهم؛ لأنهم كانوا حلفاء الأوس، وقد أرسل إليهم سيدهم فغلبت عليهم الشقوة، وليس لك أن تقول أو لاحتمال أن الزبير علم من غيرهم نقض العهد، فاكتفى به؛ لأنه ظن سوء بمثل الزبير تأباه مروءته وشجاعته "فعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، فأتاهم عدوهم من فوقهم" من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان، "ومن أسفل منهم"، من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش. وعند ابن مردويه عن ابن عباس: إذ جاءوكم من فوقكم. قال عيينة بن حصن: ومن أسفل منكم أبو سفيان بن حرب "حتى ظن المؤمنون كل ظن" كما قال تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 10] أي: المختلفة بالنصر

ونجم النفاق من بعض المنافقين، وأنزل الله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا} الآيات [الأحزاب: 12] .

_ واليأس، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214] . قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب. أصاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وأصحابه بلاء وحصر. وعند الواقدي فقال صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر أبشروا بنصر الله وعونه إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكن كسرى وقيصر ولننفقن أموالهما في سبيل الله"، يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب. وذكر ابن إسحاق ما حاصله فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعطي عيينة بن حصن، ومن معه ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، فمنعه السعدان وقالا: كنا نحن وهم على الشرك لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا بقرى أو بيع، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا بهذا من حاجة، والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنت وذاك". وروى البزار والطبراني عن أبي هريرة: أتى الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأتها عليك خيلا ورجالا، فقال: "حتى أستأمر السعود سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود، فكلمهم" فقالوا: لا والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام، فأخبر الحارث فقال: غدرت يا محمد، كذا في هذا الحديث، وسعد بن الربيع وقد تقدم أنه استشهد بأحد ولا خلف لاحتمال أن إتيان الحارث بسبب ذلك قبل أحد إذ ليس في الحديث أنه أتى يوم الخندق. "ونجم" بفتح النون والجيم والميم، ظهر "النفاق من بعض المنافقين" كذا عند ابن إسحاق، وينافيه ظاهر قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} [الأحزاب: 12] إلا أن يكون الذين أظهروه بعضهم ولم ينكره باقيهم ولا ضعاف القلوب من المؤمنين، فنسب القول إلى جميعهم "وأنزل الله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأحزاب: 12] " من الظفر وإعلاء الدين " {إِلَّا غُرُورًا} " [الأحزاب: 12] وعدا باطلا. ذكر ابن إسحاق أن قائله معتب بن قشير. قال: كان محمد يرى أن نأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.

وقال رجال ممن معه: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال أوس بن قيظي: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، فائذن لنا فنرجع إلى ديارنا، فإنها خارج المدينة. وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي على فرس له ليوثبه فوقع في الخندق فقتله الله. وكبر ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول صلى الله عليه وسلم إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه، فرد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله

_ وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية في معتب بن قشير الأنصاري، هو صاحب هذه المقالة وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه. قال ابن هشام: وأخبرني من أثق به من أهل العلم أن معتبا لم يكن من المنافقين، واحتج بأنه كان من أهل بدر "الآيات" وهذا إخبار إجمالي عما نزل بسبب ظهور النفاق، فصله بقوله: "وقال رجال ممن معه: يا أهل يثرب لا مقام لكم" بضم الميم وفتحها، أي: لا إقامة ولا مكان، "فارجعوا" إلى منازلكم بالمدينة. "وقال أوس بن قيظي" بتحتية وظاء معجمة، الأنصاري الأوسي، يقال: إنه منافق تمسكا بهذه القصة ونحوها، لكن ذكره في الإصابة في القسم الأول، وقال: شهد أحدًا هو وابناه عرابة وعبد الله، ويقال كان منافقا، وإنه القائل: إن بيوتنا عورة، ا. هـ. وابنه عرابة في صحبته خلاف، وكان سيدا وفيه يقول شماخ: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين "يا رسول الله إن بيوتنا عورة" غير حصينة، نخشى عليها "من العدو" قال ابن إسحاق، وذلك عن ملأ من رجال قومه، "فائذن لنا فنرجع إلى ديارنا فإنها خارج المدينة" قال تعالى: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13] . قال ابن عائذ: بياء وذال معجمة، محمد الحافظ صاحب المغازي، "وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي" يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، كما عند أبي نعيم "على فرس له ليوثبه الخندق، فوقع في الخندق". زاد في رواية أبي نعيم: فاندقت عنقه، "فقتله الله وكبر" عظم "ذلك على المشركين فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نعطيكم الدية". قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنهم أعطوا في جسده عشرة آلاف درهم، "على أن تدفعوه إلينا، فندفنه، فرد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم" جواب قولهم ذلك بقوله: "إنه خبيث" لموته كافرا محاربا لله ورسوله، "خبيث الدية" لعدم حلها، إذ لا دية في مثل هذه الصورة، "فلعنه الله

ولعن ديته، ولا نمنعكم أن تدفنون ولا أرب لنا في ديته". قال ابن إسحاق: وأقام عليه الصلاة والسلام والمسلمون وعدوهم يحاصرهم، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل، لكن كان عمرو بن عبدود العامري اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق، حتى كانوا بالسبخة، فبارزه علي فقتله،

_ ولعن ديته، ولا نمنعكم أن تدفنوه ولا أرب" بفتح الهمزة والراء وبالموحدة، أي: حاجة "لنا في ديته". "وقال ابن إسحاق: وأقام عليه الصلاة والسلام والمسلمون" على الخندق، "وعدوهم يحاصرهم، ولم يكن بينهم قتال،" إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة، قاله ابن سعد، "اقتحم هو ونفر معه" هم: عكرمة وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب، كما في ابن إسحاق "خيولهم" بالرفع بدل من الفاعل فهو المقصود بالنسبة، ومعناه اقتحمت بإكراههم إياها، أو بالنصب واقتحم بمعنى أقحم مجاز "من ناحية ضيقة من الخندق حتى كانوا بالسبخة" بمهملة فموحدة فمعجمة مفتوحات، واحدة السباخ، ويقال أرض سبخة بالكسر ذات سباخ وهو أنسب بالمصنف، أي: حتى صاروا بالأرض السبخة بين الخندق وسلع، "فبارزه علي" بعدما نادى عمرو ثلاثا من يبازر؟ وفي كل مرة يقول علي: أنا له يا نبي الله، فيقول: "اجلس، إنه عمرو"، فقال علي في الثالثة: وإن كان عمرا فأعطاه صلى الله عليه وسلم سيفه وعممه، وقال: "اللهم أعنه عليه"، فدعاه إلى الإسلام أو الرجوع عن الحرب، فأبى إلا البراز فضحك، وقال: ما كنت أظن أحدا يرومني على هذه الخصلة فمن أنت، قال: علي بن أبي طالب، قال: يابن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال علي: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك فغضب عمرو، فنزل عن فرسه وعقرها وسل سيفه، كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحوه علي مغضبا, فاستقبله على بدرقته ودنا أحدهما من الآخر، وثارت بينهما غبرة فضربه عمرو فاتقاها بدرقته، فانقدت وأثبت فيها السيف وضربه علي فوق عاتقه "فقتله" وقيل: طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فسقط ثم أقبل نحوه صلى الله عليه وسلم وهو متهال، فقال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه فإنه ليس في العرب درع خير منها، فقال: إنه حين ضربته استقبلني بسوأته فاستحييت. قال الحاكم: سمعت الأصم، قال: سمعت العطاردي قال: سمعت الحافظ يحيى بن آدم يقول: ما شبهت قتل علي عمرا إلا بقوله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} [البقرة: 251] .

وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة فقتله الزبير وقيل قتله علي، ورجعت بقية الخيول مهزومة. ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل -وهو بفتح الهمزة والمهملة بينهما كاف ساكنة- عرق في وسط الذراع. قال الخليل: هو عرق الحياة يقال إن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النسا،

_ "وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة" المخزومي "فقتله الزبير" بن العوام بالسيف، حتى شقه اثنتين وقطع سرجه حتى خلص إلى كاهل الفرس، فقيل: ما رأينا مثل سيفك، قال: ما هو السيف، ولكنها الساعد، "وقيل: قتله علي" هكذا عزاه في الفتح لابن إسحاق فتبعه المصنف ولم يذكر ذلك ابن هشام في روايته عن البكائي عنه، فلعله في رواية غيره ثم هو معارض لما قدمه المصنف عن ابن عائذ من أنه اقتحم الخندق، فوقع فيه فقتل، وهو الذي ذكره ابن هشام عن زياد عن ابن إسحاق ومثله في رواية أبي نعيم، وعليه اقتصر اليعمري. وقد روي ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة، أن رجلا من المشركين قال يوم الخندق: من يبارز؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "قم يا زبير" فقالت أمه صفية: واحدي يا رسول الله، فقال: "قم يا زبير"، فقام فقتله، ثم جاء بسلبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنفله إياه. وذكر ابن جرير، أن نوفلا لما تورط في الخندق، رماه الناس بالحجارة، فجعل يقول قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي فقتله، وفي الجمع بين الثلاثة عشر. "ورجعت بقية الخيول مهزومة" قال ابن هشام: وألقى عكرمة رمحه يومئذ، وهو منهزم عن عمرو فعيره حسان بأبيات، فلما رجعوا إلى أبي سفيان قال: هذا يوم لم يكن لنا فيه شيء فارجعوا، وكان شعار الصحابة يوم الخندق وبني قريظة حم لا ينصرون، "ورمي سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الأكحل، وهو بفتح الهمزة و" الحاء "المهملة بينهما كاف ساكنة، عرق في وسط الذراع". "قال الخليل" ابن أحمد لأزدي الفراهيدي، أبو عبد الرحمن البصري اللغوي، صاحب العروض والنحو، العالم العابد الصدوق في الحديث. مات بعد الستين ومائة، وقيل: سنة سبعين أو بعدها. أخرج له ابن ماجه في التفسير، "هو عرق الحياة يقال: إن في كل عضو منه شعبة، فهو في اليد الأكحل". وفي القاموس: هو عرق في اليد، أو هو عرق الحياة، ولا تقل عرق الأكحل، "وفي الظهر الأبهر" بفتح الهمزة والهاء بينهما موحدة ساكنة، وفي القاموس: الأبهر الظهر، وعرق فيه ووتد العنق والأكحل، "وفي الفخذ النسا" بفتح النون مقصور، كما قال الأصمعي: عرق من الورك إلى

إذا قطع لم يرقا الدم. وكان الذي رمى سعدا، ابن العرقة، أحد بني عامر بني لؤي، قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد: عرق الله وجهك في النار. ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه.

_ الكعب. قال أبو زيد: يثنى نسوان ونسيان والجمع أنساء. قال ابن السكيت: هو عرق النسا، وقال الأصمعي: هو النسا، ولا تقل عرق النسا. قال الزجاج: لأن الشيء لا يضاف إلى بعضه. "إذا قطع لم يرقأ الدم" بالهمز، أي: لم ينقطع، ونسخة لم يرق تحريف، فالذي في اللغة إنه مهموز، لكن وجهها شيخنا في التقرير، بأن الهمزة أبدلت ألفا قبل الجازم، فلما دخل حذفت الألف كالحركة، "وكان الذي رمى سعدا هو ابن العرقة" بفتح العين المهملة وكسر الراء، وهي أمه واسمها قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم، تكنى أم فاطمة، سميت العرقة لطيب ريحها، وهي جدة خديجة أم أبيها، وهو حبان بن عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن هصيص بن عامر بن لؤي، كذا قال السهيلي. وقال ابن الكلبي: هي أم عبد مناف جد أبيه، وهو عنده حبان بن أبي قيس بن علقمة بن عند مناف. قال في التبصير: وحبان، بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة مثقلة، وصحفه موسى بن عقبة، فقال جبار، بجيم وموحدة وراء، والأول أصح قاله الأمير، يعني ابن ماكولا "أحد بني عامر بن لؤي" ولذا يقال له العامري، "قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد" ويقال النبي صلى الله عليه وسلم "عرق" بعين مهملة "الله وجهك في النار، ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا، فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه" وأخرجوه وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، هذا بقية قوله عند ابن إسحاق ونحوه في الصحيح، وقد استحباب الله له، فلم يقم لقريش حرب بعدها، وما مات حتى حكم في بني قريظة كم يأتي. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك، أنه كان يقول: ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشني حليف بني مخزوم.

وأقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه بضع عشرة ليلة. فمشى نعيم بن مسعود الأشجعي -وهو مخف إسلامه- فثبط قوما عن قوم وأوقع بينهم شرا لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الحرب خدعة

_ وقال ابن هشام: ويقال الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان، والله أعلم. "وأقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه" في حصار الكفار على الخندق، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل والحجارة "بضع عشرة ليلة". وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار عشرون يوما، نقله الفتح. وفي العيون: بضع وعشرون ليلة قريب من شهر. وفي الهدي: إنه شهر. "فمشى نعيم بن مسعود" بن عامر بن أنيف، بنون وفاء مصغر "الأشجعي" الصحابي، المشهور، المتوفى أول خلافة علي، خرج له أبو داود، "وهو مخف إسلامه، فثبط قوما" وهم بنو قريظة "عن قوم" وهم قريش ومن معهم، "وأوقع بينهم شرا" كراهية من كل فريق للآخر لا حربا، وإنما فعل ذلك "لقوله عليه الصلاة والسلام" له لما أتاه قائلا: إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، قال صلى الله عليه وسلم: "خذل عنا فـ " إن الحرب خدعة " ". قال الحافظ: بفتح المعجمة، وبضمها مع سكون الدال المهملة فيها، وبضم أوله وفتح ثانيه صيغة مبالغة، كهمزة لمزة. قال النووي: اتفقوا على أن الأولى أفصح، حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك جزم أبو ذر الهروي والقزار، والثانية ضبطت كذلك في رواية الأصيلي. قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعملها كثيرا لو جاه لفظها ولكونها تعطي معنى للشيئين الآخرين. قال: ويعطي معناها أيضا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن، ولو مرة، فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى إذ المعنى أنها تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر، أو أنها وصف للمفعول، كهذا الدرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه. وقال الخطابي: إنها المرة الواحدة، يعني أنه إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته، ومعنى الضم مع السكون أنها تخدع الرجال، أي: ي محل الخداع، وموضعه ومع فتح الدال، أي: تمنيهم الظفر، ولا تفي لهم، كالضحكة إذا كان يضحك بالناس، وقيل: الحكمة في الإتيان بالتاء، الدلالة على الوحدة، فإن الخداع أن كان من المسلمين، فكأنه حضهم على ذلك، ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار، فكأنه حذرهم من مكرهم، ولو وقع مرة واحدة، فلا ينبغي

فاختلفت كلمتهم.

_ التهاون بهم، لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قل. وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع، أي: إن أهلها بهذه الصفة، فكأنه قال أهل الحرب خدعة. وحكى مكي، ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة كسر أوله مع الإسكان، وأصل الخدع أبطأن أمر وإظهار خلافه، وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار، وإن لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه. قال النووي: اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. قال ابن العربي: ويقع الخداع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة، ولذا اقتصر على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله: الحج عرفة. قال ابن المنير: معنى الحرب خدعة، أن الحرب الجيدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة، لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر. وذكر الواقدي أن أول ما قال صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة في غزوة الخندق انتهى من الفتح، وهو صريح في أن الرواية إنما هي بالثلاثة، الأولى لتصريحه بلغة رابعة لغة خامسة، وتبعه المصنف. وفي القاموس: أنه روي أيضا بكسر الخاء وسكون الدال، ويوافقه قول السيوطي في التوشيح بفتح الخاء وضمها، وكسرها وسكون الدال، أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن. "فاختلفت كلمتهم" وذلك أن نعيما أتاه صلى الله عليه وسلم فقال: إني أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة" فخرج حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما، فقال: قد عرفتم ودي وإياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم، وأبناؤكم، ونساؤكم لا تقدرون أن تحولوا منه إلى غيره، وأنهم جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبينه ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم أتى قريشا، فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا لكم،

وروى الحاكم عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب

_ فاكتموه عني، قالوا: نفعل، قال: إن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا إلى محمد إنا قد ندمنا على ما فعلنا، أيرضيك أن نأخذ من أشراف قريش وغطفان رجالا تضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم، فأرسل إليهم نعم، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا، فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا، ثم أتى غطفان فقال: إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فقال لهم مثل ما قال لقريش، وكان من صنع الله لرسوله أن أبا سفيان ورءوس غطفان أرسولوا إلى بني قريظة عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر، فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت لا نعمل فيه شيئا، وكان قد أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بمقاتلين معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا، فإنا نخشى إن اشتد عليكم القتال، أن ترجعوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طلاقة لنا به، فقالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم به لحق، فأرسلوا إليهم إناوالله لا ندفع إليكم جلا واحدا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق، فأرسلوا إليهم إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم الريح في ليال شديدة البرد، فأكفأت قدورهم وطرحت أبنيتهم، ذكره ابن إسحاق في رواية ابن هشام عن البكائي عنه، ولخصه الحافظ في الفتح بأوجز عبارة، وقال بعده ما لفظه. قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة عن عائشة: أن نعيما كان رجلا نمويا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن اليهود قد بعثت إلي، إن كان يرضيك أنا نأخذ من قريش وغطفان رهنا نبعثهم إليك فتقتلهم فعلنا، فرجع نعيم مسرعا إلى قومه فأخبرهم، فقالوا: والله ما كذب محمد عليهم وإنهم لأهل غدر، وكذا قال لقريش، فكان ذلك سبب خذلانهم ورحيلهم ا. هـ. "وروى الحاكم عن حذيفة" بن اليمان الصحابي ابن الصحابي "قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب" أي: الليلة التي اشتد علينا الأمر فيها من ليالي الأحزاب، وهي الليلة التي كانت بعد المحاصرة الشديدة، وذلك كما ذكر ابن سعد وغيره، أنه لما طال المقام على قريش، وقتل عمرو، وانهزم من معه اتعدوا أن يفدوا جميعا، ولا يتخلف منهم أحد، فباتوا يعبون أصحابهم، ثم وافوا الخندق قبل طلوع الشمس وعبى صلى الله عليه وسلم أصحابه، وجمعهم على القتال، ووعدهم النصر إن صبروا، والمشركون قد جمعوا المسلمين في مثل الحصن من كتائبهم، فأحدقوا بكل وجه من الخندق، ووجهوا على خيمته صلى الله عليه وسلم كتيبة عظيمة غليظة فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم يومهم

وأبو سفيان ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشد ظلمة ولا ريحا منها، فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون بيوتنا عورة، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأن جاث على ركبتي

_ ذلك إلى هوى من الليل ما يقدر صلى الله عليه وسلم ولا أحد من المسلمين أن ينزلوا من مواضعهم، ولا على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فجعل الصحابة يقولون: ما صلينا، فيقول صلى الله عليه وسلم: "ما صليت" حتى كشفهم الله، فرجعوا متفرقين، ورجع كل فريق إلى منزله، وأقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق فكرت خيل المشركين، وعليها خالد يطلبون غرة فناوشوهم ساعة، فزرق وحشي بن حرب الطفيل بن النعمان، وقيل: فيه الطفيل بن مالك بن النعمان من بني سلمة بمزراقه، فقتله وانكشفوا وسار صلى الله عليه وسلم إلى قبته، فأمر بلالا فأذن، وأقام فصلى الظهر، ثم أقام لكل صلاة إقامة فصلوا ما فاتهم، وقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، ولم يكن بعد قتال حتى انصرفوا، لكنهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة "وأبو سفيان ومن معه من فوقنا" أي: من فوق الوادي من قبل المشرق، "وقريظة أسف منا" من بطن الوادي من قبل المغرب، وهذا خلاف ما مر عن ابن عباس أن الذين من فوقهم غطفان، ومن أسفل منهم قريش، رواه ابن مردويه، وبه جزم البغوي وغيره، وزادوا وانضم إلى غطفان بنو قريظة والنضير، ويحتمل الجمع بأن قريشا كانت تأتي تارة من فوق وغطفان من أسفل، وتارة على العكس من ذلك، ثم لعل معنى كون قريظة مع المشركين، أي: في جهتهم منحازين في جانب لأنفسهم ممتنعين من الزحف معهم عليه صلى الله عليه وسلم، فلا ينافي أيضا حديث نعيم من امتناعهم من القتال، وفيه بعد لأن ظاهر حديث نعيم أنهم لم يخرجوا من ديارهم، فلعل معنى قوله وقريظة أسفل منا وهم في ديارهم، ويؤيده أو يعينه قوله: "نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة أشد ظلمة ولا ريحا منها،" لا ينافي هذا قوله في بقية ذا الحديث، فإذا الريح فيه، أي: عسكر المشركين لا يجاوز شبرا؛ لأن شدة هذه بالنسبة للعادة، والآتية هي التي هتكت قبابهم وأطفأت نيرانهم، "فجعل المنافقون يسأذنون" النبي، "ويقولون: بيوتنا عورة" أي: غير حصينة. وفي رواية البيهقي: فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له فيتسللون. وفي رواية له أيضا: أن رجلا قال لحذيفة: أدركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندركه، قال: يابن أخي والله لا تدري لو أدركته كيف تكون، لقد رأيتنا ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "من يذهب فيعلم لنا علم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة، فوالله ما قام أحد" فقال الثانية: " جعله الله رفيقي" فلم يقم أحد، فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، "فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا جاث على ركبتي" من شدة البرد والجوع والخوف، ولابن إسحاق: فدعاني فلم

فقال: اذهب فائتني بخبر القوم ولم يبق معه إلا ثلاثمائة قال ودعا لي، فأذهب الله عز وجل عني القر والفزع، فدخلت عسكرهم فإذا الريح فيه، لا تجاوز شبرا، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي فقالوا: أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم. وفي رواية: أن حذيفة لما أرسله عليه الصلاة والسلام ليأتيه بالخبر سمع أبا سفيان يقول:

_ يكن لي بد من القيم "فقال: اذهب فائتني بخبر القوم" وعند البيهقي: فقلت: أخشى أن أؤسر، قال: "إنك لن تؤسر" "ولم يبق معه إلا ثلاثمائة" لا يفهم منه أن من عداهم وهم ألفان وسبعمائة منافقون. وقد قال تعالى: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ} [الأحزاب: 13] . قال ابن عباس: الفريق بنو حارثة، قال غيره: وبنو سلمة، أي: منافقوهم، لأنهم خصوا بالذكر لتعللهم بالباطل، وإنما هو وسيلة الفرار، كما قال تعالى: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} [الأحزاب: 13] إن يريدون إلا فرارا. وأما المؤمنون فإنما رجعوا لألم البرد والجوع الشديدين، أو الخوف الحقيقي على بيوتهم، أو لفهمهم عدم التغليظ في ذهاب من يذهب فكشفوا حال بيوتهم ثم رجعوا. "قال: ودعا لي" وفي رواية أبي نعيم عن حذيفة، فقال: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، وعند ابن عقبة وابن عائذ فقال: قم حفظك الله من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا، فقمت مستبشرا بدعائه فما شق علي شيء مما كان، "فأذهب الله عز وجل عني القر" بضم القاف والبرد، "والفزع" الخوف. زاد في رواية أبي نعيم: فوالله ما خلق الله تعالى قرا ولا فزعا في جوفي إلا خرج، فما وجدت منه شيئا، فمضيت كأنما أمشي في حمام، فلما ولت دعاني، فقال: "يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئا حتى تأتيني"، "فدخلت عسكرهم". قال في رواية ابن إسحاق: والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء "فإذا الريح فيه لا تجاوز" عسكرهم "شبرا فلما رجعت رأيت فوارس" نحو عشرين "في طريقي" حين انتصف بي الطريق، أو نحو ذلك معتمين، "فقالوا:" وفي رواية فارسين، فقالا: "أخبر صاحبك أن الله قد كفاه القوم" بالريح والجنود. "وفي رواية" لابن إسحاق: "أن حذيفة لما أرسله عليه الصلاة والسلام ليأتيه بالخبر سمع أبا سفيان يقول،" ولفظه: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة: أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه، قال: نعم، قال: فكيف كنتم تصنعون، قال: والله لقد كنا نجهد، قال: والله لو أدركنا ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه

يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الخف والكراع، واختلفنا وبنو قريظة، ولقينا من هذا الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم. ووقع في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم الأحزاب:

_ على أعناقنا فقال حذيفة: والله لقد رأيتني بالخندق وصلى صلى الله عليه وسلم هو يأمن الليل، ثم التفت إلينا فقال: "من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم، ثم يرجع بشرط له الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة" فما قام رجل من شدة الخوف، وشدة الجوع وشدة البرد, فلما لم يقم أحد، دعاني فلم يكن لي بد من القيام، فقال: "يا حذيفة اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتنيا"، فذهبت فدخلت فيهم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقال أبو سفيان: لينظر امرؤ من جليسه. فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: "يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام" أي: بمحل يصلح للإقامة فيه، "ولقد هلك الخف والكراع" بضم الكاف، وخفة الراء وبالعين المهملة، اسم لجمع الخيل، كما في الشامية، "واختلفنا وبنو قريظة" حيث امتنعوا من القتال معنا، وفيه عطف الظاهر على ضمير الرفع المتصل بلا فاصل، وهو جائز على قلة، لكن لفظ الرواية عند ابن إسحاق: وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، "ولقينا من هذا الريح ما ترون"، ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، "فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله، فما حل عقال يده،" أي: الجمل، "إلا وهو قائم". ولفظ الرواية في ابن إسحاق: ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي، أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما صنعت قريش، فرجعوا إلى بلادهم هذا بقية رواية ابن إسحاق. "ووقع في البخاري" في الجهاد، وفي المغازي، وكذا في مسلم، والترمذي، والنسائي وابن ماجه كله عن جابر، "أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم الأحزاب" وفي رواية النسائي عن

"من يأتينا بخبر القوم". فقال الزبير: أنا، فقال: "من يأتينا بخبر القوم"، فقال الزبير: أنا، فقال: "من يأتينا بخبر القوم"؟ قالها ثلاثا. وقد أشكل ذكر الزبير في هذه القصة. فقال ابن الملقن: وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب والمشهور أنه حذيفة بن اليمان. قال الحافظ بن حجر: وهذا الحصر مردود، فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها، فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين؟ وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق، وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى، وأرسل الله عليهم الريح واشتد البرد تلك الليلة، فانتدب عليه الصلاة والسلام من يأتيه بخبر

_ جابر، أنه قال: يوم بني قريظة "من يأتيني بخبر القوم" بين الواقدي، أن المراد بهم بنو قريظة، وبه يسقط الإشكال الآتي، "فقال الزبير: أنا" آتيك بخبرهم، "ثم قال: "من يأتينا بخبر القوم"؟ فقال الزبير: أنا، ثم قال: "من يأتينا بخبر القوم"؟ فقال الزبير: أنا ثم قال: "إن لكل نبي حواريا، وإن حواري الزبير" هذا بقية الحديث في البخاري وغيره، وقوله "قالها ثلاثا" من المصنف ضبطا للحديث لئلا تسقط واحدة، وهي رواية المغازي، وأما الجهاد فقالها مرتين. "وقد أشكل ذكر الزبير في هذه القصة، فقال ابن الملقن: وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب" لكشفها، "والمشهور" كما قال شيخنا أبو الفتح اليعمري، "أنه حذيفة بن اليمان"، كما رويناه من طريق ابن إسحاق وغيره. "قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحصر مردود، فإن القصة التي ذهب" الزبير "لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها" فتوهمها ابن الملقن وشيخه واحدة وليس كذلك، "فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة، هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين" وهي التي رواها جابر في الصحيحين وغيرهما. "وصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق، وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى، وأرسل الله عليهم الريح، واشتد البرد تلك الليلة فانتدب" أي: دعا "عليه الصلاة والسلام من يأتيه بخبر

قريش فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك، وقصته في ذلك مشهورة لما دخل بين قريش في الليل وعرف قصتهم.

_ قريش، فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك"، وهو الذي رواه ابن إسحاق وغيره، فتوهم اليعمري وتلميذه القصتين واحدة، فقضى بأن المشهور رواية ابن إسحاق وغيره، أنه حذيفة على رواية الصحيحين، وغيرهما أنه لزبير مع أنك قد علمت من هذا البيان الشافي، أنهما قصتان وهو واضح جدا، ولم يظهر لي قول شيخنا لا يظهر منه رد قول ابن الملقن، فالمفهوم منه أنه إنما أنكر أن الذاهب لقريش هو الزبير، ولم يدع أنه لم يذهب في غزوة الخندق بأمره صلى الله عليه وسلم البتة ا. هـ. فإن وجه الرد عليه ليس من دعواه ذلك، حتى يقال إنه لم يدعه، بل من توهمه أن حديث الصحيح في بعثه لقريش، مع أنه إنما كان لبني قريظة، كما بينه الواقدي، بل روى النسائي عن جابر نفسه لما اشتد الأمر يوم بني قريظة، قال صلى الله عليه وسلم: "من يأتيني بخبرهم"، فلم يذهب أحد، فذهب الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضا، فقال: "من يأتينا بخبرهم"؟، فلم يذهب أحد، فذهب الزبير، ثم اشتد الأمر أيضا، قال: "من يأتينا بخبرهم"؟ فلم يذهب أحد، فذهب الزبير. ففيه أنه ذهب لقريظة ثلاث مرات، وقول بعضهم: لا مانع أنه أرسل الزبير لقريظة مرة أخرى للبحث عن حال قريش فاسد، فالمانع موجود وهو مجيء الرواية عن جابر نفسه، أن ذهاب الزبير لبني قريظة. والروايات يفسر بعضها بعضا، وتجويز أنه صلى الله عليه وسلم عدل عن إرسال الزبير؛ لأن له حة وشدة، لا يملك معها نفسه أن يحدث بالقوم، ما نعى عنه حذيفة، فاختار إرساله لذلك، وأن بهذا يرد كلام الحافظ، هذا الذي نقله المصنف خطأ صريح أوقعه في حق الحواري أحد الشعرة، حاشاه من هذا الهذيان، فإنه لا يفعل ما نهاه عنه لو وقع. "وقصته" أي: حذيفة "في ذلك مشهورة لما دخل بين قريش في الليل، وعرف قصتهم"، فعند أبي نعيم والبيهقي وغيرهما عنه قال: لما دخلت بينهم نظرت في ضوء نار توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته وحوله عصبة، قد تفرق عنه الأحزاب، وهو يقول الرحيل، ولم أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش لأضعه في كبد القوس لأرميه في ضوء النار، فذكرت قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني" فأمسكت ورددت سهمي، فلما جلست فيهم أحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم من غيرهم، فقال: "ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه"، فضربت بيدي على يد الذي عن يميني، فأخذت بيده فقلت: من أنت؟، قال: معاوية بن أبي سفيان، ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي فقلت: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص، فعلت ذلك خشية أن يفطن بي، فبدرتهم

وفي البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب

_ بالمسألة ثم تلبثت فيهم هنيهة، فأتيت قريشا وبني كنانة وقيسا، وقلت: ما أمرني به صلى الله عليه وسلم بقوله: ادخل حتى تدخل بين ظهراني القوم، فأتيت قريشا، فقلت: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقال أين قريش، أين قادة الناس، أين رءوس الناس، فيقدمونكم فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم، ثم ائت بني كنانة فقل إذا كان غدا فيقال: أين رماة الحذف فيقدمونكم فتصلوا القتال فيكون القتل فيكم ثم ائت قيسا فقل: يا معشر قيس إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا أين قيس، أين أحلاس، الخيل أين الفرسان، فيقدمونكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم الحديث. وذكر في بقيته ارتحالهم وغلبة الريح عليهم، وأنه عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولقيه الفوارس في نحو نصف الطريق، فلما وصل عاد له البرد ووجده صلى الله عليه وسلم يصلي، فأومأ إليه بيده فدنا منه، فسدل عليه من فضل شملته، قال: فأخبرته الخبر وإني تركتهم يترحلون، فلم أزل نائما حتى الصبح، فلما أصبحت، قال صلى الله عليه وسلم: "قم يا نومان". "وفي البخاري" في الجهاد، والمغازي، والتوحيد والدعوات، ومسلم في المغازي، والترمذي وابن ماجه في الجهاد والنسائي في السير كلهم "من حديث" الصحابي ابن الصحابي "عبد الله بن أبي أوفى" بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة، كما ضبطه الكرماني وغيره، واسمه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، شهد عبد الله الحديبية، وعمر دهرا، ومات سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. "قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب". وفي رواية أحمد وابن سعد عن جابر، أنه صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء بين الظهر والعصر، فوضع رداءه، فقام فرفع يديه يدعو عليهم، فرأينا البشر في وجهه. وفي رواية أبي نعيم: انتظر حتى زالت الشمس، ثم قام، فقال: "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن لقيتم العدو فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"، ثم دعا "فقال: "اللهم" أي: يا الله، يا "منزل الكتاب" القرءان. قال الطيبي: لعل تخصيص هذا الوصف بهذا المقام تلويح إلى معنى الانتصار في قوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9] ، وأمثال ذلك يا "سريع الحساب". قال الكرماني: إما أن يريد به سريع حسابه، بمجيء وقته، وإما أنه سريع في الحساب،

اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم". وروى أحمد عن أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر فقال: "نعم، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح فهزمهم بالريح.

_ "اهزم الأحزاب" بزاي: اكسرهم، وبدد شملهم، "اللهم اهزمهم وزلزلهم" فلا يثبتوا عند اللقاء، بل تطيش عقولهم، وترعد أقدامهم، وقد استجاب الله لرسوله، فأرسل عليهم ريحا وجنودا، فهزمهم حتى قال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحرة فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال. وخص الدعاء عليهم بالهزيمة والزلزلة دون الهلاك؛ لأن في الهزيمة سلامة نفوسهم، وقد يكون ذلك رجاء أن يتوبوا من الشرك ويدخلوا في الإسلام والإهلاك مفوت لهذا المقصد الصحيح. "وروى أحمد عن أبي سعيد" سعد بن مالك بن سنان الخدري، الصحابي، ابن الصحابي، "قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر" جمع حنجرة، وهي مجرى النفس. قال قتادة: شخصت مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها لخرجت، رواه ابن أبي حاتم، وقد قيل: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع والغضب، أو الغم الشديد ربت، وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وقيل: هو تمثيل عن شدة الخوف، وعليه السهيلي. قال في الروض فيه: أن التكلم بالمجاز مبالغة حتى إذا فهمه المخاطب، فإن القلب لو انتقل إلى الحنجرة لمات صاحبه، فحالهم فيما بلغهم من الخوف وضيق الصدر، كمثل المنخلع قلبه من موضعه، ومثله جدارا يريد أن ينقض، أي: مثله كمثل من يريد الفعل، ويهم به فهو من مجاز التشبيه، وقيل: هو على حذف مضا، تقديره بلغ وجيف القلوب الحناجر ا. هـ، "فقال: "نعم"، قولوا: اللهم استر عوراتنا"" أي: خللنا، أي: عيوبنا، وتقصيرنا وما يسوءها إظهاره، "وآمن" بمد الهمزة وكسر المبهم مخففة، ويجوز القصر والتثقيل "روعاتنا" خوفنا وفزعنا من الروع بالفتح الفزع، وفيه من أنواع البديع جناس القلب، وإيقاع الأمن على الروع مجاز من إطلاق اسم المحل، وهو القلب على الحال فيه وهو الروع، وبهذا وافق قوله تعالى: {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4] ، قوله: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55] ، حيث أوقع الأمن على الذوات. "قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح، فهزمهم بالريح" وكفى الله المؤمنين القتال، فانصرف الكفار خائبين خائفين، حتى إن عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد أقاما في مائتي

وفي "ينبوع الحياة" لابن ظفر: قيل إنه صلى الله عليه وسلم دعا فقال: "يا صريخ المكروبين يا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي". فأتاه جبريل فبشره بأن الله سبحانه يرسل عليهم ريحا وجنودا، فأعلم أصحابه ورفع يديه قائلا: "شكرا شكرا"، وهبت ريح الصبا ليلا فقلعت الأوتاد وألقت عليهم الأبنية وكفت القدور

_ فارس، ساقه عسكر المشركين ردأ لهم، مخافة الطلب، كما ذكره ابن سعد. "وفي ينبوع الحياة" اسم تفسير القرءان العظيم "لابن ظفر" بفتح الظاء المعجمة والفاء بعدها راء، كما ضبطه ابن خلكان، ونسب إلى جده لشهرته به، وإلا فهو محمد بن محمد بن ظفر أحد الفضلاء صاحب التصانيف الصقلى، ولد بها، ونشأ بمكة، وتنقل في البلاد، وسكن آخر وقته بحماة، وكان فقيرا جدا حتى قيل: إنه زوج بنته بغير كفؤ للحاجة، فخرج الزوج بها من حلب، وباعها "قيل: إنه صلى الله عليه وسلم دعا فقال: "يا صريخ" بخاء معجمة، أي: يا مغيث "المكروبين"، ويطلق على المستغيث أيضا, كما في القاموس, وليس مرادا هنا "يا مجيب المضطرين" المكروبين الذي مسهم الضر، كما قال: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء "اكشف همي وغمي وكربي، فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي، فأتاه جبريل فبشره بأن الله سبحانه وتعالى يرسل عليهم ريحا وجنودا، فأعلم أصحابه" بذلك ليزول خوفهم، "ورفع يديه قائلا" أشكرك "شكرا شكرا" أي: شكرا بعد شكر على ما أوليتني من نعمائك "وهبت ريح الصبا" بفتح الصاد المهملة وخفة الموحدة، وهي الشرقية، ويقال لها القبول؛ لأنها تقابل الشمال، وهي الريح العقيم التي لا خير فيها "ليلا". روى ابن مردويه والبزار وغيرهما برجال الصحيح، عن ابن عباس قال: لما كانت ليلة الأحزاب قال الصبا للشمال: اذهبي بنا ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن الحرائر لا تهب بالليل، فغضب الله عليها، فجعلها عقيما، وأرسل الصبا، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور". وروى الشيخان والنسائي عنه مرفوعا: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور بفتح الدال، الريح الغربية، ومن لطيف المناسبة، كون القبول نصرت أهل القبول، والدبور أهلكت أهل الأدبار "فقلعت" الأوتاد" وأطفأت النيران، "وألقت عليهم الأبنية" أي: الأخبية، "وكفت" قلبت "القدور" على أفواهها. قال مجاهد: سلط الله عليهم، الريح فكفت قدورهم، ونزعت خيامهم حتى أظعنتهم، رواه البيهقي فهذا صريح في أنه من الريح، ومثله في الأنوار والنهر.

وسفت عليهم التراب ورمتهم بالحصى، وسمعوا في أرجاء معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح فارتحلوا هرابا في ليلتهم وتركوا ما استثقلوه من متاعهم. قال: فذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] . وفي البخاري عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، كما شغلونا

_ وزاد: وبعث الله مع الصبا ملائكة تسدد الريح، وتفعل نحو فعلها ا. هـ. "وسفت عليهم التراب" في وجوههم، "ورمتهم بالحصا وسمعوا في أرجاء معسكرهم" أي: جوانبه، "التكبير وقعقعة السلاح" من الملائكة "فارتحلوا هرابا" بضم الهاء والتشديد، جمع هارب، أي: هاربين، "في ليلتهم وتركوا ما استثقلوه من متاعهم" فغنمه المسلمون مع عشرين بعيرا أرسلها أبو سفيان لحيي فحملها له شعيرا وتمرا وتبنا، فلقيها جماعة من المسلمين فأخذوها وانصرفوا بها إليه صلى الله عليه وسلم، فتوسعوا بها وأكلوه حتى نفد ونحروا منها أبعرة، وبقي منها ما بقي حتى دخلوا به المدينة، فلما رجع ضرار بن الخطاب أخبرهم الخبر، فقال أبو سفيان: إن حييا لمشئوم قطع بنا ما نجد، ما نحمل عليه إذا رجعنا، أخرجه الواقدي بإسناد له مرسل. "قال: فذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} [الأحزاب: 9] ، صبا باردة في ليلة شاتية، {وَجُنُودًا} ملائكة قيل: كانوا ألفا. وروى ابن سعد عن ابن المسيب قال: أتى جبريل يومئذ، ومعه الريح فقال صلى الله عليه وسلم حين رأى جبريل: "ألا أبشروا" ثلاثا، {لَمْ تَرَوْهَا} قذفت في قلوبهم الرعب والفشل، وفي قلوب المؤمنين القوة والأمل، وقيل: إنما أرسلت لتزجر خيل العدو وإبلهم، فقطعوا ثلاثة أيام في يوم واحد، ذكره ابن دحية. قال مجاهد: ولم تقاتل الملائكة يومئذ. قال البلاذري: بل غشيتهم تطمس أبصارهم فانصرفوا، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال. "وفي البخاري" في الجهاد، والمغازي، والتفسير والدعوات، ومسلم وأبي داود والنسائي في الصلاة، والترمذي في التفسير، "عن علي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم" وقعة "الخندق". قال الحافظ: وفي الجهاد يوم الأحزاب: وهو بالمعنى "ملأ الله بيوتهم" أي: الكفار أحياء، "وقبورهم" أمواتا "نارا"، والجملة خبرية لفظا، إنشائية معنى أي: اللهم املأ، ففيه كما قال الحافظ جواز الدعاء على المشركين بمثل ذلك "كما شغلونا". وفي رواية المستملي: لما شغلونا بزيادة لام وهو خطأ، قاله الفتح، والكاف للتعليل بمعنى

عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" ومقتضى هذا أنه استمر اشتغاله، بقتال المشركين حتى غابت الشمس. ويعارضه ما في صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال: حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى". الحديث. ومقتضى هذا أنه لم يخرج الوقت بالكلية. قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، الحبس انتهى إلى ذلك الوقت، أي: الحمرة أو الصفرة، ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب ا. هـ. وفي البخاري عن عمر بن الخطاب

_ اللام، وما مصدرية نحو كما هداكم، أي: لشغلهم إيانا "عن" صلاة "الصلاة الوسطى" أي: عن إيقاعها. زاد مسلم: صلاة العصر، "حتى غابت الشمس" زاد مسلم: ثم صليناها بين المغرب والعشاء، "ومقتضى هذا" صراحة "أنه استمر اشتغاله بقتال المشركين" أي: المراماة بينهم بالنبل والحجارة، "حتى غابت الشمس، ويعارضه ما في صحيح مسلم عن ابن مسعود، أنه قال: حبس" منع "المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت،" أي: قاربت الغروب، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى"، الحديث. ومقتضى هذا" صراحة أيضا، "أنه لم يخرج الوقت بالكلية". "قال الشيخ تقي الدين" أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي، العلامة الفقيه الحافظ، صاحب التصانيف "ابن دقيق العيد". قال السخاوي، الملقب بذلك جده وهب لخروجه يوما من قوص، وعليه طيلسان أبيض وثوب أبيض، فقال بدوي: كأن قماش هذا يشبه دقيق العيد، يعني في البياض، فلزمه ذلك "الحبس انتهى إلى ذلك الوقت، أي: الحمرة أو الصفرة" كما هو لفظ ابن مسعود، "ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب" كما صرح به علي، وكأنه حصل لهم عذر، كخوف عود الكفار لهم، "انتهى" كلام تقي الدين وهو جمع بين الحديثين. "وفي البخاري" في المواقيت، وصلاة الخوف والمغازي، ومسلم، والترمذي والنسائي في الصلاة عن جابر أن عمر جاء، وأما قوله: "عن عمر بن الخطاب" ففيه تسمح من المصنف، لم

أنه جاء يوم الخندق بعد ما غابت الشمس وجعل يسب كفار قريش قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب تنبيه

_ يرد أنه راوي الحديث؛ لأنه خلاف الواقع في البخاري وغيره، فإنما مراده عن قصة عمر، فقد قال الحافظ: اتفق الرواة على أن هذا الحديث من رواية جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حجاج بن نصير، فرواه عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، عن جابر، عن عمر، فجعله من مسند عمر، تفرد بذلك حجاج، وهو ضعيف ا. هـ. "أنه جاء يوم الخندق بعدما غابت"، وفي لفظ: غربت "الشمس و". في رواية للبخاري أيضا: بعدما أفطر الصائم، والمعنى واحد. "جعل" بلا فاء في المغازي من البخاري، وله في المواقيت بإثباتها، فجعل "يسب كفار قريش" لأنهم السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار كما وقع لعمر، وإما مطلقا كما وقع لغيره. "قال: يا رسول الله ما كدت" قال المصنف: بكسر الكاف وقد تضم، "أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب". قال اليعمري: كاد من أفعال المقاربة، فمعناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس؛ لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. وقال الكرماني: يلا يلزم منه وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة؛ لأنه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها. قال: وحاصله عرفا ما صليت حتى غربت ا. هـ، وفيه نظر، فإن كاد إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، ولا يخفى ثقل تعبيره بكيدودة، ثم قوله: أن تغرب بحذف، أن عند البخاري في المواقيت، وثبوتها له في المغازي، ومثله في مسلم. قال اليعمري: وهو من تصرف الرواة، والراجح أن كاد لا تقترن بأن بخلاف عسى، فالراجح اقترانها وهل تسع الرواية بالمعنى مثل هذا أو لا، الظاهر الجواز؛ لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت، لا الإخبار أن عمر تكلم بالراجحة، أو المرجوحة، فإن قيل: الظاهر أن عمر كان معه صلى الله عليه وسلم فكيف اختص بإدراك العصر قل الغروب دونهم، فالجواب يحتمل أنه كان متوضئا، فبادر فصلى، ثم جاءه عليه السلام في حال تهيئة للصلاة فاعلمه، فقام هو وأصحابه إلى الوضوء انتهى ملخصا من الفتح. "تنبيه": ما سقته من لفظ المتن هو ما في نسخة صحيحة، وهو الصواب المذكور في صحيح البخاري، وما في أكثر النسخ من قوله عن عمر، أنه جاء بعدما كادت الشمس تغرب، فهو مع كونه خلاف ما في البخاري من الاختصار المخل، لإيهامه أن مجيء عمر للمصطفى

فقال صلى الله عليه وسلم: "والله ما صليتها"، فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. وقد يكون ذلك للاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها، ومقتضى هذه الرواية المشهورة أنه لم يفت غير العصر. وفي الموطأ: الظهر والعصر.

_ قبل الغروب، وهو خلاف تصريحه بأنه جاء بعدما غربت الشمس، ويوهم أيضا أن عمر لم يصل العصر قبل الغروب، مع أن الحديث كالنص في أنه صلاها قبل الغروب كما علم "فقال صلى الله عليه وسلم: "والله ما صليتها " " فيه جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضته مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهم، وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم، "فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان". قال الحافظ: بضم أوله وسكون ثانيه، واد بالمدينة، وقيل: بفتح أوله وكسر ثانيه، حكاه أبو عبيد البكري، ونسب عياض الأول للمحدثين، والثاني للغويين، وحكى الفتح مع السكون أيضا. "فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها فصلى" زاد الإسماعيلي: بنا، "العصر بعدما غربت الشمس،" ففيه قضاء الفائتة جماعة، وبه قال الأكثر إلا الليث، مع إجازته صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت، "ثم صلى بعدها المغرب" ووقع عند أحمد، أنه صلى الله عليه وسلم صلى المغرب يوم الأحزاب، فلما سلم قال: "هل علم رجل مسلم أني صليت العصر"؟ قالوا: لا يا رسول الله فصلى العصر، ثم صلى المغرب. قال الحافظ: وفي صحته نظر، لمخالفته لحديث الصحيحين، هذا ويمكن الجمع بينهما بتكلف. قال: واختلف في سبب تأخير الصلاة ذلك اليوم، فقيل: النسيان، واستبعد وقوعه من الجميع، وقيل: شغلهم إياهم، فلم يتمكنوا من ذلك وهو أقرب لا سيما, ولأحمد والنسائي عن أبي سعيد، أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف، فرجالا أو ركبانا، "وقد يكون ذلك" أي: التأخير عن إيقاعها قبل الغروب "للاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها" كخوف عود العدو قبل الغروب، "ومقتضى هذه الرواية المشهورة" في الصحيحين وغيرهما، عن جابر وعلي، "أنه لم يفت غير العصر". "وفي الموطأ" من طريق أخرى، أنه فاتهم "الظهر والعصر".

وفي الترمذي عن ابن مسعود أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق. وقال: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، فمال ابن العربي إلى الترجيح فقال: الصحيح أن التي اشتغل عنها صلى الله عليه وسلم واحدة وهي العصر. وقال النووي: طريق الجمع بين هذه الروايات، أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها. قال: وأما تأخيره عليه الصلاة والسلام صلاة العصر حتى غربت الشمس فكان قبل نزول صلاة الخوف.

_ وفي حديث أبي سعيد عند أحمد والنسائي: الظهر والعصر والمغرب، وأنهم صلوا بعد هوى من الليل. "وفي الترمذي" والنسائي "عن ابن مسعود: أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق" حتى ذهب من الليل ما شاء الله. قال الحافظ: وفي قوله: أربع، تجوز لأن العشاء لم تكن فاتت. "وقال الترمذي: "ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة" ابن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر كوفي ثقة، مات بعد سنة ثمانين، "لم يسمع من" أبيه "عبد الله" بن مسعود، فهو منقطع، وفي التقريب الراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، "فمال ابن العربي إلى الترجيح، فقال: الصحيح أن التي اشتغل عنها صلى الله عليه وسلم واحدة وهي العصر". قال الحافظ: ويؤيده حديث علي في مسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر. "وقال النووي: طريق الجمع بين هذه الروايات، أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا،" أي: شغلهم عن العصر أو الظهر والعصر، "في بعض الأيام، وهذا" أي: تأخير أربع صلوات، "في بعضها". قال الحافظ: ويقربه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما حديث جابر ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس. "قال" النووي: "وأما تأخيره عليه الصلاة والسلام للعصر حتى غربت الشمس، فكان قبل نزول" قوله تعالى: {فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} ، "صلاة الخوف" كما مر من حديث أبي سعيد، وقد صلى صلاة الخوف في ذات الرقاع، وهي قبل الخندق عند جماعة.

قال العلماء: يحتمل أنه أخرها نسيانا لا عمدا، وكان السبب في النسيان الاشتغال بأمر العدو، ويحتمل أنه أخرها عمدا للاشتغال بالعدو قبل نزول صلاة الخوف، وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال، بل تصلي صلاة الخوف على حسب الحال. وقد اختلف في المراد بالصلاة الوسطى. وجمع الحافظ الدمياطي في ذلك مؤلفا مفردا سماه: كشف المغطي عن الصلاة الوسطى، فبلغ تسعة عشر قولا، وهي: الصبح

_ "قال العلماء: يحتمل أنه أخرها نسيانا لا عمدا، وكان السبب في النسيان الاشتغال بأمر العدو". قال الحافظ: واستبعد وقوع ذلك من الجميع، "ويمكن أنه أخرها عمدا للاشتغال بالعدو". قال الحافظ: وهو أقرب. وكان هذا عذرا في تأخير الصلاة "قبل نزول صلاة الخوف، وأما اليوم، فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال، بل تصلي صلاة الخوف على حسب الحال"، ثم استطرد المصنف، فذكر الخلاف في الصلاة الوسطى لمناسبة وقوعها في الحديث السابق. فقال: "وقد اختلف في المراد بالصلاة الوسطى،" تأنيث الأوسط، وهو الأعدل من كل شيء، وليس المراد التوسط بين شيئين؛ لأن معنى فعلى التفضيل ولا يبنى منه إلا ما يقبل الزيادة والنقص والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف المتوسط، فلا يقبلهما، فلا يبنى منه أفعل تفضيل قاله الحافظ. "وجمع الحافظ الدمياطي في ذلك مؤلفا مفردا سماه كشف المغطى عن الصلاة الوسطى، فبلغ تسعة عشر قولا وهي الصبح، "قاله أبي، وأنس، وجابر، وأبو العالية، وعبيد بن عمير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد وغيرهم، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وهو أحد قولي ابن عمر وابن عباس، نقله مالك والترمذي عنهما، ونقله مالك بلاغا عن علي، والمعروف عنه خلافه. وروى ابن جرير عن أبي رجاء: صليت خلف ابن عباس الصبح، فقنت فيها، ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى أمرنا أن نقوم فيها قانتين، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عمر، ومن طريق أبي العالية صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر، صلاة الغداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قالوا: هي هذه، وهو قول مالك والشافعي الذي نص عليه في الأم، واحتجوا بأن فيه القنوت، وقد قال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، وبأنها لا تقصر في

أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو جميع الصلوات وهو يتناول الفرائض والنوافل واختاره ابن عبد البر، أو الجمعة وصححه القاضي

_ السفر، وبأنها بين صلاتي جهر وصلاتي سر، "أو الظهر" رواه في الموطأ عن زيد بن ثابت، وابن المنذر وغيره عن أبي سعيد وعائشة، وبه قال أبو حنيفة في رواية. وأخرج أبو داود عن زيد بن ثابت، كان صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحابه منها، فنزلت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] . وروى أحمد عنه، كان صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجيرة، فلا يكون وراءه إلا الصف، أو الصفان والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت الآية "أو العصر". قال الترمذي: هو قول أكثر الصحابة الماوردي وجمهور التابعين ابن عبد البر، وأكثر علماء الأثر، وقال به من المالكية ابن حبيب، وابن العربي وابن عطية، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد، وصار إليه معظم الشافعية مخالفين، نص إمامهم لصحة الحديث فيه، وقد قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. قال ابن كثير: لكن صمم جماعة من الشافعية أنها الصبح قولا واحدا. وروى الترمذي والنسائي عن علي: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعته صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى" صلاة العصر. قال الحافظ: وهذه الرواية تدفع دعوى أن صلاة العصر مدرج من تفسير بعض الرواة، فهي نص في أن كونها العصر من كلامه عليه السلام، وأن حجة من قال الصبح قوية ا. هـ. وقال ابن عبد البر: الاختلاف القوي في الصلاة الوسطى، إنما هو في هاتين الصلاتين، أعني العصر والصبح، وغير ذلك ضعيف، "أو المغرب" قاله ابن عباس عند ابن أبي حاتم بإسناد حسن، وقبيضة بن ذؤيب عند ابن جرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات ولا تقصر في الأسفار، وأن العمل مضى على المبادرة إليها، وتعجيلها عقب الغروب، وأن قبلها صلاتي سر، وبعدها صلاتي جهر، "أو جميع الصلوات" قاله ابن عمرو. رواه ابن أبي حاتم بسند حسن. ومعاذ بن جبل "و" احتج له بأن قوله: حافظوا على الصلوات: "هو يتناول الفرائض والنوافل" فعطف الوسطى عليه، وأريد بها كل الفرائض تأكيدا لها، "واختاره ابن عبد البر" أبو عمر، وتعجب منه ابن كثير حيث اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل، وأنها لإحدى الكبر كذا قال، وإنه من مثله لشيء عجاب، فإن السند إلى ابن عمر حسن، كما في الفتح فهو دليله، ولذا أعرض الحافظ عن تعقبه فحكاه بلا تعقب، "أو الجمعة" ذكره ابن حبيب، واحتج بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، "وصححه القاضي

حسين في صلاة الخوف من تعليقه، أو الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة، أو العشاء لأنها بين صلاتين لا تقصران، أو الصبح والعشاء، أو الصبح والعصر لقوة الأدلة. فظاهر القرءان الصبح، ونص السنة العصر، أو صلاة الجماعة أو الوتر أو صلاة الخوف أو صلاة عيد الأضحى أو الفطر أو صلاة الضحى، أو واحدة من الخمس غير معينة، أو الصبح أو العصر على الترديد وهو غير القول السابق أو التوقف

_ حسين في صلاة الخوف من تعليقه، أو الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة، أو العشاء" نقله ابن التين والقرطبي، "لأنها بين صلاتين لا تقصران" ولأنها تقع عند النوم فلذا أمر بالمحافظة عليها، واختاره الواحدي، "أو الصبح والعشاء" معا للحديث الصحيح أنهما أثقل الصلاة على المنافقين. وبه قال الأبهري من المالكية، "أو الصبح والعصر" معا "لقوة الأدلة" في أن كلا منهما الوسطى، "فظاهر القرءان الصبح" لقوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، "ونص السنة العصر" عند مسلم وغيره وليس بنص؛ لأن قوله: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، يحتمل كما قال الباجي أن يريد به الوسطى من الصلوات التي شغل عنها، وهي الظهر والعصر؛ لأنها وسطى هذه الثلاث لتأكد فضلها عن الصلاتين اللتين معا ولا يدل ذلك على أنها أفضل من الصبح وإنما الخلاف عند الإطلاق ا. هـ، على أن السيوطي قد قال في الديباج على مسلم أن قوله صلاة العصر مدرج، كما ذكره بعضهم، ولهذا سقط في رواية البخاري. وفي رواية يعني العصر، وهو صريح في الإدراج ا. هـ. ومر أن الحافظ دفع ذلك ولكن فيه وقفة، "أو صلاة الجماعة، أو الوتر" صنف فيه علم الدين الشجاعي جزءا، ورجحه القاضي تقي الدين الأخنائي في جزء "أو صلاة الخوف، أو صلاة عيد الأضحى، أو الفطر، أو صلاة الضحى" كذا في النسخ الصحيحة، ومثله في الفتح، وفي نسخة بدله صلاة الفجر وهي تصحيف، "أواحدة من الخمس غير معينة" قاله الربيع بن خيثم وسعيد بن جبير، وشريح القاضي، واختاره إمام الحرمين في النهاية قال: كما أخفيت ليلة القدر "أو الصبح، أو العصر على الترديد، وهو غير القول السابق" الجازم بأن كلا منهما يقال له الوسطى، "أو التوقف". فقد روى ابن جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. زاد في الفتح: العشرون صلاة الليل، وجدته عندي وذهلت الآن عن معرفة قائله، وصار إلى أنها أبهمت جماعة من المتأخرين.

ا. هـ. وانصرف صلى الله عليه وسلم من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة، وكان قد أقام بالخندق خمسة عشر يوما، وقيل أربعة وعشرين يوما. فقال صلى الله عليه وسلم: "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا". وفي ذلك علم من أعلام النبوة. فإنه عليه الصلاة والسلام اعتمر في السنة التي صدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها فكان ذلك سبب فتح مكة فوقع الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام. وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وقد أخرج البزار من حديث جابر بإسناد حسن شاهدا لهذا

_ قال القرطبي: وهو الصحيح لتعارض الأدلة وعسر الترجيح "انتهى". ولنمسك عنان القلم رغبة عن التطويل. "وانصرف صلى الله عليه وسلم من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة" قاله ابن سعد، وهو مخالف لقول ابن إسحاق فلما أصبح انصرف، ثم هو ظاهر على أن الخندق في القعدة، وكذا على أنه في شوال؛ لأن المراد ابتداء حفره، فلا ينافي استمرار ما تعلق به إلى الوقت المذكور، "وكان قد أقام بالخندق" محاصرا "خمسة عشر يوما" فيما جزم به ابن سعد والبلاذري. وقال الواقدي: إنه أثبت الأقوال، "وقيل: أربعة وعشرين يوما"، كما رواه يحيى بن سعيد عن ابن المسيب. ورى الزهري عنه بضع عشرة ليلة، ويمكن أن يفسر بخمسة عشر كما أنه يحتمل تفسير قول ابن إسحاق بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر بالأربعة وعشرين. وعند الواقدي عن جابر عشرين يوما، وفي الهدي شهرا. "فقال عليه الصلاة والسلام: "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا" ". وفي البخاري عن سليمان بن صرد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب عنه: "الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم" ". قال الحافظ في شرحه: "وفي ذلك علم من أعلام نبوته، فإنه عليه الصلاة والسلام اعتمر في السنة" المقبلة "التي صدته قريش عن البيت" سنة الحديبية، "ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، وقد أخرج البزار من حديث جابر بإسناد حسن شاهد لهذا" يعني الحافظ

ولفظه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب، وقد جمعوا له جموعا كثيرة: "لا يغزونكم بعدها أبدا، ولكن أنتم تغزونهم" تتميم.

_ حديث سليمان بن صدر الذي لم يذكره المصنف اكتفاء بذكر معناه "ولفظه أن النبي صلى لله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: "وقد جمعوا له جموعا كثيرة، لا يغزونكم بعدها أبدا ولكن أنتم تغزونهم" " فهذا بمعنى حديث الصحيح، وفي زيادة لفظ أبدا، وذكر الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك بعد أن انصرفوا. "تتميم": ذكر ابن إسحاق والواقدي أنه استشهد من المسلمين يوم الخندق ستة لا غير سعد بن معاذ، وأنس بن أوس، وعبد الله بن سهل الأوسيون، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عنمة، بمهملة ونون مفتوحتين، وكعب بن زيد الخزرجيون، وزاد الدمياطي في الأنساب قيس بن زيد بن عامر، وعبد الله بن أبي خالد. وذكر الحافظ في الكنى أبا سنان ابن صيفي بن صخر، فقال: شهد بدرا، واستشهد في الخندق، وقتل من المشركين ثلاثة منبه بن عبيد. قال ابن هشام: هو عثمان بن أمية بن منبه العبدري أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله المخزومي وعمرو بن عبدود. في البخاري عن ابن عمر، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذ قفل من الغزو أو الحج أو العمرة، يبدأ، فيكبر ثلاث مرات، ثم يقول: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، وهذا من السجع المحمود، وهو ما جاء بانسجام واتفاق بلا قصد، والمذموم ما يأتي بتكلف واستكراه والله أعلم.

غزوة بني قريظة

"غزوة بني قريظة": ولما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الأربعاء هو وأصحابه، ووضعوا السلاح

_ غزوة بني قريظة: "ولما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الأربعاء" الذي انصرف فيه من الخندق لسبع بقين من ذي القعدة، قاله ابن سعد، وكان المصنف لم يترجم لها لاتصالها بغزوة الخندق حتى كأنها بيان لبعض تعلقاته؛ لأنهم ظاهروا الأحزاب، فكانوا من جملتهم "هو وأصحابه ووضعوا السلاح". قال ابن إسحاق: وكان الظهر.

جاء جبريل عليه السلام معتجرا بالعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج. وفي البخاري من حديث عائشة أنه لما رجع صلى الله عليه وسلم ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل

_ "جاء جبريل علي السلام معتجرا بالعمامة" وهو أن يلفها على رأسه، ويرد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه، كما في النهاية، وتبعه الشامي ونحوه في القاموس. وقال ابن فارس: اعتجر الرجل لف العمامة على رأسه فلم يقيده، فإما أن يحمل عليه، أو هو قول ثان، "من استبرق" ضرب من الديباج غليظ، وتصغيره أبيرق قاله البرهان. قال ابن سعد: وكانت سوداء وأرخى منها بين كتفيه "على بغلة" بيضاء عليها رحالة، "عليها قطيفة ديباج"، هكذا لفظ ابن إسحاق عن الزهري، ورحالة، بكسر الراء، وخفة الحاء المهملة، سرج من جلود لا خشب فيها، تتخذ للركض الشديد، والجمع رحائل، والقطيفة كساء له خمل، وكانت حمراء كما روي عن الماجشون، وديباج بكسر الدال، وقد تفتح، فارسي معرب، والإضافة بيانية على معنى من، وفي لفظ: بغلة شهباء، وآخر فرس أبلق، وجمع بأن الدابة ليست من دواب الدنيا، فبعض الرائين تصورها بغلة، وبعضهم فرسا، فأخبر كل بما تصور، وبعض أمعن نظره، فقال بلقاء لكونها ذات لونين، وبعض لم يمعنه، ورأى غلبة البياض، فقال شهباء أو بيضاء. "وفي البخاري" في الجهاد والمغازي "من حديث عائشة، أنه لما رجع صلى الله عليه وسلم" من الخندق، كما في رواية للبخاري أيضا، أي: إلى المدينة، "ووضع السلاح، واغتسل" للتنظيف من آثار السفر، وعليه بوب البخاري الغسل بعد الحرب، وظاهره أنه فرغ من غسله، وبه صرح كعب بن مالك عند الطبراني وغيره بسند صحيح، أنه اغتسل واستجمر، وكذا الواقدي، وقال: ودعا بالمجمرة ليتبخر، وقد صلى الظهر. وعند ابن عقبة فأخذ يغسل رأسه، وقد رجل أحد شقيه، ويحتمل أنه أتم الغسل، وأخذ يرجل رأسه مكانه، والمحمرة عنده "أتاه جبريل" جواب لما، وللبخاري في الجهاد فأتاه بالفاء وهي زائدة قاله القرطبي، ويؤيده رواية المغازي هذه الأولى، وفي الرواية الثانية في المغازي لما رجع من الخندق، وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل. قال الحافظ: فهذا يبين أن الواو في الجهاد زائدة في قوله: ووضع السلاح، هو أولى من دعوى زيادة الفاء لكثرة مجيء زيادة الواو، وللواقدي أنه وقف موضع الجنائز، وللطبراني والبيهقي عن كعب بن مالك، أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الأحزاب، وجمع عليه اللامة، واغتسل

فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه. واخرج إليهم.. وأشار إلى بني قريظة. وعند ابن إسحاق: إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فزلزل بهم

_ واستجمر تبدى له جبريل فنادى عذيرك من محارب، فوثب فزعا بفتح العين المهملة، وكسر الذال المعجمة، وسكون التحتية وفتح الراء، أي: من يعذرك فعيل بمعنى فاعل، وللطبراني والبيهقي عن عائشة قالت: سلم علينا رجل، ونحن في البيت، فقام صلى الله عليه وسلم فزعا، فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي، فقال: "هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة"، فكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه جبريل، وللبخاري أيضا، وهو أي: جبريل، ينفض رأسه من الغبار، وله في الجهاد، وقد عصب رأسه الغبار، "فقال: قد وضعت السلاح" بحذف همزة الاستفهام الثابتة في ابن إسحاق، ولفظه: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: "نعم" قال: "والله" نحن "ما وضعناه". وعند ابن سعد من مرسل يزيد بن الأصم: وضعت السلاح، ولم تضعه ملائكة الله، "واخرج إليهم". وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال فقال: يا رسول الله انهض إلى بني قريظة، فقال: "إن في أصحابي جهدا، فلو أنظرتهم أياما"، قال: انهض إليهم فلأضعضعنهم، وأسقط المصنف من حديث البخاري قال: قل لي: أين، قال: ههنا، "وأشار" زاد الكشميهني بيده "إلى بني قريظة" بضم لقاف، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالظاء المعجمة فتاء تأنيث. قال السمعاني: اسم رجل نزل أولاده قلعة حصينة بقرب المدينة فنسبت إليهم، وقريظة والنضير أخوان من أولاد هارون، وذكر عبد الملك بن يوسف أن بني قريظة كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله. قال الحافظ: وهو محتمل، وأن شعيبا كان من بني جذام القبيلة المشهورة وهو بعيد جدا، ا. هـ. "وعند ابن إسحاق" عن شيخه الزهري: "إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة،" فاذهب كما أمرك الله، "فإني عامد إليهم" فهو علة لمقدر "فزلزل بهم" حصونهم، فالمفعول محذوف لرواية ابن إسحاق: أن جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم. وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال: فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار بفتح الغين المعجمة وسكون النون، بطن من الخزرج.

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. وعند ابن عائذ: قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأدقنهم دق البيض على الصفا، وبعث مناديا ينادي يا خيل الله اركبي. وعند الحاكم والبيهقي: وبعث عليا على

_ وفي البخاري عن أنس لكأني أنظر إلى الغبار في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة. روى كما قال المصنف وغيره بنصب موكب بتقدير انظر، والجر بدل من الغبار، والرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا موكب وهو نوع من السير، وجماعة الفرسان، أو جماعة يسيرون برفق ا. هـ. "فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا"، أي: مناديا. قال البرهان: لا أعرفه، وقال الشامي: هو بلال، ومثله في الفتح ناسبا لابن إسحاق ولعله في رواية غير البكائي إذ روايته "مؤذنا، فأذن من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وعند ابن عائذ" بسنده عن جابر، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه، مرجعه من طلب الأحزاب إذ وقف عليه جبريل، فقال: ما أسرع ما حللتم والله ما نزعنا من لامتنا شيئا منذ نزل العدو، "قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأدقنهم دق البيض"، كذا في نقل المصنف عنه، ومثله في الفتح والذي في العيون عن ابن عائذ كدق البيض، "على الصفا" وليس المراد أنه يقتلهم، وإن كان ظاهر اللظف لكونه خلاف الواقع، بل المراد ألقى الرعب في قلوبهم حتى يصيروا كالهالكين، ثم أزلزلهم، فأنزلهم من حصونهم، فتقتلهم فيصيروا كالبيض على الصفا، فعبر عن اسم السبب بالمسبب، وقد كان ذلك وبقية حديث هذا ثم ولى فأتبعته بصري، فلما رأينا ذلك نهضنا. "و" روى ابن عائذ أيضا من مرسل قتادة، قال: "بعث" صلى الله عليه وسلم "مناديا" قال البرهان: لا أعرف اسمه، وقال الشامي: هو بلال. "ينادي: يا خيل الله اركبي". قال العسكري وابن دريد هو على المجاز والتوسع أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، فاختصره لعلم المخاطب ما أراده، وتعقبه شيخنا، بأنه لا يناسب قوله اركبي، فالأظهر أنه نزل الخيل منزلة المقاتلين حتى كأنها هي التي يوجد منها الفعل، فخاطبها بطلب الركوب منها، والمقصود أصحابها، فلما عبر بالخيل راعى لفظها، فأسند الفعل إليها، أو أنه سمى أصحاب الخيل خيلا مجازا لعلاقة المجاورة. "وعند الحاكم والبيهقي" من طريق أبي الأسود عن عروة، "وبعث عليا" أميرا "على"

المقدمة، وخرج صلى الله عليه وسلم في أثره. وعند ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قال ابن هشام. ونزل عليه الصلاة والسلام على بئر من آبار بني قريظة

_ الجماعة "المقدمة" على الجيش بكسر الدال مثقلة، من قدم اللازم، بمعنى تقدم، "وخرج صلى الله عليه وسلم في أثره" بكسر الهمزة، وسكون المثلثة ويجوز فتحها، وحكي تثليث الهمزة كما في السبل، أي: لم يتأخر في خروجه عنه. "وعند ابن سعد، ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف" أي: جملة الخارجين أعم من كونهم معه، أو قبله، أو بعده "والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة" ذكره تتميما لكلام ابن سعد وإن قدمه أول كلامه، "واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم" عبد الله، أو عمرا "فيما قال ابن هشام" بيان للعز، ولا احتراز عن قول آخر، ولبس صلى الله عليه وسلم الدرع والمغفر والبيضة، وأخذ قتادة بيده، وتقلد القوس، وركب فرسه اللحيف، بضم اللام وفتحها. قال القاموس: كأمير وزبير وحاؤه مهملة، ويروى بالجيم وبالخاء المعجمة رواه البخاري، ولم يتحققه، والمعروف بالحاء المهملة، قاله ابن الأثير. وللطبراني عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما أتى بني قريظة ركب على حمار عري يقال له يعفور، والناس حوله فإن صحا، فيمكن أنه ركب الفرس بعض الطريق والحمار بعضها. قال ابن إسحاق: وقدم صلى الله عليه وسلم عليا برايته وابتدرها الناس، فسار حتى دنا من الحصون، سمع مقالة قبيحة له عليه السلام، فرجع حتى لقيه بالطريق، فقال: لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث؟، قال: "لم أظنك سمعت منهم لي أذى"، قال: نعم، قال: "لو رأوني لم يقولوا شيئا"، فلما دنا من حصونهم قال: "يا خوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته"؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا، ومر بنفر من أصحابه قبل أن يصل إليهم، فقال: "هل مر بكم أحد"؟، قالوا: مر بنا دحية بن خليفة على بغلة بيضاء، فقال: "ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم"، "ونزل عليه الصلاة والسلام على بئر من آبار بني قريظة". قال ابن إسحاق يقال لها بئر أنا. وقال ابن هشام: بئر أنا، وفي الشامية بالضم وتخفيف النون، وقيل: بالفتح والتشديد،

وتلاحق به الناس. فأتى رجال منهم بعد عشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله تعالى في كتابه ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي البخاري عن ابن عمر: فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، لم يرد منا ذلك

_ وقيل: بموحدة بدل النون وقيل غير ذلك. "وتلاحق به الناس فأتى رجال". قال البرهان: لا أعرفهم بأعيانهم، "من بعد عشاء" الصلاة "الآخرة" بالإضافة، ولعل المراد من بعد الظلام الذي تفعل فيه الصلاة الآخرة، "ولم يصلوا العصر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصلين" بنون التوكيد الثقيلة "أحد العصر إلا في بني قريظة". قال في رواية ابن إسحاق: "فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم،" أي: فما نسب إليهم عيبا، أي: ذنبا، "الله تعالى في كتابه ولا عنفهم به" أي: ما لامهم ولا عتب عليهم بسببه "رسول الله صلى الله عليه وسلم" لأنهم إنما أخروها لفهمهم النهي عن فعلها قبل بني قرظة، وإن خرج الوقت كما هو ظاهر اللفظ. "وفي البخاري عن ابن عمر" قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" "فأدرك بعضهم العصر" بالنصب مفعول، ولأبي ذر بنصب بعضهم، ورفع العصر فاعل، "في الطريق، فقال بعضهم": الضمير لنفس بعض الأول، "لا نصلي حتى نأتيها" حملا للنهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحا للنهي الثاني على الأول، وهو ترك تأخير الصلاة على وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بالحرب، بنظير ما وقع في الخندق، أنهم صلوا العصر بعد غروب الشمس لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا عمومه في كل شغل تعلق بالحر، ولا سيما والزمان زمان تشريع قاله في الفتح. وقال المصنف: عملا بظاهر النهي؛ لأن في النزول مخالفة للأمر الخاص، فخصوا عموم الأمر بالصلاة أول وقتها، بما إذا لم يكن غدر بدليل أمرهم بذلك. "وقال بعضهم" نظرا إلى المعنى، لا إلى ظاهر اللفظ، "بل نصلي" حملا للنهي عن غير حقيقته وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع، "لم يرد" بضم أوله، وفتح الراء وكسرها، كما قال المصنف "منا ذلك" الظاهر بل لازمه من الحث والإسراع إلى قريظة. قال ابن القيم: فحازوا الفضيلتين امتثال الأمر في الإسراع، وفي المحافظة على الوقت، ولا سيما ما في هذه القصة بعينها من الحث على المحافظة عليها، وأن من فاتته حبط عمله،

فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدًا منهم. كذا وقع في جميع النسخ من البخاري: أنها العصر، واتفق عليه جميع أهل المغازي.

_ "فذكر" بضم الذال "ذلك" المذكور من فعل الطائفتين "للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف،" لم يلم "واحدا منهم" لا التاركين ولا الفاعلين؛ لأنهم بذلوا جهدهم، واجتهدوا فلم يأثموا. قال السهيلي وغيره فيه: أن لا يعاب من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه، وفيه أن كل مجتهد في الفروع مصيب. قال الحافظ: وليس بواضح، فإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه. قال السهيلي: ولا يستحيل كون الشيء صوابا في إنسان وخطأ في حق غيره، وإنما المحال الحكم في نازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، والأصل فيه أن الخطر والإباحة صفات أحكام لا أعيان، فكل مجتهد وافق وجها من التأويل فهو مصيب ا. هـ. والمشهور وعليه الجمهور أن المصيب في القطعيات واحد، وخالفه الجاحظ والعنبري وما لا قطع فيه، فالجمهور أيضا واحد. وعن الأشعري كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال بعض الحنفية والشافعية: هو مصيب في اجتهاده، فإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ، وادعى ابن المنير أن الذين صلوا إنما صلوا على دوابهم؛ لأن النزول ينافي مقصود الإسراع. قال: فالذين لم يصلوا عملوا بالدليل الخاص، وهو الأمر بالإسراع، فتركوا عموم إيقاع العصر في وقتها إلى أن فات، والذين صلوا جمعوا بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإسراع فصلوا ركبانا؛ لأنهم لو صلوا نزولا لضادوا ما أمروا به الإسراع، ولا يظن بهم ذلك مع ثقوب أذهانهم وفيه نظر؛ لأنه لم يصرح لهم بترك النزول، فلعلهم فهموا أن المراد بالأمر المبالغة في الإسراع فامتثلوه، وخصوا الصلاة من ذلك لما تقرر عندهم من تأكيد أمرها فلا يمتنع أن ينزلوا فيصلوا، ولا يكون مضادا لما أمروا به، ودعوى أنهم صلوا ركبانا يحتاج إلى دليل، ولم أره صريحا في شيء من طرق هذه القصة ا. هـ. من الفتح ملخصا، وفيه أيضا ما حاصله قوله: "لا يصلين أحد العصر"، "كذا وقع في جميع نسخ البخاري أنها العصر"، ووافقه أبو نعيم، "واتفق عليه جمع أهل المغازي". "ووقع في مسلم أنها الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد

ووقع في مسلم أنها الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد وبإسناد واحد. ووافق مسلما أبو يعلى وآخرون. وجمع بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم -قبل الأمر- كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها: لا يصلين أحد العصر.

_ بإسناد واحد،" وهو حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، فذكراه مسلم بلفظ الظهر، والبخاري بلفظ العصر. "ووافق مسلما أبو يعلى وآخرون" كابن سعد، وابن حبان كلاهما من طريق مالك بن إسماعيل عن جويرية. قال الحافظ ولم أره من رواية جويرية إلا بلفظ الظهر، غير أن أبا نعيم أخرجه من طريق أبي حفص السلمي عن جويرية، فقال: العصر، كذا أخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل بإسناد صحيح، عن كعب بن مالك، والبيهقي عن عائشة. "وجمع بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل: لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة التي بعدها: العصر". قال الحافظ: وكلاهما جمع لا بأس به، لكن يبعده اتحاد مخرج الحديثح لأنه عند الشيخين بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه، فيبعد أن يكون كل من رجال إسناده، حدث به على الوجهين، ولم يوجد ذلك، ثم تأكد عندي أن الاختلاف في اللفظ المذكور من حفظ بعض رواته، فإن سياق البخاري وحده مخالف لسياق من رواه عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عمه جويرية، فذكر لفظ البخاري المذكور في المصنف بما زدته أوله، وقال: ولفظ مسلم وسائر من رواه نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة"، فتخوف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، فما عنف واحدا من الفريقين، فالذي يظهر من تغاير اللفظين أن عبد الله شيخ الشيخين لما حدث البخاري حدثه على هذا اللفظ، ولما حدث به الباقين حدثهم به على اللفظ الآخر، وهو اللفظ الذي حدثه به عمه جويرية بدليل موافقة مالك بن إسماعيل له عليه بخلاف اللفظ الذي حدث به البخاري، أو أن البخاري كتبه من حفظه، ولم يراع اللفظ كما عرف من

وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة التي بعدها العصر، والله أعلم. قال ابن إسحاق: وحاصرهم عليه الصلاة والسلام خمسا وعشرين ليلة، حتى أجهدهم الحصار. وعند ابن سعد: خمس عشرة. وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة. وقذف الله في قلوبهم الرعب. فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا فقال لهم:

_ مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم، فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا، وإنما لم أجوز عكسه لموافقة من وافق مسلما على لفظه بخلاف البخاري، لكن موافقة أبي حفص السلمي تؤيد الاحتمال الأول، وهذا من حيث حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره، فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال: الظهر لطائفة، والعصر لطائفة، مجيئهما متجه، فيحتمل أن رواية الظهر هي التي سمعها ابن عمر. ورواية العصر هي التي سمعها كعب بن مالك وعائشة، وقيل في وجه الجمع أيضا أن يكون لأهل القوة، أو لمن كان منزله قريبا لا يصلين أحد الظهر، وقال لغيرهم: لا يصلين أحد العصر ا. هـ. والجمع الأخير ظاهر أيضا بالنظر لغير رواية ابن عمر "والله أعلم" بما وقع في نفس الأمر. "قال ابن إسحاق: وحاصرهم عليه الصلاة والسلام خمسا وعشرين ليلة حتى أجهدهم" أي: بلغهم "الحصار" غاية المشقة، وكونه بالألف مثله في الفتح، وروايته في ابن إسحاق، وكذا نقله اليعمري جهدهم بلا ألف، وهما بمعنى. ففي القاموس جهد دابته، بلغ جهدها كأجهدها ا. هـ. "وعند ابن سعد: خمس عشرة" ليلة. "وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة" ولو قدمه على ما قبله، كما في الفتح ليكون كالتفسير للبضع كان أولى، وقد جمع شيخنا في التقرير، بأنه يمكن أن مدة شدة الحصار خمس عشرة المردودة إليها رواية بضع عشرة والخمس وعشرين مدته كلها، وعطف على أجهدهم قوله: "وقذف" ألقى "الله في قلوبهم الرعب" وإطلاقه على ذلك مجاز؛ لأن حقيقة القذف الرمي بالحجارة، فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا، فقال لهم:" عطف على

يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني أعرض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي: قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين أنه لنبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فأبوا. قال: فإذا أبيتم علي هذه، فهلم فنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين

_ عرض، "يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني أعرض عليكم"، أي: أذكر لكم، "خلالا". قال الشامي: بكسر الخاء المعجمة، أي: خصالا جمع خلة، بفتح المعجمة وشد اللام، "ثلاثا فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: نتابع" من المتابعة "هذا الرجل، ونصدقه فوالله لقد تبين" ظهر، وتحقق لكم "أنه" بفتح الهمزة "نبي مرسل" هكذا في نسخة صحيحة من ابن إسحاق. وفي العيون عنه، وكذا في بعض نسخ المصنف أنه لنبي بزيادة لام. فقال البرهان: بكسر الهمزة؛ لأن اللام في خبرها. قال: وكذا، "وإنه الذي" والمذكور في ابن إسحاق، والعيون للذي بلام "تجدونه في كتابكم" التوراة، "فتأمنون على دمائكم" من القتل، "وأموالكم وأبنائكم ونسائكم" من الأسر والسلب، ولم يقل فنأمن، وإن كان الظاهر المطابق لقوله قبل نتابع اقتصارا على ما يحملهم على المتابعة مما تتعلق به أنفسهم، وذكر نفسه فيها إشارة إلى رضاه به لنفسه وأنه شريكهم فيه إن فعلوه ليكون أدعى لقبول ما عرضه، "فأبوا" حيث قالوا: لا نفارق حكم التوراة، ولا نستبدل به غيره. "قال: فإذا" حيث "أبيتم علي" بشد الياء "هذه" الخصلة، فامتنعتم بها، "فهلم" تعالوا وافقوني، "فقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا" أي: مشاة، "مصلتين". قال الشامي: جمع مصلت بكسر اللام، وبالصاد المهملة الساكنة، أي: مجردين السيوف من أغمادها ا. هـ. فقوله: "بالسيوف" متعلق بمحذوف ذكر تأكيدا، كأنه قيل مجردين السيوف، مقاتلين بها، وأقام الظاهر مقام المضمر لعدم تقدمه لفظا، أو هو متعلق بنخرج، وإن أخر لفظا عن مصلتين "لم نترك وراءنا ثقلا". قال البرهان: بفتح المثلثة والقاف، ويجوز كسر الثاء، ونقاتل "حتى يحكم الله بيننا وبين

محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا ما نخشى عليه. فقالوا: أي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا. فقال: إن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا، إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ. وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة -وهو رفاعة بن عبد المنذر- نستشيره في أمرنا. فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم يا أبا لبابة، أترى أن ننزل

_ محمد" غاية لنخرج أو لمحذوف، "فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا ما" وفي ابن إسحاق والعيون: نسلا، "نخشى عليه" حال من فاعل نهلك، وهو المقصود من الجواب، فلم يتحد الشرط والجزاء وبقية قوله: وإن نظهر على محمد، فلعمري لنجدن النساء والأبناء "فقالوا: أي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا" استفهام إنكاري لرد قتلهم "فقال: إن أبيتم علي هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا" بفتح الهمزة المقصورة وكسر الميم، أي: اطمأنوا، وسكنت قلوبهم لاعتقادهم أنا لا نحدث شيئا "فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة" بكسر الغين المعجمة وشد الراء، غفلة، "قالوا: نفسد سبتنا، ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا، إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ" قردة وخنازير، قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما، "وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أيقنوا بالهلاك "أن ابعث إلينا أبا لبابة" الأنصاري المدني أحد النقباء عاش إلى خلافة علي، "وهو" أي: اسمه فيما صدر به السهيلي، "رفاعة" وقيل: مبشر، وقيل: بشير، "ابن عبد المنذر". قال في التقريب: ووهم من سماه مروان، "نستشيره في أمرنا" في شأننا وحالنا، وخصوه لكون ماله وولده وعياله فيهم، "فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش" بفتح الجيم والهاء وكسرها، فزع وأسرع، "إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم" رحمهم لما رآهم عليه من الحزن والذلة، "وقالوا:" عطف على قام إليه الرجال، "يا أبا لبابة، أترى أن ننزل

على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه فلم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح من مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.

_ على حكم محمد" وذلك أنهم لما حوصروا حتى أيقنوا بالهلكة أنزلوا شاس بن قيس، فكلمه صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا على ما نزل بنو النضير من تلك الأموال والحلقة والخروج بالنساء والذراري، وما حملت الإبل إلا الحلقة، فأبى رسول الله، فقال: تحقن دماءنا وتسلم لنا النساء والذرية، ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل، فأبى صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكمه وعاد شاس إليهم بذلك، "قال: نعم، وأشار بيه إلى حلقه أنه" أي: حكمه فيهم، "الذبح" كأنه فهم ذلك من ترك إجابته بحقن دمائهم. "قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله"، زاد في رواية: فندمت واسترجعت فنزلت وإن لحيتي لمبتلة من الدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم، حتى أخذت من وراء الحصن طريقا أخرى، حتى جئت إلى المسجد، "ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، فلم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده" بضم العين، والميم وفتحهما، ويكون مفردا وجمعا. قال في رواية: وكان ارتباطي إلى الأسطوانة المخلقة، أي: التي طليت بالخلوق بوزن رسول، وهو ما يخلق به من الطيب، "وقال: لا أبرح من مكاني هذا حتى" أموت، أو "يتوب الله علي" أي: ينزل توبتي، "مما صنعت، وعاهد الله أن لا يطأ" وفي نسخة: وعاهدت الله أن لا أطأ على الالتفات "بني قريظة أبدا، ولا أرى". قال البرهان: بضم الهمزة وفتح الراء مبني للمفعول، وقال الشامي: بفتح الهمزة فإن كان رواية، فالمعنى لا أرى أحدا "في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا"، وهو يستلزم أن لا يذهب إليهم. قال ابن هشام: وأنزل الله في أبي لبابة، فيما قال ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وكان قد استبطأه، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، وأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه. قال ابن هشام: وأقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فتربطه بالجذع. وقال أبو عمر: روى ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ثقيلة بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه

_ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] "فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وكان قد استبطأه قال: أما لو جاءني" وأخبرني خبره "لاستغفرت له، وأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه". قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم في حر شديد عدة ليال لا آكل فيهن شيئا، ولا أشرب، وقلت: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا، أو يتوب الله علي، وأذكر رؤيا رأيتها في النوم، ونحن محاصرون بني قريظة، كأني في حمأة، أي: طين سود آسنة، أي: متغيرة، فلم أخرج منها حتى كدت أموت من ريحها، ثم رأيت نهرا جاريا، فأراني اغتسلت فيه حتى استنقيت، وأراني أجد ريحا طيبة، فاستعبرتها أبا بكر، فقال: لتدخلن في أمر تغتم له، ثم يفرج عنك، فكنت أذكر قوله وأنا مرتبط، فأرجو أن ينزل الله توبتي، فلم أزل كذلك حتى ما أسمع الصوت من الجهد ورسول الله ينظر إلي. "قال ابن هشام" عبد الملك: "وأقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته" بطلب منه، أو بلا طلب على العادة من تفقد الزوجة، ونحوها الشخص في الشدة، "في وقت كل صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فتربطه بالجذع" وكان هذه الست تقيدت به فيها امرأته، وباقي البضع عشرة بنته، فلا تنافي بين هذه والآتية. "وقالوا أبو عمر" بن عبد البر الحافظ: "روى ابن وهب" عبد الله أحد الأعلام، "عن مالك" بن أنس الإمام، "عن عبد الله بن أبي بكر" بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، قاضيها الثقة، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومائة عن سبعين سنة، "أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ثقيلة،" لفظ الرواية، كما في العيون عن أبي عمر بسلسلة ربوض، والربوض الثقيلة وهو بفتح الراء، وضم الموحدة مخففة، فواو فضاد معجمة، أي: عظيمة غليظة، "بضع عشرة ليلة حتى

فما كاد يسمع، وكاد يذهب بصره، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة أو أراد أن يذهب لحاجة، فإذا فرغ أعادته. وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط: أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة. قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك، فقالت: قلت يا رسول الله مم تضحك، أضحك الله سنك. قال: "تيب على أبي لبابة". قالت: قلت أفلا أبشره يا رسول الله، قال: "بلى إن شئت". قال: فقامت على باب حجرتها -وذلك قبل أن يضرب عليهن الححاب- فقالت: فقلت يا أبا لبابة

_ ذهب سمعه، فما يكاد يسمع، وكاد يذهب بصره فكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، أو أراد أن يذهب لحاجة، فإذا فرغ" من الصلاة، أو لحاجة "أعادته". والظاهر كما قال الشامس أن زوجه كانت تحله مرة وبنته أخرى. "و" روى ابن إسحاق "عن يزيد" بياء تحتية وزاي "ابن عبد الله بن قسيط" بقاف ومهملتين مصغر، ابن أسامة الليثي أبي عبد الله المدني الأعرج الثقة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائة، وله تسعون سنة. روى له الستة وفي غالب النسخ بإسقاط يزيد، وهو خلاف ما عند ابن إسحاق، وغيره من أنه عن يزيد، وهو الصواب، "أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال ابن هشام: والآية التي نزلت في توبته قول الله عز وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} ، "وهو في بيت أم سلمة،" وهذا مرسل، وقد رواه ابن مردويه بسند فيه الواقدي، موصولا عن أم سلمة، وفيه، وأنزل الله تعالى: {وَآخَرُونَ..} ويحتمل أن يزيد حمله عنها وقد يشعر به قوله. "قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر، وهو يضحك" فرحا بالتوبة؛ لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، "فقالت: قلت: يا رسول الله مم تضحك؟، أضحك الله سنك، قال: "تيب على أبي لبابة"، قالت: قلت:" أأترك الذهاب إليه "فلا أبشره" أم أذهب إليه فأبشره، "يا رسول الله؟، قال: "بلى" بريه "إن شئت"". ولفظ ابن مردويه قال: "ما شئت" وكله إليها حتى لا يشق عليها بالليل. "قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: "ولفظ ابن مردويه: فقمت على باب الحجرة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب، "فقلت: يا أبا لبابة

أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه. وروى البيهقي في الدلائل بسنده عن مجاهد في قوله تعالى: {اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} [التوبة: 102] قال: هو أبو لبابة إذ قال لبني قريظة ما قال وأشار إلى حلقه إن محمدًا يذبحكم إن نزلتم على حكمه. قال البيهقي وترجم محمد بن إسحاق بن يسار أن ارتباطه كان حينئذ. وقد روينا عن ابن عباس ما دل على أن ارتباطه بسارية المسجد كان بتخلفه عن غزوة تبوك

_ أبشر" بهمزة قطع، "فقد تاب الله عليك، فثار" أي: نهض "الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده"، تعظيما له ورجاء حصول بركته حتى لا يعود لمثلها "فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح، أطلقه" زاد ابن مردويه عقب هذا: ونزلت: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} . قال السهيلي: فإن قيل الآية ليست نصا في توبة الله عليه، أكثر من قوله: عسى الله أن يتوب عليهم، فالجواب أن عسى منه سبحانه واجبة وخبر صدق، فإن قيل القرءان نزل بلسان العرب، وعسى ليست في كلامهم بخبر، ولا تقتضي وجوبا، قلنا: عسى تعطي الترجي مع المقاربة، ولذا قال: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} ، ومعناه الترجي مع الخبر بالقرب كأنه قال قرب أن يبعثك، فالترجي مصروف إلى العبد، والخبر عن القرب، مصروف إلى الله، وخبره حق ووعده حتم، فما تضمنه من الخبر، فهو الواجب الذي هو الترجي الذي هو محال على الله انتهى باختصار. "وروى البيهقي في الدلائل" النبوية "بسنده عن مجاهد في قوله تعالى: {اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} قال: هو أبو لبابة، إذ قال لبني قريظة ما قال"، هو من إطلاق القول على الفعل، إذ لم يصدر منه قول غير الإشارة، ولذا أتى بعطف التفسير في قوله، "وأشار إلى حلقه بأن محمدًا يذبحك إن نزلتم على حكمه". "قال البيهقي: وترجم محمد بن إسحاق بن يسار" ضد يمين إمام المغازي "أن ارتباطه كان حينئذ" أي: حين إشارته لقريظة، "وقد روينا عن ابن عباس" من طرق عند ابن مردويه وابن جرير "ما دل" على سبيل الصراحة "على أن ارتباطه بسارية المسجد كان بتخلفه عن غزوة تبوك،

كما قال ابن المسيب قال: وفي ذلك نزلت هذه الآية. ولما اشتد الحصار ببني قريظة أذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم فيهم سعد بن معاذ، وكان قد جعله في خيمة في المسجد الشريف لامرأة من أسلم

_ كما قال ابن المسيب قال: وفي ذلك نزلت هذه الآية {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} ، وقد أخرجه أبو الشيخ وابن منده عن جابر بسند قوي، وعلى تقدير صحة الخبرين، فيجمع باحتمال تعدد ربطه نفسه، "ولما اشتد الحصار ببني قريظة أذعنوا"، خضعوا وذلوا ورضوا، "أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي: على ما يحكم به فيهم. قال ابن إسحاق: فقالت الأوس: قد فعلت في موالي الخزرج، أي: بني قينقاع، ما علمت فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟، قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ. وعند ابن عقبة فقال: اختاروا من شئتم من أصحابي، فاختاروا سعدا، فرضي صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به، أن عليا صاح وهم محاصرون: يا كتيبة الإيمان، وتقدم هو والزبير، وقال: والله لأذوقن ما ذاق حمزة، أو لأقتحمن حصنهم، فقالوا: ننزل على حكم سعد، "فحكم فيهم سعد بن معاذ". وفي الصحيح: فرد الحكم إلى سعد. قال الحافظ: كأنهم أذعنوا للنزول على حكم المصطفى، فلما سأله الأنصار فيهم رد الحكم إلى سعد، كما بينه ابن إسحاق قال: وفي كثير من السير، أنهم أبوا أن ينزلوا على حكم سعد، ويجمع بأنهم نزلوا على حكمه قبل أن يحكم فيهم سعدا. وفي حديث عائشة عند أحمد والطبراني: فلما اشتد بهم البلاء، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استشاروا أبا لبابة قالوا: ننزل على حكم سعد، ونحوه في حديث جابر عند ابن عائذ، فحصل في سبب رد الحكم إلى سعد أمران: أحدهما سؤال الأوس، والآخر إشارة أبي لبابة، ويحتمل أن الإشارة أثرت توقفهم، ثم لما اشتد بهم الحصار عرفوا سؤال الأوس، فأذعنوا للنزول على حكمه صلى الله عليه وسلم واثقين بأنه يرد الحكم إلى سعد. وفي رواية مسلم: وكانوا حلفاءه. "وكان" عليه السلام "قد جعله في خيمة في المسجد الشريف" النبوي، كما دل عليه كلام ابن إسحاق خلافا لمن قال، المراد المسجد الذي كان صلى الله عليه وسلم أعده للصلاة فيه في قريظة أيام حصارهم قاله الفتح، والجملة حالية والأولى أنها مستأنفة؛ لأن التحكيم لم يكن وقت جعله في الخيمة، بل وقت كونه فيها، وكانت تلك الخيمة "لامرأة من أسلم"، كما جزم به ابن إسحاق

يقال لها رفيدة وكانت تداوي الجرحى، فلما حكمه أتاه قومه فحملوه على حمار وقد وطؤا له بوسادة من أدم -وكان رجلا جسيما- ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين

_ وغيره، وصدر البرهان بأنها أنصارية، وفي الإصابة: الأنصارية أو الأسلمية، "يقال لها رفيدة" بضم الراء، وفتح الفاء، وسكون التحتية، وفتح الدال المهملة ثم تاء تأنيث، صحابية، "وكانت تداوي الجرحى"، وتحتسب بنفسها على من به ضيعة من المسلمين، قاله ابن إسحاق. وروى البخاري في الأدب المفرد، بسند صحيح عن محمود بن لبيد: لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق، فثقل حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، وكان صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول: "كيف أمسيت"، وإذا أصبح يقول: "كيف أصبحت" فيخبره ذكره في الإصابة، ثم قال في الكاف كعيبة بالتصغير، بنت سعيد الأسلمية. ذكر أبو عمر عن الواقدي: أنها شهدت خيبر معه صلى الله عليه وسلم فأسهم لها سهم رجل. وقال ابن سعد: هي التي كانت لها خيمة في المسجد، تداوي المرضى والجرحى، وكان سعد بن معاذ عندها تداوي جرحه حتى مات ا. هـ. فهما امرأتان، وقع الخلاف فيمن تنسب إليه الخيمة منهما، وليس أحدهما اسما، والآخر لقبا، ثم عجب من الشامي في اقتصاره على قول ابن سعد، وتركه قول إمام المغازي، مع أنه لم ينفرد به، بل ورد عن محمود الصحابي بسند صحيح هذا. وقال البخاري: فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب. قال المصنف: وعند ابن إسحاق في خيمة رفيدة عند مسجد ا. هـ. ففهم فاهم منه أنه جعله مقابلا للبخاري، وليس كذلك، فمراده بيان اسم صاحبة الخيمة، وأن قوله ضرب مجاز عن جعل، كما عبر به ابن إسحاق، وهو ما دل عليه كلام الفتح. "فلما حكمه أتاه قومه" الأوس، "فحملوه على حمار" لأعرابي عليه قطيفة، "وقد وطؤا له" زيادة عى ذلك، "بوسادة من أدم"، لمشقة ركوبه على القطيفة للجرح "و" لأنه "كان رجلا جسيما، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم". زاد ابن إسحاق: وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، "فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين". وفي البخاري عن أبي سعيد: فلما دنا من المسجد، فقيل هو تصحيف صوابه، فلما دنا

قال عليه الصلاة والسلام: "قوموا إلى سيدكم". فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد صلى الله عليه وسلم الأنصار، وأما الأنصار فيقولون: عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين. فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم.

_ من النبي صلى الله عليه وسلم، كما في مسلم وأبي داود، وفيه تخطئة الراوي بمجرد الظن، فالأولى كما في المصابيح، أن المراد بالمسجد الذي أعده النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في قريظة أيام حصارهم، قال: ولئن سلمنا أنه لم يكن ثَمّ مسجد صلاة فلا نسلم أن قوله من المسجد متعلق بقوله قريبا، بل بمحذوف، أي: فلما دنا آتيا من المسجد، فإن مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان من مسجد المدينة. "قال عليه الصلاة والسلام: "قوموا إلى سيدكم" " وفي حديث عائشة عند أحمد: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقال عمر. السيد هو الله. قال رجال من بني عبد الأشهل: قمنا له على أرجلنا صفين، يحييه كل رجل منا، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأم المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد صلى الله عليه وسلم الأنصار" لكونه سيدهم، وهو فيهم بمنزلة الصديق في المهاجرين، ففهموا أن الإضافة عهدية، "وأما الأنصار، فيقولون: عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين" أنصارا ومهاجرين، إبقاء للفظ العام على عمومه، والسيادة لا تقتضي الأفضلية. وفي رواية: "قوموا إلى خيركم". وفي البخاري في المناقب والمغازي: إلى سيدكم، أو خيركم، بالشك. وله في الجهاد: إلى سيدكم بلا شك. وفيه أيضا في المغازي، عن أبي سعيد الخدري، قال للأنصار، وكأنه من تصرف بعض الرواة لما رأى اختلاف المهاجرين والأنصار، ويدل له أنه أسقط في الجهاد والمناقب قوله للأنصار. قال ابن إسحاق: فقاموا إليه، "فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم" فهو عطف على ما حذفه المصنف من كلام ابن إسحاق، وإلا فليس قبله ما يظهر عطفه عليه. وفي رواية: فقالت الأوس: "قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم". وفي رواية: فأحسن فيهم واذكر بلاءهم عندك، أي: مناصرتهم ومعاونتهم لك قبل هذا اليوم. وعند ابن إسحاق فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت، قالوا: نعم، قال: وعلي من ههنا من الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عنه إجلالا له، فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم". وفي البخاري عن أبي سعيد: فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن هؤلاء نزلوا على

فقال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" والرقيع: السماء سميت بذلك؛ لأنها رقعت بالنجوم.

_ حكمك، فكأنه عليه السلام تكلم أولا، ثم تكلمت الأوس بذلك. "فقال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال وتسبى"، بالبناء للمفعول في الأفعال الثلاثة، كما في النور؛ لأنه جواب لقومه الأنصار، "الذراري" الأولاد الذين لم يبلغوا الحلم، "والنساء" أي: أزواجهم. وفي البخاري، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم. قال المصنف: بفتح الفوقية الأولى، وضم الثانية، وهم الرجال، وتسبى، بفتح الفوقية، وكسر الموحدة، ذراريهم بالتشديد، وهم النساء والصبيان ا. هـ، فضبطه بالبناء للفاعل؛ لأنه جواب لقول المصطفى: احكم فيهم يا سعد. "فقال عليه الصلاة والسلام" كما رواه ابن إسحاق من مرسل علقمة بن وقاص الليثي: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" بالقاف، جمع رقيع بتذكير العدد على معنى السقف، كما قال ابن دريد: إذا السماء مؤنث سماعي، فقياسه سبع أرقعة بتأنيث العدد. قال السهيلي: معناه: أن الحكم ينزل من فوق قال، ومثله قول زينب ابنة جحش: زوجني الله من نبيه من فوق سبع سموات، أي: نزل تزويجها من فوق، وهذا نحو يخافون ربهم من فوقهم، أي: عقابا ينزل من فوقهم، وهو عقاب ربهم. قال: ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله، لا على المعنى الذي يسبق إلى الفهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه، ولكن لا ينبغي إطلاق ذلك الوصف، بما تقدم من الآية والحديثين، لارتباط حرف الجر بالفعل، حتى صار وصفا لا وصفا للباري سبحانه ا. هـ. "والرقيع السماء" بدليل الرواية الآتية من فوق سبع سموات، "سميت" كما قال السهيلي "بذلك؛ لأنها رقعت" مخفف مبني للمفعول "بالنجوم" على التشبيه؛ لأنها لما كانت في مواضع منها شبهت بالثوب الذي فيه رقع في مواضع متفرقة، وظاهره أن كل سماء مرقوعة بالنجوم، وهو أحد قولين، والآخر أن الكواكب كلها في السماء الدنيا حكاهما ابن كثير. هذا وفي القاموس: الرقيع كالأمير السماء أو السماء الدنيا والرقع السابعة، فعلى القول الثاني ففي الحديث تغليب

ووقع في البخاري: قال: قضيت فيهم بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك -أي: بكسر اللام. وفي رواية محمد بن صالح لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات. وفي حديث جابر بن عبد الله -عند ابن عائد-

_ السماء الدنيا على غيرها. "ووقع في البخاري" من حديث أبي سعيد، قال" صلى الله عليه وسلم "قضيت"، وفي الجهاد: "لقد حكمت فيهم بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك" شك الراوي في أي اللفظين قاله، وهما بمعنى، "أي بكسر اللام" أي: الله كما وجه الحافظ لرواية محمد بن صالح الآتية. ورواية جابر: قد أمرك الله أن تحكم فيهم. ورواية ابن إسحاق المذكورة في المصنف، قال: وهذا كله يدفع ما وقع عند الكرماني بحكم الملك بفتح اللام، أي: جبريل؛ لأنه الذي ينزل بالأحكام ا. هـ. لكن نقل القاضي عياض، أن بعضهم ضبطه في البخاري بكسر اللام وفتحها، فإن صح الفتح فالمراد جبريل، يعني بالحكم الذي جاء به الملك عن الله، وعورض بأنه لم ينقل نزول الملك في ذلك بشيء، ولو نزل بشيء اتبع وترك الاجتهاد، وبأنه ورد في الصحيح: "قضيت بحكم الله". نعم، ذكر ابن إسحاق في غير رواية البكائي، أنه صلى الله عليه وسلم قال في حكم سعد بذلك طرقني الملك سحرا. "وفي رواية محمد بن صالح" بن دينار التمار المدني، مولى الأنصار: صدوق يخطئ، مات سنة ثمان وستين، ومائة، خرج له أصحاب السنن، يعني عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه. "لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات" أخرجه النسائي، وكان الأولى بالمصنف، عزوه له دون محمد بن صالح أحد رواته؛ لأنه أوهم أن الحديث معضل مع أنه موصول كما علمت، وأما صاحب الفتح، فلكونه يتكلم على الأسانيد يحسن منه ذلك؛ لأن به يتبين ممن جاء اختلاف اللفظ، أو الزيادة، أو النقص، أو نحو ذلك مع أنه أيضا عزاه لمن أخرجه وهو النسائي ففيه إفادة أن المراد بالأرقعة السموات، وأن لفظ الملك في رواية البخاري بكسر اللام. "وفي حديث جابر بن عبد الله" رضي الله عنهما "عند" محمد "ابن عائذ" بتحتية وذال

فقال: احكم فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، قال: قد أمرك الله أن تحكم فيهم. وفي هذ القصة: جواز الاجتهاد في زمنه صلى الله عليه وسلم وهي مسألة اختلف فيها أهل أصول الفقه. والمختار: الجواز، سواء كان في حضرته صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك لأنه بالتقرير يصير قطعيا، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته عليه السلام كما في هذه القصة وغيرها. ا. هـ.

_ معجمة، "فقال: "احكم فيهم يا سعد"، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، قال: "قد أمرك الله أن تحكم فيهم" فأوحى إلي إلهاما، أو على لسان جبريل بذلك، وأما قوله بذلك طرقني الملك سحرا، فيحتمل أن معناه، أنه أخبره أن يحكم بما يحكم به سعد، فليس نصا في أنه هو الذي أوحى إليه أن يأمر سعدا بذلك. "وفي هذه القصة" تحكيم الأفضل من هو مفضول، وأنه يسوغ للإمام إذا كانت له حكومة في نفسه تولية نائب يحكم بينه وبين خصمه، وينفذ على خصمه إن كان عدلا، ولا يقدح فيه أن حكم له وهو نائبة، ولزوم حكم الحكم برضا الخصمين، سواء كان في أمور الحرب، أو غيرها، فهو رد على الخوارج المنكرين التحكيم على علي، قاله ابن المنير وغيره و"جواز الاجتهاد في زمنه صلى الله عليه وسلم وهي مسألة اختلف فيها أهل أصول الفقه والمختار الجواز سواء كان في حضرته صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن"، المؤدي إليه الاجتهاد، "مع إمكان القطع" بسؤاله عليه السلام، "و" لكن "لا يضر ذلك لأنه بالتقرير،" بعلمه به، والسكون عليه، أو بعدم مجيء الوحي له بخلافه، "يصير قطعيا" إذ لو كان باطلا لجاءه الوحي، "فقد ثبت وقوع ذلك بحضرته عليه السلام، كما في هذه القصة، وغيرها" كقصة قتيل أبي قتادة إذ أخذ رجل سلبه، وقال للمصطفى: أرضه منه، فأبى أبو بكر، فقال عليه السلام: "صدق فأعطه.." الحديث في البخاري "انتهى". وقال شيخنا: وهذا كله ظاهر حيث كان الفاعل بحضرته صلى الله عليه وسلم أما في غيبته ففيه شيء، وهو أنه قد يؤدي ظن المجتهد إلى خلاف الواقع، فيفعله وعلمه صلى الله عليه وسلم به بعد لا يمنع وقوع الفعل منه، وإنما يقتضي النهي عن العود لمثله، فالأولى الجواب بأنه إنما اكتفى بالظن مع القدرة على اليقين؛ لأن انتظاره قد يؤدي إلى مشقة، بل إلى فوات المطلوب ا. هـ. وفيها أيضا تصحيح القول: إن المصيب واحد، وإن المجتهد ربما أخطأ، ولا حرج عليه،

وانصرف صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لسبع ليال -كما قاله الدمياطي، أو لخمس كما قاله مغلطاي- خلون من ذي الحجة. وأمر عليه الصلاة والسلام ببني قريظة فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود في السوق

_ ولذا قال: حكمت بحكم الله، فدل على أن حكمه في الواقعة متقرر، فمن أصابه أصاب الحق، ولولا ذلك لم يكن لسعد مزية، وأن المسألة اجتهادية ظنية، ولذا كان رأي الأنصار العفو عن اليهود خلافا لسعد، وما كان الأنصار ليتفق أكثرهم على الخطأ على سبيل القطع. "وانصرف صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لسبع ليال، كما قاله الدمياطي، أو لخمس، كما قاله مغلطاي، خلون من ذي الحجة"، ولا يتأتى واحد منهما على ما قدمه، أن مدة الحصار خمس وعشرون، أو خمس عشرة، وأنه خرج لسبع بقين من ذي القعدة. نعم يتأتى على أنه بضع عشرة، يجعله أقل من خمس عشرة. "وأمر عليه الصلاة والسلام ببني قريظة" بعد نزولهم من الحصن، فكتفوا وجعلوا ناحية، والنساء والذرية ناحية، قاله ابن سعد، وأسلم في ليلة نزولهم ثعلبة، وأسد ابنا سعية، وأسد بن عبيد، كما عند ابن إسحاق. "فأدخلوا المدينة" قال ابن إسحاق: فحبسوا في دار بنت الحارث الأنصارية النجارية. قال في الإصابة: وهي رملة بنت الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن زيد، زوجة معاذ بن الحارث بن رفاعة، تكرر ذكرها في السيرة. والواقدي يقول: رملة بنت الحارث بفتح الدال المهملة بغير ألف قبلها، ا. هـ، وكذا قال ابن هشام. قال السهيلي: الصحيح عندهم بنت الحارث، كما قال البخاري وليست هي كيسة، أي: بشد التحتية فمهملة، كما في الإصابة، بنت الحارث بن كريز التي أنزل في دارها وفد بني حنيفة، وكانت زوج مسليمة الكذاب، ثم خلف عليها عبد الله بن عامر، انتهى ملخصا. وعند أبي الأسود عن عروة: أنهم حبسوا في دار أسامة بن زيد. قال في الفتح: ويجمع بأنهم جعلوا في بيتين، كما صرح به في حديث جابر عند ابن عائذ ا. هـ. وفي السبل: سيق الرجال إلى دار أسامة بن زيد، والنساء والذرية إلى دار رملة، ويقال: حبسوا جميعا في دارها، فأمر لهم صلى الله عليه وسلم بأحمال تمر، فنثرت لهم فباتوا يأكلونها. "وحفر لهم أخدود" شق في الأرض، مستطيل "في السوق" بين موضع دار أبي جهم

وجلس صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل.

_ العدوي إلى إحجار الزيت بالسوق موضع بالمدينة، "وجلس صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه" في السوق، "وأخرجوا إليه"، زاد في الرواية: إرسالا، بالفتح، أفواجا وفرقا متقطعا بعضهم عن بعض، كما في النور، وظاهره أنه حقيقة. وفي المصباح أن حقيقته القطيع من الإبل شبه به الناس. "فضربت أعناقهم"، أي: ضربها علي والزبير، وأسلم الأنصاري، كما في الطبراني، قال: فكنت أضرب عنق من أنبت، وأجعل غيره في المغانم، وجاء سعد بن عبادة والحباب بن المنذر، فقالا: يا رسول الله إن الأوس قد كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم، فقال سعد بن معاذ: ما كرهه من الأوس أحد فيه خير، فمن كرهه فلا أرضاه الله، فقام أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله لا يبقين دار من الأوس إلا فرقتهم فيها، فمن سخط، فلا يرغم الله إلا أنفه، فابعث إلى داري أول دورهم، ففرقهم في دور الأوس فقتلوهم، وهذا يفيد أن الذين فرقوا على الأوس من لم يكن قتله علي والزبير، لمجيء ابن عبادة والحباب أثناء القتل، وبقي عليه السلام عند الأخدود حتى فرغوا منهم عند الغروب، فرد عليهم التراب، فكان الذين أرسلوا إلى الأوس حملوا بعد القتل إلى الأخدود. "وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة" إلى بمعنى الواو؛ لأنها التي يقابل بها بين، ولم أجده هكذا، فالذي في ابن إسحاق وهم ستمائة أو سبعمائة، وكذا نقله عنه اليعمري بأو التي لتنويع الخلاف. ففي الفتح عند ابن إسحاق أنهم ستمائة، وبه جزم أبو عمر. وعند ابن عائذ من مرسل قتادة: كانوا سبعمائة. "وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة" كذا عزاه له تبعا للفتح، ولا أدري لم ذلك، مع أنه في نفس كلام ابن إسحاق، بلفظ: والتسعمائة بالواو، بدل إلى، وهكذا نقله عنه اليعمري. "وفي حديث جابر عند الترمذي، والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح: أنهم كانوا أربعمائة مقاتل".

فيحتمل في طريق الجمع: إن الباقين كانوا أتباعا. واصطفى صلى الله عليه وسلم لنفسه الكريمة ريحانة فتزوجها، وقيل كان يطؤها بملك اليمين، وأمر بالغنائم فجمعت، وأخرج الخمس من المتاع والسبي ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يريد وقسمه بين المسلمين، فكانت على ثلاثة آلاف واثنتين وسبعين سهما، للفرس سهمان ولصاحبه سهم

_ قال الحافظ ابن حجر" في الفتح "فيحتمل في طريق الجمع أن الباقين كانوا أتباعا" غير مقاتلين، "واصطفى صلى الله عليه وسلم لنفسه الكريمة ريحانة" بنت شمعون بن زيد، وقيل: زيد بن عمرو بن خنافة بالخاء المعجمة والنون، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة. قال ابن عبد البر: قول الأكثر أنها قرظية، وقيل: كانت من بني النضير متزوجة في قريظة رجلا يقال له الحكم، "فتزوجها" بعد أن أسلمت وحاضت حيضة، وكانت جميلة وسيمة، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا، أي: نصف أوقية، وأعرس بها في المحرم سنة ست في بيت سلمى بنت قيس النجارية، وضرب عليه الحجاب فغارت عليه غيرة شديدة، فطلقها تطليقة، فشق عليها، وأكثرت البكاء فراجعها، ولم تزل عنده حتى ماتت راجعة من حجة الوداع سنة عشر، ودفنها بالبقيع، ذكر الواقدي وابن سعد وغيرهما. "وقيل: كان يطؤها بملك اليمين". قال ابن إسحاق: كان صلى الله عليه وسلم سباها، فأبت إلا اليهودية، فوجد في نفسه، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: "هذا ثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة" فبشره وعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك، فهو أخف علي وعليك، فتركها، لكن قال الواقدي بعد أن أخرج من عدة طرق: أنه تزوجها وضرب عليها الحجاب، هذا أثبت عند أهل العلم، واقتصر عليه ابن الأثير. "وأمر بالغنائم فجمعت،" وهي ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وخمسمائة ترس وجحفة وخمر جرار سكر بفتحتين أي: نبيذ تمر، فأهريق ذلك كله، ولم يخمس وجمال نواضح وماشية كثيرة، قاله ابن سعد، وجحفة بحاء مهملة فجيم ترس صغير. "وأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يريد،" ظاهره أنه بيع ما عد الخمس وهو مخالف قول ابن إسحاق وغيره. بعث صلى الله عليه وسلم سعد بن يزيد الأنصاري الأشهلي بسبايا من بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بهم خيلا وسلاحا، وعند الواقدي: بعث سعد بن عبادة بطائفة إلى الشام يبيعهم ويشتري بهم خيلا وسلاحا، "وقسمه بين المسلمين، فكانت على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس سهمان" لما مر أن الخيل كانت ستة وثلاثين فرسا "ولصاحبه سهم" وعلى هذا

وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتق به ويهب ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرثة - وهو السقط من المتاع. وانفجر جرح سعد بن معاذ، فمات شهيدا. وفي البخاري أنه دعا: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه

_ مضت السنة في المغازي. وروى أنه أعطى صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة، وأم سليطة، وأم العلاء، وأم سعد بن معاذ، والسميراء بنت قيس حضرن القتال، ولم يسهم لهن. "وصار الخمس إلى محمية" بفتح الميم، وسكون الحاء المهملة، وكسر الميم الثانية، فتحتية مخففة مفتوحة "ابن جزء" بفتح الجيم وسكون الزاي، ثم همزة، ابن عبد يغوث "الزبيدي" بضم الزاي وفتح الموحدة ودال مهملة حليف بني سهم، قديم الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأخماس. وذكر ابن الكلبي: أنه شهد بدرا. وقال الواقدي: أول مشاهده المريسيع. قال أبو سعيد بن يونس: شهد فتح مصر، ولا أعلم له رواية. "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتق منه ويهب ويخدم منه من أراد، وكذلك يصنع بما صار إليه من الرثة" بكسر الراء وشد المثلثة "وهو السقط من المتاع" أي: متاع البيت الدون، "وانفجر" لما انقضى شأن بني قريظة "جرح" بضم الجيم "سعد بن معاذ" الذي أصابه من ابن العرقة في الخندق في أكحله، "فمات شهيدا" كذا قال ابن إسحاق وغيره، ولعل مرادهم شهيد الآخرة؛ لأنه لم يمت عقب الجرح، بل عاش حتى شرف على البراء وأيضا فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وغسل، فلو كان شهيد المعركة لم يفعل به ذلك. "وفي البخاري" في الصلاة والهجرة والمغازي عن عائشة "أنه دعا،" وزاد مسلم: وتحجر كلمه للبرء، أي: تيبس، أي: أنه دعا بذلك لما كاد جرحه يبرأ، ولفظ البخاري عن عائشة أن سعدا، قال: "اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد"، أي: قوم "أحب إلي أن أجاهدهم فيك" جملة في تأويل المصدر فاعل اسم التفضيل "من قوم كذبوا رسولك، وأخرجوه" من وطنه، بيان للمفضل عليه الواقع في حيز النفي، فكان جهاده مفضل ومفضل عليه باعتبارين، كمسألة الكحل

اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم -وفي المسجد خيمة لامرأة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها.

_ المشهورة، ثم مدلول هذه العبارة عرفا أن جهاد هؤلاء أحب إليه من جهاد غيرهم، ولو كانوا كفارا، وإن صدق لغة بالتساوي على نحو: ما ركبك خلق أكرم على الله منه، وقد أفاد المصنف بسوق هذا الحديث هنا، وبما قدمه من دعاء سعد بذلك في الخندق، أنه دعا به في الوقتين. "اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب" بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء، فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، "فافجرها" هذا كله قول سعد في البخاري، فكأن المصنف حذفه اختصارا والضمير للجراحة، والهمزة للوصل، والجيم مضمومة، "واجعل موتي فيها" لأفوز بموتة الشهادة. قال الحافظ: فيه جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت، وفيه صبر سعد "فانفجرت من لبته" بفتح اللام والموحدة المشددة، موضع القلادة من صدره، وهي رواية مسلم والإسماعيلي، وللكشميهني من ليلته وهو تصحيف. ففي رواية ابن خزيمة: فإذا لبته قد انفجرت من كلمه، أي: من جرحه، وكان موضع الجروح ورم حتى وصل إلى صدره، فانفجر من ثم قاله الحافظ، "فلم يرعهم" بفتح أوله، وضم ثانيه وتسكين العين المهملة، أي: لم يفزع أهل المسجد، "وفي المسجد خيمة" جملة حالية لرجل "من بني غفار" بكسر المعجمة وخفة الفاء، أو من خيامهم. قال الحافظ في المقدمة: هي خيمة رفيدة نزلها قوم من بني غفار، وقال في الفتح: تقدم أن ابن إسحاق ذكر أن الخيمة كانت لرفيدة الأسلمية، فيحتمل أن يكون لها زوج من بني غفار. "إلا الدم" فاعل يرعهم، أي: الخارج من سعد، "يسيل إليهم" أي: أهل المسجد، "فقالوا: يا أهل الخمية ما هذا" الدم "الذي يأتينا من قبلكم؟ " بكسر القاف وفتح الموحدة، من جهتكم. قال المصنف: وهذا يضعف قول الكرماني، وتبه البرماوي أن ضمير يرعهم لبني غفار، والسياق يدل عليه ما لا يخفى. نعم، إن كان ثم خيمة غير التي فيها سعد، فلا إشكال ا. هـ، فبحثوا عن ذلك، "فإذا سعد يغذو" بغين وذال معجمتين، يسيل، "جرحه دما". وفي رواية ابن خزيمة: فإذا الدم له هدير، "فمات منها،" أي: من تلك الجراحة ولا حمد عن عائشة، فانفجر كلمه، وقد كان برأ الأمثل الخرص، وهو بضم المعجمة، وسكون الراء ثم

وقد كان ظن سعد مصيبا، ودعاؤه في هذه القصة مجابا، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيه من المشركين، فإنه عليه الصلاة والسلام تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة، وكاد الحرب أن يقع بينهم فلم يقع كما قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24] ثم وقعت الهدنة واعتمر عليه الصلاة والسلام من قابل، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد فتوجه إليهم غازيا ففتحت مكة، فعلى هذا: فالمراد بقوله: أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: أن يقصدونا محاربين، وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: "إلا أن نغزوهم ولا يغزونا

_ مهملة، من حلي الأذن. وفي مسلم: فما زال الدم يسيل حتى مات، وقد زعم بعض شراح البخاري، أن سعدا لم يصب في هذا الظن لما وقع من الحروب في الغزوات، قال: فيحمل على أنه دعا بذلك فلم يجب، وله ما هو أفضل منه، كما ثبت في الحديث الآخر في دعاء المؤمن، أو أنه أراد بوضع الحرب، أي: في تلك الغزوة خاصة لا فيما بعدها. "و" رده الحافظ فقال: الذي يظهر لي أنه "قد كان ظن سعد مصيبا، ودعاؤه في هذه القصة مجابا و"، بيان "ذلك، أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب، يكون ابتداء القصد فيه من المشركين" أي: قريش "فإنه عليه الصلاة والسلام تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة" سنة الحديبية، "وكاد الحرب أن يقع بينهم، فلم يقع كما قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} بالحديبية، {مِنْ بَعْدِ أَنْ أَْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حيث طاف ثمانون منهم بعسكركم، ليصيبوا منكم فأخذوا، وأتي بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم، وخلى سبيلهم فنزلت الآية، رواه مسلم وغيره وهو الصحيح، وقبل في فتح مكة، "ثم وقعت الهدنة" الصلح بينهم على وضع الحرب عشر سنين، "واعتمر عليه الصلاة والسلام من قابل"، سنة سبع، "واستمر ذلك" المذكور من الهدنة، "إلى أن نقضوا العهد، فتوجه إليهم غازيا" قاصدا "ففتحت مكة" سنة ثمان "فعلى هذا، فالمراد بقوله أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: أن يقصدونا محاربين" فلا ينافي وقوع الحرب بينهم في فتح مكة،؛ لأن القصد فيه إنما كان منه صلى الله عليه وسلم لهم، "وهو كقوله عليه الصلاة والسلام" حين انصرف الأحزاب: "إلا أن نغزوهم وهم لا يغزونا".

-كما تقدم- وقد بين سبب انفجار جرح سعد في مرسل حميد بن هلال -عند ابن سعد- ولفظه: أنه مرت به عنز، وهو مضطجع، فأصاب ظلفها موضع النحر فانفجرت حتى مات. وحضر جنازته رضي الله عنه سبعون ألف ملك، واهتز لموته عرش الرحمن. رواه الشيخان.

_ روى بنون واحدة وبنونين، كما قاله المصنف، "كما تقدم" في آخر غزوة الخندق انتهى كلام الفتح، واللائق بالمصنف حذف كما تقدم، لأنه لم يقدم هذا اللفظ، بل معناه "وقد بين سبب انفجار جرح سعد في مرسل حميد بن هلال" العدوي، أبي نصر البصري، الثقة التابعي الكبير العالم، احتج به الستة. "عند" محمد" بن سعد، ولفظه أنه مرت به عنز وهو مضطجع، فأصاب ظلفها موضع النحر" بنون فمهملة، من إضافة الأعم إلى الأخص، أي: موضعا هو النحر، وهو موضع القلادة من الصدر، ويطلق على الصدر كله، وهذا موافق لقول عائشة السابق، فانفجرت من لبته، وفي نسخة الفجر بفاء وجيم، أي: موضع فجر الجرح، والذي في الفتح عن هذا المرسل من موضع الجرح، وتبعه المصنف في شرحه ونحوه قول اليعمري عن ابن سعد فأصابت الجرح بظلفها، وكان معناه أصابت ما انتهى إليه ورم الجرح، وسماه جرحا، وإن لم يكن موضعه؛ لأنه لما سرى الورم إليه، صار الكل أثر الجراحة، "فانفجرت" جراحته وسال الدم "حتى مات، وحضر جنازته رضي الله عنه سبعون ألف ملك" كما قال صلى الله عليه وسلم: "لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدا، ما وطئوا الأرض إلا يومهم هذا" ذكره ابن عائذ وتبعه السهيلي"، "واهتز لموته عرش الرحمن"، رواه الشيخان" من حديث جابر، وثبت عن عشرة من الصحابة أو أكثر. قال ابن عبد البر: هو ثابت اللفظ من طرق متواترة، وقول البراء: اهتز سريره، لم يلتفت إليه العلماء ا. هـ. وفي العتبية: أن مالكا سئل عنه، فقال: أنهاك أن تقوله، وما يدري المرء أن يتكلم بهذا، وما يدري ما فيه من الغرور. قال ابن رشد في شرحها: إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته، كالجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرارا لله تبارك وتنزه عن مشابهة خلقه انتهى ملخصا، وهو حسن، وقول السهيلي العجب من إنكار مالك لهذا الحديث، وكراهته التحديث به مع صحة نقله، وكثرة روته، ولعل هذه الرواية لم تصح عنه، اعترضه

قال النووي: اختلف العلماء في تأويله. فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحا بقدوم سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] . وهذا القول هو ظاهر الحديث. وهو المختار. قال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، وهذا لا ينكر من جهة العقل؛ لأن العرش جسم من الأجسام، يقبل الحركة والسكون. قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك

_ اليعمري باقتضائه، أن إنكاره يرجع إلى الإسناد وليس كذلك، بل اختلف العلماء في هذا الخبر، فمنهم من يحمله على ظاهره، ومنهم من يؤوله، وما هذا سبيله من الأخبار المشكلة، فمن الناس من يكره روايته إذا لم يتعلق به حكم شرعي، فلعل الكراهة المروية عن مالك من هذا النمط ا. هـ. وبهذا يرد قول الحافظ في الفتح تعقبا على ابن رشد، الذي يظهر لي أن مالكا ما نهى عنه لهذا، إذ لو خشي ذلك لما أسند في الموطأ حديث: ينزل الله إلى سماء الدنيا؛ لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش ا. هـ؛ لأن حديث النزول، تعلق به حكم شرعي من طلب الدعاء والاستغفار والتوبة، وقوله أيضا يحتمل الفرق، بأن حديث سعد ما ثبت عنده بخلاف حديث النزول، فرواه ووكل أمره إلى فهم العلماء الذين يسمعون في القرءان استواء العرش ونحوه، لكن لا معنى لإنكاره لثبوته عجيب من مثله في حق نجم الأثر، أيظن أنه يخفى عليه حديث متواتر، فإنما أراد ما قاله ابن رشد واليعمري، وهو المتبادر من قوله وما يدري المرء إلخ، ولو أراد ما فهمه السهيلي وابن حجر لقال ليس بثابت أو لا أعرفه، أو ما سمعته، أو نحو ذلك، والله أعلم. وقد "قال" الإمام "النووي" في شرح مسلم: "اختلف العلماء في تأويله، فقالت طائة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش، تحركه" حقيقة "فرحا بقدوم روح سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزا حصل به هذا" التحرك "ولا مانع منه، كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا} أي: الحجارة، {لَمَا يَهْبِطُ} ينزل من علو إلى سفل {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار" وكذا رجحه السهيلي، فقال: ولا معدل عن ظاهر اللفظ ما وحد إليه سبيل. "قال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وإن العرش تحرك لموته، قال: وهذا لا ينكر من جهة العقل؛ لأن العرش جسم" مخلوق "يقبل الحركة والسكون". "قال" المازري: "لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك" أي: مجرد تحركه لجواز أنه اتفاقي

إلا أن يقال: إن الله تعالى جعل حركته علامة للمائكة على موته. وقال آخرون: المراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول: ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها. وقال الحربي: هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشيء المعظم إلى عظم الأشياء فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة. وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة, وهو العرش

_ ذلك اليوم، وفيه أن علمه بموته، واهتزازه له فيه فضيلة كبيرة، كاضطراب الجبل، وتسبيح الحصى بكف المصطفى، ولا يدفع ذلك، بأنهما مرئيان للصحابة بخلاف اهتزازه؛ لأن خبر الصادق المصدوق به مثل رؤيته سواه "إلا أن يقال إن الله تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته،" فيفيد كرامته على ربه حيث تحرك العرش أسفا عليه لمحافظته على الحق. "وقال آخرون" مقابل قوله أولا، فقالت طائفة، وقوله قال بعضهم هو على حقيقته، "المراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول" بأن أودع فيه إدراكا علم به موته، وكرامته عند ربه، ففرح واستبشر، وبهذا صدر الفتح وقال: يقال لك من فرح بقدوم قادم عليه اهتز له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات إذا اخضرت وحسنت، ووقع ذلك في حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ: اهتز العرش فرحا به. "ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته" تفسيري، "وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها" فهذا يصحح قول الآخرين. "وقال" إبراهيم بن إسحاق "الحربي" الحافظ البغدادي مر بعض ترجمته: "هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته" من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تحرك ولا فرح من العرش، "والعرب تنسب الشيء المعظم إلى أعظم الأشياء فيقولون: أظلمت بموت فلان الأرض" ولم تظلم، "وقامت له القيامة" ولم تقم، ففي هذا منقبة عظيمة لسعد. "وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة، وهو العرش،" وسياق الحديث يأباه، إذ المراد منه فضيلته، وأي فضيلة في اهتزاز السرير، فكل سرير يهتز إذا تجابته الأيدي. قال الحافظ: إلا أن يراد اهتزاز، حملة سريره فرحا بقدومه على ربه، فيتجه. وفي الصحيح: قال رجل لجابر: فإن البراء يقول اهتز السرير، فقال: إنه كان بين هذين

وهذا القول باطل يرده صريح الروايات التي ذكرها مسلم "اهتز لموته عرش الرحمن" وإنما قال هؤلاء هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التي ذكرها مسلم والله أعلم. ا. هـ. وقيل المراد باهتزاز العرش حملة العرش...............................

_ الحيين ضغائن، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ"، والحيان الأوس والخزرج"، فقال ذلك جابر إظهارا للحق، واعترافا بالفضل لأهله، فكأنه تعجب من البراء كيف قال ذلك مع أنه أوسي، ثم قال: أنا وإن كنت خزرجيا، وكان بين الحيين ما كان، لا أمتنع من قول الحق، والعذر للبراء أنه لم يقصد تغطية سعد، وإنما فهم ذلك، فجزم به. وقال الخطابي وغيره: لأنه سمع شيئا محتملا، فحمل الحديث عليه، ولعله لم يسمع قوله عرش الرحمن, وعذر جابر أنه ظن أن البراء أراد الغض من سعد، فانتصر له وقد وقع لابن عمر، أنه قال: العرش لا يهتز لأحد، ثم رجع وجزم بأنه اهتز له عرش الرحمن، أخرجه ابن حبان انتهى ملخصا من الفتح. "وهذا القول باطل يرده صحيح الروايات التي ذكرها" أيك رواها، "مسلم" خصه لقوله الروايات بخلاف البخاري، ففيه رواية واحدة "اهتز لموته" بدل من الروايات "عرش الرحمن،" فإن إضافته إليه تأبى أن المراد السرير، كما أفاده جابر، "وإنما قال هؤلاء: هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التي ذكرها مسلم" ألا ترى إلى أنها لما بلغت ابن عمر، رجع عن قوله: لا يهتز لأحد، وقد قال الحاكم: الأحاديث المصرحة باهتزاز عرش الرحمن مخرجة في الصحيحين، وليس لمقابلها في الصحيح ذكر، "والله أعلم، انتهى" كلام النووي في شرح مسلم بحروفه، "وقيل: المراد باهتزاز العرش، اهتزاز حملة العرش"، فرحا بقدوم روحه، لما رأوا من كرامته وعظم منزلته، نقله النووي في التهذيب عن العلماء، أي: بعضهم بدليل كلامه في الشرح، ففيه مجاز الحذف. قال الحافظ: ويؤيده حديث الحاكم أن جبريل قال: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها؟ وقيل هو علامة نصبها الله لموت من يموت من أوليائه، ليعلم ملائكته بفضله. قال: ووقع عند الحاكم عن ابن عمر: اهتز العرش فرحا بلقاء الله، سعدا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا. قال ابن عمر: يعني عرش سعد الذي حمل عليه، وفيه عطاء بن السائب فيه مقال؛ لأنه اختلط آخر عمره.

وصحح الترمذي من حديث أنس قال: لما حصلت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون ما أخف جنازته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، "إن الملائكة كانت تحمله". وعن البراء قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها

_ "و" يعارضه أنه "صحح الترمذي من حديث أنس قال: لما حملت" بالبناء للمفعول "جنازة سعد بن معاذ، قال المنافقون" أي: بعضهم وعند ابن إسحاق من مرسل الحسن: كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس، وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنا وما حملنا من جنازة أخف منه، "ما أخف جنازته" كأنهم قالوه استهزاء به، وأن خفته لخفة ميزانه بزعمهم الفاسد. "فقال النبي صلى الله عليه وسلم" ردا عليهم: "إن الملائكة كانت تحمله". وفي المرسل أن له حملة غيركم، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتز له العرش، وذكر ابن إسحاق وغيره أنه لما احتمل على نعشه بكت أمه وقالت: ويل أم سعد سعدا صرامة وحدا وسوددا ومجدا وفارسا معدا سد به مسدا فقال صلى الله عليه وسلم: "كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ"، وفي رواية: "لا تزيدي على هذا، وكان فيما علمت والله حازما في أمر الله قويا في أمره كل النوائح تكذب إلا أم سعد". وروي أنه قال لها: "ليرقأ دمعك، ويذهب حزنك، فإن ابنك يضحك الله عز وجل له". وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بين العمودين، ومشى أمام جنازته، ثم صلى عليه، وجاءت أمه، ونظرت إليه في اللحد، وقالت: احتسبتك عند الله عز وجل، وعزاها صلى الله عليه وسلم وهو واقف على قدميه على القبر، فلما سوى التراب على قبره رش عليه الماء، ثم وف ودعا، وأم سعد بن معاذ اسمها كبشة بنت رافع بن عبيد الأنصارية الخدرية. ذكر ابن سعد أنها أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الأنصار. "وعن البراء" بن عازب بن حارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الأوسي الصحابي، ابن الصحابي، والخزرج المذكور في نسبه ليس هو مقابل الأوس، وإنما سمي على اسمه، وظنه الخطابي إياه، فزعم أن البراء خزرجي، وهو خطأ فاحش نبه عليه الحافظ. "قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم." قال الحافظ: الذي أهدى أكيدر دومة، كما في حديث أنس السابق في الهبة، "حلة حرير،" وفي حديث أنس عند البخاري: جبة من سندس، فكأنها مركبة من ظهارة وبطانة؛ لأن مسمى الحلة ثوبان فلا خلف، وفي حديث أنس عند البزار برجال الصحيح، فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، "فجعل أصحابه يمسونها" بفتح

ويعجبون من لينها، فقال صلى الله عليه وسلم: "أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين". هذا لفظ رواية أبي نعيم في مستخرجه على مسلم. والمناديل: جمع منديل -بكسر الميم في المفرد- وهو معروف.

_ التحتية والميم، "ويعجبون" بسكون العين "من لينها, فقال صلى الله عليه وسلم" لهم: "أتعجبون من لين هذه" الحلة"؟ زاد البخاري في الهبة عن أنس: "والذي نفس محمد بيده، "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين" " بالواو، كما رواه الكشميهني، ولغيره بأو بالشك، وكما قال صلى الله عليه وسلم ذلك في حلة أكيدر، قاله أيضا في ديباج أهداه له عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي الصحابي. روى الطبراني برجال ثقات عن عطارد بن حاجب، أنه أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب ديباج كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا: نزل عليك من السماء، فقال: "وما تعجبون من ذا لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا"، ثم قال: "يا غلام اذهب به إلى أبي جهم بن حذيفة، وقل له يبعث إلي بالخميصة". قال العيني: وتخصيص سعد به، قيل: لأنه كان يعجبه ذلك الجنس من الثياب، أو لأن اللامسين المتعجبين من الأنصار، فقال: مناديل سيدكم خير منها ا. هـ. ومقتضى وجود المناديل في الجنة، أنهم إذا أكلوا شيئا احتاجوا للمنديل لمسح ما تعلق بأيديهم وأفواههم، ولا يلزم أنه كوسخ الدنيا، بل جعل ذلك إكراما لهم حيث وجدوا في الجنة نظير ما ألفوه في الدنيا كذا قرره شيخنا حافظ العصر البابلي رحمه الله، "هذا لفظ أبي نعيم في مستخرجه على" صحيح "مسلم،" وجه عزوه له مع أن الحديث في الصحيحين البخاري في المناقب، ومسلم في الفضائل زيادة قوله في الجنة، وقد زادها البخاري في كتاب الهبة لكن من حديث أنس، وزاد في رواية البزار عنه: ثم أهداها إلى عمر، فقال: يا رسول الله أتكرهها وألبسها؟ فقال: "يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجها، فتصيب بها مالا"، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، ويعارضه ما رواه مسلم عن علي، أن أكيدر دومة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير، فأعطاه عليا، فقال: "شققه خمرا بين الفواطم"، وفسرن في رواية غيره بفاطمة زوجه، وفاطمة أمه، وفاطمة بنت حمزة. "والمناديل جمع منديل بكسر الميم في المفرد" زاد القاموس، وفتحها، وكمنبر الذي يتمسح به، "وهو معروف". قال ابن الأعرابي وغيره: مشتق من الندل النقل؛ لأنه ينتقل من واحد إلى واحد، وقيل: من الندل الوسخ؛ لأنه يندل به. قال ابن الأنباري وغيره: مذكر.

قال العلماء: وهذا إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه؛ لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معد للوسخ والامتهان، فغيره أفضل. ا. هـ. وأخرج ابن سعد وأبو نعيم، من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال:

_ "قال العلماء: وهذ" الحديث "إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، وأن" بفتح الهمزة عطفا على المجرور "أدنى" أقل "ثيابه فيها خير من هذه" الحلة، "لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معد للوسخ والامتهان" فيمسح به الأيدي، وينفض به الغبار عن البدن، ويغطى به ما يهدى ويتخذ لفافا للثياب، "فغيره أفضل"؛ لأن سبيله سبيل الخادم، وسائر الثياب سبيل المخدوم، فإذا كان أدناها أفضل من حلة الملوك، فما ظنك بأعلاها. "وأخرج ابن سعد، وأبو نعيم من طريق محمد بن المنكدر" بن عبد الله التيمي المدني، الفاضل الثقة، المتوفى سنة ثلاثين ومائة، أو بعدها "عن محمد بن شرحبيل" بضم أوله، وفتح الراء وسكون المهملة. قال في الإصابة في القسم الرابع، فيمن ذكر في الصحابة غلطا محمد بن شرحبيل من بني عبد الدار، ذكره ابن منده، وقال: أورده البخاري في الوحدان، ولا يعرف له صحبة، إنما روايته عن أبي هريرة. ثم روى ابن منده عن ابن المنكدر، عنه قال: أخذت قبضة من تراب قبر سعد بن معاذ، فوجدت منه ريح المسك. وقال أبو نعيم: هو محمود بن شرحبيل، قلت: ليس فيه إنه صحابي؛ لأن شم تراب القبر يتأتى لمن تراخى زمانه بعد الصحابة، ومن بعدهم. وفي التابعين محمد بن ثابت بن شرحبيل من بني عبد الدار، فلعله هذا نسب لجده ا. هـ. وفي تقريبه محمد بن ثابت، ويقال ابن عبد الرحمن بن شرحبيل العبدري، أبو مصعب الحجازي، وقد ينسب إلى جده مقبول. روى له البخاري في الأدب المفرد، وقوله "ابن حسنة" لا يصح؛ لأنها أم الصحابي الجليل شرحبيل بن عبد الله بن المطاع الكندي، التي ربته كما في التقريب، وليس أبا لمحمد هذا؛ لأنه عبدري وشرحبيل كندي، والحديث مرسل؛ لأنه تابعي، فلم يشهد ما حدث به، حيث "قال:

قبض إنسان يومئذ بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك، فقثال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله، سبحان الله"، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال: "الحمد لله، لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد، ضم ضمة ثم فرج الله عنه".

_ قبض إنسان يومئذ" أي: يوم موت سعد، "بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك، فإذا هي مسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله، سبحان الله" مرتين، تعجبا من كون تراب قبره صار مسكا، وكونه ضمه "حتى عرف ذلك" التعجب المدلول عليه بالتسبيح "في وجهه" الشريف، "فقال: "الحمد لله" شكرا له على تفريجه عن سعد، "لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر" من الأمم، صالحهم وطالحهم، إلا الأنبياء لكونهم خصوا بأنهم لا يضغطون كما في الأنموذج، ولا ترد فاطمة أم علي رضي الله عنهما؛ لأن نجاتها لسبب اضطجاعه صلى الله عليه وسلم في قبرها، ولا قارئ الإخلاص في مرض موته؛ لأن نجاته لسبب هو القراءة، والمنفي أنه لم ينج أحد منها بلا سبب، أو هي خصوصيات لا تنقض الأمور الكلية "لنجا منها سعد" لكن لم ينج أحد، فلم ينج سعد "ضم ضمة، ثم فرج الله عنه". قال الحكيم الترمذي: سبب هذه الضمة أنه ما من أحد إلا وقد ألم بخطيئة ما، وإن كان صالحا، فجعلت هذه الضغطة جزاء له، ثم تدركه الرحمة، ولذا ضغط سعد للتقصير في البول، فأما الأنبياء فلا ضم ولا سؤال لعصمتهم ا. هـ. وهذا الحديث المرسل له شاهد. قال ابن إسحاق: حدثني معاذ بن رفاعة، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر قال: لما دفن سعد، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح صلى الله عليه وسلم، فسبح الناس معه، ثم كبر، فكبر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله مم سبحت، فقال: "لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه"، ولم يقولوا كم كبرت؛ لأن الذي يقال عند التعجب إنما هو التسبيح، فسألوا عن سببه. قال ابن هشام: ومجاز هذا الحديث قول عائشة، قال صلى الله عليه وسلم: "إن للقبر لضمة، لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ". وفي رواية يونس الشيباني، عن ابن إسحاق حدثني أمية بن عبد الله قال: قلت لبعض أهل سعد: ما بلغكم في هذا؟ فقال: ذكر لنا أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال: "كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير"، ومعلوم أن تقصيره لم يكن على وجه يؤدي إلى فساد عبادته، ولكنه مخالف للأولى، كترك الجمع بين الحجر والماء في الاستنجاء، فضمه القبر ليعظم ثوابه

وأخرج ابن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: كنت ممن حفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا. قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة فرض الحج. وقيل: سنة ست وصححه غير واحد، وهو قول الجمهور. وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان ورجحه جماعة من العلماء.

_ ولتنبيه غيره حيث أخبرهم الصادق بسبب الضمة، فيحترزون عن خلاف الأولى وإن جاز. وقد روى الحافظ أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه, والبيهقي وابن منده، أن عائشة قالت: يا رسول الله ما انتفعت بشيء منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر، وصوت منكر ونكير، فقال: "يا عائشة، إن ضغطة القبر -أو قال- ضمة القبر على المؤمن كضم الأم الشفيقة يديها على رأس ابنها، يشكو إليها الصداع فتغمز رأسه غمزا رفيقا، وصوت منكر ونكير، كالكحل في العين، ولكن يا عائشة " ويل للشاكين في الله، أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطة البيض على الصخر" ". وزعم أن المراد بالمؤمن الذي هذا شأنه من لم يحصل منه تقصير، فلا ينافي ما تقدم عن سعد لا يصح، فإنه لم يتقدم عنه شيء ينافي هذا الحديث، حتى ينفي، وقد يكون مراد المصطفى أن هذا العبد الصالح الذي شهده سبعون ألف ملك، واهتز له عرش الرحمن، لا يضمه القبر أسا، ولا كضم الأم ابنها إكراما له، وإن كان يقصر بعض التقصير في البول، فذلك مغفور في جنب بعض حسناته التي منها حكمه في مواليه بحكم الله، فتعجب من ضمه، وهذا هو الظاهر من كلام الروض، فإنه قال: وأما ضغطه في قبره، فروي عن عائشة، فذكر الحديث، وعزاه لمعجم بن الأعرابي كما ذكرته. "وأخرج ابن سعد" محمد الحافظ "عن أبي سعيد" سعد بن مالك، "الخدري" الصحابي، ابن الصحابي "قال: كنت ممن حفر لسعد قبره, فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا،" وكفى بهذا منقبة عظيمة، وهذا أيضا شاهد لما قبله. "قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة" سنة خمس "فرض الحج" فقد وقع في حديث ضمام ذكر الأمر بالحج، وقدومه سنة خمس، كما ذكره الواقدي، فيدل على فرضه فيها أو تقدم، "وقيل: سنة ست، وصححه غير واحد من الجمهور" لأنه نزل فيها قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، بناء على أن المراد بالإتمام الفرض لقراءة علقمة ومسروق والنخعي وأقيموا، رواه الطبراني بأسانيد صحيحة عنهم، أما على أن المراد الإكمال بعد الشروع فلا، "وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، ورجحه جماعة من العلماء" لبعثه صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد

وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى ذلك وفد عبد القيس في المقصد الثاني وفي ذكر حجه عليه الصلاة والسلام من مقصد عباداته.

_ أميرا على الحج تلك السنة، وهو أول أمراء الحج، وقيل: سنة تسع، وقيل: عشر، "وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في ذكر وفد عبد القيس من المقصد الثاني" والكلام الذي ذكره فيه في تعلق الحج قليل؛ لأنه قوع استطرادا، "وفي ذكر حجه عليه الصلاة والسلام من مقصد عباداته" وهو التاسع وأشبع ثم الكلام عليه.

سرية القرطاء وحديث ثمامة

"سرية القرطاء وحديث ثمامة": ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرمطاء، بطن من بني بكر بن كلاب وهم ينزلون بناحية ضرية بالبكرات

_ سرية القرطاء وحديث ثمامة: "ثم سرية محمد بن مسلمة" الأنصاري، الأشهلي أكبر من اسمه محمد من الصحابة، وكان من الفضلاء، مات بعد الأربعين "إلى القرمطاء" بضم القاف، وسكون الراء وبالطاء المهملة, أي: والمد على القياس، وهم قرط بضم فسكون، وقريط بفتح الراء، وقريط بكسرها بنو عبد بغير، إضافة كما ضبطه البرهان، وتبعه الشامي، فمن قال القرطاء بفتح القاف، كأنه اشتبه عليه، أو سبقه القلم، وكذا من ضبطه بضم القاف، وفتح الراء اشتبه عليه الجمع بالمفرد "بطن من بني بكر،" واسمه عبيد بن كلاب من قيس عيلان، بعين مهملة وسكون التحتية. ذكره أبو محمد الرشاطي، وبطن بدل من القرمطاء، وكان الأولى أن يقول بطون؛ لأنهم إخوة كما علمت، وفي القاموس: القرط بالضم من بني كلاب، وهم أخوة قرط، كقفل وقريط، كزبير وقريط كأمير، فلعل المصنف أراد طائفة، "وهم" أي: القرطاء "ينزلون بناحية ضرية". قال البرهان: بفتح الضاد المعجمة، وكسر الراء، ثم تحتية مفتوحة مشددة، ثم تاء تأنيث. قال في الصحاح: قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة، وهي إلى مكة أقرب، "بالبكرات" بفتح الموحدة، وسكون القاف، فراء فألف ففوقية، جمع بكرة. قال الشامي: كذا فيما وقفت عليه من كتب المغازي. قال الصغاني: البكرة ماء لبني ذؤيب من الضباب، وعندها جبال شمخ يقال لها البكرات والبكران، يعني بلفظ التثنية موضع بناحية ضرية، وتبعه في المرصد. قال في النور: ولعل ما في العيون بلفظ التثنية، وتصحف على الناسخ، فذكره بلفظ الجمع، ولم يذكر أبو عبيد البكري في معجمه بحي ضرية إلا بكرة بالأفراد، قلت: وهو بعيد

وبين ضرية والمدينة سبع ليال, لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست على رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة. بعثه في ثلاثين راكبا، فلما أغار عليهم هرب سائرهم. وعند الدمياطي: فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم, واستاق نعما وشاء، وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم ومعه ثمامة

_ جدا لتوارد ما وقفت عليه من كتب المغازي ا. هـ. "وبين ضرية والمدينة" الشريفة "سبع ليال لعشر" متعلق بسرية، والمعنى خرج لعشر "ليال خلون من المحرم سنة ست على رأس" أي: أول، "تسعة وخمسين شهرا من الهجرة"، من أول دخول المصطفى المدينة لا من أول المحرم حتى يوافق قوله سنة ست، وإلا فعدة الأشهر تفيد أنها سنة خمس فما بعد السنة الأولى من الهجرة معتبر بأول المحرم، والأولى من دخول المدينة والمحوج إلى هذا تلفيق المصنف بين القولين، فإن الحاكم ذكر أنها في المحرم سنة ست، ولم يعد الأشهر الماضية من الهجرة، وابن سعد عد الأشهر، ولم يقل إنها سنة ست كما في العيون. "بعثه في ثلاثين راكبا" إبلا وخيلا كما في الصحيح، أنه بعث خيلا، وقول ثمامة: إن خيلك أخرتني، منهم عباد بن بشر، وسلامة بن وقش بفتح الواو، والقاف وبالشين المعجمة، والحارث بن خزمة بفتح المعجمة وسكون الزاي، وقيل بفتحها، وقيل: خزيمة بالتصغير، وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار، وأن يشن الغارة عليهم بفتح الياء، وضم المعجمة، وضم الياء، وكسر الشين ونون، أي: يفرق الخيل المغيرة على العدو، ففعل ما أمره. "فلما أغار" هجم "عليهم" مسرعا "هرب سائرهم،" أي: باقيهم، بعد من قتل منهم، فلا يخالف قوله. "وعند الدمياطي" تبعا للواقدي عن شيوخه: "فقتل منهم نفرا" هم لغة ما دون العشرة، لكن عند الواقدي فقتل منهم عشرة، "وهرب سائرهم" أي: باقيهم بعد قتل النفر, ولم نر أحدا. قال: لم يقتل منهم حتى نحمل قوله أولا سائرهم على الجميع، ويجعل ما بعده مقابلا له، على أن كونه بمعنى الجميع ضعيف، و"استاق نعما"، وكانت مائة وخمسين بعيرا "وشاء" وكانت ثلاثة آلاف، فعدلوا الجزور بعشرة من الغنم، قاله ابن سعد القاموس النعم، وقد تسكن عينه الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، فعليه العطف مباين وعلى الأول من عطف الأخص على الأعم، "وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم" وغاب تسع عشرة ليلة، قاله ابن سعد، "ومعه ثمامة" بضم

ابن أثال الحنفي أسيرا. فربط بأمره عليه الصلاة والسلام بسارية من سواري المسجد، ثم أطلق بأمره عليه الصلاة والسلام، فاغتسل وأسلم وقال:

_ المثلثة وميمين خفيفتين "ابن أثال" بضم الهمزة، وبمثلثة خفيفة ولام، مصروف ابن النعمان "الحنفي،" من فضلاء الصحابة، لم يرتد مع من ارتد من أهل اليمامة، ولا خرج عن الطاعة قط رضي الله عنه، ونفع الله به الإسلام كثيرا، وقام بعد وفاة المصطفى مقاما حميدا حين ارتدت اليمامة مع مسيلمة، فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم} {حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3] أين هذا من هذيان مسيلمة فأطاعه منهم ثلاثة آلاف، وانحازوا إلى المسلمين "أسيرا". قال ابن إسحاق: بلغني عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، أن خيلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت رجلا، ولا يشعرون من هو، حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أتدرون من أخذتم، هذا ثمامة بن أثال الحنفي، أحسنوا أساره"، ورجع فقال لأهله: " اجمعوا ما عندكم من طعام، فابعثوا به إليه"، وأمر بلقحته أن يغدى عليها، ويراح، فلا يقع من ثمامة موقعا وإساره بكسر الهمزة، أي: قيده، "فربطوه بأمره عليه الصلاة والسلام" كما في رواية ابن إسحاق "بسارية من سواري المسجد" لنيظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها ويرق قلبه، "ثم أطلق بأمره عليه الصلاة والسلام" منا عليه، أو تألفا، أو لما علم من إيمان قلبه، أو أنه سيظهره، أو أنه مر عليه فأسلم، كما رواه ابنا خزيمة وحبان من حديث أبي هريرة، كذا في شرح المصنف، "فاغتسل وأسلم" بعد اغتساله، كما في الصحيح، ففي حجة لمالك في صحة لمن أجمع على الإسلام. قال في رواية ابن إسحاق: فلما أمسى جاؤوه بالطعام، فلم ينل منه إلا قليلا، وباللقحة، فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فعجب المسلمون، فقال صلى الله عليه وسلم: "مم تعجبون أمن رجل أكل أول النهار في معا كافر، وأكل آخر النهار في معا مسلم، إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وإن المسلم يأكل في معا واحد". "وقال" كما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه صلى الله عليه وسلم فقال: "ماذا عندك يا ثمامة"؟، قال: عندي خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فترك حتى كان الغد ثم قال: "ما عندك يا ثمامة"، قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة"؟ قال: عندي ما قلت لك، فقال: "أطلقوا ثمامة"،

يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الأديان كلها إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر.

_ فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله "يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الأديان كلها إلي" لفظ البخاري: أحب الدين إلي، ولفظ مسلم: أحب الدين كله إلي. "والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي" فيه تعظيم أمر العفو عن المسيء؛ لأنه أقسم أن بغضه انقلب حبا في ساعة واحدة، لما أسداه صلى الله عليه وسلم إليه من العفو والمن من غير مقابل، "وإن خيلك" قال المصنف: أي فرسان خيلك، وهو من ألطف المجازات وأبدعها، فهو على حذف مضاف، كقوله: يا خيل الله اركبي، "أخذتني" قبل دخول المدينة، كما هو المتبادر منه، كقول أبي هريرة أول الحديث: بعث خيلا قبل نجد، فجاءت بثمامة. قال الحافظ: وزعم سيف في كتاب الردة له أن الذي أسر ثمامة هو العباس، وفيه نظر؛ لأن العباس إنما قدم في الفتح، وقصة ثمامة قبله، بحيث اعتمر، ورجع إلى بلاده، ومنعهم أن يميروا أهل مكة حتى شكوا للمصطفى، فبعث يشفع لهم عند ثمامة ا. هـ. وروى البيهقي عن ابن إسحاق: أن ثمامة كان رسول مسيلمة للمصطفى قبل ذلك، وأراد اغتياله، فدعا ربه أن يمكنه منه، فدخل المدينة معتمرا، وهو مشرك، فتحير في أزقتها، فأخذ وهو معضل فلا يعارض حديث الصحيحين، ثم لا يعارض هذا قوله أولا في ثلاثين راكبا، بناء على الأكثر لغة من أنه وصف لراكب الإبل؛ لأنه على الإطلاق الثاني. ففي القاموس: الراكب للبعير خاصة، وقد يكون للخيل، ولا يحمل قوله: خيلك، على أنه أراد جماعته، أطلق عليهم خيلا للزومها للمقاتلين كثيرا؛ لأن فيه رد رواية الصحيحين إلى كلام أهل السيرة، مع إمكان الجمع بدون ذلك، "وأنا أريد العمرة، فماذ ترى" أأذهب إلى العمرة، أو أرجع، أو أقيم عندك، "فبشره النبي"، وفي رواية: رسول الله "صل الله عليه وسلم" قال الحافظ: أي بخير الدنيا والآخرة، أو الجنة، أو بمحو ذنوبه وتبعاته السالفة، وتبعه المصنف. وقال شيخنا: لعل المراد بشره بالسلامة، وأنه لا يصيبه من أهل مكة ضرر إذا اعتمر، "وأمره أن يعتمر"

فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.

_ "فلما قدم مكة قال له قائل:" قال المصنف: لم أعرف اسمه، "صبوت" أي: خرجت من دين إلى دين، "قال: لا" ما خرجت من دين؛ لأن عبادة الأوثان ليست دينا إذا تركته أكون خرجت من دين، "ولكن أسلمت" لله رب العالمين "مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي: وافقته على دينه، فصرنا متصاحبين في الإسلام، أنا بالابتداء وهو بالاستدامة، وفي رواية ابن هشام: ولكني تبعت خير الدين دين محمد، قاله كله الفتح، وبسطه المصنف بقوله: وهذا من أسلوب الحكيم، كأنه قال: ما خرجت من الدين؛ لأنكم لستم على دين، فأخرج منه، بل استحدثت دين الله، وأسلمت مع رسول الله رب العالمين، فإن قلت مع تقتضي استحداث المصاحبة؛ لأنها معنى المعية وهي مفاعلة، وقد قيد بها الفعل، فيجب الاشتراك، كذا نص عليه الكشاف في الصافات، أجيب بأنه لا يبعد ذلك، فيكون منه صلى الله عليه وسلم استدامة ومنه استحداث ا. هـ. "ولا والله" قال الحافظ: فيه حذف تقديره، والله لا أرجع إلى دينكم، ولا أرفق بكم، فأترك المسيرة "تأتيكم من اليمامة حبة حنطة" ويقع في بض نسخ المواهب المصحفة لفظ لما قبل قوله تأتيكم، وفي بعضه لا، ولا وجود لذلك في البخاري ولا مسلم، "حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم". وعند ابن هشام: بلغني أنه خرج معتمرا حتى إذا كان ببطن مكة لبى، وكان أول من دخل مكة يلبي، فأخذته قريش، فقالوا: قد اجترأت علينا، فلما قدموه ليضربوا عنقه، قال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة فخلوه. فقال الحنفي: ومنا الذي لبى بمكة معلنا ... برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إليه صلى الله عليه وسلم إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، فكتب إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل. وأخرج النسائي والحاكم، عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم قد أكلنا العلهز، يعني الوبر والدم، فأنزل الله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} ، رواه البيهقي في الدلائل بلفظ: إن ابن أثال الحنفي لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أسير خلى سبيله فأسلم فلحق بمكة، ثم رجع فجال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: "بلى"، قال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فنزلت العلهز بكسر العين المهملة، والهاء بينهما لام ساكنة وبزاي آخره، وكأنهم كتبوا

ذكر قصته البخاري.

_ له أولا، ثم لم يثقوا، ولم يكتفوا بالكتابة لشدة ما هم فيه من القحط، فخرج أبو سفيان، فانظر إلى هذا الحلم العظيم، والرحمة الشاملة، والرأفة العميمة، يواجهه بهذا الخطاب الخشن، مع شدة حاجته إليه، ومحاربته له قريبا، وقومه الأحزاب، ومع ذلك لم يمتنع من قضاء حاجته إنك لعلى خلق عظيم. "ذكر قصته البخاري" ومسلم، كلاهما في المغازي تاما كما سقناه، واقتصر اليعمري على عزوه لمسلم، وكان اللائق له وللمصنف أن يقولا رواه الشيخان. قال الحافظ: وفي قصة من الفوائد ربط الكافر في المسجد، والمن على الأسير الكافر، والاغتسال عند الإسلام، وإن الإحسان يزيل البغض، ويثبت الحب، وإن الكافر إذا أراد عمل خير، ثم أسلم، شرع له أن يستمر في ذلك الخير، وملاطفة من يرجى أسلامه من الأسرى، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه، وفيه بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر من وجد منهم، والتخير بعد ذلك في قتله وإبقائه ا. هـ، والله أعلم.

غزوة بني لحيان

"غزوة بني لحيان": ثم غزوة بني لحيان -بكسر اللام وفتحها، لغتان- في ربيع الأول سنة ست من الهجرة، وذكرها ابن إسحاق في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من قريظة. قال ابن حزم: الصحيح أنها في الخامسة. قالوا:

_ ثم غزوة بني لحيان: "بكسر اللام وفتحها لغتان"، نسبة إلى لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال الحافظ: وزعم الهمداني النسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم، دخلوا في هذيل، فنسبوا إليهم "في" غرة شهر "ربيع الأول، سنة ست من الهجرة" عند ابن سعد، "وذكرها ابن إسحاق" لا بالوضع، بل بالتصريح، بأنها "في جمادى الأولى، على رأس ستة أشهر من" فتح بني "قريظة". "قال ابن حزم" الحافظ العلامة، "الصحيح، أنها في" السنة "الخامسة" الذي هو قول ابن إسحاق، وقيل: كانت في الرابعة، وقيل: كانت في رجب، وقيل: في شعبان، "قالوا" في سببها، كما ذكر ابن سعد، ورواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو وعبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن كعب بن مالك مرسلا.

وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد الشام، وعسكر في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسا, واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم. ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران -واد بين أمج وعسفان، وبينها وبين عسفان خمسة أميال- حيث كان مصاب أصحابه أهل الرجيع الذين قتلوا ببئر معونة، فترحم عليهم ودعا لهم. فسمعت بنو لحيان فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين يبعث السرايا

_ "وجد" حزن "رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه،" وكانوا عشرة، أو سبعة على ما مر، وأراد بأصحابه ما يشمل المقتولين ببئر معونة، وهم القراء السبعون؛ لأن عاصما، وأصحابه لم يقتلوا بها، بل كانوا سرية وحدهم، "وجدا شديدا" حزنا قويا، "فأظهر أنه يريد الشام" ليصيب من القوم غرة "وعسكر،" أي: خرج، "في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم"، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فسلك على غراب، أي: بلفظ الطائر جبل بناحية المدينة، ثم على طريقه إلى الشام، ثم على محيص بفتح الميم، وكسر الحاء والصاد المهملتين، ثم على البتراء تأنيث أبتر، ثم صفق بشد الفاء، عدل ذات اليسار، فخرج على بين بفتح التحتية الأولى، وسكون الثانية ونون، وضبطه الصغاني بفتحهما، واد بالمدينة، ثم على صخيرات الثمام، جمع صخيرة مصغرة بمثلثة، وقيل: فوقية، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة. "ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران" بضم المعجمة، وخفة الراء فنون، "واد" يقال له وادي الأزرق "بين أمج" بفتحتين وجيم، "وعسفان" بضم العين "وبينها" أي: بطن غران، "وبين عسفان خمسة أميال". قال ابن إسحاق: وهي منازل بني لحيان، "حيث كان مصاب" مصدر ميمي، أي: إصابة "أصحابه أهل الرجيع الذين قتلوا ببئر معونة"، مر أن بعث الرجيع غير بئر معونة، خلافا لما توهمه ترجمة البخاري، والاعتذار عنه، بأنه أدمجهما لقربهما لمجيء خبرهما للمصطفى في ليلة واحة "فترحم عليهم، ودعا لهم" بالمغفرة "فسمعت بنو لحيان، فهربوا في رءوس الجبال" رعبا وخوفا ممن نصر بالرعب، "فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين، يبعث السرايا

في كل ناحية، ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا كراع الغميم، ولم يلقوا كيدا. وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا وهو يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة.

_ في كل ناحية" من نواحيهم "ثم خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر في" مع "عشرة فوارس لتسمع بهم قريش، فيذعرهم" بفتح الياء، وذال معجمة وفتح العين المهملة، أي: يفزعهم، "فأتوا كراع" بضم الكاف، وخفة الراء وعين مهملة، "الغميم" بفتح الغين المعجمة، وكسر الميم، فتحتية ساكنة فميم، واد أمام عسفان، بثمانية أميال يضاف إلى كراع، جبل أسود بطرف الحرة ممتد إليه، والكراع ما سال من أنف الجبل، أو الحرة، وطرف كل شيء، كما في النور، "ولم يلقوا كيدا" قاله ابن سعد. وقال ابن إسحاق: لما أخطأه من غرتهم ما أراد، قال صلى الله عليه وسلم: "لو أنا نزلنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة"، فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كروا يمكن الجمع بأنه بعثهما، ثم بعث أبا بكر في العشرة أو عكسه، "وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيدا"، أي: حربا، "وهو يقول،" كما رواه ابن إسحاق وابن سعد عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله علي وسلم يقول حين وجه راجعا: "آيبون" بمد الهمزة، أي: نحن راجعون إلى الله، نحن "تائبون" إن شاء الله تعالى، كما في الرواية إليه سبحانه، فيه إشارة إلى التقصير في العبادة قاله تواضعا أو تعليما لأمته، نحن "عابدون" من استحقت ذاته للعبادة "لربنا" متعلق بالصفات الثلاثة على طريق التنازع، وكذا بقوله نحن "حامدون" له تعالى. وقال الطيبي: يجوز أن يتعلق قوله لربنا بقوله عابدون؛ لأن عمل اسم الفاعل ضعيف، فيقوى به, أو بحامدون ليفيد التخصيص، أي: نحمد ربنا لا نحمد غيره، وهذا أولى؛ لأنه الخاتمة للدعاء، وبقية حديث جابر عندهما: أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال. زاد الواقدي: اللهم بلغنا بلاغا صالحا، ينظر إلى خير مغفرتك ورضوانا، قالوا: وهذا أول ما قال هذا الدعاء، ووعثاء بمثلثة مشقة وكآبة حزن، وأصل الحديث في الصحيح عن ابن عمر كان صلى الله عليه وسلم إذا قفل يقول، كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا، ثم قال: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، "وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة،" والله سبحانه وتعالى أعلم.

غزوة ذي قرد - غزوة الغابة

"غزوة ذي قر" - "غزوة الغابة": وتعرف بذي قرد -بفتح القاف والراء والدال المهملة- وهو ماء على نحو بريد من المدينة، في ربيع الأول سنة ست، قبل الحديبية. وعند البخاري أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام، وفي مسلم نحوه.

_ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة: بغين معجمة، فألف، فموحدة على بريد من المدينة في طريق الشام. قال البرهان: وصحف من قالها بالتحتية، وغلط القائل هي شجر لا مالك له، بل لاحتطاب الناس ومنافعهم. قال الشريف: ووهم من قال من عوالي المدينة، كيف وهو مغيض مياه أوديتها بعد مجتمع الأسيال، ثم قال: وكان بها أملاك لأهلها استولى عليها الخراب، وبيعت في تركة الزبير بألف ألف، وستمائة ألف ا. هـ، أضيفت إليها الغزوة؛ لأن اللقاح التي أغير عليها كانت بها، "وتعرف بذي قرد" لكونه صلى الله عليه وسلم وصل إليها وصلى بها، كما يأتي "بفتح القاف والراء" زاد الحافظ: وحكي الضم فيها، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه. قال الحازمي: الأول ضبط أصحاب الحديث، والضم عن أهل اللغة. وقال البلاذري الصواب الأول، "والدال المهملة" آخره، "وهو ماء على نحو بريد من المدينة" مما يلي بلاد غطفان، وقيل: على مسافة يوم ا. هـ. قال السهيلي: القرد لغة الصوف، واختلف في وقتها، فقال ابن سعد، وشيخه الواقدي: "في ربيع الأول سنة ست"، وقيل: في جمادى الأولى. وعند ابن إسحاق في شعبان على نقل الفتح، ولعله في رواية يونس أو غيره عنه، وإلا فرواية البكائي، أنها في جمادى الأولى، وعلى الثلاثة هي "قبل الحديبية"؛ لأنها هلال القعدة سنة ست. "وعند البخاري" جزما، "أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام،" وخيبر بعد الحديبية بنحو عشرين يوما. قال الحافظ: كذا جزم به، "و" مستنده في ذلك حديث سلمة بن الأكوع، "في مسلم نحوه" حيث قال في آخر الحديث الطويل، فرجعنا، أي: من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال، حتى خرجنا إلى خيبر.

قال مغلطاي: وفي ذلك نظر لإجماع أهل السير على خلافهما. ا. هـ. قال القرطبي شارح مسلم: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية. وقال الحافظ ابن حجر: ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكر أهل السير. ا. هـ. وسببها: أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون لقحة

_ "قال مغلطاي، وفي ذلك" الذي جزم به البخاري، وأفاده حديث سلمة في مسلم، "نظر لإجماع أهل السير على خلافهما، ا. هـ". "قال" العلامة أبو العباس، أحمد بن عمر، الفقيه المحدث، "القرطبي" شيخ صاحب التذكرة، والتفسير مر بعض ترجمته، ولذا ميزه، بأنه "شارح مسلم" في الكلام على حديث سلمة، تبعا لأبي عمر، "لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية" فما في حديث سلمة وهم من بعض الرواة. قال القرطبي: ويحتمل الجمع، بأنه صلى الله عليه وسلم كان أغزى سرية فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه وعمن خرج معه، يعني حيث قال: خرجنا إلى خيبر، قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أنه صلى الله عليه وسلم أغزى إليها ابن رواحة قبل فتحها مرتين. "وقال الحافظ ابن حجر": سياق الحديث يأبى هذا الجمع، ففيه خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل عمي يرتجز بالقوم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "من السائق ومبارزة عمه لمرحب"؟ وقتل عامر، وغير ذلك مما وقع في خيبر، خرج إليها صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا "ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السير". وصرح ابن القيم، بأن ما ذكره وهم. قال الحافظ: ويحتمل في طريق الجمع، أن تكون إغارة عيينة على اللقاح وقعت مرتين: الأولى التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية بعدها قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة، كما ساق سلمة عند مسلم، ويؤيده أن الحاكم ذكر في الإكليل أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأول خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، وفي الثانية خرج إليها صلى الله عليه ووسلم في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها ا. هـ، فإذا ثبت هذا قوي الجمع الذي ذكرته "انتهى" كلام احافظ بما زدته كله من الفتح، "وسببها أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون لقحة"، بكسر اللام، وقد تفتح، وحاء مهملة، والجمع لقاح بالكسر فقط

-وهي ذوات اللبن القريبة العهد بالولادة -ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن الفزاري ليلة الأربعاء، في أربعين فارسا فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر. وقال ابن إسحاق: وكان فيها رجل من بني غفار وامرأة، فقتلوا الرجل وسبوا المرأة

_ وخفة القاف، "وهي ذوات اللبن، القريبة العهد بالولادة"، بشهر، واثنين، وثلاثة وهو اسم لا صفة، فيقال هذه لقحة لا ناقة لقحة، فإن أريد الوصف فناقة لقوح ولاقح، وقد يقال ذلك قبل الوضع، ثم هي بعد الثلاثة لبون، وقد جاء اللقحة في البقر والغنم أيضا، كما في النور. "ترعى بالغابة" قاله ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، ومثله في حديث سلمة الطويل عند مسلم. وفي البخاري ومسلم: كانت ترعى بذي قرد. قال عياض: هو غلط. قال الشريف: ويمكن الجمع بأنها كانت ترعى هنا تارة وهناك تارة. "وكان أبو ذر فيها" وابنه وامرأته، "فأغار عليهم" على أبي ذر ومن معه، فلا حاجة لدعوى أنه غلب العاقل على غيره، وأن الأولى عليها، أي: الإبل، "عيينة بن حصن الفزاري" كما عند ابن سعد وغيره. ورواه الطبراني، عن سلمة بن الأكوع، وروى عنه أحمد، ومسلم، وابن سعد، أن الذي أغار عبد الرحمن بن عيينة بن حصن، ولا منافاة، فكل من عيينة وابنه كان في القوم، وذكر ابن عقبة وابن إسحاق أن مسعدة الفزاري كان رئيسا أيضا في فزارة، في هذه الغزوة، قاله في الفتح "ليلة الأربعاء" من ربيع الأول فقط؛ لأن هذا الذي ساقه المصنف كلام ابن سعد، القائل أنها في في ربيع، ولم يعين الليلة هل هي أول الشهر، أو غيرها "في أربعين فارسا، فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر" وأسروا المرأة، قاله ابن سعد. قال الدمياطي: والولد المقتول هو ذر، وكان راعي اللقاح، ونقله عنه في الإصابة. "وقال ابن إسحاق: وكان فيها" أي: الإبل "رجل من بني غفار" هو ابن أبي ذر، كما صرح به ابن سعد، "وامرأة" لأبي ذر نفسه، "فقتلوا الرجل" الذي هو ابن أبي ذر، "وسبوا المرأة" التي هي زوجة أبي ذر، واسمها ليلى، كما في أبي داود. وعند الواقدي: أن أبا ذر استأذنه عليه السلام إلى لقاحه، فقال: إني أخاف عليك، ونحن لا نأمن عيينة، فألح عليه فقال صلى الله عليه وسلم: "لكأني بك قد قتل ابنك، وأخذت امرأتك، وجئت توك

فركبت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ليلا على حين غفلتهم، ونذرت لئن نجت لتنحرنها، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك فقال: "أنه لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك". فنودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها.

_ على عصاك". قال أبو ذر: عجبا لي يقول لي ذلك وأنا ألح عليه، فكان والله ما قال، فلما كان الليل أحدق بنا عيينة مع أصحابه، فأشرف لهم ابني فقتلوه، وكانت معه امرأته، وثلاثة نفر، فنجوا وتنحيت عنهم، وعليه فكان معهم امرأتان، فنجت امرأة ابنه الذي قتل، وأسرت امرأته هو والعلم عند الله، "فركبت" امرأة أبي ذر المذكورة بعد قفوله صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة، كما فصله ابن إسحاق "ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم" هي العضباء "ليلا على حين غفلتهم". فروى مسلم وأبو داود، وغيرهما عن عمران بن حصين: أنهم أوثقوا المرأة، وكانوا يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فإذا دنت من البعير رغا، فتتركه حتى انتهت إلى العضباء، فلم ترغ فقعدت في عجزها ثم زجرتها، فانطلقت وعلموا بها، فطلبوها، فأعجزتهم "ونذرت" بفتح النون والمعجمة، "لئن نجت لتنحرنها، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك، فقال:" في رواية ابن إسحاق من مرسل الحسن قالت: يا رسول الله إني نذرت لله أن أنحرها، إن نجاني الله عليها، فتبسم الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "بئسما جزيتيها إن حملك الله عليها، ونجاك أتنحريها" "إنه لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك"، إنما هي ناقة من إبلي، ارجعي إلى أهلك على بركة الله". وفي حديث عمران: فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمران: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فذكروا ذلك له صلى الله عليه وسلم فقال: "سبحان الله، بئسما جزتها نذرت إن نجاها الله لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم "، وكونهم أخبروه بذلك، لا ينافي أنها أخبرته أيضا، وأجاب كلا بما ذكر، كما هو مفاد الخبرين فلا خلف، "فنودي" ليس تعقيبا لقصة المرأة، حتى يفيد أن الخبر ما بلغ المصطفى إلا منها، كما يوهمه المصنف، بل هو راجع لكلام ابن سعد الذي فصله بكلام ابن إسحاق هذا، ولفظه عقب قوله: وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريخ فنادى الفزع الفزع، ونودي: "يا خيل الله اركبي،" هو من ألطف المجازات وأبدعها. قال العسكري: هذا على المجاز والتوسع، أراد يا فرسان خيل الله، فاختصر لعلم المخاطبين بما أراد. ا. هـ، ولم يقل: اركبوا مراعاة للفظ خيل، "وكان أول ما نودي بها" قاله ابن

وركب صلى الله عليه وسلم في خمسمائة وقيل: سبعمائة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون المدينة. وكان قد عقد للمقداد بن عمرو لواء في رمحه، وقال له امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك، فأدرك أخريات العدو

_ سعد، وانتقده اليعمري بما مر عن ابن عائذ، من مرسل قتادة أنه نودي: يا خيل الله اركبي في قريظة، وهي قبل هذه، وأجيب بأن هذا مبني على أن قريظة بعدها، والمصنفون إذا بني كلامهم على قول في موضع، وفي آخر على خلافه لا يعد تناقضا، ومتى أمكن حمله عليه فعل. وفي البخاري، ومسلم عن سلمة: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكان لقاح رسول الله ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: من أخذها؟ قال: غطفان وفزارة، فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة الحديث. قال الحافظ: فيه إشعار أنه كان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن يكون ذلك وقع من خوارق العادات. وللطبراني وابن إسحاق، فأشرفت من سلع، ثم صح: يا صباحاه، فانتهى صياحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس: الفزع الفزع، فترامت الخيول إليه، فكان أول من انتهى إليه فارسا المقداد، ثم عباد بن بشر وسعد بن زيد وأسيد بن حضير، وعكاشة ومحرز بن نضلة وأبو قتادة وأبو عياش، فأمر صلى الله عليه وسلم عليهم سعد بن زيد، ثم قال: "اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس"، "وركب صلى الله عليه وسلم في خمسمائة، وقيل: سبعمائة" حكاهما ابن سعد، "واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم" عبد الله، أو عمرو، "وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون الدينة، وكان قد عقد لمقداد بن عمرو" المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبناه، وكان أول من أقبل إليه، وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له "لواء في رمحه، وقال له: "امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك، فأدرك أخريات العدو". ومن هنا اختلف في أنه الأمير، أو سعد بن زيد، ويجمع بأن الأمير سعد، وحامل اللواء المقداد فمن قال: إنه الأمير، نظر إلى حمله اللواء، وإن كان الواقع أنه سعد، ولذا قال ابن سعد وشيخه الواقدي الثبت عندنا أن سعدا أمير هذه السرية، ولكن الناس نسبوها للمقداد لقول حسان غداة فوارس المقداد، فعاتبه سعد، فقال اضطرني الروي والبيت هو: ولسر أولاد اللقيطة أننا ... سلم غداة فوارس المقداد ذكره إسحاق في قصيدة وأن حسان لما قالها غضب سعد، وحلف أن لا يكلمه أبدا،

وقتل أبو قتادة مسعدة، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وسلاحه، وقتل عكاشة بن محصن أبان بن عمرو، وقتل من المسلمين محرز بن نضلة قتله مسعدة.

_ وقال: انطلق إلى خيلي وفوارسي، فاجعلها للمقداد، فاعتذر إليه حسان، وقال: والله ما ذاك أردت، ولكن الروي وافق اسم المقداد، وقال رجزا يرضيه به، فلم يقبل به سعد، ولم يغن شيئا. ا. هـ. واللقيطة أم حصن بن حذيفة جدة عيينة. "وقتل أبو قتادة" الحارث بن ربعي "مسعدة" بن حكمة، بفتحتين الفزاري رئيس المشركين يومئذ، وسجاه ببرده، فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس بأبي قتادة ولكنه قتيله"، وضع عليه برده لتعرفوه، فتخلوا عن قتيله وسلبه، كذا قاله ابن عقبة. وعند ابن إسحاق وغيره: أن قتيل أبي قتادة حبيب بن عيينة، وأنه سجاه ببرده وقال فيه المصطفى ذلك القول، وكذا في حديث سلمة عند مسلم، ولكن سماه عبد الرحمن بن عيينة. قال الحافظ: فيحتمل أن له اسمين "فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وسلاحه". وذكر ابن سعد أن قاتل ابن عيينة المقداد قتله هو وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، لكنه لا يعادل ما في الصحيح المسند، أن قاتله أبو قتادة خصوصا، وقد جزم به أمام المغازي، اللهم إلا أن يكونا اشتركا في قتله، "وقتل عكاشة" بشد الكاف وخفتها "بن محصن" بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة "أبان بن عمرو"، كذا في النسخ، والذي عند ابن إسحاق، فأدرك عكاشة أوبارا وابنه عمرا، وهما على بعير، فانتظمهما بالرمح، فقتلهما جميعا، واستنقذ بعض اللقاح، وضبطه البرهان بفتح الهمزة، وسكون الواو، ثم موحدة آخره راء. وعند ابن سعد، أنه أثار بضم الهمزة وبالمثلثة آخر راء. ا. هـ. "وقتل من المسلمين محرز بن نضلة" بن عبد الله الأسدي من بني أسد بن خزيمة، وشهد بدرا ونضلة بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة على المعروف، ورأيت عن الدارقطني فتحها، وحكى البغوي عن ابن إسحاق محرز بن عون بن نضلة، وبعضهم يقول: ابن ناضلة، قاله اليعمري. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، كان أول فارس لحق بالقوم، وكان يقال له، أي: يلقب الأخرم، ويقال له: قمير، فوقف بين أيديهم، وقالوا: قفوا يا معشر بني اللكيعة، فحمل عليه رجل منهم فقتله، كذا أبهم قاتله. وفي حديث سلمة عند مسلم التقى، هو وعبد الرحمن بن عيينة، فقتله عبد الرحمن، وتحول على فرسه، فلحقه أبو قتادة، فقتله وتحول على الفرس. وعند ابن عقبة، كابن عائذ عن عروة قتله أوبار، فشد عليه عكاشة، فقتل أوبارا وابنه، وأما المصنف فقال تبعا للدمياطي "قتله مسعدة"، فإن أردت الترجيح، فما في الصحيح أصح أو

وأدرك سلمة بن الأكوع القوم، وهو على رجليه، فجعل يرميهم بالنبل

_ الجمع، فيمكن أن الثلاثة اشتركوا في قتله. قال ابن إسحاق عن عاصم: فلم يقتل يومئذ من المسلمين غيره. وقال ابن هشام: قتل أيضا وقاص بن مجزز المدلجي، فيما حكى غير واحد من أهل العلم انتهى، وهو بميم مضمومة، فجيم فمعجمتين، الأولى مشددة مكسورة، "وأدرك سلمة" بن عمرو، أو ابن وهب "ابن الأكوع" بن سنان بن عبد الله بن بشير الأسلمي، أبو مسلم، وأبو إياس شهد بيعة الرضوان، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم عند الشجرة على الموت، رواه البخاري، وكان شجاعا راميا يسبق الفرس، وما كذب قط قيل: هو الذي كلمه الذئب، وقيل: أهبان بن صيفي أخرج له الستة وأحمد، ومات بالمدينة سنة أربع وسبعين على الصحيح، وقيل: سنة أربع وستين، وزعم الواقدي أنه عاش ثمانين سنة. قال في الإصابة: وهو باطل على القول الأول، إذ يلزم أنه في الحديبية، له نحو عشر سنين، ومن في ذلك السن لا يبايع على الموت. وعند ابن سعد والبلاذري، أنه مات في آخر خلافة معاوية "القوم" بعد صريخه، قبل أن تلحقه الخيل. فعند ابن إسحاق: صرخ واصباحاه، ثم خرج يشتد في آثار القوم، فكان مثل السبع، حتى لحق بالقوم، "وهو على رجليه، فجعل يرميهم بالنبل". وفي البخاري عنه: ثم اندفعت على وجهي، حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميا وأقول: أن ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع وأرتجز حتى استنقذت اللقاح كلها، وأسلبت ثلاثين بردة. وفي مسلم وابن سعد: فأقبلت أرميهم بالنبل، وأرتجز، فألحق رجلا منهم، فأمكنه سهما في رجله، فخلص السهم إلى كعبه، فما زلت أرميهم وأعقرهم، فإذا رجع إلي فارس منهم، أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته فعرت به، إذا تضايق الجبل، فدخلوا في مضايقه، علوت الجبل، فرميتهم بالحجارة، فما زالت كذلك حتى ما خلق الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بعير، إلا خلفته وراء ظهري، ثم أتبعهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا، يتخففون بها، فأتوا مضيقا، فأتاهم عيينة ممدا لهم، فجلسوا يتغدون، وجلست على رأس قرن، فقال: من هذا؟ قالوا: لقينا من هذا البرح بفتح الموحدة، وسكون الراء المشددة، والأذى ما فارقنا السحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا، وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أنه يرى وراءه طلبا

ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع يعني يوم هلاك اللئام، من قولهم: لئيم راضع، أي راضع اللؤم في بطن أمه، وقيل معناه: اليوم يعرف من ارتضعته الحرب من صغره وتدرب بها، ويعرف غيره، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس والخيول

_ لترككم، ليقم إليه أربعة منكم، فصعدوا في الجبل، فقلت لهم: أتعرفونني؟ فقالوا: ومن أنت؟، قلت: ابن الأكوع، والذي أكرم وجه محمد، لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم، أظن فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، "ويقول: خذها" أي: الرمية "وأنا ابن الأكوع" المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس، وهذا من الفخر الجائز في الحرب لاقتضائها فعله لتخويف الخصم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، "واليوم يوم الرضع" بضم الراء وشد المعجمة، جمع راضع. قال السهيلي: يجوز رفعهما، ونصب الأول، ورفع الثاني على جعل الأول ظرفا، وهو جائز إذا كان الظرف واسعا، ولم يضق عن الثاني. قال أهل اللغة: يقال في اللؤم رضع بالفتح، يرضع بالضم رضاعة لا غير، ورضع الصبي بالكسر ثدي أمه، يرضع بالفتح رضاعا، مث سمع يسمع سماعا، "يعني يوم هلاك اللئام من قولهم: لئيم راضع"، والأصل فيه أن شخصا كان شديد البخل، فكان إذا أراد حلب ناقته ارتضع من ثديها لئلا يحلبها فيسمع جيرانه، أو من يمر به صوت الحلب، فيطلبون منه اللبن، وقيل: بل صنع ذلك لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء، أو يبى في الإناء شيء إذا شربه، فقالوا في المثل: ألأم من راضع، وقيل: "أي رضع اللؤوم في بطن أمه،" أي: هو معنى المثل، وقيل: كل لئيم يوصف بالمص والرضاع، وقيل: المراد من يمص طرف الخلال إذا خلل أسنانه، وهو دال على شدة الحرص، وقيل: هو الراعي الذي لا يستصحب محلبا، فإذا جاءه الضيف اعتذر بأن لا محلب معه، وإذا أراد أن يحلب ارتضع ثديها. وقال أبو عمرو الشيباني: هو الذي يرضع الشاة، أو الناقة عند الحلب من شدة الشره، وقيل: أصله الشاة ترضع لبن شاتين من شدة الجوع، وقيل: معناه اليوم يعرف من ارتضع كريمة فأنجيته، أو لئيمة فهجنته، "وقيل: معناه اليوم يعرف من ارتضعته الحرب من صغره، وتدرب بها ويعرف غيره". وقال الداودي: معناه هذا يوم شديد عليكم، تفارق فيه المرضعة من أرضعته، فلا يجد من يرضعه، قال جميعه في الفتح، "ولحق رسو الله صلى الله عليه وسلم الناس والخيول" بالرفع عطف على

عشاء، قال سلمة: فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ملكت فأسجح" -وهي بهمزة قطع ثم سين مهملة، ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة- أي فارفق وأحسن، والسجاحة: السهولة، أي لا تأخذ بالشدة بل أرفق، فقد حصلت النكاية في العدو ولله الحمد، ثم قال: إنهم الآن ليقرون في غطفان.

_ رسول الله "عشاء". قال ابن إسحاق: فنزلوا بذي قرد، وأقام عليه يوما وليلة. "قال سلمة" عن ابن سعد: "فقلت: يا رسول الله إن القوم" غطفان وفزارة "عطاش" بكسر العين المهملة، وبسبب العطش حصل لهم، وهن لا يقدرون معه على الحرب، "فلو بعثتني في مائة لاستنقذت ما في أيديهم من السرح" بفتح السين، وسكون الراء وحاء مهملات، المال السائم المرسل في المرعى، "وأخذت بأعناق القوم" أي: أسرتهم وقتلتهم. وللبخاري في الجهاد فقلت: يا رسول الله، إن القوم عطاش وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم، فابعث في أثرهم، وله في المغازي، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، فقلت: يا نبي الله قد حميت القوم الماء، وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. وعند مسلم: وأتاني عمي عامر بماء ولبن، فتوضأت وشربت، ثم آتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا هو قد أخذ كل شيء، استنقذته منهم، ونحر له بلال ناقته، وشوى له من كبدها وسنامها، فقلت: يا رسول الله خلني أنتخب من القوم مائة رجل، فأتبعهم، فلا يبقى منهم مخبر، فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: "أتراك كنت فاعلا"؟ قلت: نعم، والذي أكرمك "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا ابن الأكوع "ملكت" أي: قدرت عليهم، "فأسجح" وهي بهمزة قطع" مفتوحة، "ثم سين مهملة" ساكنة، "ثم جيم مكسورة، ثم حاء مهملة، أي: فارفق وأحسن، والسجاحة" بكسر السين المهملة "السهولة". وفي القاموس: النجاة، فتفسيره بها؛ لأن النجاة تلزمها، "أي: لا تأخذ بالشدة، بل أرفق"، وأحسن العفو "فقد حصلت النكاية في العدو"، فهزموا وقتل رؤساؤهم ابن عيينة وسعدة في جماعة، وسلب منهم الرماح والبرد، "ولله الحمد" على نصر الإسلام، "ثم قال" عقب قوله: فأسجح، كما رواه الشيخان في حديث سلمة مسلم، بلفظ: "إنهم الآن ليقرون" بضم التحتية، وسكون القاف وفتح الراء، وضمها وسكون الواو، من القرى، وهي الضيافة، وقيل: معنى ضم الراء، أنهم يجمعون الماء واللبن، وصحف من قال: يغزون بغين معجمة وزاي "في غطفان". والبخاري في الجهاد بلفظ: إنهم يقرون في قومهم، يعني وصولا إلى غطفان، وهم

وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم، وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر.

_ يضيفونهم، ويساعدونهم، فلا فائدة في البعث في الأثر؛ لأنهم لحقوا بأصحابهم. وزاد مسلم وابن سعد: فجاء رجل من غطفان، فقال: مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فتركوها وقالوا: أتاكم القوم، وخرجوا هرابا، وفيه معجزة، حيث أخبر بذلك، فكان كما قال. وفي بعض الأصول من البخاري يقرون. قال المصنف: بفتح أوله وفتح الراء، أي: يضيفون الأضياف، فراعى ذلك لهم رجاء توبتهم وإنابتهم. ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يقرون بفتح أوله، وكسر القاف وشد الراء. ولأبي ذر من قومهم. ا. هـ. واقتصر الحافظ على الضبط الأول قائلا: ولابن إسحاق: أنهم الآن ليغبقون في غطفان، وهو بالغين المعجمة الساكنة، والموحدة المفتوحة، والقاف من الغبوق، وهو شرب أول الليل، والمراد أنهم فاتوا، ووصلوا إلى بلاد قومهم، ونزلوا عليهم، فهم الآن يذبحون لهم، ويطعمونهم انتهى، فعجب من الشامي في تقديمه رواية ابن إسحاق، ثم قوله: وفي لفظ: ليقرون مع أنه رواية الصحيحين، فيوهم أن المشهور ما قدمه ولا كذلك، فالمشهور رواية الشيخين، ولذا اقتصر عليها المصنف. وفي مسلم وابن سعد في حديث سلمة: فلما أصبحنا قال صلى الله عليه وسلم: "فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا اليوم سلمة"، فأعطاني سهم الراجل والفارس جميعا. "وذهب الصريخ" بمهملة ومعجمة الاستغاثة، "إلى بني عمرو بن عوف" من الأنصار، "فجاءت الأمداد" جمع مدد، وهم الأعوان والأنصار "فلم تزل الخيل تأتي، والرجال على أقدامهم وعلى الإبل، حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي، وهي عشر" من اللقاح، كذا قاله الواقدي وابن سعد، وابن إسحاق، وهو مخالف لقول سلمة في الصحيحين، أنه استنقذ جميع اللاح. قال الشامي: وهو المعتمد لصحة سنده، قلت: وقد رواه ابن سعد نفسه عن سلمة، مثل رواية مسلم كما سلف، وما أسنده مقدم على ما ذكره بلا سند، فكيف وقد وافقه الشيخان، وقد تعسف من قال، يحتمل أن سلمة قاله بحسب ظنه، وهو في الواقع نصف اللقاح، فإنه مخالف

وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف، وأقام يوما وليلة ورجع، وقد غاب خمس ليال، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها.

_ للمتبادر من قوله حتى ما خلق الله من بعير لرسول الله إلا خلفته وراء ظهري، وكذا قول المشركين لعيينة أخذ كل شيء في أيدينا، وجعله وراء ظهره، ثم كون اللقاح عشرين بمجرده لا ينافي أن معها زيادة عليها الجمل الذي لأبي جهل، وأما الناقة التي رجعت عليها امرأة أبي ذر، فلا ترد؛ لأنها إنما عادت بعد عوده عليه السلام إلى المدينة، كما في قصتها عند ابن إسحاق وغيره. "وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف، وأقام" به "يوما وليلة" يتجسس الخبر، "ورجع وقد غاب خمس ليال" مردفا سلمة وراءه على العضباء، كما في حديثه عند مسلم، وهو مخالف لما عنده عن عمران، أن امرأة أبي ذر أخذتها من العدو، وركبته ونذرت نحرها، كذا ذكره الشامي وبيض بعده، "وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها" وكانوا خمسمائة، ويقال: سبعمائة، وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمال تمر، وبعشر جزائر، فوافته بذي قرد، هذا بقية كلام ابن سعد، فيحتمل أن الجزائر المنحورة مما بعثه، ويحتمل أنها ما أخذوه من القوم. قال الحافظ: وفي القصة من الفوائد جواز العدو الشديد في الغزو والإنذار بالصياح العالي، وتعريف الشجاع بنفسه، ليرعب خصمه واستحباب الثناء على لاشجاع ومن فيه فضيلة، لا سيما عند الصنع الجميل ليزيد منه، ومحله حيث يؤمن الافتتان انتهى، والله أعلم.

سرية الغمر

"سرية الغمر": سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى غمر ومرزوق -بالغين المعجمة المفتوحة- وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد،

_ سرية الغمر: "سرية عكاشة" بضم العين المهملة وشد الكاف، وقد تخفف فشين معجمة، "ابن محصن" بكسر، فسكون ففتح كما مر "الأسدي"، وإضافة سرية إليه؛ لأنه أميرها عند ابن سعد. وقال ابن عائذ: أميرها ثابت بن أقرم، ومعه عكاشة، فيمكن أنهما اشتركا، كما قد يدل عليه قوله، ومعه أو أن أحدهما أمير في الابتداء، والآخر في الانتهاء، لأمر ما "إلى غمر ومرزوق" بلفظ اسم المفعول، وفي نسخة زياة ابن، وهو وهم، فالذي عند ابن سعد، وتبعه اليعمري وغيره بدون ابن، "بالغين المعجمة المفتوحة"، وفي نسخة المكسورة، والصواب المذكور في العيون، وغيرها المفتوحة ساكن الميم بعدها راء مهملة، "وهو ماء لبني أسد، على

في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، في أربعين رجلا، فخرج سريعا، فنذر به القوم -بكسر الذال المعجمة كفرح- فهربوا فنزلوا علياء بلادهم. فاستاقوا مائتي بعير، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا كيدا.

_ ليلتين من فيد" بفتح الفاء، وسكون التحتية ودال مهملة. قال في القاموس: قلعة بطريق مكة سميت بفيد بن فلان، "في شهر ربيع الأول، سنة ست من الهجرة" بعد الغابة، قاله ابن سعد، ولم يبين مقدار ما بينهما، ولا اليوم الذي كانت فيه "في أربعين رجلا". قال الواقدي: منهم ثابت وسباع بن وهب، حكاه الحاكم. قال اليعمري: كذا وجدته، ولعله شجاع بن وهب. وعند ابن عائذ: ولقيط بن أعصم. "فخرج سريعا" عقب أمره صلى الله عليه وسلم دون تراخ. زاد الواقدي: يغذ السير، كما في العيون. قال البرهان: بضم أوله، وكسر الغين وبالذال المعجمة، أي: يسرع في السير حتى وصل إلى بلاده، "فنذر به القوم"، فهو عطف على مقدر "بكسر الذال المعجمة"، وفائدة قوله بعده "كفرح" أي: مضارعة بفتحها، "فهربوا" من مائهم، "فنزلوا عليا" بضم المهملة وسكون اللام، مقصورا على"بلادهم" فوجدوا ديارهم خلوفا بضم المعجمة واللام وتقدير مضاف، أي أصحاب ديارهم غيبا، فبعث شجاع بن وهب طليعة، فرأى أثر النعم قريبا، فتحملوا، فأصابوا رجلا منهم، فأمنوه، فدلهم على نعم لبني عم لهم، فأغاروا عليهم، "فاستاقوا مائتي بعير،" فأرسلوا الرجل، "وقدموا" بالإبل "على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلقوا كيدا" أي حربا، ولم يصب منهم أحد، وقول ابن عائذ: أصيب فيها ثابت ليس بشيء؛ لأنه استشهد أيام الردة، قاله الشامي.

سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة

"سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة": ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة -بالقاف والصاد المهملة المشددة المفتوحتين-

_ سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة: "ثم سرية محمد بن مسلمة" الأنصاري، الصحابي، الشهير "إلى ذي القصة بالقاف، والصاد المهملة المشددة، المفتوحتين". وحكى اليعمري إعجام الضاد، وسلمة الشامي، غير ملتفت لقول البرهان، لم أر أنا

موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا، في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، ومعه عشرة إلى بني ثعلبة. فورد عليهم ليلا فأحدق به القوم، وهم مائة

_ الإعجام؛ لأن من حفظ حجة، "موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا" من طريق الزبدة، قاله ابن سعد وغيره، واقتصر عليه صاحبا العيون والسبل. زاد الشريف: وقال المجد، موضع على بريد من المدينة تلقاء نجد. وقال الأسدي: على خمسة أميال من المدينة، "في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة"، الذي قاله ابن سعد، وقطع به اليعمري ربيع الآخر، وفي الشامية أول ربيع الآخر، فإن لم يكن تصحف في المصنف، أمكن الجمع، بأن الخروج في آخر الأول، والوصول إليهم في أول ربيع الآخر، "ومعه عشرة" أبو نائلة، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، ونعمان بن عصر، ومحيصة، وحويصة ابنا مسعود، وأبو بردة بن نيار، ورجلان من مزينة، ورجل غطفاني، كذا سماهم الواقدي عن شيوخه، وفيه نظر. فإن في القصة أنهم قتلوا كلهم، إلا الأمير وأبو عبس بن جبر البدري، مات سنة أربع وثلاثين عن سبعين سنة. وخرج له البخاري والترمذي، والنسائي وابن عصر ذكر ابن ماكولا أنه استشهد في الردة في خلافة الصديق، وحويصة شهد أحدًا، والخندق وسائر المشاهد، وأخوه محيصة صحابي. روى له أصحاب السنن، وأبو بردة بن نيار، مات سنة إحدى وأربعين، وقيل بعدها، "إلى بني ثعلبة" وبني عوال، قاله ابن سعد. وفي الشامية إلى بني معوية بفتح الميم، والعين المهملة، وكسر الواو، وسكون التحتية وتاء تأنيث، وبني عوال بعين مهملة، مضمومة فواو مخففة، حي من العرب من بني عبد الله بن غطفان، وقوله: والعين، أي: وبالعين، وليس مراده أنها مفتوحة. ففي القاموس معوية بفتح فسكون، ابن امرئ القيس بن ثعلبة، فمقتضاه أن بني عوال ليسوا من ثعلبة، وثعلبة بطن من بني ريث بفتح الراء، وإسكان التحتية ومثلثة بن غطفان، وصريحة أن بني معاوية من ثعلبة، فاقتصر عليها المصنف للشهرة، أو العظمة بالنسبة لبني عوال. "فورد عليهم ليلا" بمن معه، فكمن لهم القوم حتى ناموا، "فأحدق به القوم، وهم مائة"، فما شعر المسلمون إلا بالنبل قد خالطهم، فوثب محمد بن مسلمة، ومع قوس، فصاح في

رجل فتراموا بالنبل ساعة من الليل ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح، فقتلوهم إلا محمد بن سلمة فوقع جريحا، وجردوهم من ثيابهم، فمر رجل من المسلمين بمحمد بن مسلمة فحمله حتى ورد به المدينة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ربيع الآخر في أربعين رجلا إلى مصارعهم، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصاب رجلا واحدا فأسلم وتركه، وأخذ نعما من نعمهم فاستاقه، ورثة من متاعهم وقدم به المدينة، فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم ما بقي عليهم. قال في القاموس: الرث: السقط من متا البيت، كالرثة بالكسر.

_ أصحابه: السلاح، فوثبوا "فتراموا بالنبل ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح"، فقتلوا ثلاثة ثم انحاز أصحاب محمد إليه، فقتلوا من القوم رجلا، ثم حمل القوم، "فقتلوهم إلا محمد بن سلمة، فوقع جريحا" يضرب كعبه، فلا يتحرك "وجردوهم من ثيابهم" وانطلقوا، "فمر رجل من المسلمين بمحمد بن مسلمة"، فرآهم صرعى، فاسترجع، فتحرك له محمد، "فحمله حتى ورد به المدينة جريحا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة" عامر بن عبد الله "بن الجراح" أمين الأمة، أحد العشرة "في ربيع الآخر، في أربعين رجلا إلى مصارعهم، فأغاروا عليهم" فلم يجدوا أحدا، ووجدوا نعما وشاء فساقه، ورجع. هكذا ذكر ابن سعد والواقدي، ومقتضاه أو صريحه، أن سبب بعث أبي عبيدة طلب ثأر المقتولين، وبذلك أفصح اليعمري، فإنه ترجم لهذه السرية، وذكر فيها كلا ابن سعد والواقدي، عقبها بقوله، ثم سرية أبي عبيدة إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر، وذكر أن سببها، أن بني ثعلبة وأنمارا أجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وهي ترعى بهيفاء بهاء مفتوحة، وتحتية ساكنة وفاء موضع على سبعة أميال من المدينة، فبعث أبا عبيدة في أربعين حين صلوا المغرب، فمشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع الصبح، فأغاروا عليهم، "فأعجزوهم هربا" بفتح الهاء والراء "في الجبال، وأصاب رجلا واحدا فأسلم، وتركه وأخذ نعما من نعمهم، فاستاقه. أفاد أن النعم مذكر، وبه صرح المختار، فقال: يذكر ولا يؤنث، وجمعه أنعام يذكر ويؤنث، قال تعالى: {مِمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون: 21] "ورثة في متاعهم، وقدم به المدينة، فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي: أخذ خمسه، "وقسم ما بقي" وهو الأربعة أخماس "عليهم،" قمقتضى هذا السياق من العيون، أنه بعث أبا عبيدة مرتين إلى ذي القصة، وذكر نحوه الشامي من رواية الواقدي، عن شيوخه، فقد لفق المصنف بين القصتين، الله إلا أن يكون البعث مرة، ولكن له سببان آخذ ثأر المقتولين، ودفع من أراد الإغارة على السرح، والله أعلم. "قال في القاموس: الرث" بفتح الراء ومثلثة "السقط" الذي لا قيمة له "من متاع البيت كالرثة بالكسر" للراء، الواقع في الخبر هنا.

سرية زيد إلى الجموم

"سرية زيد إلى الجموم": ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم -ويقال: الجمح- ناحية ببطن نخل من المدينة على أربعة أميال، في شهر ربيع الآخر سنة ست، فأصابوا امرأة من مزينة يقال لها: حليمة،

_ سرية زيد إلى الجموم: "ثم سرية زيد بن حارثة" أبي أسامة البدري الحب، والد الحب الخليقين للإمارة بالنص النبوي الصحابي، ابن الصحابي، والد الصحابي. قالت عائشة: ما بعث صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقي لاستخلفه، أخرجه ابن أبي شيبة قوي عنها. وفي البخاري عن سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات، يؤمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلى بني سليم" بضم المهملة، وفتح اللام وسكون التحتية، "بالجموم" بفتح الجيم، وضم الميم مخففة، "ويقال" له: "الجموح" بحاء مهملة بدل الميم الأخيرة، حكاهما مغلطاي، "ناحية ببطن نخل من المدينة على أربعة أميال،" وفي نسخة برد، وهي الموافقة لقول ابن سعد عند اليعمري وغيره، ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد، فأما النسخة الأولى، فبينهما تفاوت كبير، فالأربعة برد ثمانية وأربعون ميلا "في" آخر يوم من "شهر ربيع الآخر،" كما يفيده تعبير المصنف بثم مع قول الشامي: إن أبا عبيدة أمير السرية قبلها، خرج ليلة السبت لليلتين بقيتا من ربيع الآخر، وغاب ليلتين، "سنة ست، فأصابوا" وجدوا "امرأة"، فأسروها "من مزينة يقال لها: حليمة". قال البرهان: لا أعلم لها إسلاما، ولا صحبة ولا ترجمة، وليس في الصحابيات حليمة إلا المرضعة على الخلاف في إسلامها. وذكر ابن الجوزي المرضعة وحليمة بنت عروة بن مسعود، قال: ويقال: جميلة، وأنكره عليه البرهان، وليس بمنكر، فبنت عروة، ذكرها الذهبي وسلم له في الإصابة، وأفاد أنها صحابية صغيرة، وأما جميلة بالجيم، بنت أوس المزينة. ففي الإصابة أن ابن قانع وعبدان صحفاها بزاي ونون، وإنما هي المرئية براء فهمزة من

فدلتهم على محلة من منازل بني سليم، فأصابوا نعما وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل زيد بما أصاب، وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية نفسها وزوجها.

_ بني امرئ القيس، وتكنى أم جميل بجمين صحابية بنت صحابي انتهى، فليست هي هذه المسبية التي لم يعلم حالها، "فدلتهم على محلة" بفتح الميم، والمهملة، واللام المشددة ثم تاء تأنيث، منزل "من منازل بني سليم، فأصابوا نعما وشاء، وأسرى" أي: وجدوا جماعة منهم، فأسروهم. فعند ابن عقبة عن ابن شهاب: فأصاب زيد نعما وشاء، وأسر جماعة من المشركين، "فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل" بفتح القاف والفاء، أي: رجع "زيد بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية نفسها وزوجها". فقال بلال بن الحارث المزني في ذلك: لعمرك ما أخنى المسول ولا ونت ... حليمة حتى راح ركبهما معا ولم يبين المصنف كغيره عدة الإبل، والغنم والأسرى.

سرية زيد إلى العيص

"سرية زيد إلى العيص": ثم سرية بن حارثة أيضا إلى العيص، موضع على أربع ليال من المدينة، في جمادى الأولى سنة ست، ومعه سبعون راكبا، لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام

_ سرية زيد إلى العيص: "ثم سرية زيد بن حارثة أيضا"، المتلو اسمه في محاريب المسلمين، "إلى العيص" بكسر العين، وإسكان التحتية فصاد مهملتين. قال ابن الأثير: موضع قرب البحر، والصغاني عرض من أعراض المدينة، وهو بكسر العين المهلمة، وإسكان الراء وضاد معجمة، كل واد فيه شجر، كذا في النور، وكونه من أعراضها قد ينافيه قوله تبعا لابن سعد، "موضع على أربع ليال من المدينة"؛ لأن ما في هذه المسافة لا ينسب لها "في جمادى الأولى سنة ست" قاله الواقدي، وابن سعد، وجماعة "ومعه سبعون راكبا" صوابه كما قال ابن سعد وشيخه: سبعون ومائة راكب، وسلمه اليعمري، والبرهان والشامي، "لما بلغه عليه الصلاة والسلام أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام" ذكره الواقدي وابن سعد وغيرهما.

يتعرض لها، فأخذها وما فيها، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأسر منهم ناسا، منهم أبو العاصي بن الربيع، وقدم بهم المدينة، فأجارته زوجته زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونادت في الناس -حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر- إني قد أجرت أبا العاصي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما علمت بشيء من هذا، وقد أجرنا من أجرت"، ورد عليه ما أخذ منه.

_ قال الشامي: واقتضى كلام ابن إسحاق، أن سرية من السرايا صادفت هذه العير، لا أنه صلى الله عليه وسلم أرسل السرية لأجلها، "يتعرض لها، فأخذها ما فيها، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية" ابن خلف بن وهب القرشي الجمحي، أسلم بعد حنين، وكان من المؤلفة، وحسن إسلامه، وهو أحد الأشراف الفصحاء الأجواد. روى له مسلم والأربعة، مات أيام قتل عثمان: وقيل: سنة إحدى أو ثنتين وأربعين، "وأسر منهم" ممن كان في العير "ناسا منهم أبو العاصي" لقيط، أو الزبير، أو هشيم، أو مهشم، بكسر فسكون ففتح، أو بضم ففتح فتثقيل، أو ياسر. قال الحافظ: وأظنه محرفا من قاسم، ورجح البلاذري الأول والزبير الثاني، "ابن الربيع" بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هالة أخت خديجة بنت خويلد. قال ابن إسحاق: كان من رجال مكة المعدودين تجارة ومالا وأمانة. "وقدم بهم المدينة، فأجارته زوجته" السيدة "زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم" أكبر بناته لما استجار بها، فعند ابن سعد، فاستجار أبو العاصي بزينب، فأجارته "ونادت في الناس حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر". قال الواقدي وابن إسحاق لما كبر المصطفى، وكبر الناس معه صرخت. قال ابن إسحاق: من صفة النساء. وقال الواقدي: قامت على بابها، فنادت بأعلى صوتها: أيها الناس "إني قد أجرت أبا العاصي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زاد الواقدي وابن إسحاق: لما سلم من الصلاة، أقبل على الناس، فقال: "أيها الناس هل سمعتم ما سمعت"؟، قالوا: نعم، قال: "والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من هذا" حتى سمعت ما سمعتم، المؤمنون يد واحدة، يجير عليهم أدناهم". زاد الواقدي: "وقد أجرنا من أجارت"، فهذا خطاب منه للصحابة، وقال لزينب: "وقد أجرت من أجرت، ورد عليه" بسؤال زينب "ما أخذ" بالبناء للمفعول "منه". قال ابن إسحاق والواقدي: ثم دخل صلى الله عليه وسلم إلى منزله، فدخلت عليه زينب، فسألته أن يرد

وذكر ابن عقبة: أن أسره كان على يد أبي بصير بعد الحديبية.

_ عليه ما أخذ منه، فقبل، وقال لها: "أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له". وروى البيهقي بسند قوي أن زينب قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا العاصي إن قرب فابن عم وإن بعد، فأبو ولد، وإني قد أجرته. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية، الذين أصابوا مال أبي العاصي، فقال لهم: "إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي فاء عليكم، فأنتم أحق به"، فقالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه حتى أن الرجل ليأت بالدلو، والرجل بالإداوة حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا، ثم ذهب إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال ماله، ثم قال: هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، قال: هل أوفيت ذمتي؟ قالوا: اللهم نعم، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ووالله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوفا أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما ردها الله تعالى إليكم، وفرغت منها أسلمت، ثم خرج فقدم المدينة. وأخرج أبو أحمد الحاكم بسند صحيح عن الشعبي أن زينب هاجرت وأبو العاصي على دينه، فخرج إلى الشام في تجارة، فلما كان قرب المدينة، أراد بعض المسلمين الخروج إليه ليأخذوا ما معه ويقتلوه، فبلغ ذلك زينب، فقالت: يا رسول الله، أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدًا؟، قال: "نعم"، قالت: فاشهد أني قد أجرت أبا العاصي، فلما رأى ذلك الصحابة خرجوا إليه بغير سلاح، فقالوا له: إنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول الله، فهل لك أن تسلم، فتغنم ما معك من أموال أهل مكة، فقال: بئسما أمرتموني به، أن أفتتح ديني بغدرة، فمضى إلى مكة، فسلمهم أموالهم، وأسلم عندهم، ثم هاجر، والجمع بينهما عسر، وقد قال في الإصابة: يمكن الجمع بين الروايتين. "وذكر" موسى "ابن عقبة" الحافظ تبعا لشيخه الزهري كما رواه عنهما البيهقي: أن الذي أخذ هذه العير أبو جندل، وأبو بصير، و"أن أسره كان على يد أبي بصير" بفتح الموحدة، وكسر المهملة، فتحتية ساكنة فراء، ومن معه من المسلمين، لما أقاموا بالساحل، يقطعون الطريق على تجار قريش في مدة الهدنة "بعد الحديبية" وصوبه ابن القيم، واستظهره البرهان. قال الشامي: ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يخلصن إليك"، أي: لا يطأك فإنك لا تحلين له؛ لأن تحريم المؤمنات على المشركين، إنما نزل بعد الحديبية انتهى، ثم الآخذ للعير على هذا القول ليس من السرايا، فإن أبا بصير ومن معه كانوا بالساحل، يقطعون الطريق على تجار قريش، ولم

وكانت هاجرت قبله وتركته على شركه، وردها النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح الأول، قيل: بعد سنتين وقيل: بعد ست سنين، وقيل: قبل انقضاء العدة.

_ يكن ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم، فلا يشكل بأن السرايا لم تتعرض لقريش بعد الحديبية. نعم، هو ظاهر على قول غير ابن عقبة، أنها كانت قبل الحديبية في جمادى. وحكى الحاكم أبو أحمد: أنه أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر. "وكانت هاجرت قبله، وتركته على شركه"، وذلك أنه لما أسر في بدر قبل أسره هذه المرة، وبعثت أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب في فدائه بمال، وبعثت فيه قلادة لها، كانت خديجة أدخلتا بها عليه حين بنى بها، فلما رآها صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها فافعلوا"، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، وردوا عليها الذي لها، وأخذ صلى الله عليه وسلم عليه، أو وعده، هو أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه، أن يخلي سبيل زينب إليه، فلما ذهب إلى مكة، بعث المصطفى زيد بن حارثة وأنصاريا، فقال: "كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فائتياني بها"، فأمرها أبو العاصي باللحوق بأبيها، فتجهزت، وهاجرت، كما أسنده ابن إسحاق عن عائشة. قال في الروض: وفيها يقول أبو العاص لما كان بالشام تاجرًا: ذكرت زينب لما يممت أضما ... فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما بنت الأمين جزاها الله صالحة ... وكل بعل سيثني بالذي علما "وردها النبي صلى الله عليه وسلم" كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم رد على أبي العاص بنته زينب "بالنكاح الأول"، لم يحدث شيئا. قال الترمذي: ليس بإسناده بأس، ولكن لا يعرف وجهه. "قيل: بعد سنتين" من إسلامه الواقع في السادسة، أو السابعة، "وقيل: بعد ست سنين" من الهجرة، وقد عرفت قول الترمذي لا يعرف وهذا الحديث، فكذا هذان القولان المبنيان عليه، وإلا فابتداء السنتين من أي زمن، "وقيل: قبل انقضاء العدة"؛ لأنه لما نزل، لا هن حل لهم بعد الحديبية جعل بمنزل ابتداء إسلامها، وإن كانت أسلمت هي وأخواتها كلهن عقب البعثة، كما مر فوقف أمره إلى إنقضاء العدة، فأسلم قبلها فدام النكاح، فمعنى ردها، مكنه منها بناء على النكاح الأول؛ لأن الفرقة لم تقع، ثم لا يرد على هذا القول ما رواه ابن إسحاق، منقطع أنها لما هاجرت، راعها هبار بن الأسود بالرمح في هودجها، وهي حامل، فطرحت ما في بطنها؛ لأن هجرتها بعد بدر قبل نزول آية التحريم بمدة.

وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ردها له بنكاح جديد سنة سبع.

_ "وفي حديث" الترمذي، وابن ماجه من طريق حجاج بن أرطأة، عن "عمرو بن شعيب،" عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم "ردها" على أبي العاص "بنكاح جديد" لفظه بمهر جديد. قال السهيلي: هذا الحديث هو الذي عليه العمل، وإن كان حديث ابن عباس أصح إسنادا ولكن لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت؛ لأن الإسلام فرق بينهما، قال الله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10] . ا. هـ. وقد قال الترمذي: سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن عمرو، وذكر هذين الحديثين يقول: حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. قال السهيلي: ومن جمعه بين الحديثين، قال: معنى حديث ابن عباس ردها على مثل النكاح الأول في الصداق والحباء، لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره. "سنة سبع" أفاد انقضاء العدة؛ لأن نزول آية التحريم بعد الحديبية الواقعة في سنة ست. وفي الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم أثنى على أبي العاصي في مصاهرته خيرا، وقال: حدثني، فصدقني، ووعدني فوفاني، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب من أبي العاصي، مات سنة اثنتي عشرة في خلافة الصديق، كما قاله ابن سعد، وابن إسحاق وغيرهما، وشذ من قال: سنة ثلاث عشرة، وأغرب منه قول ابن منده مات يوم اليمامة، والله تعالى أعلم.

سريته للطرف

"سريته للطرف": ثم سرية زيد بن حارثة أيضا إلى الطرف، ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة في جمادى الآخرة سنة ست.

_ سريته للطرف: "ثم سرية زيد بن حارثة أيضا إلى الطرف" بفتح الطاء المهملة، وكسر الراء وبالفاء. قال القاموس: ككتف "ماء،" أي: عين، كما في القاموس، "على ستة وثلاثين ميلا من المدينة". زاد ابن سعد: قريب من المراض دون النخيل، براء، وضاد معجمة كسحاب. وقال الشريف: هو بطريق العراق على خمسة وعشرين ميلا وربع من المدينة، ولا غبار على المصنف في تعبيره بثم؛ لأن التي قبلها في جمادى الأولى، وقد قال في هذه: "في جمادى الآخرة سنة ست" ولم يقل أحد أن التي قبلها كانت بعد الحديبية، إنما قال ابن عقبة ومن وافقه:

فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال.

_ أن أخذ العير، وأسر أبي العاصي على يد أبي بصير بعد الحديبية، ولم يكن سرية، ولا هو بأمر المصطفى، ولا علمه على ذلك القول، فوهم من قال تعبيره بثم ظاهر على أن سرية عير قريش في جمادى الأولى، إما على أنها بعد الحديبية فلا، "فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء وهربت الأعراب"؛ لأنهم خافوا أن يكون صلى الله عليه وسلم سار إليهم، وأن هؤلاء مقدمة له، كما قال الواقدي، "وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا" مثله في العيون، والسبل مع قولهم قبل، فأصاب نعما وشاء، فيحتمل أنه لم يسق شيئا من الغنم لمانع، أو ساقها أو بعضها مع الإبل، ثم تركها الطلب العدو إياه حين علموا ن المصطفى ليس معهم، فأعجزهم فترك الغنم لضعفها، وعدم قوتها على السير، واحتياجها لسائق على أن إصابة الأمرين في محل العدوة، ولا يلزم منه أخذها بالفعل، فعلى بعض المتأخرين الدرك في قوله: صبح بالنعم والشاء، فإنه بمجرده لا يفيد ذلك، "ولم يلق كيدا" حربا، و"وغاب أربع ليال"، وكان شعار المسلمين أمت أمت، وهو أمر بالموت، ومراده التفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإماتة، مع حصول الغرض من الشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها، لأجل ظلمة الليل، ذكره الشامي.

سريته إلى حسمي

"سريته إلى حسمي": ثم سرية، زيد أيضا إلى حسمي -بكسر المهملة- وهي وراء القرى،

_ سريته إلى حسمي: "ثم سرية زيدا أيضا إلى حسمي بكسر" الحاء "المهملة" وسكون المهملة، وفتح الميم مقصورا قال اليعمري: على مثال فعلى، مكسور، الأول قيده أبو علي، موضع من أرض جذام، وذكر أن الماء في الطوفان، أقام به بعد نضوبه ثمانين سنة. وقال الجوهري: اسم أرض بالبادية، غليظة لا خير فيها، ينزلها جذام، ويقال: آخر ما نضب من ماء الطوفان حسمي، فبقيت منه بقية إلى اليوم، "وهي وراء القرى"، وفي نسخة: ذات القرى، وصوابه كما في العيون وغيرها، وراء وادي القرى، وهو بضم القاف وفتح الراء، واد كثير القرى، وليس ثم محل يقال له ذات القرى. قال شيخنا في التقرير: ويمكن تصحي المصنف، بأنه لم يقصد المعنى العلمي، بل الإضافي بتقدير مضاف، موصوف ذات هو، وراء أرض ذات القرى، وعلى النسخة الأولى وراء

وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. وسببها أنه قالوا: أقبل دحية ابن خليفة الكلبي من عند قيصر، وقد أجازه وكساه، فلقيه الهنيد في ناس من جذام بحسمي فقطعوا عليه الطريق، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب، فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فبعث زيد بن حارثة

_ وادي القرى. "وكانت في جمادى الآخرة سنة ست،" عند ابن سعد، وقطع به اليعمري "و" غيره. لكن قال ابن القيم: إنها كانت بعد الحديبية بلا شك، أي: لأن بعث دحية بالكتاب إلى هرقل في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية، كما قاله الواقدي، فتكون هذه السرية سنة سبع؛ لأن "سببها أنهم" كلهم. "قالوا: أقبل دحية" بفتح الدال وكسرها، "ابن خليفة الكلبي"، الصحابي الجليل، المتوفى في خلافة معاوية "من عند قيصر" لقب لكل من ملك الروم، واسمه هرقل، لما أرسله صلى الله عليه وسلم إليه بكتابه، يدعوه إلى الإسلام، "وقد أجازه" أي: أعطاه الجائزة، وهي كما في القاموس العطية، والتحفة واللطف، "وكساه"؛ لأنه قارب الإسلام، ولم يسلم خوفا على ملكه، فأكرم دحية. زاد ابن إسحاق: ومعه أي دحية، تجارة له، "فلقيه الهنيد" بضم الهاء، وفتح النون وسكون التحتية، ابن عارض، وابنه عارض بن الهنيد. وعند ابن إسحاق: عوض فيهما بدل عارض، "في ناس من جذام" بجيم مضمومة، فذال معجمة فميم، قبيلة من معد، أو اليمن، بجبال "بحسمي، فقطعوا عليه الطريق". زاد ابن إسحاق وغيره: فأصابوا كل شيء كان معه، فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب. قال البرهان: بفتح المهملة والميم، الخلق من الثياب. "فسمع بذلك نفر من بني الضبيب" بضم الضاد المعجمة، ثم موحدتين، أولاهما مفتوحة، بينهما تحتية ساكنة. قال ابن إسحاق: رهط رفاعة بن زيد الجذامي ممن كان أسلم، وأجاب وقدم على قومه بكتاب رسول الله يدعوهم إلى الإسلام، فاستجابوا له. "فاستنقذوا لدحية متاعه،" وعند ابن إسحاق: فنفروا إلى الهنيد وابنه، حتى لقوهم، فاقتتلو، فاستنقذوا ما كان في يد الهنيد وابنه، فردوه على دحية، "وقدم دحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك،" وفي نسخة خبره زاد ابن إسحاق: واستسعاده دم الهنيد وابنه، "فبعث زيد بن حارثة

وخمسمائة رجل، ورد معه دحية، فكان زيد يسير بالليل ويكمن بالنهار، فأقبلوا بهم حتى هجموا مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم. فأخذوا من النعم ألف شاة، ومائة من النساء والصبيان. فرحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه، فدفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه الذي كان كتب له، ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم.

_ في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير بالليل، ويكمن" بضم الميم وفتحها، كما في القاموس "بالنهار" زاد ابن سعد: ومعه دليل من بني عذرة، "فأقبلوا بهم حتى هجموا مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم، فأوجعوا،" أي: أكثروا فيهم القتل، "وقتلوا الهنيد وابنه"، زاد ابن إسحاق: ورجلا من بني خصيب، ورجلين من بني الأحنف، أي: بالنون. وقال ابن هشام: أي: بالتحتية، "وأغاروا على ماشيتهم" هي الإبل والغنم، قاله ابن السكيت وغيره، ومشى عليه المجد، زاد بعضهم والبقر، فقوله: "ونعمهم" عطف خاص على عام، أو تفسيري؛ لأن النعم كما في القاموس الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، "ونسائهم فأخذوا من النعم ألف شاة" لا شك أن فيه سقطا من الناسخ، أو قلم المصنف سهوا، فالذي قله ابن سعد، وتبع اليعمري وغيره من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، "و" من السبي "مائة من النساء والصبيان، فرحل زيد بن رفاعة الجذامي" كذا عند ابن سعد، وهو مقلوب، فالذي عند ابن إسحاق رفاعة بن زيد. قال اليعمري: وهو الصحيح. قال البرهان: وكما هو الصحيح، ذكره ابن عبد البر، والذهبي وغيرهما، ولم أر أحدا ذكره في زيد إلا في هذا المكان. قال ابن إسحاق: وفد فأسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر، وحسن إسلامه، وأهدى للمصطفى غلاما. وعند ابن منده: أنه قدم في عشرة من قومه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة في قصة خيبر: فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسود، يقال له: مدعم، "في نفر من قومه، فدفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه الذي كان كتبه له، ولقومه ليالي قدم عليه، فأسلم"، وذلك أنه وفد في الهدنة، فأسلم، وكتب له المصطفى كتابا هو: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من حمد رسول الله إلى رفاعة بن زيد، إني

وبعث صلى الله عليه وسلم عليا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم،

_ بعثته إلى قومه عامة، ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فمن أقبل، ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين، فلما قدم على قومه أسلموا، فلم يلبث أن جاء دحية من عند قيصر، ذكره ابن إسحاق، وبسط القصة فقال: فلما سمع بنو الضبيب بما صنع زيد، ركب نفر منهم حسان بن ملة باللام، وروي بالكاف، وأنيف بن سلمة، وأبو زيد بن عمرو، فلما وقفوا على زيد بن حارثة، قال حسان: إنا قوم مسلمون، فقال: اقرأ أم الكتاب، فقرأها فقال زيد: نادوا في الجيش إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إلا من ختر، وكانت أخت حسان في الأساري، فقال له زيد: خذها، فقالت امرأة: أتنطلقون ببناتكم، وتذرون أمهاتكم؟، فقال زيد لأخت حسان: اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن، ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه، فأمسوا في أهليهم، فلما شربوا عتمتهم، ركبوا حتى صبحوا رفاعة، فقال له حسان: إنك لجالس، تحلب المعزى، ونساء جذام أسارى، قد غرها كتابك الذي جئت به، فدعا رفاعة بجمل، فشد عليه رحله، وخرج معه جماعة، فساروا ثلاث ليال، فلما دخلوا المدينة، وانتهوا إلى المسجد، دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم، آلاح لهم بيده، أن تعالوا من وراء الناس، فاستفت رفاعة المنطق، فقام رجل، فقال: يا رسول الله إن هؤلاء قوم سحرة، فرددها مرتين، أي: عندهم فصاحة لسان وبيان، فقال رفاعة: رحم الله من لم يحذنا في يومنا هذاإلا خيرا، ثم دفع كتابه إليه صلى الله علي وسلم، فقال: دونك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا غلام اقرأه وأعلن"، فلما قرأه استخبرهم، فأخبروه الخبر، فقال صلى الله عليه وسلم: "كيف أصنع بالقتلى"، ثلاث مرار، فقال رفاعة: أنت أعلم يا رسول الله، لا نحرم عليك حلالا، ولا نحل لك حراما، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا، ومن قتل تحت قدمي هذه، فقال صلى الله عليه وسلم: "صدق أبو زيد اركب معهم يا علي"، فقال: إن زيد لن يطيعني، قال: "فخذ سيفي هذا"، فأعطاه سيفه، فقال: ليس لي راحلة، فحملوه على بعير وخرجوا، فإذا رسول لزيد على ناقة من إبلهم، فأنزلوه عنها فقال: يا علي ما شأني؟ قال: مالهم عرفوه فأخذوه ثم ساروا، فوجدوا الجيش بفيفاء، فأخذوا ما في أيديهم حتى كانوا ينزعون المرأة من تحت فخذ الرجل. "وبعث صلى الله عليه وسلم عليا إلى زيد بن حارثة، يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم" بضم المهملة وفتح الراء، جمع حرمة، وهي الأهل "وأموالهم". وفي رواية، فقال علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترد على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسير أو سبي أو مال، فقال زيد: علامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أطلب علامة، فقال علي:

فرد عليهم.

_ هذا سيفه، فعرفه زيد، فنزل وصاح بالناس، فاجتمعوا فقال: من كان معه شيء من سبي أو مال فليرده، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، "فرد عليهم" كل ما أخذ لهم ثغرة القوم بضم المثلثة، وسكون المعجمة، وفتح الراء وهاء تأنيث، طريقهم، وختر بفتح المعجمة، وسكون الفوقية وبالراء غدر أي أن الله حرم التعرض لهم لإسلامهم ما لم يحصل غدر، ويحذنا بضم التحتية، وسكون الحاء المهملة، وكسر المعجمة، من أحذاه كذا أعطاه، والمعنى رحم الله من لم يتكلم في حقنا اليوم إلا بخير هذا، وظاهره أنهم كانوا يطأون الجواري بلا استبراء؛ لأن وجوبه إنما كان في سبي هوازن، والله أعلم.

سرية زيد أيضا إلى وادي القرى

"سرية زيد أيضا إلى وادي القرى": ثم سرية زيد أيضا إلى وادي القرى أيضا، في رجب سنة ست، فقتل من المسلمين قتلى، وارتث زيد، أي حمل من المعركة رثيثا، أي جريحا وبه رمق -وهو مبني للمجهول، قاله في القاموس.

_ ثم سرية زيد أيضا إلى وادي القرى: جمع قرية؛ لأن ذا الوادي كثير القرى. قال المصباح: موضع قريب من المدينة على طريق الحاج من جهة الشام "أيضا"، يقتضي أن التي قبلها إلى وادي القرى، وقد مر قوله: إن حسمي وراء القرى، فلعله أطلق عليها ذلك لقربها منه، "في رجب سنة ست". قال ابن إسحاق: لقي به بني فزارة، "فقتل من المسلمين قتلى" منهم رد بن مرداس، رواه ابن عائذ عن عروة، "وارتث" بضم أوله، وسكون الراء، وضم الفوقية وبمثلثة "زيد، أي حمل من المعركة، رثيثا، أي: جريح، وبه رمق وهو" أي: ارتث، "مبني للمجهول،" ففعله رث مشددا بزيادة تاء الافتعال التي هي من حروف الزيادة، فيبقى الحرف الأخير مشددا على أصله، فليس هو ارتث بكسر المثناة، وخفة المثلثة كما توهم.

سرية دومة الجندل

"سرية دومة الجندل": ثم سرية عبد الرحمن بن عوف

_ سرية دومة الجندل: "ثم سرية عبد الرحمن بن عوف"، القرشي الزهري، أسلم قديما، ومناقبه شهيرة، مات سنة

رضي الله عنه إلى دومة الجندل، في شعبان سنة ست. قالوا: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف، فأقعده بين يديه، وعممه بيده،

_ اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك، أخرج له الجميع، "رضي الله عنه إلى دومة" بضم المهملة، وتفتح، فواو ساكنة، فميم فتاء تأنيث، ويقال: دوماء بالمد "الجندل" بفتح الجيم، وسكون النون، وفتح الدال وباللام، حصن، وقرى من طرق الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدية خمس عشرة، أو ست عشرة ليلة "في شعبان سنة ست" كما أرخصها ابن سعد، "قالوا: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف،" هذا الحديث أسنده ابن إسحاق وفي أوله زيادة لا بأس بذكرها، قال: حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: كنت عاشر عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود ومعاذ وحذيفة، وأبو سعيد، إذ أقبل فتى من الأنصار فسلم، ثم جلس، فقال: يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟، قال: "أحسنهم خلقا"، قال: فأي المؤمنين أكيس، قال: "أكثرهم للموت ذكرا، وأكثرهم استعداد له قبل أن ينزل به، أولئك هم الأكياس"، ثم سكت الفتى، وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن، إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها الأظهر، فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الذكاء من أموالهم إلا منعوا االقطر من السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله عز وجل، وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم، فأخذوا ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله، وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم"، ثم أمر عبد الرحمن أن يتجهزوا لسرية بعثه عليها، فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه صلى الله عليه وسلم، "فأقعده بين يديه وعممه بيده" لفظ ابن سعد. وروى الدارقطني في الأفراد عن ابن عمر: دعا النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، فقال: "تجهز فإني باعثك في سرية من يومك هذا، أو من الغد، إن شاء الله تعالى". قال عبد الله: فسمعت ذلك، فقلت: لأصلين مع رسول الله الغداة، فلأسمعن وصيته له، وفي حديثه عند ابن إسحاق فأدناه منه ثم نقضها، ثم عممه بها، فأرسل من خلفه أربع أصابع، أو نحوا من ذلك، ثم قال: "هكذا يا ابن عوف، فاعتم فإنه أحسن وأعرف"، ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه فحمد الله وصلى على نفسه، ثم قال: "خذه يا ابن عوف، اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد

وقال: "أغر، بسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغدر، ولا تقتل وليدا، وبعثه إلى كلب بدومة الجندل، وقال: إن استجابوا لك فتزوج، ابنة ملكهم". فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيا، وكان رئيسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية. وتزوج عبد الرحمن تماضر -بضم المثناة الفوقية، وكسر الضاد المعجمة- بنت الأصبغ، وقدم بها المدينة

_ الله وسيرة نبيه فيكم"، فأخذ عبد الرحمن اللواء، "وقال" كما عند ابن سعد: "أغز بسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغدر" ثلاثي، أي: تترك الوفاء "ولا تقتل وليدا" أي: صبيا، فكان اختلاف الأمر جمعا، وإفرادا من تصرف الرواة، أو خاطبه مرة، وجميع الجيش أخرى، و"بعثه في سبعمائة، كما عند الواقدي "إلى كلب بدومة الجندل، وقال: "إن استجابوا لك" أطاعوك فأسلموا، "فتزوج ابنة ملكهم"، فسار عبد الرحمن" بجيشه، "حتى قوم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام". زاد الدارقطني: وقد كانوا أبو أول ما قدم أن لا يعطوا إلا السيف، "فأسلم" في اليوم الثالث "الأصبغ" بفتح الهمزة، وسكون الصد المهملة، وفتح الموحدة، وبالغين المعجمة "ابن عمرو" بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب "الكلبي" القضاعي، ذكره صاحب الإصابة في القسم الثالث، فيمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، ولذا قال البرهان: لم تثبت له صحبة، "وكان نصرانيا وكان رئيسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن تماضر". قال الواقدي: وهي أول كلبية نكحها قرشي. "بضم المثناة الفوقية، وكسر الضاد المعجمة" ومنع الصرف للعلمية، والتأنيث "بنت الأصبغ"، وقيل: بنت رباب بن الأصبغ، كما في الإصابة، "وقدم بها المدينة"، ففازت بشرف الصحبة، والمصنف تابع في هذا الذي ذكره في هذه السرية، لابن سعد، وقد أسنده عن شيخه الواقدي بسند له مرسل عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وعند الدارقطني: فكتب عبد الرحمن مع رافع بن مكيث الجهني إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره، وأنه أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ابنة الأصبغ، فتزوجها، وقد يمكن الجمع بين الروايتين، بأن عبد الرحمن لم يكتف بقوله أولا: "فإن استجابوا لك، فتزوج ابنة ملكهم" لاحتمال

فولدت له أبا سلمة.

_ أنه أراد إن أسلم الجميع، مع أنه قد بقي منه جماعة على الجزية، فكتب إليه احتياطا، "فولدت له" بعد ذلك سنة بضع وعشرين "أبا سلمة" المدني الزهري، قيل اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل التابعي الكبير الحافظ الثقة، كثير الحديث، إمام من العلماء، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة. روى له الجميع. قال الواقدي: ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة، وذكر في السبل عقب هذه سرية زيد إلى مدين، وقال: روى ابن إسحاق عن فاطمة بنت الحسين، أنه صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة نحو مدين، ومعه ضميرة، مولى علي بن أبي طالب وأخ له، فأصاب سبيا من أهل مينا، وهي السواحل، وفيها جماع من الناس فبيعوا، ففرق بينهم، فخرج صلى الله عليه وسلم وهم يبكون، فقال: "ما لهم"؟، قيل: فرق بينهم، فقال: "لا تبيعوهم إلا جميعا". قال ابن هشام: أراد الأمهات والأولاد.

سرية علي إلى بني سعد

"سرية علي إلى بني سعد": ثم سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه في شعبان سنة ست من الهجرة، ومعه مائة رجل إلى بني سعد بن بكر، لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر.

_ سرية علي إلى بني سعد: "ثم سرية علي بن أبي طالب" الهاشمي، ورجع جمع أنه أول من أسلم مات في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل أحياء بني آدم بالأرض بإجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح "رضي الله عنه في شعبان سنة ست من الهجرة، ومعه مائة رجل إلى بني سعد بن بكر،" أي: إلى حي منهم كما قال الواقدي، "لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن لهم جميعا" مصدر، أي: أنهم ساعون في جمع الناس وليس المراد جماعة الناس؛ لأنه لو أراده لقال: إنهم اجتمعوا "يريدون أن يمدوا" بضم أوله وكسر الميم رباعي، كما قال البرهان، وتبعه الشامي أن يقووا ويعينوا "يهود خيبر". وفي المصباح المدد بفتحتين الجيش، ومددته أعنته وقويته، وكأنما اقتصرا على الرباعي؛ لأنه أنسب بهذا المعنى دون المجرد، وإن كان متعديا أيضا كقوله: ويمدهم في طغيانهم الذي معناه يزيدهم لاستعمال الزيادة في الإمهال، وفي التقوية والإعانة، والمشترك دون المختص في

فأغاروا عليهم بالغمج بين فدك وخيبر، فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد، وقدم علي ومن معه المدينة ولم يلقوا كيدا.

_ الاستعمال هكذا كتبنا من تقرير الشيخ وهو أفيد مما في الحاشية، "فأغاروا عليهم بالغمج" بغين معجمة فميم مكسورة فجيم ماء "بين فدك" بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف. قال المجد اللغوي: على يومين من المدينة، وقال عياض: يومين، وقيل: ثلاثة. وقال ابن سعد: على ست ليال من المدينة. قال السمهودي: وأظنه الصواب لكن استبعد صحته البران وقال: إنه سأل به بعض أهل المدينة عنها، فقال بينهما يومان ذكره الشامي "وخيبر"، وفيه مسامحة فإنهم حين وصلوا المحل المذكور لم يجدوا به أحدًا منهم غير عين لهم، فعند ابن سعد وشيخه الواقدي، وسار على الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الغمج، فوجدوا به رجلا فقالوا: ما أنت؟ قال: باغ، أي: طالب لشيء ضل مني، فقالوا: هل كل علم بما وراءك من جميع بني سعد؟ قال: لا أعلم لي فشددوا عليه فأقر أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر يعرض على يهودها نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويقدمون عليهم، فقالوا له: فأين القوم؟ قال: تركتهم قد تجمع منهم مائتا رجل، قالوا: فسر بنا حتى تدلنا؟ قال: على أن تؤمنوني، قالوا: إن دللتنا عليهم أو على سرحهم أمناك وإلا فلا أمان لك، قال: فذاك، فخرج بهم دليلا حتى ساء ظنهم، ثم أفضى بهم إلى الأرض مستوية فإذا نعم كثيرة وشاء، فقال: هذه نعمهم وشاؤهم، فأغاروا عليها، فقال: أرسلوني، فقال: حتى نأمن الطلب وهرب الرعاء إلى جمعهم فحذرهم فتفرقوا، فقال الدليل: علام تحبسني قد تفرقت الأعراب، قال علي: حتى نبلغ معسكرهم، فانتهى بهم إليه فلم ير أحدًا فأرسلوه وساقوا النعم والشاء، "فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة وهربت بنو سعد" بالظعن ورأسهم وبر بفتح الواو وسكون الموحدة وبالراء ابن عليم بضم العين المهملة، فعزل على صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوحا تدعى الحفدة، ثم عز ل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه قاله ابن سعد، والحفدة بفتح الحاء وكسر الفاء وفتح الدال المهملة وتاء تأنيث السريعة السير، "وقدم علي ومن معه المدينة ولم يلقوا كيدا"، ورد الله كيد المشركين فلم يمدوا اليهود"، ولله الحمد.

سرية زيد إلى أم قرفة

"سرية زيد إلى أم قرفة": ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة

_ سرية زيد إلى أم قرفة: "ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة" بكسر القاف، وسكون الراء وبالفاء وتأء تأنيث "فاطمة

فاطمة بن ربيعة بدر الفزارية، بناحية وادي القرى، على سبع ليال من المدينة في رمضان سنة ست من الهجرة. وكان سببها: أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان بوادي القرى لقيه ناس من فزارة من بني بدر، فضربوه وضربوا أصحابه، وأخذوا ما كان معهم. وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فبعثه عليه الصلاة والسلام إليهم، فكمن هو وأصحابه بالنهار وساروا بالليل، ثم صحبهم زيد وأصحابه، فكبروا وأحاطوا

_ بنت ربيعة بن بدر الفزارية" التي جرى فيها المثل أمنع من أم قرفة؛ لأنها كان يعلق في بيتها خمسون سيفا لخمسين رجلا كلهم لها محرم، كنيت بابنها قرفة قتله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر الواقدي، وذكر أن سائر بنيها وهم تسعة قتلوا مع طليحة يوم بزاخة في الردة، وذكر أن عبد الله بن جعفر أنكر عليه ذلك، وهو الصحيح كذا في الروض، وفي الزهر الباسم أن ولدها اثنا عشر ولا منافاة، فالبنون عشرة وبنتان "بناحية وادي القرى على سبع ليال من المدينة في رمضان سنة ست من الهجرة" كما ذكر ابن سعد قائلا: "وكان سببها أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان بوادي القرى" لفظ ابن سعد دون وادي القرى "لقيه ناس من فزارة من بني بدر، فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم"، وهذا ظاهر في لقيهم له في ذهابه من المدينة لا في عوده من الشام بالتجارو كما فهم الشارح، "وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره" خبره، وأما ابن إسحاق فقال: إن سببها أن زيدا لما لقي بني فزارة بوادي القرى في سريته التي قبل هذه، وأصيب ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى حلف أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة، ويجمع بتعدد السبب بأن كون لما صح ذهب للتجارة، فنهبوه فرجع وأخبره صلى الله عليه وسلم، "فبعثه عليه الصلاة والسلام إليهم" في جيش، وقال لهم: اكمنوا النهار وسيروا الليل، "فكمن" القاموس كنصر وسمع "هو وأصحابه بالنهار وساروا بالليل"، ومعهم دليل من فزارة وعلمت بهم بنو بدر، فجعلوا لهن ناظورا ينظر قدر مسافة يوم حين يصبحون على جبل مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يؤتون منه، فيقول: اسرحوا لا بأس عليكم فإذا كان العشاء أشرف على ذلك الجبل، فينظر مسيرة ليلة فيقول: ناموا لا بأس عليكم، فلما كان الصحابة على نحو ليلة أخطأ دليلهم الطريق، فسار في أخرى حتى أمسوا وهم على خطأ، فعاينوا الحاضر من بني فزارة فحمدوا خطأهم، "ثم صبحهم زيد وأصحابه، وكبروا وأحاطوا

بالحاضر، وأخذوا أم قرفة -وكانت ملكة رئيسة- وأخذوا ابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر. وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة -وهي عجوز كبير- فقتلهما قتلا عنيفا، وربط بين رجليها حبل، ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما، فذهبا فقطعاها.

_ بالحاضر" أي: بمن حضر ثمة من فزارة. قال ابن إسحاق: فقتلهم وأصاب فيهم "وأخذوا أم قرفة، وكانت ملك رئيسة"، وعند ابن إسحاق وكانت في بيت شرف من قومها كانت العرب تقول: لو كنت أعز من أم قرفة ما زدت، "وأخذوا ابنتها جارية" ظاهره أنه اسمها، وتبعه الشامي ولعلهما اطلعا على أنه اسمها فلا ينافي قول البرهان هذه البنت لا أعرف اسمها، "بنت مالك بن حذيفة بن بدر وعمد" كقصد "قيس بن المحسر" الكناني الليثي الصحابي. قال اليعمري: بفتح السين المهملة، وقد تكسر، وقيل: بتقديم السين على الحاء، زاد في الإصابة، وقيل: ابن مسحل بكسر الميم وسكون السين وفتح الحاء المهملة بعدها لام، وكون قيس ابنه جزم به الأخباريون وصدر الإصابة بأنه قيس بن مالك بن المحسر، وقيل: بإسقاط مالك. ا. هـ. وفي القاموس: وبطن محسر قرب المزدلفة، وكذا قيس بن المحسر الصحابي "إلى أم قرفة وهي عجوز كبيرة" زاد ابن إسحاق في رواية يونس، فأسرها وبنتها وقتل مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، فأمره زيد بن حارثة، "فقتلهما قتلا عنيفا". وفي رواية البكائي وأسرت أم قرفة، وبنتها وعبد الله بن مسعدة بالبناء للمجهول وهو الصواب؛ لأن الذي أسرهما سلمة بن الأكوع كما صرح به بعد، وما ذكر من قتل قيس لمسعدة يومئذ قول غير المتقدم: إن قائله أبو قتادة في غزوة الغابة، "وربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين، ثم زجرهما فذهبا فقطعاها" صريحه أنه ربط رجليها بحبل ثم ربط فيه آخر، وجعله في البعيرين والذي في ابن إسحاق كما في العيون ربط رجليها بحبلين ثم ربطا إلى بعيرين حتى شقاها، وذكر الدولابي أن زيدا إنما قتلها كذلك لسبها رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: ولأنها جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها، وقالت: اغزوا المدينة واقتلوا محمدا، لن قال بعضهم: أنه خبر منكر هذا، وقد التبس سبب السرية الذي هو السير للتجارة بالسرية نفسها على من زعم أن قول اليعمري كشيخه الدمياطي كذا ثبت عند ابن سعد لزيد سريتان بوادي القرى إحداهما في رجب، والآخرى في رمضان مشكل لاقتضائه أنه أرسل غازيا في المرتين لبني فزارة مع أنه إنما كان في

وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك، فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه عريانا يجر ثوبه، حتى اعتنقه وقبله، وسأله فأخبره بما أظفره الله تعالى به.

_ الأولى تاجرا اجتاز بهم كما دل عليه كلام ابن سعد، ففيه إطلاق السرية على الطائفة الخارجة للتجارة، ولا يختص ذلك بالخارجة للتجارة، ولا يختص ذلك بالخارجة للقتال، أو تحسس الأخبار وهو وهم فكلام ابن سعد كما علمت إنما هو في سبب غزو زيد لهم في رمضان مع أن الثلاثة مع كونهم حفاظا متقنين لم ينفردوا بأنهما سريتان لزيد بل سبقهم إلى ذلك الواقدي، وابن عائذ وابن إسحاق، وإن خالفهم في سببها ولم يذكر تاريخا، وقول الشارح لم يذكر ابن سيد الناس في رمضان إلا مجرد قدومه بالتجارة، وذكر قتل أم قرفة في رجب فيه أنه لم يذكر قدومه بالتجارة إنما نقل عن ابن سعد خروجه بالتجارة إلى قوله، فأخذوا ما كان معهم ثم قال عقبه. وذكر ابن سعد نحو ما سبق عن ابن إسحاق في خبر أم قرفة، وقال في آخره فنقل عنه ما ذكره المصنف بقوله: "وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسأله، فأخبره بما ظفره الله تعالى به". "وعند ابن إسحاق وغيره: وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن مسعدة وبابنة أم قرفة، وكان سلمة بن الأكوع هو الذي أصابها، فسألها صلى الله عليه وسلم فوهبها له فوهبها لخاله، حزن ابن أبي وهب فولدت له عبد الرحمن بن حزن، هكذا ذكر ابن إسحاق وابن سعد والواقدي، وابن عائذ وغيرهم هذه السرية، وأن أميرها زي بن حارثة، وفي صحي مسلم وأبي داود عن سلمة بن الأكوع بعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فزارة، وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا، فشننا الغارة فوردنا الماء فقتل أبو بكر، أي: جيشه من قتل ورأيت طائفة مهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا وفيهم امرأة وهي أم قرفة عليها قشع من أدم معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها فلم أكشف لها ثوبا، فقدمن المدينة فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك"، فقلت: هي لك يا رسول الله، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين. وفي لفظ: فدى بها أسيرا كان في قريش. قال الإمام السهيلي في الروض: وهذه الرواية أحسن وأصح من رواية ابن إسحاق أن وهبها لخاله حزن بمكة انتهى، ويقال مثله في كون أميرها الصديق. قال الشامي: ويحتمل أنهما سريتان اتفق لسلمة فيهما ذلك، ويؤيد ذلك أن في سرية زيد أنه صلى الله عليه وسلم وهب المرأة لخاله فولدت له، وفي سرية أبي بكر أنه بعث بها إلى مكة، ففدى به أسرى ولم أر من تعرض لتحرير ذلك انتهى، واستبعد باقتضائه تعدد أم قرفة وأن كلا لها بنت جميلة، وأن سلمة أسرهما وأن المصطفى أخذهما منه إلا أن يقال: لا تعدد لأم قرفة، وتسميتها في سرية أبي بكر وهم من بعض الرواة؛ لأن ابن سعد لم يسمها، وفيه توهيم رواية الصحيح بلا حجة، فإن تسميتها فيه من زيادة الثقة، فما في الصحيح أصح كما قال السهيلي، وتبعه البرهان.

قتل أبي رافع

"قتل أبي رافع": ثم سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع، عبد الله -ويقال سلام- بن أبي الحقيق اليهودي، وهو الذي حزب الأحزاب يوم الخندق. وكانت هذه السرية في شهر رمضان سنة ست، كما ذكره ابن سعد ههنا وذكر في ترجمة عبد الله بن عتيك: أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي

_ قتل أبي رافع: "ثم سرية عبد الله بن عتيك" بفتح العين المهملة وكسر الفوقية، وسكو التحتية وبالكاف، ابن قيس بن الأسود الخزرجي من بني سلمة، قال أبو عمر: شهد أحدًا وما بعدها بلا خلاف وأظنه شهد بدرًا، وزعم ابن أبي داود أنه استشهد باليمامة، وأما ابن الكلبي: فقال: شهد صفين. وقال البغوي: بلغني أنه استشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة "لقتل أبي رافع عبد الله، ويقال: سلام" بشد اللام كما جزم به في الفتح، وتبعه المصنف "ابن أبي الحقيق" بضم المهملة، وقافين بينهما تحتية مصغر، "اليهودي". حكى البخاري القولين في اسمه ممرضا الثاني كما حكى المصنف سواء، وجزم ابن إسحاق بأن اسمه سلام وتبعه اليعمري، وأفاد في الفتح أنه اسمه الأصلي، حيث قال: الذي سماه عبد الله هو عبد الله بن أنيس كما أخرجه الحاكم في الإكليل من حديثه مطولا "وهو الذي حزب" بفتحات والزاي مشددة "الأحزاب" الطوائف على محاربة المصطفى "يوم الخندق". وفي ابن إسحاق كما فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أولى لما قدمته ثمة عن ابن إسحاق أنه خرج وهو وحيي، وكنانة وهوذة وأبو عمار، لكن المصنف حصر التخريب فيه؛ لأنه أعان المشركين بالمال الكثير كما يأتي، فكان غيره لم يحزب "وكانت هذه السرية في شهر رمضان سنة ست كما ذكره ابن سعد ههنا" وضعا وتصريحا. "وذكر في ترجمة عبد الله بن عتيك" أمير السرية "أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي

رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة، وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث. وفي البخاري: قال الزهري: بعد قتل كعب بن الأشرف. وأرسل معه أربعة: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبا قتادة

_ رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة"، ومشى عليه ابن إسحاق فذكرها بعد قريظة، "وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث" لعله اطلع عليه وإلا فالذي في الفتح، وتبعه في السبل، وقيل: في رجب سنة ثلاث، وقيل: في ذي الحجة سنة أربع. "وفي البخاري قال الزهري:" مما وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عن حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري هو، أي قتله، "بعد قتل كعب بن الأشرف" الواقع ليلة أربعة عشر من ربيع الأول سنة ثلاث، وهذا قد يقرب حكاية المصنف القول أنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث. قال الحافظ: وبين ابن إسحاق أن الزهري أخذ ذلك عن ابن كعب، فقال: لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته للنبي بعد إذنه صلى الله عليه وسلم، وتحريضه عليه استأذنته الخزرج في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم. حدثني محمد بن مسلم بن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان مما صنع الله لرسوله أن الأوس، والخزرج كانتا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا فيه عنه صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله، وفي الإسلام، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك، ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته، لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا أبدا، فتذاكروا من رجل لرسول الله في العداوة كابن الأشرف، فذكروا سلام بن أبي الحقيق، فاستأذنوه صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم، فخرج إليهم من الخزرج من بني سلمة خمسة. ا. هـ. ويتصاولان بتحتية ففوقية فصاد مهملة مفتوحات يقال: تصاول الفحلان، إذا حمل كل منهما على الآخر، والمراد أن كلا من الأوس والخزرج كان يدفع عن المصطفى ويتفاخر بذلك. "وأرسل معه أربعة" فصارت الجملة خمسة "عبد الله بن عتيك" بدل من الجملة المقدرة التي دل عليها السياق، لا من أربعة؛ لأنه لا يصح بعثه مع نفسه، ولا أنه غيره شاركه في الاسم؛ لأنه خلاف المنقول، ويلزم أنهم خمسة معه لا أربعة، "وعبد الله بن أنيس" بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية، الجهني، حليف الأنصار، وفرق المنذري تبعا لابن المديني بينه وبين عبد الله الأنصاري، وجزم بأن الأنصاري، هو الذي كان في قتل أبي رافع، وجزم غير واحد بأنهما واحد، وهو جهني حالف الأنصار، قاله في الفتح، "وأبا قتادة" الحارث أو النعمان، أو عمرو بن ربعي

والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان، وأمرهم بقتله. فذهبوا إلى خيبر،

_ بكسر الراء وسكون الموحدة فهملة السلمي شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا، ومات على الأصح سنة أربع وخمسين، "والأسود بن خزاعي" بضم المعجمة وبالزاي، فألف فمهملة مكسورة فتحتية مشددة اسم علم بلفظ النسب مثل مكي. قال في الإصابة: كذا سماه ابن عقبة عن ابن شهاب، وسماه ابن إسحاق خزاعي بن الأسود، فقال: حليف لهم من أسلم، وكذا معمر عن الزهري، واعتمد هذا في الفتح وقلبه بعضهم فقال: أسود بن خزاعي. وفي الإكليل للحاكم ومغازي ابن عقبة أسود بن حرام، فإن كان غيره وإلا فهو تصحيف ثم وجدته في دلائل البيهقي عن ابن عقبة أسود بن خزاعي، أو أسود بن حرام بالشك، "ومسعود بن سنان" بكسر المهملة وبالنون الأنصاري، ونسبه بعضهم أسلميا، فكان أسلمي حالف بني سلمة. قال أبو عمر: شهد أحدا، واستشهد يوم اليمامة كما في الإصابة، وقد سمي البراء بن عازب في رواية يوسف بن إسحاق عن جده عنه الأمير عبد الله بن عتيك، وقال في ناس معهم، قال الفتح: لم يذكر عبد الله بن عتبة إلا في هذا الطريق، وزعم ابن الأثير في جامع الأصول أنه ابن عنبة بكسر العين وفتح النون وهو غلط منه، فإنه خولاني لا أنصاري ومتأخر الإسلام، وهذه القصة متقدمة، والرواية بضم العين وسكون المثناة لا بالنون. ا. هـ. وجزم الجلال البلقيني في مبهماته بأنه عبد الله بن عتبة أبو قيس الذكواني، وهو خلاف ما في الإصابة، فإنه ترجم للذكواني ثم ترجم بعده عبد الله بن عتبة الأنصاري أحد من توجه لقتل ابن أبي الحقيق، وقع ذلك في حديث البراء عند البخاري، ولم يزد على هذا فجعله غيره، وزعم الدمياطي أن صوابه عبد الله بن أنيس عجيب، ولذا لما وقع مثله لمغلطاي معللا بأنه ذكواني لا أنصاري رده بأن الصحيح ما في الصحيح لصحة سنده، وكونه ذكوانيا لا يخالف من قال: إنه من الأنصار، لاحتمال أنه حليفهم، وفي الحديث: وحليفنا منا، وابن أنيس كان معهم وليس أنصاريا قطعا بل جهني حالفهم. ا. هـ. "وأمرهم بقتله" زاد ابن إسحاق: ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، "فذهبوا إلى خيبر". قال البخاري: كان، أي أبو رافع، بخيبر، ويقال: في حصن له بأرض الحجاز. قال الحافظ: هو قول وقع في سياق الحديث الموصول في الباب، ويحتمل أن حصنه كان قريبا من خيبر في طرف أرض الحجاز، ووقع عند موسى بن عقبة فطرقوا باب أبي رافع

فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجة له، وقدموا عبد الله بن عتيك؛ لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه، فعلوه بأسيافهم.

_ بخيبر، فقتلوه في بيته. ا. هـ. وقال غيره: لا منافاة؛ لأن خيبر من الحجاز، أي من قراه وهو واضح في نفسه، لكن المطلوب تعيين المحل الذي كان فيه "فكمنوا، فلما هدأت" بفتح الهمزة، أي: سكنت، "الرجل" عن الحركة. وفي البخاري: هدأت الأصوات. وقال السفاقسي: هدت بغير همز ولا ألف، ووجهه الدماميني بأنه خفف الهمزة المفتوحة بإبدالها ألفا مثل منساة، فالتقت هي والتاء الساكنة فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وهذا وإن كان على غير قياس لكنه يستأنس به دفعا للخطأ. قال المصنف: وصوب السفاقسي الهمز، ولم أر تركه في أصل من الأصول التي رأيتها "جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجة له". وعند ابن إسحاق: أتوا داره وكان في عليه له إليها عجلة، أي: شبه الدرجة من جزع منقور ليصعد فيه، فاستندوا إليها حتى قاموا على بابه، "وقدموا عبد الله بن عتيك" الأمير؛ "لأنه كان يرطن" بضم الطاء، أي: يتكلم، "باليهودية" فيظنوه منهم فلا يفزعوا "فاستفتح، وقال:" لما قالت له امرأة أبي رافع: من أنت؟ "جئت أبا رافع بهدية ففتحت له امرأته" هكذا عند ابن سعد. وفي رواية ابن إسحاق: فاستأذنوا فخرجت امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: أناس من العرب نلتمس الميرة، قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه، قال: فلما دخلنا أغقلنا عليها وعليه الحجرة تخوفا أن تكون دونه محاولة تحول بيننا وبينه، "فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف، فسكتت" هكذا عند ابن سعد أيضا. وفي ابن إسحاق: فصاحت امرأته فنوهت بنا فيمكن أنهم لما دخلوا صاحت صياحا لم يسمع، ثم أرادت رفع صوتها ومداومة الصياح ليسمع الجيران، فرفعوا عليها السلاح، فسكتت، "فدخلوا عليه، فما عرفوه إلا ببياضه فعلوه بأسيافهم". وعند ابن إسحاق: وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة بضم القاف وسكون الموحدة، وكسر الطاء المهملة، ثوب من كتان

وفي البخاري: وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان في حصن له, فلما دنوا منه وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب،

_ رقيق يعمل بمصر. قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكره نهيه صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. "وفي البخاري" في المغازي من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، "وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه". ذكر ابن عائذ من طريق أبي الأسود، عن عروة أنه كان ممن أعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وكان في حصن" مكان لا يقدر عليه لارتفاعه "له" بأرض الحجاز كما في الرواية، ومر ما فيه "فلما دنوا" بفتح الدال والنون، قربوا "منه، وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم" بفتح السين وسكون الراء وحاء مهملات، أي: رجعوا بمواشيهم التي ترعى وتسرح وهي السائمة من إبل وبقر وغنم. "قال" ولغير أبي ذر فقال "عبد الله" بن عتيك "لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق" إلى حصن أبي رافع "ومتلطف للبواب" أي: متخشع، أي مظهر له صورة الخاشع "لعلي أن أدخل" إلى الحصن "فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع" تغطى "بثوبه" ليخفي شخصه كي لا يعرف "كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس" ذكر البخاري أيضا في رواية يوسف عن أبي إسحاق عن البراء سبب تأخير غلق الباب فقال، قال: أي ابن عتيك، فتلطفت أن أدخل الحصن ففقدوا حمارا لهم، فخرجوا بقبس يطلبونه فخشيت أن أعرف فغطيت رأسي وجلست كأني أقضي حاجة "فهتف به البواب" قال الحافظ: أي ناداه، ولم أقف على اسمه "يا عبد الله". قال الحافظ: لم يرد اسمه العلم لأنه لو كان كذلك لعرفه، والواقع أنه كان مستخفيا منه فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي، لأن الجميع عبيد الله "إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب". وفي رواية يوسف بن عمر ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، ومقتضاهما أن عادته أن لا يمنع الداخلين، ومقتضى قوله متلطف وتلطفت أن عادته منعهم، فيمكن أنها عادته إذا ارتاب في الداخل وابن عتيك لما تقنع وجلس على تلك الهيئة ظن أنه من

فدخلت, فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على وتد، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب. وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجلعت كلما

_ أهل الحصن وأنه من جملة من خرج لطلب الحمار الذي فقدوه "فدخلت فكمنت" بفتح الكاف والميم، أي: اختبأت هكذا في رواية إسرائيل عن جده عن البراء عند البخاري بإبهام موضع كونه. وفي رواية يوسف عن جده عن البراء عنده أيضا، فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، "فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق" بعين مهملة ولام مشددة "الأغاليق" بفتح الهمزة والغين المعجمة، جمع غلق بفتح أوله ما يغلق به، والمراد هنا المفاتيح لأنها يفتح بها ويغلق كذا في رواية أبي ذر، ولغيره بالعين المهملة وهو المفتاح بلا أسنان قاله في الفتح واللغة لم تنحصر في المصباح والقاموس والمختار فلا يتوقف في ألفاظ المروية في أصح الصحيح بأنهم لم يذكروا الأغاليق بالمعجمة ولا ذكر المصباح في معنى المهملة المفتاح "على وتد" بفتح الواو وكسر الفوقية، ولأبي ذر على ود بفتح الواو وشد الدال، أي: وتد. وفي رواية يوسف وضع مفتاح الحصن في كوة بالفتح وقد تضم، وقيل: بالضم النافذة، وبالفتح غيرها فكأنه وضعها على وتد داخل الكوة. "قال" ابن عتيك: "فقمت إلى الأقاليد" بالقاف جمع إقليد، أي: المفاتيح "فأخذتها ففتحت الباب". وفي رواية يوسف: ففتحت باب الحصن. "وكان أبو رافع يسمر" بضم أوله وسكون ثانية مبني للمفعول، أي: يتحدث "عنده" ليلا. وفي رواية يوسف: فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل. "وكان في علالي" بفتح العين المهملة، وتخفيف اللام فألف فلام مكسورة فتحتية مشددة، جمع علية بالضم وكسر اللام مشددة، أي: غرفة "له". وفي رواية ابن إسحاق: وكان في علية له إليها عجلة. قال الحافظ: والعجلة بفتح المهملة والجيم، السلم من الخشب، وقيده ابن قتيبة بخشب النخل، "فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه" أفاد هذا أن محالهم داخل الحصن الذي أغلقه البواب، وبه صرح في رواية يوسف فقال: ثم رجعوا إلى بيوتهم داخل الحصن، "فجعلت

فتحت بابا أغلقت علي من داخل، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش، فما أغنيت شيئا، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ضبيب السيف

_ كلما فتحت بابا أغلق علي من داخل" قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله، هذا أسقطه المصنف من البخاري في هذه الرواية. وفي رواية يوسف: فلما هدأت الأصوات ولا أسمع خرجت ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته، ففتحت به باب الحصن فقلت: إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم "فانتيهت إليه فإذا هو في بيت مظلم". زاد يوسف: قد طفئ سراجه، "وسط" أي: بين، "عياله" لا أنه وسطهم حقيقة فلا ينافي قوله "لا أدري أين هو من البيت" أي: خصوص المكان الذي هو فيه، "قلت" ولغير أبي ذر فقلت: "أبا رافع! " لأعرف موضعه، ولغير أبي ذر: يا أبا رافع، "قال: من هذا؟ فأهويت". قال الحافظ وغيره، أي: قصدت. "نحو" صاحب "الصوت". وفي رواية يوسف: فعمدت نحو الصوت. "فأضربه ضربة بالسيف" بلفظ المضارع مبالغة، والأصل ضربته لاستحضار صورة الحال. "وأنا" أي: الحال أني "دهش" بفتح الدال المهملة وكسر الهاء فمعجمة، صفة مشبهة، أي: حيران. ولأبي ذر: داهش، بألف بعد الدال، "فما أغنيت شيئا" أي: فلم أقتله، "وصاح" أبو رافع "فخرجت من البيت فأمكث" بهمزة قبل الميم آخره مثلثة "غير بعيد ثم دخلت عليه" كأني أغيثه وغيرت صوتي "فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع" في حديث عبد الله بن أنيس عند الحاكم فقالت امرأته: يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك، قال: ثكلتك أمك وأين عبد الله بن عتيك؟ "قال: لأمك" خبر مبتدؤه "الويل". قال المصنف: وهو دعاء عليه. وقال شيخنا: أتى بالويل للتعجب. "إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه أثخنته" بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الخاء المعجمة والنون بعدها فوقية، أي: الضربة. وفي نسخة بسكون النون، أي: بالغت في جراحته "ولم أقتله ثم" بعد أن بعدت عنه، جئت "ووضعت ضبيب السيف".

في بطنه، حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قد قتلته. وفي رواية له: ثم جئت كأني أغيثه فقلت: ما لك يا أبا رافع؟ وغيرت الصوت فقال: لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني، فعمدت إليه أخرى فأضربه، فلم تغن شيئا، فصاح وقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي، كهيئة المغيث

_ قال الحافظ: بضاد معجمة مفتوحة وموحدتين وزن رغيف. قال الخطابي: هكذا يروى وما أراه محفوظا، وإنما هو ظبة السيف وهو حده، ويجمع على ظبات قال: وضبيب لا معنى له هنا لأنه سيلان الدم من الفم. وقال عياض: هو في رواية أبي ذر بالصاد المهملة، وكذا ذكره الحربي، وقال: أظنه طرفه. وفي رواية غير أبي ذر بالمعجمة وهو حد السيف انتهى. وقول الخطابي لا معنى له مردود. ففي القاموس: ضبيب السيف بالمعجمة حده، وسبقه عياض لمثله كما ترى. "في بطنه" وصدر المصنف بظبة، وقال: بضم الظاء، المشالة المعجمة وفتح الموحدة المخففة فهاء تأنيث كما في الفروع وأصله. قال في المحكم: الظبة حد سيف وسنان ونصل وخنجر وما أشبه ذلك، والجمع ظبات وظُبون وظِبون، أي: بالضم والكسر، وظبي، أي: كمدي، "حتى أخذ،" أي: دخل، "في ظهره فعرفت أن قد قتلته" وهذا صريح في أن فاعل ذلك كله ابن عتيك، وهو الصواب كما يأتي. "وفي رواية له" للبخاري أيضا من طريق يوسف عن أبي إسحاق عن البراء، فذكر الحديث بنحو السابق وقد بينا زياداته إلى أن قال: ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل، فقلت: يا أبا رافع! قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئا. قال "ثم جئت كأني أغيثه" بهمزة مضمومة فغين معجمة مكسورة ومثلثة، من الإغاثة "فقلت: ما لك" بفتح اللام، أي: ما شأنك "أبا رافع؟ وغيرت الصوت فقال: لأمك الويل دخل علي رجل فضربني" بالسيف "فعمدت" بفتحتين، قصدت "إليه أخرى فأضربه فلم تغن" تنفع الضربة "شيئا فصاح وقام أهله". وفي رواية ابن إسحاق: فصاحت امرأته فنوهت بنا فجعلنا نرفع السيف عليها ثم نذكر نهييه صلى الله عليه وسلم فنكف عنها، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، "ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث،

فإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ عليه، فسمعت صوت العظم. فجعلت أفتح الأبواب حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، فلما صاح الديك قام الناعي على السور

_ وإذا" بالواو، وفي رواية بالفاء، "هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ" بفتح الهمزة وسكون النون، أي: أنقلب، "عليه حتى سمعت صوت العظم" وصريح هذه الرواية أنه لما ضربه الثانية بعد عنه ثم رجع فوضع فيه السيف، وظاهر التي قبلها أنه لما رأى ضربته الأولى لم تفد وضع السيف فيه، فيحتمل تلك على هذه جمعا بينهما، لأن الروايات يفسر بعضها بعضا، ثم عاد المؤلف لتتميم الرواية الأولى دون بيان فقال عقب قوله فيها: فعرفت أني قتلته. "فجعلت أفتح الأبواب" بابا بابا هكذا في الرواية، "حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي" قال المصنف بالإفراد، "وأنا أرى" بضم الهمزة، أظن "أني قد انتهيت إلى الأرض" لأنه كان سيئ أي: ضعيف البصر، كما عند ابن إسحاق: "فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها" بخفة الصاد "بعمامة". وفي رواية يوسف عقب قوله: صوت العظم ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها. قال الحافظ: ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت الساق. وقال الداودي: هذا اختلاف، وقد يتجوز في التعبير بأحدهما عن الآخر، لأن الخلع هو زوال المفصل من غير بينونة، أي بخلاف الكسر. قال الحافظ: والجمع بينهما بالحمل على وقوعهما معا أولى، ووقع في رواية ابن إسحاق: فوثبت يده وهو وهم، والصواب رجله، وإن كان محفوظا، فوقع جميع ذلك. وذكر ابن إسحاق، أنهم كمنوا في نهر، وأن اليهود أوقدوا النيران، وذهبوا في كل وجه، يطلبون حتى إذا يئسوا رجعوا إليه، وهو يقضي انتهى، وأسقط المصنف من هذه الرواية عقب بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته، "فلما صاح الديك قام الناعي" وفي رواية يوسف: فلما كان في وجه الصبح، صعد الناعية "على السور،" فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، كما في رواية إسرائيل هذه، وكذا في رواية أخيه يوسف. قال الحافظ: كذا ثبت أنعي بفتح الين في الروايات.

فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: "ابسط رجلك". فمسحها، فكأنما لم أشتكها قط

_ قال ابن التين: هي لغة، والمعروف أنعو، والنعي خبر الموت، وذكر الأصمعي أن العرب كانوا إذا مات فيهم الكبير، ركب راكب فرسا، وسار فقال: أنعي فلانا انتهى. وعند ابن إسحاق قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات، فقال: رجل منا قال الواقدي: هو الأسود بن خزاعي، أنا أذهب فأنظر حتى دخل في الناس، فوجدتها، أي امرأته، ورجال يهود حوله، وفي يده المصباح، تنظر في وجهه، وتحدثهم، وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم كذبت نفسي، وقلت: أتى ابن عتيك بهذه البلاد، ثم نظرت في وجهه، وقالت فاظ وإله يهود، فما سمعت من كلمة، كانت ألذ في نفسي منها، ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، وفاظ بفاء، فألف فمعجمة مشالة: مات. "فانطلقت إلى أصحابي، فقلت النجاء" قال الحافظ: بالنصب، أي أسرعوا، وقال المصنف: مهموز ممدود منصوب مفعول مطلق، والمد أشهر، إذا أفرد، فإن كرر قصر، أي: أسرعوا، "فقد قتل الله أبا رافع". وفي رواية يوسف عقب قوله: فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا، فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان وجه الصبح، صعد الناعية، فقال: أنعي أبا رافع، فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته، وهذ ظاهره التعرض مع قوله "فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته" بما وقع، فقال: "ابسط رجلك" , أسقط المصنف قوله: فبسطت رجلي، "فمسحها" بيده المباركة، "فكأنما" بما زائدة في رواية أبي الوقت، وأبي ذر ولغيرهما، فكأنها بالهاء، أي فكأن رجلي "لم أشتكها قط"، أي: لم أشتك منها، فحذف الجار، فهذا مخالف لقوله: ما بي قلبة بفتح القاف واللام والموحدة، أي علة أنقلب بها. قال الحافظ: فيحمل على أنه، لما سقط من الدرجة، وقع له جميع ما تقدم، لكنه من شدة ما كان فيه من الاهتمام بالأمر، ما أحس بالألم، وأعين على المشي أولا، وعليه يدل قوله: ما بي قلبة، ثم لما تمادى عليه المشي، أحس بالألم، فحمله أصحابه، كما وقع في رواية ابن إسحاق، ثم لما أتاه صلى الله عليه وسلم فزال عنه جميع الألم ببركته. وفي حديث عبد الله بن أنيس عند الحاكم: وتوجهنا من خيبر، فكنا نكمن النهار، ونسير الليل، وإذا كمنا، أقعدنا منا واحدًا يحرسنا، فإذا رأى ما يخافه، أشار إلينا، فلما قربنا من المدينة

هذا لفظ رواية البخاري. وفي رواية محمد بن سعد: أن الذي قتله عبد الله بن أنيس: والصواب: أن الذي دخل عليه وقتله عبد الله بن عتيك وحده، كما في البخاري.

_ كانت نوبتي، فأشرت إليهم فخرجوا سراعا، ثم لحقتهم، فدخلنا المدينة، فقالوا: ماذا رأيت؟ قلت: ما رأيت شيئا ولكن خشيت أن تكونوا عييتم أن يحملكم الفزع. وروى ابن منده عند عتيك، قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل ابن أبي الحقيق، وهو على المنبر فلما رآنا قال: "أفلحت الوجوه". وفي هذا الحديث من الفوائد جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة، وأصر، وقتل من أعان عليه صلى الله عليه وسلم، بيده أو ماله، أو لسانه، وجواز التجسس على أهل الحرب، وتطلب غرتهم والأخذ بالشدة في محاربتهم، وإيهام القول للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين لكثير من المشركين، والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته. "هذا لفظ" مقصوده من "رواية البخاري" وإلا فقد علمت أنه أسقط منه ألفاظا، "و" وقع "في رواية محمد بن سعد"، الحافظ المشهور، "أن الذي قتل عبد الله بن أنيس" وكذا وقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، مرسلا فلما ضربناه بأسيافنا، تحامل عليه عبد الله بن أنيس في بطنه، حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني أي حسبي حسبي الحديث, وفي فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه فقال صلى الله عليه وسلم: "هاتوا أسيافكم". فجئناه به، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: "هذا قتله أرى فيه أثر الطعام"، ومعلوم أن المرسل لا يعادل الصحيح المسند. "و" لذا كان "الصواب أن الذي دخل عليه وقتله عبد الله بن عتيك وحده، كما في البخاري". وعند ابن إسحاق، فقال حسن يذكر قتله، وقتل كعب بن الأشرف: لله در عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد في عرين معرف حتى أتوكم في محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف

سرية ابن رواحة

"سرية ابن رواحة": ثم سرية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى أُسَيْر بن رزام اليهودي بخيبر في شوال سنة ست. وكان سببها أنه لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، أمرت يهود عليها أسيرا، فسار في غطفان وغيرهم

_ سرية ابن رواحة: "ثم سرية عبد الله بن رواحة" بن ثعلبة بن امرئ القيس، الأنصاري، الخزرجي، الشاعر، أحد السابقين, البدري، استشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان. روى له النسائي، وابن ماجه، وأبو داود في الناسخ. "رضي الله عنه إلى أسير" بضم الهمزة، وفتح السين المهملة، وسكون التحتية وبالراء، كذا يقول ابن سعد وغيره، كابن إسحاق يقول: يسير بضم التحتية، وفتح السين المهملة "ابن رزام" براء مكسورة، فزاي مخففة، فألف فميم، "اليهودي بخيبر في شوال سنة ست"، كما قاله ابن سعد، وجزم به اليعمري، فاقتفاه المصنف، فهو صريح في أنه قبل فتح خيبر، لأنه إما في آخر سنة ست، أو في المحرم سنة سبع، كما يأتي. وذكر البيهقي، وتبعه في زاد المعاد هذه السرية بعد خيبر. قال البرهان: وهو الذي يظهر، فإنهم قالوا له، إنه صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك ليستعملك على خيبر، وهذا لا يناسب أنها كانت قبل فتحها. وقال الشامي: كونها قبل خيبر أظهر لما في القصة، أنه سار في غطفان وغيرهم لحربه صلى الله عليه وسلم بموافقة يهود، وذلك قبل فتح خيبر قطعا إذ لم يصدر من يهود بعد فتحها شيء من ذلك، وقول الصحابة: بعثنا إليك ليستعملك، لا ينافي ذلك لأن مرادهم باستعماله المصالحة، وترك القتال والاتفاق على أمر يحصل به ذلك، "وكان سببها أنه لما قتل" بالبناء للمفعول، ونائبه "أبو رافع سلام بن أبي الحقيق"، بدل من أبو رافع، كما هو ظاهر "أمرت" بفتح أوله، والميم المشددة، والراء وسكون التاء "يهود عليها أسيرا" أي: جعلته أميرا عليها فقام فيهم، فقال: والله ما سار محمد إلى أحد من يهود، ولا بعث أحدًا من أصحابه إلا أصاب منهم ما أراد، ولكني أصنع ما لم يصنع أصحابي، فقالوا: وما عسيت أن تصنع؟ قال: أسير في غطفان فأجمعهم ونسير إلى محمد في عقر داره بفتح العين، وضمها وسكون القاف، أي: أصلها فإنه لم يغز أحد في عقر داره إلا أدرك منه عدوه بعض ما يريد، قالوا: نعم ما رأيت، "فسار في غطفان وغيرهم

يجمعهم لحربه صلى الله عليه وسلم. وبلغه ذلك فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر، في شهر رمضان سرا، فسأل عن خبره وغرته، فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فندب عليه الصلاة والسلام الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا عليه فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك لتخرج إليه، يستعملك على خيبر ويحسن إليك، فطمع في ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كانوا بقرقرة ضربه عبد الله بن أنيس وكان في السرية

_ يجمعهم لحربه صلى الله عليه وسلم وبلغه" صلى الله عليه وسلم "ذلك، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر، في شهر رمضان سرا" ليستكشف له الخبر، "فسأل عن خبره وغرته" بكسر الغين المعجمة، وشد الراء مفتوحة، الغفلة، "فأخبر بذلك"، وذلك أنه أتى ناحية خيبر، فدخل في الحوائط، وفرق الثلاثة في ثلاثة من حصونها، فوعوا ما سمعوا من أسير وغيره، ثم خرجوا بعد ثلاثة أيام، "فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم" لليال بقين من رمضان، "فأخبره" بكل ما رآه، وسمع وقدم عليه أيضا خارجه بن حسيل بمهملتين مصغر، فاستخبره صلى الله عليه وسلم ما وراءه، فقال: تركت أسير بن رزام يسير إليك في كتائب يهود. قال الشامي: ولم أر خارجة في كتب الصحابة، "فندب عليه الصلاة والسلام الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا فبعث عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا عليه". زاد ابن سعد: فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له؟ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك، فقالوا: نعم، "فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك، لتخرج إليه، يستعملك على خيبر، ويحسن إليك، فطمع في ذلك،" فشاور يهود، فخالفوه في الخروج، وقالوا: ما كان محمد يستعمل رجلا ن بني إسرائيل، قال: بلى قد مللنا الحرب، "وخرج" وعند ابن إسحاق: فلما قدموا عليه كلموه، وقربوا له، وقالوا: إنك إن قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعملك وأكرمك، فلم يزالوا به حتى خرج معهم، "وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين" ظاهره أن المسلمين خرجوا مشاة، حتى أردفتهم اليهود. وعند ابن إسحاق فحمله، أي أسيرا عبد الله بن أنيس على بعيره، "حتى إذا كانوا بقرقرة" بفتح القافين، بعد كل راء، الأولى، ساكنة والثانية مفتوحة فهاء تأنيث. قال ابن إسحاق على ستة أميال من خيبر، "ضربه عبد الله بن أنيس" حين فطن لغدره، "وكان في السرية" مردفا أسيرا، ولفظ ابن إسحاق: حتى إذا كانوا بالقرقرة من خيبر على ستة أميال، ندم أسير على مسيره إلى

بالسيف فسقط عن بعيره ومالوا على أصحابه فقتلوهم غير رجل ولم يصب من المسلمين أحد، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قد نجاكم الهل من القوم الظالمين".

_ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففطن له عبد الله بن أنيس، وهو يريد السيف، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف، فقطع رجله وضربه أسير بمخرش في يده من شوحط، فأمه، وعند ابن سعد: وأهوى أسير بيده إلى سيفي، ففطنت له، فدفعت بعيري، وقلت: غدرا أي عدو الله! مرتين، فنزلت، فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير، فضربته "بالسيف" فأندرت عامة فخذه، وساقه، "فسقط عن بعيره" إضافة إليه لركوبه عليه، وإن كان لابن أنيس، وقوله: أهوى إليّ سيفي، يقتضي أنه كان رديفه، كما هو الواقع في رواية ابن أسحاق، ودفعه البعير بمعنى اقتحامه به لئلا يعينه أصحابه، كما أفاده قوله: فنزلت وسقت ... إلخ، فلا تخالف بين الروايتين كما زعم، ومخرش بكسر الميم، فسكون الخاء المعجمة، فراء مفتوحة فشين معجمة، من شوحط بمعجمة، فواو، ساكنة فحاء مفتوحة فطاء مهملتين، من شجر الجبال، يتخذ منه القسي، "ومالوا على أصحابه، فقتلوهم" لفظ ابن سعد. وعند ابن إسحاق: ومال كل واحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى صاحبه من يهود، فقتله "غير رجل،" واحد أعجزنا شدا قاله ابن سعد، أي جريا، وقال ابن إسحاق: إلا رجلا واحدًا أفلت على رجليه، "ولم يصب من المسلمين أحد" ولله الحمد، ثم بهذا الذي سقناه من عند ابن سعد وابن إسحاق علم وجه قتلهم لهم بعد التأمين، لكونهم غدروا وما كان ينبغي للمصنف إسقاطه لإيهامه "ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم". زاد في رواية: فبينا هو يحدث أصحابه إذ قالوا: تمشوا بنا إلى الثنية لنبحث عن أصحابنا، فخرجوا معه، فلما أشرفوا عليها إذا هم بسرعان أصحابنا، فجلس صلى الله عليه وسلم في أصحابه فانتهينا إليه، فحدثناه الحديث، فقال: "قد نجاكم الله من القوم الظالمين" , وعند ابن عائذ وابن إسحاق: وتفل صلى الله عليه وسلم على شجة عبد الله بن أنيس، فلم تفلح، ولم تؤذه حتى مات، زاد في رواية: وقد كان العظم نغل بنون ومعجمة مكسورة ولام، فسد ومسح وجهي، ودعا لي، وقطع لي قطعة من عصاه، فقال: "أمسك هذه معك، علامة بيني وبينك يوم القيامة، أعرفك بها، فإنك تأتي يوم القيامة متحصرا"، فلما دفن عبد الله، جعلت معه على جلده دون ثيابه، ومر له مثل ذلك لما جاء برأس الهذلي، قيل: فيحتمل أن هذا وهم من بعض الرواة، وأنه لا مانع من تكرار إعطائه عصاه، وأنه جعل الصعوين بين جلده وكفنه والشارع، إذا خص بعض صحبه بشيء، لا يسأل لِمَ لَمْ يفعله مع بقية الصحابة، والله أعلم.

قصة عكل وعرينة

"قصة عكل وعرينة": سرية كرز بن جابر الفهري -بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي- ابن جابر الفهري، إلى العرنيين -بضم العين وفتح الراء المهملتين- حي من قضاعة، وحي من بجيلة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره ابن عقبة في المغازي. وذكر ابن إسحاق في المغازي: أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. وذكرها البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها. وعند الواقدي: في شوال منها

_ قصة عكل وعرينة: "سرية كرز بن جابر" القرشي "الفهري" بكسر الفاء نسبة إلى جده فهر بن مالك بن النضر، أحد الرؤساء من قريش، المستشهد يوم الفتح، وهو "بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي إلى العرنيين، بضم العين، وفتح الراء المهملتين" نسبة إلى عرينة، "حي من قضاعة وحي من بجيلة" بفتح الموحدة، وكسر الجيم وسكون التحتية، "والمراد هنا الثاني، كذا ذكره" أي كونهم من بجيلة، موسى "ابن عقبة في المغازي" وكذا رواه الطبراني عن أنس، ولعبد الرازق عن أبي هريرة، بإسناد ساقط، أنهم من بني فزارة، وهو غلط؛ لأن بني فزارة من مضر، لا يجتمعون مع عكل، ولا مع عرينة أصلا، ذكره الحافظ متصلا بقوله. "وذكر ابن إسحاق في المغازي" فليس كلامه مقابلا، كما قد يتوهمه غبي من المصنف، بل مستأنف لإفادة "أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت" ذو قرد عند ابن إسحاق في رواية البكائي "في جمادى الآخرة سنة ست"، فتكون هذه السرية عنده فيه لقوله فأتى بهم كرز، مرجع المصطفى من ذي قرد، وأما كون ذي قرد في ربيع، فهو قول ابن سعد، فلا يحصل عليه كلام ابن إسحاق، لأنه قائل بغيره. قال الحافظ: وأشار بعض أهل المغازي إلى أن قصة العرنيين متحدة مع غزوة ذي قرد، والراجح خلافه "وذكرها" أي: سرية العرنيين، "البخاري" وضعا "بعد الحديبية" وقبل خيبر، "وكانت" الحديبية "في" هلال "ذي القعدة منها"، أي: سنة ست، والبعدية صادقة، ببقية السنة، وبمحرم سنة سبع، لأنه سار إلى خيبر فيه. "وعند الواقدي" محمد بن عمر بن واقد، "كانت" هذه السرية "في شوال منها" من سنة

وتبعه ابن سعد وابن حبان. وفي البخاري -في كتاب المغازي- عن أنس أن ناسا من عكل -يعني بضم العين وسكون الكاف- وعرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فقالوا

_ ست "وتبعه" تلميذه "ابن سعد وابن حبان" وغيرهما، وزعم أن ضمير كانت للحديبية خلاف المنقول عن الواقدي وتابعيه، فالحاصل أن أصحاب المغازي اتفقوا على أنها سنة ست، واختلفوا في الشهر: جمادى أو شوال، وأما البخاري، فصنيعه يقتضي أنها في آخر الحجة، أو المحرم، ولا يشكل بأن المصطفى عاد من الحديبية في أواخر ذي الحجة، فلم يكن بالمدينة والسرية، خرجت وعادت، وهو بها كما زعم، لأنه لما عاد في أواخر الحجة، بعثها لما جاءه الخبر أول النهار، وعادت إليه لما ارتفع النهار، كما في حديث أنس عند البخاري ومسلم، لأن المحل قريب، فسارت وعادت في بعض يوم. "وفي البخاري في كتاب المغازي" والطهارة، والمحاربين، والجهاد، والتفسير، والديات من طرق عديدة، لكنه اختار المغازي، لأن سعيد بن أبي عروبة راويه، عن قتادة، "عن أنس" لم يشك، بل قال: "إن ناسا من عكل بضم العين" المهملة، "وسكون الكاف" فلام قبيلة من تيم الرباب، "وعرينة" بواو العطف، وللبخاري في الزكاة من عرينة فقط، وله في الجهاد والمحاربين من عكل فقط، وله في الطهارة من عكل أو عرينة بالشك. قال الحافظ: والصواب بالواو العاطفة، ويؤيده ما رواه أبو عوانة، عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل، ولا يخالفه ما للبخاري في الجهاد، والديات عن أنس، أن ناسا من عكل ثمانية، لاحتمال أن الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب. انتهى. قال شيخنا: لما قرأ البخاري، وهو جواب تام بالنسبة إلى العدو، ليس بتام بالنسبة لرواية عكل، ولم يقل: عرينة، ورواية عرينة ولم يقل: عكل، فإما أنه اكتفى بذكر إحدى القبيلتين عن الأخرى، أو تجوز بإحداهما إلى ما يشمل الأخرى، قلت: الحافظ أشار بقوله الصواب، رواية واو العطف إلى أن روايتي النقص نقص في السماع، فتقدم رواية من زاد، لأن معه زيادة علم، وهو ثقة زيادة مقبولة. "قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم" وللبخاري في المحاربين، فأسلموا، وله في الديات، فبايعوه على الإسلام، فكأنهم لم يثبتوا عليه، نزله هنا منزلة العدم، فقال: "وتكلموا بالإسلام". قال المصنف: أي تلفظوا بكلمة التوحيد، وأظهروا الإسلام. "فقالوا": بالفاء، كما رأيته في نسخ البخاري، ونقله عنه في الفتح، والمصنف في الطهارة بالفاء، وكذا في نسخ المواهب الصحيحة، فما في بعضها بالواو تحريف، وليست على فرض

يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل رديف، واستوخموا المدينة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراعي

_ صحتها للتفسير، بل استئنافية، لأن تلفظهم بالتوحيد غير قولهم: "يا نبي الله إن كنا أهل ضرع" بفتح المعجمة وسكون الراء، ماشية وإبل، قال المصنف, "ولم نكن أهل رديف، واستوخموا المدينة" أي: كرهوا الإقامة بها، لما فيها من الوخم، أو لم يوافقهم طعامها. وفي الطهارة والجهاد: فاجتووا المدينة بجيم وواوين. قال ابن العربي: وهو بمعنى استوخموا. وقال غيره: الجواء داء يصيب الجوف. وله في الطب: أن ناسا كان بهم سقم، فقالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا، قالوا: إن المدينة وخمة. قال الحافظ: والظاهر أنهم قدموا سقاما، فلما صحوا من السقم، كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم، فهو الهزال الشديد، والجهد من الجوع. فعند أبي عوانة، كان بهم هزال، مصفرة ألوانهم، وأما الوخم الذي شكا منه بعد أن صحت أجسامهم، فهو من حمى المدينة. ولمسلم عن أنس ووقع بالمدينة الموم، أي بضم الميم وسكون الواو. قال: هو البرسام، أي بكسر الموحدة سرياني معرب اختلال العقل، وورم الصدر، وهو المراد. فعند أبي عوانة: فعظمت بطونهم. "فأمرهم" ولأبي ذر لهم بزيادة لام، وكذا البخاري في المحاربين. قال الحافظ: فيحتمل أنها زائدة، أو للتعليل، أو لشبه الملك، أو الاختصاص وليست للتمليك. "رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود" بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو ودال مهملة، من الإبل ما بين الثلاثة إلى العشرة، "وراعي" بالياء. ورواية أبي ذر ولغيره: راع كقاض، أي فأمرهم أن يلحقوا بهما. وللبخاري أيضا: فأمرهم أن يلحقوا براعيه، وله أيضا: فأمرهم بلقاح. وعند أبي عوانة: أنهم بدءوا بطلب الخروج، فقالوا: يا رسول الله قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا لخرجنا إلى الإبل. وللبخاري في الجهاد: أنهم قالوا: يا رسول الله ابغنا رسلا، أي: اطلب لنا لبنا، قال: "ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود". وفي الديات: هذه نعم لنا تخرج فاخرجوا فيها، وظاهر هذا أن الإبل له صلى الله عليه وسلم، وصرح

وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم

_ بذلك البخاري في المحاربين، فقال: إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وله فيه أيضا وفي الزكاة: فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة. قال الحافظ: والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة وصادف بعثه صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء الخروج إلى الصحراء لشرب الألبان فأمرهم بالخروج مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المدينة تنفي خبثها". "وأمرهم أن يخرجوا فيه،" أي مع الذود لمصادفتهم خروج راعي المصطفى بإبله، فلا تخالف بين الروايات كما علمت، "فيشربوا من ألبانها وأبوالها" أي: الإبل. وله في الديات: فاشربوا من ألبانها وأبوالها بصيغة الأمر الصريح. وفي الزكاة: فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا، أي لأنهم أبناء سبيل. وأما لقاح المصطفى فبإذنه، وفيه حجة لمالك وأحمد ومن وافقهما على طهارة بول مأكول اللحم، نصا في الإبل وقياسا وفيه حجة لمالك وأحمد ومن وافقهما على طهارة بول مأكول اللحم، نصا في الإبل وقياسا في غيرها، فإنه لو كان نجسا ما أمرهم بالتداول، به، وقد قال: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها، رواه أبو داود وغيره، وخالفهم أبو حنيفة والشافعي والجمهور، فذهبوا إلى نجاسة الأبوال كلها، وحملوا الحديث على التداوي، فلا يفيد الإباحة في غير حال الضرورة، وحديث: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". على الاختيار، وإلا فلا حرمة كالميتة للمضطر، وفيه أنه لم يتعين طريقا للدواء. وقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعا: "إن في أبوال الإبل شفاء للذرية بطونهم، والذرب" بمعجمة، فساد المعدة، فهذا صريح أنه حالة الاختيار وهو يمنع حمل الحديث على ما ذكروه، وبسط الجدال يطول. "فانطلقوا" زاد في الديات: فشربوا، وفي الطهارة: وصحوا، وفي الجهاد: وسمنوا، وللإسماعيلي، ورجعت ألوانهم، "حتى إذا كانوا ناحية الحرة" بفتح الحاء المهملة وشد الراء أرض ذت حجارة سود بظاهر المدينة كأنها أحرقت بالنار، كانت بها الواقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية، "كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم". قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعيه عليه السلام، وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم لكن عنده من رواية عبد العزيز.

واستاقوا الذود. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم

_ وعند ابن حبان من رواية يحيى بن سعيد، كلاهما عن أنس، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم بصيغة الجمع، فيحتمل أن الإبل رعاة, فقتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على راعيه عليه السلام، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع وهذا أرجح، لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار، "و" ذلك أنهم لما "استاقوا" من السوق، وهو السير العنيف "الذود" أدركهم، فقاتلهم فقتلوه، ومثلوا به "فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم". وفي الجهاد: فجاء الصريخ بمعجمة فعيل بمعنى فاعل، أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم. قال الحافظ: ولم أقف على اسمه، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة وهو أحد الراعيين، كما في صحيح أبي عوانة، ولفظه: فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل، "فبعث الطلب في آثارهم" أي وراءهم، ويروى أنه قال: "اللهم أعم عليهم الطريق، واجعله عليهم أضيق من مسك جمل"، فعمى الله عليهم السبيل. وفي الطهارة: فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم. وعند الواقدي: فبعث في آثارهم، فغدوا فإذا هم بامرأة تحمل كتف بعير، فسألوها، فقالت: مررت بقوم قد نحروا بعيرا، فأعطوني هذا وهم بتلك المفازة، فساروا، فوجدوهم، فأسروهم، فلم يفلت منهم إنسان، فربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا المدينة، "فأمر بهم" صلى الله عليه وسلم "فسمروا أعينهم" بخفة الميم، ولأبي ذر بشدها. قال المنذري: والأول أشهر وأوجه. قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أنه بالراء، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز عن أنس وسمل بالتخفيف واللام. قال الخطابي: السمل فقء العين بأي شيء كان. قال أبو ذؤيب الهذلي: والعين بعدهم كان حداقها ... سملت بشوك فهي عورا تدمع قال: والسمر لغة في السمل ومخرجهما متقارب، وقد يكون من المسمار يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت. قلت: قد وقع التصريح بالمراد عند البخاري في الجهاد، وفي المحاربين، ولفظه: ثم أمر بمسامير، فأحميت فكحلهم بها، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف رواية اللام، لأنه فقء العين بأي شيء كان.

وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. وفي لفظ: وسمروا أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا. وفي لفظ: ولم يحسمهم، أي لم يكو مواضع القطع فينحسم الدم. وقال أنس: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة رواه مسلم. فيكون ما فعل بهم قصاصا.

_ "وقطعوا" بتخفيف الطاء "أيديهم" زاد في الطهارة: وأرجلهم، وللترمذي والإسماعيلي من خلاف، وبها رد الحافظ على الداودي قوله: قطع يدي كل واحد، ورجليه، "وتركوا في ناحية الحرة" لكونها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا "حتى ماتوا على حالهم" وللبخاري في الطهارة: فيستسقون لا يسقون. "وفي لفظ" عند البخاري في الديات: "وسمروا أعينهم"، أي: كحلوها بالمسامير المحمية، "بالنار "فينحسم الدم" بل تركه ينزف. "وقال أنس: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم، لأنهم سملوا أعين الرعاة" مر أن ذا الجمع إما مجاز عن المفرد، أو قتلوا من رعاة إبل الصدقة، "رواه مسلم". قال الحافظ: وقصر من اقتصر يعني اليعمري في عزوه للترمذي والنسائي "فيكون ما فعل بهم قصاصا"، كما مال إليه جماعة منهم ابن الجوزي تمسكا بهذا الحديث، وتعقبه ابن دقيق العيد، بأن المثلة وقعت فيهم من جهات، وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت القضية. قال الحافظ: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي، أنهم مثلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، كما رواه البخاري عن قتادة بلاغا، وأخرجه أبو داود، عن قتادة عن الحسن البصري، هن هياج بتحتية ثقيلة وجيم، ابن عمران بن حصين عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. قال ابن شاهين: هذا الحديث ينسخ كل مثلة، وتعقبه ابن الجوزي، بأنه يحتاج إلى تاريخ. قال الحافظ: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد، عن أبي هريرة في النهي، عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه. وقصة العرنيين قبل إسلامه، فقد حصل الإذن، ثم النهي.

وفي رواية أنهم كانوا ثمانية. وعند البخاري أيضا -في المحاربين- أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل. وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم

_ وروى قتادة عن ابن سيرين: أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود. وقال موسى بن عقبة: ذكروا أنه صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين عن الشافعي، واستشكل عياض عدم سقيهم للماء، للإجماع على أن من وجب عليه القتل، فاستسقى لا يمنع، وأجاب بأنه لم يقع عن أمره صلى الله عليه وسلم ولا وقع منه نهي عن سقيهم. قال الحافظ: وهو ضعيف جدا، لأنه اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم، وأجاب النووي، بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من معه ماء لطهارته لا يتيمم، بل يستعمله، ولو مات المرتد عطشا. وقال الخطابي: إنما فعل صلى الله عليه وسلم ذلك، لأنه أراد بهم الموت به، وقيل الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم الشفاء بها من الجوع والوخم، ولأنه صلى الله عليه وسلم دعا بالعطش على من عطش آل بيته رواه النسائي، فيحتمل أنهم تلك الليلة منعوا إرسال اللبن الذي كان يراح به من لقاحه كل ليلة، كما ذكره ابن سعد انتهى. "وفي رواية" عند البخاري في الجهاد من طريق أيوب. وفي الديات من طريق أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابة، عن أنس، "أنهم كانوا ثمانية"، ولفظه: أن رهطا، ولفظ الديات ناسا من عكل ثمانية، أو عرينة لرواية ابن جرير وأبي عوانة من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، فيحتمل أن الثامن ليس من القبيلتين، بل من أتباعهم فلم ينسب، كما مر على الحافظ، ثم اعلم أنه رواية البخاري في المحلين التي صرح فيها، بأنهم ثمانية لم يقع فيها وعرينة، بل اقتصر على عكل كما ترى، وإنما هي روايته في المغازي لكن لم يعدهم. "وعند البخاري أيضا في" كتاب "المحاربين" من صحيحه من طريق أبي قلابة عن أنس: "أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل" وتقديم هذه عقب تاريخ وقتها كما صنع الفتح أنسب. "وفي رواية" للبخاري في الطب عن ثابت "قال أنس: فلقد رأيت أحدهم" وفي رواية:

يكدم الأرض بفيه حتى مات. وعند الدمياطي وابن سعد أن اللقاح كانت خمسة عشر لقحة -بكسر اللام وسكون القاف- ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر. وفي صحيح مسلم: أن السرية كانت قريبا من عشرين فارسا من الأنصار. وروى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مولى يقال له: يسار

_ الرجل منهم، "يكدم" بكسر الدال وضمها، أي: يعض "الأرض بفيه" ولأبي عوانة يعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة "حتى مات". وللبخاري في الزكاة يعضون الحجارة حتى ماتوا، وزعم الواقدي أنهم صلبوا، والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة، فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين، كذا ذكر ستة فقط، فإن كان محفوظا فعقوبتهم كانت موزعة قاله الحافظ. "وعند الدمياطي وابن سعد: أن اللقاح" التي للنبي صلى الله عليه وسلم المعبر عنها تارة بلفظ: فأمرهم بلقاح، وأخرى بذود، وهي التي اقتصر عليها المصنف، والمعنى واحدة، فالذود إناث الإبل كاللقاح "كانت خمسة عشر" الذي في الفتح، وهو الأولى عن ابن سعد خمس عشرة "لقحة" ونحروا منها واحدة يقال لها الحناء، وهو في ذلك تابع للواقدي، وقد ذكره الواقدي في المغازي بإسناد ضعيف مرسل انتهى "بكسر اللام وسكون القاف" جمعها لقاح بلام مكسورة وآخره مهملة، وهي النوق ذوات الألبان، "ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر" ثم هي لبون، قاله أبو عمرو ومر له مزيد. "وفي صحيح مسلم" من رواية معاوية بن قرة عن أنس " أن السرية" التي بعثت في طلبهم "كانت قريبا من عشرين فارسا من" شباب "الأنصار" قال: وبعث معهم قائفا يقص آثارهم. قال الحافظ: ولم أقف على اسم القائف ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي أنهم كانوا عشرين، ولم يقل من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين منهم بريدة بن الحصيب وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع بن مكيث الجهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أن من لم يسمه الأنصار فأطلق الأنصار تغليبا، أو قيل للجمع أنصار بالمعنى الأعم انتهى. "وروى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مولى يقال له يسار"

فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاءوا -وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم- وغدوا على يسار فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين، أميرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال ابن كثير: غريب جدا. وروى ابن جرير عن محمد بن إبراهيم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة ... الحديث. وفيه قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفرا من

_ بتحتية فمهملة خفيفة. زاد ابن إسحاق: أصابه في غزوة بني ثعلبة، "فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة وجاءوا وهم مرضى موعوكون" اسم مفعول من وعكته الحمى صفة مبينة لمرضى، "قد عظمت بطونهم" وههنا حذف أي: فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى اللقاح، فلما صحوا ساقوها "وغدوا على يسار، فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه" قبل موته. فعند ابن سعد: ورواه الواقدي بسند مرسل: غدوا على اللقاح فاستاقوها، فأدركهم يسار فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه فمات، وصحف من قال: يديه ورجليه بالتثنية، لأنه خلاف الرواية بالإفراد، "فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين أميرهم كرز بن جابر" بن حسل بكسر الحاء وسكون السين المهملتين ولام، ابن الأحب بفتح المهملة وبموحدة ابن حبيب بن عمرو بن سنان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر، "الفهري" نسبة لجده فهر المذكور، "فلحقهم فجاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم" من خلاف "وسمر أعينهم". "قال ابن كثير": حديث "غريب جدا" وقد رواه الطبراني بإسناد صالح كما في الفتح، فلو عزاه له المصنف كان أولى. "وروى" محمد "بن جرير" الطبري الحافظ، "عن محمد بن إبراهيم" بن الحارث بن خالد التيمي المدني الثقة، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح، "عن جابر بن عبد الله" بن جابر "البجلي" الصحابي المشهور، مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: بعدها، "قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة ... الحديث، وفيه: قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفرا من

المسلمين حتى أدركناهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "النار"، حتى هلكوا. قال: وكره الله سمر الأعين، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية. وهو حديث غريب ضعيف. وفيه: أن أمير السرية جرير بن عبد الله البجلي. قال مغلطاي: وفيه نظر، لأن إسلام جرير كان بعد هذه بنحو أربع سنين.

_ المسلمين حتى أدركناهم" فجئنا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم "فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم" وإسناد الفعل فيه إليه عليه السلام مجاز بدليل رواية الصحيح، فأمر بقطع "فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "النار" حتى هلكوا" فنهى عن سقيهم، لأنهم ارتدوا عن الإسلام فلا حرمة لهم كالكلب العقور، فلا ينافي الإجماع على أن من وجب قتله لا يمنع سقي الماء، وهذا الحديث لو صح لرد قول عياض لم يكن منعهم بأمره ولا نهى عن سقيهم على أنه أطلع على ذلك وسكوته كاف في ثبوت الحكم، كما مر قريبا مع زيادات حسنة. "قال" جرير: "وكره الله سمر الأعين"، أي: أراد إظهار تحريمه لاستحالة الكراهة والبغضاء عليه سبحانه، وإنما يطلقان عليه باعتبار الغاية وهي هنا إرادة التحريم، "فأنزل الله تعالى هذه اآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] بمحاربة المسلمين "إلى آخر الآية" وهذا كما هو بين لا ينافي ما مر في أحد من نزول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] إلى آخر السورة، لما حلف المصطفى والصحابة أنهم إن قدروا على قريش ليزيدون عليهم لأنه لم يحرم فيها التمثيل كما زعم إنما قال: إن أردتموه فلا تزيدوا، وحرمة التمثيل إنما كانت بعد هذه القصة، كما في الحديث المرفوع، ومال إليه البخاري، وحكاه الإمام في النهاية عن الإمام الشافعي، كما مر قريبا مفصلا، "وهو حديث غريب ضعيف" جمع بينهما، لأن الغرابة تجامع الصحة والحسن، لأنها لتفرد الراوي فلا تستلزم الضعف، وقد اقتصر الحافظ على قوله إسناده ضعيف. انتهى. لكن له شاهد عن أبي هريرة نحوه, رواه عبد الرزاق، وعن أنس عند ابن جرير مثله. و"فيه" إفادة "أن أمير السرية جرير بن عبد الله البجلي" فيخالف ما رواه ابن إسحاق والأكثرون أن أميرها كرز، وهو المصرح به في حديث سلمة بن الأكوع على أن المعروف أن جريرا تأخر إسلامه ولذا "قال مغلطاي: وفيه نظر، لأن إسلام جرير كان بعد هذه" السرية "بنحو أربع سنين" في سنة الوفود سنة تسع على الصحيح، ووهم من قال: قبل موت المصطفى بأربعين يوما لما في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "استنصت الناس في حجة الوداع، وذلك قبل موته بأكثر من ثمانين يوما" ذكره الفتح في المناقب.

وفي مغازي ابن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء, وعند غيره: أنه سعد -بسكون العين- ابن زيد الأشهلي، وهذا أنصاري، فيحتمل أن يكون رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة. وأما قوله: فكره الله سمر الأعين فأنزل الله تعالى هذه الآية، فإنه منكر. فقد تقدم أن في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاة، فكان ما فعل بهم قصاصا والله أعلم. تنبيه: قال في فتح الباري: وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان.

_ "وفي مغازي ابن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد" بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي، أحد العشرة والسابقين إلى الإسلام "كذا عنده بزيادة ياء". قال الحافظ: "و" الذي "عنده غير أنه سعد بسكون العين، بن زيد" بن مالك بن عبد كعب ابن عبد الأشهل، "الأشهلي" العقبي البدري، "وهذا أنصاري" فيتقوى أنه هو لا سعيد المهاجري بما في مسلم أنهم من الأنصار، "فيحتمل أن يكون رأس الأنصار" فتجوز من أطلق أنه الأمير عن كونه عظيما فيهم، "وكان كرز أمير الجماعة" كلهم الأنصار والمهاجرين، "وأما قوله: فكره الله سمر الأعين وأنزل الله هذه الآية، فإنه منكر، فقد تقدم أن في صحيح مسلم" عن أنس "أنهم سملوا أعين الرعاة". قال في العيون: وأكثر ما في الآية مما تشعره إنما هو الاقتصار في حد الحرابة على ما فيها، أما من زاد عليها جنايات أر كهؤلاء حيث ارتدوا ومثلوا بالرعاة، فليس في الآية ما يمنع من التغليظ عليهم، أي بمثل ما فعلوه "فكان ما فعل بهم قصاصا" ليس بمثلة، فالمثلة كانت ابتداء بغير جزاء. انتهى. "والله أعلم" بما في نفس الأمر هل كان قصاصا، أو مثلة قبل النهي. "تنبيه: قال في فتح الباري" في كتاب الطهارة، "وزعم" عبد الواحد "ابن التين" السفاقسي "تبعا للداودي" أحمد بن نصر، كلاهما في شرح البخاري: "أن عرينة هم عكل،" وكأنهما حاولا الجمع بين رواية من اقتصر على عكل، ورواية من اقتصر على عرينة، "وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان عكل من عدنان، وعرينة من قحطان" لا يشكل بما مر أن عرينة حيان من قضاعة، وبجيلة هو المراد هنا لأن قحطان كما أفاده كلامه، ففي قول القاموس: بجيلة كسفينة، حي من معد نظر مع هذا، وفي هذه القصة كما قال الحافظ من الفوائد غير ما تقدم قدوم الوفود على الإمام ونظره في مصالحهم ومشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها، وأن كل جسد يطب بما اعتاد وقتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا: إن قتلهم كان قصاصا والمماثلة في القصاص، وأنه ليس من المثلة المنهي عنها، وثبوت حكم المحاربة في الصحراء، وأما في القرى ففيه خلاف، وجواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب وفي غيره قياسا عليه بإذن الإمام والعمل بقول القائف وللعرب في ذلك المعرفة التامة، انتهى والله تعالى أعلم.

بعث الضمري ليغتال أبا سفين

بعث الضمري ليغتال أبا سفين ... "بعث الضمري ليغتال أبا سفيان": ثم سرية عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب بمكة، لأنه أرسل للنبي صلى الله عليه وسلم من يقتله غدرا، فأقبل الرجل ومعه خنجر ليغتاله، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا يريد غدرا". فجذبه أسيد بن حضير بداخلة إزاره فإذا بالخنجر، فسقط في يده.

_ بعث الضمري ليغتال أبا سفيان: "ثم سرية عمرو بن أمية" بن خويلد بن عبد الله أبي أمية، "الضمري" الصحابي المشهور، أول مشاهده بئر معونة بالنون. مات بالمدينة في خلافة معاوية. قال أبو نعيم: قبل الستين "إلى أبي سفيان" صخر "بن حرب بمكة لأنه أرسل للنبي صلى الله عليه وسلم مَنْ", أي: رجلا "يقتله" قال ابن سعد: وذلك أبا سفيان قال لنفر من قريش ألا أحد يغتر محمدا فإنه يمشي في الأسواق، فأتاه رجل من الأعراب في منزله، فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا وأشدهم بطشا وأسرعهم شدا فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر فأسوره ثم آخذ في غير فأسير وأسبق القوم عدوا فإني هاد بالطريق قال: أنت صحبنا فأعطاه بعيرا ونفقة وقال: اطو أمرك فخرج ليلا، فسار على راحلته خمسا، وصبح ظهر الحرة صبح سادسة، ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دل عليه فعقل راحلته، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد بني عبد الأشهل "فأقبل الرجل ومعه خنجر" بفتح المعجمة، وكسرها فنون، فجيم مفتوحة فراء مثل خافية بخاء معجمة فألف ففاء مكسورة فتحتية مفتوحة فتاء تأنيث ريشة صغيرة في جناح النسر دون العشر ريشات من مقدم الجناح قال الأصمعي "ليغتاله" أي: يأخذه غفلة وهو معنى قوله: يغتر بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح الفوقية وشد الراء وأسوره بضم الهمزة، وفتح المهملة وكسر الواو الشديدة والراء وضمير الغائب, فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا ليريد غدرا". زاد في رواية البيهقي: "والله حائل بينه وبين ما يريد". فذهب لينحني على رسول الله صلى الله عليه وسلم "فجذبه أسيد" بضم الهمزة وفتح المهملة "ابن حضير" بضم المهملة وفتح المعجمة ابن سماك الأنصاري، الأشهلي أبو يحيى، الصحابي الجليل، المتوفى سنة عشرين أو إحدى وعشرين "بداخلة إزاره"

فقال صلى الله عليه وسلم: "اصدقني ما أنت"؟ , قال: وأنا آمن؟ قال: "نعم". فأخبره بخبره فخلى عنه صلى الله عليه وسلم. وبعث عمرو بن أمية ومعه سلمة بن أسلم، ويقال: جبار بن صخر إلى أبي سفيان، وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه، فدخلا مكة. ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبي سفيان

_ أي طرفه وحاشيته من داخل، قاله البرهان، ثم الشامي "فإذا بالخنجر فسقط في يده" لفظ سعد فأسقط في يديه بضم الهمزة وكسر القاف أي ندم وقال: دمي دمي أي: اتركوا أو خلوا فأخذ أسيد بلببه بلام فموحدتين أولاهما مفتوحة أي: منحره فذعته بمعجمة فمهملة ففوقية أي خنقه أشد الخنق, فقال صلى الله عليه وسلم: "اصدقني" بهمزة وصل وضم الدال "ما أنت" أي: ما صفتك أو خاطبه خطاب ما لا يعقل لأن هذا فعل ما لا يعقل قاله البرهان أو استعمل ما للعاقل على اللغة القليلة لكن لا يحمل عليها كلام سيد الفصحاء مع إمكان غيرها "قال: وأنا آمن؟ " بمد الهمزة وكسر الميم، قال: "نعم" , فأخبره بخبره فخلى عنه صلى الله عليه وسلم، زاد ابن سعد وغيره فأسلم وقال: يا محمد والله ما كنت أفرق الرجال بفتح الراء أي أخافهم فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي ثم اطلعت على ما هممت به مما لم يعلمه أحد فعرفت أنك ممنوع وأنك على حق وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان فجعل صلى الله عليه وسلم يتبسم، فأقام الرجل أياما ليستأذنه صلى الله عليه وسلم فخرج ولم يسمع له بذكر. قال البرهان: وهذا الرجل لا أعرف اسمه "وبعث عمرو بن أمية ومعه" في قول ابن سعد وشيخه الواقدي "سلمة بن أسلم" بن حريس بحاء مهملة فراء مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة وقد ينسب إلى جده الأنصاري الحارثي يكنى أبا سعيد ذكره ابن إسحاق فيهم شهد بدرا قال أبو حاتم: قتل يوم جسر أبي عبيد، "ويقال" بدل سلمة وهو قول ابن هشام وعزاه اليعمري لابن إسحاق لكن ابن هشام ذكر هذا البعث من زيادته، وأن ابن إسحاق لم يذكر "جبار" بفتح الجيم وشد الموحدة "ابن صخر" بن أمية الأنصاري السلمي العقببي البردي له حديث عند أحمد وغيره، وآخر عند ابن السكن وغيره, مات سنة ثلاثين عن ثنتين وستين سنة "إلى أبي سفيان، وقال: إن أصبتما منه غرة" بكسر الغين المعجمة وشد الراء وتاء تأنيث أي غفلة "فاقتلاه فدخلا مكة ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبي سفيان" كذا عند ابن سعد ومقتضاه أنه رآه حال الطواف، وعند ابن هشام وغيره فقدما مكة وجلسا بشعب ثم دخلا مكة ليلا فقال جبار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين فقال عمران: القوم إذا تغشوا وجلسوا بأفنيتهم وأنهم إن رأوني عرفوني فإني أعرف بمكة من الفرس الأبلق فقال: كلا إن شاء الله. قال عمرو: فأبى أن

فأخبر قريشا بمكانه، فخافوه وطلبوه، وكان فاتكا في الجاهلية، فحشد له أهل مكة وتجمعوا له. فهرب عمرو وسلمة، فلقي عمرو عبيد الله بن مالك التيمي فقتله، وقتل آخر، ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسسان الخبر، فقتل أحدهما وأسر الآخر، فقدم به المدينة. فجعل عمرو يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وهو يضحك.

_ يطيعني فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان فوالله إنا لنمشي بمكة إذ نظر إلى الرجل من أهلها فعرفني فقال عمرو بن مية: فوالله إن قدمها إلا لشر. فصريح هذا أنه لم يره إلا بعد خروجهما من الطواف في أزقة مكة فيحمل التعقيب في الأول على التراخي وإن كان بالفاء جمعا بينهما، كما حل الرجل المبهم في الثانية على معاوية للأولى، لأن الروايات يفسر بعضها بعضا "فأخبر قريشا بمكانه" أي: بكون أي: وجود عمرو بمكة، "فخافوه وطلبوه وكان فاتكا" بفاء فألف ففوقية مكسورة جريا "في الجاهلية" والفتك مثلث الفاء القتل على غفلة، "فحشد" أي: جمع "له أهل مكة، وتجمعوا" عطف تفسير، "فهرب عمرو وسلمة" لم يقل: أو جبار؛ لأنه ناقل كلام ابن سعد لم يزد عليه إلا حكاية القول بأنه جبار، "فلقي عمرو عبيد الله بن مالك" بن عبيد الله "التيمي" نسبة إلى تيم من قريش كذا سماه ابن سعد وقال ابن إسحاق: هو عثمان بن مالك أو عبد الله، "فقتله وقتل آخر" من بني الديل سمعه يتغنى ويقول: ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا هذا أسقطه المصنف من كلام ابن سعد، "ولقي رسولين لقريش" قال البرهان: لا أعرفهما ولا الآخر "بعثتهما" عينا إلى المدينة "يتجسسان الخبر فقتل أحدهما" بسهم "وأسر الآخر فقدم به المدينة فجعل عمرو يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وهو يضحك" ثم دعا له بخير، ولم يبين في رواية ابن سعد هذه التي اقتصر عليها المصنف تبعا لليعمري محل قتل هؤلاء، وعند ابن هشام وغيره بعد قوله السابق: إن قدمها إلا لشر، فقتل لصاحبي: النجاء فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا فيه، وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا. فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ويختلي عليها فغشينا ونحن في الغار فقلت: إن رآنا صاح بنا فأخذنا وقتلنا قال: ومعي خنجر قد أعددته لأبي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه ضربة، فصاح صيحة أسمع أهل مكة وأرجع فأدخل مكاني، وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك؟ فقال: عمرو بن أمية, وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا فاحتملوه. فقلت لصاحبي لما أمسينا: النجاء، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس وهم يحرسون جثة حبيب بن عدي، فقال أحدهم:

...........................

_ والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية، لولا أنه بالمدينة لقلت أنه عمرو بن أمية، فلما حاذى الخشبة شد عليها فاحتملها وخرجا شدا وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى الجثة في الجرف فغيبه الله عنهم، فلم يقدروا عليه فقلت لصاحبي النجاء ومضيت، ثم أويت إلى جبل فأدخل كهفا، فبينا أنا فيه دخل علي شيخ من بني الديل أعور في غنيمة له، فقال: من الرجل؟ قلت: من بني بكر فمن أنت؟ قال: من بني بكر. فقلت: مرحبا فاضطجع، ثم رفع عقيرته فقال: ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولا دان لدين المسلمينا فقلت في نفسي ستعلم ثم أمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي، فجعلت سيتها في عينه الصحيحة بكسر المهملة، وفتح التحتية ما عطف من طرفها، ثم تحاملت عليه حت بلغت العظم، ثم خرجت حتى جئت العرج، ثم سلكت حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش كانت بعثتهما عينا إلى المدينة. فقلت: استأسرا فأبيا فأرمي أحدهما بسهم واستأسر الآخر فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة. انتهى. وقد مر أنه صلى الله عليه وسلم بعث الزبير، والمقداد لإنزال خبيب فأنزلاه وخافا الطلب فألقياه فابتلعته الأرض, والله أعلم.

"أمر الحديبية": ثم الحديبية -بتخفيف الياء وتشديدها- وهي بئر سمي المكان بها، وقيل: شجرة، وقال المحب الطبري: قرية قريبة من مكة

_ أمر الحديبية: "ثم الحديبية" بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون التحتية وكسر الموحدة، ولم يقل: غزوة أو عمرة لتكون الترجمة محتملة، وقد ترجم البخاري غزوة ولأبي ذر عن الكشميهني عمرة بدل غزوة "بتخفيف الياء" عند الأكثر كالشافعي، والأصمعي، حتى قال ثعلب وهو أحمد بن يحيى لا يجوز فيها غيره، وقال النحاس: لم يختلف من أثق بعلمه في أنها مخففة "وتشديدها" عند كثير من المحدثين واللغويين، قال في الفتح وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف. وقال أبو عبيد البكري: أهل العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون. انتهى. "وهي بئر" كما ثبت في الصحيح عن البراء "سمي المكان بها وقيل: شجرة" سمي المكان بها فيحتمل أن المكان واد فدفعه بقوله: "وقال المحب الطبري: قرية" ليست كبيرة "قريبة" قال المصنف: على مرحلة, والشامي: نحو مرحلة, والمصباح: دون مرحلة "من مكة" سميت

أكثرها في الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة. خرج عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة للعمرة، وأخرج معه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة. ويقال: ألف وخمسمائة وقيل: ألف وثلاثمائة. والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة

_ بالبئر أو الشجرة "أكثرها في الحرم" وباقيها في الحل "وهي على تسعة أميال من مكة". وقال الواقدي: من المسجد فإن حمل عليه قدر مضاف "خرج عليه الصلاة والسلام" لأنه رأى في منامه أنه دخل البيت هو وأصحابه آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين، كما ذكره الواقدي. وأما ما رواه الفريابي وعبد بن حميد، والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين فلما نحر الهدي بالحديبية، قال أصحابه أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} الآية فهي رؤيا رآها بالحديبية تبشيرا من الله له ثانيا فلا يصلح جعلها سببا في خروجه من المدينة "يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة" عند الجمهور كالزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة, وابن إسحاق، وابن سعد, وغيرهم. قال في الفتح وجاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال وشذ في ذلك وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهور ومضى في الحج قول عائشة ما اعتمر إلا في ذي القعدة. انتهى. وقال ابن القيم قول هشام وهم إنما كانت غزاة الفتح في رمضان. وقد قال أبو الأسود عن عروة في ذي القعدة على الصواب, وفي الصحيحين عن أنس اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة فذكر منها عمة الحديبية "للعمرة". قال الزهري: لا يريد قتالا، قال ابن إسحاق واستنفر العرب من البوادي ومن حوله من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش أن يتعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق من العرب، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرا للبيت ومعظما له، "وأخرج معه زوجته أم سلمة في ألف وأربعمائة"، كما في الصحيحين من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ومن طريق عمرو بن دينار عن جابر، "ويقال: ألف وخمسمائة" كما فيهما من طريق سعيد بن المسيب عن جابر وابن أبي شيبة عن مجمع بن جارية، "وقيل: ألف وثلاثمائة"، كما في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى، فليس مراد المصنف تضعيفهما، بل مجرد الحكاية، ولذا قال: "والجمع بين هذا الاختلاف" كما قال في الفتح "أنهم كانوا أكثر من ألف

فمن قال: ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألف وأربعمائة ألغاه، ويؤيده رواية البراء: ألف وأربعمائة أو أكثر. واعتمد على هذا الجمع النووي. وأما رواية ألف وثلاثمائة فيمكن حملها على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة مائتين لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة. وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافقه أحد عليه، لأنه قاله استنباطا من قول جابر: نحرنا عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا غير البدن

_ وأربعمائة. فمن قال: ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: ألف وأربعمائة ألغاه". "ويؤيده رواية" البخاري من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء" أنهم كانوا "ألفا وأربعمائة أو أكثر" فأو بمعنى بل فيظهر وجه الجمع، ولعل وجه من زاد عد من تبعه بعد خروجه من الأعراب أو على بابها، فالجمع على تقدير الكثرة، ويكفي في الجمع احتمال الزيادة "واعتمد على هذا الجمع النووي" لصحة الروايات كلها. ومال البيهقي إلى الترجيح وقال: رواية ألف وأربعمائة أصح لاتفاق البراء وجابر وسلمة بن الأكوع ومعقل بن يسار والمسيب بن حزن عليه ثم أسنده عنهم. قال ابن القيم: والقلب إليه أميل، "وأما رواية" ابن أبي أوفى "ألف وثلاثمائة فيمكن حملها على ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة مائتين" لو حذفها كان أولى ليشمل ألفا على ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة مائتين" لو حذفه كان أولى ليشمل ألفا وأربعمائة، لكنها تصحفت على المصنف حين نقل من الفتح، ولفظه زيادة ناس بنون فألف فسين مهملة "لم يطلع هو عليهم والزيادة من الثقة مقبولة" فلا تعارضها رواية من نقص عنها. زاد الحافظ أو العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة والزيادة عليها من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم. "وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه لأنه قاله استنباطا من قول جابر نحرنا البدنة عن عشرة وكانوا نحروا سبعين بدنة" لما تحللوا، "وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا". هكذا في النسخ الصحيحة ويقع حذف ما في نسخ من تحريف النساخ والأول الصواب الموافق لقول الفتح وأتباعه لم ينحروا "غير البدن" من بقر وغنم لمن زاد على السبعمائة التي

مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا. وجزم موسى بن عقبة: بأنهم كانوا ألفا وستمائة. وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع: ألف وسبعمائة. وحكى ابن سعد: ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ولم يخرج معه بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب.

_ نحروها عنها "مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا" فيجوز أن الزائد على سبعمائة لم يحرموا فهو جواب ثان وكأن الجوابين من باب التنزل وإلا فقد قال ابن القيم: إنه غلط بين، وقول جابر لا يدل له فإنه صرح أن البدنة في هذه العمرة عن سبعة فلو كانت السبعون عن جميعهم كانوا أربعمائة وتسعين وقد قال في تمام الحديث بعينه أنهم كانوا ألفا وأربعمائة انتهى. "وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفا وستمائة، وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع"، أنهم "ألف وسبعمائة" فهو خبر إن المقدرة بلا كان وإلا فالظاهر رسمه بالألف وهو الذي في الفتح، "وحكى" وفي نسخة وعند "ابن سعد" أنهم كانوا "ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين". قال الحافظ وهذا إن ثبت تحرير بالغ ثم وجدته موصولا عن ابن عباس عند ابن مردويه، وفيه رد على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وإنما ذكره بالحدس والتخمين، "واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم" ويقال: أبو رهم كلثوم بن الحصين حكاهما البلاذري. قال وقوم يقولون استخلفهما جميعا. وكان ابن أم مكتوم على الصلاة. وقال ابن هشام ومن تبعه استخلف نميلة تصغير نملة، ابن عبد الله الليثي فيحتمل أنه استخلفه وكلثوما على المصالح والإمام ابن أم مكتوم. "ولم يخرج" بضم الياء وكسر الراء أي النبي صلى الله عليه وسلم "معه" أحدًا فحذف المفعول لأنه فضلة "بسلاح" وهو ما يقاتل به في الحرب، ويدافع والتذكير أغلب من التأنيث كما في المصباح، ويجوز بناؤه للمفعول لكنه قليل الإنابة الجار والمجرور مع وجود المفعول المحذوف تخفيفا. فالأول أظهر وأولى "إلا سلاح" بالجر، بدل من سلاح "المسافر السيوف"، بدل من سلاح، وصح إبداله وإن كان لفظ سلاح مفردا؛ لأنه اسم جنس شامل للواحد وغيره. وأما الجمع في خذوا حذركم وأسلحتكم، فباعتبار الأفراد ويجوز نصب سلاح المسافر على الاستثناء، فالسيوف بالنصب أيضا "في القرب" بضمتين جمع قراب ويجمع أيضا على أقربة.

وفي البخاري -في المغازي- عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي، وأشعر وأحرم منها. وفي رواية: أحرم منها

_ "وفي البخاري في" الحديث الثامن من كتاب "المغازي" في هذه الغزوة، "عن المسور" بكسر الميم وسكون المهملة "ابن مخرمة" بفتح الميم وسكون المعجمة ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي، الزهري له ولأبيه صحبة مات سنة أربع وستين، "ومروان بن الحكم" بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أبو عبد الملك ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة لا تثبت له صحبة. "قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية" قال الحافظ: هذا مرسل فمروان لا صحبة له والمسور لم يحضر القصة وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط من طريق أخرى عن الزهري عن عروة أنه سمع المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بعض الحديث، وقد سمعا جمعا صحابة شهدوا هذه القصة كعمر، وعثمان، وعلي، والمغيرة، وأم سلمة، وسهل بن حنيف وغيرهم "في بضع عشرة مائة" هكذا في نسخ، وهو الثابت في البخاري، وهو واضح لأن الهاء تثبت في بضع مع المذكر وتحذف مع المؤنث كما في المصباح وهو هنا عشرة، ويقع في بعض نسخ المصنف بعض عشر بلا هاء فيهما، فإن كانت رواية فلعل حذف الهاء من بضع نظرا للفظ مائة ومن عشرة لكون المعدود رجالا لأن العشرة تجري على القياس أفردت أو ركبت "من أصحابه" وكان معهم مائتا فارس. وفي رواية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ: ويجمع أيضا يعني بين هذه الرواية والسابقات بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وما زاد على ذلك كانوا غائبين عنها كمن توجه مع عثمان، على أن لفظ بضع يصدق على الخمس والأربع فلا تخالف، "فلما كان بذي الحليفة"، ميقات أهل المدينة، "قلد الهدي" بأن علق في عنقه شيئا وهو نعل ليعلم أنه هدى "وأشعر" بأن ضرب صفحة السنام اليمني بحديدة فلطخها بدمها إشعارا بأنه هدى أيضا، قاله المصنف "وأحرم منها" فقلد المسلمون بدنهم وأشعروها. "وفي رواية" للبخاري أيضا في المغازي وهو الخامس والعشرون عن مسور ومروان أيضا قالا: خروج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليف قلد الهدي وأشعره و"أحرم منها" بعدما صلى ركعتين وركب من باب مسجد ذي الحليفة، فلما

بعمرة, وبعث عينا له من خزاعة. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك من مكة.

_ انبعثت به راحلته مستقبل القبلة أحرم "بعمرة" إعلاما بأنه لم يخرج لحرب، "وبعث عينا" أي جاسوسا "له من خزاعة" وهو بسر بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح كما قال الحافظ: هكذا جزم به ابن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما، إلا أنه وقع لابن إسحاق بكسر الباء وإعجام الشين ورده عليه ابن هشام ووقع عند ابن أبي شيبة تسمية العين ناجية. قال الحافظ: والمعروف أن ناجية اسم الذي بعث معه الهدي كما جزم به ابن إسحاق وغيره انتهى. واختار بعث بسر بن سفيان، بن عمر وهذا لقرب عهده بالإسلام، لأنه أسلم في شوال فلا يظنه من رآه عينا فلا يؤذيه. "وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير" بفتح الغين المعجمة وكسر الدال المهملة "الأشطاط"، زاد أحمد قريبا من عسفان بشين معجمة وطاءين مهملتين جمع شط وهو جانب الوادي كما جزم به صاحب المشارق ووقع في بعض نسخ أبي ذر بطاءين معجمتين قاله الفتح. قال المصنف: وهو موضع تلقاء الحديبية "أتاه عينه فقال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش" بحاء مهملة وموحدة آخره معجمة جمع أحبوش بضم الهمزة والباء وهم بنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناة وبنو المصطلق من خزاعة، كانوا تحالفوا مع قريش, قيل: تحت جبل يقال له: الحبشي أسفل مكة، وقيل: سموا بذلك لتحبشهم أي: تجمعهم والتحبش التجمع والحباشة الجماعة. وروى الفاكهي عن عبد العزيز بن أبي ثابت أن ابتداء حلفهم مع قريش كان على يد قصي بن كلاب، "وهم مقاتلوك وصادوك" بشد الدال "عن البيت، ومانعوك من" الدخول إلى "مكة"، وعند ابن إسحاق قال الزهري: وخرج صلى الله عليه وسلم فلقيه بعسفان بسر، فقال: هذه قريش قد سمعت بمسير فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمر، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وعند ابن سعد وبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صده عن مكة وعسكروا ببلد بفتح الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة، ثم حاء مهملة موضع خارج مكة. وأخرج الخرائطي في الهواتف عن ابن عباس لما توجه صلى الله عليه وسلم عام الحديبية قدم عليه بسر بن سفيان الكعبي، فقال: يا بسر هل عندك علم إنْ أهل مكة علموا بمسيري فقال: إني لأطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا وقريش في أنديتها إذ صرخ صارخ من أعلى جبل أبي قبيس

فقال: "أشيروا عليّ أيها الناس، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت". وفيه: قال أبو بكر: يا رسول الله! خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم الله".

_ بصوت أسمع أهل مكة: هبوا لصاحبكم مثلى صحابته ... سيروا إليه وكونوا معشرا كرما بعد الطواف وبعد السعي في مهل ... وأن يحوزهم من مكة الحرما شاهت وجوههم من معشر ثكل ... لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما فارتجت مكة وتعاقدوا أن لا تدخل عليهم عامهم هذا، فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا الهاتف سلفع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله إن شاء الله". فبينما هم كذلك سمعوا من أعلى الجبل صوتا: شاهت وجوه رجال حالفوا صنما ... وخاب سعيهم ما أقصر الهمما إني قتلت عدو الله سلفعة ... شيطان أوثانكم سحقا لمن ظلما وقد أتاكم رسول الله في نفر ... وكلهم محرم لا يسفكون دما فإن ثبت هذا فكأنه لما أخبره بعثه عينا، هل اجتمعوا فذهب وعاد مخبرا له باجتماعهم, فقال: "أشيروا عليّ أيها الناس أترون" بتفح التاء "أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء" الكفار "الذين يريدون أن يصدونا عن البيت" فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين "وفيه" عقب ما ذكرته، وما كان الكتاب يزيد به ومحروبين بالواو والموحدة أي مسلوبين منهوبين الأموال والعيال. وفي رواية أحمد أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله. وفي رواية: "أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه"؟ , "قال أبو بكر" زاد أحمد: الله ورسوله أعلم "يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له" للبيت، "فمن صدنا عنه قاتلناه" قال الحافظ، والمراد أنه صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه هل يخالف الذين نصورا قريشا إلى مواضعهم فيسبي أهلهم فإن جاءوا إلى نصرهم اشتغلوا بهم، وانفرد هو وأصحابه بقريش وذلك المراد بقوله يكون عنقا قطعه الله، فأشار عليه الصديق بترك القتال والاستمرار على ما خرج له من العمرة حتى يكون بدء القتال منهم فرجع إلى رأيه وقال: "امضوا على اسم الله" , ويروى أن المقداد بن عمرو الشهير بابن الأسود؛ لأنه تبناه قال نحو مقالته يوم

وزاد أحمد: كان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط، كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية للبخاري: حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين".

_ بدر بعد كلام أبي بكر إنا والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فقال صلى الله عليه وسلم: $"فسيروا على اسم الله تعالى". "وزاد أحمد" عن عبد الرزاق وساقه ابن حبان من طريقه قال: قال معمر: قال الزهري: "كان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم" امتثالا لقول ربه: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} . قال الحافظ: وهذا القدر حذفه البخاري لإرساله لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة. "وفي رواية للبخاري" في كتاب الشروط: حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور ومروان قالا: خرج صلى الله عليه وسلم ومن الحديبية "حتى إذا" هي رواية أبي ذر ولغيره بحذف إذا "كانوا ببعض الطريق" وهو عسفان، كما عند ابن إسحاق, قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن خالد بن الوليد" المخزومي سيف الله الذي سله بعد قريب جدا على المشركين "بالغميم" بفتح المعجمة وكسر الميم، وحكى عياض تصغيره، وكذا وقع في شعر جرير والشماخ قال محد بن حبيب موضع قريب من مكة بين رابغ والجحفة، وقول المحب الطبري يظهر أن المراد كراع الغميم وهو موضع بين مكة والمدينة، رده الحافظ بأن سياق الحديث ظاهر في أنه كان قريبا من الحديبية، فهو غير كراع الغميم فتعين قول ابن حبيب "في خيل لقريش" بين ابن سعد أنهم مائتا فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل "طليعة" وهي مقدمة الجيش قال المصنف: بالنصب حال ولأبي ذر بالرفع انتهى. وعند ابن أبي شيبة وابن إسحاق عن الزهري: فقال له عينه هذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم والجمع سهل جدا، بأنه لما أخبره عنه بذلك قال: ذلك ليسلكوا طريقا غير طريقهم، كما قال: "فخذوا ذات اليمين" وفي رواية ابن إسحاق: "من رجل يخرج بنا على غير طريقهم التي هم بها"؟ فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله! فسلك بهم طريقا وعرا فخرجوا منه بعد أن شق عليهم وأفضوا إلى طريق سهلة فقال لهم: "قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه". فقالوا ذلك, فقال: "والله إنها اللحظة التي عرضت على بني

فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته، فقال الناس: حل حل

_ إسرائيل فلم يقولوها". وسمى ابن سعد السالك بهم حمزة بن عمرو الأسلمي. وعند ابن إسحاق فقال صلى الله عليه وسلم: "واسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض" بفتح الحاء المهملة وإسكان الميم وبالضاد المعجمة اسم موضع من طريق تخرجه على ثنية المرار بكسر الميم وخفة الراء مهبط الحديبية من أسفل مكة، فسلك الجيس ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش وهو معنى قوله "فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة" أي حتى فاجأهم قترة "الجيش" بفتح القاف والفوقية قال المصنف وسكنها في الفرع أي غبار الجيش الأسود، وكذا قيد به الحافظ وتبعه المصنف، وفي القاموس القتر والقترة محركتين والقترة بالفتح الغبرة انتهى. فلم يقيد وهو صريح في أن القتر ليس جمعا وفي النورانة جمع قترة، "فانطلق" خالد حال كونه "يركض" يضرب برجله دابته استعجالا للسير حال كونه "نذيرا" منذرا "لقريش" بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر هذا الحديث الصحيح أنه بمجرد رؤيته انطلق نذيرا. وعند ابن سعد وغيره أن خالدا دنا في خيله حتى نظر المصطفى والصحابة وصف خيله بينهم وبين القبلة فأمر صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فتقدم في خيله، فقام بإزائه فصف أصحابه وحانت الظهر فصلاها بهم صلى الله عليه وسلم فقال خالد: قد كانوا على غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم، ولكن تأتي الساعة صلاة أخرى هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم فنزل جبرل بين الظهر والعصر بقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} الآية, فحانت العصر فصلى صلاة الخوف، فإن أردت الترجيح فما في الصحيح أصح أو الجمع أمكن أن انطلاقه بعدما صف أصحابه، ووقف إلى العصر حتى أيس من إصابة المسلمين، "وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية" أي ثنية المرار بكسر الميم وتخفيف الراء، طريق في الجبل تشرف على الحديبية، وزعم الدوادي أنها الثنية التي بأسفل مكة وهو وهم قاله الفتح "التي يهبط" بضم أوله، وفتح ثالثه مبنيا للمفعول "عليهم" أي قريش "منها بركت" به عليه السلام "راحلته" ناقته القصواء "فقال الناس حل حل" بفتح الحاء، وسكون اللام فيهما كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. وقال الخطابي: إن قلت حل واحدة، فبالسكون وإن أعدتها تؤنث الأولى، وسكنت الثانية، وحكى غيره السكون فيهما والتنوين، كنظيره في بخ بخ. يقال: حلحلت فلانا إذا أزعجته عن موضعه, ذكره الحافظ.

فألحت -يعني تمادت على عدم القيام- فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذلك أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة، وصدتهم قريش لوقع بينهم القتال المفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل، لكن سبق في علم الله أنه سيدخل في الإسلام منهم خلق، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون. انتهى.

_ قال المصنف: لكن الرواية بالسكون فيها. انتهى. "فألحت" بفتح الهمزة وتشديد الحاء المهملة من الإلحاح. قال المصنف تبعا للفتح يعني تمادت على عدم القيام"، فلم تبرح من مكانها، فليس التفسير مدرجا في الحديث. "فقالوا: خلأت" بخاء معجمة، ولام وهمزة مفتوحات، أي حرنت وبركت من غير علة "القصواء" بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الواو مهموز اسم ناقته صلى الله عليه وسلم "خلأت القصواء" مرتين قيل كان طرف أذنها مقطوعا والقصور قطع طرف الأذن يقال بعير أقصى وناقة قصواء، وكان القياس القصر، كما في بعض نسخ أبي ذر، وزعم الداودي أنها كانت لا تسبق، فقيل لها: القصواء، لأنها بلغت من السبق أقصاه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما خلأت القصواء" قال الحافظ الخلاء بالمعجمة والمد للإبل كالحران للخيل، وقال ابن قتيبة لا يكون الخلاء إلا للنوق خاصة، وقال ابن فارس: لا يقال للجمل خلأ لكن ألح "وما ذاك لها بخلق" بضم الخاء المعجمة واللام أي ليس إخلاؤها بعادة كما حسبتم "ولكن حبسها" أي القصواء "حابس الفيل". زاد ابن إسحاق عن مكة "أي حبسها الله" عز وجل "عن دخول مكة، كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذلك" أي التشبيه بقصة الفيل، كما قال الحافظ: "أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة، وصدتهم قريش لوقع بينهم القتال المفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل" وأصحابه "لكن سبق في علم الله" في الموضعين "أنه سيدخل في الإسلام خلق منهم، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون" وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكة لما أمن أن يصاب منهم ناس بغير عمد، كما أشار إليه في قوله تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُون} الآية, "انتهى".

ثم قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".

_ ما فصل به الحديث من حكمة حبس الناقة، واستبعد المهلب جواز حابس الفيل على الله، فقال المراد: حبسه أمر الله، وتعقب أنه يجوز إطلاق ذلك في حق الله. فيقال حبسها الله حابس الفيل، وإنما الذي يمكن أن يمنع تسميته سبحانه حابس الفيل ونحوه، كذا أجاب ابن المنير وهو مبني على الصحيح من أن الأسماء توقيفية، وقد توسط الغزالي وطائفة فقالوا: محل المنع ما لم يرد نص بما يشتق منه بشرط أن لا يكون ذلك الاسم المشتق مشعرا بنقص فيجوز تسميته الواقي لقوله تعالى: {وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر: 9] ، ولا يجوز تسميته البناء وإن ورد قوله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} ، وفي هذه القصة جواز التشبيه من الجهة العامة، وإن اختلفت الجهة الخاصة لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حق محض، ولكن جاء التشبيه من جهة إرادة الله منع الحرم مطلقا. أما من أهل الباطل فواضح وأما من أهل الحق فللمعنى المتقدم وفيه رب المثل واعتبار من بقي بمن مضى، واستدل بعضهم بهذه القصة لمن قال من الصوفية علامة الإذن التيسير وعكسه وفيه نظر. قال ابن بطال وغيره وفيه جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلبا لغرتهم والسفر وحده للحاجة والتنكب عن الطريق السهل إلى الوعرة للمصلحة، والحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره وإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله، لأن خلاء القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحا، ولم يعاتبهم صلى الله عليه وسلم على ذلك لعذرهم والتصرف في ملك الغير بالمصلحة بغير إذنه الصريح إذ سبق منه ما يدل على الرضا بذلك، لأنهم زجروها بغير إذن ولم يعاتبهم انتهى. من فتح الباري "ثم قال صلى الله عليه وسلم" عقب قوله: "حابس الفيل": "والذي نفسي بيده" فيه تأكيد القول باليمين ليكون أدعى إلى القبول، وقد حفظ عنه صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعا، قاله ابن القيم في الهدي "لا يسألوني" أي قريش، ولأبي ذر لا يسألونني بنونين على الأصل "خطة" بضم الخاء المعجمة وشد الطاء المهملة، أي: خصلة "يعظمون فيها حرمات الله" أي من ترك القتال في الحرم والجنوح إلى السلم والكف عن إراقة الدماء قاله الخطابي. وفي رواية ابن إسحاق لا يدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم وهي من حرمات الله "إلا أعطيتهم إياها" أي: أجبتهم إليها وإن كان فيها تحمل مشقة، وقيل المراد

ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء -يعني حفرة فيها ماء قليل- يتربضه الناس تبرضا -أي يأخذونه قليلا قليلا- فلم يلبثه الناس

_ حرمة الحرم والشهر والإحرام قال الحافظ: وفي الثالث نظر لأنهم لو عظموا الإحرام لما صدره قال السهيلي: لم يقع في شيء من طرق الحديث أنه قال: إن شاء الله مع أنه مأمور بها في كل حالة، وأجاب بأنه كان أمرا واجبا حتما فلا يحتاج فيه إلى الاستثناء، وتعقب بأنه تعالى قال في هذه القصة {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] . فقال: إن شاء الله مع تحقق وقوع ذلك تعليما وإرشادا، فالأولى أن يحمل على أن الاستثناء سقط من الراوي أو كانت القصة قبل نزول الأمر بذلك، ولا يعارضه أن الكهف مكية إذ لا مانع أن يتأخر نزول بعض السورة، كذا في الفتح، والجوابان اللذان "قال إنهما الأولى مذكوران في الروض عن غيره، وسلمهما البرهان فقال: ما قاله حسن مليح "ثم زجرها" أي الناقة "فوثبت" بمثلثة آخره فوقية أي: قامت "قال فعدل عنهم" في رواية ابن سعد فولى راجعا "حتى نزل بأقصى الحديبية". وفي رواية ابن إسحاق، ثم قال للناس: "انزلوا" قالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه "على ثمد" بفتح المثلثة والميم ودال مهملة "قليل الماء"، وفسره المصنف كغيره بقوله: "يعني حفرة فيها ماء قليل" يقال ماء مثمود أي: قليل فقوله: قليل الماء تأكيد لدفع توهم أن يراد، لغة من يقول الثمد الماء الكثير، وقيل: الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء ويذهب في الصيف كذا في الفتح، وعورض بأنه إنما يتوجه إن ثبت لغة أن الثمد الماء الكثير، واعترض الدماميني قوله تأكيد بأنه لو اقتصر على قليل أمكن أم مع إضافته إلى الماء فيشكل، وكذلك إنا نقول هذا ماء قليل الماء نعم. قال الراوي: في الثمد العين، وقال غيره حفرة فيها ماء فإن صح فلا إشكال "يتبرضه" بتحتية ففوقية فموحدة فراء مشددة فضاد معجمة "الناس تبرضا". قال المصنف نصب على أنه مفعول مطلق من باب التفعيل للتكلف، "أي يأخذونه قليلا قليلا" قال الحافظ البرض بالفتح والسكون اليسير من العطاء، وقال صاحب العين هو جمع الماء بالكفين، وذكر أبو الأسود عن عروة وسبقت قريش إلى الماء ونزلوا عليه ونزل صلى الله عليه وسلم الحديبية في حر شديد وليس به إلا بئر واحدة، "فلم يلبثه الناس" قال الحافظ بضم أوله وسكون اللام من الإلباث، وقال ابن التين بضم أوله وكسر الموحدة المثقلة أي: لم يتركوه يلبث أي يقيم وقال المصنف: بضم أوله وفتح اللام وشد الموحدة وسكون المثلثة في الفرع، وأصله مصححا عليه

حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.

_ "حتى نزحوه" بنون فزاي فحاء مهملة أي لم يبقوا منه شيئا. يقال: نزحت البئر على صيغة واحدة في التعدي واللزوم قال الحافظ: ووقع في شرح ابن التين بفاء بدل الحاء ومعناهما واحد، وهو أخذ الماء شيئا بعد شيء إلى أن يبقى منه شيء، "وشكي" بضم أوله مبني للمفعول "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش" بالرفع نائب الفاعل، "فانتزع" أخرج "سهما من كنانته" بكسر الكاف جعبته التي فيها النبل، "ثم أمرهم أن يجعلوه فيه" في الثمد. قال الحافظ في المقدمة: روى ابن سعد من طريق أبي مروان حدثني أربعة عشرة رجلا من الصحابة بالأنصار أن الذي نزل البئر ناجية بن الأعجم وقيل: هو ناجية بن جندب وقيل: البراء بن عازب، وقيل: عبادة بن خالد. حكاه عن الواقدي ووقع في الاستيعاب خالد بن عبادة، وقال في الفتح: يمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره، "فوالله ما زال يجيش" بفتح أوله وكسر الجيم آخره معجمة أي يفور "بالري". قال الحافظ: بكسر الراء ويجوز فتحها "حتى صدروا عنه" أي رجعوا رواء بعد ورودهم. زاد ابن سعد حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسا على شفير البئر، وكذا في رواية أبي الأسود عن عروة وعند ابن إسحاق فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن. وفي حديث البراء عند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال: " دعوها ساعة" فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا ويمكن الجمع بأن الأمرين وقعا معا، وقد روى الواقدي عن أوس بن خولي: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في الدلو، ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها، وهكذا ذكر أبو الأسود عن عروة وهذه القصة غير القصة التي في حديث جابر عند الشيخين قال: عطش الناس يوم الحديبية وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوة يتوضأ منها، فأقبل الناس نحوه، فقال: "ما لكم" قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، وجمع ابن حبان بينهما بأن ذلك وقع في وقتين, وكان ذلك قبل قصة البئر وسيأتي في الأشربة يعني من كتاب البخاري بيان أن حديث جابر كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك، ويحتمل أن الماء لما تفجر من أصابعه ويده في الركوة وتوضئوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصب الماء الباقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها، وقد أخرج أحمد حديث جابر وفيه: فجاءه رجل بإداوة فيها شيء من ماء ليس في

فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة, وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة

_ القوم ماء غيره فصبه صلى الله عليه وسلم في قدح، ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم انصرف وترك القدح فتزاحم الناس عليه، فقال: "على رسلكم" فوضع كفه في القدح ثم قال: "أسبغوا الوضوء". قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه. وفي حديث زيد بن خالد أنهم أصابهم مطر بالحديبية، فكان ذلك وقع بعد القصتين المذكورتين, والله أعلم, وفي هذا معجزات ظاهرة وفيه بركة سلاحه وما ينسب إليه صلى الله عليه وسلم. انتهى. من الفتح في موضعين وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودة لمزيد الكلام على ذلك في المعجزات "فبينما" بالميم الزائدة للكشميهني بإسقاطها وبين مضافة الجملة "هم كذلك" تقدير مضاف أي أوقات "إذ جاء بديل" بالموحدة والتصغير "ابن ورقاء" بفتح الواو وسكون الراء بالقاف والمد ابن عمرو بن ربيعة "الخزاعي" بضم الخاء وبالزاي نسبة إلى خزاعة قبيلة من الأزد الصحابي المشهور كان سيد قومه. قال أبو عمر: أسلم يوم الفتح بمهر الظهران. قال ابن إسحاق: وشهد بديل حنينا والطائف وتبوك وكان من كبار مسلمة الفتح وقيل: أسلم قبل الفتح. وقال ابن منده وأبو نعيم أسلم قديما "في نفر من قومه". قال الحافظ: سمى الواقدي منهم عمرو بن سالم وخراش بن أمية وفي رواية أبي الأسود عن عروة منهم خارجة بن كرز ويزيد بن أمية انتهى. فقصر البرهان في قوله لا أعرفهم أو مراده جميعهم "من خزاعة" أتى به مع علمه من إضافة قوم إلى ضميره لدفع توهم أن يراد، معاشروه ومخالطوه وإن لم يكونوا من خزاعة. "وكانوا" قال شيخنا: أي خزاعة وذكر باعتبار الحي وقال المصنف أي بديل والنفر الذين معه لكن يؤيد شيخنا أن الروايات تفسر بعضها. وقد رواه ابن إسحاق بلفظ: وكانت خزاعة "عيبة" بفتح المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة ما يوضع فيه الثياب لحفظها أي: أنهم موضع "نصح" بضم النون. وحكى ابن التين: فتحها "رسول الله صلى الله عليه وسلم" وموضع الأمانة على سره كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب. قاله الحافظ وتبعه المصنف وغيره وأصله قول النهاية تبعا للقزاز وغيره من اللغويين العرب تكنى عن الصدور والقلوب بالعياب لأنها مستودع السرائر، كما أن العياب مستودع الثياب "من أهل تهامة" لبيان الجنس، لأن خزاعة من جملة أهل تهامة بكسر الفوقية وهي مكة وما حولها وأصله من التهم وهو شدة الحرور كود الريح. وفي رواية ابن إسحاق وكانت خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئا كان بمكة. وعند الواقدي أن بديلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم غورت ولا سلاح معك فقال: "لم نجئ لقتال" فتكلم أبو بكر فقال له: بديل أنا لا آتيهم ولا قومي. انتهى.

فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. والعوذ: بالذال المعجمة: جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن. والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها. يريد أنهم خرجوا معهم

_ والأصل في موالاتهم له صلى الله عليه وسلم أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإسلام، وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم، وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه جواز استنصاح بعض ملوك العدو واستظهارا على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار، ولا من موادة أعداء الله، بل من قبيل استخدامهم، وتقليل شوكة جمعهم وإنكاء بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق، "فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي" إنما اقتصر على هذين لرجوع أنساب قريش الذين بمكة، أجمع إليهما وبقي من قريش بنو سامة بن لؤي وبنو عوف من لؤي وهم قريش البطاح ولم يكن بمكة منهم أحد، وكذلك قريش الظواهر الذين منهم بنو تميم بن غالب ومحارب بن فهر "نزلوا أعداد" بفتح الهمزة وسكون العين المهملة جمع عد بالكسر والتشديد وهو الماء الذي لا انقطاع له، وغفل الداودي فقال: هو موضع بمكة، ذكر كله الفتح فإضافة أعداد إلى "مياه الحديبية" من إضافة الأعم إلى الأخص، وفي القاموس أن عد يطلق أيضا على الكثرة في الشيء فإن أريدت فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي مياه الحديبية الكثيرة. قال الحافظ: وهذا يشعر بأنه كان بها مياه كثيرة وأن قريشا سبقوا إلى النزول عليها، فلذا عطش المسلمون حيث نزلوا على الثمد المذكور، وقد مر قول عروة وسبقت قريش إلى الماء، ونزلوا عليه "ومعهم العوذ" بضم العين المهملة، وسكون الواو "المطافيل" بفتح الميم والطاء المهملة فألف ففاء مكسورة فتحتية ساكنة فلام، "وهم مقاتلوك وصادوك"، مانعوك "عن البيت" الحرام "والعوذ بالذال المعجمة" آخره "جمع عائذ" بالهمز، وإن رسم بصورة الياء، ولا يرد أنه اسم فاعل وصف به مؤنث، فقياسه عائذة بالتاء لاختصاصه بالمؤنث، فلا مذكر له يفرق بينه وبين مؤنثه بالتاء على أنه جعل اسما، فليست الوصفية مرادة منه كما يصرح به قوله "وهي الناقة ذات اللبن"، فعلى هذا يقال هذا عائذ لا ناقة عائذ ومر نظيره في لقحة، "والمطافيل الأمهات اللاتي معها أطفالها يريد"، كما جزم به في الروض وصدر به الفتح، فتبعه المصنف، "أنهم

بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال. والمراد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام ليكون أدعى إلى عدم الفرار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس إن شاءوا، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمعوا -يعني استراحوا

_ خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها, ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو" كما قال ابن قتيبة "كنى بذلك" على سبيل الاستعارة "عن النساء معهن الأطفال والمراد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام" إن دعا إليه الأمر "ليكون أدعى إلى عدم الفرار". زاد الحافظ ويحتمل إرادة المعنى الأعم. قال ابن فارس كل أنثى إذا وضعت فهي إلى سبعة أيام وعائذ والجمع عوذ كأنها سميت بذلك لأنها تعوذ ولدها وتلتزم الشغل به، وقال السهيلي: سميت بذلك وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها لأنها تعطف عليه بالشفقة والحنو كما قالوا تجارة رابحة وإن كانت مربوحا فيها، وعند ابن سعد معهم العوذ المطافيل والنساء والصبيان، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" مجيبا لبديل: "إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب" بفتح النون والهاء وكسرها في الفرع كأصله أي أبلغت فيهم حتى أضعفت قوتهم وهزلتهم وأضعفت أموالهم. كذا في شرح المصنف والذي اقتصر عليها لحافظ وغيره كسر الهاء "وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم" أي جعلت بيني وبينهم "مدة " تترك الحرب بيننا وبينهم فيها، "ويخلوا بيني وبين الناس" من كفار العرب وغيرهم. "إن شاءوا" كذا عزاه المصنف لأبي ذر عن المستملي، والكشميهني، وسقط للباقين، فكان ذكرها مجرد تأكيد، "فإن أظهر" بالجزم بإظهار الله تعالى ديني بحيث يدخله الناس، ويتبعوني فيما جئت به "فإن شاءوا" مرتب على ظهور قال المصنف معطوف على الشرط الأول "أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس" من طاعتي "فعلوا" جواب الشرطين "وإلا" أي وإن لم أظهر، "فقد جموا" بفتح الجيم وشد الميم المضمومة، "يعني استراحوا" من القتال، ولابن عائذ فإن ظهر الناس عليّ فذاك الذي يبغون فصرح بما حذفه هنا من القسم الأول. انتهى. وقال الحافظ: هو شرط بعد شرط والتقدير، فإن ظهر غيرهم عليّ كفاهم المؤنة، وإن

وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي -أي صفحة العنق، كنى بذلك عن القتل- ولينقذن الله أمره". فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا

_ أظهر أنا على غيرهم، فإن شاءوا أطاعوني وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إلا وقد جموا أي استراحوا أي قووا، وفي رواية ابن إسحاق: "وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة". وإنما ردد الأمر مع أنه جازم بأنه تعالى سينصره ويظهره لوعد الله تعالى له بذلك على طريق التنزل مع الخصم وفرض الأمر على ما زعمه ولهذه النكتة حذف القسم الأول وهو التصريح بظهور غيره عليه لكن صرح به في رواية ابن إسحاق ولفظه: "فإن أصابوني كان الذي أرادوا". ولابن عائذ من وجه آخر عن الزهري: "فإن ظهر الناس علي فذاك الذي يبتغون". فالظاهر أن الحذف وقع من بعض الرواة تأدبا. انتهى. "وإن هم أبوا" امتنعوا، "فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي" بالسين المهملة، وكسر اللام، "أي صفحة العنق كنى بذلك"، كما قال السهيلي "عن القتل" لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه، وقال الداودي المراد الموت أي حتى أموت وأبقى منفردا في قبري، ويحتمل أنه أراد أنه يقاتل حتى ينفرد وحده في مقاتلتهم، وقال ابن المنير: لعله نبه بالأدنى على الأعلى، أي أن لي من القوة بالله والحول به ما يقتضي مقاتلتهم عن دينه لو انفردت، فكيف لا أقاتل عن دينه مع كثرة المسلمين ونفاذ بصائرهم في نصر دين الله، "ولينفذن" بضم أوله وسكون النون وكسر الفاء وذال معجمة فنون مشددة الزركشي والدماميني ضبطاه بفتح النون الأولى وشد الفاء مكسورة. قاله المصنف وكلام الفتح محتمل فإنه قال بضم أوله وكسر الفاء أي: ليمضين "لله أمره" في نصر دينه وحسن الإتيان بهذا الجزم بعد ذلك التردد للتنبيه على أنه لم يورده إلا على سبيل الفرض، وفي هذا ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من القوة والثبات في تنفيذ حكم الله، وتبليغ أمره والندب إلى صلة الرحم والإبقاء على ما كان من أهلها وبذل النصيحة للقرابة، "فقال بديل سأبلغهم" بفتح الموحدة وشدة اللام "ما تقول". قال الحافظ أي فأذن له "فانطلق" بديل مع ركبه "حتى أتى قريشا". زاد الواقدي فقال ناس منهم هذا بديل وأصحابه وإنما يريدون أن يستخبروكم فلا تسألوهم عن حرف واحد، فرأى بديل أنهم لا يستخبرونه، "فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل" يعني النبي صلى الله عليه وسلم: "وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه" بفتح النون "عليكم فعلنا"، وللواقدي إنا

فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول, قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ

_ جئنا من عند محمد أتحبون أن نخبركم عنه؟ "فقال سفهاؤهم" قال الحافظ: سمى الواقدي منهم عكرمة بن أبي جهل والحكم بن العاصي "لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء" زاد الواقدي، ولكن أخبره عنا أنه لا يدخلها علينا عامه هذا أبدًا حتى لا يبقى منا رجل واحد، "وقال ذو الرأي منهم: هات". قال المصنف بكسر التاء أي أعطني، وقال شيخنا أي اذكر "ما سمعته يقول،" وفي رواية الواقدي فأشار عليهم عروة الثقفي بأن يسمعوا كلام بديل فإن أعجبهم قبلوه وإلا تركوه فقال صفوان والحارث بن هشام: أخبرونا بالذي رأيتم وسمعتم، "قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية ابن إسحاق فرجعوا إلى قريش فقالوا: إنكم تعجلون على محمد أنه لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت، فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن جاء لا يريد قتالا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تحدث بذلك عنا العرب أبدا، "فقام عروة بن مسعود" بن معتب بضم الميم وفتح المهملة وشد الفوقية المكسورة بعدها موحدة الثقفي أسلم عند منصرفه صلى الله عليه وسلم عن الطائف، ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم: "مثله في قومه كصاحب يس". ووقع في رواية أحمد عن ابن إسحاق عروة بن عمرو بن مسعود قال الحافظ: والصواب الأول وهو الذي في السيرة "فقال: أي قوم ألستم بالوالد" أي: مثله في الشفقة عل ولده، "قالوا: بلى قال: أو لست بالولد" أي مثله في النصح لوالده، "قالوا: بلى" وعند ابن إسحاق أن أم عروة سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد أنهم قد ولدوه في الجملة لكون أمه منهم ولأبي ذر ألستم بالولد وألست بالوالد، وجرى عليه بعض الشراح، فقال: أي أنتم عندي في الشفقة والنصح بمنزلة الولد، قال ولعله كان يخاطب قوما هو أسن منهم. قال الحافظ والصواب الأول وهو الذي في رواية أحمد وابن إسحاق وغيرهما "قال: فهل تتهمونني" بنونين رواية أبي ذر على الأصل، ولغيره بواحدة أي تنسبوني إلى التهمة؟ "قالوا: لا" نتهمك، وعند ابن إسحاق قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، "قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ" بضم المهملة، وخفة الكاف وآخره طاء معجمة مصروف، ولأبي ذر بمنعه،

فلما بلحوا علي -وهو بالحاء المهملة، أي تمنعوا من الإجابة- جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد -أي خصلة خير وصلاح- اقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى

_ أي دعوتهم إلى نصركم، "فلما بلحوا علي وهو" بالموحدة وشد اللام المفتوحتين، و"بالمهملة" المضمومة "أي امتنعوا من الإجابة" قال الحافظ والتبلح التمنع من الإجابة وبلح الغريم إذا امتنع من أداء ما عليه "جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني، قالوا: بلى". "قال فإن هذا" -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- "قد عرض عليكم" وللكشميهني: لكم "خطة" بضم الخاء المعجمة وشد المهملة "رشد" بضم الراء وسكون المعجمة وبفتحهما، "أي خصلة خير وصلاح" وإنصاف "اقبلوها" وبين ابن إسحاق أن سبب تقديمه لهذا الكلام ما رآه من ردهم العنيف على من يجيء من عند المصطفى، ووقع عنده تقديم مجيء مكرز ثم الحليس على عروة، ولا ريب أن ما في الصحيح أصح "ودعوني" اتركوني "آته" بالمد مجزوم على جواب الأمر، وأصله آتيه أي أجيء إليه، هكذا اقتصر عليه الفتح، وعزاه المصنف لأبي ذر، وصدر بأنه آتيه بالياء على الاستئناف. "قالوا: ائته" قال الحافظ: بألف وصل بعدها همزة ساكنة ثم مثناة مكسورة، ثم هاء ويجوز كسرها. زاد المصنف أمر من أتى يأتي "فأتاه أي: فأتى عروة النبي صلى الله عليه وسلم هكذا هو ثابت في البخاري، وسقط في كثير من نسخ المصنف، فاحتاج شيخنا لتقديرها، "فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم" بنحو ما قال: بديل، "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل" السابق. زاد ابن إسحاق وأخبره أنه لم يأت يريد حربا، "فقال عروة عند ذلك" قال الحافظ: أي عند قوله لأقاتلنهم، "أي: محمد أرأيت" أي: أخبرني "إن استأصلت أمر قومك" أي أهلكتهم بالكلية، "هل سمعت بأحد من العرب اجتاح" بجيم، ثم حاء مهملة أي أهلك "أهله قبلك" حتى يكون سلفك، فلا تلام أولا فتلام لإحداثك ما لم يسبقك إليه أحد من العرب، "وإن تكن الأخرى" قال الحافظ حذف الجزاء تأدبا معه صلى الله عليه وسلم والمعنى وإن تكن الغلبة لقريش فلا آمنهم عليك مثلا وقوله: فإني ... إلخ، كالتعليل هذا المقدر المحذوف، والحاصل أنه ردد الأمر بين شيئين غير مستحسنين، وهو هلاك قومه إن غَلب وذهاب أصحابه إن غُلب، لكن كل منهما مستحسن شرعا، كما قال

فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا يعني أخلاطا من الناس خليقا أن يفروا عنك ويدعوك. فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: امصص بظر اللات

_ تعالى: {تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52] انتهى. ونحو تقديره للكرماني وتبعه العيني وقدر الزركشي وإن كانت الأخرى كانت الدولة للعدو، وكان الظفر لهم عليك وعلى أصحابك. ورده الدماميني باتحاد الشرط والجزاء لأن الأخرى هي انتصار العدو وظفرهم فيئول تقديره إلى أن انتصر أعداؤك وظفروا كانت الدولة لهم وظهورا. قال فالمستقيم تقدير لم ينفعك أصحابك "فإني والله لأرى" هكذا، هو في البخاري بالإثبات "وجوها" قال المصنف: أي أعيان الناس. انتهى. فيعني بهم قريشا، والمعنى أن أعداءه أعيان وأصحابه بأخلاط، ويقع في بعض نسخ المواهب مصحفا لا أرى بزيادة ألف واقتصر عليها الشارح، وتكلف شرحها بأنه كالتعليل لعدم ثباتهم، أي: لا يظهر منهم نصر ولا ثبات؛ لأنهم أخلاط ليسوا من قبيلة واحدة حتى يحرصوا على الثبات على مناصرة بعضهم بعضا، لكن حيث لم تأت بها الرواية، ولم يتكلم عليها الشرح، ولا ذكروها نسخة فلا عبرة بها. "وإني لأرى" بالإثبات أيضا "أشوابا" بتقديم المعجمة على الواو للأكثر، وعليها اقتصر صاحب المشارق. قال المصنف ولأبي ذر عن الكشميهني أوشابا بتقديم الواو المعجمة ويروى أوباشا بتقديم الواو على الموحدة "يعني أخلاطا من الناس" قال الحافظ: والأشواب الأخلاط من أنواع شتى والأوباش الأخلاط من السفلة فالأوباش أخص من الأشواب, "خليقا" بالخاء المعجمة والقاف. أي: حقيقا وزنا ومعنى ويقال للواحد والجمع، ولذا وقع صفة لأشواب "أن يفروا عنك ويدعوك" بفتح الدال أي: يتركوك. وفي رواية أبي المليح عن الهري فكأني بهم لو قد لقيت قريشا قد أسلموك فتؤخذ أسيرا، فأي شيء أشد عليك من هذا، وفيه أن العادة جرت أن الجيوش المجمعة لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف من كان من قبيلة واحدة، فإنهم يأنفون الفرار عادة، وما درى عروة أن مودة الإسلام أعظم من مودة القرابة، وقد ظهر له ذلك من مبالغة المسلمين في تعظيمه صلى الله عليه وسلم. انتهى. "فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه" زاد ابن إسحاق وأبو بكر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد: "امصص" بألف وصل، وصادين مهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر، وحكى ابن التين عن رواية القابسي ضم الصاد الأولى وخطأها، وأقره الحافظ والمصنف؛ لأنه خلاف الرواية، وإن جاء لغة "بظر" بباء واحدة رواية أبي ذر ولغيره ببظر بباءين "اللات" زاد ابن عائذ من وجه آخر عن

أنحن نفر عنه وندعه؟ قال العلماء: وهذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة، فإنه أقام معبود عروة، وهو صنمه مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به نسبته إلى الفرار. والبظر: بالموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. واللات: اسم صنم. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم. انتهى. فقال عروة: من هذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده

_ الزهري وهو طاغيته التي تعبد أي طاغية عروة "أنحن نفر عنه وندعه" استفهام إنكار قصد به توبيخه في نسبة الفرار لهم. قال العلماء هذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة فإنه أقام معبود عروة وهو صنمه مقام أمه"؛ لأن عادة العرب الشتم بذلك بلفظ الأم فأبدله الصديق باللات فنزله منزلة امرأة تحقيرا لمعبوده "وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار والبظر بالموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة" وبالراء وجمعه بظور وأبظر كفلوس وأفلس، "قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة" كما جزم به في الفتح وزاد المصنف في الشرح، وقال الداودي: هو فرج المرأة. قال السفاقسي: والذي عند أهل اللغة أنه ما يخفض من فرج المرأة، أي يقطع عند خفضها. انتهى. وفي المصباح البظر لحمة بين شفري المرأة، وهي الغلفة التي تقطع في الختان، "واللات اسم صنم" كانت ثقيف وقريش يعبدونها، "والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم" فيقولون: امصص بظر أمك، فاستعار ذلك أبو بكر في اللات. "انتهى". زاد الحافظ وفيه جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنير: في قول أبي بكر تخسيس للعدو ولدينهم وتعريض بإلزامهم من قولهم اللات بنت الله تعالى عن ذلك بأنها لو كانت بنتا كان لها ما يكون للإناث، "فقال عروة: من هذا" لفظ البخاري: من ذا, "قالوا: أبو بكر، فقال" وفي رواية ابن إسحاق: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أبي قحافة"، واستفهم عنه لجلوسه خلف المصطفى، فلا ينافي أنه يعرفه، وله عليه يد، كما قال "أما" بفتح الهمزة وخفة الميم حرف استفتاح، "والذي نفسي بيده".

لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف عليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كانت عادة العرب

_ قال الحافظ هذا يدل على أن القسم به كان عادة العرب، "لولا يد" نعمة ومنة "كانت لك عندي لم أجزك" بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالزاي لم أكافئك "بها لأجبتك". زاد ابن إسحاق ولكن هذه بها أي جازاه بعدم إجابته عن شتمه بيده التي كان أحسن إليه بها وبين عبد العزيز في روايته عن الزهري، أن اليد المذكورة أن عروة كان تحمل بدية، فأعانه فيها أبو بكر بعون حسن، وفي رواية الواقدي بعشر قلائص وكان غيره يعينه بالاثنين والثلاث. "قال وجعل" عروة "يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم" زاد أبو ذر عن الحموي، والكشميهني كلمة وفي رواية فكلما كلمه "أخذ بلحيته" الشريفة، وفي رواية ابن إسحاق، فجعل يتناول لحية النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، "والمغيرة بن شعبة" بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي الشهير أسلم قبل الحديبية، توفي سنة خمسين على الصحيح "قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف" قصدا لحراسته، "وعليه المغفر" بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء، وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن المغيرة لما رأى عروة مقبلا لبس لأمته وجعل على رأسه المغفر ليستخفي من عروة عمه. قال الحافظ: فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف لقصد الحراسة ونحوها من ترهيب العدو، ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس لأن محله ما إذا كان على وجه العظمة والكبر، "فكلما أهوى" أي مد أو قصد أو أشار أو أومأ "عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده" إجلالا وتعظيما له صلى الله عليه وسلم "بنعل السيف". قال الحافظ: هو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيره وبعه المصنف وغيره فقول الجوهري وأتباعه: هو الحديدة التي في أسفل جفنه وهو غلافه ليس قيدا. "وقال: أخر" فعل أمر من التأخير "يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم". زاد ابن إسحاق: قبل أن لا تصل إليك، وزاد عروة بن الزبير: فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه، وفي رواية ابن إسحاق: فيقول عروة: ما أفظك وأغلظك "وقد كانت عادة العرب" كما قال في

أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، لا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كان صلى الله عليه وسلم يغضي لعروة استمالة وتأليفا. والمغيرة يمنعه إجلالا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما. انتهى. قال: فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم

_ الفتح وغيره "أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، ولا سيما عند الملاطفة". قال البرهان: يريدون بذلك التحية والتواصل، وأكثرهم فعلا لذلك أهل اليمن، وحكي ذلك عن بعض العجم أيضا، "وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير" فربما رأى عروة لعظمته في قومه أنه نظير للمصطفى وما علم حينئذ أنه لا نظير له فاللائق منعه، "لكن كان صلى الله عليه وسلم يغضي" بغين وضاد معجمتين يتغافل ويسكت "لعروة" فلا يؤاخذه بفعله، ولا يمنعه "استمالة وتأليفا" له ولقومه، "والمغيرة يمنعه إجلالا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما" لعلمه بأن الله تعالى لم يخلق له نظيرا. "انتهى". ما فصل به بين أجزاء الحديث من حكمة تناول اللحية ومنع المغيرة له، "قال فرفع عروة رأسه فقال: "من هذا؟ " وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير، فلما أكثر المغيرة مما يقرع يده غضب، وقال: ليت شعري من هذا الذي آذاني من بين أصحابك، والله لا أحسب فيكم ألأم منه، ولا أشر منزلة "قال" كذا لأبي ذر، ولغيره قالوا: "المغيرة" وفي رواية ابن إسحاق فتبسم صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أخيك "بن شعبة" وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسناد صحيح "فقال: أي غدر" بالمعجمة بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر، أي ترك الوفاء "ألست أسعى في" دفع شر "غدرتك" بفتح الغين أي جنايتك ببذل المال، وفي مغازي عروة: والله ما غسلت يدي من غدرتك ولقد أورثتنا العداوة في ثقيف، وفي رواية ابن إسحاق: وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس. "وكان المغيرة" قبل إسلامه "صحب قوما في الجاهلية" ثلاثة عشرة من ثقيف من بني مالك لما خرجوا للمقوقس بمصر بهدايا، فأحسن إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة، لأنه ليس من القوم، بل من أحلافهم فغار منهم، ولم يواسه أحد منهم فلما كانوا ببعض الطريق شربوا الخمر وناموا فوثب المغيرة "فقتلهم" كلهم، "وأخذ أموالهم ثم جاء" إلى المدينة "فأسلم" فقال أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء". ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، فقال: والله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذ توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له.

_ ليحسن أو ليرى رأيه فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام" بالنصب على المفعولية. كذا قال المصنف "فأقبل" بلفظ المتكلم أي أقبله، "وأما المال فلست منه في شيء" أي لا أتعرض له لكونه أخذ غدرا؛ لأنه لا يحل أخذ مال الكفار غدرا حال الأمن، لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة وهي تؤدى إلى أهلها مسلما كان أو كافرا، وإنما تحل أموالهم بالمحاربة والمغالبة فلعله صلى الله عليه وسلم ترك المال في يده لإمكان إسلام قومه فيرد إليهم أموالهم، وفيه أن الحربي إذا أتلف مال الحربي لم يضمن وهو أحد وجهين للشافعية. كذا في الفتح فبلغ ذلك ثقيفا فتهايج الفريقان للقتال بنو مالك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة عمه حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفرا واصطلحوا، وقد ساق الواقدي وابن الكلبي القصة مطولة وهذا حاصلها قال اليعمري: كذا في الخبر أن عروة عم المغيرة، وإنما هو عم أبيه. انتهى. ولا ضير في ذلك فعم الأب عم فمراده مجرد الفائدة، لا الانتقاد كيف وقد نطق به سيد الفصحاء "ثم إن عروة جعل يرمق" بضم الميم، أي يلحظ "أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه" بالتثنية، "فقال" الراوي حين حدث الحديث لمسور ومروان حكاية عن حال الصحابة مع المصطفى بحضرة عروة: "واله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة" قال المصنف بضم النون ما يخرج من الصدر إلى الفم "إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده تبركا. زاد ابن إسحاق ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، "وإذا أمرهم ابتدروا أمره" أي أسرعوا إلى فعله، "وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه" بفتح الواو فضلة الماء الذي توضأ به أي على ما يجتمع من القطرات وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء. قاله المصنف وهو صريح في أنه الشرعي، وزعم أنه المراد غسيل يديه وأنه أبلغ لأنه يكون من الطعام ومما يستقذر، فإذا تبادروا إلى ذلك فأولى للشرعي، "وإذا تكلم" عليه الصلاة والسلام, لأبي ذر: تكلموا, أي: الصحابة "خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون" بضم أوله وكسر الحاء المهملة، أي: يديمون "النظر إليه تعظيما له".

قال في فتح الباري: فيه إشارة إلى الرد ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال: من نحبه هذه المحبة ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن أنه نفر عنه ونسلمه لعدوه، بل هم أشد اغتباطا به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم والله أعلم. انتهى. قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم

_ "قال في فتح الباري: فيه" أي فعل الصحابة ما ذكر وليس الضمير للقول المذكور ويتعسف توجيهه بأنه قال: لأرى وجوها ... إلخ، بحسب ظنه على ما جرت به عادة الأخلاط، فتبين له خطؤه بفعل الصحابة فإن لفظ الفتح، ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا في ذلك "إشارة إلى الرد على ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال من نحبه هذه المحبة، ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن به أن نفر عنه ونسلمه" بضم أوله وسكون السين "لعدوه" من أسلمه إذا خذله. فالمعنى من كانت هذه صفته كيف يترك نصره ويخلى بينه وبين عدوه، "بل هم أشد اغتباطا" بمعجمة، أي تعلقا وتمسكا "به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم" بقية كلام الفتح، فيستفاد منه جواز التوصل إلى المقصود بكل طريق سائغ "والله أعلم. انتهى". "قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت" بفتح الفاء قدمت "على الملوك، ووفت على قيصر" غير منصرف للعجمة لقب لكل من ملك الروم "وكسرى" بكسر الكاف، وتفتح لكل من ملك الفرس "والنجاشي" بفتح النون وتكسر، وخفة الجيم وأخطأ من شددها، فألف فشين معجمة، فتحتية مشددة ومخففة لقب لمن ملك الحبشة، وهذا من عطف الخاص على العام، وخص الثلاثة بالذكر لأنهم أعظم ملوك ذلك الزمان، "والله إن" بكسر الهمزة وسكون النون نافية، أي ما "رأيت ملكا قط تعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن" بكسر فسكون أيضا, أي: ما "يتنخم" مصارع رواية أبي ذر ولغيره تنخم بلفظ الماضي "نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم" عليه الصلاة والسلام، ولأبي ذر تكلموا، أي

خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له, وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له". فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت

_ الصحابة "خفضوا أصواتهم عنده" إجلالا وتوقيرا، "وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه" بكسر الهمزة "قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها" بهمزة وصل وفتح الموحدة عند ابن إسحاق. ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدًا فروا رأيكم. وعند ابن أبي شيبة من مرسل علي بن زيد فقال عروة: أي قوم قد رأيت الملوك ما رأيت مثل محمد وما هو بملك ولقد رأيت الهدي معكوفا وما أراكم إلا ستصيبكم قارعة فانصرف هو ومن تبعه إلى الطائف. وفي قصة عروة من الفوائد ما يدل على جودة عقله وتفطنه، وما كان على الصحابة من المبالغة في تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره ومراعاة أموره وردع من جفا عليه بقول أو فعل والتبرك بآثاره "فقال رجل" هو الحليس بمهملتين مصغر، وسمى ابن إسحاق والزبير بن بكار أباه علقمة وكان الحليس سيد الأحابيش يومئذ قال البرهان: لا أعلم له إسلاما والظاهر هلاكه على كفره "من بني كنانة دعوني آته" بالجزم وكسر الهاء رواية أبي ذر أي: أذهب إليه، ولغيره آتيه بتحتية قبل الهاء "فقالوا: ائته" بهمزة ساكنة وكسر الهاء فأتاه "فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن" جمع بدنة، وهي البعير ذكرا كان أو أنثى والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث. وعن مالك أنه كان يتعجب ممن يخصها بالأنثى، وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، فنقل النووي عنه أن البدنة من الإبل والبقر، والغنم خطأ نشأ عن سقط، وفي الصحاح البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك، لأنهم كانوا يسمنونها، قاله الحافظ في كتاب الجمعة "فابعثوها" أي أثيروها دفعة واحدة "له" , "فبعثوها له" ليعتبر برؤيتها، ويتحقق أنهم لم يريدوا حربا، فيعينهم على دخول مكة لنسكهم، "واستقبله الناس يلبون" بالعمرة "فلما رأى" الكناني "ذلك قال" متعجبا "سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا" بضم أوله وفتح المهملة يمنعوا "عن البيت".

فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فلما أشرف عليهم قال

_ وفي رواية الزبير بن بكار أبى الله أن تحج لخم وجذام وكندة وحمير، ويمنع ابن عبد المطلب وعند ابن إسحاق والواقدي، وابن سعد فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي بقلائده، وقد حبس عن محله رجع ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن في مغازي عروة عند الحاكم: فصاح الحليس فقال: هلكت قريش ورب الكعبة إن القوم إنما أتوا عمارا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أجل يا أخا بني كنانة" قال الحافظ: فيحتمل أنه خاطبه على بعد، "فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت" بضم القاف وكسر اللام مشددة "وأشعرت" بضم أوله وسكون المعجمة وكسر المهملة "فما أرى" بفتح الهمزة "أن يصدوا عن البيت". زاد ابن إسحاق فقالوا له: اجلس فإنما أنت إعرابي لا علم لك وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاهدناكم. أيصد عن بيت الله من جاء معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: اكفف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. قال الحافظ: وفي هذه القصة جواز المخادعة في الحرب وإظهار إرادة الشيء والمقصود غيره، وأن كثيرا من المشركين كانوا يعظمون حرمات الإحرام والحرم وينكرون على من يصد ذلك تمسكا منهم ببقايا دين إبراهيم عليه السلام. "فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص" زاد ابن إسحاق بن الأخيف وهو بمعجمة فتحتية ففاء من بني عامر بن لؤي، قال في الإصابة والنور: لم أر من ذكره في الصحابة إلا ابن حبان بلفظ يقال له: صحبة ومكرز بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء بعدها زاي كما ضبطه الحافظ أبو علي الغساني وغيره. قال السهيلي في غزوة ودان، وهكذا الرواية حيث وقع قال ابن ماكولا: ووجدته بخط ابن عبدة النسابة بفتح الميم، قال الحافظ في الفتح: وبخط يوسف بن خليل الحافظ بضم الميم، وكسر الراء، والأول المعتمد، "فقال: دعوني آته" بالجزم وكسر الهاء رواية أبي ذر مضارع أتى بالقصر جاء أما بالمد فمعناه أعطى ولغيره آتيه بياء على الاستئناف، "فلما أشرف عليهم قال:

النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز، وهو رجل فاجر". فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم. فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو

_ النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز وهو رجل فاجر" بالفاء والجيم. وفي رواية ابن إسحاق: "غادر". قال الحافظ: وهو أرجح، وما زلت متعجبا من وصفه بالفجور مع أنه لم يقع منه في قصة الحديبية فجور ظاهر، بل فيها ما يشعر بخلاف ذلك، كما سيأتي من كلامه في قصة أبي جندل، إلى أن رأيت في مغازي الواقدي في غزوة بدر أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: كيف نخرج من مكة وبنو كنانة خلفنا لا نأمنهم على ذرارينا، وذلك أن حفص بن الأخيف كان له ولد وضيء، فقتله رجل من بني بكر بن كنانة بدم لهم كان في قريش فتكلمت قريش في ذلك، ثم اصطلحوا فعدا مكرز بعد ذلك على عامر بن يزيد سيد بني بكر غرة، فقتله فنفرت من ذلك كنانة، فجاءت وقعة بدر أثناء ذلك، فكان مكرز معروفا بالغدر. وذكر الواقدي أيضا أنه أراد أن يثبت المسلمين بالحديبية فخرج في خمسين رجلا فأخذهم محمد بن مسلمة، وهو على الحرس وانفلت مكرز، فكأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك. انتهى، وبه تعلم أنه لا وجه لقول الشارح: إن قوله: وهو رجل غادر بوحي؛ لأنه لو كان ناشئا عن خبر لذكروه. انتهى. فهذا خبره "فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم" زاد ابن إسحاق: فقال له صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه، "فبينما" بالميم "هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو" القرشي، العامري خطيب قريش سكن مكة، ثم المدينة أسلم في الفتح قال الإمام الشافعي: كان محمود الإسلام من حين أسلم. روى البخاري في تاريخه، والباوردي عن الحسن قال: كان من الطلقاء فنظر بعضهم إلى بعض فقال سهيل: على أنفسكم فاغضبوا دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إذا دعيتم إلى أبواب الجنة، ثم خرج إلى الجهاد. وروى ابن شاهين عن ثابت البناني قال: قال سهيل والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضا مات بالشام بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة عند الأكثر, ويقال: قتل باليرموك، ويقال: بمرج الصفراء وقضية هذا الحديث الصحيح أنه جاء قبل انصراف مكرز من عند المصطفى، وفي رواية ابن إسحاق: أن مكرزا رجع إلى قريش فأخبرهم بقوله صلى الله عليه وسلم وأن ذهاب الحليس، ثم عروة بعد مكرز فيجمع بأنه رجع فأخبرهم، ثم جاء مع سهيل في الصلح هو وحويطب كما رواه الواقدي، وابن عائذ، فكان مكرز سبق سهيلا في المجيء فكلم المصطفى فجاء سهيل.

قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سهل لكم من أمركم". وفي رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو فقالت: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، فقال صلى الله عليه وسلم: "قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا". فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جرى بينهما القول

_ وأما ثم في رواية ابن إسحاق في قوله: ثم بعثوا الحليس ثم عروة، فإنما هي للترتيب الذكري فلا تعارض رواية الصحيح وإلا فما في الصحيح أصح. "قال معمر" بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة ابن راشد مما هو موصول إليه بالإسناد السابق، "فأخبرني" بالإفراد "أيوب" هو السختياني "عن عكرمة" بن عبد الله البربري مولى ابن عباس: أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سهل لكم" بفتح السين وضم الهاء، كما اقتصر عليه المصنف, زاد الدماميني وبضم السين وكسر الهاء مشددة: "من أمركم". قال الكرماني: فاعل سهل ومن زائدة أو تبعيضية أي سهل بعض أمركم. انتهى. أي على جعل الفاعل مضمون الجار والمجرور أو جعلهما صفة لمحذوف أي شيء من أمركم فسمي فاعلا لقيامه مقام الموصوف المحذوف فلا يرد على جعلها تبعيضية أن الفاعل لا يجر إلا بحرف الجر الزائد وهو من أو الباء قال المصنف، وهذا من باب التفاؤل وكان يعجبه الفأل الحسن وأتى بمن التبعيضية إيذانا بأن السهولة الواقعة في هذه القصة ليست عظيمة. قيل: ولعله عليه السلام أخذ ذلك من التصغير في سهيل فإن تصغيره يقتضي كونه ليس عظيما انتهى. قال في الفتح: وهذا مرسل ولم أقف على من وصله، فذكر ابن عباس فيه لكن له شاهد موصول عند ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصالحوه، فلما رأى صلى الله عليه وسلم سهيلا قال: "قد سهل لكم من أمركم". وللطبراني نحوه من حديث عبد الله بن السائب. "وفي رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو, فقالت: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه", ولا تكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتى سهيل "فقال صلى الله عليه وسلم" لما رآه مقبلا: "قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا" الرجل، "فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم" وبرك على ركبتيه، وتربع المصطفى، وقام عباد بن بشر وسلمة بن أسلم على رأسه مقنعان في الحديد، وجلس المسلمون حوله "جرى بينهما القول"

حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين وأن يؤامر بعضهم بعضا، وأن يرجع عنهم عامهم هذا. وقال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا, فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن الرحيم فوالله، ما أدري ما هو

_ وأطال سهيل الكلام وتراجعا، وقال له عباد: اخفض صوتك عند النبي صلى الله عليه وسلم "حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين"، كما في رواية ابن إسحاق هذه، وبه جزم ابن سعد وأخرجه الحاكم من حديث علي، وهو المعتمد وقع في مغازي ابن عائذ عن ابن عباس وغير أنه كان سنتين، وكذا عند ابن عقبة قال الحافظ: ويجمع بأن العشر هي المدة التي وقع الصلح عليها والسنتين هي التي انتهى أمر الصلح فيها حتى نقضته قريش، كما يأتي في غزوة الفتح وما وقع في كامل ابن عدي ومستدرك الحاكم وأوسط الطبراني عن ابن عمران مدة الصلح كانت أربع سنين، فهو مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح "وأن يؤامر بعضهم بعضا، وأن يرجع عنهم عامهم، هذا" إلى هنا نقله من رواية ابن إسحاق، "و" عاد المصنف لحديث البخاري. فقال: "قال معمر" هو موصول بالإسناد الأول إلى معمر وهو بقية الحديث، وإنما اعترض حديث عكرمة في أثنائه. قال الحافظ: "قال الزهري في حديثه" السابق بسنده عن عروة عن مسور ومروان "فجاء سهيل بن عمر، فقال: هات" بكسر التاء أي افعل معنا ما يؤكد ما اصطلحنا عليه فمفعول هات محذوف، وكأنه قيل: ماذا تريد؟ قال: "اكتب بيننا وبينكم كتابا", فهو استئناف مبين للمطلوب، فلا يراد أن أكتب للطلب، والطب لا يحسن كونه مطلوبا بالطلب الأول "فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب" هو علي بن أبي طالب، كما رواه البخاري في كتاب الصلح عن البراء بن عازب، وكذا أخرجه عمر بن شبة عن سلمة بن الأكوع وعنده أيضا عن سهيل بن عمرو. الكتاب عندنا كاتبه محمد بن مسلمة ويجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل، ومن الأوهام ما وقع عند عمر بن شبة أنه هشام بن عكرمة وهو غلط فاحش، فإن الصحيفة التي كتبها هشام هي التي اتفقت عليها قريش لما حصروا بني هاشم في الشعب بمكة قبل الهجرة وبينها وبين هذه نحو عشر سنين. ونبهت على هذا لئلا يغتر من لا يعرف فيعتقده خلافا في اسم كاتب قصة الحديبية قال الحافظ: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو" ولأبي ذر عن الحموي، والمستملي ما هو بتأنيث الضمير أي كلمة الرحمن.

ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم". ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الحاكم: " هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة" ... الحديث. فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك, ولكن اكتب: محمد بن عبد الله.

_ وفي رواية فقال سهيل: لا أعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، "ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب" قبل ذلك في بدء الإسلام، كما كانوا يكتبونها في الجاهلية، فلما نزلت آية النمل كتب بسم الله الرحمن الرحيم، فأدركتهم حمية الجاهلية، وفي حديث أنس فقال سهيل: ما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن أكتب ما نعرف باسمك الله، وللحاكم عن عبد الله بن مغفل فأمسك سهيل يده، فقال: أكتب في قضيتنا ما نعرف باسمك اللهم، "فقال المسلمون: والله لا تكتبها" أي التسمية ملتبسة بصيغة ما "إلا" إذا كانت "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم" فكتب كما في رواية الحاكم، والظاهر أنهم لم يكفروا عن أيمانهم لأن نيتهم ما لم يتحتم بأمر المصطفى، "ثم قال" اكتب "هذا" إشارة إلى ما في الذهن، "ما قاضى" بوزن فاعل من قضيت الشيء، أي فصلت الحكم فيه "عليه محمد رسول الله" فيه جواز كتابة مثل ذلك في المعاقدات، والرد على من منعه معتلا بخشية أن يظن ما أنها النافية نبه عليه الخطابي، "وفي حديث عبد الله بن مغفل" بضم الميم وفتح المعجمة والفاء الثقيلة ولام ابن عبد نهم بفتح النون وسكون الهاء أبي عبد الرحمن المزني بايع تحت الشجرة ونزل البصرة، مات سنة سبع وخمسين، وقيل بعدها "عند الحاكم"، فكتب "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة" ... الحديث. والغرض منه بيان أن المراد بقاضى صالح والمفعول، وهو أهل مكة، "فقال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله: ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك" وللبخاري في الصلح لا نقر لك بها، أي بالنبوة وله في المغازي لا نقر لك بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ولبايعناك. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فقال سهيل: ظلمناك إن أقررنا لك بها، ومنعناك وللحاكم عن عبد الله بن مغفل لقد ظلمناك إن كنت رسولا. قال المصنف عن الطيبي وعبر بالمضارع بعد لو التي للماضي ليدل على الاستمرار، أي استمر عدم علمنا برسالتك في سائر الأزمنة من الماضي والمضارع، وهذا كقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] . قال شيخنا: الأولى التعبير بالحال بدل المضارع لأنه إذا أطلق، فالمراد به لفظ الفعل، وهو لا يصلح لبيان الزمان، "ولكن اكتب محمد بن عبد الله" وفي حديث أنس: ولكن اكتب

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله إني لرسول الله كذبتموني". وفي رواية له -أي البخاري- ومسلم: فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: "امحه" فقال ما أنا بالذي أمحاه، وهي لغة في أمحوه. قال العلماء: وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب، لأنه لم يفهم من النبي صلى الله عليه وسلم تحتم محو على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه، ولم حتم محوه لنفسه لم يجز لعلي تركه انتهى. ثم قال صلى الله عليه وسلم: "أرني مكانها" فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله.

_ اسمك واسم أبيك. وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الحاكم فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لرسول الله وإن كذبتموني" قال المصنف: بتشديد المعجمة وجزاؤه محذوف. انتهى. وتقديره لا يضرني ذلك في رسالتي أو نحوه وبعد هذا في البخاري اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك أي إجابته لسهيل في الأمرين لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"، وللنسائي عن علي كنت كاتب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فكتبت: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه. امحها قلت: هو رسول الله وإن رغم أنفك لا والله لا أمحوها أبدا. "وفي رواية له أي للبخاري" في عمرة القضاء والصلح والجزية "ومسلم" كلاهما من حديث البراء بن عازب, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: "امحه"، وفي رواية: "امح رسول الله واكتب ما أرادوه". "فقال: ما أنا بالي أمحاه", وفي رواية: لا والله لا أمحوك أبدا, "وهي" أي: أمحاه بالألف "لغة في أمحوه" بالواو وفيه لغة ثالثة: أمحيه كما في المختار، ولم يذكرها المصباح، فلعله اقتصر على الواو لقلة أمحي بالياء "قال العلماء وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب" لأن العظيم إذا أمر بشيء وظن المأمور أنه لم يحتمه، فالأدب في حقه التوقف حتى يتحقق ما عند الآمر، "لأنه لم يفهم من النبي صلى الله عليه وسلم تحتم محو على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه ولو حتم" النبي صلى الله عليه وسلم "محوه" أي على "لنفسه" أي على اسمه الشريف "لم يجز لعلي تركه. انتهى". وعند الواقدي أن أسيد بن حضير وسعد بن عبادة أخذا بيد علي ومنعاه أن يكتب إلا محمد رسول الله وإلا فالسيف بيننا وبينهم وارتفعت الأصوات فجعل صلى الله عليه وسلم يخفضهم ويومئ بيديه إليهم اسكتوا، "ثم قال صلى الله عليه وسلم" في حديث البراء هذا لعلي "أرني مكانها". "فأراه مكانها، فمحاه" أي لفظ رسول الله "وكتب: ابن عبد الله".

وفي رواية البخاري -في المغازي- فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب -وليس يحسن يكتب- فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. وكذا أخرجه النسائي وأحمد ولفظه: فأخذ الكتاب -وليس يحسن أن يكتب- فكتب مكان رسول الله: محمد بن عبد الله. قال في فتح الباري: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي

_ زاد النسائي عن علي: "أما أن لك مثلها وستأتيها وأنت مضطر". يشير إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فإنه لما كتب الكاتب: بهذا ما صالح عليه علي أمير المؤمنين. أرسل معاوية يقول: لو كنت أعلم أنه أمير المؤمنين ما قاتلته, امحها واكتب ابن أبي طالب, فقال علي: الله أكبر مثل بمثل, امحها. "وفي رواية البخاري في" باب عمرة القضاء من كتاب "المغازي" من حديث البراء، "فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب" أي، فقال لعلي: "أرني مكانها". فأراه فمحاه كما في الرواية التي فوقها، ثم أعادها لعلي "فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله،" أي: فصار جملة المكتوب ذلك، لأن الممحو لفظ رسول الله فقط، كما في الرواية فوقه قال الحافظ: وقد روى البخاري في الصلح هذا الحديث بهذا الإسناد، وليس فيه لفظة: ليس يحسن يكتب، ولذا أنكر بعض المتأخرين علي بن موسى يعني المديني نسبتها للبخاري، فقال: ليست فيه ولا في مسلم وهو كما قال عن مسلم فإنه عنده بلفظ فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله، وقد عرفت ثوبتها في البخاري في مظنة الحديث، "وكذا أخرجه النسائي" بلفظ رواية البخاري سواء "وأحمد لفظه، فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول الله محمد بن عبد الله قال في فتح الباري" عقب هذا: "وقد تمسك بظاهر هذه الرواية" التي هي: فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب "أبو الوليد الباجي" بفتح الموحدة وبالجيم نسبة إلى باجة مدينة بالأندلس العلامة الحافظ ذو الفنون سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب، ولد سنة ثلاث وأربعمائة وأخذ بالأندلس عن جمع ج ثم رحل ولازم أبا ذر الهروي الحافظ ثلاثة أعوام بالحجاز، وتفقه بأبي الطيب وغيره، وأخذ العقليات بالموصل عن أبي جعفر السمناني، وسمع بمصر، والشام والعراق والحجاز، وحج أربع حجات وبرع في الحديث وعلله ورجاله والفقه وغوامضه والكلام ومضايقه، وفقه الناس، وروى عنه خلائق وصنف في الجرح والتعديل والتفسير والفقه والأصول. قال عياض: آجر نفسه ببغداد لحراسة دربه فكان يستعين بالأجرة على نفقته. ولما رجع

فادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب. فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرءان حتى قال قائلهم شعرا: برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال الأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن، قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48] وبعد أن تحققت أميته وتقررت لذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فيكون معجزة أخرى.

_ إلى الأندلس كان يضرب ورق الذهب ويعقد الوثائق قال لي أصحابه: كان يخرج لإقرائنا وفي يده أثر المطرقة إلى أن فشا علمه واشتهرت تآليفه فعرف حقه وعظم جاهه وقرب من الرؤساء فأجزلوا صلاته حتى مات عن مال كثير تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة، "فادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس" بفتح الهمزة والدال على المشهور ويقال بضمهما، واقتصر عليه أبو الفتح الهمداني "في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن" وأطلقوا عليه العيبة وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع "حتى قال قائلهم" فيه شعرا: برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إن رسول الله قد كتبا وشرى بمعنى اشترى ومراد هذا الشاعر الإزراء على الباجي، وأنه قاله ليتميز به على غيره ويتقرب به إلى عظماء بلده ليكرموه ويقدموه على غيره "فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه" عنده "من المعرفة" بأساليب الكلام التي لا تنافي القرآن، "وقال للأمير هذا" أي الأخذ من الحديث أنه كتب "لا ينافي القرآن بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} ، "وبعد أن تحققت أمنيته، وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فيكون معجزة أخرى". وصنف الباجي في ذلك رسالة فرجع بها جماعة، وذكر اليعمري أنه بعث إلى الآفاق يستفتي بمصر، والشام والعراق فجمهورهم قال: لم يكتب بيده قط، ورأوا ذلك عل المجاز أي أمر بالكتابة وقالت طائفة: كتب جرت هذه المسألة بحضرة شيخنا الإمام أبي الفتح القشيري

وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجالد عن عون بن عبد الله قال: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. قال مجالد: فذكرته للشعبي فقال: صدق، قد سمعت من يذكر ذلك. وقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه:

_ يعني ابن دقيق العيد فلم يعبأ يقول من قال: وقال هو قول أحوج الباجي إلى أن يستنجد بالعلماء من الآفاق، "وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء، وافقوا الباجي على ذلك منهم شيخه" العلامة الإمام الحافظ عبد -بغير إضافة- ابن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري "أبو ذر الهروي" المالكي، شيخ الحرم، صاحب التصانيف الزاهد الورع العابد العالم كثير الشيوخ، مات في شوال سنة أربع وثلاثين وأربعمائة "وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية" وغيرها كما في الفتح "واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة" بفتح المعجمة وتشديد الموحدة ابن عبيد بن زيد النميري بنون مصغر. أبو زيد البصري، نزيل بغداد صدوق له تصانيف مات سنة اثنتين وستين ومائتين، وقد جاور التسعين "من طريق مجالد" بضم الميم وتخفيف الجيم فألف فلام، فدال مهملة ابن سعد بن عمير الهمداني بسكون الميم، أبي عمر والكوفي ليس بالقوي وتغير في آخر عمره، مات سنة أربع وأربعين ومائة "عن عون بن عبد الله" بن عتبة بن مسعد الهذلي أبي عبد الله المكي العابد الثقة، المتوفى قبل سنة عشرين ومائة "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ قال مجالد: فذكرته للشعبي" عامر بن شراحيل التابعي المشهور، "فقال: صدق" عون "قد سمعت من يذكر ذلك". وبعد هذا في الفتح ومن طريق أي وبما أخرجه المذكوران أيضا من طريق يونس بن ميسرة، عن أبي كبشة السلولي، عن سهل ابن الحنظلية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس فأخذ صلى الله عليه وسلم الصحيفة فنظر فيها فقال: "قد كتب لك بما أمرت لك". قال يونس: فنرى أنه صلى الله عليه وسلم كتب بعدما أنزل عليه، "وقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط، وحسن تصويرها كقوله لكاتبه" فيما رواه الترمذي عن زيد بن ثابت

"ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك", وقوله لمعاوية: "ألق الدواة وحرف القلم وفرق السين ولا تعور الميم" إلى غير ذلك. قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث. وعن قصة الحديبية: بأن القصة واحدة، والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب رضي الله

_ "ضع القلم على أذنك" اليمنى "فإنه أذكر لك" أي أكثر ذكرا بكسر الذال وضمها، "وقوله لمعاوية" كاتبه أيضا كثيرا بعد عام الفتح: "ألق الدواة" بفتح الهمزة وكسر اللام والقاف لالتقاء الساكنين، أي أصلح مدادها من لاق إذا لصق واشتهر فيما يجعل من حرير أو لبد ونحوه؛ لأنه يصلحها لمنعه كثرة أخذ المداد في القلم الذي قد يفسد الخط "وحرف القلم" أي اجعل قطه محرفا لأنه أعون على التصوير ويكون تحريفه من جهة اليمين "وأقم الباء" اجعلها مستقيمة أو طولها قليلا، لأنها عوض عن ألف اسم "وفرق السين" اجعل سننها منفصلا بعضها من بعض، "ولا تعور الميم" بضم الفوقية وفتح المهملة وكسر الواو الثقيلة وراء مهملة، أي لا تجعل دائرتها مطموسة كالعين العوراء، وبقية هذا الحديث في الشفاء: "وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم". ورواه الديلمي في مسند الفردوس، وأورد في الشفاء أيضا حديث: "لا تمد بسم الله الرحمن الرحيم". رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس، وإليه أشار بقوله "إلى غير ذلك"، لكن قال السيوطي حديث ابن عباس هذا لم أجده، وللديلمي عن أنس: "إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن"، وله عن زيد: إذا كتبت فبين السين في بسم الله الرحمن الرحيم "قال" عياض: "وهذا" المذكور من هذه الآثار، "وإن لم يثبت أنه كتب" لجواز أنه عرف صورة الحروف بالسماع مثلا "فلا بعد" عقلا "أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث" فلا حجة فيها، وقد صنف أبو محمد بن مفوز كتابا رد فيه على الباجي وبين خطأه وحكي أن أبا محمد الهواري كان يرى ذلك، فرأى في النوم أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم انشق وماج فلم يستقر فاندهش لذلك وقال لعله لاعتقادي لهذه المقالة ثم عقدت التوبة مع نفسي فسكن واستقر، ثم قص الرؤيا على ابن مفوز فعبرها بذلك واستظهر بقوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} [مريم: 90] . "وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب رضي الله

عنه، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة بأن عليا هو الذي كتب فيحتمل أن النكتة في قوله فأخذ الكتاب، وليس يحسن يكتب لبيان أن قوله "أرني إياها" إلى أنه إنما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة. وعلى أن قوله بعد ذلك: فكتب، فيه حذف تقديره: فمحاها فأعادها لعلي فكتب: أو أطلق "كتب" بمعنى: أمر بالكتابة، وهو كثير، كقوله: كتب إلى كسرى وقيصر. وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم -وهو لا يحسن الكتابة- أن يصير عالما بالكتابة، ويخرج عن كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك. ويحتمل أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في

_ عنه، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة" وغيره عند البخاري وغيره، "أن عليا هو الذي كتب" فمجرد رواية أن المصطفى كتب لا تدل على خلافه لقبولها التأويل، "فيحتمل أن النكتة في قوله، فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب لبيان أن قوله أرني إياها إنما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك فكتب فيه حذف تقديره فمحاها" إبرار القسم علي "فأعادها لعلي فكتب". وبهذا جزم ابن التين "أو أطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة وهو كثير، كقوله كتب إلى كسرى وقيصر وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالما بالكتابة" كا ادعى الباجي ومن وافقه "ويخرج عن كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك ويحتمل أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في

ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا, وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي. وتعقب ذلك السهيلي وغيره: بأن هذا وإن كان ممكنا، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتب ذلك. قال السهيلي: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا، والحق: أن معنى قوله "كتب" أمر عليا أن يكتب. انتهى. قال: وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة

_ ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا". "وبهذا أجاب أبو جعفر" محمد بن أحمد بن محمد بن محمود الفقيه الحنفي "السمناني" بكسر السين المهملة، وسكون الميم وفتح النون الأولى نسبة إلى سمنان العراق "أحد أئمة الأصول من الأشاعرة" سكن بغداد وسمع الدارقطني وغيره وعنه الخطيب، وقال: كان ثقة عالما فاضلا حسن الكلام والباجي، وغيرهما ولد سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ومات بالموصل وهو قاض بها سنة أربع وأربعين وأربعمائة، "وتبعه ابن الجوزي" أبو الفرج الحافظ عبد الرحمن البكري المشهور، "وتعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإن كان ممكنا، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميا لا يكتب وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة" التي افتراها عليه الكفار، فقالوا: أساطير الأولين اكتتبها، فهي تملي عليه, ونحو ذلك، "فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة وقال المعاند" الكافر: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك". "قال السهيلي": تقوية لرد هذا الاحتمال "والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا،" فلو قلنا أن كتابته يومئذ معجزة أخرى دفعت كونه أميا "والحق أن معنى قوله: كتب، أمر عليا أن يكتب" كما قاله الجمهور. "انتهى" قول السهيلي. "قال" صاحب الفتح: لا عياض كما وهم، فإنه متقدم على السهيلي، فلا يتأتى تنظيره في كلامه، "وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة" التي هي جريان يده

تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير، والله أعلم. انتهى. وأما قوله: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" وقوله: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم ... إلخ. فقال العلماء: وافقهم عليه الصلاة والسلام في عدم كتابة: بسم الله الرحمن الرحيم, وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله، وترك كتابة: رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح. مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور: أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله: محمد بن عبد الله، هو أيضا رسوله، وليس في ترك وصف الله تعالى

_ بالكتابة، وهو لا يحسنها "تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظير كبير" لأنه خارق للعادة لا اختيار له فيه، حتى لو أراد كتابة غيره اختيارا لم يقدر فهو باق على أميته، وأجاب شيخنا بأن كونه خارقا للعادة باعتبار نفس الأمر وأما الواقف عليه فإنما يحمله على أنه فعله اختيارا فتعود الشبهة التي أريد دفعها عنه صلى الله عليه وسلم "والله أعلم" بما في نفس الأمر "انتهى" كلام فتح الباري. "وأما قوله" صلى الله عليه وسلم: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". "وقوله" أي سهيل: "أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم ... إلخ". "فقال العلماء وافقهم عليه الصلاة والسلام في عدم كتابة: بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله، وترك كتابة: رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح"؛ لأنه يترك المصلحة مع الإمكان قال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان فتح أعظم من صلح الحديبية، ولكن قصر رأيهم عما كان بين رسول الله وبين ربه والعباد يعجلون، والله تعالى لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. لقد رأيت سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه ورسول الله ينحرها بيده, ودعا الحلاق، فحلق رأسه، فانظر إلى سهيل يلتقط من شعره، وجعل بعضه على عينيه، وأذكر امتناعه أن يقر يوم الحديبية ببسم الله الرحمن الرحيم، فحمدت الله الذي هداه للإسلام. "مع أنه لا مفسدة في هذ الأمور،" ووجه نفي المفسدة بقوله: "أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله "محمد بن عبد الله" هو أيضا رسوله" كما قال عليه السلام في رواية للبخاري: "أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله" وليس من ترك وصف

في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه صلى الله عليه وسلم هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما المفسدة لو طلبوا أن يكتبوا ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك. انتهى. قال في رواية البخاري: فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فقال صلى الله عليه وسلم: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة, ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا.

_ الله في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه صلى الله عليه وسلم هنا بالرسالة ما ينفيها فلا مفسدة فيما طلبوه", فلذا وافقهم عليه، "وإنما المفسدة لو طلبوا أن يكتبوا ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك" ولم يقع "انتهى" ما قاله العلماء "قال في رواية البخاري": التي في الشروط عقب ما مر قبل قوله، وفي رواية له بعدما نقلته ثمة، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال" النبي صلى الله عليه وسلم: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به" بالتخفيف بالنصب عطف على المنصوب السابق، وفي نسخة نطوف بالرفع على الاستئناف، وفي أخرى فنطوف بتشديد الطاء والواو وأصله نتطوف بالنصب والرفع، "فقال سهيل: والله لا" نخلي بينك وبين البيت "تتحدث العرب أنا أخذنا" بضم الهمزة، وكسر الخاء "ضغطة" بضم الضاد، وسكون الغين المعجمتين، والنصب على التمييز قهرا والجملة استئنافية، وليست مدخولة لا قاله كله المصنف، "ولكن ذلك" الذي أردته من التخلية "من العام المقبل فكتب" على ذلك، "فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". وفي رواية للبخاري أيضا في أول كتاب الشروط بلفظ، ولا يأتيك منا أحد وهي تعم الرجال والنساء، فدخلن في هذا الصلح، ثم نسخ ذلك فيهن أو لم يدخلن إلا بطريق العموم، فخصص زاد ابن إسحاق ومن جاء قريشا ممن تبع محمدا لم يردوه إليه، ولمسلم من حديث أنس أن قريشا صالحت البي صلى الله عليه وسلم على أن من جاء منكم لم نرده إليكم، ومن جاءكم منا رددتموه إلينا فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: "نعم, فإنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا". وللبخاري في أول الشروط، وكان فيما

فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ والضغطة، بالضم، قال في القاموس: الضيق والإكراه والشدة. انتهى. فإن قلت: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة وافق سهيلا على أنه لا يأتيه رجل منهم وإن كان على دين الإسلام إلا ويرده إلى المشركين.

_ اشترط سهيل على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه بعين مهملة وضاد معجمة أي غضبوا من هذا الشرط وأنفوا منه. قال: فأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك "فقال المسلمون" متعجبين: "سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء" حال كونه "مسلما". قال الحافظ: قائل ذلك يشبه أن يكون عمر لما سيأتي وسمى الواقدي ممن قال ذلك أسيد بن حضير وسعد بن عبادة وسهل بن حنيف أنكر ذلك أيضا كما في المغازي من البخاري، "والضغطة بالضم" للضاد وسكون الغين المعجمتين ثم طاء مهملة، كما اقتصر عليه الفتح "قال في القاموس: الضيق والإكراه والشدة. انتهى". وهي ألفاظ متقاربة وفي النهاية، أي عصرا وقهرا، يقال: أخذت فلانا ضغطة إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشيء، وفي ترتيب المطالع بفتح الضاد وضمها للأصيلي، أي قهرا واضطرارا، وفي حديث البراء عند البخاري لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، أن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها وعند ابن إسحاق: وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة أي أمورا مطوية في صدور سليمة إشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم بينهم من أسباب الحرب وغيرها، وأنه لا إسلال ولا إغلال أي لا سرقة ولا خيانة. فالإسلال من السل وهي السرقة والإغلال الخيانة، تقول أغل الرجل أي خان أما في الغنيمة فيقال: غل بغير ألف، والمراد أن يأمن بعضهم من بعض ونفوسهم وأموالهم سرا وجهرا، وقيل الإسلال من سل السيوف والإغلال من لبس الدروع، ووهاه أبو عبيد قال: وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه, ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وإنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل مكة علينا, وأنه إذا كان عام قابل خرجنا فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيره، "فإن قلت ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام وافق سهيلا على أن لا يأتيه رجل منهم، وإن كان على دين الإسلام إلا ويرده إلى المشركين".

فالجواب: إن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجا. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي، ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام، قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام.

_ "فالجواب" كما نقله النووي عن العلماء "أن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح" هي "ما ظهر من ثمراته الباهرة" الغالبة، "وفوائده المتظاهرة" التي علمها صلى الله عليه وسلم وخفيت على غيره، فحمله ذلك على موافقتهم لأنه لا يترك ما فيه مصلحة للمسلمين. وقد علم أن الله سيجعل للمستضعفين فرجا ومخرجا كما أخبر بذلك فكان كما قال فظهرت مصلحة هذا الفتح "التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم ودخول الناس في دين الله أفواجا" جماعات، "وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تتظاهر" أي تظهر "عندم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي", وعبر بالمفاعلة إشارة إلى أنه بعد الصلح صار بعض الأمور لظهوره، كأنه يعاون البعض وهو مستلزم لكمال الظهور. وفي المختار: التظاهر التعاون, "ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم، وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته" طريقته وهيئته من إضافة الصفة للموصوف "وجميل طريقته" مساو لما قبله حسنه اختلاف اللفظ. "وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك فمالت نفسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا فيما بين صلح الحديبية وفتح مكة" كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاصي، وغيرهما، "وازداد الآخرون" وهم من لم يسلم حينئذ "ميلا إلى الإسلام".

فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل. وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي. قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1, 2] فالله ورسوله أعلم. انتهى. قال في رواية البخاري: فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده

_ "فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش" لما يعلمونه فيهم من القوة والرأي، ولأنهم كانوا يقولون: قوم الرجل أعلم به. "فلما أسلمت قريش أسلمت العرب، قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} نبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه {وَالْفَتْحُ} ، فتح مكة باتفاق كقوله: "لا هجرة بعد الفتح" {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} جماعات، جاءه العرب بعد فتح مكة من أقطار الأرض طائعين، "فالله ورسوله أعلم" بالحكمة البالغة التي منها أن صد المسلمين عن البيت كان في الظاهر هضما وفي الباطن عزا لهم وقوة، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة وقهروا من حيث أرادوا الغلبة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. "انتهى" كلام العلماء. "قال في رواية البخاري" التي في الشرط: "فبينما" بالميم "هم كذلك" وعند ابن إسحاق: فإن الصحيفة لتكتب، "إذ دخل أبو جندل" بالجيم، والنون وزن جعفر, "ابن سهيل بن عمرو" القرشي العامري، وكان اسمه العاصي فتركه لما أسلم، حبس بمكة ومنع الهجرة وعذب بسبب الإسلام، وله أخ اسمه عبد الله أسلم أيضا قديما وحضر مع المشركين بدرا ففر منهم إلى المسلمين، ثم كان معهم بالحديبية. وقد وهم من جعلهما واحدا، وقد استشهد عبد الله باليمامة قبل أبي جندل بمدة، فإنه استشهد بالشام في خلافة عمر كما ذكره ابن عقبة عن الزهري، قاله في الفتح، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: وكان سهيل أوثقه وسجنه حين أسلم فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين ففرح به المسلمون وتلقوه حال كونه "يرسف" بفتح أوله وضم المهملة وبالفاء أي يمشي مشيا بطيئا بسبب أنه "في قيوده". هكذا ضبطه في الفتح والنور والمصنف وغيرهم فهو الرواية، وقال الحافظ في المقدمة

وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأجزه لي". قال: ما أنا بمجيز ذلك. قال: "بلى فافعل". قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى

_ بضم السين، ويقال بكسرها هو مشي المقيد، فقوله: يقال أي في اللفظ من حيث هو بدليل اقتصاره في الفتح على الضم، "وقد خرج" لما خرج من السجن "من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين". زاد ابن إسحاق فقام سهيل إلى أبي جندل فضرب وجهه، وأخذ يتلببه قال البرهان: أي جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه، وقبض عليه نحره، "فقال" أبوه "سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك،" أي أول شيء أحاكمك "عليه أن ترده إليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال المصنف بنون مفتوحة، فقاف ساكنة، فضاد معجمة، أي لم نفرغ من كتابته ولأبي ذر عن المستملي والحموي: لم نفض بالفاء وتشديد المعجمة. انتهى. والمراد به أيضا الفراغ مجازا؛ لأنه بالفاء: الكسر. فض الإناء: كسره, فأطلق اللازم وأراد الملزوم، وهو عدم الفراغ من الكتاب: "قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأجزه لي" بالجيم والزاي بصيغة فعل الأمر من الإجازة، أي أمض لي فعلي فيه ولا أرده إليك أو استثنه من القضية، ووقع في الجمع للحميدي بالراء. ورجح ابن الجوزي الزاي وفيه أن الاعتبار في العقود بالقول ولو تأخرت الكتابة والإشهاد، ولذا أمضى صلى الله عليه وسلم لسهيل الأمر في ابنه إليه. وكان تلطف به بقوله: "لم نقض الكتاب" رجاء أن يجيبه ولا تنكره بقية قريش؛ لأنه ولده فلما أصر على الامتناع تركه له. قال الحافظ: وبه تعلم سقوط قول الشارح كأنه أشار بذلك إلى عدم انبرام الصلح بينهم، فكأنه قال لم يستقر الأمر على رد من جاءنا منكم. "قال: ما أنا بمجيز ذلك" هي رواية أبي ذر ولغيره: بمجيزه لك. قال: "بلى فافعل". "قال: ما أنا بفاعل, قال مكرز", زاد الواقدي: وحويطب: "بلى" كذا للأكثر

قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب في الله عذابا شديدا. زاد ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا"

_ بلفظ الإضراب وللكشميهني: بلى "قد أجزناه لك" فأخذاه فأدخلاه فسطاطا وكفا أباه عنه كما في رواية الواقدي وغيره. وفي فتح الباري لم يذكر هنا من أجاب به سهيل مكرزا، فزعم بعض الشراح أنه لم يجبه؛ لأن مكرزا لم يكن ممن جعل له عقد الصلح وفيه نظر، فقد روى الواقدي وابن عائذ أنه كان ممن جاء في الصلح مع سهيل ومعهما حويطب بن عبد العزى، لكن ذكرا أن إجازته إنما هي في تأمينه من العذاب ونحو ذلك لا بأن يقرأه عند المسلمين لكن يعكر عليه رواية الصحيح. فقال مكرز: "قد أجزناه لك" يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ولذا استشكل ما وقع منه لأنه خلاف قوله عليه السلام وهو فاجر، فكان الظاهر أن يساعد سهيلا على ابنه وأجيب بأن الفجور حقيقة ولا يلزم أن لا يقع منه شيء من البر نادرا أو قال ذلك نفاقا وفي بطنه خلافه، أو سمع قوله صلى الله عليه وسلم هو رجل فاجر فأراد إظهار خلافه فهو من جملة فجوره، ولو ثبتت رواية الواقدي وابن عائذ لكانت أقوى من هذه الاحتمالات، فإنه إنما أجازه ليكف عنه العذاب ليرجع إلى طاعة أبيه فما خرج بذلك عن الفجور. انتهى ملخصا. وفي رواية ابن إسحاق: ثم قال أي سهيل: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: "صدقت". "قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد" بضم الهمزة وفتح الراء "إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ " بكسر القاف وفتحها بعضهم، "وكان قد عذب في الله عذابا شديدا". "زاد ابن إسحاق" بعد نحو، هذا وهو قوله وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني، فزاد الناس ذلك إى ما بهم، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإنا لا نغدر" وقد تم الصلح قبل أن تأتي وتلطفت بأبيك، فأبى "وإن الله جاعل لك" ولمن معك من المستضعفين، كما في نفس رواية ابن إسحاق، وأسقطها المصنف تبعا للفتح "فرجا ومخرجا" كأنه علم ذلك بالوحي. وفي رواية أبي المليح فأرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أبا جندل وبقية رواية ابن إسحاق: "فإنا

فوثب عمر يمشي إلى جنبه ويقول، اصبر فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب. قال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما: أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم تمكن التورية، فلم يكن رده إليهم إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك، مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية. والوجه الثاني: إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك, وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضا. وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله تعالى يبتلي به صبر عباده المؤمنين.

_ قد عقنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدر بهم". قال "فوثب عمر" بن الخطاب مع أبي جندل "يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر" يا أبا جندل، "فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم الكلب" ويدني قائم السيف يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية انتهى كلام ابن إسحاق. "قال الخطابي تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين أحدهما أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم" أي ما يبقى به نفسه مما ظهره كفر، "إذ خاف الهلال ورخص له أن يتكلم بالكفر"، أو يفعل ما ظاهره كفر كسجود لصنم "مع إضمار الإيمان" بأن يصمم عليه بقلبه، فقال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} فالمكره غير مكلف "إن لم تمكن التورية" لعدم معرفتها أو قبولهم لها، "فلم يكن رده إليهم إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك" أي تسليطا لهم عليه وتخذيلا له "مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية". "والوجه الثاني إنه إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك" لما جبلت عليه النفوس من محبة الولد "وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة" بفتح الميم أي سعة وفسحة "بالتقية أيضا"، فليس رده لأبيه طريقا للهلاك، لأنه يمكن أن يوافقهم على الكفر ظاهرا، وقلبه مطمئن بالإيمان فيسلم من الهلاك والتعذيب، "وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين" أي يتحنهم ليظهر بذلك صبرهم للناس, فالابتلاء سبب لظهور الصبر لا ليعلمه إذ لا يعزب عن علمه شيء.

واختلف العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم، أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير.

_ "واختلف العلماء" في جواب قول السائل "هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم، أم لا، فقيل: نعم" يجوز "على ما دلت عليه قصة أبي جندل" المذكور، "وأبي بصير" بفتح الموحدة، وكسر الصاد المهملة فتحتية ساكنة فراء عتبة بضم المهملة وسكون الفوقية وقيل عبيد بموحدة مصغر. قال الحافظ وهو وهم بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين على الصحيح ابن جارية بجيم وتحتية ابن عبد الله الثقفي حليف بني زهرة، فقوله في الصحيح رجل من قريش أي بالحلف؛ لأن بني زهرة من قريش, أسلم قديما. وقصته عند البخاري في بقية هذا الحديث الذي ساقه عنه المصنف من كتاب الشروط قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين سماهما ابن سعد خنيس بمعجمة ونون وآخره مهملة مصغر ابن جابر ومولى يقال له كوثر، وقيل اسم أحدهما مرثد بن حمران بن إسحاق، وكتب الأخنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا به مع مولى لهما ورجل من بني عامر استأجراه ببكرين. زاد الواقدي فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام، ورواية أبي المليح جاء أبو بصير مسلما، وجاء وليه خلفه على مجاز الحذف أي رسول وليه. انتهى. فقالوا: العهد الذي جعلته لنا فدفعه إلى الرجلين، زاد ابن إسحاق فقال أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني يعذبونني، قال: "اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا" زاد أبو المليح فقال له عمر: أنت رجل وهو رجل ومعك السيف انتهى. فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين في رواية ابن سعد الخنيس بن جابر. انتهى. والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به، ثم جربت وفي رواية لأضربن به في الأوس والخزرج يوما إلى الليل. انتهى. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه، فضربه أبو بصير حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال صلى الله عليه وسلم لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، ولابن إسحاق قتل صاحبكم صاحبي انتهى، وإني لمقتول أي إن لم ترده عني. وعند ابن عائذ وتبعه أبو بصير حتى دفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه وهو عاض على أسفل ثوبه، وقد بدا طرف ذكره والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه وأبو

.....................................

_ بصير يتبعه انتهى. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ينصره". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ولابن عقبة، وجاء أبو بصير بسلبه فقال: خمسه يا رسول الله، فقال: "إني إذا خمسته لم أوف بالعهد الذي عاهدتهم عليه, ولكن شأنك بسلب صاحبك واذهب حيث شئت". فخرج معه خمسة قدموا معه مسلمين من مكة. انتهى. فخرج حتى أتى سيف البحر بكسر المهملة، وسكون التحتية بعدها فاء أي ساحله، وعين ابن إسحاق المكان، فقال حتى نزل العيص بكسر المهملة، وسكون التحتية بعدها مهملة قال وكان طريق مكة إذا قصدوا الشام، وهو يحاذي المدينة إلى جهة الساحل انتهى. قال وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، وعند ابن عقبة كأبي الأسود عن عروة انفلت في سبعين راكبا مسلمين، فلحقوا بأبي بصير قريبا من ذي المروة على طريق قريش، فقطعوا مادتهم من طريق الشام وأبو بصير يصلي بأصحابه، فلما قدم أبو جندل كان يؤمهم، أي لأنه قرشي. انتهى. فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمع منهم عصابة بكسر العين تطلق على أربعين فما دونها، ودل هذا الحديث على إطلاقها على أكثر، فلابن إسحاق بلغوا نحوا من سبعين، ولأبي المليح أربعين أو سبعين، وجزم عروة بأنهم بلغوا سبعين، وزعم السهيلي أنهم بلغوا ثلاثمائة رجل، كذا قال في الفتح: وفيه أن السهيلي لم يقله من عنده بل عزاه لرواية معمر عن الزهري. وهكذا جزم به ابن عقبة في مغازيه فقال: واجتمع إلى أبي جندل ناس من غفار، وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون. زاد عروة وكرهوا أن يقدموا المدينة في الهدنة خشية أن يعادوا إلى المشركين. انتهى. فوالله ما يسمعون بعير خرجت من مكة لقريش إلى الشام إلا اعترضو لها وأخذوا أموالهم ولابن إسحاق لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها. انتهى. فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، ولأبي الأسود عن عروة، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب إليه صلى الله عليه وسلم يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل ومن معه، قالوا: ومن خرج منا إليك فهو لك حلال غير حرج. انتهى. فأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم، وفي رواية ابن عقبة عن الزهري، فكتب صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير، فقدم

وقيل: لا، وإن الذي وقع في القصة منسوخ. وإن ناسخه حديث: "أنا بريء من مسلم بين مشركين" وهو قول الحنفية. وعند الشافعية: يفصل بين العاقل والمجنون والصبي، فلا يردان. وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. والله أعلم. قاله في فتح الباري. قال في رواية البخاري: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم, فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: "بلى" , قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"

_ كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا، وقدم أبو جندل ومن معه المدينة، فلم يزل بها حتى خرج إلى الشام مجاهدا، فاستشهد في خلافة عمر، ولابن الأسود عن عروة فعلم الذين أشاروا أن لا يسلم أبا جندل إلى أبيه أن طاعته صلى الله عليه وسلم خير مما كرهوا. انتهى. وقد بينت الزائد على رواية البخاري بعزو أوله وقول انتهى آخره. "وقيل: لا" يجوز صلح المشركين على رد من جاء مسلما منهم، "وأن الذي وقع في القصة" المذكورة لكل من أبي جندل وأبي بصير "منسوخ، وأن ناسخه حديث" أبي داود، والترمذي وصححه الضياء عن جرير مرفوعا: "أنا بريء من مسلم بين مشركين"، واختصره المصنف، ولفظه عند رواية المذكورين: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى ناراهما"، "وهو قول الحنفية" ولا شاهد فيه للنسخ، لأنه فيمن تمكن من الفرار ولا عشيرة له تحميه أو قاله بعد رضا المشركين برد من جاء مسلما. "وعند الشافعية يفصل بين العاقل و"بين "المجنون والصبي، فلا يردان" بخلاف العاقل، فيجوز شرط رده إن كان له عشيرة تحميه. "وقال بعض الشافعية ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب والله أعلم". "قاله في فتح الباري، قال في رواية البخاري" الذكورة، "فقال" بالفاء ولأبي ذر، قال "عمر بن الخطاب" هذا بما يقوي أنه الذي حدث المسور ومروان بالقصة، وكذا ما مر قريبا من قصته مع أبي جندل قاله الحافظ، "فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت" له "ألست نبي الله" بالنصب خبر ليس والاستفهام تقريري "حقا؟ " قال: "بلى" ألسنا على الحق وعدونا على الباطل، قال: "بلى". زاد البخاري في الجزية والتفسير: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟، قال: "بلى".

قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري". قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام"؟ قلت: لا، قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في

_ "قلت: فلم نعطي الدنية" بفتح الدال المهملة، وكسر النون وشد التحتية والأصل فيه الهمزة، لكنه خفف وهو صفة لمحذوف أي الحالة الدنية الخسيسة، "في ديننا إذا" بالتنوين أي حين إذ كان كذلك زاد في التفسير والجزية ونرجع ولم يحكم الله بيننا، قال: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري" , فيه تنبيه لعمر على إزالة ما عنده من القلق، وأنه لم يفعل ذلك إلا لأمر أطلعه الله عليه، وأنه لم يفعل شيئا من ذلك إلا بوحي "قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ " قال المصنف: بالتخفيف وفي نسخة فنطوف بشد الطاء والواو وقال شيخنا: وهي أنسب بقوله بعد ومطوف به. وعند ابن إسحاق كانت الصحابة لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها صلى الله عليه وسلم فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. وعند الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم كان رأى في منامه قبل أن يعتمر هو وأصحابه دخول البيت فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم، قال: "بلى أفخبرتك أنا نأتيه العام" هذا "قلت: لا" فيه حمل الكلام على عمومه وإطلاقه حتى يظهر إرادة التخصيص والتقييد، قال: "فإنك آتية ومطوف به" بفتح الطاء وكسر الواو الثقيلتين. وروى الواقدي عن أبي سعيد، قال عمر: لقد دخلني أمر عظيم وراجعت النبي صلى الله عليه وسلم مراجعة ما راجعته مثلها قط. وروى البزار عن عمر اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي وما ألوت عن الحق وفيه، فرضي صلى الله عليه وسلم وأبيت حتى قال: "يا عمر تراني رضيت وتأبى"؟. وعند البخاري في الجزية والتفسير من حديث سهل بن حنيف، فقال: "يابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله". فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، "قال" عمر: "فأتيت أبا بكر" الصديق رضي الله عنه "فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم" نعطي الخصلة "الدنية" الخسيسة

ديننا إذا؟ قال أبو بكر: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال العلماء: لم يكن سؤال عمر رضي الله عنه وكلامه شكا، بل طلبا لكشف ما خفي عليه، وحثا على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عرف في خلقه وقوته في نصرة الدين، وإذلال المبطلين. وأما جواب أبي بكر لعمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الدلائل الظاهرة على عظم فضله

_ "في ديننا إذا؟ " بالتنوين "قال أبو بكر" لعمر: "أيها الرجل أنه رسول" رواية أبي ذر ولغيره لرسول "الله" بلام "وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه" بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء بعدها زاي، وهو للإبل بمنزلة الركاب للفرس، أي تمسك بأمره ولا تخالفه كالذي يتمسك بركاب الفارس فلا يفارقه. "فوالله إنه على الحق قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف" بالفاء لأبي ذر ولغيره بالواو "به قال: بلى أفأخبرك أنا نأتيه العام، قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به" فأجابه بمثل جوابه له صلى الله عليه وسلم سواء، فدل أنه أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال المصطفى، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى ولجلالة قدر أبي بكر وسعة علمه عند عمر لم يراجع أحدًا في ذلك بعده صلى الله عليه وسلم غير الصديق، وإنما سأله بعد المصطفى وجوابه له لشدة ما حصل له من الغيظ وقوته في نصر الدين وإذلال الكافرين. كما أفصح عن ذلك سهل بن حنيف الصحابي بقوله فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر كما مر على الصحيح. ووقع في رواية ابن إسحاق تقديم سؤاله لأبي بكر على سؤال للنبي صلى الله عليه وسلم وما في الصحيح أصح. لا سيما وقد أفصح في الحديث الآخر بسبب إتيانه له بعده كما ترى. "قال العلماء: لم يكن سؤا عمر رضي الله عنه وكلامه شكا" في الدين حاشاه من ذلك، ففي رواية ابن إسحاق أنه لما قال له: الزم غرزه فإنه رسول الله قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. "بل طلبا لكشف ما خفي عليه" من المصلحة وعدمها في هذا الصلح، "وحثا على إذلال الكفار وظهور الإسلام كما عرف في خلقه" بضمتين عادته "وقوته" شدته "في نصر الدين وإذلال المبطلين" ففيه جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، "أما جواب أبي بكر لعمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم" حرفا بحرف "فهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله

وبارع علمه، وزيادة عرفانه ورسوخه، وزيادته في كل ذلك على غيره. وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما في السير. وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر. ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار كانت أربع سنين. وكذا أخرجه الحاكم في البيوع من المستدرك

_ وبارع علمه وزيادة عرفانه" بأحوال المصطفى، "ورسوخه وزيادته في كل ذلك على غيره" ألا ترى أنه صرح في الحديث، أن المسلمين استنكروا الصلح المذكور وكانوا على رأي عمر، فلم يوافقهم أبو بكر بل كان قلبه على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء. ومر في الهجرة أن ابن الدغنة وصفه بمثل ما وصفت به خديجة النبي صلى الله عليه وسلم سواء من كونه يصل الرحم ويحمل الكل ويعين على نوائب الحق وغيره ذلك، فلما تشابهت صفاتهما من الابتداء استمر ذلك إلى الانتهاء. وفي البخاري قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. وفي ابن إسحاق ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا. وعند الواحدي عن ابن عباس: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا وصمت دهرا. وإنما عمل ذلك وإن كان معذورا في جميع ما صدر من، بل مأجورا لأنه مجتهد لتوقفه عن المبادرة في امتثال الأمر، حتى قال: ما شككت منذ أسلمت إلا هذه الساعة. قال السهيلي: هذا الشك هو ما لا يصر عليه وإنما هو من باب الوسوسة. التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة"، ففيه أن المؤمن قد يشك ثم يجدد النظر في دلائل الحق فيذهب شكه, قال الحافظ لكن الذي يظهر أنه توقف منه ليقف على الحكة في القضية وتنكشف عند الشبه. انتهى. "وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما في السير" سيرة ابن إسحاق وغيرها، "وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر" والحاكم حديث عليّ وجزم به ابن سعد وهو المعتمد. "ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار" العدوي مولاهم المدني التابعي الصغير ثقة كثير الحديث، مات سنة سبع وعشرين ومائة أي ما أسنده عن مولاه عبد الله بن عمر "كانت" مدة الصلح "أربع سنين". "وكذا أخرجه الحاكم في" أواخر "البيوع من المستدرك" عن ابن عمر وقال: صحيح ورده

والأول أشهر. وكان الصلح على وضع الحرب، بحيث يأمن الناس فيها، ويكف بعضهم عن بعض. وأن لا يدخل البيت إلا العام المقبل ثلاثة أيام. ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، وهو القراب بما فيه. والجلبان -بضم الجيم وسكون اللام- شبه الجراب يوضع فيه السيف مغمودا. ورواه القتيبي: بضم الجيم واللام وتشديد الباء، وقال: هو أوعية السلاح بما فيها. وفي بعض الروايات: لا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف والقوس. وإنما اشترطوا ذلك ليكون علما وأمارة للسلم

_ الذهبي فقال: بل ضعيف فإن عاصما أحد رجاله ضعفوه "والأول أشهر،" بل هو المعتمد الصحيح، وهذا مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح كما مر عن الحافظ مع زيادة. واختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين، فقال الشافعي والجمهور لا تجاوز عشر سنين لهذا الحديث لأن منع الصلح هو الأصل لآية القتال، فورد الحديث بعشر فالزيادة على أصل المنع، وقيل تجوز الزيادة، وقيل لا تجاوز أربع سنين وقيل ثلاثا وقيل سنتين. "وكان الصلح على وضع الحرب بحيث يأمن الناس فيها" أي مدة الصلح "ويكف بعضهم عن بعض" القتال ونهب الأموال، "وأن لا يدخل البيت إلا العام القابل" ويقيم "ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، وهو" أي السلاح "القراب بما فيه والجلبان بضم الجيم وسكون الجيم" وخفة الموحدة، فألف فنون "شبه الجراب يوضع فيه السيف مغمودا". "ورواه القتيبي" بضم القاف، وفتح الفوقية، عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبي محمد الدينوري مؤلف غريب الحديث وأدب الكاتب وغيره نسبة إلى جده قتيبة المذكور، فالصواب حذف الياء قبل الموحدة لوجوب حذفها في النسبة إلى فعيلة بالضم كجهينة وقريظة، فيقال: جهني وقرظي "بضم الجيم و" ضم "اللام وتشديد الباء" الموحدة "وقال: هو أوعية السلاح بما فيها، وفي بعض الروايات، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس" بدل من السلاح، وفي نسخة والسيف بواو عطف التفسير، "وإنما اشترطوا ذلك ليكون علما وأمارة للسلم إذ كان دخولهم

إذ كان دخولهم صلحا. وقال مكي بن أبي طالب القيرواني في تفسيره. وبعث عليه الصلاة والسلام بالكتاب إليهم مع عثمان بن عفان

_ صلحا،" فهو أبلغ في الدلالة على أنهم غير محاربين، "وقال مكي" بميم وكاف ونسخة علي من أوهام النساخ "ابن أبي طالب" حموش بفتح المهملة وشد الميم المضمومة، وسكون الواو فشين معجمة بن محمد بن مختار "القيرواني" أبو محمد القيسي المالكي، الفقيه، الأديب المقري، أخذ بالقيروان عن ابن أبي زيد والقابسي، ورحل وحج وأخذ عن جميع بالمشرق كإبراهيم المروزي وابن فارس، ودخل قرطبة فنوه بمكانه القاضي ابن ذكوان فأجلسه في الجامع فعلا ذكره ونشر علمه ورحل إليه الناس من كل قطر. وروى عنه ابن عتاب وحاتم بن محمد وابن سهل وغيرهم، وصنف كثيرا في علوم القرآن وغيره ومات صدر محرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة "في تفسيره" وهو في عشرة أجزاء، "وبعث عليه الصلة والسلام بالكتاب إليهم" ليس المراد كتاب الصلح، كما يوهمه سياق المصنف، بل هذا كتاب أرسله لأشراف قريش كما أخرجه البيهقي، والحاكم في الإكليل عن عروة، وابن إسحاق من وجه آخر وابن سعد والواقدي، قالوا: ما محصله لما نزل صلى الله عليه وسلم الحديبية أحب أن يبعث إلى قريش يعلمهم أنه إنما قدم معتمرا، فبعث خراش بن أمية الخزاعي على جمله عليه السلام، فعقره عكرمة بن أبي جهل وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش، فأتاه صلى الله عليه وسلم وأخبره فدعا عمر فاعتذر بأنه يخافهم على نفسه لما عرفوه من عداوته وغلظته عليهم ولا عشيرة له بمكة، ودله على عثمان لعزته عليهم وعشيرته فدعاه وكتب كتابا بعثه "مع عثمان بن عفان" وأمره أن يبشر المستضعفين بمكة بالفتح قريبا، وأن الله سيظهر دينه، فتوجه عثمان فوجد قريشا ببلدح قد اتفقوا على منعهم من مكة، فأجاره أبان بن سعيد بن العاصي وحمله على فرسه، وركب هو وراءه وقال له شعرا: أقبل وأدبر ولا تخف أحدا ... بنو سعيد أعزة الحرم فانطلق حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم الكتاب واحدا واحدا فما أجابوا، وصمموا أنه لا يدخلها هذا العام، وقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال المسلمون: هنيئا لعثمان خلص إلى البيت فطاف به دوننا، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن ظني به أن لا يطوف حتى نطوف معا". وبشر عثمان المستضعفين، ولما تم الصلح وهم ينظرون نفاذ ذلك وإمضاءه رمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر، فكانت معركة بالنبل والحجارة، فارتهن كل فريق من عندهم،

وأمسك سهيل بن عمرو عنده، وأمسك المشركون عثمان فغضب المسلمون. وقال مغلطاي: فاحتبسته قريش عندها. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وقيل: على أن لا يفروا. انتهى.

_ "وأمسك" عليه السلام "سهيل بن عمرو عنده"، كما في مغازي أبي الأسود عن عروة وابن عائذ عن ابن عباس وابن عقبة، عن الزهري، وقد نقله عن صاحب العيون. فالاعتراض على المصنف بأن الذي في ابن سيد الناس والشامي صريح في أنه إنما أمسك الذين جاءوا له مع مكرز، والاثني عشر الذين أسرهم بعد ذلك, وهم قلم يقع ذلك في العيون، وما في الشامية مما يوهم ذلك، إنما تبع فيه الواقدي ولا يعادل ما قاله هؤلاء الثقات على أنه لم ينف أنه أمسك سهيلا عنده، بل صح أنه أطلق الذين جاءوا مع مكرز كلهم، ففي مسلم عن سلمة: جاء عمي برجل يقال له: مكرز في ناس من المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثنياه". فعفا عنهم، وأنزل الله: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ} الآية، "وأمسك المشركون عثمان" في عشرة دخلوا مكة بإذنه عليه السلام في أمان عثمان أو سرا "فغضب المسلمون، وقال مغلطاي" ملخصا لكلام ابن إسحاق: "فاحتبسته" أي عثمان "قريش عندها، فبلغ النبي صلى اله عليه وسلم أن عثمان قد قتل" فقال: "لا نبرح حتى نناجز القوم". "فدعا الناس إلى بيعة الرضوان" سميت بذلك لقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} سمرة أو أم غيلان كان صلى الله عليه وسلم نازلا تحتها يستظل بها، فبايعوه "على الموت" كما قاله سلمة بن الأكوع عند البخاري، والترمذي, والنسائي، وروى الشيخان عن عبد الله بن زيد لا أبايع على هذا أي الموت أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وقيل" لم يبايعهم على الموت، بل "على أن لا يفروا" قاله جابر بن عبد الله، ورواه مسلم عن معقل بن يسار. "انتهى". وفي الصحيح أن نافعا سئل أبايعهم على الموت، قال: لا بايعهم على الصبر. وجمع الترمذي بأن بعضا بايع على الموت وبعضا على أن لا يفروا، واستدل لكل منهما بقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية، لأن المبايعة وقعت مطلقة فيها، وقد أخبر سلمة وهو ممن بايع أنه بايع على الموت فدل على أن المراد، وقال ابن المنير: قوله {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} والسكينة الطمأنينة في موقف الحرب يدل على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك. قال الحافظ: على أنه لا منافاة فالمراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت، ولا بد وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله بايعهم على الصبر، أي على الثبات وعدم الفرار سواء أفضي بهم ذلك إلى الموت أم لا.

...................................................

_ وقال في محل آخر، وحاصل الجمع أن من أطلق أنها على الموت أراد لازمها؛ لأنه إذا بايع على أن لا يفر لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت أما أن يغلب وإما أن يؤسر والذي يؤسر، إما أن القتل وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلق الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تئول إليه. وفي الصحيح عن ابن عمر والمسيب بن حزن والد سعيد أن الشجرة أخفيت، والحكمة في ذلك أن لا يحصل افتتان بها لما وقع تحتها من الخبر، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع وضر كما نشاهده الآن فيما دونها. وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: كانت رحمة من الله، أي كان إخفاؤها رحمة من الله، ويحتمل أن معناه كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها، لكن إنكار سعيد بن المسيب على من زعم أنه يعرفها معتمدا على قول أبيه أنهم لم يعرفوها في العام المقبل، لا يدل على رفع معرفتها أصلا، لما في البخاري عن جابر، لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة، فهذا يدل على أنه كان يعرفها بعينها، لأنها كانت قطعت قبل مقالته، كما روى ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع: أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة، فيصلون عندها، فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت. انتهى من الفتح وكان أول من بايع أبو سنان الأسدي، وهو وهب أو عارم أو عبد الله بن مصحن أخو عكاشة. أخرج الطبراني عن ابن عمر لما دعا صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان، فقال: ابسط يدك أبايعك, فقال صلى الله عليه وسلم: "علام تبايعني"؟، قال: على ما في نفسي، قال: "وما في نفسك"؟، قال: أضرب بسيفي حتى يظهرك الله، أو أقتل فبايعه وبايعه الناس على بيعة أبي سنان. وكذا رواه ابن منده عن زر بن حبيش، والبيهقي عن الشعبي وصححه أبو عمر قائلا أنه الأكثر والأشهر، وقيل: ابنه سنان؛ لأن أباه مات في حصار بني قريظة قبل اليوم. قاله الواقدي، وضعفه بعض الحفاظ وقيل: ابن عمر. قال ابن عبد البر: ول يصح. وفي صحيح مسلم أن سلمة بن الأكوع أول من بايع. قال البرهان: والجمع ممكن وكلهم بايع مرة إلا ابن عمر، فبايع مرتين، مرة قبل أبيه ومرة بعده، كما في الصحيح، وإلا سلمة بن الأكوع، فبايع مرتين، كما في البخاري، وثلاثا كما في مسلم.

ووضع النبي صلى الله عليه وسلم شماله في يمينه وقال: "هذه عن عثمان". وفي البخاري: فقال صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: "هذه يد عثمان". فضرب بها على يده اليسرى فقال: "هذه لعثمان" ... الحديث. ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا

_ قال ابن المنير: الحكمة في تكراره البيعة لسلمة أنه كان مقداما في الحرب، فأكد عليه العقد احتياطا. قال الحافظ أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل، فتعددت البيع بتعدد الصفة انتهى. قال الشامي وكأنه لم يستحضر ما في مسلم من مبايعته ثلاثا، ولو استحضره لوجهه. انتهى، وفيه شيء، فتوجيه ابن المنير يجري فيه، "ووضع النبي صلى الله عليه وسلم شماله في يمينه"، وقال: "هذه" أي شماله "عن عثمان" وهذا قد يشعر بأنه علم بأنه لم يقتل، فيكون معجزة. ويؤيده ما جاء أنه لما بايع الناس قال: "اللهم إن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك". فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يده لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم. "وفي البخاري" في المناقب والمغازي عن ابن عمر أن رجلا من أهل مصر سأله هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد، وتغيب عن بدر وعن بيعة الرضوان، قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وغفر له، وأما تغيبه عن بدر، فكان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة لبعثه مكان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، "فقال صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى" من إطلاق القول على الفعل، أي: مشيرا بها: "هذه يد عثمان" أي: بدلها "فضرب بها على يده اليسرى"، فقال: "هذه لعثمان" أي عنه ولا ريب أن يده صلى الله عليه وسلم لعثمان خير من يده لنفسه كما ثبت ذلك عن عثمان نفسه. روى البزار بإسناد جيد أنه عاتب عبد الرحمن بن عوف، فقال له: لم ترفع صوتك عليّ، فذكر الأمور الثلاثة وأجابه عثمان بمثل ما أجاب به ابن عمر، قال عثمان: في هذه فشمال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لي من يميني "الحديث" بقيته فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك. "ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا" وألقى الله في قلوبهم الرعب، فأذعنوا إلى الصلح وقال سهيل: ما كان من حبس أصحابك وقتالك لم يكن من رأي ذوي رأينا, كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت، فقال: "إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي". فقالوا: أنصفتنا. فبعث سهيل ومن معه إلى قريش فأذعنوا

وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين. وفي هذه البيعة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 18] . وحلق الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم

_ "وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين" قال الشامي عشرة: كرز بن جابر وعبد الله بن سهيل، وعبد الله بن حذافة، وأبو الروم بن عمير العبدري، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي، وحاطب بن عمرو، وعمير بن وهب الجمحي, وحاطب بن أبي بلتعة, وعبد الله بن أمية, وكانوا دخلوا مكة بإذنه عليه السلام، قيل: في جوار عثمان، وقيل: سرا. "وحلق الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم" بعد توقفهم. ففي البخاري في الشروط، فلما فرغ من الكتاب قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا رءوسكم". فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. وفي رواية ابن إسحاق فقال لها: "ألا ترين إلى الناس إني أمرتهم بالأمر فلا يفعلونه". فقالت: يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح. وفي رواية أبي المليح فاشتد ذلك عليه فدخل على أم سلمة، فقال: "هلك المسلمون أمرتهم أن يحلقوا وينحروا، فلم يفعلوا". قال: فجلا الله عنهم يومئذ بأم سلمة. انتهى. فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم منهم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم منهم أحدا حتى نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا. قال ابن إسحاق بلغني أن الذي حلقه يومئذ خراش بمعجمتين ابن أمية بن الفضل الخزاعي وكانت ابدن سبعين. حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس كان فيها جمل لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيط به المشركين، وكان غنمه منه في بدر، وحلق رجال يومئذ وقصر آخرون فقال صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين؟ قال: "يرحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين؟ قال: "والمقصرين". قالوا: لم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين. قال: "لم يشكوا".

ونحروا هداياهم بالحديبية، قال مغلطاي: وأرسل الله ريحا حملت شعورهم فألقتها في الحرم.

_ رواه ابن إسحاق أيضا عن ابن عباس قيل: كان توقف الصحابة رضي الله عنهم بعد الأمر لاحتمال أن للندب أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح أو تخصيصه بالإذن لهم في دخول مكة العام لإتمام نسكهم، وساغ ذلك لهم لأنه زمان وقوع النسخ، ويحتمل أن صورة الحال أبهتتهم، فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند نفوسهم مع ظهور واعتقادهم القدرة قضاء نسكهم بالغلبة أو لأن الأمر المطلق لا يقتضي الفور. ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم أو فهموا أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتحلل أخذا بالرخصة في حقهم، وأنه هو يستمر على الإحرام أخذا بالعزيمة في حق نفسه فأشارت عليه أم سلمة بالتحلل لينفي هذا الاحتمال وعرف صوابه ففعله، فلما رأوه بادروا إلى فعل ما أمرهم به، إذ لم يبق غاية ينتظرونها ونظيره ما وقع لهم، في غزوة الفتح من أمره لهم بالفرط في رمضان، فأبوا حتى شرب فشربوا وفيه فضل المشورة، ومشاورة المرأة الفاضلة وفضل أم سلمة ووفر عقلها، حتى قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأت فأصابت إلا أم سلمة، واستدرك عليه بعضهم بنت شعيب في أمر موسى انتهى من الفتح، "ونحروا هداياهم" أي من كان معه هدي منهم "بالحديبية" وهي في الحرم في قول مالك وبعضها في الحل وبعضها في الحرم في قول الشافعي. وقال الماوردي: هي في طرف الحل ولأبي الأسود، عن عروة: أمر صلى الله عليه وسلم بالنحر. قال ابن عباس لما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها، فنحر صلى الله عليه وسلم بدنه حيث حبسوه وهي الحديبية أي أكثرها، فلا ينافي ما رواه ابن سعد عن جابر أنه بعث من هديه بعشرين بدنة لتنحر عنه عند المروة مع رجل من أسلم. "قال مغلطاي وأرسل الله ريحا" كما روا ابن سعد من مرسل يعقوب بن مجمع الأنصاري لما صد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وحلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله ريحا عاصفا "حملت شعورهم فألقتها في الحرم" جبرا لهم في صدهم عن البيت، وقد زاد أبو عمر فاستبشروا بقبول عمرتهم. ولعل المراد غير شعره عليه السلام، فلا ينافي ما جاء أن خراشا لما حلقه رمى شعره على شجرة إلى جنبه من سمرة خضراء فجعل الناس يأخذونه من فوقها، وأخذت أم عمارة طاقات من شعره فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ، ويحتمل أنهم أخذوا أكثره، وألقت الريح باقيه في الحرم. وفي الصحيح عن جابر قال لنا صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وأخرج مسلم وغيره عن جابر مرفوعا لا يدخل النار من شهد بدرا والحديبية.

وأقام عليه الصلاة والسلام بالحديبية بضعة عشر يوما، وقيل عشرين يوما، ثم قفل وفي نفوس بعضهم شيء، فأنزل الله تعالى سورة الفتح يسليهم بها ويذكرهم نعمه، فقال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] . قال ابن عباس وأنس والبراء بن عازب: الفتح هنا فتح الحديبية، ووقوع

_ وروى أحمد بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري، قال: لما كنا بالحديبية. قال صلى الله عليه وسلم: "لا توقدوا نارا بليل". فلما كان بعد ذلك، قال: "أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم". وروى مسلم من حديث أم مبشر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: يقول: "لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة" وتمسك به من فضل عليا على عثمان؛ لأنه كان ممن خوطب بذلك وبايع وعثمان بمكة، ولا حجة فيه لأنه صلى الله عليه وسلم بايع عن عثمان فاستوى معهم ولم يقصد تفضيل بعضهم على بعض، واحتج به على موت الخضر لأنه لو كان حيا مع أنه نبي بالأدلة الواضحة لزم تفضيل غير النبي على النبي وهو باطل، وأجاب من قال بحياته باحتمال حضوره معهم أو لم يكن على وجه الأرض أو كان في البحر والثاني ساقط، وأما ابن التين فاستدل به على أنه ليس بنبي وأنه دخل في عموم من فضل صلى الله عليه وسلم أهل الشجرة عليه, ورده الحافظ بالأدلة الواضحة على ثبوت نبوة الخضر، وأما قولهم العشرة المبشرة بالجنة فلورود النص عليهم بأسمائهم في حديث واحد، وقد قال أبو عمر ليس في الغزوات ما يعدل بدرا أو يقرب منها إلا الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان. لكن قال غير الراجح تقديم أحد بالحدبية وإنها التي تلي غزوة بدر في الفضل، "وأقام عليه الصلاة والسلام بالحديبية بضعة عشر يوما وقيل: عشرين يوما" حكاهما الواقدي، وابن سعد بإبهام البضع. وفي الشامي عنهما تسعة عشر يوما، وذكر ابن عائذ أنه قام في غزواته هذه شهرا ونصفا، "ثم قفل وفي نفوسهم بعض شيء" من عدم الفتح الذي كانوا لا يشكون فيه، "فأنزل الله تعالى سورة الفتح" بين مكة والمدينة، كما في حديث ابن إسحاق أي بضجنان، كما عند ابن سعد بفتح الضاد المعجمة، وسكون الجيم ونونين بينهما ألف جبل على بريد من مكة "يسليهم بها ويذكرهم نعمه، فقال تعالى:" وفي الموطأ وأخرجه البخاري من طريقه عن عمر مرفوعا: "لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب مما طلعت عليه الشمس". ثم قرأ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الفتح الظفر بالبلد عنوة أو صلحا بحرب أو بغيره، لأنه مغلق لم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح، ثم اختلف فيه "قال ابن عباس، وأنس والبراء بن عازب: الفتح هنا فتح الحديبية

الصلح بعد أن كان المنافقون يظنون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، أي حسبوا أنهم لا يرجعون بل يقتلون كلهم. وأما قوله تعالى: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] فالمراد فتح خيبر على الصحيح؛ لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين. وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن جارية قال: شهدنا الحديبية

_ ووقوع الصلح". قال الحافظ: فإن الفتح في اللغة فتح المغلق والصلح كان مغلقا حتى فتحه الله وكان من أسباب فتحه صد المسلمين عن البيت، فكانت الصورة الظاهرة ضيما للمسلمين والباطنة عزا لهم، فإن الناس للأمن الذي وقع فيهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية، فظهر من كان يخفي إسلامه، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة، وقهروا من حيث أرادوا الغلبة، "بعد أن كان المنافقون يظنون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا" كما أخبر الله، "أي حسبوا أنهم لا يرجعون، بل يقتلون كلهم" وقيل: هو فتح مكة فنزلت مرجعه من الحديبية عدة له بفتحها، أو أتى به ماضيا لتحقق وقوعه وفيه من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر به ما لا يخفى. وقيل: المعنى قضينا لك قضاء بينا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك قابلا من الفتاحة وهي الحكومة. وفي الصحيح عن البراء تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان قال الحافظ: يعني أنا فتحنا لك فتحا مبينا، وقد وقع فيه اختلاف قديم والتحقيق أنه يختلف باختلاف المراد من الآيات، فالمراد بقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، فتح الحديبية لما ترتب على الصلح من الأمن ورفع الحرب، وتمكن من كان يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة منه، وتتابع الأنساب إلى أن كمل الفتح. قال: "وأما قوله تعالى: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} فالمراد به فتح خيبر على الصحيح لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين"، وقد قال الله تعالى: {مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} ، "وقد روى أحمد، وأبو داود والحاكم من حديث مجمع" بضم الميم وفتح الجيم وشد الميم الثانية المكسورة "بن جارية" بالجيم والراء والياء, ابن عامر الأنصاري الأوسي المدني الصحابي، المتوفى في خلافة معاوية، روى له الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه "قال: شهدنا

فلما انصرفنا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس وقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية فقال رجل: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إنه لفتح". وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية, صلح الحديبية

_ الحديبية" سفرا وإقامة وصلحا، ولا أدري ما وجه القصر عليه، "فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عند كراع الغميم" بفتح المعجمة، وكسر الميم على الصواب المشهور عند أهل الحديث واللغة والتواريخ والسير وغيرهم كما قال النووي. وحكى ابن قرقول: ضم الغين وفتح الميم واد أمام عسفان "وقد جمع الناس" دعاهم من أماكن متفرقة وأحضرهم عنده "وقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية. فقال رجل: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إنه لفتح". وعند ابن سعد: فلما نزل بها جبريل. قال: نهنيك يا رسول الله فلما هنأه جبريل هنأه الناس. وروى موسى بن عقبة في حديثه عن الزهري وأخرجه البيهقي عن عروة، قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم راجعا فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا ورد صلى الله عليه وسلم رجلين من المؤمنين أخرجا إليه فبلغه ذلك صلى الله عليه وسلم، فقال: "بئس الكام بل هو أعظم الفتح قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان، ولقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين فهو أعظم الفتوح, أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم, أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"؟. فقال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا. "وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي" في قوله {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية قال: "صلح الحديبية" الذي قال فيه الزهري، لم يكن في الإسلام فتح قبله أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضع الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة لم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا في تلك المدة لا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام، قيل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد

وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله. وأما قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحِ} [النصر: 1] وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح". ففتح مكة باتفاق. قال الحافظ ابن حجر: فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال والله أعلم. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

_ سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف. انتهى. ومما ظهر من مصلحة الصلح غير ما ذكره الزهري، أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجا، فكانت قصة الحديبية مقدمة للفتح فسميت فتحا، إذ مقدمة الظهور ظهور، "وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، كناية عن العصمة أي عصمة، أي حال بينه وبين الذنوب فلا يأتيها، لأن الغفر الستر وهو إما بين العبد والذنب، وهو اللائق بالأنبياء وإما بين الذنب وعقوبته وهو اللائق بأممهم، وهذا قول في غاية الحسن. ويأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في محله، وقد أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية، فقال صلى الله عله وسلم: "لقد نزلت عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض". ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئا لك يا رسول الله لقد بين الله ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} حتى بلغ {فَوْزًا عَظِيمًا} "وتبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم" وهم أهل كتاب "على فارس" وهم مجوس يعبدون الأوثان، أي غلبوهم لما التقوا بعدما غلبت فارس الروم وفرح بذلك كفار مكة. وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبوهم فإنكم كالروم أهل كتاب ونحن كفار نعبد الأوثان. "وفرح المؤمنون بنصر الله" الروم على فارس كما أشير إليه في قوله تعالى {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ} الآية، ففسر الشعبي الفتح المبين بهذه المذكورات، ولا ينافي هذا أن غنائم خيبر أريدت بقوله: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} لأنه لا مانع من إرادتها بكل من الآيتين، فتكون مستعملة في الحاصل وقت النزول وهو الصلح وفيما لم يحصل بعد وهو غنائم خيبر. "وأما قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحِ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا هجرة بعد الفتح". "ففتح مكة باتفاق" في الآية. والحديث "قال الحافظ ابن حجر فبهذا يرتفع الإشكال" في المراد بالفتح في هذه المواضع "وتجتمع الأقوال" لأن المراد بالفتح مختلف "والله أعلم" بمراده، "ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة". بعد نزول سورة الفتح وجمعه الصحابة وقراءتها عليهم بكراع

وفي هذه السنة كسفت الشمس. وظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة بنت ثعلبة.

_ الغميم فليس مكررا مع قوله قبل، ثم قفل لأن المراد به سار من الحديبية. "وفي هذه السنة كسفت الشمس" سنة ست بالحديبية، وكسفت أيضا بالمدينة يوم مات السيد إبراهيم وفي وقت موته خلاف حكاه المصنف في شرح الحديث تبعا للفتح، وسيأتي في المقصد الثاني، فتوهم بعضهم أنها إنما كسفت مرة اختلف في وقتها وساق كلام المصنف في شرح البخاري، وهم؛ لأن إبراهيم لم يكن ولد سنة الحديبية، بل لم تكن أمه أهديت للمصطفى، لأن بعثه للملوك إنما كان بعد العود منها في غرة لمحرم سنة سبع كما يأتي. "وظاهر أوس بن الصامت" الأنصاري الخزرجي البدري وشهد المشاهد أخو عبادة، ووقع لبعض الرواة تسمية المظاهر عبادة. قال ابن عبد البر وهو وهم. قال ابن حبان: مات أيام عثمان وله خمس وثمانون سنة "من امرأته خولة" ويقال لها: خويلة بالتصغير، ويقال: اسمها جميلة وفي اسم أبيها خلاف والأكثر أنها "بنت ثعلبة" بن أصرم الأنصارية الخزرجية، ويقال: مالك أو حكيم أو دلعج أو خويلد بالتصغير وآخره دال مهملة أو الصامت. روى الإمام أحمد عنها قالت: في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله عز وجل صدر سورة المجادلة. كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، وضجر فدخل عليّ يوما، فراجعته في شيء فغضب وقال: أنت علي كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل عليّ، فإذا هو يريدني فقلت: كلا والذي نفسي بيده لا تخلص إليّ، وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا، فواثبني فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إلى الله ما ألقى من سوء خلقه، فجعل صلى الله عليه وسلم يقول: "يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه". قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيّ القرآن فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سري عنه فقال: "يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك". ثم قرأ عليّ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} إلى قوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فقال صلى الله عليه وسلم: "مريه فليعتق رقبة". فقلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متتابعين". فقلت: والله إنه لشيخ كبير ما به طاقة. قال: "فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر". فقلت: ما ذاك عنده، فقال صلى الله عليه وسلم: "فإنا سنعينك بفرق من تمر". فقلت: يا رسول الله وأنا سأعينه بفرق آخر، قال: "قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا". قالت: قد فعلت.

وفي هذه السنة أيضا استسقى في رمضان ومطر الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصبح الناس مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب".

_ وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة. قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} وهو أوس بن الصامت. قال ابن عبد البر: رويناه من وجوه عن عمر أنه خرج ومعه الناس فمر بعجوز فاستوقفته، فوقف فجعل يحدثها وتحدثه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجور. قل: ويلك تدري من هي؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله فيها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ} . والله لو حبستني إلى الليل ما فارقتها إلا للصلاة، ثم أرجع إليها. وعن قتادة خرج عمر من المسجد، فإذا بامرأة برزت على ظهر الطريق فسلم عليها فردت عليه، وقالت: هيها يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فاتق الله في الرعية واعلم أنه من خاف الله قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشي الفوت، فقال الجارود العبدي: لقد أكثرت على أمير المؤمنين، فقال عمر: دعها أما تعرفها؟ هذه التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فعمر والله أحق أن سمع لها. "وفي هذه السنة أيضا استسقى في رمضان" قبل الحديبية "ومطر الناس"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصبح الناس" قسمين "مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب" , ومؤمنا بالكواكب وكافرا بالله، وقد قال هذا الحديث عن ربه عز وجل بالحديبية. أخرج الشيخان عن زيد بن خالد الجهني: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى لنا الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: "قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي". قال في الفتح: يحتمل أن المراد كفر الشرك بقرينة مقابلته بالإيمان. ولأحمد عن معاوية الليثي مرفوعا: "يكون الناس مجدبين فينزل الله عليهم رزقا من رزقه فيصبحون مشركين يقولون: مطرنا بنوء كذا". ويحتمل أن المراد كفر النعمة ويرشد إليه رواية: "فأما من حمدني على سقياي

قال مغلطاي: وجزم الدمياطي في سيرته بأن تحريم الخمر كان في سنة الحديبية. وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أحد، وذلك سنة أربع على الراجح. وفيه نظر؛ لأن أنسا كان الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع، لكان أنس يصغر عن ذلك. وقال النسائي والبيهقي بسند صحيح

_ وأثنى عليّ فذاك آمن بي". ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "قال الله ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين". وعلى الأول حمله كثير من العلماء أعلاهم الشافعي، قال في الأم: من قال مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطر نوء كذا فذلك كفر، كما قال صلى الله عليه وسلم؛ لأن النوء وقت، وهو مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا، ومن قاله على معنى مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفرا وغيره أحب إليّ منه، يعني حسما للمادة وعلى هذا يحمل إطلاق الحديث. وللنسائي عن أبي سعيد مطرنا بنوء المجدج بكسر الميم، ويقال: بضمها وفتح الدال وحاء مهملتين، وهو نجم أحمر منير وفي طرح الإمام المسألة على أصحابه، وإن كانت لا تدرك إلا بدقة نظر، ويؤخذ منه أن للولي المتمكن من النظر في الإشارات أن يأخذ منها عبارات ينسبها إلى الله تعالى. كذا قال بعض شيوخنا وكأنه أخذه من استفهامه أصحابه عما قال ربهم، وحمل الاستفهام على حقيقته لكونهم فهموا خلاف ذلك، ولذا لم يجيبوا إلا بتفويض الأمر إلى الله ورسوله. "قال مغلطاي: وجزم الدمياطي في سيرته بأن تحريم الخمر كان في سنة الحديبية". "وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير وهي بعد أحد وذلك سنة أربع على الراجح وفيه نظر، لأن أنسا كان الساقي يوم حرمت" كما ثبت في الصحيحين عنه: إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا. في مسلم. وأبا دجانة, وسهيل بن بيضاء, وأبا عبيدة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبا أيوب, إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ قالوا: وماذا؟ قال: حرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس. قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل. "وأنه لما سمع المنادي" قال الحافظ: لم أرَ التصريح باسمه "بتحريمها بادر، فأراقها" بأمر الصحابة الذين كان يسقيهم، "فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك" وهذا النظر عجيب من مثل مغلطاي، فقد ثبت أنه خدم المصطفى لما قدم المدينة وهو ابن عشر سنين، فمن عمره أربع عشرة سنة كيف يصغر عن ذلك، "وقال" أي روى "النسائي، والبيهقي بسند صحيح عن

عن ابن عباس: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر فيقول: صنع هذا أخي فلان -وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن- فيقول: والله لو كان بي رحيما ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى {مُنْتَهُونَ} . فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان وفلان, وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}

_ ابن عباس إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من" قبائل "الأنصار شربوا، فلما ثمل" بكسر الميم "القوم" قال الجوهري: ثمل الرجل بالكسر إذا أخذ فيه الشراب فهو ثمل، أي نشوان. "عبث بعضهم ببعض" لعب بكسر الباء، وفتحه خلط، كما في القاموس ويصحان هنا أي فعل بعضهم ببعض لا فائدة فيه. وخلطوا على بعضهم "فلما أن صحوا" من السكر "جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر، فيقول صنع" بي "هذا أخي فلان، وكانوا أخوة". أقارب وأصدقاء. قال: بعض جمع النسب إخوة والصديق إخوان، فكأنه نزلهم لشدة الوصلة بينهم منزلة إخوة النسب، فسماهم إخوة، وربما يشير إليه قوله: "ليس في قلوبهم ضغائن" جمع ضغينة أي حقد، كما في النهاية "فيقول: والله لو كان بي" رءوفا، كما في حديث ابن عباس عند من عزاه لهما قبل قوله: "رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] . زاد في رواية أحمد عن أبي هريرة، فقالوا: انتهينا ربنا وأخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص، قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتى سكرنا فتفاخرنا إلى أن قال: فنزلت إلى قوله فهل أنتم منتهون، ولا تنافي "فقال ناس من المتكلفين" المبالغين في البحث الحاملين له مع المشقة "هي رجس وهي في بطن فلان"، كحمزة رضي الله عنه، "وقد قتل يوم أحد" قبل تحريمها فهل عليه مؤاخذة هذا على أن قائله من المسلمين. لكن في الفتح روى البزار من حديث جابر أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود، وفي رواية أحمد عن أبي هريرة فقال: الناس يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان "فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} أكلوا من

إلى {الْمُحْسِنِينَ} . وآية تحريم الخمر نزلت في عام الفتح قبل الفتح.

_ الخمر والميسر قبل التحريم "إلى" قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} بمعنى أنه يثيبهم، وفي ختم الكلام به إشعار بأن فعل ذلك من المحسنين وأنه يستجلب المحبة الإلهية، "وآية تحريم الخمر" التحريم المؤبد المطلق وهي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ} ، إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} فالإضافة للعهد الذكري كأنه قال: وهذه الآية "نزلت في عام الفتح قبل الفتح" سنة ثمان. كما قال الحافظ: إنه الذي يظهر لما روى أحمد عن ابن عباس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال: "يا فلان أما علمت أن الله حرمها". فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها. فقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". وأخرج مسلم نحوه لكن ليس فيه تعيين الوقت. وروى أحمد عن نافع بن كيسان الثقفي عن أبيه أنه كان يتجر في الخمر وأنه أقبل من الشام، فقال: يا رسول الله إني جئتك بشراب جيد، فقال: "يا كيسان إنها حرمت بعدك". قال: فأبيعه. قال: "إنها قد حرمت وحرم ثمنها". وروى أحمد، وأبو يعلى عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية خمر، فلما كان عام حرمت جاء براويته فقا: "أشعرت أنها قد حرمت بعدك"؟. قال: أفلا أبيعها وأنتفع بحقها فنهاه، ويستفاد من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عباس ومن حديث تميم تأييدا لوقت المذكور، فإن إسلام تميم كان بعد الفتح. وروى أصحاب السنن عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا, فنزلت: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219] ، فقرئت عليه, فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] ، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت آية المائة إلى قوله: {مُنْتَهُونَ} قال عمر: انتهينا وصححه علي بن المديني، والترمذي. انتهى. وبحديث عمر هذا قد يجمع بين هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرها المصنف في وقت تحريمها وهي سنة أربع أو ست أو ثمان باحتمال أن كل مرة كانت في سنة منها وقد مر له في حمراء الأسد عن مغلطاي أنها حرمت في شوال سنة ثلاث. قال الحافظ: وزعم الواقدي أنه عقب قول حمزة إنما أنتم عبيد لأبي يعني سنة اثنتين, وحديث جابر يرد عليه يعني قوله: اصطبح ناس الخمر يوم أحد فقتلوا من يومهم جميعا شهداء.

والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره، سمي به عصير العنب إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل، كما سمي مسكرا لأنه يسكره، أي يحجره. وهي حرام مطلقا، وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون سكر. انتهى. وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندي والحيدرية والقلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف، لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة وأول السابعة. واختلف هل هي مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير

_ أخرجه البخاري في مواضع "والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره سمي به عصير العنب إذا اشتد وغلا" بفتح الغين عطف تفسير، يقال للشيء إذا زاد وارتفع: قد غلا، "كأنه يخمر" بضم الياء وشد الميم يغطي ويستر "العقل، كما سمي مسكرا؛ لأنه سكره" بضم فسكون من الإسكار، "أي يحجره" بضم الجيم والراء المهملة، أي يمنعه من الإدراك "وهي حرام مطلقا" أسكرت أم لا قلت: أم لا "وكذا كل ما أسكر" أي: ما شأنه الإسكار أسكر بالفعل أم لا فلا تنافي بين ما أفاده قوله كذا من التعميم. وقوله: أسكر "عند أكثر العلماء" لقول عمر على المنبر: إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب, والتمر، والعسل, والحنطة, والشعير، والخمر ما خامر العقل. أخرجه الشيخان وغيرهما. "وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب، والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر،" أي حل شرب القدر الذي لا يسكر، وهو ضعيف المدرك جدا بحيث قال مالك والشافعي: يحد الحنفي إذا شربه. "انتهى". "وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندي" بضم القاف وكسرها والنون المشددة، كما في القاموس قال الهيتمي: لم أره بغير مصر يزرع في البساتين "والحيدرية والقلندرية، فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف؛ لأنها لم تكن في زمنهم وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة، و" تزايدت وكثرت في "أول السابعة" حين ظهرت دولة التتار، "واختلف هل هي مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير", وهو الصحيح عند الشافعية

والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء وصرح به أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التذكرة في الخلاف، والنووي في شرح المهذب، ولا نعرف فيه خلافا عندنا. ونقل عن ابن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها ولذلك يتناولونها بخلاف البنج فإنه لا ينشي ولا يشتهى. قال الزركشي: ولم أر من خالف في ذلك إلا القرافي في قواعده فقال: نص العلماء بالنبات أنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة ... في كلام تعقبه الزركشي يطول ذكره. وقد تضافرت الأدلة على حرمتها: ففي صحيح مسلم كل مسكر حرام وقد قال تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وأي خبيث أعظم مما

_ والمالكية إن استعمل ما أفسد العقل. "والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء" أي كثير منهم "وصرح به أبو إسحاق الشيرازي" بكسر المعجمة آخره زاي نسبة إلى شيراز قصبة فارس "في كتاب التذكرة في الخلاف، والنووي في شرح المهذب" قائلا "ولا نعرف فيه خلافا عندنا ونقل عن ابن تيمية" الحنبلي "أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها" بفتح الشين وإسكان الواو، أي يسكرون منها، "ولذلك يتناولونها بخلاف البنج" بفتح الموحدة وسكون النون، وجيم بنت مخبط للعقل مجبن مسكن لأوجاع الأورام والبثور ووجع الآذان وأخبثه الأسود، ثم الأحمر، وأسلمه الأبيض، كما في القاموس، "فإنه لا ينشي ولا يشتهى" وكذا قال العلامة ولي الله، المتوفى من المالكية قال: لأنا رأينا من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها، فلولا أن لهم فيها طربا لما فعلوا ذلك. يبين ذلك أنا لا نجد أحدا يبيع داره ليأكل بها سيكرانا "قال الزركشي: ولم أرَ من خالف في ذلك إلا القرافي في قواعده" التي سماها الفروق، "فقال: نص العلماء بالنبات" أي: بأحواله نفعا وضررا على "إنها مسكرة والذي يظهر لي أنها مفسدة". وبين ذلك القرافي بما منه لأني لم أرهم يميلون إلى القتال والنصرة، بل عليهم الذلة والمسكنة، وربما عرض لهم البكاء "في كلام تعقبه الزركشي يطول ذكره وقد تضافرت الأدلة على حرمتها، ففي صحيح مسلم" مرفوعا: "كل مسكر حرام" تقول به لكن لا نسلم أنها مسكرة فلم تدخل فيه، وقد قال تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وأي خبيث أعظم مما

يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها. ولا ريب أن تناول الحشيشة يظهر به أثر التغير في انتظام العقل والقول المستمد كماله من نور العقل. وقد روى أبو داود -بإسناد حسن- عن ديلم الحميري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، قال: "فهل يسكر"؟ , قلت: نعم، قال: "فاجتنبوه"، قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: "فإن لم يتركوه فقاتلوهم". وهذا منه صلى الله عليه وسلم تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر فوجب أن كل شيء عمل عمله يجب تحريمه، ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه.

_ يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع" جمع شريعة، وهي مع الملة ما صدقهما واحد "على إيجاب حفظها ولا ريب" شك "أن تناول الحشيشة يظهر به أثر التغير في انتظام العقل والقول المستمد كماله من نور العقل" وهذا غاية ما ينتج حرمة تناول ما يفسد العقل منها لا ما لا يفسده كما هو الصحيح. "وقد روى أبو داود بإسناد حسن عن ديلم الحميري" الجيشاني، بفتح الجيم فتحتية فمعجمة نسبه ابن يونس، فقال: ابن هوشع ابن أبي جناب بن مسعود، ووصل نسبه إلى جيشان، وقال: كان أول وافد على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن أرسله معاذ، ثم شهد فتح مصر ونزلها، وروى عنه أبو الخير، مرثد ووقع لجمع من أكابر الحفاظ فيه تخبيط تكفل برده في الإصابة، وقال في التقريب: أخطأ، من زعم أنه أبو وهب الجيشاني. "قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض باردة، نعالج فيها عملا شديدا، وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح، نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا. قال: "فهل يسكر"؟. قلت: نعم. قال: "فاجتنبوه". قلت: فإن الناس غير تاركيه. قال: "فإن لم يتركوه فقاتلوهم". وهذا منه صلى الله عليه وسلم تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر" بكسر الميم، وسكون الزاي وبالراء نبيذ الذرة والشعير كما في القاموس. ومفاد هذا أنه كان تحريم المزر معلوما للسائل قبل السؤال وأنه أشار الحديث إلى أن علته إسكاره فيقاس عليه كل ما شاركه في العلة، "فوجب أن كل شيء عمل عمله يجب تحريمه، ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه" فيحرم تعاطي ما عمل ذلك منها لا مطلق التعاطي، كما هو مختاره.

وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر. قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف. وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإنها إن لم تكن مسكرة كانت مفترة، مخدرة ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رءوسهم بواسطة تبخيرها في الدماغ. واختلف هل يحرم تعاطي اليسير الذي لا يسكر؟ فقال النووي في شرح المهذب: إنه لا يحرم أكل القليل الذي لا يسكر من الحشيش، بخلاف الخمر، حيث حرم قليلها الذي لا يسكر. والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة. وتعقبه الزركشي بأنه صح في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"

_ "وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر". "قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور" وهو الانكسار والضعف "والخدر" بفتح الخاء، والدال المهملة الاسترخاء "في الأطراف" فلا يطيق الحركة فهو من عطف الأخص على الأعم "وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإنها إن لم تكن مسكرة كانت مفترة مخدرة، ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رءوسهم بواسطة تبخيرها في الدماغ" أي إيصالها البخار له. والمعنى أنه ينفصل منه بخار يصعد إلى الدماغ، فتثقل الرءوس منه، "واختلف هل يحرم تعاطي اليسير الذي لا يسكر، فقال النووي في شرح المهذب: إنه لا يحرم أكل القليل الذي لا يسكر من الحشيش", وهذا هو الصحيح المعتمد عند الشافعية والمالكية "بخلاف الخمر حيث حرم قليلها الذي لا يسكر، والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة". وتعقبه الزركشي بأنه صح في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". يعني والنووي قد قال في نفس شرح المهذب: إنها مسكرة بلا خلاف نعلمه عندهم، كما مر قريبا فكيف يقول ذلك، ويجوز أكل القليل مع نص الحديث على حرمة قليل المسكر،

قال: والمتجه أنه لا يجوز من الحشيش لا قليل ولا كثير. وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد، منهم القرافي وابن تيمية وقال: إن من استحلها فقد كفر. وتعقبه الزركشي: بأن تحريمها ليس معلوما من الدين بالضرورة، سلمنا ذلك، لكن لا بد أن يكون دليل الإجماع قطعيا على أحد الوجهين، وقد ذكر أصحابنا أن المسكر من غير عصير العنب، كعصير العنب في وجوب الحد، لكن لا يكفر مستحله لاختلاف العلماء فيه. وأما قول النووي: إنها طاهرة وليست بنجسة، فقطع به ابن دقيق العيد وحكى الإجماع عليه. قال: والأفيون وهو لبن الخشخاش، أقوى فعلا من الحشيش، لأن القليل منه يسكر جدا، وكذلك السيكران وجوز الطيب

_ وجواب المعتمد عن الحديث: إنا لا نسلم أنها مسكرة، "قال: والمتجه أنه لا يجوز تناول شيء من الحشيش لا قليل ولا كثير، وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد منهم القرافي وابن تيمية. وقال: إن استحلها فقد كفر". "وتعقبه الزركشي بأن تحريمها ليس معلوما من الدين بالضرورة" فلا يلزم من الإجماع على تحريمها كفر مستحلها؛ لأنه إنما يكفر إذا أنكر مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة بأن يشترك الخاص والعام في معرفته "سلما ذلك لكن" لا نسلم الكفر؛ لأنه "لا بد" لا فراق، ولا محالة "أن يكون دليل الإجماع قطعيا على أحد الوجهين". "وقد ذكر أصحابنا أن المسكر" أي ما من شأنه الإسكار "من غير عصير العنب كعصير العنب، في وجوب الحد" سكر به الشارب أم لا، "لكن لا يكفر مستحله"، ولو سكر منه "لاختلاف العلماء فيه", فأولى مستحل الحشيشة، وهذا مراد من ذكره وإن لم يقدم فيه خلافا. "وأما قول النووي أنها طاهرة وليست بنجسة" تأكيد "فقطع به ابن دقيق العيد وحكى الإجماع عليه" وغلط بعض الشافعية، فقال: بنجاسة الحشيشة. "قال" الزركشي: "والأفيون وهو لبن الخشخاش" المصري الأسود نافع من الأورام الحارة خاصة في العين مخدر وقليله نافع منوم، كذا في القاموس "أقوى فعلا من الحشيش، لأن القليل منه يسكر جدا" بعض الأمزجة، أو في ابتداء استعماله ولا خالف المشاهد، "وكذلك السيكران" بفتح السين مهملة ومعجمة، وضم الكاف: نبت دائم الخضرة يؤكل حبه. "وجوز الطيب" حرام مسكر عند ابن دقيق العيد، واعتمده كثير منهم الزركشي، كما ترى

مع أنه طاهر بالإجماع. انتهى. وقد جمع بعضهم في الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية، حتى قال بعضهم: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيش وزيادة. فإن أكثر ضرر الخمر في الدين لا في البدن. وضررها فيهما. فمن ذلك: فساد العقل، وعدم المروءة، وكشف العورة، وترك الصلوات، والوقوع في المحرمات، وقطع النسل، والبرص والجذام والأسقام والرعشة والأبنة، ونتن الفم وسقوط شعر الأجفان، وتفتيت الأسنان وتسويدها، وتضييق النفس وتصفير الألوان، وتفتيت الكبد، وتجعل الأسد كالجعل، وتورث الكسل والفشل، وتعيد العزيز ذليلا، والصحيح عليلا، والفصيح أبكما، والذكي أبلما، وتذهب السعادة

_ ولم يعتمده المالكية فقد قال الإمام العلامة أبو القاسم البرزلي: أجاز بعض أئمتنا أكل قليل جوزة الطيب لتسخين الدماغ، واشترط بعضهم خلطها مع أدوية والصواب العموم. انتهى. وقال العلامة ابن فرحون يمنع أكل عقاقير الهند إن أكلت لما تؤكل له الحشيشة لا للهضم وغيره من المنافع إلا ما أفسد العقل والجوزة وكثير الزعفران والبنج، والسيكران من المفسدات، قليلها جائز، "مع أنه طاهر بالإجماع. انتهى" كلام الزركشي. "وقد جمع بعضهم في الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية حتى قال بعضهم: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيشة، و" فيها "زيادة، فإن أكثر ضرر الخمر في الدين لا في البدن، وضررها فيهما، فمن ذلك فساد العقل، وعدم المروءة" بضم الميم كسهولة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف على محاسن الأخلاق وجميل العادات ما في المصباح، وأثبته في تقريب الغريب "وكشف العورة وترك الصلوات والوقوع في المحرمات" فهذه من الدينية "و" من البدنية وترجع للدينية أيضا "قطع النسل والبرص، والجذام والأسقام والرعشة، والأبنة، ونتن الفم، وسقوط شعر الأجفان، وتفتيت الأسنان، وتسويدها، وتضييق النفس، وتصفير الألوان, وتفتيت الكبد، وتجعل الأسد كالجعل" بضم الجيم وفتح العين المهملة دويبة أكبر من الخنفساء شديد السواد في بطنه لون حمرة للذكر قرنان تسميه الناس أبا جعران؛ لأنه يجمع الجعر اليابس ويدخره في بيته، ويموت من ريح الورد والطيب فإذا أعيد إلى الروث عاش قاله في حياة الحيوان, "وتورث الكسل، والفشل" والضعف والتراخي والجبن، "وتعيد العزيز ذليلا، والصحيح عليلا، والفصيح أبكما والذكي أبلما. وتذهب السعادة

وتنسي الشهادة، فصاحبها بعيد عن السنة طريد عن الجنة، موعود من الله باللعنة إلا أن يقرع من الندم سنة ويحسن بالله ظنه. ولقد أحسن القائل: قل لمن يأكل الحشيشة جهلا ... يا خسيسا قد عشت شر معيشة دية العقل بدرة فلماذا ... يا سفيها قد بعتها بحشيشة

_ وتنسي الشهادة". زاد في الزواجر وتجفف الرطوبات، وتورث موت النسيان، وتصدع الرأس، وتجفف المني، وتظلم البصر، وتورث الفجأة، والدق والسل، والاستسقاء وفساد الفكر ونسيان الذكر وإفشاء السرد وذهاب الحياء وعدم الغيرة وإتلاف الكيس ومجالسة إبليس واحتراق الدم. وتذهب الفطنة وتحدث البطنة "فصاحبها بعيد عن السنة طريد عن الجنة موعود من الله باللعنة"؛ لأنه ظالم لنفسه، وقد قال تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} , قال السيوطي في الإكليل: استدل به على جواز لعن المسلم الظالم "إلى أن يقرع من الندم سنة" فيتوب، "ويحسن بالله ظنه" في قبول توبته، "ولقد أحسن القائل": "قل لمن يأكل الحشيشة جهلا ... يا خسيسا قد عشت شر معيشة" دية العقل بدرة فلماذا ... يا سفيها قد بعتها بحشيشة" البدرة قال في القاموس: كيس فيه ألف، أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار, والله أعلم.

أمر الحديبية

أمر الحديبية ...

غزوة خيبر

"غزوة خيبر": وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام.

_ غزوة خيبر: بخاء معجمة وتحتانية وموحدة بوزن جعفر ذكر أبو عبيد البكري أنها سميت باسم رجل من العماليق نزلها وهو خيبر أخو يثرب ابنا قانية بن مهلايل، واقتصر عليه الروض والفتح وغيرهما، وقيل: الخيبر بلسان اليهود الحصن ولذا سميت خيابر أيضا. ذكره الحازمي "وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع" ونخل كثير "على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام" هكذا في الفتح فتبعه المصنف هنا. وفي الإرشاد: والثمانية برد أربعة مراحل. وقال الشامي: على ثلاثة أيام من المدينة على يسار الحاج الشامي، ولعله بالسير السريع أو

قال ابن إسحاق: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بقية شهر المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها. وقيل: كانت في آخر سنة ست، وهو منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم. قال الحافظ ابن حجر: والراجح ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول. وأغرب ابن سعد وابن أبي شيبة فرويا من حديث أبي سعيد الخدري: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان، وإسناده حسن، لكنه خطأ ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت. وتوجيهه: بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج صلى الله عليه وسلم فيها في رمضان جزما.

_ على التقريب فلا ينافي أنها أربعة بالسير المعتدل، ويؤيده قول التهذيب على نحو أربعة أيام أو هو بحسب الاختلاف في الميل أو الأربعة بالنظر إلى داخل السور، والثلاثة بالنظر إلى خارجه. "قال ابن إسحاق": أقام صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم "خرج صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم" إلى خيبر "سنة سبع"، وذكر ابن عقبة عن الزهري أنه أقام بالمدينة عشرين ليلة أو نحوها، وعند ابن عائذ عن ابن عباس: أقام بعد الرجوع إلى المدينة عشر ليال. وفي مغازي التيمي أقام خمسة عشر يوما "فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة" موزعة على حصونها "إلى أن فتحها" في صفر هكذا في نقل الفتح عن ابن إسحاق. "وقيل: كانت في آخر سنة ست" حكاه ابن التين عن ابن الحصار "وهو منقول عن مالك" الإمام "وبه جزم ابن حزم". "قال الحافظ ابن حجر" وهذه الأقوال متقاربة، "والراجح" منها "ما ذكره ابن إسحاق" قال في زاد المعاد: وهو قول الجمهور، "ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول" وهو ابن حزم، ولذا جزم أن خيبر سنة ست لكن الجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم. قال الحافظ وأما ما ذكره الحاكم، وابن سعد عن الواقدي أنها في جمادى الأولى فالذي رأيته في مغازي الواقدي أنها كانت في صفر، وقيل: في ربيع الأول "وأغرب ابن سعد، وابن أبي شيبة فرويا من حديث أبي سعيد الخدري" قالا: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان، وإسناده حسن لكنه خطأ ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت" لتقارب اللفظين، "وتوجيهه" مع أن حنينا لست خلت من شوال أو لليلتين بقيتا من رمضان "بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح وغزوة الفتح خرج صلى الله عليه وسلم فيها في رمضان جزما", فيصح

قال: وذكر الشيخ أبو حامد في التعليقة: أنها كانت سنة خمس، وهو وهم، لعله انتقال من الخندق إلى خيبر. وكان معه عليه الصلاة والسلام ألف وأربعمائة راجل ومائتا فارس، ومعه أم سلمة زوجته. وفي البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع النبي إلى خيبر فسرنا ليلا، فقال رجل من

_ إطلاقه على غزوة حنين بجعلها من غزوة الفتح، لكونها ناشئة عنها والخروج من المدينة لهما واحد. "قال" الحافظ ابن حجر "وذكر الشيخ أبو حامد في التعليقة أنها كانت سنة خمس وهو وهم ولعله انتقال من الخندق إلى خيبر", وأجاب البرهان بأنه أسقط سنة الهجرة، أي وقطع النظر عن سنة الغزوة. قال الحافظ: وذكر ابن هشام أنه استعمل على المدينة نميلة بنون مصغر ابن عبد الله الليثي، وعند أحمد والحاكم عن أبي هريرة أنه سباع بن عرفطة وهو أصح. انتهى. ويمكن الجمع بأنه استخلف أحدهما أولا ثم عرض ما يقتضي استخلاف الآخر، كما مر نظيره "وكان معه عليه الصلاة والسلام ألف وأربعمائة راجل ومائتا فارس". هذا مخالف لما عند ابن إسحاق أن عدة الذين قسمت عليهم خيبر ألف سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم, الرجال ألف وأربعمائة والخيل مائتا فرس لكل فرس سهمان ولفارسه سهم. انتهى. فإن لم يكن ما في المصنف مصحفا بزيادة الألف في راجل وفارس، فلا ينافي ما مر من الخلاف في عدد أهل الحديبية. أما لما تقدم من أن من ذكر القليل كألف وثلاثمائة نظر إليهم في ابتداء الخروج، ثم زادوا بعد وأما لأنه خرج لخيبر من لم يخرج في الحديبية، فقد ذكر الواقدي أنه جاء المخلفون في الحديبية ليخرجوا رجاء الغنيمة، فقال عليه السلام: "لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، فأما الغنيمة فلا". فلعله خرج معه جماعة لم يحضورا الحديبية ولم يأخذوا من الغنيمة، فلا ينافي قوله تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ} الآية، "ومعه أم سلمة زوجته" رضي الله عنها التي كانت معه في الحديبية. "وفي البخاري من حديث سلمة بن" عمرو بن "الأكوع" واسمه سنان فنسب لجده لشهرته به الأسلمي أبو مسلم، وأبو إياس شهد بيعة الرضوان ومات سنة أربع وسبعين, روى له الستة، "قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم"

القوم لعامر: عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء.........

_ قال الحافظ لم أقف على اسمه صريحا، وعند ابن إسحاق من حديث نصر بن دهر الأسلمي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع. ففي هذا أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره بذلك. انتهى. ويمكن الجمع بأن الرجل لما قال له لم يسرع حتى أمره صلى الله عليه وسلم ولا ينافي ذلك إتيانه بالفاء، لأن الحال أزمنة من الماضي والآتي والحاكم فيها العرف، ولا قوله من هذا السائق، لاحتمال تعدد الحدأة أو بعده فلم يحقق صوته، فجوز أنه غيره "لعامر" ابن الأكوع عم سلمة، كما في حديث نصر، وفي مسلم قال سلمة لما كان خيبر قاتل أخي قتالا شديدا إلى أن قال: فقال صلى الله عليه وسلم: "من هذا"؟. قلت: أخي. قال البرهان: والصحيح أن "عامرا" عم سلمة، وقد ذكر مسلم بعد هذا من طريق آخر، فجعل عمي عامر يرتجز قال، ويمكن الجمع بأنه أخوه رضاعة عمه نسبا "ألا تسمعنا من هنيهاتك" بهاءين أولاهما مضمومة بعدها نون مفتوحة فتحتية ساكنة جمع هنيهة تصغير هنة كما قالوا: في تصغير سنة سنيهة, للكشميهني: هنياتك بحذف الهاء الثانية وشدة التحتية أي من أراجيزك. وللبخاري في الدعوات من وجه آخر من هناتك بلا تصغير قاله الحافظ والمصنف، وقال: أي من أخبارك وأمورك وأشعارك فكنى عن ذلك كله، "وكان عامر رجلا شاعرا" وللكشميهني حداء "فنزل يحدو بالقوم يقول: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا" فيه زحاف الخزم بمعجمتين وهو زيادة سبب خفيف في أوله، قاله الحافظ. وفي رواية ابن إسحاق: والله لولا الله. ولا خزم فيه، "ولا تصدقنا، ولا صلينا" قال في الفتح: أكثر هذا الرجز تقدم في الجهاد عن البراء، وأنه من شعر عبد الله بن رواحة، فيحتمل أن يكون هو وعامر تواردا على ما تواردا عليه بدليل ما وقع لكل منهما مما ليس عند الآخر. واستعان عامر ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة، "فاغفر فداء" بكسر الفاء والمد، وحكى ابن التين فتح أوله مع القصر، وزعم أنه هنا بالكسر مع القصر لضرورة الوزن فلم يصب فإنه لا يتزن إلا بالمد. قال الحافظ: وقال القاضي عياض رويناه فداء بالرفع على أنه مبتدأ، أي لك نفسي فداء

.... لك ما اتقينا وألقين سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إنا إذا صيح بنا أتينا ... وبالصياح عولوا علينا وفي رواية إياس بن سلمة عن أبيه عند أحمد في هذا الرجز من الزيادة: إن الذين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في رواية البخاري:

_ وبالنصب على المصدر "لك ما اتقينا" بشدة الفوقية بعدها للأكثر، أي ما تركنا من الأوامر وما ظرفية وللأصيلي والنسفي: بهمزة قطع، ثم موحدة ساكنة أي ما خلفنا وراءنا مما اكتسبناه من الآثام أو ما أبقيناه وراءنا من الذنوب فلم نثبت منه. وللقابسي: كما لقينا بلام وكسر القاف أي ما وجدنا من الماهي، ولمسلم والبخاري في الأدب: ما اقتفينا بقاف ساكنة ففوقية مفتوحة ففاء فتحتية ساكنة أي تبعنا من الخطايا من قفوت الأثر إذا تبعته، وهي أشهر الروايات في هذا الرجز. "وألقين سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا" هكذا في البخاري فما يقع في نسخ من تقديم وثبت ... إلخ. على ما قبله خلافه, وللنسفي: وألقي بحذف النون وبزيادة ألف ولام في السكنية وليس بموزون كما قاله الحافظ وغيره. ولو أشبعت السكينة بألف بعد الفتحة مع تحريك ياء ألقي بالفتح اتزن. "إنا إذا صيح بنا أتينا" بفوقية، أي إلى القتال أو إلى الحق. وروي بموحدة كذا في نسخة النسفي فإن كانت ثابتة، فالمعنى إذا دعينا إلى غير الحق امتنعنا, "وبالصياح عولوا علينا" أي قصدونا بالدعاء بالصوت العالي، واستعانوا علينا أي اعتمدوا. "وفي رواية إياس بن سلمة" بن الأكوع، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدني, ثقة. مات سنة تسع عشرة ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة، "عن أبيه عند أحمد في هذا الرجز من الزيادة: إن الذين قد بغوا علينا. إذا أرادوا فتنة أبينا" بالموحدة على الراجح لا بالفوقية، وإن صح معنى أي جئنا وأقدمنا على قتالهم؛ لأن إعادة الكلمة في قوافي الرجز عن قرب عيب معلوم عندهم, قاله عياض. قال الحافظ: وقع في بعض النسخ: وإن أردنا على فتنة أبينا, وهو تغير. "ونحن عن فضلك ما استغنينا" وهذا الشطر الأخير عند مسلم أيضا. "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في رواية

"من هذا السائق"؟ فقالوا: عامر بن الأكوع: قال: "يرحمه الله". قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به. الحديث. وفي رواية أحمد: فجعل عامر يرتجز ويسوق الركاب، وهذه كانت عادتهم إذا أرادوا تنشيط الإبل في السير نزل بعضهم فيسوقها، ويحدو في تلك الحال. وقوله: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا" كذا الرواية، قالوا: وصوابه في الوزن: لا هم. أو: تالله، كما في الحديث الآخر. وقوله: "فداء لك" قال المازري:

_ البخاري" التي فصلها بزيادة إياس: "من هذا السائق"؟ للإبل "فقالوا: عامر بن الأكوع". قال: "يرحمه الله". وفي رواية إياس عند أحمد فقال: "غفر لك ربك"، قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهدوا بهذه الزيادة يظهر السرفي قوله: "قال رجل من القوم" هو عمر كما في مسلم ولفظه فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل "وجبت يا نبي الله لولا" أي هلا "أمتعتنا به" بفتح الهمزة أي أبقيته لنا لنتمتع بشجاعته "الحديث". ذكر في بقيته المحاصرة ثم الفتح والنهي عن لحم الحمر واستشهاد عامر، وزعم أنه أحبط عمله وقول المصطفى كذب من قاله أن له لأجرين بما يأتي بمعناه في كلام المصنف "وفي رواية أحمد" عن إياس بن سلمة عن أبيه. "فجعل عامر يرتجز ويسوق الركاب" بكسر الراء ما يركب من الإبل، "وهذه كانت عادتهم إذا أرادوا تنشيط الإبل في السير نزل بعضهم فيسوقها ويحدو في تلك الحال", ولذا طلبوه منه وأمره به صلى الله عليه وسلم فقال: "انزل يابن الأكوع فخذ لنا من هناتك"، كما في حديث نصر عند ابن إسحاق. "وقوله: اللهم لولا أنت ما اهتدينا، كذا الرواية" في البخاري "قالوا: وصوابه في الوزن لا هم أو تالله كما في الحديث الآخر" تبرأ منه لأن الذي فيه إنما هو الخزم بمعجمتين وهو الزيادة على أول البيت حرفا إلى أربعة، وكذا على أول النصف الثاني حرفا أو اثنين على الصحيح. وهذا أمر لا نزاع فيه بين العروضيين ولم يقل أحد بامتناعه وإن لم يستحسنوه، وما قال أحد أن الخزم يقتضي إلغاء ما هو فيه عن أن يعد شعرا. نعم لا يعتد بالزيادة في الوزن ويكون ابتداؤه ما بعدها، فكذا ما نحن فيه قاله في المصابيح، "وقوله: فداء لك قال" الإمام الفقيه،

هذه اللفظة مشكلة، فإنه لا يقال للباري سبحانه: فديتك؛ لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله بالشخص، فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به ويفديه منه. قال: ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه، كما يقال: قاله الله، ولا يريد بذلك حقيقة الدعاء عليه، وكقوله عليه الصلاة والسلام: "تربت يداك". و "تربت يمينك". وفيه كله ضرب من الاستعارة لأن المفادي مبالغ في طلب رضا المفدي حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكان مراد الشاعر: أي أبذل نفسي في رضاك.

_ الأصولي، ذو الفنون في علوم عديدة محمد بن علي بن عمر التميمي "المازري" بفتح الزاي وكسرها نسبة إلى مازر بليدة بجزيرة صقلية. مات سنة ست وثلاثين وخمسمائة وله ثلاث وثمانون سنة. في المعلم "هذه اللفظة مشكلة، فإنه لا يقال للباري سبحانه فديتك" لاستحالته إذ معناه، كما قال السهيلي: فداء لك أنفسنا فحذف المبتدأ لكثرة دوره في الكلام مع العلم به، "لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله بالشخص" المفدي "فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به ويفديه منه", ولا يتصور ذلك في حق الله, وإنما يتصور الفداء لمن يجوز عليه الفناء أو حلول مكروه "قال" المازري مجيبا: "ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه", بل المراد المحبة والتعظيم، فجاز أن يخاطب بها من لا يجوز في حقه الفداء، ولا يجوز عليه الفناء قصدا لإظهار المحبة والتعظيم له قاله في الروض. قال: ورب كلمة ترك أصلها واستعملت كالمثل في غير ما وضعت له، "كما يقال: قاتله الله" ما أفصحه "ولا يريد" القائل "بذلك حقيقة الدعاء عليه" بل التعجب واستعظام الأمر، وكقوله عليه الصلاة والسلام: "تربت يداك". و "تربت يمينك". يخاطب عائشة وغيرها فلم يقصد أصل معناها الذي هو افتقرت حتى لصقت يداك بالتراب بل الإنكار والزجر كقوله عليه الصلاة والسلام: "ويل أمه". قال بديع الزمان في رسالته: العرب تطلق: تربت يمينه في الأمر إذا أهم، ويقولون: ويل أمه ولا يقصدون الذم، وكقوله عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات: "أفلح وأبيه إن صدق". ومحال أن يقصد القسم بغير الله لا سيما برجل مات كافرا، وإنما هو تعجب من قول الأعرابي والمتعجب منه مستعظم والقسم في الأصل لما يعظم فاتسع فيه وقال الشاعر: فإن تك ليلى استودعتني أمانة ... فلا وأبي أعدائها لا أحونها لم يرد القسم بوالد أعدائها بل التعجب، "وفيه كله ضرب من الاستعارة؛ لأن المفادي مبالغ في طلب رضا المفدى" بضم الميم والتشديد، أي الذي جعل المتكلم نفسه فداءه "حين

وعلى كل حال فإن المعنى وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز فيه يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه. قال: وقد يكون المراد بقوله: "فداء لك" رجل يخاطبه، وفصل بين الكلام بذلك، ثم عاد إلى الأول فقال: ما اتقينا. وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى لولا أن فيه تعسفا اضطرنا إليه تصحيح الكلام. انتهى. وقيل: إنه يخاطب بهذا الشعر النبي صلى الله عليه وسلم. المعنى: لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حقك ونصرك. وعلى هذا فقوله: "اللهم" لم يقصد بها الدعاء وإنما افتتح بها الكلام. والمخاطب بقول الشاعر: "لولا أنت" النبي، لكن يعكر عليه قوله بعد ذلك: فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا فإنه دعاء لله تعالى. ويحتمل أن يكون المعنى فاسأل ربك أن ينزل ويثبت

_ بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكان مراد الشاعر أي أبذل نفسي في رضاك". "وعلى كل حال فإن المعنى وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة" كهذه الجهة المذكورة "فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز فيه يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه" ولم يرد فلا يحسن الجواب عنه بذلك، وقد يقال سكوت الشارع عليه وسماعه وترحمه على قائله إذن، وقد قال السهيلي: أنه أقرب الأجوبة إلى الصواب "قال" المازري جواب ثان، "وقد يكون المراد بقوله فداء لك رجل يخاطبه" المصطفى أو غيره، "وفصل بين الكلام بذلك" على سبيل الاعتراض، "ثم عاد إلى تمام الأول فقال: ما اتقينا قال: وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى لولا أن فيه تعسفا" خروجا عن سبيل الكلام، "اضطرنا" ألجأنا "إليه تصحيح الكلام انتهى" كلام المازري، "وقيل: إنه يخاطب بهذا الشعر النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى" أي معنى اغفر "لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حقك ونصرك"، حكاه في الروض والفتح، قائلا: "وعلى هذا" لا على ما قبله لقوله، ثم عاد إلى تمام الأول ... إلخ. فإنه ظاهر في أنه دعاء، "فقوله: اللهم لم يقصد بها الدعاء، وإنما افتتح بها الكلام" أما على الأول أنه خطاب لله تعالى، فهو دعاء لأن المعنى اللهم اغفر لنا، "و" على هذا أيضا "المخاطب بقول الشاعر: لولا أنت النبي" صلى الله عليه وسلم "لكن يعكر عليه قوله بعد، ذلك فأنزلن" الذي قدمه وألقين وهو الذي في البخاري هنا. نعم رواه في الخندق لكن من حديث البراء بلفظ فأنزلن "سكينة علينا وثبت الإقدام إن لاقينا" العدو "فإنه دعاء لله تعالى، ويحتمل أن يكون المعنى فاسأل ربك أن ينزل ويثبت",

والله أعلم. وقوله: "إذا صيح بنا أتينا" أي إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكاره أتينا ولم نتأخر عنه. وفي رواية أبينا بالموحدة بدل المثناة، أي أبينا الفرار. وقوله: "وبالصياح عولوا عليها" أي استعانوا بنا واستفزعونا للقتال. قيل: هو من التعويل على الشيء وهو الاعتماد عليه، وقيل: هو من العويل، وهو الصوت. وقوله: "من هذا السائق؟ قالوا: عامر، قال: يرحمه الله، قال رجل من القوم: وجبت" أي: ثبتت له الشهادة وستقع قريبا، لأنه كان معلوما عندهم أن من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم هذا

_ فلا عكر، "والله أعلم" بالمراد للشاعر وللمصطفى حين تمثل به في حفر الخندق، "وقوله إذا صيح بنا أتينا" بكسر الصاد المهملة وسكون التحتية، "أي إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكاره،" أي ما تكرهه النفوس "أتينا" بالفوقية. وفي الفتح أي جئنا إذا دعينا إلى القتال أو إلى الحق. "وفي رواية أبينا بالموحدة بدل المثناة" الفوقية "أي أبينا الفرار". وقال الحافظ: كذا رأيت في نسخة النسفي فإن كانت ثابتة فالمعنى إذا دعينا إلى غير الحق امتنعنا كذا في الفتح هنا وقال فيه في الخندق روي بالوجهين. قال عياض: كلاهما صحيح المعنى أما الباء فمعناه إذا صيح بنا لفزع، أو حادث أبينا الفرار وثبتنا، وأما المثناة فمعناه جئنا وأقدمنا على عدونا. قال: ورواية المثناة أوجه لأن إعادة الكلمة في قوافي الرجز عن قرب عيب معلوم عندهم، والراجح أن قوله إذا صيح بنا أتينا بالمثناة، وقوله إذا أرادوا فتنة أبينا بالموحدة. انتهى. "وقوله وبالصياح عولوا علينا، أي استعانوا بنا واستفزعونا للقتال" وفي الفتح، أي قصدونا بالدعاء بالصوت العالي واستعانوا علينا. تقول: عولت على فلان وعولت بفلان بمعنى استعنت به. "قيل: هو من التعويل على الشيء، وهو الاعتماد عليه" وهو المتبادر من عولوا بالتثقيل "وقيل: من العويل، وهو الصوت". والمعنى أجابوا علينا بالصوت. قاله الخطابي وتعقبه ابن التين بأنه لو كان من العويل لكان أعولوا وأقره الحافظ نعم حكى المصنف أن في نسخة أعولوا فلعل كلامه عليها "وقوله من هذا السائق قالوا: عامر قال: يرحمه الله قال رجل من القوم: وجبت أي ثبتت له الشهادة" تفسير لوجبت "وستقع قريبا", وكأنه لم يكتف بأن يقول وقوله وجبت أي ثبتت ... إلخ. بل أعاده من أوله وإن قدمه قريبا لأنه جعله توطئة لقوله، "لأنه كان معلوما عندهم أن من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم هذا

الدعاء في هذا الموطن استشهد، وقوله: لولا أمتعتنا به؟ أي وددنا أنك أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مدة. وفي البخاري من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم أتى خيبر ليلا -وكان إذا أتى قوما بليل لم يغربهم حتى يصبح- فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم

_ الدعاء في هذا الموطن" يعني الحرب "استشهد" كما أشار إليه رواية سلمة، بل كلامه أعم من الحرب لقوله: ما استغفر لإنسان يخصه إلا استشهد كما مر قريبا، "وقوله: لولا أمتعتنا به" ليس المراد بلولا التحضيض لأنه إن كان على ماض أفادت اللوم ومعاذ الله أن يقصده أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم، بل المراد العرض والتمني "أي وددنا أنك أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته", وشجاعته "مدة". قال الحافظ والتمتع الترفه إلى مدة ومنه أمتعني الله ببقائك. "وفي البخاري من حديث أنس" من ثلاثة طرق عنه؛ الطريق الأولى: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن حميد الطويل عن أنس "أنه صلى الله عليه وسلم أتى خيبر ليلا" أي قرب منها، فلا يخالف رواية ابن سيرين عن أنس في الطريق الثانية عند البخاري: صبحنا خيبر بكرة، لأنه يحمل على أنهم قدموها وناموا دونها، ثم ركبوا إليها بكرة فصبحوها بالقتال. وذكر ابن إسحاق أنه نزل بواد يقال له: الرجيع بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم وكانوا حلفاءهم، فبلغني أن غطفان تجهزوا وقصدوا خيبر فسمعوا حسا خلفهم، فظنوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريهم، فرجعوا وأقاموا وخذلوا أهل خيبر. "وكان إذا أتى قوما بليل لم يغربهم" بضم التحتية وكسر الغين المعجم أي لم يسرع في الهجوم عليهم "حتى يصبح". قال الحافظ: كذا للأكثر من الإغارة ولأبي ذر عن المستملي لم يقربهم بفتح أوله وسكون القاف وفتح الراء وسكون الموحدة، وفي الجهاد بلفظ لا يغير عليهم وهو مؤيد رواية الجمهور، وفي الأذان من وجه آخر: كان إذا غزا لم يغربنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانا كف عنهم وإلا أغار، فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب. انتهى. وروى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لأصحابه: "قفوا". ثم قال: "اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها، وشر ما فيها أقدموا بسم الله". وكان يقولها لكل قرية دخلها "فلما أصبح خرجت اليهود". زاد أحمد: إلى زروعهم "بمساحيهم" بمهملتين جمع مسحاة من آلات الحرث. قال البرهان: والميم زائدة لأنه من السحو وهو الكشف والإزالة "ومكاتلهم" بفتح الميم وكسر الفوقية جمع

فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". وفي رواية: فرفع يديه وقال: "الله أكبر خربت خيبر".

_ مكتل بكسرها وفتح الفوقية هو القفة الكبيرة التي يحول فيها التراب وغيره. قال في الروض سميت بذلك لتكتيل الشيء فيها وهو تلاصق بعضه ببعض والكتلة من التمر ونحوه فصيحة وإن أبدلتها العامة انتهى. وحكى الواقدي إن أهل خيبر سمعوا بقصده لهم، فكانوا يخرجون في كل يوم عشرة آلاف مقاتل مسلحين مستعدين صفوفا، ثم يقولون محمد يغزونا هيهات هيهات فلا يرون أحدا، حتى إذا كان الليلة التي قدم فيها المسلمون، ناموا ولم تتحرك لهم دابة، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، فخرجوا بالمساحي طالبين مزارعهم فوجدوا المسلمين "فلما رأوه قالوا": جاء أو هذا "محمد والله محمد والخميس" ضبطه القاضي عياض بالرفع عطف والنصب مفعول معه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -زاد البخاري في الجهاد من هذا الطريق نفسه-: "الله أكبر خربت خيبر". أي: صارت خرابا "إنا إذا نزلنا بساحة" أي: فناء "قوم" وأصلهما الفضاء بين المنازل "فساء صباح المنذرين". وهذا الحديث أصل في جواز التمثل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس نص عليه ابن عبد البر وابن رشيق كلاهما في شرح الموطأ وهما مالكيان، والنووي في شرح مسلم كلهم في شرح هذا الحديث وكذا صرح بجوازه القاضي عياض والباقلاني من المالكية. وحكى الشيخ داود الشاذلي اتفاق المالكية والشافعية على جوازه غير أنهم كرهوه في الشعر خاصة. وروى الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد عن مالك أنه كان يستعمله. قال السيوطي: وهذه أكبر حجة على من زعم أن مذهب مالك تحريمه، وأما مذهبنا فأجمع أئمته على جوازه والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم، فمن نسب إلى مذهبنا تحريمه فقد فشر وأبان أنه أجهل الجاهلين. انتهى. وهذا منه قاض بغلطه فيما أورده في عقود الجمان، "وفي رواية" للبخاري في الجهاد، فرفع يديه وقال: "الله أكبر خربت خيبر". قال الحافظ: وزيادة التكبير في معظم الطرق عن أنس وعن حميد. انتهى. وفيه استحباب التكبير عند الحرب وتثليثه، ففي رواية للبخاري في الصلاة، فلما دخل القرية قال: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قالها ثلاثا، وفي

والخميس: الجيش: سمي به لأنه مقسوم بخمسة أقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب. ومحمد: خبر مبتدأ، أي هذا محمد. قال السهيلي: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما رأى آلة الهدم تفاءل أن مدينتهم ستخرب. انتهى. ويحتمل -كما قاله في فتح الباري- أن يكون قال: "خربت خيبر" بطريق الوحي، ويؤيده قوله بعد ذلك: "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال: "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".

_ التنزيل إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا والثلاثة مبدأ الكثرة "والخميس" بلفظ اليوم "الجيش" كما فسره عبد العزيز بن صهيب، أو من دونه عند البخاري في صلاة الخوف، بدليل روايته في أوائل كتاب الصلاة بلفظ يعني الجيش "سمي به، لأنه مقسوم بخمسة أقسام، المقدمة" وسماها في حديث الحراسة، "والساقة" مؤخر الجيش، "والميمنة والميسرة" ويقال لهما: الجناحان "والقلب" وقيل من تخميس الغنيمة، وتعقبه الأزهري بأن التخميس إنما ثبت بالشرع، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الجيش خميسا فبان أن القول الأول أولى "ومحمد خبر مبتدأ أي هذا محمد" كما عليه معظم الشراح، وأعربه المصنف أيضا فاعلا بفعل فقدر جاء محمد. "قال السهيلي" في الروض: "يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل لأنه عليه الصلاة والسلام لما رأى آلة الهدم" وهي المساحي والمكاتل مع أن لفظ المسحاة من سحوت إذا قشرت "تفاءل أن مدينتهم ستخرب. انتهى". ويحتمل كما قاله في فتح الباري أن يكون قال: "خربت خيبر" بطريق الوحي ويؤيده قوله بعد ذلك: "إن إذا نزلنا بساحة قوم فساء" بئس "صباح المنذرين" صباحهم فهو إخبار بالغيب أو على جهة الدعاء عليهم، ويجوز أن يكون أخذه من اسمها كما قال البرهان. "وفي رواية" للبخاري في هذه الغزوة من طريق ثابت وقبلها في صلاة الخوف من طريق عبد العزيز وثابت عن أنس "أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح قريبا من خيبر بغلس" في أول وقتها، "ثم قال" لما أشرف على خيبر: "الله أكبر" في رواية الطبراني ثلاثا "خربت خيبر" أخبار بالغيب عن الوحي، أو تفاؤلا باسمها أو بآلات الهدم، أو دعاء "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".

وقال مغلطاي وغيره: وفرق عليه الصلاة والسلام الرايات، ولم تكن الرايات إلا بخيبر، وإنما كانت الألوية. قال الدمياطي: وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم السوداء من برد لعائشة رضي الله عنها. وفي البخاري: وكان علي بن أبي طالب تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان رمدا, فقال: أنا أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم فلحق فلما بتنا الليلة التي فتحت قال: "لأعطين الراية غدا -أو: ليأخذن

_ المخصوص بالذم محذوف أي صباحهم واللام للجنس والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثرت فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في وقت آخر قاله البيضاوي. "وقال مغلطاي وغيره: وفرق عليه الصلاة والسلام الرايات" فدفع رايته العقاب إلى الحباب بن المنذر، وراية لسعد بن عبادة، ولواءه وهو أبيض إلى علي، "ولم تكن الرايات إلا بخيبر وإنما كانت الألوية" كما ذكره ابن إسحاق، وكذا أبو الأسود عن عروة وقد صرح جماعة من اللغويين بترادف الراية واللواء وهو العلم الذي يحمل في الحرب. لكن روى أحمد، والترمذي عن ابن عباس، والطبراني عن بريدة، وابن عدي عن أبي هريرة، قالوا: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض زاد أبو هريرة مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفية قاله الحافظ وفي المصباح لواء الجيش علمه وهو دون الراية. "قال الدمياطي: وكانت" مستأنف في جواب سؤال نشأ من ذكر الرايات هو مم كانت رايته؟ فقال: كانت "راية النبي صلى الله عليه وسلم السوداء من برد لعائشة رضي الله عنها" والأولى سوداء بالتنكير، كما قاله الصحابة الثلاثة لأنه لم يتقدم ذكرها وكانت تسمى العقاب، "وفي البخاري" عن سلمة "وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم" في خيبر، "وكان رمدا" بكسر الميم ولابن أبي شيبة عن علي أرمد والطبراني عن جابر أرمد شديد الرمد وأبي نعيم عن ابن عمر أرمد لا يبصر، "فقال: أنا أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال الحافظ: كأنه أنكر على نفسه تأخره عنه فقل ذلك، "فلحق"، زاد الكشميهني به يحتمل قبل وصوله إلى خيبر ويحتمل بعد وصوله إليها. انتهى. "فلما بتنا الليلة التي فتحت" خيبر في صبحتها "قال: لأعطين الراية غدا أو" قال:

الراية غدا- رجل يحبه الله ورسوله". وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه".

_ "ليأخذن الراية غدا رجل" قال الحافظ شك من الراوي، وفي حديث سهل بعده: "لأعطين الراية غدا". بغير شك "يحبه الله ورسوله" زاد في حديث سهل بعده: "ويحب الله ورسوله". وفي رواية ابن إسحاق: "ليس بفرار". وفي حديث بريدة: "لا يرجع حتى يفتح الله له". وروى أبو نعيم والبيهقي عن بريدة كان صلى الله عليه وسلم تأخذه الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، فأرسل أبا بكر فأخذ راية رسول الله ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد، ثم أرسل عمر فأخذ الراية فقاتل أشد من الأول، ثم رجع ولم يكن فتح. وقال الحافظ: وقع في رواية البخاري اختصار وهو عند أحمد والنسائي وابن حبان، والحاكم عن بريدة. قال: لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء فرجع ولم يفتح له فلما كان من الغد أخذه عمر فرجع ولم يفتح له وقتل محمود بن مسلمة، فقال صلى الله عليه وسلم: "لأدفعن لوائي غدا" ... الحديث. وعند ابن إسحاق نحوه من وجه آخر أي عن سلمة وزاد. قال سلمة: فخرج علي والله يهرول وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: علوتم وما أنزل على موسى، وفي الباب عن أكثر من عشرة من الصحابة سردهم الحاكم في الإكليل وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل. انتهى. وفي هذا رد على زعم ابن كثير ضعف حديث ذهاب الشيخين ولم يفتح لهما وبقية حديث سلمة هذا عند البخاري يفتح عليه فنحن نرجوها فقيل: هذا علي فأعطاه ففتح، "وفي رواية" للبخاري في مواضع عن سهل بن سعد "أنه صلى الله عليه وسلم قال: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله" خيبر "على يديه" بالتثنية زاد البخاري في المغازي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال الحافظ: في المناقب أراد وجود حقيقة المحبة وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة وفيه تلميح بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ، فكأنه أشار إلى أن عليا تام الاتباع له صلى الله عليه وسلم حتى وصفه بصفة محبة الله، ولذا كانت محبته علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق، ففي مسلم عن علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، وله شاهد من حديث أم سلمة عند أحمد قال: أي سهل فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. يدوكون بضم الدال المهملة أي باتوا في اختلاط واختلاف.

فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.

_ والدوكة بالكاف الاختلاط "فلما أصبح الناس غدوا" بمعجمة أتوا صباحا "على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون" بالنون رواية أبي ذر ولغيره يحذفها. قال المصنف: حذف النون بغير ناصب ولا جازم لغة. انتهى. "أن يعطاها" أي الراية وفي مسلم عن أبي هريرة أن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وفي حديث بريدة فما منا رجل له منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل حتى تطاولت أنالها، "فقال: أين علي بن أبي طالب، فقالوا: "رواية أبي ذر ولغيره، فقيل: "يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه" قال المصنف: بكسر السين أمر من الإرسال وفتحها، أي: قال سهل: فأرسلوا أي الصحابة إلى علي وهو بخيبر لم يقدر على مباشرة القتال لرمده "فأتي به" ولمسلم عن سلمة فأرسلني إلى علي فجئت به أقوده أردم قال الحافظ: فظهر منه أنه الذي أحضره، ولعل عليا حضر إليهم ولم يقدر على مباشرة القتال لرمده، فأرسل إليه صلى الله عليه وسلم فحضر من المكان الذي نزل به أو بعث إليه إلى المدينة، فصادف حضوره "فبصق صلى الله عليه وسلم في عينيه" وعند الحاكم عن علي نفسه فوضع رأسي في حجره ثم بزق في ألية راحته فدلك بها عيني، والألية اللحمة التي تحت الإبهام أو باطن الكف، "ودعا له" فقال: "اللهم أذهب عنه الحر، والقر". رواه الطبراني بالقاف أي البرد "فبرأ" قال الحافظ بفتح الراء والهمزة بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء بوزن علم. انتى. فالراية بالفتح فتسمح المصنف في قوله بفتح الراء وكسرها "حتى كأن لم يكن به وجع" زاد بريدة فما وجعهما علي حتى مضى لسبيله أي مات. رواه البيهقي وللطبراني عن علي: فما رمدت ولا صدعت مذ دفع إلي النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم خيبر، وله من وجه آخر فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي فقال: "اللهم أذهب عنه الحر، والبرد". فما اشتكيتهما حتى يومي هذا. وفي رواية يونس عن ابن إسحاق وكان علي يلبس القباء المحشو الثخين في شدة الحر فلا يبالي الحر ويلبس الثوب الخفيف في شدة البرد فلا يبالي البرد فسئل، فأجاب بأن ذلك بدعائه عليه الصلاة والسلام يوم خيبر "فأعطاه الراية". وفي حديث أبي سعيد عند أحمد فانطلق

فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير من أن يكون لك حمر النعم". الحديث.

_ حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتها، "فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم" بحذف همزة الاستفهام "حتى يكونوا مثلنا" مسلمين، فقال: "انفذ" بضم الفاء بعدها معجمة أي: امض "على رسلك" بكسر الراء هينتك "حتى تنزل بساحتهم" بفنائهم "ثم ادعهم" بهمزة الوصل "إلى الإسلام". وفي حديث أبي هريرة: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، واستدل بقوله: ادعهم إن الدعوة شرط في جواز القتال والخلاف فيه شهير فقيل: شرط مطلقا وهو عن مالك سواء من بلغتهم الدعوة أم لا قال: إلا أن يعجلوا المسلمين وقيل: لا مطلقا، وعن الشافعي مثله وعنه لا يقاتل من لم تبلغه الدعوة حتى يدعوهم، وأما من بلغته فتجوز الإغارة عليهم بغير دعاء وهو مقتضى الأحاديث، ويحمل حديث سهل على الاستحباب بدليل أن في حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم أغار على أهل خيبر لما لم يسمع النداء، وكان ذلك أول ما طرقهم، وقصة علي بعد ذلك. وعن الحنفية تجوز الإغارة مطلقا وتستحب الدعوة، "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه" أي في الإسلام فإن لم يطيعوا لك بذلك فقاتلهم، "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر" بضم المهملة وسكون الميم "النعم" بفتح النون، والعين المهملة وهو من ألوان الإبل المحمودة، قيل: المراد خير من أن تكون لك فتتصدق بها وقيل: تقتنيها وتملكها، وكانت مما يتفاخر العرب بها, قال النووي: وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا للتقريب إلى الإفهام، وإلا فذرة من الآخرة خير من الدنيا وما فيها بأسرها ومثلها معها، وزاد مسلم من حديث إياس ابن سلمة عن أبيه، وخرج مرحب فقال: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز له علي وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره أكيلهم بالسيف كيل السندره وضرب مرحبا، ففلق رأسه وقتله وكان الفتح. قال الحافظ: وخالف في ذلك أهل السير حزم ابن إسحاق وابن عقبة والواقدي بأن الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة وكذا.

ولما تصاف القوم، كان سيف عامر قصيرا، فتناول ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمت منه. فلما قفلوا، قال سلمة:

_ روى أحمد بإسناد حسن عن جابر وقيل: أن ابن مسلمة كان بارزه فقطع رجليه فأجهز علي عليه، وقيل: إن الذي قتله هو الحارث أخو مرحب فاشتبه على بعض الرواة، فإن يكن كذلك وإلا فما في الصحيح مقدم على ما سواه ولا سيما قد جاء عن بريدة أيضا عند أحمد، والنسائي، وابن حبان، والحاكم. انتهى. وقد قال ابن عبد البر: إنه الصحيح، وابن الأثير الصحيح الذي عليه أهل السير و"الحديث" أن عليا قاتله، وقال الشامي: ما في مسلم مقدم عليه من وجهين: أحدهما: أنه أصح إسنادا, الثاني: أن جابرا لم يشهد خيبر، كما ذكر ابن إسحاق، والواقدي, وغيرهما، وقد شهدها سلمة وبريدة وأبو رافع فهم أعلم ممن لم يشهدها، وما قيل: إن ابن مسلمة قطع ساقي مرحب ولم يجهز عليه ومر به علي فأجهز عليه يأباه حديث سلمة وأبي رافع. انتهى. وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل أن اسمه في الكتب القديمة أسد وهو حيدرة, وقيل: سمته أمه أسد باسم أبيها فلما قدم أبوه سماه عليا وقيل: لقب به في صغره، لأن الحيدرة الممتلئ لحما مع عظم بطن وكان كذلك. انتهى. ويقال: إن عليا كاشفه بذلك لأن مرحبا رأى تلك الليلة مناما أن أسدا افترسه، فأشار بقوله حيدرة إلى أنه الأسد الذي يفترسه، فلما سمع ذلك ارتعد وضعفت نفسه. "و" في حديث سلمة بن الأكوع السابق أوله "لما تصاف" بتشديد الفاء " القوم" للقتال "كان سيف عامر" بن الأكوع "قصيرا، فتناول" أي قصد ساق يهودية ليضربه" به، ولأحمد عن إياس بن سلمة عن أبيه، فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز إليه عامر فقال: قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مقامر فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له بفتح التحتية وسكون المهملة وضم الفاء أي يضربه من أسفل، فرجع ذباب" بضم المعجمة، وبالموحدة "سيفه". قال الحافظ: أي طرفه الأعلى, وقيل: حده "فأصاب عين ركبة عامر" أي طرف ركبته الأعلى، وفي رواية يحيى القطان فأصيب عامر بسيف نفسه ولمسلم فقطع أكحله فكانت فيها نفسه، ولابن إسحاق فكلمه كلما شديدا "فمات منه فلما قفلوا" رجعوا من خيبر "قال سلمة"

قلت يا رسول الله، فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب من قال، وإن له أجرين -وجمع بين إصبعيه- إنه لجاهد مجاهد". رواه البخاري أيضا. وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة، فقلت: ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر, فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة.

_ رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي، وللبخاري في الأدب رآني شاحبا بمعجمة ثم مهملة وموحدة أي: متغير اللون. وفي رواية إياس فأتيته وأنا أبكي. قال: "ما لك"؟ "قلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي زعموا أن عامرا أحبط عمله". وفي رواية إياس: بطل عمل عامر قتل نفسه وسمي في الأدب من القاتلين أسيد من حضير وعند ابن إسحاق ونحوه لمسلم فكان المسلمين شكوا فيه، وقالوا: إنما قتله سلاحه "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب" أي أخطأ "من قاله وأن له أجرين"، وفي رواية لأجرين باللام للتأكيد أجر الجهاد في الطاعة وأجر الجهاد في سبيل الله, وجمع بين إصبعيه: "إنه لجاهد مجاهد" قال الحافظ: كذا للأكثر باسم الفاعل فيهما وكسر الهاء والتنوين والأول مرفوع والثاني اتباع للتأكيد، كما قالوا: جاد مجد ولأبي ذر عن الحموي، والمستملي لجاهد بفتح الهاء والدال وكذا ضبطه الباجي، قال ابن دريد: رجل جاهد أي: جاهد في أموره، وقال ابن التين: الجاهد من يرتكب المشقة ومجاهد أي لأعداء الله تعالى. انتهى. وقال الزركشي: وتبعه الدماميني بفتح الهاء في الأول ماض وكسر الهاء في الثاني اسما منصوبا بذلك الفعل جمعا المجهد "رواه البخاري أيضا" وبقية الحديث فيه قل عربي مشى بها مثله بالميم والقصر من المشي والضمير للأرض أو المدينة أو الحرب أو الخصلة، "وعن يزيد" من الزيادة "ابن أبي عبيد" بضم العين الأسلمي مولى سلمة, ثقة. روى له الجميع مات سنة بضع وأربعين ومائة. "قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة" بن الأكوع. "فقلت": يا أبا مسلم "ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها" أي ساقه. وفي رواية أصابتنا وأخرى أصابتني "يوم خيبر" نصب على الظرفية، فقال الناس: أصيب سلمة "فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه", قال الحافظ وغيره: أي موضع الضربة "ثلاث نفثات" بمثلثة بعد الفاء المفتوحة فيهم جمع نفثة وهي فوق النفخ ودون التفل، وقد تكون بغير ريق بخلاف التفل وقد تكون بريق خفيف بخلاف النفخ "فما اشتكيتها حتى الساعة" قال المصنف: بالجر على أن حتى جارة. انتهى.

أخرجه البخاري. وعند أيضا عن أبي هريرة: شهدنا خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام: "هذا من أهل النار"، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب،

_ فهو الرواية وإن جاز النصب وفيه معجزة باهرة "أخرجه البخاري" ثلاثيا، فقال: حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد. قال: رأيت. فذكره, "وعنده أيضا عن أبي هريرة" قال: "شهدنا خيبر" مجاز عن جنسه من المسلمين، فالثابت أنه إنما جاء بعد فتحها وعند الواقدي أنه قدم بعد فتح معظمها فحضر فتح آخرها لكن البخاري في الجهاد عن أبي هريرة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعدما افتتحها أو هو مجاز عن شهود الغنيمة؛ لأنه شهد قسم النبي صلى الله عليه وسلم لغنائم خيبر بها اتفاقا، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل" -اللام بمعنى عن, كقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} أو بمعنى أي في شأنه وسببه, ومنه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} - ممن معه يدعي الإسلام" نفاقا. قال الحافظ: وقع لجماعة ممن تكلم على البخاري أنه قزمان بضم القاف وسكون الزاي، الظفري بفتح المعجمة والفاء نسبة إلى بني ظفر بطن من الأنصار المكنى أبا الغيداق بمعجمة مفتوحة وتحتية ساكنة آخره قاف، ويعكر عليه ما جزم به ابن الجوزي تبعا للواقدي أن قزمان قتل بأحد وكان يتخلف عن المسلمين عيره النساء فخرج حتى صار في الصف الأول فكان أول من رمى بسهم ثم فعل العجائب، فلما انكسر المسلمون كسر جفن سيفه وجعل يقول الموت أحسن من الفرار، فمر به قتادة بن النعمان فقال: هنيئا لك الشهادة. قال: إني والله ما قاتلت على حسب قومي، ثم أقلقته الجراحة فقتل نفسه. لكن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف نعم عند أبي يعلى تعيين يوم أحد، لكن لم يسمل قاتل نفسه وفيه راو مختلف فيه "هذا من أهل النار" لنفاقه، أو أنه سيرتد ويستحل قتل نفسه، "فلما حضر القتال" بالرفع على الفاعلية، ويجوز النصب أي فلما حضر الرجل القتال "قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح فكاد بعض الناس يرتاب". وفي رواية بزيادة أن في خبر كاد وهو جائز على قلة أي شك في قوله صلى الله عليه وسلم هذا من أهل النار، وفيه إشعار بأنهم ما ارتابوا، وإنما هو استفهام خوف على أنفسهم، ففي حديث سهل عند البخاري. فقالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعي عند الطبراني، قلنا: يا رسول الله إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار فأين نحن؟ قال: ذاك أخبأت النفاق فكنا نتحفظ عليه في القتال، وفي حديث سهل في

فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها سهما فنحر نفسه، فاشتد رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: "قم يا فلان فأذن: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".

_ البخاري، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أي: أصحبه وألازمه لأنظر السبب الذي به يصير من أهل النار، فإن فعله في الظاهر جميل وقد أخبر الصادق المصدوق أنه من أهل النار فلا بد له من سبب عجيب، قال فخرج معه كلما وقف وقف معه "فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها سهما" بالإفراد للكشميهني ولغيره أسهما بفتح أوله وضم الهاء بلفظ الجمع، "فنحر نفسه فاشتد" أي أسرع في المشي "رجل" بالإفراد "من المسلمين" قال الحافظ: هو أكثم الخزاعي، ففي حديثه عند الطبراني، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أشهد أنك رسول الله. انتهى. ويقع في نسخ رجال بالجمع وهو من تحريف النساخ، فالذي في البخاري بالأفراد وفسره شارحه بما ترى "فقال" بالإفراد، كما هو في البخاري، ونسخة، فقالوا: خطأ "يا رسول الله صدق الله حديثك انتحر فلان فقتل نفسه". قال المهلب هذا الرجل ممن أعلمنا صلى الله عليه وسلم أنه نفذ عليه الوعيد، من النفاق ولا يلزم منه أن كل من قتل نفسه يقضى عليه بالنار، وقال ابن التين: يحتمل أن قوله من أهل النار أي إن لم يغفر الله له، ويحتمل أنه حين أصابته الجراحة ارتاب وشك في الإيمان أو استحل قتل نفسه فمات كافرا ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وبذلك جزم ابن المنير "فقال" عليه السلام: "قم يا فلان" هو بلال، كما عند البخاري في كتاب القدر بلفظ: "يا بلال قم". ولمسلم: "قم يابن الخطاب". وللبيهقي أن المنادي عبد الرحمن بن عوف ويجمع بأنهم نادوا جميعا في جهات مختلفة قاله في الفتح وقال في مقدمته: روى الطبراني والبيهقي عن العرباض أن عبد الرحمن أذن أن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وكان هذا في قصة أخرى أو المؤذن أكثر من واحد. انتهى. "فأذن" بشد المعجمة المكسورة أي أعلم الناس "إنه" ولأبي ذر: أن "لا يدخل الجنة إلا مؤمن" فيه إشعار بسلب الإيمان عن هذا الرجل. "إن الله يؤيد" وللكشميهني: ليؤيد التأكيد. قال النووي: يجوز في أن فتح الهمزة وكسرها "هذا الدين بالرجل الفاجر" الذي قتل نفسه، أو أل للجنس لا للعهد فيعم كل فاجر أيد الدين وساعده بوجه من الوجوه. انتهى. وليس فيه على أنها عهدية ما يقضي بكفره لأن عصيانه كاف في فجوره، وقال الحافظ:

وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة". الحديث.

_ الذي يظهر أن المراد بالفاجر أعم من أن يكون كافرا أو فاسقا ولا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم إنا لا نستعين بمشرك لأنه محمول على من كان يظهر الكفر أو هو منسوخ. وفي الحديث أخبار صلى الله عليه وسلم بالمغيبات وذلك من معجزاته الظاهرة وفيه جواز إعلام الرجل الصالح بفضيلة تكون فيه والجهر بها، "و" عنده أي البخاري أيضا " في رواية" هنا وفي مواضع من طرق عن سهل بن سعد أنه صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا فمال إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحابه رجل لا يدع لهم شاذة ولا فادة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقيل: ما أجزى منا أحد اليوم كما أجزى فلان، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إنه من أهل النار"، فقال رجل من القوم أنا صاحبه فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: "وما ذاك"؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك. فقلت: أنا لكم به فخرجت في طلبه, ثم جرح جرحا شديدا فاستعجل المو فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة" من الطاعات "فيما يبدو" يظهر "للناس وهو من أهل النار" فيدخلها "وأن الرجل ليعمل بعمل" الباء فيهما زائدة للتأكيد أو ضمن يعمل معنى يتلبس بعمل "أهل النار" من المعاصي "فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة". زاد الطبراني في حديث أكثم تدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه فيختم له بها، وذكر في ذا الحديث أهل الخير والشر صرفا إلى الموت لا الذين خلطوا وماتوا مسلمين، فلم يقصد تعميم أحوال المكلفين، بل أورده لبيان أن الاعتبار بالخاتمة، ختم الله أعمالنا بالصالحات بمنه وكرمه أنه على ذلك قدير. قال النووي: فيه التحذير من الاغترار بالأعمال وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحل للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله "الحديث" تتمته: "وإنما الأعمال بالخواتيم". هكذا رواه البخاري في كتاب القدر من صحيحه وبوب عليه العمل بالخواتيم. ورواه في الجهاد والمغازي بطرق بإسقاط تتمته هذه، وقد صرح في حديث أبي هريرة

وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر، وقاتلوه أشد القتال، واستشهد من المسلمين خمسة عشر، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون. وفتحها الله عليه حصنا حصنا، وهي: النطاة، وحصن أصعب وحصن ناعم،

_ السابق بما أبهمه في حديث سهل هذا من أن هذه القصة كانت بخيبر وهو ظاهر سياق المصنف كظاهر سياق البخاري فإنه أورد في المغازي حديث سهل ثم عقبه بحديث أبي هريرة، ثم أورد بعده حديث سهل بطريق آخر، وكذا في القدر فإنه روى حديث أبي هريرة، ثم حديث سهل لكن بين السياقين اختلاف فسياق أبي هريرة أن الرجل استخرج أسهما من كنانته فنحر بها نفسه وأنه عليه السلام قال: لما أخبروه بقصته قم ... إلخ. وسياق سهل أنه اتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره وأن المصطفى قال: حين أخبرته أن الرجل ... إلخ، ولذا جنح ابن التين إلى التعدد وأنهما قصتان متغايرتان في موطنين لرجلين. قال الحافظ: ويمكن الجمع وأنها قصة واحدة بأنه عليه السلام قال: إن الرجل ... إلخ، وأمر بالنداء بذلك وأنه نحر نفسه بأسهمه فلم تزهق روحه وأشرف على الموت فاتكأ على سيفه استعجالا له. والله أعلم. "وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر" نسب إليه القتال لأمره به وصدوره عن رأيه وتصرفه، "قاتلوه أشد القتال واستشهد من المسلمين خمسة عشر" رجلا من ابن سعد، وزاد عليه غيره، وسردهم الشامي أربعا وثلاثين. فالله أعلم. قال ابن إسحاق: أخبرني عبد الله بن نجيح أنه ذكر له: إن الشهيد إذا أصيب نزلت زوجتاه من الحور العين عليه تنقصان التراب عن وجهه وتقولان ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك، "وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون" بفوقية قبل السين لعنهم الله "وفتحها الله عليه حصنا" نصب على الحال "حصنا" نصب تأكيدا عند الزجاج، وصفة للأول عند ابن جني وبالأول عند الفارسي؛ لأنه لما وقع موقع الحال جاز عليه. قال المرادي والمختار أنهما منصوبان بالعامل الأول لأن مجموعهما هو الحال ونظيره في الخبر، هذا حلو حامض، "وهي النطاة" بنون فطاء مهملة بوزن حصاة "وحصن أصعب" بفتح الصاد وإسكان العين المهملتين وبالموحدة ابن معاذ. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عمن حدثه عن بعض أسلم، والواقدي عن معتب بشد الفوقية المكسورة الأسلمي أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء فلم نجد عنده شيئا، فقال: "اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها غنى وأكثرها

وحصن قلعة الزبير، والشق، وحصن البريء، والقموص, والوطيح, والسلالم.

_ طعاما وودكا"، فعدل الناس ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه "وحصن ناعم" بنون فألف فمهملة فميم. قال ابن إسحاق وهو أول حصونهم افتتح وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه. ثم ذكر بعد قليل أنه عليه السلام دفع كنانة بن ربيع بن أبي الحقيق إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود، ففيه أن كنانة قتل محمودا وذكر أبو عمر أن مرحبا ألقى على محمود رحى، فأصابت رأسه فهشمت البيضة رأسه وسقطت جلدة جبينه على وجهه، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد الجلدة، فعادت كما كانت وعصبها بثوبه فمكن ثلاثة أيام ومات، فلعل كنانة ومرحبا دلياها عليه فنسب إلى هذا مرة وإلى الآخر أخرى، "وحصن قلعة الزبير" بن العوام الذي صار في سهمه بعد، وكان اسمه حصن قلة لكونه على رأس جبل، ثم مفاد عطف المصنف ما ذكر عن النطاة تبعا لمغلطاي أن النطاة اسم لحصن مغاير لما بعده، والشامي جعل النطاة اسمها لحصن ناعم، والصعب والزبير فإن وفقت بينهما فقدر بعد وهي النطاة وحصونها ثلاثة، "والشق" بفتح الشين المعجمة وكسرها. قال البكري: والفتح أعرف عند أهل اللغة وبالقاف المشددة، ووقع بخط مغلطاي بزيادة نون قبل القاف وفيه نظر وما أخاله إلا تصحيفا. قاله البرهان في موضعين "و" يشتمل أيضا على حصون كثيرة منها "حصن أبي". قال الواقدي: وهو أول ما بدأ به من حصون الشق فتقاتلوا قتالا شديدا، ثم تحامل المسلمون على الحصن فدخلوه يقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما هرب من فيه من المقاتلة إلى حصن النزال بالشق فغلقوه وامتنعوا به أشد الامتناع، وزحف صلى الله عليه وسلم إليهم في أصحابه فقاتلهم فكانوا أشد أهل الشق رميا بالنبل والحجارة، فأخذ صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فحصب به حصنهم فرف بهم، ثم ساخ في الأرض حتى جاء المسلمون فأخذوا أهله باليد. "وحصن البريء" بفتح الموحدة وكسر الراء المخففة وبالمد. "والقموص" بفتح القاف وضم الميم وسكون الواو، فصاد مهملة، وقيل: بغين فضاد معجمتين وهو الذي فتحه علي، وهو أعظم حصون الكتيبة بكاف مفتوحة ففوقية وقيل: مثلثة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة، ويقال: بضم الكاف ومنه سبيت صفية. "والوطيح" بفتح وكسر الطاء فتحتية ساكنة فحاء مهملتين، كما ضبطه ابن الأثير وغيره. قال البرهان وسمعت من قرأه بإعجام الخاء وهو تصحيف قال البكري سمي بالوطيح بن

وهو حصن بني أبي الحقيق. وأخذ كنز آل أبي الحقيق الذي كان في مسك الحمار، وكانوا قد غيبوه في خربة، فدل الله رسوله عليه فاستخرجه. وقلع

_ مازن رجل من ثمود. قال السهيلي: مأخوذ من الوطح وهو ما بالإظلال ومخالب الطير، من الطين "والسلالم" بضم السين المهملة وقيل: بفتحها وكسر اللام قبل الميم، ويقال: فيه السلاليم على ما تقدم أي من ضم السين وفتحها قاله ابن الأثير: قال ابن إسحاق وكانا آخر حصونها افتتاحا، "وهو حصن بني أبي الحقيق" بحاء مهملة وقافين مصغر، "وأخذ كنز آل أبي الحقيق" المشتمل على حلي وآنية وغيرهما، أي مالهم الذي غيبوه أضيف لهم لكونه في أيدي أكابرهم، وكانوا يعيرونه العرب وإلا فهو مال بني النضير الذي حمله حيي بن أخطب لما أجلي عن المدينة "الذي كان في مسك" بفتح الميم، وسكون السين المهملة جلد "الحمار" أولا، فلما كثر جعلوه في مسك ثور، ثم في مسك جمل كما قال الواقدي, ويحتمل أنهم ردوه إلى مسك الحمار لنفاد بعضه وغيبوه به قيل وخص جلد الحمار لأن الأرض لا تأكله، "وكانوا قد غيبوه في خربة فدل الله رسوله عليه" فأخبره بموضعه كما عند البيهقي عن عروة. وروى ابن سعد، والبيهقي عن ابن عمر أن أهل خيبر شرطوا له صلى الله عليه وسلم أن لا يكتموه شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم فأتى بكنانة والربيع، فقال: "ما فعل مسك حيي الذي جاء به من بني النضير". قالا: أذهبته الحروب والنفقات، فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك". وروى البيهقي، وابن سعد عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم دعا بكنانة وأخيه الربيع، وابن عمهما، فقال: "أين آنيتكما التي كنتم تعيرونها أهل مكة". قالا: هربنا، فلم نزل تضعنا أرض وترفعنا أخرى فذهب فأنفقنا كل شيء، فقال: "إن كتمتماني شيئا فاطلعت عليه استحللت به دماءكما وذراريكما". فقالا: نعم فدعا رجلا من الأنصار فقال: "اذهب إلى نخل كذا وكذا, فانظر نخلة مرفوعة فائتني بما فيها". فجاءه بالآنية والأموال فقومت بعشرة آلاف دينار فضرب عنقهما وسبى أهليهما بالنكث الذي نكثاه "فاستخرجه". وعند ابن إسحاق أن كنانة جحد أن يكون يعلم مكانه وعند البلاذري فدفع صلى الله عليه وسلم شعبة بن عمرو إلى الزبير فمسه بعذاب، فقال: رأيت حييا يطوف في خربة ففتشوها فوجدوا المسك فقتل ابني أبي الحقيق، وعند ابن إسحاق أنه أخرج من الخربة بعض كنزهم وسأل كنانة عما بقي فأبى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، فقال له: عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه المصطفى إلى محمد بن مسيلمة فقتله بأخيه "وقلع

علي باب خيبر، ولم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد. وفي رواية ابن إسحاق: سبعة، وأخرجه من طريق البيهقي في الدلائل، ورواه الحاكم، وعنه البيهقي من جهة ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن جابر: أن عليا حمل الباب يوم خيبر، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا, وليث ضعيف.

_ علي باب خيبر" الذي كان منصوبا كما هو المتبادر منه. ويوافقه الرواية الآتية اجتذب أحد أبواب الحصن وفي رواية ابن إسحاق فتناول علي بابا عند الحصن فتترس به فهذا يشعر أنه لم يكن منصوبا فيحتمل أنه لما وصل قلع الباب وألقاه بالأرض فخرجوا إليه فتقاتلوا، فتناول ذلك الباب الذي اقتلعه وجعله ترسا وقاتل والعلم عند الله "ولم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد" ففيه فرط قوته وكمال شجاعته رضي الله عنه. "وفي رواية ابن إسحاق" حدثني عبد الله بن حسن عن بعض أهله عن أبي رافع قال: خرجنا مع علي حين بعثه صلى الله عليه وسلم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في "سبعة" معي أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فلم نقلبه. "وأخرجه من طريقه البيهقي في الدلائل" للنبوة إشارة إلى أن هذه القوة والشجاعة إنما هي علامة لنبوة من أرسله صلى الله عليه وسلم. "ورواه" الحديث من وجه آخر "الحاكم" محمد بن عبد الله المشهور "وعنه" أخرجه "البيهقي" فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ويقع في بعض النسخ الحاكم عن البيهقي من تحريف الجهال جعلوا الشيخ تلميذا مع أنه خلاف الواقع " من جهة" أي طريق "ليث بن أبي سليم" أيمن، وقيل: أنس وقيل: غير ذلك ابن زنيم بزاي ونون مصغر صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه. مات سنة ثمان وأربعين ومائة "عن أبي جعفر" الباقر "محمد بن علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الثقة الفاضل، المتوفى سنة بضع عشرة ومائة، "عن جابر، أن عليا حمل الباب يوم خيبر" حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها. هذا أسقطه المصنف من الرواية المذكورة قبل قوله: "وأنه جرب" بضم الجيم وشد الراء وفتح الموحدة، أي أريد اختباره ليستدل به على كمال شجاعته. "بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا", قال الحافظ: والجمع بينهما أن السبعة عالجوا قلبه والأربعين عالجوا حمله والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو لم يكن إلا باختلاف حال الأبطال. "وليث ضعيف" والراوي عنه شيعي، وكذا من دونه لكن لمن دونه متابع ذكره البيهقي.

وفي رواية البيهقي: أن عليا لما انتهى إلى الحصن اجتذب أحد أبوابه فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب مكانه. قال شيخنا: وكلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء. انتهى. وفي البخاري: وتزوج عليه الصلاة والسلام بصفية بنت حيي بن أخطب، وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكانت عروسا،

_ "وفي رواية البيهقي" أيضا من جهة حرام بن عثمان عن أبي عتيق وأبي الزبير عن جابر "أن عليا لما انتهى إلى الحصن" المسمى القموص، وكان من أعظم حصونهم كما في الفتح وهو المعبر عنه بخيبر في الحديث، الذي فوقه لكونه من أعظمهما "اجتذب أحد أبوابه، فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلا" لا يعارض رواية أربعين؛ لأنهم عالجوا حمله فما قدروا فتكاملوا سبعين، "فكان جهدهم" بالنصب خبر كان أي غاية وسعهم وطاقتهم واسمها "أن أعادوا الباب" أي إعادة الباب "مكانه". "قال شيخنا": زاد في نسخة السخاوي أي في المقاصد الحسنة "وكلها" أي الأحاديث الثلاثة المذكورة "واهية" أي شديدة الضعف، "ولذا أنكره بعض العلماء" كالحافظ الذهبي فإنه بعد أن ذكر رواية الأربعين. قال: هذا منكر "انتهى". والمنكر من قسم الضعيف، "وفي البخاري" عن أنس "وتزوج عليه الصلاة والسلام بصفية بنت حيي بن أخطب" بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة، وفتح الطاء المهملة، آخره موحدة ابن سعية بفتح المهملة وسكون العين المهملة فتحتية مفتوحة ابن عامر بن عبيد بن كعب من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون أخي موسى عليهما السلام, وأمها ضرة بفتح الضاد المعجمة بنت سموال بني قريظة وكانت تحت سلام بن شكم القرظي، ثم فارقها فتزوجها كنانة النضيري فقتل عنها يوم خيبر. ذكره ابن سعد وأسند بعضه من وجه مرسل، "وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق" من بني النضير، وكان سبب قتله ما أخرجه البيهقي برجال ثقات. عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل من نزل من أهل خيبر على أن لا يكتموه شيئا من أموالهم فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، قال: فغيبوا مسكا فيه مال حلى لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر فسئلوا عنه، فقالوا: أذهبته النفقات، فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك". قال: فوجد بعد ذلك في خربة فقتل صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية "وكانت عروسا".

فذكر له جمالها، فاصطفاها لنفسه فخرج بها حتى بلغت سد الصهباء حلت له, يعني طهرت من الحيض, فبنى بها عليه الصلاة والسلام فصنع حيسا في نطع

_ قال الخليل رجل عروس في جرال عرس وامرأة عروس في نساء عرائس، قال: والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في تعريسهما أياما. قال العيني: وما اشتهر على ألسنة العوام أن الذكر عريس والأنثى عروسة لا أصل له لغة "فذكر له جمالها" وفي رواية للبخاري أيضا، فجاء رجل فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير؟ لا تصلح إلا لك. قال الحافظ: لم أقف على اسم الرجل "فاصطفاها" اختارها "لنفسه". روى أبو داود وأحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم عن عائشة، قالت: كانت صفية من الصفي وهو بفتح المهملة وكسر الفاء وشد التحتية فسره ابن سيرين عند أبي داود بسند صحيح عنه، قال: كان يضرب للنبي صلى الله عليه وسلم بسهم مع المسلمين والصفي يؤخذ له رأس من الخمس، قبل كل شيء، وعنده عن الشعبي كان له صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره من الخمس، وعنده عن قتادة كان صلى الله عليه وسلم إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث شاء وكانت صفية من ذلك السهم، وقيل: كان اسمها قبل السبي زينب فلما صارت من الصفي سميت صفية، "فخرج بها حتى بلغت". رواية أبي ذر: أي وصلت صفية, ولغيره: حتى بلغ "سد" بفتح المهملة وضمها "الصهباء" بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء وبالموحدة والمد موضع أسفل خيبر، وفي رواية سد الروحاء. قال الحافظ: والأول أصوب والروحاء بالمهملة مكان قرب المينة بينهما نيف وثلاثون ميلا من جهة مكة وقيل: بقرب المدينة مكان آخر يقال له: الروحاء وعلى التقديرين فليست قرب خيبر، فالصواب ما اتفق عليه الجماعة أنها الصهباء وهي على بريد من خيبر. قاله ابن سعد وغيره. "حلت له" قال المصنف: "يعني طهرت من الحيض" فصارت بذلك حلاله وعند ابن سعد وأصله في مسلم قال أنس: ودفعها إلى أمي أم سليم حتى تهيئها وتصنعها وتعتد عندها. قال الحافظ: وإطلاق العدة عليها مجاز عن الاستبراء "فبنى بها" دخل عليها "عليه الصلاة والسلام فصنع" وفي رواية: ثم صنع "حيسا" بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة، أي تمرا مخلوطا بسمن وأقط قال الشاعر: التمر والسمن جميعا والأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط "في نطع" بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وعليها اقتصر ثعلب في فصيحه، وكذا في الفرع وغيره من الأصول، ويجوز فتح النون وسكون الطاء وفتحهما وكسر النون وسكون الطاء، وقال الزركشي: فيه سبع لغات وجمعه أنطاع ونطوع قاله المصنف في الصلاة ولكون الرواية

صغير، ثم قال لأنس: "آذن من حولك". فكانت تلك وليمته على صفية. قال أنس: ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة. ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. وفي رواية له: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ قالوا إن حجبها فهي إحدى أمهات.

_ بالأول اقتصر عليه المصنف هنا "صغير، ثم قال: لأنس آذن" بمد الهمزة وكسر المعجمة أعلم "من حولك". وفي رواية للبخاري فدعوت المسلمين إلى وليمته وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالا بالأنطاع، فبسطت فألقى عليها التمر والأقط، والسمن. وفي رواية له أيضا فأصبح صلى الله عليه وسلم عروسا. فقال: "من كان عنده شيء فليجئ به". وبسط نطعا، فجعل الرجل يجيء بالتمر والرجل يجيء بالسمن والرجل بالسويق، فحاسوا حيسا "فكانت تلك" الحيسة، وقال الكرماني: فكانت أي الثلاثة المصنوعة أو أنث باعتبار الخبر، كما ذكر في قوله تعالى، قال: {هَذَا رَبِّي} ، "وليمته" وفي روية وليمة "على صفية" ورواية الأنطاع بالجمع لا تعارض رواية الأفراد لأنه بسط أولا فلما كثر الطعام من الجائين به بسطت الأنطاع وفيه مشروعية الوليمة، وأنها بعد البناء وحصولها بغير لحم ومساعدة الأصحاب بطعام من عندهم. وروى ابن سعد عنها أنها قالت ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال أنس: ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي" ضم أوله وفتح المهملة وشد الواو المكسورة: أي: يجعل "لها" حوية وهي كساء محشوة تدار حول الراكب "وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب". وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فوضع صلى الله عليه وسلم لها فخذه لتركب فأجلته أن تضع رجلها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه، وركبت وفيه مزيد تواضعه وحسن خلقه ومزيد عقلها وكمال فضلها، وروي أنها قالت ما رأيت أحدا قط أحسن خلقا من النبي صلى الله عليه وسلم لقد رأيته ركب بي من خيبر على عجز ناقته ليلا فجعلت أنعس فيضرب رأسي مؤخر الرحل فيمسني بيده، ويقول: "يا هذه مهلا". حتى إذا جاء الصهباء, قال: "أما إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك أنهم قالوا لي: كذا، وكذا". ذكره في الروض. "وفي رواية له" أي للبخاري أيضا: عن أنس "فقال المسلمون" هل هي "إحدى أمهات المؤمنين" الحرائر، "أو ما ملكت يمينه" فليست إحدى أمهاتهم، ففيه أن سراريه لا يتصفن بذلك وهو ظاهر قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} ، "قالوا". ولأبي ذر: فقالوا. "إن حجبها فهي إحدى أمهات

المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها ومد الحجاب. وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قتل المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عتقها صداقها.

_ المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه"؛ لأن ضرب الحجاب إنما هو على الحرائر لا على ملك اليمين، "فلما ارتحل" أي أراد الرحيل بعدما أقام ثلاثة أيام حتى أعرس بها، كما قاله أنس في البخاري. قال الحافظ المرد أنه أقام في المنزل الذي أعرس بها فيه ثلاثة أيام لا أنه سار ثلاثة أيام ثم أعرس؛ لأن بين الصهباء الذي بنى بها فيه وبين خيبر ستة أميال، ثم لا معارضة بين قوله ثلاثة أيام، وقوله في الرواية التي بعدها أقام ثلاثة ليال يبني عليه بصفية؛ لأنه بين أنها ثلاثة أيام بلياليها "وطأ" أي أصلح "لها" ما تحتها للركوب "ومد الحجاب"، فعلموا أنها من أمهات المؤمنين. "وفي رواية" للبخاري أيضا عن أنس: "أنه صلى الله عليه وسلم قتل المقاتلة" بكسر التاء أي الرجال "وسبى الذرية وكان في السبي صفية" الأكثر أنه اسمها الأصلي، وقيل: زينب وسميت بعد السبي والاصطفاء صفية "فصارت إلى دحية الكلبي،" وللبخاري أيضا عن أنس فجاء دحية، فقال: أعطني يا رسول الله جارية من السبي، قال: اذهب فخذ جارية فأخذ صفية فجاء رجل، فقال: يا رسول الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك قال: "ادعوه بها". فجاء بها فلما نظر إليها صلى الله عليه وسلم، قال: "خذ جارية من السبي غيرها"، "ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم" فتزوجها "فجعل عتقها صداقها" أي جعل نفس العتق صداقا، ففي الصحيح أن ثابتا قال لأنس ما أمهرها قال: أمهرها نفسها. وروى أبو الشيخ والطبراني عن صفية أعتقني صلى الله عليه وسلم وجعل عتقي صداقي، أو أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر، لا حالا ولا مآلا، فحل العتق محل الصداق وإن لم يكن صداقا. كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له، وصححه ابن الصلاح، وتبعه النووي في الروضة أو أعتقها بشرط أن ينكحها بلا مهر، فلزمها الوفاء أو أعتقها بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من غير صداق. وعزاه النووي في شرح مسلم للمحققين وصححه والكل من خصائصه عند الجمهور، وذهب أحمد في طائفة إلى جوازه حتى لو طلقها قبل البناء رجع عليها بنصف قيمتها، ويأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا في الخصائص.

وفي رواية: فأعتقها وتزوجها. وفي رواية: قال صلى الله عليه وسلم لدحية: خذ جارية من السبي غيرها. وفي رواية لمسلم: أنه صلى الله عليه وسلم اشترى صفية منه بسبعة أرؤس. وإطلاق الشراء على ذلك، على سبيل المجاز، وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي قوله في رواية البخاري: خذ جارية من السبي غيرها، إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة والله أعلم. وإنما أخذ صلى الله عليه وسلم صفية لأنها بنت ملك من ملوكهم

_ "وفي الرواية" للبخاري أيضا "فأعتقها وتزوجها، وفي رواية" له أيضا: قال صلى الله عليه وسلم لدحية: "خذ جارية من السبي غيرها". وعند ابن إسحاق أنها سبيت وسبي معها بنت عم لها وعند غيره بنت عم زوجها، فلما استرجع صلى الله عليه وسلم صفية من دحية أعطاه بنت عمها. قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها منه قبل القسم والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع بل على سبيل النفل والهبة، غير أن بعض رواة الحديث في الصحيح، يقولون أنه اشتراها منه وكلهم يزيد في ذلك بعد القسم. انتهى. "و" تعقبه الحافظ بأن "في رواية لمسلم" عن أنس أن صفية وقعت في سهم دحية، و"أنه صلى الله عليه وسلم اشترى صفية منه بسبعة أرؤس" وعند ابن سعد وأصله في مسلم صارت صفية لدحية، فجعلوا يمدحونها فبعث صلى الله عليه وسلم فأعطى بها دحية ما رضي، قال: فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه نصيبه الذي اختاره لنفسه لما أذنه في أخذ جارية، "وإطلاق الشراء على ذلك" العوض "على سبيل المجاز" لأنه لم يملكها إذ أذنه في أخذ مطلق جارية لم يرد به مثل هذه، "وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي قوله في رواية البخاري خذ جارية من السبي غيرها إذ ليس هنا دلالة على نفس الزيادة". قال الحافظ ولعله لما عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها لم تطلب نفسه فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك، وذكر الشافعي في الأم عن سير الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم طيب خاطره لما استرجع منه صفية فأعطاه أخت زوجها وفي الروض أعطاه ابنتي عمها "والله أعلم" بالواقع، "وإنما أخذ صلى الله عليه وسلم صفية، لأنها بنت ملك من ملوكهم" فقد كان أبوها سيد بني النضير والملك يطلق على ذي السيادة والعظمة، كما في قوله وجعلكم ملوكا أي أصحاب حشم وخدم. قال الحافظ: ولد صفية مائة نبي ومائة ملك، ثم صيرها الله لنبيه. انتهى، يعني أن في أصولها ذلك. والظاهر أنه من جهة الآباء والأمهات، كما قيل به في قول ابن الكلبي كتبت

وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه عليه الصلاة والسلام بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء. انتهى. قال مغلطاي وغيره: وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها، فتؤول بذلك.

_ للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا، "وليس ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها" نسبا وجمالا، فقد قالت أم سنان الأسلمية: كانت صفية من أضوأ ما يكون من النساء. رواه ابن سعد، "فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاصه عليه الصلاة والسلام بها، فإن في ذلك رضا الجميع" رضي الله عنهم، "وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء" بناء على أنه قبل القسم فلم يوجد فيها ملك حتى تنبني عليه الهبة. "انتهى". هذا المبحث وأخذه من الفتح بتقديم وتأخير، وقال مغلطاي وغيره وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها فتؤول بذلك". قال ابن إسحاق في رواية يونس: حدثني أبي إسحاق بن يسار، قال: لما افتتح صلى الله عليه وسلم القموص حصن بني أبي الحقيق أتى بلال بصفية وابنة عمها، فمر بهما على قتلى يهود فصكت المرأة التي مع صفية وجهها وصاحت وحثت التراب على رأسها، فقال صلى الله عليه وسلم: "أغربوا هذه الشيطانة عني". وجعل صفية خلفه، وغطى عليها ثوبه فعرف الناس أنه اصطفاها لنفسه، وقال لبلال: "أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما"؟. وكانت صفية رأت قبل ذلك أن القمر وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها فلطم وجهها وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتى بها صلى الله عليه وسلم فسألها عنه، فأخبرته. وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي برزة لما نزل صلى الله عليه وسلم خيبر كانت صفية عروسا فرأت في المنام أن الشمس نزلت حتى وقعت في صدرها فقصت ذلك على زوجها، فقال: ما تمنين إلا هذا الملك الذي نزل بنا. وأخرج أبو حاتم، وابن حبان, والطبراني عن ابن عمر رأى صلى الله عليه وسلم بعين صفية خضرة، فقال: "ما هذه"؟. فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق، وأنا نائمة فرأيت قمرا وقع في حجري، فأخبرته بذلك, فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب. ولا يتوهم تعارض بين هذه الأخبار فالأثر الذي وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه عليه الصلاة والسلام بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء. انتهى. قال مغلطاي وغيره: وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها، فتؤول بذلك.

قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية. وفي هذ الغزوة حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية, كما في البخاري ولفظه: فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم -يعني خيبر- أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هذه النيران، على أي شيء توقدون"؟. قالوا: على لحم. قال: "على أي لحم"؟. قالوا: لحم.

_ في وجهها من أبيها غير الخضرة التي بعينها من لطم ابن أبي الحقيق، ورأت الشمس وقعت في صدرها والقمر في حجرها فقصتهما معا عليه قال أبو عمر: كانت صفية عاقلة جليلة فاضلة روينا أن جارية لها قالت لعمر: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود فبعث فسألها فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما فأنا أصلهم، ثم قالت للجارية: ما حملك على هذا؟ قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حرة. وروى الترمذي عنها أنه بلغها عن عائشة وحفصة أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفية نحن أزواجه وبنات عمه فدخل عليها صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: "ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني وزجي محمد وأبي هارون وعمي موسى". وأخرج ابن سعد بسند حسن عن زيد بن أسلم قال: اجتمع نساؤه صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية: إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمز بها أزواجه فأبصرهن، فقال: "مضمضن". فقلن: من أي شيء؟ فقال: "من تغامزكن بها, والله إنها الصادقة". ويأتي مزيد لذلك في الزوجات إن شاء الله تعالى. "قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية" بنت الحارث أم المؤمنين المصطلقية، أنها قالت: رأيت قبل قدومه صلى الله عليه وسلم بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر أحدًا من الناس، فلما سبينا رجوت الرؤيا، كما تقدم في تلك الغزوة، "وفي هذه الغزوة حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر" بضمتين جمع حمار "الأهلية" أي أظهر تحريمها ونسب إليه لظهوره على يديه، وإلا فالمحرم حقيقة هو الله "كما في البخاري، ولفظه" في حديث سلمة بن الأكوع الذي قدم المصنف أوله عقب قوله: لولا أمتعتنا، فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم "فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم" قال المصنف "يعني خيبر" أي غالبها، لأن ذلك قبل فتح الوطيح والسلالم, أوقدوا نيرانا كثيرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون"؟. قالوا: على لحم. قال: "على أي لحم"؟ أي: على أي أنواع اللحم توقدونها، "قالوا: لحم" بالجر في الفرع ولأبي ذر بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو ويجوز النصب بنزع الخافض، أي: على قاله المصنف ففاده أن

الحمر الإنسية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهريقوها واكسروها". فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها، قال: "أو ذاك". والمشهور في الإنسية: كسر الهمزة منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم. وحكي: ضم الهمزة ضد الوحشة، ويجوز فتحها والنون أيضا, مصدر أنست به، آنس أنسا وأنسة. وفي رواية: نهى يوم خيبر عن أكل الثوم، وعن لحوم الحمر الأهلية. وفي رواية: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

_ الرواية بالجر والرفع والثالث مجرد تجويز فتسمع من قال جوز المصنف الأوجه الثلاثة "الحمر الإنسية" صفة حمر وكانت الحمر التي ذبحوها عشرين أو ثلاثين, كذا رواه الواقدي بالشك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهريقوها". بهمزة مفتوحة وسكون الهاء ولأبي ذر وابن عساكر: هريقوها والهاء زائدة "واكسروها" أي القدور، "فقال رجل": قال الحافظ في المقدمة لم يسم، ويحتمل أن يكون هو عمر "يا رسول الله أو" بسكون الواو "نهريقها" بضم النون، كما ضبطه المصنف وزعم أن القياس فتحه رده شيخنا، "ونغسلها قال: أو" بسكون الواو "ذاك" أي الإراقة والغسل وبقية حديث سلمة، فلما تصاف القوم إلى آخر ما قدمه المصنف "والمشهور في الإنسية كسر الهمزة منسوبة إلى الإنس وهم بنو آدم، وحكى ضم الهمزة ضد الوحشية" لتأنسها ببني آدم "ويجوز فتحها و" فتح "النون أيضا". وفي المقدمة قاله ابن أبي أويس بفتحتين ولأنس بالفتح الناس "مصدر أنست به" مثلث النون كما في القاموس. واقتصر الجوهري على كسرها "آنس أنسا" بفتحتين من باب طرب، كما في المختار وقول المصباح من باب علم مراده الفعل لا المصدر "وأنسة" بفتحتين. "وفي رواية" للبخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى يوم خيبر عن أكل الثوم" نهي تنزيه لنتن ريحه وتحريمه من الخصائص النبوية، "وعن لحوم الحمر" ولأبي ذر حمر " الأهلية" نهي تحريم، وفيه استعمال اللفظ في حقيقته، ومجازه لأن أكل الثوم مكروه والحمر حرام، وقد جمع بينهما بلفظ النهي فاستعمله في حقيقته وهو التحريم ومجازه وهو الكراهة. "وفي رواية" للبخاري، ومسلم, وغيرهما عن جابر: "نهى" صلى الله عليه وسلم "يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية". وفي البخاري عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم جاءه فقال: أكلت الحمر. فسكت, ثم أتاه الثانية، فقال: أكلت الحمر. فسكت، ثم أتاه الثالثة، فقال: أفنيت الحمر. فأمر مناديا فنادى في الناس أن

ورخص في الخيل. قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهى عنها ألبتة لأنها كانت تأكل العذرة. قال العلماء: وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة، وقيل: إنما نهى عنها للحاجة إليها، وقيل: لأخذها قبل القسمة، وهذان التأويلان للقائلين بإباحة لحومها. والصواب.

_ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور وإنها لتفور. قال الحافظ: والجائي لم أعرف اسمه والمنادي أبو طلحة "ورخص في" أكل لحوم "الخيل"، وروى البخاري أيضا عن ابن أبي أوفى أصابتنا مجاعة يوم خيبر فإن القدور لتغلي وبعضها نضجت فجاء منادي النبي صلى الله عليه وسلم: لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها. "قال ابن أبي أوفى" عبد الله راوي الحديث، "فتحدثنا" معشر الصحابة "أنه" عليه السلام "إنما نهى عنها لأنها لا تخمس" أي لم يؤخذ منها الخمس، واستبعده شيخنا بالأمر بغسل القدور فإن عدم التخميس إنما يقتضي المنع لحق الغير لا لنجاستها، "وقال بعضهم" أي الصحابة كما صرح به في رواية أخرى "نهى عنها البتة" أي تحريما لا لذلك السبب بل قصد تحريمها خمست أم لا كسائر الأعيان النجسة. قال الحافظ: معناه القطع وألفها ألف وصل، وجزم الكرماني بأنها ألف قطع على غير قياس، ولم أر ما قاله في كلام أحد من أهل اللغة قال الجوهري: الانبتات الانقطاع ورجل منبت منقطع به ولا أفعله بتة ولا أفعله البتة لكل أمر لا رجعة فيه ونصبه على المصدر ورأيته في النسخ المعتمدة بألف وصل. انتهى، "لأنها كانت تأكل العذرة" قال المصنف الذال معجمة أي النجاسة، لأن التبسط قبل القسمة في المأكولات بقدر الكفاية حلال، وأكل العذرة موجب للكراهة لا للتحريم. قال الحافظ: والحاصل أن الصحابة اختلفوا في علة النهي عن لحم الحمر هل هو لذاتها أو لعارض، وقد "قال العلماء" أي جمهورهم "وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة وقيل: إنما نهى عنها للحاجة إليها" أي كثرة احتياج الناس إليها مع قلتها بالنسبة للإبل ونحوها، "وقيل: لأخذها قبل القسمة" وكان هذا حكاية قول بعض أصحاب المذاهب فلا يتكرر مع قوله أولا عن الصحابة، لأنها لم تخمس "وهذان التأويان للقائلين بإباحة لحومها" وهم قليل جدا، حتى قيل: إنما رأيت الرخصة فيه عن ابن عباس، وحكى ابن عبد البر الإجماع الآن على تحريمها "والصواب

ما قدمناه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "اكسروها" فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها قال: "أو ذاك". فهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم اجتهد في ذلك فرأى كسرها ثم تغير اجتهاده، أو أوحي إليه بغسلها. وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها: فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف: إلى أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر، وفي صحيح مسلم عنها قالت: نحرنا فرسا.

_ ما قدمناه" من قوله؛ لأنها نجسة محرمة. قال المصنف: ولا امتناع في تعدد العلل الشرعية على المرجع عند الأصوليين نعم التعليل بكونها لم تخمس فيه نظر؛ لأن أكل الطعام والعلف من الغنيمة قبل القسمة جائز لا سيما في المجاعة. انتهى. "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "اكسروها". فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك". فهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم اجتهد في ذلك فرأى كسرها، ثم تغير اجتهاده" فظهر له من حيث الدليل، أنه لا يتعين الكسر بل يمنع، لأنه إضاعة مال، "أو أوحى إليه بغسلها" تقريرا لاجتهاده الثاني، فلم يتعين كون الواو بمعنى أو وليست في قوله: "أو ذاك". للتخيير حتى يشكل على المقرر في الفروع من حرمة الكسر للإضاعة بل للإضراب، كقوله أو يزيدون "وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها" وحرمتها وكراهتها، "فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف إلى أنه مباح لا كراهة فيه" صفة لازمة إن أريد بالمباح المستوي الطرفين. ذكرت تصريحا بخلاف قائل الحرمة والكراهة ومخصصة إن أريد به مقابل الحرام، "وبه قال عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر" ذكرهم تقوية للقول بالإباحة وإن شملهم قوله من السلف والخلف، "وفي صحيح مسلم" لا وجه للقصر عليه، فقد رواه البخاري أيضا "عنها" أي أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، "قالت: نحرنا" ضمير الفاعل عائد على مباشر النحر منهم وإنما أتى بضمير الجمع لكونه عن رضاهم، وللبخاري في رواية ذبحنا "فرسا" والاختلاف على هشام فلعله كان يرويه تارة نحرنا وتارة ذبحنا، وهو يشعر باستواء اللفظين في المعنى وإطلاق كل منهما على الآخر مجازا، وبعضهم حمله على التعدد لتغاير النحر والذبح

على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ونحن بالمدينة، وفي رواية الدارقطني: فأكلناه نحن وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. قال في فتح الباري: ويستفاد من قولها: "ونحن بالمدينة" أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد. ومن قولها: "وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم" الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمنه صلى اله عليه وسلم إلا وعندهم العلم بجوازه لشده اختلاطهم به صلى الله عليه وسلم وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤال عليه السلام عن الأحكام. ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده صلى الله عليه وسلم كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر.

_ "على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم", أي في زمنه المعهود "فأكلناه" أي الفرس يذكر ويؤنث "ونحن بالمدينة". "وفي رواية الدارقطني فأكلناه نحن وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قال: في فتح الباري" في كتاب الذبائح، "ويستفاد من قولها ونحن بالمدينة أن ذلك وقع بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع" تحريم "أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد". "ومن قولها: نحن وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الرد على من زعم أنه ليس فيه" أي الحديث "أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد" بفتح فكسر مبني للفاعل من الورود "لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمنه صلى الله عليه وسلم إلا وعندهم العلم بجوازه لشدة اختلاطهم به صلى الله عليه وسلم وعدم مفارقتهم له،" وليت شعري ما المانع أنهم قدموا على ذلك هم وآل بيت باجتهاد على الراجح من جواز الاجتهاد في العصر النبوي، فليس بصريح في رد من قال: إنه لم يطلع عليه المصطفى "هذا" المذكور من أنهم لا يفعلون إلا ما علموا جوازه "مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله عليه السلام عن الأحكام, ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده عليه الصلاة والسلام كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر". لكن ذلك كله لا يمنع كونه باجتهادهم خصوصا وليس فيه تصريح باطلاع المصطفى على ذلك إنما هو ظاهره فقط ولو سلم فهي قضية عين محتملة.

وقال الطحاوي: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما, واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها. انتهى. وقد نقل بعض التابعين: الحل عن الصحابة مطلقا من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء بن يسار قال: لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم. وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها: فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين. وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي.

_ "وقال الطحاوي ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل وخالفه صاحباه" محمد بن الحسن وأبو يوسف يعقوب "وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها. انتهى" قول الطحاوي. وقد حاد للحمية عن سواء السبيل في دعوى التواتر فلم يرد حديث بذلك ينقله جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات، ولا يصح الاعتذار عنه بأنه أراد التواتر المعنوي لكثرة طرقه، فإن مدار حديث أسماء من جميع طرقه على هشام عن زوجته فاطمة بنت المنذر عن أسماء فلم يخرج عن كونه خبر آحاده وإن كان صحيحا، "وقد نقل بعض التابعين الحل عن الصحابة مطلقا من غير استثناء أحد" منهم، "فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء بن يسار، قال: لم يزل سلفك يأكلونه قال ابن جريج" رواية عن عطاء، "قلت له": تريد "أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم" وعطاء من الطبقة الوسطى من التابعين فلم يدرك جميعهم، فإنما أخبر عمن أدركه منهم ولا حجة فيه فالمسألة ذات خلاف، "وأما ما نقل عن ابن عباس من كراهتها، فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين"، فلا يرد على نقل عطاء عن الصحابة مطلقا الضعف المسندين إليه، فهذا جواب سؤال نشأ من هذا كما هو ظاهر، فلا يعترض بأن لم يتقدم له ذكر، ويعتذر بأنه لعل المراد في الخارج. "وقال أبو حنيفة في" كتاب "الجامع الصغير لمحمد بن الحسن تلميذه "أكره لحوم الخيل" ذكره وإن علم مما قدمه عن الطحاوي لبيان الكتاب الذي صرح فيه بالكراهة وتوطئة لقوله "فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه" فخلاف ما هو عادة الإمام من أنه إذا أطلق الكراهة انصرفت للتحريم، "وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم وليس هو عنده كالحمار الأهلي،

وصحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه التحريم، وهو قول أكثرهم. وقال القرطبي في شرح مسلم: مذهب مالك الكراهة، وقال الفاكهاني: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم. وقال أبن أبي جمرة: الدليل على الجواز مطلقا واضح، لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالبا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله، ولو كثر لأفضى إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] فعلى هذا فالكراهة لسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكابه محظور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه. انتهى. وأما قول بعض المانعين: لو كانت حلال لجازت الأضحية بها. فمنتقض بحيوان البر، فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية.

_ "و" لكن "صحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه" أي أبي حنيفة. "التحريم وهو قول أكثرهم" أي الحنفية، "وقال القرطبي" أبو العباس شيخ صاحب التفسير والتذكرة "في شرع مسلم مذهب مالك الكراهة" هذا ضعيف إلا أن تحمل على التحريم، "وقال الفاكهاني المشهور عند المالكية الكراهة والصحيح عند المحققين منهم التحريم" وهو المعتمد المشهور "وقال ابن أبي جمرة" بجيم وراء من المالكية "الدليل على الجواز مطلقا" اضطر إلى أكلها أم لا، "واضح" الصحة حديث أسماء وحديث رخص في الخيل، "لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالبا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله،" أي لحم الخيل "ولو كثر لأفضى إلى فنائها فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} الكفار، "فعل هذا فالكراهة لسبب خارج وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته", كالإبل "لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكابه محظور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه. انتهى" كلام ابن أبي جمرة وهو اختيار له ضعيف في المذهب، "وأما قول بعض المانعين لو كانت حلالا لحازت الأضحية بها، فمنتقض بحيوان البر، فإنه مأكول اللحم، ولم تشرع الأضحية به"

به, وأما حديث خالد بن الوليد عند أبي داود والنسائي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فضعيف، ولو سلم ثبوته، لا ينهض معارضا لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء. وقد ضعف حديث خالد بن الوليد أحمد والبخاري والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون. وزعم بعضهم: أن حديث جابر دال على التحريم لقوله "رخص" لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر، فلا يدل ذلك على الحل المطلق. وأجيب: بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن، كما رواه مسلم، وفي رواية له: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي, وعند الدارقطني من حديث ابن عباس: نهانا صلى الله عليه وسلم عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل.

_ فالملازمة ممنوعة، "وأما حديث خالد بن الوليد" المروي "عند أبي داود والنسائي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الخيل، والبغال, والحمير"، وتقديري المروي خير من تقدير الثابت لمنافاته لقوله: "فضعيف ولو سلم ثبوته لا ينهض معارضا لحديث جابر" السابق عند الشيخين وغيرهما: نهى صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر ورخص في الخيل، "الدال على الجواز" لأنه ظاهر فيه بخلاف نهى فمحتمل للتحريم والكراهة، "وقد وافقه حديث أسماء" المروي عند الشيخين، "وقد ضعف حديث خالد بن الوليد" المذكور "أحمد، والبخاري، والدارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون، وزعم بعضهم أن حديث جابر دال على التحريم لقوله: رخص" في الخيل، "لأن الرخصة استباحة المحظور" الممنوع لعذر "مع قيام المانع" للحكم الأصلي. "فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة،" بمعجمة ثم مهملة المجاعة الشديدة "التي أصابتهم بخيبر فلا يدل ذلك على الحل المطلق" الذي هو محل النزاع. "وأجيب أن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن كما رواه مسلم". "وفي رواية له أكلنا زمن خيبر الخيل، وحمر الوحش ونهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي", ولم يذكر الخيل فدل على إباحتها، وفيه ن عدم الذكر ليس دليلا، "وعند الدارقطني من حديث ابن عباس نهانا صلى الله عليه وسلم عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل". "فدل على أن المراد بقوله رخص أذن" وهذا لا يصلح جوابا، بل في تقوية للاحتجاج على

فدل على أن المراد بقوله: "رخص" أذن. ونوقض أيضا بالإذن في أكل الخيل، ولو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذ، فدل على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة. وقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم: أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] وقرروا ذلك بأوجه: أحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر. فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية. ثانيها: عطف البغال والحمير، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليه إلى دليل.

_ التحريم؛ لأن لفظ أذن دون أباح وأحل دال على ذلك, وأما قوله: وأمر بلحوم الخيل فلا يصلح دليلا للجواز المطلق، لجواز أنه في هذا الوقت للمخمصة. "ونوقض أيضا" الاحتجاج بحديث جابر على التحريم "بالإذن في أكل الخيل ولو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك" الإذن في أكلها "لكثرتها وعزة" قلة "الخيل حينئذ، فدل على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة". وهذا مدفوع والملازمة ممنوعة، فإن سبب المناداة بتحريم الحمر قول الصحابي أفنيت الحمر كما مر عن الصحيح، فكأنه رخص لهم حين نهاهم عنها في الخيل لضرورة المخمصة لعلمه بعزتها عندهم، فلا يعودون إليها بعدها، فلا يدل قوله أمر على الإباحة العامة؛ لأنه يحمل على أنه أمر به زمن المخمصة، بدليل رواية رخص والأحاديث يفسر بعضها بعضا. "وقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم، أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: "و" خلق {الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} مفعول له، "وقرروا ذلك بأوجه أحدها أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية" الذي هو أولى في الحجية من خبر الآحاد. ولو صح "ثانيها عطف البغال والحمير" عليها، "فدل على اشتراكها" أي: الخيل "معهما في حك التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليه إلى دليل", وحديث أسماء بعد

ثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب للزينة. وأجيب: بأن آية النحل مكية اتفاقا، والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي صلى الله عليه وسلم من الآية المنع لما أذن في الأكل. وأيضا: فإن آية النحل ليست نصا في منع الأكل والحديث صريح في جوازه. وأيضا: فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة،

_ تسليم اطلاع المصطفى عليه، وأنه ليس باجتهادهم قضية عين، وحديث جابر رخص أن سلم أنه لا يدل على التحريم، فلا يدل على التحليل لتقابل الاحتمالين. "ثالثها أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به" بالأكل "أعظم والحكيم لا يمتن بأدنى" أقل "النعم" وهو هنا الركوب والزينة، "ويترك أعلاها ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها" في قوله في الأنعام ومنها تأكلون. "رابعها لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع الامتنان به من الركوب و" كونها "للزينة". "وأجيب بأن آية النحل مكية اتفاقا والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين", لأنه سنة خيبر وهي في السابعة. "فلو فهم النبي صلى الله عليه وسلم من الآية المنع لما أذن في الأكل" وفيه أن محمل الإذن فيه للمخمصة، كما قال تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} في الممنوع منه نصا فإذنه في الأكل لا ينافي فهمه منها المنع، "وأيضا فإن آية النحل ليست نصا في منع الأكل" لكنه المتبادر منها، ويكفي ذلك في الاستدلال على ما علم في الأصول. "والحديث" عن أسماء "صريح في جوازه" فيقدم الصريح على المحتمل وجوابه أنه ليس صريحا في اطلاع المصطفى بل فيه احتمال أنه عن اجتهادهم والمجتهد لا يقلد مجتهدا، ولا يرد أن من أصول مالك قول الصحابي لأن محله عند عدم التعارض. "وأيضا فلو سلمنا أن اللام للتعليل لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنه

فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما يطلب له الخيل, ونظيره حديث البقرة المذكورة في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث، فإنه مع كونه أصرح في الحصر، ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقا. وقال البيضاوي: واستدل بها -أي بآية النحل- على حرمة لحومها، ولا دليل فيها، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا. انتهى. وأيضا: فلو سلم الاستدلال للزم منه حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به.

_ ينتفع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتفاقا" كالحمل للأمتعة والاستقاء والطحن "وإنما ذكر الركوب، والزينة لكونهما أغلب ما يطلب له الخيل،" وجوابه أن معنى الحصر فيهما دون الأكل الممتن به في غير الخيل فهو إضافي فلا ينافي جواز الانتفاع بها فيما ذكر، "ونظيره حديث البقرة بالإضافة لأدنى ملابسة، كقولهم حديث الشفاعة وحديث هرقل وإلا فالحديث إنما يضاف للصحابي ونحوه أو لمن أخرجه في كتاب. "المذكورة في الصحيحين حين خاطبت راكبها، فقالت: لم أخلق لهذا" أي الركوب "وإنما خلقت للحرث". روى الشيخان عن أبي هريرة رفعه: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذ ركبها فضربها فالتفتت إليه فكلمته فقالت: لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث". فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم. فقال صلى الله عليه وسلم: "فإني أؤمن بذلك وأبو بكر، وعمر". "فإنه مع كونه أصرح في الحصر ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقا" فالحصر فيه غير مراد لقيام الإجماع على خلافه وأصله النص القرءاني، ثم المصنف لم يقصد بها الاستدلال، كما توهم بل التنظير بأن الحصر قد يقصد به أغلب الأحوال. "وقال البيضاوي: واستدل بها أي آية النحل على حرمة لحومها ولا دليل فيها إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالا أن لا يقصده منه غيره أصلا. انتهى". ذكره مجرد تأكيد وإلا فقدم معناه ومر جوابه ولو سلمنا ذلك لم نسلم أن الأكل منه الذي هو محل النزاع، "وأيضا فلو سلم الاستدلال للزم منه حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به" هذا على فهمه أن الحصر حقيقي وإلا فهو إضافي، والدليل عليه الإجماع فلا يلزم ما قاله، وهذا تقدم قريبا بمعناه في قوله سلمنا أن اللام ... إلخ.

وأما عطف البغال والحمير، فدلالة العطف إنما هي دلالة اقتران وهي ضعيفة. وأما أنها سيقت مساق الامتنان، فالامتنان إنما قصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم، فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها كن لحمل الأثقال وللأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق لأضر. وأما قولهم: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها ... إلخ. فأجيب عنه: بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى، للزم مثله في البقر وغيرها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به. وإنما أطلت في ذلك.

_ وإعادة تكثير للسواد فحاصله أنه أجاب عن الوجه الأول من تقرير دليل المنع من الآية بأوجه ثلاثة، وعن الثاني بقوله "وأما عطف البغال والحمير فدلالة العطف إنما هي دلالة اقتران وهي ضعيفة" عند الأصوليين. وجوابه: إنا لم نستدل بها فقط بل مع الأخبار بأنه خلقها للركوب والزينة وامتنانه بالأكل من الأنعام دونها، "وأما" الوجه الثالث "إنها سيقت مساق الامتنان" فلو كان بالأكل لكان أعظم ... إلخ. "فالامتنان إنما يقصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم" سواء كان خيلا أو أنعاما، "فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال وللأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق لأضر", إذ الحصر في الركوب والزينة، فيه نوع مشقة وهذا ممنوع، وسنده أنه لا دليل على كون المقصود بالامتنان غالب ما ينتفع به ولا مشقة في الحصر في الركوب والزينة، فإنهما من أجل النعم الممتن بها، "وأما قولهم: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها ... إلخ، فأجيب عنه بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى للزم مثله في البقر وغيرها" من الإبل، والغنم "مما أبيح أكلها ووقع الامتنان به", وجوابه أن الفرق موجود؛ لأن ما وقع التصريح بالامتنان بأكله لا يقاس عليه ما وقع فيه الامتنان بأنه للركوب والزينة فاللازم ممنوع. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل، ويقرأ: {وَالْأَنْعَامَ

لأمر اقتضاه، والله أعلم. وفي هذه الغزوة أيضا نهى صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم، وأن لا توطأ جارية حتى تستبرأ.

_ خَلَقَهَا لَكُمْ} الآية، ويقول: هذا للأكل, والخيل والبغال والحمير يقول: هذه للركوب، "وإنما أطلت في ذلك لأمر اقتضاه, والله أعلم" بحكمه فيها فإن هذه الأمور إنما هي تشحيذ للأذهان واطلاع على مدارك الأئمة رحمهم الله, وإلا فبعد تقرر المذاهب لا يبطلها شيء من ذلك. "وفي هذه الغزوة أيضا" كما رواه إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيع عن مكحول "نهى صلى الله عليه وسلم" يومئذ أي يوم خيبر عن أربع: عن أكل الحمار الأهلي، و"عن أكل كل ذي ناب من السباع" يتقوى به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبا والنهي للتحريم عند قوم والكراهة عند آخرين, وهذا الحديث وإن أرسله ابن إسحاق فهو صحيح فقد أخرجه مالك في الموطأ والبخاري عن عبد الله بن يوسف عنه عن الزهري عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. زاد مسلم من حديث ابن عباس وكل ذي مخلب من الطير، لكن لم يبين فيه وقت النهي المبين في مرسل مكحول، وقول شيخنا: لم يبين المصنف وقت النهي كان مراده خصوص اليوم الذي وقع فيه النهي، فلا ينافي أنه بينه بقوله: وفي هذه الغزوة. والمخلب بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام آخره موحدة للطبراني كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ وأحد فهو كالناب للسبع. "و" نهى يومئذ أيضا كما في مرسل مكحول "عن بيع المغانم" جمع مغنم وهو الغنيمة بمعنى، كما في المختار "حتى تقسم"، وأطلق البيع وأراد لازمه وهو التصرف فيها بغير المحتاج إليه كما روى الشيخان وغيرهما واللفظ لمجموعهم عن عبد الله بن مغفل أصبت جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت: لا أعطي أحدا منه شيئا، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي، فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها فأخذ بناحيته، وقال: هلم حتى نقسمه بين المسلمين، قلت: لا والله لا أعطيكه، فجعل يجاذبني الجراب فرآنا صلى الله عليه وسلم فتبسم ضاحكا، ثم قال لصاحب المغانم: "لا أبا لك خل بينه وبينه". فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه. قال الحافظ: في الفتح وصاحب المغانم الذي نازعه هو كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري، كما أخرجه ابن وهب بسند معضل. انتهى. "وأن لا توطأ جارية حتى تستبرأ" وهذا مجمل فصله ما رواه ابن إسحاق عن رويفع بن ثابت: قام فينا صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، فقال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع

وفي هذه الغزوة أيضا سمت النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، كما في البخاري من حديث أبي هريرة ولفظه: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجمعوا لي من كان ههنا من اليهود". فجمعوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

_ غيره -يعني إتيان الحبالى من السبايا- ولا أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا أن يركب دابة حتى إذا أعجفها ردها، ولا أن يلبس ثوبا حتى إذا أخلقه رده". فكرر ذلك يوم أوطاس للتأكيد حيث قال: "ألا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض". دفعا لتوهم اختصاص النهي بيوم خيبر لقرب المحل والغيبة بخلاف يوم أوطاس، فطالت غيبتهم وبعدوا عن ديارهم, قيل: وفي غزوة خيبر أيضا نهى عن متعة النساء تمسكا بما رواه البخاري، ومسلم عن علي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحم الحمر الأنسية، وأجيب بأن فيه تقديما وتأخيرا وأصله نهى يوم خيبر عن لحوم حمر الأنسية وعن متعة النساء، وليس يوم خيبر ظرفا لمتعة النساء، فالمعنى ونه عن المتعة بعد ذلك أو في غير هذا اليوم، وإنما جمع علي بينهما لأن ابن عباس كان يبيحهما فروى له تحريمهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فقد قال الإمام السهيلي هذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر، وقال أبو عمر: إنه غلط فلم يقع في غزوة خيبر تمتع النساء، "وفي هذه الغزوة أيضا سمت النبي صلى الله عليه وسلم" أطلق المسبب وأراد السبب إذ لم توصل السم لشيء من جسده، لكنها لما جعلته في الشاة فكان وسيلة إلى أكله منها نسب إليها تجوزا "زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم" كما سماها ابن إسحاق، وموسى بن عقبة. "كما في البخاري" خبر السم لا بقيد تسمية السامة لأنه ليس فيه كما ترى، فالاستدلال على أغلب مشمول الترجمة "من حديث أبي هريرة ولفظه" في الجزية والطب من طريق الليث عن سعيد عن أبي هريرة أنه قال: "لما" بشد الميم "فتحت خيبر" واطمأن صلى الله عليه وسلم بعد فتحها، كما عند ابن إسحاق "أهديت" بضم الهمزة مبني للمفعول "للنبي صلى الله عليه وسلم شاة" بالرفع نائب الفاعل "فيها سم" مثلث السين، ولا ترد رواية أنها أهدتها لصفية على هذا لأن إهداءها لها بعد بنائه بها، كما أفاده قول ابن إسحاق اطمأن بعد فتح خيبر؛ لأنه أقام بعد بنائها ثلاثة أيام كما مر، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" بعد أن لاك منها مضغة ثم لفظها حين أخبره العظم أنها مسمومة وازدراد بشر لقمته، وقوله لأصحابه: "ارفعوا أيديكم". كما عند ابن إسحاق وغيره: "اجمعوا لي" بلام رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما: "إليَّ". قال الحافظ: لم أقف على تعيين المأمورين بذلك "من كان ههنا من اليهود" بالتعريف في الطب وفي الجزية من يهود بالتنكير، "فجمعوا له" بضم الجيم "فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم":

"إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقوني عنه"؟. فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أبوكم"؟. قالوا: أبونا فلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبتم، بل أبوكم فلان".

_ لما اجتمعوا عنده "أني سائلكم" أي مريد سؤالكم "عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه"؟ بضم القاف وسكون الواو فكسر نون الوقاية، هكذا في رواية أبي ذر والوقت والأصيلي، وابن عساكر في المواضع الثلاثة, قال ابن التين: وفي نسخ: "صادقي" بشد الياء وهو الصواب عربية؛ لأن أصله: صادقون, فحذفت النون للإضافة, فاجتمع حرفا علة سبق الأول بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، ومثله: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} . وحديث بدء الوحي: "أومخرجيَّ هم". قال الحافظ: وإنكاره الرواية من جهة العربية ليس بجيد فقد وجهها غيره, قال ابن مالك: مقتضى الدليل أن تصحب نون الوقاية اسم الفاعل وأفعل التفضيل والأسماء المعربة المضافة إلى ياء المتكلم لتقيهم خفاء الإعراب، فلما منعت ذلك كانت كأصل متروك، فنبهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل كقول الشاعر: وليس الموافيني ليرتد خائبا ... فإن له أضعاف ماكان أملا ومنه: "فهل أنتم صادقوني". والحديث الآخر: "غير الدجال أخوفني عليكم". والأصل فيه أخوف مخوفاتي عليكم, فحذف المضاف إلى الياء وأقيمت هي مقامه فاتصل أخوف بها مقرونة بالنون وذلك أن أفعل التفضيل شبيه بفعل التعجب. وحاصل كلامه: أن النون الباقية هي نون الوقاية ونون الجمع حذفت، كما تدل عليه الرواية الأخرى بلفظ صادقي، قال: ويمكن تخريجه أيضا على أن النون الباقية هي نون الجمع فإن بعض النحاة أجاز في جمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات على النون مع الواو ويحتمل أن الياء في محل نصب بناء على أن مفعول اسم الفاعل إذا كان ضميرا بارزا متصلا به كان في محل نصب وتكون النون على هذا أيضا نون الجمع. انتهى. "فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أبوكم"؟ قالوا: أبونا فلان" قال الحافظ لم أعرفه، انتهى. فما في بعض الطرر إسماعيل، وقلدها الشارح إنما هو حدس وتخمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبتم بل أبوكم فلان". أي: إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، كما جزم به المصنف كالحافظ ولا ينافيه قوله فيمن أبهمه اليهود لم أعرفه كما لا يخفى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق، وأما اليهود فكاذبون نعم وقع في المقدمة في الجزية: "من أبوكم"؟. قالوا: فلان، قال: "كذبتم بل أبوكم فلان". ما أدري من عنى بذلك، انتهى.

قالوا: صدقت وبررت، فقال: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أهل النار"؟. فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخسؤا فيها, والله لن نخلفكم فيها أبدا". ثم قال لهم: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما"؟.

_ فظاهره أنه حتى فيمن عناه المصطفى وكان مراده عين السبط من أولاد يعقوب الذين هم من ذريته فلا ينافي أنه جزم في الطب من المقدمة والفتح، بأنه يعقوب, والله أعلم. "قالوا: صدقت وبررت" بكسر الراء الأولى وحكى فتحها قاله المصنف فالرواية بالكسر، واقتصر عليه الكرماني، فقال: "هل أنتم صادقوني". كذا للأربعة أيضا ولغيرهم: صادقي بكسر الدل والقاف وشد التحتية على الأصل "عن شيء إن سألتكم عنه". قالوا: نعم يا أبا القسم وإن كذبناك" بخفة الذال المعجمة "عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا" حين أخبرنا عنه بخلاف الواقع، "فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أهل النار". قالوا: نكون فيها" زمانا "يسيرا، ثم تخلفوننا فيها" بسكون الخاء وضم اللام مخففة وفي الجزية لغير أبي ذر تخلفونا بإسقاط النون لغير ناصب ولا جازم وهو لغة، قاله المصنف، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخسؤا فيها". أي: اسكنوا سكون ذلة وهوان وانزجروا انزجار الكلاب عن هذا القول "والله لن نخلفكم فيها أبدا". لا تخرجون منها ولا نقيم فيها بعدكم؛ لأن من دخلها من عصاة المسلمين يخرج منها فلا خلافه قط, وعند الطبري عن عكرمة, قال: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: لن ندخل النار إلا أياما معدودة ويستخلف إليها قوم آخرون يعنون محمدا وأصحابه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد". فأنزل الله: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} الآية. وأخرج عن ابن عباس أنهم قالوا: لن ندخل النار إلا تحلة القسم الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلة فإذا انقضت انقطع عنا العذاب، فنزلت الآية. وروى الطبراني في الكبير وابن جرير، وابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قدم صلى الله عليه وسلم المدينة ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما يعذب الناس بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار من أيام الآخرة فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب فنزلت الآية. ثم قال لهم: "هل" ولغير أبي ذر: فهل "أنتم صادقوني" كذا للأربعة أيضا ولغيرهم: صادقي "عن شيء إن سألتكم عنه". فقالوا -وفي رواية: قالوا. بحذف الفاء-: نعم، فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما". نسب لهم الجعل لأنهم لما علموا به حين شاورتهم وأجمعوا لها على سم معين كأنهم جعلوه،

فقالوا: نعم، فقال: "ما حملكم على ذلك"؟. قالوا: أردنا إن كنت كذابا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك. وفي حديث جابر عند أبي داود: أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا أيديكم". وأرسل إلى اليهودية فقال: "سممت هذه الشاة"؟. فقالت: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه في يدي". للذراع. قالت: نعم.

_ ولذا أجابوا "فقالوا": وفي رواية بحذف الفاء "نعم، فقال: "ما حملكم على ذلك"؟. قالوا: أردنا إن كنت كذابا" بشد المعجمة، وفي رواية: كاذبا بألف بعد الكاف "أن تستريح", ولأبي ذر وابن عساكر بحذف أن. "منك وإن كنت نبيا لم يضرك". وهذا الحديث أخرجه البخاري بطوله في الجزية في باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟ وفي الطب بطوله أيضا في باب ما يذكر في سم النبي صلى الله عليه وسلم واختصره في غزوة خيبر في باب الشاة التي سمت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيه سم "وفي حديث جابر عند أبي داود" من طريق الزهري عنه. قال الحافظ: وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من جابر، لكن له شاهد عند أبي داود مرسلا ووصله البيهقي عن أبي هريرة "أن يهودية من أهل خيبر" هي زينب، وفي أبي داود أنها أخت مرحب وبه جزم السهيلي. وعند البيهقي في الدلائل بنت أخي مرحب "سمت شاة مصلية" بفتح الميم، وسكون المهملة, أي: مشوية "ثم أهدتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم". وعند الدمياطي لما صلى رسول الله صلى عليه وسلم المغرب بالناس انصرف وهي جالسة عند رحله فسأل عنها، فقالت: يا أبا القاسم هدية أهديتها لك. وفي رواية: أنها أهدتها لصفية كما مر، فإن صح فكأنها أهدتها لصفية وجلست عند رحله حتى أخبرته أنها هدية ليأكل منها، فقدمتها له صفية "فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منها", أي: مضغ منها مضغة، ثم لفظها على ما عند ابن إسحاق أو ازدردها على ما عند الدمياطي، ويأتي الجمع وأيا ما كان فلا يؤول أكل بأراد, إذ لم يقل أحد: إنه لم يتناول, إنما الخلف في الازدراد، "وأكل رهط من أصحابه معه", وكانوا ثلاثة على ما في الإمتاع للمقريزي, وسمى ابن إسحاق منهم بشر بن البراء, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا أيديكم". وفي رواية البيهقي: "أمسكوا فإنها مسمومة". وأرسل إلى اليهودية, فقال: "سممت هذه الشاة". فقالت: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه في يدي". مشيرا "للذراع، قالت: نعم" زاد في رواية

قلت إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه. فعفا عنها صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة. وفي رواية غيره: جعلت زينب بنت الحارث امرأة ابن مشكم تسأل أي الشاة أحب إلى محمد, فيقولون: الذراع. فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يطنئ -يعني لا يلبث أن يقتل من ساعته-.

_ البيهقي: قال لها: "ما حملك على ذلك"؟ قالت: "قلت: إن كان نبيا فلا يضره وإن لم يكن نبيا استرحنا منه". وفي رواية البيهقي: أردت إن كنت نبيا فيطلعك الله، وإن كنت كاذبا فأريح الناس منك. ذكره التيمي في مغازيه وقد استبان لي أنك صادق، وأنا أشهدك، ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وعند ابن سعد عن الواقدي بأسانيد متعددة، أنها قالت: قتلت أبي وزوجي وعمي وأخي -وسمى عمها يسار وكان من أجبن الناس, وهو الذي أنزل من الرف، وأخوها زبير- ونلت من قومي, فقلت: إن كان نبيا فسيخبر الذراع وإن كان ملكا استرحنا منه، "فعفا عنها صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها" عطف مسبب على سبب، "وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة،" أي جنس أصحابه إذ لم يمت منهم غير بشر، ويروى أنهم وضعوا أيديهم، وما ازدردوا شيئا وأنه أمرهم بالاحتجام، وكأنه لمخالطة ريقهم، وقد ابتلعوا، "واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله" أي بين كتفيه, حجمه أبو هند أو أبو طيبة بالقرن والشفرة، ويحتمل أنهما معا حجماه، فقد قيل: إنه احتجم بين كتفيه في ثلاثة مواضع "من أجل" الجزء "الذي أكل" بحذف العائد، أي: أكله "من الشاة" العنز المسمومة. وذكر الواقدي أنه عليه السلام أمر بلحم الشاة، فأحرق ووقع عند البراز أنه عليه السلام بعد سؤاله لها واعترافها بسط يده إلى الشاة وقال لأصحابه: "كلوا بسم الله". فأكلنا وذكرنا اسم الل فلم يضر أحدا منا. قال ابن كثير وفيه نكارة وغرابة شديدة. "وفي رواية غيره" أي غير أبي داود "جعلت زينب بنت الحارث" بن سلام "امرأة ابن مشكم تسأل: أي" أجزاء "الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون": أحبها "الذراع فعمدت إلى عنز لها". ففي هذه الرواية تعيين أن الشاة عنز وتسمية المبهمة في الروايتين قبلها "فذبحتها وصلتها" شوتها، "ثم عمدت إلى سم لا يطنئ" بضم المثناة التحتية وسكون الطاء المهملة ونون بعدها همزة "يعني لا يلبث" بفتح الموحدة "أن يقتل من ساعته" أي سريعا، وهو المعروف عند العامة بسم

وقد شاورت يهود في سموم فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، وتناول صلى الله عليه وسلم الذراع فانتهس منها، وتناول بشر بن البراء عظما آخر، فلما ازدرد صلى الله عليه وسلم لقمته، ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم، فقال صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة". وفيه: أن بشر بن البراء مات، وفيه: أنه دفعها صلى الله عليه وسلم إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها. رواه الدمياطي. وقد اختلف: هل عاقبها صلى الله عليه وسلم؟

_ ساعة، "وقد شاورت يهود في" اختيار سم من جملة "سموم" عينتها بأن سألت: أيها أسرع قتلا؟ "فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة، وأكثرت في الذراعين، والكتف". وعند ابن إسحاق: وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها "فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه وفيهم بشر بن البراء" بن معرور -بمهملات- الأنصاري الخزرجي، الصحابي ابن الصحابي البدري، وشهد ما بعدها حتى مات. "وتناول صلى الله عليه وسلم الذراع فانتهس" بسين مهملة، أي أخذ بمقدم أسنانه "منها وتناول بشر بن البراء عظما آخر، فلما ازدرد صلى الله عليه وسلم لقمته" أي: ابتلع ما انفصل منها بريقه دون اللحمة، فلا ينافي رواية ابن إسحاق: أنه عليه السلام لم يسغها ولفظها. "ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم". في الإمتاع: أنهم كانوا ثلاثة وضعوا أيديهم في الطعام ولم يصيبوا منه شيئا، وأنه عليه السلام أمرهم بالحجامة، وكان معناه إن صح أنهم لم يبتلعوا لكنهم وضعوه في أفواههم فأثر قليلا، فأمرهم بالحجامة لإزالة ذلك الأثر، فقال صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع" يذكر ويؤنث، فلذا أنث ضميره "تخبرني أنها مسمومة". وهل بكلام يخلق فيها أصوات وأصوات يحدثها الله فيها وفي الحجر والشجر بلا حياة أو الحياة أولا ثم الكلام بعدها؟ قولان في الشفاء ومر له مزيد. وعند الواقدي وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم ما كان بعد أكلة خيبر يأكل من شيء حتى يأكل منه صاحبه الذي يحضره، "وفيه أن بشر بن البراء مات" من أكلته بعد حول كما جزم به السهيلي، وقيل: من ساعته "وفيه أنه دفعها صلى الله عليه وسلم إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها". "رواه الدمياطي" الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف له ألف وثلاثمائة شيخ، فهذا معارض لما فوقه من حديث جابر أنه عفا عنها ولم يعاقبها. لكن عند ابن سعد عن شيخه الواقدي بأسانيد متعددة أنه دفعها إلى ولاة بشر فقتلوها. قال الواقدي: وهو الثبت "وقد اختلف: هل عاقبها" أي: أمر بعقابها بقتل أو غيره "صلى الله عليه وسلم", أم

فعند البيهقي من حديث أبي هريرة: فأعرض لها، ومن حديث أبي نضرة عن جابر نحوه قال: فلم يعاقبها. وقال الزهري: أسلمت فتركها. قال البيهقي: يحتمل أن يكون تركها أولا ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها, وبذلك أجاب السهيلي وزاد: أنه تركها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر بن البراء قصاصا. ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت, وإنما أخر قتلها حتى مات بشر؛ لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه.

_ لا بسبب اختلاف الأخبار، "فعند البيهقي من حديث أبي هريرة فأعرض لها" بفتح الراء مخففة أي ما تعرض لها بسوء. ونحوه عن جابر عند أبي داود كما مر، "و" عند البيهقي أيضا "من حديث أبي نضرة" بنون ومعجمة ساكنة مشهورة بكنيته واسمه المنذر بن مالك البصري الثقة. روى له مسلم والأربعة مات سنة ثمان أو تسع ومائة "عن جابر نحوه" نحو قول أبي هريرة فما عرض لها حيث "قال" جابر آخر الحديث، "فلم يعاقبها" وليس فاعل قال البيهقي: أخذا مما رواه عن أبي هريرة وجابر كما زعما لأنه خلاف المروي عند البيهقي "وقال الزهري" فيما رواه عبد الرزاق عن معمر عنه "أسلمت فتركها" قال معمر: والناس يقولون: قتلها. انتهى. قال الحافظ: ولم ينفرد الزهري بدعواه: إنها أسلمت. فقد جزم بذلك سليمان التميمي، في مغازيه وساق عبارته الآتية في المصنف. "قال البيهقي: يحتمل" في طريق الجمع "أن يكون تركها أولا، ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة" بضم الهمزة، أي اللقمة "قتلها، وبذلك أجاب", أي: جمع "السهيلي" في الروض، "وزاد" حيث قال: وجه الجمع بين الحديثين "أنه" صلى الله عليه وسلم "تركها" أولا؛ "لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر بن البراء قصاصا", وفيه حجة لمذهب مالك في وجوب القصاص بالسم بتقديم الطعام المسموم، وقال الحنفية والشافعية: فيه الدية لا القصاص؛ لأنه مختار باشر ما هلك به بغير الجاء، والدية للتغرير وتسفوا الجواب عن حديث قتلها بأنه لنقض العهد لا القصاص، وفيه: إن هذا إنما هو على أنها لم تسلم أما على إسلامها وهو الحق؛ لأن ناقله مثبت مع مزيد إتقانه وكونه لم ينفرد به فلا يصح الجواب؛ لأن ناقض العهد إذا أسلم عصم نفسه، "ويحتمل" كما قال الحافظ: بعد ذكر هذا الخلاف في قتلها والجمع "أن يكون تركها لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه". قال شيخنا: فيه نظر لأن قصتها إن صحت على هذا الوجه كان فعلها قبل الإسلام وبعد

وفي مغازي سليمان التيمي: أنها قالت: إن كنت كاذبا أرحت الناس منك، وقد استبان لي الآن أنك صادق وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت. وفيه: موافقة الزهري على إسلامها، فالله أعلم. وفي هذه الغزوة أيضا: نام صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر، لما وكل به بلالا كما في حديث أبي هريرة عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر.

_ الإسلام لا تؤاخذ بما صدر منها، "وفي مغازي سليمان" بن طرخان البصري أبي المعتمر، "التيمي" نزل في التيم فنسب إليهم, ثقة, عابد, عاش سبعا وتسعين سنة, ومات سنة ثلاث وأربعين ومائة. روى له الستة "أنها قالت" لما قال لها: $"ما حملك على ذلك؟ ". قلت: إن كنت نبيا لم يضرك و"إن كنت كاذبا أرحت الناس منك، وقد استبان لي الآن" لما ظهرت معجزتك بنطق الذراع لك وعدم ضر السم لك "إنك صادق، وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت وفيه" أي حديث التيمي، هذا "موافقة الزهري على إسلامها" وكفى بهما حجة، ومن ثم جزم في الإصابة بأنها صحابية, "والله أعلم". "وفي هذه الغزوة" أطلق الغزوة مريدا السفر الذي هي فيه مجازا لانقضائها قبل النوم، أي وفي هذه السفرة وقعت غريبة "أيضا" فشاركت ما قبلها في الغرابة فلا يردان أيضا إنما تستعمل بين متشاركين ولا مشاركة بين سم الشاة والنوم. "نام صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر" أي الصبح اقتصر عليه؛ لأنه المقصود دون ناقلته وإن شاركته في الفوات "لما وكل" بالتشديد على الأكثر لتعديه بالباء في قوله "به" أي الفجر أو الرسول، والأول أقرب لأنه المأمور بمراقبته وبالتخفيف. قال الحافظ: يقال: وكله بكذا، إذا استكفاه إياه وصرف أمره إليه. "بلالا كما في حديث أبي هريرة عند مسلم" وأبي داود، وابن ماجه، من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عنه وأخرجه مالك في الموطأ, وابن إسحاق في السيرة عن ابن شهاب عن سعيد فأرسلاه. لكن رواية الإرسال لا تضر في رواية من وصله لأن يونس من الحفاظ الثقات، حتى قال أحمد بن صالح لا تقدم عليه في الزهري أحدا واحتج به الجماعة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل" أي رجع والقفول الرجوع من السفر ولا يقال لمن سافر مبتدئا: قفل إلا القافلة تفاؤلا "من غزوة خيبر" بالخاء المعجمة آخره راء قال الباجي، وابن عبد البر وغيرهما: هذا هو الصواب وقال

سار ليلة حتى أدركه الكرا عرس، وقال لبلال: "اكلأ لنا الليل". فصلى بلال ما قدر له، ونام صلى الله عليه وسلم, فلما قارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته.

_ الأصيلي إنما هو من حنين بمهملة ونون قال النووي: وهذا غريب ضعيف والمراد من خيبر وما اتصل بها من فتح وادي القرى، لأن النوم حين قرب من المدينة وعند الشيخين عن عمران كنا في سفر. وكذا أخرجاه عن أبي قتادة بالإبهام ولمسلم، وأبي داود، والنسائي عن أبي مسعود أقبل من الحديبية ليلا وفي الموطأ من مرسل زيد بن مسلم بطريق مكة ولعبد الرزاق من مرسل عطاء بن يسار، والبيهقي عن عقبة بن عامر بطريق تبوك. قال الحافظ: فاختلاف المواطن يدل على تعدد القصة وقد اختلف: هل كان نومهم عن الصبح أو أكثر فجزم الأصيلي أن القصة واحدة، ورده عياض بمغايرة قصة أبي قتادة قصة عمران، وهو كما قال: وحاول ابن عبد البر الجمع بأن زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية وطريق مكة يصدق بهما ولا يخفى تكلفه، ورواية غزوة تبوك ترد عليه. انتهى. قال النووي اختلف: هل كان النوم مرة أو مرتين؟ ورجحه القاضي عياض "سار ليلة" ليست الأولى، وفي الموطأ: أسرى, وفي رواية أبي مصعب عنه: أسرع, ولأحمد من حديث ذي مخبر، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد، فقال له قائل: يا نبي الله انقطع الناس وراءك فحبس وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه، فقال: "هل لكم أن نهجع هجعة"؟. فنزل ونزلوا "حتى أدركه الكرا" كعصا أي: النعاس, وقيل: هو أن يكون الإنسان بين النوم واليقظة، وفي الموطأ: حتى إذا كان آخر من الليل. وي حديث ابن عمر وعند الطبراني حتى إذا كان مع السحر "عرس" بتشديد الراء, قال الخليل والجمهور: التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة ولا يسمى نزول أول الليل تعريسا, ويقال: لا يختص بزمن بل مطلق نزول المسافر للراحة ثم يرتحل ليلا كان أو نهارا. وفي حديث عمران: حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا قعة أحلى عند المسافر منها. وفي حديث أبي قتادة: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أخاف أن تناموا عن الصلاة". فقال بلال: أنا أوقظكم. وقال لبلال: "اكلأ" بالهمز. قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ} أي: يحفظكم. أي: احفظ وارقب "لنا الليل" بحيث إذا طلع الفجر توقظنا، "فصلى بلال ما قدر" بالبناء للمفعول، أي: ما يسره الله "له، ونام صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما قارب" أي قرب "الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر" أي مستقبل الجهة التي يطلع منها، "فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته،

فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا، فقال: "أي بلال"!. فقال بلال: إنه أخذ بنفسي الذي أخذ -بأبي أنت وأمي يا رسول الله-.

_ فلم يستيقظ رسول الله ولا بلال ولا أحد من أصحابه" عليه السلام "حتى ضربتهم الشمس" قال عياض: أي أصابهم شعاعها وحرها "فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا" أسقط من رواية مسلم، وهو في الموطأ: ففزع, قال النووي: أي أنتبه وقام. وقال الأصيلي: ففزع لأجل عدوهم خوفا أن يكون اتبعهم فيجدهم بتلك الحال من النوم، وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون تأسفا على ما فاتهم من وقت الصلاة. قال: وفيه دليل على أن ذلك لم يكن من عادته منذ بعث. قال: ولا معنى لقول الأصيلي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتبعه عدو في انصرافه من خيبر ولا من حنين ولا ذكر ذلك أحد من أهل المغازي بل انصرف من كلا الغزوتين ظافرا غانما. انتهى. ففي حديث أبي هريرة هذا: أن المصطفى أول من استيقظ وأن الذي كلأ الفجر بلال، ومثله في حديث أبي قتادة عند الشيخين ولهما من حديث عمران بن حصين: أن أول من استيقظ أبو بكر ثم فلان، ثم فلان، ثم عمر بن الخطاب الرابع فكبر حتى استيقظ صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي قتادة أن العمرين لم يكونا معه صلى الله عليه وسلم لما نام وفي قصة عمران أنهما معه. وروى الطبراني شبيها بقصة عمران وفيه أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مخبر وهو بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحدة، وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود أنه كلأ لهم الفجر. قال الحافظ: فهذا كله يدل على تعدد القصة، ومع ذلك فالجمع ممكن ولا سيما مع ما وقع عند مسلم وغيره: أن عبد الله بن رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ذكر أن عمران سمعه وهو يحدث الحديث بطوله، فقال: انظر كيف تحدث فإني كنت شاهدا القصة، فما أنكر عليه من الحديث شيئا، فهذا يدل على اتحادهما. لكن لمدعي التعدد أن يقول: يحتمل أن عمران حضر القصتين، فحدث بإحداهما وصدق ابن رباح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى, والله أعلم. انتهى. فيتأمل الجمع بماذا مع هذا التغاير في الذي كلأ وأول من استيقظ، وأن العمرين معه في خبر عمران ولم يكونا في خبر أبي قتادة، وسبق اختلاف أيضا في محل اليوم فالمتجه ما رجحه عياض أن النوم وقع مرتين عن صلاة الصبح وإليه أومأ الحافظ قبلُ كما مر، "فقال: أي: بلال" مناديا, وفي رواية ابن إسحاق: فقال: "ماذا صنعت بنا يا بلال". "فقال بلال: إنه أخذ بنفسي الذي أخذ -بأبي أنت وأمي يا رسول الله-". هكذا ثبت في رواية مسلم وغيره، كما ترى وسقط في

بنفسك. قال: "اقتادوا".

_ رواية ابن إسحاق، الواقدي لكنها زيادة ثقة، فتقبل, وعجيب قول القائل: لعله ثبت في رواية غيره، أفلا تنبه لكون المتن عزاه لمسلم "بنفسك" صلة أخذ وما بينهما اعتراض. قال ابن رشيق: أي أن الله استولى بقدرته عليَّ، كما استولى عليك مع منزلتك قال: ويحتمل أن المراد غلبني النوم كما غلبك، وقال ابن عبد البر: معناه قبض نفسي الذي قبض نفسك، فالباء زائدة أي توفاها متوفي نفسك, قال: وهذا قول من جعل النفس والروح شيئا واحدا؛ لأنه قال في الحديث الآخر: "إن الله قبض أرواحنا". فنص على أن المقبوض هو الروح وفي القرءان: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} الآية. ومن قال: النفس غير الروح تأول: أخذ بنفسي من النوم الذي أخذ بنفسك منه. زاد في رواية ابن إسحاق قال: "صدقت". وفي الموطأ من وجه آخر: ثم التفت صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، فقال: "إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه، فلم يزل يهديه كما يهدي الصبي حتى نام". ثم دعا بلالا فأخبر بلال رسول الله مثل الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله. قال ابن عبد البر: أهل الحديث يروون: يهديه بترك الهمز وأصلها عند أهل اللغة الهمز، وقال في المطالع هو بالهمز أي يسكنه وينومه من هدأت الصبي، إذا وضعت يدك عليه لينام، وفي رواية بغير همز على التسهيل, ويقال فيه أيضا: يهدنه بالنون، وروي يتهدهده, هدهدت الأم ولدها لينام أي حركته. انتهى. وفي هذا اعتذار عن بلال وأنه ليس باختياره وفيه تأنيس له، كما آنسهم لما عرض لهم من الأسف على خروج الصلاة عن وقتها بأنه لا حرج عليهم إذ لم يتعمدوا ذلك، ففي حديث عمران شكوا إليه الذي أصابهم قال: "لا ضير". أو: "لا يضيره". في مستخرج أبي نعيم: "لا يسوء ولا يضير". ولأحمد عن ابن مسعود مرفوعا: "وإن الله أراد أن لا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم فهكذا لمن نام أو نسي". وفي الموطأ وأبي داود: "إن الله قبض أرواحنا، ثم ردها إلينا فصلينا ولو شاء ردها إلينا في حين غير هذا". قال: "اقتادوا" بالقاف، أي ارتحلوا كما قال في حديث عمران زاد مسلم في رواية أبي حازم عن أبي هريرة: "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان". قال ابن رشيق: قد علله صلى الله عليه وسلم بهذا ولا يعلمه إلا هو. وقال القاضي عياض: هذا أظهر الأقوال في تعليله. قال الحافظ: وقيل لاشتغالهم بأحوال الصلاة، أو تحرزا من العدو، أو ليستيقظ النائم وينشط الكسلان، أو لأن الوقت وقت كراهة, يرده

فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} ".

_ قول الحديث: حتى ضربتهم الشمس، وفي حديث عمران: حتى وجدوا حر الشمس، وذلك لا يكون حتى يذهب وقت الكراهة. وقال القرطبي: أخذ بهذا بعض العلماء فقال: من انتبه من نوم عن فائتة في حضر فليتحول عن موضعه، وإن كان واديا فليخرج عنه. وقيل: إنما يلزم في ذلك الوادي بعينه. وقيل: هو خاص به صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يعلم ذلك من حال ذلك الوادي ولا غيره إلا هو. وقال غيره: يؤخذ منه إن من حصلت له غفلة في مكان عن عبادة استحب له التحول منه ومنه أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكان إلى مكان آخر، "فاقتادوا رواحلهم شيئا" يسيرا. وفي حديث عمران: فسار غير بعيد، ثم نزل وهذا يدل على أن هذا الارتحال وقع على خلاف سيرهم المعتاد، "ثم توضأ صلى الله عليه وسلم" زاد ابن إسحاق: وتوضأ الناس "وأمر بلالا فأقام الصلاة". قال عياض: أكثر رواة الموطأ في هذا الحديث على: فأقام, وبعضهم قال: فأذن أو أقام على الشك. ولأحمد من حديث ذي مخبر: فأمر بلالا فأذن، ثم قام صلى الله عليه وسلم فصلى الركعتين قبل لصبح وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة "فصلى بهم الصبح" زاد الطبراني من حديث عمران: فقلنا يا رسول الله أنعيدها من الغد لوقتها؟ قال: "نهانا الله عن الربا ويقبله منا"؟. وعند ابن عبد البر: "لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم". فلما قضى الصلاة، قال: "من نسي الصلاة". زاد القعنبي في روايته في الموطأ: "أو نام عنها". "فليصلها إذا ذكرها". وعند أبي يعلى والطبراني، وابن عبد البر من حديث أبي جحيفة: ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم فمن نام عن الصلاة فليصلها إذا استيقظ، ومن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها". فعلم أن في الحديث اختصارا من بعض الرواة فزعم أنه أراد بالنسيان مطلق الغفلة عن الصلاة لنوم أو غيره، وأنه لم يذكر النوم أصلا لأنه أظهر في العموم الذي أراده فاسد نشأ من عدم الوقوف على الروايات, "فإن الله تعالى قال: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} " [طه: 14] . قال القاضي عياض: قال بعضهم فيه تنبيه على ثبوت هذا الحكم وأخذه من الآية التي تضمنت الأمر لموسى عليه السلام وأنه مما يلزمنا اتباعه، وقال غيره: استشكال وجه أخذ الحكم من الآية فإن معنى: {لِذِكْرِي} ، إما لذكري فيها وإما لأذكرك عليها على اختلاف القولين في تأويلها وعلى كل فلا يعطى ذلك.

وفيها قدم جعفر ومن معه من الحبشة.

_ قال ابن جرير: ولو كان المراد حين تذكرها لكان التنزيل لذكرها، وأصح ما أجيب به أن الحديث فيه تغيير من الراوي، وإنما هو للذكرى بلام التعريف وألف القصر كما في سنن أبي داود وفيه وفي مسلم زيادة. وكان ابن شهاب يقرأها: "للذكرى" فبان بهذا أن استدلاله صلى الله عليه وسلم إنما كان بهذه القراءة فإن معناها للتذكر أي لوقت التذكر. قال عياض: وذلك هو المناسب لسياق الحديث. قال الجوهري: الذكرى نقيض النسيان. انتهى. وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". بأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان. قال النووي: هذا هو الصحيح المعتمد. قال الحافظ: ولا يقال القلب وإن لم يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلا لكنه يدرك إذا كان يقظانا مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء الفجر إلى أن حميت الشمس مدة لا تخفى على من لم يستغرق، لأنا نقول يحتمل أن قلبه كان مستغرقا بالوحي ولا يلزم وصفه بالنوم، كما كان يستغرق حالة إلقاء الوحي يقظة. والحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس كما في سهوه في الصلاة، وقريب من هذا جواب ابن المنير بأن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم أولى أو على السواء وقيل: غير ذلك. "وفيها قدم جعفر" بن أبي طالب الهاشمي الأمير المستشهد بمؤتة. روى البيهقي عن جابر أن جعفرا لما قدم عليه صلى الله عليه وسلم تلقاه فقبل بهته. ثم قال: "ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"؟. وعنده أيضا بسند فيه من لا يعرف حاله عن جابر لما قدم جعفر تلقاه صلى الله عليه وسلم فلما نظر جعفر إليه حجل. قال أحد رواته: يعني مشى على رجل واحدة إعظاما منه له فقبل صلى الله عليه وسلم بين عينيه "ومن معه" وهم ستة عشر رجلا، جعفر ومعه امرأته أسماء بنت عميس وابنه عبد الله ولدته بالحبشة، وخالد بن سعيد الأموي، مع امرأته أمينة بنت خلف وولداه سعيد وأمية ولدتهما بالحبشة وأخوه عمرو بن سعيد, ومعيقيب بن أبي فاطمة، وأبو موسى الأشعري، والأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد، وجهم بن قيس معه ابنه عمرو وبنته خزيمة, وعامر بن أبي وقاص، وأبو حاطب ابن عمرو، ومالك بن ربيعة معه امرأته, والحارث بن عبد قيس، هكذا سماهم ابن إسحاق "من الحبشة" قال ابن إسحاق: بعث صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فجعلهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر ومعهم نساء من مات هناك من المسلمين. وفي البخاري، ومسلم عن أبي موسى: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا

واختلف في فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحا؟ وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس التصريح بأنه كان عنوة، وبه جزم ابن عبد البر، ورد على من قال: فتحت صلحا. قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال: فتحت صلحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لتحقن دماؤهما، وهو ضرب من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى.

_ مهاجرين أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال: في بضع وإما قال: في ثلاثة أو اثنتين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فألقتنا إلى النجاشي فوافقنا جعفر بن أبي طالب فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهدها معه إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه فإنه قسم لهم معنا. وعند البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قبل أن يقسم لهم كلم المسلمين فأشركوهم. الحديث في الصحيح مطولا وفيه: أن عمر قال لأسماء بنت عميس: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم. فغضبت وذكرته له صلى الله عليه وسلم فقال: "ليس بأحق بي منكم له ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان". وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل". "واختلف في فتح خيبر: هل كان عنوة؟ " كما قال أنس في الصحيح وابن شهاب عند ابن إسحاق وغيره "أو صلحا؟ " أو بعضها صلحا والباقي عنوة؟ كما رواه مالك عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عند أبي داود، "وفي حديث عبد العزيز بن صهيب" بضم المهملة وفتح الهاء مصغرا, البناني بموحدة ونونين البصري, الثقة. المتوفى سنة ثلاثين ومائة. روى له الجميع "عن أنس" عند البخاري، وأبي داود، والنسائي "التصريح بأنه كان عنوة" ولفظه فأصبناها عنوة، "وبه جزم ابن عبد البر ورد على من قال: فتحت صلحا، قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال: فتحت صلحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما" وهما الوطيح والسلالم "لتحقن دماؤهما وهو ضرب من الصلح لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى". قال الحافظ: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمران: النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فغلب على النخل وألجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصفراء والبيضاء، والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا ... الحديث وفي آخره: فسبى ذراريهم ونساءهم وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها ... الحديث. أخرجه أبو داود، والبيهقي وغيرهما ما فعل هذا كان قد وقع الصلح ثم حدث النقض منهم فزال أثر الصلح، ثم من عليهم بترك القتل وأبقاهم عمالا بالأرض ليس لهم فيها ملك، لذلك أجلاهم عمر، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا منها، وقد احتج الطحاوي على أن بعضها صلحا بما أخرجه هو وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه وقسم نصفها بين المسلمين، وهو حديث اختلف في وصله وإرساله وهو ظاهر في أن بعضها فتح صلحا. انتهى. لكن قال أبو عمر: هذا لو صح لكان معناه أن النصف له من سائر من وقع في ذلك النصف معه لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهما، فوقع سهمه عليه السلام وطائفة معه في ثمانية عشر وسائر الناس في باقيها، وانتقده اليعمري بأن هذا تأويل ممكن لو احتمل الحديث هذ التفسير, والله أعلم.

فتح وادي القرى

"فتح وادي القرى": ثم فتح وادي القرى، في جمادى الآخرة.....................................

_ فتح وادي القرى: "ثم فتح وادي القرى" بضم القاف وفتح الراء مقصور موضع بقرب المدينة "في جمادى الآخرة" سنة سبع، كما اقتصر عليه اليعمري، ومغلطاي فتبعهما المصنف وكأنه, والله أعلم مبني على ما ذكره الحاكم، وابن سعد عن الواقدي أن خيبر كانت في جمادى الأولى، وقد تعقب ذلك الحافظ كما مر عنه بأن الذي في مغازي الواقدي أنها كانت في صفر، وقيل: في ربيع الأول، والذي قاله ابن إسحاق، والواقدي والبلاذري بأسانيده لما انصرف صلى الله عليه وسلم عن خيبر أتى الصهباء، سلك على برمة حتى انتهى إلى وادي القرى يريد من بها من يهود. وقد روى مالك ومن طريقه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة: افتتحنا خيبر ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى، وأخرجه البيهقي من وجه آخر بلفظ: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى وبين هذا وكونها في جمادى تباين ظاهر؛ لأن خيبر كانت في المحرم سنة سبع أو في آخر سنة ست وحاصرها بضع عشرة ليلة حتى فتحها في صفر، ثم خرج إلى الصهباء وأقام حين بنى بصفية ثلاثة أيام بلياليها ومدة الذهاب والإياب ثمانية أيام فغاية المدة نحو شهر، فلا يكون وادي القرى في جمادى الآخرة غاية ما يفيده كلام الجماعة المعتضد بحديث أبي هريرة أنها في آخر صفر أو أول ربيع الأول. نعم روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم أقام بخيبر ستة أشهر يجمع الصلاة،

بعد أن قام أربعا يحاصرهم، ويقال: أكثر من ذلك. وأصاب "مدعما" مولاه سهم

_ وهذا لو صح لرفع الإشكال يحمل قوله ستة على التقريب سيما على أنها في آخر سنة ست، أو على أن المراد بها وبما يتعلق بها من وادي القرى لكن سنده ضعيف، وعارضه رواية البيهقي بسند ضعيف عن ابن عباس أنه أقام بها أربعين يوما. روى ابن إسحاق عن أبي هريرة: لما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى وادي القرى نزلناها أصيلا مع غروب الشمس "بعد ما أقام بها أربعا" من الأيام "يحاصرهم ويقال: أكثر من ذلك". قال الواقدي: عبَّى صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر وراية إلى سهل بن حنيف وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحصنوا دماءهم وحسابهم على الله فبرز رجل منهم فقتله الزبير، ثم آخر فقتله الزبير، ثم آخر فقتله علي، ثم آخر فقتله أبو دجانة، ثم آخر فقتله أبو دجانة، حتى قتل منهم أحد عشر، كلما قتل رجلا دعا من بقي إلى الإسلام ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله, فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس حتى أعطوا ما بأيديهم وفتحها صلى الله عليه وسلم عنوة، وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا وأقام بها أربعة أيام وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخيل بأيدي يهود وعاملهم عليها. قال البلاذري: وولاها صلى الله عليه وسلم عمرو بن سعيد بن العاصي وأقطع جمرة بجيم ابن هوذة بفتح الهاء والمعجمة العذري رمية سوط من وادي القرى "وأصاب مدعما" بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين آخره ميم عبد أسود، كما في رواية الموطأ صحابي رضي الله عنه "مولاه" صلى الله عليه وسلم أهداه له رفاعة بن زيد أحد بني الضبيب كما في مسلم وهو بضم المعجة بصيغة التصغير. وفي رواية ابن إسحاق رفاعة بن زيد الجذامي، ثم الضبني بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحدة نسبة إلى بطن من جذام. قال الواقدي: كان رفاعة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر فأسلموا وعقد له على قومه جاءه "سهم" فقتله. روى مالك والشيخان من طريقه عن أبي هريرة: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إنما غنمنا البقر، والإبل, والمتاع, والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ومعه عبد

فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشملة التي غلها من خيبر تشتعل عليه نارا". وصالحه أهل تيماء على الجزية، قاله الحافظ مغلطاي.

_ له أسود يقال له: مدعم أهداه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك البعد، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال صلى الله عليه وسلم: "كلا". هكذا في الموطأ، ومسلم, وفي البخاري: "بل". وللكشميهني: "بل" وهو تصحيف، والذي نفسي بيده "إن الشملة" كساء يلتف فيه وقيل إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب وتقييد بعض بالغلظ إن ثبت أنه الواقع هنا وإلا فاللغة الإطلاق "التي غلها من خيبر". وفي رواية التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم "تشتعل عليه نارا" قال الحافظ: يحتمل أن ذلك حقيقة بأن تصير الشملة نفسها نارا فيعذب بها ويحتمل أن المراد أنها سبب لعذاب النار وكذا القول في الشراك، يعني المذكور في بقية الحديث وهو: فجاء رجل حين سمع ذلك بشراك أو شراكين، فقال صلى الله عليه وسلم: "شراك -أو شراكان- من نار". وفيه تعظيم أمر الغلول، ونقل النووي الإجماع على حرمته وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر، وقال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له: كركرة. فقال صلى الله عليه وسلم: "هو في النار في عباءة غلها"، وكلام عياض يشعر باتحاد قصته مع قصة مدعم والذي يظهر من عدة أوجه تغايرهم فإن قصة مدعم كانت بوادي القرى ومات بسهم وغل شملة، والذي أهداه للنبي صلى الله عليه وسلم رفاعة بخلاف كركرة، فأهداه هوذة بن علي أي: وغل عباءة ولم يمت بسهم فافترقا. نعم روى مسلم عن عمر لما كان يوم خيبر. قالوا: فلان شهيد, فقال صلى الله عليه وسلم: "كلا إني رأيته في النار في بردة غلها -أو عباءة-". فهذا يمكن تفسيره بكركرة "وصالحه" صلى الله عليه وسلم كما عند البيهقي في حديث أبي هريرة "أهل تيماء" لما بلغهم فتح وادي القرى "على الجزية". زاد البلاذري فأقاموا ببلادهم وأرضهم في أيديهم وولاها صلى الله عليه وسلم يزيد بن أبي سفيان وكان إسلامه يوم فتحها، وروي أن عمر أجلى أهل فدك وخيبر، وتيماء وهو بفتح الفوقية وإسكان التحتية، والمد بلدة معروفة بين الشام والمدينة على نحو سبع مراحل أو ثمان من المدينة، قال: في المطالع من أمهات القرى على البحر من بلاط طيئ ومنها يخرج إلى الشام. "قاله الحافظ مغلطاي" تلخيصا للروايات كما ترى وصالحه أهل فدك حين أوقع بأهل خيبر على أن لهم نصفها وله صلى الله عليه وسلم نصفها فأقرهم على ذلك ولم يأتهم. قال ابن إسحاق: فكانت له خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وقيل: صالحوه على حقن دمائهم والجلاء ويخلو بينه وبين الأموال ففعل.

.........................

_ قال الواقدي: والأول أثبت القولين، وقول الشارح قصة فدك في شعبان وهم, فالتي في شعبان إنما هي سرية بشير إلى بني مرة بفدك أي بقربها كما يأتي لا لنفس أهل فدك، وقد ذكر الشامي مصالحة أهل فدك عقب فتح خيبر قبل قصة وادي القرى وترجم ابن إسحاق أمر فدك في خيبر، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصورا مؤيدا. روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي موسى: قال أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقال صلى الله عليه وسلم: "أربعوا على أنفسكم, إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا, إنكم لتدعون سميعا قريبا وهو معكم". وأنا خلف دابته فسمعني أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: "يا عبد الله بن قيس". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة". قلت: بلى. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله". أربعوا بكسر الهمزة وفتح الموحدة أي: أرفقوا وأمسكوا عن الجهر واعطفوا على أنفسكم بالرفق وكفوا عن الشدة, والله تعالى أعلم.

ذكر خمس سرايا بين خيبر والعمرة

"ذكر خمس سرايا بين خيبر والعمرة": "الأولى: سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة": ثم سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة في شعبان سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا، فخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر إلى هوازن فهربوا، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق منهم أحدًا، فانصرف راجعا إلى المدينة.

_ ذكر خمس سرايا بين خيبر والعمرة: "ثم سرية عمر بن الخطاب" الفاروق "رضي الله عنه إلى تربة" بضم الفوقية وفتح الراء، وبالموحدة، وتاء التأنيث. قال الحازمي: واد بقرب مكة على يومين منها. قال ابن سعد: وتربة ناحية العبلاء، أي بفتح المهملة وسكون الموحدة والمد على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران، "في شعبان سنة سبع ومعه ثلاثون رجلا، فخرج" الأولى الواو إذ لا يتفرع على ما قبله فمر بهم حال كونه "معهه دليل من بني هلال" لم يسم، "فكان يسير الليل ويكمن" بضم الميم وفتحها يختفي "النهار، فأتى الخبر إلى هوازن،" أي: إلى الطائفة التي كانت منهم بتربة الذين قصدوا بالبعث "فهربوا وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق منهم أحدا" بل وجدهم ترفعوا وأخذوا سائر مالهم من نعم وغيرها، "فانصرف راجعا إلى المدينة". زاد ابن سعد وشيخه فلما كان بذي الجدر بفتح الجيم وسكون الدال، المهملة بالراء مسرح الغنم على ستة أميال من المدينة قال الهلالي لعمر: هل لك في جمع آخر تركته من خثعم

"الثانية: سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني كلاب": ثم سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني كلاب بنجد بناحية ضرية، سنة سبع، ويقال: إلى فزارة، فسبى منهم جماعة وقتل آخرين. وفي صحيح مسلم: إلى فزارة، وهو الصحيح الصواب. "الثالثة: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة": ثم سرية بشير بن سعد

_ سائرين، قد أجدبت بلادهم، فقال عمر: لم يأمرني صلى الله عليه وسلم بهم إنما أمرني أعمد لقتال هوازن بتربة. "الثانية: ثم سرية أبي بكر الصديق" أفضل الصحب بلا نزاع كما قام عليه من أهل السنة الإجماع وغيرهم محجوجون بما صح عن علي كرم الله وجهه أنه خير منه "رضي الله عنه إلى بني كلاب" بكسر الكاف وخفة اللام قبيلة "بنجد بناحية ضرية" بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء فتحتية مشددة مفتوحة فتاء تأنيث. يقال: إنه اسم امرأة سمي به الموضع. قال في الصحاح قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة أقرب في شعبان "سنة سبع، ويقال: إلى" بني "فزارة فسبي منهم جماعة وقتل آخرين" هكذا رواه ابن سعد، والواقدي بإسنادين لهما عن سلمة، "وفي صحيح مسلم" عن سلمة بن الأكوع بعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر "إلى فزارة" وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء فقتل أبو بكر أي جيشه من قتل ورأيت طائفة منهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا وفيهم امرأة وهي أم قرفة عليها قشع من أدم معها ابنتها من أحسن العرب. فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر, فنفلني أبو بكر، ابنتها فلم أكشف لها ثوبا فقدمنا المدينة فلقيني صلى الله عليه وسلم فقال: "يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك". فقلت: هي لك. فبعث بها إلى كة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين. ورواه ابن سعد أيضا مسندا ولم يلتفت المصنف إلى زعم من زعم أنه وهم، فقال: "وهو الصحيح الصواب" لصحة إسناده، نعم قيل: تسمية المرأة أم قرفة وهم من بعض الرواة لأن ابن سعد لم يسمها في روايته، بل قال: فإذا امرأة من فزارة لأن أم قرفة إنما كانت في السرية المختلف في أن أميرها الصديق أو زيد بن حارثة كما مر ذلك مبسوطا. لكن قد تعقبت معارضة المصنف بحديث مسلم لما قبله هنا بأنهما سريتان مختلفتان سرية إلى فزارة بوادي القرى، وهي المختلف في أميرها وسرية إلى ضرية وهذا أميرها الصديق، فجمع بينهما تقليدا لليعمري وشيخه الدمياطي فوهم, والله أعلم. "الثالثة: ثم سرية بشير" بفتح الموحدة، وكسر المعجمة وتحتية ساكنة "ابن سعد" بن ثعلبة

الأنصاري إلى بني مرة بفدك، سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا، فقتلوا، وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه، وقيل: قد مات. وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قدم بعده بشير بن سعد. "السرية الرابعة: غالب بن عبد الله إلى الميفعة": ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي.

_ "الأنصاري" الخزرجي، البدري، والد النعمان له ذكر في مسلم وغيره في قصة الهبة لولده وحديثه في النسائي استشهد بعين التمر مع خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار. "إلى بني مرة" بضم الميم وشد الراء "بفدك" بفتح الفاء والدال المهملة، وبالكاف موضع بخيبر بينه وبين المدينة -كما قال ابن سعد- ستة أميال جمع ميل فصحف من قال: ليال. "في شعبان سنة سبع ومعه ثلاثون رجلا، فقتلوا،" أي وقع القتل فيهم وهو لا يستلزم استئصالهم، فلا ينافي ما عند الواقدي وتلميذه ابن سبع لما وصلوا إليهم لقوا رعاء الشاء، فسألوا عن الناس، فقالوا: هم في نواديهم والناس يومئذ شاتون لا يحضرون الماء، فاستاق النعم والشاء وانحدر إلى المدينة فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه العدد الكثير منهم عند الليل، فباتوا يرامونه بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير فأصابوا أصحابه، وولى منهم من ولى "وقاتل بشير حتى ارتث" بضم أوله وسكون الراء وضم الفوقية ومثلثة مشددة أي جرح وصار به رمق، "وضرب كعبه" اختبار الحالة أهو ميت أم حي؟ "وقيل" لما لم يتحرك: "قد مات" ورجعوا بنعمهم وشائهم "وقدم علبة" بضم العين المهملة وإسكان اللام وفتح الموحدة فتاء تأنيث "ابن زيد" بن حارثة الأنصاري "الحارثي" الأوسي أحد البكائين في غزوة تبوك. روي أنه تصدق بعرضه على كل مسلم ناله. "بخبرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم بعده بشير بن سعد" وذلك أنه استمر في القتلى, فلما أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهود بها أياما حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة فعلم من هذا أن بني مرة لم يكونوا بفدك فتسمحوا في قولهم إلى بني مرة بفدك لمجاورتها وكونها من أعمالها. "السرية الرابعة: ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي" الكناني، الكلبي كان على مقدمة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وله ذكر في فتح القادسية. وهو الذي قتل هرمز ملك الباب وولي خراسان زمن معاوية سنة ثمان وأربعين، واسم جده مسعر بن جعفر، كما عند ابن الكلبي، لا فضالة بن عبد الله، كما في تاريخ الحاكم فابن الكلبي

إلى الميفعة بناحية نجد من المدينة، على ثمانية برد، في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، في مائتين وثلاثين راجلا، فهجموا عليهم في وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء إلى المدينة. قالوا: وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرداس.

_ أعرف بالنسب من غيره، كما أن غيره أعرف منه بالأخبار، إنما جاء اللبس من ذكر فضالة في نسبه وليس هو فيه، بل هو صحابي آخر اسمه غالب بن فضالة، كما في الإصابة "إلى" أهل "الميفعة" بكسر الميم وسكون التحتية وفتح الفاء والعين المهملة فتاء تأنيث والقياس فتح الميم، لأنه اسم لموضع أحد اليفاع وهو المرتفع من الأرض، كما في النور، أي لأنها في الأصل اسم موضع اليفع وهو الارتفاع سمي به ذلك الموضع، كما هو مفاد كلامه "بناحية نجد" وراء بطن نخل، كما نقله الفتح والعيون عن أهل المغازي فهي "من" أعمال "المدينة على ثمانية برد" وأهل الميفعة، كما في العيون بنو عول بضم العين وبنو عبد بن ثعلبة "في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة" وسببها، كما في بعض الروايات عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عقبة أنه صلى الله عليه وسلم قال له مولاه يسار: يا نبي الله إني قد علمت غرة من بني عبد ابن ثعلبة فأرسل معي إليهم، فأرسل غالبا في مائة وثلاثين راجلا وكان يسار دليلهم، واستشكل ذلك البرهان بأن يسار قتله العرنيون في شوال سنة ست، فلعل هذا غيره ولم أر له ذكرا في الموالي إلا أن يكون مولى لأحد من أقاربه عليه الصلاة والسلام نسب إليه، قلت: كلاهما مولاه والذي قتله العرنيون هو النوبي وهذا حبشي أصابه في غزوة بني ثعلبة، وقد فرق بينهما في الإصابة ورجح أنهما اثنان "في مائتين"، كذا في النسخ والذي عند ابن إسحاق كما ترى، وهو المنقول في العيون وغيرها في مائة بالأفراد "وثلاثين راجلا فهجموا عليهم" جميعا "في وسط محالهم" بشد اللام جمع محلة بفتح الحاء وهي المكان ينزله القوم، "فقتلوا مَن" بفتح الميم "أشرف لهم" بصيغة الماضي، كما هو المحفوظ ووقع في العيون من أشراف ورده البرهان "واستاقوا نعما وشاء إلى المدينة قالوا" أي أهل المغازي كابن إسحاق، والواقدي وابن سعد وتبرأ منه لأنه خلاف ظاهر حديث البخاري وما جزم به في الإكليل كما يأتي. "وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد" الحب ابن الحب "نهيك" بفتح النون وكسر الهاء وسكون التحتية وبالكاف "ابن مرداس", كذا وقع عند الواقدي فاستدركه ابن فتحون على أبي عمر. قال في الإصابة: وهو خطأ فإنه مقلوب قلبه بعض الرواة. وإنما هو مرداس بن نهيك الضمري وقيل: ابن عمرو، وقيل: إنه أسلمي، وقيل: غطفاني

بعد أن قال: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب"؟. فقال أسامة: لا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله. وفي الإكليل: فعل أسامة ذلك في سرية كان هو أميرا عليها سنة ثمان. وفي البخاري.

_ والأول أرجح ذكره ابن عبد البر وغيره في حرف الميم، "بعد أن قال لا إله إلا الله" زاد في رواية الثعلبي: محمد رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أسامة من لك بلا إله إلا الله". فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل. قال: "ألا". وللواقدي: هلا. "شققت عن قلبه" زاد السدي فنظرت إليه "فتعلم أصادق هو أم كاذب". "فقال أسامة: لا أقاتل أحدا" فضلا عن قتله "يشهد أن لا إله إلا الله" قال في الاستيعاب في تفسير السدي وابن جريج عن عكرمة وتفسير سعيد بن أبي عروبة عن أبي قتادة. وقاله غيرهم أيضا لم يختلفوا في أن المقتول الذي ألقى السلم. وقال: إنه مؤمن إنه مرداس واختلفوا في قاتله وفي أمير تلك السرية اختلافا كثيرا. انتهى. ومراده لم يختلف من عزى لهم وإلا فعند أحمد، والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن أبي حدرد وابن جرير عن ابن عمران، المقتول عامر بن الأضبط، الأشجعي والقاتل محلم بن جثامة وأن الآية نزلت في ذلك وعند الدارقطني، والبزار والطبراني، وصححه الضياء عن ابن عباس أن القاتل المقداد بن الأسود وأبهم اسم المقتول وأن فيه نزلت الآية. وروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن المقتول مرداس والقاتل أسامة، وأمير السرية غالب كما هنا، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده وكان ألجأ غنمه لجبل فلما لحقوه. قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم. فقتله أسامة بن زيد لما رجعوا نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ} الآية، وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر، وأبو نعيم عن أبي سعيد، نحوه. قال في الإصابة: فإن ثبت الاختلاف في تسمية القاتل مع الاختلاف في المقتول احتمل تعدد القصة. انتهى. أي واحتمل أيضا تكرر نزول الآية تذكيرا بما سبق. "وفي الإكليل" للحاكم أبي عبد الله "فعل أسامة ذلك" المذكور من قتل الرجل "في سرية كان هو أميرا عليها في سنة ثمان" لا في هذه السرية التي في سنة سبع، كما قال أهل المغازي. "وفي البخاري" ما يوافقه فإنه قال: بعد غزوة مؤتة باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحرقات. قال الحافظ: بضم الحاء المهملة وفتح الراء بعدها قاف نسبة إلى الحرقة وهو جهش بن عامر بن جهينة سمي الحرقة لأنه أحرق قوما بالقتل فبالغ في ذلك ذكره ابن الكلبي, ثم روى في

عن أبي ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، وطعنته.

_ الباب وفي كتاب الديات ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير "عن أبي ظبيان" بفتح الظاء المعجمة وكسرها وسكون الموحدة فتحتية فألف فنون حصين بمهملتين مصغر بن جندب بن الحارث الجنبي بفتح الجيم وسكون النون، ثم موحدة نسبة إلى الجنب بلفظ شق الإنسان قبيلة من اليمن الكوفي الثقة التابعي الكبير روى له الستة وتوفي سنة تسعين وقيل: غير ذلك. قال النووي: أهل العربية يفتحون الظاء من ظبيان وأهل الحديث يكسرونها، وكان منشأ الخلاف أن أهل العربية بنوا على مقتضى الاشتقاق في مثل هذه الصيغة، وأهل الحديث على أن ما ثبت وضعه وضع الأعلام لا يجب جريه على اللغة، "قال سمعت أسامة بن زيد" رضي الله عنهما "يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة" بضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف، وتاء تأنيث زاد في الديات من جهينة، قال المصنف: والجمع في الترجمة باعتبار بطون تلك القبيلة. انتهى. قال في الفتح ليس في هذا الحديث ما يدل على أنه كان أمير الجيش كما هو ظاهر الترجمة، وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة في رمضان سنة سبع وقالا: إن أسامة قتل الرجل فيها، فإن ثبت أن أسامة كان أميرها فما صنعه البخاري هو الصواب لأنه ما أمر إلا بعد قتل أبيه بغزوة مؤتة، وذلك في رجب سنة ثمان وإن لم يثبت أنه كان أميرها رجح ما قال أهل المغازي. انتهى. وذكر بعض شراح البخاري أن ما ذكره أهل المغازي مخالف لظاهر تجمة البخاري، ولعل المصير إلى ما في البخاري هو الراجح بل الصواب. انتهى. وليس الترجي، من وجوه الترجيح نعم روى ابن جرير عن السدي: بعث صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد فذكر القصة. وروى ابن سعد عن جعفر بن برقان قال: حدثني الحضرمي، قال: بلغني أنه صلى الله عليه وسلم بعث أسامة بن زيد على جيش فذكر القصة، فإن ثبتا ترجح صنيع البخاري "فصبحنا القوم" أتيناهم صباحا بغتة قبل أن يشعروا بنا فقاتلناهم "فهزمناهم ولحقت" بالواو ولأبي ذر الفاء "أنا ورجل من الأنصار" قال الحافظ: في مقدمة الفتح لم أعرف اسم الأنصاري ويحتمل أنه أبو الدرداء، ففي تفسير عبد الرحمن بن زيد ما يرشد إليه "رجلا منهم" هو مرداس كما مر "فلما غشيناه" بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين "قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري عنه وطعنته" وفي رواية بالفاء

برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال: لا إلا إلا الله"؟. قلت: كان متعوذا. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. "الخامسة: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار": ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري أيضا إلى يمن وجبار -بفتح الجيم- وهي أرض لغطفان، ويقال لفزارة وعذرة، في شوال سنة سبع من الهجرة، وبعث معه ثلاثمائة

_ بدل الواو "برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا" المدينة، "بلغ النبي صلى الله عليه وسلم" قتلي له بعد كلمة التوحيد، فقال: "يا أسامة! أقتلته" بهمزة الاستفهام الإنكاري "بعد ما" وفي رواية: "بعد أن". "قال: لا إله إلا الله"، وقد علمت قولي: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". "قلت" زاد في الديات: يا رسول الله! إنما "كان متعوذا" بكسر الواو المشددة بعدها معجمة، أي لم يكن قاصدا للإيمان بل كان غرضه التعوذ من القتل "فما زال يكررها" أي: قوله: "أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله"؟. زاد في الديات: على شد الياء، وفي مسلم من حديث جندب: أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة". "حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" لآمن جريرة هذه الفعلة، ولم يتمن أن لا يكون مسلما قبل ذلك وإنما تمنى أن يكون إسلامه ذلك اليوم، لأن الإسلام يجب ما قبله. قال القرطبي: وفيه إشعار بأنه استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمعه من الإنكار الشديد وإنما قال أسامة ذلك على سبيل المبالغة لا الحقيقة قال الكرماني: أو عني إسلاما لا ذنب فيه. وقال الخطابي: يشبه أنه تأول قوله، {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ألزم أسامة دية ولا غيرها وفيه نظر فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أمر صلى الله عليه وسلم لأهل مرداس بديته ورد ماله إليهم وقيل: قال له: "أعتق رقبة". والله أعلم. "الخامسة: ثم سرية بشير" كأمير "ابن سعد الأنصاري أيضا إلى يمن" قال اليعمري: بفتح الياء آخر الحروف وقيل: بضمها وقيل: بالهمزة، مفتوحة ساكنة الميم أي مع فتح أوله وضمه كما في الشامي، ووقع في بعض نسخه الفوقية وهو تحريف، والذي في نسخه الصحيحة التحتية "وجبار بفتح الجيم" وبموحدة مخففة وبعدها ألف وراء "وهي أرض لغطفان" كما عند ابن سعد، "ويقال لفزارة" كما قال الحازمي: "وعذرة في شوال سنة سبع من الهجرة وبعث مع ثلاثمائة

رجل لجمع تجمعوا للإغارة على المدينة، فساروا الليل وكمنوا النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا. وأصاب لهم نعما فغنمها، وأسر رجلين وقدم بهما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما.

_ رجل", وعقد له لواء "لجمع" من غطفان "تجمعوا" بالجناب بكسر الجيم من أرض غطفان، قد واعدهم عيينة بن حصن الفزاري "للإغارة على المدينة فساروا الليل وكمنوا" بفتح الميم، وكسرها "النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا" فجاء الصحابة بمن وحبار، وهو نحو الجناب، والجناب معارض سلاح بسين وحاء مهملتين وخيبر ووادي القرى فنزلوا بسلاح, "وأصاب لهم نعما كثيرة فغنمها" ونفروا الرعاء فحذروا، وتفرقوا ونجعوا به عليا بلادهم بضم المهملة وسكون اللام والقصر نقيض السفلى. وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالهم، فلم يجد فيها أحدًا فلقوا عينا لعيينة فقتلوه، ثم لقوا جمع عيينة وهو لا يشعر بهم فناوشوهم ثم انكشف جمع عيينة وتبعهم المسلمون، "وأسر" منهم "رجلين وقدم بهما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما", فأرسلهما ولم يسميا رضي الله عنهما، والمناوشة تداني الفريقين وأخذ بعضهم بعضا.

باب عمرة القضاء

"باب عمرة القضاء": ثم عمرة القضية، وتسمى عمرة القضاء

_ باب عمرة القضاء: كذا ترجم به البخاري عند الأكثر وللمستملي وحده غزوة القضاء، والأول أولى ووجهوا كونها غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي عن ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم خرج مستعدا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر، فبلغهم ذلك ففزعوا فلقيه مكرز، فأخبره أنه باق على شرطه وأن لا يدخل مكة بسلاح إلا السيوف في أغمادها، وإنما خرج في تلك الهيئة احتياطا فتوثق بذلك وأخر صلى الله عليه وسلم السلاح مع طائفة من أصحابه خارج الحرم حتى رجع ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة. وقال ابن الأثير أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي لكونها مسببة عن غزوة الحديبية. انتهى من الفتح. ولذا ترجمها المصنف بقوله: "ثم عمرة القضية، وتسمى" أيضا "عمرة القضاء", وتسمى أيضا عمرة القصاص ذكره ابن إسحاق, وعمرة الصلح ذكره الحاكم, فهي أربعة كما قال الحافظ. وقدم المصنف الأول؛ لأنه أبعد من إيهام كونه قضاء حقيقيا لا لأنه أشهر كما زعم. كيف وقد ترجم البخاري, وابن إسحاق، واليعمري, ومن لا يحصى بعمرة القضاء واختلف في سبب

لأنه قاضى فيها قريشا؛ لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها, بل كانت عمرة تامة، لذا عدوا عمر النبي صلى الله عليه وسلم أربعا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى. وعدوا عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها، لا لأنها كملت. وهذا الخلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت.

_ تسميتها بهما، فقال السهيلي: "لأنه قاضى" أي عاهد "فيها" أي: عليها أو بسببها أو في شأنها "قريشا" سنة الحديبية، فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصلح، ولذا يقال لها: عمرة القضية. قال أهل اللغة: قاضى فلانا عاهده وقاضاه عاوضه فيحتمل تسميتها بذلك للأمرين قاله عياض. قال الحافظ: ويرجح الثاني تسميتها قصاصا قال الله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} . قال السهيلي: تسميتها عمرة القصاص أولى بها لأن هذه الآية نزلت فيها. قال الحافظ: كذا رواه عبد بن حميد وابن جرير بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه، وقال ابن إسحاق: بلغنا عن ابن عباس، فذكره ووصله الحاكم في الإكليل عن ابن عباس، فذكره لكن في إسناده الواقدي "لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها" عند مالك والشافعي، وإن كانت نفلا لوجوب قضاء فاسد الحج والعمرة، ولو نفلا حتى عند الشافعي وإن لم يقل بوجوب قضاء النفل، "بل كانت عمرة تامة" أي في حكمها لثبوت الأجر فيها، وكونها لم يجب قضاؤها وإلا فلم يأتوا فيها بشيء من أعمالها سوى الإحرام، "لذا عدوا" أي الصحابة كأنس، وابن عمر في الصحيح "عمر النبي صلى الله عليه وسلم أربعا" عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة من الجعرانة وكلهن في ذي القعدة وعمرة مع حجته، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" في مقصد عبادته. "وقال آخرون: بل كانت هذه "قضاء عن العمرة الأولى" التي صد عنها, ولذا سميت عمرة القضاء "و" إنما "عدوا عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها" وقبولها "لا لأنها كملت". "وهذا الخلاف" في سبب التسمية "مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت" سواء كان الصد عاما أو خاصا، وسواء عمرة الإسلام أو غيرها،

فقال الجمهور: يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه. عن أبي حنيفة: عكسه. وعن أحمد رواية: أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء. وأخرى: يلزمه الهدي والقضاء. فحجة الجمهور قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] . وحجة أبي حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له تأخيرها، فإذا زال الحصر أتى بها، ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء. وحجة من أوجبهما: ما وقع للصحابة، فإنهم نحروا الهدي حيث صدوا واعتمروا من قابل وساقوا الهدي. وحجة من لم يوجبهما: أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدي، بل أمر من معه هدي أن ينحر، ومن ليس معه هدي أن يحلق. انتهى.

_ "فقال الجمهور" من العلماء: "يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه. وعن أبي حنيفة عكسه" القضاء ولا هدي، "وعن أحمد رواية أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء وأخرى يلزمه الهدي والقضاء, فحجة الجمهور قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} منعتم من إتمام الحج أو العمرة {فَمَا اسْتَيْسَرَ} تيسر {مِنَ الْهَدْيِ} عليكم شاة فأعلى, ففيه دليل على جواز التحلل بالإحصار، وأن فيه دما ولا قضاء لعدم ذكره في جواب الشرط. "وحجة أبي حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له تأخيرها، فإذا زال الحصر أتى بها ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء", وهو دليل عقلي "وحجة من أوجبهما" التثنية أي الهدي، والقضاء "ما وقع للصحابة فإنهم نحروا الهدي حيث صدوا واعتمروا، من قابل وساقوا الهدي". وقد روى أبو داود عن أبي حاضر بحاء مهملة وضاد معجمة الأزدي، قال: اعتمرت، فأحصرت، فنحرت الهدي، وتحللت، ثم رجعت العام المقبل، فقال لي ابن عباس: أبدل الهدي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك. "وحجة من لم يوجبهما" بالتنثية "أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدي، بل أمر من معه هدي أن ينحره ومن ليس معه هدي أن يحلق" زاد الحافظ: وأسعد الكل بظاهر الأحاديث من أوجبهما. انتهى. ويقع في نسخ: حجة من أوجبها، ثم حجة من لم يوجبها بالإفراد فيهما، ويمكن توجيهها بأن الضمير للخصلة المروية عن أحمد وهي وجوبهما أو عدمه. "انتهى".

قال الحاكم في الإكليل: تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما أهلّ ذو القعدة -يعني سنة سبع- أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين ألفان، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري، وساق عليه الصلاة والسلام ستين بدنة

_ هذا المبحث وهو في فتح الباري "قال الحاكم في الإكليل: تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما أهل ذو القعدة يعني سنة سبع". روى يعقوب ابن سفيان، في تاريخه بإسناد حسن عن ابن عمر قال: كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع "أمر أصحابه أن يعتمروا لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية" هذا ظاهر فيما قاله أبو حنيفة، ويجيب الجمهور عنه بأن معنى قضاء عوض عنها لا قضاء واجب "و" أمر "أن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية فلم يتخلف منهم" أحد "إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا". وعند الواقدي: فقال رجال من حاضري المدينة من العرب: يا رسول الله! والله ما لنا من زاد وما لنا من يطعمنا, فأمر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن يكفوا أيديهم فلا يهلكوا فقالوا: يا رسول الله بم نتصدق وأحدنا لا يجد شيئا، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما كان ولو بشق تمرة". وروى البخاري والبيهقي وغيرهما عن حذيفة ووكيع، والبيهقي عن ابن عباس، وابن جرير عن عكرمة ووكيع عن مجاهد، قالوا في قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} . إن التهلكة ترك النفقة في سبيل الله وليس التهلكة أن يقتل ارجل في سبيل الله، ولكن الإمساك في سبيل الله أنفق ولو شقصا. "وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين ألفان" سوى النساء والصبيان "واستخلف على المدينة" فيما قال الواقدي، وابن سعد "أبا رهم" بضم الراء، وسكون الهاء كلثوم بن الحصين "الغفاري" الصحابي المشهور، وقال ابن هشام: عويف بن الأضبط الديلمي بضاد معجمة وطاء مهملة. وقال البلاذري: أبا ذر، ويقال: عويفا وهو مصغر عوف، ويقال فيه: عويث بمثلثة بدل الفاء "وساق عليه الصلاة والسلام ستين بدنة" كما للواقدي عن محمد بن إبراهيم التيمي وعن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قلد هديه بيده وعن عبد الله بن دينار أنه جعل عليها ناجية بن جندب الأسلمي يسير بها أمامه يطلب الرعي في الشجر معه أربعة فتيان من أسلم رواهما الواقدي.

وحمل السلاح والبيض والدروع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير بن سعد. وأحرم النبي صلى الله عليه وسلم ولبى، والمسلمون يلبون معه، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران، فوجد بها نفرا من قريش، فسألوه فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله تعالى. فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا.

_ "و" عند الواقدي عن عاصم بن عمر أنه عليه السلام "حمل السلاح والبيض" بكسر الموحدة جمع بيضة وهي الواحدة من الحديد "والدروع" جمع درع، وفي نسخة الدرع بالأفراد على إرادة الجنس وضبطه بضمتين خلاف قول القاموس جمعه أدرع ودروع وأدراع "والرماح" وعطف الثلاثة على السلاح مباين إن أريد ما عداه كالسيوف، وخاص على عام إن أريد به ما ينفع في الحرب بمنع أو دفع، "وقاد مائة فرس" من الخيل يقع على الذكر والأنثى، والظاهر أنها كانت منهما، "فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة" الأنصاري "وقدم السلاح" المذكور "واستعمل عليه بشير" كأمير "ابن سعد" والد النعمان، وبقية رواية عاصم فقيل: يا رسول الله حملت السلاح، وقد شرطوا أن لا تدخلها إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب، فقال عليه السلام: "إنا لا ندخله عليهم الحرم ولكن يكون قريبا منا فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا". "وأحرم النبي صلى الله عليه وسلم" من باب المسجد؛ لأنه سلك طريق الفرع ولولا ذلك لأهل من البيداء. رواه الواقدي عن جابر وذكره المحب الطبري عن جابر ولم يعزه لكتاب ومر أن الفرع بضم الفاء وسكون الراء أو ضمهما، "ولبى والمسلمون يلبون معه ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران" واد قرب مكة يضاف إليه مر كما في القاموس، فظاهره أنه اسم لنفس الوادي. وفي المصباح الظهران بلفظ التثنية واد قرب مكة نسب إليه قرية هناك فقيل: مر الظهران ويوافقه تأنيث الضمير العائد عليها من قوله "فوجد بها نفرا من قيش فسألوه" عن سبب مجيئه بالخيل، "فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح" بفتح الصاد وكسر الموحدة مشددة، أي يأتي "هذا المنزل غدا إن شاء الله تعالى"، وأما يصبح بسكون الصاد وخفة الموحدة فمعناه يدخل في الصباح، كما في اللغة وليس مرادا "فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا" وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج -كيسمع وينصر ويضرب- موضع بمكة، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولى الأنصاري في مائتي رجل. وخرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي أمامه، فحبس بذي طوى، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء، والمسلمون متوشحون السيوف

_ وإنا على كتابنا ومدتنا ففيم يغزونا محمد في أصحابه وبعثوا مكرزا في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج وهو في أصحابه والهدي والسلاح قد تلاحق، فقالوا: والله ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر، فقال: "إني لا أدخل عليهم بسلاح". فقال مكرز: هو الذي تعرف به البر والوفاء، ثم رجع بأصحابه إلى مكة، فقال: إن محمدًا على الشرط الذي شرط لكم. رواه الواقدي "ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج" بتحتية فهمزة ساكنة فجيمين بتثليث الجيم "كيسمع وينصر ويضرب" هذا لفظ القاموس في فصل الهمزة من باب الجيم، وهو الذي سمعه شيخنا واقتصر في فصل الياء على أنه كيمنع. وهو الذي رآه صاحب النور، وقد ذكره المجد أيضا في كتاب المثلث له. واقتصر ابن الأثير على كسر الجيم "موضع" بالجر بدل والرفع خبر محذوف، "بمكة" أي قربها أو نواحيها فلا ينافي قول ابن الأثير على ثمانية أميال من مكة، وأفاده قوله: "حيث" ظرف مكان "ينظر" من به "إلى أنصاب الحرم" أي أعلام حدوده "وخلف" بشد اللام أي أخر "عليه" حافظا له "أوس بن خولى" بفتح المعجمة وفتح الواو ضبطه العسكري في كتاب التصحيف. واقتصر عليه في التبصير "الأنصاري" الخرجي البدري المتوفى في أواخر خلافة عثمان "في مائتي رجل،" قال ابن سعد، ثم خلفهم مثلهم حتى قضى الكل مناسك عمرتهم رضي الله عنهم، "وخرجت قريش" أي أكابرهم وأشرافهم، كما في العيون وغيرها "من مكة إلى رءوس الجبال" عداوة الله ولرسوله، ولم يقدروا على الصبر على رؤيته يطوف البيت هو وأصحابه. وفي رواية خرجوا استنكافا أن ينظروا إليه صلى الله عليه وسلم وحنقا بفتح المهملة والنون وقاف أي: غيظا, فهو مساو, ونفاسة أي: حسدا يقال: نفس بالشيء بالكسر حسده عليه ولم يره أهلا له. "وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي أمامه، فحبس" أي ترك "بذي طوى" بتثليث الطاء واد بقرب مكة يصرف ولا يصرف إليه، كما في الشامية حتى يفرغ من عمرته ويحضره للنحر. "وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم" راكبا "على راحلته" ناقته "القصواء" كحمراء "والمسلمون متوشحون السيوف".

محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون، فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون، وابن رواحة آخذ بزمام راحلته. وفي رواية الترمذي في الشمائل، من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... .........................

_ قال الشامي: توشح السيف ألقى طرف علاقته على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره "محدقون" محيطون "برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون". وفي الصحيح عن ابن أبي أوفى لما اعتمر صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم مخافة أن يؤذوه "فدخل من الثنية" وهي كل عقبة مسلوكة "التي تطلعه على الحجون" بفتح المهملة وضم الجيم وبالواو، والنون جبل بمكة. "وابن رواحة آخذ" بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة "بزمام راحلته" كما في رواية ابن إسحاق وغيره. وفي رواية بغرزه أي ركابه فيحتمل أخذه تارة بالزمام وأخرى بالركاب وتارة يمشي بين يديه كما في الرواية الآتية. "وفي رواية الترمذي في الشمائل" النبوية ولا داعي للتقييد، وكذا في سننه والنسائي, والبزار كلهم "من حديث" عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن "أنس أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة" الخزرجي "يمشي" بالميم من المشي وفي نسخ ينشئ بالنون من الإنشاء أي يحدث نظم الشعر "بين يديه وهو يقول: خلوا" تنحوا يا "بني الكفار عن سبيله" طريقه، واغتر بعضهم بقوله السابق خرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال فأول قوله: خلوا باثبتوا على التخلية ولا حاجة إليه فلم يخرجوا كلهم، بل أشرافهم كما مر. "اليوم نضربكم" بسكون الباء للتخفيف كقراءة أبي عمر: "وأن الله يأمركم". وقوله: اليوم أشرب غير مستحقب. "على تنزيله" أي النبي مكة إن عارضتم، ولا نرجع كما رجعنا عام الحديبية أو على تنزيل القرآن، وإن لم يتقدم ذكره نحو: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} . وأبعد من قال على تنزيل النبي أي إرسال الله له إليكم فهو كالأمر النازل من السماء. "ضربا يزيل الهام" جمع هامة بالتخفيف وهي الرأس. "عن مقيله" أي: محل نومه نصف النهار مستعار من موضع القائلة، فهو كناية عن محل الراحة إذ النوم أعظم راحة أو شبه به العنق بجمع

..................... ... ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول شعرا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضج النبل". ورواه عبد الرزاق من حديث أنس أيضا من وجهين بلفظ. خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله

_ أنه محل الاستراحة، أي يزيل الرأس عند العنق، وذكر الضمير نظر إلى أن الهام اسم جمع يفرق بينه وبين واحده بالتاء ولا ينافيه إطلاق النور وغيره أنه جمع لجواز أن المراد اللغوي "ويذهل الخليل عن خليله" لكونه يهلك أحد الخليلين فيذهل الهالك عن الحي والحي عن الهالك. "فقال عمر: يابن رواحة بين" استفهام محذوف الأداة، وفي رواية بإثباتها: أبين "يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول شعرا". وفي رواية: الشعر وذلك قد يحرك غضب الأعداء فيلتحم القتال في الحرم أو وهو مناف لما اعتدناه من رعاية كمال الأدب خصوصا في حال العبادة التي منها ما نحن فيه من العمرة بالحرم. "فقال له صلى الله عليه وسلم" تسلية وإخبارا بأن الله عصمه ومن معه وأن ذلك لا يخل بالأدب: "خل عنه يا عمر" أي: لا محل بينه وبين ما سلكه من قول الشعر حينئذ "فلهى" أي: هذه الجملة أو الأبيات أو الكلمات واللام جواب قسم مقدر، أي لتأثيرها "فيهم" أي: في إيذائهم ونكايتهم وقهرهم "أسرع" وصولا وأبلغ نكاية "من" تأثير "نضح النبل" رمي السهام إليهم، فكما يبعدون منها يبعدون من سماع هذا، ومحال لهم أن يقربونا بعون الله وإلقاء الرعب، ثم هو من إضافة الصفة للموصوف أي النبل الذي يرمى به. قال البزار: لم يروه عن ثابت إلا جعفر بن سليمان، وقال الترمذي: حديث صحيح غريب. "ورواه عبد الرزاق من حديث أنس من وجهين" أي طريقين أحدهما روايته عن جعفر عن ثابت عنه وهي المتقدمة، والثاني روايته عن معمر عن الزهري عن أنس "بلفظ" أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة ينشد بين يديه "خلوا" يا "بني الكفار عن سبيله". "قد نزل الرحمن في تنزيله" القرآن "بأن" الباء زائدة "خير القتل في سبيله" أي جهاد أعدائه وفي السياق بمعنى الطريق المحسوس، فلا إبطاء "نحن قتلناكم على تأويله، أي على إنكاركم ما أول به، كما فهمنا منه، والمعنى نحن نقاتلكم على إنكار تأويله "كما قتلناكم على" إنكار "تنزيله".

وأخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل وفيه: اليوم نضربكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله ... يا رب إني مؤمن بقيله وعند بن عقبة في المغازي بعد قوله: قد أنزل الرحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله لكنه لم يذكر أنسا، وزاد ابن إسحاق بعد قوله: يا رب إني مؤمن بقيله ... إني رأيت الحق في قبوله وقال ابن هشام: إن قوله: نحن ضربناكم على تأويله إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر قاله

_ مصدر بمعنى اسم المفعول، أي ما نزل عليه الدال على رسالته وصدقه في كل ما جاء به، أخرجه أبو يعلى من طريق عبد الرزاق، "وأخرجه الطبراني" عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن عبد الرزاق. قال الحافظ: وما وجدته في مسند أحمد. قال: وقد أخرجه الطبراني أيضا عاليا عن إبراهيم بن أبي سويد عن عبد الرزاق. "و" من هذا الوجه أخرجه "البيهقي في الدلائل" النبوية. قال الحافظ: وأخرجه البيهقي أيضا من طريق أبي الأزهر فذكر القسم الأول من الرز "وفيه" بعده "اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله" مستعار من موضع القائلة لموضع الرأس في الجسد استعارة تصريحية لذكره فيه الشبه به "ويذهل الخليل عن خليله. يا رب إني مؤمن بقيله" أي بقوله بمعنى مقوله تعالى {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ} [الزخرف: 88] . قال الدارقطني تفرد به معمر عن الزهري، وتفرد به عبد الرزاق عن معمر "و" رده الحافظ، بأنه "عند ابن عقبة في المغازي" عن شيخه الزهري. وفيه "بعد قوله قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله لكنه لم يذكر أنسا" أي فيكون عبد الرزاق تفرد بوصله. قال الحافظ: وقد صححه ابن حبان من الوجهين، وعجبت من الحاكم كيف لم يستدركه فإنه من الوجه الأول على شرط مسلم لأجل جعفر ومن الوجه الثاني على شرط الشيخين. "وزاد ابن إسحاق" في روايته عن شيخه عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: بلغني فذكره وزاد "بعد قوله: يا رب إني مؤمن بقيله، إني رأيت الحق في قوله" أي قبول قوله صلى الله عليه وسلم. "وقال ابن هشام" عبد الملك: "أن قوله: نحن ضربناكم على تأويله إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر قاله" في غير هذا اليوم.

يوم صفين. قالوا: ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى استلم الركن بمحجنه.

_ قال السهيلي يعني "يوم صفين" فتسمح المصنف في العز، وقال ابن هشام والدليل على ذلك أن المشركين لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل. قال ابن كثير وفيه نظر فلم ينفرد به ابن إسحاق بل تابعه ابن عقبة وغيره وجاء من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس، وقال الحافظ في الفتح: إذا ثبتت الرواية فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام: نحن ضربناكم على تأويله أي حتى تذعنوا إلى ذلك التأويل، ويجوز أن التقدير نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه وإذا كان ذلك محتملا وثبتت الرواية سقط الاعتراض, نعم الرواية التي جاء فيها، فاليوم نضربكم على تأويله يظهر أنها قول عمار، ويبعد أن تكون قول ابن رواحة؛ لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب ولا قتال، وصحيح الرواية نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله، يشير بكل منهما إلى ما مضى، ولا مانع أن يتمثل عمار بهذا الرجز ويقول هذه اللفظة ومعنى قوله: نحن ضربناكم على تنزيله أي في عهد الرسول فيما مضى واليوم نضربكم على تأويله أي الآن. هذا وقد وقع للترمذي أنه قال: وفي غير هذا الحديث إن هذه القصة لكعب بن مالك وهو أصح لأن عبد الله بن رواحة قتل بمؤنة وكانت عمرة القضاء بعد ذلك. قال الحافظ وهو ذهول شديد وغلط مردود وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أن في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر, وأخيه علي، وزيد بن حارثة في بنت حمزة كما يأتي، وجعفر وزيد وابن رواحة قتلوا في موطن واحد. فكيف يخفى على الترمذي مثل هذا؟ ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه إعراضه لكن الموجود بخط الكروخي، راوي الترمذي هو ما تقدم, والله أعلم. انتهى. وفيه جواز بل ندب إنشاد واستماع الشعر الذي فيه مدح الإسلام، والحث على صدق اللقاء ومبايعة النفس لله سبحانه، وعدم المبالاة بالعدو، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لما أنكر عمر، على ابن رواحة: "يا عمر إني أسمع". فسكت عمر. وقال عليه السلام: "يابن رواحة قل: لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده ". فقالها ابن رواحة, فقالها الناس، كما قالها وفي أمره بذلك زيادة إغاظة الكفار لتأذيهم بها أكثر من الشعر المذكور، لا سيما وقد قالوها كلهم معلنين بها "قالوا" ابن سعد وغيره: "ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى استلم الركن" الحجر الأسود "بمحجنه" بكسر

مضطبعا بثوبه وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم. وفي البخاري، عن ابن عباس: قال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد

_ الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم، عصا معوجة الرأس يلتقط بها الراكب ما سقط منه "مضطبعا بثوبه" أي جعل وسطه تحت الإبط اليمين وطرفه على الكتف اليسرى "وطاف على راحلته", كما ذكر ابن سعد، والواقدي وغيرهما وزادوا من غير علة. وروى يونس بن بكير عن زيد بن أسلم أنه صلى الله عليه وسلم طاف على ناقته وعند ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس أنه طاف ماشيا وهرول ثلاثة أشواط ومشى سائرها "والمسلمون يطوفون معه" مكة طاف، فطفنا معه وأتى الصفا والمروة وأتيناهما معه، قال: وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد. وفي رواية سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوه. رواهما البخاري وفي رواية الإسماعيلي لما قدم صلى الله عليه وسلم مكة وطاف بالبيت في عمرة القضية كنا نستره من السفهاء والصبيان مخافة أن يؤذوه. وروى البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد أن رجلا سأل ابن أبي أوفى أدخل صلى الله عليه وسلم عام القضية الكعبة قال: لا. وروى الواقدي عن داود بن الحصين، قال: لم يدخل صلى الله عليه وسلم الكعبة في القضية وقد أرسل إليهم، فأبوا وقالوا: لم يكن في شرطك. ووقع للبيهقي من طريق الواقدي عن ابن المسيب أنه عليه السلام لما قضى طوافه في عمرة القضاء دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة بأمره صلى الله عليه وسلم ... الحديث وفيه: أن عكرمة وصفوان وخالد بن أسيد, كأمير, حمدوا الله على موت آبائهم ولم يروا هذا العبد ينهق فوق الكعبة وهو وهم، فالذي رواه أبو يعلى، وابن أبي شيبة، وابن هشام، والبيهقي نفسه من وجه آخر. وغيرهم من عدة طرق: أن دخول المصطفى الكعبة وأذان بلال على ظهرها إنما كان في فتح مكة كما يأتي. وصرح بعضهم بأنه المشهور والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف لا سيما ما في البخاري؟ وقد صرح الواقدي نفسه بأن القول بأنه لم يدخلها هو الثبت، والشامي رحمه الله أار إلى الترجيح بالعزو والتبري بقوله: كذا في هذه الرواية أنه دخل البيت وعقبه برواية البخاري أنه لم يدخله، وهذا مع ظهوره لم يتنبه له من زعم أنه لم يرجح شيئا. "في البخاري" ومسلم "عن ابن عباس" قدم صلى الله عليه وسلم، وأصحابه "فقال المشركون: إنه" أي: الشأن "يقدم عليكم وفد" أي قوم وزنا ومعنى.

وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.

_ وفي رواية ابن السكن، بفتح القاف، وسكون الدال، وهو خطأ قاله الحافظ وصدر المصنف بأنه بالفاء الساكنة والرفع فاعل يقدم أي جماعة وعز الثانية لأبي الوقت، وتكلف توجيهها بأن ضمير أنه للنبي صلى الله عليه وسلم أي: يقدم والحال أنه قد "وهنتهم" أي الصحابة. قال الحافظ: بتخفيف الهاء وتشديدها، أي: أضعفتهم قال المصنف: ولابن عساكر وهنهم بحذف الفوقية "حمى" فعلى غير منصرف لألف التأنيث كما في المصباح "يثرب" اسم المدينة النبوية في الجاهلية، ونهى صلى الله عليه وسلم عن تسميتها بذلك وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين. وروى أحمد عن ابن عباس لما نزل صلى الله عليه وسلم مر الظهران في عمرته بلغ أصحابه أن قريشا يصفونهم بالضعف، فقالوا: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة وهو بفتح الجيم أي راحة، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم". فجمعوا وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا وحشا كل واحد منهم في جرابه. وفي رواية الإسماعيلي فأطلعه الله على ما قالوا "فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا" بضم الميم مضارع رمل بفتح الراء، والميم وهو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيته. قال الحافظ: وهو في موضع مفعول أمرهم تقول: أمرته كذا، وبكذا. "الأشواط" بفتح الهمزة بعدها معجمة، جمع شوط بفتح الشين وهو الجري إلى الغاية. والمراد الطواف حول الكعبة وفيه جواز تسمية الطوافة شوطا، ونقل عن مجاهد والشافعي كراهته. انتهى. "الثلاثة" ليرى المشركون قوتهم بهذا الفعل؛ لأنه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم، ولذا قالوا كما في مسلم: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم لهؤلاء أجلد من كذا، وكذا. قال الحافظ: وفيه جواز المعاريض بالفعل، كما تجوز بالقول وربما كانت بالفعل أقوى، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم. وأمرهم "أن يمشوا ما بين الركنين" اليمانيين حيث لا تراهم قريش إذ كانوا من قبل قعيقعان وهو لا يشرف عليهما إنما شرف على الركنين الشاميين. وعند أبي داود فكانوا إذا تواروا عن قريش بين الركنين مشوا وإذا اطلعوا عليهم رملوا "ولم يمنعه" بالإفراد، وفي نسخ ولم يمنعهم بالجمع والأولى هي الصحيحة للعز، وللبخاري فإن روايته بالإفراد وأما بالجمع فرواية مسلم "أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" بكسر الهمزة وسكون الموحدة، بعدها قاف.

وفي رواية، قال: "ارملوا" ليرى المشركون قوتهم, والمشركون من قبل قعيقعان. ومعنى قوله: "إلا الإبقاء عليهم" أي لم يمنعه من أمرهم بالرمل في جميع الطوفات إلا الرفق بهم، والإشفاق عليهم. ثم طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه -وقد وقف الهدي عن المروة- قال: "هذا المنحر، وكل فجاج

_ قال: القرطبي رويناه بالرفع على أنه فاعل يمنعهم وبالنصب على أنه مفعول من أجله. وفي يمنعهم ضمير عائد على رسول الله وهو فاعله ذكره الحافظ واقتصر المصنف هنا على الرفع. وقال: في كتاب الحج أن العيني تبع ابن حجر وسبقهما الزركشي، وتعقبه الدماميني، بأن تجويز النصب مبني على أن لفظ البخاري لم يمنعهم وليس كذلك إنما فيه لم يمنعه فرفع الإبقاء متعين لأنه الفاعل، وكلام القرطبي إنما هو ظاهر في حديث مسلم لم يمنعهم فنقله إلى ما في البخاري غير متأت. "وفي رواية" للبخاري أيضا عن ابن عباس لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامه الذي استأمن "قال" لأصحابه: "ارملوا". "ليرى المشركون قوتهم" وفي رواية ابن إسحاق: أنه عليه الصلاة والسلام قال: "رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة". "والمشركون من قبل" بكسر ففتح جهة "قعيقعان" بضم القاف الأولى وكسر الثانية فعين في هذه الرواية مكانهم. وزاد الإسماعيلي فلما رملوا قال المشركون: ما وهنتهم. "ومعنى قوله: إلا الإبقاء عليهم أي لم يمنعه" عليه الصلاة والسلام "من أمرهم بالرمل في جميع الطوافات إلا الرفق بهم والإشفاق" الخوف "عليهم" من النصب هكذا قاله الحافظ، والمحوج لهذا التأويل أن الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك إذ الإبقاء معناه الرفق كما في الصحاح فلا بد من تأويله بالإرادة ونحوها. قاله المصنف في الحج: "ثم" كما روى الواقدي عن ابن عباس "طاف" سعى "رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على راحلته" وسماه: طوافا اقتداء بقوله تعالى: {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} وفيه الإشعار بأن السعي وإن لم يكن صورة عبادة لكنها مقصودة منه فليس الغرض منه مجرد الذهاب والعود وإن وقع مثله في سعي الناس، ثم إلى حوائجهم، "فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة" بعد أمره عليه الصلاة والسلام بإحضاره كما مر، أنه حبس بذي طوى. قال: "هذا المنحر" المستحب، "وكل فجاج" بكسر الفاء جمع فج بفتحها

مكة منحر". فنحر عند المروة. وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج، فيقيمون على السلاح، ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم ففعلوا. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا. وفي البخاري من حديث البراء. فلما دخلها -يعني مكة- ومضى الأجل، أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل.

_ وهو في الأصل الطريق الواسع فتجوز به عن بقاع "مكة منحر" كما تجوز بها عن جميع الحرم، "فنحر عند المروة وحلق هناك" ذكر صاحب الامتاع أنه حلقه معمر بن عبد الله العدوي "وكذلك فعل المسلمون". قال الواقدي وكان قد اعتمر معه قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا فأما من شهدها وخرج في القضية فاشتركوا في الهدي، وقال: "وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا منهم،" أي: مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا كما قال الواقدي: "أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السلاح ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم،" أي يفعلوه وإن لم يكن قضاه. يقال: قضى الدين أداه لصاحبه. "ففعلوا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا" كما اشترطه مع قريش في الهدنة، ولا ينافي هذا ما رواه الواقدي من مرسل عمر بن علي بن أبي طالب, وأبو الأسود عن عروة لما كان اليوم الرابع. لفظ عروة: وقال عمر لما كان عند الظهر يوم الرابع جاءه سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، فقالا: ننشدك الله والعهد إلا ما خرجت من أرضنا فرد عليه سعد بن عبادة فأسكته صلى الله عليه وسلم وأذن بالرحيل لقول الحافظ في الفتح: كأنه دخل في أوائل النهار فلم يكمل الثلاث إلا في مثل ذلك الوقت من النهار الرابع الذي دخل فيه بالتلفيق وكان مجيئهما قرب مجيء ذلك الوقت. انتهى. وكأنه لم يصح عنده مرسل الواقدي، فلم يذكره ولم يعول عليه في جمعه. "وفي البخاري من حديث البراء" بن عازب الذي قدم المصنف صدره في الحديبية "فلما دخلها يعني مكة ومضى الأجل" أي الأيام الثلاثة، قال الكرماني: أي قرب مضيه ويتعين الحمل عليه لئلا يلزم الخلف. "أتوا" كفار قريش "عليا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل". وفي رواية للبخاري، أيضا فقالوا: قل لصاحبك فليرتح فذكر ذلك علي له، فقال: نعم

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم, فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها.

_ فارتحل "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة", أمامة أو عمارة، أو سلمى، أو فاطمة، أو أمة الله، أو عائشة، أو يعلى؛ أقوال سبعة. قال الحافظ: وأمامة هو المشهور وترجم به في الإصابة وعزاه لأبي جعفر بن حبيب وابن الكلبي، والخطيب في المبهمات. قال: وصرح به في شعر لحسان، وسماها الواقدي: عمارة، وابن السكن: فاطمة فهذا كله صريح في أن المشهور أمامة كما في الفتح ومقدمته، وقول المصنف: عمارة أشهر فيه نظر. وقد قال الخطيب: انفرد الواقدي بهذا القول وإنما عمارة ابن حمزة لابنته، وكذا القول بأن اسمها: يعلى وهم فإنه ابنه ولم يعقب حمزة إلا منه أعقب خمس بنين ثم ماتوا بلا عقب كما ذكره الزبير بن بكار، ولابن عساكر، بنت حمزة "تنادي: يا عم يا عم" مرتين، قال الحافظ: كأنها خاطبته بذلك إجلالا له، وإلا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى أن حمزة وإن كان عمه من النسب فهو أخوه من الرضاعة "فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة" زوجه: "دونك" أي خذي. قال الحافظ: دون من أسماء الأفعال تدل على الأمر بأخذ الشيء المشار إليه "ابنة" ولابن عساكر بنت "عمك". وعند الحاكم من مرسل الحسن: فقال علي لفاطمة وهي في هودجها: أمسكيها عندك، وعند ابن سعد من مرسل محمد الباقر بإسناد صحيح بينما بنت حمزة تطوف في الرجال إذ أخذ علي بيدها فألقاها إلى فاطمة في هودجها. وفي رواية أبي سعيد السكري أن فاطمة قالت لعلي: إنه صلى الله عليه وسلم شرط أن لا يصيب منهم أحدا إلا رده عليهم. فقال لها علي: إنها ليست منهم إنما هي منا "فحملتها" كذا في نسخ المصنف، والذي في البخاري: حملتها. قال الحافظ: كذا للأكثر بصيغة الفعل الماضي، وكأن الفاء سقطت وقد ثبتت في رواية النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري، وكذا لأبي داود من طريق آخر، وكذا لأحمد من حديث علي ولأبي ذر عن السرخسي، والكشميهني: حمِّليها بتشديد الميم المكسورة، وبالتحتانية بصيغة الأمر، وللكشميهني في الصلح: احمليها بألف بدل التشديد. انتهى. ونسبها المصنف للأصيلي هنا، ثم ظاهر حديث الصحيح أنها خرجت بنفسها، وفي مغازي سليمان التيمي أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع إلى رحله وجد بنت حمزة، فقال لها: ما أخرجك؟ قالت: رجل من أهلك ولم يكن صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجها، وفي حديث علي عند أبي داود أن زيد بن حارثة أخرجها من مكة، وفي حديث ابن عباس عند الواقدي أن بنت حمزة وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدمها صلى الله عليه وسلم كلمه علي، فقال: علام تترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني

فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم". الحديث.

_ المشركين، فلم ينهه فخرج بها فيحتمل في طريق الجمع, والله أعلم, أنه صلى الله عليه وسلم لما لم ينهه خرج بها من البيت الذي كانت فيه بمكة، ثم دفعها إلى زيد، خوفا من أذى الكفار لمزيد قربه من المصطفى ومنها أو منهم ولذا جاءوه في طلب خروج النبي عنهم، فأتى بها زيد من مكة إلى الرحال فطافت فيها فأبصرت النبي صلى الله عليه وسلم فنادته: يا عم يا عم! فألقاها علي في هودج فاطمة، وهذا لم أره لغيري لكنه مقتضى الأحاديث "فاختصم فيها" بنت حمزة "علي، وزيد، وجعفر" رضي الله عنهم أي في أيهم تكون عنده، وكان ذلك بعد أن قدموا المدينة كما في حديث علي عند أحمد، والحاكم وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فلما دنوا من المدينة كلمه فيها زيد وكان وصي حمزة وأخاه، وهذا لا ينفي أن المخاصمة وقعت بالمدينة فلعل زيدا سأله صلى الله عليه وسلم في ذلك ووقفت المنازعة بعد. ولأبي سعيد السكري في ديوان حسان أن مخاصمتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانت بعد أن وصلوا مر الظهران ذكره الحافظ، فإن صح فلعلهم اختصموا عنده مرتين وفي رواية أبي سعيد السكري اختصموا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فأيقظوا النبي صلى الله عليه وسلم من نومه "قال" ولابن عساكر: فقال "علي: أنا أخذتها" وفي رواية: أنا أخرجتها من بين أظهر المشركين "وهي ابنة عمي" زاد أبو داود: وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أحق به، "وقال جعفر": هي "ابنة" ولأبي ذر: بنت "عمي وخالتها" أسماء بنت عميس كما في حديث علي عند أحمد "تحتي" أي زوجتي. وفي رواية الحاكم: عندي "وقال" بالواو ولأبي ذر: فقال "زيد: ابنة" ولأبي ذر، وابن عساكر: بنت "أخي" وكان صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين حمزة حين آخى بين المهاجرين، كما ذكره الحاكم في الإكليل وأبو سعد في شرف المصطفى. وزاد في حديث علي عند أبي داود: أنا خرجت إليها. قال الحافظ: وكان لهؤلاء الثلاثة فيها شبهة أما زيد فللأخوة التي ذكرها ولكونه بدأ بإخراجها من مكة، وأما علي فلأنه ابن عمها وحملها مع زوجته، وأما جعفر فلكونه ابن عمها وخالتها عنده فترجح جانبه باجتماع قرابة الرجل والمرأة منها دونهما، "فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها". وفي حديث ابن عباس: فقال: "جعفر أولى بها". ولأبي داود، وأحمد: "أما الجارية فأقضي بها لجعفر". ولأبي سعيد السكري: "ادفعاها إلى جعفر فإنه أوسعكم". قال الحافظ: وهذا سبب ثالث، وقال: "الخالة بمنزلة الأم". أي: تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد

وإنما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على أخذه مع اشتراط المشركين أن لا يخرج بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها. وقوله: "الخالة بمنزلة الأم". أي في هذا الحكم الخاص؛ لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد. ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة؛ لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة، مع كونها أقرب العصبات من النساء، فهي مقدمة على غيرها، ويؤخذ منه تقديم أقارب.

_ "الحديث" بقيته، وقال لعلي: "أنت مني، وأنا منك". وقال لجعفر: "أشبهت خَلقي وخُلقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا". وقال علي: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة". قال الحافظ: فطيب خواطر الجميع وإن كان قضى لجعفر، فقد بين وجهه وحاصله أن المقضي له في الحقيقة الخالة وجعفر تبع لأنه كان القائم في الطلب، وفي حديث علي عند أحمد، وكذا في مرسل الباقر، فقام جعفر فحجل حول النبي صلى الله عليه وسلم دار عليه، فقال صلى عليه وسلم: "ما هذا"؟. قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم، وفي حديث ابن عباس فقال: إن النجاشي كان إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله. وهو بفتح المهملة وكسر الجيم، أي: وقف على رجل واحدة، وهو الرقص بهيئة مخصوصة. وفي حديث علي المذكور: أن الثلاثة فعلوا ذلك. "وإنما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على أخذها مع اشتراط المشركين أن لا يخرج بأحد من أهلها أراد الخروج لأنهم لم يطلبوها". قاله الحافظ، وزاد أيضا فالنساء المؤمنات لم يدخلن في ذلك, لكن إنما نزل القرآن في ذلك بعد رجوعهم إلى المدينة. انتهى. وهو أظهر لاقتضاء الأول أنهم لو طلبوها ردها وهو ممتنع حيث لم يدخلن في الشرط، وقوله: "الخالة بمنزلة الأم". "أي: في هذا الحكم الخاص", وهو الحضانة "لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد" كما دل عليه السياق, فلا حجة فيه لمن زعم أن الخالة ترث؛ لأن الأم ترث في حديث علي وفي مرسل الباقر، الخالة والدة، وإنما الخالة أم، وهي بمعنى قوله بمنزلة الأم لا أنها أم حقيقة "يؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة؛ لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء فهي" الخالة، "مقدمة على غيرها" العمة بالأولى "ويؤخذ منه تقديم أقارب

الأم على أقارب الأب. انتهى. قال ابن عباس: وتزوج صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم

_ الأم على أقارب الأب. انتهى". ما نقله من الفتح وزاد وعن أحمد رواية أن العمة مقدمة في الحضانة على الخالة، وأجيب له عن هذه القصة بأن العمة لم تطلب فإن قيل: والخالة لم تطلب. قيل: قد طلب لها زوجها، فكما أن لقريب المحضون أن يمنع الحاضنة إذا تزوجت فللزوج أيضا، أن يمنعها من أخذه فإذا وقع الرضا سقط الحرج، وفيه من الفوائد أيضا تعظيم صلة الرحم بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التوصل، إليها وأن الحاكم يبين دليل الحكم للخصم، وأن الخصم يدلي بحجته، وأن الحاضنة إذا تزوجت بقريب المحضون لا تسقط حضانتها إذا كانت المحضونة أنثى أخذا بظاهر هذا الحديث، قاله أحمد وعنه: لا فرق بين الأنثى والذكر ولا يشترط كونه محرما لكن مأمونا وأن الصغير لا يشتهى، ولا تسقط إلا إذا تزوجت بأجنبي وكل من طلبت حضانتها لها كانت متزوجة فرجح جانب جعفر بكونه زوج الخالة. انتهى. لكن الحق في هذه الصورة عند مالك كان للعمة لأن من شرط عدم سقوط الحضانة بالتزويج أن لا يكون هناك حاضنة خلية من الزوج، عن هذه القصة بأنها لما لم تطلب، لم يكلفها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خصوصا وقد علمت بقدومها إذ الاختصام كان بالمدينة كما مر فلا يقال: لو كان الحق لها لأرسل لها، وإن لم تطلب. وفي رواية أبي سعيد السكري فدفعناها إلى جعفر فلم تزل عنده حتى قتل فأوصى بها جعفر إلى علي فمكثت عنده، حتى بلغت فعرضها علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هي ابنة أخي من الرضاعة". وذكر الخطيب في المهمات أنه صلى الله عليه وسلم، زوجها من سلمة ابن أم سلمة، وقال حين زوجها منه: "هل جزيت سلمة"؟. وذلك أنه هو الذي كان زوج أمه أم سلمة منه صلى الله عليه وسلم، وذكر أبو جعفر بن حبيب في كتاب المخبر أنها لما قدمت المدينة طفقت تسأل عن قبر أبيها، فبلغ حسان فقال: تسائل عن قرم هجان سميذع ... لدى الناس مغوار الصباح جسور فقلت لها إن الشهادة راحة ... ورضوان رب يا أمام غفور دعاه إله الحق ذو العرش دعوة ... إلى جنة فيها رضا وسرور "قال ابن عباس": عند البخاري في مواضع "وتزوج صلى الله عليه وسلم ميمونة" ولابن حبان، والنسائي والطبراني عن ابن عباس: تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك يعني عمرة القضاء، وكان الذي زوجها العباس "وهو محرم".

وبنى بها وهو حلال. وقد استدرك ذلك على ابن عباس وعد من وهمه، قال سعيد بن المسيب: وَهِلَ ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها صلى الله عليه وسلم إلا بعد ما حل. ذكره البخاري "وهل" بكسر الهاء أي: غلط.

_ ولأبي الأسود عن عروة بعث صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة ليخطبها له فجعلت أمرها إلى العباس وكانت أختها أم الفضل تحته فزوجه إياها. زاد ابن هشام وأصدقها العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم "وبنى" دخل "بها وهو حلال". قال ابن إسحاق: وكانت قريش وكلت حويطبا بإخراجه صلى الله عليه وسلم من مكة، فقالوا: اخرج عنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه". فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا. وعند الواقدي: وكان صلى الله عليه وسلم لم ينزل بيتا إنما ضربت له قبة من أديم بالأبطح فكان فيها حتى خرج من مكة ولم يدخل تحت سقف بيت من بيوتها، فغضب سعد بن عبادة لما رأى من غلظ كلامهم، وقال سهيل بن عمرو: كذبت لا أم لك ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يبرح منها إلا طائعا راضيا، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: "يا سعد، لا تؤذ قومنا، زارونا في رحالنا". وخرج وخلف أبا رافع على ميمونة، فأقام حتى أمسى فخرج بها ومن معها ولقيت من سفهاء مكة عناء فأتاه بها بسرف، ثم بقية حديث ابن عباس هذا عند البخاري وماتت بسرف أي بعد ذلك سنة إحدى وخمسين على الصحيح، وقيل: سنة ثلاث وستين وقيل: ست وستين. "وقد استدرك ذلك" أي تزوجها وهو محرم "على ابن عباس وعد من وهمه", وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه. "قال سعيد بن المسيب" أحد كبار التابعين المشهور: "وهل ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها صلى الله عليه وسلم إلا بعدما حل، ذكره" أي رواه يعني قول ابن عباس وسعيد "البخاري ووهل بكسر الهاء، أي غلط" لمخالفته المروي عنها نفسها، وعن أبي رافع وكان الرسول بينهما وعن سليمان بن يسار، وهو مولاها فقد اتفقوا كلهم على أنه كان حلالا فتترجح روايتهم على رواية واحد، وأيضا فرواية من باشر الوقعة أرجح ممن لم يباشرها، ثم هذا المشهور عن ابن عباس. وعند البزار عن عائشة نحوه وكذا للدارقطني بسند ضعيف عن أبي هريرة. وأخرج الدارقطني من طريق أبي الأسود ومطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال قال السهيلي، وهي غريبة جدا قلت: إن ثبت ذلك عنه، فكأنه رجع وإلا فالثابت عنه في الموطأ والصحيحين والسنن أنه تزوجها وهو محرم.

وقال يزيد بن الأصم عن ميمونة: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف. رواه مسلم. وسيأتي في.

_ قال السهيلي: وتأول بعض شيوخنا قوله: وهو محرم بمعنى في الشهر الحرام والبلد الحرام وذلك أن ابن عباس عربي فصيح يتكلم بكلام العرب ولم يرد الإحرام بالحج، وقد قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... فدعا فلم أر مثله مجدولا فالله أعلم أراد ذلك ابن عباس أم لا؟ انتهى. "وقال يزيد بن الأصم" واسمه عروة بن عبيد بن معاوية البكائي بفتح الموحدة والتشديد، أبو عون الكوفي, نزيل الرقة, ثقة، يقال له رؤية. قال الحافظ: ولم تثبت مات سنة ثلاث ومائة، روى له مسلم والأربعة وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين "عن" خالته "ميمونة: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف" بفتح السين المهملة وكسر الراء وبالفاء، ما بين التنعيم وبطن مرو وهو إلى التنعيم أقرب. "رواه مسلم" وزاد عن يزيد: وكانت خالتي، وخالة ابن عباس، وأخرج الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان عن أبي رافع أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال. وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما. وروى مالك في الموطأ عن ربيعة عن سليمان بن يسار أنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة وهو بالمدينة قبل أن يخرج. قال البيهقي في المعرفة: وبهذا رد الشافعي رواية ابن عباس التي احتج بها الحنفية وأهل العراق على جواز نكاح المحرم وإنكاحه، وخالفهم الجمهور وأهل الحجاز محتجين بحديث مسلم عن عثمان رفعه: " المحرم لا يَنكِح ولا يُنكِح". وأما خبر ابن عباس وإن صح إسناده إليه فوهم كما قال سعيد. قال الشافعي: لأن ابن أختها يزيد يقول: نكحها حلالا ومعه سليمان بن يسار عتيقها أو ابن عتيقها وخبر اثنين أكثر من خبر واحد مع رواية عثمان التي هي أثبت من هذا كله، قال: ولئن سلمنا أن الخبرين تكافآ نظرنا فيما فعل الصحابة بعد وقد رأينا عمر، وزيد بن ثابت يردان نكاح المحرم، ولا أعلم من الصحابة مخالفا لذلك وقد روينا عن الحسن أن عليا قال: من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته ولم نجز نكاحه. انتهى. "و" على تقدير أن يكون حديث ابن عباس محفوظا، فلا حجة فيه لما "سيأتي في

الخصائص من مقصد معجزاته إن شاء الله تعالى: أن له -النبي صلى الله عليه وسلم- النكاح في حال الإحرام على أصح الوجهين عن الشافعية.

_ الخصائص من مقصد معجزاته إن شاء الله تعالى أن له صلى الله عليه وسلم النكاح في حال الإحرام على أصح الوجهين عند الشافعية" وهو المعتمد وقول الجمهور من غيرهم، فلا حجة فيه للكوفيين، وقولهم أنه عقد معاوضة لا يمنع المحرم منه كشراء الجارية للتسري قياس في معرض النص فلا يعتبر به، وتأويلهم لا ينكح المحرم بلا يطأ تخصيص للعام بلا دليل, والله أعلم.

ذكر خمس سرايا قبل مؤتة

"ذكر خمس سرايا قبل مؤتة": ثم سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم، في ذي الحجة سنة سبع، في خمسين رجلا، فأحدق بهم الكفار من كل ناحية، وقاتل القوم قتالا شديدا، حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى.

_ ذكر خمس سرايا قبل مؤتة: "ثم سرية" الأخرم بخاء معجمة وراء مفتوحة وميم "ابن أبي العوجاء السلمي", هكذا قال الزهري: وتلميذه ابن إسحاق، وابن سعد بإثبات لفظ ابن، وهو الذي عزاه في الإصابة والتجريد للزهري. قال الشامي: وأغرب الذهبي في الكنى فقال أبو العوجاء: ونقله عن الزهري. انتهى. قال في الإصابة ويحتمل أن يكون هو أي الأخرم محرز بن نضلة، فارس المصطفى. انتهى. وفيه نظر لأن محرز قتل في غزوة ذي قرد كما في مسلم، وهي قبل هذه قطعا لأن أقصى ما قيل: إن ذي قرد قبل خيبر بثلاثة أيام "إلى بني سليم" بضم السين المهملة وفتح اللام "في ذي الحجة سنة سبع"، كما عند ابن سعد "في خمسين رجلا". قال ابن سعد فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معهم فحذرهم فجمعوا له جمعا كثيرا فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم معدون له فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه فتراموا بالنبل ساعة وأتتهم الأمداد، "فأحدق" أحاط "بهم الكفار من كل ناحية وقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم" هذا لفظ ابن سعد، وأما الزهري فقال: بعث صلى الله عليه وسلم سرية عليها ابن أبي العوجاء السلمي فقتلوا جميعا وأما ابن إسحاق، فقال: غزوة ابن أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم أصيب بها هو وأصحابه جميعا، فهذا نص في أن الأمير قتل معهم هو ظاهر قول ابن شهاب. وأما ابن سعد فيخالف ذلك فهذا الذي منعنا من تأويل قول عامتهم بجميعهم ولأن الأمير عند ابن سعد لم يقتل لقوله: "وأصيب" أي وجد "ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى" فظنوه قتل

ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول صفر سنة ثمان. ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح -بالحاء المهملة- بالكديد -بفتح الكاف- قال في القاموس: الكديد بفتح الكاف ما بين الحرمين شرفهما الله. والبطن الواسع من الأرض, والأرض الغليظة، كالكدة بالكسر، ويوم الكديد معروف. في صفر سنة ثمان من مهاجره، فغنم.

_ فتركوه "ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقدموا المدينة "في أول" يوم من "صفر سنة ثمان", وقول ابن سعد فقدموا بالجمع يوهم أنه نجا منهم غير الأمير، فإما أنه اطلع على ذلك، وإما أن القادم معه اثنان أو أكثر رأوه جريحا، فعاونوه في الذهاب للمدينة والله أعلم. "ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي" الكناني، الكلبي كلب عوف بن ليث تقدم بعض ترجمته وأنه ولي إمرة خراسان زمن معاوية سنة ثمان وأربعين، واسم جده مسعر على الصحيح، ولغالب حديث أخرجه البخاري في تاريخه والبغوي عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح بين يديه لأسهل له الطريق ولأكون له عينا، فلقيني على الطريق لقاح بني كنانة وكانت نحوا من ستة آلاف لقحة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل فحلبت له فجعل يدعو الناس إلى الشراب فمن قال: إني صائم؟ قال: هؤلاء العاصون "إلى بني الملوح" بضم الميم وفتح اللام وكسر الواو المشددة و"بالحاء المهملة" آخره. قال ابن سعد وهم من بني ليث "بالكديد بفتح الكاف" وكسر الدال المهملة وسكون التحتية آخره دال مهملة. "قال في القاموس: الكديد بفتح الكاف ما بين الحرمين شرفهما الله" لكنه أقرب إلى مكة فإنه على اثنين وأربعين ميلا منها, وفي الصحيح هو ماء بين عسفان وقديد، "والبطن الواسع من الأرض، والأرض الغليظة كالكدة بالكسر ويوم الكديد معروف" إلى هنا كلام القاموس. ولم يثبت في جميع النسخ "في صفر سنة ثمان", كما أرخها ابن سعد "من مهاجره" بضم الميم، وفتح الجيم، مصدر ميمي بمعنى الهجرة أو اسم زمان الهجرة، لأن اسم المفعول من المزيد يستعمل بمعنى المصدر, واسم الزمان، واسم المكان. "فغنم" غالب بن عبد الله نعما. روى الواقدي عن حمزة بن عمر الأسلمي قال: كنت معهم وكنا بضعة عشر رجلا وكان شعارنا: أمت أمت. ونقل ابن كثير عن الواقدي، أنهم كانوا مائة وثلاثين. رده الشامي بأن ذاك في سرية لغالب غير هذه يعني التي تقدمت قبل عمرة القضاء.

...............................................

_ روى ابن إسحاق ومن طريقه أحمد، وأبو داود، وابن سعد كلهم عن جندب بن مكيث الجهني، قال: بعث صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي على سرية كنت فيها وأمره بشن الغارة على بني الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن مالك الليثي فأخذناه، فقال: إني جئت أريد الإسلام وما خرجت إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا له: إن تك مسلما فلن يضرك رباط يوم وليلة وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك فشددناه وثاقا. ثم خلفنا عليه رجلا من أصحابنا أسود، فقلنا له: إن غارك فاحتز رأسه. ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم، فخرجت حتى آتي تلا مشرفا على الحاضر، فاستندت فيه فعلوت على رأسه فنظرت إلى الحاضر، فوالله إني لمنبطح على التل إذ خرج رجل من خبائه، فقال لامرأته: إني لأرى على التل سوادا ما رأيته في أول يومي، فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين شيئا لا تكون الكلاب جرت بعضها، قال: فنظرت، فقالت: لا والله لا أفقد شيئا، قال: فناوليني قوسي وسهمين فناولته فأرسل سهما فما أخطأ جنبي. لفظ ابن إسحاق: وقال ابن سعد: عنه فوالله ما أخطأ بين عيني فأنزعه وثبت مكاني، فأرسل الآخر فوضعه في منكبي فأنزعه فأضعه وثبت مكاني، فقال لامرأته: لو كنا ربيئة لقوم لقد تحرك لقد خالطه سهماي لا أبا لك إذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا تمضغهما الكلاب، ثم دخل وأمهلناهم حتى إذا اطمأنوا وناموا وكان في وجه السحر شننا عليهم الغارة فقتلنا منهم واستقنا النعم وخرج صريخ القوم وجاءنا دهم لا قبل لنا به ومضينا بالنعم ومررنا بابن البرصاء وصحبه فاحتملناهما معنا وأدركنا القوم حتى قربوا منا فما بيننا وبينهم إلا وادي قديد، فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر فجاء بشيء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر أحد أن يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإن لنسوق نعمهم ما يستطيع رجل منهم أن يجيز إلينا ونحن نحدوها سراعا حتى فتناهم فلم يقدروا على طلبنا، فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من أسلم عن رجل منهم أن شعار الصحابة تلك الليلة: أمت أمت. فقال راجز من المسلمين يحدوها: أبى أبو القاسم أن تعربي ... في خضل نباتة مغلولب صفر أعاليه كلون المذهب انتهى. وربيئة بفتح الراء وكسر الموحدة بعدها تحتية فهمزة أي طليعة، والحارث بن مالك هو المعروف بابن البرصاء وهي أمه وقيل: أم أبيه, صحابي سكن مكة، ثم المدينة وله حديث واحد وهو قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح يقول: "لا تغزى مكة بعد اليوم، إلى يوم القيامة".

وفي هذا الشهر قدم خالد بن الوليد وعثمان بن أبي طلحة وعمرو بن العاصي المدينة, فأسلموا.

_ رواه الترمذي، وابن حبان، وصححاه والدارقطني، وعاش إلى أواخر خلافة معاوية "وفي هذا الشهر" صفر سنة ثمان "قدم خالد بن الوليد" بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أحد الأشراف كانت إليه أعنة الخيل في الجاهلية، وشهد مع قريش الحروب إلى عمرة الحديبية، كما في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة، ثم صار سيف الله. روى أبو يعلى مرفوعا: "لا تؤذوا خالدا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار". وأخرج الترمذي برجال ثقات، مرفوعا: "نعم عبد الله هذا سيف من سيوف الله". وروى أبو زرعة الدمشقي رفعه: "نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار". وروى سعيد بن منصور عن خالد قال: اعتمر صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة, فلم أشهد قتالا وهي معي إلا تبين لي النصر. ورواه أبو يعلى بلفظ: فما وجهت في وجه إلا فتح. والأكثر أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين, وقيل: توفي بالمدينة النبوية. روى ابن المبارك عنه أنه قال لما حضرته الوفاة: لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. "وعثمان بن أبي طلحة" واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدري حاجب البيت، ووقع في تفسير الثعلبي، بلا سند أنه أسلم يوم الفتح، بعد أن دفع له المفتاح. قال في الإصابة: وهو منكر والمعروف أنه أسلم وهاجر مع عمرو وخالد وبه جزم غير واحد، ثم سكن المدينة وبها مات سنة ثنتين وأربعين. قال الواقدي، وابن البرقي: وقيل: استشهد بأجنادين. قال العسكري: وهو باطل. "وعمرو بن العاصي" بن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير ابن سهم القرشي، السهمي أمير مصر أحد دهاة العرب في الإسلام الأربعة. ذكر الزبير بن بكار أن رجا قال له: ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال: كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا ممن يوازي حلومهم الجبال فلذنا بهم، فلما ذهبوا صار الأمر إلينا، نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين, فوقع في قلبي الإسلام. مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح عن نحو تسعين سنة. وروى الخطيب مرفوعا: "يقدم عليكم الليلة رجل حكيم". فقدم عمرو مهاجرا "المدينة"، فأسلموا". ذكر الزبير بن بكار أنهم لما قدموا عليه صلى الله عليه وسلم

وقال ابن أبي خيثمة: كان ذلك سنة خمس، وقال الحاكم: سنة سبع.

_ قال عمرو: كنت أسن منهما فأردت أن أكيدهما فقدمتهما قبلي للبيعة فبايعا واشترطا أن يغفر لهما ما تقدم من ذنبهما فأضمرت في نفسي أن أبايع على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، فلما بايعت ذكرت ما تقدم من ذنبي وأنسيت أن أقول وما تأخر. "وقال" أحمد "ابن أبي خيثمة" زهير بن حرب الحافظ ابن الحافظ، أبو بكر النسائي، ثم البغدادي. قال الخطيب: ثقة, عالم, متقن, بصير بأيام الناس, راوية للأدب, لا أعرف أغزر من فوائد تاريخه, بلغ أربعا وتسعين سنة ومات سنة تسع وثمانين ومائتين: "كان ذلك سنة خمس" قال الحافظ: هو وهم، ففي الصحيح أن خالدا كان على خيل قريش بالحديبية. "وقال الحاكم: سنة سبع" بعد خيبر، أخرج ابن إسحاق عن عمرو بن العاصي قال: لما انصرفنا عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله إن أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا, وقد رأيت أن تلحق بالنجاشي، فإن ظهر محمد فكوننا تحت يده أحب إلينا من يد محمد وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلا يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي قلت: فاجمعوا ما يهدى وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية رسوله صلى الله عليه وسلم في شأن جعفر وأصحابه فدخل عليه، ثم خرج، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، لو دخلت على النجاشي فأعطانيه فضربت عنقه لرأت قريش أني أجمأت عنها بقتل رسول محمد فدخلت فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي أهديت إليَّ من بلادك يئا قلت له: نعم أدما كثيرا وقربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: إني رأيت رسول عدونا خرج من عندك فأعطنيه لأقتله فإنه أصاب من أشرافنا وخيارنا، فغضب ثم ضرب أنفه بيده ضربة ظننت أنه كسره فتمنيت أن لو انشقت بي الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت: أيها الملك! والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألته قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ قلت: أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرج إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان! فقال: والله لقد استقام الميسم, وإن الرجل لنبي, أذهب والله أسلم فحتى متى؟ فقلت: والله لقد جئت لأسلم, فقدمنا المدينة فتقدم خالد

ثم سرية غالب أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان، ومعه مائتا رجل، فأغاروا عليهم مع الصبح.

_ فأسلم، وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله! إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عمرو! بايع فإن الإسلام يجب ما قبله وإن الهجرة تجب ما قبلها". قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما أسلم حين أسلما. قال في الروض: من رواه الميسم بالياء فهو العلامة أي قد تبين الأمر ومن رواه المنسم بفتح الميم وبالنون فمعناه استقام الطريق ووجبت الهجرة والمنسم مقدم خف البعير كنى به عن الطريق للتوجه به فيه. انتهى. وفي إسلام عمرو على يد النجاشي لطيفة هي صحابي أسلم على يد تابعي ولا يعرف مثله, والله أعلم. "ثم سرية غالب أيضا" لما رجع مؤيدا منصورا "إلى" موضع "مصاب أصحاب بشير" كأمير "ابن سعد" وكانوا ثلاثين "بفدك في صفر سنة ثمان". وروى ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم هيأ الزبير، وقال له: "سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم". وهيأ معه مائتي رجل وعقد له لواء, فقدم غالب من سرية الكديد قد ظفره الله عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير: "اجلس". وبعث غالبا "ومعه مائتا رجل", سمى الواقدي، وابن سعد منهم علبة بن زيد الحارثي وأبا مسعود وكعب بن عجرة وأسامة وحويصة، وأبا سعيد الخدري "فأغاروا عليهم مع الصبح" وذلك أنه لما دنا منهم بعث الطلائع ومنهم علبة بضم المهملة وسكون اللام وفتح الموحدة في عشرة ينظرون إلى محالهم فأشرف على جماعة منهم، ثم رجع وأخبره الخبر. وروى ابن سعد: عن حويصة: بعثني صلى الله عليه وسلم في سرية مع غالب إلى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز إلينا أميرنا أن لا نفترق وآخى بيننا وقال: لا تعصوني فإنه صلى الل عليه وسلم قال: "من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم". فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدري فأصبنا القوم. وروي أنه لما دنا من القوم حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا لي أمرا فإنه لا رأي لمن لا يطاع ثم ألف بين كل اثنين، وقال لهم: لا يفارق أحد منكم زميله، وإذا كبرت فكبروا فلما أحاطوا بالقوم كبر غالب فكبروا معه وجردوا السيوف، فخرج الرجال فقاتلوا ساعة ووضع

وقتلوا منهم قتلى وأصابوا نعما. ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر، بالسيء، ماء من ذات عرق إلى وجرة على ثلاثة مراحل من مكة إلى البصرة، وخمس من المدينة. في شهر ربيع الأول سنة ثمان، ومعه أربعة وعشرون رجلا إلى جمع من هوازن، وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم، فأصابوا نعما وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا وعدلوا البعير بعشر من الغنم. ثم سرية كعب بن عمير الغفاري.

_ المسلمون فيهم السيف وكان شعارهم: أمت أمت. "وقتلوا منهم قتلى وأصابوا نعما" وشاء وذرية فساقوها وكانت سهامهم عشرة أبعرة لكل رجل أو عدلها من الغنم لكل بعير عشرة. "ثم سرية شجاع" بمعجمة مضمومة وجيم "ابن وهب" بن ربيعة بن أسد "الأسدي" أبو وهب البدري من السابقين الأولين، وهاجر إلى الحبشة واستشهد باليمامة "إلى بني عامر بالسيء" بكسر السين المهملة ثم همزة ممدودة، كذا ضبطه البرهان، وتبعه الشامي والذي في الصحاح القاموس والمراصد أنه بالكسر وتشديد الياء وكذا ضبطه أبو عبيد البكري، وقال: هو "ماء" بالرفع أو الجر بدل مما قبله "من ذات عرق إلى وجره" بفتح الواو وسكون الجيم وبالراء فهاء تأنيث موضع بين مكة والبصرة أربعون ميلا، كما في القاموس "على ثلاثة مراحل من مكة إلى البصرة وخمس من المدينة". قال البكري: وزعم أن وجرة ماء لبني سليم على ثلاثة مراحل من مكة "في شهر ربيع الأول سنة ثمان ومعه أربعة وعشرون رجلا إلى جمع من هوازن" يقال لهم: بنو عامر "وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن" بضم الميم وفتحها "النهار حتى صبحهم" وهم غافلون، ونهى أصحابه أن يمنعوا في الطلب "فأصابوا نعما" كثيرا كما في الرواية "وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا وعدلوا البعير بعشر من الغنم". رواه كله ابن سعد من مرسل عمرو بن الحكم. "ثم سرية كعب بن عمير" بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية فراء "الغفاري" بكسر المعجمة وخفة الفاء.

إلى ذات أطلاح، وراء ذات القرى، في ربيع الأول سنة ثمان في خمسة عشر رجلا، فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، فوجدوا جمعا كثيرا فقاتلهم الصحابة أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت رجل جريح في القتلى. قال مغلطاي: قيل: هو الأمير. فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، وهم بالبعث إليهم فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركهم.

_ قال أبو عمر من كبار الصحابة "إلى ذات أطلاح" بفتح الهمزة وسكون الطاء، وبالحاء المهملتين من أرض الشام "وراء ذات القرى" الذي عند غيره: وراء وادي القرى، وقد مر له نظير ذلك في سرية حسمي والانتقاد عليه بأنه ليس ثم محل يقال له: ذات القرى، وأنه يمكن تأويله أنه لم يرد المعنى العلمي بل الإضافي بتقدير مضاف موصوف ذات هو وراء أرض ذات القرى "في ربيع الأول سنة ثمان" كما أرخها ابن سعد. قال: حدثنا محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث صلى الله عليه وسلم كعبا "في خمسة عشر رجلا فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، فوجدوا جمعا كثيرا" وذلك أنه كان يكمن النهار ويسير الليل حتى دنا منهم فرآه عين لهم فأخبرهم بقلة الصحابة فجاءوا على الخيل، وفي حديث الزهري فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل "فقاتلهم الصحابة أشد القتال حتى قتلوا". قال أبو عمر: قتلوهم ببضاعة "وأفلت" أي تخلص ونجا "منهم رجل جريح في القتلى". "قال مغلطاي: قيل: هو الأمير" قائله ابن سعد ونسبه الشامي للواقدي وفيه نظر. ففي الإصابة أن ابن سعد ذكر أن أصحابه قتلوا جميعا وتحامل هو حتى بلغ المدينة كذا قال، وقد ساق شيخه الواقدي القصة وأبهم الرجل الذي تحامل، وهكذا ذكره ابن إسحاق عن عبد الله ابن أبي بكر، وأن كعب بن عمير قتل يومئذ، وكذا ذكر ابن عقبة عن الزهري, وأبو الأسود عن عروة، وبه جزم أبو عمر. انتهى. ولذا مرضه مغلطاي، وقال البرهان: هذا الرجل لا أعرف اسمه "فلما برد" بفتح الراء وضمها "عليه الليل تحامل حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر فشق ذلك عليه وهم بالبعث إليهم، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركهم". قال بعض ولم أقف على سبب هذه السرية والله سبحانه أعلم.

باب غزوة مؤتة

"باب غزوة مؤتة": ثم سرية مؤتة -بضم الميم وسكون الواو- بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد، وجزم ثعلب والجوهري وابن فارس بالهمز، وحكى غيرهم الوجهين. وهي من عمل البلقاء بالشام، دون دمشق.

_ باب غزوة مؤتة: "ثم سرية مؤتة" ترجمها البخاري وابن إسحاق في طائفة غزوة مؤتة وفي بعض الروايات تسميتها غزوة جيش الأمراء وذلك لكثرة جيش المسلمين فيها وما لاقوه من الحرب الشديد مع الكفار، وسماها المصنف وغيره سرية لأنها طائفة من جيشه صلى الله عليه وسلم بعثها ولم يخرج معها، وموتة قال الحافظ: في الفتح "بضم الميم وسكون الواو بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم" من أهل اللغة "المبرد" أبو العباس محمد بن يزيد عبد الأكبر إمام العربية المشهور. ولد سنة عشر ومائتين ومات سنة اثنتين، وقيل: خمس وثمانين. قال السيرافي: لما صنف المازني كتاب الألف واللام، سأل المبرد عن دقيقه وعويصه فأجابه بأحسن جواب، فقال له: قم فأنت المبرد بكسر الراء المثبت للحق فغيره الكوفيون وفتحوا الراء. انتهى. ومن الرواة من همزها "وجزم ثعلب" العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي المقدم في نحو الكوفيين ولد سنة مائتين. قال الخطيب: كان ثقة دينا حجة صالحا مشهورا بالحفظ مات في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين ومائتين المعدود في الحفاظ لقوله سمعت من عبيد الله القواريري مائة ألف حديث "والجوهري" الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد مات في حدود الأربعمائة "و" أحمد بن زكريا "ابن فارس" أبو الحسين الرازي اللغوي الفقيه المالكي الإمام في علوم شتى صاحب التصانيف، المتوفى سنة تسع وقيل: خمس وسبعين وثلاثمائة "بالهمز". "وحكى غيرهم" وهو صاحب الوافي كما في الفتح "الوجهين وهي من عمل البلقاء" بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد مدينة معروفة "بالشام،" هكذا ضبطها البرهان بالمد وهو ظاهر القاموس، وفي الشامي أنها مقصورة "دون دمشق"، وفي الفتح قال ابن إسحاق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره على مرحلتين من بيت المقدس. قال: وأما المؤتة التي وردت الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز. انتهى. وفي الروض مؤتة مهموزة الواو قرية من أرض البلقاء بالشام، وأما الموتة بلا همز فضرب من الجنون وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه

في جمادى الأولى سنة ثمان. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى ملك بصرى، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول صلى الله عليه وسلم رسول غيره. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة.

_ ونفخه ونفثه". وفسره الراوي، فقال: نفثه: الشعر, ونفخه: الكبر, وهمزه: الموتة. انتهى. "في جمادى الأولى سنة ثمان" كما في مغازي أبي الأسود عن عروة، وكذا قال ابن إسحاق، وموسى بن عقبة وأهل المغازي لا يختلفون في ذلك إلا ما ذكر خليفة في تاريخه أنها كانت سنة سبع. قاله الحافظ: ووقع في جامع الترمذي أنها كانت قبل عمرة القضاء. قال البرهان وهو غلط بلا شك "و" سبب "ذلك" كما جزم به اليعمري ومرضه الحافظ، فقال: يقال: سببها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل الحارث بن عمير الأزدي"، ثم اللهبي بكسر اللام وسكون الهاء الصحابي "بكتاب إلى ملك بصرى،" أي أميرها من جهة هرقل وهو الحارث بن أبي شمر الغساني وعلى هذا اقتصر الفتح، وصدر العيون بأنه أرسله بالكتاب إلى ملك الروم، "فلما نزل موتة عرض" تصدى "له" ومنعه من الذهاب "شرحبيل" بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الموحدة اسم أعجمي لا ينصرف "ابن عمرو الغساني" بفتح المعجمة ومهملة مشددة كافر معروف من أمراء قيصر على الشام. قال البرهان: والظاهر هلاكه على شركه، "فقتله" صبرا وذلك أنه قال أين تريد؟ فقال: الشام. قال: فلعلك من رسل محمد؟ قال: نعم. فأمر به فأوثق رباطه ثم قدمه فضرب عنقه "ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره فأمَّر" بشد الميم "رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة" بمهملة ومثلثة مولاه وحبه أبا أسامة البدري. قال سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا. أخرجه أبو مسلم الكجي، والإسماعيلي، وأبو نعيم والطبراني بهذا اللفظ وهو في الصحيح بإبهام عدد غزوه مع زيد. قال الحافظ: وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد فبلغت سبعا كما قال سلمة: أولها في جمادى الآخرة سنة خمس، قبل نجد في مائة راكب، والثانية في ربيع الآخر سنة ست

على ثلاثة آلاف وقال: "إن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم". وفي حديث عبد الله بن جعفر عند أحمد والنسائي بإسناد صحيح: "إن قتل زيد فأميركم جعفر". الحديث.

_ إلى بني سليم، والثالثة في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين يلقى عيرا لقريش، والرابعة في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة, والخامسة إلى حسمى بكسر الحاء وسكون السين المهملتين مقصور في خمسمائة إلى جذام بطريق الشام كانوا قطعوا الطريق على دحية وهو راجع من عند هرقل، والسادسة إلى وادي القرى، والسابعة إلى ناس من بني فزارة وكان خرج قبلها في تجارة فخرج عليه ناس منهم فضربوه وأخذوا ما معه فجهزه إليهم فأوقع بهم. انتهى. وهذه الثامنة التي استشهد فيها أميراه كما رواه ابن إسحاق عن عروة "على ثلاثة آلاف" وذلك لأنه لما بلغه قتل رسوله اشتد عليه الأمر وندب الناس، "وقال" كما في الصحيح عن ابن عمر: "إن قتل فجعفر بن أبي طالب" أميرهم، كما ثبت بهذا اللفظ عند ابن عقبة عن الزهري، "فإن قتل فعبد الله بن رواحة" الأمير، "فإن قتل فليرض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم" أميرا، وفي نسخة: يجعلوه بحذف النون للتخفيف إذ ليس ثم ناصب ولا جازم. وروى الواقدي أنه كان ثم يهودي اسمه النعمان، قال: يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا لأن أنبياء بني إسرائيل، كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل يقول لزيد: اعهد فإنك لا ترجع إلى محمد إن كان نبيا، قال زيد: فأشهد أنه رسول صادق بار، "وفي حديث عبد الله بن جعفر" بن أبي طالب الهاشمي أحد الأجواد ولد بأرض الحبشة ومات سنة ثمانين وهو ابن ثمانين. روى له الستة صحابي ابن صحابي رضي الله عنهما "عند أحمد والنسائي بإسناد صحيح: "إن قتل زيد فأميركم جعفر". الحديث. والغرض منه بيان المحذوف في الرواية الأولى، فأفاد هذا أن قوله فيها: فجعفر خبر مبتدأ محذوف للعمل به, وأفادت رواية الزهري التي أسلفناها أنه مبتدأ حذف خبره فأفادت الروايتان جواز الأمرين. وروى أحمد، والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أبي قتادة، قال: بعث صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء، وقال: "عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد، فجعفر". الحديث، وفيه: فوثب جعفر وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدا، قال: "امض فإنك لا تدري أي ذلك خير".

قالوا: وعقد لهم صلى الله عليه وسلم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعينوا عليهم بالله وقاتلوهم. وخرج مشيعا لهم، حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم.

_ قال الحافظ: وفيه جواز تعليق الإمارة بشرط وتولية عدة أمراء بالترتيب، واختلف هل تنعقد ولاية الثاني في الحال أم لا والذي يظهر انعقادها في الحال لكن بشرط الترتيب وقيل: تنعقد لواحد لا بعينه وتتعين لمن عينه الإمام على الترتيب وقيل تنعقد للأول فقط، وأما الثاني فبطريق الاختيار واختيار الإمام يقدم على غيره لأنه أعرف بالمصلحة العامة وفيه جواز التآمر في الحرب بغير تأمير الإمام. قال الطحاوي: وهذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين تقديم رجل إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر وجواز الاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وعلم ظاهر من أعلام النبوة. انتهى. "قالوا: وعقد لهم صلى الله عليه وسلم لواء أبيض ودفعه إلى زيد وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير" وهو مؤتة كما مر، وروي أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يأتوا مؤتة فركبتهم ضبابة فلم يبصروا حتى أصبحوا عليها، فإن صح احتمل أن المراد بمقتل الحارث الأرض التي قتل فيها لا خصوص المكان الذي قتل به، فلا ينافي النهي أوان موضع قتله ليس في خصوص مؤتة بل في جهتها "وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا" فأقول لكم "استعينوا" بصيغة الأمر فلا يرد وجوب الفاء في جواب الشرط الطلبي، وفي لفظ استعانوا "عليهم بالله وقاتلوهم" فأسرع الناس بالخروج وعسكروا بالجرف بضم الجيم والراء، وسكونها. وروي بمعجمتين على ثلاثة أميال من المدينة لجهة الشام "وخرج" صلى الله عليه وسلم "مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع" بفتح الواو. سميت بذلك لتوديع المصطفى هذه السرية عندها، أو لأن المسافر كان يودع عندها قديما، وصححه عياض "فوقف وودعهم" وهذا أصل في الخروج مع المسافر إلى خارج البلد. وروى الواقدي عن زيد بن أرقم رفعه: "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا بسم الله في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا كبيرا فانيا ولا منعزلا بصومعة ولا تقربوا نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء". وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، ودع الناس الأمراء فلما ودع ابن رواحة بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية:

فلما ساروا نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه. وقد نزل المسلمون معان.

_ {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، قال: "فلما ساروا نادى المسلمون دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة": "لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا" أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنقذ الحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا وذات فرغ بفتح الفاء وسكون الراء وغين معجمة، أي واسعة يسيل دمها كما في العيون، والزبد فتح الزاي والموحدة وبمهملة رغوة الدم. قال ابن إسحاق وأتى ابن رواحة رسول الله فودعه، ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصر كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلة ... فراسة خالفت فيك الذي نظروا أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر وروى غيره أنه صلى الله عليه وسلم قال له: قل شعرا تقتضبه اقتضابا وأنا أنظر إليك من غير روية، فقال: إني تفرست الأبيات حتى انتهى إلى قوله: فثبت الله. قال صلى الله عليه وسلم: "وأنت فثبتك الله يابن رواحة". وعند أحمد، والترمذي عن ابن عباس أن ابن رواحة تخلف حتى صلى الجمعة معه صلى الله عليه وسلم فلما صلى رآه، فقال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك". قال: أردت أن أصلي معك الجمعة، ثم ألحقهم. فقال صلى الله عليه وسلم: "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم". وفي رواية: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها". "فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه" فلما نزل المسلمون وادي القرى بعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين من المشركين، فاقتتلوا وانكشف أصحاب سدوس وقد قتل، "وقد نزل المسلمون معان" لما ساروا من وادي القرى نزلوا بغار فبلغهم كثرة العدو فأقاموا على معان ليلتين "بفتح الميم" على ما

بفتح الميم موضع من أرض الشام، وبلغ الناس كثرة العدو وتجمعهم، وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في مائة ألف من المشركين, فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي، فمضوا إلى مؤتة. ووافاهم المشركون فجاء منهم من لا قبل لأحد به من العَدد والعُدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب.

_ صوبه الوقشي وغيره، وقال البكري: بضمها نقله عنه الروض وغيره ونقل عنه مغلطاي فتحها. قال الشامي: فكان نسخ معجمة مختلفة والعين مهملة فألف فنون "موضع من أرض الشام" وفي الروض، قال البكري: هو اسم جبل والمعان أيضا حيث تحبس الخيل والركاب، ويجوز أنه من أمعنت النظر أو من الماء المعين فوزنه فعال أو من أمعنت النظر فوزنه مفعل، وقد جنس المعري به فقال: معان من أحبثنا معان تجيب الصاهلات بها القيان "وبلغ الناس" الصحابة كثرة العدو وتجمعهم وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في مائة ألف من المشركين" أي الروم كما عبر به ابن إسحاق، وزادوا تضم إليهم من لخم وجذم والقيس وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، يقال له مالك بن رافلة. انتهى. ولعل هؤلاء الذين جمعهم شرحبيل، "فأقاموا ليلتين" على معان "لينظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر". زاد ابن إسحاق: فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له "فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي" قال ابن إسحاق: وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم إياها تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، "فمضوا إلى مؤتة ووافاهم" أتاهم "المشركون فجاء منهم من لا قبل" طاقة "لأحد به من العَدد" الكثير الزائد على مائتي ألف "والعُدد" بضم العين "والسلاح والكراع" بضم الكاف جماعة الخيل خاصة "والديباج، والحرير، والذهب" إظهارا للشدة والقوة بكثرة أموالهم وآلات حروبهم، وفي هذا فرط شجاعة الصحابة وقوة قلوبهم وتوكلهم على ربهم وعدم مبالاتهم بأنفسهم، لأنهم باعوها لله سبحانه إذا قدم ثلاثة آلاف على أكثر من مائتي ألف أصحاب حروب وشدة إنما هو لما وقر في قلوبهم واطمأنت عليه نفوسهم.

والتقى المسلمون والمشركون. فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم حتى قتل طعنا بالرماح. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح. قال في رواية البخاري: ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية.

_ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا وإن جندنا لهم الغالبون، وكان حقا علينا نصر المؤمنين، "والتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء" الثلاثة "يومئذ على أرجلهم" قد يشعر تخصيصهم إن من عداهم قاتلوا على حالهم التي كانوا عليها من كونهم مشاة أو ركبانا، "فأخذ اللواء زيد بن حارثة" أي حمله على العادة من أن الحامل له أمير الجيش كما مر، وقد يدفعه لمقدم العسكر وإلا فهو معه من حين دفعه له صلى الله عليه وسلم، "فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم". ذكر ابن إسحاق أنهم جعلوا على الميمنة قطبة بن قتادة العذري وعلى ميسرتهم عباية بن مالك الأنصاري "حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب". قال ابن إسحاق: وأتباعه فقاتل به على فرس فألحمه القتال أي أحاط به ولم يجد له مخلصا "فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل" قال بن هشام وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. قال اليعمري: أو أربع وثلاثين وفي الإصابة كان أسن من علي بعشر سنين، فاستوفى أربعين سنة وزاد عليها على الصحيح، وجزم ابن عبد البر بأن سنه كان إحدى وأربعين سنة "ضربه رجل من الروم" ضربة "فقطعه نصفين فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون" ليس فيه أنها زائدة على ما في أحد نصفيه فيجوز أنها من جملة ما كان فيه "ضربة بسيف وطعنة برمح" تمييز للعدد أي بعض جراحه بسيف وبعضها برمح. "قال في رواية البخاري" من طريق عبد الله بن سعد عن نافع عن ابن عمر. قال: كنت في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى "ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة" برمح "ورمية" بسهم، وكذا أخرجه ابن سعد من طريق اليعمري عن نافع عنه.

وفي رواية: أن ابن عمر قال وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل قال: فعددت به خمسين بين ضربة وطعنة ليس منها شيء في دبره. وذكر ابن إسحاق بإسناد حسن، وهو عند أبي داود من طريقه عن رجل من بني مرة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب، حتى اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها.

_ "وفي رواية" للبخاري أيضا من طريق سعيد بن هلال عن نافع "أن ابن عمر" أخبره "قال: وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل، قال: فعددت به خمسين بين ضربة" بسيف "وطعنة" برمح "ليس منها" وللكشميهني فيها "شيء في دبره" بضم الموحدة بيان لفرط شجاعته وإقدامه. زاد بعض الرواة في البخاري يعني في ظهره، أي لم يكن منها شيء في حال الإدبار، بل كلها في حال الإقبال لمزيد شجاعته. وكذا رواه سعيد بن منصور عن أبي معشر عن نافع مثله خمسين. قال الحافظ: وظاهرهما التخالف ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأخرى أو الخمسين مقيدة بأنها ليس فيها شيء في دبره، أي ظهره وقد يكون الباقي في بقية جسده ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره وإنما هو محمول على أن الرمي جاءه من جهة قفاه أو طنبه لكن يؤيد الأول أن في رواية اليعمري عن نافع فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده بعد أن ذكر أن العدد بضع وتسعون. ووقع للبيهقي في الدلائل بضع وسبعون أي بسين فموحدة وأشار إلى أن بضعا وتسعين أي فوقية فسين أثبت, وللإسماعيلي عن الهيثم بن خلف عن البخاري بضعا وتسعين أو بضعا وسبعين بالشك ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري. انتهى. "وذكر" أي روى "ابن إسحاق بإسناد حسن" قال حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد. قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف "وهو عند أبي داود من طريقه", فقال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا محمد بن مسلمة عن محمد بن إسحاق، فذكره "عن رجل من بني مرة" وإبهام الصحابي لا يضر لعدالة جميعهم "قال والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم" أي رمى بنفسه في هذا الأمر العظيم "عن فرس له شقراء فعقرها". هكذا الرواية في السيرة وسنن أبي داود بفتح المهملة والقاف، وبالراء أي ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف وفي رواية لابن عقبة، والواقدي، وابن إسحاق أيضا فعرقبها أي قطع عرقوبها وهو الوتر الذي بين مفصل الساق والقدم.

ثم قاتل حتى قتل. قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل. فأخذ اللواء ابن أقرم.

_ قال ابن إسحاق: فكان جعفر أول مسلم عقر في الإسلام. قال في الروض: ولم يعب ذلك عليه أحد فدل على جوازه إذا خيف أن يأخذها العدو فيقاتل عليها المسلمين، فلم يدخل هذا في النهي عن تعذيب البهائم وقتلها عبثا غير أن أبا داود قال: ليس هذا الحديث بالقوي، وقد جاء فيه نهي كثير عن الصحابة. انتهى, وكأنه يريد ليس بصحيح وإلا فهو حسن كما جزم به الحافظ وتبعه المصنف، "ثم قاتل حتى قتل" وهو يقول كما في بقية ذا الحديث الحسن: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لاقيتها ضرابها "قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل" قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد عن أبيه قال: حدثني أبي الذي أرضعني أحد بني مرة بن عوف، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية, ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد. ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه أن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنه قد طالما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه وقال: يا نفس ألا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت قد أعطيتي ... أن تفعلي فعلهما هديت يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، فلما نزل أتاه ابن عمه بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت أيامك هذه، ما لقيت فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في الناس، فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل. وروى سعيد بن منصور عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغني أنهم دفنوا يومئذ زيدا, وابن رواحة، وجعفرا في حفرة واحدة، وفي الصحيح وما يسرهم أنهم عندنا أي لما رأوا من فضل الشهادة "فأخذ اللواء" ثابت "بن أقرم" بفتح أوله وسكون القاف وبالراء، والميم

العجلاني، إلى أن اصطلح الناس على خالد بن الوليد، فأخذ اللواء، وانكشف الناس فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين. وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة.

_ ابن ثعلبة بن عدي بن العجلان "العجلاني" بفتح المهملة وسكون الجيم بطن من الأنصار. قال في الإصابة البلوى حليف الأنصار. ذكره ابن عقبة في أهل بدر. قال في رواية ابن إسحاق: فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلحوا على خالد وعند بن سعد أن ثابتا مشى باللواء إلى خالد، فقال: لا آخذه منك أنت أحق به، فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلا لك. وروى الطبراني عن أبي اليسر قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب ابن رواحة، فدفعها إلى خالد وقال: أنت أعلم بالقتال مني فحاصل هذه الروايات أن أبا اليسر أخذها ودفعها إلى ثابت فذهب بها لخالد فلم يقبلها فنادى يا معشر المسلمين فجاءوا "إلى أن اصطلح" اجتمع "الناس على خالد بن الوليد" وسلموها له "فأخذ اللواء". وفي الصحيح حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم، وفي رواية ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه. ثم قال: قال صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره فمن يومئذ سمي سيف الله، وفي رواية فأخذها خالد من غير إمرة، والمراد نفي كونه منصوصا عليه وإلا، فقد ثبت أنهم اتفقوا عليه "وانكشف الناس، فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون، فقتل من قتل من المسلمين" وهم اثنا عشر رجلا جعفر, وزيد، ومسعود بن أوس، ووهب بن سعد، وعبد الله بن رواحة، وعباد بن قيس، والحارث بن النعمان، وسراقة بن عمر ذكرهم ابن إسحاق. زاد ابن هشام عن الزهري أبا كليب، وجابر بن عمر بن زيد، وعمرا وعامرا ابني سعد بن الحارث وزاد ابن الكلبي، والبلاذري، هو بجة بفتح الهاء وسكون الواو، وفتح الموحدة والجيم وتاء تأنيث الضبي، وأنه لما قتل فقد جده وفي هذا عناية من الله بالإسلام وأهله ومزيد إعزاز ونصر لهم إذ جيش عدته ثلاثة آلاف يلقون أكثر من مائتي ألف فلا يقتل منهم إلا ثلاثة عشر مع أنهم اقتتلوا مع المشركين سبعة أيام، كما رواه القراب في تاريخه عن بردع بن زيد. كذا ذكر ابن سعد وغيره أن الهزيمة كانت على المسلمين، "وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد، فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة"، فإنما كانت الهزيمة على المشركين،

وقال ابن سعد: إنما انهزم المسلمون. وقال ابن إسحاق: انحازت كل طائفة من غير هزيمة.

_ وهذا ظاهر حديث الصحيح كما أسلفته قريبا وفيه أيضا عن خالد لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية بتخفيف الياء وحكي شدها، وهذا يقتضي أن المسلمين قتلوا من المشركين كثيرا. وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن عوف بن مالك أن رجلا من أهل اليمن رافقه فقتل روميا وأخذ سلبه فاستكثره خالد فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على أن ذلك كان بعد قيام خالد بالإمرة، وهو يرجح أنه لم يقتصر على حوز المسلمين والنجاة بهم بل باشر القتال. "وقال ابن سعد إنما انهزم المسلمون" هو الذي قدمه قبل قول الحاكم. فلو قال عقب قوله من المسلمين. قاله ابن سعد لكفى. "وقال ابن إسحاق انحازت كل طائفة" عن الأخرى "من غير هزيمة". قال: أعني ابن إسحاق وقد وقع كذلك في شعر القيس بن المسحر فذكره، ثم قال فبين ما اختلل فيه الناس أن القوم تحاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه، قال اليعمري: وهو المختار. لكن قال الشامي وافق ابن إسحاق شرذمة فسمي فتحا ونصرا باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو وتكاثرهم عليهم وكان مقتضى العادة أن يقتلوا بالكلية وهو محتمل لكنه خلاف ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "يفتح على يديه". والأكثرون على أن خالدا والمسلمين قاتلوا المشركين حتى هزموهم، ففي حديث أبي عامر عند ابن سعد أن خالدا لما حمل اللواء حمل على القوم فهزمهم أسوأ هزيمة ما رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا ونحوه عن الزهري وعروة، وابن عقبة، وعطاف بن خالد، وابن عائذ وغيرهم، وهو ظاهر الحديث. انتهى ملخصا، وقال في فتح الباري: اختلف أهل النقل في المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "حتى فتح الله عليهم". هل كان هناك قتلا فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح انحيازه بالمسلمين حتى رجعوا سالمين. ففي رواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عروة: فجاش خالد الناس ودافع وانحاز وانحيز عنه، ثم انصرف بالناس، وهذا يدل على الثاني ويؤيده ما عند سعيد بن منصور عن سعيد ابن أبي هلال بلاغا، قال: فأخذ خالد الراية فرجع بالمسلمين على جهة، ورمى واقد بن عبد الله التميمي المشركين حتى ردهم الله. وذكر ابن سعد عن أبي عامر أن المسلمين انهزموا لما قتل ابن رواحة حتى لم أر اثنين جميعا، ثم اجتمعوا على خالد وعند الواقدي من طريق عبيد الله بن الحارث بن فضيل عن أبيه،

ورفعت الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظر إلى معترك القوم. وعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني, وكان أحد بني مرة قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فرأيت جعفرا حين التحم القتال اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل، أخرجه البغوي في معجمه.

_ قال: لما أصبح خالد بن الوليد جعل مقدمته ساقة وميمنته ميسرة فأنكر العدو حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين وعنده من حديث جابر قال: أصيب بمؤتة ناس من المشركين وغنم المسلمون بعض أمتعتهم، وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فحمل خالد على الروم فهزمهم، وهذا يدل على الأول وهو وإن كان ضعيفا من جهة الواقدي وابن لهيعة الراوي عن أبي الأسود، ففي مغازي موسى بن عقبة وهي أصح المغازي ما نصه: ثم اصطلح المسلمون على خالد فهزم الله العدو وأظهر المسلمين ويمكن الجمع بأنهم هزموا جانبا من المشركين، وخشي خالد أن تتكاثر الكفار عليهم فانحاز بهم عنهم حتى رجع بهم إلى المدينة. وقال العماد بن كثير يمكن أن خالدا لما حاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير تعبية العسكر، كما تقدم وتوهم العدو أنهم جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا ولم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى، ثم وجدت في مغازي ابن عائذ بسند منقطع أن خالدا لما أخذ الراية قاتلهم قتالا شديدا حتى انحاز الفريقان عن غير هزيمة، وقفل المسلمون فمروا على طريقهم بقرية بها حصن كانوا في ذهابهم قتلوا من المسلمين رجلا، فحاصروهم حتى فتحه الله عليهم عنوة وقتل خالد مقاتلتهم، فسمي ذلك المكان نقع الدم إلى الآن، انتهى. "ورفعت الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظر إلى معترك القوم" كما في مغازي ابن عقبة، "وعن عباد" بفتح المهملة وشد الموحدة "ابن عبد الله بن الزبير" بن العوام كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج, ثقة أخرج له الستة، "قال: حدثني أبي الذي أرضعني" يعني أنه أبوه من الرضاعة "وكان أحد بني مرة" بن عوف، "قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه فرأيت جعفرا حين التحم القتال اقتحم" نزل "عن فرس له شقراء" قيل هذا يفعله الفارس من العرب إذا أرهق أي غشيه العدو وعرف أنه مقتول فينزل ويجادل العدو راجلا، "ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل". "أخرجه البغوي" الحافظ الكبير الثقة مسند العالم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغدادي طال عمره، وتفرد في الدنيا حتى توفي ليلة عيد الفطر سنة سبع عشرة وثلاثمائة عن مائة وثلاث سنين "في معجمه" في الصحابة وهو متقدم على محيي السنة صاحب المصابيح،

وقطعت في تلك الوقعة يداه جميعا ثم قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء". خرجه أبو عمر. وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: لما قتل ابن رواحة وابن حارثة وجعفر بن أبي طالب جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن ... الحديث.

_ وكان المصنف أعاد الحديث مع أنه قدمه قريبا عن ابن إسحاق, وأبو داود لأجل عزوه له لقول ابن أبي حاتم: أبو القاسم يدخل في الصحيح ومراده بذلك دفع قول أبي داود: إسناده ليس بالقوي ويقع في نسخ، وعن عبد الله بإسقاط عباد وهو خطأ، فالحديث في الروايتين إنما هو له عن رجل من بني مرة لا لأبيه عن الرجل، "وقطعت في تلك الواقعة يداه جميعا"، وذلك أنه أخذ اللواء بيمينه، فقطعت, فأخذه بشماله, فقطعت, فاحتضنه بعضديه. رواه ابن هشام عمن يثق به من أهل العلم، "ثم قتل"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أبدله بيديه" أي أعطاه بدلهما "جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء" والمقصود أن الله أكرمه بذلك في مقابلة قطعهما فلا يستلزم عدم رد يديه بل بعد ردهما أعطاه الجناحين. "أخرجه أبو عمر" بن عبد البر. "وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها لما قتل ابن رواحة، وابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب" هذه رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما لما جاء قتل ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة. قال الحافظ: يحتمل أن المراد مجيء الخبر على لسان القاصد الذي حضر من عند الجيش، ويحتمل أن المراد مجيئه على لسان جبريل كما يدل عليه حديث أنس الذي قبله يعني في البخاري وهو أنه صلى الله عليه وسلم، نعاهم للناس قبل أن يأتيهم خبرهم. "جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد البيهقي في المسجد "يعرف فيه الحزن" بضم الحاء وسكون الزاي وضبطه أبو ذر بفتحهما. قال الحافظ: أي لما جعل الله فيه من الرحمة ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء ويؤخذ منه أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة لا تخرجه عن كونه صابرا راضيا، إذا كان قلبه مطمئنا، بل قد يقال: إن من كان ينزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الصبر والرضا أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلا. أشار إلى ذلك الطبري وأطال في تقريره "الحديث" بقيته فجاء رجل فقال: إن نساء جعفر

وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء". وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة". أخرجه الترمذي والحاكم، وفي إسناده ضعف، لكن له شاهد من حديث علي عند ابن سعد. وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم".

_ فذكر بكاءهن فأمره أن ينهاهن. فذهب ثم أتى فقال: قد نهيتهن وذكر أنهن لم يطعنه فأمر أيضا فذهب، ثم أتى، فقال: الله ولقد غلبنا قال: فأحث في أفواههن من التراب. قالت: عائشة فقلت: أرغم الله أنفك فوالله ما أنت تفعل وما تركت رسول الله من العناء. وعند ابن إسحاق: قالت عائشة: وعرفت أنه لا يقدر أن يحثي في أفواههن التراب قالت: ربما ضر التكلف أهله. "وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر" الشبيه خَلقا وخُلقا كأبيه روى أحمد، والنسائي بسند صحيح عنه، ثم أمهل صلى الله عليه وسلم آل جعفر ثلاثا، ثم أتاهم، فقال لهم: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم". ثم قال: "ائتوني ببني أخي". فجيء بنا كأنا أفرخ، فدعا الحلاق فحلق رءوسنا، ثم قال: "أما محدم فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي". ثم دعا لهم "قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم" تسلية لي وإعلاما بمقام أبيه: "هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء". وما وصل إليه الأب فهو من مناقب الابن. ألم تر قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ولذا قال: "هنيئا لك". ولم يقل: لأبيك، ولذا كان ابن عمر إذا سلم على عبد الله قال: السلام عليك يابن ذي الجناحين. كما في الصحيح. "وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة". يحتمل أنها منامية ويحتمل يقظة ويؤيده ما رواه الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله، فقال الناسك يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ قال: مر بي جعفر بن أبي طالب في ملأ من الملائكة فسلم علي "أخرج الترمذي، والحاكم، وفي إسناده ضعف لكن له شاهد من حديث علي" أمير المؤمنين "عند ابن سعد" محمد الحافظ المشهور، "وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم".

أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد على شرط مسلم. وأخرج أيضا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعا: "دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة". وفي طريق أخرى عنه: "إن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان، عوضه الله من يديه". وإسناد هذا جيد. فقد عوضه الله تعالى عن قطع يديه في هذه الوقعة، حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل.

_ وفي الطبراني عن سالم بن أبي الجعد قال: رأى صلى الله عليه وسلم جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجين بالدماء وذلك أنه قاتل حتى قطعت يداه "أخرجه الترمذي، والحاكم بإسناد على شرط مسلم" فهو من السادسة من مراتب الصحيح. "وأخرج" أي الحاكم كما في الفتح وكان المصنف اعتمد على عود الضمير لأقرب مذكور في أخرج "أيضا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعا" لفظة يستعملها المحدثون بدل قال صلى الله عليه وسلم: "دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة" وفي شعر علي كرم الله وجهه: وجعفر الذي يضحي ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمي "وفي طريق أخرى" عن المذكورين عن ابه عباس: "أن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه" أي بدلهما، وفي فوائد أبي سهل بن زياد القطان عن سعد بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريب منه إذ قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مر مع جبريل وميكائيل". فرد عليه السلام ... الحديث. وفيه: فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء، "وإسناد هذا" أي حديث ابن عباس "جيد" أي مقبول وهذه منقبة عظيمة له، وقد كان أبو هريرة يقول: إنه أفضل الناس بعد المصطفى. روى الترمذي، والنسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب وفي البخاري عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين "فقد عوضه الله تعالى عن قطع يديه في هذه الواقعة حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم أخذه بشماله فقطعت، ثم احتضنه فقتل"، كما رواه ابن هشام قال: أخبرني من أثق به من أهل العلم، فذكره, واختلف في أن الجناحين حقيقيان, وهو المختار.

قال السهيلي: له جناحان، ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي الطائر وريشه؛ لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر. وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} [طه: 22] وقال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل ستمائة جناح، ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي جزم به في مقام المنع، والذي حكاه عن العلماء ليس صريحا في الدلالة لما ادعاه. ولا مانع من الحمل على الظاهر، إلا من.

_ وروى النسفي عن البخاري أنه قال: يقال لكل ذي ناحيتين جناحان. قال الحافظ: لعله أراد بهذا حمل الجناحين على المعنوي دون الحسي. وجرى عليه في الروض حيث "قال السهيلي: له جناحان ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي الطائر وريشه؛ لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها" قال: وفي قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته تشريف لها عظيم، وحاشا لله من التشبيه والتمثيل يعني فلو كانا حقيقيين كانت صورته ناقصة عن صورة البشر. "فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر، وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله واضمم يدك" اليمنى بمعنى الكف "إلى جناحك" أي جنبك الأيسر تحت العضد فعبر عنه بالجناح لأنه للإنسان كالجناح للطائر. قال أعني السهيلي: وليس ثم طيران فكيف بمن أعطي القوة عليه مع الملائكة أخلق به إذن أن يوصف بالجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية، "و" "قال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل عليه السلام ستمائة جناح ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك". قال: فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد في بيانها أيضا خبر فيجب علينا الإيمان به "وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى" قول السهيلي ملخصا. "قال الحافظ ابن حجر" في الفتح: "وهذا الذي جزم به في مقام المنع والذي حكاه عن العلماء ليس صريحا في الدلالة لما ادعاه ولا مانع من الحمل على الظاهر" الحقيقة "إلا من

جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف. وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره، لأن الصورة باقية. وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة: أن جناحي جعفر من ياقوت. وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ. أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة. وذكر موسى بن عقبة في المغازي، أن يعلى بن أمية قدم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شئت فأخبرني.

_ جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف" لعدم الجامع "وكون الصورة البشرية أشرف الصور" الذي استدل به "لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية" كما هي، وإعطاء الجناحين له إكراما لتألمه من قطعهما حتى يطير بهما حيث شاء من الجنة والسماء كما في الأحاديث المارة مضموما إلى عود يديه وكمال خلقته يصيره في المنظر أتم من حال بقية نوع الإنسان. فالأجنحة له كالزينة والحلي لمن تحلى وتزين. "وقد روى البيهقي في الدلائل" النبوية "من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة" الأنصاري الثقة العالم بالمغازي من رجال الستة مات بعد العشرين ومائة "أن جناحي جعفر من ياقوت" فهو صريح في ثبوتهما له حقيقة، وأنه ليس من نوع أجنحة الطير التي هي من ريش، فهذا يرد قوله إنها صفة ملكية وقوة روحانية. "وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ أخرجه ابن مندة في ترجمة ورقة" بن نوفل من كتاب المعرفة له. فهذا يرد دعواه أن الملائكة لا أجنحة لهم التي لم يستدل عليها إلا بكون المعهود للطير جناحين فقط وذلك بمجرده لا يمنع الزيادة لهم فكمال صورهم الأصلية مخالفة لصور غيرهم، كذلك زيادة الأجنحة من جملة المخالفة، وقد قال بعض العلماء هذا التأويل لا يليق مثله بالإمام السهيلي بل هو أشبه بكلام الفلاسفة والحشوية، ولا ينكر الحقيقة إلا من ينكر وجود الملائكة. وقال تعالى: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} . [فاطر: 1] . "وذكر موسى بن عقبة في المغازي أن يعلى بن أمية" بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث، التميمي الحنظلي حليف قريش صحابي روى له الستة. مات سنة بضع وأربعين وأمه منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية الخفيفة وبها اشتهر وبأبيه معا، وقيل: هي أم أبي جزم به الدارقطني، ونسبها منية بنت الحارث بن جابر وأنها أيضا أم العوام والد الزبير، فهي جدة الزبير، ويعلى كما في الإصابة وغيرها "قدم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شئت فأخبرني

وإن شئت أخبرتك". قال: أخبرني فأخبره خبرهم فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره. وعند الطبراني من حديث أبي اليسر الأنصاري: أن أبا عامر الأشعري هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمصابهم.

_ وإن شئت أخبرتك". قال: أخبرني" لأزداد يقينا "فأخبره خبرهم" كله ووصف له، "فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره" وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم". هذا بقية ما ذكره ابن عقبة. "وعند الطبراني من حديث أبي اليسر" بفتح التحتية والمهملة كعب بن عمرو "الأنصاري" السلمي بفتحتين البدري المتوفى بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة. روى له مسلم والأربعة "أن أبا عامر" عبد الله وقيل: عبيد الله بن هانئ أو ابن وهب "الأشعري" صحابي عاش إلى خلافة عبد الملك. روى له الترمذي وهو غير أبي عامر الأشعري عم أبي موسى المستشهد بخيبر واسمه عبيد "هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمصابهم" ولا مانع من أن كل منهم أخبره وأخبار الثاني لأنه لم يبلغه أن أحدًا أخبره بذلك ولم يمنعه صلى الله عليه وسلم لئلا يخجله وليرى أعنده زيادة على خبر الأول أم لا؟ وإن كان هو عالما بالواقعة وشاهدها عليه السلام ليطلع على حفظ الناقل، وهذا كله إن كان أبو عامر أخبره، وإن كان قال له كما قال ليعلى فلا وكما أخبر به عليه السلام من جاءه بالخبر أخبر أصحابه قبل ذلك يوم الواقعة. روى ابن إسحاق عن أسماء بنت عميس. قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ صلى الله عليه وسلم وقد دبغت أربعين منا وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم فقال لي صلى الله عليه وسلم: "ائتيني ببني جعفر". فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: بأبي أنت وأمي ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: "نعم، أصيبوا هذا اليوم". فقمت أصيح واجتمع إليّ النساء وخرج صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فقال: "لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم". وعند الزبير بن بكار عن عبد الله بن جعفر فعمدت سلمى مولاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى شعير فطحنته ثم آدمته بزيت وجعلت عليه فلفلا, قال عبد الله: فأكلت منه وحبسني صلى الله عليه وسلم مع إخوتي في بيته ثلاثة أيام. قال ابن إسحاق: فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلا، فحدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: لما دنوا من المدينة تلقاهم صلى الله عليه وسلم على دابة والمسلمون والصبيان يشتدون، فقال: "خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر". فأتي بعبد الله فحمله بين يديه، وقال حسان يبكيهم: تأوبني ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهر

.........................................

_ لذكرى حبيب هيجت لي لوعة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر رأيت خيار المسلمين تواردوا ... شعوب وخلفا بعدهم يتأخر فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعا وأسباب المنية تخطر غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبي إذا سيم الظلامة يجسر فطاعن حتى مال غير موسد ... بمعترك فيه فتى متكسر فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر وقد زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عزلا يزلن ومفخر فهم جبل الإسلام والناس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويقهر بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللأواء في كل مارق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب امطهر

ذات السلاسل

"ذات السلاسل": ثم سرية عمرو بن العاصي رضي الله عنه إلى ذات السلاسل.

_ ذات السلاسل: "ثم سرية عمرو بن العاصي" بالياء على الصحيح الذي عليه الجمهور كما مر أول الكتاب "رضي الله عنه إلى ذات السلاسل" بمهملتين الأولى مفتوحة على المشهور، وبه جزم البكري على لفظ جمع السلسلة قيل سمي المكان بذلك، لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم. قال: وهو بمعنى السلسال أي السهل، قاله: في الفتح في المناقب، ولذا قال ابن القيم بضم السين وفتحها لغتان، وتبرأ الشامي منه وقوله وصاحب القاموس مع سعة اطلاعه لم يحك إلا الفتح غير قادح فمن حفظ حجة، كيف وقد صرح البرهان بأن غير ذكر اللغتين الضم والفتح وهو المشهور والمجد، وإن اتسع اطلاعه فلم يحط باللغة ولم يستوعبها، وقدمت عن

وسميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا. وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وراء ذات القرى، من المدينة على عشرة أيام. وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ. ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة، إلا ابن إسحاق فقال: قبلها. وسببها: أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن جمعا من قضاعة.

_ الفتح وجه تسميتها بذلك في المناقب وهو صريح في قدم التسمية قبل السرية. "و" قال هنا ما حكاه المصنف إلا أنه أسقط منه قوله أوله: قيل: "سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا", وهذا ظاهر في حدوثه بعدها. ولعل المراد انضموا والتصقوا أخذا من تعبيره بإلى دون الباء لا أنهم ارتبطوا بالفعل؛ لأنه يكون سببا في الظفر بهم، ولعل هذا وجه قول الشامي أغرب من قال هذا القول أو لمنافاته لما في القصة من أنه أتاهم على غفلة وهربوا وتفرقوا إلا أن يقال: تجمعوا أولا خوف الفرار. ثم لما قرب المسلمون منهم ألقي الرعب في قلوبهم فهربوا. "وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل" وبه جزم ابن إسحاق وغيره. وفي القاموس السلسل كجعفر وخلخال الماء العذب أو البارد كالسلاسل بالضم "وراء ذات القرى" مر له نظيره مرتين وتقدم تأويله والذي عند ابن سعد، كما في الفتح: وراء وادي القرى "من المدينة على عشرة" أي بينها وبين المدينة عشرة "أيام وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان" كما قاله ابن سعد والجمهور فيكون تأمير عمرو عقب إسلامه بنحو أربعة أشهر على ما صدر به المصنف فيما مر أنه كان في صفر سنة ثمان. وفي الشامية أن بعثه كان بعد سنة من إسلامه وهو إنما يأتي على قول الحاكم أسلم سنة سبع، وقيل كانت سنة سبع" حكاهما ابن سعد، "وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق فقال: قبلها", وهو قضية ما ذكر عن ابن سعد، وابن أبي خالد قاله الحافظ وتعقبه الشامي بأنه غير واضح إن ابن سعد قال: كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان وإن مؤتة في جمادى الأولى منها، وأما ابن إسحاق فالذي في رواية البكائي عنه تأخيرها عن مؤتة بعد غزوات وسرايا ولم يذكر أنها قبلها فيحتمل أنه نص على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد البكائي، "وسببها" كما قال ابن سعد: "أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن جمعا من قضاعة