حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك

أحمد الصاوي

[مقدمة الكتاب]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مُقَدِّمَة الْكتاب] «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» حَدِيثٌ شَرِيفٌ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ صَاحِبِ الْحَاشِيَةِ يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَخْلَصَ الْعُلَمَاءَ بِعِنَايَتِهِ وَجَمِيلِ لُطْفِهِ مِنْ غَيَاهِبِ الْجَهَالَاتِ، وَجَعَلَهُمْ أُمَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ يَقُومُونَ بِحِفْظِ شَرِيعَتِهِ حَتَّى يُؤَدُّوا إلَى الْخَلْقِ تِلْكَ الْأَمَانَاتِ، فَهُمْ مَصَابِيحُ الْأَرْضِ وَخُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَيُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً أَسْتَفْتِحُ بِمَدَدِهَا أَبْوَابَ الْعِنَايَاتِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ السَّادَاتِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشِيعَتِهِ وَحِزْبِهِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ نَسْتَمْطِرُ بِهِمَا غُيُوثَ السَّعَادَاتِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ، خُصُوصًا عِلْمَ الْفِقْهِ الْعَذْبَ الزُّلَالَ، الْمُتَكَفِّلَ بِبَيَانِ الْحَرَامِ مِنْ الْحَلَالِ، وَقَدْ كَانَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَهْلًا وَحَقِيقًا بِذَلِكَ، كَانَ أَحْسَنَ مَا أُلِّفَ فِيهِ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ مَتْنًا وَشَرْحًا مُخْتَصَرُ شَيْخِنَا وَشَيْخِ مَشَايِخِنَا شَيْخِ الْوَقْتِ وَالطَّرِيقَةِ، وَمَعْدِنِ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ، أَبِي الْبَرَكَاتِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الدَّرْدِيرِ الْعَدَوِيِّ مَالِكٍ الصَّغِيرِ - الَّذِي سَمَّاهُ أَقْرَبَ الْمَسَالِكِ إلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ "؛ أَمَرَنِي مَنْ لَا تَسَعُنِي مُخَالَفَتُهُ خَلِيفَتُهُ وَوَارِثُ حَالِهِ أَخُونَا فِي اللَّهِ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّبَاعِيُّ: أَنْ أَكْتُبَ عَلَيْهِ كِتَابَةً تُنَاسِبُهُ فِي السُّهُولَةِ؛ فَأَجَبْته لِذَلِكَ رَاجِيًا الْفَتْحَ مِنْ الْقَادِرِ الْمَالِكِ، وَسَمَّيْتهَا: بُلْغَةَ السَّالِكِ لِأَقْرَبِ الْمَسَالِكِ " لِيُنْتَفَعَ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْثَالِي مِنْ الْقَاصِرِينَ، مُشِيرًا بِحَاشِيَةِ الْأَصْلِ لِحَاشِيَةِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQشَيْخِنَا وَقُدْوَتِنَا الشَّيْخ مُحَمَّدٍ الدُّسُوقِيِّ عَلَى شَرْحِ شَيْخِنَا الْمُؤَلِّفِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْعَلَّامَةِ أَبِي الضِّيَاءِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَبِالْأَصْلِ لِشَرْحِ الْمُؤَلِّفِ الْمَذْكُورِ وَشَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ لِمَجْمُوعِ شَيْخِنَا وَقُدْوَتِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَمِيرِ، وَبِالْحَاشِيَةِ لِحَاشِيَةِ شَيْخِ الْمَشَايِخِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الصَّعِيدِيِّ الْعَدَوِيِّ عَلَى الْخَرَشِيِّ. وَأُشِيرَ لِبَاقِي أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا أَشَارَتْ أَسْلَافُنَا لِلشَّيْخِ الْبُنَانِيِّ بِصُورَةِ (ب ن) ، وَلِلشَّيْخِ مُصْطَفَى الرَّمَاصِيِّ مُحَشِّي التَّتَّائِيِّ بِصُورَةِ (ر) ، وَلِلْعَلَّامَةِ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ الْحَطَّابِ بِصُورَةِ (ح) ، وَلِلشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي بِصُورَةِ (عب) ، وَلِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الشَّبْرَخِيتِيِّ بِصُورَةِ (شب) ، وَإِنْ أَسْنَدْت لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ صَرَّحْت بِهِ. وَأَسَالُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِكَمَالِهَا وَالنَّفْعَ بِهَا كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهَا وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ الْإِمَامُ الدَّرْدِيرُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] : افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، لِافْتِتَاحِ الْكِتَابِ بِهَا وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كَمَا فِي رِوَايَةٍ - فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ أَوْ أَجْذَمُ» أَيْ نَاقِصٌ وَقَلِيلُ الْبَرَكَةِ. وَالْبَاءُ: لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ التَّبَرُّكِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُؤَلِّفُ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ يَعُمُّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ التَّأْلِيفِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ أَفْتَتِحُ وَنَحْوِهِ، لِإِيهَامِ قَصْرِ التَّبَرُّكِ عَلَى الِافْتِتَاحِ فَقَطْ. وَاَللَّهُ: عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ فَيَعُمُّ الصِّفَاتِ. وَالرَّحْمَنُ: الْمُنْعِمُ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ كَمِّيَّةً أَوْ كَيْفِيَّةً. وَالرَّحِيمُ: الْمُنْعِمُ بِدَقَائِقِهَا كَذَلِكَ. وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ اللَّهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ، ثُمَّ الثَّانِيَ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الثَّالِثِ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ لَهُ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَنْبَغِي تَتْمِيمُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا مِنْ الْفَنِّ الْمَشْرُوعِ فِيهِ فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْفَنِّ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْهَا مِنْ جِهَةِ مَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَحُرْمَةٍ وَكَرَاهَةٍ وَإِبَاحَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِعْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ إنَّ حُكْمَ الْبَسْمَلَةِ الْأَصْلِيَّ النَّدْبُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ مِنْ الْأَذْكَارِ؛ وَالْأَصْلُ فِي الْأَذْكَارِ أَنْ تَكُونَ مَنْدُوبَةً، وَيَتَأَكَّدُ النَّدْبُ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا فِي أَوَائِلِ ذَوَاتِ الْبَالِ وَلَوْ شِعْرًا، كَمَا انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ح، وَقَوْلُهُمْ: الشِّعْرُ لَا يُبْتَدَأُ بِالْبَسْمَلَةِ، مَحَلُّهُ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَدْحِ مَنْ لَا يَجُوزُ مَدْحُهُ أَوْ ذَمِّ مَنْ لَا يَجُوزُ ذَمُّهُ، وَقَدْ تَعْرِضُ لَهَا الْكَرَاهَةُ وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ كَاسْتِعْمَالِ ذِي الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ، وَتَحْرُمُ إذَا أَتَى بِهَا الْجُنُبُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ لَا بِقَصْدِ التَّحَصُّنِ، وَكَذَا تَحْرُمُ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِالْحَرَامِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: بِكَرَاهَتِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَارْتَضَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَتَحْرُمُ فِي ابْتِدَاءِ بَرَاءَةٌ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ، وَقَالَ الرَّمْلِيُّ: بِالْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا فِي أَثْنَائِهَا فَتُكْرَهُ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَتُنْدَبُ عِنْدَ الثَّانِي. قَالَ ح: وَلَمْ أَرَ لِأَهْلِ مَذْهَبِنَا شَيْئًا فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهَا حَالَةُ وُجُوبٍ إلَّا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالنَّذْرِ، فَلَا يُقَالُ: إنَّ الْبَسْمَلَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الذَّكَاةِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ الْوَاجِبُ مُطْلَقُ ذِكْرِ اللَّهِ لَا خُصُوصُ الْبَسْمَلَةِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ. بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ رَابِعِ النَّحْرِ، أَوْ لَا تَجِبُ؟ وَاسْتُظْهِرَ اللُّزُومَ خُصُوصًا، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُلَاحَظٍ بِالنَّذْرِ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِلَّا كَانَتْ وَاجِبَةً قَوْلًا وَاحِدًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مُبَاحَةً لِأَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِهَا أَنَّهَا ذِكْرٌ، وَأَقَلُّ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: وَجَازَتْ كَمُتَعَوِّذٍ بِنَفْلٍ يُوهِمُ ذَلِكَ وَكَذَا قَوْلُ الشَّاطِبِيِّ: وَلَا بُدَّ مِنْهَا فِي ابْتِدَائِك سُورَةً ... سِوَاهَا وَفِي الْأَجْزَاءِ خُيِّرَ مَنْ تَلَا فَحَمَلُوا كُلًّا مِنْ الْجَوَازِ وَالتَّخْيِيرِ عَلَى عَدَمِ تَأَكُّدِ الطَّلَبِ وَنَفْيِ الْكَرَاهَةِ، فَلَا يُنَافِي أَصْلَ النَّدْبِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَهَا حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ يَذْكُرُ اللَّهَ وَلَا ثَوَابَ لَهُ بَعِيدٌ جِدًّا. اهـ بِتَصَرُّفٍ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَشَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَفْضَالِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَآلِهِ. (أَمَّا بَعْدُ) فَهَذَا شَرْحٌ لَطِيفٌ عَلَى كِتَابِنَا الْمُسَمَّى بِأَقْرَبِ الْمَسَالِكِ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، اقْتَصَرْت فِيهِ عَلَى بَيَانِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ، لِيَسْهُلَ فَهْمُهُ عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ، وَشَرْحُهُ وَقِرَاءَتُهُ لِمَنْ شَاءَ بِمَشِيئَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: (عَلَى أَفْضَالِهِ) : أَيْ إحْسَانِهِ لِعِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ. قَوْلُهُ: [شَرْحٌ] : فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ إمَّا بِمَعْنَى شَارِحٍ أَوْ ذُو شَرْحٍ، أَوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ مُبَالَغَةً عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي زَيْدٌ عَدْلٌ، وَمَعْنَاهُ مُوَضَّحٌ وَمُبَيَّنٌ وَالْإِسْنَادُ لَهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ الْإِسْنَادِ لِلسَّبَبِ. قَوْلُهُ لَطِيفٌ: يُطْلَقُ اللَّطِيفُ عَلَى صَغِيرِ الْحَجْمِ، وَعَلَى رَقِيقِ الْقَوَامِ، وَعَلَى الَّذِي لَا يَحْجُبُ مَا وَرَاءَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا السُّهُولَةُ، فَأَطْلَقَ الْمَلْزُومَ وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ وَأَرَادَ لَازِمَهُ وَهُوَ سُهُولَةُ الْمَأْخَذِ. قَوْلُهُ: [عَلَى بَيَانِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ] : الْبَيَانُ: الْإِظْهَارُ، وَالْمَعَانِي جَمْعُ مَعْنًى: وَهُوَ مَا يُعْنَى وَيُقْصَدُ مِنْ اللَّفْظِ، وَإِضَافَةُ مَعَانِي لِلْأَلْفَاظِ مِنْ إضَافَةِ الْمَدْلُولِ لِلدَّالِّ، وَإِضَافَةُ الْأَلْفَاظِ لِلضَّمِيرِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ. قَوْلُهُ: [لِيَسْهُلَ فَهْمُهُ] : اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ اقْتَصَرْت، وَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَهَا وَالْفَهْمُ، الْإِدْرَاكُ. قَوْلُهُ: عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ: جَمْعُ مُبْتَدِئٍ وَهُوَ الشَّارِعُ فِي الْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يُقَفْ عَلَى أُصُولِهِ، فَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْأُصُولِ وَعَجَزَ عَنْ الْأَدِلَّةِ يُقَالُ لَهُ: مُتَوَسِّطٌ، فَإِنْ عَرَفَ الْأُصُولَ وَالْأَدِلَّةَ يُقَالُ: لَهُ مُنْتَهٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُبْتَدَئِينَ لِأَنَّ غَيْرَهُمْ لَا يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَتَعَاطَى أَيَّ كِتَابٍ شَاءَ. قَوْلُهُ: [وَشَرْحُهُ] : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى فَهْمُهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلَيَّ. قَوْلُهُ: [وَقِرَاءَتُهُ] : بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى فَهْمُهُ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: [لِمَنْ شَاءَ] : لِمَنْ شَاءَ مُتَعَلِّقٌ بِقِرَاءَتِهِ، وَبِمَشِيئَتِهِ إلَخْ رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، وَالْمَعْنَى اقْتَصَرْت فِي هَذَا الشَّرْحِ عَلَى إظْهَارِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ لِأَجْلِ سُهُولَةِ فَهْمِهِ عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ الْقَاصِرِينَ، وَلِسُهُولَةِ شَرْحِهِ عَلَيَّ، وَلِسُهُولَةِ قِرَاءَتِهِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْرَأَهُ، وَهَذِهِ السُّهُولَةُ تَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَأَقُولُ وَبِهِ أَسْتَعِينُ: (يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ الْمُنْكَسِرُ الْفُؤَادُ مِنْ التَّقْصِيرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الدَّرْدِيرُ) : الْقَوْلُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَعْنًى وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ وَلَوْ فِي ثَانِي حَالٍ، فَيَشْمَلُ الْمَجَازَ كَأَسَدٍ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَالْعَبْدُ الْمُرَادُ بِهِ الْمَمْلُوكُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْفَقِيرُ: الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَأَقُولُ] : جَوَابُ أَمَّا. قَوْلُهُ: [وَبِهِ أَسْتَعِينُ] السِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ، وَقَدَّمَ الْمَجْرُورَ لِيُفِيدَ الْحَصْرَ. قَوْلُهُ: [يَقُولُ] : أَصْلُهُ يَقُولُ اُسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَى الْوَاوِ فَنُقِلَتْ إلَى مَا قَبْلَهَا. قَوْلُهُ: [الْعَبْدُ] : يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مَشْهُورَةٍ اقْتَصَرَ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي عَلَى أَحَدِهَا. قَوْلُهُ: [اللَّفْظُ الدَّالُّ] : اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ اللَّفْظِ الْمُهْمَلِ كديز مَثَلًا فَلَا يُقَالُ لَهُ قَوْلٌ، وَيُطْلَقُ الْقَوْلُ عَلَى الرَّأْيِ وَالِاعْتِقَادِ، كَمَا يُقَالُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كَذَا أَيْ رَأَى وَاعْتَقَدَ. قَوْلُهُ: [وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ] : دَخَلَ الْمَعْنَى الْمُطَابِقِيُّ وَالتَّضَمُّنِيُّ، وَخَرَجَ الْمَعْنَى الِالْتِزَامِيُّ، كَعِلْمِنَا بِحَيَاةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ، فَلَيْسَ مَوْضُوعًا لَهُ اللَّفْظُ. قَوْلُهُ: [فَيَشْمَلُ الْمَجَازَ] : مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ فِي ثَانِي حَالٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَوْضُوعَةٌ وَضْعًا أَوَّلِيًّا، أَيْ كَلِمَةٌ اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَالْمَجَازُ مَوْضُوعٌ وَضْعًا ثَانَوِيًّا لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ اُسْتُعْمِلَتْ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، لِعَلَاقَةٍ مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ: كَأَسَدٍ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَوْضُوعٌ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، ثُمَّ تَسْتَعْمِلُهُ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، فَتَقُولُ: رَأَيْت أَسَدًا فِي الْحِمَامِ مَثَلًا، فَكُلٌّ مِنْ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ مَوْضُوعٌ وَضْعًا لُغَوِيًّا، لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ وَضْعُهَا أَصْلِيٌّ لَا يَحْتَاجُ لِقَرِينَةٍ وَلَا لِعَلَاقَةٍ، وَالْمَجَازُ وَضْعُهُ عَرَضِيٌّ يَحْتَاجُ لِعَلَاقَةٍ وَقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: [الْمُرَادُ بِهِ الْمَمْلُوكُ لِلَّهِ تَعَالَى] : إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى لِشُمُولِهِ وَعُمُومِهِ قَالَ تَعَالَى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] ، أَيْ مَمْلُوكًا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِعَبْدِ الْإِيجَادِ. [الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ تَعَالَى إلَخْ] : هَذَا التَّفْسِيرُ يَصْلُحُ لِكَوْنِ الْفَقِيرِ صِفَةً مُشَبَّهَةً أَوْ صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ، وَلَا يَخْلُو عَبْدٌ مِنْهُمَا دُنْيَا وَلَا أُخْرَى، وَلَوْ وَكَّلَنَا مَوْلَانَا طَرْفَةَ عَيْنٍ لِأَنْفُسِنَا لَهَلَكْنَا.

تَعَالَى فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَالْمُنْكَسِرُ: الْحَزِينُ، وَالْفُؤَادُ: الْقَلْبُ، وَإِسْنَادُ الِانْكِسَارِ بِمَعْنَى الْحُزْنِ إلَيْهِ مَجَازٌ، وَقَوْلُهُ: مِنْ التَّقْصِيرِ عِلَّةٌ لِانْكِسَارِ فُؤَادِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: قِلَّةُ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى؛ فَهُوَ كَقَوْلِ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى، وَأَحْمَدُ: بَيَانٌ لِلْعَبْدِ، وَالدَّرْدِيرُ: لَقَبٌ اُشْتُهِرَ بِهِ كَأَبِيهِ بَيْنَ النَّاسِ. وَكَانَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلًا صَالِحًا عَالِمًا مُتْقِنًا لِلْقُرْآنِ، فَقَدَ بَصَرَهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَاشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِ الْأَطْفَالِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، فَحَفِظَ الْقُرْآنَ عَلَى يَدِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ يُعَلِّمُ الْفُقَرَاءَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ صِرَافَةً وَلَا غَيْرَهَا، بَلْ رُبَّمَا وَاسَاهُمْ مِنْ عِنْدِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ السُّكُوتِ لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا نَادِرًا، وَوِرْدُهُ - فِي غَالِبِ أَوْقَاتِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْمُنْكَسِرُ الْحَزِينُ] : يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً، حَيْثُ شَبَّهَ حُزْنَ الْقَلْبِ بِالِانْكِسَارِ الَّذِي هُوَ تَفَرُّقُ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الصُّلْبِ بِجَامِعِ التَّلَفِ وَالتَّشَتُّتِ فِي كُلٍّ، وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ، وَاشْتُقَّ مِنْهُ مُنْكَسِرٌ بِمَعْنَى حَزِينٍ، وَالْقَرِينَةُ إضَافَتُهُ لِلْفُؤَادِ. قَوْلُهُ: [مَجَازٌ] : أَيْ عَقْلِيٌّ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْكُلِّ لِلْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْفُؤَادُ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْفُؤَادُ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ: إذَا أُسْنِدَ مَا لِلْكُلِّ لِلْجُزْءِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْجُزْءِ مَزِيَّةٌ تُمَيِّزُهُ، إذَا عَلِمْت مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ، وَمَا هُنَا مِنْ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، فَفِي كَلَامِهِ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ. قَوْلُهُ: (عِلَّةٌ لِانْكِسَارِ فُؤَادِهِ) : أَيْ حُزْنُهُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ، وَهَذَا سُنَّةُ الْعَارِفِينَ بِرَبِّهِمْ لَا يَرَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ عَمَلًا، كَمَا قَالَ السَّيِّدُ الْبَكْرِيُّ: إلَهِي إنِّي أَخَافُ أَنْ تُعَذِّبَنِي بِأَفْضَلِ أَعْمَالِي. قَوْلُهُ: [كَقَوْلِ الشَّيْخِ إلَخْ] : الْمُرَادُ بِهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [بَيَانٌ] أَيْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا لِأَنَّ نَعْتَ الْمَعْرِفَةِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا يُعْرَبُ بِحَسَبِ الْعَوَامِلِ، وَتُعْرَبُ مِنْهُ بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، بِخِلَافِ نَعْتِ النَّكِرَةِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا فَيُعْرَبُ حَالًا، وَتُعْرَبُ هِيَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: لَمِّيَّةُ مُوحِشًا طَلَلُ قَوْلُهُ: [فِي غَالِبِ أَوْقَاتِهِ] : وَهِيَ الْأَوْقَاتُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مَشْغُولًا فِيهَا بِالْقُرْآنِ.

صَلَاةُ سَيِّدِي عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ مُشَيْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَانَ يُبَشِّرُنِي فِي صِغَرِي بِأَنْ أَكُونَ عَالِمًا. مَاتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - شَهِيدًا بِالطَّاعُونِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ الْأَلْفِ وَمِائَةٍ، وَعُمْرِي نَحْوُ عَشْرِ سِنِينَ، وَشُوهِدَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ. (الْحَمْدُ لِلَّهِ مَوْلَى النِّعَمِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا خَصَّ مِنْهَا وَعَمَّ) الْحَمْدُ هُوَ الْوَصْفُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَبْدُ السَّلَامِ إلَخْ] : هُوَ شَيْخُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ، وَنَاهِيك بِشَيْخٍ، الشَّاذِلِيُّ تِلْمِيذُهُ، وَمُشِيش - بِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَأَوَّلُهُ مِيمٌ أَوْ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ - وَأَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ الشَّارِحُ عَنْ وَالِدِهِ الْمَذْكُورِ، أَنَّ زَوْجَتَهُ كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فَتَجِدُ عِنْدَهُ شُمُوعًا مُوقَدَةً فِي أَوْقَاتِ الظَّلَامِ، فَتَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: إنَّهَا أَنْوَارُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَخْبَرَنَا أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضِيقِ عَيْشٍ فَتُوضَعُ الصَّحْفَةُ فِيهَا الطَّعَامُ الْقَلِيلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهَا سُورَةَ قُرَيْشٍ، فَيُبَارَكُ فِيهَا وَيَأْكُلُ مِنْهَا النَّاسُ الْكَثِيرُونَ. قَالَ الشَّيْخُ فَصِرْت أَقْرَأُ تِلْكَ السُّورَةَ عَلَى الْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ فَتُفْتَتَحُ بِغَيْرِ مِفْتَاحٍ، فَشَاعَ عَنِّي - وَأَنَا صَغِيرٌ - أَنِّي أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بِغَيْرِ مِفْتَاحٍ. قَوْلُهُ: [وَعُمْرِي نَحْوُ عَشْرِ سِنِينَ] : فَيَكُونُ مَوْلِدُ الشَّيْخِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ بَعْدَ الْأَلْفِ؛ فَسِنُّهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِمَشْهَدِهِ الْمَشْهُورِ بِالْكَعْكِيِّينَ، وَكَرَامَاتُهُ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ أَظْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ. وَأَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لِي سَادَةٌ مِنْ عِزِّهِمْ ... أَقْدَامُهُمْ فَوْقَ الْجِبَاهِ إنْ لَمْ أَكُنْ مِنْهُمْ فَلِي ... فِي حُبِّهِمْ عِزٌّ وَجَاهْ قَوْلُهُ: [وَشُوهِدَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ] : قَدْ تَقَدَّمَ لَك بَعْضُهَا. قَوْلُهُ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] : لَمَّا افْتَتَحَ بِالْبَسْمَلَةِ افْتِتَاحًا حَقِيقِيًّا افْتَتَحَ بِالْحَمْدِ لَهُ افْتِتَاحًا إضَافِيًّا، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثَيْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَحَمَلَ الْبَسْمَلَةَ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ، وَالْحَمْدَلَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْإِضَافِيِّ لِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَلِقُوَّةِ حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى حَدِيثِ الْحَمْدَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» ، وَهُنَاكَ أَوْجُهٌ أُخَرُ مَشْهُورَةٌ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجُمْلَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَى آخِرِ الْكِتَابِ مَقُولُ الْقَوْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَنْصِبُ إلَّا الْجُمَلَ أَوْ الْمُفْرَدَ الَّذِي فِي مَعْنَى الْجُمْلَةِ، أَوْ الْمُفْرَدَ الَّذِي قُصِدَ لَفْظُهُ مَا لَمْ يَجْرِ مَجْرَى الظَّنِّ، فَيَنْصِبُ الْمُفْرَدَاتِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: وَكَ تَظُنُّ اجْعَلْ تَقُولُ إنْ وَلِي ... مُسْتَفْهِمًا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ إلَى أَنْ قَالَ: وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقًا ... عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوِ قُلْ ذَا مُشْفِقًا وَأَلْ فِيهِ قِيلَ لِلْجِنْسِ وَقِيلَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَقِيلَ لِلْعَهْدِ وَهُوَ حَمْدُ الْمَوْلَى نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ أَزَلًا، لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ أَدَاءِ كُنْهِ حَمْدِهِ حَمِدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ أَزَلًا، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْمَدُوهُ بِذَلِكَ الْحَمْدِ، وَاللَّامُ فِي لِلَّهِ قِيلَ لِلْمِلْكِ أَوْ لِلِاسْتِحْقَاقِ أَوْ لِلتَّعْلِيلِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ، وَعَلَى الثَّالِثِ ثَابِتَةٌ لِأَجْلِهِ، وَجُمْلَةُ الْحَمْدِ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى، وَكَانَتْ اسْمِيَّةً لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ وَاقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَأَصْلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُ حَمْدَ اللَّهِ فَحُذِفَ الْفِعْلُ لِدَلَالَةِ الْمَصْدَرِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ حَمْدُ اللَّهِ، ثُمَّ عُدِلَ مِنْ النَّصْبِ إلَى الرَّفْعِ لِدَلَالَةِ الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ، فَصَارَ حَمْدٌ لِلَّهِ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِقَصْدِ الِاسْتِغْرَاقِ أَوْ الْجِنْسِ أَوْ الْعَهْدِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَيُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءُ بِهَا لِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ وَمُتَزَوِّجٍ وَمُزَوِّجٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ بِاخْتِصَارٍ. قَوْلُهُ: [هُوَ الْوَصْفُ إلَخْ] : شُرُوعٌ فِي مَعْنَى الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيَّيْنِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَعْنَاهُمَا الِاصْطِلَاحِيَّيْنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَمْدَ الِاصْطِلَاحِيَّ هُوَ الشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ، وَالشُّكْرُ الِاصْطِلَاحِيُّ هُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي كُلٍّ لِأَنَّهُ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْحَمْدُ اصْطِلَاحًا وَالشُّكْرُ اصْطِلَاحًا، فَالْمُرَادُ اصْطِلَاحُ النَّاسِ لَا اصْطِلَاحَ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي كُلٍّ، وَمَعْنَى الْوَصْفِ الذِّكْرُ وَهَذَا التَّعْرِيفُ سَالِمٌ مِنْ جَمِيعِ مَا يَرِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ يَشْمَلُ أَقْسَامَ الْحَمْدِ الْأَرْبَعَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَظَهَرَ مِنْ هَذَا

بِالْجَمِيلِ اخْتِيَارِيًّا أَمْ لَا فِعْلًا أَمْ لَا عَلَى فِعْلٍ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ، وَالشُّكْرُ مَا دَلَّ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِإِنْعَامِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ، وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ، وَالْمُولِي بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُعْطِي، وَالنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى الْعَطِيَّةِ الْمُلَائِمَةِ، وَقَوْلُهُ مِنْهَا بَيَانٌ لِمَا وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى النِّعَمِ، فَالْمَعْنَى عَلَى نِعَمٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّعْرِيفِ أَنَّ مَوْرِدَ الْحَمْدِ خَاصٌّ وَمُتَعَلِّقَهُ عَامٌّ، وَمَوْرِدَ الشُّكْرِ عَامٌّ، وَمُتَعَلِّقَهُ خَاصٌّ لِتَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ لِإِنْعَامِهِ، وَالنِّسَبُ بَيْنَ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ مَعْلُومَةٌ. قَوْلُهُ: [اخْتِيَارِيًّا أَمْ لَا إلَخْ] : تَعْمِيمٌ فِي الْمَحْمُودِ بِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا، وَقَوْلُهُ عَلَى فِعْلٍ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ هُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا اهـ مِنْ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ] : أَيْ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ حَكَّمُوا الْعَقْلَ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، بَلْ الْحَسَنُ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ، وَالْقَبِيحُ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّهُ يَتَحَتَّمُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ ظَهَرَتْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهِيَ مِنْهُ تَعَالَى، بَلْ هَذَا مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَمَّا شُكْرُ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ فَتَارَةً تَكُونُ وَاجِبَةً وَتَارَةً تَكُونُ مَنْدُوبَةً عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَ الشَّارِعُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرْعِ. قَوْلُهُ: [بِكَسْرِ اللَّامِ] : أَيْ مَعَ ضَمِّ الْمِيمِ اسْمُ فَاعِلٍ، وَأَمَّا بِفَتْحِهِمَا فَهُوَ الْمَالِكُ أَوْ الْمُعْتِقُ أَوْ الصَّاحِبُ أَوْ الْقَرِيبُ، وَأَمَّا بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ فَهُوَ الْمُعْطَى اسْمُ مَفْعُولٍ. قَوْلُهُ: [بِكَسْرِ النُّونِ] : وَأَمَّا بِضَمِّهَا فَالْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَبِفَتْحِهَا التَّنَعُّمُ. قَالَ تَعَالَى: {وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] . قَوْلُهُ: الْمُلَائِمَةُ: أَيْ الْمُوَافَقَةُ لِتَمَنِّي النَّفْسِ، وَلَمْ يَقُلْ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهَا شَرْعًا لِأَجْلِ شُمُولِهِ نِعَمَ الْكُفَّارِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإِنَّ الْكُفَّارَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ كُلُّ مُلَائِمٍ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ شَرْعًا، وَمِنْ ثَمَّ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مُلَائِمٍ، فَالْكَافِرُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ لَمْ تُحْمَدْ عَوَاقِبُ تِلْكَ النِّعَمِ، وَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ.

خَصَّهَا بِنَا أَيْ قَصَرَهَا عَلَيْنَا مَعَاشِرَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنْ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَعْرِفَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَاءَ بِهَا، وَكَذَا النِّعَمُ الْمَخْصُوصَةُ بِالشَّخْصِ فِي ذَاتِهِ كَشَكْلِهِ وَلَوْنِهِ وَصُورَتِهِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ. وَقَوْلُهُ وَعَمَّ أَيْ النِّعَمُ الَّتِي تَشْمَلُنَا وَغَيْرَنَا كَنِعْمَةِ الْوُجُودِ الشَّامِلَةِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، وَنِعْمَةِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُ الشَّيْخِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا مِنْ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْمَعْنَى عَلَى النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهَا بِنَا وَلَمْ نَجْعَلْهُ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي خَصَّنَا بِهَا لِيَكُونَ الْعَائِدُ الْمَحْذُوفُ ضَمِيرَ نَصْبٍ مُتَّصِلًا، وَهُوَ شَائِعٌ لَا شُذُوذَ فِيهِ بِخِلَافِ التَّقْدِيرِ الثَّانِي. (وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْأَعْظَمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأُمَّتِهِ أَشْرَفِ الْأُمَمِ) هَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى قَصَدَ بِهَا طَلَبَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى أَعْظَمِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ إجْمَاعًا، وَأُمَّتُهُ جَمَاعَتُهُ وَهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانُوا أَشْرَفَ الْأُمَمِ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُهُ، وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْمَتْبُوعِ (وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِمْ وَصَحْبِهِمْ أَجْمَعِينَ) يَجُوزُ عَطْفُ الْفِعْلِيَّةِ الْإِنْشَائِيَّةِ عَلَى الِاسْمِيَّةِ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَعَمُّ مُتَعَلَّقًا مِمَّا قَبْلَهَا لِشُمُولِهَا النَّبِيَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [خَصَّهَا بِنَا] : الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْغَالِبِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَبَاءُ الِاخْتِصَاصِ فِيهِ يَكْثُرُ ... دُخُولُهَا عَلَى الَّذِي قَدْ قَصَرُوا وَعَكْسُهُ مُسْتَعْمَلٌ وَجَيِّدٌ ... قَدْ قَالَهُ الْحَبْرُ الْهُمَامُ السَّيِّدُ قَوْلُهُ: [أَيْ قَصَرَهَا عَلَيْنَا] : أَيْ وَلَسْنَا مَقْصُورِينَ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [كَشَكْلِهِ وَلَوْنِهِ إلَخْ] : قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] . قَوْلُهُ: [لِيَكُونَ الْعَائِدُ إلَخْ] : أَيْ لِقَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي ... فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إنْ انْتَصَبَ إلَخْ قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ التَّقْدِيرِ] : أَيْ فَفِي حَذْفِ الْعَائِدِ شُذُوذٌ لِعَدَمِ اسْتِيفَائِهِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالشُّرُوطَ الَّتِي قَالَ فِيهَا ابْنُ مَالِكٍ: كَذَاك حَذْفُ مَا بِوَصْفٍ خَفْضًا إلَخْ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا التَّخَالُفُ فِي شُذُوذِ حَذْفِ الْعَائِدِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْبَاءَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَرَكَهُ الشَّارِحُ تَكُونُ دَاخِلَةً عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَى مُقْتَضَى الْكَثِيرِ فِيهَا، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِمَا قَالَهُ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَالصَّلَاةُ إلَخْ] : لَمَّا أَثْنَى عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَشَكَرَهُ عَلَى نِعَمِهِ أَدَاءً لِبَعْضِ مَا يَجِبُ إجْمَالًا، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَجَمِيعُ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إلَيْهِمْ الَّتِي أَعْظَمَهَا الْهِدَايَةُ لِلْإِسْلَامِ إنَّمَا هِيَ بِبَرَكَتِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَاءً لِبَعْضٍ مَا يَجِبُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] ، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ فَيُبْدَأُ بِهِ وَبِالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» ، وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَتُهُ الْمَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ، وَمِنْ الْعَبِيدِ طَلَبُهُمْ ذَلِكَ، وَالسَّلَامُ مِنْ اللَّهِ الْأَمَانُ أَوْ التَّحِيَّةُ، بِأَنْ يُحَيِّيَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ، كَمَا يُحَيِّي أَحَدُنَا ضَيْفَهُ، وَمِنْ الْعَبِيدِ طَلَبُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [عَلَى النَّبِيِّ الْأَعْظَمِ] : أَيْ مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: [إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى] : أَيْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً لَفْظًا أَوْ مَعْنًى خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ يَاسِينُ. قَوْلُهُ: [وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْمَتْبُوعِ] : لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْخَصَائِصِ عِنْدَ قَوْلِ الْبُوصِيرِيِّ: وَلَك الْأُمَّةُ الَّتِي غَبَطَتْهَا ... بِك لَمَا أَتَيْتَهَا الْأَنْبِيَاءُ إنَّ اللَّهَ جَمَعَ فِي نَبِيِّنَا جَمِيعَ مَا تَفَرَّقَ فِي الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْكَمَالَاتِ، وَجَمَعَ فِي أُمَّتِهِ جَمِيعَ مَا تَفَرَّقَ فِي الْأُمَمِ مِنْهَا، وَكَفَاهُمْ قَوْله تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] الْآيَةَ.

وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ؛ وَالْكَلَامُ فِي الْآلِ وَالصَّحْبِ مَشْهُورٌ. (وَبَعْدُ فَهَذَا كِتَابٌ جَلِيلٌ اقْتَطَفْته مِنْ ثِمَارِ مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ خَلِيلٍ) الْكَلَامُ فِي بَعْدُ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ مَشْهُورٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مَشْهُورٌ] : أَمَّا الْآلُ فِي مَقَامِ الزَّكَاةِ فَهُمْ عِنْدَنَا بَنُو هَاشِمٍ لَا الْمُطَّلِبِ، وَأَمَّا فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ وَلَوْ عَاصِيًا، وَأَمَّا فِي مَقَامِ الْمَدْحِ فَكُلُّ تَقِيٍّ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ» ، وَأَصْحَابُهُ كُلُّ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَطُولُ. قَوْلُهُ: [الْكَلَامُ فِي بَعْدُ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ مَشْهُورٌ] : أَيْ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ، وَلْنَذْكُرْ لَك زُبْدَةَ ذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ بِهَا الْخَاطِرُ؛ فَبَعْدُ يَتَعَلَّقُ بِهَا تِسْعَةُ مَبَاحِثَ: الْأَوَّلُ فِي وَاوِهَا، الثَّانِي: فِي مَوْضِعِهَا، الثَّالِثُ: فِي مَعْنَاهَا، الرَّابِعُ: فِي إعْرَابِهَا، الْخَامِسُ: فِي الْعَامِلِ فِيهَا، السَّادِسُ: فِي أَصْلِهَا، السَّابِعُ: فِي حُكْمِ الْإِتْيَانِ بِهَا، الثَّامِنُ: فِي أَوَّلِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا، التَّاسِعُ: فِي الْفَاءِ بَعْدَهَا. فَأَمَّا الْوَاوُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لِعَطْفِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا عَطْفِ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ نَائِبَةً عَنْ أَمَّا الَّتِي هِيَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ التَّفْصِيلِ فِي غَيْرِ مَا هُنَا. وَأَمَّا مَوْضِعُهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ هِيَ كَلِمَةٌ يُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ، أَيْ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ، فَلَا تَقَعُ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ، وَلَا أَوَّلَ الْكَلَامِ وَلَا آخِرَهُ، فَإِنْ وَقَعَتْ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ بَيْنَهُمَا عَدَمُ مُنَاسَبَةٍ سُمِّيَ اقْتِضَابًا مَحْضًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ كُلِّيَّةٌ سُمِّيَ تَخَلُّصًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَوْعُ مُنَاسَبَةٍ كَمَا هُنَا، سُمِّيَ اقْتِضَابًا مَشُوبًا بِتَخَلُّصٍ، فَمِثَالُ الِاقْتِضَابِ الْمَحْضِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَوْ رَأَى اللَّهُ أَنَّ فِي الشَّيْبِ خَيْرًا ... جَاوَتْهُ الْأَبْرَارُ فِي الْخُلْدِ شِيبَا كُلُّ يَوْمٍ تُبْدِي صُرُوفُ اللَّيَالِي ... خُلُقًا مِنْ أَبِي سَعِيد غَرِيبَا وَمِثَالُ التَّخَلُّصِ قَوْلُ الشَّاعِرِ أَيْضًا: أَمَطْلَعَ الشَّمْسِ تَبْغِي أَنْ تَؤُمَّ بِنَا ... فَقُلْت كَلًّا وَلَكِنْ مَطْلَعَ الْجُودِ وَأَمَّا مَعْنَاهَا فَهُوَ نَقِيضُ قَبْلُ، وَتَكُونُ ظَرْفَ زَمَانٍ كَثِيرًا وَمَكَانٍ قَلِيلًا، وَهِيَ هُنَا لِلزَّمَانِ لَا غَيْرُ، وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا لِلْمَكَانِ بِاعْتِبَارِ الرَّقْمِ بَعِيدٌ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِحُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَمَّا إعْرَابُهَا فَلَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: تُعْرَبُ فِي ثَلَاثَةٍ وَتُبْنَى فِي حَالَةٍ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ. وَأَمَّا الْعَامِلُ فِيهَا فَهُوَ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ مُقَدَّرٌ بِ أَقُولُ وَنَحْوِهِ، وَعَلَى أَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الشَّرْطِ فَالْعَامِلُ فِيهَا فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالتَّقْدِيرُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ الْعَامِلُ فِيهَا الْوَاوُ النَّائِبَةُ عَنْ أَمَّا النَّائِبَةِ عَنْ مَهْمَا، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَزَاءِ كَانَتْ مَعْمُولَةً لِلْجَزَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَأَقُولُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ، وَجَعْلُهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَزَاءِ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ وُجُودُ الْمُؤَلَّفِ مُعَلَّقًا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُطْلَقٍ. وَأَمَّا أَصْلُهَا فَهُوَ أَمَّا، وَأَصْلُ أَمَّا مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا الْأَصْلُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ نَائِبَةٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا عَاطِفَةٌ فَالْأَصْلُ، وَأَقُولُ بَعْدُ إلَخْ. وَأَمَّا حُكْمُ الْإِتْيَانِ بِهَا فَالِاسْتِحْبَابُ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِأَصْلِهَا وَهُوَ أَمَّا بَعْدُ فِي خُطَبِهِ وَمُكَاتَبَاتِهِ. وَأَمَّا أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا فَقَدْ نَظَمَ الْخِلَافَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: جَرَى الْخُلْفُ أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ بَادِئًا ... بِهَا خَمْسُ أَقْوَالٍ وَدَاوُد أَقْرَبُ وَكَانَتْ لَهُ فَصْلَ الْخِطَابِ وَبَعْدَهُ ... فَقُسٌّ فَسَحْبَانُ فَكَعْبٌ فَيَعْرُبُ وَأَمَّا الْفَاءُ بَعْدَهَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ فَالْفَاءُ زَائِدَةٌ عَلَى تَوَهُّمِ وُجُودِ أَمَّا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا فَالْفَاءُ رَابِطَةٌ لِلْجَوَابِ. وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ. وَأَمَّا اسْمُ الْإِشَارَةِ فَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ سَبْعَةٌ أَبْدَاهَا السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيِّ: وَهِيَ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى الْأَلْفَاظِ أَوَالنُّقُوشِ أَوْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، أَوْ الْمَعَانِي وَالنُّقُوشِ أَوْ الْأَلْفَاظِ وَالنُّقُوشِ، أَوْ الثَّلَاثَةِ. اخْتَارَ السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيِّ مِنْهَا أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْخَارِجِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ فَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى مَا فِي الذِّهْنِ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُبْتَدَأٌ وَكِتَابٌ خَبَرٌ. وَإِنْ قُلْت مَا فِي الذِّهْنِ مُجْمَلٌ وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلْمُفَصَّلِ فَلَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ. أُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفَ مُضَافٍ أَيْ مُفَصَّلُ هَذَا كِتَابٌ. فَإِنْ قُلْت: مَا فِي ذِهْنِ الْمُؤَلِّفِ جُزْئِيٌّ وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِمَا فِي ذِهْنِ الْمُؤَلِّفِ وَغَيْرِهِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ بِالْكُلِّيِّ عَنْ الْجُزْئِيِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفَ مُضَافٍ ثَانٍ. أَيْ مُفَصَّلُ نَوْعِ

وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلنُّقُوشِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِمَعَانِيهَا، وَجَلِيلٌ نَعْتٌ لَهُ، وَمَعْنَاهُ عَظِيمُ الشَّأْنِ، لِمَا اشْتَمَلَ عَلَى الْأَحْكَامِ النَّفِيسَةِ مَعَ سُهُولَةِ الْأَلْفَاظِ وَعُذُوبَتِهَا وَاخْتِصَارِهَا اخْتِصَارًا لَا يُخِلُّ بِالْمَعَانِي. وَمَعْنَى اقْتَطَفْته إلَخْ أَخَذْته وَجَمَعْته مِنْ مَعَانِي مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي الضِّيَاءِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ، كَانَ مَعَ وُفُورِ عِلْمِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَشَيْخِهِ الْإِمَامِ سَيِّدِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَعَنَّا بِهِمْ، وَقَدْ شَبَّهَ الْمُخْتَصَرَ الْمَذْكُورَ بِرَوْضَةٍ مُثْمِرَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذَا كِتَابٌ. وَالْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الذِّهْنَ لَا يَقُومُ بِهِ الْمُفَصَّلُ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْكِتَابَ لَا يَكُونُ اسْمًا لِلْمُجْمَلِ، وَعَلَى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِالْمُفَصَّلِ عَنْ الْمُجْمَلِ، وَإِلَّا فَلَا يُحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ الْأَوَّلِ، وَالْإِشْكَالُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الْجِنْسِ، وَأَسْمَاءَ الْعُلُومِ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الشَّخْصِ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الشَّيْءُ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ فَالْكُلُّ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الشَّخْصِ، وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ فَالْكُلُّ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الْجِنْسِ، وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ وَكَوْنُ الشَّيْءِ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ أَوْهَامٌ فَلْسَفِيَّةٌ لَا يُعْتَدُّ بِهَا، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ الثَّانِي أَيْضًا. قَوْلُهُ: [اسْمٌ لِلنُّقُوشِ إلَخْ] : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الشَّارِحُ اخْتَارَ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَهُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. قَوْلُهُ: ابْنُ إِسْحَاقَ: بْنُ مُوسَى وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَهَمَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي إبْدَالِ مُوسَى بِيَعْقُوبَ. قَوْلُهُ: [مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ] : أَيْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُجَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً بِمِصْرَ لَمْ يَرَ النِّيلَ لِاشْتِغَالِهِ بِرَبِّهِ، وَكَانَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْجُنْدِ الْمُتَقَشِّفِينَ، وَلَهُ وَلِشَيْخِهِ كَرَامَاتٌ ذَكَرَ الْأَصْلُ بَعْضَهَا. قَوْلُهُ: [بِرَوْضَةٍ مُثْمِرَةٍ] : أَيْ وَطَوَى ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَذِكْرُ الثِّمَارِ تَخْيِيلٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَالِاقْتِطَافُ تَرْشِيحٌ وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الِانْتِفَاعُ التَّامُّ فِي كُلٍّ، فَإِنَّ الرَّوْضَةَ بِهَا انْتِفَاعُ الْأَجْسَادِ وَبِالْمُخْتَصَرِ انْتِفَاعُ الْأَرْوَاحِ.

وَذِكْرُ الثِّمَارِ تَخْيِيلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ (فِي مَذْهَبِ إمَامِ أَئِمَّةِ دَارِ التَّنْزِيلِ) فِي مَذْهَبِ نَعْتٌ لِلْمُخْتَصَرِ الْمَذْكُورِ أَيْ الْكَائِنُ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرُ فِي مَذْهَبِ إمَامِ أَئِمَّةِ دَارِ التَّنْزِيلِ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ، وَالتَّنْزِيلُ: الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي مَذْهَبٍ] : هُوَ فِي الْأَصْلِ مَحَلُّ الذَّهَابِ كَالطَّرِيقِ الْمَحْسُوسَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَقَدْ شَبَّهَ الْأَحْكَامَ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا وَاعْتَقَدَهَا بِطَرِيقٍ يُوصِلُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا التَّوَصُّلُ لِلْمَقْصُودِ فِي كُلٍّ، عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] . قَوْلُهُ: [أَئِمَّةِ] : جَمْعُ إمَامٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْمُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَلَوْ صَغِيرًا، وَأَصْلُ أَئِمَّةِ: أَأْمِمَةٍ نُقِلَتْ كَسْرَةُ الْمِيمِ الْأُولَى إلَى الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ الْمِيمُ فِي الْمِيمِ فَصَارَ أَئِمَّةٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ أَوْ بِتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: (دَارِ التَّنْزِيلِ) : أَيْ الْقُرْآنِ لِنُزُولِ غَالِبِهِ بِهَا. قَوْلُهُ: [وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ] : أَيْ بِأَنْوَارِ الْمُصْطَفَى لِأَنَّهُ أَنَارَهَا حِسًّا وَمَعْنًى، وَلَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ أَنْهَاهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى تِسْعِينَ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْمَتْنُ وَالشَّرْحُ، مِنْهَا قُبَّةُ الْإِسْلَامِ، وَمَدِينَةُ الرَّسُولِ، وَطَيْبَةُ، وَطَابَةُ، وَالرَّاحِمَةُ، وَالْمَرْحُومَةُ، وَالْهَادِيَةُ، وَالْمَهْدِيَّةُ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِيَثْرِبَ فَمَكْرُوهٌ وَمَا فِي الْآيَةِ حِكَايَةٌ عَنْ الْمُنَافِقِينَ. قَوْلُهُ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ غَيْمَانَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَوَّلَهُ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ابْنُ خُثَيْلٍ - بِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ أَوَّلُهُ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَيُقَالُ بِالْجِيمِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ - مِنْ ذِي أَصْبَحَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ فَهُوَ مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ وَعَادَةُ مُلُوكِهِمْ يَزِيدُونَ فِي الْعِلْمِ ذَا تَعْظِيمًا: أَيْ صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ. وَأُمُّ الْإِمَامِ اسْمُهَا الْعَالِيَةُ بِنْتُ شَرِيكٍ الْأَزْدِيَّةُ، وَقِيلَ طُلَيْحَةُ مَوْلَاةُ عَامِرٍ بِنْتُ مَعْمَرٍ، وَكَانَ أَبُو الْإِمَامِ وَجَدُّهُ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَجَدُّهُ مَالِكٌ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ حَمَلُوا عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى قَبْرِهِ لَيْلًا وَدَفَنُوهُ بِالْبَقِيعِ، وَأَبُوهُ أَبُو عَامِرٍ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْمَغَازِي كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَا بَدْرًا، وَالْإِمَامُ تَابِعُ التَّابِعِينَ وَقِيلَ تَابِعِيٌّ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ

وَإِذَا كَانَ إمَامَ أَئِمَّةِ الْمَدِينَةِ - مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِمْ - كَانَ إمَامًا لِغَيْرِهِمْ بِالْأَوْلَى. فَهُوَ إمَامُ الْأَئِمَّةِ لَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، بَلْ بِشَهَادَةِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ. يَحْكُمُ بِذَلِكَ كُلُّ مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَائِشَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - وَقِيلَ بِصُحْبَتِهَا - وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ صَحَابِيَّةً. وَهُوَ عَالِمٌ الْمَدِينَةِ. لَمْ تُشَدَّ الرِّحَالُ لِعَالِمٍ بِهَا كَمَا شُدَّتْ لَهُ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَيْهِ. وَنَاهِيك مَا اُشْتُهِرَ: لَا يُفْتَى وَمَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ. رَوَى الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَلَا يَجِدُونَ أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» . وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظٍ: «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ» . وَيُرْوَى: «آبَاطَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَفْقَهَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» قَالَ سُفْيَانُ: كَانُوا يَرَوْنَهُ مَالِكًا. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: يَعْنِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ كَانُوا يَرَوْنَهُ: التَّابِعِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ. وَيُرْوَى: «لَا تَنْقَضِي السَّاعَةُ حَتَّى يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ» ، إلَخْ اُنْظُرْ (ح) . وَبِالْجُمْلَةِ مَتَى قِيلَ: هَذَا قَوْلُ عَالِمِ الْمَدِينَةِ، فَهُوَ الْمُرَادُ. وَفِي (ح) أَيْضًا: مَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا. وَالتَّحْنِيكُ فِي الْعِمَامَةِ شَأْنُ الْأَئِمَّةِ. وَعَنْ مَالِكٍ: جَالَسْت ابْنَ هُرْمُزَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً فِي عِلْمٍ لَمْ أَبُثَّهُ لِأَحَدٍ، وَمَذْهَبُهُ عُمْرِي؛ سَدُّ الْحِيَلِ وَاتِّقَاءُ الشُّبُهَاتِ. وَلَمْ يَعْتَزِلْ مَالِكِيٌّ قَطُّ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْغَرْبِ الْوَارِدُ بَقَاؤُهُمْ عَلَى الْحَقِّ. وَأَلَّفَ السُّيُوطِيّ كِتَابًا يُسَمَّى " تَزْيِينُ الْمَمَالِكِ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " أَثْبَتَ فِيهِ أَخْذَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْهُ. قَالَ: وَأَلَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ جُزْءًا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْهُ. بَلْ رَوَى عَنْ الْإِمَامِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَقْدَمُ وَفَاةً، كَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَهُمَا مِنْ شُيُوخِ مَالِكٍ وَأَخَذَا عَنْهُ، فَأَوْلَى قَرِينُهُ. وَمِنْ شُيُوخِ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ التَّابِعِينَ: نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَارِئُ؛ قَرَأَ عَلَيْهِ مَالِكٌ

كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (اقْتَصَرْت فِيهِ عَلَى أَرْجَحِ الْأَقَاوِيلِ) هَذَا نَعْتٌ لِكِتَابٍ؛ أَيْ كِتَابٌ اقْتَصَرْت فِيهِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمٍ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ عِنْدَ الْأَشْيَاخِ. فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ ذِكْرُ الْقَوْلَيْنِ إلَّا قَلِيلًا حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ لِأَحَدِهِمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقُرْآنَ. وَرَوَى هُوَ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ غَيْرُ نَافِعٍ التَّابِعِيِّ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ. وَحَمَلَتْ بِالْإِمَامِ أُمُّهُ ثَلَاثَ سِنِينَ. وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ بِذِي الْمَرْوَةِ؛ مَوْضِعٌ مِنْ مَسَاجِدِ تَبُوكَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ يَوْمَ الْأَحَدِ لِتَمَامِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ. وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ وَعَلَيْهِ قُبَّةٌ، وَبِجَانِبِهِ قَبْرٌ لِنَافِعٍ؛ قِيلَ: نَافِعٌ الْقَارِئُ أَوْ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ. وَمَنَاقِبُهُ وَفَضْلُهُ أَظْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنَّا بِهِ. قَوْله: قَلْبٌ: أَيْ عَقْلٌ كَامِلٌ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ إلَخْ) : أَيْ صَغَى بِسَمْعِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ بِقَلْبِهِ لِمَا يُذْكَرُ مِنْ مَنَاقِبِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ اقْتِبَاسٌ مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. قَوْلُهُ: [أَرْجَحِ الْأَقَاوِيلِ] : أَيْ أَقْوَاهَا إنْ وُجِدَ رَاجِحٌ وَأَرْجَحُ، وَعَلَى الرَّاجِحِ إنْ وُجِدَ رَاجِحٌ وَمَرْجُوحٌ. فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِي كَلَامِهِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ دَائِمًا كَمَا يُفِيدُهُ حَلُّ الشَّارِحِ. وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ: مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَالْمَشْهُورُ: مَا كَثُرَ قَائِلُهُ. وَلَكِنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْأَرْجَحِ وَالرَّاجِحِ: الْقَوِيُّ وَالْأَقْوَى؛ إمَّا لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ أَوْ لِكَثْرَةِ قَائِلِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُلْتَزِمًا لِاصْطِلَاحَاتِ الْمُخْتَصَرِ. مَسْأَلَةٌ: لِلْمُفْتِي إذَا اُسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا قَوْلَانِ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْتَفْتِيَ عَلَى أَيِّهِمَا. وَقِيلَ: بَلْ يُخْبِرُهُ بِالْقَائِلَيْنِ، فَيُقَلِّدُ أَيَّهُمَا أَحَبَّ كَمَا لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً. وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلتَّرْجِيحِ، وَإِلَّا فَلْيُرَجِّحْ أَحَدَ الْأَقْوَالِ - اُنْظُرْ الْأُجْهُورِيَّ. مَسْأَلَةٌ أُخْرَى - فِي الْحَطَّابِ: أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ مُجْتَهِدًا لَا يَضْمَنُ، وَمُقَلِّدًا يَضْمَنُ إنْ انْتَصَبَ أَوْ تَوَلَّى فِعْلَ مَا أَفْتَى بِهِ، وَإِلَّا - فَغُرُورٌ قَوْلِيٌّ لَا ضَمَانَ فِيهِ، وَيُزْجَرُ. وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ، أُدِّبَ وَتَجُوزُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْفُتْيَا إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ. وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ تَقْدِيمُ الشَّاذِّ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ، وَالْأَشْيَاخُ عَلَى عَكْسِهِ.

(مُبَدِّلًا غَيْرَ الْمُعْتَمَدِ مِنْهُ بِهِ، مَعَ تَقْيِيدِ مَا أَطْلَقَهُ وَضِدِّهِ، لِلتَّسْهِيلِ) : مُبَدِّلًا، حَالٌ مِنْ فَاعِلِ اقْتَصَرْت، أَيْ حَالَ كَوْنِي مُبَدِّلًا غَيْرَ الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْمُخْتَصَرِ بِالْمُعْتَمَدِ، مَعَ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ الَّذِي أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ - وَحَقُّهُ التَّقْيِيدُ - وَمَعَ إطْلَاقِ مَا قَيَّدَهُ - وَحَقُّهُ الْإِطْلَاقُ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِي: (وَضِدِّهِ) . وَقَوْلُهُ: لِلتَّسْهِيلِ: عِلَّةٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْإِبْدَالِ وَمَا مَعَهُ. أَيْ فَعَلْت ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَسْهُلَ الْأَمْرُ عَلَى الطَّالِبِ الْمُسْتَفِيدِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَالتَّقْيِيدِ فِي مَحَلِّ الْإِطْلَاقِ - وَعَكْسُهُ - فِيهِ خَفَاءٌ وَصُعُوبَةٌ عَلَى الطَّالِبِ، لِإِيجَابِهِ اعْتِقَادَ خِلَافِ الْوَاقِعِ. (وَسَمَّيْته: أَقْرَبَ الْمَسَالِكِ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ) الْمَسَالِكُ جَمْعُ مَسْلَكٍ: أَيْ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْأَلَةٌ أُخْرَى - فِي (شب) : أَنَّهُ يُمْتَنَعُ تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ. وَفَسَّرَهَا بِمَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ مِنْ مُخَالِفِ النَّصِّ وَجَلِيِّ الْقِيَاسِ. وَلِغَيْرِهِ: أَنَّ مَعْنَاهُ رَفْعُ مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ بِاتِّبَاعِ كُلِّ سَهْلٍ. وَفِيهِ أَيْضًا مَنْعُ التَّلْفِيقِ. وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ عَنْ شَيْخِهِ الْعَدَوِيِّ عَنْ شَيْخِهِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُهُ، وَهُوَ فُسْحَةٌ. لَكِنْ لَا يَنْبَغِي فِعْلُهَا فِي النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي الْفُرُوجِ مَا لَا يُحْتَاطُ فِي غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: مُبْدِلًا: أَيْ مُعَوِّضًا. قَوْلُهُ: غَيْرَ الْمُعْتَمَدِ: أَيْ غَيْرَ الْقَوِيِّ. وَقَوْلُهُ: [بِهِ] : أَيْ بِالْمُعْتَمَدِ، بِمَعْنَى الْقَوِيِّ سَوَاءٌ كَانَتْ قُوَّتُهُ لِرُجْحَانِهِ أَوْ لِشُهْرَتِهِ - وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَصْلَ - الَّذِي هُوَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ - إذَا مَشَى عَلَى طَرِيقَةٍ قَالَ الْأَشْيَاخُ بِضَعْفِهَا، أَبْدَلَهَا مُصَنِّفُنَا بِمَا اعْتَمَدَتْهُ الْأَشْيَاخُ. قَوْلُهُ: [مَعَ تَقْيِيدِ مَا أَطْلَقَهُ] إلَخْ: كَقَوْلِ الْمُخْتَصَرِ وَسُقُوطُهَا فِي صَلَاةٍ مُبْطِلٌ، فَهَذَا الْإِطْلَاقُ حَقُّهُ التَّقْيِيدُ بِشُرُوطٍ تَأْتِي، فَقَيَّدَهُ مُصَنِّفُنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِتِلْكَ الشُّرُوطِ وَقَوْلُهُ: [وَمَعَ إطْلَاقِ مَا قَيَّدَهُ] إلَخْ: كَقَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ: وَإِنْ عَجَزَ، مَا لَمْ يُطِلْ، فَحَقُّهُ - حَيْثُ كَانَ الْعَجْزُ حَقِيقِيًّا - الْإِطْلَاقُ، وَقَدْ أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهَكَذَا فَلْتَقِسْ. قَوْلُهُ: [وَسَمَّيْته] إلَخْ: أَيْ وَضَعْت ذَلِكَ التَّرْكِيبَ اسْمًا لَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُؤَلِّفِينَ تَسْمِيَةَ أَنْفُسِهِمْ وَكُتُبِهِمْ لِأَجْلِ الرَّغْبَةِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُرْغَبُ فِيهِ، وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي [سَمَّيْته] : مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لَسَمَّى، وَ [أَقْرَبَ] : مَفْعُولُهُ الثَّانِي، وَمَادَّةُ التَّسْمِيَةِ تَارَةً

مَحَلُّ السُّلُوكِ أَيْ الذَّهَابُ، فَالْمَسْلَكُ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ فِيهِ. وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْكُتُبُ الْمُؤَلَّفَةُ فِي الْمَذْهَبِ. وَسَمَّاهُ بِذَلِكَ لِيُطَابِقَ الِاسْمُ الْمُسَمَّى؛ إذْ الْكُتُبُ الْمُؤَلَّفَةُ فِي الْمَذْهَبِ لَا تَخْلُو عَنْ صُعُوبَةٍ، وَهَذَا الْكِتَابُ سَهْلٌ مُنَقَّحٌ. وَيُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزٍ وَيَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزٍ وَقَوْلُهُ: (لِمَذْهَبِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسَالِكِ. (وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ إنَّهُ عَلِيٌّ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَتَعَدَّى لِلثَّانِي بِنَفْسِهَا أَوْ بِالْبَاءِ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْكُتُبُ] : أَيْ فَقَدْ شَبَّهَ الْكُتُبَ الْمُؤَلَّفَةَ فِي الْمَذْهَبِ بِطُرُقٍ تُوصِلُ إلَى مَدِينَةٍ مَثَلًا، وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ. وَإِضَافَتُهَا لِلْمَذْهَبِ قَرِينَةٌ مَانِعَةٌ. وَلَك أَنْ تَجْعَلَ [فِي الْمَذْهَبِ] : بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ؛ اسْتِعَارَةً بِالْكِنَايَةِ، بِأَنْ يُقَالَ: شَبَّهَ مَذْهَبَ مَالِكٍ بِمَدِينَةٍ يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا بِطُرُقٍ عَدِيدَةٍ، وَطَوَى ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَرَمَزَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ - وَهُوَ الْمَسَالِكُ - عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَذِكْرُ الْمَسَائِلِ تَخْيِيلٌ. قَوْلُهُ: [يُقَرِّبُ الْأَقْصَى] إلَخْ: مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزٍ ... وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزٍ وَإِسْنَادُ التَّقْرِيبِ لِلْكِتَابِ: مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ الْإِسْنَادِ لِلسَّبَبِ. وَالْأَقْصَى صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ الْمَعْنَى الْأَبْعَدُ الَّذِي فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى الْبَعِيدُ. وَالْمُوجَزُ: الْمُخْتَصَرُ، وَالْبَسْطُ: التَّوْسِعَةُ. وَالْبَذْلُ: الْعَطَاء أَيْ الْمُعْطَى. وَالْوَعْدُ: مَا كَانَ بِخَيْرٍ ضِدُّ الْوَعِيدِ. وَالْمُنْجَزُ: الْمُبْرَمُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ شَبَّهَ كِتَابَهُ بِشَخْصٍ كَرِيمٍ ذِي عَطَايَا وَاسِعَةٍ يَعِدُ وَلَا يُخْلِفُ. وَطَوَى ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَرَمَزَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ وَهُوَ الْبَسْطُ وَالْبَذْلُ وَالْوَعْدُ، فَالْبَذْلُ تَخْيِيلٌ، وَالْبَسْطُ وَالْوَعْدُ تَرْشِيحَانِ. قَوْلُهُ: [كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ] : مَا مَصْدَرِيَّةٌ تُسْبَكُ مَعَ مَا بَعْدَهَا بِمَصْدَرٍ. وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَأَسْأَلُ اللَّهَ النَّفْعَ بِهِ نَفْعًا كَائِنًا كَالنَّفْعِ بِأَصْلِهِ. قَوْلُهُ: [إنَّهُ عَلِيٌّ] إلَخْ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ الْمُضَمَّنِ مَعْنَى التَّعْلِيلَ،

حَكِيمٌ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى النَّفْعَ بِهَذَا الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. وَالنَّفْعُ ضِدُّ الضُّرِّ. وَحَذَفَ الْمَعْمُولَ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ. أَيْ يَنْفَعُ بِهِ كُلَّ مَنْ قَرَأَهُ أَوْ كَتَبَهُ أَوْ حَصَّلَهُ، كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي هُوَ مُخْتَصَرُ الشَّيْخِ. وَاعْلَمْ أَنِّي مَتَى أَطْلَقْت لَفْظَ الشَّيْخِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَوْ أَتَيْت بِضَمِيرِ الْغَائِبِ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُصَنِّفُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْعَلِيُّ: الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ. وَالْحَكِيمُ: ذُو الْحِكْمَةِ وَالصُّنْعِ الَّذِي يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ، وَالرَّءُوفُ: شَدِيدُ الرَّحْمَةِ، وَالرَّحِيمُ: ذُو الرَّحْمَةِ. وَحِكْمَةُ تَوَسُّلِهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ: إفَادَتُهَا أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَغْرَاضِ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَحْكَامِ يُعْطِي مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَمِنْ غَيْرِ تَهَيُّؤِ الْعَبْدِ لِلْعَطَايَا يُعْطِي الْحِكَمَ؛ وَهِيَ الْعُلُومُ النَّافِعَةُ لِشِدَّةِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ] : هَذَا الْحَصْرُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: [إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ] إلَخْ.

[باب في بيان الطهارة]

بَابٌ فِي بَيَانِ الطَّهَارَةِ وَأَقْسَامِهَا، وَأَحْكَامِهَا، وَالطَّاهِرِ، وَالنَّجِسِ. وَيُسَمَّى كِتَابَ الطَّهَارَةِ. وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابٌ فِي بَيَانِ الطَّهَارَةِ] [تَعْرِيف الطَّهَارَة وَأَقْسَامهَا] (بَابٌ) : هُوَ فِي الْعُرْفِ مَعْرُوفٌ. وَفِي اللُّغَةِ: فُرْجَةٌ فِي سَاتِرٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا مِنْ خَارِجٍ إلَى دَاخِلٍ وَعَكْسُهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ؛ كَبَابِ الدَّارِ وَمَجَازٌ فِي الْمَعَانِي كَمَا هُنَا. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: اسْمٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي أَمْرٍ. وَالْبَابُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ إمَّا مَرْفُوعٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي الْأَعْدَادِ الْمَسْرُودَةِ. وَاعْتُرِضَ الْإِعْرَابُ الْأَوَّلُ: بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ، وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْمُسَوِّغَ لِلِابْتِدَاءِ بِهَا هُنَا وُقُوعُ الْخَبَرِ جَارًّا وَمَجْرُورًا. وَهُوَ إذَا وَقَعَ خَبَرًا عَنْ نَكِرَةٍ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا لِيُسَوَّغَ الِابْتِدَاءُ بِهَا فَيُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ الطَّهَارَةِ: بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَأَمَّا بِضَمِّهَا فَهُوَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَأَمَّا بِكَسْرِهَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَهُوَ مَا يُضَافُ إلَى الْمَاءِ مِنْ صَابُونٍ وَنَحْوِهِ. وَابْتَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ. وَالْكَلَامُ فِي الشَّرْطِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ. وَقَدَّمَ مَا يَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ وَهُوَ - الْمَاءُ فِي الْغَالِبِ - لِأَنَّهُ إنْ لَمْ: يُوجَدْ هُوَ وَلَا بَدَلُهُ، لَا تُوجَدُ الطَّهَارَةُ؛ فَهُوَ كَالْآلَةِ. وَاسْتَدْعَى الْكَلَامُ فِيهِ الْكَلَامَ عَلَى الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ لِكَيْ يُعْلَمُ مَا يُنَجِّسُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَمَا لَا يُنَجِّسُهُ وَمَا يَمْنَعُ التَّلَبُّسَ بِهِ مِنْ التَّقَرُّبِ بِالصَّلَاةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا، وَمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِبَيَانِ حَقَائِقَ سَبْعَةٍ، وَهِيَ: الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ وَالطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ وَالطَّهُورِيَّةُ وَالتَّطْهِيرُ وَالتَّنْجِيسُ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى تَعْرِيفِ الطَّهَارَةِ. وَلْنَذْكُرْ لَك الْبَاقِيَ عَلَى طِبْقِ تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي. فَتَعْرِيفُ النَّجَاسَةِ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ يُمْتَنَعُ بِهَا مَا اُسْتُبِيحَ بِطَهَارَةِ الْخَبَثِ. وَالطَّاهِرُ الْمَوْصُوفُ بِصِفَةٍ حُكْمِيَّةٍ يُسْتَبَاحُ بِهَا مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ أَوْ حُكْمُ الْخَبَثِ. وَالنَّجِسُ - بِكَسْرِ الْجِيمِ - الْمُتَنَجِّسُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِصِفَةٍ حُكْمِيَّةٍ يُمْتَنَعُ بِهَا مَا أُبِيحَ بِطَهَارَةِ الْخَبَثِ. وَأَمَّا بِفَتْحِهَا: فَهُوَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا. وَالطَّهُورِيَّةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ يُزَالُ بِمَا قَامَتْ بِهِ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ. وَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَطَّرِدُ إلَّا فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ. وَالتَّطْهِيرُ: إزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَوْ رَفْعُ الْحَدَثِ. وَالتَّنْجِيسُ: تَصْيِيرُ الطَّاهِرِ نَجِسًا. وَقَوْلُهُ: [وَأَقْسَامُهَا] : قَالَ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ قِسْمَانِ: حَدَثِيَّةٌ وَخُبْثِيَّةٌ، وَالْأُولَى مَائِيَّةٌ وَتُرَابِيَّةٌ، وَالْمَائِيَّةُ بِغُسْلٍ وَمَسْحٍ أَصْلِيٍّ أَوْ بَدَلِيٍّ. وَالْبَدَلِيُّ اخْتِيَارِيٌّ أَوْ اضْطِرَارِيٌّ،

وَمَا تَتَحَصَّلُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ. فَقَالَ: (الطَّهَارَةُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ يُسْتَبَاحُ بِهَا مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ أَوْ حُكْمُ الْخَبَثِ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالتُّرَابِيَّةُ بِمَسْحٍ فَقَطْ، وَالْخَبَثِيَّةُ أَيْضًا مَائِيَّةٌ وَغَيْرُ مَائِيَّةٍ، وَالْمَائِيَّةُ بِغُسْلٍ وَنَضْحٍ، وَغَيْرُ الْمَائِيَّةِ بِدَابِغٍ فِي كَيْمَخْتٍ فَقَطْ، وَنَارٍ عَلَى الرَّاجِحِ فِيهِمَا. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُمْ: الرَّافِعُ هُوَ الْمُطْلَقُ لَا غَيْرُهُ، فِيهِ نَظَرٌ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ. وَعَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ رَفْعًا مُقَيَّدًا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُهُ وَإِنَّمَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ لَا وَجْهَ لَهُ، إذْ كَيْفَ تَجْتَمِعُ الْإِبَاحَةُ مَعَ الْمَنْعِ أَوْ الْوَصْفِ الْمَانِعِ؟ نَعَمْ الْأَمْرَانِ مَعًا - أَيْ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ - لَا يَرْفَعُهُمَا إلَّا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَرْفَعُهُمَا مَعًا لِأَنَّ التُّرَابَ إنَّمَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَقَطْ وَالدِّبَاغُ وَالنَّارُ إنَّمَا يَرْفَعَانِ حُكْمَ الْخَبَثِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: (وَأَحْكَامُهَا) : وَهِيَ الْوُجُوبُ إذَا تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهَا أَوْ النَّدْبُ أَوْ السُّنِّيَّةُ إنْ لَمْ تَتَوَقَّفْ. قَوْلُهُ: [وَالطَّاهِرُ] : سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: الطَّاهِرُ مَيْتَةُ مَا لَا دَمَ لَهُ وَالْحَيُّ وَدَمْعُهُ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: [النَّجِسُ] : بَيَّنَهُ أَيْضًا فِي بَابِ الطَّاهِرِ وَفِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] : اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى الطَّهَارَةِ وَمَا بَعْدَهَا، وَأُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: [وَيُسَمَّى كِتَابُ الطَّهَارَةِ] : أَيْ كَمَا يُسَمَّى بِبَابِ الطَّهَارَةِ وَهِيَ تَسْمِيَةٌ قَدِيمَةٌ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: قَالَ ابْنُ مَحْمُودٍ شَارِحُ أَبِي دَاوُد: قَدْ اُسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ زَمَنَ التَّابِعِينَ، يَعْنِي لَفْظَةَ بَابٍ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ أَيْضًا وَانْظُرْ لَفْظَةَ كِتَابٍ، قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ وَانْظُرْ لَفْظَةَ فَصْلٍ. قَوْلُهُ: الطَّهَارَةُ: هَذَا شُرُوعٌ فِي مَعْنَاهَا اصْطِلَاحًا. وَأَمَّا مَعْنَاهَا لُغَةً فَهِيَ النَّظَافَةُ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ كَالْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ التَّحْقِيقِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ رَاشِدٍ، وَتَبِعَهُ الْعَلَّامَةُ الرَّصَّاعُ وَالتَّتَّائِيُّ عَلَى الْجَلَّابُ والشبرخيتي وَشَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ، مَوْضُوعَةً لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الْخُلُوصُ مِنْ الْأَوْسَاخِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا حِسِّيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً خِلَافًا لِمَا قَالَهُ ح

أَقُولُ: الطَّهَارَةُ الْقَائِمَةُ بِالشَّيْءِ الطَّاهِرِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ؛ أَيْ يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِثُبُوتِهَا وَحُصُولِهَا فِي نَفْسِهَا فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْأَحْوَالِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْحَالِ، أَوْ مِنْ الصِّفَاتِ الِاعْتِبَارِيَّةِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْحَالِ؛ كَالْوُجُودِ وَالظُّهُورِ وَالشَّرَفِ وَالْخِسَّةِ؛ فَإِنَّهَا صِفَاتٌ حُكْمِيَّةٌ، أَيْ اعْتِبَارِيَّةٌ يَعْتَبِرُهَا الْعَقْلُ. أَوْ أَنَّهَا أَحْوَالٌ: أَيْ لَهَا ثُبُوتٌ فِي نَفْسِهَا، وَلَيْسَتْ وُجُودِيَّةً كَصِفَاتِ الْمَعَانِي، وَلَا سَلْبِيَّةً بِأَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا سَلْبَ شَيْءٍ كَالْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ. وَقَوْلُهُ: (يُسْتَبَاحُ) : أَيْ يُبَاحُ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّوْكِيدِ. وَقَوْلُهُ: (مَا) : كِنَايَةٌ عَنْ فِعْلٍ أَيْ يُبَاحُ بِهَا فِعْلٌ؛ كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ. (مَنَعَهُ) : أَيْ مَنَعَ مِنْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلنَّظَافَةِ مِنْ الْأَوْسَاخِ، بِقَيْدِ كَوْنِهَا حِسِّيَّةً، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي النَّظَافَةِ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمَعْنَوِيَّةِ مَجَازٌ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] ، وَالْمَجَازُ لَا يُؤَكَّدُ إلَّا شُذُوذًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] . قَوْلُهُ: [صِفَةٌ] : دَخَلَ تَحْتَهَا أَقْسَامُ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَةِ: الْمَعَانِي وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أَخْرَجَ الْمَعَانِيَ وَالسَّلْبِيَّةَ بِقَوْلِهِ حُكْمِيَّةٌ. قَوْلُهُ: [بِالشَّيْءِ الطَّاهِرِ] : أَيْ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا كَانَ الْحَيَوَانُ عَاقِلًا أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [يَحْكُمُ الْعَقْلُ] تَبَعًا لِلشَّرْعِ، لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْأَحْوَالِ] إلَخْ: وَهِيَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ لَا تُوصَفُ بِالْوُجُودِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ تُرَى، وَلَا بِالْعَدَمِ بِحَيْثُ لَا تُدْرَكُ إلَّا فِي التَّعَقُّلِ، بَلْ هِيَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْوَصْفِ الْوُجُودِيِّ وَالِاعْتِبَارِيِّ. قَوْلُهُ: [أَوْ مِنْ الصِّفَاتِ الِاعْتِبَارِيَّةِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ. لِأَنَّ الْحَقَّ أَنْ لَا حَالَ. وَالْحَالُ مُحَالٌ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. قَوْلُهُ: [كَالْوُجُودِ] إلَخْ: هَذِهِ الْأَمْثِلَةُ لِمَا فِيهِ الْخِلَافُ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهَا صِفَاتٌ حُكْمِيَّةٌ] إلَخْ: تَوْضِيحٌ لِلْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا. قَوْلُهُ: [لِلتَّوْكِيدِ] : أَيْ زَائِدَتَانِ لِلتَّوْكِيدِ وَلَيْسَتَا لِلطَّلَبِ. قَوْلُهُ: [فِعْلٌ كَصَلَاةٍ] : يَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالْإِضَافَةِ وَالتَّنْوِينِ. قَوْلُهُ: [أَيْ مَنَعَ مِنْهُ] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذْفًا وَإِيصَالًا،

الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ أَوْ الْأَكْبَرُ، أَوْ مَنَعَ مِنْهُ حُكْمُ الْخَبَثِ، وَالْخَبَثُ: عَيْنُ النَّجَاسَةِ. وَالْمَانِعُ مِنْ التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ: حُكْمُهَا الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا عِنْدَ إصَابَتِهَا الشَّيْءَ الطَّاهِرَ؛ وَهُوَ أَثَرُهَا الْحُكْمِيُّ الَّذِي حَكَمَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ مَانِعٌ. فَالطَّهَارَةُ قِسْمَانِ: طَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ، وَطَهَارَةٌ مِنْ خَبَثٍ، فَأَوْ فِي قَوْلِهِ: (أَوْ حُكْمُ الْخَبَثِ) لِلتَّنْوِيعِ: لَا لِلتَّشْكِيكِ أَوْ الشَّكِّ فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَقُومُ إلَّا بِالْمُكَلَّفِ. وَهُوَ قِسْمَانِ: أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ. فَالْأَصْغَرُ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَالطَّوَافَ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ. وَيَزِيدُ الْأَكْبَرُ مَنْعَ الْحُلُولِ بِالْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ جَنَابَةً مَنَعَ الْقِرَاءَةَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ عَنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ مَنَعَ الْوَطْءَ. وَأَمَّا حُكْمُ الْخَبَثِ فَيَقُومُ بِكُلِّ طَاهِرٍ مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان أَوْ غَيْرِهَا. وَهُوَ يَمْنَعُ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَيْ حَذْفَ الْجَارَّ، وَإِيصَالَ الضَّمِيرِ. قَوْلُهُ: [عَيْنُ النَّجَاسَةِ] : أَيْ وَهُوَ يُزَالُ بِكُلِّ قِلَاعٍ فَلَا تَحْصُلُ بِإِزَالَتِهِ الطَّهَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَّا فِي مَسَائِلَ، كَالِاسْتِجْمَارِ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِّ] : أَيْ التَّعْرِيفِ، لِأَنَّ الْمُضِرَّ أَوْ الَّتِي لِلشَّكِّ أَوْ التَّشْكِيكِ وَهِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا صَاحِبُ السُّلَّمِ: وَلَا يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ ذِكْرُ أَوْ ... وَجَائِزٌ فِي الرَّسْمِ فَادْرِ مَا رَوَوْا قَوْلُهُ: [وَاعْلَمْ] إلَخْ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لِلْمَاهِيَّةِ وَهِيَ مُجْمَلَةٌ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ وَذَكَرَ هَذَا الْحَاصِلَ لِلْإِيضَاحِ. قَوْلُهُ: [إلَّا بِالْمُكَلَّفِ] : هَذَا الْحَصْرُ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ إلَخْ. فَيَقْتَضِي أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيَّزَ لَا يَقُومُ بِهِ الْحَدَثُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُكَلَّفِ: مَا يَشْمَلُ الْمُكَلَّفَ بِالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ فَقَطْ فَيَدْخُلُ الْمُمَيِّزُ. وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَجْنُونَ وَالنَّائِمَ لَا يَقُومُ بِهِمَا الْحَدَثُ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ هُوَ الَّذِي يَتَأَتَّى رَفْعُهُ. لِأَنَّ الْمَجْنُونَ حَالَ جُنُونِهِ، وَالنَّائِمَ حَالَ نَوْمِهِ لَا يُخَاطَبَانِ بِرَفْعِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُخَاطَبُ بِهِ الْمُكَلَّفُ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ عَنْ حَيْضٍ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ كَانَ الْأَكْبَرُ نَاشِئًا عَنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ مَنَعَ الْوَطْءَ، أَيْ لَا الْقِرَاءَةَ مُدَّةَ سَيَلَانِ الدَّمِ، وَأَمَّا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ

[الماء المطلق]

الصَّلَاةَ وَالطَّوَافَ وَالْمُكْثَ فِي الْمَسْجِدِ. ثُمَّ إنْ أُرِيدَ بِالْمَانِعِ مَا يَشْمَلُ التَّحْرِيمَ وَالْكَرَاهَةَ، شَمِلَ التَّعْرِيفُ الْأَرْضِيَّةَ، وَالِاغْتِسَالَات الْمَنْدُوبَةَ وَالْمَسْنُونَةَ. كَمَا يَشْمَلُ طَهَارَةَ الذِّمِّيَّةِ لِيَطَأَهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ. وَلَا يَرِدُ الْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَحْصِيلُ طَهَارَةٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْوِيَةُ الطَّهَارَةِ الْحَاصِلَةِ، فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ تَعْرِيفَنَا الطَّهَارَةَ أَخْصَرُ وَأَوْضَحُ وَأَشْمَلُ مِنْ تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمَشْهُورِ. (وَيُرْفَعُ: بِالْمُطْلَقِ) : ضَمِيرُ يُرْفَعُ يَعُودُ عَلَى الْحَدَثِ وَحُكْمِ الْخَبَثِ، وَأَفْرَدَهُ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ. وَالْحَدَثُ وَصْفٌ تَقْدِيرِيٌّ قَائِمٌ بِالْبَدَنِ أَوْ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. وَقَوْلُهُ: (يُرْفَعُ) : أَيْ يَرْتَفِعُ وَيَزُولُ بِرَفْعِ اللَّهِ لَهُ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQفَتُمْنَعُ الْقِرَاءَةُ لِقُدْرَتِهَا عَلَى إزَالَةِ مَانِعِهَا. انْتَهَى تَقْرِيرُ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [الْأَرْضِيَّةَ وَالِاغْتِسَالَات] إلَخْ: كَالْوُضُوءِ لِزِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَلِلدُّخُولِ عَلَى السُّلْطَانِ، وَوُضُوءِ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ، وَغُسْلِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِلْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَنَعَهَا الْحَدَثُ مَنْعَ كَرَاهَةٍ وَالْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ أَبَاحَهَا. وَأَمَّا غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِلْمُتَوَضِّئِ فَلَمْ يُسْتَبَحْ بِهِمَا مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ، بَلْ هُمَا خَارِجَانِ مِنْ التَّعْرِيفِ كَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ. [الْمَاء المطلق] قَوْلُهُ: [وَيُرْفَعُ بِالْمُطْلَقِ] : أَيْ لَا غَيْرِهِ لِأَنَّ التُّرَابَ وَإِنْ رَفَعَ الْحَدَثَ لَا يَرْفَعُ الْخَبَثَ، وَالنَّار وَالدِّبَاغَ وَإِنْ رَفَعَا الْخَبَثَ لَا يَرْفَعَانِ الْحَدَثَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَالْحَدَثُ وَصْفٌ تَقْدِيرِيٌّ] إلَخْ: وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِ الْمَنْعِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ كَالْجَنَابَةِ، أَوْ بِبَعْضِهَا كَحَدَثِ الْوُضُوءِ، لَكِنَّ تَسْمِيَةَ الْمَنْعِ حَدَثًا فِيهِ بَشَاعَةٌ لِأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فَلَا يَلِيقُ أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ، وَرَفْعُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالْأَشْخَاصِ فَيَرْجِعُ لِمَعْنَى الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ؛ وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ قِيَامِهِ بِاَللَّهِ فَهُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ فَلَا يُتَصَوَّرُ ارْتِفَاعُهُ، وَيُطْلَقُ فِي مَبْحَثِ الْوُضُوءِ عَلَى الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ، وَفِي مَبْحَثِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ عَلَى خُرُوجِ الْخَارِجِ فَلَهُ إطْلَاقَاتٌ أَرْبَعٌ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [أَيْ يَرْتَفِعُ وَيَزُولُ بِرَفْعِ اللَّهِ] : أَيْ يَحْكُمُ اللَّهُ بِالرَّفْعِ.

الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ شَرْعًا الْآتِي بَيَانُهُ مِنْ غُسْلٍ أَوْ مَسْحٍ أَوْ رَشٍّ. (وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ) : يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَحُكْمَ الْخَبَثِ هُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ؛ أَيْ مَا صَحَّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَيْدٍ؛ بِأَنْ يُقَالَ فِيهِ: هَذَا مَاءٌ. فَخَرَجَ مَا لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ أَصْلًا مِنْ الْمَائِعَاتِ؛ كَالْخَلِّ وَالسَّمْنِ. وَمَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ إلَّا بِالْقَيْدِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الزَّهْرِ وَمَاءِ الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهَا. فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَيْسَتْ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، فَلَا يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهَا، بِخِلَافِ مَاءِ الْبَحْرِ وَالْمَطَرِ وَالْآبَارِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إطْلَاقُ الْمَاءِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ فَيَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مِنْ غُسْلٍ] : أَيْ فِي طَهَارَةِ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ مَسْحٍ] : أَيْ فِي حَدَثٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ رَشٍّ] : أَيْ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا لِثَوْبٍ وَجَبَ نَضْحُهُ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ إلَخْ) : الصِّدْقُ مَعْنَاهُ الْحَمْلُ؛ أَيْ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ إلَخْ. قَوْلُهُ: [بِلَا قَيْدٍ] : أَيْ لَازِمٍ غَيْرِ مُنْفَكٍّ عَنْهُ أَصْلًا، فَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِمَا إذَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ أَصْلًا أَوْ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَمَاءِ الْبِئْرِ مَثَلًا كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ فِي الْحِلِّ. قَوْلُهُ: [يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ] إلَخْ: أَيْ فَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ مَاءٍ، فَالْأَوَّلُ مَا عَلِمْت. وَالثَّانِي صَادِقٌ بِكُلِّ مَاءٍ وَلَوْ مُضَافًا، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ لِلْفُقَهَاءِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [أَيْ مَا صَحَّ إطْلَاقُ] إلَخْ: أَيْ الْحَمْلُ عَلَيْهِ وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [وَالْآبَارِ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ آبَارُ ثَمُودَ، فَمَاؤُهَا طَهُورٌ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ التَّطْهِيرُ بِهِ غَيْرَ جَائِزٍ. فَلَوْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَتَطَهَّرَ بِهَا وَصَلَّى فَهَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ أَوْ لَا؟ اسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ الصِّحَّةَ وَفِي الرَّصَّاعِ عَلَى الْحُدُودِ عَدَمَهَا، وَاعْتَمَدُوهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. وَعَدَمُ الصِّحَّةِ تَعَبُّدِيٌّ لَا لِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ طَهُورٌ. وَكَمَا يُمْنَعُ التَّطْهِيرُ

(وَإِنْ جُمِعَ مِنْ نَدًى أَوْ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ) : هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ يُرْفَعُ إلَخْ. أَيْ أَنَّ الْحَدَثَ وَحُكْمَ الْخَبَثَ يَرْتَفِعَانِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَلَوْ جُمِعَ الْمُطْلَقُ مِنْ النَّدَى السَّاقِطِ عَلَى أَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ أَوْ الزَّرْعِ، أَوْ كَانَ جَامِدًا كَالْبَرَدِ وَالْجَلِيدِ، ثُمَّ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ. (مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ، أَوْ نَجِسٍ مُخَالِطٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِمَائِهَا يُمْنَعُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي طَبْخٍ وَعَجْنٍ لِكَوْنِهِ مَاءَ عَذَابٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا الْبِئْرُ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّطْهِيرُ وَالِانْتِفَاعُ بِمَائِهَا، وَكَمَا يُمْنَعُ التَّطْهِيرُ بِمَائِهَا يُمْنَعُ التَّيَمُّمُ بِأَرْضِهَا أَيْ يَحْرُمُ، وَقِيلَ بِجَوَازِهِ وَصَحَّحَهُ التَّتَّائِيُّ. وَمَا قِيلَ فِي آبَارِ ثَمُودَ يُقَالُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْآبَارِ الَّتِي فِي أَرْضٍ نَزَلَ بِهَا الْعَذَابُ كَدِيَارِ لُوطٍ وَعَادٍ انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ جُمِعَ مِنْ نَدًى] : أَيْ وَلَوْ تَغَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ لِأَنَّهُ كَالْقَرَارِ، وَلَا يُخَصُّ بِتَغَيُّرِ الرِّيحِ وَلَا بِمَا جُمِعَ مِنْ فَوْقِهِ خِلَافًا لِلْأَصْلِ وَالْخَرَشِيِّ. قَوْلُهُ: (أَوْ ذَابَ إلَخْ) : أَيْ تَمَيَّعَ سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ. قَوْلُهُ: (كَالْبَرَدِ) : هُوَ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ جَامِدًا كَالْمِلْحِ قَالَ تَعَالَى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور: 43] . قَوْلُهُ: وَالْجَلِيدِ: هُوَ مَا يَنْزِلُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَالْخُيُوطِ. وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الثَّلْجَ وَهُوَ مَا يَنْزِلُ مَائِعًا ثُمَّ يَجْمُدُ عَلَى الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنًا] إلَخْ: مَا مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ مُدَّةَ عَدَمِ تَغَيُّرِهِ. وَ [لَوْنًا] وَ [مَا] عَطْفٌ عَلَيْهِ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَلَى الْفَاعِلِ، كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ فِي الْحِلِّ. وَلَوْنُ الْمَاءِ الْأَصْلِيُّ الْبَيَاضُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي تَعْرِيفِهِ: الْمَاءُ جَوْهَرٌ سَيَّالٌ لَا لَوْنَ لَهُ يَتَلَوَّنُ بِلَوْنِ إنَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي مَرْأَى الْعَيْنِ لِشَفَّافِيَّتِهِ. وَقَوْلُ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «مَا هُوَ إلَّا الْأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ» تَغْلِيبٌ لِلتَّمْرِ أَوْ لِلَوْنِ إنَائِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: [أَوْ رِيحًا] قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَا بُدَّ مِنْ التَّجَوُّزِ فِي قَوْلِهِمْ تَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ؛ إذْ الْمَاءُ لَا رِيحَ لَهُ أَصَالَةً أَيْ فَالْمُرَادُ طُرُوُّ رِيحٍ عَلَيْهِ. (انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) .

أَوْ مُلَاصِقٍ، لَا مُجَاوِرٍ) : يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَحُكْمَ الْخَبَثِ مُدَّةَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِشَيْءٍ شَأْنُهُ مُفَارَقَةُ الْمَاءِ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ - كَلَبَنٍ وَسَمْنٍ وَعَسَلٍ وَحَشِيشٍ وَوَرَقِ شَجَرٍ وَنَحْوِهَا - أَوْ نَجِسٍ - كَدَمٍ وَجِيفَةٍ وَخَمْرٍ وَنَحْوِهَا. فَإِنْ تَغَيَّرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سُلِبَ الطَّهُورِيَّةَ فَلَمْ يَرْفَعْ مَا ذُكِرَ. وَمَحَلُّ سَلْبِهِ الطَّهُورِيَّةَ إنْ خَالَطَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ الْمَاءَ، بِأَنْ امْتَزَجَ بِهِ أَوْ لَاصَقَهُ، كَالرَّيَاحِينِ الْمَطْرُوحَةِ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ، وَالدُّهْنِ الْمُلَاصِقِ لَهُ، فَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ تَغَيُّرُ أَحَدِ أَوْصَافِ الْمَاءِ، لَا إنْ جَاوَرَهُ، فَتَكَيَّفَ الْمَاءُ بِكَيْفِيَّةِ الْمُجَاوِرِ، فَلَا يَضُرُّ. وَمِنْ الْمُجَاوِرِ: جِيفَةٌ مَطْرُوحَةٌ خَارِجَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحَاصِلُ الْفِقْهِ فِي الْمُتَغَيِّرِ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالْمُفَارِقِ غَالِبًا - إنْ كَانَ مُخَالِطًا أَوْ مُلَاصِقًا - أَنْ يُقَالَ: إمَّا أَنْ يُتَحَقَّقَ التَّغَيُّرُ أَوْ يُظَنَّ أَوْ يُشَكَّ أَوْ يُتَوَهَّمَ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ مَضْرُوبَةٌ فِي الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ بِاثْنَيْ عَشْرَ، وَهِيَ مَضْرُوبَةٌ فِي الْمُخَالِطِ وَالْمُلَاصِقِ؛ فَالْحَاصِلُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً. فَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مُحَقَّقًا أَوْ مَظْنُونًا ضَرَّ فَالْخَارِجُ اثْنَا عَشَرَ. فَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا أَوْ مُتَوَهَّمًا فَلَا يَضُرُّ، فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ أَيْضًا. وَأَمَّا الْمُجَاوِرُ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ مُطْلَقًا فِي اثْنَيْ عَشَرَ وَهِيَ تَغَيُّرُ أَحَدِ أَوْصَافِهِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا أَوْ تَوَهُّمًا، فَالْجُمْلَةُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً، وَقَدْ عَلِمْتهَا. وَخِلَافُ هَذَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [مِنْ طَاهِرٍ] : أَيْ وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَوْ نَجِسٍ.

الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ مِنْهَا، أَوْ بُخِّرَتْ الْآنِيَةُ بِبَخُورٍ وَصُبَّ فِيهَا الْمَاءُ بَعْدَ ذَهَابِ الدُّخَانِ، أَوْ وُضِعَ رَيْحَانٌ فَوْقَ شُبَّاكِ قُلَّةٍ بِحَيْثُ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ فَتَكَيَّفَ الْمَاءُ بِرِيحِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ. بِخِلَافِ مَا لَوْ صُبَّ الْمَاءُ قَبْلَ ذَهَابِ دُخَانِ الْبَخُورِ أَوْ وَصَلَ الرَّيْحَانُ لِلْمَاءِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ. (لَا إنْ تَغَيَّرَ بِمَقَرٍّ أَوْ مَمَرٍّ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ؛ كَمَغْرَةٍ وَمِلْحٍ، أَوْ بِمَا طُرِحَ مِنْهَا وَلَوْ قَصْدًا) : هَذَا مَعْطُوفٌ بِلَا النَّافِيَةِ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ مَا (لَمْ يَتَغَيَّرْ) إلَخْ. كَأَنَّهُ قِيلَ: فَإِنْ تَغَيَّرَ بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا ضَرَّ تَغَيُّرُهُ، لَا إنْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِمَقَرِّ الْمَاءِ أَوْ تَغَيَّرَ بِمَمَرِّهِ أَيْ بِمَا مَرَّ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِ الْمُغَيِّرِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، كَالْمَغْرَةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمِلْحِ وَالْكِبْرِيتِ وَالتُّرَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ. وَكَذَا لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِمَا طُرِحَ فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالْمِلْحِ أَوْ الطَّفْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَوْ قَصْدًا. وَقَوْلُ الشَّيْخِ وَالْأَرْجَحُ: السَّلْبُ بِالْمِلْحِ ضَعِيفٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَتَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ مِنْهَا] : بَلْ وَلَوْ فُرِضَ تَغَيُّرُ الثَّلَاثَةِ لَا يَضُرُّ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الرِّيحِ لِكَوْنِهِ الشَّأْنَ. قَوْلُهُ: [وَصُبَّ فِيهَا الْمَاءُ] إلَخْ: مَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي هَذَا الْمِثَالِ مِثْلُهُ فِي الْحَاشِيَةِ تَبَعًا لِلْأُجْهُورِيِّ، وَبَحَثَ فِيهِ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِقَوْلِهِ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْإِنَاءَ اكْتَسَبَ الرِّيحَ وَهُوَ مُلَاصِقٌ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ ذَهَابِ دُخَانِ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ بِكِبْرِيتٍ وَنَحْوِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ عب وَاعْتَمَدَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ تَغَيَّرَ بِمَقَرٍّ] : أَيْ قَرَارٍ أَقَامَ عَلَيْهِ الْمَاءَ. وَقَوْلُهُ: أَوْ [مَمَرٍّ] : أَيْ مَوْضِعٍ مَرَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَمِثْلُ ذَلِكَ أَوَانِي الْفَخَّارِ الْمَحْرُوقِ وَالنُّحَاسِ إذَا سُخِّنَ الْمَاءُ فِيهَا وَتَغَيَّرَ. قَوْلُهُ: [وَقَوْلُ الشَّيْخِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْمِلْحِ الْمَطْرُوحِ قَصْدًا. فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: لَا يُنْقَلُ حُكْمُ الْمَاءِ كَالتُّرَابِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: إنَّهُ كَالطَّعَامِ فَيَنْقُلُهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ وَالْأَرْجَحُ إلَخْ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمَعْدِنِيُّ كَالتُّرَابِ وَالْمَصْنُوعُ كَالطَّعَامِ. فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ لِلْمُتَأَخِّرِينَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ بَعْدَهُمْ: هَلْ تَرْجِعُ هَذِهِ الطُّرُقُ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ؟ فَيَكُونُ مَنْ جَعَلَهُ كَالتُّرَابِ أَرَادَ الْمَعْدِنِيَّ وَمَنْ جَعَلَهُ كَالطَّعَامِ أَرَادَ الْمَصْنُوعَ؟ وَحِينَئِذٍ، فَقَدْ اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ عَلَى أَنَّ الْمَصْنُوعَ يَضُرُّ، وَهَذَا هُوَ الشِّقُّ الْأَوَّلُ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ،

(أَوْ بِمُتَوَلَّدٍ مِنْهُ أَوْ بِطُولِ مُكْثٍ) : لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِشَيْءٍ تَوَلَّدَ مِنْهُ، كَالسَّمَكِ وَالدُّودِ وَالطُّحْلُبِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا، وَكَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِطُولِ مُكْثِهِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أُلْقِيَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ. (أَوْ بِدَابِغٍ طَاهِرٍ كَقَطِرَانٍ، أَوْ بِمَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ؛ كَتِبْنٍ أَوْ وَرَقِ شَجَرٍ) : يَعْنِي أَنَّ الْجُلُودَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِحَمْلِ الْمَاءِ كَالْقِرَبِ وَالدِّلَاءِ الَّتِي يُسْتَقَى بِهَا، إذَا دُبِغَتْ بِدَابِغٍ طَاهِرٍ كَالْقَطِرَانِ وَالشَّبِّ وَالْقَرَظِ، ثُمَّ وُضِعَ فِيهَا الْمَاءُ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَتَغَيَّرَ مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ الدَّابِغِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَغَيِّرِ بِقَرَارِهِ. وَكَذَا إذَا تَغَيَّرَ بِمَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، كَالتِّبْنِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ الَّذِي يَتَسَاقَطُ فِي الْآبَارِ وَالْبِرَكِ مِنْ الرِّيحِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْآبَارُ أَوْ الْغُدْرَانُ فِي الْبَادِيَةِ أَوْ الْحَاضِرَةِ؛ إذْ الْمَدَارُ عَلَى عُسْرِ الِاحْتِرَازِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ قَوْلُهُ: [وَفِي الِاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إنْ صَنَعَ تَرَدُّدٌ] . وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ مَصْنُوعٍ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ: [وَلَوْ قَصْدًا] . وَتَرْجِعُ هَذِهِ الطُّرُقُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مُتَبَايِنَةٍ: فَمَنْ قَالَ: لَا يَضُرُّ، مُرَادُهُ: وَلَوْ مَصْنُوعًا، وَمَنْ قَالَ: يَضُرُّ، مُرَادُهُ: وَلَوْ مَعْدِنِيًّا. فَالْمَصْنُوعُ فِيهِ خِلَافٌ كَغَيْرِهِ. وَهَذَا هُوَ الشِّقُّ الثَّانِي مِنْ التَّرَدُّدِ، وَهُوَ الْمَحْذُوفُ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ تَقْدِيرُهُ: وَعَدَمُ الِاتِّفَاقِ، وَهُوَ صَادِقٌ بِالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَمَا قَالَهُ شَارِحُنَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. فَلَا ضَرَرَ بِالْمِلْحِ وَلَوْ مَطْرُوحًا قَصْدًا أَوْ مَصْنُوعًا - مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ النَّبَاتِ - كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. قَوْلُهُ: [كَالسَّمَكِ] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ كَانَ حَيًّا فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَلَوْ تَغَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ الثَّلَاثَةُ. وَلَوْ طُرِحَ قَصْدًا، وَأَمَّا إنْ مَاتَ فَيَضُرُّ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا خَرْؤُهُ فَنَظَرَ فِيهِ الْأُجْهُورِيُّ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ الضَّرَرَ وَبَعْضُهُمْ عَدَمَهُ. قَوْلُهُ: [وَالطُّحْلُبِ] : أَيْ مَا لَمْ يُطْبَخْ. قَوْلُهُ: [يَعْنِي أَنَّ الْجُلُودَ] إلَخْ: لَا مَفْهُومَ لَهَا بَلْ كُلُّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَأَوَانِي الْمَاءِ حُكْمُهُ كَالدِّبَاغِ لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ مُطْلَقًا لَوْنًا وَطَعْمًا وَرِيحًا فَاحِشًا أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [عَلَى عُسْرِ الِاحْتِرَازِ] : وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ التَّغَيُّرُ بِرَوْثِ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ وَبَوْلِهَا وَإِلَّا ضَرَّ كَمَا ذَكَرَهُ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ.

وَمَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ. بِخِلَافِ مَا لَوْ تَغَيَّرَ بِالتِّبْنِ أَوْ وَرَقِ الشَّجَرِ فِي الْأَوَانِي أَوْ بِمَا أُلْقِيَ مِنْهُمَا فِي الْآبَارِ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ لِعَدَمِ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ. (وَلَا إنْ خَفَّ التَّغَيُّرُ بِآلَةِ سَقْيٍ مِنْ حَبْلٍ أَوْ وِعَاءٍ أَوْ تَغَيَّرَ بِأَثَرِ بَخُورٍ أَوْ قَطِرَانٍ كَجِرْمِهِ إنْ رَسَبَ) : هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَا إنْ تَغَيَّرَ. أَيْ: وَكَذَا لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ إذَا كَانَ التَّغَيُّرُ خَفِيفًا بِآلَةِ سَقْيٍ؛ مِنْ حَبْلٍ رُبِطَ بِهِ قَوَادِيسُ السَّانِيَةِ، أَوْ عُلِّقَتْ بِهِ الدِّلَاءُ أَوْ تَغَيَّرَ بِنَفْسِ الْوِعَاءِ، كَالدِّلَاءِ وَالْقَوَادِيسِ وَكَذَا. إذَا تَغَيَّرَ بِأَثَرِ بَخُورٍ بُخِّرَ بِهِ الْإِنَاءُ ثُمَّ زَالَ دُخَانُهُ وَبَقِيَ الْأَثَرُ، فَوُضِعَ فِيهِ الْمَاءُ، أَوْ بِأَثَرِ قَطِرَانٍ دُهِنَ بِهِ الْإِنَاءُ مِنْ غَيْرِ دَبْغٍ بِهِ. وَكَذَا إذَا رُمِيَ الْقَطِرَانُ فِي الْمَاءِ فَرَسَبَ فِي قَرَارِهِ فَتَغَيَّرَ الْمَاءُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ عَلَى الْأَصَحِّ. لِأَنَّ الْقَطِرَانَ كَانَتْ تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ كَثِيرًا فِي الْمَاءِ عِنْدَ الِاسْتِقَاءِ وَغَيْرِهِ، فَتُسُومِحَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالتَّغَيُّرِ بِالْمَقَرِّ، وَلَيْسَ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ بِآلَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا إنْ خَفَّ التَّغَيُّرُ] : لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْبَيِّنِ وَغَيْرِهِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ وَهِيَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِالْآلَةِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا. وَفِي بْن: اعْلَمْ أَنَّ التَّغَيُّرَ إمَّا بِمُلَازِمٍ غَالِبًا، فَيُغْتَفَرُ. أَوْ بِمُفَارِقٍ غَالِبًا وَدَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ - كَحَبْلِ الِاسْتِقَاءِ؛ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ: قِيلَ: إنَّهُ طَهُورٌ وَهُوَ لِابْنِ زَرْقُونٍ. وَقِيلَ، لَيْسَ بِطَهُورٍ، وَهُوَ لِابْنِ الْحَاجِّ. وَالثَّالِثُ لِابْنِ رُشْدٍ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْفَاحِشِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ. وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [بِآلَةِ سَقْيٍ] : هَذَا أَشْمَلُ مِنْ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ حَبْلُ السَّانِيَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَا مَفْهُومَ لِحَبْلٍ وَلَا لِسَانِيَةٍ، بَلْ مَتَى تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِآلَتِهِ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ الْفَاحِشِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [فَتَغَيَّرَ الْمَاءُ بِهِ] : أَيْ رِيحُهُ، أَوْ مَا لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ فَيَضُرُّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ دِبَاغًا كَذَا فِي الْأَصْلِ.

(أَوْ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ: هَلْ يَضُرُّ؟) : يَعْنِي إذْ كَانَ الْمَاءُ مُتَغَيِّرًا، وَشَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ، هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يَضُرُّ؟ كَالْعَسَلِ وَالدَّمِ، أَوْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَضُرُّ؟ كَالْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ وَطُولِ الْمُكْثِ؟ فَإِنَّهُ لَا يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ وَيَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ. (أَوْ فِي مَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ، هَلْ تَغَيَّرَ؟ أَوْ فِيمَا خُلِطَ بِمُوَافِقٍ، هَلْ يُغَيَّرُ لَوْ خَالَفَ؟) : يَعْنِي إذَا جُعِلَ الْمَاءُ فِي الْفَمِ، وَحَصَلَ شَكٌّ فِيهِ هَلْ تَغَيَّرَ بِالرِّيقِ أَوْ لَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ. وَأَوْلَى إذَا ظَنَّ عَدَمَ التَّغَيُّرِ. بِخِلَافِ مَا إذَا ظَنَّ التَّغَيُّرَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ. وَكَذَا إذَا شَكَّ فِي الْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِشَيْءٍ مُوَافِقٍ لِأَوْصَافِهِ؛ كَمَا لَوْ خُلِطَ بِمِيَاهِ الرَّيَاحِينِ الْمُنْقَطِعَةِ الرَّائِحَةِ، هَلْ تُغَيِّرُهُ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُنْقَطِعَةِ الرَّائِحَةِ أَوْ لَا تُغَيِّرُهُ لِقِلَّتِهَا وَكَثْرَةِ الْمَاءِ؟ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، فَقَوْلُهُ: أَوْ فِي مَاءٍ جُعِلَ، عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فِي مُغَيِّرِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ شُكَّ] إلَخْ: هُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي هَذَا الْمُغَيِّرِ. وَمَفْهُومُ شُكَّ أَنَّهُ لَوْ ظُنَّ أَوْ تُحُقِّقَ أَنَّ مُغَيِّرَهُ يَضُرُّ أَنَّهُ يُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ. وَالْوَهْمُ أَوْلَى مِنْ الشَّكِّ فِي عَدَمِ الضَّرَرِ. فَقَوْلُهُ: [هَلْ يَضُرُّ] تَصْوِيرٌ لِقَوْلِهِ: [أَوْ شُكَّ] . قَوْلُهُ: [أَوْ فِي مَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ] إلَخْ: حَاصِلُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْمَجْعُولِ فِي الْفَمِ إذَا حَصَلَ فِيهِ شَكٌّ، هَلْ تَغَيَّرَ بِالرِّيقِ أَمْ لَا؟ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَأَوْلَى إذَا ظُنَّ عَدَمُ التَّغَيُّرِ أَوْ تُحُقِّقَ، بِخِلَافِ مَا إذَا ظُنَّ التَّغَيُّرُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ، وَأَوْلَى إذَا تُحُقِّقَ التَّغَيُّرُ، وَهَذَا حَمْلٌ مِنْهُ لِلْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ عَلَى اللَّفْظِيِّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَقَوْلُ أَشْهَبَ بِالضَّرَرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تُحُقِّقَ التَّغَيُّرُ أَوْ ظُنَّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ الضَّرَرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا شُكَّ فِي التَّغَيُّرِ أَوْ ظُنَّ عَدَمُهُ أَوْ تُحُقِّقَ. قَوْلُهُ: [أَوْ فِيمَا خُلِطَ بِمُوَافِقٍ] إلَخْ: حَاصِلُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ فِيمَا إذَا خَالَطَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ - شَيْءٌ أَجْنَبِيٌّ مُوَافِقٌ لِأَوْصَافِهِ كَمَاءِ الرَّيَاحِينِ الْمُنْقَطِعَةِ الرَّائِحَةِ وَمَاءِ الزَّرْجُونِ - بِفَتْحِ الزَّايِ - أَيْ حَطَبُ الْعِنَبِ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مُخَالِفًا وَلَمْ يُغَيِّرْهُ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا لَا يَضُرُّ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَلَوْ كَانَ يُغَيِّرُهُ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا لَمْ يَضُرَّ عَلَى الرَّاجِحِ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ إمَّا قَدْرُ آنِيَةِ الْوُضُوءِ، أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرُ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُخْلَطَ بِمُسَاوٍ لَهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَهَذِهِ تِسْعٌ وَفِي كُلٍّ

أَيْ أَوْ شَكَّ فِي الْمَاءِ الَّذِي جُعِلَ فِي الْفَمِ، وَقَوْلُهُ هَلْ تَغَيَّرَ؟ تَفْسِيرٌ لِلشَّكِّ. وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ. (كَتَحَقُّقِهِ عَلَى الْأَرْجَحِ) : هَذَا تَشْبِيهٌ فِي عَدَمِ الضَّرَرِ. يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمَخْلُوطَ بِمُوَافِقٍ لَا يَضُرُّ التَّطْهِيرُ بِهِ، وَلَوْ جَزَمْنَا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا خَالَطَ مُخَالِفًا لَهُ لَغَيَّرَهُ عَلَى الْأَرْجَحِ. وَجَمِيعُ مَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَشْيَاخِ. (وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ) : يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا حُكْمُهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَعَدَمِهِ كَحُكْمِ مُغَيِّرِهِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِطَاهِرٍ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الطَّهَارَةِ. وَإِنْ تَغَيَّرَ بِنَجِسٍ فَالْمَاءُ مُتَنَجِّسٌ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي طَهَارَةٍ وَلَا غَيْرِهَا إلَّا فِي نَحْوِ سَقْيِ بَهِيمَةٍ أَوْ زَرْعٍ كَمَا سَيَأْتِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَوْ قُدِّرَ مُخَالِفًا - إمَّا أَنْ يُتَحَقَّقَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ، أَوْ يُظَنَّ عَدَمُهُ، أَوْ يُشَكَّ، أَوْ يُتَوَهَّمَ، أَوْ يُتَحَقَّقَ التَّغَيُّرُ. فَهَذِهِ خَمْسٌ مَضْرُوبَةٌ فِي التِّسْعِ بِخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ صُورَةً مِنْهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ لَا ضَرَرَ فِيهَا قَطْعًا؛ وَهِيَ مَا إذَا تُحُقِّقَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ. أَوْ ظُنَّ عَدَمُهُ، أَوْ شُكَّ. فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ مَضْرُوبَةٍ فِي التِّسْعِ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَفِيمَا خُلِطَ بِمُوَافِقٍ، هَلْ يُغَيَّرُ لَوْ خَالَفَ؟ لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ الشَّكُّ فِي التَّغَيُّرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ، فَمِنْ بَابٍ أَوْلَى تَحَقُّقُ الْعَدَمِ وَظَنُّهُ. وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الْبَاقِيَةُ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ تَحَقُّقِ التَّغَيُّرِ أَوْ ظَنِّهِ فِي التِّسْعِ، دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: [كَتَحَقُّقِهِ عَلَى الْأَرْجَحِ] . وَهَذَا التَّرْجِيحُ مِنْ الْمُصَنِّفِ اعْتَمَدَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَذَكَرَهُ شب أَيْضًا تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ الْمُوَافِقِ غَيْرُ مُخَالِفٍ. وَالْمُخَالَفَةُ لَا تُضْبَطُ، وَالشَّرِيعَةُ السَّمْحَاءُ تَقْتَضِي طَرْحَ ذَلِكَ. وَمُقَابِلُ الْأَرْجَحِ يَقُولُ بِتَقْدِيرِ الْمُوَافِقِ مُخَالِفًا، وَيُحْكَمُ بِالضَّرَرِ عِنْدَ تَحَقُّقِ التَّغَيُّرِ أَوْ ظَنِّهِ. وَقَدْ ارْتَضَاهُ الشَّيْخُ فِي قِرَاءَةِ عب وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ نَاصِرِ الدِّينِ: أَنَّ الْمُخَالِطَ إذَا كَانَ نَجِسًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ مُطْلَقًا (اهـ) . قَالَ بْن نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ (اهـ) . وَلَك أَنْ تَقُولَ كَلَامُ أَبِي عَلِيٍّ ظَاهِرٌ حَيْثُ كَانَ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ يَحْصُلُ التَّغَيُّرُ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا. وَأَمَّا لَوْ شُكَّ فِي التَّغَيُّرِ فَلَا وَجْهَ لِظُهُورِهِ. وَهَذَا الْحَاصِلُ زُبْدَةُ مَا قَالُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلْيُحْفَظْ. قَوْلُهُ: [وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ] : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ التَّغَيُّرُ بِالْمُفَارِقِ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ فَهَلْ يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ فِي الْعَادَاتِ أَوْ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ فِيهَا؟ قَوْلُهُ: [كَمَا سَيَأْتِي] : أَيْ فِي آخِرِ فَصْلِ الطَّاهِرِ، فِي قَوْلِهِ: وَجَازَ انْتِفَاعٌ بِمُتَنَجِّسٍ

[المياه المكروهة]

(وَكُرِهَ مَاءٌ يَسِيرٌ اُسْتُعْمِلَ فِي حَدَثٍ، أَوْ حَلَّتْ بِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ، أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ، وَمُشْمِسٍ بِقُطْرٍ حَارٍّ) : هَذَا شُرُوعٌ فِي الْمِيَاهِ الْمَكْرُوهَةِ الِاسْتِعْمَالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ. [الْمِيَاه الْمَكْرُوهَة] [مَسْأَلَة زِيَادَة الْمَاء الْمَكْرُوه وَالِاسْتِعْمَال المؤدي لِلْكَرَاهَةِ] قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ مَاءٌ] إلَخْ: الْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ اسْتِعْمَالُهُ، وَقَوْلُهُ: [اُسْتُعْمِلَ] : صِفَتُهُ. وَقَوْلُهُ: [فِي حَدَثٍ] : تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُقَدَّرِ وَاسْتِعْمَالِ الْمَذْكُورِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: " وَكُرِهَ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ فِي حَدَثٍ اُسْتُعْمِلَ فِي حَدَثٍ ". وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ الَّذِي هُوَ قَدْرُ آنِيَةِ الْغُسْلِ فَأَقَلَّ، الْمُسْتَعْمَلُ فِي حَدَثٍ، يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَدَثٍ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَأَنْ يَكُونَ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ لَا حُكْمِ خَبَثٍ، وَأَنْ يَكُونَ الِاسْتِعْمَالُ الثَّانِي فِي رَفْعِ حَدَثٍ. فَصَارَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي حُكْمِ خَبَثٍ لَا يُكْرَهُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي حَدَثٍ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حُكْمِ خَبَثٍ. وَهَذَا مَا نَقَلَهُ زَرُّوقٌ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ: أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي حَدَثٍ مُتَوَقِّفٌ عَلَى طَهُورٍ، وَلَوْ غُسْلَ ذِمِّيَّةٍ مِنْ الْحَيْضِ لِيَطَأَهَا زَوْجُهَا - فَإِنَّهُ رَفَعَ حَدَثًا فِي الْجُمْلَةِ - أَوْ غَسْلَةً ثَانِيَةً أَوْ ثَالِثَةً، لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ رَفْعِ الْحَدَثِ، حَتَّى قَالَ الْقَرَافِيُّ يَنْوِي أَنَّ الْفَرْضَ مَا أَسْبَغَ مِنْ الْجَمِيعِ وَالْفَضِيلَةَ الزَّائِدَةُ، فَبِالْجُمْلَةِ الْكُلُّ طَهَارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْخَبَثُ كَالْحَدَثِ لَا نَحْوُ رَابِعَةٍ، وَغَسْلُ ثَوْبٍ طَاهِرٍ مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهُورٍ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَا ذُكِرَ فِي مِثْلِهِ (اهـ. بِالْمَعْنَى) أَيْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَدَثٍ وَلَوْ غُسْلَ ذِمِّيَّةٍ أَوْ غَسْلَةً ثَانِيَةً أَوْ ثَالِثَةً أَوْ حُكْمُ خَبَثٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ صُوَرَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ أَوَّلًا إمَّا فِي حَدَثٍ أَوْ حُكْمِ خَبَثٍ، وَإِمَّا فِي طَهَارَةٍ مَسْنُونَةٍ أَوْ مُسْتَحَبَّةٍ، وَإِمَّا فِي غَسْلِ إنَاءٍ. وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ إذَا اُسْتُعْمِلَ ثَانِيًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي أَحَدِهَا؛ فَالْمُسْتَعْمَلُ فِي حَدَثٍ أَوْ فِي حُكْمِ خَبَثٍ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مِثْلِهِمَا فَهَذِهِ أَرْبَعٌ. وَكَذَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ، فَهَذِهِ أَرْبَعٌ أَيْضًا وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَسْلٍ كَالْإِنَاءِ، وَهَاتَانِ صُورَتَانِ. وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي الطَّهَارَةِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَحُكْمِ الْخَبَثِ. وَفِي الطَّهَارَةِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ عَلَى أَحَدِ التَّرَدُّدَيْنِ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ، لَا فِي غَسْلٍ كَالْإِنَاءِ. فَهَاتَانِ اثْنَتَانِ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلٍ كَالْإِنَاءِ لَا يُكْرَهُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ فَهَذِهِ خَمْسٌ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ بِتَصَرُّفٍ) . تَنْبِيهٌ: عُلِّلَتْ كَرَاهَةُ الِاسْتِعْمَالِ بِعِلَلٍ سِتٍّ. أَوَّلُهَا: لِأَنَّهُ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ. ثَانِيهَا: لِأَنَّهُ رُفِعَ بِهِ مَانِعٌ. ثَالِثُهَا: لِأَنَّهُ مَاءُ ذُنُوبٍ. رَابِعُهَا: لِلْخِلَافِ فِي طَهُورِيَّتِهِ. خَامِسُهَا: لِعَدَمِ أَمْنِ الْأَوْسَاخِ. سَادِسُهَا: لِعَدَمِ عَمَلِ السَّلَفِ. وَأَوْجُهُ تِلْكَ الْعِلَلِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ وَهُوَ عِلَّةُ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ، وَعِلَّةُ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ جُمِعَتْ مِيَاهٌ قَلِيلَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ أَوْ حَلَّتْهَا نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهَا فَكَثُرَتْ هَلْ تَسْتَمِرُّ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلْأَجْزَاءِ يَثْبُتُ لِلْكُلِّ؟ وَهُوَ مَا لِلْحَطَّابِ. وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَفْيَهَا. قِيلَ: وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ لَا تَعُودُ الْكَرَاهَةُ إنْ فَرَّقَ لِأَنَّهَا زَالَتْ وَلَا مُوجِبَ لِعَوْدِهَا، وَقَدْ يُقَالُ: لَهُ مُوجِبٌ وَهُوَ الْقِلَّةُ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ. وَيُجْزَمُ بِزَوَالِ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَتْ الْكَثْرَةُ بِغَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ. مَسْأَلَةٌ أُخْرَى: الِاسْتِعْمَالُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِالدَّلْكِ لَا بِمُجَرَّدِ إدْخَالِ الْعُضْوِ، وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ الْوُضُوءَ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ كُلَّ عُضْوٍ يَطْهُرُ بِانْفِرَادِهِ أَوْ لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ إلَّا بِكَمَالِ الْأَعْضَاءِ، خِلَافًا لِمَا فِي عب مِنْ التَّفْصِيلِ. (اهـ. بِالْمَعْنَى مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . [أَوْ حَلَّتْ بِهِ] إلَخْ: حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ وَهُوَ مَا كَانَ قَدْرَ آنِيَةِ الْغَسْلِ فَأَقَلَّ إذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ بِقُيُودٍ سِتَّةٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ كَالْقَطْرَةِ. أَيْ نُقْطَةِ الْمَطَرِ الْمُتَوَسِّطَةِ فَفَوْقُ. الثَّالِثُ: عَدَمُ التَّغْيِيرِ. الرَّابِعُ: أَنْ يُوجَدَ غَيْرُهُ. الْخَامِسُ: أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهُورٍ. السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَادَّةٌ. فَإِنْ تَغَيَّرَ مُنِعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ. وَإِنْ أُخِلَّ شَرْطٌ مِنْ بَاقِي الشُّرُوطِ فَلَا كَرَاهَةَ. قَوْلُهُ: [أَوْ وَلَغَ] إلَخْ: مَعْطُوفٌ عَلَى [حَلَّتْ] وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْمَاضِي؛ أَيْ أَدْخَلَ لِسَانَهُ فِيهِ وَحَرَّكَهُ. فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ حَيْثُ كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَتَغَيَّرْ وَوُجِدَ غَيْرُهُ، وَلَوْ تَحَقَّقَتْ سَلَامَةٌ فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، لَا إنْ لَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ، وَلَا إنْ سَقَطَ مِنْهُ لُعَابٌ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ فَلَا كَرَاهَةَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَاءِ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهُورِهِ وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعَادَاتِ. قَوْلُهُ: [وَمُشْمِسٍ] : مَعْطُوفٌ عَلَى مَاءٍ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وَصْفِهِ بِالْيَسِيرِ، وَهُوَ صِفَةٌ

وَلَا تَكُونُ الْكَرَاهَةُ إلَّا فِي الْمَاءِ الْيَسِيرِ فِيمَا قَبْلَ الْمُشْمِسِ. وَالْيَسِيرُ: مَا كَانَ كَآنِيَةِ الْمُغْتَسِلِ كَالصَّاعِ وَالصَّاعَيْنِ وَالْكَثِيرُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، أَيْ وَكُرِهَ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ يَسِيرٍ فِي رَفْعِ حَدَثٍ قَدْ كَانَ اُسْتُعْمِلَ أَوَّلًا فِي رَفْعِ حَدَثٍ. فَالْقُيُودُ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَأَنْ يَكُونَ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ لَا حُكْمِ خَبَثٍ، وَأَنْ يَكُونَ الِاسْتِعْمَالُ الثَّانِي فِي رَفْعِ حَدَثٍ. وَالْمُرَادُ بِالْمُسْتَعْمَلِ فِي حَدَثٍ: مَا تَقَاطَرَ مِنْ الْأَعْضَاءِ أَوْ غُسِلَتْ فِيهِ. وَأَمَّا لَوْ اغْتَرَفَ مِنْهُ وَغُسِلَتْ الْأَعْضَاءُ خَارِجَهُ فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ. وَعُلِمَ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي تَطْهِيرِ حُكْمِ الْخَبَثِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، كَاَلَّذِي رَفَعَ بِهِ حُكْمَهُ، لَمْ يُكْرَهْ فِي الْحَدَثِ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَكَذَا يُكْرَهُ الْيَسِيرُ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ لِقِلَّتِهَا وَلَوْ مِنْ خَبَثٍ. وَقَوْلُ الرِّسَالَةِ: وَقَلِيلُ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَكَذَا الْيَسِيرُ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ؛ فَإِنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: وَكُرِهَ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ مُشْمِسٍ إلَخْ. وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ طِبِّيَّةٌ لَا شَرْعِيَّةٌ لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ مِنْ إكْمَالِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ كَرَاهَتُهُ لِشِدَّةِ حَرَارَتِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَرَاهَتَيْنِ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ يُثَابُ تَارِكُهَا بِخِلَافِ الطِّبِّيَّةِ؛ وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا طِبِّيَّةٌ، هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْحَطَّابُ أَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ. قَوْلُهُ: [كَآنِيَةِ الْمُغْتَسِلِ] : أَيْ وَلَوْ لِلْمُتَوَضِّئِ وَالْمُزِيلِ لِحُكْمِ الْخَبَثِ. قَوْلُهُ: [لَا حُكْمُ خَبَثٍ] : قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: [فِي رَفْعِ حَدَثٍ] : أَيْ أَوْ حُكْمِ خَبَثٍ. قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ] : أَيْ وَلَمْ يَنْوِ الِاغْتِرَافَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ. قَوْلُهُ: [غَيْرُ مَكْرُوهٍ] : قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [لِقِلَّتِهَا] : لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى عَدَمِ التَّغَيُّرِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ] : أَيْ فَلَا غَرَابَةَ فِي ضَعْفِهِ وَإِنْ كَانَ.

يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُنْدَبُ إرَاقَتُهُ، وَغَسْلُ الْإِنَاءِ سَبْعًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ. وَكَذَا يُكْرَهُ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ أَيْ الْمُسَخَّنُ بِالشَّمْسِ فِي الْأَقْطَارِ الْحَارَّةِ كَأَرْضِ الْحِجَازِ، لَا فِي نَحْوِ مِصْرَ وَالرُّومِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْكَرَاهَةَ أَيْضًا بِالْمُشْمِسِ فِي الْأَوَانِي النُّحَاسِ وَنَحْوِهَا لَا الْفَخَّارِ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا. (كَاغْتِسَالٍ بِرَاكِدٍ) : هَذَا تَشْبِيهٌ فِي الْكَرَاهَةِ؛ أَيْ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا فِي مَاءٍ رَاكِدٍ أَيْ غَيْرِ جَارٍ؛ كَحَوْضٍ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا مَا لَمْ يَسْتَبْحِرْ كَبِرْكَةٍ وَغَدِيرٍ. وَمَا لَمْ تَكُنْ لَهُ مَادَّةٌ، وَإِلَّا لَمْ يُكْرَهْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ قَلِيلًا فِي نَفْسِهِ فَيُكْرَهُ أَيْضًا. (وَرَاكِدٌ مَاتَ فِيهِ بَرِّيٌّ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ وَلَوْ كَانَ لَهُ مَادَّةٌ. وَنُدِبَ نَزْحٌ لِظَنِّ زَوَالِ الْفَضَلَاتِ، لَا إنْ أُخْرِجَ حَيًّا أَوْ وَقَعَ مَيِّتًا) : قَوْلُهُ: رَاكِدٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى [مَا] : ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنَحْوِهَا] : كَالرَّصَاصِ وَالْقَصْدِيرِ لِأَنَّهَا تُورِثُ الْبَرَصَ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُسَخَّنًا بِالشَّمْسِ فِي أَوَانٍ نَحْوِ النُّحَاسِ مِنْ كُلِّ مَا يُمَدُّ تَحْتَ الْمِطْرَقَةِ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ، وَغَيْرِ الْمُغَشَّى بِمَا يَمْنَعُ اتِّصَالَ الزُّهُومَةِ بِالْبِلَادِ الْحَارَّةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [كَاغْتِسَالٍ بِرَاكِدٍ] إلَخْ: حَاصِلُ مَا فِيهِ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِكَرَاهَةِ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ كَانَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْحِرْ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ مَادَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ جَسَدُ الْمُغْتَسِلِ نَقِيًّا مِنْ الْأَذَى أَوْ لَا، وَلَكِنْ لَا يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ. فَإِنْ كَانَ يُسْلَبُهَا مُنِعَ الِاغْتِسَالُ فِيهِ. فَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ حَالَةُ جَوَازٍ لِلِاغْتِسَالِ فِيهِ، بَلْ إمَّا الْمَنْعُ أَوْ الْكَرَاهَةُ. وَهِيَ عِنْدَهُ تَعَبُّدِيَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْرُمُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ إنْ كَانَ يَسِيرًا وَبِالْجَسَدِ أَوْسَاخٌ؛ وَإِلَّا جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: [كَاغْتِسَالٍ بِرَاكِدٍ] لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى كَلَامِ مَالِكٍ. قَوْلُهُ: [مَاتَ فِيهِ] إلَخْ: سَيَأْتِي مُحْتَرَزُ هَذَا وَهُوَ شَيْئَانِ خُرُوجُهُ حَيًّا وَوُقُوعُهُ مَيِّتًا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ (ب ن) عَنْ ابْنِ مَرْزُوقٍ الْوُقُوعُ مَيِّتًا كَالْمَوْتِ فِيهِ، وَلَكِنْ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ الْآتِي وَهُوَ زَوَالُ الرُّطُوبَاتِ الَّتِي تَخْرُجُ عِنْدَ الْمَوْتِ.

أَيْ وَكُرِهَ مَاءٌ رَاكِدٌ - أَيْ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ - إذَا مَاتَ فِيهِ حَيَوَانٌ بَرِّيٌّ بِفَتْحِ الْبَاءِ نِسْبَةً لِلْبَرِّ ضِدُّ الْبَحْرِ - بِقُيُودِهِ الْآتِيَةِ قَبْلَ النَّزْحِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ مَاءٌ تَعَافُهُ النُّفُوسُ، وَلَوْ كَثُرَ أَوْ كَانَتْ لَهُ مَادَّةٌ كَالْبِئْرِ. وَإِذَا مَاتَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ - لَهُ مَادَّةٌ أَوْ لَا - كَالصَّهَارِيجِ، وَكَانَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ - أَيْ دَمٌ يَجْرِي مِنْهُ إذَا جُرِحَ - فَإِنَّهُ يُنْدَبُ النَّزْحُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْحَيَوَانِ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ وَبِقَدْرِ الْمَاءِ مِنْ قِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ إلَى ظَنِّ زَوَالِ الْفَضَلَاتِ، خَرَجَتْ مِنْ فِيهِ حَالَ خُرُوجِ رُوحِهِ فِي الْمَاءِ. وَيُنْقِصُ النَّازِحُ الدَّلْوَ لِئَلَّا تَطْفُوَ الدُّهْنِيَّةُ فَتَعُودَ لِلْمَاءِ ثَانِيًا. وَالْمَدَارُ عَلَى ظَنِّ زَوَالِ الْفَضَلَاتِ، وَلِهَذَا حَذَفْنَا مِنْ الْمَتْنِ قَوْلَ الشَّيْخِ: " بِقَدْرِهِمَا "، فَلَوْ أُخْرِجَ الْحَيَوَانُ مِنْ الْمَاءِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَيِّتًا أَوْ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا أَوْ مُسْتَبْحِرًا كَغَدِيرٍ عَظُمَ جِدًّا، أَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ بَحْرِيًّا كَحُوتٍ، أَوْ بَرِّيًّا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَعَقْرَبٍ وَذُبَابٍ، لَمْ يُنْدَبْ النَّزْحُ فَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا لَا يُكْرَهُ بَعْدَ النَّزْحِ. وَهَذَا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِالْحَيَوَانِ الْمَذْكُورِ. فَإِنْ تَغَيَّرَ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا تَنَجَّسَ لِأَنَّ مَيْتَتَهُ نَجِسَةٌ. (وَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُ مُتَنَجِّسٍ بِغَيْرِ إلْقَاءِ طَاهِرٍ فِيهِ، لَمْ يَطْهُرْ) : يَعْنِي إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ] : الْمُرَادُ كُلُّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى طَهُورٍ. قَوْلُهُ: [بِقُيُودِهِ] : مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَقَبْلَ النَّزَحِ ظَرْفٌ لَهُ. وَالْقُيُودُ الْآتِيَةُ سِتَّةٌ، وَهِيَ: مَاتَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ إلَخْ، وَكَانَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَلَمْ يُغَيَّرْ كَمَا يَأْتِي فِي آخِرِ عِبَارَةِ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مَيْتَتَهُ نَجِسَةٌ] : أَيْ لِكَوْنِهِ: بَرِّيًّا ذَا نَفْسٍ سَائِلَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَحْرِيًّا أَوْ بَرِّيًّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ وَتَغَيَّرَ الْمَاءُ بِهِ، فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَمَفْهُومُ قَوْلِ الشَّارِحِ [وَكُرِهَ مَاءٌ] أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي طَعَامٍ وَمَاتَ فِيهِ أَوْ وَقَعَ مَيِّتًا أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الطَّعَامِ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ الْآتِي. وَإِنْ وَقَعَ حَيًّا وَخَرَجَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ يَغْلِبُ عَلَى جَسَدِهِ النَّجَاسَةُ عُمِلَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا ضَرَرَ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ قَوْلُهُ: [لَمْ يَطْهُرْ] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ب ن الْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ ظَنَّ مَالِكٌ، وَاعْتَمَدَ الْأُجْهُورِيُّ وَ (عب) أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ. وَرَجَّحَ ابْنُ رُشْدٍ مَا لِابْنِ وَهْبٍ وَفِيهِ نَظَرٌ (اهـ تَقْرِيرُ الشَّارِحِ)

بِحُلُولِ نَجَاسَةٍ فِيهِ ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ لَا بِصَبِّ شَيْءٍ طَاهِرٍ فِيهِ بَلْ بِنَفْسِهِ - فَإِنَّهُ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى تَنَجُّسِهِ. وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عَادَةٍ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ طَهُرَ لِأَنَّ عِلَّةَ تَنْجِيسِهِ تَغَيُّرُهُ وَقَدْ زَالَتْ. وَأَمَّا لَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِصَبِّ مَاءٍ مُطْلَقٍ فِيهِ وَلَوْ قَلَّ لَعَادَتْ لَهُ الطَّهُورِيَّةُ. وَكَذَا إذَا زَالَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ طَاهِرٍ فِيهِ كَتُرَابٍ أَوْ طِينٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ طَهُورًا إذَا زَالَ أَثَرُ مَا سَقَطَ فِيهِ. وَمَفْهُومُ مُتَنَجِّسٍ: أَنَّهُ لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الطَّاهِرِ بِنَفْسِهِ لَكَانَ طَهُورًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَعَادَتْ لَهُ الطَّهُورِيَّةُ] : أَيْ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَكُونُ طَهُورًا] : قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: حَاصِلُ مَا أَفَادَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَتَلَامِذَتُهُ وَالزَّرْقَانِيُّ وَابْنُ الْإِمَامِ التِّلْمِسَانِيُّ: إذَا زَالَ تَغَيُّرُ النَّجِسِ بِنَحْوِ تُرَابٍ، فَإِنْ ظُنَّ زَوَالُ أَوْصَافِ النَّجَاسَةِ طَهُرَ، وَإِنْ اُحْتُمِلَ بَقَاؤُهَا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا خَفِيَتْ بِالْمُخَالِطِ فَنَجِسٌ. وَبَعْدُ، فَالْقِيَاسُ فِي غَيْرِ صَبِّ الْمُطْلَقِ تَخْرِيجُ الْفَرْعِ مِنْ أَصْلِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَظْهَرَ فِيهِ الضَّرَرُ، فَلِذَا اعْتَمَدْنَا هُنَا بَقَاءَ النَّجَاسَةِ تَبَعًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَ (عب) وَ (شب) وَ (خش) وَإِنْ اعْتَمَدَ ب ن الطَّهُورِيَّةَ (اهـ) . قَوْلُهُ: [لَكَانَ طَهُورًا] : أَيْ اتِّفَاقًا وَمَفْهُومُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ نَفْسِ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ فَنَجِسٌ جَزْمًا؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لِبَوْلِيَّتِهِ لَا لِتَغَيُّرِهِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ كَمَا فِي شب اهـ. شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.

[فصل بيان الأعيان الطاهرة والنجسة]

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ (الطَّاهِرُ: الْحَيُّ، وَعَرَقُهُ، وَدَمْعُهُ وَمُخَاطُهُ، وَلُعَابُهُ، وَبَيْضُهُ، إلَّا الْمَذِرَ وَمَا خَرَجَ بَعْدَ مَوْتِهِ) : الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ. فَجَمِيعُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا طَاهِرٌ، وَالنَّجَاسَةُ عَارِضَةٌ. فَكُلُّ حَيٍّ - وَلَوْ كَلْبًا وَخِنْزِيرًا - طَاهِرٌ، وَكَذَا عَرَقُهُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ بَيَانِ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ] [تَنْبِيه غَسَلَ الثَّوْب مِنْ فَضَلَات الْمُبَاح] فَصْلٌ: هُوَ لُغَةً الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفَنِّ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ بَابٍ أَوْ كِتَابٍ غَالِبًا. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِالطَّاهِرِ طَاهِرٌ. وَبِالنَّجِسِ نَجِسٌ نَاسَبَ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَعْيَانَ الطَّاهِرَةَ وَالنَّجِسَةَ فِي هَذَا الْفَصْلِ. قَوْلُهُ: [الطَّاهِرُ] : بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبَاحِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فَيَجْتَمِعَانِ فِي الْخُبْزِ مَثَلًا، وَيَنْفَرِدُ الطَّاهِرُ فِي السُّمِّ، وَيَنْفَرِدُ الْمُبَاحُ فِي الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْنَ النَّجِسِ وَالْمَمْنُوعِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ أَيْضًا؛ فَيَجْتَمِعَانِ فِي الْخَمْرِ مَثَلًا، وَيَنْفَرِدُ الْمَمْنُوعُ فِي السُّمِّ وَالنَّجِسُ فِي الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. قَوْلُهُ: [الْحَيُّ] : أَيْ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ وَهِيَ ضِدُّ الْمَوْتِ، فَهِيَ صِفَةٌ تُصَحَّحُ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ. قَوْلُهُ: [وَبَيْضُهُ] : أَيْ وَلَوْ مِنْ حَشَرَاتٍ. قَوْلُهُ: [فَجَمِيعُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ] : أَيْ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْجَمَادِ. وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ. قَوْلُهُ: [وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا] : أَيْ كَالنَّبَاتَاتِ لِأَنَّهَا مِنْ الْجَمَادِ أَيْضًا، وَجَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَنِيِّ، وَهُوَ نَاشِئٌ مِنْ الْغِذَاءِ، وَهُوَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ " فَكُلُّ حَيٍّ " إلَخْ. قَوْلُهُ: [فَكُلُّ حَيٍّ] : أَيْ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ شَيْطَانًا وَنَجَاسَتُهُمَا مَعْنَوِيَّةٌ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا عَرَقُهُ] : وَلَوْ شَارِبَ خَمْرٍ. قَوْلُهُ: [وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ] : الَّذِي هُوَ دَمْعُهُ وَمُخَاطُهُ وَلُعَابُهُ وَبَيْضُهُ. وَهِيَ طَاهِرَةٌ وَلَوْ أَكَلَ نَجِسًا، وَمَحَلُّ كَوْنِ اللُّعَابِ طَاهِرًا إنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ الْمَعِدَةِ. وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ الْمَعِدَةِ فَنَجِسٌ وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَكُونَ أَصْفَرَ مُنْتِنًا.

إلَّا الْبَيْضَ الْمَذِرَ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِعُفُونَةٍ أَوْ زُرْقَةٍ، أَوْ صَارَ دَمًا؛ فَإِنَّهُ نَجِسٌ بِخِلَافِ الْمَمْرُوقِ: وَهُوَ مَا اخْتَلَطَ بَيَاضُهُ بِصِفَارِهِ مِنْ غَيْرِ نُتُونَةٍ وَإِلَّا مَا خَرَجَ مِنْ الْحَيَوَانِ مِنْ بَيْضٍ أَوْ مُخَاطٍ أَوْ دَمْعٍ أَوْ لُعَابٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَا ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا. فَهَذَا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ. (وَبَلْغَمٌ، وَصَفْرَاءُ، وَمَيِّتُ الْآدَمِيِّ، وَمَا لَا دَمَ لَهُ، وَالْبَحْرِيِّ، وَمَا ذُكِّيَ مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، وَالشَّعْرُ، وَزَغَبُ الرِّيشِ) : الْبَلْغَمُ: وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّدْرِ مُنْعَقِدًا كَالْمُخَاطِ، وَكَذَا مَا يَسْقُطُ مِنْ الدِّمَاغِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، طَاهِرٌ. وَكَذَا الصَّفْرَاءُ: وَهِيَ مَاءٌ أَصْفَرُ مُلْتَحِمٌ يَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ يُشْبِهُ الصِّبْغَ الزَّعْفَرَانِيَّ؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ عِنْدَنَا طَاهِرَةٌ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا طَاهِرٌ، مَا لَمْ يَسْتَحِلْ إلَى فَسَادٍ كَالْقَيْءِ الْمُتَغَيِّرِ. وَمِنْ الطَّاهِرِ: مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَيْتَةُ مَا لَا دَمَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ صَارَ دَمًا] : وَأَوْلَى مَا صَارَ مُضْغَةً أَوْ فَرْخًا مَيِّتًا، وَأَمَّا وُجُودُ نُقْطَةِ دَمٍ غَيْرِ مَسْفُوحٍ فِيهِ فَلَا تَضُرُّ. قَوْلُهُ: [مِنْ بَيْضٍ] : أَيْ وَلَوْ يَابِسًا. قَوْلُهُ: [فَهَذَا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ] : وَأَمَّا الْخَارِجُ مِمَّا مَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ - كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ - وَالْخَارِجُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَجَمِيعُهُ طَاهِرٌ. قَوْلُهُ: [وَمَيِّتُ الْآدَمِيِّ] : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَالْمُشَدَّدِ لِلْحَيِّ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ} [الزمر: 30] قِيلَ: أَيَا سَائِلِي تَفْسِيرَ مَيْتٍ وَمَيِّتٍ ... فَدُونَك قَدْ فَسَّرْت مَا عَنْهُ تَسْأَلُ فَمَا كَانَ ذَا رُوحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ... وَمَا الْمَيْتُ إلَّا مَنْ إلَى الْقَبْرِ يُحْمَلُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْغَالِبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَلَا يَكَادُونَ يَسْتَعْمِلُونَ " مَيْتَةً " بِالتَّاءِ إلَّا مُخَفَّفًا (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [الْآدَمِيِّ] : إنَّمَا كَانَ طَاهِرًا لِتَكْرِيمِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] . قَوْلُهُ: [كَالْقَيْءِ الْمُتَغَيِّرِ] : وَمِثْلُهُ الصَّفْرَاءُ الْمُنْتِنَةُ. قَوْلُهُ: [مَا لَا دَمَ لَهُ] : هُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ: لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ أَيْ لَا دَمَ ذَاتِيٌّ لَهُ، بَلْ إنْ وُجِدَ فِيهِ دَمٌ يَكُونُ مَنْقُولًا وَيُحْكَمُ. بِنَجَاسَةِ الدَّمِ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ قَالَ: [لَا دَمَ لَهُ] وَلَمْ يَقُلْ: لَا دَمَ فِيهِ.

خَشَاشِ الْأَرْضِ؛ كَعَقْرَبٍ، وَجُنْدُبٍ وَخُنْفُسٍ. وَمِنْهُ الْبُرْغُوثُ، بِخِلَافِ الْقَمْلِ، وَكَذَا مَيْتَةُ الْبَحْرِيِّ مِنْ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِالْبَرِّ. وَجَمِيعُ مَا ذُكِّيَ بِذَبْحٍ أَوْ نَحْرٍ أَوْ عَقْرٍ مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، بِخِلَافِ مُحَرَّمِهِ؛ كَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ وَالْخَيْلِ، فَإِنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [خَشَاشِ الْأَرْضِ] : أَيْ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا هُوَ كَالْوَزَغِ وَالسَّحَالِي مِنْ كُلِّ مَا لَهُ لَحْمٌ وَدَمٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ مَيْتَةِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، أَنَّهُ يُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَشَاشَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ الطَّعَامِ، كَدُودِ الْفَاكِهَةِ وَالْمِشِّ يُؤْكَلُ مُطْلَقًا. وَغَيْرُ الْمُتَوَلِّدِ إذَا كَانَ حَيًّا وَجَبَ نِيَّةُ ذَكَاتِهِ بِمَا يَمُوتُ بِهِ. وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَإِنْ تَمَيَّزَ أُخْرِجَ وَلَوْ وَاحِدَةٌ، وَإِلَّا أُكِلَ إنْ غَلَبَ الطَّعَامُ لَا إنْ قَلَّ أَوْ سَاوَى عَلَى الرَّاجِحِ. فَإِنْ شَكَّ هَلْ غَلَبَ الطَّعَامُ أَوْ لَا فَلَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ. وَلَيْسَ كَضُفْدَعَةٍ شَكَّ أَبَرِّيَّةٌ أَمْ بَحْرِيَّةٌ؛ فَلَا تُؤْكَلُ كَمَا فِي عب لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِإِبَاحَتِهَا (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِالْمَعْنَى) . قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْقَمْلِ] : أَيْ فَمَيْتَتُهَا نَجِسَةٌ. خِلَافًا لِسَحْنُونٍ مِنْ أَنَّهَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ. فَهِيَ كَالْبُرْغُوثِ عِنْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا مَيْتَةُ الْبَحْرِيِّ] إلَخْ: وَفِي الْحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» . فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِ تَغْلِيبُ السَّمَكِ عَلَى الْجَرَادِ لِكَوْنِ ذَكَاتِهِ بِمَا يَمُوتُ بِهِ مُطْلَقًا (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِالْبَرِّ] : أَيْ وَلَوْ مَاتَ بِهِ عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَلَوْ عَلَى صُورَةِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ، وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ، وَيُعَزَّرُ وَاطِئُهُ. قَوْلُهُ: [وَجَمِيعُ مَا ذُكِّيَ] إلَخْ: لَمْ يَقُلْ وَجُزْؤُهُ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ لِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْكُلِّ فِي مِثْلِ هَذَا. قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ] : أَيْ فَيَشْمَلُ مَكْرُوهَهُ كَسَبُعٍ وَهِرٍّ، فَإِنْ ذُكِّيَ لِأَكْلِ لَحْمِهِ طَهُرَ جِلْدُهُ تَبَعًا لَهُ، لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ كَاللَّحْمِ، وَإِنْ ذُكِّيَ بِقَصْدِ أَخْذِ جِلْدِهِ فَقَطْ جَازَ أَيْضًا أَكْلُ لَحْمِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَتَبَعَّضُ وَهُوَ الْأَرْجَحُ. قَوْلُهُ: [لَا تَعْمَلُ فِيهِ] : أَيْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا فِي الثَّلَاثَةِ، وَمُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ فِي الْخَيْلِ.

وَكَذَا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ لَا تَعْمَلُ فِيهِمَا الذَّكَاةُ. فَمَيْتَةُ مَا ذُكِرَ نَجِسَةٌ وَلَوْ ذُكِّيَ. وَمِنْ الطَّاهِرِ: الشَّعْرُ وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ. وَكَذَا زَغَبُ الرِّيشِ وَهُوَ مَا اكْتَنَفَ الْقَصَبَةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَأَرَادَ بِالشَّعْرِ مَا يَعُمُّ الْوَبَرَ وَالصُّوفَ. (وَالْجَمَادُ إلَّا الْمُسْكِرَ، وَلَبَنُ آدَمِيٍّ، وَغَيْرِ الْمُحَرَّمِ، وَفَضْلَةُ الْمُبَاحِ، إنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النَّجَاسَةَ، وَمَرَارَتُهُ، وَالْقَلَسُ، وَالْقَيْءُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ، وَمَسْكٌ، وَفَأْرَتُهُ، وَخَمْرٌ خُلِّلَ أَوْ حُجِّرَ، وَرَمَادُ نَجِسٍ وَدُخَانُهُ، وَدَمٌ لَمْ يُسْفَحْ مِنْ مُذَكًّى) أَيْ مِنْ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ الْجَمَادُ وَهُوَ جِسْمٌ لَيْسَ بِحَيٍّ أَيْ لَمْ تَحُلَّهُ الْحَيَاةُ، وَلَا مُنْفَصِلٍ عَنْ حَيٍّ. فَشَمِلَ النَّبَاتَ بِأَنْوَاعِهِ وَجَمِيعَ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَجَمِيعَ الْمَائِعَاتِ؛ كَالْمَاءِ وَالزَّيْتِ لَا اللَّبَنِ وَالسَّمْنِ وَعَسَلِ النَّحْلِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِجَمَادٍ لِانْفِصَالِهَا عَنْ الْحَيَوَانِ كَالْبَيْضِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْجَمَادِ: الْمُسْكِرُ. وَلَا يَكُونُ إلَّا مَائِعًا، كَالْمُتَّخَذِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَهُوَ الْخَمْرُ. أَوْ مِنْ نَقِيعِ الزَّبِيبِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَكَذَا الْكَلْبُ] : أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهِ فَتَعْمَلُ فِيهِ وَسَيَأْتِي الْقَوْلَانِ فِي بَابِ الْمُبَاحِ. وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهِ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ [وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ] : أَيْ لَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ وَأَمَّا أُصُولُ الشَّعْرِ فَكَالْجِلْدِ. قَوْلُهُ: [وَالْجَمَادُ] : مَعْطُوفٌ عَلَى الْحَيِّ. قَوْلُهُ: [وَلَبَنُ آدَمِيٍّ] : ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَلَوْ كَافِرًا مَيِّتًا سَكْرَانَ. لِاسْتِحَالَتِهِ إلَى صَلَاحٍ. قَوْلُهُ: [وَغَيْرُ الْمُحَرَّمِ] : أَيْ فَلَبَنُهُ طَاهِرٌ. قَوْلُهُ: [فَشَمِلَ النَّبَاتَ] : مِنْ ذَلِكَ الْبُنُّ وَالدُّخَانُ، فَالْقَهْوَةُ فِي ذَاتِهَا مُبَاحَةٌ وَيَعْرِضُ لَهَا حُكْمُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا. هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي ح هُنَا وَمِثْلُهَا الدُّخَانُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَكَثْرَتُهُ لَهْوٌ (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْخَمْرُ] : أَيْ فَهُوَ عِنْدَهُمْ الْمُتَّخَذُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مِنْ نَقِيعِ الزَّبِيبِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ] : أَيْ كَالْمُسْتَخْرَجِ مِنْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ وَيُسَمَّى بِالنَّبِيذِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَيُحَدُّ شَارِبُهُ] : أَيْ فَحَقِيقَةُ الْمُسْكِرِ هُوَ مَا كَانَ مَائِعًا مُغَيِّبًا لِلْعَقْلِ مَعَ شِدَّةٍ وَفَرَحٍ - سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَهُوَ الْخَمْرُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ النَّبِيذُ - فَمُوجِبٌ لِلْحَدِّ وَالْحُرْمَةِ فِي قَلِيلِهِ كَكَثِيرِهِ وَإِنْ لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ بِالْفِعْلِ.

بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَالْأَفْيُونِ وَالسَّيْكَرَانِ فَطَاهِرَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ الْجَمَادِ. وَيَحْرُمُ تَعَاطِيهَا لِتَغْيِيبِهَا الْعَقْلَ، وَلَا يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ. وَمِنْ الطَّاهِرِ لَبَنُ الْآدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا. وَلَبَنُ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ وَلَوْ مَكْرُوهًا كَالْهِرِّ وَالسَّبُعِ. بِخِلَافِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، كَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ فَلَبَنُهُ نَجِسٌ. وَمِنْ الطَّاهِرِ: فَضْلَةُ الْمُبَاحِ، مِنْ رَوْثٍ وَبَعْرٍ وَبَوْلٍ وَزِبْلِ دَجَاجٍ وَحَمَامٍ وَجَمِيعِ الطُّيُورِ، مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْ النَّجَاسَةَ. فَإِنْ اسْتَعْمَلَهَا أَكْلًا أَوْ شُرْبًا فَفَضْلَتُهُ نَجِسَةٌ. وَالْفَأْرَةُ مِنْ الْمُبَاحِ؛ فَفَضْلَتُهَا طَاهِرَةٌ إنْ لَمْ تَصِلْ لِلنَّجَاسَةِ وَلَوْ شَكًّا لِأَنَّ شَأْنَهَا اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ كَالدَّجَاجِ. بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَمَامِ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ فَضْلَتِهِ إلَّا إذَا تُحُقِّقَ أَوْ ظُنَّ اسْتِعْمَالُهَا لِلنَّجَاسَةِ. وَمِنْ الطَّاهِرِ مَرَارَةُ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ مِنْ مُبَاحٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَاءُ الْأَصْفَرُ الْكَائِنُ فِي الْجِلْدَةِ الْمَعْلُومَةِ لِلْحَيَوَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَالْأَفْيُونِ] : أَيْ فَلَيْسَتْ مِنْ الْمُسْكِرِ وَلَا مِنْ النَّجِسِ وَلَا تُوجِبُ حَدًّا، وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَدَبُ إنْ تَعَاطَى مِنْهَا مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْكِرَ هُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ. وَالْمُخَدِّرُ - وَيُقَالُ لَهُ الْمُفْسِدُ - مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، وَالْمُرَقِّدُ مَا غَيَّبَهُمَا مَعًا كَالدَّاتُورَةِ. فَالْأَوَّلُ نَجِسٌ وَالْآخَرَانِ طَاهِرَانِ وَلَا يَحْرُمُ مِنْهُمَا إلَّا مَا أَثَّرَ فِي الْعَقْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ شَكًّا] : عَلَى مَا لِلْأُجْهُورِيِّ وَ (عب) . وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ: شَكًّا فِي الْمَانِعِ، أَيْ فَلَا يَضُرُّ، فَإِنْ تَوَلَّدَ الْحَيَوَانُ مِنْ مُبَاحٍ وَغَيْرِهِ فَكَذَاتِ الرَّحِمِ، مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَةِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ كَخِنْزِيرَةٍ مِنْ شَاةٍ فَهِيَ نَجِسَةٌ كَفَضْلَتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ مِنْ فَضَلَاتِ الْمُبَاحِ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً، إمَّا لِاسْتِقْذَارِهِ أَوْ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَقُولُونَ بِنَجَاسَتِهَا. وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: لَيْسَ مِنْ التَّلْفِيقِ الَّذِي قِيلَ بِجَوَازِهِ مُرَاعَاةُ الشَّافِعِيِّ فِي إبَاحَةِ الْخَيْلِ، وَمَالِكٍ فِي طَهَارَةِ رَجِيعِهَا، لِأَنَّ مَالِكًا عَيَّنَ لِلْإِبَاحَةِ أَشْيَاءَ فَتَأَمَّلْ (اهـ) ، وَذَكَرَ فِي مَجْمُوعِهِ أَيْضًا: أَنَّ فَضَلَاتِ الْأَنْبِيَاءِ طَاهِرَةٌ حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مَتَى ثَبَتَتْ لِذَاتٍ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ. وَاسْتِنْجَاؤُهُمْ تَنْزِيهٌ وَتَشْرِيعٌ وَلَوْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَا حُكْمَ إذْ ذَاكَ كَالْعِصْمَةِ لِاصْطِفَائِهِمْ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ. وَأَنَّ الْمَنِيَّ الَّذِي خُلِقَتْ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ جَمِيعُ مَا تَكُونُ مِنْهُ أُصُولُ الْمُصْطَفَى طَاهِرٌ أَيْضًا (اهـ) .

وَمِنْ الطَّاهِرِ الْقَلَسُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ، وَهُوَ مَا تَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ مِنْ الْمَاءِ عِنْدَ امْتِلَائِهَا. وَكَذَا الْقَيْءُ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ بِحُمُوضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ تَغَيَّرَ فَنَجِسٌ. وَمِنْ الطَّاهِرِ الْمَسْكُ وَفَأْرَتُهُ وَهُوَ الْجِلْدَةُ الْمُتَكَوِّنُ فِيهَا. وَكَذَا الْخَمْرُ، إذَا خُلِّلَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ أَوْ حُجِّرَ، أَيْ صَارَ كَالْحَجَرِ فِي الْيُبْسِ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَاهِرًا. وَأَوْلَى لَوْ تَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ أَوْ تَحَجَّرَ بِنَفْسِهِ. وَمِنْ الطَّاهِرِ رَمَادُ النَّجِسِ، كَالزِّبْلِ وَالرَّوْثِ النَّجِسَيْنِ. وَأَوْلَى؛ الْوَقُودُ الْمُتَنَجِّسُ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالنَّارِ. وَكَذَا دُخَانُ النَّجِسِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ ضَعِيفٌ. نَعَمْ. قَيَّدَ بَعْضُهُمْ طَهَارَةَ رَمَادِ النَّجِسِ بِمَا إذَا أَكَلَتْهُ النَّارُ وَانْمَحَقَ مَعَهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَمَادُهُ لَهُ نَوْعُ صَلَابَةٍ فَبَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَمِنْ الطَّاهِرِ: الدَّمُ غَيْرُ الْمَسْفُوحِ، أَيْ الْجَارِي مِنْ الْمُذَكَّى، وَهُوَ الْبَاقِي بِالْعُرُوقِ، أَوْ فِي قَلْبِ الْحَيَوَانِ أَوْ مَا يُرَشَّحُ مِنْ اللَّحْمِ لِأَنَّهُ كَجُزْءِ الْمُذَكَّى. وَكُلُّ مُذَكًّى وَجُزْؤُهُ طَاهِرٌ، بِخِلَافِ مَا بَقِيَ عَلَى مَحَلِّ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ مِنْ بَاقِي الْمَسْفُوحِ فَنَجِسٌ. وَكَذَا مَا يُوجَدُ فِي بَطْنِهَا بَعْدَ السَّلْخِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ جَرَى مِنْ مَحَلِّ الذَّبْحِ إلَى الْبَطْنِ، فَهُوَ مِنْ الْمَسْفُوحِ. وَقَوْلِي: (مِنْ مُذَكًّى) : قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ أَهْمَلَهُ الشَّيْخُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: (وَمِنْ الطَّاهِرِ الْقَلَسُ) : أَيْ مَا لَمْ يُشَابِهْ فِي التَّغَيُّرِ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ. فَلَا تَضُرُّ حُمُوضَتُهُ لِخِفَّتِهِ وَتَكَرُّرِهِ. (اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [بِحُمُوضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا] إلَخْ: وَقِيلَ مَا لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ. وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ. وَفِي الْحَاشِيَةِ: طَهَارَةُ الْقَيْءِ تَقْتَضِي طَهَارَةَ مَا وَصَلَ لِلْمَعِدَةِ مِنْ خَيْطٍ أَوْ دِرْهَمٍ. وَقَالُوا بِنَجَاسَتِهِ كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ. وَأَمَّا الَّذِي أُدْخِلَ فِي الدُّبُرِ فَنَجِسٌ قَطْعًا كَمَا فِي ح. قَوْلُهُ: [وَمِنْ الطَّاهِرِ الْمَسْكُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ لِشِدَّةِ الِاسْتِحَالَةِ إلَى صَلَاحٍ. بِخِلَافِ الْبَيْضِ فَانْدَفَعَ مَا فِي الْحَاشِيَةِ (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [إذَا خُلِّلَ] إلَخْ: أَيْ إلَّا لِنَجَاسَةٍ بِهِ قَبْلُ. قَوْلِهِ: [أَوْ حُجِّرَ] : قَيَّدَهُ ح بِمَا إذَا لَمْ يُعَدَّ إسْكَارُهُ بِالْبَلِّ، وَرَدَّهُ الْأُجْهُورِيُّ. وَفِي عب: يَطْهُرُ بِالتَّحْجِيرِ وَالتَّخْلِيلِ وَلَوْ عَلَى ثَوْبٍ، تَابِعًا فِي ذَلِكَ لِلْأُجْهُورِيِّ. وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ لِأَنَّهُ أَصَابَ حَالَ نَجَاسَتِهِ، وَهُوَ مَا فِي شب. وَحَيْثُ طَهُرَ الْخَمْرُ بِالتَّخْلِيلِ وَالتَّحْجِيرِ طَهُرَ إنَاؤُهُ، فَيُسْتَثْنَى مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: [وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ] . وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْلِيلِهَا بِالْحُرْمَةِ لِوُجُوبِ إرَاقَتِهَا وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ ظَاهِرٌ] : وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الطَّهَارَةُ مُطْلَقًا، وَهَذَا ضَعِيفٌ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَشْيَاخِنَا.

[الأعيان النجسة]

(وَالنَّجَسُ: مَيْتٌ غَيْرُ مَا ذُكِرَ، وَمَا خَرَجَ مِنْهُ، وَمَا انْفَصَلَ مِنْهُ أَوْ مِنْ حَيٍّ مِمَّا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ، كَقَرْنٍ وَظُفْرٍ، وَظِلْفٍ، وَحَافِرٍ، وَسِنٍّ، وَقَصَبِ رِيشٍ، وَجِلْدٍ، وَلَوْ دُبِغَ) : يَعْنِي أَنَّ النَّجَسَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ الْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ الذَّاتِ: مَيْتُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ: كُلُّ بَرِّيٍّ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، مِنْ غَنَمٍ وَبَقَرٍ وَحِمَارٍ وَلَوْ قَمْلَةً. وَقِيلَ، بِطَهَارَةِ مَيْتَتِهَا؛ لِأَنَّ دَمَهَا مُكْتَسَبٌ لَا ذَاتِيٌّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. نَعَمْ يُعْفَى عَمَّا قَلَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْأَعْيَان النَّجِسَة] [تَنْبِيه ميتة الْجِنّ] قَوْلُهُ: [وَالنَّجِسُ: مَيْتٌ] إلَخْ: عَطْفٌ عَلَى الطَّاهِرِ إلَخْ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْأَعْيَانَ الطَّاهِرَةَ وَاسْتَشْعَرَ أَضْدَادَهَا، فَشَرَعَ يُتَمِّمُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا صَرَاحَةً، وَإِنْ تَقَدَّمَ لَهُ بَعْضُهَا صَرَاحَةً وَضِمْنًا كَقَوْلِهِ: [إلَّا الْمَذَرُ وَمَا خَرَجَ بَعْدَ الْمَوْتِ] . وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ [مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمٍ] وَ [إلَّا الْمُسْكِرَ] ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النَّجَاسَةَ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَى حَالِ الطَّعَامِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ خُلِّلَ أَوْ حُجِّرَ وَمَفْهُومُ لَمْ يُسْفَحْ. قَوْلُهُ: [غَيْرِ الْآدَمِيِّ] : وَأَمَّا هُوَ فَمَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا تَقَدَّمَ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ ابْنُ رُشْدٍ نَقْلًا عَنْ سَحْنُونَ. تَنْبِيهٌ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ فِي مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ الْخِلَافُ. وَأَمَّا مَيْتَةُ الْجِنِّ فَنَجِسَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ الْآدَمِيَّ فِي الشَّرَفِ وَإِنْ اقْتَضَى عُمُومُ «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» أَنَّ لَهُ مَا لِلْآدَمِيِّ. وَلَوْ قِيلَ بِطَهَارَةِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمْ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَلَيْسَ الْفَرْعُ نَصًّا قَدِيمًا (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَالَ عِيَاضٌ الْأَمْرُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ وَإِكْرَامِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَأْبَى تَنْجِيسَهُ. إذْ لَا مَعْنَى لِغُسْلِ الْمَيْتَةِ الَّتِي هِيَ مِثْلُ الْعَذِرَةِ وَصَلَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى سَهْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَقْبِيلِهِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَمْلَةً] : مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ إلَخْ] : هُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ. قَوْلُهُ: [نَعَمْ يُعْفَى إلَخْ] : فَيُسْتَخَفُّ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الصَّلَاةِ قَتْلًا وَحَمْلًا بَعْدَهُ. وَنَقَلَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ إنْ احْتَاجَ لِقَتْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ يَنْوِي ذَكَاتَهَا قَالَ ح:

لِلْمَشَقَّةِ. وَكَذَا كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ بَوْلٍ وَدَمْعٍ وَمُخَاطٍ وَبَيْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ نَجِسٌ. وَكَذَا كُلُّ مَا انْفَصَلَ مِنْهُ مِمَّا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ أَوْ انْفَصَلَ مِنْ حَيٍّ مِمَّا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ، كَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالْقَرْنِ وَالظِّلْفِ وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالْحَافِرِ، وَهُوَ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ. فَأَرَادَ بِالظِّلْفِ مَا يَعُمُّ الْحَافِرَ مَجَازًا، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْكَافِ. وَالظُّفْرُ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ وَالنَّعَامِ وَالْإِوَزِّ وَالدَّجَاجِ. وَالسِّنِّ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ. وَمِنْهُ نَابُ الْفِيلِ الْمُسَمَّى بِالْعَاجِ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ كَرَاهَتَهُ تَنْزِيهًا. وَكَذَا قَصَبُ الرِّيشِ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ وَهُوَ الَّذِي يَكْتَنِفُهُ الزَّغَبُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الزَّغَبَ طَاهِرٌ كَالشَّعْرِ لِأَنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ مِنْ عَمَلِهَا فِي الْمُحَرَّمِ؛ فَإِنَّ فِي " حَيَاةِ الْحَيَوَانِ " تَحْرِيمُ أَكْلِهَا إجْمَاعًا. وَإِنْ بَنَى عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ إنَّ الْقَمْلَةَ لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ لَمْ يَحْتَجْ لِتَذْكِيَةٍ إلَّا زِيَادَةَ احْتِيَاطٍ. تَنْبِيهٌ: إذَا صَارَتْ الْقَمْلَةُ عَقْرَبًا، فَالظَّاهِرُ النَّظَرُ لِتِلْكَ الْعَقْرَبِ. فَإِنْ كَانَ لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ طَهُرَتْ لِاسْتِحَالَةِ الْحَالِ كَدُودِ الْعَذِرَةِ وَالْحُكْمُ يَتْبَعُ الْعِلَّةَ (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [وَكَذَا كُلُّ مَا انْفَصَلَ] : أَيْ أَوْ تَعَلَّقَ بِيَسِيرِ جِلْدٍ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [وَالْعَظْمِ] : أَيْ فَتَحُلُّهُ الْحَيَاةُ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ} [يس: 78] . قَوْلُهُ: [وَالدَّجَاجِ] : وَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الدَّجَاجَ لَيْسَ مِنْ ذِي الظُّفْرِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِلْدَةُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَالظُّفْرِ هُنَا مَا يُقَصُّ. قَوْلُهُ: [وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ] إلَخْ: أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّ الْفِيلَ غَيْرُ مُذَكًّى، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ اتِّفَاقًا. وَسَبَبُ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ الْعَاجَ - وَإِنْ كَانَ مِنْ مَيْتَةٍ لَكِنَّهُ أُلْحِقَ بِالْجَوَاهِرِ النَّفْسِيَّةِ فِي التَّزَيُّنِ، فَأُعْطِيَ حُكْمًا وَسَطًا وَهُوَ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ. قَوْلُهُ: [كَالشَّعْرِ] : خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَةِ شَعْرِ الْمَيْتَةِ وَلَوْ دُبِغَ جِلْدُهَا.

لَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ. وَالْجِلْدُ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ كَذَلِكَ نَجِسٌ وَلَوْ دُبِغَ، فَلَا يُصَلَّى بِهِ أَوْ عَلَيْهِ لِنَجَاسَتِهِ. وَمَا وَرَدَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا إهَابٍ أَيْ جِلْدٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ حَمَلَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ حَمْلًا لِأَلْفَاظِ الشَّارِعِ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَنَا. وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي الْكِيمَخْتِ، وَهُوَ جِلْدُ الْحِمَارِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الْبَغْلِ الْمَدْبُوغِ. وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ طَهَارَتَهُ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَائِعَاتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْجِلْدُ] إلَخْ: مِنْ ذَلِكَ ثَوْبُ الثُّعْبَانِ إذَا ذُكِّيَ بَعْدَ تَمَامِ مَا تَحْتَهُ لَا يَطْهُرُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَا إذَا سَلَتَهُ وَهُوَ حَيٌّ وَمِنْهُ أَيْضًا مَا يُنْحَتُ مِنْ الرِّجْلِ بِالْحَجَرِ بِخِلَافِ مَا نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ عِنْدَ حَلْقِهِ فَوَسَخٌ مُنْعَقِدٌ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ يَكُونُ نَجِسًا، وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ يَكُونُ طَاهِرًا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ دُبِغَ] : أَيْ بِمَا يُزِيلُ الرِّيحَ وَالرُّطُوبَةَ وَيَحْفَظُهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ. وَلَا يَفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلَى فِعْلِ فَاعِلٍ، بَلْ إنْ وَقَعَ فِي مَدْبَغَةٍ طَهُرَ لُغَةً. وَلَا يُشْتَرَطُ إزَالَةُ الشَّعْرِ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ إزَالَتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ إنَّهُ نَجِسٌ. وَإِنَّ طَهَارَةَ الْجِلْدِ بِالدَّبْغِ لَا تَتَعَدَّى إلَى طَهَارَةِ الشَّعْرِ، لِأَنَّهُ تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالشَّعْرُ طَاهِرٌ لِذَاتِهِ لَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ. فَالْفَرْوُ إنْ كَانَ مُذَكَّى مَجُوسِيٍّ أَوْ مَصِيدَ كَافِرٍ، قُلِّدَ فِي لُبْسِهِ فِي الصَّلَاةِ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ عِنْدَهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَالشَّعْرُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ. وَالشَّافِعِيُّ - وَإِنْ قَالَ بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ - فَالشَّعْرُ بَاقٍ عَلَى تَنْجِيسِهِ وَمَالِكٌ. إنْ قَالَ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ فَالْجِلْدُ بَاقٍ عَلَى تَنْجِيسِهِ. فَإِنْ أَرَادَ تَقْلِيدَ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَفَّقَ. قَوْلُهُ: [اللُّغَوِيَّةِ] : أَيْ وَهِيَ النَّظَافَةُ. قَوْلُهُ: [وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي الْكِيمَخْتِ] إلَخْ: أَيْ فِي الْجَوَابِ عَنْ حُكْمِ الْكِيمَخْتِ هَلْ هُوَ الطَّهَارَةُ أَوْ النَّجَاسَةُ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا أَدْرِي؟ وَاخْتُلِفَ فِي تَوَقُّفِهِ هَلْ يُعَدُّ قَوْلًا أَوْ لَا؟ وَالرَّاجِحُ الثَّانِي. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي اسْتِعْمَالِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا فِي السُّيُوفِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالْجَوَازُ فِي السُّيُوفِ فَقَطْ وَهُوَ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَكَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِهِ مُطْلَقًا؛ قِيلَ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَلَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ جَائِزٌ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي السُّيُوفِ لَا مَكْرُوهٌ.

كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ مِنْ نَجَاسَةِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الْمَائِعَاتِ كَالْحُبُوبِ وَالدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ الْغَيْرِ الْمَبْلُولِ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِأَنْ يُوضَعَ الْمَاءُ فِيهِ سَفَرًا وَحَضَرًا، لِأَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يَضُرُّهُ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ. وَأَمَّا الْمَائِعَاتُ كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ، وَالْمَاءُ الْغَيْرُ الْمُطْلَقِ - كَمَاءِ الْوَرْدِ - وَمِنْ ذَلِكَ الْخُبْزُ الْمَبْلُولُ قَبْلَ جَفَافِهِ، وَالْجُبْنُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَضْعُهُ فِيهِ، وَيَتَنَجَّسُ بِوَضْعِهِ فِيهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ بَعْدَ الدَّبْغِ فِي يَابِسٍ وَمَائِعٍ) : أَيْ وَأَمَّا قَبْلَ الدَّبْغِ فَلَا يَجُوزُ وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا دُبِغَ أَوْ لَا فِي مَائِعٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَكَذَا جِلْدُ الْآدَمِيِّ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ وُجُوبِ دَفْنِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي الْأَصْلِ: وَجْهُ التَّوَقُّفِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ لَا سِيَّمَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ، وَعَمَلُ السَّلَفِ فِي صَلَاتِهِمْ بِسُيُوفِهِمْ وَجَفِيرِهَا مِنْهُ يَقْتَضِي طَهَارَتَهُ. وَالْمُعْتَمَدُ - كَمَا قَالُوا - إنَّهُ طَاهِرٌ لِلْعَمَلِ لَا نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: جِلْدُ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ وَلَوْ دُبِغَ. وَانْظُرْ مَا عِلَّةُ طَهَارَتِهِ، فَإِنْ قَالُوا: الدَّبْغُ، قُلْنَا: يَلْزَمُ طَهَارَةُ كُلِّ مَدْبُوغٍ، وَإِنْ قَالُوا: الضَّرُورَةُ، قُلْنَا: إنْ سَلِمَ فَهِيَ لَا تَقْتَضِي الطَّهَارَةَ بَلْ الْعَفْوَ. وَحَمْلُ الطَّهَارَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ فِي غَيْرِ الْكِيمَخْتِ وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الْكِيمَخْتِ تَحَكُّمٌ، وَعَمَلُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِمْ الرِّضَا فِي جُزْئِيٍّ يُحَقِّقُ الْعَمَلَ فِي الْبَاقِي (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ مُشْكِلٌ] إلَخْ: تَقَدَّمَ لَك تَقْرِيرُ الْإِشْكَالِ عَنْ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [مِنْ نَجَاسَةِ الْجِلْدِ] : أَيْ غَيْرِ الْكِيمَخْتِ. قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ الْمَائِعَاتِ] : مِنْ ذَلِكَ لُبْسُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَا فِيهِ، لِأَنَّهُ يُمْنَعُ دُخُولُ النَّجِسِ فِيهِ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهُ. قَوْلُهُ: [وَالدَّقِيقِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُوضَعَ الرَّحَا عَنْهُ. قَوْلُهُ: [فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ] إلَخْ: وَلَيْسَ مِنْهُ لُبْسُ الرَّجُلِ الْمَبْلُولَةَ لَهُ وِفَاقًا لِلْحَطَّابِ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ] إلَخْ: وَمُقَابِلُهُ مَا شَهَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنُ الْفَرَسِ - بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ - مِنْ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسَاتِ وَالْمَاءِ بَعْدَ دَبْغِهِ. قَوْلُهُ: [جِلْدُ الْآدَمِيِّ] إلَخْ: أَيْ إجْمَاعًا.

(وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَالسَّوْدَاءُ، وَفَضْلَةُ الْآدَمِيِّ وَغَيْرُ الْمُبَاحِ وَمُسْتَعْمَلُ النَّجَاسَةِ) : أَيْ أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ - وَهُوَ الَّذِي يَسِيلُ عِنْدَ مُوجِبِهِ مِنْ ذَبْحٍ أَوْ فَصْدٍ أَوْ جُرْحٍ - نَجِسٌ. وَكَذَا السَّوْدَاءُ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ كَالدَّمِ الْخَالِصِ بِخِلَافِ الصَّفْرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ النَّجِسِ: فَضْلَةُ الْآدَمِيِّ مِنْ بَوْلٍ وَعَذِرَةٍ، وَفَضْلَةُ غَيْرِ مُبَاحِ الْأَكْلِ وَهُوَ مُحَرَّمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْمَسْفُوحُ] : أَيْ الْجَارِي وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ وَقُرَادٍ وَحِلْمٍ وَبَقٍّ وَبَرَاغِيثَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ مِنْهَا. وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الدَّمِ الْمَسْفُوحِ مِنْ السَّمَكِ، هَلْ هُوَ الْخَارِجُ عِنْدَ التَّقْطِيعِ الْأَوَّلِ لَا مَا خَرَجَ عِنْدَ التَّقْطِيعِ الثَّانِي؟ أَوْ الْجَارِي عِنْدَ جَمِيعِ التَّقْطِيعَاتِ؟ وَاسْتُظْهِرَ الْأَوَّلُ. وَبَعْضُهُمْ قَالَ بِطَهَارَةِ دَمِ السَّمَكِ مُطْلَقًا، وَهُوَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ جَوَازُ أَكْلِ السَّمَكِ الَّذِي يُرْضَخُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَيَسِيلُ دَمُهُ مِنْ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ، وَعَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ إلَّا الصَّفُّ الْأَوَّلُ. وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ يُؤْكَلُ كُلُّهُ. وَقَدْ كَانَ الشَّارِحُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ الَّذِي أَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ الْفَسِيخَ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّحُ وَلَا يُرْضَخُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ وَبَعْدَ مَوْتِ السَّمَكِ إنْ وُجِدَ فِيهِ دَمٌ يَكُونُ كَالْبَاقِي فِي الْعُرُوقِ بَعْدَ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَالرُّطُوبَاتُ الْخَارِجَةُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ طَاهِرَةٌ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ (اهـ) . وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّمَكِ لَيْسَ بِدَمٍ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ عِنْدَهُمْ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ فِيهِ إذَا شُكَّ هَلْ هَذَا السَّمَكُ مِنْ الصَّفِّ الْأَعْلَى أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أُكِلَ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ. قَوْلُهُ: وَكَذَا السَّوْدَاءُ: أَيْ الَّتِي هِيَ أَحَدُ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ: الصَّفْرَاءُ وَالدَّمُ وَالسَّوْدَاءُ وَالْبَلْغَمُ، وَلَا بُدَّ فِي كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ وُجُودِ الْأَخْلَاطِ، فَالسَّوْدَاءُ وَالدَّمُ نَجِسَانِ، وَالصَّفْرَاءُ وَالْبَلْغَمُ طَاهِرَانِ. قَوْلُهُ: [الْخَالِصُ] : أَيْ الَّذِي لَا خَلْطَ فِيهِ. وَمِنْ السَّوْدَاءِ أَيْضًا الدَّمُ الْكَدِرُ أَوْ

الْأَكْلِ كَالْحِمَارِ، أَوْ مَكْرُوهُهُ كَالْهِرِّ وَالسَّبُعِ، وَفَضْلَةُ مُسْتَعْمِلِ النَّجَاسَةِ مِنْ الطُّيُورِ كَالدَّجَاجِ وَغَيْرِهِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا. فَإِذَا شَرِبَتْ الْبَهَائِمُ مِنْ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ أَوْ أَكَلَتْ نَجَاسَةً فَفَضْلَتُهَا مِنْ بَوْلٍ أَوْ رَوْثٍ نَجِسَةٌ. وَهَذَا إذَا تُحُقِّقَ أَوْ ظُنَّ. وَأَمَّا لَوْ شُكَّ فِي اسْتِعْمَالِهَا فَإِنْ كَانَ شَأْنُهَا اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ كَالدَّجَاجِ وَالْفَأْرَةِ وَالْبَقَرَةِ الْجَلَّالَةِ حُمِلَتْ فَضْلَتُهَا عَلَى النَّجَاسَةِ. وَإِنْ كَانَ شَأْنُهَا عَدَمَ اسْتِعْمَالِهَا كَالْحَمَامِ وَالْغَنَمِ حُمِلَتْ عَلَى الطَّهَارَةِ. وَالتَّعْبِيرُ (بِفَضْلَةٍ) أَوْلَى وَأَخْصَرُ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِبَوْلٍ وَعَذِرَةٍ (وَالْقَيْءُ الْمُتَغَيِّرُ، وَالْمَنِيُّ، وَالْمَذْيُ، وَالْوَدْيُ وَلَوْ مِنْ مُبَاحٍ) الْقَيْءُ مَا تَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ مِنْ الطَّعَامِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْمِزَاجِ، فَهُوَ نَجِسٌ إنْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا، وَإِلَّا فَطَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ النَّجِسِ: الْمَنِيُّ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى عِنْدَ الْجِمَاعِ وَنَحْوِهِ. وَالْمَذْيُ: وَهُوَ الْمَاءُ الرَّقِيقُ الْخَارِجُ مِنْ الذَّكَرِ أَوْ فَرْجِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَحْمَرُ الْغَيْرُ الْقَانِي، أَيْ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ. قَوْلُهُ: [فَضْلَةُ الْآدَمِيِّ] : أَيْ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَجَمِيعُ مَا يَنْفَصِلُ مِنْهُمْ طَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [كَالْهِرِّ] : أَدْخَلَتْ الْكَافُ نَحْوَ الْوَطْوَاطِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ، فَمَكْرُوهُ الْأَكْلِ وَمُحَرَّمُهُ فَضْلَتُهُ نَجِسَةٌ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النَّجَاسَةَ. قَوْلُهُ: [وَفَضْلَةُ مُسْتَعْمِلِ النَّجَاسَةِ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ وَلَا مَكْرُوهَهُ. قَوْلُهُ: [حُمِلَتْ عَلَى الطَّهَارَةِ] : أَيْ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، وَمِنْ قَوَاعِدِنَا اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ إنْ لَمْ يَغِبْ الْعَارِضُ. قَوْلُهُ: [أَوْلَى وَأَخْصَرُ] : وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ اسْمَ الْعَذِرَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا خَرَجَ مِنْ الْآدَمِيِّ خَاصَّةً، بِخِلَافِ الْفَضْلَةِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَالْأَخْصَرِيَّةُ ظَاهِرَةٌ. قَوْلُهُ: [عَنْ حَالِ الطَّعَامِ] : وَإِنْ لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُعْتَمَدِ. بِخِلَافِ الْقَلَسِ فَلَا تَضُرُّ فِيهِ الْحُمُوضَةُ لِتَكَرُّرِهِ. قَوْلُهُ: [الْمَنِيُّ] : هُوَ وَمَذْيٌ وَوَدْيٌ بِوَزْنِ ظَبْيٍ وَصَبِيٍّ.

[حلول النجاسة في المائع والجامد والانتفاع بالمتنجس]

الْأُنْثَى عِنْدَ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ. وَالْوَدْيُ: وَهُوَ مَاءٌ خَاثِرٌ يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ بِلَا لَذَّةٍ بَلْ لِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ يُبْسِ طَبِيعَةٍ وَغَالِبًا يَكُونُ خُرُوجُهُ عَقِبَ الْبَوْلِ؛ وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ مُبَاحِ الْأَكْلِ. وَلَا تُقَاسُ عَلَى بَوْلِهِ. (وَالْقَيْحُ، وَالصَّدِيدُ، وَمَا يَسِيلُ مِنْ الْجَسَدِ مِنْ نَحْوِ جَرَبٍ) : مِنْ النَّجِسِ الْقَيْحُ بِفَتْحِ الْقَافِ: وَهُوَ الْمِدَّةُ الْخَاثِرَةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّمَّلِ. وَالصَّدِيدُ وَهُوَ الْمَاءُ الرَّقِيقُ مِنْ الْمِدَّةِ قَدْ يُخَالِطُهُ دَمٌ. وَمِنْ النَّجِسِ: كُلُّ مَا سَالَ مِنْ الْجَسَدِ مِنْ نَفْطِ نَارٍ أَوْ جَرَبٍ أَوْ حَكَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مِنْ مُبَاحِ الْأَكْلِ] : أَيْ وَإِنَّمَا حُكِمَ بِنَجَاسَتِهَا لِلِاسْتِقْذَارِ وَالِاسْتِحَالَةِ إلَى فَسَادٍ، وَلِأَنَّ أَصْلَهَا دَمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ أَصْلِهَا الْعَفْوُ عَنْهَا. [حُلُول النَّجَاسَة فِي الْمَائِع وَالْجَامِد وَالِانْتِفَاع بِالْمُتَنَجِّسِ] قَوْلُهُ: [فِي مَائِعٍ تَنَجَّسَ] إلَخْ: أَيْ مِنْ طَعَامٍ أَوْ مَاءٍ مُضَافٍ حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ بَعْدَ مَا صَارَ مُضَافًا. وَأَمَّا لَوْ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ قَبْلَ الْإِضَافَةِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ، ثُمَّ أُضِيفَ بِطَاهِرٍ كَلَبَنٍ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ. وَقَدْ أَلْغَزَ فِي هَذَا شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِقَوْلِهِ: قُلْ لِلْفَقِيهِ إمَامِ الْعَصْرِ قَدْ مُزِجَتْ ... ثَلَاثَةٌ بِإِنَاءٍ وَاحِدٍ نَسَبُوا لَهَا الطَّهَارَةُ حَيْثُ الْبَعْضُ قُدِّمَ أَوْ ... إنْ قُدِّمَ الْبَعْضُ فَالتَّنْجِيسُ مَا السَّبَبُ وَفِيهِ أَيْضًا: هَلْ الْقَمْلَةُ تُنَجِّسُ الْعَجِينَ الْكَثِيرَ؟ وَهُوَ الْأَقْوَى حَيْثُ لَمْ تُحْصَرْ فِي مَحَلٍّ، أَوْ يُقَاسُ عَلَى مُحَرَّمٍ جُهِلَ عَيْنُهَا بِبَادِيَةٍ؟ وَلَوْ قِيلَ بِالْعَفْوِ عَمَّا يَعْسُرُ، لَحَسُنَ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي رَوْثِ فَأْرَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ مَنْ فَرَّغَ عَشْرَ قِلَالِ سَمْنٍ فِي زِقَاقٍ ثُمَّ وَجَدَ فِي قُلَّةٍ فَأْرَةً وَلَا يَدْرِي فِي أَيِّ زِقَاقٍ فَرَّغَهَا تَنَجَّسَ الْجَمِيعُ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الطَّعَامِ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ، لِأَنَّ ذَاكَ فِي طُرُوُّ النَّجَاسَةِ، وَهِيَ هُنَا مُحَقَّقَةٌ وَلَمَّا لَمْ تَتَعَيَّنْ تَعَلَّقَ حُكْمُهَا بِالْكُلِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي أَوَانِي زَيْتٍ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْأُولَى فَأْرَةً فَالثَّلَاثَةُ نَجِسَةٌ - ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَكَذَا الْبَاقِي وَلَوْ مِائَةٌ وَهُوَ وَجِيهٌ، وَقَالَ أَصْبَغُ: مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ طَاهِرٌ. قَالَ ح: وَالظَّاهِرُ الطَّهَارَةُ إنْ ظُنَّ زَوَالُ النَّجَاسَةِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَتَنَجَّسْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا. وَفِي الْحَاشِيَةِ: الطَّعَامُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ قَمْلَةٌ يُؤْكَلُ لِقِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونَ مِنْ أَنَّهَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ (اهـ)

(فَإِنْ حَلَّتْ فِي مَائِعٍ تَنَجَّسَ وَلَوْ كَثُرَ، كَجَامِدٍ إنْ ظُنَّ سَرَيَانُهَا فِيهِ وَإِلَّا فَقَدْرُ مَا ظُنَّ) : إذَا حَلَّتْ النَّجَاسَةُ فِي مَائِعٍ - كَزَيْتٍ وَعَسَلٍ وَلَبَنٍ وَمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ - تَنَجَّسَ. وَلَوْ كَثُرَ الْمَائِعُ وَقَلَّتْ النَّجَاسَةُ، كَنُقْطَةٍ مِنْ بَوْلٍ فِي قَنَاطِيرَ مِمَّا ذُكِرَ. كَمَا يَتَنَجَّسُ الْجَامِدُ - كَسَمْنٍ جَامِدٍ أَوْ ثَرِيدٍ أَوْ عَسَلٍ جَامِدٍ - وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَوْ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ إنْ ظَلَّ سَرَيَانُهَا فِي جَمِيعِهِ بِأَنْ طَالَ مُكْثُهَا فِيهِ. وَإِلَّا، بِأَنْ لَمْ يُظَنَّ سَرَيَانُهَا فِي جَمِيعِهِ، فَيَتَنَجَّسُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا ظُنَّ سَرَيَانَ النَّجَاسَةِ فِيهِ. وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مِنْ مَيَعَانِ النَّجَاسَةِ وَجُمُودِهَا، وَطُولِ الزَّمَنِ وَقِصَرِهِ؛ فَيُرْفَعُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا ظُنَّ سَرَيَانُهَا فِيهِ، وَيُسْتَعْمَلُ الْبَاقِي - وَلَوْ شُكَّ فِي سَرَيَانِهَا فِيهِ - لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ. وَالْكَلَامُ فِي نَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ أَوْ جَامِدَةٍ يَتَحَلَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ بِخِلَافِ نَجَاسَةٍ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ، كَعَظْمٍ وَسِنٍّ، فَلَا يَتَنَجَّسُ مَا ذُكِرَ مِنْ سُقُوطِهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا لَا يَنْتَقِلُ. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَشْمَلُ وَأَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. (وَلَا يُقْبَلُ التَّطْهِيرُ؛ كَلَحْمٍ طُبِخَ، وَزَيْتُونٍ مُلِحَ وَبَيْضٍ صُلِقَ بِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إنْ ظُنَّ سَرَيَانُهَا فِيهِ] : إمَّا بِسَبَبِ كَوْنِهَا مَائِعَةً، أَوْ بِطُولِ مُكْثِهَا، وَكَانَ يَتَحَلَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ كَمَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [كَنُقْطَةٍ مِنْ بَوْلٍ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: إنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ لَا يَضُرُّ كَثِيرَ الطَّعَامِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ] : أَيْ مَثَلًا مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ شُكَّ فِي سَرَيَانِهَا] إلَخْ: مُبَالَغَةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَقَوْلُهُ: [لِأَنَّ الطَّعَامَ] إلَخْ: عِلَّةُ الْمُبَالَغَةِ. قَوْلُهُ: [وَالْكَلَامُ] : أَيْ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ السَّرَيَانِ فِي جَمِيعِهِ أَوْ بِقَدْرِهِ. قَوْلُهُ: [كَعَظْمٍ وَسِنٍّ] : وَمِنْهُ الْعَاجُ الَّذِي تَلْبَسُهُ النِّسَاءُ وَيُبَاشِرْنَ بِهِ نَحْوَ الْعَجِينِ. قَوْلُهُ: [أَشْمَلُ] : أَيْ لِشُمُولِهَا الْمَاءَ الْمُضَافَ. قَوْلُهُ: [كَلَحْمٍ طُبِخَ] : اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ صَلْقِ نَحْوِ الدَّجَاجِ لِأَخْذِ رِيشِهِ، وَفِي بَاطِنِهِ النَّجَاسَةُ فَلَا يَضُرُّ. قَوْلُهُ: [وَزَيْتُونٍ] إلَخْ: وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَاطُ النَّجَاسَةِ بِالزَّيْتِ نَفْسِهِ فَلَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ

وَفَخَّارٍ بِغَوَّاصٍ) : يَعْنِي أَنَّ الْمَائِعَاتِ - كَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ وَنَحْوِهَا - إذَا حَلَّتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ فَإِنَّهَا تُنَجَّسُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ بِحَالٍ. كَمَا لَا يَقْبَلُهُ لَحْمٌ طُبِخَ بِالنَّجَاسَةِ، وَزَيْتُونٌ مُلِحَ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفًا - بِالنَّجَاسَةِ، وَلَا بَيْضٌ صُلِقَ بِهَا. وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ فَخَّارٌ تَنَجَّسَ بِشَيْءٍ غَوَّاصٍ: أَيْ كَثِيرُ الْغَوْصِ، أَيْ النُّفُوذِ فِي أَجْزَاءِ الْفَخَّارِ، بِأَنْ كَانَ النَّجِسُ مَائِعًا كَالْبَوْلِ وَالْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ وَالدَّمِ، إذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQخِلَافًا لِابْنِ اللَّبَّادِ، فَإِنَّهُ قَالَ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَخَضْخَضَتِهِ وَثَقْبِ الْإِنَاءِ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَصَبِّ الْمَاءِ مِنْهُ وَيُكَرَّرُ ذَلِكَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ النَّجَاسَةِ. قَوْلُهُ: [وَبَيْضٍ صُلِقَ] : وَمِنْهُ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مَذِرَةٌ فَرَشَحَتْ فِي الْمَاءِ وَشَرِبَ مِنْهُ غَيْرُهَا حَيْثُ لَمْ يَبْقَ الْمَاءُ مُطْلَقًا. وَشَمِلَ بَيْضَ النَّعَامِ، وَغِلَظُ قِشْرِهِ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مَسَامُّ يَسْرِي مِنْهَا الْمَاءُ. وَقَوْلُهُ: [وَفَخَّارٍ بِغَوَّاصٍ] : قَالَ ب ن: أُطْلِقَ فِي الْفَخَّارِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَخَّارَ الْبَالِيَ إذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةُ غَوَّاصَةٍ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى فَخَّارٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ قَبْلَ حُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، أَوْ اُسْتُعْمِلَ قَلِيلًا. وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي الْحَاشِيَةِ حَيْثُ قَالَ وَفَخَّارٍ بِغَوَّاصٍ وَلَوْ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ، لِأَنَّ الْفَخَّارَ يَقْبَلُ الْغَوْصَ دَائِمًا كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ نَقْلًا عَنْ اللَّقَانِيِّ. وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ. ثُمَّ إنَّ عَدَمَ قَبُولِ الْإِنَاءِ لِلتَّطْهِيرِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِهِ مَثَلًا. وَأَمَّا الطَّعَامُ يُوضَعُ فِيهِ بَعْدَ غَسْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَجْزَاءٌ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيُّ نَقْلًا عَنْ ب ن. وَمِثْلُ الْفَخَّارِ أَوَانِي الْخَشَبِ الَّتِي يُمْكِنُ سَرَيَانُ النَّجَاسَةِ إلَى دَاخِلِهَا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [يَعْنِي أَنَّ الْمَائِعَاتِ] إلَخْ: التَّعْمِيمُ هَذَا أَدْخَلَتْهُ الْكَافُ. قَوْلُهُ: [وَنَحْوِهَا] : مِنْ كُلِّ طَعَامٍ مَائِعٍ وَمَاءِ زَهْرٍ وَوَرْدٍ. قَوْلُهُ: [بِحَالٍ] : خِلَافًا لِابْنِ اللَّبَّادِ. قَوْلُهُ: [بِشَيْءٍ غَوَّاصٍ] : مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ إذَا تَحَجَّرَ أَوْ تَخَلَّلَ، فَإِنَّ إنَاءَهُ يَطْهُرُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا لَمْ يُحْرَقْ الْفَخَّارُ بِالنَّارِ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ لِكَوْنِهَا مُطَهَّرَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

[الانتفاع بالمتنجس]

مَكَثَ مُدَّةً يُظَنُّ سَرَيَانُ مَا ذُكِرَ فِي أَجْزَائِهِ. وَخَرَجَ بِالْفَخَّارِ: النُّحَاسُ وَالزُّجَاجُ وَنَحْوُهُمَا. وَبِالْغَوَّاصِ النَّجَاسَةُ الْجَامِدَةُ إذَا حَلَّتْ بِالْفَخَّارِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ. (وَجَازَ انْتِفَاعٌ بِمُتَنَجِّسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ) : يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالشَّيْءِ الْمُتَنَجِّسِ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ يُسْقَى بِهِ الدَّوَابُّ وَالزَّرْعُ وَيُدْهَنَ بِهِ نَحْوُ عَجَلَةٍ. وَيُعْمَلُ مِنْ الزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ صَابُونٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَطْهِيرِهِ - بِخِلَافِ نَحْوِ الثَّوْبِ - لَكِنْ إذَا بِيعَ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ إلَّا الْآدَمِيَّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا، وَلَا يُدْهَنُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّلْطِيخَ بِالْمُتَنَجِّسِ حَرَامٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيَجِبُ إزَالَتُهُ لِلصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا الْمَسْجِدُ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ، فَلَا يُسْتَصْبَحُ فِيهِ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ، نَعَمْ إذَا كَانَ الْمِصْبَاحُ خَارِجَهُ وَالضَّوْءُ فِيهِ جَازَ، وَأَمَّا نَجِسُ الذَّاتِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِحَالٍ إلَّا جِلْدَ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغَ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِلَّا لَحْمَ الْمَيِّتِ لِمُضْطَرٍّ، وَإِلَّا الْخَمْرَ لِإِسَاغَةِ غُصَّةٍ، إذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنَحْوُهُمَا] : كَالْحَدِيدِ يُحْمَى وَيُطْفَأُ فِي النَّجَاسَةِ، فَلَا غَوْصَ لَهَا فِيهِ لِدَفْعِهَا الْحَرَارَةَ. وَأَمَّا الْمَصْبُوغُ بِنَجِسٍ فَيَطْهُرُ بِإِزَالَةِ الطَّعْمِ، وَلَا يَضُرُّ اللَّوْنُ وَالرِّيحُ إذَا عَسِرَا كَمَا يَأْتِي. [الِانْتِفَاع بِالْمُتَنَجِّسِ] قَوْلُهُ: [وَجَازَ انْتِفَاعٌ بِمُتَنَجِّسٍ] : أَيْ وَهُوَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْأَصْلِ، وَطَرَأَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَالنَّجِسُ مَا كَانَتْ ذَاتُهُ نَجِسَةً كَالْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ] إلَخْ: خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ. قَوْلُهُ: [إلَّا الْآدَمِيَّ] : وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَيَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِوَلِيِّهِ. قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ] : أَيْ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ التَّلَطُّخُ بِهِ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ] إلَخْ: فَإِنْ بُنِيَ بِالْمُتَنَجِّسِ مَسْجِدٌ فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ، وَلَا يُهْدَمُ وَأَمَّا لَوْ كُتِبَ الْمُصْحَفُ بِنَجِسٍ فَإِنَّهُ يُبَلُّ. قَوْلُهُ: [لِإِسَاغَةِ غُصَّةٍ] : أَيْ فَقَطْ، فَلَا يَجُوزُ الدَّوَاءُ بِهِ وَلَوْ تَعَيَّنَ. وَفِي غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ خِلَافٌ إنْ تَعَيَّنَ. وَلَا شُرْبُهُ لِدَفْعِ الْعَطَشِ لِأَنَّهُ يَزِيدُهُ. وَأَجَازَ لَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ بِعَدَمِ الرُّطُوبَةِ لَا لِلْعَطَشِ نَفْسِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ. (اهـ. شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) .

[استعمال الحرير والذهب والفضة ونقش الخواتيم]

وَيَجُوزُ طَرْحُ الْمَيْتَةِ لِلْكِلَابِ وَأَنْ تُوقَدَ بِعَظْمِهَا عَلَى طُوبٍ أَوْ حِجَارَةٍ. (وَحَرُمَ عَلَى الذَّكَرِ الْمُكَلَّفِ اسْتِعْمَالُ حَرِيرٍ، وَمُحَلًّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَلَوْ آلَةُ حَرْبٍ، إلَّا السَّيْفَ وَالْمُصْحَفَ وَالسِّنَّ وَالْأَنْفَ وَخَاتَمَ الْفِضَّةِ إنْ كَانَ دِرْهَمَيْنِ وَاتَّحَدَ) : لَمَّا كَانَ مُحَرَّمَ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ الطَّاهِرَاتِ يُشْبِهُ اسْتِعْمَالَ الْمُتَنَجِّسِ فِي الْمَنْعِ، ذَكَرُوهُ هُنَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الذَّكَرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ لُبْسًا وَفَرْشًا وَغِطَاءً. وَأَمَّا الْخَزُّ وَهُوَ مَا كَانَ سُدَاهُ مِنْ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهُ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ فَقِيلَ بِحُرْمَتِهِ، وَقِيلَ بِجَوَازِهِ، وَقِيلَ بِكَرَاهَتِهِ؛ وَهُوَ الْأَرْجَحُ. وَجَازَ سِتَارَةٌ مِنْ حَرِيرٍ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ الْمُكَلَّفُ إلَيْهَا، وَكَذَا بُشْخَانَةٌ؛ أَيْ نَامُوسِيَّةٌ. وَحَرُمَ عَلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَيَجُوزُ طَرْحُ الْمَيْتَةِ] إلَخْ: وَيَجُوزُ أَيْضًا وَضْعُ النَّجَاسَةِ فِي الزَّرْعِ لِنَفْعِهِ، كَإِطْعَامِ الْبِطِّيخِ بِهِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عِنْدَ الْبَيْعِ. [اسْتِعْمَال الْحَرِير وَالذَّهَب وَالْفِضَّة ونقش الْخَوَاتِيم] قَوْلُهُ: [عَلَى الذَّكَرِ الْمُكَلَّفِ] : خَرَجَ الْأُنْثَى وَالصَّبِيُّ. فَيَجُوزُ لِلْأُنْثَى اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِأَيِّ وَجْهٍ، وَلُبْسُ النَّقْدَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: [وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ] إلَخْ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ الْفِضَّةَ وَيُكْرَهُ لَهُ الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ كَمَا يُفِيدُهُ ح وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: [بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ] : وَأَوْلَى بِهِمَا مَعًا. قَوْلُهُ: [وَفَرْشًا] : وَلَوْ مَعَ كَثِيفِ حَائِلٍ كَمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ فَرْشَهُ وَتَوَسُّدَهُ وَوَافَقَهُمْ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ تَبَعًا لِامْرَأَتِهِ. وَأَجَازَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِلْحَكَّةِ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِلْجِهَادِ. وَالْمُعْتَمَدُ الْحُرْمَةُ فِي الْجَمِيعِ، إلَّا الْعَلَمَ إذَا كَانَ أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ مُتَّصِلًا بِالثَّوْبِ كَشَرِيطِ الْحَبْكَةِ، وَأَمَّا قَلَمٌ مِنْ حَرِيرٍ فِي أَثْنَاءِ الثَّوْبِ فَمِمَّا نُسِجَ بِحَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا شُغِلَ بِحَرِيرٍ عَلَى الطَّارَّةِ مَثَلًا، فَكَالْخَزِّ، وَيَجُوزُ الْقِيطَانُ وَالزِّرُّ لِثَوْبٍ أَوْ سُبْحَةٍ، وَالْخِيَاطَةُ بِهِ. (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِالْمَعْنَى) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْأَرْجَحُ] : وَلَكِنَّ الْوَرَعَ تَرْكُهُ لِأَنَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ، «وَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» . قَوْلُهُ: [وَكَذَا بُشْخَانَةٌ] : وَمِثْلُهَا الرَّايَةُ لِخُصُوصِ الْجِهَادِ لِأَوْلَى. وَالسِّجَافُ اللَّائِقُ بِاللَّابِسِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ. (اهـ. شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [إلَّا السَّيْفُ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْعَلَّامَةِ الْعَدَوِيِّ: إذَا كَانَ اتِّخَاذُهُ لِأَجْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لِحَمْلِهِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَلَا

أَيْضًا اسْتِعْمَالُ الْمُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نَسْجًا أَوْ طِرَازًا أَوْ زِرًّا. وَأَوْلَى فِي الْحُرْمَةِ الْحُلِيُّ نَفْسُهُ - كَأَسَاوِرَ وَحِزَامٍ - وَلَوْ آلَةُ حَرْبٍ كَخَنْجَرٍ وَسِكِّينٍ وَحَرْبَةٍ. إلَّا السَّيْفَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي قَبْضَتِهِ أَوْ جَفِيرِهِ وَإِلَّا الْمُصْحَفَ؛ فَيَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِهِمَا لِلتَّشْرِيفِ. إلَّا أَنَّ كِتَابَتَهُ أَوْ كِتَابَةَ أَعْشَارِهِ أَوْ أَحْزَابِهِ بِذَلِكَ مَكْرُوهَةٌ، لِأَنَّهَا تَشْغَلُ الْقَارِئَ عَنْ التَّدَبُّرِ. وَأَمَّا كُتُبُ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ فَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهَا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ. وَإِلَّا السِّنَّ؛ وَمُرَادُهُ بِهِ؛ مَا يَشْمَلُ الضِّرْسَ إذَا تَخَلْخَلَ، فَيَجُوزُ رَبْطُهُ بِشَرِيطٍ مِنْهُمَا. وَكَذَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ أَنْفٍ مِنْ أَحَدِهِمَا إذَا قُطِعَ الْأَنْفُ. وَكَذَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ خَاتَمٍ - بَلْ يُنْدَبُ - مِنْ الْفِضَّةِ فَقَطْ إذَا كَانَ دِرْهَمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ فَأَقَلَّ لَا أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ. وَكَانَ مُتَّحِدًا لَا إنْ تَعَدَّدَ. وَلَوْ كَانَ الْمُتَعَدِّدُ دِرْهَمَيْنِ فَأَقَلَّ فَيَحْرُمُ كَمَا لَوْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ بَعْضُهُ ذَهَبًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQيَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ. قَوْلُهُ: [بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ] : أَيْ أَوْ بِهِمَا. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا كُتُبُ الْعِلْمِ] إلَخْ: أَجَازَ الْبُرْزُلِيُّ تَحْلِيَةَ الدَّوَاةِ لِكِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَتَحْلِيَةَ الْإِجَازَةِ. قَوْلُهُ: [قَوْلُهُ فَيَجُوزُ رَبْطُهُ] : أَيْ وَلَهُ اتِّخَاذُ الْأَنْفِ وَرَبْطُ السِّنِّ مَعًا: وَالْمُرَادُ بِالسِّنِّ: الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ. وَمِثْلُ الرَّبْطِ عِنْدَ التَّخَلْخُلِ رَدُّهَا إذَا سَقَطَتْ وَرَبْطُهَا بِمَا ذُكِرَ. وَإِنَّمَا جَازَ رَدُّهَا لِأَنَّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةٌ. وَكَذَا يَجُوزُ بَدَلُهَا مِنْ طَاهِرٍ. وَأَمَّا مِنْ مَيْتَةٍ فَقَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ. وَعَلَى الثَّانِي، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَلْعُهَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [اتِّخَاذُ أَنْفٍ] : وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ تَعْوِيضُ عُضْوٍ سَقَطَ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْأَنْفِ؟ قَوْلُهُ: [بَلْ يُنْدَبُ] إلَخْ: وَكَذَا يُنْدَبُ كَوْنُهُ بِالْيُسْرَى لِأَنَّهُ آخِرُ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِلتَّيَامُنِ فِي تَنَاوُلِهِ فَيُحَوِّلُهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ. وَيَنْدُبُ جَعْلُ فَصِّهِ لِلْكَفِّ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْعُجْبِ.

إلَّا أَنْ يَقِلَّ الذَّهَبُ عَنْ الْفِضَّةِ فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ وَلَوْ تَمَيَّزَ عَنْ الْفِضَّةِ. وَكَذَا لَوْ طُلِيَ بِالذَّهَبِ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ. وَيُكْرَهُ التَّخَتُّمُ بِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَوْلُنَا: إنْ كَانَ إلَخْ زِيَادَةٌ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ لَا بُدَّ مِنْهَا. (وَعَلَى الْمُكَلَّفِ مُطْلَقًا اتِّخَاذُ إنَاءٍ مِنْهُمَا وَلَوْ لِلْقِنْيَةِ أَوْ غُشِّيَ، وَتَضْبِيبُهُ، وَفِي الْمُمَوَّهِ قَوْلَانِ) : يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى اتِّخَاذُ إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَلَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِلِاسْتِعْمَالِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْإِمَامِ، فَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لِلِادِّخَارِ أَوْ لِعَاقِبَةِ الدَّهْرِ، وَلَا التَّزَيُّنُ بِهِ عَلَى رَفٍّ وَنَحْوِهِ. بِخِلَافِ الْحُلِيِّ يَتَّخِذُهُ الرَّجُلُ لِعَاقِبَةِ الدَّهْرِ فَجَائِزٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ، إذْ الْحُلِيُّ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِلنِّسَاءِ وَالْإِنَاءُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِرِجَالٍ وَلَا نِسَاءٍ. فَقَوْلُهُ: [وَلَوْ لِلْقِنْيَةِ] : رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ اتِّخَاذِهِ لِلْقِنْيَةِ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ غُشِّيَ] : فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ؛ أَيْ يَحْرُمُ الْإِنَاءُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَلَوْ غُشِّيَ ظَاهِرُهُ بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ قَصْدِيرٍ نَظَرًا لِبَاطِنِهِ. خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهِ نَظَرًا لِظَاهِرِهِ. وَقَوْلُهُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَقِلَّ] إلَخْ: أَيْ بِأَنْ كَانَ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ. فَرْعٌ: يَجُوزُ نَقْشُ الْخَوَاتِمِ وَنَقْشُ أَصْحَابِهَا وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ «وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةِ أَسْطُرٍ» . قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ التَّخَتُّمُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا لِتَحَفُّظٍ كَمَنْعِ النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ الْجِنَّ. وَلَا يَتَقَيَّدُ بِدِرْهَمَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَجَازَ التَّخَتُّمُ بِجِلْدٍ وَخَشَبٍ كَعَقِيقٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ لِلصِّبْيَانِ وَالنَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَوْلِيَاءِ. قَوْلُهُ: [لِعَاقِبَةِ الدَّهْرِ] إلَخْ: أَيْ أَوْ لِلْكِرَاءِ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ: [رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اقْتِنَاءَهُ إنْ كَانَ بِقَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ لِقَصْدِ الْعَاقِبَةِ أَوْ التَّجَمُّلِ بِهِ أَوْ لَا لِقَصْدِ شَيْءٍ، فَفِي كُلٍّ قَوْلَانِ. وَالْمُعْتَمَدُ الْمَنْعُ. وَأَمَّا إنْ اقْتَنَاهُ لِأَجْلِ كَسْرِهِ أَوْ لِفَكِّ أَسِيرٍ بِهِ فَجَائِزٌ. هَذَا مُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَارْتَضَاهُ (ب ن) رَادٌّ لِغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى صِيَاغَتِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَسَرَهُ وَأَتْلَفَ

(وَتَضْبِيبُهُ) عَطْفٌ عَلَى اتِّخَاذُ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْإِنَاءِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِنْهُمَا. أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَى أَنْ يُضَبِّبَ الْإِنَاءَ الْخَشَبَ أَوْ الْفَخَّارَ - كَالصِّينِيِّ - بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ؛ أَيْ رَبْطُ كَسْرِهِ أَوْ شِقَّهُ بِهِمَا. وَأَمَّا الْإِنَاءُ إذَا كَانَ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ - كَالْقُدُورِ وَالصُّحُونِ وَالْمَبَاخِرِ وَالْقَمَاقِمِ مِنْ ذَلِكَ - وَمُوِّهَتْ؛ أَيْ طُلِيَتْ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ. وَمِنْ ذَلِكَ الرِّكَابُ يُطْلَى بِأَحَدِهِمَا، فَفِيهِ قَوْلَانِ: بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ. وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ نَظَرًا لِبَاطِنِهِ وَالطَّلَى تَبَعٌ. وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ إطْلَاقِهِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ بِلَا تَرْجِيحٍ (لَا جَوْهَرٌ. وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ وَنَحْوُهُ، وَلَوْ نَعْلًا لَا كَمِرْوَدٍ وَسَرِيرٍ) جَوْهَرٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى اسْتِعْمَالُ أَوْ اتِّخَاذُ. أَيْ لَا يَحْرُمُ جَوْهَرٌ - أَيْ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ اتِّخَاذُهُ - فَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ. وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى حَرِيرٍ أَوْ إنَاءٍ فَلَا حَذْفَ فِي الْكَلَامِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْجَوْهَرَ - كَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ - وَالْبَلُّورَ أَوَانَيْهِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانَيْهِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، مَا كَانَ يَنْبَغِي لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ الْقَوْلَيْنِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفَاسَتِهِ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ. وَكَذَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْمُحَلَّى بِهِمَا وَلَوْ نَعْلًا أَوْ قَبْقَابًا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْمَلْبُوسِ وَيَلْحَقُ بِالْمَلْبُوسِ. مَا شَابَهَهُ مِنْ فُرُشٍ وَمَسَانِدَ وَزِرٍّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQتِلْكَ الصِّيَاغَةِ. وَيَجُوزُ بَيْعُهَا لِأَنَّ عَيْنَهَا تُمْلَكُ إجْمَاعًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِنْهُمَا] : أَيْ فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ. قَوْلُهُ: [فِي الْجَمِيعِ] : أَيْ جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مُرَجَّحٌ عَلَى الْآخَرِ. فَالْمُرَجَّحُ فِي الْمُغَشَّى وَالْمُضَبَّبِ وَذِي الْحَلْقَةِ الْمَنْعُ. وَالْمُرَجَّحُ فِي الْمُمَوَّهِ وَإِنَاءِ الْجَوْهَرِ الْجَوَازُ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: تَزْوِيقُ الْحِيطَانِ وَالسَّقْفِ وَالْخَشَبِ وَالسَّاتِرِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَائِزٌ فِي الْبُيُوتِ، وَفِي الْمَسَاجِدِ مَكْرُوهٌ إذَا كَانَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: [وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفَاسَتِهِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ عِلَّةَ حُرْمَةِ النَّقْدَيْنِ تَضْيِيقُ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْعِبَادِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا الْجَوَاهِرُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ نَعْلًا] : فِي ح أَنَّهُ لِرَدِّ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي الْمَذْهَبِ الْقَائِلِ بِالْمَنْعِ.

وَمَا عُلِّقَ بِشَعْرٍ. وَلَا يَجُوزُ لَهَا مَا لَمْ يَكُنْ مَلْبُوسًا وَلَا مُلْحَقًا بِهِ كَالْمِرْوَدِ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - وَكَالسَّرِيرِ وَالْأَوَانِي مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُشْطِ وَالْمُكْحُلَةِ وَالْمُدْيَةِ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ مَا ذُكِرَ بِهِمَا وَلَا تَحْلِيَةُ سَيْفِهَا إنْ كَانَ لَهَا سَيْفٌ بِذَلِكَ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَتْ تُقَاتِلُ بِهِ. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ تَغَيُّرٍ بِنَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ وَعَلَى الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةِ خَبَثٍ وَحَدَثٍ وَاسْتِقْبَالٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ. وَبَدَأَ بِطَهَارَةِ الْخَبَثِ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ لَهَا] إلَخْ: فَكُلُّ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ جَسَدِهَا لَا يَجُوزُ لَهَا اتِّخَاذُهُ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَلَا مِنْ الْمُحَلَّى بِهِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهَا تَحْلِيَةُ السَّيْفِ لِأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ الرِّجَالِ وَجَازَ لَهَا اتِّخَاذُ شَرِيطِ السَّرِيرِ مِنْ حَرِيرٍ، لِأَنَّهُ تَوَسُّعٌ فِي الْحَرِيرِ أَكْثَرُ مِنْ النَّقْدَيْنِ.

[فصل في إزالة النجاسة]

فَصْلٌ: فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ (تَجِبُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي وَبَدَنِهِ وَمَكَانِهِ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ، وَإِلَّا أَعَادَ بِوَقْتٍ) : يَجِبُ شَرْطًا إزَالَةُ حُكْمِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ عَنْ كُلِّ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي؛ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ] [تَنْبِيه صَلَاة النَّافِلَة بِالنَّجَاسَةِ] فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [تَجِبُ إزَالَةُ] إلَخْ: أَيْ وُجُوبَ شَرْطٍ كَمَا يَأْتِي، وَكَذَا يَجِبُ تَقْلِيلُهَا كَتَطْهِيرِ أَحَدِ كُمَّيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكْفِهِمَا الْمَاءُ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلَا يَلْزَمُ غَسْلُ الْبَعْضِ إنْ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى الْكُلِّ، لِأَنَّهُ يَزِيدُهَا انْتِشَارًا كَمَا فِي (شب) وَ (ح) . قَوْلُهُ: [الْمُصَلِّي] : الْمُرَادُ بِهِ مُرِيدُ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُرِدْهَا فَلَا تَجِبُ إزَالَتُهَا بَلْ تُنْدَبُ إذَا لَمْ تَكُنْ خَمْرًا، وَأَرَادَ بِالْمُصَلِّي مَا يَشْمَلُ الصَّبِيَّ، وَالْخِطَابُ بِالنِّسْبَةِ لِوَلِيِّهِ خِطَابُ تَكْلِيفٍ، وَبِالنِّسْبَةِ لَهُ خِطَابُ وَضْعٍ. تَنْبِيهٌ: تَعَمُّدُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِالنَّجَاسَةِ مَمْنُوعٌ مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهَا، وَلَا تُقْضَى لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ فَأَشْبَهَ مَنْ افْتَتَحَهَا مُحْدِثًا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَبَدَنِهِ] : أَيْ ظَاهِرِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ دَاخِلُ أَنْفِهِ وَأُذُنِهِ وَعَيْنِهِ فَهِيَ مِنْ الظَّاهِرِ فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ، وَمِنْ الْبَاطِنِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ. وَلَمْ يَجْعَلُوهَا مِنْ الظَّاهِرِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ لِمَشَقَّةِ التَّكَرُّرِ. قَوْلُهُ: [إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ] وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ الَّذِي انْبَنَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُ الْمَذْهَبِ. وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي: السُّنِّيَّةُ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمَدًا إلَّا أَنَّ فُرُوعَ الْمَذْهَبِ بُنِيَتْ عَلَى الْأَوَّلِ. وَالثَّالِثُ: الْوُجُوبُ مُطْلَقًا كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَهُوَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ. وَالرَّابِعُ: النَّدْبُ، لَكِنْ هَذَانِ الْقَوْلَانِ ضَعِيفَانِ فِي الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: [عَنْ كُلِّ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي] إلَخْ: مِنْ ذَلِكَ لَوْ وَضَعَ حَبْلَ سَفِينَةٍ فِي وَسَطِهِ

مِنْ ثَوْبٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ نَعْلٍ أَوْ حِزَامٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَنْ بَدَنِهِ وَعَنْ مَكَانِهِ، وَهُوَ مَا تَمَسُّهُ أَعْضَاؤُهُ مِنْ قَدَمَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَيَدَيْهِ وَجَبْهَتِهِ. فَلَا يَضُرُّ نَجَاسَةُ مَا تَحْتَ صَدْرِهِ وَمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَوْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ. وَلَا مَا تَحْتَ حَصِيرِهِ وَلَوْ اتَّصَلَ بِهَا كَفَرْوَةِ مَيْتَةٍ صَلَّى عَلَى صُوفِهَا. بِخِلَافِ طَرَفِ عِمَامَتِهِ الْمُلْقَى بِالْأَرْضِ أَوْ طَرَفِ رِدَائِهِ الْمُلْقَى وَبِهِ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَحْمُولِ لِلْمُصَلِّي. وَمَحَلُّ كَوْنِهَا شَرْطَ صِحَّةٍ لِلصَّلَاةِ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ عَلَى إزَالَتِهَا. فَإِنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ نَاسِيًا لَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَيُنْدَبُ لَهُ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ. وَكَذَا مَنْ عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا لِعَدَمِ مَاءٍ طَهُورٍ أَوْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إزَالَتِهَا بِهِ، وَلَمْ يَجِدْ ثَوْبًا غَيْرَ الْمُتَنَجِّسِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ. وَيُصَلِّي أَوَّلَ الْوَقْتِ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَاءً وَلَا ثَوْبًا آخَرَ فِي الْوَقْتِ. وَإِنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى إزَالَتِهَا آخِرَ الْوَقْتِ، أَخَّرَ لِآخِرِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَكَانَ بِهَا نَجَاسَةٌ وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَرَّك بِحَرَكَتِهِ لِصِغَرِهَا. بِخِلَافِ مِقْوَدِ الدَّابَّةِ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا فَلَا يَضُرُّ حَمْلُهَا لِلنَّجَاسَةِ، أَوْ ثَوْبِ شَخْصٍ جَاءَ عَلَى كَتِفِ الْمُصَلِّي مَثَلًا مَا لَمْ يَصِرْ مَحْمُولًا لَهُ. قَوْلُهُ: [وَنَحْوِ ذَلِكَ] : كَمَوْضِعِ السُّجُودِ لِلْمُومِئِ فَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ كَمَا فِي (شب) وَ (عب) . بِخِلَافِ حَسْرِ عِمَامَتِهِ عَنْ جَبْهَتِهِ فَيُشْتَرَطُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى رُكْنِيَّةِ السُّجُودِ. وَالِاخْتِلَافِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ الْمَسِّ بِزَائِدٍ لَا يُحَسُّ. وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: الشَّعْرُ كَطَرَفِ الثَّوْبِ، أَيْ لَا يَضُرُّ مَسُّهُ لِلنَّجَاسَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا مَا تَحْتَ حَصِيرِهِ] : لِمَا سَيَأْتِي فِي الْفَوَائِتِ فِي قَوْلِ خَلِيلٍ: وَلِمَرِيضٍ سَتَرَهُ نَجِسٌ بِطَاهِرٍ. قَالُوا: لَا مَفْهُومَ لِمَرِيضٍ، إنَّمَا يُشْتَرَطُ انْفِصَالُ السَّاتِرِ عَنْ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي. فَلَا يَكْفِي سَتْرُ نَجَاسَةِ الْمَكَانِ بِبَعْضِ ثَوْبِهِ اللَّابِسِ لَهُ وَلَوْ طَالَ جِدًّا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَحْمُولِ] : وَمِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْوَسَطُ عَلَى الْأَرْضِ نَجِسًا وَأَخَذَ كُلٌّ طَرَفًا طَاهِرًا، بَطَلَتْ عَلَيْهِمَا. قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا] : أَيْ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ. فَمُرَادُهُ بِالنَّاسِي مَنْ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ بِهَا، ثُمَّ دَخَلَ الصَّلَاةَ نَاسِيًا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: [فِي الْوَقْتِ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ تُعَادُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا تُعَادُ كَالْفَائِتَةِ

قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي التَّيَمُّمِ، ثُمَّ إنَّهُ إنْ وَجَدَ مَا يُزِيلُهَا بِهِ فِي الْوَقْتِ، أَوْ ثَوْبًا آخَرَ نُدِبَ لَهُ الْإِعَادَةُ مَا دَامَ الْوَقْتُ. فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا إعَادَةَ، وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ، وَفِي الْعِشَاءَيْنِ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي الصُّبْحِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ. وَمَا مَشَيْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ هُوَ أَحَدُ الْمَشْهُورَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ فَإِنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وُجُوبًا لِبُطْلَانِهَا. وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي أَنَّ إزَالَتَهَا سُنَّةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ أَيْضًا، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالنَّفَلِ الْمُطْلَقِ إلَّا مَا سَيَأْتِي مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي التَّيَمُّمِ] : فِي قَوْلِهِ فَالْآيِسُ أَوَّلُ الْمُخْتَارِ وَالْمُتَرَدِّدُ وَسَطُهُ وَالرَّاجِي آخِرُهُ، فَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ يُؤَخَّرُ فِيهِ الِاخْتِيَارِيُّ وَأَمَّا الضَّرُورِيُّ فَلَا تَفْصِيلَ فِيهِ بَلْ يُقَدَّمُ وَلَوْ كَانَ رَاجِيًا. قَوْلُهُ: [مَا دَامَ الْوَقْتُ] : أَيْ الْآتِي فِي الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [لِلِاصْفِرَارِ] : بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَبُحِثَ فِيهِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الظُّهْرَيْنِ لِلْغُرُوبِ، وَالْعِشَاءَيْنِ لِلثُّلُثِ وَالصُّبْحَ لِلْإِسْفَارِ. وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ كَالتَّنَفُّلِ، فَكَمَا لَا يُتَنَفَّلُ فِي الِاصْفِرَارِ لَا يُعَادُ فِيهِ وَيُتَنَفَّلُ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَالنَّافِلَةُ وَإِنْ كُرِهَتْ بَعْدَ الْإِسْفَارِ لِمَنْ نَامَ عَنْ وِرْدِهِ إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا ضَرُورِيَّ لِلصُّبْحِ قَوِيٌّ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ أَيْضًا] : أَيْ فَهُوَ قَيْدٌ فِي الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ مَعًا، وَقَدْ تَبِعَ شَارِحُنَا (عب) وَالْأُجْهُورِيَّ. وَفِي ابْنِ مَرْزُوقٍ وَ (ح) أَنَّهُ قَيْدٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَأَمَّا السُّنِّيَّةُ فَهُوَ مُطْلَقٌ، سَوَاءٌ كَانَ ذَاكِرًا قَادِرًا أَمْ لَا. فَإِنْ قُلْت: جَعْلُ الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ مُطْلَقًا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَاجِزَ وَالنَّاسِيَ مُطَالَبَانِ بِالْإِزَالَةِ عَلَى سَبِيلِ السُّنِّيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِمَا، قُلْت: مَنْ قَالَ بِالسُّنِّيَّةِ حَالَةَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ أَرَادَ ثَمَرَتَهَا مِنْ نَدْبِ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ طَلَبَ الْإِزَالَةِ لِعَدَمِ إمْكَانِهَا. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْأُجْهُورِيَّ نَظَرَ إلَى رَفْعِ الطَّلَبِ عَنْهُمَا حَالَةَ الْعُذْرِ فَقَالَ: إنَّهُ قَيْدٌ فِيهِمَا، وَغَيْرُهُ نَظَرَ إلَى طَلَبِ الْإِعَادَةِ مِنْهُمَا فِي الْوَقْتِ، فَقَالَ: إنَّهُ قَيْدٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَعَادَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا. (اُنْظُرْ " ب ن " اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

لَمْ يَذْكُرْهَا أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إزَالَتِهَا أَعَادَ بِوَقْتٍ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الْعَامِدُ الْقَادِرُ فَيُعِيدُ أَبَدًا، لَكِنْ نَدَبًا. فَعُلِمَ أَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ عَلَى الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ نَدْبًا فِي النَّاسِ وَغَيْرِ الْعَالِمِ، وَفِي الْعَاجِزِ، وَيَتَّفِقَانِ عَلَى الْإِعَادَةِ أَبَدًا فِي الْعَامِدِ الذَّاكِرِ لَكِنْ وُجُوبًا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَنَدْبًا عَلَى الثَّانِي. وَقَوْلُنَا (عَنْ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي) أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ: ثَوْبٌ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الثَّوْبَ أَيْ الْمَلْبُوسَ وَغَيْرَهُ، وَيَشْمَلُ مَا اسْتَقَرَّ بِبَطْنِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ؛ كَأَنْ شَرِبَ خَمْرًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا كَانَ عَاجِزًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنَدْبًا عَلَى الثَّانِي] : أَيْ وَلَا غَرَابَةَ فِي النَّدْبِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوهُ فِي الصَّلَاةِ بِمَعْطِنِ الْإِبِلِ. وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ حَقِيقِيٌّ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ التَّشْهِيرُ وَالِاسْتِدْلَالُ وَاخْتِلَافُ التَّفَارِيعِ. وَرَجَّحَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَ (عب) . وَعَلَيْهِ، فَمَا وَرَدَ مِنْ التَّعْذِيبِ فِي الْبَوْلِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى إبْقَائِهِ بِالْقَصَبَةِ بِحَيْثُ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا وَمَالَ (ح) وَ (ر) إلَى أَنَّهُ لَفْظِيٌّ. قَالَا: وَعُهِدَتْ الْإِعَادَةُ أَبَدًا وُجُوبًا لِتَرْكِ السُّنَّةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَبَحَثَ فِيهِ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِأَنَّ هَذَا اعْتِرَافٌ بِأَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لَهُ ثَمَرَةٌ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ يَبْطُلُ تَرْكُهُ اتِّفَاقًا أَيْ لَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْنَا أَنَّ السُّنَّةَ إذْ اُشْتُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا أُبْطِلَ تَرْكُهَا قَطْعًا، لَكِنَّهُ يُجْعَلُ كُلُّ خِلَافٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَفْظِيًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ مُضَيِّعٌ لِثَمَرَةِ التَّشْهِيرِ أَوْ لِصِحَّتِهِ. وَمِمَّا يُبْعِدُ كَوْنَهُ لَفْظِيًّا مَا ارْتَضَاهُ (ر) نَفْسُهُ مِنْ عَدَمِ تَقْيِيدِ السُّنِّيَّةِ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْوُجُوبُ مُقَيَّدٌ. وَقَالَ فِي الْأَصْلِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " خِلَافٌ لَفْظِيٌّ "، لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى إعَادَةِ الذَّاكِرِ الْقَادِرِ أَبَدًا، وَالْعَاجِزِ وَالنَّاسِي فِي الْوَقْتِ. قَالَهُ (ح) . وَرَدَّ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَنَدْبِهَا عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَبِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَحَدِهِمَا يَرُدُّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْآخَرُ فَالْخِلَافُ مَعْنَوِيٌّ. قَوْلُهُ: [وَغَيْرَهُ] أَيْ مِنْ سَائِرِ مَا نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فَيَجِبُ عَلَيْهِ] إلَخْ: هَذَا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ. وَقَالَ التُّونُسِيُّ: ذَلِكَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ لَغْوٌ فَلَا يُؤْمَرُ بِتَقَايُؤٍ وَلَا بِإِعَادَةٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. إنْ قُلْت: حِينَئِذٍ صَارَتْ الْمَعِدَةُ نَجِسَةً بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ. قُلْت: إنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَطْهِيرِ نَفْسِ الْمَعِدَةِ، فَأَمَرْنَاهُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّقَيُّؤِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْبَعْضِ وَجَبَ، لِأَنَّ تَقْلِيلَ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ

[تنبيه موت الدابة وحبلها بوسطه]

(فَسُقُوطُهَا عَلَيْهِ فِيهَا أَوْ ذِكْرُهَا مُبْطِلٌ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَوَجَدَ مَا تُزَالُ بِهِ) : الْفَاءُ فَاءُ التَّفْرِيغِ فَذِكْرُهَا أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْوَاوِ. يَعْنِي إذَا عَلِمْت أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ فَسُقُوطُهَا عَلَى الْمُصَلِّي مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ التَّلَفُّظِ بِالسَّلَامِ، إنْ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً وَلَمْ تَنْحَدِرْ حَالَ سُقُوطِهَا. وَإِلَّا لَمْ تَبْطُلْ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِإِزَالَتِهَا وَإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَوَجَدَ مَا تُزَالُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَوْ ثَوْبًا غَيْرَ الْمُتَنَجِّسِ. وَكَذَا تَبْطُلُ إذَا ذَكَرَ النَّجَاسَةَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ عَلِمَهَا وَهُوَ فِيهَا، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ إذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQاهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَمَحَلُّ وُجُوبِ التَّقَايُؤِ الْمَذْكُورِ مُدَّةُ مَا يَرَى بَقَاءَ النَّجَاسَةِ فِي بَطْنِهِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا لَا شَكًّا؛ فَإِذَا كَانَتْ خَمْرًا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ مُدَّةَ مَا يُظَنُّ بَقَاؤُهَا خَمْرًا، فَإِنْ تَحَوَّلَتْ لِلْعَذِرَةِ فَهِيَ بِمَثَابَتِهَا. [تَنْبِيه مَوْت الدَّابَّة وحبلها بوسطه] قَوْلُهُ: [قَوْلُهُ فَسُقُوطُهَا عَلَيْهِ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْمُصَلِّي وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا فِي نَفْلٍ - مَأْمُومًا أَوْ إمَامًا أَوْ فَذًّا - مُبْطِلٌ لَهَا بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ. وَلَوْ جُمُعَةً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبُطْلَانِ خَلِيلًا التَّابِعَ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ. وَإِنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ قَطَعَهَا، وَالْقَطْعُ يُؤْذَنُ بِالِانْعِقَادِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْقَطْعُ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا؟ اُنْظُرْ (ب ن) . تَنْبِيهٌ: مَوْتُ الدَّابَّةِ وَحَبْلُهَا بِوَسَطِهِ كَسُقُوطِ النَّجَاسَةِ عَلَى الظَّاهِرِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَقَوْلُنَا أَوْ إمَامًا: أَيْ وَيَسْتَخْلِفُ؛ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الِاسْتِخْلَافِ. وَإِنْ عَلِمَهَا مَأْمُومٌ بِإِمَامِهِ أَرَاهُ إيَّاهَا، وَلَا يَمَسُّهَا. فَإِنْ بَعُدَ فَوْقَ الثَّلَاثِ صُفُوفٍ كَلَّمَهُ، وَيَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ وَلَا تَبْطُلُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. قَوْلُهُ: [أَوْ ذَكَرَهَا] : أَيْ عَلِمَ بِهَا فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَ نَاسِيًا لَهَا ابْتِدَاءً أَمْ لَا، لَا إنْ ذَكَرَهَا قَبْلَهَا ثُمَّ نَسِيَهَا عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَاسْتَمَرَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا فَلَا تَبْطُلُ. وَلَوْ تَكَرَّرَ الذِّكْرُ وَالنِّسْيَانُ قَبْلَهَا وَإِنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْوَاوِ] : أَيْ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا خَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [وَاجِبَةٌ] : وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ فَلَا تَبْطُلُ بِالسُّقُوطِ أَوْ الذِّكْرِ فِيهَا، وَكَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الرَّاجِحُ. قَوْلُهُ: [إنْ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ] : أَيْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا.

اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَوَجَدَ ثَوْبًا أَوْ مَا يُزِيلُهَا بِهِ. وَهَذَانِ الْقَيْدَانِ زِدْنَاهُمَا عَلَى الشَّيْخِ. وَبَقِيَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ مِمَّا لَا يُعْفَى عَنْهَا كَالْبَوْلِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُعْفَى عَنْهَا كَدِرْهَمِ دَمٍ لَمْ تَبْطُلْ. فَالْقُيُودُ أَرْبَعَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِسُقُوطِهَا، وَثَلَاثَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِذِكْرِهَا. وَقَوْلُنَا: (وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ) ، أَيْ لِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا فَأَكْثَرَ لَا أَقَلَّ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَقْتُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ ضَرُورِيًّا. فَإِذَا لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ رَكْعَةً كَمَّلَهَا. ثُمَّ إنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَرُورِيًّا فَلَا إعَادَةَ، وَإِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا أَعَادَهَا فِي الضَّرُورِيِّ نَدْبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (لَا إنْ تَعَلَّقَتْ بِأَسْفَلِ نَعْلٍ فَسَلَّ رِجْلَهُ إلَّا أَنْ يَرْفَعَهَا بِهَا) : لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُتَعَلِّقَةً بِأَسْفَلِ النَّعْلِ ثُمَّ سَلَّ رِجْلَهُ مِنْ نَعْلِهِ أَيْ: أَخْرَجَهَا بِلُطْفٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ بِالنَّعْلِ الْمُتَنَجِّسَةِ. فَإِنْ رَفَعَ رِجْلَهُ بِهَا بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ فَوْقَ حَمْلِهِ، وَكَانَ ذَاكِرًا لَهَا وَلَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لَهَا. فَقَوْلُ الشَّيْخِ: " أَوْ كَانَتْ أَسْفَلَ نَعْلٍ " يَعْنِي: وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّعْلِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَاقِفٌ عَلَيْهَا بِالنَّعْلِ الطَّاهِرِ، إذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ إذَا رَفَعَ نَعْلَهُ عِنْدَ التَّذَكُّرِ، أَوْ الْعِلْمِ وَوَضَعَهَا عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ وَلَا يَحْتَاجُ لِخَلْعِهَا. فَعُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي النَّعْلِ الْمُتَنَجِّسِ أَسْفَلُهُ لَا الْوَاقِفِ بِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ جَافَّةٍ، فَعِبَارَتُنَا أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَتِهِ إذْ عِبَارَتُهُ تُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ. وَالتَّعْبِيرُ بِسَلَّ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِخَلَعَ؛ لِأَنَّ السَّلَّ يُفِيدُ الْخِفَّةَ وَالْخَلْعَ يَصْدُقُ وَلَوْ مَعَ الرَّفْعِ بِهَا. وَمَفْهُومُ (سَلَّ رِجْلَهُ) أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخْرِجْ رِجْلَهُ مِنْ نَعْلِهِ لَبَطَلَتْ، لَكِنْ حَيْثُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَرْبَعَةٌ] إلَخْ: وَهِيَ: إنْ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ، وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَوُجِدَ مَا تُزَالُ بِهِ، وَلَمْ تَكُنْ مَعْفُوًّا عَنْهَا، وَقَوْلُهُ وَثَلَاثٌ إلَخْ: أَيْ بِإِسْقَاطِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْمَوْضُوعُ. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ] : أَيْ مِنْ أَنَّ الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ، وَالْعِشَاءَيْنِ لِلْفَجْرِ، وَالصُّبْحَ لِلطُّلُوعِ. قَوْلُهُ: [بِأَسْفَلِ نَعْلٍ] : وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِأَسْفَلِ خُفٍّ فَتَذَّكَّرَهَا فَتَبْطُلَ بِهَا الصَّلَاةُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِكَوْنِهِ كَثَوْبِ الْعُضْوِ فِي شِدَّةِ الِالْتِصَاقِ بِالرَّجُلِ، بِخِلَافِ النَّعْلِ فَهُوَ كَالْحَصِيرِ. هَكَذَا فَرَّقَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. قَوْلُهُ: [لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ تَحَرَّكَ النَّعْلُ بِحَرَكَتِهِ حِينَ سَلَّ رِجْلَهُ لِأَنَّهَا كَالْحَصِيرِ. خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إذَا تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ تَبْطُلُ.

[ما لا تجوز الصلاة به]

وَذَلِكَ حَالَ السُّجُودِ أَوْ حَالَ رَفْعِهِ لِرِجْلِهِ بِالنَّعْلِ، وَعُلِمَ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَهُوَ لَابِسٌ لِنَعْلِهِ الْمُتَنَجِّسِ أَسْفَلُهُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. (وَلَا يُصَلَّى بِمَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ كَثَوْبِ كَافِرٍ وَسِكِّيرٍ وَكَنَّافٍ وَغَيْرِ مُصَلٍّ، وَمَا يَنَامُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ] إلَخْ: أَيْ أَوْ إيمَاءً مِنْ قِيَامٍ أَوْ كَانَ يَخْلَعُ رِجْلَهُ مِنْهَا عِنْدَ السُّجُودِ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّعْلِ يَنْزِعُهُ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَالثَّوْبِ تَبْطُلُ وَلَوْ طَرَحَهُ، أَنَّ الثَّوْبَ حَامِلٌ لَهُ وَالنَّعْلَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ وَالنَّجَاسَةَ فِي أَسْفَلِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَسَطَ عَلَى النَّجَاسَةِ حَائِلًا كَثِيفًا. [مَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاة بِهِ] [تَنْبِيه ثِيَاب الرأس لِلسِّكِّيرِ وَنَحْوه] قَوْلُهُ: [وَلَا يُصَلَّى] : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يَحْرُمُ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ. قَوْلُهُ: [كَثَوْبِ كَافِرٍ] : الْمُرَادُ بِالثَّوْبِ مَحْمُولُهُ، كَانَ الْكَافِرُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ بَاشَرَ جِلْدَهُ أَوْ لَا، كَانَ مِمَّا يَسْتَعْمِلُ النَّجَاسَةَ أَوْ لَا. ثُمَّ مَحَلُّ الْحُرْمَةِ إذَا جَزَمَ بِعَدَمِ الطَّهَارَةِ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهَا أَوْ شَكَّ. أَمَّا لَوْ تَحَقَّقَتْ الطَّهَارَةُ أَوْ ظُنَّتْ، فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ. وَهَذَا فِي الْكَافِرِ بِخِلَافِ ثِيَابِ شَارِبِ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ فِي حَالَةِ الشَّكِّ يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ تَقْدِيمًا لِلْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا مَتَى حَصَلَ شَكٌّ قُدِّمَ الْغَالِبُ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ تَقْدِيمِ الْغَالِبِ لَا تَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْجَمِيعِ. فَالتَّفْرِقَةُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَا وَجْهَ لَهَا وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِي التَّفْرِقَةِ. قَوْلُهُ: [وَكَنَّاف] : وَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِيهِ السِّكِّيرُ. قَوْلُهُ: [وَمَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ] : أَيْ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ بِثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ غَيْرُ الْمُصَلِّي إذَا تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهَا أَوْ ظُنَّتْ أَوْ شُكَّ فِيهَا. وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْتَاطُ فِي طَهَارَتِهَا، أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ. جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا. وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا يُفْرَشُ فِي الْمَضَايِفِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ النَّائِمَ عَلَيْهَا يَلْتَفُّ فِي شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ الْفَرْشِ هَكَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. وَلَكِنْ كَانَ شَيْخُنَا الْمُؤَلِّفُ يُفَصِّلُ وَيَقُولُ: أَمَّا مَضَايِفُ الرِّيفِ فَشَأْنُهَا النَّجَاسَةُ. وَأَمَّا مَقَاعِدُ مِصْرَ وَقِيعَانُهَا فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى فِرَاشِهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ التَّحَفُّظُ. وَهُوَ وَجِيهٌ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ. تَنْبِيهٌ: عَمَّمَ الْمُصَنِّفِ هُنَا فِي ثِيَابِ النَّوْمِ وَغَيْرِ الْمُصَلِّي وَجَعَلَهَا كَثِيَابِ السِّكِّيرِ وَالْكَافِرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ثِيَابِ الرَّأْسِ وَغَيْرِهَا، مُوَافَقَةً فِي ذَلِكَ لِابْنِ مَرْزُوقٍ وَقَدْ أَيَّدَهُ

[المعفو عنه من النجاسة]

فِيهِ غَيْرُهُ، وَمَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ عَالِمٍ) هَذِهِ الْأَحْكَامُ هِيَ الَّتِي أَشَارَ لَهَا الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ: " وَلَا يُصَلَّى بِلِبَاسِ كَافِرٍ إلَخْ "، أَخَّرْتهَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهَا وَتَقْدِيمُهَا فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ ذِكْرٌ لَهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا. وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ قُدِّمَ الْغَالِبُ، فَإِنَّ الْأَصْلَ - فِيمَا ذُكِرَ - الطَّهَارَةُ، وَالْغَالِبُ النَّجَاسَةُ، وَقَوْلِي: (وَلَا يُصَلَّى بِمَا غَلَبَتْ أَيْ: النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ) إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ هِيَ: كُلُّ مَا غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ فَلَا يُصَلَّى بِهِ. وَقَوْلُهُ: (كَثَوْبِ كَافِرٍ) إلَخْ أَمْثِلَةٌ لِبَعْضِ مَا صَدَقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ. وَالشَّيْخُ إنَّمَا ذَكَرَ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ دُونَ الْقَاعِدَةِ فَلِبَاسُ الْكَافِرِ لَا يُصَلَّى بِهِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْكَافِرِ عَدَمُ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ نَسْجِهِ، فَإِنَّ الشَّأْنَ فِيهِ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ. وَالسِّكِّيرُ - أَيْ: كَثِيرُ السُّكْرِ - كَالْكَافِرِ. وَ (الْكَنَّافِ) : الَّذِي شَأْنُهُ نَزْحُ الْأَكْنِفَةِ. وَ (غَيْرِ الْمُصَلِّي) : يَشْمَلُ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ وَالرِّجَالَ الَّذِينَ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُمْ عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنْ النَّجَاسَةِ " وَالثَّوْبُ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ غَيْرُ مُرِيدِ الصَّلَاةِ لَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ مَا ذُكِرَ. وَأَمَّا مَا يَنَامُ فِيهِ هُوَ فَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ. وَكَذَا مَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ الْعَالِمِ بِأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ كَالْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ لَا يُصَلَّى بِهِ، بِخِلَافِ نَحْوِ عِمَامَتِهِ وَرِدَائِهِ، وَبِخِلَافِ مُحَاذِي فَرْجِ الْعَالِمِ بِالِاسْتِبْرَاءِ وَأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ. وَلَمَّا كَانَ بَعْضُ النَّجَاسَةِ يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ كَسَلَسٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQب ن) . وَهُوَ خِلَافُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٍ مِنْ اسْتِثْنَائِهِ ثِيَابَ الرَّأْسِ وَمَا قَارَبَهَا. قَوْلُهُ: [وَمَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ عَالِمٍ] : مِنْ ذَلِكَ فُوَطُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ يَدْخُلُهُ عُمُومُ النَّاسِ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْجَسَدِ مِنْهَا لِلْحَرَجِ نَعَمْ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْوَطُ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُتَحَفِّظُونَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ نَسْجِهِ] : وَكَذَا سَائِرُ صَنَائِعِهِ فَيُحْمَلُونَ فِيهَا عَلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الشَّكِّ، وَلَوْ صَنَعَهَا بِبَيْتِ نَفْسِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا صَنَعَهُ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُفِيدُهُ الْبُرْزُلِيُّ. قَوْلُهُ: [كَالْكَافِرِ] إلَخْ: هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ الرَّدَّ عَلَى مُحَشِّي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [غَيْرُ مُرِيدِ الصَّلَاةِ] : أَيْ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، بِأَنْ أَرَادَ شَخْصٌ الصَّلَاةَ فِي فِرَاشِ نَوْمِ غَيْرِهِ. [المعفو عَنْهُ مِنْ النَّجَاسَة] [تَنْبِيه سَبَب الْعَفْو عَنْ الدَّم وقيد لِلْعَفْوِ عَنْ الطِّين] قَوْلُهُ

لَازِمٍ) يُعْفَى عَنْ كُلِّ مَا يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ لِأَنَّ مَا يُعْفَى عَنْهُ إذَا حَلَّ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ نَجَّسَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ. وَلَمَّا كَانَ أَخْذُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ الْأَذْهَانِ، صَرَّحَ بِبَعْضِ جُزْئِيَّاتٍ لِلْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ: (كَسَلَسٍ إلَخْ.) وَالْمُرَادُ بِالسَّلَسِ: مَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ الْأَحْدَاثِ كَالْبَوْلِ وَالْمَذْيِ ـــــــــــــــــــــــــــــQيُعْفَى عَنْ كُلِّ مَا يَعْسُرُ] : أَخَذَ الْكُلِّيَّةَ مِنْ لَفْظِ [مَا] لِأَنَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ. وَمَعْنَى يَعْسُرُ: يَشُقُّ. قَوْلُهُ: [إذَا حَلَّ بِطَعَامٍ] إلَخْ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَائِعَ وَمَا فِي حُكْمِهِ يَنْجُسُ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ؛ أَيُّ نَجَاسَةٍ كَانَتْ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلدَّوَاءِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ] : اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: [وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ] . وَمَعْنَى الْقَاعِدَةِ الضَّابِطُ الْكُلِّيُّ الَّذِي انْدَرَجَ تَحْتَهُ الْجُزْئِيَّاتُ، وَقَالُوا فِي تَعْرِيفِهَا: قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ يُتَعَرَّفُ مِنْهَا أَحْكَامُ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا، فَالْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ هُنَا هِيَ: " كُلُّ مَا يَعْسُرُ يُعْفَى عَنْهُ ". فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ " كُلُّ " جَمِيعُ الْجُزْئِيَّاتِ الْآتِيَةِ وَغَيْرُهَا. وَضَابِطُ اسْتِخْرَاجِهَا أَنْ يُؤْتَى بِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ يَجْعَلُ مَوْضُوعَ صُغْرَاهُ جُزْئِيًّا مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْقَاعِدَةِ، وَمَحْمُولَهَا مَوْضُوعُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَتَجْعَلُهُ الْحَدَّ الْمُكَرَّرَ، وَتَجْعَلُ مَحْمُولَ كُبْرَاهُ مَحْمُولَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ، وَتَحْذِفُ الْحَدَّ الْمُكَرَّرَ يَنْتُجُ الْمَقْصُودُ وَمَسَاقُهُ هَكَذَا: السَّلَسُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَيَنْتُجُ: السَّلَسُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ " إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ "، " وَعِنْدَ الضَّرُورَاتِ تُبَاحُ الْمَحْظُورَاتُ ". قَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . فَرْعٌ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا عُفِيَ عَنْ الْأَحْدَاثِ فِي حَقِّ صَاحِبِهَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا شَرْعًا، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْعَفْوِ الضَّرُورَةُ وَلَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِهِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ صَلَاةِ صَاحِبِهَا إمَامًا بِغَيْرِهِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَجُوزُ، وَعَلَى الثَّانِي تُكْرَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِالْبُطْلَانِ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ صَاحِبَ السَّلَسِ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِلْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي حَقِّهِ، وَصَحَّتْ صَلَاةُ

وَالْمَنِيِّ وَالْغَائِطِ يَسِيلُ مِنْ الْمَخْرَجِ بِنَفْسِهِ، فَيُعْفَى عَنْهُ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ لِلضَّرُورَةِ إذَا لَازَمَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُلَازَمَةِ هُنَا مَا يَأْتِي فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. (وَبَلَلِ بَاسُورٍ وَثَوْبٍ كَمُرْضِعٍ تَجْتَهِدُ) أَيْ: يُعْفَى عَنْ بَلَلِ الْبَاسُورِ يُصِيبُ الْبَدَنَ أَوْ الثَّوْبَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً. وَأَمَّا الْيَدُ فَلَا يُعْفَى عَنْ غَسْلِهَا إلَّا إذَا كَثُرَ الرَّدُّ بِهَا، بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا يَشُقُّ غَسْلُهَا كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ. وَيُعْفَى عَنْ ثَوْبِ الْمُرْضِعَةِ أَوْ جَسَدِهَا يُصِيبُهُ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ مِنْ الطِّفْلِ سَوَاءٌ كَانَتْ أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا، إذَا كَانَتْ تَجْتَهِدُ فِي دَرْءِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا حَالَ نُزُولِهَا، بِخِلَافِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَنْ ائْتَمَّ بِهِ لِأَنَّ صَلَاتَهُ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاتِهِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ] : أَيْ وَلَا يُسَنُّ. مِمَّا أَصَابَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالْمَكَانَ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ التَّحَوُّلُ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الْمُرَادُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ مَا هُنَا مِنْ بَابِ الْأَخْبَاثِ وَذَاكَ مِنْ بَابِ الْأَحْدَاثِ. وَالْأَخْبَاثُ أَسْهَلُ مِنْ الْأَحْدَاثِ فَلِذَلِكَ شُدِّدَ فِي الْأَحْدَاثِ فِيمَا يَأْتِي، فَقَالُوا: لَا يُعْفَى عَنْهُ إلَّا إذَا لَازَمَ كُلَّ الزَّمَانِ أَوْ جُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَلَا يُوجِبُ غَسْلًا لِلنَّجَاسَةِ، وَإِنْ لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَانِ نُقِضَ مَعَ الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ إنْ لَازَمَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً. قَوْلُهُ: وَبَلَلِ بَاسُورٍ: جَمْعُهُ بَوَاسِيرُ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّابِتُ دَاخِلَ مَخْرَجِ الْغَائِطِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ بُلُولَةُ النَّجَاسَةِ، وَفِي عب الظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَ الصَّرْمِ كَالْبَاسُورِ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ إلَخْ] : وَقِيلَ بَلْ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَمِثْلُ الْيَدِ الْخِرْقَةُ الَّتِي يَرُدُّ بِهَا. قَوْلُهُ: [كَالثَّوْبِ] : أَيْ الْمَلْبُوسِ لَا الَّتِي يَرُدُّ بِهَا فَإِنَّهَا كَالْيَدِ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [عَنْ ثَوْبِ الْمُرْضِعَةِ] إلَخْ: أَيْ لِإِمْكَانِهَا فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ إنْ أَمْكَنَهَا التَّحَوُّلُ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرُهَا] : أَيْ إنْ احْتَاجَتْ لِلْإِرْضَاعِ لِفَقْرِهَا أَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْوَلَدُ غَيْرَهَا، وَإِلَّا فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهَا خِلَافًا لِلْمَشَذَّالِيِّ فِي جَعْلِهَا كَالْأُمِّ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: [تَجْتَهِدُ] قَيْدٌ فِي الْمُرْضِعَةِ مُطْلَقًا أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا، فَإِذَا اجْتَهَدَتْ وَأَصَابَهَا شَيْءٌ عُفِيَ عَنْهُ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهَا غَسْلُهُ إنْ تَفَاحَشَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا غَسْلُ

الْمُفَرِّطَةِ. وَدَخَلَ الْجَزَّارُ وَالْكَنَّافُ وَالطَّبِيبُ الَّذِي يُزَاوِلُ الْجُرُوحَ تَحْتَ الْكَافِ. وَنُدِبَ لَهَا وَلِمَنْ أُلْحِقَ بِهَا اسْتِعْدَادُ ثَوْبٍ لِلصَّلَاةِ. (وَقَدْرِ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ) : أَيْ: يُعْفَى عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ وَهُوَ الدَّائِرَةُ السَّوْدَاءُ الْكَائِنَةُ فِي ذِرَاعِ الْبَغْلِ فَدُونَ. وَقَوْلُ الشَّيْخِ: وَ " دُونَ دِرْهَمٍ " الْمُفِيدُ أَنَّ مَا كَانَ قَدْرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا أَصَابَهَا مِنْ بَوْلِهِ أَوْ عَذِرَتِهِ وَلَوْ رَأَتْهُ، خِلَافًا لِابْنِ فَرْحُونٍ الْقَائِلِ بِأَنَّ مَا رَأَتْهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ. قَوْلُهُ: [وَدَخَلَ الْجَزَّارُ] إلَخْ: أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُمْ إنْ اجْتَهَدُوا كَالْمُرْضِعَةِ. قَوْلُهُ: [وَلِمَنْ أُلْحِقَ بِهَا] : أَيْ مِمَّنْ دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ. وَأَمَّا صَاحِبُ السَّلَسِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إعْدَادُ ثَوْبٍ لِعَدَمِ ضَبْطِهِ. قَوْلُهُ: [وَقَدْرُ دِرْهَمٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ مَخْلُوطًا بِمَاءٍ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا. نَعَمْ إنْ خَالَطَهُ نَجِسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ انْتَفَى الْعَفْوُ. وَخَالَفَتْ الشَّافِعِيَّةُ؛ فَعِنْدَهُمْ نِصْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا مِنْ دَمٍ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ قَدْرُ نِصْفِهِ مَاءً طَهُورًا لَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّ الدَّمَ نَجَّسَ الْمَاءَ، وَإِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ عَيْنِ الدَّمِ النَّجِسِ مَا زَالَ مَعْفُوًّا عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا يُسْتَغْرَبُ. وَقَدْ يُلْغَزُ بِهِ، وَقَدْ قُلْت فِي ذَلِكَ: حَيِّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ وَقُلْ لَهُ ... مَا ذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي يُسْتَغْرَبُ نَجِسٌ عَفُوًّا عَنْهُ فَلَوْ خَالَطَهُ ... نَجِسٌ طَرَا فَالْعَفْوُ بَاقٍ يَصْحَبُ وَإِذَا طَرَا بَدَلَ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ ... لَا عَفْوَ يَا أَهْلَ الذَّكَاءِ تَعْجَبُوا ، (شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . وَأَمَّا لَوْ صَارَ بِسَبَبِ الْمَائِعِ زَائِدًا عَلَى دِرْهَمٍ فَلَا عَفْوَ. وَالْعَفْوُ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ. وَقِيلَ اغْتِفَارُهُ مَقْصُورٌ عَلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا تُقْطَعُ لِأَجْلِهِ إذَا ذَكَرَهُ فِيهَا، وَلَا يُعِيدُ. وَأَمَّا إذَا رَآهُ خَارِجَهَا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ. هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ، فَقِيلَ: نَدْبًا، وَقِيلَ: وُجُوبًا وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ الدَّائِرَةُ] : أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمِسَاحَةُ لَا الْكَمِّيَّةَ، أَيْ فَالْعِبْرَةُ بِقَدْرِهِ فِي الْمِسَاحَةِ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ فِي الْكَمِّيَّةِ كَنُقْطَةٍ مِنْ الدَّمِ ثَخِينَةٍ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

الدِّرْهَمِ لَا يُعْفَى عَنْهُ، ضَعِيفٌ. وَسَوَاءٌ كَانَ مَا ذُكِرَ مِنْ الدَّمِ وَمَا بَعْدَهُ أَصَابَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ - وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ - بِثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ مَكَان، كَمَا يُفِيدُهُ إطْلَاقُ عِبَارَتِهِ. وَصَرَّحَ الشَّيْخُ بِالْإِطْلَاقِ لَكِنْ قَدَّمَهُ عَلَى الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَالْأَوْلَى لَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُمَا. (وَفَضْلَةِ دَوَابَّ لِمَنْ يُزَاوِلُهَا) أَيْ: أَنَّ فَضْلَةَ الدَّوَابِّ مِنْ بَوْلٍ أَوْ رَوْثٍ - سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّوَابُّ خَيْلًا أَوْ حَمِيرًا أَوْ بِغَالًا - إذَا أَصَابَتْ ثَوْبًا أَوْ بَدَنًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُزَاوِلَهَا بِالرَّعْيِ أَوْ الْعَلَفِ أَوْ الرَّبْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - يُعْفَى عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ لِمَنْ شَأْنُهُ مُزَاوَلَتُهَا. لَوْ أُمِرَ بِالْغَسْلِ كُلَّمَا أَصَابَتْهُ فَلَا مَفْهُومَ لِلْقُيُودِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: " وَبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بِأَرْضِ حَرْبٍ ". ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [ضَعِيفٌ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا ثَلَاثُ طُرُقٍ، الْأُولَى: أَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا، وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا، وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَايَتَانِ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْعَفْوِ. وَالثَّانِيَةُ: مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالدِّرْهَمُ وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَصَاحِبِ الْإِرْشَادِ. تَنْبِيهٌ: إنَّمَا اخْتَصَّ الْعَفْوُ بِالدَّمِ وَمَا مَعَهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو عَنْهُ، فَهُوَ كَالْقِرْبَةِ الْمَمْلُوءَةِ بِالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، فَالِاحْتِرَازُ عَنْ يَسِيرِهِ عُسْرٌ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ. وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ اغْتِفَارِ مِثْلِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْبَوْلِ ضَعِيفٌ. نَعَمْ أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْمَعْفُوَّاتِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ بَوْلِ الطَّرَقَاتِ إذَا لَمْ يُتَبَيَّنْ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ، أَوْ خُفٍّ مِثْلِ أَنْ تَزِلَّ الرِّجْلُ مِنْ النَّعْلِ وَهِيَ مَبْلُولَةٌ فَيُصِيبَهَا مِنْ الْغُبَارِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مُخَالَطَةُ الْبَوْلِ لَهُ إذْ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. (انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَلَا مَفْهُومَ لِلْقُيُودِ] : أَيْ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ: بَوْلٌ وَفَرْثٌ وَغَازٌ وَأَرْضُ الْحَرْبِ. لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ. وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَانَى الدَّوَابَّ يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ مِنْ بَوْلِهَا وَأَرْوَاثِهَا، كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ بِأَرْضِ حَرْبٍ أَوْ غَيْرِهَا. غَايَةُ

(وَأَثَرِ ذُبَابٍ مِنْ نَجَاسَةٍ وَدَمِ حِجَامَةٍ مُسِحَ حَتَّى يَبْرَأَ) أَيْ: يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الذُّبَابِ يَقَعُ عَلَى الْعَذِرَةِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ الدَّمِ بِأَرْجُلِهِ أَوْ فَمِهِ، ثُمَّ يَطِيرُ وَيَحُطُّ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ. فَقَوْلُنَا: (مِنْ نَجَاسَةٍ) بَيَانٌ لِأَثَرٍ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ " مِنْ عَذِرَةٍ " إذْ لَا مَفْهُومَ لَهَا. وَمِثْلُ الذُّبَابِ النَّامُوسُ، أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ النَّامُوسَ. وَالْعَامَّةُ تَقْلِبُ الْبَاءَ الْأَخِيرَةَ نُونًا وَيُشَدِّدُونَ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الْحِجَامَةِ إذَا مُسِحَ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا إلَى أَنْ يَبْرَأَ الْمُحَالُ لِمَشَقَّةِ غَسْلِهِ قَبْلَ بُرْءِ الْجُرْحِ. فَإِذَا بَرَأَ غُسِلَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، أَيْ وُجُوبًا أَوْ اسْتِنَانًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ الْخِلَافِ. (وَطِينٍ كَمَطَرٍ وَمَائِهِ مُخْتَلِطًا بِنَجَاسَةٍ مَا دَامَ طَرِيًّا فِي الطُّرُقِ وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِ نُزُولِهِ، إلَّا أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ أَوْ تُصِيبَ عَيْنُهَا) : يُعْفَى عَنْ طِينِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ كَطِينِ الرَّشِّ وَمُسْتَنْقَعِ الطُّرُقِ. وَكَذَا يُعْفَى عَنْ مَاءِ الْمَطَرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ حَالَ كَوْنِ مَا ذُكِرَ مِنْ الطِّينِ أَوْ الْمَاءِ مُخْتَلِفًا بِنَجَاسَةٍ، وَإِلَّا فَلَا مَحَلَّ لِلْعَفْوِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَذِرَةً أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْقُيُودُ الْأَرْبَعَةُ فَلَا يُعْتَبَرُ اجْتِهَادُهُ، بَلْ الْعَفْوُ مُطْلَقٌ لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَّ قَيْدٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِهَادِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَمِثْلُ الذُّبَابِ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ النَّامُوسُ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ] إلَخْ: أَيْ فَفِيهِ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ النَّمْلُ الصَّغِيرُ. وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّ وُقُوعَهُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَادِرٌ. قَوْلُهُ: [إلَى أَنْ يَبْرَأَ] : فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ [حَتَّى] فِي الْمَتْنِ بِمَعْنَى إلَى. قَوْلُهُ: [أَيْ وُجُوبًا] إلَخْ: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ أَثَرُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَإِلَّا فَلَا مَحَلَّ لِوُجُوبِ الْغَسْلِ وَلَا لِاسْتِنَانِهِ. وَمِثْلُ أَثَرِ الْحِجَامَةِ أَثَرُ الْفَصْدِ فَإِذَا بَرَأَ أُمِرَ بِالْغَسْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا وَلَمْ يَغْسِلْ، أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الرَّاجِحِ مِمَّا فِي خَلِيلٍ لِيَسَارَةِ الدَّمِ، لِكَوْنِهِ أَثَرًا لَا عَيْنًا. وَمُرَاعَاةً لِمَنْ لَا يَأْمُرُهُ بِغَسْلِهِ. قَوْلُهُ: [وَنَحْوِهِ] وَقَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي [وَكَذَا] إلَخْ إشَارَةٌ لِمَا أَدْخَلَتْهُ الْكَافُ. قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ] إلَخْ: أَيْ وَكَانَ الطِّينُ أَكْثَرَ مِنْهَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ تَسَاوِيًا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.

غَيْرَهَا مَا دَامَ الطِّينُ طَرِيًّا فِي الطُّرُقِ يُخْشَى مِنْهُ الْإِصَابَةُ ثَانِيًا، وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِ نُزُولِ الْمَطَرِ. وَمَحَلُّ الْعَفْوِ مَا لَمْ تَغْلِبْ النَّجَاسَةُ عَلَى الطِّينِ بِأَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْهُ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا كَنُزُولِ الْمَطَرِ عَلَى مُطْرَحِ النَّجَاسَاتِ، أَوْ مَا لَمْ تُصِبْ الْإِنْسَانَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ الْغَيْرِ الْمُخْتَلِطَةِ بِغَيْرِهَا، وَإِلَّا فَلَا عَفْوَ وَيَجِبُ الْغَسْلُ. كَمَا لَا عَفْوَ بَعْدَ جَفَافِ الطُّرُقِ، فَيَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَ أَيَّامَ النُّزُولِ، وَطَرَاوَةُ الطِّينِ لِزَوَالِ الْمَشَقَّةِ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ عِبَارَتَنَا أَوْضَحُ وَأَشْمَلُ مِنْ عِبَارَتِهِ وَقَوْلُنَا: [عَيْنُهَا] فَاعِلُ تُصِيبَ، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ تُصِيبُهُ عَيْنُهَا. (وَأَثَرِ دُمَّلٍ سَالَ بِنَفْسِهِ أَوْ احْتَاجَ لِعَصْرِهِ أَوْ كَثُرَتْ) : يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الدُّمَّلِ مِنْ الْمِدَّةِ السَّائِلَةِ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ عَصْرِهِ، فَإِنْ عَصَرَهُ لَمْ يُعْفَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ إلَّا أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِأَنْ تَكُونَ] إلَخْ: أَيْ فَلَا عَفْوَ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى ظَاهِرِهَا. قَوْلُهُ: [كَنُزُولِ الْمَطَرِ] إلَخْ: مِثَالٌ لِمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْمُدَوَّنَةُ مَعَ غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: [أَوْ مَا لَمْ تُصِبْ الْإِنْسَانَ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحْوَالَ أَرْبَعَةٌ: الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُ الطِّينِ أَكْثَرَ مِنْ النَّجَاسَةِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا وَلَا إشْكَالَ فِي الْعَفْوِ فِيهِمَا، وَالثَّالِثَةُ: غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ عَلَى الطِّينِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَيَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا تَبَعًا لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ. وَالرَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ عَيْنُهَا قَائِمَةً وَهِيَ لَا عَفْوَ فِيهَا اتِّفَاقًا. تَنْبِيهٌ: قَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْعَفْوَ عَنْ طِينِ الْمَطَرِ بِمَا إذَا لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلَا عَفْوَ؛ وَذَلِكَ كَأَنْ يَعْدِلَ عَنْ الطَّرِيقِ السَّالِمَةِ لِلَّتِي فِيهَا طِينٌ بِلَا عُذْرٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ احْتَاجَ لِعَصْرِهِ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى مَا فِي أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ الدُّمَّلَ الْوَاحِدَةَ إنْ اُضْطُرَّ إلَى إنْكَائِهَا وَشَقَّ عَلَيْهِ تَرْكُهَا فَإِنَّهُ يُعْفَى عَمَّا سَالَ مِنْهَا. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ الِاضْطِرَارِ إلَى إنْكَائِهَا وَضْعَ الدَّوَاءِ عَلَيْهَا فَتَسِيلُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ عَصَرَهُ] إلَخْ: مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَسِلْ مِنْهُ شَيْءٌ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ الْعَصْرِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَالَ بِنَفْسِهِ وَمَحَلُّ الْعَفْوِ إنْ دَامَ

يَضْطَرَّ لِعَصْرِهِ. فَإِنْ اُضْطُرَّ عُفِيَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا سَالَ بِنَفْسِهِ. وَكَذَا إنْ كَثُرَتْ الدَّمَامِلُ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ أَثَرِهَا، وَلَوْ عَصَرَهَا لِأَنَّ كَثْرَتَهَا مَظِنَّةُ الِاضْطِرَارِ كَالْحَكَّةِ وَالْجَرَبِ. (وَذَيْلِ امْرَأَةٍ أُطِيلَ لِسَتْرٍ، وَرِجْلٍ بُلَّتْ مَرَّا بِنَجَسٍ يَابِسٍ) : يُعْفَى عَنْ ذَيْلِ ثَوْبِ الْمَرْأَةِ يُجَرُّ عَلَى الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْغُبَارُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ إطَالَتُهُ لِلسَّتْرِ لَا لِلْخُيَلَاءِ وَيُعْفَى عَمَّا تَعَلَّقَ بِرِجْلٍ مَبْلُولَةٍ مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا بِنَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَذِي الرِّجْلِ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغَسْلُ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: " يَطْهُرَانِ بِمَا بَعْدَهُ ". (وَخُفٍّ وَنَعْلٍ مِنْ رَوْثِ دَوَابِّ وَبَوْلِهَا إنْ دُلِكَا وَأُلْحِقَتْ بِهِمَا رِجْلُ الْفَقِيرِ) : يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فِي الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي تَطْرُقُهَا الدَّوَابُّ كَثِيرًا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ. بِخِلَافِ غَيْرِ الدَّوَابِّ كَالْآدَمِيِّ وَالْكَلْبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQسَيَلَانُهُ أَوْ لَمْ يَنْضَبِطْ، أَوْ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً. فَإِنْ انْضَبَطَ وَفَارَقَ يَوْمًا وَأَتَى آخَرُ فَلَا عَفْوَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ، وَلَوْ مَصَلَ بِنَفْسِهِ. كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا إنْ كَثُرَتْ] : أَيْ بِأَنْ زَادَتْ عَلَى الْوَاحِدَةِ. قَوْلُهُ: [وَذَيْلِ الْمَرْأَةِ] : أَيْ غَيْرِ مُبْتَلٍّ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْأَصْلِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ خَصَّهُ بِالْحُرَّةِ لِكَوْنِ السَّاقِ فِي حَقِّهَا عَوْرَةً وَغَيْرُهُ رَاعَى جَوَازَ السَّتْرِ فَعَمَّمَ. قَوْلُهُ: [أُطِيلَ لِسَتْرٍ] : مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَا تُطِيلُهُ لِلسَّتْرِ إلَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ لَابِسَةٍ الْخُفَّ. فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ لَابِسَةً الْخُفَّ فَلَا عَفْوَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ زِيِّهَا أَمْ لَا كَمَا نَقَلَهُ (ح) عَنْ الْبَاجِيِّ (اهـ مَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) قَوْلُهُ: [يَابِسٍ] : اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: يَبَسَ بِفَتْحِ الْبَاءِ فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ [قَوْلُهُ يُعْفَى إلَخْ] إنْ قُلْت إذَا كَانَ الذَّيْلُ يَابِسًا وَالنَّجِسُ كَذَلِكَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّيْلِ شَيْءٌ فَلَا مَحَلَّ لِلْعَفْوِ قُلْت قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغُبَارُ وَهُوَ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [الَّتِي تَطْرُقُهَا الدَّوَابُّ كَثِيرًا] : هَذَا الْقَيْدُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَحْنُونَ.

[كيف تزال النجاسة]

وَالْهِرِّ وَنَحْوِهَا، فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ مِنْ فَضَلَاتِهَا. وَبِخِلَافِ مَا أَصَابَ غَيْرَ الْخُفِّ وَالنَّعْلِ كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فَلَا عَفْوَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: " لَا غَيْرَهُ ". وَأَلْحَقَ اللَّخْمِيُّ رِجْلَ الْمُكَلَّفِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى تَحْصِيلِ خُفٍّ أَوْ نَعْلٍ فِي الْعَفْوِ بِالْخُفِّ وَالنَّعْلِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْفَقِيرِ فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ رِجْلَهُ مِنْهُمَا لِعَدَمِ عُذْرِهِ. وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهَا بِهِمَا أَيْضًا. وَشَرْطُ الْعَفْوِ إنْ دُلِكَ كُلٌّ مِنْ الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ أَوْ الرِّجْلِ بِخِرْقَةٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ دَلْكًا لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعَيْنِ. (وَمَا تَفَاحَشَ نُدِبَ غَسْلُهُ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ) : أَيْ أَنَّ مَا تَفَاحَشَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَعْفُوَّاتِ بِأَنْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ حَتَّى صَارَ يُسْتَقْبَحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ غَسْلُهُ. كَمَا أَنَّهُ يُنْدَبُ غَسْلُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ إذَا تَفَاحَشَ لَا إنْ لَمْ يَتَفَاحَشْ. (وَمَا سَقَطَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَارٍّ حُمِلَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ سَأَلَ صَدَّقَ الْعَدْلَ) : ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَلَى هَذَا فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا بِمَوْضِعٍ لَا يَطْرُقُهُ الدَّوَابُّ كَثِيرًا وَلَوْ دَلْكًا. قَوْلُهُ: [وَأَلْحَقَ اللَّخْمِيُّ] إلَخْ: وَمِثْلُهُ غَنِيٌّ لَمْ يَجِدْ مَا ذُكِرَ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اللُّبْسِ لِمَرَضٍ. قَوْلُهُ: [لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ] إلَخْ: وَلَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الرِّيحِ وَاللَّوْنِ. قَوْلُهُ: [مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ] إلَخْ: يُحْتَرَزُ عَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ وَالْمِرْآةِ فَلَا يُنْدَبُ غَسْلُهُ لِلْإِفْسَادِ. قَوْلُهُ: [مِنْ الْمَعْفُوَّاتِ] : فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ وَمَا مَعَهُ يُنْدَبُ غَسْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَفَاحَشْ وَعَلَيْهِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ بِالتَّفَاحُشِ. قَوْلُهُ: [دَمِ الْبَرَاغِيثِ] إلَخْ: فَسَّرَهُ فِي الْأَصْلِ - تَبَعًا لِلْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِ - بِالْخَرْءِ، قَائِلًا: وَأَمَّا دَمُهَا الْحَقِيقِيُّ فَدَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَدُونَ دِرْهَمٍ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَقَدْ يُقَالُ هُوَ كَدُمَّلٍ زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ، غَايَةُ مَا هُنَاكَ يُنْدَبُ غَسْلُهُ عِنْدَ التَّفَاحُشِ فَتَعْمِيمُ شَارِحِنَا صَوَابٌ. [كيف تزال النَّجَاسَة] قَوْلُهُ: [مَا سَقَطَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الشَّخْصَ السَّاقِطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إمَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا أَوْ جَالِسًا تَحْتَ سَقَائِفِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارٍ أَوْ مَشْكُوكٍ فِيهِمْ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ طَهَارَةَ الْوَاقِعِ، أَوْ يَظُنَّهَا، أَوْ يَتَحَقَّقَ النَّجَاسَةَ، أَوْ يَظُنَّهَا أَوْ يَشُكَّ.

الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَمَا مُبْتَدَأٌ، وَحُمِلَ خَبَرُهُ؛ يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى شَخْصٍ مَارٍّ أَوْ جَالِسٍ فِي طَرِيقٍ مِنْ سَقْفٍ وَنَحْوِهِ وَلَمْ تَقُمْ أَمَارَةٌ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَا نَجَاسَتِهِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ فَلَا يُطْلَبُ غَسْلُهُ إنْ كَانَ الْمَاءُ السَّاقِطُ مِنْ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ، لِأَنَّ شَأْنَهُمْ الطَّهَارَةُ. وَإِنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِمْ أَوْ كُفْرِهِمْ حُمِلُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ طَهَارَتِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ لَكِنَّهُ إنْ سَأَلَ صَدَّقَ الْمُجِيبَ إنْ كَانَ عَدْلَ رِوَايَةٍ بِأَنْ كَانَ مُسْلِمًا صَالِحًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا. فَإِنْ أَخْبَرَ بِالنَّجَاسَةِ وَجَبَ الْغَسْلُ، أَيْ إنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا أَوْ اتَّفَقَا مَذْهَبًا، وَإِلَّا نُدِبَ. وَلَا عِبْرَةَ بِإِخْبَارِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ، وَيَنْبَغِي نَدْبُ الْغَسْلِ إنْ أَخْبَرَ بِالنَّجَاسَةِ. وَأَمَّا مَا سَقَطَ مِنْ بُيُوتِ الْكُفَّارِ فَمَحْمُولٌ عِنْدَ الشَّكِّ عَلَى النَّجَاسَةِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، إلَّا أَنْ يُخْبِرَ عَدْلٌ حَاضِرٌ مَعَهُمْ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ. وَعِبَارَتُنَا أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ. (وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغَسْلُ إنْ ظَنَّ إصَابَتَهَا فَإِنْ عَلِمَ مَحَلَّهَا؛ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمَشْكُوكِ) : لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمَحَلِّ الْمُصَابِ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان أَوْ إنَاءٍ إلَّا إذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQفَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشْرَ؛ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ طَهَارَةُ الْوَاقِعِ أَوْ ظُنَّتْ أَوْ تُحُقِّقَتْ نَجَاسَتُهَا أَوْ ظُنَّتْ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَ صُورَةً. وَأَمَّا إذَا شَكَّ، فَإِنْ كَانَ مَارًّا أَوْ جَالِسًا تَحْتَ سَقَائِفِ مُسْلِمِينَ أَوْ مَشْكُوكٍ فِيهِمْ حُمِلَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ سُؤَالٌ. فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ رِوَايَةً بِالنَّجَاسَةِ عَمِلَ عَلَيْهَا إنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا أَوْ اتَّفَقَا مَذْهَبًا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ. وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا مَا لَمْ يُخْبِرْهُ عَدْلٌ رِوَايَةً بِالطَّهَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ مَعَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ عَلَيْهِ] : أَيْ وُجُوبًا فَلَا يُنَافِي النَّدْبَ. قَوْلُهُ: [لَكِنَّهُ إنْ سَأَلَ] : أَيْ كَمَا هُوَ الْمَنْدُوبُ. قَوْلُهُ: [إنْ أُخْبِرَ بِالنَّجَاسَةِ] : أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُخْبِرَ عَدْلٌ] : أَيْ فَيُصَدَّقُ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ مَعَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا كَمَا تَقَدَّمَ. بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ فِيمَا يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ فَلَا بُدَّ مَعَ الْعَدَالَةِ مِنْ اتِّفَاقِ الْمَذْهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ] : أَيْ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ وَجَدَ فِيهَا إجْمَالًا مِنْ وُجُوهٍ وَإِيهَامِ خِلَافِ الْمُرَادِ.

ظَنَّ إصَابَةَ النَّجَاسَةِ لَهُ. وَأَوْلَى إنْ عَلِمَ. فَإِنْ عَلِمَ الْمَحَلَّ الْمُصَابَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِعَيْنِهِ بِأَنْ حَصَلَ شَكٌّ؛ هَلْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ الْمُحَقَّقَةُ أَوْ الْمَظْنُونَةُ هَذِهِ النَّاحِيَةَ أَوْ هَذِهِ أَوْ هَذَا الْكُمَّ أَوْ الْكُمَّ الْآخَرَ، أَوْ فَرْدَةَ الْخُفِّ هَذِهِ أَوْ الْأُخْرَى، تَعَيَّنَ غَسْلُ جَمِيعِ مَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَا ثَوْبَيْنِ كَفَى غَسْلُ أَحَدِهِمَا لِلصَّلَاةِ فِيهِ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَوَجَدَ مَا يُزِيلُهَا بِهِ، وَإِلَّا صَلَّى بِإِحْدَاهُمَا وَاجْتَهَدَ. (وَيَطْهُرُ إنْ انْفَصَلَ الْمَاءُ طَاهِرًا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ الْمَظْنُونَةُ] : أَيْ فَالْمَشْكُوكَةُ وَالْمُتَوَهَّمَةُ لَا تُعَدُّ. قَوْلُهُ: [مَا شَكَّ فِيهِ] : أَيْ تَرَدَّدَ فِي مَحَلَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ تَحَقُّقِ الْإِصَابَةِ أَوْ ظَنِّهَا. قَوْلُهُ: [عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ] : أَيْ حَيْثُ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ أَوْ فِي حُكْمِهِمَا كَالْخُفَّيْنِ، فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا مَعًا وَلَا يَتَحَرَّى وَاحِدًا بِالْغَسْلِ فَقَطْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ يَتَحَرَّى فِي الْكُمَّيْنِ وَاحِدًا يَغْسِلُهُ كَالثَّوْبَيْنِ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِغَسْلِ الْكُمَّيْنِ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْسِلُهُمَا مَعًا، فَإِنْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ إلَّا غَسْلَ وَاحِدٍ أَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ إلَّا مَا يَغْسِلُ وَاحِدًا تَحَرَّى وَاحِدًا يَغْسِلُهُ فَقَطْ اتِّفَاقًا، ثُمَّ يَغْسِلُ الثَّانِيَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ، وَبَعْدَ وُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي. فَإِنْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ غَسْلَ وَاحِدٍ، صَلَّى بِدُونِ غَسْلٍ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوَقْتِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى طَهَارَةِ الْخَبَثِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ كَانَا ثَوْبَيْنِ] : الْمُرَادُ شَيْئَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ، بِحَيْثُ يُصَلَّى بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. قَوْلُهُ: [إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ] إلَخْ: أَيْ وَالثَّوْبُ الْبَاقِي لَمْ يُغْسَلْ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ. قَوْلُهُ: [وَاجْتَهَدَ] : أَيْ تَحَرَّى طَهَارَةَ ثَوْبٍ وَصَلَّى بِهِ إنْ وَجَدَ سَعَةً مِنْ الْوَقْتِ لِتَحَرِّيهِ، وَإِلَّا صَلَّى بِأَيِّهِمَا. وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلشَّيْخِ خَلِيلٍ هُوَ الْمُعَوَّلُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا أَصَابَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْأَثْوَابِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهَا صَلَّى بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزِيَادَةِ ثَوْبٍ كَالْأَوَانِي. وَفَرَّقَ لِلْمُعْتَمَدِ بَيْنَ الْأَوَانِي وَالْأَثْوَابِ بِخِفَّةِ الْأَخْبَاثِ عَنْ الْأَحْدَاثِ. قَوْلُهُ: [إنْ انْفَصَلَ الْمَاءُ طَاهِرًا] : أَيْ وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُهُ بِالْأَوْسَاخِ، وَذَلِكَ كَثَوْبِ الْبَقَّالِ

وَزَالَ طَعْمُهَا، بِخِلَافِ لَوْنٍ وَرِيحٍ عَسُرَا كَمَصْبُوغٍ بِهَا، وَلَا يَلْزَمُ عَصْرُهُ) ؛ يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ يَطْهُرُ إنْ انْفَصَلَ الْمَاءُ عَنْهُ طَاهِرًا وَلَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ طَهُورًا خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ. بَلْ الْمَدَارُ عَلَى زَوَالِ طَعْمِ النَّجَاسَةِ وَلَوْنِهَا وَرِيحِهَا فَمَتَى بَقِيَ فِي الْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَالْمَحَلُّ لَمْ يَطْهُرْ وَالْغُسَالَةُ نَجِسَةٌ، لَكِنَّ الطَّعْمَ لَا بُدَّ فِي طَهَارَةِ الْمَحَلِّ مِنْ زَوَالِهِ، وَلَوْ تَعَسَّرَ. وَأَمَّا اللَّوْنُ وَالرِّيحُ فَإِنْ تَيَسَّرَ زَوَالُهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِمَا وَإِنْ تَعَسَّرَ، كَثَوْبٍ مَصْبُوغٍ بِزَعْفَرَانٍ مُتَنَجِّسٍ أَوْ نِيلَةٍ كَذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الدَّنِّ فَأْرٌ فَمَاتَ فِيهِ - كَمَا يَتَّفِقُ كَثِيرًا - أَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ مَنِيٌّ انْطَبَعَ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يُشْتَرَطُ زَوَالُهُمَا لِعُسْرِهِ عَادَةً، إذْ لَا يَرْجِعُ عَادَةً لِحَالَتِهِ الْأُولَى. وَلَا يُقَالُ الرِّيحُ يَسْهُلُ زَوَالُهُ، لِأَنَّا نَقُولُ بَعْضُ الرَّوَائِحِ كَالْمِسْكِ وَالزَّبَادِ الْمُتَنَجِّسَيْنِ لَا يَسْهُلُ زَوَالُ رِيحِهِمَا. فَقَوْلُهُ: (كَمَصْبُوغٍ بِهَا) أَيْ بِالنَّجَاسَةِ مِثَالٌ لِلْمُتَعَسِّرِ، فَإِذَا طَهُرَ بِانْفِصَالِ الْمَاءِ طَاهِرًا لَمْ يَلْزَمْهُ عَصْرُهُ. (وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ بِكَثْرَةِ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهَا) : الْأَرْضُ الْمُتَنَجِّسَةُ إذَا انْصَبَّ الْمَاءُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاللَّحَّامِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ. فَلَا يُشْتَرَطُ فِي تَطْهِيرِهِ إزَالَةُ مَا فِيهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ، بَلْ مَتَى انْفَصَلَ الْمَاءُ خَالِيًا عَنْ أَعْرَاضِ النَّجَاسَةِ كَفَى، كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [وَزَالَ طَعْمُهَا] : وَيُتَصَوَّرُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَوْقِ النَّجَاسَةِ - وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ذَوْقُهَا - بِأَنْ تَكُونَ فِي الْفَمِ، أَوْ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُهَا، فَجَازَ لَهُ ذَوْقُ الْمَحَلِّ، اخْتِبَارًا أَوْ ارْتَكَبَ النَّهْيَ وَذَاقَهَا. وَحُرْمَةُ ذَوَاقِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّلَطُّخَ بِهَا حَرَامٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ كَمَا تَقَدَّمَ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ لَوْنٍ وَرِيحٍ] إلَخْ: أَيْ وَلَا يَجِبُ أُشْنَانٌ وَنَحْوُهُ لِإِزَالَتِهِمَا، بِخِلَافِ الطَّعْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قَوْلُهُ: [شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ] : أَيْ مِنْ أَعْرَاضِ النَّجَاسَةِ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا اللَّوْنُ وَالرِّيحُ] إلَخْ: إنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ وَبَيْنَ الطَّعْمِ؟ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ طَعْمَ جُرْمِ النَّجَاسَةِ بَاقٍ مَعَهُ بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ فَهُمَا مِنْ الْأَعْرَاضِ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَلْزَمْهُ عَصْرُهُ] : أَيْ حَيْثُ زَالَ الطَّعْمُ وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ تَثْلِيثُ الْغَسْلِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلَا تَسْبِيعُهُ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ (انْتَهَى شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) .

[تنبيه وجوب الغسل عند الشك في إصابة النجاسة للبدن]

عَلَيْهَا مِنْ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَأَعْرَاضُهَا طَهُرَتْ؛ «كَمَا وَقَعَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَاحَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَرْكِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَصُبُّوا عَلَيْهَا ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. (وَإِنْ شُكَّ فِي إصَابَتِهَا لِبَدَنٍ غُسِلَ، وَلِثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ وَجَبَ نَضْحُهُ بِلَا نِيَّةٍ كَالْغَسْلِ: وَهُوَ رَشٌّ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ تَرَكَ أَعَادَ الصَّلَاةَ كَالْغَسْلِ، لَا إنْ شَكَّ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: (ذَنُوبًا) : بِفَتْحِ الذَّالِ: الدَّلْوُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَأْمُرُ بِالتَّثْلِيثِ أَوْ التَّسْبِيعِ. [تَنْبِيه وُجُوب الْغُسْل عِنْد الشَّكّ فِي إصَابَة النَّجَاسَة للبدن] قَوْلُهُ: [وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا] : أَيْ مَعَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ أَوْ ظَنِّهَا بِدَلِيلِ آخِرِ الْعِبَارَةِ قَوْلُهُ: [وَلِثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ] : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ الْبَدَنَ لَا يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَقَدْ يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ، فَخُفِّفَ فِيهِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْإِصَابَةِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلْأَرْضِ الَّتِي شُكَّ فِي إصَابَتِهَا، هَلْ تُغْسَلُ أَوْ تُنْضَحُ؟ وَلَكِنْ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ: أَنَّهَا تُغْسَلُ اتِّفَاقًا وَقِيلَ: تُنْضَحُ كَمَا فِي الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . وَلَكِنْ لَا وَجْهَ لِنَضْحِهَا بِدَلِيلِ الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ بَيْنَ الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [بِلَا نِيَّةٍ] : قَيْدٌ فِي النَّضْحِ لِأَنَّهُ الْمُتَوَهَّمُ لِكَوْنِهِ تَعَبُّدِيًّا. وَأَمَّا تَوَهُّمُ كَوْنِ الْغَسْلِ بِنِيَّةٍ فَبَعِيدٌ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَرَكَ أَعَادَ الصَّلَاةَ] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إعَادَةِ مَنْ تَرَكَ النَّضْحَ الصَّلَاةَ كَمَنْ تَرَكَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ الْمُحَقَّقَةِ، قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَعِيسَى مِنْ أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ لِخِفَّةِ أَمْرِ النَّضْحِ، وَيُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِجَعْلِ التَّشْبِيهِ فِي مُطْلَقِ الْإِعَادَةِ لَيْسَ بِتَامٍّ. بَلْ قَالَ الْقَرِينَانِ؛ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا. وَلِخِفَّةِ النَّضْحِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِإِعَادَةِ النَّاسِي أَبَدًا كَمَا قِيلَ بِهِ فِي تَرْكِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَنَا قَوْلًا لِأَبِي الْفَرَجِ يَقُولُ بِوُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا وَلَوْ مَعَ النِّسْيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ لَك أَوَّلَ

نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ) : هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ سَابِقًا وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغَسْلُ إنْ ظَنَّ إصَابَتَهَا. وَأَشَارَ إلَى أَنَّ فِي هَذَا الْمَفْهُومِ تَفْصِيلًا؛ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ شَكٌّ فِي إصَابَةِ النَّجَاسَةِ لِمَحَلٍّ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَدَنًا أَوْ غَيْرَهُ. فَإِنْ كَانَ بَدَنًا وَجَبَ غَسْلُهُ كَمُحَقَّقِ الْإِصَابَةِ. وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا لِثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ وَجَبَ نَضْحُهُ لَا غَسْلُهُ، فَإِنْ غَسَلَهُ فَقَدْ فَعَلَ الْأَحْوَطَ. وَالنَّضْحُ: رَشٌّ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَشْكُوكِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا، كَفَمٍ أَوْ تَلَقِّي مَطَرٍ رَشَّةً وَاحِدَةً وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَعْمِيمُهَا الْمَحَلَّ. وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ كَمَا أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ لَا يَفْتَقِرُ، لَهَا. بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ صُغْرَى أَوْ كُبْرَى فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ لَهَا كَمَا يَأْتِي وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: [أَوْ غَيْرِهَا] إلَى أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: " بِالْيَدِ ". وَأَمَّا لَوْ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا، ثُمَّ شَكَّ هَلْ مَا أَصَابَهُ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَضْحُهُ وَلَا غَسْلُهُ لِحَمْلِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ، كَمَا عُلِمَ مِنْ السَّاقِطِ عَلَى مَارٍّ مِنْ أَمْكِنَةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا مَرَّ. وَأَوْلَى إنْ شَكَّ فِي الْإِصَابَةِ وَفِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَصْلِ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ النَّضْحِ مُطْلَقًا، بَلْ قِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ. وَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ بِاسْتِحْبَابِهِ وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ، وَاسْتَحْسَنَهُ. قَوْلُهُ: [كَفَمٍ] : وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ] : أَيْ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِالِافْتِقَارِ لِكَوْنِهِ تَعَبُّدِيًّا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ التَّعَبُّدِيِّ يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ إنْ كَانَ فِي النَّفْسِ، وَأَمَّا فِي الْغَيْرِ كَالْحَصِيرِ وَالثَّوْبِ هُنَا وَكَغُسْلِ الْمَيِّتِ، فَلَا يَفْتَقِرُ لَهَا. قَوْلُهُ: [كَمَا مَرَّ] : أَيْ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الشَّكِّ. قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى إنْ شَكَّ] : أَيْ فِي عَدَمِ لُزُومِ النَّضْحِ وَالْغَسْلِ لِضَعْفِ الشَّكِّ فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ أَنَّهُ يَجِبُ الْغَسْلُ عَلَى الرَّاجِحِ لَا النَّضْحُ إذَا شَكَّ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ وَزَوَالِهَا، نَعَمْ مُلَاقِي مَا شَكَّ فِي بَقَائِهَا بِهِ قَبْلَ غَسْلِهِ يُنْضَحُ مِنْ الرُّطُوبَةِ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ (اهـ) . وَمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ تَحَقَّقَ نَجَاسَةَ الْمُصِيبِ

(وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ مُطْلَقٍ لَمْ يَنْجُسْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا) : إذَا زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ مَاءٍ مُطْلَقٍ بِأَنْ زَالَتْ بِمَاءٍ مُضَافٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ لَاقَى مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مَبْلُولٌ مَحَلًّا طَاهِرًا مِنْ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ جَفَّ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَلَاقَى مَحَلًّا مَبْلُولًا، لَمْ يَنْجُسْ مُلَاقِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْحُكْمُ وَالْحُكْمُ لَا يَنْتَقِلُ؛ وَلِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُضَافَ كَالْمُطْلَقِ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا. (وَنُدِبَ إرَاقَةُ مَاءٍ وَغَسْلُ إنَائِهِ سَبْعًا بِلَا نِيَّةٍ وَلَا تَتْرِيبٍ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ بِوُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ أَكْثَرَ لَا طَعَامٍ وَحَوْضٍ) : إذَا وَلَغَ كَلْبٌ أَوْ أَكْثَرُ فِي إنَاءِ مَاءٍ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ نُدِبَ إرَاقَةُ ذَلِكَ الْمَاءِ، وَنُدِبَ غَسْلُ الْإِنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ تَعَبُّدًا، إذْ الْكَلْبُ طَاهِرٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِثَوْبٍ مَثَلًا وَشَكَّ هَلْ أَزَالَهَا أَمْ لَا، ثُمَّ لَاقَاهَا ثَوْبٌ آخَرُ وَهِيَ مُبْتَلَّةٌ، فَالثَّوْبُ الْأَوَّلُ الْمَشْكُوكُ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ بِهِ يَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَأَمَّا الثَّانِي الْمَشْكُوكُ فِي إصَابَةِ النَّجَاسَةِ فَيَجِبُ نَضْحُهُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ (ح) . وَاسْتَظْهَرَ (ب ن) أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الثَّوْبِ الثَّانِي لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي نَجَاسَةِ مَا أَصَابَهُ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَنْجُسْ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَا رَطْبَيْنِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْحُكْمُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ، وَالْأُمُورُ الِاعْتِبَارِيَّةُ لَا وُجُودَ لَهَا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا] : أَيْ فَهُوَ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَلَيْسَ مِنْ الزَّوَالِ جَفَافُ الْبَوْلِ بِكَثَوْبٍ. نَعَمْ لَا يَضُرُّ الطَّعَامُ الْيَابِسُ كَمَا فِي (عب) خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ (شب) وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا. قَوْلُهُ: [إرَاقَةُ مَاءٍ] : أَيْ إذَا كَانَ يَسِيرًا. قَوْلُهُ: [تَعَبُّدًا] : مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ فَهُوَ عِلَّةٌ لِنَدْبِ الْإِرَاقَةِ وَالْغَسْلِ، وَهُوَ مِنْ تَعْلِيلِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ، لِأَنَّ التَّعَبُّدَ طَلَبُ الشَّارِعِ أَمْرًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَالطَّلَبُ أَعَمُّ. وَكَوْنُ الْغَسْلِ تَعَبُّدًا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِكَوْنِهِ تَعَبُّدًا لِطَهَارَةِ الْكَلْبِ،

وَلُعَابُهُ طَاهِرٌ، وَلَا يَفْتَقِرُ غَسْلُهُ لِنِيَّةٍ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ فِي الْغَيْرِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ. وَلَا يُنْدَبُ التَّتْرِيبُ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي أَوَّلَاهُنَّ أَوْ الْأَخِيرَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا تُرَابٌ، لِأَنَّ طُرُقَ التَّتْرِيبِ مُضْطَرِبَةٌ ضَعِيفَةٌ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهَا الْإِمَامُ مَعَ كَوْنِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ. وَمَحَلُّ نَدْبِ غَسْلِهِ سَبْعًا عِنْدَ إرَادَةِ اسْتِعْمَالِهِ لَا قَبْلَهَا وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: [بِوُلُوغِ] سَبَبِيَّةٌ، وَالْوُلُوغُ: إدْخَالُ لِسَانِهِ فِي الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهُ أَيْ لَعْقُهُ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ إدْخَالِ لِسَانِهِ بِلَا حَرَكَةٍ أَوْ سُقُوطِ لُعَابِهِ أَوْ لَحْسِهِ الْإِنَاءَ فَارِغًا، فَلَا يُسَبَّعُ كَمَا لَوْ وَلَغَ فِي حَوْضٍ أَوْ طَعَامٍ وَلَوْ لَبَنًا فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يُرَاقُ وَلَا يُغْسَلُ سَبْعًا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: [كَلْبٌ أَوْ أَكْثَرُ] إلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ الْغَسْلُ سَبْعًا بِوُلُوغِ كَلْبٍ مَرَّاتٍ أَوْ كِلَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلِذَلِكَ لَمْ يَطْلُبْ الْغَسْلَ فِي الْخِنْزِيرِ. وَقِيلَ: إنَّ نَدْبَ الْغَسْلِ مُعَلَّلٌ بِقَذَارَةِ الْكَلْبِ، وَقِيلَ لِنَجَاسَتِهِ، إلَّا أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا لَمْ يَتَغَيَّرْ قُلْنَا بِعَدَمِ وُجُوبِ الْغَسْلِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ لَوَجَبَ. وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُلْحَقُ الْخِنْزِيرُ بِالْكَلْبِ فِي نَدْبِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ طُرُقَ التَّتْرِيبِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ التَّتْرِيبَ لَمْ يَثْبُتْ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِهَا وَذَلِكَ الْبَعْضُ وَقَعَ فِيهِ اضْطِرَابٌ. قَوْلُهُ: [لَا قَبْلَهَا] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْأَكْثَرِ وَلِرِوَايَةِ عَبْدِ الْحَقِّ وَقِيلَ يُؤْمَرُ بِفَوْرِ الْوُلُوغِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ] إلَخْ: خِلَافًا لِلسَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.

[فصل في بيان آداب قضاء حاجة الإنسان]

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ آدَابِ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَحُكْمِ الِاسْتِبْرَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَالِاسْتِجْمَارِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ. وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَّرَهَا عَنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَظَرًا إلَى أَنَّهَا قَدْ تَطْرَأُ عَلَى الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ. (آدَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ: جُلُوسٌ بِطَاهِرٍ، وَسَتْرٌ لِقُرْبِهِ، وَاعْتِمَادٌ عَلَى رِجْلٍ يُسْرَى مَعَ رَفْعِ عَقِبِ الْيُمْنَى، وَتَفْرِيجُ فَخِذَيْهِ، وَتَغْطِيَةُ رَأْسِهِ، وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ) : الْمُرَادُ بِالْآدَابِ: الْأُمُورُ الْمَطْلُوبَةُ نَدْبًا لِمُرِيدِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي بَيَانِ آدَابِ قَضَاءِ حَاجَة الْإِنْسَان] فَصْلٌ: قَوْلُهُ: (آدَابٌ) : جَمْعُ أَدَبٍ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا يَأْتِي وَاجِبٌ. قَوْلُهُ: [حَاجَةِ الْإِنْسَانِ] : الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ الْمُكَلَّفُ وَلَوْ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، فَشَمِلَ الصَّبِيَّ وَالصَّبِيَّةَ الْمُمَيِّزَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَحُكْمِ الِاسْتِبْرَاءِ] : وَهُوَ وُجُوبُ اسْتِفْرَاغِ الْأَخْبَثَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَالِاسْتِنْجَاءِ] : مَعْطُوفٌ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ أَيْ وَحُكْمُ الِاسْتِنْجَاءِ وَهُوَ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. قَوْلُهُ: [وَالِاسْتِجْمَارِ] مَعْطُوفٌ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَحُكْمُهُ كَالِاسْتِنْجَاءِ. قَوْلُهُ: [وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ] إلَخْ: جَوَابٌ عَلَى سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَارِدٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَقْدِيرُهُ: لِمَ لَمْ تُوَافِقْ أَصْلَك؟ فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: [جُلُوسٌ] : هُوَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرٌ عَنْ آدَابِ. قَوْلُهُ: [نَدْبًا] : أَيْ بِحَسَبِ غَالِبِهَا. فَلَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَهَا وَاجِبٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [لِمُرِيدِ] : إنَّمَا قَالَ الشَّارِحُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْآدَابَ لَا لِلْحَاجَةِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا يُفْعَلُ قَبْلَهَا وَمَعَهَا وَبَعْدَهَا. قَوْلُهُ: [قَاضِي حَاجَتِهِ] إلَخْ: هَكَذَا نُسْخَةُ الْأَصْلِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَلَوْ ذَكَرَهُ

فَيُنْدَبُ لَهُ الْجُلُوسُ وَيَتَأَكَّدُ فِي الْغَائِطِ. وَأَنْ يَكُونَ بِمَحَلٍّ طَاهِرٍ إذَا كَانَ بِالْفَضَاءِ خَوْفًا مِنْ تَلَوُّثِ ثِيَابِهِ بِالنَّجَاسَةِ. وَأَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ رَخْوًا كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ، لَا صُلْبًا كَالْحَجَرِ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ. وَأَنْ يُدِيمَ السَّتْرَ حَالَ انْحِطَاطِهِ لِلْجُلُوسِ لِقُرْبِ الْمَحَلِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْمَصْدَرِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ، وَقَدْ يُقَالُ أَطْلَقَ اسْمَ الْفَاعِلِ. وَأَرَادَ الْمَصْدَرَ. قَوْلُهُ: [فَيُنْدَبُ لَهُ الْجُلُوسُ] إلَخْ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَسَّمَ بَعْضُهُمْ مَوْضِعَ الْبَوْلِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ. فَقَالَ: إنْ كَانَ طَاهِرًا رَخْوًا جَازَ فِيهِ الْقِيَامُ، وَالْجُلُوسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَسْتَرُ. وَإِنْ كَانَ رَخْوًا نَجِسًا: بَالَ قَائِمًا مَخَافَةَ أَنْ تَتَنَجَّسَ ثِيَابُهُ. وَإِنْ كَانَ صُلْبًا نَجِسًا: تَنَحَّى عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَبُولُ فِيهِ قَائِمًا وَلَا جَالِسًا. وَإِنْ كَانَ صُلْبًا طَاهِرًا: تَعَيَّنَ الْجُلُوسُ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَوْلِ. وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الْوَانْشَرِيسِيُّ بِقَوْلِهِ: بِالطَّاهِرِ الصُّلْبِ اجْلِسْ ... وَقُمْ بِرَخْوٍ نَجِسِ وَالنَّجِسُ الصُّلْبُ اجْتَنِبْ ... وَاجْلِسْ وَقُمْ إنْ تَعْكِسْ وَقَوْلُ التَّوْضِيحِ: فِي الصُّلْبِ الطَّاهِرِ يَتَعَيَّنُ الْجُلُوسُ، ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْبَاجِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَرَفَةَ. وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: أَنَّ الْقِيَامَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ. وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَصْلُ: وَمَعْنَى تَعَيَّنَ نُدِبَ نَدْبًا قَوِيًّا أَكِيدًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) ؛ فَفِي الْبَوْلِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ قَدْ عَلِمْتهَا. فَقَوْلُ الشَّارِحِ: [فَيُنْدَبُ لَهُ الْجُلُوسُ] : أَيْ فِي قِسْمَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا مَا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ طَاهِرًا رَخْوًا أَوْ صُلْبًا. وَعَلِمْت أَنَّ النَّجِسَ الصُّلْبَ يَجْتَنِبُهُ مُطْلَقًا لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ. لَكِنَّهُ بَحَثَ فِيهِ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إذَا جَلَسَ مَعَ أَنَّهُ يَابِسٌ (اهـ) . وَإِيضَاحُ بَحْثِهِ حَيْثُ قُلْتُمْ بِطَلَبِهِ بِالْجُلُوسِ فِي الصُّلْبِ الطَّاهِرِ، فَالصُّلْبُ النَّجِسُ مِثْلُهُ بِجَامِعِ الْيُبْسِ وَعَدَمِ تَلَوُّثِ الثِّيَابِ فِي كُلٍّ. قَوْلُهُ: [وَيَتَأَكَّدُ فِي الْغَائِطِ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَأَمَّا الْغَائِطُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْقِيَامُ، أَيْ يُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً فِيمَا يَظْهَرُ. وَمِثْلُهُ بَوْلُ الْمَرْأَةِ وَالْخَصِيِّ. قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ بِالْفَضَاءِ] : أَيْ وَأَمَّا الْأَمَاكِنُ الْمُعَدَّةُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمُدُنِ مَثَلًا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ. قَوْلُهُ: [لِئَلَّا يَتَطَايَرَ] إلَخْ: هَذَا التَّعْلِيلُ يُنْتِجُ اجْتِنَابَ الصُّلْبِ قِيَامًا وَجُلُوسًا طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا.

[مندوبات قضاء الحاجة]

الَّذِي يَقْضِي بِهِ حَاجَتَهُ. فَلَا يَرْفَعُ ثِيَابَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَكْنِفَةِ. وَأَنْ يَعْتَمِدَ حَالَ جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى خُرُوجِ الْخَارِجِ - وَلَوْ بَوْلًا - كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ. وَأَنْ يَرْفَعَ عَقِبَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى لِمَا ذُكِرَ. وَأَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ لِذَلِكَ حَالَ جُلُوسِهِ. وَأَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِرِدَاءٍ وَنَحْوِهِ، قَالُوا: وَيَكْفِي وَلَوْ بِطَاقِيَّةٍ، فَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ رَأْسُهُ مَكْشُوفًا حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَأَنْ لَا يَلْتَفِتَ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يَرَى مَا يَخَافُ أَذِيَّتَهُ فَيَقُومَ قَبْلَ تَمَامِ حَاجَتِهِ فَيَتَنَجَّسَ مَعَ عَدَمِ تَمَامِ فَرْضِهِ. وَأَمَّا قَبْلَ جُلُوسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْتَفِتَ حَتَّى يَبْعُدَ عَمَّا يَخَافُهُ وَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ. (وَتَسْمِيَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ بِزِيَادَةِ: " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ "، وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ") : أَيْ وَمِنْ الْآدَابِ التَّسْمِيَةُ قَبْلَ دُخُولِ الْخَلَاءِ أَوْ قَبْلَ مَحَلِّ الْجُلُوسِ فِي الْفَضَاءِ. فَإِنْ نَسِيَ سَمَّى قَبْلَ كَشْفِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَكْنِفَةِ] : أَيْ وَمَا فِيهَا فَيَرْفَعُ ثِيَابَهُ وَهُوَ قَائِمٌ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ قَوْلُهُ: [عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى] إلَخْ: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ يَرْفَعُ: عَقِبَ رِجْلِهِ، أَيْ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهَا وَيَتَوَكَّأُ عَلَى رُكْبَةِ يُسْرَاهُ أَعْوَنُ. قَوْلُهُ: [وَأَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ] : قِيلَ: حَيَاءً مِنْ اللَّهِ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِمَسَامِّ الشَّعْرِ مِنْ عُلُوقِ الرَّائِحَةِ بِهَا. قَوْلُهُ: [قَالُوا وَيَكْفِي] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي عِلَّةِ نَدْبِ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، هَلْ هُوَ الْحَيَاءُ مِنْ اللَّهِ أَوْ خَوْفُ عُلُوقِ الرَّائِحَةِ بِمَسَامِّ الشَّعْرِ؟ قَالَ (بْن) : وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [مَنْدُوبَات قَضَاء الْحَاجَة] قَوْلُهُ: [فَإِنْ نَسِيَ سَمَّى] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ لَا تَفُوتُ إلَّا بِخُرُوجِ الْخَارِجِ. فَإِنْ قُلْت إذَا فَاتَهُ الذِّكْرُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَتَحَصَّنُ؟ قُلْت: تَرْكُهُ الذِّكْرَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ هُوَ التَّحَصُّنُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَصِلْ الْمَحَلَّ] : وَمِثْلُ الْكَنِيفِ الْمَوَاضِعُ الْقَذِرَةُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَقُولَ] إلَخْ: هَذِهِ رِوَايَةٌ مِنْ جُمْلَةِ رِوَايَاتٍ مَشْهُورَةٍ أَيُّهَا يَكْفِي. وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «سَتْرُ مَا بَيْنِ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ» . وَخَصَّ هَذَا الْمَوْضِعَ بِالِاسْتِعَاذَةِ لِأَنَّ لَلشَّيْطَانَ

عَوْرَتِهِ فِي الْفَضَاءِ وَلَا يُسَمِّي بَعْدَ دُخُولِهِ الْكَنِيفَ، وَلَوْ لَمْ يَصِلْ الْمَحَلَّ بِأَنْ يَقُولَ: " بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إلَخْ "، وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ؛ جَمْعُ خَبِيثٍ: ذَكَرُ الشَّيَاطِينِ. وَقَدْ تُسَكَّنُ الْبَاءُ. وَالْخَبَائِثُ؛ جَمْعُ خَبِيثَةٍ: أُنْثَى الشَّيَاطِينِ. وَمِنْ الْآدَابِ الْمَنْدُوبَةِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْخَلَاءِ أَوْ بَعْدَ تَحَوُّلِهِ مِنْ مَكَانِهِ فِي الْفَضَاءِ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ ". وَلَيْسَ بَعْدَ الْخُرُوجِ تَسْمِيَةٌ كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. (وَسُكُوتٌ إلَّا لِمُهِمٍّ) : أَيْ وَيُنْدَبُ لَهُ السُّكُوتُ مَا دَامَ فِي الْخَلَاءِ - وَلَوْ بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ تَسَلُّطًا وَقُدْرَةً عَلَى ابْنِ آدَمَ لَمْ تَكُنْ فِي غَيْرِهِ بِسَبَبِ غَيْبَةِ الْحَفَظَةِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [وَقَدْ تُسَكَّنُ الْبَاءُ] : وَقِيلَ بِالسُّكُونِ: الْكُفْرُ. قَوْلُهُ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] إلَخْ: وَمِنْهُ أَيْضًا مَا وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: «غُفْرَانَك» . وَالْحِكْمَةُ فِي طَلَبِ الْغُفْرَانِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ خُرُوجُ الْأَخْبَثَيْنِ بِسَبَبِ خَطِيئَةِ آدَمَ وَمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ حَيْثُ جُعِلَ مُكْثُهُ فِي الْأَرْضِ، وَمَا تَنَالُ ذُرِّيَّتُهُ فِيهَا عِظَةٌ لِلْعِبَادِ وَتَذْكِرَةٌ لِمَا تَئُولُ إلَيْهِ الْمَعَاصِي، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ رِيحَ الْغَائِطِ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَا هَذَا؟ فَقَالَ تَعَالَى: هَذَا رِيحُ خَطِيئَتِك، فَكَانَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْخَلَاءِ: غُفْرَانَك» ، الْتِفَاتًا إلَى هَذَا الْأَصْلِ تَذْكِيرًا لِأُمَّتِهِ بِهَذِهِ الْعِظَةِ (اهـ مِنْ الْحَاشِيَةِ) . وَفِي رِوَايَةٍ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّغَنِيهِ طَيِّبًا وَأَخْرَجَهُ عَنِّي خَبِيثًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ وَأَذْهَبَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ» . قَوْلُهُ: [وَسُكُوتٌ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْكَلَامَ حِينَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ يُورِثُ الصَّمَمَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا وَلَا يَحْمَدُ إنْ عَطَسَ، وَلَا يُجِيبُ مُؤَذِّنًا وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسْلِمٍ

خُرُوجِ الْأَذَى - إلَّا لِأَمْرٍ مُهِمٍّ يَقْتَضِي كَلَامَهُ؛ كَطَلَبِ مَا يُزِيلُ بِهِ الْأَذَى. وَقَدْ يَجِبُ الْكَلَامُ كَإِنْقَاذِ أَعْمَى مِنْ سُقُوطٍ فِي حُفْرَةٍ أَوْ تَخْلِيصِ مَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَبِالْفَضَاءِ: تَسَتُّرٌ، وَبُعْدٌ، وَاتِّقَاءُ جُحْرٍ، وَرِيحٍ، وَمَوْرِدٍ، وَطَرِيقٍ، وَظِلٍّ، وَمَجْلِسٍ، وَمَكَانٍ نَجِسٍ) : مِنْ الْآدَابِ الْمَنْدُوبَةِ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ حَاجَتِهِ بِالْفَضَاءِ: أَنْ يَسْتَتِرَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ بِشَجَرٍ أَوْ صَخْرَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُرَى جِسْمُهُ. وَأَمَّا سَتْرُ عَوْرَتِهِ عَنْهُمْ فَوَاجِبٌ. وَأَنْ يَبْعُدَ عَنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتُ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْهُ، وَأَنْ يَتَّقِيَ - أَيْ يَتَجَنَّبَ - قَضَاءَ حَاجَتِهِ فِي جُحْرٍ؛ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ ثُقْبٍ فِي الْأَرْضِ مُسْتَدِيرٍ أَوْ مُسْتَطِيلٍ، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُؤْذِيهِ مِنْ الْهَوَامِّ، وَلِأَنَّهُ مَسْكَنُ الْجِنِّ، فَرُبَّمَا حَصَلَ مِنْهُمْ لَهُ أَذِيَّةٌ. وَأَنْ يَتَّقِيَ مَهَبَّ الرِّيحِ لِئَلَّا يَعُودَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ فَيُنَجِّسَهُ وَأَنْ يَتَّقِيَ مَوْرِدَ النَّاسِ: أَيْ مَحَلَّ وُرُودِهِمْ لِلْمَاءِ، لِأَنَّهُ يُؤْذِي النَّاسَ فَيَلْعَنُونَهُ. وَأَنْ يَتَّقِيَ الطُّرُقَ الَّتِي يَمُرُّ فِيهَا النَّاسُ، وَأَنْ يَتَّقِيَ الظِّلَّ: أَيْ الْمَحَلَّ الَّذِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ، كَالْمُجَامِعِ. بِخِلَافِ الْمُلَبِّي وَالْمُؤَذِّنِ فَإِنَّهُمَا يَرُدَّانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَأَمَّا الْمُصَلِّي فَيَرُدُّ بِالْإِشَارَةِ. قَوْلُهُ: [مِنْ الْآدَابِ الْمَنْدُوبَةِ] إلَخْ: جَعَلَ هَذِهِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي الْحِلِّ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا سَتْرُ عَوْرَتِهِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَاجِبٌ. وَمَصَبُّ النَّدْبِ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يُرَى لَهُ جِسْمٌ وَلَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ وَلَا يُشَمُّ لَهُ رِيحٌ. وَهَذَا بِالْفَضَاءِ كَمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا فِي الْكَنِيفِ فَلَا يَضُرُّ سَمَاعُ صَوْتِهِ وَلَا شَمُّ رِيحِهِ لِلْمَشَقَّةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مُسْتَطِيلٍ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجُحْرِ خُصُوصَ الْمُسْتَدِيرِ بِالْجُحْرِ، بَلْ مَا يَشْمَلُ السَّرَبَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْمُسْتَدِيرُ. قَوْلُهُ [مَهَبَّ الرِّيحِ] : أَيْ جِهَةَ هُبُوبِهِ وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا. قَوْلُهُ: [الطُّرُقَ] : هُوَ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ. لِأَنَّ الطَّرِيقَ إمَّا مُوصِلَةٌ لِلْمَاءِ فَتَكُونُ مَوْرِدًا، وَإِمَّا غَيْرُ مُوصِلَةٍ لَهُ فَلَا تَكُونُ مَوْرِدًا. وَقَدْ يُقَالُ الطَّرِيقُ عُرْفًا: مَا اُعْتِيدَ لِلسُّلُوكِ، وَالْمَوْرِدُ مَحَلُّ الْوُرُودِ فَهُوَ مُغَايِرٌ، وَلِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَدِيثِ.

الشَّأْنُ أَنْ يَسْتَظِلَّ فِيهِ النَّاسُ. لَا مُطْلَقَ ظِلٍّ، وَمِثْلُهُ الشَّمْسُ أَيَّامَ الشِّتَاءِ، وَالْمَكَانُ الْمُقْمِرُ الَّذِي شَأْنُهُمْ الْجُلُوسُ فِيهِ. وَالْمَوْرِدُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْمَلَاعِنِ الثَّلَاثِ، وَعَطْفُ الْمَجْلِسِ عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ مَا هُوَ أَعَمُّ. وَأَنْ يَتَّقِيَ الْأَمْكِنَةَ النَّجِسَةَ لِئَلَّا تُصِيبَهُ نَجَاسَتُهَا. (وَتَنْحِيَةُ ذِكْرِ اللَّهِ لَفْظًا وَخَطًّا) : مِنْ الْآدَابِ الْأَكِيدَةِ أَنْ لَا يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْخَلَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْأَذَى أَوْ حَالَ خُرُوجِهِ وَبَعْدَهُ مَا دَامَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهُ، سَوَاءٌ كَانَ كَنِيفًا أَوْ غَيْرَهُ. وَأَنْ لَا يَدْخُلَ الْكَنِيفَ أَوْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ بِفَضَاءٍ وَمَعَهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، أَوْ دِرْهَمٌ أَوْ خَاتَمٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ ذَلِكَ، وَكَذَا اسْمُ نَبِيٍّ. وَلِيُنَحِّهِ قَبْلَ دُخُولِهِ نَدْبًا أَكِيدًا. إلَّا الْقُرْآنَ فَيَحْرُمُ قِرَاءَتُهُ وَالدُّخُولُ بِمُصْحَفٍ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ آيَةً، مَا لَمْ يَكُنْ حِرْزًا مَسْتُورًا بِسَاتِرٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الشَّأْنُ] إلَخْ: أَيْ كَمَقِيلٍ وَمَنَاخٍ، أَيْ مَحَلِّ قَيْلُولَةِ النَّاسِ أَوْ إنَاخَةِ الْإِبِلِ فِيهَا. قَوْلُهُ: [هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْمَلَاعِنِ] إلَخْ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِي الْمَوَارِدِ وَالطَّرِيقِ وَالظِّلِّ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ حَرَامٌ كَمَا يُفِيدُهُ عِيَاضٌ. وَقَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَقَدْ تَبِعَ شَارِحُنَا خَلِيلًا. وَلَكِنْ مُقْتَضَى تَسْمِيَتِهَا مَلَاعِنَ تَشْهَدُ لِلْحُرْمَةِ. فَلِذَلِكَ قُلْنَا: جَعَلَهَا مَنْدُوبَاتٍ، بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ. قَوْلُهُ: [الْأَمْكِنَةَ النَّجِسَةَ] إلَخْ: فَيَتَّقِي الصُّلْبَ مِنْهَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ قِيَامًا وَجُلُوسًا، وَالرَّخْوَ مِنْهَا فِي الْغَائِطِ قِيَامًا وَجُلُوسًا وَفِي الْبَوْلِ جُلُوسًا. قَوْلُهُ: [وَكَذَا اسْمُ نَبِيٍّ] : أَيْ مَقْرُونٌ بِمَا يُعَيِّنُهُ، كَعَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا مُجَرَّدُ الِاشْتِرَاكِ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَا تَصِلُ لِلْخَاتَمِ. وَإِلَّا مُنِعَ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ آيَةً] : مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ مَنْعِ دُخُولِ الْكَنِيفِ وَنَحْوِهِ بِمَا فِيهِ قُرْآنٌ وَلَوْ آيَةً تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحَ. وَقَدْ رَدَّهُ (ح) وَالْأُجْهُورِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ. وَاسْتَظْهَرَ الْأَوَّلُ كَرَاهَةَ الدُّخُولِ بِالْقُرْآنِ، وَأَطْلَقَ فِي الْكَرَاهَةِ فَظَاهِرُهُ كَانَ كَامِلًا أَوْ لَا. وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِي التَّحْرِيمَ فِي الْكَامِلِ وَمَا قَارَبَهُ وَالْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِ ذِي الْبَالِ كَالْآيَاتِ. وَاعْتَمَدَ هَذَا الْأَشْيَاخُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي المج (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ)

وَمِنْ السَّاتِرِ جَيْبُهُ فَوَضْعُهُ فِي جَيْبِهِ مَثَلًا يَمْنَعُ الْحُرْمَةَ فِي الْمُصْحَفِ. وَالْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِهِ. وَهَذَا مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ، وَإِلَّا جَازَ الدُّخُولُ بِهِ لِلضَّرُورَةِ. (وَتَقْدِيمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا، وَيُمْنَاهُ خُرُوجًا؛ عَكْسُ الْمَسْجِدِ وَالْمَنْزِلِ؛ يُمْنَاهُ فِيهِمَا) : مِنْ الْآدَابِ أَنْ يُقَدِّمَ حَالَ دُخُولِهِ الْكَنِيفَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيُؤَخِّرَهَا حَالَ خُرُوجِهِ مِنْهُ؛ بِأَنْ يُقَدِّمَ فِي الْخُرُوجِ رِجْلَهُ الْيُمْنَى. وَذَلِكَ عَكْسُ الْيُسْرَى فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى دُخُولًا وَتَقْدِيمُ الْيُسْرَى خُرُوجًا لِشَرَفِهِ، كَمَا يُنْدَبُ فِي تَنَعُّلِهِ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى وَفِي خَلْعِ النِّعَالِ تَقْدِيمُ الْيُسْرَى، وَأَمَّا الْمَنْزِلُ فَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى دُخُولًا وَخُرُوجًا. (وَمُنِعَ بِفَضَاءٍ اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَاسْتِدْبَارُهَا بِلَا سَاتِرٍ، كَالْوَطْءِ، وَإِلَّا فَلَا) : يَحْرُمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَمِنْ السَّاتِرِ جَيْبُهُ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (ح) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَيْبَ لَا يَكْفِي لِأَنَّهُ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا جَازَ] إلَخْ: أَيْ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَاتِرٍ إنْ أَمْكَنَ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ جَوَازُ الدُّخُولِ بِالْمُصْحَفِ مُقَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ: الْخَوْفُ وَالسَّاتِرُ (اهـ) . وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ إمَّا عَلَى نَفْسِهِ - بِأَنْ جُعِلَ حِرْزًا - أَوْ الضَّيَاعُ. قَوْلُهُ: [حَالَ دُخُولِهِ الْكَنِيفَ] : أَيْ وَكَذَا كُلُّ دَنِيءٍ: كَحَمَّامٍ وَفُنْدُقٍ وَبَيْتِ ظَالِمٍ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْمَنْزِلُ] إلَخْ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ قَدَّمَ فِيهِ الْيُمْنَى وَعَكْسُهُ قَدَّمَ فِيهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ حَصَلَتْ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلِ وَالْمَسْجِدِ - كَمَا لَوْ كَانَ بَابُ بَيْتِهِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ - كَانَ الْحُكْمُ لِلْمَسْجِدِ دُخُولًا وَخُرُوجًا. قَوْلُهُ: [وَمُنِعَ بِفَضَا] إلَخْ: حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَسَائِلَ سِتٌّ: الْأُولَى: قَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَالْوَطْءُ فِي الْفَضَاءِ مُسْتَقْبِلًا وَمُسْتَدْبِرًا بِدُونِ سَاتِرٍ وَهَذِهِ حَرَامٌ قَطْعًا. الثَّانِيَةُ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي بَيْتِ الْخَلَاءِ الَّذِي فِي الْمَنْزِلِ بِسَاتِرٍ، وَالْوَطْءُ فِي الْمَنْزِلِ بِسَاتِرٍ، وَهَذِهِ جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا مُسْتَقْبِلًا وَمُسْتَدْبِرًا. الثَّالِثَةُ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ، وَالْوَطْءُ فِيهِ بِدُونِ سَاتِرٍ، وَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ وَلَوْ كَانَ بَيْتُ الْخَلَاءِ أَوْ الْوَطْءُ. بِالسَّطْحِ. الرَّابِعَةُ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَالْوَطْءُ فِي الْفَضَاءِ بِسَاتِرٍ مُسْتَقْبِلًا أَوْ مُسْتَدْبِرًا، وَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ. وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَالْوَطْءُ بِحَوْشِ الْمَنْزِلِ بِسَاتِرٍ وَبِدُونِهِ وَفِيهِمَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا] : أَيْ إمَّا اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا تَقَدَّمَ.

[الاستبراء والاستنجاء والاستجمار]

عَلَى الْمُكَلَّفِ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ فِي الْفَضَاءِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَدْبِرَهَا بِلَا سَاتِرٍ. فَإِنْ اسْتَتَرَ بِحَائِطٍ أَوْ صَخْرَةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا حُرْمَةَ، وَالْأَوْلَى التَّرْكُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ. وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ لِحَلِيلَتِهِ فِي الْفَضَاءِ بِلَا سَاتِرٍ. وَقَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ فِي الْفَضَاءِ، بِأَنْ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ وَلَوْ فِي سَاحَةِ الدَّارِ أَوْ رَحْبَتِهَا أَوْ سَطْحِهَا أَوْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ وَلَكِنْ بِسَاتِرٍ، فَلَا حُرْمَةَ. وَالْمُرَادُ بِالْمَنْزِلِ: مَا عَدَا الْفَضَاءَ؛ فَيَشْمَلُ فَضَاءَ الْمُدُنِ فَلَا يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَلَا اسْتِدْبَارُهَا فِيهَا، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْأَكْنِفَةِ، وَأَمَّا هِيَ فَلَا حُرْمَةَ اتِّفَاقًا. وَكَذَا لَا يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَلَوْ فِي الْفَضَاءِ بِلَا سَاتِرٍ. (وَوَجَبَ اسْتِبْرَاءٌ بِسَلْتِ ذَكَرٍ وَنَتْرٍ خَفَّا) : يَجِبُ عَلَى مَنْ قَضَى حَاجَتَهُ أَنْ يَسْتَبْرِئَ: أَيْ يَسْتَخْلِصَ مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِهِ بِسَلْتِهِ؛ بِأَنْ يَجْعَل أُصْبُعَهُ السَّبَّابَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ اسْتَتَرَ] إلَخْ: وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ طُولُهُ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ وَقُرْبُهُ مِنْهُ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ، وَعَرْضُهُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ. قَوْلُهُ: [مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ] : أَيْ وَهُوَ الَّذِي عَلِمْته مِنْ الْحَاصِلِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا هِيَ فَلَا حُرْمَةَ اتِّفَاقًا] : أَيْ إنْ كَانَ بِسَاتِرٍ وَإِلَّا فَفِيهِمَا قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ الْجَوَازَ كَمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا لَا يَحْرُمُ] إلَخْ: أَيْ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى الْإِنْقَاءُ. [الِاسْتِبْرَاء وَالِاسْتِنْجَاء وَالِاسْتِجْمَار] قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ اسْتِبْرَاءٌ] : يُحْتَمَلُ أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ زَائِدَتَانِ وَأَنْ يَكُونَا لِلطَّلَبِ، فَعَلَى أَنَّهُمَا زَائِدَتَانِ تَكُونُ الْبَاءُ فِي [بِسَلْتِ] لِلتَّصْوِيرِ وَعَلَى أَنَّهُمَا لِلطَّلَبِ، تَكُونُ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ السَّبِيَّةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ يَسْتَخْلِصُ] : يَجْرِي فِي السِّينِ وَالتَّاءِ مَعَ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ [بِسَلْتِ] مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَهُ] إلَخْ: تَصْوِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلِذَا أَفْتَى النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ بِوُجُوبِ

مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ ذَكَرِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَالْإِبْهَامَ فَوْقَهُ ثُمَّ يَسْحَبَهُ بِرِفْقٍ حَتَّى يَخْرُجَ مَا فِيهِ مِنْ الْبَوْلِ. وَالنَّتْرُ بِسُكُونِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ: جَذْبُهُ. وَنُدِبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِرِفْقٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (خَفَّا) بِفَتْحِ الْخَاءِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ خُلُوصُ الْمَحَلِّ. وَلَا يَتَتَبَّعُ الْأَوْهَامَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَسَةَ وَهِيَ تَضُرُّ بِالدِّينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالِاسْتِبْرَاءِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَصِحُّ مَعَ الْمُنَافِي. لَكِنْ وَقَعَ فِي (عب) عَنْ اللَّخْمِيِّ مَا يُوهِمُ أَنَّ الْبَقَاءَ فِي الْقَصَبَةِ لَا يَضُرُّ، وَأَنَّ النَّقْضَ إذَا نَزَلَ بِالْفِعْلِ، وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا، لَكِنْ إذَا بَقِيَ فِي الْقَصَبَةِ مَعَ الرَّشْحِ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ فَيَضُرُّ قَطْعًا (اهـ بِالْمَعْنَى حَاشِيَةُ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى] إلَخْ: كَوْنُهُ مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى وَبِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ أَفْضَلَ وَأَوْلَى. وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْيُمْنَى أَوْ بِغَيْرِ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ كَفَى وَخَالَفَ الْأَفْضَلَ. وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى عَانَتِهَا وَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ السَّلْتِ وَالنَّتْرِ، وَأَمَّا الْخُنْثَى فَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ احْتِيَاطًا. وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْغَائِطُ فَيَكْفِي فِي تَفْرِيغِ الْمَحَلِّ مِنْهُ الْإِحْسَاسُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّا هُوَ بِصَدَدِ الْخُرُوجِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا بَطَنَ مِنْ الْمَخْرَجِ، بَلْ يَحْرُمُ لِشَبَهِ ذَلِكَ بِاللِّوَاطِ. فَلَوْ تَوَضَّأَ وَالْبَوْلُ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ أَوْ الْغَائِطُ فِي دَاخِلِ فَمِ الدُّبُرِ كَانَ الْوُضُوءُ بَاطِلًا كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْوُضُوءِ عَدَمُ الْمُنَافِي، فَالِاسْتِبْرَاءُ مَطْلُوبٌ لِأَجْلِ إزَالَةِ الْحَدَثِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ السَّلْتُ وَالنَّتْرُ بِالْمُتَعَيَّنِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى حُصُولِ الظَّنِّ بِانْقِطَاعِ الْمَادَّةِ بِسَلْتٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ مَكَثَ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ خُلُوُّ الْمَحَلِّ. وَلَا يَضُرُّ بُلُولَةُ رَأْسِ الذَّكَرِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [كُلٌّ مِنْهُمَا بِرِفْقٍ] : هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّتْرِ وَصْفٌ كَاشِفٌ لِأَنَّهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ هُوَ التَّحْرِيكُ الْخَفِيفُ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَتَتَبَّعُ الْأَوْهَامَ] : أَيْ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِطَاعُ الْمَادَّةِ مِنْ الذَّكَرِ تَرَكَ السَّلْتَ وَالنَّتْرَ، وَمَا شَكَّ فِي خُرُوجِهِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ كَنُقْطَةٍ فَمَعْفُوٌّ عَنْهَا، فَإِنْ تَحَقَّقَهَا فَحُكْمُ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ؛ أَيْ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ إنْ لَمْ تُلَازِمْ نِصْفَ الزَّمَانِ فَأَكْثَرَ. وَيَجِبُ غَسْلُهَا إنْ لَمْ تَأْتِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً. قَوْلُهُ: [وَهِيَ تَضُرُّ بِالدِّينِ] : وَلِذَلِكَ قَالَ الْعَارِفُونَ إنَّ الْوَسْوَاسَ سَبَبُهُ خَبَلٌ

(وَاسْتِنْجَاءٌ، وَنُدِبَ بِيَسَارِهِ وَبَلُّهَا قَبْلَ لُقِيِّ الْأَذَى، وَاسْتِرْخَاؤُهُ قَلِيلًا وَغَسْلُهَا بِكَتُرَابٍ بَعْدَهُ وَإِعْدَادُ الْمُزِيلِ، وَوِتْرُهُ وَتَقْدِيمُ قُبُلِهِ وَجَمْعُ مَاءٍ وَحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٍ) يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ كَمَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ وَالْمُرَادُ بِهِ: إزَالَةُ النَّجَاسَةِ مِنْ مَحَلِّ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ. وَنُدِبَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَيُكْرَهُ بِالْيُمْنَى إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَنُدِبَ بَلَلُ يَدِهِ الْيُسْرَى بِالْمَاءِ قَبْلَ لُقِيِّ الْأَذَى مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ لِئَلَّا يَقْوَى تَعَلُّقُ الرَّائِحَةِ بِهَا إذَا لَاقَى بِهَا الْأَذَى جَافَّةً. وَيُنْدَبُ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ أَنْ يَسْتَرْخِيَ قَلِيلًا لِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي التَّنْظِيفِ. وَنُدِبَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ الَّتِي لَاقَى بِهَا الْأَذَى حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ بِتُرَابٍ وَنَحْوِهِ، كَأُشْنَانٍ وَغَاسُولٍ وَصَابُونٍ. وَنُدِبَ لَهُ عِنْدَ إرَادَتِهِ قَضَاءَ الْحَاجَةِ أَنْ يُعِدَّ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ مِنْ مَاءٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَيُنْدَبُ لَهُ وَتْرُ الْمُزِيلِ إذَا كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْعَقْلِ أَوْ شَكٌّ فِي الدِّينِ. قَوْلُهُ: [بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ] : أَيْ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ لَا يَكُونُ بِالْمَاءِ. قَوْلُهُ: [بِيَدِهِ الْيُسْرَى] : أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّشْرِيفِ. قَوْلُهُ: [بِتُرَابٍ وَنَحْوِهِ] : مَحَلُّ طَلَبِ الْغَسْلِ بِالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَلَّهَا أَوَّلًا، وَإِلَّا فَلَا يَتَوَقَّفُ نَدْبُ الْغَسْلِ عَلَى التُّرَابِ وَنَحْوِهِ لِانْسِدَادِ الْمَسَامِّ بِالْغَسْلِ أَوَّلًا. وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ الَّتِي تَغْسِلُ الْخِنْصَر وَالْبِنْصِرُ وَالْوُسْطَى لِأَنَّهَا الَّتِي يُلَاقِي بِهَا النَّجَاسَةَ. قَوْلُهُ: [أَنْ يُعِدَّ] : أَيْ فَيُنْدَبُ لِمُرِيدِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ إعْدَادُ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ مَعًا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ فَقَطْ، وَإِلَّا فَالْأَحْجَارُ فَقَطْ، عَلَى حَسَبِ التَّرْتِيبِ فِي الْمَنْدُوبِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَنْقَى] إلَخْ: أَيْ إنْ أَنْقَى الشَّفْعُ يُوتِرُ بِثَالِثٍ، وَأَرْبَعٌ يُوتِرُ بِخَامِسٍ، وَسِتٌّ يُوتِرُ بِسَابِعٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا إيتَارَ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الْإِنْقَاءِ. وَقَوْلُهُمْ الْوِتْرُ خَيْرٌ مِنْ الشَّفْعِ فِي غَيْرِ الْوَاحِدِ. وَإِلَّا فَالِاثْنَانِ خَيْرٌ مِنْهُ وَيَكْفِي فِي الْوَتَرِيَّةِ حَجَرٌ وَاحِدٌ

[متى تتعين الطهارة بالماء]

جَامِدًا كَحَجَرٍ حَيْثُ انْتَقَى الْمَحَلُّ بِالشَّفْعِ وَإِلَّا فَالْإِنْقَاءُ مُتَعَيَّنٌ. وَيَنْتَهِي نَدْبُ الْإِيتَارِ لِلسَّبْعِ، فَإِنْ أَنْقَى بِثَامِنٍ فَلَا يُطْلَبُ بِتَاسِعٍ. وَنُدِبَ تَقْدِيمُ قُبُلِهِ عَلَى دُبُرِهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَنُدِبَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْمَاءِ، فَيُقَدِّمَ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْحَجَرِ، ثُمَّ يَتْبَعَ الْمَحَلَّ بِالْمَاءِ. فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَوْلَى مِنْ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ. (وَتَعَيَّنَ فِي مَنِيٍّ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَبَوْلِ امْرَأَةٍ وَمُنْتَشِرٍ عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرًا) : الضَّمِيرُ فِي (تَعَيَّنَ) يَعُودُ عَلَى الْمَاءِ. أَيْ أَنَّ الْمَاءَ يَتَعَيَّنُ - وَلَا يَكْفِي الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ - فِي إزَالَةِ الْمَنِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهُ ثَلَاثُ جِهَاتٍ يَمْسَحُ الْمَحَلَّ بِكُلِّ جِهَةٍ. قَوْلُهُ: [تَقْدِيمُ قُبُلِهِ] إلَخْ: أَيْ خَوْفًا مِنْ تَنَجُّسِ يَدِهِ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ لَوْ قَدَّمَ دُبُرَهُ، وَمَحَلُّ تَقْدِيمِ الْقُبُلِ إلَّا أَنْ يَقْطُرَ فَيُقَدِّمَ دُبُرَهُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيمِ الْقُبُلِ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْمَاءِ] : أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَ أَهْلَ قُبَاءَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] وَطَهَارَتُهُمْ هِيَ جَمْعُهُمْ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ فِي اسْتِنْجَائِهِمْ كَمَا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [فَالْمَاءُ أَوْلَى] : أَيْ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ كَفَى وَخَالَفَ الْأَوْلَى. وَهَلْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَحَلُّ طَاهِرًا لِرَفْعِ الْعَيْنِ وَالْحُكْمِ عَنْهُ أَوْ نَجِسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ؟ اُنْظُرْ (ح) (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ خَمْسٌ: مَاءٌ. وَحَجَرٌ، مَاءٌ وَمَدَرٌ. مَاءٌ فَقَطْ، حَجَرٌ فَقَطْ، مَدَرٌ فَقَطْ. وَالْمُرَادُ بِالْمَدَرِ أَيُّ طَاهِرٌ مُنْقٍ مُسْتَوْفِي الشُّرُوطِ غَيْرُ حَجَرٍ. فَهِيَ مَطْلُوبَةٌ نَدْبًا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ. [مَتَى تَتَعَيَّن الطَّهَارَة بِالْمَاءِ] [تَنْبِيه كَرَاهَة الِاسْتِنْجَاء مِنْ الرِّيح] قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي مَسَائِلَ مُسْتَثْنَاةٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْمَاءُ أَفْضَلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهَا الْمَاءُ، وَلَا يَكْفِي فِيهَا الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ. قَوْلُهُ: [لِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ] إلَخْ: جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنِيَّ وَالْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يَتَعَيَّنُ فِيهَا غَسْلُ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا كِفَايَةُ الِاسْتِجْمَارِ بِالْأَحْجَارِ؟ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِلنَّصِّ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَاءِ فِيهَا وَعَدَمِ كِفَايَةِ الْأَحْجَارِ.

لِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ أَوْ الْوُضُوءُ، كَخُرُوجِهِ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ. وَفِي إزَالَةِ دَمِ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ، وَكَذَا فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إنْ لَمْ يُلَازِمْ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَسَلَسِ الْبَوْلِ الْمُلَازِمِ لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَلَا تَجِبُ إزَالَتُهُ. وَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ أَيْضًا فِي إزَالَةِ بَوْلِ الْمَرْأَةِ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا لِتَعَدِّيهِ الْمَخْرَجَ إلَى جِهَةِ الْمَقْعَدَةِ عَادَةً. وَيَتَعَيَّنُ أَيْضًا فِي حَدَثِ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ انْتَشَرَ عَنْ الْمَخْرَجِ انْتِشَارًا كَثِيرًا كَأَنْ يَصِلَ إلَى الْمَقْعَدَةِ أَوْ يَعُمَّ جُلَّ الْحَشَفَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ أَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِي حَقِّ مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ لِكَمَرَضٍ أَوْ لِعَدَمِ مَا يَكْفِي غَسْلُهُ، وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ، فَيُقَالُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الذَّكَرِ أَوْ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ، أَوْ لِمَنْ فَرْضُهُ الْوُضُوءُ لِخُرُوجِ مَنِيِّهِ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَيُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا مِثْلُ مَا قِيلَ فِيمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ. قَوْلُهُ: [بَوْلِ الْمَرْأَةِ] : مِثْلُهَا بَوْلُ الْخَصِيِّ أَيْ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ أَمْ لَا. وَمِثْلُهُ مَنِيُّ الرَّجُلِ إذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ غَسْلِهَا فَهُوَ كَبَوْلِهَا لَا يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَمِثْلُهُ الْبَوْلُ الْخَارِجُ مِنْ الثُّقْبَةِ إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ عَلَى الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ مُنْتَشِرٌ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ. وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ [بَوْلٍ] أَنَّهَا فِي الْغَائِطِ كَالرَّجُلِ. وَتَغْسِلُ الْمَرْأَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا كُلَّ مَا ظَهَرَ مِنْ فَرْجِهَا حَالَ جُلُوسِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ (عب) : وَتَغْسِلُ الْمَرْأَةُ مَا ظَهَرَ مِنْ فَرْجِهَا وَالْبِكْرُ مَا دُونَ الْعَذِرَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَيْضِ خَاصَّةً كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَاخْتَارَ فِي الْبَوْلِ تَسَاوِيهِمَا لِأَنَّ مَخْرَجَ الْبَوْلِ قَبْلَ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ، اُنْظُرْ (ح) ، وَلَا تُدْخِلُ الْمَرْأَةُ يَدَهَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا كَفِعْلِ اللَّوَاتِي لَا دِينَ لَهُنَّ، وَكَذَا يَحْرُمُ إدْخَالُ أُصْبُعٍ بِدُبُرٍ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ لِزَوَالِ الْخَبَثِ كَمَا فِي الْمَجِّ، وَلَا يُقَالُ الْحُقْنَةُ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّنَا نَقُولُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الْحُقْنَةَ شَأْنُهَا تُفْعَلُ لِلتَّدَاوِي. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [انْتَشَرَ عَنْ الْمَخْرَجِ] : أَيْ فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي هَذَا الْحَدَثِ كُلِّهِ لَا فِي الْمُنْتَشِرِ فَقَطْ، فَيَغْسِلُ الْكُلَّ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا جَاوَزَ الْمُعْتَادَ، لِأَنَّهُمْ قَدْ يَغْتَفِرُونَ الشَّيْءَ مُنْفَرِدًا دُونَهُ مُجْتَمِعًا مَعَ غَيْرِهِ. وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يُغْسَلُ الْمُنْتَشِرُ الزَّائِدُ عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَلْوِيثِهِ، وَيُعْفَى عَنْ الْمُعْتَادِ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

(وَمَذْيٌ بِلَذَّةٍ مَعَ غَسْلِ كُلِّ ذَكَرِهِ بِنِيَّةٍ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَفِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَعْضِ قَوْلَانِ، وَوَجَبَ غَسْلُهُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ) : يَعْنِي وَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ أَيْضًا فِي مَذْيٍ خَرَجَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ بِنَظَرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ لِزَوْجَةٍ مَثَلًا أَوْ لِتَذَكُّرٍ، مَعَ وُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِ الذَّكَرِ بِنِيَّةِ طَهَارَتِهِ مِنْ الْحَدَثِ، أَوْ رَفْعِ حَدَثِهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ. وَهَذِهِ النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. فَلِذَا لَوْ تَرَكَهَا وَغَسَلَ ذَكَرَهُ بِلَا نِيَّةٍ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الرَّاجِحِ. وَأَمَّا غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ فَقِيلَ: وَاجِبٌ شَرْطًا؛ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ بَعْضِهِ - وَلَوْ مَعَ نِيَّةٍ - وَصَلَّى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَقِيلَ: وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ. فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِغَسْلِ الْبَعْضِ وَلَوْ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ فَقَطْ بِنِيَّةٍ أَوْ لَا. وَلَمْ يُرَجِّحُوا وَاحِدًا مِنْ الْقَوْلَيْنِ، فَلِذَا قُلْنَا: (قَوْلَانِ) وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَيَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ. وَقَوْلُنَا: (بِلَذَّةٍ) قَيْدٌ زِدْنَاهُ عَلَى الْمُصَنِّفِ، إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ لَكَفَى فِيهِ الْحَجَرُ مَا لَمْ يَكُنْ سَلَسًا يُلَازِمُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ وَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ حَجَرٌ وَلَا غَيْرُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مَعَ غَسْلِ كُلِّ ذَكَرِهِ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ غَسْلَ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ وَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ. قِيلَ: إنَّهُ مُعَلَّلٌ بِقَطْعِ الْمَادَّةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ. وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَتَفَرَّعُ خِلَافٌ: هَلْ الْوَاجِبُ غَسْلُ بَعْضِهِ أَوْ كُلِّهِ؟ وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي. وَيَتَفَرَّعُ أَيْضًا: هَلْ تَجِبُ النِّيَّةُ فِي غَسْلِهِ أَوْ لَا؟ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعَبُّدِ، تَجِبُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ، لَا تَجِبُ. وَالْمُعْتَمَدُ وُجُوبُهَا. ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ إذَا غَسَلَهُ كُلَّهُ بِلَا نِيَّةٍ وَصَلَّى، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَهُوَ النِّيَّةُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ. وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ. لِأَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ. وَمُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا، وَأَنَّ الْغَسْلَ مُعَلَّلٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ غَسْلِهِ كُلِّهِ لَوْ غَسَلَ بَعْضَهُ بِنِيَّةٍ أَوْ بِدُونِهَا وَصَلَّى، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا تَبْطُلُ؟ قَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ مُرَاعَاةً لِمَنْ قَالَ إنَّمَا يَجِبُ غَسْلُ بَعْضِهِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فَهَلْ تُعَادُ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَا يُطْلَبُ بِإِعَادَتِهَا؟ قَوْلَانِ. هَذَا مُحَصَّلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [رَفْعِ حَدَثِهِ] : أَيْ الذَّكَرِ. قَوْلُهُ: [إلَّا عُفِيَ عَنْهُ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا نَقْضُ الْوُضُوءِ

هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَلَا تَغْتَرُّ بِمَا يُخَالِفُهُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ. وَعَبَّرَ بِ (مَعَ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ: بِغَسْلٍ، بِمَعْنَى مَعَ. وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ خُرُوجَ الْمَذْيِ مِنْ الرَّجُلِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ يُوجِبُ غَسْلَ جَمِيعِ الذَّكَرِ بِنِيَّةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَجَازَ الِاسْتِجْمَارُ بِيَابِسٍ طَاهِرٍ مُنْقٍ غَيْرِ مُؤْذٍ وَلَا مُحْتَرَمٍ لِطَعْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ، أَوْ حَقِّ الْغَيْرِ. وَإِلَّا فَلَا، وَأَجْزَأَ إنْ أَنْقَى كَالْيَدِ وَدُونَ الثَّلَاثِ) : يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ: وَهُوَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ بِكُلِّ يَابِسٍ مِنْ حَجَرٍ - وَهُوَ الْأَصْلُ - أَوْ غَيْرِهِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ مَدَرٍ: وَهُوَ مَا حُرِقَ مِنْ الطِّينِ - أَوْ خِرَقٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ نَحْوِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُلَازِمْ نِصْفَ الزَّمَانِ فَأَكْثَرَ. قَوْلُهُ: [مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ] إلَخْ: أَرَادَ الْخَرَشِيُّ (وعب) فَإِنَّ الْخَرَشِيَّ قَالَ: ثُمَّ إنَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ فِي الْمَذْيِ الْخَارِجِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، أَمَّا مَا خَرَجَ بِغَيْرِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ عَلَى حُكْمِ الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بِلَا لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْوُضُوءَ كَفَى فِيهِ الْحَجَرُ، وَإِنْ أَوْجَبَهُ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِيهِ (انْتَهَى) . وَيُؤْخَذُ مِنْ الْأَصِيلِيِّ وَ (عب) نَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَقَدْ عَلِمْت فَسَادَهَا مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَمَا تَقَدَّمَ لَك فِي مَذْيِ الرَّجُلِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ تَغْسِلُ مِنْ مَذْيِهَا مَحَلَّ الْأَذَى فَقَطْ، وَلَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَائِبَةُ تَعَبُّدٍ، خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ احْتِيَاجِهَا لِنِيَّةٍ. تَنْبِيهٌ: يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا لِوُضُوحِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ» أَيْ لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا. وَهُوَ طَاهِرٌ لَا يُنَجِّسُ ثَوْبًا وَلَا بَدَنًا. قَوْلُهُ: [وَجَازَ الِاسْتِجْمَارُ] : أَيْ يَجُوزُ إنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الْخَمْسَةُ. وَالْمُرَادُ بِالْيَابِسِ: الْجَافُّ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ صَلَابَةٌ كَالْحَجَرِ أَوْ لَا كَالْقُطْنِ. قَوْلُهُ: (الِاسْتِجْمَارُ) وَهُوَ إلَخْ: هُوَ خَاصٌّ بِاسْتِعْمَالِ الْجَمَرَاتِ مِنْ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ. وَالِاسْتِنْجَاءُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ. فَكَمَا أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَمَرَاتِ بِمَعْنَى الْأَحْجَارِ وَنَحْوِهَا، كَذَلِكَ الِاسْتِنْجَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، كَمَا سَمَّوْا الْفَضْلَةَ غَائِطًا بِاسْمِ الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ؛ كَانُوا إذَا أَرَادُوا التَّبَرُّزَ عَمَدُوا لِلْمُنْخَفِضِ، فَإِذَا قَضَوْا إرْبَهُمْ انْتَقَلُوا لِلْمُرْتَفِعِ وَأَزَالُوا فِيهِ الْأَثَرَ (اهـ وَالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) .

ذَلِكَ. فَلَا يَجُوزُ بِمُبْتَلٍّ كَطِينٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْجَوَازِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا احْتِرَازًا مِنْ النَّجِسِ؛ كَأَرْوَاثِ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَعَظْمِ الْمَيْتَةِ وَالْعَذِرَةِ. وَأَنْ يَكُونَ مُنَقِّيًا لِلنَّجَاسَةِ؛ احْتِرَازًا مِنْ الْأَمْلَسِ كَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ وَالزُّجَاجِ. وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤْذٍ؛ احْتِرَازًا مِمَّا يُؤْذِي كَالْحَجَرِ الْمُحَدَّدِ وَالسِّكِّينِ. وَأَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَرَمًا؛ إمَّا لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا لِآدَمِيٍّ كَخُبْزٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ كَحَزَنْبَلٍ وَمُغَاثٍ وَزَنْجَبِيلٍ. أَوْ لِكَوْنِهِ ذَا شَرَفٍ؛ كَالْمَكْتُوبِ لِحُرْمَةِ الْحُرُوفِ وَلَوْ بِخَطٍّ غَيْرِ عَرَبِيٍّ. أَوْ بِمَا دَلَّ عَلَى بَاطِلٍ؛ كَالسِّحْرِ. أَوْ لِكَوْنِ شَرَفِهِ ذَاتِيًّا؛ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ. وَإِمَّا لِكَوْنِ حُرْمَتِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ؛ كَكَوْنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُسْتَجْمَرُ بِهِ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ، وَمِنْهُ جِدَارُ الْغَيْرِ وَلَوْ وَقْفًا. وَكُرِهَ بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ طَاهِرَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ بِمُبْتَلٍّ] : هَذَا شُرُوعٌ فِي مُحْتَرَزِ الْأَوْصَافِ الْخَمْسَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي جَوَازِ مَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، أَيْ فَيَحْرُمُ الِاسْتِجْمَارُ بِالْمُبْتَلِّ لِنَشْرِهِ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ وَقَعَ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ فَلَا يُجْزِيهِ. وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الْمَحَلِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ غَسْلِهِ جَرَى عَلَى حُكْمِ مَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ. وَمَا قِيلَ فِي الْمُبْتَلِّ يُقَالُ فِي النَّجِسِ إنْ كَانَ يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: [فِي الْجَوَازِ] : أَيْ فِي مُتَعَلِّقِهِ لِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ قَوْلُهُ: [كَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ] إلَخْ: حَيْثُ كَانَ كُلٌّ سَالِمًا مِنْ الْكَسْرِ وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْمُؤْذِي. قَوْلُهُ: [لِحُرْمَةِ الْحُرُوفِ] : أَيْ لِشَرَفِهَا. قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيِّ: مَحَلُّ كَوْنِ الْحُرُوفِ لَهَا حُرْمَةٌ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً بِالْعَرَبِيِّ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ لَهَا إلَّا إذَا كَانَ الْمَكْتُوبُ بِهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الْحُرُوفُ لَهَا حُرْمَةٌ سَوَاءٌ كُتِبَتْ بِالْعَرَبِيِّ أَوْ بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ (ح) وَفَتْوَى النَّاصِرِ. قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ مِنْ (حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَقْفًا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْفُ مَسْجِدًا أَوْ غَيْرَهُ، وَكَانَ الْوَاقِفُ لَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، كَانَ الِاسْتِجْمَارُ بِجِدَارِ الْوَقْفِ مِنْ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ. وَأَمَّا مِلْكُ الْغَيْرِ فَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ إذَا اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، فَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِإِذْنِهِ كُرِهَ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [طَاهِرَيْنِ] : أَيْ لِأَنَّ الْعَظْمَ طَعَامُ الْجِنِّ فَإِنَّهُ يُكْسَى لَحْمًا. وَالرَّوْثَ طَعَامُ دَوَابِّهِمْ يَرْجِعُ عَلَفًا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهَلْ الَّذِي يَصِيرُ كَذَلِكَ كُلُّ رَوْثٍ أَوْ خُصُوصُ

[فصل في فرائض الوضوء]

وَبِجِدَارٍ مَمْلُوكٍ لَهُ. فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ جَازَ الِاسْتِجْمَارُ، فَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، وَلَكِنَّهُ يُجْزِي إنْ أَنْقَى الْمَحَلَّ؛ كَالْمُحْتَرَمِ وَالنَّجِسِ الْيَابِسِ الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ. كَمَا يُجْزِي الْإِنْقَاءُ بِالْيَدِ بِدُونِ الثَّلَاثِ مِنْ الْأَحْجَارِ وَنَحْوِهَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْإِجْزَاءِ فِي غَيْرِ الْمَنِيِّ وَبَوْلِ الْمَرْأَةِ وَالدَّمِ وَالْمُنْتَشِرِ كَثِيرًا أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُسْتَثْنًى مِمَّا هُنَا. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوْثِ الْمُبَاحِ؟ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْعَظْمُ طَعَامَ الْجِنِّ وَالرَّوْثُ طَعَامَ دَوَابِّهِمْ صَارَ النَّهْيُ عَنْهُمَا لِحَقِّ الْغَيْرِ. إنْ قُلْت إذَا كَانَ الرَّوْثُ عَلَفَ دَوَابِّهِمْ مَنْهِيًّا عَنْهُ يَكُونُ عَلَفُ دَوَابِّ الْإِنْسِ مِنْ الْحَشِيشِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ مَطْعُومًا لِلْآدَمِيِّ كَذَلِكَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الرَّوْثِ وَرَدَ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [مَمْلُوكٍ لَهُ] : أَيْ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ مِنْ دَاخِلٍ، وَأَمَّا مِنْ خَارِجٍ فَقَوْلَانِ: بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ. وَإِنَّمَا قِيلَ بِالْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ مَطَرٌ عَلَيْهِ مَثَلًا وَيَلْتَصِقُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فَتُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَجُزْ] : أَيْ إذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ أَنْ يَتْبَعَهَا الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ. إلَّا الْمُحَرَّمُ وَالْمُحَدَّدُ وَالنَّجِسُ. فَالْحُرْمَةُ مُطْلَقًا. لَا يُقَالُ الْجَزْمُ بِحُرْمَةِ النَّجِسِ مُطْلَقًا مُشْكِلٌ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ كَرَاهَةِ التَّلَطُّخِ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الِاسْتِجْمَارُ بِالنَّجَاسَةِ فِيهِ قَصْدٌ لِاسْتِعْمَالِ النَّجِسِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ وَالتَّلْطِيخُ الْمَكْرُوهُ لَيْسَ فِيهِ قَصْدُ الِاسْتِعْمَالِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَبِدُونِ الثَّلَاثِ] إلَخْ: خِلَافًا لِأَبِي الْفَرَجِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الثَّلَاثَةَ، فَإِنْ أَنْقَى مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا. قَوْلُهُ: [وَالدَّمُ] : أَيْ دَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ. [فَصْلٌ فِي فَرَائِضِ الْوُضُوءِ] [مَا يَجِب غسله وَمَسَحَهُ] قَوْلُهُ: [وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ] إلَخْ: أَيْ لَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى وَسَائِلِ الطَّهَارَةِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ بَيَانُ الْمَاءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَبَيَانُ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ، وَبَيَانُ حُكْمِ

طَهَارَةِ الْحَدَثِ؛ صُغْرَى وَكُبْرَى، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. وَبَدَأَ بِالصُّغْرَى فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQإزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَكَيْفِيَّةِ إزَالَتِهَا مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، وَمَا يُعْفَى مِنْهَا وَمَا لَا يُعْفَى أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى مَقَاصِدِ الطَّهَارَةِ وَهِيَ: الْوُضُوءُ وَنَوَاقِضُهُ، وَالْغُسْلُ وَنَوَاقِضُهُ، وَمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْهُمَا وَهُوَ التَّيَمُّمُ، أَوْ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ مَسْحُ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ شَرَعَ الْكَلَامَ إلَخْ. قَوْلُهُ: [طَهَارَةُ] : أَرَادَ بِهَا التَّطْهِيرَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ تُطْلَقُ عَلَى التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ.

فَصْلٌ: فِي فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَكْرُوهَاتِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ وَشُرُوطِ صِحَّتِهِ وَوُجُوبِهِ (فَرَائِضُ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ أَوْ اللِّحْيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَصْلٌ قَوْلُهُ: (فَرَائِضُ) إلَخْ: جَمْعُ فَرِيضَةٍ: وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: فَرْضٌ، وَيُجْمَعُ الْفَرْضُ عَلَى فُرُوضٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَرَائِضُ جَمْعُ كَثْرَةٍ، وَهُوَ مِنْ الْعَشَرَةِ فَفَوْقَ مَعَ أَنَّهُ سَبْعَةٌ؟ يُقَالُ: اسْتِعْمَالُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ فِي الْقِلَّةِ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَبْدَأَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الْمَبْدَأِ، وَقَوْلُ (تت) : فَرَائِضُ جَمْعُ فَرْضٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فَعْلًا لَا يُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ بَلْ هُوَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ. وَمُرَادُهُ بِالْفَرْضِ هُنَا مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ. فَيَشْمَلُ وُضُوءَ الصَّبِيِّ، وَالْوُضُوءَ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَالْوُضُوءُ بِضَمِّ الْوَاوِ: الْفِعْلُ، وَبِفَتْحِهَا: الْمَاءُ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي اللُّغَةِ، وَحُكِيَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ فِيهِمَا. وَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِلْمَاءِ الْمُطْلَقِ؟ أَوْ لَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ مُعَدًّا لِلْوُضُوءِ، أَوْ بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعِبَادَاتِ؟ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ بِالْمَدِّ - وَهِيَ النَّظَافَةُ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ - وَالْحُسْنِ. وَشَرْعًا: طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ. وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ اكْتِسَابِ الْخَطَايَا، وَلِأَنَّ آدَمَ مَشَى إلَى الشَّجَرَةِ بِرِجْلَيْهِ وَتَنَاوَلَ مِنْهَا بِيَدِهِ، وَأَكَلَ بِفَمِهِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِوَرَقِهَا. وَاخْتَصَّ الرَّأْسُ بِالْمَسْحِ لِسَتْرِهِ غَالِبًا فَاكْتُفِيَ بِأَدْنَى طَهَارَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ. وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْهَا فَرْضًا بِإِجْمَاعٍ. وَهُوَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَعَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَهِيَ النِّيَّةُ وَالدَّلْكُ وَالْفَوْرُ (اهـ. مِنْ الْخَرَشِيِّ وَالْحَاشِيَةِ) . وَفَرَائِضُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يُؤْخَذُ مِنْ حِلِّ الشَّارِحِ تَقْدِيرُهُ سَبْعَةٌ، وَقَوْلُهُ: غَسْلُ الْوَجْهِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ، وَيَصِحُّ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنْ فَرَائِضَ. وَقَوْلُهُ: [مِنْ مَنَابِتِ] : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ

وَمَا بَيْنَ وَتَدَيْ الْأُذُنَيْنِ) : فَرَائِضُ الْوُضُوءِ سَبْعَةٌ: أَوَّلُهَا: غَسْلُ جَمِيعِ الْوَجْهِ، وَحْدَهُ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ فِيمَنْ لَا لِحْيَةَ لَهُ أَوْ مُنْتَهَى اللِّحْيَةِ فِيمَنْ لَهُ لِحْيَةٌ. وَالذَّقَنُ - بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ - بِفَتْحِ اللَّامِ - تَثْنِيَةُ لَحْيٍ: وَهُوَ فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ. وَاللِّحْيَةُ - بِفَتْحِ اللَّامِ - هِيَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى ذَلِكَ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: [الْمُعْتَادِ] : الْأَصْلَعُ - بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - وَهُوَ مَنْ انْحَسَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ إلَى جِهَةِ الْيَافُوخِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَهِيَ فِي غَسْلِهِ إلَى مَنَابِتِ شَعْرِهِ. وَخَرَجَ الْأَغَمُّ: وَهُوَ مَنْ نَزَلَ شَعْرُ رَأْسِهِ إلَى جِهَةِ حَاجِبِهِ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَ فِي غَسْلِهِ مَا نَزَلَ عَنْ الْمُعْتَادِ. وَلَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، وَحَدُّهُ عَرْضًا مِنْ وَتَدِ الْأُذُنِ إلَى الْوَتَدِ الْآخَرِ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ الْوَتَدَانِ فِي الْوَجْهِ وَلَا الْبَيَاضُ الَّذِي فَوْقَهُمَا وَلَا شَعْرُ الصُّدْغَيْنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَيَاضُ الَّذِي تَحْتَهُمَا؛ لِأَنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِقَوْلِهِ: (وَحَدُّهُ طُولًا) إلَخْ. وَقَوْلُهُ: [وَمَا بَيْنَ وَتَدَيْ الْأُذُنَيْنِ] : خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: (وَحَدُّهُ عَرْضًا) إلَخْ. قَوْلُهُ: [غَسْلُ جَمِيعِ الْوَجْهِ] : أَيْ وَلَوْ تَعَدَّدَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ اللَّامِ] : وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْمُفْرَدِ وَالْمَثْنَى. قَوْلُهُ: [فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ] : وَهُوَ قِطْعَتَانِ وَمَحَلُّ اجْتِمَاعِهِمَا هُوَ الذَّقَنُ، وَسُمِّيَ فَكًّا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مَفْكُوكٌ عَنْ صَاحِبِهِ. قَوْلُهُ: [وَاللِّحْيَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ] : وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَجَمْعُهَا: لِحًى بِالْكَسْرِ. قَوْلُهُ: [الْأَصْلَعُ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ خُلُوَّ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنْ الشَّعْرِ، يُقَالُ لَهُ صَلَعٌ وَلِصَاحِبِهِ أَصْلَعُ. وَالْأَنْزَعُ: هُوَ الَّذِي لَهُ نَزَعَتَانِ - بِفَتْحَتَيْنِ - أَيْ بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ نَاصِيَتَهُ؛ فَكَمَا لَا تَدْخُلُ نَاصِيَةُ الْأَصْلَعِ فِي الْوَجْهِ لَا يَدْخُلُ الْبَيَاضَانِ لِلْأَنْزَعِ. قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ] إلَخْ: أَيْ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَلَيْسَ لَنَا فَرْضٌ يُغْسَلُ وَيُمْسَحُ إلَّا الْحَدَّ الَّذِي بَيْنَ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَهَلْ بِوُجُوبِ مُسْتَقِلٍّ؟ أَوْ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ؟ قَوْلَانِ. قَوْلُهُ: [وَحَدُّهُ عَرَضًا] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ الصُّدْغِ مِنْ الْوَجْهِ وَهُوَ الْعَظْمُ

مِنْ الْوَجْهِ. (فَيَغْسِلُ الْوَتْرَةَ وَأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ وَظَاهِرَ شَفَتَيْهِ، وَمَا غَارَ مِنْ جَفْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِتَخْلِيلِ شَعْرٍ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ) : هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ أَيْ إذَا عَلِمْت وُجُوبَ غَسْلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ، فَيَجِبُ غَسْلُ وَتَرَةِ الْأَنْفِ - بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْوَاوِ - وَهِيَ الْحَاجِزُ بَيْنَ طَاقَتَيْ الْأَنْفِ، وَغَسْلُ أَسَارِيرِ الْجَبْهَةِ - وَهِيَ التَّكَامِيشُ - جَمْعُ أَسِرَّةٍ كَأَزِمَّةٍ، وَاحِدُهُ سِرَارٌ كَزِمَامٍ، أَوْ جَمْعُ أَسْرَارٍ كَأَعْنَابٍ وَاحِدُهُ سِرَرٌ كَعِنَبٍ. فَأَسَارِيرُ جَمْعُ الْجَمْعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَغَسْلُ ظَاهِرِ الشَّفَتَيْنِ. وَغَسْلُ مَا غَارَ مِنْ جَفْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَأَثَرِ جُرْحٍ أَوْ مَا خُلِقَ غَائِرًا، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ: " لَا جُرْحًا بَرِئَ أَوْ خُلِقَ غَائِرًا "، فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ غَسْلُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ الْمُكَلَّفُ، فَكَانَ عَلَيْهِ حَذْفُ حَرْفِ النَّفْيِ وَعَطْفُهُ عَلَى الْمُثْبَتِ. مَعَ وُجُوبِ تَخْلِيلِ شَعْرٍ - بِفَتْحِ الشِّينِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّاتِئُ، فَمَا دُونَهُ، وَبَعْضُهُ مِنْ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا فَوْقَهُ الشَّعْرِ، فَمَا بَيْنَ شَعْرِ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ قَطْعًا؛ وَشَعْرُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ قَطْعًا، وَمَا فَوْقَ الْوَتَدَيْنِ مِنْ الْبَيَاضِ كَذَلِكَ، وَمَا تَحْتَ الْوَتَدَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ، فَيُغْسَلُ. وَدَخَلَ فِي الْوَجْهِ الْجَبِينَانِ وَهُمَا الْمُحِيطَانِ بِالْجَبْهَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [جَبْهَتُهُ] : الْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا ارْتَفَعَ عَنْ الْحَاجِبَيْنِ إلَى مَبْدَإِ الرَّأْسِ، فَيَشْمَلُ الْجَبِينَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ فِي السُّجُودِ فَهِيَ مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُ شَفَتَيْهِ] : هُوَ مَا يَبْدُو مِنْهُمَا عِنْدَ انْطِبَاقِهِمَا انْطِبَاقًا طَبِيعًا. قَوْلُهُ: [مَعَ وُجُوبُ تَخْلِيلِ شَعْرِ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ اللِّحْيَةَ حَيْثُ كَانَتْ خَفِيفَةً - وَكُلُّ شَعْرٍ فِي الْوَجْهِ خَفِيفٌ - يَجِبُ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. وَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ كَثِيفًا يُكْرَهُ تَخْلِيلُهُ فِي الْوُضُوءِ، سَوَاءٌ كَانَ لِحْيَةً أَوْ غَيْرَهَا لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. وَلَا يُطَالَبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِغَسْلِ أَسْفَلِ اللِّحْيَةِ الَّذِي يَلِي الْعُنُقَ كَانَتْ كَثِيفَةً أَوْ خَفِيفَةً.

[تنبيه وضوء الأقطع]

الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - إذَا كَانَتْ الْبَشَرَةُ، بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: الْجِلْدَةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي مَجْلِسِ الْمُخَاطَبَةِ تَحْتَ الشَّعْرِ، وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ سَوَاءً كَانَ شَعْرَ لِحْيَةٍ أَوْ حَاجِبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَالْمُرَادُ بِالتَّخْلِيلِ: إيصَالُ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ بِالدَّلْكِ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَأَمَّا الْكَثِيفُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيلُهُ أَيْ إيصَالُ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ تَحْتَهُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجِبُ تَحْرِيكُهُ لِيَدْخُلَ الْمَاءُ بَيْنَ ظَاهِرِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِلْبَشَرَةِ. (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِتَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ لَا تَحْرِيكِ خَاتَمِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ) : الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، بِإِدْخَالِهِمَا فِي الْغَسْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَلَى ظَاهِرِهِ] : أَيْ لَا بَاطِنِهِ الَّذِي يَلِي الْعُنُقَ، فَلَا يُطَالَبُ بِغَسْلِهِ وَغَسْلُهُ مِنْ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ. تَنْبِيهٌ: يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ عِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ إزَالَةُ مَا بِعَيْنَيْهِ مِنْ الْقَذْي، فَإِنْ وَجَدَ بِعَيْنَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ وُضُوئِهِ وَأَمْكَنَ حُدُوثُهُ لِطُولِ الْمُدَّةِ، حُمِلَ عَلَى الطَّرَيَانِ، حَيْثُ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى مَحَلِّهِ حِينَ غَسْلِ وَجْهِهِ. [تَنْبِيه وضوء الْأَقْطَع] قَوْلُهُ: [وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ] : أَيْ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَإِنْ صَدَقَتْ الْآيَةُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ أَخْذًا مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ. قَوْلُهُ: [بِإِدْخَالِهِمَا فِي الْغُسْلِ] : لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ فِي " إلَى " عَدَمُ الْإِدْخَالِ. كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَفِي دُخُولِ الْغَايَةِ الْأَصَحُّ لَا ... تَدْخُلُ مَعَ إلَى وَحَتَّى دَخَلَا وَسُمِّيَا مِرْفَقَيْنِ لِأَنَّ الْمُتَّكِئَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا إذَا أَخَذَ بِرَاحَتِهِ رَأْسَهُ مُتَّكِئًا عَلَى ذِرَاعَيْهِ. تَنْبِيهٌ: يَلْزَمُ الْأَقْطَعَ أُجْرَةُ مَنْ يُطَهِّرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَ مَا أَمْكَنَهُ، قَالَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ وَيَلْزَمُ غَسْلُ بَقِيَّةِ مِعْصَمٍ إنْ قُطِعَ الْمِعْصَمُ، وَكُلُّ عُضْوٍ سَقَطَ بَعْضُهُ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِبَاقِيهِ غَسْلًا وَمَسْحًا، كَمَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ كَفٍّ خُلِقَتْ بِمَنْكِبٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ يَدٌ سِوَاهَا فَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْكَفِّ إلَّا إذَا نَبَتَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ لَهَا مِرْفَقٌ، فَتُغْسَلُ لِلْمِرْفَقِ؛ لِأَنَّ لَهَا حِينَئِذٍ حُكْمُ الْيَدِ الْأَصْلِيَّةِ، بَلْ لَوْ كَثُرَتْ الْأَيَادِي الَّتِي بِالْمَرَافِقِ تُغْسَلُ كُلُّهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِرْفَقٌ فَلَا غُسْلَ مَا لَمْ تَصِلْ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ وَصَلَتْ غُسِلَ مَا وَصَلَ إلَى مُحَاذَاةِ الْمِرْفَقِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ. وَيُقَالُ فِي الرِّجْلِ الزَّائِدَةِ مَا قِيلَ فِي الْيَدِ، وَيُنَزَّلُ الْكَعْبُ مَنْزِلَةَ الْمِرْفَقِ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) .

[تنبيه غسل النساء شعرهن]

مَعَ وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ وَمُعَاهَدَةِ تَكَامِيشِ الْأَنَامِلِ أَوْ غَيْرِهَا. وَلَا يَجِبُ تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ الْمَأْذُونِ فِيهِ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ ضَيِّقًا لَا يَدْخُلُ الْمَاءُ تَحْتَهُ، وَلَا يُعَدُّ حَائِلًا. بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ كَالذَّهَبِ لِلرَّجُلِ أَوْ الْمُتَعَدِّدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَزْعِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَاسِعًا يَدْخُلُ الْمَاءُ تَحْتَهُ فَيَكْفِي تَحْرِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّلْكِ بِالْخِرْقَةِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرَامِ كَالذَّهَبِ، أَوْ الْمَكْرُوهِ كَالنُّحَاسِ، وَإِنْ كَانَ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ نَزْعُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَرَامٌ. وَقَوْلُهُ: [خَاتَمِهِ] الْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، فَيَشْمَلُ الْمُتَعَدِّدَ لِلْمَرْأَةِ. (وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ مَعَ شَعْرِ صُدْغَيْهِ وَمَا اسْتَرْخَى، لَا نَقْضُ ضُفُرِهِ. وَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَهُ فِي رَدِّ الْمَسْحِ) الْفَرِيضَةُ الثَّالِثَةُ: مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمُقَدَّمِ إلَى نُقْرَةِ الْقَفَا مَعَ مَسْحِ شَعْرِ صُدْغَيْهِ مِمَّا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فِي الْوَجْهِ. وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَمْسَحُ بَلْ يَغْسِلُ فِي الْوَجْهِ. وَيَدْخُلُ فِي الرَّأْسِ الْبَيَاضُ الَّذِي فَوْقَ وَتَدَيْ الْأُذُنَيْنِ كَمَا مَرَّ، وَمَعَ مَسْحِ مَا اسْتَرْخَى مِنْ الشَّعْرِ وَلَوْ طَالَ جِدًّا. وَلَيْسَ عَلَى الْمَاسِحِ - مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى - نَقْضُ مَضْفُورِهِ وَلَوْ اشْتَدَّ الضَّفْرُ مَا لَمْ يَكُنْ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ، وَإِلَّا نُقِضَ؛ لِأَنَّهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مَعَ وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبَاءَ فِي [بِتَخْلِيلِ] بِمَعْنَى مَعَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ ضَيِّقًا] : لَكِنَّهُ إذَا كَانَ ضَيِّقًا فَنَزَعَهُ تَدَارَكَ مَا تَحْتَهُ وَمِنْهُ أَسَاوِرُ الْمَرْأَةِ. وَالظَّاهِرُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُ الْخَاتَمِ نِيَابَةً عَمَّا تَحْتَهُ بِخِلَافِ الشَّوْكَةِ. قَوْلُهُ: [مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَرَامٌ] : أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ صِحَّةِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ صَحِيحٌ حَيْثُ كَانَ وَاسِعًا عَلَى كُلِّ حَالٍ. [تَنْبِيه غَسَلَ النِّسَاء شعرهن] قَوْلُهُ: [وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا يَلْزَمُ غَسْلُهُ عِنْدَ كَثْرَةِ الْعَرَقِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَغْسِلُهُ عِنْدَ الْعَرَقِ لِئَلَّا يُضِيفَ الْمَاءَ، فَلَيْسَ كَلَامُهُ بِشَيْءٍ، فَلَوْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَغَسَلَهُ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: [بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ] : حَاصِلَةُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَيْطَيْنِ نُقِضَ فِي

حَائِلٌ، وَاغْتُفِرَ الْخَيْطَانِ. وَأَمَّا الْغَسْلُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَقْضِ مَا اشْتَدَّ ضَفْرُهُ وَلَوْ بِنَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يُظَنُّ سَرَيَانُ الْمَاءِ فِي خِلَالِهِ كَالْمَضْفُورِ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ. وَأَدْخَلَ الْمَاسِحُ يَدَهُ وُجُوبًا تَحْتَ الشَّعْرِ الْمُسْتَطِيلِ فِي رَدِّ الْمَسْحِ إذْ لَا يَحْصُلُ التَّعْمِيمُ إلَّا بِهِ. وَمَحَلُّ قَوْلِهِمْ: الرَّدُّ سُنَّةٌ، أَيْ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، ذَكَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ. وَرَدَّ: بِأَنَّ جَمِيعَ نُصُوصِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بَعْدَ مَسْحِ ظَاهِرِ الشَّعْرِ أَوَّلًا سُنَّةٌ، وَلَا يَجِبُ رَدٌّ أَصْلًا. (وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ بِالْكَعْبَيْنِ النَّاتِئَيْنِ بِمِفْصَلَيْ السَّاقَيْنِ مَعَ تَعَهُّدِ مَا تَحْتَهُمَا كَأُخْمُصَيْهِ، وَنُدِبَ تَخْلِيلُ أَصَابِعِهِمَا) : الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: غَسْلُ جَمِيعِ الرِّجْلَيْنِ، أَيْ الْقَدَمَيْنِ مَعَ إدْخَالِ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ؛ وَهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ أَيْ الْبَارِزَانِ أَسْفَلَ السَّاقِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: اشْتَدَّ أَمْ لَا. وَبِخَيْطٍ أَوْ بِخَيْطَيْنِ إنْ اشْتَدَّ فِيهِمَا نُقِضَ وَإِلَّا فَلَا. وَبِنَفْسِهِ لَا يُنْقَضُ فِي الْوُضُوءِ مُطْلَقًا، وَيُنْقَضُ فِي الْغُسْلِ إنْ اشْتَدَّ، لَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، قَالَ شَيْخُنَا الْجَدَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنْ فِي ثَلَاثِ الْخَيْطِ يُضَفَّرُ الشَّعْرُ ... فَنَقْضُهُ فِي كُلِّ حَالٍ قَدْ ظَهَرَ وَفِي أَقَلَّ إنْ يَكُنْ ذَا شَدَّهُ ... فَالنَّقْضُ فِي الطُّهْرَيْنِ صَارَ عَمْدَهُ وَإِنْ خَلَا عَنْ الْخُيُوطِ أَبْطَلَهُ ... فِي الْغُسْلِ إنْ شَدَّ وَإِلَّا أَهْمَلَهُ تَنْبِيهٌ: يَنْفَعُ النِّسَاءَ فِي الْوُضُوءِ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْغُسْلِ تَقْلِيدُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يَكْتَفِي فِي الْغُسْلِ بِوُصُولِ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ الْمُسْتَرْخِيَ مِنْ الشَّعْرِ. بَلْ لَوْ كَانَ الْمُسْتَرْخِي جَافًّا عِنْدَهُ فَلَا ضَرَرَ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ. قَوْلُهُ: [وَاغْتُفِرَ الْخَيْطَانِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَشْتَدَّ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ رَدٌّ أَصْلًا] : وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْقَانِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الْبَاطِنِ، وَالْمَسْحُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ. وَمَحَلُّ كَوْنِ الرَّدِّ سُنَّةً وَلَوْ فِي الشَّعْرِ الطَّوِيلِ - إذَا بَقِيَ بِيَدِهِ بَلَلٌ مِنْ الْمَسْحِ الْوَاجِبِ، فَإِنْ بَقِيَ مَا يَكْفِي فِي الرَّدِّ هَلْ يُسَنُّ بِقَدْرِ الْبَلَلِ فَقَطْ - وَهُوَ الظَّاهِرُ - أَوْ يَسْقُطُ؟ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَقَدْ ظَهَرَ لِلشَّارِحِ ضَعْفُهُ. قَوْلُهُ: [بِالْكَعْبَيْنِ] : الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ بِمَعْنَى مَعَ، بِخِلَافِهَا فِي قَوْلِهِ: [بِمَفْصِلَيْ السَّاقَيْنِ] ، فَإِنَّهَا لِلظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنَى: فِي.

[الدلك والموالاة في الوضوء]

تَحْتَهُمَا مَفْصِلُ السَّاقِ، وَالْمَفْصِلُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - وَاحِدُ الْمَفَاصِلِ. وَبِالْعَكْسِ اللِّسَانُ. وَيَجِبُ تَعَهُّدُ مَا تَحْتَهُمَا كَالْعُرْقُوبِ وَالْأَخْمُصِ - وَهُوَ بَاطِنُ الْقَدَمِ - بِالْغَسْلِ، وَكَذَا سَائِرُ الْمَغَابِنِ. وَيُنْدَبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، يَبْدَأُ نَدْبًا بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى، وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِهَا مِنْ أَسْفَلِهَا بِسَبَّابَتِهِ، ثُمَّ يَبْدَأُ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِهَا كَذَلِكَ، وَالدَّلْكُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى. (وَدَلْكٌ خَفِيفٌ بِيَدٍ) : الْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ: الدَّلْكُ: وَهُوَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ وَلَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَاحِدُ الْمَفَاصِلِ] : هُوَ مَجْمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ مِنْ الْقَدَمِ، وَالْعَقِبُ تَحْتَهُ. قَوْلُهُ: [كَالْعُرْقُوبِ] : هُوَ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، وَمُرَادُهُ بِالْعُرْقُوبِ مَا يَشْمَلُ الْعَقِبَ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» . قَوْلُهُ: [وَيُنْدَبُ تَخْلِيلُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ التَّخْلِيلِ فِي الرِّجْلَيْنِ كَالْيَدَيْنِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِ فِيهِمَا وَنَدْبِهِ فِيهِمَا. وَالْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ فِي الْيَدَيْنِ وَالنَّدْبُ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي الْيَدَيْنِ لِعَدَمِ شِدَّةِ الْتِصَاقِهِمَا بِخِلَافِ الرِّجْلَيْنِ. قَوْلُهُ: [مِنْ أَسْفَلِهَا] إلَخْ: مَنْدُوبٌ ثَانٍ. تَنْبِيهٌ: قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَلَا يُعِيدُ مُزِيلٌ كَاللِّحْيَةِ - عَلَى الرَّاجِحِ - وَلَوْ كَثِيفَةً، وَحُرِّمَ عَلَى الرَّجُلِ وَوَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ كَشْطُ جِلْدٍ، وَأَوْلَى قَلْمُ ظُفْرٍ وَحَلْقُ رَأْسٍ. وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ الْآنَ لِمَنْ عَادَتُهُ الْحَلْقُ (اهـ) . قَالَ فِي حَاشِيَته: لِأَنَّهُ صَارَ عَلَامَةً عَلَى دَعْوَى الْوَلَايَةِ، وَالْكَذِبُ فِيهَا يُخْشَى مِنْهُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى. [الدلك وَالْمُوَالَاة فِي الْوُضُوء] قَوْلُهُ: [وَدَلْكٌ] إلَخْ: هُوَ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ وَصَلَ الْمَاءُ لِلْبَشَرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِنَاءً

بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ قَبْلَ جَفَافِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ: بَاطِنُ الْكَفِّ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ فَلَا يَكْفِي دَلْكُ الرِّجْلِ بِالْأُخْرَى، خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا الدَّلْكُ بِظَاهِرِ الْيَدِ. وَهَذَا فِي الْوُضُوءِ، وَأَمَّا فِي الْغُسْلِ فَيَكْفِي كَمَا سَيَأْتِي. وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَيُكْرَهُ التَّشْدِيدُ وَالتَّكْرَارُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ الْمُؤَدِّي لِلْوَسْوَسَةِ. (وَمُوَالَاةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ) : الْفَرِيضَةُ السَّادِسَةُ: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِأَنْ لَا يَتَرَاخَى بَيْنَهُمَا. وَالتَّعْبِيرُ (بِالْمُوَالَاةِ) أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْفَوْرِ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَجَلَةَ حِينَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ. وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ إنْ كَانَ ذَاكِرًا قَادِرًا عَلَيْهَا. فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ اخْتِيَارًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بَطَلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْوُضُوءِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْغُسْلِ، وَإِلَّا كَانَ مُجَرَّدَ إفَاضَةٍ أَوْ غَمْسٍ. إنْ قُلْت: حَيْثُ كَانَ الدَّلْكُ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْغُسْلِ، فَفَرْضِيَّةُ الْغُسْلِ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ؟ قُلْت: ذَكَرَهُ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ الْقَوِيِّ الْقَائِلِ: إنَّهُ وَاجِبٌ لِإِيصَالِ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ، فَإِنْ وَصَلَ لَهَا بِدُونِهِ لَمْ يَجِبْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ يُسَمَّى غَسْلًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْعَلَّامَةِ الْعَدَوِيِّ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِأَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ مُقَارَنَةِ الْيَدِ لِلصَّبِّ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ] إلَخْ: هَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَفِي (ب ن) نَقْلًا عَنْ الْمِسْنَاوِيِّ: أَنَّ الدَّلْكَ فِي الْوُضُوءِ كَالْغُسْلِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَيَكْفِي الدَّلْكُ بِأَيِّ عُضْوٍ كَانَ، أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِحَكِّ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ بِالْأُخْرَى، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَمِنْ شَيْخِنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ. تَنْبِيهٌ: لَا يَضُرُّ إضَافَةُ الْمَاءِ بِسَبَبِ الدَّلْكِ حَيْثُ عَمَّ الْمَاءُ الْعُضْوَ حَالَةَ كَوْنِهِ طَهُورًا، إلَّا أَنْ يَتَجَسَّدَ الْوَسَخُ قَالَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ بِمُرَادٍ] : أَيْ بَلْ الْمُرَادُ عَدَمُ التَّرَاخِي الَّذِي بِهِ الْجَفَافُ. قَوْلُهُ: [قَادِرًا عَلَيْهَا] : قَيَّدَهَا الْمُصَنَّف وَالشَّارِحُ بِالْقُدْرَةِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ، وَهُوَ

وَأَعَادَهُ بِالنِّيَّةِ. وَإِنْ فَرَّقَ نَاسِيًا كَوْنَهُ فِي وُضُوءٍ، أَوْ عَاجِزًا عَنْهَا، فَفِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَبَنَى النَّاسِي مُطْلَقًا بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ كَالْعَاجِزِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَإِلَّا بَنَى مَا لَمْ يُطِلْ بِجَفَافِ عُضْوٍ وَزَمَنٍ اعْتَدَلَا كَالْعَامِدِ) : يَعْنِي أَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ نَاسِيًا كَوْنَهُ فِي وُضُوءٍ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ طَالَ الزَّمَنُ أَوْ لَمْ يَطُلْ، وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، بِنِيَّةِ إتْمَامِ وُضُوئِهِ وَهُوَ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ. وَأَمَّا لَوْ فَرَّقَ عَاجِزًا عَنْ إكْمَالِ الْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفْرِطًا فِي أَسْبَابِ الْعَجْزِ؛ كَمَا لَوْ أَعَدَّ مَاءً كَافِيًا لِوُضُوئِهِ فَأُهْرِيقَ مِنْهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَشْهُورُ، وَإِنْ نَازَعَهُ (ر) وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: سُنَّةٌ وَعَلَيْهِ إنْ فَرَّقَ نَاسِيًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَا عَامِدًا عَلَى مَا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا، كَتَرْكِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَّتِهَا عَمْدًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَأَعَادَهُ بِالنِّيَّةِ] : أَيْ ابْتَدَأَهُ وُجُوبًا إنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَبْنِي] إلَخْ: أَيْ إنْ شَاءَ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَالْمُتَوَضِّئُ مُخَيَّرٌ فِي إتْمَامِ الْوُضُوءِ وَتَرْكِهِ، حَصَلَ نِسْيَانٌ أَمْ لَا. فَيَجُوزُ لَهُ رَفْضُ النِّيَّةِ وَيَبْتَدِئُهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صَلَاةٌ وَصَوْمٌ ثُمَّ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ ... طَوَافٌ عُكُوفٌ وَائْتِمَامٌ تَحَتَّمَا وَفِي غَيْرِهَا كَالطُّهْرِ وَالْوَقْفِ خُيِّرْنَ ... فَمَنْ شَاءَ فَلِيَقْطَعْ وَمَنْ شَاءَ تَمَّمَا وَلِابْنِ كَمَالٍ بَاشَا مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: مِنْ النَّوَافِلِ سَبْعٌ تَلْزَمُ الشَّارِعَ ... أَخْذًا لِذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ الشَّارِعُ صَوْمٌ صَلَاةٌ عُكُوفٌ حَجُّهُ الرَّابِعُ ... طَوَافُهُ عُمْرَةٌ إحْرَامُهُ السَّابِعُ فَأَرَادَ الْإِحْرَامَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَالدُّخُولَ مَعَهُمْ. وَهُوَ الِائْتِمَامُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَيَجِبُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالشُّرُوعِ أَيْضًا، قَالَ الْمُحَلَّى وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ طَلَبُ الْكِفَائِيّ بِالشُّرُوعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ عِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. قَوْلُهُ: [بِنِيَّةِ إتْمَامٍ] إلَخْ: أَيْ بِتَجْدِيدِ نِيَّةٍ. لِأَنَّ النِّيَّةَ الْأُولَى ذَهَبَتْ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ فَنِيَّتُهُ حَاضِرَةٌ حُكْمًا فَلَا يَحْتَاجُ لِتَجْدِيدٍ. قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ أَعَدَّ مَاءً كَافِيًا] : أَيْ تَحْقِيقًا.

أَوْ غُصِبَ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الْإِتْمَامِ فَإِنَّهُ يَبْنِي كَالنَّاسِي مُطْلَقًا طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ - وَإِنْ كَانَ مُفْرِطًا - كَمَا لَوْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ وَلَوْ ظَنًّا وَلَمْ يَكْفِهِ - فَإِنَّهُ: يَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ مَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَامِدِ الْمُخْتَارِ؛ كَاَلَّذِي يَغْسِلُ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ بِمَكَانٍ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ لِتَكْمِيلِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ، أَوْ اسْتَمَرَّ فِي مَكَانِهِ تَارِكًا لِتَكْمِيلِ وُضُوئِهِ قَصْدًا بِلَا رَفْضٍ. فَإِنْ طَالَ ابْتَدَأَ وُضُوءَهُ وُجُوبًا لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ. وَالطُّولُ يُقَدَّرُ بِجَفَافِ الْعُضْوِ الْأَخِيرِ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ؛ أَيْ الَّذِي لَا حَرَارَةَ بِهِ وَلَا بُرُودَةَ وَلَا شِدَّةَ هَوَاءٍ. وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا اعْتِدَالُ الْعُضْوِ، أَيْ تَوَسُّطُهُ بَيْنَ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ، احْتِرَازًا مِنْ عُضْوِ الشَّابِّ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ السِّنِّ. وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ اعْتِدَالِ الْمَكَانِ أَيْضًا بِأَنْ لَا يَكُونَ الْقُطْرُ حَارًّا وَلَا بَارِدًا. (وَأَتَى بِالْمَنْسِيِّ فَقَطْ إنْ طَالَ، وَإِلَّا أَعَادَ مَا بَعْدَهُ لِلتَّرْتِيبِ) : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الْإِتْمَامِ] : أَيْ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ أَوْ سُرِقَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ لَكِنَّ النَّاسِيَ بِتَجْدِيدِ النِّيَّةِ بِخِلَافِ هَذَا لِمَا عَلِمْت. فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا مُطْلَقًا خَمْسٌ غَيْرَ النَّاسِي. قَوْلُهُ: [وَلَوْ ظَنًّا] : مِنْ قِبَلِ الْمُبَالَغَةِ: الْجَزْمُ بِعَدَمِ الْكِفَايَةِ. فَمَنْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ جَزْمًا أَوْ ظَنًّا يَبْنِي مَا لَمْ يَطُلْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. وَأَوْلَى مِنْهُمَا فِي الْحُكْمِ مَنْ ظَنَّ الْكِفَايَةَ أَوْ شَكَّ فِيهَا. وَمِثْلُ هَذِهِ الصُّوَرِ؛ الْمُفَرِّقُ عَمْدًا بِغَيْرِ نِيَّةِ رَفْضِ الْوُضُوءِ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الصُّوَرَ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا - مَا لَمْ يُطِلْ - خَمْسٌ، وَالصُّوَرُ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا - وَلَوْ طَالَ - سِتٌّ بِالنَّاسِي. وَكُلُّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ فَتُؤْخَذُ السِّتُّ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا مُطْلَقًا مِنْ قَوْلِهِ: [وَبَنَى النَّاسِي مُطْلَقًا بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْوُضُوءِ كَالْعَاجِزِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ] . وَتُؤْخَذُ الْخَمْسُ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا مَا لَمْ يُطِلْ مِنْ قَوْلِهِ: [وَإِلَّا بَنَى مَا لَمْ يُطِلْ] ، وَقَوْلِهِ: [كَالْعَامِدِ] . وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: مَنْ عَلِمَ عَدَمَ الْكِفَايَةِ أَوْ ظَنَّهَا فَلَا يَبْنِي وَلَوْ قَرَّبَ لِلتَّلَاعُبِ وَالدُّخُولِ عَلَى الْفَسَادِ. قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ اعْتِدَالِ الْمَكَانِ] : كَمَا عَزَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ لِابْنِ حَبِيبٍ. قَوْلُهُ: [هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تَعَلُّقَاتِ] إلَخْ: فَلِذَلِكَ قَدَّمَهَا هُنَا، وَإِنْ ذَكَرَهَا

[النية في الوضوء]

مِنْ تَعَلُّقَاتِ التَّرْكِ لِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ نِسْيَانًا. وَحَاصِلُهَا: أَنَّ مَنْ فَعَلَ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ وَتَرَكَ جَمِيعَ مَا بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَتَرَكَ الْبَاقِيَ نِسْيَانًا مِنْهُ، بِأَنْ ذَهِلَ عَنْ كَوْنِهِ يَتَوَضَّأُ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْبَاقِيَ بِنِيَّةٍ، طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا لَوْ تَرَكَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً فِي أَثْنَاءِ وُضُوئِهِ نِسْيَانًا وَتَمَّمَ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ مُعْتَقِدًا الْكَمَالَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ الْمَتْرُوكَ، كَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَتَرَكَ إحْدَى الْيَدَيْنِ نَاسِيًا وَفَعَلَ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَوْ نَبَّهَهُ أَحَدٌ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَنُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَوْ لَا. فَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ الْمَنْسِيِّ وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ. وَإِنْ لَمْ يَطُلْ - بِأَنْ لَمْ تَجِفَّ الْأَعْضَاءُ - فَعَلَ الْمَنْسِيَّ وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ اسْتِنَانًا لِأَجْلِ تَحْصِيلِ سُنَّةِ التَّرْتِيبِ، فَهِيَ مُلَاحَظَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الطُّولِ. (وَنِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ فِي ابْتِدَائِهِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَا مَنَعَهُ أَوْ أَدَاءِ الْفَرْضِ) : الْفَرِيضَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQخَلِيلٌ فِي السُّنَنِ. قَوْلُهُ: [كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ] : أَيْ مِنْ مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ نِسْيَانًا، فَإِنْ كَانَ صَلَّى أَعَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ إتْمَامِ الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ تَرَكَ عُضْوًا] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي مَعْنَى الْمُصَنِّفِ هُنَا. قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ] إلَخْ: مِثَالٌ لِتَرْكِ الْعُضْوِ وَلَمْ يُمَثِّلْ لِتَرْكِ اللُّمْعَةِ وَهِيَ كَمَنْ تَرَكَ بَعْضَ وَجْهِهِ أَوْ غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ] : أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: [بِجَفَافِ عُضْوٍ وَزَمَنٍ اعْتَدَلَا] . قَوْلُهُ: [اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ الْمَنْسِيِّ] : أَيْ أَتَى بِهِ وَحْدَهُ بِنِيَّةِ إكْمَالِ الْوُضُوءِ، وَيُثَلِّثُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُثَلَّثُ. قَوْلُهُ: [اسْتِنَانًا] : وَقِيلَ نَدْبًا. وَيُعِيدُهُ مَرَّةً إنْ فَعَلَهُ أَوَّلًا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، وَإِلَّا فِيمَا يُكْمِلُ الثَّلَاثَ، وَهَذَا فِي تَرْكِ الْعُضْوِ أَوْ اللُّمْعَةِ نِسْيَانًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِمَّا عَمْدًا أَوْ عَجْزًا، فَإِنْ لَمْ يُطِلْ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ وُجُوبًا وَبِمَا بَعْدَهُ اسْتِنَانًا أَوْ نَدْبًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّسْيَانِ، وَإِنْ طَالَ فَفِي الْحَقِيقَةِ يَأْتِي بِهِ وَحْدَهُ، وَفِي الْعَمْدِ وَالْعَجْزِ الْحُكْمِيِّ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ لِبُطْلَانِهِ. [النِّيَّة فِي الْوُضُوء] [تَنْبِيه النِّيَّة لَوْ تَقَدَّمَتْ كَثِيرًا] قَوْلُهُ: [فِي ابْتِدَائِهِ] : هُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ عِنْدَ أَوَّلِ مَغْسُولٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ اسْتِبَاحَةٍ] إلَخْ: بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ، فَكَيْفِيَّتُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ كَمَا قَالَ

السَّابِعَةُ: النِّيَّةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ كَغَسْلِ الْوَجْهِ، بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، أَيْ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْأَعْضَاءِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ أَوْ يَقْصِدُ أَدَاءَ فَرْضِ الْوُضُوءِ. وَالْأَوْلَى تَرْكُ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّيَّةِ الْقَصْدُ بِالْقَلْبِ لَا عَلَاقَةَ لِلِّسَانِ بِهَا. (وَإِنْ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ الْخَبَثِ، أَوْ إخْرَاجِ بَعْضِ مَا يُبَاحُ) : يُشِيرُ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ تَكْفِي وَلَوْ صَاحَبَهَا نِيَّةُ رَفْعِ حُكْمِ الْخَبَثِ الْكَائِنِ عَلَى الْعُضْوِ، أَوْ إخْرَاجِ بَعْضِ مَا يُبَاحُ بِالْوُضُوءِ؛ كَأَنْ يَنْوِيَ بِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَا مَسَّ الْمُصْحَفِ أَوْ صَلَاةَ الظُّهْرِ لَا الْعَصْرِ. وَجَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ لِأَنَّ حَدَثَهُ قَدْ ارْتَفَعَ بِاعْتِبَارِ مَا قَصَدَهُ. (بِخِلَافِ نِيَّةِ مُطْلَقِ الطَّهَارَةِ أَوْ إخْرَاجِ نَاقِضٍ، أَوْ نِيَّةِ إنْ كُنْت أَحْدَثْت، فَلَهُ) : يَعْنِي إذَا نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ الشَّامِلَةِ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، أَيْ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُصَنِّفُ، وَهِيَ: نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَا مَنَعَهُ، أَوْ أَدَاءِ الْفَرْضِ. وَيُرِيدُ بِهِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ لِيَشْمَلَ وُضُوءَ الصَّبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَ [أَوْ] فِي كَلَامِهِ مَانِعَةُ خُلُوٍّ، فَتُجَوِّزُ الْجَمْعَ. بَلْ الْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي قَصْدِهِ أَوْ لَفْظِهِ إنْ لُفِظَ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [أَيْ الْمَنْعُ] إلَخْ: هُوَ أَحَدُ مَعْنَيَيْنِ لِلْحَدَثِ هُنَا، وَالثَّانِي الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ. وَالْمُرَادُ بِرَفْعِ الْمَنْعِ: رَفْعُ تَعَلُّقِهِ بِالشَّخْصِ، فَيَرْجِعُ لِرَفْعِ الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ. قَوْلُهُ: [مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ] : أَيْ فِعْلًا مَنَعَهُ إلَخْ مَنْعَ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِ الطَّهَارَةِ. قَوْلُهُ: [الْقَصْدُ] : أَيْ إلَى الْعِبَادَةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَأَفَادَ الشَّارِحُ حَقِيقَتَهَا وَكَيْفِيَّتَهَا. وَأَمَّا زَمَنُهَا: فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: [عِنْدَ ابْتِدَاءِ] الْوُضُوءِ. وَالْمَحَلُّ: مِنْ قَوْلِهِ: [بِقَلْبِهِ] . وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا وَهُوَ تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ، وَبَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ: مِنْ قَوْلِهِ: [الْقَصْدُ بِالْقَلْبِ] . وَالْحُكْمُ: مِنْ عَدِّهَا مِنْ الْفَرَائِضِ. وَالشَّرْطُ: أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ. وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَوْ: [إخْرَاجُ نَاقِضٍ] إلَخْ، وَقَدْ جَمَعَ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِقَوْلِهِ: سَبْعُ سُؤَالَاتٍ أَتَتْ فِي نِيَّةٍ ... تُلْقَى لِمَنْ حَاوَلَهَا بِلَا وَسَنْ حَقِيقَةٌ حُكْمٌ مَحَلٌّ وَزَمَنٌ ... كَيْفِيَّةٌ شَرْطٌ وَمَقْصُودٌ حَسَنْ قَوْلُهُ: [وَإِنْ مَعَ نِيَّةٍ] إلَخْ: وَمِثْلُهُ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّدَفِّي أَوْ النَّظَافَةِ.

فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهَا لَا تَكْفِي لِحُصُولِ التَّرَدُّدِ فِي الْحَقِيقَةِ. وَأَمَّا لَوْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ لَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَ سَنَدٌ، لِأَنَّ فِعْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ. وَكَذَا لَا تُجْزِئُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ مَعَ إخْرَاجِ حَدَثٍ نَاقِضٍ، كَأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ الْبَوْلِ، أَوْ: إلَّا مِنْ الْبَوْلِ، أَوْ: نَوَيْته مِنْ الْغَائِطِ لَا مِنْ الْبَوْلِ، وَكَذَا لَا تُجْزِئُ إذَا حَصَلَ عِنْدَهُ شَكٌّ فِي وُضُوئِهِ: إنْ كُنْت أَحْدَثْت فَهَذَا الْوُضُوءُ لِذَلِكَ الْحَدَثِ، لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ. (وَلَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا، بِخِلَافِ الرَّفْضِ فِي الْأَثْنَاءِ، لَا بَعْدَهُ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ) : أَيْ أَنَّ عُزُوبَ النِّيَّةِ: أَيْ ذَهَابَهَا بَعْدَ أَنْ أَتَى بِهَا فِي أَوَّلِهِ - بِأَنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهَا عِنْدَ فِعْلِ غَيْرِ الْفَرْضِ الْأَوَّلِ - لَا يَضُرُّ فِي الْوُضُوءِ. بِخِلَافِ الرَّفْضِ: أَيْ الْإِبْطَالِ فِي أَثْنَائِهِ بِأَنْ يُبْطِلَ مَا فَعَلَهُ مِنْهُ، كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ: أَبْطَلْت وُضُوئِي، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ عَلَى الرَّاجِحِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاؤُهُ إنْ أَرَادَ بِهِ صَلَاةً وَنَحْوَهَا. بِخِلَافِ رَفْضِهِ بَعْدَ إتْمَامِهِ، فَلَا يَضُرُّ. وَجَازَ لَهُ أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [غَيْرُ مُعَيَّنٍ] : أَيْ بِحَيْثُ صَارَ صَادِقًا بِالْحَدَثِ وَالْخَبَثِ أَوْ بِالْخَبَثِ فَقَطْ أَوْ بِالْحَدَثِ فَقَطْ، فَالضَّرَرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [كَمَا قَالَ سَنَدٌ] : وَمِثْلُهُ إذَا نَوَى الطَّهَارَةَ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقِهَا فِي الْحَدَثِ، فَالْإِجْزَاءُ فِي صُورَتَيْنِ. قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ الْبَوْلِ] : أَيْ مَعَ حُصُولِ الْبَوْلِ مِنْهُ، فَلَا ضَرَرَ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا مِنْ الْبَوْلِ] : أَيْ وَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ كَغَيْرِهِ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا ضَرَرَ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [لَا مِنْ الْبَوْلِ] : أَيْ وَقَدْ خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ بَاطِلٌ، حَصَلَ مِنْهُ مَا نَوَاهُ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ الْجَزْمِ] : أَيْ لِأَنَّ النِّيَّةَ مُتَرَدِّدَةٌ لِكَوْنِهِ عَلَّقَهَا عَلَى حَدَثٍ مُحْتَمَلٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّكُّ نَاقِضًا - إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي نِيَّتِهِ فَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى عَدَمِ نَقْضِ الشَّكِّ وِفَاقًا لِلْحَطَّابِ. وَأَمَّا لَوْ شَكَّ فِي الْوُضُوءِ، وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ مِمَّا شَكَّ فِيهِ فَيَرْتَفِعُ قَطْعًا. قَوْلُهُ: [وَلَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا] إلَخْ. يُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يَأْتِ بِنِيَّةٍ مُضَادَّةٍ كَنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. وَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ فِي الْأَثْنَاءِ انْقِضَاءَ الطَّهَارَةِ وَكَمَالَهَا، وَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ بَعْضَهَا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَلَا يُجْزِي: انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ

[سنن الوضوء]

يُصَلِّيَ بِهِ، إذْ لَيْسَ مِنْ نَوَاقِضِهِ إبْطَالُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ. وَمِثْلُ الْوُضُوءِ الْغُسْلُ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ فَيُرْتَفَضَانِ فِي الْأَثْنَاءِ قَطْعًا، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الصَّوْمِ لَا بَعْدَ تَمَامِهَا عَلَى أَظْهَرْ الْقَوْلَيْنِ الْمُرَجَّحَيْنِ. وَأَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَلَا يُرْتَفَضَانِ مُطْلَقًا وَيَرْتَفِضُ التَّيَمُّمُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُصَلِّ بِهِ، لِضَعْفِهِ. (وَسُنَنُهُ: غَسْلُ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، إنْ أَمْكَنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQنَقْلًا عَنْ (ب ن) . قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ] : أَيْ وَمِثْلُهُمَا الِاعْتِكَافُ لِاحْتِوَائِهِ عَلَيْهِمَا. بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنَّ رَفْضَ الْوُضُوءِ جَائِزٌ، كَمَا يَجُوزُ الْقُدُومُ عَلَى الْمَسِّ، وَإِخْرَاجِ الرِّيحِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَفِي الْحَجِّ نَظَرٌ، وَأَمَّا الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالِاعْتِكَافُ فَالْحُرْمَةُ، وَبَعْضُ الشُّيُوخِ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّفْضِ وَنَقْضِ الْوُضُوءِ فَمَنَعَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَالْوُضُوءُ عَمَلٌ، قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الْمَقَاصِدُ لَا الْوَسَائِلُ، وَحِينَئِذٍ فَرَفْضُ الْوُضُوءِ كَنَقْضِهِ جَائِزٌ، وَاسْتَظْهَرَهُ الشَّبْرَخِيتِيُّ. تَنْبِيهٌ: لَوْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ بِكَثِيرٍ تَضُرُّ اتِّفَاقًا، وَفِي تَقَدُّمِهَا بِيَسِيرٍ خِلَافٌ، وَأَمَّا تَأَخُّرُهَا فَيَضُرُّ مُطْلَقًا لِخُلُوِّ بَعْضِهِ عَنْ النِّيَّةِ، فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ أَوَّلُ الْوُضُوءِ مَا نَوَى عِنْدَهُ. [سُنَن الْوُضُوء] قَوْلُهُ: [غَسْلُ يَدَيْهِ] : أَيْ تَعَبُّدًا، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي إنَائِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» ، فَتَعْلِيلُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَعْقُولٌ، وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلتَّعَبُّدِ بِالتَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثِ، إذْ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ أَشْهَبُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَافَةِ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقِيلَ: السُّنَّةُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْغَسْلِ خَارِجَ الْإِنَاءِ مُطْلَقًا سَوَاءً تَوَضَّأَ مِنْ نَهْرٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ إنَاءٍ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.

الْإِفْرَاغُ، وَإِلَّا أَدْخَلَهُمَا فِيهِ كَالْكَثِيرِ وَالْجَارِي، وَنُدِبَ تَفْرِيقُهُمَا) لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُنَنِهِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: السُّنَّةُ الْأُولَى: غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا إلَى كُوعَيْهِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ. فَإِنْ أَدْخَلَهُمَا فِيهِ وَغَسَلَهُمَا فِيهِ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الْغَسْلِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا كَآنِيَةِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، وَأَمْكَنَ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ كَالصَّحْفَةِ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ جَارٍ. فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَوْ جَارِيًا أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ كَالْحَوْضِ الصَّغِيرِ، أَدْخَلَهُمَا فِيهِ - إنْ كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ أَوْ غَيْرَ نَظِيفَتَيْنِ - وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِإِدْخَالِهِمَا فِيهِ، وَإِلَّا تَحَيَّلَ عَلَى غَسْلِهِمَا خَارِجَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ كَعَادِمِ الْمَاءِ. وَهَلْ التَّثْلِيثُ وَالتَّفْرِيقُ - بِأَنْ يَغْسِلَ كُلَّ يَدٍ ثَلَاثًا عَلَى حِدَتِهَا - مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ؟ أَوْ يَكْفِي غَسْلُهُمَا مَرَّةً وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مُسْتَحَبَّتَانِ وَلَوْ مُجْتَمِعَتَيْنِ؟ قَوْلَانِ. الْأَرْجَحُ الِاكْتِفَاءُ قِيَاسًا عَلَى بَاقِي أَفْعَالِ الْوُضُوءِ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا التَّثْلِيثُ. وَلِذَا لَمْ نَذْكُرْ التَّثْلِيثَ فِي الْمَتْنِ، وَيُؤْخَذُ نَدْبُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِنْ قَوْلِنَا الْآتِي: (وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) وَبَيَّنَّا هُنَا أَنَّ التَّفْرِيقَ مَنْدُوبٌ. (وَمَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ، وَنُدِبَ فِعْلُ كُلٍّ بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ، وَمُبَالَغَةُ مُفْطِرٍ، وَاسْتِنْثَارٌ بِوَضْعِ أُصْبُعَيْهِ مِنْ الْيُسْرَى عَلَى أَنْفِهِ، وَمَسْحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا، وَتَجْدِيدُ مَائِهِمَا، وَرَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ إنْ بَقِيَ بَلَلٌ) : السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ: الْمَضْمَضَةُ: وَهِيَ إدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَخَضْخَضَتُهُ وَطَرْحُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْله: [لَكِنْ بِشَرْطٍ] إلَخْ: أَيْ فَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ. قَوْلُهُ: [وَالتَّفْرِيقُ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ طَلَبَ التَّفْرِيقِ هُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَغْسِلُهُمَا مَجْمُوعَتَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَطَرْحُهُ] : أَيْ لَا إنْ شَرِبَهُ أَوْ تَرَكَهُ سَالَ مِنْ فَمِهِ فَلَا يُجْزِي، وَلَا إنْ أَدْخَلَهُ وَمَجَّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.

وَالثَّالِثَةُ: الِاسْتِنْشَاقُ: وَهُوَ إدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْأَنْفِ وَجَذْبُهُ بِنَفَسِهِ إلَى دَاخِلِ أَنْفِهِ. وَنُدِبَ فِعْلُ كُلٍّ مِنْ هَاتَيْنِ السُّنَّتَيْنِ بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ؛ بِأَنْ يَتَمَضْمَضَ بِثَلَاثٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ بِثَلَاثٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: " وَفِعْلُهُمَا بِسِتٍّ أَفْضَلُ ": أَيْ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَهُمَا بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ، يَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ بِكُلِّ غُرْفَةٍ مِنْهَا، أَوْ بِغُرْفَتَيْنِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ. وَجَازَ أَوْ إحْدَاهُمَا بِغُرْفَةٍ. وَنُدِبَ لِلْمُفْطِرِ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْحَلْقِ وَآخِرِ الْأَنْفِ، وَكُرِهَتْ الْمُبَالَغَةُ لِلصَّائِمِ لِئَلَّا يُفْسِدَ صَوْمَهُ. فَإِنْ بَالَغَ وَوَصَلَ الْمَاءُ لِلْحَلْقِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. ثُمَّ لَا بُدَّ لِهَذِهِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ مِنْ نِيَّةٍ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهَا سُنَنَ الْوُضُوءِ، أَوْ يَنْوِيَ عِنْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ أَدَاءَ الْوُضُوءِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لِأَجْلِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إزَالَةِ غُبَارٍ، ثُمَّ أَرَادَ الْوُضُوءَ، فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا لِحُصُولِ السُّنَّةِ بِالنِّيَّةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَمَا قَالَ] إلَخْ: أَيْ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَضَمِيرُ الِاثْنَيْنِ فِي كَلَامِهِ عَائِدٌ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ. وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلنَّدَبِ. وَقَوْلُهُ: [بِغُرْفَةٍ] : رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَهُ، أَيْ جَازَا مَعًا بِغُرْفَةٍ وَجَازَ أَحَدُهُمَا بِغُرْفَةٍ. فَالْأَوَّلُ: كَأَنْ يَتَمَضْمَضَ بِغُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ مِنْ تِلْكَ الْغُرْفَةِ الَّتِي تَمَضْمَضَ مِنْهَا ثَلَاثًا عَلَى الْوَلَاءِ وَيَتَمَضْمَضُ وَاحِدَةً وَيَسْتَنْشِقُ أُخْرَى، وَهَكَذَا مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالثَّانِي: كَأَنْ يَتَمَضْمَضَ بِغُرْفَةٍ ثَلَاثًا وَيَسْتَنْشِقَ بِأُخْرَى ثَلَاثًا، وَبَقِيَ صِفَةٌ أُخْرَى وَالظَّاهِرُ جَوَازُهَا وَهِيَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْ غُرْفَة مَرَّتَيْنِ، وَالثَّالِثَةَ مِنْ ثَانِيَةٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ مِنْهَا ثُمَّ مَرَّةً يَسْتَنْشِقَ اثْنَتَيْنِ مِنْ غُرْفَة ثَالِثَةٍ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [ثُمَّ لَا بُدَّ لِهَذِهِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ] : الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ سُنَّةِ الِاسْتِنْثَارِ. وَيُبْدَلُ الثَّلَاثَةُ بِالْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّ الِاسْتِنْثَارَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ حُكْمُ الْأَرْبَعَةِ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: [لِحُصُولِ السُّنَّةِ بِالنِّيَّةِ] : اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ عِلَّةٌ لِلْإِعَادَةِ، فَ [الـ] فِي

الرَّابِعَةُ: الِاسْتِنْثَارُ: وَهُوَ دَفْعُ الْمَاءِ بِنَفَسِهِ مَعَ وَضْعِ أُصْبُعَيْهِ - السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى - عَلَى أَنْفِهِ كَمَا يَفْعَلُ فِي امْتِخَاطِهِ. الْخَامِسَةُ: مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. السَّادِسَةُ: تَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا. السَّابِعَةُ: رَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى بَلَلٌ مِنْ أَثَرِ مَسْحِ رَأْسِهِ، وَإِلَّا سَقَطَتْ سُنَّةُ الرَّدِّ. (وَتَرْتِيبُ فَرَائِضِهِ؛ فَإِنْ نَكَّسَ أَعَادَ الْمُنَكَّسَ وَحْدَهُ إنْ بَعُدَ بِجَفَافٍ، وَإِلَّا فَمَعَ تَابِعِهِ) : السُّنَّةُ الثَّامِنَةُ: تَرْتِيبُ الْفَرَائِضِ الْأَرْبَعَةِ، بِأَنْ يُقَدِّمَ الْوَجْهَ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَهُمَا عَلَى الرَّأْسِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَمَنْدُوبٌ، كَمَا يَأْتِي. فَإِنْ نَكَّسَ، بِأَنْ قَدَّمَ فَرْضًا عَلَى مَوْضِعِهِ الْمَشْرُوعِ لَهُ، كَأَنْ غَسَلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالسُّنَّةِ] لِلْجِنْسِ، فَيَشْمَلُ السُّنَنَ الْأَرْبَعَةَ. قَوْلُهُ: [مَعَ وَضْعِ] إلَخْ: فَإِنْ لَمْ يَضَعْ أُصْبُعَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ. وَلَا أَنْزَلَ الْمَاءَ مِنْ الْأَنْفِ بِالنَّفَسِ - وَإِنَّمَا نَزَلَ بِنَفْسِهِ - فَلَا يُسَمَّى اسْتِنْثَارًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْأُصْبُعَيْنِ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ، وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ. قَوْلُهُ: [مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى] : هُوَ مُسْتَحَبٌّ كَخُصُوصِ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ. قَوْلُهُ: [ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا] : الظَّاهِرُ مَا يَلِي الرَّأْسَ وَالْبَاطِنُ مَا يَلِي الْوَجْهَ، لِأَنَّهَا خُلِقَتْ كَالْوَرْدَةِ ثُمَّ انْفَتَحَتْ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. قَوْلُهُ: [السَّادِسَةُ] إلَخْ: وَبَقِيَ لَهُمَا سُنَّةٌ أُخْرَى وَهِيَ مَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ وَهُوَ الثُّقْبُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ رَأْسُ الْأُصْبُعِ مِنْ الْأُذُنِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ نَقْلًا عَنْ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ. لَكِنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ التَّوْضِيحُ أَنَّ مَسْحَ الصِّمَاخَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ، لَا أَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلِذَا تَرَكَهُ هُنَا وَعَدَّهَا ثَمَانِيَةً. قَوْلُهُ: [رَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ] : أَيْ إلَى حَيْثُ بَدَأَ فَيَرُدُّ مِنْ الْمُؤَخَّرِ إلَى الْمُقَدَّمِ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ مِنْ أَحَدِ الْفَوْدَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا سَقَطَتْ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّحْدِيدَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَكْرُوهَاتِ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّدَّ سُنَّةٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّعْرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ خِلَافًا لِمَنْ فَصَلَ. قَوْلُهُ: [وَتَرْتِيبُ فَرَائِضِهِ] : أَيْ وَأَمَّا السُّنَنُ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ، فَسَيَأْتِيَانِ

[فضائل الوضوء]

الْوَجْهِ أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْيَدَيْنِ أَوْ قَبْلَ الْوَجْهِ، أَعَادَ الْمُنَكَّسَ اسْتِنَانًا وَحْدَهُ مَرَّةً وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهُ، إنْ طَالَ مَا بَيْنَ انْتِهَاءِ وُضُوئِهِ وَتَذَكُّرِهِ طُولًا مُقَدَّرًا بِجَفَافِ الْعُضْوِ الْأَخِيرِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ اعْتَدِلَا. فَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَهُ مَرَّةً فَقَطْ مَعَ تَابِعِهِ شَرْعًا فَلَوْ بَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ ثُمَّ بِوَجْهِهِ فَرَأْسِهِ فَرِجْلَيْهِ، فَإِنْ تَذَكَّرَ بِالْقُرْبِ أَعَادَ الذِّرَاعَيْنِ مَرَّةً وَمَسَحَ الرَّأْسَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَّةً، سَوَاءٌ نَكَّسَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا. وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ طُولٍ أَعَادَ الذِّرَاعَيْنِ فَقَطْ مَرَّةً إنْ نَكَّسَ سَهْوًا، وَاسْتَأْنَفَ وُضُوءَهُ نَدْبًا إنْ نَكَّسَ عَمْدًا وَلَوْ جَاهِلًا. وَلَوْ بَدَأَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ فَوَجْهَهُ أَعَادَ الْيَدَيْنِ وَالرَّأْسَ مُطْلَقًا ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إنْ قَرُبَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ فَرَأْسِهِ فَيَدَيْهِ فَوَجْهِهِ أَعَادَ مَا بَعْدَ الْوَجْهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الشَّرْعِيِّ مُطْلَقًا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُنَكَّسٌ. وَلَا يُعِيدُ الْوَجْهَ إلَّا إذَا نَكَّسَ عَمْدًا وَطَالَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ قَدَّمَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الرَّأْسِ أَعَادَ الرِّجْلَيْنِ مُطْلَقًا إلَّا إذَا تَعَمَّدَ وَطَالَ، فَيَبْتَدِئُ وُضُوءَهُ نَدْبًا لِقَوْلِهِ: [وَإِلَّا فَمَعَ تَابِعِهِ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهُ تَابِعٌ. (وَفَضَائِلُهُ: مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، وَاسْتِقْبَالٌ، وَتَسْمِيَةٌ، وَتَقْلِيلُ الْمَاءِ بِلَا حَدٍّ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْفَضَائِلِ. وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: أَنَّ تَرْتِيبَ الْفَرَائِضِ فِي أَنْفُسِهَا سُنَّةٌ. فَإِنْ خَالَفَ وَنَكَّسَ - بِأَنْ قَدَّمَ عُضْوًا عَنْ مَحَلِّهِ - فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ أَمْ لَا. فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ جَفَافٌ أَتَى بِالْمُنَكَّسِ مَرَّةً، إنْ كَانَ غَسَلَهُ أَوْ لَا، ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِلَّا كَمَّلَ تَثْلِيثَهُ وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ مَرَّةً مَرَّةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ. لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا وَإِنْ طَالَ، فَإِنْ كَانَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا ابْتَدَأَ وُضُوءَهُ نَدْبًا، أَوْ نَاسِيًا فَعَلَهُ فَقَطْ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطُّولِ عَمْدًا أَوْ عَجْزًا أَوْ سَهْوًا؛ فَصُوَرُ الطُّولِ تِسْعَةٌ وَالْقُرْبُ ثَلَاثَةٌ، تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [فَعَلَهُ مَرَّةً فَقَطْ] : عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ الشَّيْخ سَالِمٌ وَالطِّخِّيخِيُّ وَارْتَضَاهُ، خِلَافًا لِلْأُجْهُورِيِّ فِي قَوْلِهِ يُعَادُ فِي حَالَةِ الْقُرْبِ ثَلَاثًا. [فَضَائِل الْوُضُوء] [تَنْبِيه السِّوَاك هَلْ هُوَ سَنَةٍ أَوْ استحباب] قَوْلُهُ: [وَفَضَائِلُهُ] : أَيْ خِصَالُهُ وَأَفْعَالُهُ الْمُسْتَحَبَّةُ. قَوْلُهُ: [وَتَقْلِيلُ] إلَخْ: أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ: وَقِلَّةٌ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِكَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا إنَّمَا هُوَ التَّقْلِيلُ لَا الْقِلَّةُ إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ، وَمَعْنَاهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ

كَالْغُسْلِ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى وَجَعْلُ الْإِنَاءِ الْمَفْتُوحِ لِجِهَتِهَا، وَبَدْءٌ بِمُقَدَّمِ الْأَعْضَاءِ، وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ حَتَّى فِي الرِّجْلِ، وَتَرْتِيبُ السُّنَنِ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَاسْتِيَاكٌ وَلَوْ بِأُصْبُعٍ) : هَذَا شُرُوعٌ فِي فَضَائِلِ الْوُضُوءِ أَيْ مُسْتَحَبَّاتِهِ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى سُنَنِهِ. أَوَّلُهَا: إيقَاعُهُ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ بِالْفِعْلِ وَشَأْنُهُ الطَّهَارَةُ - فَخَرَجَ الْكَنِيفُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ فَيُكْرَهُ الْوُضُوءُ فِيهِ. ثَانِيهَا: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ. ثَالِثُهَا: التَّسْمِيَةُ بِأَنْ يَقُولَ عِنْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي زِيَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خِلَافٌ. رَابِعُهَا: تَقْلِيلُ الْمَاءِ الَّذِي يَرْفَعُهُ لِلْأَعْضَاءِ حَالَ الْوُضُوءِ، وَلَا تَحْدِيدَ فِي التَّقْلِيلِ لِاخْتِلَافِ الْأَعْضَاءِ وَالنَّاسِ، بَلْ بِقَدْرِ مَا يَجْرِي عَلَى الْعُضْوِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَاطَرْ مِنْهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُسْتَعْمَلُ - وَهُوَ الَّذِي يُجْعَلُ عَلَى الْعُضْوِ - قَلِيلًا، وَإِنْ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْبَحْرِ. قَوْلُهُ: [فَخَرَجَ الْكَنِيفُ] إلَخْ: أَيْ بِقَوْلِهِ: شَأْنُهُ الطَّهَارَةُ. قَوْلُهُ: [اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ] : أَيْ إنْ أَمْكَنَ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ. قَوْلُهُ: [التَّسْمِيَةُ] : جَعَلَهَا مِنْ فَضَائِلِ الْوُضُوءِ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا فِيهِ وَأَنَّهَا تُكْرَهُ. قَوْلُهُ: [خِلَافٌ] : أَيْ قَوْلَانِ رَجَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا؛ فَابْنُ نَاجِي رَجَّحَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ زِيَادَتِهِمَا، وَالْفَاكِهَانِيُّ وَابْنُ الْمُنِيرِ رَجَّحَا الْقَوْلَ بِزِيَادَتِهِمَا. قَوْلُهُ: [مَا يَجْرِي] إلَخْ: أَيْ وَإِلَّا - بِأَنْ لَمْ يَجْرِ - كَانَ مَسْحًا.

كَالْغُسْلِ يُنْدَبُ فِيهِ الْمَوْضِعُ الطَّاهِرُ وَمَا بَعْدَهُ. خَامِسُهَا: تَقْدِيمُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي الْغُسْلِ عَلَى الْيُسْرَى. سَادِسُهَا: جَعْلُ الْإِنَاءِ الْمَفْتُوحِ - كَالْقَصْعَةِ وَالطَّسْتِ - لِجِهَةِ الْيَدِ الْيُمْنَى، لِأَنَّهُ أَعْوَنُ فِي التَّنَاوُلِ. بِخِلَافِ الْإِبْرِيقِ وَنَحْوِهِ فَيَجْعَلُهُ فِي جِهَةِ الْيُسْرَى فَيُفْرِغُ بِهَا مِنْهُ عَلَى الْيَدِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَرْفَعُهُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا إلَى الْعُضْوِ. سَابِعُهَا: الْبَدْءُ فِي الْغُسْلِ أَوْ الْمَسْحِ بِمُقَدَّمِ الْعُضْوِ، بِأَنْ يَبْدَأَ فِي الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ نَازِلًا إلَى ذَقَنِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ، وَيَبْدَأُ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَفِي الرَّأْسِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى نُقْرَةِ الْقَفَا، وَفِي الرِّجْلِ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْكَعْبَيْنِ. فَقَوْلُنَا بِمُقَدَّمِ الْأَعْضَاءِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ. ثَامِنُهَا: الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ. فَأَرَادَ بِالْغَسْلَةِ مَا يَشْمَلُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: [الْغَسْلَةُ] مَا يُمْسَحُ مِنْ رَأْسٍ وَأُذُنٍ وَخُفَّيْنِ، فَتُكْرَهُ الثَّانِيَةُ وَغَيْرُهَا. تَاسِعُهَا: الْغَسْلَةُ الثَّالِثَةُ فِيمَا ذُكِرَ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَنْدُوبٌ عَلَى حِدَتِهِ. وَعِبَارَتُنَا أَفْضَلُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَشَفَعَ غَسْلُهُ وَتَثْلِيثُهُ ". وَالرِّجْلَانِ كَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ الْمَطْلُوبُ فِيهِمَا الْإِنْقَاءُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ النَّقِيَّتَيْنِ مِنْ الْأَوْسَاخِ، وَأَمَّا هُمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْيُمْنَى] : أَيْ وَلَوْ أَعْسَرَ بِخِلَافِ الْإِنَاءِ، وَأَمَّا جَانِبَا الْوَجْهِ وَالْفَرْدَانِ فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: [لِجِهَةِ الْيَدِ الْيُمْنَى] : أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَعْسَرَ وَإِلَّا انْعَكَسَ الْحَالُ. قَوْلُهُ: [أَوْلَى] : أَيْ لِشُمُولِهِ وَعُمُومِهِ. قَوْلُهُ: [الْغَسْلَةُ الثَّالِثَةُ] : جَعْلُ كُلٍّ مِنْ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مُسْتَحَبًّا، هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُمَا سُنَّةٌ، وَقِيلَ: الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ وَالثَّالِثَةُ فَضِيلَةٌ، وَنَقَلَ الزَّرْقَانِيُّ عَنْ أَشْهَبَ فَرْضِيَّةَ الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ إنَّهُمَا مُسْتَحَبٌّ وَاحِدٌ، وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ. قَوْلُهُ: [أَفْضَلُ] : أَيْ لِكَوْنِهَا أَصَرْحَ فِي الْمُرَادِ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ. وَمَحَلُّ كَوْنِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مُسْتَحَبًّا إذَا عَمَّتْ الْأُولَى، وَأُحْكِمَتْ مِنْ فَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ. قَوْلُهُ: [الْإِنْقَاءُ] : أَيْ وَلَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، وَلَا يُطْلَبُ بِشَفْعٍ وَلَا تَثْلِيثٍ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ

فَكَغَيْرِهِمَا قَطْعًا. عَاشِرُهَا: الِاسْتِيَاكُ بِعُودٍ لَيِّنٍ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ مِنْ نَخْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَرَاكٍ، وَيَكْفِي الْأُصْبُعُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي وَلَوْ وُجِدَ الْعُودُ. وَيَسْتَاكُ نَدْبًا بِيَدِهِ الْيُمْنَى مُبْتَدِئًا بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَسَخِ الَّذِي يُطْلَبُ إزَالَتُهُ فِي الْوُضُوءِ: الْوَسَخُ الْحَائِلُ، وَأَمَّا الْوَسَخُ الْغَيْرُ الْحَائِلِ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْوُضُوءُ عَلَى إزَالَتِهِ. كَذَا فِي (ب ن) نَقْلًا عَنْ الْمِسْنَاوِيِّ. تَنْبِيهٌ: تَرَكَ الشَّارِحُ الْكَلَامَ عَلَى فَضِيلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَهُمَا: تَرْتِيبُ السُّنَنِ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ. فَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَطْ ثِنْتَا عَشْرَةَ فَضِيلَةً فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ: عَاشِرُهَا، تَرْتِيبُ السُّنَنِ فِي أَنْفُسِهَا، حَادِيَةَ عَشَرَهَا، تَرْتِيبُهَا مَعَ الْفَوَائِضِ، ثَانِيَةَ عَشَرَهَا، الِاسْتِيَاكُ. قَوْلُهُ: الِاسْتِيَاكُ: هُوَ اسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ مِنْ عُودٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالسِّوَاكُ يُطْلَقُ مُرَادًا بِهِ الْفِعْلُ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْآلَةُ، فَلَمَّا كَانَ لَفْظُ السِّوَاكِ مُشْتَرَكًا عُبِّرَ بِالْفِعْلِ لِدَفْعِ إيهَامِ الْآلَةِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ سَاكَ يَسُوكُ بِمَعْنَى دَلَكَ أَوْ تَمَايَلَ، مِنْ قَوْلِهِمْ جَاءَتْ الْإِبِلُ تَسَّاوَكُ: أَيْ تَتَمَايَلُ فِي الْمَشْيِ مِنْ ضَعْفِهَا. وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ قَامَ مَعَهُ مَلَكٌ، وَوَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَلَا تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ آيَةُ قُرْآنٍ إلَّا فِي جَوْفِ الْمَلَكِ. قَوْلُهُ: [بِعُودٍ لَيِّنٍ] : أَيْ لِغَيْرِ الصَّائِمِ، وَأَمَّا هُوَ فَيُكْرَهُ بِهِ. قَوْلُهُ: [الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ] إلَخْ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْأَفْضَلُ الْأَرَاكُ، ثُمَّ جَرِيدُ النَّخْلِ، ثُمَّ عُودُ الزَّيْتُونِ، ثُمَّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ، ثُمَّ غَيْرُهُ مِنْ الْعِيدَانِ مِمَّا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَنَا مُوَافِقٌ لَهُمْ، وَقَالَ أَيْضًا: وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ لَا لِأُمَمِهِمْ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَوَّلُ مَنْ اسْتَاك سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَوْلُهُ: [وَيَكْفِي الْأُصْبُعُ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي الْأُصْبُعُ عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ: [بِيَدِهِ الْيُمْنَى] : أَيْ بِأَنْ يَجْعَلَ الْإِبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ تَحْتَهُ وَالثَّلَاثَةَ فَوْقَهُ.

عَرْضًا فِي الْأَسْنَانِ وَطُولًا فِي اللِّسَانِ. وَلَا يَسْتَاكُ بِعُودِ الرَّيْحَانِ الْمُسَمَّى فِي مِصْرَ بِالْمُرْسِينَ وَلَا بِعُودِ الرُّمَّانِ لِتَحْرِيكِهِمَا عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ عِرْقَ الْجُذَامِ وَلَا بِعُودِ الْحَلْفَاءِ، وَلَا قَصَبِ الشَّعِيرِ لِأَنَّهُمَا يُورِثَانِ الْأَكَلَةَ أَوْ الْبَرَصَ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ فِي طُولِهِ عَلَى شِبْرٍ. وَفِي السِّوَاكِ كَلَامٌ طَوِيلٌ فَرَاجِعْهُ فِي مَحَلِّهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَرْضًا فِي الْأَسْنَانِ] إلَخْ: أَيْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَطُولًا فِي اللِّسَانِ ظَاهِرًا. وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا كَوْنُهُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ اللُّيُونَةِ وَالْيُبُوسَةِ. وَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْأَخْضَرُ لِئَلَّا يَتَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ. تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّهُ سُنَّةٌ لِحَثِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» «وَلِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ حَتَّى صَحَّ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثَلَاثٌ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ سُنَّةٌ، فَذَكَرَ مِنْهَا السِّوَاكَ» وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ الْمَنْدُوبَةُ. قَوْلُهُ: [كَلَامٌ طَوِيلٌ] : مِنْ ذَلِكَ فَضَائِلُهُ، وَهِيَ تَنْتَهِي إلَى بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ فَضِيلَةً، وَقَدْ نَظَمَهَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: إنَّ السِّوَاكَ مُرْضِي الرَّحْمَنِ ... وَهَكَذَا مُبَيِّضُ الْأَسْنَانِ وَمُظْهِرُ الشَّعْرِ مُذَكِّي الْفَطِنَةِ ... يَزِيدُ فِي فَصَاحَةٍ وَحُسْنِهِ مُشَدِّدُ اللِّثَةِ أَيْضًا مُذْهِبٌ ... لِبَخَرٍ وَلِلْعَدُوِّ مُرْهِبٌ كَذَا مُصَفِّي خِلْقَةٍ وَيَقْطَعُ ... رُطُوبَةً وَلِلْغِذَاءِ يَنْفَعُ وَمُبْطِئٌ لِلشَّيْبِ وَالْإِهْرَامِ ... وَمُهَضِّمُ الْأَكْلِ مِنْ الطَّعَامِ وَقَدْ غَدَا مُذَكِّرَ الشَّهَادَةِ ... مُسَهِّلَ النَّزْعِ لَدَى الشَّهَادَةِ وَمُرْغِمُ الشَّيْطَانِ وَالْعَدُوِّ ... وَالْعَقْلَ وَالْجِسْمَ كَذَا يُقَوِّي

[مكروهات الوضوء]

(كَصَلَاةٍ بَعُدَتْ مِنْهُ، وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَانْتِبَاهٍ مِنْ نَوْمٍ، وَتَغَيُّرِ فَمٍ) : تَشْبِيهٌ فِي النَّدْبِ؛ أَيْ كَمَا يُنْدَبُ الِاسْتِيَاكُ لِصَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ نَافِلَةٍ بَعُدَتْ مِنْ الِاسْتِيَاكِ بِالْعُرْفِ. فَمَنْ وَالَى بَيْنَ صَلَوَاتٍ، فَلَا يُنْدَبُ أَنْ يَسْتَاكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا مَا لَمْ يَبْعُدْ مَا بَيْنَهَا عَنْ الِاسْتِيَاكِ. وَيُنْدَبُ الِاسْتِيَاكُ أَيْضًا عِنْدَ إرَادَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِتَطْيِيبِ الْفَمِ، وَعِنْدَ الِانْتِبَاهِ مِنْ النَّوْمِ، وَعِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِكَثْرَةِ كَلَامٍ وَلَوْ بِذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ طُولِ سُكُوتٍ، وَوَرَدَ: «أَنَّ السِّوَاكَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ» أَيْ الْمَوْتَ. (وَكُرِهَ: مَوْضِعٌ نَجِسٌ، وَإِكْثَارُ الْمَاءِ، وَالْكَلَامُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَبَدْءٌ بِمُؤَخَّرِ الْأَعْضَاءِ، وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ، وَكَثْرَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَتَرْكُ سُنَّةٍ) : هَذَا شُرُوعٌ فِي مَكْرُوهَاتِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ مِنْ زِيَادَاتِي عَلَى الْمُصَنِّفِ. أَيْ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِعْلُ الْوُضُوءِ فِي مَكَان نَجِسٍ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ، فَيَتَنَحَّى عَنْ الْمَكَانِ النَّجِسِ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَمُورِثٌ لَسَعَةٍ مَعَ الْغِنَى ... وَمُذْهِبٌ لِأَلَمٍ حَتَّى الْعَنَا وَلِلصُّدَاعِ وَعُرُوقِ الرَّأْسِ ... مُسَكِّنٌ وَوَجَعِ الْأَضْرَاسِ يَزِيدُ فِي مَالٍ وَيُنْمِي الْوَلَدَا ... مُطَهِّرٌ لِلْقَلْبِ جَالٍ لِلصَّدَا مُبَيِّضُ الْوَجْهِ وَجَالٍ لِلْبَصَرِ ... وَمُذْهِبٌ لِبَلْغَمٍ مَعَ الْحُفَرِ مُيَسِّرٌ مُوَسِّعٌ لِلرِّزْقِ ... مُفَرِّحٌ لِلْكَاتِبِينَ الْحَقِّ قَوْلُهُ: [كَصَلَاةٍ بَعُدَتْ مِنْهُ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءً كَانَ مُتَطَهِّرًا بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ، كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي. قَوْلُهُ: [تَشْبِيهٌ فِي النَّدْبِ] إلَخْ: وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَالسِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ: عِنْدَ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ انْتِبَاهِهِ مِنْ النَّوْمِ وَعِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ بِسُكُوتٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ تَرْكِهِمَا أَوْ بِكَثْرَةِ كَلَامٍ وَلَوْ بِالْقُرْآنِ. [مَكْرُوهَات الْوُضُوء] قَوْلُهُ: [وَهُوَ مِنْ زِيَادَاتِي] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ لِلْمُصَنِّفِ زِيَادَاتٍ زَادَهَا عَلَى أَصْلِهِ مِنْهَا الْمَكْرُوهَاتُ وَالشُّرُوطُ هُنَا، وَسَيَأْتِي لَهُ جُمْلَةُ مَوَاضِعَ يَزِيدُهَا عَلَى أَصْلِهِ. قَوْلُهُ: [أَيْ أَنَّهُ يُكْرَهُ] إلَخْ: لَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْفَضِيلَةِ حُصُولُ الْمَكْرُوهِ صَرَّحَ بِالْمَكْرُوهَاتِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ] : أَيْ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ تَعَبَّدَنَا بِهَا الشَّارِعُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي

مَا شَأْنُهُ النَّجَاسَةُ وَلِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَتَقَاطَرُ مِنْ أَعْضَائِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ النَّجَاسَةُ. وَيُكْرَهُ إكْثَارُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السَّرَفِ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ الْمُوجِبِ لِلْوَسْوَسَةِ. وَيُكْرَهُ الْكَلَامُ حَالَ الْوُضُوءِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ حَالَ الْوُضُوءِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي، وَقَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ. قَوْلُهُ: [وَلِئَلَّا يَتَطَايَرَ] إلَخْ: هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي الْمَكَانِ النَّجِسِ بِالْفِعْلِ لَا فِيمَا شَأْنُهُ النَّجَاسَةُ، فَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ أَتَمُّ. قَوْلُهُ: [وَالْغُلُوُّ] : أَيْ التَّشْدِيدُ، وَفِي الْحَدِيثِ: «وَلَنْ يُشَادَّ أَحَدٌ الدِّينَ إلَّا غَلَبَهُ» . قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ الْكَلَامُ إلَخْ] : أَيْ لِأَنَّ السُّكُوتَ لِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ حَالَ الْوُضُوءِ مَنْدُوبٌ، فَيُكْرَهُ ضِدُّهُ. قَوْلُهُ: [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي] : يَجْرِي فِي تَفْسِيرِهِ مَا جَرَى فِي قَوْله تَعَالَى: (لِيَغْفِرَ لَك اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) . قَوْلُهُ: [وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي] : أَيْ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، فَقَدْ وَرَدَ: " سَعَادَةُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا ثَلَاثٌ: الدَّارُ الْوَسِيعَةُ، وَالدَّابَّةُ السَّرِيعَةُ، وَالزَّوْجَةُ الْمُطِيعَةُ " انْتَهَى. وَسَعَةُ دَارِ الْآخِرَةِ هِيَ الْأَهَمُّ. قَوْلُهُ: [وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي] : أَيْ زِدْنِي فِيهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَوْلُهُ: [وَقَنِّعْنِي] : أَيْ اجْعَلْنِي قَانِعًا أَيْ مُكْتَفِيًا وَرَاضِيًا بِمَا رَزَقْتَنِي فِي الدُّنْيَا، فَلَا أَمُدُّ عَيْنَيَّ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَهَذَا هُوَ الْغِنَى النَّفْسِيِّ وَفِي الْحَدِيثِ:

وَلَا تَفْتِنِّي بِمَا زَوَيْت عَنِّي» . وَيُكْرَهُ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الْمَغْسُولِ، وَكَذَا يُكْرَهُ الْمَسْحُ الثَّانِي فِي الْمَمْسُوحِ، وَقِيلَ يُمْنَعُ الزَّائِدُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَيُكْرَهُ الْبَدْءُ بِمُؤَخَّرِ الْأَعْضَاءِ، وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ حَالَ الْوُضُوءِ إذَا كَانَ بِخَلْوَةٍ أَوْ مَعَ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَيُكْرَهُ مَسْحُ الرَّقَبَةِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، فَهُوَ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِنَدْبِهِ. وَكَذَا تُكْرَهُ كَثْرَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِنَدْبِهَا وَفَسَّرَ إطَالَةَ الْغُرَّةِ فِي الْحَدِيثِ بِذَلِكَ، وَفَسَّرَهَا الْإِمَامُ مَالِكٌ بِإِدَامَةِ الْوُضُوءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ «خَيْرُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» . قَوْلُهُ: [وَلَا تَفْتِنِّي بِمَا زَوَيْت عَنِّي] : أَيْ وَلَا تَجْعَلْنِي مَفْتُونًا أَيْ مَشْغُولًا بِمَا زَوَيْته أَيْ أَبْعَدْته عَنِّي، بِأَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِك أَنَّك لَا تَقْدِرْهُ لِي، فَإِنَّ الشُّغُلَ بِهِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَخَلُّفُ تِلْكَ الدَّعَوَاتِ. قَوْلُهُ: [عَلَى الثَّلَاثِ] : أَيْ الْمُوعِبَةِ، لِأَنَّهَا مِنْ السَّرَفِ. وَهُوَ نَقْلُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا يُكْرَهُ الْمَسْحُ] إلَخْ: أَيْ يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْمَسْحِ فِي الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ، كَانَ الْمَسْحُ أَصْلِيًّا أَوْ بَدَلِيًّا، اخْتِيَارِيًّا أَوْ اضْطِرَارِيًّا، لِكَوْنٍ الْمَسْحِ مَبْنِيًّا عَلَى التَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ بِخَلْوَةٍ] : أَيْ وَلَوْ فِي ظَلَامٍ. قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِنَدْبِهِ] : أَيْ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَإِنْ وَرَدَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَانٌ مِنْ الْغَلِّ. قَوْلُهُ: [كَثْرَةُ الزِّيَادَةِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا أَصْلُ الزِّيَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. قَوْلُهُ: [لِمَا ذَكَرْنَا] : أَيْ وَهُوَ الْغُلُوُّ. قَوْلُهُ: [فِي الْحَدِيثِ] : أَيْ الْوَارِدِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

[متى يكون الوضوء مندوبا]

وَكُرِهَ لِلْمُتَوَضِّئِ تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ عَمْدًا وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا سُنَّ لَهُ فِعْلُهَا لِمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ الصَّلَاةِ إنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ. (وَنُدِبَ لِزِيَارَةِ صَالِحٍ وَسُلْطَانٍ، وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَحَدِيثٍ، وَعِلْمٍ، وَذِكْرٍ، وَنَوْمٍ وَدُخُولِ سُوقٍ، وَإِدَامَتِهِ وَتَجْدِيدِهِ إنْ صَلَّى بِهِ أَوْ طَافَ) : يَعْنِي أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ أَرَادَ زِيَارَةَ صَالِحٍ، كَعَالِمٍ وَزَاهِدٍ وَعَابِدٍ - حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ - أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَأَوْلَى لِزِيَارَةِ نَبِيٍّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» . قَوْلُهُ: [تَرَكَ سُنَّةً] : أَيْ: أَيُّ سُنَّةٍ كَانَتْ مِنْ السُّنَنِ الثَّمَانِيَةِ، فَهِيَ أَوْلَى فِي الْكَرَاهَةِ مِنْ تَرْكِ الْفَضِيلَةِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَرَكَهَا] إلَخْ: أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا لِغَيْرِ مُسْتَنْكِحٍ غَيَّرَ التَّرْتِيبَ، وَلَمْ يُنِبْ عَنْهَا غَيْرَهَا، وَلَمْ يُوقِعْ فِعْلَهَا فِي مَكْرُوهٍ - وَهِيَ: الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ - فَإِنَّهُ يَفْعَلُهَا - كَمَا قَالَ الشَّارِحُ - إنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ بِهَذَا الْوُضُوءِ دُونَ مَا بَعْدَهُ وَلَوْ قَرِيبًا، وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّى فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ اتِّفَاقًا فِي السَّهْوِ، وَعَلَى الْمَعْرُوفِ فِي الْعَمْدِ، لِضَعْفِ أَمْرِ الْوُضُوءِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً عَنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا مَقْصِدًا. وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ. وَأَمَّا مَا نَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ، كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ، أَوْ أَوْقَعَ فِعْلَهُ فِي مَكْرُوهٍ، كَرَدِّ مَسْحِ الرَّأْسِ وَتَجْدِيدِ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ وَالِاسْتِنْثَارِ - إذْ لَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ اسْتِنْشَاقٍ - فَلَا يُفْعَلُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى مَا لِابْنِ بَشِيرٍ خِلَافًا لِطَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْقَائِلِ بِالْإِتْيَانِ بِالسُّنَّةِ مُطْلَقًا. وَظَاهِرُ، الشَّارِحِ مُوَافَقَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ، لَكِنَّ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْأَشْيَاخُ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ. [مَتَى يَكُون الْوُضُوء مَنْدُوبًا] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي الْوُضُوءِ الْمَنْدُوبِ وَضَابِطُهُ: كُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ مَا يُفْعَلُ بِهِ، بَلْ مِنْ كَمَالَاتِ مَا يُفْعَلُ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ

لِأَنَّ حَضْرَتَهُمْ حَضْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوُضُوءُ نُورٌ فَيُقَوِّي بِهِ نُورَهُ الْبَاطِنِيَّ فِي حَضْرَتِهِمْ. وَكَذَا يُنْدَبُ الْوُضُوءُ لِزِيَارَةِ سُلْطَانٍ أَوْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ لِأَنَّ حَضْرَةَ السُّلْطَانِ حَضْرَةُ قَهْرٍ أَوْ رِضًا مِنْ اللَّهِ، وَالْوُضُوءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ وَحِصْنٌ مِنْ سَطْوَتِهِ. وَكَذَا يُنْدَبُ الْوُضُوءُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ وَقِرَاءَةِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَلِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا. وَعِنْدَ النَّوْمِ وَعِنْدَ دُخُولِ السُّوقِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ لَهْوٍ وَاشْتِغَالٍ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَمَحَلُّ الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ، فَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ قُوَّةُ تَسَلُّطٍ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَالْوُضُوءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ وَدِرْعُهُ الْحَصِينُ مِنْ كَيْدِهِ وَكَيْدِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَيُنْدَبُ أَيْضًا إدَامَةُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ نُورٌ كَمَا وَرَدَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَّا إذَا نَوَى رَفْعَهُ أَوْ نَوَى فِعْلَ عِبَادَةٍ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [فَيَقْوَى بِهِ نُورُهُ] إلَخْ: أَيْ فَتَتَّصِلُ رُوحُهُ بِأَرْوَاحِهِمْ وَيَسْتَمِدُّ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: [لِزِيَارَةِ سُلْطَانٍ] : مُرَادُهُ كُلُّ ذِي بَطْشٍ. قَوْلُهُ: [حَضْرَةُ قَهْرٍ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الْحَقِّ، رَحْمَةٌ وَنِقْمَةٌ يَرْحَمُ اللَّهُ بِهِ وَيَنْتَقِمُ اللَّهُ بِهِ، وَالْوُضُوءُ حِصْنٌ مِنْ النِّقْمَةِ فَاتِحٌ لِلرَّحْمَةِ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا يُنْدَبُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ حَضْرَةَ مَا ذُكِرَ حَضْرَةُ اللَّهِ، فَيَتَعَرَّضُ فِيهَا الْعَبْدُ لِلنَّفَحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، فَيَتَهَيَّأُ لِتِلْكَ النَّفَحَاتِ بِالْوُضُوءِ وَإِخْلَاصِ الْبَاطِنِ. قَوْلُهُ: [وَعِنْدَ النَّوْمِ] : أَيْ لِمَا وَرَدَ: «مَنْ نَامَ عَلَى طَهَارَةٍ سَجَدَتْ رُوحُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَلَاعَبُ بِهِ» . قَوْلُهُ: [فَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ قُوَّةُ تَسَلُّطٍ] : أَيْ لِمَا وَرَدَ: «إنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْأَسْوَاقَ الشَّيَاطِينُ: بِرَايَاتِهَا وَإِنَّهَا شَرُّ الْبِقَاعِ» . قَوْلُهُ: [كَمَا وَرَدَ] : مِنْ ذَلِكَ مَا فَسَّرَ بِهِ مَالِكٌ إطَالَةَ الْغُرَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا

[شروط صحة ووجوب الوضوء]

وَيُنْدَبُ أَيْضًا لِمَنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ صَلَّى بِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا، أَوْ طَافَ بِهِ وَأَرَادَ صَلَاةً أَوْ طَوَافًا أَنْ يُجَدِّدَ وُضُوءَهُ لِذَلِكَ، لَا إنْ مَسَّ بِهِ مُصْحَفًا فَلَا يُنْدَبُ لَهُ تَجْدِيدُهُ. (وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: إسْلَامٌ، وَعَدَمُ حَائِلٍ وَمُنَافٍ) هَذَا شُرُوعٌ فِي شُرُوطِ الْوُضُوءِ. وَهِيَ مِنْ زِيَادَتِنَا عَلَى الشَّيْخِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ مَا عَدَا الْأَخِيرَ. وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: شُرُوطُ صِحَّةٍ فَقَطْ، وَشُرُوطُ وُجُوبٍ فَقَطْ، وَشُرُوطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ مَعًا. وَمُرَادُهُ بِالشَّرْطِ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ مِنْ صِحَّةٍ أَوْ وُجُوبٍ أَوْ هُمَا، فَيَشْمَلُ السَّبَبَ كَدُخُولِ الْوَقْتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» . قَوْلُهُ: [لَا إنْ مَسَّ بِهِ مُصْحَفًا] : إنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ مَعَ أَنَّ كُلًّا فُعِلَ بِهِ عِبَادَةٌ تَتَوَقَّفُ عَلَى طَهُورٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ غَيْرَ مَسِّ الْمُصْحَفِ أَقْوَى مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالطَّهَارَةِ؛ لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهِ عَلَيْهَا، فَلِذَلِكَ طَلَبَ التَّجْدِيدَ بَعْدَ تَأْدِيَتِهَا دُونَ مَسِّ الْمُصْحَفِ [شُرُوط صِحَّة وَوُجُوب الْوُضُوء] قَوْلُهُ: [مَا عَدَا الْأَخِيرَ] : أَيْ الَّذِي هُوَ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ قَوْلُهُ: [وَشُرُوطُهُ] إلَخْ: جَمْعُ شَرْطٍ: وَمَعْنَاهُ لُغَةً الْعَلَامَةُ وَاصْطِلَاحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ. قَوْلُهُ: [شُرُوطُ صِحَّةٍ] إلَخْ: شَرْطُ الصِّحَّةِ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُ. قَوْلُهُ: [شُرُوطُ وُجُوبٍ] : شَرْطُ الْوُجُوبِ مَا تَعْمُرُ بِهِ الذِّمَّةُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُ. قَوْلُهُ: [وَمُرَادُهُ بِالشَّرْطِ] إلَخْ: جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَرَدٌّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ حَقِيقَةَ شَرْطِ الْوُجُوبِ تُنَاقِضُ حَقِيقَةَ شَرْطِ الصِّحَّةِ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؟ إذْ شَرْطُ الْوُجُوبِ مَا تَعْمُرُ بِهِ الذِّمَّةُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُ، وَشَرْطُ الصِّحَّةُ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُ. فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: [وَمُرَادُهُ] إلَخْ أَيْ أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا يُعْرَفَانِ بِمَا ذُكِرَ، وَإِذَا انْفَرَدَا يُعْرَفَانِ بِمَا سَبَقَ (انْتَهَى تَقْرِيرُ الشَّارِحِ) . قَوْلُهُ: (فَيَشْمَلُ السَّبَبَ) : هُوَ فِي اللُّغَةِ الْحَبْلُ، قَالَ تَعَالَى:

فَشُرُوطُ صِحَّتِهِ ثَلَاثَةٌ: الْإِسْلَامُ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ. وَلَا يَخْتَصُّ بِالْوُضُوءِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ مِنْ طَهَارَةٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ. الثَّانِي: عَدَمُ الْحَائِلِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ، كَشَمْعٍ وَدُهْنٍ مُتَجَسِّمٍ عَلَى الْعُضْوِ، وَمِنْهُ عُمَاصُ الْعَيْنِ وَالْمِدَادُ بِيَدِ الْكَاتِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: عَدَمُ الْمُنَافِي لِلْوُضُوءِ، فَلَا يَصِحُّ حَالَ خُرُوجِ الْحَدَثِ أَوْ مَسِّ الذَّكَرِ وَنَحْوِهِ. (وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: دُخُولُ وَقْتٍ، وَبُلُوغٌ، وَقُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وَحُصُولُ نَاقِضٍ) أَيْ شُرُوطُ وُجُوبِهِ فَقَطْ أَرْبَعَةٌ: دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج: 15] أَيْ حَبْلٍ إلَى سَقْفِ بَيْتِهِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمُوَصِّلِ لِغَيْرِهِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ. قَوْلُهُ: [الْإِسْلَامُ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَهُ شَرْطَ وُجُوبٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ. وَلَكِنْ إذَا تَأَمَّلْت تَجِدْهُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ شَرْطَ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ مَعًا كَمَا ذَكَرَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ فِي فَصْلِ شَرْطِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَخْتَصُّ بِالْوُضُوءِ] : اعْتِرَاضٌ مِنْ الشَّارِحِ عَلَى عَدِّهِمْ لَهُ مِنْ الشُّرُوطِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الشَّيْءِ. قَوْلُهُ: [مُتَجَسِّمٌ] : يُحْتَرَزُ عَنْ نَحْوِ السَّمْنِ وَالزَّيْتِ الَّذِي يَقْطَعُ الْمَاءَ عَلَى الْعُضْوِ، فَلَا يَضُرُّ إذَا عَمَّ الْمَاءُ وَتَقَطَّعَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَنَحْوَ ذَلِكَ] : أَيْ كَالْأَوْسَاخِ الْمُتَجَسِّدَةِ عَلَى الْأَبَدَانِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْقَشَفُ الْمَيِّتُ. قَوْله: [وَنَحْوَهُ] : أَيْ كَمَسِّ الْأَجْنَبِيَّةِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ. قَوْلُهُ: [دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ] : إنَّمَا عَدَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّرْطِ مَا يَشْمَلُ السَّبَبَ

وَالْبُلُوغُ، فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ. وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْوُضُوءِ فَلَا يَجِبُ عَلَى عَاجِزٍ كَالْمَرِيضِ وَلَا عَلَى فَاقِدِ الْمَاءِ. فَالْمُرَادُ بِالْقَادِرِ هُوَ الْوَاجِدُ الْمَاءَ الَّذِي لَا يَضُرُّهُ اسْتِعْمَالُهُ. وَالرَّابِعُ: حُصُولُ نَاقِضٍ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مُحَصِّلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَشَرْطُهُمَا: عَقْلٌ، وَنَقَاءٌ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَوُجُودُ مَا يَكْفِي مِنْ الْمُطْلَقِ، وَعَدَمُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ) : أَيْ أَنَّ شُرُوطَ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ مَعًا لِلْوُضُوءِ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: الْعَقْلُ، فَلَا يَجِبُ وَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ، وَلَا مِنْ مَصْرُوعٍ حَالَ صَرْعِهِ. الثَّانِي: النَّقَاءُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يَصِحُّ مِنْ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ. الثَّالِثُ: وُجُودُ مَا يَكْفِي مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، فَلَا يَجِبُ وَلَا يَصِحُّ مِنْ وَاجِدِ مَاءٍ قَلِيلٍ لَا يَكْفِيهِ. فَلَوْ غَسَلَ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ بِمَا وَجَدَهُ مِنْ الْمَاءِ فَبَاطِلٌ. وَمَا أَدْخَلْنَا - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْبُلُوغُ] : سَتَأْتِي عَلَامَتُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَنْجَرَةِ، وَمَعْنَاهُ قُوَّةٌ تَحْدُثُ لِلصَّبِيِّ يَنْتَقِلُ بِهَا مِنْ حَالَةِ الطُّفُولِيَّةِ إلَى حَالَةِ الرُّجُولِيَّةِ. قَوْلُهُ: [عَلَى صَبِيٍّ] : مُرَادُهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. قَوْلُهُ: [كَالْمَرِيضِ] : أَدْخَلَتْ الْكَافُ الْمُكْرَهَ وَالْمَصْلُوبَ وَالْأَقْطَعَ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّحَيُّلُ. قَوْلُهُ: [وَلَا عَلَى فَاقِدِ الْمَاءِ] : أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَنْ عِنْدَهُ مَاءٌ يَحْتَاجُ لَهُ لِنَحْوِ شُرْبٍ. قَوْلُهُ: [حُصُولُ نَاقِضٍ] : أَيْ ثُبُوتُهُ شَرْعًا وَلَوْ بِالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ لِغَيْرِ مُسْتَنْكِحٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَجِبُ عَلَى مُحَصِّلِهِ] : أَيْ الْوُضُوءُ، وَأَمَّا التَّجْدِيدُ فَشَيْءٌ آخَرُ. قَوْلُهُ: [أَرْبَعَةٌ] : وَزَادَ بَعْضُهُمْ خَامِسًا وَهُوَ بُلُوغُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَكُونُ عَلَى هَذِهِ خَمْسَةً، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ لِنُدُورِ تَخَلُّفِهِ. قَوْلُهُ: [مِنْ مَجْنُونٍ] : وَمِثْلُهُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَعْتُوهُ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ.

فِي شَرْطِ الْقُدْرَةِ مِنْ أَنَّهُ شَرْطُ وُجُوبٍ فَقَطْ هُوَ الْعَادِمُ لِلْمَاءِ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَادِرٍ عَلَى الْوُضُوءِ، تَأَمَّلْ. الرَّابِعُ: عَدَمُ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَى نَائِمٍ وَغَافِلٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا لِعَدَمِ النِّيَّةِ إذْ لَا نِيَّةَ لِنَائِمٍ أَوْ غَافِلٍ حَالَ النَّوْمِ أَوْ الْغَفْلَةِ. (كَالْغُسْلِ وَكَالتَّيَمُّمِ، بِإِبْدَالِ الْمُطْلَقِ بِالصَّعِيدِ، إلَّا أَنَّ الْوَقْتَ فِيهِ شَرْطٌ فِيهِمَا) : أَيْ أَنَّ الْغُسْلَ يَجْرِي فِيهِ جَمِيعُ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنْوَاعِهَا الثَّلَاثَةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَكَذَا التَّيَمُّمُ لَكِنْ يُبْدَلُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ، فَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَلَى فَاقِدِ الْمَاءِ إلَّا إذَا وَجَدَ صَعِيدًا طَاهِرًا يَتَيَمَّمُ عَلَيْهِ، فَوُجُودُ الصَّعِيدِ شَرْطٌ فِيهِمَا. وَأَعَادَ الْكَافَ فِي التَّيَمُّمِ لِيَعُودَ الْكَلَامُ بَعْدَهُ لَهُ. وَلَمَّا كَانَ التَّشْبِيهُ يُوهِمُ أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ شَرْطُ وُجُوبٍ فَقَطْ فِي التَّيَمُّمِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنَّ الْوَقْتَ فِيهِ) - أَيْ التَّيَمُّمِ - (شَرْطٌ فِيهِمَا) : أَيْ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ مَعًا. - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْعَادِمُ لِلْمَاءِ مِنْ أَصْلِهِ] : أَيْ حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَمَنْ عِنْدَهُ مَاءٌ مُسَبَّلٌ لِلشُّرْبِ، أَوْ مُحْتَاجٌ لَهُ لِنَحْوِ شُرْبٍ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [تَأَمَّلْ] : أَمْرٌ بِالتَّأَمُّلِ لِصُعُوبَةِ الْفَرْقِ. قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ النِّيَّةِ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَافِلِ، وَأَمَّا النَّائِمُ فَمَعْدُومُ النِّيَّةِ وَالْعَقْلِ. قَوْلُهُ: [كَالْغُسْلِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْأَحَدَ عَشَرَ بَلْ الِاثْنَا عَشَرَ بِمَا زِدْنَاهُ تَجْرِي فِي الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ أَيْضًا، فَيُقَالُ: شُرُوطُ صِحَّةِ الْغُسْلِ ثَلَاثَةٌ: الْإِسْلَامُ، وَعَدَمُ الْحَائِلِ عَلَى أَيِّ عُضْوٍ مِنْ جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَعَدَمُ الْمُنَافِي وَهُوَ الْجِمَاعُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. وَشُرُوطُ وُجُوبِهِ فَقَطْ أَرْبَعَةٌ: الْبُلُوغُ، وَدُخُولُ الْوَقْتِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ، وَثُبُوتُ الْمُوجِبِ، وَسَتَأْتِي مُوجِبَاتُهُ. وَشُرُوطُ وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ مَعًا خَمْسَةٌ: الْعَقْلُ، وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ، وَوُجُودُ مَا يَكْفِي جَمِيعَ الْبَدَنِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ، وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ. وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَيُقَالُ شُرُوطُ صِحَّتِهِ ثَلَاثَةٌ: الْإِسْلَامُ: وَعَدَمُ الْحَائِلِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَعَدَمُ الْمُنَافِي الَّذِي: يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ الْوُضُوءَ. وَمِنْ الْمُنَافِي أَيْضًا: وُجُودُ الْمَاءِ الْمُبَاحِ لِلْقَادِرِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ. وَشُرُوطُ وُجُوبِهِ فَقَطْ ثَلَاثَةٌ: الْبُلُوغُ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ، وَثُبُوتُ النَّاقِضِ. وَشُرُوطُ وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ مَعًا سِتَّةٌ: الْعَقْلُ، وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَوُجُودُ الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ، وَدُخُولُ الْوَقْتِ، وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ، وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ.

[فصل في نواقض الوضوء]

فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (نَاقِضُ الْوُضُوءِ: إمَّا حَدَثٌ؛ وَهُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ فِي الصِّحَّةِ، مِنْ رِيحٍ وَغَائِطٍ وَبَوْلٍ وَمَذْيٍ وَوَدْيٍ وَمَنِيٍّ بِغَيْرِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ وَهَادٍ) : لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْوُضُوءِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ نَوَاقِضِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ] [الْحَدَث] فَصْلٌ قَوْلُهُ: [نَاقِضُ الْوُضُوءِ] : أَيْ مُبْطِلُ حُكْمِهِ مِمَّا كَانَ يُبَاحُ بِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ أَيْ يَنْتَهِي حُكْمُهُ، لَا أَنَّهُ بَطَلَ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ قَضَاءُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أُدِّيَتْ بِهِ (انْتَهَى) . وَيُسَمَّى مُوجِبَ الْوُضُوءِ أَيْضًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَتَعْبِيرُ ابْنِ الْحَاجِبِ " بِالنَّوَاقِضِ " أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ: " بِمَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ "؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَأَخِّرًا عَنْ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْمُوجِبِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ كَالْبُلُوغِ

وَالنَّاقِضُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: حَدَثٌ، وَسَبَبٌ، وَغَيْرُهُمَا. وَعَرَّفَ الْحَدَثَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ) إلَخْ. وَقَوْلُهُ: (فِي الصِّحَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُعْتَادِ وَبَيَّنَ الْخَارِجَ الْمَذْكُورَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ رِيحٍ) إلَخْ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَثَلًا، وَكَلَامُنَا فِيمَا كَانَ مُتَأَخِّرًا لَا مَا كَانَ مُتَقَدِّمًا، وَالْمُؤَلِّفُ لَمَّا أَرَادَ ذِكْرَ النَّوَاقِضِ مُتَأَخِّرَةً عَنْ الْوُضُوءِ نَاسَبَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهَا بِالنَّوَاقِضِ وَإِلَّا فَالتَّعْبِيرُ بِالْمُوجِبِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى السَّابِقِ، وَعَلَى الْمُتَأَخِّرِ، وَأَيْضًا فَالتَّعْبِيرُ بِالنَّقْضِ يُوهِمُ بُطْلَانَ الْعِبَادَةِ بِالْوُضُوءِ السَّابِقِ وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [إمَّا حَدَثٌ] : هُوَ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ: [وَسَبَبٌ] : هُوَ مَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ بَلْ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْحَدَثِ. قَوْلُهُ: [وَغَيْرُهُمَا] : أَيْ كَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ، وَالرِّدَّةِ. عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ: إنَّ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ دَاخِلٌ فِي الْأَحْدَاثِ، وَالشَّكَّ فِي السَّبَبِ دَاخِلٌ فِي الْأَسْبَابِ، بِأَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَدَثَ نَاقِضٌ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهُ، أَوْ الشَّكُّ فِيهِ. (انْتَهَى مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [مُتَعَلِّقٌ بِالْمُعْتَادِ] : أَيْ الَّذِي اُعْتِيدَ فِي الصِّحَّةِ خُرُوجُهُ، أَيْ مُتَعَلِّقًا بِالْخَارِجِ؛ وَإِلَّا لَاقْتَضَى عَدَمَ النَّقْضِ بِالْمُعْتَادِ إذَا خَرَجَ فِي الْمَرَضِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. كَذَا قِيلَ: وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهَا، فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ.

الْخَارِجَ الْمُعْتَادَ سَبْعَةٌ؛ سِتَّةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَوَاحِدٌ - وَهُوَ الْهَادِي - يَخْتَصُّ بِالْأُنْثَى، وَكُلُّهَا مِنْ الْقُبُلِ إلَّا الرِّيحَ وَالْغَائِطَ فَمِنْ الدُّبُرِ. فَقَوْلُهُ: (الْخَارِجُ) خَرَجَ عَنْهُ الدَّاخِلُ مِنْ أُصْبُعٍ أَوْ عُودٍ أَوْ حُقْنَةٍ فَلَا يَنْقُضُ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: (الْمُعْتَادُ) الْخَارِجُ الْغَيْرُ الْمُعْتَادِ كَالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْحَصَى وَالدُّودِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: [مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ] مَا خَرَجَ مِنْ الْفَمِ أَوْ مِنْ ثُقْبَةٍ، عَلَى مَا سَيَأْتِي، أَوْ خُرُوجُ رِيحٍ أَوْ غَائِطٍ مِنْ الْقُبُلِ، أَوْ بَوْلٍ مِنْ الدُّبُرِ؛ فَلَا يَنْقُضُ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: [فِي الصِّحَّةِ] مِنْ الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ عَلَى وَجْهِ الْمَرَضِ - وَهُوَ السَّلَسُ - عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَقَوْلُهُ: (وَمَنِيٍّ بِغَيْرِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ) أَيْ بِأَنْ كَانَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَصْلًا أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ أَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ فَأَمْنَى. وَأَمَّا مَا خَرَجَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ لَمْسٍ أَوْ فِكْرٍ فَمُوجِبٌ لِلْغُسْلِ. وَالْهَادِي: هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ وِلَادَتِهَا. وَبَقِيَ مِنْ النَّوَاقِضِ أَمْرَانِ: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ، وَسَيَأْتِي إدْخَالُهُ فِي السَّلَسِ، - ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْمُرَادُ [بِالْمُعْتَادِ] مَا اُعْتِيدَ جِنْسُهُ. فَإِذَا خَرَجَ الْبَوْلُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ جِنْسَهُ مُعْتَادٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُعْتَادًا. قَوْلُهُ: [أَوْ حُقْنَةٌ] : هِيَ الدَّوَاءُ الَّذِي يُصَبُّ فِي الدُّبُرِ بِآلَةٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ الدَّوَاخِلِ ذَكَرُ الْبَالِغِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ فَإِنَّهُ يُوجِبُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُضُوءِ وَهُوَ غَسْلُ جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَالتَّعْرِيفُ إنَّمَا هُوَ لِلْحَدَثِ الْمُوجِبِ لِلطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَقَطْ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا لَيْسَ دَاخِلًا وَلَا خَارِجًا: الْقَرْقَرَةُ وَالْحَقْنُ الشَّدِيدَانِ؛ فَلَا يَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ إذَا تَمَّتْ مَعَهُمَا الْأَرْكَانُ. وَأَمَّا لَوْ مَنَعَا مِنْ الْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؛ كَمَا لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِعُسْرٍ فَقَدْ أَبْطَلَا الْوُضُوءَ. فَمَنْ حَصَرَهُ بَوْلٌ أَوْ رِيحٌ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَصْلًا أَوْ يَأْتِي بِهِ مَعَ عُسْرٍ كَانَ وُضُوءُهُ بَاطِلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ حَقِيقَةً فَهُوَ خَارِجٌ حُكْمًا. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ تَبَعًا لِتَقْرِيرِ الْعَلَّامَةِ الْعَدَوِيِّ) . قَوْلُهُ: [بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَصْلًا] : أَيْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ، وَإِلَّا فَحُكْمُهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ] : أَيْ مَا لَمْ يُحِسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ فَيَسْتَدِيمُ حَتَّى يُنْزِلَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَالْهَادِي] : أَيْ فَهُوَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ عَلَى خِلَافِ مَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَا وَالْأَظْهَرُ نَفْيُهُ. قَوْلُهُ: [دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ] : أَيْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ لِجَرَيَانِهِ عَلَى صُوَرِ السَّلَسِ.

وَخُرُوجُ مَنِيِّ الرَّجُلِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ أَنْ اغْتَسَلَتْ. (لَا حَصًى وَدُودٌ وَلَوْ مَعَ أَذًى) : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى (وَهُوَ الْخَارِجُ) وَهُوَ مُحْتَرَزُ (الْمُعْتَادُ) فَلَيْسَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحَدَثٍ فَلَا يَنْقُضُ، وَلَوْ خَرَجَ مَعَ كُلٍّ أَذًى، أَيْ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْأَذَى تَابِعٌ لِخُرُوجِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ. وَمِثْلُهُمَا الدَّمُ وَالْقَيْحُ. كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ بِشَرْطِ خُرُوجِهِمَا خَالِصَيْنِ مِنْ الْأَذَى، كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّأْنَ فِي الْحَصَى وَالدُّودِ عَدَمُ خُلُوصِهِمَا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِهِمَا مُطْلَقًا كَالْحَصَى وَالدُّودِ. (وَلَا مِنْ ثُقْبَةٍ إلَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَانْسَدَّا) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: (مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَخُرُوجُ مَنِيِّ الرَّجُلِ] إلَخْ: حَيْثُ دَخَلَ بِجِمَاعٍ لَا بِغَيْرِهِ فَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، لِقَوْلِ الْخَرَشِيِّ وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ فَرْجَهَا بِلَا وَطْءٍ ثُمَّ خَرَجَ فَلَا يَكُونُ نَاقِضًا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ. قَوْلُهُ: [لَا حَصًى وَدُودٍ] : أَيْ الْمُتَخَلِّقَانِ فِي الْبَطْنِ. وَأَمَّا لَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ دُودَةً فَنَزَلَتْ بِصِفَتِهَا فَالنَّقْضُ وَلَوْ كَانَا خَالِصَيْنِ مِنْ الْأَذَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ خَرَجَ مَعَ كُلِّ أَذًى] : أَيْ وَلَوْ كَثُرَ الْأَذَى مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ فِي الْكَثْرَةِ، وَإِلَّا نَقَضَ كَمَا قَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ. تَنْبِيهٌ: يُعْفَى عَمَّا خَرَجَ مِنْ الْأَذَى مَعَ الْحَصَى وَالدُّودِ إنْ كَانَ مُسْتَنْكِحًا بِأَنْ كَانَ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ إنْ كَثُرَ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ. وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: قُلْ لِلْفَقِيهِ وَلَا تُخْجِلْكَ هَيْبَتُهُ ... شَيْءٌ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ قَدْ عَرَضَا فَأَوْجَبَ الْقَطْعَ وَاسْتَنْجَى الْمُصَلِّي لَهُ ... لَكِنْ بِهِ الطُّهْرُ يَا مَوْلَايَ مَا انْتَقَضَا قَوْلُهُ: [وَلَا مِنْ ثُقْبَةٍ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الصُّوَرَ تِسْعٌ؛ لِأَنَّ الثُّقْبَةَ إمَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ أَوْ فِي نَفْسِ الْمَعِدَةِ، وَهِيَ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ إلَى مُنْخَسَفِ الصَّدْرِ، فَالسُّرَّةُ مِمَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَوْ فَوْقَهَا بِأَنْ كَانَتْ فِي الصَّدْرِ. وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ أَوْ يَنْفَتِحَا، أَوْ يَنْسَدَّ أَحَدُهُمَا وَيَنْفَتِحَ الْآخَرُ. فَالنَّقْضُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ: وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَانْسَدَّا وَلَا نَقْضَ وَالْبَاقِي. وَلَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَمُقْتَضَى النَّظَرِ فِي انْسِدَادِ أَحَدِهِمَا نَقْضُ خَارِجِهِ مِنْهَا، وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَدُمْ الِانْسِدَادُ وَتُعْتَادُ الثُّقْبَةُ فَتَنْقُضُ وَلَوْ فَوْقَ الْمَعِدَةِ بِالْأَوْلَى مِنْ نَقْضِهِمْ بِالْفَمِ إذَا اُعْتِيدَ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّهُ مُعْتَادٌ لِبَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ كَالتِّمْسَاحِ (وَاهٍ اهـ) . قَوْلُهُ: [إلَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ] إلَخْ: الْمُسْتَثْنَى صُورَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ التِّسْعِ.

فَإِذَا خَرَجَ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ أَوْ رِيحٌ مِنْ ثُقْبَةٍ فَوْقَ الْمَعِدَةِ لَمْ يَنْقُضْ، انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ لَا. الْمُرَادُ بِالْمَعِدَةِ: الْكُرْشُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ الطَّعَامُ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَمُسْتَقَرُّهَا فَوْقَ السُّرَّةِ. بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ ثُقْبَةٍ تَحْتَهَا فَإِنَّهُ يَنْقُضُ بِشَرْطِ انْسِدَادِ الْمَخْرَجَيْنِ، لِأَنَّ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ لَمَّا انْحَدَرَ مِنْ الْمَعِدَةِ إلَى الْأَمْعَاءِ - أَيْ الْمَصَارِينِ - صَارَ الْخَارِجُ مِنْ الثُّقْبَةِ الَّتِي تَحْتَ الْمَعِدَةِ عِنْدَ انْسِدَادِ الْمَخْرَجَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجِ مِنْ نَفْسِ الْمَخْرَجَيْنِ. وَأَمَّا عِنْدَ انْفِتَاحِهِمَا وَنُزُولِ الْخَارِجِ مِنْهُمَا عَلَى الْعَادَةِ لَمْ يَكُنْ الْخَارِجُ مِنْ الثُّقْبَةِ مُعْتَادًا فَلَمْ يَنْقُضْ. (وَلَا سَلَسٍ لَازَمَ نِصْفَ الزَّمَنِ فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا نَقَضَ) : هَذَا مُحْتَرَزٌ (فِي الصِّحَّةِ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ: خَارِجٌ مُعْتَادٌ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، فَخَرَجَ السَّلَسُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فَلَا يَنْقُضُ إنْ لَازَمَ نِصْفَ زَمَنِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ أَكْثَرَ، فَأَوْلَى فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِمُلَازَمَتِهِ كُلَّ الزَّمَنِ. لَكِنْ يُنْدَبُ الْوُضُوءُ إذَا لَمْ يَعُمَّ الزَّمَنَ وَسَوَاءٌ كَانَ السَّلَسُ وَهُوَ مَا - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَمُسْتَقَرُّهَا فَوْقَ السُّرَّةِ] : أَيْ وَالسُّرَّةُ مِمَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا عِنْدَ انْفِتَاحِهِمَا] إلَخْ: وَقَدْ عَلِمْت مَا إذَا انْسَدَّ أَحَدُهُمَا وَكَانَ الْخَارِجُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنَّقْضِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ وَقَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [وَلَا سَلَسٌ] : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: [لَا حَصًى] . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ صُوَرُهُ أَرْبَعٌ: تَارَةً يُلَازِمُ كُلَّ الزَّمَانِ، وَهَذِهِ لَا نَقْضَ فِيهَا وَلَا يُنْدَبُ فِيهَا وُضُوءٌ. وَتَارَةً يُلَازِمُ جُلَّ الزَّمَانِ أَوْ نِصْفَ الزَّمَانِ وَهَاتَانِ لَا نَقْضَ فِيهِمَا وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَتَارَةً يُلَازِمُ أَقَلَّ الزَّمَانِ وَهَذِهِ يَجِبُ فِيهِ الْوُضُوءُ. وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: [وَلَا سَلَسٌ لَازَمَ نِصْفَ الزَّمَانِ فَأَكْثَرَ] . وَالرَّابِعَةُ هِيَ قَوْلُهُ: [وَإِلَّا نَقَضَ] . قَوْلُهُ: [أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ] : وَهِيَ مِنْ الزَّوَالِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ فِي خَلِيلٍ خَلِيلٍ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ جَمَاعَةَ وَمُخْتَارُ ابْنِ هَارُونَ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَالشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ. وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ تَقُولُ: الْمُرَادُ جَمِيعُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْبُرْزُلِيِّ وَمُخْتَارُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ،

يَسِيلُ بِنَفْسِهِ لِانْحِرَافِ الطَّبِيعَةِ بَوْلًا أَوْ رِيحًا أَوْ غَائِطًا أَوْ مَذْيًا. وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْضَبِطْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّدَاوِي، فَإِنْ انْضَبَطَ بِأَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ آخِرَ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِآخِرِهِ، أَوْ يَنْقَطِعُ أَوَّلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهَا، هَكَذَا قَيَّدَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ. وَكَذَا إذَا قَدَرَ عَلَى التَّدَاوِي وَجَبَ عَلَيْهِ التَّدَاوِي، وَاغْتُفِرَ لَهُ أَيَّامَهُ. إلَّا أَنَّ هَذَا خَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْمَذْي إذَا كَانَ لِعُزُوبَةٍ بِلَا تَذَكُّرٍ. وَأَمَّا لِتَذَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ - بِأَنْ كَانَ كُلَّمَا تَذَكَّرَ أَوْ نَظَرَ أَمْذَى - وَاسْتَدَامَ عَلَيْهِ التَّذَكُّرُ، فَإِنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا وَلَوْ لَازَمَ كُلَّ الزَّمَنِ. فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُزُوبَةٍ بَلْ لِمَرَضٍ أَوْ انْحِرَافِ طَبِيعَةٍ فَهُوَ كَغَيْرِهِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ التَّدَاوِي. وَمِنْ السَّلَسِ: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ، فَإِنْ لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا. - ـــــــــــــــــــــــــــــQوَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ مِائَتَانِ وَسِتُّونَ دَرَجَةً وَغَيْرَ أَوْقَاتِهَا مِائَةُ دَرَجَةٍ، فَأَتَاهُ السَّلَسُ فِيهَا وَفِي مِائَةٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ. فَعَلَى الْأُولَى يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِمُفَارِقَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَانِ لَا عَلَى الثَّانِيَةِ لِمُلَازِمَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَانِ. فَإِنْ لَازَمَهُ وَقْتَ صَلَاةٍ فَقَطْ نَقَضَ وَصَلَّاهَا قَضَاءً أَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ فِيمَنْ يَطُولُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ. قَوْلُهُ: [بَعْضُ الْفُضَلَاءِ] : هُوَ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَنُوفِيُّ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا] : قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَلَيْسَ مِنْهُ مَذْيٌ مِنْ كُلَّمَا نَظَرَ أَمَذَى بِلَذَّةٍ خِلَافًا لِمَا فِي الْخَرَشِيِّ، بَلْ هَذَا يَنْقُضُ. إنَّمَا السَّلَسُ مَذْيٌ مُسْتَرْسِلٌ، نَظَرَ أَمْ لَا؛ لِطُولِ عُزُوبَةٍ مَثَلًا أَوْ اخْتِلَالِ مِزَاجٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ فِيهِ التَّدَاوِي] : أَيْ لَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ بِالتَّدَاوِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّدَاوِي. غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِيهِ الصُّوَرَ الْأَرْبَعَ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِمْ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهِ لَا يُغْتَفَرُ لَهُ إلَّا مُدَّةُ التَّدَاوِي، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَنَا صُوَرًا ثَلَاثًا: الْأُولَى: مَا إذَا كَانَ سَلَسُ الْمَذْيِ لِبُرُودَةٍ أَوْ عِلَّةٍ كَاخْتِلَالِ مِزَاجٍ، فَهَذِهِ لَا يَجِبُ فِيهَا الْوُضُوءُ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ أَمْ لَا إلَّا إذَا فَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَانِ. الثَّانِيَةُ: مَا إذَا كَانَ لِعُزُوبَةٍ مَعَ تَذَكُّرٍ بِأَنْ اسْتَنْكَحَهُ، وَصَارَ مَهْمَا نَظَرَ أَوْ سَمِعَ أَوْ تَفَكَّرَ أَمَذَى بِلَذَّةٍ. الثَّالِثَةُ: مَا إذَا كَانَ لِطُولِ، عُزُوبَةٍ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ وَتَفَكُّرٍ بَلْ صَارَ الْمَذْيُ مِنْ أَجْلِ طُولِ الْعُزُوبَةِ نَازِلًا مُسْتَرْسِلًا نَظَرَ أَوْ لَا، تَفَكَّرَ أَوْ لَا، وَالْأَوْلَى مِنْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ يَجِبُ فِيهَا الْوُضُوءُ مُطْلَقًا قَدَر عَلَى رَفْعِهِ أَمْ لَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ،

[زوال العقل]

(وَإِمَّا سَبَبٌ وَهُوَ: زَوَالُ الْعَقْلِ وَإِنْ بِنَوْمٍ ثَقِيلٍ وَلَوْ قَصُرَ) : هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ السَّبَبِ النَّاقِضِ. وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: زَوَالُ الْعَقْلِ، وَلَمْسُ مَنْ تُشْتَهَى، وَمَسُّ ذَكَرِهِ الْمُتَّصِلِ. فَقَوْلُهُ: (وَإِمَّا سَبَبٌ) : عَطْفٌ عَلَى (إمَّا حَدَثٌ) . قَوْلُهُ: (وَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ) - ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالثَّانِيَةُ: مِنْهُمَا يَجِبُ فِيهَا الْوُضُوءُ عَلَى إحْدَى رِوَايَتَيْ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ إنْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ بِزَوَاجٍ أَوْ تَسَرٍّ وَجَبَ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا (انْتَهَى) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَجَمِيعُ صُوَرِ السَّلَسِ مِنْ اسْتِحَاضَةٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ غَائِطٍ مَتَى قَدَرَ فِيهَا عَلَى التَّدَاوِي يُغْتَفَرُ لَهُ مُدَّةُ التَّدَاوِي فَقَطْ، إلَّا سَلَسَ الْمَذْيِ إذَا كَانَ لِبُرُودَةٍ وَعِلَّةٍ فَيُغْتَفَرُ لَهُ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى التَّدَاوِي، كَمَا هُوَ مُفَادُ شَارِحِنَا وَحَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) . [زَوَال الْعَقْل] قَوْلُهُ: [وَإِمَّا سَبَبٌ] : أَيْ سَبَبٌ لِلْحَدَثِ أَيْ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ، كَالنَّوْمِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ الرِّيحِ مَثَلًا، وَغَيْبَةُ الْعَقْلِ تُؤَدِّي لِذَلِكَ أَيْضًا، وَاللَّمْسُ وَالْمَسُّ يُؤَدِّيَانِ لِخُرُوجِ الْمَذْيِ. قَوْلُهُ: [زَوَالُ الْعَقْلِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ بِغَيْرِ النَّوْمِ كَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ وَالْجُنُونِ لَا يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ كَمَا يُفْصَلُ فِي النَّوْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ فَهُوَ نَاقِضٌ مُطْلَقًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الْحَقُّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَالْقَلِيلُ فِي ذَلِكَ كَالْكَثِيرِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَالْمُرَادُ بِزَوَالِهِ؛ اسْتِتَارُهُ إذْ لَوْ زَالَ حَقِيقَةً لَمْ يَعُدْ حَتَّى يُقَالَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِنَوْمٍ ثَقِيلٍ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ صِفَةُ النَّوْمِ وَلَا عِبْرَةَ بِهَيْئَةِ النَّائِمِ مِنْ اضْطِجَاعٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. فَمَتَى كَانَ النَّوْمُ ثَقِيلًا نَقَضَ كَانَ النَّائِمُ مُضْطَجِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَقِيلٍ فَلَا يَنْقُضُ عَلَى أَيْ حَالٍ، وَهِيَ طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ. وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ صِفَةَ النَّوْمِ مَعَ الثِّقَلِ وَصِفَةَ النَّائِمِ مَعَ غَيْرِهِ، فَقَالَ: وَأَمَّا النَّوْمُ الثَّقِيلُ فَيَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ عَلَى أَيِّ حَالٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الثَّقِيلِ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ فِي الِاضْطِجَاعِ وَالسُّجُودِ، وَلَا يَجِبُ فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ. وَعَزَا فِي التَّوْضِيحِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى هِيَ الْأَشْهَرُ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ مَرْزُوقٍ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَصَّرَ] : رَدَّ بِ [لَوْ] عَلَى مَنْ قَالَ بِعَدَمِ النَّقْضِ فِي الْقَصِيرِ وَلَوْ ثَقُلَ.

إشَارَةٌ إلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ. وَزَوَالُهُ يَكُونُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ بِنَوْمٍ ثَقِيلٍ وَلَوْ قَصُرَ زَمَنُهُ، لَا إنْ خَفَّ وَلَوْ طَالَ. وَنُدِبَ إنْ طَالَ. وَالثَّقِيلُ: مَا لَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِالْأَصْوَاتِ أَوْ بِسُقُوطِ شَيْءٍ بِيَدِهِ، أَوْ سَيَلَانِ رِيقِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ شَعَرَ بِذَلِكَ فَخَفِيفٌ، وَإِنْ لَمْ يُفَسِّرْ الْكَلَامَ عِنْدَهُ. (وَلَمْسُ بَالِغٍ مَنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً وَلَوْ لِظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ بِحَائِلٍ إنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا، وَإِلَّا فَلَا) : هَذَا إشَارَةُ لِلنَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ السَّبَبِ. فَلَمْسُ مَعْطُوفٌ عَلَى زَوَالُ عَقْلٍ أَيْ إنَّ لَمْسَ الْمُتَوَضِّئِ الْبَالِغِ لِشَخْصٍ يُلْتَذُّ بِمِثْلِهِ عَادَةً - مِنْ ذَكَرٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ سُكْرٍ] : وَلَوْ بِحَلَالٍ إلَّا مِنْ سُكْرٍ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ حَاضِرٌ مُسْتَيْقِظٌ. قَوْلُهُ: [وَلَمْسٌ] : اللَّمْسُ. هُوَ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ لِجِسْمٍ لِطَلَبِ مَعْنًى فِيهِ كَحَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ أَوْ صَلَابَةٍ أَوْ رَخَاوَةٍ. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: [إنْ قَصَدَ لَذَّةً] تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْمَعْنَى. وَأَمَّا الْمَسُّ: فَهُوَ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ لِآخَرَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَلِذَا عَبَّرَ بِهِ فِي [الذَّكَرِ] لِكَوْنِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّقْضِ بِهِ قَصْدٌ. قَوْلُهُ: [بَالِغٌ] : أَيْ وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ لِمِثْلِهَا، قِيَاسًا عَلَى الْغُلَامَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلًّا يَلْتَذُّ بِالْآخِرِ. قَوْلُهُ: [بَالِغٌ] : أَيْ لَا صَبِيٌّ وَلَوْ رَاهَقَ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ إنَّمَا نَقَضَ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ الْمَذْيِ، وَلَا مَذْيَ لِغَيْرِ الْبَالِغِ. قَوْلُهُ: [يُلْتَذُّ بِمِثْلِهِ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ النَّقْضَ بِاللَّمْسِ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ اللَّامِسُ بَالِغًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمَلْمُوسُ مِمَّنْ يُشْتَهَى عَادَةً، وَأَنْ يَقْصِدَ اللَّامِسُ اللَّذَّةَ أَوْ يَجِدَهَا وَالْمُرَادُ بِالْعَادَةِ: عَادَةُ النَّاسِ، لَا عَادَةُ الْمُلْتَذِّ وَحْدَهُ، وَإِلَّا لَاخْتَلَفَ الْحُكْمُ

[تنبيه لمس المحرم للذة]

أَوْ أُنْثَى - يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَوْ كَانَ الْمَلْمُوسُ غَيْرَ بَالِغٍ، أَوْ كَانَ اللَّمْسُ لِظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ كَثَوْبٍ وَظَاهِرُهَا: كَانَ الْحَائِلُ خَفِيفًا يُحِسُّ اللَّامِسُ مَعَهُ بِطَرَاوَةِ الْبَدَنِ، أَوْ كَانَ كَثِيفًا وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ بِالْخَفِيفِ. وَأَمَّا اللَّمْسُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ كَثِيفٍ فَلَا يَنْقُضُ. وَمَحَلُّ النَّقْضِ إنْ قَصَدَ التَّلَذُّذَ بِلَمْسِهِ، وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ لَذَّةٌ حَالَ لَمْسِهِ أَوْ وَجَدَهَا حَالَ اللَّمْسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لَهَا ابْتِدَاءً. فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ لَذَّةٌ فَلَا نَقْضَ. وَلَوْ وَجَدَهَا بَعْدَ اللَّمْسِ، وَالْمَلْمُوسُ - إنْ بَلَغَ وَوَجَدَ أَوْ قَصَدَ - بِأَنْ مَالَتْ نَفْسُهُ لَأَنْ يَلْمِسَهُ غَيْرُهُ فَلَمَسَهُ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي الْحَقِيقَةِ لَامِسًا وَمَلْمُوسًا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا فَلَا نَقْضَ، وَلَوْ قَصَدَ وَوَجَدَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: (يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً) مَنْ لَا يُشْتَهَى عَادَةً كَمَا سَيُنَبَّهُ عَلَيْهِ. (إلَّا الْقُبْلَةَ بِفَمٍ، فَمُطْلَقًا) : مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: (إنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ) إلَخْ. - ـــــــــــــــــــــــــــــQبِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. قَوْلُهُ: [لِظُفْرٍ] : أَيْ أَوْ بِهِ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ شَعْرٍ] : أَيْ لَا بِهِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَمِثْلُ شَعْرٍ الْعُودُ. وَلَا يُقَاسَ عَلَى الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الَّتِي لَا إحْسَاسَ لَهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي النَّقْضِ أَنْ يَكُونَ اللَّمْسُ بِعُضْوٍ، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا أَوْ زَائِدًا، وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْإِحْسَاسُ فِي الزَّائِدِ أَوْ لَا؟ خِلَافٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي لِلتَّقَوِّي بِالْقَصْدِ وَالْوِجْدَانِ، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي مَسِّ الذَّكَرِ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ كَثِيفًا] : هُمَا قَوْلَانِ رَاجِحَانِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَقْبِضْ، فَإِنْ قَبَضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْجِسْمِ نَقَضَ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [فَلَا يَنْقُضُ] : أَيْ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ. قَوْلُهُ: [إنْ قَصَدَ التَّلَذُّذَ] : وَمِنْهُ أَنْ يُخْتَبَرَ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ لَذَّةٌ أَمْ لَا. [تَنْبِيه لمس الْمُحْرِم للذة] قَوْلُهُ: [إلَّا الْقُبْلَةَ بِفَمٍ] إلَخْ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقُبْلَةَ لَا تَكُونُ

أَيْ أَنَّ الْقُبْلَةَ فِي الْفَمِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ مُطْلَقًا قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا أَوْ لَا، لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ بِخِلَافِهَا فِي غَيْرِ الْفَمِ. فَمِنْ أَقْسَامِ مُطْلَقِ اللَّمْسِ - وَسَوَاءٌ فِي النَّقْضِ - الْمُقَبِّلُ وَالْمُقَبَّلُ، وَلَوْ وَقَعَتْ بِإِكْرَاهٍ أَوْ اسْتِغْفَالٍ، وَيُنْتَقَضُ وُضُوءُهُمَا إنْ كَانَا بَالِغَيْنِ أَوْ الْبَالِغُ مِنْهُمَا إنْ قَبَّلَ مَنْ يُشْتَهَى كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ، وَإِلَّا فَلَا، كَمَا يَأْتِي. (لَا بِلَذَّةٍ مِنْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ وَلَوْ أَنْعَظَ، وَلَا بِلَمْسِ صَغِيرَةٍ لَا تُشْتَهَى أَوْ بَهِيمَةٍ) : هَذَا مُحْتَرَزُ مَا قَبْلَهُ أَيْ أَنَّ مُجَرَّدَ اللَّذَّةِ بِدُونِ لَمْسٍ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، إنْ كَانَتْ بِسَبَبِ نَظَرٍ لِصُورَةٍ جَمِيلَةٍ أَوْ بِسَبَبِ فِكْرٍ وَلَوْ حَصَلَ لَهُ إنْعَاظٌ: وَهُوَ قِيَامُ الذَّكَرِ. وَكَذَا لَمْسُ مَنْ لَا تُشْتَهَى عَادَةً كَصَغِيرَةٍ، أَوْ صَغِيرٍ لَيْسَ الشَّأْنُ التَّلَذُّذَ بِمِثْلِهِمَا، وَلَوْ قَصَدَ وَوَجَدَ. وَكَذَا بِلَمْسِ الْبَهِيمَةِ أَوْ الرَّجُلِ الْمُلْتَحِي، إذْ الشَّأْنُ عَدَمُ التَّلَذُّذِ بِهِ عَادَةً إذَا كَمُلَتْ لِحْيَتُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَّا بِالْفَمِ، وَبِذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْفَمِ تَجْرِي عَلَى أَحْكَامِ الْمُلَامَسَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ أَنَّ الْقُبْلَةَ] إلَخْ: أَيْ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الصَّوْتِ فِي تَحَقُّقِ التَّقْبِيلِ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ] إلَخْ: أَيْ بِالنَّظَرِ الْوَاقِعِ وَإِنْ كَانَتْ تَنْتَفِي فِي الظَّاهِرِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِهَا فِي غَيْرِ الْفَمِ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَ التَّقْبِيلُ فِي الْفَرْجِ فَيَجْرِي عَلَى أَحْكَامِ الْمُلَامَسَةِ وِفَاقًا لِلْأُجْهُورِيِّ رَدًّا عَلَى ابْنِ فُجْلَةَ فِي قِيَاسِهِ عَلَى الْفَمِ بِالْأَحْرَى. وَالْفَرْقُ أَنَّ تَقْبِيلَهُ لَا يُشْتَهَى. قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَقَعَتْ بِإِكْرَاهٍ] إلَخْ: أَيْ لَا لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَنْعَظَ إلَخْ] : أَيْ فَلَا يُنْتَقَضُ مُطْلَقًا كَانَتْ عَادَتْهُ الْإِمْذَاءَ بِالْإِنْعَاظِ أَوْ لَا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مَا لَمْ يُمْذِ بِالْفِعْلِ. قَوْلُهُ: [صَغِيرَةٍ لَا تُشْتَهَى] إلَخْ: اُخْتُلِفَ فِي مَسِّ فَرْجِهَا فَقِيلَ لَا نَقْضَ وَلَوْ قَصَدَ اللَّذَّةَ مَا لَمْ يَلْتَذَّ بِالْفِعْلِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَاسْتَظْهَرَ شَيْخُنَا عَدَمَ النَّقْضِ مُطْلَقًا. (انْتَهَى مِنْ الْأَصْل) . قَوْلُهُ: [وَكَذَا بِلَمْسِ الْبَهِيمَةِ] إلَخْ: أَيْ بِخِلَافِ مَسِّ فَرْجِهَا فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْمُلَامَسَةِ. قَوْلُهُ: [إذَا كَمُلَتْ لِحْيَتُهُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَدِيثَ النَّبَاتِ فَهُوَ مِمَّنْ يُشْتَهَى عَادَةً.

إذَا كَانَ الْمُلَامِسُ لَهُ رَجُلًا. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ لَوْ لَمَسَتْ شَيْخًا فَانِيًا. (وَمَسُّ ذَكَرِهِ الْمُتَّصِلِ مُطْلَقًا بِبَطْنِ كَفِّهِ أَوْ جَنْبِهِ أَوْ أُصْبُعٍ كَذَلِكَ وَلَوْ زَائِدًا إنْ أَحَسَّ وَتَصَرَّفَ) : هَذَا إشَارَةٌ لِلنَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ أَنْوَاعِ السَّبَبِ؛ وَهُوَ مَسُّ الْمُتَوَضِّئِ ذَكَرَهُ الْمُتَّصِلَ لَا الْمَقْطُوعَ، وَسَوَاءٌ مَسَّهُ مِنْ أَعْلَاهُ أَوْ مِنْ أَسْفَلِهِ أَوْ وَسَطِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، الْتَذَّ أَمْ لَا - وَهُوَ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ - إذَا مَسَّهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ بِبَطْنِ أَوْ جَنْبِ كَفِّهِ وَبِأُصْبُعٍ بِبَطْنِهِ وَبِجَنْبِهِ لَا بِظَهْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْأُصْبُعُ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسَةِ إنْ كَانَ يَتَصَرَّفُ كَإِخْوَتِهِ وَكَانَ لَهُ إحْسَاسٌ، وَإِلَّا لَمْ يَنْقُضْ، لِأَنَّهُ كَالْعَدَمِ. وَهَذَا إذَا كَانَ بَالِغًا، فَمَسُّ الصَّبِيِّ ذَكَرَهُ لَا يَنْقُضُ كَلَمْسِهِ، وَكَذَا مَسُّ الْبَالِغِ ذَكَرَهُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ وَلَوْ كَانَ خَفِيفًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا جِدًّا كَالْعَدَمِ. (لَا بِمَسِّ دُبُرٍ أَوْ أُنْثَيَيْنِ وَلَا بِمَسِّ امْرَأَةٍ فَرْجَهَا وَلَوْ أَلْطَفَتْ) : هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: (ذَكَرَهُ) أَيْ الْمُتَوَضِّئِ، لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ بِمَسِّ دُبُرِهِ أَيْ حَلْقَةِ الدُّبُرِ، وَلَا بِمَسِّهِ أُنْثَيَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمَسَتْ شَيْخًا] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَمِثْلُهَا لَوْ لَمَسَ الْبَالِغُ امْرَأَةً فَانِيَةً. تَنْبِيهٌ: لَمْسُ الْمَحْرَمِ يَنْقُضُ إنْ وُجِدَتْ اللَّذَّةُ كَأَنْ قَصَدَ فَقَطْ وَكَانَ فَاسِقًا شَأْنُهُ اللَّذَّةُ بِمَحْرَمِهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَالْعِبْرَةُ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِمَا يَظُنُّهُ حَالَةَ اللَّمْسِ. قَوْلُهُ: [وَمَسُّ ذَكَرِهِ] : أَيْ وَلَوْ تَعَدَّدَ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمُقَارِبَةِ الْأَصْلِيِّ. وَلَا يُشْتَرَطُ إحْسَاسُ الذَّكَرِ إذَا كَانَ أَصْلِيًّا بِخِلَافِ الزَّائِدِ. قَوْلُهُ: [إنْ أَحَسَّ وَتَصَرَّفَ] : أَيْ فَلَا بُدَّ فِي الزَّائِدِ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ. بِخِلَافِ الْأَصْلِيِّ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ حِسُّ الْإِحْسَاسِ فَقَطْ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: [أَحَسَّ] بِالْهَمْزَةِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: بِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ الْإِحْسَاسِ لَا مِنْ الْحِسِّ. قَوْلُهُ: [لَا بِمَسِّ دُبُرٍ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ الْتَذَّ وَلَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَلْطَفَتْ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَقِيلَ: إنْ أَلْطَفَتْ فَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ.

[الردة والشك]

وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَرْأَةِ بِمَسِّهَا لِفَرْجِهَا وَلَوْ أَلْطَفَتْ: أَيْ أَدْخَلَتْ أُصْبُعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَصَابِعِهَا فِي فَرْجِهَا. (وَأَمَّا غَيْرُهُمَا وَهُوَ الرِّدَّةُ: وَالشَّكُّ فِي النَّاقِضِ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ وَعَكْسُهُ، أَوْ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا) : هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ النَّاقِضِ، فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (إمَّا حَدَثٌ) أَيْ أَنَّ النَّاقِضَ لِلْوُضُوءِ: إمَّا حَدَثٌ، وَإِمَّا سَبَبٌ وَإِمَّا غَيْرُهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الرِّدَّة وَالشَّكّ] [مَسْأَلَة تخيل النَّاقِض] قَوْلُهُ: [وَهُوَ الرِّدَّةُ] : أَيْ وَلَوْ مِنْ صَغِيرٍ كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ لِاعْتِبَارِهَا مِنْهُ، وَتَسْقُطُ الْفَوَائِتُ وَالزَّكَاةُ إنْ لَمْ يَرْتَدَّ لِذَلِكَ وَتُبْطِلُ الْحَجَّ. قَوْلُهُ: [وَالشَّكُّ فِي النَّاقِضِ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ فَقَطْ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ. وَالْأَوَّلُ نَظَرَ إلَى أَنَّ الذِّمَّةَ عَامِرَةٌ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَالثَّانِي نَظَرَ إلَى اسْتِصْحَابِ مَا كَانَ فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ تَأَمَّلَ عَلِمَ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ لَا شَكٌّ فِي الشَّرْطِ، وَالْمَعْرُوفُ إلْغَاءُ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ طَرْحُ ذَلِكَ الشَّكِّ وَإِلْغَاؤُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى حَالِهِ، وَعَدَمُ طُرُوُّ الْمَانِعِ وَالشَّكِّ فِي الشَّرْطِ يُؤْثِرُ الْبُطْلَانَ بِاتِّفَاقٍ كَالْعَكْسِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ: مَا إذَا تَحَقَّقَ الْحَدَثُ وَشَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الْعَامِرَةَ لَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ. إنْ قُلْت: حَيْثُ كَانَ شَكًّا فِي الْمَانِعِ فَلِمَ جَعَلُوهُ نَاقِضًا عَلَى الْمَذْهَبِ؟ مَعَ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْمَانِعِ يُلْغِي كَالشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَالرَّضَاعِ. قُلْت: كَأَنَّهُمْ رَاعَوْا سُهُولَةَ الْوُضُوءِ وَكَثْرَةَ نَوَاقِضِهِ فَاحْتَاطُوا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ بِتَصَرُّفٍ) . مَسْأَلَةٌ: لَوْ تَخَيَّلَ أَنَّ شَيْئًا حَصَلَ مِنْهُ بِالْفِعْلِ لَا يَدْرِي مَا هُوَ هَلْ حَدَثٌ أَوْ غَيْرُهُ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْوَهْمِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَادِقٌ بِالشَّكِّ فِي الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ مَا عَدَا الرِّدَّةَ، فَلَا نَقْضَ بِالشَّكِّ فِيهَا.

وَهُوَ أَمْرَانِ: الرِّدَّةُ وَالشَّكُّ. وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَيْسَ بِحَدَثٍ وَلَا سَبَبٍ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُمَا مِنْ أَقْسَامِ السَّبَبِ. أَمَّا الرِّدَّةُ فَهِيَ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ؛ وَمِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ قَوْلَيْنِ رَجَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا. وَأَمَّا الشَّكُّ فَهُوَ نَاقِضٌ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ مِمَّا طُلِبَ مِنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَلَا تَعَيُّنَ عِنْدَ الشَّاكِّ. وَالْمُرَادُ بِالْيَقِينِ: مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ. وَالشَّكُّ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: الْأُولَى: أَنْ يَشُكَّ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَقَدُّمِ طُهْرِهِ، هَلْ حَصَلَ مِنْهُ نَاقِضٌ - مِنْ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُمَا] إلَخْ: قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُعَدَّ الرِّدَّةُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، لِأَنَّهَا تُحْبِطُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ لَا خُصُوصَ الْوُضُوءِ. كَمَا قَالُوا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِهِ فَكَذَا مَا هُنَا. وَأَمَّا الشَّكُّ فِي الْحَدَثِ فَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ لِلْقِسْمَيْنِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْحَدَثِ مَا يَشْمَلُ الْمُحَقَّقَ وَالْمَشْكُوكَ، وَكَذَا السَّبَبُ. قَوْلُهُ: [وَمِنْهُ الْوُضُوءُ] إلَخْ: فِي الْبُنَانِيِّ قَوْلٌ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ مِنْ الرِّدَّةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [عَلَى الْأَرْجَحِ] إلَخْ: هَذَا رَاجِعٌ لِلْغُسْلِ فَقَطْ فَالْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَرَجَّحَهُ بَهْرَامُ فِي صَغِيرَةٍ، وَالثَّانِي: لِابْنِ جَمَاعَةَ. وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ (ح) تَرْجِيحُهُ وَتَبِعَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى إحْبَاطِهَا الْعَمَلَ مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ ثَوَابِهِ إعَادَتُهُ، فَلِذَا لَا يُطَالَبُ بَعْدَهَا بِقَضَاءِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ صَارَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَلَغَ حِينَئِذٍ. فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِمُوجِبِهِ، وَهُوَ إرَادَةُ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ. بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِوُقُوعِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهِ. وَوَجْهُهُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ نَفْسَ الْأَعْمَالِ، فَإِذَا ارْتَدَّ وَبَطَلَ عَمَلُهُ رَجَعَ الْأَمْرُ لِكَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا بِالْحَدَثِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْعَمَلِ، سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ الْحَدَثُ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ. قَوْلُهُ: [وَالشَّكُّ الْمُوجِبُ] إلَخْ: الشَّكُّ مُبْتَدَأٌ وَثَلَاثٌ خَبَرٌ. قَوْلُهُ: [الْأَوْلَى أَنْ يَشُكَّ] إلَخْ: هَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا النِّزَاعُ، هَلْ هِيَ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ أَوْ فِي الشَّرْطِ؟ وَالْحَقُّ أَنَّهَا شَكٌّ فِي الْمَانِعِ حُكْمٍ وَإِنَّمَا بِالنَّقْضِ

حَدَثٍ أَوْ سَبَبٍ - أَمْ لَا. الثَّانِيَةُ: عَكْسُهَا، وَهُوَ أَنْ يَشُكَّ بَعْدَ عِلْمِ حَدَثِهِ، هَلْ حَصَلَ مِنْهُ وُضُوءٌ أَمْ لَا. الثَّالِثَةُ: عَلِمَ كُلًّا مِنْ الطُّهْرِ وَالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا. (وَلَوْ طَرَأَ الشَّكُّ فِي الصَّلَاةِ اسْتَمَرَّ، ثُمَّ إنْ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ) : هَذَا الْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ الْأُولَى، يَعْنِي أَنَّ الشَّخْصَ إذَا دَخَلَ الصَّلَاةَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِيهَا - هَلْ حَصَلَ مِنْهُ نَاقِضٌ أَمْ لَا - فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى صَلَاتِهِ وُجُوبًا. ثُمَّ إنْ بَانَ لَهُ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ وَلَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَلَا يُعِيدُهَا. وَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ تَوَضَّأَ وَأَعَادَهَا. - ـــــــــــــــــــــــــــــQلِغَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ احْتِيَاطًا لِلصَّلَاةِ وَلِخِفَّةِ أَمْرِ الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: [الثَّانِيَةُ عَكْسُهَا] إلَخْ: هَذِهِ الصُّورَةُ شَكٌّ فِي الشَّرْطِ جَزْمًا وَفِيهَا الْوُضُوءُ اتِّفَاقًا وَلَوْ لِلْمُسْتَنْكِحِ. قَوْلُهُ: [الثَّالِثَةُ عَلِمَ كُلًّا] إلَخْ: هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ أَيْضًا، وَفِيهَا النَّقْضُ وَلَوْ مُسْتَنْكِحًا، مِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا شَكَّ فِيهِمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ أَوْ تَحَقَّقَ أَحَدُهُمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ جُمْلَةَ الصُّوَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً: وَهِيَ تَحَقُّقُ الطَّهَارَةِ وَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ وَعَكْسِهِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكِحًا أَوْ غَيْرَهُ، فَهَذِهِ أَرْبَعٌ. وَبَقِيَ مَا إذَا شَكَّ فِي السَّابِقِ مَعَ تَحَقُّقِ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ، أَوْ الشَّكِّ فِيهِمَا، أَوْ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ وَتَحَقُّقِ الطَّهَارَةِ، أَوْ عَكْسِهِ. فَهَذِهِ أَرْبَعٌ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكِحًا أَوْ غَيْرَهُ. فَتِلْكَ ثَمَانٌ وَجَمِيعُ الِاثْنَيْ عَشَرَ يَجِبُ فِيهَا الْوُضُوءُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُسْتَنْكِحٍ وَغَيْرِهِ، إلَّا الصُّورَةَ الْأُولَى فَيُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْمُسْتَنْكِحِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِيهَا] : الْمُرَادُ بِالشَّكِّ هُنَا: مَا قَابَلَ الْجَزْمَ فَيَشْمَلُ الظَّنَّ وَلَوْ كَانَ قَوِيًّا فَمَنْ ظَنَّ النَّقْضَ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ تَرَدَّدَ فِيهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي وُجُوبِ التَّمَادِي كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ ظَنُّ الْحَدَثِ كَشَكِّهِ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ دَخَلَهَا بِيَقِينٍ. وَأَمَّا الْوَهْمُ فَلَا أَثَرَ لَهُ بِالْأُولَى إذْ لَا يَضُرُّ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنْ بَانَ] إلَخْ: أَيْ جَزْمًا أَوْ ظَنًّا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ] : وَأَوْلَى إذَا تَبَيَّنَ حَدَثَهُ. قَوْلُهُ: [وَأَعَادَهَا] : أَيْ كَالْإِمَامِ إذَا صَلَّى مُحْدِثًا نَاسِيًا لِلْحَدَثِ فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ

[ما يمنعه الحدث]

(فَلَوْ شَكَّ: هَلْ تَوَضَّأَ؟ قَطَعَ) : يَعْنِي لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِيهَا هَلْ حَصَلَ مِنْهُ وُضُوءٌ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ. وَهَذَا حُكْمُ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا طُرُوُّ الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهِيَ الشَّكُّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَهَلْ حُكْمُهُ كَالْأُولَى؟ أَوْ كَالثَّانِيَةِ فَيَقْطَعُ؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ. لِأَنَّ الشَّكَّ فِيهَا أَقْوَى مِنْ الْأُولَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (وَمَنَعَ الْحَدَثُ صَلَاةً وَطَوَافًا وَمَسَّ مُصْحَفٍ أَوْ جُزْئِهِ وَكَتْبَهُ وَحَمْلَهُ وَإِنْ بِعَلَّاقَةٍ أَوْ ثَوْبٍ) : يَعْنِي أَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ - وَأَوْلَى الْأَكْبَرُ - يَمْنَعُ التَّلَبُّسَ بِالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ. إذْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا الطَّهَارَةُ فَلَا يَنْعَقِدَانِ بِدُونِهَا. وَيَمْنَعُ أَيْضًا مَسَّ الْمُصْحَفِ الْكَامِلِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ - وَإِنْ آيَةً - وَلَوْ مَسَّ ذَلِكَ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ أَوْ بِعُودٍ. وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ كَتْبُهُ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ أَنْ يَكْتُبَ الْقُرْآنَ أَوْ آيَةً مِنْهُ، وَلَا أَنْ يَحْمِلَهُ - ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى مَأْمُومِهِ، لِلْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ بَطَلَتْ عَلَى الْإِمَامِ بَطَلَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ إلَّا فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ قَبِيلِ نِسْيَانِ الْحَدَثِ. قَوْلُهُ: [وَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي الشَّرْطِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَضُرُّ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [وَهُوَ الظَّاهِرُ] : أَيْ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الشَّرْطِ أَيْضًا، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا؟ فَالْوُضُوءُ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ جَزْمًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّكِّ قَبْلَهَا وَالشَّكِّ فِيهَا، أَنَّ الشَّكَّ فِيهَا ضَعِيفٌ لِكَوْنِهِ دَخَلَ الصَّلَاةَ بِيَقِينٍ فَلَا يَقْطَعُهَا إلَّا بِيَقِينٍ. وَأَمَّا مَنْ شَكَّ خَارِجَهَا فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَضُرُّ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ الْحَدَثَ. [مَا يَمْنَعهُ الْحَدَث] [لَطِيفَة فِي تَفْسِير لَا يَمَسّهُ إلَّا المطهرون] قَوْلُهُ: [التَّلَبُّسُ بِالصَّلَاةِ] إلَخْ: سَوَاءٌ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا. وَمِنْ الصَّلَاةِ: سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ. قَوْلُهُ: [مَسُّ الْمُصْحَفِ] إلَخْ: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جِلْدُهُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِنْهُ. وَأَحْرَى طَرَفُ الْمَكْتُوبِ وَمَا بَيْنَ الْأَسْطُرِ. قَوْلُهُ: [كَتْبُهُ] : أَيْ بِالْعَرَبِيِّ وَمِنْهُ الْكُوفِيُّ، لَا بِالْعَجَمِيِّ فَيَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْأَقْرَبُ مَنْعُ كَتْبِهِ بِغَيْرِ الْقَلَمِ الْعَرَبِيِّ

وَلَوْ مَعَ أَمْتِعَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ بِالْحَمْلِ، وَلَوْ بِعَلَّاقَةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ وِسَادَةٍ. (إلَّا لِمُعَلِّمٍ وَمُتَعَلِّمٍ وَإِنْ حَائِضًا لَا جُنُبًا) : أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ، إلَّا إذَا كَانَ مُعَلِّمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، فَيَجُوزُ لَهُمَا مَسُّ الْجُزْءِ وَاللَّوْحِ وَالْمُصْحَفِ الْكَامِلِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمَا عَلَى إزَالَةِ الْمَانِعِ. بِخِلَافِ الْجُنُبِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إزَالَتِهِ بِالْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ. وَالْمُتَعَلِّمُ يَشْمَلُ مَنْ ثَقُلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَصَارَ يُكَرِّرُهُ فِي الْمُصْحَفِ. (وَإِلَّا حِرْزًا بِسَاتِرٍ وَإِنْ لِجُنُبٍ، كَبِأَمْتِعَةٍ قُصِدَتْ) : هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَهُ. أَيْ: إلَّا لِمُعَلِّمٍ، وَإِلَّا إذَا كَانَ الْقُرْآنُ حِرْزًا بِسَاتِرٍ: يَقِيهِ مِنْ وُصُولِ قَذَارَةٍ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ حَمْلُهُ خَوْفًا مِنْ ارْتِيَاعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ رَمَدٍ وَلَوْ لِلْجُنُبِ، وَأَوْلَى الْحَائِضُ. وَظَاهِرُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا تَحْرُمُ قِرَاءَتُهُ بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ لِقَوْلِهِمْ: الْقَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ، وَالْعَرَبُ لَا تَعْرِفُ قَلَمًا غَيْرَ الْعَرَبِيِّ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] . وَمَا يَقَعُ مِنْ التَّمَائِمِ والأوفاق بِقَصْدِ مُجَرَّدِ التَّبَرُّكِ بِالْأَعْدَادِ الْهِنْدِيَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْحُرُوفِ فَلَا بَأْسَ بِهَا. وَمَحَلُّ امْتِنَاعِ مَسِّ الْمُحْدِثِ لِلْقُرْآنِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ؛ كَالْغَرَقِ أَوْ اسْتِيلَاءِ كَافِرٍ عَلَيْهِ وَإِلَّا مَسَّهُ وَلَوْ جُنُبًا. وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا جَوَازُ كَتْبِهِ لِلسُّخُونَةِ وَتَبْخِيرِ مَنْ هِيَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقًا لِلدَّوَاءِ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِعَلَّاقَةٍ] : خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، فَعِنْدَهُمْ لَا يَحْرُمُ إلَّا مَسُّ النُّقُوشِ. قَوْلُهُ: [أَوْ وِسَادَةٍ] : وَمِنْهَا الْكُرْسِيُّ الَّذِي وُضِعَ الْمُصْحَفُ فَوْقَهُ، وَقَدْ حَرَّمَ الشَّافِعِيَّةُ مَسَّ كُرْسِيِّهِ وَهُوَ عَلَيْهِ، وَمَذْهَبُنَا يَمْنَعُ حَمْلَهُ بِالْكُرْسِيِّ لَا مَسَّ الْكُرْسِيِّ. قَوْلُهُ: [إلَّا لِمُعَلِّمٍ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ قَائِلًا: لِأَنَّ حَاجَةَ الْمُعَلِّمِ صِنَاعَةٌ وَتَكَسُّبٌ لَا حِفْظٌ كَحَاجَةِ الْمُتَعَلِّمِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْجُنُبِ] : وَمِثْلُهُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ قَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَ انْقِطَاعِ الْعُذْرِ لِقُدْرَتِهِمَا عَلَى إزَالَةِ الْمَانِعِ. قَوْلُهُ: [فَصَارَ يُكَرِّرُهُ] : أَيْ بِنِيَّةِ الْحِفْظِ لَا لِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ بِالتِّلَاوَةِ فَيَتَوَضَّأُ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [وَإِنْ لِجُنُبٍ] : أَيْ أَوْ بَهِيمَةٍ لَا كَافِرٍ.

وَلَوْ مُصْحَفًا كَامِلًا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ حَمْلُهُ بِأَمْتِعَةٍ قُصِدَتْ بِالْحَمْلِ، كَصُنْدُوقٍ وَنَحْوِهِ فِيهِ مُصْحَفٌ أَوْ جُزْءٌ وَقَدْ حَمَلَهُ فِي سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنْ قُصِدَ الْمُصْحَفُ فَقَطْ أَوْ قُصِدَا مَعًا، مُنِعَ إذَا كَانَ قَصَدَ الْمُصْحَفَ ذَاتِيًّا لَا بِالتَّبَعِ لِلْأَمْتِعَةِ، وَإِلَّا جَازَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَكَذَا حَمْلُ التَّفْسِيرِ وَمَسُّهُ لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصْحَفًا عُرْفًا. فَقَوْلُهُ: [فَيُصَلِّي] تَشْبِيهٌ فِي الْجَوَازِ الْمُسْتَفَادِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. وَيَجُوزُ حَمْلُ الْأَمْتِعَةِ الْمَقْصُودِ حَمْلُهَا وَلَوْ لِكَافِرٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ مُصْحَفًا كَامِلًا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُغَيَّرْ عَنْ هَيْئَةِ المصحفية، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَغْيِيرُهُ عَنْ هَيْئَةِ المصحفية. [وَكَذَا حَمْلُ التَّفْسِيرِ] إلَخْ: أَيْ فَيَجُوزُ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ وَالْمُطَالَعَةُ فِيهِ لِلْمُحْدِثِ وَلَوْ كَانَ جُنُبًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّفْسِيرِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لَا تِلَاوَتُهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كُتِبَتْ فِيهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَقَصَدَهَا بِالْمَسِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ. لَطِيفَةٌ: قَوْله تَعَالَى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] إنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ فَلَا نَاهِيَةَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَفِي جَزْمٍ وَشِبْهِ الْجَزْمِ تَخْيِيرٌ قَفَى. وَعَلَى بَقَاءِ الْإِدْغَامِ يَجُوزُ الضَّمُّ إتْبَاعًا لِضَمِّ الْهَاءِ. أَوْ أَنَّهُ نَهَى بِصُورَةِ النَّفْيِ. وَلَا يَصِحُّ بَقَاءُ النَّفْيِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِلُّزُومِ الْكَذِبِ لِكَثْرَةِ مَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ بِلَا طَهَارَةٍ مِنْ صِبْيَانٍ وَغَيْرِهِمْ، نَعَمْ إنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ لِلَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْكِتَابِ الْمَكْنُونِ أَوْ صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ، وَأَلْ لِلْجِنْسِ صَحَّ النَّفْيُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمَسُّ ذَلِكَ إلَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الرَّذَائِلِ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) .

[فصل المسح على الخفين ونحوه]

فَصْلٌ: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (جَازَ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِحَضَرٍ وَسَفَرٍ - وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ - مَسْحُ خُفٍّ أَوْ جَوْرَبٍ بِلَا حَدٍّ) : ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ حُكْمَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَشُرُوطَهُ وَصِفَتَهُ - ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِ] [جَوَازِ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] قَوْلُهُ: [جَازَ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ. وَمُقَابِلُهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ. وَمَعْنَى الْوُجُوبِ أَنَّهُ إنْ اتَّفَقَ كَوْنُهُ لَابِسًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْبَسَهُ وَيَمْسَحَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ جَائِزًا مَعَ أَنَّهُ يَنْوِي بِهِ الْفَرْضَ؟ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْجَوَازَ مِنْ حَيْثُ الْعُدُولُ عَنْ الْغُسْلِ الْأَصْلِيِّ، وَإِنْ قَامَ مَقَامَ الْوَاجِبِ، حَتَّى قِيلَ الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ. لَكِنَّ الِاصْطِلَاحَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ مَا وَرَدَ فِيهِ التَّخْيِيرُ ابْتِدَاءً كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَهَذَا الْجَوَابُ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَاسِحُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلَكِنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ. قَوْلُهُ: [بِحَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ] : هَذَا التَّعْمِيمُ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ وَالْأَخَوَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: لَا يَمْسَحُ الْحَاضِرُونَ. وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا: لَا يَمْسَحُ الْحَاضِرُونَ وَلَا الْمُسَافِرُونَ. قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وَالْمَذْهَبُ، الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ. قَوْلُهُ: [مَسْحُ خُفٍّ] إلَخْ: مُرَادُهُ بِهِ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْمُتَعَدِّدِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: (فَإِنْ نَزَعَهُمَا أَوْ أَعْلَيَيْهِ) . وَإِنَّمَا قَدَّمَ مَسْحَ الْخُفِّ عَلَى الْغَسْلِ لِكَوْنِهِ مِنْ خَوَاصِّ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى. قَوْلُهُ: [بِلَا حَدٍّ] : أَيْ وَاجِبٍ بِحَيْثُ لَوْ زَادَ عَلَيْهِ بَطَلَ الْمَسْحُ، فَلَا يُنَافِي نَدْبَ نَزْعِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ، كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَشُرُوطُهُ] : أَيْ الْإِحْدَى عَشَرَةَ الْآتِيَةَ. قَوْلُهُ: [وَصِفَتُهُ] : أَيْ كَيْفِيَّةُ مَسْحِهِ.

وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. فَحُكْمُهُ الْجَوَازُ؛ فَهُوَ رُخْصَةٌ جَائِزَةٌ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَلَوْ كَانَ السَّفَرُ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ؛ كَالسَّفَرِ لِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ إبَاقٍ. لِأَنَّ كُلَّ رُخْصَةٍ جَازَتْ بِالْحَضَرِ جَازَتْ بِالسَّفَرِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الرُّخْصَةُ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِي الْحَضَرِ - كَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ - فَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْمُبَاحِ ضَعِيفٌ. وَمِثْلُ الْخُفِّ الْجَوْرَبُ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] : أَيْ مِنْ مُحْتَرَزَاتِ الشُّرُوطِ وَمُخَالَفَةِ الْكَيْفِيَّةِ. قَوْلُهُ: رُخْصَةٌ: هِيَ فِي اللُّغَةِ: السُّهُولَةُ. وَشَرْعًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ سَهْلٌ اُنْتُقِلَ إلَيْهِ مِنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ صَعْبٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ. فَالْحُكْمُ الصَّعْبُ هُنَا وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ حُرْمَةُ الْمَسْحِ، وَالْحُكْمُ السَّهْلُ جَوَازُ الْمَسْحِ لِعُذْرٍ، وَهُوَ مَشَقَّةُ النَّزْعِ وَاللُّبْسِ، وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ كَوْنُ الْمَحَلِّ قَابِلًا لِلْغَسْلِ. (انْتَهَى مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [جَائِزَةٌ] : أَيْ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى. قَوْلُهُ: [فِي الْوُضُوءُ] : أَيْ لَا فِي الْغُسْلِ. فَلِذَلِكَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ جَنَابَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ نَزْعُهُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [كَالسَّفَرِ] إلَخْ: أَيْ بِخِلَافِ الْمَعْصِيَةِ فِي السَّفَرِ فَلَا تَمْنَعُ اتِّفَاقًا كَالسَّفَرِ لِتِجَارَةٍ ثُمَّ تَعْرِضُ لَهُ مَعَاصٍ. قَوْلُهُ: [وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ] : مُرَادُهُ بِهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ. وَقَدْ خَالَفَ اصْطِلَاحَهُ

[شروط المسح على الخفين]

الْوَاوِ - وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ جِلْدٌ ظَاهِرُهُ، أَيْ كُسِيَ بِالْجِلْدِ بِشَرْطِهِ الْآتِي. فَإِنْ لَمْ يُجَلَّدْ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَلَا حَدَّ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى التَّحْدِيدِ. وَلِجَوَازِهِ شُرُوطٌ أَحَدَ عَشَرَ؛ سِتَّةٌ فِي الْمَمْسُوحِ وَخَمْسَةٌ فِي الْمَاسِحِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (بِشَرْطِ جِلْدٍ طَاهِرٍ، خُرِزَ، وَسَتَرَ مَحَلَّ الْفَرْضِ، وَأَمْكَنَ الْمَشْيُ فِيهِ عَادَةً بِلَا حَائِلٍ) : أَيْ أَنَّ الشَّرْطَ. الْأَوَّلَ فِي الْمَمْسُوحِ: كَوْنُهُ جِلْدًا، فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى غَيْرِهِ. الثَّانِيَ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا احْتِرَازًا مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَلَوْ مَدْبُوغًا. الثَّالِثَ: أَنْ يَكُونَ مَخْرُوزًا لَا إنْ لُزِقَ بِنَحْوِ رسراس. - ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ هُنَا مِنْ تَعْبِيرِهِ عَنْهُ بِالشَّيْخِ. قَوْلُهُ: [بِشَرْطِهِ الْآتِي] : مُرَادُهُ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْمُتَعَدِّدِ، أَوْ إنْ شُرِطَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ. قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ] إلَخْ: أَيْ كَابْنِ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ نَزْعَهُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، وَالشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. [شُرُوط الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] قَوْلُهُ: [جِلْدٍ طَاهِرٍ] : قَالَ: (بْن) هَذَانِ الشَّرْطَانِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِمَا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْخُفَّ لَا يَكُون إلَّا مِنْ جِلْدٍ، وَالْجَوْرَبُ قَدْ تَقَدَّمَ اشْتِرَاطُهُ فِيهِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ لَفْظَ جِلْدٍ هُنَا إنَّمَا ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ اعْتَرَضَهُ الرَّمَاصِيُّ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ فَصْلِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا يُذْكَرُ هُنَا إلَّا مَا هُوَ خَاصٌّ بِالْبَابِ، وَبِأَنَّ ذِكْرَهُ هُنَا يُوهِمُ بُطْلَانَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ عَجْزًا كَمَا أَنَّ بَاقِيَ الشُّرُوطِ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ طَاهِرٍ لَهُ حُكْمُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُصَنِّفُ قَدْ تَبِعَ خَلِيلًا فِي عَدِّهِ شَرْطًا، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمَتْ مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَدْبُوغًا] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ كيمخت كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ لُزِقَ] إلَخْ: أَيْ وَلَا مَا نُسِجَ أَوْ سُلِخَ كَذَلِكَ، قَصْرًا لِلرُّخْصَةِ عَلَى الْوَارِدِ، كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.

الرَّابِعَ: أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاقٌ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْغَرْضِ بِأَنْ يَسْتُرَ الْكَعْبَيْنِ احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِ السَّاتِرِ لَهُمَا. الْخَامِسَ: أَنْ يُمْكِنَ الْمَشْيُ فِيهِ عَادَةً احْتِرَازًا مِنْ الْوَاسِعِ الَّذِي يَنْسَلِتُ مِنْ الرِّجْلِ عِنْدَ الْمَشْيِ فِيهِ وَهُوَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِ. السَّادِسَ: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ حَائِلٌ مِنْ شَمْعٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. (وَلُبِسَ بِطَهَارَةِ مَاءٍ كَمُلَتْ، بِلَا تَرَفُّهٍ وَلَا عِصْيَانٍ بِلُبْسِهِ) : هَذَا إشَارَةٌ لِشُرُوطِ الْمَاسِحِ الْخَمْسَةِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَلْبَسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَلْبَسَهُ مُحْدِثًا، فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الطَّهَارَةُ مَائِيَّةً لَا تُرَابِيَّةً. الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الطَّهَارَةُ كَامِلَةً بِأَنْ يَلْبَسَهُ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ الَّذِي لَمْ يَنْتَقِضْ فِيهِ وُضُوءُهُ، فَلَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ مَسْحِ رَأْسِهِ وَلَبِسَ خُفَّهُ ثُمَّ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِ السَّاتِرِ] : أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِهِ الْمَحَلَّ بِذَاتِهِ وَلَوْ بِمَعُونَةِ أَزْرَارٍ، لَا مَا نَقَصَ عَنْهُ وَلَا مَا كَانَ وَاسِعًا يَنْزِلُ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ. قَوْلُهُ: [عَادَةً] : أَيْ لِذَوِي الْمُرُوءَةِ. وَذَكَرَ فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ الصَّغِيرِ: أَنَّ الضَّيِّقَ مَتَى أَمْكَنَ لُبْسُهُ مَسَحَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ خَالَفَهُ فِي قِرَاءَةِ (عب) وَهُوَ الظَّاهِرُ. (انْتَهَى مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [مِنْ شَمْعٍ أَوْ خِرْقَةٍ] : أَيْ إذَا كَانَ عَلَى أَعْلَاهُ لَا إنْ كَانَ أَسْفَلَهُ، فَلَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْأَسْفَلِ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ إزَالَتُهُ لِيُبَاشِرَهُ الْمَسْحُ. وَلَا تَضُرُّ اللَّفَائِفُ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْقَدَمِ وَيُلْبَسُ الْخُفُّ فَوْقَهَا. وَاسْتَثْنَى الْعُلَمَاءُ الْمِهْمَازَ الَّذِي يَكُونُ فِي أَعْلَى الْخُفِّ، فَإِنَّهُ حَائِلٌ وَلَا يَمْنَعُ الْمَسْحَ لِمَنْ شَأْنُهُ رُكُوبُ الدَّوَابِّ فِي السَّفَرِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ العزية: وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا وَأَنْ يَكُونَ زَمَنَ رُكُوبِهِ غَالِبًا فَيُمْسَحُ عَلَيْهِ رَكِبَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. وَمَنْ زَمَنُ رُكُوبِهِ نَادِرٌ فَيَمْسَحُ عَلَيْهِ إنْ رَكِبَ لَا إنْ لَمْ يَرْكَبْ. (انْتَهَى) . وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ.

[مبطلات المسح على الخفين]

مَسَحَ رَأْسَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ غَسَلَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَلَبِسَ فِيهَا الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الثَّانِيَةَ وَلَبِسَ الْأُخْرَى، لَمْ يَجُزْ لَهُ مَسْحٌ حَتَّى يَنْزَعَ الْأُولَى ثُمَّ يَلْبَسَهَا وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ. الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُتَرَفِّهًا بِلُبْسِهِ كَمَنْ لَبِسَهُ لِخَوْفٍ عَلَى حِنَّاءٍ بِرِجْلَيْهِ أَوْ لِمُجَرَّدِ النَّوْمِ بِهِ وَلِكَوْنِهِ حَاكِمًا وَلِقَصْدِ مُجَرَّدِ الْمَسْحِ أَوْ لِخَوْفِ بُرْغُوثٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ مَنْ لَبِسَهُ لَحَرٍّ وَبَرْدٍ وَوَعْرٍ أَوْ خَوْفِ عَقْرَبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ عَاصِيًا بِلُبْسِهِ كَمُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَمْ يَضْطَرَّ لِلُبْسِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ، بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ وَالْمَرْأَةِ فَيَجُوزُ. (وَكُرِهَ غَسْلُهُ وَتَتَبُّعُ غُضُونِهِ) : أَيْ يُكْرَهُ لِمَنْ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَنْ يَغْسِلَ خُفَّهُ. وَأَجْزَأَهُ إنْ نَوَى بِهِ أَنَّهُ بَدَلُ الْمَسْحِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ، لَا إنْ نَوَى بِهِ مُجَرَّدَ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ أَوْ قَذَرٍ. وَكَذَا يُكْرَهُ تَتَبُّعُ غُضُونِهِ بِالْمَسْحِ أَيْ تكاميشه؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ. كَمَا يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْمَسْحِ. (وَبَطَلَ بِمُوجِبِ غُسْلٍ، وَبِخَرْقِهِ قَدْرَ ثُلُثِ الْقَدَمِ وَإِنْ الْتَصَقَ كَدُونِهِ إنْ انْفَتَحَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ] إلَخْ: أَيْ إلَّا إذَا نَزَعَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ طَهَارَتِهِ وَأَعَادَهُمَا قَبْلَ حَدَثِهِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ] إلَخْ: وَمِثْلُهُ مَشَقَّةُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَأَمَّا لِمَنْ عَادَتُهُ الْمَسْحُ وَأَوْلَى لِلسُّنَّةِ فَيَمْسَحُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [كَمُحْرِمٍ بِحَجٍّ] : وَالْحَالُ أَنَّهُ ذَكَرٌ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَتَلْبَسُهُ وَتَمْسَحُ عَلَيْهِ وَلَوْ مُحْرِمَةً، لِأَنَّ إحْرَامَهَا فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا كَمَا يَأْتِي. تَنْبِيهٌ: الْأَظْهَرُ إجْزَاءُ مَسْحِ الْمَغْصُوبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الْغَصْبِ لَمْ يَرِدْ عَلَى خُصُوصِ لُبْسِهِ، بَلْ مِنْ أَصْلِ مُطْلَقِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا نَهْيُ الْمُحْرِمِ فَوَرَدَ عَلَى خُصُوصِ لُبْسِ الْمَخِيطِ، وَالْوَارِدُ عَلَى الْخُصُوصِ أَشَدُّ تَأْثِيرًا. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [غَسْلُهُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ مُخَرَّقًا خَرْقًا يَجُوزُ مَعَهُ الْمَسْحُ. قَوْلُهُ: [إنْ نَوَى بِهِ] إلَخْ: وَلَوْ نَوَى أَنَّهُ يَنْزِعُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. [مُبْطِلَات الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] قَوْلُهُ: [وَبَطَلَ بِمُوجَبِ غَسْلٍ] : أَيْ وَحَيْثُ بَطَلَ فَلَا يُمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ لِوُضُوءِ

إلَّا الْيَسِيرَ جِدًّا) : هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مُبْطِلَاتِ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ. فَيَبْطُلُ بِمُوجِبِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ؛ مِنْ مَغِيبِ حَشَفَةٍ أَوْ نُزُولِ مَنِيٍّ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ أَوْ نِفَاسٍ. وَمَعْنَى بُطْلَانِهِ انْتِهَاءُ الْمَسْحِ إلَى حُصُولِ الْمُوجِبِ، وَيَجِبُ نَزْعُهُ لِيُغْسَلَ. وَيَبْطُلُ الْمَسْحُ أَيْضًا أَيْ يَنْتَهِي حُكْمُهُ بِخَرْقِهِ ثُلُثَ الْقَدَمِ - سَوَاءٌ كَانَ مُنْفَتِحًا أَوْ مُلْتَصِقًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ - كَالشَّقِّ وَفَتْقِ خِيَاطَتِهِ مَعَ الْتِصَاقِ الْجِلْدِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ دُونَ الثُّلُثِ ضَرَّ أَيْضًا إنْ انْفَتَحَ بِأَنْ ظَهَرَتْ الرِّجْلُ مِنْهُ لَا إنْ الْتَصَقَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَتِحُ يَسِيرًا جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَصِلُّ بَلَلُ الْيَدِ حَالَ الْمَسْحِ لِمَا تَحْتَهُ مِنْ الرِّجْل فَلَا يَضُرُّ. (وَبِنَزْعِ أَكْثَرِ الرِّجْلِ لِسَاقِهِ) : أَيْ وَبَطَلَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ إذَا أُخْرِجَتْ الرِّجْلُ مِنْهُ لِسَاقِهِ أَيْ سَاقُ الْخُفِّ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ فَأَوْلَى لَوْ خَرَجَتْ كُلُّهَا، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ إلَّا خُرُوجُ جَمِيعِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ فَلَا يَضُرُّ نَزْعُ أَكْثَرِهِ وَرُجِّحَ (فَإِنْ نَزَعَهُمَا أَوْ أَعْلَيَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، - ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّوْمِ وَهُوَ جُنُبٌ. وَهَذِهِ حِكْمَةُ عُدُولِهِ عَنْ عِبَارَةِ خَلِيلٍ. قَوْلُهُ: [وَمَعْنَى بُطْلَانِهِ] إلَخْ: أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَسْحَ نَفْسَهُ بَطَلَ، وَإِلَّا لَزِمَ بُطْلَانُ مَا فَعَلَ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ. وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [ثُلُثِ الْقَدَمِ] : أَيْ عَلَى مَا لِابْنِ بَشِيرٍ، أَوْ قَدْرِ جُلِّ الْقَدَمِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. أَوْ الْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ: مَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ مُدَاوَمَةُ الْمَشْيِ، كَمَا لِلْعِرَاقِيَّيْنِ. قَوْلُهُ: [أَيْ وَبَطَلَ الْمَسْحُ] إلَخْ: أَيْ فَإِذَا وَصَلَ جُلُّ الْقَدَمِ لِسَاقِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يُبَادِرُ إلَى نَزْعِهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يَتَرَاخَ عَمْدًا وَيُطِلْ. وَقَوْلُ الْأُجْهُورِيِّ: إذَا نَزَعَ أَكْثَرَ الرِّجْلِ لِسَاقِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يُبَادِرُ لِرَدِّهَا وَيَمْسَحُ بِالْفَوْرِ، غَيْرُ ظَاهِرٍ. إذْ بِمُجَرَّدِ نَزْعِ أَكْثَرِ الرِّجْلِ تَحَتَّمَ الْغَسْلُ وَبَطَلَ الْمَسْحُ كَمَا فِي الرَّمَاصِيِّ. قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ قَالَتْ: وَبَطَلَ الْمَسْحُ بِنَزْعِ كُلِّ الْقَدَمِ لِسَاقِ الْخُفِّ. قَالَ الْجَلَّابُ: وَالْأَكْثَرُ كَالْكُلِّ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُقَابِلُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ (ح) : إنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهَا. قَوْلُهُ: [فَإِنْ نَزَعَهُمَا] إلَخْ: أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُمَا غَيْرُهُمَا. وَقَوْلُهُ: [أَوْ أَعْلَيَيْهِ] : أَيْ إنْ كَانَ تَحْتَهُمَا غَيْرُهُمَا. وَقَوْلُهُ: [أَوْ أَحَدَهُمَا] : صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ؛ بِأَنْ كَانَتْ الْمَنْزُوعَةُ مُفْرَدَةً

[مندوبات المسح على الخفين]

وَكَانَ عَلَى طُهْرٍ، بَادَرَ لِلْأَسْفَلِ كَالْمُوَالَاةِ) : أَيْ إذَا نَزَعَ الْمُتَوَضِّئُ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، أَوْ نَزَعَ الْأَعْلَيَيْنِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ قَدْ لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ فَوْقَ الْأَسْفَلَيْنِ، وَنَزَعَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ الْأَعْلَيَيْنِ أَوْ أَحَدَ الْمُنْفَرِدَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إلَى الْأَسْفَلِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ. فَيُبَادِرُ لِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْأُولَى، وَلِمَسْحِ الْأَسْفَلَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلِمَسْحِ الْأَسْفَلِ فِي الثَّالِثَةِ، وَلِنَزْعِ الْآخَرِ وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الرَّابِعَة. وَإِنَّمَا وَجَبَ نَزْعُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ غُسْلٍ وَمَسْحٍ. وَالْمُبَادَرَةُ هُنَا كَالْمُبَادَرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْمُوَالَاةِ، فَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ عَمْدًا بَطَلَ وُضُوءُهُ وَاسْتَأْنَفَهُ وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسَى مُطْلَقًا. وَيُعَدُّ الطُّولُ بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلَ. (وَنُدِبَ نَزْعُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ أُسْبُوعٍ) : يَعْنِي أَنَّهُ: يُنْدَبُ نَزْعُهُ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهَا كَالْمَرْأَةِ. وَلَوْ لَبِسَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَإِنْ لَمْ يَنْزِعْهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ نَزَعَهُ نَدْبًا فِي مِثْلِ الْيَوْمِ الَّذِي لَبِسَهُ فِيهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِيَوْمِ الْأُسْبُوعِ. - ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ تَحْتَهَا غَيْرُهَا. فَلِذَلِكَ كَانَتْ الصُّوَرُ أَرْبَعًا. قَوْلُهُ: [وَكَانَ عَلَى طُهْرٍ] : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طُهْرٍ بَطَلَ الْمَسْحُ مُطْلَقًا. وَيَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ مَعَ الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: [وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسَى] : وَمِثْلُ النِّسْيَانِ الْعَجْزُ الْحَقِيقِيُّ. [مَنْدُوبَات الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] [فَائِدَة نزع إحْدَى رجليه وتعسر فِي الْأُخْرَى] قَوْلُهُ: [يَعْنِي أَنَّهُ يُنْدَبُ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُطَالَبُ بِنَزْعِهِ كُلُّ مَنْ يُخَاطَبُ بِالْجُمُعَةِ وَلَوْ نَدْبًا كَمَا قَالَ الْجُزُولِيُّ. ثُمَّ ظَاهِرُ تَعْلِيلِهِمْ قَصْرُ النَّدْبِ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْغَسْلَ بِالْفِعْلِ. وَيُحْتَمَلُ نَدْبُ نَزْعِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الشَّارِحِ إذْ لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وُضُوءُهُ لِلْجُمُعَةِ عَارِيًّا عَنْ الرُّخْصَةِ كَمَا قَالَهُ زَرُّوقٌ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ يُسَنَّ نَزْعُهُ كُلَّ جُمُعَةِ لِمَنْ يُسَنُّ لَهُ غُسْلُهَا؛ لِأَنَّ الْوَسِيلَةَ تُعْطَى حُكْمَ الْمَقْصِدِ. وَالْجَوَابُ: الْإِثْمُ حَمْلُ النَّدْبِ عَلَى مُطْلَقِ الطَّلَبِ فَيَشْمَلُ السُّنِّيَّةَ لِمَنْ يُرِيدُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَكَانَ فِي حَقِّهِ سُنَّةً. قَوْلُهُ: [فِي مِثْلِ الْيَوْمِ] إلَخْ: أَيْ مُرَاعَاةً لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ. تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ نَقْلُ الْمَاءِ لِمَسْحِ الْخُفِّ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْسَدَهُ. فَائِدَةٌ: إنْ نَزَعَ الْمَاسِحُ رِجْلًا مِنْ الْخُفِّ وَعَسَرَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَضَاقَ الْوَقْتُ، فَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُ الْمَسْحَ وَالْغُسْلَ إعْطَاءً لِسَائِرِ الْأَعْضَاءِ حُكْمَ مَا تَحْتَ الْخُفِّ:

[فصل في الغسل]

(وَوَضْعُ يُمْنَاهُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلِهِ وَيُسْرَاهُ تَحْتَهَا وَيُمِرُّهُمَا لِكَعْبَيْهِ) : هَذِهِ صِفَةُ الْمَسْحِ الْمَنْدُوبَةِ، وَهِيَ: أَنْ يَضَعَ بَاطِنَ كَفِّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى، وَيَضَعَ بَاطِنَ كَفِّ الْيُسْرَى تَحْتَهَا أَيْ تَحْتَ أَصَابِعِ رِجْلِهِ وَيُمِرَّهُمَا - أَيْ الْيَدَيْنِ - لِمُنْتَهَى كَعْبَيْ رِجْلِهِ. وَقِيلَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ فِي الرِّجْلِ الْيُمْنَى، وَأَمَّا الْيُسْرَى فَيُعْكَسُ الْحَالُ بِأَنْ يَجْعَلَ الْيَدَ الْيُمْنَى تَحْتَ الْخُفِّ وَالْيُسْرَى فَوْقَهَا لِأَنَّهُ أَمْكَنُ. (وَمَسْحٌ مَعَ أَسْفَلِهِ) : أَيْ يُنْدَبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. فَلَا يُنَافِي أَنَّ مَسْحَ الْأَعْلَى وَاجِبٌ تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ الصَّلَاةُ، بِخِلَافِ مَسْحِ الْأَسْفَلِ فَلَا يَجِبُ. فَإِنْ تَرَكَهُ أَعَادَ صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ. وَلِذَا قَالَ: (وَبَطَلَتْ بِتَرْكِ الْأَعْلَى لَا الْأَسْفَلِ، فَيُعِيدُ: وَقْتَ) : فَالضَّمِيرُ فِي بَطَلَتْ عَائِدٌ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْمَقَامِ. وَتَرْكُ الْبَعْضِ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ كَتَرْكِ الْكُلِّ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى وَنَوَاقِضِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، شَرَعَ فِي بَيَانِ الْكُبْرَى وَمُوجِبَاتِهَا فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQوَتَعَذُّرُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ كَتَعَذُّرِ الْجَمِيعِ، وَلَا يُمَزِّقُهُ مُطْلَقًا كَثُرَتْ قِيمَتُهُ أَوْ قَلَّتْ، وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ ذَكَرَهَا خَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [وَوَضْعُ يُمْنَاهُ] إلَخْ: فَلَوْ خَالَفَ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةَ وَمَسَحَ كَيْفَمَا اتَّفَقَ كَفَاهُ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ] إلَخْ: وَهُوَ الْأَرْجَحُ. قَوْلُهُ: [أَيْ يُنْدَبُ الْجَمْعُ] إلَخْ: جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ: كَيْفَ يُنْدَبُ مَسْحُ الْأَعْلَى مَعَ أَنَّهُ وَاجِبٌ؟ فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَ. قَوْلُهُ: [فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ] : أَيْ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ. فَإِنْ (ح) صَدَّرَ بِالْقَوْلِ بِأَنَّ مَسْحَ كُلٍّ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ وَاجِبٌ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ مَسْحُ أَعْلَاهُ دُونَ أَسْفَلِهِ، وَلَا أَسْفَله دُونَ أَعْلَاهُ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ أَعْلَاهُ وَصَلَّى فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ لَا يَمْسَحُ بُطُونَهُمَا. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [تَرْكُ الْبَعْضِ] إلَخْ: أَيْ فَيُعِيدُ لِتْرِك بَعْضِ الْأَعْلَى أَبَدًا وَلِبَعْضِ الْأَسْفَلِ فِي الْوَقْتِ. [فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ] [مَتَى يَجِب الْغُسْل] قَوْلُهُ: [فِي بَيَانِ الْكُبْرَى] : أَيْ مِنْ جِهَةِ فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.

فَصْلٌ: فِي الْغُسْلِ (يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ غَسْلُ جَمِيعِ الْجَسَدِ بِخُرُوجِ مَنَيٍّ بِنَوْمٍ مُطْلَقًا) : اعْلَمْ أَنَّ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ أَرْبَعَةٌ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ. وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ. وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ. وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَى فِي حَالَةِ النَّوْمِ يُوجِبُ الْغُسْلَ مُطْلَقًا بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ أَمْ لَا، بَلْ إذَا انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَوَجَدَ الْمَنِيَّ وَلَمْ يَشْعُرْ بِخُرُوجِهِ، أَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ الْأُجْهُورِيُّ، وَنُوزِعَ فِيهِ. - ـــــــــــــــــــــــــــــQفَصْلٌ: قَوْلُهُ: [جَمِيعِ الْجَسَدِ] : أَيْ ظَاهِرِهِ وَلَيْسَ مِنْهُ الْفَمُ وَالْأَنْفُ وَصِمَاخ الْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ، بَلْ التَّكَامِيشُ بِدُبُرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا، وَالسُّرَّةُ وَكُلُّ مَا غَارَ مِنْ جَسَدِهِ. 1 - قَوْلُهُ: [بِخُرُوجِ مَنِيٍّ] : الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: [بِنَوْمٍ] : الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي. قَوْلُهُ: [اعْلَمْ أَنَّ مُوجِبَاتِ] إلَخْ: أَيْ أَسْبَابَهُ الَّتِي تُوجِبُهُ. وَالْغُسْلُ بِالضَّمِّ: الْفِعْلُ. وَبِالْفَتْحِ: اسْمٌ لِلْمَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ. وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَا يُغْتَسَلُ بِهِ مِنْ أُشْنَانٍ وَنَحْوِهِ. وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: إيصَالُ الْمَاءِ لِجَمِيعِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّلْكِ. قَوْلُهُ: [فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ] إلَخْ: أَيْ بُرُوزُهُ مِنْ الْفَرْجِ أَوْ الذَّكَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْحَطَّابُ، وَمِثْلُهُ فِي الْعَارِضَةِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ. فَالرَّجُلُ كَالْمَرْأَةِ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا إلَّا بِالْبُرُوزِ خَارِجًا، فَإِذَا وَصَلَ مَنِيُّ الرَّجُلِ لِأَصْلِ الذَّكَرِ أَوْ لِوَسَطِهِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ. وَظَاهِرُهُ؛ وَلَوْ كَانَ لِرَبْطٍ أَوْ حَصًى. وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الرَّجُلِ بِانْفِصَالِهِ عَنْ مَقَرِّهِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِانْتِقَالِهِ - فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ كَمَا فِي (بْن) (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ] إلَخْ: أَيْ مُعْتَرِضًا بِهِ عَلَى (ح) والتتائي الْقَائِلِينَ: إذَا

(أَوْ يَقَظَةٍ إنْ كَانَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، مِنْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ فَأَعْلَى، وَلَوْ بَعْدَ ذَهَابِهَا) : أَيْ أَوْ بِخُرُوجِهِ فِي يَقَظَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ مِنْ أَجْلِ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ فِي جِمَاعٍ فَأَعْلَى كَمُبَاشَرَةٍ. وَإِنْ حَصَلَ الْخُرُوجُ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ. (وَإِلَّا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ فَقَطْ) : أَيْ - وَأَلَّا يَكُنْ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ - بِأَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ لِمَرَضٍ أَوْ طَرْبَةٍ، أَوْ كَانَ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ - كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ أَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ - فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَقَطْ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: الرَّاجِحُ فِي اللَّذَّةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّ عَقْرَبًا لَدَغَتْهُ فَأَمْنَى أَوْ حَكَّ لِجَرَبٍ فَالْتَذَّ فَأَمْنَى فَوَجَدَ الْمَنِيَّ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ. وَقِبَلَ الرَّمَاصِيُّ مَا لِلْأُجْهُورِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَحْوَطَ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَقَالَ (بْن) : مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْأُجْهُورِيُّ فِي رَدِّهِ عَلَى الْحَطَّابِ (وتت) وَاهٍ جِدًّا. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعْدَ ذَهَابِهَا] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مُقَارِنًا لِلَذَّةٍ، بَلْ إنْ خَرَجَ بَعْدَ ذَهَابِهَا وَسُكُونِ إنعاظه حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْخُرُوجُ بِلَا جِمَاعٍ. وَيُلَفِّقُ حَالَةِ النَّوْمِ لِحَالَةِ الْيَقِظَةِ، فَإِذَا الْتَذَّ فِي نَوْمِهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ فِي الْيَقَظَةِ بَعْدَ انْتِبَاهِهِ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ اغْتَسَلَ، وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ جَهْلًا مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ اللَّذَّةُ نَاشِئَةً عَنْ جِمَاعٍ بِأَنْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ وَلَمْ يُنْزِلْ، ثُمَّ أَنْزَلَ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّتِهِ وَسُكُونِ إنعاظه؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، مَا لَمْ يَكُنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْإِنْزَالِ، وَإِلَّا فَلَا لِوُجُودِ مُوجِبِ الْغُسْلِ وَهُوَ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ. وَكَذَا إذَا خَرَجَ بَعْضُ الْمَنِيِّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ثُمَّ خَرَجَ الْبَعْضُ الْبَاقِي؛ فَإِنْ اغْتَسَلَ لِلْبَعْضِ الْأَوَّلِ فَلَا يُعِيدُ الْغُسْلَ وَإِنَّمَا يَتَوَضَّأُ لِلثَّانِي. قَوْلُهُ: [فِي جِمَاعٍ] : مُتَعَلِّقٌ بِتَفَكُّرٍ. وَقَوْلُهُ: [كَمُبَاشَرَةٍ] : مِثَالٌ لِلْأَعْلَى. قَوْلُهُ: [لَكِنْ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ] إلَخْ: ظَاهِرٌ اسْتَدَامَ أَمْ لَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ مَثَّلُوا اللَّذَّةَ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ: بِالنُّزُولِ فِي الْمَاءِ الْحَارِّ وَحَكِّ الْجَرَبِ وَهَزِّ الدَّابَّةِ. قَالَ فِي الْأَصْلِ: أَمَّا نُزُولُهُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ فَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَوْ اسْتَدَامَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَحَكُّ الْجَرَبِ

وُجُوبُ الْغُسْلِ كَمَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَظَاهِرُ ابْنِ بَشِيرٍ. إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ تَضْعِيفُهُ. (كَمَنْ جَامَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَمْنَى) : تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ فَقَطْ. أَيْ أَنَّ مَنْ جَامَعَ بِأَنْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ فِي الْفَرْجِ فَاغْتَسَلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ بَعْدَ غُسْلِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ لِلْجَنَابَةِ قَدْ حَصَلَ. (وَلَوْ شَكَّ أَمَنِيٌّ أَمْ مَذْيٌ وَجَبَ. فَإِنْ لَمْ يَدْرِ وَقْتَهُ أَعَادَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ) : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِخُرُوجِهِ فِي النَّوْمِ. أَيْ أَنَّ مَنْ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَوَجَدَ بَلَلًا فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ فَشَكَّ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِأَنَّ الشَّكَّ مُؤَثِّر فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ، - ـــــــــــــــــــــــــــــQإنْ كَانَ بِذَكَرِهِ، وَهَزُّ الدَّابَّةِ إنْ أَحَسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ فِيهِمَا وَاسْتَدَامَ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا إنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَكَرِهِ فَإِنَّهُ كَالْمَاءِ الْحَارِّ. بَقِيَ شَيْءٌ؛ وَهُوَ أَنَّهُ فِي هَزِّ الدَّابَّةِ إذَا أَحَسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ وَاسْتَدَامَ حَتَّى أَنْزَلَ، فَهَلْ يَجِبُ الْغُسْلُ وَلَوْ كَانَتْ الِاسْتِدَامَةُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْجِمَاعِ؟ أَوْ لَا غُسْلَ حِينَئِذٍ؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ. قَوْلُهُ: [تَضْعِيفُهُ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) : اعْتَرَضَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الرَّاجِحَ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِخُرُوجِهِ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، كَمَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَظَاهِرُ ابْنِ بَشِيرٍ. قَالَ شَيْخُنَا: عَدَمُ تَعَرُّضِ الشُّرَّاحِ لِنَقْلِ كَلَامِ ابْنِ مَرْزُوقٍ وَإِعْرَاضهمْ عَنْهُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَسْلِيمِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الرَّاجِحُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (اهـ) وَقَدْ تَبِعَ مُصَنِّفُنَا مَا قَالَهُ خَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ] إلَخْ: مِثْلُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ؛ الْمَرْأَةُ إذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا الْمَنِيُّ بَعْدَ غُسْلِهَا مِنْ الْجِمَاعِ. قَوْلُهُ: [فَقَطْ] : أَيْ وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ صَلَّاهَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ شَكَّ] إلَخْ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ عَمَّا إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ حَيْضًا فِي ثَوْبِهَا وَلَمْ تَدْرِ وَقْتَ حُصُولِهِ، وَحُكْمُهَا أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ يَوْمِ لُبْسِهِ اللُّبْسَةَ الْأَخِيرَةَ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا وَقْتَ أَوَّلِ صَلَاةٍ، كَالصَّوْمِ؛ لِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ. إلَّا أَنْ تُبَيِّتَ النِّيَّةَ كُلَّ لَيْلَةٍ فَتُعِيدُ عَادَتَهَا إنْ أَمْكَنَ اسْتِغْرَاقُهُ لَهَا لِكَثْرَتِهِ، وَلَوْ كُلَّ يَوْمٍ نُقْطَةٌ، وَإِلَّا فَبِحَسَبِهِ. فَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ زِيَادَتُهُ عَلَى يَوْمَيْنِ فِي ظَنِّ الْعَادَةِ قَضَتْهُمَا

بِخِلَافِ الْوَهْمِ؛ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَذْيٌ وَتَوَهَّمَ فِي الْمَنِيِّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ. فَلِذَا لَوْ شَكَّ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ كَمَنِيٍّ وَمَذْي وَوَدْي، لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ التَّرَدُّدِ: بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، يُصَيِّرُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا وَهْمًا. وَمَنْ وَجَدَ مَنِيًّا مُحَقَّقًا أَوْ مَشْكُوكًا، وَلَمْ يَدْرِ الْوَقْتَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَغْتَسِلُ وَيُعِيدُ صَلَاتَهُ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّاهُ قَبْلَهَا. (وَبِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا فِي فَرْجٍ مُطِيقٍ، وَإِنْ بَهِيمَةً أَوْ مَيِّتًا) : الْمُوجِبُ الثَّانِي لِلْغُسْلِ: تَغْيِيبُ الْمُكَلَّفِ - ـــــــــــــــــــــــــــــQفَقَطْ، وَهَكَذَا. وَمِنْ هُنَا فَرَّعَ الْوَجِيزِي: الَّذِي فِي (عب) : ثَلَاثُ جَوَارٍ لَبِسَتْ كُلٌّ الثَّوْبَ عَشَرَةً فِي رَمَضَانَ، فَوُجِدَ فِيهِ نُقْطَةُ دَمٍ؛ فَتَصُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمًا مَعَ التَّبْيِيتِ، وَتَقْضِي الْأُولَى صَلَاةَ الشَّهْرِ، وَالثَّانِيَةُ، عِشْرِينَ، وَالثَّالِثَةُ، عَشَرَةً. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلْغَاءُ الِاسْتِظْهَارِ هُنَا (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ] : أَيْ وَلَكِنْ يَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الْجَسَدِ وَلَا الذَّكَرِ، وَأَمَّا إذَا شَكَّ أَمَذْي أَمْ بَوْلٌ أَوْ أَمَذْي أَمْ وَدْيٌ، وَجَبَ غَسْلُ الذَّكَرِ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَغْتَسِلُ وَيُعِيدُ] إلَخْ: مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّكِّ أَوْ التَّحَقُّقِ إذَا لَمْ يَلْبَسْهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُمْنِي، وَإِلَّا لَمْ يَجِبُ غُسْلٌ بَلْ يُنْدَبُ فَقَطْ، كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ تَبَعًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالُوهُ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْ شَخْصَيْنِ لَبِسَا ثَوْبًا وَنَامَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُحْتَمَلْ لِبْسُ غَيْرِهِمَا لِذَلِكَ الثَّوْبِ، وَوُجِدَ فِيهِ مَنِيٌّ. وَلِقَوْلِ الْبُرْزُلِيِّ: لَوْ نَامَ شَخْصَانِ تَحْتَ لِحَافٍ ثُمَّ وَجَدَا مَنِيًّا عَزَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَإِنْ كَانَا غَيْرَ زَوْجَيْنِ اغْتَسَلَا وَصَلَّيَا مِنْ أَوَّلِ مَا نَامَا فِيهِ لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ إلَيْهِمَا مَعًا فَلَا يَبْرَآنِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَإِنْ كَانَا زَوْجَيْنِ اغْتَسَلَ الزَّوْج فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا ذَلِكَ. قَالَ (بْن) : فَهُمَا قَوْلَانِ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ لَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [الْمُكَلَّفِ] : أَيْ وَلَوْ خُنْثَى مُشْكِلًا، إذَا غَيَّبَهَا فِي فَرْجِ غَيْرِهِ أَوْ فِي دُبُرِ نَفْسِهِ، وَإِلَّا - بِأَنْ غَيَّبَهَا فِي فَرْجِ نَفْسِهِ - فَلَا، مَا لَمْ يُنْزِلْ. وَاشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّ، فَإِذَا غَيَّبَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ فِي فَرْجِهَا وَجَبَ الْغُسْلُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَهِيمَةِ الْبُلُوغُ.

جَمِيعَ حَشَفَتِهِ - أَيْ رَأْسَ ذَكَرِهِ - أَوْ تَغْيِيبُ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِ شَخْصٍ مُطِيقٍ لِلْجِمَاعِ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ، أَوْ كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ الْجِنُّ؛ فَلَوْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي إنْسِيَّةٍ، أَوْ إنْسِيٌّ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي جِنِّيَّةٍ، وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى كُلٍّ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَهُوَ التَّحْقِيقُ. قَوْلُهُ: [جَمِيعَ حَشَفَتِهِ] : أَيْ مَا يُلَفُّ عَلَيْهَا خِرْقَةٌ كَثِيفَةٌ. وَلَيْسَتْ الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى الْحَشَفَةِ بِمَثَابَةِ الْخِرْقَةِ الْكَثِيفَةِ. قَوْلُهُ: [قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا] : وَمِثْلُ الْقَطْعِ مَا لَوْ قُلْنَاهُ وَهَلْ يُعْتَبَرُ قَدْرُ طُولِهَا لَوْ انْفَرَدَ وَاسْتَظْهَرَ؟ أَوْ مُثَنِّيًا؟ وَانْظُرْ لَوْ خُلِقَ ذَكَرُهُ كُلُّهُ بِصِفَةِ الْحَشَفَةِ، هَلْ يُرَاعَى قَدْرُهَا مِنْ الْمُعْتَادِ؟ أَوْ لَا بُدَّ فِي إيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ تَغْيِيبِهِ كُلِّهِ؟ وَالظَّاهِرُ - كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ - الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: [قُبُلًا أَوْ دُبُرًا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ: غَيَّبَ الْحَشَفَةَ فِي الْقُبُلِ فِي مَحَلِّ الِافْتِضَاضِ أَوْ فِي مَحَلِّ الْبَوْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ مَحَلَّ الِافْتِضَاضِ. بَقِيَ لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ بِتَمَامِهِ فِي الْفَرْجِ؛ فَلَا نَصَّ عِنْدَنَا. وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: إنْ بَدَأَ فِي الدُّخُولِ بِذَكَرِهِ اغْتَسَلَ، وَإِلَّا فَلَا كَأَنَّهُمْ رَأَوْهُ كَالتَّغْيِيبِ فِي الْهَوِيِّ. وَيُفْرَضُ ذَلِكَ فِي الْفِيَلَةِ وَدَوَابِّ الْبَحْرِ الْهَائِلَةِ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي الدُّبُرِ يُوجِبُ الْغُسْلَ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَفِي (ح) قَوْلٌ شَاذٌّ لِمَالِكٍ: إنَّ التَّغْيِيبَ فِي الدُّبُرِ لَا يُوجِبُ غُسْلًا حَيْثُ

الْمُطِيقُ بَهِيمَةً أَوْ مَيِّتًا. (وَعَلَى ذِي الْفَرْجِ إنْ بَلَغَ) : أَيْ وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى صَاحِبِ الْفَرْجِ الْمُغَيَّبِ فِيهِ إنْ كَانَ بَالِغًا. وَهَذَا الْقَيْدُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: (الْمُكَلَّفُ) . ذَكَرَهُ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَلَا بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي غَيْرِ فَرْجٍ كَالْأَلْيَتَيْنِ وَالْفَخْذَيْنِ، وَلَا فِي فَرْجٍ غَيْرِ مُطِيقٍ. (وَنُدِبَ لِمَأْمُورِ الصَّلَاةِ؛ كَصَغِيرَةٍ وَطِئَهَا بَالِغٌ) : أَيْ وَيُنْدَبُ الْغُسْلُ لِذَكَرٍ مَأْمُورٍ بِالصَّلَاةِ وَطِئَ مُطِيقًا كَمَا يُنْدَبُ لِمُطِيقَةٍ وَطِئَهَا بَالِغٌ وَإِلَّا فَلَا. - ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا إنْزَالَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَإِنْ أَوْجَبَ الْغُسْلَ، فَإِذَا كَانَ مُتَوَضِّئًا وَغَيَّبَ الْحَشَفَةَ فِي الدُّبُرِ وَلَمْ يُنْزِلْ وَغَسَلَ مَا عَدَا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَمَحَلُّ كَوْنِهِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَهُمْ حَيْثُ كَانَ الْمُغَيَّبُ فِي دُبُرِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مُحَرَّمًا. قَوْلُهُ: [أَوْ مَيِّتًا] : أَيْ وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ الْمُغَيَّبِ فِيهِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ. قَوْلُهُ: [غَيْرِ مُطِيقٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: [لِمَأْمُورِ الصَّلَاةِ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرَاهِقْ. فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: مُرَاهِقٌ. فَفِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ: إذَا عُدِمَ الْبُلُوغُ فِي الْوَاطِئِ أَوْ الْمَوْطُوءَةِ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ لَا غُسْلَ. وَيُؤْمَرَانِ بِهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (انْتَهَى) ، وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ سَحْنُونَ: يَجِبُ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ. فَلَوْ صَلَّيَا بِدُونِهِ فَقَالَ أَشْهَبُ: يُعِيدَانِ. وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونَ: يُعِيدَانِ بِقُرْبِ ذَلِكَ لَا أَبَدًا. قَالَ سَنَدٌ: وَهُوَ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَشْهَبَ. وَالْمُرَادُ بِالْقُرْبِ: كَالْيَوْمِ، كَمَا فِي (ر) . وَالْمُرَادُ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِمَا: عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ كَالْوُضُوءِ، لَا تَرَتُّبَ الْإِثْمِ عَلَى التَّرْكِ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . فَعَلَى النَّدْبِ الَّذِي هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ؛ لَوْ جَامَعَ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ وَصَلَّى بِغَيْرِ غُسْلٍ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، غَايَةُ مَا فِيهِ الْكَرَاهَةُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: جِمَاعُ الصَّبِيِّ لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ. قَوْلُهُ: [وَطِئَ مُطِيقًا] : كَانَ الْمَوْطُوءُ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا] : هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: لِأَنَّ الْوَاطِئَ وَالْمَوْطُوءَ بَالِغَانِ أَوْ بَالِغٌ وَصَغِيرَةٌ أَوْ صَغِيرٌ وَبَالِغَةٌ أَوْ صَغِيرَانِ. فَالْأُولَى: يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا اتِّفَاقًا. وَفِي الثَّانِيَةِ: يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْوَاطِئِ وَيُنْدَبُ لِلْمَوْطُوءَةِ حَيْثُ كَانَتْ مَأْمُورَةً

[فرائض الغسل]

(وَبِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَلَوْ بِلَا دَمٍ، لَا بِاسْتِحَاضَةٍ. وَنُدِبَ لِانْقِطَاعِهِ) : الْمُوجِبُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ لِلْغُسْلِ: الْحَيْضُ وَلَوْ دَفْعَةً. وَالنِّفَاسُ وَلَوْ خَرَجَ الْوَلَدُ بِلَا دَمٍ أَصْلًا. وَلَا يَجِبُ بِخُرُوجِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، لَكِنْ يُنْدَبُ إذَا انْقَطَعَ. (وَفَرَائِضُهُ: نِيَّةُ فَرْضِ الْغُسْلِ، أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ، بِأَوَّلِ مَفْعُولٍ) : فَرَائِضُ الْغُسْلِ خَمْسَةٌ: الْأُولَى: النِّيَّةُ عِنْدَ أَوَّلِ مَفْعُولٍ ابْتَدَأَ بِفَرْجِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ أَدَاءَ فَرْضِ الْغُسْلِ، أَوْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَوْ رَفْعَ الْجَنَابَةِ، أَوْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مَثَلًا. (وَمُوَالَاةٌ كَالْوُضُوءِ وَتَعْمِيمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ) : الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُوَالَاةُ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ، كَالْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ. فَإِنْ فَرَّقَ عَامِدًا بَطَلَ إنْ طَالَ، - ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالصَّلَاةِ. وَفِي الثَّالِثَةِ: يُنْدَبُ لِلْوَاطِئِ دُونَ مَوْطُوءَتِهِ مَا لَمْ تُنْزِلْ. وَكَذَا فِي الرَّابِعَةِ. قَوْلُهُ: [وَبِحَيْضٍ] : أَيْ بِوُجُودِ حَيْضٍ، فَالْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ وُجُودُهُ لَا انْقِطَاعُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ. وَمَا قِيلَ فِي الْحَيْضِ يُقَالُ فِي النِّفَاسِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِلَا دَمٍ] : هَذَا هُوَ الْمُسْتَحْسَنُ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَخَلِيلٍ مِنْ رِوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْأَقْوَى ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. قَوْلُهُ: [لَكِنْ يُنْدَبُ إذَا انْقَطَعَ] : أَيْ لِأَجْلِ النَّظَافَةِ وَتَطْيِيبِ النَّفْسِ، كَمَا يُنْدَبُ غَسْلُ الْمَعْفُوَّاتِ إذَا تَفَاحَشَتْ لِذَلِكَ، وَالِاسْتِحَاضَةُ مِنْ جُمْلَتِهَا. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ خَالَطَ الِاسْتِحَاضَةَ حَيْضٌ وَهِيَ لَا تَشْعُرُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا نَدْبَهُ لِوُجُودِ الشَّكِّ فِي الْجَنَابَةِ. [فَرَائِضُ الْغُسْل] قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَنْوِيَ إلَخْ] : وَلَا يَضُرُّ إخْرَاجُ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ، بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَا الطَّوَافِ مَثَلًا. وَلَا نِسْيَانُ مُوجِبٍ، بِخِلَافِ إخْرَاجِهِ الْحَدَثَ، كَأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْغُسْلَ مِنْ الْجِمَاعِ لَا مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَالْحَالُ أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ قَدْ حَصَلَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. أَوْ يَنْوِيَ مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ فِي الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ أَوْ فِي الْمَنْدُوبَةِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ. قَوْلُهُ: [كَالْوُضُوءِ] إلَخْ: التَّشْبِيهُ فِي الصِّفَةِ وَالْحُكْمِ مَعًا. قَوْلُهُ: [عَامِدًا] : أَيْ مُخْتَارًا.

وَإِلَّا بَنَى عَلَى مَا فَعَلَ بِنِيَّةٍ. الْفَرِيضَةُ الثَّالِثَةُ: تَعْمِيمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ، بِأَنْ يَنْغَمِسَ فِيهِ أَوْ يَصُبَّهُ عَلَى جَسَدِهِ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا. (وَدَلْكٌ وَلَوْ بَعْدَ صَبِّهِ وَإِنْ بِخِرْقَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ سَقَطَ، وَلَا اسْتِنَابَةَ) : الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: الدَّلْكُ وَهُوَ هُنَا إمْرَارُ الْعُضْوِ عَلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ، يَدًا أَوْ رِجْلًا فَيَكْفِي دَلْكُ الرِّجْلِ بِالْأُخْرَى. وَيَكْفِي الدَّلْكُ بِظَاهِرِ الْكَفِّ وَبِالسَّاعِدِ وَالْعَضُدِ، بَلْ يَكْفِي بِالْخِرْقَةِ عِنْدَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِلَّا بَنَى بِنِيَّةٍ] : أَيْ حَيْثُ فَرَّقَ نَاسِيًا وَأَمَّا لَوْ فَرَّقَ عَاجِزًا فَيَبْنِي لِنِيَّةٍ لِاسْتِصْحَابِهَا. وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ يَأْتِي هُنَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: [فَإِنْ فَرَّقَ عَامِدًا] إلَى آخِرِهِ: مَا قِيلَ إلَّا مَنْطُوقُهُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ. وَمَفْهُومُهُ بَعْدَهَا خَمْسُ صُوَرٍ: وَهِيَ مَا إذَا فَرَّقَ نَاسِيًا، أَوْ عَاجِزًا، أَطَالَ أَمْ لَا، أَوْ عَامِدًا مُخْتَارًا وَلَمْ يُطِلْ. وَالْكُلُّ يَبْنِي فِيهَا بِغَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ، إلَّا إذَا فَرَّقَ نَاسِيًا وَطَالَ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ: (بَنَى بِنِيَّةٍ) كَلَامٌ مُجْمَلٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّاسِي فِي حَالَةِ الطُّولِ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهَا] : كَتَلَقِّيه مِنْ الْمَطَرِ وَتَمْرِيغِهِ فِي الزَّرْعِ وَعَلَيْهِ نَدًى كَثِيرٌ حَتَّى عَمَّهُ الْمَاءُ. قَوْلُهُ: [وَدَلْكٌ] : هُوَ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ مَعَ دَلْكٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ؛ وَحِينَئِذٍ فَيُغْنِي عَنْهُ اسْمُ الْغُسْلِ لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ وَاجِبٌ لِإِيصَالِ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ فَيُعِيدُ تَارِكُهُ أَبَدًا وَلَوْ تَحَقَّقَ وُصُولَ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. وَاخْتَارَ الْأُجْهُورِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِقُوَّةِ مُدْرَكِهِ. وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْمُدْرَكِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعْدَ صَبِّهِ] : خِلَافًا لِلْقَابِسِيِّ فِي اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ لِصَبِّ الْمَاءِ. فَإِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَصَارَ الْمَاءُ مُنْفَصِلًا عَنْ جَسَدِهِ إلَّا أَنَّهُ مُبْتَلٌّ، فَيَكْفِي الدَّلْكُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْأَوَّلِ لَا عَلَى الثَّانِي. قَوْلُهُ: [وَهُوَ هُنَا] : يَحْتَرِزُ عَنْ الْوُضُوءِ. فَإِنَّهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمُرَادُ مِنْهَا بَاطِنُ الْكَفِّ، وَتَقَدَّمَ نَقْلُ (بْن) عَنْ المسناوي أَنَّهُ كَالْغُسْلِ يَكْفِي فِيهِ أَيُّ عُضْوٍ

الْقُدْرَةِ - بِالْيَدِ عَلَى الرَّاجِحِ - بِأَنْ يُمْسِكَ طَرَفَيْهَا بِيَدَيْهِ، وَيَدْلِكَ بِوَسَطِهَا أَوْ بِحَبْلٍ كَذَلِكَ. وَيَكْفِي وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ الْجَسَدِ مَا لَمْ يَجِفَّ. فَإِنْ تَعَذَّرَ الدَّلْكُ سَقَطَ. وَيَكْفِي تَعْمِيمُ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ كَمَا فِي سَائِرِ الْفَرَائِضِ. إذْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: يَجِبُ اسْتِنَابَةُ مَنْ يُدَلِّكُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ، أَوْ يَتَدَلَّكُ بِحَائِطٍ إنْ كَانَتْ مِلْكًا لَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ مَالِكُهَا فِي ذَلِكَ وَكَانَ الدَّلْكُ بِهَا لَا يُؤْذِيهِ. فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ. (وَتَخْلِيلُ شَعْرٍ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) : الْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ: تَخْلِيلُ شَعْرِهِ وَلَوْ كَثِيفًا سَوَاءٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. قَوْلُهُ: [عَلَى الرَّاجِحِ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ بَهْرَامُ عَنْ سَحْنُونَ مِنْ عَدَمِ الْكِفَايَةِ بِخِرْقَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ بِالْيَدِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ (عب) . وَرَدَّ شَيْخُنَا ذَلِكَ. وَاعْتَمَدَ الْكِفَايَةَ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الصَّغِيرِ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَيَكْفِي وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ] إلَخْ: إنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ ذَلِكَ - قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ - لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الدَّلْكُ، وَالدَّلْكُ وَاجِبٌ. هَذَا إذَا كَانَ مُقَارِنًا لِصَبِّ الْمَاءِ، بَلْ وَلَوْ بَعْدَ صَبِّهِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بَعْدَ الصَّبِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَنَفْيُ الْوُجُوبِ يُجَامِعُ الْآخَرَ، مَعَ أَنَّ الْمَرْدُودَ عَلَيْهِ يَقُولُ بِعَدَمِهِ. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَجِفَّ] : وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَعَذَّرَ الدَّلْكُ] إلَخْ: أَيْ إذَا تَعَذَّرَ الدَّلْكُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْيَدِ وَالْخِرْقَةِ سَقَطَ، وَيَكْفِي تَعْمِيمُ جَسَدِهِ بِالْمَاءِ. بَلْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَتَى تَعَذَّرَ بِالْيَدِ سَقَطَ، وَلَا يَجِبُ بِالْخِرْقَةِ وَلَا الِاسْتِنَابَةِ. وَرَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ (انْتَهَى مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ سَحْنُونَ وَتَبِعَهُ خَلِيلٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَصَّارِ مَا يُفِيدُ ضَعْفَهُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَثِيفًا] : أَيْ هَذَا إنْ كَانَ خَفِيفًا، بَلْ إنْ كَانَ كَثِيفًا عَلَى الْأَشْهُرِ. وَقِيلَ: يُنْدَبُ تَخْلِيلُ الْكَثِيفِ فَقَطْ. وَقِيلَ: تَخْلِيلُهُ مُبَاحٌ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي اللِّحْيَةِ فَقَطْ. وَأَمَّا غَيْرُهَا فَتَخْلِيلُهُ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا، خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا. قَالَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ

كَانَ شَعْرَ رَأْسٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَمَعْنَى تَخْلِيلِهِ: أَنْ يَضُمَّهُ وَيَعْرُكَهُ عِنْدَ صَبِّ الْمَاءِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَشَرَةِ، فَلَا يَجِبُ إدْخَالُ أَصَابِعِهِ تَحْتَهُ وَيَعْرُكَ بِهَا الْبَشَرَةَ. وَكَذَا يَجِبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ هُنَا فَأَوْلَى الْيَدَيْنِ. وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُ يُنْدَبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ وَيَجِبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ. (لَا نَقْضُ مَضْفُورِهِ، إلَّا إذَا اشْتَدَّ، أَوْ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ) : أَيْ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُغْتَسِلِ نَقْضُ مَضْفُورِ شَعْرِهِ مَا لَمْ يَشْتَدَّ الضَّفْرُ حَتَّى يَمْنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، أَوْ يُضَفَّرْ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ أَوْ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَبَعًا لِ (بْن) . قَوْلُهُ: [وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ] : أَيْ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ تَعْمِيمُ الْجَسَدِ إلَّا بِذَلِكَ، كالتكاميش الَّتِي تَكُونُ فِي الْجَسَدِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهَا. قَوْلُهُ: [حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَشَرَةِ] : وَهَذَا وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَتْ عَرُوسًا تُزَيِّنُ شَعْرَهَا، وَفِي (بْن) : وَغَيْرِهِ أَنَّ الْعَرُوسَ الَّتِي تُزَيِّنُ شَعْرَهَا لَيْسَ عَلَيْهَا غَسْلُ رَأْسِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ وَيَكْفِيهَا الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَفِي (ح) عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي الْوُضُوءِ " وَلَا يَنْقُضُ ضَفْرَهُ أَيْ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ ": أَنَّهَا تَتَيَمَّمُ إذَا كَانَ الطِّيبُ فِي جَسَدِهَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ تَخْلِيلُ إلَخْ] : وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: [لَا نَقْضُ مَضْفُورِهِ إلَخْ] : تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي الْوُضُوءِ نَظْمًا وَنَثْرًا قَوْلُهُ: [مَضْفُورِ شَعْرِهِ] : وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ - وَفِي جَوَازِ الضَّفْرِ - سَوَاءٌ، إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقَةِ ضَفْرِ النِّسَاءِ فِي الزِّينَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِهِنَّ، فَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ بِجَوَازِهِ، قَالَهُ فِي الْأَصْلِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَكَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُ الْخَاتَمِ وَلَا تَحْرِيكُهُ وَلَوْ ضَيِّقًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (اهـ.) وَالْمُرَادُ بِهِ الْخَاتَمُ الْمَأْذُونُ فِي لُبْسِهِ وَإِلَّا وَجَبَ نَزْعُهُ إنْ كَانَ ضَيِّقًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: [أَوْ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ] : هَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَتَقَدَّمَ لَنَا - فِي مَبْحَثِ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يَنْفَعُ النِّسَاءَ كَثِيرَاتِ الضَّفَائِرِ فِي الْغُسْلِ - مَذْهَبُ السَّادَةِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُمْ وُصُولُ الْمَاءِ لِأُصُولِ الشَّعْرِ وَلَا يَلْزَمُ تَعْمِيمُهُ وَلَا إدْخَالُ الْمَاءِ فِي بَاطِنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ. وَأَمَّا الرِّجَالُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْمِيمِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ

(وَإِنْ شَكَّ غَيْرُ مُسْتَنْكِحٍ فِي مَحَلٍّ غَسَلَهُ) : إذَا شَكَّ غَيْرُ الْمُسْتَنْكِحِ فِي مَحَلٍّ مِنْ بَدَنِهِ هَلْ أَصَابَهُ الْمَاءُ، وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَدَلْكِهِ. وَأَمَّا الْمُسْتَنْكِحُ - وَهُوَ الَّذِي يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ كَثِيرًا - فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ، إذْ تَتَبُّعُ الْوَسْوَاسِ يُفْسِدُ الدِّينَ مِنْ أَصْلِهِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ. (وَوَجَبَ تَعَهُّدُ الْمَغَابِنِ مِنْ شُقُوقٍ وَأَسِرَّةٍ وَسُرَّةٍ وَرُفْغٍ وَإِبِطٍ) : يَجِبُ عَلَى الْمُغْتَسِلِ أَنْ يَتَعَهَّدَ مَغَابِنَهُ أَيْ الْمَحِلَّاتُ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الْمَاءُ كَالشُّقُوقِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَالْأَسِرَّةِ أَيْ التَّكَامِيشِ وَالسُّرَّةِ وَالرُّفْغَيْنِ، وَالْإِبِطَيْنِ وَكُلِّ مَا غَار مِنْ الْبَدَنِ، بِأَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَيَدْلُكَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا اكْتَفَى بِصَبِّ الْمَاءِ. (وَسُنَنُهُ: غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا، وَمَضْمَضَةٌ، وَاسْتِنْشَاقٌ، وَاسْتِنْثَارٌ، وَمَسْحُ صِمَاخ) : أَيْ سُنَنُهُ خَمْسَةٌ: غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا إلَى كُوعَيْهِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالِاسْتِنْثَارُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ، وَمَسْحُ صِمَاخ الْأُذُنَيْنِ - بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّ لَهُمْ مَنْدُوحَةً عَنْ ذَلِكَ بِحَلْقِهِ هَذَا هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ شَكَّ] إلَخْ: أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْمِيمِ الْجَسَدِ تَحْقِيقًا. وَيَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِغَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ. قَوْلُهُ: [وَجَبَ عَلَيْهِ] : أَيْ وَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ. قَوْلُهُ: [أَوَّلًا] : أَيْ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا وَأَمْكَنَ الْإِفْرَاغُ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ جَارٍ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَوْ جَارِيًا أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ، كَالْحَوْضِ الصَّغِيرِ أَدْخَلَهُمَا فِيهِ إنْ كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ، أَوْ غَيْرَ نَظِيفَتَيْنِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِإِدْخَالِهِمَا، وَإِلَّا تَحَيَّلَ عَلَى غَسْلِهِمَا خَارِجَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ كَعَادِمِ الْمَاءِ. قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ] : وَيَأْتِي هُنَا الْخِلَافُ: هَلْ التَّثْلِيثُ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ؟ أَوْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مُسْتَحَبٌّ؟ وَهُوَ الرَّاجِحُ. وَيَأْتِي هُنَا تَوَقُّفُ السُّنَّةِ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، إنْ أَمْكَنَ الْإِفْرَاغُ إلَى آخِرِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذُكِرَتْ. وَقِيلَ: الْأَوَّلِيَّةُ قَبْلَ إزَالَةِ الْأَذَى، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلَ. وَاعْلَمْ أَنَّ جَعْلَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَمَسْحِ صِمَاخ الْأُذُنَيْنِ مِنْ سُنَنِ الْغُسْلِ، إنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ قَبْلَهُ الْوُضُوءَ الْمُسْتَحَبَّ، فَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَهُ كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ لَا الْغُسْلِ

[فضائل الغسل]

أَيْ ثُقْبَيْهِمَا، وَلَا يُبَالِغُ فَإِنَّهُ يَضُرُّ السَّمْعَ، وَأَمَّا ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا فَمِنْ ظَاهِرِ الْجَسَدِ يَجِبُ غَسْلُهُ كَمَا سَيَأْتِي. (وَفَضَائِلُهُ: مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ. وَبَدْءٌ بِإِزَالَةِ الْأَذَى، فَمَذَاكِيرُهُ، ثُمَّ أَعْضَاءُ وُضُوئِهِ مَرَّةً، وَتَخْلِيلُ أُصُولِ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَتَثْلِيثُهُ يَعُمُّهُ بِكُلِّ غَرْفَةٍ، وَأَعْلَاهُ، وَمَيَامِنَهُ) : أَيْ إنَّ فَضَائِلَ الْغُسْلِ - أَيْ مُسْتَحَبَّاته - مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ؛ مِنْ قَوْلِهِ: مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، وَاسْتِقْبَالٌ وَتَسْمِيَةٌ، وَتَقْلِيلُ مَاءٍ بِلَا حَدٍّ كَالْغُسْلِ. وَيُنْدَبُ فِي الْغُسْلِ بَدْءٌ بِإِزَالَةِ الْأَذَى: أَيْ النَّجَاسَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي فَرْجِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ. ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الْغُسْلِ، فَيَبْدَأُ - بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ وَإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ النَّجَاسَةِ إنْ كَانَتْ - بِغَسْلِ مَذَاكِيرِهِ أَيْ الْفَرْجِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالدُّبْرِ. وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْمَذَاكِيرِ تَبَرُّكًا بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي صِفَةِ غُسْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ. وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ وُضُوءُ صُورَةٍ، وَفِي الْمَعْنَى قِطْعَةٌ مِنْ الْغُسْلِ. وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ إضَافَةُ السُّنَنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَ إتْيَانِهِ بِالْوُضُوءِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهِ تَكُونُ مُضَافَةً لِلْغُسْلِ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [أَيْ ثَقْبَيْهِمَا] : أَيْ فَالسُّنَّةُ هُنَا مُغَايِرَةٌ لِلسُّنَّةِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهَا مَسْحُ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا وَصِمَاخهمَا، وَالسُّنَّةُ هُنَا مَسْحُ الثَّقْبِ الَّذِي هُوَ الصِّمَاخ. [فَضَائِلُ الْغُسْل] قَوْلُهُ: [بِإِزَالَةِ الْأَذَى] إلَخْ: أَيْ وَلَا يَكُونُ مَسُّ فَرْجِهِ لِإِزَالَةِ الْأَذَى نَاقِضًا لِغَسْلِ يَدَيْهِ أَوَّلًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ غَسْلُهُمَا قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، فَلَا يُعِيدُ غَسْلَهُمَا بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى. خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِإِعَادَةِ الْغُسْلِ. قَوْلُهُ: [وَإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إزَالَةَ الْأَذَى مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ غَسْلِ الْيَدَيْنِ. قَوْلُهُ: [تَبَرُّكًا بِالْحَدِيثِ] : أَيْ لِكَوْنِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَقَعَتْ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ.

وَحَاصِلُ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ الْمَنْدُوبَةِ: أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ ثَلَاثًا كَالْوُضُوءِ بِنِيَّةِ السُّنِّيَّةِ، ثُمَّ يَغْسِلَ مَا بِجِسْمِهِ مِنْ أَذًى، وَيَنْوِيَ فَرْضَ الْغُسْلِ أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ فَرْجِهِ وَأُنْثَيَيْهِ وَرُفْغَيْهِ وَدُبُرِهِ وَمَا بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ مَرَّةً فَقَطْ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَسْتَنْثِرُ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ إلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، ثُمَّ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ لِتَنْسَدَّ الْمَسَامُّ خَوْفًا مِنْ أَذِيَّةِ الْمَاءِ إذَا صُبَّ عَلَى الرَّأْسِ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثَلَاثًا يَعُمُّ رَأْسَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَقَبَتَهُ ثُمَّ مَنْكِبَيْهِ إلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ إلَى الْكَعْبِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ. وَلَا يَلْزَمُ تَقْدِيمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْمَنْدُوبَةِ] : أَيْ الْكَامِلَةِ الَّتِي جَمَعَتْ الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ وَالْفَضَائِلَ. قَوْلُهُ: [بِنِيَّةِ السُّنِّيَّةِ] : أَيْ لِلْوُضُوءِ الصُّورِيِّ أَوْ لِلْغُسْلِ. قَوْلُهُ: [مَا بِجِسْمِهِ] : فَرْجًا أَوْ غَيْرَهُ بِدَلِيلِ تَعْرِيفِهِ. قَوْلُهُ: [وَيَنْوِي] : أَيْ عِنْدَ الْبَدْءِ بِغَسْلِ فَرْجِهِ. قَوْلُهُ: [إلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً] : تَبِعَ الشَّارِحُ خَلِيلًا مُوَافَقَةً لِمَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِي تَكْرَارِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا قَالَ (ر) : وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي، مِنْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا وَصَفَتْ غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْجَنَابَةِ وَفِيهِ: ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا» (اهـ.) فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلِأَهْلِ الْمَذْهَبِ طَرِيقَتَانِ فِي كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ بَيَّنَهُمَا الشَّارِحُ، وَلَهُمْ فِي الْوُضُوءِ طَرِيقَتَانِ أَيْضًا: التَّثْلِيثُ وَعَدَمُهُ، وَتَقْدِيمُ الرِّجْلَيْنِ قِبَلَ غَسْلِ الرَّأْسِ أَوْ تَأْخِيرُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الْغُسْلِ. فَاخْتَارَ شَارِحُنَا تَبَعًا لِخَلِيلٍ التَّقْدِيمَ وَكَوْنَ الْغُسْلِ مَرَّةً مَرَّةً. قَوْلُهُ: [لِتَنْسَدَّ الْمَسَامُّ] : أَيْ فَفِي التَّخْلِيلِ فَائِدَةٌ طَيِّبَةٌ؛ وَهِيَ سَدُّ الْمَسَامِّ؛ لِمَنْعِ الضَّرَرِ عَنْ الرَّأْسِ، وَفَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَهِيَ عَدَمُ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثَلَاثًا] : أَيْ فَالتَّثْلِيثُ فِي الرَّأْسِ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ مَنْدُوبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، بِخِلَافِ بَاقِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَفِيهَا الْخِلَافُ. قَوْلُهُ: [إلَى الْكَعْبِ] : مَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَزَرُّوقٌ. وَفِي (ح) : ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ تَقْتَضِي أَنَّ الْأَعْلَى يُقَدَّمُ بِمَيَامِنِهِ وَمَيَاسِرِهِ عَلَى

الْأَسَافِلِ عَلَى الْأَعَالِي؛ لِأَنَّ الشِّقَّ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَغْسِلُ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ إلَى الرُّكْبَةِ ثُمَّ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَغْسِلُ مِنْ رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى إلَى كَعْبِهَا ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، قَالَ: لِئَلَّا يَلْزَمَ تَقْدِيمُ الْأَسَافِلِ عَلَى الْأَعَالِي، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الشِّقَّ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ تُنْقَلْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي اغْتِسَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ إذَا غَسَلَ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ أَوْ الْأَيْسَرَ، يَغْسِلُهُ بَطْنًا وَظَهْرًا. فَإِنْ شَكَّ فِي مَحَلٍّ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا وَجَبَ غَسْلُهُ وَإِلَّا فَلَا. (وَيُجْزِئُ عَنْ الْوُضُوءِ وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ جَنَابَتِهِ، مَا لَمْ يَحْصُلْ نَاقِضٌ بَعْدَهُ وَقَبْلَ تَمَامِ الْغُسْلِ) : يَعْنِي أَنَّ الْغُسْلَ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ عَلَى غَيْرِهَا، يُجْزِئُ عَنْ الْوُضُوءِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ الْأَكْبَرِ رَفْعُ الْأَصْغَرِ - ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَسْفَلِ بِمَيَامِنِهِ وَمَيَاسِرِهِ، لَا أَنَّ مَيَامِنَ كُلٍّ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَيَاسِرِ كُلٍّ. بَلْ هَذَا صَرِيحُ عِبَارَةِ ابْنِ جَمَاعَةَ وَبِهِ قَرَّرَ ابْنُ عَاشِرٍ. وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَدَّ عَلَيْهَا الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ شَكَّ] إلَخْ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: [وَإِنْ شَكَّ غَيْرُ مُسْتَنْكِحٍ فِي مَحَلٍّ غَسَلَهُ] ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ لَأَجْلِ تَمَامِ الْكَيْفِيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَيُجْزِئُ] إلَخْ: ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ غُسْلَ الْجِنَايَةِ يُجْزِئُ عَنْ الْوُضُوءِ. وَالْأَوْلَى الْوُضُوءُ بَعْدَ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَسْتَعْمِلُ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ - أَعْنِي الْإِجْزَاءَ - فِي الْإِجْزَاءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْكَمَالِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِجْزَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْأَوْلَوِيَّةِ؛ أَيْ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ الْغُسْلُ إذَا تَرَكَ الْوُضُوءَ ابْتِدَاءً مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَوْلَى، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُطَالَبُ بِالْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ كَمَا فَهِمَ الْمُعْتَرِضُ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ وَالْجَوَابُ وَارِدَانِ عَلَى خَلِيلٍ، وَقَدْ تَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ. [لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ الْأَكْبَرِ] إلَخْ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ أَصْلِيٌّ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ وَلَوْ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ - وَلَوْ نَذَرَهُمَا - لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوُضُوءِ. وَلَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ، مِثَالُ رَفْعِ الْأَكْبَرِ الَّذِي يُجْزِئُ عَنْ الْأَصْغَرِ، كَمَا لَوْ انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ وَنَوَى بِذَلِكَ رَفْعَ الْأَكْبَرِ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ الْأَصْغَرَ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ. وَنَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ: وَالْغُسْلُ يُجْزِئُ عَنْ

كَعَكْسِهِ فِي مَحَلِّ الْوُضُوءِ كَمَا يَأْتِي، وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ. فَيُصَلِّي بِذَلِكَ الْغُسْلِ مَا لَمْ يَحْصُلْ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ مِنْ حَدَثٍ كَرِيحٍ، أَوْ سَبَبٍ كَمَسِّ ذَكَرٍ بَعْدَهُ - أَيْ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ - أَوْ بَعْضِهِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْغُسْلِ. فَإِنْ حَصَلَ نَاقِضٌ أَعَادَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِلَّا أَعَادَهُ مَرَّةً بِنِيَّتِهِ) : أَيْ الْوُضُوءَ. وَأَمَّا حُصُولُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يُعِيدُهُ بِنِيَّتِهِ اتِّفَاقًا مَعَ التَّثْلِيثِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَالْوُضُوءُ عَنْ مَحَلِّهِ وَلَوْ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ) : أَيْ وَيُجْزِئُ الْوُضُوءُ عَنْ مَحَلِّ الْوُضُوءِ؛ يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ثُمَّ تَمَّمَ الْغُسْلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْأَكْبَرِ أَوْ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ مَحَلِّ الْوُضُوءِ عَنْ غَسْلِهِ فِي الْغُسْلِ، فَلَا يُعِيدُ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي غُسْلِهِ، وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا أَنَّ عَلَيْهِ جَنَابَةً حَالَ وُضُوئِهِ. فَإِذَا تَذَكَّرَ - وَلَوْ بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْوُضُوءِ؛ فَلَوْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَبْدَأْ بِالْوُضُوءِ وَلَا خَتَمَ بِهِ لَأَجْزَأَهُ غُسْلُهُ عَنْ الْوُضُوءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ. هَذَا إنْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِأَنْ لَمْ يُحْدِثْ أَصْلًا أَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. وَأَمَّا إنْ أَحْدَثَ بَعْدَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْهُ، فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ تَمَامِ وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ فَهُوَ كَمُحْدِثٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَدِّدَ وُضُوءَهُ بِنِيَّةٍ اتِّفَاقًا. وَإِنْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ - فَهَذَا إنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيَغْسِلُ مَا غَسَلَ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ - فَإِنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ. وَهَلْ يَفْتَقِرُ هَذَا فِي غَسْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ لِنِيَّةٍ، أَوْ تُجْزِئُهُ نِيَّةُ الْغُسْلِ عَنْ ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ. فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ. قَوْلُهُ: [بِنِيَّتِهِ أَيْ الْوُضُوءِ] : أَيْ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْقَابِسِيِّ فَلَا يَفْتَقِرُ لَهَا. قَوْلُهُ: [اتِّفَاقًا] : أَيْ مِنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالْقَابِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: [وَالْوُضُوءُ عَنْ مَحَلِّهِ] : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ الَّتِي وَعَدَ بِهَا. لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَةَ أَجْزَأَ فِيهَا غُسْلُ الْجَنَابَةِ عَنْ الْوُضُوءِ، وَهَذِهِ أَجْزَأَ فِيهَا غُسْلُ الْوُضُوءِ عَلَى بَعْضِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا] إلَخْ: دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ نِيَّةَ الْأَصْغَرِ لَا تَنُوبُ عَنْ الْأَكْبَرِ.

[تنبيه من أراد العود للجماع]

طُولٍ - فَإِنَّهُ يَبْنِي بِنِيَّةٍ عَلَى مَا غَسَلَهُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَطُلْ مَا بَيْنَ تَذَكُّرِهِ وَبَيْنَ الشُّرُوعِ فِي الْإِتْمَامِ. (وَلَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ وَنَفْلًا أَوْ نِيَابَةً عَنْ النَّفْلِ، حَصَلَا) : يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فَاغْتَسَلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ أَوْ غُسْلِ الْعِيدِ، حَصَلَا مَعًا. وَكَذَا إذَا نَوَى نِيَابَةَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ عَنْ غُسْلِ النَّفْلِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى نِيَابَةَ النَّفْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ فَلَا تَكْفِي عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَوْلُنَا: (وَنَفْلًا) أَشْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَالْجُمُعَةِ " لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الِاغْتِسَالَاتِ الْمَسْنُونَةَ: كَالْجُمُعَةِ وَغُسْلِ الْإِحْرَامِ، وَالْمَنْدُوبَةَ: كَالْعِيدَيْنِ وَالْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ. (وَنُدِبَ لِجُنُبٍ وُضُوءٌ لِنَوْمٍ لَا تَيَمُّمٌ وَلَا يَنْتَقِضُ إلَّا بِجِمَاعٍ) : أَيْ يُنْدَبُ لِلْجُنُبِ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إذَا لَمْ يَطُلْ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا طُولُهُ قَبْلَ التَّذَكُّرِ فَلَا يَضُرُّ مَا دَامَ لَمْ تَنْتَقِضْ طَهَارَتُهُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ] إلَخْ: تَرَكَ الْمُصَنِّفُ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ وَاجِبَيْنِ فِي نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِعِلْمِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ الْأَسْبَابَ إذَا تَعَدَّدَ مُوجَبُهَا نَابَ مُوجَبُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. قَوْلُهُ: [حَصَلَا مَعًا] : أَيْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَاجِبِ وَالنَّفَلِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صِحَّةُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ لِلْفَضِيلَةِ وَالْقَضَاءِ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ مَنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً نَاوِيًا بِهَا الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ. وَأَنَّ مَنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً نَاوِيًا بِهَا الْفَرْضَ وَالرَّدَّ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [تَنْبِيه مِنْ أَرَادَ العود للجماع] قَوْلُهُ: [وُضُوءٌ لِنَوْمٍ] : فِي (عب) : مِثْلُهُ الْحَائِضُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لَا قَبْلَهُ وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ رَجَاءُ نَشَاطِهِ لِلْغُسْلِ. قَوْلُهُ: [لَا تَيَمُّمٌ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ النَّشَاطُ، وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ

[دخول الكافر المسجد]

إذَا أَرَادَ النَّوْمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ. كَمَا يُنْدَبُ لِغَيْرِهِ. لَكِنَّ وُضُوءَ الْجُنُبِ لَا يُبْطِلُهُ إلَّا الْجِمَاعُ، بِخِلَافِ وُضُوءِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُهُ كُلُّ نَاقِضٍ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَلَك أَنْ تَقُولَ مُلْغِزًا: مَا وُضُوءٌ لَا يَنْقُضُهُ بَوْلٌ وَلَا غَائِطٌ؟ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْجُنُبُ مَاءً عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ التَّيَمُّمُ. (وَتَمْنَعُ مَوَانِعَ الْأَصْغَرِ وَقِرَاءَةً إلَّا الْيَسِيرَ لِتَعَوُّذٍ أَوْ رُقْيَا أَوْ اسْتِدْلَالٍ، وَدُخُولُ مَسْجِدٍ وَلَوْ مُجْتَازًا) : أَيْ أَنَّ الْجَنَابَةَ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ تَمْنَعُ مَوَانِعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، مِنْ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ أَوْ جُزْئِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَتَمْنَعُ أَيْضًا قِرَاءَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الطَّهَارَةُ، وَأَمَّا وُضُوءُ الْجُنُبِ لِلْأَكْلِ فَلَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ عَمَلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ] : أَيْ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمَنِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يُنْتَقَضُ إلَّا بِجِمَاعٍ، أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِبْرَاءٍ. وَعَدَمُ نَقْضِهِ بِذَلِكَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الِاسْتِبْرَاءِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ كُلِّ وُضُوءٍ شَرْعِيٍّ. قَوْلُهُ: [مُلْغِزًا] : أَنْشَدَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ نَقْلًا عَنْ التَّتَّائِيِّ: وَإِنْ سَأَلْت وُضُوءًا لَيْسَ يُبْطِلُهُ ... إلَّا الْجِمَاعُ وُضُوءُ النَّوْمِ لِلْجُنُبِ تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ لِلْجُنُبِ أَيْضًا غَسْلُ فَرْجِهِ إذَا أَرَادَ الْعُودَ لِلْجِمَاعِ، كَانَتْ الَّتِي جَامَعَهَا أَوْ غَيْرُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَتَقْوِيَةِ الْعُضْوِ. وَقِيلَ إنْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ أُخْرَى وَجَبَ الْغَسْلُ؛ لِئَلَّا يُؤْذِيَهَا بِنَجَاسَةِ غَيْرِهَا، وَيُنْدَبُ لِلْأُنْثَى الْغَسْلُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ فُجْلَةَ، وَرَدَّهُ (عب) بِأَنَّهُ يُرْخِي مَحَلَّهَا، قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ كَلَامُ ابْنِ فُجْلَةَ خُصُوصًا بِفَوْرِ الْجِمَاعِ وَتَنَشُّفِهِ. [دُخُول الْكَافِر الْمَسْجِد] قَوْلُهُ: [وَقِرَاءَةٌ] : أَيْ وَيُزَادُ فِي الْمَنْعِ الْقِرَاءَةُ وَلَوْ بِغَيْرِ مُصْحَفٍ وَلَوْ لِمُعَلِّمٍ وَمُتَعَلِّمٍ.

الْقُرْآنِ، إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَيْضِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ الْقِرَاءَةِ الْيَسِيرُ لِأَجْلِ تَعَوُّذٍ عِنْدَ نَوْمٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ إنْسٍ أَوْ جِنٍّ، فَيَجُوزُ. وَالْمُرَادُ بِالْيَسِيرِ: مَا الشَّأْنُ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهِ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِخْلَاصِ، أَوْ لِأَجْلِ رُقْيَا لِلنَّفْسِ أَوْ لِلْغَيْرِ مِنْ أَلَمٍ أَوْ عَيْنٍ، أَوْ لِأَجْلِ اسْتِدْلَالٍ عَلَى حُكْمٍ نَحْوَ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] . وَتَمْنَعُ أَيْضًا دُخُولَ الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ كَانَ جَامِعًا أَمْ لَا، وَلَوْ كَانَ الدَّاخِلُ مُجْتَازًا أَيْ مَارًّا فِيهِ مِنْ بَابٍ لَبَابٍ آخَرَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ. (وَلِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ دُخُولُهُ بِهِ) : أَيْ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الَّذِي فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ - لِمَرَضٍ أَوْ لِسَفَرٍ وَعَدَمِ الْمَاءِ - أَنْ يَدْخُلَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ وَيَبِيتَ فِيهِ إنْ اُضْطُرَّ لِذَلِكَ. وَكَذَا صَحِيحٌ حَاضِرٌ اُضْطُرَّ لِلدُّخُولِ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْ خَارِجَهُ مَاءً. - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ] إلَخْ: بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لَهُ قِرَاءَةَ: قُلْ أُوحِيَ، وَفِي (ح) عَنْ الذَّخِيرَةِ لَا يَتَعَوَّذُ بِنَحْوِ {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ} [الشعراء: 160] وَتَبِعَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَغَيْرُهُ، وَنُوقِشَ، بِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ حِصْنٌ وَشِفَاءٌ وَلَيْسَ مِنْ الْقِرَاءَةِ مُرُورُ الْقَلْبِ بَلْ حَرَكَةُ اللِّسَانِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ الدَّاخِلُ مُجْتَازًا] : رَدًّا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الدُّخُولِ لِلْمُجْتَازِ. قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَجِدْ خَارِجَهُ مَاءً] : أَيْ وَكَانَ الْمَاءُ دَاخِلَهُ أَوْ الدَّرَاهِمُ الَّتِي يُحَصِّلُهُ بِهَا دَاخِلَهُ. وَلَوْ احْتَلَمَ فِيهِ هَلْ يَتَيَمَّمُ لِخُرُوجِهِ مِنْهُ أَوْ لَا؟ وَهُوَ الْأَقْوَى كَمَا فِي (ح) لِمَا فِيهِ مِنْ طُولِ الْمُكْثِ، وَالْإِسْرَاعُ بِالْخُرُوجِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

[فصل في التيمم]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى التُّرَابِيَّةِ وَهِيَ التَّيَمُّمُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَقَالَ: - ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يَتَيَمَّمْ لَمَّا دَخَلَهُ نَاسِيًا خَرَجَ واغْتَسَلَ وَعَادَ لِلصَّلَاةِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، وَقَدْ يُقَالُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبَاحَةُ مُكْثِهِ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا إلَّا أَنْ يُلْتَفَتَ لِلتَّشْرِيعِ. وَبِالْجُمْلَةِ: الْأَحْسَنُ التَّيَمُّمُ وَهُوَ مَارٌّ حَيْثُ لَمْ يُعِقْهُ. (اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . تَنْبِيهٌ: يُمْنَعُ دُخُولُ الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ أَيْضًا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْلِمٌ إلَّا لِضَرُورَةِ عَمَلٍ، وَمِنْهَا قِلَّةُ أُجْرَتِهِ عَنْ الْمُسْلِمِ وَإِتْقَانُهُ عَلَى الظَّاهِرِ. [فَصْلٌ فِي التَّيَمُّمِ] [مِنْ يَجُوز لَهُمْ التَّيَمُّم] قَوْلُهُ: [الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ] : أَيْ صُغْرَى وَكُبْرَى. قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] : أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ أَوَّلِ بَابِ الطَّهَارَةِ إلَى هُنَا. قَوْلُهُ: [التُّرَابِيَّةِ] : أَيْ عَلَى الطَّهَارَةِ التُّرَابِيَّةِ وَأَخَّرَهَا لِنِيَابَتِهَا عَنْ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى. قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ] : أَيْ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا هَذَا الْفَصْلُ.

فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ (إنَّمَا يُتَيَمَّمُ لِفَقْدِ مَاءٍ كَافٍ بِسَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ) : اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ إلَّا لِأَحَدِ أَشْخَاصٍ سَبْعَةٍ: الْأَوَّلُ: فَاقِدُ الْمَاءِ الْكَافِي لِلْوُضُوءِ أَوْ لِلْغُسْلِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً أَصْلًا أَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ. الثَّانِي: فَاقِدُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، أَيْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُكْرَهِ وَالْمَرْبُوطِ بِقُرْبِ الْمَاءِ وَالْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ، فَيَتَيَمَّمُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ - ـــــــــــــــــــــــــــــQفَصْلٌ قَوْلُهُ: [إنَّمَا يُتَيَمَّمُ] إلَخْ: التَّيَمُّمُ لُغَةً الْقَصْدُ، وَشَرْعًا: طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةٍ. وَالْمُرَادُ بِالتُّرَابِ: جِنْسُ الْأَرْضِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أَجْزَائِهَا إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ اتِّفَاقًا، بَلْ إجْمَاعًا. وَهَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ؟ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ وَلِلْمَرَضِ وَنَحْوِهِ رُخْصَةٌ؟ خِلَافٌ. قَوْلُهُ: [لِفَقْدِ مَاءٍ] : شُرُوعٌ مِنْهُ فِي أَسْبَابِ التَّيَمُّمِ، وَتُسَمَّى مُوجِبَاتُهُ، وَعَدَّهَا الشَّارِحُ هُنَا سَبْعَةً. وَإِنْ كَانَ يَأْتِي يَقُولُ: بَلْ إذَا تَحَقَّقْتَ تَجِدُ الْأَقْسَامَ تَرْجِعُ إلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ فَاقِدُ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، الثَّانِي فَاقِدُ الْقُدْرَةِ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [فَاقِدُ الْمَاءِ] : أَيْ الْمُبَاحِ، وَأَمَّا وُجُودُ غَيْرِ الْمُبَاحِ فَهُوَ كَالْعَدَمِ. وَالْمُرَادُ غَيْرُ كَافٍ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْقُرْآنِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوُضُوءِ وَلِجَمِيعِ بَدَنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَوْ كَفَى وُضُوءَهُ. قَوْلُهُ: [أَيْ مَنْ لَا قُدْرَةَ] إلَخْ: تَفْسِيرٌ مُرَادٌ لِقَوْلِهِ [أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ] . وَالْمَعْنَى انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْكَافِي فَتَغَايَرَ مَعَ مَا قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ كَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ، أَوْ مُبَاحًا كَالتَّجْرِ، بَلْ وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، وَإِذَا كَانَ الْمُسَافِرُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِصْحَابُ الْمَاءِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَنَفْيُ اللُّزُومِ لَا يُنَافِي النَّدْبَ لِمُرَاعَاةِ

تَقْيِيدِهِ بِالْمُبَاحِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ. وَكَذَا بَقِيَّةُ السَّبْعَةِ يَتَيَمَّمُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ. فَقَوْلُهُ: [بِسَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ] لَيْسَ خَاصًّا بِالْأَوَّلِ، بَلْ هُوَ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ: [أَوْ قُدْرَةٍ] عَطْفٌ عَلَى مَاءٍ. (أَوْ خَوْفِ حُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتِهِ أَوْ تَأَخُّرِ بُرْءٍ) : هَذَا هُوَ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْوَاجِدُ لِلْمَاءِ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَلَكِنْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ حُدُوثَ مَرَضٍ مِنْ نَزْلَةٍ أَوْ حُمَّى أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مَرِيضًا وَخَافَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ زِيَادَةَ مَرَضِهِ، أَوْ تَأَخُّرَ بُرْئِهِ مِنْهُ. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ، أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ عَارِفٍ، فَقَوْلُهُ: [أَوْ خَوْفٍ] عَطْفٌ عَلَى فَقْدِ مَاءٍ. (أَوْ عَطَشِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ كَلْبًا) : هَذَا هُوَ الرَّابِعُ وَهُوَ الْخَائِفُ عَطَشَ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ - ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخِلَافِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ] : أَيْ الَّتِي هِيَ كُلُّ رُخْصَةٍ لَا تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ فَتُفْعَلُ وَإِنْ مِنْ عَاصٍ بِالسَّفَرِ، وَكُلّ رُخْصَةٍ تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ فَلَا تُفْعَلُ مِنْ عَاصٍ بِالسَّفَرِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: قَدْ يُقَالُ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ لَا يَتَيَمَّمُ لِغَيْرِ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ رُخْصَتَهُ تَخْصِيصٌ بِالسَّفَرِ، لَكِنْ فِي (ح) : يَتَيَمَّمُ الْمُسَافِرُ لِلنَّوَافِلِ مُطْلَقًا وَلَوْ غَيْرَ قَصْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: [زِيَادَةَ مَرَضِهِ] : أَيْ فِي الشِّدَّةِ. قَوْلُهُ: [بِالْعَادَةِ] : أَيْ بِالْقَرَائِنِ الْعَادِيَّةِ، كَخَوْفِهِ انْقِطَاعَ عِرْقِ الْعَافِيَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ. وَلَيْسَ مِنْ الْعَاجِزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِلْمَرَضِ الْمَبْطُونُ الَّذِي كُلَّمَا قَامَ لِلْمَاءِ وَاسْتَعْمَلَهُ انْطَلَقَ بَطْنُهُ، بَلْ يُؤْمَرُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَمَا خَرَجَ غَيْرُ نَاقِضٍ كَمَا سَبَقَ فِي السَّلَسِ وِفَاقًا لِلْحَطَّابِ. أَمَّا مَبْطُونٌ يَضُرُّ بِهِ الْمَاءُ وَأَعْجَزَهُ الْإِعْيَاءُ أَوْ عِظَمُ الْبَطْنِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمَاءِ، فَيَتَيَمَّمُ (اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [أَوْ عَطَشِ مُحْتَرَمٍ] : مِثْلُ الْعَطَشِ ضَرُورَةُ الْعَجْنِ وَالطَّبْخِ، قَالُوا: فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بِقَضَاءِ الْوَطَرِ بِمَاءِ الْوُضُوءِ، فَعَلَ حَيْثُ لَمْ تَعَفْهُ النَّفْسُ حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنْهُ شِدَّةُ الضَّرَرِ، وَإِلَّا فَيَتْرُكُهُ لِحَاجَةِ الْعَجْنِ وَالطَّبْخِ وَيَتَيَمَّمُ.

شَرْعًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ كَلْبًا لِصَيْدٍ أَوْ لِحِرَاسَةٍ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ وَالْكَلْبِ الْغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْمُرْتَدِّ. فَقَوْلُهُ: (أَوْ عَطَشِ) عَطْفٌ عَلَى حُدُوثِ. وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ: الِاعْتِقَادُ أَوْ الظَّنُّ - أَيْ ظَنُّ التَّلَبُّسِ بِالْعَطَشِ - وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، أَيْ الْعَطَشِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهِ] : مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَعْصُومٍ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّ مَا ذَكَرَ غَيْرُ مَعْصُومٍ، فَلَا يَتَيَمَّمُ وَيَدْفَعُ الْمَاءَ لِمَا ذَكَرَ، بَلْ يُعَجِّلُ الْقَتْلَ إنْ أَمْكَنَ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقَتْلِ لِعَدِمِ حَاكِمٍ يَقْتُلُ الْمُرْتَدَّ، وَلِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى قَتْلِ الْكَلْبِ - وَمِثْلُهُ الْخِنْزِيرُ - سَقَى الْمَاءَ مَنْ ذُكِرَ وَتَيَمَّمَ. وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلَا يَسْقِيهِ مُطْلَقًا. وَمِثْلُ الْمُرْتَدِّ: الْجَانِي إذَا ثَبَتَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ جِنَايَتُهُ وَحَكَمَ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا؛ فَلَا يَدْفَعُ الْمَاءَ إلَيْهِ بَلْ يُعَجِّلُ بِقَتْلِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ دَفَعَ الْمَاءَ لَهُ وَلَا يُعَذِّبُهُ بِالْعَطَشِ. وَلَيْسَ كَجِهَادِ الْحَرْبِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوهُ بِقَطْعِ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ لِيَغْرَقُوا أَوْ عَنْهُمْ لِيَهْلِكُوا بِالْعَطَشِ. وَالدُّبُّ وَالْقِرْدُ مِنْ قَبِيلِ الْمُحْتَرَمِ وَإِنْ كَانَ فِي الْقِرْدِ قَوْلٌ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي الرُّفْقَةِ زَانٍ مُحْصَنٌ فَإِذَا وَجَدَ صَاحِبُ الْمَاءِ حَاكِمًا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ وَإِلَّا أَعْطَاهُ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ الِاعْتِقَادُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمُحْتَرَمَ الَّذِي خِيفَ عَلَيْهِ الْعَطَشُ: إمَّا مُتَلَبِّسٌ بِالْعَطَشِ بِالْفِعْلِ، أَوْ غَيْرُ مُتَلَبِّسٍ. وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَطَشِ، هَلَاكًا، أَوْ شِدَّةَ أَذًى، أَوْ مَرَضًا خَفِيفًا، أَوْ مُجَرَّدَ جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ. فَهَذِهِ ثَمَانٍ. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ تَحْقِيقًا، أَوْ ظَنًّا، أَوْ شَكًّا، أَوْ وَهْمًا، فَهَذِهِ ثِنْتَانِ وَثَلَاثُونَ صُورَةً. أَمَّا قَبْلَ التَّلَبُّسِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ أَذًى وَجَبَ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ مَرَضًا خَفِيفًا جَازَ التَّيَمُّمُ، فَهَذِهِ سِتٌّ مِنْ سِتَّ عَشْرَةَ. وَالْبَاقِي عَشْرَةٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّيَمُّمُ. وَأَمَّا لَوْ تَلَبَّسَ بِالْعَطَشِ فَالْخَوْفُ مُطْلَقًا - عِلْمًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا أَوْ وَهْمًا - يُوجِبُهُ فِي صُورَتَيْنِ: الْهَلَاكُ وَشِدَّةُ الْأَذَى. وَيُجَوِّزُهُ فِي صُورَةِ: مُجَرَّدِ الْمَرَضِ لَا فِي مُجَرَّدِ الْجَهْدِ. فَهَذِهِ سِتَّ عَشْرَةَ أَيْضًا، ثَمَانِيَةٌ مِنْهَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ. وَأَرْبَعَةٌ يَجُوزُ وَأَرْبَعَةٌ لَا يَجُوزُ. وَمَا أَبْدَيْته لَك مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْأَصْلُ تَبَعًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَهُوَ مَا فِي التَّوْضِيحِ. وَنَازَعَ (ح) فِي ذَلِكَ وَقَالَ: بَلْ الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ الْجَزْمُ وَالظَّنُّ فَقَطْ فِي حَالِ التَّلَبُّسِ كَغَيْرِهِ، وَتَبِعَهُ شَارِحُنَا. هُنَا وَنَظَرَ فِيهِ (بْن) نَقْلًا عَنْ المسناوي. وَقَالَ الصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ مِنْ التَّفْصِيلِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.

الْمُؤَدِّي إلَى هَلَاكٍ أَوْ شِدَّةِ أَذًى، لَا مُجَرَّدَ عَطَشٍ. (أَوْ تَلَفِ مَالٍ لَهُ بَالٌ بِطَلَبِهِ) : هَذَا هُوَ الْخَامِسُ، وَهُوَ الْخَائِفُ بِطَلَبِ الْمَاءِ تَلَفَ مَالٍ بِسَرِقَةٍ أَوْ نَهْبٍ. وَالْمُرَادُ بِمَا لَهُ بَالٌ: مَا زَادَ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِهِ لَوْ اشْتَرَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ. وَهَذَا إذَا تَحَقَّقَ وُجُودَ الْمَاءِ الْمَطْلُوبِ أَوْ ظَنَّهُ، فَإِنْ شَكَّ فِي وُجُودِهِ تَيَمَّمَ وَلَوْ قَلَّ الْمَالُ. (أَوْ خُرُوجِ وَقْتٍ بِاسْتِعْمَالِهِ) : هَذَا هُوَ النَّوْعُ السَّادِسُ: وَهُوَ الْخَائِفُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، الَّذِي أَوْلَى بِطَلَبِهِ. فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَطْلُبُهُ وَلَا يَسْتَعْمِلُهُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا مُحَافَظَةً عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَلَوْ الِاخْتِيَارِيَّ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْهَا رَكْعَةً فِي وَقْتِهَا إنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ فَلَا يَتَيَمَّمُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْفَرَائِضِ مَرَّةً وَيَتْرُكَ السُّنَنَ وَالْمَنْدُوبَاتِ إنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ بِفِعْلِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا مُجَرَّدَ عَطَشٍ] : أَيْ لَا مُجَرَّدَ جَهْدٍ مِنْ عَطَشٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ زَائِدٍ، فَلَا يَتَيَمَّمُ لِأَجْلِهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ تَلَفِ مَالٍ] إلَخْ: وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِينَ يَحْرُسُونَ زُرُوعَهُمْ وَالْأُجَرَاءُ الَّذِينَ يَحْصُدُونَ الزَّرْعَ. قَوْلُهُ: [أَوْ خُرُوجِ وَقْتٍ] إلَخْ: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَاخْتَارَهُ التُّونُسِيُّ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَشَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَقَامَهُ اللَّخْمِيُّ وَعِيَاضٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَمُقَابِلُهُ: يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ. وَهُوَ الَّذِي حَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ - الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ؛ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [إنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ بِفِعْلِهَا] : أَيْ بِفِعْلِ تِلْكَ السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ. فَلَوْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ بِالْفَرَائِضِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ، كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ. فَإِنْ تَيَمَّمَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ مُتَّسِعٌ أَوْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا بِوَجْهٍ جَائِزٍ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَأَوْلَى إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ وَأَمَّا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ مُتَّسِعٌ أَوْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ: أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُ الْمَاءَ لِضِيقِ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ اسْتِثْقَالًا لِلْمَائِيَّةِ فَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ (اهـ) .

[التيمم للجمعة والجنازة]

(أَوْ فَقْدِ مُنَاوِلٍ أَوْ آلَةٍ) : عَطْفٌ عَلَى فَقْدِ مَاءٍ. وَهَذَا هُوَ السَّابِعُ، أَيْ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَلَكِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ آلَةً مِنْ حَبْلٍ أَوْ دَلْوٍ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ. وَلَك أَنْ تُدْخِلَ هَذَا الْقِسْمَ فِي فَاقِدِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِإِرَادَةِ فَقْدِ الْقُدْرَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بَلْ إذَا تَحَقَّقْت تَجِدْ الْأَقْسَامَ تَرْجِعُ إلَى قِسْمَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: فَاقِدُ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ خَوْفُ عَطَشِ الْمُحْتَرَمِ، وَتَلَفُ الْمَاءِ وَخُرُوجُ الْوَقْتِ بِالطَّلَبِ أَوْ الِاسْتِعْمَالِ. الثَّانِي: فَاقِدُ الْقُدْرَةِ كَذَلِكَ، فَيَشْمَلُ الْبَاقِيَ. وَفَاقِدُ الْقُدْرَةِ مَقِيسٌ عَلَى فَاقِدِ الْمَاءِ الْمَنْصُوصِ فِي الْآيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ التَّيَمُّمُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ اسْتِقْلَالًا وَتَبَعًا، وَلِلْجُمُعَةِ وَالْجِنَازَةِ وَلَوْ لَمْ تَتَعَيَّنْ. إلَّا الصَّحِيحَ الْحَاضِرَ الْعَادِمَ لِلْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِجُمُعَةٍ وَلَا لِجِنَازَةٍ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ، وَلَا لِنَفْلٍ اسْتِقْلَالًا وَلَوْ وِتْرًا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَتَيَمَّمُ صَحِيحٌ حَاضِرٌ لِجُمُعَةٍ، وَلَا تُجْزِئُ،) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَجِدْ آلَةً] : أَيْ مُبَاحَةً؛ فَوُجُودُ الْآلَةِ الْمُحَرَّمَةِ كَإِنَاءٍ أَوْ سِلْسَةٍ مِنْ ذَهَبٍ يُخْرِجُ بِهِ الْمَاءَ مِنْ الْبِئْرِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (عب) . قَالَ (بْن) : وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا وَلَا يَتَيَمَّمُ. لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، أَلَا تَرَى مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا بِهِ؟ وَقَدْ يُقَوِّي مَا قَالَهُ (عب) أَنَّ الطَّهَارَةَ الْمَائِيَّةَ لَهَا بَدَلٌ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَلَا يُسَوَّغُ لَهُ ارْتِكَابُ الْمَحْظُورِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْمُحَرَّمَةِ. فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالتَّقَيُّدُ بِالْإِبَاحَةِ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. [التَّيَمُّم لِلْجُمُعَةِ وَالْجِنَازَة] قَوْلُهُ: [وَلَا يَتَيَمَّمُ] إلَخْ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الطُّهْرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. فَعَدَمُ إجْزَاءِ تَيَمُّمِهِ لِلْجُمُعَةِ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ.

وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ، وَلَا لِجِنَازَةٍ، إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ وَلَا لِنَفْلٍ (اسْتِقْلَالًا) وَلَوْ وِتْرًا (إلَّا تَبَعًا لِفَرْضٍ إنْ اتَّصَلَ بِهِ) : أَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا صَحِيحٌ حَاضِرٌ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا، وَهُوَ الظُّهْرُ، فَأَشْبَهَتْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ النَّفَلَ وَهُوَ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَفْلٍ. وَأَمَّا الْجِنَازَةُ فَلِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ مَتَى وُجِدَ مُتَوَضِّئٌ غَيْرُهُ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَتْ النَّفَلَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ. وَالْحَاضِرُ الصَّحِيحُ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَفْلٍ فَلَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ لَمْ تُجْزِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَوْ بِتَيَمُّمٍ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَخِلَافُ الْمَشْهُورِ نَظَرَ إلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّ لَهَا بَدَلًا، فَقَالَ بِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ لَهَا كَغَيْرِهَا، وَهُوَ أَظْهَرُ مَدْرَكًا مِنْ الْمَشْهُورِ. فَلِذَا قُلْنَا: (وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافَ الْمَشْهُورِ، هَذَا وَظَاهِرُ كَثِيرٍ مِنْ النُّقُولِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي عَادِمِ الْمَاءِ وَقْتَ أَدَائِهَا فَقَطْ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِهِ بَعْدَهَا، أَوْ فِيمَنْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ فَوَاتَهَا. وَأَمَّا الْعَادِمُ لَهُ فِي جَمِيعُ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهَا - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَشْهُورٍ. وَلِذَلِكَ سَيَأْتِي يَقُولُ: [وَهُوَ أَظْهَرُ] مَدْرَكًا مِنْ الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةُ كِفَايَةٍ فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ وَلَوْ تَعَيَّنَتْ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ وِتْرًا] : أَيْ وَلَوْ مَنْذُورًا فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ نَظَرًا لِأَصْلِهِ، وَلَيْسَ كَجِنَازَةٍ تَعَيَّنَتْ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَوِيٌّ مِمَّا أَوْجَبَهُ هُوَ عَلَى نَفْسِهِ، فَتَدَبَّرْ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [هَذَا] : مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ افْهَمْ هَذَا. قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُ كَثِيرٍ] إلَخْ: قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: رَجَّحَ بَعْضٌ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ التَّيَمُّمِ لَهَا إذَا خَشِيَ بِطَلَبِ الْمَاءِ فَوَاتَهَا فَيَطْلُبَهُ لِظُهْرٍ، أَمَّا إنْ كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْمَاءِ بِالْمَرَّةِ فَيُصَلِّيَهَا بِالتَّيَمُّمِ كَالظُّهْرِ، وَلَكِنْ فِي تَوْضِيحِ الْأَصْلِ مَنَعَ إطْلَاقَ التَّيَمُّمِ، انْتَهَى. فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَصَدِّقْ الشَّارِحَ فِي قَوْلِ: [وَالْوَجْهُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ] : أَيْ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا؛ وَهِيَ مَا إذَا خَشِيَ بِطَلَبِ الْمَاءِ فَوَاتَهَا، وَمَسْأَلَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ مَا إذَا كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ بِالْمَرَّةِ فَيُصَلِّيهَا بِالتَّيَمُّمِ وَلَا يَدَعُهَا وَيُصَلِّي الظُّهْرَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ (ح) عَنْ ابْنِ يُونُسَ.

جَزْمًا. وَالْوَجْهُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ - أَيْ طَرِيقَتَانِ - لَا تُرَدُّ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَتَأَمَّلْ. وَكَذَا لَا يَتَيَمَّمُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ لِجِنَازَةٍ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِنْ مُتَوَضِّئٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ، وَلَا لِنَفْلٍ اسْتِقْلَالًا وَلَوْ وِتْرًا إلَّا تَبَعًا لَفَرْضٍ كَأَنْ يَتَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِنَفْلٍ أَوْ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ يُصَلِّي الشَّفْعَ وَالْوِتْرَ بِتَيَمُّمِ الْعِشَاءِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَّصِلَ النَّفَلُ بِالْفَرْضِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَلَا يَضُرُّ يَسِيرُ فَصْلٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ يَتَيَمَّمَانِ لِلْجِنَازَةِ تَعَيَّنَتْ أَمْ لَا، وَلِلنَّفْلِ اسْتِقْلَالًا، وَأَوْلَى تَبَعًا، كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا. وَأَمَّا الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لِنَفْلٍ وَلَوْ سُنَّةً اسْتِقْلَالًا، وَلَا لِجِنَازَةٍ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ، وَقَوْلُهُ (إلَّا تَبَعًا) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ إنْ صَلَّى نَفْلًا بِتَيَمُّمٍ لِفَرْضٍ جَازَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِذَلِكَ الْفَرْضِ، إنْ اتَّصَلَ بِالْفَرْضِ، وَكَذَا إنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ بَعْدَهُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ] : وَهَذَا التَّقَيُّدُ لِلْأُجْهُورِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ. فَوُجُودُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ يَمْنَعُ مِنْ تَيَمُّمِ الْحَاضِرِ الصَّحِيحِ، وَفِي (ح) و (ر) خِلَافُهُ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْحَاضِرُونَ الْأَصِحَّاءُ صَحَّتْ لَهُمْ مَعًا، وَيَجْرِي مَنْ لَحِقَ فِي الْأَثْنَاءِ عَلَى سُقُوطِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِتَعَيُّنِهِ بِالشُّرُوعِ. وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالتَّمَامِ. وَفَائِدَةُ التَّعَيُّنِ حُرْمَةُ الْقَطْعِ لَا السُّقُوطِ عَنْ غَيْرِ الشَّارِعِ فِيهِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ. قَوْلُهُ: [بِشَرْطِ أَنْ يَتَّصِلَ] إلَخْ: وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّوَافِلِ كَمَا أَفَادَهُ (ح) قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ (عب) : إنَّ شَرْطَ نِيَّتِهَا ضَعِيفٌ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [فَلَا يَضُرُّ يَسِيرُ فَصْلٍ] : أَيْ بَيْنَ النَّوَافِلِ وَالْفَرْضِ وَبَيْنَ النَّوَافِلِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ قَالَ فِي الْأَصْلِ: لَا إنْ طَالَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ. وَيَسِيرُ الْفَصْلِ عَفْوٌ، وَمِنْهُ آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَالْمُعَقِّبَاتُ، وَأَنْ لَا يُكْثِرَ فِي نَفْسِهِ جِدًّا بِالْعُرْفِ (اهـ) وَقَالَ فِي تَكْرِيرِهِ: الْكَثْرَةُ جِدًّا كَالزِّيَادَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ مَعَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ، فَيَجُوزُ فِعْلُهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ الْكَثْرَةِ جِدًّا (اهـ) . قَوْلُهُ: [اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ] : أَيْ فِي قُوَّةِ الِاسْتِدْرَاكِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: [أَيْ لَكِنْ] إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا إنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ جَائِزٌ لَكِنْ لَا يَصِحُّ

[ما يبيحه التيمم]

(وَجَازَ نَفْلٌ، وَمَسُّ مُصْحَفٍ، وَقِرَاءَةٌ، وَطَوَافٌ وَرَكْعَتَاهُ بِتَيَمُّمِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ، وَصَحَّ الْفَرْضُ إنْ تَأَخَّرَتْ) : يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ - سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا صَحِيحًا أَوْ لَا - أَوْ لِنَفْلٍ اسْتِقْلَالًا، بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ نَفْلًا وَجِنَازَةً، وَأَنْ يَمَسَّ بِهِ الْمُصْحَفَ، وَيَقْرَأَ الْقُرْآنَ إنْ كَانَ جُنُبًا، وَأَنْ يَطُوفَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْهِ، وَسَوَاءٌ قَدَّمَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ الَّذِي قَصَدَهُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ أَوْ أَخَّرَهَا عَنْهُ بِشَرْطِ الِاتِّصَالِ كَمَا تَقَدَّمَ. لَكِنْ إنْ قَدَّمَ عَلَيْهَا مَا قَصَدَهُ بِالتَّيَمُّمِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَى مَا قَصَدَهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ نَفْلًا كَأَنْ تَيَمَّمَ مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ لِصَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ ذَلِكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَرْضُ إلَّا إذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ (ح) : أَنَّ الْقُدُومَ عَلَى فِعْلِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِتَيَمُّمِ الْفَرْضِ قَبْلَهُ لَا يَجُوزُ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) وَعَلَى مَا قَالَهُ (ح) فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضٌ عَنْ خَلِيلٍ. [مَا يبيحه التَّيَمُّم] قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَقَدَّمَتْ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي الْجَوَازِ، وَمُقْتَضَى مَا قَالَهُ (ح) أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَتُجْزِئُ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ، جَوَازُ فِعْلِ مَا ذُكِرَ بِتَيَمُّمِ الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ تَقَدَّمَ عَنْ الْمَنْوِيِّ أَوْ تَأَخَّرَ. وَشَرْطُ صِحَّةِ الْفَرْضِ إنْ تَأَخَّرَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْهُ لَا إنْ تَقَدَّمَتْ أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا، فَلَا يَصِحُّ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ مَسَّ مُصْحَفٍ أَوْ قِرَاءَةً لَا تُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ تَقَدُّمُ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةِ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ، لَا يَضُرُّ، كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. وَانْظُرْ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ وَأَخْرَجَ بَعْضَ

[تنبيه التيمم لنافلة]

النَّفَلَ الْمَقْصُودَ بَعْدَهَا. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُصَلِّيَهُ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا. فَقَوْلُهُ: (وَصَحَّ الْفَرْضُ إنْ تَأَخَّرَتْ) أَيْ صَحَّ الْفَرْضُ الَّذِي قُصِدَ لَهُ التَّيَمُّمُ مِنْ حَاضِرٍ صَحِيحٍ أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ مَرِيضٍ إنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهَا، لَا إنْ قَدَّمَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا صَرَّحْنَا بِهَذَا - وَإِنْ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ - لِأَنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: " إنْ تَأَخَّرَتْ " ظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ: " وَجَازَ جِنَازَةٌ " إلَخْ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَجُوزُ مُطْلَقًا تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ كَمَا عَلِمْت. فَلِذَا قَالَ الشُّرَّاحُ: هُوَ شَرْطٌ فِي مُقَدَّرٍ؛ أَيْ وَشَرْطُ صِحَّةِ الْفَرْضِ الْمَنْوِيِّ لَهُ التَّيَمُّمُ إنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا الْمُقَدَّرِ. وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ يَتَيَمَّمُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ غَيْرَ مَا نَوَاهُ مِنْهَا مُتَقَدِّمًا وَمُتَأَخِّرًا لَا الْفَرْضَ إذَا نَوَى لَهُ التَّيَمُّمَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا تَقَدَّمَ. (لَا فَرْضٌ آخَرُ وَإِنْ قُصِدَا بِهِ، وَبَطَلَ الثَّانِي، وَإِنْ مُشْتَرِكَةً وَلَوْ مِنْ مَرِيضٍ) : أَيْ لَا يَصِحُّ فَرْضٌ آخَرُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قُصِدَا مَعًا بِتَيَمُّمٍ. فَالثَّانِي بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَتْ - ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ مَا أَخْرَجَهُ جَرْيًا عَلَى إخْرَاجِ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ مِنْ نِيَّةِ الْوُضُوءِ؟ وَهُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ، أَوْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ الْمُخْرَجَ لِضَعْفِ التَّيَمُّمِ؟ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى (عب) (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: [إذْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ] إلَخْ: هَذَا عَلَى غَيْرِ مَا قَالَهُ (ح) كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ] : أَيْ وَلَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا. [تَنْبِيه التَّيَمُّم لنافلة] قَوْلُهُ: [وَإِنْ مُشْتَرِكَةً] : رَدٌّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى أَصْبَغَ حَيْثُ قَالَ: إذَا صَلَّى فَرْضَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ بِتَيَمُّمٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ ثَانِيَةَ ثَانِيَةَ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا ثَانِيَةُ غَيْرِهِمَا فَيُعِيدُهَا أَبَدًا، وَتَصِحُّ الْأُولَى عَلَى كُلِّ حَالٍ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ: كَمَا لَا تَصِحُّ النَّافِلَةُ بِالْوُضُوءِ الْمُسْتَحَبِّ، كَالْوُضُوءِ لِزِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ، لَا تَصِحُّ بِالتَّيَمُّمِ لِذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " لَا بِتَيَمُّمٍ لِمُسْتَحَبٍّ "، فَإِنَّ اللَّامَ فِي كَلَامِهِ مُقْحَمَةٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ لَا بِتَيَمُّمِ مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ كَقِرَاءَةِ غَيْرِ الْجُنُبِ (اهـ) .

[طلب الماء وشراؤه]

الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ مُشْتَرِكَةً فِي الْوَقْتِ مَعَ الْأُولَى، كَالْعَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ وَلَوْ كَانَ التَّيَمُّمُ مِنْ مَرِيضٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ. (وَلَزِمَ شِرَاءُ الْمَاءِ بِثَمَنٍ اُعْتِيدَ وَإِنْ بِذِمَّتِهِ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ) : أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَاءً لِطَهَارَتِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِالثَّمَنِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، إنْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ أَوْ يُتَرَجَّى الْوَفَاءُ بِبَيْعِ شَيْءٍ أَوْ اقْتِضَاءِ دَيْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَمَحَلُّ وُجُوبِ شِرَائِهِ إذَا لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ الثَّمَنِ فِي مَصَارِفِهِ، وَإِلَّا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَمَا لَوْ زَادَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُعْتَادِ وَلَوْ غَنِيًّا. (وَقَبُولُ هِبَتِهِ وَاقْتِرَاضه) : أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ هِبَتِهِ إذَا وُهِبَ لَهُ لِأَجْلِ التَّطَهُّرِ بِهِ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِيهِ ضَعِيفَةٌ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يَقْتَرِضَهُ إنْ رَجَا الْوَفَاءَ. (وَطَلَبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَلَبًا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ دُونَ الْمِيلَيْنِ، إلَّا إذَا ظَنَّ عَدَمَهُ) : يَعْنِي - ـــــــــــــــــــــــــــــQ [طَلَب الْمَاء وَشِرَاؤُهُ] قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ زَادَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُعْتَادِ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَافِهَةً، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ وَإِنْ زِيدَ فِي الْمُعْتَادِ مِثْلُ ثُلُثِهِ، فَإِنْ زِيدَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَلْزَمُهُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ لَهُ بَالٌ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لَا بَالَ لِثَمَنِ مَاءٍ يَتَوَضَّأُ بِهِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ وَلَوْ زِيدَ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ مِثْلُ ثُلُثَيْهِ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [وَقَبُولُ هِبَتِهِ] إلَخْ: مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ الصَّدَقَةَ حَيْثُ لَا مِنَّةَ، وَكَمَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ يَلْزَمُهُ طَلَبُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [إنْ رَجَا الْوَفَاءَ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: يَلْزَمُهُ اقْتِرَاضُ الْمَاءِ، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ قَرْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْوَفَاءَ، فَفَرَّقَ بَيْنَ اقْتِرَاضِ الْمَاءِ وَاقْتِرَاضِ ثَمَنِهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ شَيْخِنَا مِثْلُهُ. [تَنْبِيه طَلَب الْمَاء مِنْ الرِّفَاق وَالشُّحّ بِهِ] قَوْلُهُ: [وَطَلَبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ] إلَخْ: حَاصِلُ مَا أَفَادَهُ الْمَتْنُ وَالشَّارِحُ: أَنَّ صُوَرَ الْمَسْأَلَةِ عِشْرُونَ. لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُحَقَّقَ الْوُجُودِ، أَوْ مَظْنُونَهُ، أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ، أَوْ مُحَقَّقَ الْعَدَمِ، أَوْ مَظْنُونَهُ، فَهَذِهِ خَمْسٌ. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ أَقَلَّ، فَهَذِهِ عَشْرٌ. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، أَوْ لَا. أَمَّا إذَا كَانَ مُحَقَّقَ الْعَدَمِ أَوْ مَظْنُونَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَبٌ مُطْلَقًا. وَأَمَّا إذَا كَانَ مُحَقَّقَ الْوُجُودِ أَوْ مَظْنُونَهُ أَوْ مَشْكُوكَهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ إنْ لَمْ يَشُقَّ وَإِلَّا فَلَا.

[اليائس من طلب الماء]

أَنَّ مَنْ لَمْ يَظُنَّ عَدَمَ الْمَاءِ فِي مَكَان - بِأَنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي وُجُودِهِ أَوْ ظَانًّا لِوُجُودِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ وَالتَّفْتِيشُ عَلَيْهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَلَبًا لَا يَشُقُّ عَلَى مِثْلِهِ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ. فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَجِدُهُ إلَّا بَعْدَ مَسَافَةِ مِيلَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَشَقَّةُ. كَمَا لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ، أَوْ خَافَ فَوَاتَ رُفْقَةٍ، وَكَذَا إذَا ظَنَّ عَدَمَهُ، وَأَوْلَى الْيَائِسُ مِنْهُ. (فَالْيَائِسُ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ، وَالْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ أَوْ وُجُودِهِ وَسَطَهُ، وَالرَّاجِي آخِرَهُ) : يَعْنِي إذَا عَلِمْت مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ آيِسًا، أَوْ مُتَرَدِّدًا، أَوْ رَاجِيًا. فَالْيَائِسُ مِنْ وُجُودِهِ أَوْ لُحُوقِهِ أَوْ مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ - وَهُوَ الْجَازِمُ أَوْ الْغَالِبُ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ مَا ذَكَرَ فِي الْمُخْتَارِ، يَتَيَمَّمُ نَدْبًا أَوَّلَ الْمُخْتَارِ. وَالْمُتَرَدِّدُ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ الشَّاكُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: كَمَا يَلْزَمُهُ طَلَبُ الْمَاءِ عَلَى دُونِ الْمِيلَيْنِ يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ مِنْ رُفْقَةٍ قَلَّتْ - كَالْأَرْبَعَةِ - كَانَتْ حَوْلَهُ أَمْ لَا، أَوْ مِمَّنْ حَوْلَهُ مِنْ رُفْقَةٍ كَثِيرَةٍ إنْ جَهِلَ بُخْلَهُمْ بِهِ بِأَنْ اعْتَقَدَ الْإِعْطَاءَ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ شَكَّ أَوْ تَوَهَّمَ. فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى أَعَادَ أَبَدًا إنْ اعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ الْإِعْطَاءَ. وَفِي الْوَقْتِ، إنْ شَكَّ. وَلَمْ يُعِدْ، إنْ تَوَهَّمَ. وَهَذَا كُلُّهُ إنْ تَبَيَّنَ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ. فَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ فَلَا إعَادَةَ مُطْلَقًا. وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا: جَهِلَ بُخْلَهُمْ بِهِ، أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ بُخْلَهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَبٌ: (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . فَرْعٌ: إذَا شَحَّ الْعَبْدُ بِمَائِهِ عَلَى سَيِّدِهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُهُ؟ وَاسْتَظْهَرُوا جَوَازَ التَّيَمُّمِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ الِانْتِزَاعُ حَيْثُ لَا ضَرَرَ. [الْيَائِس مِنْ طَلَب الْمَاء] قَوْلُهُ: [يَتَيَمَّمُ نَدْبًا أَوَّلَ الْمُخْتَارِ] : فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ وَجَدَ مَاءً فِي الْوَقْتِ بَعْدَ صَلَاتِهِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وَجَدَ مَا أَيِسَ مِنْهُ أَوْ غَيْرَهُ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى نَقْلِ (ح) وَالْمَوَّاقِ وَنَصِّ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: إنْ وَجَدَ مَا أَيِسَ مِنْهُ أَعَادَ لِخَطَئِهِ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ فَلَا إعَادَةَ. وَضَعَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[المقصر في طلب الماء]

وَمِثْلُهُ الظَّانُّ ظَنًّا قَرِيبًا مِنْ الشَّكِّ - يَتَيَمَّمُ نَدْبًا وَسَطَهُ. وَالرَّاجِي - وَهُوَ الظَّانُّ الْوُجُودَ أَوْ اللُّحُوقَ أَوْ زَوَالَ الْمَانِعِ يَتَيَمَّمُ - آخِرَهُ نَدْبًا. وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورِيِّ، فَالتَّفْصِيلُ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ؛ إذْ لَا امْتِدَادَ لِاخْتِيَارَيْهَا. (وَلَا إعَادَةَ إلَّا لِمُقَصِّرٍ، فَفِي الْوَقْتِ) : يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِالتَّيَمُّمِ - إذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى - فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا، أَيْ عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنْ التَّقْصِيرِ، فَيُعِيدَ فِي الْوَقْتِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمُقَصِّرِ بِقَوْلِهِ: (كَوَاجِدِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ بِقُرْبِهِ أَوْ رَحْلِهِ، وَخَائِفِ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ، فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ، وَمَرِيضٍ عَدِمَ مُنَاوِلًا، وَرَاجٍ قَدَّمَ، وَمُتَرَدِّدٍ فِي لُحُوقٍ فَلَحِقَهُ، كَنَاسٍ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَسَطَهُ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَمِثْلُهُ مَرِيضٌ عَدِمَ مُنَاوِلًا وَخَائِفُ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ مَسْجُونٌ، فَيُنْدَبُ لَهُمْ التَّيَمُّمُ وَسَطَهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ آيِسًا أَوْ رَاجِيًا (اهـ.) قَالَ مُحَشِّيهِ: وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ لِلطِّرَازِ. وَلَكِنَّ الْمُوَافِقَ لِكَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُتَرَدِّدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. قَوْلُهُ: [آخِرَهُ نَدْبًا] : قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِأَنَّهُ حِينَ خُوطِبَ بِالصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فَدَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] . قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ] إلَخْ: وَأَمَّا قَوْلُ خَلِيلٍ وَفِيهَا تَأْخِيرُهُ الْمَغْرِبَ لِلشَّفَقِ، فَضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَهُوَ أَنَّ وَقْتَهَا الِاخْتِيَارِيَّ يَمْتَدُّ لِلشَّفَقِ، وَأَفْهَمُ قَوْلَهُ: [أَوَّلَ الْمُخْتَارِ] أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الضَّرُورِيِّ لَتَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ آيِسٍ وَغَيْرِهِ. [المقصر فِي طَلَب الْمَاء] قَوْلُهُ: [وَلَا إعَادَةَ] : فِي (عَبَّ) وَغَيْرِهِ حُرْمَةُ الْإِعَادَةِ. قَالَ شَيْخُنَا: لَيْسَ فِي النَّقْلِ تَصْرِيحٌ بِالْحُرْمَةِ. (اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: لَكِنْ لَهَا وَجْهٌ إنْ كَانَتْ الْإِعَادَةُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الطَّهَارَةِ التُّرَابِيَّةِ اسْتِضْعَافًا لَهَا عَلَى الْمَائِيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الشَّارِعِ فِيمَا شَرَعَ (اهـ) . قَوْلُهُ: [فَيُعِيدَ فِي الْوَقْتِ] : أَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ أَيْ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: [فَالْآيِسُ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ] بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [بَعْدَ طَلَبِهِ] : أَمَّا إنْ تَرَكَ الطَّلَبَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ مَا كَانَ ظَانًّا لَهُ أَوْ مُتَرَدِّدًا فِيهِ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ، أَوْ فِي الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي

ذَكَرَ بَعْدَهَا) : أَيْ أَنَّ مَنْ وَجَدَ الْمَاءَ الَّذِي فَتَّشَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ: بِعَيْنِهِ بِقُرْبِهِ - أَيْ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ - فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ نَدْبًا لِتَفْرِيطِهِ، إذْ لَوْ أَمْعَنَ النَّظَرَ لَوَجَدَهُ، فَلِذَا لَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ أَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ بُعْدٍ لَمْ يُعِدْ. وَكَذَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مَنْ فَتَّشَ عَلَيْهِ فِي رَحْلِهِ فَلَمْ يُصَادِفْهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَهُ فِيهِ بِعَيْنِهِ. وَكَذَا الْخَائِفُ مِنْ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ عَلَى الْمَاءِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُ مَا خَافَ مِنْهُ لَا إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى خَوْفِهِ، وَأَوْلَى إنْ تَحَقَّقَ مَا خَافَ مِنْهُ، وَلَا إنْ وَجَدَ مَاءً غَيْرَ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللُّصُوصِ. وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ: الظَّنُّ. وَكَذَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مَرِيضٌ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ مُنَاوِلًا. وَهَذَا فِي مَرِيضٍ شَأْنُهُ أَنْ لَا يَتَرَدَّدَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَمَّا مَنْ شَأْنُهُ التَّرَدُّدُ عَلَيْهِ فَلَا تَفْرِيطَ عِنْدَهُ لِجَزْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ مُنَاوِلًا، فَلْيُتَأَمَّلْ. وَكَذَا يُعِيدُ الرَّاجِي وُجُودَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ؛ فَقَدَّمَ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْوَقْتِ مَا كَانَ يَرْجُوهُ. وَكَذَا الْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ إذَا صَلَّى وَسَطَ الْوَقْتِ ثُمَّ لَحِقَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQالطَّلَبِ، وَكَذَا إنْ طَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ صَلَاتِهِ. فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ، فَإِنْ صَلَّى بِهِ أَعَادَ أَبَدًا، كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [بَعْدَ بُعْدٍ] : بِأَنْ كَانَ عَلَى مِيلَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَصَلَّى] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَيُعِيدُ أَبَدًا، كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْخَائِفُ مِنْ لِصٍّ] : أَيْ فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ بِقُيُودٍ أَرْبَعَةٍ: أَنْ يَتَبَيَّنَ عَدَمُ مَا خَافَهُ بِأَنْ ظَهَرَ أَنَّهُ شَجَرٌ مَثَلًا، وَأَنْ يَتَحَقَّقَ الْمَاءَ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ جَزْمًا أَوْ ظَنًّا، وَأَنْ يَجِدَ الْمَاءَ بِعَيْنِهِ. فَإِنْ تَبَيَّنَ حَقِيقَةُ مَا خَافَهُ، أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَاءَ، أَوْ وَجَدَ غَيْرَ الْمَاءِ الْمَخُوفِ، فَلَا إعَادَةَ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ خَوْفُهُ شَكًّا أَوْ وَهْمًا فَالْإِعَادَةُ أَبَدًا (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَلْيُتَأَمَّلْ] : إنَّمَا أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ لِبُعْدِ التَّقْصِيرِ عَنْ الْمَرِيضِ. وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَاجِي: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ مُطْلَقًا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي عَدِمَ مُنَاوِلًا سَوَاءٌ كَانَ لَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ الدَّاخِلُونَ أَوْ يَتَكَرَّرُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ إنَّمَا تَرَكَ الِاسْتِعْدَادَ لِلْمَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فَلَا إعَادَةَ مُطْلَقًا (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ بْن) .

[فرائض التيمم]

فِي الْوَقْتِ مَا كَانَ مُتَرَدِّدًا فِيهِ. بِخِلَافِ الْمُتَرَدِّدِ فِي الْوُجُودِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُودِ. وَكَذَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ الَّذِي مَعَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى: بِالتَّيَمُّمِ لِتَفْرِيطِهِ إذْ النَّاسِي عِنْدَهُ نَوْعُ تَفْرِيطٍ فَإِنْ تَذَكَّرَهُ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ كَمَا يَأْتِي، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ هُنَا الْوَقْتُ الِاخْتِيَارِيُّ. (وَفَرَائِضُهُ: نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ فَرْضِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الضَّرْبَةِ الْأُولَى، وَلَزِمَ نِيَّةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَهُ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ تَيَمَّمَ فِي وَسْطِ الْوَقْتِ أَوْ قَدَّمَ أَوَّلَهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ بِالْمَاءِ إلَّا الْمُقْتَصِرَ عَلَى كُوعَيْهِ، وَالْمُتَيَمِّمُ عَلَى مُصَابِ بَوْلٍ، وَمَنْ وَجَدَ بِثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ نَجَاسَةً، وَمَنْ تَذَكَّرَ إحْدَى الْحَاضِرَتَيْنِ: بَعْدَ مَا صَلَّى الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا. وَمَنْ يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ، وَمَنْ يُقَدِّمُ الْحَاضِرَةَ عَلَى يَسِيرِ الْمَنْسِيِّ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعِيدُونَ وَلَوْ بِالتَّيَمُّمِ. وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ الْوَقْتُ الِاخْتِيَارِيُّ إلَّا فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ الضَّرُورِيُّ مَا عَدَا الْمُقْتَصِرَ عَلَى كُوعَيْهِ، فَإِنَّهُ الِاخْتِيَارِيُّ (اهـ) . [فَرَائِض التَّيَمُّم] [تَنْبِيه التَّيَمُّم هَلْ يرفع الْحَدَث] وَقَوْلُهُ: [وَفَرَائِضُهُ] إلَخْ: هُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ خَمْسَةٌ، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ خَمْسَةٌ. وَقَوْلُهُ: [نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ] إلَخْ: خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْأُولَى، كَمَا قَدَّرَهُ الشَّارِحُ أَيْضًا، وَيَصِحُّ جَعْلُ نِيَّةُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرًا عَنْ فَرَائِضَ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. قَوْلُهُ: [اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهِيَ قِسْمَانِ، كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ: اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ فَرْضِ التَّيَمُّمِ. وَلَا يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ الْآتِي. قَوْلُهُ: [عِنْدَ الضَّرْبَةِ الْأُولَى] : أَيْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ اللُّمَعِ. وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ زَرُّوقٌ: إنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ مَسْحِ الْوَجْهِ. وَاسْتَظْهَرَهُ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ، إذْ يَبْعُدُ أَنْ يَضَعَ الْإِنْسَانُ يَدَهُ عَلَى حَجَرٍ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ تَيَمُّمٍ بِقَصْدِ الِاتِّكَاءِ، أَوْ مُجَرَّدِ اللَّمْسِ مَثَلًا ثُمَّ يَرْفَعَهَا فَيَبْدُوَ لَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ، فَيُقَالُ: صَحَّ تَيَمُّمُهُ. وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ، إذْ الْوَاجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْلُ الْوَجْهِ

أَكْبَرَ إنْ كَانَ) : هَذَا شُرُوعٌ فِي فَرَائِضِ التَّيَمُّمِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْأُولَى: النِّيَّةُ عِنْدَ الضَّرْبَةِ الْأُولَى، أَنْ يَنْوِيَ بِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ فَرْضَ التَّيَمُّمِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ مُلَاحَظَةُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ أَكْبَرُ بِأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، فَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ بِأَنْ نَسِيَهُ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَأَعَادَ أَبَدًا. وَلَا يُصَلَّى فَرْضٌ بِتَيَمُّمٍ نَوَاهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلَا صَلَاةَ بِتَيَمُّمٍ نَوَاهُ لِغَيْرِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وَلَا مَدْخَلَ لِنَقْلِ الْمَاءِ فِي الْغُسْلِ، وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة: 6] ، فَأَوْجَبَ قَصْدَ الصَّعِيدِ قَبْلَ الْمَسْحِ. وَقَدْ عَدُّوا الضَّرْبَةَ الْأُولَى مِنْ الْفَرَائِضِ فَلَا يَصِحُّ تَقَدُّمُهَا عَنْ النِّيَّةِ (اهـ.) وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَاشِرٍ: فُرُوضُهُ مَسْحُكَ وَجْهًا وَالْيَدَيْنِ ... لِلْكُوعِ وَلِلنِّيَّةِ أُولَى الضَّرْبَتَيْنِ ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَرَدُّ الْبُنَانِيُّ لِذَلِكَ الْقَوْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. قَوْلُهُ: [الْأَكْبَرِ إنْ كَانَ] : أَيْ إنْ وُجِدَ حَدَثٌ أَكْبَرُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ عَلَيْهِ مُلَاحَظَةُ] إلَخْ: قَالَ الشَّارِحُ فِي تَقْرِيرِهِ: وَمَحَلُّ لُزُومِ نِيَّةِ الْأَكْبَرِ إنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ، وَأَمَّا إنْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ فَيُجْزِيهِ عَنْ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ. وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ] إلَخْ: فَإِنْ نَوَاهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ أَجْزَأَهُ. قَوْلُهُ: [وَأَعَادَ أَبَدًا] : أَيْ عِنْدَ تَرْكِ نِيَّةِ الْأَكْبَرِ، وَأَمَّا نِيَّةُ الْأَصْغَرِ مَعَ الْأَكْبَرِ فَمَنْدُوبَةٌ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَكْبَرِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْأَصْغَرِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُصَلَّى فَرْضٌ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَيُنْدَبُ تَعْيِينُ الصَّلَاةِ مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ هُمَا، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا فَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ صَلَّى بِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضٍ، لَا إنْ ذَكَرَ فَائِتَةً بَعْدَهَا. وَإِنْ نَوَى مُطْلَقَ الصَّلَاةِ الصَّالِحَةِ لِلْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ صَحَّ فِي نَفْسِهِ. وَيَفْعَلُ بِهِ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ تَخُصُّهُ (اهـ) .

(وَالضَّرْبَةُ الْأُولَى، وَتَعْمِيمُ مَسْحِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ، مَعَ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ، وَنَزْعِ خَاتَمِهِ) : الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ: الضَّرْبَةُ الْأُولَى؛ أَيْ وَضْعُ الْكَفَّيْنِ عَلَى الصَّعِيدِ، وَأَمَّا الضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ فَسُنَّةٌ، كَمَا سَيَأْتِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ تَعْيِينَ شَخْصِ الصَّلَاةِ مَنْدُوبٌ، فَإِنْ عَيَّنَ بِهِ شَخْصَ فَرْضٍ فَلَا يَفْعَلُ بِهِ فَرْضًا غَيْرَهُ، وَإِنْ عَيَّنَ نَوْعَ الْفَرْضِ أَوْ سَكَتَ - كَمُجَرَّدِ صَلَاةٍ صُرِفَ لِلْفَرْضِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَيَفْعَلُ غَيْرَهُ تَبَعًا، عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنْ لَاحَظَ الْإِطْلَاقَ أَيْ الصَّلَاةَ الدَّائِرَةَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ مُلَاحِظًا الشُّيُوعَ لَمْ يَجُزْ بِهِ الْفَرْضُ، وَصَلَّى مِنْ النَّفْلِ مَا شَاءَ. تَنْبِيهٌ: قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، قَالَ: الْأَصْلُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ وَإِنَّمَا يُبِيحُ الْعِبَادَةَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا. إذْ كَيْفَ تُجَامِعُ الْإِبَاحَةُ الْمَنْعَ؟ وَلِهَذَا ذَهَبَ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ، فَمَنْ قَالَ: لَا يَرْفَعُهُ، أَيْ مُطْلَقًا، بَلْ إلَى غَايَةِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ النَّقِيضَانِ، إذْ الْحَدَثُ الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ حَاصِلَةٌ إجْمَاعًا (اهـ.) قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَفِي (ح) وَ (ر) تَقْوِيَةٌ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِابْتِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى كُلٍّ. قُلْنَا: إنْ فُسِّرَ الْحَدَثُ بِالْمَنْعِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ، أَوْ بِالصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ - كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ - فَلَا (اهـ) . وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمَنْعَ لَا يُجَامِعُ الْإِبَاحَةَ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ لَفْظِيًّا حَيْثُ فُسِّرَ بِالْمَنْعِ، وَحَقِيقِيًّا إنْ فُسِّرَ بِالصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ تُجَامِعُ الصِّفَةَ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَدْ احْتَلَمَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ: صَلَّيْت بِالنَّاسِ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» ، أَيْ قَائِمٌ بِك الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ لَا الْمَنْعُ، وَإِلَّا لَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَضْعُ الْكَفَّيْنِ] : إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ لَفْظِ الضَّرْبِ أَنَّهُ يَكُونُ بِشِدَّةٍ، فَأَفَادَ أَنَّهُ وَضْعُ الْكَفَّيْنِ عَلَى الصَّعِيدِ، وَمِثْلُ الْكَفَّيْنِ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُهُمَا،

الْفَرِيضَةُ الثَّالِثَةُ: تَعْمِيمُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِالْمَسْحِ. وَأَمَّا مِنْ الْكُوعَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَسُنَّةٌ، كَمَا سَيَأْتِي. وَلَمْ يَعُدُّوا الْوَجْهَ فَرِيضَةً عَلَى حِدَتِهَا وَالْيَدَيْنِ فَرِيضَةً أُخْرَى كَمَا فَعَلُوا فِي الْوُضُوءِ لَعَلَّهُ لِلِاخْتِصَارِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ وَنَزْعُ الْخَاتَمِ لِيَمْسَحَ مَا تَحْتَهُ. وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ يَكُونُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ الْأَصَابِعِ لَا بِجَنْبِهَا إذْ لَمْ يَمَسَّهَا تُرَابٌ. (وَصَعِيدٍ طَاهِرٍ كَتُرَابٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ) : الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: الصَّعِيدُ الطَّاهِرُ؛ أَيْ اسْتِعْمَالُهُ. إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ، فَخَرَجَ اسْتِعْمَالُ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِصَعِيدٍ أَوْ مَا كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ بِبَاطِنٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ بِظَاهِرِ كَفِّهِ فَلَا يُجْزِئُ. قَوْلُهُ: [تَعْمِيمُ الْوَجْهِ] إلَخْ: وَلَا يَتَعَمَّقُ فِي نَحْوِ أَسَارِيرِ الْجَبْهَةِ، وَلَا يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ وَلَوْ خَفِيفَةً، لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ: [إلَى الْكُوعَيْنِ] : قَالَ (ح) : الْكُوعُ طَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ وَفِي الذَّخِيرَةِ: آخِرُ السَّاعِدِ وَأَوَّلُ الْكَفِّ. وَيُقَالُ: كَاعٌ. قَوْلُهُ: [لَعَلَّهُ لِلِاخْتِصَارِ] : تُرْجَى فِي الْجَوَابِ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى النَّصِّ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَنَزْعُ الْخَاتَمِ] : أَيْ إزَالَتُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ لِيَمْسَحَ مَا تَحْتَهُ، وَإِنْ مَأْذُونًا فِيهِ وَاسِعًا لِضِيقِ مَا هُنَا عَنْ الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: [طَاهِرٌ] : هُوَ مَعْنَى الطَّيِّبِ فِي الْآيَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ اسْتِعْمَالُهُ] إلَخْ: هُوَ مَعْنَى الضَّرْبَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ مَعْنَاهَا وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّعِيدِ. وَفِي الْحَقِيقَةِ الصَّعِيدُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا فِي تَقْرِيرِهِ: عَدُّهُمْ الصَّعِيدَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ التَّيَمُّمِ لَا يَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَتْ الْفَرْضِيَّةُ الْوَضْعَ الْمَذْكُورَ. فَلَا يَكْفِي تُرَابٌ أَثَارَهُ الرِّيحُ عَلَى يَدَيْهِ، وَاسْتَظْهَرَ الْإِجْزَاءَ إذَا عَمَدَ بِيَدَيْهِ لِتُرَابٍ مُتَكَاثِفٍ فِي الْهَوَاءِ. قَوْلُهُ: [مِمَّا لَيْسَ بِصَعِيدٍ] : أَيْ وَلَا مُلْحَقًا بِهِ كَالثَّلْجِ، كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [أَوْ مَا كَانَ نَجِسًا] : فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ خَلِيلٌ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ عَلَى مُصَابِ بَوْلٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَاسْتُشْكِلَ فَأُوِّلَتْ بِتَآوِيلَ، مِنْهَا: أَنَّ الرِّيحَ سَتَرَتْهُ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، أَوْ مُرَاعَاةً لِلْقَائِلِ بِطَهَارَةِ الْأَرْضِ بِالْجَفَافِ كَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.

نَجِسًا وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ الصَّعِيدِ: التُّرَابُ. وَالْمُرَادُ بِالصَّعِيدِ. كُلُّ مَا صَعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَالْكَافُ فِي: (كَتُرَابٍ) لِلتَّمْثِيلِ. (وَرَمْلٍ وَحَجَرٍ وَجَصٍّ لَمْ يُطْبَخْ) : أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى كُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ. وَالْجَصُّ نَوْعٌ مِنْ الْحَجَرِ يُحْرَقُ بِالنَّارِ وَيُسْحَقُ وَيُبْنَى بِهِ الْقَنَاطِرُ وَالْمَسَاجِدُ وَالْبُيُوتُ الْعَظِيمَةُ، إذَا أُحْرِقَ - وَهُوَ الْمُرَادُ بِالطَّبْخِ - لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ عَنْ كَوْنِهِ صَعِيدًا. (وَمَعْدِنٍ غَيْرِ نَقْدٍ وَجَوْهَرٍ وَمَنْقُولٍ) : أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْمَعْدِنِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ. وَلَا جَوْهَرًا وَلَا مَنْقُولًا مِنْ مَحَلِّهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مَالًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ؛ فَلَا يُتَيَمَّمُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَوْ بِمَعْدِنِهِمَا، وَلَا عَلَى الْجَوْهَرِ كَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ وَلَوْ بِمُحَلِّهَا، وَلَا عَلَى الشَّبِّ وَالْمِلْحِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْقَصْدِيرِ وَالْكُحْلِ، إنْ نُقِلَتْ مِنْ مَحِلَّاتِهَا وَصَارَتْ أَمْوَالًا فِي أَيْدِي النَّاسِ. وَأَمَّا مَا دَامَتْ فِي مَوَاضِعِهَا فَيَجُوزُ. فَقَوْلُهُ: (كَشَبٍّ وَمِلْحٍ وَحَدِيدٍ وَرُخَامٍ) : مِثَالٌ لِلْمَعْدِنِ الْغَيْرِ مَا ذَكَرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [التُّرَابُ] : أَيْ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ] إلَخْ: أَيْ الَّتِي هِيَ الطَّبْخُ بِالنَّارِ، وَلَا يَضُرُّ مُجَرَّدُ النَّشْرِ، وَلَوْ صَنَعَ رَحًى أَوْ أَعْمِدَةً. قَوْلُهُ: [غَيْرِ نَقْدٍ وَجَوْهَرٍ] : أَيْ لِأَنَّهُمَا لَا يَظْهَرُ فِيهِمَا ذُلُّ الْعِبَادَةِ فَتُنَافِي التَّوَاضُعَ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَا دَامَتْ] إلَخْ: وَمِثْلُهُ لَوْ نُقِلَتْ وَلَمْ تَضُرَّ كَالْعَقَاقِيرِ كَالطَّفْلِ وَالْأَحْجَارِ وَالرُّخَامِ الَّذِي يُجْعَلُ أَعْمِدَةً فِي الْمَسَاجِدِ مَثَلًا، وَالْمِلْحِ الَّذِي يُجْرَنُ قَرِيبًا مِنْ أَرْضِهِ فَهَذَا كُلُّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَرُخَامٍ] : قِيلَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعَادِنِ النَّفِيسَةِ الْمُتَمَوِّلَة الْغَالِيَةِ الثَّمَنِ وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [لِلْمَعْدِنِ الْغَيْرِ مَا ذُكِرَ] : أَيْ النَّقْدِ وَالْجَوْهَرِ وَالْمَنْقُولِ، أَيْ الَّذِي

(كَثَلْجٍ لَا خَشَبٍ وَحَشِيشٍ) : تَشْبِيهٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ، أَيْ أَنَّ الثَّلْجَ - وَهُوَ مَا جَمَدَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَوْ الْبَحْرِ - يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ - بِجُمُودِهِ - الْحَجَرَ، فَالْتَحَقَ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ. بِخِلَافِ الْخَشَبِ وَالْحَشِيشِ فَلَا يُتَيَمَّمُ عَلَيْهِمَا وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا وَلَمْ يُمْكِنْ قَلْعُهُمَا وَضَاقَ الْوَقْتُ جَازَ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَعِيدٍ وَلَا يُشْبِهُ الصَّعِيدَ. - ـــــــــــــــــــــــــــــQصَارَ فِي أَيْدِي النَّاسِ كَالْعَقَاقِيرِ. قَوْلُهُ: [كَثَلْجٍ] : أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ تَحْلِيلِهِ، وَتَصْيِيرِهِ مَاءً وَلَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ بِخِلَافِ الْخِضْخَاضِ فَلَا يَتَيَمَّمُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ لِجُمُودِهِ صَارَ كَالْحَجَرِ فَالْتَحَقَ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَالثَّانِيَ لِرِقَّتِهِ بَعُدَ عَنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ] إلَخْ: قَائِلُهُ اللَّخْمِيُّ قَالَ (بْن) : وَكَلَامُ (ح) يَقْتَضِي أَنَّهُ الرَّاجِحُ، وَاعْتَمَدَهُ (ر) فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَبْنِي وَإِنْ نَسِيَ] : أَيْ أَوْ عَجَزَ لِضَعْفِهِ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. وَلِذَلِكَ جَعَلَ دُخُولَ الْوَقْتِ شَرْطَ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ فِيهِ، فَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا. وَوَقْتُ الْفَائِتَةِ تَذَكُّرُهَا، فَمَنْ تَيَمَّمَ لِلصُّبْحِ فَتَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الْعِشَاءَ فَلَا يُجْزِيهِ هَذَا التَّيَمُّمُ. لَهَا بِخِلَافِ وَقْتِ وَقْتِ لَوْ تَيَمَّمَ لَإِحْدَاهُمَا فَتَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الْأُخْرَى صَلَّاهَا بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ خَصَّ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَوَقْتُ الْجِنَازَةِ الْفَرَاغُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ فَرْضَ الْمَيِّتِ، وَالْمُصَلِّي عَلَيْهِ يُمِّمَ الْمَيِّتُ بَعْدَ التَّكْفِينِ، وَلَا يَتَيَمَّمُ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ تَيَمُّمِ الْمَيِّتِ، وَتَيَمُّمُهُ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ لِأَنَّهُ كَغُسْلِهِ، وَقَدْ أَلْغَزَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ بِقَوْلِهِ: يَا مَنْ بِلَحْظٍ يَفْهَمُ ... أَحْسِنْ جَوَابَ تَفَهُّمِ لِمَ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمٌ ... إلَّا بِسَبْقِ تَيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ عِبَادَةٍ ... بِالسَّابِقِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَتَى يَصِحُّ تَيَمُّمٌ ... مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهِ نُمِيَ قَالَ: وَاحْتَرَزْت بِقَوْلِي: مِنْ غَيْرِ إلَخْ عَنْ التَّيَمُّمِ لِثَانِيَةِ الْمُشْتَرِكَيْنِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلْأُولَى وَيُصَلِّيَهَا (اهـ) ، وَقَدْ أَجَبْت عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِي:

[سنن التيمم]

(وَالْمُوَالَاةُ) : الْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَجْزَائِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فُعِلَ لَهُ مِنْ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا، وَابْتَدَأَهُ إنْ فَرَّقَ وَطَالَ. وَلَا يَبْنِي وَإِنْ نَسِيَ. (وَسُنَنُهُ: تَرْتِيبٌ وَضَرْبَةٌ لِيَدَيْهِ وَإِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَنَقْلُ مَا تَعَلَّقَ بِهِمَا مِنْ غُبَارٍ) : أَيْ إنَّ سُنَنَهُ أَرْبَعَةٌ: التَّرْتِيبُ بِأَنْ يَمْسَحَ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ فَإِنْ نَكَّسَ أَعَادَ الْيَدَيْنِ إنْ قَرُبَ وَلَمْ يُصَلِّ بِهِ، وَالضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ لِيَدَيْهِ وَالْمَسْحُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَنَقْلُ أَثَرِ الضَّرْبِ مِنْ الْغُبَارِ إلَى الْمَمْسُوحِ بِأَنْ لَا يَمْسَحَ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَإِنْ مَسَحَهُمَا بِشَيْءٍ قَبْلَ مَا ذُكِرَ كُرِهَ وَأَجْزَأَ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِمَا شَيْءٌ نَفَضَهُمَا نَفْضًا خَفِيفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (وَنُدِبَ: تَسْمِيَةٌ، وَصَمْتٌ، وَاسْتِقْبَالٌ، وَتَقْدِيمُ الْيَدِ الْيُمْنَى، وَجَعْلُ ظَاهِرِهَا مِنْ طَرَفِ الْأَصَابِعِ بِبَاطِنِ يُسْرَاهُ، فَيُمِرُّهَا إلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ بَاطِنِهَا لِآخِرِ الْأَصَابِعِ، ثُمَّ يُسْرَاهُ كَذَلِكَ) : هَذَا شُرُوعٌ فِي مَنْدُوبَاتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَجَعْلُ) إلَخْ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَجْعَلَ ظَاهِرَ الْيُمْنَى مِنْ طَرَفِ أَصَابِعِهَا بِبَاطِنِ كَفِّ يَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُمِرَّ الْيُسْرَى إلَى مِرْفَقِ الْيُمْنَى. ثُمَّ يَجْعَلَ بَاطِنَهَا بِحَيْثُ يَجْعَلُ بَاطِنَ الْيُمْنَى مِنْ طَيِّ الْمِرْفَقِ بِبَاطِنِ الْيُسْرَى فَيُمِرُّهَا لِآخِرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى. ثُمَّ يَفْعَلُ بِيُسْرَاهُ كَمَا فَعَلَ بِالْيُمْنَى بِأَنْ يَجْعَلَ ظَاهِرَهَا مِنْ - ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذَا الَّذِي يَتَيَمَّمُ ... لِصَلَاةِ مَيْتٍ يَمَّمُوا وَلَحْظُنَا مِنْ يَمِّكُمْ ... يَا مَنْ إلَيْكُمْ يَمَّمُوا قَوْلُهُ: [إنْ قَرُبَ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ بَعُدَ أَوْ صَلَّى بِهِ فَيَفُوتُ. [سُنَن التَّيَمُّم] قَوْلُهُ: [وَالضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ] : إنْ قُلْت كَيْفَ تَكُونُ سُنَّةً مَعَ أَنَّهَا لِلْفَرْضِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْفَرْضَ بِآثَارِ الْأُولَى. قَوْلُهُ: [كُرِهَ وَأَجْزَأَ] إلَخْ: قَيَّدَهُ عب، بِأَنْ لَا يَقْوَى الْمَسْحُ، وَنُوقِشَ بِصِحَّتِهِ عَلَى حَجَرٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَقَدْ يُفَرَّقُ بِشَائِبَةِ التَّلَاعُبِ. [مَنْدُوبَات التَّيَمُّم] [تَنْبِيه هَلْ يَنْدُب الْمَوْضِع الطَّاهِر فِي التَّيَمُّم] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَسْمِيَةٌ] : وَاخْتُلِفَ فِي تَكْمِيلِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَرْجَحُهُمَا: يُكْمِلُهَا، بَلْ يُكْمِلُ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا فِي الذَّكَاةِ. قَوْلُهُ: [وَصَمْتٌ] : أَيْ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ يُسْرَاهُ كَذَلِكَ] : ظَاهِرُهُ لَا يُبْقِي غُبَارَ الْكَفِّ لِلْأُخْرَى، وَهِيَ طَرِيقَةٌ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: يُبْقِي غُبَارَ الْكَفِّ الْيُمْنَى لِلْيُسْرَى.

[مبطلات التيمم ومكروهاته]

طَرَفِ الْأَصَابِعِ بِبَاطِنِ كَفِّ الْيُمْنَى فَيُمِرَّهَا لِآخِرِ طَرَفِ مِرْفَقِ الْيُسْرَى. ثُمَّ يَجْعَلَ بَاطِنَهَا مِنْ طَيِّ مِرْفَقِهَا بِبَاطِنِ كَفِّ الْيُمْنَى لِآخِرِ أَصَابِعِ الْيُسْرَى. ثُمَّ يُخَلِّلَ الْأَصَابِعَ. فَقَوْلُهُ [ثُمَّ بَاطِنِهَا] عَطْفًا عَلَى ظَاهِرِهَا، أَيْ ثُمَّ جَعَلَ بَاطِنَهَا. (وَيُبْطِلُهُ مُبْطِلُ الْوُضُوءِ؛ وَوُجُودُ مَاءٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ، لَا فِيهَا، إلَّا نَاسِيه) : أَيْ إنَّ كُلَّ مَا أَبْطَلَ الْوُضُوءَ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ وَغَيْرِهِمَا أَبْطَلَ التَّيَمُّمَ. وَيُبْطِلُهُ أَيْضًا وُجُودُ مَاءٍ كَافٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِاسْتِعْمَالِهِ مَعَ إدْرَاكِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُبْطِلُهَا إلَّا إذَا كَانَ نَاسِيًا لِلْمَاءِ الَّذِي مَعَهُ فَتَيَمَّمَ وَأَحْرَمَ بِصَلَاةٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِيهَا، فَتَبْطُلُ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِمَّا يُبْطِلُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [ثُمَّ يُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ] : أَيْ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ الْأُخْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ. تَنْبِيهٌ: لَا يُنْدَبُ هُنَا الْمَوْضِعُ الطَّاهِرُ لِأَمْنِ التَّطَايُرِ. وَقِيلَ: يُنْدَبُ نَظَرًا لِتَشْرِيفِ الْعِبَادَةِ، وَلَا يُنْدَبُ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ لِاتِّصَالِهِ بِمَا فُعِلَ لَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ. [مُبْطِلَات التَّيَمُّم وَمَكْرُوهَاته] قَوْلُهُ: [وَغَيْرِهِمَا] : أَيْ كَالرِّدَّةِ، وَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِأَكْبَرَ. فَتَنْظِيرُ الْأُجْهُورِيِّ وَتَلَامِذَتِهِ فِي الرَّدِّ بِالنِّسْبَةِ لِتَيَمُّمِ الْأَكْبَرِ لَا مَحَلَّ لَهُ، لِأَنَّهُ إذَا بَطَل بِالْبَوْلِ مَثَلًا وَعَادَ جُنُبًا عَلَى الْمَشْهُورِ فَأَوْلَى الرِّدَّةُ. (اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [وُجُودُ مَاءٍ كَافٍ] : أَيْ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ بِحَيْثُ يُدْرِكُ بِاسْتِعْمَالِهِ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ انْتَبَهَ فِي الضَّرُورِيِّ وَكَانَ مُتَّسِعًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إذْ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي الضَّرُورِيِّ، وَفِي (عب) عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الضَّرُورِيَّ كَالْمُخْتَارِ، وَهُوَ وَجِيهٌ. وَالْعِبْرَةُ فِي الْوُجُودِ بِظَنِّهِ، فَإِنْ رَأَى مَانِعًا بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ لَا إنْ رَآهُ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ رَكْبٌ احْتَمَلَ مَعَهُمْ مَاءً بَطَلَ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الطَّلَبُ لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ إلَّا بَعْدَهُ. (اهـ. بِالْمَعْنَى مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [فَلَا يُبْطِلُهَا] : أَيْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ.

[تنبيه تيمم من نسي صلاة من الخمس لم يدر عينها]

أَيْضًا طُولُ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْمُوَالَاةِ. (وَكُرِهَ لِفَاقِدِهِ إبْطَالُ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ إلَّا لِضَرَرٍ) : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا، هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَعَ الْإِيضَاحِ وَالِاخْتِصَارِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ الْمُصَنِّفُ وَالرِّسَالَةُ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا أَوْ مُغْتَسِلًا وَهُوَ عَادِمٌ الْمَاءَ يُكْرَهُ لَهُ إبْطَالُ وُضُوئِهِ بِحَدَثٍ أَوْ سَبَبٍ أَوْ إبْطَالُ غُسْلِهِ - وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ - بِجِمَاعٍ، لِانْتِقَالِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ لِلْأَصْغَرِ إلَى التَّيَمُّمِ لِلْأَكْبَرِ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُتَوَضِّئِ ضَرَرٌ مِنْ حَقْنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَا لَمْ يَحْصُلْ لَلْمُغْتَسِلِ ضَرَرٌ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ وَإِلَّا لَمْ يُكْرَهْ (وَلِصَحِيحٍ تَيَمُّمٌ بِحَائِطٍ لَبِنٍ أَوْ حَجَرٍ كَمَرِيضٍ) : الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّحِيحِ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِحَائِطٍ مَبْنِيٍّ بِالطُّوبِ النِّيء، وَهُوَ الْمُرَادُ بِاللَّبِنِ، وَبِالْحَائِطِ الْمَبْنِيِّ بِالْحَجَرِ. كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ذَلِكَ. (وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِفَقْدِ الطَّهُورَيْنِ، أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمَا) : الْمَذْهَبُ أَنَّ فَاقِدَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ الْمُصَنِّفُ] إلَخْ: أَيْ مِنْ الْحُرْمَةِ لِتَعْبِيرِهِمَا بِالْمَنْعِ. [تَنْبِيه تَيَمُّم مِنْ نَسِيَ صَلَاة مِنْ الْخَمْس لَمْ يدر عَيْنهَا] قَوْلُهُ: [الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ] إلَخْ: فِيهِ تَعْرِيضٌ لِلشَّيْخِ خَلِيلٍ حَيْثُ خَصَّهُ بِالْمَرِيضِ. قَوْلُهُ: [بِالطُّوبِ النِّيء] : أَيْ الَّذِي لَمْ يُحْرَقْ وَلَمْ يُخْلَطْ بِنَجَسٍ أَصْلًا، أَوْ طَاهِرٍ كَثِيرٍ بِأَنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَإِلَّا لَمْ يَتَيَمَّمْ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَتَيَمَّمْ عَلَى رَمَادٍ. تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ لَمْ يَدْرِ عَيْنَهَا صَلَّى الْخَمْسَ، كُلُّ وَاحِدَةٍ بِتَيَمُّمٍ. وَإِنْ نَسِيَ إحْدَى النَّهَارِيَّاتِ صَلَّى ثَلَاثًا، كُلُّ وَاحِدَةٍ بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ نَسَى إحْدَى اللَّيْلَتَيْنِ صَلَّاهُمَا كُلُّ وَاحِدَةٍ بِتَيَمُّمٍ. الثَّانِي: إذَا مَاتَ صَاحِبُ الْمَاءِ وَمَعَهُ شَخْصٌ جُنُبٌ فَصَاحِبُ الْمَاءِ أَوْلَى يُغَسَّلُ بِهِ، إلَّا لِخَوْفِ عَطَشٍ عَلَى الْحَيِّ، فَيُقَدَّمُ الْحَيُّ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِمَحَلِّ أَخْذِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مِثْلِيًّا لِلْمَشَقَّةِ فِي قَضَاءِ الْمِثْلِ فِي مَحَلِّ الْأَخْذِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَاءُ لَهُمَا مَعًا وَيَكْفِي وَاحِدًا فَقَطْ فَيَتَطَهَّرُ بِهِ الْحَيُّ، وَيَضْمَنُ حِصَّةَ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمَا فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الْحَيِّ أَيْضًا لِشَرِكَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَمِلْكُ الْغَيْرِ لِمَنْ خَصَّهُ، فَإِنْ أَشْرَكَهُمَا فَكَالْأَوَّلِ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْقِطَاتِ لِلْأَدَاءِ

الطَّهُورَيْنِ - وَهُمَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ - أَوْ فَاقِدَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمَا - كَالْمُكْرَهِ وَالْمَصْلُوبِ - تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ أَدَاءً وَقَضَاءً، كَالْحَائِضِ. وَقِيلَ: يُؤَدِّيهَا بِلَا طَهَارَةٍ وَلَا يَقْضِي كَالْعُرْيَانِ. وَقِيلَ: يَقْضِي وَلَا يُؤَدِّي. وَقِيلَ: يُؤَدِّي وَيَقْضِي عَكْسُ الْأَوَّلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْقَضَاءِ كَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَاصِلَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا مُتَيَمَّمًا ... فَأَرْبَعَةُ الْأَقْوَالِ يَحْكِينَ مَذْهَبًا يُصَلِّي وَيَقْضِي عَكْسُ مَا قَالَ مَالِكٌ ... وَأَصْبَغُ يَقْضِي وَالْأَدَاءُ لِأَشْهَبَا وَقَالَ التَّتَّائِيُّ: وَلِلْقَابِسِيِّ ذُو الرَّبْطِ يُومِي لِأَرْضِهِ ... بِوَجْهٍ وَأَيْدٍ لِلتَّيَمُّمِ مَطْلَبَا قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَفِي (ر) التَّيَمُّمِ عَلَى الشَّجَرَةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الزَّرْعِ وَفِي (ح) قَوْلٌ بِالْإِيمَاءِ لِلْمَاءِ أَيْضًا. (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُؤَدِّيهَا] إلَخْ: أَيْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الشَّخْصَ مَطْلُوبٌ بِمَا يُمْكِنُهُ وَالْأَدَاءُ مُمْكِنٌ لَهُ. وَعَلَى هَذَا فَحَدَثُهُ فِي صَلَاتِهِ لَا يُبْطِلُهَا، وَلَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ فِي تَقْرِيرِهِ: الظَّاهِرُ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إخْرَاجَهُ وَإِلَّا كَانَ مُتَلَاعِبًا. قَوْلُهُ: [وَفِي يُؤَدِّي وَيَقْضِي] : أَيْ احْتِيَاطًا، وَتَرَكَ الشَّارِحُ قَوْلَ الْقَابِسِيِّ الَّذِي فِي النَّظْمِ وَهُوَ أَنَّ مَحَلَّ سُقُوطِهِمَا أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْإِيمَاءُ لِلتَّيَمُّمِ، كَالْمَحْبُوسِ بِمَكَانٍ مَبْنِيٍّ: بِالْآجُرِّ وَمَفْرُوشٍ بِهِ. فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِيمَاءُ كَالْمَرْبُوطِ وَمَنْ فَوْقَ شَجَرَةٍ وَتَحْتَهُ سَبْعٌ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُومِئُ لِلتَّيَمُّمِ إلَى الْأَرْضِ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَيُؤَدِّيهَا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[فصل المسح على الجبيرة ونحوها]

فَصْلٌ: الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَنَحْوِهَا فِي بَيَانِ حُكْمِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. (إنْ خِيفَ غَسْلُ مَحَلٍّ، بِنَحْوِ جُرْحٍ كَالتَّيَمُّمِ، مُسِحَ) : أَيْ إذَا كَانَ بِهِ جُرْحٌ بِضَمِّ الْجِيمِ أَوْ دُمَّلٌ أَوْ جَرَبٌ أَوْ حَرْقٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَخِيفَ بِغَسْلِهِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ حُدُوثُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ أَوْ تَأَخُّرُ بُرْءٍ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ - فَإِنَّهُ يُمْسَحُ إنْ خِيفَ وُجُوبًا هَلَاكٌ أَوْ شِدَّةُ ضَرَرٍ، كَتَعْطِيلِ مَنْفَعَةٍ، وَجَوَازًا إنْ خِيفَ شِدَّةُ الْأَلَمِ أَوْ تَأَخُّرُهُ بِلَا شَيْنٍ، فَقَوْلُهُ: (كَالتَّيَمُّمِ) أَيْ خَوْفًا كَالْخَوْفِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّيَمُّمِ وَمَتَى - ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَنَحْوِهَا] [الْمَسْح عَلَى الْعِمَامَة] فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [فِي بَيَانِ الْمَسْحِ] إلَخْ: لَمَّا كَانَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا رُخْصَةً فِي الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ وَالتُّرَابِيَّةِ، نَاسَبَ تَأْخِيرُ هَذَا الْفَصْلِ عَنْهُمَا، وَلِيَكُونَ إحَالَةً عَلَى مَعْلُومٍ فِي قَوْلِهِ: [كَالتَّيَمُّمِ] . وَحُكْمُ الْمَسْحِ الْوُجُوبُ إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ شِدَّةً، كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] : أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي حَوَاهَا الْفَصْلُ. قَوْلُهُ: [بِضَمِّ الْجِيمِ] : وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُمْسَحُ. وَالْمُرَادُ بِالْجُرْحِ: الْمَجْرُوحُ بِآلَةٍ كَحَرْبَةٍ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ] : أَيْ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ، أَوْ فِي جَسَدِهِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَكْبَرَ وَلَوْ مِنْ زِنَا. قَوْلُهُ: [إنْ خِيفَ] : الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ هُنَا الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ. قَوْلُهُ: [كَتَعْطِيلِ مَنْفَعَةٍ] : أَيْ كَضَيَاعِ حَاسَّةٍ مِنْ الْحَوَاسِّ أَوْ نَقْصِهَا. قَوْلُهُ: [شِدَّةُ الْأَلَمِ] إلَخْ: مُرَادُهُ الْمَرَضُ الَّذِي لَا يُعَطِّلُ مَنْفَعَةً، وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ: بِالْمَرَضِ الْخَفِيفِ. وَ [الشَّيْنُ] : نَقْصُ الْمَنْفَعَةِ، وَأَمَّا إنْ خَافَ بِغَسْلِهِ مُجَرَّدَ الْمَشَقَّةِ، فَلَا

أَمْكَنَ الْمَسْحُ عَلَى الْمَحَلِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَلَا يُجْزِئُهُ إنْ مَسَحَ عَلَيْهَا. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَبِيرَةِ) : أَيْ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْمَسْحَ عَلَى الْمَحَلِّ بِدُونِ جَبِيرَةٍ مَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ: وَهِيَ اللَّزْقَةُ فِيهَا الدَّوَاءُ تُوضَعُ عَلَى الْجُرْحِ وَنَحْوِهِ. أَوْ عَلَى الْعَيْنِ الرَّمْدَاءِ (ثُمَّ عَلَى الْعِصَابَةِ) : أَيْ ثُمَّ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ بِأَنْ خَافَ مَا تَقَدَّمَ، مَسَحَ عَلَى الْعِصَابَةِ الَّتِي تُرْبَطُ فَوْقَ الْجَبِيرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى عِصَابَةٍ أُخْرَى فَوْقَهَا، وَالْأَرْمَدُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْمَسْحَ عَلَى عَيْنِهِ أَوْ جَبْهَتِهِ - بِأَنْ خَافَ مَا مَرَّ - يَضَعُ خِرْقَةً عَلَى الْعَيْنِ أَوْ الْجَبْهَةِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهَا. (كَقِرْطَاسِ صُدْغٍ أَوْ عِمَامَةٍ خِيفَ بِنَزْعِهَا) : أَيْ كَمَا يَمْسَحُ عَلَى قِرْطَاسٍ يُوضَعُ عَلَى صُدْغٍ لِصُدَاعٍ وَنَحْوِهِ أَوْ عَلَى عِمَامَةٍ خِيفَ بِنَزْعِهَا، إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَسْحِ مَا تَحْتَهَا - ـــــــــــــــــــــــــــــQيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فَعَلَى الْجَبِيرَةِ] أَيْ وَيَعُمُّهَا بِالْمَسْحِ. قَوْلُهُ: [الْعِصَابَةِ] : بِكَسْرِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ إذَا صِيغَ اسْمٌ عَلَى وَزْنِ فِعَالَةٍ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى الشَّيْءِ - نَحْوُ الْعِمَامَةِ - فَهُوَ بِالْكَسْرِ، كَمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ الخفاجي فِي حَوَاشِي الْبَيْضَاوِيِّ عَنْ الزَّجَّاجِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ] إلَخْ: وَكَذَا إنْ تَعَذَّرَ حَلُّهَا فَيَمْسَحُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى مَا دُونَهَا. قَوْلُهُ: [يَضَعُ خِرْقَةً] إلَخْ: أَيْ وَلَا يَرْفَعُهَا عَنْ الْجُرْحِ أَوْ الْعَيْنِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا حَتَّى يُصَلِّيَ. قَوْلُهُ: [خِيفَ بِنَزْعِهَا] : أَيْ أَوْ بِفَكِّهَا لِكَوْنِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ الَّذِينَ لَهُمْ زِيٌّ فِي الْعِمَامَةِ. قَوْلُهُ: [وَنَحْوِهِ] : أَيْ كَفَصْدِهِ، فَيَمْسَحُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلَى الْجَبِيرَةِ، وَهَكَذَا.

مِنْ عِرْقِيَّةٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ قَدِرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ أَتَى بِهِ وَكَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ. (وَإِنْ بِغُسْلٍ أَوْ بِلَا طُهْرٍ أَوْ انْتَشَرَتْ) : أَيْ لَا فَرْقَ فِي الْمَسْحِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، وَسَوَاءٌ وَضَعَهَا وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ أَوْ بِلَا طُهْرٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَدْرَ الْمَحَلِّ المألوم أَوْ انْتَشَرَتْ: أَيْ اتَّسَعَتْ لِلضَّرُورَةِ. (إنْ كَانَ غَسْلُ الصَّحِيحِ لَا يَضُرُّ، وَإِلَّا فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ) : أَيْ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ الْمَسْحِ الْمَذْكُورِ، إنْ كَانَ غَسْلُ الصَّحِيحِ مِنْ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ أَوْ الصَّحِيحِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْوُضُوءِ لَا يَضُرُّ، بِحَيْثُ لَا يُوجِبُ حُدُوثَ مَرَضٍ وَلَا زِيَادَةَ مَرَضِ المألوم وَلَا تَأَخُّرَ بُرْئِهِ. وَإِلَّا كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّحِيحُ هُوَ الْأَكْثَرُ أَوْ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَكَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ] : أَيْ كَمَا أَفَادَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ بَعْضَ الرَّأْسِ فَقَطْ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّكْمِيلُ، وَقِيلَ: بِاسْتِحْبَابِهِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِغُسْلٍ] : سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَعْصِيَةَ الزِّنَا قَدْ انْقَطَعَتْ، فَوَقَعَ الْغُسْلُ الْمُرَخَّصُ فِيهِ الْمَسْحُ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَلَبِّسٍ بِالْمَعْصِيَةِ، فَلَا تُقَاسُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [اتَّسَعَتْ] : أَيْ الْعِصَابَةُ وَجَاوَزَتْ مَحَلَّ الْأَلَمِ؛ لِأَنَّ انْتِشَارَهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الشَّدِّ. قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ غَسْلُ الصَّحِيحِ] إلَخْ: هَذَا بَيَانٌ لِشَرْطِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ. وَحَاصِلُهُ خَمْسُ صُوَرٍ: اثْنَتَانِ يَغْسِلُ فِيهِمَا الصَّحِيحَ وَيَمْسَحُ الْجَرِيحَ، وَثَلَاثٌ يَتَيَمَّمُ فِيهَا. فَلَوْ غَسَلَ الصَّحِيحَ والمألوم فِي الْجَمْعِ أَجْزَأَ، وَأَمَّا لَوْ غَسَلَ الصَّحِيحَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَرِيحِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي يَتَيَمَّمُ فِيهَا فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ الْغُسْلُ، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّيَمُّمِ أَوْ غَسْلِ الْجَمِيعِ. وَقَالَ (بْن) بِالْإِجْزَاءِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إنْ صَحَّ جُلُّ جَسَدِهِ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَجُلُّ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، أَوْ أَقَلُّهُ، وَلَمْ يَقُلْ جِدًّا، كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ. وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَضُرَّ غَسْلُهُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وَإِلَّا - بِأَنْ ضَرَّ - سَوَاءٌ كَانَ جُلُّ الْأَعْضَاءِ صَحِيحًا أَوْ لَا، أَوْ أَقَلُّ جِدًّا كَيَدٍ فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ غَسْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَخِيرَةِ، إذْ التَّافِهُ لَا حُكْمَ لَهُ. قَوْلُهُ: [وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّحِيحُ] إلَخْ: تَعْمِيمٌ فِي الضَّرَرِ وَعَدَمِهِ. فَتَحْتَهَا

الْأَقَلُّ، فَالْأَرْمَدُ لَا يَتَيَمَّمُ بِحَالٍ إلَّا إذَا كَانَ غَسْلُ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ يُوجِبُ مَا ذُكِرَ (كَأَنْ قَلَّ جِدًّا كَيَدٍ) : أَيْ كَمَا أَنَّ فَرْضَهُ التَّيَمُّمَ لَوْ قَلَّ الصَّحِيحُ جِدًّا كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، وَكَانَ غَسْلُهُ لَا يُوجِبُ ضَرَرًا. - ـــــــــــــــــــــــــــــQصُوَرٌ أَرْبَعٌ: اثْنَتَانِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَاثْنَتَانِ يَتَيَمَّمُ، وَسَتَأْتِي الثَّالِثَةُ فِي قَوْلِهِ: [كَأَنْ] قَلَّ جِدًّا. قَوْلُهُ: [فَالْأَرْمَدُ] إلَخْ: إنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ رَدًّا عَلَى مَنْ يَتَوَهَّمُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ لَهُ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ وَهْمٌ بَاطِلٌ. قَوْلُهُ: [وَكَانَ غَسْلُهُ] إلَخْ: الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَوْ ضَرَّ. وَكَوْنُ الْيَدِ قَلِيلَةً جِدًّا بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ، فَلَوْ خُلِقَ لِشَخْصٍ وَجْهٌ وَرَأْسٌ وَيَدٌ وَاحِدَةٌ وَكَانَتْ هِيَ الصَّحِيحَةُ لَكَانَ حُكْمُهُ التَّيَمُّمَ. وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ فِي الْوُضُوءِ: مَا يَجِبُ غَسْلُهُ. وَأَمَّا فِي الْغَسْلِ، فَانْظُرْ: هَلْ مِنْ طَرَفِ الْأَصَابِعِ إلَى الْإِبْطِ أَوْ إلَى الْمِرْفَقِ؟ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . مَسْأَلَةٌ إنْ تَعَذَّرَ مَسْحُ الْجِرَاحَاتِ بِكُلِّ وَجْهٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ بِأَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ - كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَقِيلَ إلَى الْكُوعَيْنِ - تَرَكَهَا وَتَطَهَّرَ بِالْمَاءِ وُضُوءًا نَاقِصًا وَغُسْلًا نَاقِصًا. وَإِلَّا تَكُنْ بِأَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، فَهَلْ كَذَلِكَ كَثُرَتْ الْجِرَاحَاتُ أَوْ قَلَّتْ؟ أَوْ إنْ قَلَّتْ وَلَا يَتَيَمَّمُ، أَوْ يَتَيَمَّمُ مُطْلَقًا، أَوْ يَجْمَعُهُمَا؟ أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ، وَإِذَا جَمَعَ قَدَّمَ الْمَائِيَّةَ. فَإِنْ خَافَ الضَّرَرَ مِنْ الْمَاءِ تَيَمَّمَ فَقَطْ بِاتِّفَاقٍ، وَاسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَخِيرِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْمَائِيَّةَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَجْمُوعِ وَالتَّيَمُّمَ لَا يُصَلَّى بِهِ إلَّا فَرْضٌ وَاحِدٌ، وَأَلْغَزَ فِيهِ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِقَوْلِهِ: أَلَا يَا فَقِيهَ الْعَصْرِ إنِّي رَافِعٌ ... إلَيْك سُؤَالًا حَارَ مِنِّي بِهِ الْفِكْرُ سَمِعْتَ وُضُوءًا أَبْطَلَتْهُ صَلَاتُهُ ... فَمَا الْقَوْلُ فِي هَذَا فَدَيْتُك يَا حَبْرُ وَلَيْسَ جَوَابًا لِي إذَا كُنْت عَارِفًا ... وُضُوءَ صَحِيحٍ فِي تَجَدُّدِهِ نَذْرُ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي حَاشِيَةِ (عب) بِقَوْلِهِ: إذَا مَا جِرَاحَاتٌ تَعَذَّرَ مَسُّهَا ... وَلَيْسَتْ بِأَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ يَا بَدْرُ فَيَجْمَعُ كُلًّا فِي صَلَاةٍ أَرَادَهَا ... تُرَابًا وَمَاءً كَيْ يَتِمَّ لَهُ الطُّهْرُ وَهَذَا عَلَى بَعْضِ الْأَقَاوِيلِ فَادْرَهْ ... وَكُنْ حَاذِقًا فَالْعِلْمُ يَسْمُو بِهِ الْقَدَرُ

[نزع الجبيرة]

(وَإِنْ نَزَعَهَا لِدَوَاءٍ أَوْ سَقَطَتْ رَدَّهَا وَمَسَحَ إنْ لَمْ يَطُلْ، كَالْمُوَالَاةِ) : يَعْنِي أَنَّ الْمُتَطَهِّرَ لَوْ نَزَعَ الْجَبِيرَةَ أَوْ الْعِصَابَةَ الَّتِي مَسَحَ عَلَيْهَا أَوْ سَقَطَتْ بِنَفْسِهَا، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا لِمَحَلِّهَا فِي الصُّورَتَيْنِ، وَيَمْسَحُ عَلَيْهَا مَا دَامَ الزَّمَنُ لَمْ يَطُلْ. فَإِنْ طَالَ طُولًا كَالطُّولِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمُوَالَاةِ الْمُقَدَّرِ بِجَفَافِ عُضْوٍ وَزَمَنٍ اعْتَدَلَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ إنْ تَعَمَّدَ وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ. (وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ) : أَيْ لَوْ كَانَ سُقُوطُهَا فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ وَأَعَادَ الْجَبِيرَةَ فِي مَحَلِّهَا وَأَعَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَطُلْ ثُمَّ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ فَإِنْ طَالَ نِسْيَانًا بَنِي بِنِيَّةٍ، وَإِلَّا ابْتَدَأَ طَهَارَتَهُ. (كَأَنْ صَحَّ، وَبَادَرَ لِغَسْلِ مَحَلِّهَا أَوْ مَسْحِهِ) : هَذَا تَشْبِيهٌ فِيمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَزَعَهَا) إلَخْ، مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ تَدَارَكَ الطَّهَارَةَ، وَإِلَّا بَطَلَتْ بِالْعَمْدِ وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ يَعْنِي لَوْ صَحَّ - أَيْ بَرِئَ الْجُرْحُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ - وَهُوَ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ وَبَادَرَ لِغَسْلِ مَحَلِّ الْجَبِيرَةِ إنْ كَانَ مِمَّا يُغْسَلُ، كَالْوَجْهِ، وَمَسَحَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُمْسَحُ كَالرَّأْسِ. وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَأَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى طَهَارَتِهِ بَادَرَ بِمَا ذُكِرَ وَإِلَّا بَطَلَتْ إنْ طَالَ عَمْدًا. وَبَنَى إنْ طَالَ نِسْيَانًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْأَلَةٌ أُخْرَى: هَلْ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ؟ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ (عب) وَغَيْرُهُ - أَوْ لَا يَصِحُّ؟ وَهُوَ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ (ح) عَنْ السُّيُورِيِّ، فَيَكُونُ كَفَاقِدِ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ؟ قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. [نزع الجبيرة] قَوْلُهُ: [الْجَبِيرَةَ إلَخْ] : مُرَادُهُ الْأُمُورُ الْحَائِلَةُ مِنْ جَبِيرَةٍ وَعِصَابَةٍ وَقِرْطَاسٍ وَعِمَامَةٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ سَقَطَتْ بِنَفْسِهَا] إلَخْ: لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ السُّقُوطِ وَالنَّزْعِ عَمْدًا أَوْ غَيْرَهُ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: [وَيَمْسَحُ عَلَيْهَا] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ، كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [إنْ نَسِيَ] : وَمِثْلُهُ إنْ عَجَزَ. وَيَبْنِي بِغَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ. قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ] : أَيْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا فِي الْجُمُعَةِ لِاثْنَيْ عَشَرَ أَوْ وَاحِدًا مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ فِيهَا. وَمِنْهُ اللُّغْزُ الْمَشْهُورُ: رَجُلٌ سَقَطَتْ عِمَامَتُهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ جَمَاعَتِهِ. وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُبْطِلَ سُقُوطُهَا لَا دَوَرَانُهَا وَلَا سُقُوطُ الْجَبِيرَةِ مِنْ تَحْتِ الْعِصَابَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعِصَابَةِ الْمَمْسُوحِ عَلَيْهَا مِنْ الْجُرْحِ.

[فصل في الحيض]

فَصْلٌ فِي الْحَيْضِ (الْحَيْضُ دَمٌ أَوْ صُفْرَةٌ أَوْ كُدْرَةٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ قُبُلِ مَنْ تَحْمِلُ عَادَةً) : أَيْ أَنَّ الْحَيْضَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: إمَّا دَمٌ - وَهُوَ الْأَصْلُ - أَوْ صُفْرَةٌ كَالصَّدِيدِ الْأَصْفَرِ، أَوْ كُدْرَةٌ - بِضَمِّ الْكَافِ - شَيْءٌ كَدِرٌ لَيْسَ عَلَى أَلْوَانِ الدِّمَاءِ، (خَرَجَ بِنَفْسِهِ) : أَيْ لَا بِسَبَبِ وِلَادَةٍ وَلَا افْتِضَاضٍ وَلَا جُرْحٍ وَلَا عِلَاجٍ وَلَا عِلَّةٍ وَفَسَادٍ بِالْبَدَنِ. فَيَخْرُجُ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي الْحَيْضِ] [أَقَلّ الْحَيْض] فَصْلٌ: هُوَ لُغَةً: السَّيَلَانُ، مِنْ قَوْلِهِمْ حَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ، وَلَهُ مَعَانٍ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ مِنْهَا الضَّحِكُ، وَبِهِ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود: 71] أَيْ حَاضَتْ، مُقَدِّمَةٌ لِلْحَمْلِ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجَلَالُ أَنَّهَا ضَحِكَتْ سُرُورًا بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ لِفُجُورِهِمْ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . وَيُطْلَقُ الْحَيْضُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِكَوْنِهِ جِنْسًا، فَإِنْ أُرِيدَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْوَحْدَةِ لَحِقَتْهُ التَّاءُ. قَوْلُهُ: [أَوْ صُفْرَةٌ أَوْ كُدْرَةٌ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ حَيْضٌ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ سَوَاءٌ رَأَتْهُمَا فِي زَمَنِ الْحَيْضِ أَمْ لَا بِأَنْ رَأَتْهُمَا بَعْدَ عَلَامَةِ الطُّهْرِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَا فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ فَحَيْضٌ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَقِيلَ: إنَّهُمَا لَيْسَا بِحَيْضٍ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: [خَرَجَ بِنَفْسِهِ] : أَيْ وَإِنْ بِغَيْرِ زَمَنِهِ الْمُعْتَادِ لَهُ. قَوْلُهُ: [وَلَا عِلَاجَ] : أَيْ قَبْلَ زَمَنِهِ الْمُعْتَادِ لَهُ. وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَنُوفِيُّ إنَّ مَا خَرَجَ بِعِلَاجٍ قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ لَهُ لَا يُسَمَّى حَيْضًا، قَائِلًا: الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْعِدَّةِ وَلَا تَحِلُّ، وَتَوَقَّفَ فِي تَرْكِهَا الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَالظَّاهِرُ عَلَى بَحْثِهِ عَدَمُ تَرْكِهِمَا (اهـ.) قَالَ فِي الْأَصْلِ: أَيْ لِأَنَّهُ اسْتَظْهَرَ

(مِنْ قُبُلِ امْرَأَةٍ تَحْمِلُ عَادَةً) : احْتِرَازًا مِمَّا خَرَجَ مِنْ الدُّبُرِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، وَمِمَّا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ صَغِيرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ أَوْ كَبِيرَةٍ بَلَغَتْ السَّبْعِينَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ قَطْعًا. (وَأَقَلُّهُ فِي الْعِبَادَةِ دَفْقَةٌ) : بِفَتْحِ الدَّالِ وَبِالْقَافِ. وَيُقَالُ: دَفْعَةٌ - بِضَمِّهَا وَفَتْحِهَا وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - لَا تُلَوِّثُ الْمَحَلَّ بِلَا دَفْقٍ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ إذَا لَمْ يَسْتَدِمْ، وَقَوْلُهُ (فِي الْعِبَادَةِ) : أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ بِالدَّفْقَةِ، وَيَبْطُلُ صَوْمُهَا، وَتَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَدَمَ كَوْنِهِ حَيْضًا تَحِلُّ بِهِ الْمُعْتَدَّةُ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَتْرُكُهُمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: " عَلَى بَحْثِهِ " لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي نَفْسِهِ تَرْكُهُمَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ حَيْضًا. وَقَضَاؤُهُمَا: لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا. وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ الظَّاهِرُ فِعْلُهُمَا وَقَضَاءُ الصَّوْمِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ لِعَدَمِ نَصٍّ فِي الْمَسْأَلَةِ (اهـ.) وَقَوْلُنَا قَبْلَ زَمَنِهِ مَفْهُومُهُ لَوْ خَرَجَ بِعِلَاجٍ فِي زَمَنِهِ أَوْ بَعْدَهُ يَكُونُ حَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [مِنْ الدُّبُرِ] : وَمِثْلُهُ الثُّقْبَةُ وَلَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ وَكَانَتْ تَحْتَ الْمَعِدَةِ. قَوْلُهُ: [بَلَغَتْ السَّبْعِينَ] : أَيْ وَتُسْأَلُ النِّسَاءُ فِي بِنْتِ الْخَمْسِينَ إلَى السَّبْعِينَ، فَإِنْ قُلْنَ: حَيْضٌ، أَوْ شَكَكْنَ، فَحَيْضٌ. كَمَا يُسْأَلْنَ فِي الْمُرَاهَقَةِ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَأَمَّا مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ وَالْخَمْسِينَ فَيُقْطَعُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ. مَسْأَلَةٌ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَعْمَلَتْ الدَّوَاءَ لِرَفْعِهِ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ فَارْتَفَعَ، فَيُحْكَمُ لَهَا بِالطُّهْرِ. وَعَنْ ابْنِ كِنَانَةَ: مَنْ عَادَتُهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا فَاسْتَعْمَلَتْ الدَّوَاءَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ مَثَلًا لِرَفْعِهِ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ، فَيُحْكَمُ لَهَا بِالطُّهْرِ، خِلَافًا لِابْنِ فَرْحُونٍ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . لَكِنْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا الْعِلَاجُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الضَّرَرِ. قَوْلُهُ: [وَبِالْقَافِ] : الشَّيْءُ الْمَدْفُوقُ. قَوْلُهُ: [بِضَمِّهَا] : يَرْجِعُ لِمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ الْمَرَّةُ، وَهَذَا إشَارَةٌ لِأَقَلِّهِ بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ فَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ. وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَا يُعَدُّ حَيْضًا لَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا فِي الْعِبَادَةِ فَيَنْفَعُ النِّسَاءَ تَقْلِيدُهُمْ. قَوْلُهُ: [فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ] : أَيْ فَثَمَرَتُهُ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ وَإِنْ حَسِبَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ حَيْضٍ.

[الاستحاضة]

وَأَمَّا فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَلَا يُعَدُّ حَيْضًا إلَّا مَا اسْتَمَرَّ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لَهُ بَالٌ كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَأَكْثَرُهُ لِمُبْتَدَأَةٍ نِصْفُ شَهْرٍ كَأَقَلِّ الطُّهْرِ) : الْحَائِضُ إمَّا مُبْتَدَأَةٌ، أَوْ مُعْتَادَةٌ، أَوْ حَامِلٌ. فَأَكْثَرُ الْحَيْضِ لِلْمُبْتَدَأَةِ إنْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَا زَادَ فَهُوَ دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ، تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ، كَمَا أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ لِجَمِيعِ النِّسَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَمَنْ رَأَتْ دَمًا بَعْدَهَا فَهُوَ حَيْضٌ قَطْعًا مُؤْتَنِفٌ. وَمَنْ رَأَتْهُ قَبْلَ تَمَامِهَا فَإِنْ كَانَتْ اسْتَوْفَتْ تَمَامَ حَيْضِهَا بِنِصْفِ الشَّهْرِ أَوْ بِالِاسْتِظْهَارِ، فَذَلِكَ الدَّمُ اسْتِحَاضَةٌ وَإِلَّا ضَمَّتْهُ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَحْصُلَ تَمَامُهُ بِالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ بِالِاسْتِظْهَارِ وَمَا زَادَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ] وَيُرْجَعُ فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ بِأَحْوَالِ الْحَيْضِ. [الِاسْتِحَاضَة] قَوْلُهُ: [لِمُبْتَدَأَةٍ] : أَيْ غَيْرِ حَامِلٍ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي. وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ فَلَا حَدَّ لَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [كَأَقَلِّ الطُّهْرِ] : أَيْ فَأَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: خَمْسَةٌ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّحْدِيدِ لِأَقَلِّ الطُّهْرِ فِيمَا لَوْ حَاضَتْ مُبْتَدَأَةٌ أَوْ انْقَطَعَ عَنْهَا دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ عَاوَدَهَا قَبْلَ طُهْرٍ تَامٍّ، فَتَضُمُّ هَذَا الثَّانِيَ لِلْأَوَّلِ لِتَتِمَّ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِمَثَابَةِ مَا إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ، ثُمَّ هُوَ دَمُ عِلَّةٍ. وَإِنْ عَاوَدَهَا بَعْدَ تَمَامِ الطُّهْرِ فَهُوَ حَيْضٌ مُؤْتَنِفٌ. (اهـ. مِنْ الْخَرَشِيِّ) . قَوْلُهُ: [أَوْ حَامِلٌ] : أَيْ أَنَّ الْحَامِلَ عِنْدَنَا تَحِيضُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَدَلَالَةُ الْحَيْضِ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ظَنِّيَّةٌ وَاكْتَفَى بِهَا الشَّارِعُ رِفْقًا بِالنِّسَاءِ. قَوْلُهُ: [إنْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ] : أَيْ لَمْ يَحْصُلْ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَلُّ الطُّهْرِ. قَوْلُهُ: [مُؤْتَنِفٌ] : أَيْ فَتَحْسِبُهُ مِنْ الْعِدَّةِ وَيَجْرِي عَلَيْهَا سَائِرُ أَحْكَامِهِ. قَوْلُهُ: [بِنِصْفِ الشَّهْرِ] : أَيْ إنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ عَادَتُهَا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [أَوْ بِالِاسْتِظْهَارِ] : أَيْ كَمَا إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثَةً وَاسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثٍ. فَمَا زَادَ عَلَى السِّتَّةِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا ضَمَّتْهُ] إلَخْ: أَيْ وَإِلَّا تَسْتَوْفِي نِصْفَ الشَّهْرِ وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً لِذَلِكَ لِذَلِكَ إنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً دُونَهُ ضَمَّتْهُ لِلْأَوَّلِ إلَخْ.

فَاسْتِحَاضَةٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَلِمُعْتَادَةٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا اسْتِظْهَارًا، مَا لَمْ تُجَاوِزْهُ) : أَيْ وَأَكْثَرُهُ لِلْمُعْتَادَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ زِيَادَةً عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا. وَالْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ؛ فَمَنْ اعْتَادَتْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةً اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ عَلَى الْخَمْسَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْخَمْسَةُ رَأَتْهَا مَرَّةً وَرَأَتْ الْأَرْبَعَةَ أَكْثَرَ. وَمَحَلُّ الِاسْتِظْهَارِ بِالثَّلَاثَةِ مَا لَمْ تُجَاوِزْ نِصْفَ الشَّهْرِ، فَمَنْ اعْتَادَتْ نِصْفَ الشَّهْرِ فَلَا اسْتِظْهَارَ عَلَيْهَا. وَمَنْ عَادَتُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمٍ فَقَطْ. (ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ) : أَيْ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ مَكَثَتْ الْمُبْتَدَأَةُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَبَعْدَ أَنْ اسْتَظْهَرَتْ الْمُعْتَادَةُ بِثَلَاثَةٍ أَوْ بِمَا يُكْمِلُ نِصْفَ شَهْرٍ تَصْبِرُ؛ إنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ مُسْتَحَاضَةً. وَيُسَمَّى الدَّمُ النَّازِلُ بِهَا دَمَ اسْتِحَاضَةٍ وَدَمَ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَلَى مَا سَيَأْتِي] إلَخْ: أَيْ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ مَيَّزَتْ بَعْدَ طُهْرٍ تَمَّ فَحَيْضٌ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَلِمُعْتَادَةٍ] : أَيْ وَعَادَتُهَا دُونَ نِصْفِ الشَّهْرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَأَكْثَرُ بِدَلِيلِ مَا يُذْكَرُ بَعْدُ. قَوْلُهُ: [عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا] : أَيْ زَمَنًا لَا وُقُوعًا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمٍ فَقَطْ] : حَاصِلُ مَا أَفَادَهُ أَنَّ مَنْ عَادَتَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا، وَزَادَ عَلَيْهَا تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةٍ وَتَصِيرُ السِّتَّةُ عَادَةً لَهَا، فَإِنْ زَادَ فِي الدَّوْرِ الثَّانِي اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ، وَتَصِيرُ التِّسْعَةُ عَادَةً لَهَا. فَإِنْ زَادَ فِي الدَّوْرِ الثَّالِثِ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ وَتَصِيرُ الِاثْنَا عَشَرَ عَادَةً لَهَا. فَإِنْ زَادَ فِي الدَّوْرِ الرَّابِعِ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ وَتَصِيرُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ عَادَةً لَهَا. فَإِنْ زَادَ فِي دَوْرٍ خَامِسٍ فَهُوَ دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ. وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ عَادَتَهَا ثَمَانِيَةٌ، وَزَادَ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ، فَتَصِيرُ الْإِحْدَى عَشَرَ عَادَةً لَهَا. فَإِنْ زَادَ فِي دَوْرٍ ثَانٍ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ وَتَصِيرُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ عَادَةً لَهَا. فَإِنْ زَادَ فِي دَوْرٍ ثَالِثٍ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ طَاهِرٌ] : أَيْ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ هِيَ طَاهِرٌ حُكْمًا. فَعَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ: يُنْدَبُ لَهَا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْغُسْلُ وَقَضَاءُ الصَّوْمِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ الثَّانِي. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي كَانَتْ كَحَائِضٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَقَضَاءُ الصَّوْمِ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهَا إمَّا صَحِيحَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ

طَاهِرٌ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ. (وَلِحَامِلٍ فِيمَا بَعْدَ شَهْرَيْنِ عِشْرُونَ، وَفِي سِتَّةٍ فَأَكْثَرَ ثَلَاثُونَ) : أَيْ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ لِلْحَامِلِ إنْ تَمَادَى بِهَا بَعْدَ شَهْرَيْنِ عِشْرُونَ يَوْمًا إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَفِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى آخِرِ حَمْلِهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ فِي الْحَامِلِ عَدَمُ نُزُولِ الدَّمِ مِنْهَا، وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ قَدْ يَعْتَرِيهَا الدَّمُ. ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الدَّمِ النَّازِلِ مِنْهَا: هَلْ هُوَ حَيْضٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَةِ؟ فَلَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ وَلَا تَدْخُلُ مَسْجِدًا وَلَا تُوطَأُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَا بِهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَوْ لَيْسَ بِحَيْضٍ بَلْ هُوَ دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ؟ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. - ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ سَاقِطَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي. قَوْلُهُ: [فِيمَا بَعْدَ شَهْرَيْنِ] إلَخْ: هَذَا عَلَى مَا فِي الْخَرَشِيِّ وَأَقَرَّهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَاشْتُهِرَ، وَفِي (ر) : أَنَّ الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَسَطٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [وَفِي سِتَّةٍ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ الشَّهْرَ السَّادِسَ مُلْحَقٌ بِمَا قَبْلَهُ. بَلْ الَّذِي عَلَيْهِ جَمِيعُ شُيُوخِ إفْرِيقِيَّةَ: أَنَّ حُكْمَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ حُكْمُ مَا بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: [بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَةِ] : أَيْ لَا لِلْعِدَّةِ؛ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ فِيهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَعِدَّةُ الْحَامِلِ فِي وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ وَضْعُ حَمْلِهَا كُلِّهِ. قَوْلُهُ: [بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ] : أَيْ كَالْحَنَفِيَّةِ. تَنْبِيهٌ: هَلْ حُكْمُ مَا قَبْلَ الثَّلَاثَةِ لِلْحَامِلِ كَحُكْمِ مَا بَعْدَهَا؟ فَيَكُونُ عِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ كَالْمُعْتَادَةِ غَيْرِ الْحَامِلِ تَمْكُثُ عَادَتَهَا وَالِاسْتِظْهَارَ؟ وَهُوَ التَّحْقِيقُ - وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - وَأَمَّا الْحَامِلُ الَّتِي بَلَغَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَلَا اسْتِظْهَارَ عَلَيْهَا

(فَإِنْ تَقَطَّعَتْ أَيَّامُهُ بِطُهْرٍ لَفَّقَتْهَا فَقَطْ عَلَى تَفْصِيلِهَا، ثُمَّ مُسْتَحَاضَةٌ، وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ) : أَيْ إذَا تَقَطَّعَتْ أَيَّامَ الدَّمِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ بِأَنْ تَخَلَّلَهَا طُهْرٌ - بِأَنْ كَانَ يَأْتِيهَا الدَّمُ فِي يَوْمٍ مَثَلًا، وَيَنْقَطِعُ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَبْلُغْ الِانْقِطَاعُ نِصْفَ الشَّهْرِ - فَإِنَّهَا تُلَفِّقُ أَيَّامَ الدَّمِ فَقَطْ. فَالْمُبْتَدَأَةُ وَمَنْ اعْتَادَتْ نِصْفَ الشَّهْرِ تُلَفِّقُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَلَا تُلَفِّقُ الطُّهْرَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: (فَقَطْ) . وَالْمُعْتَادَةُ تُلَفِّقُ عَادَتَهَا وَأَيَّامَ الِاسْتِظْهَارِ. كَذَلِكَ مَتَى لَمْ يَنْقَطِعْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ انْقَطَعَهَا فَحَيْضٌ مُؤْتَنِفِ. ثُمَّ إذَا لَفَّقَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا - عَلَى تَفْصِيلِهَا الْمُتَقَدِّمِ مِنْ مُبْتَدَأَةٍ وَمُعْتَادَةٍ وَحَامِلٍ - فَمَا نَزَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَا يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ مُبْتَدَأَةٍ وَغَيْرِهَا. قَوْلُهُ: [فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ] : أَيْ وَالْحَامِلِ. قَوْلُهُ: [فِي شَهْرٍ] : أَيْ إنْ انْقَطَعَ يَوْمًا وَجَاءَ يَوْمًا. قَوْلُهُ: [أَوْ شَهْرَيْنِ] أَيْ إنْ انْقَطَعَ ثَلَاثَةً وَجَاءَ فِي الرَّابِعِ. قَوْلُهُ: [أَوْ ثَلَاثَةٍ] : أَيْ إنْ انْقَطَعَ خَمْسَةً وَأَتَى فِي السَّادِسِ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَكْثَرَ] : أَيْ كَمَا إذَا كَانَ يَنْقَطِعُ فِي تِسْعَةٍ وَيَأْتِي فِي الْعَاشِرِ فَتُلَفِّقُهَا مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا. قَوْلُهُ: [أَوْ أَقَلَّ] : أَيْ بِأَنْ أَتَاهَا يَوْمَيْنِ وَانْقَطَعَ يَوْمًا فَتُلَفِّقُهُ مِنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ. قَوْلُهُ: [لَا تُلَفِّقُ الطُّهْرَ] : أَيْ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بَعْدَ فَرَاغِ أَيَّامِ الدَّمِ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِهَا لَا تُلَفِّقُ أَيَّامَ الطُّهْرِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إنْ نَقَصَتْ أَيَّامُ الطُّهْرِ عَنْ أَيَّامِ الدَّمِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ زَادَتْ أَوْ سَاوَتْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ أَيَّامَ الطُّهْرِ إذَا سَاوَتْ أَيَّامَ الْحَيْضِ أَوْ زَادَتْ فَلَا تُلْغَى وَلَوْ كَانَتْ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، بَلْ هِيَ فِي أَيَّامِ الطُّهْرِ طَاهِرٌ تَحْقِيقًا، وَفِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَائِضٌ تَحْقِيقًا بِحَيْضٍ مُؤْتَنِفٍ، وَهَكَذَا مُدَّةَ عُمُرِهَا. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الدَّمِ النَّازِلِ بَعْدَ تَلْفِيقِ عَادَتِهَا أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَعَلَى الْمُعْتَمَدِ تَكُونُ طَاهِرًا، وَالدَّمُ النَّازِلُ دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَكُونُ حَيْضًا. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

فَاسْتِحَاضَةٌ لَا حَيْضٌ. وَحُكْمُ الْمُلَفِّقَةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وُجُوبًا، كُلَّمَا انْقَطَعَ دَمُهَا وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَتُوطَأُ. (فَإِنْ مَيَّزَتْ بَعْدَ طُهْرٍ تَمَّ فَحَيْضٌ، فَإِنْ دَامَ بِصِفَةِ التَّمْيِيزِ اسْتَظْهَرَتْ، وَإِلَّا فَلَا) : يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ - وَهِيَ مَنْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ تَمَامِ حَيْضِهَا بِتَلْفِيقٍ أَوْ بِغَيْرِ تَلْفِيقٍ - إذَا مَيَّزَتْ الدَّمَ بِتَغَيُّرِ رَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِقَّةٍ أَوْ ثِخَنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ طُهْرٍ - أَيْ نِصْفِ شَهْرٍ - فَذَلِكَ الدَّمُ الْمُمَيَّزُ حَيْضٌ لَا اسْتِحَاضَةٌ. فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِصِفَةِ التَّمَيُّزِ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تُجَاوِزْ نِصْفَ شَهْرٍ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. وَإِلَّا - بِأَنْ لَمْ يَدُمْ بِصِفَةِ التَّمَيُّزِ بِأَنْ رَجَعَ لِأَصْلِهِ - مَكَثَتْ عَادَتَهَا فَقَطْ، وَلَا اسْتِظْهَارَ. هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ خِلَافًا لِإِطْلَاقِ الشَّيْخِ. (وَعَلَامَةُ الطُّهْرِ جُفُوفٌ أَوْ قُصَّةٌ - وَهِيَ أَبْلَغُ - فَتَنْتَظِرُهَا مُعْتَادَتُهُمَا لِآخِرِ الْمُخْتَارِ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كُلَّمَا انْقَطَعَ] : أَيْ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي هَلْ يُعَاوِدُهَا أَمْ لَا، إلَّا أَنْ تَظُنَّ أَنَّهُ يُعَاوِدُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الَّذِي هِيَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ ضَرُورِيًّا أَوْ اخْتِيَارِيًّا فَلَا تُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ تَبَعًا لِ (عب) . وَقَوْلُ الْأَصْلِ فَلَا تُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَصَلَّتْ وَلَمْ يَأْتِهَا دَمٌ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ وَهَذَا إذَا جَزَمَتْ النِّيَّةَ. فَإِنْ تَرَدَّدَتْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَالْمُسْتَحْسَنُ مِنْ كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تَعْلَمْ عَوْدَةً فِي الْوَقْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ، فَلَوْ كَانَتْ بِالِاخْتِيَارِيِّ وَعَلِمَتْ عَوْدَهُ فِي الضَّرُورِيِّ اغْتَسَلَتْ، كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ وَفِي (بْن) : أَنَّهَا لَا تُؤَخِّرُ رَجَاءَ الْحَيْضِ. (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [حَيْضٌ] : أَيْ اتِّفَاقًا فِي الْعِبَادَةِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْعِدَّةِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجَشَونِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي الْعِدَّةِ. قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ] : أَيْ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِظْهَارِ، لِأَنَّ الِاسْتِظْهَارَ فِي غَيْرِهَا لِرَجَاءِ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَهَذِهِ قَدْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِمْرَارُهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، حَيْثُ قَالَ بِاسْتِظْهَارِهَا عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا. وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: [فَإِنْ مَيَّزَتْ بِعَدَمِ طُهْرٍ تَمَّ] : أَنَّهَا إذَا لَمْ تُمَيِّزْ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ أَبَدًا، وَبِحُكْمٍ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا طَاهِرٌ وَلَوْ مَكَثَتْ طُولَ عُمُرِهَا، وَتَعْتَدُّ بِسَنَةٍ بَيْضَاءَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْعِدَّةِ.

[علامة الطهر]

بِخِلَافِ مُعْتَادَةِ الْجُفُوفِ فَلَا تَنْتَظِرُ مَا تَأَخَّرَ مِنْهُمَا كَالْمُبْتَدَأَةِ) : أَيْ أَنَّ عَلَامَةَ الطُّهْرِ أَيْ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ أَمْرَانِ: الْجُفُوفُ؛ أَيْ خُرُوجُ الْخِرْقَةِ خَالِيَةً مِنْ أَثَرِ الدَّمِ وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَلَّةً مِنْ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ، وَالْقُصَّةُ وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ كَالْمَنِيِّ أَوْ الْجِيرِ الْمَبْلُولِ. وَالْقُصَّةُ أَبْلَغُ: أَيْ أَدَلُّ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَيْضِ، فَمَنْ اعْتَادَتْهَا أَوْ اعْتَادَتْهُمَا مَعًا طَهُرَتْ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا فَلَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ. وَإِذَا رَأَتْهُ ابْتِدَاءً انْتَظَرَتْهَا لِآخِرِ الْمُخْتَارِ بِحَيْثُ تُوقِعُ الصَّلَاةُ فِي آخِرِهِ. وَأَمَّا مُعْتَادَةُ الْجُفُوفِ فَقَطْ فَمَتَى رَأَتْهُ أَوْ رَأَتْ الْقُصَّةَ طَهُرَتْ وَلَا تَنْتَظِرُ الْآخِرَ مِنْهُمَا وَكَذَا الْمُبْتَدَأَةُ الَّتِي لَمْ تَعْتَدَّ شَيْئًا، هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَمُقْتَضَى أبلغية الْقُصَّةِ أَنَّهَا إنْ رَأَتْ الْجُفُوفَ أَوَّلًا انْتَظَرَتْ الْقُصَّةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [علامة الطُّهْرِ] قَوْلُهُ: [أَيْ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ] : سَوَاءٌ كَانَ دَمًا أَوْ كُدْرَةً. قَوْلُهُ: [وَالْقُصَّةُ] : لَا إشْكَالَ فِي نَجَاسَتِهَا، كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: مَاءُ الْفَرْجِ وَرُطُوبَتُهُ عِنْدَنَا نَجِسَانِ. قَوْلُهُ: [أَبْلَغُ] : أَيْ حَتَّى لِمُعْتَادَةِ الْجُفُوفِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ: [انْتَظَرَتْهَا] : أَيْ اسْتِحْبَابًا. قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ] : خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ مِنْ تَقْيِيدِ الأبلغية بِمُعْتَادَةِ الْقُصَّةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الْجُفُوفِ. قَوْلُهُ: [وَمُقْتَضَى أبلغية] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مُشْكِلٌ لِإِفَادَتِهِ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْجُفُوفِ وَالْقُصَّةِ. مَعَ أَنَّهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْلَغُ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ تَنْبِيهٌ: لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا نَظَرُ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ لَعَلَّهَا

[ما يمنعه الحيض]

(وَمَنَعَ صِحَّةَ طَوَافٍ، وَاعْتِكَافٍ وَصَلَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَوُجُوبَهُمَا وَقَضَاءُ الصَّوْمِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ) : قَوْلُهُ: (وَوُجُوبَهُمَا) عَطْفٌ عَلَى صِحَّةٍ أَيْ مَنَعَ الْحَيْضُ صِحَّةَ مَا ذُكِرَ. وَمَنَعَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ فَلَا يَجِبَانِ عَلَى الْحَائِضِ. كَمَا لَا يَصِحَّانِ مِنْهَا أَمَّا الصَّلَاةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَمُشْكِلٌ؛ إذْ عَدَمُ وُجُوبِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ قَضَائِهِ مَعَ أَنَّهَا تَقْضِيهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ قَضَاءَهُ بِأَمْرٍ مِنْ الشَّارِعِ جَدِيدٍ؛ أَيْ غَيْرِ مَا يَقْتَضِيهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ. (وَحَرُمَ بِهِ طَلَاقٌ، وَتَمَتُّعٌ بِمَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَاءِ، وَدُخُولُ مَسْجِدٍ، وَمَسُّ مُصْحَفٍ لَا قِرَاءَةٌ) : أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ لَزِمَهُ وَأُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا إنْ كَانَ رَجْعِيًّا. وَهَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، - ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْ تُدْرِكَ الْعِشَاءَيْنِ وَالصَّوْمَ، بَلْ يُكْرَهُ إذْ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَلِقَوْلِ الْإِمَامِ: لَا يُعْجِبُنِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا نَظَرُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إلَى أَنْ يَبْقَى مَا يَسَعُ الْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ فَيَجِبُ وُجُوبًا مُضَيَّقًا مَا عَدَا وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَيُسْتَصْحَبُ الْأَصْلُ لِضَرُورَةِ النَّوْمِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَكَّتْ هَلْ طَهُرَتْ - قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ - سَقَطَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ. (بْن) . [مَا يَمْنَعهُ الْحَيْض] . قَوْلُهُ: [بِأَمْرٍ جَدِيدٍ] : وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاؤُهُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ مِنْ الشَّارِعِ دُونَ الصَّلَاةِ لِخِفَّةِ مَشَقَّتِهِ بِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ. قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ بِهِ طَلَاقٌ] : أَيْ وَلَوْ أَوْقَعَهُ عَلَى مَنْ تَقَطَّعَ طُهْرُهَا لِأَنَّهُ يَوْمُ حَيْضٍ حُكْمًا كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ. وَاعْتِرَاضُ (بْن) بِأَنَّهُ لِلْحُرْمَةِ فِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: [وَأُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا] : أَيْ وَلَوْ أَوْقَعَهُ فِي حَالِ تَقَطُّعِ طُهْرِهَا بِنَاءً عَلَى حُرْمَةِ الطَّلَاقِ فِيهَا.

[النفاس]

وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ. وَحَرُمَ أَيْضًا عَلَى الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ بِوَطْءٍ فَقَطْ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، وَحَرُمَ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ بِمَا عَدَا ذَلِكَ؛ فَيَجُوزُ تَقْبِيلُهَا وَاسْتِمْنَاؤُهُ بِيَدِهَا وَثَدْيَيْهَا وَسَاقَيْهَا وَمُبَاشَرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ - مَا عَدَا الْوَطْءِ - كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْأَئِمَّةِ، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ، وَتَسْتَمِرُّ حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَاءِ لَا بِالتَّيَمُّمِ، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ فَلَا يَقْرَبْهَا بِالتَّيَمُّمِ إلَّا لِشِدَّةِ ضَرَرٍ. وَيَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ أَيْضًا دُخُولُ مَسْجِدٍ وَمَسُّ مُصْحَفٍ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ إلَّا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ غُسْلِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ جُنُبًا حَالَ حَيْضِهَا أَمْ لَا، فَلَا تَقْرَأُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ مُطْلَقًا حَتَّى تَغْتَسِلَ. هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. (وَالنِّفَاسُ: مَا خَرَجَ لِلْوِلَادَةِ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَلَوْ بَيْنَ تَوْأَمَيْنِ) : أَيْ أَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ وِلَادَتِهَا مَعَ الْوِلَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا. وَأَمَّا مَا خَرَجَ قَبْلَهَا، فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ حَيْضٌ. فَلَا يُحْسَبُ مِنْ السِّتِّينَ يَوْمًا. وَبَالَغَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ بَيْنَ) إلَخْ: - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ] : أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَا حُرْمَةَ، عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مُعَلَّلَةٌ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ. قَوْلُهُ: [كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ] إلَخْ: فَفِي (بْن) : الَّذِي لِابْنِ عَاشِرٍ مَا نَصُّهُ ظَاهِرُ عِبَارَاتِهِمْ جَوَازُ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ بِغَيْرِ الْوَطْءِ مِنْ لَمْسٍ وَمُبَاشَرَةٍ وَنَظَرٍ حَتَّى لِلْفَرْجِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ المسناوي: نُصُوصُ الْأَئِمَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُمْنَعُ تَحْتَ الْإِزَارِ هُوَ الْوَطْءُ فَقَطْ لَا التَّمَتُّعُ بِغَيْرِهِ خِلَافًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ. قَوْلُهُ: [لَا بِالتَّيَمُّمِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ جَازَ وَطْؤُهَا وَلَوْ لَمْ يُخَفْ الضَّرَرُ. قَوْلُهُ: [دُخُولُ مَسْجِدٍ] : أَيْ فَلَا تَعْتَكِفُ وَلَا تَطُوفُ. قَوْلُهُ: [وَمَسُّ مُصْحَفٍ] : أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ مُعَلِّمَةً أَوْ مُتَعَلِّمَةً. قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ] : وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْحَطَّابُ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ كَمَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْقِرَاءَةُ حَالَ اسْتِرْسَالِ الدَّمِ عَلَيْهَا كَانَتْ جُنُبًا أَمْ لَا كَمَا صَدَّرَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَصَوَّبَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ. [النِّفَاس] قَوْلُهُ: [فَلَا يُحْسَبُ مِنْ السِّتِّينَ] : وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نِفَاسٌ، فَإِنَّ أَيَّامَهُ تُضَمُّ لِمَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَتُحْسَبُ مِنْ السِّتِّينَ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ أَيْضًا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا رَأَتْ هَذَا الدَّمَ الْخَارِجَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِأَجَلِهَا، فَهَلْ هُوَ نِفَاسٌ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ

لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: مَا خَرَجَ بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ حَيْضٌ وَلَا تُحْسَبُ السِّتُّونَ يَوْمًا إلَّا مِنْ خُرُوجِ الثَّانِي. وَالتَّوْأَمَانِ: الْوَلَدَانِ فِي بَطْنٍ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. (وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا) أَيْ أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ سِتُّونَ يَوْمًا، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَاسْتِحَاضَةٌ، فَإِنْ تَقَطَّعَ لَفَّقَتْ السِّتِّينَ، وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ انْقَطَعَ نِصْفَ شَهْرٍ فَقَدْ تَمَّ الطُّهْرُ وَمَا نَزَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَيْضٌ. وَعَلَامَةُ الطُّهْرِ مِنْهُ جُفُوفٌ أَوْ قُصَّةٌ وَهِيَ أَبْلَغُ، وَيَمْنَعُ مَا مَنَعَهُ الْحَيْضُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ. (وَالطُّهْرُ مِنْهُ وَتَقَطُّعُهُ وَمَنْعُهُ كَالْحَيْضِ) . - ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالصَّوْمَ أَوْ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ تُصَلِّي مَعَهُ وَتَصُومُ. قَوْلُهُ: [وَبَالَغَ] إلَخْ: أَيْ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نِفَاسٌ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ فَاخْتُلِفَ: هَلْ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى لَهَا وَيَصِيرُ الْجَمِيعُ نِفَاسًا وَاحِدًا؟ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَرَادِعِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، أَوْ تَسْتَأْنِفُ لِلثَّانِي نِفَاسًا آخَرَ؟ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ. وَأَمَّا إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَهْرَانِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ. وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْهَا أَقَلُّ الطُّهْرِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ النَّفْرَاوِيُّ، وَإِلَّا فَتَسْتَأْنِفُ لِلثَّانِي نِفَاسًا جَزْمًا. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ وَجِيهٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ. قَوْلُهُ: [أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ] : أَيْ قِلَّةٌ لَهَا بَالٌ، كَسِتَّةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ كَانَا بَطْنَيْنِ. لَكِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ شَيْخُنَا بِأَنَّ الثَّانِيَ قَدْ يَتَأَخَّرُ لِأَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، وَلَا يَكُونُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ الثَّانِيَ فَيُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ، وَلَا تَتِمُّ الْعِدَّةُ إلَّا بِهِمَا، وَتَكُونُ مَنْكُوحَةً فِي الْعِدَّةِ إذَا لَمْ يَمْضِ لِوَطْءِ الثَّانِي أَقَلُّ الْحَمْلِ كَمَا يَأْتِي. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ فَيَكُونَانِ تَوْأَمَيْنِ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [سِتُّونَ] : أَيْ وَلَا عَادَةَ وَلَا اسْتِظْهَارَ، فَقَدْ عُلِمَ مِنْ الْبَابِ أَرْبَعَةٌ لَا تَسْتَظْهِرُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَهِيَ: الْمُبْتَدَأَةُ، وَالْحَامِلُ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ، وَالنُّفَسَاءُ.

[باب الصلاة]

بَابُ الصَّلَاةِ (الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ مِنْ الزَّوَالِ لِآخِرِ الْقَامَةِ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ، وَهُوَ أَوَّلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ الصَّلَاةِ] [أَوْقَات الصَّلَاة] لَمَّا أَكْمَلَ الْكَلَامَ عَنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ - الَّذِي أَوْقَعَ الْبَابَ مَوْقِعَهُ، إذْ هِيَ آكَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ - أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى بَقِيَّةِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا وَمُبْطِلَاتِهَا. وَتَرْجَمَ عَنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ [بِبَابٍ] مَكَانَ تَرْجَمَةِ غَيْرِهِ بِكِتَابٍ. وَالصَّلَاةُ لُغَةً: الدُّعَاءُ وَبِمَعْنَى الْبَرَكَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَشَرْعًا: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ، فَيَدْخُلُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ. (اهـ.) . وَافْتَتَحَ الْمُصَنِّفُ بَابَ الصَّلَاةِ بِوَقْتِهَا، لِأَنَّهُ إمَّا شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَوُجُوبِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، أَوْ سَبَبٌ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ خِطَابِ الْمُكَلَّفِ بِالصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ خِطَابِ الْمُكَلَّفِ بِهَا - كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ - وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَعْنِي خَلِيلًا، وَتَبِعَهُ مُصَنِّفُنَا لِتَأْخِيرِ الشَّرْطِ عَنْهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَذَانَ، ثُمَّ ذَكَرَ الشُّرُوطَ بَعْدَ ذَلِكَ. (اهـ.) مِنْ الْخَرَشِيِّ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَقَدْ سَاقَ الْحَطَّابُ جُمْلَةً مِنْ تَطَوُّعِهَا وَعَدَّ مِنْهُ: صَلَاةَ التَّسَابِيحِ. وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَرَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَعِنْدَ السَّفَرِ. وَالْقُدُومِ، وَبَيْنَ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ إلَّا الْمَغْرِبَ. وَمِنْ الْحَاجَةِ: صَلَاةُ التَّوْبَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْضُ الْعَارِفِينَ، وَكُلُّ خَيْرٍ حَسَنٌ. قِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الصِّلَةِ وَهُوَ إمَّا مِنْ بَابِ الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُرَاعَى فِيهِ التَّرْتِيبُ، أَوْ أَنَّهَا عِلْفَةٌ وَأَصْلُهَا دَخَلَهَا الْقَلْبُ الْمَكَانِيُّ بِتَأْخِيرِ الْفَاءِ عَنْ لَامِ الْكَلِمَةِ. فَصَارَ صِلْوَةً ثُمَّ الْإِعْلَالِيّ بِقَلْبِ الْوَاوِ أَلِفًا. وَقِيلَ: مِنْ صَلَّيْت الْعُودَ بِالتَّشْدِيدِ: قَوَّمْته بِالنَّارِ. وَاعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ لَامَهُ يَاءٌ وَلَامَهَا وَاوٌ. فَأُجِيبَ بِأَنَّهَا تُقْلَبُ يَاءً مِنْ الْمُضَعَّفِ مَعَ الضَّمِيرِ كزكيت مِنْ الزَّكَاةِ. قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: صَلَيْت اللَّحْمَ صَلْيًا كَرَمَيْتُهُ رَمْيًا إذَا شَوَيْته. وَقَدْ يُقَالُ الْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [الْوَقْتُ] إلَخْ: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْمُخْتَارُ صِفَتُهُ، وَلِلظُّهْرِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ أَيْ ابْتِدَاؤُهُ لِلظُّهْرِ. وَقَوْلُهُ: [مِنْ الزَّوَالِ] : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي، وَالثَّانِي وَخَبَرُهُ خَبَرُ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: [لِآخِرِ الْقَامَةِ] : حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ. وَإِنَّمَا بَدَأَ بِبَيَانِ

وَقْتِ الْعَصْرِ، لِلِاصْفِرَارِ، وَاشْتَرَكَا فِيهِ بِقَدْرِهَا) : هَذَا الْبَابُ يُذْكَرُ فِيهِ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ - ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقْتِ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ فِي الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِالظُّهْرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْوَقْتِ عِنْدَ الْقَرَافِيُّ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ، وَعِنْدَ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَوُفِّقَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ دُخُولَ الْوَقْتِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّقْلِيدِ فِيهِ اُنْظُرْ (بْن) : (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: أَحْكَامُ الصَّلَاةِ أَيْ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

أَوْقَاتُهَا وَشَرَائِطُهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وَالْوَقْتُ إمَّا اخْتِيَارِيٌّ وَإِمَّا ضَرُورِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِينَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَيْهِ. فَالِاخْتِيَارِيُّ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ بِذِرَاعٍ قَدْرَ قَامَتِهِ، وَقَامَةُ كُلِّ إنْسَانٍ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ بِقَدَمِ نَفْسِهِ أَوْ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ نَفْسِهِ، وَتُعَدُّ قَامَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ، وَهُوَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّمْسَ إذَا أَشْرَقَتْ ظَهَرَ لِكُلِّ شَخْصٍ ظِلٌّ مُمْتَدٌّ لِجِهَةِ الْمَغْرِبِ، فَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ نَقَصَ الظِّلُّ، فَإِذَا وَصَلَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ وَهُوَ وَقْتُ الِاسْتِوَاءِ تَمَّ نُقْصَانُهُ. وَطُولُهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ، فَقَدْ يَكُونُ قَدْرَ قَامَةٍ وَثُلُثِ قَامَةٍ كَمَا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَوْقَاتُهَا] : أَيْ الَّتِي تُؤَدَّى فِيهَا؛ اخْتِيَارِيَّةٌ أَوْ ضَرُورِيَّةٌ. قَوْلُهُ: [وَشَرَائِطُهَا] : جَمْعُ شَرْطٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ شُرُوطُ وُجُوبٍ فَقَطْ، وَشُرُوطُ صِحَّةٍ فَقَطْ، وَشُرُوطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ مَعًا. قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] : أَيْ مِنْ بَيَانِ الْأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُبْطِلَاتِ وَسُجُودِ السَّهْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَالْوَقْتُ] : أَيْ الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لِلْعِبَادَةِ شَرْعًا. قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ الْمَعْذُورِينَ] : وَأَمَّا الْمَعْذُورُونَ فَيَجُوزُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُمْ. قَوْلُهُ: [مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ] : أَيْ مَيْلِهَا. قَوْلُهُ: [عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ] : أَيْ بِأَنْ تَمِيلَ لِجِهَةِ الْمَغْرِبِ. قَوْلُهُ: [قَدْرَ قَامَتِهِ] : هُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ: حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: [وَطُولُهُ يَخْتَلِفُ إلَخْ] : أَيْ قَدْرُ الْبَاقِي بَعْدَ تَمَامِ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ. وَقَوْلُهُ: [يَخْتَلِفُ] إلَخْ: أَيْ بِحَسَبِ الْأَشْهُرِ الْقِبْطِيَّةِ، وَهِيَ تُوتُ فَبَابَهْ فَهَاتُورُ فَكِيَهْكُ فَطُوبَةُ فَأَمْشِيرُ فَبَرَمْهَاتُ فَبَرْمُودَةُ فَبَشَنْسُ فبؤنة فَأَبِيبُ فَمِسْرَى،

[تنبيه لو خطى ولي من قطر إلى قطر]

أَوَّلِ فَصْلِ الشِّتَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ سُدُسَ الْقَامَةِ كَمَا فِي بؤنة وَأَبِيبَ. وَقَدْ لَا يَكُونُ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا فِي مَكَّةَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، فَذَلِكَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ الِاخْتِيَارِيِّ. وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَاشْتَرَكَتْ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فِي آخِرِ الْقَامَةِ بِقَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَيَكُونُ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّيْت آخِرَ الْقَامَةِ وَقَعَتْ صَحِيحَةً. وَقِيلَ: بَلْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَدَّمَ جَعْلَ بَعْضِهِمْ لِذَلِكَ ضَابِطًا بِقَوْلِهِ: " طزه جبا أبد وحي، فَالطَّاءُ قَدْرُ أَقْدَامِ ظِلِّ الزَّوَالِ بِطُوبَةٍ، وَالزَّايُ لِأَقْدَامِ أَمْشِيرَ وَهَكَذَا لِآخِرِهَا. قَوْلُهُ: [كَمَا فِي مَكَّةَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ] : أَيْ وَزِيدَ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ وَبِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ مَرَّةً، وَهُوَ أَطْوَلُ يَوْمٍ فِيهَا، قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلُ: بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ عَرْضَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَعَرْضَ مَكَّةَ إحْدَى وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَكِلَاهُمَا شَمَالِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِالْعَرْضِ: بُعْدُ سَمْتِ رَأْسِ أَهْلِ الْبَلَدِ عَنْ دَائِرَةِ الْمُعَدَّلِ وَالْمَيْلُ الْأَعْظَمُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَالْمُرَادُ بِهِ بُعْدُ غَايَةِ الشَّمْسِ إذَا كَانَتْ عَلَى مِنْطَقَةِ الْبُرُوجِ مِنْ دَائِرَةِ الْمُعَدَّلِ، وَإِذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى مِنْطَقَةِ الْبُرُوجِ فِي غَايَةِ الْمَيْلِ الشَّمَالِيِّ كَانَتْ مُسَامِتَةً لِرَأْسِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَنْعَدِمُ الظِّلُّ عِنْدَهُمْ، وَلَا تَكُونُ الشَّمْسُ كَذَلِكَ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ فِي آخِرِ الْجَوْزَاءِ، وَإِذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى مِنْطَقَةِ الْبُرُوجِ وَكَانَ الْمَيْلُ الشَّمَالِيُّ إحْدَى وَعِشْرِينَ دَرَجَةً كَانَتْ مُسَامِتَةً لِرَأْسِ أَهْلِ مَكَّةَ فَيَنْعَدِمُ الظِّلُّ عِنْدَهُمْ فِي يَوْمَيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ، يَوْمٌ قَبْلَ الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ وَيَوْمٌ بَعْدَهُ فِي تَنَقُّلَاتِهَا. فَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ أَكْثَرَ مِنْ الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ كَمَا فِي مِصْرَ - فَإِنَّ عَرْضَهَا ثَلَاثُونَ - لَمْ يَنْعَدِمْ الظِّلُّ أَصْلًا، لِأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُسَامِتْهُمْ، دَائِمًا فِي جَنُوبِهِمْ. (اهـ.) . [تَنْبِيه لَوْ خطى وَلِي مِنْ قطر إلَى قطر] قَوْلُهُ: [وَاشْتَرَكَتْ الظُّهْرُ] إلَخْ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا؛ فَآخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ آخِرُ الْقَامَةِ الْأُولَى، وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَوَّلُ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: تَاللَّهِ مَا بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ، وَلَقَدْ زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامُ الْعُلَمَاءِ. قَوْلُهُ: [بِقَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ] : أَيْ فِي الْحَضَرِ وَبِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. قَوْلُهُ: [وَقَعَتْ صَحِيحَةً] : وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ رَاشِدٍ وَابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ،

أَوَّلُهُ أَوَّلُ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَوْ صَلَّيْت آخِرَ الْأُولَى كَانَتْ فَاسِدَةً، وَعَلَيْهِ فَالِاشْتِرَاكُ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فِيهِ لَمْ يَأْثَمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ. وَلَوْ أَخَّرَ الظُّهْرَ عَلَى هَذَا لِأَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ أَثِمَ. قَوْلُهُ: [وَعَلَيْهِ فَالِاشْتِرَاكُ] إلَخْ: وَهُوَ لِابْنِ الْحَاجِبِ. وَحَاصِلُ مَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ: أَنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ تَظْهَرُ فِي الْإِثْمِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ تَأْخِيرِهَا عَنْ الْقَامَةِ الْأُولَى لِأَوَّلِ الثَّانِيَةِ، وَتَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَصْرِ فِي الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا إذَا قَدَّمَهَا فِي آخِرِ الْأُولَى، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: «فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ مِنْ الْغَدِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ» ، فَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثَيْنِ؛ فَصَلَّى، هَلْ مَعْنَاهُ شَرَعَ فِيهِمَا أَوْ مَعْنَاهُ فَرَغَ مِنْهُمَا؟ فَإِنْ فُسِّرَ بِشَرَعَ كَانَتْ الظُّهْرُ دَاخِلَةً عَلَى الْعَصْرِ وَمُشَارِكَةً لَهَا فِي أَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ فُسِّرَ بِفَرَغَ كَانَتْ الْعَصْرُ دَاخِلَةً عَلَى الظُّهْرِ وَمُشَارِكَةً فِي آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ يَجْرِي نَحْوُهُ فِي الْعِشَاءَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِامْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ لِمَغِيبِ الشَّفَقِ لَا عَلَى مَا لِلْمُصَنِّفِ. فَإِذَا قِيلَ بِالِاشْتِرَاكِ وَقِيلَ بِدُخُولِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْعِشَاءِ فَالِاشْتِرَاكُ بِمِقْدَارِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْعِشَاءِ. وَإِنْ قِيلَ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ عَلَى الْمَغْرِبِ فَبِمِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَيْ مِنْ آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ لَا يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ بِكَشْفٍ وَلَا تَدْقِيقِ مِيقَاتٍ. وَإِنْ خَطَّى وَلِيٌّ مِنْ قُطْرٍ

(وَلِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِقَدْرِ فِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا) : أَيْ وَالْمُخْتَارُ لِلْمَغْرِبِ أَوَّلُهُ غِيَابُ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ وَلَا امْتِدَادَ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، بَلْ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا مِنْ طَهَارَةِ حَدَثٍ وَخَبَثٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَجَازَ لِمَنْ كَانَ مُحَصِّلًا لَهَا تَأْخِيرُهَا بِقَدْرِ تَحْصِيلِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى آخَرَ اُعْتُبِرَ زَوَالُ مَا يُصَلِّي فِيهِ، وَلَا تَكَرُّرَ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي يَوْمِ الدَّجَّالِ يُقَدَّرُ لَهُ صَلَاةُ السَّنَةِ، فَأَجْرَى فِيهِ بَعْضُهُمْ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْعَامِ مِنْ صِيَامٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ لِعَلَامَةِ وَقْتِ الْعَصْرِ ضَابِطًا وَهُوَ: إذَا ضَمَّ أَصَابِعَهُ وَوَضَعَ الْخِنْصَرَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ وَذَقَنِهِ عَلَى الْإِبْهَامِ، فَرَأَى الشَّمْسَ، فَقَدْ دَخَلَ الْعَصْرُ، لَا إنْ كَانَ قُرْصُهَا فَوْقَ حَاجِبِهِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ تَقْرِيبٌ لِأَنَّ الشَّمْسَ تَنْخَفِضُ فِي الشِّتَاءِ. قَوْلُهُ: [وَلِلْمَغْرِبِ] : وَتُسَمَّى صَلَاةَ الشَّاهِدِ - نَجْمٌ يَطْلُعُ عِنْدَهَا - أَوْ الْحَاضِرِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَقْصُرُهَا أَوْ أَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّ وَقْتَهَا أَضْيَقُ. وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عِشَاءً، وَلَمْ يَصِحَّ: «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَالْعِشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» وَإِنَّمَا هُوَ: «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ» ، ثُمَّ الْمُقَدَّمُ طَعَامٌ لَا يُخْرِجُ الْوَقْتَ كَعَادَتِهِمْ، وَأَمَّا عِشَاءَانِ تَغْلِيبًا فَخَفِيفٌ. قَوْلُهُ: [غُرُوبُ الشَّمْسِ] : أَيْ مِنْ غُرُوبِ أَيْ مَغِيبِ جَمِيعِ قُرْصِهَا. وَهَذَا هُوَ الْغُرُوبُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَوَازُ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَجَوَازُ الْفِطْرِ لِلصَّائِمِ، وَأَمَّا الْغُرُوبُ الْمِيقَاتِيُّ فَهُوَ مَغِيبُ مَرْكَزِ الْقُرْصِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْدِيدُ قَدْرِ اللَّيْلِ وَأَحْكَامٌ أُخَرُ تُذْكَرُ فِي الْمِيقَاتِ، فَالْغُرُوبُ الْمِيقَاتِيُّ أَقَلُّ مِنْ الْغُرُوبِ الشَّرْعِيِّ بِنِصْفِ دَرَجَةٍ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [عَلَى الْمَشْهُورِ] : وَقِيلَ لِلشَّفَقِ وَلِمُرَاعَاتِهِ أَجَازُوا التَّطْوِيلَ فِيهَا وَالتَّأْخِيرَ لِلْمُسَافِرِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [مِنْ طَهَارَةِ حَدَثٍ] إلَخْ: أَيْ مَائِيَّةٍ صُغْرَى وَكُبْرَى لَا تَيَمُّمٍ،

(وَلِلْعِشَاءِ مِنْ غُرُوبِ الشَّفَقِ - ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. وَيُعْتَبَرُ طَهَارَةُ الْمُتَوَسِّطِ بِحَسَبِ غَالِبِ النَّاسِ وَاسْتِقْبَالٌ، وَيُزَادُ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ الْمُخْتَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلِابْتِدَاءِ لِجَوَازِ التَّطْوِيلِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُقِيمِ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُدَّ وَيَسِيرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ الْمِيلَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ نَزَلَ وَيُصَلِّي كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. قَوْلُهُ: [وَلِلْعِشَاءِ] : اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَسْمِيَتِهَا بِالْعَتَمَةِ. قَوْلُهُ: [مِنْ غُرُوبِ الشَّفَقِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي وَنَقَلَ ابْنُ هَارُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نَحْوَ مَا لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ مُخْتَارَ الْعِشَاءِ مِنْ غُرُوبِ الْبَيَاضِ، وَهُوَ يَتَأَخَّرُ عَنْ غُرُوبِ الْحُمْرَةِ - لَا أَعْرِفُهُ - وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي يَطْلُعُ فَجْرُهَا قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ أَسْقَطَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْهُمْ الْعِشَاءَ كَمَنْ سَقَطَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ غُسْلُهُ. وَقَدَّرَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ لَهُمْ، وَاخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا، فَتَكُونُ الْعِشَاءُ أَدَاءً عَلَيْهِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ التَّقْدِيرَ مَعْنَاهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِغَيْبُوبَةِ شَفَقِ أَقْرَبِ مَكَان لَهُمْ، فَإِذَا غَابَ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْعِشَاءُ بَعْدَ فَجْرِهِمْ، فَهُوَ أَدَاءٌ لِأَنَّهُ غَايَةُ مَا فِي قُدْرَتِهِمْ إذْ لَا عِشَاءَ إلَّا بِغَيْبُوبَةِ شَفَقٍ، وَهَذَا أَسْبَقُ شَفَقٍ غَابَ لَهُمْ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ وُجُوبَهَا مُضَيَّقٌ كَقَضَاءِ الْفَائِتَةِ نَظَرًا لِطُلُوعِ فَجْرِهِمْ، وَهَذَا - أَعْنِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِشَفَقِ غَيْرِهِمْ - أَنْسَبُ بِمَا قَالُوهُ عِنْدَنَا مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ فِي قُطْرٍ بِرُؤْيَتِهِ فِي قُطْرٍ آخَرَ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ حَوَاشِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَنْ يُقَدَّرَ لَهُمْ مُدَّةَ شَفَقٍ مِنْ لَيْلِهِمْ بِنِسْبَةِ مُدَّةِ شَفَقِ غَيْرِهِمْ لِلَيْلِهِ، فَإِذَا كَانَ الشَّفَقُ يَغِيبُ فِي أَقْرَبِ مَكَان لَهُمْ فِي سَاعَةٍ وَمُدَّةُ اللَّيْلِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ الْغُرُوبِ لِلْفَجْرِ ثَمَانِ سَاعَاتٍ، فَغَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ فِي الثُّمُنِ. فَإِذَا كَانَ لَيْلُ هَؤُلَاءِ

الْأَحْمَرِ لِلثُّلُثِ الْأَوَّلِ) : أَيْ وَالْمُخْتَارُ لِلْعِشَاءِ مِنْ غِيَابِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ فَلَا يَنْتَظِرُ غِيَابَ الْأَبْيَضِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: فَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِي الْمَغْرِبِ حُمْرَةٌ وَلَا صُفْرَةٌ فَقَدْ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ. (وَلِلصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِلْإِسْفَارِ الْبَيِّنِ) : أَيْ وَأَوَّلُ الْمُخْتَارِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَهُوَ مَا يَنْتَشِرُ ضِيَاؤُهُ حَتَّى يَعُمَّ الْأُفُقَ، احْتِرَازًا مِنْ الْكَاذِبِ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْتَشِرُ بَلْ يَخْرُجُ مُسْتَطِيلًا يَطْلُبُ وَسَطَ السَّمَاءِ دَقِيقًا يُشْبِهُ ذَنَبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الْغُرُوبِ لِلْفَجْرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَرَجَةً فَوَقْتُ الْعِشَاءِ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِدَرَجَةٍ وَنِصْفٍ، وَهُوَ أَنْسَبُ بِقَوَاعِدِهِمْ أَعْنِي الشَّافِعِيَّةَ مِنْ اعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، وَإِنَّ لِكُلِّ مَكَان حُكْمُ نَفْسِهِ. (انْتَهَى بِحُرُوفِهِ) . وَقَدْ قُلْت فِي هَذَا الْمَعْنَى: قُلْ لِلْفَقِيهِ الَّذِي فِي عَصْرِهِ انْفَرَدَا ... بِكُلِّ فَنٍّ وَكَمْ مِنْ مُعْضِلٍ مَهَدَا مَاذَا عِشًا أَدَّيْت وَالْفَجْرُ قَدْ طَلَعَا ... قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْبُطْلَانُ قَدْ وَرَدَا وَجَوَابُهُ: هِيَ الْبِلَادُ الَّتِي لَاحَ الصَّبَاحُ بِهَا ... مِنْ قَبْلِ غَيْبِ الشَّفَقِ يَا صَاحِ فَاعْتَمِدَا قَوْلَ الْقَرَافِيُّ بِتَقْدِيرِ الْقَرِيبِ لَهُمْ ... مِنْ الْبِلَادِ حَبَاك اللَّهُ كُلَّ نَدَا وَلَكِنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ لَا يَتِمُّ إلَّا عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ مَعْنَاهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِغَيْبُوبَةِ شَفَقِ أَقْرَبِ مَكَان لَهُمْ. فَإِذَا غَابَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْعِشَاءُ بَعْدَ فَجْرِهِمْ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الشَّيْخُ فِي أَوَّلِ عِبَارَتِهِ فِي الْحَاشِيَةِ. وَأَمَّا عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ حَوَاشِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ الْعِشَاءُ قَبْلَ الْفَجْرِ قَطْعًا فَلَا يَأْتِي سُؤَالٌ وَلَا جَوَابٌ، فَافْهَمْ. قَوْلُهُ: [الثُّلُثُ الْأَوَّلُ] : أَيْ مَحْسُوبًا مِنْ الْغَيْبُوبَةِ مُمْتَدًّا لِلثُّلُثِ، وَقِيلَ إنَّ اخْتِيَارِيَّ الْعِشَاءِ يَمْتَدُّ لِلْفَجْرِ، وَعَلَيْهِ فَلَا ضَرُورِيَّ لَهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَفِيهِ فُسْحَةٌ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا يَنْتَشِرُ ضِيَاؤُهُ] : أَيْ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَفِي جِهَةِ دُبُرِهَا حَتَّى يَعُمَّ الْأُفُقَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: [يَنْتَشِرُ ضِيَاؤُهُ] : أَنَّ الْفَجْرَ الصَّادِقَ غَيْرُ الضَّوْءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ ضَوْءُ الشَّمْسِ السَّابِقُ عَلَيْهَا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْذَفَ " ضِيَاؤُهُ " وَيَقُولَ: وَهُوَ مَا يَنْتَشِرُ حَتَّى إلَخْ. قَوْلُهُ: [يَطْلُبُ وَسَطَ السَّمَاءِ] : أَيْ فَهُوَ بَيَاضٌ دَقِيقٌ يَخْرُجُ مِنْ الْأُفُقِ وَيَصْعَدُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ بَلْ بِحِذَائِهِ ظُلْمَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.

[أوقات الفضيلة]

السِّرْحَانِ أَيْ الذِّئْبِ. ثُمَّ يَذْهَبُ ثُمَّ يَخْرُجُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ. وَيَنْتَهِي مُخْتَارُهُ إلَى الْإِسْفَارِ الْبَيِّنِ: أَيْ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الْوُجُوهُ ظُهُورًا بَيِّنًا وَتَخْتَفِي فِيهِ النُّجُومُ، وَقِيلَ: بَلْ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَلَا ضَرُورِيَّ لَهَا. (وَأَفْضَلُ الْوَقْتِ أَوَّلُهُ مُطْلَقًا. إلَّا الظُّهْرَ لِجَمَاعَةٍ فَلِرُبْعِ الْقَامَةِ، وَيُزَادُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ لِنِصْفِهَا) : أَيْ إنَّ أَفْضَلَ الْوَقْتِ مُطْلَقًا لِظُهْرٍ أَوْ غَيْرِهَا - لِفَذٍّ أَوْ جَمَاعَةٍ - أَوَّلُهُ. فَهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: السِّرْحَانُ: بِكَسْرِ السِّينِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالْأَسَدِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُشْبِهُ ذَنَبَ السِّرْحَانِ الْأَسْوَدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَجْرَ الْكَاذِبَ بَيَاضٌ مُخْتَلِطٌ بِسَوَادٍ، وَالسِّرْحَانُ الْأَسْوَدُ لَوْنُهُ مُظْلِمٌ وَبَاطِنُ ذَنَبِهِ أَبْيَضُ. قَوْلُهُ: [تَظْهَرُ فِيهِ الْوُجُوهُ] : أَيْ بِالْبَصَرِ الْمُتَوَسِّطِ فِي مَحَلٍّ لَا سَقْفَ فِيهِ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ مُخْتَارَ الصُّبْحِ يَمْتَدُّ لِلْإِسْفَارِ الْأَعْلَى هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ بَلْ] إلَخْ: هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْأَكْثَرِ. وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِكَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى قَالَ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلَيْ مَالِكٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَدْ شُهِرَ. وَلَكِنَّ مَا مَشَى الْمُصَنِّفُ أَشْهَرُ وَأَقْوَى كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. [أَوْقَات الْفَضِيلَة] [تَنْبِيه تَأْخِير الْعِشَاء] تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ وَعُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ هِيَ الْوُسْطَى، وَقِيلَ: الْعَصْرُ، وَمَا مِنْ صَلَاةٍ مِنْ الْخَمْسِ إلَّا قِيلَ فِيهَا هِيَ الْوُسْطَى، وَقِيلَ هِيَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّمَا

رِضْوَانُ اللَّهِ إلَّا الظُّهْرَ فَيُنْدَبُ لِمَنْ يَنْتَظِرُ جَمَاعَةً أَوْ كَثْرَتَهَا أَنْ يُؤَخِّرَ لِرُبْعِ الْقَامَةِ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ. فَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتَ شِدَّةِ الْحَرِّ نُدِبَ تَأْخِيرُهَا لِلْإِبْرَادِ حَتَّى تَتَفَيَّأَ الْأَفْيَاءُ، وَحَدَّ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِنِصْفِ الْقَامَةِ وَبَعْضُهُمْ بِأَكْثَرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأُبْهِمَتْ لِأَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّ الصَّلَوَاتِ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ بَيْنَ اللَّيَالِي. الثَّانِي: مَنْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَعْصِ، إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ وَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا. وَكَذَا إذَا تَخَلَّفَ ظَنُّهُ فَلَمْ يَمُتْ فَيَبْقَى الْإِثْمُ وَلَوْ أَدَّاهَا فِي الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ. وَيُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ: رَجُلٌ أَدَّى الصَّلَاةَ وَسَطَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ وَهُوَ آثِمٌ بِالتَّأْخِيرِ. قَوْلُهُ: [لِمَنْ يَنْتَظِرُ جَمَاعَةً] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا فَالْأَفْضَلُ لَهَا التَّقْدِيمُ كَالْفَذِّ، وَهَلْ مَنْ يُؤْمَرُ بِالتَّقْدِيمِ يَفْعَلُ الرَّوَاتِبَ قَبْلَهَا؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ وِفَاقًا لِصَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَأَبِي الْحَسَنِ شَارِحِ الرِّسَالَةِ وَ (ح) ، لِأَنَّهَا مُقَدِّمَاتٌ تَابِعَةٌ فِي الْمَعْنَى عَنْ الْأَوْلَوِيَّةِ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَعُمُومِهَا، كَتَقْدِيمِ نَحْوِ الْفَجْرِ وَالْوِرْدِ بِشُرُوطِهِ عَلَى الصُّبْحِ، وَأَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقَبْلَ الْعَصْرِ. خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ جَعَلَ التَّقْدِيمَ مَطْلُوبًا حَتَّى عَلَى الرَّوَاتِبِ، وَحَمَلَ فِعْلَ الرَّوَاتِبِ عَلَى جَمَاعَةٍ تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا، وَمَالَ إلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ. وَلَكِنْ عَوَّلَ أَشْيَاخُنَا عَلَى الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: [لِرُبْعِ الْقَامَةِ] : أَيْ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ صَيْفًا وَشِتَاءً لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ، وَلَيْسَ هَذَا التَّأْخِيرُ مِنْ مَعْنَى الْإِبْرَادِ. قَوْلُهُ: [لِلْإِبْرَادِ] : أَيْ وَيُزَادُ عَلَى رُبْعِ الْقَامَةِ مِنْ أَجْلِ الْإِبْرَادِ لِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَعْنَى الْإِبْرَادِ: الدُّخُولُ فِي وَقْتِ الْبَرْدِ. قَوْلُهُ: [وَحَدَّ ذَلِكَ] إلَخْ: قَالَ الْبَاجِيُّ: قَدْرَ الذِّرَاعَيْنِ، وَابْنُ حَبِيبٍ فَوْقَهُمَا بِيَسِيرٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَنْ لَا يُخْرِجَهَا عَنْ الْوَقْتِ. فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ يُنْدَبُ الْمُبَادَرَةُ

[من خفي عليه الوقت]

(وَالْأَفْضَلُ لِفَذٍّ انْتِظَارُ جَمَاعَةٍ يَرْجُوهَا) : يَعْنِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ لِجَمَاعَةٍ يَرْجُوهَا فِي الْوَقْتِ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ. وَقِيلَ: يُقَدِّمُ ثُمَّ إذَا وَجَدَهَا أَعَادَ إنْ كَانَتْ مِمَّا تُعَادُ. وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيُقَدِّمُهَا جَزْمًا لِضِيقِ وَقْتِهَا. وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُمْ: الْأَفْضَلُ لِلْفَذِّ تَقْدِيمُهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَرْجُ جَمَاعَةً. (وَمَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ) لِظُلْمَةٍ: أَوْ سَحَابٍ (اجْتَهَدَ) : وَتَحَرَّى (بِنَحْوِ وِرْدٍ) : فَمَنْ كَانَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ وِرْدٌ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ، وَكَانَتْ عَادَتُهُ الْفَرَاغَ مِنْهُ طُلُوعَ الْفَجْرِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الطَّحَّانُ يَفْرُغُ مِنْ طَحْنِ الْإِرْدَبِّ مَثَلًا طُلُوعَ الْفَجْرِ أَوْ الْغَزْلِ أَوْ النَّسْجِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُجَرَّبَةِ، فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا. وَكَذَا آلَةُ الْمُؤَقِّتِينَ كَالرَّمْلِيَّةِ وَالسَّاعَةِ الْمُنْضَبِطَةِ وَإِلَّا زَادَ فِي التَّحَرِّي حَتَّى يَغْلِبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي أَوَّلِ الْمُخْتَارِ مُطْلَقًا إلَّا الظُّهْرَ لِجَمَاعَةٍ تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا فَيُنْدَبُ تَأْخِيرُهَا. وَتَحْتَهُ قِسْمَانِ: تَأْخِيرٌ لِانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ فَقَطْ، وَتَأْخِيرٌ لِلْإِبْرَادِ كَمَا عَلِمْت. تَنْبِيهٌ قَوْلُ خَلِيلٍ: " وَفِيهَا نُدِبَ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ قَلِيلًا ": أَيْ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُنْدَبُ لِلْقَبَائِلِ وَالْحَرَسِ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ بَعْدَ الشَّفَقِ زَمَنًا قَلِيلًا لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لَهَا، لِأَنَّ شَأْنَهُمْ التَّفَرُّقُ؛ ضَعِيفٌ. وَالرَّاجِحُ التَّقْدِيمُ مُطْلَقًا، فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [وَالْأَفْضَلُ لِفَذٍّ] : أَيْ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ سَنَدٌ، فَفِعْلُهَا عِنْدَهُ فِي جَمَاعَةٍ آخِرَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا، فَذًّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَجَزَمَ بِهِ الْبَاجِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ، فَأَوْلَى التَّأْخِيرُ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُقَدِّمُ] : اُعْتُرِضَ الْقَوْلُ بِالتَّقْدِيمِ، بِأَنَّ الرِّوَايَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الصُّبْحِ يُنْدَبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى جَمَاعَةٍ يَرْجُوهَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا ضَرُورِيَّ لَهَا وَإِلَّا لَوَجَبَ. وَرُدَّ بِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ نَقَلَ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي تَرْجِيحِ أَوَّلِ الْوَقْتِ فَذًّا عَلَى آخِرِهِ جَمَاعَةً أَوْ بِالْعَكْسِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ لَا فِي خُصُوصِ الصُّبْحِ، وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْمُؤَلِّفِ صَحِيحٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَعُلِمَ مِنْ هَذَا] : أَيْ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. [مِنْ خفي عَلَيْهِ الْوَقْت] قَوْلُهُ: [وَمَنْ خَفِيَ] إلَخْ: سَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ فِي قَوْلِهِ: [وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ] إلَخْ. قَوْلُهُ: [لِظُلْمَةٍ أَوْ سَحَابٍ] : لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.

[الوقت الضروري للصلاة]

عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ. وَلِذَا قَالَ: (وَكَفَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ، فَإِنْ تَخَلَّفَ ظَنُّهُ وَتَبَيَّنَ تَقْدِيمُهَا) : عَلَى الْوَقْتِ (أَعَادَ وُجُوبًا) : وَإِلَّا فَلَا. (وَمَنْ شَكَّ) : أَوْ ظَنَّ ظَنًّا خَفِيفًا (فِي دُخُولِهِ) : وَصَلَّى (لَمْ تُجْزِهِ) صَلَاتُهُ (وَإِنْ) : تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا (وَقَعَتْ فِيهِ) : أَيْ الْوَقْتِ. فَأَوْلَى إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ أَوْ تَبَيَّنَ وُقُوعَهَا قَبْلَهُ، بِخِلَافِ مَنْ غَلَبَ ظَنُّهُ فَلَا يُعِيدُ إلَّا فِي الْأَخِيرَةِ كَمَا عَلِمْت. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ بِأَنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَحَقُّقِ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَا يَكْفِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ. (وَ) الْوَقْتُ (الضَّرُورِيُّ) أَيْ ابْتِدَاؤُهُ (تِلْوَ) : أَيْ عَقِبَ الْوَقْتِ (الْمُخْتَارِ) سُمِّيَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا] : أَيْ وَإِلَّا يَتَبَيَّنُ التَّقْدِيمُ - بِأَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا فِي الْوَقْتِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ - فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَمَنْ شَكَّ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا تَرَدَّدَ، هَلْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَمْ لَا، أَوْ ظَنَّ ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ الدُّخُولَ، أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ - وَسَوَاءٌ حَصَلَ مَا ذُكِرَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا - فَإِنَّهَا لَا تُجْزِيهِ لِتَرَدُّدِ نِيَّتِهِ، سَوَاءٌ تَبَيَّنَ أَنَّهَا وَقَعَتْ قَبْلَهُ أَوْ فِيهِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ؛ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ. وَأَمَّا إذَا دَخَلَ الصَّلَاةَ جَزْمًا بِدُخُولِ وَقْتِهَا أَوْ ظَنًّا قَوِيًّا. فَتُجْزِئُ إنْ تَبَيَّنَ وُقُوعُهَا فِيهِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ، وَإِنْ تَبَيَّنَ وُقُوعُهَا قَبْلَهُ لَا تُجْزِئُ فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ. قَوْلُهُ: [ظَنًّا خَفِيفًا] : أَيْ غَيْرَ قَوِيٍّ فَهُوَ وَالشَّكُّ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَكْفِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ] : أَيْ فَلَوْ دَخَلَ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، وَلَوْ وَقَعَتْ فِيهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْيَقِينِ وَتَفْرِيطِهِ؛ هَكَذَا قَالَ شَارِحُنَا. وَلَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: غَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (انْتَهَى) . فَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ. [الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ لِلصَّلَاةِ] قَوْلُهُ: [تِلْوَ] إلَخْ: مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الضَّرُورِيَّ عَقِبَ الْمُخْتَارِ فِي غَيْرِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ وَالْمُسَافِرِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا فَالضَّرُورِيُّ قَدْ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْتَرِكَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ضَرُورِيًّا لِعَدَمِ جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ لِغَيْرِ أَرْبَابِ الضَّرُورَاتِ، فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْإِسْفَارِ. وَيَمْتَدُّ (لِطُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الصُّبْحِ، وَلِغُرُوبِهَا فِي الظُّهْرَيْنِ) : فَيَمْتَدُّ ضَرُورِيُّ الظُّهْرِ الْمُخْتَصُّ بِهَا مِنْ دُخُولِ مُخْتَارِ الْعَصْرِ، وَيَمْتَدُّ ضَرُورِيُّ الْعَصْرِ مِنْ الِاصْفِرَارِ لِغُرُوبِهَا فِيهِمَا. لَكِنْ تَخْتَصُّ الْعَصْرُ بِقَدْرِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي: بَيَانُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي الضَّرُورِيِّ مِنْ الِاصْفِرَارِ. وَمَبْدَأُ ضَرُورِيِّ الْمَغْرِبِ مِنْ مُضِيِّ مَا يَسَعُهَا بِشُرُوطِهَا. وَمَبْدَأُ ضَرُورِيِّ الْعِشَاءِ مِنْ مُضِيِّ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ. (وَ) يَمْتَدُّ (لِلْفَجْرِ فِي الْعِشَاءَيْنِ) : لَكِنْ تَخْتَصُّ الْعِشَاءُ الْأَخِيرَةُ بِقَدْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، كَمَا تَخْتَصُّ الْمَغْرِبُ بِمَا قَبْلَ دُخُولِ الثُّلُثِ الثَّانِي. (وَتُدْرَكُ فِيهِ) : أَيْ فِي الضَّرُورِيِّ (الصَّلَاةُ) صُبْحًا أَوْ غَيْرَهَا (بِرَكْعَةٍ) بِسَجْدَتَيْهَا أَيْ بِأَدَائِهَا فِيهِ. فَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا أَخَّرَ الضَّرُورِيَّ، وَصَلَّى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِغَيْرِ أَرْبَابِ الضَّرُورَاتِ] : أَيْ فَغَيْرُهُمْ آثِمٌ بِالتَّأْخِيرِ وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مُؤَدِّينَ. قَوْلُهُ: [لِطُلُوعِ الشَّمْسِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهَا ضَرُورِيًّا. قَوْلُهُ: [مِنْ دُخُولِ مُخْتَارِ الْعَصْرِ] : أَيْ الْخَاصِّ بِهَا وَهُوَ أَوَّلُ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتِ الِاشْتِرَاكِ مِنْهَا عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي أَنَّ الْعَصْرَ دَاخِلَةٌ عَلَى الظُّهْرِ أَوْ الْعَكْسُ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ: أَيْ إلَى الِاصْفِرَارِ. قَوْلُهُ: [وَيَمْتَدُّ ضَرُورِيُّ الْعَصْرِ] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَيَمْتَدُّ ضَرُورِيُّهُمَا مَعًا مِنْ الِاصْفِرَارِ لِلْغُرُوبِ لَكِنْ إلَخْ. وَيُحْذَفُ قَوْلُهُ: [فِيهِمَا] . قَوْلُهُ: [كَمَا تَخْتَصُّ الْمَغْرِبُ] : أَيْ فَصَارَ وَقْتُ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الضَّرُورِيِّ الثُّلُثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ اللَّيْلِ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَسَعُ الْعِشَاءَ قَبْلَ الْفَجْرِ. فَصَارَ الثُّلُثَانِ الْأَخِيرَانِ بِمَنْزِلَةِ الِاصْفِرَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ. قَوْلُهُ: [بِرَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا] : أَيْ مَعَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةٍ قِرَاءَةٍ مُعْتَدِلَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَاعْتِدَالٍ. وَيَجِبُ تَرْكُ السُّنَنِ كَالسُّورَةِ، وَيَأْتِي بِالسُّنَّةِ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الْوَقْتِ. وَيَتْرُكُ الْإِقَامَةَ مِنْ بَابِ أَوْلَى فَلَا يُدْرِكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَخِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: لَا يُدْرِكُ إلَّا بِجَمِيعِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ شَطْرِهَا.

الْبَاقِيَ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ، لِأَنَّ مَا فُعِلَ خَارِجَهُ كَالتَّكْرَارِ لِمَا فُعِلَ فِيهِ (كَالِاخْتِيَارِيِّ) يُدْرِكُ بِفِعْلِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا فِيهِ، وَإِنْ وَقَعَ الْبَاقِي بَعْدَ خُرُوجِهِ فِي الضَّرُورِيِّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ إذَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَقِيلَ: يَأْثَمُ. (وَالْكُلُّ) : أَيْ مَا صَلَّى فِي آخِرِ الضَّرُورِيِّ وَمَا صَلَّى خَارِجَهُ (أَدَاءٌ) : وَإِنْ أَثِمَ بِالتَّأْخِيرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَفَائِدَتُهُ: أَنَّ مَنْ حَاضَتْ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيمَا وَقَعَ خَارِجَ الْوَقْتِ سَقَطَتْ عَنْهُ لِحُصُولِ الْعُذْرِ وَقْتَ الْأَدَاءِ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ السُّقُوطِ لِحُصُولِ الْعُذْرِ بَعْدَ الْوَقْتِ. وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا بُطْلَانُ صَلَاةِ مَنْ اقْتَدَى بِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا قَضَاءٌ خَلْفَ أَدَاءً. (وَأَثِمَ الْمُؤَخِّرُ) الصَّلَاةَ، (لَهُ) : أَيْ لِلضَّرُورِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ أَدَاءً. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ] : أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: [بُطْلَانُ صَلَاةٍ] إلَخْ: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ قَدَّاحٍ بِالصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ أَدَاءٌ حُكْمًا، وَهِيَ قَضَاءٌ فِعْلًا. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا أَدَاءٌ حُكْمًا. وَبُطْلَانُ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي مِنْ حَيْثُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ نِيَّةً وَصِفَةً إذْ صِفَةُ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَدَاءُ بِاعْتِبَارِ

[إثم مؤخر الصلاة للوقت الضروري]

(إلَّا لِعُذْرٍ) فَلَا يَأْثَمُ، وَبَيَّنَ الْعُذْرَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ كُفْرٍ) : أَصْلِيٍّ، بَلْ. (إنْ طَرَأَ) بِأَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ لِلْإِسْلَامِ فَلَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لِلضَّرُورِيِّ، وَفِي الْحَقِيقَةِ عَدَمُ الْإِثْمِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] . (وَصِبًا) : فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي الضَّرُورِيِّ وَأَدَّاهَا فِيهِ فَلَا يَأْثَمْ. (وَإِغْمَاءٍ وَجُنُونٍ) : أَفَاقَ صَاحِبُهُمَا فِي الضَّرُورِيِّ وَأَدَّاهَا فِيهِ لَمْ يَأْثَمْ. (وَفَقْدِ طَهُورَيْنِ) : مَاءٍ وَتُرَابٍ فَآخَرُ، فَإِنْ وَجَدَ أَحَدَهُمَا فِي الضَّرُورِيِّ فَأَدَّى لَمْ يَأْثَمْ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِنَا. (وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ) : فَإِذَا طَهُرَتْ فِي الضَّرُورِيِّ وَأَدَّتْ لَمْ تَأْثَمْ. (وَنَوْمٍ وَغَفْلَةٍ) ، فَإِذَا انْتَبَهَ فِي الضَّرُورِيِّ فَأَدَّى فِيهِ لَمْ يَأْثَمْ. وَلَا يَحْرُمْ النَّوْمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَوْ عَلِمَ اسْتِغْرَاقَهُ الْوَقْتَ، بِخِلَافِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَصَلَاةِ الْمَأْمُومِ الْقَضَاءُ. وَأَنَّهَا إنْ حَاضَتْ فِيهَا لَمْ تَسْقُطْ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ حَقِيقَةً. (انْتَهَى مِنْ الْأَصْلِ) . [إثم مُؤَخِّر الصَّلَاة لِلْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ] قَوْلُهُ: [لِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ] : أَيْ لِأَنَّ بِالْإِسْلَامِ يَحْصُلُ الْغُفْرَانُ. قَوْلُهُ: [وَصِبًا] : بِالْفَتْحِ مَدًّا وَالْكَسْرِ قَصْرًا. قَوْلُهُ: [وَأَدَّاهَا] : أَيْ وَيُعِيدُهَا إنْ كَانَ صَلَّاهَا لِأَنَّ الْأُولَى نَفْلٌ وَإِنْ بَلَغَ بِهَا بِإِنْبَاتِ الْعَانَةِ مَثَلًا شَفَعَ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَصَلَّاهَا. وَإِلَّا قَطَعَ وَأَدْرَكَهَا. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَلَا يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ إنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا. قَوْلُهُ: [وَفَقْدِ طُهْرَيْنِ] : أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَتَسْقُطُ صَلَاةٌ، وَقَضَاؤُهَا بِعَدَمِ مَاءٍ وَصَعِيدٍ. قَوْلُهُ: [فَآخَرَ] : أَيْ طَاهِرٍ. قَوْلُهُ: [مِنْ زِيَادَتِنَا] : أَيْ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَهُ هُنَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ عَلِمَ اسْتِغْرَاقَهُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ

[تقدير وقت لطهر المعذور]

إنْ ظَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ. (لَا سُكْرٍ) : حَرَامٍ، فَلَيْسَ بِعُذْرٍ لِإِدْخَالِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنْ سَكِرَ بِحَرَامٍ وَأَفَاقَ فِي الضَّرُورِيِّ أَثِمَ لِلتَّأْخِيرِ زِيَادَةً عَلَى إثْمِ الْإِسْكَارِ. وَأَمَّا السُّكْرُ بِغَيْرِ حَرَامٍ فَعُذْرٌ كَالنَّوْمِ وَبِهِ تَتِمُّ الْأَعْذَارُ عَشْرَةً. (وَتُدْرَكُ) : الصَّلَاتَانِ (الْمُشْتَرِكَتَانِ) : فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ؛ وَهُمَا الظُّهْرَانِ وَالْعِشَاءَانِ إنْ (بِزَوَالِهِ) أَيْ الْعُذْرِ أَيْ عِنْدَ زَوَالِهِ، وَمَعْنَى إدْرَاكِهِمَا: تَرَتُّبُهُمَا فِي ذِمَّتِهِ (بِفَضْلٍ) : أَيْ بِسَبَبِ زِيَادَةِ (رَكْعَةٍ) : بِسَجْدَتَيْهَا (عَنْ) : الصَّلَاةِ (الْأُولَى) : مِنْ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ. أَيْ أَنَّ مَنْ زَالَ عُذْرُهُ فِي الضَّرُورِيِّ، بِأَنْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ. أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ. وَيَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ حَيْثُ خَشِيَ فَوَاتَهَا كَالسَّفَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ لِأَنَّهَا مِنْ مَشَاهِدِ الْخَيْرِ. قَوْلُهُ: [إنْ ظَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ] : أَيْ مَا لَمْ يُوَكِّلْ مَنْ يُوقِظُهُ وَوَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ نَائِمًا إيقَاظُهُ إنْ خِيفَ خُرُوجُ الْوَقْتِ، وَهَلْ وَلَوْ نَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ - كَمَا قَاسَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى تَنْبِيهِ الْغَافِلِ - أَوْ لَا؟ لِأَنَّهُ نَامَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ (انْتَهَى مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [أَثِمَ] : أَيْ سَوَاءٌ سَكِرَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [كَالنَّوْمِ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ: فَكَالْمَجْنُونِ (انْتَهَى) وَهُوَ الصَّوَابُ لِقَوْلِهِ فِي الْحَاشِيَةِ: فَتَسْقُطُ عَنْهُ صَلَاةُ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي اسْتَغْرَقَهُ. [تقدير وَقْت لطهر الْمَعْذُور] قَوْلُهُ: [عَنْ الصَّلَاةِ الْأُولَى] : أَيْ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْأُخْرَى فِعْلًا وَجَبَ التَّقْدِيرُ بِهَا، لَا لِفَضْلِهَا عَنْ الصَّلَاةِ الْأَخِيرَةِ. خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٍ وَغَيْرِهِمَا. قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ إذَا ضَاقَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ وَسَقَطَتْ الْأُولَى اتِّفَاقًا وَجَبَ التَّقْدِيرُ بِهَا. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي حَائِضٍ مُسَافِرَةٍ طَهُرَتْ لِثَلَاثٍ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ تُدْرِكُ الْعِشَاءَ وَتُسْقِطُ الْمَغْرِبَ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ تُدْرِكُهُمَا بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْعِشَاءِ الْمَقْصُورَةِ. وَفِي حَائِضٍ حَاضِرَةٍ طَهُرَتْ لِأَرْبَعٍ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ فَعَلَى الْأُولَى تُدْرِكُهُمَا لِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْمَغْرِبِ، وَعَلَى الثَّانِي: تُدْرِكُ الْعِشَاءَ فَقَطْ إذْ لَمْ يَفْضُلْ لِلْمَغْرِبِ شَيْءٌ فِي التَّقْدِيرِ. (انْتَهَى مِنْ الْأَصْلِ) . وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ الْخُلْفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِثَمَرَتِهِ. وَسَيُفَصِّلُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فَقَطْ.

أَوْ وَجَدَ فَاقِدُ الطُّهْرَيْنِ أَحَدَهُمَا، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ: فَإِذَا اتَّسَعَ الضَّرُورِيُّ بِحَيْثُ يَسَعُ الصَّلَاتَيْنِ مَعًا بَعْدَ تَقْدِيرِ زَمَنٍ يَحْصُلُ فِيهِ طَهَارَةُ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُهُمَا مَعًا، أَيْ يَتَرَتَّبَانِ مَعًا فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ يَسَعُ الْأُولَى مِنْهَا بَعْدَ تَقْدِيرِ الطَّهَارَةِ، وَيَفْضُلُ عَنْهَا لِلثَّانِيَةِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا. وَكُلُّ مَعْذُورٍ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ إلَّا الْكَافِرَ فَلَا يُقَدَّرُ لَهُ. وَأَشَارَ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَعْذُورُ) : حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ كَافِرٍ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ) : وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي غَيْرِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ بِحَلَالٍ. وَأَمَّا هُمْ فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ مَتَى تَنَبَّهُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَبَدًا لِعَدَمِ إسْقَاطِهَا الصَّلَاةَ، كَمَا سَيَأْتِي. أَشَارَ لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ) (بَقِيَ) : مِنْ الْوَقْتِ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ (مَا) : أَيْ زَمَنٌ (يَسَعُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا) : لَا أَقَلَّ - مَعَ مَا يَسَعُ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى فِي الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، أَوْ الصُّغْرَى فِي الْمُغْمَى وَالْمَجْنُونِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (وَجَبَتْ الصُّبْحُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [غَيْرَ كَافِرٍ] : وَأَمَّا الْكَافِرُ لَا يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ لِأَنَّ إزَالَةَ عُذْرِهِ بِالْإِسْلَامِ فِي وُسْعِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤَدِّيهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ خَارِجَ الْوَقْتِ. وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ بَادَرَ بِالطَّهَارَةِ وَصَلَّى بَعْدَ الْوَقْتِ. (انْتَهَى مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ] : أَيْ يُقَدَّرُ لَهُ زَمَنٌ يَسَعُ طُهْرَهُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ قُدِّرَ لَهُ مَا يَسَعُ الْوُضُوءَ. وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَكْبَرَ قُدِّرَ لَهُ مَا يَسَعُ الْغُسْلَ، هَذَا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ، وَإِلَّا قُدِّرَ لَهُ مَا يَسَعُ التَّيَمُّمَ. وَفَائِدَةُ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إسْقَاطُ تِلْكَ الصَّلَاةِ الَّتِي زَالَ عُذْرُهُ فِي ضَرُورِيِّهَا وَعَدَمُ إسْقَاطِهَا. قَوْلُهُ: [وَالسَّكْرَانُ بِحَلَالٍ] : تَقَدَّمَ أَنَّ إلْحَاقَهُ بِالنَّائِمِ فِيهِ نَظَرٌ. بَلْ الْمُنَاسِبُ إلْحَاقُهُ بِالْمَجْنُونِ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ وَالْخَرَشِيِّ وَالْمَجْمُوعِ وَالْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ الصُّغْرَى] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا كُبْرَى.

كَأَخِيرَةِ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ) ، فَقَطْ، وَتَسْقُطُ الْأُولَى. فَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ قَبْلَ الْغُرُوبِ بِمَا يَسَعُ مَا ذُكِرَ وَجَبَتْ الْعَصْرُ، وَسَقَطَتْ الظُّهْرُ. أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَجَبَتْ الْعِشَاءُ وَسَقَطَتْ الْمَغْرِبُ. وَكَذَا إذَا بَقِيَ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً فِي الظُّهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةَ فَتَجِبُ، وَتَسْقُطُ الْأُولَى لِخُرُوجِ وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ. (وَ) إنْ بَقِيَ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ مَا يَسَعُ (خَمْسًا) : مِنْ الرَّكَعَاتِ حَالَ كَوْنِهِ (حَضَرًا) : أَيْ فِي الْحَضَرِ أَوْ حَاضِرًا (أَوْ) : مَا يَسَعُ (ثَلَاثًا سَفَرًا) : أَيْ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، (وَجَبَ الظُّهْرَانِ) : مَعًا لِأَنَّهُ يُدْرِكُ الظُّهْرَ بِأَرْبَعٍ فِي الْحَضَرِ أَوْ بِرَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. وَيَفْضُلُ لِلْعَصْرِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً فَيَجِبُ أَيْضًا. (وَ) : إنْ بَقِيَ مَا يَسَعُ (أَرْبَعًا) : قَبْلَ الْفَجْرِ (مُطْلَقًا) : أَيْ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا (وَجَبَ الْعِشَاءَانِ) : مَعًا لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأُولَى؛ فَتُدْرَكُ الْمَغْرِبُ بِثَلَاثٍ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا يَفْضُلُ لِلْعِشَاءِ رَكْعَةٌ فَتَجِبُ أَيْضًا وَأَوْلَى لَوْ بَقِيَ قَبْلَ الْفَجْرِ مَا يَسَعُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَسْقُطُ الْأُولَى] : أَيْ لَمَّا عُلِمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ، وَهِيَ: إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ فِي الْمُشْتَرَكَتَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَسَقَطَتْ الظُّهْرُ] : أَيْ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّقْدِيرِ بِالثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً] إلَخْ: أَيْ فِي الْحَضَرِ وَأَمَّا فِي السَّفَرِ لَوْ بَقِيَ ثَلَاثَةٌ وَجَبَتْ الصَّلَاتَانِ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [أَيْ فِي الْحَضَرِ] إلَخْ: أَشَارَ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ [حَضَرًا] إمَّا مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَوْ حَالٌ بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ. قَوْلُهُ: [وَجَبَ الظُّهْرَانِ مَعًا] : أَيْ وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بَيْنَ كَوْنِ التَّقْدِيرِ بِالْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأُولَى] : عِلَّةٌ لِلْإِطْلَاقِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّقْدِيرُ بِالثَّانِيَةِ وَكَانَ فِي الْحَضَرِ لَسَقَطَتْ الْأُولَى. قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى لَوْ بَقِيَ] إلَخْ: أَيْ فِي وُجُوبِ الصَّلَاتَيْنِ كَانَ التَّقْدِيرُ بِالْأُولَى أَوْ بِالثَّانِيَةِ. تَنْبِيهٌ: إذَا ظَنَّ إدْرَاكَ الصَّلَاتَيْنِ مَعًا بَعْدَ تَقْدِيرِ الطَّهَارَةِ، فَتَبَيَّنَ إدْرَاكُ الْأَخِيرَةِ

(وَطُرُوُّ) : بِضَمِّ الطَّاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ طَرَيَان (غَيْرِ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ) : مِنْ الْأَعْذَارِ عَلَى الْمُكَلَّفِ، كَأَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ حَيْضٌ أَوْ نِفَاسٌ أَوْ فَقْدُ الطُّهْرَيْنِ أَوْ كُفْرٌ، (فِيهِ) : أَيْ فِي الضَّرُورِيِّ (لِمَا ذُكِرَ) : اللَّامُ بِمَعْنَى فِي، أَيْ فِي قَدْرِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ (مُسْقِطٌ لَهَا) : أَيْ لِلصَّلَاةِ خَبَرُ قَوْلِهِ: (طُرُوُّ) فَإِذَا طَرَأَ الْعُذْرُ وَالْبَاقِي مِنْ الضَّرُورِيِّ قَدْرُ مَا يَسَعُ رَكْعَةً لَا أَقَلَّ، سَقَطَتْ الصُّبْحُ - إذَا لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا وَإِنْ عَمْدًا - وَأَخِيرَةَ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ، وَهِيَ الْعَصْرُ أَوْ الْعِشَاءُ الْأَخِيرُ، لِحُصُولِ الْعُذْرِ فِي وَقْتِهَا، وَتَخَلَّدَتْ فِي ذِمَّتِهِ الظُّهْرُ أَوْ الْمَغْرِبُ لِعَدَمِ حُصُولِهِ وَقْتَهَا، لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْوَقْتَ إذْ ضَاقَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ. وَقَدْرُ مَا يَسَعُ خَمْسًا بِالْحَضَرِ أَوْ ثَلَاثًا بِالسَّفَرِ، سَقَطَ الظُّهْرَانِ مَعًا وَقَدْرُ مَا يَسَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الْفَجْرِ سَقَطَ الْعِشَاءَانِ مَعًا. (وَلَا يُقَدَّرُ) لِلسُّقُوطِ (طُهْرٌ) : كَالْإِدْرَاكِ، وَأَمَّا النَّوْمُ وَالنِّسْيَانُ فَلَا يُسْقِطَانِهَا بِحَالٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَقَطْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَقَطْ سَوَاءٌ رَكَعَ أَوْ لَمْ يَرْكَعْ. وَيَخْرُجُ عَنْ شَفْعٍ إنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ. وَإِنْ تَطَهَّرَ مَنْ ظَنَّ إدْرَاكَ الصَّلَاتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا فَأَحْدَثَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَظَنَّ إدْرَاكَ الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ أُخْرَى فَفَعَلَ فَخَرَجَ الْوَقْتُ، فَالْقَضَاءُ فِي الْأُولَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي الثَّانِيَةِ عِنْدَ سَحْنُونَ، عَمَلًا بِالتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ. أَوْ تَطَهَّرَ لِلصَّلَاتَيْنِ وَذَكَرَ مَا يَتَرَتَّبُ مَعَهَا مِنْ يَسِيرِ الْفَوَائِتِ مِمَّا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ فَقَدَّمَهُ فَخَرَجَ الْوَقْتُ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (انْتَهَى مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَتَخَلَّدَتْ فِي ذِمَّتِهِ] إلَخْ: أَيْ مَتَى زَالَ عُذْرُهُ يَقْضِيهَا. قَوْلُهُ: [اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ] : أَيْ إدْرَاكًا أَوْ سُقُوطًا. قَوْلُهُ: [سَقَطَ الْعِشَاءَانِ] إلَخْ: أَيْ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأُولَى وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّقْدِيرُ بِالثَّانِيَةِ لَسَقَطَتْ الْأَخِيرَةُ فَقَطْ. وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ الْعُذْرُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِثَلَاثٍ فِي السَّفَرِ، فَعَلَى التَّقْدِيرِ بِالْأُولَى تَسْقُطُ الْأَخِيرَةُ وَعَلَى التَّقْدِيرِ بِالثَّانِيَةِ يَسْقُطَانِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُقَدَّرُ لِلسُّقُوطِ] إلَخْ: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي اخْتَارَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُقَدَّرْ الطُّهْرُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْعِبَادَةِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا النَّوْمُ] إلَخْ: سُكُوتُهُ عَنْ السُّكْرِ بِحَلَالٍ هُنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ

[تارك الصلاة]

(وَتَارِكُهَا) : أَيْ الصَّلَاةِ اخْتِيَارًا (بِلَا عُذْرٍ يُؤَخِّرُ) : وُجُوبًا بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَطَلَبِهِ بِفِعْلِهَا (لِمَا ذُكِرَ) : أَيْ لِقَدْرِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ آخِرِ الضَّرُورِيِّ، إنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضٌ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مُشْتَرِكَتَانِ أَخَّرَ لِقَدْرِ خَمْسٍ فِي الظُّهْرَيْنِ، وَالْأَرْبَعِ فِي الْعِشَاءَيْنِ حَضَرًا وَثَلَاثٍ سَفَرًا أَوْ قَدْرِ طُهْرٍ خَفِيفٍ وَرَكَعَاتٍ خَالِيَةٍ عَنْ سُنَنٍ صَوْنًا لِلدِّمَاءِ مَا أَمْكَنَ. (وَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ حَدًّا) : لَا كُفْرًا خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهُ حُكْمُ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ بَلْ حُكْمُ الْجُنُونِ. [تَارِكُ الصَّلَاةِ] [تَنْبِيه قَتْلَ تَارِك الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [اخْتِيَارًا] : أَيْ كَسَلًا. قَوْلُهُ: [بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ] : أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ. قَوْلُهُ: [وَطَلَبِهِ] : أَيْ مَعَ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ. وَلَا يُضْرَبُ عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ. وَحُمِلَ الطَّلَبُ الْمَذْكُورُ إنْ كَانَ هُنَاكَ مَاءٌ أَوْ صَعِيدٌ، وَإِلَّا فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ لِسُقُوطِهَا عَنْهُ. قَوْلُهُ: [وَلِأَرْبَعٍ فِي الْعِشَاءَيْنِ] إلَخْ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأُولَى. وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ صَوْنًا لِلدِّمَاءِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَثَلَاثٌ سَفَرًا] : أَيْ بِنَاءً عَلَى التَّقْدِيرِ بِالْأَخِيرَةِ فِي الْعِشَاءَيْنِ، وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ صَوْنًا لِلدِّمَاءِ. قَوْلُهُ: [خَفِيفٌ] : أَيْ مُجَرَّدُ الْفَرَائِضِ وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ. قَوْلُهُ: [خَالِيَةٌ عَنْ سُنَنٍ] : أَيْ فَلَا يُقَدَّرُ فِي الرَّكْعَةِ إلَّا مَا اُتُّفِقَ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ. قَوْلُهُ: [حَدًّا] : قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أُورِدَ عَلَى قَتْلِهِ حَدًّا أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا سَقَطَ بِرُجُوعِهِ إلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ إقَامَتِهِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّرْكَ الْمُوجِبَ لِقَتْلِهِ حَدًّا إنَّمَا هُوَ التَّرْكُ الْجَازِمُ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ بِوُقُوعِهَا إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُسَبِّبَاتِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ (انْتَهَى مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) قَالَ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا: لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْقُدُومُ عَلَى الْقَتْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِسَبَبِهِ، وَسَالِمٌ مِنْ هَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ: لَا يُقْتَلُ إلَّا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ صَوْنًا لِلدِّمَاءِ. نَعَمْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يَتَحَقَّقُ مَعَ الشُّرُوعِ فِي الْقَتْلِ وَلَمْ يُفْعَلْ، فَتَدَبَّرْ (انْتَهَى) . قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ] : أَيْ فَإِنَّهُ قَالَ بِكُفْرِهِ، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَكِنَّهُ خَصَّهُ بِمَا إذَا طُلِبَتْ مِنْهُ وَضَاقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا. وَأَمَّا تَارِكُ الزَّكَاةِ فَتُؤْخَذُ كُرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ. وَيَكُونُ الْآخِذُ كَالْوَكِيلِ شَرْعًا تَكْفِي نِيَّتُهُ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَقَالَ عِيَاضٌ: يُحْبَسُ وَيُمْنَعُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِيهِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ مِنْهَا فَيُؤَخَّرُ لِضِيقِ وَقْتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكْذِبُ فِي الْإِخْبَارِ بِهَا. قُلْنَا: لَنَا الظَّاهِرُ. وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ الْحَجَّ فَاَللَّهُ حَسْبُهُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ الْعُمْرُ وَرُبَّ عُذْرٍ فِي الْبَاطِنِ فَيُتْرَكُ إلَّا بِقَدْرِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . تَنْبِيهٌ يُقْتَلُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَفْعَلُ - كَمَا قَالَ خَلِيلٌ - أَيْ وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، وَإِلَّا بِأَنْ قَالَ: أَنَا أَفْعَلُ، وَفَعَلَ، تُرِكَ وَلَمْ يُقْتَلْ. وَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى مُكْرَهًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ يُدَيَّنُ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَكُلِّ بِدْعِيٍّ وَمُظْهِرِ

(وَالْجَاحِدُ لَهَا) أَيْ الْمُنْكِرُ لِوُجُوبِهَا (كَافِرٌ) : مُرْتَدٌّ، يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ كُفْرًا، وَمَالُهُ فَيْءٌ (كَكُلِّ مَنْ جَحَدَ مَا) : أَيْ حُكْمًا (عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً) : كَوُجُوبِ الصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَإِبَاحَةِ الْبَيْعِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQكَبِيرَةٍ رَدْعًا لِغَيْرِهِ، وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ بَلْ يُجْعَلُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْقُبُورِ. وَحُكْمُ مَنْ تَرَكَ الْوُضُوءَ أَوْ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ كَسَلًا حُكْمُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَيُؤَخَّرُ إذَا طَلَبَ بِالْفِعْلِ طَلَبًا مُتَكَرِّرًا فِي سَعَةِ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ قَدْرَ مَا يَسَعُ الْوُضُوءَ أَوْ الْغُسْلَ. بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: لَا أَغْسِلُ النَّجَاسَةَ أَوْ لَا أَسْتُرُ الْعَوْرَةَ خِلَافًا لِ (عب) فِي شَرْحِ الْعِزِّيَّةِ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [الْمُنْكِرُ لِوُجُوبِهَا] : أَيْ أَوْ رُكُوعِهَا أَوْ سُجُودِهَا، بِأَنْ قَالَ: الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ لَكِنَّ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ مَثَلًا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِيهَا. قَوْلُهُ: [كَافِرٌ] : قَيَّدَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ بِمَا إذَا كَانَ غَيْرَ حَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَابَ] : أَيْ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: [فَيْءٌ] : أَيْ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: [كَكُلِّ مَنْ جَحَدَ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا اتِّفَاقًا سَوَاءٌ كَانَ الدَّالُّ عَلَيْهِ الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ. قَوْلُهُ: [ضَرُورَةً] : أَيْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَأَمَّا مَنْ جَحَدَ

[أوقات الكراهة والتحريم]

(وَحَرُمَ نَفْلٌ) لَا فَرْضٌ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا قَابَلَ الْخَمْسَ، فَيَشْمَلُ الْجِنَازَةَ وَالْمَنْذُورَ، (حَالَ طُلُوعِ) : أَيْ بُرُوزِ (شَمْسٍ، وَ) حَالَ (غُرُوبِهَا) : أَيْ غِيَابِهَا فِي الْأُفُقِ، (وَ) حَالَ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ، لَا عِيدٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْغَلُ عَنْ سَمَاعِهَا الْوَاجِبِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَمْرًا مِنْ الدِّينِ غَيْرَ مَعْلُومٍ بِالضَّرُورَةِ كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ، فَفِي كُفْرِهِ قَوْلَانِ. وَالرَّاجِحُ عَدَمُ الْكُفْرِ. وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَمَنْ لِمَعْلُومٍ ضَرُورَةً جَحَدَ ... مِنْ دِينِنَا يُقْتَلُ كُفْرًا لَيْسَ حَدُّ وَمِثْلُ هَذَا مَنْ نَفَى لِمُجْمَعٍ ... أَوْ اسْتَبَاحَ كَالزِّنَا فَلْتَسْمَعْ [أَوْقَات الْكَرَاهَة وَالتَّحْرِيم] قَوْلُهُ: [هُنَا] : أَيْ فِي أَمَاكِنِ الْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْعَ النَّفْلِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا إذَا كَانَ النَّفَلُ مَدْخُولًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَ الْغُرُوبِ مَثَلًا أَوْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَ أَنْ عَقَدَ مِنْهَا رَكْعَةً تَذَكَّرَ أَنَّهُ قَدْ صَلَّاهَا، فَإِنَّهُ يَشْفَعُهَا وَلَا حُرْمَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّفَلَ غَيْرُ مَدْخُولٍ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فَيَشْمَلُ الْجِنَازَةَ] : أَيْ إنْ لَمْ يَخْشَ تَغَيُّرَهَا وَإِلَّا صُلِّيَتْ أَيَّ وَقْتٍ. قَوْلُهُ: [وَالْمَنْذُورَ] : وَمِثْلُهُ قَضَاءُ النَّفْلِ الْمُفْسَدِ وَسُجُودُ السَّهْوِ الْبَعْدِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى كَوْنِهِ سُنَّةً. قَوْلُهُ: [بُرُوزِ شَمْسٍ] : أَيْ قَبْلَ ارْتِفَاعِ جَمِيعِ الْقُرْصِ. قَوْلُهُ: [سَمَاعِهَا الْوَاجِبِ] : أَيْ فَلِذَلِكَ حُرِّمَ كُلُّ شَاغِلٍ عَلَى حَاضِرِهَا

[تنبيه أحرم بنافلة ثم دخل وقت النهي]

(وَ) حَالَ (خُرُوجٍ) : أَيْ تَوَجُّهِ الْإِمَامِ (لَهَا) أَيْ لِلْخُطْبَةِ، (وَ) حَالَ (ضِيقِ وَقْتٍ) : اخْتِيَارِيٍّ أَوْ ضَرُورِيٍّ لِفَرْضٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِإِخْرَاجِهِ عَنْ وَقْتِهِ الْوَاجِبِ، (وَ) حَالَ (ذِكْرٍ) : أَيْ تَذَكُّرِ صَلَاةٍ (فَائِتَةٍ) : لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِتَأْخِيرِهَا الْحَرَامِ، إذْ يَجِبُ صَلَاتُهَا وَقْتَ تَذَكُّرِهَا وَلَوْ حَالَ طُلُوعٍ أَوْ غُرُوبٍ، (وَ) حَالَ (إقَامَةٍ لِحَاضِرَةٍ) : لِأَنَّهُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ أَيْ الْمُقَامَةَ، أَيْ يَحْرُمُ صَلَاةٌ غَيْرُهَا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِلطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ. (وَكُرِهَ) النَّفَلُ (بَعْدَ) طُلُوعِ (فَجْرٍ) صَادِقٍ (وَبَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ) عَصْرٍ إلَى أَنْ (تَرْتَفِعَ) : الشَّمْسُ بَعْدَ طُلُوعِهَا (قَيْدَ) أَيْ قَدْرَ (رُمْحٍ، وَ) ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا يَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ: [وَحَالَ خُرُوجٍ] إلَخْ: أَيْ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ مِنْ حُرْمَةِ ابْتِدَاءِ صَلَاةٍ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّافِلَةِ إنْ أَحْرَمَ، عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا إلَّا دَاخِلًا وَقْتَ الْخُطْبَةِ وَأَحْرَمَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَيُتِمُّ لِلْخِلَافِ فِي الدَّاخِلِ وَلِعُذْرِهِ بِالنِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَلَوْ حَالَ طُلُوعٍ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ شَاكًّا هَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ أَمْ لَا فَيَجْتَنِبُ أَوْقَاتَ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: [فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ] : أَيْ فَيَحْرُمُ النَّفَلُ وَغَيْرُهُ حَتَّى الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَا دَامَ الرَّاتِبُ يُصَلِّي. [تَنْبِيه أحرم بِنَافِلَة ثُمَّ دَخَل وَقْت النَّهْي] قَوْلُهُ: [وَبَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ عَصْرٍ] : أَيْ فَيُكْرَهُ النَّفَلُ بَعْدَهَا وَلَوْ جُمِعَتْ مَعَ الظُّهْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ. قَوْلُهُ: [إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ] : هَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ فَجْرٍ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَمْتَدُّ كَرَاهَةُ النَّفْلِ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَيَحْرُمُ النَّفَلُ إلَى أَنْ يَتَكَامَلَ ظُهُورُ قُرْصِهَا فَتَعُودُ الْكَرَاهَةُ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ أَيْ قَدْرَهُ. وَالرُّمْحُ اثْنَا عَشَرَ

إلَى أَنْ (تُصَلَّى الْمَغْرِبُ) : مَا عَدَا حَالَةَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ فَيَحْرُمُ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ (إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) : فَلَا يُكْرَهَانِ بَعْدَ طُلُوعِهِ، بَلْ هُمَا رَغِيبَةٌ كَمَا يَأْتِي. (وَ) إلَّا (الْوِرْدَ) أَيْ مَا وَظَّفَهُ مِنْ الصَّلَاةِ لَيْلًا عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يُنْدَبُ فِعْلُهُ (قَبْلَ) أَدَاءِ (فَرْضِ صُبْحٍ) : وَرَكْعَتَيْ فَجْرٍ (وَ) قَبْلَ (إسْفَارٍ) لَا بَعْدَهُ إلَّا الشَّفْعَ وَالْوَتْرَ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ فِعْلُهُ قَبْلَ الْإِسْفَارِ (لِمَنْ اعْتَادَهُ) لَيْلًا بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ التَّهَجُّدَ وَإِلَّا كُرِهَ (وَغَلَبَةُ النَّوْمُ) : آخِرَ اللَّيْلِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، لَا إنْ كَانَ سَاهِرًا أَوْ أَخَّرَهُ كَسَلًا فَيُكْرَهُ (وَلَمْ يَخَفْ) بِفِعْلِهِ (فَوَاتَ جَمَاعَةٍ) لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِلَّا كُرِهَ إنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا حَرُمَ. فَالشُّرُوطُ أَرْبَعَةٌ: كَوْنُهُ قَبْلَ الْإِسْفَارِ، وَمُعْتَادًا، وَغَلَبَهُ النَّوْمُ وَلَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ. (وَإِلَّا جِنَازَةً وَسُجُودَ تِلَاوَةٍ قَبْلَ إسْفَارٍ) فِي الصُّبْحِ (وَ) قَبْلَ (اصْفِرَارٍ) فِي الْعَصْرِ وَلَوْ بَعْدَ صَلَاتِهِمَا، فَلَا يُكْرَهُ، بَلْ يُنْدَبُ لَا بَعْدَهُمَا فَيُكْرَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQشِبْرًا وَالْمَعْنَى إلَى ارْتِفَاعِهَا اثْنَيْ عَشَرَ شِبْرًا فِي نَظَرِ الْعَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَى أَنْ تُصَلَّى الْمَغْرِبُ] إلَخْ: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: [بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ عَصْرٍ] . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَمْتَدُّ كَرَاهَةُ النَّفْلِ بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ طَرَفِ الشَّمْسِ، فَيَحْرُمُ إلَى اسْتِتَارِ جَمِيعِهَا فَتَعُودُ الْكَرَاهَةُ إلَى أَنْ تُصَلَّى الْمَغْرِبُ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْحُرْمَةِ فِي عُمُومِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: [إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ] إلَخْ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: [بَعْدَ فَجْرٍ] . قَوْلُهُ: [قَبْلَ أَدَاءِ إلَخْ] أَيْ فَلَا بَأْسَ بِإِيقَاعِ الْفَجْرِ وَالْوِرْدِ بِشُرُوطِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. فَإِنْ صَلَّى فَاتَ الْوَرْدُ وَأُخِّرَ الْفَجْرُ لِحِلِّ النَّافِلَةِ، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ الْوِرْدَ فِي أَثْنَاءِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهُ، وَإِنْ تَذَكَّرَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهِ وَيُعِيدُ الْفَجْرَ، إذْ لَا يَفُوتُ الْوَرْدُ إلَّا بِصَلَاةِ الْفَرْضِ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [إلَّا الشَّفْعَ وَالْوَتْرَ] : فَيُقَدَّمَانِ عَلَى الصُّبْحِ وَلَوْ بَعْدَ الْإِسْفَارِ مَتَى كَانَ يَبْقَى لِلصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الشَّمْسِ. وَمِثْلُهُمَا الْفَجْرُ، كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا جِنَازَةً] إلَخْ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ وَقْتَيْ الْكَرَاهَةِ أَيْ مِنْ مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: [وَكُرِهَ بَعْدَ فَجْرٍ وَفَرْضِ عَصْرٍ] . قَوْلُهُ: [لَا بَعْدَهُمَا] : أَيْ لَا بَعْدَ دُخُولِهِمَا فَيُكْرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَوْ صَلَّى

(وَقَطْعَ) الْمُتَنَفِّلُ صَلَاتَهُ (إذَا أَحْرَمَ بِوَقْتِ نَهْيٍ) : وُجُوبًا إنْ أَحْرَمَ بِوَقْتِ حُرْمَةٍ، وَنَدْبًا إنْ أَحْرَمَ بِوَقْتِ كَرَاهَةٍ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: (قَطَعَ) بِانْعِقَادِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ النَّهْيُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ كَحَالِ الْخُطْبَةِ، وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّهْيُ لِذَاتِ الْوَقْتِ كَحَالِ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَكَذَا بَعْدَ الطُّلُوعِ لِحِلِّ النَّافِلَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ. فَلَا وَجْهَ لِانْعِقَادِهِ؛ كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ وَصَوْمِ اللَّيْلِ. وَيُجَابُ: بِأَنَّ مَعْنَى الْقَطْعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْجِنَازَةِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ فَلَا تُعَادُ بِحَالٍ. بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا فِي وَقْتِ الْحُرْمَةِ مَعَ عَدَمِ خَوْفِ التَّغَيُّرِ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهَا تُعَادُ مَا لَمْ تُدْفَنْ. أَيْ تُوضَعْ فِي الْقَبْرِ، وَإِنْ لَمْ يُسَوَّ عَلَيْهَا التُّرَابُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تُعَادُ وَإِنْ لَمْ تُدْفَنْ. قَوْلُهُ: [وَقَطَعَ الْمُتَنَفِّلُ] إلَخْ: أَيْ أَحْرَمَ: بِنَافِلَةٍ: لِأَنَّهُ لَا يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ أَحْرَمَ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا. وَهَذَا التَّعْمِيمُ فِي غَيْرِ الدَّاخِلِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. فَإِنَّهُ إنْ أَحْرَمَ بِالنَّافِلَةِ جَهْلًا أَوْ نَاسِيًا فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ مُرَاعَاةً لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى لِلدَّاخِلِ أَنْ يَرْكَعَ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ الْخَطِيبُ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فَأَحْرَمَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَحْرَمَ عَمْدًا، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ، وَسَوَاءٌ فِي الْكُلِّ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ] أَيْ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ. قَوْلُهُ: [وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: قَطَعَ] إلَخْ: وَبَنَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ الثَّوَابَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَنْعِ، أَيْ: فَحَيْثُ قُلْنَا بِالِانْعِقَادِ يَأْثَمُ مِنْ جِهَةٍ وَيُثَابُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. قَوْلُهُ: [كَحَالِ الْخُطْبَةِ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهَا] : أَيْ مِنْ ضِيقِ الْوَقْتِ وَذِكْرِ الْفَائِتَةِ وَإِقَامَةِ الْحَاضِرَةِ. فَإِنَّ الْحُرْمَةَ فِيهَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الشَّغْلُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَتَفْوِيتُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرُ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِهَا وَالطَّعْنُ فِي الْإِمَامِ، وَهَذِهِ تَحْصُلُ وَلَوْ بِغَيْرِ صَلَاةٍ نَظِيرَ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ. قَوْلُهُ: [لِذَاتِ الْوَقْتِ] : أَيْ مُلَازِمٍ لِلْوَقْتِ بِمَعْنَى أَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا شَغْلُهَا بِغَيْرِ صَلَاةِ النَّفْلِ فَلَا نَهْيَ. قَوْلُهُ: [فَلَا وَجْهَ لِانْعِقَادِهِ] : وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ سَيِّدِي يَحْيَى الشَّاوِيِّ.

فِيمَا ذُكِرَ الِانْصِرَافُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِفَاسِدٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْأَوْقَاتِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا بِهِ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِهَا، وَهُوَ الْأَذَانُ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِفَاسِدٍ] : ظَاهِرُ كَلَامِهِ فَسَادُ النَّفْلِ وَلَوْ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ. تَنْبِيهٌ مَنْ أَحْرَمَ بِنَافِلَةٍ فَدَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ أَتَمَّ بِسُرْعَةٍ وَلَا يَقْطَعُهَا.

[فصل في الأذان]

فَصْلٌ فِي الْأَذَانِ فِي بَيَانِ الْأَذَانِ وَأَحْكَامِهِ (الْأَذَانُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِكُلِّ مَسْجِدٍ) وَلَوْ تَلَاصَقَتْ الْمَسَاجِدُ. (وَلِجَمَاعَةٍ) فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ (طَلَبَتْ غَيْرَهَا) : لِلِاجْتِمَاعِ فِي الصَّلَاةِ (لِفَرْضٍ) : لَا نَفْلٍ كَعِيدٍ (وَقْتِيٍّ) : أَيْ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ؛ فَخَرَجَتْ الْجِنَازَةُ وَالْفَائِتَةُ إذْ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ وَقْتُهَا تَذَكُّرُهَا فِي أَيِّ زَمَانٍ (اخْتِيَارِيٍّ) : ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي الْأَذَانِ] [حُكْم الْأَذَان] فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [الْأَذَانُ سُنَّةٌ إلَخْ: وَيُقَالُ: الْأُذِينُ، قَالَ الشَّاعِرُ: قَدْ بَدَا لِي وَضَحُ الصُّبْحِ الْمُبِينِ ... فَاسْقِنِيهَا قَبْلَ تَكْبِيرِ الْأُذِينِ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ نَقْلًا عَنْ الْبَدْرِ الْقَرَافِيِّ: لَا يُقَالُ أَذَّنَ الْعَصْرَ، بَلْ أَذَّنَ بِالْعَصْرِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: لَا مَانِعَ مِنْ نَصْبِ الْمَفْعُولِيَّةِ أَوْ إسْنَادِ الْمَجَازِ (انْتَهَى) . وَهُوَ لُغَةً: الْإِعْلَامُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، مُشْتَقٌّ مِنْ الْأَذَنِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، أَوْ مِنْ الْأُذُنِ بِالضَّمِّ: كَأَنَّهُ أَوْدَعَ مَا عَلِمَهُ أُذُنَ صَاحِبِهِ. وَأَذَّنَ بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ أَعْلَمَ. وَاصْطِلَاحًا: هُوَ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِالْأَلْفَاظِ الْمَشْرُوعَةِ. قَوْلُهُ: [بِكُلِّ مَسْجِدٍ] : وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِلصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: وَلَوْ تَلَاصَقَتْ] : أَيْ أَوْ تَرَاكَمَتْ بِأَنْ كَانَتْ فَوْقَ بَعْضِهَا. قَوْلُهُ: [لِفَرْضٍ] : أَيْ وَلَوْ جُمُعَةً فَالْأَذَانُ لَهَا سُنَّةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِوُجُوبِ الثَّانِي فِعْلًا. وَعَلَى الْقَوْلِ. بِالْوُجُوبِ فَهُوَ غَيْرُ شَرْطٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَالْحُكْمُ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْفِعْلِ بِالسُّنِّيَّةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّمَا أَحْدَثَهُ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ، فَهُوَ أَوَّلٌ فِي الْفِعْلِ ثَانٍ

[متى يندب الأذان]

لَا ضَرُورِيٍّ، فَيُكْرَهُ الْأَذَانُ فِي الضَّرُورِيِّ (أَوْ) صَلَاةٍ (مَجْمُوعَةٍ مَعَهُ) : أَيْ الْفَرْضِ الِاخْتِيَارِيِّ جَمْعَ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ كَالْعَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ فِي عَرَفَةَ، وَالْعِشَاءِ مَعَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَكَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ. وَقَوْلُنَا: (اخْتِيَارِيٍّ) إلَخْ: قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ تَرَكَهُ الشَّيْخُ. (وَكُرِهَ) : الْأَذَانُ (لِغَيْرِهِمْ) : أَيْ غَيْرِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي طَلَبَتْ غَيْرَهَا، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ، وَالْجَمَاعَةُ الْمَحْصُورَةُ فِي مَكَان لَا تَطْلُبُ غَيْرَهَا (حَضَرًا) : أَيْ فِي الْحَضَرِ. (وَنُدِبَ) : لِمُنْفَرِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ لَا تَطْلُبُ غَيْرَهَا (سَفَرًا) : أَيْ فِي السَّفَرِ (وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) : كَمَنْ فِي بَادِيَةٍ رَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَبَقِيَ مُنْفَرِدًا يَطْلُبُ غَيْرَهُ، أَوْ جَمَاعَةٍ مَحْصُورَةٍ فِي دَارٍ أَوْ خَانٍ لَكِنَّهُمْ مُتَفَرِّقُونَ فِيهَا، وَالظَّاهِرُ دُخُولُهُمَا فِي قَوْلِهِ: [جَمَاعَةٍ طَلَبَتْ غَيْرَهَا] ، أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ طَلَبَهُ جَمَاعَةٌ فَيُسَنُّ لَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ. (اهـ.) قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ يُقَالُ لِمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا، فَالْقَوْلُ بِالسُّنِّيَّةِ لَهُ وَجْهٌ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [أَوْ صَلَاةٍ مَجْمُوعَةٍ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا عِنْدَ فِعْلِهَا. قَوْلُهُ: [فِي عَرَفَةَ] : أَيْ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فِي مُزْدَلِفَةَ. قَوْلُهُ: [وَكَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ] : أَيْ جَمْعِ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ أَوْ صُورِيٍّ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ] إلَخْ: لِقَوْلِ مَالِكٍ: لَا أُحِبُّ الْأَذَانَ لِلْفَذِّ الْحَاضِرِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُنْفَرِدَةِ. [مَتَى يَنْدُب الْأَذَان] قَوْلُهُ: [كَمَنْ فِي بَادِيَةٍ] : أَيْ فَمُرَادُهُ بِالسَّفَرِ: اللُّغَوِيُّ، فَيَشْمَلُ مَنْ كَانَ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ لِخَبَرِ الْمُوَطَّإِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " مَنْ صَلَّى بِأَرْضٍ فَلَاةٍ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ، فَإِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ ". وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي أَرْضٍ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ صَلَّى خَلْفَهُ مَلَكَانِ، فَإِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا

[متى يكره الأذان]

(وَ) كُرِهَ (لِفَائِتَةٍ وَ) لِصَلَاةٍ (ذَاتِ) وَقْتٍ (ضَرُورِيٍّ وَ) لِصَلَاةِ (جِنَازَةٍ وَنَافِلَةٍ) كَعِيدٍ وَكُسُوفٍ. وَهَذَا مَفْهُومٌ [فَرْضٌ] . وَمَا قَبْلَهُ مَعَ الْأَوَّلِ مَفْهُومٌ [وَقْتِيٌّ] وَذَاتُ ضَرُورِيٍّ مَفْهُومٌ [اخْتِيَارِيٌّ] فَلَمْ يَأْتِ عَلَى التَّرْتِيبِ. (وَهُوَ) : أَيْ الْأَذَانُ (مُثَنًّى) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ، مِنْ التَّثْنِيَةِ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَرَاهُ طَرْفَاهُ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ» . ذَكَرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّإِ (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . [مَتَى يَكْرَه الْأَذَان] قَوْلُهُ: [ذَاتِ وَقْتٍ ضَرُورِيٍّ] : أَيْ فِي صُوَرِ الْجَمْعِ كَمَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْأَذَانَ تَارَةً يَكُونُ سُنَّةً وَمَنْدُوبًا وَمَكْرُوهًا وَحَرَامًا. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوُجُوبِ. وَهُوَ يَجِبُ فِي الْمِصْرِ كِفَايَةً، وَيُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَشْيَاخُ. [مَتَى يَكُون الْأَذَان وَاجِبًا] قَوْلُهُ: [بِضَمِّ الْمِيمِ] إلَخْ: أَيْ لَا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، الْمَعْدُولُ عَنْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ لِئَلَّا يَقْتَضِيَ زِيَادَةَ كُلِّ جُمْلَةٍ عَنْ اثْنَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ تُقَالُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ لِأَنَّ مُثَنًّى مَعْنَاهُ اثْنَانِ اثْنَانِ، كَذَا فِي (عب) وَالْخَرَشِيِّ. وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ: لَا يَلْزَمُ مَا قَالُوا إلَّا لَوْ كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا لِلْأَذَانِ بِاعْتِبَارِ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنْهُ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِجَوَازِ جَعْلِ الضَّمِيرِ رَاجِعًا لَهُ بِاعْتِبَارِ جُمَلِهِ وَكَلِمَاتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ ضَبْطُ قَوْلِهِ مُثَنًّى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. وَالْمَعْنَى: وَكَلِمَاتُ الْأَذَانِ مُثَنًّى أَيْ اثْنَيْنِ بَعْدَ اثْنَيْنِ كَمَا تَقُولُ: جَاءَ الرِّجَالُ مُثَنًّى بَعْدَ اثْنَيْنِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

لِأَنَّهُ عَمَلُ السَّلَفِ بِالْمَدِينَةِ، لَا مُرَبَّعَ التَّكْبِيرِ. (وَلَوْ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ) : الْكَائِنَةُ (بِصُبْحٍ) : خَاصَّةً بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ. خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِإِفْرَادِهَا. (إلَّا الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ) : مِنْهُ وَهِيَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " فَمُفْرَدَةٌ اتِّفَاقًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ] : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ قُصِدَ لَفْظُهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ لِكَانَ الْمَحْذُوفَةِ، أَيْ وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي ثُنِّيَ هَذَا اللَّفْظَ وَهُوَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ. قَوْلُهُ: [بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ] : أَيْ وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ الْأَخِيرِ، وَيَقُولُهَا الْمُؤَذِّنُ سَوَاءً أَذَّنَ لِجَمَاعَةٍ أَوْ أَذَّنَ وَحْدَهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِتَرْكِهَا رَأْسًا لِلْمُنْفَرِدِ بِمَحَلٍّ مُنْعَزِلٍ عَنْ النَّاسِ لِعَدَمِ إمْكَانِ مَنْ يَسْمَعُهَا. وَرَدَّهُ سَنَدٌ بِأَنَّ الْأَذَانَ أَمْرٌ مُتَّبَعٌ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ. وَجَعْلُ الصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ بِأَمْرٍ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا فِي الِاسْتِذْكَارِ وَغَيْرِهِ، فَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِيِّ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْذِنُهُ بِالصُّبْحِ فَوَجَدَهُ رَاقِدًا، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا يَا بِلَالُ اجْعَلْهُ فِي أَذَانِك إذَا أَذَّنْتَ لِلصُّبْحِ» (اهـ.) وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لِلْمُؤَذِّنِ حِينَ جَاءَهُ يُعْلِمُهُ بِالصَّلَاةِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ: اجْعَلْهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ، فَهُوَ إنْكَارٌ عَلَى الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَكُنْ الصُّبْحَ. وَذَلِكَ كَمَا كَرِهَ مَالِكٌ التَّلْبِيَةَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْأَذَانِ فَبِدْعَةٌ حَسَنَةٌ، أَوَّلُ حُدُوثِهَا زَمَنَ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ سَنَةَ إحْدَى وَثَمَانِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ أَوَّلًا تُزَادُ بَعْدَ أَذَانِ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَطْ، ثُمَّ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ زِيدَتْ عَقِبَ كُلِّ أَذَانٍ إلَّا الْمَغْرِبَ. كَمَا إنَّ مَا يُفْعَلُ لَيْلًا مِنْ الِاسْتِغْفَارَاتِ وَالتَّسَابِيحِ وَالتَّوَسُّلَاتِ هُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ. (اهـ، مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لِمَنْ قَالَ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ ابْنُ وَهْبٍ. قَوْلُهُ: [إلَّا الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ] : هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ مُثَنًّى.

[صفة الأذان]

(وَخَفَّضَ) : الْمُؤَذِّنِ نَدْبًا (الشَّهَادَتَيْنِ) : أَيْ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " مَرَّتَيْنِ، " أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " مَرَّتَيْنِ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُسَمِّعًا) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ مِنْ سَمِعَ بِالتَّضْعِيفِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا مِنْ أَسْمَعَ فَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ بِهِمَا الْحَاضِرِينَ لَمْ يَكُنْ آتَيَا بِالسُّنَّةِ كَمَا لَوْ تَرَكَهَا بِالْمَرَّةِ، كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ. (ثُمَّ) : بَعْدَ خَفْضِهِمَا مَعَ التَّسْمِيعِ (رَجَّعَهُمَا) : بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ أَعَادَهُمَا (بِأَعْلَى صَوْتِهِ) حَالَ كَوْنِهِ (مُسَاوِيًا بِهِمَا) حَالَ التَّرْجِيعِ (التَّكْبِيرَ) : فِي رَفْعِ الصَّوْتِ. وَهُوَ (مَجْزُومٌ) : أَيْ سَاكِنُ الْجُمَلِ لَا مُعَرَّبٌ (بِلَا فَصْلٍ) : بَيْنَ جُمَلِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [صفة الْأَذَان] قَوْلُهُ: [وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا مِنْ أَسْمَعَ] : أَيْ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ كَالتَّضْعِيفِ فِي التَّعْدِيَةِ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَكُنْ آتَيَا بِالسُّنَّةِ] : أَيْ سُنَّةِ التَّرْجِيعِ بَلْ يَكُونُ مَا أَتَى بِهِ عَلَى أَنَّهُ تَرْجِيعٌ تَتْمِيمًا لِلْأَذَانِ وَفَاتَتْهُ سُنَّةُ التَّرْجِيعُ. قَوْلُهُ: [رَجَّعَهُمَا] : أَيْ الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ. فَبِالتَّرْجِيعِ تَكُونُ الْجُمَلُ ثَمَانِ شَهَادَاتٍ. وَإِنَّمَا طَلَبُ التَّرْجِيعِ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مَحْذُورَةَ. وَحِكْمَةُ ذَلِكَ إغَاظَةُ الْكُفَّارِ أَيْ لِأَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ أَخْفَى صَوْتَهُ بِهِمَا حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ بُغْضِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَدَعَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَرَكَ أُذُنَهُ وَأَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ. وَلَا يَنْتَفِي هَذَا بِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ كَالرَّمَلِ فِي الْحَجِّ (اهـ. مِنْ الْخَرَشِيِّ) . وَلَا يَبْطُلُ الْأَذَانُ بِتَرْكِ التَّرْجِيعِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: [سَاكِنُ الْجُمَلِ] : قَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَارَ شُيُوخُ صِقِلِّيَّةَ جَزْمَهُ وَشُيُوخُ الْقَرَوِيِّينَ إعْرَابَهُ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّكْبِيرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ أَلْفَاظِهِ حَتَّى " اللَّهُ أَكْبَرُ " الْأَخِيرُ فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ غَيْرَ مَوْقُوفٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ نَقَلَ (بْن) عَنْ أَبِي الْحَسَنِ وَعِيَاضٍ وَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رَاشِدٍ وَالْفَاكِهَانِيِّ: أَنَّ جَزْمَ الْأَذَانِ مِنْ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ، وَإِنَّمَا أُعْرِبَتْ الْإِقَامَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ لِرَفْعِ الصَّوْتِ لِلِاجْتِمَاعِ عِنْدَهَا، بِخِلَافِ. الْأَذَانِ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وَامْتِدَادِهِ، وَالْإِسْكَانُ أَعْوَنُ عَلَى ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ اللَّحْنِ فِي الْأَذَانِ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَ (ح) . فَاللَّحْنُ فِيهِ

[تحريم الأذان قبل الوقت]

بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ سُكُوتٍ، فَلَوْ فَصَلَ لَمْ يَضُرَّ (وَبَنَى) : عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْهُ (إنْ لَمْ يَطُلْ) : الْفَصْلُ وَإِلَّا ابْتَدَأَهُ. (وَحَرُمَ) : الْأَذَانُ (قَبْلَ) : دُخُولِ (الْوَقْتِ) : لِمَا فِيهِ مِنْ التَّلْبِيسِ وَالْكَذِبِ بِالْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، (إلَّا الصُّبْحَ فَيُنْدَبُ) : تَقْدِيمُهُ (بِسُدُسِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ ثُمَّ يُعَادُ) : اسْتِنَانًا (عِنْدَ) طُلُوعِ (الْفَجْرِ) الصَّادِقِ. (وَصِحَّتُهُ بِإِسْلَامٍ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَكْرُوهٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ اللَّحْنُ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ حَدِيثًا إلَى مُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ. قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَوْ فَصَلَ لَمْ يَضُرَّ] : أَيْ وَيُكْرَهُ. قَوْلُهُ: [وَبَنَى عَلَى مَا قَدَّمَهُ] : أَيْ مِنْ الْكَلِمَاتِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا ابْتَدَأَهُ] : أَيْ وَإِلَّا طَالَ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْأَذَانَ مِنْ أَوَّلِهِ. وَالْمُرَادُ بِالطُّولِ مَا لَوْ بَنَى مَعَهُ لَظُنَّ أَنَّهُ غَيْرُ أَذَانٍ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْفَصْلِ الطَّوِيلِ مُبْطِلًا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، هَذَا مَا أَفَادَهُ الْأُجْهُورِيُّ. وَظَاهِرُ (ح) أَنَّهُ يَحْرُمُ وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ زَرُّوقٍ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [تَحْرِيم الْأَذَان قَبْل الْوَقْت] قَوْلُهُ: [إلَّا الصُّبْحَ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الصُّبْحَ، قِيلَ: لَا يُؤَذَّنُ لَهَا إلَّا أَذَانٌ وَاحِدٌ، وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ بِسُدُسِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ. فَالْأَذَانُ سُنَّةٌ وَتَقْدِيمُهُ مُسْتَحَبٌّ وَلَا يُعَادُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُ سَنَدٍ. وَالرَّاجِحُ إعَادَتُهُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْإِعَادَةِ، فَقِيلَ: نَدْبًا؛ فَالْأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي مَنْدُوبٌ، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ الرَّمَاصِيُّ. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَنْدُوبٌ، وَالثَّانِي سُنَّةٌ، وَهُوَ مَا فِي الْعِزِّيَّةِ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلَى الرِّسَالَةِ وَتَبِعَهُ شَارِحُنَا. وَقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُمَا سُنَّةٌ وَالثَّانِي آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَقَوَّاهُ (بْن) بِالنُّقُولِ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْأَذَانِ عَلَى السُّدُسِ الْأَخِيرِ فَيَحْرُمُ كَمَا ذَكَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ. وَيُعْتَبَرُ اللَّيْلُ مِنْ الْغُرُوبِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [شُرُوط صِحَّة الْأَذَان] قَوْلُهُ: [بِإِسْلَامٍ] : أَيْ مُسْتَمِرٍّ فَإِنْ ارْتَدَّ بَعْدَ الْأَذَانِ أُعِيدُ إنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا إعَادَةَ. نَعَمْ بَطَلَ ثَوَابُهُ، كَذَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ. قَالَ شَيْخُنَا: أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ ثَمَرَتَهُ، وَهِيَ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ قَدْ حَصَلَتْ، وَحِينَئِذٍ

[تنبيه أذان الأعمى والراكب وتعدد الأذان]

وَإِنْ كَانَ بِهِ مُسْلِمًا (وَعَقْلٍ) لَا مِنْ مَجْنُونٍ (وَذُكُورَةٍ) : لَا مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ (وَدُخُولِ وَقْتٍ) فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ فَيُعَادُ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ. وَيَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ إذَا اعْتَمَدَ فِي دُخُولِهِ عَلَى عَدْلٍ (وَنُدِبَ مُتَطَهِّرٌ) : مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ (صَيِّتٌ) : أَيْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ وَنَقَلَ (ح) عَنْ النَّوَادِرِ أَنَّهُ إنْ أَعَادُوا فَحَسَنٌ، وَإِنْ اجْتَزَءُوا بِهِ أَجْزَأَهُمْ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ بِهِ مُسْلِمًا] : أَيْ لِوُقُوعِ بَعْضِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ عَزَمَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَبِهِ جَزَمَ (ح) خِلَافًا لِاسْتِظْهَارِ ابْنِ نَاجِي الصِّحَّةَ، حَيْثُ عَزَمَ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَوَّلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُسْلِ، حَيْثُ قَالُوا بِصِحَّةِ الْغُسْلِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الْأَذَانِ، أَنَّ الْمُؤَذِّنَ مُخْبِرٌ فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ لِأَجْلِ أَنْ يُقْبَلَ خَبَرُهُ، بِخِلَافِ الْمُغْتَسِلِ. ثُمَّ الَّذِي حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالْأَذَانِ إذَا رَجَعَ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ إنْ لَمْ يَقَعْ عَلَى الدَّعَائِمِ لَا قَبْلَ الْأَذَانِ وَلَا بَعْدَهُ، فَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهَا جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ أَذَّنَ لِعُذْرٍ، كَقَصْدِ التَّحَصُّنِ بِالْإِسْلَامِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [لَا مِنْ مَجْنُونٍ] : فَإِنْ جُنَّ فِي حَالِ أَذَانِهِ أَوْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْأَذَانَ مِنْ أَوَّلِهِ عَلَى الظَّاهِرِ. قَوْلُهُ: [لَا مِنْ امْرَأَةٍ] : أَيْ لِحُرْمَةِ أَذَانِهَا. وَأَمَّا قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَسَنَدٍ وَالْقَرَافِيِّ: يُكْرَهُ أَذَانُهَا، يَنْبَغِي كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ أَنْ تَحْمِلَ الْكَرَاهَةُ فِي كَلَامِهِمْ الْمَنْعَ، إذْ لَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِظَاهِرٍ، لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ اُنْظُرْ (بْن) ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ عَوْرَةً حَقِيقَةً بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنْ النِّسَاءِ الصَّحَابِيَّاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْعَوْرَةِ فِي حُرْمَةِ التَّلَذُّذِ بِكُلٍّ، وَحِينَئِذٍ فَحَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَجِيهٌ، تَأَمَّلْ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَيَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَلَدِ الْمُكَلَّفِينَ بِهِ. [تَنْبِيه أَذَان الْأَعْمَى وَالرَّاكِب وتعدد الْأَذَان] قَوْلُهُ: [مُتَطَهِّرٌ] : أَيْ وَيُكْرَهُ كَوْنُهُ مُحْدِثًا. وَالْكَرَاهَةُ فِي الْجُنُبِ أَشَدُّ.

حَسَنُ الصَّوْتِ (مُرْتَفِعٌ) : عَلَى حَائِطٍ أَوْ مَنَارَةٍ لِلْإِسْمَاعِ (قَائِمٌ) : لَا جَالِسٌ فَيُكْرَهُ (إلَّا لِعُذْرٍ) : كَمَرَضٍ (مُسْتَقْبِلٌ) ، لِلْقِبْلَةِ (إلَّا لِإِسْمَاعٍ) فَيَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ. (وَ) نُدِبَ (حِكَايَتُهُ) أَيْ الْأَذَانُ (لِسَامِعِهِ) بِأَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ مِنْ تَكْبِيرٍ أَوْ تَشَهُّدٍ (لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ وَلَوْ) كَانَ السَّامِعُ (بِنَفْلٍ) أَيْ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [حَسَنُ الصَّوْتِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ تَطْرِيبٍ وَإِلَّا كُرِهَ لِمُنَافَاتِهِ الْخُشُوعَ وَالْوَقَارَ، وَالْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ التَّطْرِيبُ، وَإِلَّا حَرُمَ. كَذَا قَالُوا. وَالتَّطْرِيبُ تَقْطِيعُ الصَّوْتِ وَتَرْعِيدُهُ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُؤَذِّنِينَ بِالْأَمْصَارِ. قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ] : أَيْ فَيَدُورُ حَوْلَ الْمَنَارَةِ وَيُؤَذِّنُ كَيْفَ تَيَسَّرَ وَلَكِنْ يَبْتَدِئُ الْأَذَانَ لِلْقِبْلَةِ ثُمَّ يَدُورُ. قَوْلُهُ: [لِسَامِعِهِ] : أَيْ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ، كَأَنْ يَسْمَعَ الْحَاكِي لِلْأَذَانِ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ السَّامِعِ لَا تُنْدَبُ لَهُ الْحِكَايَةُ وَإِنْ أُخْبِرَ بِالْأَذَانِ أَوْ رَأَى الْمُؤَذِّنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ، وَلَوْ كَانَ عَدَمُ سَمَاعِهِ لِعَارِضٍ كَصَمَمٍ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: [لِسَامِعِهِ] يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَحْكِي أَذَانَ نَفْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَحْكِيه لِأَنَّهُ سَمِعَ نَفْسَهُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا انْتَهَى الْمُؤَذِّنُ لِآخِرِ الْأَذَانِ يَحْكِيه إنْ شَاءَ (اهـ.) . فَلَا يَحْكِي أَذَانَ نَفْسِهِ قَبْلَ فَرَاغِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ، وَإِنَّمَا يَحْكِيه بَعْدَ الْفَرَاغِ وَهَلْ يَحْكِي الْمُؤَذِّنُ أَذَانَ مُؤَذِّنٍ آخَرَ؟ قَوْلَانِ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيَحْكِيه بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَإِذَا تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ وَأَذَّنُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ تَكْرِيرَ الْحِكَايَةِ. وَقِيلَ: يَكْفِيه حِكَايَةُ الْأَوَّلِ. وَيَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُتَرَدِّدِينَ بِالْحَطَبِ لِمَكَّةَ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: [بِنَفْلٍ] : أَيْ فَلَوْ حَكَاهُ فِي النَّفْلِ كُلِّهِ - عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي - وَلَمْ يُبَدِّلْ الْحَيْعَلَتَيْنِ بِالْحَوْقَلَتَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَأَمَّا حِكَايَتُهُ فِي الْفَرْضِ فَمَكْرُوهَةٌ مَعَ الصِّحَّةِ

فِي صَلَاةِ نَفْلٍ فَيُنْدَبُ لَهُ حِكَايَتُهُ بِلَا تَرْجِيعٍ إلَّا إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْمَخْفُوضَ فَلَا يَحْكِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْكِي مَا بَعْدَهُمَا مِنْ تَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ أَيْضًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يَحْكِيه لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَلَا يَحْكِي: " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " قَطْعًا، وَلَا يُبَدِّلُهَا بِقَوْلِهِ: صَدَقْت وَبَرَرْت. ـــــــــــــــــــــــــــــQإنْ اقْتَصَرَ عَلَى مُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ أَوْ أَبْدَلَ الْحَيْعَلَتَيْنِ بِالْحَوْقَلَتَيْنِ وَإِلَّا فَتَبْطُلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّفْلِ. قَوْلُهُ: [قِيلَ يَحْكِيه] إلَخْ: وَتَحْتَ هَذَا قَوْلَانِ، قِيلَ: يُبَدِّلُ الْحَيْعَلَتَيْنِ بِالْحَوْقَلَتَيْنِ، وَقِيلَ: يَتْرُكُهُمَا. قَوْلُهُ: [وَلَا يُبَدِّلُهَا إلَخْ] : وَقِيلَ: يُبَدِّلُهَا، وَمَحَلُّ طَلَبِ حِكَايَةِ الْأَذَانِ مَا لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرَّمًا، وَإِلَّا فَلَا يَحْكِي. تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ أَذَانُ الْأَعْمَى وَالرَّاكِبِ وَتَعَدُّدُهُ بِمَسْجِدٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ غَيْرَ الثَّانِي، وَإِلَّا كُرِهَ. وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ الْجَوَازَ حَيْثُ انْتَقَلَ لِرُكْنٍ آخَرَ مِنْهُ، وَالْأَفْضَلُ تَرَتُّبُهُمْ إنْ لَمْ يُضَيِّعُوا فَضِيلَةَ الْوَقْتِ، وَجَازَ جَمْعُهُمْ إنْ لَمْ يُؤَدِّ لِتَقْطِيعٍ، فَإِنْ أَدَّى إلَى تَقْطِيعِ اسْمِ اللَّهِ حَرُمَ. وَفَوَاتُ الْكَلِمَاتِ لِبَعْضِهِمْ مَكْرُوهٌ. وَيَجُوزُ حِكَايَةُ الْأَذَانِ قَبْلَهُ، وَالْأَفْضَلُ الِاتِّبَاعُ. وَلَا يَكْفِي مَا نُقِلَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ فَقَالَ: وَأَنَا كَذَلِكَ، أَيْ أَتَشَهَّدُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّلَفُّظِ بِمُمَاثِلِهِ حَمْلًا لِلْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ.

[الإقامة]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْأَذَانِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ الْإِقَامَةِ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَالْإِقَامَةُ) لِلصَّلَاةِ (سُنَّةُ عَيْنٍ لِذَكَرٍ بَالِغٍ فَذٍّ) : أَيْ مُنْفَرِدٍ (أَوْ مَعَ نِسَاءٍ) : يُصَلِّي بِهِنَّ أَيْ أَوْ مَعَ صِبْيَانٍ، (وَ) سُنَّةُ (كِفَايَةٍ لِجَمَاعَةِ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ) : مَتَى أَقَامَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْإِقَامَةِ، أَوْ مَعَ الصَّلَاةِ إمَامًا وَكُرِهَ عَلَى الْإِمَامَةِ وَحْدَهَا مِنْ الْمُصَلِّينَ. وَأَمَّا مِنْ الْوَقْفِ فَجَعَلُوهُ إعَانَةً، وَأَمَّا عَادَةُ الْأَكَابِرِ بِمِصْرَ وَنَحْوِهَا إجَارَةُ الْإِمَامِ فِي بُيُوتِهِمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي نَظِيرِ الْتِزَامِ الذَّهَابِ لِلْبَيْتِ. وَيُكْرَهُ لِلْمُؤَذِّنِ - وَمِثْلِهِ الْمُلَبِّي - رَدُّ السَّلَامِ فِي الْأَثْنَاءِ، وَيَرُدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إسْمَاعِ الْمُسْلِمِ إنْ حَضَرَ. (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) . [الْإِقَامَة] [تَنْبِيه مَنْدُوبَات الْإِقَامَة] قَوْلُهُ: [لِلصَّلَاةِ] أَيْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ. قَوْلُهُ: [سُنَّةُ عَيْنٍ] : قَالَ (بْن) : لَا خِلَافَ أَعْلَمَهُ فِي عَدَمِ وُجُوبِهَا، قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: وَالْقَوْلُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لِمَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا لَيْسَ لِوُجُوبِهَا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ بَلْ لِلِاسْتِخْفَافِ بِالسُّنَّةِ. قَوْلُهُ: [كِفَايَةٍ] : قَالَ (بْن) : سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقِيمُ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَمَنْ فَعَلَهُ خَالَفَ السُّنَّةَ، ابْنُ رُشْدٍ. لِأَنَّ السُّنَّةَ إقَامَةُ الْمُؤَذِّنِ دُونَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ، وَفِي إرْشَادِ اللَّبِيبِ: كَانَ السُّيُورِيُّ يُقِيمُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَكْتَفِي بِإِقَامَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَيَقُولُ: إنَّهَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ وَالْعَامِّيُّ لَا يَنْوِيهَا وَلَا يَعْرِفُ النِّيَّةَ، الْمَازِرِيُّ وَكَذَلِكَ أَنَا أَفْعَلُ فَأُقِيمُ لِنَفْسِي، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِقَامَةَ يَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الْفِعْلِ كَالْأَذَانِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَنِيَّةُ الْفِعْلِ حَاصِلَةٌ مِنْ الْعَامِّيِّ، فَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْمَازِرِيُّ وَالسُّيُورِيُّ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ (ح) : أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُقِيمِ طَهَارَةٌ وَقِيَامٌ وَاسْتِقْبَالٌ. وَفِي حَاشِيَة الشَّيْخِ كَرِيمِ الدِّينِ الْبَرْمُونِيِّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ: أَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهَا بِالصَّلَاةِ صَيَّرَهَا كَالْجُزْءِ مِنْهَا وَلِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَطَّابِ. قَوْلُهُ: [مَتَى أَقَامَهَا] إلَخْ: أَيْ فَلَا يَكْفِي إقَامَةُ صَبِيٍّ لَهُمْ. وَأَوْلَى الْمَرْأَةُ.

وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَفَى، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ (وَنُدِبَتْ) الْإِقَامَةُ (لِمَرْأَةٍ) وَصَبِيٍّ سِرًّا فِيهِمَا. (وَهِيَ) : أَيْ الْإِقَامَةُ (مُفْرَدَةٌ) حَتَّى قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ (إلَّا التَّكْبِيرَ) مِنْهَا أَوَّلًا وَآخِرًا فَمُثَنًّى. (وَجَازَ) لِلْمُصَلِّي (قِيَامُهُ مَعَهَا) : أَيْ الْإِقَامَةِ أَيْ حَالِ الْإِقَامَةِ (أَوْ بَعْدَهَا) : فَلَا يَطْلُبُ لَهُ تَعْيِينَ حَالٍ بَلْ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مُفْرَدَةٌ] إلَخْ: فَلَوْ شَفَعَهَا كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا أَوْ نِصْفَهَا بَطَلَتْ، كَإِفْرَادِ الْأَذَانِ كُلِّهِ أَوْ جُلِّهِ أَوْ نِصْفِهِ لَا الْأَقَلِّ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: [وَجَازَ قِيَامُهُ] إلَخْ: هَذَا فِي غَيْرِ الْمُقِيمِ. وَأَمَّا هُوَ فَيُنْدَبُ لَهُ الْقِيَامُ مِنْ أَوَّلِهَا. تَنْبِيهٌ: عَلَامَةُ فِقْهِ الْإِمَامِ تَخْفِيفُ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ وَالْجُلُوسِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَدْخُلُ الْمِحْرَابَ إلَّا بَعْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: خَاتِمَتَانِ حَسَنَتَانِ. الْأُولَى: قَالَ التَّتَّائِيُّ نَظَمَ الْبِرْمَاوِيُّ مُؤَذِّنِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: لِخَيْرِ الْوَرَى خَمْسٌ مِنْ الْغُرِّ أَذَّنُوا ... بِلَالٌ نَدِيُّ الصَّوْتِ بَدَأَ يُعَيِّنُ وَعَمْرٌو الَّذِي أُمٌّ لِمَكْتُومٍ أُمُّهُ ... وَبِالْقُرَظِيِّ أَذْكُرُ سَعْدَهُمْ إذْ يُبَيِّنُ وَأَوْسٌ أَبُو مَحْذُورَةَ وَبِمَكَّةَ ... زِيَادٌ الصُّدَائِيُّ نَجْلُ حَارِثٍ يُعْلِنُ قَالَ: وَسَعْدٌ الْقُرَظِيّ هُوَ ابْنُ عَابِدٍ مَوْلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَكَانَ يَلْزَمُ التِّجَارَةَ فِي الْقَرَظِ فَعُرِفَ بِذَلِكَ. كَذَا فِي سِيرَةِ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ. وَفِي النِّهَايَةِ الْقَرَظُ وَرَقُ السَّلَمِ، وَهُوَ مُحَرَّكٌ بِالْفَتْحِ كَمَا يُفِيدُهُ الْقَامُوسُ. وَيُقَالُ: سَعْدُ الْقَرَظِ: بِالْإِضَافَةِ إلَى الْقَرَظِ وَالصُّدَائِيُّ - بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: نِسْبَةً إلَى صُدَاءٍ - كَغُرَابٍ حَيٍّ مِنْ الْيَمَنِ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّانِيَةُ: وَرَدَ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقِيلَ: حَقِيقَةً إذَا أَلْجَمَ النَّاسَ الْعَرَقُ، وَقِيلَ: كِنَايَةً عَنْ رِفْعَةِ الشَّأْنِ، وَيُرْوَى كَمَا فِي الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ: بِكَسْرِ هَمْزَةِ إعْنَاقِ: أَيْ خُطَا السَّيْرِ لِلْجَنَّةِ (اهـ.) أَيْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: يَا نَاقُ سَيُرِي عَنَقًا فَسِيحًا ... إلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا

[فصل في شروط الصلاة]

فَصْلٌ: فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: شُرُوطُ وُجُوبٍ فَقَطْ، وَشُرُوطُ صِحَّةٍ فَقَطْ، وَشُرُوطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ مَعًا. وَالْمُرَادُ بِشَرْطِ الْوُجُوبِ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ، وَبِشَرْطِ الصِّحَّةِ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ، وَبِشَرْطِهِمَا مَعًا: مَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَيْهِ. وَشَرْطُ الشَّيْءِ: مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَرُكْنُهُ مَا كَانَ جُزْءًا مِنْ حَقِيقَتِهِ. وَالشَّرْطُ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ. فَإِنْ كَانَ شَرْطَ وُجُوبٍ فَقَطْ كَالْبُلُوغِ قُلْت: هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الشَّيْءِ كَالصَّلَاةِ مَثَلًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ مَانِعٍ كَالْحَيْضِ، وَلَا عَدَمُ الْوُجُوبِ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ الْوُجُوبُ وَذَلِكَ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ] [شُرُوط الصِّحَّة وَالْوُجُوب] فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] إلَخْ: أَيْ مِنْ أَحْكَامِ الرُّعَافِ وَمَسَائِلِ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ وَأَحْكَامِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَأَحْكَامِ الِاسْتِقْبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ ثَلَاثَةٌ إلَخْ] : أَيْ شُرُوطُ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ] إلَخْ: تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى تَعْرِيفِهِمْ شَرْطَ الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَشَرْطُ الصِّحَّةِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [وَشَرْطُ الشَّيْءِ] إلَخْ: أَيْ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، وَلَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ. قَوْلُهُ: [وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ] : أَيْ لِذَاتِهِ، وَقَدْ وَضَّحَهُ بِقَوْلِهِ [فَإِنْ كَانَ] إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ] : أَيْ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ. قَوْلُهُ: [لِاحْتِمَالِ وُجُودِ مَانِعٍ] : عِلَّةٌ لِنَفْيِ اللُّزُومِ. قَوْلُهُ: [عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ] : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ فَيَشْمَلُ جَمِيعُ الْمَوَانِعِ.

وَتَوَفُّرِ الْأَسْبَابِ كَدُخُولِ الْوَقْتِ. وَإِنْ كَانَ شَرْطَ صِحَّةٍ فَقَطْ كَالْإِسْلَامِ قُلْت: هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الصِّحَّةِ لِجَوَازِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ كَالطَّهَارَةِ، أَوْ وُجُودُ مَانِعٍ كَالْحَيْضِ، وَلَا عَدَمُهَا بَلْ قَدْ تُوجَدُ إذَا انْتَفَتْ الْمَوَانِعُ وَتَوَفَّرَتْ الْأَسْبَابُ. وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ مَعًا - كَالْعَقْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ - قُلْت: هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُمَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهُمَا وَلَا عَدَمُهُمَا. أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهُمَا فَلِجَوَازِ حُصُولِ مَانِعٍ مِنْهُمَا كَالْحَيْضِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ عَدَمُهُمَا، فَلِجَوَازِ تَوَفُّرِ الْأَسْبَابِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَهِيَ - إذَا تَوَفَّرَتْ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ - حَصَلَ الْوُجُوبُ وَالصِّحَّةُ. أَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهَا فَقَطْ فَاثْنَانِ: الْبُلُوغُ وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى تَرْكِهَا، فَوُجُوبُهَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا دُونَ الصِّحَّةِ، إذْ تَصِحُّ مَعَ فَقْدِهِمَا فَتَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ وَمِنْ الْمُكْرَهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ لَوْ وَقَعَتْ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُكْرَهَ تَجِبُ عَلَيْهِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الطَّهَارَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَوَفُّرِ الْأَسْبَابِ] : الْمُرَادُ بِهَا مَا يَشْمَلُ الشُّرُوطَ. قَوْلُهُ: [كَدُخُولِ الْوَقْتِ] : مِثَالٌ لِلسَّبَبِ، وَمِثَالُ الشَّرْطِ كَوُجُودِ أَحَدِ الطَّهُورَيْنِ. قَوْلُهُ: [لِجَوَازِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ] : مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ السَّبَبَ. قَوْلُهُ: [وَتَوَفَّرَتْ الْأَسْبَابُ] : مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ الشُّرُوطَ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ] : خَصَّهَا لِكَوْنِهَا الْمَوْضُوعَ، وَإِلَّا فَهُوَ شَرْطُ وُجُوبِ وَصِحَّةِ أَغْلَبَ الْعِبَادَاتِ. قَوْلُهُ: [وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ] إلَخْ: وَالْإِكْرَاهُ يَكُونُ بِمَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ مِنْ خَوْفٍ مُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ، إذْ هَذَا الْإِكْرَاهُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعِبَادَاتِ، كَذَا فِي (بْن) نَقْلًا عَنْ الرَّمَاصِيِّ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَالتَّحْقِيقُ] إلَخْ: رَدَّ بِهَذَا التَّحْقِيقِ عَلَى (عب) وَ (ح) قَالَ (بْن) : وَفِي عَدِّ عَدَمِ الْإِكْرَاهِ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ نَظَرٌ إذْ لَا يَتَأَتَّى الْإِكْرَاهُ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ نَقَلَ ح نَفْسُهُ أَوَّلَ فَصْلٍ يَجِبُ بِفَرْضٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْقَبَّابِ، وَسَلَّمَهُ أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ سَقَطَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْدِرْ، عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ مِنْ قِيَامٍ

بِأَنْ يُجْرِيَهَا عَلَى قَلْبِهِ كَمَا يَأْتِي. فَعَدَمُ الْإِكْرَاهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْوُجُوبِ فَلِذَا لَمْ يُلْتَفَتْ لَهُ فِي الْمَتْنِ. وَأَمَّا شُرُوطُ الصِّحَّةِ فَخَمْسَةٌ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَطَهَارَةُ الْخَبَثِ عَلَى أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ - وَقِيلَ: سُنَّةٌ، وَشَهْرٌ أَيْضًا - وَالْإِسْلَامُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَالِاسْتِقْبَالُ. وَأَمَّا شُرُوطُهُمَا مَعًا فَسِتَّةٌ: بُلُوغُ الدَّعْوَةِ وَالْعَقْلُ وَدُخُولُ الْوَقْتِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطَّهُورِ وَعَدَمُ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ، وَالْخُلُوُّ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَهُوَ خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ. وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: (تَجِبُ) : أَيْ الصَّلَاةُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، وَيَفْعَلُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ إحْرَامٍ وَقِرَاءَةٍ وَإِيمَاءٍ كَمَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا سِوَاهُ (اهـ.) فَالْإِكْرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ الْمُسْقِطِ لِبَعْضِ أَرْكَانِهَا وَلَا يَسْقُطُ بِهِ وُجُوبُهَا. (اهـ. كَلَامُهُ قَالَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [كَمَا يَأْتِي] : أَيْ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى نِيَّةٍ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ بِاعْتِبَارِ الْهَيْئَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَهَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَهَا عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ عَمَّنْ عَدَّهُ شَرْطًا. قَوْلُهُ: [وَالْإِسْلَامُ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِهَا فَهُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ مَعًا. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَالْعَقْلُ] : اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَهُ شَرْطًا لَهُمَا حَيْثُ ضَمَّ لَهُ الْبُلُوغَ، فَإِنْ لَمْ يَضُمَّ لَهُ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ لَازِمٌ لِعَدَمِ الْعَقْلِ كَانَ الْبُلُوغُ مَوْجُودًا أَمْ لَا، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي تَحَقُّقِ شَرْطِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَدُخُولُ الْوَقْتِ] : الْحَقُّ أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ فِي الْوُجُوبِ وَشَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ، لِصِدْقِ تَعْرِيفِ السَّبَبِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [عَلَى اسْتِعْمَالِ الطَّهُورِ] : أَيْ مَاءً أَوْ تُرَابًا. قَوْلُهُ: [وَهُوَ خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ] : أَيْ وَمَا عَدَاهُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. قَوْلُهُ: [بِدُخُولِ الْوَقْتِ] : أَيْ بِسَبَبِ دُخُولِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْوُجُوبِ

(عَلَى مُكَلَّفٍ) : وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ، الَّذِي بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَافِرًا. إذْ الصَّحِيحُ تَكْلِيفُهُمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَأُصُولِهَا، وَالتَّكْلِيفُ: طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَالطَّلَبُ يَشْمَلُ الْجَازِمَ وَغَيْرَهُ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا؛ فَالْمَنْدُوبُ وَالْمَكْرُوهُ مُكَلَّفٌ بِهِمَا. وَقِيلَ: إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ. وَالْإِلْزَامُ: الطَّلَبُ الْجَازِمُ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا. فَالْمَنْدُوبُ وَالْمَكْرُوهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِمَا كَالْمُبَاحِ اتِّفَاقًا. وَالْكُلْفَةُ. الْمَشَقَّةُ وَلَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَشَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ. قَوْلُهُ: [كَأُصُولِهَا] : أَيْ وَهُوَ الْعَقَائِدُ فَمُكَلَّفُونَ بِهَا إجْمَاعًا، فَمَنْ أَنْكَرَ تَكْلِيفَهُمْ بِهَا كَفَرَ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ، فَفِي تَكْلِيفِهِمْ بِهَا خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ تَكْلِيفُهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ تَعْذِيبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا زِيَادَةً عَلَى عَذَابِ الْكُفْرِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43] ، الْآيَاتُ. قَوْلُهُ: [وَالتَّكْلِيفُ طَلَبُ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. قَوْلُهُ: [الْجَازِمَ] : أَيْ وَهُوَ الْوَاجِبُ وَالْحَرَامُ. وَقَوْلُهُ [وَغَيْرَهُ] أَيْ وَهُوَ الْمَنْدُوبُ وَالْمَكْرُوهُ. قَوْلُهُ: [فِعْلًا أَوْ تَرْكًا] : رَاجِعٌ لِلْجَازِمِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [فَالْمَنْدُوبُ وَالْمَكْرُوهُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَيَكُونُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ مُكَلَّفًا لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ بِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُهُمْ الْمُكَلَّفُ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ أَيْ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي الْجَازِمَةُ وَغَيْرُ الْجَازِمَةِ، فَالْحَصْرُ إضَافِيٌّ. قَوْلُهُ: [غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِمَا] : أَيْ فَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَقَوْلُهُمْ الْمُكَلَّفُ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ حَصْرٌ حَقِيقِيٌّ. قَوْلُهُ: [وَلَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ] : أَيْ كَمَا قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: مَسْأَلَةُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ.

وَهُوَ فِي النَّهْيِ: التَّرْكُ؛ أَيْ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. فَشَمِلَ قَوْلُنَا: [مُكَلَّفٌ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ] : الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ. (مُتَمَكِّنٌ) : شَرْعًا وَعَادَةً (مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ) : خَرَجَ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمَا مِنْهَا شَرْعًا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا. وَخَرَجَ فَاقِدُ الطُّهْرَيْنِ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمَا كَالْمُكْرَهِ وَالْمَرْبُوطِ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا يَقْضِيهَا إنْ تَمَكَّنَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الطَّهَارَةِ عَادَةً. وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّيهَا وَلَا يَقْضِي وَلَا وَجْهَ لَهُ. وَقِيلَ: بَلْ يَقْضِي وَلَا يُؤَدِّيهَا كَالنَّائِمِ. وَرُدَّ بِوُجُودِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ عِنْدَهُمَا نَوْعُ تَفْرِيطٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، وَأَيْضًا عُذْرُهُمَا يَزُولُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا. وَلِذَا طَلَبَ الشَّارِعُ مِنْهُمَا الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَهُمَا وَأَبْقَى مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ. فَفَاقِدُ الطُّهْرَيْنِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ كَالْحَائِضِ وَالْمَجْنُونِ. وَقِيلَ: يُؤَدِّي وَيَقْضِي احْتِيَاطًا وَلَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ. فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ مَالِكٌ. (غَيْرُ نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ) : بِالْجَرِّ؛ نَعْتٌ ثَالِثٌ. فَخَرَجَ النَّائِمُ وَالْغَافِلُ أَيْ النَّاسِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهُوَ فِي النَّهْيِ التَّرْكُ] : أَيْ فَالْمُرَادُ بِفِعْلٍ مَا يَشْمَلُ الْجُسْمَانِيَّ وَالنَّفْسَانِيَّ كَتَرْكِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ نَفْسَانِيَّةٌ. قَوْلُهُ: [فَشَمِلَ قَوْلُنَا] إلَخْ: تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ إلَخْ. قَوْلُهُ: [فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا] : أَيْ وَلَا تَصِحُّ، لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّ الْخُلُوَّ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطٌ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: [فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ] : أَيْ وَلَا تَصِحُّ، لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ] : تَنَازَعَهُ كُلُّ مَنْ تَمَكَّنَ وَلَا يَقْضِيهَا. قَوْلُهُ: [عَلَى الْمَشْهُورِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَوْلُهُ: [عَادَةً] : وَقَدْ يَكُونُ عَدَمُ التَّمَكُّنِ مِنْ الطَّهَارَةِ شَرْعِيًّا؛ كَخَوْفِ ضَيَاعِ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [فَيُؤَدِّيهَا] إلَخْ: هُوَ لِأَشْهَبَ قَوْلُهُ: [بَلْ يَقْضِي] إلَخْ: هُوَ لِأَصْبَغَ. قَوْلُهُ: [فَفَاقِدُ الطُّهْرَيْنِ] إلَخْ: تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ [وَأَبْقَى مَا عَدَاهُمَا] إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُؤَدِّي وَيَقْضِي] إلَخْ: هُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ

كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي حَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» إلَخْ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَسْتَيْقِظَا. وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا مَعَ دُخُولِهِ فِيمَا قَبْلَهُ، إذْ النَّائِمُ وَالْغَافِلُ غَيْرُ مُتَمَكِّنَيْنِ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ عَادَةً لِأَنَّهُمَا لَمَّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ دُونَ غَيْرِهِمَا كَانَا كَأَنَّهُمَا قِسْمٌ مُسْتَقِلٌّ، وَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ الدُّخُولِ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمُتَّصِفِ بِمَا ذَكَرَ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ الصَّبِيُّ فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهَا بِحَالٍ، نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ يُؤْمَرُ بِهَا نَدْبًا فَقَالَ: (وَأُمِرَ صَبِيٌّ) : ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (بِهَا) أَيْ بِالصَّلَاةِ (لِسَبْعٍ) : أَيْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ وَزِيَادَةٌ نَظْمًا وَنَثْرًا. قَوْلُهُ: [فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا] : أَيْ وَلَا تَصِحُّ. قَوْلُهُ: [عَدَمِ الدُّخُولِ] : أَيْ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمُتَمَكِّنِ. قَوْلُهُ: [وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ إمَّا غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَصْلًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْأَمْرِ الْجَازِمِ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ. قَوْلُهُ: [وَأُمِرَ صَبِيٌّ] : هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» . أَيْ فَالْأَمْرُ

عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الْعَامِ السَّابِعِ، وَلَا يُضْرَبُ إنْ لَمْ يَمْتَثِلْ بِالْقَوْلِ. (وَضُرِبَ عَلَيْهَا) : أَيْ لِأَجْلِهَا (لِعَشْرٍ) : أَيْ لِدُخُولِهِ فِي الْعَاشِرِ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَالْآمِرُ لَهُ بِهَا وَالضَّارِبُ وَلِيُّهُ. وَمَحَلُّ الضَّرْبِ إنْ ظَنَّ إفَادَتَهُ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ بَلَغَ وَصَلَّى فَظَاهِرٌ وَإِلَّا أُخِّرَ لِبَقَاءِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ الضَّرُورِيِّ، وَقُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَفُرِّقَ) : نَدْبًا فِي الدُّخُولِ فِي الْعَشْرِ (بَيْنَهُمْ) : أَيْ الصِّبْيَانِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَذْكُورُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ الْوَلِيِّ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، لَكِنَّ الْوَلِيَّ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ بِهَا، وَالصَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِفِعْلِهَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ. وَعَلَى هَذَا، فَالتَّكْلِيفُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ لِتَكْلِيفِ الصَّبِيِّ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَالْبُلُوغُ إنَّمَا شُرِطَ فِي التَّكْلِيفِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَكْلِيفِهِ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى الصَّلَاةِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَبْنِيِّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، فَالْوَلِيُّ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ فَيُؤْجَرُ دُونَ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ لِأَجْلِ تَدْرِيبِهِ فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِالْمَنْدُوبَاتِ وَلَا بِالْمَكْرُوهَاتِ، وَلَا ثَوَابَ لَهُ وَلَا عِقَابَ عَلَيْهِ، وَالثَّوَابُ عَلَيْهَا لِأَبَوَيْهِ. قِيلَ: عَلَى السَّوَاءِ، وَقِيلَ: ثُلُثَاهُ لِلْأُمِّ وَثُلُثُهُ لِلْأَبِ. قَوْلُهُ: [عِنْدَ دُخُولِهِ] : أَيْ وَهُوَ سِنُّ الْإِثْغَارِ: أَيْ عِنْدَ نَزْعِ الْأَسْنَانِ لِإِنْبَاتِهَا. قَوْلُهُ: [وَلَا يُضْرَبُ] : أَيْ يُحَرَّمُ ضَرْبُهُ وَلَوْ ظَنَّ الْإِفَادَةَ. قَوْلُهُ: [غَيْرَ مُبَرِّحٍ] : هُوَ الَّذِي لَا يَكْسِرُ عَظْمًا وَلَا يَشِينُ جَارِحَةً وَلَا يُحَدُّ بِعَدَدٍ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الصِّبْيَانِ. قَوْلُهُ: [إنْ ظَنَّ إفَادَتَهُ] : شَرْطٌ فِي الضَّرْبِ عَلَى تَرْكِهَا إذَا دَخَلَ فِي الْعَشْرِ. قَوْلُهُ: [وَفُرِّقَ نَدْبًا] : أَيْ فَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْوَلِيِّ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي الصِّبْيَانِ هَلْ مَأْمُورُونَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ.

(فِي الْمَضَاجِعِ) عِنْدَ النَّوْمِ. وَيَكْفِي أَنْ يَنَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بِثَوْبٍ عَلَى حِدَتِهِ وَيُكْرَهُ تَلَاصُقُهُمْ عُرَاةً. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ وَالتَّمَكُّنُ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ الشَّامِلِ لِلْخُلُوِّ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَإِغْمَاءٍ وَنَوْمٍ وَنِسْيَانٍ، وَلِلْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ بِوُجُودِ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ بِلَا مَانِعٍ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّتِهَا. وَذَكَرَ مِنْهَا بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ شُرُوطِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَيَكْفِي أَنْ يَنَامَ] إلَخْ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ التَّفْرِقَةِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِرَاشٌ عَلَى حِدَةٍ؛ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ ثَوْبٌ. فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا، عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَالْآخَرُ عُرْيَانًا، وَالْحَالُ أَنَّهُمَا عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكْفِي. وَقِيلَ: يَكْفِي. قَوْلُهُ: [عُرَاةً] : أَيْ بِعَوْرَتَيْهِمَا. وَالْمُخَاطَبُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْكَرَاهَةِ الْوَلِيُّ. وَهُمْ أَيْضًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ خِطَابِهِمْ بِالْمَكْرُوهَاتِ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَحَدُهُمَا اللَّذَّةَ بِالْمُلَاصَقَةِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ الْمَنْعُ. كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَمِنْ كُلِّ مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. فَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وعب مِنْ كَرَاهَةِ تَلَاصُقِهِمَا وَلَوْ مَعَ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وُجُودِهَا فِيهِ نَظَرٌ. بَلْ التَّلَاصُقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَرَامٌ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْبُنَانِيِّ) . تَنْبِيهٌ: يَحْرُمُ تَلَاصُقُ الْبَالِغِينَ بِعَوْرَتَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ مَعَ قَصْدِ لَذَّةٍ أَوْ وُجُودِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ وَبِغَيْرِ حَائِلٍ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ. وَمِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ مَكْرُوهٌ كَتَلَاصُقِهِمْ بِالصَّدْرِ، لَا نَحْوَ الْيَدِ وَالرَّأْسِ فَلَا كَرَاهَةَ. وَإِنْ تَلَاصَقَ بَالِغٌ وَصَبِيٌّ فَعَلَى حُكْمَيْهِمَا. قَوْلُهُ: [مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ] : أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تَوَقَّفَ الْوُجُوبُ عَلَيْهَا سَوَاءً تَوَقَّفَتْ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ أَمْ لَا كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [بِلَا مَانِعٍ] : أَيْ عَادِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [شُرُوطِ صِحَّتِهَا] : أَيْ مَا تَوَقَّفَتْ عَلَيْهَا سَوَاءً تَوَقَّفَ عَلَيْهَا الْوُجُوبُ أَمْ لَا كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ.

الْوَاجِبِ، كَالْعَقْلِ، وَالنَّقَاءِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؛ فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا أَعَادَهُ شَرْطٌ فِيهِمَا مَعًا. وَأَنَّ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ كَالْإِسْلَامِ وَمَا بَعْدَهُ شُرُوطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ، وَأَنَّ مَا لَمْ يُعِدْهُ ثَانِيًا كَالْبُلُوغِ شَرْطُ وُجُوبٍ فَقَطْ فَقَالَ: (وَصِحَّتُهَا: بِعَقْلٍ) : فَلَا تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَمِثْلُهُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَالْعَقْلُ شَرْطٌ فِيهِمَا: (وَقُدْرَةٍ عَلَى طَهَارَةِ حَدَثٍ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ أَوْ الْعَاجِزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِمَا لِقِيَامِ مَانِعِ الْحَدَثِ بِهِ، كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فَهِيَ شَرْطٌ فِيهِمَا أَيْضًا. (وَنَقَاءٍ) : أَيْ خُلُوٍّ (مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ لِقِيَامِ مَانِعِ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ بِهَا كَمَا لَا تَجِبُ، فَهُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا. (وَبِإِسْلَامٍ) : فَلَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَهُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ. وَأَعَادَ الْبَاءَ فِيهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ شَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ، أَيْ أَنَّهُ نَوْعٌ غَيْرُ مَا قَبْلَهُ. (وَطَهَارَةِ حَدَثٍ) فَلَا تَصِحُّ بِغَيْرِهَا وَإِنْ وَجَبَتْ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهَا، فَهِيَ شَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهَا. وَأَمَّا نَفْسُ الْقُدْرَةِ عَلَى وُجُودِ أَحَدِ الطُّهْرَيْنِ فَشَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ كَمَا مَرَّ. (وَ) طَهَارَةِ (خَبَثٍ عَلَى مَا مَرَّ) فِي فَصْلَيْهِمَا مِنْ أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَوْ الْأَصْغَرِ وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا، وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهَا، وَأَنَّ طَهَارَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَالْبُلُوغِ] : أَيْ وَعَدَمِ الْإِكْرَاهِ. قَوْلُهُ: [الْمُغْمَى عَلَيْهِ] : الْإِغْمَاءُ مَرَضٌ يَعْتَرِي الشَّخْصَ بِسَبَبِ شِدَّةِ هَمٍّ أَوْ فَرَحٍ. وَمِثْلُهُ: السُّكْرُ بِحَلَالٍ، وَالْمَعْتُوهُ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ الْعَاجِزِ] : أَيْ شَرْعًا أَوْ عَادَةً. قَوْلُهُ: [فَهِيَ شَرْطٌ فِيهِمَا أَيْضًا] : أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءٌ وَلَا قَضَاءٌ الَّذِي هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. فَهُوَ كَسَائِرِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ مَعًا. قَوْلُهُ: [فَهُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [فَهُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ] : نَتِيجَةُ قَوْلِهِ وَإِنْ وَجَبَتْ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا نَفْسُ الْقُدْرَةِ] : أَيْ عَلَى وُجُودِ أَحَدِ الطَّهُورَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ] : أَيْ أَدَاءً وَقَضَاءً كَمَا مَرَّ.

[الأماكن التي يصلى أو لا يصلى فيها]

الْخَبَثِ وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ دُونَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ. (وَجَازَتْ) : الصَّلَاةُ (بِمَقْبَرَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَثْلِيثِ الْبَاءِ: أَيْ فِيهَا وَلَوْ عَلَى الْقَبْرِ عَامِرَةً أَوْ دَارِسَةً وَلَوْ لِكَافِرَيْنِ. (وَحَمَّامٍ وَمَزْبَلَةٍ) : مَحَلُّ طَرْحِ الزِّبْلِ، (وَمَحَجَّةِ) أَيْ قَارِعَةِ (طَرِيقٍ) أَيْ وَسَطِهَا، (وَمَجْزَرَةٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الثَّلَاثَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَبِكَسْرِ الزَّايِ (إنْ أُمِنَتْ النَّجَاسَةُ) : رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ بِأَنْ ظُنَّ طَهَارَتُهَا (وَإِلَّا) تُؤْمَنْ وَصَلَّى (أَعَادَ) صَلَاتَهُ (بِوَقْتٍ إنْ شَكَّ) : ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَاجِبَةٌ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ. [الْأُمَّاكُنَّ الَّتِي يُصَلَّى أَوْ لَا يُصَلَّى فِيهَا] قَوْلُهُ: [وَجَازَتْ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْخَمْسَةَ إنْ أَمِنْت مِنْ النَّجَسِ - بِأَنْ جَزَمَ أَوْ ظَنَّ طَهَارَتَهَا - كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا جَائِزَةً، وَلَا إعَادَةَ أَصْلًا. وَإِنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهَا أَوْ ظُنَّتْ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَإِذَا صَلَّى أَعَادَ أَبَدًا، وَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الرَّاجِحِ بِنَاءً عَلَى تَرْجِيحِ الْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُعِيدُ أَبَدًا تَرْجِيحًا لِلْغَالِبِ عَلَى الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَحَمَّامٍ] : الْمُرَادُ بِهِ مَحَلُّ الْحَرَارَةِ لِأَنَّهُ الَّذِي شَأْنُهُ الْقَذَارَةُ وَأَمَّا اللَّوَاوِينُ الْخَارِجَةُ الْمَفْرُوشَةُ فَهِيَ كَبَيْتِ الْإِنْسَانِ، الْأَصْلُ فِيهَا وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا الطَّهَارَةُ. قَوْلُهُ: [أَعَادَ صَلَاتَهُ بِوَقْتٍ] : أَيْ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَحَمَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ أَصْلًا. وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ.

فِيهَا. فَإِنْ تَحَقَّقَتْ أَعَادَ أَبَدًا وَكُرِهَتْ فِي الشَّكِّ وَمُنِعَتْ فِي تَحَقُّقِهَا. (وَ) جَازَتْ (بِمَرْبِضِ غَنَمٍ، وَبَقَرٍ) : أَيْ مَحَلِّ رُبُوضِهَا أَيْ بَرْكِهَا لِطَهَارَةِ زِبْلِهَا. (وَكُرِهَتْ) : الصَّلَاةُ (بِمَعْطِنِ إبِلٍ) : مَوْضِعِ بُرُوكِهَا عِنْدَ شُرْبِهَا عَلَلًا بَعْدَ شُرْبِهَا نَهَلًا. (وَأَعَادَ) إنْ صَلَّى فِيهِ (بِوَقْتٍ) مُطْلَقًا (وَإِنْ أَمِنَ) : مِنْ النَّجَسِ أَوْ فَرَشَ فُرُشًا طَاهِرًا تَعَبُّدًا عَلَى الْأَظْهَرِ. (وَ) كُرِهَتْ (بِكَنِيسَةٍ) : الْمُرَادُ بِهَا مُتَعَبَّدُ الْكُفَّارِ، نَصَارَى أَوْ غَيْرِهِمْ (مُطْلَقًا) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ [فَإِنْ تَحَقَّقَتْ] : وَمِثْلُهُ الظَّنُّ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَتْ] : أَيْ الْقُدُومُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [فِي تَحَقُّقِهَا] : وَمِثْلُهُ الظَّنُّ. قَوْلُهُ: [وَجَازَتْ] : أَيْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ فُرُشٍ. قَوْلُهُ: [مَوْضِعُ: بُرُوكِهَا] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مَوْضِعُ مَبِيتِهَا فَلَيْسَ بِمَعْطَنٍ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ إنْ أَمِنَ مِنْ النَّجَسِ، وَهُوَ مَنِيُّهَا أَوْ غَيْرُهُ أَوْ صَلَّى عَلَى فِرَاشٍ طَاهِرٍ. قَوْلُهُ: [بِوَقْتٍ مُطْلَقًا] : أَيْ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا. وَقِيلَ: الْعَامِدُ وَالْجَاهِلُ يُعِيدَانِ أَبَدًا نَدْبًا. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِهَا مُتَعَبَّدُ الْكُفَّارِ] : أَيْ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: كَنِيسَةٍ. بَلْ الْمُرَادُ

[الرعاف في الصلاة]

عَامِرَةً أَوْ دَارِسَةً (إلَّا) : إذَا نَزَلَهَا (لِضَرُورَةٍ) : كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ فَلَا كَرَاهَةَ وَلَوْ عَامِرَةً. (وَلَا إعَادَةَ) : عَلَيْهِ إنْ صَلَّى بِهَا (إلَّا) : إذَا صَلَّى (بِعَامِرَةٍ) : لَا دَارِسَةٍ وَ (نَزَلَهَا اخْتِيَارًا) لَا اضْطِرَارًا. (وَصَلَّى بِمَشْكُوكٍ) : فِي نَجَاسَتِهِ لَا بِمَكَانٍ تَحَقَّقَتْ أَوْ ظُنَّتْ طَهَارَتُهُ، (فَفِي الْوَقْتِ) : يُعِيدُ بِالْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِإِطْلَاقِهِ عَدَمَ الْإِعَادَةِ. وَلَمَّا كَانَ دَمُ الرُّعَافِ مِنْ الْخَبَثِ الْمُنَافِي لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَكَانَ لَهُ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ، شَرَعَ فِي بَيَانِهَا مُقَسِّمًا لَهُ أَوَّلًا عَلَى قِسْمَيْنِ أَشَارَ لِأَوَّلِهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ رَعَفَ) : مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ أَيْ خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ دَمٌ (قَبْلَهَا) : أَيْ الصَّلَاةِ أَيْ قَبْلَ دُخُولِهِ فِيهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا أَوْ رَاشِحًا (وَدَامَ) : رُعَافُهُ أَيْ اسْتَمَرَّ، فَلَا يَخْلُو الْحَالُ إمَّا أَنْ يَظُنَّ اسْتِغْرَاقَهُ الْوَقْتَ أَوْ لَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا يَشْمَلُ الْبِيعَةَ وَبَيْتَ النَّارِ، فَالْكَنِيسَةُ مُتَعَبَّدُ النَّصَارَى وَالْبِيعَةُ لِلْيَهُودِ، وَبَيْتُ النَّارِ لِلْمَجُوسِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا ثَمَانِيَةٌ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ فِيهَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ نَزَلَهَا اخْتِيَارًا أَوْ اضْطِرَارًا، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ تَكُونَ عَامِرَةً أَوْ دَارِسَةً، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى فِرَاشِهَا أَوْ لَا. فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَهِيَ مَا إذَا نَزَلَهَا اخْتِيَارًا وَكَانَتْ عَامِرَةً وَصَلَّى عَلَى فِرَاشِهَا أَوْ أَرْضِهَا، وَكَانَ مَشْكُوكًا فِيمَا صَلَّى عَلَيْهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَمَا عَدَاهَا لَا إعَادَةَ. وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا إنْ دَخَلَهَا اخْتِيَارًا كَانَتْ عَامِرَةً أَوْ دَارِسَةً. فَالْكَرَاهَةُ فِي صُورَتَيْنِ وَالْإِعَادَةُ فِي صُورَةٍ، وَمَا عَدَاهُمَا لَا كَرَاهَةَ وَلَا إعَادَةَ. قَوْلُهُ: [بِالْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ] : وَهِيَ النُّزُولُ اخْتِيَارًا وَكَانَتْ عَامِرَةً وَصَلَّى عَلَى مَشْكُوكٍ فِيهِ. [الرُّعَاف فِي الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [وَإِنْ رَعَفَ] : هُوَ بِفَتْحِ عَيْنِهِ وَتُضَمُّ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ، وَيُبْنَى لِلْمَفْعُولِ كَزُكِمَ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ دُخُولِهِ فِيهَا] : وَأَمَّا إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا فَسَيَأْتِي.

(فَإِنْ ظَنَّ اسْتِغْرَاقَهُ الْوَقْتَ صَلَّى) : أَوَّلَ الْوَقْتِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِهِ. ثُمَّ إنْ انْقَطَعَ فِي الْوَقْتِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، (وَإِلَّا) : يَظُنُّ اسْتِغْرَاقَهُ الْوَقْتَ بِأَنْ ظَنَّ قَطْعَهُ فِيهِ أَوْ شَكَّ (أَخَّرَ) : وُجُوبًا (لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ) : بِحَيْثُ يُوقِعُهَا فِيهِ، وَصَلَّى عَلَى حَالَتِهِ إنْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَلَا تَصِحُّ إنْ قَدَّمَهَا لِعَدَمِ صِحَّتِهَا بِالنَّجَاسَةِ مَعَ ظَنِّ انْقِطَاعِهَا أَوْ احْتِمَالِهِ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (أَوْ) رَعَفَ (فِيهَا) : أَيْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَخْلُو أَيْضًا إمَّا أَنْ يَظُنَّ دَوَامَهُ لِآخِرِ الْمُخْتَارِ أَوْ لَا، (فَإِنْ ظَنَّ دَوَامَهُ لَهُ تَمَادَى) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ ظَنَّ اسْتِغْرَاقَهُ] : وَمِنْ بَابِ أَوْلَى التَّحَقُّقُ، سَوَاءٌ كَانَ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا أَوْ رَاشِحًا، فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ. قَوْلُهُ: [لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ] : أَيْ بَلْ وَلَا تُنْدَبُ عَلَى أَقْوَى مَا فِي ح. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ مَا هُنَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ آيِسٍ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا خَافَ فَوَاتَ الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ هَلْ يُصَلِّي بِحَالِهِ أَوْ يَتْرُكُهُمَا؟ خِلَافٌ فِي الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [بِأَنْ ظَنَّ قَطْعَهُ] إلَخْ: وَأَوْلَى التَّحَقُّقُ. وَفِي كُلٍّ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا أَوْ رَاشِحًا فَصُوَرُ التَّأْخِيرِ تِسْعٌ، فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ قَبْلَ الدُّخُولِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَأْخُوذَةً مِنْ الشَّارِحِ سِتٌّ يُصَلِّي فِيهَا عَلَى حَالِهِ وَتِسْعٌ يُؤَخِّرُ. قَوْلُهُ: [أَوْ شَكَّ] : هَذَا مَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ. وَنَقَلَ عَنْهُ أَيْضًا: أَنَّ الشَّاكَّ لَا يُؤَخِّرُ. فَيَكُونُ عَلَى هَذَا الثَّانِي صُوَرُ التَّأْخِيرِ سِتًّا، وَصُوَرُ عَدَمِهِ تِسْعًا، وَقَدْ مَشَى فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى هَذَا الثَّانِي. قَوْلُهُ: [لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: لِآخِرِ الضَّرُورِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ ظَنَّ دَوَامَهُ] : وَأَوْلَى التَّحَقُّقُ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا أَوْ رَاشِحًا، فَهَذِهِ سِتَّةٌ، يَتَمَادَى فِيهَا إذَا رَعَفَ بَعْدَ الدُّخُولِ. قَوْلُهُ: [تَمَادَى] : أَيْ وَلَوْ عِيدًا وَجِنَازَةً وَظَنَّ دَوَامَ الرُّعَافِ فِي الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ إلَى فَرَاغِ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُ مَعَهُ رَكْعَةً فِي الْعِيدِ، وَلَا تَكْبِيرَةً غَيْرَ الْأُولَى فِي الْجِنَازَةِ. فَفَرَاغُ الْإِمَامِ فِيهِمَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فِي الْفَرِيضَةِ، قَالَهُ أَشْهَبُ.

فِي صَلَاتِهِ وُجُوبًا عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ بِهَا وَلَا فَائِدَةَ فِي الْقَطْعِ مَا لَمْ يَخْشَ مِنْ تَمَادِيهِ تَلَطُّخَ فُرُشِ مَسْجِدٍ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ. وَمِثْلُ الْفُرُشِ الْبَلَاطُ، فَإِنْ خَشِيَهُ - وَلَوْ بِقَطْرَةٍ - قَطَعَ صَوْنًا لَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ. وَيُؤَدِّيهَا الرَّاعِفُ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا إنْ لَمْ يَخْشَ ضَرَرًا. (وَأَوْمَأَ) لِرُكُوعٍ مِنْ قِيَامٍ وَلِسُجُودٍ مِنْ جُلُوسٍ (إنْ خَافَ) : بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (ضَرَرًا) فِي جِسْمِهِ مِنْ زِيَادَةِ مَرَضٍ أَوْ حُدُوثِهِ أَوْ تَأَخُّرِ بُرْءٍ. (أَوْ) خَافَ (تَلَطُّخَ ثَوْبٍ) : يُفْسِدُهُ الْغَسْلُ (لَا) إنْ خَافَ تَلَطُّخَ (بَدَنٍ) بِالدَّمِ فَلَا يُومِئُ لِعَدَمِ فَسَادِهِ بِالْغَسْلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقِيلَ: الدَّوَامُ فِي الْعِيدِ الزَّوَالُ، وَفِي الْجِنَازَةِ رَفْعُهَا إنْ صَلَّى فَذًّا، وَفَرَاغُ الْإِمَامِ إنْ صَلَّى جَمَاعَةً. وَأَصْلُ هَذَا الْكَلَامِ لِلْأُجْهُورِيِّ، قَالَ بْن: لَكِنَّ قَوْلَ الْأُجْهُورِيِّ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَذًّا هُوَ رَفْعُهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ غَيْرُ هَذَا الرَّاعِفِ لَمْ يُحْتَجَّ لِهَذَا الرَّاعِفِ، وَإِلَّا لَمْ تُرْفَعْ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَلَوْ اعْتَبِرُوا الْوَقْتَ بِخَوْفِ تَغَيُّرِهَا كَانَ ظَاهِرًا (اهـ) . قَوْلُهُ: [الْبَلَاطِ] : قَالَ بْن: فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَ الْمِسْنَاوِيُّ - أَنَّ الْبَلَاطَ لَيْسَ كَالْفِرَاشِ لِسُهُولَةِ غَسْلِهِ، بَلْ هُوَ كَالْحَصْبَاءِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَلَكِنْ فِي الْمَجْمُوعِ مَا يُؤَيِّدُ شَارِحَنَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِقَطْرَةٍ] : ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنْ لَا يُعْفَى فِي الْمَسْجِدِ عَنْ الدَّمِ وَلَوْ دُونَ دِرْهَمٍ، فَالْعَفْوُ الْمُتَقَدِّمُ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّخْصِ فِي نَفْسِهِ. قَوْلُهُ: [فِي جِسْمِهِ] : أَيْ مِنْ انْعِكَاسِ الدَّمِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ وَالشَّكَّ. قَوْلُهُ: [يُفْسِدُهُ الْغَسْلُ] : فَإِنْ كَانَ لَا يُفْسِدُهُ وَجَبَ أَنْ يَتَمَادَى بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَوْ تَلَطَّخَ بِأَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ كَمَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وبن أَيْضًا، خِلَافًا لِ عب وَمَنْ وَافَقَهُ، لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ ظَنَّ الدَّوَامَ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَرْكَانِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى عَدَمِ النَّجَاسَةِ. لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَغْوٌ حِينَئِذٍ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَلَا يُومِئُ] : أَيْ وَلَوْ كَثُرَ الدَّمُ بِسَبَبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ) دَوَامَهُ لِآخِرِ الْمُخْتَارِ بَلْ ظَنَّ انْقِطَاعَهُ فِيهِ أَوْ شَكَّ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاشِحًا أَوْ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا. (فَإِنْ رَشَحَ) : بِأَنْ لَمْ يَسِلْ وَلَمْ يَقْطُرْ بَلْ لَوَّثَ طَاقَتَيْ الْأَنْفِ، وَجَبَ تَمَادِيهِ فِيهَا. وَ (فَتَلَهُ) : أَيْ الدَّمُ بِأَنْ يُدْخِلَ الْأُنْمُلَةَ فِي طَاقَةِ أَنْفِهِ وَيَعْرُكَهَا بِأُنْمُلَةِ إبْهَامِهِ إلَى تَمَامِ أَنَامِلِهِ. وَقِيلَ: يَضَعُ الْأُنْمُلَةَ عَلَى طَاقَةِ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ، ثُمَّ يَفْتِلُهَا بِالْإِبْهَامِ إلَى آخِرِهَا. وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ الْفَتْلُ (بِأَنَامِلِ) أَصَابِعِ (يُسْرَاهُ الْعُلْيَا، فَإِنْ) انْقَطَعَ الدَّمُ تَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَإِنْ زَادَ مَا فِي أَنَامِلِهِ الْعُلْيَا عَلَى دِرْهَمٍ وَإِنْ (لَمْ يَنْقَطِعْ) : وَاسْتَمَرَّ رَاشِحًا (فَبِالْوُسْطَى) : أَيْ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يَدِهِ الْيُسْرَى الْوُسْطَى، (فَإِنْ) : لَمْ يَزِدْ مَا عَلَيْهَا مِنْ الدَّمِ عَلَى دِرْهَمٍ اسْتَمَرَّ، وَإِنْ (زَادَ) الدَّمُ (فِيهَا) : أَيْ الْوُسْطَى (عَلَى دِرْهَمٍ قَطَعَ) : صَلَاتَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بَلْ ظَنَّ انْقِطَاعَهُ] إلَخْ: وَمِنْ بَابِ أَوْلَى التَّحَقُّقُ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ مَضْرُوبَةٍ فِي السَّائِلِ وَالْقَاطِرِ وَالرَّاشِحِ. فَتَصِيرُ تِسْعَةً تُضَمُّ لِلسِّتَّةِ قَبْلَهَا تَكُونُ الْجُمْلَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ صُورَةً فِيمَا إذَا طَرَأَ الدَّمُ فِي الصَّلَاةِ، تُضَمُّ لِلْخَمْسِ عَشْرَةَ الَّتِي فِي نُزُولِ الدَّمِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَجُمْلَةُ صُوَرِ الرُّعَافِ ثَلَاثُونَ. قَوْلُهُ: [فَتَلَهُ] : أَيْ إنْ أَمْكَنَ بِأَنْ لَمْ يُكْثِرْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ لِكَثْرَتِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ السَّائِلِ وَالْقَاطِرِ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْبِنَاءِ. فَالْفَتْلُ الْمَذْكُورُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ مِنْ التِّسْعِ، وَهِيَ: تَحَقُّقُ الِانْقِطَاعِ، أَوْ ظَنُّهُ، أَوْ شَكُّهُ، وَكَانَ رَاشِحًا. وَهَذَا الْفَتْلُ وَاجِبٌ مَعَ التَّمَادِي، وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ. فَإِنْ خَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ بِغَيْرِ سَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ فَسَدَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَأْمُومِيهِ. وَالْمُرَادُ بِالرَّاشِحِ الَّذِي يَفْتِلُ كُلَّ ثَخِينٍ يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ فَلَا يَقْطَعُ لِأَجْلِهِ الصَّلَاةَ، بَلْ يَفْتِلُهُ ابْتِدَاءً وَلَوْ كَانَ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَقِيلَ: يَضَعُ الْأُنْمُلَةَ] : أَيْ لِيُلَاقِيَ الدَّمَ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [يُسْرَاهُ] : أَيْ فَالْفَتْلُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَرْجَحِ الطَّرِيقَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ الْيُسْرَى. قَوْلُهُ: [قَطَعَ صَلَاتَهُ] : أَيْ وُجُوبًا. ظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَطْعَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَبِهِ قَالَ ر قَائِلًا: جَمِيعُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يُعَبِّرُونَ بِالْقَطْعِ إذَا تَلَطَّخَ بِغَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ،

إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ (كَأَنْ لَطَّخَهُ) : أَيْ كَمَا يَقْطَعُ وُجُوبًا إنْ لَطَخَّهُ الدَّمُ بِمَا زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ، وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَطَعَ وَغَسَلَ الدَّمَ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ وَلَوْ رَكْعَةً وَإِلَّا اسْتَمَرَّ. (أَوْ خَافَ تَلَوُّثَ فُرُشِ مَسْجِدٍ) : فَيَقْطَعُ صَوْنًا لَهُ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ دُونَ دِرْهَمٍ (وَإِلَّا) يَرْشَحُ، بَلْ سَالَ أَوْ قَطَرَ فَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ: [فَإِنْ رَشَحَ] (فَلَهُ الْبِنَاءُ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَتَعْبِيرُهُمْ بِالْقَطْعِ إشَارَةٌ لِصِحَّتِهَا، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الْمُوَافِقُ لِلْمَذْهَبِ فِي الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ أَوْ اسْتِحْبَابِهِ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ هُنَا، بَلْ مَا هُنَا أَوْلَى لِلضَّرُورَةِ، وَلَكِنْ حَقَّقَ بْن هُنَا الْبُطْلَانَ لِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ، وَرَدَّ عَلَى ر بِمَا قَالَهُ ح وَالشَّيْخُ سَالِمٌ وَمَنْ تَبِعَهُمَا كَالْخَرَشِيِّ - مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِ خَلِيلٍ " قَطَعَ " بِالْبُطْلَانِ وَلَا يَجُوزُ التَّمَادِي فِيهَا وَلَوْ بَنَى لَمْ تَصِحَّ، لَا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى قَطْعِهَا. (اهـ. بِالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَالْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّمَادِي وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ بِاتِّفَاقِ ح وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا اسْتَمَرَّ] : رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُمَا: مَا إذَا زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ فِي الْوُسْطَى أَوْ لَطَّخَهُ فَيَسْتَمِرُّ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وُجُوبًا عَلَى صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: [فَيَقْطَعُ صَوْنًا لَهُ] إلَخْ: أَيْ وَيُصَلِّي خَارِجَهُ وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ كَمَا قَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ. قَوْلُهُ: [بَلْ سَالَ أَوْ قَطَرَ] : أَيْ وَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ فَتْلُهُ وَإِلَّا فَكَالرَّاشِحِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [فَلَهُ الْبِنَاءُ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الدَّمَ إذَا كَانَ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا وَلَمْ يُلَطِّخْهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ فَتْلُهُ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْقَطْعِ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَطْعَ، فَقَالَ: هُوَ أَوْلَى، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَ أَفْعَالِهَا مِثْلُ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ. قَالَ زَرُّوقٌ: وَهُوَ - أَيْ الْقَطْعُ - أَنْسَبُ بِمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْعِلْمِ، وَاخْتَارَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ الْبِنَاءَ لِلْعَمَلِ، وَقِيلَ: هُمَا سِيَّانِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ مَا يُفِيدُ وُجُوبَ الْبِنَاءِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

وَلَهُ الْقَطْعُ إنْ لَمْ يَخْشَ خُرُوجَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْبِنَاءُ. (فَيَخْرُجُ) : مُرِيدُ الْبِنَاءِ (لِغَسْلِهِ) : أَيْ الدَّمِ، حَالَ كَوْنِهِ (مُمْسِكٌ أَنْفَهُ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَهُ الْقَطْعُ] : أَيْ بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ مُنَافٍ وَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِسَلَامٍ وَلَا مُنَافٍ وَخَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ وَرَجَعَ وَابْتَدَأَ صَلَاتَهُ مِنْ أَوَّلِهَا أَعَادَهَا ثَالِثَةً؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ الثَّانِيَةَ الْوَاقِعَةَ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ ابْتَدَأَهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّا إذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَحَكَمْنَا عَلَى أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا كَانَ قَدْ صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ابْتَدَأَ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ أَرْبَعًا صَارَ كَمَنْ صَلَّى خَمْسًا جَاهِلًا. قَالَ ح: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الرَّفْضَ مُبْطِلٌ فَيَكْفِي فِي الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ رَفْضُهَا. فَمَحَلُّ كَوْنِهِ إذَا خَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ وَلَمْ يَأْتِ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ، ثُمَّ رَجَعَ وَابْتَدَأَهَا فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا، مَا لَمْ يَنْوِ رَفْضَهَا حِينَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْبِنَاءَ فِي سِتِّ صُوَرٍ، وَهِيَ: مَا إذَا تَحَقَّقَ الِانْقِطَاعُ، أَوْ ظَنَّهُ، أَوْ شَكَّ فِيهِ. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّمُ سَائِلًا، أَوْ قَاطِرًا. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْبِنَاءُ] : أَيْ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ تَمَادَى فِي تِلْكَ الصُّوَرِ السِّتِّ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ الدَّمِ عَلَى صَلَاتِهِ بُطْلَانُهَا. فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: إنْ طَرَأَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمُصَلِّي وَضَاقَ الْوَقْتُ تَمَادَى، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ اُنْظُرْ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [فَيَخْرُجُ] : أَيْ مِنْ هَيْئَتِهِ الْأُولَى أَوْ مِنْ مَكَانِهِ إنْ احْتَاجَ وَلَوْ مُتَيَمِّمًا، لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يُبْطِلُ الْمُوَالَاةَ فِي التَّيَمُّمِ، وَلِذَا يُكَبِّرُ إحْرَامًا فِي رُجُوعِهِ، وَسَبَقَ، وُجُودُ الْمَاءِ فِيهَا لَا يُبْطِلُهَا (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [مُمْسِكٌ أَنْفَهُ] إلَخْ: بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ. خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هَارُونَ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلُ الْأَنْفِ مِنْ الظَّاهِرِ فِي الْأَخْبَاثِ إلَّا أَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ وَهُوَ إرْشَادٌ لِأَحْسَنِ الْكَيْفِيَّاتِ، وَالشَّرْطُ التَّحَفُّظُ وَلَوْ لَمْ يُمْسِكُهُ كَمَا اخْتَارَهُ وِفَاقًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.

مِنْ أَعْلَاهُ وَهُوَ مَارِنُهُ لَا مِنْ أَسْفَلِهِ مِنْ الْوَتَرَةِ؛ لِئَلَّا يَبْقَى الدَّمُ فِي طَاقَتَيْ أَنْفِهِ. فَإِذَا غَسَلَهُ بَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ: أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَتَلَطَّخْ) : بِالدَّمِ بِمَا يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ وَإِلَّا قَطَعَ. وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ) : لِغَسْلِ الدَّمِ فِيهِ، فَإِنْ تَجَاوَزَهُ بَطَلَتْ. وَلِلثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (وَقَرُبَ) : ذَلِكَ الْمَكَانُ الْمُمْكِنُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بَطَلَتْ وَلَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَمَفْهُومُ [مُمْكِنٍ] أَنَّهُ لَوْ تَجَاوَزَ مَكَانًا لَا يُمْكِنُهُ الْغَسْلُ فِيهِ لَمْ تَبْطُلْ إذَا كَانَ الْمُتَجَاوِزُ إلَيْهِ قَرِيبًا فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّ عَدَمَ إمْكَانِ الْغَسْلِ مِنْهُ صَيَّرَهُ كَالْعَدَمِ. وَلِلرَّابِعِ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَسْتَدْبِرْ) : الْقِبْلَةَ (بِلَا عُذْرٍ) ، فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا لِغَيْرِهِ بَطَلَتْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِئَلَّا يَبْقَى الدَّمُ] : أَيْ وَلَكِنْ لَوْ بَقِيَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَتَلَطَّخْ] إلَخْ: وَأَمَّا إنْ تَلَطَّخَ بِمَا زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَيَبْتَدِئُهَا مِنْ أَوَّلِهَا بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَجَاوَزَهُ بَطَلَتْ] : أَيْ فَإِنْ جَاوَزَ الْأَقْرَبَ مَعَ الْإِمْكَانِ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ. وَظَاهِرُ بُطْلَانِهَا وَلَوْ كَانَتْ الْمُجَاوَزَةُ بِمِثْلِ مَا يَفْتَقِرُ لِسُتْرَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمُنَافِيَاتِ هُنَا. وَلَكِنْ قَالَ ح: يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِاغْتِفَارِ الْمُجَاوَزَةِ بِمِثْلِ الْخُطْوَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ يُبَاعُ فِي أَقْرَبِ مَكَان بِالْمُعَاطَاةِ بِثَمَنٍ مُعْتَادٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِنْ يَسِيرِ الْأَفْعَالِ وَلَا يَتْرُكُهُ لِلْبَعِيدِ. وَقَدْ نَصَّ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِشَارَةِ الْخَفِيفَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَكَيْفَ بِذَلِكَ هُنَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ شِرَاؤُهُ بِالْإِشَارَةِ فَبِالْكَلَامِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَلَامٌ لِإِصْلَاحِهَا اُنْظُرْ: عب (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بَطَلَتْ] : أَيْ إنْ تَفَاحَشَ الْبُعْدُ. فَيُرَادُ بِالْقُرْبِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا عَدَا الْبَعْدَ الْمُتَفَاحِشَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا لِغَيْرِهِ بَطَلَتْ] : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِقْبَالِ إلَّا لِعُذْرٍ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ:

وَلِلْخَامِسِ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَطَأْ) : أَيْ فِي طَرِيقِهِ (نَجِسًا) : وَإِلَّا بَطَلَتْ. وَلِلسَّادِسِ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَتَكَلَّمْ) فِي مُضِيِّهِ لِلْغُسْلِ، فَإِنْ تَكَلَّمَ (وَلَوْ سَهْوًا) : بَطَلَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَخْرُجُ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ، وَاسْتَبْعَدُوا اشْتِرَاطَ الِاسْتِقْبَالِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ غَالِبًا. ثُمَّ إنَّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِقْبَالِ، يُقَدِّمُ اسْتِدْبَارًا لَا يُلَابِسُ فِيهِ نَجِسًا عَلَى اسْتِقْبَالٍ مَعَ وَطْءِ نَجِسٍ لَا يُغْتَفَرُ، لِأَنَّهُ عَهِدَ عَدَمَ تَوَجُّهِ الْقِبْلَةِ لِعُذْرٍ، وَلِمَا فِي الِاسْتِقْبَالِ مِنْ الْخِلَافِ، كَذَا فِي عب. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الْقَرِيبِ مَعَ مُلَابَسَتِهِ نَجَاسَةً عَلَى بَعِيدٍ خَلَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ مُتَّفَقٌ عَلَى شَرْطِيَّتِهِ، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ تَقْدِيمُ مَا قَلَّتْ مُنَافِيَاتُهُ كَبَعِيدٍ مَعَ اسْتِقْبَالٍ بِلَا نَجَاسَةٍ عَلَى قَرِيبٍ مُسْتَدْبَرٍ مَعَ نَجَاسَةٍ، فَتَأَمَّلْ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَطَأْ فِي طَرِيقِهِ نَجَسًا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَتَى وَطِئَ النَّجَاسَةَ بَطَلَتْ، كَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا مُضْطَرًّا أَوْ لَا، كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَرْوَاثَ دَوَابِّ أَوْ غَيْرِهَا يَابِسَةً أَوْ رَطْبَةً، وَلَكِنْ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ كَمَا فِي ح، وَالْمَوَّاقِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَهُوَ غَيْرُ مُبْطِلٍ إذَا وَطِئَهَا نِسْيَانًا أَوْ اضْطِرَارًا لِكَثْرَةِ ذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ، وَإِنْ وَطِئَهَا عَمْدًا مُخْتَارًا بَطَلَتْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَطْبِهَا وَيَابِسِهَا. وَأَمَّا غَيْرُ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا مِنْ الْعُذْرَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَمُبْطِلٌ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَكَذَلِكَ إنْ تَعَمَّدَ وَإِنْ نَسِيَ أَوْ اضْطَرَّ فَقَوْلَانِ، الْبُطْلَانُ لِابْنِ يُونُسَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَعَدَمُهُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ عَنْ الْبُنَانِيِّ) . قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَكَلَّمَ وَلَوْ سَهْوًا] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا بَطَلَتْ اتِّفَاقًا. وَاخْتُلِفَ إذَا تَكَلَّمَ سَهْوًا؟ وَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ هُنَا وَلَوْ قَلَّ لِكَثْرَةِ الْمُنَافِيَاتِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءً كَانَ الْكَلَامُ فِي حَالِ انْصِرَافِهِ لِغَسْلِ الدَّمِ، أَوْ كَانَ بَعْدَ عَوْدِهِ، وَاَلَّذِي فِي الْمَوَّاقِ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَ حَالَ رُجُوعِهِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ اتِّفَاقًا، فَإِذَا أَدْرَكَ بَقِيَّةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ حَمَلَ الْإِمَامُ عَنْهُ سَهْوَهُ، وَإِلَّا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ لِسَهْوِهِ، وَأَمَّا إنْ تَكَلَّمَ سَهْوًا فِي حَالِ انْصِرَافِهِ لِغَسْلِ الدَّمِ، فَقَالَ سَحْنُونَ، الْحُكْمُ وَاحِدٌ مِنْ الصِّحَّةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ عَمْدًا - وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ رَجَّحَ أَنَّ الْكَلَامَ سَهْوًا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، سَوَاءً تَكَلَّمَ حَالَ انْصِرَافِهِ أَوْ حَالَ رُجُوعِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمَوَّاقُ

(وَلَا يَعْتَدُّ) : الْبَانِي إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ فَذًّا (بِرَكْعَةٍ) : مِنْ صَلَاتِهِ (إلَّا إذَا كَمُلَتْ بِالِاعْتِدَالِ) : قَائِمًا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْجُلُوسِ وَجَالِسًا فِي مَحَلِّهِ (مِنْ سَجْدَتِهَا الثَّانِيَةِ) : فَإِذَا غَسَلَ رَجَعَ جَالِسًا - إنْ حَصَلَ لَهُ فِي جُلُوسِ التَّشَهُّدِ - وَقَائِمًا إنْ حَصَلَ فِي قِيَامِهِ، وَيُعِيدُ الْقِرَاءَةَ إنْ كَانَ قَرَأَ أَوَّلًا. وَكَذَا إنْ حَصَلَ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ اسْتِقْلَالِهِ، فَيَرْجِعُ قَائِمًا وَيُلْغِي جَمِيعَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى بَنَى عَلَى الْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّالِثَةِ بَنَى عَلَى الثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ بَنَى عَلَى الثَّالِثَةِ. (وَأَتَمَّ بِمَوْضِعِهِ) الَّذِي غَسَلَ فِيهِ الدَّمَ وُجُوبًا (إنْ أَمْكَنَ) الْإِتْمَامُ فِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ - وَأَمَّا الْكَلَامُ لِإِصْلَاحِهَا فَلَا يُبْطِلُهَا كَمَا ذَكَرَهُ ح وَغَيْرُهُ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [أَوْ فَذًّا] : أَيْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي بِنَائِهِ. قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا كَمُلَتْ] : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِلُهُ الِاعْتِدَادُ بِمَا فَعَلَهُ مُطْلَقًا، لَا فَرْقَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَةٍ وَبَعْضِهَا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ حَصَلَ لَهُ فِي جُلُوسِ التَّشَهُّدِ] : أَيْ لِأَنَّ الْحَرَكَةَ لِلرُّكْنِ مَقْصُودَةٌ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا إنْ حَصَلَ فِي رُكُوعٍ] إلَخْ: أَيْ فَيَرْجِعُ قَائِمًا، وَيَبْتَدِئُ الْقِرَاءَةَ وَيُلْغِي جَمِيعَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، فَلِذَلِكَ قَالَ: [فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى بَنَى عَلَى الْإِحْرَامِ] إلَخْ. قَوْلُهُ: [بَنَى عَلَى الْإِحْرَامِ] : أَشَارَ بِذَلِكَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاعْتِدَادِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ. فَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا بَنَى لَمْ يَعْتَدَّ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ لَا أَقَلَّ، سَوَاءً كَانَتْ الْأُولَى أَوْ غَيْرُهَا، وَأَمَّا الْبِنَاءُ فَيَكُونُ وَلَوْ عَلَى الْإِحْرَامِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الِاعْتِدَادِ الْبِنَاءُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْبِنَاءِ الِاعْتِدَادُ. وَخَالَفَ ابْنُ عَبْدُوسٍ حَيْثُ قَالَ: إذَا لَمْ تَكْمُلْ الرَّكْعَةُ ابْتَدَأَ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ، وَلَا يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ لَا فِي الْجُمُعَةِ وَلَا غَيْرِهَا. وَقَالَ سَحْنُونَ: يَعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ وَلَوْ الْإِحْرَامَ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. وَالْمُعْتَمَدُ تَفْصِيلُ الْمُصَنِّفِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: [وَأَتَمَّ بِمَوْضِعِهِ] إلَخْ: وَمِثْله لَوْ رَجَعَ لِظَنِّ بَقَاءِ إمَامِهِ فَعَلِمَ أَوْ ظَنَّ فِي أَثْنَاءِ

(وَإِلَّا) : يُمْكِنُ (فَأَقْرَبُ مَكَان مُمْكِنٍ) : يَتِمُّ فِيهِ (إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ) : مِنْ الصَّلَاةِ. فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ بِمَوْضِعِهِ أَوْ بِأَقْرَبِ مَكَان مُمْكِنٍ بَطَلَتْ (وَإِلَّا) يَظُنُّ فَرَاغَهُ بِأَنْ اعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ فَرَاغِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ (رَجَعَ لَهُ) أَيْ لِإِمَامِهِ وُجُوبًا، (وَلَوْ) : كَانَ يَظُنُّ إدْرَاكَهُ (فِي السَّلَامِ) ، فَإِنْ رَجَعَ فَوَجَدَهُ قَدْ فَرَغَ أَتَمَّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (فَلَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ) : أَيْ مَعَ إمَامِهِ (الرَّكْعَةَ الْأُولَى) : وَفِي قِيَامِهِ لِلثَّانِيَةِ مَثَلًا رَعَفَ فَخَرَجَ وَغَسَلَ الدَّمَ وَرَجَعَ (وَ) أَدْرَكَ (الْأَخِيرَةَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ) وَلَوْ فِي رُكُوعِهَا فَقَدْ فَاتَتْهُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ، (أَتَى) بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ (بِرَكْعَةٍ بِسُورَةٍ) : جَهْرًا إنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً (وَجَلَسَ) لِلتَّشَهُّدِ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ إمَامِهِ - وَإِنْ كَانَتْ ثَالِثَةً - ثُمَّ بِرَكْعَةٍ سِرًّا، وَالتَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنَّهُ إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ أَتَمَّ مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا رَجَعَ لَهُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالرُّجُوعِ فَرَاغَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ. فَإِنْ تَعَدَّاهُ مَعَ إمْكَانِ الْإِتْمَامِ فِيهِ بَطَلَتْ. وَقَوْلُهُ: [وَأَتَمَّ بِمَوْضِعِهِ] : أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ] : أَيْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ سَوَاءً ظَنَّ فَرَاغَهُ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ، لِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ وَيَصِيرُ مَأْمُومًا فَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ. وَأَمَّا الْفَذُّ فَيُتِمُّ مَكَانَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. قَوْلُهُ: [رَجَعَ لَهُ] : أَيْ لِأَدْنَى مَكَان يَصِحُّ فِيهِ الِاقْتِدَاءُ، لَا لِمُصَلَّاهُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ مَشْيٍ فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [إدْرَاكَهُ فِي السَّلَامِ] : رَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ شَعْبَانَ الْقَائِلِ: إنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَّا إذَا رَجَا إدْرَاكَهُ رَكْعَةً، فَإِنْ لَمْ يَرْجُ إدْرَاكَهَا أَتَمَّ مَكَانَهُ. قَوْلُهُ: [فَلَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ] إلَخْ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءٌ مَحْضٌ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَهَا عَلَى مَسَائِلِ اجْتِمَاعِ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ. وَهِيَ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ عَلَى خَلِيلٍ كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي بَسَطَهَا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ] إلَخْ: تَبِعَ فِيهِ الْأُجْهُورِيَّ وَسَيَأْتِي فِي التَّتِمَّةِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.

[تنبيه لا يبني بغير الرعاف]

(وَرَجَعَ فِي الْجُمُعَةِ) : بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ (مُطْلَقًا) : وَلَوْ عَلِمَ فَرَاغَ إمَامِهِ (لِأَوَّلِ) جُزْءٍ مِنْ (الْجَامِعِ) : الَّذِي ابْتَدَأَهَا بِهِ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهَا الْجَامِعُ. (وَإِلَّا) : يَرْجِعُ لِلْجَامِعِ أَوْ رَجَعَ وَلَمْ يُتِمَّ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ بَلْ ذَهَبَ دَاخِلَهُ (بَطَلَتْ) : وَهَذَا إذَا أَتَمَّ مَعَ إمَامِهِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا وَاعْتَدَلَ مَعَهُ قَائِمًا. (وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ مَعَهُ رَكْعَةً فِيهَا) : أَيْ الْجُمُعَةِ قَبْلَ رُعَافِهِ وَخَرَجَ لِغَسْلِهِ فَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ، (ابْتَدَأَ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ) : جَدِيدٍ فِي أَيِّ مَكَان، وَلَا يَبْنِي عَلَى الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ كَانَ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ. (وَإِنْ رَعَفَ) : مَأْمُومٌ (حَالَ سَلَامِ إمَامِهِ) وَأَوْلَى بَعْدَهُ (سَلَّمَ وَصَحَّتْ) : لِأَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الَّذِي ابْتَدَأَهَا بِهِ] : فَلَوْ رَجَعَ لِمَسْجِدٍ آخَرَ أَوْ لِرِحَابِ الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ أَوْ طُرُقِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ فَلَا يَكْفِي وَلَوْ كَانَ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَابِ أَوْ الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا تَرْجِيحُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الرِّحَابُ وَالطُّرُقُ مُطْلَقًا، وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ مَا يُخَالِفُهُ (اهـ.) قَوْلُهُ: [ابْتَدَأَ ظُهْرًا] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَرْجُ إدْرَاكَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي بَلَدٍ آخَرَ قَرِيبٍ أَوْ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ بِالْبَلَدِ، وَإِلَّا وَجَبَ صَلَاتُهَا جُمُعَةً. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ وَرَعَفَ وَفَاتَهُ بَاقِيهَا مَعَ الْإِمَامِ، يَبْتَدِئُ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ. هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكْفِي بِنَاؤُهُ عَلَى إحْرَامِ الْجُمُعَةِ. وَفِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: الْبِنَاءُ عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. وَلِهَذَا الْخِلَافِ رَدَّ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَبْنِي عَلَى الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ إلَخْ. [تَنْبِيه لَا يَبْنِي بِغَيْرِ الرُّعَاف] قَوْلُهُ: [وَإِنْ رَعَفَ مَأْمُومٌ] إلَخْ: وَأَمَّا لَوْ رَعَفَ الْإِمَامُ أَوْ الْفَذُّ قَبْلَ سَلَامِهِ فَقَالَ ح: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ إنْ حَصَلَ الرُّعَافُ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِمِقْدَارِ السُّنَّةِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَالْإِمَامُ وَالْفَذُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ التَّشَهُّدَ وَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ، وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ

سَلَامَهُ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ أَخَفُّ مِنْ خُرُوجِهِ لِغَسْلِهِ، لَا إنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِهِ وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَلَا يُسَلِّمُ، بَلْ يَخْرُجُ لِغَسْلِهِ وَيُسَلِّمُ مَكَانَهُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ إمَامُهُ قَبْلَ الِانْصِرَافِ، وَإِلَّا سَلَّمَ وَانْصَرَفَ. (فَإِنْ اجْتَمَعَ لَهُ) : أَيْ لِلرَّاعِفِ (قَضَاءٌ) : وَهُوَ مَا يَأْتِي بِهِ الْمَسْبُوقُ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ، (وَبِنَاءٌ) : وَهُوَ مَا يَأْتِي بِهِ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُ بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْفَذُّ فَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَيُتِمُّ مَكَانَهُ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [قَبْلَ الِانْصِرَافِ] : مُرَادُهُ بِالِانْصِرَافِ: الْمَشْيُ الْكَثِيرُ فَوَافَقَ قَوْلَ السُّودَانِيِّ وَهُوَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا: لَوْ انْصَرَفَ لِغَسْلِهِ وَجَاوَزَ الصَّفَّيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَسَمِعَ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَيَذْهَبُ، وَأَمَّا لَوْ سَمِعَهُ يُسَلِّمُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ، بَلْ يَذْهَبُ لِغَسْلِ الدَّمِ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِتَشَهُّدٍ وَيُسَلِّمُ وَيُعِيدُ التَّشَهُّدَ، وَلَوْ كَانَ التَّشَهُّدُ لِأَجْلِ أَنْ يَتَّصِلَ سَلَامُهُ بِهِ. تَنْبِيهٌ: لَا يَبْنِي بِغَيْرِ الرُّعَافِ كَسَبْقِ حَدَثٍ أَوْ ذِكْرِهِ أَوْ سُقُوطِ نَجَاسَةٍ وَذِكْرِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ، بَلْ يَسْتَأْنِفُهَا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ رُخْصَةٌ يَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ. وَهُوَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الرُّعَافِ، وَكَمَا لَا يَبْنِي بِغَيْرِهِ لَا يَبْنِي بِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً فَتَبْطُلُ، وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ لِكَثْرَةِ الْمُنَافِي - كَمَا إذَا ظَنَّ الرُّعَافَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَخَرَجَ لِغَسْلِهِ فَظَهَرَ لَهُ نَفْيُهُ - فَلَا يَبْنِي. وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ إمَامًا بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَأْمُومِيهِ. وَأَلْغَزَ فِيهِ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ بِقَوْلِهِ: مِنْ الْعَجِيبِ إمَامُ الْقَوْمِ لَابَسَهُ ... سُقُوطُ طَارِئَةٍ فِي جِسْمِهِ اتَّصَلَتْ تَصِحُّ لِلْكُلِّ إنْ بَانَتْ نَجَاسَتُهَا ... وَإِنْ يَكُنْ بَانَ شَيْءٌ طَاهِرٌ بَطَلَتْ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَظَاهِرٌ أَنَّ دَمَ الرُّعَافِ نَجِسٌ مَسْفُوحٌ وَالْبُطْلَانُ لِلْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَالْمُلْغِزِ يَعْمَى (اهـ.) قَوْلُهُ: [فَإِنْ اجْتَمَعَ لَهُ قَضَاءٌ] : أَيْ فَالْقَافُ لِلْقَبْلِ. قَوْلُهُ: [أَيْ لِلرَّاعِفِ] : وَمِثْلُهُ مَنْ فَاتَتْهُ لِنُعَاسٍ خَفِيفٍ أَوْ مُزَاحَمَةٍ فَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي الرَّاعِفِ. قَوْلُهُ: [وَبِنَاءٌ] : أَيْ فَالْبَاءُ لِلْبَعْدِ، وَقَدْ الْتَفَتَ الشَّارِحُ فِي الْقَضَاءِ وَالْبِنَاءِ لِلْمَعْنَى الِاسْمِيِّ، فَفَسَّرَ كُلًّا بِمَا يَأْتِي بِهِ فَهُوَ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُمَا بِالْمَعْنَى

دُخُولِهِ مَعَهُ لِغَسْلِ الدَّمِ (قَدَّمَ الْبِنَاءَ) : عَلَى الْقَضَاءِ (وَجَلَسَ فِي أَخِيرَةِ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) : أَخِيرَةُ الْإِمَامِ (ثَانِيَتَهُ) : هُوَ، بَلْ ثَالِثَتَهُ. (وَ) جَلَسَ أَيْضًا (فِي ثَانِيَتِهِ) : وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَةَ الْإِمَامِ وَلَا أَخِيرَتَهُ. (كَمَنْ أَدْرَكَ) : مَعَ الْإِمَامِ (الْوُسْطَيَيْنِ) : مِنْ رُبَاعِيَّةٍ كَالْعِشَاءِ وَفَاتَتْهُ الْأُولَى قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَهُ وَرَعَفَ فِي الرَّابِعَةِ فَخَرَجَ لِغَسْلِهِ فَفَاتَتْهُ بِرَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِهَا، قَدَّمَ الْبِنَاءَ، فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ سِرًّا وَيَجْلِسُ؛ لِأَنَّهَا أَخِيرَةُ إمَامِهِ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَتَهُ هُوَ - ثُمَّ بِرَكْعَةِ الْقَضَاءِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا؛ لِأَنَّهَا أُولَى الْإِمَامِ، وَتُسَمَّى أُمَّ الْجَنَاحَيْنِ لِوُقُوعِ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي طَرَفَيْهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَصْدَرِيِّ فَالْقَضَاءُ فِعْلُ مَا فَاتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ بِصِفَتِهِ، وَالْبِنَاءُ فِعْلُ مَا فَاتَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ بِصِفَتِهِ، وَكُلٌّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّ التَّعْرِيفَ الْجَامِعَ لِجَمِيعِ صُوَرِهِ أَنْ يُقَالَ: الْبِنَاءُ مَا ابْتَنَى عَلَى الْمُدْرَكِ وَالْقَضَاءُ مَا ابْتَنَى عَلَيْهِ الْمُدْرَكُ، لِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ لَا يَشْمَلُ مَسْأَلَةَ الْحَاضِرِ الْمُدْرِكِ ثَانِيَةَ إمَامِ الْمُسَافِرِ. قَوْلُهُ: [قَدَّمَ الْبِنَاءَ] : أَيْ فِي الصُّوَرِ الْخَمْسِ الْآتِيَةِ - كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ - وَذَلِكَ لِانْسِحَابِ الْمَأْمُومِيَّةِ عَلَيْهِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إكْمَالِ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ دُخُولِهِ مَعَهُ. وَقَالَ سَحْنُونَ: يُقَدَّمُ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَشَأْنُهُ يَعْقُبُ سَلَامَ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَتَهُ] إلَخْ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَدَ: بِ [لَوْ] عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ. قَوْلُهُ: [فِي ثَانِيَتِهِ] إلَخْ: أَيْ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ تَكُنْ. ثَانِيَتَهُ هُوَ] : أَيْ بَلْ هِيَ ثَالِثَتُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ: إذَا قَدَّمَ الْبِنَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يَجْلِسُ فِي آخِرَةِ الْإِمَامِ إلَّا إذَا كَانَتْ ثَانِيَتَهُ هُوَ. وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ سَحْنُونَ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَضَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ، لِأَنَّهَا أُولَاهُ وَأُولَى إمَامِهِ أَيْضًا، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا أَخِيرَتُهُ وَأَخِيرَةُ إمَامِهِ. وَعَلَى مَذْهَبِهِ فَتُلَقَّبُ هَذِهِ الصُّورَةُ بِالْعَرْجَاءِ لِأَنَّهُ فَصَلَ فِيهَا بَيْنَ رَكْعَتَيْ السُّورَةِ. بِرَكْعَتَيْ الْفَاتِحَةِ، وَبَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَاتِحَةِ بِرَكْعَةِ السُّورَةِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ تَلْقِيبُهَا بِالْعَرْجَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَخَلَّلَةٌ - مَثَلًا - بِالسُّورَتَيْنِ.

(أَوْ) أَدْرَكَ مَعَهُ (إحْدَاهُمَا) : أَيْ إحْدَى الْوُسْطَيَيْنِ وَتَحْتَهُ صُورَتَانِ: الْأُولَى: أَنْ يُدْرِكَ الثَّالِثَةَ وَتَفُوتَهُ الْأُولَيَانِ بِالسَّبْقِ وَالرَّابِعَةُ بِالرُّعَافِ قَدَّمَ الْبِنَاءَ. فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ سِرًّا؛ لِأَنَّهَا الرَّابِعَةُ وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ وَأَخِيرَةُ إمَامِهِ، ثُمَّ بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَلَا جُلُوسَ بَيْنَهُمَا، وَتُسَمَّى بِالْمَقْلُوبَةِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُدْرِكَ الثَّانِيَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَتَفُوتَهُ الْأُولَى بِالسَّبْقِ وَالْأَخِيرَتَانِ بِالرُّعَافِ، قَدَّمَ الْبِنَاءَ، فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ سِرًّا وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَخِيرَةَ الْإِمَامِ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ كَذَلِكَ، وَيَجْلِسُ أَيْضًا لِأَنَّهَا أَخِيرَةُ إمَامِهِ وَإِنْ كَانَتْ ثَالِثَتَهُ، ثُمَّ بِرَكْعَةِ الْقَضَاءِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ. فَصَلَاتُهُ كُلُّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِجُلُوسٍ وَمِثْلُ هَذِهِ الصُّورَةِ حَاضِرٌ أَدْرَكَ مَعَ مُسَافِرٍ ثَانِيَتَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَعَلَ مَأْمُومُهُ الْحَاضِرُ مِثْلَ مَا ذُكِرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِالْمَقْلُوبَةِ] : أَيْ لِأَنَّ السُّورَتَيْنِ مُتَأَخِّرَتَانِ بِعَكْسِ الْأَصْلِ، وَعَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونَ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ وَأُولَى إمَامِهِ، وَيَجْلِسُ ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ إمَامِهِ وَلَا يَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَالِثَتُهُ - خِلَافًا لِمَا فِي الْخَرَشِيِّ. ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَيَجْلِسُ فِيهَا لِأَنَّهَا أَخِيرَتُهُ وَأَخِيرَةُ إمَامِهِ، وَعَلَيْهِ فَتُلَقَّبُ بِالْحُبْلَى لِثِقَلِ وَسَطِهَا بِالْقِرَاءَةِ. قَوْلُهُ: [وَيَجْلِسُ أَيْضًا] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ. قَوْلُهُ: [فَصَلَاتُهُ كُلَّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِجُلُوسٍ] : أَيْ وَتُسَمَّى أُمَّ الْجَنَاحَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونَ: يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ لِأَنَّهَا أُولَى إمَامِهِ، وَيَجْلِسُ فِيهَا لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ، ثُمَّ بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَلَا يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: [وَمِثْلُ هَذِهِ الصُّورَةِ] إلَخْ: وَمِثْلُهَا أَيْضًا حَاضِرٌ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلَاةِ خَوْفٍ بِحَضَرٍ، قَسَّمَ الْإِمَامُ الْقَوْمَ فِيهِ طَائِفَتَيْنِ فَأَدْرَكَ الْحَاضِرُ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وَإِنَّمَا تَرَكَهَا الْمُصَنِّفُ لِعِلْمِهَا بِالْمُقَايَسَةِ وَشُهْرَتِهَا. تَتِمَّةٌ: إنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَالرَّابِعَةَ فَقَالَ التَّتَّائِيُّ: الْأُولَى قَضَاءٌ بِلَا إشْكَالٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّالِثَةِ: فَعَلَى مَذْهَبِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: بِنَاءٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ نَظَرًا لِلْمُدْرَكَةِ قَبْلَهَا كَمَا فِي (ر) قَالَ: فَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْأُولَى، وَيَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ سِرًّا وَلَا يَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَالِثَتُهُ، ثُمَّ بِرَكْعَةِ الْقَضَاءِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا إنْ كَانَ. وَأَطْلَقَ عَلَى الثَّالِثَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَضَاءً نَظَرًا لِلرَّابِعَةِ الْمُدْرَكَةِ بَعْدَهَا كَمَا قَالَ (ر) فَيُقَدِّمُ

[ستر العورة]

(وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ) : عَطْفٌ عَلَى بِإِسْلَامٍ أَيْ وَصِحَّتُهَا أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ (الْمُغَلَّظَةِ) : خَاصَّةً وَكَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ (إنْ قَدَرَ) : عَلَى سَتْرِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ سِرًّا. وَمِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ أَيْضًا أَنْ يُدْرِكَ الْأُولَى ثُمَّ يَرْعُفَ فَتَفُوتَهُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ، ثُمَّ يُدْرِكَ الرَّابِعَةَ. قَالَ التَّتَّائِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ هُمَا بِنَاءٌ. قَالَ (ر) : وَعَلَيْهِ فَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ بَيْنَهُمَا، قَالَهُ ابْنُ نَاجِي وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ ثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ، يَقْرَأُ فِي الثَّالِثَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَلَا يَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَالِثَةُ بِنَائِهِ، وَيَقْرَأُ فِي الثَّالِثَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ (اهـ) . فَقَدْ ظَهَرَ لَك الْفَرْقَ بَيْنَ مَذْهَبِ الْكِتَابِ وَقَوْلِ بَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ. وَمِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ أَنْ يُدْرِكَ الْأُولَى وَيَرْعُفَ فِي الثَّانِيَةِ وَيُدْرِكَ الثَّالِثَةَ وَتَفُوتَهُ الرَّابِعَةُ، فَلَا إشْكَالَ أَنَّ الرَّابِعَةَ بِنَاءٌ. وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: فَعَلَى أَنَّهَا قَضَاءٌ يَبْدَأُ بِالرَّابِعَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ سِرًّا وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا آخِرَةُ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا إنْ كَانَ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ يَأْتِي بِهِمَا نَسَقًا مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ بَيْنَهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فِيهِمَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ (اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ) . [سِتْر الْعَوْرَة] قَوْلُهُ: (وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ) : السَّتْرُ بِفَتْحِ السِّينِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ. وَالْعَوْرَةُ: مِنْ الْعَوَرِ، وَهُوَ الْقُبْحُ لِقُبْحِ كَشْفِهَا لَا نَفْسِهَا، حَتَّى قَالَ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: الْأَمْرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ لِتَشْرِيفِهَا وَتَكْرِيمِهَا لَا لِخِسَّتِهَا فَإِنَّهُمَا - يَعْنِي الْقُبُلَيْنِ - مَنْشَأُ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ الْمُكَرَّمِ الْمُفَضَّلِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . وَالْعَوْرَةُ فِي الْأَصْلِ الْخَلَلُ فِي الثَّغْرِ وَغَيْرِهِ وَمَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ ضَرَرٌ وَفَسَادٌ، وَمِنْهُ عَوِرَ الْمَكَانُ أَيْ تُوُقِّعَ مِنْهُ الضَّرَرُ وَالْفَسَادُ وقَوْله تَعَالَى: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} [الأحزاب: 13] أَيْ خَالِيَةٌ يُتَوَقَّعُ فِيهَا الْفَسَادُ. وَالْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ لِتَوَقُّعِ الْفَسَادِ مِنْ رُؤْيَتِهَا أَوْ سَمَاعِ كَلَامِهَا، لَا مِنْ الْعَوَرِ بِمَعْنَى الْقُبْحِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي الْجَمِيلَةِ مِنْ النِّسَاءِ لِمَيْلِ النُّفُوسِ إلَيْهَا، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْقُبْحِ مَا يُسْتَقْبَحُ شَرْعًا وَإِنْ مِيلَ إلَيْهِ طَبْعًا. (اهـ. مِنْ الْخَرَشِيِّ) . قَوْلُهُ: [يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فَيُوهِمُ الشَّرْطِيَّةَ حَتَّى فِي الْمُخَفَّفَةِ،

وَإِلَّا صَلَّى عُرْيَانَا. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُغَلَّظَةِ فَسَتْرُهَا وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى مَا يَأْتِي، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ تَقْيِيدِهِ بِالذِّكْرِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ. فَمَنْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ نِسْيَانًا أَعَادَ أَبَدًا وُجُوبًا. (وَإِنْ بِإِعَارَةٍ) : مُبَالَغَةً فِي [قَدِرَ] ؛ فَإِذَا عَلِمَ مَنْ يُعِيرُهُ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ فَلَمْ يَسْتَعِرْهُ وَصَلَّى عُرْيَانَا بَطَلَتْ (أَوْ) بِسَاتِرٍ (نَجِسٍ أَوْ حَرِيرٍ) : فَإِنْ صَلَّى عُرْيَانَا مَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ السَّاتِرُ كَثِيفًا وَهُوَ مَا لَا يَشِفُّ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، بِأَنْ لَا يَشِفَّ أَصْلًا أَوْ يَشِفَّ بَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ، وَخَرَجَ بِهِ مَا يَشِفُّ فِي بَادِئِ النَّظَرِ، فَإِنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ وَأَمَّا مَا يَشِفُّ بَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ فَيُعِيدُ مَعَهُ فِي الْوَقْتِ كَالْوَاصِفِ لِلْعَوْرَةِ الْمُحَدِّدِ لَهَا بِغَيْرِ بَلَلٍ وَلَا رِيحٍ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِهِ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ عَدَمُ تَقْيِيدِهِ بِالذِّكْرِ] : اعْلَمْ أَنَّ (ر) تَعَقَّبَ خَلِيلًا فَقَالَ: إنَّهُ تَبِعَ ابْنَ عَطَاءِ اللَّهِ فِي تَقْيِيدِهِ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالذِّكْرِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَيُعِيدُ أَبَدًا مَنْ صَلَّى عُرْيَانًا نَاسِيًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى السَّتْرِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْجُزُولِيُّ بِأَنَّهُ شَرْطٌ مَعَ الْقُدْرَةِ ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطُ صِحَّةٍ مُقَيَّدٌ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَبِالْقُدْرَةِ فَقَطْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. فَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُؤَلِّفُ التَّقْيِيدَ بِالْقُدْرَةِ فَقَطْ، وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ التَّقْيِيدَ بِهِمَا، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْحَاشِيَةِ أَيْضًا. وَلَيْسَ مِنْ الْعَجْزِ سُقُوطُ السَّاتِرِ فَيَرُدُّهُ فَوْرًا، بَلْ الْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ كَمَا فِي ح. وَقِيلَ: سَتْرُ الْمُغَلَّظَةِ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسُّنِّيَّةِ فِي كَلَامِ الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [فَإِذَا عَلِمَ مَنْ يُعِيرُهُ] إلَخْ: وَذَلِكَ لِضَعْفِ الْمَانِيَةِ بِهِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي مُجَرَّدِ الصَّلَاةِ، فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ وَالْقَبُولُ. وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْهِبَةِ لِعَظْمِ الْمَانَيَةِ بِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا بِالطِّينِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلَيْنِ. لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّسَاقُطِ وَيَكْبُرُ الْجُرْمُ، فَهُوَ كَالْعَدَمِ، بَلْ بِإِيمَاءٍ لِمَنْ فَرْضُهُ الْإِيمَاءُ وَإِلَّا فَالرُّكْنُ مُقَدَّمٌ. (اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [نَجِسٌ] : وَأَوْلَى الْمُتَنَجِّسُ فِي وُجُوبِ الِاسْتِتَارِ بِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَأَوْلَى مِنْهُمَا الْحَشِيشُ، بَلْ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَرِيرِ. قَوْلُهُ: [أَوْ حَرِيرٍ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِتَارِ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ طَاهِرٍ غَيْرِ حَرِيرٍ

وُجُودِ أَحَدِهِمَا بَطَلَتْ (وَهُوَ) : أَيْ الْحَرِيرُ الطَّاهِرُ (مُقَدَّمٌ) : عَلَى النَّجِسِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّلَاةَ، بِخِلَافِ النَّجِسِ. (وَهِيَ) : أَيْ الْمُغَلَّظَةُ (مِنْ رَجُلٍ السَّوْأَتَانِ) : وَهُمَا - مِنْ الْمُقَدَّمِ - الذَّكَرُ مَعَ الْأُنْثَيَيْنِ وَمِنْ الْمُؤَخَّرِ: مَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَيُعِيدُ مَكْشُوفُ الْأَلْيَتَيْنِ فَقَطْ أَوْ مَكْشُوفُ الْعَانَةِ فِي الْوَقْتِ. (وَمِنْ أَمَةٍ وَإِنْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ هُمَا) : أَيْ السَّوْأَتَانِ (مَعَ الْأَلْيَتَيْنِ) : فَإِذَا انْكَشَفَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَعَادَتْ أَبَدًا وَسَيَأْتِي مَا تُعِيدُ فِيهِ فِي الْوَقْتِ وَمَا لَا تُعِيدُ. (وَ) هِيَ (مِنْ حُرَّةٍ) جَمِيعُ الْبَدَنِ (مَا عَدَا الصَّدْرَ وَالْأَطْرَافَ) : مِنْ رَأْسٍ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ وَمَا قَابَلَ الصَّدْرَ مِنْ الظَّهْرِ، كَالصَّدْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِلُ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُصَلِّي عُرْيَانًا وَلَا يُصَلِّي بِالْحَرِيرِ. قَوْلُهُ: [مُقَدَّمٌ عَلَى النَّجَسِ] : أَيْ وَكَذَا عَلَى الْمُتَنَجِّسِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: يُقَدَّمُ النَّجِسُ لِأَنَّ الْحَرِيرَ يُمْنَعُ لُبْسُهُ مُطْلَقًا وَالنَّجِسُ إنَّمَا يُمْنَعُ لُبْسُهُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ، وَالْمَمْنُوعُ فِي حَالَةٍ أَوْلَى مِنْ الْمَمْنُوعِ مُطْلَقًا. وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ [لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّلَاةَ] : أَيْ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَشَأْنُ الطَّاهِرِ أَنْ يُصَلَّى بِهِ وَلَمْ يَعُدُّوا تَرْكَهُ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ النَّجِسِ. قَوْلُهُ: [أَيْ الْمُغَلَّظَةُ] : أَيْ الَّتِي تُعَادُ الصَّلَاةُ لِكَشْفِهَا أَبَدًا مَعَ الْقُدْرَةِ. قَوْلُهُ: [مَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ] : أَيْ وَهُوَ فَمُ الدُّبُرِ وَسُمِّيَ مَا ذُكِرَ بِالسَّوْأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كَشْفَهُمَا يَسُوءُ الشَّخْصَ. قَوْلُهُ: [فِي الْوَقْتِ] : أَيْ لِأَنَّهُمَا بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ مِنْ الْعَوْرَةِ الْمُخَفَّفَةِ. قَوْلُهُ: [أَعَادَتْ أَبَدًا] : أَيْ لِأَنَّ مَا ذَكَرَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَمَةِ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ. قَوْلُهُ: [وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ] : مُرَادُهُ الذِّرَاعَانِ وَالرِّجْلَانِ لِلرُّكْبَتَيْنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُغَلَّظَةَ فِي الْحُرَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ بَطْنُهَا وَمَا حَاذَاهَا وَمِنْ السُّرَّةِ لِلرُّكْبَةِ وَهِيَ خَارِجَةٌ، فَدَخَلَ الْأَلْيَتَانِ وَالْفَخْذَانِ وَالْعَانَةُ، وَأَمَّا صَدْرُهَا وَمَا حَاذَاهُ مِنْ ظَهْرِهَا سَوَاءٌ كَانَ كَتِفُهُ أَوْ غَيْرُهُ وَعُنُقُهَا لِآخِرِ الرَّأْسِ وَرُكْبَتُهَا لِآخِرِ الْقَدَمِ،

(وَأَعَادَتْ لِصَدْرِهَا) : أَيْ لِكَشْفِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا (وَأَطْرَافِهَا) : كَذَلِكَ وَلَوْ ظَهْرَ قَدَمٍ لَا بَاطِنَهُ (بِوَقْتٍ) ضَرُورِيٍّ وَنَحْوِ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ وَفِي الْعِشَاءَيْنِ اللَّيْلُ كُلُّهُ وَفِي الصُّبْحِ لِلطُّلُوعِ. (كَكَشْفِ أَمَةٍ) : مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ (فَخْذًا) : كُلًّا أَوْ بَعْضًا مَفْعُولُهُ (أَوْ) كَشْفِ (رَجُلٍ أَلْيَةً أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ) : مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ فَيُعِيدُ بِوَقْتٍ. (وَنُدِبَ) : لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (سَتْرُهَا) أَيْ الْمُغَلَّظَةِ بِخَلْوَةٍ وَلَوْ بِظَلَامٍ. (وَ) نُدِبَ (لِأُمِّ وَلَدٍ وَ) حُرَّةٍ (صَغِيرَةٍ) : تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ (سَتْرٌ وَاجِبٌ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ يُكْرَهُ كَشْفُهَا فِي الصَّلَاةِ، وَتُعِيدُ فِي الْوَقْتِ لَهُ، وَإِنْ حَرُمَ النَّظَرُ لِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لِصَدْرِهَا] : أَيْ وَمَا حَاذَاهُ، وَالْمُرَادُ تُعِيدُ لِمَا عَدَا الْمُغَلَّظَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا. قَوْلُهُ: [لِكَشْفِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا] : أَيْ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ. قَوْلُهُ: [لَا بَاطِنُهُ] : أَيْ فَلَا تُعِيدُ لَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُخَفَّفَةِ. قَوْلُهُ: [كَكَشْفِ أَمَةٍ] إلَخْ: أَيْ فَكُلُّ مَا أَعَادَ الرَّجُلُ فِيهِ أَبَدًا تُعِيدُ الْأَمَةُ فِيهِ كَذَلِكَ. وَكُلُّ مَا أَعَادَ فِيهِ فِي الْوَقْتِ تُعِيدُ فِيهِ أَبَدًا. وَمَا تُعِيدُ فِيهِ الْأَمَةُ فِي الْوَقْتِ لَا يُعِيدُ فِيهِ الرَّجُلُ أَصْلًا. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لِذَكَرٍ] : أَيْ وَقِيلَ: يَجِبُ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْخَلْوَةِ، فَهَلْ يَجِبُ لِلصَّلَاةِ فِي الْخَلْوَةِ أَوْ يُنْدَبُ؟ ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ. وَالْمُرَادُ بِالْمُغَلَّظَةِ فِي الْخَلْوَةِ - عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - السَّوْأَتَانِ وَمَا قَارَبَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقِيلَ: إنَّ الْمُغَلَّظَةَ الَّتِي يُنْدَبُ سَتْرُهَا فِي الْخَلْوَةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَهِيَ السَّوْأَتَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ، وَتَزِيدُ الْأَمَةُ الْأَلْيَتَيْنِ وَالْعَانَةَ، وَتَزِيدُ الْحُرَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِالظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخْذِ. وَعَلَى هَذَا فَسَتْرُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخْذِ فِي الْخَلْوَةِ مَنْدُوبٌ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ دُونَ الرَّجُلِ وَالْأَمَةُ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لِأُمِّ وَلَدٍ] : أَيْ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ. قَوْلُهُ: [تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُرَاهِقَةٍ.

الْحُرَّةِ) : الْكَبِيرَةِ وَهُوَ جَمِيع الْبَدَنِ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَكَذَا الصَّغِيرُ الْمَأْمُورُ بِالصَّلَاةِ يُنْدَبُ لَهُ سَتْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْبَالِغِ. (وَأَعَادَتَا) : أَيْ أُمُّ الْوَلَدِ وَالصَّغِيرَةُ صَلَاتَهُمَا (لِتَرْكِهِ) : أَيْ لِتَرْكِ السَّتْرِ الْمَنْدُوبِ لَهُمَا الْوَاجِبِ عَلَى الْحُرَّةِ الْكَبِيرَةِ، (بِوَقْتٍ، كَمُصَلٍّ بِحَرِيرٍ) : يُعِيدُ بِوَقْتٍ، (وَعَاجِزٍ) : عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ (صَلَّى مَكْشُوفًا) : أَيْ بَادِيَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ ثُمَّ وَجَدَ سَاتِرًا فَيُعِيدُ بِالْوَقْتِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ ضَعِيفٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهُوَ جَمِيعُ الْبَدَنِ] : أَيْ فَمَصَبُّ النَّدْبِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَإِلَّا فَالْمَنْدُوبُ السَّتْرُ الزَّائِدُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا فِي الْوُجُوبِ، وَهُوَ سَتْرُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَخُصَّتْ أُمُّ الْوَلَدِ دُونَ غَيْرِهَا لِقُوَّةِ شَائِبَةِ الْحُرِّيَّةِ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِسَيِّدِهَا فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ وَيَسِيرُ الْخِدْمَةِ، وَتَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا الصَّغِيرُ] إلَخْ: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: الْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَا يُنْدَبُ لِلْكَبِيرِ لَا يُنْدَبُ لِلصَّغِيرِ وَالظَّاهِرُ نَدْبُهُ لَهُ تَأَمَّلْ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَأَعَادَتَا] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ يُنْدَبُ لَهُمَا فِي الصَّلَاةِ السَّتْرُ الْوَاجِبُ عَلَى الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُنَّ فِي الْوُجُوبِ، فَإِنْ تَرَكَتَا ذَلِكَ وَصَلَّتَا بِغَيْرِ قِنَاعٍ مَثَلًا أَعَادَتَا أُمُّ الْوَلَدِ لِلِاصْفِرَارِ وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إنْ رَاهَقَتْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ نَدْبُ السَّتْرِ لِلْمُرَاهِقَةِ وَغَيْرِهَا وَسَكَتَ فِيهَا عَنْ الْإِعَادَةِ، فَظَاهِرُهَا عَدَمُهَا وَأَشْهَبُ - وَإِنْ قَالَ بِنَدْبِ السَّتْرِ لِلْمُرَاهِقَةِ وَغَيْرِهَا - زَادَ الْإِعَادَةَ لِتَرْكِهِ فِي الْوَقْتِ، فَأَطْلَقَ فِي الْإِعَادَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالْمُرَاهِقَةِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَشْهَبَ أَطْلَقَ فِي الْإِعَادَةِ بَلْ قَيَّدَهَا بِالْمُرَاهِقَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّجْرَاجِيُّ فِي مِنْهَاجِ التَّحْصِيلِ، وَكَفَى بِهِ حُجَّةً. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ بِتَصَرُّفٍ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ شَارِحِنَا بِالْمُرَاهَقَةِ كَمَا عَلِمْت. قَوْلَهُ: [بِوَقْتٍ] : وَهُوَ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ تُشْبِهُ النَّفَلَ، وَفِي الْعِشَاءَيْنِ اللَّيْلُ كُلُّهُ، وَفِي الصُّبْحِ لِلطُّلُوعِ. قَوْلُهُ: [بِحَرِيرٍ] : وَمِثْلُهُ الذَّهَبُ وَلَوْ خَاتَمًا. قَوْلُهُ: [وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ] : أَيْ مِنْ عَدَمِ الْإِعَادَةِ أَصْلًا، فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِمَّا صَلَّى بِالنَّجِسِ وَالْحَرِيرِ فِي طَلَبِ الْإِعَادَةِ.

[عورة المرأة والأمة والرجل]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى شَرَعَ فِي بَيَانِ الْعَوْرَةِ الْوَاجِبِ سَتْرُهَا بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ وَلِلصَّلَاةِ أَيْضًا، لَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ مَا عَدَا الْمُغَلَّظَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا. فَقَالَ: (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) : الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا (وَ) عَوْرَةُ (الْأَمَةِ) : الْقِنِّ بَلْ (وَإِنْ بِشَائِبَةٍ) : كَأُمِّ وَلَدٍ وَمُكَاتَبَةٍ وَمُبَعَّضَةٍ مَعَ رَجُلٍ أَوْ مَعَ امْرَأَةٍ مَحْرَمٍ لَهُ. (وَ) عَوْرَةُ (الْحُرَّةِ) : الْبَالِغَةِ (مَعَ امْرَأَةٍ) : كَبِيرَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ كَافِرَةٍ، فَقَوْلُهُ: [مَعَ امْرَأَةٍ] ، قَيْدٌ فِي الْحُرَّةِ، وَقَوْلُهُ: (مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) : رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [عَوْرَة الْمَرْأَة والأمة والرجل] [تَنْبِيه نهي الْغِلْمَان عَنْ الزِّينَة] قَوْلُهُ: [كَأُمِّ وَلَدٍ] : هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ صَدْرَهَا وَعُنُقَهَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ - وَهُوَ كَذَلِكَ - خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهُمَا عَوْرَةٌ. غَايَةُ مَا هُنَاكَ يُنْدَبُ لَهَا السَّتْرُ الْوَاجِبُ عَلَى الْحُرَّةِ فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [مَعَ رَجُلٍ] إلَخْ: رَاجِعٌ لِعَوْرَةِ الرَّجُلِ. وَأَمَّا الْأَمَةُ فَمَعَ أَيْ شَخْصٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَافِرَةٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَتْ الْحُرَّةُ أَوْ الْأَمَةُ مُسْلِمَةً، بَلْ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَهَذَا مُسَلَّمٌ فِي الْأَمَةِ. وَأَمَّا الْحُرَّةُ الْكَافِرَةُ فَعَوْرَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ مَعَهَا مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ كَمَا فِي بْن، لَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَطْ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الشَّارِحِ، وَقَوْلُ عب مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ مَمْنُوعٌ، بَلْ فِي شب حُرْمَةُ جَمِيعِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْكَافِرَةِ؛ لِئَلَّا تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا الْكَافِرِ. فَالتَّحْرِيمُ لِعَارِضٍ لَا لِكَوْنِهِ عَوْرَةً كَمَا أَفَادَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَغَيْرِهِ إذَا عَلِمْت مَا فِي شب وَالْحَاشِيَةِ كَانَ كَلَامُ شَارِحِنَا مُسَلَّمًا، لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ تَحْدِيدِ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا الْحُرْمَةُ لِعَارِضٍ فَشَيْءٌ آخَرُ. قَوْلُهُ: [مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ] : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فَخْذُ الرَّجُلِ عَوْرَةً مَعَ مِثْلِهِ وَمَحْرَمِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَيَحْرُمُ كَشْفُهُ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ عِنْدَ مَنْ يَسْتَحْيِ مِنْهُ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ «بِكَشْفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخْذَهُ بِحَضْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ سَتَرَهُ وَقَالَ: أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» .

(وَ) عَوْرَةُ الْحُرَّةِ (مَعَ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ) : مِنْهَا أَيْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا جَمِيعُ الْبَدَنِ (غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) : وَأَمَّا هُمَا فَلَيْسَا بِعَوْرَةٍ. وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا لِخَوْفِ فِتْنَةٍ. (وَيَجِبُ سَتْرُهَا) : أَيْ الْعَوْرَةِ الْمَذْكُورَةِ لِرَجُلٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ مَعَ أَجْنَبِيٍّ (بِالصَّلَاةِ أَيْضًا) كَمَا يَجِبُ سَتْرُهَا بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَةِ مَنْ ذُكِرَ لَكِنَّ الْمُغَلَّظَةَ مِنْ ذَلِكَ تُعَادِلُ تَرْكَهَا أَبَدًا، وَالْمُخَفَّفَةَ بَعْضُهَا تُعَادِلُهُ فِي الْوَقْتِ كَالْفَخْذَيْنِ فِي الْأَمَةِ وَالْأَطْرَافِ فِي الْحُرَّةِ، وَبَعْضُهَا لَا تُعَادِلُهُ أَصْلًا كَمَا عَدَا الْفَخْذَيْنِ فِي الْأَمَةِ غَيْرِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَمَا عَدَا الْأَلْيَتَيْنِ فِي الرَّجُلِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مَعَ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ] : أَيْ مُسْلِمٍ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا وَلَوْ كَانَ مِلْكَهَا مَا لَمْ يَكُنْ وَخْشًا، وَإِلَّا فَكَمَحْرَمِهَا. وَمِثْلُ عَبْدِهَا فِي التَّفْصِيلِ مَجْبُوبُ زَوْجِهَا. قَوْلُهُ: [غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ] إلَخْ: أَيْ فَيَجُوزُ النَّظَرُ لَهُمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا بِغَيْرِ قَصْدِ لَذَّةٍ وَلَا وِجْدَانِهَا، وَإِلَّا حَرُمَ. وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ سَتْرُ وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا؟ وَهُوَ الَّذِي لِابْنِ مَرْزُوقٍ قَائِلًا: إنَّهُ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ: أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَى الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ؟ وَهُوَ مُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْ عِيَاضٍ. وَفَصَّلَ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْوَغْلِيسِيَّةِ بَيْنَ الْجَمِيلَة - فَيَجِبُ - وَغَيْرِهَا فَيُسْتَحَبُّ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ: [الشَّارِحِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا] إلَخْ مُرُورٌ عَلَى كَلَامِ ابْنِ مَرْزُوقٍ. قَوْلُهُ: [لِرَجُلٍ] : أَيْ مَعَ مِثْلِهِ أَوْ مَحْرَمِهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَمَةٍ] : أَيْ مَعَ مُطْلَقِ شَخْصٍ. قَوْلُهُ: [مَعَ أَجْنَبِيٍّ] : رَاجِعٌ لِخُصُوصِ الْحُرَّةِ.

(وَ) عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ (مَعَ) رَجُلٍ (مَحْرَمٍ) : لَهَا (غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْأَطْرَافِ) : الرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا كَشْفُ صَدْرِهَا وَثَدْيَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَحْرَمِهَا كَأَبِيهَا رُؤْيَةُ ذَلِكَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ. (وَتَرَى) : الْمَرْأَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً (مِنْ) الرَّجُلِ (الْأَجْنَبِيِّ) : مِنْهَا أَيْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ (مَا يَرَاهُ) الرَّجُلُ (مِنْ مَحْرَمِهِ) وَهُوَ الْوَجْهُ وَالْأَطْرَافُ إلَّا أَنْ تَخْشَى لَذَّةً، فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ لِصَدْرِهِ وَلَا جَنْبِهِ وَلَا ظَهْرِهِ وَلَا سَاقِهِ، وَلَوْ لَمْ تَخَفْ لَذَّةً. (وَ) تَرَى الْمَرْأَةُ (مِنْ الْمَحْرَمِ) وَلَوْ مِنْ رَضَاعٍ (كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ) أَيْ كَمَا يَرَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مَحْرَمٍ لَهَا] : أَيْ وَلَوْ بِصِهْرٍ، كَزَوْجِ أُمِّهَا أَوْ بِنْتِهَا. أَوْ رَضَاعٍ كَابْنِهَا وَأَخِيهَا مِنْ الرَّضَاعِ. قَوْلُهُ: [فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا كَشْفُ صَدْرِهَا] إلَخْ: وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ رُؤْيَةَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَذَلِكَ فُسْحَةٌ. قَوْلُهُ: [مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ مِنْ مَحْرَمِهِ] : فَحِينَئِذٍ عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ. وَعَلَى هَذَا فَيَرَى الرَّجُلُ مِنْ الْمَرْأَةِ - إذَا كَانَتْ أَمَةً - أَكْثَرَ مِمَّا تَرَى مِنْهُ لِأَنَّهَا تَرَى مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ فَقَطْ، وَهُوَ يَرَى مِنْهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، لِأَنَّ عَوْرَةَ الْأَمَةِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَمَا مَرَّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الرُّؤْيَةِ جَوَازُ الْجَسِّ. فَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا لَمْسُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى وَجْهِهَا، بِخِلَافِ الْمَحْرَمِ فَإِنَّهُ كَمَا يَجُوزُ النَّظَرُ لِلْوَجْهِ وَالْأَطْرَافِ يَجُوزُ مُبَاشَرَةُ ذَلِكَ مِنْهَا بِغَيْرِ لَذَّةٍ. وَكَمَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ نَظَرُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ مَحْرَمِهَا، يَجُوزُ لَهَا مَسُّ ذَلِكَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَحَارِمُ كُلُّ مَا جَازَ لَهُمْ فِيهِ النَّظَرُ جَازَ الْمَسُّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ الْمَسُّ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ] إلَخْ: مُفَرَّعٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ " هُوَ الْوَجْهُ وَالْأَطْرَافُ "، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِأَطْرَافٍ فَيَحْرُمُ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ مِنْ رَضَاعٍ] : أَيْ أَوْ صِهْرٍ. قَوْلُهُ: [كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ] : أَيْ وَيَجُوزُ الْجَسُّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَيْضًا. فَفِي

الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ، وَهُوَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ. (وَكُرِهَ لِرَجُلٍ كَشْفُ كَتِفٍ أَوْ جَنْبٍ، كَتَشْمِيرِ ذَيْلٍ) أَيْ ذَيْلِ ثَوْبِهِ (وَكَفِّ) أَيْ ضَمِّ (كُمٍّ أَوْ) كَفِّ (شَعْرٍ) : بِرَأْسٍ (لِصَلَاةٍ) لَا غَيْرِهَا لِأَمْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، قُبَيْلَ مَقْدَمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ أَنَّ الصِّدِّيقَ قَبَّلَ عَائِشَةَ بِنْتَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي فَمِهَا. بِخِلَافِ جَسِّ الْعَوْرَةِ، فَإِنْ كَانَ حَائِلٌ فَلَا حُرْمَةَ، كَمَا سَبَقَ فِي تَفْرِيقِ الْمَضَاجِعِ إلَّا كَضَمٍّ. وَمِنْهُ الدَّلْكُ بِكِيسِ الْحَمَّامِ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ. وَفِي الْحَاشِيَةِ نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ سَالِمٍ: أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْمُتَّصِلِ. وَحَرَّمَتْ الشَّافِعِيَّةُ الْمُنْفَصِلَ حَتَّى قَالُوا: إنْ عَلِمَ شَعْرَ عَانَةٍ بَعْدَ حَلْقِهِ حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهِ. وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ فَمَحَلُّ جَوَازِ النَّظَرِ إلَيْهِ عِنْدَنَا إذَا كَانَ انْفِصَالُهُ عَنْ صَاحِبِهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِأَنَّهُ صَارَ أَجْنَبِيًّا عَنْ الْجِسْمِ وَلَهُ قَوَامٌ بِدُونِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ لِأَجْزَاءِ الْأَجْنَبِيَّةِ. وَلِذَا نَهَوْا عَنْ النَّظَرِ فِي الْقُبُورِ مَخَافَةَ مُصَادَفَتِهِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . وَيَحْرُمُ بِاتِّفَاقٍ الِالْتِذَاذُ الشَّيْطَانِيُّ؛ وَهُوَ كُلُّ مَا أَثَارَ شَهْوَةً لَا مُجَرَّدَ انْبِسَاطِ النَّفْسِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرَدِ وَالْمُلْتَحِي حَرُمَ عَلَيْهِ النَّظَرُ لَهُ إلَّا كَمَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ وَالْخَضِرَةِ. (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) . تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يَلْزَمُ غَيْرَ الْمُلْتَحِي تَنَقُّبٌ، لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: يُنْهَى الْغِلْمَانُ عَنْ الزِّينَةِ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، وَتَعَمُّدِ الْفَسَادِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ لِغَيْرِ الْمُلْتَحِي بِقَصْدِ اللَّذَّةِ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهَا إنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ. (اهـ.) وَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِالْأَمْرَدِ فَحَرَامٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ أُمِنَتْ الْفِتْنَةُ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ مُقْتَضَى: الْمَذْهَبِ لَا يَحْرُمُ. (اهـ. مِنْ الْأَصِيلِيِّ) . قَوْلُهُ: [لِصَلَاةٍ] : رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ.

[استقبال القبلة]

(وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى بِإِسْلَامٍ أَيْ وَصِحَّتُهَا أَيْ بِمَا ذُكِرَ وَبِاسْتِقْبَالِ ـــــــــــــــــــــــــــــQخَاتِمَةٌ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَعَمُّدِ نَظَرِ عَوْرَةِ إمَامِهِ وَإِنْ نَسِيَ كَوْنَهُ فِي صَلَاةٍ كَتَعَمُّدِ نَظَرِ عَوْرَةِ نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَنْسَ كَوْنَهُ فِي صَلَاةٍ، وَفِي بْن عَنْ أَبِي عَلِيٍّ: وَلَوْ نَسِيَ. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا سِتْرًا لِأَحَدِ فَرْجَيْهِ، فَقِيلَ: يَسْتُرُ الْقُبُلَ بِهِ لِأَنَّهُ أَبْدَى وَأَكْبَرُ، وَقِيلَ: الدُّبُرُ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ. وَيُتَّفَقُ عَلَى الْقُبُلِ إنْ كَانَ وَرَاءَهُ نَحْوَ حَائِطٍ كَمَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ. وَإِنْ اجْتَمَعَ عُرَاةٌ صَلُّوا بِظَلَامٍ أَوْ تَبَاعَدُوا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صَلُّوا صَفًّا وَاحِدًا قِيَامًا غَاضِّينَ أَبْصَارَهُمْ، وَإِمَامُهُمْ فِي الصَّفِّ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَإِنْ كَانَ لِعُرَاةٍ ثَوْبٌ وَاحِدٌ صَلُّوا أَفْذَاذًا وَأُقْرِعَ لِلتَّقْدِيمِ إنْ تَنَازَعُوا، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ. فَإِنْ ضَاقَ عَنْ الْقُرْعَةِ أَيْضًا صَلُّوا عُرَاةً، فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ لِأَحَدِهِمْ نُدِبَ لَهُ إعَارَتُهُمْ، وَجُبِرَ عَلَى الزَّائِدِ عَنْ حَاجَتِهِ بِلَا إتْلَافٍ وِفَاقًا لِابْنِ رُشْدٍ وَخِلَافًا لِلَّخْمِيِّ. (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ بِتَصَرُّفٍ) . [اسْتِقْبَال الْقِبْلَة] [الْقِبْلَة وَأَقْسَامهَا] قَوْلُهُ: [وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ] : لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الصِّحَّةِ الْأَرْبَعَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْخَامِسِ وَهُوَ الِاسْتِقْبَالُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] إلَى قَوْلِهِ {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] أَيْ جِهَتَهُ وَفِي الْمُوَطَّإِ: «حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ وَقَدْ صَلَّى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَكَانَتْ نَاسِخَةً لِذَلِكَ، وَحُوِّلَتْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الظُّهْرِ لِيَجْمَعَ فِيهَا بَيْنَ الْقِبْلَتَيْنِ» ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُمْ: إنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْعَصْرُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ صَلَاةٍ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ: «فَحُوِّلَتْ فِي رُكُوعِ الْعَصْرِ» . وَسُمِّيَتْ الْقِبْلَةُ قِبْلَةً: لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا وَتُقَابِلُهُ. وَهِيَ أَقْسَامٌ سَبْعَةٌ: قِبْلَةُ تَحْقِيقٍ، وَهِيَ قِبْلَةُ الْوَحْيِ كَقِبْلَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَإِنَّهَا بِوَضْعِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَقِبْلَةُ إجْمَاعٍ: وَهِيَ قِبْلَةُ جَامِعِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَى جَامِعِ عَمْرٍو ثَمَانُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقِبْلَةُ اسْتِتَارٍ: وَهِيَ قِبْلَةُ مَنْ غَابَ عَنْ الْبَيْتِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ عَنْ مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْفَرْضُ أَنَّهُ فِي

الْقِبْلَةِ (مَعَ أَمْنٍ) مِنْ عَدُوٍّ وَسَبُعٍ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ (وَ) مَعَ (قُدْرَةٍ) : فَلَا يَجِبُ مَعَ عَجْزٍ كَمَرْبُوطٍ أَوْ مَرِيضٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّحَوُّلِ لَهَا وَلَا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ، فَيُصَلِّي لِغَيْرِهَا. فَالْيَائِسُ أَوَّلُهُ وَالرَّاجِي آخِرُهُ كَالتَّيَمُّمِ. وَهَذَا الْقَيْدُ زِيَادَةٌ عَلَى الشَّيْخِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَا تَتَقَيَّدُ بِقَيْدٍ. فَالنَّاسِي يُعِيدُ أَبَدًا وَالْعَاجِزُ تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ الْخَبَثِ تُقَيَّدُ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَتَسْقُطُ بِالْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ يُقَيَّدُ بِالْقُدْرَةِ فَقَطْ؛ فَالنَّاسِي يُعِيدُ أَبَدًا دُونَ الْعَاجِزِ فَيُعِيدُ بِوَقْتٍ، وَأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ يُقَيَّدُ بِالْأَمْنِ وَالْقُدْرَةِ لَا عَلَى خَائِفٍ مِنْ كَعَدُوٍّ وَلَا عَاجِزٍ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ نِسْيَانًا لِوُجُوبِهِ فَيُعِيدُ أَبَدًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ، وَقِبْلَةُ اجْتِهَادٍ: وَهِيَ قِبْلَةُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَرَمَيْنِ، وَقِبْلَةُ بَدَلٍ: وَهِيَ الْآتِيَةُ فِي قَوْلِهِ: " صَوْبَ سَفَرِهِ "، وَقِبْلَةُ تَخْيِيرٍ وَهِيَ الْآتِيَةُ فِي قَوْلِهِ: " فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَوْ تَحَيَّرَ مُجْتَهِدٌ تَخَيَّرَ "؛ وَقِبْلَةُ عِيَانٍ: وَهِيَ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا بِقَوْلِهِ: وَهِيَ عَيْنُ الْكَعْبَةِ لِمَنْ بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ] : أَيْ فَلَا يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ حَالَ الْمُسَايَفَةِ وَلَا فِي الْخَوْفِ مِنْ عَدُوٍّ وَسَبُعٍ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [كَالتَّيَمُّمِ] : أَيْ فَلَوْ صَلَّى الْمُتَرَدِّدُ قَبْلَ الْوَسَطِ وَالرَّاجِي قَبْلَ الْآخِرِ، تُنْدَبُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ. قَوْلُهُ: [فَتَحَصَّلَ] إلَخْ: أَيْ مِمَّا تَقَدَّمَ وَمِمَّا هُنَا. قَوْلُهُ: [وَالْعَاجِزُ] : أَيْ عَنْ الطَّهُورَيْنِ. قَوْلُهُ: [بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ] إلَخْ: أَيْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: [بِالْقُدْرَةِ فَقَطْ] : أَيْ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ هُوَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [مِنْ كَعَدُوٍّ] : أَدْخَلَتْ الْكَافُ: السَّبُعَ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَدُوُّ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ نِسْيَانًا] إلَخْ: أَيْ فَلَا يُقَيَّدُ بِالذِّكْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ.

(وَهِيَ) أَيْ الْقِبْلَةُ (عَيْنُ الْكَعْبَةِ) : أَيْ ذَاتُهَا (لِمَنْ بِمَكَّةَ) : وَمَنْ فِي حُكْمِهَا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ الْمُسَامَتَةُ، كَمَنْ فِي جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ فَيَسْتَقْبِلُهَا بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْهُ عُضْوٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. ثُمَّ إنَّ مَنْ بِمَكَّةَ - إنْ كَانَ بِالْحَرَمِ - فَظَاهِرٌ، فَيُصَلُّونَ صَفًّا إنْ كَانُوا قَلِيلًا أَوْ دَائِرَةً أَوْ قَوْسًا إذَا لَمْ تَكْمُلْ الدَّائِرَةُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَلْ بِبَيْتِهِ مَثَلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى سَطْحٍ أَوْ مَكَان مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ يَنْظُرُ الْكَعْبَةَ وَيُحَرِّرُ قِبْلَتَهُ جِهَتَهَا. وَلَا يَكْفِي الِاجْتِهَادُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ مَسَاجِدُ مَكَّةَ الَّتِي حَوْلَهَا كَمَسْجِدِ ذِي طُوًى. (وَجِهَتُهَا) : أَيْ الْكَعْبَةِ (لِغَيْرِهِ) : أَيْ غَيْرِ مَنْ بِمَكَّةَ سَوَاءً كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَيْنُ الْكَعْبَةِ] : أَيْ فَالشَّرْطُ اسْتِقْبَالُ ذَاتِ الْكَعْبَةِ أَيْ بِنَائِهَا وَالْبُقْعَةِ إنْ نُقِضَتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ: [الْمُسَامَتَةُ] أَيْ مُقَابَلَةُ سَمْتِهَا أَيْ ذَاتِ بِنَائِهَا. قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنَّ مَنْ بِمَكَّةَ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ أَقْسَامٌ: الْأَوَّلُ صَحِيحٌ آمِنٌ، فَهَذَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْعَيْنِ، إمَّا بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بِأَنْ يَطَّلِعَ عَلَى سَطْحٍ لِيَرَى ذَاتَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ طُلُوعٌ أَوْ كَانَ بِلَيْلٍ اسْتَدَلَّ عَلَى الذَّاتِ بِالْعَلَامَةِ الْيَقِينِيَّةِ الَّتِي يَقْطَعُ بِهَا جَزْمًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ أُزِيلَ لَكَانَ مُسَامِتًا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ صَلَاةٌ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ. الثَّانِي مَرِيضٌ مَثَلًا يُمْكِنُهُ جَمِيعُ مَا سَبَقَ فِي الصَّحِيحِ لَكِنْ بِجُهْدٍ وَمَشَقَّةٍ، فَهَذَا فِيهِ التَّرَدُّدُ، أَيْ فَإِنَّهُ قِيلَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الْعَيْنِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْيَقِينُ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْمُعَايَنَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْيَقِينِ تَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا. الثَّالِثُ: مَرِيضٌ مَثَلًا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَهَذَا يَجْتَهِدُ فِي الْعَيْنِ ظَنًّا وَلَا يَلْزَمُهُ الْيَقِينُ اتِّفَاقًا. الرَّابِعُ: مَرِيضٌ مَثَلًا يَعْلَمُ الْجِهَةَ قَطْعًا وَكَانَ مُتَوَجِّهًا لِغَيْرِ الْبَيْتِ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ وَلَمْ يَجِدْ مُحَوِّلًا، فَهَذَا كَالْخَائِفِ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ يُصَلِّي لِغَيْرِ الْجِهَةِ، لِأَنَّ شَرْطَ الِاسْتِقْبَالِ الْأَمْنُ وَالْقُدْرَةُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَنْ بِمَكَّةَ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لِلْعَاجِزِ وَالْخَائِفِ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ بِمَكَّةَ فَمَنْ بِغَيْرِهَا أَوْلَى. (اهـ.) قَوْلُهُ: [مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ بِمَشَقَّةٍ. قَوْلُهُ: [غَيْرِ مَنْ بِمَكَّةَ] : أَيْ وَالْمَدِينَةِ وَجَامِعِ عَمْرٍو لِأَنَّ الْمَدِينَةَ بِالْوَحْيِ

قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ كَأَهْلِ مِنًى أَوْ بَعِيدًا كَأَهْلِ الْآفَاقِ، فَيَسْتَقْبِلُ الْمُصَلِّي تِلْكَ الْجِهَةَ (اجْتِهَادًا) أَيْ بِالِاجْتِهَادِ (إنْ أَمْكَنَ) : الِاجْتِهَادُ بِمَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْجِهَةِ كَالْفَجْرِ وَالشَّفَقِ وَالشَّمْسِ وَالْقُطْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكَوَاكِبِ، وَكَذَا الرِّيحُ الشَّرْقِيُّ أَوْ الْجَنُوبِيُّ أَوْ الشَّمَالِيُّ وَالْغَرْبِيُّ. وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مَعَ إمْكَانِ الِاجْتِهَادِ (وَإِلَّا) يُمْكِنُ الِاجْتِهَادُ (قَلَّدَ) : عَارِفًا عَدْلًا. (وَلَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ - وَإِنْ أَعْمَى -) : غَيْرَهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَوْلَى غَيْرُهُمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا بِالِاجْتِهَادِ وَجَامِعَ عَمْرٍو بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي يُفِيدُ الْقَطْعَ لَا بِالِاجْتِهَادِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ. قَوْلُهُ: [قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ] : أَيْ وَلَا يُمْكِنُهُ مُسَامَتَةُ الْعَيْنِ. قَوْلُهُ: [أَيْ بِالِاجْتِهَادِ] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ. وَكَوْنُ الْمُصَلِّي بِغَيْرِهَا يَسْتَقْبِلُ الْجِهَةَ بِالِاجْتِهَادِ هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ لَا سَمْتَهَا، خِلَافًا لِابْنِ الْقَصَّارِ؛ فَعِنْدَهُ يُقَدِّرُ الْمُصَلِّي الْمُقَابَلَةَ وَالْمُحَاذَاةَ لَهَا، إذْ الْجِسْمُ الصَّغِيرُ كُلَّمَا زَادَ بُعْدُهُ اتَّسَعَتْ جِهَتُهُ، كَغَرَضِ الرُّمَاةِ. فَإِذَا تَخَيَّلْنَا الْكَعْبَةَ مَرْكَزًا خَرَجَ مِنْهَا خُطُوطٌ مُجْتَمِعَةُ الْأَطْرَافِ فِيهِ، وَكُلَّمَا بَعُدَتْ اتَّسَعَتْ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِهِ بُطْلَانُ الصَّفِّ الطَّوِيلِ، بَلْ جَمِيعُ بِلَادِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى تَفْرِقَتِهَا تُقَدِّرُ ذَلِكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مُقَابَلَةَ الْكَعْبَةِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ. وَإِنَّمَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ يَجْتَهِدُ فِي الْجِهَةِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. وَالثَّانِي لِابْنِ الْقَصَّارِ: يَجْتَهِدُ فِي اسْتِقْبَالِ السَّمْتِ. وَالْمُرَادُ أَنْ يُقَدِّرَ الْمُقَابَلَةَ وَالْمُحَاذَاةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعِ كَذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَيَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ: لَوْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يُعِيدُ أَبَدًا. (اهـ.) لَكِنْ قَالَ بْن: الْحَقُّ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَا ثَمَرَةَ لَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَازِرِيُّ، وَأَنَّهُ لَوْ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَإِنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ] إلَخْ: أَيْ لِمُجْتَهِدٍ أَوْ لِمِحْرَابِ غَيْرِ مِصْرٍ. قَوْلُهُ: [عَدْلًا] : أَيْ فِي الرِّوَايَةِ. قَوْله: [وَأَوْلَى غَيْرُهُمْ] : أَيْ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِينَ.

فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ سَأَلَ عَنْهَا فَإِذَا دُلَّ عَلَيْهَا اجْتَهَدَ. (إلَّا مِحْرَابًا لِمِصْرٍ) : مِنْ الْأَمْصَارِ فَإِنَّهُ يُقَلِّدُهُ، فَإِذَا دَخَلَ بَلَدًا مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي يَحِلُّ بِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ قَلَّدَ مِحْرَابَهَا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ. (وَقَلَّدَ) وُجُوبًا (غَيْرُهُ) : أَيْ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ (عَدْلًا عَارِفًا) : بِالْأَدِلَّةِ لَا غَيْرَ عَدْلٍ وَلَا جَاهِلًا (أَوْ مِحْرَابًا مُطْلَقًا) : سَوَاءً كَانَ مِحْرَابَ مِصْرٍ أَوْ غَيْرِ مِصْرٍ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ عَدْلًا عَارِفًا وَلَا مِحْرَابًا، (أَوْ تَحَيَّرَ مُجْتَهِدٌ) : بِأَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ لِغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ، (تَخَيَّرَ) : جِهَةً مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ وَصَلَّى إلَيْهَا وَاكْتَفَى بِذَلِكَ، وَقِيلَ: يُصَلِّي أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ لِكُلِّ جِهَةٍ صَلَاةٌ. (وَبَطَلَتْ) : صَلَاةُ مُجْتَهِدٍ أَوْ مُقَلِّدٍ (إنْ خَالَفَ) : الْجِهَةَ الَّتِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا، أَوْ أَمَرَهُ الْعَارِفُ بِهَا وَصَلَّى لِغَيْرِهَا (عَمْدًا) : وَأَعَادَهَا وُجُوبًا، (وَلَوْ صَادَفَ) : الْقِبْلَةَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي خَالَفَ إلَيْهَا. (وَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَأٌ) يَقِينًا أَوْ ظَنًّا (بِصَلَاةٍ) أَيْ فِيهَا (قَطَعَ) صَلَاتَهُ (الْبَصِيرُ الْمُنْحَرِفُ كَثِيرًا) : بِأَنْ اسْتَدْبَرَ أَوْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ، وَابْتَدَأَهَا بِإِقَامَةٍ. وَلَا يَكْفِي تَحَوُّلُهُ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ. (وَاسْتَقْبَلَ) الْقِبْلَةَ؛ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ إلَيْهَا (غَيْرُهُ) : وَهُوَ الْأَعْمَى مُطْلَقًا وَالْبَصِيرُ الْمُنْحَرِفُ يَسِيرًا، (أَوْ) إنْ تَبَيَّنَ خَطَأٌ (بَعْدَهَا) : أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مِحْرَابُ مِصْرٍ] : أَيْ عُلِمَ أَنَّهُ وَضْعُ الْعَارِفِينَ أَوْ الشَّأْنُ فِيهِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِ مِصْرٍ] : أَيْ الشَّأْنُ فِيهِ عَدَمُ الْعَارِفِينَ. قَوْلُهُ: [لِكُلِّ جِهَةٍ صَلَاةٌ] : أَيْ إنْ كَانَ الشَّكُّ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، فَإِنْ شَكَّ فِي جِهَتَيْنِ فَصَلَاتَيْنِ وَلَا بُدَّ مِنْ جَزْمِ النِّيَّةِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قَوْلُهُ: [إنْ خَالَفَ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ صَلَّى إلَى جِهَةِ اجْتِهَادِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إذَا اسْتَدْبَرَ أَوْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إلَّا إنْ انْحَرَفَ يَسِيرًا. قَوْلُهُ: [وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ] إلَخْ: أَيْ فَإِنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا الْأَعْمَى الْمُنْحَرِفُ كَثِيرًا بَعْدَ الْعِلْمِ بَطَلَتْ، لِأَنَّ الِانْحِرَافَ الْكَثِيرَ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا مَعَ الْعِلْمِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ حِينَ الدُّخُولِ أَوْ عَلِمَ بِهِ بَعْدَ دُخُولِهَا. وَأَمَّا الْمُنْحَرِفُ يَسِيرًا - أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا - إذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْ - لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.

[الصلاة في الكعبة]

(أَعَادَ الْأَوَّلُ) : وَهُوَ الْبَصِيرُ الْمُنْحَرِفُ كَثِيرًا (بِوَقْتٍ) : ضَرُورِيٍّ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ: الْمُخْتَارُ مُعْتَرَضٌ، وَأَمَّا الْمُنْحَرِفُ يَسِيرًا وَالْأَعْمَى مُطْلَقًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ (كَالنَّاسِي) : لِلْجِهَةِ الَّتِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا أَوْ الَّتِي دَلَّهُ عَلَيْهَا الْعَارِفُ الْمُقَلَّدُ، يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: أَبَدًا. وَأَمَّا نَاسِي وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكَلَامِ؛ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا تَقَدَّمَ. وَبَعْضُهُمْ أَجْرَى الْخِلَافَ حَتَّى فِي نَاسِي الْوُجُوبِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ فَيُقَيَّدُ وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ بِالذِّكْرِ وَالْأَمْنِ وَالْقُدْرَةِ. (وَجَازَ نَفْلٌ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ) : وَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ كَأَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالضُّحَى وَالشَّفْعِ (فِيهَا) : أَيْ الْكَعْبَةِ (وَفِي الْحِجْرِ) : أَيْ حِجْرِ إسْمَاعِيلَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (لِأَيِّ جِهَةٍ) : رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: [فِيهَا] لَا لِقَوْلِهِ الْحِجْرُ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَدْبَرَ الْبَيْتَ أَوْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ لَمْ تَصِحَّ كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ، وَقِيلَ: بَلْ تَصِحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَعَادَ الْأَوَّلُ] إلَخْ: هَذَا التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي قِبْلَةِ الِاجْتِهَادِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ. وَأَمَّا قِبْلَةُ الْقَطْعِ - كَمَنْ بِمَكَّةَ - أَوْ الْوَحْيِ - كَمَنْ بِالْمَدِينَةِ - أَوْ الْإِجْمَاعِ - كَمَنْ بِمَسْجِدٍ عَمْرٍو - فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَلَوْ أَعْمَى مُنْحَرِفًا يَسِيرًا فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ أَعَادَ أَبَدًا. قَوْلُهُ: [بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَهُوَ فِي الْعِشَاءَيْنِ اللَّيْلُ كُلُّهُ، وَفِي الصُّبْحِ لِلطُّلُوعِ، وَفِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ أَبَدًا] : هَذَا الْخِلَافُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَلَا إعَادَةَ أَصْلًا. قَوْلُهُ: [وَعَلَيْهِ فَيُقَيَّدُ وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ جَعْلُ هَذَا عَقِبَ قَوْلِهِ [عَلَى الْمَشْهُورِ] تَأَمَّلْ. [الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة] قَوْلُهُ: [وَقِيلَ: بَلْ تَصِحُّ بِنَاءً] إلَخْ: لَكِنْ أَيَّدَ بْن الْأَوَّلَ.

(وَكُرِهَ الْمُؤَكَّدَةُ) : كَالْوَتْرِ وَالْعِيدَيْنِ وَكَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ الْمُؤَكَّدُ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ ضَعِيفٌ. (وَمُنِعَ الْفَرْضُ) : فِيهَا أَوْ فِي الْحِجْرِ (وَ) إنْ وَقَعَ وَلَوْ عَمْدًا (أَعَادَهُ بِوَقْتٍ) : ضَرُورِيٍّ وَهُوَ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ، وَقِيلَ يُعِيدُ الْعَامِدُ أَبَدًا (وَبَطَلَ) : الْفَرْضُ (عَلَى ظَهْرِهَا) : وَيُعَادُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْبِنَاءِ (كَالْمُؤَكَّدِ) : فَلَا يَكْفِي اسْتِقْبَالُ الْهَوَاءِ لِجِهَةِ السَّمَاءِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَجُوزُ النَّفَلُ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. (وَ) جَازَ (لِمُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ) لَا أَقَلَّ (تَنَفُّلٌ وَإِنْ) تَنَفَّلَ (بِوَتْرٍ) فَأَوْلَى غَيْرُهُ (صَوْبَ) : أَيْ جِهَةَ (سَفَرِهِ إنْ رَكِبَ دَابَّةً) : عَلَى ظَهْرِهَا بَلْ. (وَإِنْ بِمَحْمِلٍ) : ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ] : أَيْ غَيْرِ الْوَاجِبِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْجَوَازِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ: يُعِيدُ الْعَامِدُ] إلَخْ: وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ الْأُولَى. قَوْلُهُ: [وَبَطَلَ الْفَرْضُ عَلَى ظَهْرِهَا] : أَيْ وَلَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْضُ بِنَائِهَا. قَوْلُهُ: [كَالْمُؤَكَّدِ] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ] : الْحَاصِلُ أَنَّ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، الْجَوَازُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ، الْمَنْعُ مُطْلَقًا، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَهَذَا الْأَخِيرُ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ. تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ تَحْتَ الْكَعْبَةِ فِي حُفْرَةٍ مَثَلًا. وَالْحُكْمُ الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا لِأَنَّ مَا تَحْتَ الْمَسْجِدِ لَا يُعْطَى حُكْمَهُ بِحَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الدُّخُولُ تَحْتَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الطَّيَرَانُ فَوْقَهُ؟ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[صلاة المسافر وغيره إلى غير القبلة والصلاة تحت الكعبة]

بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ مَا يُرْكَبُ فِيهِ مِنْ مِحَفَّةٍ وَشُقْدُفٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجْلِسُ فِيهِ وَيُصَلِّي مُتَرَبِّعًا؛ فَلِجَوَازِ التَّنَفُّلِ صَوْبَ السَّفَرِ شُرُوطٌ: أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ سَفَرَ قَصْرٍ، وَأَنْ يَكُونَ رَاكِبًا لَا مَاشِيًا وَلَا جَالِسًا، وَأَنْ يَكُونَ رَاكِبَ دَابَّةٍ مِنْ حِمَارٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ لَا سَفِينَةٍ أَوْ رِجْلٍ، وَأَنْ يَكُونَ رُكُوبُهُ لَهَا عَلَى الْمُعْتَادِ لَا مَقْلُوبًا أَوْ جَاعِلًا رِجْلَيْهِ مَعًا لِجَنْبٍ وَاحِدٍ. وَأَخَذَ مِنْ قَوْلِهِ سَفَرَ قَصْرٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِيهِ شَرْعًا، فَخَرَجَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ. وَأَشَارَ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ النَّفْلِ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ عَلَى الدَّابَّةِ بِقَوْلِهِ: (يُومِئُ) : بَعْدَ أَنْ يَرْكَعَ (بِسُجُودِهِ لِلْأَرْضِ) : وَلَا يَسْجُدُ عَلَى قَرْبُوسِ السَّرْجِ وَلَا عَلَى الْقَتَبِ. وَيَحْسَرُ عِمَامَتَهُ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ. وَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْأَرْضِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ عَلَى نَحْوِ سَطْحٍ وَمِحَفَّةٍ. وَإِلَّا صَلَّى مُتَرَبِّعًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [صَلَاة الْمُسَافِر وَغَيْره إلَى غَيْر الْقِبْلَة وَالصَّلَاة تَحْت الْكَعْبَة] قَوْلُهُ: [شُرُوطٌ] : أَيْ خَمْسَةٌ. قَوْلُهُ: [أَوْ رِجْلٍ] : أَيْ لِلسُّنَّةِ قَوْلُهُ: [لَا مَقْلُوبًا] إلَخْ: أَيْ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ الْقِبْلَةَ الْأَصْلِيَّةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ سَفَرُ قَصْرٍ] إلَخْ: أَيْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ قَيْدَانِ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةَ بُرْدٍ لَا أَقَلَّ: وَأَنْ لَا يَكُونَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، وَوَجْهُ أَخْذِ هَذَا الثَّانِي أَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا. قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْأَرْضِ] : وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ وُجُوبِ حَسْرِ الْعِمَامَةِ، وَعَدَمِ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الْأَرْضِ بِقُوَّةِ الرُّكْنِ عَلَى الشَّرْطِ وَالِاخْتِلَافِ فِي هَذَا الشَّرْطِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا صَلَّى مُتَرَبِّعًا] : وَلِذَلِكَ قَالُوا: تَجُوزُ الصَّلَاةُ فَرْضًا وَنَفْلًا عَلَى الدَّابَّةِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ كَذَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ فِي الطِّرَازِ، وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُجْزِئُ إيقَاعُ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا لِدُخُولِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَمَا قَالَهُ سَنَدٌ هُوَ الرَّاجِحُ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[الأحوال التي يجوز فيها الفرض لغير القبلة]

فَإِنْ انْحَرَفَ لِغَيْرِ جِهَةِ سَفَرِهِ عَامِدًا بِلَا ضَرُورَةٍ بَطَلَ نَفْلُهُ إلَّا لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ. وَجَازَ لَهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَيْهَا أَنْ يَعْمَلَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ رَكْضِ دَابَّةٍ وَمَسْكِ عَنَانِهَا وَسَوْقِهَا بِسَوْطٍ وَنَحْوِهِ، لَا بِكَلَامٍ. ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ مَفْهُومِ دَابَّةٍ وَهُوَ السَّفِينَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ: (لَا) إنْ رَكِبَ (سَفِينَةً) فَلَا يُصَلِّي فِيهَا صَوْبَ سَفَرِهِ وَلَا بِالْإِيمَاءِ، بَلْ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ لِتَيَسُّرِ التَّوَجُّهِ لِلْقِبْلَةِ، وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهَا بِخِلَافِ الدَّابَّةِ، وَحِينَئِذٍ (فَيَسْتَقْبِلُ) الْقِبْلَةَ (وَدَارَ مَعَهَا) أَيْ مَعَ دَوَرَانِهَا إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ إذَا دَارَتْ لِغَيْرِهَا (إنْ أَمْكَنَ) الدَّوَرَانُ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِضِيقٍ وَنَحْوِهِ صَلَّى حَيْثُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِلَا ضَرُورَةٍ] : أَيْ فَإِنْ كَانَ انْحِرَافُهُ لِضَرُورَةٍ كَظَنِّهِ أَنَّهَا طَرِيقُهُ أَوْ غَلَبَتْهُ الدَّابَّةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وَصَلَ لِمَحَلِّ إقَامَتِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ نَزَلَ عَنْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي يَسِيرًا كَالتَّشَهُّدِ، وَإِلَّا فَلَا يَنْزِلُ: عَنْهَا. وَإِذَا نَزَلَ عَنْهَا أَتَمَّ بِالْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا رَاكِعًا وَسَاجِدًا لَا بِالْإِيمَاءِ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْإِيمَاءَ فِي النَّفْلِ لِلصَّحِيحِ غَيْرِ الْمُسَافِرِ، فَيُتِمُّ عَلَيْهَا بِالْإِيمَاءِ وَالْمُرَادُ مَحَلُّ إقَامَتِهِ الَّذِي يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْزِلُهُ. [الْأَحْوَال الَّتِي يَجُوز فِيهَا الْفَرْض لِغَيْرِ الْقِبْلَة] قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ] : الْحَاصِلُ أَنَّهُ وَقَعَ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ، هَلْ يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي السَّفِينَةِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ لَا يُصَلِّي لِغَيْرِهَا أَصْلًا؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي السَّفِينَةِ إيمَاءً لِلْقِبْلَةِ، أَوْ لَا يَجُوزُ؟ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ شَارِحُنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ وَلَا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ لَا فِي فَرْضٍ وَلَا فِي نَفْلٍ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ] إلَخْ: أَيْ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الِاسْتِقْبَالُ عِنْدَ الْعَجْزِ بَلْ السُّجُودُ أَيْضًا لَا فَرْقَ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ.

تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ نَفْلٍ وَفَرْضٍ (لَا فَرْضٌ) أَيْ لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ (وَإِنْ مُسْتَقْبِلًا) لِلْقِبْلَةِ إلَّا فِي فُرُوعٍ أَرْبَعَةٍ. أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (إلَّا لِالْتِحَامٍ) فِي قِتَالِ عَدُوٍّ كَافِرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ كُلِّ قِتَالٍ جَائِزٍ لَا يُمْكِنُ النُّزُولُ فِيهِ عَنْ الدَّابَّةِ، فَيُصَلِّي الْفَرْضَ عَلَى ظَهْرِهَا إيمَاءً لِلْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَ. وَإِلَى ثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ خَوْفٍ) مِنْ كَ (سَبُعٍ) أَوْ لِصٍّ إنْ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ (فَلَهَا) أَيْ فَيُصَلِّي الْفَرْضَ عَلَى ظَهْرِهَا إيمَاءً لِلْقِبْلَةِ (إنْ أَمْكَنَ) وَإِلَّا صَلَّى لِغَيْرِهَا، (وَإِنْ أَمِنَ) أَيْ حَصَلَ لَهُ أَمَانٌ بَعْدَ صَلَاتِهِ (أَعَادَ الْخَائِفُ) : مِنْ كَسَبُعٍ (بِوَقْتٍ) دُونَ الْمُلْتَحِمِ. وَأَشَارَ لِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا) رَاكِبًا (لِخَضْخَاضٍ) أَيْ فِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يَصِحُّ فَرْضٌ] إلَخْ: مَحَلُّ الْبُطْلَانِ إذَا كَانَ يُصَلِّي عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ أَوْ رُكُوعٌ وَسُجُودٌ مِنْ جُلُوسٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ. وَأَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ أَوْ عَاجِزًا عَنْ الْقِيَامِ كَانَتْ صَحِيحَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَنَدٍ، وَكَمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ. قَوْلُهُ: [مِنْ كُلِّ قِتَالٍ جَائِزٍ] : أَيْ لِأَجْلِ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ حَرِيمٍ. قَوْلُهُ: [إنْ أَمْكَنَ] إلَخْ: قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: الْخَائِفُ مِنْ سِبَاعٍ وَنَحْوِهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْجُهٍ: مُوقِنٌ بِانْكِشَافِ الْخَوْفِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَيَائِسٌ مِنْ انْكِشَافِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ، وَرَاجٍ انْكِشَافَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ؛ فَالْأَوَّلُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ لِآخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ وَالثَّانِي يُصَلِّي عَلَيْهَا أَوَّلَهُ. وَالثَّالِثُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا لِوَسَطِهِ. قَوْلُهُ: [بِوَقْتٍ] : وَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ لِلِاصْفِرَارِ فِي الظُّهْرَيْنِ وَلِلْفَجْرِ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَلِلطُّلُوعِ فِي الصُّبْحِ. قَوْلُهُ: [دُونَ الْمُلْتَحِمِ] : أَيْ وَأَمَّا الْمُلْتَحِمُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ تَبَيَّنَ عَدَمَ مَا يَخَافُ مِنْهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَائِفِ مِنْ كَسَبُعٍ وَالْمُلْتَحِمِ وُرُودُ النَّصِّ فِيهِ وَغَيْرُهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا رَاكِبًا لِخَضْخَاضٍ] : لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسَافِرًا أَوْ حَاضِرًا.

(لَا يُطِيقُ النُّزُولَ بِهِ) : أَيْ فِيهِ. (وَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ) الِاخْتِيَارِيِّ فَأَوْلَى الضَّرُورِيُّ فَيُصَلِّي الْفَرْضَ عَلَى الدَّابَّةِ إيمَاءً، وَهَذَا الْقَيْدُ زِدْنَاهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ خُرُوجَهُ أَخَّرَ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ. وَأَشَارَ لِرَابِعِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا لِمَرَضٍ) بِالرَّاكِبِ لَا يُطِيقُ النُّزُولَ مَعَهُ. (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (يُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الدَّابَّةِ (كَالْأَرْضِ) أَيْ كَمَا يُؤَدِّيهَا عَلَى الْأَرْضِ بِالْإِيمَاءِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَلَى دَابَّتِهِ إيمَاءً لِلْقِبْلَةِ بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ بِهِ، فَإِذَا كَانَ يُؤَدِّيهَا بِالْأَرْضِ بِأَكْمَلَ مِمَّا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَجَبَ تَأَدِّيهَا بِالْأَرْضِ (وَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي هَذَا) الْفَرْعِ الْأَخِيرِ (الْأَرْضُ) أَيْ تَأْدِيَتُهَا بِالْأَرْضِ يُحْتَمَلُ وُجُوبًا وَيُحْتَمَلُ نَدْبًا قَالَ فِيهَا: لَا يُعْجِبنِي تَأْدِيَتُهَا عَلَى الدَّابَّةِ، فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: أَيْ يُكْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْ يُمْنَعُ، فَقَوْلُ الشَّيْخِ وَفِيهَا كَرَاهَةُ الْأَخِيرِ مُعْتَرَضٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا يُطِيقُ النُّزُولَ بِهِ] : أَيْ أَوْ خَشِيَ تَلَطُّخَ ثِيَابِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ نَاجِي. قَوْلُهُ: [وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْ يُمْنَعُ] : وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ. لَكِنْ تَأَوَّلَ الْمُدَوَّنَةَ ابْنُ نَاجِي بِتَأْوِيلٍ آخَرَ، فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهَا لَا يُعْجِبُنِي إذَا صَلَّى حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ الدَّابَّةُ، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَ بِهَا الْقِبْلَةَ لَجَازَ. وَهُوَ وِفَاقٌ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ بْن)

[فصل في فرائض الصلاة]

فَصْلٌ: فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا وَمُبْطِلَاتِهَا (فَصْلٌ) : فِي بَيَانِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ؛ أَيْ أَرْكَانِهَا الَّتِي تَتَرَكَّبُ هِيَ مِنْهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ. (فَرَائِضُ الصَّلَاةِ) أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً أَوَّلُهَا: (نِيَّتُهَا) : أَيْ الصَّلَاةِ الْمَخْصُوصَةِ. فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ تَعْيِينِهَا مِنْ ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ. وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّعْيِينُ فِي الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ كَالْوِتْرِ وَالْعِيدِ وَكَذَا الْفَجْرُ، دُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ] [تَنْبِيه سَبَقَ النِّيَّة فِي الصَّلَاة] فَصْلٌ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مَاهِيَّتِهَا، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى فَرَائِضِهَا الْمُعَبِّرِ عَنْهَا بِالْأَرْكَانِ الدَّاخِلَةِ فِي مَاهِيَّتِهَا مُتْبِعًا ذَلِكَ بِذِكْرِ سُنَنِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: [فَرَائِضُ الصَّلَاةِ] إلَخْ: وَإِضَافَةُ فَرَائِضَ لِلصَّلَاةِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ، لِأَنَّ الْفَرَائِضَ بَعْضُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هَيْئَةٌ مُجْتَمِعَةٌ مِنْ فَرَائِضَ وَغَيْرِهَا. وَالْمُرَادُ: الصَّلَاةُ وَلَوْ نَفْلًا، وَيُصْرَفُ كُلُّ فَرْضٍ إلَى مَا يَلِيقُ بِهِ فَإِنَّ الْقِيَامَ فِي الْفَاتِحَةِ وَلِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَاجِبٌ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ] : أَيْ مِنْ سُنَنٍ وَفَضَائِلَ وَمَكْرُوهَاتٍ وَمُبْطِلَاتٍ. قَوْلُهُ: [أَرْبَعَ عَشْرَةَ] : أَيْ وِفَاقًا وَخِلَافًا؛ أَيْ لِأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ وَالِاعْتِدَالَ وَقَعَ فِيهِمَا خِلَافٌ. قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّعْيِينُ] إلَخْ: فِي ح عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ التَّعْيِينَ لَهَا يَتَضَمَّنُ الْوُجُوبَ وَالْأَدَاءَ وَالْقُرْبَةَ. فَهُوَ يُغْنِي عَنْ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ اسْتِحْضَارَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ أَكْمَلُ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي التَّعْيِينِ نِيَّةُ الْيَوْمِ. وَمَا يَأْتِي فِي الْفَوَائِتِ مِنْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَهَا دُونَ يَوْمِهَا صَلَّاهَا نَاوِيًا لَهُ فَلِكَوْنِ سُلْطَانِ وَقْتِهَا فَاتَ، فَاحْتِيجَ فِي تَعْيِينِهَا لِمُلَاحَظَةِ الْيَوْمِ. وَأَمَّا الْوَقْتُ الْحَالُّ فَلَا يَقْبَلُ الِاشْتِرَاكَ. وَلَا يَكْفِي فِي الْفَرَائِضِ نِيَّةُ

غَيْرِهَا مِنْ النَّوَافِلِ؛ كَالضُّحَى وَالرَّوَاتِبِ وَالتَّهَجُّدِ فَيَكْفِي فِيهِ نِيَّةُ مُطْلَقِ نَفْلٍ، وَيَنْصَرِفُ لِلضُّحَى إنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَهَكَذَا. وَالنِّيَّةُ: قَصْدُ الشَّيْءِ. وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ. (وَجَازَ التَّلَفُّظُ بِهَا) : وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَهِيَ فَرْضٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمُطْلَقِ الْفَرْضِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ نِيَّةُ مُطْلَقِ السُّنَّةِ، فَإِنْ أَرَادَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَقَالَ: نَوَيْت صَلَاةَ الْفَرْضِ، وَلَمْ يُلَاحِظْ أَنَّهُ الظُّهْرُ كَانَتْ بَاطِلَةً. وَكَذَا يُقَالُ فِي السُّنَّةِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ: (لَا بُدَّ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ التَّعْيِينِ) نِيَّةُ الْجُمُعَةِ عَنْ الظُّهْرِ، فَإِنَّهَا تُجْزِي عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الظُّهْرَ جُمُعَةٌ فَنَوَاهَا أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْجُمُعَةَ ظُهْرٌ فَنَوَاهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْبُطْلَانُ فِيهِمَا، وَالصِّحَّةُ فِيهِمَا، وَالْمَشْهُورُ التَّفْصِيلُ: إنْ نَوَى الْجُمُعَةَ فَتَبَيَّنَ الظُّهْرُ أَجْزَأَ دُونَ الْعَكْسِ وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ شُرُوطَ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ شُرُوطِ الظُّهْرِ، وَنِيَّةَ الْأَخَصِّ تَسْتَلْزِمُ نِيَّةَ الْأَعَمِّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ تَسَمُّحٍ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَانِ وَالظُّهْرَ أَرْبَعٌ، فَلَا خُصُوصَ وَلَا عُمُومَ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْ. تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ لَهُ دُخُولٌ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ. قَالَ الْأَصْلُ فِي شَرْحِهِ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى صُورَتَيْنِ فَقَطْ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ الْأُولَى أَنْ يَجِدَ الْمَأْمُومُ إمَامًا وَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَيَنْوِي مَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ فَيُجْزِيهِ مَا تَبَيَّنَ مِنْهُمَا. الثَّانِيَةُ أَنْ يَجِدَ إمَامًا وَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ مُسَافِرٌ أَمْ مُقِيمٌ فَأَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ، فَيُجْزِيهِ مَا تَبَيَّنَ مِنْ سَفَرِيَّةٍ أَوْ حَضَرِيَّةٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُقِيمًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ الْمُسَافِرِ، وَيَلْزَمُهُ إنْ كَانَ مُسَافِرًا مُتَابَعَةُ إمَامِهِ الْمُقِيمِ. الثَّانِي: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِسَبْقِ النِّيَّةِ إنْ كَثُرَ، وَإِلَّا فَخِلَافٌ. فَالْبُطْلَانُ بِنَاءٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ وَعَدَمُهُ بِنَاءٌ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَسَبْقُهَا بِيَسِيرٍ مُغْتَفَرٌ عَلَى الْمُخْتَارِ. قَوْلُهُ: [وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ] : يُسْتَثْنَى الْمُوَسْوَسُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّلَفُّظُ لِيَذْهَبَ عَنْهُ اللَّبْسُ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ، وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ الَّذِي حَلَّ بِهِ بَهْرَامُ كَلَامَ خَلِيلٍ تَبَعًا لِأَبِي الْحَسَنِ وَالتَّوْضِيحِ. وَقِيلَ إنَّ التَّلَفُّظَ وَعَدَمَهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. تَنْبِيهٌ: إنْ خَالَفَ لَفْظُهُ نِيَّتَهُ فَالْعِبْرَةُ بِالنِّيَّةِ إنْ وَقَعَ ذَلِكَ سَهْوًا وَأَمَّا عَمْدًا فَمُتَلَاعِبٌ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.

[تنبيه أقوال الصلاة ليست بفرائض إلا ثلاث]

(وَعُزُوبُهَا) : أَيْ ذَهَابُهَا مِنْ الْقَلْبِ بَعْدَ اسْتِحْضَارِهَا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، (مُغْتَفَرٌ) غَيْرُ مُبْطِلٍ لَهَا وَلَوْ بِتَفَكُّرٍ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ بِخِلَافِ رَفْضِهَا فَمُبْطِلٌ. (كَعَدَمِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ) إنْ كَانَتْ أَدَاءً، (أَوْ) عَدَمِ نِيَّةِ (الْقَضَاءِ) إنْ كَانَتْ قَضَاءً، فَإِنَّهُ مُغْتَفَرٌ إذْ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا نِيَّةُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءٍ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى مُلَاحَظَةُ ذَلِكَ (أَوْ) عَدَمِ نِيَّةِ (عَدَدِ الرَّكَعَاتِ) فَإِنَّهُ مُغْتَفَرٌ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُلَاحِظَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مَثَلًا، فَالظُّهْرُ فِي وَقْتِهِ مَثَلًا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَأَنَّهُ أَدَاءٌ، وَخَارِجُ وَقْتِهِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ قَضَاءٌ، بَلْ إذَا كَانَ غَافِلًا عَنْ الْأَدَاءِ مَثَلًا أَوْ جَاهِلًا بِوَصْفِهَا بِذَلِكَ فَهِيَ صَحِيحَةٌ. (وَ) ثَانِيهَا: (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ] : أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّاغِلِ عَنْ اسْتِصْحَابِهَا تَفَكُّرَهُ بِدُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ، مُتَقَدِّمًا عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ طَارِئًا عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [فَمُبْطِلٌ] : أَيْ إنْ وَقَعَ فِي الْأَثْنَاءِ اتِّفَاقًا. وَعَلَى أَحَدِ مُرَجَّحَيْنِ: إنْ وَقَعَ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [كَعَدَمِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ] إلَخْ: وَنَابَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ إنْ اتَّحَدَا وَلَمْ يَتَعَمَّدْ. وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَتَّحِدَا فَلَا، كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ أَيَّامًا قَبْلَ وَقْتِهِ، فَلَا يَكُونُ ظُهْرُ يَوْمٍ قَضَاءً عَمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ أَجْزَأَ، وَلَوْ ظَنَّهُ أَدَاءً. وَصِيَامُ أَسِيرٍ رَمَضَانَ سِنِينَ فِي شَعْبَانَ كَالْأَوَّلِ، وَفِي شَوَّالٍ كَالثَّانِي. (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) . [تَنْبِيه أَقْوَال الصَّلَاة لَيْسَتْ بِفَرَائِض إلَّا ثَلَاث] قَوْلُهُ: الْإِحْرَامِ: أَصْلُ الْإِحْرَامِ الدُّخُولُ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ نُقِلَ لَفْظُ الْإِحْرَامِ لِلنِّيَّةِ أَوْ لِمَجْمُوعِ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَدْخُلُ بِهِمَا فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ. وَإِضَافَةُ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ إمَّا مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ - إنْ قُلْنَا إنَّ الْإِحْرَامَ عِبَارَةٌ عَنْ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ - أَوْ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى مُصَاحِبِهِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ النِّيَّةُ فَقَطْ. قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: الْمُنَاسِبُ لِحَدِيثِ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» أَنَّ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةٌ فَإِذَا كَبَّرَ فَتَكْبِيرُهُ إحْرَامٌ أَيْ دُخُولٌ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا نَافَاهَا. (اهـ) . تَنْبِيهٌ: الصَّلَاةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ فَجَمِيعُ أَقْوَالِهَا لَيْسَتْ بِفَرَائِضَ إلَّا ثَلَاثَةً: تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَالْفَاتِحَةُ، وَالسَّلَامُ. وَجَمِيعُ أَفْعَالِهَا فَرَائِضُ إلَّا ثَلَاثَةً: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ، وَالتَّيَامُنُ بِالسَّلَامِ. (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) .

عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ مَأْمُومًا، فَلَا يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، (وَإِنَّمَا يُجْزِئُ: اللَّهُ أَكْبَرُ) بِلَا فَصْلٍ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى وَلَا بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، وَلَا يُجْزِئُ مُرَادِفُهَا بِعَرَبِيَّةٍ وَلَا عَجَمِيَّةٍ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ بِهَا سَقَطَتْ كَكُلِّ فَرْضٍ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَعْضِهَا أَتَى بِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَعْنًى وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يَضُرُّ إبْدَالُ الْهَمْزَةِ مِنْ أَكْبَرَ وَاوًا لِمَنْ لُغَتُهُ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ] إلَخْ: فَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ كَانَ مَأْمُومًا ثُمَّ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ كَانَ شَكُّهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ كَبَّرَهَا بِغَيْرِ سَلَامٍ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقِرَاءَةَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ رَكَعَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ، وَإِذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ شَكِّهِ أَنَّهُ كَانَ أَحْرَمَ، جَرَى عَلَى مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ. وَإِنْ كَانَ الشَّاكُّ إمَامًا فَقَالَ سَحْنُونَ: يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا سَلَّمَ سَأَلَهُمْ، فَإِنْ قَالُوا، أَحْرَمْت رَجَعَ لِقَوْلِهِمْ وَإِنْ شَكُّوا أَعَادَ جَمِيعُهُمْ. (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [فَلَا يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفَرَائِضِ عَدَمُ الْحَمْلِ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِحَمْلِ الْفَاتِحَةِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا يُجْزِئُ اللَّهُ أَكْبَرُ] : لَمَّا كَانَ مَعْنَى التَّكْبِيرِ التَّعْظِيمَ، فَيُتَوَهَّمُ إجْزَاءُ كُلِّ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، بَيْنَ انْحِصَارِ الْمُجْزِئِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ إنَّمَا يُجْزِئُ إلَخْ. قَوْلُهُ: [بِلَا فَصْلٍ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَا يَضُرُّ زِيَادَةُ وَاوٍ قَبْلَ (أَكْبَرُ) . (اهـ.) وَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُضِرٌّ إذْ لَا يُعْطَفُ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَإِ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ مُتَعَبَّدٌ بِهِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [سَقَطَتْ] إلَخْ: فَلَوْ أَتَى بِمُرَادِفِهَا لَمْ تَبْطُلْ فِيمَا يَظْهَرُ. قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ لَهُ مَعْنًى] : أَيْ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ سَوَاءٌ دَلَّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ - كَلَفْظِ الْجَلَالَةِ - أَوْ عَلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ مِثْلَ: بَرٌّ بِمَعْنَى مُحْسِنٍ. وَأَمَّا إنْ دَلَّ عَلَى مَعْنًى يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِهِ مِثْلَ: كِبْرٌ أَوْ كَرٌّ، أَوْ كَانَ لَا مَعْنَى لَهُ أَصْلًا كَالْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأُجْهُورِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ: إذَا لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الْبَعْضِ فَلَا يَأْتِي بِهِ وَأَطْلَقَ. قَوْلُهُ: [لِمَنْ لُغَتُهُ ذَلِكَ] : أَيْ كَالْعَوَامِّ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ وَهُوَ

(وَ) ثَالِثُهَا: (الْقِيَامُ لَهَا فِي الْفَرْضِ) : فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ مِنْ جُلُوسٍ وَلَا فِي حَالَةِ انْحِنَاءٍ، بَلْ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا. وَقَوْلُنَا: [فِي الْفَرْضِ] زِدْنَاهُ لِإِخْرَاجِ النَّفْلِ لِجَوَازِ صَلَاتِهِ مِنْ جُلُوسٍ. لَكِنْ لَوْ كَبَّرَ فِيهِ جَالِسًا وَقَامَ فَأَتَمَّهُ مِنْ قِيَامٍ هَلْ يُجْزِي وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ صَلَاةُ رَكْعَةٍ مِنْ قِيَامٍ، وَأُخْرَى مِنْ جُلُوسٍ. وَاسْتَثْنَى مِنْ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: مِنْ كُلِّ مُصَلٍّ، قَوْلَهُ (إلَّا لِمَسْبُوقٍ) وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا وَ (كَبَّرَ مُنْحَطًّا) أَيْ حَالَ انْحِطَاطِهِ لِلرُّكُوعِ وَأَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، بِأَنْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ اسْتِقْلَالِ الْإِمَامِ قَائِمًا، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ وَسَوَاءٌ ابْتَدَأَهَا مِنْ قِيَامٍ وَأَتَمَّهَا حَالَ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ بِلَا فَصْلٍ طَوِيلٍ، أَوْ ابْتَدَأَهَا حَالَ الِانْحِطَاطِ كَذَلِكَ. وَهَذَا إذَا نَوَى بِهَا الْإِحْرَامَ أَوْ هُوَ وَالرُّكُوعَ أَوْ لَمْ يُلَاحِظْ شَيْئًا مِنْهُمَا، أَمَّا إذَا نَوَى بِهِ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ فَقَطْ، فَلَا يُجْزِئُ كَمَا سَيَأْتِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQحَرَكَتَانِ، فَإِنْ زَادَ فَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: يُغْتَفَرُ أَقْصَى مَا قِيلَ بِهِ عِنْدَ الْقُرَّاءِ، وَلَوْ عَلَى شُذُوذٍ وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَرَكَةً. وَكَذَلِكَ لَا يَضُرُّ إشْبَاعُ الْبَاءِ وَتَضْعِيفُ الرَّاءِ، وَأَمَّا نِيَّةُ أَكْبَارٍ: جَمْعُ كَبَرٍ وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ، فَكُفْرٌ وَلْيَحْذَرْ مِنْ مَدِّ هَمْزَةِ الْجَلَالَةِ فَيَصِيرُ كَالْمُسْتَفْهِمِ، وَأَمَّا زِيَادَةُ وَاوٍ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ فَتُوهِمُ الْقَسَمَ وَالْعَطْفَ عَلَى مَحْذُوفٍ فَالظَّاهِرُ الْبُطْلَانُ. قَوْلُهُ: [بَلْ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا] : أَيْ فَلَوْ أَتَى بِهَا قَائِمًا مُسْتَنِدًا لِعِمَادٍ - بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ الْعِمَادُ لَسَقَطَ - فَلَا تُجْزِئُ. قَوْلُهُ: [إلَّا لِمَسْبُوقٍ] إلَخْ: حَاصِلُ صُوَرِ الْمَسْبُوقِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَالشَّرْحِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ صُورَةً مِنْهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ - الصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ، وَعِشْرُونَ الصَّلَاةُ فِيهَا بَاطِلَةٌ. وَهِيَ أَنْ تَقُولَ: إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا، إمَّا أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ قِيَامٍ وَيُتِمَّهَا حَالَ الِانْحِطَاطِ، أَوْ بَعْدَهُ. أَوْ يَبْتَدِئَهَا فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ وَيُتِمَّهَا أَوْ بَعْدَهُ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ. وَفِي كُلٍّ مِنْهَا: إمَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْإِحْرَامَ، أَوْ هُوَ وَالرُّكُوعُ، أَوْ لَمْ يُلَاحِظْ شَيْئًا، أَوْ الرُّكُوعَ فَقَطْ فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشَرَ. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَحْصُلَ فَصْلٌ أَوْ لَا فَهَذِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ. إنْ حَصَلَ فَصْلٌ فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ فِي سِتَّ عَشْرَةَ، أَوْ نَوَى بِالتَّكْبِيرِ الرُّكُوعَ فَقَطْ فَبَاطِلَةٌ أَيْضًا فِي أَرْبَعَةٍ، يَبْقَى اثْنَتَا عَشْرَةَ صَحِيحَةً.

وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْمُدْرَكَةِ هَلْ يُعْتَدُّ بِهَا أَوْ لَا؟ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَفِي الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ) الْمُدْرَكَةِ مَعَ الْإِمَامِ (إنْ ابْتَدَأَهَا) : أَيْ التَّكْبِيرَةَ حَالَ كَوْنِهِ (قَائِمًا) وَأَتَمَّهَا حَالَ انْحِطَاطِهِ أَوْ بَعْدَهُ بِلَا فَصْلٍ وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهَا (تَأْوِيلَانِ) . وَأَمَّا لَوْ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَةَ حَالَ انْحِطَاطِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا اتِّفَاقًا كَمَا لَوْ شَكَّ فِي إدْرَاكِهَا، وَانْظُرْ مَا وَجْهُهُ وَمَا وَجْهُ التَّأْوِيلِ الثَّانِي مَعَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ اُغْتُفِرَ لِلْمَسْبُوقِ تَكْبِيرُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَكَوْنُ الِانْحِطَاطِ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الرَّكْعَةِ دُونَ الصَّلَاةِ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَفِي الِاعْتِدَادِ] إلَخْ: أَيْ فَمَحَلُّ التَّأْوِيلَيْنِ فِي سِتِّ صُوَرٍ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ اتِّفَاقًا فِي السِّتِّ الْبَاقِيَةِ وَيَضُمُّ لِتِلْكَ السِّتِّ مَا لَوْ شَكَّ فِي إدْرَاكِهَا، سَوَاءٌ ابْتَدَأَهَا مِنْ قِيَامٍ وَأَتَمَّهَا حَالَ الْقِيَامِ أَوْ حَالَ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ ابْتَدَأَهَا مِنْ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ وَأَتَمَّهَا حَالَ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ فَصْلٌ، فَهَذِهِ خَمْسٌ سَوَاءٌ نَوَى الْإِحْرَامَ فَقَطْ، أَوْ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ أَوْ لَمْ يُلَاحِظْ شَيْئًا. فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ الشَّكِّ خَمْسَ عَشْرَةَ صُورَةً فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ الَّتِي تُلْغَى فِيهَا الرَّكْعَةُ اتِّفَاقًا إحْدَى وَعِشْرُونَ صُورَةً. قَوْلُهُ: [وَانْظُرْ مَا وَجْهُهُ] إلَخْ: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَإِنَّمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْإِحْرَامُ، إمَّا اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. مَعَ أَنَّ عَدَمَ الِاعْتِدَادِ بِهَا إنَّمَا هُوَ لِلْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي الْإِحْرَامِ. فَكَانَ الْوَاجِبُ عَدَمَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ لِلْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي إحْرَامِهَا بِتَرْكِ الْقِيَامِ لَهُ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لَا مِنْ أَرْكَانِ الرَّكْعَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ الْقِيَامُ فِي الرَّكْعَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ الرَّكْعَةِ فَكَانَ الْإِحْرَامُ حَصَلَ حَالَ قِيَامِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ التَّالِيَةِ فَتَكُونُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَالشَّرْطُ الَّذِي هُوَ الْقِيَامُ - مُقَارِنٌ لِلْمَشْرُوطِ وَهُوَ التَّكْبِيرُ حُكْمًا. وَهَذَا بِخِلَافِ الرَّكْعَةِ الَّتِي أَحْرَمَ فِي رُكُوعِهَا، فَإِنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُقَارِنْ فِيهَا الْمَشْرُوطَ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا لِعَدَمِ وُجُودِهِ كَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ. قَالَ الْمِسْنَاوِيُّ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا حَكَمُوا بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْقِيَامَ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ غَيْرُ فَرْضٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْبُوقِ وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ إنَّمَا جَاءَ لِلْخَلَلِ فِي رُكُوعِهَا حَيْثُ أَدْمَجَ الْفَرْضَيْنِ الثَّانِيَ فِي الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الثَّانِي قَبْلَ تَمَامِ

(وَ) رَابِعُهَا: (فَاتِحَةٌ) : أَيْ قِرَاءَتُهَا (بِحَرَكَةِ لِسَانٍ) وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ (لِإِمَامٍ، وَفَذٍّ) أَيْ مُنْفَرِدٍ - لَا مَأْمُومٍ - لِأَنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُهَا عَنْهُ دُونَ سَائِرِ الْفَرَائِضِ، (فَيَجِبُ) عَلَى الْمُكَلَّفِ (تَعَلُّمُهَا) : أَيْ الْفَاتِحَةِ لِيُؤَدِّيَ صَلَاتَهُ بِهَا (إنْ أَمْكَنَ) التَّعَلُّمُ بِأَنْ قَبِلَهُ، وَوَجَدَ مُعَلِّمًا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ أَوْ فِي أَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ، (وَإِلَّا) يُمْكِنْ التَّعَلُّمُ - لِخَرَسٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مُعَلِّمًا أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ - (ائْتَمَّ) وُجُوبًا (بِمَنْ يُحْسِنُهَا إنْ وَجَدَهُ) ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّكْبِيرِ، وَعَلَى هَذَا فَالْقِيَامُ لِلتَّكْبِيرِ إنَّمَا وَجَبَ لِأَجْلِ أَنْ يَصِحَّ لَهُ الرُّكُوعُ فَتُدْرَكُ الرَّكْعَةُ. (اهـ. بْن) . قَوْلُهُ: [أَيْ قِرَاءَتُهَا] : إنَّمَا قَدَّرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ. قَوْلُهُ: [بِحَرَكَةِ لِسَانٍ] : احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا أَجْرَاهَا عَلَى قَلْبِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ] : وَلَكِنَّ الْأَوْلَى مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يُوجِبُ إسْمَاعَ النَّفْسِ. وَفِي الْخَرَشِيِّ نَقْلًا عَنْ الْأُجْهُورِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ قِرَاءَتُهَا مَلْحُونَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّحْنَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَهُوَ اسْتِظْهَارٌ بَعِيدٌ، إذْ الْقِرَاءَةُ الْمَلْحُونَةُ لَا تُعَدُّ قِرَاءَةٌ، فَصَاحِبُهَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعَاجِزِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ يَلْحَنُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ مَا لَا يَلْحَنُ فِيهِ، وَيَتْرُكُ مَا يَلْحَنُ فِيهِ. وَهَذَا إذَا كَانَ مَا يَلْحَنُ فِيهِ مُتَوَالِيًا وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ أَنْ يَتْرُكَ الْكُلَّ. قَوْلُهُ: [لِإِمَامٍ وَفَذٍّ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً، جَهْرِيَّةً أَوْ سِرِّيَّةً. قَوْلُهُ: [لَا مَأْمُومٍ] : أَيْ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ الْقَائِلِ بِلُزُومِهَا لِلْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ. وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ لُزُومِهَا وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهَا لَهُ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [دُونَ سَائِرِ الْفَرَائِضِ] : أَيْ فَلَا يَحْمِلُ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْهَا فِعْلِيَّةً أَوْ قَوْلِيَّةً. قَوْلُهُ: [إنْ أَمْكَنَ] إلَخْ: فَإِنْ فَرَّطَ فِي التَّعَلُّمِ مَعَ إمْكَانِهِ قَضَى مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ تَعَلُّمِهَا مَا صَلَّاهُ فَذًّا فِي الْأَزْمِنَةِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا. قَوْلُهُ: [لِخَرَسٍ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَرَسَ يُوجِبُ الِائْتِمَامَ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فَيَجِبُ تَعَلُّمُهَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا ائْتَمَّ وُجُوبًا غَيْرُ الْأَخْرَسِ.

وَتَبْطُلُ إنْ تَرَكَهُ (وَإِلَّا) يَجِدْهُ صَلَّى فَذًّا. (نُدِبَ) لَهُ (فَصْلٌ بَيْنَ تَكْبِيرِهِ) لِلْإِحْرَامِ (وَرُكُوعِهِ) بِسُكُوتٍ أَوْ ذِكْرٍ وَهُوَ أَوْلَى، وَنَكَّرَ [فَصْلٌ] لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِذِكْرٍ بَدَلَهَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّكْبِيرِ لِخَرَسٍ دَخَلَ بِالنِّيَّةِ وَسَقَطَ عَنْهُ. ثُمَّ إنَّ الْفَاتِحَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَبْطُلُ إنْ تَرَكَهُ] : أَيْ لِتَرْكِهِ وَاجِبًا وَهُوَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِكَوْنِهِ لَا يَتَوَصَّلُ لَهَا إلَّا بِالْإِمَامِ، فَإِذَا تَرَكَهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ مَعَ الْإِمْكَانِ. قَوْلُهُ: [صَلَّى فَذًّا] : أَيْ فَلَوْ عَجَزَ عَنْ التَّعَلُّمِ وَالِائْتِمَامِ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا فَطَرَأَ عَلَيْهِ قَارِئٌ، أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِهَا لَمْ يَقْطَعْ وَيُتِمُّهَا كَعَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ قَدَرَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا. قَوْلُهُ: [وَهُوَ أَوْلَى] : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ مَنْ يَقُولُ وُجُوبَ الْبَدَلِ، فَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ وَرَكَعَ أَجْزَأَهُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَصْلَ مَنْدُوبٌ وَكَوْنُهُ بِذِكْرِ مَنْدُوبٍ آخَرَ وَكَوْنُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ. قَوْلُهُ: [لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ] : أَيْ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ الْمُقَيِّدِ لَهُ بِكَوْنِهِ يَقِفُ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ مَعَهَا. قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونَ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّكْبِيرِ] إلَخْ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا مِنْ أَنَّ الْأَخْرَسَ يَجِبُ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ، كَاَلَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّعَلُّمَ. فَاسْتَشْعَرَ سُؤَالَ سَائِلٍ يَقُولُ لَهُ: مَا يَصْنَعُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؟ فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنَّ الْفَاتِحَةَ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافٌ فِي وُجُوبِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهَا. فَقِيلَ: لَا تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ الرَّكَعَاتِ: بَلْ هِيَ سُنَّةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِحَمْلِ الْإِمَامِ لَهَا وَهُوَ لَا يَحْمِلُ فَرْضًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ شَبْلُونَ وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ إنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ مَا تَجِبُ فِيهِ مِنْ الرَّكَعَاتِ عَلَى أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ: فَقِيلَ فِي كُلِّ الرَّكْعَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ فِي الْجُلِّ وَسُنَّةٌ فِي الْأَقَلِّ. وَقِيلَ وَاجِبَةٌ فِي رَكْعَةٍ وَسُنَّةٌ فِي الْبَاقِي. وَقِيلَ فِي النِّصْفِ اقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ

تَجِبُ فِي كُلٍّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ تَجِبُ فِي الْجُلِّ فَفِي الرُّبَاعِيَّةِ تَجِبُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَفِي الثُّلَاثِيَّةِ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَتُسَنُّ فِي رَكْعَةٍ لَكِنْ لَا كَسَائِرِ السُّنَنِ لِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا عَمْدًا أَوْ بَعْضَهَا مُبْطِلٌ. (فَإِنْ سَهَا عَنْهَا أَوْ عَنْ بَعْضِهَا فِي رَكْعَةٍ) : أَيْ تَرَكَهَا أَوْ بَعْضَهَا سَهْوًا وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ آيَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْ التَّدَارُكُ بِأَنْ رَكَعَ، (سَجَدَ) سُجُودَ السَّهْوِ لِذَلِكَ قَبْلَ سَلَامِهِ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي الْجُلِّ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ بِأَنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ (كَرَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ كَمَا لَوْ تَرَكَهَا سَهْوًا فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي رَكْعَةٍ مِنْ ثُنَائِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا يَقْطَعُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ (وَأَعَادَهَا) أَيْ احْتِيَاطًا ـــــــــــــــــــــــــــــQبِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَشَهَّرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا فِي الْجُلِّ رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَشَهَّرَهُ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْإِرْشَادِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ تَجِبُ فِي الْجُلِّ] : أَيْ فِيمَا لَهَا جُلٌّ فَيَتَّفِقُ الْقَوْلَانِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي جَمِيعِ الثُّنَائِيَّةِ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الْقَوْلَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ. قَوْلُهُ: [عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا عَمْدًا] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ فِي رَكْعَةٍ وَلَمْ يُرَاعِ خِلَافَ اللَّخْمِيِّ لِضَعْفِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَبْطُلُ إذَا تَرَكَهَا فِي رَكْعَةٍ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. إذْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا سُجُودَ لِلْعَمْدِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الْقَوْلَانِ لِكَوْنِهَا سُنَّةً شُهِّرَتْ فَرْضِيَّتُهَا. قَوْلُهُ: [فَإِنْ سَهَا عَنْهَا] إلَخْ: هَذَا مُرَتَّبٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ رَكَعَ] : أَيْ فَالتَّدَارُكُ يَفُوتُ بِمُجَرَّدِ الِانْحِنَاءِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ رُجُوعٍ مِنْ فَرْضٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَهُوَ الرُّكُوعُ إلَى مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ بِالسُّنِّيَّةِ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ سَلَامِهِ] : أَيْ وَلَا يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَدَلَ رَكْعَةِ النَّقْصِ. قَوْلُهُ: [وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ] : هُوَ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْفَاتِحَةَ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، سَهْوًا مِنْ الْأَقَلِّ - كَرَكْعَةٍ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الثُّلَاثِيَّةِ - فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ يُعِيدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي الرِّسَالَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِيمَنْ تَرَكَهَا مِنْ الْجُلِّ أَوْ النِّصْفِ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ سَهْوًا إمَّا

أَبَدًا عَلَى الْمَشْهُورِ. (وَ) إنْ تَرَكَهَا أَوْ بَعْضَهَا (عَمْدًا) وَلَوْ فِي رَكْعَةٍ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (كَأَنْ لَمْ يَسْجُدْ) : أَيْ كَمَا تَبْطُلُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ فِيمَا إذَا تَرَكَهَا أَوْ بَعْضَهَا سَهْوًا حَتَّى طَالَ الزَّمَنُ. (وَ) خَامِسُهَا: (قِيَامٌ لَهَا) أَيْ لِلْفَاتِحَةِ (بِفَرْضٍ) : فَإِنْ جَلَسَ أَوْ انْحَنَى حَالَ قِرَاءَتِهَا بَطَلَتْ. وَكَذَا لَوْ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ سَقَطَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْ يَتْرُكَهَا مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ النِّصْفِ أَوْ الْجُلِّ، فَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ يَتَمَادَى حَيْثُ فَاتَهُ التَّدَارُكُ بِالرُّكُوعِ مِنْ رَكْعَتِهَا، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَيُعِيدُ أَبَدًا وُجُوبًا كَمَا قَالَ (ر) رَدًّا عَلَى الْأُجْهُورِيِّ وَالتَّتَّائِيِّ مِنْ قَوْلِهِمَا: إنَّ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَجْمُوعِ وَحَاشِيَتِهِ. قَوْلُهُ: [أَبَدًا] : أَيْ وُجُوبًا كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ صَلَاتُهُ] : أَيْ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَسَائِرِ السُّنَنِ. قَوْلُهُ: [حَتَّى طَالَ الزَّمَنُ] : أَيْ بِالْعُرْفِ أَوْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ. وَإِنَّمَا بَطَلَتْ بِتَرْكِ السُّجُودِ لَهَا لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ تَرْكَ السُّجُودِ الْقَبْلِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ فَمَا هُنَا أَوْلَى. قَوْلُهُ: [قِيَامٌ لَهَا] : أَيْ لِأَجْلِهَا فِي حَقِّ إمَامٍ وَفَذٍّ، فَلَيْسَ بِفَرْضٍ مُسْتَقِلٍّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَعَلَيْهِ فَلَوْ عَجَزَ عَنْهَا سَقَطَ الْقِيَامُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ لِبَعْضِهَا وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ، فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيَامُ لِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَأْتِي بِهَا كُلِّهَا مِنْ جُلُوسٍ؟ أَوْ يَأْتِي بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَائِمًا وَيَجْلِسُ فِي غَيْرِهِ؟ قَوْلَانِ مَشْهُورُهُمَا الثَّانِي. وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لَهَا، فَلَوْ اسْتَنَدَ حَالَ قِرَاءَتِهَا لِعِمَادٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ لَسَقَطَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، جَازَ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَطَلَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ بِجُلُوسِهِ حَالَ قِرَاءَتِهَا، ثُمَّ قِيَامُهُ لِلرُّكُوعِ لِكَثِيرِ الْفِعْلِ لَا لِمُخَالَفَتِهِ لِلْإِمَامِ، كَمَا قِيلَ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْجَالِسِ بِالْقَائِمِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

(وَ) سَادِسُهَا: (رُكُوعٌ مِنْ قِيَامٍ) فِي الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ الَّذِي صَلَّاهُ مِنْ قِيَامٍ، فَلَوْ جَلَسَ فَرَكَعَ لَمْ تَصِحَّ (تَقْرُبُ رَاحَتَاهُ) تَثْنِيَةُ رَاحَةٍ وَهِيَ الْكَفُّ وَالْجَمْعُ رَاحٌ بِلَا تَاءٍ (فِيهِ) أَيْ فِي الرُّكُوعِ (مِنْ رُكْبَتَيْهِ) لَوْ وَضَعَهُمَا؛ أَيْ أَنَّ الرُّكُوعَ الْوَاجِبَ هُوَ الِانْحِنَاءُ بِحَيْثُ لَوْ وَضَعَ كَفَّيْهِ لَكَانَتَا عَلَى رَأْسِ الْفَخْذَيْنِ مِمَّا يَلِي الرُّكْبَتَيْنِ، فَيَكُونُ الرَّأْسُ أَرْفَعَ مِنْ الْعَجِيزَةِ فِيهِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَطَأْطُؤِ الرَّأْسِ فَلَيْسَ بِرُكُوعٍ بَلْ إيمَاءٌ. وَأَمَّا تَسْوِيَةُ الظَّهْرِ فَمَنْدُوبٌ زَائِدٌ عَلَى الْوُجُوبِ لِتَمْكِينِ الْيَدَيْنِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ كَمَا يَأْتِي. (وَ) سَابِعُهَا (رَفْعٌ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِذَا لَمْ يَرْفَعْ بَطَلَتْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [رُكُوعٌ مِنْ قِيَامٍ] : أَيْ فَلَا تَتِمُّ حَقِيقَةُ الرُّكُوعِ إلَّا بِالِانْحِطَاطِ مِنْ قِيَامٍ. أَمَّا فِي الْفَرْضِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَلِكَوْنِهِ ابْتَدَأَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ مِنْ قِيَامٍ، فَلَوْ جَلَسَ وَرَكَعَ لَكَانَ مُتَلَاعِبًا. قَوْلُهُ: [تَقْرُبُ رَاحَتَاهُ] : هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ فِي الرُّكُوعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ سَنَدٌ وَأَبُو الْحَسَنِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ الْبَاجِيُّ وَاللَّخْمِيُّ مِنْ الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: [لِتَمْكِينِ الْيَدَيْنِ] : أَيْ فَوَضْعُ الْيَدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ وَالتَّمْكِينُ مُسْتَحَبٌّ ثَانٍ، وَرَأَى مَالِكٌ التَّحْدِيدَ فِي تَفْرِيقِ الْأَصَابِعِ وَضَمِّهَا بِدْعَةً، فَإِنْ قَصُرَتَا لَمْ يَزِدْ عَلَى تَسْوِيَةِ ظَهْرِهِ. وَلَوْ قُطِعَتْ إحْدَاهُمَا وَضَعَ الْأُخْرَى عَلَى رُكْبَتِهَا - كَمَا فِي الطِّرَازِ - لَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مَعًا كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. قَوْلُهُ: [فَإِذَا لَمْ يَرْفَعْ بَطَلَتْ] : أَيْ إنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ، وَأَمَّا سَهْوًا فَيَرْجِعُ مُحْدَوْدِبًا حَتَّى يَصِلَ لِحَالَةِ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ. إلَّا الْمَأْمُومَ فَلَا يَسْجُدُ لِحَمْلِ الْإِمَامِ سَهْوَهُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ مُحْدَوْدِبًا وَرَجَعَ قَائِمًا أَعَادَ صَلَاتَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهَذَا إذَا كَانَ رُجُوعُهُ عَمْدًا، فَإِنْ كَانَ سَهْوًا أَلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

(وَ) ثَامِنُهَا: (سُجُودٌ عَلَى أَيْسَرِ جُزْءٍ) أَيْ عَلَى أَقَلِّ جُزْءٍ تَيَسَّرَ (مِنْ جَبْهَتِهِ) وَهُوَ مَا فَوْقَ الْحَاجِبَيْنِ وَبَيْنَ الْجَبِينَيْنِ. (وَنُدِبَ) السُّجُودُ (عَلَى أَنْفِهِ) : وَقِيلَ يَجِبُ (وَأَعَادَ) الصَّلَاةَ (لِتَرْكِهِ) : أَيْ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ (بِوَقْتٍ) مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ. (وَ) تَاسِعُهَا: (جُلُوسٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [سُجُودٌ] : عَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مَسُّ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ ثَابِتٍ بِالْجَبْهَةِ (اهـ) . وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا، مِنْ نَحْوِ السَّرِيرِ الْمُعَلَّقِ فِي حَبْلٍ مَثَلًا، وَبِقَوْلِهِ: مِنْ ثَابِتٍ، عَنْ الْفِرَاشِ الْمَنْفُوشِ جِدًّا، وَدَخَلَ فِي الثَّابِتِ السَّرِيرُ مِنْ خَشَبٍ مَثَلًا لَا مِنْ شَرِيطٍ، نَعَمْ أَجَازَهُ بَعْضُهُمْ لِلْمَرِيضِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا، وَإِنْ عَلَا عَنْ سَطْحِ رُكْبَتَيْهِ فَيَشْمَلُ السُّجُودَ عَلَى الْمِفْتَاحِ، وَالسُّبْحَةِ وَلَوْ اتَّصَلَتْ بِهِ وَالْمَحْفَظَةِ. وَلَكِنَّ الْأَكْمَلَ خِلَافُهُ، هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِمَّا فِي عب وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَحَدَّهُ الشَّافِعِيَّةُ بِارْتِفَاعِ الْأَسَافِلِ وَانْحِدَارِ الْأَعَالِي، قَالُوا: وَلَا بُدَّ مِنْ التَّحَامُلِ وَهُوَ أَنْ يُلْقِيَ رَأْسَهُ عَلَى مَا سَجَدَ عَلَيْهِ؛ حَتَّى لَا يُعَدَّ حَامِلًا لَهَا، فَلَا يَكْفِي الْإِمْسَاسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاصَقَةِ. وَلَيْسَ مَعْنَى التَّحَامُلِ شَدُّ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِيهَا كَمَا يَفْعَلُ الْجَهَلَةُ، وَسِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ: الْخُشُوعُ وَالْخُضُوعُ. (اهـ. بِالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [عَلَى أَيْسَرِ جُزْءٍ] : أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ إلْصَاقُ الْجَبْهَةِ بِتَمَامِهَا وَإِنَّمَا إلْصَاقُهَا كُلُّهَا مَنْدُوبٌ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا فَوْقَ الْحَاجِبَيْنِ] : أَيْ فَالْجَبْهَةُ هُنَا مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ أَيْ: مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، فَلَوْ سَجَدَ عَلَى أَحَدِ الْجَبِينَيْنِ لَمْ يَكْفِ. قَوْلُهُ: [وَأَعَادَ الصَّلَاةَ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَالْمُرَادُ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ وَفِي غَيْرِهِمَا لِلطُّلُوعِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الْوَقْتُ الِاخْتِيَارِيُّ. قَوْلُهُ: [جُلُوسٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ] : وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَرَفْعٌ مِنْهُ ". قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَمَّا الْفَصْلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَوَاجِبٌ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ السَّجْدَةَ وَإِنْ طَالَتْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ سَجْدَتَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَصْلِ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَكُونَا اثْنَتَيْنِ (اهـ.) وَنَحْوَهُ فِي

[تنبيه تجديد نية الخروج بالسلام]

فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَلَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهُ وَطَالَ بَطَلَتْ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ. (وَ) عَاشِرُهَا: (سَلَامٌ) وَهُوَ آخِرُ أَرْكَانِهَا كَمَا أَنَّ النِّيَّةَ أَوَّلُهَا. (وَإِنَّمَا يُجْزِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بِالْعَرَبِيَّةِ وَتَعْرِيفُهُ [بِأَلْ] ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى [عَلَيْكُمْ] بِلَا فَصْلٍ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ فَإِنْ تَرَكَهُ أَوْ أَتَى بِمُنَافٍ قَبْلَهُ بَطَلَتْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّوْضِيحِ، وَهَذَا الِاتِّفَاقُ لَا يُعَارِضُ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ نَقْلًا عَنْ الْبَاجِيِّ فِي كَوْنِ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً، خِلَافَ (اهـ.) لِمَا فِي التَّتَّائِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاعْتِدَالِ لَا فِي أَصْلِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ حَسَنٌ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْبُنَانِيِّ) . قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَرَكَهُ] إلَخْ: هَذَا لَا يَخُصُّ الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بَلْ فِي كُلِّ الْأَرْكَانِ. [تَنْبِيه تَجْدِيد نِيَّة الْخُرُوج بالسلام] قَوْلُهُ: [وَتَعْرِيفُهُ بِأَلْ] : أَيْ وَفِي إجْزَاءِ أَمْ بَدَلَهَا لِحِمْيَرَ - الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهَا بِهَا - قَوْلَانِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ حَيْثُ أَمْكَنَهُمْ النُّطْقُ بِأَلْ، وَأَمَّا إنْ أَتَى بِهِ مُنَوَّنًا فَلَا يُجْزِي إنْ كَانَ خَالِيًا مِنْ أَلْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَقْرُونًا بِهَا فَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِالصِّحَّةِ، وَقَالَ التَّتَّائِيُّ: يَنْبَغِي إجْرَاؤُهُ عَلَى اللَّحْنِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [وَتَقْدِيمُهُ] : أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ فَلَوْ أَسْقَطَ الْمِيمَ مِنْ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُصَلِّي إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ فَذًّا، إذْ لَا يَخْلُو مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُصَاحِبِينَ لَهُ أَقَلُّهُمْ الْحَفَظَةُ. وَلَا يَضُرُّ زِيَادَةُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَفِي الْمَجْمُوعِ: الْأَوْلَى تَرْكُهَا. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْقَادِرِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ بِالنِّيَّةِ قَطْعًا. وَإِنْ أَتَى بِمُرَادِفِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ فَذَكَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ، وَاَلَّذِي اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ الصِّحَّةُ قِيَاسًا عَلَى الدُّعَاءِ بِالْعَجَمِيَّةِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ. قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ] : كَمَا لَوْ قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُنَافِيَاتِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَوَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ أَحْدَثَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ أَجْزَأَتْهُ، قَالَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ وَهَذَا مَرْدُودٌ نَقْلًا وَمَعْنًى. تَنْبِيهٌ: وَقَعَ خِلَافٌ: هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُجَدِّدَ نِيَّةً لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ لِأَجْلِ أَنْ يَتَمَيَّزَ عَنْ جِنْسِهِ كَافْتِقَارِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إلَيْهَا لِتَمْيِيزِهَا عَنْ غَيْرِهَا فَلَوْ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ؟ قَالَ سَنَدٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا

(وَ) حَادِي عَشَرَهَا: (جُلُوسٌ لَهُ) أَيْ لِسَلَامِهِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ قِيَامٍ وَلَا اضْطِجَاعٍ. (وَ) ثَانِي عَشَرَهَا: (طُمَأْنِينَةٌ) وَهِيَ اسْتِقْرَارُ الْأَعْضَاءِ زَمَنًا مَا، فِي جَمِيعِ أَرْكَانِهَا. (وَ) ثَالِثَ عَشَرَهَا (اعْتِدَالٌ) بَعْدَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَحَالَ سَلَامِهِ وَتَكْبِيرِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQتُنْدَبُ فَقَطْ لِانْسِحَابِ النِّيَّةِ الْأُولَى، قَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يُفِيدُ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ فَلِذَلِكَ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الِاشْتِرَاطِ. قَوْلُهُ: [جُلُوسٌ لَهُ] : أَيْ لِأَجْلِ إيقَاعِ السَّلَامِ، فَالْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْ الْجُلُوسِ الَّذِي يُوقِعُ فِيهِ السَّلَامَ هُوَ الْفَرْضُ، وَمَا قَبْلَهُ السُّنَّةُ فَلَا يَلْزَمُ إيقَاعُ فَرْضٍ فِي سُنَّةٍ، فَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَاعْتَدَلَ جَالِسًا وَسَلَّمَ كَانَ ذَلِكَ الْجُلُوسُ هُوَ الْوَاجِبُ وَفَاتَتْهُ السُّنَّةُ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ مِنْ قِيَامٍ] : أَيْ فَلَوْ أَتَى بِهِ فِي حَالِ الْقِيَامِ بَطَلَتْ بِاتِّفَاقٍ وَلَا يُقَاسُ عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلْمَسْبُوقِ، لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ مُحْرِصٌ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْعِبَادَةِ، فَاغْتُفِرَ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ لَهَا، وَأَمَّا الْمُسَلِّمُ فَخَارِجٌ عَنْ الْعِبَادَةِ فَلَا يُغْتَفَرُ لَهُ تَرْكُ الْجُلُوسِ. قَوْلُهُ: [طُمَأْنِينَةٌ] : اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِفَرْضِيَّتِهَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَلِذَا قَالَ زَرُّوقٌ: مَنْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ إنَّهَا فَضِيلَةٌ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [اعْتِدَالٌ] إلَخْ: أَيْ فَبَيْنَ الِاعْتِدَالِ وَالطُّمَأْنِينَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ التَّحَقُّقِ، وَإِنْ تَخَالَفَا فِي الْمَفْهُومِ فَيُوجَدَانِ مَعًا إذَا نَصَبَ قَامَتَهُ فِي الْقِيَامِ أَوْ فِي الْجُلُوسِ، وَبَقِيَ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ أَعْضَاؤُهُ فِي مَحَالِّهَا زَمَنًا مَا. وَيُوجَدُ الِاعْتِدَالُ

[سنن الصلاة]

لِلْإِحْرَامِ، وَلَا يَكْفِي الِانْحِنَاءُ فِي ذَلِكَ. (وَ) رَابِعَ عَشَرَهَا: (تَرْتِيبُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ بِأَنْ يُقَدِّمَ النِّيَّةَ عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَهِيَ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وَهِيَ عَلَى الرُّكُوعِ، وَهُوَ مَعَ الرَّفْعِ مِنْهُ عَلَى السُّجُودِ، وَهُوَ عَلَى السَّلَامِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ فَرَائِضِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ (سُنَنِهَا) فَقَالَ: (وَسُنَنُهَا) : أَيْ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: أَوَّلُهَا (قِرَاءَةُ آيَةٍ) : وَإِتْمَامُ السُّورَةِ مَنْدُوبٌ. وَيَقُومُ مَقَامَ الْآيَةِ بَعْضُ آيَةٍ طَوِيلَةٍ لَهُ بَالٌ نَحْوَ: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] (بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) : لَا قَبْلَهَا فَلَا يَكْفِي (فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ) ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ مَا زَادَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِيهِمَا إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ، فَإِنْ ضَاقَ بِحَيْثُ يَخْشَى خُرُوجَهُ بِقِرَاءَتِهَا لَمْ تُسَنَّ، بَلْ يَجِبُ تَرْكُهَا لِإِدْرَاكِهِ. (وَ) ثَانِيهَا: (قِيَامٌ لَهَا) : أَيْ لِلْآيَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الظَّرْفِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَقَطْ إذَا نَصَبَ قَامَتَهُ فِي الْقِيَامِ أَوْ فِي الْجُلُوسِ وَلَمْ تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ وَتُوجَدُ الطُّمَأْنِينَةُ فَقَطْ فِيمَنْ اسْتَقَرَّتْ أَعْضَاؤُهُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَكْفِي الِانْحِنَاءُ فِي ذَلِكَ] : أَيْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: " وَالْأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ " ضَعِيفٌ كَمَا فِي الشَّبْرَخِيتِيِّ. قَوْلُهُ: [تَرْتِيبُهَا] إلَخْ: أَيْ الْفَرَائِضِ فِي أَنْفُسِهَا وَأَمَّا تَرْتِيبُ السُّنَنِ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ السُّورَةَ عَلَى الْفَاتِحَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَيُطْلَبُ بِإِعَادَةِ السُّورَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. [سُنَنُ الصَّلَاة] [تَنْبِيه إِن لَمْ يرفع يديه بَيْن السَّجْدَتَيْنِ] قَوْلُهُ: [قِرَاءَةُ آيَةٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً كَ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] . قَوْلُهُ: [وَإِتْمَامُ السُّورَةِ مَنْدُوبٌ] : أَيْ وَأَمَّا قِرَاءَةُ سُورَتَيْنِ أَوْ سُورَةٍ وَبَعْضِ أُخْرَى فَمَكْرُوهٌ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [بَعْدَ الْفَاتِحَةِ] : أَيْ إنْ كَانَ يَحْفَظُ الْفَاتِحَةَ وَإِلَّا قَرَأَهَا. قَوْلُهُ: [فَلَا يَكْفِي] : أَيْ لِأَنَّ كَوْنَهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ لِلسُّنَّةِ فَلَوْ قَدَّمَهَا فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِإِعَادَتِهَا بَعْدَهَا حَيْثُ لَمْ يَرْكَعْ، فَإِنْ رَكَعَ كَانَ تَارِكًا لِسُنَّةِ السُّورَةِ. قَوْلُهُ: [قِيَامٌ لَهَا] : أَيْ لِأَجْلِهَا، فَالْقِيَامُ سُنَّةٌ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَرْكَعُ إنْ عَجَزَ عَنْ الْآيَةِ إثْرَ الْفَاتِحَةِ وَلَا يَقُومُ بِقَدْرِهَا.

حُكْمُ الْمَظْرُوفِ فَلَوْ اسْتَنَدَ لِشَيْءٍ حَالَ قِرَاءَتِهَا بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ لَسَقَطَ لَمْ تَبْطُلْ، لَا إنْ جَلَسَ فَقَرَأَهَا جَالِسًا، فَتَبْطُلُ لِإِخْلَالِهِ بِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ قَوْلُهُمْ الْقِيَامُ لَهَا سُنَّةٌ. (وَ) ثَالِثُهَا: (جَهْرٌ) : فِي الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَأُولَتَيْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. (وَ) رَابِعُهَا: (سِرٌّ) فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَأَخِيرَةِ الْمَغْرِبِ وَأَخِيرَتَيْ الْعِشَاءِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (بِمَحَلِّهِمَا) ، وَهَذِهِ السُّنَنُ الْأَرْبَعَةُ مَخْصُوصَةٌ (بِفَرْضٍ) فَلَا تُسَنُّ فِي النَّفْلِ وَهَذَا مِمَّا زِدْنَاهُ عَلَيْهِ. (وَتَأَكَّدَا) : أَيْ الْجَهْرُ بِمَحَلِّهِ وَالسِّرُّ (بِالْفَاتِحَةِ) دُونَ السُّورَةِ بَعْدَهَا كَمَا يَتَبَيَّنُ لَك ذَلِكَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ. (وَأَقَلُّ جَهْرِ الرَّجُلِ) : الْكَافِي فِي السُّنَّةِ (إسْمَاعُ مَنْ يَلِيهِ) فَقَطْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ بِجَانِبِهِ أَحَدًا مُتَوَسِّطَ السَّمْعِ، (وَجَهْرُ الْمَرْأَةِ) : الْكَافِي لَهَا بِالْإِتْيَانِ بِالسُّنَّةِ. وَيَجِبُ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ بِحَضْرَةِ أَجَانِبَ يَخْشَوْنَ مِنْ عُلُوِّ صَوْتِهَا الْفِتْنَةَ (إسْمَاعُهَا نَفْسَهَا) فَقَطْ (كَأَعْلَى السِّرِّ) : لَيْسَ الْمُرَادُ بِأَعْلَاهُ غَايَتَهُ كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ، فَاعْتَرَضَ بِأَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَمْ تَبْطُلْ] : أَيْ لِتَرْكِهِ سُنَّةً خَفِيفَةً. قَوْلُهُ: [لِإِخْلَالِهِ بِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ] : أَيْ وَهُوَ كَثْرَةُ الْأَفْعَالِ مِنْ جُلُوسٍ وَقِيَامٍ فَالْبُطْلَانُ لِذَلِكَ لَا لِتَرْكِ السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: [فَلَا تُسَنُّ فِي النَّفْلِ] : أَيْ فَإِنَّ قِرَاءَةَ مَا زَادَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ، وَالْجَهْرُ وَالسِّرُّ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [دُونَ السُّورَةِ بَعْدَهَا] : أَيْ فَالْجَهْرُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي مَحَلِّهِ وَالسِّرُّ فِي مَحَلِّهِ، أَوْكَدُ مِنْ الْجَهْرِ وَالسِّرِّ فِي السُّورَةِ. وَلِذَلِكَ مَنْ تَرَكَ السِّرَّ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ الْجَهْرَ فِيهَا مِنْ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ سَهْوًا يَسْجُدُ لِتَرْكِ الْجَهْرِ قَبْلَ السَّلَامِ وَتَرْكِ السِّرِّ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ تَارِكِ أَحَدِهِمَا مِنْ السُّورَةِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَأَقَلُّ جَهْرِ الرَّجُلِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا أَعْلَاهُ فَلَا حَدَّ لَهُ. قَوْلُهُ: [كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ] : أَيْ وَهُوَ النَّفْرَاوِيُّ حَيْثُ اعْتَرَضَ فَقَالَ: إنَّ أَعْلَى الشَّيْءِ مَا يَحْصُلُ بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ، فَيَكُونُ بِالْعَكْسِ.

أَعْلَاهُ أَخْفَاهُ؛ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ: الظَّاهِرُ مِنْهُ لِمُشَاهَدَةِ السَّمْعِ، يُقَابِلُهُ الْخَفَاءُ وَهَذَا مِنْ الْبَدِيهِيَّاتِ، فَيَسْتَوِي جَهْرُهَا مَعَ أَعْلَى سِرِّهَا وَيَنْفَرِدُ أَخْفَى سِرِّهَا بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ كَالرَّجُلِ. (وَ) خَامِسُهَا: (كُلُّ تَكْبِيرَةٍ) غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. (وَ) سَادِسُهَا: كُلُّ لَفْظِ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِإِمَامٍ وَفَذٍّ حَالَ رَفْعِهِ) : مِنْ الرُّكُوعِ لَا مَأْمُومٍ فَلَا تُسَنُّ فِي حَقِّهِ، بَلْ يُكْرَهُ لَهُ قَوْلُهَا. (وَ) سَابِعُهَا: كُلُّ (تَشَهُّدٍ) . (وَ) ثَامِنُهَا (جُلُوسٌ لَهُ) بِالرَّفْعِ أَوْ الْجَرِّ أَيْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الظَّاهِرُ مِنْهُ] : أَيْ بِحَيْثُ لَوْ زِيدَ عَلَيْهِ خَرَجَ عَنْ السِّرِّيَّةِ، وَأَجَابَ فِي الْمَجْمُوعِ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ: أَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ. قَوْلُهُ: [فَيَسْتَوِي جَهْرُهَا] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ صَوْتَهَا كَالْعَوْرَةِ وَرُبَّمَا كَانَ فِي سَمَاعِهِ فِتْنَةٌ، وَمَا قَالَهُ شَارِحُنَا تَبِعَ فِيهِ عب وَالْخَرَشِيَّ قَالَ الْبُنَانِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ جَهْرُهَا مَرْتَبَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا فَقَطْ. وَلَيْسَ هَذَا سِرًّا لَهَا، بَلْ سِرُّهَا أَنْ تُحَرِّكَ لِسَانَهَا فَقَطْ، فَلَيْسَ لِسِرِّهَا أَدْنَى وَأَعْلَى كَمَا أَنَّ جَهْرَهَا كَذَلِكَ، هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [كُلُّ تَكْبِيرَةٍ] : يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُلِّ: الْكُلُّ الْجَمِيعِيُّ، فَيَكُونُ مَاشِيًا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُلِّ: الْمَجْمُوعِيُّ فَيَكُونُ مَاشِيًا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَالْأَبْهَرِيِّ. وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ: السُّجُودُ لِتَرْكِ تَكْبِيرَتَيْنِ سَهْوًا عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَبُطْلَانُ الصَّلَاةِ إنْ تَرَكَ السُّجُودَ لِثَلَاثٍ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. قَوْلُهُ: [كُلُّ لَفْظِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] : الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ كَالْأَوَّلِ: الْكُلُّ الْجَمِيعِيُّ. فَيَكُونُ مَاشِيًا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّ كُلَّ تَسْمِيعَةٍ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَالْأَبْهَرِيِّ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [كُلُّ تَشَهُّدٍ] : أَيْ وَلَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَيْ كُلُّ فَرْضٍ مِنْهُ سُنَّةٌ

وَكُلُّ جُلُوسٍ. (وَ) تَاسِعُهَا (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ) التَّشَهُّدِ (الْأَخِيرِ) بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَقِيلَ بَلْ هِيَ مَنْدُوبَةٌ كَالدُّعَاءِ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ كَمَا يَأْتِي، ـــــــــــــــــــــــــــــQمُسْتَقِلَّةٌ كَمَا شَهَّرَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ قَوْلًا بِوُجُوبِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ - وَشَهَّرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْقُلَيْشَانِي - أَنَّ مَجْمُوعَ التَّشَهُّدَيْنِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُصَلِّي فَذًّا أَوْ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِهِ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَنِسْيَانِهِ حَتَّى قَامَ الْإِمَامُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَلْيَقُمْ وَلَا يَتَشَهَّدْ. وَأَمَّا إنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ وَلَا يَدْعُو وَيُسَلِّمُ، وَسَوَاءٌ تَذَكَّرَ تَرَكَ التَّشَهُّدَ قَبْلَ انْصِرَافِ الْإِمَامِ عَنْ مَحَلِّهِ أَوْ بَعْدَ انْصِرَافِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ح فِي سُجُودِ السَّهْوِ نَقْلًا عَنْ النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَلَا تَحْصُلُ أَيْ سُنَّةُ التَّشَهُّدِ إلَّا بِجَمِيعِهِ وَآخِرُهُ: " وَرَسُولُهُ " (اهـ.) . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ الْوَارِدِ عَنْ عُمَرَ، قِيلَ سُنَّةٌ، وَقِيلَ مَنْدُوبٌ. وَأَمَّا التَّشَهُّدُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ قَطْعًا كَمَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَالْحَطَّابُ وَالشَّيْخُ سَالِمٌ، وَقِيلَ إنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِهِ. وَأَمَّا اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَنْ عُمَرَ فَمَنْدُوبٌ قَطْعًا وَقَوَّاهُ (ر) حَيْثُ قَالَ هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلنَّقْلِ وَتَعَقَّبَهُ (بْن) . وَبِالْجُمْلَةِ فَأَصْلُ التَّشَهُّدِ سُنَّةٌ قَطْعًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ، وَخُصُوصُ اللَّفْظِ مَنْدُوبٌ قَطْعًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ عَنْهُ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، إذْ هُوَ لَيْسَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ بِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ: [أَيْ وَكُلُّ جُلُوسٍ] : أَيْ مِنْ الْجُلُوسَاتِ الَّتِي لِلتَّشَهُّدِ غَيْرِ الْجُلُوسِ بِقَدْرِ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، وَغَيْرِ الْجُلُوسِ لِلدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا، وَغَيْرِ الْجُلُوسِ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ مَنْدُوبٌ، وَقِيلَ سُنَّةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِيهَا.

وَأَفْضَلُهَا: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ". (وَ) عَاشِرُهَا: (السُّجُودُ عَلَى صَدْرِ الْقَدَمَيْنِ) وَعَلَى (الرُّكْبَتَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ) ، وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْجَبْهَةِ. (وَ) حَادِي عَشْرَتَهَا: (رَدُّ الْمُقْتَدِي السَّلَامَ عَلَى إمَامِهِ وَعَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ إنْ) كَانَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ (شَارَكَهُ فِي رَكْعَةٍ) : فَأَكْثَرَ لَا أَقَلَّ، (وَأَجْزَأَ فِيهِ) : أَيْ فِي سَلَامِ الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ الَّذِي عَلَى الْيَسَارِ، (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِالتَّنْكِيرِ (وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ) بِتَقْدِيمِ عَلَيْكُمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَفْضَلُهَا] : أَيْ لِكَوْنِهَا أَصَحَّ مَا وَرَدَ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَارِدِ أَفْضَلُ، حَتَّى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا تَرْكُ السِّيَادَةِ لِوُرُودِهَا كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [السُّجُودُ عَلَى صَدْرِ الْقَدَمَيْنِ] : تَبِعَ الْمُصَنِّفُ خَلِيلًا التَّابِعَ لِابْنِ الْحَاجِبِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَكَوْنُ السُّجُودِ عَلَيْهِمَا سُنَّةً لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْمَذْهَبِ، غَايَتُهُ أَنَّ ابْنَ الْقَصَّارِ قَالَ: الَّذِي يَقْوَى فِي نَفْسِي أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ إنَّ السُّجُودَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَاجِبٌ مُوَافَقَةً لِلشَّافِعِيِّ وَوَجْهُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» . تَنْبِيهٌ: إنْ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ فَقَوْلَانِ: بِالْبُطْلَانِ وَعَدَمِهِ. فَعَلَى الْبُطْلَانِ يَكُونُ السُّجُودُ عَلَيْهِمَا وَاجِبًا، وَعَلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [شَارَكَهُ فِي رَكْعَةٍ] إلَخْ: يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ مِنْ عَلَى الْيَسَارِ مَسْبُوقًا أَوْ غَيْرَ مَسْبُوقٍ، وَيُرَدُّ الْمَسْبُوقُ وَالسَّابِقُ. وَخَرَّجَ مِنْهُ النَّفْرَاوِيُّ الرَّدَّ فِي طَائِفَتَيْ الْخَوْفِ؛ أَيْ فَكُلُّ طَائِفَةٍ تُسَلِّمُ عَلَى الْأُخْرَى. قَوْلُهُ: [أَجْزَأَ فِيهِ] : أَيْ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ مُمَاثَلَتُهَا لِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ.

(وَ) ثَانِي عَشْرَتَهَا: (جَهْرٌ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ) فَقَطْ دُونَ تَسْلِيمَةِ الرَّدِّ. (وَ) ثَالِثَ عَشْرَتَهَا: (إنْصَاتُ مُقْتَدٍ) أَيْ مَأْمُومٍ (فِي الْجَهْرِ) أَيْ جَهْرِ إمَامِهِ السُّنِّيِّ إنْ سَمِعَهُ الْمُقْتَدِي، بَلْ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) قِرَاءَتَهُ لِبُعْدٍ أَوْ صَمَمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (أَوْ سَكَتَ الْإِمَامُ) لِعَارِضٍ أَوْ لَا، كَأَنْ يَسْكُتَ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَوْ السُّورَةِ. (وَ) رَابِعَ عَشْرَتَهَا: (الزَّائِدُ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ) الْوَاجِبَةِ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ] : أَيْ وَأَمَّا الْجَهْرُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَمَنْدُوبٌ وَبِغَيْرِهَا مِنْ التَّكْبِيرِ - يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ دُونَ غَيْرِهِ - فَالْأَفْضَلُ لَهُ الْإِسْرَارُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ حَيْثُ نُدِبَ الْجَهْرُ بِهَا، وَتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ حَيْثُ سُنَّ الْجَهْرُ بِهَا قُوَّةُ الْأُولَى، لِأَنَّهَا قَدْ صَاحَبَتْهَا النِّيَّةُ الْوَاجِبَةُ جَزْمًا، بِخِلَافِ التَّسْلِيمَةِ فَفِي وُجُوبِ النِّيَّةِ مَعَهَا خِلَافٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَيْضًا انْضَمَّ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ، وَالتَّوَجُّهُ لِلْقِبْلَةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [دُونَ تَسْلِيمَةِ الرَّدِّ] : قَالَ بَعْضُهُمْ التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى تَسْتَدْعِي الرَّدَّ فَطُلِبَ الْجَهْرُ بِهَا وَتَسْلِيمَةُ الرَّدِّ لَا تَسْتَدْعِي رَدًّا فَلِذَلِكَ لَمْ يُطْلَبْ الْجَهْرُ. وَسَلَامُ الْفَذِّ لَا يَسْتَدْعِي رَدًّا فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ جَهْرٌ. تَنْبِيهٌ: لَوْ تَعَمَّدَ التَّحْلِيلَ عَلَى الْيَسَارِ أَجْزَأَ وَخَالَفَ الْمَطْلُوبَ، فَإِنْ سَهَا عَنْ التَّحْلِيلِ وَسَلَّمَ بِقَصْدِ الْفَصْلِ صَحَّ إنْ عَادَ بِقُرْبٍ كَأَنْ قَدَّمَ الرَّدَّ نَاوِيًا الْعَوْدَ وَإِلَّا بَطَلَتْ. قَوْلُهُ: [إنْصَاتُ مُقْتَدٍ] : جَعْلُهُ سُنَّةً هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ بِوُجُوبِهِ كَمَا يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ بِوُجُوبِ الْقِرَاءَةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ سَكَتَ الْإِمَامُ] إلَخْ: أَشَارَ بِهَذَا لِقَوْلِ سَنَدٍ الْمَعْرُوفِ: إنَّهُ إذَا سَكَتَ إمَامُهُ لَا يَقْرَأُ، وَفِيهِ رَدٌّ لِرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ إذَا سَكَتَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ. قَوْلُهُ: [بِقَدْرِ مَا يَجِبُ] : قَالَ بَعْضُهُمْ اُنْظُرْ مَا قَدْرُ هَذَا الزَّائِدِ فِي حَقِّ الْفَذِّ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِعَدَمِ التَّفَاحُشِ. بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ هَلْ هُوَ مُسْتَوٍ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ

[مندوبات الصلاة]

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَقَالَ: (وَنُدِبَ نِيَّةُ الْأَدَاءِ) فِي الْحَاضِرَةِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَلِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي التَّأْدِيَةِ (وَضِدُّهُ) أَيْ ضِدُّ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْقَضَاءُ فِي الْفَائِتَةِ. (وَ) نُدِبَ: نِيَّةُ (عَدَدِ الرَّكَعَاتِ) كَرَكْعَتَيْنِ فِي الصُّبْحِ وَثَلَاثٍ فِي الْمَغْرِبِ وَأَرْبَعٍ فِي غَيْرِهِمَا. (وَ) نُدِبَ (خُشُوعٌ) أَيْ خُضُوعٌ لِلَّهِ (وَاسْتِحْضَارُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى) وَهَيْبَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْبَدُ وَلَا يُقْصَدُ سِوَاهُ. (وَ) اسْتِحْضَارُ (امْتِثَالِ أَمْرِهِ) : بِتِلْكَ الصَّلَاةِ لِيَتِمَّ الْمَقْصُودُ مِنْهَا بَاطِنًا مِنْ إفَاضَةِ الرَّحَمَاتِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. (وَ) نُدِبَ (رَفْعُ الْيَدَيْنِ) : حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ ظُهُورُهُمَا لِلسَّمَاءِ وَبُطُونُهُمَا لِلْأَرْضِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّطْوِيلُ وَفِي غَيْرِهِ كَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسَّجْدَةِ الْأُولَى أَمْ لَا، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُ فِيهِمَا لَكِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَوِيًا بَلْ هُوَ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ التَّطْوِيلُ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِيمَا لَا يُطْلَبُ فِيهِ التَّطْوِيلُ. [مَنْدُوبَات الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [عَلَى التَّرْتِيبِ] : أَيْ شَرَعَ فِي فَضَائِلِهَا عَلَى طِبْقِ تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ مِنْ مَبْدَئِهَا لِمُنْتَهَاهَا. وَقَدْ أَنْهَاهَا لِنَحْوِ الْخَمْسِينَ فَضِيلَةً. قَوْلُهُ: [خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ] : أَيْ خِلَافِ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا. وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي نِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالْخُشُوعِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ يَقُولُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ كُلِّهِ. قَوْلُهُ: [وَاسْتِحْضَارُ عَظَمَةِ اللَّهِ] : تَفْسِيرٌ مُرَادٌ لِلْخُشُوعِ الْمَنْدُوبِ. وَإِلَّا، فَأَصْلُ الْخُشُوعِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ تَبْطُلُ بِالْكِبْرِ. قَوْلُهُ: [وَاسْتِحْضَارُ امْتِثَالِ] إلَخْ: أَيْ فَمَصَبُّ النَّدْبِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَامْتِثَالُ الْأَمْرِ هُوَ النِّيَّةُ، فَإِنْ عَدِمَ عَدِمَتْ. قَوْلُهُ: [لِيَتِمَّ الْمَقْصُودُ مِنْهَا] : أَيْ لِكَمَالِ الْإِخْلَاصِ بِتِلْكَ الْآدَابِ فَلَا تَتَحَقَّقُ إلَّا مِنْ كَامِلِ الْإِخْلَاصِ. قَوْلُهُ: [بَاطِنًا] : أَيْ وَأَمَّا ظَاهِرًا فَتَسْقُطُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْلِصًا. قَوْلُهُ: [ظُهُورُهُمَا لِلسَّمَاءِ] : إلَخْ: أَيْ عَلَى صِفَةِ الرَّاهِبِ وَرَجَّحَهَا الْأُجْهُورِيُّ.

(مَعَ الْإِحْرَامِ) أَيْ عِنْدَهُ لَا عِنْدَ رُكُوعٍ وَلَا رَفْعٍ مِنْهُ، وَلَا عِنْدَ قِيَامٍ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَنَدَبَهُ الشَّافِعِيُّ (حِينَ تَكْبِيرِهِ) لِلْإِحْرَامِ لَا قَبْلَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ الْعَوَامّ. (وَ) نُدِبَ (إرْسَالُهُمَا بِوَقَارٍ) لَا بِقُوَّةٍ وَلَا يَدْفَعُ بِهِمَا مَنْ أَمَامَهُ لِمُنَافَاتِهِ لِلْخُشُوعِ، (وَجَازَ الْقَبْضُ) أَيْ قَبْضُهُمَا عَلَى الصَّدْرِ (بِنَفْلٍ) أَيْ فِيهِ، (وَكُرِهَ) الْقَبْضُ (بِفَرْضٍ، لِلِاعْتِمَادِ) : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاعْتِمَادِ أَيْ كَأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ. (وَ) نُدِبَ (إكْمَالُ سُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) : فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِهَا وَلَا عَلَى آيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَوْ مِنْ الطِّوَالِ. (وَكُرِهَ تَكْرِيرُهُمَا) أَيْ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَلْ الْمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ فِي الثَّانِيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَرَجَّحَ اللَّقَانِيِّ صِفَةَ النَّابِذِ بُطُونَهُمَا خَلْفُ. وَهُنَاكَ ثَالِثَةٌ يُقَالُ لِصَاحِبِهَا الرَّاغِبُ بُطُونَهُمَا لِلسَّمَاءِ، وَيُحَاذِي الْمَنْكِبَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قَوْلُهُ: [وَنَدَبَهُ الشَّافِعِيُّ] : أَيْ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ الْقَبْضُ] إلَخْ: أَيْ طَوَّلَ أَمْ لَا لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ فِي النَّفْلِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ قَصَدَ التَّسَنُّنَ فَمَنْدُوبٌ. قَوْلُهُ: [لِلِاعْتِمَادِ] إلَخْ: هَذَا التَّعْلِيلُ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ فَلَوْ فَعَلَهُ لَا لِلِاعْتِمَادِ بَلْ اسْتِنَانًا لَمْ يُكْرَهْ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فِيمَا يَظْهَرُ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ فِي النَّفْلِ مُطْلَقًا؛ لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ فِيهِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَقِيلَ: خِيفَةَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ عَلَى الْعَوَامّ، وَاسْتُبْعِدَ وَضُعِّفَ. وَقِيلَ: خِيفَةَ إظْهَارِ الْخُشُوعِ وَلَيْسَ بِخَاشِعٍ فِي الْبَاطِنِ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَخْتَصُّ الْكَرَاهَةُ بِالْفَرْضِ. وَقِيلَ: لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْعِلَّةَ الْأُولَى اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [إكْمَالُ سُورَةٍ] : أَيْ فَالسُّورَةُ وَلَوْ قَصِيرَةً أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ وَلَوْ كَثُرَ. قَوْلُهُ: [فِي الرَّكْعَتَيْنِ] إلَخْ: وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ تَكْرِيرِ السُّورَةِ كَالصَّمَدِيَّةِ فِي الرَّكْعَةِ وَظَاهِرُ مَا وَرَدَ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ وَلَوْ فِي النَّفْلِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْفَوَائِدِ، وَلِذَلِكَ سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ الْجَوَازُ فِي النَّفْلِ.

سُورَةٌ غَيْرُ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الْأُولَى أَنْزَلُ مِنْهَا لَا أَعْلَى فَلَا يَقْرَأُ الثَّانِيَةَ [إنَّا أَنْزَلْنَاهُ] بَعْدَ قِرَاءَتِهِ فِي الْأُولَى [لَمْ يَكُنْ] مَثَلًا. (بِفَرْضٍ) : لَا نَفْلٍ فَلَا يَجُوزُ تَكْرِيرُهَا (كَسُورَتَيْنِ) : أَيْ كَمَا يُكْرَهُ بِالْفَرْضِ قِرَاءَةُ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، وَجَازَ بِالنَّفْلِ قِرَاءَةُ السُّورَتَيْنِ وَالْأَكْثَرُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ. (وَ) نُدِبَ (تَطْوِيلُ قِرَاءَةٍ بِصُبْحٍ) : بِأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَأَوَّلُهُ الْحُجُرَاتُ وَآخِرُهُ سُورَةُ النَّازِعَاتِ، وَإِنْ قَرَأَ فِيهَا بِنَحْوِ [يس] فَلَا بَأْسَ بِهِ بِحَسَبِ التَّغْلِيسِ. (وَالظُّهْرُ تَلِيهَا) أَيْ الصُّبْحَ فِي التَّطْوِيلِ بِأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا مِنْ طِوَالِهِ أَيْضًا، وَوَسَطِهِ أَوَّلُهُ [عَبَسَ] وَآخِرُهُ سُورَةُ [وَاللَّيْلِ] ، وَالتَّطْوِيلُ الْمَذْكُورُ يَكُونُ (لِفَذٍّ وَإِمَامٍ بِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنَيْنِ) : مَحْصُورَيْنِ (طَلَبُوهُ) : أَيْ التَّطْوِيلَ مِنْهُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوْ الْحَالِ، وَإِلَّا فَالتَّقْصِيرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَكُونُ فِيهِمْ الضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ فَيَضُرُّهُمْ التَّطْوِيلُ. (وَ) نُدِبَ (تَقْصِيرُهَا) : أَيْ الْقِرَاءَةِ (بِمَغْرِبٍ وَعَصْرٍ) فَيَقْرَأُ فِيهِمَا مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَنْزَلُ مِنْهَا] : أَيْ بِأَنْ تَكُونَ عَلَى نَظْمِ الْمُصْحَفِ. وَفِي ح: إنْ قَرَأَ فِي الْأَوَّلِ سُورَةَ النَّاسِ فَقِرَاءَةُ مَا فَوْقَهَا فِي الثَّانِيَةِ أَوْلَى مِنْ تَكْرَارِهَا. وَحُرِّمَ تَنْكِيسُ الْآيَاتِ الْمُتَلَاصِقَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأُبْطِلَ لِأَنَّهُ كَكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ. وَلَيْسَ تَرْكُ مَا بَعْدَ السُّورَةِ الْأُولَى هَجْرًا لَهَا مِنْ الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [كَمَا يُكْرَهُ بِالْفَرْضِ] إلَخْ: أَيْ إلَّا لِمَأْمُومٍ خَشِيَ مِنْ سُكُوتِهِ تَفَكُّرًا فَلَا كَرَاهَةَ. قَوْلُهُ: [وَالْأَكْثَرُ] : أَيْ بَلْ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِرُمَّتِهِ فِي رَكْعَتَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَأَوَّلُهُ الْحُجُرَاتُ] : أَيْ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ فِيهِ بِالْبَسْمَلَةِ. قَوْلُهُ: [طَلَبُوهُ] : أَيْ وَعَلِمَ إطَاقَتَهُمْ لَهُ وَعَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَهَذِهِ قُيُودٌ أَرْبَعَةٌ بِمَا فِي الشَّرْحِ لِاسْتِحْبَابِ التَّطْوِيلِ لِلْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [فَالتَّقْصِيرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:

(وَ) نُدِبَ (تَوَسُّطٌ بِعِشَاءٍ) فَيَقْرَأُ فِيهَا مِنْ وَسَطِهِ. (وَ) نُدِبَ (تَقْصِيرُ) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ عَنْ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) : وَالْمُسَاوَاةُ جَائِزَةٌ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى. (وَكُرِهَ تَطْوِيلُهَا) : أَيْ الثَّانِيَةِ (عَنْهَا) أَيْ الْأُولَى. (وَ) نُدِبَ (إسْمَاعُ نَفْسِهِ فِي السِّرِّ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. (وَ) نُدِبَ (قِرَاءَةٌ خَلْفَ إمَامٍ) سِرًّا (فِيهِ) : أَيْ السِّرِّ؛ أَيْ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ، وَأَخِيرَةِ الْمَغْرِبِ، وَأَخِيرَتَيْ الْعِشَاءِ. (وَ) نُدِبَ (تَأْمِينُ فَذٍّ) أَيْ قَوْلُهُ: آمِينَ بَعْدَ وَلَا الضَّالِّينَ (مُطْلَقًا) فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ (كَإِمَامٍ فِي السِّرِّ) فَقَطْ، (وَمَأْمُومٍ) فِي سِرِّهِ وَ (فِي الْجَهْرِ) إنْ (سَمِعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِي النَّاسِ الْكَبِيرَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ» ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذَمِّ التَّطْوِيلِ، وَانْظُرْ إذَا طَوَّلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ وَخَشِيَ الْمَأْمُومُ تَلَفَ بَعْضِ مَالِهِ أَوْ حُصُولَ ضَرَرٍ شَدِيدٍ إنْ أَتَمَّ مَعَهُ، هَلْ يُسَوَّغُ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْمَازِرِيُّ: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَحَكَى عِيَاضٌ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ. قَوْلُهُ: [تَقْصِيرُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ] : أَيْ فِي الزَّمَنِ وَإِنْ قَرَأَ فِيهَا أَكْثَرَ كَمَا يَأْتِي فِي الْكُسُوفِ. قَوْلُهُ: [وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ] : أَيْ لِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ يُوجِبُ إسْمَاعَ نَفْسِهِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ قِرَاءَةٌ خَلْفَ إمَامٍ] : أَيْ وَيَتَأَكَّدُ إنْ رَاعَى خِلَافَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يُوجِبُهَا عَلَى الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا.

إمَامَهُ) يَقُولُ وَلَا الضَّالِّينَ لَا إنْ لَمْ يَسْمَعْهُ يَقُولُهَا وَلَا يَتَحَرَّى. (وَ) نُدِبَ (الْإِسْرَارُ بِهِ) أَيْ بِالتَّأْمِينِ لِكُلِّ مُصَلٍّ طُلِبَ مِنْهُ. (وَ) نُدِبَ (تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (بِرُكُوعٍ) أَيْ فِيهِ. (وَ) نُدِبَ فِيهِ أَيْضًا (وَضْعُ يَدَيْهِ) . أَيْ كَفَّيْهِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَ) نُدِبَ (تَمْكِينُهُمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (مِنْهُمَا) : أَيْ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ. (وَ) نُدِبَ (نَصْبُهُمَا) أَيْ الرُّكْبَتَيْنِ فَلَا يَحْنِيهِمَا قَلِيلًا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. (وَ) نُدِبَ (تَسْبِيحٌ بِهِ) أَيْ فِيهِ نَحْوَ " سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَسُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَلَا يَدْعُو وَلَا يَقْرَأُ (كَسُجُودٍ) يُنْدَبُ فِيهِ التَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ أَيْضًا كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ. (وَ) نُدِبَ فِيهِ أَيْضًا (مُجَافَاةُ رَجُلٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ أَيْ مُبَاعَدَةُ الرَّجُلِ (مِرْفَقَيْهِ جَنْبَيْهِ) أَيْ عَنْهُمَا لَا كَثِيرًا بَلْ (يُجَنِّحُ بِهِمَا) أَيْ بِمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ (تَجْنِيحًا وَسَطًا، وَ) ، نُدِبَ (قَوْلُ فَذٍّ) بَعْدَ قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. (وَ) قَوْلُ (مُقْتَدٍ) بَعْدَ قَوْلِ إمَامِهِ ذَلِكَ (رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ) أَوْ " اللَّهُمَّ رَبَّنَا " إلَخْ، وَجَازَ حَذْفُ الْوَاوِ وَإِثْبَاتُهَا أَوْلَى، فَالْإِمَامُ لَا يَقُولُ " رَبَّنَا " إلَخْ وَالْمَأْمُومُ لَا يَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ " إلَخْ وَالْفَذُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (حَالَ الْقِيَامِ) لَا حَالَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ إذْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يَتَحَرَّى] : أَيْ عَلَى الْأَظْهَرِ لِأَنَّهُ لَوْ تَحَرَّى لَرُبَّمَا أَوْقَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وَرُبَّمَا صَادَفَ آيَةَ عَذَابٍ كَذَا فِي التَّوْضِيحِ، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ الدُّعَاءُ بِالْعَذَابِ إلَّا عَلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا ضَرَرَ بِمُصَادَفَتِهِ آيَةَ عَذَابٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَدْعُو] إلَخْ: أَيْ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ] : أَيْ فَقَدْ وَرَدَ طَلَبُ الدُّعَاءِ وَالتَّسْبِيحِ فِي السُّجُودِ، وَالتَّسْبِيحِ فَقَطْ فِي الرُّكُوعِ. قَوْلُهُ: [مُجَافَاةُ رَجُلٍ] : وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَسَيَأْتِي أَنَّهَا تَكُونُ مُنْضَمَّةً فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا. قَوْلُهُ: [أَيْ عَنْهُمَا] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ. قَوْلُهُ: [يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا] : أَيْ فَيَأْتِي بِسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ.

يَعْمُرُ الرَّفْعَ بِ " سَمِعَ اللَّهُ " إلَخْ، فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا قَالَ: " رَبَّنَا " إلَخْ. (وَ) نُدِبَ (التَّكْبِيرُ) السُّنَّةُ (حَالَةَ الْخَفْضِ) لِلرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ (وَ) حَالَةَ (الرَّفْعِ) مِنْ السُّجُودِ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ (إلَّا فِي الْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ) الْوَسَطِ (فَلِلِاسْتِقْلَالِ) قَائِمًا حَتَّى يُكَبِّرَ. (وَ) نُدِبَ (تَمْكِينُ جَبْهَتِهِ) وَأَنْفِهِ (مِنْ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا) : أَيْ بِالْأَرْضِ (مِنْ سَطْحٍ كَسَرِيرٍ) : أَوْ سَقْفٍ وَنَحْوِهِمَا (بِسُجُودِهِ) أَيْ فِيهِ. (وَ) نُدِبَ (تَقْدِيمُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ عِنْدَهُ) أَيْ السُّجُودِ أَيْ حَالَ انْحِطَاطِهِ لَهُ (وَتَأْخِيرُهُمَا) : أَيْ الْيَدَيْنِ عَنْ الرُّكْبَتَيْنِ (عِنْدَ الْقِيَامِ) لِلْقِرَاءَةِ. (وَ) نُدِبَ (وَضْعُهُمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (حَذْوَ) : أَيْ قُبَالَةَ (أُذُنَيْهِ أَوْ قُرْبَهُمَا) : فِي سُجُودِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِمَا حَذْوَ الْأُذُنَيْنِ. (وَ) نُدِبَ (ضَمُّ أَصَابِعِهِمَا وَرُءُوسِهَا) أَيْ الْأَصَابِعِ (لِلْقِبْلَةِ) أَيْ لِجِهَتِهَا. (وَ) نُدِبَ (مُجَافَاةُ) أَيْ مُبَاعَدَةُ (رَجُلٍ فِيهِ) أَيْ السُّجُودِ (بَطْنَهُ فَخْذَيْهِ) فَلَا يَجْعَلُ بَطْنَهُ عَلَيْهِمَا. (وَ) مُجَافَاةُ (مِرْفَقَيْهِ رُكْبَتَيْهِ) أَيْ عَنْ رُكْبَتَيْهِ. (وَ) مُجَافَاةُ (ضَبُعَيْهِ) : بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ ضَبُعٍ: مَا فَوْقَ الْمِرْفَقِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلِلِاسْتِقْلَالِ] : أَيْ لِأَنَّهُ كَمُفْتَتِحٍ صَلَاةً وَيُؤَخِّرُ الْمَأْمُومُ قِيَامَهُ حَتَّى يَسْتَقِلَّ إمَامُهُ، وَكُلٌّ مِنْ الْفَذِّ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ لَا يُكَبِّرُ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَمْكِينُ جَبْهَتِهِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا وَضْعُ أَيْسَرِ جُزْءٍ فَرُكْنٌ. قَوْلُهُ: [حَذْوَ الْأُذُنَيْنِ] : أَيْ أَوْ قُرْبَهُمَا. قَوْلُهُ: [بَطْنَهُ فَخْذَيْهِ] : أَيْ عَنْ فَخْذَيْهِ.

إلَى الْإِبْطِ (جَنْبَيْهِ) أَيْ عَنْهُمَا مُجَافَاةً (وَسَطًا) فِي الْجَمِيعِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَكُونُ مُنْضَمَّةً فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا. (وَ) نُدِبَ فِي السُّجُودِ (رَفْعُ الْعَجِيزَةِ) : عَنْ الرَّأْسِ بِأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ السُّجُودِ مُسَاوِيًا لِمَحَلِّ الْقَدَمَيْنِ حَالَ الْقِيَامِ أَوْ أَخْفَضَ. وَأَوْجَبَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فَإِذَا كَانَ الرَّأْسُ مُسَاوِيًا لِلْعَجُزِ أَوْ أَعْلَى بِأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ السُّجُودِ أَعْلَى مِنْ مَحَلِّ الْقَدَمَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ عِنْدَنَا وَبَطَلَتْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. (وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ فِيهِ) أَيْ فِي السُّجُودِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا أَوْ الْآخِرَةِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ خُصُوصًا أَوْ عُمُومًا (بِلَا حَدٍّ) بَلْ بِحَسَبِ مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى، (كَالتَّسْبِيحِ) فِيهِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ بِلَا حَدٍّ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى الدُّعَاءِ. (وَ) نُدِبَ (الْإِفْضَاءُ) : بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (فِي الْجُلُوسِ) كُلِّهِ سَوَاءٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مُجَافَاةً وَسَطًا] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَرْضِ كَنَفْلٍ لَمْ يُطَوِّلْ فِيهِ لَا إنْ طَوَّلَ فِيهِ فَلَهُ وَضْعُ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ لِطُولِ السُّجُودِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [وَبَطَلَتْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ] : أَيْ لِاشْتِرَاطِهِ ارْتِفَاعَ الْأَسَافِلِ، وَانْحِدَارَ الْأَعَالِي وَقُدِّمَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ دُعَاءٌ] : أَيْ مِنْ كُلِّ جَائِزٍ شَرْعًا وَعَادَةً وَتَأَكَّدَ حَالَةَ السُّجُودِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» . فَالدُّعَاءُ الشَّرْعِيُّ مَطْلُوبٌ؛ وَلَوْ قَالَ فِي دُعَائِهِ يَا فُلَانُ فَعَلَ اللَّهُ بِك كَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا وَقَصَدَ خِطَابَهُ - وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ عَلَى الظَّالِمِ بِعَزْلِهِ، كَانَ ظَالِمًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى عَدَمُ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعُمَّ ظُلْمُهُ، فَإِنْ عَمَّ فَالْأَوْلَى الدُّعَاءُ. وَيُنْهَى عَنْ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِذَهَابِ أَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ، أَوْ بِالْوُقُوعِ فِي مَعْصِيَةٍ لِأَنَّ إرَادَةَ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ وَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلْبَرْزَلِيِّ. (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [وَيُقَدِّمُهُ عَلَى الدُّعَاءِ] : أَيْ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِتَقْدِيمِ التَّسْبِيحِ عَلَى الدُّعَاءِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْإِفْضَاءُ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ فَعِنْدَهُمْ يُخَصُّ الْإِفْضَاءُ

كَانَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَفَسَّرَ الْإِفْضَاءَ بِقَوْلِهِ: (بِجَعْلِ الْيُسْرَى) أَيْ الرِّجْلِ الْيُسْرَى مَعَ الْأَلْيَةِ (لِلْأَرْضِ) أَيْ عَلَيْهَا، (وَقَدَمِهَا) أَيْ الْيُسْرَى (جِهَةَ) الرِّجْلِ (الْيُمْنَى، وَنَصْبُ قَدَمِ الْيُمْنَى) إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ لِلْإِيضَاحِ (عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الْيُسْرَى أَيْ عَلَى قَدَمِ الْيُسْرَى خَلْفَهَا (وَبَاطِنِ إبْهَامِهَا) : أَيْ الْيُمْنَى (لِلْأَرْضِ) أَيْ عَلَيْهَا. (وَ) نُدِبَ (وَضْعُ الْكَفَّيْنِ عَلَى رَأْسِ الْفَخْذَيْنِ) بِحَيْثُ تَكُونُ رُءُوسُ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ. (وَ) نُدِبَ (تَفْرِيجُ الْفَخْذَيْنِ) : لِلرَّجُلِ فَلَا يُلْصِقُهُمَا بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ. (وَ) نُدِبَ (عَقْدُ مَا عَدَا السَّبَّابَةَ وَالْإِبْهَامَ) : وَهُوَ الْخِنْصِرُ وَالْبِنْصِرُ وَالْوُسْطَى (مِنْ) الْيَدِ (الْيُمْنَى فِي) حَالِ (تَشَهُّدِهِ) مُطْلَقًا الْأَخِيرِ أَوْ غَيْرِهِ، (بِجَعْلِ رُءُوسِهَا) أَيْ الْأَصَابِعِ الثَّلَاثَةِ مَا عَدَا السَّبَّابَةَ وَالْإِبْهَامَ (بِلُحْمَةِ الْإِبْهَامِ) بِضَمِّ اللَّامِ: أَيْ اللُّحْمَةِ الَّتِي بِجَنْبِ الْإِبْهَامِ حَالَةَ كَوْنِهِ (مَادًّا) أُصْبُعَهُ (السَّبَّابَةَ بِجَنْبِ الْإِبْهَامِ) كَالْمُشِيرِ بِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQبِغَيْرِ الْجُلُوسِ الْوَسَطِ، فَالْأَفْضَلُ فِي الْجُلُوسِ الْوَسَطِ عِنْدَهُمْ نَصْبُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِمَا. قَوْلُهُ: [وَفَسَّرَ الْإِفْضَاءَ] إلَخْ: أَيْ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: [بِجَعْلِ] لِلتَّصْوِيرِ وَيَصِحُّ جَعْلُهَا لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْجُلُوسِ مُقَارِنًا لِهَذِهِ الْهَيْئَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَارِنًا لَهَا حَصَلَتْ السُّنَّةُ وَفَاتَ الْمُسْتَحَبُّ. قَوْلُهُ: [وَبَاطِنِ إبْهَامِهَا] : أَيْ مَعَ مَا يَتَيَسَّرُ مِنْ بَاقِي الْأَصَابِعِ. قَوْلُهُ: [بِلُحْمَةِ الْإِبْهَامِ] : أَيْ فَتَصِيرُ الْهَيْئَةُ هَيْئَةَ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ مَدَّ السَّبَّابَةِ مَعَ الْإِبْهَامِ صُورَةُ عِشْرِينَ، وَقَبْضَ الثَّلَاثَةِ تَحْتَ الْإِبْهَامِ صُورَةُ تِسْعٍ، وَأَمَّا إنْ جَعَلَ الثَّلَاثَةَ وَسَطَ الْكَفِّ تَكُونُ هَيْئَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَجَائِزَةٌ أَيْضًا، لَكِنَّ شَارِحَنَا اخْتَارَ الْأُولَى. وَأَمَّا جَعْلُهَا وَسَطَ الْكَفِّ مَعَ وَضْعِ الْإِبْهَامِ عَلَى أُنْمُلَةِ الْوُسْطَى وَهُوَ صِفَةُ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ فَلَيْسَتْ بِمَنْدُوبَةٍ، لِأَنَّ الْإِبْهَامَ غَيْرُ مَمْدُودٍ مَعَ السَّبَّابَةِ، وَالسُّنَّةُ مَدُّهُمَا.

(وَ) نُدِبَ (تَحْرِيكُهَا دَائِمًا) مِنْ أَوَّلِ التَّشَهُّدِ إلَى آخِرِهِ (يَمِينًا وَشِمَالًا) أَيْ لِجِهَتِهِمَا لَا لِجِهَةِ فَوْقَ وَتَحْتَ (تَحْرِيكًا وَسَطًا) . وَنُدِبَ (الْقُنُوتُ) أَيْ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ (بِأَيِّ لَفْظٍ) نَحْوَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا (بِصُبْحٍ) فَقَطْ. (وَ) نُدِبَ (إسْرَارُهُ) لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَكُلُّ دُعَاءٍ يُنْدَبُ إسْرَارُهُ. (وَ) نُدِبَ كَوْنُهُ (قَبْلَ الرُّكُوعِ) الثَّانِي. (وَ) نُدِبَ (لَفْظُهُ) الْوَارِدُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ الَّذِي اخْتَارَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا لِجِهَةِ فَوْقُ وَتَحْتُ] : أَيْ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَإِنَّمَا طَلَبَ تَحْرِيكَهَا لِأَنَّهَا مِذَبَّةٌ لِلشَّيْطَانِ كَمَا وَرَدَ بِهَا الْحَدِيثُ، وَإِنَّمَا اُخْتِيرَتْ دُونَ سَائِرِ الْأَصَابِعِ لِأَنَّ بِهَا عِرْقًا مُتَّصِلًا بِنِيَاطِ الْقَلْبِ، فَكُلَّمَا وَضَعَ الشَّيْطَانُ خُرْطُومَهُ عَلَى الْقَلْبِ طُرِدَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّحْرِيكِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْقُنُوتُ] : هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ سَحْنُونَ: إنَّهُ سُنَّةٌ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: مَنْ تَرَكَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ: [أَيْ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ هُنَا الدُّعَاءُ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى أُمُورٍ: مِنْهَا الدُّعَاءُ وَمِنْهَا الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل: 120] وَمِنْهَا السُّكُوتُ كَمَا فِي: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] أَيْ سَاكِتِينَ فِي الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ» ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ

الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَهُوَ) أَيْ لَفْظُهُ: (اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْإِعَانَةَ عَلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا، وَنَطْلُبُ مِنْك غَفْرَ أَيْ سَتْرَ ذُنُوبِنَا وَعَدَمَ مُؤَاخَذَتِنَا بِهَا (إلَى آخِرِهِ) أَيْ تَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى آخِرِهِ. وَلَمَّا كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ النَّاسِ قَالَ مَا ذَكَرَ، وَتَمَامُهُ " وَنُؤْمِنُ بِك " أَيْ نُصَدِّقُ بِوُجُوبِ وُجُودِك وَعَظَمَتِك وَقُدْرَتِك وَوَحْدَانِيِّتِكَ إلَى آخِرِ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ، " وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك وَنَخْنَعُ لَك وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخَافُ عَذَابَك إنَّ عَذَابَك الْجِدَّ بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ ". ـــــــــــــــــــــــــــــQطُولُ الْقُنُوتِ» أَيْ الْقِيَامِ. قَوْلُهُ: [وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك] : أَيْ نُفَوِّضُ أُمُورَنَا إلَيْك. قَوْلُهُ: [وَنَخْنَعُ] : أَيْ نَخْضَعُ وَنَذِلُّ لَك وَهُوَ بِالنُّونِ، وَقَوْلُهُ وَنَخْلَعُ بِاللَّامِ مَعْنَاهُ نَتْرُكُ كُلَّ شَاغِلٍ يَشْغَلُ عَنْك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50] ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ: " وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ نَشْكُرُك وَلَا نَكْفُرُك " وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ] إلَخْ: أَيْ لَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاكَ، وَلَا نُصَلِّي وَلَا نَسْجُدُ إلَّا لَك، وَلَا نَسْعَى فِي الطَّاعَةِ، " وَنَحْفِدُ " نَجِدُّ إلَّا لِحَضْرَتِك، وَقَوْلُهُ " نَرْجُو رَحْمَتَك ": أَيْ بِسَبَبِ أَخْذِنَا فِي أَسْبَابِ طَاعَتِك وَالتَّضَرُّعِ لَك لِأَنَّ الدُّعَاءَ مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ، وَقَوْلُهُ " وَنَخَافُ عَذَابَك ": أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، وَقَوْلُهُ: [الْجَدَّ] : أَيْ الْحَقَّ، وَقَوْلُهُ: [إنَّ عَذَابَك] إلَخْ بِالْكَسْرِ لِلِاسْتِئْنَافِ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ وَ [مُلْحَقٌ] : اسْمُ فَاعِلٍ أَوْ اسْمُ مَفْعُولٍ. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور: 7] {مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} [الطور: 8] . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُنُوتَ لَا يُشْرَعُ إلَّا فِي الصُّبْحِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْدُوبَاتٌ أَرْبَعُ: هُوَ فِي نَفْسِهِ، وَكَوْنُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَكَوْنُهُ سِرًّا، وَكَوْنُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَفِي الْخَرَشِيِّ: وَيُنْدَبُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي الصُّبْحِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَهَذَا لَا يَظْهَرُ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِهِ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ فَعَلَ مَنْدُوبًا أَوْ مَنْدُوبَاتٍ، وَفَاتَهُ مَنْدُوبٌ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ

(وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ قَبْلَ السَّلَامِ) وَبَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا أَحَبَّ. (وَ) نُدِبَ (إسْرَارُهُ) لِأَنَّ كُلَّ دُعَاءٍ يُنْدَبُ إسْرَارُهُ (كَالتَّشَهُّدِ) السُّنَّةُ يُنْدَبُ إسْرَارُهُ. (وَ) نُدِبَ (تَعْمِيمُهُ) أَيْ الدُّعَاءِ، لِأَنَّ التَّعْمِيمَ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ، (وَمِنْهُ) : أَيْ الدُّعَاءِ الْعَامِّ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا) مَعَاشِرَ الْحَاضِرِينَ فِي الصَّلَاةِ (وَلِوَالِدِينَا) : بِكَسْرِ الدَّالِ أَوْلَى لِأَنَّهُ جَمْعٌ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ لَهُ عَلَيْك وِلَادَةٌ (وَلِأَئِمَّتِنَا) مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْخُلَفَاءِ (وَلِمَنْ سَبَقَنَا) : أَيْ تَقَدَّمَنَا (بِالْإِيمَانِ مَغْفِرَةً عَزْمًا) أَيْ جَزْمًا، (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا) مِنْ الذُّنُوبِ (وَمَا أَخَّرْنَا) مِنْهَا (وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا) مِنْهَا (وَمَا) : أَيْ وَكُلَّ ذَنْبٍ (أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، رَبَّنَا آتِنَا) : أَعْطِنَا (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) : هِدَايَةً وَعَافِيَةً وَصَلَاحَ حَالٍ، (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) : لُحُوقًا بِالْأَخْيَارِ وَإِدْخَالًا تَحْتَ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِ أَيْضًا كَرَاهَةُ الْقُنُوتِ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ أَوْ خِلَافُ الْأُولَى، فَالْحَقُّ أَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ أَرْبَعٌ ثُمَّ هِيَ فِي الصُّبْحِ. فَالصُّبْحُ تَوْقِيتٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ فَلَا يُعَدُّ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [قَبْلَ السَّلَامِ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُومًا، وَيُسَلِّمُ إمَامُهُ فَيُكْرَهُ لَهُ الدُّعَاءُ. قَوْلُهُ: [أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ] : أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إذَا دَعَوْتُمْ فَعَمِّمُوا فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» . قَوْلُهُ: [يَعُمُّ كُلَّ مَنْ لَهُ عَلَيْك وِلَادَةٌ] : أَيْ مِمَّنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَيُلَاحِظُ الدَّاعِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] الْآيَةَ. قَوْلُهُ: [وَمَا أَخَّرْنَا مِنْهَا] : لَعَلَّ مُرَادَهُ طَلَبُ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ الَّتِي سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ حُصُولُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ. قَوْلُهُ: [وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا] : عَطْفٌ عَامٌّ وَالدُّعَاءُ مَحَلُّ إطْنَابٍ. قَوْلُهُ: [فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً] إلَخْ: فَسَّرَهَا الشَّارِحُ؛ بِأَحْسَنِ التَّفَاسِيرِ وَفِيهَا تَفَاسِيرُ كَثِيرَةٌ.

[سترة المصلي ودفع المار أمامه وإثم المصلي]

شَفَاعَةِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) جَهَنَّمَ: أَيْ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا وِقَايَةً حَتَّى لَا نَدْخُلَهَا. وَأَحْسَنُ الدُّعَاءِ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ ثُمَّ مَا فُتِحَ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ. (وَ) نُدِبَ (تَيَامُنٌ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ) كُلِّهَا إنْ كَانَ مَأْمُومًا. وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْفَذُّ فَيُشِيرُ عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا لِلْقِبْلَةِ وَيَخْتِمُهَا بِالتَّيَامُنِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْكَافِ وَالْمِيمِ مِنْ عَلَيْكُمْ حَتَّى يَرَى مَنْ خَلْفَهُ صَفْحَةَ وَجْهِهِ. (وَ) نُدِبَ (سُتْرَةٌ لِإِمَامٍ وَفَذٍّ) عَلَى الرَّاجِحِ وَعَدَّهَا الشَّيْخُ فِي السُّنَنِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَالْإِمَامُ سُتْرَتُهُ، وَالسُّتْرَةُ مَا يَجْعَلُهُ الْمُصَلِّي أَمَامَهُ لِمَنْعِ الْمَارِّينَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِذَا قَالَ (خَشِيَا) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وِقَايَةً] : أَيْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي نَمُوتُ عَلَيْهِ وَنَلْقَاك بِهِ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ مَا فَتَحَ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ] : أَيْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ تَصَنُّعٍ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الدَّعَوَاتِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَأَوْرَادُ الْعَارِفِينَ الْمَشْهُورَةُ لَا تَخْلُو مِنْ كَوْنِهَا مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْفَتْحِ الْإِلَهِيِّ، فَلِذَلِكَ تُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: [فَيُشِيرُ عِنْدَ النُّطْقِ] : أَيْ بِقَلْبِهِ لَا بِرَأْسِهِ. [سترة المصلي ودفع المار أَمَامه وَإِثْم المصلي] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ سُتْرَةٌ] : أَيْ نَصْبُهَا أَمَامَهُ خَوْفَ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا. قَوْلُهُ: [فَالْإِمَامُ سُتْرَتُهُ] : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَتُهُ. وَاخْتُلِفَ: هَلْ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَأَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ؟ وَحِينَئِذٍ، فَفِي كَلَامِ مَالِكٍ حَذْفُ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ: لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لَهُ أَوْ الْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ. وَالْخِلَافُ حَقِيقِيٌّ، وَعَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْمُرُورُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالصَّفِّ الَّذِي خَلْفَهُ كَمَا يَمْتَنِعُ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ لِأَنَّهُ مُرُورٌ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ فِيهِمَا وَيَجُوزُ الْمُرُورُ بَيْنَ بَاقِي الصُّفُوفِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْوَهَّابِ فَيَجُوزُ الْمُرُورُ بَيْنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالْإِمَامِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ حَقِيقِيٌّ، وَالْمُعْتَمَدُ قَوْلُ مَالِكٍ كَمَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ. وَبَحَثَ فِيهِ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْإِمَامَ أَوْ الصَّفَّ لِمَا قَبْلَهُ سُتْرَةٌ، عَلَى أَنَّ السُّتْرَةَ مَعَ

أَيْ إنْ خَشِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا (مُرُورًا بِمَحَلِّ سُجُودِهِمَا) فَقَطْ، عَلَى الْأَرْجَحِ وَتَكُونُ السُّتْرَةُ (بِطَاهِرٍ) مِنْ حَائِطٍ أَوْ أُسْطُوَانَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَكُرِهَ النَّجِسُ (ثَابِتٍ) لَا كَسَوْطٍ وَحَبْلٍ وَمِنْدِيلٍ وَدَابَّةٍ غَيْرِ مَرْبُوطَةٍ، وَلَا خَطٍّ فِي الْأَرْضِ وَلَا حُفْرَةٍ (غَيْرِ مُشْغِلٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَائِلِ لَيْسَتْ أَدْنَى مِنْ عَدَمِ السُّتْرَةِ أَصْلًا وَقَدْ قَالُوا بِالْحُرْمَةِ فِيهِ، نَعَمْ إنْ قُلْنَا: (الْإِمَامُ سُتْرَتُهُ) فَحُرْمَةُ الْمُرُورِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ لَحِقَ الْإِمَامَ فَقَطْ، وَإِنْ قُلْنَا: (سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَتُهُ) فَالْحُرْمَةُ مِنْ جِهَتَيْنِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَالْمَيِّتُ فِي الْجِنَازَةِ كَافٍ وَلَا يُنْظَرُ لِلْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ ارْتِفَاعَ ذِرَاعٍ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ كَمَا لِلشَّيْخِ الْأُجْهُورِيِّ اهـ. قَوْلُهُ: [مُرُورًا بِمَحَلِّ سُجُودِهِمَا] : أَيْ وَلَوْ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ عَاقِلٍ كَهِرَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْخَشْيَةِ مَا يَشْمَلُ الشَّكَّ أَيْ هَذَا إذَا جَزَمَ أَوْ ظَنَّ الْمُرُورَ، بَلْ وَلَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ لَا إنْ لَمْ يَخْشَيَا فَلَا تُطْلَبُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُصَلِّي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ مِنْ مُرُورِ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ (اهـ) . قَوْلُهُ: [عَلَى الْأَرْجَحِ] : أَيْ فَالْأَرْجَحُ أَنَّ حَرِيمَ الْمُصَلِّي قَدْرُ أَفْعَالِهِ، وَمَا زَادَ يَجُوزُ الْمُرُورُ فِيهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامُهُ سُتْرَةً، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ مَا لَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ فِيهِ. وَيُحَدُّ بِنَحْوِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا وَقِيلَ قَدْرُ رَمْيَةِ الْحَجَرِ أَوْ السَّهْمِ أَوْ الْمُضَارَبَةِ بِالسَّيْفِ.

كَامْرَأَةٍ وَصَغِيرٍ وَوَجْهٍ كَبِيرٍ وَحَلْقَةِ عِلْمٍ أَوْ ذِكْرٍ. وَأَقَلُّهَا أَنْ تَكُونَ (فِي غِلَظِ رُمْحٍ وَطُولِ ذِرَاعٍ. وَأَثِمَ مَارٌّ) بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ، صَلَّى لِسُتْرَةٍ أَمْ لَا (غَيْرُ طَائِفٍ) بِالْبَيْتِ، (وَ) غَيْرُ (مُصَلٍّ) أَيْ مُحْرِمٍ بِصَلَاةٍ جَازَ لَهُ الْمُرُورُ لِسُتْرَةٍ أَوْ لِسَدِّ فُرْجَةٍ بِصَفٍّ أَوْ لِغَسْلِ رُعَافٍ. فَالطَّائِفُ وَالْمُصَلِّي لَا حُرْمَةَ عَلَيْهِمَا إذَا مَرَّا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَلَوْ كَانَ لَهُمَا مَنْدُوحَةٌ (لَهُ) : أَيْ الْمَارِّ غَيْرِ الطَّائِفِ وَالْمُصَلِّي (مَنْدُوحَةٌ) : أَيْ سَعَةٌ وَطَرِيقٌ غَيْرُ مَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ احْتَاجَ لِلْمُرُورِ وَإِلَّا أَثِمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَدِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي دَفْعِهِ، وَقِيلَ هَدَرَ، وَقِيلَ الدِّيَةُ مِنْ مَالِهِ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ، وَتَحْرُمُ الْمُنَاوَلَةُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَالْكَلَامُ عِنْدَ جَنْبَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَطُولِ ذِرَاعٍ] : أَيْ مِنْ الْمِرْفَقِ لِآخِرِ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَقِيلَ لِلْكُوعِ. قَوْلُهُ: [غَيْرُ طَائِفٍ بِالْبَيْتِ] : أَيْ فَلَا يُمْنَعُ مُرُورُ الطَّائِفِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ إنْ كَانَ لِلطَّائِفِ مَنْدُوحَةٌ وَإِلَّا جَازَ. وَمِثْلُ الطَّائِفِ الْمَارُّ بِالْحَرَمِ الْمَكِّيِّ لِكَثْرَةِ زُوَّارِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَإِلَّا مُنِعَ إنْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ لَهُمَا مَنْدُوحَةٌ] : أَيْ فَغَايَةُ مَا هُنَاكَ يُكْرَهُ إنْ كَانَ لَهُمَا مَنْدُوحَةٌ وَالْمُصَلِّي لِسُتْرَةٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَكَانَ الْمَارُّ غَيْرَ مُصَلٍّ فَإِنْ كَانَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ حُرِّمَ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى لِسُتْرَةٍ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ فَلَا يُحَرَّمُ الْمُرُورُ صَلَّى لِسُتْرَةٍ أَمْ لَا. وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حُرِّمَ الْمُرُورُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَصَلَّى لِسُتْرَةٍ وَإِلَّا جَازَ،

[مكروهات الصلاة]

(وَ) أَثِمَ (مُصَلٍّ تَعَرَّضَ) بِصَلَاتِهِ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ فِي مَحَلٍّ يَظُنُّ بِهِ الْمُرُورَ وَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحَدٌ فَقَدْ يَأْثَمَانِ مَعًا وَقَدْ يَأْثَمُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ وَقَدْ لَا يَأْثَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: (وَكُرِهَ تَعَوُّذٌ وَبَسْمَلَةٌ) قَبْلَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ (بِفَرْضٍ) أَصْلِيٍّ. وَجَازَا بِنَفْلٍ وَلَوْ مَنْذُورًا وَتَرْكُهُمَا أَوْلَى مَا لَمْ يُرَاعَ الْخِلَافُ، فَالْإِتْيَانُ بِالْبَسْمَلَةِ أَوْلَى خُرُوجًا مِنْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذَا إذَا كَانَ الْمَارُّ غَيْرَ طَائِفٍ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا. نَعَمْ إنْ كَانَ لَهُ سُتْرَةٌ كُرِهَ حَيْثُ كَانَ لِلطَّائِفِ مَنْدُوحَةٌ، وَأَمَّا الْمُصَلِّي يَمُرُّ بِسُتْرَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ مُصَلٍّ. قَوْلُهُ: [فَقَدْ يَأْثَمَانِ مَعًا] : أَيْ إنْ تَعَرَّضَ بِغَيْرِ سُتْرَةٍ وَكَانَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ. وَقَوْلُهُ: [وَقَدْ يَأْثَمُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ] : أَيْ فَيَأْثَمُ الْمُصَلِّي إنْ تَعَرَّضَ وَلَا مَنْدُوحَةَ لِلْمَارِّ، وَيَأْثَمُ الْمَارُّ إنْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَلِّيَ. وَقَوْلُهُ: [وَقَدْ لَا يَأْثَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا] : أَيْ إنْ اُضْطُرَّ الْمَارُّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَلِّيَ. تَنْبِيهٌ: اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ إثْمَ الْمُصَلِّي بِأَنَّ الْمُرُورَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا، فَإِنَّ السُّتْرَةَ إمَّا سُنَّةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ آثِمًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرُورَ - وَإِنْ كَانَ فِعْلَ غَيْرِهِ - لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ سَدُّ طَرِيقِ الْإِثْمِ، فَأَثِمَ لِعَدَمِ سَدِّهِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَالْإِثْمُ بِالْمُرُورِ بِالْفِعْلِ لَا بِتَرْكِ السُّتْرَةِ، كَذَا لِابْنِ عَرَفَةَ رَدًّا عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الْإِثْمِ وُجُوبُ السُّتْرَةِ. (اهـ) . وَلَكِنَّ الَّذِي أَقُولُهُ: إنَّ تَخْرِيجَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَجِيهٌ. [مَكْرُوهَات الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [تَعَوُّذٌ وَبَسْمَلَةٌ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَأَسَرَّ أَوْ جَهَرَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا. وَمُقَابِلُهُ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ كَرَاهَةِ الْجَهْرِ بِالتَّعَوُّذِ. وَمُفَادُ الشَّبْرَخِيتِيِّ تَرْجِيحُهُ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَكَرَاهَةُ التَّسْمِيَةِ إذَا أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِ أَنَّهَا فَرْضٌ، سَوَاءٌ قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يُرَاعِ الْخِلَافَ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ كَوْنِهَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا. لِأَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْفَرْضِيَّةَ كَانَ آتِيًا بِمَكْرُوهٍ كَمَا عَلِمْت، وَلَوْ قَصَدَ النَّفْلِيَّةَ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا يُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ مُرَاعٍ لِلْخِلَافِ، قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: أَوْرَدَ (بْن) أَنَّ الْكَرَاهَةَ حَاصِلَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِهَا لِغَرَضِ الصِّحَّةِ عِنْدَ الْمُخَالِفِ.

(وَ) كُرِهَ (دُعَاءٌ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) لِلْفَاتِحَةِ أَوْ السُّورَةِ (وَأَثْنَائِهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ. (وَ) كُرِهَ الدُّعَاءُ (فِي الرُّكُوعِ وَقَبْلَ التَّشَهُّدِ) الْأَوَّلِ وَغَيْرِهِ، (وَبَعْدَ غَيْرِ) التَّشَهُّدِ (الْأَخِيرِ) ، وَأَمَّا بَعْدَ الْأَخِيرِ فَيُنْدَبُ كَمَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ. (وَ) كُرِهَ لِلْمَأْمُومِ (بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَ) كُرِهَ (الْجَهْرُ بِهِ) أَيْ بِالدُّعَاءِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي سُجُودٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَ) كُرِهَ الْجَهْرُ (بِالتَّشَهُّدِ) مُطْلَقًا. (وَ) كُرِهَ (السُّجُودُ عَلَى مَلْبُوسِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي أَيْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَلْبُوسِهِ كَكُمِّهِ أَوْ رِدَائِهِ (أَوْ) السُّجُودُ (عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ) الْكَائِنِ عَلَى جَبْهَتِهِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَكِنْ قَدْ يُقَالُ إذَا كَانَتْ الْمُرَاعَاةُ لِوَرَعٍ طُلِبَتْ. فَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ قَطْعًا. نَعَمْ لَيْسَ طَلَبُ الْمُرَاعَاةِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلِيٍّ عب (اهـ) . وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ قِيلَ بِإِبَاحَتِهَا وَنَدْبِهَا وَوُجُوبِهَا. قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْقِرَاءَةِ] إلَخْ: وَمِثْلُهُ فِي الْكَرَاهَةِ قَوْلُ: " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك، وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ "، خِلَافًا لِمَنْ يَأْمُرُ بِذَلِكَ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْفَاتِحَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ الْقِرَاءَةِ] : ظَاهِرُ كَرَاهَتِهَا بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَالرَّاجِحُ الْجَوَازُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ ح نَقْلًا عَنْ الْجَلَّابِ وَالطِّرَازِ. بَلْ قَيَّدَ فِي الطِّرَازِ كَرَاهَةَ الدُّعَاءِ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَرْضِ، وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَيَجُوزُ. قَوْلُهُ: [فِي الرُّكُوعِ] : أَيْ أَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ فِيهِ التَّسْبِيحُ، وَأَمَّا قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ فَجَائِزٌ. قَوْلُهُ: [وَقَبْلَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ] : أَيْ وَأَمَّا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَمَنْدُوبٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ بَيْنَهُمَا: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاسْتُرْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْزُقْنِي، وَاعْفُ عَنِّي وَعَافِنِي» . قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ الْجَهْرُ بِهِ] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] قَوْلُهُ: [عَلَى مَلْبُوسِهِ] : أَيْ أَنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّفَاهِيَةِ إلَّا لِضَرُورَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ. قَوْلُهُ: [عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ] : أَيْ إلَّا لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.

خَفِيفًا كَالطَّاقَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْرُ الْعِمَامَةِ عَلَى الْجَبْهَةِ وَمَنَعَ الْجَبْهَةَ مِنْ وَضْعِهَا عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ سَاجِدًا، (أَوْ) السُّجُودُ (عَلَى ثَوْبٍ) غَيْرِ مَلْبُوسٍ لَهُ (أَوْ) عَلَى (بِسَاطٍ) أَوْ مِنْدِيلٍ (أَوْ) عَلَى (حَصِيرٍ نَاعِمٍ) لَا خَشِنٍ، كُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ. (وَ) كُرِهَ (الْقِرَاءَةُ بِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ) إلَّا أَنْ يَقْصِدَ فِي السُّجُودِ بِهَا الدُّعَاءَ كَأَنْ يَقُولَ: " رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتنَا " إلَخْ فَلَا يُكْرَهُ. (وَ) كُرِهَ (تَخْصِيصُ دُعَاءٍ) : دَائِمًا لَا يَدْعُو بِغَيْرِهِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَدْعُوَ تَارَةً بِالْمَغْفِرَةِ وَتَارَةً بِسَعَةِ الرِّزْقِ، وَتَارَةً بِصَلَاحِ النَّفْسِ أَوْ الْوَلَدِ أَوْ الزَّوْجَةِ، وَتَارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: كَالطَّاقَتَيْنِ: الْمُرَادُ بِالطَّاقَاتِ: الطَّيَّاتُ الْمَشْدُودَةُ عَلَى الْجَبْهَةِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ اللَّفَّاتِ الْمُحْتَوِي كُلِّ لَفَّةٍ مِنْهَا عَلَى طَبَقَاتٍ، وَالْمُرَادُ بِالطَّاقَاتِ فِي كَلَامِهِمْ: اللَّفَّاتُ وَالتَّعْصِيبَاتُ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لَمْ يَكُنْ سَاجِدًا] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ سَجَدَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَكَانَتْ فَوْقَ النَّاصِيَةِ وَلَمْ تَلْتَصِقْ الْجَبْهَةُ بِالْأَرْضِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِمَامَةُ فَوْقَ الْجَبْهَةِ وَسَجَدَ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ كَالطَّاقَتَيْنِ الرَّفِيعَتَيْنِ فَلَا إعَادَةَ. وَإِلَّا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [كُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ فَرْشَ مَسْجِدٍ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ. قَوْلُهُ: [بِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا» . قَوْلُهُ: [تَخْصِيصُ دُعَاءٍ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جَوَامِعِ الدُّعَاءِ كَسُؤَالِ حَسَنَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ سَعَادَتِهِمَا، وَمِنْ أَعْظَمِ الدَّعَوَاتِ الْجَامِعَةِ أَنْ يَقُولَ: " اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ كُلِّ خَيْرٍ سَأَلَك مِنْهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّك وَرَسُولُك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَ) كُرِهَ (الْتِفَاتٌ) فِي الصَّلَاةِ (بِلَا حَاجَةٍ) مُهِمَّةٍ. (وَ) كُرِهَ (تَشْبِيكُ أَصَابِعَ وَفَرْقَعَتُهَا) لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ الْخُشُوعَ وَالْأَدَبَ. (وَ) كُرِهَ (إقْعَاءٌ) بِأَنْ يَرْجِعَ فِي جُلُوسِهِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ لِقُبْحِ الْهَيْئَةِ. (وَ) كُرِهَ (تَخَصُّرٌ) وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى خَصْرِهِ حَالَ قِيَامِهِ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَمَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ. (وَ) كُرِهَ (تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) إلَّا لِخَوْفِ وُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَى مَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَعُوذُ بِك مِنْ كُلِّ شَرٍّ اسْتَعَاذَك مِنْهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّك وَرَسُولُك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ الْتِفَاتٌ] : أَيْ وَلَا تَبْطُلُ وَلَوْ الْتَفَتَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ حَيْثُ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ لِلْقِبْلَةِ وَإِلَّا بَطَلَتْ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ تَشْبِيكُ أَصَابِعَ] : أَيْ فِي الصَّلَاةِ، كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ. إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ تَشَاؤُمًا. قَوْلُهُ: [لِقُبْحِ الْهَيْئَةِ] : أَيْ وَأَمَّا جُلُوسُهُ كَالْمُحْتَبِي وَهُوَ جُلُوسُ الْكَلْبِ وَالْبَدْوِيِّ الْمُصْطَلِي فَمَمْنُوعٌ، وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ. وَبَقِيَ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمَكْرُوهَةِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: جُلُوسُهُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ وَظُهُورُهُمَا لِلْأَرْضِ، وَجُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا وَأَلْيَاهُ لِلْأَرْضِ وَظُهُورُهُمَا لِلْأَرْضِ أَيْضًا، وَجُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا وَرِجْلَاهُ قَائِمَتَانِ عَلَى أَصَابِعِهِمَا. قَوْلُهُ: [وَمَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ] : أَيْ وَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّهَا مِنْ خِصَالِ الْيَهُودِ.

(وَ) كُرِهَ (رَفْعُهُ رِجْلًا) عَنْ الْأَرْضِ وَاعْتِمَادٌ عَلَى الْأُخْرَى إلَّا لِضَرُورَةٍ. (وَ) كُرِهَ (وَضْعُ قَدَمٍ عَلَى الْأُخْرَى) . (وَ) كُرِهَ (إقْرَانُهُمَا) أَيْ الْقَدَمَيْنِ (دَائِمًا) فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ. وَكُرِهَ (تَفَكُّرٌ بِدُنْيَوِيٍّ) أَيْ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ. (وَ) كُرِهَ (حَمْلُ شَيْءٍ بِكُمٍّ أَوْ فَمٍ) إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ وَإِلَّا مُنِعَ وَبَطَلَتْ. (وَ) كُرِهَ (عَبَثٌ بِلِحْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) (وَ) كُرِهَ (حَمْدٌ لِعَاطِسٍ أَوْ بِشَارَةٌ) بُشِّرَ بِهَا وَهُوَ يُصَلِّي. (وَ) كُرِهَ (إشَارَةٌ لِلرَّدِّ) بِرَأْسٍ أَوْ يَدٍ (عَلَى مُشَمِّتٍ) شَمَّتَهُ وَهُوَ يُصَلِّي إذَا ارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ وَحَمَّدَ لِعُطَاسِهِ، وَأَمَّا الرَّدُّ بِالْكَلَامِ فَمُبْطِلٌ، وَأَمَّا رَدُّ السَّلَامِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [رَفْعُهُ رِجْلًا] : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ لِأَنَّهُ وَاقِفٌ بِحَضْرَتِهِ. وَمَا يَزْعُمُهُ الْعَوَامُّ مِنْ أَنَّ الْوَاقِفَ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الذِّكْرِ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ غَيْرِهِ، كَلَامٌ بَاطِلٌ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ إقْرَانُهُمَا] : وَهُوَ ضَمُّ الْقَدَمَيْنِ مَعًا كَالْمُقَيَّدِ، وَقِيلَ جَعْلُ خَطِّهِمَا مِنْ الْقِيَامِ مُسْتَوِيًا، سَوَاءٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَوْ ضَمَّهُمَا، لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [تَفَكُّرٌ بِدُنْيَوِيٍّ] : أَيْ وَلَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِنْ شَغَلَهُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ مَا صَلَّى أَعَادَ أَبَدًا. فَإِنْ شَغَلَهُ زَائِدًا عَنْ الْمُعْتَادِ وَدَرَى مَا صَلَّى أَعَادَ بِوَقْتٍ. وَإِنْ شَكَّ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَأَتَى بِمَا شَكَّ فِيهِ بِخِلَافِ الْأُخْرَوِيِّ فَلَا يُكْرَهُ. ثُمَّ إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ الصَّلَاةِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ. وَإِنْ شَغَلَهُ عَنْهَا فَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ مَا صَلَّى بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَا صَلَّى أَصْلًا بَطَلَتْ كَالتَّفَكُّرِ بِدُنْيَوِيٍّ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ التَّفَكُّرُ مُتَعَلِّقًا بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهَا كَالْمُرَاقَبَةِ وَالْخُشُوعِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَا صَلَّى بَنَى عَلَى الْإِحْرَامِ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَحْضِرًا لَهُ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فِي الْجَمِيعِ إلَّا فِي هَذَا الْفَرْعِ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهَا] : أَيْ كَخَاتَمٍ بِيَدِهِ إلَّا أَنْ يُحَوِّلَهُ فِي أَصَابِعِهِ لِضَبْطِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ خَوْفَ السَّهْوِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لِإِصْلَاحِهَا وَلَيْسَ مِنْ الْعَبَثِ.

بِالْإِشَارَةِ عَلَى مُسَلِّمٍ عَلَيْهِ فَمَطْلُوبٌ. (وَ) كُرِهَ (حَكُّ جَسَدٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) إنْ قَلَّ وَجَازَ لَهَا وَالْكَثِيرُ مُبْطِلٌ. (وَ) كُرِهَ (تَبَسُّمٌ قَلَّ اخْتِيَارًا) وَالْكَثِيرُ مُبْطِلٌ وَلَوْ اضْطِرَارًا. (وَ) كُرِهَ (تَرْكُ سُنَّةٍ خَفِيفَةٍ) عَمْدًا مِنْ سُنَنِهَا كَتَكْبِيرَةٍ وَتَسْمِيعَةٍ، وَحُرِّمَ تَرْكُ الْمُؤَكَّدَةِ وَسَيَأْتِي فِي السَّهْوِ. (وَ) كُرِهَ (سُورَةٌ) أَوْ آيَةٌ أَيْ قِرَاءَتُهَا (فِي أَخِيرَتَيْهِ) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ. (وَ) كُرِهَ (التَّصْفِيقُ) فِي صَلَاةٍ وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ (لِحَاجَةٍ) تَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ كَسَهْوِ إمَامِهِ فَجَلَسَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ أَوْ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَمَنْعِ مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ تَنْبِيهٍ عَلَى أَمْرٍ مَا، (وَالشَّأْنُ) الْمَطْلُوبُ شَرْعًا لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ وَهُوَ يُصَلِّي (التَّسْبِيحُ) بِأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مُبْطِلَاتِهَا فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَمَطْلُوبٌ] : أَيْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا. قَوْلُهُ: [وَالْكَثِيرُ مُبْطِلٌ] : وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ وَهُوَ مُبْطِلٌ وَلَوْ سَهْوًا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ لَمْ يَكْثُرْ. قَوْلُهُ: [وَحُرِّمَ تَرْكُ الْمُؤَكَّدَةِ] : أَيْ وَفِيهَا قَوْلَانِ: بِالْبُطْلَانِ وَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْجَزْمَ بِالْحُرْمَةِ مُشْكِلٌ غَايَةَ الْإِشْكَالِ، حَيْثُ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى سُنِّيَّتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قَوْلٌ بِالْفَرْضِيَّةِ. قَوْلُهُ: [فِي أَخِيرَتَيْهِ] : أَيْ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا قَوْلِيَّةٌ. وَالزِّيَادَةُ الْقَوْلِيَّةُ لَا سُجُودَ لَهَا إلَّا فِي تَكْرَارِ الْفَاتِحَةِ سَهْوًا. قَوْلُهُ: [وَالشَّأْنُ الْمَطْلُوبُ] إلَخْ: وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» خَارِجٌ عِنْدَنَا مَخْرَجَ الذَّمِّ، فَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ظَاهِرِهِ.

[مبطلات الصلاة]

(وَبَطَلَتْ) الصَّلَاةُ (بِرَفْضِهَا) أَيْ بِنِيَّةِ إبْطَالِهَا وَإِلْغَاءِ مَا فَعَلَهُ مِنْهَا. (وَبِتَعَمُّدِ تَرْكِ رُكْنٍ) مِنْ أَرْكَانِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ. (وَ) بِتَعَمُّدِ (زِيَادَةِ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ) كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ بِخِلَافِ زِيَادَةِ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ. وَأَرْكَانُهَا الْقَوْلِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالْفَاتِحَةُ وَالسَّلَامُ. وَبَقِيَّةُ الْأَرْكَانِ فِعْلِيَّةٌ. إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى زِيَادَةُ مُجَرَّدِ اعْتِدَالٍ أَوْ طُمَأْنِينَةٍ أَوْ مُجَرَّدُ قِيَامٍ لِتَكْبِيرِ إحْرَامٍ أَوْ فَاتِحَةٍ، فَرَجَعَ إلَى زِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَيَلْزَمُ مِنْهَا زِيَادَةُ رَفْعٍ. وَكَذَا تَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ زِيَادَةِ تَشَهُّدٍ بَعْدَ الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ مِنْ جُلُوسٍ (وَ) بِتَعَمُّدِ (أَكْلٍ) وَلَوْ لُقْمَةً بِمَضْغِهَا (وَ) بِتَعَمُّدِ (شُرْبٍ) وَلَوْ قَلَّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مُبْطِلَات الصَّلَاة] [الْأَرْكَان الْقَوْلِيَّة وَالْفِعْلِيَّة لِلصَّلَاةِ] قَوْلُهُ: [وَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِرَفْضِهَا] : تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ اتِّفَاقًا إذَا وَقَعَ فِي الْأَثْنَاءِ. وَبَعْدَ الْفَرَاغِ: قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ. قَوْلُهُ: [أَيْ بِنِيَّةِ إبْطَالِهَا] : أَيْ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ التَّلَفُّظُ بَلْ الْقَصْدُ كَافٍ. قَوْلُهُ: [وَبِتَعَمُّدِ تَرْكِ رُكْنٍ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ. وَمِنْهُ تَرْكُ الشَّرْطِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ تَرْكُ الرُّكْنِ سَهْوًا فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِالطُّولِ. وَالطُّولُ بِالْعُرْفِ أَوْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. قَوْلُهُ: [وَبِتَعَمُّدِ زِيَادَةِ رُكْنٍ] : مُرَادُهُ بِالْعَمْدِ مَا يَشْمَلُ الْجَهْلَ وَهَذَا فِي النَّفْلِ وَالْفَرْضِ. قَوْلُهُ: [قَوْلِيٍّ] : أَيْ كَتَكْرِيرِ الْفَاتِحَةِ فَلَا يُبْطِلُهَا عَنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يُحَرَّمُ إنْ كَانَ عَمْدًا وَيَسْجُدُ إنْ كَانَ سَهْوًا. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى زِيَادَةُ] إلَخْ: اسْتِدْرَاكٌ عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ: (وَبِتَعَمُّدِ زِيَادَةِ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ) كَأَنَّهُ يَقُولُ فِيهَا: يَتَأَتَّى فِيهِ الزِّيَادَةُ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا تَبْطُلُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِ غَيْرُ مَشْرُوعٌ، فَلَوْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَلَّ] : أَيْ بَلْ وَلَوْ كَانَ مُكْرَهًا وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِإِنْقَاذِ نَفْسِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ لِذَلِكَ، وَلَوْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ كَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ.

[تنبيه بطلان الصلاة بالشك في الطهر]

(وَ) بِتَعَمُّدِ (كَلَامٍ) : وَلَوْ كَلِمَةً أَجْنَبِيَّةً نَحْوَ: " نَعَمْ " أَوْ " لَا " لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQاهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [تَنْبِيه بطلان الصَّلَاة بِالشَّكِّ فِي الطُّهْرِ] قَوْلُهُ: [وَبِتَعَمُّدِ كَلَامٍ] إلَخْ: الْكَلَامُ هُنَا بِمَعْنَى مُطْلَقِ الصَّوْتِ. وَلَوْ نَهَقَ كَالْحِمَارِ، قَالُوا: إنْ حَرَّكَ شِدْقَيْهِ وَشَفَتَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ بَيْنَ يَدَيْ الْكَلَامِ. أَمَّا إنْ حَصَلَ صُورَةُ الْكَلَامِ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ فَيَنْبَغِي الْبُطْلَانُ. كَمَا اكْتَفَوْا بِهِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. وَتَرَدَّدُوا: هَلْ تَبْطُلُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ أَوْ إنْ قَصَدَ بِهَا الْكَلَامَ؟ أَمَّا إنْ نَطَقَتْ يَدُهُ بِلَا قَصْدٍ فَلَا. وَبِهِ وَلِيٌّ يُفْتِي نَفْسَهُ. (اهـ) وَمِثْلُ التَّعَمُّدِ فِي الْكَلَامِ الْمُبْطِلِ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ أَوْ الْوُجُوبُ؛ لِإِنْقَاذِ أَعْمَى أَوْ لِإِجَابَةِ أَحَدِ وَالِدَيْهِ وَهُوَ أَعْمَى أَصَمُّ فِي نَافِلَةٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذْ نَادَاهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، فَإِنْ كَانَ أَعْمَى أَصَمَّ وَكَانَ هُوَ يُصَلِّي نَافِلَةً وَجَبَ عَلَيْهِ إجَابَتُهُ وَقَطَعَ تِلْكَ النَّافِلَةَ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ مَعَهُ وَاجِبَانِ فَيُقَدِّمُ أَوْكَدَهُمَا، وَهُوَ إجَابَةُ الْوَالِدَيْنِ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِهَا، وَالْخِلَافُ فِي وُجُوبِ إتْمَامِ النَّافِلَةِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُنَادِي لَهُ مِنْ أَبَوَيْهِ لَيْسَ أَعْمَى وَلَا أَصَمَّ أَوْ كَانَ يُصَلِّي فِي فَرِيضَةٍ فَلْيُخَفِّفْ وَيُسَلِّمْ وَيُكَلِّمْهُ، اُنْظُرْ ح. وَأَمَّا إذَا وَجَبَ لِإِجَابَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ لَا تَبْطُلُ؟ قَوْلَانِ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا عَدَمُ الْبُطْلَانِ. فَإِذَا تَرَكَ الْمُصَلِّي الْكَلَامَ لِإِنْقَاذِ الْأَعْمَى وَهَلَكَ، ضَمِنَ دِيَتَهُ. وَيَجِبُ أَيْضًا الْكَلَامُ لِتَخْلِيصِ الْمَالِ إذَا كَانَ يَخْشَى بِذَهَابِهِ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى، كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ، كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا أَوْ لَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَخْشَى بِذَهَابِهِ هَلَاكًا وَلَا شَدِيدَ أَذًى فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا يَقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا قَطَعَ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَالْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَلِمَةً أَجْنَبِيَّةً] : هَذِهِ الْمُبَالَغَةُ فِيهَا شَيْءٌ وَلَعَلَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ:

(لِغَيْرِ إصْلَاحِهَا، وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ لِإِصْلَاحِهَا فَتَبْطُلُ (بِكَثِيرِهِ) : كَأَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ مِنْ اثْنَتَيْنِ أَوْ يَقُومَ لِخَامِسَةٍ وَلَمْ يَفْهَمْ بِالتَّسْبِيحِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُومُ أَنْتَ سَلَّمْت مِنْ اثْنَتَيْنِ أَوْ قُمْت لِخَامِسَةٍ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، فَإِنْ كَثُرَ الْكَلَامُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى الْحَاجَةِ بَطَلَتْ. (وَ) بِتَعَمُّدِ (تَصْوِيتٍ) : خَالٍ عَنْ الْحُرُوفِ كَصَوْتِ الْغُرَابِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَبِتَعَمُّدِ كَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ كَلِمَةً. قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ إصْلَاحِهَا] : وَهِيَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْبُطْلَانِ بِالْكَلَامِ. قَوْلُهُ: [فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ] : وَالْكَثِيرُ مَا زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ. قَوْلُهُ: [فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ] : هُوَ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِطُولٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ. وَحَاصِلُهُ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ قِيلَ الْعَصْرُ وَقِيلَ الظُّهْرُ، فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ بَلْ بَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَاقِي الْمُصَلِّينَ أَحَقٌّ مَا قَالَهُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَامَ النَّبِيُّ وَكَمَّلَ الصَّلَاةَ وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ» . قَوْلُهُ: [وَبِتَعَمُّدِ تَصْوِيتٍ] إلَخْ: أَيْ لِكَوْنِهِ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ.

[تنبيه التبسم في الصلاة]

(وَ) بِتَعَمُّدِ (نَفْخٍ) بِفَمٍ لَا بِأَنْفٍ (وَ) بِتَعَمُّدِ (قَيْءٍ) وَلَوْ طَاهِرًا قَلَّ (وَ) بِتَعَمُّدِ (سَلَامٍ حَالَ شَكِّهِ فِي الْإِتْمَامِ) فَتَبْطُلُ، (وَإِنْ بَانَ) لَهُ (الْكَمَالُ) ، أَيْ كَمَالُ الصَّلَاةِ، فَأَوْلَى إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ وَأَوْلَى إنْ تَعَمَّدَ السَّلَامَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ عَدَمَ الْإِكْمَالِ فَقَدْ نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهِّمِ. (وَ) بَطَلَتْ (بِطُرُوِّ نَاقِضٍ) لِوُضُوئِهِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ سَبَبٍ أَوْ شَكٍّ إلَّا أَنَّهُ فِي طُرُوُّ الشَّكِّ يَسْتَمِرُّ، فَإِنْ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يَعُدْ كَمَا تَقَدَّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِفَمٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ كَلَامٌ. وَقَوْلُهُ: [لَا بِأَنْفٍ] : أَيْ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ أَوْ يَتَلَاعَبَ. وَذَكَرَ الْأُجْهُورِيُّ عَنْ النَّوَادِرِ تَمَادِي الْمَأْمُومِ عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ إنْ نَفَخَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا. قَوْلُهُ: [وَبِتَعَمُّدِ قَيْءٍ] : أَيْ وَمِثْلُهُ الْقَلْسُ. وَأَمَّا الْبَلْغَمُ فَلَا يُفْسِدُ صَلَاةً وَلَا صَوْمًا إلَّا إذَا كَثُرَ فَيَجْرِي عَلَى الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ. وَمَفْهُومُ [بِتَعَمُّدٍ] أَنَّهُ إنْ غَلَبَهُ لَا يَضُرُّ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا مَا لَمْ يَزْدَرِدْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ ازْدَرَدَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ. وَغَلَبَةً: قَوْلَانِ مُسْتَوِيَانِ. وَسَهْوًا: سَجَدَ. قَوْلُهُ: [حَالَ شَكِّهِ فِي الْإِتْمَامِ] : مُرَادُهُ بِالشَّكِّ التَّرَدُّدُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لَا مَا قَابَلَ الْجَزْمَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عب إذْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ السَّلَامَ مَعَ ظَنِّ الْإِتْمَامِ مُبْطِلٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ ح عَنْ ابْنِ رُشْدٍ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [يَعْلَمُ] إلَخْ: فَتَحَصَّلَ أَنَّ الصُّوَرَ الَّتِي تَبْطُلُ فِيهَا الصَّلَاةُ تِسْعٌ، وَهِيَ: إذَا سَلَّمَ مُتَرَدِّدًا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، أَوْ مُتَحَقِّقًا عَدَمَ الْكَمَالِ، أَوْ ظَانًّا عَدَمَهُ. وَفِي كُلٍّ: تَبَيَّنَ الْكَمَالُ أَوْ عَدَمُهُ، أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ. وَأَمَّا لَوْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا الْكَمَالَ أَوْ ظَانًّا الْكَمَالَ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ حَيْثُ تَبَيَّنَ الْكَمَالَ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْئًا، وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمَ الْكَمَالِ بَطَلَتْ إنْ طَالَ، وَإِلَّا تَدَارَكَهُ. تَنْبِيهٌ: إنَّمَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِالشَّكِّ فِي الْإِتْمَامِ لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي السَّبَبِ الْمُبِيحِ لِلسَّلَامِ وَهُوَ الْإِتْمَامُ وَالشَّكُّ فِي السَّبَبِ يَضُرُّ، وَلَيْسَ شَكًّا فِي الْمَانِعِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ. [تَنْبِيه التَّبَسُّم فِي الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [بِطُرُوِّ نَاقِضٍ] : أَيْ حُصُولِهِ أَوْ تَذَكُّرِهِ. وَلَا يَسْرِي الْبُطْلَانُ لِلْمَأْمُومِ بِحُصُولِ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ إلَّا بِتَعَمُّدِهِ لَا بِالْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ كَمَا سَيَأْتِي.

(وَ) بِطُرُوِّ (كَشْفِ عَوْرَةٍ مُغَلَّظَةٍ) لَا غَيْرِهَا، (وَ) بِطُرُوِّ (نَجَاسَةٍ) سَقَطَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِيهَا أَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ إنْ اسْتَقَرَّتْ بِهِ، وَعَلِمَ بِهَا وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِإِزَالَتِهَا وَإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ تَبْطُلْ لَمَّا عَلِمْت أَنَّ طَهَارَةَ الْخُبْثِ وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ سَاقِطَةٌ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. (وَ) بَطَلَتْ (بِفَتْحٍ عَلَى غَيْرِ الْإِمَامِ) ، بِأَنْ سَمِعَهُ يَقْرَأُ فَتَوَقَّفَ فِي الْقِرَاءَةِ فَأَرْشَدَهُ لِلصَّوَابِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُكَالَمَةِ، بِخِلَافِ الْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ فَلَا تَبْطُلُ. (وَ) بَطَلَتْ (بِقَهْقَهَةٍ) : وَهِيَ الضَّحِكُ بِصَوْتٍ فَإِنْ كَانَ فَذًّا أَوْ إمَامًا قَطَعَ وَاسْتَأْنَفَ صَلَاتَهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ وَقَعَ مِنْهُ اخْتِيَارًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا لِكَوْنِهِ فِي صَلَاتِهِ. وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَتَمَادَى) وُجُوبًا (الْمَأْمُومُ) مَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَبِطُرُوِّ كَشْفِ عَوْرَةٍ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَبْحَثِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ. قَوْلُهُ: [عَلَى غَيْرِ الْإِمَامِ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ مُصَلِّيًا. وَقَوْلُ خَلِيلٍ: " كَفَتْحٍ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي صَلَاةٍ " لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ إمَامِهِ. قَوْلُهُ: [وَبَطَلَتْ بِقَهْقَهَةٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ. قَوْلُهُ: [قَطَعَ وَاسْتَأْنَفَ] : أَيْ وَيَقْطَعُ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ أَيْضًا وَلَا يَسْتَخْلِفُ. وَوَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: أَنَّ الْإِمَامَ يَقْطَعُ هُوَ وَمَنْ خَلْفَهُ فِي الْعَمْدِ، وَيَسْتَخْلِفُ فِي النِّسْيَانِ وَالْغَلَبَةِ أَوْ يَرْجِعُ مَأْمُومًا مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْقَهْقَهَةِ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا. وَإِذَا رَجَعَ مَأْمُومًا أَتَمَّ صَلَاتَهُ مَعَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ وَيُعِيدُهُمَا أَبَدًا لِبُطْلَانِهَا. وَأَمَّا مَأْمُومُوهُ فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ مَعَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَاقْتَصَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَتَمَادَى وُجُوبًا الْمَأْمُومُ] : أَيْ بِقُيُودٍ خَمْسَةٍ، ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْهَا أَرْبَعَةً بِقَوْلِهِ: [إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ بِغَيْرِ جُمُعَةٍ] إنْ كَانَ كُلُّهُ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ فِي ذَاتِهِ. وَالْخَامِسُ هُوَ أَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَى تَمَادِيهِ ضِحْكُ كُلِّ الْمَأْمُومِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ وَإِلَّا قَطَعَ وَخَرَجَ.

إمَامِهِ عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ، لِأَنَّهُ مِنْ مَسَاجِينِ الْإِمَامِ نَظَرًا لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ بُطْلَانِهَا (إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ) لِأَدَائِهَا فِي وَقْتِهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَكَانَ (بِغَيْرِ) صَلَاةِ (جُمُعَةٍ) ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ كَانَ بِجُمُعَةٍ قَطَعَ وَدَخَلَ مَعَ إمَامِهِ لِئَلَّا يَفُوتَهُ الْوَقْتُ أَوْ الْجُمُعَةُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ كَانَ) ضِحْكُهُ (كُلُّهُ) مِنْ أَوَّلِهِ لِآخِرِهِ (غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا) لِكَوْنِهِ فِي صَلَاةٍ. فَإِنْ كَانَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ عَمْدًا اخْتِيَارًا قَطَعَ وَاسْتَأْنَفَ مَعَ إمَامِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ فِي ذَاتِهِ، وَإِلَّا أَبْطَلَ قَطْعًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَفَاهِيمِ الثَّلَاثَةِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا) بِأَنْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ كَانَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ عَمْدًا اخْتِيَارًا (قَطَعَ وَدَخَلَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ. (وَ) بَطَلَتْ (بِكَثِيرِ فِعْلٍ) : غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ كَحَكِّ جَسَدٍ وَعَبَثٍ بِلِحْيَتِهِ وَوَضْعِ رِدَاءٍ عَلَى كَتِفٍ وَدَفْعِ مَارٍّ وَإِشَارَةٍ بِيَدٍ؛ فَالْقَلِيلُ مِنْ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُهَا كَمَا تَقَدَّمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَبْطَلَ قَطْعًا] : أَيْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَمْدِ لَا يَتَمَادَى الْمَأْمُومُ فِيهِ. تَنْبِيهٌ: لَا شَيْءَ فِي التَّبَسُّمِ إنْ قَلَّ، وَكُرِهَ عَمْدُهُ. فَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ، وَإِنْ تَوَسَّطَ بِالْعُرْفِ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَبْطَلَ عَمْدُهُ. (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [كَحَكِّ جَسَدٍ] : أَيْ فَيُبْطِلُهَا إذَا كَثُرَ وَلَوْ سَهْوًا وَالْكَثِيرُ عِنْدَنَا هُوَ مَا يُخَيِّلُ لِلنَّاظِرِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ. قَوْلُهُ: [وَعَبَثٍ بِلِحْيَتِهِ] إلَخْ: حُكْمُهُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.

بَعْضُهُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بَعْضُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ لَا بِإِنْصَاتٍ قَلَّ لِمُخْبِرٍ إلَى آخِرِهِ، وَالْكَثِيرُ مِنْهُ مُبْطِلٌ (وَلَوْ سَهْوًا كَسَلَامٍ مَعَ أَكْلٍ أَوْ) مَعَ (شُرْبٍ) سَهْوًا (وَلَوْ قَلَّ) الْأَكْلُ أَوْ الشُّرْبُ الْمُصَاحِبُ لِلسَّلَامِ لِشِدَّةِ الْمُنَافَاةِ فِي السَّلَامِ. فَلَوْ اجْتَمَعَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ سَهْوًا فَالْبُطْلَانُ أَيْضًا، وَقِيلَ: يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَلَا بُطْلَانَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اجْتِمَاعَ الثَّلَاثَةِ مُبْطِلٌ اتِّفَاقًا وَانْفِرَادَ أَحَدِهِمَا لَا يُبْطِلُ وَيُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، وَحُصُولِ اثْنَيْنِ فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَظْهَرُ الْبُطْلَانُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا سَلَامًا. (وَ) بَطَلَتْ (بِمُشْغِلٍ) أَيْ مَانِعٍ (عَنْ فَرْضٍ) مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ؛ كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَقِرَاءَةِ فَاتِحَةٍ أَوْ بَعْضِهَا كَشِدَّةِ حَقْنٍ أَوْ غَثَيَانٍ أَوْ وَضْعِ شَيْءٍ فِي فَمِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مَعَ أَكْلٍ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَلَّمَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ - وَرُوِيَ: أَوْ شَرِبَ سَهْوًا - بَطَلَتْ، وَفِي آخَرَ: إنْ أَكَلَ وَشَرِبَ سَهْوًا سَجَدَ. وَهَلْ اخْتِلَافٌ لِلْمُنَافِي فِيهِمَا - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اتِّحَادِهِ وَتَعَدُّدِهِ أَوْ وِفَاقٌ؟ وَالْبُطْلَانُ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ لِلسَّلَامِ أَوْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ عَلَى رِوَايَةِ الْوَاوِ، وَاثْنَيْنِ عَلَى رِوَايَةٍ أَوْ تَأْوِيلَاتٍ ثَلَاثَةٍ؛ وَاحِدٌ بِالْخِلَافِ وَاثْنَانِ بِالْوِفَاقِ. قَوْلُهُ: [لِشِدَّةِ الْمُنَافَاةِ فِي السَّلَامِ] : أَيْ فَالْبُطْلَانُ لِلسَّلَامِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ أَكْلٌ وَشُرْبٌ أَوْ أَحَدُهُمَا. قَوْلُهُ: [فَلَوْ اجْتَمَعَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ] إلَخْ: أَيْ بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِ الْجَمْعِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ] : أَيْ نَظَرًا لِلتَّوْفِيقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ السَّلَامُ وَلَمْ يَكُنْ. قَوْلُهُ: [اتِّفَاقًا] : أَيْ لِاتِّفَاقِ الْمُوَفَّقِينَ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [لَا يُبْطِلُ وَيُجْبَرُ بِالسُّجُودِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الرَّاجِحَ تَأْوِيلُ الْوِفَاقِ بِوَجْهِهِ. قَوْلُهُ: [وَالْأَظْهَرُ الْبُطْلَانُ] : أَيْ نَظَرًا لِلْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: [لَا سِيَّمَا] إلَخْ: أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ وَكَثْرَةِ الْمُنَافِيَاتِ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَثَيَانٍ] : الْمُرَادُ بِهِ فَوَرَانُ النَّفْسِ.

[تنبيه يمكن للساهي تسع تشهدات]

(وَأَعَادَ فِيهِ) مُشْغِلٌ عَنْ (سُنَّةٍ) مُؤَكَّدَةٍ (بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ) وَهُوَ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ. (وَ) بَطَلَتْ (بِذِكْرٍ) : أَيْ تَذَكُّرِ (أُولَى) الصَّلَاتَيْنِ (الْحَاضِرَتَيْنِ فِي) الصَّلَاةِ (الْأُخْرَى) أَيْ الثَّانِيَةِ، كَأَنْ يَتَذَكَّرَ فِي صَلَاتِهِ الْعَصْرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ، أَوْ يَتَذَكَّرَ وَهُوَ فِي الْعِشَاءِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنَّ عَلَيْهِ الْمَغْرِبَ فَتَبْطُلُ الَّتِي هُوَ فِيهَا لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحَاضِرَتَيْنِ وَاجِبُ شَرْطٍ. (وَ) بَطَلَتْ (بِزِيَادَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ سَهْوًا) : فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ وَلَوْ فِي السَّفَرِ (كَرَكْعَتَيْنِ) : أَيْ زِيَادَتِهِمَا سَهْوًا (فِي الثُّنَائِيَّةِ) كَالصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ (أَوْ الْوَتْرِ) : لَا بِرَكْعَةٍ فَقَطْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الْبُطْلَانِ بِالْمُشْغِلِ عَنْ الْفَرْضِ: إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ مَعَهُ بِالْفَرْضِ أَصْلًا أَوْ يَأْتِي بِهِ مَعَهُ لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ إذَا دَامَ ذَلِكَ الْمُشْغِلُ. وَأَمَّا إنْ حَصَلَ ثُمَّ زَالَ فَلَا إعَادَةَ كَمَا فِي الْبُرْزُلِيِّ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ] : قَالَ ح: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ السُّنَنِ الثَّمَانِيَةِ الْمُؤَكَّدَةِ. وَأَمَّا تَرْكُ سُنَّةٍ غَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَانَ التَّرْكُ لِمُشْغِلٍ أَوْ لِغَيْرِ مُشْغِلٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَاجِبُ شَرْطٍ] : أَيْ: فِي الِابْتِدَاءِ بِاتِّفَاقٍ، وَفِي الْأَثْنَاءِ عَلَى إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ إمَامًا بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَأْمُومِيهِ، وَإِنْ كَانَ فَذًّا قَطَعَ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا تَمَادَى عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ لَحِقَ الْإِمَامَ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ. [تَنْبِيه يُمْكِنُ لِلسَّاهِي تِسْعُ تَشَهُّدَاتٍ] قَوْلُهُ: [وَبِزِيَادَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ] : أَيْ مُتَيَقَّنَةٍ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ فِي الزِّيَادَةِ الْكَثِيرَةِ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ اتِّفَاقًا. وَقَوْلُهُ: [سَهْوًا] : وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَمْدًا فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [وَالثُّلَاثِيَّةِ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: إنَّ الثُّلَاثِيَّةَ تَبْطُلُ بِزِيَادَةِ مِثْلِهَا. وَقِيلَ: بِزِيَادَةِ رَكْعَتَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ فِي السَّفَرِ] : أَيْ مُرَاعَاةً لِأَصْلِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّبَاعِيَّةَ هِيَ الْأَصْلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِصَلَاتِهَا سِتًّا. قَوْلُهُ: [أَوْ الْوَتْرِ] : مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ النَّفَلُ الْمَحْدُودُ كَالْفَجْرِ وَالْعِيدَيْنِ

(وَ) بَطَلَتْ (بِسُجُودٍ مَسْبُوقٍ) بِرَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (مَعَ إمَامِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسُجُودِ الْمُضَافِ لِفَاعِلِهِ السُّجُودُ (الْبَعْدِيُّ) الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْإِمَامِ لِزِيَادَةِ سَهْوٍ. فَإِذَا سَجَدَ الْمَسْبُوقُ الْبَعْدِيُّ مَعَ إمَامِهِ بَطَلَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَعَلَ زِيَادَةً فِي صَلَاتِهِ عَمْدًا وَلَوْ جَهْلًا (كَالْقَبْلِيِّ) : أَيْ كَمَا تَبْطُلُ عَلَى الْمَسْبُوقِ بِسُجُودِهِ الْقَبْلِيِّ مَعَ إمَامِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ، وَلَوْ لَمْ يُكَرِّرْ الرُّكُوعَ فِيهِ. وَأَمَّا النَّفَلُ غَيْرُ الْمَحْدُودِ فَلَا يَبْطُلُ بِزِيَادَةِ مِثْلِهِ، لِقَوْلِهِمْ: إذَا قَامَ لِخَامِسَةٍ فِي النَّافِلَةِ رَجَعَ وَلَا يُكْمِلُهَا سَادِسَةً وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: يُمْكِنُ لِلسَّاهِي تِسْعُ تَشَهُّدَاتٍ وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ بِأَنْ سَهَا بِزِيَادَةٍ بَعْدَ الْقَبْلِيِّ، وَجَلَسَ فِي سَبْعِ رَكَعَاتٍ، قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: فَإِنْ كَانَ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ كَمَّلَ عَشْرًا، فَإِنْ سَجَدَ مَعَهُ سُجُودَ السَّهْوِ نَاسِيًا زَادَتْ عَلَى الْعَشْرِ، كَأَنْ شَكَّ فِي تَشَهُّدٍ هَلْ سَجَدَ قَبْلَهُ سَجْدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ؟ سَجَدَ وَاحِدَةً وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، وَفِي ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَجَدَاتٍ كَثِيرَةٍ كَثَمَانِ سَجَدَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ. قُلْت: يَا فَقِيهًا يُدْعَى لِحَلِّ الْأَحَاجِي ... أَصَلَاةٌ فِيهَا ثَلَاثُونَ سَجْدَهْ بَلْ مَزِيدٌ وَهَلْ تَشَهُّدٌ أَحْرَى ... ضَبَطُوهُ فَجَاوَزَ الْعَشْرَ عَدُّهْ وَقَوْلُهُ: [مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَجَدَاتٍ كَثِيرَةٍ] إلَخْ: أَيْ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ. قَالَ هُنَاكَ: فَإِنْ شَكَّ عِنْدَ الرَّفْعِ هَلْ هَذَا سُجُودٌ لِلْفَرْضِ أَوْ كَانَ بِنِيَّةِ السَّهْوِ، وَنَسِيَ الْفَرْضَ، أَتَى بِالْفَرْضِ ثُمَّ السَّهْوِ فَيَكُونُ سِتَّ سَجَدَاتٍ وَيَنْضَمُّ لَهُ مَا أَمْكَنَ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ فِي الْقِرَاءَةِ. فَإِنْ تَذَكَّرَ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ رَجَعَ لَهَا ثُمَّ يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ لَهُ سَجَدَاتٌ كَالْأَوَّلِ. وَيَلْغُزُ بِهَا كَمَا لِلْوَانُّوغِيِّ وَالْأُجْهُورِيِّ سَجَدَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَنَحْوَهُ فِي كَبِيرِ التَّتَّائِيِّ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَبَطَلَتْ بِسُجُودٍ] إلَخْ: أَيْ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا وَأَمَّا نِسْيَانًا فَلَا تَبْطُلُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ جَهْلًا] : أَيْ فَالْجَاهِلُ كَالْعَامِدِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي أَلْحَقَهُ بِالنَّاسِي مُرَاعَاةً لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ سُجُودِهِ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ سُفْيَانُ.

(إذَا) كَانَ (لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً) لِأَنَّ سُجُودَهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَسْبُوقَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْمُومٍ حَقِيقَةً؛ فَسُجُودُهُ مَعَهُ مَحْضُ زِيَادَةٍ فِي الصَّلَاةِ. فَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا سَجَدَ مَعَهُ الْقَبْلِيَّ وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَأَخَّرَ الْبَعْدِيَّ لِتَمَامِ صَلَاتِهِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّهْوِ. (وَ) بَطَلَتْ (بِسُجُودٍ قَبْلَ السَّلَامِ لِتَرْكِ سُنَّةٍ خَفِيفَةٍ) : كَتَكْبِيرَةٍ أَوْ تَسْمِيعَةٍ، وَأَوْلَى لِتَرْكِ فَضِيلَةٍ كَقُنُوتٍ. (وَ) بَطَلَتْ (بِمَا يَأْتِي) الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ (فِي) بَابِ سُجُودِ (السَّهْوِ) : كَتَرْكِ السُّجُودِ لِثَلَاثِ سُنَنٍ وَإِنْ طَالَ. ثُمَّ ذَكَرَ أَشْيَاءَ لَا بُطْلَانَ فِيهَا لِجَوَازِ فِعْلِهَا فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ تَكُنْ كَثِيرَةً بِحَيْثُ يَعْتَقِدُ مَنْ رَآهُ يَفْعَلُهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فَقَالَ: (لَا) تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (بِإِنْصَاتٍ قَلَّ) لَا كَثُرَ (لِمُخْبِرٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ اسْمُ فَاعِلٍ؛ أَيْ إنْصَاتٍ قَلِيلٍ لِمَنْ أَخْبَرَهُ أَوْ أَخْبَرَ غَيْرَهُ بِخَبَرٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. فَإِنْ طَالَ الْإِنْصَاتُ بَطَلَتْ. وَأَمَّا لَوْ قَالَ: " إيهٍ إيهٍ " فَتَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ سَجَدَ الْقَبْلِيَّ مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَأَمَّا لَوْ سَجَدَ الْبَعْدِيَّ مَعَهُ فَالْبُطْلَانُ مُطْلَقًا أَدْرَكَ رَكْعَةً أَمْ لَا إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا لَا سَهْوًا. فَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْقَبْلِيِّ سَجَدَ مَعَهُ قَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ إنْ سَجَدَهُ الْإِمَامُ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَوْ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ كَشَافِعِيٍّ يَرَى التَّقْدِيمَ مُطْلَقًا. فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَهُ فَهَلْ يَفْعَلُهُ مَعَهُ قَبْلَ قِيَامِهِ لِلْقَضَاءِ - وَضُعِّفَ - أَوْ بَعْدَ تَمَامِ الْقَضَاءِ قَبْلَ سَلَامِ نَفْسِهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ أَوْ إنْ كَانَ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ؟ فَعَلَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَإِلَّا فَبَعْدَهُ؟ تَرَدُّدٌ. (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَبَطَلَتْ بِسُجُودٍ قَبْلَ السَّلَامِ لِتَرْكِ سُنَّةٍ] إلَخْ: أَيْ إلَّا أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ يَرَاهُ فَيَتْبَعُهُ وَلَا بُطْلَانَ بَلْ فِي (بْن) تَقْوِيَةُ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِالسُّجُودِ لِتَكْبِيرَةٍ وَفَضِيلَةٍ (اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [وَإِنْ طَالَ] : أَيْ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ إنْ كَانَ سَهْوًا، كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ.

[أشياء لا تبطل الصلاة]

(وَ) لَا (قَتْلِ عَقْرَبٍ قَصَدَتْهُ) : أَيْ جَاءَتْ عَلَيْهِ إذْ هِيَ لَا قَصْدَ لَهَا (وَلَا) تَبْطُلُ (بِإِشَارَةٍ بِعُضْوٍ) كَيَدٍ أَوْ رَأْسٍ (لِحَاجَةٍ) طَرَأَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، (أَوْ) إشَارَةٍ لِ (رَدِّ سَلَامٍ) عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي. وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْإِشَارَةَ لِرَدِّ السَّلَامِ وَاجِبَةٌ، وَتَبْطُلُ إنْ رَدَّهُ بِالْقَوْلِ. (وَلَا) تَبْطُلُ (بِأَنِينٍ لِوَجَعٍ) إنْ قَلَّ وَإِلَّا بَطَلَتْ، (وَبُكَاءِ تَخَشُّعٍ) : أَيْ خُشُوعٍ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْأَنِينُ لِوَجَعٍ وَلَا الْبُكَاءُ لِخُشُوعٍ (فَكَالْكَلَامِ) يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَلَوْ قَلَّ، وَسَهْوُهُ إنْ كَثُرَ. وَهَذَا فِي الْبُكَاءِ الْمَمْدُودِ وَهُوَ مَا كَانَ بِصَوْتٍ، وَأَمَّا الْمَقْصُورُ - وَهُوَ مَا كَانَ بِلَا صَوْتٍ فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِكَثِيرِهِ وَلَوْ اخْتِيَارًا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَشْيَاء لَا تَبْطُلُ الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [جَاءَتْ عَلَيْهِ] : أَيْ فَإِنْ لَمْ تَجِئْ عَلَيْهِ كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ قَتْلَهَا، وَلَا تَبْطُلُ بِانْحِطَاطِهِ لِأَخْذِ حَجَرٍ يَرْمِيهَا بِهِ. قَوْلُهُ: [إذْ هِيَ لَا قَصْدَ لَهَا] : أَيْ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ مِنْ خَوَاصِّ الْعُقَلَاءِ، هَكَذَا قِيلَ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنَاطِقَةَ عَرَّفُوا الْحَيَوَانَ بِأَنَّهُ: الْمُتَحَرِّكُ بِالْإِرَادَةِ. قَوْلُهُ: [بِإِشَارَةٍ] : أَيْ مَا لَمْ تَكْثُرْ. قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْإِشَارَةَ لِرَدِّ السَّلَامِ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَهَكَذَا فِي رَدِّ السَّلَامِ وَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ بِالْإِشَارَةِ فَمَكْرُوهٌ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ الْقَائِلِ بِجَوَازِهِ. قَوْلُهُ: [إنْ قَلَّ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ اخْتِيَارٍ. قَوْلُهُ: [وَبُكَاءِ تَخَشُّعٍ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَثُرَ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ. قَوْلُهُ: [وَسَهْوُهُ إنْ كَثُرَ] : أَيْ وَإِلَّا فَفِيهِ السُّجُودُ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا فِي الْبُكَاءِ الْمَمْدُودِ] إلَخْ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ. تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ إلَّا إذَا كَانَ الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا صَوْتَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ اخْتِيَارًا أَوْ غَلَبَةً تَخَشُّعًا أَمْ لَا. وَيَنْبَغِي: إلَّا أَنْ يَكْثُرَ الِاخْتِيَارِيُّ مِنْهُ. وَأَمَّا بِصَوْتٍ فَإِنْ كَانَ اخْتِيَارًا أَبْطَلَ مُطْلَقًا كَانَ لِتَخَشُّعٍ أَمْ لَا بِأَنْ كَانَ لِمُصِيبَةٍ، وَإِنْ كَانَ غَلَبَةً إنْ كَانَ بِتَخَشُّعٍ لَمْ تَبْطُلُ ظَاهِرُهُ. وَإِنْ كُثْر وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ أَبْطَلَ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ اخْتِيَارًا] : الْمُنَاسِبُ الِاخْتِيَارِيُّ وَلَا مَحَلَّ لِلْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ الِاضْطِرَارِيَّ

(وَلَا) تَبْطُلُ (بِتَنَحْنُحٍ) (وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) . (وَلَا) تَبْطُلُ (بِمَشْيِ) الْمُصَلِّي (كَصَفَّيْنِ) أُدْخِلَتْ الْكَافَ الثَّالِثَ (لِسَتْرِهِ) : يَقْرَبُ إلَيْهَا لِيَسْتَتِرَ بِهَا خَوْفًا مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ (أَوْ دَفْعِ مَارٍّ) بَيْنَ يَدَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ مَحَلِّ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَإِلَّا فَلَا يَمْشِي لِتَيَسُّرِ دَفْعِهِ وَهُوَ بِمَكَانِهِ، (أَوْ) مَشْيٍ نَحْوَ الصَّفَّيْنِ لِأَجْلِ (ذَهَابِ دَابَّةٍ) لِيَرُدَّهَا، أَوْ لِإِمْسَاكِ رَسَنِهَا فَإِنْ بَعُدَتْ قَطَعَ وَطَلَبَهَا، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ إذَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَهَابِهَا ضَرَرٌ. وَدَابَّةُ الْغَيْرِ كَدَابَّتِهِ وَمِثْلُ الْمَشْيِ لِمَا ذُكِرَ: الْمَشْيُ لِسَدِّ فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ؛ فَلَا تَبْطُلُ بِمَشْيٍ كَالصَّفَّيْنِ فِيمَا ذُكِرَ، (وَإِنْ) كَانَ الْمَشْيُ (بِجَنْبٍ أَوْ قَهْقَرَى) بِأَنْ يَرْجِعَ عَلَى ظَهْرِهِ وَالِاسْتِدْبَارُ لِلْقِبْلَةِ مُبْطِلٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ وَلَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالصَّلَاةِ فَلَا سُجُودَ فِي سَهْوِهِ بَلْ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ بَعُدَتْ قَطَعَ] : حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا ذَهَبَتْ فَلَهُ أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ وَيَطْلُبَهَا إنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا. وَكَانَ ثَمَنُهَا يُجْحِفُ بِهِ. فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ قَلَّ ثَمَنُهَا فَلَا يَقْطَعُهَا إلَّا إذَا كَانَ يَخَافُ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ بِمَفَازَةٍ مَثَلًا وَإِلَّا قَطَعَهَا. وَغَيْرُ الدَّابَّةِ مِنْ الْمَالِ يَجْرِي عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. قَوْلُهُ: [وَالِاسْتِدْبَارُ لِلْقِبْلَةِ مُبْطِلٌ] : أَيْ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ فِي الصَّفِّ وَالصَّفَّيْنِ وَالثَّلَاثَةِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا بِالِاسْتِدْبَارِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِدْبَارَ لِعُذْرٍ مُغْتَفَرٌ، وَالْعُذْرُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الدَّابَّةِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.

(وَلَا) تَبْطُلُ (بِإِصْلَاحِ رِدَاءٍ) سَقَطَ مِنْ فَوْقِ كَتِفَيْهِ فَتَنَاوَلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَيْهِمَا وَلَوْ طَأْطَأَ لِأَخْذِهِ مِنْ الْأَرْضِ، (أَوْ سُتْرَةٍ) نَصَبَهَا إمَامُهُ لِيُصَلِّيَ لَهَا (سَقَطَتْ) وَلَوْ انْحَطَّ لِإِصْلَاحِهَا. وَكَمَا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سُجُودٌ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ (لِجَوَازِ) جَمِيعِ (مَا ذُكِرَ) . وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ: عَدَمُ الْمَنْعِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى: كَالْإِنْصَاتِ لِلْمُخْبِرِ، وَقَتْلِ الْعَقْرَبِ إذَا لَمْ يَخْشَ مِنْهَا الضَّرَرَ وَأَنَّ الْبَعْضَ وَاجِبٌ كَالْإِشَارَةِ لِرَدِّ السَّلَامِ، وَبَعْضَهَا مَنْدُوبٌ كَالْمَشْيِ لِلسُّتْرَةِ. وَمَحَلُّ عَدَمِ الْبُطْلَانِ، إذَا لَمْ تَكْثُرْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ كَثْرَةً يَظُنُّ مُشَاهِدُهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَإِلَّا أُبْطِلَتْ لِدُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ [وَبِكَثِيرِ فِعْلٍ] كَمَا تَقَدَّمَ. وَشَبَهٌ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِ الْبُطْلَانِ قَوْلُهُ: (كَسَدِّ فِيهِ) أَيْ فَمِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى (لِتَثَاؤُبٍ) بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ فَمُثَلَّثَةٌ انْفِتَاحُ الْفَمِ عِنْدَ انْعِقَادِ الْبُخَارِ بِالدِّمَاغِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ أَوْ النَّوْمِ. (وَنَفْثٍ) بِسُكُونِ الْفَاءِ الْبُصَاقُ بِلَا صَوْتٍ (بِثَوْبٍ) أَوْ غَيْرِهِ (لِحَاجَةٍ) كَامْتِلَاءِ فَمِهِ بِالْبُصَاقِ وَكُرِهَ لِغَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ بِصَوْتٍ بَطَلَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا تَبْطُلُ بِإِصْلَاحِ رِدَاءٍ] : أَيْ بَلْ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إذَا أَصْلَحَهُ وَهُوَ جَالِسٌ بِأَنْ يَمُدَّ يَدَهُ يَأْخُذُهُ مِنْ الْأَرْضِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ قَائِمًا وَانْحَطَّ لِذَلِكَ فَيُكْرَهُ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ إنْ كَانَ مَرَّةً وَإِلَّا أَبْطَلَ، لِأَنَّهُ فِعْلُ كَثِيرٍ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ انْحَطَّ لِإِصْلَاحِهَا] : أَيْ مَرَّةً وَأَبْطَلَ إنْ زَادَ، كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَأَمَّا الِانْحِطَاطُ لِأَخْذِ عِمَامَةٍ فَمُبْطِلٌ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ لِرُتْبَةِ مَا ذَكَرَ فِي الطَّلَبِ إلَّا أَنْ يَتَضَرَّرَ لَهَا كَمَا فِي عب كَمُنْكَبٍّ (اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ] : أَيْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا إذَا كَانَ السَّدُّ بِغَيْرِ بَاطِنِ الْيُسْرَى لَا إنْ كَانَ بِهِ فَيُكْرَهُ لِمُلَابَسَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَيْسَ التَّفْلُ عَقِبَ التَّثَاؤُبِ مَشْرُوعًا، وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ تَفْلِهِ عَقِبَ التَّثَاؤُبِ فَلِاجْتِمَاعِ رِيقٍ عِنْدَهُ إذْ ذَاكَ اُنْظُرْ ح. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ] إلَخْ: أَيْ بِحَسَبِ الْغَالِبِ وَقَدْ يَكُونُ لِمَرَضٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ لِغَيْرِهَا] : أَيْ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبُصَاقَ

(وَقَصْدِ التَّفْهِيمِ) أَيْ تَفْهِيمِ أَحَدٍ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ (بِذِكْرِ) مُتَعَلِّقٍ [بِقَصْدٍ] ، أَيْ قَصْدٍ بِالذِّكْرِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ كَتَسْبِيحٍ لِيَفْهَمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، أَوْ لِيَتَنَاوَلَ كِتَابًا أَوْ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] أَوْ لِيَأْذَنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46] . وَقَوْلُهُ: (فِي مَحَلِّهِ) : صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ يَطْلُبُ الْإِذْنَ بِالدُّخُولِ أَوْ بِأَخْذِ شَيْءٍ فَيَبْتَدِئُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِقَوْلِهِ: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} [الزخرف: 70] . مَثَلًا أَوْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِهَا سِرًّا فَيَجْهَرُ بِهَا لِلْإِشَارَةِ لِلدُّخُولِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَحَلِّهِ بِأَنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ أَوْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ مَثَلًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ شَخْصٌ فَانْتَقَلَ إلَى قَوْلِهِ: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ} [الحجر: 46] أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ فِي مَحَلِّهِ (بَطَلَتْ) الصَّلَاةُ، لِأَنَّهُ صَارَ بِانْتِقَالِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ إلَى مَا ذُكِرَ فِي مَعْنَى الْمُكَالَمَةِ وَهَذَا فِي غَيْرِ التَّسْبِيحِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ. وَكَذَا لَا تَبْطُلُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَكْرُوهَاتِ مِنْ الِالْتِفَاتِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَا تَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ بَلْعِ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنْ طَعَامٍ وَلَوْ مَضَغَهُ لِيَسَارَتِهِ، أَوْ بِتَعَمُّدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الصَّلَاةِ إمَّا لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا؛ وَفِي كُلٍّ، إمَّا أَنْ يَكُونَ بِصَوْتٍ أَوْ بِغَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ كَانَ بِصَوْتٍ أَمْ لَا وَلَا سُجُودَ فِيهِ اتِّفَاقًا. وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ صَوْتٍ كَانَ مَكْرُوهًا، وَفِي السُّجُودِ لِسَهْوِهِ قَوْلَانِ. وَإِنْ كَانَ بِصَوْتٍ بَطَلَتْ إنْ كَانَ عَمْدًا وَإِنْ كَانَ سَهْوًا سَجَدَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَكُنْ فِي مَحَلِّهِ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ بِالصِّحَّةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا فِي غَيْرِ التَّسْبِيحِ] : مِثْلُهُ التَّهْلِيلُ وَالْحَوْقَلَةُ فَلَا يَضُرُّ قَصْدُ الْإِفْهَامِ بِهِمَا فِي أَيِّ مَحَلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ، فَالصَّلَاةُ كُلُّهَا مَحَلٌّ لِذَلِكَ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [مِنْ طَعَامٍ وَلَوْ مَضَغَهُ] : قَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ كَفِلْقَةِ الْحَبَّةِ فَابْتَلَعَهُ فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ أَبُو الْحَسَنِ، لِأَنَّ فِلْقَةَ الْحَبَّةِ

بَلْعِ نَحْوَ زَبِيبَةٍ أَوْ لُقْمَةٍ بِلَا مَضْغٍ وَإِلَّا بَطَلَتْ. وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الْبُطْلَانَ فِي الْمَضْغِ وَفِي بَلْعٍ كَالزَّبِيبَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَيْسَتْ بِأَكْلٍ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا ابْتَلَعَهَا فِي الصَّوْمِ لَا يُفْطِرُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ؟ فَإِذَا كَانَ الصَّوْمُ لَا يَبْطُلُ فَأَحْرَى الصَّلَاةُ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[فصل في صلاة القاعدة وقضاء الفوائت]

فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْقَاعِدَةِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ فِي بَيَانِ حَالِ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ فِي الْفَرْضِ وَفِي بَيَانِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (إذَا لَمْ يَقْدِرْ) الْمُصَلِّي (عَلَى الْقِيَامِ اسْتِقْلَالًا) لِعَجْزٍ بِهِ أَوْ لِمَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا الْقِيَامَ كَدَوْخَةٍ (فِي) صَلَاةِ (الْفَرْضِ) الْوَاجِبِ فِيهِ الْقِيَامُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْقَاعِدَةِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ] فَصْلٌ أَيْ فَهَذَا الْفَصْلُ يُذْكَرُ فِيهِ حُكْمُ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَبَدَلُهُ؛ وَهُوَ الْجُلُوسُ، وَمَرَاتِبُهُمَا أَيْ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا أَوْ مُسْتَنِدًا. قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] : أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَبِالْفَوَائِتِ كَتَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا وَيَسِيرِهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [أَوْ لِمَشَقَّةٍ] : أَرَادَ بِالْمَشَقَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا الْمَرَضُ أَوْ زِيَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ الْحَالِيَّةَ الَّتِي تَحْصُلُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ - وَلَا يَخْشَى عَاقِبَتَهَا - لَا تُوجِبُ تَرْكَ الْقِيَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ الْمَرِيضُ إذَا صَلَّى قَائِمًا وَحَصَلَتْ لَهُ الْمَشَقَّةُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ جُلُوسٍ. قَالَ ابْنُ نَاجِي وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَشْهَبُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَرِيضٍ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ قَائِمًا لَقَدَرَ لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَأَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا، وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ. وَالْحَاصِلُ - كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي الْفَرْضَ جَالِسًا هُوَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ جُمْلَةً، وَمَنْ يَخَافُ مِنْ الْقِيَامِ الْمَرَضَ أَوْ زِيَادَتَهُ كَالتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْمَشَقَّةُ الْفَادِحَةُ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهِ جَالِسًا إنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ مَسْلَمَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ بِاخْتِصَارٍ) . قَوْلُهُ: [فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَيْنِيًّا أَوْ كِفَائِيًّا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهَا - لَا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا فَيُنْدَبُ الْقِيَامُ فَقَطْ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ

[تنبيه إعادة الصلاة للاستناد ونحوه]

اسْتِقْلَالًا - بِخِلَافِ النَّفْلِ - فَيَجُوزُ فِيهِ الْجُلُوسُ. وَيَجُوزُ بَعْضُهُ مِنْ قِيَامٍ وَبَعْضُهُ مِنْ جُلُوسٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. (أَوْ) قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي الْفَرْضِ وَلَكِنْ (خَافَ بِهِ ضَرَرًا كَالتَّيَمُّمِ) : أَيْ كَالضَّرَرِ الْمُوجِبِ لِلتَّيَمُّمِ، بِأَنْ خَافَ بِالْقِيَامِ حُدُوثَ مَرَضٍ مِنْ نَزْلَةٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ زِيَادَتِهِ - إنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهِ - قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، أَوْ خَافَ تَأَخُّرَ بُرْءٍ (أَوْ) خَافَ بِالْقِيَامِ (خُرُوجَ حَدَثٍ) كَرِيحٍ، (اسْتَنَدَ) نَدْبًا (لِغَيْرِ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ) : بِأَنْ يَسْتَنِدَ لِحَائِطٍ، أَوْ عَلَى قَضِيبٍ أَوْ لِحَبْلٍ يُعَلِّقُهُ بِسَقْفٍ لِلْبَيْتِ وَيَعْتَمِدُ عَلَى إمْسَاكِهِ فِي قِيَامِهِ أَوْ عَلَى شَخْصٍ غَيْرِهِمَا. (وَ) إنْ اسْتَنَدَ (لَهُمَا) : أَيْ لِلْجُنُبِ أَوْ الْحَائِضِ (أَعَادَ بِوَقْتٍ) ضَرُورِيٍّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَرْضُ الْعَيْنِيُّ فَرْضِيَّتُهُ أَصْلِيَّةٌ أَوْ عَارِضَةٌ بِالنَّذْرِ إنْ نَذَرَ فِيهِ الْقِيَامَ، أَمَّا إنْ نَذَرَ الْفِعْلَ فَقَطْ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ لَهُ الْجُلُوسُ] إلَخْ: أَيْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، لَا الِاضْطِجَاعُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِعُذْرٍ. [تَنْبِيه إعَادَة الصَّلَاة لِلِاسْتِنَادِ وَنَحْوه] قَوْلُهُ: [بِأَنْ خَافَ بِالْقِيَامِ حُدُوثَ مَرَضٍ] : أَيْ بِأَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ إذَا قَامَ حَصَلَ لَهُ إغْمَاءٌ أَوْ دَوْخَةٌ مَثَلًا، أَوْ أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ عَارِفٌ أَوْ مُوَافِقٌ لَهُ فِي الْمِزَاجِ. قَوْلُهُ: [خُرُوجَ حَدَثٍ] : أَيْ فَيَجْلِسُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَالَ سَنَدٌ يُصَلِّي مِنْ قِيَامٍ وَيُغْتَفَرُ لَهُ خُرُوجُ الرِّيحِ لِأَنَّ الرُّكْنَ أَوْلَى لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ. وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. وَقَوْلُ سَنَدٍ: الرُّكْنُ أَوْلَى لَا يُسَلَّمُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا أَعْظَمُ مِنْهُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الرُّكْنِ الْوَاجِبِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَا يَجِبُ إلَّا فِي الْفَرْضِ، وَبِهَذَا يَسْقُطُ قَوْلُ سَنَدٍ: لِمَ لَمْ يُصَلِّ قَائِمًا وَيُغْتَفَرُ لَهُ خُرُوجُ الرِّيحِ وَيَصِيرُ كَالسَّلَسِ؟ وَلَا يُتْرَكُ الرُّكْنُ لِأَجْلِهِ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ رُجِّحَ كُلٌّ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: [أَعَادَ بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ] : أَيْ وَيُكْرَهُ ابْتِدَاءً لِبُعْدِهِمَا عَنْ حَالَةِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَنَدَ لِغَيْرِ مُحَرَّمٍ - كَالزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ وَالْأَمْرَدِ وَالْمَأْبُونِ - فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ مَا ذُكِرَ غَيْرَ جُنُبٍ وَحَائِضٍ. فَإِنْ حَصَلَتْ اللَّذَّةُ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ وَإِلَّا فَلَا. وَمَحَلُّ

فَلَوْ صَلَّى جَالِسًا اسْتِقْلَالًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ مُسْتَنِدًا صَحَّتْ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْقِيَامُ بِحَالَتَيْهِ (جَلَسَ كَذَلِكَ) : أَيْ مُسْتَقِلًّا وُجُوبًا إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا فَمُسْتَنِدًا. (وَتَرَبَّعَ) نَدْبًا (لَهُ) : أَيْ لِلْجُلُوسِ فِي الْقِيَامِ؛ أَيْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ لِلْقَادِرِ؛ وَهِيَ حَالَةُ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلِلتَّشَهُّدِ فَالْإِفْضَاءُ كَمَا مَرَّ (كَالْمُتَنَفِّلِ) : مِنْ جُلُوسٍ فَإِنَّهُ يَتَرَبَّعُ نَدْبًا فِي مَحَلِّ الْقِيَامِ، وَيُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ فِي التَّشَهُّدِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. (وَلَوْ اسْتَنَدَ الْقَادِرُ) : عَلَى الْقِيَامِ (فِي غَيْرِ) قِرَاءَةِ (السُّورَةِ) ، وَذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالرُّكُوعِ (بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ الْعِمَادُ) : الْمُسْتَنَدُ إلَيْهِ (لَسَقَطَ) الْمُسْتَنِدُ (بَطَلَتْ) : صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْضِ الرُّكْنِيِّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْكَرَاهَةِ فِي الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ إذَا وُجِدَ غَيْرُهُمَا، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا إعَادَةَ. تَنْبِيهٌ لَا غَرَابَةَ فِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ لِارْتِكَابِ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ كَالِاسْتِنَادِ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا، أَلَا تَرَى لِلصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهِ فِي الْوَقْتِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَقْتَضِي الْإِعَادَةَ أَصْلًا. قَوْلُهُ: [صَحَّتْ] : أَيْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي وَزَرُّوقٌ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ نَاقِلًا لَهُ عَنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْقِيَامِ مُسْتَنِدًا عَلَى الْجُلُوسِ مُسْتَقِلًّا مُسْتَحَبٌّ، وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا، وَاعْتَمَدَهُ الْبُنَانِيُّ. قَوْلُهُ: [وَتَرَبَّعَ نَدْبًا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا أَوْ مُسْتَنِدًا. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْجُلُوسِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ مُتَرَبِّعًا وَيَقْرَأَ وَيَرْكَعَ وَيَرْفَعَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدُ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ. وَيَجْلِسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي التَّشَهُّدِ إلَى السَّلَامِ كَالْجُلُوسِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَنْدُوبَاتِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ مُتَرَبِّعًا لِلْقِرَاءَةِ وَهَكَذَا. قَوْلُهُ: [الْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ] : لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهُ لَوْ اسْتَنَدَ الْقَادِرُ عَلَى الْجُلُوسِ اسْتِقْلَالًا.

(وَإِلَّا) يَسْقُطْ عَلَى تَقْدِيرِ زَوَالِهِ أَوْ كَانَ اسْتِنَادُهُ فِي السُّورَةِ (كُرِهَ) اسْتِنَادُهُ وَلَا بُطْلَانَ. فَلَوْ جَلَسَ حَالَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ بَطَلَتْ لِلْإِخْلَالِ بِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ لَا لِتَرْكِ رُكْنٍ. (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ صَلَّى (عَلَى شِقٍّ أَيْمَنَ) بِالْإِيمَاءِ نَدْبًا: (فَأَيْسَرَ) إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، نَدْبًا أَيْضًا. (فَعَلَى ظَهْرٍ) : وَرِجْلَاهُ لِلْقِبْلَةِ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلَى بَطْنِهِ وَرَأْسُهُ لِلْقِبْلَةِ. فَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَى الظَّهْرِ بَطَلَتْ. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ الظَّهْرَ عَلَى الشِّقِّ بِحَالَتَيْهِ، أَوْ قَدَّمَ الْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ فَلَا تَبْطُلُ. وَبَطَلَتْ إنْ قَدَّمَ الِاضْطِجَاعَ مُطْلَقًا عَلَى الْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ، أَوْ اسْتَنَدَ جَالِسًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ اسْتِقْلَالًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَلَسَ مُسْتَقِلًّا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ مُسْتَنِدًا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الشَّخْصُ (الْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ فَقَطْ) : دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَرِجْلَاهُ لِلْقِبْلَةِ] : أَيْ وُجُوبًا فَلَوْ جَعَلَ رَأْسَهُ إلَيْهَا وَرِجْلَيْهِ لِدُبُرِهَا لَبَطَلَتْ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّحَوُّلِ وَلَوْ بِمُحَوِّلٍ. وَإِلَّا فَلَا بُطْلَانَ. قَوْلُهُ: [وَرَأْسُهُ لِلْقِبْلَةِ] : أَيْ وُجُوبًا فَإِنْ جَعَلَ رِجْلَيْهِ لِلْقِبْلَةِ وَرَأْسَهُ لِدُبُرِهَا بَطَلَتْ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّحَوُّلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِهِ. قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ مِنْ نَدْبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَاجِي وَزَرُّوقٍ. وَأَمَّا، عَلَى قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ فَالْبُطْلَانُ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ خَمْسٌ: الْقِيَامُ بِحَالَتَيْهِ، وَالْجُلُوسُ كَذَلِكَ. وَالِاضْطِجَاعُ فَتَأْخُذُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مَعَ مَا بَعْدَهَا يَحْصُلُ عَشْرُ مَرَاتِبَ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ إلَّا وَاحِدَةً؛ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقِيَامِ مُسْتَنِدًا وَالْجُلُوسِ مُسْتَقِلًّا فَفِيهَا الْقَوْلَانِ: بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. وَالْمَرْتَبَةُ الْأَخِيرَةُ تَحْتَهَا ثَلَاثُ صُوَرٍ وَهِيَ: تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَالْأَيْسَرِ عَلَى الظَّهْرِ وَهَاتَانِ مُسْتَحَبَّتَانِ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ الظَّهْرِ عَلَى الْبَطْنِ فَوَاجِبٌ. قَوْلُهُ: [وَالشَّخْصُ الْقَادِرُ] إلَخْ: وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجِبُ فِيهِ الْوُسْعُ أَيْ: انْتِهَاءُ الطَّاقَةِ فِي الِانْحِطَاطِ، حَتَّى لَوْ قَصَرَ عَنْهُ بَطَلَتْ فَلَا يَضُرُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مُسَاوَاةُ الرُّكُوعِ لِلسُّجُودِ، وَعَدَمُ تَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ أَوْ لَا يَجِبُ فِيهِ الْوُسْعُ؟

(أَوْمَأَ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقِيَامِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضْطَجِعَ وَيُومِئَ لَهُمَا مِنْ اضْطِجَاعِهِ، فَإِنْ اضْطَجَعَ بَطَلَتْ. (وَ) الْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ (مَعَ الْجُلُوسِ) أَوْمَأَ لِرُكُوعِهِ مِنْ الْقِيَامِ وَ (أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجُلُوسِ، فَإِنْ خَالَفَ فِيهِمَا بَطَلَتْ. (وَ) إذَا أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ (حَسَرَ) : أَيْ رَفَعَ (عِمَامَتَهُ) مِنْ جَبْهَتِهِ وُجُوبًا، بِحَيْثُ لَوْ سَجَدَ لَأَمْكَنَ وَضْعُ جَبْهَتِهِ بِالْأَرْضِ أَوْ بِمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ فَرْشٍ وَنَحْوِهِ. (فَإِنْ سَجَدَ) مِنْ حَقِّهِ الْإِيمَاءُ بِالسُّجُودِ لِقُرُوحٍ بِجَبْهَتِهِ مَثَلًا (عَلَى أَنْفِهِ صَحَّتْ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي طَاقَتِهِ مِنْ الْإِيمَاءِ - وَحَقِيقَةُ السُّجُودِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ - وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِإِيمَاءٍ وَلَا سُجُودٍ (وَإِنْ قَدَرَ) الْمُصَلِّي (عَلَى الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ (إلَّا أَنَّهُ إنْ سَجَدَ) بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ قَائِمًا وَرَكَعَ وَرَفَعَ مِنْهُ (لَا يَنْهَضُ) : أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQبَلْ يُجْزِئُ مَا يَكُونُ إيمَاءً مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَزْيَدَ مِنْهُ، وَلَا بُدَّ عَلَى هَذَا مِنْ تَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. قَوْلُهُ: [أَيْ رَفَعَ عِمَامَتَهُ عَنْ جَبْهَتِهِ] : أَيْ حِينَ إيمَائِهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ عِمَامَتَهُ إنْ كَانَ يَسْجُدُ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا كَالطَّاقَةِ وَالطَّاقَتَيْنِ فَيُكْرَهُ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا تَصِحُّ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ بِجَبْهَتِهِ قُرُوحٌ تَمْنَعُهُ مِنْ السُّجُودِ فَلَا يَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ، وَإِنَّمَا يُومِئُ لِلْأَرْضِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَخَالَفَ فَرْضَهُ، فَقَالَ أَشْهَبُ: يُجْزِئُ. وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ هُوَ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَ أَشْهَبُ أَوْ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ؟ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُوَافِقُ أَشْهَبَ عَلَى الْإِجْزَاءِ إذَا نَوَى الْإِيمَاءَ بِالْجَبْهَةِ لَا إنْ نَوَى السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ حَقِيقَةً فَتَبْطُلُ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " صَحَّتْ " وَيَشْهَدُ لَهُ تَعْلِيلُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي طَاقَتِهِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: " وَقِيلَ لَا تَصِحُّ " مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِيمَاءَ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ خِلَافٌ.

[تنبيه إيماء غير القادر في الصلاة]

الْقِيَامِ، (صَلَّى رَكْعَةً) بِسَجْدَتَيْهَا وَهِيَ الْأُولَى مِنْ قِيَامٍ، (وَتَمَّمَ) صَلَاتَهُ (مِنْ جُلُوسٍ) . (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَرْكَانِ (إلَّا عَلَى نِيَّةٍ) فَقَطْ بِأَنْ يَنْوِيَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ وَيَسْتَحْضِرَهَا، فَإِنْ قَدَرَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى السَّلَامِ سَلَّمَ، (أَوْ) قَدَرَ عَلَى النِّيَّةِ (مَعَ إيمَاءٍ بِطَرْفٍ) : أَيْ وَلَوْ بِطَرْفٍ (وَجَبَتْ) الصَّلَاةُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَسَقَطَ عَنْهُ غَيْرُ مَقْدُورِهِ. (وَلَا يُؤَخِّرُهَا) عَنْ وَقْتِهَا بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ (مَا دَامَ) الْمُكَلَّفُ (فِي عَقْلِهِ) . ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ. وَالْقَضَاءُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَمَّمَ صَلَاتَهُ مِنْ جُلُوسٍ] : لِأَنَّ السُّجُودَ أَعْظَمُ مِنْ الْقِيَامِ، وَقِيلَ يُصَلِّي قَائِمًا إيمَاءً إلَّا الْأَخِيرَةَ فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فِيهَا. [تَنْبِيه إيمَاء غَيْر الْقَادِر فِي الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [وَجَبَتْ الصَّلَاةُ بِمَا قَدَرَ] إلَخْ: أَيْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي الْأُولَى، وَعَلَى مَا قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِهَا] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ فَاقِدًا لِلطُّهْرَيْنِ مَثَلًا. تَنْبِيهٌ هَلْ الْمُومِئُ لِلسُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ مِنْ جُلُوسٍ - وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ - يُومِئُ مَعَ إيمَائِهِ بِظَهْرِهِ وَرَأْسِهِ بِيَدِهِ أَيْضًا إلَى الْأَرْضِ؟ وَإِنْ كَانَ يُومِئُ لَهُ مِنْ جُلُوسٍ يَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ بِالْفِعْلِ - إنْ قَدَرَ - أَوْ لَا يُومِئُ بِهِمَا؟ تَأْوِيلَانِ. خَاتِمَةٌ إنْ خَفَّ فِي الصَّلَاةِ مَعْذُورٌ، بِأَنْ زَالَ عُذْرُهُ عَنْ حَالَةٍ أُبِيحَتْ لَهُ، انْتَقَلَ وُجُوبًا لِلْأَعْلَى مِنْهَا فِيمَا التَّرْتِيبُ فِيهِ وَاجِبٌ، كَمُضْطَجِعٍ قَدَرَ عَلَى الْجُلُوسِ، وَنَدْبًا فِيمَا هُوَ فِيهِ مَنْدُوبٌ كَمُضْطَجِعٍ عَلَى أَيْسَرِ قَدَرَ عَلَى أَيْمَنَ. وَيَجُوزُ مُدَاوَاةُ الْعَيْنِ وَلَوْ أَدَّى إلَى الِاسْتِلْقَاءِ فِي الصَّلَاةِ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ.

[الفوائت والقضاء]

اسْتِدْرَاكُ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فَقَالَ: (وَيَجِبُ) عَلَى الْمُكَلَّفِ (قَضَاءُ) : أَيْ فِعْلُ وَاسْتِدْرَاكُ (مَا فَاتَهُ مِنْهَا) أَيْ الصَّلَاةِ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ لِغَيْرِ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ كُفْرٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ لِفَقْدِ الطُّهْرَيْنِ بَلْ لِتَرْكِهَا عَمْدًا، أَوْ لِنَوْمٍ، أَوْ لِسَهْوٍ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَهَا بَاطِلَةً لِفَقْدِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ (وَلَوْ شَكًّا) : فَأَوْلَى إنْ فَاتَتْهُ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْفَوَائِت وَالْقَضَاء] قَوْلُهُ: [ثُمَّ شَرَعَ] إلَخْ: أَيْ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ سُنَنٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ وَمُبْطِلَاتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَتَرْتِيبِهَا فِي نَفْسِهَا وَمَعَ غَيْرِهَا، وَبَيَانِ كَيْفِيَّةِ مَا يَفْعَلُ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْإِتْيَانِ أَوْ فِي عَيْنِهَا أَوْ فِي تَرْتِيبِهَا، وَانْجَرَّ بِهِ الْكَلَامُ إلَى بَيَانِ حُكْمِ تَرْتِيبِ الْحَاضِرَتَيْنِ فَذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: [اسْتِدْرَاكُ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ] : أَيْ إدْرَاكُهُ وَتَحْصِيلُهُ؛ لِيَسْقُطَ عَنْ ذِمَّتِهِ. قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ جُنُونٍ] إلَخْ: وَمِثْلُ مَا ذَكَرَ السُّكْرُ بِحَلَالٍ فَهُوَ مِنْ الْمُسْقِطَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [أَوْ لِفَقْدِ الطُّهْرَيْنِ] : أَيْ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ. قَوْلُهُ: [بَلْ لِتَرْكِهَا عَمْدًا] إلَخْ: ابْنُ نَاجِي عَلَى الرِّسَالَةِ. قَالَ عِيَاضٌ: سَمِعْت عَنْ مَالِكٍ قَوْلَةً شَاذَّةً: لَا تُقْضَى فَائِتَةُ الْعَمْدِ وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ سِوَى دَاوُد وَابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ، وَخَرَّجَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ أَسْلَمَ، وَخَرَّجَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ عَلَى يَمِينِ الْغَمُوسِ (اهـ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ) قَوْلُهُ: [وَلَوْ شَكًّا] : أَيْ فِي فَوَاتِهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ لِقَرِينَةٍ مِنْ كَوْنِهِ وَجَدَ مَاءَ وُضُوئِهِ بَاقِيًا أَوْ وَجَدَ فِرَاشَ صَلَاتِهِ مَطْوِيًّا وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا إذَا شَكَّ فِي الْحَاضِرَةِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ مُطْلَقًا لِبَقَاءِ سَلْطَنَةِ وَقْتِهَا. وَمِنْ الْقَرِينَةِ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ التَّهَاوُنَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَتَقَدَّمَ لَهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ شَأْنُهُ التَّهَاوُنُ فِيهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَهَا هُنَا شَبَهٌ بِالشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ وَهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ لِرُؤْيَةِ شَخْصٍ دَاخِلٍ، شَكَّ هَلْ هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَى دُخُولِهِ؟ وَأَمَّا إذَا جَزَمَ بِأَصْلِ الطَّلَاقِ وَشَكَّ فِي عَدَدِهِ عَامَلُوهُ بِالْأَحْوَطِ فِي حِلِّيَّتِهَا لَهُ بِالْأَزْوَاجِ، وَكَذَا هُنَا إذَا جَزَمَ بِأَصْلِ التَّرْكِ وَشَكَّ فِي عَيْنِ الْمَنْسِيَّةِ عَامَلُوهُ بِالْأَحْوَطِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَجْمُوعِ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الشَّكِّ مِنْ غَيْرِ عَلَامَةٍ فَلَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَأَوْلَى الْوَهْمُ. إنْ قُلْت: إنَّ مَنْ ظَنَّ تَمَامَ الصَّلَاةِ وَتَوَهَّمَ بَقَاءَ رَكْعَةٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالْوَهْمِ وَالْإِتْيَانُ بِرَكْعَةٍ، فَأَيُّ فَرْقٍ؟ قُلْت: مَا هُنَا ذِمَّتُهُ غَيْرُ مَشْغُولَةٍ تَحْقِيقًا، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْمُورَدَةِ فَإِنَّ الذِّمَّةَ فِيهَا مَشْغُولَةٌ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهُ جَازِمٌ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

وَيَقْضِيهَا بِنَحْوِ مَا فَاتَتْهُ، سَفَرِيَّةً أَوْ حَضَرِيَّةً، جَهْرِيَّةً أَوْ سِرِّيَّةً (فَوْرًا) وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ (مُطْلَقًا) - سَفَرًا أَوْ حَضَرًا، صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا - وَقْتَ جَوَازٍ بَلْ (وَلَوْ وَقْتَ نَهْيٍ) كَطُلُوعِ شَمْسٍ وَغُرُوبِهَا وَخُطْبَةِ جُمُعَةٍ (فِي غَيْرِ مَشْكُوكَةٍ) رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ. فَالْمَشْكُوكُ فِي فَوَاتِهَا يَقْضِيهَا بِغَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: " فَوْرًا مُطْلَقًا " قَوْلَهُ: (إلَّا وَقْتَ الضَّرُورَةِ) : أَيْ الْحَاجَةِ؛ كَوَقْتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَتَحْصِيلِ مَا يَحْتَاجُ لَهُ فِي مَعَاشِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِنَحْوِ مَا فَاتَتْهُ] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِي زَرُّوقٍ عَلَى الرِّسَالَةِ: يَقْنُتُ فِي الْفَائِتَةِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّسَالَةِ، قَالَ: وَيُطَوِّلُ. وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ وَقَالَ لَا يُقِيمُ وَسَبَقَ خِلَافُهُ. نَعَمْ يَقْضِي الْعَاجِزُ بِمَا قَدَرَ وَالْقَادِرُ بِالْقِيَامِ وَلَوْ فَاتَتْهُ حَالَ عَجْزِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَارِضِ الْحَالِيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ تَتْبَعُ وَقْتَهَا (اهـ) . قَوْلُهُ: [فَوْرًا] : أَيْ عَادِيًّا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا، لَا الْحَالَ الْحَقِيقِيَّ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْوَادِي قَالَ: «ارْتَحِلُوا فَإِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ، فَسَارَ بِهِمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ» فَلَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا الْمَعْنَى خَاصٌّ وَهُوَ أَنَّ الْوَادِيَ بِهِ شَيْطَانٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ مَشْكُوكَةٍ] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: الْمُرَادُ الشَّكُّ فِي أَصْلِ التَّرْتِيبِ، أَمَّا فِي الْعَيْنِ فَكَالْمُحَقَّقِ (اهـ) وَمَعْنَاهُ يَقْضِي وَلَوْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: [فَالْمَشْكُوكُ فِي فَوَاتِهَا] : أَيْ لَا فِي عَيْنِهَا فَتُقْضَى وَلَوْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ كَمَا عَلِمْت (اهـ) .

[ترتيب القضاء]

(وَلَا يَجُوزُ لَهُ) : أَيْ لِمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ - (النَّفَلُ) مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِمَّا عَلَيْهِ (إلَّا السُّنَنَ) : كَوَتْرٍ وَعِيدٍ، (وَشَفْعًا) : قَبْلَ الْوَتْرِ، (وَفَجْرًا) : قَبْلَ أَدَاءِ الصُّبْحِ. (وَ) يَجِبُ (مَعَ ذِكْرٍ) : أَيْ تَذَكُّرٍ - وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ - (تَرْتِيبُ) صَلَاتَيْنِ (حَاضِرَتَيْنِ) : مُشْتَرَكَتَيْ الْوَقْتِ؛ وَهُمَا الظُّهْرَانِ وَالْعِشَاءَانِ وُجُوبًا (شَرْطًا) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ لَهُ] إلَخْ: قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: لَكِنْ رَخَّصُوا فِي الْيَسِيرِ كَالرَّوَاتِبِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ الصُّبْحِ يَوْمَ الْوَادِي» (اهـ) . وَلَا يَنْتَظِرُ الْمَاءَ عَادِمُهُ بَلْ يَتَيَمَّمُ وَلَوْ أَقَرَّ أَجِيرٌ بِفَوَائِتَ لَمْ يُعْذَرْ حَتَّى يَفْرُغَ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْأُجْهُورِيِّ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيُّ: النَّهْيُ عَنْ النَّفْلِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ إذَا لَمْ يَتَنَفَّلْ قَضَى الْفَوَائِتَ، أَمَّا مَنْ إذَا نَهَيْنَاهُ عَنْ النَّفْلِ تَرَكَ بِالْمَرَّةِ فَالنَّفَلُ خَيْرٌ مِنْ التَّرْكِ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ تِلْمِيذُهُ زَرُّوقٌ أَيْ: لِأَنَّ الْفَتْوَى لَا تَتْبَعُ كَسَلَهُ بَلْ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ التَّنْظِيرُ فِي كُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ عَدَمُ كُفْرِهِ، وَوَقَعَ التَّنْظِيرُ أَيْضًا فِي كِفَايَةِ قَضَاءِ يَوْمَيْنِ مَعَ يَوْمٍ، قَالُوا: وَلَا يَكْفِي يَوْمٌ مَعَ يَوْمٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْخُلُوصِ مِنْ إثْمِ التَّأْخِيرِ، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حَاصِلَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قَوْلُهُ: [وَفَجْرًا] : وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِثْلَهُ الرَّوَاتِبُ. [تَرْتِيب الْقَضَاء] [الْإِكْرَاه عَلَى تَرْكِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاء الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ مَعَ ذِكْرٍ] : أَيْ وَوَجَبَ مَعَ ذِكْرٍ فِي الِابْتِدَاءِ بَلْ وَلَوْ فِي الْأَثْنَاءِ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِثَانِيَةِ الْحَاضِرَتَيْنِ مَعَ تَذَكُّرِهِ لِلْأُولَى بَطَلَتْ تِلْكَ الثَّانِيَةُ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا. وَكَذَا إنْ أَحْرَمَ بِالثَّانِيَةِ غَيْرَ مُتَذَكِّرٍ لِلْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الثَّانِيَةَ تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ تَذَكُّرِ الْأُولَى، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحَاضِرَتَيْنِ وَاجِبٌ " شَرْطٌ " فِي الِابْتِدَاءِ وَفِي الْأَثْنَاءِ تَبِعَ فِيهِ (عب) وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ كَالنَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ وَالطِّخِّيخِيِّ وَالتَّتَّائِيِّ. وَتَعَقَّبَ (بْن) : بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ شَرْطًا فِي الِابْتِدَاءِ لَا فِي الْأَثْنَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ الْمَوَّاقِ. فَإِذَا أَحْرَمَ بِالثَّانِيَةِ نَاسِيًا لِلْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَأْثَمُ إذَا أَتَمَّهَا وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا بَعْدَ فِعْلِ الْأُولَى.

يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ. وَلَا يَكُونَانِ حَاضِرَتَيْنِ إلَّا إذَا وَسِعَهُمَا الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ، فَإِنْ ضَاقَ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ إلَّا الْأَخِيرَةَ اخْتَصَّتْ بِهِ. فَيَدْخُلُ فِي قِسْمِ الْحَاضِرَةِ مَعَ يَسِيرِ الْفَوَائِتِ. فَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ أَوْ الضَّرُورِيِّ وَهُوَ مُتَذَكِّرٌ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ، أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ التَّذَكُّرُ فِي أَثْنَاءِ الْعَصْرِ، فَالْعَصْرُ بَاطِلَةٌ. وَكَذَا الْعِشَاءُ مَعَ الْمَغْرِبِ لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحَاضِرَةِ وَاجِبٌ شَرْطًا. فَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ وَأَعَادَهَا بِوَقْتٍ بَعْدَ الْأُولَى. فَقَوْلُ الرِّسَالَةِ: وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي صَلَاةٍ فَسَدَتْ عَلَيْهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، مَعْنَاهُ: إنْ كَانَتَا حَاضِرَتَيْنِ لَا مُطْلَقًا. (وَ) يَجِبُ تَرْتِيبُ (الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا) قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ تَرْتِيبًا غَيْرَ شَرْطٍ فَيُقَدَّمُ الظُّهْرُ عَلَى الْعَصْرِ وَهِيَ عَلَى الْمَغْرِبِ وَهَكَذَا وُجُوبًا، فَإِنْ نَكَّسَ صَحَّتْ وَأَثِمَ إنْ تَعَمَّدَ وَلَا يُعِيدُ الْمُنَكَّسَ. (وَ) يَجِبُ تَرْتِيبُ (يَسِيرِهَا) : أَيْ الْفَوَائِتِ (مَعَ حَاضِرَةٍ) فَيَجِبُ تَقْدِيمُ يَسِيرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ التَّذَكُّرُ] : أَيْ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا تَبَعًا لِ (عب) وَالْجَمَاعَةِ لَا عَلَى مَا قَالَهُ (بْن) . قَوْلُهُ: [وَأَعَادَهَا بِوَقْتٍ] : فَإِنْ تَرَكَ إعَادَتَهَا نِسْيَانًا أَوْ عَجْزًا أَوْ عَمْدًا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ لَمْ يُعِدْهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُعِيدُهَا عِنْدَ غَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: مِثْلُ مَنْ قَدَّمَ الثَّانِيَةَ نِسْيَانًا وَتَذَكَّرَ الْأُولَى بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، فِي كَوْنِهِ يُنْدَبُ لَهُ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ بَعْدَ فِعْلِ الْأُولَى، مَنْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ التَّرْتِيبِ. فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَزِيدَ: (وَقُدْرَةٍ) ، بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَمَعَ ذِكْرٍ " وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى الْإِكْرَاهُ عَلَى تَرْكِ تَرْتِيبِ الْحَاضِرَتَيْنِ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعَصْرِ، لَا فِي الظُّهْرَيْنِ لِإِمْكَانِ نِيَّةِ الْأُولَى بِالْقَلْبِ وَإِنْ اخْتَلَفَ لَفْظُهُ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [تَرْتِيبُ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ شَرْطًا. قَوْلُهُ: [وَلَا يُعِيدُ الْمُنَكِّسُ] : أَيْ لِأَنَّهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ خَرَجَ وَقْتُهُ وَالْإِعَادَةُ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ الْغَيْرِ الشَّرْطِ إنَّمَا هِيَ فِي الْوَقْتِ. قَوْلُهُ: [يَسِيرِهَا] إلَخْ: أَيْ وُجُوبًا غَيْرَ شَرْطٍ أَيْضًا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ إنَّهُ مَنْدُوبٌ.

الْفَوَائِتِ عَلَى الْحَاضِرَةِ؛ كَمَنْ عَلَيْهِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ مَعَ الصُّبْحِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الصُّبْحِ الْحَاضِرَةِ (وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا) : أَيْ الْحَاضِرَةِ بِتَقْدِيمِهِ يَسِيرَ الْفَوَائِتِ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا. (وَهِيَ) : أَيْ يَسِيرُ الْفَوَائِتِ (خَمْسٌ) فَأَقَلُّ، وَقِيلَ أَرْبَعٌ فَأَقَلُّ. فَالْأَرْبَعُ يَسِيرٌ اتِّفَاقًا وَالسِّتَّةُ كَثِيرٌ اتِّفَاقًا وَالْخِلَافُ فِي الْخَمْسِ؛ فَإِنْ قَدَّمَ الْحَاضِرَ عَلَى يَسِيرِ الْفَوَائِتِ صَحَّتْ وَأَثِمَ إنْ تَعَمَّدَ (وَأَعَادَ الْحَاضِرَةَ) نَدْبًا (إنْ خَالَفَ) وَقَدَّمَ الْحَاضِرَةَ عَلَى الْيَسِيرِ وَلَوْ عَمْدًا (بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ) : أَيْ بِوَقْتِهَا وَلَوْ الضَّرُورِيَّ، وَهُوَ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ (لَا مَأْمُومُهُ) الَّذِي صَلَّى خَلْفَهُ الْحَاضِرَةَ فَلَا يُعِيدُهَا. وَقِيلَ: يُعِيدُهَا كَإِمَامِهِ لِتَعَدِّي خَلَلِ صَلَاةِ إمَامِهِ لِصَلَاتِهِ. وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ. (وَإِنْ ذَكَرَ) الْمُصَلِّي (الْيَسِيرَ) مِنْ الْفَوَائِتِ وَهُوَ (فِي فَرْضٍ) وَلَوْ صُبْحًا أَوْ جُمُعَةً - فَذًّا أَوْ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا - (قَطَعَ فَذٌّ) صَلَاتَهُ (وَ) قَطَعَ (إمَامٌ) وُجُوبًا فِيهِمَا (وَ) قَطَعَ (مَأْمُومُهُ) تَبَعًا لَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْمَامٌ بِنَفْسِهِ وَلَا بِاسْتِخْلَافٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْخِلَافُ فِي الْخَمْسِ] : أَيْ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا مِنْ الْيَسِيرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْيَسِيرِ أَصْلًا كَمَا لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ الْقَدْرَ ابْتِدَاءً أَوْ بَقَاءً كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَقَضَى بَعْضَهُ حَتَّى بَقِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ] : قَالَ مُحَشِّي الْأَصْلِ تَبَعًا لِلْحَاشِيَةِ لِلْغُرُوبِ، فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ. أَيْ وَيُعِيدُ الْعِشَاءَيْنِ لِلْفَجْرِ وَلَوْ مَغْرِبًا صُلِّيَتْ فِي جَمَاعَةٍ وَعِشَاءً بَعْدَ وَتْرٍ، وَالصُّبْحَ لِلطُّلُوعِ وَلَهُ حِينَ إرَادَةِ إعَادَةِ الْحَاضِرَةِ أَنْ يُعِيدَهَا فِي جَمَاعَةٍ سَوَاءٌ صَلَّى أَوْ لَا، فَذًّا أَوْ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ لَيْسَتْ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ بَلْ لِلتَّرْتِيبِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُعِيدُهَا] : أَيْ لِوُقُوعِ صَلَاةِ الْإِمَامِ تَامَّةً فِي نَفْسِهَا لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا، وَإِنَّمَا أَعَادَ الْإِمَامُ لِعُرُوضِ تَقْدِيمِ الْحَاضِرَةِ عَلَى يَسِيرِ الْفَوَائِتِ. قَوْلُهُ: [وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ] : أَيْ لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ، وَرَجَّحَهُ اللَّخْمِيُّ وَأَبُو عِمْرَانَ وَابْنُ يُونُسَ. قَوْلُهُ: [وُجُوبًا فِيهِمَا] : أَيْ وَقِيلَ نَدْبًا وَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْحَاضِرَةِ وَيَسِيرِ الْفَوَائِتِ. وَالثَّانِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ وَإِنَّمَا أُبْطِلَ

وَيَقْطَعُ مَنْ ذَكَرَ بِسَلَامٍ لِأَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ، مَتَى تَذَكَّرَ سَوَاءٌ كَانَ تَذَكُّرُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ إذَا لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا. (وَشَفَعَ نَدْبًا إنْ رَكَعَ) : أَيْ يُنْدَبُ لَهُ إذَا تَمَّمَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا أَنْ يُضِيفَ لَهَا أُخْرَى بِنِيَّةِ النَّفْلِ، وَيَخْرُجُ عَنْ شَفْعٍ (وَلَوْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا (صُبْحًا) . وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّنَفُّلُ قَبْلَ الصُّبْحِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا أَمْرٌ جَرَّ إلَيْهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَا مَدْخُولَ عَلَيْهِ (وَجُمُعَةً) : وَلَا يَكُونُ الْقَطْعُ فِيهَا إلَّا مِنْ إمَامٍ فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ تَمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَقَبْلَ تَمَامِ الثَّالِثَةِ بِسَجْدَتَيْهَا رَجَعَ لِلتَّشَهُّدِ، وَخَرَجَ عَنْ شَفْعٍ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ (وَكَمَّلَ الْمَغْرِبَ) بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ وُجُوبًا (وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ) تَمَامِ (رَكْعَتَيْنِ) مِنْهَا، لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ (كَغَيْرِهَا) أَيْ كَمَا يُكَمِّلُ غَيْرَ الْمَغْرِبِ وُجُوبًا إنْ ذَكَرَ الْيَسِيرَ (بَعْدَ) تَمَامِ (ثَلَاثٍ) مِنْ الرَّكَعَاتِ. وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهَا: الرُّبَاعِيَّةُ: فَلَا يَشْمَلُ الصُّبْحَ وَالْجُمُعَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَعُلِمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعَمَلُ لِتَحْصِيلِ مَنْدُوبٍ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ. قَوْلُهُ: [وَشَفَعَ نَدْبًا إنْ رَكَعَ] : هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ يَخْرُجُ عَنْ شَفْعٍ مُطْلَقًا عَقْدُ رَكْعَةٍ أَمْ لَا، وَقِيلَ يَقْطَعُ مُطْلَقًا. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ تَجْرِي فِيمَا إذَا تَذَكَّرَ الْفَذُّ أَوْ الْإِمَامُ حَاضِرَةً فِي حَاضِرَةٍ، كَمَا لَوْ تَذَكَّرَ الظُّهْرَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْقَطْعُ وَإِنْ لَمْ يَرْكَعْ وَالشَّفْعُ إنْ رَكَعَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا صُبْحًا] : هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ يُتِمُّ الصُّبْحَ إذَا تَذَكَّرَ يَسِيرَ الْمَنْسِيَّاتِ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ مِنْهَا رَكْعَةً، وَلَا يَشْفَعُهَا نَافِلَةً لِإِشْرَافِهَا عَلَى التَّمَامِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَغْرِبَ كَغَيْرِهَا، قَالَ مُؤَلِّفُهُ فِي تَقْرِيرِهِ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقِيلَ: يَقْطَعُ وَلَوْ عَقَدَ رَكْعَةً. وَقِيلَ: إنْ عَقَدَ رَكْعَةً كَمَّلَهَا مَغْرِبًا، وَفِي الْحَاشِيَةِ ضَعَّفَ الْأَوَّلَ. قَوْلُهُ: [التَّنَفُّلُ قَبْلَ الصُّبْحِ] : أَيْ وَالتَّنَفُّلُ قَبْلَ الصُّبْحِ بِغَيْرِ الْوَرْدِ بِشُرُوطِهِ، وَالشَّفْعُ وَالْوَتْرُ وَالْفَجْرُ مَكْرُوهٌ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّا نَقُولُ] إلَخْ: أَيْ وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي الْمَغْرِبِ.

أَنَّهُ إنْ ذَكَرَ الْيَسِيرَ بَعْدَ رَكْعَةٍ خَرَجَ عَنْ شَفْعٍ مُطْلَقًا، وَبَعْدَ رَكْعَتَيْنِ كَمَّلَ الْمَغْرِبَ وَأُولَى الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ، وَخَرَجَ عَنْ شَفْعٍ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَبَعْدَ ثَلَاثٍ كَمَّلَ الرُّبَاعِيَّةَ، وَأُولَى الْمَغْرِبِ. (وَ) إذَا كَمَّلَ (أَعَادَ) نَدْبًا مَا أُمِرَ بِتَكْمِيلِهِ بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِيَسِيرِ الْفَوَائِتِ (كَمَأْمُومٍ) تَذَكَّرَ الْيَسِيرَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُكْمِلُ صَلَاتَهُ الْحَاضِرَةَ مَعَ الْإِمَامِ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَسَاجِينِ الْإِمَامِ، ثُمَّ يُعِيدُ نَدْبًا بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِالْيَسِيرِ (مُطْلَقًا) عَقَدَ رَكْعَةً مَعَ إمَامِهِ أَوْ لَا. ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ [فِي فَرْضٍ] بِقَوْلِهِ: (وَ) إنْ ذَكَرَ الْيَسِيرَ (فِي) صَلَاةِ (نَفْلٍ أَتَمَّهُ) : أَيْ النَّفَلَ وُجُوبًا؛ لِوُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَلَا يُعَوِّضُ (إلَّا إذَا خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ) : لِحَاضِرَةٍ عَلَيْهِ أَيْضًا (وَلَمْ يَعْقِدْ رُكُوعًا) مِنْ النَّفْلِ أَيْ لَمْ يَأْتِ بِرَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا. فَإِذَا خَافَ خُرُوجَهُ وَلَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً قَطَعَ وَصَلَّى الْفَرْضَ. فَإِنْ عَقَدَهَا كَمَّلَهُ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ عِنْدَ جَهْلِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِتِ فَقَالَ: (وَإِنْ جَهِلَ عَيْنَ مَنْسِيَّةٍ) أَيْ فَائِتَةٍ. وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْمَتْرُوكَةَ عَمْدًا مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ أَوْ شَكِّهِ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَاحِدَةً مِنْ الْخَمْسِ، (مُطْلَقًا) : ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [خَرَجَ عَنْ شَفْعٍ مُطْلَقًا] : أَيْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً أَوْ ثُنَائِيَّةً فَيَشْمَلُ الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ وَالْجُمُعَةَ، وَقَدْ عَلِمْت الْخِلَافَ فِي الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ. قَوْلُهُ: [وَأُولَى الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ] : أَيْ وَمَعْنَى تَكْمِيلِهَا أَنَّهُ لَا يَصْرِفُهَا لِنَفْلٍ. قَوْلُهُ: [وَأُولَى الْمَغْرِبِ] : أَيْ فَلَا يُكَمِّلُهَا أَرْبَعًا وَيَجْعَلُهَا نَفْلًا بَلْ يُبْقِيهَا مَغْرِبًا. قَوْلُهُ: [بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ] : أَيْ وَلَوْ مَغْرِبًا وَعِشَاءً بَعْدَ وَتْرٍ. قَوْلُهُ: [كَمَأْمُومٍ] : أَيْ فَيَتَمَادَى عَلَى صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ. قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً] : الْحَاصِلُ أَنَّهُ يُتِمُّ النَّفَلَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَهِيَ مَا إذَا خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَلَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً.

[جهل ما عليه من الفوائت]

أَيْ لَمْ يَدْرِ أَهِيَ لَيْلِيَّةٌ أَوْ نَهَارِيَّةٌ (صَلَّى خَمْسًا) يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ وَيَخْتِمُ بِالصُّبْحِ كَمَا يَأْتِي. (وَ) إنْ جَهِلَ عَيْنَ (نَهَارِيَّةٍ) فَائِتَةٍ فَلَمْ يَدْرِ أَهِيَ الصُّبْحُ أَوْ الظُّهْرُ أَوْ الْعَصْرُ صَلَّى (ثَلَاثًا) هِيَ الْمُتَقَدِّمَةُ. (وَ) إنْ جَهِلَ عَيْنَ (لَيْلِيَّةٍ) تَرَكَهَا فَلَمْ يَدْرِ أَهِيَ الْمَغْرِبُ أَمْ الْعِشَاءُ صَلَّى (اثْنَتَيْنِ) هُمَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَفِيهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَفِي جَوَازِهِ خِلَافٌ. (وَفِي) جَهْلِ (صَلَاةٍ وَثَانِيَتِهَا) : كَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاتَيْنِ الثَّانِيَةُ مِنْهَا تَلِي الْأُولَى، وَلَمْ يَدْرِ أَهِيَ الظُّهْرُ مَعَ الْعَصْرِ أَوْ الْعَصْرُ مَعَ الْمَغْرِبِ، أَوْ الْمَغْرِبُ مَعَ الْعِشَاءِ أَوْ الْعِشَاءُ مَعَ الصُّبْحِ صَلَّى خَمْسًا فَإِذَا بَدَأَ بِالظُّهْرِ خَتَمَ بِالصُّبْحِ. (أَوْ) جَهْلِ صَلَاةٍ (وَثَالِثَتِهَا) : كَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاتَيْنِ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا ثَالِثَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُولَى صَلَّى خَمْسًا. (أَوْ) صَلَاةٍ (وَرَابِعَتِهَا أَوْ) صَلَاةٍ (وَخَامِسَتِهَا) صَلَّى فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ (خَمْسًا) فَقَطْ - لَا سِتًّا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [جَهْل مَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِت] قَوْلُهُ: [صَلَّى خَمْسًا] : أَيْ وَيَجْزِمُ النِّيَّةَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ بِالْفَرْضِيَّةِ لِتَوَقُّفِ الْبَرَاءَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ مِنْ الْخَمْسِ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَتْرُوكَةُ، فَصَارَ عَدَدُ حَالَاتِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ خَمْسَةً فَوَجَبَ اسْتِيفَاؤُهَا. قَوْلُهُ: [صَلَّى ثَلَاثًا] : أَيْ لِيُحِيطَ بِحَالَاتِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: هِيَ الْمُتَقَدِّمَةُ أَيْ فِي الذِّكْرِ وَهِيَ الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ الِاجْتِزَاءُ بِأَيِّ ثَلَاثٍ. قَوْلُهُ: [صَلَّى اثْنَتَيْنِ] إلَخْ: أَيْ لِيَسْتَوْفِيَ مَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ وَيُنْدَبُ نِيَّةُ يَوْمِ الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ حَيْثُ جَهِلَهُ. قَوْلُهُ [وَفِيهِ الْعَطْفُ] إلَخْ: بَيَانُهُ أَنَّ [لَيْلِيَّةٍ] مَعْطُوفٌ عَلَى " مَنْسِيَّةٍ " وَاثْنَتَيْنِ مَعْطُوفٌ عَلَى " خَمْسَةً " وَعَامِلُ " مَنْسِيَّةٍ " الْمُضَافُ وَهُوَ " عَيْنَ "، وَعَامِلُ " خَمْسًا " الْفِعْلُ الْمَاضِي وَهُوَ " صَلَّى "، وَالْعَامِلَانِ مُخْتَلِفَانِ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ اسْمًا مُضَافًا وَالثَّانِي فِعْلًا، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ " وَنَهَارِيَّةٌ ثَلَاثًا ". [تَنْبِيه مِنْ نَسِيَ أَكْثَر مِنْ خَمْس صَلَوَات] قَوْلُهُ: [لَا سِتًّا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ. وَقَوْلُ خَلِيلٍ فِي هَذِهِ

تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا وَاجِبٌ شَرْطًا، وَهُوَ غَيْرُ مَا مَشَى عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُصَلِّي إلَّا خَمْسًا. لَكِنْ فِي عَمَلِهِ (يُثَنِّي بِبَاقِي الْمَنْسِيِّ) أَيْ بَاقِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَرَغَ مِنْهُ. فَإِنَّ الْمَنْسِيَّ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ صَلَاتَانِ؛ فَإِذَا صَلَّى الظُّهْرَ مَثَلًا ابْتِدَاءً قِيلَ لَهُ: لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْأُولَى فِي الْوَاقِعِ هِيَ الظُّهْرُ الَّتِي صَلَّيْتهَا، فَبَاقِي الْمَنْسِيِّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى هِيَ الْعَصْرُ فَثَنِّ بِهَا. وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ هِيَ الْمَغْرِبُ فَثَنِّ بِهَا، وَفِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ هِيَ الْعِشَاءُ فَثَنِّ بِهَا، وَفِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ هِيَ الصُّبْحُ فَثَنِّ بِهَا. فَإِذَا ثَنَّى بِمَا أُمِرَ بِهِ قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْأُولَى فِي الْوَاقِعِ هِيَ مَا ثَنَّيْت بِهَا، وَأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الْمَنْسِيِّ ثَانِيَتُهَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَثَالِثَتُهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَرَابِعَتُهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَخَامِسَتُهَا فِي الرَّابِعَةِ، فَثَنِّ بِهَا. فَإِذَا ثَنَّى بِهَا قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْأُولَى فِي الْوَاقِعِ هِيَ هَذِهِ الَّتِي ثَنَّيْت بِهَا وَهَكَذَا إلَى آخِرِهَا. فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ يُثَنِّي بِالْمَنْسِيِّ. عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ؛ أَيْ بِبَاقِي الْمَنْسِيِّ حَتَّى يَصِحَّ كَلَامُهُ. (وَ) صَلَّى (الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ) بِأَنْ يُصَلِّيَهَا مُتَوَالِيَةً ثُمَّ يُعِيدَهَا كَذَلِكَ (فِي) ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَسْأَلَةِ وَمَا بَعْدَهَا صَلَّى سِتًّا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ شَرْطًا يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ، وَيَخْتِمُ بِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَقَالَ الْأَشْيَاخُ: إنَّهُ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، فَلِذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ تَبِعَ خَلِيلًا. وَشَيْخُنَا الْمُؤَلِّفُ الْتَفَتَ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى ضَعِيفٍ، فَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [يُثَنِّي بِبَاقِي الْمَنْسِيِّ] إلَخْ: صُورَةُ صَلَاتِهَا فِي الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْخَمْسَ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ ثُمَّ الْمَغْرِبِ ثُمَّ الصُّبْحِ ثُمَّ الْعَصْرِ ثُمَّ الْعِشَاءِ. وَفِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ: يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ ثُمَّ الْعِشَاءِ ثُمَّ الْعَصْرِ ثُمَّ الصُّبْحِ ثُمَّ الْمَغْرِبِ. وَفِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ: يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ ثُمَّ الصُّبْحِ ثُمَّ الْعِشَاءِ ثُمَّ الْمَغْرِبِ ثُمَّ الْعَصْرِ وَهَذَا كُلُّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ فِي الْحِلِّ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ يُصَلِّيَهَا مُتَوَالِيَةً] إلَخْ: أَيْ أَوْ صَلَاةً ثُمَّ صَلَاةً بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مِنْ يَوْمٍ ثُمَّ يُعِيدَهَا لِيَوْمٍ آخَرَ، وَالْعَصْرَ مِنْ يَوْمٍ ثُمَّ يُعِيدَهَا لِلْيَوْمِ الْآخَرِ وَهَكَذَا.

نِسْيَانِ صَلَاةٍ وَ (سَادِسَتِهَا) وَهِيَ سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي (أَوْ) فِي صَلَاةٍ وَ (حَادِيَةَ عَشْرَتَهَا) وَهِيَ سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَكَذَا سَادِسَةَ عَشْرَتَهَا وَحَادِيَةَ عَشَرَيْهَا؛ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهِيَ سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي] : أَيْ فَسَادِسَةُ الظُّهْرِ ظُهْرٌ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَسَادِسَةُ الْعَصْرِ عَصْرٌ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَهَكَذَا. قَوْلُهُ: [وَهِيَ سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ] : أَيْ فَحَادِيَةَ عَشْرَةَ الظُّهْرِ ظُهْرٌ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَحَادِيَةَ عَشْرَةَ الْعَصْرِ عَصْرٌ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا سَادِسَةَ عَشْرَتَهَا] : أَيْ فَإِنَّهَا سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ. وَقَوْلُهُ وَحَادِيَةَ عَشْرَيْهَا هِيَ سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ الْخَامِسِ. وَيُقَالُ فِي سَادِسَةَ عَشْرَيْهَا الَّتِي هِيَ سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ السَّادِسِ وَحَادِيَةَ ثَلَاثِيهَا سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَسَادِسَةَ ثَلَاثِيهَا سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ الثَّامِنِ، وَحَادِيَةَ أَرْبَعَيْهَا سَمِيَّتُهَا مِنْ الْيَوْمِ التَّاسِعِ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ؛ يُصَلِّي الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ خَمْسًا، ثُمَّ خَمْسًا أَوْ صَلَاةً ثُمَّ صَلَاةً. وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مُمَاثِلِ ثَانِيَةِ الصَّلَاةِ الْمَتْرُوكَةِ، كَصَلَاةٍ وَسَابِعَتِهَا. أَوْ مُمَاثِلِ ثَالِثَتِهَا كَصَلَاةٍ وَثَامِنِهَا، أَوْ مُمَاثِلِ رَابِعَتِهَا كَصَلَاةٍ وَتَاسِعَتِهَا، أَوْ مُمَاثِلِ خَامِسَتِهَا كَصَلَاةٍ وَعَاشِرَتِهَا. سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ مِنْ دَوْرٍ أَوَّلٍ أَوْ ثَانٍ أَوْ ثَالِثٍ وَهَكَذَا. وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِخَمْسٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً وَثَالِثَتَهَا إلَى خَامِسَتِهَا، وَبِسِتٍّ عَلَى مَا قَالَهُ خَلِيلٌ. وَبَرَاءَتُهُ بِالْخَمْسِ أَوْ السِّتِّ هُوَ الصَّوَابُ وِفَاقًا لِلْحَطَّابِ وَالرَّمَاصِيِّ وَغَيْرِهَا. خِلَافًا لِلْبِسَاطِيِّ وَالتَّتَّائِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا كَالْخَرَشِيِّ فِي صَلَاةِ الْخَمْسِ مَرَّتَيْنِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالضَّابِطُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَنْ تُقَسِّمَ عَدَدَ الْمَعْطُوفَةِ عَلَى خَمْسَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَهِيَ خَامِسَةُ الْأُولَى فِي أَدْوَارٍ بِقَدْرِ آحَادِ الْخَارِجِ. فَالصَّلَاةُ مُكَمَّلَةٌ وَثَلَاثِينَ - بِالنِّسْبَةِ لَهَا - خَامِسَةٌ مِنْ دَوْرٍ سَادِسٍ. وَإِنْ فَضَلَ وَاحِدٌ فَهِيَ مُمَاثِلَةٌ الْأُولَى كَذَلِكَ. وَمَا بَيْنَهُمَا مُمَاثِلَةٌ سَمِيَّةَ الْفَاضِلِ كَذَلِكَ؛ فَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِثْلُ الثَّانِيَةِ بَعْدَ دَوْرَيْنِ. وَالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِثْلُ مُمَاثِلَةِ الثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مُمَاثِلَةٌ رَابِعَتَهَا وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ خَامِسَةٌ فَتَدَبَّرْ (اهـ.) وَحَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مُقْتَضَى الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ: أَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً وَثَانِيَتَهَا أَوْ وَثَالِثَتَهَا إلَى خَامِسَتَهَا يَبْرَأُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ وَاجِبٌ

لِأَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ لَا يَدْرِي عَيْنَهَا صَلَّى خَمْسًا، وَهَذَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ مِنْ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَلَاةٌ لَا يَدْرِي عَيْنَهَا. (وَ) صَلَّى (خَمْسًا) مُرَتَّبَةً (فِي) تَرْكِ (ثَلَاثٍ) مِنْ الصَّلَوَاتِ (أَوْ) تَرْكِ (أَرْبَعٍ أَوْ) تَرْكِ (خَمْسٍ) مِنْ الصَّلَوَاتِ (مُرَتَّبَةً) قَيَّدَ فِي كُلٍّ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ (مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَعْلَمُ الْأُولَى) مِنْهَا، وَلَا سَبْقَ اللَّيْلِ النَّهَارَ، فَإِنْ عَلِمَ سَبْقَ اللَّيْلِ صَلَّى أَرْبَعًا أَوَّلُهَا الْمَغْرِبُ فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي غَيْرِهَا. وَكَذَا إنْ عَلِمَ سَبْقَ النَّهَارِ أَوَّلُهَا الظُّهْرُ وَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ صَلَاةٍ وَثَانِيَتِهَا. وَمَا مَرَرْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَحَلَّيْنِ - مِنْ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ خَمْسٌ فَقَطْ - هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاخِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ إنَّمَا يَجِبُ ابْتِدَاءً قَبْلَ الْفِعْلِ وَبِفِعْلِهَا خَرَجَ وَقْتُهَا وَبَرِئَ مِنْهَا فَلَا تُعَادُ لِلتَّرْتِيبِ. (وَنُدِبَ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ (تَقْدِيمُ) صَلَاةِ (الظُّهْرِ) لِأَنَّهَا أَوَّلُ فَرِيضَةٍ ظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ مَا تَرَكَهُ غَيْرُ الظُّهْرِ وَإِلَّا لَمْ يَبْتَدِئْ بِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQغَيْرُ شَرْطٍ، أَوْ بِسِتٍّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَهَا وَاجِبٌ شَرْطًا، لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ ثَانِيَتِهَا إلَى خَامِسَتِهَا مِنْ يَوْمِهَا أَوْ مِنْ ثَانِي أَيَّامِهَا أَوْ ثَالِثَةِ أَوْ رَابِعَةِ أَوْ خَامِسَةِ، وَهَكَذَا وَإِنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً وَمُمَاثِلَتَهَا مِنْ يَوْمٍ ثَانٍ أَوْ ثَالِثٍ أَوْ رَابِعٍ أَوْ خَامِسٍ وَهَكَذَا صَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَافْهَمْ. قَوْلُهُ: [وَمَا مَرَرْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَحَلَّيْنِ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلشَّيْخِ خَلِيلٍ حَيْثُ ذَكَرَ: أَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً وَثَانِيَتَهَا إلَى خَامِسَتِهَا يُصَلِّي سِتًّا يَخْتِمُ بِاَلَّتِي بَدَأَ بِهَا لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ ثَلَاثًا مُرَتَّبَةً مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَعْلَمُ الْأُولَى مِنْهُمَا وَلَا سَبْقَ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ يُصَلِّي سَبْعًا بِزِيَادَةِ وَاحِدَةٍ عَلَى السِّتِّ، فَيُعِيدُ الَّتِي بَدَأَ بِهَا وَمَا بَعْدَهَا لِيَخْرُجَ بِهَا مِنْ عُهْدَةِ الشُّكُوكِ. وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ أَرْبَعًا مُرَتَّبَةً مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يَدْرِي الْأُولَى وَلَا سَبْقَ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ. صَلَّى ثَمَانِيًا لِإِعَادَةِ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ خَمْسًا كَذَلِكَ صَلَّى تِسْعًا فَيُعِيدُ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا وَثَلَاثَةً بَعْدَهَا. خَاتِمَةٌ: قَوْلُ خَلِيلٍ فِي صَلَاتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ مُعَيَّنَتَيْنِ لَا يَدْرِي السَّابِقَةَ صَلَّاهُمَا وَأَعَادَ الْمُبْتَدَأَةَ، مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ أَيْضًا. وَأَمَّا عَلَى الرَّاجِحِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا يُعِيدُ الْمُبْتَدَأَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَعَ الشَّكِّ فِي الْقَصْرِ أَعَادَ إثْرَ كُلِّ حَضَرِيَّةٍ سَفَرِيَّةً أَيْ: نَدْبًا فَهُوَ بِاتِّفَاقٍ. وَقَوْلُهُ: وَثَلَاثًا كَذَلِكَ سَبْعًا وَأَرْبَعًا ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسًا إحْدَى وَعِشْرِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ أَيْضًا. وَالرَّاجِحُ - عَلَى مَا عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ - أَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ الْمَتْرُوكِ مَرَّةً، وَلِذَلِكَ أَعْرَضَ الْمُصَنِّفُ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِصُعُوبَتِهَا مَعَ ضَعْفِهَا لِابْتِنَائِهَا عَلَى ضَعِيفٍ. وَإِنْ كَانَتْ مَشْهُورَةً فِي الْمَذْهَبِ.

[فصل في بيان سجود السهو]

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ سُجُودِ السَّهْوِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي بَيَانِ سُجُودِ السَّهْوِ] [تَنْبِيه إبْطَال الصَّلَاة بَعْد الْإِكْمَال] فَصْلٌ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا قَصَدَهُ مِنْ أَحْكَامِ السَّهْوِ عَنْ الصَّلَاةِ كُلِّهَا، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى السَّهْوِ عَنْ بَعْضِهَا. وَالسَّهْوُ الْمَذْهُولُ عَنْ الشَّيْءِ تَقَدَّمَهُ ذِكْرٌ أَوْ لَا، وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ ذِكْرٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ: أَنَّ الْغَفْلَةَ تَكُونُ عَمَّا يَكُونُ، وَالسَّهْوَ يَكُونُ عَمَّا لَا يَكُونُ، تَقُولُ: غَفَلْت عَنْ هَذَا الشَّيْءِ حَتَّى كَانَ؛ وَلَا تَقُولُ: سَهَوْت حَتَّى كَانَ؛ لِأَنَّك إذَا سَهَوْت عَنْ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَغْفُلَ عَنْهُ وَيَكُونُ. وَفَرْقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْغَفْلَةَ تَكُونُ عَنْ فِعْلِ الْغَيْرِ، تَقُولُ كُنْت غَافِلًا عَمَّا كَانَ مِنْ فُلَانٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْهَى عَنْ فِعْلِ الْغَيْرِ.

(يُسَنُّ لِسَاهٍ عَنْ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ) فَأَكْثَرَ (أَوْ) عَنْ (سُنَّتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) فَأَكْثَرَ، بِأَنْ تَرَكَ مَا ذَكَرَ سَهْوًا بِلَا زِيَادَةِ شَيْءٍ فِي صَلَاتِهِ (أَوْ مَعَ زِيَادَةٍ) : لِشَيْءٍ سَهْوًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ غَيْرِ كَثِيرٍ، إذْ زِيَادَةُ الْكَثِيرِ مُبْطِلٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا كَمَا يَأْتِي. إذَا كَانَ النَّقْصُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا، بَلْ (وَلَوْ شَكًّا) . فَالصُّوَرُ سِتٌّ: نَقْصٌ فَقَطْ، نَقْصٌ مَعَ زِيَادَةٍ؛ وَالنَّقْصُ مَعَ الزِّيَادَةِ إمَّا مُحَقَّقَانِ أَوْ مَشْكُوكَانِ، أَوْ النَّقْصُ مُحَقَّقٌ وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكَةٌ، أَوْ عَكْسُهُ. وَالنَّقْصُ فَقَطْ إمَّا مُحَقَّقٌ أَوْ مَشْكُوكٌ، وَمِثْلُهَا مَا إذَا شَكَّ فِيمَا حَصَلَ مِنْهُ هَلْ هُوَ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ. وَالْحُصُولُ إمَّا مُحَقَّقٌ أَوْ مَظْنُونٌ أَوْ مَشْكُوكٌ؛ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ تُضَمُّ لِلسِّتَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يُمْكِنُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَمَّا وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ اخْتِلَافٌ فِي حُكْمِ السُّجُودِ قَبْلِيًّا أَوْ بَعْدِيًّا بِالْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ، وَوُجُوبُ الْقَبْلِيِّ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَسُنِّيَّتُهُ عَمَّا دُونَهَا، وَكَانَ الرَّاجِحُ سُنِّيَّتَهُ قَبْلِيًّا أَوْ بَعْدِيًّا مُطْلَقًا قَالَ " يُسَنُّ "، إلَخْ. قَوْلُهُ: " يُسَنُّ لِسَاهٍ ": أَرَادَ بِالسَّاهِي مَنْ حَصَلَ مِنْهُ مُوجِبُ السُّجُودِ. فَيَشْمَلُ الطُّولَ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ وَلَا سَهْوَ هُنَا بَلْ هُوَ عَمْدٌ أَوْ جَهْلٌ. تَنْبِيهٌ لَا يَجُوزُ إبْطَالُ الصَّلَاةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا مُوجِبُ السُّجُودِ وَلَا إعَادَتُهَا بَعْدَ الْكَمَالِ. وَقَوْلُ الذَّخِيرَةِ: تَرْقِيعُ الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهَا وَإِعَادَتِهَا لِلْعَمَلِ، حَمَلُوا الْأَوْلَوِيَّةَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا يَكْفِي عَنْ السُّجُودِ الْقَبْلِيِّ الْغَيْرِ الْمُبْطِلِ تَرْكُهُ إعَادَةَ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [عَنْ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ] : أَيْ دَاخِلَةٍ الصَّلَاةَ، أَمَّا الْخَارِجَةُ عَنْهَا كَالْإِقَامَةِ فَلَا يَسْجُدُ لِنَقْصِهَا. فَإِنْ سَجَدَ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، وَإِلَّا فَفِعْلُهُ زِيَادَةٌ يَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ السُّنَّةُ غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ - وَلَوْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِيهَا - فَلَا يَسْجُدُ لَهَا، فَإِنْ سَجَدَ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْمُبْطِلَاتِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ] : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَنْقُوصِ مَعَ الزِّيَادَةِ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، عَلَى الْمَشْهُورِ، خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ بِذَلِكَ.

دُخُولُهَا تَحْتَ قَوْلِهِ: [وَلَوْ شَكًّا] كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (سَجْدَتَانِ) نَائِبُ فَاعِلِ يُسَنُّ (قَبْلَ السَّلَامِ) : فِي الصُّوَرِ التِّسْعِ. (وَلَوْ تَكَرَّرَ) : السَّهْوُ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَكْثَرَ، مُبَالَغَةً فِي " سَجْدَتَانِ "؛ فَلِذَا أَخَّرْنَاهُ عَنْهُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُبَالَغَةً فِي " يُسَنُّ " أَيْضًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الْوُجُوبِ عِنْدَ التَّكْرَارِ، كَمَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْ تَقْدِيمِ الشَّيْخِ لَهُ عَلَيْهِ. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: (وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ) أَنَّهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا قَبْلَهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: (بِلَا دُعَاءٍ) أَنَّ الدُّعَاءَ الْمَطْلُوبَ يَكُونُ عَقِبَ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِيَقَعَ سَلَامُهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُطْلَبُ فِيهَا دُعَاءٌ بَعْدَ تَشَهُّدِ السَّلَامِ. الثَّانِي: مَنْ سَلَّمَ إمَامُهُ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ هُوَ فِي الدُّعَاءِ. الثَّالِثُ: مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ فِي نَفْلٍ فَإِنَّهُ يُخَفِّفُهُ حَتَّى يَتْرُكَ الدُّعَاءَ. الرَّابِعُ: مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي أُخْرَى وَلَوْ فَرْضًا. ثُمَّ مَثَّلَ لِتَرْكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَالْمُتَرَكِّبَةِ مِنْ خَفِيفَتَيْنِ فَأَكْثَرَ بِقَوْلِهِ: (كَتَرْكِ تَكْبِيرَةِ عِيدٍ) : سَهْوًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ. وَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّكْبِيرُ الَّذِي قَبْلَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى عِيدٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ تَكَرَّرَ السَّهْوُ] : أَيْ بِمَعْنَى مُوجِبِ السُّجُودِ. أَيْ: وَكَانَ التَّكْرَارُ قَبْلَ السُّجُودِ. أَمَّا إذَا كَانَ التَّكْرَارُ بَعْدُ فَإِنَّ السُّجُودَ يَتَكَرَّرُ كَمَا إذَا سَجَدَ الْمَسْبُوقُ مَعَ إمَامِهِ الْقَبْلِيَّ ثُمَّ سَهَا فِي قَضَائِهِ بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، وَلَا يَجْتَزِئُ بِسُجُودِهِ السَّابِقِ مَعَ الْإِمَامِ. أَوْ تَكَلَّمَ الْمُصَلِّي بَعْدَ سُجُودِهِ فِي الْقَبْلِيِّ وَقَبْلَ سَلَامِهِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ أَيْضًا. وَكَذَا إذَا زَادَ سَجْدَةً فِي الْقَبْلِيِّ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ. أَمَّا الْبَعْدِيُّ إذَا زَادَ فِيهِ فَلَا يَسْجُدُ لَهُ أَصْلًا. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ شَكَّ عِنْدَ الرَّفْعِ هَلْ هَذَا سُجُودُ الْفَرْضِ أَوْ كَانَ بِنِيَّةِ السَّهْوِ وَنَسِيَ الْفَرْضَ أَتَى بِالْفَرْضِ، ثُمَّ السَّهْوِ. قَوْلُهُ: [وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ] : أَيْ اسْتِنَانًا عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ، وَخِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالنَّدْبِ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ مِنْهُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا التَّكْبِيرُ عِنْدَ الْأَرْكَانِ فَهُوَ سُنَّةٌ خَفِيفَةٌ

(وَ) تَرْكِ (جَهْرٍ بِفَرْضٍ) كَالصُّبْحِ لَا نَفْلٍ، كَالْوَتْرِ وَالْعِيدَيْنِ بِفَاتِحَةٍ فَقَطْ وَلَوْ مَرَّةً، لِأَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ وَأَوْلَى تَرْكُهُ فِي الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، أَوْ بِسُورَةٍ فَقَطْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهَا سُنَّةً خَفِيفَةً. (وَاقْتِصَارٌ عَلَى حَرَكَةِ اللِّسَانِ) الَّذِي هُوَ أَدْنَى السِّرِّ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ: تَرْكِ الْجَهْرِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ مَعَ اقْتِصَارِهِ عَلَى أَدْنَى السِّرِّ؛ فَلَوْ أَبْدَلَ الْجَهْرَ بِأَعْلَى السِّرِّ بِأَنْ أَسْمَعَ نَفْسَهُ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. (وَ) تَرْكِ (تَشَهُّدٍ) وَلَوْ مَرَّةً لِأَنَّهُ سُنَّةٌ خَفِيفَةٌ وَالْجُلُوسُ لَهُ سُنَّةٌ وَيَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ تَرْكُ جُلُوسِهِ، وَمِثْلُهُ مَا زَادَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَوْ فِي رَكْعَةٍ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالْقِيَامُ لَهُ سُنَّةٌ أَوْ تَرْكُ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ تَسْمِيعَتَيْنِ أَوْ تَكْبِيرَةٍ وَتَسْمِيعَةٍ. (وَ) يَسْجُدُ (لِمَحْضِ الزِّيَادَةِ) مِنْ جِنْسِهَا أَوْ لَا إذَا لَمْ تَكْثُرْ، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ أَوْ سَلَامٍ كَأَنْ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ أَوْ كَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ سَهْوًا فِي الْجَمِيعِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ السَّلَامِ، فَإِنْ كَثُرَتْ الزِّيَادَةُ أُبْطِلَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ. قَوْلُهُ: [وَتَرْكِ جَهْرٍ] : مِثْلُهُ كُلُّ مَا كَانَ مُؤَكَّدًا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ غَيْرُ السِّرِّ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [وَالْجُلُوسُ لَهُ سُنَّةٌ] : أَيْ فَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ سُنَّتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، فَإِذَا تَرَكَهُمَا مَرَّةً سَهْوًا سَجَدَ اتِّفَاقًا وَلَوْ فِي النَّفْلِ. وَإِنْ أَتَى بِالْجُلُوسِ وَتَرَكَ التَّشَهُّدَ فَقَوْلَانِ: بِالسُّجُودِ وَعَدَمِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ جُلُوسًا بِغَيْرِ تَشَهُّدٍ عَدَمٌ، لِأَنَّ جُلُوسَهُ مَا يَكُونُ ظَرْفًا لَهُ فَلِذَلِكَ اُعْتُرِضَ عَلَى الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي تَمْثِيلِهِ لِنَقْضِ السُّنَّةِ بِتَرْكِ التَّشَهُّدَيْنِ، فَقَالُوا لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ الْوَاحِدُ كَافٍ. قَوْلُهُ: [وَمِثْلُهُ مَا زَادَ] إلَخْ: أَيْ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ سُنَّتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ السُّورَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ: مَا ذَكَرَهُ وَكَوْنُهُ جَهْرًا أَوْ سِرًّا. قَوْلُهُ [لِمَحْضِ الزِّيَادَةِ] : مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ الزِّيَادَةِ الْمَحْضَةِ أَيْ الْخَالِصَةِ مِنْ مُصَاحَبَةِ النَّقْصِ، كَانَتْ مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا. قَوْلُهُ: [أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ] إلَخْ: أَيْ الْوَاجِبِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَذِّ وَالْإِمَامِ، أَوْ السُّنِّيِّ

سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهَا كَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَرَكْعَتَيْنِ فِي الثُّنَائِيَّةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا كَكَثِيرِ كَلَامٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ حَكٍّ بِجَسَدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَا إنْ وَقَعَتْ عَمْدًا وَلَوْ قُلْت كَنَفْخٍ وَكَلَامٍ إلَّا مَا تَقَدَّمَ فِي مُبْطِلَاتِهَا. ثُمَّ مَثَّلَ لِزِيَادَةِ الْمَشْكُوكَةِ بِقَوْلِهِ: (كَمُتِمٍّ) صَلَاتَهُ (لِشَكٍّ) هَلْ صَلَّى رَكْعَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ، وَيَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَكَمَنْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ سَجْدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ هَلْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ لَا، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُومِ. قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهَا] : أَيْ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ أَقْوَالِهَا. فَإِنْ كَانَتْ مِنْهَا كَالسُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، أَوْ قِرَاءَةِ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الْأُولَيَيْنِ فَلَا سُجُودَ وَلَا بُطْلَانَ. وَإِنْ كَانَ التَّكْرَارُ فِي الْفَاتِحَةِ فَإِنْ كَانَ سَهْوًا سَجَدَ، وَعَمْدًا فَلَا سُجُودَ. وَالرَّاجِحُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ مَعَ الْإِثْمِ. قَوْلُهُ: [إلَّا مَا تَقَدَّمَ فِي مُبْطِلَاتِهَا] : كَنَفْخٍ بِأَنْفٍ وَكَلَامٍ لِإِصْلَاحِهَا، فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمُبْطِلَاتِ. قَوْلُهُ: [كَمُتِمٍّ صَلَاتَهُ لِشَكٍّ] : هَذَا إذَا شَكَّ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأَمَّا إنْ شَكَّ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ عَلَى يَقِينٍ فَاخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَقِيلَ يَبْنِي عَلَى يَقِينِهِ الْأَوَّلِ وَلَا أَثَرَ لِلشَّكِّ الطَّارِئِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقِيلَ إنَّهُ يُؤَثِّرُ وَهُوَ الرَّاجِحُ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَقَوْلُهُ: " لِشَكِّهِ " اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُتِمٍّ أَوْ بِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَإِتْمَامُهُ لِأَجْلِ رَفْعِ شَكٍّ. لَا لِلتَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ " بِمُتِمٍّ " لِأَنَّهُ يَقْتَضِيَ أَنَّهُ يُتِمُّ شَكْلَهُ أَيْ يَزِيدُ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [هَلْ صَلَّى رَكْعَةً] إلَخْ: تَصْوِيرٌ لِلشَّكِّ. قَوْلُهُ: [وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ] : أَيْ لِاحْتِمَالِ زِيَادَةِ الْآتِي بِهِ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا تَحَقَّقَ سَلَامَةُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ نَقْصٍ، وَإِلَّا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ فِي الْآتِي بِهِ مَعَ النَّقْصِ. قَوْلُهُ: [كَمَنْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ الْمُرَادُ بِالشَّكِّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ فَيَشْمَلُ الْوَهْمَ فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ السُّنَنِ. فَمَنْ تَوَهَّمَ تَرْكَ تَكْبِيرَتَيْنِ مَثَلًا فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ.

(وَكَمُقْتَصَرٍ عَلَى صَلَاةٍ) هُوَ بِهَا (كَشَفْعٍ) أَوْ ظُهْرٍ (إنْ شَكَّ أَهُوَ بِهَا أَوْ) خَرَجَ مِنْهَا بِالسَّلَامِ وَأَحْرَمَ (بِأُخْرَى) تَلِيهَا (كَوَتْرٍ) بِالنِّسْبَةِ لِلشَّفْعِ، أَوْ عَصْرٍ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ بِأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الشَّفْعِ أَوْ الظُّهْرِ، أَيْ يَجْعَلُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ تَمَامِ الَّتِي كَانَ بِهَا وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، ثُمَّ يَأْتِي بِمَا يَلِيهَا كَالْوَتْرِ؛ وَإِنَّمَا يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَضَافَ رَكْعَةَ الْوَتْرِ لِشَفْعِهِ بِلَا سَلَامٍ مِنْ شَفْعِهِ، فَيَكُونُ قَدْ صَلَّى الشَّفْعَ ثَلَاثًا. وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الْفَجْرِ مَعَ الصُّبْحِ، وَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ. (وَ) كَ (إبْدَالِ السِّرِّ بِالْفَرْضِ) : أَيْ فِيهِ - لَا فِي النَّفْلِ - كَأَنْ يَقْرَأَ فِي الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَلَوْ فِي فَاتِحَةٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَخِيرَةِ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ (بِمَا زَادَ عَلَى أَدْنَى الْجَهْرِ) سَهْوًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، لِأَنَّ الْجَهْرَ مَكَانَ السِّرِّ زِيَادَةٌ، كَمَا أَنَّ السِّرَّ مَكَانَ الْجَهْرِ نَقْصٌ. وَأَمَّا لَوْ أَتَى فِيمَا ذَكَرَ بِأَدْنَى الْجَهْرِ - بِأَنْ أَسْمَعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ خَاصَّةً - فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِخِفَّةِ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَنَّ الْإِتْيَانِ بِالسُّنَنِ مُعْتَبَرٌ بِخِلَافِ ظَنِّ الْإِتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ. فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْعُهْدَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَبْرِ وَالسُّجُودِ (اهـ.) ، وَقَدْ تَبِعَ فِيهِ الْأُجْهُورِيَّ. وَاَلَّذِي فِي (بْن) : أَنَّ الشَّكَّ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [كَمُقْتَصِرٍ عَلَى صَلَاةٍ هُوَ بِهَا] : هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَعَمُّ مِنْ عِبَارَةِ خَلِيلٍ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ كَمُقْتَصِرٍ عَلَى شَفْعٍ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا يَسْجُدُ] إلَخْ: جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا وَجْهَ لِلسُّجُودِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي آخِرَةِ الشَّفْعِ فَقَدْ أَتَى بِهَا وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نَقْصَ وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةِ الْوَتْرِ فَقَدْ فَرَغَ مِنْ الشَّفْعِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَلَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّ مَعَهُ نَقْصَ السَّلَامِ وَالزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكَيْنِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ] : قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: اسْتِحْبَابًا. قَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ: هُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ، أَيْ خَلِيلٍ، إلَّا أَنَّ الْبَغْدَادِيِّينَ - وَمِنْهُمْ عَبْدُ الْوَهَّابِ - يُطْلِقُونَ الْمُسْتَحَبَّ عَلَى مَا يَشْمَلُ السُّنَّةَ، فَلَيْسَ هَذَا جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ (اهـ مِنْ الْحَاشِيَةِ) .

فَتَحَصَّلَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَأَتَى بَدَلَهُ بِالسِّرِّ فَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ نَقْصٌ، لَكِنْ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى حَرَكَةِ اللِّسَانِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ السِّرَّ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ وَأَتَى بَدَلَهُ بِالْجَهْرِ فَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ زِيَادَةٌ، لَكِنْ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلَامِ إلَّا إذَا رَفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ سَمَاعِ نَفْسِهِ، وَمَنْ يَلِيهِ بِلَصْقِهِ بِأَنْ كَانَ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ بِنَحْوِ صَفٍّ فَأَكْثَرَ. (وَكَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ) : أَيْ كَثُرَ عَلَيْهِ (الشَّكُّ) : بِأَنْ يَأْتِيَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً فِي صَلَاةٍ مِنْ الْخَمْسِ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَ (إنَّهُ) يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ، وَ (لَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ) : أَيْ لَا يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَيَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ، بَلْ يَبْنِي عَلَى الْأَكْثَرِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَهِيَ عَنْهُ " أَيْ وُجُوبًا، فَإِنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ مِثْلُ الْإِعْرَاضِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بَلْ يَبْنِي عَلَى الْأَكْثَرِ] : أَيْ فَإِذَا شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى أَرْبَعٍ وُجُوبًا، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ. فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ حَيْثُ بُنِيَ عَلَى الْأَكْثَرِ فَلَا مُوجِبَ لِلسُّجُودِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّكَّ مُسْتَنْكِحٌ وَغَيْرُ مُسْتَنْكِحٍ، وَالسَّهْوُ كَذَلِكَ. فَالشَّكُّ الْمُسْتَنْكِحُ: هُوَ أَنْ يَعْتَرِيَ الْمُصَلِّي كَثِيرًا بِأَنْ يَشُكَّ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً، هَلْ زَادَ أَوْ نَقَصَ أَوْ لَا، أَوْ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَلَا يَتَيَقَّنُ شَيْئًا يَبْنِي عَلَيْهِ. وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَلْهُو عَنْهُ وَلَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ، بَلْ يَبْنِي عَلَى الْأَكْثَرِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي عِبَارَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَكَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ وَلَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ " وَالشَّكُّ غَيْرُ الْمُسْتَنْكِحِ هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ كَمَنْ شَكَّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا أَوْ هَلْ زَادَ أَوْ نَقَصَ أَوْ لَا، وَهَذَا يَصْلُحُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَالْإِتْيَانِ بِمَا شَكَّ فِيهِ، وَيَسْجُدُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " كَمُتِمٍّ الشَّكَّ " إلَخْ، وَ " كَمُقْتَصِرٍ عَلَى صَلَاةٍ " إلَخْ فَإِنْ بَنَى عَلَى الْأَكْثَرِ بَطَلَتْ وَلَوْ ظَهَرَ الْكَمَالُ لِأَنَّهُ سَلَّمَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. وَالسَّهْوُ الْمُسْتَنْكِحُ: هُوَ الَّذِي يَعْتَرِي الْمُصَلِّي كَثِيرًا، وَهُوَ أَنْ يَسْهُوَ وَيَتَيَقَّنَ أَنَّهُ سَهَا، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَصْلُحُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ: " وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ أَصْلَحَ وَلَا سُجُودَ "، وَالسَّهْوُ غَيْرُ الْمُسْتَنْكِحِ: هُوَ الَّذِي لَا يَعْتَرِي الْمُصَلِّيَ كَثِيرًا، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَصْلُحُ، وَيَسْجُدُ حَسْبَمَا سَهَا مِنْ زِيَادَةٍ

[ما لا سجود للسهو فيه]

عَنْهُ فَإِنْ أَصْلَحَ بِأَنْ أَتَى بِمَا شَكَّ فِيهِ لَمْ تَبْطُلْ. (وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ) : أَيْ كَثُرَ عَلَيْهِ وَلَوْ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، (أَصْلَحَ) صَلَاتَهُ إنْ أَمْكَنَهُ الْإِصْلَاحُ (وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ) بَعْدَ السَّلَامِ وَلَا قَبْلَهُ. عَكْسُ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ. مِثَالُ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ: أَنْ يَسْهُوَ عَنْ السُّورَةِ كَثِيرًا فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى يَرْكَعَ، أَوْ يَسْهُوَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَثِيرًا فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى فَارَقَ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا يَتَأَتَّى فِي مِثْلِ هَذَا إصْلَاحٌ. وَمِثْلُ مَا يَأْتِي فِيهِ الْإِصْلَاحُ أَنْ يَكْثُرَ عَلَيْهِ السَّهْوُ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رَكْعَةٍ، فَمَا يَشْعُرُ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا، فَهَذَا يَصْلُحُ وُجُوبًا إنْ أَمْكَنَهُ الْإِصْلَاحُ بِأَنْ يَرْجِعَ جَالِسًا ثُمَّ يَسْجُدَ الثَّانِيَةَ وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلَامِ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِصْلَاحُ - كَأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ عَقْدِ رُكُوعِ الَّتِي قَامَ لَهَا - انْقَلَبَتْ الثَّانِيَةُ أُولَى، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَلَا يَرْجِعُ لِإِصْلَاحِ الْأُولَى وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ. فَعُلِمَ أَنَّ اسْتِنْكَاحَ الشَّكِّ أَنْ يَعْتَرِيَهُ الشَّكُّ: فِي شَيْءٍ كَثِيرٍ، هَلْ فَعَلَهُ أَوْ لَا؟ وَأَنَّ اسْتِنْكَاحَ السَّهْوِ: أَنْ يَتْرُكَ سُنَّةً أَوْ فَرْضًا سَهْوًا كَثِيرًا. ثُمَّ شَبَّهَ فِي عَدَمِ السُّجُودِ مَسَائِلَ بِقَوْلِهِ: (كَمَنْ شَكَّ هَلْ سَلَّمَ) أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ؟ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، (أَوْ) شَكَّ (هَلْ سَجَدَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ سُجُودِهِ الْقَبْلِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ نَقْصٍ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: [يُسَنُّ لِسَاهٍ عَنْ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ] إلَخْ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّاهِي وَالشَّاكِّ أَنَّ السَّاهِيَ يَضْبِطُ مَا تَرَكَهُ بِخِلَافِ الشَّاكِّ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَصْلَحَ] : أَيْ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا كَمَا فِي الْحَطَّابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ بِنَاءَهُ عَلَى الْأَكْثَرِ وَإِعْرَاضَهُ عَنْ شَكِّهِ تَرْخِيصٌ لَهُ وَقَدْ رَجَعَ لِلْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ] : أَيْ مُطْلَقًا أَمْكَنَهُ الْإِصْلَاحُ أَمْ لَا، وَانْظُرْ مَا حُكْمُ سُجُودِهِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ أَوْ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ قَبْلِيًّا، وَالثَّانِي إنْ كَانَ بَعْدِيًّا؟ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ، قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فَلَوْ سَجَدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَكَانَ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ حَيْثُ كَانَ مُتَعَمِّدًا أَوْ جَاهِلًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالسُّجُودِ أَوْ لَا؟ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ بِسُجُودِهِ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ. [مَا لَا سُجُود لِلسَّهْوِ فِيهِ] قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ] : أَيْ إنْ قَرُبَ وَلَمْ يَنْحَرِفْ عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يُفَارِقْ مَكَانَهُ، فَإِنْ طَالَ جِدًّا بَطَلَتْ. وَإِنْ انْحَرَفَ اسْتَقْبَلَ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ. وَإِنْ

(وَاحِدَةً) أَوْ اثْنَتَيْنِ؟ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالثَّانِيَةِ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ أَيْ لِهَذَا السَّهْوِ. (أَوْ) شَكَّ (هَلْ سَجَدَهُ) أَوْ لَمْ يَسْجُدْهُ مِنْ أَصْلِهِ؟ فَإِنَّهُ يَسْجُدُهُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ ثَانِيًا لِهَذَا الشَّكِّ. (وَبَنَى عَلَى الْيَقِينِ) فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ فَفِي الْأُولَى: يَبْنِي عَلَى عَدَمِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ الْأَصْلِيُّ. وَفِي الثَّانِيَةِ: عَلَى أَنَّهُ سَجَدَ وَاحِدَةً فَقَطْ وَفِي الثَّالِثَةِ: عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ أَصْلًا ثُمَّ يَأْتِي بِمَا شَكَّ كَمَا قَدَّمْنَا. (أَوْ زَادَ سُورَةً فِي أُخْرَيَيْهِ) : مَعًا وَأَوْلَى فِي وَاحِدَةٍ أَوْ فِي أَخِيرَةِ الْمَغْرِبِ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. (أَوْ خَرَجَ) فِي أُولَيَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا مِنْ سُورَةٍ (إلَى) سُورَةٍ (أُخْرَى) فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. (أَوْ قَاءَ أَوْ قَلَسَ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ خَرَجَ مِنْهُ قَيْءٌ أَوْ قَلْسٌ (غَلَبَةً) : فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ (إنْ قَلَّ) الْخَارِجُ مِنْهُمَا، (وَطَهُرَ) بِأَنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ (وَلَمْ يَزْدَرِدْ) أَيْ يَبْتَلِعْ مِنْهُ (شَيْئًا عَمْدًا وَإِلَّا) بِأَنْ كَثُرَ الْخَارِجُ مِنْهُمَا أَوْ كَانَ نَجِسًا بِأَنْ تَغَيَّرَ أَوْ ابْتَلَعَ مِنْهُ شَيْئًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، وَقَوْلُنَا: " إنْ قَلَّ " إلَى آخِرِهِ مِمَّا زِدْنَاهُ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQطَالَ لَا جِدًّا أَوْ فَارَقَ مَكَانَهُ بَنَى بِإِحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ كَمَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [هَلْ سَجَدَ وَاحِدَةً] : بَيَانٌ لِصُورَةِ شَكِّهِ، أَيْ أَنَّهُ إذَا شَكَّ هَلْ سَجَدَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ وَاحِدَةً وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا. قَوْلُهُ: [وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ ثَانِيًا لِهَذَا الشَّكِّ] : أَيْ لِئَلَّا يَتَسَلْسَلَ الْأَمْرُ وَتَحْصُلَ الْمَشَقَّةُ الْكُبْرَى. وَلَا يُقَالُ التَّسَلْسُلُ مُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ التَّسَلْسُلَ - بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ - لَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بَطَلَتْ قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ: وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ مِنْ السُّجُودِ. قَوْلُهُ: [أَوْ خَرَجَ فِي أُولَيَيْهِ] : أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَارِجٍ عَنْ الصَّلَاةِ. وَكُرِهَ تَعَمُّدُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَفْتَتِحَ بِسُورَةٍ قَصِيرَةٍ فِي صَلَاةٍ شُرِعَ فِيهَا التَّطْوِيلُ، فَيُنْدَبُ لَهُ تَرْكُهَا، وَيَنْتَقِلُ إلَى سُورَةٍ طَوِيلَةٍ.

[السجود القبلي والبعدي للسهو]

وَقَوْلُنَا: " عَمْدًا " مَفْهُومُهُ لَوْ ازْدَرَدَهُ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ: وَسَجَدَ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِعْلِ الْقَلِيلِ، وَكَذَا إنْ ابْتَلَعَهُ غَلَبَةً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. (أَوْ أَعْلَنَ) أَيْ جَهَرَ زِيَادَةً عَلَى سَمَاعِ مَنْ يَلِيهِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ (أَوْ أَسَرَّ) بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ (بِكَآيَةٍ) مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ السُّورَةِ، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا السُّجُودُ فِيمَا إذَا أَعْلَنَ أَوْ أَسَرَّ فِي نِصْفِ الْفَاتِحَةِ فَأَكْثَرَ، (أَوْ أَعَادَ السُّورَةَ لَهُمَا) : أَيْ لِلْإِعْلَانِ وَالسِّرِّ بِأَنْ كَانَ قَرَأَهَا عَلَى خِلَافِ سُنَّتِهَا، فَتَطَلَّبَ مِنْهُ إعَادَتُهَا وَالْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى سُنَّتِهَا فَأَعَادَهَا، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ) إعَادَةِ (الْفَاتِحَةِ) لَهُمَا فَمُوجِبٌ لِلسُّجُودِ. (أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى إسْمَاعِ نَفْسِهِ فِي جَهْرِيَّةٍ أَوْ) اقْتَصَرَ (عَلَى إسْمَاعِ مَنْ يَلِيهِ فِي سِرِّيَّةٍ) فَلَا سُجُودَ كَمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ أَدَارَ) الْإِمَامُ (مَأْمُومَهُ) إذَا وَقَفَ جِهَةَ يَسَارِهِ (لِيَمِينِهِ) كَمَا هُوَ الْمَنْدُوبُ. فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَا سُجُودَ فِي فِعْلٍ يَسِيرٍ؛ كَالْتِفَاتٍ وَحَكِّ جَسَدٍ وَإِصْلَاحِ سُتْرَةٍ أَوْ رِدَاءٍ أَوْ مَشْيٍ كَصَفَّيْنِ لِفُرْجَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَسَجَدَ) الْبَعْدِيَّ (بِنِيَّةٍ) وُجُوبًا (وَتَكْبِيرٍ فِي خَفْضِهِ وَرَفْعِهِ وَتَشَهُّدٍ) اسْتِنَانًا (وَسَلَامٍ) وُجُوبًا، كَالسَّجْدَتَيْنِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا، فَوَاجِبَاتُهُ خَمْسَةٌ. وَأَمَّا الْقَبْلِيُّ فَهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَمَا هُوَ الْمَنْدُوبُ] : أَيْ وَلَا سُجُودَ فِي فِعْلِ مَنْدُوبٍ. «وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ قَامَ عَلَى يَسَارِهِ فَأَدَارَهُ عَنْ يَمِينِهِ» قَوْلُهُ: [وَإِصْلَاحِ سُتْرَةٍ أَوْ رِدَاءٍ] : أَيْ لِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا وَهَذَا إذَا أَصْلَحَهُ وَهُوَ جَالِسٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ قَائِمًا يَنْحَطُّ لِذَلِكَ فَيُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ إلَّا إذَا زَادَ الِانْحِطَاطُ عَنْ مَرَّةٍ. [السُّجُود الْقِبْلِيّ وَالْبَعْدِي لِلسَّهْوِ] قَوْلُهُ: [فَوَاجِبَاتُهُ خَمْسَةٌ] : أَيْ وَهِيَ: النِّيَّةُ، وَالسَّجْدَةُ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةُ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، وَالسَّلَامُ، لَكِنَّ السَّلَامَ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ وَالتَّشَهُّدُ بَعْدَهُ فَسُنَّةٌ.

[تنبيه لو أخر الإمام سجود السهو القبلي]

وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ نِيَّتَهُ مُنْدَرِجَةٌ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامُ مِنْهُ هُوَ سَلَامُ الصَّلَاةِ. (وَصَحَّتْ) الصَّلَاةُ (إنْ قَدَّمَهُ) أَيْ الْبَعْدِيَّ (عَلَى السَّلَامِ وَأَثِمَ) أَيْ يُحَرَّمُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ صَارَ تَقْدِيمُهُ كَالزِّيَادَةِ فِيهَا. (وَكُرِهَ تَأْخِيرُ الْقَبْلِيِّ) : عَنْ السَّلَامِ عَمْدًا وَلَا تَبْطُلُ. (وَسَجَدَ مَسْبُوقٌ أَدْرَكَ) مَعَ إمَامِهِ (رَكْعَةً) فَأَكْثَرَ السُّجُودَ (الْقَبْلِيَّ) الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الْإِمَامِ (مَعَ إمَامِهِ) قَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ (إنْ سَجَدَ) الْإِمَامُ ذَلِكَ الْقَبْلِيَّ، (وَإِلَّا) يَسْجُدْهُ الْإِمَامُ بَلْ تَرَكَهُ، (فَعَلَهُ) أَيْ سَجَدَهُ الْمَأْمُومُ (لِنَفْسِهِ) قَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مُوجِبَهُ) . (وَأَخَّرَ الْبَعْدِيَّ) : الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَى إمَامِهِ لِتَمَامِ صَلَاتِهِ فَيَسْجُدُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ فَإِنْ قَدَّمَهُ مَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مُنْدَرِجَةٌ] : أَيْ فَلَا يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ وَلَا لِسَلَامٍ وَلَا يَصِحُّ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا فِي الْجَامِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، وَكَذَا الرِّحَابُ وَالطُّرُقُ. وَأَمَّا الْبَعْدِيُّ فِي الْجُمُعَةِ فَبِأَيِّ جَامِعٍ (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) قَوْلُهُ: [وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ] : أَيْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْقَائِلِ إنَّ السُّجُودَ دَائِمًا قَبْلِيٌّ. قَوْلُهُ: [وَلَا تَبْطُلُ] : أَيْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْقَائِلِ بِبَعْدِيَّةِ السُّجُودِ دَائِمًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ وَقَعَ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ فِي مَحَلِّ السُّجُودِ. فَقِيلَ: بَعْدَ السَّلَامِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: قَبْلَهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: بِالتَّخْيِيرِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ النَّقْصُ خَفِيفًا كَالسِّرِّ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ سَجَدَ بَعْدَهُ كَالزِّيَادَةِ، وَإِلَّا فَقَبْلَهُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَنْ زِيَادَةٍ فَبَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ عَنْ نَقْصٍ فَقَطْ أَوْ نَقْصٍ وَزِيَادَةٍ فَقَبْلَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَأُصُولُهُ. وَعَلَيْهِ لَوْ قَدَّمَ الْبَعْدِيَّ أَوْ أَخَّرَ الْقَبْلِيَّ تَصِحُّ مُرَاعَاةً لِمَا ذَكَرَ مِنْ الْأَقْوَالِ [تَنْبِيه لَوْ أخر الْإِمَام سُجُود السَّهْو الْقِبْلِيّ] قَوْلُهُ: [أَدْرَكَ مَعَ إمَامِهِ رَكْعَةً] إلَخْ: أَيْ وَإِلَّا فَإِنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ وَسَجَدَ مَعَهُ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ. قَوْلُهُ: [بَلْ تَرَكَهُ] : أَيْ إمَّا عَمْدًا أَوْ رَأْيًا أَوْ سَهْوًا وَإِذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ وَسَجَدَهُ الْمَسْبُوقُ وَكَانَ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ صَحَّتْ لِلْمَسْبُوقِ وَبَطَلَتْ عَلَى الْإِمَامِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ

(فَإِنْ سَهَا) : الْمَأْمُومُ حَالَ الْقَضَاءِ (بِنَقْصٍ قَدَّمَهُ) عَلَى سَلَامِهِ بَعْدَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ لِاجْتِمَاعِ النَّقْصِ مِنْهُ مَعَ زِيَادَةِ الْإِمَامِ. (وَلَا سُجُودَ عَلَى مُؤْتَمٍّ سَهَا) بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ لِسُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ سُنَّتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فَأَكْثَرَ (حَالَةَ الْقُدْوَةِ) : لِأَنَّ كُلَّ سَهْوٍ سَهَاهُ الْمَأْمُومُ فَالْإِمَامُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ. وَمَفْهُومُ حَالَةِ الْقُدْوَةِ أَنَّهُ لَوْ سَهَا فِيمَا يَقْضِيهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِيهِ السُّجُودُ، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُنَا " سُجُودٌ " مِمَّا زِدْنَاهُ عَلَيْهِ. (وَلَا) سُجُودَ (لِتَرْكِ فَضِيلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ خَفِيفَةٍ) كَالْقُنُوتِ وَكَتَكْبِيرَةٍ فَإِنْ سَجَدَ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ لِتَعَمُّدِ الزِّيَادَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَذْهَبُهُ يَرَى التَّرْكَ، وَتُزَادُ عَلَى قَاعِدَةِ: كُلُّ صَلَاةٍ بَطَلَتْ عَلَى الْإِمَامِ بَطَلَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ إلَّا فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ. تَنْبِيهٌ لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الْقَبْلِيَّ؛ هَلْ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُقَدِّمَهُ أَمْ لَا؟ الْبُرْزُلِيُّ: كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ إنَّ الْمَأْمُومَ يَسْجُدُ قَبْلُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَتْبَعُ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي السُّجُودِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ. وَفِي الْمَوَّاقِ فِيهَا لِمَالِكٍ وَكَذَا إنْ قَدَّمَ الْإِمَامُ الْقَبْلِيَّ وَأَخَّرَهُ الْمَأْمُومُ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [سَهَا] إلَخْ: لَا مَفْهُومَ لِلسَّهْوِ بَلْ إذَا تَعَمَّدَ تَرْكَ جَمِيعِ السُّنَنِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُهَا عَنْهُ. قَوْلُهُ: [حَالَةَ الْقَدْوَةِ] : بِفَتْحِ الْقَافِ بِمَعْنَى الِاقْتِدَاءِ، وَأَمَّا الشَّخْصُ الْمُقْتَدَى بِهِ فَهُوَ مُثَلَّثُ الْقَافِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ كُلَّ سَهْوٍ سَهَاهُ الْمَأْمُومُ] إلَخْ: يُشِيرُ لِقَاعِدَةٍ وَهِيَ: كُلُّ سَهْوٍ يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ فَسَهْوُهُ عَنْهُ سَهْوٌ لَهُمْ وَإِنْ هُمْ فَعَلُوهُ، وَكُلُّ سَهْوٍ لَا يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ فَسَهْوُهُ عَنْهُ لَيْسَ سَهْوًا لَهُمْ إذَا هُمْ فَعَلُوهُ، مِثَالُ الْأَوَّلِ: إذَا سَهَا الْإِمَامُ عَنْ سُورَةٍ مَثَلًا، أَوْ بِزِيَادَةٍ وَسَجَدَ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَسْجُدُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مُوجِبُ السُّجُودِ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مِنْ الْمَأْمُومِ لَحَمَلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُ، وَمِثَالُ الثَّانِي إذَا سَهَا الْإِمَامُ أَوْ الْمَأْمُومُ عَنْ الْفَرَائِضِ فَلَا يَحْمِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ. قَوْلُهُ: [لِتَعَمُّدِ الزِّيَادَةِ] : أَيْ وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ.

(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَرْكِ) سُجُودٍ (بَعْدِيٍّ) . (وَ) إنْ نَسِيَهُ (سَجَدَهُ مَتَى ذَكَرَهُ) وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ. وَكَذَا إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا (وَلَا يَسْقُطُ) بِطُولِ الزَّمَانِ سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا. (وَلَا) تَبْطُلُ (بِتَرْكِ) سُجُودٍ (قَبْلِيٍّ) عَمْدًا أَوْ سَهْوًا تَرَتَّبَ (عَنْ) تَرْكِ (سُنَّتَيْنِ) خَفِيفَتَيْنِ فَقَطْ (وَسَجَدَهُ) اسْتِنَانًا (إنْ قَرُبَ) بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ أَوْ قُرْبِهِ (وَإِلَّا) يَقْرَبْ بِأَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ طَالَ الزَّمَانُ (سَقَطَ) لِخِفَّتِهِ (وَبَطَلَتْ إنْ كَانَ) الْقَبْلِيُّ مُتَرَتِّبًا (عَنْ) تَرْكِ (ثَلَاثٍ) مِنْ السُّنَنِ (وَطَالَ) زَمَنُ تَرْكِهِ سَهْوًا، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا لَبَطَلَتْ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ يُنَافِي كَوْنَهُ سُنَّةً. (كَتَرْكِ رُكْنٍ) سَهْوًا وَطَالَ زَمَنُ التَّرْكِ فَتَبْطُلُ. وَأَمَّا عَمْدًا فَتَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ (وَ) إذَا لَمْ يَطُلْ: (تَدَارَكَهُ) بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَرْغِيمُ الشَّيْطَانِ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ] : أَيْ عِنْدَ أَشْهَبَ لِأَنَّ الطُّولَ عِنْدَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَوْلُهُ: [أَوْ طَالَ الزَّمَنُ] : أَيْ بِالْعُرْفِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ: [وَطَالَ زَمَنُ تَرْكِهِ] : أَيْ بِأَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، أَوْ بِالْعُرْفِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَصَحَّ إنْ قَدَّمَ بَعْدِيَّةً أَوْ أَخَّرَ قَبْلِيَّةً، فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُعْرِضْ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ بِالْمَرَّةِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ يُنَافِي كَوْنَهُ سُنَّةً] : أَجَابَ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ الْبُطْلَانَ مُرَاعَاةٌ لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ. قَوْلُهُ: [وَطَالَ زَمَنُ التَّرْكِ] : أَيْ بِحَيْثُ فَاتَهُ تَدَارُكُهُ. وَمِثْلُ الطُّولِ بَقِيَّةُ الْمُنَافِيَاتِ كَحَدَثٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ كَلَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ كُلِّ مَا أَخَلَّ بِشَرْطٍ، عَلَى تَفْصِيلِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ. قَوْلُهُ: [تَدَارُكُهُ] : أَيْ إنْ كَانَ يُمْكِنُ التَّدَارُكُ بِأَنْ كَانَ تَرْكُهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ وَانْعِقَادِهَا كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ كَالنِّيَّةِ

عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي بَيَانُهُ (إنْ لَمْ يُسَلِّمْ) مُعْتَقِدًا التَّمَامَ إذَا كَانَ التَّرْكُ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأَخِيرَةِ) فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ الْفَاتِحَةَ: انْتَصَبَ قَائِمًا فَيَقْرَؤُهَا ثُمَّ يُتِمُّ رَكْعَتَهُ، وَإِنْ كَانَ الرُّكُوعَ رَجَعَ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِنْ كَانَ الرَّفْعَ مِنْهُ رَجَعَ مَحْدُوبًا فَإِذَا وَصَلَ حَدَّ الرُّكُوعِ اطْمَأَنَّ. ثُمَّ يَرْفَعُ وَيُتِمُّ رَكْعَتَهُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَإِنْ كَانَ السُّجُودَ سَجَدَ وَهُوَ جَالِسٌ وَأَعَادَ التَّشَهُّدَ وَسَلَّمَ، وَثُمَّ يَسْجُدُ بَعْدَهُ لِلزِّيَادَةِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَقْصٌ تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَقَبْلَهُ. فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ الْأَخِيرَةِ مُعْتَقِدًا كَمَالَ صَلَاتِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ تَرْكَ الرُّكْنِ مِنْهَا، فَاتَ التَّدَارُكُ وَاسْتَأْنَفَ رَكْعَةً بَدَلهَا إذَا لَمْ يَطُلْ، فَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَلَوْ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ سَاهِيًا لَمْ يَفُتْ تَدَارُكُهُ - بَلْ يَتَدَارَكُهُ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي - مَا لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعًا مِنْ الَّتِي تَلِيهَا. (أَوْ) يَتَدَارَكُهُ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ إنْ (لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعًا) مِنْ رَكْعَةٍ تَلِي رَكْعَةَ النَّقْصِ إذَا كَانَ التَّرْكُ (مِنْ غَيْرِهَا) . وَقَوْلُنَا فِي الْأُولَى: " مِنْ الْأَخِيرَةِ " وَفِي هَذِهِ " مِنْ غَيْرِهَا " تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِهِ، وَالْأَوْضَحُ. لَوْ قُلْنَا: " وَتَدَارُكَهُ مِنْ الْأَخِيرَةِ إنْ لَمْ يُسَلِّمْ، وَمِنْ غَيْرِهَا إنْ لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعَ الَّتِي تَلِيهَا "، وَإِذَا أَمْكَنَ التَّدَارُكُ بِأَنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ الْأَخِيرَةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ، أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَعْقِدْ رُكُوعَ الَّتِي تَلِي رَكْعَةَ النَّقْصِ. (فَتَارِكُ رُكُوعٍ) سَهْوًا تَذَكَّرَهُ فِي السُّجُودِ أَوْ فِي الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ فِي التَّشَهُّدِ (يَرْجِعُ قَائِمًا) (وَنُدِبَ أَنْ يَقْرَأَ) شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ لِيَقَعَ رُكُوعُهُ بَعْدَ قِرَاءَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَلٍّ. قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ التَّرْكُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ] : أَيْ وَأَمَّا سَلَامُهُ مِنْ اثْنَتَيْنِ مُعْتَقِدًا الْكَمَالَ فَلَا يُفِيتُ تَدَارُكَ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ مِنْ الثَّانِيَةِ كَمَا هُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ النُّقُولِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمُزَاحَمَةِ. قَوْلُهُ: [سَجَدَ وَهُوَ جَالِسٌ] : أَيْ إنْ كَانَتْ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ، وَإِلَّا فَيَخِرُّ مِنْ قِيَامٍ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [فَتَارِكُ رُكُوعٍ سَهْوًا] إلَخْ: إنَّمَا كَانَ يَرْجِعُ لَهُ قَائِمًا لِأَنَّ الْحَرَكَةَ لِلرُّكْنِ مَقْصُودَةٌ. قَوْلُهُ: [شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ لَا مِنْهَا، لِأَنَّ تَكْرِيرَهَا حَرَامٌ،

[فوات التدارك]

وَكَذَا تَارِكُ الْفَاتِحَةِ يَرْجِعُ قَائِمًا لِيَأْتِيَ بِهَا. (وَ) تَارِكُ (الرَّفْعِ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ (يَرْجِعُ مُحْدَوْدِبًا) أَيْ مَحْنِيًّا مُقَوَّسًا حَتَّى يَصِلَ حَدَّ الرُّكُوعِ ثُمَّ يَرْفَعَ مِنْهُ بِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. (وَ) تَارِكُ (سَجْدَةٍ) سَهْوًا - وَتَذَكَّرَ فِي قِيَامِهِ - (يَجْلِسُ) لِيَأْتِيَ بِهَا مِنْهُ (لَا) تَارِكُ (سَجْدَتَيْنِ) ثُمَّ تَذَكَّرَهُمَا قَائِمًا فَلَا يَجْلِسُ لَهُمَا بَلْ يَنْحَطُّ لَهُمَا مِنْ قِيَامٍ ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا إذَا فَاتَ التَّدَارُكُ بِعَقْدِ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِي رَكْعَةَ النَّقْصِ أَوْ بِالسَّلَامِ إذَا كَانَ التَّرْكُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَالَ: (فَإِنْ رَكَعَ) : هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعًا " أَيْ فَإِنْ عَقَدَ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَا يَرْتَكِبُ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ مَنْدُوبٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ وَلَوْ كَانَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ. وَفِي الْمَجْمُوعِ وَ (عب) نَدْبُ قِرَاءَتِهِ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ شَارِحِنَا. قَوْلُهُ: [يَرْجِعُ مُحْدَوْدِبًا] : هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ. فَلَوْ خَالَفَ وَرَجَعَ قَائِمًا لَمْ تَبْطُلْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ الْمُقَابِلِ، خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ (عب) مِنْ الْبُطْلَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. وَالْقَائِلُ بِرُجُوعِهِ قَائِمًا هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ، فَيَقُولُ: يَرْجِعُ قَائِمًا بِقَصْدِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعُ أَنْ يَنْحَطَّ لِلسُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ مِنْهُ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى الْقِيَامِ وَانْحَطَّ مِنْهُ إلَى السُّجُودِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ. قَوْلُهُ: [وَتَارِكُ سَجْدَةٍ] : أَيْ إنْ كَانَتْ الثَّانِيَةَ فَإِنَّ الْأُولَى لَا يُتَصَوَّرُ تَرْكُهَا. وَفَعَلَ الثَّانِيَةَ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ أَتَى بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْأُولَى قَطْعًا وَلَوْ جَلَسَ قَبْلَهَا فَجُلُوسُهُ مَلْغِيٌّ لِوُقُوعِهِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ وَلَا يُصَيِّرُهَا الْجُلُوسُ قَبْلَهَا ثَانِيَةً. قَوْلُهُ: [بَلْ يَنْحَطُّ لَهُمَا مِنْ قِيَامٍ] : فَلَوْ فَعَلَهُمَا مِنْ جُلُوسٍ فَلَا بُطْلَانَ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، فَالِانْحِطَاطُ غَيْرُ وَاجِبٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْحَطَّابِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْحَرَكَةَ لِلرُّكْنِ مَقْصُودَةٌ، فَالِانْحِطَاطُ لَهُمَا وَاجِبٌ، فَكَيْفَ يَجْبُرُهُ السُّجُودُ وَعَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ صَيَّرَتْهُ كَالسُّنَّةِ فَلِذَا جُبِرَ بِالسُّجُودِ. [فَوَات التَّدَارُك] قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ التَّرْكُ] إلَخْ: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: " أَوْ بِالسَّلَامِ

الَّتِي تَلِي رَكْعَةَ النَّقْصِ بَطَلَتْ رَكْعَةُ النَّقْصِ. وَ (رَجَعَتْ الثَّانِيَةُ) الَّتِي عَقَدَ رُكُوعَهَا (أُولَى لِبُطْلَانِهَا) : أَيْ الْأُولَى بِفَوَاتِ التَّدَارُكِ؛ فَإِنْ كَانَتْ رَكْعَةُ النَّقْصِ هِيَ الْأُولَى صَارَتْ الثَّانِيَةُ مَكَانَهَا، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ، وَيَتَشَهَّدُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ لِمَحْضِ الزِّيَادَةِ. وَإِذَا كَانَتْ رَكْعَةُ النَّقْصِ هِيَ الثَّانِيَةُ صَارَتْ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً، وَهِيَ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ فَيَتَشَهَّدُ بَعْدَهَا وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِنَقْصِ السُّورَةِ مِنْ الَّتِي صَارَتْ ثَانِيَةً مَعَ الزِّيَادَةِ. وَإِذَا كَانَتْ رَكْعَةُ النَّقْصِ هِيَ الثَّالِثَةُ صَارَتْ الرَّابِعَةُ ثَالِثَةً، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَإِذَا تَذَكَّرَ وَهُوَ فِي الْجُلُوسِ الثَّانِي أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ الْأُولَى رَجَعَتْ الثَّانِيَةُ أُولَى، وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَةً وَالرَّابِعَةُ ثَالِثَةً؛ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ سِرًّا وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِنَقْصِ السُّورَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُلْغًى بِوُقُوعِهِ بَعْدَ الْأُولَى. وَكَذَا إنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ السَّلَامِ بِقُرْبٍ فَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ كَمَا يَأْتِي. (وَهُوَ) : أَيْ الرُّكُوعُ الْمُفِيتُ لِلتَّدَارُكِ (رَفْعُ رَأْسٍ) : بَعْدَ الِانْحِنَاءِ مُطْمَئِنًّا (مُعْتَدِلًا) مُطْمَئِنًّا، فَمَنْ لَمْ يَعْتَدِلْ تَدَارَكَ مَا فَاتَهُ. وَكَذَا الْمَسْبُوقُ إذَا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ وَانْحَنَى بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ وَقَبْلَ اعْتِدَالِهِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ مَعَهُ. وَكَذَا الْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَرْكَعْ مَعَ إمَامِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى رَفَعَ مُطْمَئِنًّا فَإِنَّهُ يَفُوتُهُ الرُّكُوعُ مَعَهُ، وَإِلَّا رَكَعَ وَأَدْرَكَهُ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَرَجَعَتْ الثَّانِيَةُ] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ انْقِلَابِ الرَّكَعَاتِ لِلْفَذِّ وَالْإِمَامِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: لَا انْقِلَابَ. فَعَلَى الْمَشْهُورِ الرَّكْعَةُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي آخِرِ صَلَاتِهِ بِنَاءً يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، كَمَا يَأْتِي فِيمَا قَبْلَهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ: الرَّكْعَةُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا آخِرَ صَلَاتِهِ قَضَاءً عَلَى الَّتِي بَطَلَتْ، فَيَأْتِي بِهَا عَلَى صِفَتِهَا مِنْ سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ، وَبِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ أَوْ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَكِنْ هَلْ هِيَ بِنَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ؟ وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَخْتَلِفُ حَالُ السُّجُودِ وَعَلَى مُقَابِلِهِ، فَالسُّجُودُ دَائِمًا بَعْدَ السَّلَامِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ] : مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْبُطْلَانِ عِنْدَ الطُّولِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ (ر) قَائِلًا: الْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي عَدَمَ الْبُطْلَانِ إنْ قَرُبَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ سَالِمٍ السَّنْهُورِيِّ حَيْثُ قَالَ بِالْبُطْلَانِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ

[تنبيه إقامة مغرب عليه وهو بها]

هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَلَيْسَ الرُّكُوعُ مُجَرَّدَ الِانْحِنَاءِ - خِلَافًا لِأَشْهَبَ - إلَّا فِي مَسَائِلَ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (إلَّا لِتَرْكِ رُكُوعٍ) مِنْ رَكْعَةٍ فَيَفُوتُ بِمُجَرَّدِ الِانْحِنَاءِ مِنْ الَّتِي تَلِيهَا وَتَقُومُ هَذِهِ الرَّكْعَةُ مَقَامَ مَا قَبْلَهَا. (أَوْ) تَرْكِ (سِرٍّ) لِفَاتِحَةٍ أَوْ سُورَةٍ فَيَفُوتُ بِمُجَرَّدِ الِانْحِنَاءِ، فَإِنْ عَادَ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى سُنَّتِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (أَوْ) تَرْكِ (جَهْرٍ) فَكَذَلِكَ. (أَوْ) تَرْكِ (تَكْبِيرِ عِيدٍ) كُلًّا أَوْ بَعْضًا حَتَّى انْحَنَى فَكَذَلِكَ. (أَوْ) تَرْكِ (سُورَةٍ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ. (أَوْ) تَرْكِ (سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ) فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ حَتَّى انْحَنَى سَاهِيًا عَنْهَا. (أَوْ ذِكْرِ بَعْضٍ) مِنْ صَلَاةٍ أُخْرَى قَبْلَ الَّتِي هُوَ فِيهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [تَنْبِيه إقَامَة مَغْرِبٍ عَلَيْهِ وَهُوَ بِهَا] قَوْلُهُ: [فَيَفُوتُ بِمُجَرَّدِ الِانْحِنَاءِ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ. قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ صَلَاتُهُ] : أَيْ لِرُجُوعِهِ مِنْ فَرْضٍ لِسُنَّةٍ. قَوْلُهُ: [حَتَّى انْحَنَى فَكَذَلِكَ] : أَيْ تَبْطُلُ إنْ رَجَعَ وَإِنَّمَا يَسْتَمِرُّ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ تَكْبِيرِ الْعِيدِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ تَرْكِ الْجَهْرِ. وَأَمَّا تَرْكُ السِّرِّ فَيَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ إنْ أَتَى بِأَعْلَى الْجَهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ فَيَفُوتُ السُّجُودُ بِمُجَرَّدِ الِانْحِنَاءِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَلَا يَجْبُرُ بِسُجُودِ سَهْوٍ وَلَا غَيْرِهِ وَيَأْتِي بِهِ فِي ثَانِيَةِ النَّفْلِ، وَهَلْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ؟ أَوْ قَبْلَهَا لِتَقَدُّمِ مُوجِبَهَا؟ قَوْلَانِ. قَوْلُهُ: [أَوْ ذَكَرَ بَعْضَ] إلَخْ: أَيْ فَإِذَا ذَكَرَ بَعْضَ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ أَوْ سُجُودًا قَبْلِيًّا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً، أَوْ كَانَ الْبَعْضُ أَوْ السُّجُودُ مِنْ نَافِلَةٍ وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي نَافِلَةٍ أُخْرَى بَعْدَ انْحِنَائِهِ لِلرُّكُوعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ لِإِتْمَامِ الْأُولَى وَتَبْطُلُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْقَبْلِيَّ الْمُتَرَتِّبَ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَالْبَعْضَ الْمَتْرُوكَ مِنْ فَرْضٍ وَذَكَرَهُ فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ، فَإِنْ أَطَالَ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ رُكُوعٍ بِأَنْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ رَكَعَ بِالِانْحِنَاءِ - وَإِنْ لَمْ تَطُلْ قِرَاءَتُهُ بَلْ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ - كَأُمِّيٍّ وَمَأْمُومٍ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ الْمَتْرُوكُ مِنْهَا لِفَوَاتِ التَّلَافِي بِالْإِتْيَانِ بِمَا فَاتَ مِنْهَا. وَحَيْثُ بَطَلَتْ الْأُولَى

وَمُرَادُهُ بِالْبَعْضِ الْمَتْرُوكِ: مَا يَشْمَلُ الْبَعْضَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَالسُّجُودِ الْقَبْلِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ (فَبِالِانْحِنَاءِ) أَيْ فَالرُّكُوعُ بِالِانْحِنَاءِ، وَيَفُوتُ التَّدَارُكُ لِمَا تَرَكَهُ فِي الْجَمِيعِ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي تَرَكَ مِنْهَا الْبَعْضَ لِلطُّولِ بِالرُّكُوعِ. (وَإِنْ سَلَّمَ) هَذَا عَطْفٌ عَلَى " إنْ رَكَعَ " وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يُسَلِّمْ) أَيْ: وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مُعْتَقِدًا الْكَمَالَ فَاتَ التَّدَارُكُ لِلرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا. (وَبَنَى) عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ الصِّحَاحِ وَأَلْغَى رَكْعَةَ النَّقْصِ (إنْ قَرُبَ) تَذَكُّرُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ بِالْعُرْفِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَتَمَّ النَّفَلَ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِإِدْرَاكِ الْأُولَى عَقَدَ مِنْهُ رَكْعَةً أَمْ لَا، أَوْ ضَاقَ وَأَتَمَّ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، وَإِلَّا قَطَعَ وَأَحْرَمَ بِالْأُولَى وَقَطَعَ الْفَرْضَ بِسَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ إنْ كَانَ فَذًّا أَوْ إمَامًا وَتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ، لَا مَأْمُومًا. وَنُدِبَ الْإِشْفَاعُ وَلَوْ بِصُبْحٍ وَجُمُعَةٍ إلَّا الْمَغْرِبَ إنْ عَقَدَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَإِلَّا قَطَعَ لِأَنَّهُ يَقْضِي بِخِلَافِ النَّفْلِ وَإِلَّا - بِأَنْ لَمْ يُطِلْ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يَرْكَعْ - رَجَعَ لِإِصْلَاحِ الْأُولَى بِلَا سَلَامٍ مِنْ الثَّانِيَةِ. فَإِنْ سَلَّمَ بَطَلَتْ الْأُولَى. وَإِنْ كَانَ ذَكَرَ الْقَبْلِيَّ أَوْ الْبَعْضَ مِنْ نَفْلٍ فِي فَرْضٍ، تَمَادَى مُطْلَقًا كَفِي نَفْلٍ وَإِنْ أَطَالَ الْقِرَاءَةَ أَوْ رَكَعَ. وَإِلَّا رَجَعَ لِإِصْلَاحِ الْأُولَى بِلَا سَلَامٍ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ النَّفْلِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إبْطَالَهُ. (انْتَهَى مِنْ الْأَصْلِ) فَالصُّوَرُ ثَمَانِيَةٌ وَقَدْ عَلِمْت تَفْصِيلَهَا فَتَأَمَّلْ. تَنْبِيهٌ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ إقَامَةَ مَغْرِبٍ عَلَيْهِ وَهُوَ بِهَا، لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِيهَا أَنَّ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الرَّاتِبِ لِلْمَغْرِبِ وَهُوَ بِهَا - وَقَدْ أَتَمَّ مِنْهَا رَكْعَتَيْنِ بِسُجُودِهِمَا - فَإِنَّهُ يُتِمُّ، فَلَا يَتَوَقَّفُ الْفَوَاتُ عَلَى الِانْحِنَاءِ بِالثَّانِيَةِ خِلَافًا لِخَلِيلٍ. قَوْلُهُ: [بِالْعُرْفِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ إذْ ابْنُ الْقَاسِمِ عِنْدَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ طُولٌ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ، فَقَالَ فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ أَوْ رَكْعَةٍ أَوْ عَنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ بَنَى فِيمَا قَرُبَ، وَإِنْ تَبَاعَدَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ، مَا نَصُّهُ: حَدُّ الْقُرْبِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الصَّفَّانِ أَوْ الثَّلَاثَةُ أَوْ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ، (انْتَهَى نَقْلُهُ ر) ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ طُولٌ بِاتِّفَاقٍ، وَحِينَئِذٍ

وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ (بِنِيَّةٍ وَتَكْبِيرٍ) أَيْ إكْمَالِ صَلَاتِهِ وَنُدِبَ رَفْعُ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ (وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ) : أَيْ التَّكْبِيرِ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ. ثُمَّ إنْ كَانَ جَالِسًا كَبَّرَ مِنْ جُلُوسِهِ وَقَامَ لِلْإِتْمَامِ. (وَجَلَسَ لَهُ) : إنْ كَانَ قَائِمًا لِيَأْتِيَ بِهِ مِنْ جُلُوسٍ لِأَنَّ حَرَكَتَهُ لِلْقِيَامِ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ. هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الرُّكْنُ الْمَتْرُوكُ غَيْرَ السَّلَامِ، فَإِنْ كَانَ السَّلَامُ فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَأَعَادَ تَارِكُ السَّلَامِ) سَهْوًا (التَّشَهُّدَ) فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: (إنْ فَارَقَ مَكَانَهُ) : الَّذِي كَانَ بِهِ وَلَوْ لَمْ يُطِلْ. (أَوْ) لَمْ يُفَارِقْهُ وَ (طَالَ لَا جِدًّا) أَيْ بَلْ طُولًا مُتَوَسِّطًا بِالْعُرْفِ. فَإِنْ طَالَ جِدًّا بَطَلَتْ فِيهِمَا وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ لِلزِّيَادَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَقْصٌ سَبَقَ (وَسَجَدَ) بَعْدَهُ (فَقَطْ) ، أَيْ بِلَا إعَادَةِ التَّشَهُّدِ (إنْ انْحَرَفَ) عَنْ الْقِبْلَةِ انْحِرَافًا (كَثِيرًا) بِأَنْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ إذَا كَانَ بِنَحْوِ الْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةٍ لِمَكَانِهِ (بِلَا طُولٍ) ، فَإِنْ لَمْ يَنْحَرِفْ عَنْهَا أَوْ انْحِرَافًا يَسِيرًا اعْتَدَلَ وَسَلَّمَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْوَاوَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى بَابِهَا لِلْجَمْعِ لَا بِمَعْنَى أَوْ. قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ] : أَيْ بِرِجْلَيْهِ مَعًا بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ أَصْلًا أَوْ خَرَجَ بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ] : مِثْلُهُ خُرُوجُ الْحَدَثِ وَحُصُولُ بَقِيَّةِ الْمُنَافِيَاتِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ. قَوْلُهُ: [وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا وَلَوْ قَرُبَ جِدًّا كَمَا لِلْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ: [وَجَلَسَ لَهُ] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ شَبْلُونٍ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ. قَوْلُهُ: [فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ] : وَهِيَ: مُفَارَقَةُ مَكَانِهِ طَالَ طُولًا مُتَوَسِّطًا، أَمْ لَا، أَوْ لَمْ يُفَارِقْ مَكَانَهُ وَطَالَ طُولًا مُتَوَسِّطًا. قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ فِيهِمَا] : أَيْ فِيمَا إذَا طَالَ جِدًّا فَارَقَ مَكَانَهُ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ بِنَحْوِ الْمَدِينَةِ] : أَيْ كَمِصْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْ كَانَتْ

[ترك التشهد الأول سهوا]

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَنْ حُكْمِ مَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ سَهْوًا فَقَالَ: (وَرَجَعَ تَارِكُ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ) وَالْمُرَادُ بِهِ مَا عَدَا الْأَخِيرَ (مَا) : أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهِ (لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ) جَمِيعًا بِأَنْ بَقِيَ بِالْأَرْضِ وَلَوْ يَدًا أَوْ رُكْبَةً (وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ) لِهَذَا الرُّجُوعِ مَعَ التَّزَحْزُحِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ فَارَقَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ (فَلَا) يَرْجِعُ لَهُ. أَيْ: يُمْنَعُ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ. (فَإِنْ رَجَعَ) لِلتَّشَهُّدِ وَلَوْ عَمْدًا (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، (وَلَوْ اسْتَقَلَّ) قَائِمًا (وَتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ) فِي الرُّجُوعِ وُجُوبًا (وَسَجَدَ) لِزِيَادَةِ هَذَا الرُّجُوعِ (بَعْدَهُ) أَيْ السَّلَامِ. (وَإِنْ شَكَّ) الْمُصَلِّي (فِي) تَرْكِ (سَجْدَةٍ لَمْ يَدْرِ مَحَلَّهَا) ؛ أَيْ: هَلْ هِيَ مِنْ الَّتِي هُوَ بِهَا أَوْ مِنْ رَكْعَةٍ قَبْلَهَا؟ (سَجَدَهَا) مَكَانَهُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا مِنْ الَّتِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقِبْلَتُهُمْ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَالْجَنُوبِ. [تَرَكَ التَّشَهُّد الْأَوَّل سَهْوًا] قَوْلُهُ: [وَرَجَعَ تَارِكُ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ] : الَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ أَنَّ الرُّجُوعَ سُنَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ سَهْوًا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِلنَّقْصِ. وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَمْدًا جَرَى عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: [الْمُرَادُ بِهِ مَا عَدَا الْأَخِيرَ] : أَيْ فَالْمُرَادُ جُلُوسٌ غَيْرُ السَّلَامِ سَوَاءٌ كَانَ أَوَّلًا أَوْ ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا كَمَا فِي مَسَائِلِ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ. قَوْلُهُ: [أَيْ يُمْنَعُ] : أَيْ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِرُكْنٍ فَلَا يَقْطَعُهُ لِمَا دُونَهُ، وَالرُّجُوعُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَائِلِ بِالِاعْتِدَادِ بِرُجُوعِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ رُجُوعِهِ فِي غَيْرِ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا هُوَ إذَا قَامَ وَحْدَهُ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَاسْتَقَلَّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ] : أَيْ لِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْفَاتِحَةِ بِخِلَافِ مَنْ رَجَعَ مِنْ الرُّكُوعِ لِفَضِيلَةِ الْقُنُوتِ لِغَيْرِ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ اسْتَقَلَّ قَائِمًا] : أَيْ بَلْ وَلَوْ قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ، أَمَّا لَوْ قَرَأَهَا كُلَّهَا وَرَجَعَ فَالْبُطْلَانُ. قَوْلُهُ: [وَتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ] إلَخْ: أَيْ فَمَأْمُومُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ فِي كُلِّ حَالٍ. قَوْلُهُ: [لِزِيَادَةِ هَذَا الرُّجُوعِ] : أَيْ وَلِقِيَامِهِ سَهْوًا. [الشَّكّ فِي ترك سَجْدَة] قَوْلُهُ: [سَجَدَهَا مَكَانَهُ] : أَيْ فَإِنْ تَرَكَ الْإِتْيَانَ بِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ

هُوَ بِهَا. فَإِنْ كَانَ قَائِمًا جَلَسَ لَهَا وَبِسُجُودِهَا تَيَقَّنَ سَلَامَةَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَصَارَ الشَّكُّ فِيمَا قَبْلَهَا. ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، أَوْ لَا، (فَ) إنْ كَانَ (فِي الْأَخِيرَةِ أَتَى بِرَكْعَةٍ) بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ سِرًّا لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ، وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِلزِّيَادَةِ مَعَ النَّقْصِ الْمَشْكُوكِ لِاحْتِمَالِ تَرْكِهَا مِنْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ فَتَصِيرُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ ثَانِيَةً. (وَ) إنْ كَانَ (فِي قِيَامِ الرَّابِعَةِ) أَتَى (بِرَكْعَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ بِسُجُودِهَا تَحَقَّقَتْ لَهُ رَكْعَتَانِ: هَذِهِ الثَّالِثَةُ وَوَاحِدَةٌ مِنْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، (وَيَتَشَهَّدُ) بَعْدَ إتْيَانِهِ بِالسَّجْدَةِ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالرَّكْعَتَيْنِ، وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِاحْتِمَالِ النَّقْصِ كَمَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا. (وَ) إنْ كَانَ (فِي) قِيَامِ (الثَّالِثَةِ) جَلَسَ وَسَجَدَهَا، فَيَتَحَقَّقُ بِهَا سَلَامَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَعَمَّدَ إبْطَالَ رَكْعَةٍ أَمْكَنَهُ إصْلَاحُهَا، فَإِنْ تَحَقَّقَ تَمَامُ تِلْكَ الرَّكْعَةِ لَمْ يَسْجُدْ فَقَوْلُهُ " سَجَدَهَا مَكَانَهُ " أَيْ: مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَمَامُ تِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَسْجُدُهَا أَصْلًا وَتَنْقَلِبُ رَكَعَاتُهُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ كَانَ فِي الْأَخِيرَةِ] : شُرُوعٌ فِي التَّفْصِيلِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَالْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ. قَوْلُهُ: [لِاحْتِمَالِ النَّقْصِ] : أَيْ نَقْصِ الصُّورَةِ مِنْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لِانْقِلَابِ الرَّكَعَاتِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَذِّ وَالْإِمَامِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ لِتَكْمِلَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَبَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ لِاحْتِمَالِ زِيَادَةِ هَذِهِ الرَّكْعَةِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ فِي قِيَامِ الثَّالِثَةِ] : أَيْ أَوْ فِي رُكُوعِهَا وَقَبْلَ الرَّفْعِ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ لَهُ الشَّكُّ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ رُكُوعِهَا فَلَا يَسْجُدُهَا لِفَوَاتِ التَّدَارُكِ، وَيَتَشَهَّدُ بَعْدَ هَذِهِ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِنَقْصِ السُّورَةِ وَالزِّيَادَةِ؛ هَذَا إذَا كَانَ فَذًّا أَوْ إمَامًا. وَأَمَّا الْمَأْمُومُ الَّذِي شَكَّ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ رُكُوعِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي مَعَ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ وَبَعْدَهُ بِرَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَيَسْجُدُ

[المصلي إذا فاته ركوع]

الثَّانِيَةِ وَيَصِيرُ الشَّكُّ فِي الْأُولَى فَتُلْغَى لِفَوَاتِ تَدَارُكِهَا، وَأَتَى (بِثَلَاثٍ) : وَاحِدَةٌ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَتَشَهُّدٍ، وَرَكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ وَتَشَهُّدٍ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ. (وَإِنْ فَاتَ مُؤْتَمًّا) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ (رُكُوعٌ) فَاعِلٌ مُؤَخَّرٌ (مَعَ إمَامِهِ) : بِأَنْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ وَاعْتَدَلَ مُطْمَئِنًّا قَبْلَ انْحِنَاءِ الْمُؤْتَمِّ لِلرُّكُوعِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَوَاتُ فِي أُولَى الْمَأْمُومِ سَوَاءٌ كَانَتْ أُولَى الْإِمَامِ أَيْضًا أَوْ غَيْرَهَا كَمَا فِي الْمَسْبُوقِ. أَوْ فِي غَيْرِ أُولَاهُ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. (فَ) إنْ كَانَ الْفَوَاتُ (فِي غَيْرِ أُولَاهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ (اتَّبَعَهُ) أَيْ تَبِعَ الْإِمَامَ بِأَنْ يَرْكَعَ وَيَرْفَعَ وَيَسْجُدَ خَلْفَهُ (مَا) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِ الْإِمَامِ (لَمْ يَرْفَعْ) رَأْسَهُ (مِنْ سُجُودِهَا) الثَّانِي. فَإِنْ رَفَعَ فَاتَتْهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ فِي الَّتِي قَامَ لَهَا، وَيَجْلِسُ مَعَهُ إنْ جَلَسَ لِتَشَهُّدٍ. فَإِنْ قَضَى بَعْدَ رَفْعِ إمَامِهِ مِنْ سُجُودِهَا الثَّانِي بَطَلَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQبَعْدَ السَّلَامِ. تَنْبِيهٌ إنْ سَجَدَ إمَامٌ سَجْدَةً وَاحِدَةً وَتَرَكَ الثَّانِيَةَ سَهْوًا وَقَامَ لَمْ يَتْبَعْهُ مَأْمُومُهُ بَلْ يَجْلِسُ وَيُسَبِّحُ لَهُ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ، فَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَّمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَإِنَّهُمْ يَسْجُدُونَهَا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا يَتْبَعُونَهُ فِي تَرْكِهَا وَإِلَّا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ وَيَجْلِسُونَ مَعَهُ وَيُسَلِّمُونَ بِسَلَامِهِ. فَإِذَا تَذَكَّرَ وَرَجَعَ لِسُجُودِهَا فَلَا يُعِيدُونَهَا مَعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ اسْتَمَرَّ تَارِكُهَا حَتَّى سَلَّمَ وَطَالَ الْأَمْرُ بَطَلَتْ عَلَيْهِ دُونَهُمْ. فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ. [المصلي إذَا فَاتَهُ رُكُوع] [تَنْبِيه السَّهْو فِي سُجُود السَّهْو] قَوْلُهُ: [فَاعِلٌ مُؤَخَّرٌ] : أَيْ لِكَوْنِهِ إذَا دَارَ الْإِسْنَادُ بَيْنَ الْمَعْنَى وَالذَّاتِ يُسْنَدُ لِلْمَعْنَى لَا لِلذَّاتِ. قَوْلُهُ: [اتَّبَعَهُ] إلَخْ: أَيْ فَعَلَ الْمَأْمُومُ مَا فَاتَهُ بِهِ الْإِمَامُ، وَلَا يَضُرُّ قَضَاءُ الْمَأْمُومِ فِي صُلْبِ الْإِمَامِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ مُدَّةَ كَوْنِ الْإِمَامِ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ ظَرْفٌ لِلِاتِّبَاعِ. وَالْمَعْنَى أَتَى بِمَا فَاتَهُ بِهِ الْإِمَامُ مُدَّةَ عَدَمِ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ فَإِذَا رَفَعَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ فَلَا يَشْرَعُ الْمَأْمُومُ فِي الْإِتْيَانِ بِمَا فَاتَهُ. وَمَتَى عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي ثَانِي السَّجْدَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ وَإِنْ أَتَى بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ قِيَامِ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ] : ظَاهِرُهُ نَوَى الِاعْتِدَادَ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ أَمْ

وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَوَاتُ لِعُذْرٍ مِمَّا يَأْتِي أَوْ لَا، غَيْرَ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ آثِمٌ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقَوْلُنَا: " اتَّبَعَهُ مَا لَمْ يَرْفَعْ " إلَخْ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ يُدْرِكُ إمَامَهُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى، أَوْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ فِي الثَّانِيَةِ. فَلَوْ طَمِعَ فِي إدْرَاكِهِ الْأُولَى قَبْلَ رَفْعِ إمَامِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ اتَّبَعَهُ أَيْضًا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ. فَلَوْ رَكَعَ وَرَفَعَ مِنْهُ فَرَفَعَ إمَامُهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ أَلْغَى رُكُوعَهُ وَتَابَعَ إمَامَهُ فِي الْقِيَامِ أَوْ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ. (وَ) إنْ كَانَ فَوَاتُ الرُّكُوعِ بِرَفْعِ إمَامِهِ مُعْتَدِلًا (فِي الْأُولَى) : أَيْ أُولَى ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ مَحَلَّ الْبُطْلَانِ إنْ اعْتَدَّ بِهَا. قَوْلُهُ: [وَفِي الثَّانِيَةِ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ لَا يَفْعَلُهَا إلَّا بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ مِنْهَا. قَوْلُهُ: [أَلْغَى رُكُوعُهُ] إلَخْ: أَيْ وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ وَقَضَى رَكْعَةً. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ فَوَاتُ الرُّكُوعِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ رُكُوعُ الْأُولَى بِمَا ذَكَرَ مِنْ الِازْدِحَامِ وَمَا مَعَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ؛ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِهِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ السُّجُودِ بَلْ يَخِرُّ سَاجِدًا، وَيُلْغِي هَذِهِ الرَّكْعَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَحِبْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَأْمُومِيَّةِ. فَإِنْ تَبِعَهُ وَأَتَى بِذَلِكَ الرُّكُوعِ وَأَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ أَوْ بَعْدَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ حَيْثُ اعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، لَا إنْ أَلْغَاهَا وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَدَلَهَا. وَمِثْلُ مَنْ زُوحِمَ عَلَى الرُّكُوعِ فِي الْأُولَى، الْمَسْبُوقُ إذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ فَرَفَعَ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يَخِرُّ مَعَهُ، وَلَا تَبْطُلُ إنْ رَكَعَ إذَا أَلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةَ. وَمِنْ هَذَا تَعْلَمُ مَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْجَهَلَةِ؛ يَأْتُونَ فَيَجِدُونَ الْإِمَامَ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَيُحْرِمُونَ وَيُدْرِكُونَ الْإِمَامَ فِي السُّجُودِ، أَنَّ صَلَاتَهُمْ بَاطِلَةٌ إنْ اعْتَدُّوا بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ. فَإِنْ أَلْغَوْهَا وَأَتَوْا بَدَلَهَا بِرَكْعَةٍ صَحَّتْ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَتْبَعُهُ مُطْلَقًا لَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا. وَقِيلَ بِعَدَمِ الِاتِّبَاعِ فِي الْأُولَى فَقَطْ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: بِالِاتِّبَاعِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَعْقِدْ التَّالِيَةَ (اُنْظُرْ بَهْرَامَ. اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حُكْمِ مَا إذَا زُوحِمَ عَنْ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ فَهَلْ هُوَ كَمَنْ زُوحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ؟ فَيَأْتِي بِهِ فِي غَيْرِ الْأُولَى مَا لَمْ يَرْفَعْ مِنْ سُجُودِهَا، أَوْ هُوَ كَمَنْ زُوحِمَ عَنْ سَجْدَةٍ؟ فَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ؟ قَوْلَانِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الرُّكُوعِ بِرَفْعِ الرَّأْسِ، وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى

الْمَأْمُومِ - وَإِنْ كَانَتْ ثَانِيَةَ إمَامِهِ أَوْ ثَالِثَتَهُ - (فَ) إنْ كَانَ فَوَاتُهُ (لِعُذْرٍ مِنْ سَهْوٍ وَنُعَاسٍ) خَفِيفٍ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، (وَازْدِحَامٍ) بَيْنَ النَّاسِ (وَنَحْوِهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ كَمَرَضٍ مَنَعَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، أَوْ إكْرَاهٍ أَوْ مَشْيٍ لِسَدِّ فُرْجَةٍ (تَرَكَهُ) : أَيْ الرُّكُوعَ (وَسَجَدَ) أَيْ خَرَّ سَاجِدًا (مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ وَلَوْ فِي الثَّانِيَةِ، وَجَلَسَ مَعَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَسَجَدَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ إنْ فَاتَتْهُ الْأُولَى. فَإِنْ فَاتَتْهُ السَّجْدَتَانِ مَعًا أَيْضًا اتَّبَعَهُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي صَارَ إلَيْهَا مِنْ قِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ لِتَشَهُّدٍ، لِأَنَّهُ صَارَ مَسْبُوقًا فَاتَهُ الرُّكُوعُ فَيَتَّبِعُ إمَامَهُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ بِهَا، (وَقَضَاهَا) : أَيْ الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُ بِرَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِهِ (بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ سَلَامِ إمَامِهِ. (وَ) إنْ كَانَ الْفَوَاتُ (لِغَيْرِهِ) : أَيْ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَلْ بِاخْتِيَارِهِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ وَاسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ، (كَإِنْ) أَيْ كَمَا تَبْطُلُ إنْ (قَضَى) فِي صُلْبِ الْإِمَامِ (مَا فَاتَهُ) مِنْ الرُّكُوعِ (فِي) حَالِ (الْعُذْرِ وَسَجْدَةٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى رُكُوعٍ، أَيْ وَإِنْ فَاتَ مُؤْتَمًّا سَجْدَةٌ أَوْ سَجْدَتَانِ؛ فَالْمُرَادُ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالِاثْنَتَيْنِ (فَإِنْ طَمِعَ فِيهَا) أَيْ فِي الْإِتْيَانِ بِالسَّجْدَةِ وَإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ (قَبْلَ عَقْدِ إمَامِهِ) رُكُوعَ الَّتِي تَلِيهَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُعْتَدِلًا مُطْمَئِنًّا (سَجَدَهَا) وَأَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ، (وَإِلَّا) يَطْمَعْ فِيهَا بِأَنْ ظَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّهُ بِالِانْحِنَاءِ (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَاسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ] : أَيْ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَقِيلَ: وَكَالْمَعْذُورِ إلَّا أَنَّهُ آثِمٌ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ طَمَعَ فِيهَا] إلَخْ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا أُولَى الْمَأْمُومِ أَوْ غَيْرِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُزَاحَمَةِ عَلَى الرُّكُوعِ حَيْثُ فَصَلَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَالْمُزَاحَمَةِ عَلَى السَّجْدَةِ، حَيْثُ سَوَّى بَيْنَ كَوْنِهَا مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ غَيْرِهَا: أَنَّ الْمُزَاحَمَةَ عَلَى السَّجْدَةِ إنَّمَا حَصَلَتْ بَعْدَ انْسِحَابِ حُكْمِ الْمَأْمُومِيَّةِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَالْمُزَاحَمَةَ عَلَى الرُّكُوعِ تَارَةً تَكُونُ بَعْدَ انْسِحَابِ حُكْمِ الْمَأْمُومِيَّةِ عَلَيْهِ وَتَارَةً قَبْلُ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَطْمَعْ فِيهَا] إلَخْ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يَظُنَّ الْإِدْرَاكَ لِلسَّجْدَةِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ التَّالِيَةِ، بِأَنْ جَزَمَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ، أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ، أَوْ شَكَّ فِيهِ.

أَنَّهُ مَتَى سَجَدَهَا فَاتَهُ الرُّكُوعُ (تَمَادَى) عَلَى حَالِهِ مِنْ تَرْكِهَا، وَاتَّبَعَ إمَامَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ (وَقَضَاهَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [تَمَادَى عَلَى حَالِهِ] : أَيْ فَيَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ وَيَتْرُكُ تِلْكَ السَّجْدَةَ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهَا فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ مَعَ الْإِمَامِ، وَكَانَ مُحَصِّلًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ الَّتِي فَعَلَ سَجْدَتَهَا. وَإِنْ تَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ كَانَ مُحَصِّلًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَهُ، وَفَاتَتْهُ الْأُولَى الْمَتْرُوكُ مِنْهَا السَّجْدَةُ، وَمُوَافَقَتُهُ لِلْإِمَامِ أَوْلَى. فَلَوْ خَالَفَ وَلَمْ يَتَمَادَ مَعَ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ. إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ سُجُودَهُ وَقَعَ قَبْلَ عَقْدِ إمَامِهِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَعْدَ الْعَقْدِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ: [وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ] : أَيْ إلَّا أَنْ يَشُكَّ فِي التَّرْكِ فَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ. خَاتِمَةٌ إنْ قَامَ إمَامٌ لِزَائِدَةٍ فَمَأْمُومُهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهَا مَحْضُ زِيَادَةٍ. أَوْ لَا، وَتَحْتَهُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، فَمُتَيَقِّنُ الزِّيَادَةِ يَجْلِسُ وُجُوبًا، وَتَصِحُّ لَهُ إنْ سَبَّحَ فَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَّمَهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ يَقِينُهُ، وَتَصِحُّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَنْ تَيَقَّنَ الْمُوجِبَ، أَوْ ظَنَّهُ. أَوْ شَكَّ، أَوْ تَوَهَّمَ إنْ اتَّبَعَهُ. فَإِنْ خَالَفَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ إلَّا أَنْ يُصَادِفَ الْوَاقِعَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْأَوَّلِ، وَالْحَطَّابُ فِي الثَّانِي. وَسَهْوًا: أَتَى الْجَالِسُ الَّذِي كَانَ يُؤْمَرُ بِالْقِيَامِ بِرَكْعَةٍ وَيُعِيدُهَا الْمُتَّبِعُ الَّذِي كَانَ يُؤْمَرُ بِالْجُلُوسِ إنْ تَبَيَّنَ مُوجِبٌ. فَلَوْ اتَّبَعَ مَنْ كَانَ يُؤْمَرُ بِالْجُلُوسِ مُنْفَرِدًا صَحَّتْ لَهُ وَلَمْ تَجُزْ مَسْبُوقًا عَلِمَ بِزِيَادَتِهَا عَنْ رَكْعَةٍ قَضَاءً، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ رَكْعَةٌ فَكَأَنَّهُ قَامَ لَهَا وَأَجْزَأَتْهُ عَنْ رَكْعَةِ الْقَضَاءِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِزِيَادَتِهَا. وَهَلْ إلَّا أَنْ يُجْمِعَ الْمَأْمُومُونَ عَلَى نَفْيِ الْمُوجِبِ؟ قَوْلَانِ سِيَّانِ، وَسَاهٍ عَنْ سَجْدَةٍ مَنْ كَأُولَاهُ لَا تُجْزِيهِ الْخَامِسَةُ. وَإِنْ تَعَمَّدَهَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِي (ح) : خِلَافٌ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ نَظَرًا لِلتَّلَاعُبِ، وَعَدَمِهِ نَظَرًا لِلْوَاقِعِ.

[فصل في النوافل]

فَصْلٌ: فِي النَّوَافِلِ فِي بَيَانِ النَّوَافِلِ الْمَطْلُوبَةِ: (نُدِبَ نَفْلٌ) فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ، وَنَفْلُ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ نَفْلِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي النَّوَافِلِ] [النَّوَافِل الْمَطْلُوبَة وَالنَّوَافِل المؤكدة] فَصْلٌ إنَّمَا قَدَّمَهُ عَلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِاحْتِوَائِهِ عَلَى تَطَوُّعٍ بِالصَّلَوَاتِ الْكَامِلَةِ بِخِلَافِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ بَعْضُ صَلَاةٍ. وَالنَّفَلُ مَعْنَاهُ لُغَةً: الزِّيَادَةُ. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ وَعَلَى السُّنَّةِ وَالرَّغِيبَةِ، بِدَلِيلِ ذِكْرِهِمَا بَعْدُ، وَاصْطِلَاحًا: مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ أَيْ يَتْرُكُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَيَفْعَلُهُ فِي بَعْضٍ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتْرُكُهُ رَأْسًا لِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ إدَامَةَ عَمَلِهِ. وَهَذَا الْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِخُرُوجِ نَحْوِ أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَهِيَ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ، وَاصْطِلَاحًا: مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَظْهَرَهُ حَالَةَ كَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ، وَدَاوَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ. وَالْمُؤَكَّدُ مِنْ السُّنَنِ مَا كَثُرَ ثَوَابُهُ كَالْوَتْرِ. وَأَمَّا الرَّغِيبَةُ فَهُوَ لُغَةً: التَّحْضِيضُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، وَاصْطِلَاحًا: مَا رَغَّبَ فِيهِ الشَّرْعُ وَحْدَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فِي جَمَاعَةٍ. وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ حَدَّدَهُ تَحْدِيدًا بِحَيْثُ لَوْ زِيدَ فِيهِ عَمْدًا أَوْ نَقَصَ عَمْدًا لَبَطَلَ، فَلَا يُقَالُ إنَّهُ صَادِقٌ بِأَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ؛ فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» لَا يُفِيدُ التَّحْدِيدَ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ غَيْرُهَا، بَلْ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَنَفْلُ الصَّلَاةِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرُبَاتِ لِجَمْعِهَا أَنْوَاعًا مِنْ

فَرْضَهَا أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ غَيْرِهَا. (وَتَأَكَّدَ) النَّفَلُ (قَبْلَ) صَلَاةِ (ظُهْرٍ وَبَعْدَهَا) (وَقَبْلَ) صَلَاةِ (عَصْرٍ وَبَعْدَ) صَلَاةِ (مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ بِلَا حَدٍّ) فِي الْجَمِيعِ، فَيَكْفِي فِي تَحْصِيلِ النَّدْبِ رَكْعَتَانِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إلَّا الْمَغْرِبَ فَسِتٌّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعِبَادَاتِ لَا تُجْمَعُ فِي غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: [وَتَأَكَّدَ النَّفَلُ] : قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي تَقْدِيم النَّوَافِلِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهَا مَعْنًى لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ؛ أَمَّا فِي التَّقْدِيمِ فَلِأَنَّ النُّفُوسَ لِاشْتِغَالِهَا بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا بَعِيدَةٌ عَنْ حَالَةِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْحُضُورِ الَّتِي هِيَ رُوحُ الْعِبَادَةِ، فَإِذَا قُدِّمَتْ النَّوَافِلُ عَلَى الْفَرَائِضِ أَنَسَتْ النَّفْسُ بِالْعِبَادَةِ وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تَقْرُبُ مِنْ الْخُشُوعِ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا عَنْهَا فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِلَ جَابِرَةٌ لِنَقْصِ الْفَرَائِضِ، فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَقَعَ بَعْدَهُ مَا يَجْبُرُ الْخَلَلَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ (اهـ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفَلَ الْبَعْدِيَّ وَإِنْ كَانَ جَابِرًا لِلْفَرْضِ فِي الْوَاقِعِ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ نِيَّةُ الْجَبْرِ بِهِ لِعَدَمِ الْعَمَلِ، بَلْ يُفَوَّضُ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ الْجَبْرَ فِي الْوَاقِعِ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ صَلَاةِ ظُهْرٍ] إلَخْ: أَيْ إنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا وَإِلَّا مُنِعَ. قَوْلُهُ: [بِلَا حَدٍّ] : أَيْ يَضُرُّ مُخَالَفَتُهُ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى] إلَخْ: أَيْ فَالْأَفْضَلُ الْوَارِدُ وَكَوْنُهُ بَعْدَ الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ.

(وَ) تَأَكَّدَ (الضُّحَى) : وَأَقَلُّهُ رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرُهُ ثَمَانٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَأَكَّدَ الضُّحَى] : أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَكْعَتَانِ مِنْ الضُّحَى يَعْدِلَانِ عِنْدَ اللَّهِ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مُتَقَبَّلَتَيْنِ» ، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ عَنْ أَنَسٍ. وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الضُّحَى عُطِفَ عَلَى الضَّمِيرِ فِي " تَأَكَّدَ " لَا عَلَى نَفْلٍ، وَإِلَّا لَاكْتَفَى بِدُخُولِ الضُّحَى فِي عُمُومِ نَدْبِ نَفْلٍ. قَوْلُهُ: [أَكْثَرُهُ ثَمَانٍ] : لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ: أَوْسَطُهُ سِتٌّ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَا عَشَرَ. فَمَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِ بِنِيَّةِ الضُّحَى يُكْرَهُ لَا بِنِيَّةِ مُطْلَقِ نَفْلٍ. إنْ قُلْت الْوَقْتُ يَصْرِفُهَا لِلضُّحَى قِيلَ: صَرْفُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ فِيهِ لِلْقَدْرِ الْمَعْلُومِ الَّذِي هُوَ الثَّمَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ (بْن) مَا ذُكِرَ مِنْ كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ، عَلَى الثَّمَانِيَةِ قَوْلُ الْأُجْهُورِيِّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ. وَالصَّوَابُ - كَمَا قَالَ الْبَاجِيُّ - إنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَكْثَرُهَا ثَمَانٍ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَكْثَرُ الْوَارِدِ فِيهَا لَا كَرَاهَةُ الزَّائِدِ عَلَى الثَّمَانِ، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْبَاجِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[تنبيه النفل قبل العشاء]

(وَ) : تَأَكَّدَ (التَّهَجُّدُ) أَيْ النَّفَلُ بِاللَّيْلِ، وَأَفْضَلُهُ بِالثُّلُثِ الْأَخِيرِ. (وَالتَّرَاوِيحُ) : بِرَمَضَانَ (وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً) بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ النَّفْلِ قَبْلَ الْعِشَاءِ كَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ إلَّا عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَبَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» وَالْمُرَادُ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ، وَالْمَغْرِبُ مُسْتَثْنَاةٌ (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . [تَنْبِيه النَّفَل قَبْل الْعِشَاء] قَوْلُهُ: [وَتَأَكَّدَ التَّهَجُّدُ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُكَفِّرَانِ الْخَطَايَا» ، رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ جَابِرٍ. قَوْلُهُ: [وَأَفْضَلُهُ بِالثُّلُثِ الْأَخِيرِ] : أَيْ وَالْأَفْضَلُ أَيْضًا الْوَارِدُ وَهُوَ عَشْرٌ غَيْرُ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَأَكْثَرُهُ لَا حَدَّ لَهُ وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ التَّهَجُّدِ لَيْلًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا لَا يُحْصَى. قَوْلُهُ: [بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ] : أَيْ فَوَقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ.

[النوافل المندوبة والرغائب]

(وَ) نُدِبَ (الْخَتْمُ فِيهَا) : أَيْ التَّرَاوِيحِ، بِأَنْ يَقْرَأَ كُلَّ لَيْلَةٍ جُزْءًا يُفَرِّقُهُ عَلَى الْعِشْرِينَ رَكْعَةً (وَ) نُدِبَ (الِانْفِرَادُ) بِهَا فِي بَيْتِهِ (إنْ لَمْ تُعَطَّلْ الْمَسَاجِدُ) : عَنْ صَلَاتِهَا بِهَا جَمَاعَةً فَإِنْ لَزِمَ عَلَى الِانْفِرَادِ بِهَا تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ عَنْهَا، فَالْأَوْلَى إيقَاعُهَا فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً، فَعُلِمَ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْأَعْيَانِ فِعْلُهَا فِي الْمَسَاجِدِ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ الْأَعْيَانَ، وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ إذَا لَمْ يُصَلُّوهَا فِي الْمَسَاجِدِ تَعَطَّلَتْ الْمَسَاجِدُ. (وَ) نُدِبَ (تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) بِرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْجُلُوسِ بِهِ (لِدَاخِلٍ) فِيهِ (يُرِيدُ - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْخَتْمُ فِيهَا] : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِمَالِكٍ وَلَيْسَ الْخَتْمُ بِسُنَّةٍ وَلِرَبِيعَةَ لَوْ أُقِيمَ بِسُورَةٍ أَجْزَأَهُ، اللَّخْمِيُّ وَالْخَتْمُ أَحْسَنُ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الِانْفِرَادُ بِهَا] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ نَدْبَ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ لَا تُعَطَّلَ الْمَسَاجِدُ، وَأَنْ يَنْشَطَ لِفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ آفَاقِيٍّ بِالْحَرَمَيْنِ، فَإِنْ تَخَلَّفَ مِنْهَا شَرْطٌ كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلَ. قَوْلُهُ: [فَعُلِمَ أَنَّهُ يُنْدَبُ] إلَخْ: مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يُصَلُّونَهَا إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ وَلَوْ لَمْ تَتَعَطَّلْ بِالْفِعْلِ، وَالِانْفِرَادُ لَهُمْ بِهَا مَكْرُوهٌ. [النَّوَافِل الْمَنْدُوبَة وَالرَّغَائِب] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ] : الْمُنَاسِبُ وَتَأَكَّدَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَأَكَّدِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ النَّفْلِ مَعْنًى. وَإِنَّمَا كَانَتْ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ مِنْ الْمُتَأَكَّدِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «أَعْطُوا الْمَسَاجِدَ حَقَّهَا، قَالُوا: وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ تُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسُوا» . وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ بِهِمَا التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا تَحِيَّةُ رَبِّ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَ الْمَلِكِ إنَّمَا يُحَيِّي الْمَلِكَ لَا بَيْتَهُ. قَوْلُهُ: [لِدَاخِلٍ فِيهِ] إلَخْ: ذَكَرَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ " أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَامَتْ مَقَامَ

الْجُلُوسَ بِهِ) أَيْ: بِالْمَسْجِدِ - لَا الْمُرُورَ فِيهِ - وَلَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ (فِي وَقْتِ جَوَازٍ) : لَا وَقْتِ نَهْيٍ (وَتَأَدَّتْ) التَّحِيَّةُ (بِفَرْضٍ) ، فَيَسْقُطُ طَلَبُهَا بِصَلَاتِهِ. فَإِنْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّحِيَّةَ حَصَلَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التَّحِيَّةَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُهَا، «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . (وَتَحِيَّةُ مَكَّةَ) : أَيْ مَسْجِدِهَا (الطَّوَافُ) بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَرَكْعَتَاهُ لِآفَاقِيٍّ وَغَيْرِهِ، إلَّا مَكِّيًّا لَيْسَ مَطْلُوبًا بِطَوَافٍ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي وَقْتِ جَوَازٍ لِغَيْرِ قَصْدِ طَوَافٍ فَيَكْفِيهِ الرَّكْعَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّحِيَّةِ، فَيَنْبَغِي اسْتِعْمَالُهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ أَوْ فِي أَوْقَاتِ الْجَوَازِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي أَوْقَاتِ الْجَوَازِ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ. إنْ قُلْت فِعْلُ التَّحِيَّةِ وَقْتَ النَّهْيِ عَنْ النَّفْلِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَكَيْفَ يُطْلَبُ بِبَدَلِهَا وَيُثَابُ عَلَيْهَا؟ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّحِيَّةَ وَقْتَ النَّهْيِ عَنْ التَّنَفُّلِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، بَلْ هِيَ مَطْلُوبَةٌ فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَفِي وَقْتِ الْجَوَازِ، غَيْرَ أَنَّهَا فِي وَقْتِ الْجَوَازِ يُطْلَبُ فِعْلُهَا صَلَاةً وَفِي وَقْتِ النَّهْيِ يُطْلَبُ فِعْلُهَا ذِكْرًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَتَأَدَّتْ التَّحِيَّةُ بِفَرْضٍ] : أَيْ غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَيْفَ تَكُونُ تَحِيَّةً لَهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّحِيَّةَ نَفْسُ الطَّوَافِ لَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُزُولِيِّ وَالْقَلْشَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ التَّحِيَّةَ هِيَ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوَافِ وَلَكِنْ زِيدَ عَلَيْهِمَا الطَّوَافُ (اهـ. بْن) وَلَكِنْ يُؤَيِّدُ مَا لِلْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ الْمُبَادَرَةُ بِالطَّوَافِ وقَوْله تَعَالَى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26] وَالرَّكْعَتَانِ تَبَعٌ، عَكْسُ مَا فِي (بْن) . وَعَلَيْهِ إذَا رَكَعَهُمَا خَارِجَهُ لَمْ يَأْتِ بِالتَّحِيَّةِ (اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ [فَيَكْفِيهِ الرَّكْعَتَانِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: مَكِّيٌّ، وَآفَاقِيٌّ. وَفِي كُلٍّ

(وَنُدِبَ بَدْءٌ بِهَا) : أَيْ التَّحِيَّةِ (قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمَسْجِدِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَ) نُدِبَ (قِرَاءَةُ شَفْعٍ) : الْمُرَادُ بِهِ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْوَتْرِ (بِسَبِّحْ) اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى عَقِبَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَالْكَافِرُونَ) فِي الثَّانِيَةِ. (وَ) نُدِبَ قِرَاءَةُ (وَتْرٍ) : أَيْ فِيهِ، بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِإِخْلَاصٍ وَمُعَوِّذَتَيْنِ) . (وَ) نُدِبَ (فَصْلُهُ) : أَيْ الشَّفْعِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَتْرِ (بِسَلَامٍ وَكُرِهَ وَصْلُهُ) بِهِ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ. (وَ) كُرِهَ (الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَتْرِ) : مِنْ غَيْرِ شَفْعٍ وَصَحَّ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ إلَّا بِشَفْعٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQإمَّا مَأْمُورٌ بِالطَّوَافِ، أَوْ غَيْرُ مَأْمُورٍ فَالْكُلُّ تَحِيَّتُهُمْ الطَّوَافُ إلَّا الْمَكِّيَّ الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِطَوَافٍ وَلَمْ يَدْخُلْهُ لِأَجْلِ الطَّوَافِ بَلْ لِلْمُشَاهَدَةِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِقِرَاءَةِ عِلْمٍ أَوْ قُرْآنٍ، فَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّهِ الصَّلَاةُ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ] إلَخْ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا وَفِيهِ جَمَاعَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ إلَّا أَنْ يَخْشَى الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ، وَإِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ فِعْلِهَا. قَوْلُهُ: [وَالْكَافِرُونَ] : مَجْرُورٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَقِرَاءَةُ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ بِمَا ذُكِرَ مَنْدُوبَةٌ وَلَوْ لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ وَقَوْلُ خَلِيلٍ: إلَّا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، اسْتِظْهَارٌ لِلْمَازِرِيِّ خِلَافَ الْمَذْهَبِ - كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ وَصْلُهُ بِهِ] : أَيْ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ. فِي الْأُجْهُورِيِّ وَ (عب) وَالْحَاشِيَةِ: إنْ فَاتَتْهُ مَعَهُ رَكْعَةٌ قَضَى رَكْعَةَ الشَّفْعِ، وَكَانَ وَتْرًا بَيْنَ رَكْعَتَيْ شَفْعٍ وَرَكْعَتَانِ فَوَتْرٌ قَبْلَ شَفْعٍ، وَقَدْ يُقَالُ: يَدْخُلُ بِنِيَّةِ الشَّفْعِ ثُمَّ يُوتِرُ، وَالنَّفَلُ خَلْفَ النَّفْلِ جَائِزٌ مُطْلَقًا وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا مُوَافَقَةَ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ أَوْلَى. عَلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لَازِمَةٌ، فَإِنَّ الثَّلَاثَ كُلَّهَا وَتْرٌ عِنْدَ الْوَاصِلِ، وَقَدْ قَالُوا لَا يَضُرُّ مُخَالَفَةُ الْمَأْمُومِ لَهُ فِي هَذَا فَلْيُتَأَمَّلْ. (اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ) . وَاعْلَمْ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْوَاصِلِ مَكْرُوهٌ، وَلَا تَبْطُلُ إنْ خَالَفَهُ وَسَلَّمَ وَمِنْ رَكْعَتَيْنِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ أَشْهَبَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ قَالَ] إلَخْ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّفْعُ قَبْلَهُ لِلْفَضِيلَةِ وَقِيلَ لِلصِّحَّةِ وَفِي كَوْنِهِ لِأَجْلِهِ قَوْلَانِ - التَّوْضِيحُ: كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْهُورَ كَوْنُ الشَّفْعِ لِلْفَضِيلَةِ.

[رغيبة الفجر]

(وَالْفَجْرُ) أَيْ رَكْعَتَاهُ (رَغِيبَةٌ) : أَيْ مُرَغَّبٌ فِيهَا فَوْقَ الْمَنْدُوبِ وَدُونَ السُّنَّةِ، وَلَيْسَ لَنَا رَغِيبَةٌ إلَّا هِيَ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ سُنَّةٌ (تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ تَخُصُّهَا) : أَيْ تُمَيِّزُهَا عَنْ مُطْلَقِ النَّافِلَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ النَّوَافِلِ فَيَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الصَّلَاةِ؛ فَإِنْ كَانَتْ بِاللَّيْلِ فَتَهَجُّدٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِوَقْتِ الضُّحَى فَضُحًى، وَعِنْدَ دُخُولِ مَسْجِدٍ فَتَحِيَّةٌ وَهَكَذَا. (وَوَقْتُهُ) أَيْ الْفَجْرِ أَيْ رَكْعَتَيْهِ (كَالصُّبْحِ) فَلَا تُجْزِئُ إنْ تَبَيَّنَ تَقَدُّمُ إحْرَامِهَا عَلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَوْ بِتَحَرٍّ، فَإِنْ تَحَرَّ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ - وَأَوْلَى إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ - أَجْزَأَتْ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّ لَمْ يُجْزِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ. وَالتَّحَرِّي: الِاجْتِهَادُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ دُخُولُ الْوَقْتِ. (وَلَا يُقْضَى نَفْلٌ) خَرَجَ وَقْتُهُ (سِوَاهَا) ، فَإِنَّهَا تُقْضَى بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاَلَّذِي فِي الْبَاجِيِّ تَشْهِيرُ الثَّانِي؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يَكُونُ الْوَتْرُ إلَّا عَقِبَ شَفْعٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اُخْتُلِفَ فِي رَكْعَتَيْ الشَّفْعِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَخُصَّهُمَا بِنِيَّةٍ أَوْ يَكْتَفِي بِأَيِّ رَكْعَتَيْنِ كَانَتَا؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ تَقَدُّمَ الشَّفْعِ شَرْطُ كَمَالٍ، وَأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ تَخُصُّهُ. وَارْتَضَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ. [رَغِيبَة الْفَجْر] قَوْلُهُ: [مُرَغَّبٌ فِيهَا] : أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِتَحَرٍّ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْفَجْرِ فَإِمَّا أَنْ يَتَحَرَّى وَيَجْتَهِدَ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَتَحَرَّى فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا وَهُوَ شَاكٌّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، سَوَاءٌ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَنَّ إحْرَامَهُ بِهَا وَقَعَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ. وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ بَعْدَ التَّحَرِّي فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا وَقَعَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَبَاطِلَةٌ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ فَصَحِيحَةٌ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُقْضَى نَفْلٌ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَضَاءُ غَيْرِهَا مِنْ النَّوَافِلِ، وَصَرَّحَ فِي الْأَصْلِ بِالْحُرْمَةِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَلَيْسَ مَنْقُولًا وَلَا سِيَّمَا

(لِلزَّوَالِ) سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا الصُّبْحُ أَوْ لَا، كَمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ قَبْلَ أَدَائِهَا أَوْ صَلَّى الصُّبْحَ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ تَرَكَهَا كَسَلًا. (وَإِنْ أُقِيمَتْ الصُّبْحُ) : أَيْ صَلَاتُهُ، بِأَنْ شَرَعَ الْمُقِيمُ فِي الْإِقَامَةِ وَلَمْ يَكُنْ شَخْصٌ صَلَّى الْفَجْرَ (وَهُوَ بِمَسْجِدٍ) أَوْ رَحْبَتِهِ (تَرَكَهَا) وُجُوبًا وَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الصُّبْحِ وَقَضَاهَا بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ. (وَ) إنْ أُقِيمَتْ الصُّبْحُ وَهُوَ (خَارِجُهُ) أَيْ وَخَارِجُ رَحْبَتِهِ أَيْضًا (رَكَعَهَا) خَارِجَهُ (إنْ لَمْ يَخْشَ) بِصَلَاتِهَا (فَوَاتَ رَكْعَةٍ) مِنْ الصُّبْحِ مَعَ الْإِمَامِ. (وَنُدِبَ) لِمَنْ أَرَادَ التَّوَجُّهَ لِمَسْجِدٍ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ (إيقَاعُهُ) : أَيْ الْفَجْرِ (بِالْمَسْجِدِ) لَا بِبَيْتِهِ، (وَنَابَ عَنْ التَّحِيَّةِ فَإِنْ صَلَّاهُ) أَيْ الْفَجْرَ (بِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ قَبْلَ إقَامَةِ الصُّبْحِ (جَلَسَ) حَتَّى تُقَامَ الصُّبْحُ، (وَلَمْ يَرْكَعْ) فَجْرًا وَلَا تَحِيَّةً لِأَنَّ الْوَقْتَ صَارَ وَقْتَ نَهْيِ كَرَاهَةٍ لِلنَّافِلَةِ. (وَ) نُدِبَ (الِاقْتِصَارُ فِيهِ) أَيْ الْفَجْرِ (عَلَى الْفَاتِحَةِ وَ) نُدِبَ (إسْرَارُهُ) أَيْ الْقِرَاءَةُ فِيهِ سِرًّا (كَنَوَافِلِ النَّهَارِ) كُلِّهَا، يُنْدَبُ فِيهَا الْإِسْرَارُ. (وَ) نُدِبَ (جَهْرُ) نَوَافِلِ (اللَّيْلِ وَتَأَكَّدَ) نَدْبُ الْجَهْرِ (بِوَتْرٍ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ يُجَوِّزُ الْقَضَاءَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَضَاءَ غَيْرِ الْفَرَائِضِ مَكْرُوهٌ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الِاقْتِصَارُ] إلَخْ: فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ زَرُّوقٍ، ابْنِ وَهْبٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِيهَا بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ جُرِّبَ لِوَجَعِ الْأَسْنَانِ فَصَحَّ، وَمَا يَذْكُرُ مَنْ قَرَأَ فِيهَا بِ (أَلَمْ) وَ (أَلَمْ) لَمْ يُصِبْهُ أَلَمٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ بِدْعَةٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا (اهـ. بْن) لَكِنْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ وَسَائِلِ الْحَاجَاتِ وَآدَابِ الْمُنَاجَاةِ مِنْ الْإِحْيَاءِ أَنَّ مِمَّا جُرِّبَ لِدَفْعِ الْمَكَارِهِ وَقُصُورِ يَدِ كُلِّ عَدُوٍّ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إلَيْهِ سَبِيلًا قِرَاءَةُ (أَلَمْ نَشْرَحْ) وَ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ) فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، قَالَ وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ. قَوْلُهُ: [يُنْدَبُ فِيهَا الْإِسْرَارُ] : وَفِي كَرَاهَةِ الْجَهْرِ بِهِ وَعَدَمِهَا - بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى - قَوْلَانِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ جَهْرُ نَوَافِلِ اللَّيْلِ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى غَيْرِهِ وَإِلَّا حَرُمَ.

(وَ) نُدِبَ (التَّمَادِي فِي الذِّكْرِ إثْرِ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِلطُّلُوعِ) أَيْ طُلُوعِ الشَّمْسِ. (وَ) نُدِبَ (آيَةُ الْكُرْسِيِّ) أَيْ قِرَاءَتُهَا (وَالْإِخْلَاصُ) . (وَالتَّسْبِيحُ) : أَيْ قَوْلُهُ سُبْحَانَ اللَّهِ (وَالتَّحْمِيدُ) : أَيْ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ (وَالتَّكْبِيرُ) : أَيْ قَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) لِكُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ، (وَخَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالسِّرُّ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْجَهْرُ مُشَوِّشًا. وَتَأَكَّدَ الْجَهْرُ بِالْوَتْرِ وَلَوْ صَلَّاهُ بَعْدَ الْفَجْرِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ التَّمَادِي فِي الذِّكْرِ] : أَيْ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ فَإِذَا حَلَّتْ النَّافِلَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ وَجَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ ثَوَابُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ» قَالَ فِي الْأَصْلِ: كَرَّرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثَلَاثًا؛ فَلَا يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ فَوَاتُ هَذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. وَلَكِنَّهَا الْأَهْوَاءُ عَمَّتْ فَأَعْمَتْ.

[أحكام الوتر]

بِإِسْقَاطِ يُحْيِي وَيُمِيتُ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ. (وَاسْتِغْفَارٌ) بِأَيِّ صِيغَةٍ (وَصَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَدُعَاءٌ) بِمَا تَيَسَّرَ (عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ) مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِ الْوَتْرِ فَقَالَ: (وَالْوَتْرُ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ (آكَدُ) السُّنَنِ الْخَمْسِ: (فَالْعِيدُ) يَلِي الْوَتْرَ سَوَاءٌ عِيدُ الْفِطْرِ أَوْ النَّحْرِ وَهُمَا فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ. (فَالْكُسُوفُ) يَلِي الْعِيدَ فِي الْفَضْلِ. (فَالِاسْتِسْقَاءُ) وَلِكُلٍّ بَابٌ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْوَتْرِ خَاصَّةً. (وَوَقْتُهُ) الِاخْتِيَارِيُّ (بَعْدَ) صَلَاةِ (عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ) وَلَوْ بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ. فَإِنْ تَبَيَّنَ فَسَادُهَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ. وَإِنْ كَانَ صَلَّاهُ بَعْدَ الْفَاسِدَةِ أَعَادَهُ بَعْدَ إعَادَتِهَا. (وَ) بَعْدَ غِيَابِ (شَفَقٍ) أَحْمَرَ فَإِنْ قَدَّمَ الْعِشَاءَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ لِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْوَتْرِ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَيَمْتَدُّ اخْتِيَارِيُّهُ (لِلْفَجْرِ) أَيْ لِطُلُوعِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ] : رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ وَمِنْ هُنَا كَانَ خَتْمُ السَّادَةِ الْخَلْوَتِيَّةِ الْمَشْهُورُ جَامِعًا لِلْوَارِدِ فِي السُّنَّةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ شَيْخُنَا الْمُؤَلِّفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ مَنْ لَازَمَهُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ وَصَلَ إلَى اللَّهِ. [أَحْكَامِ الْوَتْرِ] قَوْلُهُ: [وَالْوَتْرُ سُنَّةٌ] : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا. قَوْلُهُ: [آكَدُ السُّنَنِ الْخَمْسِ] : أَيْ الَّتِي ذِكْرُهَا بَعْدُ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا فَهِيَ آكَدُ مِنْ الْوَتْرِ. وَاسْتَظْهَرَ الْأَشْيَاخُ أَنَّ آكَدَ السُّنَنِ رَكْعَتَا الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، فَهِيَ كَالْجِنَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ وُجُوبُهُمَا، ثُمَّ رَكْعَتَا الطَّوَافِ الْغَيْرِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِمَا وَسُنِّيَّتِهِمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، ثُمَّ الْعُمْرَةُ لِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْجَهْمِ بِوُجُوبِهَا ضَعِيفٌ، ثُمَّ الْوَتْرُ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ. ثُمَّ الْعِيدُ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ثُمَّ الْكُسُوفُ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ بِلَا نِزَاعٍ، ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّهَا لَا تُفْعَلُ، وَأَمَّا صَلَاةُ خُسُوفِ الْقَمَرِ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ.

(وَضَرُورِيُّهُ) مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ (لِلصُّبْحِ) أَيْ لِصَلَاتِهَا بِتَمَامِهَا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. فَإِنْ صَلَّاهَا خَرَجَ وَقْتُهَا الضَّرُورِيُّ وَسَقَطَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى مِنْ النَّوَافِلِ إلَّا الْفَجْرُ، فَيُقْضَى لِلزَّوَالِ. (وَنُدِبَ لِفَذٍّ) تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الْوَتْرَ وَهُوَ فِي الصُّبْحِ (قَطَعَهَا) : أَيْ الصُّبْحَ (لَهُ) : أَيْ لِأَجْلِ الْوَتْرِ مَا لَمْ يَخَفْ خُرُوجَ وَقْتِ الصُّبْحِ. فَيَأْتِي بِالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَيُعِيدُ الْفَجْرَ. (وَجَازَ) الْقَطْعُ (لِمُؤْتَمٍّ) عَلَى الرَّاجِحِ (كَإِمَامٍ) : يَجُوزُ لَهُ الْقَطْعُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يُنْدَبُ كَالْفَذِّ، وَإِذَا قَطَعَ، فَهَلْ يَقْطَعُ مَأْمُومُهُ أَوْ يَسْتَخْلِفُ؟ قَوْلَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَضَرُورِيُّهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ] : الْحَاصِلُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الضَّرُورِيَّ لِلْوَتْرِ يَمْتَدُّ مِنْ الْفَجْرِ إلَى تَمَامِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَذِّ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَلَا يُقْضَى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ. قَوْلُهُ: [قَطَعَهَا أَيْ الصُّبْحَ] : وَأَمَّا لَوْ ذَكَرَ الْوَتْرَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَهَلْ يُتِمُّهَا ثُمَّ يَفْعَلُهُ، أَوْ يَقْطَعُ كَالصُّبْحِ؟ قَوْلَانِ: وَقَطْعُهُ الصُّبْحَ مَنْدُوبٌ سَوَاءٌ تَذَكَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ رَكْعَةً أَوْ بَعْدَ أَنْ عَقَدَهَا كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ خِلَافًا لِابْنِ زَرْقُونٍ الْقَائِلِ إنَّهُ لَا يَقْطَعُ إنْ عَقَدَ رَكْعَةً. قَوْلُهُ: [لِمُؤْتَمٍّ] : أَيْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَطْعِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، وَكَانَ أَوَّلًا يَقُولُ بِنَدْبِ التَّمَادِي وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ مَسَاجِينِ الْإِمَامِ، وَقَدْ مَشَى عَلَيْهِ التَّتَّائِيُّ فِي نَظْمِهِ الْمَشْهُورِ بِمَسَاجِينِ الْإِمَامِ وَهُوَ: إذَا ذَكَرَ الْمَأْمُومُ فَرْضًا بِفَرْضِهِ ... أَوْ الْوَتْرَ أَوْ يَضْحَكُ فَلَا يَقْطَعُ الْعَمَلَ يُتَمِّمُهَا فِي الْكُلِّ خَلْفَ إمَامِهِ ... وَيَأْتِي بِهَا فِي غَيْرِ وَتْرٍ بِلَا كَسَلٍ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ] إلَخْ: مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ النَّدْبِ فَإِنَّهُ عَزَاهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٍ وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمَوَّاقِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْإِمَامِ نَدْبُ التَّمَادِي وَعَدَمُ الْقَطْعِ فَيَكُونُ فِي الْإِمَامِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: نَدْبُ الْقَطْعِ وَنَدْبُ التَّمَادِي وَالتَّخْيِيرُ. قَوْلُهُ: [أَوْ يَسْتَخْلِفُ] : أَيْ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا فِي (عب) .

[خاتمة طول السجود وطول القراءة في النفل]

(وَ) نُدِبَ (تَأْخِيرُهُ لِمُنْتَبِهٍ) : أَيْ لِمَنْ شَأْنُهُ الِانْتِبَاهُ (آخِرَ اللَّيْلِ) لِصَلَاةِ التَّهَجُّدِ لِيَكُونَ وَتْرُهُ (آخِرَ) صَلَاتِهِ مِنْ (اللَّيْلِ) ، فَإِنْ قَدَّمَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَانْتَبَهَ آخِرَ فَصَلَّى نَفْلًا (لَمْ يُعِدْهُ) إذْ لَا وَتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ. (وَجَازَ) لِمَنْ صَلَّى الْوَتْرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ آخِرَهُ (نَفْلٌ بَعْدَهُ) إذَا لَمْ يُوصِلْهُ بِهِ، بَلْ أَخَّرَهُ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ أَنَّهُ أَوْصَلَ وَتْرَهُ بِنَفْلٍ، أَخَذَا مِمَّا يَأْتِي (إنْ لَمْ يَنْوِهِ) : أَيْ النَّفَلَ (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ) : أَيْ فِي الْوَتْرِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَصْلًا أَوْ طَرَأَتْ لَهُ نِيَّةُ التَّنَفُّلِ وَهُوَ فِي الْوَتْرِ، (وَإِلَّا) : بِأَنْ نَوَى قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْوَتْرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَهُ، (كُرِهَ) لَهُ التَّنَفُّلُ بَعْدَهُ وَلَوْ لَمْ يُوصِلْهُ بِهِ - (كَوَصْلِهِ) : أَيْ كَمَا يُكْرَهُ وَصْلُ النَّفْلِ (بِهِ) أَيْ بِالْوَتْرِ، إذَا لَمْ يَنْوِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ جَوَازَ النَّفْلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْوَتْرِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: أَنْ لَا يَنْوِيَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ النَّفَلَ بَعْدَهُ، وَأَنْ لَا يُوصِلَهُ بِهِ، قَوْلُهُ (بِلَا فَاصِلٍ عَادِيٍّ) احْتِرَازٌ بِهِ عَنْ الْفَاصِلِ الْيَسِيرِ، فَكَالْعَدَمِ، بِخِلَافِ مَا إذَا نَامَ وَلَوْ قَلِيلًا أَوْ جَدَّدَ وُضُوءَهُ أَوْ ذَهَبَ مِنْ الْمَسْجِد ـــــــــــــــــــــــــــــQ [خَاتِمَة طول السُّجُود وطول الْقِرَاءَة فِي النَّفَل] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَأْخِيرُهُ لِمُنْتَبِهٍ] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي (ر) : «كَانَ الصِّدِّيقُ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَعُمَرُ يُؤَخِّرُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ الْأَوَّلَ أَخَذَ بِالْحَزْمِ وَالثَّانِيَ أَخَذَ بِالْقُوَّةِ» . وَرَأَيْت لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الصِّدِّيقَ تَحَقَّقَ بِمَقَامِ: مَا خَرَجَ مِنِّي نَفَسٌ وَأَيْقَنْت أَنْ يَعُودَ. وَعَنْ عَلِيٍّ: يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِرَكْعَةٍ فَإِذَا انْتَبَهَ صَلَّى رَكْعَةً ضَمَّهَا لِلْأُولَى فَيَكُونُ شَفْعًا، ثُمَّ تَنَفَّلَ مَا شَاءَ ثُمَّ أَوْتَرَ وَهُوَ مَذْهَبٌ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ وَعَنَّا بِهِمْ (اهـ) . قَوْلُهُ: [لَمْ يُعِدْهُ] إلَخْ: تَقْدِيمًا لِلنَّهْيِ الْمَأْخُوذِ مِنْ حَدِيثِ: «لَا وَتْرَانِ فِي

لِبَيْتِهِ أَوْ عَكْسِهِ فَلَا يُكْرَهُ. (وَ) كُرِهَ (تَأْخِيرُهُ) : أَيْ الْوَتْرِ (لِلضَّرُورِيِّ) : أَيْ ضَرُورِيِّهِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ (بِلَا عُذْرٍ) : مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا. (وَ) كُرِهَ (كَلَامٌ) بِدُنْيَوِيٍّ (بَعْدَ) صَلَاةِ (صُبْحٍ لَا) بَعْدَ (فَجْرٍ) وَقَبْلَ صُبْحٍ. (وَ) كُرِهَ (ضِجْعَةٌ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْهَيْئَةُ الْمَعْلُومَةُ بِأَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُنَا؛ إذْ لَمْ يَصْحَبْهَا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (بَعْدَ) صَلَاةِ (فَجْرٍ) وَقَبْلَ صُبْحٍ. (وَ) كُرِهَ (جَمْعٌ كَثِيرٌ لِنَفْلٍ) : أَيْ صَلَاتِهِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ وَلَوْ بِمَكَانٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ؛ لِأَنَّ شَأْنَ النَّفْلِ الِانْفِرَادُ بِهِ. (أَوْ) صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ (بِمَكَانٍ مُشْتَهَرٍ) بَيْنَ النَّاسِ (وَإِلَّا) تَكُنْ الْجَمَاعَةُ كَثِيرَةً - بَلْ قَلِيلَةً كَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ - وَلَمْ يَكُنْ الْمَكَانُ مُشْتَهَرًا (فَلَا) يُكْرَهُ. (وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ) أَيْ وَقْتُ الصُّبْحِ الضَّرُورِيُّ (إلَّا لِرَكْعَتَيْنِ) : أَيْ لِمِقْدَارِ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَيْلَةٍ» عَلَى حَدِيثِ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وَتْرًا» . قَوْلُهُ: [كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُنَا] : أَيْ فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَتَذَكَّرُ بِهَا ضَجْعَةَ الْقَبْرِ، وَيَقُولُ عِنْدَ الِاضْطِجَاعِ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ وَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ. وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ الضِّجْعَةِ إذَا فَعَلَهَا اسْتِنَانًا لَا لِاسْتِرَاحَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهَا. قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ] : وَمِنْ الْغَيْرِ الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَالْأَفْضَلُ الِانْفِرَادُ فِيهِمَا.

مَا يَسَعُهُمَا - وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْوَتْرَ وَعَلَيْهِ الصُّبْحُ - (تَرَكَ الْوَتْرَ) وَأَدْرَكَ الصُّبْحَ (لَا) إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ (لِثَلَاثٍ) : أَيْ لِقَدْرِ مَا يَسَعُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ أَوْ أَرْبَعًا؛ فَلَا يَتْرُكُهُ بَلْ يُصَلِّيهِ وَلَوْ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ، ثُمَّ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَيُؤَخِّرُ الْفَجْرَ لِحِلِّ النَّافِلَةِ وَسَقَطَ عَنْهُ الشَّفْعُ. (وَ) إنْ اتَّسَعَ (لِخَمْسٍ) أَوْ سِتٍّ (زَادَ الشَّفْعَ) وَأَخَّرَ الْفَجْرَ (مَا لَمْ يُقَدِّمْهُ) أَيْ الشَّفْعَ بَعْدَ الْعِشَاءِ أَيْ مَا لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ الْعِشَاءِ نَفْلًا وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ صَلَّى اقْتَصَرَ عَلَى الْوَتْرِ وَصَلَّى الْفَجْرَ وَأَدْرَكَ الصُّبْحَ فِي الْبَاقِي؛ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ. وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ قَدَّمَهُ " ضَعِيفٌ. (وَ) إنْ اتَّسَعَ (لِسَبْعٍ زَادَ) عَلَى الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (الْفَجْرَ) وَأَدْرَكَ الصُّبْحَ فِي الْبَاقِي. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [تَرَكَ الْوَتْرَ] : هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ أَصْبَغُ: يُصَلِّي الصُّبْحَ وَالْوَتْرَ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَرْبَعًا] : خَالَفَ أَصْبَغُ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَاقِي أَرْبَعًا، فَقَالَ: يُصَلِّي الشَّفْعَ وَالْوَتْرَ وَيُدْرِكُ الصُّبْحَ بِرَكْعَةٍ. خَاتِمَةٌ: هَلْ الْأَفْضَلُ فِي النَّفْلِ كَثْرَةُ السُّجُودِ أَيْ الرَّكَعَاتِ؟ لِخَبَرِ: «عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ فَإِنَّك لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَك اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ بِهَا عَنْك خَطِيئَةً» أَوْ طُولُ الْقِيَامِ بِالْقِرَاءَةِ؟ لِخَبَرِ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» أَيْ طُولُ الْقِيَامِ وَلِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «فَإِنَّهُ تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ مِنْ الْقِيَامِ وَمَا زَادَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» ؟ قَوْلَانِ مَحَلُّهُمَا: مَعَ اتِّحَادِ زَمَانِهِمَا. قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْفَرَائِضِ، وَمَا يَشْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَهْلِيلٍ وَصَلَاةٍ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (اهـ) وَلِبَعْضِهِمْ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ: كَأَنَّ الدَّهْرَ فِي خَفْضِ الْأَعَالِي ... وَفِي رَفْعِ الْأَسَافِلَةِ اللِّئَامِ فَقِيهٌ صَحَّ فِي فَتْوَاهُ قَوْلٌ ... بِتَفْضِيلِ السُّجُودِ عَلَى الْقِيَامِ :

[فصل في سجود القرآن]

فَصْلٌ: فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ (سُنَّ) : عَلَى الرَّاجِحِ وَقِيلَ: يُنْدَبُ (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) : أَيْ قَاصِدُ السَّمَاعِ مِنْهُ، لَا مُجَرَّدَ سَمَاعٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (إنْ جَلَسَ) أَيْ الْمُسْتَمِعُ (لِيَتَعَلَّمَ) مِنْ الْقَارِئِ مَخَارِجَ الْحُرُوفِ، أَوْ حِفْظَهُ، أَوْ طُرُقَهُ، لَا لِمُجَرَّدِ ثَوَابٍ أَوْ مُدَارَسَةٍ - (وَ) إنْ (صَلَحَ الْقَارِئُ لِلْإِمَامَةِ) - بِأَنْ يَكُونَ ذَكَرًا مُحَقِّقًا بَالِغًا عَاقِلًا، وَإِلَّا فَلَا سُجُودَ عَلَى الْمُسْتَمِعِ بَلْ عَلَى الْقَارِئِ وَحْدَهُ (بِشَرْطِ) أَيْ مَعَ حُصُولِ شُرُوطِ (الصَّلَاةِ) : مِنْ طَهَارَةِ حَدَثٍ وَخَبَثٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَاسْتِقْبَالٍ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. فَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ هُوَ الْمُحَصِّلُ لَهَا وَحْدَهُ سَجَدَ دُونَ الْمُسْتَمِعِ. وَإِنْ كَانَ الْمُحَصِّلُ لَهَا هُوَ الْمُسْتَمِعُ وَحْدَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِأَنَّ سُجُودَهُ تَابِعٌ لِسُجُودِ الْقَارِئِ. وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِفَقْدِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الطَّهَارَةِ. وَأَمَّا السَّتْرُ وَالِاسْتِقْبَالُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَا فَكَذَلِكَ وَإِنْ أَمْكَنَا فَإِنَّهُ يَطْلُبُ بِهَا وَيَسْجُدُ، بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ إنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ سَاتِرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ] [تَنْبِيه السُّجُود عِنْد سَمَاع حسن الْقِرَاءَة] فَصْلٌ قَوْلُهُ: [سُنَّ عَلَى الرَّاجِحِ] : أَيْ كَمَا شَهَّرَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ وَابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ فَضِيلَةٌ هُوَ قَوْلُ الْبَاجِيِّ وَابْنِ الْكَاتِبِ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ وَقِلَّتُهُ. قَوْلُهُ: [لِقَارِئٍ] : أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ صَلَحَ لِلْإِمَامَةِ أَمْ لَا، جَلَسَ لِيُسْمِعَ النَّاسَ حُسْنَ قِرَاءَتِهِ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [وَمُسْتَمِعٍ] : أَيْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. قَوْلُهُ: [وَإِنْ صَلَحَ الْقَارِئُ لِلْإِمَامَةِ] : أَيْ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ لِيَدْخُلَ الْمُتَوَضِّئُ الْعَاجِزُ فَإِنَّهُ صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إذْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا بِمِثْلِهِ. قَوْلُهُ: [شُرُوطِ الصَّلَاةِ] : أَيْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فَلِذَلِكَ تُفْعَلُ عَلَى الدَّابَّةِ. قَوْلُهُ: [لِفَقْدِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ] : أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا كَمَا إذَا كَانَ الْقَارِئُ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ؛ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ: لَا يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ. وَذَكَرَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ سُجُودَهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ

[مواضع السجود في القرآن]

(سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ) : نَائِبٌ عَنْ فَاعِلِ " سُنَّ " (بِلَا تَكْبِيرِ إحْرَامٍ) : بَلْ يُكَبِّرُ فِي الْهَوِيِّ لَهُ وَالرَّفْعِ مِنْهُ اسْتِنَانًا. (وَ) بِلَا (سَلَامٍ) مِنْهُ. وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ؛ يَنْحَطُّ الْقَائِمُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ قِيَامِهِ وَلَا يَجْلِسُ لِيَأْتِيَ بِهَا مِنْ جُلُوسٍ. وَيَنْزِلُ لَهَا الرَّاكِبُ - إلَّا إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَيَسْجُدُهَا صَوْبَ سَفَرِهِ بِالْإِيمَاءِ - لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ. (فِي أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا) مِنْ الْقُرْآنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: بَقِيَ شَرْطٌ ثَالِثٌ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ: وَهُوَ أَنْ لَا يَجْلِسَ الْقَارِئُ لِيُسْمِعَ النَّاسَ حُسْنَ قِرَاءَتِهِ، فَإِنْ جَلَسَ لِذَلِكَ فَلَا يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ يَسْجُدُ. إنْ قُلْت: غَايَةُ مَا فِيهِ فِسْقُهُ بِالرِّيَاءِ وَالْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ إمَامَةِ الْفَاسِقِ، أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ هُنَا كَالصَّلَاةِ فَالْمُرَائِي فِي قِرَاءَتِهِ كَمَنْ تَعَلَّقَ فِسْقُهُ بِالصَّلَاةِ، وَالْفَاسِقُ الَّذِي اعْتَمَدُوا صِحَّةَ إمَامَتِهِ مَنْ كَانَ فِسْقُهُ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّلَاةِ كَمَا يَأْتِي. قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ] : فَلَوْ أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ؛ إذْ لَا يَتَوَقَّفُ الْخُرُوجُ مِنْهَا عَلَى سَلَامٍ، نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ زَادَ فِي الطَّوَافِ عَلَى الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ. وَمَحَلُّ عَدَمِ الْبُطْلَانِ الْمَذْكُورِ إنْ لَمْ تَكُنْ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ لِتَعَمُّدِ الزِّيَادَةِ فِيهَا. قَوْلُهُ: [بِلَا تَكْبِيرِ إحْرَامٍ] : أَيْ وَأَمَّا الْإِحْرَامُ بِمَعْنَى نِيَّةِ الْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، ثُمَّ مَحَلُّ قَوْلِهِ بِلَا تَكْبِيرِ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ أَنْ يَقْصِدَ مُرَاعَاةَ خِلَافٍ كَمَا قَالَ (عب) . قَوْلُهُ: [وَيَنْزِلُ لَهَا الرَّاكِبُ] : أَيْ فَلَا يَسْجُدُهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَلَا يُومِئُ بِهَا لِلْأَرْضِ. قَوْلُهُ: [فَيَسْجُدُهَا صَوْبَ سَفَرِهِ] : أَيْ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قِلَّةِ الْبَدَلِ. [مواضع السُّجُود فِي الْقُرْآن] قَوْلُهُ: [فِي أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا] : أَيْ وَهِيَ الْعَزَائِمُ أَيْ الْمَأْمُورَاتُ الَّتِي يَعْزِمُ النَّاسُ بِالسُّجُودِ فِيهَا. وَقِيلَ: الْعَزَائِمُ مَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ.

لَا فِي ثَانِيَةِ الْحَجِّ، وَلَا النَّجْمِ، وَلَا الِانْشِقَاقِ، وَلَا الْقَلَمِ؛ تَقْدِيمًا لِلْعَمَلِ عَلَى الْحَدِيثِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَسْخِهِ. وَبَيَّنَ الْأَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا بِقَوْلِهِ: (آخِرِ الْأَعْرَافِ) يَجُوزُ فِيهِ الْجَرُّ وَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، (وَالْآصَالِ) فِي سُورَةِ الرَّعْدِ، (وَيُؤْمَرُونَ) فِي النَّحْلِ، (وَخُشُوعًا) فِي الْإِسْرَاءِ، (وَبُكِيًّا) فِي مَرْيَمَ (وَإنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) فِي الْحَجِّ، (وَزَادَهُمْ نُفُورًا) فِي الْفُرْقَانِ، (وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فِي النَّمْلِ، (وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ قَوْلُهُ: [لَا فِي ثَانِيَةِ الْحَجِّ] إلَخْ: أَيْ فَيُكْرَهُ وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ: يُمْنَعُ، مَعْنَاهَا يُكْرَهُ كَذَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فَلَوْ سَجَدَ فِي ثَانِيَةِ الْحَجِّ وَمَا بَعْدَهَا فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يَسْجُدُهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بُطْلَانَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِلْخِلَافِ فِيهَا، فَلَوْ سَجَدَ دُونَ إمَامِهِ بَطَلَتْ، وَإِنْ تَرَكَ اتِّبَاعَهُ أَسَاءَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [تَقْدِيمًا لِلْعَمَلِ] : أَيْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ تَرْكِ السُّجُودِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ. وَقَوْلُهُ: [عَلَى الْحَدِيثِ] : أَيْ الدَّالِ عَلَى طَلَبِ السُّجُودِ فِيهَا. قَوْلُهُ: [يَجُوزُ فِيهِ الْجَرُّ] إلَخْ: فَالْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ وَالرَّفْعُ

[مكروهات سجود التلاوة]

فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ، (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) فِي ص، (وَإنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ) فِي فُصِّلَتْ. وَقِيلَ: [وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ] . (وَكُرِهَ لِمُحَصِّلِ الشُّرُوطِ) الْمُتَقَدِّمَةِ (وَقْتَ الْجَوَازِ) لَهَا، وَمِنْهُ: بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ قَبْلَ إسْفَارٍ وَاصْفِرَارٍ (تَرْكُهَا) أَيْ السَّجْدَةِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ مُحَصِّلًا لِلشُّرُوطِ أَوْ كَانَ الْوَقْتُ لَيْسَ وَقْتَ جَوَازٍ (تَرَكَ الْآيَةَ) الَّتِي فِيهَا السُّجُودُ بِرُمَّتِهَا عَلَى التَّحْقِيقِ لَا الْمَحَلَّ فَقَطْ. (وَ) كُرِهَ (الِاقْتِصَارُ عَلَى) قِرَاءَةِ (الْآيَةِ لِلسُّجُودِ) أَيْ لِأَجْلِهِ؛ كَأَنْ يَقْرَأَ: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} [السجدة: 15] إلَخْ لِقَصْرِ السُّجُودِ عَلَى أَظْهَرِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَقِيلَ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَحَلِّ فَقَطْ كَأَنْ يَقُولَ: {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] ثُمَّ يَسْجُدُ. أَوْ يَقُولَ: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] وَيَسْجُدُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْآيَةِ لِلسُّجُودِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. (وَ) كُرِهَ لِمُصَلٍّ (تَعَمُّدُهَا) : أَيْ السَّجْدَةِ، بِأَنْ يَقْرَأَ مَا فِيهِ آيَتُهَا (بِفَرِيضَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالنَّصْبُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قَوْلُهُ: [وَأَنَابَ فِي ص] : وَقِيلَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25] . قَوْلُهُ: [قَبْلَ إسْفَارٍ وَاصْفِرَارٍ] : أَيْ فَلَيْسَ الْإِسْفَارُ وَالِاصْفِرَارُ بِوَقْتٍ لَهَا، بَلْ تُكْرَهُ فِيهِمَا. وَتُمْنَعُ عِنْدَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا. قَوْلُهُ: [لَا الْمَحَلِّ فَقَطْ] : أَيْ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} [السجدة: 15] يَتْرُكُ الْآيَةَ بِرُمَّتِهَا لَا خُصُوصَ: {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] وَفِي الْمَجْمُوعِ: وَيَنْبَغِي مُلَاحَظَةُ الْمُتَجَاوِزِ بِقَلْبِهِ لِنِظَامِ التِّلَاوَةِ بَلْ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ كَمَا فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. وَإِنَّمَا أُمِرَ بِمُجَاوَزَةِ الْآيَةِ كُلِّهَا لِئَلَّا يُغَيِّرَ الْمَعْنَى لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مُجَاوَزَةِ مَحَلِّ السُّجُودِ وَالْمُرَادُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مُجَاوَزَتِهِ مَظِنَّةَ تَغَيُّرِ الْمَعْنَى فَلَا يُنَافِي أَنَّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مَحَلَّ السُّجُودِ فَقَطْ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى. [مَكْرُوهَات سُجُود التِّلَاوَة] قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ الِاقْتِصَارُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى قِرَاءَةِ مَحَلِّ السُّجُودِ كُرِهَ اتِّفَاقًا وَإِذَا فَعَلَهُ لَا يَسْجُدُ، وَأَمَّا إذَا قَرَأَ الْآيَةَ كُلَّهَا فَفِيهِ خِلَافٌ بِالْكَرَاهِيَةِ وَعَدَمِهَا. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ لَوْ قَرَأَهَا لَا يَسْجُدُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ يَسْجُدُ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الطَّرِيقَةِ الْخَلْوَتِيَّةِ فِي خَتْمِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَيُسَنُّ السُّجُودُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ. وَقَوْلُهُ [بِفَرِيضَةٍ] : أَيْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَمَةِ كَمَا لَوْ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ

وَلَوْ صُبْحَ جُمُعَةٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ (لَا) فِي (نَفْلٍ) فَلَا يُكْرَهُ، (فَإِنْ قَرَأَهَا بِفَرْضٍ) عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (سَجَدَ) لَهَا (وَلَوْ بِوَقْتِ نَهْيٍ لَا) إنْ قَرَأَهَا فِي (خُطْبَةٍ) فَلَا يَسْجُدُ لَهَا لِاخْتِلَالِ نِظَامِهَا. (وَجَهَرَ بِهَا) نَدْبًا (إمَامُ) الصَّلَاةِ (السِّرِّيَّةِ) كَالظُّهْرِ لَيُسْمِعَ الْمَأْمُومِينَ فَيَتَّبِعُوهُ فِي سُجُودِهِ، (وَإِلَّا) يَجْهَرْ بِهَا بَلْ قَرَأَهَا سِرًّا وَسَجَدَ (اتَّبَعَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السَّهْوِ. فَإِنْ لَمْ يَتَّبِعْ صَحَّتْ لَهُمْ. (وَمُجَاوِزُهَا) فِي الْقِرَاءَةِ (بِكَآيَةٍ) أَوْ آيَتَيْنِ (يَسْجُدُ) بِلَا إعَادَةِ الْقِرَاءَةِ لِمَحَلِّهَا. (وَ) مُجَاوِزُهَا (بِكَثِيرٍ يُعِيدُهَا) : أَيْ الْقِرَاءَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَرَّةً وَإِنَّمَا كُرِهَ تَعَمُّدُهَا بِالْفَرِيضَةِ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْجُدْهَا دَخَلَ فِي الْوَعِيدِ أَيْ اللَّوْمِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] . وَإِنْ سَجَدَ زَادَ فِي عَدَدِ سُجُودِهَا كَذَا قِيلَ. وَفِيهِ أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي النَّافِلَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ السُّجُودَ لَمَّا كَانَ نَافِلَةً وَالصَّلَاةُ نَافِلَةٌ صَارَ كَأَنَّهُ لَيْسَ زَائِدًا. وَإِنْ قُلْت: إنَّ مُقْتَضَى الزِّيَادَةِ فِي الْفَرْضِ الْبُطْلَانُ، قُلْت: إنَّ الشَّارِعَ لَنَا طَلَبَهَا مِنْ كُلِّ قَارِئٍ صَارَتْ كَأَنَّهَا لَيْسَتْ زَائِدَةً مَحْضَةً (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ صُبْحَ جُمُعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] : أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِنَدْبِهَا فِيهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ. وَلَيْسَ مِنْ تَعَمُّدِهَا بِالْفَرِيضَةِ صَلَاةُ مَالِكِيٍّ خَلْفَ شَافِعِيٍّ يَقْرَؤُهَا بِصُبْحِ جُمُعَةٍ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ رَاتِبٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ مَكْرُوهًا. قَالَهُ (عب) قَوْلُهُ: [سَجَدَ لَهَا] : هَذَا إذَا كَانَ الْفَرْضُ غَيْرَ جِنَازَةٍ، وَإِلَّا فَلَا يَسْجُدُ فِيهَا. قَوْلُهُ: [لَا إنْ قَرَأَهَا فِي خُطْبَةٍ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ خُطْبَةَ جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرَهَا. فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَسَجَدَ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ الْجِنَازَةِ هَلْ يَبْطُلَانِ لِزَوَالِ نِظَامِهَا أَمْ لَا؟ وَاسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ كَرِيمُ الدِّينِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يُتَّبَعْ صَحَّتْ لَهُمْ] أَيْ لِأَنَّ اتِّبَاعَهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُقْتَدَى بِهِ فِيهَا أَصَالَةً، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ الَّذِي لَيْسَ بِشَرْطٍ لَا يُوجِبُ الْبُطْلَانَ.

أَوْ بِهَا (وَلَوْ بِالْفَرْضِ) وَيَسْجُدُ - وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّتِهَا - (مَا لَمْ يَنْحَنِ) بِقَصْدِ الرُّكُوعِ فِي نَفْلٍ أَوْ فَرْضٍ فَإِنْ رَكَعَ بِالِانْحِنَاءِ فَاتَ تَدَارُكُهَا. (وَأَعَادَهَا) ؛ أَيْ أَعَادَ قِرَاءَتَهَا نَدْبًا (بِالنَّفْلِ) لَا الْفَرْضِ (فِي ثَانِيَتِهِ) : أَيْ رَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ. إذَا لَمْ تَكُنْ قِرَاءَتُهَا فِي ثَانِيَتِهِ، وَهَلْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَوْ قَبْلَهَا، قَوْلَانِ. (وَنُدِبَ لِسَاجِدِهَا بِصَلَاةٍ) - فَرْضًا أَوْ نَفْلًا - (قِرَاءَةٌ) وَلَوْ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى (قَبْلَ رُكُوعِهِ) لِيَقَعَ رُكُوعُهُ عَقِبَ قِرَاءَةٍ. (وَلَوْ قَصَدَهَا) : أَيْ السَّجْدَةَ بَعْدَ قِرَاءَةِ مَحَلِّهَا وَانْخَفَضَ بِنِيَّتِهَا (فَرَكَعَ سَاهِيًا) عَنْهَا (اُعْتُدَّ بِهِ) : أَيْ بِرُكُوعِهِ (عِنْدَ مَالِكٍ) - بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ لِلرُّكْنِ لَا تُشْتَرَطُ - (لَا) عِنْدَ (ابْنِ الْقَاسِمِ) فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ (فَيَخِرُّ) إذَا تَذَكَّرَ (سَاجِدًا وَلَوْ بَعْدَ رَفْعِهِ) مِنْ رُكُوعِهِ ثُمَّ يَأْتِي بِالرُّكُوعِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا الْفَرْضِ] : أَيْ يُكْرَهُ إعَادَتُهَا فِي ثَانِيَةِ الْفَرْضِ. فَإِنْ أَعَادَهَا مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الظَّاهِرِ لِتَقَدُّمِ سَبَبِهَا، وَيُحْتَمَلُ الْبُطْلَانُ لِانْقِطَاعِ السَّبَبِ بِالِانْحِنَاءِ. قَوْلُهُ: [فِي ثَانِيَتِهِ] : أَيْ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى عَقَدَ الثَّانِيَةَ فَاتَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ قَبْلَهَا قَوْلَانِ] : الْأَوَّلُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالثَّانِي لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ. وَوَجْهُ الثَّانِي تَقَدُّمُ سَبَبِهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ لَوْ أَخَّرَهَا حَتَّى قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فَعَلَهَا بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى] : أَيْ كَسَاجِدِ الْأَعْرَافِ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ مِنْ الْأَنْفَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ. وَمَحَلُّ كَرَاهَةٍ الْجَمْعُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الْفَرِيضَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِمِثْلِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ] : أَيْ سَوَاءٌ تَذَكَّرَ قَبْلَ أَنْ يَطْمَئِنَّ فِي ذَلِكَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ طُمَأْنِينَتِهِ أَوْ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [فَيَخِرُّ إذَا تَذَكَّرَ سَاجِدًا] : أَيْ لِلتِّلَاوَةِ، وَيَرْجِعُ لِلرُّكُوعِ بَعْدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ تَذَكَّرَ قَبْلَ أَنْ يَطْمَئِنَّ فِي ذَلِكَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ طُمَأْنِينَتِهِ فِيهِ أَوْ بَعْدَ

(وَسَجَدَ) لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ (بَعْدَ السَّلَامِ إنْ اطْمَأَنَّ بِهِ) : أَيْ بِرُكُوعِهِ، لِظُهُورِ الزِّيَادَةِ. فَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ سَجَدَهَا وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. (وَكَرَّرَهَا) الْقَارِئُ أَيْ السَّجْدَةَ كُلَّ مَرَّةٍ (إنْ كَرَّرَ حِزْبًا) : أَيْ جُمْلَةً مِنْ الْقُرْآنِ فِيهِ السَّجْدَةُ كَاَلَّذِي يَقْرَأُ سُورَةَ السَّجْدَةِ؛ مِرَارًا. (إلَّا الْمُعَلِّمَ) لِلْقُرْآنِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّعْلِيمِ، حِفْظًا أَوْ غَيْرَهُ، (وَالْمُتَعَلِّمُ) كَذَلِكَ (فَأَوَّلُ مَرَّةٍ) يَسْجُدُهَا فَقَطْ لِلْمَشَقَّةِ. (وَكُرِهَ سُجُودُ شُكْرٍ) عِنْدَ سَمَاعِ بِشَارَةٍ (أَوْ) سُجُودٌ (عِنْدَ زَلْزَلَةٍ) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. (وَ) كُرِهَ (قِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ) أَيْ تَطْرِيبٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQرَفْعِهِ مِنْهُ. إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ سُجُودُ شُكْرٍ] : وَأَجَازَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: «أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْرٌ فَسُرَّ بِهِ فَخَرَّ سَاجِدًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ الْعَمَلُ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الصَّلَاةِ] : أَيْ لِلشُّكْرِ وَالزَّلْزَلَةِ فَمَنْدُوبَةٌ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ قِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ] : وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ وَاسْتَحْسَنَهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ سَمَاعَهُ بِالْأَلْحَانِ يَزِيدُ غِبْطَةً بِالْقُرْآنِ، وَإِيمَانًا وَيُكْسِبُ الْقَلْبَ خَشْيَةً وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ

(وَ) كُرِهَ (قِرَاءَةُ جَمَاعَةٍ) يَجْتَمِعُونَ فَيَقْرَءُونَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ مَعًا نَحْوَ سُورَةِ يس. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ (إذَا لَمْ تَخْرُجْ) الْقِرَاءَةُ (عَنْ حَدِّهَا) الشَّرْعِيِّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِلَّا حَرُمَتْ وَهَذَا الْقَيْدُ زِدْنَاهُ عَلَيْهِ. (وَ) كُرِهَ (جَهْرٌ بِهَا) : أَيْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (بِمَسْجِدٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ مَعَ مَظِنَّةِ الرِّيَاءِ (وَأُقِيمَ الْقَارِئُ) جَهْرًا (بِهِ) : أَيْ بِالْمَسْجِدِ مِنْ الْقِيَامِ لَا الْإِمَامَةِ، أَيْ أَنَّهُ يُنْهَى عَنْ الْقِرَاءَةِ فِيهِ جَهْرًا، وَيَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ الِامْتِثَالُ، (إنْ قَصَدَ) بِقِرَاءَتِهِ (الدَّوَامَ) : أَيْ دَوَامَ الْقِرَاءَةِ كَاَلَّذِي يَتَعَرَّضُ بِقِرَاءَتِهِ لِسُؤَالِ النَّاسِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQيَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» وَقَوْلُهُ «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَأُجِيبُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ عَنْ الْأَوَّلِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّغَنِّي الِاسْتِغْنَاءُ وَعَنْ الثَّانِي: بِأَنَّهُ مَقْلُوبٌ. قَوْلُهُ: [يَجْتَمِعُونَ فَيَقْرَءُونَ] : إنَّمَا كُرِهَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّخْلِيطِ وَعَدَمِ إصْغَاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَأَمَّا اجْتِمَاعُ جَمَاعَةٍ يَقْرَأُ وَاحِدٌ رُبْعَ حِزْبٍ مَثَلًا، وَآخَرُ مَا يَلِيهِ وَهَكَذَا فَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهَا قَالَ بْن وَهُوَ الصَّوَابُ. قَوْلُهُ: [وَأُقِيمَ الْقَارِئُ] إلَخْ: يَعْنِي أَنَّ الْقَارِئَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ يُقَامُ نَدْبًا، وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا مُحْتَاجًا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ جَهْرًا، وَدَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ وَاقِفٌ لِأَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ وَلَوْ كُرِهَ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْعِلْمِ فِي الْمَسَاجِدِ فَمِنْ السُّنَّةِ الْقَدِيمَةِ، وَلَا يَرْفَعُ الْمُدَرِّسُ فِي الْمَسْجِدِ صَوْتَهُ فَوْقَ الْحَاجَةِ لِقَوْلِ مَالِكٍ: وَمَا لِلْعِلْمِ وَرَفْعَ الصَّوْتِ؟ وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَبْوَابِ وَفِي الطُّرُقِ قَصْدًا لِطَلَبِ الدُّنْيَا، فَحَرَامٌ، لَا يَجُوزُ الْإِعْطَاءُ لِفَاعِلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمُحَرَّمِ وَلَا سِيَّمَا فِي مَوَاضِعِ الْأَقْذَارِ، فَكَادَتْ أَنْ تَكُونَ كُفْرًا وَالرِّضَا بِهَا مِنْ أُولِي الْأَمْرِ ضَلَالٌ مُبِينٌ.

[فصل في صلاة الجماعة وأحكامها]

فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَأَحْكَامِهَا (الْجَمَاعَةُ) : أَيْ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ بِإِمَامٍ (بِفَرْضٍ) وَلَوْ فَائِتًا أَوْ كِفَائِيًّا كَالْجِنَازَةِ (غَيْرِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ. وَأَمَّا غَيْرُ الْفَرْضِ فَمِنْهُ مَا يُنْدَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَأَحْكَامِهَا] فَصْلٌ قَوْلُهُ: [وَلَوْ فَائِتًا] : طَلَبُ الْجَمَاعَةِ، فِي الْفَائِتِ صَرَّحَ بِهِ عِيسَى وَذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَنَقَلَهُ (ح) . قَوْلُهُ: [كَالْجِنَازَةِ] : وَقِيلَ تُنْدَبُ بِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَلِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا كَالْجُمُعَةِ فَإِنْ صَلَّوْا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إمَامٍ أُعِيدَتْ مَا لَمْ تُدْفَنْ مُرَاعَاةً لِلْمُقَابِلِ. قَوْلُهُ: [سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ] : وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ بِوُجُوبِهَا، فَتَحْرُمُ صَلَاةُ الشَّخْصِ مُنْفَرِدًا عِنْدَهُمْ مَعَ الصِّحَّةِ.

وَهُوَ الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالتَّرَاوِيحُ. وَالْأَوْجَهُ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ السُّنِّيَّةُ وَمِنْهُ مَا تُكْرَهُ فِيهِ، كَجَمْعٍ كَثِيرٍ مُطْلَقًا أَوْ قَلِيلٍ بِمَكَانٍ مُشْتَهَرٍ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ، وَإِلَّا جَازَتْ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَالْجَمَاعَةُ فِيهَا شَرْطُ صِحَّةٍ. وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَفِي رِوَايَةٍ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . ـــــــــــــــــــــــــــــQبَلْ قَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ بِالْبُطْلَانِ لِلْمُنْفَرِدِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْبَلَدِ وَفِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَفِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِ، وَقِتَالُ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى تَرْكِهَا لِتَهَاوُنِهِمْ بِالسُّنَّةِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ بَشِيرٍ: إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالْبَلَدِ، فَلِذَلِكَ يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا إذَا تَرَكُوهَا، وَسُنَّةٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَمَنْدُوبَةٌ لِلرَّجُلِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، قَالَ الْأَبِيُّ: وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ. قَوْلُهُ: [وَالْأَوْجَهُ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ وَعِيَاضٌ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَعَمْ: فِي السُّنَنِ غَيْرِ الْوَتْرِ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهَا إلَّا كَذَلِكَ كَمَا فِي (ر) وَيُفِيدُهُ مَا يَأْتِي فِي الْعِيدِ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ سُنَّةً مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَاتَتْ فَمَنْدُوبَةٌ خِلَافًا لِمَنْ أَطْلَقَ النَّدْبَ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ. قَوْلُهُ: [أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ] : وَيَحْصُلُ الْفَضْلُ وَلَوْ بِصَلَاةِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِأَنَّ الْجُزْءَ أَكْبَرُ مِنْ الدَّرَجَةِ أَوْ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْأَقَلِّ، ثُمَّ تَفْضُلُ بِالزِّيَادَةِ فَأَخْبَرَ بِهَا ثَانِيًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُزْءِ وَالدَّرَجَةِ الصَّلَاةُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْجُزْءِ جُزْءَ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ لَا جُزْءَ ثَوَابِ الْفَذِّ. فَالْأَعْدَادُ الْوَارِدَةُ كُلُّهَا أَعْدَادُ صَلَوَاتٍ. فَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ ثَمَانِيَةٌ

[إدراك صلاة الجماعة]

(وَلَا تَتَفَاضَلُ) : تَفَاضُلًا يَقْتَضِي إعَادَةَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى؛ وَإِلَّا فَلَا نِزَاعَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، لِشُمُولِ الدُّعَاءِ وَكَثْرَةِ الرَّحْمَةِ وَسُرْعَةِ الْإِجَابَةِ. (وَإِنَّمَا يَحْصُلُ فَضْلُهَا) الْوَارِدُ بِهِ الْخَبَرُ الْمُتَقَدِّمُ (بِرَكْعَةٍ) كَامِلَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مَعَ الْإِمَامِ لَا أَقَلَّ. (وَإِنَّمَا تُدْرَكُ) الرَّكْعَةُ مَعَ الْإِمَامِ (بِانْحِنَائِهِ) : أَيْ الْمَأْمُومِ (فِي أُولَاهُ) : أَيْ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ لَهُ (مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ) : أَيْ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِهِ وَلَوْ حَالَ رَفْعِهِ، (وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ) الْمَأْمُومُ فِي رُكُوعِهِ (إلَّا بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ مُطْمَئِنًّا، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعِشْرُونَ صَلَاةً؛ وَاحِدَةٌ لِصَلَاةِ الْفَذِّ وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، عَلَى رِوَايَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَعْدَادِ الْوَارِدَةِ فِي الرِّوَايَاتِ (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: فَلَا يَظْهَرُ مَا تَكَلَّفَهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي حِكْمَةِ الْعَدَدِ السَّابِقِ؛ فَإِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ سَعَى لِلْمَسْجِدِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرُوهُ؛ إلَّا أَنْ يُرِيدُوا تَفَضُّلَ الْوَهَّابِ بِمَا هُوَ الشَّأْنُ عَلَى الْجَمِيعِ. فَالشَّأْنُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ ثَلَاثَةٌ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَهِيَ حَسَنَةٌ لِكُلٍّ وَهِيَ بِعَشْرٍ فَالْجُمْلَةُ ثَلَاثُونَ، مِنْهَا ثَلَاثَةُ أُصُولٍ يَبْقَى سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَصَلَ الْفَضْلُ بِإِعْطَائِهَا لِكُلٍّ (اهـ) قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا يَحْصُلُ فَضْلُهَا] إلَخْ: نَحْوَهُ لِخَلِيلٍ وَلِابْنِ الْحَاجِبِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ يُدْرَكُ بِجُزْءٍ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، نَعَمْ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ حُكْمَهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرَكْعَةٍ لَا أَقَلَّ مِنْهَا وَهُوَ أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِهِ وَأَنْ لَا يُعِيدَ فِي جَمَاعَةٍ؛ وَتَرَتَّبَ سَهْوُ الْإِمَامِ وَسَلَامُهُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى مَنْ عَلَى الْيَسَارِ وَصِحَّةُ اسْتِخْلَافِهِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ] : قَيَّدَهُ حَفِيدُ ابْنِ رُشْدٍ بِالْمَعْذُورِ بِأَنْ فَاتَهُ مَا قَبْلَهَا اضْطِرَارًا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ. وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ مَنْ فَرَّطَ فِي رَكْعَةٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْفَضْلُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يُعِيدَ لِلْفَضْلِ وَهَا هُوَ ذَا الْحَطَّابُ نَقَلَ عَنْ الْأَقْفَهْسِيِّ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّسَالَةِ حُصُولُ الْفَضْلِ، وَقَالَ اللَّقَانِيِّ: إنَّ كَلَامَ الْحَفِيدِ لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ. [إدْرَاك صَلَاة الْجَمَاعَة] قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا تُدْرَكُ الرَّكْعَةُ] إلَخْ: أَيْ وَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِهَا بِسَجْدَتَيْهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ. فَإِنْ زُوحِمَ أَوْ نَعَسَ عَنْهُمَا حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ ثُمَّ فَعَلَهُمَا بَعْدَ سَلَامِهِ،

[تنبيه من لم يحصل فضل الجماعة بأحد المساجد الثلاثة]

(فَإِنْ) كَبَّرَ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَ (سَهَا أَوْ زُوحِمَ) أَوْ نَعَسَ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الرُّكُوعِ مَعَ إمَامِهِ (حَتَّى رَفَعَ) الْإِمَامُ أَيْ اعْتَدَلَ مِنْ رَفْعِهِ (تَرَكَهُ) الْمَأْمُومُ: أَيْ تَرَكَ الرُّكُوعَ وُجُوبًا، (وَسَجَدَ) : أَيْ وَخَرَّ سَاجِدًا (مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ، فَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ سَهْوًا أَلْغَى الرَّكْعَةَ. وَعَمْدًا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي صُلْبِ الْإِمَامِ. (وَقَضَاهَا) أَيْ الرَّكْعَةَ فِيمَا إذَا خَرَّ مَعَهُ سَاجِدًا وَفِيمَا إذَا رَكَعَ وَرَفَعَ سَهْوًا. (بَعْدَ السَّلَامِ) : أَيْ سَلَامِ الْإِمَامِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ - أَعَادَهُ تَوْكِيدًا، وَلِأَنَّهُ مَحَلُّهُ. (وَنُدِبَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْهُ) : أَيْ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ (كَمُصَلٍّ بِصَبِيٍّ) وَأَوْلَى الْمُنْفَرِدُ وَلَوْ حُكْمًا كَمُدْرِكِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ (لَا) مُصَلٍّ بِ (امْرَأَةٍ) لِحُصُولِ فَضْلِهَا مَعَهَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ (أَنْ يُعِيدَ) صَلَاتَهُ، وَلَوْ بِالْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ (مَأْمُومًا) لِتَحْصِيلِ فَضْلِهَا لَا إمَامًا؛ وَإِلَّا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ كَمَا يَأْتِي بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، (مُفَوِّضًا) لِلَّهِ فِي قَبُولِ أَيَّتِهِمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQفَهَلْ يَكُونُ كَمَنْ فَعَلَهُمَا مَعَهُ فَيَحْصُلُ لَهُ الْفَضْلُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِأَشْهَبَ وَالثَّانِي لِابْنِ الْقَاسِمِ كَذَا فِي (بْن) وَعَكَسَ فِي الْحَاشِيَةِ النِّسْبَةَ لِلشَّيْخَيْنِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا وَرَجَا جَمَاعَةً أُخْرَى جَازَ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمَأْمُومِيَّةِ. [تَنْبِيه مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ بِأَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ] قَوْلُهُ: [بِنِيَّةِ الْفَرْضِ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ مَعَ نِيَّةِ التَّفْوِيضِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ غَيْرِهِمَا أَنَّ نِيَّةَ التَّفْوِيضِ لَا يُنْوَى بِهَا فَرْضٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّ التَّفْوِيضَ يَتَضَمَّنُ نِيَّةَ الْفَرْضِ؛ إذْ مَعْنَاهُ التَّفْوِيضُ فِي قَبُولِ أَيِّ الْفَرْضَيْنِ. فَمَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ لَمْ يُرِدْ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ، بَلْ إشَارَةٌ إلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ نِيَّةُ التَّفْوِيضِ وَمَنْ قَالَ: لَا يُنْوَى مَعَهُ فَرْضٌ، مُرَادُهُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْفَرْضِ مُطَابِقَةً لِتَضَمُّنِ نِيَّةِ التَّفْوِيضِ لَهَا. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ الْمُعِيدِ يَنْوِي التَّفْوِيضَ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يَنْوِي الْفَرْضَ وَقِيلَ يَنْوِي النَّفَلَ وَقِيلَ يَنْوِي إكْمَالَ الْفَرِيضَةِ وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْأَقْوَالَ بِقَوْلِهِ: فِي نِيَّةِ الْعَوْدِ لِلْمَفْرُوضِ أَقْوَالُ ... فَرْضٌ وَنَفْلٌ وَتَفْوِيضٌ وَإِكْمَالُ تَنْبِيهٌ: مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ بِأَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا فِي

(مَعَ جَمَاعَةٍ) : اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (لَا) مَعَ (وَاحِدٍ إلَّا إذَا كَانَ) إمَامًا (رَاتِبًا) بِمَسْجِدٍ، فَيُعِيدُ مَعَهُ، لِأَنَّ الرَّاتِبَ كَالْجَمَاعَةِ (غَيْرَ مَغْرِبٍ) : وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلَا تُعَادُ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مَعَ الْأُولَى شَفْعًا وَلِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفْلِ بِثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ الْمُعَادَةَ فِي حُكْمِ النَّفْلِ. (كَعِشَاءٍ) : فَلَا تُعَادُ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ (بَعْدَ) صَلَاةِ (وَتْرٍ) ، وَتُعَادُ قَبْلَهُ. (فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQغَيْرِهَا جَمَاعَةً، وَمَنْ صَلَّى فِي غَيْرِهَا مُنْفَرِدًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِيهَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا، وَمَنْ صَلَّى فِي غَيْرِهَا جَمَاعَةً أَعَادَ بِهَا جَمَاعَةً لَا فَذًّا وَحِينَئِذٍ فَتُسْتَثْنَى هَذِهِ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَنُدِبَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْهُ " إلَخْ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَإِذَا أَعَادَ فِيهَا مَنْ صَلَّى فِي غَيْرِهَا جَمَاعَةً فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَأْمُومًا إذَا صَلَّى فِي غَيْرِهَا إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ إلَّا بِالْإِعَادَةِ الْوَاجِبَةِ كَالظُّهْرِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَوْ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي نَفْسِ الْإِعَادَةِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [لَا مَعَ وَاحِدٍ] : أَيْ خِلَافًا لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَوْ مَعَ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ خِلَافُ الرَّاجِحِ. فَإِنْ أَعَادَهَا مَعَ وَاحِدٍ غَيْرِ رَاتِبٍ فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِإِمَامِهِ الْإِعَادَةُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَأَمَّا عَلَى الرَّاجِحِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُمَا الْإِعَادَةَ كَذَا ذَكَرَهُ عب فِي صَغِيرِهِ. قَوْلُهُ: [غَيْرَ مَغْرِبٍ] إلَخْ: وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَجَازُوا إعَادَةَ الْعَصْرِ مَعَ كَرَاهَةِ النَّفْلِ بَعْدَهَا وَإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ نَافِلَةً، وَكَذَلِكَ الصُّبْحُ لِرَجَاءِ أَنْ تَكُونَ فَرِيضَةً، وَكُرِهَ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ لِأَنَّ النَّافِلَةَ لَا تَكُونُ ثَلَاثًا مَعَ إمْكَانِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْفَرِيضَةَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ النَّافِلَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ أَخَفُّ مِنْ النَّفْلِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْخَرَشِيِّ (اهـ بْن - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [كَعِشَاءٍ فَلَا تُعَادُ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: أَيْ يُمْنَعُ لِأَنَّهُ إنْ أَعَادَ الْوَتْرَ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وَتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ لَزِمَ مُخَالَفَةُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وَتْرًا» وَفِي إفَادَةِ هَذِهِ الْعِلَلِ الْمَنْعَ (نَظَرٌ. اهـ) قَالَ مُحَشِّيهِ: أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ: «لَا وَتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: " اجْعَلُوا " إلَخْ لِلنَّدْبِ؛ فَمُخَالَفَةُ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ أَوْ الدُّخُولُ فِي النَّهْيِ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ. وَاسْتَبْعَدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ: مَعَ أَنَّهُمْ أَجَازُوا التَّنَفُّلَ بَعْدَ الْوَتْرِ.

أَعَادَ) : أَيْ شَرَعَ فِي الْإِعَادَةِ سَهْوًا عَنْ كَوْنِهِ صَلَّاهَا ثُمَّ تَذَكَّرَ (قَطَعَ) صَلَاتَهُ (إنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً، وَإِلَّا) بِأَنْ عَقَدَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ بِرَفْعِ رَأْسِهِ مُعْتَدِلًا (شَفَعَ نَدْبًا) لَا وُجُوبًا بِأَنْ يَضُمَّ لَهَا رَكْعَةً وَيَخْرُجَ عَنْ شَفْعٍ (وَسَلَّمَ) إذَا قَامَ الْإِمَامُ لِلثَّالِثَةِ، أَوْ مَعَهُ إذَا كَانَتْ أُولَى الْمَأْمُومِ ثَانِيَةَ الْمَغْرِبِ وَيَأْتِي بِأُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ إذَا دَخَلَ مَعَهُ فِي ثَالِثَتِهَا، (وَإِنْ أَتَمَّ) مَعَهُ الْمَغْرِبَ (أَتَى بِرَابِعَةٍ) إذَا لَمْ يُسَلِّمْ مَعَهُ (وَلَوْ سَلَّمَ مَعَهُ إنْ قَرُبَ) تَذَكُّرُهُ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا (وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ) لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُسَلِّمْ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَمَفْهُومُ " قَرُبَ " أَنَّهُ إنْ بَعُدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (فَإِنْ تَبَيَّنَ) لِلْمُعِيدِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ (عَدَمُ الْأُولَى أَوْ فَسَادُهَا أَجْزَأَتْهُ) الْمُعَادَةُ لِنِيَّتِهِ التَّفْرِيضَ، (وَمَنْ ائْتَمَّ بِمُعِيدٍ أَعَادَ) صَلَاتَهُ (أَبَدًا) لِبُطْلَانِهَا لِأَنَّهُ فَرْضٌ خَلْفَ نَفْلٍ (وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ) ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ: " أَفْذَاذًا " لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [شَفَعَ نَدْبًا] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَهُ إعَادَتُهَا فِي جَمَاعَةٍ إلَّا الْمَغْرِبَ، فَإِنْ أَعَادَهَا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَشْفَعَهَا إنْ عَقَدَ رَكْعَةً (اهـ) وَفِي الْمَوَّاقِ نَقْلًا عَنْ عِيسَى: أَنَّ الْقَطْعَ أَوْلَى (اهـ) وَمَحَلُّ طَلَبِ الشَّفْعِ أَوْ الْقَطْعِ: إذَا لَمْ يَنْوِ رَفْضَ الْأُولَى وَجَعْلَ هَذِهِ صَلَاتَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَقْطَعْ وَيُتِمُّهَا بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ لِفَرْضِهِ أَوْلَى لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْبُنَانِيِّ. قَوْلُهُ: [لِنِيَّتِهِ التَّفْوِيضَ] : أَيْ فَقَطْ أَوْ الْفَرْضَ مَعَ التَّفْوِيضِ، وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ النَّفَلَ أَوْ الْإِكْمَالَ فَلَا تُجْزِئُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ عَنْ فَرْضِهِ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: " فَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْأُولَى " رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَنُدِبَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْهُ أَنْ يُعِيدَ " إلَخْ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ أَعَادَ فَتَبَيَّنَ عَدَمَ الْأُولَى أَوْ فَسَادَهَا أَجْزَأَتْهُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ إنْ نَوَى التَّفْوِيضَ. قَوْلُهُ: [وَمَنْ ائْتَمَّ بِمُعِيدٍ] إلَخْ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ صَلَّى مُنْفَرِدًا ثُمَّ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْإِعَادَةِ مَأْمُومًا وَصَلَّى إمَامًا فَيُعِيدُ ذَلِكَ الْمُؤْتَمُّ بِهِ أَبَدًا فَذًّا أَوْ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا. وَلَوْ كَانَ هَذَا الْإِمَامُ نَوَى الثَّانِيَةَ الْفَرْضَ أَوْ التَّفْوِيضَ. قَوْلُهُ: [وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَفْذَاذًا] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِابْنِ حَبِيبٍ. وَاَلَّذِي صَدَرَ بِهِ الشَّاذِلِيُّ: أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ جَمَاعَةً إنْ شَاءُوا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِمْ خَلْفَ الْمُعِيدِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ الْمُرْتَكِبُ لِلنَّهْيِ فَلَا يُعِيدُ لِاحْتِمَالِ

[آداب إقامة صلاة الجماعة في المساجد]

(وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ) بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا جَاءَ فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ لَهُ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُصَلِّي مَعَهُ فَصَلَّى مُنْفَرِدًا (كَجَمَاعَةٍ) فَضْلًا وَحُكْمًا، فَيَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَيَنْوِي الْإِمَامَةَ وَلَا يُعِيدُ فِي أُخْرَى، وَيُعِيدُ مَعَهُ مَنْ صَلَّى فَذًّا وَلَا يُصَلِّي بَعْدَهُ جَمَاعَةً. وَيَجْمَعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ. (وَحَرُمَ) عَلَى الْمُتَخَلِّفِ (ابْتِدَاءُ صَلَاةٍ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا بِجَمَاعَةٍ أَوْ لَا ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَرْضَهُ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ عَنْ التَّحْقِيقِ. وَقَوْلُ (عب) : وَيَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي النَّاصِرِ، فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ. قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ. تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي تَبْطُلُ فِيهَا صَلَاةُ الْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ فِيهَا أَنْ يُعِيدَ الْمَأْمُومُ فِيهَا لِانْعِدَامِ الِاقْتِدَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ فِي الْأَثْنَاءِ؟ وَفِي (ح) عَنْ الْأَقْفَهْسِيِّ: إنْ تَبَيَّنَ حَدَثُ الْإِمَامِ فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ، وَلَا يُعِيدُهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ تَبَيَّنَ حَدَثُ الْمَأْمُومِ، فَفِي إعَادَةِ الْإِمَامِ خِلَافٌ؛ هَكَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَيُنْظَرُ وَجْهُهُ (اهـ) [آدَاب إقَامَة صَلَاة الْجَمَاعَة فِي الْمَسَاجِد] قَوْلُهُ: [وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ مَنْ نَصَّبَهُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ نَصْبِهِ مِنْ وَاقِفٍ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ أَوْ يُكْرَهُ بِأَنْ قَالَ: جَعَلْت إمَامَ مَسْجِدِي هَذَا فُلَانًا الْأَقْطَعَ. لِأَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ الْمَكْرُوهَ مَضَى. قَوْلُهُ [وَيَنْوِي الْإِمَامَةَ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ فَغَيْرُ اللَّخْمِيِّ يَقُولُ: لَا بُدَّ فِي حُصُولِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ، وَاللَّخْمِيُّ يَقُولُ الْفَضْلُ يَحْصُلُ مُطْلَقًا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّتِهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ جَمَاعَةٌ وَكَانَ رَاتِبًا فَاتَّفَقَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَالْجَمَاعَةِ إلَّا إذَا نَوَى الْإِمَامَةَ لِأَنَّهُ لَا تَتَمَيَّزُ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا عَنْ صَلَاتِهِ إمَامًا إلَّا بِالنِّيَّةِ. وَهَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَ (رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ) ، أَوْ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؟ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَالظَّاهِرُ جَمْعُهُ بَيْنَهُمَا إذْ لَا مُجِيبَ لَهُ. قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ عَلَى الْمُتَخَلِّفِ ابْتِدَاءُ] إلَخْ: أَيْ وَحُمِلَتْ الْكَرَاهَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى التَّحْرِيمِ، قَالَ (ح) : وَإِذَا فَعَلَ أَجْزَأَتْهُ وَأَسَاءَ.

(بَعْدَ الْإِقَامَةِ) لِلرَّاتِبِ، (وَإِنْ أُقِيمَتْ) صَلَاةٌ لِرَاتِبٍ (بِمَسْجِدٍ وَهُوَ) : أَيْ الْمُصَلِّي (بِهَا) : أَيْ فِي صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ بِالْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ، (قَطَعَ) صَلَاتَهُ وَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ نَافِلَةً أَوْ فَرْضًا غَيْرَ الْمُقَامَةِ أَوْ عَيْنِهَا عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا (بِسَلَامٍ أَوْ مُنَافٍ) كَكَلَامٍ وَنِيَّةِ إبْطَالٍ، هَذَا (إنْ خَشَى) بِإِتْمَامِهَا (فَوَاتَ رَكْعَةٍ) مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْمُقَامَةِ (وَإِلَّا) يَخْشَ بِإِتْمَامِهَا فَوَاتَ رَكْعَةٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي نَافِلَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ غَيْرِ الْمُقَامَةِ أَوْ نَفْسِ الْمُقَامَةِ. فَإِنْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ غَيْرِهَا، (أَتَمَّ النَّافِلَةَ) - عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا - (أَوْ فَرِيضَةٍ غَيْرِ الْمُقَامَةِ) سَوَاءٌ (عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا. فَإِنْ كَانَتْ) الصَّلَاةُ الَّتِي هُوَ بِهَا (الْمُقَامَةُ) نَفْسَهَا - بِأَنْ كَانَ فِي الْعَصْرِ فَأُقِيمَتْ لِلْإِمَامِ - وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَمْ يَخْشَ بِإِتْمَامِهَا فَوَاتَ رَكْعَةٍ، أَيْ أَنَّهُ لَوْ أَتَمَّهَا لَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ (انْصَرَفَ عَنْ شَفْعٍ) وَلَا يُتِمُّهَا هَذَا (إنْ عَقَدَ) مِنْهَا (رَكْعَةً) قَبْلَ إقَامَتِهَا عَلَيْهِ فَيَضُمُّ لَهَا أُخْرَى. وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ كَمَّلَهَا وَإِنْ كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ كَمَالِهَا بِسُجُودِهَا رَجَعَ لِلْجُلُوسِ فَيَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ وَهَذَا إنْ كَانَ (بِغَيْرِ صُبْحٍ وَمَغْرِبٍ) بِأَنْ كَانَ فِي رُبَاعِيَّةٍ (وَإِلَّا) - بِأَنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً أَوْ عَقَدَهَا وَلَكِنْ كَانَ بِصُبْحٍ أَوْ مَغْرِبٍ فَأُقِيمَتْ - (قَطَعَ) وَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا لِئَلَّا يَصِيرَ مُتَنَفِّلًا بِوَقْتِ نَهْيٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِالْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ] : أَيْ لَا الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ فَلَا يَقْطَعُ. قَوْلُهُ: [غَيْرَ الْمُقَامَةِ] : أَيْ فَالْمَوْضُوعُ أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ فَرْضٌ، فَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا فَلَا مَنْعَ - كَمَا إذَا كَانَ يُصَلِّي الْإِمَامُ الرَّاتِبُ التَّرَاوِيحَ فِي الْمَسْجِدِ - فَلَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْحَاضِرَةَ أَوْ الْفَوَائِتَ فِي صُلْبِهِ. وَلَوْ أَرَدْت أَنْ تُصَلِّيَ الْوَتْرَ، فَقِيلَ: يَجُوزُ لَك ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَأَمَّا لَوْ أَرَدْت صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ - وَالْحَالُ أَنَّهُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ - فَإِنَّهُ يَحْرُمُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ: الْمَوْضِعُ الَّذِي اُعْتِيدَ لِلصَّلَاةِ وَلَهُ رَاتِبٌ كَمَا يُرْشِدُ لَهُ عِلَّةُ الطَّعْنِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [أَتَمَّ النَّافِلَةَ] إلَخْ: أَيْ وَيُنْدَبُ أَنْ يُتِمَّهَا جَالِسًا كَمَا فِي الْمَوَّاقِ. قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ كَانَ بِصُبْحٍ أَوْ مَغْرِبٍ] : أَمَّا الْمَغْرِبُ فَلِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَتْ الْمَغْرِبُ قَطَعَ وَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا، وَإِنْ صَلَّى اثْنَتَيْنِ أَتَمَّهَا ثَلَاثًا وَخَرَجَ، وَإِنْ صَلَّى ثَلَاثًا سَلَّمَ وَخَرَجَ وَلَمْ يُعِدْهَا. وَأَمَّا الصُّبْحُ فَلَمْ يَسْتَثْنِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا؛ يَقْطَعُ مَا لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً وَإِلَّا انْصَرَفَ عَنْ

(فَإِنْ عَقَدَ ثَانِيَةَ الْمَغْرِبِ بِسُجُودِهَا أَوْ) عَقَدَ (ثَالِثَةً غَيْرَهَا) كَذَلِكَ (كَمَّلَهَا فَرْضًا) أَيْ بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ، وَكَذَا إنْ عَقَدَ ثَانِيَةَ الصُّبْحِ بِسُجُودِهَا (وَدَخَلَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْإِمَامِ (فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ) . وَأَمَّا فِي الْمَغْرِبِ فَيَخْرُجُ وُجُوبًا مِنْ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ جُلُوسَهُ بِهِ يُؤَدِّي لِلطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ، وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَذْكُرْ هَذَا التَّفْصِيلَ بِتَمَامِهِ. (وَإِنْ أُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ (بِمَسْجِدٍ) لِرَاتِبِهِ (عَلَى) شَخْصٍ (مُحَصِّلٍ الْفَضْلَ) - بِأَنْ كَانَ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ (وَهُوَ بِهِ) - أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ أَيْ أَوْ بِرَحْبَتِهِ، (خَرَجَ) مِنْهُ وُجُوبًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ. وَمِثْلُهُ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوْ الْعِشَاءَ وَأَوْتَرَ (وَإِلَّا) يَكُنْ مُحَصِّلَ الْفَضْلِ بِأَنْ كَانَ صَلَّاهَا فَذًّا - (لَزِمَتْهُ) الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ (كَمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا) أَصْلًا فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ، (وَ) إنْ أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ (عَلَى مُصَلٍّ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (بِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ - بِأَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ - فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ بِبَيْتِهِ (أَتَمَّهَا) وُجُوبًا، وَكَذَا لَوْ أُقِيمَتْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ عَلَى مُصَلٍّ فِيهِ. (وَكُرِهَ لِلْإِمَامِ) لَا الْفَذِّ (إطَالَةُ رُكُوعٍ لِدَاخِلٍ) أَيْ لِأَجْلِ دَاخِلٍ مَعَهُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQشَفْعٍ، لِأَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ نَفْلٍ فِي الْجُمْلَةِ. أَلَا تَرَى فِعْلَ الْوَرْدِ لِنَائِمٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيُّ: إنَّ اسْتِثْنَاءَ الصُّبْحِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَوْ صَرِيحِهِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ - نَقْلًا عَنْ بْن) . قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَكُنْ مُحَصِّلُ الْفَضْلِ] إلَخْ: بَقِيَ مَا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ بِالْمَسْجِدِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا وَعَلَيْهِ مَا قَبْلَهَا أَيْضًا كَمَا لَوْ أُقِيمَتْ الْعَصْرُ عَلَى مَنْ بِالْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الظُّهْرَ - فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ مَعَ الْإِمَامِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ وَيَتَمَادَى عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ، وَاسْتُبْعِدَ، وَقِيلَ يَدْخُلُ مَعَهُ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ وَيُتَابِعُهُ فِي الْأَفْعَالِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُقْتَدِيًا بِهِ صُورَةً فَقَطْ، وَهَذَا أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ، كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ] : أَيْ فَيَلْزَمُهُ الدُّخُولُ مَعَهُ أَيْ إذَا كَانَ مُحَصِّلًا لِشُرُوطِهَا، وَلَمْ يَكُنْ إمَامًا بِمَسْجِدٍ آخَرَ فَكَلَامُ الشَّارِحِ مُقَيَّدٌ بِهَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ. قَوْلُهُ: [إطَالَةُ رُكُوعٍ لِدَاخِلٍ] : أَيْ وَأَمَّا التَّطْوِيلُ فِي الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِ إدْرَاكِ الدَّاخِلِ أَوْ فِي السُّجُودِ، فَذَكَرَ (عب) أَنَّهُ كَذَلِكَ يُكْرَهُ قَالَ (بْن) : وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَمْ

[شروط الإمامة]

الصَّلَاةِ لِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ إلَّا الضَّرُورَةَ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ: (وَشَرْطُهُ) : أَيْ الْإِمَامِ (إسْلَامٌ) : فَلَا تَصِحُّ خَلْفَ كَافِرٍ وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِكُفْرِهِ حَالَ الِاقْتِدَاءِ. (وَتَحَقُّقُ ذُكُورَةٍ) فَلَا تَصِحُّ خَلْفَ امْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ وَلَوْ اقْتَدَى ـــــــــــــــــــــــــــــQيَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحُ وَالْبَرْزَلِيُّ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ إلَّا الْجَوَازَ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ الْإِطَالَةُ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْرِيكِ فِي الْعَمَلِ لِغَيْرِ اللَّهِ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَلَمْ يَجْعَلْهُ تَشْرِيكًا حَقِيقَةً لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَهُ لِيَحُوزَ بِهِ أَجْرَ إدْرَاكِ الدَّاخِلِ. قَوْلُهُ: [إلَّا لِضَرُورَةٍ] : أَيْ بِأَنْ يَخَافَ الضَّرَرَ مِنْ الدَّاخِلِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ اعْتِدَادِهِ بِمَا فَاتَهُ فَيُفْسِدُ صَلَاتَهُ كَبَعْضِ الْعَوَامّ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ مَا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ هِيَ الْأَخِيرَةُ فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يُطِيلُ الرُّكُوعَ لِلدَّاخِلِ، وَالْإِمَامُ إذَا خَشِيَ ضَرَرًا مِنْ الدَّاخِلِ أَوْ فَسَادَ صَلَاتِهِ أَوْ تَفْوِيتَ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ هِيَ الْأَخِيرَةُ. فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. وَالْخَوْفُ هُنَا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِكْرَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ. [شُرُوط الْإِمَامَة] قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ خَلْفَ كَافِرٍ] : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَظَهَرَ كُفْرُهُ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ لَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَفِي إعَادَةِ مَأْمُومٍ اقْتَدَى بِكَافِرٍ ظَنَّهُ مُسْلِمًا أَبَدًا مُطْلَقًا، وَصِحَّتُهَا فِيمَا جُبِرَ فِيهِ، ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ آمِنًا وَأَسْلَمَ لَمْ يُعِدْ. الْأَوَّلُ: لِسَمَاعِ يَحْيَى وَرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ الْأَخَوَيْنِ، وَالثَّانِي: لِابْنِ حَارِثٍ عَنْ يَحْيَى وَعَنْ سَحْنُونَ. الثَّالِثُ: لِلْعُتْبِيِّ عَنْ سَحْنُونَ. وَهَذَا الْخِلَافُ بِالنِّسْبَةِ لِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَعَدَمِ إعَادَتِهَا؛ وَإِنْ كَانَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ لِحُصُولِ الصَّلَاةِ مِنْهُ إذَا تَحَقَّقَ النُّطْقُ فِيهَا بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. لَا يُقَالُ حَيْثُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّنَا نَقُولُ: إسْلَامُهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ، وَلَا يُؤْمَنُ مِنْ صُدُورِ مُكَفِّرٍ فِي خِلَالِ الصَّلَوَاتِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) إذَا عَلِمْت ذَلِكَ؛ فَإِذَا ظَهَرَ مِنْهُ كُفْرٌ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يُبْدِ عُذْرًا فِي إظْهَارِ الْإِسْلَامِ، لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِيمَا سَيَأْتِي؛ وَقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ، وَقَالَ أَسْلَمْت عَنْ ضِيقٍ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَتَحَقُّقُ ذُكُورَةٍ] : يَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ الْأُنُوثَةِ وَالْخُنُوثَةِ، فَلَا يُنَافِي صِحَّةَ

بِهِمَا مِثْلُهُمَا. (وَعَقْلٌ) فَلَا تَصِحُّ خَلْفَ مَجْنُونٍ. فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا وَأَمَّ حَالَ إفَاقَتِهِ صَحَّتْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِهَا أَيْضًا. وَفِي عَدِّ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ مِنْ شُرُوطِ الْإِمَامِ مُسَامَحَةٌ، إذْ هُمَا شَرْطَانِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَلَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَاَلَّذِي سَهَّلَ التَّسَامُحَ أَنَّهُمَا هُنَاكَ اُعْتُبِرَا شَرْطًا لِلصَّلَاةِ، وَهُنَا اُعْتُبِرَا شَرْطًا لِلْإِمَامِ. (وَكَوْنُهُ غَيْرَ مَأْمُومٍ) فَلَا تَصِحُّ خَلْفَ مَأْمُومٍ، وَمِنْهُ مَسْبُوقٌ قَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ فَاقْتَدَى بِهِ غَيْرُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ إمَامَهُ مَأْمُومٌ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاتِهِ. وَلَيْسَ مِنْهُ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ، فَإِذَا قَامَ لِصَلَاتِهِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَيَنْوِي الْإِمَامِيَّةَ بَعْدُ إنْ كَانَ نَاوِيًا الْمَأْمُومِيَّةَ. (وَلَا مُتَعَمِّدِ حَدَثٍ) فَلَا تَصِحُّ خَلْفَ مُتَعَمِّدٍ الْحَدَثَ فِيهَا أَوْ حَالَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُومُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. وَأَشَارَ لِمَفْهُومِ مُتَعَمِّدٍ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ نَسِيَهُ) أَيْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ بِالصَّلَاةِ مُحْدِثًا وَهُوَ نَاسٍ لِكَوْنِهِ مُحْدِثًا وَتَذَكَّرَ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِمْ عَمَلًا بَلْ خَرَجَ وَأَشَارَ لَهُمْ بِالْإِتْمَامِ أَوْ أَحْدَثَ فِيهَا نَاسِيًا لِكَوْنِهِ فِي صَلَاةٍ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِمْ عَمَلًا أَيْضًا. وَهَذِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالِاقْتِدَاءِ بِالْمِلْكِ، لِأَنَّ وَصْفَ الْمِلْكِيَّةِ أَشْرَفُ مِنْ وَصْفِ الذُّكُورَةِ، وَالْغَرَضُ نَفْيُ خِسَّةِ الْأُنُوثَةِ وَمَا شَابَهَهَا كَالْخُنُوثَةِ. وَقَدْ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ جِبْرِيلَ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ» ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ. لَا يُقَالُ إنَّ صَلَاتَهُمْ نَفْلٌ لِأَنَّنَا نَقُولُ: الْحَقُّ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ، أَوْ يُسْتَثْنَوْنَ فَقَدْ قِيلَ بِالْفَرْضِ خَلْفَ نَفْلٍ. وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ أَيْضًا خَلْفَ ذُكُورِ الْجِنِّ لِأَنَّ لَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ اقْتَدَى بِهِمَا مِثْلُهُمَا] : أَيْ وَلَوْ نَوَيَا الْإِمَامَةَ فَصَلَاتُهُمَا صَحِيحَةٌ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُمَا بَاطِلَةٌ وَإِنَّمَا حُكِمَ بِالصِّحَّةِ إذَا نَوَى كُلٌّ الْإِمَامَةَ مَعَ أَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ مُرَاعَاةً لِمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ إمَامَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِمِثْلِهِ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ قَالَ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ الْأُجْهُورِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ. قَوْلُهُ: [وَلَا مُتَعَمِّدُ حَدَثٍ] : مِثْلُهُ عُلِمَ مَوْتُهُ بِحَدَثِهِ وَدَخَلَ أَوْ تَرَاخَى مَعَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ كَمَا يَأْتِي.

الصُّورَةُ يَشْمَلُهَا كَلَامُهُ أَيْضًا: (أَوْ غَلَبَهُ) الْحَدَثُ فِيهَا كَأَنْ سَبَقَهُ الْبَوْلُ أَوْ الرِّيحُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِمْ عَمَلًا (صَحَّتْ لِلْمَأْمُومِ) دُونَ الْإِمَامِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: كُلُّ صَلَاةٍ بَطَلَتْ عَلَى الْإِمَامِ بَطَلَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ إلَّا فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ. وَقَوْلُنَا فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: " وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِمْ عَمَلًا " مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عَمِلَ بِهِمْ عَمَلًا لَبَطَلَتْ عَلَيْهِمْ أَيْضًا لِشُمُولِ الْمُتَعَمِّدِ لَهُ. وَمَحَلُّ صِحَّتِهَا لِلْمَأْمُومِ فِي أَنَّ النِّسْيَانَ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمَأْمُومُ (بِهِ) - أَيْ يُحْدِثُ إمَامُهُ - (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَهُ فِيهَا، فَإِنْ عَلِمَهُ قَبْلَهَا وَدَخَلَ مَعَهُ وَلَوْ نَاسِيًا كَإِمَامِهِ بَطَلَتْ (أَوْ عَلِمَ) بِحَدَثِ إمَامِهِ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ (وَلَمْ يَسْتَمِرَّ) مَعَهُ، بَلْ فَارَقَهُ وَصَلَّى لِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ مُسْتَخْلِفًا فَتَصِحُّ لِلْمَأْمُومَيْنِ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِحَدَثِ إمَامِهِ فِي الصَّلَاةِ وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ نَاسِيًا الْحَدَثَ أَوْ غَلَبَهُ فِيهَا فَتَصِحُّ لِلْمَأْمُومِ بِشَرْطِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إلَّا فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ] : أَيْ وَمَسَائِلَ أُخْرَى نَحْوَ أَحَدَ عَشَرَ تُضَمُّ لِسَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ؛ الْأُولَى: لَوْ ضَحِكَ الْإِمَامُ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا فَيَسْتَخْلِفُ وَتَبْطُلُ عَلَيْهِ دُونَهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. الثَّانِيَةُ: إذَا رَأَى الْمَأْمُومُ نَجَاسَةً عَلَى إمَامِهِ وَأَرَاهُ إيَّاهَا فَوْرًا، وَاسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مِنْ حِينِ ذَلِكَ فَتَبْطُلُ عَلَيْهِ دُونَهُمْ، وَاخْتَارَ ابْنُ نَاجِي الْبُطْلَانَ لِلْجَمِيعِ. الثَّالِثَةُ: إذَا سَقَطَ سَاتِرُ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ فَيَسْتَخْلِفُ فِي قَوْلِ سَحْنُونَ وَإِنْ أَعَادَ مَعَ التَّمَادِي فَقِيلَ: الْفَسَادُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَقِيلَ بِالصِّحَّةِ عَلَى الْجَمِيعِ الرَّابِعَةُ: إذَا رَعَفَ فِي الصَّلَاةِ رُعَافَ بِنَاءٍ وَاسْتَخْلَفَ فِيهِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي حَالَةِ الِاسْتِخْلَافِ. الْخَامِسَةُ: إذَا انْحَرَفَ الْإِمَامُ انْحِرَافًا كَثِيرًا عَنْ الْقِبْلَةِ وَنَوَى مَأْمُومُهُ الْمُفَارَقَةَ مِنْهُ. السَّادِسَةُ: لَوْ طَرَأَ فَسَادُ الصَّلَاةِ لِلْإِمَامِ الَّذِي قَسَّمَ الْقَوْمَ طَائِفَتَيْنِ فِي الْخِلَافِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى فَتَبْطُلُ عَلَيْهِ دُونَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى. السَّابِعَةُ: إنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْقَبْلِيَّ الْمُتَرَتِّبَ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ وَسَجَدَهُ الْمَأْمُومُ. الثَّامِنَةُ: إنْ تَرَكَ الْإِمَامُ سَجْدَةً وَسَبَّحَ لَهُ الْمَأْمُومُ وَلَمْ يَرْجِعْ فَسَجَدَهَا الْمَأْمُومُ، وَاسْتَمَرَّ الْإِمَامُ تَارِكًا لَهَا حَتَّى سَلَّمَ وَطَالَ. التَّاسِعَةُ: إنْ قَطَعَ الصَّلَاةَ الْإِمَامُ لِخَوْفٍ عَلَى مَالٍ أَوْ نَفْسٍ. الْعَاشِرُ: إنْ طَرَأَ لَهُ جُنُونٌ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إنْ طَرَأَ لَهُ مَوْتٌ. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ حَاصِلُ نَظْمِ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الْبِيلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

أَنْ لَا يَعْلَمَ أَوْ عَلِمَ فِيهَا وَلَمْ يَعْمَلْ مَعَهُ عَمَلًا وَإِلَّا بَطَلَتْ. (وَ) شَرْطُهُ: (قُدْرَةٌ عَلَى الْأَرْكَان، لَا إنْ عَجَزَ) عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ (إلَّا أَنْ يُسَاوِيَهُ الْمَأْمُومُ) فِي الْعَجْزِ فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ (فَتَصِحُّ) صَلَاتُهُ خَلْفَهُ؛ كَأَخْرَسَ صَلَّى بِمِثْلِهِ وَعَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى جَالِسًا بِمِثْلِهِ (إلَّا الْمُومِئَ) أَيْ مَنْ فَرْضُهُ الْإِيمَاءُ مِنْ قِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ يَأْتَمُّ (بِمِثْلِهِ) فَلَا تَصِحُّ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. (وَ) شَرْطُهُ: (عِلْمٌ) أَيْ كَوْنُهُ عَالِمًا (بِمَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِهِ) مِنْ الْأَحْكَامِ كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا. وَكَفَى عِلْمُ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُمَيِّزْ الْفَرْضَ مِنْ السُّنَّةِ بِخِلَافِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْفَرْضَ سُنَّةً. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ [أَوْ عَلِمَ فِيهَا] إلَخْ: فَقَدْ نَقَلَ (ح) أَوَّلَ الِاسْتِخْلَافِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ حُكْمَ مَنْ عَلِمَ بِحَدَثِ إمَامِهِ حُكْمُ مَنْ رَأَى النَّجَاسَةَ فِي ثَوْبِ إمَامِهِ، فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَوْرًا فَلَا يَضُرُّ، وَأَمَّا إنْ عَمِلَ مَعَهُ عَمَلًا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ السَّلَامَ فَقَدْ بَطَلَتْ عَلَيْهِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ بْن) . قَوْلُهُ: [لَا إنْ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ] : أَيْ قَوْلِيٍّ: كَالْفَاتِحَةِ. أَوْ فِعْلِيٍّ: كَالرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ الْقِيَامِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ الرُّكْنِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إمَامَةِ مُقَوَّسِ الظَّهْرِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: إنْ وَصَلَ تَقَوُّسُهُ لِحَدِّ الرُّكُوعِ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ عَاجِزًا عَنْ رُكْنٍ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ عَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ وَحِينَئِذٍ فَاقْتِدَاءُ الْقَادِرِ بِهِ صَحِيحٌ فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ (اهـ.) قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ] : أَيْ فِي غَيْرِ قِتَالِ الْمُسَايَفَةِ، وَأَمَّا فِيهِ فَيَجُوزُ. وَإِنَّمَا مُنِعَ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ لَا يَنْضَبِطُ فَقَدْ يَكُونُ إيمَاءُ الْمَأْمُومِ أَخْفَضَ مِنْ إيمَاءِ الْإِمَامِ، وَهَذَا يَضُرُّ وَمُقَابِلُ هَذَا مَا لِابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ مِنْ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُومِي بِالْمُومِي. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْفَرْضَ سُنَّةً] : وَانْظُرْ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ السُّنَّةَ فَرْضٌ أَوْ فَضِيلَةٌ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالُوا إنَّهَا صَحِيحَةٌ إنْ سَلِمَتْ مِنْ الْخَلَلِ كَمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا كُلَّهَا فَرَائِضُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ صِفَتَهَا عَنْ عَالِمٍ وَلَمْ يُمَيِّزْ الْفَرْضَ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ

(وَقِرَاءَةٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مَا أَيْ وَعُلِمَ بِقِرَاءَةٍ (غَيْرِ شَاذَّةٍ) وَالشَّاذُّ مَا وَرَاءَ الْعَشَرَةِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ إنْ لَمْ يُوَافِقْ الرَّسْمَ الْعُثْمَانِيَّ. (وَصَحَّتْ بِهَا) أَيْ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ (إنْ وَافَقَتْ رَسْمَ الْمُصْحَفِ) الْعُثْمَانِيِّ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ الْقِرَاءَةُ بِهَا. (وَ) صَحَّتْ (بِلَحْنٍ) فِي الْقِرَاءَةِ (وَلَوْ بِالْفَاتِحَةِ) إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ، (وَأَثِمَ) الْمُقْتَدِي بِهِ (إنْ وَجَدَ غَيْرَهُ) مِمَّنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ وَإِلَّا فَلَا (وَ) صَحَّتْ (بِغَيْرِ) أَيْ بِقِرَاءَةِ غَيْرِ (مُمَيِّزٍ بَيْنَ كَضَادٍ وَظَاءٍ) بِالْمُعْجَمَتَيْنِ كَمَا فِي لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ الَّذِينَ يَقْلِبُونَ الضَّادَ ظَاءً، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ مَنْ يَقْلِبُ الْحَاءَ الْمُهْمَلَةَ هَاءً أَوْ الرَّاءَ لَامًا أَوْ الضَّادَ دَالًا كَمَا فِي بَعْضِ الْأَعَاجِمِ. (لَا) تَصْلُحُ (إنْ تَعَمَّدَ) اللَّحْنَ أَوْ تَبْدِيلَ الْحُرُوفِ بِغَيْرِهَا فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQصَحِيحَةٌ إذَا سَلِمَتْ مِنْ الْخَلَلِ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا فَرَائِضَ وَسُنَنًا أَوْ اعْتَقَدَ فَرْضِيَّةَ جَمِيعِهَا عَلَى الْإِجْمَالِ، وَإِنْ لَمْ تَسْلَمْ صَلَاتُهُ مِنْ الْخَلَلِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ فِي الْجَمِيعِ. وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ إلَّا بِفِعْلِ مَا رَأَوْا، وَأَهْلُ الْعِلْمِ نُوَّابُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَوْلُهُ: [إنْ وَافَقَتْ رَسْمَ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي الطَّيِّبَةِ: وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ النَّحْوِ ... وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي وَصَحَّ إسْنَادًا هُوَ الْقُرْآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَرْكَانُ قَالَ شَيْخُنَا فِي تَقْرِيرِهِ: الْحَقُّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمُلَفَّقَةَ مِنْ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ الْجَارِيَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ جَائِزَةٌ لَا حُرْمَةَ فِيهَا وَلَا كَرَاهَةَ، وَالصَّلَاةُ بِهَا لَا كَرَاهَةَ فِيهَا. (اهـ.) قَوْلُهُ: [وَصَحَّتْ بِلَحْنٍ] إلَخْ: أَيْ غَيَّرَ الْمَعْنَى أَمْ لَا. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ مِنْ أَقْوَالٍ سِتَّةٍ، الثَّانِي: تَبْطُلُ بِاللَّحْنِ مُطْلَقًا؛ الثَّالِثُ: بِاللَّحْنِ فِي الْفَاتِحَةِ، الرَّابِعُ: إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى، الْخَامِسُ: الْكَرَاهَةُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ، السَّادِسُ: الْجَوَازُ. قَوْلُهُ: [بَيْنَ كَضَادٍ وَظَاءٍ] إلَخْ: صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَجْلِ التَّنْصِيصِ عَلَى عَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي اللَّاحِنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي اللَّحْنِ قَالُوا: وَمِنْهُ مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ ضَادٍ وَظَاءٍ.

(وَ) شَرْطُهُ (بُلُوغٌ فِي) صَلَاةِ (فَرْضٍ) فَلَا يَصِحُّ خَلْفَ صَبِيٍّ بِخِلَافِ النَّفْلِ خَلْفَ الصَّبِيِّ فَيَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ. (وَ) شَرْطُهُ (بِجُمُعَةٍ) : أَيْ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (حُرِّيَّةٌ) فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ خَلْفَ عَبْدٍ وَلَوْ مُكَاتَبًا لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. (وَإِقَامَةٌ) بِبَلَدِهَا وَمَا فِي حُكْمِهِ فَلَا تَصِحُّ خَلْفَ خَارِجٍ عَنْهَا بِمَا زَادَ عَلَى كَفَرْسَخٍ، كَمَا لَا تَصِحُّ مِنْهُمَا أَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا، وَلَوْ ظُهْرًا، إنْ لَمْ يُمْكِنْ إعَادَتُهَا جُمُعَةً. (وَأَعَادَ) صَلَاتَهُ (بِوَقْتٍ) ضَرُورِيٍّ (فِي) اقْتِدَائِهِ بِإِمَامٍ (بِدْعِيٍّ) لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ كَحَرُورِيٍّ وَقَدَرِيٍّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ خَلْفَ صَبِيٍّ] : اعْلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا فَاتَهُ لَا يَنْوِي فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، وَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ النَّفَلَ فَإِنْ نَوَى الْفَرْضَ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ إذْ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ، أَوْ لَا تَبْطُلُ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُمَا الثَّانِي كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَهَذَا فِي صَلَاتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَأَمَّا إنْ اقْتَدَى بِهِ أَحَدٌ فَصَلَاةُ ذَلِكَ الْمُقْتَدِي بَاطِلَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ إذَا كَانَ مَأْمُومُهُ بَالِغًا فِي فَرْضٍ فَإِنْ أَمَّ فِي نَفْلٍ صَحَّتْ الصَّلَاةُ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ ابْتِدَاءً كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ مُكَاتَبًا] : أَيْ أَوْ مُبَعَّضًا فِي يَوْمِ حُرِّيَّتِهِ. قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ خَلْفَ خَارِجٍ عَنْهَا] : أَيْ مَا لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ لِغَيْرِ قَصْدِ الْخُطْبَةِ فَتَصِحُّ وَلَوْ سَافَرَ عَقِبَ الصَّلَاةِ. وَمَحَلُّ عَدَمِ صِحَّتِهَا خَلْفَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً أَوْ نَائِبَهُ وَمَرَّ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ مِنْ قُرَى عَمَلِهِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ بِهِمْ بَلْ يُنْدَبُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ مَكْرُوهِ الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ: [كَحَرُورِيٍّ] إلَخْ: هَذَا بَيَانٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ، وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِهِ فَقِيلَ مَمْنُوعٌ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَمُرَادُهُ: كُلُّ مَا اُخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ بِبِدْعَتِهِ خَرَجَ الْمَقْطُوعُ بِكُفْرِهِ؛ كَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ مُفَصَّلَةً بَلْ

(وَكُرِهَ فَاسِقٌ بِجَارِحَةٍ) : أَيْ إمَامَتِهِ وَلَوْ لِمِثْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. (وَ) كُرِهَ (أَعْرَابِيٌّ) : وَهُوَ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ (لِغَيْرِهِ) مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ وَلَوْ بِسَفَرٍ لَا لِمِثْلِهِ. (وَ) كُرِهَ (ذُو سَلَسٍ) كَبَوْلٍ وَنَحْوِهِ (وَقَرْحٍ) : أَيْ دُمَّلٍ سَائِلٍ (لِصَحِيحٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQمُجْمَلَةً فَقَطْ، فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ بَاطِلٌ. وَخَرَجَ الْمَقْطُوعُ بِعَدَمِ كُفْرِهِ كَذِي بِدْعَةٍ خَفِيفَةٍ كَمُفَضِّلِ عَلِيٍّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ؛ فَهَذَا لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ اقْتَدَى بِهِ. تَنْبِيهٌ: الْحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِحَرُورَاءَ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْكُوفَةِ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْهَا نَقَمُوا عَلَيْهِ فِي التَّحْكِيمِ أَيْ عَابُوا عَلَيْهِ وَكَفَّرُوهُ بِالذَّنْبِ. وَالْمُرَادُ بِالتَّحْكِيمِ تَحْكِيمُهُ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ إنَّ هَذَا ذَنْبٌ صَدَرَ مِنْك وَكُلُّ ذَنْبٍ مُكَفِّرٌ لِفَاعِلِهِ فَأَنْتَ كَافِرٌ. فَأَوَّلًا كَفَّرُوا مُعَاوِيَةَ بِخُرُوجِهِ عَلَى عَلِيٍّ، ثُمَّ كَفَّرُوا عَلِيًّا بِتَحْكِيمِهِ لِأَبِي مُوسَى، وَخَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا عَظِيمًا. قَوْلُهُ: [فَاسِقٌ بِجَارِحَةٍ] : يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْفَاسِقِ بِالِاعْتِقَادِ أَيْ فَفِسْقُهُ بِسَبَبِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا وَرَدَ: «أَنَّ أَئِمَّتَكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» وَالْفَاسِقُ لَا يَصْلُحُ لِلشَّفَاعَةِ. قَوْلُهُ: [عَلَى الصَّحِيحِ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا شَرْطُ كَمَالٍ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ فِسْقُهُ بِالصَّلَاةِ؛ كَأَنْ يَقْصِدَ بِتَقَدُّمِهِ الْكِبْرَ كَمَا يَأْتِي، أَوْ يُخِلَّ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ سُنَّةٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ تَارِكِهَا عَمْدًا (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ أَعْرَابِيٌّ] : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عِيَاضٍ: الْأَعْرَابِيُّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - هُوَ الْبَدَوِيُّ كَانَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تُكْرَهُ إمَامَةُ الْبَدَوِيِّ - أَيْ سَاكِنِ الْبَادِيَةِ - لِلْحَضَرِيِّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَاضِرَةِ أَوْ فِي الْبَادِيَةِ، بِأَنْ كَانَ الْحَضَرِيُّ مُسَافِرًا؛ وَلَوْ كَانَ الْأَعْرَابِيُّ أَكْثَرَ قُرْآنًا أَوْ أَحْكَمَ قِرَاءَةً وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلِ ذَلِكَ الْبَدَوِيِّ، فَمَحَلُّ تَقْدِيمِ رَبِّ الْمَنْزِلِ إنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِمَانِعِ نَقْصٍ أَوْ كُرْهٍ كَمَا يَأْتِي. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَفِي هَذَا التَّقْيِيدِ نَظَرٌ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ يُسْتَثْنَى رَبُّ الْمَنْزِلِ وَالسُّلْطَانُ مِنْ عَدَمِ إسْقَاطِ الْمَانِعِ حَقَّهُمَا. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ ذُو سَلَسٍ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى ضَعِيفٍ

[من لا تجوز إمامته ومن تكره]

وَمِثْلُهُمَا كُلُّ مَنْ تَلَبَّسَ بِنَجَاسَةٍ مَعْفُوٍّ عَنْهَا لِسَالِمٍ مِنْهَا لَا لِمِثْلِهِ. (وَ) كُرِهَ (أَغْلَفُ وَمَجْهُولُ حَالٍ) أَيْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ أَهْوَ عَدْلٌ أَوْ فَاسِقٌ وَمِثْلُهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ فِي حَالَةٍ دُونَ أُخْرَى فَقَالَ: (وَ) كُرِهَ (تَرَتُّبُ خَصِيٍّ) أَيْ مَقْطُوعِ الْأُنْثَيَيْنِ (وَ) تَرَتُّبُ (مَأْبُونٍ) أَيْ مُتَشَبِّهٍ بِالنِّسَاءِ أَوْ مَنْ يَتَكَسَّرُ فِي كَلَامِهِ كَالنِّسَاءِ أَوْ مَنْ كَانَ يُفْعَلُ بِهِ فِعْلُ قَوْمِ لُوطٍ ثُمَّ تَابَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتُبْ فَهُوَ أَرْذَلُ الْفَاسِقِينَ (وَوَلَدِ زِنًا وَعَبْدٍ) : أَيْ جَعْلِ مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ أَنَّ الْأَحْدَاثَ إذَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ صَاحِبِهَا لَا يُعْفَى عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ صَاحِبِهَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَعَلَيْهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي إمَامَةِ صَاحِبِهَا لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا صَلَاةُ غَيْرِهِ بِثَوْبِهِ فَاقْتَصَرَ فِي الذَّخِيرَةِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ قَائِلًا إنَّمَا عُفِيَ عَنْ النَّجَاسَةِ لِلْمَعْذُورِ خَاصَّةً فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ. ثُمَّ تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْكَرَاهَةَ بِالصَّحِيحِ تَبِعَ فِيهِ خَلِيلًا وَابْنَ الْحَاجِبِ، وَظَاهِرُ عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَخْتَصُّ بِإِمَامَةِ الصَّحِيحِ فَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِالصَّحِيحِ طَرِيقَةٌ. قَوْلُهُ: [لَا لِمِثْلِهِ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ عِيَاضٌ وَابْنُ بَشِيرٍ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ أَغْلَفُ] : أَيْ وَهُوَ مَنْ لَمْ يُخْتَتَنْ فَتُكْرَهُ إمَامَتُهُ مُطْلَقًا رَاتِبًا أَوْ لَا خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّاتِبِ. قَوْلُهُ: [وَمِثْلُهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ] : قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ مَجْهُولُ النَّسَبِ كَوَلَدِ الزِّنَا. إنَّمَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ إنْ كَانَ رَاتِبًا كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْمُدَوَّنَةِ. وَالْمُرَادُ بِمَجْهُولِ النَّسَبِ: اللَّقِيطُ لَا الطَّارِئُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مَأْمُونُونَ عَلَى أَنْسَابِهِمْ. [مِنْ لَا تَجُوز إمَامَتُهُ وَمَنْ تُكْرَهُ] قَوْلُهُ: [تَرَتُّبُ خَصِيٍّ] : أَيْ بِحَضَرٍ لَا سَفَرٍ كَمَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتُبْ] إلَخْ: أَيْ وَتَقَدَّمَ كَرَاهَةُ إمَامَتِهِ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاتِبًا. قَوْلُهُ: [وَعَبْدٍ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ إمَامَةَ الْعَبْدِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: جَائِزَةٌ،

ذُكِرَ إمَامًا رَاتِبًا (فِي فَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ) كَعِيدٍ لَا إنْ لَمْ يُرَتَّبْ. (وَ) كُرِهَتْ (صَلَاةٌ) وَلَوْ لِفَذٍّ (بَيْنَ الْأَسَاطِينِ) جَمْعُ أُسْطُوَانَةٍ وَهِيَ الْعَمُودُ. (وَ) كُرِهَتْ صَلَاةُ مَأْمُومٍ (أَمَامَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ: أَيْ قُدَّامَ (الْإِمَامِ بِلَا ضَرُورَةٍ) وَإِلَّا لَمْ تُكْرَهْ. (وَ) كُرِهَ (اقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلَاهَا) لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْإِمَامِ وَقَدْ تَدُورُ فَيَخْتَلُّ عَلَيْهِمْ أَمْرُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ (كَأَبِي قُبَيْسٍ) : أَيْ كَمَا يُكْرَهُ اقْتِدَاءُ مَنْ بِأَبِي قُبَيْسٍ بِمَنْ يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ جَبَلٌ عَالٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَمَكْرُوهَةٌ، وَمَمْنُوعَةٌ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا فِي النَّوَافِلِ، وَإِمَامًا غَيْرَ رَاتِبٍ فِي الْفَرَائِضِ. وَكُرِهَ أَنْ يَكُونَ رَاتِبًا فِيهَا، وَكَذَا فِي السُّنَنِ كَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، فَإِنْ أَمَّ فِي ذَلِكَ أَجْزَأَتْ. وَيُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي الْجُمُعَةِ رَاتِبًا أَوْ غَيْرَ رَاتِبٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَرَاهَةِ تَرَتُّبِهِ فِي الْفَرْضِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِجَوَازِ تَرَتُّبِهِ فِي الْفَرَائِضِ كَالنَّوَافِلِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ أَصْلَحَهُمْ فَلَا يُكْرَهُ. قَوْلُهُ: [بَيْنَ الْأَسَاطِينِ] : أَيْ لِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ مُعَدٌّ لِوَضْعِ النِّعَالِ وَهِيَ لَا تَخْلُو غَالِبًا مِنْ نَجَاسَةٍ، أَوْ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّيَاطِينِ فَيُطْلَبُ التَّبَاعُدُ عَنْهُ، فَقَدْ «ارْتَحَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْوَادِي الَّذِي نَامُوا فِيهِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَقَالَ: إنَّ بِهِ شَيْطَانًا» . قَوْلُهُ: [أَمَامَ الْإِمَامِ بِلَا ضَرُورَةٍ] : أَيْ لِمُخَالَفَةِ الرُّتْبَةِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ الْمُنْفَرِدِ. وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ وُقُوفَ الْمَأْمُومِ أَمَامَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْعَكْسِ] : أَيْ وَهُوَ اقْتِدَاءُ مَنْ بِأَعْلَى السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَسْفَلِهَا فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَذَلِكَ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ضَبْطِ أَفْعَالِ إمَامِهِ. قَوْلُهُ: [أَيْ كَمَا يُكْرَهُ اقْتِدَاءُ] إلَخْ: إنْ قُلْت صِحَّةُ صَلَاةِ مَنْ بِأَبِي قُبَيْسٍ مُشْكِلَةٌ، لِأَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ يَجِبُ عَلَيْهِ مُسَامَتَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ كَمَا مَرَّ، وَمَنْ كَانَ بِأَبِي قُبَيْسٍ

[تنبيه تنفل الإمام في المحراب]

تُجَاهَ رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِعَدَمِ تَمَامِ التَّمَكُّنِ مِنْ أَفْعَالِ الْإِمَامِ. (وَ) كُرِهَ (صَلَاةُ رَجُلٍ بَيْنَ نِسَاءٍ وَعَكْسُهُ) أَيْ امْرَأَةٍ بَيْنَ رِجَالٍ. (وَ) كُرِهَ (إمَامَةٌ بِمَسْجِدٍ بِلَا رِدَاءٍ) يُلْقِيهِ الْإِمَامُ عَلَى كَتِفَيْهِ بِخِلَافِ الْمَأْمُومِ وَالْفَذِّ فَلَا يُكْرَهُ لَهُمَا عَدَمُ الرِّدَاءِ، بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأُولَى، فَعُلِمَ أَنَّ الرِّدَاءَ يُنْدَبُ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَالنَّدْبُ لِلْإِمَامِ أَوْكَدُ. [تَنْبِيه تنفل الْإِمَام فِي الْمِحْرَاب] (وَ) كُرِهَ (تَنَفُّلُهُ) : أَيْ الْإِمَامِ (بِالْمِحْرَابِ) لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا حَالَ كَوْنِهِ إمَامًا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُوهِمُ غَيْرَهُ أَنَّهُ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ فَيَقْتَدِي بِهِ. (وَ) كُرِهَ (صَلَاةُ جَمَاعَةٍ) فِي الْمَسْجِدِ (قَبْلَ الرَّاتِبِ) ، وَحَرُمَ مَعَهُ، وَوَجَبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يَكُونُ مُسَامِتًا لَهَا لِارْتِفَاعِهِ عَنْهَا. وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ كَانَ بِأَبِي قُبَيْسٍ وَنَحْوِهِ أَنْ يُلَاحِظَ أَنَّهُ مُسَامِتٌ لِلْبِنَاءِ، وَقَوْلُهُمْ: الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ بِمَكَّةَ مُسَامَتَةُ الْعَيْنِ أَيْ وَلَوْ بِالْمُلَاحَظَةِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [بَيْنَ نِسَاءٍ] : أَيْ بَيْنَ صُفُوفِ النِّسَاءِ، وَكَذَا مُحَاذَاتُهُ لَهُنَّ بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ عَنْ يَمِينِهِ وَأُخْرَى عَنْ يَسَارِهِ، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ امْرَأَةٍ بَيْنَ رِجَالٍ. وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كُنَّ مَحَارِمَ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ تَنَفُّلُهُ] إلَخْ: أَيْ وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ تَنَفُّلُهُ بِمَوْضِعِ فَرِيضَتِهِ كَذَا فِي الْحَطَّابِ نَقْلًا عَنْ الْمَدْخَلِ، لَكِنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ مَالِكٌ لَا يَتَنَفَّلُ الْإِمَامُ فِي مَوْضِعِهِ وَلْيَقُمْ عَنْهُ بِخِلَافِ الْفَذِّ وَالْمَأْمُومِ فَلَهُمَا ذَلِكَ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ عَنْ بْن) ، وَكَمَا يُكْرَهُ تَنَفُّلُهُ بِمِحْرَابِهِ يُكْرَهُ لَهُ جُلُوسُهُ عَلَى هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِتَغَيُّرِ الْهَيْئَةِ لِخَبَرِ: «كَانَ إذَا صَلَّى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ» . تَنْبِيهٌ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِمَامَ يَقِفُ فِي الْمِحْرَابِ حَالَ صَلَاتِهِ الْفَرِيضَةَ كَيْفَمَا يَقِفُ خَارِجَهُ وَيَسْجُدُ فِيهِ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ] : وَهَذَا النَّهْيُ وَلَوْ صَلَّى فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ. وَكَرَاهَةُ الْجَمْعِ قَبْلَ الرَّاتِبِ وَبَعْدَهُ. وَحُرْمَتُهُ مَعَهُ لَا تُنَافِي حُصُولَ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ جَمَعَ مَعَهُ كَمَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ، أَلَا تَرَى لِلصَّلَاةِ جَمَاعَةً فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ؟

الْخُرُوجُ عِنْدَ قِيَامِهَا لِلرَّاتِبِ (أَوْ) صَلَاةُ جَمَاعَةٍ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ صَلَاتِهِ (وَإِنْ أَذِنَ) لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، (وَلَهُ) أَيْ لِلرَّاتِبِ (الْجَمْعُ) فِي مَسْجِدِهِ (إنْ جَمَعَ غَيْرُهُ) قَبْلَهُ (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ. وَمَحَلُّ جَوَازِ الْجَمْعِ (إنْ لَمْ يُؤَخِّرْ) عَنْ عَادَتِهِ تَأْخِيرًا (كَثِيرًا، وَإِلَّا) - بِأَنْ أَذِنَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَكَانَهُ بِالنَّاسِ أَوْ أَخَّرَ كَثِيرًا. (كُرِهَ) لَهُ الْجَمْعُ ثَانِيًا. (وَ) إنْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ مَسْجِدًا فَوَجَدُوا رَاتِبَهُ قَدْ صَلَّى (خَرَجُوا) نَدْبًا (لِيَجْمَعُوا خَارِجَهُ، إلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ. فَيُصَلُّونَ) فِيهَا (أَفْذَاذًا إنْ دَخَلُوهَا) ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَهُ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاتِبُ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ بِجَمَاعَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَزَمَ بِالْكَرَاهَةِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ وَالرِّسَالَةِ وَالْجَلَّابِ، وَعَبَّرَ ابْنُ بَشِيرٍ وَاللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِالْمَنْعِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ. وَلَا تُجْمَعُ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدٍ مَرَّتَيْنِ إلَّا مَسْجِدٍ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ، وَنَسَبَ أَبُو الْحَسَنِ الْجَوَازَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَحَلُّ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ إذَا صَلَّى الرَّاتِبُ فِي وَقْتِهِ الْمَعْلُومِ؛ فَلَوْ قَدَّمَ عَنْ وَقْتِهِ وَأَتَتْ جَمَاعَةٌ فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَ فِيهِ جَمَاعَةً مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، أَوْ أَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَمَحَلُّ النَّهْيِ عَنْ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي رَتَّبَ فِيهَا الْوَاقِفُ أَرْبَعَةَ أَئِمَّةٍ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كُلُّ وَاحِدٍ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْجَوَازِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ مَوَاضِعَهُمْ كَمَسَاجِدَ مُتَعَدِّدَةٍ، خُصُوصًا وَقَدْ قَرَّرَهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ، وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ إذَا صَلَّوْا مُتَرَتِّبِينَ، وَأَمَّا إذَا أَقَامَ أَحَدُهُمْ الصَّلَاةَ مَعَ صَلَاةِ الْآخَرِ فَلَا نِزَاعَ فِي حُرْمَتِهِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِذَا تَمَّ إلْحَاقُ الْبِقَاعِ بِالْمَسَاجِدِ لَمْ يَحْرُمْ الْمُكْثُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لِإِقَامَةِ إمَامِ غَيْرِهَا مِنْ الْبِقَاعِ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَخَّرَ كَثِيرًا] : أَيْ فَلَا كَرَاهَةَ لِمَنْ يَجْمَعُ قَبْلَهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ، وَيُكْرَهُ لَهُ الْجَمْعُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [لِيَجْمَعُوا خَارِجَهُ] : أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً فِي غَيْرِهِ؛ إمَّا فِي مَسْجِدٍ آخَرَ أَوْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ. ثُمَّ إنَّ النَّدْبَ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ خَارِجَهُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ سُنَّةٌ وَلَوْ فِيهِ. قَوْله: [إنْ دَخَلُوهَا] : اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُفِيدُهُ.

لِأَنَّ فَذَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوهَا جَمَعُوا خَارِجَهَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ جَوَازِ إمَامَةِ مَنْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَجَوَازُ أَشْيَاءَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ جَوَازِهَا، فَقَالَ: (وَجَازَ) بِمَعْنَى خِلَافِ الْأُولَى (إمَامَةُ أَعْمَى) إذْ إمَامَةُ الْبَصِيرِ الْمُسَاوِي فِي الْفَضْلِ لِلْأَعْمَى أَفْضَلُ. (وَ) إمَامَةُ (مُخَالِفٍ فِي الْفُرُوعِ) كَشَافِعِيٍّ وَحَنَفِيٍّ؛ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ أَوْ لَمْ يَتَدَلَّكْ أَوْ مَسَّ ذَكَرَهُ. لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأُجِيبُ بِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَأَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا أَفْذَاذًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [جَمَعُوا خَارِجَهَا] : أَيْ وَلَا يَدْخُلُونَهَا. وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَمْكَنَهُمْ الْجَمْعُ بِغَيْرِهَا، وَإِلَّا دَخَلُوهَا وَصَلَّوْا بِهَا أَفْذَاذًا فَفِي قَوْلِهِ: [إنْ دَخَلُوهَا] تَفْصِيلٌ. قَوْلُهُ: [أَفْضَلُ] : أَيْ لِتَحَفُّظِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَقِيلَ: الْأَعْمَى أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ أَخْشَعَ، وَقِيلَ: سِيَّانِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَسَحَ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ الْإِمَامُ الْمُخَالِفُ فِي الْفُرُوعِ بِمُنَافٍ لِلصِّحَّةِ عَلَى مَذْهَبِ الْمَأْمُومِ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ عَلَى مَذْهَبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا] : أَيْ خَارِجًا عَنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَا كَانَ رُكْنًا دَاخِلًا فِيهَا فَالْعِبْرَةُ فِيهِ: بِنِيَّةِ الْمَأْمُومِ، مِثْلَ شَرْطِ الِاقْتِدَاءِ. فَلَوْ اقْتَدَى مَالِكِيٌّ بِحَنَفِيٍّ لَا يَرَى رُكْنِيَّةَ السَّلَامِ وَلَا الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، فَإِنْ أَتَى بِهِمَا صَحَّتْ صَلَاةُ مَأْمُومِهِ الْمَالِكِيِّ، وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاةُ مَأْمُومِهِ الْمَالِكِيِّ بَاطِلَةً وَلَوْ فَعَلَ الْمَأْمُومُ ذَلِكَ. وَفِي الْحَطَّابِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ عَلِمْت أَنَّ رَجُلًا يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ أُصَلِّ خَلْفَهُ نَقَلَهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ] إلَخْ: يُعْلَمُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ صَلَاةِ مَالِكِيٍّ الظُّهْرَ خَلْفَ شَافِعِيٍّ فِيهَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ لِاتِّحَادِ عَيْنِ الصَّلَاةِ، وَالْمَأْمُومُ يَرَاهَا أَدَاءً خَلْفَ أَدَاءً، وَالْإِمَامُ يَرَاهَا قَضَاءً خَلْفَ قَضَاءٍ، وَهِيَ فِي نَفْسِ

[بعض آداب الجماعة والمساجد]

فَلَا يَصِحُّ فَرْضٌ خَلْفَ مُعِيدٍ وَلَا مُتَنَفِّلٍ وَلَا مُغَايِرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى ذَلِكَ. (وَ) جَازَ إمَامَةُ (أَلْكَنَ) : وَهُوَ مَنْ لَا يَكَادُ يُخْرِجُ بَعْضَ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا لِعُجْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِثْلَ أَنْ يَقْلِبَ الْحَاءَ هَاءً أَوْ الرَّاءَ لَامًا أَوْ الضَّادَ دَالًا. (وَ) إمَامَةُ (مَحْدُودٍ) لِقَذْفٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَ) إمَامَةُ (عِنِّينٍ) : وَهُوَ مَنْ لَهُ ذَكَرٌ صَغِيرٌ لَا يَتَأَتَّى بِهِ الْجِمَاعُ أَوْ مَنْ لَا يَنْتَشِرُ ذَكَرُهُ. (وَ) إمَامَةُ (أَقْطَعَ) يَدًا أَوْ رِجْلًا (وَأَشَلَّ) عَلَى الرَّاجِحِ فِيهِمَا، وَقِيلَ يُكْرَهُ (وَمَجْذُومٍ) أَيْ مَنْ قَامَ بِهِ دَاءُ الْجُذَامِ (إلَّا أَنْ يَشْتَدَّ) جُذَامُهُ: بِحَيْثُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ (فَلْيَتَنَحَّ) وُجُوبًا عَنْ الْإِمَامَةِ بَلْ عَنْ الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ. (وَ) جَازَ إمَامَةُ (صَبِيٍّ بِمِثْلِهِ) . (وَ) جَازَ (إسْرَاعٌ لَهَا) : أَيْ لِأَجْلِ إدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ (بِلَا خَبَبٍ) أَيْ هَرْوَلَةٍ وَهِيَ مَا دُونَ الْجَرْيِ، وَتُكْرَهُ الْهَرْوَلَةُ لِأَنَّهَا تُذْهِبُ الْخُشُوعَ فَالْجَرْيُ أَوْلَى. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَمْرِ إمَّا أَدَاءً أَوْ قَضَاءً كَمَا قَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ. [بَعْض آدَاب الْجَمَاعَة وَالْمَسَاجِد] قَوْلُهُ: [وَإِمَامَةُ مَحْدُودٍ] : أَيْ بِالْفِعْلِ وَهَذَا إنْ حَسُنَتْ حَالَتُهُ وَتَابَ. وَمَفْهُومُ (مَحْدُودٍ بِالْفِعْلِ) فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِعَفْوٍ فِي حَقِّ مَخْلُوقٍ أَوْ بِإِتْيَانِ الْإِمَامِ طَائِعًا وَتَرْكِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ حِرَابَةٍ جَازَتْ إمَامَتُهُ إنْ حَسُنَتْ حَالَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: [وَإِمَامَةُ عِنِّينٍ] : إنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ لِتَوَهُّمِ النَّهْيِ لِضَعْفِ أَمْرِ الرُّجُولِيَّةِ فِيهِ. قَوْلُهُ: [فَلْيَتَنَحَّ وُجُوبًا] : أَيْ وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ إمَامَةُ صَبِيٍّ بِمِثْلِهِ] : وَأَمَّا بِبَالِغِينَ فَلَا تَصِحُّ فِي الْفَرْضِ. وَتَصِحُّ فِي النَّفْلِ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ ابْتِدَاءً كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَتُكْرَهُ الْهَرْوَلَةُ] : أَيْ وَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ فَتَجِبُ.

(وَ) جَازَ (بِمَسْجِدٍ قَتْلُ عَقْرَبٍ) وَحَيَّةٍ (وَفَأْرَةٍ) . (وَ) جَازَ بِمَسْجِدٍ (إحْضَارُ صَبِيٍّ) شَأْنُهُ أَنَّهُ (لَا يَعْبَثُ أَوْ) يَعْبَثُ لَكِنْ (يَنْكَفُّ) عَنْهُ (إذَا نُهِيَ) وَإِلَّا مُنِعَ إحْضَارُهُ. (وَ) جَازَ بِالْمَسْجِدِ (بَصْقٌ قَلَّ) - لَا إنْ كَثُرَ - (إنْ حَصَبَ) أَيْ فُرِشَ بِالْحَصْبَاءِ (فَوْقَ الْحَصْبَاءِ أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ) : أَيْ الْمُحَصَّبِ، وَمِثْلُهُ الْمُتَرَّبُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَثُرَ الْبُصَاقُ أَوْ لَمْ يُحَصَّبْ بِأَنْ كَانَ مُبَلَّطًا، أَوْ بَصَقَ فَوْقَ حَصِيرِهِ (مُنِعَ كَبِحَائِطِهِ) أَيْ كَمَا يُمْنَعُ الْبَصْقُ بِحَائِطِ الْمَسْجِدِ لِتَقْذِيرِهِ. (وَقَدَّمَ الْمُصَلِّي) نَدْبًا فِي الْبَصْقِ إنْ احْتَاجَ (ثَوْبَهُ) الشَّامِلَ لِلرِّدَاءِ (ثُمَّ جِهَةَ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) الْيُسْرَى (ثُمَّ) إنْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَصَقَ (جِهَةَ يَمِينِهِ. وَ) إنْ تَعَسَّرَ بَصَقَ (أَمَامَهُ) . (وَ) جَازَ (خُرُوجُ) امْرَأَةٍ (مُتَجَالَّةٍ) لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا (لِمَسْجِدٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [قَتْلُ عَقْرَبٍ] إلَخْ: أَيْ مَعَ التَّحَفُّظِ مِنْ تَقْذِيرِهِ وَتَعْفِيشِهِ مَا أَمْكَنَ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا مُنِعَ إحْضَارُهُ] : نَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا يُجَنَّبُ الصَّبِيُّ الْمَسْجِدَ إذَا كَانَ يَعْبَثُ أَوْ لَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ (اهـ.) قَوْلُهُ: [بَصْقٌ قَلَّ] إلَخْ: مُلَخَّصُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقُولَ لَا يَخْلُو الْمَسْجِدُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُحَصَّبًا أَوْ مُبَلَّطًا؛ فَالثَّانِي لَا يُبْصَقُ فِيهِ لِعَدَمِ تَأَتِّي دَفْنِ الْبُصَاقِ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ: إمَّا مَفْرُوشٌ أَمْ لَا؛ فَالْأَوَّلُ يُبْصَقُ تَحْتَ فُرُشِهِ لَا فَوْقَهُ، وَالثَّانِي يُبْصَقُ فِيهِ ثُمَّ يُدْفَنُ الْبَصْقُ فِي الْحَصْبَاءِ. قَوْلُهُ: [وَقَدَّمَ الْمُصَلِّي] إلَخْ: أَيْ فَهَذَا التَّرْتِيبُ خَاصٌّ بِالْمُصَلِّي فَلَا يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ وَبِهِ قَرَّرَ الْمِسْنَاوِيُّ. وَاخْتَارَ الرَّمَاصِيُّ مِثْلَ مَا لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ: أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ يُطْلَبُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِهَا قَالَ لِإِطْلَاقِ عِيَاضٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ، فَهُمَا طَرِيقَتَانِ. وَهَذَا التَّرْتِيبُ فِي الْمَسْجِدِ الْمُحَصَّبِ أَوْ الْمُتَرَّبِ الْخَالِي مِنْ الْفُرُشِ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ؛ إذْ الْمَسْجِدُ الْمُبَلَّطُ أَوْ الْمَفْرُوشُ لَا يَجُوزُ فِيهِ بِحَالٍ، وَتَعَيَّنَ الثَّوْبُ أَوْ الْخُرُوجُ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ خُرُوجُ امْرَأَةٍ مُتَجَالَّةٍ] : مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَجَالَّةِ النَّدْبُ. وَبِالنِّسْبَةِ لِلشَّابَّةِ خِلَافُ الْأُولَى كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخَرَشِيِّ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:

تُصَلِّي مَعَ الْجَمَاعَةِ بِهِ. (وَ) خُرُوجٌ (لِكَعِيدٍ) أَدْخَلَتْ الْكَافُ الِاسْتِسْقَاءَ وَالْكُسُوفَ وَجِنَازَةَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ. (وَ) جَازَ خُرُوجُ (شَابَّةٍ غَيْرِ مُفْتِنَةٍ لِمَسْجِدٍ وَجِنَازَةِ قَرِيبٍ) مِنْ أَهْلِهَا، (وَلَا يَقْضِي عَلَى زَوْجِهَا بِهِ) أَيْ الْخُرُوجِ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا، وَأَمَّا مَخْشِيَّةُ الْفِتْنَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ مُطْلَقًا. (وَ) جَازَ (فَصْلُ مَأْمُومٍ) عَنْ إمَامِهِ (بِنَهْرٍ صَغِيرٍ) لَا يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ أَفْعَالِ الْإِمَامِ أَوْ سَمَاعِهِ (أَوْ طَرِيقٍ) أَوْ زَرْعٍ؛ لِلْأَمْنِ مِنْ الْخَلَلِ فِي صَلَاتِهِ. (وَ) جَازَ (عُلُوُّ مَأْمُومٍ) عَلَى إمَامِهِ (وَلَوْ بِسَطْحٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي أَنَّ النِّسَاءَ أَرْبَعٌ: عَجُوزٌ انْقَطَعَتْ حَاجَةُ الرِّجَالِ مِنْهَا، فَهَذِهِ كَالرَّجُلِ فَتَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ وَلِلْفَرْضِ وَلِمَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَتَخْرُجُ لِلصَّحْرَاءِ فِي الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَلِجِنَازَةِ أَهْلِهَا وَأَقَارِبِهَا وَلِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا. وَمُتَجَالَّةٌ لَمْ تَنْقَطِعْ حَاجَةُ الرِّجَالِ مِنْهَا بِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ تَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ لِلْفَرَائِضِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَلَا تُكْثِرُ التَّرَدُّدَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهَا أَيْ: يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ. وَشَابَّةٌ غَيْرُ فَارِهَةٍ فِي الشَّبَابِ وَالنَّجَابَةِ تَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ جَمَاعَةً وَفِي جَنَائِزِ أَهْلِهَا وَأَقَارِبِهَا، وَلَا تَخْرُجُ لِعِيدٍ وَلَا اسْتِسْقَاءٍ وَلَا لِمَجَالِسِ ذِكْرٍ أَوْ عِلْمٍ، وَشَابَّةٌ فَارِهَةٌ فِي الشَّبَابِ وَالنَّجَابَةِ فَهَذِهِ الِاخْتِيَارُ لَهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ أَصْلًا (اهـ. ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِهِ] : الْحَاصِلُ أَنَّ الشَّابَّةَ غَيْرُ مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ لَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِخُرُوجِهَا إذَا طَلَبَتْهُ، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَقِيلَ: يُقْضَى وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ، وَقِيلَ: لَا يُقْضَى وَهُوَ ظَاهِرُ السَّمَاعِ، وَقَوْلُ الْأَبِيِّ وَعَدَمُ الْقَضَاءِ عَلَى الزَّوْجِ فِي الشَّابَّةِ وَلَوْ اشْتَرَطَ لَهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الْوَفَاءَ لَهَا كَمَا فِي السَّمَاعِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَجَازَ عُلُوُّ مَأْمُومٍ] إلَخْ: أَيْ مَعَ كَوْنِهِ يَضْبِطُ أَحْوَالَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَعَذُّرٍ فَلَا يُشْكِلُ بِكَرَاهَةِ اقْتِدَاءِ مَنْ بِأَبِي قُبَيْسٍ بِمَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ضَبْطُ أَحْوَالِ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِسَطْحٍ] : رَدَّ " بِلَوْ " قَوْلَ مَالِكٍ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ

فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ (لَا) عُلُوُّ (إمَامٍ) عَلَى الْمَأْمُومِ (فَيُكْرَهُ) خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ مِنْ الْمَنْعِ؛ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ عُلُوُّ الْإِمَامِ (بِكَشِبْرٍ، أَوْ) كَانَ عُلُوُّهُ لِأَجْلِ (ضَرُورَةٍ أَوْ قَصْدِ تَعْلِيمٍ) لِلْمَأْمُومِينَ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ فَيَجُوزُ. (وَبَطَلَتْ) الصَّلَاةُ (إنْ قَصَدَ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ بِهِ) : أَيْ بِعُلُوِّهِ (الْكِبْرَ) : لِمُنَافَاتِهِ الصَّلَاةَ. (وَ) جَازَ (مُسَمِّعٌ) أَيْ نَصَبَهُ لِيُسَمِّعَ النَّاسَ بِرَفْعِ صَوْتِهِ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالسَّلَامِ فَيَقْتَدُونَ بِالْإِمَامِ (وَاقْتِدَاءٌ بِهِ) أَيْ بِالْمُسَمِّعِ أَيْ بِسَبَبِ سَمَاعِهِ، أَيْ جَازَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ كُرِهَ ذَلِكَ وَبِأَوَّلِ قَوْلَيْهِ أَقُولُ (اهـ. بْن كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ] : إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [فَيُكْرَهُ] وَهَلْ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي وَحْدَهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ مِنْ خَوَاصِّ النَّاسِ أَوْ عُمُومِهِمْ؟ أَوْ مَحَلُّ النَّهْيِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ فِي الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ، أَوْ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَوَاصِّ النَّاسِ؟ وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ عُمُومِ النَّاسِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ الْعَالِي مُعَدًّا لِلْجَمِيعِ، وَكَسِلَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ وَصَلَّى أَسْفَلَ فَلَا كَرَاهَةَ اتِّفَاقًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [إنْ قَصَدَ إمَامٌ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعُلُوُّ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا بَلْ قَصَدَ الْكِبْرَ بِتَقَدُّمِهِ لِلْإِمَامَةِ، أَوْ بِتَقَدُّمِ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ عَلَى بَعْضٍ مُبْطِلٌ، وَأَمَّا الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ فَغَيْرُ مُبْطِلٍ وَإِنْ أَبْطَلَ الثَّوَابَ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ مُسَمِّعٌ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مُحْدِثًا أَوْ كَافِرًا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمِّعَ عَلَامَةٌ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُسَمِّعَ نَائِبٌ عَنْ الْإِمَامِ، فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ كَمَا ذَكَرَهُ (بْن) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.

[شروط الاقتداء]

الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ بِسَبَبِ سَمَاعِ الْمُسَمِّعِ، وَهَذَا كَعَطْفِ مَا هُوَ عِلَّةٌ عَلَى مَعْلُولِهِ. (وَ) اقْتِدَاءٌ (بِرُؤْيَةٍ) لِلْإِمَامِ أَوْ لِمَأْمُومِهِ وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، (وَإِنْ) كَانَ الْمَأْمُومُ (بِدَارٍ) مَثَلًا وَالْإِمَامُ بِمَسْجِدٍ مَثَلًا وَلَا يُشْتَرَطُ إمْكَانُ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ الْإِمَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ فَقَالَ: (وَشَرْطُ الِاقْتِدَاءِ) بِالْإِمَامِ: (نِيَّتُهُ) بِأَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ أَوْ الْمَأْمُومِيَّةَ بِالْإِمَامِ أَوْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ (أَوَّلًا) : أَيْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ قَبْلَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهَذَا هُوَ مَحَطُّ الشَّرْطِيَّةِ؛ فَمَنْ صَلَّى فَذًّا ثُمَّ رَأَى إمَامًا بَعْدَ التَّكْبِيرِ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ (وَلَزِمَ) أَيْ الِاقْتِدَاءُ الْمَأْمُومَ إذَا نَوَاهُ بِشَرْطِهِ، فَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُفَارَقَتُهُ. فَلِذَا فَرَّعَ عَلَى الْقَيْدَيْنِ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ قَوْلَهُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِسَبَبِ سَمَاعِ الْمُسَمِّعِ] : أَيْ وَأَوْلَى سَمَاعُ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [وَاقْتِدَاءٌ بِرُؤْيَةٍ] : أَيْ جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ بِسَبَبِ رُؤْيَةٍ لَهُ أَوْ لِلْمَأْمُومِينَ. فَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَرَاتِبِ الِاقْتِدَاءِ الْأَرْبَعِ؛ وَهِيَ: الِاقْتِدَاءُ بِرُؤْيَةِ الْإِمَامِ، أَوْ الْمَأْمُومِ، أَوْ بِسَمَاعِ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُ الْإِمَامِ. وَمِمَّا يُلْغَزُ بِهِ هُنَا: شَخْصٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ فَذًّا أَوْ إمَامًا لَا مَأْمُومًا؟ وَهُوَ الْأَعْمَى وَالْأَصَمُّ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ إمْكَانُ التَّوَصُّلِ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلسَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ. [شُرُوط الِاقْتِدَاء] [تَنْبِيه لَا يَتَوَقَّف فَضْل الْجَمَاعَة عَلَى نِيَّة الْإِمَامَة] قَوْلُهُ: [وَهَذَا هُوَ مَحَطُّ الشَّرْطِيَّةِ] : أَيْ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاقْتِدَاءَ يَتَحَقَّقُ خَارِجًا بِدُونِ نِيَّةٍ، لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وُجِدَتْ مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ خَارِجًا إلَّا بِهَا، فَجَعْلُهَا شَرْطًا لَا يَصِحُّ؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ مُنْصَبَّةٌ عَلَى الْأَوَّلِيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَا عَلَى النِّيَّةِ، فَلَوْ حَصَلَ تَأْخِيرُ النِّيَّةِ لِثَانِي رَكْعَةٍ حَصَلَ الِاقْتِدَاءُ وَلَكِنْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ لِفَقْدِ شَرْطٍ وَهِيَ الْأَوَّلِيَّةُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي عَدَّ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ رُكْنًا. قَوْلُهُ: [فَمَنْ صَلَّى فَذًّا] : تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ.

(فَلَا يَتَنَقَّلُ مُنْفَرِدٌ) بِصَلَاتِهِ (لِجَمَاعَةٍ) لِعَدَمِ نِيَّتِهِ الِاقْتِدَاءَ أَوَّلًا (كَعَكْسِهِ) : أَيْ لَا يَنْتَقِلُ مَنْ فِي جَمَاعَةٍ إلَى الِانْفِرَادِ لِلُزُومِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ فِيهِمَا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْمَأْمُومِيَّةِ. (بِخِلَافِ الْإِمَامِ) لَا يَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ (وَلَوْ بِجِنَازَةٍ) إذْ لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ. (إلَّا جُمُعَةً) فَيُشْتَرَطُ فِيهَا نِيَّةُ الْإِمَامَةِ. لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا فَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ. (وَ) إلَّا (جَمْعًا) بَيْنَ عِشَاءَيْنِ (لِمَطَرٍ) فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاتَيْنِ، وَيَجِبُ فِيهِ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ الْأُولَى وُجُوبًا فَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ تَبْطُلْ بِخِلَافِ تَرْكِ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فَتَبْطُلُ الثَّانِيَةُ فَقَطْ. (وَ) إلَّا (خَوْفًا) أَيْ صَلَاتُهُ إذَا صُلِّيَتْ بِطَائِفَتَيْنِ كَمَا يَأْتِي فَلَا بُدَّ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَعَكْسِهِ] : إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّ الْمَأْمُومِيَّةَ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ ابْتِدَاءً كَصَلَاةِ النَّفْلِ. وَمَحَلُّ مَنْعِ الِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ، مَا لَمْ يَضُرَّ الْإِمَامُ بِالْمَأْمُومِينَ فِي الطُّولِ وَإِلَّا جَازَ الِانْتِقَالُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ. كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْإِمَامِ] : فَلَيْسَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ شَرْطًا، نَعَمْ لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ ثُمَّ رَفَضَهَا وَنَوَى الْفِدْيَةَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ لِتَلَاعُبِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِجِنَازَةٍ] : رَدَّ " بِلَوْ " عَلَى ابْنِ رُشْدٍ الْقَائِلِ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فُرَادَى أُعِيدَتْ مَا لَمْ تُدْفَنْ، وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ مُرَاعَاةً لِلْمُقَابِلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا] : أَيْ شَرْطُ صِحَّةٍ. وَكُلُّ صَلَاةٍ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَانَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِيهَا شَرْطًا. قَوْلُهُ: [عِنْدَ الْأُولَى] : أَيْ وَتَسْتَمِرُّ لِلثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّهُ يَبْعُدُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا فِي الثَّانِيَةِ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [فَتَبْطُلُ الثَّانِيَةُ فَقَطْ] : أَيْ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا أَثَرُ الْجَمْعِ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَقَدْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا فَلَا تَبْطُلُ، وَقَالَ بِذَلِكَ (بْن) وَخَصَّ هَذَا الْجَمْعَ

نِيَّةِ الْإِمَامَةِ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ كَذَلِكَ إلَّا بِجَمَاعَةٍ. (وَ) إلَّا (مُسْتَخْلِفًا) لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ لِتَمْيِيزِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ غَايَتُهُ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ. وَذَكَرَ الشَّرْطَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: (وَمُسَاوَاةٌ) : عُطِفَ عَلَى نِيَّتِهِ (فِي ذَاتِ الصَّلَاةِ) : كَظُهْرٍ خَلْفَ ظُهْرٍ فَلَا يَصِحُّ خَلْفَ عَصْرٍ مَثَلًا. (وَ) فِي (صِفَتِهَا) فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَدَاءٌ خَلْفَ قَضَاءٍ وَلَا عَكْسُهُ. (وَ) فِي (زَمَنِهَا) وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْقَضَاءِ فَلَا يَصِحُّ ظُهْرُ يَوْمِ السَّبْتِ خَلْفَ ظُهْرِ يَوْمِ الْأَحَدِ وَلَا عَكْسُهُ. (إلَّا نَفْلًا خَلْفَ فَرْضٍ) : كَرَكْعَتَيْ ضُحًى خَلْفَ صُبْحٍ بَعْدَ الشَّمْسِ، وَرَكْعَتَيْ نَفْلٍ خَلْفَ سَفَرِيَّةٍ، أَوْ أَرْبَعٍ خَلْفَ ظُهْرِ حَضَرِيَّةٍ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ النَّفْلِ بِأَرْبَعٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQدُونَ سَائِرِ الْجُمُوعِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَتَكْفِي النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ فِي الْإِمَامَةِ كَغَيْرِهَا، إنَّمَا الْمُضِرُّ نِيَّةُ الْفِدْيَةِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ كَذَلِكَ] إلَخْ: أَيْ فَلَوْ تُرِكَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِيهَا فَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: تَبْطُلُ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَقَطْ لِأَنَّهَا فَارَقَتْ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْمُفَارَقَةِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ. قَوْلُهُ: [فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ] : أَيْ إلَّا أَنْ يَتَلَاعَبَ بِأَنْ يَنْوِيَ الْفِدْيَةَ مَعَ النِّيَابَةِ فَتَبْطُلُ. تَنْبِيهٌ: لَا يَتَوَقَّفُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ لِلْإِمَامِ عَلَى نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَمَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ قَوْلِ الْأَكْثَرِ: قَوْلُهُ: [إلَّا نَفْلًا خَلْفَ فَرْضٍ] : أَيْ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَلَوْ اقْتَدَى مُتَنَفِّلٌ بِمُفْتَرِضٍ وَتَرَتَّبَ عَلَى الْإِمَامِ سَهْوٌ فِي الْفَرْضِ لَا يَقْتَضِي السُّجُودَ فِي النَّفْلِ - كَتَرْكِ سُورَةٍ - فَاسْتَظْهَرَ الْأَشْيَاخُ اتِّبَاعَهُ فِي السُّجُودِ كَمَسْبُوقٍ لَمْ يُدْرِكْ مُوجِبَهُ وَمُقْتَدٍ بِمُخَالِفٍ. تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ مُتَيَقِّنِ الْفَائِتَةِ كَشَاكٍّ فِيهَا لِاحْتِمَالِ بَرَاءَةِ الشَّاكِّ بِالْفِعْلِ

وَفَرَّعَ عَلَى شَرْطِ الْمُسَاوَاةِ قَوْلَهُ: (فَلَا يَصِحُّ) لِمَأْمُومٍ (صُبْحٌ) صَلَّاهُ (بَعْدَ شَمْسٍ) بِاقْتِدَائِهِ (بِمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً قَبْلَهَا) : أَيْ قَبْلَ الشَّمْسِ فَاقْتَدَى بِهِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا لِلْإِمَامِ أَدَاءٌ وَلِلْمَأْمُومِ قَضَاءٌ. وَذَكَرَ شَرْطَ الِاقْتِدَاءِ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ: (وَمُتَابَعَةٌ) لِلْإِمَامِ (فِي إحْرَامٍ وَسَلَامٍ) بِأَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ بَعْدَهُ وَيُسَلِّمَ بَعْدَهُ. (فَالْمُسَاوَاةُ) فِيهِمَا (مُبْطِلَةٌ) وَأَوْلَى السَّبْقُ وَلَوْ خَتَمَ بَعْدَهُ فِيهِمَا. وَصَحَّتْ إنْ ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ بَعْدَهُ قَطْعًا أَوْ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ لَا إنْ خَتَمَ قَبْلَهُ. فَالصُّوَرُ تِسْعٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنْ وَجَبَ ظَاهِرًا فَيَكُونُ فَرْضًا خَلْفَ نَفْلٍ، وَبِهَذَا أَلْغَزَ (عب) : رَجُلَانِ فِي كُلِّ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ تَصِحُّ إمَامَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فِي صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا؟ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِنْ هُنَا مَا وَقَعَ: صَلَّى بِنَا شَيْخُنَا الْعَصْرَ - يَعْنِي الشَّيْخَ الْعَدَوِيَّ - فَقَالَ لَنَا إنْسَانٌ: صَلَّيْتُمْ قَبْلَ الْعَصْرِ وَعَارَضَهُ آخَرُ، فَحَصَلَ شَكٌّ وَأَرَدْنَا الْإِعَادَةَ فَأَرَادَ الدُّخُولَ مَعَنَا أُنَاسٌ لَمْ يُصَلُّوا أَوَّلًا، فَقُلْت قَدِّمُوا بَعْضَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَوَّلًا، وَاسْتَحْسَنَ كَلَامِي بَعْضُ الْعَارِفِينَ - يَعْنِي بِهِ شَيْخَنَا الْمُؤَلِّفَ - فَقَالَ الشَّيْخُ إنَّ إعَادَتَنَا وَاجِبَةٌ وَصَلَّى بِالْجَمِيعِ ثَانِيًا وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ (اهـ.) قَوْلُهُ [لِأَنَّهَا لِلْإِمَامِ أَدَاءٌ] إلَخْ: أَيْ فَالْبُطْلَانُ جَاءَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَمِنْ حَيْثُ اخْتِلَافُهُمَا فِي النِّيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلَ بَابِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ. قَوْلُهُ: [وَمُتَابَعَةٌ لِلْإِمَامِ] إلَخْ: الْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا. قَوْلُهُ: [فَالْمُسَاوَاةُ فِيهِمَا مُبْطِلَةٌ] : أَيْ وَإِنْ بِشَكٍّ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْمَأْمُومِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ أَوْ الْفِدْيَةِ، فَإِذَا شَكَّ: هَلْ هُوَ مَأْمُومٌ أَوْ إمَامٌ أَوْ فَذٌّ أَوْ فِي مَأْمُومِيَّةٍ مَعَ أَحَدِهِمَا وَسَاوَاهُ أَوْ سَبَقَهُ بَطَلَتْ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ شَكَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بَطَلَتْ عَلَيْهِمَا إنْ تَسَاوَيَا، وَإِلَّا فَعَلَى السَّابِقِ. وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا (فِي الْمَأْمُومِيَّةِ) : أَنَّهُ إذَا شَكَّ أَحَدُهُمَا فِي الْإِمَامِيَّةِ وَالْفِدْيَةِ لَا تَبْطُلُ بِسَلَامِهِ قَبْلَ الْآخَرِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا فِي الْوَاقِعِ. وَكَذَا لَوْ شَكَّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْإِمَامِيَّةِ وَالْفِدْيَةِ، أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا إمَامَةَ الْآخَرِ صَحَّتْ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ.

تَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ وَتَبْطُلُ فِي الْبَاقِي، إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ سَهْوًا قَبْلَ إمَامِهِ فَيُعِيدُهُ بَعْدَهُ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ. (وَحَرُمَ) عَلَى الْمَأْمُومِ (سَبْقُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ مِنْ سَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ (وَكُرِهَ مُسَاوَاتُهُ) فِي غَيْرِهِمَا. (وَ) إنْ سَبَقَهُ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُمَا وَلَوْ سَهْوًا (أُمِرَ) وُجُوبًا - وَقِيلَ: اسْتِنَانًا - (بِعَوْدِهِ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (إنْ عَلِمَ إدْرَاكَهُ) فِيهِ لِيَرْفَعَ بِرَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، أَوْ يَخْفِضَ بِخَفْضِهِ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ إنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَهُ. وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ: مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ، فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ إدْرَاكَهُ فَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَبْطُلُ فِي الْبَاقِي] : لَكِنَّ الْبُطْلَانَ فِي أَرْبَعَةٍ مِنْهَا اتِّفَاقًا، وَهِيَ: مَا إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ وَلَوْ بِحَرْفٍ وَخَتَمَ مَعَهُ، أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ سَاوَاهُ فِي الْبَدْءِ وَخَتَمَ قَبْلَهُ. وَأَمَّا إذَا سَاوَاهُ فِي الْبَدْءِ وَخَتَمَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَالْبُطْلَانُ فِيهِمَا عَلَى الرَّاجِحِ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَصْبَغَ، وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَكَذَلِكَ إذَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ فِي الْبَدْءِ وَخَتَمَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَالْبُطْلَانُ فِيهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِاسْتِظْهَارِ ابْنِ عَرَفَةَ الصِّحَّةَ. قَوْلُهُ: [وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ يَشْرَعُ فِيهِ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَأْخُذَ فَرْضَهُ مَعَهُ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَرْكَعُ قَبْلَهُ مَثَلًا وَيَرْفَعُ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ فَهُوَ مُبْطِلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ فَرْضَهُ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَهْوًا فَيَرْجِعُ لَهُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [فَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ أَخَذَ فَرْضَهُ مَعَ الْإِمَامِ. وَإِلَّا أُمِرَ بِالْعَوْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ تَرَكَ الْعَوْدَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ كَمَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ بِرُكْنٍ. وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقُولَ مَنْ رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ مَثَلًا فَتَارَةً يَكُونُ رَفْعُهُ مِنْهُمَا قَبْلَ أَخْذِ فَرْضِهِ مَعَ الْإِمَامِ، وَتَارَةً يَكُونُ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ رَفْعُهُ بَعْدُ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَكَذَلِكَ الرَّكْعَةُ مُطْلَقًا - سَبَقَ الْإِمَامَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا - وَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ مَعَ تَمَكُّنِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ رَفْعُهُ قَبْلَ أَخْذِ فَرْضِهِ فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا وَرَفَعَ قَبْلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَمِّدُ تَرْكِ رُكْنٍ إنْ اعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ وَلَمْ يُعِدْهُ، وَإِنْ اعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ وَأَعَادَهُ، فَقَدْ تَعَمَّدَ زِيَادَةَ رُكْنٍ. وَأَمَّا إنْ كَانَ رَفْعُهُ سَهْوًا وَجَبَ

[الأولى بالتقديم للإمامة]

وَإِذَا أُمِرَ بِالْعَوْدِ فَلَمْ يَعُدْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إنْ أَخَذَ فَرْضَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ إذَا لَمْ يُعِدْ. وَتَفْصِيلُ الشَّيْخِ بَيْنَ الرَّفْعِ فَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ وَالْخَفْضِ فَلَا يُؤْمَرُ ضَعِيفٌ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ الْأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ جَمَاعَةٍ كُلٌّ مِنْهُمْ صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ فَقَالَ: (وَنُدِبَ تَقْدِيمُ سُلْطَانٍ) : أَوْ نَائِبِهِ وَلَوْ بِمَسْجِدٍ لَهُ رَاتِبٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ أَوْ نَائِبُهُ فَرَاتِبُ الْمَسْجِدِ إنْ كَانُوا بِهِ وَإِلَّا (فَرَبُّ مَنْزِلٍ) إنْ كَانُوا بِهِ. (وَ) نُدِبَ تَقْدِيمُ (الْمُسْتَأْجِرِ) لَهُ (عَلَى الْمَالِكِ) إنْ اجْتَمَعَا بِهِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ، (وَإِنْ) كَانَ رَبُّ الْمَنْزِلِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرُ (عَبْدًا كَامْرَأَةٍ وَاسْتَخْلَفَتْ) مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَالْأَوْلَى لَهَا اسْتِخْلَافُ الْأَفْضَلِ. (كَمَنْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ) لِلْإِمَامَةِ (مِنْهُمَا) أَيْ السُّلْطَانِ وَرَبِّ الْمَنْزِلِ كَعَجْزٍ عَنْ رُكْنٍ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يَصْلُحُ لَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQالرُّجُوعُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ، وَسَهْوًا: كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ زُوحِمَ عَنْهُ فَيَجْرِي عَلَى تَفْصِيلِ الْمُزَاحَمَةِ. قَوْلُهُ: [ضَعِيفٌ] : أَيْ لِأَنَّهُ مَبْحُوثٌ فِي عِلَّتِهِ. [الْأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِلْإِمَامَةِ] [تَنْبِيه الْمُتَسَاوُونَ إِن تَشَاحُّوا فِي الْإِمَامَة] قَوْلُهُ: [كُلٌّ مِنْهُمْ صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ] : أَيْ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِأَحَدِهِمْ نَقْصٌ مُنِعَ أَوْ كُرِهَ. فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ نَقْصٌ مُنِعَ أَوْ كُرِهَ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي التَّقَدُّمِ، إلَّا السُّلْطَانَ وَرَبَّ الْمَنْزِلِ؛ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا وَنُدِبَ لَهُمَا الِاسْتِخْلَافُ وَعَدَمُ إهْمَالِ الْأَمْرِ لِغَيْرِهِمَا إذَا كَانَ النَّقْصُ غَيْرَ كُفْرٍ وَجُنُونٍ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُمَا أَصْلًا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ] : أَيْ وَلِخِبْرَتِهِ بِطَهَارَةِ الْمَكَانِ. وَالنَّدْبُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يُنَافِي الْقَضَاءَ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَمِثْلُ الْمُسْتَأْجِرِ كُلُّ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِإِعَارَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ وَقْفٍ. قَوْلُهُ: [وَاسْتَخْلَفَتْ] : أَيْ نَدْبًا وَقِيلَ وُجُوبًا، وَالْحَقُّ أَنَّ الْخَلَفَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ وُجُوبًا مُرَادُهُ أَنَّهَا لَا تُبَاشِرُ الْإِمَامَةَ بِنَفْسِهَا، وَمَنْ قَالَ نَدْبًا مُرَادُهُ أَنَّهَا لَا تُتْرَكُ لِلْقَوْمِ هَمَلًا.

(فَأَبٍ فَعَمٍّ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى سُلْطَانٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْفَاءِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِثُمَّ. (فَزَائِدِ فِقْهٍ) عَلَى مَنْ دُونَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ أَزْيَدَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ. (فَ) زَائِدِ (حَدِيثٍ) أَيْ أَوْسَعَ رِوَايَةً وَحِفْظًا. (فَ) زَائِدِ (قِرَاءَةٍ) أَيْ أَدْرَى بِطُرُقِ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرَ قُرْآنًا أَوْ أَشَدَّ إتْقَانًا أَوْ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ فِي مَخَارِجِ الْحُرُوفِ. (فَ) زَائِدِ (عِبَادَةٍ) أَيْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ فِي نَوَافِلِ الْخَيْرِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا (فَمُسِنٍّ فِي الْإِسْلَامِ) . (فَقُرَشِيٍّ) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوْلَادِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرِهِ، كَأَوْلَادِ الْعَبَّاسِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بَنُو عَلِيٍّ مِنْ الزَّهْرَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْلَى. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِثُمَّ] : أَيْ لِلِاخْتِصَارِ. وَالْمَقْصُودُ مُطْلَقُ التَّرْتِيبِ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ بِكُلٍّ، وَذِكْرُهُ الْأَبَ وَالْعَمَّ هُنَا عَقِبَ رَبِّ الْمَنْزِلِ هُوَ الْأَوْلَى خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ تَأْخِيرِهِمَا، فَإِنَّهُ مُعْتَرِضٌ، وَتَقْدِيمُ الْأَبِ وَالْعَمِّ الِابْنَ وَابْنَ الْأَخِ عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ. وَأَمَّا عِنْدَ التَّرَاضِي فَالِابْنُ أَوْ ابْنُ الْأَخِ الزَّائِدُ فِي الْفَضْلِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: [فَزَائِدِ فِقْهٍ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ فَيُقَدَّمُ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَعْلَى مِنْهُ رُتْبَةً، كَعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ. قَوْلُهُ: [أَيْ أَوْسَعَ رِوَايَةً] إلَخْ: وَاسِعُ الرِّوَايَةِ: هُوَ الْمُتَلَقِّي كَثِيرًا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ سَوَاءٌ حَفِظَ مَا تَلَقَّاهُ أَمْ لَا، وَوَاسِعُ الْحِفْظِ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيثِ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ] إلَخْ: أَيْ وَيُقَدَّمُ الْأَحْسَنُ تَجْوِيدًا وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ حِفْظًا. قَوْلُهُ: [فَزَائِدُ عِبَادَةٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ لِلَّهِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ وَالْفَرْضِ أَنَّهُ يُسَاوِي غَيْرَهُ فِي الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ. قَوْلُهُ: [فَمُسِنٍّ فِي الْإِسْلَامِ] : أَيْ وَلَا عِبْرَةَ بِالسِّنِّ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَابْنُ عِشْرِينَ نَشَأَ مُسْلِمًا مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ أَرْبَعِينَ لَمْ يَكْمُلْ لَهُ عِشْرُونَ فِي الْإِسْلَامِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ قُرَيْشًا فِرَقٌ كَثِيرَةٌ سُمُّوا بِاسْمِ جَدِّهِمْ الْأَعْلَى. وَالْأَكْثَرُ أَنَّ قُرَيْشًا هُوَ النَّضْرُ وَقِيلَ هُوَ فِهْرٌ أَحَدُ أَجْدَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَمْ يُمَيِّزُوا فِي التَّقْدِيمِ قَبِيلَةً عَلَى أُخْرَى؛ وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ بَنِي عَلِيٍّ مِنْ الزَّهْرَاءِ عَلَى بَنِيهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَبَنُوهُ مِنْ غَيْرِهَا وَبَنُو الْعَبَّاسِ سَوَاءٌ، وَهُمْ يُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَهُمْ يُقَدَّمُونَ عَلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ أَخِي هَاشِمٍ وَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَهَكَذَا. (فَمَعْلُومٍ نَسَبُهُ) تَصِحُّ الْإِضَافَةُ وَتَنْوِينُ الْأَوَّلِ وَرَفْعُ الثَّانِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِرَقٌ كَثِيرَةٌ] : خِيَارُهَا بَنُو هَاشِمٍ. قَوْلُهُ: [وَالْأَكْثَرُ أَنَّ قُرَيْشًا] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِ الْعِرَاقِيِّ فِي السِّيرَةِ: أَمَّا قُرَيْشٌ فَالْأَصَحُّ فِهْرُ ... جِمَاعُهَا وَالْأَكْثَرُونَ النَّضْرُ قَوْلُهُ: [فَمَعْلُومٍ نَسَبُهُ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِعِرْضِهِ.

(فَحُسْنِ خُلُقٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ (فَخَلْقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ (فَلِبَاسٍ) أَيْ فَحُسْنِ لِبَاسٍ. (وَ) نُدِبَ تَقْدِيمُ (الْأَوْرَعِ وَالزَّاهِدِ وَالْحُرِّ عَلَى غَيْرِهِمْ) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْطِفْهَا بِالْفَاءِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَوْرَعُ فِي كُلِّ مَا قُرِنَ بِالْفَاءِ، فَقَوْلُنَا: " فَزَائِدِ فِقْهٍ " أَيْ وَيُقَدَّمُ مِنْهُ الْأَوْرَعُ إلَخْ، فَلَوْ عُطِفَ بِالْفَاءِ لَاقْتَضَى أَنَّ مَرْتَبَةَ الْأَوْرَعِ وَمَا بَعْدَهُ تَلِي مَرْتَبَةَ حَسَنِ اللِّبَاسِ - وَلَيْسَ كَذَلِكَ - فَتَدَبَّرْ. (وَوُقُوفُ ذَكَرٍ) عُطِفَ عَلَى " تَقْدِيمُ ": أَيْ وَنُدِبَ وُقُوفُ ذَكَرٍ (وَلَوْ صَبِيًّا عَقَلَ الْقُرْبَةَ) أَيْ الْعِبَادَةَ وَإِلَّا تُرِكَ يَقِفُ حَيْثُ شَاءَ (عَنْ يَمِينِهِ وَ) نُدِبَ (تَأَخُّرُهُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِمَامِ (قَلِيلًا) لِيَتَمَيَّزَ الْمَأْمُومُ عَنْ الْإِمَامِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِضَمِّ الْخَاءِ] : أَيْ وَاللَّامُ مَضْمُومَةٌ أَوْ سَاكِنَةٌ وَهُوَ الْحِلْمُ، لِأَنَّهُ التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَالتَّنَزُّهُ عَنْ الرَّذَائِلِ، لَا مَا يَعْتَقِدُهُ الْعَوَامُّ مِنْ أَنَّهُ مُسَايَرَةُ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ مُغْضِبًا لِلَّهِ؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ فَهُوَ مُدَاهِنٌ لَا حَسَنُ الْخُلُقِ. قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْخَاءِ] إلَخْ: أَيْ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الصُّورَةُ الْحَسَنَةُ لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالْعَقْلَ يَتْبَعَانِهَا غَالِبًا. قَالَ (بْن) نَقْلًا عَنْ عِيَاضٍ: قَرَأْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ وَجْهًا حَسَنًا وَاسْمًا حَسَنًا وَخُلُقًا حَسَنًا وَجَعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ حَسَنٍ فَهُوَ مِنْ صَفْوَةِ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ» . قَوْلُهُ: [أَيْ فَحَسَنِ لِبَاسٍ] : أَيْ شَرْعًا وَعُرْفًا وَهُوَ الْجَدِيدُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ صَاحِبُ اللِّبَاسِ الْحَسَنِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ لِدَلَالَةِ حُسْنِ اللِّبَاسِ عَلَى شَرَفِ النَّفْسِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ، وَقَدَّمَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَمِيلِ الْخِلْقَةِ. قَوْلُهُ: [تَقْدِيمُ الْأَوْرَعِ] : أَيْ وَهُوَ التَّارِكُ لِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَرِعِ وَهُوَ التَّارِكُ لِلشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَعَطْفُ الزَّاهِدِ عَلَى الْأَوْرَعِ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ. تَنْبِيهٌ: إنْ تَشَاحَّ مُتَسَاوُونَ فِي الرُّتْبَةِ فِي طَلَبِ التَّقَدُّمِ - لَا لِكِبْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِطَلَبِ الثَّوَابِ أَوْ لِأَخْذِ الْوَظِيفَةِ - اقْتَرَعُوا. وَأَمَّا لَوْ تَشَاحُّوا لِكِبْرٍ سَقَطَ حَقُّهُمْ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ فُسَّاقٌ وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا، بَلْ تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُمْ.

[صلاة المسبوق]

(وَ) نُدِبَ وُقُوفُ (اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ خَلْفَهُ) أَيْ خَلْفَ الْإِمَامِ. (وَ) نُدِبَ وُقُوفُ (نِسَاءٍ خَلْفَ الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ فَمَعَ إمَامٍ وَحْدَهُ خَلْفَهُ وَمَعَ إمَامٍ مَعَهُ ذَكَرٌ عَنْ يَمِينِهِ خَلْفَهُمَا، وَمَعَ رِجَالٍ خَلْفَهُ خَلْفَهُمْ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الْمَسْبُوقُ إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ جَالِسًا لِتَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ: (وَكَبَّرَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ) تَكْبِيرَةِ (الْإِحْرَامِ لِرُكُوعٍ) إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ رَافِعًا مِنْهُ وَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ مَتَى انْحَنَى قَبْلَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ فِي رُكُوعِهِ إلَّا بَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ - إنْ أَتَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ قِيَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي أَيْضًا آخِرَ هَذَا الْفَصْلِ (أَوْ سُجُودٍ) : أَيْ وَكَبَّرَ لِسُجُودٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ بِهِ أَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ فَيَخِرُّ مَعَهُ مُكَبِّرًا (لَا) يُكَبِّرُ (لِجُلُوسٍ) أَوَّلَ أَوْ ثَانٍ وَجَدَ الْإِمَامَ بِهِ أَوْ بَيْنَ سَجْدَتَيْنِ، بَلْ يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ مِنْ قِيَامٍ وَيَجْلِسُ بِلَا تَكْبِيرٍ (وَلَا يُؤَخِّرُ) الدُّخُولَ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَيِّ حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ حَتَّى يَقُومَ لِلرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا هَذَا شَأْنُهُ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا شَأْنُهُ فِيهِ إذَا قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ [خَلْفَ الْجَمِيعِ] : وَيَقِفُ الْخُنْثَى أَمَامَ النِّسَاءِ فَيَتَوَسَّطُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَفِي (ح) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَؤُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَحْدَهُنَّ. وَالْكَرَاهَةُ فِي الْوَاحِدَةِ أَشَدُّ. [صَلَاة الْمَسْبُوق] قَوْلُهُ: [وَلَا يُؤَخِّرُ الدُّخُولَ] إلَخْ: فَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ إنْ وَجَدَهُ رَاكِعًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الدُّخُولِ شَاكًّا فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ وَإِلَّا نُدِبَ لَهُ التَّأْخِيرُ. وَإِنَّمَا وَجَبَ الدُّخُولُ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ طَعْنًا فِي الْإِمَامِ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ رَاتِبٌ. وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ فَمَكْرُوهٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعِيدًا لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا أَخَّرَ دُخُولَهُ حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ بَقِيَ مَعَهُ رَكْعَةٌ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [وَقَامَ الْمَسْبُوقُ] : أَيْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنْ قَامَ لَهُ قَبْلَ سَلَامِهِ بَطَلَتْ. وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ نِيَّةَ الْمُفَارَقَةِ. وَهَذَا إذَا قَامَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، فَإِنْ قَامَ سَهْوًا أَلْغَى مَا فَعَلَ وَرَجَعَ لِلْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَيُلْغِي مَا فَعَلَهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ.

(وَقَامَ) الْمَسْبُوقُ (لِلْقَضَاءِ بِتَكْبِيرٍ إنْ جَلَسَ) الْمَسْبُوقُ (فِي ثَانِيَتِهِ) هُوَ، بِأَنْ أَدْرَكَ مَعَ إمَامِهِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُ حِينَئِذٍ فِي مَحَلِّهِ فَيَقُومُ بِتَكْبِيرٍ (وَإِلَّا) يَجْلِسُ فِي ثَانِيَتِهِ؛ بِأَنْ جَلَسَ فِي أُولَاهُ كَمُدْرِكٍ الرَّابِعَةَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، أَوْ الثَّالِثَةَ مِنْ ثُلَاثِيَّةٍ، أَوْ الثَّانِيَةَ مِنْ ثُنَائِيَّةٍ، أَوْ جَلَسَ فِي ثَالِثَةٍ كَمَنْ أَدْرَكَ الثَّانِيَةَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (فَلَا) يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ لِأَنَّ جُلُوسَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِمُوَافَقَةِ الْإِمَامِ، وَقَدْ رَفَعَ مَعَهُ بِتَكْبِيرٍ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِقِيَامِهِ. وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (إلَّا مُدْرِكٌ) مَا (دُونَ رَكْعَةٍ) كَمُدْرِكٍ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ؛ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ لِأَنَّهُ كَمُفْتَتِحِ صَلَاةٍ. (وَ) إذَا قَامَ الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (قَضَى الْقَوْلَ) : وَالْمُرَادُ بِهِ خُصُوصُ الْقِرَاءَةِ وَصِفَتُهَا مِنْ سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ، بِأَنْ يَجْعَلَ مَا فَاتَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ آخِرَهَا، (وَبَنَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِتَكْبِيرٍ] : أَيْ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ لَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ حَالَ قِيَامِهِ قَبْلَ اسْتِقْلَالِهِ. قَوْلُهُ: [إلَّا مَا دُونَ رَكْعَةٍ] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَمُقَابِلُهُ مَا خَرَّجَهُ سَنَدٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إذَا جَلَسَ فِي ثَانِيَتِهِ يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ أَيْضًا، وَمَا نَقَلَهُ زَرُّوقٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ مُطْلَقًا. قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا الْقُورِيُّ يُفْتِي بِهِ الْعَامَّةَ لِئَلَّا يُخْطِئُوا. فَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ كَمُفْتَتِحِ صَلَاةٍ] : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ التَّكْبِيرَ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا. قَوْلُهُ: [قَضَى الْقَوْلَ] إلَخْ: مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ مَذْهَبُنَا. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يَقْضِي الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ، وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنْ يَبْنِيَ فِيهِمَا وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ خَبَرُ: «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَرَوَى: «فَاقْضُوا» فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِرَاوِيَةِ: «فَأَتِمُّوا» وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِرَاوِيَةِ: «فَاقْضُوا» وَعَمِلَ مَالِكٌ بِكِلَيْهِمَا لِقَاعِدَةِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ: إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ جُمِعَ، فَحَمَلَ رِوَايَةَ «فَأَتِمُّوا»

الْفِعْلَ: وَهُوَ) أَيْ الْفِعْلُ أَيْ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ (مَا عَدَا الْقِرَاءَةَ) بِصِفَتِهَا فَيَشْمَلُ التَّسْمِيعَ وَالتَّحْمِيدَ وَالْقُنُوتَ، بِأَنْ يَجْعَلَ مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْعَالِ، وَمَا فَاتَهُ آخِرَهَا فَيَكُونُ فِيهِ كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَمُدْرِكُ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ) مَعَ الْإِمَامِ (يَقْنُتُ فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ) لِأَنَّهَا آخِرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْفِعْلِ الَّذِي مِنْهُ الْقُنُوتُ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ؛ لِأَنَّهَا آخِرَتُهُ وَهُوَ فِيهَا كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ. فَمَنْ أَدْرَكَ أَخِيرَةَ الْمَغْرِبِ قَامَ بِلَا تَكْبِيرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ فِي ثَانِيَتِهِ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْأَفْعَالِ، وَرِوَايَةَ «فَاقْضُوا» عَلَى الْأَقْوَالِ. فَإِذَا أَدْرَكَ أَخِيرَةَ الْمَغْرِبِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَيَجْلِسُ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَيَتَشَهَّدُ. وَعَلَى مَا لِأَبِي حَنِيفَةَ: يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَلَا يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ قَاضٍ فِيهِمَا قَوْلًا وَفِعْلًا. وَأَمَّا عَلَى مَا لِمَالِكٍ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَيَجْلِسُ: بَيْنَهُمَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ. وَمَا نُسِبَ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبِعْنَا فِيهِ حَاشِيَةَ الْأَصْلِ، وَلَكِنَّ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ كَمَذْهَبِنَا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ؛ وَنَصُّهُ: وَيَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ فِي حَقِّ قِرَاءَةٍ وَآخِرَهَا فِي حَقِّ تَشَهُّدٍ، فَمُدْرِكُ رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ فَجْرٍ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ وَتَشَهُّدٍ بَيْنَهُمَا (اهـ بِحُرُوفِهِ) . قَوْلُهُ: [فَيَشْمَلُ التَّسْمِيعَ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ لَهَا حُكْمَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا بَانِيًا. قَوْلُهُ: [يَقْنُتُ فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ] : تَبِعَ فِيهِ الْأُجْهُورِيَّ وَالْجُزُولِيَّ وَابْنَ عُمَرَ وَاَلَّذِي فِي الْعُتْبِيَّةِ - وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ - أَنَّ مُدْرِكَ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ لَا يَقْنُتُ إذَا قَامَ لِقَضَاءِ الْأُولَى الَّتِي فَاتَتْهُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الَّذِي يَقْضِي الْقِرَاءَةَ وَالْقُنُوتَ كَمَا ذَكَرَهُ (بْن) .

وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّهُ قَاضِي الْقَوْلَ، أَيْ يَجْعَلُ مَا فَاتَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَأَوَّلَهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ جَهْرًا وَيَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ بَانِي الْفِعْلَ أَيْ جَعَلَ مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَهَذِهِ الَّتِي أَتَى بِهَا هِيَ الثَّانِيَةُ، وَالثَّانِيَةُ يَجْلِسُ بَعْدَهَا ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّهَا الثَّانِيَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْلِ - أَيْ الْقِرَاءَةَ - وَيَجْمَعُ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ لِأَنَّهُ وَمَنْ أَدْرَكَ أَخِيرَةَ الْعِشَاءِ أَتَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْلِ، فَيَقْضِي كَمَا فَاتَ وَيَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْعَالِ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقْوَالِ، وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقْوَالِ، وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا ثَالِثَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْعَالِ ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ سِرًّا لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ. وَمَنْ أَدْرَكَ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْهَا أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِمَا تَقَدَّمَ. (وَأَحْرَمَ) : أَيْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَرَكَعَ (مَنْ خَشِيَ) بِاسْتِمْرَارِهِ بِسَكِينَةٍ إلَى الصَّفِّ (فَوَاتَ رَكْعَةٍ) بِرَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِهِ إنْ لَمْ يُحْرِمْ (دُونَ الصَّفِّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَحْرَمَ (إنْ ظَنَّ إدْرَاكَهُ) أَيْ إدْرَاكَ الصَّفِّ فِي رُكُوعِهِ دَابًّا إلَيْهِ (قَبْلَ الرَّفْعِ) : أَيْ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ يَعْنِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا وَخَافَ أَنَّهُ إنْ اسْتَمَرَّ لِلصَّفِّ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ وَيَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ يَدِبُّ فِي رُكُوعِهِ إلَى الصَّفِّ، وَيَرْفَعُ بِرَفْعِ الْإِمَامِ (وَإِلَّا) يَظُنُّ إدْرَاكَ الصَّفِّ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ (تَمَادَى إلَيْهِ) أَيْ إلَى الصَّفِّ بِلَا خَبَبٍ وَلَا يُحْرِمُ دُونَهُ وَلَوْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) الرَّكْعَةُ (الْأَخِيرَةُ) مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ دُونَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُحْرِمُ وَيَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ] : إنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الرَّكْعَةِ وَالصَّفِّ مَعًا خَيْرٌ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ. قَوْلُهُ: [تَمَادَى إلَيْهِ] : أَيْ نَدْبًا، وَقَوْلُهُ " وَلَا يُحْرِمُ دُونَهُ " إلَخْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ، فَرَأْيُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الرَّكْعَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّفِّ عَكْسُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَلَكِنْ رَجَّحَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ مَالِكٍ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَةُ] إلَخْ: هَذَا الْقَيْدُ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَالتُّونُسِيُّ قَالَ الْحَطَّابُ وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ.

لِئَلَّا تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ (وَدَبَّ) : أَيْ مَشَى مَنْ أَحْرَمَ دُونَ الصَّفِّ، وَكَذَا مَنْ رَأَى فُرْجَةً وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ أَمَامَهُ أَوْ يَمِينَهُ أَوْ شِمَالَهُ (كَالصَّفَّيْنِ) غَيْرَ مَا خَرَجَ مِنْهُ أَوْ دَخَلَ فِيهِ، وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ عَلَى الْأَرْجَحِ (لِآخِرِ فُرْجَةٍ) إنْ تَعَدَّدَتْ (رَاكِعًا) وَلَوْ خَبَبًا لِأَنَّ كَرَاهَةَ الْخَبَبِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا لَا بَعْدَهُ. (أَوْ قَائِمًا فِي ثَانِيَتِهِ) لَا فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعِهِ لِقِصَرِهِ وَهَذَا حَيْثُ خَابَ ظَنُّهُ - إذْ لَا يَرْفَعُ دُونَ الصَّفِّ إلَّا إذْ ظَنَّ إدْرَاكَ الصَّفِّ قَبْلَ الرَّفْعِ كَمَا تَقَدَّمَ - (لَا) يَدِبُّ لِلصَّفِّ (جَالِسًا) وَلَوْ فِي تَشَهُّدٍ جَالِسًا لِقُبْحِ الْحَالَةِ. وَمَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ رَافِعًا مِنْ رُكُوعِهِ فَأَحْرَمَ وَرَكَعَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِآخِرِ فُرْجَةٍ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِجِهَةِ الدَّاخِلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَوْلَى بِالنِّسْبَةِ لِجِهَةِ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [لَا بَعْدَهُ] : كَذَا قِيلَ. قَالَ الْمِسْنَاوِيُّ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ أَوْ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْخَبَبَ إنَّمَا كُرِهَ - كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ - لِئَلَّا تَذْهَبَ سَكِينَتُهُ، وَإِذَا كَانَ الْخَبَبُ يُكْرَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ السَّكِينَةِ فَكَيْفَ لَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا طَلَبُ الْخُضُوعِ وَالتَّوَاضُعِ؟ (اهـ بْن) ، وَلِذَا قَالَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَدِبُّ مِنْ غَيْرِ خَبَبٍ لِمُنَافَاتِهِ الْخُشُوعَ. فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ لَا يُحَبُّ فِيهَا فَكَيْفَ يَتَأَتَّى أَنَّهُ إذَا اسْتَمَرَّ بِلَا إحْرَامٍ لَا يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ فِي الصَّفِّ؟ فَإِذَا أَحْرَمَ خَارِجَ الصَّفِّ وَدَبَّ فِي رُكُوعِهِ أَدْرَكَهَا مَعَ أَنَّ الزَّمَنَ وَالْفِعْلَ وَاحِدٌ. قُلْنَا: إذَا خَشِيَ الْفَوَاتَ عِنْدَ عَدَمِ الْهَرْوَلَةِ يُؤْمَرُ بِالرُّكُوعِ خَارِجَ الصَّفِّ، وَيَمْشِي بِغَيْرِ هَرْوَلَةٍ. وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ يَمْشِي قَبْلَ الدُّخُولِ لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ ظَنُّهُ فَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ، بِخِلَافِ مَشْيِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا. فَإِنْ أَدْرَكَ الصَّفَّ أَيْضًا فَذَاكَ وَلَا نَدْبَ فِي أَثْنَائِهَا (اهـ. بِالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) قَوْلُهُ: [لَا فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعَهُ] إلَخْ: فَلَوْ دَبَّ فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعِهِ فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا وَلَا تَبْطُلُ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا حَيْثُ خَابَ ظَنُّهُ] : أَيْ أَنَّهُ أَحْرَمَ خَلْفَ الصَّفِّ طَامِعًا فِي إدْرَاكِهِ فَمَشَى فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ فَرَفَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ لِلصَّفِّ، وَتَخَلَّفَ ظَنُّهُ فَإِنَّهُ يَدِبُّ فِي حَالَةِ قِيَامِهِ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى يُدْرِكَ الصَّفَّ. قَوْلُهُ: [لِقُبْحِ الْحَالَةِ] : اُنْظُرْ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَعَلَى

فَإِنْ تَحَقَّقَ الْإِدْرَاكُ بِأَنْ انْحَنَى قَبْلَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ مِنْ الرُّكُوعِ - وَلَوْ حَالَ رَفْعِهِ - فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ. وَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ بِأَنْ اعْتَدَلَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَخْذِهِ فِي الِانْحِنَاءِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّكُوعُ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَهُ فِي السُّجُودِ. فَإِنْ رَكَعَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ مِنْهُ. فَإِنْ رَفَعَ مِنْهُ بَطَلَتْ لِلزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ سَهْوًا. (وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِدْرَاكِ) : هَلْ رَكَعَ قَبْلَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ - وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ الشَّامِلِ لِلظَّنِّ وَالْوَهْمِ - (أَلْغَاهَا) أَيْ الرَّكْعَةَ (وَقَضَاهَا بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ سَلَامِ إمَامِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الرَّفْعِ مِنْ هَذَا الرُّكُوعِ؛ فَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ الرَّكْعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ رُكُوعِهِ ثُمَّ زُوحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ مَعَهُ أَوْ نَعَسَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنْ تَحَقَّقَ فَوَاتُ الرَّكْعَةِ فَلَا يَرْكَعُ، وَإِنْ ظَنَّ الْإِدْرَاكَ رَكَعَ مَعَهُ جَزْمًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQكُلِّ حَالٍ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ حَالَ رَفْعِهِ] : أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ إلَّا انْحِنَاءُ الْمَأْمُومِ قَبْلَ اسْتِقْلَالِ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ رَفَعَ مِنْهُ بَطَلَتْ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الصِّحَّةُ إنْ أَلْغَاهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَضَاءً حَقِيقَةً فِي صُلْبِ الْإِمَامِ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ سَهْوًا] : أَيْ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِاتِّفَاقٍ حَيْثُ لَمْ يُعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ] : أَيْ فَتَحْتَ الشَّكِّ صُوَرٌ ثَلَاثٌ؛ وَتَقَدَّمَ صُورَتَانِ: تَحَقُّقُ الْإِدْرَاكِ، وَتَحَقُّقُ عَدَمِهِ، فَتَكُونُ الصُّوَرُ خَمْسًا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: وَلَا الْتِفَاتَ إلَى تَكْثِيرِ الصُّوَرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ، بَلْ هُوَ مِنْ التَّخْلِيطِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَتَعْسِيرِ الْفَهْمِ عَلَيْهِ وَتَشْتِيتِ ذِهْنِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ وَلَا ثَمَرَةٍ (اهـ.) قَوْلُهُ: [فَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ] : أَيْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ - أَعْنِي الصُّوَرَ الثَّلَاثَ - وَهِيَ: ظَنُّ الْإِدْرَاكِ، أَوْ تَوَهُّمُهُ، أَوْ الشَّكُّ فِيهِ. قَوْلُهُ: [فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ] : تَبِعَ الْمُؤَلِّفُ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ.

ثُمَّ إنْ تَحَقَّقَ الْإِدْرَاكُ فَظَاهِرٌ وَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُهُ لَمْ يَرْفَعْ مِنْهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِدْرَاكِ أَلْغَاهَا وَرَفَعَ، كَلَامُهُ هُنَا يَشْمَلُ هَذِهِ. وَشُبِّهَ فِي إلْغَاءِ الرَّكْعَةِ قَوْلُهُ: (كَأَنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ (فِي الرُّكُوعِ) وَتَحَقَّقَ الْإِدْرَاكُ فِيهِ. (وَ) لَكِنْ (كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ فِي) حَالِ (انْحِطَاطِهِ) لِلرُّكُوعِ وَلَوْ ابْتَدَأَهُ مِنْ قِيَامٍ؛ فَتُلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةُ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. وَأَمَّا لَوْ كَبَّرَ بَعْدَ الِانْحِطَاطِ فَتُلْغَى جَزْمًا؛ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَذَكَرَهَا هُنَا لِمُنَاسَبَةِ إلْغَاءِ الرَّكْعَةِ عِنْدَ شَكِّ الْإِدْرَاكِ. ثُمَّ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنَّ مَنْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ حَالَ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ: إمَّا بُطْلَانُ الصَّلَاةِ مِنْ أَصْلِهَا لِفَقْدِ رُكْنِ الْقِيَامِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَإِمَّا صِحَّتُهَا مَعَ صِحَّةِ الرَّكْعَةِ لِعُذْرِهِ بالمسبوقية. وَجَعْلُهُمْ التَّأْوِيلَيْنِ فِي خُصُوصِ الرَّكْعَةِ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، فَتَدَبَّرْ. عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَهَبَ إلَى هَذَا. اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ. وَلَمَّا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِمَامِ أَتْبَعَ الْإِمَامَةَ بِهِ فَقَالَ:. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَجَعْلُهُمْ التَّأْوِيلَيْنِ فِي خُصُوصِ الرَّكْعَةِ] إلَخْ: تَقَدَّمَ لَهُ هَذَا الْبَحْثُ أَيْضًا فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ، وَتَقَدَّمَ لَنَا الْجَوَابُ عَنْهُ؛ فَانْظُرْهُ.

[فصل في الاستخلاف في الصلاة]

فَصْلٌ: فِي الِاسْتِخْلَافِ وَهُوَ اسْتِنَابَةُ الْإِمَامِ غَيْرَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ بِهِمْ لِعُذْرٍ قَامَ بِهِ. وَحُكْمُهُ النَّدْبُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْوُجُوبُ فِيهَا. وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ وَأَسْبَابِهِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (نُدِبَ لِلْإِمَامِ) الَّذِي ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِنِيَّةٍ وَإِحْرَامٍ وَاقْتِدَاءٍ بِهِ (اسْتِخْلَافُ غَيْرِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ، لَا أَجْنَبِيٍّ، بِشَرْطِ حُصُولِ عُذْرٍ لِلْإِمَامِ لَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُمْ. وَالْعُذْرُ إمَّا خَارِجٌ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهَا. وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا إمَّا مَانِعٌ مِنْ الْإِمَامَةِ دُونَ الصَّلَاةِ وَإِمَّا مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ. وَقَدْ أَشَارَ لِلْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: (إنْ خَشِيَ) الْإِمَامُ بِتَمَادِيهِ (تَلَفَ مَالٍ) لَهُ بَالٌ وَلَوْ لِغَيْرِهِ. وَالْمُرَادُ تَلَفُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا فِي نَفْسِهِ كَأَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ مِنْ السَّرِقَةِ أَوْ الْغَصْبِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا نَاطِقًا أَوْ غَيْرَهُ. (أَوْ) خَشِيَ تَلَفَ (نَفْسٍ) مُحْتَرَمَةٍ وَلَوْ كَافِرَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ: [بِنِيَّةٍ] إلَخْ: مُتَعَلِّقٌ " بِثَبَتَ ": أَيْ فَتَحَقُّقُ الْإِمَامَةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَا ذَكَرَ. فَمَنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ إمَامَتُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا اسْتِخْلَافَ لَهُ. قَوْلُهُ: [وَإِمَّا مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ] : أَيْ مِنْ صِحَّتِهَا لِلْإِمَامِ فَقَطْ، وَأَمَّا مَانِعُ الصِّحَّةِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ اسْتِخْلَافٌ. قَوْلُهُ: [إنْ خَشِيَ الْإِمَامُ] الْمُرَادُ بِهِ الظَّنُّ أَوْ الشَّكُّ لَا الْوَهْمُ، فَلَا يَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ لِأَجْلِهِ خِلَافًا لِ (عب) . قَوْلُهُ: [مُحْتَرَمَةٍ] : أَيْ مَعْصُومَةٍ بِالنِّسْبَةِ لَهُ؛ كَخَوْفِهِ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ أَعْمَى أَنْ يَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ نَارٍ فَيَهْلِكُ أَوْ يَحْصُلُ لَهُ شِدَّةُ أَذًى.

وَأَشَارَ لِلْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (أَوْ مُنِعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ الْإِمَامِ وَ (الْإِمَامَةَ) مَفْعُولُهُ الثَّانِي (لِعَجْزٍ) عَنْ رُكْنٍ كَالْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ (أَوْ) لِحُصُولِ (رُعَافٍ بِنَاءً وَ) إذَا اسْتَخْلَفَ فِي هَذَا الْقِسْمِ (رَجَعَ مَأْمُومًا) إنْ أَمْكَنَهُ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ فِي الْعَجْزِ وَجَازَ فِي الرُّعَافِ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَاحْتَرَزَ بِرُعَافِ الْبِنَاءِ عَنْ رُعَافِ الْقَطْعِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَوَانِعِ الصَّلَاةِ لَا الْإِمَامَةِ. وَأَشَارَ لِلْقِسْمِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) مُنِعَ الْإِمَامُ (الصَّلَاةَ) نَفْسَهَا لِبُطْلَانِهَا عَلَيْهِ دُونَهُمْ (بِسَبْقِ حَدَثٍ) : مِنْ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ يُصَلِّي. وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ فَيَسْتَخْلِفُ لِبُطْلَانِهَا عَلَيْهِ دُونَهُمْ. (أَوْ) بِسَبَبِ (ذِكْرِهِ) أَيْ الْحَدَثِ فِيهَا فَيَسْتَخْلِفُ، إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِمْ عَمَلًا بَعْدَ السَّبْقِ أَوْ الذِّكْرِ؛ وَإِلَّا كَانَ مُتَعَمِّدًا لِلْحَدَثِ فَتَبْطُلُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا اسْتِخْلَافَ. وَمِثْلُ ذَلِكَ: مَا لَوْ قَهْقَهَ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا لَا عَمْدًا، أَوْ رَعَفَ رُعَافًا تَبْطُلُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ هَلْ دَخَلَ الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ أَوْ لَا، أَوْ تَحَقَّقَ الطَّهَارَةُ وَالْحَدَثُ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، لَا إنْ شَكَّ هَلْ انْتَقَضَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ مُنِعَ] إلَخْ: أَيْ طَرَأَ لَهُ الْعَجْزُ عَنْ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، وَأَمَّا طَرَيَان عَجْزِهِ عَنْ السُّنَّةِ فَلَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ الِاسْتِخْلَافِ. قَوْلُهُ: [رُعَافٌ بِنَاءً] : أَيْ فَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَانِعِ لِلْإِمَامَةِ فَقَطْ، وَجَعَلَهُ خَلِيلٌ مِنْ مَوَانِعِ الصَّلَاةِ وَلَعَلَّهُ نَظَرَ إلَى الْحَالِ قَبْلَ الْغَسْلِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ مَانِعُ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ فَمُشْتَرَكٌ فِي جَمِيعِ مَوَانِعِ الْإِمَامَةِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ فِي الرُّعَافِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْبِنَاءَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ مِنْ مَوَانِعِ الصَّلَاةِ] : أَيْ فَهُوَ كَسَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ كَمَا سَيَأْتِي؛ أَيْ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ وَتَبْطُلُ عَلَيْهِ دُونَهُمْ كَمَا فِي (بْن) ، خِلَافًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَ (عب) حَيْثُ قَالَا بِالْبُطْلَانِ عَلَى الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: [أَوْ تَحَقَّقَ الطَّهَارَةُ] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَبِعَ فِيهِ (عب) وَلَكِنْ تَقَدَّمَ لِعْب نَفْسِهِ. وَلِلْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ إذَا بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ فَانْظُرْهُ.

وُضُوءُهُ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنْ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ، وَإِلَّا أَعَادَ الْإِمَامُ فَقَطْ، وَكَذَا إنْ طَرَأَ عَلَيْهِ فِيهَا جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ أَوْ مَوْتٌ إلَّا أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ يَكُونُ مِنْهُمْ. (وَإِنْ) حَصَلَ السَّبَبُ (بِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ) . وَيَرْفَعُ بِلَا تَسْمِيعٍ فِي الْأَوَّلِ وَبِلَا تَكْبِيرٍ فِي الثَّانِي لِئَلَّا يَقْتَدُوا بِهِ وَيَرْفَعُونَ بِرَفْعِ الْخَلِيفَةِ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ (إنْ رَفَعُوا بِرَفْعِهِ قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ، وَلَا بُدَّ مِنْ عَوْدِ الْخَلِيفَةِ (وَعَادُوا مَعَهُ) : أَيْ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَلَوْ أَخَذُوا فَرْضَهُمْ مَعَ الْأَوَّلِ. فَإِنْ لَمْ يَعُودُوا لَمْ تَبْطُلْ إنْ أَخَذُوا فَرْضَهُمْ مَعَهُ وَإِلَّا بَطَلَتْ. (وَنُدِبَ لَهُمْ) الِاسْتِخْلَافُ (إنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ) الْإِمَامُ. (وَ) نُدِبَ (اسْتِخْلَافُ الْأَقْرَبَ) لِلْإِمَامِ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِأَفْعَالِهِ وَلِتَيَسُّرِ تَقَدُّمِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِنْ حَصَلَ السَّبَبُ] : أَيْ الَّذِي هُوَ خَشْيَةُ تَلَفِ الْمَالِ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمُقَابِلُهُ - وَهُوَ الْبُطْلَانُ - مُخَرَّجٌ لِابْنِ بَشِيرٍ. عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ لِلرُّكْنِ مَقْصُودَةٌ وَمَحَلُّ عَدَمِ الْبُطْلَانِ مَا لَمْ يَرْفَعُوا بِهِ عَالِمِينَ بِحَدَثِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْبُطْلَانِ عَلَى الْأَصَحِّ حَيْثُ رَفَعُوا بِرَفْعِهِ جَهْلًا أَوْ غَلَطًا فَإِنْ رَفَعُوا بِرَفْعِهِ عَمْدًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَدَثِهِ فَالْبُطْلَانُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي بْن (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لَمْ تَبْطُلْ إنْ أَخَذُوا فَرْضَهُمْ] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ الْبُطْلَانَ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا بَطَلَتْ] : أَيْ قَوْلًا وَاحِدًا إنْ كَانَ تَرْكُهُمْ الْعَوْدَ عَمْدًا وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ لِعُذْرٍ وَفَاتَ التَّدَارُكُ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لَهُمْ الِاسْتِخْلَافُ] : أَيْ وَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا وَلَيْسَ مُقَابِلُهُ أَنَّ لَهُمْ الِانْتِظَارَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ، لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ تَبْطُلُ حِينَئِذٍ كَمَا هُوَ مَبْنَى اعْتِرَاضِ ابْنِ غَازِيٍّ. فَإِنْ عَمِلُوا عَمَلًا ثُمَّ اسْتَخْلَفُوا بَطَلَتْ كَمَا حَكَى (ح) تَخْرِيجَ بَعْضٍ لَهُ عَلَى امْتِنَاعِ الْإِتْبَاعِ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي النَّحْوِ. قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ اسْتِخْلَافُ الْأَقْرَبِ] : أَيْ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةُ فِي الصَّفِّ

فَيَقْتَدُوا بِهِ. (وَ) نُدِبَ (تَقَدُّمُهُ) عَلَيْهِمْ (إنْ قَرُبَ) كَالصَّفَّيْنِ، فَيَتَقَدَّمُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا (وَإِنْ بِجُلُوسِهِ) أَوْ سُجُودِهِ أَوْ رُكُوعِهِ، بِخِلَافِ مَنْ رَأَى فُرْجَةً فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدِبُّ رَاكِعًا أَوْ قَائِمًا لَا جَالِسًا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ) : أَيْ غَيْرُ مَنْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ وَأَتَمَّ بِهِمْ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُمْ (كَأَنْ أَتَمُّوا أَفْذَاذًا أَوْ بَعْضُهُمْ) أَفْذَاذًا وَالْآخَرُ بِإِمَامٍ (أَوْ) أَتَمُّوا (بِإِمَامَيْنِ) كُلُّ طَائِفَةٍ بِإِمَامٍ فَتَصِحُّ (إلَّا الْجُمُعَةَ) فَلَا تَصِحُّ أَفْذَاذًا، وَتَصِحُّ لِلْبَعْضِ الَّذِي لَهُ إمَامٌ إنْ كَمُلَ الْعَدَدُ وَتَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ خَالَفَ الْأَوْلَى. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَنْ رَأَى فُرْجَةً] إلَخْ: وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا هُنَا أَهَمُّ لِتَعَلُّقِ إصْلَاحِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ بِهِ. قَوْلُهُ: [كَأَنْ أَتَمُّوا أَفْذَاذًا] : أَيْ وَلَوْ تَرَكُوا الْخَلِيفَةَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ، وَظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ وَلَوْ كَانُوا وَتَرَكُوا الْفَاتِحَةَ مَعَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهَا بِوَجْهٍ جَائِزٍ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ لَهُمْ إنْ أَتَمُّوا أَفْذَاذًا وَتَرَكُوا الْخَلِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ رُتْبَةُ الْإِمَامَةِ كَالْأَصْلِيِّ إلَّا إذَا عَمِلُوا مَعَهُ عَمَلًا. قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ أَفْذَاذًا] إلَخْ: أَيْ لِفَقْدِ شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ الْجَمَاعَةُ وَالْإِمَامُ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَلَوْ حَصَلَ الْعُذْرُ بَعْدَ رَكْعَةٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَلَيْسُوا كَالْمَسْبُوقِ الَّذِي أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي رَكْعَةً تَقَدَّمَتْ بِشَرْطِهَا بِخِلَافِهِمْ؛ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْمَأْتِيَّ بِهَا بِنَاءٌ، وَلَا يَصِحُّ صَلَاةُ شَيْءٍ مِنْ الْجُمُعَةِ مِمَّا هُوَ بِنَاءٌ فَذًّا. وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ: أَنَّهَا تَصِحُّ لِلْمُؤْتَمِّينَ وُحْدَانًا إذَا حَصَلَ الْعُذْرُ بَعْدَ رَكْعَةٍ، لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَيُرَدُّ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَا يَصِحُّ صَلَاةُ شَيْءٍ مِنْ الْجُمُعَةِ مِمَّا هُوَ بِنَاءٌ، فَذًّا " بِنَاءُ الرَّاعِفِ فِي الْجُمُعَةِ حَيْثُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَفَاتَتْهُ الثَّانِيَةُ وَهُوَ يَغْسِلُ الدَّمَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فَذًّا وَهِيَ بِنَاءٌ لَا غَيْرُ. فَتَأَمَّلْ. قَوْلَهُ: [إنْ كَمُلَ الْعَدَدُ] : أَيْ وَتَصِحُّ لِمَنْ قَدَّمَهُ الْإِمَامُ إنْ كَمُلَ مَعَهُ الْعَدَدُ وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا صَحَّتْ لِلسَّابِقِ إنْ كَمُلَ مَعَهُ الْعَدَدُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا بَطَلَتْ عَلَيْهِمَا، فَتَأَمَّلْ.

[شروط صحة الاستخلاف في الصلاة]

(وَقَرَأَ) الْخَلِيفَةُ (مِنْ انْتِهَاءِ) قِرَاءَةِ الْإِمَامِ (الْأَوَّلِ إنْ عَلِمَ) الِانْتِهَاءَ فِي فَاتِحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَإِلَّا) يَعْلَمْ (ابْتَدَأَ) الْقِرَاءَةَ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وُجُوبًا. (وَصِحَّتُهُ) : أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ: (بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ) : أَيْ بِإِدْرَاكِ الْخَلِيفَةِ مَعَ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ قَبْلَ الْعُذْرِ جُزْءًا (يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الرَّكْعَةِ) الْمُسْتَخْلَفِ هُوَ فِيهَا (قَبْلَ عَقْدِ الرُّكُوعِ) - مُتَعَلِّقٌ بِإِدْرَاكٍ - وَعَقَدَهُ بِاعْتِدَالِ الْإِمَامِ مِنْهُ؛ وَهَذَا صَادِقٌ بِدُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ، أَوْ حَالَ الْقِرَاءَةِ أَوْ حَالَ الرُّكُوعِ أَوْ حَالَ الرَّفْعِ مِنْهُ قَبْلَ الِاعْتِدَالِ. فَإِذَا حَصَلَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ صَحَّ اسْتِخْلَافُ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ الْعُذْرُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ فِي سُجُودِهِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ إلَى آخِرِ صَلَاتِهِ، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ قَبْلَ الْعُذْرِ جُزْءًا يُعْتَدُّ بِهِ. وَمِثْلُهُ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ حَالَ قِيَامِهِ لِلْقِرَاءَةِ فِيهَا، أَوْ قَبْلَ عَقْدِ رُكُوعِهَا. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " يُعْتَدُّ بِهِ " عَمَّنْ أَدْرَكَ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا وَفَاتَهُ الرُّكُوعُ لِعُذْرٍ مِنْ ازْدِحَامٍ أَوْ نُعَاسٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الرَّكْعَةُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ، وَكَذَا مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ بِأَنْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ أَوْ الرَّفْعِ مِنْهُ أَوْ الْجُلُوسِ لِتَشَهُّدٍ، فَحَصَلَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ قِيَامِهِ لِلَّتِي تَلِيهَا فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ، لِأَنَّ مَا أَدْرَكَهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ. نَعَمْ إنْ قَامَ الْإِمَامُ لِقِرَاءَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَقَامَ مَعَهُ هَذَا الْمَسْبُوقُ صَحَّ اسْتِخْلَافُهُ، لِأَنَّهُ بِقِيَامِهِ مَعَهُ أَدْرَكَ جُزْءًا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ تِلْكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إنْ عَلِمَ] إلَخْ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الصَّلَاةِ جَهْرِيَّةً أَوْ سِرِّيَّةً. [شُرُوطُ صِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [مِنْ الرَّكْعَةِ الْمُسْتَخْلَفِ هُوَ فِيهَا] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْعُذْرُ قَبْلَ تَمَامِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ كَانَ لَهُ اسْتِخْلَافُ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ قَبْلَ الْعُذْرِ بِكَثِيرٍ أَوْ بِقَلِيلٍ. وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ لِلْإِمَامِ الْعُذْرُ بَعْدَ تَمَامِ الرَّفْعِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ إلَّا مَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ بِأَنْ انْحَنَى مَعَهُ قَبْلَ حُصُولِ الْعُذْرِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْرِك مَعَهُ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ كَمَا لَوْ دَخَلَ مَعَهُ بَعْدَ تَمَامِ الرَّفْعِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ الْعُذْرُ قَبْلَ الْقِيَامِ لِلرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا. وَالشَّارِحُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إيضَاحٍ.

الرَّكْعَةِ. (وَإِنْ جَاءَ) وَأَحْرَمَ (بَعْدَ الْعُذْرِ فَكَأَجْنَبِيٍّ) الْكَافُ زَائِدَةٌ أَيْ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْجَمَاعَةِ إذْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ جُزْءًا أَلْبَتَّةَ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ مِنْهُمْ. وَأَمَّا صَلَاتُهُ هُوَ (فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ) صَلَاةً مُنْفَرِدَةً - بِأَنْ ابْتَدَأَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يَبْنِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ - صَحَّتْ، (أَوْ بَنَى) عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ ظَنًّا مِنْهُ صِحَّةَ اسْتِخْلَافِهِ (بِالْأُولَى) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ] إلَخْ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَا إشْكَالَ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ. قَالَ (ح) : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ خَلْفَ شَخْصٍ يَظُنُّهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ مَا نَصُّهُ: " وَلَوْ أَحْرَمَ قَوْمٌ قَبْلَ إمَامِهِمْ ثُمَّ أَحْدَثَ هُوَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ، وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّوْا فُرَادَى حَتَّى يُجَدِّدُوا إحْرَامًا ". (اهـ.) وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ (ح) : " لِأَنَّهُ أَحْرَمَ " إلَخْ: أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ خَلْفَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِعُذْرِهِ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَبْنِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ] : أَيْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْ الِاسْتِخْلَافَ بَلْ صَلَّى نَاوِيًا الْفَذِّيَّةَ. قَوْلُهُ: [أَوْ بَنَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ] إلَخْ: أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ نَاوِيًا الْإِمَامَةَ وَالْمُرَادُ بِبِنَائِهِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ: بِنَاؤُهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ، بِحَيْثُ لَوْ وَجَدَ الْإِمَامَ قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ كَمَّلَهَا وَلَمْ يَبْتَدِئْهَا، وَلَوْ وَجَدَ الْإِمَامَ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ابْتَدَأَ بِالسُّورَةِ وَلَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ، أَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَحَصَلَ لَهُ الْعُذْرُ وَدَخَلَ مَعَهُ فَيَرْكَعُ وَيَدَعُ الْقِرَاءَةَ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْإِمَامِ وَقَدْ خَلَتْ رَكْعَةٌ مِنْ صَلَاتِهِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْجُلِّ؛ فَإِنْ كَانَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الثُّلَاثِيَّةِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ ثُنَائِيَّةً فَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ لِأَنَّهُ لَا جُلَّ لَهَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: " أَوْ بَنَى بِالْأُولَى " عَلَى مَا عَدَا الثُّنَائِيَّةَ، وَقِيلَ بِالصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ فِي رَكْعَةٍ، وَعَلَى هَذَا يَتَمَشَّى قَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ بَنَى بِالْأُولَى مُطْلَقًا.

أَيْ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى مُطْلَقًا (أَوْ بِالثَّالِثَةِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ) فَقَطْ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ كَالْإِمَامِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْفَرِدِ لِجُلُوسِهِ فِي مَحَلِّ الْجُلُوسِ وَقِيَامِهِ فِي مَحَلِّ الْقِيَامِ - وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّورَةِ فِي أُولَيَيْهِ وَجَهْرُهُ فِي أُخْرَيَيْهِ إذَا كَانَتْ عِشَاءً مَعَ زِيَادَةِ السُّورَةِ - لَكِنَّهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى أَنَّ تَارِكَ السُّنَّةِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، فَلَعَلَّهُمْ سَامَحُوهُ هُنَا لِلْعُذْرِ فِي الْجَهْلِ، أَوْ بَنَوْا هَذَا الْفَرْعَ الْمَشْهُورَ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ، (وَإِلَّا) يَبْنِي بِالْأُولَى وَلَا الثَّالِثَةِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ بِأَنْ بَنَى بِالثَّانِيَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ مِنْ ثُلَاثِيَّةٍ (فَلَا) تَصِحُّ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك زِيَادَةُ الْقُيُودِ الَّتِي زِدْنَاهَا وَسَوْقُ الْكَلَامِ عَلَى أَتَمِّ نِظَامٍ. (وَجَلَسَ الْمَسْبُوقُ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَلَا يَقُومُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (لِسَلَامِهِ) : أَيْ إلَى سَلَامِ الْخَلِيفَةِ الْمَسْبُوقِ أَيْضًا، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ وَفِي تَقْدِيمِنَا الْفَاعِلَ وَتَأْخِيرِ " لِسَلَامِهِ " إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ مَسْبُوقٌ أَيْضًا بِمُلَاحَظَةِ الِاسْتِخْدَامِ؛ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : أَيْ كَانَتْ الصَّلَاةُ ثُنَائِيَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً. قَوْلُهُ: [وَاقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ] : أَيْ أَوْ عَلَى بَعْضِهَا أَوْ تَرَكَهَا لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَهَا كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [تَرْكُ السُّورَةِ] إلَخْ: بَلْ وَلَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ أَوْ كُلَّهَا كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [مَعَ زِيَادَةِ السُّورَةِ] : أَيْ عِنْدَ قِيَامِهِ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فَلَعَلَّهُمْ سَامَحُوهُ] إلَخْ: أَيْ كَمَا سَامَحُوهُ فِي تَرْكِ الْفَاتِحَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْجُلِّ أَوْ الْأَقَلِّ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ] : فِيهِ نَظَرٌ بَلْ بَنَوْهُ فِي تَرْكِ السُّورَةِ عَلَى مَشْهُورٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَارِكَ السُّنَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى سُنِّيَّتِهَا عَمْدًا أَوْ جَهْلًا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَا يَظْهَرُ بِنَاؤُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِتَرْكِ الْفَاتِحَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ] : أَيْ لِاخْتِلَافِ نِظَامِهَا لِجُلُوسِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْجُلُوسِ وَقِيَامِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقِيَامِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَخْفَى عَلَيْك] : أَيْ فَفِي كَلَامِ خَلِيلٍ إجْمَالٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَحَذْفٌ، وَمُصَنَّفُنَا سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

عَلَى الْمَسْبُوقِ بِمَعْنًى آخَرَ بِخِلَافِ صَنِيعِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ إذَا كَانَ مَسْبُوقًا - كَأَنْ أَدْرَكَ الرَّابِعَةَ مَعَ الْإِمَامِ فَاسْتَخْلَفَهُ لِعُذْرٍ - وَكَانَ فِي الْمَأْمُومِينَ مَسْبُوقٌ أَيْضًا، فَإِذَا أَتَمَّ الْخَلِيفَةُ صَلَاةَ الْإِمَامِ - بِأَنْ كَمَّلَ لَهُمْ الرَّابِعَةَ وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وَتَشَهَّدَ - أَشَارَ لَهُمْ جَمِيعًا بِأَنْ يَجْلِسُوا، وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ قَاضِيًا لِلْقَوْلِ بَانِيًا لِلْفِعْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَلَا يَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَالِثَةٌ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَإِذَا تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ سَلَّمَ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِرَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ بَطَلَتْ وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا بِسَلَامِهِ. وَشَبَهٌ فِي الْجُلُوسِ لِسَلَامِ الْخَلِيفَةِ قَوْلُهُ: (كَأَنْ اسْتَخْلَفَ) إمَامٌ (مُسَافِرٌ) خَلْفَهُ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ رَجُلًا (مُقِيمًا) مِمَّنْ خَلْفَهُ فَإِذَا أَتَمَّ بِهِمْ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ أَشَارَ لَهُمْ بِالْجُلُوسِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ مَعَهُ الْمُسَافِرُ وَقَامَ الْمُقِيمُ لِبَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُسَلِّمُ إذَا قَامَ الْخَلِيفَةُ لِبَقَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَيَقُومُ الْمُقِيمُ لِلْقَضَاءِ ضَعِيفٌ. (أَوْ سَبَقَ هُوَ) : أَيْ الْخَلِيفَةُ وَحْدَهُ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ لِيُسَلِّمُوا بِسَلَامِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِمَعْنًى آخَرَ] : أَيْ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ وَقَامَ] إلَخْ: هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: " جَلَسَ " وَمُقَابِلُهُ مَا لِلَّخْمِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْمَسْبُوقُ بَيْنَ أَنْ يَقُومَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ إذَا قَامَ الْخَلِيفَةُ لِلْقَضَاءِ قِيَاسًا عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، أَوْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِ إمَامًا وَيُسَلِّمَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا قَاضٍ وَالسَّلَامَانِ وَاحِدٌ، أَوْ يَنْتَظِرَ فَرَاغَ إمَامِهِ مِنْ قَضَائِهِ ثُمَّ يَقْضِي مُنْفَرِدًا. (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [ضَعِيفٌ] : أَيْ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَالْمِصْرِيِّينَ قَاطِبَةً. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَإِلَّا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ] : أَيْ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ بَقِيَّةِ صَلَاةِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ حَلَّ هَذَا الْخَلِيفَةُ مَحَلَّهُ فِيهِ، فَلَا يَخْرُجُ الْقَوْمُ مِنْ إمَامَتِهِ لِغَيْرِ مَعْنًى يَقْتَضِيهِ، وَانْتِظَارُ الْقَوْمِ لِفَرَاغِهِ مِنْ الْقَضَاءِ أَخَفُّ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ إمَامَتِهِ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ يَسْتَخْلِفُ لَهُمْ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQخَاتِمَةٌ: إنْ جَهِلَ الْخَلِيفَةُ الْمَسْبُوقُ مَا صَلَّى الْأَوَّلُ أَشَارَ لَهُمْ فَأَفْهَمُوهُ بِالْإِشَارَةِ، أَوْ الْكَلَامِ إنْ لَمْ يَفْهَمْ بِالْإِشَارَةِ. وَإِنْ قَالَ لِلْخَلِيفَةِ: أَسْقَطْت رُكُوعًا مَثَلًا، عَمِلَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهُ.

[فصل في قصر الصلاة وجمعها]

فَصْلٌ: فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَجَمْعِهَا وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا (سُنَّ) سُنَّةً مُؤَكَّدَةً (لِمُسَافِرٍ سَفَرًا جَائِزًا) أَيْ مَأْذُونًا فِيهِ فَيَشْمَلُ، الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ (أَرْبَعَةَ بُرُدٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمُسَافِرٍ، بُرُدٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ: جَمْعُ بَرِيدٍ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، فَمَسَافَةُ الْقَصْرِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَالْمِيلُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسُمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ أَلْفَا ذِرَاعٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَجَمْعِهَا] [حُكْم الْقَصْر] فَصْلٌ قَوْلُهُ: [سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ] : هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ: كَوْنُهُ سُنَّةً هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (اهـ) . وَقِيلَ إنَّ الْقَصْرَ فَرْضٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ مُبَاحٌ. وَعَلَى السُّنِّيَّةِ فَفِي آكَدِيَّتِهَا عَلَى سُنِّيَّةِ الْجَمَاعَةِ وَعَكْسِهِ قَوْلَا ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَعَارَضَا كَمَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُسَافِرُ أَحَدًا يَأْتَمُّ بِهِ إلَّا مُقِيمًا؛ فَلَا يَأْتَمُّ بِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَأْتَمُّ بِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الثَّانِي. قَوْلُهُ: [لِمُسَافِرٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ سَفَرُهُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ بِأَنْ كَانَ بِطَيَرَانٍ أَوْ خُطْوَةٍ. قَوْلُهُ: [جَائِزًا] : خَرَّجَ غَيْرَ الْجَائِزِ كَالْمُسَافِرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْعَاقِّ وَالْآبِقِ؛

وَهِيَ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ مَرْحَلَتَانِ أَيْ سَيْرُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِسَيْرِ الْإِبِلِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ سَيْرٍ وَحَطٍّ وَتَرْحَالٍ وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَصَلَاةٍ. مُعْتَبَرَةً (ذَهَابًا) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (وَلَوْ بِبَحْرٍ) كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا، تَقَدَّمَتْ مَسَافَةُ الْبَحْرِ أَوْ تَأَخَّرَتْ (أَوْ) كَانَ الْمُسَافِرُ (نُوتِيًّا بِأَهْلِهِ) وَلَا تَمْنَعُهُ صُحْبَةُ أَهْلِهِ عَنْ الْقَصْرِ. (قَصْرُ) صَلَاةٍ (رُبَاعِيَّةٍ) نَائِبُ فَاعِلِ سُنَّ لَا ثُنَائِيَّةٍ وَثُلَاثِيَّةٍ (سَافَرَ بِوَقْتِهَا) ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ. وَإِنْ قَصَرَ فَقَوْلَانِ: بِالْحُرْمَةِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالرَّاجِحُ الْحُرْمَةُ مَعَ الصِّحَّةِ. وَخَرَّجَ الْمَكْرُوهَ أَيْضًا؛ كَالسَّفَرِ لِلَهْوٍ فَيُكْرَهُ الْقَصْرُ، وَالصَّلَاةُ صَرِيحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا إعَادَةَ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [أَيْ سَيْرُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ] إلَخْ: فَالْمُرَادُ أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِبَارَةِ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا مَعْنَى لِمَا فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ كَبِيرٍ الْخَرَشِيِّ: هَلْ مَبْدَأُ الْيَوْمِ الشَّمْسُ أَوْ الْفَجْرُ؟ فَإِنَّ مَعْنَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَاجِبَةٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً فَمَا خَرَجَ عَنْ الْيَوْمِ دَخَلَ فِي اللَّيْلِ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِبَحْرٍ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي التَّحْدِيدِ بِالْمَسَافَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الْعِبْرَةُ فِي الْبَحْرِ بِالزَّمَانِ مُطْلَقًا، وَلِمَنْ قَالَ: الْعِبْرَةُ فِيهِ بِالزَّمَانِ إنْ سَافَرَ فِيهِ لَا بِجَانِبِ الْبَرِّ وَإِنْ سَافَرَ فِيهِ بِجَانِبِهِ فَالْعِبْرَةُ بِالْأَرْبَعَةِ بُرُدٍ. وَأَمَّا أَصْلُ الْقَصْرِ فِي الْبَحْرِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا] إلَخْ: هَذَا التَّعْمِيمُ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَاعْتَمَدَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ فِي تَقْرِيرِهِ: وَهُوَ الَّذِي أَدِينُ لِلَّهِ بِهِ وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ - وَحَلَّ بِهِ فِي الْأَصْلِ - فَقَالَ: وَلَوْ كَانَ سَفَرُهَا بِبَحْرٍ أَيْ جَمِيعُهَا أَوْ بَعْضُهَا سَوَاءً تَقَدَّمَتْ مَسَافَةُ الْبَحْرِ أَوْ تَأَخَّرَتْ حَيْثُ كَانَ السَّيْرُ فِيهِ بِالْمَجَاذِيفِ أَوْ بِهَا وَبِالرِّيحِ، كَأَنْ كَانَ بِالرِّيحِ فَقَطْ وَتَأَخَّرَتْ مَسَافَةُ الْبَرِّ وَتَقَدَّمَتْ، وَكَانَتْ قَدْرَ الْمَسَافَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِلَّا فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يَنْزِلَ الْبَحْرَ وَيَسِيرَ بِالرِّيحِ. (اهـ. وَفِي الْمَجْمُوعِ مَا يُوَافِقُ هَذَا) . قَوْلُهُ [نُوتِيًّا بِأَهْلِهِ] : أَيْ خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ. فَأَوْلَى فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ غَيْرُ النُّوتِيِّ إذَا سَافَرَ بِأَهْلِهِ وَالنُّوتِيُّ إذَا سَافَرَ بِغَيْرِ أَهْلِهِ، فَالْمُصَنِّفُ نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ. قَوْلُهُ: [سَافَرَ بِوَقْتِهَا] : أَيْ وَقْتِهَا الْحَاضِرِ.

وَلَوْ الضَّرُورِيَّ، لَا إنْ خَرَجَ وَقْتُهَا الضَّرُورِيُّ فَلَا تُقْصَرُ وَلَوْ قَضَاهَا فِي سَفَرِهِ. (أَوْ فَاتَتْهُ) عَطْفٌ عَلَى سَافَرَ أَيْ أَوْ رُبَاعِيَّةٌ فَاتَتْهُ (فِيهِ) أَيْ فِي سَفَرِهِ فَتُقْصَرُ، وَلَوْ صَلَّاهَا بِحَضَرٍ أَوْ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ أَدَّاهَا فِي سَفَرِهِ أَوْ فَاتَتْهُ فِيهِ. وَمَحَلُّ الْقَصْرِ (إنْ عَدَا) : أَيْ جَاوَزَ الْمُسَافِرُ (الْبَلَدِيُّ) أَيْ مَنْ سَكَنُهُ بِبَلَدٍ (الْبَسَاتِينَ) لِهَذَا الْبَلَدِ (الْمَسْكُونِ) بِالْأَهْلِ، وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ كَأَيَّامِ الثِّمَارِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَسْكُونِ وَلَوْ كَانَ بِهِ الْحُرَّاسُ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْدِيَتُهُ كَالْمَزَارِعِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِمُجَرَّدِ تَعَدِّي الْبُيُوتِ كَالْخَالِيَةِ عَنْ الْبَسَاتِينِ (وَلَوْ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ) وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ فِيهَا لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ ضَعِيفٌ، (وَ) إنْ عَدَا (الْعَمُودِيُّ حِلَّتَهُ) أَيْ بُيُوتَ حِلَّتِهِ، وَلَوْ تَفَرَّقَتْ حَيْثُ جَمَعَهَا اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ، أَوْ الدَّارُ فَقَطْ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْبَلَدِيُّ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ تَعْدِيَةِ الْبَلَدِيِّ الْبَسَاتِينَ الْمَذْكُورَةَ إذَا سَافَرَ مِنْ نَاحِيَتِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ نَاحِيَتِهَا وَكَانَ مُحَاذِيًا لَهَا، وَإِلَّا فَيَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ كَذَا فِي (عب) . وَفِي (بْن) أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا إلَّا إذَا سَافَرَ مِنْ نَاحِيَتِهَا، فَإِنْ سَافَرَ مِنْ غَيْرِ نَاحِيَتِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا وَلَوْ كَانَ مُحَاذِيًا لَهَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ قَرْيَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ: إنْ كَانَتْ قَرْيَةَ جُمُعَةٍ فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مِنْهَا حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَهَا بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ السُّورِ إنْ كَانَ لِلْبَلَدِ سُورٌ، وَإِلَّا فَمِنْ آخِرِ بُنْيَانِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ قَرْيَةَ جُمُعَةٍ فَيَكْفِي مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ فَقَطْ. وَقَدْ عَلِمْت ضَعْفَ هَذَا التَّفْصِيلِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ عَدَا الْعَمُودِيُّ] إلَخْ: هُوَ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ، وَالْحِلَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ: أَيْ مَحَلَّتُهُ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ قَوْمِهِ. فَالْحِلَّةُ وَالْمَنْزِلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: [حَيْثُ جَمَعَهُمَا اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ] إلَخْ: الْمُرَادُ بِالْحَيِّ: الْقَبِيلَةُ. وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ: الْمَنْزِلُ الَّذِي يَنْزِلُونَ فِيهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا جَمَعَهُمْ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ، أَوْ الدَّارُ فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إلَّا إذَا جَاوَزَ جَمِيعَ الْبُيُوتِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْفَضَاءِ وَالرِّحَابِ الْمُجَاوِرِ لِلْأَبْنِيَةِ. فَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْفَضَاءِ، لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ جَمِيعِ الْبُيُوتِ. وَأَمَّا لَوْ جَمَعَهُمْ اسْمُ الْحَيِّ فَقَطْ دُونَ الدَّارِ - بِأَنْ كَانَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ فِي دَارٍ - فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ كُلُّ دَارٍ عَلَى

بِأَنْ يَتَوَقَّفَ رَحِيلُهُمْ وَنُزُولُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ - وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَبِيلَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَا إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ. (وَ) إنْ (انْفَصَلَ غَيْرُهُمَا) : أَيْ غَيْرُ الْبَلَدِيِّ وَالْعَمُودِيِّ عَنْ مَكَانِهِ، كَسَاكِنٍ بِجَبَلٍ أَوْ بِقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَا بَسَاتِينَ لَهَا. وَيَنْتَهِي الْقَصْرُ (إلَى) مِثْلِ (مَحَلِّ الْبَدْءِ) فِي ذَهَابِهِ أَوْ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي عَوْدِهِ، فَيُتِمُّ بِوُصُولِهِ إلَى الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ، أَوْ إلَى الْبُيُوتِ فِيمَا لَا بَسَاتِينَ لَهَا (لَا) إنْ سَافَرَ (أَقَلَّ) مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَلَا يَقْصُرُ. (وَبَطَلَتْ) إنْ قَصَرَ (فِي) مَسَافَةِ (ثَلَاثَةِ بُرُدٍ) أَوْ أَقَلَّ (لَا أَكْثَرَ) مِنْهَا فَلَا تَبْطُلُ بِقَصْرِهَا، وَذَلِكَ مِنْ سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا إلَى سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، (وَإِنْ مُنِعَ) الْقَصْرُ فِي ذَلِكَ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَنْعِ الْبُطْلَانُ (كَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقَصْرُ، وَلَكِنَّهُ إنْ قَصَرَ لَمْ تَبْطُلْ وَأَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الْقَصْرُ قَطْعًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَاصِيَ بِهِ نَفْسُ سَفَرِهِ مَعْصِيَةٌ، كَآبِقٍ وَمُسَافِرٍ لِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ لِسَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ، وَالْعَاصِي فِيهِ سَفَرُهُ جَائِزٌ فِي نَفْسِهِ، لَكِنْ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ فِيهِ مَعْصِيَةٌ كَشُرْبٍ أَوْ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ. (وَكُرِهَ) الْقَصْرُ (لِلَاهٍ بِهِ) : أَيْ بِالسَّفَرِ وَتَصِحُّ بِالْأَوْلَى مِمَّا قَبْلَهُ وَقِيلَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQحِدَةٍ حَيْثُ كَانَ لَا يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. وَإِلَّا، فَهُمْ كَأَهْلِ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ. وَكَذَا إذَا لَمْ يَجْمَعْهُمْ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ حِلَّتِهِ هُوَ. قَوْلُهُ: [كَسَاكِنٍ بِجَبَلٍ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ إذَا جَاوَزَ مَحَلَّهُ، وَسَاكِنُ الْقَرْيَةِ الَّتِي لَا بَسَاتِينَ بِهَا مَسْكُونَةٌ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ وَالْأَبْنِيَةَ الْخَرَابَ الَّتِي فِي طَرَفِهَا. وَكَذَلِكَ سَاكِنُ الْبَسَاتِينِ يَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ مَسْكَنِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْبَسَاتِينُ مُتَّصِلَةً بِالْبَلَدِ أَوْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَقْصُرُ] : أَيْ يَحْرُمُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا يُعْطِيهِ لَفْظُهُ وَهُوَ نَفْيُ السُّنِّيَّةِ. قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ إنْ قَصَرَ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْقَصْرَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا، وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا بَعْدَ الْوُقُوعِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: مَنْ يَقْصُرْ الصَّلَاةَ فِي أَمْيَالِ ... بُعْدٍ لَهُ تَبْطُلُ بِلَا إشْكَالِ وَقَصْرُهَا بَعْدَ مِيمٍ لَا ضَرَرْ ... وَفِيمَا بَيْنَ ذَا وَذَا الْخُلْفُ اشْتَهَرْ فَقِيلَ لَا يُعِيدُهَا أَصْلًا وَقِيلَ ... يُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ فَافْهَمْ يَا نَبِيلُ

[أحوال القصر]

لَا يَجُوزُ أَيْضًا. (وَلَا يَقْصُرُ رَاجِعٌ) مِنْ سَفَرٍ لِمَحَلِّ إقَامَتِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إذَا رَجَعَ (لِدُونِهَا) أَيْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ يُعْتَبَرُ سَفَرًا مُسْتَقِلًّا. هَذَا إنْ رَجَعَ تَارِكًا لِلسَّفَرِ، بَلْ (وَلَوْ) رَجَعَ (لِشَيْءٍ نَسِيَهُ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ رَافِضًا سُكْنَاهَا) بِأَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ عَدَمَ الْعَوْدِ إلَيْهَا بِاسْتِيطَانِ غَيْرِهَا (وَلَمْ يَنْوِ بِرُجُوعِهِ الْإِقَامَةَ) الْقَاطِعَةَ لِحُكْمِ السَّفَرِ، بَلْ شَيْءٌ طَرَأَ لَهُ وَيَرْجِعُ لِسَفَرِهِ فَيَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ. لِأَنَّ رُجُوعَهُ حِينَئِذٍ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ سَفَرِهِ، فَقَوْلُهُ إلَّا إنْ إلَخْ قَيْدٌ لِمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ لِدُونِ الْمَسَافَةِ لَا يَقْصُرُ وَلَوْ رَجَعَ لِحَاجَةٍ مَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ بِنِيَّةِ رَفْضِ سُكْنَاهُ، وَرُجُوعُهُ لَهُ إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ قَضَاءِ حَاجَةٍ مِنْهُ بِلَا نِيَّةِ إقَامَةٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَإِلَّا فَيَقْصُرُ. (وَلَا) يَقْصُرُ (عَادِلٌ عَنْ) طَرِيقٍ (قَصِيرٍ) دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ إلَى السَّفَرِ فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ فِيهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ (بِلَا عُذْرٍ) يَقْتَضِي الْعُدُولَ إلَيْهِ، فَإِنْ قَصَرَ فَصَحِيحَةٌ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ لَاهٍ بِسَفَرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْعُذْرِ مُطْلَقُ سَبَبٍ، فَإِنْ عَدِمَ وَلَوْ لِأَمْرٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ صِحَّتُهَا فِي السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ، وَكَلَامُ شَارِحِنَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ فِي تَقْرِيرِهِ. [أحوال الْقَصْر] قَوْلُهُ: [لِدُونِهَا] : مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ بَعْدَهَا قَصَرَ فِي رُجُوعِهِ، كَمَا يُرْشِدُ التَّعْلِيلُ. قَوْلُهُ: [لِشَيْءٍ نَسِيَهُ] : قَالَ (ر) إذَا رَجَعَ لِلْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ. وَأَمَّا لَوْ رَجَعَ لِغَيْرِهِ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ لَقَصَرَ فِي رُجُوعِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَرَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى ابْنِ الْمَاجِشُونِ الْقَائِلِ: إذَا رَجَعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفُضْ سَفَرَهُ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَطَنَهُ الَّذِي نَوَى الْإِقَامَةَ فِيهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَإِنْ دَخَلَهُ فَلَا خِلَافَ فِي إتْمَامِهِ. قَوْلُهُ: [عَنْ طَرِيقٍ قَصِيرٍ] : مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ (ح) مِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ قَصْرِ اللَّاهِي أَنَّهُ إذَا قَصَرَ لَا يُعِيدُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْقَصِيرِ لِلطَّوِيلِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ. وَفِي التَّوْضِيحِ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللَّاهِيَ بِصَيْدِهِ وَشُبْهَةٍ لَا يَقْصُرُ فَلَا شَكَّ فِي قَصْرِ هَذَا. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

مُبَاحٍ قَصَرَ قَطْعًا. (وَلَا) يَقْصُرُ (كَهَائِمٍ) الْكَافُ بِمَعْنَى مِثْلِ وَالْهَائِمُ: السَّائِحُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يَقْصِدُ إقَامَةً بِمَحَلٍّ مَخْصُوصٍ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الرَّاعِيَ يَطْلُبُ الرَّعْيَ بِمَوَاشِيهِ حَيْثُ وَجَدَ الْكَلَأَ، وَطَالِبَ ضَالَّةٍ أَوْ آبِقَ مَتَى وَجَدَهَا رَجَعَ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ) الْهَائِمُ وَنَحْوُهُ (قَطْعَ الْمَسَافَةِ) الشَّرْعِيَّةِ (قَبْلَ مَرَامِهِ) : أَيْ مَقْصِدِهِ وَقَدْ عَزَمَ عَلَى قَطْعِهَا حِينَ خُرُوجِهِ فَيَقْصُرُ. (وَلَا) يَقْصُرُ (مُنْفَصِلٌ) عَنْ الْبَلَدِ أَوْ الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ (يَنْتَظِرُ رُفْقَةً) يُسَافِرُ مَعَهُمْ (إلَّا أَنْ يَجْزِمَ بِالسَّيْرِ دُونَهَا) أَيْ الرُّفْقَةِ؛ أَيْ أَنَّهُ يَسِيرُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ لَمْ تَجِئْ (أَوْ) أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ إلَّا مَعَهَا وَجَزَمَ (بِمَجِيئِهَا) وَالسَّفَرِ مَعَهَا (قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) فَإِنْ جَزَمَ بِمَا ذُكِرَ قَصَرَ فِي مَحَلِّ الِانْتِظَارِ. (وَلَا) يَقْصُرُ مُسَافِرٌ (نَاوٍ إقَامَةً بِمَكَانٍ) فِي طَرِيقِهِ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (تَقْطَعُهُ) صِفَةٌ لِإِقَامَةٍ: أَيْ إقَامَةً قَاطِعَةً لِلْقَصْرِ - بِأَنْ كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ - كَأَنْ يُسَافِرَ عَلَى مَحَلٍّ مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَأَكْثَرَ ثُمَّ نَوَى حِينَ خُرُوجِهِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَانٍ عَلَى بَرِيدَيْنِ مَثَلًا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يَقْصُرُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ الْمَكَانِ، (أَوْ) نَاوٍ (دُخُولَ وَطَنِهِ) الْكَائِنِ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ، (أَوْ) نَاوٍ دُخُولَ (مَحَلِّ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا) فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْكَائِنِ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ - لَا إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَيَقْصُرُ - وَلَوْ كَانَ بِهِ أَقَارِبُهُ كَوَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ حَتَّى يَنْوِيَ إقَامَةً أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، (وَهُوَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَكَانِ أَوْ الْوَطَنِ أَوْ مَحَلِّ الزَّوْجَةِ. وَالْوَاوُ لِلْحَالِ: أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مَا ذُكِرَ (دُونَ الْمَسَافَةِ) الشَّرْعِيَّةِ. مِثَالُهُ: مُقِيمٌ بِمَكَّةَ أَرَادَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَنَوَى حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يُقِيمَ بِالْجِعْرَانَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، أَوْ كَانَتْ الْجِعْرَانَةُ وَطَنَهُ - أَيْ مَحَلَّ زَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا - وَنَوَى أَنْ يَدْخُلَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [قَصَرَ قَطْعًا] : أَيْ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَقْصُرُ مُنْفَصِلٌ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ عَازِمًا عَلَى السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ قَبْلَ مَسَافَتِهِ يَنْتَظِرُ رُفْقَةً لَاحِقَةً لَهُ، فَإِنْ جَزَمَ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ دُونَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ مَجِيئِهَا فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ بَلْ يُتِمُّ مُدَّةَ انْتِظَارِهِ. فَإِنْ نَوَى انْتِظَارَهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ تَأْتِ سَافَرَ دُونَهَا أَوْ جَزَمَ بِمَجِيئِهَا قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قَصَرَ مُدَّةَ انْتِظَارِهِ لَهَا.

[طروء ما يقطع القصر]

وَلَوْ لَمْ يَقُمْ بِهَا مَا ذُكِرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْجِعْرَانَةِ لِأَنَّهَا دُونَ الْمَسَافَةِ. ثُمَّ إذَا خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ قَصَرَ، فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ الْمَدِينَةِ اعْتَبَرَ الْبَاقِيَ، فَإِنْ كَانَ مَسَافَةَ قَصْرٍ، قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْقَصْرِ وَطَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَقْطَعُهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَطَعَهُ) أَيْ الْقَصْرَ الَّذِي كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ (دُخُولُهُ) أَيْ دُخُولُ وَطَنِهِ الْمَارِّ عَلَيْهِ، أَوْ دُخُولُ مَحَلِّ زَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا، حَالَ كَوْنِهِ (بَعْدَهَا) : أَيْ الْمَسَافَةِ؛ أَيْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. فَإِنْ طَرَأَتْ لَهُ نِيَّةُ دُخُولِهِ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْقَصْرِ حَتَّى يَدْخُلَ بِالْفِعْلِ، وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ الْمَسَافَةِ. وَكَذَا إذَا كَانَ دُونَهَا حَيْثُ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي ابْتَدَأَ السَّفَرَ مِنْهُ غَيْرَ قَاصِدٍ دُخُولَ مَا ذُكِرَ فَطَرَأَ لَهُ الدُّخُولُ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ مِنْ وَقْتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ الْمَدِينَةِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَسْتَقِلَّ مَا قَبْلَ وَطَنِهِ وَمَا بَعْدَهُ بِالْمَسَافَةِ وَفِي هَذِهِ يَقْصُرُ قَبْلَ دُخُولِهِ لِوَطَنِهِ وَبَعْدَهُ. الثَّانِي: عَكْسُهُ وَالْمَجْمُوعُ فِيهِ الْمَسَافَةُ، وَفِي هَذَا إنْ نَوَى الدُّخُولَ أَتَمَّ قَبْلَ دُخُولِهِ وَطَنَهُ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ دُخُولَهُ قَصَرَ، وَإِنْ نَوَى دُخُولَهُ بَعْدَ سَيْرِهِ شَيْئًا فَفِي قَصْرِهِ قَوْلَا سَحْنُونَ وَغَيْرِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وَطَنِهِ أَقَلُّ مِنْ الْمَسَافَةِ وَبَعْدَ مَسَافَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَإِنْ نَوَى الدُّخُولَ فَلَا يَقْصُرُ قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الدُّخُولَ قَصَرَ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَقْصُرُ مُطْلَقًا وَلَوْ نَوَى دُخُولَهُ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ، فَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ فِي هَذِهِ قَوْلَيْنِ الْقَصْرُ لِسَحْنُونٍ وَالْإِتْمَامُ لِغَيْرِهِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وَطَنِهِ مَسَافَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَبَعْدَهُ أَقَلُّ مِنْهَا فَيَقْصُرُ قَبْلَ وَطَنِهِ مُطْلَقًا نَوَى الدُّخُولَ أَمْ لَا، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَقْصُرُ مُطْلَقًا. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَمَا قِيلَ فِي الْوَطَنِ يُقَالُ فِي مَكَانِ الزَّوْجَةِ وَفِي مَكَان نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِيهِ، فَتَأَمَّلْ. [طُرُوء مَا يَقْطَع الْقَصْر] قَوْلُهُ: [دُخُولُهُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْمُرُورِ بِالْوَطَنِ أَوْ مَكَانِ الزَّوْجَةِ فَلَا يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَلَوْ حَاذَاهُ. وَلِذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّمَا يُمْنَعُ الْمُرُورُ بِشَرْطِ دُخُولِهِ أَوْ نِيَّةِ دُخُولِهِ لَا إنْ اجْتَازَ، وَالْمُرَادُ بِمَكَانِ الزَّوْجَةِ: الْبَلَدُ الَّذِي هِيَ بِهِ لَا خُصُوصُ الْمَنْزِلِ الَّذِي هِيَ بِهِ، وَلَا يَكُونُ مَحَلُّ الزَّوْجَةِ قَاطِعًا إلَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ نَاشِزَةٍ، فَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ الزَّوْجَةَ النَّاشِزَةَ لَا عِبْرَةَ بِهَا مِثْلَ الزَّوْجَةِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالسُّرِّيَّةِ. قَوْلُهُ: [اسْتَمَرَّ عَلَى الْقَصْرِ] : أَيْ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ.

نِيَّةِ الدُّخُولِ فِي هَذَا الثَّانِي، أَوْ الدُّخُولِ بِالْفِعْلِ إذَا لَمْ يَطْرَأْ لَهُ قَصْدُ الدُّخُولِ. (ثُمَّ) إذَا شَرَعَ فِي بَقِيَّةِ سَفَرِهِ (اعْتَبَرَ مَا بَقِيَ) . فَإِنْ كَانَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ قَصَرَ. وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ. (وَ) قَطْعُ الْقَصْرِ أَيْضًا (دُخُولُ بَلَدِهِ) : الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ إنْ رَجَعَ اخْتِيَارًا. بَلْ (وَإِنْ رُدَّ) إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَطَنِ وَمَا بَعْدَهُ (غَلَبَةً بِكَرِيحِ) رَدَّتْ السَّفِينَةَ الَّتِي هُوَ بِهَا، فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ تَرْجِعُ لِمَا قَبْلَ بَلَدِهِ أَيْضًا؛ وَهُوَ وَطَنُهُ أَوْ مَحَلُّ زَوْجَتِهِ الْكَائِنُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ. وَلَا يَتَكَرَّرُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: " وَلَا يَقْصُرُ رَاجِعٌ " لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي كَوْنِ الدُّخُولِ فِي الْبَلَدِ يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ. وَهُنَاكَ فِي كَوْنِ الرَّاجِعِ لَا يَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ إذَا كَانَتْ مَسَافَتُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. (وَ) قَطْعُهُ (نِيَّةَ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ) : تَسْتَلْزِمُ عِشْرِينَ صَلَاةً وَإِلَّا فَلَا (أَوْ الْعِلْمُ بِهَا) أَيْ بِإِقَامَةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَيَّامِ فِي مَحَلٍّ (عَادَةً) بِأَنْ كَانَتْ عَادَةُ الْقَافِلَةِ أَنْ تُقِيمَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ (لَا الْإِقَامَةَ) الْمُجَرَّدَةَ عَنْ كَوْنِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، كَالْمُقِيمِ لِحَاجَةٍ مَتَى قُضِيَتْ سَافَرَ فَإِنَّهَا لَا تَقْطَعُ الْقَصْرَ (وَلَوْ طَالَتْ) ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ [بِكَرِيحٍ] : وَمِثْلُهُ دَابَّةٌ جَمَحَتْ وَلَا يَجِدُ غَيْرَهَا لَا الْغَاصِبُ إذْ يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ وَلَوْ بِمَالٍ، فَهُوَ عَلَى نِيَّةِ سَفَرِهِ. كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [نِيَّةَ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ] إلَخْ: الْأَوْلَى نُزُولُ مَكَان نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ يَنْقَطِعُ حُكْمُ السَّفَرِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَ مَحَلِّهَا. وَمَحَلِّ الْإِقَامَةِ الْمَسَافَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [تَسْتَلْزِمُ عِشْرِينَ صَلَاةً] : أَيْ فِي مُدَّةِ تِلْكَ الْإِقَامَةِ بِأَنْ دَخَلَ قَبْلَ فَجْرِ السَّبْتِ وَنَوَى الِارْتِحَالَ بَعْدَ عِشَاءِ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ، وَاعْتَبَرَ سَحْنُونَ الْعِشْرِينَ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [وَالْعِلْمُ بِهَا] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَةِ الْحَاجِّ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ يُقِيمُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَيُتِمُّ. وَمَحَلُّ قَطْعِ الْقَصْرِ بِإِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِي غَيْرِ الْعَسْكَرِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَمَّا هُوَ فَيَقْصُرُ وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ. كَمَا قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا الْعَسْكَرَ بِدَارِ الْحَرْبِ.

[اقتداء مقيم بمسافر وعكسه]

إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا لَا تُقْضَى إلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ (وَإِنْ نَوَاهَا) : أَيْ الْأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ (بِصَلَاةٍ) أَيْ فِيهَا (قَطَعَ) الصَّلَاةَ (وَشَفَعَ) نَدْبًا (إنْ رَكَعَ) : أَيْ صَلَّى رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا (وَلَمْ تَجُزْ حَضَرِيَّةً) إنْ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا لِعَدَمِ دُخُولِهِ عَلَيْهَا (وَلَا سَفَرِيَّةً) لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا (وَ) إنْ نَوَاهَا (بَعْدَهَا) : أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا (أَعَادَ بِوَقْتٍ) اخْتِيَارِيٍّ. (وَكُرِهَ اقْتِدَاءُ مُقِيمٍ بِمُسَافِرٍ) : لِمُخَالَفَةِ نِيَّةِ إمَامِهِ (كَعَكْسِهِ) : أَيْ اقْتِدَاءِ مُسَافِرٍ بِمُقِيمٍ. (وَتَأَكَّدَ) الْكُرْهُ لِمُخَالَفَةِ الْمُسَافِرِ سُنَّتَهُ مِنْ الْقَصْرِ. (وَتَبِعَهُ) الْمُسَافِرُ فِي الْإِتْمَامِ وُجُوبًا وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِنْ نَوَاهَا] : أَيْ الْأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَمِثْلُ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا إذَا أَدْخَلَتْهُ الرِّيحُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا سَفَرِيَّةً، مَحَلًّا يَقْطَعُ دُخُولُهُ حُكْمَ السَّفَرِ مِنْ وَطَنِهِ، أَوْ مَحَلَّ زَوْجَةٍ بَنَى بِهَا. قَوْلُهُ: [أَعَادَ بِوَقْتٍ] إلَخْ: اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ وَقَعَتْ مُسْتَجْمِعَةً لِلشُّرُوطِ قَبْلَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِلْإِعَادَةِ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَرَدُّدٍ قَبْلَهَا فِي الْإِقَامَةِ وَعَدَمِهَا، فَإِذَا جَزَمَ بِالْإِقَامَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ عِنْدَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ السَّفَرِيَّةِ، فَاحْتِيطَ لَهُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ. [اقْتِدَاءُ مُقِيمٍ بِمُسَافِرٍ وعكسه] قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ اقْتِدَاءُ مُقِيمٍ] إلَخْ: أَيْ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُسَافِرُ ذَا فَضْلٍ أَوْ سِنٍّ كَمَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَنَقَلَهُ (ح) عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي اعْتِمَادَهُ، وَذَكَرَ (ر) أَنَّ الْمُعْتَمَدَ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَدْ رَجَحَ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ] : اُسْتُشْكِلَ إتْمَامُهُ مَعَ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَتَمَّ عَمْدًا بَطَلَتْ "، وَمَعَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ ظَنَّ الْإِمَامَ مُسَافِرًا فَظَهَرَ خِلَافُهُ أَعَادَ أَبَدًا " إلَخْ، وَأَجَابَ (ر) : بِأَنَّ نِيَّةَ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَمُخَالَفَةِ فِعْلِهِ لِتِلْكَ النِّيَّةِ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَتَارَةً يُلْغُونَهُ وَتَارَةً يَعْتَبِرُونَهُ. فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَرَّ عَلَى قَوْلٍ، فَمَرَّ هُنَا عَلَى اغْتِفَارِ مُخَالَفَةِ الْفِعْلِ لِلنِّيَّةِ لِأَجْلِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، وَفِيمَا يَأْتِي مَرَّ عَلَى عَدَمِ اغْتِفَارِ مُخَالَفَةِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ نَوْعَ تَلَاعُبٍ.

(وَأَعَادَ بِوَقْتٍ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْإِعَادَةِ (كَأَنْ نَوَى) الْمُسَافِرُ (الْإِتْمَامَ وَلَوْ سَهْوًا) عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ سَفَرِيَّةً. (وَأَتَمَّ) وُجُوبًا بِالدُّخُولِ عَلَى الْإِتْمَامِ (فَإِنْ قَصَرَ) بَعْدَ نِيَّةِ الْإِتْمَامِ (عَمْدًا أَوْ تَأْوِيلًا بَطَلَتْ وَ) إنْ قَصَرَ (سَهْوًا فَكَأَحْكَامِ السَّهْوِ) . فَإِنْ تَذَكَّرَ بِالْقُرْبِ أَتَمَّ وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَإِنْ طَالَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بَطَلَتْ. (وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَتَمَّ عَمْدًا بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَأْمُومِهِ) أَتَمَّ مَعَهُ أَوْ لَا، لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ بَطَلَتْ عَلَى الْإِمَامِ بَطَلَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ. (وَ) إنْ أَتَمَّ (سَهْوًا أَوْ تَأْوِيلًا) بِأَنْ يَرَى أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ أَوْ أَنَّ الْإِتْمَامَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَعَادَ بِوَقْتٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ] : أَيْ لِكَوْنِهِ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَدَمُ الْإِعَادَةِ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ سَهْوًا] : مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَاتِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: وَهِيَ نِيَّةُ الْإِتْمَامِ عَمْدًا، أَوْ جَهْلًا، أَوْ تَأْوِيلًا. وَالرَّابِعَةُ الْمُبَالَغُ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: " وَأَتَمَّ ": أَيْ كَمَا نَوَى. فَفِي الْإِتْمَامِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا مَضْرُوبَةٌ فِي أَرْبَعَةٍ، تَكُونُ الصُّوَرُ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً. كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ: يُنْدَبُ لَهُ فِي جَمِيعِهَا الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ؛ سَفَرِيَّةً إنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَحَضَرِيَّةً إنْ حَضَرَ. وَمَأْمُومُهُ تَبَعٌ لَهُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ قَصَرَ بَعْدَ نِيَّةِ الْإِتْمَامِ] إلَخْ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ نِيَّةِ الْإِتْمَامِ صَادِقٌ بِأَرْبَعِ صُوَرٍ: الْعَمْدِ، وَالْجَهْلِ، وَالتَّأْوِيلِ، وَالسَّهْوِ. وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعِ: إمَّا أَنْ يَقْصُرَ عَمْدًا - وَمِثْلُهُ الْجَهْلُ - أَوْ تَأْوِيلًا. فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ فِي الْأَرْبَعَةِ أَجَابَ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " بَطَلَتْ "، وَبَقِيَ مَا إذَا قَصَرَ سَهْوًا فِي الْأَرْبَعَةِ، أَجَابَ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " فَكَأَحْكَامِ السَّهْوِ " إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ] إلَخْ: لَا يَتَأَتَّى هُنَا تَعْدَادُ الصُّوَرِ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ. فَفِي هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعُ صُوَرٍ فَقَطْ أَفَادَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " فَأَتَمَّ عَمْدًا بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَأْمُومِهِ، وَسَهْوًا أَوْ تَأْوِيلًا أَوْ جَهْلًا فَفِي الْوَقْتِ " فَجُمْلَةُ صُوَرِ هَذَا الْمَبْحَثِ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً. قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَرَى أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ] إلَخْ: أَرَادَ مُرَاعَاةَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ

أَفْضَلُ (أَوْ جَهْلًا؛ فَفِي الْوَقْتِ) الضَّرُورِيِّ يُعِيدُ، (وَصَحَّتْ لِمَأْمُومِهِ) أَيْضًا (بِلَا إعَادَةٍ) عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَتْبَعْهُ) فِي الْإِتْمَامِ. بَلْ جَلَسَ حَتَّى سَلَّمَ، فَإِنْ تَبِعَهُ بَطَلَتْ. (وَ) إذَا قَامَ الْإِمَامُ لِلْإِتْمَامِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا بَعْدَ نِيَّةِ الْقَصْرِ (سَبَّحَ لَهُ) الْمَأْمُومُ بِأَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنْ رَجَعَ سَجَدَ لِسَهْوِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَلَا يَتْبَعُهُ بَلْ يَجْلِسُ حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ. (وَسَلَّمَ الْمُسَافِرُ بِسَلَامِهِ، وَأَتَمَّ غَيْرُهُ) : أَيْ غَيْرُ الْمُسَافِرِ صَلَاتَهُ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ سَلَامِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْمُسَافِرُ قَبْلَهُ أَوْ قَامَ غَيْرُهُ لِلْإِتْمَامِ قَبْلَهُ بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ كَمَا لَوْ تَبِعُوهُ فِي الْإِتْمَامِ عَمْدًا لِتَعَمُّدِهِمْ الزِّيَادَةَ دُونَهُ، وَلَمْ يَجْعَلُوا الْجَاهِلَ هُنَا الْمُتَأَوِّلَ كَالْعَامِدِ فِي الْبُطْلَانِ حَيْثُ نَوَى الْقَصْرَ وَهُوَ مُشْكِلٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ، فَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بَعْضُ السَّلَفِ كَانَ يَرَى أَنَّ الْقَصْرَ مُقَيَّدٌ بِالْخَوْفِ مِنْ الْكُفَّارِ كَمَا فِي آيَةِ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [النساء: 101] الْآيَةَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تَقْصُرُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَبِعَهُ بَطَلَتْ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ مُتَيَقِّنًا انْتِفَاءَ الْمُوجِبِ وَإِلَّا فَيَأْمُرُ بِالِاتِّبَاعِ لِجَرَيَانِهَا عَلَى مَسْأَلَةِ قِيَامِ الْإِمَامِ لِزَائِدَةٍ قَوْلُهُ: [بَلْ يَجْلِسُ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ مُتَيَقِّنًا انْتِفَاءَ الْمُوجِبِ قَوْلُهُ: [وَهُوَ مُشْكِلٌ] : وَلَعَلَّهُ خَفَّفَ الْأَمْرَ فِي الْجَاهِلِ وَالْمُتَأَوِّلِ الْقَوْلَ

(وَإِنْ ظَنَّ) شَخْصٌ (الْإِمَامَ مُسَافِرًا) فَاقْتَدَى بِهِ (فَظَهَرَ خِلَافُهُ) وَأَنَّهُ مُقِيمٌ (أَعَادَ) الْمَأْمُومُ صَلَاتَهُ (أَبَدًا) لِبُطْلَانِهَا (كَعَكْسِهِ) ، بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ، فَإِذَا هُوَ مُسَافِرٌ؛ فَيُعِيدُ أَبَدًا (إنْ كَانَ) الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (مُسَافِرًا) ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ وَإِمَامُهُ نَوَى الْإِتْمَامَ فِي الْأُولَى، وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَدْ خَالَفَ إمَامَهُ نِيَّةً وَفِعْلًا، وَإِنْ أَتَمَّ مَعَهُ فَقَدْ خَالَفَ فِعْلُهُ نِيَّتَهُ. وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَهُوَ قَدْ نَوَى الْإِتْمَامَ لِظَنِّهِ أَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ، وَالْإِمَامُ قَدْ نَوَى الْقَصْرَ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ؛ فَإِنْ قَصَرَ مَعَهُ فَقَدْ خَالَفَ فِعْلُهُ نِيَّتَهُ. وَإِنْ أَتَمَّ بِمُقْتَضَى نِيَّتِهِ فَقَدْ خَالَفَ إمَامَهُ نِيَّةً وَفِعْلًا. وَاعْتَرَضَ بِاقْتِدَاءِ الْمُقِيمِ بِمُسَافِرٍ؛ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُقِيمَ دَخَلَ عَلَى مُخَالَفَةِ إمَامِهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَاغْتُفِرَ، وَهَذَا دَخَلَ عَلَى مُوَافَقَتِهِ فَأَخْطَأَ ظَنُّهُ فَلَمْ يُغْتَفَرْ. وَمَفْهُومُ " إنْ كَانَ مُسَافِرًا " أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقِيمًا صَحَّتْ فِيهِمَا، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَى الثَّانِيَةِ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لِإِمَامِهِ فَتَبَيَّنَ خَطَأُ ظَنِّهِ. (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) الْمُسَافِرُ (قَصْرًا وَلَا إتْمَامًا) بِأَنْ نَوَى الظُّهْرَ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (فَفِي صِحَّتِهَا) وَعَدَمِهَا (قَوْلَانِ) ، وَعَلَى الصِّحَّةِ (فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (أَوْ يُخَيَّرُ) فِي الْإِتْمَامِ وَالْقَصْرِ؟ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُسَافِرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِعَدَمِ جَوَازِ الْقَصْرِ أَوْ أَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ. قَوْلُهُ: [فَظَهَرَ خِلَافُهُ] : أَيْ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ بَلْ وَافَقَ ظَنَّهُ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ فَبَاطِلَةٌ أَيْضًا كَمَا فِي النَّقْلِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، فَالْمَفْهُومُ فِيهِ تَفْصِيلٌ. قَوْلُهُ: [نِيَّةً وَفِعْلًا] : أَيْ لِأَنَّ هَذَا الدَّاخِلَ نَوَى الْقَصْرَ وَسَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَالْإِمَامُ نَوَى الْإِتْمَامَ وَسَلَّمَ مِنْ أَرْبَعٍ. قَوْلُهُ: [فَقَدْ خَالَفَ فِعْلُهُ نِيَّتَهُ] : أَيْ فَهُوَ كَمَنْ نَوَى الْقَصْرَ وَأَتَمَّ عَمْدًا. قَوْلُهُ: [وَفَرَّقَ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَأْمُومَ هُنَا لَمَّا خَالَفَ سُنَّةً - وَهِيَ الْقَصْرُ - وَعَدَلَ إلَى الْإِتْمَامِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْإِمَامَ الْمُقِيمَ كَانَتْ نِيَّتُهُ مُعَلَّقَةً، فَكَأَنَّهُ نَوَى الْإِتْمَامَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ مُتِمًّا، وَقَدْ ظَهَرَ بُطْلَانُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَيَبْطُلُ الْمُعَلَّقُ وَهُوَ الْإِتْمَامُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ نَاوٍ الْإِتْمَامَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ)

[بعض آداب السفر]

الْقَصْرُ: (قَوْلَانِ) . (وَلَا تَجِبُ) عَلَى الْمُسَافِرِ (نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ السَّفَرِ) بَلْ عِنْدَ الصَّلَاةِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُتِمُّ إلَى أَنْ بَقِيَ مِنْ الْمَسَافَةِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَطُلِبَ مِنْهُ الْقَصْرُ. [بَعْض آدَاب السَّفَر] (وَنُدِبَ) لِلْمُسَافِرِ (تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ الرُّجُوعِ لِوَطَنِهِ بَعْدَ قَضَاءِ وَطَرِهِ. (وَ) نُدِبَ لَهُ (الدُّخُولُ نَهَارًا) - لَا خُصُوصُ الضُّحَى - وَكُرِهَ الطُّرُوقُ لَيْلًا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [النِّيَّة فِي قَصْر الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [قَوْلَانِ] : أَيْ سَوَاءٌ صَلَّاهَا حَضَرِيَّةً أَوْ سَفَرِيَّةً. هَذَا هُوَ الصَّوَابُ خِلَافًا لِ (عب) حَيْثُ قَالَ: مَحَلُّ التَّرَدُّدِ إنْ صَلَّاهَا سَفَرِيَّةً، وَإِلَّا صَحَّتْ اتِّفَاقًا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ فِي أَوَّلِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي السَّفَرِ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ نِيَّةُ الْقَصْرِ، فَإِنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى الصِّحَّةِ فِيمَا بَعْدُ إذَا قَصَرَ لِأَنَّ نِيَّةَ الْقَصْرِ قَدْ انْسَحَبَتْ عَلَيْهِ فَهِيَ مَوْجُودَةٌ حُكْمًا. وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا إذَا نَوَى الْإِتْمَامَ فِي أَوَّلِ صَلَاةٍ ثُمَّ تَرَكَ نِيَّةَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ فِيمَا بَعْدَهَا وَأَتَمَّ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لِلْمُسَافِرِ تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ] إلَخْ: أَيْ فَمُكْثُهُ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ خِلَافُ الْأَوْلَى، لِأَنَّهُ مِنْ ضَيَاعِ الزَّمَنِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَالْوَطَرُ هُوَ الْحَاجَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا} [الأحزاب: 37] أَيْ حَاجَةً. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لَهُ الدُّخُولُ نَهَارًا] : أَيْ وَيُكْرَهُ لَيْلًا فِي حَقِّ ذِي زَوْجَةٍ، فَفِي مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَطْلُبُ عَثَرَاتِهِمْ» (اهـ) وَالطُّرُوقُ: هُوَ الدُّخُولُ مِنْ بُعْدٍ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلسَّفَرِ أَنْ يَذْهَبَ لِإِخْوَانِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ

[جمع الصلاة]

(وَ) نُدِبَ لَهُ (اسْتِصْحَابُ هَدِيَّةٍ) لِعِيَالِهِ وَجِيرَانِهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي السُّرُورِ. وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مِنْ أَسْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُشْتَرَكَتَيْ الْوَقْتِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى جَمْعِهِمَا فِيهِ، وَأَتْبَعَهُمَا بِالْكَلَامِ عَلَى جَمْعِهِمَا فِي غَيْرِهِ. وَأَسْبَابُهُ سِتَّةٌ: السَّفَرُ، وَالْمَطَرُ، وَالْوَحْلُ مَعَ الظُّلْمَةِ، وَنَحْوَ الْإِغْمَاءِ، وَعَرَفَةَ، وَمُزْدَلِفَةَ - إلَّا أَنَّهُ أَخَّرَ الْأَخِيرَيْنِ لِمَحَلِّهِمَا - فَقَالَ: (وَرُخِّصَ) جَوَازًا (لَهُ) : أَيْ لِلْمُسَافِرِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (فِي جَمْعِ الظُّهْرَيْنِ) وَالْعِشَاءَيْنِ كَمَا يَأْتِي (بِبَرٍّ) : أَيْ فِيهِ لَا فِي بَحْرٍ؛ قَصْرًا لِلرُّخْصَةِ عَلَى مَوْرِدِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيُوَدِّعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ الدُّعَاءَ، وَأَنْ يُوَدِّعُوهُ وَيَدْعُوا لَهُ بِمَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ جَاءَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَيَلْتَمِسُ أَنْ يُزَوِّدَهُ فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَقَاك الرَّدَى، وَغَفَرَ ذَنْبَك، وَيَسَّرَكَ لِلْخَيْرِ حَيْثُمَا كُنْتَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ. وَأَمَّا إذَا قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ فَالْمُسْتَحَبُّ لِإِخْوَانِهِ أَنْ يَأْتُوا إلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا عَلَيْهِ، وَمَا يَقَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ الْوَدَاعِ فَأَنْكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ التَّاجُورِيُّ، وَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي السُّنَّةِ. وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: بَلْ وَرَدَ فِيهَا مَا يَدُلُّ لِجَوَازِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْكَرٍ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْقُدُومِ لَيْلًا - فِي حَقِّ ذِي الزَّوْجَةِ - كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ (عب) مِنْ اخْتِصَاصِ الْكَرَاهَةِ بِطُولِ الْغَيْبَةِ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ الْمَذْكُورَةِ لِغَيْرِ مَعْلُومِ الْقُدُومِ، وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَهْلُهُ بِوَقْتِ قُدُومِهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الطُّرُوقُ لَيْلًا، وَيُسْتَحَبُّ ابْتِدَاءُ دُخُولِهِ بِالْمَسْجِدِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لَهُ اسْتِصْحَابُ هَدِيَّةٍ] إلَخْ: أَيْ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهَا فِي الْأَحَادِيثِ. [جَمْعِ الصَّلَاة] قَوْلُهُ: [لِمَحَلِّهِمَا] : أَيْ وَهُوَ بَابُ الْحَجِّ. قَوْلُهُ: [رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً] : أَيْ وَسَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا عَلَى مَا فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالرَّاكِبِ. قَوْلُهُ: [بِبَرٍّ] إلَخْ: وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْبَحْرِ أَيْضًا.

(وَإِنْ قَصَرَ) السَّفَرَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ (أَوْ لَمْ يَجِدَّ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ وَلَمْ يَكُنْ حَثِيثًا (إنْ زَالَتْ الشَّمْسُ) عَلَى الْمُسَافِرِ حَالَ كَوْنِهِ (نَازِلًا) بِمَكَانٍ - مَنْهَلًا أَوْ غَيْرَهُ - (وَنَوَى) عِنْدَ الرَّحِيلِ قَبْلَ وَقْتِ الْقَصْرِ (النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ) ، فَيَجْمَعُهُمَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ؛ بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ، وَيُقَدِّمَ الْعَصْرَ فَيُصَلِّيهَا مَعَهَا قَبْلَ رَحِيلِهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لَهَا، اُغْتُفِرَ لِلْمَشَقَّةِ. (فَإِنْ نَوَاهُ) أَيْ النُّزُولَ (قَبْلَ) دُخُولِ (الِاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ) وُجُوبًا لِوَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ، فَإِنْ قَدَّمَهَا أَجْزَأَتْهُ (وَ) إنْ نَوَى النُّزُولَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ الِاصْفِرَارِ (خُيِّرَ فِيهَا) : أَيْ الْعَصْرِ إنْ شَاءَ قَدَّمَهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا وَهُوَ الْأَوْلَى. (وَإِنْ زَالَتْ) الشَّمْسُ عَلَيْهِ (سَائِرًا، أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ) : أَيْ النُّزُولَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِنْ قَصَرَ السَّفَرَ] إلَخْ: أَيْ وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي الْجَوَازِ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ جَمْعًا فَلَا إعَادَةَ بِالْأُولَى مِنْ الْقَصْرِ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَجِدْ] إلَخْ: أَيْ فَقَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَفِيهَا شَرْطُ الْجِدِّ بِالْكَسْرِ أَيْ الِاجْتِهَادِ فِي السَّيْرِ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [بِمَكَانٍ مَنْهَلًا أَوْ غَيْرَهُ] : أَيْ فَقَوْلُ خَلِيلٍ بِمَنْهَلٍ مُرَادُهُ مَكَانُ النُّزُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَاءٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْهَلُ فِي الْأَصْلِ مَكَانَ الْمَاءِ. قَوْلُهُ: [فَيَجْمَعُهُمَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ] : أَيْ وَيُؤَذِّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لَهَا] إلَخْ: أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ. قَوْلُهُ: [أَخَّرَ الْعَصْرَ وُجُوبًا] : أَيْ غَيْرَ شَرْطٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَإِنْ قَدَّمَهَا أَجْزَأَتْ أَيْ وَتُنْدَبُ إعَادَتُهَا بِالْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا وَهُوَ الْأَوْلَى] : أَيْ لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّهَا الْأَصْلِيُّ، وَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا حِينَئِذٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ مِنْ كَرَاهَتِهِ فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ. قَوْلُهُ: [أَخَّرَهُمَا] : قِيلَ وُجُوبًا كَمَا فِي الْأَصْلِ. وَفِيهِ شَيْءٌ؛ إذْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ جَوَازُ تَأْخِيرِهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ الْأُولَى جَائِزٌ وَالثَّانِيَةِ وَاجِبٌ لِنُزُولِهِ بِوَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ، كَذَا كَتَبَ وَالِدُ (عب) . وَلِلَّخْمِيِّ: أَنَّ تَأْخِيرَهُمَا

فِيهِ (أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا) - بِأَنْ نَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ - (فَفِي وَقْتَيْهِمَا) الِاخْتِيَارِيِّ؛ هَذِهِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَهَذِهِ أَوَّلُ وَقْتِهَا جَمْعًا صُورِيًّا، (كَمَنْ) زَالَتْ عَلَيْهِ سَائِرًا، وَلَكِنْ (لَا يَضْبِطُ نُزُولَهُ) : هَلْ يَنْزِلُ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا. (وَكَالْمَرِيضِ) - مَبْطُونًا أَوْ غَيْرَهُ - يَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا. (وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ) : أَيْ الْجَمْعِ الصُّورِيِّ بِكَرَاهَةٍ. (وَالْعِشَاءَانِ كَالظُّهْرَيْنِ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الرَّاجِحِ بِتَنْزِيلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ، وَالثُّلُثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ، وَمَا قَبْلَهُمَا مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ. وَأَشَارَ لِلْجَمْعِ بِسَبَبِ الْإِغْمَاءِ وَنَحْوِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ خَافَ إغْمَاءً أَوْ) حُمَّى (نَافِضًا أَوْ مَيْدًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ: أَيْ دَوْخَةٍ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ) الصَّلَاةِ (الثَّانِيَةِ) الْعَصْرِ أَوْ الْعِشَاءِ (قَدَّمَهَا) ـــــــــــــــــــــــــــــQجَائِزٌ أَيْ وَيَجُوزُ إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَلَوْ جَمْعًا صُورِيًّا، وَلَا يَجُوزُ جَمْعُهُمَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ لَكِنْ إنْ وَقَعَ فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ، وَنُدِبَ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَأْخِيرِهِمَا مُرَادُهُ عَدَمُ جَوَازِ تَقْدِيمِهِمَا مَعًا فَلَا يُنَافِي جَوَازَ إيقَاعِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَالْجَوَازُ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [جَمْعًا صُورِيًّا] : أَيْ وَيَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ. قَوْلُهُ: [وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ] : أَيْ وَلَكِنْ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ. قَوْلُهُ: [وَالْعِشَاءَانِ كَالظُّهْرَيْنِ] إلَخْ: وَعَلَيْهِ إذَا غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ نَازِلٌ وَنَوَى الِارْتِحَالَ وَالنُّزُولَ بَعْدَ الْفَجْرِ جَمَعَهُمَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ، وَإِنْ نَوَى النُّزُولَ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ أَخَّرَ الْعِشَاءَ وُجُوبًا، وَإِنْ نَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الثُّلُثِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ خُيِّرَ فِي الْعِشَاءِ، وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهَا لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّهَا الْأَصْلِيُّ، وَأَنَّ مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ سَائِرٌ وَنَوَى النُّزُولَ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَخَّرَهُمَا جَوَازًا عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنْ نَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْفَجْرِ جَمَعَ جَمْعًا صُورِيًّا بِنَاءً عَلَى امْتِدَادِ مُخْتَارِ الْمَغْرِبِ لِلشَّفَقِ.

أَيْ الثَّانِيَةَ عِنْدَ الْأَوْلَى جَوَازًا عَلَى الرَّاجِحِ، (فَإِنْ سَلِمَ) مِنْ الْإِغْمَاءِ وَمَا بَعْدَهُ - وَقَدْ كَانَ قَدَّمَ الثَّانِيَةَ (أَعَادَ الثَّانِيَةَ بِوَقْتٍ) ضَرُورِيٍّ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ وَلَمْ يَرْتَحِلْ فَلَا يُعِيدُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. ثُمَّ أَشَارَ لِجَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ خَاصَّةً لِأَحَدِ سَبَبَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَ) رُخِّصَ (فِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ) فَقَطْ جَمْعُ تَقْدِيمٍ (بِكُلِّ مَسْجِدٍ) تُقَامُ بِهِ الصَّلَاةُ وَلَوْ غَيْرَ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ (لِمَطَرٍ) وَاقِعٍ أَوْ مُتَوَقَّعٍ (أَوْ طِينٍ مَعَ ظُلْمَةٍ) لِآخِرِ الشَّهْرِ لَا لِغَيْمٍ وَلَا لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [جَوَازًا عَلَى الرَّاجِحِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَدْبًا عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ وَفِي (بْن) مَا يُفِيدُ اعْتِمَادَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: بِمَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَيُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ بِوَقْتِهَا بِقَدْرِ الطَّاقَةِ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ فَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ حَتَّى ذَهَبَ وَقْتُهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا. وَاسْتَظْهَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِغْرَاقِ الْإِغْمَاءِ لِلْوَقْتِ، فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى الْجَمْعِ، وَكَمَا إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَمُوتَ أَوْ تَحِيضَ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا الْجَمْعُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَالْحَيْضِ، بِأَنَّ الْحَيْضَ يُسْقِطُ الصَّلَاةَ قَطْعًا بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا، وَبِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْحَيْضِ أَنْ يَعُمَّ الْوَقْتَ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ كَبِيرٍ الْخَرَشِيِّ) . قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ جَمَعَ وَهُوَ نَاوٍ لِلِارْتِحَالِ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ عَدَمُهُ، وَأَمَّا لَوْ جَمَعَ وَهُوَ غَيْرُ نَاوٍ الِارْتِحَالَ فَيُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [لِمَطَرٍ] : أَوْ بَرَدٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ. وَأَمَّا الثَّلْجُ فَذُكِرَ فِي الْمِيعَادِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ سِرَاجٍ فَأَجَابَ بِأَنِّي لَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَثُرَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ نَفْضُهُ جَازَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَلَا. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) . قَوْلُهُ: [أَوْ مُتَوَقَّعٍ] : إنْ قُلْت الْمَطَرُ إنَّمَا يُبِيحُ الْجَمْعَ إذَا كَثُرَ، وَالْمُتَوَقَّعُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ؟ وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ عُلِمَ كَثْرَتُهُ بِالْقَرِينَةِ فَإِنْ تَخَلَّفَ وَلَمْ يَحْصُلْ فَيَنْبَغِي إعَادَةُ الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ سَلَامَةِ الْمُغْمَى - كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ. قَوْلُهُ: [أَوْ طِينٍ مَعَ ظُلْمَةٍ] : أَيْ بِشَرْطِ كَوْنِ الطِّينِ كَثِيرًا يَمْنَعُ أَوَاسِطَ النَّاسِ مِنْ لُبْسِ الْمَدَاسِ.

وَذَكَرَ صِفَةَ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (يُؤَذَّنُ لِلْمَغْرِبِ) عَلَى الْمَنَارِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ (كَالْعَادَةِ وَتُؤَخَّرُ) الصَّلَاةُ تَأْخِيرًا (قَلِيلًا) بِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ وَقْتُ الِاشْتِرَاكِ لِاخْتِصَاصِ الْأُولَى بِقَدْرِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْغُرُوبِ (ثُمَّ صُلِّيَا) أَيْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ (بِلَا فَصْلٍ) بَيْنَهُمَا بِنَفْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (إلَّا) فَصْلًا (بِأَذَانٍ لِلْعِشَاءِ مُنْخَفِضٍ) لَا يُرْفَعُ صَوْتٌ (فِي الْمَسْجِدِ) لَا عَلَى الْمَنَارِ (ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ) لِمَنَازِلِهِمْ (مِنْ غَيْرِ تَنَفُّلٍ) فِي الْمَسْجِدِ: أَيْ يُكْرَهُ بِحَمْلِ الْمَنْعِ فِي النَّفْلِ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ جَمَاعَةٍ (وَوَجَبَ نِيَّتُهُ) عِنْدَ الْأُولَى كَنِيَّةِ الْإِمَامَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) جَازَ الْجَمْعُ (لِمُنْفَرِدٍ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (بِالْمَغْرِبِ) : أَيْ عَنْ جَمَاعَةِ الْجَمْعِ وَلَوْ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ (يَجِدُهُمْ) فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ أَوْ غَيْرَهُ (بِالْعِشَاءِ) فَيَدْخُلُ مَعَهُمْ فِيهَا، وَيُغْتَفَرُ لَهُ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ صَلَاتِهِ الْمَغْرِبَ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتُؤَخَّرُ قَلِيلًا] : وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يُؤَخَّرُ الْمَغْرِبُ أَصْلًا. قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: وَهُوَ الصَّوَابُ إذْ لَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِهَا قَلِيلًا إذْ فِي ذَلِكَ خُرُوجُ الصَّلَاتَيْنِ مَعًا عَنْ وَقْتِهِمَا الْمُخْتَارِ. اُنْظُرْ: بْن (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَلَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَأْخِيرِهَا بِقَدْرِهَا إيقَاعُهَا فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ. قَوْلُهُ: [بِأَذَانٍ لِلْعِشَاءِ] : اعْلَمْ أَنَّ الْأَذَانَ لِلْعِشَاءِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مُسْتَحَبٌّ وَلِذَا جَرَى قَوْلَانِ فِي إعَادَتِهِ عِنْدَ غَيْبَةِ الشَّفَقِ. وَالْمُعْتَمَدُ إعَادَتُهُ لِأَجْلِ السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: [فِي الْمَسْجِدِ] : أَيْ عِنْدَ مِحْرَابِهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ بِصِحَّتِهِ لَا فَوْقَ الْمَنَارِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِئَلَّا يَلْبِسَ عَلَى النَّاسِ. قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ تَنَفُّلٍ] : أَيْ فَالْمُعْتَمَدُ كَرَاهَةُ النَّفْلِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَبَعْدَهُمَا وَلَوْ اسْتَمَرَّ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ، فَهَلْ يُطْلَبُ بِإِعَادَةِ الْعِشَاءِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ. وَقِيلَ: إنْ قَعَدَ الْكُلُّ أَوْ الْجُلُّ أَعَادُوا، وَإِلَّا فَلَا. وَاسْتَظْهَرَ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا. كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ الْجَمْعُ لِمُنْفَرِدٍ بِالْمَغْرِبِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ تُجْزِي عِنْدَ الثَّانِيَةِ، وَلِكَوْنِهِ تَابِعًا لَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَلَا يُنَافِي مَنْعَ الْجَمْعِ لَوْ حَدَثَ السَّبَبُ بَعْدَ الْأُولَى.

(وَ) جَازَ الْجَمْعُ (لِمُقِيمٍ بِمَسْجِدٍ) لِأَجْلِ اعْتِكَافٍ أَوْ مُجَاوَرَةٍ (تَبَعًا) لِلْجَمَاعَةِ (لَا اسْتِقْلَالًا) إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي إيقَاعِ الْعِشَاءِ بِوَقْتِهَا، (وَلَا لِجَارِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ) كَانَ مَرِيضًا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْمَسْجِدِ (أَوْ) كَانَ (امْرَأَةً) وَلَا يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ: أَيْ لَا يَجُوزُ لِجَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْمَعَ بِبَيْتِهِ تَبَعًا لِجَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ، بَلْ إمَّا أَنْ يَذْهَبَ لِلْمَسْجِدِ فَيَجْمَعُ مَعَهُمْ أَوْ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ بِوَقْتِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَجَازَ الْجَمْعُ لِمُقِيمٍ بِمَسْجِدٍ] : مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ فِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ: الْإِذْنُ الصَّادِقُ بِالنَّدْبِ لِأَنَّهُ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ. حَيْثُ كَانَ إمَامُ الْمَسْجِدِ مُعْتَكِفًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ إلَّا تَبَعًا، فَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ اسْتِخْلَافُ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ وَيُصَلِّي هُوَ مَأْمُومًا، وَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ. وَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بِمَسْجِدٍ لِشَخْصٍ مُنْفَرِدٍ غَيْرِ رَاتِبٍ إلَّا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ إذَا دَخَلَهَا فَوَجَدَ إمَامَهَا قَدْ جَمَعَ، صَلَّى الْمَغْرِبَ مَعَ الْعِشَاءِ جَمْعًا. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْخُلْ وَعَلِمَ أَنَّ إمَامَهَا قَدْ جَمَعَ فَلَا يُطَالَبُ بِدُخُولِهَا، وَيُبْقِي الْعِشَاءَ لِلشَّفَقِ. هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[فصل في شروط الجمعة]

فَصْلٌ: فِي شُرُوطِ الْجُمُعَةِ وَآدَابِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا وَمَوَانِعهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَلَهَا شُرُوطُ وُجُوبٍ وَهِيَ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهَا عَلَيْهَا، وَشُرُوطُ صِحَّةٍ وَهِيَ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَيْهَا. وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: (الْجُمُعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ) لَا كِفَايَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْجُمُعَةِ] [حُكْم الْجُمُعَةِ وَشَرْط وُجُوبهَا وفضل الْعَمَل فِيهَا] فَصْلٌ سُمِّيَتْ الْجُمُعَةُ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِالْأَرْضِ فِيهِ، وَقِيلَ: لِمَا جُمِعَ فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: لَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا لَهُ مَزِيَّةٌ عَنْ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ لِتِلْكَ الْحِجَّةِ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهَا. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حِجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَفِيهِ وَقْفَةٌ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُنَاوِيُّ - ذَكَرَهُ (شب) فِي شَرْحِهِ. (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [وَآدَابِهَا] : مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ السُّنَنَ. قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] : أَيْ مِنْ تَفَاصِيلِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ. وَأَعْقَبَهَا لِصَلَاةِ الْقَصْرِ لِكَوْنِهَا شِبْهَ ظُهْرٍ مَقْصُورَةً. قَوْلُهُ: [الْجُمُعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ] : الْأَشْهَرُ فِيهَا ضَمُّ الْمِيمِ وَبِهِ قَرَأَ جَمَاعَةٌ، وَحُكِيَ إسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا وَبِهِنَّ قُرِئَ شَاذًّا وَهِيَ بَدَلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي الْفِعْلِ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ: أَنَّ الظُّهْرَ شُرِعَتْ ابْتِدَاءً ثُمَّ شُرِعَتْ الْجُمُعَةُ بَدَلًا عَنْهَا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا عَنْهَا فِي الْفِعْلِ أَنَّهَا إذَا تَعَذَّرَ فِعْلُهَا أَجْزَأَتْ عَنْهَا الظُّهْرُ. (اهـ. خَرَشِيٌّ) . وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ، وَعَلَيْهِ فَهِيَ فَرْضُ يَوْمِهَا، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ شَاذٌّ إذْ لَوْ كَانَتْ بَدَلًا عَنْ الظُّهْرِ لَمْ يَصِحَّ فِعْلُهَا مَعَ إمْكَانِ فِعْلِهِ.

وَلَا تَتَوَقَّفُ إقَامَتُهَا ابْتِدَاءً عَلَى إذْنِ الْإِمَامِ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ. (عَلَى الذَّكَرِ الْحُرِّ) : أَيْ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ حُرٍّ لَا عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ رَقِيقٍ (غَيْرِ الْمَعْذُورِ) لَا عَلَى مَعْذُورٍ بِعُذْرٍ مِمَّا يَأْتِي، (الْمُقِيمِ بِبَلَدِهَا) : أَيْ بَلَدِ، الْجُمُعَةِ الْآتِي بَيَانُهُ (أَوْ) الْمُقِيمِ (بِقَرْيَةٍ) أَوْ خَيْمٍ فَلَا مَفْهُومَ لِقَرْيَةٍ (نَائِيَةٍ) : أَيْ خَارِجَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ (بِكَفَرْسَخٍ) ، ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ ثُلُثَ الْمِيلِ لَا أَكْثَرَ مُعْتَبَرًا (مِنْ الْمَنَارِ) ، فَتَجِبُ عَلَى الْمُقِيمِ الْمَذْكُورِ (وَإِنْ) كَانَ (غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ) ، بِبَلَدِهَا بِأَنْ كَانَ مُقِيمًا بِهِ لِمُجَاوَرَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ وَإِنْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ. فَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ إذَا لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحِينَئِذٍ فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَقْتَ سَعْيِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ. (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [وَلَا تَتَوَقَّفُ إقَامَتُهَا] إلَخْ: أَيْ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ الِاسْتِئْذَانُ فَقَطْ. وَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ إنْ مُنِعَ وَأَمِنُوا ضَرَرَهُ، وَإِلَّا لَمْ تُجِزْهُمْ لِأَنَّهَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي شُرُوطِهَا. وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الصِّحَّةَ. كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [لَا عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ رَقِيقٍ] : فَالْمَرْأَةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُسِنَّةً لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا. وَلَا تَجِبُ عَلَى عَبْدٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: [فَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ] : الْحَاصِلُ أَنَّ اشْتِرَاطَ هَذِهِ الشُّرُوطِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الظُّهْرُ، فَإِذَا حَضَرَهَا وَصَلَّاهَا حَصَلَ لَهُ ثَوَابُهَا مِنْ حَيْثُ الْحُضُورُ وَسَقَطَ عَنْهُ الظُّهْرُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ عَلَى التَّخْيِيرِ، إذْ لَوْ كَانَ حُضُورُهَا مَنْدُوبًا فَقَطْ لَوَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبِ. وَرُدَّ: بِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ أُمُورٍ مُتَسَاوِيَةٍ؛ بِأَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ إمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا. وَالشَّارِعُ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَ الْجُمُعَةِ الظُّهْرَ ابْتِدَاءً. لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْجُمُعَةُ فِيهَا الْوَاجِبُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا صَلَاةٌ، وَزِيَادَةٌ مِنْ حَيْثُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ وَالْخُطْبَةُ،

[شروط صحة الجمعة]

فَعُلِمَ أَنَّ شُرُوطَ وُجُوبِهَا: الذُّكُورِيَّةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لَهَا، وَالْإِقَامَةُ. وَلَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِهَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِهَا؛ لِأَنَّهُمَا شَرْطَانِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَلَا يُعَدُّ الشَّيْءُ شَرْطًا فِي شَيْءٍ إلَّا إذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوُضُوءَ وَسِتْرَ الْعَوْرَةِ لَا يُعَدَّانِ مِنْ شُرُوطِهِمَا؛ لِكَوْنِهِمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِهَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّتِهَا؛ وَهِيَ خَمْسَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، إذًا كُلُّ شَرْطٍ مِنْهَا لَهُ شُرُوطٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَرْطَ الشَّرْطِ شُرُوطٌ. فَقَالَ: (وَصِحَّتُهَا) : أَيْ وَشُرُوطُ صِحَّتِهَا خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا: الِاسْتِيطَانُ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْإِقَامَةِ لِأَنَّهُ الْإِقَامَةُ بِقَصْدِ التَّأْبِيدِ؛ الْإِقَامَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَفَتْ عَنْ الظُّهْرِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةٍ مَجْمُوعِهِ: لَا يَلْزَمُ هَذَا التَّعَبُ مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْوِي إذَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ الْفَرْضِيَّةَ فَلَمْ يَنُبْ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ، فَالنَّدْبُ مِنْ حَيْثُ سَعْيُهُ لِحُضُورِهَا فَقَطْ. (اهـ) . [شُرُوط صِحَّة الْجُمُعَةِ] قَوْلُهُ: [إذْ كُلُّ شَرْطٍ مِنْهَا لَهُ شُرُوطٌ] : عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: (خَمْسَةٌ) إجْمَالًا. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ شُرُوطَ الصِّحَّةِ إجْمَالًا خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا الِاسْتِيطَانُ وَلَهُ شَرْطَانِ: أَنْ يَكُونَ بِبَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ تِلْكَ الْقَرْيَةُ عَادَةً بِالْأَمْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالِاسْتِغْنَاءِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ الشَّارِحُ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي: حُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: كَوْنُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ. الثَّانِي: بَقَاؤُهُمْ مِنْ أَوَّلِ الْخُطْبَتَيْنِ لِلسَّلَامِ. الثَّالِثُ: كَوْنُهُمْ مَالِكِيِّينَ أَوْ حَنَفِيِّينَ أَوْ شَافِعِيِّينَ مُقَلِّدِينَ لِمَالِكٍ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى هَذَا الشَّارِحُ، وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْإِمَامُ. وَلَهُ شَرْطَانِ: كَوْنُهُ مُقِيمًا إنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْخَلِيفَةُ. وَكَوْنُهُ الْخَاطِبَ إلَّا لِعُذْرٍ؛ وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْخُطْبَتَانِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ لَهُمَا شُرُوطًا ثَمَانِيَةً، وَيُزَادُ تَاسِعٌ: وَهُوَ اتِّصَالُهُمَا بِالصَّلَاةِ. وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْجَامِعُ وَلَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. فَتَكَامَلَ تَفْصِيلُ شُرُوطِ الصِّحَّةِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الْإِقَامَةُ بِقَصْدِ التَّأْبِيدِ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ نَزَلَ جَمَاعَةٌ فِي بَلَدٍ خَرَابٍ مَثَلًا، وَنَوَوْا الْإِقَامَةَ فِيهِ مُدَّةً ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ فَأَرَادُوا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ،

أَعَمُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (بِاسْتِيطَانِ بَلَدٍ) : مَبْنِيَّةٍ بِطُوبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (أَوْ) اسْتِيطَانِ (أَخْصَاصٍ) مِنْ قَصَبٍ أَوْ أَعْوَادٍ تُرَمُّ بِحَشِيشٍ، (لَا خِيَمٍ) مِنْ شَعْرٍ أَوْ قُمَاشٍ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِهَا الِارْتِحَالُ فَأَشْبَهُوا الْمُسَافِرِينَ، نَعَمْ إنْ أَقَامُوا عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ بَلَدِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا تَبَعًا لِأَهْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَعْنَى كَوْنِ الِاسْتِيطَانِ شَرْطُ صِحَّةٍ أَنَّهُ لَوْلَاهُ مَا صَحَّتْ جُمُعَةٌ لِأَحَدٍ؛ وَكَمَا أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ هُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ، أَيْضًا؛ إذْ لَوْلَاهُ مَا وَجَبَتْ عَلَى أَحَدٍ جُمُعَةٌ. وَيُشْتَرَطُ لِهَذَا الشَّرْطِ شَرْطَانِ: الْأَوَّلُ كَوْنُهُ بِبَلَدٍ أَوْ خِصَاصٍ كَمَا قَدَّمْنَا. الثَّانِي: كَوْنُهُ (بِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى) أَيْ تُقَامُ وَتَسْتَغْنِي (بِهِمْ الْقَرْيَةُ) عَادَةً بِالْأَمْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالِاسْتِغْنَاءِ فِي مَعَاشِهِمْ الْعُرْفِيِّ عَنْ غَيْرِهِمْ. وَلَا يُحَدُّونَ بِحَدٍّ؛ كَمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَوْ كَانُوا لَا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِأَنْ كَانُوا مُسْتَنِدِينَ فِي مَعَاشِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ قَرْيَةِ الْجُمُعَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ تَبَعًا لَهُمْ، ـــــــــــــــــــــــــــــQبَلْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ إلَّا تَبَعًا لِمَنْ اسْتَوْفَى شُرُوطَ الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ: [وَمَعْنَى كَوْنِ الِاسْتِيطَانِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ كَوْنَ الْبَلَدِ مُسْتَوْطَنًا أَيْ: مَنْوِيًّا الْإِقَامَةُ فِيهِ عَلَى التَّأْبِيدِ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَاسْتِيطَانُ الشَّخْصِ فِي نَفْسِهِ شَرْطُ وُجُوبٍ. فَمَتَى كَانَ الْبَلَدُ مُسْتَوْطَنًا وَالْجَمَاعَةُ مُتَوَطِّنَةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَصَحَّتْ مِنْهُمْ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ الْبَلَدُ تَحْتَ حُكْمِ الْكُفَّارِ؛ كَمَا لَوْ تَغَلَّبُوا عَلَى بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَأَخَذُوهُ وَلَمْ يَمْنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ التَّوَطُّنِ وَلَا مِنْ إقَامَةِ الشَّعَائِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [كَوْنُهُ بِبَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ] : أَيْ لَا خِيَمٍ فَلَا تَجِبُ إلَّا تَبَعًا. قَوْلُهُ: [بِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى] إلَخْ: أَيْ قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: بِأَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ الْأُمُورَ الْغَالِبَةَ، وَلَا يَضُرُّ خَوْفُهُمْ مِنْ الْجُيُوشِ الْكَثِيرَةِ لِأَنَّ هَذَا يُوجَدُ فِي الْمُدُنِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَمْنُ بِنَفْسِ الْعَدَدِ فَلَا يُعْتَبَرُ جَاهٌ وَلَا اعْتِقَادُ وِلَايَةٍ مَثَلًا لِأَنَّ الْأَمْنَ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ جِدًّا. (اهـ) .

وَإِنْ كَانُوا خَارِجِينَ عَنْ كَفَرْسَخٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْخِيَمِ، وَلَوْ أَحْدَثَ جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بَلَدًا عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ اسْتِقْلَالًا. الشَّرْطُ الثَّانِي: حُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا لِصَلَاتِهَا وَسَمَاعِ الْخُطْبَتَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَحُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ) رَجُلًا لِلصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، وَيُشْتَرَطُ لِهَذَا الشَّرْطِ شَرْطَانِ أَيْضًا: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونُوا (مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ الْمُقِيمِينَ بِهِ لِنَحْوِ تِجَارَةٍ إذَا لَمْ يَحْضُرْهَا الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْمُسْتَوْطِنِينَ بِالْبَلَدِ. الثَّانِي أَنْ يَكُونُوا (بَاقِينَ) مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ (لِسَلَامِهَا) أَيْ إلَى السَّلَامِ مِنْ صَلَاتِهَا، أَيْ سَلَامِ جَمِيعِهِمْ، فَلَوْ فَسَدَتْ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ، وَحُضُورُ مَنْ ذُكِرَ شَرْطُ صِحَّةٍ (وَإِنْ) كَانَ (فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ) أُقِيمَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَأَهْلِ الْخِيَمِ] : تَشْبِيهٌ تَامٌّ فِي التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَحْدَثَ جَمَاعَةٌ] إلَخْ: فَعَلَى هَذَا يُسَوَّغُ لِلْكُفُورِ الَّتِي تَحْدُثُ بِجَانِبِ الْقُرَى إحْدَاثُ جُمُعَةٍ اسْتِقْلَالًا. قَوْلُهُ: [وَحُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا] : أَيْ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَأَنْ يَكُونُوا مَالِكِيِّينَ أَوْ حَنَفِيِّينَ أَوْ شَافِعِيِّينَ قَلَّدُوا وَاحِدًا مِنْهُمَا، لَا إنْ لَمْ يُقَلِّدُوا. فَلَا تَصِحُّ جُمُعَةُ الْمَالِكِيِّ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ شَافِعِيِّينَ لَمْ يُقَلِّدُوا. لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا عِنْدَهُمْ أَرْبَعُونَ يَحْفَظُونَ الْفَاتِحَةَ بِشَدَّاتِهَا. قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ] : أَيْ وَلَوْ دَخَلَ بَدَلَهُ مَسْبُوقٌ فَاتَتْهُ الْخُطْبَةُ.

بِهَذَا الْبَلَدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ حُضُورُ جَمِيعِ أَهْلِ الْبَلَدِ جَزْمًا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْإِمَامُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِمَامٌ مُقِيمٌ) فَلَا تَصِحُّ أَفْذَاذًا. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِقَامَةُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَطِّنًا كَمَا أَشَرْنَا لَهُ بِالْوَصْفِ وَأَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَاطِبُ، فَلَوْ صَلَّى بِهِمْ غَيْرُ الْخَاطِبِ لَمْ تَصِحَّ إلَّا لِعُذْرٍ يُبِيحُ الِاسْتِخْلَافَ كَرُعَافٍ وَنَقْضِ وُضُوءٍ، وَجَبَ انْتِظَارُهُ إنْ قَرُبَ زَوَالُ الْعُذْرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَكَوْنُهُ الْخَاطِبَ، إلَّا لِعُذْرٍ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الصَّوَابُ] : أَيْ وَهُوَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ وُجُودُهُمْ فِيهَا شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا الْجُمُعَةَ بِالْفِعْلِ. وَالِاثْنَا عَشَرَ حُضُورُهُمْ شَرْطُ صِحَّةٍ تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَى حُضُورِهِمْ بِالْفِعْلِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا. فَلَوْ تَفَرَّقَ مَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي أَشْغَالِهِمْ - وَلَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَالْإِمَامُ - جَمَعُوا، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِقَامَةُ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ ابْنُ غَلَّابٍ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، فَلَوْ اجْتَمَعَ شَخْصٌ مُقِيمٌ وَاثْنَا عَشَرَ مُتَوَطِّنُونَ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ إمَامًا لَهُمْ. وَيُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ: شَخْصٌ إنْ صَلَّى إمَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَأْمُومِيهِ، وَإِنْ صَلَّى مَأْمُومًا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ (اُنْظُرْ المج) . قَوْلُهُ: [وَجَبَ انْتِظَارُهُ] : أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّ ذَلِكَ الْعُذْرَ طَرَأَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ تَمَامِهَا أَوْ بَعْدَهُ، أَمَّا لَوْ حَصَلَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الِاخْتِيَارِيِّ مَا يَسَعُ الْخُطْبَةَ وَالْجُمُعَةَ، ثُمَّ يُصَلُّونَهَا إذَا أَمْكَنَهُمْ الْجُمُعَةُ دُونَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُمْ الْجُمُعَةُ دُونَهُ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الظُّهْرَ ثُمَّ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ أَفْذَاذًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ. (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [إنْ قَرُبَ زَوَالُ الْعُذْرِ] : وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: بِقَدْرِ أُولَتَيْ الرُّبَاعِيَّةِ، وَالْقِرَاءَةُ فِيهِمَا بِالْفَاتِحَةِ وَمَا تَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ السُّورَةِ.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ الْخُطْبَتَانِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَبِخُطْبَتَيْنِ) بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ. أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ قِيَامٍ) ، وَقِيلَ الْقِيَامُ فِيهِمَا سُنَّةٌ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، فَإِنْ جَلَسَ أَتَمَّ وَصَحَّتْ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَا (بَعْدَ الزَّوَالِ) فَإِنْ تَقَدَّمَتَا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَا (مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خُطْبَةً) وَلَوْ سَجْعَتَيْنِ نَحْوَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَ، وَانْتَهُوا عَمَّا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ. فَإِنْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ كَبَّرَ لَمْ يُجْزِهِ. وَرَابِعُهَا: (دَاخِلُ الْمَسْجِدِ) فَلَوْ خَطَبَهُمَا خَارِجَهُ لَمْ يَصِحَّا. وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَا (قَبْلَ الصَّلَاةِ) فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ قَبْلَهُمَا (فَإِنْ أَخَّرَهُمَا) عَنْهُمَا (أُعِيدَتْ) الصَّلَاةُ (إنْ قَرُبَ) الزَّمَنُ عُرْفًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنْ طَالَ أُعِيدَتَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الصَّلَاةِ كَرَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، فَالطُّولُ وَالْقُرْبُ كَالْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْبِنَاءِ. وَسَادِسُهَا، أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (يَحْضُرُهُمَا الْجَمَاعَةُ) الِاثْنَا عَشَرَ؛ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا مِنْ أَوَّلِهِمَا لَمْ يُجْزِيَا لِأَنَّهُمَا كَرَكْعَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَبَقِيَ شَرْطَانِ: أَنْ يَجْهَرَ بِهِمَا وَأَنْ يَكُونَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ لِأَعْجَمِيِّينَ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْجَامِعُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِإِجْزَاءِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [كَالْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْبِنَاءِ] : أَيْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَهُوَ الْعُرْفُ، أَوْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَوْلُهُ: [يَحْضُرُهُمَا الْجَمَاعَةُ] : أَيْ سَوَاءٌ حَصَلَ مِنْهُمْ إصْغَاءٌ أَمْ لَا، فَاَلَّذِي هُوَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ الْحُضُورُ لَا الِاسْتِمَاعُ وَالْإِصْغَاءُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ حُضُورَ الْخُطْبَةِ فَرْضُ عَيْنٍ وَلَوْ كَثُرَ الْعَدَدُ جِدًّا، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَيْنِيَّةَ إذَا كَانَ الْعَدَدُ اثْنَيْ عَشَرَ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الْخُطْبَةِ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَجْهَرَ بِهَا] أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ صُمًّا. قَوْلُهُ: [وَأَنْ يَكُونَا بِالْعَرَبِيَّةِ] : فَلَوْ كَانَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُ الْإِتْيَانَ بِالْخُطْبَةِ

[شروط الجامع في صلاة الجمعة]

(وَبِجَامِعٍ) فَلَا تَصِحُّ فِي الْبُيُوتِ، وَلَا فِي بَرَاحٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا فِي خَانٍ، وَلَا فِي رَحْبَةِ دَارٍ. وَلَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ بِنَاؤُهُ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا، وَمُتَّصِلًا بِالْبَلَدِ. وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (مَبْنِيٍّ) فَلَا تَصِحُّ فِيمَا حُوِّطَ عَلَيْهِ بِزَرْبٍ أَوْ أَحْجَارٍ أَوْ طُوبٍ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ (عَلَى عَادَتِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَيَشْمَلُ بِنَاءَهُ مِنْ بُوصٍ لِأَهْلِ الْأَخْصَاصِ لَا لِغَيْرِهِمْ (مُتَّحِدٍ) بِالْبَلَدِ. (فَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْعَتِيقُ) : هُوَ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْعَتِيقِ مَا أُقِيمَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ ابْتِدَاءً وَلَوْ تَأَخَّرَ بِنَاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ فَالْجُمُعَةُ لَهُ، (وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءٌ) أَيْ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فِيهِ عَنْ الْجَدِيدِ فَالصَّلَاةُ فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ سَبَقَتْ فَاسِدَةً مَا لَمْ يُهْجَرْ الْعَتِيقُ، فَالْجُمُعَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مُتَّحِدَةً فِي الْبَلَدِ مَتَى ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يَلْزَمْهُمْ جُمُعَةٌ. [شُرُوط الْجَامِع فِي صَلَاة الْجُمُعَةِ] قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ فِي الْبُيُوتِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْجِدًا إلَّا إذَا كَانَ ذَا بِنَاءٍ مُعْتَادٍ خَارِجًا لِلَّهِ لِخُصُوصِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] . قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْعَتِيقُ] : أَيْ وَلَا تَصِحُّ فِي الْجَدِيدِ، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ السُّلْطَانُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَتِيقٌ بِأَنْ بُنِيَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُصَلِّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ فِيمَا أُقِيمَتْ فِيهِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنْ أُقِيمَتْ فِيهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّتْ لِلسَّابِقِ بِالْإِحْرَامِ إنْ عَلِمَ وَإِلَّا حُكِمَ بِفَسَادِهَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ، وَوَجَبَ إعَادَتُهَا لِلشَّكِّ فِي السَّبْقِ جُمُعَةً إنْ كَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا وَإِلَّا ظُهْرًا. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالْعَتِيقِ] إلَخْ: أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْعَتَاقَةَ تُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبِنَاءِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءُ] : أَيْ فِي غَيْرِ الْمَرَّةِ الْأُولَى الَّتِي صَارَ بِهَا عَتِيقًا. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يُهْجَرْ الْعَتِيقُ] : أَيْ وَيَنْقُلُونَهَا لِلْجَدِيدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْهَجْرُ لِلْعَتِيقِ لِمُوجِبٍ أَوْ لِغَيْرِهِ. وَظَاهِرُهُ: دَخَلُوا عَلَى دَوَامِ هِجْرَانِ الْعَتِيقِ أَوْ عَلَى عَدَمِ دَوَامِ ذَلِكَ، فَإِنْ رَجَعُوا لِلْعَتِيقِ مَعَ الْجَدِيدِ فَالْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَنَاسَى الْأَوَّلُ

أُقِيمَتْ لَا تُصَلَّى بِجَمَاعَةٍ بَعْدُ لَا فِي الْعَتِيقِ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنْ صُلِّيَتْ فِي غَيْرِهِ قَبْلَهُ فَبَاطِلَةٌ (مُتَّصِلٌ بِبَلَدِهَا) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ انْفَصَلَ عَنْهَا انْفِصَالًا يَسِيرًا عُرْفًا (لَا إنْ انْفَصَلَ كَثِيرًا) فَلَا تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ (أَوْ خَفَّ بِنَاؤُهُ) عَنْ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ فَلَا تَصِحُّ فِيهِ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: [عَلَى عَادَاتِهِمْ] . ثُمَّ أَشَارَ لِنَفْيِ أُمُورٍ قِيلَ بِشَرْطِيَّتِهَا، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا بِقَوْلِهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْمَرَّةِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلثَّانِي. قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ - إذَا اجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدٍ - تُبِيحُ التَّعَدُّدَ كَالضِّيقِ، وَأَمَّا خَوْفُ شَخْصٍ وَحْدَهُ فَهُوَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ، وَلَا يُحْدِثُ لَهُ مَسْجِدًا أَوْ يَأْخُذُ مَعَهُ جَمَاعَةً. وَالضِّيقُ عَلَى مَنْ يُخَاطَبُ بِهَا شَرْعًا وَلَعَلَّهُ إنْ خَشِيَ مِنْ التَّوْسِعَةِ التَّخْلِيطَ وَإِلَّا فَيُجْبَرُ الْمُلَّاكُ عَلَى التَّوْسِعَةِ. (اهـ.) وَمِثْلُ هَجْرِ الْعَتِيقِ حُكْمُ حَاكِمٍ بِصِحَّتِهَا فِي الْجَدِيدِ تَبَعًا لِحُكْمِهِ بِصِحَّةِ عِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا عَلَّقَ سَيِّدُهُ عِتْقَهُ عَلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، بِأَنْ يَقُولَ بَانِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرُهُ لِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ مَمْلُوكٍ لَهُ: إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَعْدَ الصَّلَاةِ فِيهِ يَذْهَبُ ذَلِكَ الْعَبْدُ إلَى الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ فَيَقُولُ ادَّعَى عَلَيَّ سَيِّدِي أَنَّهُ عَلَّقَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ عِتْقِي، وَقَدْ صَلَّيْت الْجُمُعَةَ فِيهِ، فَيَقُولُ ذَلِكَ الْقَاضِي حَكَمْت بِعِتْقِك فَيَسْرِي حُكْمُهُ بِالْعِتْقِ إلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ السَّابِقَةِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ، فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ تَابِعٌ لِلْحُكْمِ بِالْعِتْقِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُعَلَّقِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِحُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْكَمُ بِالصِّحَّةِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْحَاكِمَ لَا يُدْخِلُ الْعِبَادَاتِ اسْتِقْلَالًا، بَلْ تَبَعًا كَمَا لِلْقَرَافِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، خِلَافًا لِابْنِ رُشْدٍ حَيْثُ قَالَ: حُكْمُ الْحَاكِمِ يُدْخِلُهَا اسْتِقْلَالًا كَالْمُعَامَلَاتِ قَوْلُهُ: [حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا] إلَخْ: وَلَا يَضُرُّ خَرَابُ مَا حَوْلَهُ، وَفِي الْحَطَّابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الِانْفِصَالَ الْيَسِيرَ هُوَ أَنْ يَنْعَكِسَ عَلَيْهِ دُخَانُهَا، وَحَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا أَوْ بَاعًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ خَفَّ بِنَاؤُهُ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ يَبْنُونَ بِالْأَحْجَارِ أَوْ بِالطُّوبِ الْمَحْرُوقِ وَبِنَاؤُهُ بِالنِّيءِ، أَوْ كَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ يَبْنُونَ بِالنِّيءِ وَبِنَاؤُهُ بِالْبُوصِ.

(وَلَا يُشْتَرَطُ سَقْفُهُ) عَلَى الرَّاجِحِ (وَلَا قَصْدُ تَأْبِيدِهَا) : أَيْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ (بِهِ) : أَيْ فِيهِ، فَتَصِحُّ فِي مَسْجِدٍ قَصَدُوا بَعْدَ مُدَّةٍ الِانْتِقَالَ لِغَيْرِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، (أَوْ إقَامَةُ) الصَّلَوَاتِ (الْخَمْسِ) فِيهِ لَا يُشْتَرَطُ فَتَصِحُّ فِي جَامِعٍ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ إلَّا الْجُمُعَةُ. (وَصَحَّتْ) الْجُمُعَةُ (بِرَحْبَتِهِ) وَهِيَ مَا زِيدَ خَارِجَ مُحِيطِهِ لِتَوْسِعَتِهِ (وَطُرُقِهِ الْمُتَّصِلَةِ) بِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلِ بُيُوتٍ أَوْ حَوَانِيتَ أَوْ أَشْيَاءَ مَحْجُورَةٍ (مُطْلَقًا) ضَاقَ الْمَسْجِدُ أَوْ اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ أَمْ لَا. (وَمُنِعَتْ) الْجُمُعَةُ (بِهِمَا) أَيْ بِالرَّحْبَةِ وَالطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ - وَإِنْ صَحَّتْ - (إنْ انْتَفَى الضِّيقُ وَ) انْتَفَى (اتِّصَالُ الصُّفُوفِ) . وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ ضَعِيفٌ. (لَا) تَصِحُّ (بِسَطْحِهِ) ، وَلَوْ ضَاقَ بِالنَّاسِ. (وَلَا بِمَا) أَيْ بِكُلِّ مَكَان (حِجْرٍ) أَيْ كَانَ مَحْجُورًا (كَبَيْتِ قَنَادِيلِهِ) أَوْ حُصْرِهِ أَوْ خُلُوِّهِ لِخَادِمٍ مِنْ خَدَمَتِهِ كَمُؤَذِّنٍ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ سَقْفُهُ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا. قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِبُيُوتٍ] إلَخْ: أَيْ فَلَوْ فُصِلَ بَيْنَ حِيطَانِهِ وَالطُّرُقِ بِحَوَانِيتَ كَالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ بِمِصْرَ، فَظَاهِرُهُ يَضُرُّ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّيْخِ سَالِمٍ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ قَوْلُهُ: [مُنِعَتْ الْجُمُعَةُ] إلَخْ: أَيْ كُرِهَتْ كَرَاهَةً شَدِيدَةً كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ الْمَدَارِسُ الَّتِي حَوْلَ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، وَأَمَّا الْأَرْوِقَةُ الَّتِي فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ فَتُصْبِحُ الْجُمُعَةُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مَا لَمْ تَكُنْ مَحْجُورَةً، وَإِلَّا كَانَتْ كَبَيْتِ الْقَنَادِيلِ وَمَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ كَمَقَامِ أَبِي مَحْمُودٍ الْحَنَفِيِّ أَوْ الْحُسَيْنِ أَوْ السَّيِّدَةِ مِنْ قَبِيلِ الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ، فَتَصِحُّ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَقَامُ لَا يُفْتَحُ إلَّا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ. قَوْلُهُ: [لَا تَصِحُّ بِسَطْحِهِ] إلَخْ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ صِحَّتَهَا بِدَكَّةِ الْمُبَلِّغِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ تَكُنْ مَحْجُورَةً فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ سَطْحِهِ وَالطُّرُقِ أَنَّ الطُّرُقَ مُتَّصِلَةٌ بِأَرْضِهِ، فَتَصِحُّ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ أَعْلَى مِنْ السَّطْحِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا

[سنن الجمعة ومندوباتها]

(وَسُنَّ) حَالَ الْخُطْبَةِ (اسْتِقْبَالُ الْخَطِيبِ) بِذَاتِهِ لَا اسْتِقْبَالُ جِهَتِهِ فَقَطْ. وَقِيلَ: يَجِبُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْكَلَامِ وَاسْتِقْبَالُهُ وَالْإِنْصَاتُ إلَيْهِ. وَهَذَا لَا يُمْكِنُ لِجَمِيعِ النَّاسِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَا الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ؛ أَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَلِأَنَّ الْمِنْبَرَ بِجَانِبِ الْمَقَامِ وَالْمَطَافُ حَائِلٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ فَإِذَا رَقَى الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَبَاقِيهِمْ فِي الْمَطَافِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ خَلْفَ الْبَيْتِ وَجَوَانِبِهِ. وَأَمَّا الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ فَإِنَّ زِيَادَةَ عُثْمَانَ خَلْفَ الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ وَخَلْفَ الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ مِنْ الْجِهَةِ الْقِبْلِيَّةِ، فَالْجَالِسُ فِيهَا يَكُونُ خَلْفَ ظَهْرِ الْخَطِيبِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ نَزَلَ وَتَخَطَّى الصُّفُوفَ حَتَّى يَصِلَ لِلْمِحْرَابِ الَّذِي فِي الزِّيَادَةِ (وَ) سُنَّ (جُلُوسُهُ) أَيْ الْخَطِيبِ (أَوَّلَ كُلِّ خُطْبَةٍ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْأُولَى وَأَوَّلِ الثَّانِيَةِ. (وَ) سُنَّ (غُسْلٌ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ) الْجُمُعَةُ كَالْمُسَافِرِينَ وَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى السَّطْحِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ بِصِحَّتِهَا عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَهُوَ لِمَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، قَالُوا وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ابْتِدَاءً وَقِيلَ بِصِحَّتِهَا عَلَيْهِ لِلْمُؤَذِّنِ لَا غَيْرِهِ وَقِيلَ إنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى سَطْحِهِ. [سُنَن الْجُمُعَةِ وَمَنْدُوبَاتهَا] قَوْلُهُ: [وَسُنَّ حَالَ الْخُطْبَةِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَقْبِلُوهُ بِوُجُوهِكُمْ وَارْمُقُوهُ بِأَجْفَانِكُمْ» وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ طَلَبُ اسْتِقْبَالِهِ بِمُجَرَّدِ قُعُودِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ، لَكِنَّ الَّذِي فِي (عب) أَنَّ طَلَبَ اسْتِقْبَالِهِ عِنْدَ نُطِقْهُ لَا قَبْلَهُ وَلَوْ كَانَ قَبْلَ النُّطْقِ جَالِسًا عَلَى الْمِنْبَرِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَجِبُ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ (ح) وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ السُّنِّيَّةُ. وَقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَظَاهِرُهُ طَلَبُ الِاسْتِقْبَالِ حَتَّى لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [وَالْمَطَافُ حَائِلٌ] : الْمُنَاسِبُ طَرِيقٌ. قَوْلُهُ: [وَسُنَّ جُلُوسُهُ] : قَالَ ابْنُ عَاتٍ قَدْرَ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ] : وَلَا يُشْكِلُ كَوْنُ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ

(وَصِحَّتُهُ) : أَيْ الْغُسْلِ: (بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ (وَاتِّصَالُهُ بِالرَّوَاحِ) إلَى الْمَسْجِدِ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ (فَإِنْ فَصَلَ كَثِيرًا أَوْ تَغَذَّى) خَارِجَهُ (أَوْ نَامَ خَارِجَهُ اخْتِيَارًا) أَوْ اضْطِرَارًا وَطَالَ (أَعَادَهُ) لِبُطْلَانِهِ. (وَنُدِبَ) لِمُرِيدِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (تَحْسِينُ هَيْئَةٍ) : مِنْ قَصِّ شَارِبٍ، وَأَظْفَارٍ، وَحَلْقِ عَانَةٍ، وَنَتْفِ إبْطٍ - إنْ احْتَاجَ لِذَلِكَ - وَسِوَاكٍ؛ وَقَدْ يَجِبُ لِإِزَالَةِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ كَبَصَلٍ. (وَجَمِيلُ ثِيَابٍ) وَأَفْضَلُهَا الْأَبْيَضُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQسُنَّةً مَعَ أَنَّ نَفْسَ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِ مَنْدُوبَةٌ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَهَا وَاجِبٌ وَإِنْ شِئْت فَانْظُرْ إلَى السُّورَةِ وَنَحْوِهَا فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَاتِّصَالُهُ بِالرَّوَاحِ] : اسْتَعْمَلَ الرَّوَاحَ فِيمَا قَارَبَ الزَّوَالَ، وَإِلَّا فَالرَّوَاحُ فِي الْأَصْلِ السَّيْرُ بَعْدَ الزَّوَالِ هَكَذَا قِيلَ، وَلَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الرَّوَاحَ هُوَ الذَّهَابُ مُطْلَقًا لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ خِلَافًا لِجَمْعٍ. فَالْمَطْلُوبُ عِنْدَنَا هُوَ وَقْتُ الْهَاجِرَةِ فَلَوْ رَاحَ قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِغُسْلِهِ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ - يُجْزِيهِ وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ. قَوْلُهُ: [أَوْ تَغَذَّى خَارِجَهُ] إلَخْ: وَأَمَّا إنْ تَغَذَّى أَوْ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي ذَهَابِهِ إلَيْهِ فَلَا يَضُرُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [اخْتِيَارًا] : رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا لِلنَّوْمِ فَقَطْ كَمَا قِيلَ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لِمُرِيدِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] : الْمُرَادُ التَّأَكُّدُ، وَإِلَّا فَتَحْسِينُهَا مَنْدُوبٌ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: [وَأَفْضَلُهَا الْأَبْيَضُ] : اعْلَمْ أَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَنْدُوبٌ لَا لِأَجْلِ الْيَوْمِ بَلْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، فَيَجُوزُ لُبْسُ الْبَيَاضِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَيُلْبَسُ الْأَبْيَضُ فِيهَا. بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّ لُبْسَ الْجَدِيدِ فِيهِ مَنْدُوبٌ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ. فَإِنْ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدٍ لَبِسَ الْجَدِيدَ غَيْرَ الْأَبْيَضِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَبْيَضَ عِنْدَ حُضُورِهَا.

(وَتَطْيِيبٌ لِغَيْرِ نِسَاءٍ) وَيَحْرُمُ التَّجْمِيلُ بِالثِّيَابِ وَالطِّيبِ عَلَيْهِنَّ لِتَعَلُّقِ الرِّجَالِ بِهِنَّ. (وَمَشْيٌ) فِي الذَّهَابِ فَقَطْ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ. (وَتَهْجِيرٌ) أَيْ ذَهَابٌ فِي الْهَاجِرَةِ وَالْمُرَادُ بِهَا السَّاعَةُ السَّادِسَةُ الَّتِي يَلِيهَا الزَّوَالُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَطْيِيبٌ] : إنَّمَا نُدِبَ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ يَوْمَهَا لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَقِفُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَرُبَّمَا صَافَحُوهُ أَوْ لَمَسُوهُ. قَوْلُهُ: [وَمَشَى فِي الذَّهَابِ] : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ عَبْدٌ ذَاهِبٌ لِمَوْلَاهُ فَيُطْلَبُ مِنْهُ التَّوَاضُعُ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي إقْبَالِهِ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدِمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ فِي طَاعَتِهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» وَشَأْنُ الْمَاشِي الِاغْبِرَارُ وَإِنْ اتَّفَقَ عَدَمُ الِاغْبِرَارِ فِيمَنْ مَنْزِلُهُ قَرِيبٌ، وَاغْبِرَارُ قَدَمَيْ الرَّاكِبِ نَادِرٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاغْبِرَارَ لَازِمٌ لِلْمَشْيِ عَادَةً فَأُطْلِقَ اسْمُ اللَّازِمِ وَأُرِيدَ الْمَلْزُومُ الَّذِي هُوَ الْمَشْيُ عَلَى طَرِيقِ الْكِنَايَةِ. قَوْلُهُ: [فَقَطْ] : أَيْ وَأَمَّا فِي رُجُوعِهِ فَلَا يُنْدَبُ الْمَشْيُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ قَدْ حَصَلَ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِهَا السَّاعَةُ السَّادِسَةُ] : أَيْ وَهِيَ الْمُقَسَّمَةُ إلَى السَّاعَاتِ أَيْ الْأَجْزَاءِ فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ

(وَتَقْصِيرُ الْخُطْبَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ) مِنْ الْأُولَى، أَيْ يُنْدَبُ كَوْنُهَا أَقْصَرَ. (وَ) نُدِبَ (رَفْعُ صَوْتِهِ بِهِمَا) زِيَادَةً عَلَى أَصْلِ الْجَهْرِ الْوَاجِبِ. (وَبَدْؤُهُمَا بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَأَوْجَبَهُمَا الشَّافِعِيُّ كَمَا أَوْجَبَ الِاسْتِغْفَارَ وَأَمَرَ بِالتَّقْوَى وَلَوْ فِي أَحَدِهِمَا. (وَخَتَمَ الثَّانِيَةَ بِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ) . (وَأَجْزَأَ) فِي النَّدْبِ (اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ) . (وَ) نُدِبَ (قِرَاءَةٌ فِيهِمَا) وَلَوْ آيَةً وَالْأُولَى سُورَةٌ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَرُوِيَ: " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] إلَى قَوْله تَعَالَى: {فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71] ، وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْقِرَاءَةَ وَجَعَلَ أَرْكَانَهَا خَمْسَةً الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْقِرَاءَةَ؛ فَيَكْفِي عِنْدَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQتِلْكَ السَّاعَاتِ أَجْزَاءٌ لِلسَّادِسَةِ الَّتِي يَلِيهَا الزَّوَالُ هُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَشَهَّرَهُ الرَّجْرَاجِيُّ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ الْقَائِلِ: إنَّهُ تَقْسِيمٌ لِلسَّاعَةِ السَّابِعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُطْلَبُ خُرُوجُهُ فِي أَوَّلِهَا وَبِخُرُوجِهِ تَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ لِسَمَاعِ الذِّكْرِ. قَوْلُهُ: [وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ] : أَيْ وَكَذَا يُنْدَبُ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّخْفِيفَ لِكُلِّ إمَامٍ مَطْلُوبٌ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ رَفْعُ صَوْتِهِ بِهِمَا] إلَخْ: وَلِذَلِكَ نُدِبَ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَكُونَ مُرْتَفِعًا عَلَى مِنْبَرٍ. قَوْلُهُ: [وَأَجْزَأَ فِي النَّدْبِ: اُذْكُرُوا اللَّهَ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا خَتْمُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90] الْآيَةَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِي خَتْمِهَا وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَ فِي آخِرِهَا: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90] عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَإِنَّهُ أَحْدَثَ ذَلِكَ بَدَلًا عَمَّا كَانَ يَخْتِمُ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ خُطْبَتَهُمْ مِنْ سَبِّهِمْ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَكِنْ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ قِرَاءَةٌ فِيهِمَا] : أَيْ فِي مَجْمُوعِهِمَا لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ إنَّمَا تُنْدَبُ فِي الْأُولَى كَمَا فِي (شب) . قَوْلُهُ: [يَقْرَأُ فِيهَا] : أَيْ فِي خُطْبَتِهِ الْأُولَى.

وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [الزلزلة: 7] إلَخْ، غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ مِثْلُ ذَلِكَ. وَكَذَا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خُطْبَةً، وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِنَدْبِ قِرَاءَةِ حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَعَلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ. (وَ) نُدِبَ لِلْإِمَامِ (تَوَكُّؤٌ) حَالَ الْخُطْبَةِ (عَلَى عَصَا) وَأَجْزَأَ قَوْسٌ وَسَيْفٌ. (وَ) نُدِبَ (قِرَاءَةُ) سُورَةِ (الْجُمُعَةِ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى، (وَهَلْ أَتَاك أَوْ سَبِّحْ) بَعْدَهَا فِي الثَّانِيَةِ. (وَ) نُدِبَ (حُضُورُ صَبِيٍّ وَ) امْرَأَةٍ (مُتَجَالَّةٍ) أَيْ عَجُوزٌ لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، (وَمُكَاتَبٍ) وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ (وَ) حُضُورُ (قِنٍّ) أَوْ مُدَبَّرٍ (أَذِنَ سَيِّدُهُ) لَهُ فِي الْحُضُورِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهَلْ أَتَاك أَوْ سَبِّحْ] إلَخْ: أَيْ فَيَكُونُ الْخَطِيبُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ] : أَيْ لِسُقُوطِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِالْكِتَابَةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مُدَبَّرٍ أَذِنَ سَيِّدُهُ] إلَخْ: أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلسَّيِّدِ الْإِذْنُ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْمَنْدُوبِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: مَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ مِنْ ذِي الْعُذْرِ ... عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فَادْرِ وَمَا عَلَى أُنْثَى وَلَا أَهْلِ السَّفَرْ ... وَالْعَبْدِ فِعْلُهَا وَإِنْ لَهَا حَضَرْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَقَدْ نَازَعَ (ر) وَ (بْن) فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى ذِي الرِّقِّ بَعْدَ الْحُضُورِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُقْتَضَى بِحَثِّ الْقَرَافِيُّ الْمَشْهُورِ فِي إجْزَائِهَا عَنْ الظُّهْرِ. (اهـ.) قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: لَكِنَّ مُنَازَعَتَهُمَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الدُّخُولِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأُجْهُورِيَّ قَالَ بِهِ وَخَصَّ وُجُوبَ الدُّخُولِ بِالْإِقَامَةِ بِمَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، فَقَالَ (ر) : الصَّوَابُ أَنَّ الْوُجُوبَ عَامٌّ، وَأَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْأَشْيَاخِ: أَنَّ الْمَرِيضَ وَالْمَعْذُورَ بِخَوْفٍ أَوْ وَحَلٍ أَوْ مَطَرٍ مَثَلًا - إذَا حَضَرَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ - وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ لِارْتِفَاعِ عُذْرِهِمْ لَمَّا حَضَرُوا، فَارْتَفَعَ الْمَانِعُ الْمُسْقِطُ لِلْوُجُوبِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ وَمَنْ مَعَهُ فَعُذْرُهُمْ قَائِمٌ بِهِمْ حَالَ حُضُورِهِمْ فَلَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا اللُّزُومُ فَالْإِقَامَةُ فَقَدْرٌ مُشْتَرَكٌ. (اهـ) .

[تنبيه صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة]

(وَ) نُدِبَ (تَأْخِيرُ مَعْذُورٍ) كَمَحْبُوسٍ وَمُكْرَهٍ وَمَرِيضٍ وَعُرْيَانَ وَخَائِفٍ مِنْ الذَّهَابِ لِأَمْرِ (الظُّهْرِ) : أَيْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ، وَلَا يَسْتَعْجِلُ بِصَلَاتِهَا (إنْ ظَنَّ زَوَالَ عُذْرِهِ) قَبْلَ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ وَإِدْرَاكِهَا فَإِنْ قَدِمَ صَحَّتْ وَأَعَادَهَا جُمُعَةً وُجُوبًا إنْ أَمْكَنَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَأَخَّرَ الظُّهْرَ " إلَخْ الْوُجُوبِ (وَإِلَّا) يَظُنَّ زَوَالَ عُذْرَهُ بَلْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ (فَلَهُ التَّقْدِيمُ) لِصَلَاةِ الظُّهْرِ أَوَّلَ الْوَقْتِ قَبْلَ إقَامَتِهِمْ الْجُمُعَةَ؛ كَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ (وَغَيْرِ الْمَعْذُورِ) مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَلَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ؛ كَالْمُقِيمِ بِبَلَدِهَا (إنْ صَلَّاهُ) : أَيْ الظُّهْرَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ (مُدْرِكًا) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ ظَانًّا الْإِدْرَاكَ (لِرَكْعَةٍ) مِنْ الْجُمُعَةِ (لَوْ سَعَى) لَهَا (لَمْ يُجْزِهِ) أَيْ الظُّهْرَ الَّذِي صَلَّاهُ، وَيُعِيدُهُ - إنْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْجُمُعَةُ أَبَدًا (كَمَعْذُورٍ) صَلَّى الظُّهْرَ لِعُذْرِهِ ثُمَّ (زَالَ عُذْرُهُ) : كَأَنْ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ انْفَكَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [تَنْبِيه صَلَاة الظُّهْر جَمَاعَة يَوْم الْجُمُعَةَ] قَوْلُهُ: [لَمْ يُجْزِهِ] : أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ جُمُعَةٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا. وَسَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ عَازِمًا عَلَى عَدَمِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ إحْرَامِهِ بِالظُّهْرِ مُدْرِكًا لِرَكْعَةٍ مِنْ الْجُمُعَةِ لَوْ سَعَى إلَيْهَا أَجْزَأَتْهُ ظُهْرُهُ. وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ: أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ مُدْرِكًا لِرَكْعَةٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ، قَالَ: إذْ كَيْفَ يُعِيدُهَا أَرْبَعًا وَقَدْ صَلَّى أَرْبَعًا؟ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْأَصْلِ وَهُوَ الظُّهْرُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْمَازِرِيَّ بَنَى هَذَا الْفَرْعَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجُمُعَةِ هَلْ هِيَ فَرْضُ يَوْمِهَا أَوْ بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ: تُكْرَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ جَمَاعَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِغَيْرِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوعِ، وَأَمَّا عَنْ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوعِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الْجَمْعُ، وَيُنْدَبُ صَبْرُهُمْ إلَى فَرَاغِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِخْفَاءُ جَمَاعَتِهِمْ لِئَلَّا يُتَّهَمُوا بِالرَّغْبَةِ عَنْ الْجُمُعَةِ. وَاحْتَرَزْنَا بِكَثْرَةِ الْوُقُوعِ عَنْ نَادِرَةِ الْوُقُوعِ كَخَوْفِ بَيْعَةِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْخَائِفِ الْجَمْعُ، وَإِذَا جَمَعُوا لَمْ يُعِيدُوا عَلَى الْأَظْهَرِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِإِعَادَتِهِمْ إذَا جَمَعُوا. وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَتَخَلَّفَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَجْمَعْ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ وَجَمَعَ ابْنُ وَهْبٍ بِالْقَوْمِ وَقَاسَهَا عَلَى الْمُسَافِرِ، ثُمَّ قَدِمَا عَلَى مَالِكٍ فَسَأَلَاهُ؟ فَقَالَ: لَا تَجْمَعُوا وَلَا يَجْمَعْ إلَّا أَهْلُ السِّجْنِ وَالْمَرَضِ وَالْمُسَافِرُ.

[ما يجوز في صلاة الجمعة]

مِنْ وِثَاقِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِحَيْثُ لَوْ سَعَى لَأَدْرَكَ مِنْهَا وَلَوْ رَكْعَةً، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، فَإِذَا لَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَهَلْ يُعِيدُ الظُّهْرَ أَوْ لَا؟ وَلِأَنَّهُ قَدْ صَلَّاهَا حَالَ الْعُذْرِ وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ صَدْرُ الْمَبْحَثِ (أَوْ صَبِيٍّ بَلَغَ) بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَقَبْلَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ أَعَادَ الظُّهْرَ أَبَدًا، لِأَنَّ فِعْلَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ نَافِلَةً وَقَدْ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ. (وَ) نُدِبَ (حَمْدُ عَاطِسٍ سِرًّا حَالَ الْخُطْبَةِ) . وَكُرِهَ جَهْرًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّشْمِيتِ وَالرَّدِّ وَهُوَ مِنْ اللَّغْوِ الْمَمْنُوعِ (كَتَأْمِينٍ) تَشْبِيهٌ فِي النَّدْبِ أَيْ فِي قَوْلِهِ آمِينَ (وَتَعَوُّذٍ وَاسْتِغْفَارٍ عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ) فِي الْجَمِيعِ بِأَنْ يَشْرَعَ فِي دُعَاءٍ أَوْ ذِكْرِ جَهَنَّمَ أَوْ اسْتِغْفَارٍ، فَيُنْدَبُ بِشَرْطِ السِّرِّ بِهِ وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ. [مَا يَجُوز فِي صَلَاة الْجُمُعَةَ] ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَجُوزُ بِقَوْلِهِ: (وَجَازَ) بِمَعْنًى خِلَافَ الْأُولَى لِدَاخِلٍ (تَخَطٍّ) لِرِقَابِ الْجَالِسِينَ (قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ) عَلَى الْمِنْبَرِ (لِفُرْجَةٍ) يَجْلِسُ فِيهَا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا كَمَا يَأْتِي فِي الْمَكْرُوهَاتِ، وَيَحْرُمُ حَالَ الْجُلُوسِ كَمَا يَأْتِي أَيْضًا. (وَ) جَازَ التَّخَطِّي (بَعْدَهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (وَقَبْلَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا) أَيْ لِفُرْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، (كَمَشْيٍ بَيْنَ الصُّفُوفِ) يَجُوزُ مُطْلَقًا وَلَوْ حَالَ الْخُطْبَةِ. (وَ) جَازَ (كَلَامٌ بَعْدَهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (لِلصَّلَاةِ) : أَيْ لِلْأَخْذِ فِي إقَامَتِهَا إذْ الْكَلَامُ حَالَ الْإِقَامَةِ مَكْرُوهٌ، وَيَحْرُمُ بَعْدَ إحْرَامِ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَنَصَّ غَيْرُهُ عَلَى جَوَازِهِ حَالَ الْإِقَامَةِ. (وَ) جَازَ (ذِكْرٌ) كَتَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ (قَلَّ سِرًّا) حَالَ الْخُطْبَةِ وَمُنِعَ الْكَثِيرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَيَحْرُمُ حَالَ الْجُلُوسِ] : أَيْ وَلَوْ لِفُرْجَةٍ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ التَّخَطِّي] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْخُطْبَةِ بِخِلَافِ الْجُلُوسِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُ تَأَهُّلٌ لَهَا. قَوْلُهُ: [وَنَصَّ، غَيْرُهُ] إلَخْ: وَهُوَ (بْن) تَبَعًا لِلْمَوَّاقِ وَالْحَطَّابِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ ذِكْرٌ] : أَيْ بِمَرْجُوحِيَّةٍ خِلَافًا لِقَوْلِ (عب) إنَّهُ مَنْدُوبٌ، فَالْأَوْلَى الْإِنْصَاتُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

[مكروهات الجمعة]

جَهْرًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَهْرَ بِالْيَسِيرِ مَكْرُوهٌ. وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ مَا يَقَعُ بِدَكَّةِ الْمُبَلِّغِينَ بِالْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ مِنْ الصَّرِيخِ عَلَى صُورَةِ الْغِنَاءِ وَالتَّرَنُّمِ، وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ أَنْ يَقُولَ الْخَطِيبُ الْجَهُولُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ الْأُولَى: اُدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَتَسْمَعُ مِنْ الْجَالِسِينَ ضَجَّةً عَظِيمَةً يَسْتَمِرُّونَ فِيهَا حَتَّى يَكَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَخْتِمَ الثَّانِيَةَ، وَعَلَى دَكَّةِ التَّبْلِيغِ جَمَاعَةٌ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ جِدًّا بِقَوْلِهِمْ آمِينَ آمِينَ يَا مُجِيبَ السَّائِلِينَ إلَى آخِرِ كَلَامٍ طَوِيلٍ، وَهَكَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. (وَ) جَازَ (نَهْيُ خَطِيبٍ) حَالَ الْخُطْبَةِ (أَوْ أَمْرُهُ) إنْسَانًا لَغَى أَوْ وَقَعَ مِنْهُ مَا لَا يَلِيقُ كَأَنْ يَقُولَ: أَنْصِتْ أَوْ لَا تَتَكَلَّمْ، أَوْ لَا تَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. (وَ) جَازَ لِلْمَأْمُورِ (إجَابَتُهُ) فِيمَا يَجُوزُ إظْهَارًا لِعُذْرِهِ، كَأَنَا فَعَلْتُ كَذَا خَوْفًا عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْخَطِيبِ وَالْمُجِيبِ لَاغِيًا. [مَكْرُوهَات الْجُمُعَةَ] ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ الْمَكْرُوهَاتِ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَهْرَ] إلَخْ: أَيْ فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: مَنْدُوبٌ وَهُوَ الذِّكْرُ سِرًّا عِنْدَ السَّبَبِ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ الذِّكْرُ الْقَلِيلُ سِرًّا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ الذِّكْرُ الْقَلِيلُ جَهْرًا، وَحَرَامٌ وَهُوَ كَثْرَةُ الذِّكْرِ جَهْرًا كَالْوَاقِعِ بِدَكَّةِ الْمُبَلِّغِينَ. قَوْلُهُ: [عَلَى صُورَةِ الْغِنَاءِ] : بِالْمَدِّ مَعَ كَسْرِ الْغَيْنِ: وَهُوَ تَطْرِيبُ الصَّوْتِ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَقُولَ الْخَطِيبُ الْجَهُولُ] : صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ لِأَنَّ جَهْلَهُ مُرَكَّبٌ لِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ يَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهَا فِي الْخُطْبَةِ أَصْلًا فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْإِنْصَاتُ وَلَوْ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَاجِبٌ، وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ الْكَثِيرَةِ وَلَوْ بِالذِّكْرِ حَرَامٌ، فَهَذَا الْخَطِيبُ ضَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَضَلَّ غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ] : إنَّمَا اسْتَرْجَعَ لِكَوْنِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ حَيْثُ جَعَلُوا شَعِيرَةَ الْإِسْلَامِ مُلْحَقَةً بِالْمَلَاهِي بِحُضُورِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالْخَلْقُ مُجْمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مُغَيِّرٌ.

(وَكُرِهَ تَخَطٍّ قَبْلَ الْجُلُوسِ) : أَيْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ (لِغَيْرِ فُرْجَةٍ) لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْجَالِسِينَ. (وَ) كُرِهَ (تَرْكُ طُهْرٍ) بِأَنْ يَخْطُبُ وَهُوَ مُحْدِثٌ (فِيهِمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِمَا الطَّهَارَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ. (وَ) كُرِهَ تَرْكُ (الْعَمَلِ يَوْمَهَا) : أَيْ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي السَّبْتِ وَالْأَحَدِ. (وَ) كُرِهَ (تَنَفُّلٌ عِنْدَ الْأَذَانِ) الْأَوَّلِ لَا قَبْلَهُ (لِجَالِسٍ) فِي الْمَسْجِدِ، لَا دَاخِلٍ (يُقْتَدَى بِهِ) مِنْ عَالَمٍ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ إمَامٍ لَا لِغَيْرِهِمْ؛ خَوْفَ اعْتِقَادِ الْعَامَّةِ وُجُوبَهُ. وَيُكْرَهُ التَّنَفُّلُ بَعْدَ صَلَاتِهَا أَيْضًا إلَى أَنْ يَنْصَرِفَ النَّاسُ مِنْ الْمَسْجِدِ. (وَ) كُرِهَ (حُضُورُ شَابَّةٍ غَيْرِ مُفْتِنَةٍ) لِصَلَاتِهَا وَحَرُمَ لِمُفْتِنَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِمَا الطَّهَارَةُ] إلَخْ: أَيْ وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الْكُبْرَى مِنْ حَيْثُ الْمُكْثُ بِالْجَنَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ. (قَالَ) ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونَ: إنْ ذَكَرَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ جُنُبٌ نَزَلَ لِلْغُسْلِ وَانْتَظَرُوهُ إنْ قَرُبَ وَبَنَى - أَيْ عَلَى مَا قَرَأَهُ مِنْ الْخُطْبَةِ. قَالَ غَيْرُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَمَادَى فِي الْخُطْبَةِ وَاسْتَخْلَفَ فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ. قَوْلُهُ: [فِي السَّبْتِ وَالْأَحَدِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ] : وَهَذَا حَيْثُ تَرَكَهُ تَعْظِيمًا كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِسَبْتِهِمْ وَأَحَدِهِمْ. وَأَمَّا تَرْكُهُ لِاسْتِرَاحَةٍ فَمُبَاحٌ، وَتَرْكُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْجُمُعَةِ مِنْ تَنْظِيفٍ وَنَحْوِهِ فَحَسَنٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ اشْتِغَالُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنْ وَظَائِفِ الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ: [عِنْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ] : أَيْ وَأَمَّا عِنْدَ الْأَذَانِ الثَّانِي فَحَرَامٌ فَلَا يُعَارِضُهُ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ لِلْمِنْبَرِ، قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْجَالِسِ التَّنَفُّلُ وَقْتَ كُلِّ أَذَانٍ لِلصَّلَوَاتِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ، فَقَالَ: وَيُكْرَهُ قِيَامُ النَّاسِ لِلرُّكُوعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنَيْنِ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا. (اهـ. كَلَامُ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ) . وَلَكِنْ قَيَّدَ فِي الْمَجْمُوعِ الْكَرَاهَةَ، كَمَا قَيَّدَهَا شَارِحُنَا بِقَوْلِهِ: إلَّا لِغَيْرِ مُقْتَدَى بِهِ وَكَذَا الدَّاخِلُ أَوْ مَنْ اسْتَمَرَّ يَتَنَفَّلُ حَتَّى أُذِّنَ. قَوْلُهُ: [إلَى أَنْ يَنْصَرِفَ النَّاسُ] : أَيْ أَوْ يَأْتِيَ وَقْتُ انْصِرَافِهِمْ.

(وَ) كُرِهَ (سَفَرٌ بَعْدَ الْفَجْرِ) إلَى الزَّوَالِ لَا قَبْلَهُ، (وَحُرِّمَ) السَّفَرُ (بِالزَّوَالِ) لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ. (كَتَخَطٍّ) لِرِقَابِ الْجَالِسِينَ (أَوْ كَلَامٍ) مِنْ الْجَالِسِينَ بِالْمَسْجِدِ (فِي) حَالِ (خُطْبَتَيْهِ) لَا قَبْلَهُمَا، وَلَوْ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ الْجِلْسَةَ الْأُولَى (وَبَيْنَهُمَا) فِي الْجِلْسَةِ الثَّانِيَةِ (وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ) الْخُطْبَةَ لِبُعْدِهِ أَوْ صَمَمِهِ (إلَّا أَنْ يَلْغُوَ) فِي خُطْبَتِهِ: أَيْ يَأْتِيَ بِكَلَامِ لَغْوٍ أَيْ سَاقِطٍ كَأَنْ يَسُبَّ مَنْ لَا يَجُوزُ سَبُّهُ، أَوْ يَمْدَحَ مَنْ لَا يَجُوزُ مَدْحُهُ، أَوْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَارِجٍ عَنْ قَانُونِ الْخُطْبَةِ فَيَجُوزُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ. (وَ) حُرِّمَ (سَلَامٌ) مِنْ دَاخِلٍ أَوْ جَالِسٍ عَلَى أَحَدٍ فَهُوَ الرَّفْعُ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي حُرِّمَ لِوُجُودِ الْفَصْلِ، وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى تَخَطٍّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بَعْدَ الْفَجْرِ] : أَيْ لِمَنْ لَا يُدْرِكُهَا أَمَامَهُ. قَوْلُهُ: [وَحُرِّمَ السَّفَرُ بِالزَّوَالِ] : أَيْ لِضَرُورَةٍ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ] : إنَّمَا مُنِعَ الْكَلَامُ لِغَيْرِ السَّامِعِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَسْتَرْسِلَ النَّاسُ عَلَى الْكَلَامِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ مَنْ يَسْمَعُ الْإِمَامَ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِ " لَوْ " لِرَدِّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِنْ جَوَازِ الْكَلَامِ لِغَيْرِ السَّامِعِ وَلَوْ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: [مِنْ الْجَالِسِينَ بِالْمَسْجِدِ] أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ فِي الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَسْجِدِ وَلَوْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ، وَكَذَلِكَ رَحْبَتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُرْمَةَ الْكَلَامِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ، قِيلَ: خَاصَّةٌ بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ. وَقِيلَ بِمَنْ فِيهِ وَالرِّحَابِ، وَقِيلَ: بِمَنْ فِيهِمَا أَوْ فِي الطُّرُقِ، وَلَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ عَوَّلَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَلْغُوَ] إلَخْ: مِنْ جُمْلَةِ اللَّغْوِ: الدُّعَاءُ لِلسُّلْطَانِ، وَكَذَا التَّرَضِّي عَنْ الصَّحْبِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ نَقْلًا عَنْ الْبُنَانِيِّ: إنَّ التَّرَضِّيَ عَنْ الصَّحْبِ وَالدُّعَاءَ لِلسُّلْطَانِ لَيْسَ مِنْ اللَّغْوِ، بَلْ مِنْ تَوَابِعِ الْخُطْبَةِ فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لعب (اهـ) . قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي حُرِّمَ] : أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحُرِّمَ بِالزَّوَالِ.

(وَ) حُرِّمَ (رَدُّهُ) أَيْ السَّلَامِ وَلَوْ بِالْإِشَارَةِ بِخِلَافِ رَدِّهِ بِالْإِشَارَةِ مِنْ الْمُصَلِّي فَيَجِبُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) حُرِّمَ (تَشْمِيتُ عَاطِسٍ) فَأَوْلَى الرَّدُّ عَلَيْهِ. (وَ) حُرِّمَ (نَهْيُ لَاغٍ) بِأَنْ يَقُولَ كُفَّ عَنْ هَذَا اللَّغْوِ، أَوْ نَحْوَهُ (أَوْ إشَارَةٌ لَهُ) : أَيْ لِلَّاغِي بِأَنْ يَنْكَفَّ. (وَأَكْلٌ أَوْ شُرْبٌ) . (وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ) نَفْلًا (بِخُرُوجِهِ) أَيْ الْخَطِيبِ لِلْخُطْبَةِ لِجَالِسٍ بَلْ (وَإِنْ لِدَاخِلٍ) . وَقَطَعَ وَلَوْ عَقَدَ رَكْعَةً وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ إنْ. كَانَ جَالِسًا، (وَلَا يَقْطَعُ الدَّاخِلُ إلَّا إنْ تَعَمَّدَ) النَّفَلَ، بِأَنْ عَلِمَ بِخُرُوجِ الْخَطِيبِ وَأَحْرَمَ عَمْدًا فَيَقْطَعُ، وَلَوْ عَقَدَ رَكْعَةً، لَا إنْ جَهِلَ خُرُوجَهُ أَوْ نَاسِيًا فَلَا يَقْطَعُ وَلَوْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً لَكِنْ يُخَفِّفُ بِأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ، وَمَفْهُومُ (ابْتِدَاءُ. . . إلَخْ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِنَفْلٍ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ، أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ مُطْلَقًا، وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ بِالْإِشَارَةِ] : نَقَلَ ابْنُ هَارُونَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ الرَّدِّ بِالْإِشَارَةِ، وَأَنْكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ رَدِّهِ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَمُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ عِظَمُ هَيْبَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْإِشَارَةِ ذَرِيعَةً لِلْكَلَامِ. قَوْلُهُ: [وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ بِخُرُوجِهِ] : حَاصِلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الصُّوَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ: إمَّا أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةَ النَّفْلِ بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ، أَوْ قَبْلَهُ. فَإِنْ ابْتَدَأَهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ فَلَا يَقْطَعُ مُطْلَقًا عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا، عَامِدًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا؛ فَهَذِهِ سِتٌّ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَفْهُومُ " ابْتِدَاءُ " إلَخْ، وَإِنْ ابْتَدَأَهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ وَكَانَ جَالِسًا قَطَعَ مُطْلَقًا عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا، عَامِدًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا. وَإِنْ ابْتَدَأَهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ وَكَانَ دَاخِلًا قَطَعَ إنْ تَعَمَّدَ، عَقَدَ رَكْعَةٍ أَمْ لَا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ تُضَمُّ لِلسِّتِّ قَبْلَهَا يَقْطَعُ فِيهَا. وَأَمَّا إنْ ابْتَدَأَهَا جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا - سَوَاءٌ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا - فَلَا يَقْطَعُ وَلَكِنَّهُ يُخَفِّفُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَيُتِمُّهَا جَالِسًا فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ تُضَمُّ لِلسِّتِّ الْأُوَلِ لَا يَقْطَعُ فِيهَا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لِدَاخِلٍ] : رَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى السُّيُورِيِّ الْقَائِلِ بِجَوَازِهِ لِلدَّاخِلِ حَالَ

(وَفَسْخُ بَيْعٍ وَنَحْوَهُ) مِنْ إجَارَةٍ وَتَوْلِيَةٍ وَشَرِكَةٍ وَشُفْعَةٍ وَإِقَالَةٍ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (بِأَذَانٍ ثَانٍ) إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُرْمَةِ مَا ذُكِرَ وَإِلَّا لَمْ يَفْسَخْ لَا قَبْلَهُ وَلَوْ حَالَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ إلَّا إذَا بَعُدَتْ دَارُهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ قَبْلَهُ فَاشْتَغَلَ بِهِ عَنْ السَّعْيِ فَيَفْسَخُ وَتُرَدُّ السَّلَّةُ لِرَبِّهَا إنْ لَمْ تَفُتْ (فَإِنْ فَاتَ) الْبَيْعُ وَلَوْ بِتَغَيُّرِ سُوقِهِ (فَالْقِيمَةُ) لَازِمَةٌ (حِينَ الْقَبْضِ) لَا حِينَ الْعَقْدِ وَلَا الْفَوَاتِ وَمَفْهُومُ بَيْعٍ وَنَحْوَهُ أَنَّ النِّكَاحَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْكِتَابَةَ لَا تُفْسَخُ إنْ وَقَعَتْ عِنْدَ الْأَذَانِ الثَّانِي وَإِنْ حُرِّمَ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لَهَا فَقَالَ: (وَعُذْرُ تَرْكِهَا) أَيْ الْمُوجِبُ لِتَرْكِهَا أَيْ السَّبَبُ فِيهِ (كَالْجَمَاعَةِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQخُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. قَوْلُهُ: [وَفَسْخُ بَيْعٍ] إلَخْ: وَهُوَ مَا حَصَلَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ وَلَوْ مَعَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ تَبَايَعَ اثْنَانِ تُلْزِمُهُمَا الْجُمُعَةُ أَوْ أَحَدَهُمَا فَسْخَ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَا مِمَّنْ لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُفْسَخْ. (اهـ.) وَالْحُرْمَةُ وَالْفَسْخُ وَلَوْ فِي حَالِ السَّعْيِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ وَ (عب) عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَيُسْتَثْنَى مَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ إلَّا بِالشِّرَاءِ فَلَا حُرْمَةَ عَلَى بَائِعٍ وَلَا مُشْتَرٍ. قَوْلُهُ: [مِنْ إجَارَةٍ] : وَهِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ. وَالتَّوْلِيَةُ: أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ مَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ. وَالشَّرِكَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ بَعْضَ مَا اشْتَرَاهُ، وَالشُّفْعَةُ: هِيَ أَخْذُ الشَّرِيكِ الشِّقْصَ مِنْ مُشْتَرِيهِ بِثَمَنِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، وَالْإِقَالَةُ: هِيَ قَبُولُ رَدِّ السِّلْعَةِ لِرَبِّهَا بَعْدَ لُزُومِهَا. وَهَذَا الْحُكْمُ وَهُوَ الْفَسْخُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ؛ فَلَا يُفْسَخُ بَيْعُ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ وَقْتُ غَيْرِهَا لِأَنَّ السَّعْيَ لِلْجَمَاعَةِ هُنَا مَقْصُودٌ، وَإِلَّا لَزِمَ فَسْخُ بَيْعِ مَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ، بَلْ الْغُصَّابُ لِوُجُودِ اشْتِغَالِهِمْ بِرَدِّ مَا عَلَيْهِمْ - كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اُنْظُرْ (ح) كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [فَالْقِيمَةُ لَازِمَةٌ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ فَوَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالثَّمَنِ. قَوْلُهُ: [لَا تُفْسَخُ] : أَيْ إمَّا لِعَدَمِ الْعِوَضِ أَوْ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ. وَاسْتَظْهَرَ فِي الْمَجْمُوعِ إلْحَاقَ الْخُلْعِ بِالنِّكَاحِ، وَهِبَةُ الثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ

[الأعذار المسقطة للجمعة]

أَيْ كَعُذْرِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ (شِدَّةُ وَحَلٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ مَا يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى خَلْعِ الْمَدَاسِ. (وَ) شِدَّةُ (مَطَرٍ) وَهُوَ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. (وَجُذَامٌ) تَضُرُّ رَائِحَتُهُ بِالنَّاسِ (وَمَرَضٌ) يَشُقُّ مَعَهُ الذَّهَابُ (وَتَمْرِيضٌ) لِقَرِيبٍ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يُمَرِّضُهُ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ بَعِيدِ الْقَرَابَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ. (وَشِدَّةُ مَرَضِ قَرِيبٍ وَنَحْوَهُ) كَصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ وَزَوْجَةٍ وَسُرِّيَّةٍ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَعُولُهُ، وَأَوْلَى إشْرَافُ مَنْ ذُكِرَ عَلَى الْمَوْتِ وَأَوْلَى مَوْتُهُ بِالْفِعْلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْهِبَةُ ": أَيْ لِغَيْرِ الثَّوَابِ. [الْأَعْذَار الْمُسْقِطَة لِلْجُمُعَةِ] قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْحَاءِ] : أَيْ عَلَى الْأَفْصَحِ. وَيُجْمَعُ عَلَى أَوْحَالٍ كَسَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، وَمُقَابِلُ الْأَفْصَحِ: السُّكُونُ، كَفَلْسٍ وَيُجْمَعُ عَلَى أَوْحُلَ كَأَفْلُسَ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا يَحْمِلُ النَّاسَ] : أَيْ أَوْسَطَهُمْ. قَوْلُهُ: [تَضُرُّ رَائِحَتُهُ بِالنَّاسِ] : وَأَمَّا مَنْ لَا تَضُرُّ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ، وَمِثْلُ الْجُذَامِ الْبَرَصُ وَكُلُّ بَلَاءٍ مُنَفِّرٍ، وَمَحَلُّ كَوْنِ مَا ذَكَرَ مُسْقِطًا إذَا كَانَ الْمَجْذُومُ وَنَحْوَهُ لَا يَجِدُ مَوْضِعًا يَتَمَيَّزُ فِيهِ، أَمَّا لَوْ وَجَدَ مَوْضِعًا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَلَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ النَّاسِ. قَوْلُهُ: [وَمَرَضٌ يَشُقُّ] إلَخْ: أَيْ وَمِنْهُ كِبَرُ السِّنِّ يَشُقُّ مَعَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا. قَوْلُهُ: [وَتَمْرِيضٌ لِقَرِيبٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ وَالْقَرِيبَ الْغَيْرَ الْخَاصِّ لَا يُبَاحُ التَّخَلُّفُ عِنْدَهُ إلَّا بِقَيْدَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَأَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ لَوْ تَرَكَهُ. وَأَمَّا الصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ وَشَدِيدُ الْقَرَابَةِ فَيُبَاحُ عِنْدَهُ التَّخَلُّفُ. وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يَعُولُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ ضَيْعَةً؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَهُ عِنْدَهُ لَيْسَ لِأَجْلِ تَمْرِيضِهِ بَلْ لِمَا دَهَمَهُ مِنْ شِدَّةِ الْمُصِيبَةِ. قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى مَوْتُهُ بِالْفِعْلِ] : نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ التَّخَلُّفُ لِأَجْلِ النَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَيِّتِ مِنْ إخْوَانِهِ مِنْ مُؤَنِ تَجْهِيزِهِ. وَفِي الْمَدْخَلِ جَوَازُ التَّخَلُّفِ لِلنَّظَرِ فِي شَأْنِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ضَيْعَةً وَلَا تَغَيُّرًا. كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.

(وَخَوْفٌ عَلَى مَالٍ) لَهُ بَالٌ (وَلَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ حَبْسٌ أَوْ ضَرْبٌ) أَيْ خَوْفُهُمَا وَأَوْلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمَا كَقَتْلٍ وَقَطْعٍ وَجُرْحٍ. (وَعُرْيٌ) بِأَنْ لَا يَجِدَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ (وَرَائِحَةٌ) كَرِيهَةٌ تُؤْذِي الْجَمَاعَةَ (كَرَائِحَةِ ثُومٍ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَقَدْ تُبَدَّلُ فَاءً كَمَا فِي الْآيَةِ: [وَفُومِهَا] ، وَدِبَاغٍ وَبَصَلٍ وَكُرَّاثٍ، وَيَجِبُ تَرْكُ أَكْلِ ذَلِكَ يَوْمَهَا وَكَذَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ (فَيَجِبُ) عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ (إزَالَتُهَا) بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (إنْ أَمْكَنَ) . (وَ) مِنْ الْأَعْذَارِ (عَدَمُ وُجُودِ قَائِدٍ لِأَعْمَى) إنْ كَانَ (لَا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ) ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَخَافَ عَلَى مَالٍ] : أَيْ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ نَارٍ. وَقَوْلُهُ: [لَهُ بَالٌ] : أَيْ وَهُوَ الَّذِي يَجْحَفُ بِصَاحِبِهِ. وَمِثْلُ الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ: الْخَوْفُ عَلَى الْعِرْضِ أَوْ الدِّينِ كَأَنْ يَخَافَ قَذْفَ أَحَدٍ مِنْ السُّفَهَاءِ لَهُ أَوْ إلْزَامَ قَتْلِ شَخْصٍ أَوْ ضَرْبِهِ ظُلْمًا أَوْ إلْزَامَ بَيْعَةِ ظَالِمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ لَا يَجِدَ] إلَخْ: كَذَا نَقَلَ (ح) عَنْ بَهْرَامَ وَالْبِسَاطِيِّ، ابْنُ عَاشِرٍ: وَلَا يُقَيَّدُ بِمَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْمُرُوءَاتِ (اهـ. بْن) ، فَعَلَى هَذَا: إذَا وَجَدَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّفُ وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ. وَهُنَاكَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى حَاصِلُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُرْيِ أَنْ لَا يَجِدَ مَا يَلِيقُ بِأَمْثَالِهِ وَلَا يُزْرِي بِهِ وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْأَلْيَقُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لَهَا بِالنَّجَسِ لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا. كَمَا قَالُوا: لَا يَتَيَمَّمُ لَهَا. قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ تَرْكُ أَكْلِ ذَلِكَ يَوْمَهَا] : أَيْ حَيْثُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ لَهُ عَلَى مُزِيلٍ وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ فِي أَكْلِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. وَسَمِعْت عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَنَحْوَهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا لَا يَمُوتُ حَتَّى يُبْتَلَى بِتُهْمَةٍ بَاطِلَةٍ وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ بَرَاءَةٌ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ] : أَيْ حَيْثُ اهْتَدَى بِنَفْسِهِ أَوْ وَجَدَ قَائِدًا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ حَيْثُ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَكَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِهِ. خَاتِمَةٌ: مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ شِدَّةُ الرِّيحِ بِاللَّيْلِ لَا بِالنَّهَارِ. وَلَيْسَ الْعُرْسُ مِنْ الْأَعْذَارِ وَلَا شُهُودُ الْعِيدِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ الْإِمَامُ فِي التَّخَلُّفِ عَلَى الْمَشْهُورِ، إذْ لَيْسَ حَقًّا لَهُ.

[فصل في صلاة الخوف وكيفيتها]

فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَكَيْفِيَّتِهَا (سُنَّ لِقِتَالٍ جَائِزٍ) أَيْ مَأْذُونٌ فِيهِ؛ وَاجِبًا كَانَ كَقِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَالْبُغَاةِ الْقَاصِدِينَ الدَّمَ وَهَتْكَ الْحَرِيمِ، أَوْ جَائِزًا كَقِتَالِ مُرِيدِ الْمَالِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَكَيْفِيَّتِهَا] [حُكْم صَلَاةِ الْخَوْفِ] فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [وَكَيْفِيَّتِهَا] : أَيْ الْكَيْفِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي تُفْعَلُ حَالَ الْخَوْفِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: ذَاتِ الرِّقَاعِ وَذَاتِ النَّخِيلِ وَعُسْفَانَ» ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ صَلَّاهَا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ. قَوْلُهُ: [سُنَّ لِقِتَالٍ] : أَيْ وَهُوَ الَّذِي فِي الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَقِيلَ إنَّهَا مَنْدُوبَةٌ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ سَنَدٌ عَنْ الْمَوَّازِ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: [كَقِتَالِ مُرِيدِ الْمَالِ] : إنْ قُلْت إنَّ حِفْظَ الْمَالِ وَاجِبٌ وَحِينَئِذٍ فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ قِتَالُ مُرِيدِ أَخْذِهِ وَاجِبًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْحِفْظُ الْوَاجِبُ. قُلْت مَعْنَى وُجُوبِ حِفْظِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ بِنَحْوِ إحْرَاقٍ أَوْ تَغْرِيقٍ مَثَلًا، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ تَمْكِينِ الْغَيْرِ مِنْ أَخْذِهِ لَهُ مَا لَمْ يَحْصُلُ مُوجِبٌ لِتَحْرِيمِهِ؛ كَأَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ إنْ أَمْكَنَ غَيْرَهُ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: [مِنْ الْمُسْلِمِينَ] : حَالٌ مِنْ مُرِيدِ الْمَالِ.

[كيفية صلاة الخوف إن أمكن للبعض ترك القتال]

(إنْ أَمْكَنَ تَرْكُهُ) أَيْ الْقِتَالِ (لِبَعْضٍ) مِنْ الْقَوْمِ وَالْبَعْضِ الْآخَرِ فِيهِ مُقَاوَمَةٌ لِلْعَدُوِّ أَيْضًا (قَسْمُهُمْ) أَيْ الْقَوْمَ (قِسْمَيْنِ وَعَلَّمَهُمْ) الْإِمَامُ كَيْفِيَّتَهَا وُجُوبًا إنْ جَهِلُوا وَنَدْبًا إنْ كَانُوا عَارِفِينَ، حَذَرًا مِنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ (وَصَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِالْأُولَى) مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ (رَكْعَةً فِي) الصَّلَاةِ (الثُّنَائِيَّةِ) كَالصُّبْحِ وَالْمَقْصُورَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " جَائِزًا ": لَوْ كَانَ الْقِتَالُ حَرَامًا كَقِتَالِ الْبُغَاةِ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ وَكَقِتَالِ أَهْلِ الْفُسُوقِ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِسَعْدٍ وَحَرَامٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ. [كَيْفِيَّة صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ أَمْكَنَ لِلْبَعْضِ تَرْكُ الْقِتَالِ] قَوْلُهُ: [قَسْمُهُمْ] : نَائِبُ فَاعِلٍ سُنَّ، أَيْ فَيُقَسِّمُهُمْ وَيُصَلِّي بِهِمْ فِي الْوَقْتِ. فَالْآيِسُونَ مِنْ انْكِشَافِ الْعَدُوِّ يُصَلُّونَ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ، وَالْمُتَرَدَّدُونَ وَسَطَهُ وَالرَّاجُونَ آخِرَهُ. وَفِي (بْن) طَرِيقَةٌ بِعَدَمِ هَذَا التَّفْصِيلِ وَأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ مُطْلَقًا. وَإِذَا قَسَّمَهُمْ فَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الطَّائِفَتَيْنِ؛ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى أَنَّ الْأُخْرَى تُنَاوِئُ الْعَدُوَّ. وَيُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ الْقِسْمَةِ وَإِنْ كَانُوا مُتَوَجِّهِينَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْقَسْمِ حِينَئِذٍ، بَلْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً وَاحِدَةً. بَلْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى دَوَابِّهِمْ يُصَلُّونَ بِالْإِيمَاءِ، وَكَذَلِكَ إمَامُهُمْ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ. وَهَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِمَّا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْمُومِئُ؛ لَا يَؤُمُّ الْمُومِئَ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ هُنَا يُصَلُّونَ عَلَى الدَّوَابِّ إيمَاءً مَعَ الْقَسْمِ لِإِمْكَانِهِ، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ عَلَى دَوَابِّهِمْ أَفْذَاذًا لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَسْمِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَصَلَّى بِأَذَانٍ] إلَخْ: إمَّا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " وَعَلَّمَهُمْ ": أَيْ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُصَلِّي بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ إذَا قَسَمَهُمْ فَمَا كَيْفِيَّةُ مَا يَفْعَلُ؟ فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: وَصَلَّى إلَخْ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: " بِأَذَانٍ ": بِمَعْنَى مَعَ، وَفِي قَوْلِهِ: " بِالْأُولَى ": لِلْمُلَابَسَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِصَلَّى. فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: [كَالصُّبْحِ وَالْمَقْصُورَةِ] : أَيْ وَكَالْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهَا مِنْ الثُّنَائِيَّةِ، لَكِنْ لَا يُقَسِّمُهُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَسْمَعَ كُلُّ طَائِفَةٍ الْخُطْبَةَ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ فَإِنْ كَانَ كُلُّ طَائِفَةٍ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ لِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ كُلٍّ، ثُمَّ إنَّهُ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَتَقُومُ فَتُكْمِلُ صَلَاتَهَا وَتُسَلِّمُ أَفْذَاذًا،

(وَ) صَلَّى بِهِمْ (رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِهَا) : أَيْ الثُّنَائِيَّةِ وَهِيَ الرُّبَاعِيَّةُ بِأَنْ كَانُوا يَحْضُرُونَ الثُّلَاثِيَّةَ، (ثُمَّ قَامَ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ وَلَا تَشَهُّدَ فِي الثُّنَائِيَّةِ (دَاعِيًا أَوْ سَاكِتًا مُطْلَقًا) فِي الثُّنَائِيَّةِ وَغَيْرِهَا (أَوْ قَارِئًا فِي الثُّنَائِيَّةِ) فَقَطْ؛ فَفِي الثُّنَائِيَّةِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الدُّعَاءِ بِالنَّصْرِ وَالْفَرَجِ وَرَفْعِ الْكَرْبِ، وَالسُّكُوتِ وَالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ يُعَقِّبُ الْفَاتِحَةَ فِيهَا السُّورَةُ فَلَهُ أَنْ يُطَوِّلَ مَا شَاءَ، وَيُخَيَّرُ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ وَهِيَ الرُّبَاعِيَّةُ وَالثُّلَاثِيَّةُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ الدُّعَاءِ وَالسُّكُوتِ، إذْ لَا قِرَاءَةَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (فَأَتَمَّتْ) الطَّائِفَةُ الْأُولَى حَالَ قِيَامِهِ صَلَاتَهَا (أَفْذَاذًا وَانْصَرَفَتْ) بَعْدَ سَلَامِهَا تُجَاهَ الْعَدُوِّ لِلْقِتَالِ (فَتَأْتِي) الطَّائِفَةُ (الثَّانِيَةُ) الَّتِي كَانَتْ تُجَاهَ الْعَدُوِّ فَتُحْرِمُ خَلْفَهُ (فَيُصَلِّي بِهَا مَا بَقِيَ) لَهُ (فَإِذَا سَلَّمَ) الْإِمَامُ (قَضَوْا مَا فَاتَهُمْ) مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ تُدْرِكُ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْدَ إكْمَالِ صَلَاتِهِمْ، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِسَلَامِهَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ ضَرُورَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ - فَيُلْغِزُ مِنْ جِهَتَيْنِ: جُمُعَةٌ لَا يَكْفِي فِيهَا اثْنَا عَشَرَ يَسْمَعُونَ الْخُطْبَةَ، وَجُمُعَةٌ صَحَّتْ مِنْ غَيْرِ بَقَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ لِسَلَامِ الْإِمَامِ. (اهـ) قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: وَمُقَابِلُ هَذَا يَخْطُبُ لِاثْنَيْ عَشَرَ يَسْتَمِرُّونَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الطَّائِفَتَيْنِ لَكِنْ يَلْزَمُهُ أَنَّهُمْ قُسِّمُوا أَثْلَاثًا. (اهـ.) قَوْلُهُ: [وَالْقِرَاءَةُ] : أَيْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا حَتَّى تَفْرُغَ الْأُولَى مِنْ صَلَاتِهَا وَتَدْخُلَ مَعَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ. قَوْلُهُ: [فَأَتَمَّتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى] : وَهَلْ يُسَلِّمُونَ عَلَى الْإِمَامِ كَالْمَسْبُوقِ؟ ذَكَرَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ فِي حَاشِيَةِ أَبِي الْحَسَنِ عَدَمَهُ، وَيَرُدُّونَ عَلَى مَنْ بِالْيَسَارِ. وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ لَمْ تَبْطُلْ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: [أَفْذَاذًا] : فَإِنْ أَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ بِاسْتِخْلَافِهِمْ لَهُ أَمْ لَا فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ، إلَّا لِتَلَاعُبٍ، وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ كَمَا فِي الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ. وَإِنَّمَا فَسَدَتْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِإِمَامَيْنِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فِي غَيْرِ الِاسْتِخْلَافِ. قَوْلُهُ: [قَضَوْا مَا فَاتَهُمْ] : عَبَّرَ فِي الْأُولَى بِقَوْلِهِ: " فَأَتَمَّتْ " وَهُنَا بِقَوْلِهِ: " قَضَوْا " إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأُولَى بَانِيَةٌ وَالثَّانِيَةَ قَاضِيَةٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.

[كيفية صلاة الخوف إن لم يمكن ترك القتال وصلاة الالتحام]

وَسُورَةٍ جَهْرًا فِي الْجَهْرِيَّةِ (وَإِنْ سَهَا مَعَ الْأُولَى سَجَدَتْ) الْأُولَى (بَعْدَ إكْمَالِهَا) صَلَاتَهَا السُّجُودَ (الْقَبْلِيَّ قَبْلَ السَّلَامِ) ، أَيْ سَلَامِهَا وَالْبَعْدِيَّ بَعْدَهُ (وَسَجَدَتْ الثَّانِيَةَ) السُّجُودَ (الْقَبْلِيَّ مَعَهُ) ، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَتْ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهَا (وَ) سَجَدَتْ (الْبَعْدِيَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ) وَذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ أَمْكَنَ إلَخْ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ) أَيْ الْقِتَالِ (لِبَعْضٍ صَلَّوْا آخِرَ) الْوَقْتِ (الْمُخْتَارِ إيمَاءً) أَيْ بِالْإِيمَاءِ بِخَفْضٍ لِلسُّجُودِ أَكْثَرَ مِنْ الرُّكُوعِ (أَفْذَاذًا إنْ لَمْ يُمْكِنْ رُكُوعٌ وَسُجُودٌ) ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِنْ سَهَا مَعَ الْأُولَى] إلَخْ: وَأَمَّا لَوْ سَهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ إنَّمَا يَلْزَمُ الثَّانِيَةَ. قَوْلُهُ: [الْقَبْلِيَّ مَعَهُ] : وَانْظُرْ لَوْ أَخَّرَتْ لِإِكْمَالِ صَلَاتِهَا وَسَجَدَتْهُ قَبْلَ سَلَامِهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى مِنْ الْمَسْبُوقِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْبُطْلَانَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَنَّ الصِّحَّةَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَاخْتَارَهُ (بْن) . ثُمَّ إنَّهَا تَسْجُدُ الْقَبْلِيَّ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ مُتَرَتِّبًا عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ، وَطَالَ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَسَجَدَتْ الْبَعْدِيَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ] : فَإِنْ سَجَدَتْهُ مَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا كَمَا مَرَّ فِي الْمَسْبُوقِ. [كَيْفِيَّة صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ لَمْ يَمْكَن تَرْكُ الْقِتَالِ وَصَلَاة الِالْتِحَام] قَوْلُهُ: (آخِرَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ) إلَخْ: هَذَا إذَا رَجَوْا الِانْكِشَافَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يُدْرِكُونَ الصَّلَاةَ فِيهِ. وَأَمَّا إنْ أَيِسُوا مِنْ انْكِشَافِهِ فِي الْوَقْتِ صَلَّوْا صَلَاةَ مُسَايَقَةٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَإِنْ تَرَدَّدُوا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ لِوَسَطِهِ، كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. كَأَنْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ بِهَا فَيُصَلُّونَ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ، قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَسُئِلْت إنْ دَهَمَهُمْ الْعَدُوُّ فِي الْجُمُعَةِ، فَقُلْت: الظَّاهِرُ إنْ دَهَمَهُمْ بَعْدَ رَكْعَةٍ حَصَلَتْ الْجَمَاعَةُ وَأَتَمُّوا جُمُعَةً حَيْثُ أَمْكَنَ الْمَسْجِدُ كَالْمَسْبُوقِ، وَإِلَّا أَتَمُّوا ظُهْرًا وَتَكْفِي نِيَّةُ الْجُمُعَةِ كَمَا سَبَقَ وَانْظُرْ النَّصَّ (اهـ) . قَوْلُهُ: [أَفْذَاذًا] : أَيْ لِأَنَّ مَشَقَّةَ الِاقْتِدَاءِ هُنَا أَشَدُّ مِنْ مَشَقَّتِهِ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ الْقَسْمُ، وَلِذَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْقَسْمُ فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا وَلَوْ عَلَى دَوَابِّهِمْ إيمَاءً.

[تنبيه صلاة الخوف بأكثر من إمام]

فَإِنْ أَمْكَنَ صَلَّوْهَا تَامَّةً. (وَحَلَّ) لِلْمُصَلِّي صَلَاةُ الِالْتِحَامِ (لِلضَّرُورَةِ) أَيْ لِأَجْلِهَا (مَشْيٌ) وَهَرْوَلَةٌ وَجَرْيٌ وَرَكْضٌ (وَضَرْبٌ وَطَعْنٌ) لِلْعَدُوِّ (وَكَلَامٌ) مِنْ تَحْذِيرٍ وَإِغْرَاءٍ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ، (وَعَدَمِ تَوَجُّهٍ) لِلْقِبْلَةِ (وَمَسْكُ) سِلَاحٍ (مُلَطَّخٍ) بِدَمٍ (وَإِنْ أَمِنُوا) أَيْ حَصَلَ لَهُمْ الْأَمَانُ (بِهَا) أَيْ فِيهَا أَيْ فِي صَلَاةِ الِالْتِحَامِ (أَتَمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ - وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْوِتْرِ وَأَنَّهُ آكَدُهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [تَنْبِيه صَلَاة الْخَوْفِ بِأَكْثَر مِنْ إمَام] قَوْلُهُ: [وَحَلَّ لِلْمُصَلِّي] إلَخْ: أَيْ فِي صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ الْمَذْكُورَةِ. قَوْلُهُ: [وَكَلَامٌ] : أَيْ لِغَيْرِ إصْلَاحِهَا وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا إنْ احْتَاجَ لَهُ فِي أَمْرِ الْقِتَالِ. قَوْلُهُ: [وَمَسْكُ سِلَاحٍ مُلَطَّخٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا لِمَسْكِهِ أَوْ فِي غُنْيَةٍ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: [أَيْ فِيهَا] : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ مُطْلَقًا؛ كَانَتْ مُسَايَفَةً أَوْ قَسْمًا وَقَوْلُهُ: [أَتَمَّتْ] : أَيْ إنْ كَانَتْ سَفَرِيَّةً فَسَفَرِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَضَرِيَّةً فَحَضَرِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ: [صَلَاةَ أَمْنٍ] : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ " أَتَمَّتْ " فَإِنْ حَصَلَ الْأَمْنُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَمَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ فِعْلًا أُمْهِلَ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ وَلَوْ فِي السَّلَامِ، فَإِنْ أَلْغَى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا فَعَلَ وَرَجَعَ بَطَلَتْ عَلَى غَيْرِ السَّاهِي وَهُوَ الْعَامِدُ وَالْجَاهِلُ بِخِلَافِ جَمَاعَةِ السُّفُنِ؛ فَمَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ فِعْلًا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ لَا يَعُودُ لِلْإِمَامِ أَصْلًا لِعَدَمِ أَمْنِهِمْ مِنْ التَّفْرِيقِ ثَانِيًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ (المج) . تَنْبِيهٌ: لَوْ صَلَّوْا فِي الْخَوْفِ بِإِمَامَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ بَعْضٌ فَذًّا، جَازَ: أَيْ مَضَى ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَإِنْ كَانَ الدُّخُولُ عَلَى ذَلِكَ مَكْرُوهًا لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ أَوْ الْمَنْدُوبِ. خَاتِمَةٌ: إنْ صَلَّى فِي ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ بِكُلٍّ رَكْعَةً، بَطَلَتْ عَلَى الْأُولَى كَثَالِثَةِ الرُّبَاعِيَّةِ لِمُفَارَقَتِهَا قَبْلَ مَحَلِّ الْمُفَارَقَةِ، وَصَحَّتْ لِغَيْرِهِمَا. وَيُقَدَّمُ الْبِنَاءُ كَمَا سَبَقَ فِي الرُّعَافِ. (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) .

[فصل في صلاة العيدين]

فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فَقَالَ: فِي أَحْكَامِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ) : أَيْ عِيدُ الْفِطْرِ وَعِيدُ الْأَضْحَى، (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) تَلِي الْوِتْرَ فِي التَّأْكِيدِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْكَدَ مِنْ الْآخَرِ (فِي حَقِّ مَأْمُورِ الْجُمُعَةِ) : وَهُوَ الذَّكَرُ الْبَالِغُ الْحُرُّ الْمُقِيمُ بِبَلَدِ الْجُمُعَةِ أَوْ النَّائِي عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْهُ، لَا لِصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] [حُكْم صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] فَصْلٌ: أَيْ فِي أَحْكَامِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي الْيَوْمِ الْمُسَمَّى عِيدًا. وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ عِيدًا: لِاشْتِقَاقِهِ مِنْ الْعَوْدِ: وَهُوَ الرُّجُوعُ لِتَكَرُّرِهِ. وَلَا يَرُدُّ أَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ وَالشَّهْرِ تَتَكَرَّرُ أَيْضًا وَلَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهَا عِيدًا لِأَنَّ هَذِهِ مُنَاسَبَةٌ وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهَا، وَقَالَ عِيَاضٌ: لِعَوْدِهِ عَلَى النَّاسِ بِالْفَرَحِ، وَقِيلَ تَفَاؤُلًا بِأَنْ يَعُودَ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ النَّاسِ. وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ قُلِبَتْ يَاءً كَمِيزَانٍ وَجُمِعَ بِهَا، وَحَقُّهُ أَنْ يُرَدَّ لِأَصْلِهِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ. «وَأَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ» ، وَهِيَ سَنَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا وَمَشْرُوعِيَّةِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، وَاسْتَمَرَّ مُوَاظِبًا عَلَيْهَا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمَا وَرَدَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْجُمُعَةِ عِيدًا، فَمِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَتَبَادَرْ لِلذِّهْنِ الْجُمُعَةُ أَلْبَتَّةَ. قَوْلُهُ: [سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ] : أَيْ عَيْنِيَّةٌ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ سُنَّةٌ كِفَائِيَّةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ. فَإِنْ قُلْت: يُؤْخَذُ مِنْ اسْتِحْبَابِ إقَامَتِهَا لِمَنْ فَاتَتْهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ كِفَائِيَّةٌ؟ إذْ لَوْ كَانَتْ سُنَّةَ عَيْنٍ لَسُنَّتْ فِي حَقِّ مَنْ فَاتَتْهُ؛ أُجِيبَ بِأَنَّهَا

[وقت صلاة العيد والنداء لها]

وَمُسَافِرٍ لَمْ يَنْوِ إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ، وَلَا بِنَاءً عَلَى أَكْثَرَ مِنْ كَفَرْسَخٍ وَنُدِبَتْ لِغَيْرِ الشَّابَّةِ، وَلَا تُنْدَبُ لِحَاجٍّ وَلَا لِأَهْلِ مِنًى وَلَوْ غَيْرَ حَاجِّينَ. (وَهِيَ رَكْعَتَانِ) لَا أَكْثَرُ. وَقْتُهَا (مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ) بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ عَنْ الْأُفُقِ قِيدَ رُمْحٍ لَا قَبْلَهُ، فَتُكْرَهُ بَعْدَ الشُّرُوقِ وَتَحْرُمُ حَالَ الشُّرُوقِ وَلَا تُجْزِئُ (لِلزَّوَالِ) ، فَلَا تُصَلَّى بَعْدَهُ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا وَالنَّوَافِلُ لَا تُقْضَى. ـــــــــــــــــــــــــــــQسُنَّةُ عَيْنٍ فِي حَقِّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ وُجُوبًا بِشَرْطِ إيقَاعِهَا مَعَ الْإِمَامِ، فَلَا يُنَافِي اسْتِحْبَابُهَا لِمَنْ فَاتَتْهُ جَمَاعَتُهَا، أَوْ يُقَالُ: إنَّ اسْتِحْبَابَ فِعْلِهَا لِمَنْ فَاتَتْهُ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ: وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا سُنَّةُ كِفَايَةٍ. قَوْلُ: (وَلَا تُنْدَبُ لِحَاجٍّ) : أَيْ لِأَنَّ وُقُوفَهُمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يَوْمَ النَّحْرِ يَكْفِيهِمْ عَنْهَا. قَوْلُهُ: [وَلَا لِأَهْلِ مِنًى] : أَيْ لَا تُشْرَعُ فِي حَقِّهِمْ جَمَاعَةً، بَلْ تُنْدَبُ لَهُمْ فُرَادَى إذَا كَانُوا غَيْرَ حُجَّاجٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تُشْرَعْ فِي حَقِّهِمْ جَمَاعَةً لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِصَلَاةِ الْحُجَّاجِ مَعَهُمْ. [وَقْت صَلَاة الْعِيد وَالنِّدَاء لَهَا] قَوْلُهُ: [وَقْتُهَا مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ] إلَخْ: هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقْتُهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ. قَوْلُهُ: [فَتُكْرَهُ بَعْدَ الشُّرُوقِ] : أَيْ عِنْدَنَا وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَتَجُوزُ، فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَاخْتَلَفَا فِي الْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا تُجْزِئُ] : أَيْ حَالَ الطُّلُوعِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. تَنْبِيهٌ: لَا يُنَادَى: " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ". أَيْ لَا يُنْدَبُ وَلَا يُسَنُّ، بَلْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ فِيهَا فَبِالْكَرَاهَةِ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي وَابْنُ عُمَرَ إنَّهُ بِدْعَةٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ أَنَّهُ جَائِزٌ فَغَيْرُ صَوَابٍ، بَلْ مَا وَرَدَ ذَلِكَ إلَّا فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَمَحَلُّ كَوْنِهِ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى إنْ اعْتَقَدَ مَطْلُوبِيَّةَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ قَصْدِ الْإِعْلَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَوْلُهُ: [وَالنَّوَافِلُ لَا تُقْضَى] : أَيْ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهَا إلَّا فَجْرَ يَوْمِهِ لِلزَّوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.

[كيفية صلاة العيدين]

وَأَشَارَ لِكَيْفِيَّتِهَا بِقَوْلِهِ: (يُكَبِّرُ) الْمُصَلِّي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (سِتًّا بَعْدَ) تَكْبِيرَةِ (الْإِحْرَامِ) فَيَكُونُ التَّكْبِيرُ بِهَا سَبْعًا (ثُمَّ) يُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (خَمْسًا غَيْرَ) تَكْبِيرَةِ (الْقِيَامِ) . وَيَكُونُ التَّكْبِيرُ (مُوَالًى) بِلَا فَصْلٍ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ (إلَّا بِتَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ) فَيَفْصِلُ سَاكِتًا بِقَدْرِهِ (وَتَحَرَّاهُ مُؤْتَمٌّ لَمْ يَسْمَعْ) تَكْبِيرَ الْإِمَامِ أَوْ مَأْمُومَهُ. وَمَحِلُّ التَّكْبِيرِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ اقْتَدَى بِحَنَفِيٍّ يُؤَخِّرُهُ (فَإِنْ نَسِيَهُ) وَتَذَكَّرَهُ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا (كَبَّرَ) أَيْ أَتَى بِهِ، أَوْ بِمَا تَرَكَهُ مِنْهُ (مَا لَمْ يَرْكَعْ وَأَعَادَ الْقِرَاءَةَ وَسَجَدَ) لِزِيَادَةِ إعَادَتِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كَيْفِيَّة صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] قَوْلُهُ: [سِتًّا بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ] : أَيْ وَكَوْنُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ مُسْتَحَبٌّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ مِنْهَا سُنَّةٌ كَمَا يَأْتِي، وَتَقْدِيمُ ذَلِكَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْقِرَاءَةِ مَنْدُوبٌ فَلَوْ أَخَّرَهُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ أَتَى بِالسُّنَّةِ وَفَاتَهُ الْمَنْدُوبُ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ يُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسًا] إلَخْ: فَلَوْ اقْتَدَى بِشَافِعِيٍّ يَزِيدُ، فَلَا يَزِيدُ مَعَهُ وَهَذَا الْعَدَدُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَارِدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُوَطَّإِ، وَمَرْفُوعٌ فِي مُسْنَدِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْت عَنْهُ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: [وَتَحَرَّاهُ مُؤْتَمٌّ] : أَيْ تَكْبِيرَ الْعِيدِ، وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا التَّحَرِّي، بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْيَقِينِ بِأَنَّ الْإِمَامَ أَحْرَمَ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْقِرَاءَةِ] : أَيْ نَدْبًا كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [وَلَوْ اقْتَدَى بِحَنَفِيٍّ] إلَخْ: مُبَالَغَةٌ فِي الْقَبْلِيَّةِ أَيْ يُؤَخِّرُهُ تَبَعًا لَهُ، بَلْ يُكَبِّرُهُ حَالَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَالْمُخَالَفَةُ الْقَوْلِيَّةُ لَا تَضُرُّ. قَوْلُهُ: [وَإِعَادَةُ الْقُرَّاءِ] : أَيْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الِافْتِتَاحَ بِالتَّكْبِيرِ مَنْدُوبٌ، فَإِنْ تَرَكَ إعَادَتَهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ: [لِزِيَادَةِ إعَادَتِهَا] : هَذَا يُفِيدُ أَنَّ سَبَبَ السُّجُودِ الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مَطْلُوبَةٌ بَلْ السَّبَبُ فِي الْحَقِيقَةِ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي لَمْ تُصَادِفْ مَحَلَّهَا، فَهِيَ الزَّائِدَةُ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ اقْتِصَارُهُ عَلَيْهَا لَأَجْزَأَتْ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ الْعِلَّةَ زِيَادَةَ الْإِعَادَةِ لِكَوْنِهِ لَا يُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ إلَّا عِنْدَ

(بَعْدَ) : أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ (فَإِنْ رَكَعَ تَمَادَى) وُجُوبًا وَلَا يَرْجِعُ لَهُ؛ إذْ لَا يُرْجَعُ مِنْ فَرْضٍ لِنَفْلٍ، وَإِلَّا بَطَلَتْ. (وَ) إذَا تَمَادَى (سَجَدَ) غَيْرُ الْمُؤْتَمِّ (قَبْلُ، وَلَوْ لِتَرْكِ) تَكْبِيرَةٍ (وَاحِدَةٍ) إذْ كُلُّ تَكْبِيرَةٍ مِنْهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَأَمَّا الْمُؤْتَمُّ فَالْإِمَامُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ. (وَمُدْرِكُ الْقِرَاءَةِ) مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْمَسْبُوقِينَ (يُكَبِّرُ) فَمُدْرِكُ الْأُولَى يُكَبِّرُ (سَبْعًا) بِالْإِحْرَامِ (وَمُدْرِكُ الثَّانِيَةِ يُكَبِّرُ خَمْسًا) غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. (ثُمَّ) إذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ كَبَّرَ (سَبْعًا بِالْقِيَامِ) أَيْ بِتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ. وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةٍ لَا يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ (كَمُدْرِكِ التَّشَهُّدِ) : تَشْبِيهٌ فِي التَّكْبِيرِ سَبْعًا؛ أَيْ إنْ فَاتَتْهُ مَعَ الْإِمَامِ صَلَاةُ الْعِيدِ، وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السُّجُودِ مِنْ الثَّانِيَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا بِتَكْبِيرِ الْقِيَامِ، وَقِيلَ سِتًّا وَلَا يُكَبِّرُ لِقِيَامِهِ. وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ مُدْرِكَ التَّشَهُّدِ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ؟ وَأُجِيبَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQحُصُولِهَا. قَوْلُهُ: [إلَّا بَطَلَتْ] : أَيْ لَيْسَ كَمَنْ رَجَعَ لِلْجُلُوسِ الْوَسَطِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِلَّ قَائِمًا لِأَنَّ الرُّكْنَ الْمُتَلَبَّسَ بِهِ هُنَا وَهُوَ الرُّكُوعُ أَقْوَى مِنْ الْمُتَلَبَّسِ بِهِ هُنَاكَ لِوُجُوبِ الرُّكُوعِ بِاتِّفَاقٍ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْفَاتِحَةِ. قَوْلُهُ: [يُكَبِّرُ خَمْسًا] إلَخْ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ آخِرَ صَلَاتِهِ وَحِينَئِذٍ فَيُكَبِّرُ فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ سَبْقًا بِالْقِيَامِ كَمَا سَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا بِالْإِحْرَامِ، وَيَقْضِي خَمْسًا غَيْرَ الْقِيَامِ فَإِنْ جَاءَ الْمَأْمُومُ فَوَجَدَ الْإِمَامَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا بِالْإِحْرَامِ احْتِيَاطًا ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا الْأُولَى، فَظَاهِرٌ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا الثَّانِيَةُ قَضَى الْأُولَى بِسِتٍّ غَيْرِ الْقِيَامِ، وَلَا يَحْسِبُ مَا كَبَّرَهُ زِيَادَةً عَلَى الْخَمْسِ مِنْ تَكْبِيرِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: [بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ] إلَخْ: أَيْ أَنْ يَقُومَ بِتَكْبِيرٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ فِي ثَانِيَةِ نَفْسِهِ أَمْ لَا، فَمَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَا غَرَابَةَ فِي بِنَاءِ مَشْهُورٍ عَلَى ضَعِيفٍ، وَتَقَدَّمَ لِزَرُّوقٍ قَالَ: كَانَ شَيْخُنَا الْقُورِيُّ يُفْتِي بِهِ الْعَامَّةَ لِئَلَّا يَخْلِطُوا، فَفِي ذَلِكَ الْقَوْلِ نَوْعُ قُوَّةٍ.

[آداب العيد ومندوباته]

بِأَنَّهُ فِي الْعِيدِ خَاصَّةً لَا يَقُومُ بِهِ، لِأَنَّ تَكْبِيرَ الْعِيدِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، فَلِذَا اقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ. وَالشَّيْخُ ذَكَرَ التَّأْوِيلَيْنِ. (وَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى) أَيْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (فَقَطْ) . (وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ) : أَيْ الْعِيدِ الصَّادِقِ بِالِاثْنَيْنِ بِالْعِبَادَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَذِكْرٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَسْبِيحٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَيَحْصُلُ بِالثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ وَالْأَوْلَى إحْيَاءُ كُلِّهِ. (وَ) نُدِبَ (غُسْلٌ) يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالسُّدُسِ الْأَخِيرِ. (وَ) نُدِبَ كَوْنُهُ (بَعْدَ) صَلَاةِ الصُّبْحِ. (وَ) نُدِبَ (تَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ) بِالثِّيَابِ الْجَدِيدَةِ إظْهَارًا لِنِعْمَتِهِ وَشُكْرِهِ، (وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ] : أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَسَنَدٍ وَابْنِ رَاشِدٍ، وَإِنَّمَا كَانَ أَظْهَرَ لِأَنَّ سُنَّةَ الْعِيدِ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي إحْدَى رَكْعَتَيْهِ سَبْعٌ مُوَالَاةٌ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ تَكْبِيرٍ وَلِمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ. [آدَاب الْعِيد وَمَنْدُوبَاته] قَوْلُهُ: (وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ) : أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» ، وَمَعْنَى عَدَمِ مَوْتِ قَلْبِهِ عَدَمُ تَحَيُّرِهِ عِنْدَ النَّزْعِ وَعِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ وَفِي الْقِيَامَةِ، بَلْ يَكُونُ مُطْمَئِنًّا ثَانِيًا فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ. قَوْلُهُ: [وَيَحْصُلُ بِالثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ] : وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ الْفُرَاتِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِإِحْيَاءِ مُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ بِسَاعَةٍ، وَقِيلَ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى كَمَا قَالَ الشَّارِحُ إحْيَاؤُهُ كُلِّهِ، وَقَوْلُهُمْ إحْيَاءُ اللَّيْلِ كُلِّهِ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ اللَّيَالِي الَّتِي رَغَّبَ الشَّارِعُ فِي قِيَامِهَا كُلِّهَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إنَّ لِلَّهِ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لَهَا» . قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ غُسْلٌ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ (ح) وَرَجَّحَ اللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ سُنِّيَّتَهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِالْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى. [تَنْبِيه ترك إظْهَار الزِّينَة فِي الْعِيد] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ] : هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ النِّسَاءِ وَأَمَّا هُنَّ إذَا خَرَجْنَ

لِغَيْرِ مُصَلٍّ) كَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ. (وَ) نُدِبَ (مَشْيٌ فِي ذَهَابِهِ) بِالْفَتْحِ لَا فِي رُجُوعِهِ، (وَرُجُوعٌ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى) غَيْرِ الَّتِي ذَهَبَ فِيهَا. (وَ) نُدِبَ (فِطْرٌ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ ذَهَابِهِ لِلْمُصَلَّى (فِي) عِيدِ (الْفِطْرِ) (وَ) نُدِبَ (كَوْنُهُ عَلَى تَمْرٍ) وِتْرًا إنْ وَجَدَهُ، وَإِلَّا حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ كَفِطْرِ رَمَضَانَ. (وَ) نُدِبَ (تَأْخِيرُهُ) أَيْ الْفِطْرِ (فِي) عِيدِ (النَّحْرِ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا يَتَطَيَّبْنَ وَلَا يَتَزَيَّنَّ لِخَوْفِ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ. تَنْبِيهٌ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُ إظْهَارِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ فِي الْأَعْيَادِ تَقَشُّفًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، قَالَهُ (ح) . وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَرَحًا وَسُرُورًا وَزِينَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَوَرَدَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» ، قَالَ (ح) أَيْضًا وَلَا يُنْكَرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَعِبُ الصِّبْيَانِ وَضَرْبُ الدُّفِّ فَقَدْ وَرَدَ. قَوْلُهُ: [فِي ذَهَابِهِ] : أَيْ لِأَنَّهُ عَبْدٌ ذَاهِبٌ لِخِدْمَةِ مَوْلَاهُ فَيُطْلَبُ مِنْهُ التَّوَاضُعُ لِأَجْلِ إقْبَالِهِ عَلَيْهِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ؛ وَإِلَّا فَلَا يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [فِي طَرِيقٍ أُخْرَى] : أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ كُلٌّ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ وَمَلَائِكَتُهُمَا. قَوْلُهُ: [فِي عِيدِ الْفِطْرِ] : أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يُقَارِنَ فِطْرُهُ إخْرَاجَ زَكَاةِ فِطْرِهِ الْمَأْمُورِ بِإِخْرَاجِهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ كَوْنُهُ عَلَى] إلَخْ: أَيْ فَكَوْنُهُ عَلَى تَمْرٍ مَنْدُوبٌ ثَانٍ، وَكَوْنُهُ وِتْرًا مَنْدُوبٌ ثَالِثٌ، وَقَوْلُهُ عَلَى تَمْرٍ إلَخْ أَيْ إنْ لَمْ يَجِدْ رُطَبًا. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَأْخِيرُهُ] إلَخْ: أَيْ لِيَكُونَ أَوَّلُ أَكْلِهِ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ فَهَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ، وَأَجْرَى الْبَابَ عَلَى وَتِيرَةٍ وَإِنْ لَمْ يُضَحِّ.

(وَ) نُدِبَ (خُرُوجٌ) : أَيْ ذَهَابٌ لِلصَّلَاةِ (بَعْدَ) طُلُوعِ (شَمْسٍ لِمَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ) وَإِلَّا خَرَجَ بِقَدْرِ مَا يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ. (وَ) نُدِبَ (تَكْبِيرٌ فِيهِ) أَيْ فِي خُرُوجِهِ. (وَ) نُدِبَ (جَهْرٌ بِهِ) أَيْ بِالتَّكْبِيرِ لِإِظْهَارِ الشَّعِيرَةِ، وَيَسْتَمِرُّ عَلَى التَّكْبِيرِ فَيُكَبِّرُونَ وَهُمْ جَالِسُونَ فِي الْمُصَلَّى (لِلشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ) . (وَ) نُدِبَ (إيقَاعُهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (بِالْمُصَلَّى) ، فِي الصَّحْرَاءِ لَا فِي الْمَسْجِدِ (إلَّا بِمَكَّةَ) فَبِمَسْجِدِهَا أَفْضَلُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَيْ فِي خُرُوجِهِ] : أَيْ وَلَوْ قَبْلَ الشَّمْسِ فِيمَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ، وَيُسْتَحَبُّ الِانْفِرَادُ فِي التَّكْبِيرِ حَالَةَ الْمَشْيِ لِلْمُصَلَّى. وَأَمَّا التَّكْبِيرُ جَمَاعَةً وَهُمْ جَالِسُونَ فِي الْمُصَلَّى فَهَذَا هُوَ الَّذِي اُسْتُحْسِنَ. قَالَ ابْنُ نَاجِي افْتَرَقَ النَّاسُ بِالْقَيْرَوَانِ فِرْقَتَيْنِ بِمَحْضَرِ أَبِي عَمْرٍو الْفَارِسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا فَرَغَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ التَّكْبِيرِ كَبَّرَتْ الْأُخْرَى فَسُئِلَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَا: إنَّهُ لَحَسَنٌ. قَوْلُهُ: [وَيَسْتَمِرُّ عَلَى التَّكْبِيرِ] إلَخْ: وَاخْتُلِفَ فِي ابْتِدَاءِ وَقْتِ التَّكْبِيرِ فِي. الْمُصَلَّى فَقِيلَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقِيلَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ مِنْ الْإِسْفَارِ. قَوْلُهُ: [لِلشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ لِمَجِيءِ الْإِمَامِ لَلْمُصَلَّى وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الصَّلَاةَ بِالْفِعْلِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ إيقَاعُهَا] إلَخْ: أَيْ لِأَجْلِ الْمُبَاعَدَةِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ وَإِنْ كَبِرَتْ يَقَعُ الِازْدِحَامُ فِيهَا وَفِي أَبْوَابِهَا بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ دُخُولًا وَخُرُوجًا فَتُتَوَقَّعُ الْفِتْنَةُ فِي مَحَلِّ الْعِبَادَةِ. قَوْلُهُ: [لَا فِي الْمَسْجِدِ] : أَيْ وَلَوْ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَلَا يَغْتَفِرُ الْمَسْجِدَ إلَّا الضَّرُورَةُ. قَوْلُهُ: [إلَّا بِمَكَّةَ] : إنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ - مَعَ أَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَنَا - لِلْمَزَايَا الَّتِي تَقَعُ فِيهِ لِمَنْ يُصَلِّي الْعِيدَ، وَهِيَ النَّظَرُ وَالطَّوَافُ الْمَعْدُومَانِ فِي غَيْرِهِ لِخَبَرِ: «يَنْزِلُ عَلَى الْبَيْتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَحْمَةً سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ، وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ، وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ إلَيْهِ» .

(وَ) نُدِبَ (قِرَاءَتُهَا) أَيْ الْقِرَاءَةُ فِيهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِكَسَبِّحْ) اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى أَوْ {هَلْ أَتَاكَ} [الغاشية: 1] فِي الْأُولَى، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] أَوْ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] فِي الثَّانِيَةِ. (وَ) نُدِبَ (خُطْبَتَانِ كَالْجُمُعَةِ) يَجْلِسُ فِي أَوَّلِ الْأُولَى وَأَوَّلِ الثَّانِيَةِ، يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا زَكَاةَ الْفِطْرِ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَوُجُوبَ إخْرَاجِهَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَحُرْمَةَ تَأْخِيرِهَا عَنْهُ، وَالضَّحِيَّةَ وَمَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَمَا تُجْزِئُ مِنْهَا وَمَا لَا تُجْزِئُ فِي النَّحْرِ. (وَ) نُدِبَ (بَعْدِيَّتِهِمَا) أَيْ كَوْنُهُمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ (وَأُعِيدَتَا) نَدْبًا (إنْ قُدِّمَتَا) عَلَى الصَّلَاةِ. (وَ) نُدِبَ (اسْتِفْتَاحُهُمَا) : أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ (بِتَكْبِيرٍ) بِلَا حَدٍّ بِثَلَاثَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، (وَتَخْلِيلُهُمَا بِهِ) أَيْ بِالتَّكْبِيرِ (بِلَا حَدٍّ) : رَاجِعٌ لِلِافْتِتَاحِ وَالتَّخْلِيلِ (وَاسْتِمَاعُهُمَا) : بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَيَجِبُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) نُدِبَ (إقَامَتُهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (لِغَيْرِ مَأْمُورِ الْجُمُعَةِ) : مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ غَيْرِ الشَّابَّةِ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ مُكَاتَبٌ لِإِذْنٍ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ، (أَوْ لِمَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاتُهَا (مَعَ الْإِمَامِ) مِنْ مَأْمُورِ الْجُمُعَةِ. فَقَوْلُهُمْ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ خُطْبَتَانِ] : اُنْظُرْ هَلْ هُمَا مَنْدُوبٌ وَاحِدٌ أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَنْدُوبٌ مُسْتَقِلٌّ؟ قَالَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى سُنِّيَّةِ الْخُطْبَتَيْنِ. قَوْلُهُ: [يَجْلِسُ فِي أَوَّلِ الْأُولَى] : الظَّاهِرُ أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِمَا مَنْدُوبٌ لَا سُنَّةٌ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَانْظُرْ هَلْ يُنْدَبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا أَمْ لَا؟ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَالظَّاهِرُ النَّدْبُ. قَوْلُهُ: [وَأُعِيدَتَا نَدْبًا] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَدْبِ إعَادَتِهِمَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ بَعْدِيَّتِهِمَا مُسْتَحَبَّةٌ وَأَمَّا عَلَى أَنَّ بَعْدِيَّتِهِمَا سُنَّةٌ فَإِعَادَتُهُمَا سُنَّةٌ. قَوْلُهُ: [بِتَكْبِيرٍ] : أَيْ بِخِلَافِ خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَبُ افْتِتَاحُهُمَا بِالتَّحْمِيدِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ خُطْبَةَ الِاسْتِسْقَاءِ تُفْتَتَحُ بِالِاسْتِغْفَارِ. قَوْلُهُ: [وَاسْتِمَاعُهُمَا] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَدْبِ الِاسْتِمَاعِ لَهُمَا بِأَنْ لَا يَشْغَلَ فِكْرَهُ فَمُسَلَّمٌ، وَأَمَّا الْكَلَامُ وَقْتَهُمَا فَاخْتُلِفَ فِيهِ؛ قِيلَ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ حَرَامٌ بَعْدَ الْحُضُورِ الْمَنْدُوبِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ عَلَى مَا أَفَادَهُ (ر) كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.

سُنَّةُ عَيْنٍ؛ أَيْ لِمَنْ يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا مَعَ الْإِمَامِ. فَإِنْ فَاتَتْهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَتُنْدَبُ لِلزَّوَالِ. (وَ) نُدِبَ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ صَبِيًّا (التَّكْبِيرُ إثْرَ) كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ (خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً وَقْتِيَّةً مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لَا قَبْلَهُ إلَى صُبْحِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ لَا بَعْدَ نَافِلَةٍ وَلَا مَقْضِيَّةٍ فِيهَا، وَلَوْ فَاتَتْهُ مِنْهَا (فَإِنْ نَسِيَ) التَّكْبِيرَ (كَبَّرَ) إذَا تَذَكَّرَ (إنْ قَرُبَ) الزَّمَنُ لَا إنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ طَالَ عُرْفًا (وَكَبَّرَ مُؤْتَمٌّ) نَدْبًا (تَرَكَ إمَامَهُ) . وَنُدِبَ تَنْبِيهُ النَّاسِي وَلَوْ بِالْكَلَامِ. (وَ) نُدِبَ (لَفْظُهُ الْوَارِدُ) أَيْ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ (وَهُوَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثَلَاثًا) فَإِنْ زَادَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَحَسَنٌ. وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ (وَكُرِهَ تَنَفُّلٌ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا بِمُصَلًّى) أَيْ فِيهِ (لَا بِمَسْجِدٍ) فَلَا يُكْرَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ فَاتَتْهُ لِعُذْرٍ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْإِمَامِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالسُّنَّةِ فَيُعِيدُهَا مَعَهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِابْنِ بَشِيرٍ الْقَائِلِ إثْرَ سِتَّ عَشْرَةَ فَرِيضَةً مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِظُهْرِ الرَّابِعِ. قَوْلُهُ: [وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ] : أَيْ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالثَّانِي فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ. قَوْلُهُ: [لَا بِمَسْجِدٍ فَلَا يُكْرَهُ] : أَيْ النَّفَلُ فِيهِ قَبْلَ صَلَاتِهَا وَبَعْدَهَا. أَمَّا عَدَمُ كَرَاهَتِهِ قَبْلَ صَلَاتِهَا فَنَظَرًا لِلتَّحِيَّةِ، وَأَمَّا عَدَمُ كَرَاهَتِهِ بَعْدَهَا فَلِنُدُورِ حُضُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ.

[فصل في صلاة الكسوف والخسوف]

فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ (سُنَّ وَتَأَكَّدَ) الِاسْتِنَانُ الْمَفْهُومُ مِنْ سُنَّ: تَأْكِيدًا يَلِي الْعِيدَيْنِ (لِكُسُوفِ الشَّمْسِ) : أَيْ لِأَجْلِ كُسُوفِهَا (وَلَوْ) كَانَ الْمَكْسُوفُ (بَعْضًا) مِنْهَا كَمَا هُوَ الْغَالِبُ (رَكْعَتَانِ) : نَائِبُ فَاعِلٍ لِسُنَّ. (بِزِيَادَةِ قِيَامٍ، وَرُكُوعٍ) عَلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ (فِيهِمَا) : أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا؛ بِأَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً وَلَوْ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعَ ثُمَّ يَرْفَعَ مِنْهُ فَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، ثُمَّ يَرْكَعَ، ثُمَّ يَرْفَعَ، وَيَسْجُدَ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَفْعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ وَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ (لِمَأْمُورِ الصَّلَاةِ) مُتَعَلِّقٌ: بِ " سُنَّ "، (وَإِنْ) كَانَ مَأْمُورُ الصَّلَاةِ (صَبِيًّا) عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ] [صَلَاة الْكُسُوفِ وَحُكْمهَا] فَصْلٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْكُسُوفَ وَالْخُسُوفَ قِيلَ مُتَرَادِفَانِ وَأَنَّهُ ذَهَابُ الضَّوْءِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا مِنْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ، وَقِيلَ الْكُسُوفُ ذَهَابُ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وَالْخُسُوفُ ذَهَابُ ضَوْءِ الْقَمَرِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ عَكْسُهُ وَرُدَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8] وَقِيلَ الْكُسُوفُ اسْمٌ لِذَهَابِ بَعْضِ الضَّوْءِ وَالْخُسُوفُ اسْمٌ لِذَهَابِ جَمِيعِهِ وَقِيلَ عَكْسُهُ. قَوْلُهُ: [سُنَّ] : أَيْ عَيْنًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ. قَوْلُهُ: [يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً] إلَخْ: بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأَحْكَامِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا. [تَنْبِيه لَا يُصَلَّى لِغَيْرِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ مِنْ الْآيَاتِ] قَوْلُهُ: [لِمَأْمُورِ الصَّلَاةِ] : أَيْ الْخَمْسِ وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ فَيَشْمَلُ الصِّبْيَانَ الْمُمَيِّزِينَ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ مَأْمُورُ الصَّلَاةِ صَبِيًّا] إلَخْ: هَكَذَا أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِمَأْمُورِ الصَّلَاةِ وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، فَيَشْمَلُ الصِّبْيَانَ الْمُمَيِّزِينَ كَمَا عَلِمْت تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَّاحِ، وَوَجْهُهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُسْتَبْعَدُ كَوْنُهُ لَهُ أَعْلَى مِنْ الْخَمْسِ؛

[وقت صلاة الكسوف ومندوباتها]

(وَعَمُودِيًّا وَمُسَافِرًا إلَّا أَنْ يَجِدَّ سَيْرَهُ) أَيْ الْمُسَافِرِ (لِ) أَمْرٍ (مُهِمٍّ) فَلَا يُسَنُّ لَهُ. (وَوَقْتُهَا كَالْعِيدِ) مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ. (وَنُدِبَ صَلَاتُهَا بِالْمَسْجِدِ) لَا الصَّحْرَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهَا مَحَلُّ خَوْفٍ، وَهُوَ مَقْبُولٌ، وَلَا يَرِدُ الْخُسُوفُ فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ مَعَ أَنَّهُ يَأْتِي وَهُوَ نَائِمٌ، وَلَا يَلْحَقُ مُصِيبَةَ الشَّمْسِ، وَكَذَا الِاسْتِسْقَاءُ فَإِنَّهُ دُونَهَا فِي التَّأْكِيدِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعُمُّ الْعَالَمَ وَيُغْنِي عَنْهُ نَحْوُ الْعُيُونِ (اهـ.) لَكِنْ قَالَ (بْن) لَمْ أَرَ مِنْ ذِكْرِ السُّنِّيَّةِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ إلَّا مَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا عَبَّرَ بِالسُّنِّيَّةِ تَغْلِيبًا لِغَيْرِ الصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ عَرَفَةَ بِلَفْظِ يُؤْمَرُ الصَّبِيُّ بِهَا فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةٌ، وَإِذَا صَحَّ هَذَا سَقَطَ اسْتِغْرَابُ أَمْرِ الصَّبِيِّ بِالْكُسُوفِ اسْتِنَانًا وَبِالْفَرَائِضِ الْخَمْسِ نَدْبًا (اهـ. كَلَامُ بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . فَعَلَى هَذَا فَسُنِّيَّتُهَا إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ. قَوْلُهُ: [لِأَمْرٍ مُهِمٍّ] : أَيْ فَتَعَلَّقَ بِالسُّنِّيَّةِ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدَّ أَصْلًا أَوْ جَدَّ لِغَيْرِ مُهِمٍّ هَكَذَا مُفَادُ الشَّارِحِ، وَمُفَادُ الْمَوَّاقِ أَنَّهُ إذَا جَدَّ السَّيْرُ مُطْلَقًا لَا تُسَنُّ فِي حَقِّهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ. تَنْبِيهٌ: لَا يُصَلَّى لِغَيْرِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ مِنْ الْآيَاتِ كَالزَّلَازِلِ كَمَا قَالَ (ح) فِي الذَّخِيرَةِ، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ الصَّلَاةَ وَاخْتَارَهُ (بْن) (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [وَقْت صَلَاة الْكُسُوفِ وَمَنْدُوبَاتهَا] قَوْلُهُ: [وَوَقْتُهَا كَالْعِيدِ] : حَكَى ابْنُ الْجَلَّابِ فِي وَقْتِهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ عَنْ مَالِكٍ: إحْدَاهَا أَنَّهَا مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ كَالْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ. وَالثَّالِثَةُ أَنَّهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الْعَصْرِ، وَالْأُولَى هِيَ الَّتِي فِي الْمُدَوَّنَةِ فَلَوْ طَلَعَتْ مَكْسُوفَةً لَمْ تُصَلَّ حَتَّى يَأْتِيَ حِلُّ النَّافِلَةِ، وَكَذَا إذَا كَسَفَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ تُصَلَّ عَلَى رِوَايَةِ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي لَهَا حَالًا وَيُصَلِّي لَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَلَاتُهَا بِالْمَسْجِدِ] : أَيْ مَخَافَةَ أَنْ تَنْجَلِيَ قَبْلَ الذَّهَابِ إلَى الْمُصَلَّى، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ شَاءُوا فَعَلُوهَا فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَهَذَا إذَا وَقَعَتْ فِي جَمَاعَةٍ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحْسَنُ، فَأَمَّا الْفَذُّ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهَا فِي

(وَإِسْرَارُهَا) أَيْ الْقِرَاءَةُ فِيهَا سِرٌّ. (وَ) نُدِبَ (تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ بِنَحْوِ) سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (وَمُوَالِيَاتُهَا فِي الْقِيَامَاتِ) آلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ. (وَالرُّكُوعُ) فِيهَا (كَالْقِرَاءَةِ) فِي الطُّولِ نَدْبًا فَالرُّكُوعُ الْأَوَّلُ نَحْوُ الْبَقَرَةِ، وَالرُّكُوعُ الثَّانِي نَحْوُ آلِ عِمْرَانَ يُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعَاتِ، لِأَنَّ الرُّكُوعَ يُعَظَّمُ فِيهِ الرَّبُّ بِلَا دُعَاءٍ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الصَّلَاةِ. (وَالسُّجُودُ كَالرُّكُوعِ) فِي الطُّولِ نَدْبًا يُسَبِّحُ فِيهِ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَأَمَّا الْجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَعَلَى الْعَادَةِ لَا تَطْوِيلَ فِيهَا اتِّفَاقًا (إلَّا لِخَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ) بِالزَّوَالِ (أَوْ) خَوْفِ (ضَرَرِ الْمَأْمُومِ) بِالتَّطْوِيلِ فَلَا يُطَوِّلُ، وَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ النَّظَرُ لِحَالِ الْوَقْتِ وَالْمَأْمُومِينَ، فَقَدْ يَقْتَضِي قِرَاءَةَ {يس} [يس: 1] وَنَحْوِهَا، أَوْ طَوَالِ الْمُفَصَّلِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ قِصَارِهِ، وَجَازَ اقْتِدَاءُ الْجَالِسِ بِالْقَائِمِ لِأَنَّهَا نَفْلٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْتِهِ. وَلَا أَذَانَ لَهَا وَلَا إقَامَةَ لِأَنَّهَا مِنْ خَوَاصِّ الْفَرْضِ - ابْنُ عُمَرَ. وَلَا يَقُولُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ - ابْنُ نَاجِي، نَقَلَ ابْنُ هَارُونَ أَنَّهُ لَوْ نَادَى مُنَادٍ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَحْسَنَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، (اهـ. خَرَشِيٌّ) . قَوْلُهُ: [وَإِسْرَارُهَا] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ جَهْرًا لِئَلَّا يَسْأَمَ النَّاسُ، وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ ابْنُ نَاجِي، وَبِهِ عَمِلَ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِجَامِعِ الزَّيْتُونَةِ، وَإِنَّمَا طُلِبَ فِيهَا الْإِسْرَارُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ نَهَارِيَّةٌ لَا خُطْبَةَ لَهَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ صَلَاةِ نَفْلٍ نَهَارِيَّةٍ لَا خُطْبَةَ لَهَا، فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا سِرًّا. قَوْلُهُ: [بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ] : أَيْ الْبَقَرَةِ وَنَحْوِهَا فِي الطُّولِ، وَقِيلَ إنَّ الْمَنْدُوبَ خُصُوصُ الْبَقَرَةِ. قَوْلُهُ: [آلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ] : أَيْ فَخُصُوصُ هَذِهِ السُّوَرِ مَنْدُوبٌ وَقِيلَ مِقْدَارُهَا. قَوْلُهُ: [كَالْقِرَاءَةِ] إلَخْ: أَيْ يَقْرُبُ مِنْهَا فَكُلُّ رُكُوعٍ نَحْوَ الْقِرَاءَةِ الَّتِي

(وَ) نُدِبَ (الْجَمَّاعَةُ فِيهَا) : أَيْ صَلَاتِهَا جَمَاعَةً بِخِلَافِ خُسُوفِ الْقَمَرِ. (وَ) نُدِبَ (وَعْظٌ بَعْدَهَا) : مُشْتَمِلًا عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ. (وَتُدْرَكُ الرَّكْعَةُ) مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ (بِالرُّكُوعِ الثَّانِي) فَيَكُونُ هُوَ الْفَرْضُ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسُنَّةٌ، وَقِيلَ فَرْضٌ. وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ فَرْضٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ الْأُولَى سُنَّةٌ. (وَإِنْ انْجَلَتْ) الشَّمْسُ (قَبْلَ رَكْعَةٍ أَتَمَّهَا) الْمُصَلِّي (كَالنَّوَافِلِ. وَ) إنْ انْجَلَتْ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ إتْمَامِ رَكْعَةٍ (فَقَوْلَانِ) قَالَ سَحْنُونَ: كَالنَّوَافِلِ بِقِيَامٍ وَرُكُوعٍ فَقَطْ بِلَا تَطْوِيلٍ وَقَالَ أَصْبَغُ: أَتَمَّتْ عَلَى سُنَّتِهَا (بِلَا تَطْوِيلٍ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQيَلِيهَا وَكُلُّ سُجُودٍ نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي يَلِيهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَطْوِيلَ الرُّكُوعِ كَالْقِرَاءَةِ وَتَطْوِيلَ السُّجُودِ كَالرُّكُوعِ قِيلَ إنَّهُ مَنْدُوبٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَهُوَ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَقَالَ سَنَدٌ إنَّهُ سُنَّةٌ وَيَتَرَتَّبُ السُّجُودُ عَلَى تَرْكِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ (ح) وَالشَّيْخُ زَرُّوقٌ، وَحَيْثُ قَرَأَ النِّسَاءَ عَقِبَ آلِ عِمْرَانَ فَيُسْرِعُ حَتَّى تَكُونَ أَقْصَرَ مِنْهَا. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْجَمَاعَةُ فِيهَا] إلَخْ: تَبِعَ الْمُصَنِّفَ. وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهَا مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ وَعْظٌ بَعْدَهَا] : أَيْ لَا عَلَى طَرِيقَةِ الْخُطْبَةِ لِأَنَّهُ لَا خُطْبَةَ لَهَا. قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ] إلَخْ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: حَاصِلُ مَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ الرُّكُوعُ الثَّانِي لِأَنَّهُ عَلَى الشَّأْنِ بَعْدَ قِرَاءَةٍ وَقَبْلَ سُجُودٍ وَالْأَوَّلُ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ وَهِيَ سَاقِطَةٌ عَنْ الْمَأْمُومِ، وَكَذَا قَالَ: الْوَاجِبُ الْقِيَامُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ سُنَّةٌ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ سُنَّةٌ فِي الثَّانِي، وَقِيلَ: لَا تُكَرَّرُ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قِيَامَ الْفَاتِحَةِ تَابِعٌ لَهَا (اهـ) . قَوْلُهُ: [أَتَمَّهَا الْمُصَلِّي كَالنَّوَافِلِ] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يَنْبَغِي إذَا انْجَلَتْ بَعْدَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْتِيَ بِالثَّانِي عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ الْوَاجِبُ.

[صلاة الخسوف]

(وَنُدِبَ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ رَكْعَتَانِ جَهْرًا كَالنَّوَافِلِ) بِقِيَامٍ وَرُكُوعٍ فَقَطْ عَلَى الْعَادَةِ. (وَ) نُدِبَ (تَكْرَارُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (حَتَّى يَنْجَلِيَ) الْقَمَرُ (أَوْ يَغِيبَ) فِي الْأُفُقِ (أَوْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ) ؛ فَإِنْ حَصَلَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَلَا صَلَاةَ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ السُّنَّةِ الْخَامِسَةِ وَهِيَ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQ [صَلَاة الْخُسُوفِ] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لِخُسُوفِ] إلَخْ: أَيْ لِبَالِغٍ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يُخَاطَبُ بِهَا لِأَنَّهَا تَأْتِي وَهُوَ نَائِمٌ. قَوْلُهُ: [جَهْرًا كَالنَّوَافِلِ] : اللَّيْلِيَّةِ وَوَقْتُهَا اللَّيْلُ كُلُّهُ وَفِي (ح) أَنَّ الْجُزُولِيَّ ذَكَرَ فِي صَلَاتِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ أَيْ إذَا غَابَ عِنْدَ الْفَجْرِ مُنْخَسِفًا أَوْ طَلَعَ مُنْخَسِفًا، قَوْلَيْنِ. وَأَنَّ التِّلْمِسَانِيَّ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَنَّ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ اقْتَصَرَ عَلَى عَدَمِهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى نَفْلٌ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا الْوَرْدُ لِنَائِمٍ عَنْهُ وَالشَّفْعُ وَالْوَتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ وَفِعْلُهَا فِي الْمَسَاجِدِ مَكْرُوهٌ سَوَاءٌ كَانَتْ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى.

[فصل في صلاة الاستسقاء]

فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ) : أَيْ طَلَبُ السَّقْيِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِمَطَرٍ أَوْ نَيْلٍ لِأَمْرٍ مِمَّا يَأْتِي (حُكْمًا) : أَيْ فِي الْحُكْمِ؛ وَهُوَ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ، إلَّا أَنَّ الْعِيدَ أَوْكَدُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَوَقْتًا) : أَيْ وَفِي الْوَقْتِ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ. (وَصِفَةً) : أَيْ وَفِي الصِّفَةِ مِنْ كَوْنِهَا رَكْعَتَيْنِ كَالنَّوَافِلِ يَقْرَأُ فِيهِمَا جَهْرًا بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِيدِ وَبَعْدَهَا خُطْبَتَانِ (كَالْعِيدِ إلَّا التَّكْبِيرَ) الَّذِي فِي الْعِيدِ فَلَيْسَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بَلْ فِيهِ الِاسْتِغْفَارُ بَدَلَ التَّكْبِيرِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا يَأْتِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] [حُكْم صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَصِفَّاتهَا] فَصْلٌ: هُوَ بِالْمَدِّ: طَلَبُ السَّقْيِ، إذْ هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ سَقَيْت. وَيُقَالُ سَقَى وَأَسْقَى لُغَتَانِ، وَقِيلَ سَقَى نَاوَلَهُ الشِّرْبَ بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْحَظَّ مِنْ الْمَاءِ، قَالَهُ فِي الْمُخْتَارِ، وَأَسْقَاهُ جَعَلَهُ مَسْقِيًّا وَالِاسْتِفْعَالُ غَالِبًا لِطَلَبِ الْفِعْلِ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالِاسْتِرْشَادِ لِطَلَبِ الْفَهْمِ وَالرُّشْدِ، وَشَرْعًا طَلَبُ السَّقْيِ مِنْ اللَّهِ لِقَحْطٍ نَزَلَ بِهِمْ أَوْ غَيْرِهِ بِالصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ طَلَبُ السَّقْيِ] : أَيْ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ أَيْ فَالسُّنَّةُ الصَّلَاةُ لَا الطَّلَبُ. قَوْلُهُ: [هُوَ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ] : أَيْ الْعَيْنِيَّةُ وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِي سُنِّيَّتِهَا، فَمَتَى فَاتَتْهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ نُدِبَتْ لَهُ الصَّلَاةُ فَقَطْ كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ. وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ الْآتِي أَيْضًا أَنَّهَا تُسَنُّ فِي حَقِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَتُنْدَبُ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ. قَوْلُهُ: [جَهْرًا بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِيدِ] إلَخْ: وَهُوَ قِرَاءَتُهُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِكَسَبِّحْ وَالشَّمْسِ وَالْقِرَاءَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْجَهْرُ بِهَا مَنْدُوبٌ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ خُطْبَةٍ وَكُلُّ صَلَاةٍ لَهَا خُطْبَةٌ فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ يَسْمَعُونَهُ. وَلَا يُرَدُّ الصَّلَاةُ يَوْمَ عَرَفَةَ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ بَلْ لِتَعْلِيمِ الْمَنَاسِك.

وَتُسَنُّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ (لِزَرْعٍ) : أَيْ لِأَجْلِ زَرْعٍ أَيْ لِأَجْلِ إنْبَاتِهِ أَوْ لِأَجْلِ حَيَاتِهِ، (أَوْ) لِأَجْلِ (شُرْبٍ) لِآدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ لِعَطَشٍ وَاقِعٍ أَوْ مُتَوَقَّعٍ لِتَخَلُّفِ مَطَرٍ أَوْ نِيلٍ أَوْ لِقِلَّتِهِمَا، أَوْ لِقِلَّةِ جَرْيِ عَيْنٍ أَوْ غَوْرِهَا إنْ كَانُوا بِبَلَدٍ أَوْ بَادِيَةٍ حَاضِرِينَ أَوْ مُسَافِرِينَ، (وَإِنْ) كَانُوا (بِسَفِينَةٍ) فِي بَحْرٍ مِلْحٍ أَوْ عَذْبٍ. (وَكُرِّرَتْ) الصَّلَاةُ فِي أَيَّامٍ لَا يَوْمٍ (إنْ تَأَخَّرَ) السَّقْيُ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ أَوْ حَصَلَ دُونَ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. (يَخْرُجُ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ) لَهَا (ضُحًى) بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ (مُشَاةً) لِلْمُصَلَّى لَا رَاكِبِينَ لِإِظْهَارِ الْعَجْزِ وَالِانْكِسَارِ (بِبِذْلَةٍ) : أَيْ بِثِيَابِ الْمِهْنَةِ أَيْ مَا يَمْتَهِنُ مِنْهَا بِالنِّسْبَةِ لِلَابِسِهَا (وَذِلَّةٍ) : أَيْ خُشُوعٍ وَخُضُوعٍ، لِأَنَّهُ إلَى الْإِجَابَةِ أَقْرَبُ. وَاسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ النَّاسِ قَوْلَهُ: (إلَّا شَابَّةً) : وَلَوْ غَيْرَ مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ، إلَّا أَنَّ مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ وَتُمْنَعُ، وَغَيْرُهَا يُكْرَهُ لَهَا وَلَا تُمْنَعُ، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَتَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ. (وَإِلَّا غَيْرَ مُمَيِّزٍ) مِنْ الصِّبْيَانِ فَلَا يَخْرُجُ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْقُرْبَةَ، فَأَوْلَى الْبَهَائِمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَيْ لِأَجْلِ زَرْعٍ] إلَخْ: أَيْ فَهِيَ لِأَحَدِ سَبَبَيْنِ: وَهُمَا احْتِيَاجُ الزَّرْعِ أَوْ الْحَيَوَانِ لِلْمَاءِ. قَوْلُهُ: [وَكُرِّرَتْ الصَّلَاةُ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (عب) اسْتِنَانًا وَاعْتَرَضَهُ (ر) وَتَبِعَهُ (بْن) بِأَنَّ الْمُدَوَّنَةَ وَغَيْرَهَا إنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَوَازِ، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ وَالظَّاهِرُ النَّدْبُ، وَقَالَ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ يُرَادُ بِالْجَوَازِ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: الْإِذْنُ الصَّادِقُ بِالسُّنِّيَّةِ وَالنَّدْبِ. قَوْلُهُ: [يَخْرُجُ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ لَهَا] إلَخْ: أَصْلُ الْخُرُوجِ سُنَّةٌ وَكَوْنُهُ ضُحًى وَمُشَاةً إلَخْ مَنْدُوبٌ. قَوْلُهُ: [فَأَوْلَى الْبَهَائِمُ وَالْمَجَانِينُ] : أَيْ فَلَيْسَ خُرُوجُهُمْ بِمَشْرُوعٍ، بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِنَدْبِ خُرُوجِ مَنْ ذُكِرَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَوْلَا شُيُوخٌ رُكَّعٌ وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا» ،

[مندوبات صلاة الاستسقاء]

وَالْمَجَانِين. (وَلَا يُمْنَعُ ذِمِّيٌّ) مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ النَّاسِ، (وَانْفَرَدَ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَانٍ (لَا بِيَوْمٍ) مَخَافَةَ أَنْ يَسْبِقَ الْقَدْرُ بِالسَّقْيِ فِي يَوْمِهِ فَيَفْتَتِنَ بِذَلِكَ ضُعَفَاءُ الْقُلُوبِ. (وَنُدِبَ خُطْبَتَانِ بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (كَالْعِيدِ) أَيْ كَخُطْبَةٍ يَجْلِسُ فِي أَوَّلِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا لَكِنْ (بِالْأَرْضِ) لَا بِالْمِنْبَرِ يَعِظُهُمْ فِيهِمَا وَيُخَوِّفُهُمْ بِبَيَانِ أَنَّ سَبَبَ الْجَدْبِ مَعَاصِي اللَّهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ. (وَ) نُدِبَ (إبْدَالُ التَّكْبِيرِ) فِي خُطْبَتَيْ الْعِيدِ (بِالِاسْتِغْفَارِ) بِلَا حَدٍّ فِي أَوَّلِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ. (ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ (يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) بِوَجْهِهِ حَالَ كَوْنِهِ (قَائِمًا فَيُحَوِّلُ) نَدْبًا (رِدَاءَهُ) الَّذِي عَلَى كَتِفَيْهِ (يَجْعَلُ مَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ) : أَيْ يَأْخُذُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَجْعَلُهُ (عَلَى) عَاتِقِهِ (الْأَيْمَنِ) وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ يَجْعَلُهُ عَلَى الْأَيْسَرِ (بِلَا تَنْكِيسٍ) لِلرِّدَاءِ فَلَا يَجْعَلُ الْحَاشِيَةَ السُّفْلَى الَّتِي عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى أَكْتَافِهِ. (ثُمَّ) إذْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَظَهْرُهُ لِلنَّاسِ (يُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ) بِرَفْعِ الْكَرْبِ وَالْقَحْطِ وَإِنْزَالِ الْغَيْثِ وَالرَّحْمَةِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذُّنُوبِ، وَلَا يَدْعُو لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَوْلَا وُجُودُهُمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَوْلَا حُضُورُهُمْ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُمْنَعُ ذِمِّيٌّ] : أَيْ مِنْ الْخُرُوجِ كَمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَصْحَبُهُ أَوْ أَخْرَجَ مَعَهُ صَلِيبَهُ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ مَعَهُ وَلَا مِنْ إظْهَارِهِ حَيْثُ تَنَحَّى بِهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ. [مَنْدُوبَات صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] قَوْلُهُ: [بَعْدَهَا أَيْ الصَّلَاةِ] : فَلَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ إعَادَتُهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ إبْدَالُ التَّكْبِيرِ] إلَخْ: أَيْ فَيَبْتَدِئُهَا وَيَتَخَلَّلُهَا بِالِاسْتِغْفَارِ عِوَضًا عَنْ التَّكْبِيرِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ. قَوْلُهُ: [فَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ] : أَيْ وَأَمَّا الْبَرَانِسُ وَالْغَفَائِرُ فَإِنَّهَا لَا تُحَوَّلُ إلَّا إنْ كَانَتْ تُلْبَسُ كَالرِّدَاءِ. وَالتَّحْوِيلُ الْمَذْكُورُ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ الْحَاضِرَاتِ فَلَا يُحَوَّلْنَ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْكَشْفِ. وَلَا يُكَرِّرُ الْإِمَامُ وَلَا الرِّجَالُ التَّحْوِيلَ.

(وَحَوَّلَ الذُّكُورُ فَقَطْ) أَرْدِيَتَهُمْ دُونَ النِّسَاءِ (كَذَلِكَ) : أَيْ كَتَحْوِيلِ الْإِمَامِ الْمُتَقَدِّمِ حَالَ كَوْنِهِمْ (جُلُوسًا) : أَيْ جَالِسِينَ، (وَأَمَّنُوا) : أَيْ الْحَاضِرُونَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا (عَلَى دُعَائِهِ) : أَيْ الْإِمَامِ بِأَنْ يَقُولُوا آمِينَ حَالَ كَوْنِهِمْ (مُبْتَهِلِينَ) : أَيْ مُتَضَرِّعِينَ. (وَ) نُدِبَ لَهُمْ (صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ. (وَ) نُدِبَ لَهُمْ (صَدَقَةٌ) عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَا تَيَسَّرَ. (وَأَمَرَ الْإِمَامُ) النَّاسَ (بِهِمَا) : أَيْ بِالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ نَدْبًا (كَالتَّوْبَةِ) : أَيْ كَمَا يَأْمُرُهُمْ بِالتَّوْبَةِ. (وَرَدِّ التَّبِعَاتِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْمَظَالِمِ لِأَهْلِهَا. (وَ) نُدِبَ لِمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مَطَرٌ مَثَلًا بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ (إقَامَتُهَا) أَيْ صَلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَمَرَ الْإِمَامُ النَّاسَ بِهِمَا] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ وَلَوْ أَمَرَهُمْ الْإِمَامُ أَنْ يَصُومُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ آخِرُهَا الْيَوْمُ الَّذِي يَبْرُزُونَ فِيهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ (اهـ) . وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ صَائِمِينَ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مُفْطِرِينَ لِأَجْلِ التَّقَوِّي عَلَى الدُّعَاءِ، وَالصَّوْمُ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ الْخُرُوجِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الصَّدَقَةِ أَيْضًا: وَيَحُضُّ الْإِمَامُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَأْمُرُ بِالطَّاعَةِ وَيُحَذِّرُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ (اهـ) . وَفِي بَهْرَامَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّقَرُّبِ وَالصَّدَقَةِ بَلْ حَكَى الْجُزُولِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَرَدِّ التَّبَعَاتِ] : أَيْ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ التَّوْبَةِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ بَاقِيَةً بِأَعْيَانِهَا، فَإِنْ عُدِمَتْ عَيْنُهَا فَرَدُّ الْعِوَضِ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ التَّوْبَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَوْبَةَ الْكَافِرِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا، وَأَمَّا تَوْبَةُ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي فَمَقْبُولَةٌ ظَنًّا عَلَى التَّحْقِيقِ، وَقِيلَ قَطْعًا وَعَلَى كُلٍّ فَإِذَا أَذْنَبَ بَعْدَهَا لَا تَعُودُ ذُنُوبُهُ الْأُولَى وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَعِنْدَ الْغَرْغَرَةِ، وَقِيلَ إنَّ تَوْبَةَ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا مَقْبُولَةٌ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عِنْدَهُمَا عَلَى الْكَافِرِ دُونَ الْمُؤْمِنِ كَذَا فِي (بْن) (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

الِاسْتِسْقَاءِ (لِطَلَبِ سَعَةٍ) ، وَلَا يُسَنُّ إلَّا لِمَنْ قَامَ بِهِ ضِيقٌ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) نُدِبَ (دُعَاءُ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ لِمُحْتَاجٍ) لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. (لَا) تُنْدَبُ (الصَّلَاةُ) خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ الْقَائِلِ بِنَدْبِهَا. (وَجَازَ تَنَفُّلٌ) فِي الْمُصَلَّى (قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِطَلَبِ سَعَةٍ] : أَيْ فَهُوَ مَنْدُوبٌ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عِبَادَةٌ مُسْتَوِيَةُ الطَّرَفَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: الْإِذْنُ الصَّادِقُ بِالنَّدْبِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ دُعَاءُ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ] إلَخْ: مَحَلُّ نَدْبِ الدُّعَاءِ فَقَطْ دُونَ الصَّلَاةِ - مَا لَمْ يَذْهَبْ لِمَحَلِّ الْمُحْتَاجِ - وَإِلَّا صَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحْتَاجِينَ فَيُخَاطَبُ مَعَهُمْ بِالصَّلَاةِ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [وَجَازَ تَنَفُّلٌ فِي الْمُصَلَّى] إلَخْ: لَا مَفْهُومَ لِلْمُصَلَّى بَلْ فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا بِالْمُصَلَّى لَا بِالْمَسْجِدِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ الْإِقْلَاعُ عَنْ الْخَطَايَا وَالِاسْتِكْثَارُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ.

[فصل في الجنائز]

فَصْلٌ: فِي الْجَنَائِزِ بَيَانُ أَحْكَامِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مُؤَنِ تَجْهِيزِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (غُسْلُ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ) وَلَوْ حُكْمًا؛ فَلَا يُغَسَّلُ كَافِرٌ (الْمُسْتَقَرِّ الْحَيَاةِ) : أَيْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي الْجَنَائِزِ] [حُكْم غَسَلَ الْمَيِّت وَتَكْفِينَهُ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ] فَصْلٌ تَقَدَّمَ دُخُولُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي رَسْمِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ. وَالْمَوْتُ كَيْفِيَّةٌ وُجُودِيَّةٌ تُضَادُّ الْحَيَاةَ فَلَا يَعْرَى الْجِسْمُ عَنْهُمَا، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ عَرْضٌ لِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ عَرْضٌ. وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ مَعْنًى خَلَقَهُ اللَّهُ فِي كَفِّ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ فِي صُورَةِ كَبْشٍ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ يَجِدُ رِيحَهُ إلَّا مَاتَ. وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَحَلِّلٌ فِي الْبَدَنِ تَذْهَبُ الْحَيَاةُ بِذَهَابِهِ. (اهـ. خَرَشِيٌّ) . فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: تَرَدَّدَ بَعْضٌ: هَلْ شُرِعَتْ الْجِنَازَةُ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ؟ وَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا بِالْمَدِينَةِ. (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْمَجْمُوعِ: وَرَأَيْت بِخَطِّ النَّفْرَاوِيِّ شَارِحِ الرِّسَالَةِ: لَوْ أُحْيِيَ مَيِّتٌ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ لَهُ غُسْلٌ وَتَجْهِيزٌ ثَانٍ. قُلْت: هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ مُقْتَضِيه، لَكِنْ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْحَيَاةِ الْمُتَعَارَفَةِ لَا مُجَرَّدِ نُطْقٍ وَهُوَ فِي نَعْشِهِ أَوْ قَبْرِهِ مَثَلًا. (اهـ) . قَوْلُهُ: [غُسْلُ الْمَيِّتِ] : أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا كَمَا إذَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ صَخْرَةٌ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهَا عَنْهُ وَظَهَرَ قَدَمُهُ فَيُغَسَّلُ وَيُلَفُّ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُوَارَى عَمَلًا بِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ بِمَا اسْتَطَعْتُمْ» هَكَذَا يَظْهَرُ، وَلَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ الْآتِي: " وَلَا دُونَ الْجُلِّ " لِأَنَّ ذَاكَ انْعَدَمَ بَاقِيهِ، وَهُنَا مَوْجُودٌ لَمْ يُتَوَصَّلْ إلَيْهِ. وَلَا يَخْرُجُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْجَبِيرَةِ مِنْ إلْغَاءِ الصَّحِيحِ إذَا قَلَّ جِدًّا كَيْدٍ؛ لِوُجُودِ الْبَدَلِ هُنَاكَ، أَعْنِي التَّيَمُّمَ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ حُكْمًا] : وَهُوَ الْمَجُوسِيُّ الَّذِي نَوَى بِهِ مَالِكُهُ الْإِسْلَامَ كَمَا يَأْتِي.

الَّذِي اسْتَقَرَّتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ وَلَوْ لَحْظَةً بِأَنْ اُسْتُهِلَّ صَارِخًا، أَوْ قَامَتْ بِهِ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ؛ فَلَا يُغَسَّلُ السَّقَطُ (غَيْرُ شَهِيدِ الْمُعْتَرَكِ) فِي قِتَالٍ الْحَرْبِيِّينَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُغَسَّلُ لِمَزِيدِ شَرَفِهِ (بِمُطْلَقٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِغُسْلٍ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُضَافُ (كَالْجَنَابَةِ) أَيْ غُسْلًا مِثْلَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْإِجْزَاءُ كَالْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالُ كَالْكَمَالِ. (وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ) عَطْفٌ عَلَى غُسْلٌ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (فَرْضَا كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِي وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِمُطْلَقٍ] : أَيْ وَلَوْ بِزَمْزَمَ بَلْ هُوَ أَبْرَكُ، وَالْآدَمِيُّ طَاهِرٌ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ وَالْمُعْتَمَدُ الَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ تَعَبُّدٌ. قَوْلُهُ: [كَالْجَنَابَةِ] إلَخْ: أَيْ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَيِّتُ مِنْ تَكْرَارِ غُسْلٍ وَسِدْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي، وَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُضُوءُ بِتَكَرُّرِ الْغُسْلِ عَلَى الْأَرْجَحِ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثَلَاثًا ثُمَّ يَبْدَأُ بِغَسْلِ الْأَذَى فَيُوَضِّئُهُ مَرَّةً مَرَّةً فَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَقْلِبُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ. (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَرْضَا كِفَايَةٍ] : أَمَّا فَرْضِيَّةُ الْغُسْلِ فَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَشَهْرِ بْنِ رَاشِدٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَمُقَابِلُهُ السُّنِّيَّةُ حَكَاهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ الْجَلَّابِ، وَشَهْرُ بْنُ بَزِيزَةَ، وَأَمَّا فَرْضِيَّةُ الصَّلَاةِ فَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ ابْن نَاجِي وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَشَهَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، وَالْقَوْلُ بِالسُّنِّيَّةِ لَمْ يَعْزُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا ابْنِ عَرَفَةَ إلَّا لِأَصْبَغَ، وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْأَشْهَرُ فِيهَا الْفَرْضِيَّةَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [سَقَطَ عَنْ الْبَاقِي] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ السَّيِّدِ: وَهَلْ يَتَعَيَّنُ غُسْلُ الْمَيِّتِ بِالشُّرُوعِ عَلَى قَاعِدَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَمْ لَا؟ لِجَوَازِ غَسْلِ كُلِّ شَخْصٍ عُضْوًا. أَقُولُ: الظَّاهِرُ الثَّانِي فَصَارَ كُلُّ جُزْءٍ كَأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا قَالَ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ. إنَّمَا يَتَعَيَّنُ طَلَبُ الْعِلْمِ الْكِفَائِيِّ بِالشُّرُوعِ لِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ عِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وَلَوْ غَسَّلَهُ مَلِكٌ أَوْ صَبِيٌّ كَفَى وَإِنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ الْخِطَابُ لَهُ لِأَنَّ إقْرَارَ الْبَالِغِينَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِهِمْ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. (اهـ.) قَوْلُهُ: [وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ] : أَيْ فِي الطَّلَبِ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ:

[غسل الميت]

فَكُلُّ مَنْ وَجَبَ غُسْلُهُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَبِالْعَكْسِ وَيَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ التَّيَمُّمُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ كَمَا يَأْتِي. (كَكَفْنِهِ) بِسُكُونِ الْفَاءِ: أَيْ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ بِفَتْحِهَا. (وَدَفْنِهِ) أَيْ مُوَارَاتِهِ فِي الْقَبْرِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ كَمَا يَأْتِي فَإِنَّهُمَا فَرْضَا كِفَايَةٍ إجْمَاعًا. (فَإِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ يُمِّمَ) وُجُوبًا كِفَائِيًّا وَسَيَأْتِي قَرِيبًا تَفْصِيلُهُ. [غَسَلَ الْمَيِّت] [تَنْبِيه فِي غَسَلَ أَحَد الزَّوْجَيْنِ الْآخِر] (وَقُدِّمَ) فِي الْغُسْلِ (الزَّوْجَانِ) عَلَى الْعَصَبَةِ (بِالْقَضَاءِ) : أَيْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ عِنْدَ التَّنَازُعِ أَيْ يُقَدَّمُ الْحَيُّ مِنْهُمَا فِي غُسْلِ صَاحِبِهِ وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ (إنْ صَحَّ النِّكَاحُ وَلَوْ) كَانَتْ صِحَّتُهُ (بِالْفَوَاتِ) أَيْ بِسَبَبِهِ كَالدُّخُولِ، أَوْ هُوَ مَعَ الطَّوْلِ لَا إنْ فَسَدَ إذْ الْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا. (وَإِبَاحَةُ الْوَطْءِ بِرِقٍّ) : أَيْ بِسَبَبِ رِقِّ الْأُنْثَى (تُبِيحُ الْغُسْلَ لِكُلٍّ) مِنْ السَّيِّدِ لِأَمَتِهِ وَالْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا وَخَرَجَتْ الْمُكَاتَبَةُ وَالْمُبَعَّضَةُ لِعَدَمِ إبَاحَةِ وَطْئِهِمَا، وَكَذَا الْمُشْتَرَكَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَكُلُّ مَنْ غَسَّلَهُ " إلَخْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ فِي الْفِعْلِ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَتَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، كَمَا إذَا كَثُرَتْ الْمَوْتَى جِدًّا فَغُسْلُهُ أَوْ بَدَلُهُ مَطْلُوبٌ ابْتِدَاءً لَكِنْ إنْ تَعَذَّرَ سَقَطَ لِلتَّعَذُّرِ فَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا قَرَّرَ (ر) عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَعَدَمُ الدَّلْكِ لِكَثْرَةِ الْمَوْتَى " قَوْلُهُ: [وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ] : أَيْ إنْ أَرَادَ الْمُبَاشَرَةَ بِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ: [إنْ صَحَّ النِّكَاحُ] إلَخْ: أَيْ لَا إنْ فَسَدَ وَلَوْ لَمْ يَمْضِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَمْضِي بِهِ الْفَاسِدُ مِنْ دُخُولٍ وَنَحْوِهِ. وَمَحَلُّ كَوْنِهِ إذَا فَسَدَ لَا يُقَدَّمُ الْحَيُّ مِنْهُمَا إذَا وُجِدَ مَنْ يَجُوزُ مِنْهُ الْغُسْلُ. فَإِنْ عُدِمَ وَصَارَ الْأَمْرُ لِلتَّيَمُّمِ كَانَ غُسْلُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ مِنْ تَحْتِ ثَوْبٍ أَحْسَنَ لِأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجَازَهُ كَذَا نَقَلَ ح عَنْ اللَّخْمِيِّ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) أَيْ وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي فَسَادِهِ. تَنْبِيهٌ: يُقْضَى لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ - وَإِنْ رَقِيقًا - أَذِنَ سَيِّدُهُ فِي الْغُسْلِ، وَلَا يَكْفِي إذْنُهُ لَهُ فِي الزَّوَاجِ. وَيَكْرَهُ تَغْسِيلُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ إنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا، كَمَا يُكْرَهُ لَهَا تَغْسِيلُهُ إنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ، وَحَيْثُ كَانَ مَكْرُوهًا فَلَا قَضَاءَ لَهُمَا إنْ طَلَبَاهُ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْمُشْتَرَكَةُ] : أَيْ وَالْمُعْتَقَةُ لِأَجَلٍ وَأَمَةُ الْقِرَاضِ، وَأَمَةُ الْمَدْيُونِ بَعْدَ الْحَجْرِ، وَالْمُتَزَوِّجَةُ وَالْمُوَلَّى مِنْهَا؛ أَيْ الْمَحْلُوفُ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا وَلَوْ كَانَتْ الْمُدَّةُ أَقَلَّ

(بِلَا قَضَاءٍ) : أَيْ لِلْأَمَةِ، بِالتَّقْدِيمِ عَلَى عَصَبَةِ سَيِّدِهَا. وَأَمَّا السَّيِّدُ فَهُوَ أَوْلَى بِأَمَتِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ. (ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ) أَيْ عَصَبَتِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. (ثُمَّ) إذَا لَمْ يَكُنْ عَصَبَةً أَوْ كَانُوا وَلَمْ يَتَوَلَّوْا غُسْلَهُ (أَجْنَبِيٌّ) مِنْ الْعَصَبَةِ وَمِنْ الْأَخِ لِأُمٍّ وَالْخَالِ وَالْجَدِّ لِأُمٍّ. (ثُمَّ) بَعْدَ الْأَجْنَبِيِّ (امْرَأَةُ مَحْرَمٍ) كَأُمٍّ وَبِنْتٍ وَأُخْتٍ وَعَمَّةٍ وَخَالَةٍ تُغَسِّلُهُ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا. (ثُمَّ) إنْ لَمْ تُوجَدْ امْرَأَةُ مَحْرَمٍ وَلَوْ بِمُصَاهَرَةٍ (يُمِّمَ) : أَيْ يَمَّمَتْهُ امْرَأَةٌ غَيْرِ مَحْرَمٍ (لِمِرْفَقَيْهِ) لَا لِكُوعَيْهِ فَقَطْ كَمَا قِيلَ؛ فَعَدَمُ وُجُودِ الْمَحْرَمِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْغُسْلِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّيَمُّمِ. (كَعَدَمِ الْمَاءِ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ اُحْتِيجَ لَهُ فَيُمِّمَ. (وَتَقَطُّعِ الْجَسَدِ) بِالْمَاءِ (أَوْ تَسَلُّخِهِ مِنْ صَبِّهِ) عَلَيْهِ فَيُمِّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالْمُظَاهَرُ مِنْهَا؛ فَفِي النَّوَادِرِ كُلُّ أَمَةٍ لَا يَحِلُّ لِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا لَا يُغَسِّلُهَا وَلَا تُغَسِّلُهُ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ يَمْنَعَانِ مِنْهُ فِي الْأَمَةِ لَا الزَّوْجَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغُسْلَ فِي الْأَمَةِ مَنُوطٌ بِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ، وَفِي الزَّوْجَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ كَمَا ارْتَضَاهُ (ر) وَلَا يَضُرُّ مَنْعُ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (اهـ) . قَوْلُهُ: [ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ] إلَخْ: أَيْ مِنْ عَصَبَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلَا إذْ لَا عَلَقَةَ لَهُمْ بِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا يُتْرَكُ مُسْلِمٌ لِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ. لَكِنْ لَوْ غَسَّلَهُ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ أَجْزَأَ، كَمَا فِي تَغْسِيلِ الْكِتَابِيَّةِ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ، وَلَوْ عَلَى أَنَّهُ تَعَبُّدِي. وَقَوْلُهُمْ: الْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّعَبُّدِ، مُقَيَّدٌ بِالتَّعَبُّدِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ لَهُ؛ فَيُقَدَّمُ ابْنٌ فَابْنُهُ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي النِّكَاحِ. وَيُقَدَّمُ الْأَخُ وَابْنُهُ عَلَى الْجَدِّ كَالنِّكَاحِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْأُجْهُورِيِّ: بِغُسْلٍ وَإِيصَاءٍ وَلَاءُ جِنَازَةٍ ... نِكَاحُ أَخًا وَابْنًا عَلَى الْجَدِّ قُدِّمَ وَعَقْلٌ وَوَسَطُهُ بِبَابِ حَضَانَةٍ ... وَسَوِّهِ مَعَ الْآبَاءِ فِي الْإِرْثِ وَالدَّمِ قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِمُصَاهَرَةٍ] : لَكِنْ يُقَدَّمُ مُحَرَّمُ النَّسَبِ عَلَى مُحَرَّمِ الرَّضَاعِ، وَمُحَرَّمُ الرَّضَاعِ عَلَى الْمُصَاهَرَةِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ.

وَيَجِبُ غُسْلُهُ. (وَسَقَطَ الدَّلْكُ) فَقَطْ (وَإِنْ خِيفَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ الدَّلْكِ (تَسَلُّخٌ) لِلْجَسَدِ. (كَكَثْرَةِ الْمَوْتَى جِدًّا) بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ الدَّلْكُ فَيَسْقُطُ الدَّلْكُ. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ) يُغَسِّلُهَا، أَوْ كَانَ وَأُسْقِطَ حَقُّهُ (فَأَقْرَبُ امْرَأَةٍ) لَهَا تُغَسِّلُهَا (فَالْأَقْرَبُ) لَهَا فَتُقَدَّمُ الْبِنْتُ فَالْأُمُّ فَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ فَلِأَبٍ فَبِنْتُ أَخٍ كَذَلِكَ، فَجَدَّةٌ فَعَمَّةٌ شَقِيقَةٌ فَلِأَبٍ فَبِنْتُ عَمٍّ كَذَلِكَ. (ثُمَّ) بَعْدَ مَنْ ذَكَرْت - (أَجْنَبِيَّةٌ) . (ثُمَّ) إنْ لَمْ تُوجَدْ أَجْنَبِيَّةٌ غَسَّلَهَا (مَحْرَمٌ) عَلَى التَّرْتِيبِ السَّابِقِ، (وَيَسْتُرُ) وُجُوبًا (جَمِيعَ بَدَنِهَا وَلَا يُبَاشِرُ جَسَدَهَا بِالدَّلْكِ بَلْ بِخِرْقَةٍ كَثِيفَةٍ) يَلُفُّهَا الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ وَيُدَلِّكُ بِهَا. (ثُمَّ) إذَا لَمْ يُوجَدْ مَحْرَمٌ (يُمِّمَتْ) الْمَيِّتَةُ (لِكُوعَيْهَا) لَا لِمِرْفَقَيْهَا. (وَوَجَبَ) عَلَى الْغَاسِلِ (سَتْرُ عَوْرَتِهِ مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتَيْهِ) الذَّكَرِ مَعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مَعَ الْأُنْثَى. وَأَمَّا الذَّكَرُ الْمَحْرَمُ مَعَ الْأُنْثَى فَيَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهَا كَمَا مَرَّ. وَكَذَا إنْ غَسَّلَتْ الْأُنْثَى الْمَحْرَمُ رَجُلًا مِنْ مَحَارِمِهَا وَقِيلَ بَلْ تَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فَقَطْ. (وَنُدِبَ) سَتْرُ الْعَوْرَةِ (لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ) بِغُسْلِ صَاحِبِهِ (كَأَمَةٍ مَعَ سَيِّدٍ) إذَا غَسَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يُنْدَبُ لَهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَلَا يَجِبُ وَظَاهِرُ، الْمُصَنِّفِ الْوُجُوبُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. (وَ) نُدِبَ (سِدْرٌ) وَهُوَ وَرَقُ النَّبْقِ. وَأَشَارَ لِكَيْفِيَّةِ الْوَجْهِ الْمَنْدُوبِ بِقَوْلِهِ: (يُسْحَقُ) السِّدْرُ (وَيُضْرَبُ بِمَاءٍ قَلِيلٍ) فِي إنَاءٍ حَتَّى تَبْدُوَ لَهُ رَغْوَةٌ ثُمَّ (يُعْرَكُ بِهِ جَسَدُهُ) لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ ثُمَّ يُفَاضُ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ حَتَّى يَزُولَ، فَهَذِهِ هِيَ الْغَسْلَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَيَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهَا] : أَيْ وُجُوبًا، مَا عَدَا الْأَطْرَافَ فَيُنْدَبُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْفِقْهِ. وَيَسْتُرُ وُجُوبًا جَمِيعَ بَدَنِهِ وَصِفَةُ السَّاتِرِ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُعَلِّقَ الثَّوْبَ مِنْ السَّقْفِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ لِيَمْنَعَ النَّظَرَ. . . إلَى آخِرِ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ بَلْ تَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فَقَطْ] : أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سَاتِرٌ غَضَّتْ بَصَرَهَا وَلَا تَتْرُكُ غُسْلَهُ. قَوْلُهُ: [فَهَذِهِ هِيَ الْغَسْلَةُ الْأُولَى] : هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ مُحَشِّي الْأَصْلِ عِنْدَ

الْأُولَى. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِدْرٌ (فَكَصَابُونٍ) أَيِّ صَابُونٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ أُشْنَانٍ أَوْ غَاسُولٍ يَعْرُكُ بِهِ جَسَدَهُ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَيْهِ الْمَاءَ لِلتَّنْظِيفِ. (وَ) نُدِبَ (تَجْرِيدُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ مِنْ ثِيَابِهِ بَعْدَ سَتْرِ عَوْرَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَوَضْعُهُ عَلَى مُرْتَفَعٍ) : حِينَ غُسْلٍ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِغَاسِلِهِ. (وَ) نُدِبَ (إيتَارُهُ) : أَيْ الْغُسْلِ؛ أَيْ جَعْلُهُ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا (لِسَبْعٍ) ثُمَّ الْمَدَارُ عَلَى الْإِنْقَاءِ. (وَلَا يُعَادُ) الْغُسْلُ (كَوُضُوئِهِ) : لَا يُعَادُ. (لِخُرُوجِ نَجَاسَةٍ) بَعْدَهُ (وَغُسِلَتْ) النَّجَاسَةُ فَقَطْ إنْ خَرَجَتْ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ. (وَ) نُدِبَ (عَصْرُ بَطْنِهِ) حَالَ الْغُسْلِ (بِرِفْقٍ) لَا بِشِدَّةٍ لِإِخْرَاجِ مَا فِي بَطْنِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ. (وَ) نُدِبَ حِينَئِذٍ (كَثْرَةُ صَبِّ الْمَاءِ فِي) حَالِ (غُسْلِ مَخْرَجَيْهِ) لِإِزَالَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ أَيْ فِي الْغَسْلَةِ الَّتِي بَعْدَ الْأُولَى، إذْ هِيَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ. وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ. وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ لِلتَّطْيِيبِ. وَقَوْلُهُ فِي الْمَجْمُوعِ: وَنُدِبَ لِلْغُسْلِ سِدْرٌ بِغَيْرِ الْأُولَى لِأَنَّهَا بِالْقَرَاحِ، وَمِثْلُ السِّدْرِ نَحْوُ الصَّابُونِ وَطِيبٍ فِي الْأَخِيرَةِ وَأَفْضَلُهُ الْكَافُورُ (اهـ.) فَلَعَلَّ مَا قَالَهُ شَارِحُنَا هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي طَرِيقَةٌ، وَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْغُسْلُ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْكَيْفِيَّةِ. قَوْلُهُ: [يَعْرُكُ جَسَدَهُ] إلَخْ وَنَصَّ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ: بِمَاءٍ وَسِدْرٍ مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَأَخَذَ اللَّخْمِيُّ مِنْهُ جَوَازَ غُسْلِهِ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ كَقَوْلِ. ابْنِ شَعْبَانَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَخْلِطُ الْمَاءَ بِالسِّدْرِ، بَلْ يَحُكُّ الْمَيِّتَ بِالسِّدْرِ وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ. وَهَذَا الْجَوَابُ عِنْدِي مُتَّجِهٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَشْيَاخِي وَالْمُدَوَّنَةِ قَابِلَةٌ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَجْرِيدُهُ] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَتَغْسِيلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَوْبِهِ تَعْظِيمٌ، وَغَسَّلَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَأُسَامَةُ وَشُقْرَانُ مَوْلَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْيُنُهُمْ مَعْصُوبَةٌ، وَمَاتَ ضَحْوَةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ. وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، فَمَا يُقَالُ اسْتَمَرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا دَفْنٍ فِي جَعْلِ اللَّيْلَةِ يَوْمًا تَغْلِيبًا وَتَأْخِيرُهُ لِلِاجْتِمَاعِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [لِخُرُوجِ نَجَاسَةٍ] : أَيْ وَلَا إيلَاجٍ.

النَّجَاسَةِ، وَتَقْلِيلِ الْعُفُونَةِ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي الْأَمْوَاتِ كَثْرَةُ ذَلِكَ. (وَ) لَا يُفْضِي الْغَاسِلُ بِيَدِهِ لِغَسْلِ ذَلِكَ بَلْ (يَلُفُّ خِرْقَةً كَثِيفَةً بِيَدِهِ) : حَالَ غَسْلِ الْعَوْرَةِ مِنْ تَحْتِ السُّتْرَةِ، (وَلَهُ الْإِفْضَاءُ) لِلْعَوْرَةِ (إنْ اُضْطُرَّ) لَهُ. (وَ) نُدِبَ (تَوْضِئَتُهُ أَوَّلًا) أَيْ فِي أَوَّلِ الْغَسَلَاتِ (بَعْدَ إزَالَةِ مَا عَلَيْهِ) : أَيْ الْمَيِّتِ (مِنْ أَذًى) نَجَاسَةٍ أَوْ وَسَخٍ، بِالسِّدْرِ أَوْ الصَّابُونِ، فَإِذَا أَزَالَهُ شَرَعَ فِي تَوْضِئَتِهِ كَالْجَنَابَةِ؛ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ ثَلَاثًا، وَيُمَضْمِضُهُ بِأَنْ يَضَعَ الْمَاءَ فِي فَمِهِ عِنْدَ إمَالَةِ رَأْسِهِ. (وَ) نُدِبَ (تَعَهُّدُ أَسْنَانِهِ وَ) تَعَهُّدُ (أَنْفِهِ) عِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ (بِخِرْقَةٍ نَظِيفَةٍ) كَمِنْدِيلٍ. (وَ) نُدِبَ حِينَئِذٍ (إمَالَةُ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ) لِلتَّمَكُّنِ مِنْ غَسْلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَلِئَلَّا يَدْخُلَ الْمَاءُ فِي جَوْفِهِ (لِمَضْمَضَةٍ) أَيْ وَاسْتِنْشَاقٍ، ثُمَّ يُتَمِّمُ وُضُوءَهُ مَرَّةً مَرَّةً، ثُمَّ يَجْعَلُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ يُدِيرُهُ عَلَى الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ بَعْدَ تَثْلِيثِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ الْكَافُورَ فِي مَاءٍ فَيُغَسِّلُهُ بِهِ لِلتَّبْرِيدِ. وَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذِهِ هِيَ الْغَسْلَةُ الثَّالِثَةُ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْأُولَى بِسِدْرٍ لِلتَّنْظِيفِ، وَالثَّانِيَةُ بِمُطْلَقٍ لِلتَّطْهِيرِ، وَالثَّالِثَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إنْ اُضْطُرَّ لَهُ] : وَفِي (بْن) اسْتِحْبَابُ عَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَمَنَعَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ إذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ إزَالَتَهَا لِعِلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا إلَّا بِمُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَمَسُّ فَرْجَهُ لِإِزَالَةِ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَالَتِهِ فَهُوَ فِي الْمَوْتِ أَوْلَى بِذَلِكَ، إذْ لَا يَكُونُ الْمَيِّتُ فِي إزَالَةِ تِلْكَ النَّجَاسَةِ أَعْلَى مِنْ الْحَيِّ. قَوْلُهُ: [بِخِرْقَةٍ نَظِيفَةٍ] : أَيْ غَيْرِ الْخِرْقَةِ الَّتِي غُسِّلَ بِهَا مَخْرَجُهُ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ يَجْعَلُ الْكَافُورَ فِي مَاءٍ] : اعْلَمْ أَنَّ النَّدْبَ يَحْصُلُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ الطِّيبِ فِي مَاءِ الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَأَفْضَلُهُ الْكَافُورُ لِمَنْعِهِ سُرْعَةَ التَّغَيُّرِ، وَإِمْسَاكِهِ لِلْجَسَدِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي لَا تُبْلَى أَفْضَلُ، وَعَكَسَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ بِأَفْضَلِيَّةِ الَّتِي تُبْلَى، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّا قَبْلَ الدَّفْنِ مَأْمُورُونَ بِالْحِفْظِ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ] : تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ

[التكفين]

بِكَافُورِ لِلتَّبْرِيدِ، فَإِنْ اُحْتِيجَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْخَامِسَةِ أَوْ السَّابِعَةِ لِكَوْنِ جَسَدِهِ يَحْتَاجُ لِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ دَمَامِلَ أَوْ جُدَرِيٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ زَادَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْحَالُ. وَنُدِبَ (عَدَمُ حُضُورِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ) لِلْغَاسِلِ، وَكُرِهَ حُضُورُ غَيْرِهِ. (وَ) نُدِبَ (كَافُورٌ فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ) كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) نُدِبَ (تَنْشِيقُهُ) : أَيْ الْمَيِّتِ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ قَبْلَ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ. (وَ) نُدِبَ (عَدَمُ تَأْخِيرِ التَّكْفِينِ) : أَيْ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ (عَنْ الْغُسْلِ) لِمَا فِي الْإِسْرَاعِ مِنْ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِ، وَلِئَلَّا تَخْرُجَ نَجَاسَةٌ مِنْهُ فَيُحْتَاجُ لِإِزَالَتِهَا. (وَ) نُدِبَ (اغْتِسَالُ الْغَاسِلِ) لِلْمَيِّتِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ غُسْلِهِ. (وَ) نُدِبَ (بَيَاضُ الْكَفَنِ) مِنْ كَتَّانٍ أَوْ قُطْنٍ وَهُوَ أَوْلَى، (وَتَجْمِيرُهُ) ، ـــــــــــــــــــــــــــــQمُحَشِّي الْأَصْلِ وَالْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ اغْتِسَالُ الْغَاسِلِ] : أَيْ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّإِ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْأَمْرَ هُنَا تَعَبُّدِيٌّ لَا مُعَلَّلٌ، وَحَمَلَهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ مِنْ الْوُجُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مُعَلَّلٌ وَحَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّمَا أَمَرَ بِالْغُسْلِ لِأَجْلِ أَنْ يُبَالِغَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ إذَا غَسَّلَ الْمَيِّتَ مُوَطِّنًا نَفْسَهُ عَلَى الْغُسْلِ لَمْ يُبَالِ بِمَا يَتَطَايَرُ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَكَانَ سَبَبًا لِمُبَالَغَتِهِ فِي غُسْلِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ مَعْنَى أَمْرِهِ بِالْغُسْلِ أَنْ يُغَسِّلَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يُغَسِّلَ مَا بَاشَرَهُ بِهِ أَوْ تَطَايَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ شَعْبَانَ، وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا يَحْتَاجُ هَذَا الْغُسْلُ لِنِيَّةٍ فَلَيْسَ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِغَسْلِ ثِيَابِهِ عَلَى الثَّانِي لِلْمَشَقَّةِ. [التَّكْفِين] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ بَيَاضُ الْكَفَنِ] إلَخْ: قَالَ (ح) عَنْ سَنَدٍ وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ

بِالْجِيمِ. أَيْ تَبْخِيرُهُ بِالْعُودِ وَنَحْوِهِ (وَالزِّيَادَةُ عَلَى) الْكَفَنِ (الْوَاحِدِ) ؛ فَالِاثْنَانِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ وِتْرًا. (وَ) نُدِبَ (وِتْرُهُ) : أَيْ الْكَفَنِ، فَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَمِنْ الْأَرْبَعَةِ. (وَ) نُدِبَ (تَقْمِيصُهُ) أَيْ إلْبَاسُهُ قَمِيصًا (وَتَعْمِيمُهُ) بِعِمَامَةٍ. (وَ) نُدِبَ (عَذَبَةٌ فِيهَا) قَدْرُ ذِرَاعٍ تُجْعَلُ عَلَى وَجْهِهِ، (وَأَزْرَةٌ) بِوَسَطِهِ أَقَلُّهَا مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتِهِ. فَإِنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ فَأَحْسَنُ (وَلِفَافَتَانِ) فَهَذِهِ خَمْسَةٌ هِيَ أَفْضَلُ كَفَنِ الذَّكَرِ. (وَالسَّبْعُ لِلْمَرْأَةِ) أَيْ الْأُنْثَى لَا الذَّكَرِ (بِزِيَادَةِ لِفَافَتَيْنِ) عَلَى الْأَزْرَةِ وَالْقَمِيصِ وَاللِّفَافَتَيْنِ؛ فَتَكُونُ اللَّفَائِفُ الَّتِي تُدْرَجُ فِيهَا أَرْبَعَةً. (وَ) نُدِبَ (خِمَارٌ) يُلَفُّ عَلَى رَأْسِهَا وَوَجْهِهَا (بَدَلَ الْعِمَامَةِ) لِلرَّجُلِ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــQقُطْنًا لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، قَالَ (ح) : وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْكَتَّانِ مَا هُوَ أَسْتَرُ مِنْ الْقُطْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِيهِ، وَلِكَوْنِهِ أَبْهَجَ بَيَاضًا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ وِتْرًا] : أَيْ فَمَحَلُّ كَوْنِ الْإِيتَارِ أَفْضَلَ مِنْ الشَّفْعِ إذَا كَانَ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِذَا شَحَّ الْوَارِثُ لَا يُقْضَى إلَّا بِوَاحِدٍ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ، وَفِي (عب) : ثَلَاثٌ، فَإِنْ أَوْصَى بِزَائِدٍ فَفِي ثُلُثِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَقْمِيصُهُ] إلَخْ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَيِّتَ يُقَمَّصُ وَيُعَمَّمُ أَمَّا اسْتِحْبَابُ التَّعْمِيمِ فَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ التَّقْمِيصِ فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ. قَوْلُهُ: [وَأَزْرَةٌ] : أَيْ تَحْتَ الْقَمِيصِ أَوْ سَرَاوِيلَ بَدَلُهَا وَهُوَ أَسْتَرُ مِنْهَا. قَوْلُهُ: [فَهَذِهِ خَمْسَةٌ] : أَيْ الْأَزْرَةُ وَاللِّفَافَتَانِ وَالْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ. قَوْلُهُ: وَنُدِبَ خِمَارٌ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَخْمِيرِ الرَّأْسِ وَالْعُنُقِ أَيْ تَغْطِيَتِهَا بِهِ.

[تنبيه الكفن إذا سرق]

فَالْمَجْمُوعُ لِلْمَرْأَةِ سَبْعٌ. (وَ) نُدِبَ (حَنُوطٌ) : مِنْ كَافُورٍ أَوْ فِيهِ كَافُورٌ أَوْ غَيْرُهُ يُذَرُّ (دَاخِلَ كُلِّ لِفَافَةٍ) مِنْ الْكَفَنِ، (وَ) يُجْعَلُ (عَلَى قُطْنٍ، يَلْصَقُ) الْقُطْنُ (بِمَنَافِذِهِ) عَيْنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَفَمِهِ وَأُذُنَيْهِ وَمَخْرَجِهِ، (وَمَسَاجِدِهِ) : جَبْهَتِهِ وَكَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ (وَمَرَاقِهِ) : رُفْغَيْهِ وَإِبِطَيْهِ وَبَاطِنِ رُكْبَتَيْهِ وَمَنْخَرِهِ وَخَلْفِ أُذُنَيْهِ. وَيُنْدَبُ تَحْنِيطُهُ، (وَإِنْ) كَانَ الْمَيِّتُ (مُحْرِمًا) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمَوْتِ (وَ) إنْ امْرَأَةً (مُعْتَدَّةً) عِدَّةَ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ (وَ) لَكِنْ إنْ كَانَ الْغَاسِلُ لِمَيِّتٍ مُطْلَقًا - مُحْرِمًا أَوْ مُعْتَدَّةً (تَوَلَّاهُ) : أَيْ الْحَنُوطَ، أَيْ تَوَلَّى أَمْرَهُ لِلْمَيِّتِ (غَيْرُهُمَا) : لِأَنَّهُمَا لَا يَجُوزُ لَهُمَا مَسُّ الْحَنُوطِ. (وَ) نُدِبَ (تَكْفِينُهُ بِثِيَابٍ كَجُمُعَتِهِ) الشَّرْعِيَّةِ لِحُصُولِ الْبَرَكَةِ بِثِيَابِ مَشَاهِدِ الْخَيْرِ. (وَهُوَ) : أَيْ الْكَفَنُ (مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ كَمُؤَنِ التَّجْهِيزِ) مِنْ حَنُوطٍ وَسِدْرٍ وَمَاءٍ وَأُجْرَةِ غَاسِلٍ وَحَامِلٍ وَقَبْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، (يُقَدَّمُ عَلَى دَيْنِ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ فِيهِ كَافُورٌ] إلَخْ: أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْحَنُوطِ: الطِّيبُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ مِسْكٍ أَوْ زَبَدٍ أَوْ شَنَدٍ أَوْ عِطْرِ شَاهٍ أَوْ عِطْرِ لَيْمُونٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ، وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَافُورٌ. قَوْلُهُ: [وَمَرَاقِهِ] : أَيْ مَا رِقَّ مِنْ جَسَدِهِ. قَوْلُهُ: رُفْغَيْهِ: هُمَا أَعْلَى الْفَخِذَيْنِ مِمَّا يَلِي الْعَانَةَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا] : مَفْهُومُهُ لَوْ تَحَيَّلَا فِي عَدَمِ مَسِّهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا تَوْلِيَتُهُ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ غَيْرُهُمَا وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [بِثِيَابٍ كَجُمُعَتِهِ] : أَيْ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى أَنْ يُوصَى بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْأَصْلِ. [تَنْبِيهٌ الْكَفَنُ إذَا سُرِقَ] قَوْلُهُ: [غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ] : وَمِثْلُهُ كُلُّ مَالٍ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِعَيْنِهِ؛ كَالْعَبْدِ الْجَانِي، وَأُمِّ الْوَلَدِ وَزَكَاةِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ، بَلْ وَلَوْ كَانَ الْكَفَنُ مَرْهُونًا فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ. تَنْبِيهٌ: إنْ سُرِقَ الْكَفَنُ طُلِبَ كَالِابْتِدَاءِ. ثُمَّ إنْ وُجِدَ الْأَوَّلُ فَتَرِكَةٌ كَأَنْ ذَهَبَ

[مسألة تقديم الأب والابن في الكفن]

لِرَهْنٍ فِي دَيْنِهِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ مُرْتَهَنًا عِنْدَ مَدِينٍ، فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِالرَّهْنِ مِنْ الْكَفَنِ وَمُؤَنِ التَّجْهِيزِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ أَوْ مَالٌ وَمُرْتَهَنٌ (فَعَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ) : كَأَبٍ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ وَكَابْنٍ لِوَالِدَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ (أَوْ رِقٍّ) كَسَيِّدٍ رَقِيقٍ (لَا) عَلَى مُنْفِقٍ بِسَبَبِ (زَوْجِيَّةٍ) ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ تَكْفِينُ زَوْجَتِهِ وَلَا مُؤَنُ تَجْهِيزِهَا، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا وَهِيَ فَقِيرَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا مُنْفِقٌ (فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ) . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ (فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ) فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالْوَاجِبُ) مِنْ الْكَفَنِ لِلذَّكَرِ (سَتْرُ الْعَوْرَةِ) مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (وَالْبَاقِي) وَهُوَ مَا يَسْتُرُ بَقِيَّةَ الْبَدَنِ حَتَّى الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ (سُنَّةٌ) عَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورَيْنِ. وَالثَّانِي أَنَّ سَتْرَ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَاجِبٌ، قَالَ الشَّيْخُ فِي تَوْضِيحِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ سَتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَمَا زَادَ عَلَى الْكَفَنِ الْوَاجِبِ أَوْ السُّنَّةِ فَمَنْدُوبٌ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) نُدِبَ (مَشْيُ مُشَيِّعٍ) لِلْجِنَازَةِ. (وَ) نُدِبَ (تَقَدُّمُهُ) عَلَيْهَا (وَإِسْرَاعُهُ) فِي الْمَشْيِ (بِوَقَارٍ) وَسَكِينَةٍ لَا بِهَرْوَلَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْهُ الْمَيِّتُ. [مَسْأَلَة تَقْدِيم الْأَب وَالِابْن فِي الْكَفَن] قَوْلُهُ: [كَسَيِّدٍ رَقِيقٍ] : فَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ وَعَبْدُهُ وَعِنْدَهُ مَا يُكَفَّنُ بِهِ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، كُفِّنَ الْعَبْدُ لِأَنَّ لَا حَقَّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ مَاتَ الْأَبُ وَالِابْنُ الْقَاصِرُ وَكَانَ عِنْدَ الْأَبِ كَفَنٌ وَاحِدٌ، قِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَبُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقِيلَ يَتَحَاصَّانِ، وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ وَالْأُمُّ الْفَقِيرَانِ وَكَانَ وَلَدُهُمَا لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى كَفَنٍ وَاحِدٍ، قِيلَ يَتَحَاصَّانِ، وَقِيلَ تُقَدَّمُ الْأُمُّ. قَوْلُهُ: [عَلَى الْمَذْهَبِ] : وَمُقَابِلُهُ قَوْلَانِ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَتْ فَقِيرَةً. قَوْلُهُ: [قَالَ الشَّيْخُ فِي تَوْضِيحِهِ] : أَيْ وَيُؤَيِّدُهُ الْقَضَاءُ بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ. [تَشْيِيع الْجِنَازَة] قَوْلُهُ: [لَا بِهَرْوَلَةٍ] : أَيْ لِأَنَّهَا تُنَافِي الْخُشُوعَ، وَاسْتَحَبَّتْ الشَّافِعِيَّةُ الْقُرْبَ

[الصلاة على الجنازة]

(وَ) نُدِبَ (تَأَخُّرُ رَاكِبٍ) عَنْهَا (وَ) تَأَخُّرُ (امْرَأَةٍ) وَإِنْ مَاشِيَةً، وَتَأَخُّرُهَا أَيْضًا عَنْ الرِّجَالِ. (وَ) نُدِبَ (سَتْرُهَا) : أَيْ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ (بِقُبَّةٍ) : مِنْ جَرِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ يُجْعَلُ عَلَى النَّعْشِ، وَيُلْقَى عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَوْ رِدَاءٌ لِمَزِيدِ السَّتْرِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَأَرْكَانِهَا فَقَالَ: (وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ) عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا (النِّيَّةُ) بِأَنْ يَقْصِدَ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ اسْتِحْضَارِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَا اعْتِقَادُ أَنَّهَا ذَكَرٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا أُنْثَى وَلَا عَكْسُهُ؛ إذْ الْمَقْصُودُ هَذَا الْمَيِّتُ. (وَ) ثَانِيهَا: (أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) كُلُّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ رَكْعَةٍ فِي الْجُمْلَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الْمَيِّتِ حَالَ تَشْيِيعِهِ لِلِاعْتِبَارِ، وَالْحَنَفِيَّةُ التَّأَخُّرَ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ تَوَاضُعًا فِي الشَّفَاعَةِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ سَتْرُهَا] إلَخْ: أَيْ فِي حَالِ الْحَمْلِ وَالدَّفْنِ. [الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَةِ] [تَنْبِيه حمل الْجِنَازَة] قَوْلُهُ: [أَوَّلُهَا النِّيَّةُ] : أَيْ وَحِينَئِذٍ فَتُعَادُ عَلَى مَنْ لَمْ تُنْوَ عَلَيْهِ كَاثْنَيْنِ اعْتَقَدَهُمَا وَاحِدًا إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ وَاحِدًا، فَتُعَادُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ اعْتَقَدَ الْوَاحِدَ مُتَعَدِّدًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَتَضَمَّنُ الْوَاحِدَ. تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ وَضْعُهَا عَلَى الْأَعْنَاقِ فِي الْأَظْهَرِ. قَوْلُهُ: [أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ] : أَيْ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ زَمَنَ الْفَارُوقِ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَرَى التَّكْبِيرَ أَرْبَعًا، وَبَعْضُهُمْ خَمْسًا وَهَكَذَا إلَى سَبْعٍ، وَاَلَّذِي لِابْنِ نَاجِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ بَعْدَ زَمَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَرْبَعٍ، مَا عَدَا ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا خَمْسٌ، وَمِثْلُ مَا لِابْنِ نَاجِي مَا لِلنَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [كُلُّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ رَكْعَةٍ] : فَإِذَا كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ وَطَرَأَتْ جِنَازَةٌ أُخْرَى فَلَا يُشْرِكُهَا مَعَهَا، بَلْ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْأُولَى حَتَّى يُتِمَّهَا، ثُمَّ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ عَلَى الثَّانِيَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ وَيَبْتَدِئَ

(فَإِنْ زَادَ) الْإِمَامُ خَامِسَةً عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (لَمْ يُنْتَظَرْ) ؛ بَلْ يُسَلِّمُونَ قَبْلَهُ وَصَحَّتْ لَهُمْ وَلَهُ أَيْضًا إذْ التَّكْبِيرُ لَيْسَ كَالرَّكَعَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنْ انْتَظَرُوا سَلَّمُوا مَعَهُ وَصَحَّتْ. (وَإِنْ نَقَصَ) عَنْ الْأَرْبَعِ (سَبَّحَ لَهُ، فَإِنْ رَجَعَ) وَكَبَّرَ الرَّابِعَةَ كَبَّرُوا مَعَهُ وَسَلَّمُوا بِسَلَامِهِ؛ (وَإِلَّا) يَرْجِعُ (كَبَّرُوا) لِأَنْفُسِهِمْ وَسَلَّمُوا وَصَحَّتْ، وَقِيلَ تَبْطُلُ لِبُطْلَانِهَا عَلَى الْإِمَامِ. وَإِنَّمَا خَالَفَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ غَيْرَهَا لِأَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَانَ يَرَى أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهَا أَقَلُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، أَوْ لَا يَقْطَعُ وَيَتَمَادَى عَلَيْهِمَا إلَى أَنْ يُتِمَّ تَكْبِيرَ الْأُولَى وَيُسَلِّمَ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُكَبِّرَ عَلَى الثَّانِيَةِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ، أَوْ يَتَمَادَى إلَى أَنْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ عَلَى الثَّانِيَةِ، فَيَكُونَ قَدْ كَبَّرَ عَلَى الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَلِذَا مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهَا مَعَهَا. قَوْلُهُ: [لَمْ يُنْتَظَرْ] : هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنَّهُ يُنْتَظَرُ وَيُسَلِّمُونَ مَعَهُ. قَوْلُهُ: [صَحَّتْ] : أَيْ فِيمَا يَظْهَرُ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ أَشْهَبَ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ تَأْوِيلًا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ نَقَصَ] : أَيْ سَهْوًا، وَأَمَّا عَمْدًا فَسَيَأْتِي. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا سَلَّمَ عَنْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ فَإِنَّ مَأْمُومَهُ لَا يَتْبَعُهُ، بَلْ إنْ نَقَصَ سَاهِيًا سُبِّحَ لَهُ، فَإِنْ رَجَعَ وَكَمَّلَ سَلَّمُوا مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَتَرَكَهُمْ كَبَّرُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَنَبَّهَ عَنْ قُرْبٍ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ أَمْ لَا، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَإِنْ كَانَ نَقَصَ عَمْدًا وَهُوَ يَرَاهُ مَذْهَبًا لَمْ يَتْبَعُوهُ، وَأَتَمُّوا بِتَمَامِ الْأَرْبَعِ، وَصَحَّتْ لَهُمْ وَلَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ مَذْهَبًا - بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ. وَلَوْ أَتَوْا بِرَابِعَةٍ تَبَعًا لِبُطْلَانِهَا عَلَى الْإِمَامِ، وَحِينَئِذٍ فَتُعَادُ إنْ لَمْ تُدْفَنْ كَمَا سَيَأْتِي.

(وَ) ثَالِثُهَا (دُعَاءٌ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (بَيْنَهُنَّ) أَيْ التَّكْبِيرَاتِ (بِمَا تَيَسَّرَ) وَلَوْ " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ". (وَدُعَاءٌ بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ إنْ أَحَبَّ) ، وَإِنْ أَحَبَّ لَمْ يَدْعُ وَسَلَّمَ (يُثَنِّي) : بِفَتْحِ: الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَكْسُورَةِ: أَيْ يَأْتِي بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ أَوْ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ مُثَنًّى إنْ كَانَ الْمَيِّتُ اثْنَيْنِ، (وَيَجْمَعُ إنْ احْتَاجَ) لِلتَّثْنِيَةِ أَوْ الْجَمْعِ بِأَنْ كَانُوا جَمَاعَةً، فَيَقُولُ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ: " اللَّهُمَّ إنَّهُمَا عَبْدَاك وَابْنَا عَبْدَيْك وَابْنَا أَمَتَيْك كَانَا يَشْهَدَانِ " إلَخْ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَالَ: " اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عَبِيدُك وَأَبْنَاءُ عَبِيدِك وَأَبْنَاءُ إمَائِك كَانُوا يَشْهَدُونَ " إلَخْ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ فِي الِاثْنَيْنِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمَا وَارْحَمْهُمَا "، وَقَالَ فِي الْجَمَاعَةِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ " (يُغَلِّبُ) . بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَكْسُورَةً (الْمُذَكَّرَ عَلَى الْمُؤَنَّثِ) إنْ اجْتَمَعَ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ. (وَإِنْ وَالَاهُ) : أَيْ التَّكْبِيرَ - بِأَنْ لَمْ يَدْعُ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ - (أَوْ) دَعَا (وَسَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَمْدًا، أَعَادَ) الصَّلَاةَ. وَكَذَا إنْ سَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَهْوًا وَطَالَ (إنْ لَمْ تُدْفَنْ) الْجِنَازَةُ، فَإِنْ دُفِنَتْ فَلَا إعَادَةَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقِيلَ لَا إعَادَةَ فِي الْأُولَى وَإِنْ لَمْ تُدْفَنْ. فَقَوْلُ الشَّيْخِ: " وَإِنْ دُفِنَتْ فَعَلَى الْقَبْرِ " لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [دُعَاءٌ لَهُ] : أَيْ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ كَثْرَتُهُ لِلْمَيِّتِ، وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيَّةُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ الْأُولَى، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الثَّانِيَةِ. وَمِنْ الْوَرَعِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ، قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْفَاتِحَةِ لَا يَكْفِي عِنْدَنَا، وَيَبْعُدُ إدْرَاجُ الْمَيِّتِ فِي نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ. نَعَمْ يَظْهَرُ كِفَايَةُ مَنْ سَمِعَ دُعَاءَ الْإِمَامِ فَأَمَّنَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ أَحَدُ الدَّاعِينَ كَمَا قَالُوهُ فِي: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] أَنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو وَهَارُونَ كَانَ يُؤَمِّنُ. قَوْلُهُ: [إنْ أَحَبَّ] : وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وُجُوبًا، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إنْ أَحَبَّ. قَوْلُهُ: [يُثَنِّي] إلَخْ: أَيْ يَتَّبِعُ فِي دُعَائِهِ الْأَلْفَاظَ الْعَرَبِيَّةَ فَلَوْ دَعَا بِمَلْحُونٍ فَالْعِبْرَةُ بِقَصْدِهِ وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ. قَوْلُهُ: [لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ] أَيْ لِأَنَّ الَّذِي ارْتَضَاهُ (ر) وَتَبِعَهُ فِي الْحَاشِيَةِ إذَا دُفِنَتْ لَا إعَادَةَ فِي الْأُولَى وَلَا فِي الثَّانِيَةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ يُونُسَ.

(وَ) رَابِعُهَا (تَسْلِيمَةٌ) وَاحِدَةٌ يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ بِقَدْرِ التَّسْمِيعِ. (وَنُدِبَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ إسْرَارُهَا) . (وَ) خَامِسُهَا: (قِيَامٌ لَهَا لِقَادِرٍ) عَلَى الْقِيَامِ لَا لِعَاجِزٍ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا زِدْنَاهُ عَلَيْهِ. (وَ) إنْ سَبَقَ أَحَدٌ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ: إنْ شَرَعُوا فِي الدُّعَاءِ، (صَبَرَ الْمَسْبُوقُ) بِهِ وُجُوبًا (لِلتَّكْبِيرِ) ، أَيْ إلَى أَنْ يُكَبِّرُوا فَلَا يُكَبِّرُ حَالَ اشْتِغَالِهِمْ بِالدُّعَاءِ لِأَنَّهُ كَالْقَاضِي خَلْفَ الْإِمَامِ، (فَإِنْ كَبَّرَ صَحَّتْ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا) عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَشْيَاخِ (وَدَعَا) الْمَسْبُوقُ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ الْكَائِنَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ (إنْ تُرِكَتْ) الْجِنَازَةُ (وَإِلَّا) بِأَنْ رُفِعَتْ (وَالَى) التَّكْبِيرَ بِلَا دُعَاءٍ وَسَلَّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [تَسْلِيمَةٌ] : أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَلَا يَرُدُّ الْمَأْمُومُ وَلَا عَلَى إمَامِهِ وَلَا عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ بِنَدْبِ رَدِّهِ عَلَى الْإِمَامِ إنْ سَمِعَهُ، وَلِابْنِ غَانِمٍ مِنْ نَدْبِ رَدِّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى مَنْ عَلَى الْيَسَارِ. قَوْلُهُ: [قِيَامٌ لَهَا] : أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الْقِيَامُ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ كَالْقَاضِي] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ رَكْعَةٍ فِي الْجُمْلَةِ. قَوْله: [وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا] إلَخْ: هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ كَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ. فَالتَّكْبِيرُ عِنْدَهُ يَفُوتُ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ فِي الدُّعَاءِ، وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ (عب) : مُقْتَضَى سَمَاعِ أَشْهَبَ اعْتِدَادَهُ بِهَا، بَلْ الَّذِي فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّهُ إذَا جَاءَ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ وَمَأْمُومُهُ مِنْ التَّكْبِيرِ، وَاشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُمْ وَلَا يَنْتَظِرُ لِأَنَّهُ لَا تَفُوتُ كُلُّ تَكْبِيرَةٍ إلَّا بِاَلَّتِي بَعْدَهَا (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَالَى التَّكْبِيرَ] : أَيْ لِئَلَّا تَصِيرَ صَلَاةً عَلَى غَائِبٍ، وَاسْتَشْكَلَ هَذَا بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَالدُّعَاءَ رُكْنٌ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ الرُّكْنُ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي مَكْرُوهٍ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدُّعَاءَ رُكْنٌ لِغَيْرِ الْمَسْبُوقِ كَمَا قَالُوا فِي الْقِيَامِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَا إذَا تُرِكَتْ فَيَدْعُو، وَإِذَا لَمْ تُتْرَكْ فَيُوَالِي التَّكْبِيرَ أَيَّدَهُ، (بْن) ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ تَبَعًا لِلرَّمَاصِيِّ: أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ فَإِنَّهُ يُوَالِي التَّكْبِيرَ مُطْلَقًا

(وَنُدِبَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ) حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ (بِالْأُولَى) أَيْ عِنْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى (فَقَطْ) (وَ) نُدِبَ (ابْتِدَاءُ الدُّعَاءِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِأَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت وَبَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَأَحْسَنُ الدُّعَاءِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ: " اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ "، فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً قَالَ: " اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُك وَبِنْتُ عَبْدِك وَبِنْتُ أَمَتِك كَانَتْ تَشْهَدُ " إلَخْ. (وَ) نُدِبَ (إسْرَارُهُ) أَيْ الدُّعَاءِ. (وَ) نُدِبَ (وُقُوفُ إمَامٍ وَسَطَ) الْمَيِّتِ (الذَّكَرِ وَحَذْوَ مَنْكِبَيْ غَيْرِهِ) ، مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عِنْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ] : أَيْ وَأَمَّا فِي غَيْرِ أُولَاهُ فَخِلَافُ الْأُولَى. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ ابْتِدَاءُ الدُّعَاءِ] : أَيْ إثْرَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَفِي الطِّرَازِ: لَا تَكُنْ الصَّلَاةُ وَالتَّحْمِيدُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ؛ بَلْ فِي الْأُولَى وَيَدْعُو فِي غَيْرِهَا. وَعَزَاهُ ابْنُ يُونُسَ لِلنَّوَادِرِ. قَوْلُهُ: [وَابْنُ عَبْدِك] إلَخْ: لَمْ يَكُنْ فِي مُسَوَّدَةِ الْمُؤَلِّفِ لَفْظُ أَمَتِك وَلَعَلَّهَا مُسْقَطَةٌ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ إسْرَارُهُ] : أَيْ وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا لَيْلًا. قَوْلُهُ: [وَسَطَ الْمَيِّتِ] : أَيْ عِنْدَ وَسَطِهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاصَقَةٍ، بَلْ يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ

[الدفن باللحد والشق]

أُنْثَى أَوْ خُنْثَى جَاعِلًا (رَأْسَ الْمَيِّتِ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ، (إلَّا فِي الرَّوْضَةِ) الشَّرِيفَةِ فَتُجْعَلُ رَأْسُهُ عَلَى يَسَارِ الْإِمَامِ تُجَاهَ رَأْسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِلَّا لَزِمَ قِلَّةَ الْأَدَبِ. (وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ) عَلَى الْمَيِّتِ (وَصِيٌّ رُجِيَ خَيْرُهُ) أَوْصَى الْمَيِّتُ بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ (فَالْخَلِيفَةُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ (لَا فَرْعُهُ) أَيْ نَائِبُهُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ (إلَّا إذَا وَلِيَ الْخُطْبَةَ) مِنْ الْخَلِيفَةِ فَيَكُونُ كَالْخَلِيفَةِ أَوْلَى مِنْ الْعَصَبَةِ، (ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْ عَصَبَتِهِ) فَيُقَدَّمُ ابْنٌ فَابْنُهُ فَأَبٌ فَأَخٌ فَابْنُهُ، فَجَدٌّ فَعَمٌّ فَابْنُهُ إلَخْ، وَقُدِّمَ الشَّقِيقُ عَلَى غَيْرِهِ (وَأَفْضَلُهُمْ عِنْدَ التَّسَاوِي وَلَوْ) كَانَ الْأَفْضَلُ (وَلِيَّ امْرَأَةٍ) صَلَّى عَلَيْهَا مَعَ رَجُلٍ. (وَصَلَّتْ النِّسَاءُ) عِنْدَ عَدَمِ الرِّجَالِ (دَفْعَةً) : أَيْ فِي آنٍ وَاحِدٍ (أَفْذَاذًا) إذْ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُنَّ، وَيَلْزَمُ عَلَى تَرَتُّبِهِنَّ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ. (وَ) نُدِبَ (اللَّحْدُ) : وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ فِي أَسْفَلِ الْقَبْرِ جِهَةَ قِبْلَتِهِ مِنْ الْمَغْرِبِ. لِلْمَشْرِقِ بِقَدْرِ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ (فِي الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ قَدْرَ شِبْرٍ وَقِيلَ قَدْرَ ذِرَاعٍ. قَوْلُهُ: [أَوْصَى الْمَيِّتُ] : أَيْ لِرَجَاءِ خَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَوْصَاهُ لِإِغَاظَةِ أَوْلِيَائِهِ. لِعَدَاوَةٍ لَمْ تَنْفُذْ وَصِيَّتُهُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [أَيْ نَائِبُهُ] : أَيْ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [فَيُقَدَّمُ ابْنٌ] إلَخْ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّظْمِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَلِيَ امْرَأَةٍ] : مُبَالَغَةٌ فِي مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: كَاجْتِمَاعِ جَنَائِزَ فَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ وَلَوْ وَلِيَ امْرَأَةٍ. قَوْلُهُ: [وَيَلْزَمُ عَلَى تَرَتُّبِهِنَّ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ مَكْرُوهٌ. [الدّفن بِاللَّحْدِ وَالشِّقّ] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ اللَّحْدُ] : إنَّمَا فُضِّلَ لِخَبَرِ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» .

الْمُتَمَاسِكَةِ الَّتِي لَا تَنْهَالُ (وَإِلَّا) تَكُنْ الْأَرْضُ صُلْبَةً (فَالشَّقُّ) : بِأَنْ يُحْفَرَ وَسَطُ الْقَبْرِ بِقَدْرِ الْمَيِّتِ وَيُسَدَّ بِاللَّبِنِ كَمَا يَأْتِي. (وَ) نُدِبَ (وَضْعُهُ عَلَى) شِقٍّ (أَيْمَنَ مُقَبَّلًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مَجْعُولًا وَجْهَهُ لِلْقِبْلَةِ. (وَ) نُدِبَ (قَوْلُ وَاضِعِهِ) فِي قَبْرِهِ (بِسْمِ اللَّهِ) أَيْ وَضَعْته (وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ بِأَحْسَنِ قَبُولٍ) . (وَتُدُورِكَ) الْمَيِّتُ (إنْ خُولِفَ) بِأَنْ جُعِلَ ظَهْرُهُ لِلْقِبْلَةِ، أَوْ نُكِّسَ بِأَنْ جُعِلَ رِجْلَاهُ مَكَانَ رَأْسِهِ بِأَنْ يُحَوَّلَ إلَى الْحَالَةِ الْمَطْلُوبَةِ (إنْ لَمْ يُسَوَّ عَلَيْهِ التُّرَابُ) ، وَإِلَّا تُرِكَ وَشَبَّهَ فِي مُطْلَقِ التَّدَارُكِ قَوْلَهُ: (كَتَرْكِ الْغُسْلِ أَوْ الصَّلَاةِ) عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُتَدَارَكُ وَيُخْرَجُ مِنْ الْقَبْرِ لَهُمَا وَلَوْ سُوِّيَ عَلَيْهِ التُّرَابُ (إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) الْمَيِّتُ (وَإِلَّا) - بِأَنْ مَضَى زَمَنٌ يُظَنُّ بِهِ تَغَيُّرُهُ - (صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مَا بَقِيَ) أَيْ مُدَّةَ ظَنِّ بَقَاءِ الْمَيِّتِ (بِهِ) ، أَيْ فِيهِ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا غُسِّلَ وَإِلَّا فَفِيهِ نَظَرٌ. (وَ) نُدِبَ (سَدُّهُ) أَيْ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ (بِلَبِنٍ) وَهُوَ الطُّوبُ النِّيءُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ (فَلَوْحٌ) مِنْ خَشَبٍ (فَقَرْمُودٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - طُوبٌ يُجْعَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِلْقِبْلَةِ] : أَيْ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ، أَيْ وَتُحَلُّ عُقَدُ كَفَنِهِ وَتُمَدُّ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى جَسَدِهِ، وَيُعْدَلُ رَأْسُهُ بِالتُّرَابِ وَرِجْلَاهُ بِرِفْقٍ، وَيُجْعَلُ التُّرَابُ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ، فَإِنْ لَمْ يُتَمَكَّنْ مِنْ جَعْلِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى ظَهْرِهِ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ. قَوْلُهُ. [وَتُدُورِكَ الْمَيِّتُ] : أَيْ اسْتِحْبَابًا. قَوْلُهُ: [وَشَبَّهَ فِي مُطْلَقِ التَّدَارُكِ] : أَيْ لِأَنَّ هَذَا التَّدَارُكَ وَاجِبٌ إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا فَالتَّشْبِيهُ مُخْتَلِفٌ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَفِيهِ نَظَرٌ] : وَجْهُ النَّظَرِ الْمُنَافَاةُ لِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ " وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ " وَيُجَابُ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ (ر) : بِأَنَّ مَعْنَى التَّلَازُمِ فِي الطَّلَبِ ابْتِدَاءٌ فَإِنْ تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ بِمَا اسْتَطَعْتُمْ» . قَوْلُهُ: [وَهُوَ الطُّوبُ النِّيءُ] : أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَصْنُوعًا بِالْقَالِبِ أَمْ لَا.

[آداب التعزية وحضور الاحتضار]

عَلَى صُورَةِ وُجُوهِ الْخَيْلِ، (فَقَصَبٌ) لَكِنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْآجُرُّ بِالْمَدِّ وَضَمِّ الْجِيمِ الطُّوبُ الْمَحْرُوقُ: (وَإِلَّا) يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (فَسُنَّ التُّرَابُ) بِبَابِ اللَّحْدِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَتَّ بِالْمَاءِ لِيَتَمَاسَكَ (أَوْلَى) عِنْدَ الْعُلَمَاءِ (مِنْ) دَفْنِهِ فِي (التَّابُوتِ) أَيْ السِّحْلِيَّةِ تُجْعَلُ كَالصُّنْدُوقِ يَدْفِنُ فِيهَا النَّصَّارِي أَمْوَاتَهُمْ وَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِمْ. (وَ) نُدِبَ (رَفْعُهُ) أَيْ الْقَبْرِ بِرَمْلٍ وَحِجَارَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (كَشِبْرٍ مُسَنَّمًا) أَيْ كَسَنَامِ الْبَعِيرِ لَا مُسَطَّبًا. (وَ) نُدِبَ لِلنَّاسِ (تَعْزِيَةُ أَهْلِهِ) أَيْ تَسْلِيَتُهُمْ وَحَمْلُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْآجُرُّ] : وَبَعْدَ الْآجُرِّ الْحَجَرُ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِمْ] : وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَاتٍ التَّابُوتُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ، بَلْ هُوَ مِنْ عَادَةِ الْأَعَاجِمِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ. قَوْلُهُ: [كَشِبْرٍ مُسَنَّمًا] : إنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِيُعْرَفَ بِهِ، وَإِنْ زِيدَ عَلَى الشِّبْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَرَاهَةُ مَالِكٍ لِرَفْعِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى رَفْعِهِ بِالْبِنَاءِ لَا رَفْعِ تُرَابِهِ عَنْ الْأَرْضِ مُسَنَّمًا، وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَهَا عِيَاضٌ بِأَنَّ قَبْرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُسَنَّمٌ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَكَذَا قَبْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ رِوَايَةِ تَسْطِيحِهَا، لِأَنَّهُ زِيُّ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشِعَارُ الرَّوَافِضِ. (اهـ. خَرَشِيٌّ) . [آدَاب التعزية وَحُضُور الِاحْتِضَار] قَوْلُهُ: [تَعْزِيَةُ أَهْلِهِ] : أَيْ لِخَبَرِ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ. (وَقَالَ) ابْنُ حَبِيبٍ فِي التَّعْزِيَةِ ثَوَابٌ كَثِيرٌ، (وَقَالَ) ابْنُ الْقَاسِمِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: تَهْوِينُ الْمُصِيبَةِ عَلَى الْمُعَزَّى وَتَسْلِيَتُهُ عَنْهَا وَحَضُّهُ عَلَى الْتِزَامِ الصَّبْرِ وَاحْتِسَابُهُ الْأَجْرَ وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّانِي: الدُّعَاءُ بِأَنْ يُعَوِّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُصَابِهِ جَزِيلَ الثَّوَابِ. الثَّالِثُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالتَّرَحُّمُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ لِلتَّعْزِيَةِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ جَاءَ خَبَرُ جَعْفَرٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ

(وَ) نُدِبَ لِلْجَارِ وَنَحْوِهِ (تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لَهُمْ) أَيْ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ (إلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى مُحَرَّمٍ) مِنْ نَدْبٍ وَلَطْمٍ وَنِيَاحَةٍ، فَلَا. (وَ) نُدِبَ لِأَهْلِهِ (التَّصَبُّرُ) : أَيْ إظْهَارُ الصَّبْرِ، (وَالتَّسْلِيمُ لِلْقَضَاءِ) : أَيْ لِقَضَاءِ اللَّهِ مَالِك الْمُلْكِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ، (كَتَحْسِينِ الْمُحْتَضَرِ) : تَشْبِيهٌ فِي النَّدْبِ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَ (ظَنَّهُ) مَفْعُولُهُ: أَيْ يُنْدَبُ لِلْمُحْتَضَرِ أَنْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ (بِاَللَّهِ بِقُوَّةِ الرَّجَاءِ فِيهِ) ، أَيْ بِسَبَبِ قُوَّةِ رَجَائِهِ فِي اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ فِيمَا عِنْدَهُ مِنْ الْكَرَمِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، لِأَنَّهُ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ يَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيُقِيلُ الْعَثَرَاتِ فَيُقَدِّمُ الرَّجَاءَ عَلَى الْخَوْفِ. (وَ) يُنْدَبُ لِلْحَاضِرِ عِنْدَهُ (تَلْقِينُهُ الشَّهَادَتَيْنِ بِلُطْفٍ) بِأَنْ يَقُولَ عِنْدَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُمْ بِمُؤْتَةِ، اسْمُ مَكَان. وَوَاسِعٌ كَوْنُهَا قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ، وَالْأَوْلَى عِنْدَ رُجُوعِ الْوَلِيِّ إلَى بَيْتِهِ. قَوْلُهُ: [أَيْ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ] : أَيْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَيِّتِهِمْ، وَجَمْعُ النَّاسِ عَلَى طَعَامِ بَيْتِ الْمَيِّتِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا شَيْءٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ وَلَائِمَ. وَأَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا عَلَى الْقَبْرِ فَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» ، قَالَ الْعُلَمَاءُ الْعَقْرُ الذَّبْحُ عَلَى الْقَبْرِ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [فَيُقَدِّمُ الرَّجَاءَ عَلَى الْخَوْفِ] : أَيْ وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَفِيهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: قِيلَ مِثْلُ الْمُحْتَضَرِ وَهُوَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَقِيلَ: يَعْتَدِلُ عِنْدَهُ جَانِبُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَيَكُونُ كَجَنَاحَيْ الطَّائِرِ مَتَى رُجِّحَ أَحَدُهُمَا سَقَطَ، وَقِيلَ: يُطْلَبُ مِنْهُ غَلَبَةُ الْخَوْفِ لِيَحْمِلَهُ عَلَى كَثْرَةِ الْعَمَلِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ عِنْدَنَا. قَوْلُهُ: [تَلْقِينُهُ الشَّهَادَتَيْنِ] : أَيْ لِحَدِيثِ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» لِيَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ كَلَامِهِ وَلِيُطْرَدَ بِهِ الشَّيَاطِينُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَهُ لِدَعْوَى

أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " وَلَا يَقُولُ لَهُ: " قُلْ "، وَلَا يُلِحُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ السَّاعَةَ سَاعَةُ ضِيقٍ وَكَرْبٍ، وَرُبَّمَا كَانَ الْإِلْحَاحُ عَلَيْهِ سَبَبًا فِي تَغَيُّرِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ زِيَادَةِ الضِّيقِ عَلَيْهِ. (وَلَا يُكَرِّرُ) التَّلْقِينَ عَلَيْهِ (إنْ نَطَقَ بِهِمَا إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِأَجْنَبِيٍّ) مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ فَيُلَقَّنُ لِيَكُونَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنْ الدُّنْيَا التَّكَلُّمَ بِهِمَا. (وَ) نُدِبَ (اسْتِقْبَالُهُ) لِلْقِبْلَةِ (عِنْدَ شُخُوصِهِ) بِبَصَرِهِ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ) إذَا تَعَسَّرَ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ فَعَلَى (ظَهْرِهِ) رِجْلَاهُ لِلْقِبْلَةِ. (وَ) نُدِبَ (تَجَنُّبُ) : أَيْ تَبَاعُدُ (جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَتِمْثَالٍ وَآلَةِ لَهْوٍ) لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَنْفِرُ مِنْ ذَلِكَ. (وَ) نُدِبَ (إحْضَارُ طِيبٍ) كَبَخُورِ عُودٍ أَوْ جَاوِي عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُحِبُّهُ. (وَ) نُدِبَ إحْضَارُ (أَحْسَنِ أَهْلِهِ) خَلْقًا وَخُلُقًا (وَ) أَحْسَنِ (أَصْحَابِهِ) مِمَّنْ كَانَ يُحِبُّهُمْ وَلَا يَنْبَغِي إحْضَارُ الْوَارِثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنًا وَزَوْجَةً وَنَحْوَهُمَا. (وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ) مِنْ الْحَاضِرِينَ: لِأَنْفُسِهِمْ وَلِلْمَيِّتِ لِأَنَّهُ مِنْ أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ. (وَ) نُدِبَ (عَدَمُ بُكًى) بِالْقَصْرِ وَهُوَ الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يُرْفَعُ فِيهِ الصَّوْتُ. لِأَنَّ التَّصَيُّرَ أَجْمَلُ. (وَ) نُدِبَ (تَغْمِيضُهُ) أَيْ قَفْلُ عَيْنَيْهِ (وَشَدُّ لَحْيَيْهِ) بِعِصَابَةٍ (إذَا قُضِيَ) أَيْ خَرَجَتْ رُوحُهُ بِالْفِعْلِ، فَلَا يُغَمَّضُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّبْدِيلِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. وَلَا يُلَقِّنُ إلَّا بَالِغٌ، وَظَاهِرُ الرِّسَالَةِ مُطْلَقًا وَالْمَدَارُ عَلَى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ: (أَيْ خَرَجَتْ رُوحُهُ بِالْفِعْلِ) : وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَرْبَعٌ: انْقِطَاعُ نَفَسِهِ. وَإِحْدَادُ بَصَرِهِ، وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ فَلَا يَنْطَبِقَانِ، وَسُقُوطُ قَدَمَيْهِ فَلَا يَنْتَصِبَانِ. وَمِنْ

[تنبيه زيارة النساء للقبور]

(وَ) نُدِبَ (رَفْعُهُ) بَعْدَ مَوْتِهِ (عَنْ الْأَرْضِ) عَلَى طَرَّاحَةٍ أَوْ سَرِيرٍ لِئَلَّا تُسْرِعَ لَهُ الْهَوَامُّ (وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ وَإِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ) خَوْفًا مِنْ تَغَيُّرِهِ (إلَّا كَالْغَرِقِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ: أَيْ الْغَرِيقُ، وَمَنْ مَاتَ تَحْتَ هَدْمٍ أَوْ فَجْأَةً؛ فَإِنَّهُ يُؤَخَّرُ وَلَا يُسْرَعُ بِتَجْهِيزِهِ حَتَّى تَظْهَرَ أَمَارَاتُ التَّغَيُّرِ وَتَحَقُّقِ مَوْتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا ثُمَّ تُرَدُّ لَهُ رُوحُهُ. (وَ) نُدِبَ (زِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلَا حَدٍّ) بِيَوْمٍ أَوْ وَقْتٍ أَوْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، (وَالدُّعَاءُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَامَةِ الْبُشْرَى لِأَهْلِ الْخَيْرِ الَّذِينَ لَا يَلْحَقُهُمْ عَذَابٌ كَمَا قِيلَ وَقِيلَ - عَلَامَةُ الْإِيمَانِ مُطْلَقًا - أَنْ يَصْفَرَّ وَجْهُهُ وَيَعْرَقَ جَبِينُهُ وَتَذْرِفَ عَيْنَاهُ دُمُوعًا، وَمِنْ عَلَامَاتِ السُّوءِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ أَنْ تَحْمَرَّ عَيْنَاهُ وَتَرْبَدَّ شَفَتَاهُ، وَيَغُطَّ كَغَطِيطِ الْبِكْرِ وَتَرْبَدُّ - بِالْبَاءِ. الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا دَالٌ مُشَدَّدَةٌ - لَوْنُ الْغُبْرَةِ. قَوْلُهُ: [لِئَلَّا تُسْرِعَ لَهُ الْهَوَامُّ] : أَيْ لِمُفَارَقَةِ الْحَفَظَةِ لَهُ بِخُرُوجِ رُوحِهِ. قَوْلُهُ: [وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ] : أَيْ زِيَادَةً عَلَى مَا عَلَيْهِ حَالَ الْمَوْتِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُغَطَّى وَجْهُهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَغَيَّرُ مِنْ الْمَرَضِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ. تَنْبِيهٌ: قَالَ حُلُولُو فِي قَوْلِ خَلِيلٍ وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ، وَوَضْعُ ثَقِيلٍ عَلَى بَطْنِهِ - مَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَنْدُوبَاتِ: لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا مِنْ الْأَصْحَابِ وَهِيَ مَنْصُوصَةٌ لِلشَّافِعِيَّةِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [خَوْفًا مِنْ تَغَيُّرِهِ] : وَتَأْخِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْأَمْنِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَاسْتَثْنَوْا مِنْ قَاعِدَةِ الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ سِتَّ مَسَائِلَ: التَّوْبَةُ، وَالصَّلَاةُ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، وَتَجْهِيزُ الْمَيِّتِ عِنْدَ مَوْتِهِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، وَنِكَاحُ الْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ إذَا قَدِمَ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ إذَا حَلَّ. وَزِيدَ تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ مِنْ السَّفَرِ وَرَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عِنْدَ حُلُولِهَا. [تَنْبِيه زِيَارَة النِّسَاء لِلْقُبُورِ] قَوْلُهُ: [بِلَا حَدٍّ] : أَيْ فِي أَصْلِ النَّدْبِ، فَلَا يُنَافِي التَّأَكُّدَ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي وَرَدَ الْأَمْرُ فِيهَا بِخُصُوصِهَا كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ زَارَ وَالِدَيْهِ كُلَّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَارًّا» ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ

[الجائز في الجنائز]

وَالِاعْتِبَارُ) أَيْ الِاتِّعَاظُ وَإِظْهَارُ الْخُشُوعِ (عِنْدَهَا) أَيْ الْقُبُورِ، وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالضِّحْكُ وَكَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْأَصْوَاتِ الْمُرْتَفِعَةِ وَاِتِّخَاذُ ` ذَلِكَ عَادَةً لَهُمْ كَمَا يَقَعُ فِي قَرَافَةِ مِصْرَ، وَرُبَّمَا خَرَجُوا عَنْ قَانُونِ الْقِرَاءَةِ إلَى قَانُونِ الْغِنَاءِ وَالتَّمْطِيطِ وَتَقْطِيعِ الْحُرُوفِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَهُوَ لَا يَجُوزُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجَائِزَاتِ فَقَالَ: (وَجَازَ غَسْلُ امْرَأَةٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولِهِ قَوْلُهُ (ابْنَ ثَمَانٍ) أَيْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَسِّلَ صَبِيًّا ابْنَ ثَمَانِ سِنِينَ فَأَوْلَى مَنْ دُونَهُ، لَا ابْنُ تِسْعٍ، وَإِنْ جَازَ لَهَا النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ: عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ السَّبْتِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَهَا، وَيُكْرَهُ السَّبْت فِيمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَيَانِ: قَدْ جَاءَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ بِأَفْنِيَةِ الْقُبُورِ، وَأَنَّهَا تَطَّلِعُ بِرُؤْيَتِهَا، وَأَنَّ أَكْثَرَ اطِّلَاعِهَا يَوْمُ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَلَيْلَةُ السَّبْتِ، وَفِي الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) ، وَمِمَّا وَرَدَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْقُبُورِ: " اللَّهُمَّ رَبَّ الْأَرْوَاحِ الْبَاقِيَةِ وَالْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ وَالشُّعُورِ الْمُتَمَزِّقَةِ، وَالْجُلُودِ الْمُتَقَطِّعَةِ وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الدُّنْيَا وَهِيَ بِك مُؤْمِنَةٌ أَنْزِلْ عَلَيْهَا رُوحًا مِنْك وَسَلَامًا مِنِّي ". تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ فِي الْمَدْخَلِ فِي زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلْقُبُورِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ، وَالْجَوَازُ بِشَرْطِ التَّحَفُّظِ، وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَجَالَّةِ فَيُبَاحُ بَلْ يُنْدَبُ، وَالشَّابَّةِ فَيَحْرُمُ إنْ خَشِيَتْ الْفِتْنَةَ. قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ] إلَخْ: أَيْ لِحَدِيثِ: «زُورُوا الْقُبُورَ تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «زُورُوا الْقُبُورَ وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» ص أَيْ كَلَامًا لَغْوًا أَوْ بَاطِلًا. [الْجَائِز فِي الْجَنَائِز] قَوْلُهُ: [وَإِنْ جَازَ لَهَا النَّظَرُ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يُنَاهِزْ الْحُلُمَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ

(وَ) جَازَ (غَسْلُ رَجُلٍ كَرَضِيعَةٍ) أَيْ رَضِيعَةٍ وَمَا قَارَبَهَا كَزِيَادَةِ شَهْرٍ عَلَى مُدَّةِ الرَّضَاعِ لَا بِنْتِ ثَلَاثِ سِنِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَغْسِيلُهَا. (وَ) جَازَ (تَسْخِينُ مَاءٍ) لِلْغُسْلِ كَالْبَارِدِ. (وَ) جَازَ (تَكْفِينٌ بِمَلْبُوسٍ) لِلْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهِ - أَيْ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ - وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمَلْبُوسُ، (أَوْ مُزَعْفَرٍ أَوْ مُوَرَّسٍ) أَيْ مَصْبُوغٍ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ لِأَنَّهُمَا مِنْ الطِّيبِ بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِهِمَا فَيُكْرَهُ. (وَ) جَازَ (حَمْلُ غَيْرِ أَرْبَعَةٍ) لِلنَّعْشِ مِنْ الرِّجَالِ كَأَنْ يَحْمِلُهُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ. (وَ) جَازَ (بَدْءٌ بِأَيِّ نَاحِيَةٍ) فِي حَمْلِ السَّرِيرِ (بِلَا تَعْيِينٍ) : قَالَ الْمُصَنِّفُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهَا النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهَا تَغْسِيلُهُ، فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ: ابْنُ ثَمَانٍ فَأَقَلَّ يَجُوزُ لَهَا تَغْسِيلُهُ وَالنَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ، وَابْنُ تِسْعٍ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ فَأَكْثَرَ لَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ، وَابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَأَكْثَرَ لَا يَجُوزُ لَهَا تَغْسِيلُهُ وَلَا النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ جَوَازُ التَّغْسِيلِ، لِأَنَّ فِي التَّغْسِيلِ زِيَادَةَ الْجَسِّ بِالْيَدِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَغْسِيلُهَا] : أَيْ وَإِنْ كَانَ لَهُ نَظَرُ عَوْرَتِهَا مَا لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ لِمَا سَبَقَ، وَالْمُحَرَّمُ فِي الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ الذَّكَرَيْنِ بُلُوغٌ أَوْ فِتْنَةُ بَالِغٍ. قَوْلُهُ: [كَالْبَارِدِ] : وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ الْبَارِدَ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْأَعْضَاءَ. قَوْلُهُ: [بِمَلْبُوسٍ] : أَيْ نَظِيفٍ طَاهِرٍ لَمْ يَشْهَدْ فِيهِ مَشَاهِدَ الْخَيْرِ وَإِلَّا كُرِهَ فِي الْأَوَّلَيْنِ كَمَا يَأْتِي، وَنُدِبَ فِي الْأَخِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: أَوْ وَرَسٍ: وَهُوَ نَبْتٌ بِالْيَمَنِ أَصْفَرُ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْحُمْرَةُ لِلْوَجْهِ. قَوْلُهُ. [بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِهِمَا] : أَيْ كَالْمَصْبُوغِ بِالْخُضْرَةِ وَنَحْوِهَا؛ حَيْثُ. أَمْكَنَ غَيْرُهُمَا إذْ لَيْسَ فِي صَبْغِهِمَا طِيبٌ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ حَمْلُ غَيْرِ أَرْبَعَةٍ] : أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِنَدْبِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ أَشْهَبُ وَابْنُ حَبِيبٍ، وَفِي الْخَرَشِيِّ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ شَهَرَ قَوْلَ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ بِاسْتِحْبَابِ الْأَرْبَعَةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْأُجْهُورِيِّ، قَالَ (بْن) : وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُمَا؛ فَابْنُ الْحَاجِبِ لَمْ يُشْهِرْ إلَّا مَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَنَصُّهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ حَمْلُ أَرْبَعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

وَالْمُعَيِّنُ مُبْتَدِعٌ؛ أَيْ لِأَنَّهُ عَيَّنَ مَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ. (وَ) جَازَ (خُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ) لِجِنَازَةٍ مُطْلَقًا (كَشَابَّةٍ لَمْ يُخْشَ فِتْنَتُهَا) يَجُوزُ خُرُوجُهَا (فِي) جِنَازَةِ مَنْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُهُ عَلَيْهَا (كَأَبٍ) وَأُمٍّ (وَزَوْجٍ وَابْنٍ) وَبِنْتٍ (وَأَخ) وَأُخْتٍ، وَحَرُمَ عَلَى مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ مُطْلَقًا، وَعُلِمَ مِنْ هَذَا النَّصِّ أَنَّ الزَّوْجَةَ الْمُتَجَالَّةَ وَغَيْرَ مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ لِجِنَازَةِ زَوْجِهَا مَعَ أَنَّهَا بِمَوْتِهِ لَزِمَهَا الْإِحْدَادُ وَعَدَمُ الْخُرُوجِ إلَّا فِيمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْعِدَّةِ؛ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى. (وَ) جَازَ (نَقْلُهُ) : أَيْ الْمَيِّتِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ وَإِنْ مِنْ بَلَدٍ لِآخَرَ قَبْلَ دَفْنِهِ أَوْ بَعْدَهُ (لِمَصْلَحَةٍ) كَأَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَهُ الْبَحْرُ أَوْ السَّبُعُ، وَكَرَجَاءِ بَرَكَتِهِ لِلْمَكَانِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ أَوْ زِيَارَةِ أَهْلِهِ أَوْ لِدَفْنِهِ بَيْنَ أَهْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (إنْ لَمْ تُنْتَهَكْ حُرْمَتُهُ) بِانْفِجَارِهِ أَوْ نَتَانَتِهِ، وَهَلْ مِنْ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ تَكْسِيرُ عِظَامِهِ بَعْدَ يُبْسِهِ فِي قَبْرِهِ أَوْ لَا؟ (وَ) جَازَ (بُكًى) بِالْقَصْرِ (عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَعْدَهُ) وَقَوْلُهُ (بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ) كَالتَّفْسِيرِ لِبُكَى الْمَقْصُورِ، لِأَنَّ مَا كَانَ بِرَفْعِ صَوْتٍ يُسَمَّى بُكَاءً بِالْمَدِّ وَهُوَ لَا يَجُوزُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْمُعَيِّنُ مُبْتَدِعٌ] إلَخْ: أَيْ لِلْبَدْءِ كَأَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ؛ فَأَشْهَبُ يَقُولُ: يُبْدَأُ بِمُقَدِّمِ السَّرِيرِ الْأَيْمَنِ فَيَضَعُهُ الْحَامِلُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ بِمُؤَخِّرَةِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ بِمُؤَخَّرِهِ الْأَيْسَرِ. وَابْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ يُبْدَأُ بِمُقَدَّمِ يَسَارِ السَّرِيرِ، ثُمَّ بِمُؤَخَّرِ يَسَارِهِ، ثُمَّ بِمُؤَخَّرِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ بِمُقَدَّمِ يَمِينِهِ. كَذَا فِي (عب) . قَوْله: (وَحَرُمَ عَلَى مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ مُطْلَقًا) : أَيْ وَإِنْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُهُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ تُنْتَهَكْ حُرْمَتُهُ] : إلَّا لِضَرَرٍ أَعْظَمَ. وَقَوْلُهُ: [وَهَلْ مِنْ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ تَكْسِيرُ عِظَامِهِ] إلَخْ؟ اسْتَظْهَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ أَنَّهُ مِنْ الِانْتِهَاكِ.

(وَ) بِلَا (قَوْلٍ قَبِيحٍ) وَإِلَّا مُنِعَ. (وَ) جَازَ (جَمْعُ أَمْوَاتٍ بِقَبْرٍ) وَاحِدٍ (لِضَرُورَةٍ) ، كَضِيقِ مَكَان أَوْ تَعَذُّرِ حَافِرٍ وَلَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا أَجَانِبَ. (وَ) إذَا دُفِنُوا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (وَلِيَ الْقِبْلَةَ الْأَفْضَلُ) فَالْأَفْضَلُ، وَقُدِّمَ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى وَالْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ (وَفِي الصَّلَاةِ) عَلَيْهِ (يَلِي الْإِمَامَ أَفْضَلُ رَجُلٍ) فَالْأَفْضَلُ (فَالطِّفْلُ الْحُرُّ فَالْعَبْدُ) كَبِيرٌ فَصَغِيرٌ، (فَالْخَصِيُّ) حُرٌّ كَبِيرٌ فَصَغِيرٌ فَعَبْدٌ كَبِيرٌ فَصَغِيرٌ (فَالْمَجْبُوبُ) كَذَلِكَ (فَالْخُنْثَى) كَذَلِكَ (فَالْحُرَّةُ) كَبِيرَةٌ فَصَغِيرَةٌ (فَالْأَمَةُ) كَذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِلَّا مُنِعَ] : حَاصِلُهُ أَنَّ اُلْبُكَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ بِقَيْدَيْنِ: عَدَمُ رَفْعِ الصَّوْتِ، وَعَدَمُ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ، وَأَمَّا مَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَحِلُّ جَوَازِ اُلْبُكَا بِالْقَيْدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ إنْ لَمْ يَجْتَمِعُوا لَهُ، وَإِلَّا كُرِهَ. قَوْلُهُ: [بِقَبْرٍ وَاحِدٍ] : أَيْ وَبِكَفَنٍ وَاحِدٍ، وَالْمَدَارُ عَلَى الضَّرُورَةِ وَكُرِهَ جَمْعُهُمْ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ النَّبْشُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ، لِأَنَّ الْقَبْرَ حَبْسٌ لَا يُمْشَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْبَشُ. وَأَمَّا الْجَمْعُ فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَحَرَامٌ. قَوْلُهُ: [وَلِيَ الْقِبْلَةَ الْأَفْضَلُ] إلَخْ: أَيْ فَالْأَفْضَلُ يُجْعَلُ وَجْهُهُ فِي الْحَائِط الْقِبْلِيِّ، وَالْمَفْضُولُ يُجْعَلُ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَهَكَذَا، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلدَّفْنِ. وَبِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ يُجْعَلُ الْفَاضِلُ يَلِي الْإِمَامَ، وَالْمَفْضُولُ بَعْدَهُ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَهَكَذَا عَكْسُ الْقَبْرِ. فَالْمَرَاتِبُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ عِشْرُونَ حَاصِلُهَا: حُرٌّ كَبِيرٌ، حُرٌّ صَغِيرٌ، عَبْدٌ كَبِيرٌ، عَبْدٌ صَغِيرٌ، خَصِيٌّ حُرٌّ كَبِيرٌ، خَصِيٌّ حُرٌّ صَغِيرٌ، خَصِيٌّ عَبْدٌ كَبِيرٌ، خَصِيٌّ عَبْدٌ صَغِيرٌ، مَجْبُوبٌ حُرٌّ كَبِيرٌ، مَجْبُوبٌ حُرٌّ صَغِيرٌ، مَجْبُوبٌ عَبْدٌ كَبِيرٌ، مَجْبُوبٌ عَبْدٌ صَغِيرٌ، خُنْثَى حُرٌّ كَبِيرٌ، خُنْثَى حُرٌّ صَغِيرٌ، خُنْثَى عَبْدٌ كَبِيرٌ، خُنْثَى عَبْدٌ صَغِيرٌ. حُرَّةٌ كَبِيرَةٌ، حُرَّةٌ صَغِيرَةٌ، أَمَةٌ كَبِيرَةٌ، أَمَةٌ صَغِيرَةٌ. وَجَمْعُ هَؤُلَاءِ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ لِرَجَاءِ الْبَرَكَةِ، وَفِي الْقَبْرِ لِلضَّرُورَةِ. وَبَقِيَتْ صِفَةٌ أُخْرَى فِي جَمْعِهِمْ لِلصَّلَاةِ، وَهِيَ جَعْلُهُمْ صَفًّا وَاحِدًا؛ الْأَفْضَلُ أَمَامَ الْإِمَامِ، ثُمَّ الْمَفْضُولِ عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ الْخَرَشِيُّ وَيُكَمَّلُ الصَّفُّ لِلْيَسَارِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فَاضِلٌ فَعَنْ الْيَمِينِ أَيْضًا، ثُمَّ مَفْضُولٌ فَعَنْ الْيَسَارِ، وَهَكَذَا، وَرَأْسُ الْمَفْضُولِ عِنْدَ

[المكروهات في الجنائز]

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَكْرُوهَاتِ فَقَالَ: (وَكُرِهَ حَلْقُ رَأْسِهِ) إنْ كَانَ ذَكَرًا وَإِلَّا حَرُمَ (وَقَلْمُ ظُفُرِهِ وَضُمَّ مَعَهُ) فِي كَفَنِهِ (إنْ فُعِلَ) بِهِ ذَلِكَ. (وَ) كُرِهَ (قِرَاءَةٌ) لِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ (عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ عَلَى الْقُبُورِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ، وَإِنَّمَا كَانَ شَأْنُهُمْ الدُّعَاءَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالِاتِّعَاظَ (إلَّا لِقَصْدِ تَبَرُّكٍ) بِالْقُرْآنِ (بِلَا عَادَةٍ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ. (وَ) كُرِهَ (انْصِرَافٌ عَنْهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ (بِلَا صَلَاةٍ) عَلَيْهَا وَلَوْ بِإِذْنِ أَهْلِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الطَّعْنِ فِيهَا، (أَوْ) انْصِرَافٌ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ أَهْلِهَا (إنْ لَمْ يُطَوِّلُوا) ، فَإِنْ أَذِنُوا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ طَوَّلُوا وَلَمْ يَأْذَنُوا جَازَ الِانْصِرَافُ. (وَ) كُرِهَ (صِيَاحٌ خَلْفَهَا بِكَاسْتَغْفِرُوا لَهَا) : أَيْ بِ اسْتَغْفِرُوا لَهَا وَنَحْوِهِ. (وَ) كُرِهَ (إدْخَالُهَا الْمَسْجِدَ) وَلَوْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQرِجْلَيْ الْفَاضِلِ، فَالتَّفَاوُتُ بِالْقُرْبِ لِلْإِمَامِ، وَقُدِّمَ أَفْضَلُ كُلِّ صِنْفٍ فِيهِ كَالْأَعْلَمِ، وَالشَّرْعِيِّ وَمَنْ قَوِيَتْ شَائِبَةُ حُرِّيَّتِهِ، وَمَنْ لَا تَخَنُّثَ فِيهِ عَلَى مُتَّضِحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. [الْمَكْرُوهَات فِي الْجَنَائِز] قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ حَلْقُ رَأْسِهِ] : أَيْ وَكَذَا سَائِرُ شَعْرِهِ غَيْرَ مَا يَحْرُمُ حَلْقُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُفْعَلُ بِهِ لَا يَفْعَلُهُ لِنَفْسِهِ بِقَصْدِ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ إرَاحَةَ نَفْسِهِ فَلَا يُكْرَهُ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا حَرُمَ] : أَيْ فِي حَقِّ الْأُنْثَى الْكَبِيرَةِ الَّتِي يَكُونُ الْحَلْقُ فِيهَا مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: [وَضُمَّ مَعَهُ] : أَيْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ لَا يَجِبُ مُوَارَاتُهَا، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَجْزَاءَ حَقِيقَةِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَجُوزُ] : أَيْ وَلِذَا اسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَبَعْضُهُمْ يُسَنُّ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِإِذْنِ أَهْلِهَا] : أَيْ وَلَوْ طَوَّلُوا. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ صِيَاحٌ خَلْفَهَا] : أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ] : أَيْ لِاحْتِمَالِ قَذَرِهِ وَلِلْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.

(وَ) كُرِهَ (الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَتْ هِيَ خَارِجَةً. (وَ) كُرِهَ (تَكْرَارُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ (إنْ أُدِّيَتْ) أَوَّلًا جَمَاعَةً. (وَإِلَّا) تُؤَدَّ جَمَاعَةً بِأَنْ صَلَّى عَلَيْهَا فَذٌّ (أُعِيدَتْ) نَدْبًا (جَمَاعَةً) لَا أَفْذَاذًا، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ تَكْرَهُ الْإِعَادَةُ فِي ثَلَاثٍ، وَتَنْدُبُ فِي وَاحِدَةٍ. (وَ) كُرِهَ (صَلَاةُ فَاضِلٍ عَلَى بِدْعِيٍّ) لَمْ يُكَفَّرْ بِبِدْعَتِهِ، (أَوْ) عَلَى (مُظْهِرٍ كَبِيرَةً) كَشُرْبِ خَمْرٍ أَيْ يَفْعَلُهَا عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ، (أَوْ) عَلَى (مَقْتُولٍ بِحَدٍّ) كَقَاتِلٍ أَوْ زَانٍ مُحْصَنٍ رُجِمَ. (وَ) كُرِهَ (تَكْفِينٌ) لِمَيِّتٍ وَلَوْ أُنْثَى (بِحَرِيرٍ وَخَزٍّ وَنَجِسٍ وَكَأَخْضَرَ وَمُعَصْفَرٍ) أَيْ مَصْبُوغٍ بِخُضْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ إذَا (أَمْكَنَ غَيْرُهُ) وَإِلَّا لَمْ يُكْرَهْ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُوَرَّسُ وَالْمُزَعْفَرُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) كُرِهَ (زِيَادَةُ رَجُلٍ) أَيْ ذَكَرٍ وَلَوْ صَبِيًّا (عَلَى خَمْسَةٍ) مِنْ الْأَكْفَانِ. (وَ) كُرِهَ زِيَادَةُ (امْرَأَةٍ عَلَى سَبْعَةٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الْإِسْرَافِ. (وَ) كُرِهَ (اجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكًى سِرًّا) وَمُنِعَ جَهْرًا كَالْقَوْلِ الْقَبِيحِ مُطْلَقًا. (وَ) كُرِهَ (تَكْبِيرُ نَعْشٍ) لِمَيِّتٍ صَغِيرٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَاهَاتِ وَالنِّفَاقِ. (وَ) كُرِهَ (فَرْشُهُ) أَيْ النَّعْشِ (بِحَرِيرٍ) أَوْ خَزٍّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَتْ هِيَ خَارِجَةً] : أَيْ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِدُخُولِهَا. قَوْلُهُ: [وَتُنْدَبُ فِي وَاحِدَةٍ] : أَيْ وَهِيَ مَا إذَا صُلِّيَتْ فَذًّا وَأُعِيدَتْ جَمَاعَةً وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْفَذُّ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [أَوْ عَلَى مُظْهِرِ كَبِيرَةٍ] : وَمِثْلُهُ مُظْهِرُ الصَّغِيرَةِ الْمُصِرُّ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [رُجِمَ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلَوْ مَاتَ بِهِ. قَوْلُهُ: [وَنَجَسٍ] : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي صَلَاةِ الْمَيِّتِ طَهَارَتُهُ بَلْ طَهَارَةُ الْمُصَلَّى. قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَاهَاةِ وَالنِّفَاقِ] : أَيْ مِنْ مَظِنَّةِ النِّفَاقِ، وَمَظِنَّةِ الْمُبَاهَاةِ وَإِلَّا لَوْ حَصَلَ بِالْفِعْلِ حَرُمَ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ فَرْشُهُ] إلَخْ: مَفْهُومُهُ أَنَّ السَّتْرَ لَا يُكْرَهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ:

(وَ) كُرِهَ (إتْبَاعُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (بِنَارٍ وَإِنْ) كَانَتْ (بِبَخُورٍ) أَيْ مُصَاحِبَةً لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَاؤُمِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. (وَ) كُرِهَ (نِدَاءٌ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ أَيْ صِيَاحٌ (بِمَسْجِدٍ أَوْ بِبَابِهِ) بِأَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ قَدْ مَاتَ فَاسْعَوْا لِجِنَازَتِهِ مَثَلًا (إلَّا الْإِعْلَامَ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ) : أَيْ مِنْ غَيْرِ صِيَاحٍ فَلَا يُكْرَهُ. (وَ) كُرِهَ (قِيَامٌ لَهَا) : أَيْ لِلْجِنَازَةِ إذَا مَرُّوا بِهَا عَلَى جَالِسٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَرَ الْكَفَنُ بِثَوْبٍ سَاجٍ وَنَحْوِهِ، وَيُنْزَعُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالسَّاجُ طَيْلَسَانُ أَخْضَرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مُطْلَقُ طَيْلَسَانَ سَوَاءٌ كَانَ أَحْمَرَ أَوْ أَخْضَرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَرِيرًا. قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَاؤُمِ] : أَيْ وَلِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى وَإِنْ كَانَ فِيهَا طِيبٌ فَكَرَاهَةٌ ثَانِيَةٌ لِلسَّرَفِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُكْرَهُ] : أَيْ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ لِأَنَّ وَسِيلَةَ الْمَطْلُوبِ مَطْلُوبَةٌ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ قِيَامٌ لَهَا] : قَالَ الْخَرَشِيُّ: صَادِقٌ بِثَلَاثِ صُوَرٍ: إحْدَاهَا

عَمَلِ السَّلَفِ. (وَ) كُرِهَ (الصَّلَاةُ عَلَى) مَيِّتٍ (غَائِبٍ) وَلَوْ فِي الْبَلَدِ. وَصَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّجَاشِيِّ وَقَدْ مَاتَ فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ - مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْجَالِسِ تَمُرُّ بِهِ جِنَازَةٌ، فَيَقُومُ لَهَا. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ يَتْبَعُهَا أَنْ يَسْتَمِرَّ قَائِمًا حَتَّى تُوضَعَ. الثَّالِثَةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ سَبَقَ لِلْمَقْبَرَةِ أَنْ يَقُومَ إذَا رَآهَا حَتَّى تُوضَعَ، وَأَمَّا الْقِيَامُ عَلَيْهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَالْقَوْلُ بِنَسْخِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَفَعَلَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ قَلِيلٌ لِأَخِينَا قِيَامُنَا عَلَى قَبْرِهِ: وَأَمَّا الْقِيَامُ لِلْحَيِّ فَقَدْ أَطَالَ الْقَرَافِيُّ فِيهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ لِمَنْ يُحِبُّهُ وَيَعْجَبُ بِهِ، وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ وَيَتَأَذَّى مِنْهُ، وَيَجُوزُ لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَعْجَبُ بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ وَالصِّهْرِ وَالْوَالِدَيْنِ وَلِمَنْ نَزَلَ بِهِ هَمٌّ فَيُعَزَّى أَوْ سُرُورٌ فَيُهَنَّأُ وَلِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ؛ وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى تَرْكِهِ فِتْنَةٌ فَيَجِب. (اهـ.) قَوْلُهُ: عَلَى النَّجَاشِيِّ: بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِكَسْرِهَا وَخِفَّةِ الْجِيمِ، وَأَخْطَأَ مَنْ شَدَّدَهَا، هُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: [مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ] : وَأُجِيبَ بِجَوَابٍ آخَرَ بِأَنَّ الْأَرْضَ رَفَعَتْهُ لَهُ وَعَلِمَ

(وَ) كُرِهَ (تَطْيِينُ قَبْرٍ) أَيْ تَلْبِيسُهُ بِالطِّينِ (أَوْ تَبْيِيضُهُ) بِالْجِيرِ (وَنَقْشُهُ) بِالْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ، (وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَبْرِ نَفْسِهِ (أَوْ تَحْوِيزٌ) عَلَيْهِ وَلَوْ بِلَا قُبَّةٍ إنْ كَانَ (بِأَرْضٍ مُبَاحَةٍ) إمَّا بِمِلْكٍ لِلْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ أَرْضِ مَوَاتٍ (بِلَا مُبَاهَاةٍ) بِمَا ذُكِرَ، (وَإِلَّا) : بِأَنْ كَانَ بِأَرْضٍ غَيْرِ مُبَاحَةٍ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِلْمُبَاهَاةِ بِكَوْنِهِ كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَوْمَ مَوْتِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَخَرَجَ بِهِمْ فَأَمَّهُمْ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُوَارَى فَتَكُونُ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ كَصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى مَيِّتٍ رَآهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا فَلَا تَكُونُ عَلَى غَائِبٍ، وَلَيْسَتْ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ تَطْيِينُ قَبْرٍ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَتَوَقَّفْ مَنْعُ الرَّائِحَةِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَنَقْشُهُ] : وَيَشْتَدُّ النَّهْيُ فِي الْقُرْآنِ وَقَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ قَدِيمًا فِي الْوَصِيَّةِ بِوَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ، هَلْ تَبْطُلُ أَوْ يُرْفَعُ عَنْ الْقَذَرِ؟ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [غَيْرِ مُبَاحَةٍ] : أَيْ كَالْمَوْقُوفَةِ لِلدَّفْنِ مِثْلِ قَرَافَةِ مِصْرَ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ إعْدَادُ قَبْرٍ فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ حَالَ الْحَيَاةِ؟ فِي الْحَطَّابِ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَسَمِعْت شَيْخَنَا يَقُولُ تُرَبُ مِصْرَ كَالْمِلْكِ فَيَجُوزُ إعْدَادُهَا. (اهـ.) . وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْوِيزٌ زَائِدٌ عَلَى الْحَاجَةِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ بِاتِّفَاقٍ دُفِنَ فِيهِ صَاحِبُهُ أَمْ لَا؛ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَمِنْ الضَّلَالِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَغْنِيَاءِ يَبْقُونَ بِقَرَافَةِ مِصْرَ أَسْبِلَةً وَمَدَارِسَ وَمَسَاجِدَ وَيَنْبُشُونَ الْأَمْوَاتَ وَيَجْعَلُونَ مَحَلَّهَا الْأَكْنِفَةَ، وَهَذِهِ الْخُرَافَاتُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ فَعَلُوا الْخَيْرَاتِ، كَلًّا مَا فَعَلُوا إلَّا الْمُهْلِكَاتِ. (اهـ.) وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الشَّعْرَانِيِّ أَنَّ السُّيُوطِيّ أَفْتَى بِعَدَمِ

كَبِيرًا أَوْ أَمِيرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (حَرُمَ) : لِأَنَّهُ مِنْ الْإِعْجَابِ وَالْكِبْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمَا، وَكَذَا إذَا كَانَ الْبِنَاءُ أَوْ التَّحْوِيزُ ذَرِيعَةً لِإِيوَاءِ أَهْلِ الْفَسَادِ فِيهِ فَيَحْرُمُ. (وَ) كُرِهَ (مَشْيٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَبْرِ بِشَرْطَيْنِ (إنْ كَانَ مُسَنَّمًا) أَوْ مُسَطَّبًا، (وَالطَّرِيقُ دُونَهُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، فَإِنْ زَالَ تَسْنِيمُهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ طَرِيقٌ جَازَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ. (وَ) كُرِهَ (تَغْسِيلُ مَنْ فُقِدَ) : أَيْ عُدِمَ (أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهِ) كَنِصْفِهِ فَأَكْثَرَ، وَوُجِدَ نِصْفُهُ فَأَقَلُّ. (وَ) كُرِهَتْ (صَلَاةٌ عَلَيْهِ) لِتَلَازُمِهِمَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQهَدْمُ مَشَاهِدِ الصَّالِحِينَ بِالْقَرَافَةِ قِيَاسًا عَلَى أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَدِّ كُلِّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ الشَّيْخُ وَهِيَ فُسْحَةٌ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنَّ سِيَاقَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ تَغْسِيلُ مَنْ فُقِدَ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ بِذِكْرِ أَضْدَادِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: وُجُودُ كُلِّهِ أَوْ جُلِّهِ. الثَّانِي: أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهُ اسْتِقْرَارُ حَيَاةٍ، الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا وَلَوْ حُكْمًا، الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ شَهِيدَ مُعْتَرَكٍ، فَذَكَرَ مُحْتَرِزَاتِهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [وَوُجِدَ نِصْفُهُ فَأَقَلُّ] : مِثْلُهُ وُجُودُ مَا دُونَ الثُّلُثَيْنِ وَلَوْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. وَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ الثُّلُثَانِ فَأَكْثَرُ، وَيُلْغَى الرَّأْسُ: فَالْعِبْرَةُ بِثُلُثَيْ الْجَسَدِ كَانَ مَعَهُمَا رَأْسٌ أَمْ لَا فَإِنْ وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَلَوْ مَعَهُ الرَّأْسُ كُرِهَ تَغْسِيلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ. قَوْلُهُ: [لِتَلَازُمِهِمَا] : أَيْ فِي أَصْلِ الشُّرُوطِ فَإِنَّ شُرُوطَهُمَا وَاحِدَةٌ؛ وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ. مَتَى تَخَلَّفَ شُرُوطٌ مِنْهَا انْتَفَى الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ مَعًا وَإِذَا وُجِدَتْ وُجِدَا إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَإِلَّا أَتَى بِالْمُسْتَطَاعِ، وَسَقَطَ الْمُتَعَذَّرُ كَمَا تَقَدَّمَ لَنَا فِيمَنْ دُفِنَ بِغَيْرِ غُسْلٍ وَلَا صَلَاةٍ وَتَغَيَّرَ فِي الْقَبْرِ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَكِنْ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عَلَى الْقَبْرِ فَتَأَمَّلْ. إنْ قُلْت: إنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَا دُونَ الْجُلِّ مَكْرُوهَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى غَائِبٍ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ وَاجِبٌ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي مَكْرُوهٍ؟ وَأَجَابَ فِي التَّوْضِيحِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ

[المحرمات في الجنائز]

فَإِنْ وُجِدَ جُلُّهُ فَأَكْثَرُ وَجَبَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ قَوْلَهُ: (كَمَنْ لَمْ يُسْتَهَلَّ صَارِخًا) : يُكْرَهُ غُسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، (وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ بَالَ أَوْ عَطَسَ إنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ حَيَاتُهُ) ، فَإِنْ تَحَقَّقَتْ وَجَبَا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) كُرِهَ (تَحْنِيطُهُ وَتَسْمِيَتُهُ) أَيْ السَّقَطُ. (وَ) كُرِهَ (دَفْنُهُ بِدَارٍ وَلَيْسَ) دَفْنُهُ فِيهَا (عَيْبًا) تُرَدُّ بِهِ إذَا بِيعَتْ، (بِخِلَافِ) دَفْنِ (الْكَبِيرِ) فِيهَا فَإِنَّهُ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ. (وَغَسْلُ دَمِهِ) : أَيْ السَّقَطِ (وَلُفَّ بِخِرْقَةٍ وَوُورِيَ) وُجُوبًا فِيهِمَا وَنَدْبًا فِي الْأَوَّل. (وَحَرُمَا) : أَيْ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ (لِكَافِرٍ وَإِنْ صَغِيرًا ارْتَدَّ) لِأَنَّ رِدَّةَ الصَّغِيرِ مُعْتَبَرَةٌ فَأَوْلَى غَيْرُهُ (أَوْ) كَانَ الْكَافِرُ الصَّغِيرُ عَبْدًا (نَوَى بِهِ مَالِكُهُ الْإِسْلَامَ وَهُوَ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ (كِتَابِيٌّ) : وَهَذَا قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَّا بِشَرْطِ الْحُضُورِ، وَحُضُورُ جُلِّهِ كَحُضُورِ كُلِّهِ وَحُضُورُ الْأَقَلِّ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ. (اهـ) . قَوْلُهُ: [فَإِنْ وُجِدَ جُلُّهُ] : أَيْ وَهُوَ الثُّلُثَانِ كَانَ مَعَهُمَا رَأْسٌ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [كَمَنْ لَمْ يُسْتَهَلّ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي مُحْتَرَزِ الشَّرْطِ الثَّانِي. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَحَقَّقَتْ] : أَيْ بِأَنْ رَضَعَ كَثِيرًا أَوْ وَقَعَتْ مِنْهُ أُمُورٌ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ حَيٍّ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَا فِي الْأَوَّلِ] : أَيْ فَغَسْلُ الدَّمِ مَنْدُوبٌ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ بِخِلَافِ الْمُوَارَاةِ وَاللَّفِّ بِالْخِرْقَةِ، فَكُلُّ وَاجِبٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. [الْمُحَرَّمَات فِي الْجَنَائِز] قَوْلُهُ: [وَحَرُمَا] : شُرُوعٌ فِي مُحْتَرَزِ الشَّرْطِ الثَّالِثِ. قَوْلُهُ: [لِكَافِرٍ] : اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَافِرٌ عِنْدَ الْمَوْتِ، سَوَاءٌ كَانَ كُفْرُهُ سَابِقًا أَوْ طَرَأَ لَهُ الْكُفْرُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. قَوْلُهُ: [ارْتَدَّ] : أَيْ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا حَيْثُ كَانَ مُمَيِّزًا، وَإِلَّا فَلَا تُعْتَبَرُ رِدَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ: [أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ كِتَابِيٌّ] : أَيْ لِأَنَّ صِغَارَ الْكِتَابِيِّينَ لَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَكِبَارَهُمْ لَا يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَالْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ مَنْ يَعْقِلُ دِينَهُ لَا الْبَالِغُ فَقَطْ.

[تغسيل الشهيد المعترك]

وَنَوَى بِهِ مَالِكُهُ الْإِسْلَامَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُكْمًا. وَقَوْلُنَا: " مَالِكُهُ " أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ: " سَابِيهِ ". (وَإِنْ اخْتَلَطُوا) أَيْ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُمَيَّزُوا (غُسِّلُوا) جَمِيعًا لِلضَّرُورَةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ. (وَمُيِّزَ الْمُسْلِمُ) مِنْهُمْ (فِي) حَالِ (الصَّلَاةِ) عَلَيْهِمْ (بِالنِّيَّةِ) بِأَنْ يُنْوَى بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْهُمْ. (كَشَهِيدِ مُعْتَرَكٍ) يَحْرُمُ الْغُسْلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُكْمًا] : أَيْ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَهَلْ الَّذِي يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ يَكُونُ مُسْلِمًا بِمُجَرَّدِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ لَهُ؟ وَهُوَ لِابْنِ دِينَارٍ. أَوْ حَتَّى يَنْوِيَ مَالِكُهُ إسْلَامَهُ؟ وَهُوَ لِابْنِ وَهْبٍ. أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ مِلْكَهُ وَيُزَيِّيَهُ بِزِيِّ الْإِسْلَامِ؟ وَهُوَ لِابْنِ حَبِيبٍ. أَوْ حَتَّى يَغْفُلَ وَيُجِيبَ حِينَ إثْغَارِهِ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ. خَامِسًا حَتَّى يُجِيبَ بَعْدَ احْتِلَامِهِ؟ وَظَاهِرُ كَلَامِ شَارِحِنَا تَرْجِيحُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَجُوسِيِّ، كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا. قَوْلُهُ: [غُسِّلُوا جَمِيعًا] إلَخْ: أَيْ وَمُؤْنَةُ غُسْلِهِمْ وَكَفَنِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ، وَلَا يُقَالُ: الْكَافِرُ لَا حَقَّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ غُسْلُ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِينُهُ وَمُوَارَاتُهُ لَا تَتَأَتَّى إلَّا بِفِعْلِ ذَلِكَ فِي الْكَافِرِ، وَمَا لَا يَتَحَقَّقُ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِ مَالٌ فَإِنَّ مُؤْنَةَ جَمِيعِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ. وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُخْتَلِطُ بِالْكُفَّارِ مُسْلِمًا غَيْرَ شَهِيدٍ، أَمَّا إذَا اخْتَلَطَ الشَّهِيدُ بِالْكُفَّارِ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَيُدْفَنُونَ بِمَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ تَغْلِيبًا لِحَقِّ الْمُسْلِمِ. بَقِيَ مَا لَوْ اخْتَلَطَ مُسْلِمٌ يُغَسَّلُ بِشَهِيدِ مَعْرَكَةٍ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُغَسَّلَ الْجَمِيعُ وَيُكَفَّنُوا مَعَ دَفْنِهِمْ بِثِيَابِهِمْ احْتِيَاطًا فِي الْجَانِبَيْنِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَيُمَيَّزُ غَيْرُ الشَّهِيدِ بِالنِّيَّةِ. [تَغْسِيل الشَّهِيد الْمُعْتَرَك] قَوْلُهُ: [وَكَشَهِيدِ مُعْتَرَكٍ] : شُرُوعٌ فِي مُحْتَرَزِ الشَّرْطِ الرَّابِعِ، ثُمَّ إنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَقْتُولَ الْحَرْبِيِّ بِغَيْرِ مَعْرَكَةٍ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمُقْتَضَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: لَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ كَافِرٍ حَرْبِيٍّ بِغَيْرِ مَعْرَكَةٍ لِكَوْنِهِ لَهُ حُكْمُ مَنْ قُتِلَ بِهِ وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَتَبِعَهُ سَحْنُونَ وَأَصْبَغُ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ

وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ (لِحَيَاتِهِ وَلَوْ) كَانَ شَهِيدًا (بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ) كَأَنْ يُصِيبُهُ السَّهْمُ وَهُوَ نَائِمٌ، (أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ خَطَأً) يَظُنُّهُ كَافِرًا أَوْ قَصَدَ كَافِرًا فَأَصَابَهُ، وَكَذَا إذَا رَجَعَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ أَوْ سَهْمُهُ أَوْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ حَالَ الْقِتَالِ، (أَوْ رُفِعَ) عَطْفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ وَلَوْ رُفِعَ حَيًّا (مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ) ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ اتَّفَقَ سَنَةَ 1052 اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَأَلْفٍ أَنَّ أَسْرَى نَصَارَى بِأَيْدِي مُسْلِمِينَ أَغَارُوا بِإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَقْتَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُسْلِمُونَ فِي صَلَاتِهَا فَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْتَى الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ بِعَدَمِ غُسْلِهِمْ وَعَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لِحَيَاتِهِ] : عِلَّةٌ لِحُرْمَةِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَقِيلَ كَمَالُهُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ كَامِلُونَ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَعَ أَنَّ غُسْلَهُمْ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ مَطْلُوبَانِ. أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ مَزِيَّةٌ، وَالْمَزِيَّةُ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ. قَوْلُهُ: [أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ] : فِي الْحَطَّابِ أَنَّ هَذَا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ مَنْ دَاسَتْهُ الْخَيْلُ وَاعْتَمَدَهُ (بْن) . قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ] : أَيْ لَوْ كَانَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ جُنُبًا قَالَهُ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ] : أَيْ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٍ.

[يحرم نبش القبر ما دام الميت به]

(كَالْمَغْمُورِ) فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ اتِّفَاقًا إذَا اسْتَمَرَّ فِي غَمْرَتِهِ لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى مَاتَ. (وَدُفِنَ) وُجُوبًا (بِثِيَابِهِ الْمُبَاحَةِ) لَا الْمُحَرَّمَةِ كَالْحَرِيرِ (إنْ سَتَرَتْهُ) جَمِيعَهُ، (وَإِلَّا) تَسْتُرْهُ (زِيدَ) عَلَيْهَا قَدْرُ مَا يَسْتُرُ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْتُورًا مِنْ وَجْهٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ وُجِدَ عُرْيَانًا سُتِرَ جَمِيعُ جَسَدِهِ (بِخُفٍّ) أَيْ مَعَ خُفٍّ (وَقَلَنْسُوَةٍ) هِيَ مَا يَلُفُّ عَلَيْهَا الْعِمَامَةَ (وَمِنْطَقَةٍ) قَلَّ ثَمَنُهَا لَا إنْ كَثُرَ (وَخَاتَمٍ) مُبَاحٍ (قَلَّ فَصُّهُ) أَيْ قِيمَةُ فَصِّهِ (لَا) يُدْفَنُ بِآلَةِ حَرْبٍ مِنْ (دِرْعٍ وَسِلَاحٍ) لِأَنَّهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ. (وَالْقَبْرُ حَبْسٌ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يُنْبَشُ) : أَيْ يَحْرُمُ نَبْشُهُ (مَا دَامَ) الْمَيِّتُ (بِهِ) : أَيْ فِيهِ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) شَرْعِيَّةٍ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، أَوْ دُفِنَ آخَرُ مَعَهُ عِنْدَ الضِّيقِ أَوْ كَانَ الْقَبْرُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَأَرَادَ إخْرَاجَهُ مِنْهُ أَوْ كُفِّنَ بِمَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ وَأَرَادَ رَبُّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحَاصِلُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا رُفِعَ حَيًّا فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَلَوْ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْمُورًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ، وَلَكِنَّ شَارِحَنَا اعْتَمَدَ طَرِيقَةَ سَحْنُونَ مِنْ أَنَّهُ مَتَى رُفِعَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ أَوْ مَغْمُورًا فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَهُمَا طَرِيقَتَانِ وَاعْتَمَدَ (بْن) مَا قَالَهُ خَلِيلٌ مُحْتَجًّا بِتَغْسِيلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّهُ رُفِعَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ، وَفِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ نَظَرٌ لِأَهْلِ النَّظَرِ. قَوْلُهُ. [وَدُفِنَ وُجُوبًا] : أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَمِّلُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . قَوْلُهُ: [لَا الْمُحَرَّمَةِ كَالْحَرِيرِ] : أَيْ فَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ دَفْنِهِ بِهَا. قَوْلُهُ: [مِنْ وَجْهٍ أَوْ رِجْلٍ] : بَيَانٌ لِ [مَا] . [يَحْرُمُ نَبْشُ الْقَبْر مَا دَامَ الْمَيِّتُ بِهِ] قَوْلُهُ: [وَأَرَادَ إخْرَاجَهُ مِنْهُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِلْمَالِكِ إخْرَاجُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ طَالَ الزَّمَانُ أَمْ لَا، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَهُ إخْرَاجُهُ إنْ كَانَ بِالْفَوْرِ، وَأَمَّا مَعَ الطُّولِ فَلَا، وَجُبِرَ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ فَلَهُ إخْرَاجُهُ، وَإِنْ طَالَ فَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِظَاهِرِ الْأَرْضِ وَلَا يُخْرِجُهُ، اُنْظُرْ (بْن) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْقَبْرُ فِي حَبْسٍ عَلَى

أَخْذَهُ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ، أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ مِنْ حُلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَفْهُومُ " مَا دَامَ " أَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّ الْأَرْضَ أَكَلَتْهُ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ عِظَامِهِ فَإِنَّهُ يُنْبَشُ؛ لَكِنْ لِلدَّفْنِ أَوْ اتِّخَاذِ مَحَلِّهَا مَسْجِدًا لَا لِلزَّرْعِ وَالْبِنَاءِ. (وَأَقَلُّهُ) : أَيْ الْقَبْرِ (مَا مَنَعَ رَائِحَتَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (وَحَرَسَهُ) مِنْ السِّبَاعِ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَنُدِبَ عَدَمُ عُمْقِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعُمُومِ النَّاسِ وَدُفِنَ فِيهِ شَخْصٌ غَيْرُ بَانِيه فَلَيْسَ لِلْبَانِي إلَّا قِيمَةُ الْحَفْرِ وَالْبُنْيَانِ وَلَا يُخْرَجُ مِنْهُ الْمَيِّتُ أَصْلًا. قَوْلُهُ: [قَبْلَ تَغَيُّرِهِ] : أَيْ وَأَمَّا بَعْدَ التَّغَيُّرِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَتُهُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ يُبْدَأُ بِهَا. قَوْلُهُ: [أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ] : وَتُشَقُّ بَطْنُهُ أَيْضًا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ ابْتَلَعَ مَالًا نِصَابَ زَكَاةٍ وَلَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى هُنَا يَمِينُ اسْتِظْهَارٍ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِالذِّمَّةِ فَيُلْغَزُ بِهَا دَعْوَى عَلَى مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهَا يَمِينُ اسْتِظْهَارٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَطْنِهِ الْمَالُ عُزِّرَ الْمُدَّعِي وَالشَّاهِدُ، وَلَا يُشَقُّ بَطْنُ الْمَرْأَةِ عَنْ جَنِينٍ وَلَوْ رُجِيَ حَيَاتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّ سَلَامَتَهُ مَشْكُوكَةٌ فَلَا تُنْتَهَكُ حُرْمَتُهَا لَهُ، وَلَكِنْ لَا تُدْفَنُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ وَلَوْ تَغَيَّرَتْ. وَأَمَّا جَنِينُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ يُبْقَرُ عَنْهُ إذَا رُجِيَ حَيَاتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَهُنَاكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَقُولُ: بِالْبَقْرِ فِي جَنِينِ الْآدَمِيِّ أَيْضًا. وَعَلَيْهِ: يُشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ خَاصِرَتِهَا الْيُسْرَى إنْ كَانَ الْحَمْلُ أُنْثَى، وَمِنْ الْيُمْنَى إنْ كَانَ الْحَمْلُ ذَكَرًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ بِحِيلَةٍ غَيْرِ الشَّقِّ وَجَبَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ، وَشَرْطُ وُجُودِهَا الْحَيَاةُ إلَّا لِخَرْقِ الْعَادَةِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [لَكِنْ لِلدَّفْنِ] إلَخْ: قَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَقْفٌ عَلَيْهِ مَا دَامَ شَيْءٌ مَوْجُودًا فِيهِ حَتَّى يَفْنَى فَإِنْ فَنِيَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ دَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ عِظَامِهِ فَالْحُرْمَةُ بَاقِيَةٌ لِجَمِيعِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أَحْجَارِ الْمَقَابِرِ الْعَافِيَةِ لِبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ أَوْ دَارٍ، وَلَا حَرْثِهَا لِلزِّرَاعَةِ، لَكِنْ لَوْ حُرِثَتْ جُعِلَ كِرَاؤُهَا فِي مُؤَنِ دَفْنِ الْفُقَرَاءِ.

(وَرَمْيُ مَيِّتِ الْبَحْرِ) بَعْدَ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ (بِهِ) أَيْ فِيهِ (إنْ لَمْ يُرْجَ الْبَرُّ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ) ، وَإِلَّا وَجَبَ تَأْخِيرُهُ لِلْبَرِّ. (وَحَرُمَ نِيَاحَةٌ) : عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ نِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ (وَلَطْمٌ) عَلَى وَجْهٍ وَصَدْرٍ (وَشَقُّ جَيْبٍ وَقَوْلُ قَبِيحٍ) نَحْوِ وَا مُصِيبَتَاهْ وَا وَلَدَاهْ (وَتَسْخِيمُ وَجْهٍ أَوْ ثَوْبٍ) بِطِينٍ أَوْ نِيلَةٍ. (وَ) حَرُمَ (حَلْقٌ) لِشَعْرِ رَأْسٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ عَدَمِ الرِّضَاءِ بِالْقَضَاءِ وَالصَّبْرِ لِحُكْمِ اللَّهِ الْمَالِكِ لِكُلِّ شَيْءٍ. (وَلَا يُعَذَّبُ) الْمَيِّتُ بِبُكَائِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ إذَا (لَمْ يُوصِ) الْمَيِّتُ (بِهِ) ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَرُمِيَ مَيِّتُ الْبَحْرِ] إلَخْ: وَلَا يُثْقَلُ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ لِرَجَاءِ أَنْ يَأْتِيَ إلَى الْبَرِّ فَيَدْفِنَهُ أَحَدٌ. قَوْلُهُ: [وَلَطْمٌ] إلَخْ: لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَخَرَقَ وَذَلَقَ

[الصدقة على الميت]

وَإِلَّا عُذِّبَ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِحَرَامٍ. (وَ) الْمَيِّتُ (يَنْفَعُهُ صَدَقَةٌ) عَلَيْهِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ، (وَدُعَاءٌ) لَهُ بِنَحْوِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ كَأَنْ تَهَبَ لَهُ ثَوَابَ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ كَالْفَاتِحَةِ، وَقِيلَ يَنْتَفِعُ بِثَوَابِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى أَحْكَامِ الصَّلَاةِ انْتَقَلَ لِيَتَكَلَّمَ عَلَى أَحْكَامِ الزَّكَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَسَلَقَ» . الْأَوَّلُ: حَلْقُ الشَّعْرِ. وَالثَّانِي: خَرْقُ الثَّوْبِ وَالثَّالِثُ: ضَرْبُ الْحُدُودِ. وَالرَّابِعُ: الصِّيَاحُ فِي الْبُكَاءِ وَقُبْحُ الْقَوْلِ. قَالَ زَرُّوقٌ عَنْ الْقُورِيِّ: ووه مَعْنَاهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: لَا أَرْضَى يَا رَبِّ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مِنْ الزَّغْرُوتَةِ عِنْدَ حَمْلِ جِنَازَةِ صَالِحٍ أَوْ عِنْدَ فَرَحٍ، فَإِنَّهُ مِنْ مَعْنَى رَفْعِ الصَّوْتِ وَإِنَّهُ بِدْعَةٌ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهَا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ أَوْصَى بِحَرَامٍ] : وَمِثْلُ وَصِيَّتِهِ عِلْمُهُ بِهِ وَرِضَاهُ. [الصَّدَقَة عَلَى الْمَيِّت] قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَنْتَفِعُ] إلَخْ: وَأَيَّدَهُ (بْن) بِقَوْلِهِ إنَّ الْقِرَاءَةَ تَصِلُ لِلْمَيِّتِ وَإِنَّهَا عِنْدَ الْقَبْرِ أَحْسَنُ مَزِيَّةً، وَإِنَّ الْعِزَّ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ رُئِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَا كُنْت تُنْكِرُ مِنْ وُصُولِ مَا يُهْدَى مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمَوْتَى؟ فَقَالَ: هَيْهَاتَ، فَقَدْ وَجَدْت الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا كُنْت أَظُنُّ. قَوْلُهُ: [وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى أَحْكَامِ الصَّلَاةِ] : قَدَّمَهَا لِأَنَّهَا أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ، وَأَوْصَلَ بِهَا الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقَعَا فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا هَكَذَا.

[باب الزكاة]

بَابُ الزَّكَاةِ هِيَ لُغَةً: النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ، وَشَرْعًا: إخْرَاجُ مَالٍ مَخْصُوصٍ مِنْ مَالٍ مَخْصُوصٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ الزَّكَاةِ] [تَعْرِيف الزَّكَاةِ] بَابٌ: قَوْلُهُ: [النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ] : يُقَالُ زَكَا الزَّرْعُ إذَا نَمَا وَطَابَ وَحَسُنَ، وَيُقَالُ فُلَانٌ زَاكٍ أَيْ كَثِيرُ الْخَيْرِ، وَسُمِّيَتْ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ الْمَالَ حِسًّا لِنُمُوِّهِ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا فِي حَدِيثِ: «مَا تَصَدَّقَ عَبْدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ، إلَّا كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَةُ حَتَّى تَكُونَ كَالْجَبَلِ» . وَأَيْضًا تَعُود عَلَى الْمَالِ بِالْبَرَكَةِ وَالتَّنْمِيَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَرْبَاحِ، وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا يَزْكُو بِأَدَائِهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] . قَوْلُهُ: [وَإِخْرَاجُ مَالٍ] إلَخْ: تَعْرِيفٌ لَهَا بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَأَمَّا الِاسْمِيُّ فَيُقَالُ فِيهِ: مَالٌ مَخْصُوصٌ مُخْرَجٌ مِنْ مَالٍ مَخْصُوصٍ إلَخْ، وَالْمَالُ الْمَخْصُوصُ الْمُخْرَجُ هُوَ الشَّاةُ مِنْ الْأَرْبَعِينَ مَثَلًا، أَوْ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَوْ رُبْعُهُ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [مِنْ مَالٍ مَخْصُوصٍ] : هُوَ النَّعَمُ وَالْحَرْثُ وَالنَّقْدَانِ. وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ وَالْمَعَادِنِ.

[حكم الزكاة وشروط وجوبها]

بَلَغَ نِصَابًا لِمُسْتَحِقِّهِ إِن تَمَّ الْمِلْكُ وَحَوْلٌ غَيْرِ مَعْدِنٍ وَحَرْثٍ. فَقَالَ: (الزَّكَاةُ) الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ (فَرْضُ عَيْنٍ) . (عَلَى الْحُرِّ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَلَا تَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ لِعَدَمِ تَمَامِ مِلْكِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بَلَغَ نِصَابًا] : هُوَ فِي اللُّغَةِ الْأَصْلُ، وَشَرْعًا: الْقَدْرُ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ الْمَالُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ، وَسَمِّي نِصَابًا أَخْذًا لَهُ مِنْ النُّصُبِ؛ لِأَنَّهُ كَعَلَامَةٍ نُصِبَتْ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ. وَقَوْلُهُ: [لِمُسْتَحِقِّهِ] : مُتَعَلِّقٌ بِإِخْرَاجٍ وَالْمُسْتَحَقُّونَ هُمْ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. قَوْلُهُ: [إنْ تَمَّ الْمِلْكُ وَحَوْلٌ] إلَخْ: اُخْتُلِفَ فِي الْمِلْكِ التَّامِّ، قِيلَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لَا شَرْطٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَمِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ السَّبَبِ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ شَرْطٌ نَظَرًا إلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْوُجُوبِ وَلَا عَدَمِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى شُرُوطٍ أُخَرَ، كَالْحَوْلِ وَالْحُرِّيَّةِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ كَالدَّيْنِ. وَأَمَّا الْحَوْلُ فَهُوَ شَرْطٌ بِلَا خِلَافٍ لِصِدْقِ تَعْرِيفِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ وُجُوبِهَا وَلَا عَدَمُهُ لِتَوَقُّفِ وُجُوبِهَا عَلَى مَالِ النِّصَابِ وَفَقْدِ الْمَانِعِ كَالدَّيْنِ. قَوْلُهُ: [غَيْرُ مَعْدِنٍ وَحَرْثٍ] : أَيْ وَأَمَّا هُمَا فَلَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَى الْحَوْلِ، بَلْ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْدِنِ بِالْخُرُوجِ أَوْ بِالتَّصْفِيَةِ وَفِي الْحَرْثِ بِالطَّيِّبِ وَسَيَأْتِي. [حُكْم الزَّكَاةِ وَشُرُوط وُجُوبهَا] قَوْلُهُ: [فَلَا تَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُ مَالِهِ كَالْمُكَاتَبِ. وَكَمَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ فِي مَالِهِ لَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إخْرَاجُهَا عَنْ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ لَا يُعَدُّ مَالِكًا. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُنْتَزَعَ الْمَالُ مِنْهُ، فِيمَنْ يَجُوزُ لَهُ انْتِزَاعُهُ وَيَمْكُثُ عِنْدَهُ حَوْلًا. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَفِي الشَّاذِلِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: عِنْدِي أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يُزَكِّيه السَّيِّدُ أَوْ الْعَبْدُ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَحَدِهِمَا قَطْعًا، فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. إنْ قُلْت: قَوْله تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75] : يَقْتَضِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ كَمَا يَقُولُ غَيْرُنَا، فَكَيْفَ نَقُولُ إنَّهُ يَمْلِكُ لَكِنَّ مِلْكًا غَيْرُ تَامٍّ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الصِّفَةَ مُخَصَّصَةٌ

(الْمَالِكِ لِلنِّصَابِ) فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَالِكٍ كَغَاصِبٍ وَمُودِعٍ، حَالَ كَوْنِ النِّصَابِ (مِنْ) أَجْزَاءِ أَنْوَاعٍ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَمْوَالِ: (النَّعَمِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْأَنْعَامِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. (وَالْحَرْثِ) : الْحُبُوبِ وَذَوَاتِ الزُّيُوتِ الْأَرْبَعِ. وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا. (وَالْعَيْنِ) : الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْأَصْلِ لَا كَاشِفَةَ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قِيلَ لَا يَلْزَمُ مِنْ ضَرْبِ الْمِثْلِ بِعَبْدٍ لَا يَمْلِكُ أَنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُ. (اهـ.) قَوْلُهُ: [كَغَاصِبٍ] : مِنْ ذَلِكَ الظُّلْمَةِ الْمُسْتَغْرِقُونَ لِلذِّمَمِ؛ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ زَكَاةٌ حَيْثُ كَانَ جَمِيعُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. قَوْلُ: [النَّعَمُ] : إمَّا مِنْ التَّنَعُّمِ: لِكَوْنِهَا: يُتَنَعَّمُ بِهَا، أَوْ مِنْ لَفْظِ نَعَمْ: لِأَنَّ بِهَا السُّرُورَ كَمَا يُسَرُّ السَّائِلُ بِقَوْلِ الْمُجِيبِ: نَعَمْ. وَالنَّعَمُ اسْمُ جَمْعٍ لَا اسْمُ جِنْسٍ لِأَنَّهُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ. وَاسْمُ الْجِنْسِ هُوَ الَّذِي: فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ غَالِبًا. قَوْلُهُ: [وَالْحَرْثُ] : سُمِّي حَرْثًا لِأَنَّهُ تُحْرَثُ الْأَرْضُ لِأَجْلِهِ غَالِبًا.

فَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ كَخَيْلٍ وَحَمِيرٍ وَبِغَالٍ وَعَبِيدٍ، وَلَا فِي فَوَاكِهَ كَتِينٍ وَرُمَّانٍ، وَلَا فِي مَعَادِنَ غَيْرِ عَيْنٍ كَمَا لَا تَجِبُ عَلَى مَالِكِ دُونَ النِّصَابِ مِنْهَا. وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْحُرِّ فِي الْمَالِ الْمَذْكُورِ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ. وَالْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ وَلِيُّهُ فَلَيْسَ التَّكْلِيفُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ كَغَيْرِهَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ؛ فَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ عِنْدَهُ. وَتَجِبُ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى الْحُرِّ مُطْلَقًا فِي مَالِهِ. وَالْخِطَابُ بِهَا فِيهِ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ: أَيْ مُتَعَلِّقٌ بِجَعْلِ الْمَالِ الْمَذْكُورِ - إذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُ - سَبَبًا فِي وُجُوبِ زَكَاتِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ] : أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ عُرُوضًا لِلتِّجَارَةِ فَتُزَكَّى زَكَاةَ إدَارَةٍ أَوْ احْتِكَارٍ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ] : أَيْ لَتَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ وَضْعًا كَمَا سَيَقُولُ. قَوْلُهُ: [وَالْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ وَلِيُّهُ] : أَيْ وَلَّى مَنْ ذَكَرَ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونِ؛ فَإِنْ خَشِيَ غُرْمًا رَفَعَ لِلْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ لِيَحْكُمَ لَهُ: بِلُزُومِ الزَّكَاةِ لَهُمَا: فَلَا يَنْفَعُ الْمَجْنُونَ وَالصَّبِيَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ رَفْعُ الْخِلَافَ. قَوْلُهُ: [مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ] : وَتَعْرِيفُهُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: جَعْلُ الشَّيْءِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ مَانِعًا أَوْ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا.

فَشُرُوطُ وُجُوبِهَا أَرْبَعَةٌ: اثْنَانِ عَامَّانِ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَهُمَا: الْحُرِّيَّةُ وَمِلْكُ النِّصَابِ. وَاثْنَانِ خَاصَّانِ بِبَعْضِهَا أَوَّلُهُمَا: تَمَامُ الْحَوْلِ؛ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالْمَاشِيَةِ وَبِالْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إنْ تَمَّ الْحَوْلُ فِي غَيْرِ الْحَرْثِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ) وَغَيْرِهِمَا: هُوَ الْمَاشِيَةُ وَالْعَيْنُ. وَأَمَّا الْحَرْثُ فَتَجِبُ فِيهِ بِطَيِّبِهِ كَمَا سَيَأْتِي؛ وَتَجِبُ فِي الْمَعْدِنِ بِإِخْرَاجِهِ، وَفِي الرِّكَازِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَثَانِيهِمَا: مَجِيءُ السَّاعِي؛ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالْمَاشِيَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَ) إنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ] : أَيْ النَّعَمِ وَالْحَرْثِ وَالْعَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَمِلْكُ النِّصَابِ] : تَقَدَّمَ فِيهِ خِلَافٌ هَلْ هُوَ سَبَبٌ أَوْ شَرْطٌ. قَوْلُهُ: [بِطَيِّبِهِ] : وَالطَّيِّبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. قَوْلُهُ: [بِإِخْرَاجِهِ] : هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ. وَقِيلَ بِالتَّصْفِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَفِي الرِّكَازِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ] : وَهُوَ مَا إذَا احْتَاجَ إلَى كَبِيرِ عَمَلٍ وَنَفَقَةٍ وَإِلَّا فَفِيهِ الْخُمُسُ كَمَا سَيَأْتِي.

(وَصَلَ السَّاعِي) إلَى مَحَلِّ الْمَاشِيَةِ (إنْ كَانَ) ثَمَّ سَاعٍ - (فِي النَّعَمِ) لَا فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ فَتَجِبُ بِتَمَامِ الْحَوْلِ. كَمَا تَجِبُ بِتَمَامِهِ فِي الْعَيْنِ وَبِالطَّيِّبِ فِي الْحَرْثِ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ سَاعٍ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَسْأَلَةِ السَّاعِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَ) إنْ (تَمَّ النِّصَابُ) فِي النَّعَمِ. وَهَذَا الشَّرْطُ مُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ: " الْمَالِكِ لِلنِّصَابِ " - فَلَيْسَ ذِكْرُهُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ - وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَإِنْ بِنِتَاجٍ) : كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ النُّوقِ أَوْ مِنْ الْبَقَرِ أَوْ مِنْ الْغَنَمِ دُونَ النِّصَابِ فَنَتَجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ أَوْ عِنْدَ مَجِيءِ السَّاعِي وَمَا يُكْمِلُ النِّصَابَ فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ؛ (أَوْ) كَانَ بِسَبَبِ (إبْدَالٍ مِنْ نَوْعِهَا) : كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْله: [إنْ كَانَ ثَمَّ سَاعٍ] : أَيْ وَأَمْكَنَ بُلُوغُهُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ] : أَيْ أَوْ كَانَ وَتَعَذَّرَ بُلُوغُهُ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِنِتَاجٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ كَمَالُ النِّصَابِ بِنَفْسِهِ، بَلْ وَإِنْ كَانَ بِنِتَاجٍ بَلْ وَإِنْ صَارَ كُلُّهُ نِتَاجًا خِلَافًا لِدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ الْقَائِلِ: إنَّ النِّتَاجَ لَا يُزَكَّى. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي النِّتَاجِ الْأَخْذُ مِنْهُ، بَلْ يُكَلِّفُ رَبُّهَا شِرَاءَ مَا يُجْزِئُ. وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي النِّتَاجِ وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ صِنْفِ الْأَصْلِ؛ كَمَا لَوْ نَتَجَتْ الْإِبِلُ أَوْ الْبَقَرُ غَنَمًا، وَتُزَكَّى عَلَى حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ زَكَاةُ نَوْعِهَا إنْ كَانَ فِيهَا نِصَابٌ. فَإِذَا مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا زَكَّى النِّتَاجَ عَلَى حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ حَيْثُ كَانَ فِيهِ نِصَابٌ، وَكَذَا إذَا مَاتَ بَعْضُ الْأُمَّهَاتِ وَكَانَ فِي الْبَاقِي مِنْهَا مَعَ النِّتَاجِ نِصَابٌ، زَكَّى الْجَمِيعُ لِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ بِسَبَبِ إبْدَالٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ أَبْدَلَ مَاشِيَةَ بِنِصَابٍ مِنْ نَوْعِهَا، فَإِنَّهُ: يَبْنِي عَلَى حَوْلِ الْمُبْدَلَةِ كَانَتْ الْمُبْدَلَةُ؛ نِصَابًا أَوْ دُونَ نِصَابٍ. كَانَتْ

فَأَبْدَلَهَا بِخَمْسٍ مِنْهَا وَلَوْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ أَقَلَّ، أَوْ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ مِنْ الْغَنَمِ فَأَبْدَلَهَا بِأَرْبَعِينَ مِنْهَا، فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ لِحَوْلٍ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ الْأَصْلَ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْدَلَهَا بِغَيْرِ نَوْعِهَا فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهَا الْحَوْلَ. (أَوْ) كَانَتْ (عَامِلَةً) فِي حَرْثٍ أَوْ حَمْلٍ فَتَجِبُ فِيهَا. (أَوْ) كَانَتْ (مَعْلُوفَةً) وَلَوْ فِي جَمِيعِ الْعَامِ فَتَجِبُ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ سَائِمَةً؛ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلتِّجَارَةِ أَوْ لِلْقِنْيَةِ. كَانَ الْإِبْدَالُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ اضْطِرَارِيًّا. فَهَذِهِ ثَمَانِي صُوَرٍ، فَتَمْثِيلُ الشَّارِحِ بِدُونِ النِّصَابِ مَفْهُومُهُ أَحْرَوِيٌّ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْدَلَهَا] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ وَأَبْدَلَهَا بِغَيْرِ نَوْعِهَا مِنْ الْمَوَاشِي - كَمَنْ أَبْدَلَ بَقَرًا بِغَنَمٍ - فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ مُطْلَقًا؛ كَانَتْ الْمُبْدَلَةُ نِصَابًا أَوْ دُونَ نِصَابٍ، كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِلْقِنْيَةِ كَانَ الْبَدَلُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ اضْطِرَارِيًّا. فَهَذِهِ ثَمَانِي صُوَرٍ أَيْضًا. يَسْتَقْبِلُ فِيهَا، مَا لَمْ يَقْصِدْ الْفِرَارَ وَكَانَ الْمُبْدَلُ نِصَابًا كَمَا يَأْتِي، بَقِيَ مَا لَوْ أَبْدَلَهَا بِنِصَابِ عَيْنٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ بَنَى عَلَى حَوْلِ أَصْلِهَا، كَانَتْ الْمُبْدَلَةُ نِصَابًا أَوْ دُونَ نِصَابٍ. كَانَ الْبَدَلُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ اضْطِرَارِيًّا. فَهَذِهِ أَرْبَعُ. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِلْقِنْيَةِ وَكَانَتْ نِصَابًا فَكَذَلِكَ: أَيْ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ أَصْلِهَا كَانَ الْبَدَلُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ اضْطِرَارِيًّا فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ دُونَ نِصَابٍ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِالثَّمَنِ مُطْلَقًا. كَانَ الْبَدَلُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ اضْطِرَارِيًّا. فَهَاتَانِ صُورَتَانِ أَيْضًا. فَجُمْلَةٌ. الصُّوَرِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ. وَكَذَلِكَ مَا لَوْ أَبْدَلَ نِصَابَ عَيْنٍ بِمَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِالْمَاشِيَةِ مُطْلَقًا هَذَا حَاصِلُ مَا قَرَّرَ بِهِ الشُّرَّاحُ قَوْلَ خَلِيلٍ، وَكَمُبْدَلٍ مَاشِيَةِ تِجَارَةٍ وَإِنْ دُونَ نِصَابٍ بِعَيْنٍ أَوْ نَوْعِهَا وَإِنْ لِاسْتِهْلَاكِ؛ كَنِصَابِ قِنْيَةٍ لَا بِمُخَالِفِهَا أَوْ عَيْنًا بِمَاشِيَةٍ. قَدَّمَ هَذَا الْمَبْحَثُ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَقَدْ أَفَدْنَاك إيَّاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ عَامِلَةً] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَتْ مُهْمَلَةً، بَلْ وَإِنْ كَانَتْ عَامِلَةً فَتَجِبُ فِيهَا الذَّكَاةُ. خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً] : أَيْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا. وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّائِمَةِ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى مَوَاشِي الْعَرَبِ؛ فَهُوَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا مَفْهُومَ لَهُ.

(لَا) إنْ كَانَتْ (مُتَوَلِّدَةً مِنْهَا) : أَيْ مِنْ النَّعَمِ، (وَمِنْ وَحْشٍ) : كَمَا لَوْ ضَرَبَتْ فَحَوْلُ الظِّبَاءِ إنَاثُ الْغَنَمِ أَوْ عَكْسُهُ مُبَاشَرَةً بِوَاسِطَةٍ فَلَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ. (وَضُمَّتْ الْفَائِدَةُ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ النَّعَمِ. وَالْمُرَادُ بِالْفَائِدَةِ هُنَا: مَا تَجَدَّدَ مِنْ النَّعَمِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ (وَإِنْ بِشِرَاءٍ) لَا خُصُوصَ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهَا مَا تَجَدَّدَتْ لَا عَنْ مَالٍ أَوْ عَنْ مَالٍ مُقْتَنًى (لَهُ) أَيْ لِلنِّصَابِ؛ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ النَّعَمِ كَخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ فَأَكْثَرَ. فَاسْتَفَادَ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ اسْتِحْقَاقٍ فِي وَقْفٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ بِشِرَاءِ قَدْرِ نِصَابٍ آخَرَ أَوْ مَا يُكْمِلُ نِصَابًا آخَرَ، فَإِنَّهُ يُضَمُّ لِلْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَيُزَكِّيهِ مَعَهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ شَاتَانِ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مَثَلًا، أَوْ تَبِيعَانِ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَيْهِ تَبِيعٌ أَوْ حِقَّةٌ مَثَلًا. (وَإِنْ) مَلَكَهَا (قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ) فَأَوْلَى أَكْثَرُ وَلَا يَسْتَقْبِلُ بِالْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ حَوْلًا بِخِلَافِ الْفَائِدَةِ فِي الْعَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِل بِهَا كَمَا يَأْتِي وَ (لَا) تُضَمُّ الْفَائِدَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ بِوَاسِطَةٍ] : كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ وَ (عب) وَ (المج) . قَالَ (بْن) : وَفِيهِ نَظَرٍ. بَلْ ظَاهِرُ النَّقْلِ خِلَافُهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوَّاقَ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَوَلِّدِ مِنْهَا وَمِنْ الْوَحْشِ مُبَاشَرَةً، وَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ النِّتَاجَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِيهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَاسْتَظْهَرَ ذَلِكَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْله: [وَضُمَّتْ الْفَائِدَةُ مِنْهَا] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ نِصَابًا أَوْ أَقَلَّ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ وَكَانَتْ نِصَابًا، ثُمَّ اسْتَفَادَ مَاشِيَةً أُخْرَى مِنْ نَوْعِهَا بِشِرَاءٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ هِبَةٍ، نِصَابًا أَوْ لَا، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ تُضَمُّ لِلْأُولَى وَتُزَكَّى عَلَى حَوْلِهَا سَوَاءٌ حَصَلَ اسْتِفَادَةُ الثَّانِيَةِ قَبْلَ كَمَالِ حَوْلِ الْأُولَى بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ. فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ فَلَا تُضَمُّ الثَّانِيَةُ لَهَا، وَلَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ نِصَابًا. وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا مِنْ يَوْمِ حَوْلِ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْفَائِدَةُ فِي الْعَيْنِ] : وَالْفَرْقُ أَنَّ زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ مَوْكُولَةُ لِلسَّاعِي فَلَوْ لَمْ تُضَمُّ الثَّانِيَةُ لِلنَّصَّابِ الْأَوَّلِ لَأَدَّى ذَلِكَ لِخُرُوجٍ مَرَّتَيْنِ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ وَاضِحَةٌ، بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا مَوْكُولَةٌ لِأَرْبَابِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَاشِيَةُ الْأُولَى دُونَ النِّصَابِ وَقُلْنَا يَسْتَقْبِلُ فَلَا مَشَقَّةَ كَذَا فِي الْأَصْلِ.

[زكاة الإبل]

مِنْ النَّعَمِ (لِأَقَلَّ) مِنْ نِصَابٍ. سَوَاءٌ كَانَتْ هِيَ نِصَابًا أَمْ لَا، وَيَسْتَقْبِلُ بِهَا حَوْلٌ. وَتُضَمُّ الْأُولَى لَهَا. وَالْحَوْلُ: مِنْ وَقْتِ تَمَامِ النِّصَابِ بِالْفَائِدَةِ، فَإِذَا اسْتَفَادَ بَعْدَ تَمَامِ النِّصَابِ شَيْئًا ضُمَّ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ النِّتَاجِ، وَالْإِبْدَالِ بِهَا مِنْ نَوْعِهَا؛ إذْ فِيهِمَا يُضَمُّ مَا تَجَدَّدَ مِنْهَا. وَلَوْ لِغَيْرِ النِّصَابِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ إجْمَالًا شَرَعَ فِي بَيَانِ تَفْصِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ: (أَمَّا الْإِبِلُ فَفِي كُلٍّ خَمْسٍ) مِنْهَا (ضَائِنَةٌ) : أَيْ شَاةٌ مِنْ الضَّأْنِ خِلَافُ الْمَعْزِ، وَتَاؤُهُ لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. (إنْ لَمْ يَكُنْ جُلُّ غَنَمِ الْبَلَدِ الْمَعْزَ) ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْمَعْزِ؛ فَإِنْ تَطَوَّعْ بِإِخْرَاجِ الضَّأْنِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْأَفْضَلُ. فَفِي الْخَمْسَةِ، شَاةٌ، وَفِي الْعَشَرَةِ، شَاتَانِ، وَفِي الْخَمْسَةَ عَشْرَ، ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ، أَرْبَعُ شِيَاهٍ. (إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ) ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ كَمَا قَالَ: (وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ) مِنْ الْإِبِلِ (بِنْتُ مَخَاضٍ) . وَلَا يَكْفِي ابْنُ مَخَاضٍ وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [زَكَاة الْإِبِل] قَوْلُهُ: [أَمَّا الْإِبِلُ] إلَخْ: قَدَّمَهَا لِأَنَّهَا أَشْرَفُ النَّعَمِ وَلِذَا سُمِّيَتْ جِمَالًا لِلتَّجَمُّلِ بِهَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 6] . قَوْلُهُ: [فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى] : أَيْ لِأَنَّ الشَّاةَ الْمَأْخُوذَةَ عَنْ الْإِبِلِ كَالْمَأْخُوذَةِ عَنْ الْغَنَمِ سِنًّا وَصِفَةِ. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُؤْخَذُ عَنْهَا الذَّكَرُ أَوْ الْأُنْثَى وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. وَاشْتَرَطَ ابْنُ الْقَصَّارِ الْأُنْثَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَجْزَأَهُ] : أَيْ وَيُجْبَرُ السَّاعِي عَلَى قَبُولِهِ. قَوْلُهُ: [فَفِي الْخَمْسَةِ شَاةٌ] : فَلَوْ أَخْرَجَ عَنْهَا بَعِيرًا أَجْزَأَ وَلَوْ كَانَ سِنُّهُ أَقَلَّ مِنْ عَامٍ وَهُوَ مَا ارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ. وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَ الْبَعِيرَ عَنْ الشَّاتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَا يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَيْهِمَا.

ابْنُ لَبُونٍ إلَّا إذَا عُدِمَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ فَيَكْفِي ابْنُ اللَّبُونِ إنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَإِلَّا كَلَّفَهُ السَّاعِي بِنْتَ مَخَاضٍ، وَهِيَ: مَا (أَوْفَتْ سَنَةً) وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ. (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، بِنْتُ لَبُونٍ أَوْفَتْ سَنَتَيْنِ) وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ. إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ، حِقَّةٌ) بِكَسْرِ الْحَاء (أَوْفَتْ ثَلَاثًا) مِنْ السِّنِينَ. إلَى سِتِّينَ. (وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ، جَذَعَةٌ أَوْفَتْ أَرْبَعًا) . إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ) إلَى تِسْعِينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إلَّا إذَا عُدِمَتْ] : أَيْ بِأَنْ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ سَلِيمَةٍ، فَلَوْ وُجِدَتْ لَزِمَ إخْرَاجُهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ، وَلَا يَنْتَقِلُ لِلْبَدَلِ مَعَ إمْكَانِ الْأَصْلِ. هَكَذَا ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [فَيَكْفِي ابْنُ اللَّبُونِ] : وَتُجْزِئُ بِنْتُ اللَّبُونِ بِالْأُولَى. وَهَلْ يُخَيِّرُ السَّاعِي فِي قَبُولِهَا أَوْ لَا يُخَيِّرُ بَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا؟ قَوْلَانِ. اقْتَصَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى جَبْرِهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَلَيْسَ لَنَا فِي الْإِبِلِ مَا يُؤْخَذُ فِيهِ الذَّكَرُ عَنْ الْأُنْثَى إلَّا ابْنُ اللَّبُونِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ؛ وَحِينَئِذٍ لَا يُجْزِئُ ابْنُ مَخَاضٍ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَابْنُ اللَّبُونِ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ وَهَكَذَا، كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. وَسُمِّيَتْ بِنْتُ مَخَاضٍ: لِأَنَّ الْحَمْلَ مَخْضٌ فِي بَطْنِ أُمِّهَا؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ تَحْمِلُ سَنَةً وَتُرَبِّي سَنَةً. قَوْلُهُ: [بِنْتُ لَبُونٍ] : أَيْ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا حِقٌّ وَلَوْ لَمْ تُوجَدْ أَوْ وُجِدَتْ مَعِيبَةً، وَأَمَّا أَخْذُ الْحِقَّةُ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ فَتُجْزِئُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ابْنِ اللَّبُونِ يُجْزِئُ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَالْحِقُّ لَا يُجْزِئُ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ أَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَيَرِدُ الْمَاءَ وَيَرْعَى الشَّجَرَ، فَقَابَلَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ فَضِيلَةَ الْأُنُوثَةِ الَّتِي فِي بِنْتِ الْمَخَاضِ. وَالْحِقُّ لَيْسَ فِيهِ مَا يَزِيدُ عَلَى بِنْتِ اللَّبُونِ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُعَادِلُ فَضِيلَةَ الْأُنُوثَةِ الَّتِي فِيهَا، وَسُمِّيَتْ بِنْتَ لَبُونٍ: لِأَنَّ أُمَّهَا وَلَدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَ لَهَا لَبَنٌ جَدِيدٌ. قَوْلُهُ: [حِقَّةٌ] : أَيْ لَا يُجْزِئُ عَنْهَا جَذَعٌ. وَسُمِّيَتْ حِقَّةٌ: مَا اسْتَحَقَّتْ الْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْ طُرُوقُ الْفَحْلِ. قَوْلُهُ: [جَذَعَةٌ] : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِأَنَّهَا أَجْذَعَتْ أَسْنَانَهَا أَيْ بَدَّلَتْهَا.

(وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ: حِقَّتَانِ) إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ. (وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ) : إمَّا (حِقَّتَانِ، أَوْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ الْخِيَارُ) فِي ذَلِكَ (لِلسَّاعِي) لَا لِرَبِّ الْمَالِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ فَقْدِهِمَا. (وَتَعَيَّنَ) عَلَيْهِ (مَا وُجِدَ) عِنْدَ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الْحِقَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ بَنَاتِ اللَّبُونِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ [وَالْخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِلسَّاعِي] : اعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقَادِيرِ، وَبَيَّنَ أَنَّ فِي الْإِحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ حِقَّتَانِ قَالَ: «ثُمَّ مَا زَادَ فَفِي كُلٍّ أَرْبَعِينَ بِنْتِ لَبُونٍ وَفِي كُلٍّ خَمْسِينَ حِقَّةٍ» ، فَفَهِمَ مَالِكٌ أَنَّ الزِّيَادَةَ زِيَادَةُ عَقْدٍ أَيْ عَشْرَةٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَفَهِمَ ابْنُ الْقَاسِمِ مُطْلَقَ زِيَادَةٍ وَلَوْ حَصَلَتْ: بِوَاحِدَةٍ فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٍ وَبِنْتَا لَبُونٍ بِاتِّفَاقٍ. وَأَمَّا فِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إلَى تِسْعٍ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا؛ فَعِنْدَ مَالِكٍ: يُخَيِّرُ السَّاعِي بَيْنَ حِقَّتَيْنِ وَثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَتَعَيَّنُ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ. قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ مَا وَجَدَ] : فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الْمِائَتَيْنِ عَشْرَةٌ فَفِيهِ حِقَّةٌ وَأَرْبَعُ

[زكاة البقر]

(ثُمَّ) إنْ زَادَتْ عَلَى الْمِائَةِ وَالتِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ: (فِي كُلِّ عَشْرٍ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ) : (فَ) يَجِبُ (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ. وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) : فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ: حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مَائِهٍ وَأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ: أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ: حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ: حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ: ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَتَيْنِ: إمَّا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ. الْخِيَارُ لِلسَّاعِي. وَتَعَيَّنَ مَا وُجِدَ. (وَأَمَّا الْبَقَرُ: فَفِي كُلِّ ثَلَاثٍ تَبِيعٌ) مَا أَوْفَى: سَنَتَيْنِ وَ (دَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ، وَفِي) كُلِّ (أَرْبَعِينَ) بَقَرَةً: (مُسِنَّةٌ) أُنْثَى كَمَّلَتْ ثَلَاثًا وَ (دَخَلَتْ فِي) السَّنَةِ (الرَّابِعَةِ) إلَى تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَفِي السِّتِّينَ: تَبِيعَانِ، وَفِي السَّبْعِينَ: مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، وَفِي الثَّمَانِينَ: مُسِنَّتَانِ، وَفِي التِّسْعِينَ: ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ، وَفِي مِائَةٍ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعَانِ، وَفِي مِائَةٍ وَعَشْرٍ: مُسِنَّتَانِ وَتَبِيعٌ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ خُيِّرَ السَّاعِي فِي أَخْذِ ثَلَاثِ مُسِنَّاتِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ. (وَأَمَّا الْغَنَمُ؛ فَفِي أَرْبَعِينَ) مِنْهَا (جَذَعَةٌ أَوْ جَذَعٌ ذُو سَنَةٍ) وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ، إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ. (وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: شَاتَانِ) جَذَعَتَانِ أَوْ جَذَعَانِ إلَى مِائَتَيْنِ (وَفِي مِائَتَيْنِ وَشَاةٍ: ثَلَاثٌ) مِنْ الشِّيَاهِ، كَذَلِكَ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQبَنَاتِ لَبُونٍ فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةٌ فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ. فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةٌ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةٌ فَفِيهَا خَمْسُ حِقَاقٍ. فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةٌ فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَأَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَهَكَذَا عَلَى ضَابِطِ الْمُؤَلِّفِ وَلَا يُنْتَقَضُ بِشَيْءٍ. [زَكَاة الْبَقَر] قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْبَقَرُ] إلَخْ: مَأْخُوذٌ مِنْ الْبَقَرِ وَهُوَ الشَّقُّ: لِأَنَّهُ يَشُقُّ الْأَرْضَ بِحَوَافِرِهِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَاحِدَةُ بَقَرَةٌ وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. لِأَنَّ تَاءَه لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ. قَوْلُهُ: [تَبِيعُ] : سُمِّيَ بِذَلِكَ: لِأَنَّ قَرْنَيْهِ يَتْبَعَانِ أُذُنَيْهِ. أَوْ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ. [زَكَاة الْغَنَم] قَوْلُهُ: [ذُو سَنَةٍ] : أَيْ تَامَّةٍ كَمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقِيلَ ابْنُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ ثَمَانِيَةٍ، وَقِيلَ سِتَّةٍ. وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [شَاتَانِ] : تَثْنِيَةُ شَاةٍ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ " جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ " فَتَصَدَّقَ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.

(وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ: أَرْبَعٌ) مِنْ الشِّيَاهِ، (ثُمَّ لِكُلِّ مِائَةِ شَاةٍ) جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ. (وَضَمُّ) فِي الْإِبِلِ (بُخْتٍ) : وَهِيَ إبِلُ خُرَاسَانَ ذَاتُ سَنَامَيْنِ (لِعِرَابٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ الصِّنْفَيْنِ خَمْسَةٌ فَفِيهَا شَاةٌ وَهَكَذَا (وَ) ضَمُّ (جَامُوسٍ لِبَقَرٍ) : فَإِذَا مَلَكَ مِنْ كُلٍّ خَمْسَةَ عَشْرَ، وَجَبَ فِي الثَّلَاثِينَ تَبِيعٌ (وَ) ضَمُّ (ضَأْنٍ لِمَعْزٍ) . (وَخُيِّرَ السَّاعِي إنْ وَجَبَتْ) ذَاتٌ (وَاحِدَةٌ) فِي صِنْفَيْنِ (وَتُسَاوَيَا) ، كَخَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَمِثْلِهَا مِنْ الْبَقَرِ. وَكَعِشْرِينَ مِنْ الضَّأْنِ وَمِثْلِهَا مِنْ الْمَعْزِ فِي أَخْذِهَا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ شَاءَ. (وَإِلَّا) يَتَسَاوَيَا - كَعِشْرِينَ مِنْ الْبَقَرِ وَعَشْرَةٍ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَكَثَلَاثِينَ مِنْ الضَّأْنِ وَعَشَرَةٍ مِنْ الْمَعْزِ أَوْ عَكْسُ ذَلِكَ (فَمِنْ الْأَكْثَرِ) : يَأْخُذُهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ. (وَإِنْ وَجَبَ) فِي الصِّنْفَيْنِ (اثْنَتَانِ: فَمِنْهُمَا) يَأْخُذُهُمَا أَيْ: يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَاحِدَةً (إنْ تُسَاوَيَا) : كَثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ وَمِثْلِهَا مِنْ الْجَوَامِيسِ، وَكَاثْنَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [ثُمَّ لِكُلِّ مِائَةٍ] إلَخْ: أَيْ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ بَعْدَهَا إلَّا بِزِيَادَةِ الْمِائَةِ. قَوْلُهُ: [بُخْتٌ] : هِيَ إبِلٌ ضَخْمَةٌ مَائِلَةٌ لِلْقَصْرِ لَهَا سَنَامَانِ أَحَدُهُمَا خَلْفَ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا ضُمَّتْ الْبُخْتُ لِلْعِرَابِ لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ نَوْعِ الْإِبِلِ، وَكَذَا الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ نَوْعِ الْغَنَمِ. وَكَذَا الْجَامُوسُ صِنْفٌ مِنْ الْبَقَرِ. قَوْلُهُ: [وَخُيِّرَ السَّاعِي] : دَلِيلٌ لِلضَّمِّ كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا ضُمَّ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ لِلْآخَرِ فَإِنْ وَجَبَتْ وَاحِدَةٌ فِي الصِّنْفَيْنِ وَتُسَاوَيَا خُيِّرَ السَّاعِي فِي أَخْذِهَا مِنْ أَيِّهِمَا، وَهَذَا إذَا وَجَدَ السِّنَّ الْوَاجِبَ فِي الصِّنْفَيْنِ أَوْ فَقَدَ مِنْهُمَا وَتَعَيَّنَ الْمُنْفَرِدُ كَمَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ الْبَاجِيِّ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ] : قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا مُتَّجَهٌ إنْ كَانَتْ الْكَثْرَةُ ظَاهِرَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ كَالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا كَمُتَسَاوِيَيْنِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

وَسِتِّينَ مِنْ الضَّأْنِ وَمِثْلِهَا مِنْ الْمَعْزِ، وَكَسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْبُخْتِ وَمِثْلِهَا مِنْ الْعِرَابِ فَمِنْ كُلٍّ حِقَّةٌ. (أَوْ) لَمْ يَتَسَاوَيَا، (وَ) كَانَ (الْأَقَلُّ نَصَّابًا) وَيَجُوزُ رَفْعُ " نِصَابٍ " عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ اسْمِيَّةٌ وَالْوَاوَ لِلْحَالِ وَهُوَ الْأَقْعَدُ - (غَيْرَ وَقْصٍ) : نَعْتٌ لِنِصَابٍ، وَالْوَقْصُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ مِنْ كُلِّ الْأَنْعَامِ؛ مِثْلُ ذَلِكَ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ضَأْنًا وَأَرْبَعُونَ مَعْزًا؛ فَالْأَقَلُّ - وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ - نِصَابٌ. وَغَيْرُ وَقْصٍ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ الثَّانِيَةَ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ وَاحِدَةٌ وَمِنْ الْأَكْثَرِ وَاحِدَةٌ؛ أَيْ فَلَا تُؤْخَذُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْأَقَلِّ إلَّا بِشَرْطَيْنِ كَوْنُهُ نِصَابًا أَيْ لَوْ انْفَرَدَ لَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَغَيْرَ وَقْصٍ لِإِيجَابِهِ الثَّانِيَةَ. فَإِنْ عُدِمَ الشَّرْطَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَالثَّانِيَةُ تُؤْخَذُ مِنْ الْأَكْثَرِ كَالْأُولَى وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا) يَكُنْ الْأَقَلُّ نِصَابًا - وَلَوْ غَيْرَ وَقْصٍ - كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ ضَأْنًا وَثَلَاثِينَ مَعْزًا أَوْ كَانَ نِصَابًا إلَّا أَنَّهُ وَقْصٌ أَيْ لَمْ يُوجِبْ الثَّانِيَةَ كَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ضَأْنًا وَأَرْبَعِينَ مَعْزًا (فَمِنْ الْأَكْثَرِ) يُؤْخَذَانِ. (وَ) إنْ وَجَبَ فِي الصِّنْفَيْنِ (ثَلَاثٌ) وَتَسَاوَيَا: كَمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ ضَأْنًا وَمِثْلِهَا مَعْزًا، (فَمِنْهُمَا) أَيْ فَمِنْ كُلِّ صِنْفٍ يَأْخُذُ وَاحِدَةً. (وَخُيِّرَ فِي الثَّالِثَةِ فِي أَخْذِهَا) مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ (إنْ تَسَاوَيَا) . (وَإِلَّا) يَتَسَاوَيَا (فَكَذَلِكَ) : أَيْ فَالْحُكْمُ كَالْحُكْمِ السَّابِقِ فِي الِاثْنَتَيْنِ. فَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ نِصَابًا غَيْرَ وَقْصٍ أُخِذَتْ مِنْهُ وَاحِدَةٌ، وَأُخِذَ الْبَاقِي مِنْ الْأَكْثَرِ، وَإِلَّا أُخِذَ الْجَمِيعُ مِنْ الْأَكْثَرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهُوَ الْأَقْعَدُ] : أَيْ لِأَنَّ حَذْفَ كَانَ بِدُونِ أَحَدِ الْجُزْأَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْوِيضٍ مَا قَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [فَمِنْ الْأَكْثَرِ يُؤْخَذَانِ] : هَذَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُقَابِلُهُ مَا لِسَحْنُونٍ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ مُطْلَقًا. وَلَوْ كَانَ الْأَقَلُّ نِصَابًا وَغَيْرُ وَقْصٌ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَخْذُ الْجَمِيعِ مِنْ الْأَكْثَرِ] : وَمَا قِيلَ فِي هَذِهِ الثَّالِثَةِ يُقَالُ فِي الرَّابِعَةِ؛ كَمَا إذَا وَجَبَ أَرْبَعٌ مِنْ الْغَنَمِ إذَا كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ مِنْهَا ثَلَثُمِائَةِ ضَأْنًا وَمِائَةٌ بَعْضُهَا

[الفرار من الزكاة]

(وَمَنْ أَبْدَلَ) مَا فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ بَعْضَهُ، (أَوْ ذَبَحَ مَاشِيَتَهُ فِرَارًا) مِنْ الزَّكَاةِ - وَيُعْلَمُ فِرَارُهُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ - وَسَوَاءٌ أَبْدَلَهَا بِنَوْعِهَا؛ كَأَنْ يُبَدِّلَ خَمْسَةً مِنْ الْإِبِلِ بِأَرْبَعَةٍ - أَوْ بِغَيْرِ نَوْعِهَا؛ كَأَنْ يُبَدَّلَ الْإِبِلَ بِغَنَمٍ أَوْ عَكْسِهِ؛ أَوْ بِعُرُوضٍ، أَوْ بِعَيْنٍ - بِأَنْ يَبِيعَهَا بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ - (أُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (مِنْهُ) إذَا كَانَ الْإِبْدَالُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (قَبْلَ الْحَوْلِ إنْ قَرُبَ) الْحَوْلُ - كَقُرْبِ الْخَلِيطَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQضَأْنٍ وَبَعْضُهَا مَعْزٍ: أَخْرَجَ ثَلَاثَةَ مِنْ الضَّأْنِ، وَاعْتُبِرَتْ الرَّابِعَةُ عَلَى حِدَةٍ، فَفِي التَّسَاوِي خُيِّرَ السَّاعِي. وَإِلَّا فَمِنْ الْأَكْثَرِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ خَلِيلٍ: " وَفِي أَرْبَعِينَ جَامُوسًا وَعِشْرِينَ بَقَرَةٍ مِنْهُمَا "؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ الْجَامُوسِ تَبِيعًا تَبْقَى عَشْرَةٌ فَتُضَمُّ لِلْعَشْرِ مِنْ الْبَقَرِ فَيَخْرُجُ التَّبِيعُ الثَّانِي مِنْهَا لِأَنَّهَا الْأَكْثَرُ. وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُؤْخَذَ مِنْ الْأَقَلِّ بِشَرْطَيْنِ كَوْنُهُ نِصَابًا وَغَيْرَ وَقْصٍ، لِأَنَّ ذَاكَ حَيْثُ لَمْ تُقْرَرْ النُّصُبُ. وَمَا هُنَا بَعْدَ تَقَرُّرُهَا وَهِيَ إذَا تَقَرَّرَتْ نَظَرَ لِكُلِّ مَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِانْفِرَادِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْأَكْثَرِ وَالْأَخِيرِ كَمَا مَرَّ فِي الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْغَنَمِ. وَالْمُرَادُ بِتَقَرُّرِ النُّصُبِ: أَنْ يَسْتَقِرَّ النِّصَابُ فِي عَدَدِ مَضْبُوطٍ. كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ. [الْفِرَار مِنْ الزَّكَاة] قَوْلُهُ: [وَمَنْ أَبْدَلَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ الْمَاشِيَةِ سَوَاءٌ كَانَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِلْقِنْيَةِ - ثُمَّ أَبْدَلَهُ بَعْدَ الْحَوْلِ أَوْ قَبْلَهُ بِقُرْبٍ كَشَهْرٍ بِمَاشِيَةٍ أُخْرَى مِنْ نَوْعِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهَا، كَانَتْ الْأُخْرَى نِصَابًا أَوْ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ، أَوْ أَبْدَلَهَا بِعَرَضٍ أَوْ نَقْدٍ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ - وَيُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ إقْرَارِهِ أَوْ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ - فَإِنْ ذَلِكَ الْإِبْدَالُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْمُبْدَلَةِ بَلْ يُؤْخَذُ بِزَكَاتِهَا، مُعَامَلَةٌ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِزَكَاةِ الْبَدَلِ وَإِنْ كَانَتْ زَكَاتُهُ أَكْثَرَ، لِأَنَّ الْبَدَلَ لَمْ تَجِبْ فِيهِ زَكَاةٌ لِعَدَمِ مُرُورِ الْحَوْلِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [كَقُرْبِ الْخَلِيطِينَ] : اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا سَيَأْتِي قُرْبُ الْخَلِيطِينَ فَفِيهِ إحَالَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ اتَّكَلَ عَلَى شُهْرَتِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْأَصْلِ بِهِ فِي شَرْحِ الشَّرْطِ الْخَامِسِ لِخُلَطَاءِ الْمَاشِيَةِ بِقَوْلِهِ: مَا لَمْ يَقْرُبْ جِدًّا كَشَهْرٍ (اهـ.) فَعُلِمَ أَنَّ قُرْبَ الْخَلِيطِينَ الشَّهْرُ، وَرَدَّ - بِالْمُبَالَغَةِ - قَوْلُ ابْنِ الْكَاتِبِ: أَنَّهُ

لَا إنْ بَعُدَ، لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا أَنَّ الْحِيَلَ لَا تُفِيدُ فِي الْعِبَادَاتِ وَلَا فِي الْمُعَامَلَاتِ كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بُيُوعِ الْآجَالِ، وَلَا يَكُونُ فَارًّا إلَّا إذَا كَانَ مَالِكًا لِلنِّصَابِ. وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ أَنْ يَهَبَ مَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ لِوَلَدِهِ أَوْ لِعَبْدِهِ قُرْبَ الْحَوْلِ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَصِرَهُ أَوْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ لِيَكُونَ - فِي زَعْمِهِ - ابْتِدَاءَ مِلْكِهِ، وَقَدْ يَقَعُ لِلزَّوْجِ مَعَ زَوْجَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهَا: رُدِّي إلَيَّ مَا وَهَبَتْهُ لَك؛ بِقَصْدِ إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ. فَتُؤْخَذُ مِنْهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا، فَلَا مَفْهُومَ لِلْإِبْدَالِ وَلَا لِلْمَاشِيَةِ. (وَبَنَى) الْمُزَكِّي عَلَى الْحَوْلِ الْأَصْلِيِّ (فِي) مَاشِيَةٍ (رَاجِعَةٍ) إلَيْهِ بَعْدَ بَيْعِهَا (بِعَيْبٍ أَوْ فَلَسٍ) لِمُشْتَرِيهَا مِنْهُ (أَوْ فَسَادٍ) لِبَيْعٍ فَيُزَكِّيهَا لِحَوْلِهَا. وَكَأَنَّهَا لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يُؤْخَذُ بِزَكَاتِهَا إلَّا إذَا كَانَ الْإِبْدَالُ بَعْدَ مُرُورِ الْحَوْلِ وَقَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْإِبْدَالُ قَبْلَ مُرُورِ الْحَوْلِ وَلَوْ بِقُرْبٍ فَلَا يَكُونُ هَارِبًا. قَوْلُهُ: [لَا إنْ بَعُدَ] : أَيْ لَا إنْ كَانَ الْإِبْدَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِأَكْثَرِ مِنْ شَهْرٍ فَإِنَّهُ لَا تُؤْخَذُ بِزَكَاتِهَا، وَلَوْ قَامَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى هُرُوبِهِ. هَذَا ظَاهِرُهُ؛ وَهُوَ الصَّوَابُ خِلَافًا لِمَا فِي (عب) كَذَا قَرَّرَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ. قَوْلُهُ: [لِمَا تَقَرَّرَ] : عِلَّةٌ لَأَخْذِهِ بِالْمُبَادَلَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا أَخَذَ بِهَا وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ إنْ قَرُبَ الْحَوْلِ لِلتُّهْمَةِ لِمَا تَقَرَّرَ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَكُونُ فَارًّا] إلَخْ: عُلِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: " وَمَنْ أَبْدَلَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ ". قَوْلُهُ: [وَبَنَى الْمُزَكِّي] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ بَاعَهَا بِعَيْنٍ أَوْ بِنَوْعِهَا أَوْ بِمُخَالِفِهَا. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَنْ بَاعَ مَاشِيَةً بَعْدَ أَنْ مَكَثَتْ عِنْدَهُ نِصْفِ عَامٍ مَثَلًا - سَوَاءٌ بَاعَهَا بِعَرَضٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِنَوْعِهَا أَوْ بِمُخَالِفِهَا - كَانَ فَارًّا مِنْ الزَّكَاةِ أَمْ لَا - فَمَكَثَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مُدَّةً ثُمَّ رُدَّتْ عَلَى بَائِعِهَا بِعَيْبٍ أَوْ فَلَسٍ لِلْمُشْتَرِي أَوْ فَسَادٍ الْبَيْعِ - فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِهَا عِنْدَهُ وَلَا يُلْغِي الْأَيَّامَ الَّتِي مَكَثَتْهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا مَلَكَهَا فِي رَمَضَانِ وَبَاعَهَا فِي الْمُحَرَّمِ وَرَجَعَتْ لَهُ فِي شَعْبَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا فِي رَمَضَانِ وَحَمَلَ زَكَاتَهَا فِي رُجُوعِهَا بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ مَا لَمْ تَفُتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِمُفَوِّتَاتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَإِلَّا فَيَسْتَقْبِلُ بِهَا.

[خلط المواشي]

تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ (لَا) إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بِسَبَبِ (إقَالَةٍ) لِأَنَّ الْإِقَالَةَ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ خَلْطِ الْمَوَاشِي مِنْ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ فَقَالَ: (وَخُلَطَاءُ الْمَاشِيَةِ) الْمُتَّحِدَةِ النَّوْعِ (كَمَالِكٍ وَاحِدٍ) أَيْ حُكْمُهُمَا أَوْ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ (فِي الزَّكَاةِ) : كَثَلَاثَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ فَعَلَيْهِمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى كُلٍّ ثُلُثُهَا، فَالْخُلْطَةُ أَثَّرَتْ التَّخْفِيفَ، وَلَوْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَكَانَ عَلَى كُلٍّ شَاةٌ. وَكَاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتٌّ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَعَلَيْهِمَا جَذَعَةٌ عَلَى كُلٍّ نِصْفُهَا. فَلَوْ كَانَا مُتَفَرِّقَيْنِ لَكَانَ عَلَى كُلٍّ بِنْتُ لَبُونٍ، فَأَوْجَبَتْ الْخُلْطَةُ التَّغَيُّرَ فِي السِّنِّ. وَقَدْ تُوجِبُ التَّثْقِيلَ؛ كَاثْنَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِائَةٌ مِنْ الْغَنَمِ وَشَاةٌ فَعَلَيْهِمَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَلَوْلَا الْخُلْطَةُ لَكَانَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَالْخُلْطَةُ أَوْجَبَتْ الثَّالِثَةَ. وَإِنَّمَا يَكُونُونَ كَالْمَالِكِ الْوَاحِدِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَفَادَ أَوَّلَهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ نُوِيَتْ) الْخُلْطَةُ: أَيْ نَوَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ. وَثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: (وَكُلٌّ) مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ (تَجِبُ عَلَيْهِ) الزَّكَاةُ؛ بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا مَلَكَ نِصَابًا تَمَّ حَوْلَهُ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَجِبُ عَلَيْهِ فَقَطْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ حَيْثُ تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ، فَهَذَا الشَّرْطُ قَدْ تَضَمَّنَ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ. وَثَالِثُهَا بِقَوْلِهِ: (وَاجْتَمَعَا) : أَيْ الْخَلِيطَانِ، أَوْ اجْتَمَعُوا إنْ كَانُوا جَمَاعَةً (بِمِلْكٍ) لِلذَّاتِ (أَوْ مَنْفَعَةٍ) بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ إبَاحَةٍ لِعُمُومِ النَّاسِ؛ كَنَهْرٍ أَوْ مَرَاحٍ بِأَرْضٍ مَوَاتٍ (فِي الْأَكْثَرِ) مُتَعَلِّقٌ: بِ " اجْتَمَعَا ": أَيْ وَاجْتَمَعَا بِمَا ذُكِرَ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ الْآتِي بَيَانُهَا - وَأَوْلَى اجْتِمَاعُهُمَا فِي جَمِيعِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْله: [لَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ] إلَخْ: أَيْ يَسْتَقْبِلُ وَلَا يَبْنِي وَمِثْلُهَا الرَّاجِعَةُ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ. [خَلْط الْمَوَاشِي] قَوْلُهُ: [عَلَى حُكْمِ خَلْطِ الْمَوَاشِي] : أَيْ وَأَمَّا الْخَلْطُ فِي غَيْرِهَا. فَالْعِبْرَةُ بِمِلْكِ كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ. فَلَا ثَمَرَةَ فِي الْخَلْطِ. قَوْلُهُ: [الْمُتَّحِدَةُ النَّوْعِ] : قَالَ بَعْدَ هَذَا قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كَوْنِ الْخَلِيطِينَ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ. قَوْلُهُ: [إنْ نَوَيْت الْخَلْطَةَ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَفِي الْحَقِيقَةِ، الشَّرْطُ عَدَمُ نِيَّةِ الْفِرَارِ. قَوْلُهُ: [حَيْثُ تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ] : أَيْ شُرُوطُ الزَّكَاةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

[ساعي الزكاة]

وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ مَرَاحٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ: الْمَحَلُّ الَّذِي تُقِيلُ فِيهِ أَوْ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ آخِرَ النَّهَارِ، ثُمَّ تُسَاقُ مِنْهُ لِلْمَبِيتِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ: فَهُوَ الْمَبِيتُ وَسَيَأْتِي، (وَمَاءٍ) : بِأَنْ تَشْرَبَ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ مَمْلُوكٍ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَلَا يَمْنَعُ الْآخَرُ، أَوْ مُبَاحٍ (وَمَبِيتٍ) كَذَلِكَ (وَرَاعٍ) مُتَّحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ يَرْعَى الْجَمِيعَ (بِإِذْنِهِمَا، وَفَحْلٍ) كَذَلِكَ يُضْرَبُ فِي الْجَمِيعِ. بِإِذْنِهِمَا إذَا كَانَتْ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ. (وَ) إذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمْ مَا عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَيْهِمْ (رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى صَاحِبِهِ) الَّذِي لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ (بِنِسْبَةِ عَدَدِ مَا لِكُلٍّ) مِنْهُمَا - ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مِنْ مَرَاحٍ] : أَيْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُمَا ذَاتًا أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ أَحَدُهُمَا يَمْلِكُ نِصْفَ ذَاتِهِ وَالْآخَرُ يَمْلِكُ نِصْفَ مَنْفَعَتِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْمِيمِ] : هَكَذَا فَرَّقَ الشَّارِحُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: تُضَمُّ مِيمُهُ وَتُفْتَحُ، وَقَالَ الْخَرَشِيُّ: الْمُرَاح بِضَمِّ الْمِيمِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا، قِيلَ: هُوَ حَيْثُ تُجْمَعُ الْغَنَمُ لِلْقَائِلَةِ، وَقِيلَ: حَيْثُ تَجْمَعُ لِلرَّوَاحِ لِلْمَبِيتِ. فَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفُ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ آخَرَ. قَوْلُهُ: [لِلْمَبِيتِ] : أَيْ أَوْ لِلسُّرُوحِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مُتَعَدِّدٍ] : أَيْ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَرَاحِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمَبِيتِ أَوْ الْمَرَاحِ مُتَعَدِّدًا فَلَا يَضُرُّ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ. وَتَعَدُّدُ الرَّاعِي لَا يَضُرُّ وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلَافًا لِلْبَاجِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الِاحْتِيَاجِ فِي تَعَدُّدِ الرَّاعِي. وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ الْبَاجِيِّ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ النَّقْلِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّعَاوُنِ فِي تَعَدُّدِ الرَّاعِي، كَثُرَتْ الْغَنَمُ أَوْ قَلَّتْ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [بِإِذْنِهِمَا] : فَإِنْ اُجْتُمِعَتْ مَوَاشٍ بِغَيْرِ إذْنِ أَرْبَابِهَا وَاشْتَرَكَ رُعَاتُهَا فِي الرَّعْيِ وَالْمُعَاوَنَةِ لَمْ يَصِحَّ عَدُّ الرَّاعِي مِنْ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّ أَرْبَابَ الْمَاشِيَةِ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهَا فِي ثَلَاثَةٍ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [وَفَحْلٌ كَذَلِكَ] : أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِكًا أَوْ مُخْتَصًّا بِأَحَدِهِمَا وَيَضْرِبُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ لِكُلِّ مَاشِيَةٍ فَحْلٌ يَضْرِبُ فِي الْجَمِيعِ. [سَاعِي الزَّكَاة] قَوْلُهُ: [بِنِسْبَةِ عَدَدٍ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ انْفَرَدَ وَقْصٌ لِأَحَدِهِمَا، كَتِسْعٍ مِنْ الْإِبِلِ

أَوْ مِنْهُمْ (بِالْقِيمَةِ) ، أَيْ قِيمَةُ الْمَأْخُوذِ مُعْتَبَرَةٌ (وَقْتَ الْأَخْذِ) لَا وَقْتَ الرُّجُوعِ، وَلَا الْحُكْمِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ، وَلِلْآخِرِ ثَمَانُونَ، فَإِنْ أَخَذَ الشَّاةَ مِنْ ذِي الْأَرْبَعِينَ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِثُلُثَيْ قِيمَتِهَا يَوْمَ أَخَذَهَا. وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ ذِي الثَّمَانِينَ رَجَعَ بِثُلُثِ الْقِيمَةِ عَلَى ذِي الْأَرْبَعِينَ. وَلَوْ كَانَ لِكُلٍّ أَرْبَعُونَ فَالتَّرَاجُعُ بِالنِّصْفِ. (وَتَعَيَّنَ) عَلَى السَّاعِي (أَخْذُ الْوَسَطِ) مِنْ الْوَاجِبِ فَلَا يُؤَخَّذُ مِنْ خِيَارِ الْأَمْوَالِ، وَلَا مِنْ شِرَارِهَا (وَلَوْ انْفَرَدَ الْخِيَارُ) عِنْدَ الْمُزَكِّي كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْحِقَاقِ أَوْ مِنْ الْمَخَاضِ أَوْ ذَاتِ اللَّبَنِ فَلَا يُؤْخَذُ عَنْهَا إلَّا بِنْتُ لَبُونٍ سَلِيمَةٌ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الْأَعْلَى إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الْمُزَكِّي بِهِ (أَوْ) انْفَرَدَ (الشِّرَارُ) عِنْدَهُ فَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الْمُزَكَّيْ) أَيْ بِإِعْطَاءِ الْخِيَارِ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ (أَوْ يَرَى السَّاعِي أَخْذَ الْمَعِيبَةِ أَحَظَّ) لِلْفُقَرَاءِ رَاجِعٌ لِلثَّانِي وَالْمُرَادُ يَرَى الْمَعِيبَةَ الْمُسْتَوْفِيَةَ لِلسِّنِّ الْوَاجِبِ شَرْعًا فَلَا يَصِحُّ أَخْذُ بِنْتِ لَبُونٍ عَنْ حِقَّةٍ؛ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ مَا وَجَبَ شَرْعًا مِنْ بِنْتِ لَبُونٍ عَنْ حِقَّةٍ لَكِنَّهَا مَعِيبَةٌ لِعَوَرٍ وَنَحْوِهِ وَهِيَ أَكْثَرُ لَحْمًا أَوْ أَكْثَرُ ثَمَنًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَحَدِهِمَا وَلِلْآخِرِ خَمْسٌ؛ فَعَلَيْهِمَا شَاتَانِ: عَلَى صَاحِبِ التِّسْعَةِ تِسْعَةُ أَسْبَاعٍ، وَعَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ خَمْسَةُ أَسْبَاعٍ. فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: يَتَرَاجَعَانِ بِالْقِيمَةِ لَوْ أَخَذَ السَّاعِي مِنْ نِصَابٍ لَهُمَا مُتَأَوِّلًا؛ كَكُلِّ عِشْرِينَ مِنْ الْغَنَمِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ وَزَادَ لِلْخُلْطَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِائَةٌ وَلِلثَّانِيَّ أَحَدُ وَعِشْرُونَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا وَأَخَذَ السَّاعِي شَاتَيْنِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ عِنْدَ الشَّرِيكَيْنِ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ وَأَخَذَ السَّاعِي مِنْ أَحَدِهِمَا فَمُصِيبَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا كَالْغَصْبِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ خَلِيطُ الْخَلِيطِ خَلِيطٌ؛ فَذُو خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا خَالَطَ بِبَعْضِهَا صَاحِبَ خَمْسَةٍ، وَبِبَعْضِهَا صَاحِبَ عَشْرَةٍ: عَلَى الْكُلِّ بِنْتُ مَخَاضٍ (اهـ) .

(وَمَجِيءُ السَّاعِي - إنْ كَانَ) ثَمَّ سَاعٍ - (شَرْطُ وُجُوبٍ) فِي الزَّكَاةِ فَلَا يَجِبُ قَبْلَ مَجِيئِهِ كَمَا تَقَدَّمَ صَدْرَ الْبَابِ. وَإِنَّمَا أَعَادَهُ هُنَا لِيُرَتِّبَ فَوَائِدَهُ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ شَرْطُ وُجُوبٍ (فَلَا تُجَزِّئُ إنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ مَجِيئِهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَيَكُونُ الْمَجِيءُ شَرْطَ صِحَّةٍ أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ - مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ زَكَاةِ الْعَيْنِ عَلَى الْحَوْلِ بِكَشَهْرٍ يُجَزِّئُ - لِأَنَّ التَّقْدِيمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَمَجِيءُ السَّاعِي] : أَيْ وُصُولِهِ لِأَرْبَابِ الْمَوَاشِي. وَقَوْلُهُ: [شَرْطُ وُجُوبٍ] : أَيْ وُجُوبِ مُوَسَّعٍ كَدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا وُجُوبًا مُوَسَّعًا لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ مُسْقِطٌ كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَإِغْمَاءٍ وَجُنُونٍ. وَكَذَلِكَ هُنَا قَدْ يَطْرَأُ مُسْقِطٌ بَعْدَ الْمَجِيءِ وَالْعَدِّ، بِحُصُولِ مَوْتٍ فِيهَا مَثَلًا؛ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا بَقِيَ بَعْدَهُ. فَإِذَا مَاتَ مِنْ الْمَوَاشِي أَوْ ضَاعَ مِنْهَا شَيْء بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ بَعْدَ الْحَوْلِ وَبَعْدَ بُلُوغِهِ وَقَبْلَ أَخْذِهِ - وَلَوْ عَدَّهَا - لَا يُحْسَبُ عَلَى رَبِّهَا، كَمُسْقِطَاتِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقْتَهَا. وَلَيْسَ الْعَدُّ وَالْأَخْذُ هُمَا الشَّرْطُ فِي الْوُجُوبِ - خِلَافًا لِمَا تَوَهُّمُهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ - إذْ لَوْ تُوقَفْ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَدِّ وَالْأَخْذِ لَاسْتَقْبَلَ الْوَارِثُ إذَا مَاتَ مُوَرِّثُهُ بَعْدَ مَجِيئِهِ وَقَبْلَ عَدِّهِ وَأَخْذِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَيْضًا الْوُجُوبُ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْعَدِّ وَالْأَخْذِ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْأَخْذَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ لَلَزِمَ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْأَخْذِ، فَيَكُونُ الْأَخْذُ وَاقِعًا قَبْلَ الْوُجُوبِ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ فَمَبْحَثٌ آخَرُ يَأْتِي. تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ لِجَابِي الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ فِي أَوَّلِ الصَّيْفِ لِاجْتِمَاعِ الْمَوَاشِي إذْ ذَاكَ عَلَى الْمِيَاهِ وَذَلِكَ أَيَّامُ طُلُوعِ الثُّرَيَّا بِالْفَجْرِ. وَاخْتَلَفَ فِي تَوْلِيَةِ الْإِمَامِ لِذَلِكَ الْجَابِي؛ فَقِيلَ بِوُجُوبِهِ. وَقِيلَ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ. وَعَلَى كُلٍّ إذَا وَلَّاهُ وَجَبَ خُرُوجُهُ فَلَا يَلْزَمُ رَبُّ الْمَاشِيَةِ سَوْقَ صَدَقَتِهِ إلَيْهِ، بَلْ هُوَ يَأْتِيهَا وَيَخْرُجُ السَّاعِي لَهَا كُلّ عَامٍ وَلَوْ فِي جَدْبٍ، لِأَنَّ الضَّيِّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَشَدُّ فَيَحْصُلُ لَهُمْ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ، خِلَافًا لِأَشْهَبَ الْقَائِلُ إنَّهُ لَا يَخْرُجُ سَنَةَ الْجَدْبِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْ أَرْبَابِهَا فِي ذَلِكَ الْعَامُ؟ أَوْ لَا تَسْقُطُ وَيُحَاسَبُ بِهَا أَرْبَابُهَا فِي الْعَامِ الثَّانِي؟ قَوْلَانِ. وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ خُرُوجِهِ عَامُ الْجَدْبِ فَيَقْبَلُ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي وَلَوْ الْعَجْفَاءُ. قَوْلُهُ [مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ زَكَاةُ الْعَيْنِ] إلَخْ: أَيْ وَمِثْلُهَا الْمَاشِيَةِ الَّتِي لَا سَاعِيَ لَهَا

[زكاة الوارث والموصى له]

فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ رُخْصَةٌ لِاحْتِيَاجِ الْفُقَرَاءِ إلَيْهَا دَائِمًا مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي فِيهِ إبْطَالٌ لِأَمْرِ الْإِمَامِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِجَبْيِ الزَّكَاةِ عَلَى نَهْجِ الشَّرِيعَةِ: وَمَحَلُّ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ (مَا لَمْ يَتَخَلَّفْ) السَّاعِي عَنْ الْمَجِيءِ لِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَإِنْ تَخَلَّفَ أَجْزَأَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ فَالْوُجُوبُ بِمُرُورِ الْحَوْلِ. (وَيَسْتَقْبِلُ الْوَارِثُ) إنْ مَاتَ رَبُّهَا قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي وَلَوْ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا قَبْلَ الْوُجُوبِ عَلَى الْمُوَرِّثِ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نِصَابٌ؛ وَإِلَّا ضَمَّ مَا وَرِثَهُ لَهُ وَزَكَّى الْجَمِيعَ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ. (وَلَا تَبْدَأُ) الْوَصِيَّةُ بِالزَّكَاةِ عَلَى مَا يَخْرُجُ قَبْلَ الْوَصَايَا مِنْ الثُّلُثِ؛ كَفَكِّ الْأَسِيرِ وَصَدَاقِ الْمَرِيضِ، (إنْ أَوْصَى) رَبُّ الْمَاشِيَةِ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي (بِهَا) أَيْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ كَتَقْدِيمِهَا بِشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ] : وَلَا يُقَالُ إنَّ زَكَاةَ الْحَرْثِ كَالْعَيْنِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِكَشَهْرٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ الْإِجْزَاءَ فِي الْعَيْنِ رُخْصَةٌ فَيَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ. قَوْلُهُ: [عَلَى نَهْجِ الشَّرِيعَةِ] : مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا فِي صَرْفِهَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَجِيئُهُ شَرْطًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهَا لَهُ، فَإِنْ أُكْرِهَ النَّاسُ عَلَيْهِ أَجْزَأَتْ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَخَلَّفَ أَجْزَأَتْ] : قَالَ الْخَرَشِيُّ: إذَا كَانَ السُّعَاةُ مَوْجُودِينَ وَشَأْنُهُمْ الْخُرُوجُ فَتَخَلَّفُوا فِي بَعْضِ الْأَعْوَامِ لِشَغْلٍ، فَأَخْرَجَ رَجُلٌ زَكَاةَ مَاشِيَتِهِ أَجْزَأَتْ. وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ عَلَى مَا إذَا تَخَلَّفَ لِعُذْرٍ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ عَلَى مَا قَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ، وَأَمَّا إنْ تَخَلَّفَ لَا لِعُذْرٍ فَإِنَّهُمْ يُخْرِجُونَ زَكَاتُهُمْ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا الْوَجْهِ. (اهـ.) قَوْلُهُ [بِمُرُورِ الْحَوْلِ] : أَيْ اتِّفَاقًا. وَكَذَا إنْ كَانَ وَلَمْ يُمْكِنْ بُلُوغُهُ، فَلَوْ أَمْكَنَ بُلُوغُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ فَإِنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ بِمُرُورِ الْحَوْلِ. [زَكَاة الْوَارِث والموصى لَهُ] قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلُ الْبَابِ] : أَيْ فِي قَوْلِهِ: " وَضُمَّتْ الْفَائِدَةُ مِنْهَا وَإِنْ بِشِرَاءٍ لَهُ ". قَوْلُهُ: [وَلَا تَبْدَأُ] إلَخْ: أَشَارَ بِهَذَا لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ لَهُ مَاشِيَةٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ فَمَاتَ بَعْدَ حَوْلِهَا وَقَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي. وَأَوْصَى بِزَكَاتِهَا فَهِيَ مِنْ الثُّلُثِ

[تنبيه تخلف الساعي]

بِالزَّكَاةِ وَمَاتَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، بَلْ تَكُونُ فِي مَرْتَبَةِ الْوَصَايَا بِالْمَالِ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا فَكُّ الْأَسِيرِ وَمَا مَعَهُ كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا ذَبَحَهُ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْفِرَارَ (وَتَجِبُ فِيمَا ذَبَحَهُ أَوْ بَاعَهُ بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ مَجِيءِ السَّاعِي (بِغَيْرِ) قَصْدِ (فِرَارٍ) ، فَإِنْ قَصَدَ الْفِرَارَ أُخِذَتْ مِنْهُ مُطْلَقًا. (وَ) تَجِبُ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ) رَبُّهَا بَعْدَ مَجِيءِ السَّاعِي، أَيْ يَأْخُذُهَا السَّاعِي مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِوُجُوبِهَا فِيهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَهُ فَيَسْتَقْبِلُ الْوَارِثُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ أَخْرَجَهَا الْوَارِثُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ الْمُوَرِّثُ بَعْدَ الْحَوْلِ (لَا إنْ مَاتَتْ) الْمَاشِيَةُ بَعْدَ مَجِيءِ السَّاعِي (أَوْ ضَاعَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْ رَبِّهَا فَلَا تَجِبُ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الذَّبْحِ وَالْبَيْعِ كَمَا تَقَدَّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQغَيْرُ مُبْتَدَأَةٍ وَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَصْرِفُوهَا لِلْمَسَاكِينِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ وَلَيْسَ لِلسَّاعِي قَبْضُهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَى الْمَيِّتِ وَكَأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ حَوْلِهَا إذْ حَوْلُهَا مَجِيءُ السَّاعِي بَعْدَ عَامٍ مَضَى. (اهـ) . قَوْلُهُ: [بِغَيْرِ قَصْدِ فِرَارٍ] : هَذِهِ الْعِبَارَةُ رَكِيكَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا. [تَنْبِيه تَخَلَّفَ السَّاعِي] قَوْلُهُ: [أَيْ يَأْخُذُهَا السَّاعِي مِنْ رَأْسِ الْمَالِ] : أَيْ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَلْ تَقَدَّمَ عَلَى مُؤَنِ التَّجْهِيزِ. قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ] : وَتَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نِصَابٌ يَضُمُّهُ لَهُ وَإِلَّا فَلَا يَسْتَقْبِلُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ] : أَيْ أَوْ لَهُمْ سَاعٍ وَتَخَلَّفَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الذَّبْحِ وَالْبَيْعِ] : أَيْ لِأَنَّ كَلَا فِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ. تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ وُصُولُ السَّاعِي وَتَخَلَّفَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ بِمُرُورِ الْحَوْلِ، لَكِنْ إنْ أَخْرَجَهَا أَجْزَأَتْ. وَلَيْسَ لِلسَّاعِي الْمُطَالَبَةُ بِهَا إنْ تَخَلَّفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَادَّعَى صَاحِبُهَا الْإِخْرَاجَ. أَوْ تَخَلَّفَ لِعُذْرٍ وَأَثْبَتَ صَاحِبُهَا إخْرَاجَهَا بِالنِّيَّةِ. فَإِنْ اعْتَرَفَ بِعَدَمِ إخْرَاجِهَا عَمَل السَّاعِي فِي الْمَاضِي عَلَى مَا وَجَدَ بِتَبْدِئَةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ. فَيُعْتَبَرُ نَقْصُهَا بِمَا أُخِذَ مِنْهُ كَالْهَارِبِ عَلَى الرَّاجِحِ، لَكِنْ يُعَامَلُ

[زكاة الحرث]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى زَكَاةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: (وَفِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) جَمْعُ وَسْقٍ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - سِتُّونَ صَاعًا (فَأَكْثَرَ) : إذْ لَا وَقْصَ فِي الْحَبِّ. (مِنْ الْحَبِّ) : بَيَانٌ لِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْهَارِبُ إنْ نَقَصَتْ عَلَى مَا فَرَّ بِهِ. وَلَوْ جَاءَ تَائِبًا - كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَادًّا عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. نَعَمْ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَمَل بِهَا إلَّا عَامُ الْأَخْذِ فَعَلَى مَا وَجَدَ كَذَا فِي (عب) . وَفِي (بْن) اعْتِبَارٌ تَبْدِئَةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ حَتَّى فِي عَامِ الِاطِّلَاعِ. مَسْأَلَةٌ: يُؤْخَذُ مِنْ الْخَوَارِجِ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ زَكَّاهُ الْأَعْوَامِ الْمَاضِيَةِ وَقْتَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، إلَّا أَنْ يَدَّعُوا دَفْعُهَا فَيَصْدُقُوا. مَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُمْ عَلَى الْإِمَامِ لِمَنْعِهَا فَلَا يَصْدُقُونَ فِي دَفْعِهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ. [زَكَاة الْحَرْثِ] قَوْلُهُ: [وَفِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ] : أَيْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ فِي مِلْكِ وَاحِدٍ. فَلَوْ خَرَجَ مِنْ الزَّرْعِ الْمُشْتَرَكِ سِتَّةَ عَشْرَ وَسْقًا عَلَى أَرْبَعَةٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ كَمَالِ النِّصَابِ لِكُلٍّ. قَوْلُهُ: [سِتُّونَ صَاعًا] : كُلُّ صَاعٍ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، كُلّ مَدٍّ: رَطْلٌ وَثُلُثُ، كُلُّ رِطْلٍ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةُ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا مَكِّيًّا، لِأَنَّهُ وَرَدَ: «الْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ وَالْكَيْلُ كَيْلُ الْمَدِينَةِ» ، لِأَنَّ مَكَّةَ مَحَلُّ التِّجَارَةِ الْمَوْزُونَةِ وَالْمَدِينَةِ مَحَلِّ الزَّرْعِ وَالْبَسَاتِينِ، فَيَعْتَنُونَ بِالْكَيْلِ. وَكُلُّ دِرْهَمٍ خَمْسُونَ وَخُمْسَا حَبَّةٍ مِنْ وَسَطِ الشَّعِيرِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَيُوزَنُ الْقَدْرُ الْمَعْلُومُ مِنْ الشَّعِيرِ، وَيُكَالُ. ثُمَّ الضَّابِطُ مِقْدَار الْكَيْلِ فَلَا يُقَالُ الْوَزْن يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحُبُوبِ. وَتَقْرِيبُ النِّصَابِ بِكَيْلِ مِصْرَ أَرْبَعَةُ أَرَادِبِ وَوَيْبَةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلّ رُبْعٍ مُصَرٍّ: ثَلَاثَةُ آصُعَ. فَالْأَرْبَعَةُ أَرَادِبِ وَوَيْبَةٍ: ثَلَثُمِائَةِ صَاعٍ

وَدَخَلَ فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفًا: الْقَطَانِيُّ السَّبْعَةُ، وَالْقَمْحُ وَالسُّلْتُ وَالشَّعِيرُ وَالْعَلَسُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ، (وَذَوَاتِ الزُّيُوتِ الْأَرْبَعِ) وَهِيَ الزَّيْتُونُ، وَالسِّمْسِمُ، وَالْقُرْطُمُ وَحَبُّ الْفُجْلِ الْأَحْمَرِ. (وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) . فَالْأَصْنَافُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عِشْرُونَ (فَقَطْ) : لَا فِي تِينٍ، وَرُمَّانٍ، وَتُفَّاحٍ. وَسَائِرِ الْفَوَاكِهِ. وَلَا فِي بَزْرِ كَتَّانٍ وَسَلْجَمٍ، وَلَا فِي جَوْزٍ وَلَوْزٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ؛ (وَإِنْ) زُرِعَتْ هَذِهِ الْعِشْرُونَ (بِأَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ) - كَأَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً. وَخَرَاجُهَا لَا يُسْقِطُ عَنْهَا الزَّكَاةَ - كَمَا أَنَّ الْعَلَفَ لَا يُسْقِطُ زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ - وَغَيْرُ الْخَرَاجِيَّةِ هِيَ أَرْضُ الصُّلْحِ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا وَأَرْضُ الْمَوَاتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَذَلِكَ قَدْرِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ. لِأَنَّ الْجُمْلَةَ أَلْفِ مَدٍّ وَمِائَتَانِ هَذَا كَيْلُهَا وَوَزْنُهَا أَلْفُ وَسِتِّمِائَةِ رَطْلٍ. قَوْلُهُ: [الْقَطَانِيُّ السَّبْعَةُ] : أَيْ وَهِيَ الْحِمَّصُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا. وَالْفُولُ وَاللُّوبِيَا وَالْعَدَسُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالتُّرْمُسُ بِوَزْنِ بُنْدُقٌ، وَالْجُلْبَانِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَالْبَسِيلَةُ - بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَبِدُونِهَا - مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [الْفُجْلُ الْأَحْمَرُ] : صِفَةٌ لِلْفُجْلِ لَا لِلْحَبِّ؛ يُوجَدُ فِي بِلَادُ الْمَغْرِبِ. قَوْلُهُ: [لَا فِي تِينٍ] إلَخْ: أَيْ لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْعِشْرِينَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا رِبَوِيًّا. قَوْلُهُ: [وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ] : أَيْ كَحَبِّ الْفُجْلِ الْأَبْيَضِ وَالْعُصْفُرِ وَالتَّوَابِلِ وَهِيَ: الْفُلْفُلُ وَالْكُزْبَرَةُ وَالْأَنِيسُونَ وَالشَّمَارِ وَالْكَمُّونِ وَالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُصْلِحَاتِ الطَّعَامِ وَإِنْ كَانَتْ رِبَوِيَّةً. قَوْلُهُ: [بِأَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ] : رَدَّ الْمُصَنِّفُ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى الْحَنَفِيَّة الْقَائِلِينَ: لَا زَكَاةَ فِي زَرْعِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ. قَوْلَةُ [كَمَا أَنَّ الْعَلَفَ لَا يَسْقُطُ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ. قَوْلُهُ: [الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا] : أَيْ بِغَيْرِ قِتَالٍ. قَوْلُهُ: [وَأَرْضُ الْمَوَاتِ] : أَيْ كَأَرْضِ الْجِبَالِ وَالْبَرَارِيِ مَثَلًا وَتَعْرِيفُهَا: مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ.

(نِصْفُ عُشْرِ الْحَبِّ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ خَبَرُهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ يَجِبُ نِصْفُ إلَخْ وَمُرَادُهُ بِالْحَبِّ هُنَا مَا يَشْمَلُ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ. (وَ) نِصْفُ عُشْرِ (زَيْتِ مَا لَهُ زَيْتٌ) مِنْ ذَوَاتِ الزُّيُوتِ الْأَرْبَعِ. (وَجَازَ) الْإِخْرَاجُ (مِنْ حَبِّ غَيْرِ الزَّيْتُونِ) وَهُوَ السِّمْسِمُ وَالْقُرْطُمُ وَحَبُّ الْفُجْلِ، وَأَمَّا الزَّيْتُونُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِخْرَاجِ مِنْ زَيْتِهِ إنْ كَانَ لَهُ زَيْتٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَيْتٌ - كَزَيْتُونِ مِصْرَ - فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: (وَ) نِصْفُ عُشْرِ (ثَمَنِ مَا) : أَيْ زَيْتُونٍ (لَا زَيْتَ لَهُ) إنْ بَاعَهُ، وَإِلَّا أَخْرَجَ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهِ يَوْمَ طِيبِهِ، فَقَوْلُهُ: " ثَمَنِ " عَطْفٌ عَلَى الْحَبِّ. (وَ) نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِ (مَا لَا يَجِفُّ مِنْ عِنَبٍ وَرُطَبٍ) كَعِنَبِ مِصْرَ وَرُطَبِهَا إنْ بِيعَ وَإِلَّا فَنِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ يَوْمَ طِيبِهِ (وَلَا يُجْزِي) الْإِخْرَاجُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [نِصْفُ عُشْرِ الْحَبِّ] : هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا شَأْنُهُ الْجَفَافُ مِنْ الْحَبِّ سَوَاءٌ تُرِكَ حَتَّى جَفَّ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [وَنِصْفُ عُشْرِ زَيْتٍ] إلَخْ: أَيْ إنْ بَلَغَ حَبَّهُ نِصَابًا، فَمَتَى بَلَغَ حَبُّهُ نِصَابًا أَخْرَجَ نِصْفَ عُشْرِ زَيْتِهِ وَإِنْ قَلَّ الزَّيْتُ. قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِخْرَاجِ مِنْ زَيْتِهِ] : أَيْ سَوَاءٌ عَصَرَهُ أَوْ أَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ. وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ حَبٍّ أَوْ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ. وَهَذَا إذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الزَّيْتِ وَلَوْ بِالتَّحَرِّي، أَوْ بِإِخْبَارٍ مَوْثُوقٍ بِإِخْبَارِهِ؛ وَإِلَّا أَخْرَجَ مِنْ قِيمَتِهِ إنْ أَكَلَهُ أَوْ أَهْدَاهُ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ، وَإِلَّا أَخْرَجَ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهِ، أَيْ وَإِلَّا يَبِعْهُ بَلْ أَكَلَهُ أَوْ أَهْدَاهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ. وَلَوْ أَخْرَجَ زَيْتُونًا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ الَّذِي لَا يَجِفُّ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ حَبَّةِ] : وَرَوَى عَلِيٌّ وَابْنُ نَافِعٍ: مِنْ ثَمَنِهِ إلَّا أَنْ يَجِدَ زَبِيبًا فَيَلْزَمُ شِرَاؤُهُ. ابْنُ حَبِيبٍ: مِنْ ثَمَنِهِ. وَإِنْ أَخْرَجَ عِنَبًا أَجْزَأَهُ. وَكَذَا الزَّيْتُونُ الَّذِي لَا زَيْتَ لَهُ، وَالرُّطَبُ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ؛ إنْ أَخْرَجَ مِنْ حَبِّهِ أَجْزَأَهُ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ. (اهـ بْن - مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

(مِنْ حَبِّهِ) . وَأَمَّا مَا يَجِفُّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِخْرَاجِ مِنْ حَبِّهِ. وَلَوْ أَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ رُطَبًا، وَيَتَحَرَّى. وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: " نِصْفُ عُشْرِ الْحَبِّ " كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ بِقَوْلِنَا: " وَمُرَادُهُ بِالْحَبِّ " إلَخْ (وَكَفُولٍ أَخْضَرَ) الْكَافُ بِمَعْنَى: مِثْلِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى عِنَبٍ أَيْ مِنْ عِنَبٍ وَمِنْ مِثْلِ فُولٍ أَخْضَرَ: أَيْ أَنَّ الْفُولَ الْأَخْضَرَ وَمَا مَاثَلَهُ مِنْ الْقَطَانِيِّ كَالْحِمَّصِ الْأَخْضَرِ - مِمَّا شَأْنُهُ عَدَمُ الْيُبْسِ كَالْمِسْقَاوِيِّ - يُخْرَجُ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ بِيعَ، وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ إنْ لَمْ يُبَعْ، بِأَنْ أَكَلَ أَوْ أَهْدَى بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. (وَجَازَ) أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ حَبًّا يَابِسًا بَعْدَ اعْتِبَارِ جَفَافِهِ. فَإِنْ كَانَ شَأْنُهُ الْيُبْسَ - كَاَلَّذِي يُزْرَعُ بِمَحَلِّ النِّيلِ - فَهَلْ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْإِخْرَاجُ (مِنْ حَبِّهِ) إنْ أُكِلَ أَخْضَرَ أَوْ بِيعَ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ اللَّذَيْنِ شَأْنُهُمَا الْيُبْسُ، أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ؟ بَلْ يَجُوزُ الْإِخْرَاجُ مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ قِيمَتِهِ كَاَلَّذِي شَأْنُهُ عَدَمُ الْيُبْسِ: قَوْلَانِ. رَجَّحَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ؛ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْهُ: يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْإِخْرَاجُ مِنْ أَصْلِ حَبِّهِ، وَظَاهِرُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَرَفَةَ تَرْجِيحُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَمَحَلُّ إخْرَاجِ نِصْفِ الْعُشْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (إنْ سُقِيَ بِآلَةٍ) : كَالسَّوَّاقِي وَالدَّوَالِيبِ وَالدِّلَاءِ. (وَإِلَّا) يُسْقَ بِآلَةٍ - بِأَنْ سُقِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَا يَجِفُّ] : أَيْ شَأْنُهُ الْجَفَافُ جَفَّ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ [أَوْ بَاعَهُ رُطَبًا] : أَيْ لِمَنْ يُجَفِّفُهُ أَوْ لِمَنْ لَا يُجَفِّفُهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَا لَمْ يَعْجَزْ عَنْ تَحَرِّيهِ إذَا بَاعَهُ. وَإِلَّا أَخْرَجَ مِنْ ثَمَنِهِ. (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَكَفُولٍ أَخْضَرِ] : اعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْفُولِ الْأَخْضَرِ وَالْفَرِيكِ الْأَخْضَرِ وَالْحِمَّصِ وَالشَّعِيرِ الْأَخْضَرَيْنِ. مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْإِفْرَاكِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَسَيَأْتِي أَنَّ مَعْنَى الْإِفْرَاكِ هُوَ طَيِّبَهُ وَبُلُوغُهُ حَدِّ الْأَكْلِ مِنْهُ. وَاسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ السَّقْيِ. وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ. وَلَوْ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْيُبْسِ فَلَا زَكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَيْثُ قُطِعَتْ قَبْلَهُ. وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ] : وَيُؤَيِّدُ اعْتِمَادُهُ تَقْوِيَةُ (بْن) فِيهِ. وَاَلَّذِي قَالَ بِهِ (ر) وَدَرَج عَلَيْهِ فِي الْحَاشِيَةِ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ شَأْنه الْجَفَافُ (قَوْلُهُ كَالسَّوَّاقِي) أُدْخِلَتْ الْكَافُ: النَّطَّالَةُ وَالشَّادُوفُ. خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا لَا يُدَخِّلَانِ فِي الْآلَةِ.

[تنبيه تغليب الأكثر في الزكاة]

بِالْمَطَرِ أَوْ النِّيلِ أَوْ الْعُيُونِ أَوْ السَّيْحِ - (فَالْعُشْرُ) كَامِلًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إخْرَاجِ الْحَبِّ أَوْ الزَّيْتِ أَوْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ. (وَلَوْ اشْتَرَى السَّيْحَ) مِمَّنْ نَزَلَ فِي أَرْضِهِ (أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ) نَفَقَةً - كَأُجْرَةٍ أَوْ عَمَلٍ حَتَّى أَوْصَلَهُ مِنْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ مَثَلًا إلَى أَرْضِهِ - فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ. وَلَا يُنَزَّلُ الشِّرَاءُ أَوْ الْإِنْفَاقُ مَنْزِلَةَ الْآلَةِ لِخِفَّةِ الْمُؤْنَةِ غَالِبًا. (وَيُقَدَّرُ الْجَفَافُ) إنْ أُخِذَ مِنْ الْحُبُوبِ أَوْ الرُّطَبِ أَوْ الْعِنَبِ شَيْءٌ بَعْدَ إفْرَاكِهِ وَقَبْلَ يُبْسِهِ لِأَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ هَذَا إذَا كَانَ شَأْنُهُ الْجَفَافَ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ يَجِفَّ) عَادَةً - كَعِنَبِ مِصْرَ وَرُطَبِهَا وَالْفُولِ الْمَسْقَاوِيِّ - فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ جَفَافُهُ بِالتَّخْرِيصِ؛ بِأَنْ يُقَالَ: مَا قَدْرُ مَا يُنْقِصُهُ هَذَا الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟ أَوْ مَا قَدْرُهُ بَعْدَ جَفَافِهِ، فَإِذَا قِيلَ النِّصْفُ مَثَلًا اُعْتُبِرَ الْبَاقِي لِيُخْرِجَ مِنْهُ الزَّكَاةَ وَلَوْ بِالضَّمِّ لِغَيْرِهِ. (وَإِنْ سُقِيَ) زَرْعٌ (بِهِمَا) : أَيْ بِالْآلَةِ وَغَيْرِهَا، (فَعَلَى حُكْمِهِمَا) : أَيْ فَالزَّكَاةُ فِي ذَلِكَ الزَّرْعِ تَجْرِي عَلَى حُكْمِ السَّقْيِ بِالْآلَةِ وَالسَّقْيِ بِغَيْرِهَا بِأَنْ يُقَسَّمَ الْخَارِجُ نِصْفَيْنِ. نِصْفٌ فِيهِ الْعُشْرُ وَالْآخَرُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ اسْتَوَى السَّقْيُ بِكُلِّ مِنْهُمَا فِي الزَّمَنِ أَوْ فِي عَدَدِ السَّقْيَاتِ أَمْ لَا، وَهُوَ أَحَدُ الْمَشْهُورَيْنِ. وَعَلَيْهِ؛ فَإِذَا سُقِيَ بِالْآلَةِ شَهْرَيْنِ وَبِالْمَطَرِ شَهْرًا أَوْ سُقِيَ بِالْآلَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَبِغَيْرِهَا مَرَّتَيْنِ. فَالثُّلُثَانِ لَهُمَا نِصْفُ الْعُشْرِ وَالثُّلُثُ لَهُ الْعُشْرُ. وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ. وَقَوْلُنَا: " فَعَلَى حُكْمِهِمَا " هُوَ لَفْظُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَنُسْخَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ السَّيْحِ] : عَطْفٌ عَامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا قَبْلَهُ، فَالْمُنَاسِبُ الْوَاوُ. قَوْلُهُ: [فَالْعُشْرُ كَامِلًا] إلَخْ: وَمِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ مَا يَزْرَعُ مِنْ الذَّرَّة وَيَصُبُّ عَلَيْهِ عِنْدَ زَرْعِهِ فَقَطْ قَلِيلٌ مِنْ الْمَاءِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ اشْتَرَى السَّيْحَ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى الْمُخَالِفِ. [تَنْبِيه تَغْلِيب الْأَكْثَر فِي الزَّكَاة] قَوْلُهُ: [وَهُوَ أَحَدُ الْمَشْهُورِينَ] : أَيْ لِمَا أَشْهَرُهُ فِي الْإِرْشَادِ. قَوْلُهُ: [وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي] إلَخْ: شَهَرَهُ فِي الْجَوَاهِرِ.

الْمُبَيَّضَةِ: " فَكُلٌّ عَلَى حُكْمِهِ ": أَيْ فَكُلٌّ مِنْ السَّقْيَيْنِ جَارٍ عَلَى حُكْمِهِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. فَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِلنُّسْخَةِ الَّتِي شَرَحْنَا عَلَيْهَا. (وَتُضَمُّ الْقَطَانِيُّ) السَّبْعَةُ (لِبَعْضِهَا) بَعْضًا لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا أَوْ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْهَا مَا فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ وَأَخْرَجَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا مَا يَنُوبُهُ. وَأَجْزَأ إخْرَاجُ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى لَا عَكْسُهُ (كَقَمْحٍ وَسُلْتٍ وَشَعِيرٍ) تَشْبِيهٌ فِي الضَّمِّ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُسْخَةُ الْمُبَيَّضَةِ] : يَعْنِي بِهَا مُبَيَّضَةَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَيْهَا لِانْتِشَارِ نُسْخَةِ الْمَتْنِ قَبْلَ الشَّرْحِ فَدَفَعَ بِهِ تَوَهُّمُ مُخَالِفَةِ النُّسْخَتَيْنِ وَنُسْخَةُ مُبَيَّضَتِهِ أَبْلَغُ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. تَنْبِيهٌ: عَلَى الْقَوْلِ بِتَغْلِيبِ الْأَكْثَرِ اخْتَلَفَ: هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْأَكْثَرُ مُدَّةٌ وَلَوْ كَانَ السَّقْيُ فِيهَا أَقَلَّ؟ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُدَّةُ السَّقْيِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ مِنْهَا شَهْرَانِ بِالسَّيْحِ، وَأَرْبَعَةٍ بِالْآلَةِ لَكِنْ سَقْيِهِ بِالسَّيْحِ عَشْرِ مَرَّاتٍ، وَبِالْآلَةِ خَمْسٍ - فَعَلَى هَذَا تَغْلِبُ الْآلَةُ وَيَخْرُجُ نِصْفُ " الْعُشْرِ فِي الْجَمِيعِ - أَوْ الْمُرَادُ الْأَكْثَرُ سَقْيًا وَإِنْ قَلَّتْ مُدَّتُهُ؟ فَعَلَيْهِ يَغْلِبُ السَّيْحُ فِي الْمِثَالِ، وَيَخْرُجُ عَنْ الْجَمِيعِ الْعُشْرُ. وَقَدْ اسْتَظْهَرَهُ فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ] : أَيْ لَا الْبَيْعُ فَإِنَّهَا فِيهِ أَجْنَاسٌ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ كَمَا يَأْتِي. وَالْقَطَانِيُّ: كُلٌّ مَا لَهُ غِلَافٌ وَتَقَدَّمَ عَدُّهَا. قَوْلُهُ: [وَأَجْزَأَ إخْرَاجُ الْأَعْلَى] : أَيْ أَوْ الْمُسَاوِي. وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ أَعْلَى أَوْ مُسَاوِيًا عَرَفَ الْمَخْرَج. وَإِذَا أَخْرَجَ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى " فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِقَدْرِ مَكِيلَةُ الْمَخْرَجُ عَنْهُ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْهُ. وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ أَقَلُّ مِنْ مَكِيلَتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ رُجُوعًا لِلْقِيمَةِ، فَيَدْخُلُهُ دَوَرَانُ الْفَضْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ. قَوْلُهُ: [كَقَمْحٍ] إلَخْ: أَيْ وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ الْأَعْلَى أَوْ الْمُسَاوِي كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. قَوْلُهُ: [وَسُلْتٌ] : حَبٌّ بَيْنَ الشَّعِيرِ وَالْقَمْحِ لَا قِشْرَ لَهُ يُعْرَفُ عِنْد الْمَغَارِبَةِ بِشَعِيرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ] : أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ يَحْرُمُ بَيْعُ

[تنبيه ضم متحد الجنس في الزكاة]

(لَا) يُضَمُّ شَيْءٌ مِنْهَا (لِعَلَسٍ) : حَبٌّ طَوِيلٌ يُشْبِهُ الْبُرَّ بِالْيَمَنِ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ مُنْفَرِدٌ فِي نَفْسِهِ، (وَذُرَةٍ) عَطْفٌ عَلَى عَلَسٍ: أَيْ وَلَا يَضُمُّ شَيْءٌ مِنْهَا لِذُرَةٍ، (وَ) لَا (دُخْنٍ، وَ) لَا (أُرْزٍ، وَهِيَ) فِي نَفْسِهَا (أَجْنَاسٌ) : أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا جِنْسٌ عَلَى حِدَةٍ لَا تُضَمُّ أَيْ لَا يُضَمُّ وَاحِدٌ مِنْهَا لِآخَرَ، بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ. (وَ) ذَوَاتُ الزُّيُوتِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ: (الزَّيْتُونُ، وَالسِّمْسِمُ، وَبَذْرُ الْفُجْلِ) الْأَحْمَرِ - بِضَمِّ الْفَاءِ - يُوجَدُ بِقُطْرِ الْغَرْبِ (وَالْقُرْطُمُ؛ أَجْنَاسٌ) لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. (وَالزَّبِيبُ) بِأَصْنَافِهِ (جِنْسٌ) كَذَلِكَ؛ تُضَمُّ أَصْنَافُهُ وَلَا يُضَمُّ هُوَ لِغَيْرِهِ. (وَالتَّمْرُ) بِأَصْنَافِهِ (جِنْسٌ) كَذَلِكَ. (وَاعْتُبِرَ الْأَرْزُ وَالْعَلَسُ) فِي الزَّكَاةِ (بِقِشْرِهِ) الَّذِي يُخَزَّنُ بِهِ (كَالشَّعِيرِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQبَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلَةٌ خِلَافًا لِعَبْدِ الْحَمِيدِ الصَّائِغِ. قَوْلُهُ: [أَجْنَاسٌ] : أَيْ فِي الزَّكَاةِ وَالْبَيْعِ. قَوْلُهُ: [بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ] : أَيْ فَإِنْ كَمُلَ النِّصَابُ زَكَّى وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: [وَالزَّبِيبُ بِأَصْنَافِهِ جِنْسٌ] : أَيْ فِي بَابِ الزَّكَاةِ وَالْبَيْعِ. قَوْلُهُ: [جِنْسٌ كَذَلِكَ] : تَشْبِيهٌ تَامٌّ. [تَنْبِيهٌ ضَمُّ مُتَّحِدِ الْجِنْسِ فِي الزَّكَاة] قَوْلُهُ: [بِقِشْرِهِ] : أَيْ وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْأَرْزِ مَقْشُورًا أَوْ غَيْرَ مَقْشُورٍ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِتَعَيُّنِ الثَّانِي. تَنْبِيهٌ: يُضَمُّ مُتَّحِدِ الْجِنْسِ فِي الْحُبُوبِ وَلَوْ زُرِعَتْ بِبَلَدَيْنِ، حَيْثُ زُرِعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وُجُوبِ زَكَاةِ الْآخَرِ وَبَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ إلَى وُجُوبِهَا فِي الثَّانِي مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ مَعَ الثَّانِي. وَإِنْ زَرَعَ ثَالِثٌ بَعْدَ حَصَادِ أَوَّلٍ، وَقَبْلَ حَصَادِ ثَانٍ زَرْع ذَلِكَ الثَّانِي قَبْلَ حَصَادِ الْأَوَّلِ: ضُمَّ الْوَسَطُ لِلطَّرَفَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِيَّةِ إذْ كَانَ فِيهِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصَابٌ؛ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ أَوْسُقٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَسَقَانِ وَلَمْ يَخْرُجْ زَكَاةٌ الْأَوَّلِينَ حَتَّى حَصَلَ الثَّالِثُ فَيُزَكِّي الْجَمِيعُ زَكَاةً وَاحِدَةً. وَلَا يُضَمُّ الْأَوَّلُ لِلثَّالِثِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَسَطِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا - عَلَى الْبَدَلِيَّةِ - نِصَابٌ؛ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلٍّ وَسَقَانِ وَزَرَعَ الثَّالِثُ بَعْدَ حَصَادِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْوَسَطِ مَعَ أَحَدٍ

[فرع ما يعطى لأهل الشرطة وخدمة السلطان]

لَا مُجَرَّدًا عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ فِيمَا ذِكْرُ نِصَابٍ بِقِشْرِهِ زَكَّاهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ مِنْهُ أَقَلَّ. (وَالْوُجُوبُ) : أَيْ وُجُوبُ الزَّكَاةِ كَائِنٌ وَمُحَقَّقٌ (بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ) : أَيْ طِيبِهِ وَبُلُوغِهِ حَدَّ الْأَكْلِ مِنْهُ وَاسْتِغْنَائِهِ عَنْ السِّقْي كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ. لَا بِالْيُبْسِ وَلَا بِالْحَصَادِ وَلَا بِالتَّصْفِيَةِ (وَطِيبُ الثَّمَرِ) بِالْمُثَلِّثَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الزَّهْوُ فِي بَلَحِ النَّخْلِ، وَظُهُورُ الْحَلَاوَةِ فِي الْعِنَبِ. وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ بِمَا ذُكِرَ (فَيُحْسَبُ) - مِنْ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَكْثَرَ - (مَا أَكَلَهُ) ـــــــــــــــــــــــــــــQالطَّرَفَيْنِ فَقَطْ نِصَابٌ؛ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَسَطُ اثْنَيْنِ وَالْأَوَّلُ ثَلَاثَةً وَالثَّالِثُ اثْنَيْنِ أَوْ الْعَكْسُ، فَإِنَّهُ يُضَمُّ لَهُ مَا يُكْمِلُهُ نِصَابًا وَلَا زَكَاةَ فِي الْآخَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ كَمُلَ مَعَ الْأَوَّلِ زَكَّى الثَّالِثُ مَعَهُمَا دُونَ الْعَكْسِ، لِأَنَّهُ إذَا كَمُلَ مِنْ الْأَوَّلِ مَضْمُومٌ لِلثَّانِي وَهُوَ خَلِيطُ الثَّالِثِ، وَإِذَا كَمُلَ مِنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالْمَضْمُومُ الثَّانِي لِلثَّالِثِ. فَالْحَوْلُ الثَّالِثُ وَلَا خَلْطَةَ لِلْأَوَّلِ بِهِ، وَرَجَّحَ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . [فَرْعٌ مَا يُعْطَى لِأَهْلِ الشُّرْطَةِ وَخَدَمَةِ السُّلْطَانِ] قَوْلُهُ: [بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ] إلَخْ: أَيْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأُمَّهَاتِ، وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ الزَّكَاةُ تَجِبُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالطَّيِّبِ أَيْ بُلُوغِهِ حَدَّ الْأَكْلِ، فَإِذَا أَزْهَى النَّخْلُ أَوْ طَابَ الْكَرْمُ وَحَلَّ بَيْعُهُ وَأَفْرَكَ الزَّرْعُ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ وَأَسْوَدَّ الزَّيْتُونُ أَوْ قَارَبَ الِاسْوِدَادَ (اهـ) . فَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الزَّرْعِ عَلَى الْإِفْرَاكِ وَذَكَرَ إبَاحَةَ الْبَيْعِ فِي غَيْرِهِ. كَذَا فِي (بْن) . ثُمَّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا قَالَ: فَتَحْصُلُ أَنَّ الْمَشْهُورَ تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِالْإِفْرَاكِ كَمَا لِخَلِيلٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَالْمُدَوَّنَةِ، وَمَا لِابْنِ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْيُبْسِ ضَعِيفٌ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَالْحَقُّ أَنَّ الْيُبْسَ غَيْرُ الْإِفْرَاكِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ. قَوْلُهُ: [وَاسْتِغْنَائِهِ عَنْ السَّقْيِ] : أَيْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ لَا يَنْقُصُ، بَلْ الْمُشَاهَدُ أَنَّهُ إذَا قَطَعَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَبْلَ يُبْسِهِ يُضْمَرُ وَيَنْقُصُ. قَوْلُهُ: [لَا بِالْيُبْسِ] إلَخْ: أَيْ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] لِأَنَّ الْمُرَادَ وَأَخْرِجُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ. وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ.

[زكاة وارث الزرع]

أَوْ وَهَبَهُ (أَوْ تَصَدَّقَ) بِهِ (أَوْ اسْتَأْجَرَ بِهِ) الْحَصَادَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْهُ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الْإِفْرَاكِ أَوْ الطِّيبِ تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ الْعَوَامِلِ قَبْلَهُ؛ (لَا) يُحْسَبُ (أَكْلُ دَابَّةٍ حَالَ دَرْسِهَا) أَيْ حَالَ دَوَرَانِهَا بِالنَّوْرَجِ، وَأَمَّا مَا أَكْلَتُهُ حَالَ رَبْطِهَا فَيُحْسَبُ. (وَلَا زَكَاةَ عَلَى وَارِثٍ) وَرِثَ الزَّرْعَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الطِّيبِ (إلَّا إذَا حَصَلَ لَهُ) أَيْ لِلْوَارِثِ (نِصَابٌ) مِنْ ذَلِكَ الزَّرْعِ. فَإِذَا مَاتَ عَنْ أَخٍ لِأُمٍّ وَعَاصِبٍ، وَحَصَلَ مِنْ الزَّرْعِ سِتَّةَ أَوْسُقٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمِّ. لِأَنَّ مَنَابَهُ وَسْقٌ وَاحِدٌ. وَعَلَى الْعَاصِبِ الزَّكَاةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ] : أَيْ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الزَّكَاةَ، أَوْ يَتَصَدَّق بِجَمِيعِهِ فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ زَكَاةً. قَوْلُهُ: [لَا يَحْسِبُ أَكْلَ دَابَّةٍ] : أَيْ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْآفَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْمِيمُهَا لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا. وَفِي حَاشِيَةِ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ: أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ نَجَاسَةِ الدَّوَابِّ حَالَ دَرْسِهَا، فَلَا يُغْسَلُ الْحَبُّ مِنْ بَوْلِهَا النَّجَسِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . فَرْعٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: لَا زَكَاةَ فِيمَا يُعْطِيه لِأَهْلِ الشُّرْطَةِ وَخَدَمَةِ السُّلْطَانِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجَائِحَةِ. [زَكَاة وَارِث الزَّرْع] [مَسْأَلَة الزَّكَاة فِي الْمُوصَى بِهِ] قَوْلُهُ: [إذَا حَصَلَ لَهُ] إلَخْ: أَيْ لِكَوْنِهِ حَصَلَ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَهُوَ إنَّمَا يُزَكِّي عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ. فَإِنْ وَرِثَ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَإِنْ وَرِثَ أَقَلَّ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ زَرْعٌ يَضُمُّهُ لَهُ. وَقَيَّدَ عَبْدُ الْحَقِّ زَكَاةَ الزَّرْعِ الَّذِي مَاتَ مَالِكُهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ بِمَا إذَا لَمْ تَسْتَغْرِقُ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ الدُّيُونِ. وَإِلَّا لَوَجَبَ أَنْ يُزَكِّي عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ. وَلَا مِيرَاثَ فِيهِ لِتَقَدُّمِ الدَّيْنِ. قَوْلُهُ: [فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمِّ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ مِنْ زَرْعٍ آخَرَ كَمَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى بَائِعِ الزَّرْعِ بَعْدَ الْإِفْرَاكِ وَالطِّيبِ، وَيَصْدُقُ الْمُشْتَرِي فِي إخْبَارِهِ بِالْقَدْرِ حَيْثُ كَانَ مَأْمُونًا. وَإِلَّا احْتَاطَ؛ فَإِنْ أَعْدَمَ الْجَائِعُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي زَكَاتُهُ نِيَابَةً إنْ بَقِيَ الْبَيْعُ عِنْدَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ هُوَ. ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا مِنْ أُجْرَةِ حَصَادِ وَتَصْفِيَةِ. فَإِنْ تَلِفَ بِسَمَاوِيِّ فَلَا زَكَاةَ أَصْلًا،

(وَلَا) زَكَاةَ (عَلَى مَنْ عَتَقَ) : أَيْ عَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ زَرَعَ (أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الطِّيبِ، لِأَنَّهُ حَالَ الطَّيِّبِ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالزَّكَاةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ. (وَخَرْصُ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ فَقَطْ) التَّخْرِيصُ: التَّحْزِيرُ؛ أَيْ يَجِبُ تَخْرِيصُ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِمَا، أَيْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَيِّنَ عَارِفًا لِأَرْبَابِ الْحَوَائِطِ يَخْرُصَ عَلَيْهِمْ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَعَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَأْتِيَ بِعَارِفٍ يَخْرُصُ مَا فِي حَائِطِهِ مِنْ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ. وَسَوَاءٌ كَانَ شَأْنُهُمَا الْيُبْسَ أَمْ لَا كَرُطَبِ وَعِنَبِ مِصْرَ لِيَضْبِطَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهُمَا (بَعْدَهُ) : أَيْ الطِّيبِ لَا قَبْلَهُ وَهَذَا أَخْصَرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَتْبَعْ بِزَكَاتِهِ الْمُشْتَرِي وَأَتْبَع بِهَا الْبَائِعُ إنْ أَيْسَرَ. مَسْأَلَةٌ مَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ الزَّرْعِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ أَوْ قَبْلَهُ وَمَاتَ بَعْدَهُ، فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُوصِي، كَانَتْ بِكَيْلٍ أَوْ بِجُزْءٍ، لِمَسَاكِينِ أَوْ لِمُعَيَّنٍ. وَأَمَّا إنْ مَاتَ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَعَلَى الْمُوصِي أَيْضًا إنْ كَانَتْ بِكَيْلٍ لِمَسَاكِينِ أَوْ لِمُعَيَّنِ. وَإِنْ كَانَتْ بِجُزْءٍ لِمُعَيَّنِ: زَكَّاهَا الْمُعَيَّنُ إنْ كَانَتْ نِصَابًا، وَلَوْ بِانْضِمَامِهَا لِمَالِهِ. وَلِمَسَاكِينِ: زُكِّيَتْ عَلَى ذِمَّتِهِ إنْ كَانَتْ نِصَابًا وَلَا تَرْجِعُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِمَا أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ. (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ [أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ] : إنْ قُلْت: لَا يَظْهَرُ هَذَا عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ فَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ سَوَاءٌ أَسْلَمَ بَعْدَ أَوْ قَبْلَ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ حَاصِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْفَرْعَ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَلِذَا قَالَ بَعْدَ: " لِأَنَّهُ حَالُ الطِّيبِ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالزَّكَاةِ ". قَوْلِهِ: [وَخَرْصُ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ فَقَطْ] : اُعْتُرِضَ الْحَصْرُ بِأَنَّ الشَّعِيرَ الْأَخْضَرَ إذَا أُفْرِكَ وَأُكِلَ أَوْ بِيعَ زَمَنُ الْمَسْغَبَةِ. وَالْفُولَ الْأَخْضَرَ وَالْحِمْصَ تَخْرُصُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْإِفْرَاكِ. وَأُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَصْرَ مُنْصَبٌّ عَلَى الشَّرْطِ. الثَّانِي أَنَّ الشَّعِيرَ وَالْفُولَ وَالْحِمْصَ لَا تَخْرِيصَ فِيهَا لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُقَدَّرُ جَفَافُهُ وَيُحْسَبُ مَا أَكَلَ مِنْهُ تَحَرِّيًا إلَّا أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَوْكُولٌ لِرَبِّهِ. وَالتَّخْرِيصُ: أَنْ يُعَيِّنَ الْإِمَامُ عَارِفًا لِأَرْبَابِ الْحَوَائِطِ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ إلَى. . . آخِرَ مَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [مِنْ التَّمْرِ] : فِيهِ مَجَازٌ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ حِينَ التَّخْرِيصِ لَمْ يَكُنْ تَمْرًا.

مِنْ قَوْلِهِ: " إذَا حَلَّ بَيْعُهُمَا ". وَأَشَارَ لِعِلَّةِ وُجُوبِ التَّخْرِيصِ فِيهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِ: (لِلِاحْتِيَاجِ لَهُمَا) : أَيْ لِأَنَّ الشَّأْنَ الِاحْتِيَاجُ لَهُمَا بِالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالْإِهْدَاءِ وَالتَّصَدُّقِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَلَوْ تُرِكَا بِلَا تَخْرِيصٍ لَحَصَلَ الْغَبَنُ عَلَى الْفُقَرَاءِ إذْ لَا تَكَادُ تُضْبَطُ الزَّكَاةُ إلَّا بِهِ، وَقَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " لِاخْتِلَافِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا " لَا يُفِيدُ الْمُرَادَ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْعِلَّةُ (شَجَرَةً شَجَرَةً) هَذَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " نَخْلَةً " لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْعِنَبَ إلَّا بِتَجَوُّزٍ أَوْ حَذْفٍ لِلْعَاطِفِ وَالْمَعْطُوفِ، أَيْ يَخْرُصُ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنْ النَّخْلِ أَوْ الْعِنَبِ عَلَى حِدَتِهَا لِأَنَّهُ لِلصَّوَابِ أَقْرَبُ مِنْ الضَّمِّ. (وَكَفَى) مُخَرِّصٌ (وَاحِدٌ) إنْ كَانَ عَدْلًا عَارِفًا. (وَإِنْ) تَعَدَّدَ الْمُخَرِّصُونَ وَ (اخْتَلَفُوا فَالْأَعْرَفُ) مِنْهُمْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ. (وَإِنْ أَصَابَتْهُ) بَعْدَ التَّخْرِيصِ (جَائِحَةٌ) مِنْ أَكْلِ طَيْرٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْ بَرْدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا يُفِيدُ الْمُرَادَ] إلَخْ: أُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَلْزُومَ - وَهُوَ الِاخْتِلَافُ - وَأَرَادَ لَازِمَهُ، وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ. لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ اخْتِلَافِ الْحَاجَةِ وُجُودُ أَصْلُ الِاحْتِيَاجِ. وَفِي الْحَقِيقَةِ هَذِهِ الْعِلَّةُ شَرْطٌ ثَانٍ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ سَاقَهَا فِي الْمَجْمُوعِ مَسَاق الشَّرْطِ. قَوْلُهُ: [إلَّا بِتَجَوُّزٍ] : أَيْ مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةَ الْعَامِّ. قَوْلُهُ: [أَوْ حَذْفٍ] : أَيْ أَوْ عِنَبَةٍ فَفِيهِ اكْتِفَاءٌ. وَقَوْلُهُ: [شَجَرَةٌ] إلَخْ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ بِتَأْوِيلِهِ بِ مُفَصَّلًا مِثْل بَابًا بَابًا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لِلصَّوَابِ أَقْرَبُ مِنْ الضَّمِّ] : فَإِنْ جَمَعَ أَكْثَرَ مِنْ نَخْلَةٍ. فَإِنْ اتَّحَدَتْ فِي الْجَفَافِ جَازَ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ وَإِلَّا فَلَا. فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ. قَوْلُهُ: [وَكَفَى مُخَرِّصٌ وَاحِدٌ] : أَيْ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا. «وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ وَحْدَهُ خَارِصًا إلَى خَيْبَرَ» . قَوْله: [فَالْأَعْرَفُ مِنْهُمْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ رَأْيَ الْأَقَلِّ أَوْ الْأَكْثَرِ. وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ وَقَعَ التَّخْرِيصُ مِنْهُمْ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا إذَا وَقَعَ التَّخْرِيصُ فِي أَزْمَانٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَقَوْلُهُ: " الْأَعْرَفُ " مَفْهُومُهُ: لَوْ اسْتَوَوْا فِي الْمَعْرِفَةِ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ جُزْءٌ عَلَى حَسْبِ عَدَدِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَخَذَ مِنْ قَوْلِ كُلِّ الثُّلُثُ وَأَرْبَعَةٌ الرُّبْعُ وَهَكَذَا.

أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، (اُعْتُبِرَتْ) فِي السُّقُوطِ فَيُزَكِّي مَا بَقِيَ إنْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا. (فَإِنْ زَادَتْ) الثَّمَرَةُ (عَلَى قَوْلِ عَارِفٍ) بِالتَّخْرِيصِ (وَجَبَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ) : أَيْ عَنْ ذَلِكَ الزَّائِدِ وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ بِالْأَحَبِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَحَمَلَهُ الْأَقَلُّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَارِفِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فَيُخْرِجُ عَنْ الزَّائِدِ وُجُوبًا اتِّفَاقًا. (وَأَخْذُ) الْوَاجِبِ (عَنْ أَصْنَافِهِمَا) : أَيْ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ (مِنْ) الصِّنْفِ الْوَسَطِ لَا مِنْ الْأَعْلَى وَلَا مِنْ الْأَدْنَى. وَلَا مِنْ كُلِّ نَوْعٍ لِلْمَشَقَّةِ؛ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الْمُزَكِّي بِدَفْعِ الْأَعْلَى. فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ كُلٍّ مَنَابَهُ أَجْزَأَ لَا إنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَدْنَى عَنْ الْأَعْلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ] إلَخْ: قَالَ فِيهَا: وَمِنْ خَرَصَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَوْسُقٍ فَوَجَدَ خَمْسَةً فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُزَكِّي لِقِلَّةِ إصَابَةِ الْخِرَاصِ الْيَوْمِ، فَقَوْلُ الْإِمَامِ: " أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُزَكِّي ". حَمَلَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ عَلَى الْوُجُوبِ كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّهُ خَطَأٌ صُرَاحٌ، وَهَذَا حَمْلُ الْأَكْثَرِ. وَحَمَلَهُ بَعْضٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ لِتَعْلِيلِهِ بِقِلَّةِ إصَابَةِ الْخِرَاصِ. فَلَوْ كَانَ عَلَى الْوُجُوبِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى إصَابَةِ الْخِرَاصِ وَلَا إلَى خَطَئِهِمْ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَحَدُ مَوَاضِعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ حُمِلَ فِيهَا أَحَبُّ عَلَى الْوُجُوبِ. وَمِنْهَا: وَلَا يَتَوَضَّأُ بِشَيْءٍ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا. وَلَا بِالْعَسَلِ الْمَمْزُوجِ، وَلَا بِالنَّبِيذِ، وَالتَّيَمُّمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُهَا فِي الْعَبْدِ يَظَاهَرُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ، وَمِنْهَا قَوْلُهَا فِي السَّلَمِ الثَّانِي إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَضْمَنَ، وَفِي السَّلَمِ الثُّلُثُ فِي النَّصْرَانِيِّ يَبِيعُ الطَّعَامَ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَدْ اشْتَرَاهُ مِنْ مِثْلِهِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَلَا يَشْتَرِيه مُسْلِمٌ حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ، وَمِنْهَا قَوْلُهَا فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ الرَّائِعَةِ يَغِيبُ عَلَيْهَا غَاصِبٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا. وَفِي الْحَجِّ الثَّالِثُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ مَكَانَ كَسْرٍ الْمَدِّ يَوْمًا، وَفِي الصَّلَاةِ وَإِنْ صَلَّى بِقَرْقَرَةٍ وَنَحْوهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا يَشْغَلُ: أَحَبَّ لَهُ الْإِعَادَةَ أَبَدًا، وَفِي الْحَجْرِ - وَلَا يَتَوَلَّى الْحَجْرُ إلَّا الْقَاضِيَ - قِيلَ: فَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ؟ قَالَ: الْقَاضِي أَحَبُّ إلَيَّ، وَفِي السَّرِقَةِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا تَقْطَع الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ لِأَنَّهُمْ آبَاءٌ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تَغْلُظُ عَلَيْهِمْ. (اهـ. خَرَشِيٌّ) . قَوْلُهُ: [مِنْ الصِّنْفِ الْوَسَطِ] : أَيْ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ أَجْنَاسٌ مِنْ التَّمْرِ أَخَذَ مِنْ وَسَطِهَا. (اهـ.) وَقِيسَ عَلَى التَّمْرِ الْعِنَبُ.

[زكاة العين]

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا صِنْفٌ أَوْ صِنْفَانِ تَعَيَّنَ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ أَوْ مِنْهُمَا. وَهَذَا (بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا) : أَيْ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ مِنْ سَائِرِ الْحُبُوبِ، (فَمِنْ كُلٍّ) مِنْ أَصْنَافِهَا يُؤْخَذُ (بِحَسَبِهِ) أَيْ بِقَدْرِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَلَا يُجْزِئُ الْأَخْذُ مِنْ الْوَسَطِ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْأَعْلَى أَوْ الْمُسَاوِيَ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْعَيْنِ فَقَالَ: (وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) : شَرْعِيٍّ فَأَكْثَرَ - وَهِيَ بِدَرَاهِمِ مِصْرَ لِكِبَرِهَا - مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ وَنِصْفُ وَثُمُنُ دِرْهَمٍ. (أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا شَرْعِيَّةً فَأَكْثَرَ) إذْ لَا وَقْصَ فِي الْعَيْنِ كَالْحَرْثِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا صِنْفٌ] إلَخْ: أَيْ فَالصِّنْفُ وَالصِّنْفَانِ بِمَنْزِلَةِ أَصْنَافِ الْحَبِّ. يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ صِنْفٍ قِسْطُهُ، أَوْ يَخْرُجُ الْأَعْلَى أَوْ الْمُسَاوِي عَنْ غَيْرِهِ. [زَكَاة الْعَيْنِ] [فَائِدَة لَا زَكَاة عَلَى الْأَنْبِيَاء] قَوْلُهُ: [دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ] : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ قَدْرَهُ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةٍ مِنْ الشَّعِيرِ الْوَسَطُ. قَوْلٌ: [أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا] : قَدْرُ الدِّينَارِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً مِنْ وَسَطِ الشَّعِيرِ. قَوْلُهُ: [إذْ لَا وَقْصَ فِي الْعَيْن] : أَيْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ قَالَ: لَا شَيْءَ فِي الزَّائِدِ عَلَى النِّصَابِ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ فِي الذَّهَبِ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فِي الْفِضَّةِ. قَوْلٌ [كَالْحَرْثِ] : أَيْ بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاشِيَةَ - لَمَّا كَانَتْ تَحْتَاجُ إلَى كَثْرَةِ - كُلْفَةٍ خَفَّفَ عَنْ صَاحِبِهَا بِخِلَافِ الْحَرْثِ فَكُلْفَتُهُ يَسِيرَةٌ.

(أَوْ مُجْتَمِعٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ كَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةِ دَنَانِيرَ حَالَ كَوْنِ مَا ذُكِرَ مِنْهُمَا. (غَيْرِ حُلِيٍّ جَائِزٍ) إذْ لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْجَائِزِ كَمَا يَأْتِي؛ فَشَمِلَ كَلَامُهُ الْمَسْكُوكَ وَغَيْرَهُ؛ كَالسَّبَائِكِ وَالتِّبْرِ وَالْأَوَانَيْ وَالْحُلِيِّ الْحَرَامِ كَالْحِيَاصَةِ لِلذُّكُورِ وَعَدَدِ الْخَيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (رُبْعُ الْعُشْرِ) إذَا حَالَ حَوْلُهَا عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ. فَفِي الْعِشْرِينَ دِينَارًا، نِصْفُ دِينَارٍ، وَفِي الْمِائَتَيْ دِرْهَمَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَائِدَةٌ: لَا زَكَاةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ وَدَائِعُ لِلَّهِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِنَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ. (كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [إذْ لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْجَائِزِ] إلَخْ: أَيْ إلَّا مَا يَسْتَثْنِيهِ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا] : أَيْ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِهَا خِطَابُ وَضْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْعِبْرَةُ بِمَذْهَبِ الْوَصِيِّ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ، لَا بِمَذْهَبِ الطِّفْلِ وَلَا بِمَذْهَبِ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى سُقُوطَهَا عَنْ الطِّفْلِ سَقَطَتْ كَالْحَنَفِيِّ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لِحَاكِمٍ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ حَنَفِيٌّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُ الصَّبِيِّ، وَإِلَّا رَفَعَ الْوَصِيُّ الْأَمْرَ لِلْمَالِكِي لِأَجْلِ رَفَعَ الْخِلَافِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَانْظُرْ إذَا كَانَ مَذْهَبُ الْوَصِيِّ الْوُجُوبَ وَلَمْ يَخْرُجْهَا حَتَّى بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَمَذْهَبُهُ سُقُوطُهَا، وَانْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، فَهَلْ تُؤْخَذُ عَنْ الْأَعْوَامِ الْمَاضِيَةِ مِنْ الْمَالِ أَوْ تُؤْخَذُ مِنْ الْوَصِيِّ أَوْ تَسْقُطُ؟ وَانْظُرْ عَكْسَهُ: وَهُوَ مَا إذَا كَانَ مَذْهَبُ الْوَصِيِّ عَدَمَ وُجُوبِهَا وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَقَلَّدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا، هَلْ تُؤْخَذُ مِنْ الْمَالِ أَوْ تَسْقُطُ؟ كَذَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، قَالَ (بْن) : وَكُلٌّ مِنْ النَّظَرَيْنِ قُصُورٌ، وَالنَّقْلُ: اعْتِبَارُ مَذْهَبِ الصَّبِيِّ بَعْدَ: بُلُوغِهِ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْهَا وَصِيُّهُ قَبْلَهُ، فَإِنْ قَلَّدَ مَنْ قَالَ بِسُقُوطِهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْوَصِيِّ، وَإِنْ قَلَّدَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِي الْأَعْوَامِ الْمَاضِيَةِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِي إخْرَاجِهَا حَيْثُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ، وَإِلَّا فَبِيَمِينٍ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

[فائدة زكاة حلي الكعبة والمساجد والعين الموصى بتفرقتها]

فَلَا زَكَاةَ فِي النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَعَادِنِ؛ وَلَوْ سُكَّتْ كَالْفُلُوسِ الْجُدُدِ. وَالْوُجُوبُ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ظَاهِرٌ فِي الْخَالِصَةِ وَلَوْ رَدِيَّةَ الْمَعْدِنِ. وَفِي الْكَامِلَةِ الْوَزْنِ بَلْ (وَلَوْ) كَانَتْ (مَغْشُوشَةً) أَيْ مَخْلُوطَةً بِنَحْوِ نُحَاسٍ (أَوْ) كَانَتْ (نَاقِصَةً) فِي الْوَزْنِ نَقْصًا لَا يَحُطُّهَا عَنْ الرَّوَاجِ كَالْكَامِلَةِ، كَنَقْصِ حَبَّةٍ أَوْ حَبَّتَيْنِ وَلِذَا قَالَ: (إنْ رَاجَتْ) الْمَغْشُوشَةُ أَوْ النَّاقِصَةُ (كَكَامِلَةٍ) : أَيْ رَوَاجًا كَرَوَاجِ الْكَامِلَةِ. (وَإِلَّا) تَرُجْ كَالْكَامِلَةِ بِأَنْ لَمْ تَرُجْ أَصْلًا أَوْ تَرُوجُ رَوَاجًا لَا كَالْكَامِلَةِ؛ بِأَنْ انْحَطَّتْ عَنْ الْكَامِلَةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ (حُسِبَ الْخَالِصُ) عَلَى تَقْدِيرِ التَّصْفِيَةِ فِي الْمَغْشُوشَةِ، وَاعْتُبِرَ الْكَمَالُ فِي النَّاقِصَةِ بِزِيَادَةِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ. فَمَتَى كَمُلَتْ زُكِّيَتْ وَإِلَّا فَلَا، فَإِذَا كَانَتْ الْعِشْرُونَ - لِنَقْصِهَا - إنَّمَا تَرُوجُ رَوَاجَ تِسْعَةَ عَشَرَ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ إلَّا بِزِيَادَةِ وَاحِدٍ عَلَيْهَا وَهَكَذَا. (وَتُزَكَّى) الْعَيْنُ (الْمَغْصُوبَةُ) مِنْ رَبِّهَا قَبْلَ مُرُورِ الْحَوْلِ عَلَيْهَا أَوْ بَعْدَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ [فَلَا زَكَاةَ فِي النُّحَاسِ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ مُعَدَّةً لِلتِّجَارَةِ وَإِلَّا فَتُزَكَّى زَكَاةُ الْعُرُوضِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ [كَنَقْصِ حَبَّةٍ أَوْ حَبَّتَيْنِ] : أَيْ مِنْ كُلٍّ دِينَارٍ مِنْ النِّصَابِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّعَامُلُ بِهَا عَدَدًا أَوْ وَزْنًا بِشَرْطِ رَوَاجِهَا وَرَوَاجِ الْكَامِلَةِ، بِأَنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ الَّتِي تُشْتَرَى بِدِينَارٍ كَامِلٍ تُشْتَرَى بِذَلِكَ الدِّينَارِ النَّاقِصِ لِاتِّحَادِ مَصْرِفِهِمَا. فَفِي الْحَقِيقَةِ: الْمَدَارُ عَلَى الرَّوَاجِ كَالْكَامِلَةِ قَلَّ نَقْصُ الْوَزْنِ أَوْ كَثُرَ. كَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَارْتَضَاهُ، وَلَكِنَّ شَارِحَنَا قَيَّدَ بِالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ تَبَعًا لِبَهْرَامَ وَالتَّتَّائِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَثُرَ النَّقْصُ اُعْتُبِرَ وَلَوْ رَاجَتْ كَالْكَامِلَةِ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، إذْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ. (اهـ.) قَوْلُهُ: [إلَّا بِزِيَادَةِ وَاحِدٍ] : مُرَادُهُ بِهِ كَمَالُ النِّصَابِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ كُلَّ دِينَارٍ يَنْقُصُ ثَلَاثَ حَبَّاتٍ مِنْ وَزْنِ الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً، يَكُونُ النِّصَابُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ دِينَارًا إلَّا تِسْعَ حَبَّاتٍ، وَكَوْنُ الْعِشْرِينَ تِسْعَةَ عَشْرَ لَا يَكُونُ الْمُكَمِّلُ وَاحِدًا كَامِلًا، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْوَاحِدِ مَا بِهِ كَمَالُ النِّصَابِ. [فَائِدَة زَكَاة حلي الْكَعْبَة وَالْمَسَاجِد وَالْعَيْن الْمُوصَى بِتَفْرِقَتِهَا] قَوْلُهُ [وَتُزَكَّى الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ مِنْ رَبِّهَا] : أَيْ وَأَمَّا الْغَاصِبُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ قَيَّدَهُ الْحَطَّابُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَفَاءٌ بِمَا يُعَوِّضُهُ بِهِ. وَإِلَّا زَكَّاهُ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ

وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِ زَكَاتِهَا. (وَالضَّائِعَةُ) : بِأَنْ سَقَطَتْ مِنْ رَبِّهَا أَوْ دَفَنَهَا فِي مَحَلٍّ ثُمَّ ضَلَّ عَنْهَا قَبْلَ مُرُورِ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ (بَعْدَ قَبْضِهَا) مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ وُجُودِهَا بَعْدَ الضَّيَاعِ (لِعَامٍ) مَضَى وَلَوْ مَكَثَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ، أَوْ ضَائِعَةً أَعْوَامًا كَثِيرَةً فَلَا تُزَكَّى مَا دَامَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ، أَوْ ضَائِعَةٍ فَإِذَا قُبِضَتْ زُكِّيَتْ لِعَامٍ وَاحِدٍ. (بِخِلَافِ الْمُودَعَةِ) : إذَا مَكَثْت أَعْوَامًا عِنْدَ الْمُودِعِ (فَ) تُزَكَّى بَعْدَ قَبْضِهَا (لِكُلِّ عَامٍ) مَضَى مُدَّةَ إقَامَتِهَا عِنْدَ الْأَمِينِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَتَعَدَّدَتْ بِتَعَدُّدِهِ فِي مُودَعَةٍ لَا مَغْصُوبَةٍ وَمَدْفُونَةٍ وَضَائِعَةٍ ". ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ. فَائِدَةٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْ شَرْطِ تَمَامِ الْمِلْكِ عَدَمُ زَكَاةِ حُلِيِّ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ مِنْ قَنَادِيلَ وَعَلَائِقَ وَصَفَائِحِ أَبْوَابٍ. وَصَدَّرَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ قَائِلًا: وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: يُزَكِّيهِ الْإِمَامُ كَالْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ لِلْقَرْضِ، كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. لَكِنْ قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: سَيَأْتِي فِي النَّذْرِ أَنَّ نَذْرَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ تَكُونُ بَاطِلَةٌ، وَحِينَئِذٍ فَهِيَ عَلَى مِلْكِ رَبِّهَا، فَهُوَ الَّذِي يُزَكِّيهَا لَا خَزَنَةُ الْكَعْبَةِ وَلَا نُظَّارُ الْمَسَاجِدِ، وَلَا الْإِمَامُ. تَأَمَّلَ (انْتَهَى) . قَوْلُهُ [وَالضَّائِعَةُ] : أَيْ بِمَوْضِعٍ لَا يُحَاطُ بِهِ أَوْ يُحَاطُ بِهِ، خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّهَا إنْ دُفِنَتْ بِصَحْرَاءَ - أَيْ فِي مَوْضِعٍ لَا يُحَاطُ بِهِ - تُزَكَّى لِعَامٍ وَاحِدٍ وَإِنْ دُفِنَتْ فِي الْبَيْتِ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي يُحَاطُ بِهِ زَكَّاهُ لِكُلِّ عَامٍ، وَعَكْسُ هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَزَادَ فِي الشَّامِلِ قَوْلًا رَابِعًا: وَهُوَ زَكَاتُهَا لِكُلِّ عَامٍ مُطْلَقًا، دُفِنَتْ بِصَحْرَاءَ أَوْ بِبَيْتٍ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [لِكُلِّ عَامٍ مَضَى] : أَيْ مُبْتَدِئًا بِالْعَامِ الْأَوَّلِ فَمَا بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الْأَخْذُ النِّصَابِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَعَدُّدِ زَكَاةِ الْمُودَعَةِ بِتَعَدُّدِ الْأَعْوَامِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ زَكَاتِهَا لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِهَا لِعَدَمِ التَّنْمِيَةِ، وَمَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهَا حَوْلًا بَعْدَ قَبْضِهَا، وَقَوْلُهُ: بَعْدَ قَبْضِهَا؛ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يُزَكِّيهَا وَإِنَّمَا تُزَكَّى بَعْدَ الْقَبْضِ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَاشِرٍ أَنَّ الْمَالِكَ يُزَكِّيهَا كُلَّ عَامٍ وَقْتُ الْوُجُوبِ مِنْ عِنْدِهِ كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ، فَتَكُونُ

(وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ جَائِزٍ وَإِنْ) كَانَ (لِرَجُلٍ) كَقَبْضَةِ سَيْفٍ لِلْجِهَادِ. وَسِنٍّ وَأَنْفٍ وَخَاتَمِ فِضَّةٍ بِشَرْطِهِ (إلَّا إذَا تَهَشَّمَ) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ إلَّا بِسَبْكِهِ ثَانِيًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ. وَإِنْ لِامْرَأَةٍ فَتَجِبُ لِأَنَّهُ صَارَ مُلْحَقًا بِالنَّقْدِ، سَوَاءٌ نَوَى إصْلَاحَهُ أَمْ لَا، (كَأَنْ انْكَسَرَ) وَلَمْ يَنْوِ إصْلَاحَهُ بِأَنْ نَوَى عَدَمَ إصْلَاحِهِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَتَجِبُ زَكَاتُهُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ كَمَا تَجِبُ فِي الْمُهَشَّمِ مُطْلَقًا فَإِنْ نَوَى إصْلَاحَهُ لَمْ تَجِبْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ حِينَئِذٍ. (أَوْ أُعِدَّ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ الِاسْتِثْنَاءِ: أَيْ لَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ إلَّا إذَا تَهَشَّمَ، وَإِلَّا إذَا أُعِدَّ (لِلْعَاقِبَةِ أَوْ) أُعِدَّ (لِمَنْ سَيُوجَدُ) : لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ أَوْ - ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَقْوَالُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ؛ مَشْهُورُهَا مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. تَنْبِيهٌ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِ مُوصَى بِتَفْرِقَتِهَا عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهَا حَوْلٌ بِيَدِ الْوَصِيِّ قَبْلَ التَّفْرِقَةِ. وَمَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِمَوْتِهِ، فَإِنْ فُرِّقَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ وَهُوَ حَيٌّ زَكَّاهَا عَلَى مِلْكِهِ إنْ كَانَتْ نِصَابًا، وَلَوْ مَعَ مَا بِيَدِهِ وَلَا يُزَكِّيهَا مَنْ صَارَتْ لَهُ إلَّا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ قَبْضِهَا، لِأَنَّهَا فَائِدَةٌ. وَأَمَّا الْمَاشِيَةُ إنْ أَوْصَى بِهَا وَمَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ، وَإِلَّا زُكِّيَتْ إنْ صَارَ لِكُلِّ نِصَابٌ لِمَاضِي الْأَعْوَامِ كَإِرْثِهَا، وَأَمَّا الْحَرْثُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [كَقَبْضَةِ سَيْفٍ] : قَالَ النَّاصِرُ: وَانْظُرْ لَوْ كَانَ السَّيْفُ مُحَلَّى وَاِتَّخَذَتْهُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا، هَلْ لَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ الْحُلِيَّ لِنِسَائِهِ؟ قَالَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ: وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ لِأَنَّ الشَّأْنَ اتِّخَاذُ الرَّجُلِ الْحُلِيَّ لِنِسَائِهِ لَا الْعَكْسُ. (كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا تَهَشَّمَ] : حَاصِلُ الْفِقْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - أَنَّ الْحُلِيَّ إذَا تُكْسَرُ فَلَا يَخْلُوَا: إمَّا أَنْ يَتَهَشَّمَ أَوْ لَا، فَإِنْ تَهَشَّمَ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ سَوَاءٌ نَوَى إصْلَاحَهُ أَوْ عَدَمَهَا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ. وَإِنْ لَمْ يَتَهَشَّمْ - بِأَنْ كَانَ يُمْكِنُهُ إصْلَاحَهُ وَعَوْدِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سَبْكٍ - فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَنْوِي عَدَمَ إصْلَاحِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ نَوَى عَدَمَ إصْلَاحِهِ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَالزَّكَاةُ. وَإِنْ نَوَى إصْلَاحَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. فَالصُّوَرُ سِتَّةٌ يُزَكِّيه فِي خَمْسَةٍ.

بِنْتٍ. فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ حُلِيُّ امْرَأَةٍ اتَّخَذَتْهُ - بَعْدَ كِبَرِهَا وَعَدَمِ التَّزَيُّنِ بِهِ - لِعَاقِبَةِ الدَّهْرِ أَوْ لِمَنْ سَيُوجَدُ لَهَا مِنْ بِنْتٍ صَغِيرَةٍ حَتَّى تَكْبُرَ، أَوْ أُخْتٍ أَوْ أَمَةٍ حَتَّى تَتَزَوَّجَ؛ فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مَا دَامَ مُعَدًّا لِمَا ذُكِرَ مِنْ يَوْمِ اتِّخَاذِهِ لَهُ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ مَنْ أُعِدَّ لَهُ. (أَوْ) أُعِدَّ (لِصَدَاقٍ) لِمَنْ يُرِيدُ زَوَاجَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ لِشِرَاءِ جَارِيَةٍ بِهِ. (أَوْ نَوَى بِهِ) : عَطْفٌ عَلَى " تَهَشَّمَ " كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، أَيْ: وَإِلَّا إذَا نَوَى بِهِ (التِّجَارَةَ) : أَيْ التَّكَسُّبَ وَالرِّبْحَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَأَفْهَمَ قَوْلَهُ. " حُلِيٍّ جَائِزٍ " أَنَّ الْمُحَرَّمَ: كَالْأَوَانَيْ وَالْمِرْوَدِ وَالْمُكْحُلَةِ - وَإِنْ لِامْرَأَةٍ - يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَإِنْ رُصِّعَ بِالْجَوَاهِرِ أَوْ طُرِّزَ بِسُلُوكِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ ثِيَابٌ أَوْ عَمَائِمُ فَإِنَّهَا تُزَكَّى زِنَتَهَا إنْ عُلِمَتْ وَأَمْكَنَ نَزْعُهَا بِلَا فَسَادٍ وَإِلَّا تُحُرِّيَ مَا فِيهِ مِنْ الْعَيْنِ وَزُكِّيَ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ مَا حَصَلَ مِنْ الْعَيْنِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ وَهُوَ ثَلَاثَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِلَّا إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ] إلَخْ: أَيْ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، أَمَّا إذَا اتَّخَذَهُ لِلْكِرَاءِ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَّخِذُ لَهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ لِمَالِكِهِ أَمْ لَا. وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ: مُحَرَّمُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ فِيهِ الزَّكَاةُ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ لِلْكِرَاءِ، وَهَذَا مَا ارْتَضَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ تَبَعًا لِلرَّمَاصِيِّ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ (بْن) : أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْمُعَدِّ لِلْكِرَاءِ لَا زَكَاةَ فِيهِ إذَا كَانَ: يُبَاحُ لِمَالِكِهِ اسْتِعْمَالُهُ كَأَسَاوِرَ أَوْ خَلَاخِلَ لِامْرَأَةٍ أَمَّا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ لَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ] : سَوَاءٌ كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِعْمَالِ أَوْ لِلْعَاقِبَةِ. قَوْلُهُ: [بِلَا فَسَادٍ] : أَيْ أَوْ غُرْمٍ. وَحُكْمُ مَا رُصِّعَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْعُرُوضِ.

[زكاة التجارة]

أَقْسَامٍ: رِبْحٌ، وَغَلَّةُ مُكْتَرًى - وَهِيَ مِنْ الرِّبْحِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ - وَفَائِدَةٌ. وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ مُشْتَرًى لِلتِّجَارَةِ بِبَيْعِهِ فَقَالَ: (وَحَوْلُ الرِّبْحِ حَوْلُ أَصْلِهِ) : فَمَنْ مَلَكَ دُونَ نِصَابٍ وَلَوْ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ [زَكَاة التِّجَارَة] [مَا حصل مِنْ الْعَيْن بَعْد أَنْ لَمْ يَكُنْ] قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ثَمَنٍ مُشْتَرَى] إلَخْ: هَذَا تَعْرِيفُ مِنْ الشَّارِحِ لِلرِّبْحِ وَهُوَ مَعْنَى تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمَشْهُورِ الَّذِي قَالَ فِيهِ: زَائِدُ: ثَمَنٌ مَبِيعُ تَجَرَ عَلَى ثَمَنِهِ الْأَوَّلِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، فَقَوْل الشَّارِحِ: " وَهُوَ ": أَيْ الرِّبْح، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " مَا زَادَ عَلَى ثَمَنٍ مُشْتَرَى " إلَخْ عَنْ زِيَادَةٍ غَيْر ثَمَنٍ الْمُشْتَرِي فَلَا يُسَمَّى رِبْحًا بَلْ هُوَ غَلَّةٌ يَسْتَقْبِلُ بِهَا. وَقَوْلُهُ: [لِلتِّجَارَةِ] : يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّنْ اشْتَرَى سِلْعَةِ لِلْقِنْيَةِ بِعَشْرَةٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِعِشْرِينَ فَلَا يُقَالُ لَهُ رِبْحٌ، بَلْ يَسْتَقْبِلُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [بِبَيْعِهِ] : يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا لَوْ اشْتَرَى السِّلْعَةَ لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ اغْتَلَّهَا بِالْكِرَاءِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَحَوْلُ الرِّبْحِ حَوْلُ أَصْلِهِ] : لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْحَوْلِ الَّذِي يَضُمُّ لَهُ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ. وَهُوَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا تُسَلِّفُهَا، أَوْ عَرَضًا تُسَلِّفُهُ لِلتَّجْرِ، أَوْ اشْتَرَاهُ لِلْقِنْيَةِ، وَيَبْدُو لَهُ التَّجْرُ؛ فَالْحَوْلُ فِي الْأُولَى مِنْ يَوْمِ الْقَرْضِ. وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْ يَوْمِ التَّجْرِ، وَفِي الثَّالِثَةِ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ، وَفِي الرَّابِعَةِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ، وَقَدْ نَظَّمَ ذَلِكَ الْعَلَامَةُ الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ: وَحَوْلُ الْقَرْضِ مِنْ يَوْمِ اقْتِرَاضِ ... إذَا عَيْنًا يَكُونُ بِلَا خَفَاءِ وَيَوْمُ التَّجْرِ أَوَّلُ حَوْلِ عَرَضٍ ... تَسَلَّفَهُ لِتَجْرٍ لِلْغِنَاءِ وَمَنْ يَكُنْ اشْتَرَى عَرَضًا لِتَجْرٍ ... فَإِنَّ الْحَوْلَ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ وَإِنْ عَرَضًا لِقِنْيَةٍ اشْتَرَاهُ ... وَيَبْدُو التَّجْرُ فِيهِ لِلنَّمَاءِ

الْمُحَرَّمِ فَتَاجَرَ فِيهِ حَتَّى رَبِحَ تَمَامَ نِصَابٍ، فَحَوْلُهُ الْمُحَرَّمُ. فَإِنْ تَمَّ بَعْدَ الْحَوْلِ بِكَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ زَكَّاهُ حِينَئِذٍ. وَإِنْ تَمَّ فِي أَثْنَائِهِ صَبَرَ لِتَمَامِ حَوْلِهِ وَزَكَّاهُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا زَكَّاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِمُدَّةٍ فَانْتَقَلَ حَوْلُهُ لِيَوْمِ التَّزْكِيَةِ، كَمَنْ مَلَكَ دُونَ نِصَابٍ فِي الْمُحَرَّمِ فَمَرَّ عَلَيْهِ الْمُحَرَّمُ نَاقِصًا، وَتَمَّ النِّصَابُ فِي رَجَبٍ: زَكَّاهُ حِينَئِذٍ وَصَارَ حَوْلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ رَجَبًا. وَذَكَرَ الثَّانِيَ مُشَبِّهًا لَهُ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: (كَغَلَّةِ مَا) : أَيْ شَيْءٍ - مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ - (اكْتَرَى) بِعَيْنٍ (لِلتِّجَارَةِ) : أَيْ لِأَجْلِهَا فَحَوْلُهَا حَوْلُ أَصْلِهَا وَهِيَ الْعَيْنُ الَّتِي اكْتَرَى بِهَا ذَلِكَ الشَّيْءَ، فَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا أَوْ دُونَهُ فِي الْمُحَرَّمِ فَاكْتَرَى بِهِ دَارًا أَوْ بَعِيرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - لِلتِّجَارَةِ لَا لِلسُّكْنَى وَلَا لِلرُّكُوبِ - ثُمَّ أَكْرَاهَا لِغَيْرِهِ فِي رَجَبٍ مَثَلًا بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا، فَإِنَّهَا تُزَكَّى فِي الْمُحَرَّمِ لِأَنَّ حَوْلَهَا يَوْمَ مَلَكَ أَصْلَهَا أَوْ زَكَّاهُ احْتَرَزَ بِمَا اكْتَرَى لِلتِّجَارَةِ عَنْ غَلَّةٍ مُشْتَرًى لِلتِّجَارَةِ أَوْ مُكْتَرًى لِلْقِنْيَةِ - كَالسُّكْنَى أَوْ الرُّكُوبِ - فَأَكْرَاهُ لِأَمْرٍ حَدَثَ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهَا حَوْلًا بَعْدَ قَبْضِهَا لِأَنَّهَا مِنْ الْفَوَائِدِ. وَبَالَغَ عَلَى أَنَّ حَوْلَ الرِّبْحِ حَوْلُ أَصْلِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ) كَانَ الرِّبْحُ (رِبْحَ دَيْنٍ) فِي ذِمَّتِهِ (لَا عِوَضَ لَهُ) : أَيْ لِذَلِكَ الدَّيْنِ (عِنْدَهُ) فَإِنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ أَصْلِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ. مِثَالُهُ: مَنْ تَسَلَّفَ عِشْرِينَ دِينَارًا مَثَلًا فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ أَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعِشْرِينَ فِي ذِمَّتِهِ فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ بَاعَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ بِخَمْسِينَ، فَالرِّبْحُ ثَلَاثُونَ تُزَكَّى لِحَوْلِ أَصْلِهَا وَهُوَ الْمُحَرَّمُ. وَأَمَّا الْعِشْرُونَ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَأَوَّلُ حَوْلِهِ مِنْ يَوْمِ بَيْعٍ ... لَهُ فَاحْفَظْ وُقِيَتْ مِنْ الرِّدَاءِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الرَّابِعِ أَنَّهُ مِنْ يَوْمِ قَبْضِ ثَمَنُ الْعَرَضِ كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ. قَوْلُهُ: [فَحَوْلُهُ الْمُحَرَّمُ] : أَيْ فَيَضُمُّ لِحَوْلِ أَصْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ وَلَا مِنْ يَوْمِ الرِّبْحِ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ بِهِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. قَوْلُهُ: [عَنْ غَلَّةِ مُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ] : أَيْ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ فِي ذَاتِ الْمَبِيعِ فَاغْتَلَّهُ فَالْغَلَّةُ فَائِدَةٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَبَالِغٌ عَلَى أَنَّ حَوْلَ الرِّبْحِ] إلَخْ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ حَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمَشْهُورَ كَمَا عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الرِّبْحَ يَضُمُّ لِأَصْلِهِ سَوَاءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ بَعْضَهُ، أَوْ لَمْ يَنْقُدْ شَيْئًا وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنُ وَعَلَى الْمَشْهُورِ اخْتَلَفَ إذَا

فَلَا تُزَكَّى لِأَنَّهَا فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِوَضٌ يُقَابِلُهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَمِثْلُ رِبْحِ الدَّيْنِ غَلَّةُ مُكْتَرًى. بِدَيْنٍ لِلتِّجَارَةِ كَمَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً مَثَلًا بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ كَعَشْرَةٍ، ثُمَّ أَكْرَاهَا بِثَلَاثِينَ، فَالْغَلَّةُ عِشْرُونَ يُزَكِّيهَا أَوَّلَ أَصْلِهَا أَيْ مِنْ يَوْمِ اكْتَرَى. وَلَا يُزَكِّي الْعَشَرَةَ لِأَنَّهَا فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ إلَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ عِوَضُهَا، وَالْمَتْنُ يَشْمَلُ ذَلِكَ بِجَعْلِ الرِّبْحِ شَامِلًا لِلْغَلَّةِ إذْ هِيَ رِبْحٌ فِي الْحَقِيقَةِ. وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ: (وَاسْتَقْبَلَ) حَوْلًا (بِفَائِدَةٍ، وَهِيَ) قِسْمَانِ: الْأُولَى: (مَا تَجَدَّدَتْ عَنْ غَيْرِ مَالٍ؛ كَعَطِيَّةٍ) مِنْ هِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَاسْتِحْقَاقِ وَقْفٍ أَوْ وَظِيفَةٍ (وَإِرْثٍ وَأَرْشٍ) لِجِنَايَةٍ (وَدِيَةٍ) لِنَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ (وَصَدَاقٍ) قَبَضَتْهُ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَانْتَهَى وَفِي الْمُبَالَغَةِ رَدٌّ عَلَى أَشْهَبَ الْقَائِلِ بِاسْتِقْبَالِهِ بِالرِّبْحِ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ] : أَيْ فِي قَوْلِهِ: " إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ الْعَرَضِ مَا يَفِي بِهِ، إنْ حَالَ حَوْلُهُ عِنْدَهُ " إلَى أَخَّرَ مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَالْمَتْنُ يَشْمَلُ ذَلِكَ] : أَيْ قَوْلُهُ " وَلَوْ رِبْحُ دَيْنٍ ". وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يُضَمُّ لِأَصْلِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: ثَمَنُ مَا اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ، وَبَيْعٌ لَهَا، وَغَلَّةُ مَا اكْتَرَى لِلتِّجَارَةِ، وَمَا اكْتَرَى بِالْفِعْلِ لَهَا. وَفِي كُلٍّ: كَانَ الثَّمَنُ مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، لَكِنْ إذَا كَانَ مِنْ عِنْدِهِ زَكَّى الْجَمِيعَ لِحَوْلِ أَصْلِهِ وَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ زَكَّى الرِّبْحَ فَقَطْ، وَلَا يُزَكِّي رَأْسَ الْمَالِ إلَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلُ فِيهِ. مَسْأَلَةٌ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ مِنْ الْعَيْنِ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عِنْدَهُ ثُمَّ اشْتَرَى بِبَعْضِهِ سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ وَأَنْفَقَ الْبَعْضَ الْبَاقِي بَعْدَ الشِّرَاءِ: فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ بِمَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ إذَا ضُمَّ لِمَا أَنْفَقَهُ، تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ. مِثَالُهُ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَاشْتَرَى بِخَمْسَةٍ مِنْهَا سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ أَنْفَقَ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ، ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَةَ بِخَمْسَةٍ عَشَرَ، فَإِنَّهُ يُزَكِّي عَلَى عِشْرِينَ؛ مِنْهَا الْخَمْسَةُ الْمُنْفِقَةُ لَحَوْلَانِ الْحَوْلُ عَلَيْهَا مَعَ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الرِّبْحِ، فَلَوْ أَنْفَقَ الْخَمْسَةَ قَبْلَ شِرَاءِ السِّلْعَةِ فَلَا زَكَاةَ إلَّا إذَا بَاعَهَا بِنِصَابٍ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَلِمُنْفِقٍ بَعْدَ حُلُولِهِ مَعَ أَصْلِهِ وَقْتُ الشِّرَاءِ ". قَوْلُهُ: [بِفَائِدَةٍ] : مُرَادُهُ بِهَا مَا لَيْسَ بِرِبْحِ تَجْرٍ وَغَلَّةِ تَجْرٍ.

[مسألة حالة لسقوط الزكاة لنقص النصاب]

زَوْجِهَا (وَمُنْتَزَعٍ مِنْ رَقِيقٍ) . وَالثَّانِيَةُ: أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ) تَجَدَّدَتْ (عَنْ) مَالٍ (غَيْرِ مُزَكًّى كَثَمَنِ) شَيْءٍ (مُقْتَنًى) عِنْدَهُ مِنْ (عَرْضٍ) ، كَثِيَابٍ وَحَيَوَانٍ وَأَسْلِحَةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ، (وَعَقَارٍ) : وَهُوَ الْأَرْضُ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ، (وَفَاكِهَةٍ) كَخَوْخٍ وَرُمَّانٍ وَتِينٍ، (وَمَاشِيَةٍ) مُقْتَنَاةٍ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ، وَسَوَاءٌ (مَلَكَ) مَا ذُكِرَ (بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَهِبَةٍ وَإِرْثٍ، فَيَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِ مَا ذُكِرَ حَوْلًا بَعْدَ قَبْضِهِ. (وَلَوْ أَخَّرَهُ) أَيْ أَخَّرَ قَبْضَهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ (فِرَارًا) مِنْ الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنْ أَخَّرَهُ فِرَارًا زَكَّاهُ لِكُلِّ عَامٍ مَضَى. (وَتُضَمُّ) فَائِدَةٌ (نَاقِصَةٌ) عَنْ النِّصَابِ (لِمَا) : أَيْ لِفَائِدَةٍ مُلِكَتْ (بَعْدَهَا) ، وَلَوْ تَعَدَّدَ حَتَّى يَتِمَّ النِّصَابُ فَيَتَقَرَّرَ الْحَوْلُ. فَمَنْ اسْتَفَادَ عَشَرَة مِنْ الْمُحَرَّمِ وَمِثْلَهَا فِي رَجَبٍ. فَمَبْدَأُ الْحَوْلِ رَجَبٌ فَيُزَكِّي الْعِشْرِينَ فِي رَجَبٍ الْمُسْتَقْبَلِ. وَلَوْ اسْتَفَادَ خَمْسَةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَمِثْلَهَا فِي رَبِيعٍ، وَمِثْلَهَا فِي رَجَبٍ، وَمِثْلَهَا فِي رَمَضَانَ، فَمَبْدَأُ الْحَوْلِ رَمَضَانُ فَيَسْتَقْبِلُ بِهَا حَوْلًا مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ. (إلَّا أَنْ تَنْقُصَ) الْأُولَى عَنْ النِّصَابِ (بَعْدَ حَوْلِهَا) أَيْ بَعْدَ مُرُورِ الْحَوْلِ عَلَيْهَا (كَامِلَةً) وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا؛ فَلَا تُضَمُّ لِمَا بَعْدَهَا لِتَقَرُّرِ حَوْلِهَا. كَمَا لَا يُضَمُّ مَا بَعْدَهَا لَهَا. بَلْ يُزَكِّي كُلًّا فِي حَوْلِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَسْأَلَة حَالَة لِسُقُوطِ الزَّكَاة لنقص النصاب] قَوْلُهُ: [وَتُضَمُّ فَائِدَةٌ نَاقِصَةٌ] : اعْلَمْ أَنَّ أَقْسَامَ الْفَوَائِدِ أَرْبَعٌ: إمَّا كَامِلَتَانِ، أَوْ نَاقِصَتَانِ، أَوْ الْأُولَى كَامِلَةٌ وَالثَّانِيَةُ نَاقِصَةٌ، أَوْ عَكْسُهُ. فَالْكَامِلُ لَا يُضَمُّ وَالنَّاقِصُ الَّذِي بَعْدَهُ كَامِلٌ يُضَمُّ إلَيْهِ، وَالنَّاقِصُ بَعْدَ الْكَامِلِ لَا يُضَمُّ لِسَبْقِهِ بِالْكَامِلِ، وَالنَّاقِصُ يُضَمُّ لِلنَّاقِصِ بَعْدَهُ كَمَا يُضَمُّ لِلْكَامِلِ بَعْدَهُ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَخْصُوصٌ بِفَائِدَةِ الْعَيْنِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ؛ وَأَمَّا الْمَاشِيَةُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ فَائِدَتِهَا بَعْدَ النِّصَابِ الْأَوَّلِ يُضَمُّ لَهُ. قَوْلُهُ: [وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا] : أَيْ اسْتِحْقَاقُهَا لِلتَّزْكِيَةِ سَوَاءٌ زُكِّيَتْ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [بَلْ يُزَكِّي كُلًّا فِي حَوْلِهِ] إلَخْ: اسْتَشْكَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا زَكَّيْنَا الْأُولَى عِنْدَ حَوْلِهَا. فَإِمَّا أَنْ نَنْظُرَ فِي زَكَاتِهَا لِلثَّانِيَةِ أَوَّلًا، فَإِنْ نَظَّرْنَا

مَا دَامَ فِي الْمَجْمُوعِ نِصَابٌ. مِثَالُهُ: اسْتَفَادَ عِشْرِينَ فِي الْمُحَرَّمِ. وَحَالَ حَوْلُهَا وَوَجَبَتْ زَكَاتُهَا ثُمَّ انْقَضَتْ، وَاسْتَفَادَ فِي رَجَبٍ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ فَأَكْثَرَ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حَوْلِهَا. فَإِذَا جَاءَ الْمُحَرَّمُ زَكَّى الْمَحْرَمِيَّةَ، فَإِذَا جَاءَ رَجَبٌ زَكَّى الرَّجَبِيَّةَ. (وَ) اسْتَقْبَلَ (بِالْمُتَجَدِّدِ) مِنْ الْعَيْنِ (عَنْ سِلَعِ التِّجَارَةِ) وَأَوْلَى سِلَعِ الْقِنْيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلثَّانِيَةِ - كَمَا قَالَ الشَّارِحُ - وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَ الْأُولَى فِي كُلِّ الْحَوْلِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ قَبْلَ حَوْلِهِ، لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ يَحُلْ حَوْلُهَا. وَإِنْ لَمْ نَنْظُرْ لِلثَّانِيَةِ لَزِمَ زَكَاةُ مَا دُونَ النِّصَابِ. وَلَأَجْل هَذَا الْإِشْكَالِ اسْتَظْهَرَ قَوْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ مِنْ ضَمِّ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ فِي الْحَوْلِ كَمَا لَوْ نَقَصَتْ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَهِيَ كَامِلَةٌ. وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَنَقُولُ: إنَّ هَذَا فَرْعٌ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ: إنَّهُ يَكْفِي فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالَيْنِ الْقَاصِرِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ النِّصَابِ وَفِي الْمَجْمُوعِ نِصَابُ اجْتِمَاعِهِمَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ. قَوْلُهُ: [مَا دَامَ فِي الْمَجْمُوعِ نِصَابٌ] : مَفْهُومُهُ لَوْ نَقَصَتَا مَعًا عَنْ النِّصَابِ كَصَيْرُورَةِ الْمَحْرَمِيَّةِ خَمْسَةً، وَالرَّجَبِيَّةُ مِثْلُهَا، فَفِيهَا تَفْصِيلٌ: حَاصِلُهُ: أَنَّهُ إنْ حَلَّ عَلَيْهِمَا الْحَوْلُ الثَّانِي نَاقِصَتَيْنِ بَطَلَ حَوْلُهُمَا وَرَجَعَتَا كَمَالٍ وَاحِدٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ. وَإِنْ أَتَّجَرَ قَبْلَ مُرُورِ الْحَوْلِ الثَّانِي، فَرِبْحٌ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا تَمَامُ نِصَابٍ، فَلَا يَخْلُو وَقْتُ التَّمَامِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: إنْ حَصَلَ عِنْدَ حَوْلِ الْأُولَى، أَوْ قَبْلَهُ فَعَلَى حَوْلَيْهِمَا وَفَضُّ رِبْحُهُمَا عَلَيْهِمَا، وَإِنْ حَصَلَ الرِّبْحُ بَعْدَ حَوْلِ الْأُولَى وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ انْتَقَلَ إلَيْهِ حَوْلُ الْأُولَى وَتَبْقَى الثَّانِيَةُ عَلَى حَوْلِهَا، وَإِنْ حَصَلَ عِنْدَ حَوْلِ الثَّانِيَةِ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَحَوْلُهُمَا مِنْهُ، وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَ حُصُولِ الثَّانِيَةِ بِشَهْرٍ مَثَلًا كَشَعْبَانَ فَحَوْلُهُمَا مِنْهُ. كَذَا أَفَادَهُ الْأَصْلُ. مَسْأَلَةٌ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ فِي الْمُحَرَّمِ وَعَشَرَةُ فِي رَجَبٍ فَجَاءَ الْحَوْلُ عَلَى الْمَحْرَمِيَّةِ فَأَنْفَقَهَا بَعْدَ زَكَاتِهَا أَوْ ضَاعَتْ، سَقَطَتْ عَنْهُ زَكَاةُ الرَّجَبِيَّةِ حَيْثُ نَقَصَتْ عَنْ النِّصَابِ. قَوْلُهُ: [وَأُولَى سِلَعِ الْقِنْيَةِ] : وَمِثْلُهَا الْمُكْتَرَاةُ لِلْقِنْيَةِ، وَأَمَّا الْمُكْتَرَاةُ لِلتِّجَارَةِ فَتَقَدَّمَ أَنَّ غَلَّتَهَا كَالرِّبْحِ يُضَمُّ لِأَصْلِهَا.

[مسألة من اكترى أرضا للتجارة]

(بِلَا بَيْعٍ) لَهَا، وَإِلَّا كَانَ رِبْحًا حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ كَمَا مَرَّ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (كَغَلَّةِ عَبْدٍ) أَوْ بَعِيرٍ أَوْ دَارٍ اُشْتُرِيَ لِلتِّجَارَةِ فَأَكْرَاهُ وَقَبَضَ مِنْ الْكِرَاءِ مَا فِيهِ نِصَابٌ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ. (وَ) مِثْلُ (نُجُومِ كِتَابَةٍ) كَعَبْدٍ اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ كَاتَبَهُ. (وَثَمَنِ ثَمَرَةٍ) شَجَرَةٍ (مُشْتَرًى) لِلتِّجَارَةِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْأَشْجَارُ (مُؤَبَّرَةً) يَوْمَ الشِّرَاءِ، خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ. (إلَّا الصُّوفَ التَّامَّ) الْمُسْتَحِقَّ لِلْجَزِّ وَقْتَ شِرَاءِ الْغَنَمِ لِلتِّجَارَةِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِ، بَلْ حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَسِلْعَةٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا. (وَ) إلَّا (ثَمَرًا بَدَا صَلَاحُهُ) فِي الْأُصُولِ الْمُشْتَرَاةِ لَا لِلتِّجَارَةِ، فَلَا يَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِ كَالصُّوفِ التَّامِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: " وَبِالْمُتَجَدِّدِ " إلَخْ: يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْفَائِدَةِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْهَا فِي التَّحْقِيقِ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ: " وَتُضَمُّ " إلَخْ وَدَرَجَهُ فِي أَمْثِلَتِهِ. (وَاسْتَقْبَلَ مَنْ عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ مِنْ يَوْمئِذٍ) أَيْ مِنْ يَوْمِ الْعِتْقِ أَوْ الْإِسْلَامِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَمِثْلُ نُجُومِ كِتَابَةِ] : أَيْ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا حَقِيقِيًّا وَإِلَّا لَرَجَعَ الْعَبْدُ بِمَا دَفَعَ إنْ عَجَزَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَتْ الْأَشْجَارُ مُؤَبَّرَةً] : أَيْ وَسَوَاءٌ بَاعَ الثَّمَرَةَ مُفْرَدَةً أَوْ بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ، لَكِنْ إنْ بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ طِيبِهَا فُضَّ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ وَالثَّمَرَةِ فَمَا نَابَ الْأَصْلُ زَكَّاهُ لِحَوْلِ الْأَصْلِ وَمَا نَابَ الثَّمَرَةَ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ يَقْبِضُهُ، فَيَصِيرُ حَوْلَ الْأَصْلِ عَلَى حِدَةٍ، وَالثَّمَرَةُ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ قَبْلَ طِيبِهَا زَكَّى ثَمَنَهَا لِأَنَّهُ تَبِعَ لِحَوْلِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [بَلْ حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ] : أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ. قَوْلُهُ: [فَكَانَ الْأُولَى تَقْدِيمُهُ] إلَخْ: وَأَجَابَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ بِقَوْلِهِ سَهْلٌ ذَلِكَ كَوْنُهُ نَاشِئًا عَنْ سِلَعِ التِّجَارَةِ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِفَائِدَةٍ انْتَهَى. [مَسْأَلَة مِنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِلتِّجَارَةِ] قَوْلُهُ: [وَاسْتَقْبَلَ مِنْ عِتْقٍ] إلَخْ: أَيْ فِي جَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ لَا فِي خُصُوصِ الْفَوَائِدِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ هُنَا دَفْعًا لِتَوَهُّمٍ أَنَّهُ يَفْصِلُ فِي مَالِهِ بَيْنَ الْفَوَائِدِ وَالْغَلَّةِ وَالرِّبْحِ. مَسْأَلَةٌ مِنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِلتِّجَارَةِ وَزَرَعَ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ، زَكَّى ثَمَنَ مَا حَصَلَ فِيهَا

[زكاة الدين]

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى زَكَاةِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ فَقَالَ: (وَيُزَكَّى الدَّيْنُ) بَعْدَ قَبْضِهِ - كَمَا يَأْتِي - (لِسَنَةٍ) فَقَطْ، وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ الْمَدِينِ أَعْوَامًا وَتُعْتَبَرُ السَّنَةُ (مِنْ يَوْمِ مَلَكَ أَصْلَهُ) بِهِبَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ قَبَضَهُ إنْ كَانَ عَمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ (أَوْ) مِنْ يَوْمِ (زَكَّاهُ) إنْ اسْتَمَرَّ عِنْدَهُ عَامًا. وَمَحَلُّ تَزْكِيَتِهِ لِسَنَةٍ فَقَطْ إذَا لَمْ يُؤَخِّرْهُ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِلَّا زَكَّاهُ لِكُلِّ عَامٍ مَضَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَلِزَكَاتِهِ لِسَنَةٍ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ عَيْنًا بِيَدِهِ فَيُسْلِفُهَا، أَوْ عُرُوضَ تِجَارَةٍ يَبِيعُهَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ لِأَجَلٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) الدَّيْنُ الَّذِي هُوَ عَلَى الْمَدِينِ (عَيْنًا) ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ غَلَّتِهَا مِنْ حَوْلِ زَكَاةِ حَرْثِهَا إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَمِنْ حُصُولِ رَأْسِ مَالِ التِّجَارَةِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِزَكَاةِ الثَّمَنِ كَوْنُ الْبَذْرِ لِلتِّجَارَةِ؟ فَلَوْ كَانَ لِقُوتِهِ اسْتَقْبَلَ بِثَمَنِ مَا حَصَلَ مِنْ زَرْعِهَا، لِأَنَّهُ، كَفَائِدَةٍ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يُزَكِّي ثَمَنَ الْغَلَّةِ مُطْلَقًا. قَوْلَانِ. [زَكَاة الدِّين] [تَنْبِيهٌ مَنْ اقْتَضَى دَيْنًا فَأَخَّرَ] قَوْلُهُ: [عَلَى زَكَاةِ الدَّيْنِ] : أَيْ دَيْنِ غَيْرِ الْمُدَبَّرِ أَوْ دَيْنِ الْمُدَبَّرِ الْقَرْضُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: " لِسَنَةٍ مِنْ يَوْمِ مِلْكِ أَصْلِهِ أَوْ زَكَّاهُ "، وَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ قَبْضِهِ إنْ كَانَ عَمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ] : أَيْ كَعَقَارٍ. ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ يَكْفِي فِيهِ الْمِلْكُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ الْهِبَةُ وَنَحْوُهَا - كَالْمِيرَاثِ - لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ السَّنَةُ إلَّا مِنْ يَوْمِ قَبْضَةِ مِنْ الْوَاهِبِ وَالْمُوَرِّث. قَوْلُهُ: [فَيُسَلِّفُهَا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُحْتَكِرًا أَوْ لَا، وَلَا لِأَنَّ الْفَرْضَ خَارِجٌ عَنْ نَوْعِي التِّجَارَةِ.

كَائِنَةً (مِنْ قَرْضٍ أَوْ) ثَمَنِ (عُرُوضِ تِجَارَةٍ) لِمُحْتَكِرٍ، أَيْ سَبَّبَهُ أَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، لَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ عَرْضًا فَلَا يُزَكِّي إلَّا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْمُدَبَّرِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَقْبِضَ مِنْ الْمَدِينِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَقَبْضٍ) - لَا إنْ لَمْ يَقْبِضْ فَلَا يُزَكِّي - اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ عَنْ عَرْضِ تِجَارَةٍ لِمُدَبَّرٍ فَلَا يُزَكِّي بِتَمَامِ شُرُوطِهِ الْآتِيَةِ فِي الْمُدَبَّرِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْبِضَ (عَيْنًا) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً لَا إنْ قَبَضَهُ عَرَضًا فَلَا زَكَاةَ حَتَّى يَبِيعَهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ احْتِكَارٍ أَوْ إدَارَةٍ، إذَا كَانَ الْقَابِضُ لَهُ رَبَّ الدَّيْنِ. بَلْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ عُرُوضُ تِجَارَةٍ] : أَيْ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ وَكَانَ مُحْتَكِرًا وَبَاعَهَا بِدَيْنٍ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ عَرَضًا] : مُحْتَرِز قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " عَيْنًا " وَقَوْلُ الشَّارِحِ: ثَمَنٍ. قَوْلُهُ: [اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ] إلَخْ: الِاسْتِدْرَاكُ بِهَذَا بَعِيدٌ، لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ يُحْرِزْهُ لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ الْمُدَبَّرِ. قَوْلُهُ: [فَلَا زَكَاةَ حَتَّى يَبِيعَهُ] : أَيْ فَإِذَا بَاعَهُ زَكَّاهُ لِسَنَةٍ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَيْرَ الْمُدَبَّرِ إنَّمَا يُزَكِّي الدَّيْنَ لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ إذَا قَبَضَهُ عَيْنًا. وَأَمَّا إذَا قَبَضَهُ عَرَضًا فَلَا يُزَكِّيه حَتَّى يَبِيعَهُ، وَحَوْلُهُ الَّذِي يُزَكِّيه عِنْدَهُ مِنْ يَوْمِ قَبْضِ الْعَرَضِ لَا مِنْ حَوْلِ أَصْلِهِ كَالْعَيْنِ. فَإِذَا بَاعَ ذَلِكَ الْعَرَضِ زَكَّاهُ لِسَنَةٍ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ هَذَا إذَا كَانَ غَيْرُ مُدَبَّرٍ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُدَبَّرًا قَوَّمَهُ كُلَّ عَامٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ حَيْثُ نَضَّ لَهُ وَلَوْ دِرْهَمًا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا سَيَأْتِي] إلَخْ: الْأُولَى الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ مَا يَأْتِي مَوْضُوعٌ آخَرُ.

(وَلَوْ) كَانَ الْقَابِضُ لَهُ (مَوْهُوبًا لَهُ) مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ (أَوْ أَحَالَ) رَبُّهُ بِهِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى الْمَدِينِ، فَإِنَّ رَبَّهُ الْمُحِيلَ يُزَكِّيهِ مِنْ غَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ قَبُولِ الْحَوَالَةِ. وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. وَلِذَا عَبَّرْنَا بِالْفِعْلِ الْمَعْطُوفِ عَلَى كَانَ الْمَحْذُوفَةِ بَعْدَ لَوْ. وَالْمَعْنَى: وَقَبَضَهُ عَيْنًا وَلَوْ أَحَالَ بِهِ؛ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تُعَدُّ قَبْضًا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ زَكَاتِهِ عَلَى رَبِّهِ الْوَاهِبِ مِنْ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْفِعْلِ، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ: " وَلَوْ بِهِبَةٍ أَوْ إحَالَةٍ "، فَقَوْلُنَا: " وَلَوْ أَحَالَ " فِي قُوَّةِ " وَلَوْ إحَالَةً " أَيْ وَلَوْ كَانَ الْقَبْضُ إحَالَةً فَيُزَكِّيهِ الْمُحِيلُ. وَأَمَّا الْمُحَالُ فَيُزَكِّيهِ أَيْضًا مِنْهُ لَكِنْ بَعْدَ قَبْضِهِ. وَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَيُزَكِّيهِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ، وَلَوْ مِنْ الْعُرُوضِ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَقْبِضَ نِصَابًا كَامِلًا وَلَوْ فِي مَرَّاتٍ، كَأَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ عَشَرَةً، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ الْقَابِضُ لَهُ مَوْهُوبًا] إلَخْ: أَشَارَ بِلَوْ لِرَدِّ قَوْلِ أَشْهَبَ: لَا زَكَاةَ فِي الْمَوْهُوبِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَحَالَ رَبُّهُ] : حَاصِلُهُ: أَنَّ كُلًّا مِنْ الْهِبَةِ وَالْحَوَالَةِ قَبْضٌ حُكْمِيٌّ لِلدَّيْنِ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي زَكَاةِ الدَّيْنِ الْمَوْهُوبِ لِغَيْرِ الْمَدِينِ مِنْ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى الْمُحِيلُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهَا وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُحَالُ عَلَى الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِابْنِ لُبَابَةَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالْهِبَةِ أَنَّ الْهِبَةَ - وَإِنْ كَانَتْ تَلْزَمُ بِالْقَبُولِ - قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهَا مَا يُبْطِلُهَا مِنْ فَلَسٍ أَوْ مَوْتٍ فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ، بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ. وَمَفْهُومُ قَوْلُنَا: لِغَيْرِ الْمَدِينِ؛ أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ تُسْقِطُ الزَّكَاةَ عَلَى الْوَاهِبِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ الْحِسِّيِّ وَالْحُكْمِيِّ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ إبْرَاءٌ. وَمَحِلُّ كَوْنِ الْوَاهِبِ يُزَكِّي الدَّيْنُ الْمَوْهُوبُ لِغَيْرِ الْمَدِينِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطُ زَكَاتُهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ أَرَادَ الزَّكَاةَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْمُحَالُ فَيُزَكِّيه] إلَخْ: أَيْ لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ] إلَخْ: تَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ يُزَكِّيه ثَلَاثَةٌ: الْمُحِيلُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، وَالْمُحَالُ بَعْدَ قَبْضِهِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ. لَكِنَّ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ يُزَكِّيَانِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَالثَّانِي يُزَكِّيه مِنْهُ.

ثُمَّ عَشَرَةً، فَيُزَكِّيَهُ عِنْدَ قَبْضِ مَا بِهِ التَّمَامُ. أَوْ يَقْبِضَ بَعْضَ نِصَابٍ وَعِنْدَهُ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَكَمَّلَ) الْمَقْبُوضُ (نِصَابًا) بِنَفْسِهِ وَلَوْ عَلَى مَرَّاتٍ بَلْ (وَإِنْ) كَمُلَ (بِفَائِدَةٍ) عِنْدَهُ (تَمَّ حَوْلُهَا) كَمَا لَوْ قَبَضَ عَشَرَةَ وَعِنْدَهُ عَشَرَةٌ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَيُزَكِّي الْعِشْرِينَ (أَوْ كَمُلَ) الْمَقْبُوضُ نِصَابًا (بِمَعْدِنٍ) لِأَنَّ الْمَعْدِنَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ عَلَى مَا سَيَأْتِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عِنْدَ قَبْضِ مَا بِهِ التَّمَامُ] : وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ الْمَقْبُوضُ الْأَوَّلُ، بَلْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَامِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَلَوْ تَلِفَ الْمُتِمُّ " كَمَا إذَا قَبَضَ مِنْ دِينِهِ عَشْرَةَ فَتَلْفِت مِنْهُ بِإِنْفَاقٍ أَوْ ضَيَاعٍ، ثُمَّ قَبَضَ مِنْهُ عَشْرَةً فَإِنَّهُ يُزَكِّي عَنْ الْعِشْرِينَ، وَلَا يَضُرُّ تَلَفُ الْعَشَرَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ جَمَعَهُمَا مِلْكٌ وَحَوْلٌ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ حَيْثُ قَالَ: إذَا تَلِفَ الْمُتِمُّ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ سَقَطَتْ زَكَاتُهُ وَسَقَطَتْ زَكَاةُ بَاقِي الدَّيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِصَابٌ. وَأَمَّا إذَا تَلِفَتْ بِسَبَبِهِ فَالزَّكَاةُ اتِّفَاقًا: قَوْلُهُ: [حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ] : يُفِيد أَنَّهُ لَوْ مَرَّ لِلْفَائِدَةِ عِنْدَهُ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَاقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ مَا يَصِيرُهَا نِصَابًا فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّي مَا اقْتَضَاهُ، إلَّا إذَا بَقِيَتْ وَمَا اقْتَضَاهُ لِتَمَامِ الْحَوْلِ لَهَا. فَلَوْ قَبَضَ عَشْرَةً فَأُنْفِقهَا بَعْدَ حَوْلِهَا وَقَبْلَ حَوْلِ الْفَائِدَةِ، أَوْ اسْتَفَادَ وَأَنْفَقَ بَعْدَ حَوْلِهَا، ثُمَّ اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ قَبْلَ حَوْلِهِ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ فَلَا زَكَاةَ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ مِلْكِ الْفَائِدَةِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ، بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْفَائِدَةُ مُتَقَدِّمَةً أَوْ مُتَأَخِّرَةً. لَكِنْ إنْ تَأَخَّرَتْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الِاقْتِضَاءِ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ فَالشَّرْطُ مُضِيُّ حَوْلٍ عَلَيْهَا سَوَاءٌ بَقِيَتْ لِلِاقْتِضَاءِ الَّذِي حَالَ حَوْلُهُ أَوْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَمُلَ الْمَقْبُوضُ نِصَابًا بِمَعْدِنٍ] : أَيْ عَلَى مَا لِلْمَازِرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ. وَاخْتَارَ الصَّقَلِّيُّ عَدَمَ ضَمِّ الْمَعْدِنِ لِلْمَقْبُوضِ. تَنْبِيهٌ مَنْ اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ الَّذِي حَالَ حَوْلُهُ دِينَارًا فِي الْمُحَرَّمِ مَثَلًا فَأَخَّرَ فِي رَجَبٍ مَثَلًا، فَاشْتَرَى بِكُلِّ سِلْعَةٍ بَاعَهَا بِعِشْرِينَ، فَفِيهِ تِسْعٌ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِمَا مَعًا، أَوْ الدِّينَارُ الْأَوَّلُ قَبْلَ الثَّانِي، أَوْ الثَّانِي قَبْلَ الْأَوَّلِ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَتَيْنِ مَعًا، أَوْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى؛ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٍ الْأَرْبَعِينَ إنْ اشْتَرَاهُمَا

[زكاة العروض]

(وَ) لَوْ اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ دُونَ نِصَابٍ، ثُمَّ اقْتَضَى مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ فِي مَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ كَانَ (حَوْلُ الْمُتَمِّ) بِفَتْحِ التَّاءِ اسْمُ مَفْعُولٍ: وَهُوَ مَا قُبِضَ أَوَّلًا (مِنْ) وَقْتِ (التَّمَامِ) ، فَإِذَا قَبَضَ خَمْسَةً فَخَمْسَةً فَعَشْرَةً، فَحَوْلُ الْجَمِيعِ وَقْتُ قَبْضِ الْعَشَرَةِ، فَيُزَكِّي الْعِشْرِينَ حِينَئِذٍ (ثُمَّ زَكَّى الْمَقْبُوضَ) بَعْدَ ذَلِكَ (وَلَوْ قَلَّ) كَدِرْهَمٍ حَالَ قَبْضِهِ وَيَكُونُ كُلُّ اقْتِضَاءٍ بَعْدَ التَّمَامِ عَلَى حَوْلِهِ لَا يُضَمُّ لِمَا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ وَلَوْ نَقَصَ النِّصَابُ بَعْدَ تَمَّامِهِ لِاسْتِقْرَارِ حَوْلِهِ بِالتَّمَامِ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى زَكَاةِ الْعُرُوضِ، وَمُرَادُهُمْ زَكَاةُ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ عِوَضُ الْعُرُوضِ، إذْ الْعُرُوض لَا تُزَكَّى: أَيْ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا زَكَاةٌ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا. فَقَالَ: (وَإِنَّمَا يُزَكَّى عَرَضُ تِجَارَةٍ) : لَا قِنْيَةٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إلَّا إذَا بَاعَهُ بِعَيْنٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَيَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِ حَوْلًا مِنْ قَبْضِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ. وَقَوْلُهُ: " عَرْضُ ": أَيْ عِوَضٌ، فَيَشْمَلُ قِيمَةَ عُرُوضِ الْمُدِيرِ عَنْ عُرُوضِ الْمُحْتَكِرِ حَيْثُ بَاعَهَا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: ـــــــــــــــــــــــــــــQمَعًا سَوَاءٌ بَاعَهُمَا مَعًا أَوْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى، لَكِنْ إذَا بَاعَهُمَا مَعًا زَكَّى الْأَرْبَعِينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ بَاعَ وَاحِدَةً زَكَّاهَا الْآنَ، وَأَصْلَ الثَّانِيَةِ فَيُزَكَّى الْآنَ إحْدَى وَعِشْرِينَ. فَإِذَا بَاعَ الْأُخْرَى زَكَّى تِسْعَةَ عَشْرَ. وَمَا بَقِيَ مِنْ الصُّوَرِ يُزَكِّي إحْدَى وَعِشْرِينَ لَا غَيْرَ - كَمَا اعْتَمَدَهُ فِي الْأَصْلِ تَبَعًا لِلرَّمَاصِيِّ. تَتِمَّةٌ إذَا تَعَدَّدَتْ أَوْقَاتُ الِاقْتِضَاءَاتِ وَعُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهَا وَالْمُتَأَخِّرُ، وَنُسِيَ الْمُتَوَسِّطُ فَإِنْ يُضَمُّ لِلْمُتَقَدِّمِ وَيَجْعَلُ حَوْلُهُ مِنْهُ عَكْسَ الْفَوَائِدِ الَّتِي عُلِمَ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا، فَإِنَّ الْمَجْهُولَ الْوَسَطَ يَضُمُّ لِلْمُتَأَخِّرِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الِاقْتِضَاءَاتِ تُزَكَّى لِمَا مَضَى، فَهِيَ بِالتَّقْدِيمِ أَنْسَبُ. وَالْفَوَائِدُ بِالِاسْتِقْبَالِ أَنْسَبُ. [زَكَاة الْعُرُوضِ] قَوْلُهُ: [عَلَى زَكَاةِ الْعُرُوضِ] : أَعْقَبَهَا بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الدَّيْنِ لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّ أَحَدَ قِسْمَيْهَا - وَهُوَ الْمُحْتَكِرُ - يُقَاسُ بِهِ. قَوْلُهُ: [بَلْ يَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ] : كَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّهُ كَالْفَوَائِدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ مُقْتَضَى الْفِقْهِ أَنَّهُ يُزَكَّى الثَّمَنَ مِنْ حَوْلِ تَزَكِّيَة الْأَعْيَانِ كَمَا فِي (عب) نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ.

أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ) كَالثِّيَابِ وَالرَّقِيقِ، وَأَمَّا مَا فِي عَيْنِهِ زَكَاةٌ كَنِصَابِ مَاشِيَةٍ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ حَرْثٍ فَلَا يَقُومُ عَلَى مُدِيرٍ، وَلَا يُزَكِّي ثَمَنَهُ مُحْتَكِرٌ بَلْ يَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ إلَّا إذَا قَرُبَ الْحَوْلُ وَبَاعَهُ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَيُؤْخَذُ بِزَكَاةِ الْمُبْدَلِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَلَكَ) الْعَرْضَ (بِشِرَاءٍ) لَا إنْ وَرِثَهُ، أَوْ وُهِبَ لَهُ، أَوْ أَخَذَهُ فِي خُلْعٍ أَوْ أَخَذَتْهُ صَدَاقًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ. وَقَوْلُنَا: " بِشِرَاءٍ " أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ: " بِمُعَاوَضَةٍ " لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الصَّدَاقَ وَالْخُلْعَ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِنَا: مَالِيَّةٍ، لِإِخْرَاجِهِمَا. وَشَمِلَ هَذَا الشَّرْطُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ الْحَبَّ الْمُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ. وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَرَضِ مَا يَشْمَلُ الْمِثْلِيَّاتِ. وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: (بِنِيَّةٍ تَجْرٍ) أَيْ إنْ مُلِكَ بِشِرَاءٍ مَعَ نِيَّةٍ تَجْرٍ مُجَرَّدَةٍ حَالَ الشِّرَاءِ (أَوْ مَعَ نِيَّةِ غَلَّتِهِ) : بِأَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ شِرَائِهِ لِلتِّجَارَةِ أَنْ يُكْرِيَهُ إلَى أَنْ يَجِدَ رِبْحًا (أَوْ مَعَ) نِيَّةِ (قِنْيَةٍ) : بِأَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ الشِّرَاءِ رُكُوبَهُ أَوْ سُكْنَاهُ أَوْ حَمْلًا عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَجِدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَيُؤْخَذُ بِزَكَاةِ الْمُبْدَلِ كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ فِي قَوْلِهِ: " وَمَنْ أَبْدَلَ أَوْ ذَبَحَ مَاشِيَةَ فِرَارًا أُخِذَتْ مِنْهُ ". قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ] : أَيْ لِأَنَّ الْحَرْثَ لَا تَجِبُ زَكَاتُهُ إلَّا عَلَى مَنْ كَانَ وَقْتُ الْوُجُوبِ فِي مِلْكِهِ، وَالْحَبُّ الْمُشْتَرَى لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْوُجُوبِ. وَقَوْلُهُ: [وَعَلِمَ بِذَلِكَ] : أَيْ بِشُمُولِهِ لِلْحَبِّ. قَوْلُهُ: [مُجَرَّدَةٍ حَالَ الشِّرَاءِ] : سَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ فِي قَوْلِهِ: " لَا بِلَا نِيَّةٍ أَوْ نِيَّةِ قِنْيَةٍ ". قَوْلُهُ: [أَوْ مَعَ نِيَّةُ غَلَّتِهِ] : وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ حِينَئِذٍ لِأَنَّ مُصَاحَبَةَ نِيَّةِ الْغَلَّةِ لِنِيَّةِ التِّجَارَةِ أَخَفُّ مِنْ مُصَاحَبَةِ الْقِنْيَةِ لِلتِّجَارَةِ، فَإِذَا لَمْ تُؤَثِّرْ مُصَاحَبَةُ الْأَقْوَى فَأُولَى مُصَاحَبَةُ الْأَضْعَفِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مَعَ نِيَّةِ قِنْيَةٍ] : أَيْ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ. وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ وِفَاقًا لِأَشْهَبَ. وَرِوَايَتُهُ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ. وَالِاخْتِيَارُ وَالتَّرْجِيحُ يَرْجِعَانِ لِلتَّجْرِ مَعَ الْقِنْيَةِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ. قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَأَمَّا التَّجْرُ مَعَ الْغَلَّةِ فَهَذَا

فِيهِ رِبْحًا فَيَبِيعَهُ، (لَا) إنْ مَلَكَهُ (بِلَا نِيَّةٍ) أَصْلًا (أَوْ نِيَّةِ قِنْيَةٍ) فَقَطْ، (أَوْ) نِيَّةِ (غَلَّةٍ) فَقَطْ (أَوْ هُمَا) : أَيْ بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ وَالْغَلَّةِ مَعًا، فَلَا زَكَاةَ. وَلِرَابِعِهَا بِقَوْلِهِ: (وَكَانَ ثَمَنُهُ) الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْعَرَضَ (عَيْنًا أَوْ عَرْضًا كَذَلِكَ) : أَيْ مُلِكَ بِشِرَاءٍ سَوَاءٌ كَانَ عَرْضَ تِجَارَةٍ أَوْ قِنْيَةً كَمَنْ عِنْدَهُ عَرْضٌ مُقْتَنَى اشْتَرَاهُ بِعَيْنٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِعَرْضٍ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، فَيُزَكِّي ثَمَنَهُ إذَا بَاعَهُ لِحَوْلِهِ مِنْ وَقْتِ اشْتِرَائِهِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ مُلِكَ بِلَا عِوَضٍ - كَهِبَةٍ وَمِيرَاثٍ - فَيَسْتَقْبِلُ بِالثَّمَنِ. وَلِخَامِسِهَا بِقَوْلِهِ: (وَبِيعَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَرْضِ، وَأَوْلَى بَيْعُهُ كُلِّهِ (بِعَيْنٍ) نِصَابًا فَأَكْثَرَ فِي الْمُحْتَكِرِ أَوْ أَقَلَّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحُكْمُ فِيهِ أَبْيَنُ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَلَّةٍ فَقَطْ] : أَيْ فَلَا زَكَاةَ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، خِلَافًا لِاخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ قَائِلًا: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْتِمَاسِ الرِّبْحِ مِنْ رِقَابٍ أَوْ مَنَافِعِ. قَوْلُهُ: [أَوْ هُمَا] : أَصْلُهُ أَوْ نِيَّتُهُمَا. فَحَذَفَ الْمُضَافِ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ فَانْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ لَا الْأَصَالَةِ، لِأَنَّ " هُمَا " لَيْسَتْ مِنْ ضَمَائِرِ الْجَرِّ، لِأَنَّ ضَمِيرَ الْجَرِّ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَّصِلًا. قَوْلُهُ: [أَيْ مُلِكَ بِشِرَاءٍ] : طَرِيقَةٌ لِابْنِ حَارِثٍ، وَطَرِيقُ اللَّخْمِيِّ الْإِطْلَاقُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَوْ قِنْيَةٍ] : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ كَمَا ارْتَضَاهُ (ح) و (ر) خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ الَّذِي أَصْلُهُ عَرَضُ قِنْيَةٍ يَسْتَقْبِلُ بِهِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: مَا أَصْلُهُ عَيْنٌ أَوْ عَرَضُ تَجْرٍ يُزَكِّي اتِّفَاقًا، وَمَا أَصْلُهُ عَرَضُ قَنْيِهِ مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ: الْمَشْهُورُ زَكَاةُ عِوَضِهِ لِحَوْلٍ مِنْ أَصْلِهِ، وَمَا أَصْلُهُ عَرَضُ مُلِكَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ - بِأَنَّ مُلِكَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ أَصْلًا أَوْ بِمُعَاوَضَةٍ غَيْرِ مَالِيَّةٍ - فَفِيهِ طَرِيقَتَانِ: الْأُولَى لِلَّخْمِيِّ تَحْكِي قَوْلَيْنِ مَشْهُورُهُمَا الِاسْتِقْبَالُ، وَالثَّانِيَةُ لِابْنِ حَارِثٍ: يَسْتَقْبِلُ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [أَوْ أَقَلَّ] : أَيْ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ عَامَّةٌ فِي الْمُحْتَكِرِ وَالْمُدَبَّرِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُحْتَكِرِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الَّتِي بَاعَ بِهَا نِصَابًا سَوَاءٌ بَقِيَ مَا بَاعَ

(وَلَوْ دِرْهَمًا فِي الْمُدِيرِ) . فَإِنْ تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطِ زُكِّيَ (كَالدَّيْنِ) : أَيْ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ أَيْ لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ إنْ قَبَضَ ثَمَنَهُ عَيْنًا نِصَابًا فَأَكْثَرَ كَمُلَ بِنَفْسِهِ وَلَوْ قَبَضَهُ فِي مَرَّاتٍ أَوْ مَعَ فَائِدَةٍ تَمَّ حَوْلُهَا، أَوْ مَعْدِنٍ. وَهَذَا (إنْ رَصَدَ) رَبُّهُ (بِهِ) أَيْ بِالْعَرْضِ الْمَذْكُورِ (الْأَسْوَاقَ) أَيْ ارْتِفَاعَ الْأَثْمَانِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُحْتَكِرِ، فَقَوْلُهُ: " كَالدَّيْنِ " خَاصٌّ بِالْمُحْتَكِرِ وَالشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَامَّةٌ فِيهِ وَفِي الْمُدِيرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ زَكَّاهُ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ إنْ كَانَ مُحْتَكِرًا شَأْنُهُ يَرْصُدُ الْأَسْوَاقَ. (وَإِلَّا) يَرْصُدْ الْأَسْوَاقَ بِأَنْ كَانَ مُدِيرًا: وَهُوَ الَّذِي يَبِيعُ بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ كَيْفَ كَانَ وَيُخَلِّفُ مَا بَاعَهُ بِغَيْرِهِ؛ كَأَرْبَابِ الْحَوَانِيتِ وَالطَّوَّافِينَ بِالسِّلَعِ، (زَكَّى عَيْنَهُ) الَّتِي عِنْدَهُ (وَدَيْنَهُ) أَيْ عَدَدَهُ (النَّقْدَ) الَّذِي أَصْلُهُ عَرْضٌ (الْحَالَّ) : أَيْ الَّذِي ـــــــــــــــــــــــــــــQبِهِ أَمْ لَا، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ بَيْعُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ وَلَوْ قَلَّ. فَلَوْ لَمْ يَبِعْ الْمُحْتَكِرُ نِصَابًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَقَصَّدْ الْبَيْعَ بِالْعُرُوضِ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهَا كَمَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ الرَّجْرَاجِيِّ لِأَنَّهُ مِنْ التَّحَيُّلِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ دِرْهَمًا] : فَهِمَ الْأُجْهُورِيُّ مِنْ ذَكَرِهِمْ الدِّرْهَمُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: أَنَّهُ تَحْدِيدٌ لِأَقَلِّ مَا يَكْفِي فِي التَّقْوِيمِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحَ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ ذِكْرَ الدِّرْهَمِ مِثَالٌ لِلْقَلِيلِ لَا تَحْدِيدَ، وَأَنَّهُ مُبْهَمًا نَضَّ لَهُ شَيْءٌ - وَإِنْ قَلَّ - لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ، وَهُوَ الصَّوَابُ. (اهـ بْن - نَقَلَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ فِيهِ خُسْرٌ. قَوْلُهُ: [كَأَرْبَابِ الْحَوَانِيتِ] إلَخْ ابْنُ عَاشِرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَرْبَابَ الصَّنَائِعِ كَالْحَاكَّةِ وَالدَّبَّاغِينَ مُدَبَّرُونَ وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الْأَسْفَارِ الَّذِينَ يُجَهِّزُونَ الْأَمْتِعَةَ إلَى الْبَلَدَانِ مُدَبَّرُونَ. قَوْلُهُ: [زَكَّى عَيْنَهُ] : إنَّمَا نَصَّ عَلَى زَكَاةِ الْعَيْنِ - مَعَ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُدَبَّرِ بِزَكَاتِهَا - لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَوْفِي الْكَلَامَ عَلَى أَمْوَالِ الْمُدَبَّرِ. قَوْلُهُ: [وَدِينه] : إنَّمَا الْكَائِنُ مِنْ التِّجَارَةِ الْمُعَدُّ لِلنَّمَاءِ. وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَنْ دَيْنِ الْقَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّيه كُلَّ عَامٍ بَلْ لِسَنَةٍ بَعْدَ قَبْضِهِ كَمَا يَأْتِي.

حَلَّ أَجَلُهُ أَوْ كَانَ حَالًّا أَصَالَةً (الْمَرْجُوَّ) خَلَاصَهُ وَلَوْ لَمْ يَقْضِهِ بِالْفِعْلِ. وَمَا تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الدَّيْنِ - مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُزَكَّى بَعْدَ قَبْضِهِ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ - فَفِي غَيْرِ الْمُدِيرِ أَوْ فِي الْمُدِيرِ إذَا كَانَ أَصْلُهُ قَرْضًا كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَكَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَإِلَّا) يَكُنْ نَقْدًا حَالًّا - بِأَنْ كَانَ عَرْضًا أَوْ مُؤَجَّلًا - مَرْجُوًّا فِيهِمَا؛ فَالنَّفْيُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " النَّقْدَ الْحَالَّ " فَقَطْ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. وَمُرَادُنَا بِالْعَرْضِ: مَا يَشْمَلُ طَعَامَ السَّلَمِ (قَوَّمَهُ) عَلَى نَفْسِهِ قِيمَةُ عَدْلٍ (كُلَّ عَامٍ) وَزَكَّى الْقِيمَةَ، لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ مَرْجُوٌّ فَهُوَ فِي الْمُدِيرِ فِي قُوَّةِ الْمَقْبُوضِ (كَسِلَعِهِ) أَيْ الْمُدِيرِ أَيْ كَمَا يُقَوِّمُ كُلَّ عَامٍ سِلَعَهُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ (وَلَوْ بَارَتْ) سِنِينَ إذْ بُوَارُهَا بِضَمِّ الْبَاءِ أَيْ كَسَادُهَا لَا يَنْقُلُهَا لِاحْتِكَارٍ وَلَا قِنْيَةٍ، وَأَمَّا الْبَوَارُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، فَمَعْنَاهُ: الْهَلَاكُ. (لَا إنْ لَمْ يَرْجُهُ) بِأَنْ كَانَ عَلَى مُعْدَمٍ أَوْ ظَالِمٍ لَا تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ فَلَا يُقَوِّمُهُ. فَإِنْ قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ كَالْعَيْنِ الضَّائِعَةِ وَالْمَغْصُوبَةِ (أَوْ كَانَ) : أَيْ وَلَا إنْ كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مَا يَشْمَل طَعَامُ السَّلَمِ] : كَذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ. قَوْلُهُ: [وَزَكَّى الْقِيمَةَ] : أَيْ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُحْسَبُ عَلَيْهِ لَوْ قَامَ غُرَمَاءُ ذَلِكَ الْمَدِينِ. قَوْلُهُ: [كَسِلَعِهِ] : اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يُقَوِّمهُ الْمُدَبَّرُ مِنْ السِّلَعِ هُوَ مَا دَفَعَ ثَمَنَهُ وَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ. وَحُكْمُهُ فِي الثَّانِي حُكْمُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِيَدِهِ مَالٌ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ وَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ. وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ زَكَاةِ مَا حَالَ حَوْلُهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ بِسَبَبِ دَيْنِ ثَمَنِ هَذَا الْعَرَضُ الَّذِي لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلُ فِي مُقَابِلَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ. انْتَهَى (بْن) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [لَا يَنْقُلُهَا] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ لَا يَقُومُ مَا بَارَ مِنْهَا وَيَنْتَقِلُ لِلِاحْتِكَارِ. قَوْلُهُ: [فَمَعْنَاهُ الْهَلَاكُ] : كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاح وَالْقَامُوسِ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى الْكَسَادِ وَالْهَلَاكِ مَعًا، (كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[تنبيه انتقال المدير إلى الاحتكار]

دَيْنُهُ الَّذِي عَلَى الْمَدِينِ (قَرْضًا) : أَيْ كَانَ أَصْلُهُ سَلَفًا - وَلَوْ مَرْجُوًّا - فَلَا يُقَوِّمُهُ عَلَى نَفْسِهِ لِيُزَكِّيَهُ لِعَدَمِ النَّمَاءِ فِيهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ التِّجَارَةِ. (فَإِنْ قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِعَامٍ) وَاحِدٍ، وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ الْمَدِينِ سِنِينَ إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلِكُلِّ عَامٍ مَضَى. (وَحَوْلُهُ) أَيْ وَالْمُدِيرُ الَّذِي يُقَوَّمُ فِيهِ سِلَعَهُ لِزَكَاتِهَا مَعَ عَيْنِهِ وَدَيْنِهِ الْحَالِّ الْمَرْجُوِّ (حَوْلُ أَصْلِهِ) أَيْ الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ السِّلَعَ فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ مِلْكِ الْأَصْلِ أَوْ زَكَّاهُ، وَلَوْ تَأَخَّرَتْ الْإِدَارَةُ عَنْهُ كَمَا لَوْ مَلَكَ نِصَابًا أَوْ زَكَّاهُ فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ أَدَارَهُ فِي رَجَبٍ؛ أَيْ شَرَعَ فِي التِّجَارَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِدَارَةِ فِي رَجَبٍ فَحَوْلُهُ الْمُحَرَّمُ، وَقِيلَ حَوْلُهُ وَسَطٌ بَيْنَ حَوْلِ الْأَصْلِ وَوَقْتِ الْإِدَارَةِ كَرَبِيعٍ الثَّانِي. (وَلَا تُقَوَّمُ الْأَوَانَيْ) الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا سِلَعُ التِّجَارَةِ كَالزِّلَعِ (وَالْآلَاتِ) كَالْمِنْوَالِ وَالْمِنْشَارِ وَالْقَدُومِ وَالْمِحْرَاثِ، (وَبَهِيمَةِ الْعَمَلِ) مِنْ حَمْلٍ وَحَرْثٍ وَغَيْرِهِمَا لِبَقَاءِ عَيْنِهَا فَأَشْبَهَتْ الْقِنْيَةَ. (وَإِنْ اجْتَمَعَ) لِشَخْصٍ (احْتِكَارٌ) فِي عَرْضٍ (وَإِدَارَةٌ) فِي آخَرَ (وَتَسَاوَيَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَحَوْلُهُ الْمُحَرَّمِ] : هُوَ لِلْبَاجِيِّ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ حَوْلُهُ وَسَطُ هُوَ لِلَّخْمِيِّ وَهُوَ خِلَافُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ عِنْدَ اخْتِلَافِ وَقْتِ الْمِلْكِ وَالْإِدَارَةِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَخْتَلِفَا فَحَوْلُهُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ وَيُزَكِّي الشَّهْرَ الَّذِي مَلَكَ فِيهِ الْأَصْلُ اتِّفَاقًا. [تَنْبِيه انْتِقَال الْمُدِير إلَى الِاحْتِكَار] قَوْلُهُ: [وَبَهِيمَةُ الْعَمَلِ] : كَالْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِلُ مَالَ التِّجَارَةِ. وَبَقَرِ الْحَرْثِ مَا لَمْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْمَوَاشِي. وَاخْتُلِفَ فِي الْكَافِرِ الْمُدَبَّرِ إذَا أَسْلَمَ وَنَضَّ لَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَوْ دِرْهَمًا؛ فَقِيلَ: يَقُومُ لِحَوْلٍ مِنْ إسْلَامِهِ، وَقِيلَ يَسْتَقْبِلُ بِالثَّمَنِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا حَوْلًا مِنْ قَبْضِهِ؛ وَأَمَّا الْمُحْتَكِرُ إذَا أَسْلَمَ فَيَسْتَقْبِلُ بِالثَّمَنِ حَوْلًا مِنْ قَبْضِهِ اتِّفَاقًا. كَذَا فِي الْأَصْلِ. تَنْبِيهٌ يَنْتَقِلُ الْمُدَبَّرُ لِلِاحْتِكَارِ وَلِلْقِنْيَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ الْمُحْتَكِرُ يَنْتَقِلُ لِلْقِنْيَةِ. لَا بِالْعَكْسِ؛ وَهُوَ انْتِقَالُ الْمُحْتَكِرِ وَالْمُقْتَنِي لِلْإِدَارَةِ فَلَا تَكْفِي فِيهِمَا النِّيَّةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّعَاطِي؛ لِأَنَّ النِّيَّة سَبَبٌ ضَعِيفٌ تُنْقَلُ لِلْأَصْلِ وَلَا تُنْقَلُ عَنْهُ، وَالْأَصْلُ فِي الْعُرُوضِ الْقِنْيَةُ وَالِاحْتِكَارُ قَرِيبٌ مِنْهَا.

أَوْ احْتَكَرَ الْأَكْثَرَ) وَأَدَارَ فِي الْأَقَلِّ (فَكُلٌّ) مِنْ الْعَرْضَيْنِ (عَلَى حُكْمِهِ) فِي الزَّكَاةِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ أَدَارَا أَكْثَرَ سِلَعِهِ وَاحْتَكَرَ الْأَقَلَّ (فَالْجَمِيعُ لِلْإِدَارَةِ) ، وَبَطَلَ حُكْمُ الِاحْتِكَارِ. (وَالْقِرَاضُ) الَّذِي عِنْدَ الْعَامِلِ (الْحَاضِرِ) بِبَلَدِ رَبِّ الْمَالِ (يُزَكِّيه رَبُّهُ) - لَا الْعَامِلُ - زَكَاةُ إدَارَةٍ (كُلُّ عَامٍ) بِمَا فِيهِ (مِنْ غَيْرِهِ) : لَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ لِئَلَّا يَنْقُصَ عَلَى الْعَامِلِ وَالرِّبْحِ يَجْبُرُهُ - وَهُوَ ضَرَرٌ عَلَى الْعَامِلِ - لَا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ (إنْ أَدَارَ الْعَامِلُ) سَوَاءٌ كَانَ رَبُّهُ مُدِيرًا أَوْ مُحْتَكِرًا أَوْ لَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَكُلٌّ عَلَى حُكْمِهِ] : وَإِنَّمَا لَمْ يُغَلَّبُ الِاحْتِكَارُ فِيمَا الْأَكْثَرُ مُرَاعَاةً لَحِقَ الْفُقَرَاءِ إذَا غُلِّبَتْ الْإِدَارَةُ غَلَبَتْ قَوْلُهُ: [الْحَاضِرُ بِبَلَدِ رَبِّ الْمَالِ] : أَيْ وَلَوْ حُكْمًا، بِأَنَّ عَلِمَ فِي غِيبَتِهِ، كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [يُزَكِّيه رَبُّهُ كُلَّ عَامٍ] إلَخْ: هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ لِابْنِ يُونُسَ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَنَّهُ لَا يُزَكِّي إلَّا بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ، وَيُزَكِّي حِينَئِذٍ لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ عَلَى حُكْمِ مَا يَأْتِي فِي الْغَائِبِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَعَزَّاهُ لِقِرَاضِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْوَاضِحَةِ، وَلِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُزَكِّي إلَّا بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ وَلَكِنْ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَالدَّيْنِ، حَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ - اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ (انْتَهَى - بْن كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) ، وَذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا يُفِيدُ اعْتِمَادَ الْقَوْلِ الْوَسَطِ أَيْضًا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُخْرِجُ رَبُّ الْمَالِ زَكَاتَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْهُ وَيَحْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ وَزِيَادَةٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ بِتَوْفِيرِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَالنَّقْصِ إمَّا الْيَسَارَةُ جُزْءُ الزَّكَاةِ فَتَسَامَحَ بِهِ النُّفُوسُ أَوْ لِأَنَّهُ لَازِمٌ شَرْعًا فَكَأَنَّهُ مَدْخُولٌ عَلَيْهِ. اُنْظُرْ الْخَرَشِيَّ وَغَيْرُهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [إنْ أَدَارَ الْعَامِلُ] إلَخْ: تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا بُدَّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ أَنْ يَنِضَّ لَهُ وَلَوْ دِرْهَمًا. فَهَلْ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ مُدَبَّرًا يَكْفِي النَّضُوضُ لِأَحَدِهِمَا؟ وَإِذَا أَدَارَ الْعَامِلُ فَقَطْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنِضَّ لَهُ شَيْءٌ - وَهُوَ ظَاهِرُ مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - أَمْ لَا؟ قَالَهُ الشَّيْخ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ، وَقَالَ اللَّقَانِيُّ: يُشْتَرَطُ النَّضُوضُ فِيمَنْ

وَذَكَرَ مَفْهُومَ الْحَاضِرِ بِقَوْلِهِ: (وَصَبَرَ) رَبُّهُ بِلَا زَكَاةٍ (إنْ غَابَ) الْمَالُ عَنْ بَلَد رَبِّهِ غِيبَةً لَا يُعْلَمُ فِيهَا حَالِهِ وَلَوْ سِنِينَ. وَلَا يُزَكِّيه الْعَامِلُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَأْمُرَ رَبَّهُ بِهَا فَتَجْزِيه. وَيَحْسِبُهَا الْعَامِلُ عَلَى رَبِّهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ حَتَّى يُحْضِرَ الْمَالَ (فَيُزَكِّي عَنْ سَنَةِ الْحُضُورِ مَا) وَجَدَ (فِيهَا) سَوَاءٌ زَادَ عَمَّا قَبْلَهَا أَوْ نَقَصَ أَوْ سَاوَى. فَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي سَنَةِ الْحُضُورِ مُسَاوِيًا لِمَا مَضَى فَأَمْرُهُ ظَاهِرُ، (وَ) إنْ كَانَ فِيمَا قَبْلَهَا أَزِيدُ (سَقَطَ مَا زَادَ قَبْلَهَا) فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ لَهُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ كَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مُسَاوِيًا لِسَنَةِ الْحُضُورِ، فَيَبْتَدِئُ فِي الْإِخْرَاجِ بِسَنَةِ لِحُضُورِ، ثُمَّ بِمَا قَبْلَهَا وَهَكَذَا. وَيُرَاعَى تَنْقِيصُ الْأَخْذَ النِّصَابَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهُ الْحُكْمُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُزَكِّيهِ الْعَامِلُ] إلَخْ: أَيْ لِاحْتِمَالِ دَيْنِ رَبِّهِ أَوْ مَوْتِهِ، فَإِنْ وَقَعَ وَزَكَّاهُ رَبُّهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ. ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ زِيَادَةَ الْمَالِ عَلَى مَا أَخْرَجَ أَخْرَجَ عَنْهَا. وَإِنْ تَبَيَّنَ نَقْصَهُ عَمَّا أَخْرَجَ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْفَقِيرِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً بِيَدِهِ وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ خِلَافًا لِاسْتِظْهَارِ (عب) مِنْ عَدَمِ رُجُوعِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا بِيَدِهِ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِإِخْرَاجِهِ قَبْلَ عِلْمِ قَدْرِهِ. قَوْلُهُ: [سَقَطَ مَا زَادَ قَبْلَهَا] : وَلَوْ زَكَّاهُ الْعَامِلُ عَنْ رَبِّهِ لَمْ يَرْجِعْ بِزَكَاةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ. قَوْلُهُ: [فَيَبْتَدِئُ فِي الْإِخْرَاجِ بِسَنَةِ الْحُضُورِ] : اعْتَرَضَهُ الرَّمَاصِيُّ بِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ. وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثَمِائَةٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ وَهِيَ سَنَة الْحُضُورِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ. فَإِنَّهُ يُزَكِّي عَنْ الْأُولَى فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ عَنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مَا نَقَصَتْهُ الزَّكَاةُ فِيمَا قَبْلَهَا. قُلْت: الظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: إنَّ الْمَالَ وَاحِدٌ سَوَاءٌ بَدَأَ بِالْأُولَى أَوْ سَنَةِ الْحُضُورِ. وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ (انْتَهَى - بْن. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَيُرَاعِي] أَيْ فِي غَيْرِ سَنَةِ الْحُضُورِ. وَكَمَا يُرَاعِي تَنْقِيصَ الْأَخْذِ النِّصَابَ يُرَاعِي أَيْضًا تَنْقِيصَهُ لِجُزْءِ الزَّكَاةِ. فَالْأَوَّلُ: كَمَنْ عِنْدَهُ أَحَدَ وَعِشْرُونَ دِينَارًا فَغَابَ بِهَا الْعَامِلُ خَمْسَ سِنِينَ، وَوُجِدَتْ بَعْدَ الْحُضُورِ كَمَا هِيَ فَيَبْدَأُ بِالْعَامِ الْأَوَّلِ

(وَإِنْ نَقَصَ) مَا قَبْلَهَا عَنْهَا (فَلِكُلٍّ) مِنْ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ (مَا فِيهَا) كَمَا إذَا كَانَ فِي الْأُولَى مِائَةٌ. وَفِي الثَّانِيَةِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَفِي الثَّالِثَةِ مِائَتَانِ (وَإِنْ زَادَ) الْمَالُ فِيمَا قَبْلَهَا تَارَةً (وَنَقَصَ) تَارَةً أُخْرَى، كَمَا لَوْ كَانَ فِيهَا مِائَتَانِ، وَفِيمَا قَبْلَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ (قَضَى بِالنَّقْصِ عَلَى مَا قَبْلَهُ) فَيُزَكِّي فِي سَنَةِ الْحُضُورِ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَعَنْ كُلِّ مَا قَبْلَهَا مِائَةً، لِأَنَّ الزَّائِدَ لَمْ يَصِلْ لِرَبِّهِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، وَلَا يَقْضِي بِالنَّقْصِ عَلَى مَا بَعْدَهُ. وَذَكَرَ مَفْهُومَ " إنْ أَدَارَ " الْعَامِلُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ احْتَكَرَ الْعَامِلُ) - سَوَاءٌ احْتَكَرَ رَبُّهُ أَمْ لَا - (فَكَالدَّيْنِ) يُزَكِّيه لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِهِ بِانْفِصَالِهِ مِنْ الْعَامِلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَمَا بَعْدَهُ وَيُرَاعِي تَنْقِيصُ الْأَخْذِ النِّصَابَ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يُزَكِّي عَنْ الثَّالِثَةِ الْبَاقِيَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَمِائَةٍ، وَفِي عَامِ الْحُضُورِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ؛ فَإِذَا زَكَّى عَنْهَا لِعَامِ الْحُضُورِ أَخْرَجَ سِتَّةَ دَنَانِيرَ وَرُبْعًا، وَزَكَّى عَنْ الْعَامِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ إلَّا سِتَّةً وَرُبْعًا الَّتِي أَخْرَجَهَا زَكَاةً، وَعَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ عَنْ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةٍ وَثَلَاثِينَ إلَّا رُبْعًا وَنَحْوَ الْعُشْرِ، قَالَ (بْن) : وَلَا يُقَالُ إنَّ اعْتِبَارَ تَنْقِيصُ الْأَخْذِ النِّصَابَ أَوْ لِجُزْءِ الزَّكَاةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَجْعَلُ فِي مُقَابِلَةِ دَيْنِ الزَّكَاةِ - وَإِلَّا فَيُزَكِّي عَنْ الْجَمِيعِ كُلَّ عَامٍ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ - لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَجْرِي ذَلِكَ هُنَا، لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَفْرِيطٌ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ بَلْ بِالْمَالِ، فَيُعْتَبَرُ نَقْصُهُ مُطْلَقًا. نَقَلَهُ مَحْشِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [قَضَى بِالنَّقْصِ عَلَى مَا قَبْلَهُ] : هَذَا ظَاهِرُ فَمَا إذَا تَقَدَّمَ الْأَزْيَدُ عَلَى الْأَنْقَصِ كَمَا فِي مِثَالِ الشَّارِحِ. وَأَمَّا إنْ تَقَدَّمَ الْأَنْقَصُ عَلَى الْأَزْيَدِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ فِي سَنَةِ الْحُضُورِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا خَمْسُمِائَةٍ؛ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا مِائَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُزَكِّي أَرْبَعَمِائَةٍ لِسَنَةِ الْفَصْلِ وَلِمَا قَبْلَهَا وَيُزَكِّي عَنْ مِائَتَيْنِ لِلْعَامِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: [فَكَالدَّيْنِ] : أَفَادَ بِهَذَا التَّشْبِيهِ فَائِدَتَيْنِ؛ الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يُزَكِّيهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ لِرَبِّهِ وَلَوْ نَضَّ بِيَدِ الْعَامِلِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إنَّمَا يُزَكِّيهِ بَعْدَ قَبْضِهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ أَقَامَ أَعْوَامًا كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ؛ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ رَبُّ الْمَالِ مُدَبَّرًا وَكَانَ مَا بِيَدِهِ أَكْثَرِ مِمَّا بِيَدِ الْعَامِلِ؛ وَإِلَّا كَانَ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ يُبْطِلُ حُكْمَ الِاحْتِكَارِ، وَحِينَئِذٍ فَيَقُومُ رَبُّ الْمَالِ مَا بِيَدِ الْعَامِلِ كُلَّ سَنَةٍ وَيُزَكِّيهِ إنْ عَلِمَ بِهِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ وَحَاشِيَتِهِ.

[زكاة ربح العامل من مال القراض]

وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْعَامِلِ أَعْوَامًا وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعُرُوضِ الْمُشْتَرَاةِ بِمَالٍ. وَأَمَّا الْمَاشِيَةُ فَحُكْمُهَا مَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: (وَعُجِّلَتْ زَكَاةُ مَاشِيَتِهِ) : أَيْ الْقِرَاضِ إذَا بَلَغَتْ نِصَابًا حَالَ حَوْلُهُ (مُطْلَقًا) حَضَرَتْ أَوْ غَابَتْ احْتَكَرَهَا الْعَامِلُ، أَوْ أَدَارَ وَمِثْلُ الْمَاشِيَةِ الْحَرْثِ وَأُخِذَتْ مِنْهَا إنْ غَابَتْ (وَحُسِبَتْ عَلَى رَبِّهِ) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا تُجْبَرْ بِالرِّبْحِ كَالْخَسَارَةِ، فَإِنْ حَضَرَتْ فَهَلْ كَذَلِكَ أَوْ تُؤْخَذُ مِنْ رَبِّهَا (كَزَكَاةِ فِطْرِ رَقِيقِهِ) : أَيْ الْقِرَاضِ فَإِنَّهَا عَلَى رَبِّهِ قَوْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ فِيهَا: " وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ عَبِيدِ الْقِرَاضِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً ". وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ نَظَرٌ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى زَكَاةِ رِبْحِ الْعَامِلِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَقَالَ: (وَيُزَكِّي الْعَامِلُ رِبْحَهُ) بَعْدَ النَّضُوضِ وَالِانْفِصَالِ (وَإِنْ قَلَّ) عَنْ النِّصَابِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَضُمُّهُ إلَيْهِ (لِعَامٍ) وَاحِدٍ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَعُجِّلَتْ زَكَاةُ مَاشِيَتِهِ] : أَيْ فَتَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهَا وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا الْمُفَاصَلَةَ وَلَا عِلْمَ رَبِّهَا بِحَالِهَا لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِعَيْنِهَا. قَوْلُهُ: [وَحُسِبَتْ عَلَى رَبِّهِ] إلَخْ: فَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا اشْتَرَى بِهَا الْعَامِلُ أَرْبَعِينَ شَاةٍ، أَخَذَ السَّاعِي مِنْهَا بَعْدَ مُرُورِ الْحَوْلِ شَاةً؛ فَلَوْ كَانَتْ الشَّاةُ تُسَاوِي دِينَارًا ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِيَ بِسِتِّينَ دِينَارًا فَالرِّبْحُ - عَلَى الْمَشْهُورِ - أَحَدٌّ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَرَأْسُ الْمَالِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ لِحِسَابِ الشَّاهِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. وَعَلَى مُقَابِلِهِ: الرِّبْحُ عِشْرُونَ وَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ وَيَبْقَى الْمَالُ عَلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْبَرُ بِالرِّبْحِ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْخَسَارَةِ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ بِهِ. قَوْلُهُ: [وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ نَظَرٌ] : أَيْ لِحِكَايَتِهِ التَّأْوِيلَيْنِ مَعَ تَصْرِيحِ الْمُدَوَّنَةِ بِكَوْنِهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فَمِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَيُجْبَرُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا. [زَكَاة رِبْحِ الْعَامِلِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ] قَوْلُهُ: [وَيُزَكِّي الْعَامِلُ] : أَيْ لَا رَبَّ الْمَالِ خِلَافًا لِبَهْرَامَ حَيْثُ: قَالَ مَا خَصَّ الْعَامِلُ مِنْ الرِّبْحِ يُزَكِّيهِ رَبُّ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [لِعَامٍ وَاحِدٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ مُدَبَّرَيْنِ أَوْ مُحْتَكِرَيْنِ

(إنْ أَقَامَ) الْقِرَاضَ (بِيَدِهِ حَوْلًا فَأَكْثَرَ) مِنْ يَوْمِ التَّجْرِ لَا أَقَلَّ مِنْ حَوْلٍ. (وَكَانَا) مَعًا (حُرَّيْنِ مُسْلِمِينَ بِلَا دَيْنٍ) عَلَيْهِمَا. (وَحِصَّةُ رَبِّهِ بِرِبْحِهِ نِصَابٌ) فَأَكْثَرُ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ: لَا أَقَلَّ وَإِنْ نَابَهُ هُوَ نِصَابٌ بَلْ يَسْتَقْبِلُ حِينَئِذٍ بِهِ (أَوْ) حِصَّةُ رَبِّهِ بِرِبْحِهِ (أَقَلُّ) مِنْ نِصَابٍ، (وَ) لَكِنْ (عِنْدَهُ) ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَا يُزَكِّيهِ إلَّا لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِ حِصَّتِهِ وَلَوْ أَقَامَ مَالَ الْقِرَاضِ بِيَدِهِ أَعْوَامًا. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْعَامِلُ مُدَبَّرًا زَكَّاهُ لِكُلِّ عَامٍ بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [إنْ أَقَامَ الْقِرَاضُ بِيَدِهِ حَوْلًا] : هَذَا الشَّرْطُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ لِرَبِّ الْمَالِ لَا أَجِيرٌ وَإِلَّا لَاكْتَفَى بِحَوْلِ صَاحِبِ الْمَالِ قَوْلُهُ: [حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بِلَا دَيْنٍ] : اشْتِرَاطُ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَة فِي رَبِّ الْمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ. أَمَّا لَوْ نَظَرَ لِكَوْنِهِ شَرِيكًا فَلَا يُشْتَرَطُ مَا ذَكَرَ فِي رَبِّ الْمَالِ بِالنِّسْبَةِ لِتَزْكِيَةِ الْعَامِلِ؛ لَانَ الْمَنْظُورَ لَهُ ذَاتُ الْمَالِ. وَاشْتِرَاطُهَا فِي الْعَامِلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ؛ إذْ لَوْ قُلْنَا إنَّهُ أَجِيرٌ لَاكْتَفَى بِحَوْلِهَا فِي رَبِّ الْمَالِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ اضْطَرَبُوا فِي النَّظَرِ لِذَلِكَ، وَالْفِقْهُ: مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: [وَحِصَّةُ رَبِّهِ] : الْمُرَادُ بِالْحِصَّةِ: رَأْسُ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [لَا أَقَلَّ وَإِنْ نَابَهُ هُوَ نِصَابٌ] : بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ، فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَدَفَعَهَا رَبُّهَا لِلْعَامِلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِرَبِّهَا جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ فَرِبْحُ الْمَالِ مِائَةٌ، فَإِنَّ رَبَّهُ لَا يُزَكِّي لِأَنَّ مَجْمُوعَ رَأْسِ الْمَالِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ أَحَدَ عَشَرَ، وَكَذَلِكَ الْعَامِلُ لَا يُزَكِّي بَلْ يَسْتَقْبِلُ بِمَا خَصَّهُ وَهُوَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَوْلًا مِنْ وَقْتِ قَبْضِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ عِنْدَهُ] : هَكَذَا فِي نَقْلِ ابْنِ يُونُسَ وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ عِنْدَهُ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا فَرَبِحَ فِيهَا خَمْسَةً وَلَهُ مَالٌ حَالَ حَوْلُهُ: إنْ ضَمَّهُ إلَى هَذَا صَارَ فِيهِ الزَّكَاةُ، يُرِيدُ وَقَدْ حَالَ عَلَى أَصْلِ هَذَا الْمَالِ حَوْلٌ فَلِيُزَكِّ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ، لِأَنَّ الْمَالَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ. (انْتَهَى - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْبُنَانِيِّ) . تَنْبِيهٌ قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي كَوْنِهِ شَرِيكًا أَوْ أَجِيرًا خِلَافٌ. قَالَ شُرَّاحه: تَظْهَرُ

[أثر زكاة الدين في غيرها]

أَيْ رَبِّهِ (مَا يُكَمِّلُهُ) فَيُزَكِّي الْعَامِلُ وَإِنْ أَقَلَّ لِأَنَّ زَكَاتَهُ تَابِعَةُ لِزَكَاةِ رَبِّهِ. (وَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ) وَلَوْ عَيْنًا (زَكَاةُ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ وَمَعْدِنٍ) لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِعَيْنِهَا. (بِخِلَافِ الْعَيْنِ) الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (فَيُسْقِطُهَا) الدَّيْنُ (وَلَوْ) كَانَ الدَّيْنُ (مُؤَجَّلًا أَوْ) كَانَ (مَهْرًا) عَلَيْهِ لِامْرَأَتِهِ أَوْ مُؤَخَّرًا (أَوْ) مُقَدَّمًا كَانَ (نَفَقَةً كَزَوْجَةٍ) أَوْ أَبٍ أَوْ ابْنٍ (تَجَمَّدَتْ) عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ (دَيْنَ زَكَاةٍ) انْكَسَرَتْ عَلَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي الْمَبْنِيِّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَبَعْضُهُمْ شَهَّرَ مَا ابْتَنَى عَلَى كَوْنِهِ شَرِيكًا، وَبَعْضُهُمْ شَهَّرَ عَلَى كَوْنِهِ أَجِيرًا، وَكُلُّ مُسْلِمٍ كَمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ. [أثر زَكَاة الدِّين فِي غَيْرهَا] قَوْلُهُ: [وَمَعْدِنٍ] : مِثْلُهُ الرِّكَازُ؛ إذَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ وَلَا مَا مَعَهُ مِنْ فَقْدٍ وَأَسْرٍ، بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَ فِيهِ الْخَمْسُ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْعَيْنُ] : أَيْ فَتَسْقُطُ بِسَبَبِ دَيْنٍ عَلَى أَرْبَابِهَا؛ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا اقْتَرَضَهَا أَوْ اشْتَرَاهَا فِي الذِّمَّةِ، أَوْ كَانَ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا كَدَيْنِ السَّلَمِ. وَيَدْخُلُ فِي الْعَيْنِ قِيمَةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَتَسْقُطُ زَكَاتُهَا بِالدَّيْنِ وَالْفَقْدِ وَالْأَسْرِ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ مَهْرًا عَلَيْهِ] : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِكُلِّ دَيْنٍ إلَّا مُهُورَ النِّسَاءِ؛ إذْ لَيْسَ شَأْنُهُنَّ الْقِيَامَ بِهِ إلَّا فِي مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقُوَّةِ كَغَيْرِهِ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ نَفَقَةً كَزَوْجَةٍ] : أَيْ فَإِنَّهَا مُسْقِطَةٌ لِلزَّكَاةِ مُطْلَقًا - حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ أَمْ لَا - لِقُوَّتِهَا بِكَوْنِهَا فِي مُقَابِلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ. قَوْلُهُ: [أَوْ ابْنٍ] : أَيْ إنْ حَكَمَ بِهَا - أَيْ قَضَى بِمَا تَجَمَّدَ مِنْهَا فِي الْمَاضِي - حَاكِمٌ غَيْرُ مَالِكِيٍّ يَرَى ذَلِكَ. وَصُورَتُهَا أَنَّهُ تَجَمَّدَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ فَطَلَب الْوَلَدُ أَبَاهُ بِهِ، فَامْتَنَعَ فَرَفَعَ لِحَاكِمٍ يَرَى ذَلِكَ فَحَكَمَ بِهَا. فَإِنْ تَجَمَّدَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَاكِمٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَسْقُطُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: تَسْقُطُ، وَإِطْلَاقُ شَارِحِنَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ أَشْهَبَ. وَأَمَّا إنْ تَجَمَّدَتْ نَفَقَةُ الْوَالِدِ - أَبًا وَأُمًّا - عَلَى الِابْنِ فَلَا تَسْقُطُ زَكَاتُهُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا، وَتَسَلَّفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَاكِمٌ أَوْ حُكْم بِهَا وَلَمْ يَتَسَلَّفْ الْوَالِدُ بَلْ تَحَيَّلَ فِي الْإِنْفَاقِ بِسُؤَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْ الِابْنِ كَذَا فِي الْأَصْلِ. وَإِنَّمَا شَدَّدَ فِي نَفَقَةِ الْوَالِدِ حَيْثُ جُعِلَتْ مُسْقِطَةٌ لِزَكَاةِ الْعَيْنِ بِمُجَرَّدِ الْحُكْمِ بِهَا أَوْ بِمُجَرَّدِ تَجَمُّدِهَا - عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ - دُونَ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ، لِأَنَّ مُسَامَحَةَ الْوَالِدَيْنِ

(لَا) دَيْنَ (كَفَّارَةٍ) لِيَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ كَظِهَارٍ وَصَوْمٍ، (وَ) لَا دَيْنَ (هَدَى) وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَسْقُطَانِ زَكَاةُ الْعَيْنِ. (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ لِرَبِّ الْعَيْنِ الْمَدِينِ (مِنْ الْعُرُوضِ مَا) أَيِّ شَيْءٍ (يَفِي بِهِ) أَيْ بِدَيْنِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُزَكِّي مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ. وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِشَرْطَيْنِ: أَشَارَ لِأَوَّلِهِمَا بِقَوْلِهِ: (إنْ حَالَ حَوْلُهُ) : أَيْ الْعَرْضُ (عِنْدَهُ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْوَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ مُسَامَحَةِ الْوَلَدِ لَهُمَا لِأَنَّ حُبَّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ مَوْرُوثٌ مِنْ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ حُبُّ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ. قَوْلُهُ: [لَا دَيْنَ كَفَّارَةٍ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ دَيْنِ الزَّكَاةِ أَنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ تُتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ مِنْ الْإِمَامِ الْعَدُوِّ وَيَأْخُذُهَا كُرْهًا بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْيِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَوَجَّهُ فِيهِمَا ذَلِكَ وَتَعَقَّبْ هَذَا الْفَرْقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَرَفَةَ قَائِلًا: لَا فَرْقَ بَيْنَ دَيْنِ الزَّكَاةِ وَالْهَدْي وَالْكَفَّارَةِ فِي مُطَالَبَةِ الْإِمَامِ بِهَا، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي دَيْنِ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْي طَرِيقَتَيْنِ: طَرِيقَةُ ابْنِ عَتَّابٍ يَقُولُ كَالزَّكَاةِ، وَطَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالزَّكَاةِ. قَوْلُهُ: [إنْ حَالَ حَوْلُهُ] : أَيْ مَضَى لَهُ حَوْل. وَالْمُرَادُ بِالْحَوْلِ: السَّنَةُ كَمَا هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ هَذَا الشَّرْطُ إذَا مَرَّ عَلَى الدَّيْنِ حَوْلٌ وَهُوَ عِنْدَ الْمَدِينِ، وَإِلَّا فَالشَّرْطُ مُسَاوَاةُ الدَّيْنِ لِمَا يَجْعَلُ فِيهِ زَمَانًا. وَاشْتِرَاطُ مُرُورِ الْحَوْلِ عَلَى مَا يَجْعَلُ فِي الدَّيْنِ مِنْ الْعَرَضِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ بَلْ يَجْعَلُ قِيمَتَهُ فِي مُقَابِلَةِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَمُرْ عَلَيْهِ حَوْلٌ عِنْدَهُ. قَالَ (ر) : وَبَنَوْا هَذَا الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْعَرَضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ هُوَ مُنْشِئٌ لِمِلْكِ الْعَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ مِنْ الْآنَ وَحِينَئِذٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا لِفَقْدِ الْحَوْلِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ - أَوْ كَاشِفٌ أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهَا، وَحِينَئِذٍ فَيُزَكِّي، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ يُوجِبُ عُمُومَ شَرْطِ الْحَوْلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كُلِّ مَا يَجْعَلُ فِي مُقَابِلَةِ الدَّيْنِ مِنْ مَعْشَرٍ وَمَعْدِنٍ وَغَيْرِهِمَا، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا مُرُورَ الْحَوْلِ إلَّا فِي الْعَرَضِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِي الْمَعْشَرِ وَالْمَعْدِنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا فِي الْمَوَّاقِ. اُنْظُرْ (بْن) . كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.

وَلِلثَّانِيَّ بِقَوْلِهِ: (وَبَيْعُ) ذَلِكَ الْعَرْضِ: أَيْ وَكَانَ مِمَّا يُبَاعُ (عَلَى الْمُفْلِسِ) : كَثِيَابٍ، وَنُحَاسٍ وَمَاشِيَةٍ وَلَوْ دَابَّةُ رُكُوبٍ أَوْ ثِيَابُ جُمُعَةٍ أَوْ كُتُبُ فِقْهٍ، لَا ثَوْبَ جَسَدِهِ أَوْ دَارَ سُكْنَاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ ضَرُورَتِهِ. فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَرْضِ مَا يَفِي بِبَعْضِ مَا عَلَيْهِ لِلْبَاقِي: فَإِنْ كَانَ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ، كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا وَعِنْدَهُ عَرْضٌ يَفِي بِعِشْرِينَ زَكَّى الْعِشْرِينَ. (وَالْقِيمَةُ) لِذَلِكَ الْعَرْضِ تُعْتَبَرُ (وَقْتَ الْوُجُوبِ) : أَيْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ آخِرِ الْحَوْلِ (أَوْ) يَكُونُ (لَهُ دَيْنٌ مَرْجُوٌّ وَلَوْ مُؤَجَّلًا) فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ وَيُزَكِّي مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ. (لَا غَيْرَ مَرْجُوٍّ) : كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ ظَالِمٍ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ، (وَلَا) إنْ كَانَ لَهُ (آبِقٌ) : فَلَا يَجْعَلْ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ (وَلَوْ رُجِيَ) تَحْصِيلُهُ لِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ بِحَالٍ. (فَلَوْ وُهِبَ الدَّيْنُ لَهُ) : أَيْ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ - بِأَنَّ أَبْرَأهُ رَبُّهُ مِنْهُ وَلَمْ يَحِلْ حَوْلُهُ مِنْ يَوْمِ الْهِبَةِ - فَلَا زَكَاةَ فِي الْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَهُ لِأَنَّ الْهِبَةَ إنْشَاءٌ لِمِلْكِ النِّصَابِ الَّذِي بِيَدِهِ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إلَّا إذَا اسْتَقْبَلَ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْهِبَةِ (أَوْ) وُهِبَ لَهُ (مَا) : ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [دَيْنٌ مَرْجُوٌّ وَلَوْ مُؤَجَّلًا] : لَكِنْ إنْ كَانَ حَالًا بِحَسَبِ عَدَدِهِ وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا بِحَسَبِ قِيمَتِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا إنْ كَانَ لَهُ آبِقٌ] : وَمِثْلُهُ الْبَعِيرُ الشَّارِدُ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ أَبْرَأَهُ رَبُّهُ مِنْهُ] : تَصْوِيرٌ لِهِبَةِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُسَمَّى إبْرَاءً، لِأَنَّ الْهِبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَكُونُ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. قَوْلُهُ: [إنْشَاءٌ لِمِلْكِ النِّصَابِ] : أَيْ مِنْ الْآنَ. قَوْلُهُ: [أَوْ وُهِبَ لَهُ] إلَخْ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ خَلِيلٍ: أَوْ مَرَّ لِكَمُؤَجِّرٍ نَفْسِهِ بِسِتِّينَ دِينَارًا ثَلَاثَ سِنِينَ حَوْلٌ فَلَا زَكَاةَ، قَالَ شَارِحُهُ: لِأَنَّ عِشْرِينَ السَّنَةُ الْأُولَى لَمْ يَتَحَقَّقْ مِلْكُهُ لَهَا إلَّا الْآنَ، فَلَمْ يَمْلِكُهَا حَوْلًا كَامِلًا، فَإِذَا مَرَّ الْحَوْلُ الثَّانِي زَكَّى عِشْرِينَ. وَإِذَا مَرَّ الثَّالِثُ زَكَّى أَرْبَعِينَ إلَّا مَا نَقَصَتْهُ الزَّكَاةُ. وَإِذَا مَرَّ الرَّابِعُ زَكَّى الْجَمِيعَ. فَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ بِسِتِّينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا، وَحُكْمُ زَكَاتِهَا مَا عَلِمْت. فَائِدَتَانِ: الْأُولَى مَنْ كَانَ لَهُ مِائَةٌ مَحْرَمِيَّةٌ وَمِائَةٌ رَجَبِيَّةٌ وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ الْمَحْرَمِيَّةِ عِنْدَ حَوْلِهَا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الرَّجَبِيَّةِ لِأَنَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا.

[زكاة المعدن]

أَيْ شَيْءٌ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ غَيْرِهِ؛ أَيْ وَهَبَ لَهُ إنْسَانٌ مَا؛ أَيْ شَيْئًا (يَجْعَلُ فِيهِ) : أَيْ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ، (وَلَوْ لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ) أَيْ حَوْلُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ عِنْدَ رَبِّ الْعَيْنِ (فَلَا زَكَاةَ) فِي الْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَهُ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَهَذَا التَّصْرِيحُ بِمَفْهُومِ قَوْلِ: " إنْ حَالَ حَوْلُهُ ". ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْمَعْدِنِ فَقَالَ: (وَيُزَكَّى مَعْدِنُ الْعَيْنِ) : الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (فَقَطْ) لَا مَعْدِنَ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ زِئْبَقٍ أَوْ غَيْرِهَا. (وَحُكْمُهُ) أَيْ الْمَعْدِنُ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ مَعْدِنَ عَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِلْإِمَامِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّانِيَةُ مَنْ وَقَفَ عَيْنًا لِلسَّلَفِ يَأْخُذُهَا الْمُحْتَاجُ وَيَرُدُّ مِثْلَهَا يَجِبُ عَلَى الْوَاقِفِ زَكَاتُهَا لِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِهِ فَتُزَكَّى كُلَّ عَامٍ وَلَوْ بِانْضِمَامِهَا لِمَالِهِ، وَإِلَّا أَنْ تَسَلَّفَ فَتُزَكَّى لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ الْمَدِينِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ، وَلَوْ مَكَثَتْ عِنْدَهُ أَعْوَامًا. وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ حَبًّا لِيُزْرَعَ كُلَّ عَامٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ حَوَائِطَ لِيُفَرَّقَ ثَمَرَهَا فَيَزِيدُ الْحَبُّ وَالثَّمَرُ إنْ كَانَ فِيهِ نِصَابٌ، وَلَوْ بِالضَّمِّ لِحَبِّ الْوَاقِفِ وَثَمَرَةِ. وَكَذَلِكَ وَقْفُ الْأَنْعَامِ لِتَفْرِقَةِ لَبَنِهَا أَوْ صُوفِهَا أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا أَوْ لِتَفْرِقَةِ نَسْلِهَا، فَإِنَّ الْجَمِيعَ تُزَكَّى عَلَى مَالِك الْوَاقِفِ إنْ كَانَ فِيهَا نِصَابٌ وَلَوْ بِالِانْضِمَامِ لِمَالٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَهُمْ، وَيَقُومُ مَقَامُ الْوَاقِفِ نَاظِرُ الْوَقْفِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ يُزَكِّيهَا عَلَى حِدَتِهَا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا، وَلَا يَتَأَتَّى الضَّمُّ لِمَالِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا. [زَكَاة الْمَعْدِن] قَوْلُهُ [وَيُزَكَّى مَعْدِنُ الْعَيْنِ] : يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ حُرِّيَّةِ الْمَالِكِ لَهُ وَإِسْلَامِهِ، وَلَا مُرُورَ الْحَوْلِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْبَابِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حُرِّيَّةٌ وَلَا إسْلَامٌ وَأَنَّ الشُّرَكَاءُ فِيهِ كَالْوَاحِدِ، قَالَ الْجُزُولِيُّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. نَقَلَهُ الْحَطَّابُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ [أَوْ غَيْرُهَا] : أَيْ كَالْقَصْدِيرِ وَالْعَقِيقِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ، إلَّا إنْ صَارَتْ عُرُوضُ تِجَارَةِ فَتُزَكَّى زَكَاتُهَا.

أَيْ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ يَقْطَعُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَنَافِعِهِمْ لَا لِنَفْسِهِ (وَلَوْ) وُجِدَ (بِأَرْضِ) شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ) وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ رَبُّ الْأَرْضِ. (إلَّا أَرْضَ الصُّلْحِ) ، إذَا وُجِدَ بِهَا مَعْدِنٌ (فَلَهُمْ) . وَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهِ مَا دَامُوا كُفَّارًا فَإِنْ أَسْلَمُوا رَجَعَ الْأَمْرُ لِلْإِمَامِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ [يَقْطَعُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ] : أَيْ يُعْطِيهِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِنَفْسِهِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُقَطَّعِ - بِفَتْحِ الطَّاءِ - وَسَوَاءُ كَانَ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمُقَطَّعِ أَوْ مَجَّانًا. وَإِذَا أَقْطَعهُ لِشَخْصٍ فِي مُقَابِلَةِ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَأْخُذُ الْإِمَامُ عَنْهُ إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِذَا أَقْطَعَهُ لِأَحَدٍ فَإِنَّمَا يَقْطَعُهُ انْتِفَاعًا لَا تَمْلِيكًا وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَقْطَعَهُ لَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَبِيعَهُ - ابْنُ الْقَاسِمِ. وَلَا يُورَثُ عَمَّنْ أَقْطَعَهُ لَهُ لِأَنَّ مَا لَا يُمْلَكُ لَا يُوَرَّثُ (اهـ. بْن كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) ، فَقَدْ عَلِمْت حُكْمَ مَا إذَا أَقْطَعَهُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَيَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ زَكَاتُهُ إنْ خَرَجَ مِنْهُ نِصَابٌ حَيْثُ كَانَ عَيْنًا وَأَمَّا إذَا أَمَرَ بِقَطْعِهِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ حَتَّى يُزَكِّيَ. قَوْلُهُ: [بِأَرْضِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ بِأَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَة كَالْفَيَافِيِ أَوْ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ وَلَوْ مُسْلِمِينَ، أَوْ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَرْضِ الْعَنْوَةِ، بَلْ وَلَوْ بِأَرْضِ مُعَيَّنٍ، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. وَيُغْتَفَرُ إقْطَاعُهُ فِي الْأَرَاضِيِ الْأَرْبَعِ إلَى حِيَازَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ مَاتَ الْإِمَامُ قَبْلَهَا بَطَلَتْ الْعَطِيَّةُ كَذَا فِي الْأَصْل، وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَعْدِنَ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْمَمْلُوكَةِ لِمُعَيَّنٍ يَكُونُ لِمَالِكِهَا مُطْلَقًا، وَعَلَى مَنْ قَالَ: إنْ كَانَ الْمَعْدِنُ عَيْنًا فَلِلْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَيْنٍ، فَلِمَالِكِ الْأَرْضِ الْمُعِينِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لِلْإِمَامِ، لِأَنَّ الْمَعَادِنَ قَدْ يَجِدُهَا شِرَارُ النَّاسِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ لِلْإِمَامِ لَأَدَّى إلَى الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ. قَوْلُهُ: [رَجَعَ الْأَمْرُ لِلْإِمَامِ] : أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ الْقَائِلِ إنَّهَا تَبْقَى لَهُمْ وَلَا تَرْجِعُ لِلْإِمَامِ.

[مسألة إجازة العمل في المعدن وزكاة الشركة فيه]

وَيُضَمُّ) فِي الزَّكَاةِ (بَقِيَّةُ الْعِرْقِ) الْمُتَّصِلِ لِمَا خَرَجَ أَوَّلًا، فَإِنْ بَلَغَ الْجَمِيعُ نِصَابًا فَأَكْثَرَ زَكَّاهُ إنْ اتَّصَلَ الْعَمَلُ بَلْ: (وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ) وَالزَّكَاةُ بِإِخْرَاجِهِ أَوْ بِتَصْفِيَتِهِ: قَوْلَانِ. وَعَلَى الثَّانِي: لَوْ أُنْفِقَ شَيْئًا قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ أَوْ ضَاعَ شَيْءٌ أَوْ تَلِفَ لَمْ يُحْسَبْ. وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْسَبُ. (لَا) يُضَمُّ (عِرْقٌ لِآخَرَ) بَلْ إنْ أَخْرَجَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ كُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ زَكَّاهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَسْأَلَة إجَازَة الْعَمَل فِي الْمَعْدِن وَزَكَاة الشَّرِكَة فِيهِ] قَوْلُهُ: [بَقِيَّةُ الْعِرْقِ] : يَعْنِي أَنَّ الْعِرْقَ الْوَاحِدَ مِنْ الْمَعْدِنِ - ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً. أَوْ كَانَ بَعْضُهُ ذَهَبًا وَبَعْضُهُ فِضَّةً - يُضَمُّ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا، فَإِذَا أَخْرَجَ نِصَابًا زَكَّى مَا يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ شَيْئًا قَلِيلًا وَلَوْ تَلِفَ الْخَارِجُ أَوَّلًا. قَوْلُهُ: [بَلْ وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ] : أَيْ فَالْمَدَارُ عَلَى اتِّصَالِ الْعِرْقِ وَلَوْ حَصَلَ فِي الْعَمَلِ انْقِطَاعٌ. قَوْلُهُ: [قَوْلَانِ] : الْأَوَّلُ لِلْبَاجِيِّ وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَعَلَى الثَّانِي لَوْ أَنْفَقَ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي بَيَانِ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ. قَوْلُهُ: [لَا يُضَمُّ عِرْقٌ لِآخَرَ] : أَيْ وَلَوْ اتَّصَلَ الْعَمَلُ، ظَاهِرُ عَدَمُ ضَمِّ أَحَدِ الْعِرْقَيْنِ لِلْآخَرِ وَلَوْ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ وَجَدَ الثَّانِي قَبْلَ فَرَاغِ الْأَوَّلِ. وَفِي الْحَطَّابِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ يُضَمُّ حَيْثُ بَدَأَ الْعِرْقُ الثَّانِي قَبْلَ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْعَمَلَ فِيهِ حَتَّى تَمَّمَ الْأَوَّلُ، أَوْ انْتَقَلَ لِلثَّانِي قَبْلَ تَمَامِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ حَيْثُ كَانَ الْمَعْدِنُ وَاحِدًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيِّ. تَنْبِيهٌ إنْ وَجَدَ عِنْدَهُ فَائِدَةً حَالَ حَوْلُهَا وَحَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَعْدِنِ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، فَهَلْ يَضُمُّهُ لَهَا وَتَجِبُ الزَّكَاةُ وَهُوَ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ؟ أَوْ لَا يُضَمُّ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ ضَمِّ الْمَعْدِنَيْنِ وَهُوَ لِسَحْنُونٍ؟ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ دَفْعُ مَعْدِنِ الْعَيْنِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ غَيْرِ نَقْدٍ يَأْخُذُهَا مِنْ الْعَامِلِ فِي نَظِيرِ أَخْذِ الْعَامِلِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ، بِشَرْطِ كَوْنِ الْعَمَلِ مَضْبُوطًا بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ خَاصٍّ كَحَفْرِ قَامَةٍ أَوْ قَامَتَيْنِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَقْدًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ فِي النَّقْدَيْنِ، أَوْ إلَى الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ. وَوَجْهُ الْجَوَازِ - إذَا كَانَتْ غَيْرَ نَقْدٍ - أَنَّهُ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ، وَهِيَ تَجُوزُ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَأَمَّا مَعْدِنُ غَيْرِ النَّقْدِ فَيَجُوزُ دَفْعُهُ

[الركاز]

وَإِلَّا فَلَا. وَأَوْلَى فِي عَدَمِ الضَّمِّ مَعْدِنٌ لِآخَرَ. (وَتُخَمَّسُ نَدْرَةُ الْعَيْنِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ أَيْ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ لِتَخْلِيصٍ، أَيْ يَخْرُجُ مِنْهَا الْخَمْسُ وَلَوْ دُونَ نِصَابٍ. (كَالرِّكَازِ) يُخَمَّسُ: أَيْ يَخْرُجُ مِنْهُ الْخَمْسُ (مُطْلَقًا) عَيْنًا أَوْ غَيْرَهُ قَلَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِأُجْرَةٍ وَلَوْ نَقْدًا، وَيَكُونُ فِي نَظِيرِ إسْقَاطِهِ حَقَّهُ لَا فِي مُقَابِلَةِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ. وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ لِرَبِّهِ وَالْأُجْرَةُ يَدْفَعُهَا رَبُّهُ لِلْعَامِلِ، فَيَجُوزُ وَلَوْ بِأُجْرَةِ نَقْدٍ. مَسْأَلَةٌ أُخْرَى: لَوْ تَعَدَّدَ الْمُشْتَرِكُونَ فِي الْمَعْدِنِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِلْكُ كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ. فَمَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ نِصَابًا زَكَّى وَإِلَّا فَلَا. وَاخْتَلَفَ: هَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الْمَعْدِنِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِجُزْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؟ لِأَنَّ الْمَعَادِنَ لَمَّا لَمْ يُجَزْ بَيْعُهَا جَازَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا بِجُزْءٍ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - أَوْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ؟ وَلِأَنَّهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ. رَجَّحَ كُلًّا مِنْهُمَا. [الرِّكَاز] قَوْلُهُ: [وَتُخَمَّسُ نَدْرَةُ الْعَيْنِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَعِنْدَ ابْنِ نَافِعٍ فِيهَا الزَّكَاةُ رُبْعُ الْعُشْرِ لِأَنَّ الْخُمْسَ مُخْتَصٌّ بِالزَّكَاةِ، وَهِيَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ مِنْهُ بَلْ مِنْ الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ عِنْدَهُ مُخْتَصٌّ بِدَفْنِ الْجَاهِلِيِّ، وَأَمَّا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَالرِّكَازُ مَا وُجِدَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ مُخْلَصًا، سَوَاءٌ دُفِنَ فِيهَا أَوْ كَانَ مُخْلَقًا. قَوْلُهُ: [الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ] : كَذَا فَسَّرَهَا عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. وَفَسَّرَهَا أَبُو عِمْرَانَ بِالتُّرَابِ الْكَثِيرِ الذَّهَبِ السَّهْلِ التَّصْفِيَةِ، وَهَذَا لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا نِيلَ مِنْ الْمَعْدِنِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ لِكَبِيرِ عَمَلٍ فَهُوَ النَّدْرَةُ وَفِيهِ الْخُمْسُ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُهُ كَمَا قَالَهُ (ر) . قَوْلُهُ: [الْخَالِصَةُ] : أَيْ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا لَا بِوَضْعِ وَاضِعٍ لَهَا. قَوْلُهُ: [الرِّكَازُ] : اعْلَمْ أَنَّ مَصْرِفَ الْخُمْسِ فِي النَّدْرَةِ. وَالرِّكَازِ غَيْرُ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ، أَمَّا خُمْسُ الرِّكَازِ فَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَيْسَ كَمَصْرِفِ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَخُمْسِ الْغَنَائِمِ. فَمَصْرِفُهُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحِلُّ لِلْأَغْنِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ نَقَلَهُ - الْمَوَّاقُ.

أَوْ كَثُرَ. (وَلَوْ كَرُخَامٍ) وَأَعْمِدَةٍ وَمِسْكٍ وَعُرُوضٍ. (أَوْ وَجَدَهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ) ، وَالْإِطْلَاقُ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ نَدْرَةِ الْعَيْنِ وَالرِّكَازِ وَالْمُبَالَغَةُ بِقَوْلِهِ: " وَلَوْ كَرُخَامٍ، خَاصَّةً بِالرِّكَازِ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ وَجَدَهُ "، إلَخْ عَامٌّ فِيهِمَا. وَاسْتَثْنَى مِنْهُمَا مَعًا قَوْلُهُ: (إلَّا لِكَبِيرِ نَفَقَةٍ أَوْ) كَبِيرِ (عَمَلٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ عَبِيدِهِ (فِي تَحْصِيلِهِ) : أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ النَّدْرَةِ وَالرِّكَازِ وَلَوْ بِمَشَقَّةِ سَفَرٍ عَلَى الْأَرْجَحِ (فَالزَّكَاةُ) حِينَئِذٍ رُبْعُ الْعُشْرِ دُونَ التَّخْمِيسِ. (وَهُوَ) : أَيْ الرِّكَازُ (دِفْنٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ مَدْفُونٌ (جَاهِلِيُّ) : أَيْ غَيْرُ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَصْرِفُ خُمْسُ النَّدْرَةِ مِنْ الْمَعْدِنِ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَمُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَالْمَغْنَمِ وَالرِّكَازِ - أَيْ فَمَصْرِفُهُ - مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (اهـ. بُنَانِيٌّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَرُخَامٍ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ فِي الْعُرُوضِ. قَوْلُهُ: [وَالْإِطْلَاقُ رَاجِعٌ] إلَخْ: أَيْ فِي قَوْلِهِ مُطْلَقًا عَيْنًا أَوْ غَيْرِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ظَاهِرُهُ. وَلَكِنَّ هَذَا يُنَافِيهِ تَفْسِيرُهُ - هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ - النَّدْرَةِ بِأَنَّهَا الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ، فَالصَّوَابُ رُجُوعُ الْإِطْلَاقِ لِلرِّكَازِ فَقَطْ، وَأَجَابَ الْمُؤَلِّف فِي تَقْرِيرِهِ: بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي النَّدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [عَامٌّ فِيهِمَا] : أَيْ فَكَانَ الْأُولَى: أَوْ وَجَدَهُمَا. قَوْلُهُ: [فَالزَّكَاةُ] : أَيْ عَلَى تَأْوِيلِ اللَّخْمِيِّ تَأْوِيلِ ابْنِ يُونُسَ الْخُمْسُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ عَاشِرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ نِصَابٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ شُرُوطِ الرِّكَازِ. قَوْلُهُ: [أَيْ غَيْرُ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ] : أَيْ فَالْمُرَادُ دَفْنُ غَيْرِ مَعْصُومٍ. وَمَفْهُومُ دَفْنٍ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، لِأَنَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا وَجَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ جَاهِلِيٍّ، أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ مُخَمَّسًا، وَاقْتَصَرَ عَنْ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ. هَذَا إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَالٌ جَاهِلِيٌّ، بَلْ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ: بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ أَصْلًا أَوْ عَلَامَةٌ وَطُمِسَتْ. لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَدْفُونَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَأَمَّا مَا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ

[ما لفظه البحر]

(وَكُرِهَ حَفْرُ قَبْرِهِ) : أَيْ الْجَاهِلِيُّ لِأَنَّهُ مِمَّا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ (وَالطَّلَبُ فِيهِ) عِلَّةٌ لِمَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُدْفَنُونَ الْأَمْوَالَ مَعَ أَمْوَاتِهِمْ. (وَ) إنْ وَقَعَ (خَمْسٌ) لِأَنَّهُ رِكَازُ (وَبَاقِيهِ) : أَيْ الرِّكَازُ (لِلْمَالِكِ الْأَرْضِ) بِإِحْيَاءٍ أَوْ بِإِرْثٍ مِنْهُ لَا لِوَاجِدِهِ وَلَا لِمَالِكِهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ، بَلْ لِلْبَائِعِ الْأَصْلِيِّ أَوْ الْوَاهِبِ. فَإِنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَلُقَطَةُ، وَقِيلَ: لِمَالِكِهَا فِي الْحَالِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا بَاقِي النَّدْرَةِ فَكَالْمَعْدِنِ لِمُخْرِجِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ. (وَإِلَّا) تَكُنْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً (فَلِوَاجِدِهِ وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لُقَطَةٌ) كَالْمَوْجُودِ مِنْ مَالِهِمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يُعَرَّفُ سَنَةً إذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبَّهُ أَوْ وَارِثَهُ. فَإِنْ قَامَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى تُوَالِي الْأَعْصَارِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ وَلَا مَعْرِفَةُ وَارِثِهِ فِي هَذَا الْأَوَانِ. فَهَلْ يَنْوِي تَمَلُّكَهُ؟ أَوْ يَكُونُ مَحَلُّهُ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ لِقَوْلِهِمْ: كُلُّ مَالٍ جَهِلْت أَرْبَابَهُ فَمَحَلُّهُ بَيْتُ الْمَالِ؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ. (وَمَا لَفَظَهُ) بِالْفَاءِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ طَرَحَهُ (الْبَحْرَ) مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِلْكُ أَحَدٍ عَلَيْهِ (كَعَنْبَرٍ) وَلُؤْلُؤٍ وَمَرْجَانِ وَسَمَكٍ (فَلِوَاجِدِهِ) الَّذِي وَضَعَ يَدُهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا (بِلَا تَخْمِيسٍ) ، لِأَنَّ أَصْلَهُ الْإِبَاحَةُ. فَلَوْ رَآهُ جَمَاعَةٌ فَتَدَافَعُوا عَلَيْهِ فَجَاءَ آخَرُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُ دُونَ الْمُتَدَافِعِينَ. (فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا لَفَظَهُ الْبَحْرَ (مِلْكٌ) لِأَحَدٍ (فَإِنْ كَانَ) مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ مَلَكَ (حَرْبِيًّا فَكَذَلِكَ) : أَيْ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ لَكِنَّهُ يُخَمَّسُ لِأَنَّهُ مِنْ الرِّكَازِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ الذِّمِّيِّ فَلُقَطَةٌ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ حَفْرُ قَبْرِهِ] : إنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّ تُرَابَهُمْ نَجَسٌ وَخِيفَ أَنْ يُصَادِفَ قَبْرَ صَالِحٍ، وَأَمَّا نَبْشُ قَبْرِ الْمُسْلِمِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِمَّا تَقَدَّمَ فَحَرَامٌ. وَحُكْمُ مَا يُوجَدُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ. قَوْلُهُ: [لُقَطَةٌ] : أَيْ عَلَى حُكْمِهَا وَفِي (بْن) عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَلَيْسَ لُقَطَةٌ. [مَا لَفْظه الْبَحْر] [تَتِمَّة مِنْ ترك شَيْئًا فأخذه غَيْره] قَوْلُهُ: [بِالْفَاءِ] : أَيْ الْمَفْتُوحَةِ.

فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ بِتَامٍّ بِدَلِيلِ مَا بَعْده، وَمُرَادُهُ بِالْحَرْبِيِّ الْمُتَحَقِّقِ حِرَابَتُهُ وَإِلَّا فَمَا بَعْدَهُ يُغْنِي عَنْهُ أَيْ قَوْلِهِ؛ (وَ) إنْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ مَلَكَهُ (جَاهِلِيًّا) أَيْ غَيْرَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ (وَلَوْ بِشَكٍّ) فِي جَاهِلِيَّتِهِ وَغَيْرِهَا (فَرِكَازٌ) يُخَمَّسُ وَالْبَاقِي لِوَاجِدِهِ. (وَإِلَّا) - بِأَنَّ عُلِمَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ - (فَلُقَطَةٌ) يُعْرَفُ. وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكه ابْتِدَاءً خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ ابْتِدَاءً] : أَيْ مَا لَمْ تَقُمْ الْقَرَائِنُ عَلَى تُوَالِي الْأَعْصَارِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ عَيْنُ مَا نَظَرَ فِيهِ. تَتِمَّةٌ فِي الْحَطَّابِ وَكَبِيرِ التَّتَّائِيِّ الْخِلَافُ فِيمَنْ تَرَكَ شَيْأَهُ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ: هَلْ هُوَ لِرَبِّهِ؟ حَتَّى لَوْ رَمَاهُ الْآخِذُ فِي الْجَبِّ ثَانِيًا ضَمِنَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أُجْرَةُ تَخْلِيصِهِ أَوْ نَفَقَتَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، أَوْ لِآخِذِهِ مُطْلَقًا؟ أَوْ إنْ تَرَكَهُ رَبُّهُ مُعْرِضًا عَنْهُ بِالْمَرَّةِ أَوْ الدَّابَّةِ فِي مَحَلٍّ مُجْدِبٍ؟ فَانْظُرْهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.

[فصل في بيان مصرف الزكاة]

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ وَهُوَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا، كَالْإِسْلَامِ. (وَمَصْرِفُهَا) : أَيْ مَحَلُّ صَرْفِهَا أَيْ لِمَنْ تُصْرَفُ. أَيْ مَنْ تُعْطَى لَهُ. (فَقِيرٌ. لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ، وَلَوْ مَلَكَ نِصَابًا) : فَيَجُوزُ الْإِعْطَاءُ لَهُ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ] [مَصْرِف الزَّكَاةِ مِنْ شُرُوط صحتها] فَصْلٌ قَوْلُهُ: [وَمَصْرِفُهَا] : الْمَصْرِفُ اسْمُ مَكَان لَا مَصْدَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَافَ اسْمُ مَحَلِّ الزَّكَاةِ فَلِذَلِكَ قَالَ: " أَيْ مَحَلُّ صَرْفِهَا ". وَفِي كَلَامِهِ لَطِيفَةٌ: وَهِيَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ اللَّامَ الْوَاقِعَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] إلَخْ، لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ وَالْمِلْكِ، وَإِلَّا لَكَانَ يُشْتَرَطُ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ. قَوْلُهُ: [لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ] : الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هُوَ مِنْ يَمْلِكُ شَيْئًا لَا يَكْفِيهِ عَامَهُ، وَإِلَّا فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْفَقِيرَ أَعَمُّ مِنْ الْمِسْكِينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ بَيْنَهُمَا

(وَمِسْكِينٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا) فَهُوَ أَحْوَجُ مِنْ الْفَقِيرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَبَايُنٌ حَيْثُ ذُكِرَا مَعَ بَعْضِهِمَا. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [فَهُوَ أَحْوَجُ] إلَخْ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ صِنْفَانِ مُتَغَايِرَانِ كَمَا عَلِمْت، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِشَيْءٍ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْمَسَاكِينِ أَوْ الْعَكْسِ: فَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. وَإِذَا ادَّعَى شَخْصٌ الْفَقْرَ أَوْ الْمَسْكَنَةَ لِيَأْخُذَ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ إلَّا لِرِيبَةٍ بِأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ مَا يَدَّعِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَلْ يَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ؟ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي دَعْوَى الْمَدِينِ الْعَدَمَ وَدَعْوَى الْوَلَدِ الْعَدَمَ، لِأَجْلِ نَفَقَةِ وَالِدَيْهِ. وَعَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهُمَا؟ كَمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوْ لَا يَحْلِفُ؟ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْوَالِدِ الْعَدَمَ لِأَجْلِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. تَنْبِيهٌ: مَنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهُ مَلِيًّا أَوْ كَانَ لَهُ مُرَتَّبٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ يَكْفِيهِ، لَا يُعْطِي مِنْهَا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَلِيءُ لَمْ يَجُرَّ النَّفَقَةَ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ بِالْحُكْمِ. وَأَمَّا مَنْ لَهُ مُنْفِقٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا فَلَهُ أَخْذُهَا كَمَا ذَكَرَهُ (ح) ، لِأَنَّ لِلْمُنْفِقِ الْمَذْكُورِ قَطْعُ النَّفَقَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُنْفِقِ الْمُتَطَوِّعِ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ لَازِمَةٌ لِمَلِيءٍ لَا يُعْطَى اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا مَلِيءٌ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا وَتُجْزِئُ رَبَّهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي فِي (ح) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ لَا تُجْزِئُ مُطْلَقًا وَهُوَ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: لَا تُجْزِئُ إنْ كَانَ الْمُنْفِقُ قَرِيبًا وَتُجْزِئُ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ، وَقِيلَ: إنَّهَا تُجْزِئُ مُطْلَقًا لَكِنْ مَعَ الْحُرْمَةِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ. فَائِدَةٌ: نَقَلَ (ح) عَنْ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمَةٌ، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشُورَهَا مِنْ الزَّكَاةِ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ،

(وَعَامِلٌ عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الزَّكَاةِ؛ (كَسَاعٍ وَجَابٍ) : وَهُوَ الَّذِي يَجْبِي الزَّكَاةَ (وَمُفَرِّقٌ) وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَكَاتِبٌ وَحَاشِرٌ: وَهُوَ الَّذِي يَحْشُرُ - أَيْ يَجْمَعُ - أَرْبَابَ الْمَوَاشِي لِلْأَخْذِ مِنْهُمْ. (وَلَوْ) كَانَ الْعَامِلُ (غَنِيًّا) : لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهَا بِوَصْفِ الْعَمَلِ لَا بِوَصْفِ الْفَقْرِ (إنْ كَانَ كُلٌّ) مِنْ الْفَقِيرِ وَمَا بَعْدَهُ (حُرًّا مُسْلِمًا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ) : فَلَا يُجْزِئُ لِعَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ هَاشِمِيٍّ: أَيْ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، لِأَنَّ آلَ الْبَيْتِ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَلَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِمْ. وَأَمَّا بَنُو الْمُطَّلِبِ أَخُو هَاشِمٍ فَلَيْسُوا عِنْدَنَا مِنْ آلِ الْبَيْتِ فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْأَمْرُ الَّذِي يَرَاهُ الْقَاضِي حَسَنًا فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ. (اهـ. بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَحَاشِرٌ] : اُعْتُرِضَ بِأَنَّ السُّعَاةَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا أَرْبَابَ الْمَاشِيَةِ وَهُمْ عَلَى الْمِيَاهِ وَلَا يَقْعُدُونَ فِي قَرْيَةٍ وَلَا يَبْعَثُونَ لِأَرْبَابِهَا إذْ لَا يَلْزَمُهُمْ السَّيْرُ لِقَرْيَةٍ أُخْرَى؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِلْحَاشِرِ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ - كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ - أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ مِنْ مَوَاضِعِهِمْ فِي قَرْيَتِهِمْ إلَى السَّاعِي بَعْدَ إتْيَانِهِ إلَيْهَا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَيْهَا يَصْدُقُ بِالسَّاعِي وَالْجَابِي وَالْمُفَرِّقِ وَالْكَاتِبِ وَالْحَاشِرِ، لَا رَاعٍ وَحَارِسٍ، لِأَنَّ الشَّأْنَ عَدَمُ احْتِيَاجِ الزَّكَاةِ لَهُمَا لِكَوْنِهَا تُفَرَّقُ غَالِبًا عِنْدَ أَخْذِهَا، بِخِلَافِ مَنْ ذُكِرَ فَإِنَّ شَأْنَ الزَّكَاةِ احْتِيَاجُهَا إلَيْهِمْ، فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِرَاعٍ أَوْ الْحَارِسِ لِلْمَوَاشِي الْمَجْمُوعَةِ فَأُجْرَتُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِثْلُ حَارِسِ الْفِطْرَةِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهَا بِوَصْفِ الْعَمَلِ] : وَلِذَلِكَ إذَا كَانَ فَقِيرًا يَأْخُذُ بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَيْضًا كَمَا قَالَ خَلِيلٌ، وَأَخْذُ الْفَقِيرِ بِوَصْفَيْهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ. قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْفَقِيرِ وَمَا بَعْدَهُ] إلَخْ: أَيْ مَا عَدَا الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ. كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ وَعَدَمَ كَوْنِهِ هَاشِمِيًّا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ أَخْذِ الزَّكَاةِ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْعَامِلِ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا الْآتِيَيْنِ فِي الشَّرْحِ فِيهِمْ شَرْطٌ لِصِحَّةِ كَوْنِهِ عَامِلًا؛ فَلَوْ كَانَ هَاشِمِيًّا أَوْ عَبْدًا، وَكَانَ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا نَفَذَتْ تَوْلِيَتُهُ وَلَكِنْ لَا يُعْطَى مِنْهَا بَلْ يُعْطَى أُجْرَةَ مِثْلِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [فَلَيْسُوا عِنْدَنَا مِنْ آلِ الْبَيْتِ] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ. قَوْلُهُ: [قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا حُرِمُوا حَقَّهُمْ] إلَخْ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ

حُرِمُوا حَقَّهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَصَارُوا فُقَرَاءَ جَازَ أَخْذُهُمْ وَإِعْطَاؤُهُمْ مِنْهَا كَمَا هُوَ الْآنَ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَامِلِ مَا ذُكِرَ وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا؛ فَلَا يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا عَبْدٌ وَلَا كَافِرٌ وَلَا هَاشِمِيٌّ وَلَا فَاسِقٌ وَلَا جَاهِلٌ بِأَحْكَامِهَا (وَمُؤَلَّفٌ) قَلْبُهُ قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 60] : وَهُوَ (كَافِرٌ) يُعْطَى مِنْهَا (لِيُسْلِمَ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يُسْلِمَ، وَقِيلَ: وَهُوَ مُسْلِمٌ قَرِيبُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ يُعْطَى مِنْهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِسْلَامِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَدَمِ إعْطَاءِ بَنِي هَاشِمٍ إذَا أُعْطُوا مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطُوهُ وَأَضَرَّ بِهِمْ الْفَقْرُ أُعْطُوا مِنْهَا، وَإِعْطَاؤُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ، قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَصِلُوا إلَى إبَاحَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ. وَقَيَّدَ الْبَاجِيُّ إعْطَاءَهُمْ بِوُصُولِهِمْ لَهَا وَلَعَلَّهُ الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيَّنُ، كَذَا فِي (عب) . أَقُولُ قَدْ ضَعُفَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ فَإِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لَهُمْ أَسْهَلُ مِنْ تَعَاطِيهِمْ خِدْمَةَ الذِّمِّيِّ وَالْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ (اهـ) . وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَهِيَ لِلْآلِ جَائِزَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. فَائِدَةٌ: الْهَاشِمِيُّ مَنْ لِهَاشِمٍ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ: كَأَوْلَادِ الْعَبَّاسِ وَحَمْزَةَ وَأَبِي طَالِبٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَأَوْلَادِ فَاطِمَةَ فَتَحْرُمُ عَلَى الْجَمِيعِ الزَّكَاةُ، وَيَجُوزُ لَهُمْ لُبْسُ الشَّرَفِ. وَمَنْ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْهُمْ فَقَطْ لَيْسَ بِآلٍ فَتَجُوزُ لَهُ الزَّكَاةُ وَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الشَّرَفِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ، لِأَنَّ لَهُ نِسْبَةً بِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَفِي الْحَدِيثِ: «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «الْخَالُ أَبٌ» ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ» ، فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ لُبْسُ الشَّرَفِ لِيُحْتَرَمَ، ثُمَّ إنَّ لُبْسَ الشَّرَفِ هَذَا حَادِثٌ فِي زَمَنِ السُّلْطَانِ الْأَشْرَفِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ الشَّرِيفُ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ السُّلْطَانُ لِيَتَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ فَصَارَ شِعَارَهُمْ فَلُبْسُهُ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ حَرَامٌ. قَوْلُهُ: [لِيُسْلِمَ] : هَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ، قَالَ خَلِيلٌ وَحُكْمُهُ بَاقٍ أَيْ لَمْ يُنْسَخْ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْ دَفْعِهَا إلَيْهِ تَرْغِيبُهُ فِي الْإِسْلَامِ لِأَجْلِ إنْقَاذِ مُهْجَتِهِ مِنْ النَّارِ لَا لِإِعَانَتِهِ لَنَا حَتَّى يَسْقُطَ بِفَشْوِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إعَانَتُهُمْ لَنَا وَقَدْ اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُمْ بِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْخِلَافُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشْي عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمُؤَلَّفَ كَافِرٌ يُعْطَى تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لَهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَحُكْمُهُ بَاقٍ اتِّفَاقًا.

(وَرَقِيقٌ مُؤْمِنٌ) لَا كَافِرٌ (يُعْتَقُ مِنْهَا) بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ فَيُعْتَقَ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ يُقَوِّمُهُ قِيمَةَ عَدْلٍ وَيُعْتِقُهُ عَنْ زَكَاتِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60] . وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّقِيقِ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا (لَا عَقْدَ حُرِّيَّةٍ فِيهِ) : كَمُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لَأَجَلٍ وَأُمِّ وَلَدٍ، وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ. (وَوَلَاؤُهُ) - إذَا عَتَقَ مِنْهَا - (لِلْمُسْلِمِينَ) لَا لِلْمُزَكِّي، فَإِذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ وَتَرَكَ مَالًا فَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. (وَغَارِمٌ) : أَيْ مَدِينٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَرَقِيقٌ] : أَيْ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى. وَقَوْلُهُ [مُؤْمِنٌ] : قَالَ (عب) : وَلَوْ هَاشِمِيًّا وَارْتَضَاهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ، لِأَنَّ تَخْلِيصَ الْهَاشِمِيِّ مِنْ الرِّقِّ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْأَوْسَاخِ شَيْءٌ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ هَاشِمِيٌّ أَمَةً مَمْلُوكَةً لِشَخْصٍ لِعَدَمِ وُجُودِ طَوْلٍ لِلْحَرَائِرِ، وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ فَأَوْلَادُهُ أَرِقَّاءُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، وَأَشْرَافٌ، وَيُؤَلَّفُ مِنْهَا الْهَاشِمِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَخْلِيصَهُ مِنْ الْكُفْرِ أَهَمُّ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ قَدْ حَطَّ قَدْرَهُ فَلَا يَضُرُّ أَخْذُهُ الْأَوْسَاخَ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْمُؤَلَّفِ وَالرَّقِيقِ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " غَيْرَ هَاشِمِيٍّ ". وَلَا يُشْتَرَطُ فِي عِتْقِ الرَّقِيقِ مِنْهَا سَلَامَتُهُ مِنْ الْعُيُوبِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ فَيُعْتَقَ] إلَخْ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعْتَقَ بِنَفْسِ الْمِلْكِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ كَالْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَالْحَوَاشِي الْقَرِيبَةِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ. فَإِنْ اشْتَرَى مِنْ زَكَاتِهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا لِلْإِمَامِ، فَيَشْتَرِيَ بِهَا وَالِدُ رَبِّ الْمَالِ وَوَلَدُهُ وَيُعْتِقَهُ فَيُجْزِئُ حَيْثُ لَا تَوَاطُؤَ. قَوْلُهُ: [وَوَلَاؤُهُ إذَا عَتَقَ مِنْهَا لِلْمُسْلِمِينَ] : وَسَوَاءٌ صَرَّحَ الْمُعْتَقُ بِذَلِكَ أَوْ سَكَتَ، بَلْ وَلَوْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَنِّي وَوَلَاؤُك لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَالْعِتْقُ لَازِمٌ وَالْوَلَاءُ لَهُ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَوْلُهُ: [وَغَارِمٌ] : اشْتَرَطَ فِيهِ الشَّارِحُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ. وَلَا يُقَالُ: الدَّيْنُ يَضَعُ الْقَدْرَ أَكْثَرَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّا نَقُولُ:

لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ (كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ يُعْطَى مِنْهَا لِوَفَاءِ دَيْنِهِ. (وَلَوْ مَاتَ) : فَيُوَفِّي دَيْنَهُ مِنْهَا. إذَا (تَدَايَنَ لَا فِي فَسَادٍ) كَشُرْبِ خَمْرٍ وَقِمَارٍ، (وَلَا لِأَخْذِهَا) : أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ كِفَايَتُهُ وَتَدَايَنَ لِلتَّوَسُّعِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا فَلَا يُعْطَى، وَأَمَّا فَقِيرٌ تَدَايَنَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَائِلَتِهِ بِقَصْدِ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا فَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ. (إلَّا أَنْ يَتُوبَ) مَنْ تَدَايَنَ لِفَسَادٍ أَوْ لِأَخْذٍ مِنْهَا، بِأَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَيَبْقَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَدْ تَدَايَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاتَ وَعَلَيْهِ الدَّيْنُ فَمَذَلَّتُهَا أَعْظَمُ مِنْ مَذَلَّةِ الدَّيْنِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ شَيْءٌ وَلِذَلِكَ سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ أَنَّهُ يُعْطِي إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْتَ مَالٍ يُوَفِّي مِنْهُ دَيْنَهُ. قَوْلُهُ: [لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّي] إلَخْ: أَيْ مِمَّا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَاتَ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يُقْضَى دَيْنُ الْمَيِّتِ مِنْ الزَّكَاةِ لِوُجُوبِ وَفَائِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ أَنْ يُحْبَسَ فِيهِ؛ فَيَدْخُلُ دَيْنُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ، وَالدَّيْنُ عَلَى الْمُعْسِرِ. وَيَخْرُجُ دَيْنُ الْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي يُحْبَسُ فِيهِ مَا كَانَ لِآدَمِيٍّ، وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ وَالزَّكَوَاتُ فَهِيَ لِلَّهِ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَتُوبَ] : رَجَّعَهُ الشَّارِحُ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ

عَلَيْهِ مَا تَدَايَنَهُ فِي فَسَادِهِ فَيُعْطَى مِنْهَا، لَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ التَّوْبَةَ. (وَمُجَاهِدٌ كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ. (وَآلَتُهُ) بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا سِلَاحٌ أَوْ خَيْلٌ لِيُغَازِيَ عَلَيْهَا، وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَيُعْطَى الْمُجَاهِدُ مِنْهَا وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَاسُوسُ وَالْمُرَابِطُ (وَلَوْ) كَانَ (غَنِيًّا) : لَا إنْ أَخَذَهُ بِوَصْفِ الْجِهَادِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60] . (وَابْنُ سَبِيلٍ) : وَهُوَ الْغَرِيبُ (كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَهُوَ (مُحْتَاجٌ لِمَا يُوَصِّلُهُ) لِوَطَنِهِ إذَا سَافَرَ مِنْ بَلَدِهِ (فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) ، وَإِلَّا لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQخِلَافًا لِبَهْرَامَ حَيْثُ رَجَّعَهُ لِخُصُوصِ الْفَسَادِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ التَّدَايُنَ لَأَخْذِهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا فَلَا يَحْتَاجُ لِتَوْبَةٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ تَدَايَنَ وَعِنْدَهُ كِفَايَتُهُ كَانَ سَفِيهًا، وَالسَّفَهُ حَرَامٌ يَحْتَاجُ لِتَوْبَةٍ. قَوْلُهُ: [وَمُجَاهِدٌ كَذَلِكَ] : أَيْ مُتَلَبِّسٌ بِهِ أَوْ بِالرِّبَاطِ. قَوْلُهُ: [أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ] إلَخْ: فَإِنْ تَخَلَّفَ وَصْفٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فَلَا يُعْطَى ذَلِكَ الْمُجَاهِدُ مِنْهَا شَيْئًا. قَوْلُهُ: [وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَاسُوسُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَكِنْ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حُرًّا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ؛ وَأَمَّا إنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حُرًّا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لِخَسَّةِ الْكُفْرِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ مِنْ أَنَّ الْمُجَاهِدَ الْغَنِيَّ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا. فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ عَاصٍ أَصْلًا أَوْ كَانَ عَاصِيًا فِي السَّفَرِ فَيُعْطَى فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَاصِيًا بِالسَّفَرِ فَلَا يُعْطَى وَلَوْ خُشِيَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، لِأَنَّ نَجَاتَهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ بِالتَّوْبَةِ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ عَنْ التَّبْصِرَةِ: لَا يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مِنْهَا إنْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَإِنْ خُشِيَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ نُظِرَ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ قَتْلَ نَفْسٍ أَوْ هَتْكَ حُرْمَةٍ لَمْ يُعْطَ إلَّا إنْ تَابَ. وَلَا يُعْطَى مِنْهَا مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَابَ أَوْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فِي بَقَائِهِ: فَقَدْ فَصَّلْت بَيْنَ سَيْرِهِ لِلْقَتْلِ وَهَتْكِ الْحَرِيمِ - فَلَا يُعْطَى إلَّا

يُعْطَ. (إلَّا أَنْ يَجِدَ) الْغَرِيبُ (مُسَلِّفًا) لِمَا يُوَصِّلُهُ (وَهُوَ) : أَيْ الْحَالُ أَنَّهُ (غَنِيٌّ بِبَلَدِهِ) فَلَا يُعْطَى حِينَئِذٍ. فَالْإِعْطَاءُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: لِلْفَقِيرِ مُطْلَقًا، وَالْغَنِيِّ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا، وَعُدْمِهِ فِي صُورَةٍ. وَمَفْهُومُ مُحْتَاجٍ: أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُعْطَى وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْهَاشِمِيُّ فِيهِ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ فَعَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يُوَصِّلُهُ، فَإِنْ عُدِمَ بَيْتُ الْمَالِ - كَمَا هُوَ الْآنَ - فَالْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَقِيرِ أَنْ يُعْطَى الْمَدِينُ أَوْ الْغَرِيبُ الْهَاشِمِيُّ مِنْهَا لِوَفَاءِ الدَّيْنِ أَوْ لِمَا يُوَصِّلُهُ لِبَلَدِهِ، فَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] إلَخْ فَلَا تُجْزِئُ لِغَيْرِهِمْ كَسُوَرٍ وَسُفُنٍ لِغَيْرِ جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَشِرَاءِ كُتُبِ عِلْمٍ وَدَارٍ لِتُسْكَنَ أَوْ ضَيْعَةٍ لِتُوقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ. (وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ) أَيْ الْمُحْتَاجِ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يُخَصَّ بِالْإِعْطَاءِ أَوْ يُزَادَ لَهُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، إذْ الْمَقْصُودُ سَدُّ الْخَلَّةِ (لَا تَعْمِيمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQإنْ تَابَ - وَبَيْنَ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ فَيُعْطَى إنْ تَابَ أَوْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: [فَالْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ] : تَحْصُلُ أَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ كَوْنِهِ هَاشِمِيًّا فِي تِلْكَ الْأَصْنَافِ إنَّمَا هُوَ لِشَرَفِهِ، فَإِنْ أَدَّى مَنْعُهُ مِنْهَا إلَى الضَّرَرِ بِهِ قُدِّمَ وَيُلْغَى الشَّرْطُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ. قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] : أَيْ وَأَمَّا لَهُ فَيَجُوزُ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُنْشِئُ مِنْهَا الْمَرْكَبَ لِلْغَزْوِ وَيُعْطَى مِنْهَا كِرَاءُ النَّوَاتِيَّةِ وَيُبْنَى مِنْهَا حِصْنٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَنْقُلْ اللَّخْمِيُّ غَيْرَهُ، وَاسْتَظْهَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ الصَّحِيحُ - كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ نَقَلَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَمِثْلُ السُّورِ وَالْمَرْكَبِ؛ الْفَقِيهُ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ، لَكِنْ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: مَحَلُّ كَوْنِ الْفَقِيهِ الَّذِي يُدَرِّسُ الْعِلْمَ أَوْ يُفْتِي لَا يَأْخُذُ مِنْهَا إذَا كَانَ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا فَيُعْطَى مِنْهَا وَلَوْ كَثُرَتْ كُتُبُهُ حَيْثُ كَانَ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ لَمْ يُعْطَ إلَّا أَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: إذَا مَنَعُوا حَقَّهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانُوا فُقَرَاءَ أَوْ أَغْنِيَاءَ بِالْأَوْلَى مِنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ. (اهـ) .

[ما يندب في صرف الزكاة وما يجوز وما يجب]

الْأَصْنَافِ) . فَلَا يَنْدُبُ بَلْ مَتَى أَعْطَى لِأَيِّ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِكَوْنِهِ مِنْ أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ كَفَى. (وَ) نُدِبَ (الِاسْتِنَابَةُ) فِيهَا: لِأَنَّهَا أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ وَحُبِّ الْمَحْمَدَةِ. (وَجَازَ دَفْعُهَا) : أَيْ الزَّكَاةِ (لِقَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ) إذَا كَانَ فَقِيرًا وَلَوْ تَرَكَ التَّكَسُّبَ اخْتِيَارًا. (وَ) جَازَ (كِفَايَةُ سَنَةٍ) أَيْ إعْطَاءُ فَقِيرٍ أَوْ مِسْكِينٍ مَا يَكْفِيهِ سَنَةً (وَلَوْ) كَانَ (أَكْثَرَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ نِصَابٍ لَا أَكْثَرَ مِنْ كِفَايَةِ سَنَةٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ. (وَ) جَازَ (وَرِقٌ) أَيْ إعْطَاؤُهُ (عَنْ ذَهَبٍ وَعَكْسُهُ) بِلَا أَوْلَوِيَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، وَقِيلَ بِأَوْلَوِيَّةِ الْوَرِقِ عَنْ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ فِي الْإِنْفَاقِ، وَأَمَّا إخْرَاجُ الْفُلُوسِ عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، مُعْتَبِرًا إخْرَاجَ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَا يَنْدُب فِي صَرْف الزَّكَاة وَمَا يَجُوز وَمَا يَجِب] قَوْلُهُ: [لَا تَعْمِيمَ الْأَصْنَافِ فَلَا يُنْدَبُ] : أَيْ لِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] الْآيَةُ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ لَا لِلْمِلْكِ. وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ تَعْمِيمَ الْأَصْنَافِ إذَا وُجِدُوا، وَلَا يَجِبُ تَعْمِيمُ أَفْرَادِهِمْ إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَاسْتَحَبَّ أَصْبَغُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ الْخَلَّةِ وَالْغَزْوِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِمَا يُوجِبُهُ مِنْ دُعَاءِ الْجَمِيعِ وَمُصَادَفَةِ وَلِيٍّ فِيهِمْ. كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ. قَوْلُهُ: [كَفَى] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ لَهَا الْعَامِلَ إذَا كَانَتْ قَدْرَ عَمَلِهِ وَأَخَذَ الزَّائِدَ بِوَصْفِ الْفَقْرِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الِاسْتِنَابَةُ] : أَيْ وَقَدْ تَجِبُ عَلَى مَنْ تَحَقَّقَ وُقُوعُ الرِّيَاءِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ الْجَاهِلُ بِأَحْكَامِهَا وَمَصْرِفِهَا. وَمِنْ آدَابِهَا دَفْعُهَا بِالْيَمِينِ، وَدُعَاءُ الْجَابِي وَالْإِمَامِ لِدَافِعِهَا، وَأَوْجَبَهُ دَاوُد. قَوْلُهُ: [فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ] : خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ عَرْضًا. وَقَوْلُهُ: [مَعَ الْكَرَاهَةِ] : هَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْحَطَّابِ عَنْ النَّوَادِرِ.

(بِصَرْفِ الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ الْإِخْرَاجِ - لَا وَقْتِ الْوُجُوبِ؛ الْمَسْكُوكِ بِصَرْفِهِ، وَغَيْرِهِ بِصَرْفِهِ. وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الصِّيَاغَةِ؛ فَمَنْ عِنْدَهُ حُلِيٌّ أَخْرَجَ صَرْفَ زِنَتِهِ لَا قِيمَةَ صِيَاغَتِهِ. (وَوَجَبَ نِيَّتُهَا) : عِنْدَ الدَّفْعِ، وَيَكْفِي عِنْدَ عَزْلِهَا، وَلَا يَجِبُ إعْلَامُ الْفَقِيرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِصَرْفِ الْوَقْتِ] : الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِإِعْطَاءِ، أَيْ: مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الْإِعْطَاءُ بِصَرْفِ الْوَقْتِ قَوْلُهُ: [الْمَسْكُوكِ بِصَرْفِهِ] إلَخْ: أَيْ فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دِينَارٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مَسْكُوكَةً وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ مَسْكُوكًا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ أَوْ مِنْ نَوْعِهِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ فِضَّةً غَيْرَ مَسْكُوكَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ سِكَّةِ الدِّينَارِ زِيَادَةً عَلَى صَرْفِهِ غَيْرَ مَسْكُوكٍ، لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ الْمَسْكُوكَةَ يَجِبُ فِيهَا وَاحِدٌ مَسْكُوكٌ. وَكَذَا إنْ أَرَادَ يُخْرِجُ عَنْهَا دِينَارًا غَيْرَ مَسْكُوكٍ مِنْ التِّبْرِ مَثَلًا وَجَبَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ السِّكَّةِ فَيُزِيدُهَا عَلَى وَزْنِ الدِّينَارِ. وَسَوَاءٌ سَاوَى الصَّرْفَ الشَّرْعِيَّ - وَهُوَ كُلُّ دِينَارٍ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ - أَوْ نَقَصَ أَوْ زَادَ. وَمَا ذُكِرَ مِنْ إخْرَاجِ قِيمَةِ السِّكَّةِ إذَا أَخْرَجَ مِنْ نَوْعِهِ غَيْرَ مَسْكُوكٍ هُوَ مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاءُ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ السِّكَّةُ فِي النِّصَابِ كَمَا سَبَقَ. وَفِي (ر) وَ (بْن) : اعْتِرَاضُهُ بِأَنَّهُ رِبًا لَمْ يَقُلْ الْقَابِسِيُّ الْقَائِلُ بِاعْتِبَارِ السِّكَّةِ. قَوْلُهُ: [لَا قِيمَةَ صِيَاغَتِهِ] : فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ مَصُوغٌ وَزْنُهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا وَلِصِيَاغَتِهِ يُسَاوِي خَمْسِينَ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَيُلْغِي الزَّائِدَ وَهَذَا إذَا أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ نَوْعِهِ كَذَهَبٍ عَنْ ذَهَبٍ. وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَ وَرِقًا عَنْ ذَهَبٍ مَصُوغٍ، فَهَلْ هُوَ كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ تُلْغَى الصِّيَاغَةُ؟ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: لَا تُلْغَى وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ فِي إلْغَاءِ الصِّيَاغَةِ. قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ نِيَّتُهَا] : فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَلَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا لَمْ تَجُزْ وَالنِّيَّةُ الْوَاجِبَةُ إمَّا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَحْجُورِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ أَدَاءَ مَا وَجَبَ فِي مَالِهِ أَوْ مَالِ مَحْجُورِهِ، قَالَ سَنَدٌ: وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ كَافِيَةٌ فَإِذَا عَدَّ دَرَاهِمَهُ وَأَخْرَجَ مَا يَجِبُ فِيهَا وَلَمْ يُلَاحِظْ أَنَّ هَذَا الْمُخْرَجَ زَكَاةٌ - لَكِنْ لَوْ سُئِلَ لَأَجَابَ - أَجْزَأَهُ. قَوْلُهُ: [وَيَكْفِي عِنْدَ عَزْلِهَا] : كَمَا لِسَنَدٍ، فَإِذَا نَوَاهَا عِنْدَ الْعَزْلِ وَسَرَقَهَا مَنْ

بَلْ يُكْرَهُ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الْفَقِيرِ. (وَ) وَجَبَ (تَفْرِقَتُهَا فَوْرًا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ) وَهُوَ فِي الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي جُبِيَتْ مِنْهُ، وَفِي النَّقْدِ - وَمِنْهُ قِيمَةُ عَرْضِ التِّجَارَةِ - مَوْضِعُ الْمَالِكِ حَيْثُ كَانَ مَا لَمْ يُسَافِرْ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ بِبَلَدِ الْمَالِ، فَمَوْضِعِ الْمَالِ. (أَوْ قُرْبِهِ) أَيْ قُرْبِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي. حُكْمِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِمَنْ بِقُرْبِهِ وَلَوْ وُجِدَ مُسْتَحِقٌّ فِي مَوْضِعِهِ أُعْدِمَ. وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا لِمَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ. (إلَّا لِأَعْدَمَ) مِمَّنْ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ، (فَأَكْثَرُهَا) تَنْقُلُ (لَهُ) أَيْ لِلْأَعْدَمِ وُجُوبًا وَأَقَلُّهَا فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ أَدَّاهَا لِمَنْ بِمَوْضِعِهِ فَقَطْ أَجْزَأَتْ. (وَأَجْزَأَ) نَقْلُهَا (لِمِثْلِهِمْ) فِي الْعُدْمِ، وَأَثِمَ. إذْ الْوَاجِبُ تَفْرِقَتُهَا كُلِّهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْعُدْمِ. (لَا) إنْ نَقَلَهَا كُلًّا أَوْ بَعْضًا (لِدُونِهِمْ) أَيْ لِمَنْ هُوَ دُونَ أَهْلِ الْمَوْضِعِ (فِي الْعُدْمِ) فَلَا تُجْزِئُ. (كَأَنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا) أَيْ زَكَاةَ مَا فِيهِ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ وَطِيبِ الثَّمَرِ لَمْ يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إذَا وَجَبَتْ؛ إذْ هُوَ كَمَنْ صَلَّى قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQيَسْتَحِقُّهَا: أَجْزَأَتْ. قَوْلُهُ: [مَوْضِعُ الْمَالِكِ] : وَقِيلَ مَوْضِعُ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [فَأَكْثَرُهَا تُنْقَلُ لَهُ] : أَيْ بِأُجْرَةٍ مِنْ الْفَيْءِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِيعَتْ وَاشْتَرَى مِثْلَهَا أَوْ فُرِّقَ الثَّمَنُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ. وَهَذَا إذَا كَانَ النَّقْلُ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَأَمَّا لِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَبِأُجْرَةٍ مِنْهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ. قَوْلُهُ: [وُجُوبًا] : تَبِعَ الشَّارِحَ (عب) ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّ إيثَارَ الْمُضْطَرِّ مَنْدُوبٌ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [أَجْزَأَتْ] : وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَلَهَا كُلَّهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ الْحُرْمَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ] : فِي (بْن) : اعْتَرَضَهُ الْمَوَّاقُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِجْزَاءُ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْكَافِي. اُنْظُرْهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [فَيُزَكِّي كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ إنْ نَضَّ لَهُ وَلَوْ دِرْهَمًا، وَأَمَّا إنْ زَكَّى قَبْلَ النَّضُوضِ فَلَا يُجْزِئُ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ.

(أَوْ) زَكَّى (دَيْنًا) حَالَ حَوْلُهُ (أَوْ عَرْضًا مُحْتَكَرًا) وَلَوْ بَاعَهُ (قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ قَبْضِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. أَوْ قَبَّضَهُ ثَمَنَ عَرْضِ الِاحْتِكَارِ لَمْ يُجْزِهِ. وَالْمُرَادُ بِالدَّيْنِ: الدَّيْنُ الَّذِي لَا يُزَكَّى كُلَّ عَامٍ وَهُوَ دَيْنُ الْمُحْتَكِرِ مُطْلَقًا وَدَيْنُ الْمُدِيرِ مِنْ قَرْضٍ أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ؛ وَأَمَّا دَيْنُ الْمُدِيرِ مِنْ بَيْعٍ وَهُوَ حَالٌّ مَرْجُوٌّ فَيُزَكَّى كَمَا تَقَدَّمَ كُلَّ عَامٍ. (أَوْ دُفِعَتْ) الزَّكَاةُ (لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ) لَهَا كَعَبْدٍ، أَوْ كَافِرٍ هَاشِمِيٍّ، أَوْ غَنِيٍّ، فَلَا تُجْزِئُ. (أَوْ) دُفِعَتْ (لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ دَفَعَ عَرْضًا) عَنْهَا بِقِيمَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ. (أَوْ) دَفَعَ (جِنْسًا) مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ (عَنْ غَيْرِهِ) : مِمَّا فِيهِ زَكَاةٌ؛ لَمْ تُجْزِئْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ غَنِيٍّ فَلَا تُجْزِئُ] أَيْ إلَّا الْإِمَامَ يَدْفَعُهَا بِاجْتِهَادِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْآخِذَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَتُجْزِئُ حَيْثُ تَعَذَّرَ رَدُّهَا، وَالْوَصِيُّ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي كَذَلِكَ. فَتَحَصَّلَ: أَنَّ رَبَّهَا إذَا دَفَعَهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا لَا تُجْزِئُهُ مُطْلَقًا، وَالْإِمَامُ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي وَالْوَصِيُّ تُجْزِئُهُ إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ دَفَعَ عَرْضًا] : أَيْ حَيْثُ أَطَاعَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا - فَإِنْ أُكْرِهَ - أَجْزَأَتْ اتِّفَاقًا. وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَتْنِ وَالشَّارِحِ كَمَا فِي الْأَصْلِ: أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الْعَيْنَ عَنْ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَرْضِ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ الْعَيْنِ فَلَا يُجْزِئُ؛ كَإِخْرَاجِ الْحَرْثِ أَوْ الْمَاشِيَةِ عَنْ الْعَيْنِ. أَوْ الْحَرْثِ عَنْ الْمَاشِيَةِ أَوْ عَكْسِهِ. فَهَذِهِ تِسْعٌ الْمُجْزِئُ مِنْهَا اثْنَتَانِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ: هَذَا التَّفْصِيلُ لِلْأُجْهُورِيِّ وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ - بَلْ الْمَوْجُودُ فِي الْمَذْهَبِ - طَرِيقَتَانِ: عَدَمُ إجْزَاءِ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا وَإِجْزَاؤُهَا مُطْلَقًا، فَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْبَاجِيِّ مِنْ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. وَفِي تَقْرِيرِ الْمُؤَلِّفِ مَا يُوَافِقُهُ؛ فَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلُ بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ الْقِيمَةِ بَدَلَ الشَّيْءِ الْوَاجِبِ فِي الْمَوَاشِي وَغَيْرِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ هُنَا فَلْيُحْفَظْ هَذَا الْمَقَامُ.

كَأَنْ دَفَعَ مَاشِيَةً عَنْ حَرْثٍ أَوْ عَكْسِهِ. وَمُرَادُهُ بِالْجِنْسِ: مَا يَشْمَلُ الصِّنْفَ؛ فَلَا يُجْزِئُ تَمْرٌ عَنْ زَبِيبٍ وَلَا عَكْسُهُ. وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْقَطَّانِي عَنْ آخَرَ، وَلَا زَيْتُ ذِي زَيْتٍ عَنْ آخَرَ، وَلَا شَعِيرٌ عَنْ قَمْحٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ أُرْزٍ. (إلَّا الْعَيْنَ) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً يُخْرِجُهَا (عَنْ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ) بِالْقِيمَةِ (فَتُجْزِئُ بِكُرْهٍ) أَيْ مَعَ كَرَاهَةٍ. وَهَذَا شَامِلٌ لِزَكَاةِ الْفِطْرِ. (كَتَقْدِيمِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا (بِكَشَهْرٍ) فَقَطْ لَا أَكْثَرَ. وَالْكَافُ فِي قَوْلِهِ: بِكَشَهْرٍ زَائِدَةٌ أَوْلَى حَذْفُهَا (فِي عَيْنٍ) وَمِنْهَا عَرْضُ تِجَارَةِ الْمُدِيرِ، (وَمَاشِيَةٍ) لَا سَاعِيَ لَهَا فَتُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، بِخِلَافِ مَا لَهَا سَاعٍ وَبِخِلَافِ الْحَرْثِ فَلَا تُجْزِئُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَلِفَ) بَعْدَ الْوُجُوبِ (جُزْءُ نِصَابٍ) - وَأَوْلَى كُلُّهُ - (وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ) : إمَّا لِعَدَمِ تَمَامِ طِيبِ الْحَرْثِ أَوْ لِعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ، أَوْ لِغَيْبَةِ الْمَالِ (سَقَطَتْ) الزَّكَاةُ. فَإِنْ أَمْكَنَ الْأَدَاءُ وَلَمْ يُؤَدِّ ضَمِنَ، وَأَمَّا مَا تَلِفَ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَيُعْتَبَرُ الْبَاقِي. وَشَبَّهَ فِي السُّقُوطِ قَوْلَهُ: (كَعَزْلِهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ) لِيَدْفَعَهَا لِمُسْتَحِقِّهَا (فَضَاعَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ، (لَا إنْ ضَاعَ أَصْلُهَا) بَعْدَ الْوُجُوبِ وَبَقِيَتْ هِيَ فَلَا تَسْقُطُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا فَرَّطَ أَمْ لَا، وَلَا إنْ عَزَلَهَا قَبْلَ الْوُجُوبِ فَضَاعَتْ أَوْ تَلِفَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا شَيْءَ مِنْ الْقَطَانِيِّ عَنْ آخَرَ] : أَيْ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ مِنْهَا وَكَانَ الْمُخْرَجُ أَدْوَنَ. قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقِيلَ: يُغْتَفَرُ الشَّهْرَانِ وَنَحْوُهُمَا، وَقِيلَ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: خَمْسَةٌ، وَقِيلَ: عَشْرَةٌ. وَهَذَا التَّقْدِيمُ الْمُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ سَوَاءٌ كَانَ لِأَرْبَابِهَا أَوْ لِوَكِيلٍ يُوَصِّلُهَا لَهُ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ ضَاعَ أَصْلُهَا] : أَيْ دُونَهَا؛ وَذَلِكَ بِأَنْ عَزَلَ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ الَّذِي هُوَ أَصْلُهَا وَبَقِيَتْ هِيَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [فَرَّطَ] : حَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْحَوْلُ وَأَخَّرَ تَفْرِقَتَهَا عَنْ الْحَوْلِ - مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ التَّفْرِقَةِ - فَتَلِفَتْ، سَوَاءٌ تَلِفَ أَصْلُهَا أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الزَّكَاةَ لِتَفْرِيطِهِ.

[زكاة المسافر]

فَيَضْمَنُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْبَاقِي. وَلَا إنْ عَزَلَهَا بَعْدَهُ وَفَرَّطَ بِأَنْ أَمْكَنَ الْأَدَاءُ فَلَمْ يُؤَدِّ، أَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا فَيَضْمَنُ. (وَزَكَّى مُسَافِرٌ) فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ دُونَ نِصَابٍ، (وَمَا غَابَ) عَنْهُ (إنْ لَمْ يَكُنْ) هُنَاكَ (مُخْرِجٌ) عَنْهُ بِتَوْكِيلٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمَالِكِ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُخْرِجٌ زَكَّى مَا مَعَهُ فَقَطْ (وَلَا ضَرُورَةَ) عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ إنْفَاقٍ فِيمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ، وَإِلَّا أَخَّرَ حَتَّى يَصِلَ لِبَلَدِهِ، فَالْمُرَادُ بِالضَّرُورَةِ: الْحَاجَةُ. (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ حَيْثُ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا (كُرْهًا) بِضَمِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا] : أَيْ إذَا لَمْ يَجِدْ فُقَرَاءَ يَأْخُذُونَهَا فَوَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا، فَيَضْمَنُ إنْ ضَاعَتْ وَأَمَّا لَوْ وَجَدَ مُسْتَحِقِّيهَا وَأَخَّرَهَا عَنْهُمْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إنْ ضَاعَتْ وَلَوْ فِي حِرْزِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الْأَمْوَالَ السِّنِينَ الْعَدِيدَةَ ثُمَّ تَأْتِيهَا جَائِحَةٌ فَإِنَّ زَكَاةَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَمِهِمْ لَا يَخْلُصُونَ مِنْهَا إلَّا بِأَدَائِهَا. [زَكَاة الْمُسَافِر] قَوْلُهُ: [وَزَكَّى مُسَافِرٌ] : مَفْهُومُهُ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ مُطْلَقًا، وَلَوْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّيهِمَا إلَّا بِالشَّرْطَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَمَا غَابَ عَنْهُ] : هَذَا شَامِلٌ لِلْمَاشِيَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سَاعٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهَا سَاعٍ فَإِنَّهَا تُزَكَّى فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَشْمَلُهَا كَلَامُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُزَكِّي مَا غَابَ عَنْهُ بِالشَّرْطَيْنِ وَلَا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ حَتَّى يَرْجِعَ لَهُ، أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَيْضًا: إنَّهُ يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ مَوْضِعِ الْمَالِ أَوْ الْمَالِكِ: مَا لَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ إلَّا بَيْتُ الْمَالِ بِبَلَدِ سُلْطَانٍ وَمَالُهُ بِبَلَدِ سُلْطَانٍ آخَرَ. وَاَلَّذِي فِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ: أَنَّ مَالَهُ لِمَنْ مَاتَ بِبَلَدِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ] : وَيَنْفِي الضَّرُورَةَ وُجُودُ مُسَلِّفٍ يُمْهِلُهُ لِبَلَدِهِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَخَّرَ] : أَيْ وَإِلَّا فَإِنْ اُضْطُرَّ أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْ الْحَاضِرِ مَعَهُ وَالْغَائِبِ حَتَّى: يَرْجِعَ لِبَلَدِهِ. [الْإِجْبَار عَلَى الزَّكَاة] [تَتِمَّة غُرّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةِ فَدُفِعَتْ لَهُ الزَّكَاةُ فَظَهَرَ رِقُّهُ] قَوْلُهُ: [وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ - وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالْمَالِ - فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالُهُ. فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الْمَالِ

[فصل في زكاة الفطر]

الْكَافِ وَفَتْحِهَا (وَإِنْ بِقِتَالٍ) ، وَتُجْزِئُ نِيَّةُ الْإِمَامِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ عَنْ نِيَّتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مُسْتَحِقٌّ بِقَدْرِهَا فَلَا تَكْفِي لِعَدَمِ النِّيَّةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاتُّهِمَ فِي إخْفَاءِ غَيْرِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُصَدَّقُ وَلَا يَحْلِفُ إنَّهُ مَا أَخْفَى وَإِنْ اُتُّهِمَ، وَأَخْطَأَ مَنْ يُحَلِّفُ النَّاسَ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِقِتَالٍ] : أَيْ وَلَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ، فَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدًا قُتِلَ بِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ أَحَدٌ كَانَ هَدَرًا. وَيُؤَدَّبُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا بَعْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ كَرْهًا إنْ لَمْ يُقَاتِلْ حَالَةَ الْأَخْذِ وَإِلَّا كَفَى فِي الْأَدَبِ. قَوْلُهُ: [وَتُجْزِئُ نِيَّةُ الْإِمَامِ] : أَيْ وَيَجِبُ دَفْعُهَا لَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا فِي صَرْفِهَا. وَأَخْذِهَا. وَإِنْ كَانَ جَائِرًا فِي غَيْرِهَا - إنْ كَانَتْ مَاشِيَةً أَوْ حَرْثًا، بَلْ وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا. فَإِنْ طَلَبَهَا الْعَدْلُ وَادَّعَى إخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِلْجَائِرِ فِي صَرْفِهَا، بَلْ الْوَاجِبُ جَحْدُهَا وَالْهُرُوبُ بِهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا كُرْهًا أَجْزَأَتْ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مُسْتَحِقٌّ] إلَخْ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ لَيْسَ لَهُمْ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لِتَوَقُّفِ الزَّكَاةِ عَلَى نِيَّتِهِ أَوْ نِيَّةِ الْمَالِكِ، وَلَوْ جَازَ لَهُمْ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لَأَدَّى إلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. تَتِمَّةٌ: إنْ غَرَّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةٍ فَدُفِعَتْ لَهُ الزَّكَاةُ فَظَهَرَ رِقُّهُ فَجِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ إنْ لَمْ تُوجَدْ مَعَهُ عَلَى الْأَرْجَحِ؛ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ فِدَائِهِ وَإِسْلَامِهِ فَيُبَاعُ فِيهَا. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ عَدِيمٍ ثُمَّ أَخْذِهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَوَاطَأْ عَنْ ذَلِكَ؟ قَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. وَإِنْ دُفِعَتْ لِغَرِيبٍ مُحْتَاجٍ لِمَا يُوَصِّلُهُ أَوْ لِغَازٍ، ثُمَّ تَرَكَ كُلَّ السَّفَرِ لِمَا دُفِعَتْ الزَّكَاةُ لَأَجْلِهِ نُزِعَتْ مِنْهُمَا إلَّا بِوَصْفِ الْفَقْرِ كَالْغَرِيمِ إذَا اسْتَغْنَى، بِأَنْ ظَهَرَ لَنَا قُدْرَتُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِبُ نَزْعُهَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ. [فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ] [قَدْرَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَمَا تُخْرَجُ مِنْهُ وَمَنْ تُدْفَع لَهُ وَإِثْم تَأْخِيرهَا] فَصْلٌ:

فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ (زَكَاةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ بِغُرُوبِ آخِرِ رَمَضَانَ) عَلَى قَوْلٍ (أَوْ بِفَجْرِ) أَوَّلِ (شَوَّالٍ) عَلَى قَوْلٍ آخَرَ. (عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْقَادِرِ) عَلَيْهَا وَقْتَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَبَدَانِ وَهِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ. وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إضَافَتِهَا لِلْفِطْرِ، فَقِيلَ: مِنْ الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْخِلْقَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَبْدَانِ، وَقِيلَ لِوُجُوبِهَا بِالْفِطْرِ. وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الرِّفْقُ بِالْفُقَرَاءِ فِي إغْنَائِهِمْ عَنْ السُّؤَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْمُخْرِجُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْمُخْرَجُ بِالْفَتْحِ، وَالْوَقْتُ الْمُخْرَجُ فِيهِ، وَالْمَدْفُوعَةُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُؤَلَّفُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ عَلَيْهَا. وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقُهَا أَشْرَفَ - لِأَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ دِعَامَةٌ مِنْ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، وَلِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا وَسُنِّيَّتِهَا. وَالْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ وَلِذَلِكَ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا. قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَعْضِ السُّنَنِ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهَا، وَانْظُرْ هَلْ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا أَوْ لَا؟ وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَجْحَدَ مَشْرُوعِيَّتَهَا: فَيَكْفُرَ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْحَدَ وُجُوبَهَا: فَلَا يَكْفُرَ، لِأَنَّهُ قِيلَ بِالسُّنِّيَّةِ (اهـ.) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَكَذَا لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ بِخِلَافِ الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ فَيُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهِمَا، لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وَيَتَوَقَّفُ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَلَيْهِ (اهـ.) قَوْلُهُ: [وَاجِبَةٌ] : أَيْ وُجُوبًا ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ فَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَحَمْلُ الْفَرْضِ

(وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ لِرَاجِي الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ حُكْمًا، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَرْجُهُ. (عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ) أَيْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى التَّقْدِيرِ بَعِيدٌ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّهَا سُنَّةٌ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. . .» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَلَا يُقَالُ: إنَّ فَرْضَهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَكَّةُ حِينَئِذٍ دَارُ حَرْبٍ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى فِيهَا النِّدَاءُ بِمَا ذُكِرَ؟ لِأَنَّهُ يُقَالُ: " بَعْثُ الْمُنَادِي ": يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ فَتْحِهَا وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ وَهِيَ سَنَةُ تِسْعٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ بَعْثَ الْمُنَادِي عَقِبَ الْفَرْضِ، وَرِوَايَةُ: " فِجَاجِ مَكَّةَ " هِيَ الصَّوَابُ. خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ مِنْ إبْدَالِ مَكَّةَ بِالْمَدِينَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّ آيَاتِ الزَّكَاةِ الْعَامَّةَ سَابِقَةٌ عَلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ بِهَا أَوْ غَيْرُ صَرِيحَةٍ فِي وُجُوبِهَا. قَوْلُهُ: [بِغُرُوبِ آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى قَوْلٍ] إلَخْ: الْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِي لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَشَهَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ. قَالَ بَعْضُهُمْ؛ الْأَوَّلُ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ الَّذِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ فِي خَبَرِ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» : الْفِطْرُ الْجَائِزُ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ رَمَضَانَ، وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْفِطْرُ الْوَاجِبُ الَّذِي يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَاعْتَرَضَهُ شَيْخُ مَشَايِخِهِ الْعَدَوِيُّ بِأَنَّ عَدَمَ نِيَّةِ الصَّوْمِ وَاجِبٌ فِيهِمَا. وَتَنَاوُلَ الْمُفْطِرِ جَائِزٌ فِيهِمَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ. وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أُخَرَ: الْأَوَّلُ: أَنَّ وَقْتَهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا يَمْتَدُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا كَاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ. الثَّانِي: أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ مُمْتَدًّا إلَى غُرُوبِ يَوْمِهَا. الثَّالِثُ: مِنْ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ مُمْتَدًّا إلَى زَوَالِ يَوْمِهَا. ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ (اهـ. بْن - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ] : وَقِيلَ لَا تَجِبُ بِالتَّسَلُّفِ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ. فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالدَّيْنِ.

(بِقَرَابَةٍ) : كَوَالِدَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ؛ وَأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ لِلْبُلُوغِ قَادِرِينَ عَلَى الْكَسْبِ، وَالْإِنَاثِ لِلدُّخُولِ بِالزَّوْجِ أَوْ الدُّعَاءِ إلَيْهِ. (أَوْ زَوْجِيَّةٍ) : أَيْ كَوْنِهَا زَوْجَةً لَهُ أَوْ لِأَبِيهِ الْفَقِيرِ. وَكَذَا تَلْزَمُ لِخَادِمِ الْقَرِيبِ الْمَذْكُورِ أَوْ الزَّوْجَةِ إنْ كَانَ رَقِيقًا لَا بِأُجْرَةٍ، وَيُمْكِنُ إدْخَالُهُ فِي قَوْلِنَا: (أَوْ رِقٍّ) : أَيْ أَوْ بِسَبَبِ رِقٍّ؛ كَعَبِيدِهِ وَعَبِيدِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ وَلَدِهِ حَيْثُ كَانَ خَادِمًا وَهُمْ أَهْلٌ لِلْإِخْدَامِ (وَلَوْ) كَانَ الرَّقِيقُ (مُكَاتَبًا) (وَ) الرَّقِيقُ (الْمُشْتَرَكُ) بَيْنَ اثْنَيْنِ. أَوْ أَكْثَرَ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ (بِقَدْرِ الْمِلْكِ) فِيهِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ سُدُسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (كَالْمُبَعَّضِ) يَجِبُ الْإِخْرَاجُ عَلَى مَالِكِ بَعْضِهِ بِقَدْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ الدُّعَاءِ إلَيْهِ] : أَيْ حَيْثُ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُطِيقَةً وَلَمْ يَكُنْ بِهَا مَانِعٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ. قَوْلُهُ: [حَيْثُ كَانَ خَادِمًا] : يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا إذَا قَصَدَ بِهِ الرِّبْحَ أَوْ اشْتَرَى لِلْفَخْرِ. قَوْلُهُ: [وَهُمْ أَهْلٌ لِلْإِخْدَامِ] : فَلَوْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِخْدَامِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ إلَى أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ زَكَاةُ فِطْرِ الْجَمِيعِ؛ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا زَكَاةُ فِطْرِ وَاحِدٍ فَقَطْ. وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ فِي وُجُوبِهَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ إلَى أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ إنْ اقْتَضَاهُ شَرَفُهَا. ثَالِثُهَا: عَنْ خَادِمَيْنِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [يَجِبُ عَلَى كُلٍّ بِقَدْرِ الْمِلْكِ] : هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ. وَمُقَابِلُهُ: أَنَّهَا عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْمَالِكِينَ. وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ فِي هَذَا الْخِلَافِ، وَضَابِطُهَا: كُلُّ مَا يَجِبُ بِحُقُوقٍ مُشْتَرَكَةٍ؛ هَلْ الْوَاجِبُ بِقَدْرِ الْحُقُوقِ أَوْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؟ قَوْلَانِ. لَكِنَّ الرَّاجِحَ مِنْهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَالرَّاجِحُ الثَّانِي، وَهُوَ اعْتِبَارُ عَدَدِ الرُّءُوسِ: فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ، وَكَنْسِ الْمَرَاحِيضِ، وَالسَّوَّاقِي، وَحَارِسِ أَعْدَالِ الْمَتَاعِ، وَبُيُوتِ الطَّعَامِ، وَالْجَرِينِ، وَالْبَسَاتِينِ. وَكَاتِبِ الْوَثِيقَةِ وَكَذَا صَيْدُ الْكِلَابِ لَا يُنْظَرُ فِيهِ لِكِثَرِ الْكِلَابِ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي اشْتِرَاكِ الصَّيْدِ لِرُءُوسِ الصَّائِدِينَ. وَالرَّاجِحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْمِلْكِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ،

مَا يَمْلِكُ فِيهِ. (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُبَعَّضِ) فِي بَعْضِهِ الْحُرِّ. ثُمَّ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ اشْتَرَى عَبْدًا قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَجَبَتْ عَلَى الْأَبِ أَوْ الزَّوْجِ أَوْ سَيِّدِ الْعَبْدِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. وَلَوْ حَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ ذُكِرَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ طَلُقَتْ أَوْ عَتَقَ أَوْ بَاعَ. وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ فَجْرِ شَوَّالٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنْهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَإِنْ نُدِبَتْ إنْ زَالَ فَقْرُهُ أَوْ عَتَقَ يَوْمَهَا كَمَا يَأْتِي. (وَهِيَ) : أَيْ زَكَاةُ الْفِطْرِ (صَاعٌ) أَرْبَعَةُ أَمِدَاد عُبْرَةُ الْمُدِّ حَفْنَةٌ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ. (فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَهُ) أَيْ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ، وَقَدْ مَلَكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالشُّفْعَةِ، وَنَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ؛ أَيْ فَإِنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَى الْأَوْلَادِ بِقَدْرِ الْيَسَارِ لَا عَلَى الرُّءُوسِ وَلَا بِقَدْرِ الْمِيرَاثِ، وَكَذَا زَكَاةُ فِطْرِهِمَا. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ: الْعَبْدُ الْمُخْدَمُ إنْ كَانَ مَرْجِعُهُ بَعْدَ الْخِدْمَةِ لِسَيِّدِهِ فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُهُ لِحُرِّيَّةٍ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُخْدَمِ بِالْفَتْحِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُهُ لِشَخْصٍ آخَرَ فَزَكَاتُهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي مَرْجِعُهُ لَهُ. قَوْلُهُ: [وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ فِي بَعْضِهِ الْحُرِّ] : وَكَذَلِكَ عَبِيدُ الْعَبِيدِ لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْأَعْلَى وَلَا سَيِّدَهُمْ زَكَاةُ فِطْرِهِمْ، وَفِي (بْن) : أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُخْرِجُ عَنْ زَوْجَتِهِ خِلَافًا لِ (عب) ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَعَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ] : شُرُوعٌ مِنْهُ فِي بَيَانِ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ، لَكِنَّ الْوُجُوبَ لَا يَمْتَدُّ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى كُلٍّ] إلَخْ: أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ حَصَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ. قَوْلُهُ: [مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ] : أَيْ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مُتَوَسِّطَتَيْنِ وَذَلِكَ

(مِنْ أَغْلَبِ قُوتِ أَهْلِ الْمَحَلِّ مِنْ) أَصْنَافٍ تِسْعَةٍ: (قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ دُخْنٍ أَوْ أُرْزٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ) : وَهُوَ يَابِسُ اللَّبَنِ الْمُخْرَجِ زُبْدُهُ. وَقَوْلُهُ: (فَقَطْ) : إشَارَةٌ لِرَدِّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ بِزِيَادَةِ الْعَلَسِ عَلَى التِّسْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعَلَى قَوْلِهِ تَكُونُ الْأَصْنَافُ عَشْرَةً. فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِمَّا غَلَبَ الِاقْتِيَاتُ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ، فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا مِنْهَا إنْ اقْتَاتَ غَيْرُهُ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُخْرِجَ الْأَحْسَنَ؛ كَمَا لَوْ غَلَبَ اقْتِيَاتُ الشَّعِيرِ فَأَخْرَجَ قَمْحًا. (إلَّا أَنْ يَقْتَاتَ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كَعَلَسٍ وَلَحْمٍ وَفُولٍ وَعَدَسٍ وَحِمَّصٍ وَنَحْوِهَا (فَمِنْهُ) يُخْرِجُ، فَإِنْ غَلَبَ شَيْءٌ تَعَيَّنَ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ وَإِنْ سَاوَى غَيْرَهُ خُيِّرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَدَحٌ وَثُلُثٌ، فَعَلَى هَذَا: الرُّبْعُ الْمِصْرِيُّ يُجْزِئُ عَنْ ثَلَاثَةٍ. قَوْلُهُ: [مِنْ أَغْلِبْ قُوتِ أَهْلِ الْمَحَلِّ] : أَيْ الْبَلَدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِقُوتِ الْمُخْرِجِ. وَالْمَنْظُورُ لَهُ غَالِبُ قُوتِهِمْ فِي رَمَضَانَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ الْحَطَّابِ تَرْجِيحُهُ، لَا فِي الْعَامِ كُلِّهِ، وَلَا فِي يَوْمِ الْوُجُوبِ. كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ وَاسْتَظْهَرَ فِي الْمَجْمُوعِ اعْتِبَارَ الْغَلَبَةِ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ. قَوْلُهُ: [مِنْ أَصْنَافٍ تِسْعَةٍ] : وَجَمَعَهَا بَعْضُهُمْ مَا عَدَا الْأَقِطَ بِقَوْلِهِ: قَمْحٌ شَعِيرٌ وَزَبِيبُ سُلْتٍ تَمْرٌ مَعَ الْأُرْزِ وَدُخْنُ ذُرَةٍ قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهَا] : أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَيْنًا، وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ لِأَنَّهُ يَسْهُلُ بِالْعَيْنِ سَدُّ خَلَّتِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (اهـ. تَقْرِيرُ مُؤَلِّفِينَ) . قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُقْتَاتَ غَيْرُهَا] : أَيْ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ لَا فِي زَمَنِ الشِّدَّةِ فَقَطْ، كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ رُشْدٍ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ غَيْرَ التِّسْعَةِ - إذَا كَانَ غَالِبًا - لَا يُخْرَجُ مِنْهُ؛ وَإِنَّمَا يُخْرَجُ مِنْهُ إذَا كَانَ عَيْشُهُمْ مِنْ غَيْرِ التِّسْعَةِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " إلَّا أَنْ يُقْتَاتَ غَيْرُهُ ": أَيْ إلَّا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالِاقْتِيَاتِ فَيُخْرَجَ مِنْهُ. قَوْله: [فَمِنْهُ يُخْرَجُ] : أَيْ وَلَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ التِّسْعَةِ، وَكَانَ غَيْرَ مُقْتَاتٍ لَهُمْ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ. قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُخْرَجُ صَاعًا بِالْكَيْلِ مِنْ الْعَلَسِ وَالْقَطَانِيِّ، وَبِالْوَزْنِ مِنْ نَحْوِ اللَّحْمِ. قَالَ مُحَشِّيهِ: وَرُدَّ بِقَوْلِهِ.

(وَنُدِبَ إخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ. (وَ) نُدِبَ إخْرَاجُهَا (مِنْ قُوتِهِ الْأَحْسَنِ) مِنْ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ. (وَ) نُدِبَ إخْرَاجُهَا (لِمَنْ زَالَ فَقْرُهُ أَوْ) زَالَ (رِقُّهُ) بِأَنْ عَتَقَ (يَوْمَهَا) . (وَ) نُدِبَ (عَدَمُ زِيَادَةٍ عَلَى الصَّاعِ) . بَلْ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا حَدَّدَ شَيْئًا كَانَ مَا زَادَ عَلَيْهِ بِدْعَةً؛ فَتَارَةً تَقْتَضِي الْفَسَادَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَتَارَةً تَكُونُ مَكْرُوهَةً كَمَا هُنَا وَكَمَا فِي زِيَادَةِ التَّسْبِيحِ عَلَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إنْ تَحَقَّقَتْ الزِّيَادَةُ وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُزِيدَ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّكَّ. (وَجَازَ دَفْعُ صَاعٍ) وَاحِدٍ (لِمَسَاكِينَ) يَقْتَسِمُونَهُ. (وَ) جَازَ دَفْعُ (أَصْوُعٍ) مُتَعَدِّدَةٍ (لِوَاحِدٍ) مِنْ الْفُقَرَاءِ. (وَ) جَازَ (إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ) لَا أَكْثَرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالصَّوَابُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ مِقْدَارُ شِبَعِ الصَّاعِ، فَإِذَا كَانَ الصَّاعُ مِنْ الْحِنْطَةِ يُغَدِّي إنْسَانًا وَيُعَشِّيهِ أُعْطِيَ مِنْ اللَّحْمِ أَوْ مِنْ اللَّبَنِ مِقْدَارَ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ: هَلْ يُقَدَّرُ نَحْوُ اللَّحْمِ بِجُرْمِ الْمُدِّ أَوْ شِبَعِهِ؟ وَصُوِّبَ كَمَا فِي الْحَطَّابِ أَوْ بِوَزْنِهِ خِلَافٌ (اهـ) . قَوْلُهُ: [أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ] : أَيْ فَالْمَنْدُوبُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْغُدُوِّ لِلْمُصَلَّى، لَكِنْ إنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الْغُدُوِّ لِلْمُصَلَّى فَقَدْ كَفَى فِي الْمُسْتَحَبِّ، وَكَذَا يُنْدَبُ غَرْبَلَةُ الْقَمْحِ وَغَيْرِهِ، إلَّا الْغَلَثَ فَيَجِبُ غَرْبَلَتُهُ إنْ زَادَ غَلَثُهُ عَلَى الثُّلُثِ، وَقِيلَ بَلْ يُنْدَبُ وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَوْ مَا قَارَبَهُ يَسِيرًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ دَفْعُ أَصْوُعٍ مُتَعَدِّدَةٍ] إلَخْ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ عِيَالِهِ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ. هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: لَا يُجْزِئُ أَنْ يُعْطِيَ مِسْكِينًا وَاحِدًا أَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ، وَرَأَهَا كَالْكَفَّارَةِ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَلِيَ تَفْرِقَةَ فِطْرَتِهِ أَنْ يُعْطِيَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَا أَخْرَجَ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ (اهـ. بْن) . قَوْلُهُ: [وَجَازَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ] إلَخْ: فَلَوْ أَخْرَجَهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَضَاعَتْ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا تُجْزِئُ. وَاعْتَرَضَهُ التُّونُسِيُّ وَاخْتَارَ الْإِجْزَاءَ. قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ خِلَافًا لِلْجَلَّابِ حَيْثُ جَوَّزَ إخْرَاجَهَا قَبْلُ بِثَلَاثَةِ

(وَلَا تَسْقُطُ) زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ غَنِيٍّ بِهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ (بِمُضِيِّ زَمَنِهَا) بِغُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الْعِيدِ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ أَبَدًا حَتَّى يُخْرِجَهَا. (وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ) فَلَا تُجْزِئُ لِعَبْدٍ (مُسْلِمٍ) فَلَا تُجْزِئُ لِكَافِرٍ. (فَقِيرٍ) لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ. (غَيْرِ هَاشِمِيٍّ) لِشَرَفِهِ وَتَنَزُّهِهِ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ. (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْحُرُّ الْمُسْلِمُ (إلَّا عَلَى الْبَعْضِ) : أَيْ بَعْضِ الصَّاعِ، أَوْ بَعْضِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ - أَكْثَرُ - (أَخْرَجَهُ) وُجُوبًا. فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَصْوُعٍ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا الْبَعْضَ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بِزَوْجَتِهِ، وَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ. (وَأَثِمَ) مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (إنْ أَخَّرَ لِلْغُرُوبِ) لِتَفْوِيتِهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْيَوْمُ كُلُّهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَيَّامٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَحَيْثُ أَخْرَجَهَا قَبْلُ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ فَتُجْزِئُ بِاتِّفَاقٍ إنْ بَقِيَتْ بِيَدِ الْفَقِيرِ إلَى لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ: إنْ لَمْ تَبْقَ، سَوَاءٌ تَوَلَّى تَفْرِقَتَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَتَوَلَّى تَفْرِقَتَهَا. قَوْلُهُ: [بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ أَبَدًا] : أَيْ وَلَوْ مَضَى لَهَا سِنِينَ. وَقَوْلُهُ: [حَتَّى يُخْرِجَهَا] : أَيْ عَنْهُ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ فِطْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ مَضَى زَمَنُهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ نَدْبُ الْإِخْرَاجِ بِمُضِيِّ يَوْمِهَا. قَوْلُهُ: [فَقِيرٍ] : الْمُرَادُ فَقِيرُ الزَّكَاةِ الْأَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ الْمِسْكِينِ، وَقِيلَ إنَّمَا تُدْفَعُ لِعَادِمِ قُوتِ يَوْمِهِ. وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: [أَخْرَجَهُ وُجُوبًا] : أَيْ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتَوْا مِنْهُ بِمَا اسْتَطَعْتُمْ» . قَوْلُهُ: [وَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ] : فِي هَذَا الِاسْتِظْهَارِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَصِيلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ: فَرْعٌ إذَا تَعَدَّدَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَاعًا أَوْ بَعْضَهُ؛ فَهَلْ يُخْرِجُهُ عَنْ الْجَمِيعِ أَوْ يُقَدِّمُ بَعْضًا عَلَى بَعْضٍ؟ كَمَا فِي النَّفَقَةِ فَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبَوَيْنِ. وَاخْتُلِفَ فِي الِابْنِ وَالْوَالِدَيْنِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي تَقْدِيمِ نَفَقَةِ الِابْنِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ أَوْ هُمَا سَوَاءٌ، قَوْلَانِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ - قَالَهُ الْحَطَّابُ. تَتِمَّةٌ: يُنْدَبُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَادَةُ أَهْلِهِ يُخْرِجُونَ عَنْهُ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ، وَحَيْثُ اكْتَفَى بِإِخْرَاجِ أَهْلِهِ عَنْهُ أَجْزَأَهُ إنْ كَانَ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ أَوْ أَوْصَاهُمْ، وَتَكُونُ الْعَادَةُ وَالْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ النِّيَّةِ، وَإِلَّا لَمْ تُجْزِهِ لِفَقْدِهَا. وَكَذَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ عَنْهُمْ وَالْعِبْرَةُ فِي الْقِسْمَيْنِ بِقُوتِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ اُحْتِيطَ لِإِخْرَاجِ الْأَعْلَى، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ الْقُوتُ الْأَعْلَى تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ مِنْ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ يَعُولُهُ إذَا اقْتَاتَهُ لِفَقْرٍ، لَا لِشُحٍّ وَلَا هَضْمِ نَفْسٍ أَوْ لِعَادَةٍ؛ فَلَا يَكْفِي. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[باب في الصوم]

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الزَّكَاةِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّوْمِ وَأَحْكَامِهِ فَقَالَ بَابٌ فِي الصَّوْمِ (يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَلَى الْمُكَلَّفِ) : أَيْ الْبَالِغِ، الْعَاقِلِ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا. (الْقَادِرِ) : عَلَى صَوْمِهِ لَا عَلَى عَاجِزٍ عَنْ صَوْمِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمُرْضِعٍ لَهَا قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ خَافَتْ عَلَى الرَّضِيعِ هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ ضَرَرٍ. (الْحَاضِرِ) لَا عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ. (الْخَالِي مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لَا عَلَى حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ. فَشُرُوطُ وُجُوبِهِ خَمْسَةٌ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْحُضُورُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابٌ فِي الصَّوْمِ] [حُكْم الصَّوْمِ وَشُرُوطه وَوُجُوبه] بَابٌ: الصَّوْمُ لُغَةً: الْإِمْسَاكُ وَالْكَفُّ عَنْ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] : أَيْ صَمْتًا وَإِمْسَاكًا عَنْ الْكَلَامِ، وَشَرْعًا: الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مُخَالَفَةً لِلْهَوَى فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَ فِيمَا عَدَا زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَيَّامَ الْأَعْيَادِ، قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. (اهـ. خَرَشِيٌّ) وَسُمِّيَ رَمَضَانَ: لِأَنَّهُ يَرْمَضُ الذُّنُوبَ أَيْ يَحْرِقُهَا وَيُذْهِبُهَا، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالتَّشْبِيهُ فِي الْآيَةِ فِي أَصْلِ الصَّوْمِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ. قَوْلُهُ: [كَمُرْضِعٍ] : وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ: الْحَامِلَ. قَوْلُهُ: [لَا عَلَى مُسَافِرٍ] : أَيْ سَفَرًا مُبَاحًا. قَوْلُهُ: [لَا عَلَى حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ] : أَيْ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجِبُ كَمَا يَأْتِي، بَلْ الصَّوْمُ فِي حَقِّهِمَا حَرَامٌ. قَوْلُهُ: [الْبُلُوغُ] : فَالصَّبِيُّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ، وَلَيْسَ كَالصَّلَاةِ يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ سَبْعٍ وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ عِنْدَ عَشْرٍ.

وَالْخُلُوُّ مِنْ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ. وَيَصِحُّ مِمَّا عَدَا الْمَجْنُونَ وَالْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ؛ فَيَكُونُ الْعَقْلُ وَالْخُلُوُّ مِنْهُمَا شَرْطَيْ صِحَّةٍ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَشَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ. وَسَيَأْتِي أَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ. وَدَخَلَ الْمُكْرَهُ فِي الْعَاجِزِ. (بِكَمَالِ شَعْبَانَ) : أَيْ يَجِبُ وَيَتَحَقَّقُ بِكَمَالِهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. (أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ) : وَأَوْلَى أَكْثَرُ؛ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَخْبَرَاهُ بِهَا الصَّوْمُ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعَا لِحَاكِمٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الرَّفْعُ إذَا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُمَا كَمَا يَأْتِي. (فَإِنْ) ثَبَتَ بِرُؤْيَتِهِمَا وَ (لَمْ يُرَ) الْهِلَالُ: أَيْ هِلَالُ شَوَّالٍ (بَعْدَ ثَلَاثِينَ) يَوْمًا لِغَيْرِهِمَا - حَالَ كَوْنِ السَّمَاءِ (صَحْوًا) لَا غَيْمَ بِهَا - لَيْلَةَ الْإِحْدَى وَالثَّلَاثِينَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَيَصِحُّ مِمَّا عَدَا الْمَجْنُونَ] إلَخْ: وَالصِّحَّةُ لَا تُنَافِي الْكَرَاهَةَ كَمَا فِي صَوْمِ الصَّبِيِّ أَوْ الْحُرْمَةَ كَمَا فِي صَوْمِ الْمَرِيضِ إنْ أَضَرَّ بِهِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَشَرْطُ صِحَّةٍ] : أَيْ وَمِثْلُهُ الزَّمَانُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ. قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي أَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ] : وَمِثْلُهَا الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَلَكِنْ جَعَلَهَا الْأُجْهُورِيُّ فِي نَظْمِهِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ حَيْثُ قَالَ: شَرَائِطُ لِأَدَاءِ الصَّوْمِ نِيَّتُهُ ... إسْلَامُنَا وَزَمَانٌ لِلْأَدَا قُبِلَا كَالْكَفِّ عَنْ مُفْطِرٍ شَرْطُ الْوُجُوبِ لَهُ ... إطَاقَةٌ وَبُلُوغٌ هَكَذَا نُقِلَا أَمَّا النَّقَاءُ وَعَقْلٌ فَهُوَ شَرْطُهُمَا ... دُخُولُ شَهْرِ صِيَامٍ مِثْلَ ذَا جُعِلَا قَوْلُهُ: [وَيَتَحَقَّقُ] : أَيْ فِي الْخَارِجِ سَوَاءٌ حَكَمَ بِثُبُوتِهِ حَاكِمٌ أَمْ لَا. وَمِثْلُ كَمَالِهِ؛ كَمَالُ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ رَجَبٌ كَذَا مَا قَبْلَ رَجَبٍ وَهَذَا إنْ غُمَّ بِأَنْ كَانَتْ السَّمَاءُ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مُغَيِّمَةً، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُصْحِيَةً فَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الْإِكْمَالِ ثَلَاثِينَ، بَلْ تَارَةً يَثْبُتُ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ وَتَارَةً يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. قَوْلُهُ: [أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ] : هَذَا إذَا انْفَرَدَا بِالرُّؤْيَةِ فِي غَيْمٍ وَلَوْ بِصَحْوٍ فِي بَلَدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ وَلَوْ ادَّعَيَا الرُّؤْيَةَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي وَقَعَ الطَّلَبُ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ: [كَمَا يَأْتِي] : أَيْ مِنْ وُجُوبِ الرَّفْعِ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمَرْجُوِّ. قَوْلُهُ: [لَا غَيْمَ بِهَا] : حَاصِلُهُ أَنَّ تَكْذِيبَهُمَا مَشْرُوطٌ بِأَمْرَيْنِ: عَدَمُ رُؤْيَتِهِ لِغَيْرِهِمَا لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَكَوْنُ السَّمَاءِ صَحْوًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. فَلَوْ رَآهُ غَيْرُهُمَا

(كُذِّبَا) فِي شَهَادَتِهِمَا بِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَيَجِبُ تَبْيِيتُ الصَّوْمِ. وَقَوْلُنَا: " لِغَيْرِهِمَا ": احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا شَهِدَا بِرُؤْيَةِ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا لِاتِّهَامِهِمَا عَلَى تَرْوِيجِ شَهَادَتِهِمَا الْأُولَى. (أَوْ) بِرُؤْيَةِ (جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا وَهِيَ الَّتِي يَسْتَحِيلُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ؛ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ يَدَّعِيهَا، لَا أَنَّهُ يَدَّعِي السَّمَاعَ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ الْعَدَالَةُ وَلَا الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ. (أَوْ) بِرُؤْيَةِ (عَدْلٍ) بِالنِّسْبَةِ (لِمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِهِ) : أَيْ بِالْهِلَالِ كَانُوا أَهْلَهُ أَمْ لَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ أَوْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ وَكَانَتْ السَّمَاءُ غَيْمًا لَمْ يُكَذَّبَا. وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ فِي كَوْنِهِمَا يُكَذَّبَانِ بِالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، مَا زَادَ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَبْلُغْ الْمُسْتَفِيضَةَ. وَأَمَّا الْمُسْتَفِيضَةُ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِمْ ذَلِكَ لِإِفَادَةِ خَبَرِهِمْ الْقَطْعَ، قَالَ أَشْيَاخُنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ فُرِضَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ مِنْ إخْبَارِهِمْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَيُكَذَّبُونَ، وَحَيْثُ كُذِّبَ الْعَدْلَانِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمَا فَالنِّيَّةُ الْحَاصِلَةُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ صَحِيحَةٌ لِلْعُذْرِ وَلِخِلَافِ الْأَئِمَّةِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِتَكْذِيبِ الْعَدْلَيْنِ وَيَعْتَمِدُ فِي الْفِطْرِ عَلَى رُؤْيَتِهِمَا أَوَّلًا. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُمَا يُكَذَّبَانِ وَلَوْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا حَاكِمٌ حَيْثُ كَانَ مَالِكِيًّا، أَمَّا لَوْ كَانَ الْحَاكِمُ بِهَا شَافِعِيًّا لَا يَرَى تَكْذِيبَهُمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ اعْتِمَادًا عَلَى رُؤْيَتِهِمَا الْأُولَى بِنَاءً عَلَى قَوْلِ ابْنِ رَاشِدٍ الْآتِي. قَوْلُهُ: [مُسْتَفِيضَةٌ] : أَيْ مُنْتَشِرَةٌ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ الَّتِي يَسْتَحِيلُ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَفِيضَةَ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ؛ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحُ: أَنَّهُ الْمُحَصِّلُ خَبَرُهُ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ، وَأَنْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ. وَاَلَّذِي لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَنَّ الْخَبَرَ الْمُسْتَفِيضَ هُوَ الْمُحَصِّلُ لِلْعِلْمِ لِصُدُورِهِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى بَاطِلٍ لِبُلُوغِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا ابْنُ عَرَفَةَ وَالْأَبِيُّ وَالْمَوَّاقُ وَكَذَا شَارِحُنَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: يَسْتَحِيلُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ: أَيْ لِبُلُوغِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ؛ وَإِلَّا فَخَبَرُ الْعَدْلَيْنِ يُفِيدُ الظَّنَّ. قَوْلُهُ: [كَانُوا أَهْلَهُ أَمْ لَا] : هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

(وَلَا يَحْكُمُ بِهِ) : أَيْ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ؛ أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِثُبُوتِ الْهِلَالِ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ فَقَطْ عِنْدَنَا، وَلَا يَلْزَمُ الصَّوْمُ إنْ حَكَمَ بِهِ إلَّا لِمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِشَأْنِ الْهِلَالِ (فَإِنْ حَكَمَ بِهِ مُخَالِفٌ) لَنَا يَرَى ذَلِكَ (لَزِمَ) الصَّوْمُ، وَعَمَّ (عَلَى الْأَظْهَرِ) مِنْ أَحَدِ التَّرَدُّدَيْنِ. (وَعَمَّ) الصَّوْمُ سَائِرَ الْبِلَادِ وَالْأَقْطَارِ وَلَوْ بَعُدَتْ (إنْ نَقَلَ عَنْ الْمُسْتَفِيضَةِ أَوْ) عَنْ (الْعَدْلَيْنِ بِهِمَا) أَيْ بِالْمُسْتَفِيضَةِ أَوْ الْعَدْلَيْنِ. فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ: نَقْلُ اسْتِفَاضَةٍ عَنْ مِثْلِهَا أَوْ عَنْ عَدْلَيْنِ، وَنَقْلُ عَدْلَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْحَاصِلُ أَنَّ رُؤْيَةَ الْوَاحِدِ كَافِيَةٌ فِي مَحَلٍّ لَا اعْتِنَاءَ فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَلَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَثِقُ النَّفْسُ بِخَبَرِهِ وَتَسْكُنُ بِهِ لِعَدَالَةِ الْمَرْأَةِ وَحُسْنِ سِيرَةِ الْعَبْدِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [عَلَى الْأَظْهَرِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُخَالِفَ إذَا حَكَمَ بِثُبُوتِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ بِهَذَا الْحُكْمِ؟ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَقَعَ فِي حُكْمٍ يَجُوزُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ الْعِبَادَاتُ - وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيِّ. أَوَّلًا يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ صَوْمُهُ؟ لِأَنَّهُ إفْتَاءٌ لَا حُكْمٌ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ، وَحُكْمُهُ فِيهَا يُعَدُّ إفْتَاءً فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُحَاكِمَ بِصِحَّةِ صَلَاةٍ أَوْ بُطْلَانِهَا وَإِنَّمَا يَدْخُلُ حُكْمُهُ حُقُوقَ الْعِبَادِ مِنْ مُعَامَلَاتٍ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَلِلنَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ تَبَعًا لَا اسْتِقْلَالًا؛ فَعَلَى هَذَا إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِثُبُوتِ الشَّهْرِ لَزِمَ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ إلَّا إنْ حَكَمَ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ، قَالَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا قِيلَ بِلُزُومِ الصَّوْمِ لِلْمَالِكِيِّ وَصَامَ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ، وَحَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِالْفِطْرِ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِيِّ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَصْعُبُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. وَلَا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِنَا، أَمَّا لَوْ كَانَ الْحَاكِمُ بِهَا شَافِعِيًّا لَا يَرَى تَكْذِيبَهُمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ لِقُوَّةِ الْمُخَالَفَةِ هُنَا. قَوْلُهُ: [فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ] : أَيْ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الصَّوْمُ اتِّفَاقًا وَسَيَأْتِي التَّفْصِيلُ فِي نَقْلِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ.

[تنبيه تلفيق شهادة رؤية هلال رمضان وحكم من لم تمكنه رؤيته]

عَنْ مِثْلِهِمَا أَوْ عَنْ اسْتِفَاضَةٍ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ النَّقْلُ عَنْ الْحُكْمِ مِنْ حَاكِمٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ، إذْ كُلُّ مَنْ بَلَغَهُ حُكْمٌ عَنْ عَدْلَيْنِ أَوْ عَنْ نَاقِلٍ عَنْهُمَا بِشَرْطِهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْعُمُومِ فِي النَّقْلِ عَنْ الْحُكْمِ بِهِمَا. وَأَمَّا نَقْلُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ فَلَا يَكْفِي، قِيلَ: مُطْلَقًا. وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إنْ نَقَلَ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِثُبُوتِهِ بِالْعَدْلَيْنِ أَوْ بِالْمُسْتَفِيضَةِ كَفَى وَعَمَّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) نَقَلَ (بِعَدْلٍ) وَاحِدٍ أَيْ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَا عَنْ الْعَدْلَيْنِ وَلَا الْمُسْتَفِيضَةُ (عَلَى الْأَرْجَحِ) . (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْعَدْلِ) وَأَوْلَى الْعَدْلَيْنِ إذَا رَأَى الْهِلَالَ، وَعَلَى (الْمَرْجُوِّ) الْقَبُولِ (الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ) : أَيْ بِتَبْلِيغِهِ أَنَّهُ رَآهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمَرْجُوُّ جُرْحَهُ نَفْسَهُ؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يَثْبُتُ بِهِ عِنْدَهُ فَيَحْكُمَ بِالثُّبُوتِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى الثُّبُوتَ بِعَدْلٍ. (فَإِنْ أَفْطَرَ) : أَيْ الْعَدْلُ أَوْ الْمَرْجُوُّ الَّذِي رَآهُ وَكَذَا كُلُّ مَنْ رَآهُ فَأَفْطَرَ (فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) ، وَلَوْ تَأَوَّلَ عَلَى الْأَرْجَحِ. (لَا) يَثْبُتُ الْهِلَالُ (بِقَوْلِ مُنَجِّمٍ) أَيْ مُؤَقِّتٍ يَعْرِفُ سَيْرَ الْقَمَرِ لَا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِشَرْطِهِ] : أَيْ وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ كُلِّ عَدْلٍ عَدْلَانِ. قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إنْ نَقَلَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: نَقْلٌ عَنْ حَاكِمٍ، أَوْ عَنْ الْمُسْتَفِيضَةِ، أَوْ عَنْ الْعَدْلَيْنِ؛ فَالتَّعَدُّدُ شَرْطٌ فِي الْأَخِيرَيْنِ دُونَ. الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْلِ عَنْ الْحَاكِمِ: مَا يَشْمَلُ النَّقْلَ لِحُكْمِهِ أَوْ لِمُجَرَّدِ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ عَلَى الْعَدْلِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّفْعُ لِيَفْتَحَ بَابَ الشَّهَادَةِ لِغَيْرِهِ. [تَنْبِيه تَلْفِيق شَهَادَة رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان وَحُكْم مِنْ لَمْ تمكنه رُؤْيَته] قَوْلُهُ: [فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَوْ تَأَوَّلَ] إلَخْ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. وَأَمَّا لَوْ أَفْطَرَ مَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِ الْهِلَالِ مَعَ ثُبُوتِ رُؤْيَةِ الْمُنْفَرِدِ لَهُ فَعَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ اتِّفَاقًا وَلَوْ تَأَوَّلُوا، لِأَنَّ الْعَدْلَ فِي حَقِّهِمْ كَالْعَدْلَيْنِ. قَوْلُهُ: [يَعْرِفُ سَيْرَ الْقَمَرِ] : أَيْ يَحْسِبُ قَوْسَ الْهِلَالِ هَلْ يَظْهَرُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَمْ لَا؟ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ وَلَوْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ.

حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَنَاطَ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ وَالْحَجَّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَا بِوُجُودِهِ إنْ فُرِضَ صِحَّةُ قَوْلِهِ. وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِنَا: " فَإِنْ أَفْطَرَهُ " إلَخْ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ الصَّوْمُ وَإِظْهَارُهُ. (وَلَا يَجُوزُ فِطْرُ) أَيْ إظْهَارُ فِطْرِ شَخْصٍ (مُنْفَرِدٍ بِشَوَّالٍ) أَيْ بِرُؤْيَتِهِ؛ لِئَلَّا يُتَّهَمَ بِأَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ كَذِبًا لِيُفْطِرَ. وَأَمَّا نِيَّةُ الْفِطْرِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ (إلَّا بِمُبِيحٍ) لِلْفِطْرِ فِي الظَّاهِرِ كَسَفَرٍ وَحَيْضٍ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ لِذَلِكَ. (وَإِنْ غَيَّمَتْ) السَّمَاءُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ (وَلَمْ يَرَ) الْهِلَالَ (فَصَبِيحَتُهُ) أَيْ الْغَيْمِ (يَوْمُ شَكٍّ) ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَكُنْ يَوْمَ شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَثْبُتْ رُؤْيَتُهُ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ جَزْمًا. وَاعْتُرِضَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» أَيْ كَمِّلُوا عِدَّةَ مَا قَبْلَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَبِيحَةَ الْغَيْمِ مِنْ شَعْبَانَ، فَالْوَجْهُ أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQخِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِتَكْذِيبِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ. تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: لَا يُلَفِّقُ شَاهِدٌ شَهِدَ بِالرُّؤْيَةِ أَوَّلَ الشَّهْرِ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الصَّوْمُ لِآخَرَ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ شَوَّالٍ أَخَّرَهُ عَلَى الرَّاجِحِ، فَشَهَادَةُ كُلٍّ لَاغِيَةٌ. الثَّانِي: مَنْ لَا تُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَلَا غَيْرُهَا كَأَسِيرٍ وَمَسْجُونٍ كَمَّلَ الشُّهُورُ الَّتِي قَبْلَ رَمَضَانَ وَصَامَ رَمَضَانَ أَيْضًا كَامِلًا، وَهَذَا إذَا لَمْ تَلْتَبِسْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ. وَأَمَّا إنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ ظَنَّ شَهْرًا أَنَّهُ رَمَضَانُ صَامَهُ وَإِنْ تَفَاوَتَ عِنْدَهُ الِاحْتِمَالَاتُ تَخَيَّرَ شَهْرًا وَصَامَهُ، فَإِنْ فَعَلَ مَا طُلِبَ مِنْهُ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: مُصَادَفَتُهُ فَيُجْزِئُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي خَلِيلٍ. الثَّانِي: تَبَيَّنَ أَنَّ مَا صَامَهُ بَعْدَهُ فَيُجْزِئُهُ أَيْضًا فَإِنْ كَانَ شَوَّالًا قَضَى يَوْمًا بَدَلًا عَنْ الْعِيدِ حَيْثُ كَانَا كَامِلَيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْكَامِلُ رَمَضَانَ قَضَى يَوْمَهُ، وَإِنْ كَانَ شَوَّالًا لَا قَضَاءَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا صَامَهُ ذُو الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِالْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. الثَّالِثُ: تَبَيَّنَ أَنَّ مَا صَامَهُ قَبْلَهُ كَشَعْبَانَ فَلَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا. الرَّابِعُ: بَقَاؤُهُ عَلَى شَكِّهِ فَلَا يُجْزِئُهُ عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: يُجْزِئُهُ لِأَنَّ فَرْضَهُ الِاجْتِهَادُ، وَقَدْ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى الْجَوَازِ حَتَّى يَنْكَشِفَ خِلَافُهُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ فَتَدَبَّرْ قَوْلُهُ: [كَالْوَجْهِ] : حَاصِلُهُ: أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ صَبِيحَةُ الثَّلَاثِينَ إذَا كَانَتْ

تَكُونَ صَبِيحَةُ يَوْمِ الشَّكِّ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. (وَكُرِهَ صِيَامُهُ لِلِاحْتِيَاطِ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ اكْتَفَى بِهِ (وَلَا يُجْزِئُهُ) صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْهُ وَقِيلَ يَحْرُمُ صَوْمُهُ لِذَلِكَ. (وَصِيمَ) أَيْ جَازَ صَوْمُهُ (عَادَةً) أَيْ لِأَجْلِ الْعَادَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا بِأَنْ كَانَ عَادَتُهُ سَرْدَ الصَّوْمِ تَطَوُّعًا أَوْ كَانَ عَادَتُهُ صَوْمَ يَوْمٍ كَخَمِيسٍ فَصَادَفَ يَوْمَ الشَّكِّ (وَتَطَوُّعًا) بِلَا اعْتِيَادٍ (وَقَضَاءً) عَنْ رَمَضَانَ قَبْلَهُ (وَكَفَّارَةً) عَنْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّمَاءُ صَحْوًا أَوْ غَيْمًا وَتَحَدَّثَ فِيهَا بِالرُّؤْيَةِ مَنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ كَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ غَيَّمَتْ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ تُرَ فَصَبِيحَتُهُ يَوْمُ الشَّكِّ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْهِلَالِ وَأَنَّ الشَّهْرَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ كُنَّا مَأْمُورِينَ بِإِكْمَالِ الْعَدَدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الشَّكُّ أَنْ يَشِيعَ عَلَى أَلْسِنَةِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَرُدَّ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ لَغْوٌ وَإِنْ اسْتَقَرَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْإِنْصَافُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا شَكًّا (اهـ.) قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْزِئُهُ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ] : أَيْ لِعَدَمِ جَزْمِ النِّيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَحْرُمُ صَوْمُهُ لِذَلِكَ] : أَيْ أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ لَا التَّحْرِيمُ. قَوْلُهُ: [وَتَطَوُّعًا] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ الْقَائِلِ بِكَرَاهَةِ صَوْمِهِ تَطَوُّعًا. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ " تَطَوُّعًا " جَوَازُ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْكَرَاهَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» أَيْ فَيَسْتَمِرَّ فِيهِ

(وَلِنَذْرٍ صَادَفَ) كَمَا لَوْ نَذَرَ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَوْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فَصَادَفَ يَوْمَ الشَّكِّ. (فَإِنْ تَبَيَّنَ) بَعْدَ صَوْمِهِ لِمَا ذُكِرَ (أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَجْزِهِ) عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْقَضَاءِ وَمَا بَعْدَهُ. (وَقَضَاهُمَا) : أَيْ رَمَضَانَ الْحَاضِرَ وَالْقَضَاء أَوْ الْكَفَّارَةَ (إلَّا الْأَخِيرَ) أَيْ النَّذْرَ الْمُصَادِفَ. (فَرَمَضَانُ) يَقْضِيهِ (فَقَطْ) دُونَ النَّذْرِ لِتَعَيُّنِ وَقْتِهِ وَقَدْ فَاتَ. (وَنُدِبَ إمْسَاكُهُ) : أَيْ يَوْمَ الشَّكِّ أَيْ الْكَفُّ فِيهِ عَنْ الْمُفْطِرِ (لِيَتَحَقَّقَ) الْحَالَ. (فَإِنْ ثَبَتَ) رَمَضَانُ (وَجَبَ) الْإِمْسَاكُ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَمْسَكَ أَوَّلًا (وَكَفَّرَ) : أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْقَضَاءِ (إنْ انْتَهَكَ) حُرْمَتَهُ بِأَنْ أَفْطَرَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ. وَوُجُوبُ الْإِمْسَاكِ وَمَفْهُومُ " انْتَهَكَ " أَنَّهُ إذَا تَنَاوَلَ الْفِطْرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. (وَ) نُدِبَ (إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِمَنْ أَسْلَمَ) فِيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى مَا كَانَ. وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْدِيمِ بِقَصْدِ تَعْظِيمِ الشَّهْرِ. قَوْلُهُ: [وَلِنَذْرٍ صَادَفَ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ صَوْمَهُ تَعْيِينًا بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ فَإِنَّهُ لَا يَصُومُهُ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ - اُنْظُرْ (ح) . وَقَالَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ: الْحَقُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَوْمُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَادَةً لَهُ؟ قَوْلُهُ: [لِيَتَحَقَّقَ الْحَالُ] : أَيْ لَا لِتَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَاحْتَاجَ الْأَمْرُ إلَى تَزْكِيَتِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ لِأَجْلِ التَّزْكِيَةِ إذَا كَانَ فِي الِانْتِظَارِ طُولٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا فَاسْتِحْبَابُ الْإِمْسَاكِ مُتَعَيَّنٌ بَلْ هُوَ آكَدُ مِنْ الْإِمْسَاكِ فِي الشَّكِّ. قَوْلُهُ: [فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ] : أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ.

[مندوبات الصوم]

(وَ) نُدِبَ لَهُ (قَضَاؤُهُ) وَلَمْ يَجِبْ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ. (بِخِلَافِ مَنْ زَالَ عُذْرُهُ الْمُبِيحُ) : أَيْ الَّذِي يُبِيحُ (لَهُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ؛ كَصَبِيٍّ بَلَغَ) بَعْدَ الْفَجْرِ (وَمَرِيضٍ صَحَّ وَمُسَافِرٍ قَدِمَ) نَهَارًا وَحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ طَهُرَتَا نَهَارًا، وَمَجْنُونٍ أَفَاقَ وَمُضْطَرٍّ لِفِطْرٍ عَنْ عَطَشٍ أَوْ جُوعٍ؛ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ وَحِينَئِذٍ (فَيَطَأُ) الْوَاحِدُ مِنْهُمْ (امْرَأَةً) لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ (كَذَلِكَ) : أَيْ زَالَ عُذْرُهَا الْمُبِيحُ لَهَا الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ بِأَنْ قَدِمَتْ مَعَهُ مِنْ السَّفَرِ أَوْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ بَلَغَتْ نَهَارًا أَوْ أَفَاقَتْ مِنْ جُنُونٍ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ " عَنْ النَّاسِي، وَمَنْ أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْإِمْسَاكُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ، لَكِنْ يَرِدُ الْمُكْرَهُ؛ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِرَمَضَانَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ؟ وَيُجَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبِيحِ اخْتِيَارًا وَلَا اخْتِيَارَ لِلْمُكْرَهِ. وَيَرِدُ عَلَى مَفْهُومِهِ الْمَجْنُونُ؛ فَإِنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ كَالنَّاسِي، وَلَا يُنْدَبُ لَهُ الْإِمْسَاكُ إذَا أَفَاقَ. (وَ) نُدِبَ لِمَنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ (تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ وَ) نُدِبَ (تَتَابُعُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (كَكُلِّ صَوْمٍ لَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ) : كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالتَّمَتُّعِ وَصِيَامِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَيُنْدَبُ تَتَابُعُهُ (وَ) نُدِبَ لِلصَّائِمِ (كَفُّ لِسَانٍ وَجَوَارِحَ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ (عَنْ فُضُولٍ) مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي لَا إثْمَ فِيهَا. (وَ) نُدِبَ (تَعْجِيلُ فِطْرٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَنْدُوبَات الصَّوْمِ] قَوْلُهُ: [وَيَرِدُ عَلَى مَفْهُومِهِ الْمَجْنُونُ] : وَأُجِيبَ بِجَوَابٍ آخَرَ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْمُكْرَهِ وَالْمَجْنُونِ: بِأَنْ فَعَلَهُمَا قَبْلَ زَوَالِ الْعُذْرِ لَا يَتَّصِفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي مَنْطُوقٍ وَلَا مَفْهُومٍ. قَوْلُهُ: [كَفُّ لِسَانٍ وَجَوَارِحَ] : أَيْ يَتَأَكَّدُ أَكْثَرُ مِنْ الْمُفْطِرِ، وَمِمَّا يُنْسَبُ لِابْنِ عَطِيَّةَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ: لَا تَجْعَلَنْ رَمَضَانَ شَهْرَ فُكَاهَةٍ ... كَيْمَا تُقَضِّيَ بِالْقَبِيحِ فَنُونَهُ وَاعْلَمْ بِأَنَّك لَنْ تَفُوزَ بِأَجْرِهِ ... وَتَصُومَهُ حَتَّى تَكُونَ تَصُونَهُ قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَعْجِيلُ فِطْرٍ] : أَيْ وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ لَك صُمْت

قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الْغُرُوبِ، وَنُدِبَ كَوْنُهُ عَلَى رُطَبَاتٍ فَتَمَرَاتٍ وِتْرًا وَإِلَّا حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. (وَ) نُدِبَ لِلصَّائِمِ (السُّحُورُ) لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الصَّوْمِ. (وَ) نُدِبَ (تَأْخِيرُهُ) لِآخِرِ اللَّيْلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت» ، وَفِي حَدِيثٍ: «اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ قَبْلَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي الْفَمِ: «يَا عَظِيمُ ثَلَاثًا أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ غَيْرُك اغْفِرْ لِي الذَّنْبَ الْعَظِيمَ فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ إلَّا الْعَظِيمُ» . قَوْلُهُ: [قَبْلَ الصَّلَاةِ] : أَيْ الْمَغْرِبِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِهِ يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ: «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» ، وَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى الْأَكْلِ الْخَفِيفِ الَّذِي لَا يُخْرِجُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا. قَوْلُهُ: [فَتَمَرَاتٌ وِتْرًا] : أَيْ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَلَوِيَّاتٍ، فَالسُّكْرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَاءِ الْقَرَاحِ. وَقَوْلُهُ: [حَسَوَاتٍ] جَمْعُ حُسْوَةٍ كَمُدْيَةٍ وَمُدْيَاتٍ. وَالْفَتْحُ فِي الْجَمْعِ لُغَةٌ، وَالْحُسْوَةُ مِلْءُ الْفَمِ مِنْ الْمَاءِ. قَوْلُهُ: [السُّحُورُ] : هُوَ بِالضَّمِّ الْفِعْلُ، وَبِالْفَتْحِ مَا يُؤْكَلُ آخِرَ اللَّيْلِ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ لِقَرْنِهِ بِالْفِطْرِ، وَلِأَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِالتَّأْخِيرِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ، وَكُلَّمَا تَأَخَّرَ كَانَ أَفْضَلَ، فَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَبْقَى عَلَى الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً»

(وَ) نُدِبَ (صَوْمٌ بِسَفَرٍ) قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] وَلَا يَجِبُ (وَإِنْ عَلِمَ الدُّخُولَ) لِوَطَنِهِ (بَعْدَ الْفَجْرِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ دُخُولِهِ أَيْ إنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ. (وَ) نُدِبَ (صَوْمُ) يَوْمِ (عَرَفَةَ لِغَيْرِ حَاجٍّ) ، وَكُرِهَ لِحَاجٍّ؛ أَيْ لِأَنَّ الْفِطْرَ يُقَوِّيهِ عَلَى الْوُقُوفِ بِهَا. (وَ) نُدِبَ صَوْمُ (الثَّمَانِيَةِ) الْأَيَّامِ (قَبْلَهُ) أَيْ عَرَفَةَ (وَ) صَوْمُ (عَاشُورَاءَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَوْمٌ بِسَفَرٍ] : أَيْ يُنْدَبُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي سَفَرِهِ الْمُبِيحِ لَهُ لِلْفِطْرِ وَسَتَأْتِي شُرُوطُهُ، وَيُكْرَهُ لَهُ الْفِطْرُ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَمَّا قَصْرُ الصَّلَاةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ إتْمَامِهَا وَذَلِكَ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْقَصْرِ وَعَدَمِ بَرَاءَتِهَا بِالْفِطْرِ. فَإِنْ قُلْت مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَدْبِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَظَاهِرُ الْآيَةِ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» . أُجِيبَ بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى صَوْمِ النَّفْلِ أَوْ الْفَرْضِ إذَا شَقَّ، وَيُرْوَى الْحَدِيثُ بِأَلْ وَأَمْ عَلَى لُغَةِ حِمْيَرَ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ] : لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِنَدْبِ الصَّوْمِ تَأَكُّدُهُ وَإِلَّا فَالصَّوْمُ مُطْلَقًا مَنْدُوبٌ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَوْمُ الثَّمَانِيَةِ الْأَيَّامِ قَبْلَهُ] : وَاخْتُلِفَ فِي صِيَامِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا، فَقِيلَ يَعْدِلُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ سَنَةً. قَوْلُهُ: [عَاشُورَاءَ] : هُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ وَتَاسُوعَاءُ تَاسِعُهُ وَهُمَا بِالْمَدِّ، وَقَدَّمَ عَاشُورَاءَ مَعَ أَنَّ تَاسُوعَاءَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَاسُوعَاءَ. وَيُنْدَبُ فِي عَاشُورَاءَ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ، بَلْ يُنْدَبُ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ مَا عَدَا عِيَادَةَ الْمَرِيضِ فِي قَوْلِهِ: صُمْ صَلِّ صِلْ زُرْ عَالِمًا ثُمَّ اغْتَسِلْ ... رَأْسَ الْيَتِيمِ امْسَحْ تَصَدَّقْ وَاكْتَحِلْ وَسِّعْ عَلَى الْعِيَالِ قَلِّمْ ظُفْرًا ... وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ قُلْ أَلْفًا تَصِلْ

وَتَاسُوعَاءُ وَالثَّمَانِيَةِ قَبْلَهُ) أَيْ تَاسُوعَاءَ (وَبَقِيَّةِ الْمُحَرَّمِ وَ) صَوْمُ (رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، وَ) نُدِبَ صَوْمُ (الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) ، (وَ) نُدِبَ صَوْمُ يَوْمِ (النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ) لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ. وَالنَّصُّ عَلَى الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ - مَعَ دُخُولِهَا فِي شَهْرِهَا - لِبَيَانِ عِظَمِ شَأْنِهَا وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْبَقِيَّةِ؛ فَيَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَعَاشُورَاءُ أَفْضَلُ مِنْ تَاسُوعَاءَ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِمَّا قَبْلَهُمَا، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقِيَّةِ. (وَ) نُدِبَ صَوْمُ (ثَلَاثَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) . (وَكُرِهَ تَعْيِينُ) الثَّلَاثَةِ (الْبِيضِ) الثَّالِثَ عَشَرَ وَتَالِيَاهُ فِرَارًا مِنْ التَّحْدِيدِ (كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ إنْ وَصَلَهَا) بِالْعِيدِ (مُظْهِرًا) لَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَصَوْمُ رَجَبٍ] : أَيْ فَيَتَأَكَّدُ صَوْمُهُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ أَحَادِيثُهُ ضَعِيفَةً لِأَنَّهُ يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ] : وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا فَلِذَلِكَ كَانَ مَالِكٌ يَصُومُ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ وَحَادِيَ عَشَرَهُ وَحَادِيَ عَشَرَيْهِ. قَوْلُهُ: [الثَّلَاثَةُ الْبِيضُ] : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبَيَاضِ اللَّيَالِيِ بِالْقَمَرِ. قَوْلُهُ: [كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إذَا أَظْهَرَهَا مُقْتَدًى بِهِ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ وُجُوبَهَا أَوْ اعْتَقَدَ سُنِّيَّتَهَا لِرَمَضَانَ، كَالنَّفْلِ الْبَعْدِيِّ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا سِرُّ حَدِيثِهَا أَنَّ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةَ بِشَهْرَيْنِ فَكَأَنَّهُ صَامَ الْعَامَ. وَتَخْصِيصُ شَوَّالٍ قِيلَ تَرْخِيصٌ لِلتَّمَرُّنِ عَلَى الصَّوْمِ حَتَّى إنَّهَا بَعْدَهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا أَشَقُّ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ

[مكروهات الصوم]

لَا إنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا أَوْ صَامَهَا فِي نَفْسِهِ خُفْيَةً فَلَا يُكْرَهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ. (وَ) كُرِهَ لِلصَّائِمِ (ذَوْقُ) شَيْءٍ لَهُ طَعْمٌ (كَمِلْحٍ) وَعَسَلٍ وَخَلٍّ لِيَنْظُرَ وَلَوْ لِصَانِعِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَسْبِقَ لِحَلْقِهِ شَيْءٌ مِنْهُ (وَمَضْغُ عِلْكٍ) : أَيْ مَا يُعْلَكُ أَيْ يُمْضَغُ كَلِبَانٍ وَتَمْرَةٍ لِطِفْلٍ، فَإِنْ سَبَقَهُ مِنْهُ شَيْءٌ لِحَلْقِهِ فَالْقَضَاءُ. (وَ) كُرِهَ (نَذْرُ) صَوْمِ (يَوْمٍ مُكَرَّرٍ) كَكُلِّ خَمِيسٍ وَأَوْلَى نَذْرُ صَوْمِ الدَّهْرِ لِأَنَّ النَّفْسَ إذَا لَزِمَهَا شَيْءٌ مُتَكَرِّرٌ أَوْ دَائِمٌ أَتَتْ بِهِ عَلَى ثِقَلٍ وَتَنَدُّمٍ، فَيَكُونُ لِغَيْرِ الطَّاعَةِ أَقْرَبَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَفْضَلُ فَلْيُتَأَمَّلْ (اهـ.) قَوْلُهُ: [لَا إنْ فَرَّقَهَا] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُقَيَّدَةٌ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ تُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَالْمَجْمُوعِ، فَإِنْ انْتَفَى قَيْدٌ مِنْهَا فَلَا كَرَاهَةَ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ وَهِيَ أَنْ يُوصِلَهَا فِي نَفْسِهَا وَبِالْعِيدِ مُظْهِرًا لَهَا مُقْتَدًى بِهِ مُعْتَقِدًا سُنِّيَّتَهَا لِرَمَضَانَ كَالرَّوَاتِبِ الْبَعْدِيَّةَ. [مَكْرُوهَات الصَّوْمِ] قَوْلُهُ: [وَمَضْغُ عِلْكٍ] : اسْمٌ يَعُمُّ كُلَّ مَا يُعْلَكُ أَيْ يُمْضَغُ. جَمْعُهُ عُلُوكٌ، وَبَائِعُهُ عَلَّاكٌ، وَقَدْ عَلَكَ يَعْلُكُ - بِضَمِّ اللَّامِ - عَلْكًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ؛ أَيْ مَضَغَهُ وَلَاكَهُ. [تَنْبِيه كَرَاهَة صَوْمِ يَوْم المولد] قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ نَذْرُ صَوْمِ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ] : أَيْ وَمِثْلُهُ الْأُسْبُوعُ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أُسْبُوعٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ. تَنْبِيهٌ: مِنْ جُمْلَةِ الْمَكْرُوهِ - كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ - صَوْمُ يَوْمِ الْمَوْلِدِ الْمُحَمَّدِيِّ إلْحَاقًا لَهُ بِالْأَعْيَادِ، وَكَذَا صَوْمُ الضَّيْفِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَنْزِلِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَكْرُوهِ أَيْضًا مُدَاوَاةُ الْإِنْسَانِ نَهَارًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَبْتَلِعْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ ابْتَلَعَ مِنْهُ شَيْئًا غَلَبَةً قَضَى، وَإِنْ تَعَمَّدَ كَفَّرَ أَيْضًا، إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ فِي تَأْخِيرِ الدَّوَاءِ لِلَّيْلِ لِحُدُوثِ مَرَضِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ أَوْ شِدَّةِ تَأَلُّمٍ فَلَا يُكْرَهُ، بَلْ يَجِبُ إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى. وَمِنْ الْمَكْرُوهِ غَزْلُ الْكَتَّانِ لِلنِّسَاءِ مَا لَمْ تَضْطَرَّ الْمَرْأَةُ لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ، وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ طَعْمٌ يَتَحَلَّلُ كَاَلَّذِي يَعْطَنُ فِي الْمُبِلَّاتِ، وَأَمَّا مَا يَعْطَنُ فِي الْبَحْرِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا كَمَا فِي (ح) وَغَيْرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ حَصَادُ الزَّرْعِ إذَا كَانَ يُؤَدِّي لِلْفِطْرِ مَا لَمْ يَضْطَرَّ الْحَصَادُ لِذَلِكَ، وَأَمَّا رَبُّ الزَّرْعِ فَلَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ وَلَوْ أَدَّى إلَى الْفِطْرِ، لِأَنَّ رَبَّ

(وَ) كُرِهَ لَهُ (مُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ وَلَوْ فِكْرًا أَوْ نَظَرًا) : لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّاهُ لِلْفِطْرِ بِالْمَذْيِ أَوْ الْمَنِيِّ وَهَذَا (إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ) مِنْ ذَلِكَ وَإِلَّا حَرُمَ. (وَ) كُرِهَ لَهُ (تَطَوُّعٌ) بِصَوْمٍ (قَبْلَ) صَوْمٍ (وَاجِبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَقَضَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَالِ مُضْطَرٌّ لِحِفْظِهِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ (اهـ بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ لَهُ مُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ] : أَيْ لِأَيِّ شَخْصٍ؛ شَابٍّ أَوْ شَيْخٍ، رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ] : ظَاهِرُهُ كَرَاهَةُ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ إذَا عُلِمَتْ السَّلَامَةُ، وَلَوْ كَانَا غَيْرَ مُسْتَدَامَيْنِ. لَكِنْ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ: إذَا عُلِمَتْ السَّلَامَةُ لَا كَرَاهَةَ إلَّا إذَا اسْتَدَامَ فِيهِمَا، ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ مَا ذُكِرَ إذَا كَانَ لِقَصْدِ لَذَّةٍ لَا إنْ كَانَ بِدُونِ قَصْدٍ كَقُبْلَةِ وَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ. ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ كَرَاهَةُ الْمُقَدَّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ حَصَلَ إنْعَاظٌ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَمِثْلُ عِلْمِ السَّلَامَةِ: ظَنُّهَا. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا حَرُمَ] : أَيْ بِأَنْ عَلِمَ عَدَمَهَا أَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ. فَإِنْ أَمْذَى بِالْمُقَدِّمَاتِ فِي حَالَةِ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ فَالْقَضَاءُ اتِّفَاقًا. وَإِنْ أَمْنَى، فَفِي حَالَةِ الْحُرْمَةِ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ اتِّفَاقًا وَفِي حَالَةِ الْكَرَاهَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ أَشْهَبَ إنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ تَابَعَ حَتَّى أَنْزَلَ. وَالثَّانِي: قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَبَيْنَ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ؛ فَالْإِنْزَالُ - بِالثَّلَاثَةِ - الْأَوَّلُ: مُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا. وَبِالْأَخِيرَيْنِ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُتَابِعَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنْ شَكَّ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْعَمْدِ أَمْذَى أَمْ أَمْنَى فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ قَبِيلِ الْحُدُودِ فَتُدْرَأُ بِالشَّكِّ، خُصُوصًا وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَاهَا فِي غَيْرِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ كَمَا هُوَ أَصْلُ نَصِّهَا - كَذَا. فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ تَطَوُّعٌ بِصَوْمٍ] : حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ - كَالْمَنْذُورِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ - وَذَلِكَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ وَعَدَمِ فَوْرِيَّتِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ صَوْمُ التَّطَوُّعِ مُؤَكَّدًا - كَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ - أَوْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ.

[أركان الصوم]

رَمَضَانَ وَكَفَّارَةٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَيِّنًا بِيَوْمٍ كَنَذْرٍ مُعَيَّنٍ حَرُمَ التَّطَوُّع فِيهِ (وَ) كُرِهَ (تَطَيُّبٌ نَهَارًا وَ) كُرِهَ (شَمُّهُ) أَيْ الطِّيبِ وَلَوْ مُذَكَّرًا نَهَارًا. (وَرُكْنُهُ) أَيْ الصَّوْمُ أَمْرَانِ: أَوَّلُهُمَا: (النِّيَّةُ) : اعْلَمْ أَنَّهُمْ عَرَّفُوا الصَّوْمَ بِأَنَّهُ الْكَفُّ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ بِنِيَّةٍ؛ فَالنِّيَّةُ رُكْنٌ وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا ذُكِرَ رُكْنٌ ثَانٍ. وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَسَمَّحَ فَجَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا شَرْطَ صِحَّةٍ، وَالشَّرْطُ مَا كَانَ خَارِجَ الْمَاهِيَةِ، وَالرُّكْنُ مَا كَانَ جُزْءًا مِنْهَا، فَإِذَا كَانَا شَرْطَيْنِ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْ الْمَاهِيَّةِ مَعَ أَنَّهُمَا نَفْسُهَا، فَالنِّيَّةُ رُكْنٌ. (وَشَرْطُهَا) : أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا (اللَّيْلُ) : أَيْ إيقَاعُهَا فِيهِ مِنْ الْغُرُوبِ إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ، (أَوْ) إيقَاعُهَا (مَعَ) طُلُوعِ (الْفَجْرِ) . وَلَا يَضُرُّ مَا حَدَثَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ؛ فَقِيلَ إنَّ صَوْمَهُ قَضَاءً أَفْضَلُ وَصَوْمَهُ تَطَوُّعًا مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ. وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَرْجَحُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ حَصَلَ ثَوَابُهُمَا كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ وَكَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالتَّحِيَّةِ. قَوْلُهُ: [حَرُمَ التَّطَوُّعُ فِيهِ] : أَيْ لِتَعْيِينِ الزَّمَانِ الْمَنْذُورِ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ. قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ: وَانْظُرْ هَلْ تَطَوُّعُهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ لِتَعَيُّنِ الزَّمَنِ لِغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِصَلَاحِيَّةِ الزَّمَنِ فِي ذَاتِهِ لِلْعِبَادَةِ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ فِي رَمَضَانَ لِأَنَّ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ أَقْوَى مِمَّا عَيَّنَهُ الشَّخْصُ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ تَطَيُّبٌ] إلَخْ: إنَّمَا كُرِهَ شَمُّ الطِّيبِ وَاسْتِعْمَالُهُ نَهَارًا لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ شَهْوَةِ الْأَنْفِ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْفَمِ، وَأَيْضًا الطِّيبُ مُحَرِّكٌ لِشَهْوَةِ الْفَرْجِ. [أَرْكَان الصَّوْمِ] قَوْلُهُ: [مَعَ أَنَّهُمَا نَفْسُهَا] : وَلَكِنْ أُجِيبَ عَنْ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: بِأَنَّهُ الْتَفَتَ إلَى مَعْنَاهَا وَهُوَ الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى الشَّيْءِ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْجَوَابَ مُخَلِّصٌ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّيَّةِ، وَأَمَّا الْكَفُّ فَلَا وَجْهَ لِعَدِّهِ شَرْطًا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُرَادَ بِالشَّرْطِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ] : الْمُرَادُ وُقُوعُهَا فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ الَّذِي يَعْقُبُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا كَفَتْ النِّيَّةُ الْمُصَاحِبَةُ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ

بَعْدَهَا مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ نَوْمٍ؛ بِخِلَافِ رَفْعِهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَبِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ إنْ اسْتَمَرَّ لِلْفَجْرِ، فَإِنْ رَفَعَهَا ثُمَّ عَاوَدَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ أَفَاقَ قَبْلَهُ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَمَفْهُومُ اللَّيْلِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى نَهَارًا قَبْلَ الْغُرُوبِ لِلْيَوْمِ الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ لِلْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَمْ تَنْعَقِدْ وَلَوْ بِنَفْلٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُقَارَنَةُ لِلْمَنْوِيِّ، وَلَكِنْ فِي الصَّوْمِ جَوَّزُوا تَقَدُّمَهَا عَلَيْهِ حَيْثُ قَالُوا يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالْغُرُوبِ لِمَشَقَّةِ الْمُقَارَنَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُقَارَنَةِ أَوْ التَّقَدُّمِ الْيَسِيرِ عَلَى مَا مَرَّ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كِفَايَةِ الْمُقَارَنَةِ لِلْفَجْرِ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَجْرِ أَوْلَى لِلِاحْتِيَاطِ وَالضَّبْطِ. قَوْلُهُ: [لَمْ تَنْعَقِدْ] : أَيْ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَصْلُهُ لِابْنِ بَشِيرٍ. وَنَصُّهُ: لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُجْزِئُ إلَّا إذَا تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ. فَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَلَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِهِ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الصِّيَامِ، إلَّا يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَفِيهِ قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ وَالشَّاذُّ: اخْتِصَاصُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصِحَّةِ الصَّوْمِ، كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: تَصِحُّ نِيَّةُ النَّافِلَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: تَصِحُّ نِيَّةُ النَّافِلَةِ فِي النَّهَارِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ: «إنِّي إذًا صَائِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ» ، وَلِلشَّافِعِيِّ: الْغَدَاءُ مَا يُؤْكَلُ قَبْلَ الزَّوَالِ. وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَلَنَا عُمُومُ حَدِيثِ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ فَلَا صِيَامَ لَهُ» وَالْأَصْلُ تَسَاوِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ.

لَمْ يَتَنَاوَلْ فِيهِ قَبْلَهَا مُفْطِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ. (وَكَفَتْ نِيَّةٌ) وَاحِدَةٌ (لِمَا) : أَيْ لِكُلِّ صَوْمٍ (يَجِبُ تَتَابُعُهُ) كَرَمَضَانَ وَكَفَّارَتِهِ وَكَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ، وَكَالنَّذْرِ الْمُتَتَابِعِ؛ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ (إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ) تَتَابُعُ الصَّوْمِ (بِكَسَفَرٍ) وَمَرَضٍ مِمَّا يَقْطَعُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ دُونَ صِحَّةِ الصَّوْمِ. فَإِنْ انْقَطَعَ بِهِ لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَلْبِيَتِهَا كُلَّمَا أَرَادَهُ، (وَلَوْ تَمَادَى عَلَى الصَّوْمِ) فِي سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ. (أَوْ كَحَيْضٍ) وَنِفَاسٍ وَجُنُونٍ وَمِمَّا يُوجِبُ عَدَمَ صِحَّتِهِ فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا وَلَوْ حَصَلَ الْمَانِعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَزَالَ قَبْلَ الْفَجْرِ. (وَنُدِبَتْ كُلَّ لَيْلَةٍ) فِيمَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَمْ نَتَنَاوَلْ فِيهِ قَبْلَهَا] : فِيهِ رَدٌّ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [يَجِبُ تَتَابُعُهُ] : خَرَجَ بِذَلِكَ مَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ؛ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ فِي السَّفَرِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَلَا بُدَّ الْأَذَى وَنَقْصُ الْحَجِّ فَلَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ، بَلْ مِنْ التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْمُصَنِّفِ. وَمَا مَشْي عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ كِفَايَةِ النِّيَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي وَاجِبِ التَّتَابُعِ هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ لِكُلِّ يَوْمٍ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَالْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ فَسَادِ بَعْضِ الْأَيَّامِ بِفَسَادِ بَعْضِهَا، وَالْقَوْلُ الْمَشْهُورُ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ كَالْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ حَيْثُ ارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَعَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ تَمَادَى عَلَى الصَّوْمِ] : هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ: مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ أَوْ الْمُسَافِرَ إذَا اسْتَمَرَّ صَائِمًا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِتَجْدِيدِ نِيَّةٍ. وَمَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ عَامِدًا فَاسْتَظْهَرَ (ح) تَجْدِيدَ النِّيَّةِ أَيْضًا؛ كَمَنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ وَلَوْ نِسْيَانًا لَا إنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا وَهُوَ مُبَيِّتٌ لِلصَّوْمِ فَلَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَفْطَرَ مُكْرَهًا عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَعِنْدَ ابْنِ يُونُسَ حُكْمُ مَنْ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا] : أَيْ وَتَكْفِي النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ فِي جَمِيعِ مَا بَقِيَ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَتْ كُلَّ لَيْلَةٍ] : أَيْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِ التَّبْيِيتِ وَمِنْ الْوَرَعِ

(وَ) الرُّكْنُ الثَّانِي: (كَفٌّ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِلْغُرُوبِ عَنْ جِمَاعِ مُطِيقٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ؛ أَيْ الْكَفُّ عَنْ إدْخَالِ حَشَفَتِهِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِ شَخْصٍ مُطِيقٍ لِلْجِمَاعِ، (وَإِنْ) كَانَ الْمُطِيقُ لَهُ (مَيِّتًا أَوْ بَهِيمَةً) ، وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ أَدْخَلَ ذَكَرَهُ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ أَوَالْفَخِذَيْنِ أَوْ فِي فَرْجِ صَغِيرٍ لَا يُطِيقُ فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ. (وَ) كَفٌّ (عَنْ إخْرَاجِ مَنِيٍّ أَوْ مَذْيٍ) : بِمُقَدِّمَاتِ جِمَاعٍ وَلَوْ نَظَرًا أَوْ تَفَكُّرًا وَاحْتَرَزَ " بِإِخْرَاجٍ " عَنْ خُرُوجِ أَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَلَا يُبْطِلُهُ. (أَوْ) عَنْ إخْرَاجِ (قَيْءٍ) فَلَا يَضُرُّ خُرُوجُهُ بِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَزْدَرِدْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ. (وَ) كَفٌّ (عَنْ وُصُولِ مَائِعٍ) مِنْ شَرَابٍ أَوْ دُهْنٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (لِحَلْقٍ) وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِلْمَعِدَةِ وَلَوْ وَصَلَ سَهْوًا أَوْ غَلَبَهُ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ، وَلِذَا عَبَّرَ " بِوُصُولٍ " لَا بِإِيصَالٍ. وَاحْتُرِزَ بِالْمَائِعِ عَنْ غَيْرِهِ كَحَصَاةٍ وَدِرْهَمٍ فَوُصُولُهُ لِلْحَلْقِ لَا يُفْسِدُ بَلْ لِلْمَعِدَةِ. (وَإِنْ) كَانَ وُصُولُ الْمَائِعِ لِلْحَلْقِ (مِنْ غَيْرِ فَمٍ كَعَيْنٍ) وَأَنْفٍ وَأُذُنٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمُرَاعَاةُ الْخِلَافِ. قَوْلُهُ: [عَنْ جِمَاعِ مُطِيقٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُغَيَّبُ فِيهِ مُسْتَيْقِظًا أَوْ نَائِمًا. قَوْلُهُ: [فَلَا يُبْطِلُهُ] : وَمِثْلُهُ لَوْ حَصَلَتْ لَذَّةٌ مُعْتَادَةٌ مِنْ غَيْرِ خُرُوجِ شَيْءٍ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ] : أَيْ وَلَا كَفَّارَةَ إنْ كَانَ ازْدَرَدَهُ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا هَذَا فِي الْفَرْضِ، وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَعَ الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ. قَوْلُهُ: [عَنْ وُصُولِ مَائِعٍ] : فَإِنْ وَصَلَ الْمَائِعُ لِلْمَعِدَةِ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ أَوْ سَافِلٍ فَسَدَ الصَّوْمُ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ. وَهَذَا فِي غَيْرِ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ مِنْ أَثَرِ طَعَامِ اللَّيْلِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَضُرُّ. وَلَوْ ابْتَلَعَهُ عَمْدًا وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِلْمَعِدَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ مَا لَمْ يَصِلْ لِلْحَلْقِ مِنْ الْعَالِي كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [وَلِذَا عَبَّرَ بِوُصُولِ] : أَيْ لِأَنَّ لَفْظَةَ وُصُولِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْقَصْدَ بِخِلَافِ إيصَالٍ. قَوْلُهُ: [كَعَيْنٍ وَأَنْفٍ وَأُذُنٍ] : أَيْ وَمَسَامِّ رَأْسٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَتِهِ، وَأَشْعَرَ

فَمَنْ اكْتَحَلَ نَهَارًا أَوْ اسْتَنْشَقَ بِشَيْءٍ فَوَصَلَ أَثَرُهُ لِلْحَلْقِ أَفْسَدَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلْحَلْقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اكْتَحَلَ لَيْلًا أَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ، أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ لَيْلًا فَهَبَطَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِحَلْقِهِ نَهَارًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (أَوْ) وُصُولُ مَائِعٍ (لِمَعِدَةٍ) وَهِيَ الْكِرْشَةُ الَّتِي فَوْقَ السُّرَّةِ لِلصَّدْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَوْصَلَةِ لِلطَّيْرِ؛ إذَا وَصَلَ الْمَائِعُ لَهَا بِحُقْنَةٍ (مِنْ) مَنْفَذٍ مُتَّسَعٍ (كَدُبُرٍ) أَوْ قُبُلٍ - لَا إحْلِيلٍ: أَيْ ثُقْبِ ذَكَرٍ - (كَلَهَا) أَيْ الْمَعِدَةِ أَيْ كَوُصُولِ شَيْءٍ لَهَا (بِغَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمَائِعِ (مِنْ فَمٍ) ، فَإِنَّهُ مُفْطِرٌ بِخِلَافِ وُصُولِهِ لِلْحَلْقِ فَقَطْ أَوْ مِنْ مَنْفَذٍ أَسْفَلَ لِلْمَعِدَةِ فَلَا يَضُرُّ وَلَوْ فَتَائِلَ عَلَيْهَا دُهْنٌ. وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ وُصُولَ الْمَاءِ لِلْحَلْقِ مِنْ مَنْفَذٍ أَعْلَى وَلَوْ غَيْرَ الْفَمِ مُفْطِرٌ كَوُصُولِهِ لِلْمَعِدَةِ مِنْ مَنْفَذٍ أَسْفَلَ إنْ اتَّسَعَ كَالدُّبُرِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ، لَا إنْ لَمْ يَصِلْ لَهَا وَلَا مِنْ إحْلِيلٍ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَائِعِ فَلَا يُفْطِرُ إلَّا إذَا وَصَلَ لِلْمَعِدَةِ مِنْ الْفَمِ. وَلَكِنْ نَقَلَ الْحَطَّابُ وَغَيْرُهُ عَنْ التَّلْقِينِ: أَنَّ مَا وَصَلَ لِلْحَلْقِ مُفْطِرٌ مُطْلَقًا مِنْ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ. وَمِنْ حُكْمِ الْمَائِعِ الْبَخُورُ وَنَحْوُهُ فَإِنَّ وُصُولَهُ لِلْحَلْقِ مُفْطِرٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) كَفٌّ عَنْ وُصُولِ (بَخُورٍ) تَتَكَيَّفُ بِهِ النَّفْسُ كَبَخُورِ عُودٍ أَوْ مَصْطِكِي ـــــــــــــــــــــــــــــQكَلَامُهُ أَنَّ مَا يَصِلُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَنَافِذِ لَا شَيْءَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ لَيْلًا] : أَيْ وَأَمَّا مَنْ دَهَنَ رَأْسَهُ نَهَارًا وَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَوْ وَضَعَ حِنَّاءً فِي رَأْسِهِ نَهَارًا فَاسْتَطْعَمَهَا فِي حَلْقِهِ، فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ. بِخِلَافِ مَنْ حَكَّ رِجْلَهُ بِحَنْظَلٍ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَوْ قَبَضَ بِيَدِهِ عَلَى ثَلْجٍ فَوَجَدَ الْبُرُودَةَ فِي جَوْفِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: الْوَاصِلُ مِنْ الْعَيْنِ لَا يُفَطِّرُ فَيَجُوزُ الْكُحْلُ عِنْدَهُمْ نَهَارًا. وَمِثْلُهَا الرَّأْسُ، فَيَجُوزُ الِادِّهَانُ نَهَارًا. قَوْلُهُ: [أَوْ قُبُلٍ] : أَيْ فَرْجِ امْرَأَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ كَالْإِحْلِيلِ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَيْرَ الْفَمِ] : أَيْ كَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالرَّأْسِ. قَوْلُهُ: [وَلَا مِنْ إحْلِيلٍ] : وَمِثْلُ الْإِحْلِيلِ الثُّقْبَةُ الضَّيِّقَةُ فِي الْمَعِدَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ نَقَلَ الْحَطَّابُ] إلَخْ: وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى لِلْبِسَاطِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ وَهِيَ الْأَظْهَرُ.

أَوْ جَاوِي أَوْ نَحْوِهَا، (أَوْ بُخَارِ قِدْرٍ) لِطَعَامٍ فَمَتَى وَصَلَ لِلْحَلْقِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ، وَمِنْ ذَلِكَ الدُّخَانُ الَّذِي يُشْرَبُ أَيْ يُمَصُّ بِنَحْوِ قَصَبَةٍ بِخِلَافِ دُخَانِ الْحَطَبِ وَنَحْوِهِ وَغُبَارِ الطَّرِيقِ. (أَوْ) عَنْ وُصُولِ (قَيْءٍ) أَوْ قَلْسٍ (أَمْكَنَ طَرْحُهُ) بِخُرُوجِهِ مِنْ الْحَلْقِ إلَى الْفَمِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ طَرْحُهُ - بِأَنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْحَلْقَ - فَلَا شَيْءَ فِيهِ. وَأَمَّا الْبَلْغَمُ الْمُمْكِنُ طَرْحُهُ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ ابْتِلَاعَهُ لَا يَضُرُّ وَلَوْ وَصَلَ لِطَرَفِ اللِّسَانِ وَأَوْلَى الْبُصَاقُ، خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ. وَمَتَى وَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا لِحَلْقٍ أَوْ مَعِدَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَفْطَرَ (وَلَوْ) وَصَلَ (غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا فِي الْجَمِيعِ) الْمَائِعِ وَمَا بَعْدَهُ (أَوْ) عَنْ وُصُولِ (غَالِبٍ مِنْ مَضْمَضَةٍ) لِوُضُوءٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ سِوَاكٍ) فَأَوْلَى غَيْرُ الْغَالِبِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِنَا " وَكَفٌّ عَنْ وُصُولٍ " إلَخْ مُسَامَحَةً لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّيْءِ يَقْتَضِي الْقَصْدَ. وَالْوُصُولُ - وَلَوْ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا - قَدْ يَقْتَضِي عَدَمَهُ؛ ارْتَكَبْنَاهُ مُجَارَاةً لِقَوْلِهِمْ: حَقِيقَةُ الصَّوْمِ الْإِمْسَاكُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَخْ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَالْإِمْسَاكُ هُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ بُخَارِ قَدْرٍ] : أَيْ فَمَتَى وَصَلَ دُخَانُ الْبَخُورِ وَبُخَارُ الْقَدْرِ لِلْحَلْقِ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِسْمٌ يَتَكَيَّفُ بِهِ. وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ إذَا وَصَلَ بِاسْتِنْشَاقٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنْشِقُ صَانِعَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا لَوْ وَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا قَضَاءَ صَانِعًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: [الَّذِي يَشْرَبُ] : وَمِثْلُهُ النُّشُوقُ فَهُوَ مُفْطِرٌ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ دُخَانِ الْحَطَبِ] : فَلَا قَضَاءَ فِي وُصُولِهِ لِلْحَلْقِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ اسْتِنْشَاقَهُ، وَإِمَّا رَائِحَةٌ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالزُّبْدِ فَلَا تُفْطِرُ وَلَوْ اسْتَنْشَقَهَا لِأَنَّهَا لَا جِسْمَ لَهَا، إنَّمَا يُكْرَهُ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَصَلَ لِطَرَفِ اللِّسَانِ] : قَالَ (عب) : وَلَا شَيْءَ عَلَى الصَّائِمِ فِي ابْتِلَاعِ رِيقِهِ إلَّا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَسْقُطُ مُطْلَقًا وَهُوَ الرَّاجِحُ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [غَالِبٌ مِنْ مَضْمَضَةٍ] : هَذَا فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا وُصُولُ أَثَرِ الْمَضْمَضَةِ أَوْ السِّوَاكِ لِلْحَلْقِ فِي صَوْمِ النَّفْلِ غَلَبَةً فَلَا يُفْسِدُهُ.

[شروط صحة الصوم]

الْكَفُّ عَمَّا ذُكِرَ، ثُمَّ بَيَّنُوهُ بِمَا ذَكَرْنَا وَالْمُرَادُ عَدَمُ الْوُصُولِ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَالْعَدَمُ لَيْسَ بِفِعْلٍ. (وَصِحَّتُهُ) : أَيْ وَشَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا مُصَوَّرَةٌ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: (بِنَقَاءٍ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ. وَوَجَبَ) صَوْمُ رَمَضَانَ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِهِ كَكَفَّارَةٍ أَوْ صَوْمِ اعْتِكَافٍ أَوْ نَذْرٍ فِي أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ. (إنْ طَهُرَتْ) بِقَصَّةٍ أَوْ جُفُوفٍ (قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ بِلَصْقِهِ) : أَيْ الْفَجْرِ وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَإِنْ بِلَحْظَةٍ ". (وَ) يَجِبُ الصَّوْمُ (مَعَ الْقَضَاءِ) أَيْضًا (إنْ شَكَّتْ) : هَلْ طُهْرُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَتَنْوِي الصَّوْمَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ قَبْلَهُ، وَتَقْضِي لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ بَعْدَهُ. (وَبِغَيْرِ عِيدٍ) أَيْ وَصِحَّتُهُ بِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ عِيدٍ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ. (وَبِعَقْلٍ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا مِنْ مُغْمًى عَلَيْهِ. (فَإِنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مَعَ الْفَجْرِ فَالْقَضَاءُ) لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ لِزَوَالِ عَقْلِهِ وَقْتَ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَيَرِدُ عَلَيْهِ] : أَيْ عَلَى تَفْسِيرِ الْكَفِّ بِمَا ذُكِرَ. وَهَذَا الْبَحْثُ يُقَوِّي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ حَصْرَ التَّكْلِيفِ فِي الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ الْإِثْمِ؛ وَأَمَّا الصِّحَّةُ أَوْ الْفَسَادُ فَهِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَيَتَعَلَّقُ بِالسَّاهِي وَالنَّائِمِ وَالْمُكْرَهِ قَوْلُهُ: [فَتَنْوِي الصَّوْمَ] إلَخْ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تُمْسِكْ، وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَا تُؤْمَرُ بِفِعْلِ مَا شَكَّتْ فِي وَقْتِهِ هَلْ كَانَ الطُّهْرُ فِيهِ أَمْ لَا، وَإِنْ شَكَّتْ بَعْدَ الْفَجْرِ هَلْ طَهُرَتْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِشَاءُ، وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي كُلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالشَّكِّ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلِمَ وَجَبَ الْأَدَاءُ فِي الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ؟ وَالْمُرَادُ بِشَكِّهَا فِي الْفَجْرِ: مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ. [شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ] قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ فِيهِ] : أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّوْمِ قَبُولَ الزَّمَنِ لِلْعِبَادَةِ، وَالْعِيدُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ وَمِثْلُهُ ثَانِي النَّحْرِ وَثَالِثُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعْرَاضًا عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُمَا يُسْتَثْنَيَانِ لِمَنْ عَلَيْهِ نَقْصٌ فِي حَجٍّ. قَوْلُهُ: [فَالْقَضَاءُ] : هَذَا إذَا جُنَّ يَوْمًا وَاحِدًا بَلْ وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً، سَوَاءٌ كَانَ الْجُنُونُ طَارِئًا بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ

[ما يترتب على الإفطار]

مَجْنُونًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ قَبْلَهُ وَأَفَاقَ وَقْتَ الْفَجْرِ فَلَا قَضَاءَ لِسَلَامَتِهِ وَقْتَهَا، (كَبَعْدِهِ) أَيْ كَمَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَجْرِ، (جُلَّ يَوْمٍ) وَأَوْلَى كُلُّهُ (لَا) إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَجْرِ (نِصْفُهُ) فَأَقَلَّ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الصَّوْمِ وَشُرُوطِهِ ذَكَرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِفْطَارِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْقَضَاءُ، وَالْإِمْسَاكُ، وَالْكَفَّارَةُ، وَالْإِطْعَامُ، وَقَطْعُ التَّتَابُعِ؛ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْمُدَوَّنَةِ، خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَدَنِيِّينَ، قَالُوا: إنْ كَثُرَتْ كَالْعَشَرَةِ فَلَا قَضَاءَ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ: لَا قَضَاءَ عَلَى الْمَجْنُونِ. لَنَا أَنَّ الْجُنُونَ مَرَضٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] . قَوْلُهُ: [نِصْفَهُ فَأَقَلَّ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى أُغْمِيَ عَلَيْهِ كُلَّ الْيَوْمِ مِنْ الْفَجْرِ لِلْغُرُوبِ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جُلَّهُ، سَوَاءٌ سَلِمَ أَوَّلَهُ أَمْ لَا، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ نِصْفَهُ أَوْ أَقَلَّهُ وَلَمْ يَسْلَمْ أَوَّلَهُ فِيهِمَا؛ فَالْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْخَمْسِ. فَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، وَاسْتَمَرَّ بَعْدَهَا وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ نِصْفَ الْيَوْمِ أَوْ أَقَلَّهُ، وَسَلِمَ أَوَّلُهُ فَلَا قَضَاءَ فِيهِمَا؛ فَالصُّوَرُ سَبْعٌ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي خَمْسٍ، وَعَدَمُهُ فِي اثْنَتَيْنِ. وَمَا قِيلَ فِي الْإِغْمَاءِ يُقَالُ فِي الْجُنُونِ، وَمِثْلُهُمَا السُّكْرُ كَانَ بِحَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْعَلَّامَةُ النَّفْرَاوِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَتَبِعَهُ (بْن) خِلَافًا لِلْخَرَشِيِّ وَ (عب) حَيْثُ تَبِعَا الْأُجْهُورِيَّ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَجَعَلَا الْحَرَامَ كَالْإِغْمَاءِ، وَالْحَلَالَ كَالنَّوْمِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. [مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِفْطَارِ] قَوْلُهُ: [وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الصَّوْمِ] : أَيْ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِ وَمَا يَثْبُتُ بِهِ. قَوْلُهُ: [مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِفْطَارِ] : أَيْ فِي مَجْمُوعَةِ صُوَرِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْخَمْسَةَ لَا تَحْصُلُ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ خَمْسَةٌ] : بَلْ سِتَّةٌ وَالسَّادِسُ التَّأْدِيبُ. قَوْلُهُ: [الْقَضَاءُ وَالْإِمْسَاكُ] : أَيْ وَكُلٌّ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ اُنْظُرْ (المج) . قَوْلُهُ: [وَالْكَفَّارَةُ] : أَيْ الْكُبْرَى وَلَا تَكُونُ إلَّا وَاجِبَةً. قَوْلُهُ: [وَالْإِطْعَامُ] : وَهُوَ الْكَفَّارَةُ الصُّغْرَى، وَيَكُونُ مَنْدُوبًا وَوَاجِبًا.

إذَا عُلِمَتْ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ (فَإِنْ حَصَلَ) لِلصَّائِمِ (عُذْرٌ) اقْتَضَى فِطْرَهُ بِالْفِعْلِ؛ كَمَرَضٍ، أَوْ اقْتَضَى عَدَمَ صِحَّتِهِ؛ كَحَيْضٍ (أَوْ اخْتَلَّ رُكْنٌ) مِنْ رُكْنَيْهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً (كَرَفْعِ النِّيَّةِ) نَهَارًا أَوْ لَيْلًا بِأَنْ نَوَى عَدَمَ صَوْمِ الْغَدِ، وَاسْتَمَرَّ رَافِعًا لَهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ (أَوْ) اخْتَلَّ (بِصَبِّ) شَيْءٍ (مَائِعٍ فِي حَلْقِ) صَائِمٍ (نَائِمٍ أَوْ) اخْتَلَّ (بِجِمَاعِهِ) أَيْ النَّائِمِ - مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ - (أَوْ بِكَأَكْلِهِ) مِنْ إضَافَتِهِ لِفَاعِلِهِ أَيْ أَوْ اخْتَلَّ بِتَنَاوُلِهِ مُفْطِرًا مِنْ أَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. حَالَ كَوْنِهِ (شَاكًّا فِي) طُلُوعِ (الْفَجْرِ أَوْ) فِي (الْغُرُوبِ أَوْ بِطُرُوِّهِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ الشَّكِّ - بِأَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مُعْتَقِدًا بَقَاءَ اللَّيْلِ أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ - ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ هَلْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ قَبْلَهُ؛ فَطُرُوُّ الشَّكِّ مُخِلٌّ بِرُكْنِ الْإِمْسَاكِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ. فَالصَّوْمُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا. فَإِنْ كَانَ فَرْضًا: (فَالْقَضَاءُ) لَازِمٌ بِحُصُولِ الْعُذْرِ أَوْ اخْتِلَالِ الرُّكْنِ (فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا) : أَفْطَرَ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ غَلَبَةً، جَوَازًا كَمُسَافِرٍ، أَوْ حَرَامًا كَمُنْتَهَكٍ، أَوْ وُجُوبًا كَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ؛ كَانَ الْفَرْضُ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالْكَفَّارَاتِ وَصَوْمِ تَمَتُّعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (إلَّا النَّذْرَ الْمُعَيَّنَ) كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [اقْتَضَى فِطْرَهُ] : أَيْ جَوَازَ فِطْرِهِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ صَحِيحًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ اقْتَضَى عَدَمَ صِحَّتِهِ] : أَيْ وَيَكُونُ الصَّوْمُ حَرَامًا. قَوْلُهُ: [أَوْ اخْتَلَّ رُكْنٌ] : أَيْ بِحُصُولِ مُفْسِدٍ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ إثْم أَمْ لَا، فَإِنَّ السَّهْوَ وَالْغَلَبَةَ وَالصَّبَّ فِي حَلْقِ النَّائِمِ، وَطُرُوُّ الشَّكِّ بَعْدَ الْأَكْلِ لَا إثْمَ فِيهِ، وَهُوَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ وَمُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالنَّاسِي وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ تَكْلِيفُ حَالَةِ الْفَسَادِ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ جَوَابَنَا الْمُتَقَدِّمَ عَنْ إشْكَالِ الشَّارِحِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَلَبَةً] : أَيْ أَوْ إكْرَاهًا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [أَوْ حَرَامًا كَمُنْتَهِكٍ] : أَيْ بِأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُقْتَضٍ.

وَأَفْطَرَ فِيهِ (لِمَرَضٍ) لَمْ يَقْدِرْ مَعَهُ عَلَى صَوْمِهِ لِخَوْفِهِ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ ضَرَرٍ أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ تَأَخُّرَ بُرْءٍ، (أَوْ) أَفْطَرَ فِيهِ لِعُذْرٍ مَانِعٍ مِنْ صِحَّتِهِ (كَحَيْضٍ) وَنِفَاسٍ وَإِغْمَاءٍ وَجُنُونٍ، فَلَا يَقْضِي لِفَوَاتِ وَقْتِهِ. فَإِنْ زَالَ عُذْرُهُ وَبَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ وَجَبَ صَوْمُهُ. (بِخِلَافِ) فِطْرِ (النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ وَخَطَأِ الْوَقْتِ) : كَصَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ يَظُنُّهُ الْخَمِيسَ الْمَنْذُورَ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ مَعَ إمْسَاكِ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ. وَاحْتُرِزَ " بِالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ " مِنْ الْمَضْمُونِ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهِ لِعَدَمِ تَعْيِينِ وَقْتِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْإِطْلَاقِ الْمُتَقَدِّمِ. (وَ) إنْ كَانَ الصَّوْمُ نَفْلًا (قَضَى فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ) أَيْ بِالْفِطْرِ الْعَمْدِ (الْحَرَامِ) . (وَإِنْ) حَلَفَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ (بِطَلَاقٍ بَتٍّ) فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَإِنْ أَفْطَرَ قَضَى. وَأَوْلَى. إذَا كَانَ رَجْعِيًّا أَوْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. (لَا غَيْرَهُ) : أَيْ غَيْرَ الْعَمْدِ الْحَرَامِ بِأَنْ أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ مُكْرَهًا أَوْ عَمْدًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ (كَأَمْرِ وَالِدٍ) أَبٍ أَوْ أُمٍّ لَهُ بِالْفِطْرِ شَفَقَةً، (وَ) أَمْرِ (شَيْخٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِخِلَافِ فِطْرِ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ] : أَمَّا النِّسْيَانُ فَلِأَنَّ عِنْدَهُ نَوْعًا مِنْ التَّفْرِيطِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الطِّرَازِ، وَقَالَ (ح) إنَّهُ الْمَشْهُورُ. وَفِي الْخَرَشِيِّ لَا قَضَاءَ فِي الْإِكْرَاهِ، وَمَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ قَائِلًا إنَّ الْمُكْرَهَ أَوْلَى مِنْ الْمَرِيضِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ] : أَيْ حَيْثُ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فِي الْخَمِيسِ. وَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا فِي أَثْنَائِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهُ وَقَضَاؤُهُ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ] إلَخْ: رَدٌّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ، وَلَا قَضَاءَ، وَمِثْلُ الثَّلَاثِ: إذَا كَانَتْ مَعَهُ عَلَى طَلْقَةٍ وَحَلَفَ بِهَا. وَمَحَلُّ عَدَمِ جَوَازِ الْفِطْرِ إلَّا لِوَجْهٍ؛ كَتَعَلُّقِ قَلْبِ الْحَالِفِ بِمَنْ. حَلَفَ بِطَلَاقِهَا، بِحَيْثُ يَخْشَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا إنْ حَنِثَ فَيَجُوزُ، وَلَا قَضَاءَ. وَهُوَ حِينَئِذٍ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ لَا غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [أَبٍ أَوْ أُمٍّ] : أَيْ لَا جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ. وَالْمُرَادُ الْأَبَوَانِ الْمُسْلِمَانِ، لَا إنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلَا يُطِيعُهُمَا إلْحَاقًا لِلصَّوْمِ بِالْجِهَادِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الدِّينِيَّاتِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.

[ما يجب فيه الإمساك إذا أفطر وما لا يجب]

صَالِحٍ أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ، وَمِثْلُهُ شَيْخُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ (وَ) أَمْرِ (سَيِّدٍ) لَهُ بِالْفِطْرِ؛ فَإِذَا أَفْطَرَ امْتِثَالًا لَهُمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ النَّفْلِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُقْضَى وَمَا لَا يُقْضَى مِنْ الصَّوْمِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ إذَا أَفْطَرَ وَمَا لَا يَجِبُ فَقَالَ: (وَوَجَبَ) عَلَى الْمُفْطِرِ فِي صَوْمِهِ (إمْسَاكُ غَيْرِ مَعْذُورٍ) بَقِيَّةَ يَوْمِهِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ (بِلَا إكْرَاهٍ) وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ: وَهُوَ مَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا، وَالْمَعْذُورُ مَنْ أَفْطَرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ] إلَخْ: اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعَهْدَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَإِفْسَادُ الصَّوْمِ حَرَامٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إفْسَادِ صَوْمِ النَّفْلِ قُدِّمَ فِيهِ نَظَرُ الشَّيْخِ، أَلَا تَرَى الشَّافِعِيَّةَ يَقُولُونَ بِجَوَازِ إفْسَادِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: " الصَّائِمُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ". قَوْلُهُ: [وَمِثْلُهُ شَيْخُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ] : أَيْ وَكَذَا آلَاتُهُ. [مَا يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ إذَا أَفْطَرَ وَمَا لَا يَجِبُ] قَوْلُهُ: [مَا يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ] إلَخْ: حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْفِطْرِ: أَنَّ الْإِمْسَاكَ فِي الْفَرْضِ الْمُعَيَّنِ سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرًا وَاجِبٌ، سَوَاءٌ أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً بِغَيْرِ إكْرَاهٍ، أَوْ إكْرَاهٍ. وَفِي الْمَضْمُونِ فِي الذِّمَّةِ - وَهُوَ كُلُّ صَوْمٍ لَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ؛ كَالنَّذْرِ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَصِيَامِ الْجَزَاءِ وَالتَّمَتُّعِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ - جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْفِطْرُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ إكْرَاهًا، وَفِي النَّفْلِ وَاجِبٌ فِي النِّسْيَانِ وَغَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْعَمْدِ الْحَرَامِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَأَمَّا مَا وَجَبَ فِيهِ التَّابِعُ مِنْ الصَّوْمِ وَكَانَ فَرْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ؛ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ عَمْدًا فَلَا إمْسَاكَ لِفَسَادِهِ وَإِنْ كَانَ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا وَجَبَ الْإِمْسَاكُ. وَكَمُلَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ اُسْتُحِبَّ الْإِمْسَاكُ فَقَطْ. قَوْلَهُ: [وَالْمَعْذُورُ مَنْ أَفْطَرَ] : مُرَادُهُ بَيَانُ أَنَّ الْمَعْذُورَ: هُوَ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ ضِدُّهُ. وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا الْمَجْنُونُ وَالْمُكْرَهُ، فَإِنَّ

[كفارة الإفطار في رمضان]

لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جُنُونٍ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ. وَلَمَّا دَخَلَ فِي الْمَعْذُورِ الْمُكْرَهُ - مَعَ أَنَّهُ إذَا زَالَ عُذْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ - أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ: " بِلَا إكْرَاهٍ " أَيْ مَعْذُورٌ بِغَيْرِ إكْرَاهٍ. فَقَوْلُهُ: " بِلَا إكْرَاهٍ " نَعْتُ مَعْذُورٍ. إنْ أَفْطَرَ (بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ) وَقْتُهُ (كَرَمَضَانَ، وَالنَّذْرُ) الْمُعَيَّنُ، وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ (مُطْلَقًا) : أَفْطَرَ عَمْدًا أَمْ لَا. (أَوْ) لَمْ يَتَعَيَّنْ وَقْتُهُ، وَلَكِنْ (وَجَبَ تَتَابُعُهُ) كَكَفَّارَةِ رَمَضَانَ وَالْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، (وَلَمْ يَتَعَمَّدْ) الْفِطْرَ. فَإِنْ أَفْطَرَ غَلَبَةً أَوْ نَاسِيًا فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْعَمْدِ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ. فَإِنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ لِفَسَادِ جَمِيعِ صَوْمِهِ الَّذِي فَعَلَهُ وَلَوْ آخِرَ يَوْمٍ مِنْهُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي إمْسَاكِهِ حِينَئِذٍ. وَكَذَا لَوْ أَفْطَرَ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إمْسَاكٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ إذْ هُوَ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَلَا يُؤَدِّي إفْطَارُهُ لِفَسَادِ شَيْءٍ. نَعَمْ يُنْدَبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: (فِي غَيْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ) إذْ مَعْنَاهُ: يَجِبُ الْإِمْسَاكُ فِي الْمُتَتَابِعِ إذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ غَلَبَةً فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فِيهِ لَمْ يَجِبْ الْإِمْسَاكُ. (كَتَطَوُّعٍ) : تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ بِلَا تَعَمُّدٍ. فَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يَجِبْ الْإِمْسَاكُ عَلَى التَّحْقِيقِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ. وَفُهِمَ مِنْهُ: أَنَّ الْفَرْضَ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَلَمْ يَجِبْ تَتَابُعُهُ - كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالنَّذْرِ الْمَضْمُونِ، وَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةِ الْأَذَى - لَا يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْإِمْسَاكِ وَعَدَمِهِ. وَمَسْأَلَةُ الْإِمْسَاكِ مِمَّا زِدْنَاهُ عَلَى الْمُصَنِّفِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْكَفَّارَةِ وَأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِرَمَضَانَ فَقَالَ: (وَالْكَفَّارَةُ) وَاجِبَةٌ (بِرَمَضَانَ) أَيْ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ (فَقَطْ) دُونَ غَيْرِهِ (إنْ أَفْطَرَ) فِيهِ. (مُنْتَهِكًا لِحُرْمَتِهِ) أَيْ غَيْرَ مُبَالٍ بِهَا بِأَنْ تَعَمَّدَهَا اخْتِيَارًا بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَلَهُمَا لَا يُوصَفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا عَدَمِهَا كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: [أَفْطَرَ عَمْدًا أَمْ لَا] : صَادِقٌ بِالْفِطْرِ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ إكْرَاهًا. [كَفَّارَة الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَان] قَوْلُهُ: [بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ] : أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلٌ أَصْلًا أَوْ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ

احْتِرَازًا مِنْ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَالْمُتَأَوِّلِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ كَمَا يَأْتِي. (بِجِمَاعٍ) أَيْ إدْخَالِ حَشَفَتِهِ فِي فَرْجِ مُطِيقٍ وَلَوْ بَهِيمَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَتَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إنْ بَلَغَتْ. (وَإِخْرَاجِ مَنِيٍّ) بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، (وَإِنْ بِإِدَامَةِ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ) إنْ كَانَ عَادَتُهُ الْإِنْزَالَ مِنْ اسْتِدَامَتِهِمَا وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (إلَّا أَنْ) يَكُونَ عَادَتُهُ عَدَمَ الْإِنْزَالِ مِنْ اسْتِدَامَتِهِمَا وَ (يُخَالِفَ عَادَتَهُ) فَيُنْزِلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا يَأْتِي، ثُمَّ إنَّ الِانْتِهَاكَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ، فَمَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مُنْتَهِكًا لِلْحُرْمَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ فَلَا كَفَّارَةَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجَرَاءَةِ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَعَمَّدَ الْأَكْلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ أَكْلَهُ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تُفْطِرُ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ يَظْهَرُ حَيْضُهَا قَبْلَ فِطْرِهَا وَهَكَذَا. قَوْلُهُ: [وَالْجَاهِلُ] : حَاصِلُهُ أَنَّ أَقْسَامَ الْجَاهِلِ ثَلَاثَةٌ: جَاهِلٌ حُرْمَةِ الْوَطْءِ مَثَلًا، وَجَاهِلُ رَمَضَانَ، وَجَاهِلُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرْمَةِ الْفِعْلِ. فَالْأَوَّلَانِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا، وَالْأَخِيرُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ شُرُوطَ الْكَفَّارَةِ لِلْمُكَلَّفِ خَمْسَةٌ كَمَا فِي الْأَصْلِ: أَوَّلُهَا: الْعَمْدُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ. الثَّانِي: الِاخْتِيَارُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مُكْرَهٍ أَوْ مَنْ أَفْطَرَ غَلَبَةً. الثَّالِثُ: الِانْتِهَاكُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مُتَأَوِّلٍ تَأْوِيلًا قَرِيبًا. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ، فَجَاهِلُهَا - كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ - ظَنَّ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَحْرُمُ مَعَهُ الْجِمَاعُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ لَا فِي قَضَائِهِ وَلَا فِي كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (اهـ.) وَيُزَادُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ: أَنْ يَكُونَ بِالْفَمِ فَقَطْ، وَأَنْ يَصِلَ لِلْمَعِدَةِ. وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاذِرِ الدَّهْرِ إنْ أَفْطَرَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ: إنَّ نَاذِرَ الدَّهْرِ يُكَفِّرُ عَنْ فِطْرِهِ عَمْدًا، وَعَلَيْهِ فَقِيلَ: كَفَّارَةٌ صُغْرَى، وَقِيلَ: كُبْرَى. وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ تَعَيُّنُ غَيْرِ الصَّوْمِ، فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى نَاذِرِ الدَّهْرِ كَفَّارَةٌ لِرَمَضَانَ. وَعَجَزَ عَنْ غَيْرِ الصَّوْمِ. رَفَعَ لَهَا نِيَّةَ النَّذْرِ كَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ رَمَضَانَ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَاذِرَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ مَثَلًا إذَا أَفْطَرَ عَامِدًا يَقْضِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَطْ. وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَجْرَى فِيهِ (ح) الْخِلَافَ السَّابِقَ

بَعْدَ اسْتِدَامَتِهِمَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا. وَمَفْهُومُ " إدَامَةِ " أَنَّهُ لَوْ أَمْنَى بِمُجَرَّدِ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ فِيهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. (أَوْ) أَفْطَرَ بِسَبَبِ (رَفْعِ نِيَّةٍ) لِصَوْمِهِ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا، وَيَسْتَمِرُّ نَاوِيًا عَدَمَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ إبْطَالِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَثْنَاءِ مُعْتَبَرَةٌ بِخِلَافِ رَفْضِهِمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَقِيلَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا] : اعْلَمْ أَنَّ فِي مُقَدَّمَاتِ الْجِمَاعِ الْمَكْرُوهَةِ إذَا أَنْزَلَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَيَانِ. الْأَوَّلُ: لَمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا. وَالثَّانِي: لِأَشْهَبَ الْقَضَاءُ فَقَطْ إلَّا أَنْ يُتَابِعَ. وَالثَّالِثُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ عَنْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ غَيْرِ مُسْتَدَامَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تِلْكَ الْعِبَارَةُ. فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَشَارِحُنَا غَيْرُ مُوَافِقٍ لِطَرِيقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ وَإِنَّمَا هِيَ طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ كَذَلِكَ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: [رَفْعِ نِيَّةٍ لِصَوْمِهِ نَهَارًا] : بِأَنْ قَالَ فِي النَّهَارِ وَهُوَ صَائِمٌ: رَفَعْت نِيَّةَ صَوْمِي أَوْ رَفَعْت نِيَّتِي عَلَيْهِ، أَمَّا مَنْ عَزَمَ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ ثُمَّ تَرَكَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ رَفْعًا لِلنِّيَّةِ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ مُسَافِرٍ صَامَ فِي رَمَضَانَ فَعَطِشَ فَقُرِّبَتْ لَهُ سُفْرَتُهُ لِيُفْطِرَ وَأَهْوَى بِيَدِهِ لِيَشْرَبَ فَقِيلَ لَهُ لَا مَاءَ مَعَك فَكَفَّ، فَقَالَ: أُحِبُّ لَهُ الْقَضَاءَ، وَصَوَّبَ اللَّخْمِيُّ سُقُوطَهُ، وَقَالَ: إنَّهُ غَالِبُ الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَعْنَى رَفْعِ النِّيَّةِ: الْفِطْرُ بِالنِّيَّةِ لَا نِيَّةُ الْفِطْرِ، فَلَا يَضُرُّ إذَا لَمْ يُفْطِرْ بِالْفِعْلِ كَمَا فِي (ر) ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي غَيْرِهِ: إنَّمَا يَضُرُّ الرَّفْضُ الْمُطْلَقُ، أَمَّا الْمُقَيِّدُ بِأَكْلِ شَيْءٍ فَلَمْ يُوجَدْ فَلَا. وَمِنْهُ مَنْ نَوَى الْحَدَثَ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ فَلَمْ يُحْدِثْ؛ لَيْسَ رَافِضًا. وَانْظُرْ: لَوْ نَوَى أَنْ يَأْكُلَ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا فَلَمْ يَفْعَلْ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ ظَنَّ الْغُرُوبَ خَطَأً: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ الرَّفْضُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى عَلَى رِزْقِك أُفْطِرُ عَلَى حَدِّ: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدُ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ رَفْضِهِمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا] : أَيْ فَلَا يَضُرُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ

وَبِخِلَافِ رَفْضِ الْحَجِّ الْعُمْرَةِ مُطْلَقًا. (أَوْ) أَفْطَرَ بِسَبَبِ (إيصَالِ مُفْطِرٍ) مِنْ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِمَعِدَةٍ مِنْ فَمٍ فَقَطْ) : رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، أَوْ مُفْطِرٍ - لَا غَيْرِهِ - كَبَلْغَمٍ لِمَعِدَةٍ فَقَطْ لَا لِحَلْقٍ، وَإِنْ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْمَائِعِ. وَقِيلَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَيْضًا مِنْ (فَمٍ فَقَطْ) لَا مِنْ غَيْرِهِ كَأَنْفٍ أَوْ دُبُرٍ لِأَنَّهَا مُعَلَّلَةٌ بِالِانْتِهَاكِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْعَمْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ الِانْتِهَاكِ بِقَوْلِهِ: (لَا) إنْ أَفْطَرَ (بِنِسْيَانٍ) لِكَوْنِهِ صَائِمًا. أَوْ (جَهِلَ) لِرَمَضَانَ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ شَعْبَانُ، أَوْ مِنْهُ كَيَوْمِ الشَّكِّ، أَوْ جَهِلَ حُرْمَةَ الْفِطْرِ بِرَمَضَانَ لِقُرْبِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَأَمَّا جَهْلُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرْمَةِ الْفِطْرِ فَلَا يَنْفَعُهُ. (أَوْ غَلَبَةٍ) بِأَنْ سَبَقَهُ الْمَاءُ مَثَلًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَنَاوُلِ الْمُفْطِرِ فَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ الِانْتِهَاكِ. وَاسْتَثْنَى مِنْ الْغَلَبَةِ مَسْأَلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا إذَا تَعَمَّدَ قَيْئًا) : أَيْ إخْرَاجَهُ فَابْتَلَعَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَوْ غَلَبَةً فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ (أَوْ) إلَّا إذَا تَعَمَّدَ (اسْتِيَاكًا بِجَوْزَاءَ نَهَارًا) وَابْتَلَعَهَا وَلَوْ غَلَبَةً؛ فَالْكَفَّارَةُ. بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَلَعَهَا نِسْيَانًا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلَيْنِ مُرَجَّحَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَبِخِلَافِ رَفْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ] : أَيْ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّهُمَا عَمَلٌ مَالِيٌّ وَبَدَنِيٌّ فَرَفْضُهُمَا حَرَجٌ فِي الدِّينِ وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . قَوْلُهُ: [الَّذِي هُوَ أَخُصُّ مِنْ الْعَمْدِ] : أَيْ لِأَنَّ الْعَمْدَ مَوْجُودٌ فِي الْوَاصِلِ مِنْ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَلَيْسَ هُنَاكَ انْتِهَاكٌ؛ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِانْتِهَاكَ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِالْحُرْمَةِ وَهُوَ مُتَأَتٍّ مِنْ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ، وَلِذَا عَلَّلَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ هَذَا لَا تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النُّفُوسُ، وَأَصْلُ الْكَفَّارَةِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِزَجْرِ النَّفْسِ عَمَّا تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَلَبَةً فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ] : مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ الْعَمْدِ، فَالتَّكْفِيرُ فِي صُورَتَيْنِ: الْعَمْدُ وَالْغَلَبَةُ، لَا إنْ ابْتَلَعَهُ نَاسِيًا. قَوْلُهُ: [اسْتِيَاكًا بِجَوْزَاءَ] : أَيْ وَصَلَ لِلْجَوْفِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَعَمُّدِ الِاسْتِيَاكِ بِهَا.

فَالْقَضَاءُ فَقَطْ، وَالْجَوْزَاءُ قِشْرٌ يُتَّخَذُ مِنْ أُصُولِ شَجَرِ الْجَوْزِ يَسْتَعْمِلُهُ بَعْضُ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ. (وَلَا) إنْ أَفْطَرَ (بِتَأْوِيلٍ قَرِيبٍ) فَلَا كَفَّارَةَ، وَالتَّأْوِيلُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ لِمُوجِبٍ، وَقَرِيبُهُ مَا ظَهَرَ مُوجِبُهُ، وَبَعِيدُهُ مَا خَفِيَ مُوجِبُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الظَّنُّ، أَيْ ظَنُّ إبَاحَةِ الْفِطْرِ، وَقَرِيبُهُ مَا اسْتَنَدَ إلَى أَمْرٍ مُحَقَّقٍ مَوْجُودٍ، وَبَعِيدُهُ: مَا اسْتَنَدَ إلَى أَمْرٍ مَوْهُومٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ. وَمَثَّلَ لِلْقَرِيبِ بِقَوْلِهِ: (كَمَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا) : فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ لِفَسَادِ صَوْمِهِ فَأَفْطَرَ، وَقَوْلُهُ: (عَلَى الْأَظْهَرِ) رَاجِعٌ لِلْمُكْرَهِ؛ فَلَا كَفَّارَةَ. لِأَنَّ ظَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى فِطْرِهِ أَوَّلًا، نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا. (أَوْ) كَمَنْ (قَدِمَ) مِنْ سَفَرِهِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) فَظَنَّ إبَاحَةَ فِطْرِهِ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَفْطَرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحَاصِلُ الْفِقْهِ: أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ الِاسْتِيَاكَ بِهَا نَهَارًا كَفَّرَ فِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا: إذْ ابْتَلَعَهَا عَمْدًا أَوْ غَلَبَةً لَا نِسْيَانًا وَإِنْ اسْتَاك بِهَا نَهَارًا نِسْيَانًا وَوَصَلَ شَيْءٌ مِنْهَا لِلْجَوْفِ فَلَا يُكَفِّرُ إلَّا إذَا ابْتَلَعَهَا عَمْدًا - لَا غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا - فَالْقَضَاءُ فَقَطْ، وَمِثْلُهُ إذَا تَعَمَّدَ الِاسْتِيَاكَ بِهَا لَيْلًا، وَهَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ فِي الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (عب) قَالَ (بْن) : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا التَّوْضِيحُ إلَّا عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ وَهُوَ قَيَّدَهَا بِالِاسْتِعْمَالِ نَهَارًا لَا لَيْلًا، وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ فَقَطْ، وَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَالْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَلِذَلِكَ شَارِحُنَا قَيَّدَ بِالنَّهَارِ وَقَدْ اسْتَظْهَرَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ ظَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى فِطْرِهِ أَوَّلًا نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا] : أَيْ فَالنِّسْيَانُ أَوْ الْإِكْرَاهُ شُبْهَةٌ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، فَقَدْ اسْتَنَدَ لِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ وَقَدْ صُرِفَ اللَّفْظُ عَنْ ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ أَصْلَ مَعْنَى اللَّفْظِ رَفْعُ إثْمِ الْجَرَاءَةِ، وَجَوَازُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ] : أَيْ فَقَدْ اسْتَنَدَ إلَى أَمْرٍ مَوْجُودٍ وَهُوَ

(أَوْ سَافَرَ دُونَ) مَسَافَةِ (الْقَصْرِ) فَظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ. (أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا) يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَظَنَّ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ فَأَفْطَرَ. (أَوْ) أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ لَيْلًا فَأَصْبَحَ جُنُبًا (لَمْ يَغْتَسِلْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ) فَظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ. (أَوْ احْتَجَمَ) نَهَارًا فَظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ. (أَوْ ثَبَتَ رَمَضَانُ) يَوْمَ الشَّكِّ (نَهَارًا) فَظَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَهَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ مَنْ سَافَرَ دُونَ الْقَصْرِ أَيْضًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلًّا صَرَفَ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا] : وَشُبْهَتُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» . قَوْلُهُ: [فَأَصْبَحَ جُنُبًا] : وَشُبْهَتُهُ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَسَادُ الصَّوْمِ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [أَوْ احْتَجَمَ نَهَارًا] إلَخْ: مُسْتَنِدًا لِحَدِيثِ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ ". قَوْلُهُ: [فَظَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ] : وَشُبْهَتُهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ لَيْلًا،

فَقَوْلُهُ: (فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ) : أَيْ إبَاحَةُ الْفِطْرِ (فَأَفْطَرُوا) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، فَإِنْ عَلِمُوا الْحُرْمَةَ أَوْ شَكُّوا فِيهَا فَالْكَفَّارَةُ. (بِخِلَافِ) التَّأْوِيلِ (الْبَعِيدِ) فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ (كِرَاءٍ) لِهِلَالِ رَمَضَانَ، (لَمْ يُقْبَلْ) عِنْدَ الْحَاكِمِ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ، فَظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ. (أَوْ) أَفْطَرَ (لِحُمَّى أَوْ لِحَيْضٍ) ظَنَّ أَنَّهَا تَقَعُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَعَجَّلَ الْفِطْرَ قَبْلَ الْحُصُولِ فَالْكَفَّارَةُ (وَلَوْ حَصَلَا) . (أَوْ) أَفْطَرَ (لِغِيبَةٍ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ صَدَرَتْ مِنْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَظَنَّ الْفِطْرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفَوَاتُ مَحَلِّ النِّيَّةِ فَهُوَ أَقْوَى شُبْهَةً مِمَّنْ أَفْطَرَ نِسْيَانًا. قَوْلُهُ: [فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ] : أَيْ هَؤُلَاءِ الثَّمَانِيَةُ وَالْعَدَدُ لَيْسَ بِحَاصِرٍ، بَلْ يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ ذِي شُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ فِطْرُ مَنْ لَمْ يُكَذِّبْ الْعَدْلَيْنِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِهِ، وَمَنْ تَسَحَّرَ بِلَصْقِ الْفَجْرِ فَظَنَّ بُطْلَانَ الصَّوْمِ فَأَفْطَرَ. قَوْلُهُ: [أَوْ شَكُّوا فِيهَا] : إنَّمَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مَعَ الشَّكِّ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ. قَوْلُهُ: [كِرَاءٍ] : إنَّمَا كَانَ تَأْوِيلُهُ بَعِيدًا لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَهُمَا قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ لَهُ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. قَوْلُهُ: [فَالْكَفَّارَةُ وَلَوْ حَصَلَا] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا، وَرَآهُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَفْطَرَ لِغِيبَةٍ] : وَإِنَّمَا لَمْ تَكُنْ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ مِنْ الشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ فَيَكُونُ تَأْوِيلًا قَرِيبًا لِبُعْدِ حَمْلِ الْأَكْلِ فِي الْآيَةِ، وَالْفِطْرِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ.

(أَوْ) أَفْطَرَ (لِعَزْمٍ عَلَى سَفَرٍ) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَلَمْ يُسَافِرْ) فِيهِ فَالْكَفَّارَةُ (وَإِلَّا) بِأَنْ سَافَرَ فِيهِ (فَقَرِيبٌ) فَلَا كَفَّارَةَ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَسْأَلَةِ السَّفَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَهِيَ) : أَيْ الْكَفَّارَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ عَلَى التَّخْيِيرِ: إمَّا (إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ، (لِكُلٍّ مُدٌّ) بِمُدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ. (أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) بِالْهِلَالِ إنْ ابْتَدَأَهَا أَوَّلَ شَهْرٍ، فَإِنْ ابْتَدَأَهَا أَثْنَاءَ شَهْرٍ صَامَ الَّذِي بَعْدَهُ بِالْهِلَالِ كَامِلًا أَوْ نَاقِصًا، وَكَمَّلَ الْأَوَّلَ مِنْ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَإِنْ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ عَمْدًا بَطَلَ جَمِيعُ مَا صَامَهُ وَاسْتَأْنَفَهُ. (أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فِيهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ (مُؤْمِنَةٍ) فَلَا تُجْزِئُ كَافِرَةٌ، (سَالِمَةٍ مِنْ الْعَيْبِ) كَالظِّهَارِ فَلَا تُجْزِئُ عَوْرَاءُ وَلَا بَكْمَاءُ وَلَا شَلَّاءُ وَلَا نَحْوُ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَقَرِيبٌ] : أَيْ الِاسْتِنَادَةُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [إمَّا إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا] : مُرَادُهُ التَّمْلِيكُ سَوَاءٌ أَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ. قَوْلُهُ: [الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ] : أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ لَنَا مِنْ أَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا. قَوْلُهُ: [لِكُلٍّ مُدٌّ] : أَيْ وَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَتَعَدَّدَتْ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ لَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ حَصَلَ الْمُوجِبُ الثَّانِي بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، أَوْ كَانَ الْمُوجِبُ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْأَفْضَلُ] : أَيْ وَلَوْ لِلْخَلِيفَةِ خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مِنْ تَكْفِيرِهِ بِالصَّوْمِ بِحَضْرَةِ الْعُلَمَاءِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ فَيَعُودَ ثَانِيًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِطْعَامُ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ نَفْعًا لِتَعَدِّيهِ لِأَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِتْقَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ لِلْغَيْرِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ عَمْدًا] : أَيْ لَا غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا فَلَا يَبْطُلُ مَا صَامَهُ بَلْ يَبْنِي. قَوْلُهُ: [كَالظِّهَارِ] : أَحَالَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِشُهْرَتِهِ فِي الْمَذْهَبِ.

التَّخْيِيرُ بَيِّنٌ فِي الْحُرِّ الرَّشِيدِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ بِالْإِطْعَامِ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَيَأْمُرُهُ وَلِيُّهُ بِالصَّوْمِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ كَفَّرَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِأَدْنَى النَّوْعَيْنِ. (وَكَفَّرَ) السَّيِّدُ (عَنْ أَمَتِهِ إنْ وَطِئَهَا) وَلَوْ أَطَاعَتْهُ. (وَ) كَفَّرَ الرَّجُلُ (عَنْ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ أَمَتِهِ كَزَوْجَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ زَنَى بِهَا (إنْ أَكْرَهَهَا لِنَفْسِهِ) ، لَا إنْ أَطَاعَتْهُ وَلَا إنْ أَكْرَهَهَا لِغَيْرِهِ، فَعَلَيْهَا إنْ طَاوَعَتْ لَا إنْ أُكْرِهَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالتَّخْيِيرُ بَيِّنٌ] : أَيْ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَأَوْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِلتَّخْيِيرِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ أَنْوَاعَ الْكَفَّارَاتِ بِقَوْلِهِ: ظِهَارًا وَقَتْلًا رَتَّبُوا وَتَمَتُّعًا ... كَمَا خَيَّرُوا فِي الصَّوْمِ وَالصَّيْدِ وَالْأَذَى وَفِي حَلِفٍ بِاَللَّهِ خَيِّرْ وَرَتِّبْنَ ... فَدُونَك سَبْعًا إنْ حَفِظْت فَحَبَّذَا قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ بِالْإِطْعَامِ] : أَيْ فَيُجْزِئُهُ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَلَا يُجْزِئُهُ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ. قَوْلُهُ: [بِأَدْنَى النَّوْعَيْنِ] : الْمُرَادُ كَفَّرَ عَنْهُ بِأَقَلِّهِمَا قِيمَةً، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّقِيقِ أَقَلَّ كَفَّرَ عَنْهُ بِالْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الطَّعَامِ أَقَلَّ كَفَّرَ عَنْهُ بِالْإِطْعَامِ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ يُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُمَا فِي ذِمَّتِهِ إنْ أَبَى الصَّوْمَ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا أَبْيَنُ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُجْبِرُهُ عَلَى الصَّوْمِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَطَاعَتْهُ] : أَيْ لِأَنَّ طَوْعَهَا إكْرَاهٌ وَهَذَا مَا لَمْ تَطْلُبْهُ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ فَتَلْزَمَهَا وَتَصُومَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِي الْإِطْعَامِ. قَوْلُهُ: [إنْ أَكْرَهَهَا لِنَفْسِهِ] : وَالْإِكْرَاهُ يَكُونُ بِخَوْفٍ مُؤْلِمٍ كَضَرْبٍ فَأَعْلَى كَإِكْرَاهِ الطَّلَاقِ فَقَدْ ذُكِرَ (ر) أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الْعِبَادَاتِ يَكُونُ بِمَا ذُكِرَ، كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) ، وَمَحَلُّ تَكْفِيرِهِ عَنْهَا إنْ كَانَتْ بَالِغَةً مُسْلِمَةً عَاقِلَةً وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: [فَعَلَيْهَا إنْ طَاوَعَتْ لَا إنْ أُكْرِهَتْ] : لَعَلَّ صَوَابَهُ فَعَلَيْهِ إنْ طَاوَعَ لَا إنْ أُكْرِهَ أَيْ فَكَفَّارَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي أُكْرِهَتْ لَهُ إنْ طَاوَعَ هُوَ بِالْجِمَاعِ، لَا إنْ أُكْرِهَ أَيْضًا، فَكَفَّارَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُكْرِهِ لَهَا وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَكْرَهَ الرَّجُلَ نَظَرًا لِانْتِشَارِهِ، وَلَا عَلَى الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ نَظَرًا لِلْإِكْرَاهِ، وَفِي (بْن) عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَى مُكْرَهٍ عَلَى أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ امْرَأَةٍ عَلَى وَطْءٍ. فَانْظُرْ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.

[أمور تجوز للصائم]

(نِيَابَةً) عَنْهُمَا فَيَكُونُ التَّكْفِيرُ عَنْهُمَا (بِلَا صَوْمٍ) ، إذْ الصَّوْمُ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، (وَبِلَا عِتْقٍ فِي الْأَمَةِ) الْمَوْطُوءَةِ إذْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا الْعِتْقُ حَتَّى يَنُوبَ عَنْهَا فِيهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ فِيهَا، وَجَازَ الْعِتْقُ عَنْ الْحُرَّةِ كَالْإِطْعَامِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا لَا قَضَاءَ فِيهِ مِمَّا قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْقَضَاءُ، فَقَالَ: (وَلَا قَضَاءَ بِخُرُوجِ قَيْءٍ غَلَبَهُ) إذَا لَمْ يَزْدَرِدْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَ، بِخِلَافِ خُرُوجِهِ بِاخْتِيَارِهِ فَيَقْضِي كَمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ غَالِبِ ذُبَابٍ) : عَطْفٌ عَلَى خُرُوجِ، (أَوْ) غَالِبِ (غُبَارِ طَرِيقٍ، أَوْ) غَالِبِ (كَدَقِيقٍ) نَحْوِ جِبْسٍ لِصَانِعِهِ، (أَوْ) غُبَارِ (كَيْلٍ لِصَانِعِهِ) مِنْ طَحَّانٍ وَنَاخِلٍ وَمُغَرْبِلٍ وَحَامِلٍ - بِخِلَافِ غَيْرِ الصَّانِعِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ - وَمِنْ الصَّانِعِ مَنْ يَتَوَلَّى أُمُورَ نَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَوْ مِنْ حَفْرِ أَرْضٍ لِحَاجَةٍ كَقَبْرٍ أَوْ نَقْلِ تُرَابٍ لِغَرَضٍ. (أَوْ) فِي (حُقْنَةٍ مِنْ إحْلِيلٍ) أَيْ ثُقْبِ الذَّكَرِ وَلَوْ بِمَائِعٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ عَادَةً ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إذْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا الْعِتْقُ] : أَيْ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُحَرِّرُ غَيْرَهُ. تَنْبِيهٌ: إنْ أَكْرَهَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ فَجِنَايَةٌ وَلَيْسَ لَهَا حِينَئِذٍ أَنْ تُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ، وَتَأْخُذَهُ وَأَيْضًا إنَّمَا تُكَفِّرُ نِيَابَةً عَنْ الْعَبْدِ فِي الْكَفَّارَةِ وَهُوَ لَا يُكَفِّرُ عَنْهَا بِالصَّوْمِ، فَإِنْ أَكْرَهَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ حَتَّى أَنْزَلَتْ فَفِي تَكْفِيرِهِ عَنْهَا قَوْلَانِ. [أُمُور تَجُوزُ لِلصَّائِمِ] قَوْلُهُ: [بِخُرُوجِ قَيْءٍ] : وَأَوْلَى الْقَلْسُ. قَوْلُهُ: [فَيَقْضِي كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَزْدَرِدْ مِنْهُ شَيْئًا عَمْدًا أَوْ غَلَبَةً. قَوْلُهُ: [لِصَانِعِهِ] : رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ، وَاغْتُفِرَ لِلصَّانِعِ لِلضَّرُورَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُغْتَفَرُ. وَأَمَّا غَيْرُ الصَّانِعِ فَلَا يُغْتَفَرُ اتِّفَاقًا إنْ تَعَرَّضَ لَهُ. قَوْلُهُ: [مِنْ إحْلِيلٍ] : أَيْ وَأَمَّا مِنْ الدُّبُرِ أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَتُوجِبُ الْقَضَاءَ إذَا كَانَتْ بِمَائِعٍ هَكَذَا قَالَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، وَاعْتَرَضَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ: بِأَنَّ فَرْجَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِالْجَوْفِ فَلَا يَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَيْهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ كَرِهَ مَالِكٌ الْحُقْنَةَ لِلصَّائِمِ، فَإِنْ احْتَقَنَ فِي فَرْجٍ بِشَيْءٍ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ، فَالْقَضَاءُ وَلَا يُكَفِّرُ، وَفِي (ح) عَنْ

لِلْمَعِدَةِ (أَوْ) فِي (دُهْنِ جَائِفَةٍ) وَهِيَ الْجُرْحُ فِي الْبَطْنِ أَوْ الْجَنْبِ الْوَاصِلُ لِلْجَوْفِ يُوضَعُ عَلَيْهِ الدُّهْنُ لِلدَّوَاءِ، وَهُوَ لَا يَصِلُ لَمَحِلِّ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَإِلَّا لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ. (أَوْ) فِي (نَزْعِ مَأْكُولٍ) ، أَوْ مَشْرُوبٍ، (أَوْ) نَزْعِ (فَرْجٍ طُلُوعَ الْفَجْرِ) أَيْ مَبْدَأَ طُلُوعِهِ فَلَا قَضَاءَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نَزْعَ الذَّكَرِ لَا يُعَدُّ وَطْئًا، وَإِلَّا كَانَ وَاطِئًا نَهَارًا. (فَإِنْ ظَنَّ) هَذَا النَّازِعُ (الْإِبَاحَةَ) أَيْ إبَاحَةَ الْفِطْرِ (فَأَفْطَرَ) : أَيْ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا (فَتَأْوِيلٌ قَرِيبٌ) لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ فِيهِ لِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أُمُورٍ تَجُوزُ لِلصَّائِمِ وَأَرَادَ بِالْجَوَازِ: الْإِذْنَ الْمُقَابِلَ لِلْمَنْعِ، فَيَشْمَلُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ، وَمَا هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَمَا هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَالَ: (وَجَازَ) لِلصَّائِمِ (سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQالنِّهَايَةِ: أَنَّ الْإِحْلِيلَ يَقَعُ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ (اهـ. بْن - نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ شَارِحِنَا: " أَيْ ثُقْبَةِ الذَّكَرِ " لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهُ فَرْجُ الْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ: [بِنَاءً عَلَى أَنَّ نَزْعَ الذَّكَرِ] إلَخْ: وَنَصَّ ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ يُجَامِعُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ اسْتَدَامَ. فَإِنْ نَزَعَ - أَيْ فِي حَالِ الطُّلُوعِ - فَفِي إثْبَاتِ الْقَضَاءِ وَنَفْيِهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ الْقَاسِمِ، سَبَبُهُ أَنَّ النَّزْعَ هَلْ يُعَدُّ جِمَاعًا أَمْ لَا. 1 - قَوْلُهُ: [فَيَشْمَلُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ] : أَيْ لِأَنَّ مَا يَأْتِي مُتَنَوِّعٌ إلَى مُسْتَوِي

خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْمُقْتَضَى الشَّرْعِيِّ كَالْوُضُوءِ. (وَمَضْمَضَةٌ لِعَطَشٍ) أَوْ حَرٍّ. (وَإِصْبَاحٌ بِجَنَابَةٍ) : بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى. ـــــــــــــــــــــــــــــQالطَّرَفَيْنِ، وَمَنْدُوبٌ وَمَكْرُوهٌ وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَسَيَظْهَرُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُكْرَهُ] إلَخْ: وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» ، وَالْخُلُوفُ بِالضَّمِّ: مَا يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فِي الْفَمِ، وَشَأْنُ ذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِذَا اسْتَاك زَالَ ذَلِكَ الْمُسْتَطَابُ عِنْدَ اللَّهِ، فَلِذَا كَانَ مَكْرُوهًا، وَحُجَّتُنَا أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ مَدْحِ الصَّوْمِ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ حَقِيقَةُ الْخُلُوفِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ كَثِيرُ الرَّمَادِ أَيْ كَرِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدُ رَمَادٌ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: خَيْرٌ مِمَّا قِيلَ إنَّ السِّوَاكَ لَا يُزِيلُ الْخُلُوفَ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعِدَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: وَإِنْ لَمْ يُزِلْهُ يُضْعِفْهُ وَالْمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ رَائِحَتِهِ. لَكِنْ فِي الصَّحِيحِ مَا يُقَوِّي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، مِنْ «أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَوَجَدَ خُلُوفًا فَاسْتَاكَ مِنْهُ، فَأُمِرَ بِالْعَشْرِ كَفَّارَةً» لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] قَالُوا: سَبَبُ الْعَشْرِ الِاسْتِيَاكُ. وَأَجَابَ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ: وَلَعَلَّهُ لِمَعْنًى يَخُصُّهُ، أَوْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي شَرِيعَتِنَا بِعُمُومِ أَحَادِيثِ السِّوَاكِ، فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّيْسِيرِ بِخِلَافِ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ. قَوْلُهُ: [وَمَضْمَضَةٌ لِعَطَشٍ] : أَيْ فَهُوَ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، أَوْ مَطْلُوبٌ إنْ تَوَقَّفَ زَوَالُ الْعَطَشِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ فَمَكْرُوهَةٌ. قَوْلُهُ: [بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى] : أَيْ إذَا تَقَصَّدَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.

(وَ) جَازَ (فِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ) بِمَعْنَى يُكْرَهُ. (أُبِيحَ) مُرَادُهُ بِالْمُبَاحِ: مَا قَابَلَ الْمَمْنُوعَ؛ كَالسَّفَرِ لِقَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ لِسَرِقَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ. وَمَحَلُّ الْجَوَازِ: (إنْ بَيَّتَهُ) أَيْ الْفِطْرَ (فِيهِ) أَيْ فِي السَّفَرِ أَيْ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْهُ بَلْ (وَإِنْ بِأَوَّلِ يَوْمٍ) ، أَيْ وَإِنْ كَانَ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ سَفَرِهِ، بِأَنْ وَصَلَ لَمَحَلِّ بَدْءِ قَصْرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْفَجْرِ كَأَنْ يُعَدِّيَ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ قَبْلَهُ، فَيَنْوِيَ الْفِطْرَ حِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: (إنْ شَرَعَ) فِي سَفَرِهِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا مِمَّا قَبْلَهُ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ، لِأَنَّهُ إذَا بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ لَزِمَ أَنَّهُ شَرَعَ فِي سَفَرِهِ الَّذِي أَوَّلُهُ مَحَلُّ قَصْرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْفَجْرِ. فَعُلِمَ أَنَّ لِجَوَازِ الْفِطْرِ بِرَمَضَانَ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ سَفَرَ قَصْرٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَأَنْ يَشْرَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ إذَا كَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ، وَأَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ. فَإِنْ تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ جَازَ الْفِطْرُ (وَإِلَّا) - بِأَنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْهَا - (فَلَا) يَجُوزُ. وَيَبْقَى الْكَلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهَا إذَا أَفْطَرَ فِيهِ؛ فَبَيَّنَ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ بِقَوْلِهِ: (وَكَفَّرَ إنْ بَيَّتَهُ) أَيْ الْفِطْرَ (بِحَضَرٍ) بِأَنْ نَوَاهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ. (وَلَمْ يَشْرَعْ) فِي السَّفَرِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) ، بَلْ بَعْدَهُ وَأَوْلَى إذَا لَمْ يُسَافِرْ أَصْلًا، وَلَا يُعْذَرُ بِتَأْوِيلٍ لِأَنَّهُ حَاضِرٌ بَيَّتَ الْفِطْرَ، فَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِأَنْ عَدَّى الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ] : مِنْهَا مَا يَعُمُّ يَوْمَ السَّفَرِ وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ " بِسَفَرِ قَصْرٍ أُبِيحَ "، وَقَوْلُهُ " أَنْ يُبَيِّتَهُ فِيهِ "، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ يَوْمَ السَّفَرِ دُونَ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ " إنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ "، وَيُؤْخَذُ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ الْمُسَافِرِ الْفِطْرُ، وَلَوْ أَقَامَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بِمَحَلٍّ، مَا لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ كَقَصْرِ الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. 1 - قَوْلُهُ: [فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ] : أَيْ إجْمَالًا وَتَحْتَ كُلٍّ صُوَرٌ. قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى إذَا لَمْ يُسَافِرْ أَصْلًا] : يُشِيرُ إلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَ صُوَرٍ وَهِيَ: سَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ، أَوْ لَمْ يُسَافِرْ أَصْلًا، تَأَوَّلَ، أَمْ لَا.

قَبْلَهُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: (أَوْ) بَيَّتَ (الصَّوْمَ بِسَفَرٍ) بِأَنْ نَوَى الصَّوْمَ وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ نَاوِيهِ، سَوَاءٌ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ أَوْ فِي غَيْرِهِ - ثُمَّ أَفْطَرَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ. وَلَا يُعْذَرُ بِتَأْوِيلٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ فَاخْتَارَ الصَّوْمَ ثُمَّ أَفْطَرَ، كَانَ مُنْتَهِكًا مُتَلَاعِبًا بِالدِّينِ. وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: " إنْ بَيَّتَهُ فِيهِ ". وَأَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ - مُشَبِّهًا لَهَا بِمَا قَبْلَهَا لِيَرْجِعَ التَّفْصِيلُ بَعْدَ الْكَافِ - بِقَوْلِهِ: (كَحَضَرٍ) : أَيْ كَمَا لَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ بِحَضَرٍ - كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ - وَلَمْ يُسَافِرْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَعَزْمُهُ السَّفَرَ بَعْدَهُ، (وَأَفْطَرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ) فِيهِ (بِلَا تَأْوِيلٍ) : فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِانْتِهَاكِهِ الْحُرْمَةَ عِنْدَ عَدَمِ التَّأْوِيلِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ تَأَوَّلَ أَيْ ظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ أَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ الشُّرُوعِ (فَلَا) كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِقُرْبِ تَأْوِيلِهِ، لِاسْتِنَادِهِ إلَى السَّفَرِ حَيْثُ سَافَرَ، وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ مَفْهُومِ: " إنْ بَيَّتَهُ "، فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ، وَمَفْهُومُهُ: بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي الْحَضَرِ وَهِيَ الْأُولَى، أَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ وَهِيَ الثَّانِيَةُ، أَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ وَهِيَ الثَّالِثَةُ، فَالْكَفَّارَةُ فِي الْأُولَيَيْنِ مُطْلَقًا، وَفِي الثَّالِثَةِ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ بِسَفَرٍ] : فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُ صُوَرٍ وَهِيَ: كَانَ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ، أَوْ غَيْرِهِ، تَأَوَّلَ، أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ بَيَّتَهُ] : أَيْ مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ بَيَّتَهُ - أَيْ الْفِطْرَ - فِيهِ، أَيْ فِي السَّفَرِ، وَسَيَأْتِي لِلشَّارِحِ تَوْضِيحُ تِلْكَ الْمَفَاهِيمِ. قَوْلُهُ: [وَأَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ] : مَنْطُوقُهَا الَّذِي فِيهِ الْكَفَّارَةُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَفْهُومُهَا الَّذِي لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ الشُّرُوعِ] : أَيْ وَلَوْ لَمْ يَتَأَوَّلْ، فَقَوْلُهُ " لِقُرْبِ تَأْوِيلِهِ ": تَعْلِيلٌ لِفِطْرِهِ مُتَأَوِّلًا قَبْلَ الشُّرُوعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [حَيْثُ سَافَرَ] : مَفْهُومُهُ: لَوْ أَفْطَرَ عَازِمًا عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَمْ يُسَافِرْ يَوْمَهُ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ. وَلَا يَنْفَعُهُ تَأْوِيلٌ. قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : تَقَدَّمَ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ ثَمَانُ صُوَرٍ فِي كُلٍّ أَرْبَعٌ. قَوْلُهُ: [وَفِي الثَّالِثَةِ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ] : فَهِيَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ فِطْرُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ

وَبَقِيَ مَفْهُومُ " أُبِيحَ " وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا لِظُهُورِ الِانْتِهَاكِ فِيهِ، وَلِذَا تَرَكَهُ، وَأَمَّا مَفْهُومُ: " سَفَرُ قَصْرٍ " فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) جَازَ فِطْرٌ (بِمَرَضٍ) : فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى بِسَفَرٍ (إنْ خَافَ) بِالصَّوْمِ (زِيَادَتَهُ) أَيْ الْمَرَضِ (أَوْ) خَافَ (تَمَادِيهِ) وَهُوَ مَعْنَى تَأَخُّرِ الْبُرْءِ، وَأَوْلَى إنْ خَافَ حُدُوثَ مَرَضٍ آخَرَ. (وَوَجَبَ) الْفِطْرُ (إنْ خَافَ) بِالصَّوْمِ (هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ ضَرَرٍ) ، كَتَعْطِيلِ حَاسَّةٍ مِنْ حَوَاسِّهِ. (كَحَامِلٍ أَوْ مُرْضِعٍ لَمْ يُمْكِنْهَا) أَيْ الْمُرْضِعَ (اسْتِئْجَارٌ) لِعَدَمِ مَالٍ أَوْ مُرْضِعَةٍ أَوْ عَدَمِ قَبُولِهِ غَيْرَهَا (وَلَا غَيْرُهُ) - وَهُوَ الرَّضَاعُ مَجَّانًا - (خَافَتَا) بِالصَّوْمِ (عَلَى وَلَدَيْهِمَا) : فَيَجُوزُ إنْ خَافَتَا عَلَيْهِ مَرَضًا أَوْ زِيَادَتَهُ، وَيَجِبُ إنْ خَافَتَا هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ ضَرَرٍ، وَأَمَّا خَوْفُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: " وَبِمَرَضٍ " إلَخْ إذْ الْحَمْلُ مَرَضٌ، وَالرَّضَاعُ فِي حُكْمِهِ فَإِنْ أَمْكَنَهَا اسْتِئْجَارٌ أَوْ غَيْرُهُ وَجَبَ صَوْمُهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQبِلَا تَأْوِيلٍ، وَمَفْهُومُهَا ثَلَاثٌ قَدْ عَلِمْتهَا. قَوْلُهُ: [وَبَقِيَ مَفْهُومُ أُبِيحَ] إلَخْ: إنَّمَا اُشْتُرِطَتْ الْإِبَاحَةُ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَكَلَامُ الْأُجْهُورِيِّ فِي فَضَائِلِ رَمَضَانَ: أَنَّ السَّفَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ مَكْرُوهٌ، وَفِي الْحَطَّابِ فِيمَنْ سَافَرَ لِأَجْلِ الْفِطْرِ: هَلْ يُمْنَعُ - مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ - كَمَنْ تَحَيَّلَ فِي الزَّكَاةِ، أَوْ ارْتَدَّ لِإِسْقَاطِ شَيْءٍ؟ وَقَرَّرَ شَيْخُنَا: أَنَّ السَّفَرَ لِذَلِكَ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ، وَيَجُوزُ الْفِطْرُ فَتَأَمَّلْهُ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَجَازَ فِطْرٌ بِمَرَضٍ] : أَيْ وَيَجُوزُ لِلصَّائِمِ الْفِطْرُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ. فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْجَوَازِ هُوَ الْمَشْهُورُ. قَوْلُهُ: [زِيَادَتُهُ أَيْ الْمَرَضِ أَوْ خَافَ تَمَادِيهِ] : وَمِثْلُهُمَا الْجَهْدُ وَالْمَشَقَّةُ بِخِلَافِ جَهْدِ الصَّحِيحِ وَمَشَقَّتِهِ فَلَا يُبِيحُ الْفِطْرَ. قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ إنْ خَافَتَا عَلَيْهِ مَرَضًا] إلَخْ: وَمِثْلُهُمَا الْجَهْدُ وَالْمَشَقَّةُ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [إذْ الْحَمْلُ مَرَضٌ] : أَيْ وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْحَامِلُ لَا إطْعَامَ عَلَيْهَا،

(وَالْأُجْرَةُ) أَيْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ (فِي مَالِ الْوَلَدِ) إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، (ثُمَّ الْأَبِ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ. (وَ) وَجَبَ (إطْعَامُ مُدِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمُفَرِّطٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ) أَيْ إلَى أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ الثَّانِي وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأَمْثَالِ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ) أَيْ إطْعَامُ مُدِّهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ (لِمِسْكِينٍ إنْ أَمْكَنَ الْقَضَاءُ بِشَعْبَانَ) ، بِأَنْ يَبْقَى مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ. (لَا) يَجِبُ عَلَى الْمُفَرِّطِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إطْعَامٌ (إنْ اتَّصَلَ عُذْرُهُ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، (بِقَدْرِ مَا) أَيْ الْأَيَّامِ الَّتِي (عَلَيْهِ) ، إلَى تَمَامِ شَعْبَانَ؛ فَمَنْ عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا وَحَصَلَ لَهُ عُذْرٌ قَبْلَ رَمَضَانَ الثَّانِي بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ طُولَ عَامِهِ خَالِيًا مِنْ الْأَعْذَارِ، وَإِنْ حَصَلَ الْعُذْرُ لَهُ فِي يَوْمَيْنِ فَقَطْ وَجَبَ عَلَيْهِ إطْعَامُ ثَلَاثَةِ أَمْدَادٍ، لِأَنَّهُمَا أَيَّامُ التَّفْرِيطِ دُونَ أَيَّامِ الْعُذْرِ، فَقَوْلُهُ " عُذْرُهُ " أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ مَرَضُهُ. وَقَوْلُنَا: " بِقَدْرٍ " إلَخْ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِخِلَافِ الْمُرْضِعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَرَضًا حَقِيقِيًّا لَهَا. قَوْلُهُ: [ثُمَّ الْأَبُ] : هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ عَلَى الْأُمِّ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهَا الرَّضَاعُ بِأَنْ كَانَتْ غَيْرَ عَلِيَّةِ الْقَدْرِ وَغَيْرَ مُطَلَّقَةٍ طَلَاقًا بَائِنًا، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا. 1 - قَوْلُهُ: [وَإِنْ أَمْكَنَ الْقَضَاءُ بِشَعْبَانَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُفَرِّطَ إطْعَامُ الْمُدِّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ إذَا كَانَ يُمْكِنُ قَضَاءَ مَا عَلَيْهِ فِي شَعْبَانَ، وَذَلِكَ بِأَنْ صَارَ الْبَاقِي مِنْ شَعْبَانَ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ خَالٍ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَلَمْ يَقْضِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، وَانْظُرْ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ ظَانًّا كَمَالَهُ، فَإِذَا هُوَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا هَلْ عَلَيْهِ إطْعَامُ يَوْمٍ أَوْ لَا وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْقَضَاءِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، ثُمَّ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّفْرِيطِ وَعَدَمِهِ شَعْبَانُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ حَصَلَ فِيهِ عُذْرٌ ثُمَّ تَرَاخَى فِي شَعْبَانَ الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ إطْعَامٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَلَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ الْجَهْلُ بِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْقَضَاءِ عَلَى رَمَضَانَ الثَّانِي، وَقِيلَ إنَّهُ عُذْرٌ وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي النِّسْيَانِ، وَالسَّفَرِ وَفِي الْمَجْمُوعِ وَلَيْسَ السَّفَرُ وَالنِّسْيَانُ عُذْرًا هُنَا بَلْ الْإِكْرَاهُ.

قَيْدٌ زَائِدٌ عَلَى كَلَامِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اتِّصَالِ الْعُذْرِ مِنْ رَمَضَانَ لِرَمَضَانَ، أَوْ فِي جَمِيعِ شَعْبَانَ (مَعَ الْقَضَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِطْعَامٍ أَوْ بِمَحْذُوفٍ: أَنْ يُطْعِمَ مَعَ الْقَضَاءِ نَدْبًا أَيْ يُنْدَبُ إطْعَامُ الْمُدِّ أَيْ إخْرَاجُهُ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ يَقْتَضِيهِ مِنْ الْعَامِ الثَّانِي (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَمَامِ كُلِّ يَوْمٍ أَوْ بَعْدَ تَمَامِ جَمِيعِ أَيَّامِ الْقَضَاءِ، يُخْرِجُ جَمِيعَ الْأَمْدَادِ. فَإِنْ أَطْعَمَ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقَضَاءِ أَجْزَأَ وَخَالَفَ الْمَنْدُوبَ. (وَ) وَجَبَ الْإِطْعَامُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ (لِمُرْضِعٍ) أَيْ عَلَى مُرْضِعٍ (أَفْطَرَتْ) خَوْفًا عَلَى وَلَدِهَا، بِخِلَافِ الْحَامِلِ تَخَافُ عَلَى حَمْلِهَا. (وَ) وَجَبَ (رَابِعُ النَّحْرِ) أَيْ صَوْمُهُ (لِنَاذِرِهِ) إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ فَصَادَفَ رَابِعَ النَّحْرِ أَوْ نَذَرَ السُّنَّةِ، فَيَجِبُ صَوْمُهُ (بَلْ وَإِنْ عَيَّنَهُ) كَعَلَيَّ صَوْمُ رَابِعِ النَّحْرِ. (وَكُرِهَ) تَعْيِينُهُ بِالنَّذْرِ (كَصَوْمِهِ تَطَوُّعًا) يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ. (وَحَرُمَ صَوْمُ سَابِقَيْهِ) أَيْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَوْ نَذَرَهُمَا (إلَّا لِكَمُتَمَتِّعٍ) : أَيْ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وَنَحْوِهِ كَقَارِنٍ وَكُلِّ مَنْ لَزِمَهُ هَدْيٌ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ وَ (لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) فَيَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُمَا بِمِنًى ثُمَّ السَّبْعَةَ إذَا رَجَعَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَجْزَأَ] إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لَا تُفَرِّقُ الْكَفَّارَةُ الصُّغْرَى قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقَضَاءِ، بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " بَعْدَ الْوُجُوبِ " أَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَلَا يُجْزِئُ. 1 - قَوْلُهُ: [بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ] : أَيْ أَوْ نَذَرَ الْحَجَّةَ. قَوْلُهُ: [بَلْ وَإِنْ عَيَّنَهُ] : أَتَى بِالْمُبَالَغَةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ لُزُومِهِ، لِأَنَّ نَذْرَهُ بِعَيْنِهِ تَقَصُّدٌ لِلْمَكْرُوهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْأَيَّامِ فَلَا يُتَوَهَّمُ تَقَصُّدُ الْمَكْرُوهِ. قَوْلُهُ: [يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ] : وَلِذَلِكَ لَزِمَ النَّاذِرَ نَظَرًا لِذَاتِ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَالْكَرَاهَةُ لِذَاتِ الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُمْ الْمَكْرُوهُ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ إذَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ. قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَجِدْ هَدْيًا] : وَمِثْلُهُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ،

(وَإِنْ نَوَى) صَائِمٌ (بِرَمَضَانَ) أَيْ فِيهِ (وَإِنْ بِسَفَرِهِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فِيهِ (غَيْرَهُ) مَفْعُولُ نَوَى - أَيْ نَوَى بِصِيَامِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ - كَتَطَوُّعٍ وَنَذْرٍ وَصَوْمِ تَمَتُّعٍ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ السَّابِقِ - (أَوْ نَوَاهُ وَغَيْرَهُ) أَيْ بِصَوْمِهِ رَمَضَانَ الْحَاضِرَ وَغَيْرَهُ (لَمْ يُجْزِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ لَا عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ. (وَلَيْسَ لِامْرَأَةٍ يَحْتَاجُ لَهَا) أَيْ لِجِمَاعِهَا (زَوْجُهَا) أَوْ سَيِّدُهَا (تَطَوُّعٌ) بِصَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (أَوْ نَذْرٍ) لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، (بِلَا إذْنٍ) مِنْ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا، (وَلَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ إذَا تَطَوَّعَتْ بِلَا إذْنٍ (إفْسَادُهُ بِجِمَاعٍ) لَا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، (لَا إنْ أَذِنَ) لَهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. (وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أَيْ وَأَحْيَا لَيَالِيَهُ بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ أَوْ غَيْرِهَا بِالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ (إيمَانًا) أَيْ تَصْدِيقًا بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ، (وَاحْتِسَابًا) أَيْ مُحْتَسِبًا وَمُدَّخِرًا أَجْرَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرِهِ بِخُلُوصِ عَمَلِهِ لِلَّهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِيمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ أَيَّامِ مِنًى. قَوْلُهُ: [لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] : حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصُّوَرَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَهِيَ: أَنْ يَنْوِيَ بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ تَطَوُّعًا، أَوْ نَذْرًا، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ قَضَاءَ الْخَارِجِ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ تُضْرَبُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ بِثَمَانٍ كُلُّهَا لَا تُجْزِئُ إلَّا إذَا نَوَى بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ قَضَاءَ الْخَارِجِ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالْإِجْزَاءِ، وَصَحَّحَ. أَوْ يَنْوِي رَمَضَانَ الْحَاضِرَ مَعَ الْخَارِجِ، أَوْ هُوَ وَنَذْرًا، أَوْ هُوَ وَكَفَّارَةً، أَوْ هُوَ وَتَطَوُّعًا؛ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ تُضْرَبُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ بِثَمَانٍ أَيْضًا رَجَّحَ فِيهِ الْإِجْزَاءَ عَنْ الْحَاضِرِ كَمَا فِي (عب) وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْوَقْتِ. وَفِي بَاقِي مَسَائِلِ الْحَضَرِ الَّذِي لَمْ يَجُزْ فِيهَا رَمَضَانُ الْحَاضِرُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ. قَوْلُهُ: [إفْسَادُهُ بِجِمَاعٍ] : أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ لِأَنَّهَا مُعْتَدِيَةٌ فَكَأَنَّهَا أَفْطَرَتْ عَمْدًا حَرَامًا. قَوْلُهُ: [لَا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ] : أَيْ لِأَنَّ احْتِيَاجَهُ إلَيْهَا الْمُوجِبُ لِتَفْطِيرِهَا مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ فَلَا وَجْهَ لِإِفْسَادِهِ عَلَيْهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، بَقِيَ لَوْ أَرَادَتْ تَعْجِيلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ، هَلْ لَهُ مَنْعُهَا؟ كَالتَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ: لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَقَدْ يُقَالُ: لَهُ مَنْعُهَا بِالْأَوْلَى مِنْ فَرْضٍ اتَّسَعَ وَقْتُهُ. 1 -

لَمْ يُشْرِكْ بِهِ غَيْرَهُ. (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) أَيْ غَيْرُ حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَأَمَّا هِيَ: فَتَتَوَقَّفُ عَلَى إبْرَاءِ الذِّمَّةِ وَلَوْ عُمُومًا، أَوْ غُرْمِ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ؛ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةُ فِي الْمُقَوَّمِ، أَوْ وَرَدِّهِ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ] : ظَاهِرُهُ حَتَّى الْكَبَائِرُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَةً بِالْعِبَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفَضْلُ اللَّهِ لَا يَتَقَيَّدُ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهَا بِالصَّغَائِرِ فَإِنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْعَامِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. خَاتِمَةٌ: مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي كُلِّ وَاجِبٍ. وَلَوْ كَانَ فِطْرُهُ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَفَاهُ الْحَدُّ وَقِيلَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ. وَاخْتُلِفَ: هَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْقَضَاءِ فَيَقْضِي يَوْمَيْنِ: يَوْمًا عَنْ الْأَصْلِ، وَيَوْمًا عَنْ الْقَضَاءِ؟ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْأَصْلُ؟ وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَأَمَّا إنْ أَفْطَرَ سَهْوًا أَوْ لِعُذْرٍ فَلَا يَقْضِي اتِّفَاقًا. وَاخْتُلِفَ: هَلْ يُؤَدَّبُ الْمُفْطِرُ عَمْدًا فِي النَّفْلِ لِغَيْرِ وَجْهٍ أَوْ لَا يُؤَدَّبُ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِلْبُنَانِيِّ، وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَسَائِلَ النَّذْرِ اتِّكَالًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَذَكَرَهَا هُنَا خَلِيلٌ اسْتِطْرَادًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[باب في الاعتكاف]

بَابٌ فِي الِاعْتِكَافِ (الِاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ) مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ، (مُرَغَّبٌ فِيهِ) شَرْعًا. (وَهُوَ) فِي الْأَصْلِ: مُطْلَقُ اللُّزُومِ لِشَيْءٍ، وَشَرْعًا: (لُزُومُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَلَا مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ. (مَسْجِدًا) مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ فَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ مِنْ بَيْتٍ أَوْ خَلْوَةٍ، (مُبَاحًا) لِلنَّاسِ فَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ الْبُيُوتِ الْمَحْجُورَةِ. (بِصَوْمٍ) : أَيُّ صَوْمٍ كَانَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ (كَافًّا) - حَالٌ مِنْ مُسْلِمٍ - (عَنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ) لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَإِلَّا فَسَدَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابٌ فِي الِاعْتِكَافِ] [حُكْم الِاعْتِكَافِ وَمُبْطِلَاته] بَابٌ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ فُرُوعِ الصَّوْمِ، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ تَصْفِيَةُ مِرْآةِ الْعَقْلِ وَالتَّشَبُّهُ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي وَقْتِهِ، أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى الِاعْتِكَافِ التَّامِّ الشَّبَهِ بِهِمْ فِي اسْتِغْرَاقِ الْأَوْقَاتِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَكَفِّ اللِّسَانِ عَمَّا لَا يَنْبَغِي. وَيُقَالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ - بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ - عَكْفًا وَعُكُوفًا: أَقْبَلَ عَلَى الشَّيْءِ مُوَاظِبًا، وَاعْتَكَفَ وَانْعَكَفَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقِيلَ اعْتَكَفَ عَلَى الْخَيْرِ وَانْعَكَفَ عَلَى الشَّرِّ (اهـ. خَرَشِيٌّ) . قَوْلُهُ: [نَافِلَةٌ] : صَادِقٌ بِالنَّدْبِ وَالسُّنِّيَّةِ؛ وَهُمَا قَوْلَانِ. قَوْلُهُ: [مُطْلَقُ اللُّزُومِ] : أَيْ لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] قَوْلُهُ: مُمَيِّزٌ: هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَيُخَاطَبُ الْمُمَيِّزُ غَيْرُ الْبَالِغِ بِالصَّوْمِ تَبَعًا لِلِاعْتِكَافِ لِأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ، وَتَقَدَّمَ كَرَاهَةُ الصَّوْمِ لَهُ اسْتِقْلَالًا. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ الْبُيُوتِ] : أَيْ وَلَوْ لِلنِّسَاءِ، وَلَا فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا فِي

(يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ) أَيْ لَيْلَةِ الْيَوْمِ وَهِيَ السَّابِقَةُ عَلَيْهِ كَلَيْلَةِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِهِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَقَلِّهِ، (فَأَكْثَرَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَأَحَبُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَقَوْلُهُ: " يَوْمًا " ظَرْفٌ " لِلُّزُومِ ". (لِلْعِبَادَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِلُزُومٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَفْضَلِهَا. (بِنِيَّةٍ) : الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ، مُتَعَلِّقَةٌ بِ (لُزُومٍ) - إذْ هُوَ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ. (وَمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ) : وَهُوَ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْمُقِيمُ، (وَ) نَذَرَ أَوْ أَرَادَ اعْتِكَافًا (تَجِبُ) الْجُمُعَةُ (بِهِ) أَيْ فِيهِ - أَيْ فِي زَمَنِهِ - كَسَبْعَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَالْجُمُعَةُ فِي أَثْنَائِهِ؛ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا الْخَمِيسُ، (فَالْجَامِعُ) مُتَعَيَّنٌ فِي حَقِّهِ. (وَإِلَّا) يَعْتَكِفْ فِي الْجَامِعِ، بَلْ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِهِ (خَرَجَ) لِلْجُمُعَةِ وُجُوبًا (وَبَطَلَ) اعْتِكَافُهُ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ بِرِجْلَيْهِ مَعًا (وَيَقْضِيهِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQمَقَامِ وَلِيٍّ حَيْثُ كَانَ مَحْجُورًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ مَحْجُورٍ وَجُعِلَ مَسْجِدًا كَمَقَامِ الْحُسَيْنِ وَالشَّافِعِيِّ وَالسَّيِّدِ الْبَدَوِيِّ فَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ فِي رَحْبَتِهِ وَلَا فِي الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ، إذْ لَا يُقَالُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَسْجِدٌ، وَلَا يَصِحُّ فِي بَيْتِ الْقَنَادِيلِ وَالسِّقَايَةِ وَالسَّطْحِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَقَلِّهِ] : أَيْ الَّذِي يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ كَقَوْلِهِ: نَذَرْت الِاعْتِكَافَ أَوْ اعْتِكَافًا. قَوْلُهُ: [أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ] : أَيْ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَأَحَبُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ] : أَيْ وَمُنْتَهَى الْمَنْدُوبِ شَهْرٌ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَذَا زُبْدَةُ خِلَافٍ كَثِيرٍ، وَكُرِهَ الْأَقَلُّ عَنْ الْعَشَرَةِ وَالزَّائِدُ عَنْ الشَّهْرِ. قَوْلُهُ: [لِلْعِبَادَةِ] : أَيْ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْهَا. قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَفْضَلِهَا] : أَيْ وَهُوَ اشْتِغَالُهُ بِذِكْرٍ نَحْوِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاسْتِغْفَارٍ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مَجْمَعُ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: [خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ وُجُوبًا] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ يَجْهَلُ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ مُبْطِلٌ كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ فَيُعْذَرُ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَقَيَّدَهُ أَيْضًا بِمَا إذَا نَذَرَ أَوْ نَوَى أَيَّامًا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَأَمَّا

وُجُوبًا. وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْخُرُوجِ وَالْبُطْلَانِ وَالْقَضَاءِ قَوْلُهُ: (كَمَرَضِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) : دَنِيَّةً، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِبِرِّهِ بِعِيَادَتِهِ (أَوْ جِنَازَتِهِ) أَيْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، (وَالْآخَرُ) مِنْهُمَا (حَيٌّ) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لَهَا جَبْرًا لِلْحَيِّ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي حَيًّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ، وَالْوَاوُ فِي كَلَامِهِ لِلْحَالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَوْ نَذَرَ أَيَّامًا لَا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَمَرِضَ فِيهَا بَعْدَ أَنْ شَرَعَ، ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ يُتِمُّ وَصَادَفَ الْجُمُعَةَ، قَالَ فَلَا خَوْفَ، أَنَّ هَذَا يَخْرُجُ إلَيْهَا وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَلَكِنْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا التَّفْصِيلُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ. وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مَنْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ، وَهُوَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَهُوَ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لَهَا وَقْتَ وُجُوبِ السَّعْيِ لَهَا، وَفِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِ بِذَلِكَ الْخُرُوجِ وَعَدَمِ بُطْلَانِهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْجَهْمِ عَنْ مَالِكٍ، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَاشِيهِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) . وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " خَرَجَ " أَنَّهُ إنْ ارْتَكَبَ النَّهْيَ وَلَمْ يَخْرُجْ لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الظَّاهِرِ إذَا لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً، وَإِنَّمَا ارْتَكَبَ صَغِيرَةً لِأَنَّ تَرْكَ الْجُمُعَةِ لَا يَكُونُ كَبِيرَةً إلَّا إذَا كَانَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً، فَإِذَا حَصَلَ التَّرْكُ فِي ثَلَاثٍ جَرَى - عَلَى الْخِلَافِ فِي الْكَبَائِر - هَلْ تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [كَمَرَضِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ] : أَيْ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ. وَقَوْلُهُ: [دَنِيَّةً] : خَرَجَ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمُعْتَكَفِ لِعِيَادَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ جَرَى فِي اعْتِكَافِهِ التَّأْوِيلَانِ فِي الْبُطْلَانِ بِالْكَبَائِرِ، لِأَنَّ الْعُقُوقَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَحَيْثُ وَجَبَ الْخُرُوجُ لِعِيَادَةِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَأَحْرَى عِيَادَتُهُمَا مَعًا. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي حَيًّا لَمْ يَجِبْ] : بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ خِلَافًا لِلْجُزُولِيِّ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ خُرُوجِهِ لِجِنَازَتِهِمَا، كَمَا يَجِبُ خُرُوجُهُ لِعِيَادَتِهِمَا وَقَيَّدَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا إذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ التَّجْهِيزُ عَلَى خُرُوجِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ اتِّفَاقًا وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ. قَوْلُهُ: [وَالْوَاوُ فِي كَلَامِهِ لِلْحَالِ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِنَازَةِ لِأَنَّ عَدَمَ الْخُرُوجِ

(وَكَخُرُوجِهِ) : عَطْفٌ عَلَى كَمَرَضٍ إلَّا أَنَّ التَّشْبِيهَ فِيهِ فِي الْبُطْلَانِ، وَالْقَضَاءِ فَقَطْ دُونَ وُجُوبِ الْخُرُوجِ أَيْ أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ مِنْ الْمَسْجِدِ (لِغَيْرِ ضَرُورَتِهِ) مُبْطِلٌ لِاعْتِكَافِهِ، بِخِلَافِ خُرُوجِهِ لِضَرُورَتِهِ مِنْ اشْتِرَاءِ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ، أَوْ لِطَهَارَةٍ أَوْ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ. (أَوْ تَعَمُّدِ فِطْرٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ، فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِلِاعْتِكَافِ، بِخِلَافِ السَّهْوِ وَالْإِكْرَاهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا نَهَارًا. (أَوْ) تَعَمُّدِ شُرْبِ (مُسْكِرٍ لَيْلًا) فَأَوْلَى نَهَارًا وَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ. (وَ) بَطَلَ (بِوَطْءٍ وَقُبْلَةٍ بِشَهْوَةٍ) لَيْلًا، (وَلَمْسٍ) كَذَلِكَ (وَإِنْ) وَقَعَ مَا ذُكِرَ (لِحَائِضٍ مُعْتَكِفَةٍ) ، وَخَرَجَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ لِنَذْرِهَا فَوَقَعَ مِنْهَا ذَلِكَ (سَهْوًا) ـــــــــــــــــــــــــــــQمَظِنَّةُ الْعُقُوقِ لِلْحَيِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْتَقَلَا جَمِيعًا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ فَيَرْضَيَانِ بِطَاعَتِهِ لِرَبِّهِ عَلَى أَيِّ حَالٍ لِزَوَالِ الْحُظُوظِ النَّفْسَانِيَّةِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ خُرُوجِهِ لِضَرُورَاتِهِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ وَإِلَّا بَطَلَ. قَوْلُهُ: [مُسْكِرٍ] : مِثْلُهُ كُلُّ مُغَيِّبٍ كَالْحَشِيشَةِ حَيْثُ غَيَّبَتْ عَقْلَهُ، وَمَفْهُومُ تَعَمُّدِ إنْ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمُسْكِرَ فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَجْرِي عَلَى تَفْصِيلِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي الصَّوْمِ. 1 - تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ فِي فِعْلِهِ الْكَبَائِرَ غَيْرَ الْمُسْكِرِ كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَالْعُقُوقِ، فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ وَقِيلَ لَا يَبْطُلُ. قَوْلُهُ: [وَبَطَلَ بِوَطْءٍ] : أَيْ فَإِنْ وَطِئَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَيَفْسُدُ عَلَى الْمَوْطُوءِ وَلَوْ نَائِمًا، وَالْوَطْءُ الْمَذْكُورُ مُفْسِدٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُطِيقَةٍ، لِأَنَّ أَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ كَلَمْسِ الشَّهْوَةِ، بِخِلَافِ الِاحْتِلَامِ وَمَحَلُّ اشْتِرَاطِ الشَّهْوَةِ فِي اللَّمْسِ فِي غَيْرِ الْقُبْلَةِ فِي الْفَمِ، وَأَمَّا هِيَ فَلَا يُشْتَرَطُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَاللَّمْسُ هُنَا يَجْرِي عَلَى الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ وَقَعَ مَا ذُكِرَ لِحَائِضٍ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَةَ إذَا حَاضَتْ وَخَرَجَتْ وَعَلَيْهَا حُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ، فَحَصَلَ مِنْهَا مَا ذُكِرَ نَاسِيَةً لِاعْتِكَافِهَا فَإِنَّهُ يَبْطُلُ، وَتَسْتَأْنِفُهُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَمِثْلُ الْحَائِضِ غَيْرُهَا مِنْ بَقِيَّةِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ الْمَانِعَةِ مِنْ الصَّوْمِ

[ما يلزم المعتكف]

عَنْ كَوْنِهَا مُعْتَكِفَةً فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهَا، وَتَبْتَدِيهِ، فَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا أَوْ مِنْهَا عَمْدًا. (وَلَزِمَ) الْمُعْتَكِفَ (يَوْمٌ بِلَيْلَتِهِ) الْمَنْذُورَةِ (وَإِنْ نَذَرَ لَيْلَةً) فَقَطْ. فَإِنْ نَذَرَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لَزِمَهُ لَيْلَتُهُ وَصَبِيحَتُهَا: وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَزِمَهُ لَيْلَةٌ مَعَ صَبِيحَتِهَا؛ أَيُّ لَيْلَةٍ كَانَتْ لِأَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الصَّوْمُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَرْكَانِهِ إلَّا بِالْيَوْمِ. وَأَوْلَى إذَا نَذَرَ يَوْمًا (لَا) إنْ نَذَرَ (بَعْضَ يَوْمٍ) فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذْ لَا يُصَامُ بَعْضُ يَوْمٍ. (وَ) لَزِمَ (تَتَابُعُهُ) أَيْ الِاعْتِكَافِ (فِي) نَذْرِ (مُطْلِقِهِ) : أَيْ الَّذِي لَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَتَابُعٍ وَلَا عَدَمِهِ، فَإِنْ قَيَّدَ بِشَيْءٍ عَمِلَ بِهِ؛ وَهَذَا فِي الْمَنْذُورِ. (وَ) أَمَّا غَيْرُهُ فَيَلْزَمُهُ (مَا نَوَاهُ) قَلَّ أَوْ كَثُرَ (بِدُخُولِهِ) مُعْتَكَفِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQكَالْعِيدِ، أَوْ مِنْ الصَّوْمِ وَالْمَسْجِدِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنْ مَنْ كَحَائِضٍ، كَانَ أَوْلَى. [مَا يَلْزَم الْمُعْتَكِف] قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى إذَا نَذَرَ يَوْمًا] : فَمَنْ نَذَرَ يَوْمًا مَا لَزِمَهُ لَيْلَةً زِيَادَةً عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي نَذَرَهُ، وَاللَّيْلَةُ الَّتِي تَلْزَمُهُ هِيَ لَيْلَةُ الْيَوْمِ الَّذِي نَذَرَهُ لَا اللَّيْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا لِابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دُخُولُهُ الْمُعْتَكَفَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ مَعَهُ، وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ] : أَيْ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ اللُّزُومِ مَا لَمْ يَنْوِ الْجَوَازَ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا نَذَرَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ شَيْءٍ هُوَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ. وَاخْتَلَفَا فِيمَنْ نَذَرَ طَاعَةً نَاقِصَةً غَيْرَ اعْتِكَافٍ؛ كَصَلَاةِ رَكْعَةٍ وَصَوْمِ بَعْضِ يَوْمٍ، فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ النَّذْرُ صَحِيحٌ، وَيَلْزَمُهُ كَمَالُهُ، وَعِنْدَ سَحْنُونَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِ ضَعْفُ أَمْرِ الِاعْتِكَافِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّهُمَا مِنْ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ تَتَابُعُهُ] إلَخْ: أَيْ فَإِنْ نَذْر اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُتَابَعَةٍ وَلَا تَفَرُّقٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ تَتَابُعُهَا، لِأَنَّ طَرِيقَةَ الِاعْتِكَافِ وَشَأْنَهُ التَّتَابُعُ. قَوْلُهُ: [بِدُخُولِهِ مُعْتَكَفَهُ] : أَيْ لِأَنَّ النَّفَلَ يَلْزَمُ كَمَالُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَإِنْ

[مندوبات الاعتكاف]

(وَ) لَزِمَ (دُخُولُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ مَعَهُ) لِيَتَحَقَّقَ لَهُ كَمَالُ اللَّيْلَةِ. (وَ) لَزِمَ (خُرُوجُهُ) مِنْ مُعْتَكَفِهِ (بَعْدَهُ) ، أَيْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لِيَتَحَقَّقَ لَهُ كَمَالُ النَّهَارِ. (وَنُدِبَ مُكْثُهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ (لَيْلَةَ الْعِيدِ) إذَا اتَّصَلَ اعْتِكَافُهُ بِهَا، لِيَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى فَيُوصِلَ عِبَادَةً بِعِبَادَةٍ. (وَ) نُدِبَ مُكْثُهُ (بِآخِرِ الْمَسْجِدِ) لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ النَّاسِ. (وَ) نُدِبَ اعْتِكَافُهُ (بِرَمَضَانَ) لِأَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهُورِ، وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يَدْخُلْ مُعْتَكَفَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ. قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ دُخُولُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ] : قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَنْ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ اعْتَدَّ بِيَوْمِهِ، وَبَعْدَ الْفَجْرِ لَا يَعْتَدُّ بِهِ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ الِاعْتِدَادُ، وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَعْتَدُّ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ سَحْنُونَ عَلَى النَّذْرِ، وَالْقَوْلَيْنِ بِالِاعْتِدَادِ عَلَى النَّفْلِ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الِاعْتِدَادُ مُطْلَقًا نَفْلًا أَوْ نَذْرًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَبْنَى الْقَوْلَيْنِ الْخِلَافُ فِي أَقَلِّ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الِاعْتِكَافُ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ إذَا دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ لَا يُجْزِي مَا لَمْ يَضُمَّ لَهُ لَيْلَةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْوِيًّا أَوْ مَنْذُورًا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ فَقَطْ إذَا دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ، أَجْزَأَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَوْ كَانَ نَذْرًا. [مَنْدُوبَات الِاعْتِكَافِ] قَوْلُهُ: [إذَا اتَّصَلَ اعْتِكَافُهُ بِهَا] : أَشْعَرَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اعْتِكَافُهُ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوْ الْأَوْسَطِ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [بِآخِرِ الْمَسْجِدِ] : أَيْ عَجُزِهِ الْمُقَابِلِ لِصَدْرِهِ. [تَنْبِيه الْتِمَاس لَيْلَة الْقَدْر] قَوْلُهُ: [وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ] : أَيْ غَالِبًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ هَلْ هِيَ دَائِرَةٌ بِالْعَامِ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ حَيْثُ قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ، أَوْ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ ابْنُ غَلَّابٍ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْغَالِبُ كَوْنُهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْقَائِمُ لَهَا بِأَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوْ لَا. وَلَهَا عَلَامَاتٌ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ مِنْهَا: طُلُوعُ الشَّمْسِ صَبِيحَةَ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا، وَلَيْلَتُهَا تَكُونُ السَّمَاءُ صَحْوًا لَا غَيْمَ فِيهَا، وَالْوَقْتُ لَا حَارٌّ وَلَا بَارِدٌ، قَالَ شَيْخُنَا الْمُؤَلِّفُ وَمَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا يَرَى كُلَّ شَيْءٍ

الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQسَاجِدًا لِلَّهِ، يَسْمَعُ مِنْهُ الذِّكْرَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، وَيُشَاهِدُ أُمُورًا لَا تُحِيطُ بِهَا الْعِبَارَةُ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ رَآهَا أَنْ يَكْتُمَهَا فَلَا يُحَدِّثَ بِهَا، لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا مِنْ السِّرِّ الْمَكْتُومِ، وَمَنْ بَاحَ بِالسِّرِّ ضَيَّعَهُ؛ وَلِمُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ قَاعِدَةٌ لِإِدْرَاكِهَا حَاصِلُهَا: أَنَّهُ إنْ كَانَ مَبْدَأُ الشَّهْرِ الْجُمُعَةَ كَانَتْ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ السَّبْتُ كَانَتْ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ الْأَحَدُ كَانَتْ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ الِاثْنَيْنِ كَانَتْ لَيْلَةَ تَاسِعَ عَشْرَةَ، وَإِنْ كَانَ الثُّلَاثَاءُ كَانَتْ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ الْأَرْبِعَاءُ كَانَتْ لَيْلَةَ سَابِعَ عَشْرَةَ، وَإِنْ كَانَ الْخَمِيسُ كَانَتْ لَيْلَةً عَشْرِيَّةً فَاحْفَظْ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ. وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ إمَّا لِتَقْدِيرِ الْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ فِيهَا لِأَنَّ جَمِيعَ مُكَوَّنَاتِ الْعَالَمِ تُقَدَّرُ فِيهَا، أَيْ تَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ، أَوْ لِعِظَمِ قَدْرِهَا. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ أَوْ السَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» ، مَا بَقِيَ مِنْ الْعَشْرِ لَا مَا مَضَى، فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، إنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا وَإِلَّا فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ فَتَأَمَّلْ، وَقِيلَ الْعَدَدُ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ، فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيُحْتَاطُ فِي الْعَشْرِ كَمَا قَالُوا لِاحْتِمَالِ كَمَالِ الشَّهْرِ وَنُقْصَانِهِ. قَوْلُهُ: [الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ] : أَيْ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.

(وَ) نُدِبَ كَوْنُهُ (بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ) لِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِيهِ أَرْجَى. (وَ) نُدِبَ (إعْدَادُهُ ثَوْبًا آخَرَ) غَيْرَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُصِيبَ مَا عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْ وَسَخٌ أَوْ قَمْلٌ، فَيَلْبَسَ مَا أَعَدَّهُ. (وَ) نُدِبَ (اشْتِغَالُهُ) حَالَ اعْتِكَافِهِ (بِذِكْرٍ) نَحْوِ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَمِنْهُ الِاسْتِغْفَارُ، (وَتِلَاوَةِ) الْقُرْآنِ (وَصَلَاةٍ) وَهِيَ مَجْمَعُ الذِّكْرِ وَالْخَيْرِ. (وَكُرِهَ أَكْلُهُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ) : الَّتِي زِيدَتْ لِتَوْسِعَتِهِ، فَإِنْ أَكَلَ خَارِجَ ذَلِكَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَالْمَطْلُوبُ أَنْ يَأْكُلَ فِيهِ عَلَى حِدَةٍ. (وَ) كُرِهَ لِقَادِرٍ عَلَى الْكِفَايَةِ (اعْتِكَافُهُ غَيْرَ مَكْفِيٍّ) - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ - اسْمُ مَفْعُولٍ كَمَرْمِيٍّ أَصْلُهُ مَرْمَوِيٌّ، لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِخُرُوجِهِ إلَى شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَيَنْدُبُ أَنْ يَعْتَكِفَ مُحَصِّلًا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَمَلْبَسٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَسَبَبُهَا أَنَّهُ «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَى عَاتِقِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَلْفَ شَهْرٍ، وَهِيَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَتَعَجَّبَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَجَبًا شَدِيدًا، وَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أُمَّتِهِ، فَقَالَ يَا رَبِّ جَعَلْت أُمَّتِي أَقْصَرَ الْأُمَمِ أَعْمَارًا وَأَقَلَّهَا أَعْمَالًا، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَالَ: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] » ، أَيْ الَّتِي حَمَلَ فِيهَا الْإِسْرَائِيلِيُّ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، لَك وَلِأُمَّتِك مِنْ بَعْدِك إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ اشْتِغَالُهُ] : أَيْ فَالْأَفْضَلُ فِي عِبَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِغَيْرِهَا مَكْرُوهٌ وَإِنْ كَانَ عِلْمًا، كَمَا يَأْتِي، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا يُسْرِعُ بِهَضْمِ النَّفْسِ. قَوْلُهُ: [أَصْلُهُ مَرْمَوِيٌّ] : اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ، قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ، وَقُلِبَتْ الضَّمَّةُ كَسْرَةً وَمَكْفِيٌّ يُقَالُ فِيهِ هَكَذَا.

فَإِنْ اعْتَكَفَ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ لِشِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ أَقْرَبَ مَكَان أَمْكَنَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ. (وَ) كُرِهَ لَهُ - إذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ - (دُخُولُهُ بِمَنْزِلٍ بِهِ أَهْلُهُ) أَيْ زَوْجَتُهُ أَوْ سُرِّيَّتُهُ لِئَلَّا يَطْرَأَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا مَا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ. (وَ) كُرِهَ (اشْتِغَالُهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفُ (بِعِلْمٍ) وَلَوْ شَرْعِيًّا تَعْلِيمًا أَوْ تَعَلُّمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاعْتِكَافِ صَفَاءُ الْقَلْبِ بِمُرَاقَبَةِ الرَّبِّ، وَهُوَ إنَّمَا يَحْصُلُ غَالِبًا بِالذِّكْرِ وَعَدَمِ الِاشْتِغَالِ بِالنَّاسِ، (وَكِتَابَةٍ، وَإِنْ) كَانَ الْمَكْتُوبُ (مُصْحَفًا) لِمَا فِيهَا مِنْ نَوْعِ اشْتِغَالٍ عَنْ مُلَاحَظَةِ الرَّبِّ تَعَالَى. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاعْتِكَافِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، بَلْ صَفَاءُ مِرْآةِ الْقَلْبِ الَّذِي بِهِ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ. وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَالْكِتَابَةِ، (إنْ كَثُرَ) لَا إنْ قَلَّ وَعَطَفَ عَامًّا عَلَى خَاصٍّ بِقَوْلِهِ: (وَ) كُرِهَ اشْتِغَالُهُ بِكُلِّ (فِعْلٍ غَيْرِ ذِكْرٍ وَتِلَاوَةٍ وَصَلَاةٍ) : وَأَمَّا فِعْلُ هَذِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ اعْتَكَفَ غَيْرَ مَكْفِيٍّ] : أَيْ مُرْتَكِبًا لِلْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: [دُخُولُهُ بِمَنْزِلٍ بِهِ أَهْلُهُ] إلَخْ: أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِ الْمَنْزِلِ فِيهِ أَهْلُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِمْ عَنْ اعْتِكَافِهِ. وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ جَوَازُ مَجِيءِ زَوْجَتِهِ إلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَانِعٌ مِنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَنْزِلُ قَرِيبًا فَلَوْ كَانَ بَعِيدًا وَذَهَبَ إلَيْهِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَنْزِلِ أَهْلُهُ فَلَا كَرَاهَةَ، أَوْ بِأَنْ دَخَلَ فِي أَسْفَلِ الْبَيْتِ وَأَهْلُهُ بِأَعْلَاهُ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ اشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ] إلَخْ: أَيْ غَيْرِ عَيْنِيٍّ وَإِلَّا لَمْ يُكْرَهْ، وَكَرَاهَةُ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ الْغَيْرِ الْعَيْنِيِّ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَخْتَصُّ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ وَأَمَّا عَنْ مَذْهَبِ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ جَمِيعُ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَيَجُوزُ لَهُ مُدَارَسَةُ الْعِلْمِ وَكِتَابَتُهُ. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاعْتِكَافِ] إلَخْ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ. قَوْلُهُ: [الَّذِي بِهِ] : أَيْ بِالصَّفَاءِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى اعْتَنَتْ الصُّوفِيَّةُ بِالْخَلْوَةِ الْمَشْهُورَةِ بِشُرُوطِهَا، فَإِنَّ فِيهِ تَشْدِيدًا أَكْثَرَ مِنْ الِاعْتِكَافِ، وَلِذَلِكَ لَا يُحْسِنُهَا إلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُمْ الْعِنَايَةُ.

الثَّلَاثَةِ فَمَنْدُوبٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ الذِّكْرِ: الْفِكْرُ الْقَلْبِيُّ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَدَقَائِقِ الْحُكْمِ، وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ. وَمَثَّلَ لِفِعْلِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: (كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ) : بِالْمَسْجِدِ إنْ انْتَقَلَ لَهُ فِيهِ، لَا إنْ كَانَ بِلَصْقِهِ. (وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ) الْمُعْتَكَفَ، بِأَنْ وُضِعَتْ بِقُرْبِهِ وَانْتَهَى زِحَامُهَا إلَيْهِ. (وَصُعُودِهِ لِأَذَانٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ) لِلْمَسْجِدِ لَا بِمَكَانِهِ أَوْ صَحْنِهِ. (وَإِقَامَتِهِ) لِلصَّلَاةِ. وَالسَّلَامِ عَلَى الْغَيْرِ إنْ بَعُدَ. (وَجَازَ سَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْفِكْرُ الْقَلْبِيُّ] : بَلْ هُوَ أَعْظَمُ الذِّكْرِ لِقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ: ذَرَّةٌ مِنْ عَمَلِ الْقُلُوبِ خَيْرٌ مِنْ مَثَاقِيلِ الْجِبَالِ مِنْ عَمَلِ الْأَبَدَانِ، وَقَالَ الْعَارِفُونَ: إنَّ تَفْجِيرَ يَنَابِعِ الْحِكَمِ مِنْ الْقَلْبِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْفِكْرِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ عِبَادَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ الْفِكْرَ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ. قَوْلُهُ: [وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ] : أَيْ لِأَنَّ فِيهِمَا ذِكْرٌ وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِبَعْضِ حُقُوقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِذَلِكَ قَالُوا: هِيَ شَيْخُ مَنْ لَا شَيْخَ لَهُ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ كَانَ بِلَصْقِهِ] : أَيْ فَلَا كَرَاهَةَ بَلْ هُوَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِيهِ الثَّوَابُ. قَوْلُهُ: [وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُصَلَّى عَلَيْهِ جَارًا أَوْ صَالِحًا مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَإِقَامَتُهُ لِلصَّلَاةِ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ، وَأَمَّا إمَامَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهَا بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَوْ مُرَتَّبًا، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ وَيُصَلِّي إمَامًا خِلَافًا لِعَدِّ خَلِيلٍ لَهَا فِي الْمَكْرُوهَاتِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ سَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ] : الْمُرَادُ سُؤَالُهُ عَنْ حَالِهِ كَقَوْلِهِ: كَيْفَ حَالُك، كَيْفَ أَصْبَحْت مَثَلًا، مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ عَنْ مَجْلِسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الذِّكْرِ، كَذَا فِي الْأَصْلِ.

[ما يجوز في الاعتكاف]

(وَ) جَازَ (تَطَيُّبُهُ) بِأَنْوَاعِ الطِّيبِ وَإِنْ كُرِهَ لِلصَّائِمِ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَعَهُ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِمَّا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الصَّائِمِ. (وَ) جَازَ لَهُ (أَنْ: يَنْكِحَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ: أَيْ يَعْقِدَ لِنَفْسِهِ، (وَ) أَنْ (يُنْكِحَ) بِضَمِّهَا أَيْ يُزَوِّجَ مَنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ مَجْلِسِهِ وَلَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ، وَإِلَّا كُرِهَ. (وَ) جَازَ (أَخْذُهُ إذَا خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ (لِكَغُسْلٍ) لِجَنَابَةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ (ظُفْرًا أَوْ شَارِبًا أَوْ عَانَةً) . (وَ) وَكُرِهَ حَلْقُ الرَّأْسِ. (وَ) جَازَ إذَا خَرَجَ لِغَسْلِ ثَوْبِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ (انْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ وَتَجْفِيفِهِ) إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ وَإِلَّا كُرِهَ. (وَمُطْلَقُ الْجِوَارِ) مُبْتَدَأٌ (اعْتِكَافٌ) خَبَرُهُ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ جِوَارًا بِمَسْجِدٍ مُبَاحٍ أَوْ نَوَاهُ، وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، وَلَا فِطْرٍ كَأَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَا يَجُوز فِي الِاعْتِكَاف] قَوْلُهُ: [وَجَازَ تَطَيُّبُهُ] : أَيْ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، خِلَافًا لِحَمْدِيسٍ الْقَائِلِ بِكَرَاهَتِهِ لِلصَّائِمِ وَلَوْ مُعْتَكِفًا. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا كُرِهَ] : أَيْ حَيْثُ حَصَلَ انْتِقَالٌ أَوْ طُولٌ، وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ. قَوْلُهُ: [لِكَغُسْلٍ لِجَنَابَةٍ] إلَخْ: وَلَوْ لِحَرٍّ أَصَابَهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ خَرَجَ لِضَرُورَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْغُسْلِ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ حَلْقُ الرَّأْسِ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَهُ، خِلَافًا لِمَا فِي الْخَرَشِيِّ مِنْ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلٍ الْجُمُعَةِ جَازَ لَهُ حَلْقُ الرَّأْسِ، وَلَا يَخْرُجُ لِحَلْقِهِ اسْتِقْلَالًا، لَكِنْ وَافَقَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ حَلْقِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَوْلِ بِمَا لَمْ يَتَضَرَّرْ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: [إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ] : أَيْ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ فَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ. قَوْلُهُ: [بِمَسْجِدٍ مُبَاحٍ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ جِوَارًا بِغَيْرِ مَسْجِدٍ، أَوْ مَسْجِدٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَمَسَاجِدِ الْبُيُوتِ الْمَحْجُورَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.

قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ مُجَاوَرَةُ هَذَا الْمَسْجِدِ، أَوْ نَوَيْت الْجِوَارَ بِهِ، فَهُوَ اعْتِكَافٌ بِلَفْظِ جِوَارٍ، فَيَجْرِي فِيهِ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ صِحَّةِ بُطْلَانٍ وَجَوَازٍ وَنَدْبٍ وَكَرَاهَةٍ. وَيَلْزَمُهُ فِي النَّذْرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافٌ. وَإِذَا لَمْ يَنْذُرْهُ يَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ مَا ذُكِرَ، وَأَمَّا إذْ قَيَّدَ بِشَيْءٍ فَإِنْ قَيَّدَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِفِطْرٍ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ اعْتِكَافٌ وَيَلْزَمُهُ مَا نَذَرَ وَبِالدُّخُولِ مَا نَوَاهُ. (فَإِنْ قَيَّدَهُ بِنَهَارٍ) فَقَطْ كَهَذَا النَّهَارِ أَوْ نَهَارِ الْخَمِيسِ، (أَوْ لَيْلٍ) فَقَطْ (لَزِمَ مَا نَذَرَهُ لَا مَا نَوَاهُ) فَلَهُ الْخُرُوجُ مَتَى شَاءَ، (وَلَا صَوْمَ) عَلَيْهِ فِيهِمَا (كَأَنْ قَيَّدَ بِالْفِطْرِ) فَلَا يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ بِالدُّخُولِ وَلَا الصَّوْمِ، (فَلَهُ الْخُرُوجُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (إنْ نَوَى شَيْئًا) مِنْ الْيَوْمِ أَوْ الْأَيَّامِ (مَتَى شَاءَ وَلَوْ أَوَّلَ يَوْمٍ) فِيمَا إذَا نَوَى أَيَّامًا أَوْ أَوَّلَ سَاعَةٍ مِنْ الْيَوْمِ، فِيمَا إذَا نَوَى يَوْمًا أَوْ بَعْضَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَذَرَهُ وَلَا صَوْمَ لِالْتِزَامِهِ الْفِطْرَ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْجِوَارِ الْمُقَيَّدِ بِزَمَنٍ وَلَوْ قَلَّ - كَيَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ - وَلَوْ سَاعَةً لَطِيفَةً أَوْ بِفِطْرٍ فَضْلًا كَثِيرًا؛ فَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا لِأَمْرٍ مَا، وَنَوَى الْجِوَارَ بِهِ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مَا دَامَ مَاكِثًا بِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ قَيَّدَهُ بِنَهَارٍ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْجِوَارَ إمَّا مُطْلَقٌ أَوْ مُقَيَّدٌ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَنْوِ فِيهِ فِطْرًا لَزِمَ بِالنَّذْرِ إذَا نَذَرَهُ، وَبِالدُّخُولِ إذَا نَوَاهُ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِالْفِطْرِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالنَّذْرِ وَلَا يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ إذَا نَوَاهُ، وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالنَّذْرِ، وَلَا يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ كَالْمُقَيَّدِ بِالْفِطْرِ. قَوْلُهُ: [كَأَنْ قَيَّدَ بِالْفِطْرِ] : أَيْ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَوَّلَ يَوْمٍ] : أَيْ وَهُوَ الْأَرْجَحُ مِنْ تَأْوِيلَيْنِ ذَكَرَهُمَا خَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [فَضْلًا كَثِيرًا] : أَيْ وَلِذَلِكَ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ. قَوْلُهُ: [مَا دَامَ مَاكِثًا بِهِ] : لِمَا وَرَدَ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «إنَّهُ فِي صَلَاةٍ

وَلَمَّا كَانَتْ مُبْطِلَاتُ الِاعْتِكَافِ قِسْمَيْنِ. الْأَوَّلُ: مَا يَبْطُلُ مَا فَعَلَ مِنْهُ، وَيُوجِبُ اسْتِئْنَافَهُ - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: " وَإِلَّا خَرَجَ وَبَطَلَ " إلَخْ - وَالثَّانِي: مَا يَخُصُّ زَمَنَهُ وَلَا يَبْطُلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ؛ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ فَقَطْ، وَمَا يَمْنَعُ الْمُكْثَ بِالْمَسْجِدِ فَقَطْ، وَمَا يَمْنَعُهَا مَعًا، أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَخْرُجُ) الْمُعْتَكِفُ: أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ (لِمَانِعٍ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ) دُونَ الْمَسْجِدِ، (كَالْعِيدِ وَمَرَضٍ خَفِيفٍ) يَسْتَطِيعُ الْمُكْثَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ الصَّوْمِ، كَمَنْ نَذَرَ شَهْرَ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ نَوَاهُ عِنْدَ دُخُولِهِ فَلَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَكَذَا الْمَرَضُ الْخَفِيفُ، نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْخُرُوجُ - أَيْ جَوَازُهُ - مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ» ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «إنَّهُ فِي ضَمَانِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ لِمَنْزِلِهِ» ، وَكَفَانَا قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة: 18] الْآيَةَ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى] إلَخْ: أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الرَّجْرَاجِيِّ وَالْمَوَّاقِ، وَقِيلَ إنَّهُ يَجُوزُ الْخُرُوجُ وَمِثْلُ يَوْمِ الْأَضْحَى تَالِيَاهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ لِلْعُذْرِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ وَعَدَمِ جَوَازِهِ قَوْلَيْنِ، فَرُوِيَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يَخْرُجُ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَخْرُجُ، هَكَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ نَاجِي وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْخُرُوجُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَا عَزَاهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا نَقَلَهُ (ح) . وَأَمَّا مَا قَرَّرَ الْأُجْهُورِيُّ مِنْ وُجُوبِ الْبَقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ كَمَا فِي (ح) اُنْظُرْ (بْن) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ لَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: " إلَّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ "، لِأَنَّهُ كَلَامٌ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ الْوَاجِبِ لِعُذْرٍ مَانِعٍ لَهُ مِنْ الصَّوْمِ وَالْمَسْجِدِ، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ بَقَائِهِ هُنَا لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ مِنْ أَصْلِهِ] : أَيْ وَيَبْتَدِئُهُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.

وَأَشَارَ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (بِخِلَافِ الْمَانِعِ مِنْ الْمَسْجِدِ) سَوَاءٌ مَنَعَ الصَّوْمَ أَيْضًا - (كَالْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ - أَوْ لَا؛ كَسَلَسِ بَوْلٍ وَإِسَالَةِ جُرْحٍ أَوْ دُمَّلٍ يُخْشَى مَعَهُ تَلَوُّثُ الْمَسْجِدِ (فَيَخْرُجُ) مِنْهُ وُجُوبًا (وَعَلَيْهِ حُرْمَتُهُ) أَيْ الِاعْتِكَافِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ، فَلَا يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ جِمَاعٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ. وَتَعَاطِي مُسْكِرٍ. وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ مِنْ أَصْلِهِ. (وَبَنَى) وُجُوبًا (فَوْرًا بِزَوَالِهِ) : أَيْ بِمُجَرَّدِ زَوَالِ عُذْرِهِ الْمَانِعِ مِنْ الْمَسْجِدِ كَالْحَيْضِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَالْمَرَضِ الشَّدِيدِ وَالسَّلَسِ، بِأَنْ يَرْجِعَ لِلْمَسْجِدِ لِقَضَاءِ مَا حَصَلَ فِيهِ الْمَانِعُ، وَتَكْمِيلِ مَا نَذَرَهُ. وَلَوْ انْقَضَى زَمَنُهُ إذَا كَانَ مُعَيِّنًا كَالْعَشَرَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ، فَيَقْضِي مَا فَاتَهُ أَيَّامَ الْعُذْرِ. وَيَأْتِي بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْهَا وَلَوْ بَعْدَ الْعِيدِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيِّنِ فَيَأْتِي بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا نَوَاهُ بِدُخُولِهِ تَطَوُّعًا فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ أَتَى بِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا قَضَاءَ لِمَا فَاتَهُ بِالْعُذْرِ. (فَإِنْ أَخَّرَهُ) : أَيْ الرُّجُوعَ لِلْمَسْجِدِ - وَلَوْ لِنِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ - (بَطَلَ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَبَنَى وُجُوبًا فَوْرًا بِزَوَالِهِ] : قَدْ أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَحَاصِلُ إيضَاحِهِ أَنْ تَقُولَ: الْعُذْرُ: إمَّا إغْمَاءٌ، أَوْ جُنُونٌ، أَوْ حَيْضٌ، أَوْ نِفَاسٌ، أَوْ مَرَضٌ، وَالِاعْتِكَافُ: إمَّا نَذْرٌ مُعَيَّنٌ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ نَذْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، أَوْ تَطَوُّعٌ مُعَيَّنٌ بِالْمُلَاحَظَةِ، أَوْ غَيْرُهُ؛ فَهَذِهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسَةٍ فِي مِثْلِهَا. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَطْرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ، أَوْ مُقَارِنًا لَهُ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ؛ فَصَارَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ. فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَوَانِعُ فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ الْمُطْلَقِ أَوْ الْمُعَيَّنِ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبِنَاءِ بَعْدَ زَوَالِهَا، سَوَاءٌ طَرَأَتْ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ وَقَارَنَتْ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهَذِهِ ثَلَاثُونَ. وَإِنْ كَانَ نَذْرًا مُعَيَّنًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ طَرَأَتْ خَمْسَةُ الْأَعْذَارِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الِاعْتِكَافِ، أَوْ مُقَارَنَةً فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ طَرَأَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْقَضَاءُ مُتَّصِلًا؛ فَصُوَرُهُ خَمْسَةَ عَشْرَ: خَمْسَةٌ يَقْضِي فِيهَا، وَعَشْرَةٌ لَا قَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا قَضَاءَ، سَوَاءٌ طَرَأَتْ خَمْسَةُ الْأَعْذَارِ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ مُقَارِنَةً لَهُ، فَصُوَرُهُ ثَلَاثُونَ فَالْجُمْلَةُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ صُورَةً. وَبَقِيَ حُكْمُ مَا إذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا؛ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَقْضِي سَوَاءٌ كَانَ الِاعْتِكَافُ نَذْرًا مُعَيَّنًا مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ نَذْرًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ كَانَ

[تنبيه المعتكف إذا اجتمعت عليه عبادات متضادة الأماكن]

اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَهُ (إلَّا) إذَا أَخَّرَهُ (لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ) فَلَا يَبْطُلُ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ لِأَحَدٍ، بِخِلَافِ حَائِضٍ طَهُرَتْ أَوْ مَرِيضٍ صَحَّ لِصِحَّةِ الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِهِمَا فِي غَيْرِ الْعِيدِ، (أَوْ) لِلتَّأَخُّرِ (لِخَوْفٍ مِنْ كَلِصٍّ) وَسَبُعٍ فِي طَرِيقِهِ. (وَ) لَوْ شَرَطَ الْمُعْتَكِفُ لِنَفْسِهِ سُقُوطَ الْقَضَاءِ عَنْهُ عَلَى فَرْضِ حُصُولِ عُذْرٍ أَوْ مُبْطِلٍ (لَا يَنْفَعُهُ اشْتِرَاطُ سُقُوطِ الْقَضَاءِ) : وَشَرْطُهُ لَغْوٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ حَصَلَ مُوجِبُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَطَوُّعًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعِينٍ فَصُوَرُهُ خَمْسٌ فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ ثَمَانُونَ. قَوْلُهُ: [بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَهُ] : أَيْ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الَّتِي يُؤْمَرُ فِيهَا بِالْبِنَاءِ الْمَعْلُومَةِ مِمَّا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ لِأَحَدٍ] : جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ؟ مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الصَّوْمُ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي طَهُرَتْ فِيهِ الْحَائِضُ، وَصَحَّ فِيهِ الْمَرِيضُ، يَصِحُّ صَوْمُهُ لِغَيْرِهِمَا، بِخِلَافِ يَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ لِأَحَدٍ. [تَنْبِيه الْمُعْتَكِف إذَا اجتمعت عَلَيْهِ عِبَادَات مُتَضَادَّة الْأُمَّاكُنَّ] قَوْلُهُ: [وَلَوْ شَرَطَ الْمُعْتَكِفُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إذَا شَرَطَ أَيْ عَزَمَ فِي نَفْسِهِ - سَوَاءٌ كَانَ عَزْمُهُ قَبْلَ دُخُولِ الْمُعْتَكَفِ أَوْ بَعْدَهُ - عَلَى أَنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ لَا يَقْضِي، أَوْ أَنَّهُ يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَصُومُ، لَمْ يُفْدِهِ شَرْطُهُ، أَيْ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ، وَاعْتِكَافُهُ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عَلَى مُقْتَضَى مَا أَمَرَ الشَّارِعُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ اعْتِكَافٌ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الشَّرْطُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الِاعْتِكَافِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بَطَلَ الشَّرْطُ. تَنْبِيهٌ: إنْ اجْتَمَعَ عَلَى امْرَأَةٍ عِبَادَاتٌ مُتَضَادَّةُ الْأَمْكِنَةِ: كَعِدَّةٍ وَإِحْرَامٍ وَاعْتِكَافٍ فَإِنْ سَبَقَ الِاعْتِكَافُ الْعِدَّةَ - كَمَا لَوْ طَلُقَتْ أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ - أَوْ عَكْسُهُ، أَتَمَّتْ السَّابِقَ فَتَسْتَمِرُّ فِي مُعْتَكَفِهَا فِي الْأَوَّلِ، وَفِي مَنْزِلِ عِدَّتِهَا فِي الثَّانِي حَتَّى تُتِمَّهَا، ثُمَّ تَفْعَلَ الِاعْتِكَافَ إنْ كَانَ مَضْمُونًا أَوْ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُعَيَّنِ إنْ بَقِيَ مِنْ زَمَنِهِ شَيْءٌ. وَأَمَّا إنْ تَعَارَضَ إحْرَامٌ وَعِدَّةٌ فَتُتِمُّ الْإِحْرَامَ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَيَبْطُلُ مَبِيتُهَا فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعِدَّةِ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ، وَبَقِيَ صُورَتَانِ طُرُوُّ اعْتِكَافٍ عَلَى إحْرَامٍ وَعَكْسُهُ، فَتُتِمُّ السَّابِقَ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ تَخْشَى فِي الثَّانِيَةِ " فَوَاتَ الْحَجِّ فَتُقَدِّمَهُ إنْ كَانَا فَرْضَيْنِ أَوْ نَفَلَيْنِ، أَوْ الْإِحْرَامُ فَرْضًا وَالِاعْتِكَافُ نَفْلًا، فَإِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ فَرْضًا وَالْإِحْرَامُ نَفْلًا أَتَمَّتْ الِاعْتِكَافَ، وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لَا تَخُصَّانِ الْمَرْأَةَ. خَاتِمَةٌ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلِلْمُكَاتَبِ اعْتِكَافُ الْيَسِيرِ، وَلِلْمُبَعَّضِ مُطْلَقُهُ وَلَوْ كَثِيرًا فِي زَمَنِ نَفْسِهِ، وَلِلسَّيِّدِ مَنْعُ غَيْرِ ذَلِكَ؛ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِي نَذْرٍ مُعَيَّنٍ فَيُنْذَرَ، أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا فَيَدْخُلَ. فَإِنْ نَذَرَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَمُنِعَ فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ، وَقِيَاسُهُ إذَا تَأَيَّمَتْ الْمَرْأَةُ؛ عَلَيْهَا حَيْثُ مُنِعَتْ مَا لَمْ يَفُتْ زَمَنُ الْمُعَيَّنِ (اهـ) وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي قِيلَ فِي الِاعْتِكَافِ يُقَالُ فِي الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

[باب الحج والعمرة]

فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَرْكَانِهِمَا، وَوَاجِبَاتِهِمَا وَسُنَنِهِمَا، وَمُبْطِلَاتِهِمَا، وَمُهِمَّاتِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ] [فرضية الْحَجّ وَحَقِيقَته وَسُنِّيَّة الْعُمْرَة] بَابْ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ

(فُرِضَ الْحَجُّ) عَيْنًا (وَسُنَّتْ الْعُمْرَةُ) كَذَلِكَ (فَوْرًا) : إذَا تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَمَا يَلْحَقُ بِهَا، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الدِّعَامَةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ الْحَجُّ: بِفَتْحِ الْحَاءِ - وَهُوَ الْقِيَاسُ - وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ سَمَاعًا، وَكَذَا اللُّغَتَانِ فِي الْحَجَّةِ، وَقِيلَ: الْحَجُّ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَبِالْكَسْرِ، الِاسْمُ، وَقِيلَ: الِاسْمُ بِهِمَا. الْجَوْهَرِيُّ: الْحَجُّ الْقَصْدُ وَرَجُلٌ مَحْجُوجٌ: أَيْ مَقْصُودٌ، وَهَذَا الْأَصْلُ. ثُمَّ تُعُورِفَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْقَصْدِ إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ لِلنُّسُكِ تَقُولُ: حَجَجْت الْبَيْتَ أَحُجُّهُ حَجًّا فَأَنَا حَاجٌّ. وَرُبَّمَا أَظْهَرُوا التَّضْعِيفَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ قَالَ الرَّاجِزُ بِكُلِّ شَيْخٍ عَامِرٍ أَوْ حَاجِجْ وَإِنَّمَا أُضِيفَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَلَمْ تُضَفْ بَقِيَّةُ الْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ الرِّيَاءُ فِيهَا جِدًّا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، حَتَّى إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحُجَّاجِ لَا يَكَادُ يَسْمَعُ حَدِيثًا فِي شَيْءٍ إلَّا ذَكَرَ مَا اتَّفَقَ لَهُ فِي حَجِّهِ، فَلَمَّا كَانَ مَظِنَّةَ الرِّيَاءِ قِيلَ فِيهِمَا: " لِلَّهِ " اعْتِنَاءً بِالْإِخْلَاصِ (اهـ خَرَشِيٌّ) . وَمَعْنَى الْحَجِّ اصْطِلَاحًا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ. وَمَعْنَى الْعُمْرَةِ لُغَةً: الزِّيَارَةُ، وَاصْطِلَاحًا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [فُرِضَ الْحَجُّ] : أَيْ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ. قَوْلُهُ: [وَسُنَّتْ الْعُمْرَةُ] : أَيْ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي كُلٍّ مَنْدُوبٍ. وَيُنْدَبُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَقْصِدَ إقَامَةَ الْمَوْسِمِ لِيَقَعَ الْحَجُّ

الْآتِيَةُ عَلَى أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ، وَتُسَنُّ عَلَى التَّرَاخِي إلَى ظَنِّ الْفَوَاتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْضَ كِفَايَةٍ، وَالْعُمْرَةُ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَهِيَ آكَدُ مِنْ الْوِتْرِ، وَقِيلَ هِيَ فَرْضٌ كَالْحَجِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: فَرْضٌ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ. وَهَلْ فَرْضٌ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَوْ بَعْدَهَا سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ؟ وَصَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ، أَوْ ثَمَانً أَوْ تِسْعٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِكْمَالِ؛ أَقْوَالٌ، وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ عَشْرٍ فَتَكُونُ مُؤَكَّدَةً عَلَى أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ. «وَحَجَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَجَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعًا: عُمْرَتُهُ الَّتِي صَدَّهُ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَتُهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ حِينَ صَالَحُوهُ، وَعُمْرَتُهُ حِينَ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْجِعْرَانَةِ - وَكُلٌّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَقِيلَ إنَّ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ كَانَتْ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ - وَعُمْرَتُهُ مَعَ حَجِّهِ» . قَوْلُهُ: [عَلَى أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ] : وَهُوَ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْقَوْلُ بِالتَّرَاخِي لِخَوْفِ الْفَوَاتِ رِوَايَةُ الْمَغَارِبَةِ، وَالْغَالِبُ تَقْدِيمُهُمْ بَعْدَ الْمِصْرِيِّينَ كَابْنِ الْقَاسِم، لَكِنْ هُنَا رَجَحَتْ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْمُفْسِدِ، وَأَمَّا هُوَ فَاتُّفِقَ عَلَى فَوْرِيَّةِ الْقَضَاءِ فِيهِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ (ح) : وَانْظُرْ هَلْ يَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْعُمْرَةِ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ (اهـ) . وَلَكِنْ صَرِيحُ شَارِحِنَا أَنَّهَا مِثْلُهُ وَهُوَ مُفَادُ الْجَلَّابِ وَابْنِ شَاسٍ. قَوْلُهُ: [إلَى ظَنِّ الْفَوَاتِ] : أَيْ إلَى وَقْتٍ يَخَافُ فِيهِ فَوَاتَهُ: بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ،

(عَلَى الْحُرِّ) : فَلَا يَجِبُ حَجٌّ وَلَا تُسَنُّ عُمْرَةٌ عَلَى رَقِيقٍ وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ. (الْمُكَلَّفِ) لَا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ. (الْمُسْتَطِيعِ) أَيْ الْقَادِرِ عَلَى الْوُصُولِ لَا عَلَى غَيْرِهِ؛ مِنْ مُكْرَهٍ وَفَقِيرٍ وَخَائِفٍ مِنْ كَلِصٍّ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. (مَرَّةً) فِي الْعُمْرِ. فَشُرُوطُ وُجُوبِهِ أَرْبَعَةٌ: الْحُرِّيَّةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ. وَسَيَأْتِي أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطُ صِحَّةٍ. (وَهُوَ) : أَيْ الْحَجُّ؛ أَيْ حَقِيقَتُهُ (حُضُورُ جُزْءٍ) : أَيَّ جُزْءٍ كَانَ (بِعَرَفَةَ) : أَيْ فِيهَا. وَالتَّعْبِيرُ بِ " حُضُورُ " أَعَمُّ مِنْ الْوُقُوفِ لِشُمُولِهِ الْمَارَّ وَالْجَالِسَ وَالْمُضْطَجِعَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، (سَاعَةً) زَمَانِيَّةً - وَلَوْ كَالْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ - لَا فَلَكِيَّةً، (مِنْ) سَاعَاتِ (لَيْلَةِ) يَوْمِ (النَّحْرِ، وَطَوَافٌ بِالْبَيْتِ) الْعَتِيقِ (سَبْعًا) أَيْ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَزْمَانِ. قَوْلُهُ: [لَا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ] : أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا كَالرَّقِيقِ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ مِنْ الْجَمِيعِ، وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ حُرًّا مُكَلَّفًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ كَمَا يَأْتِي؛ فَمَنْ يَكُنْ حُرًّا أَوْ مُكَلَّفًا وَقْتَهُ لَمْ يَقَعْ فَرْضًا، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ إذَا عَتَقَ أَوْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِحَجَّةٍ أُخْرَى. قَوْلُهُ: [عَلَى غَيْرِهِ] : أَيْ لَا عَلَى غَيْرِ الْقَادِرِ، فَإِنْ تَكَلَّفَهُ سَقَطَ الْفَرْضُ. قَوْلُهُ: [فَشُرُوطُ وُجُوبِهِ أَرْبَعَةٌ] : لَكِنْ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ - كَمَا أَنَّهَا شُرُوطٌ فِي الْوُجُوبِ - شُرُوطٌ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا، وَالرَّابِعُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ. وَلِذَلِكَ لَوْ تَكَلَّفَهُ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ سَقَطَ الْفَرْضُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ فِي الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطُ صِحَّةٍ] : فَشَرْطُ الصِّحَّةِ وَاحِدٌ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ. قَوْلُهُ: [مِنْ سَاعَاتِ لَيْلَةِ يَوْمِ النَّحْرِ] : وَيُجْتَزَأُ بِهَا فِي أَيْ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنْ يَدِ الْجَبَابِرَةِ، فَلَا يَصُولُ عَلَيْهِ جَبَّارٌ إلَّا وَيُهْلِكُهُ اللَّهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ قَدِيمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96]

[شروط صحة الحج والعمرة]

(وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَذَلِكَ) أَيْ سَبْعَ مَرَّاتٍ. (بِإِحْرَامٍ) . أَيْ حَالَ كَوْنِ الْحُضُورِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُتَلَبِّسًا بِإِحْرَامٍ؛ أَيْ نِيَّةٍ. فَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُهَا وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا. (وَهِيَ) : أَيْ الْعُمْرَةُ؛ أَيْ حَقِيقَتُهَا (طَوَافٌ وَسَعْيٌ كَذَلِكَ) : رَاجِعٌ لَهُمَا؛ أَيْ طَوَافٌ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا (بِإِحْرَامٍ) . فَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ كَمَا سَيَأْتِي مَعَ بَيَانِهَا وَبَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا، فَالْعُمْرَةُ لَا وُقُوفَ فِيهَا بِعَرَفَةَ. (وَصِحَّتُهُمَا) : أَيْ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ: (بِإِسْلَامٍ) : فَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ كَافِرٍ يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. (فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ) : أَيْ وَلِيُّ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ؛ أَبٌ أَوْ غَيْرُهُ نَدْبًا إذَا كَانَ مَعَهُ (عَنْ كَرَضِيعٍ) أَيْ رَضِيعٍ وَنَحْوِهِ مِنْ فَطِيمٍ لَمْ يَبْلُغْ التَّمْيِيزَ، فَزِيَادَتُنَا الْكَافَ لِيَشْمَلَهُ، (وَ) عَنْ مَجْنُونٍ (مُطْبَقٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ: وَهُوَ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَلَا يُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْآيَةَ. قَوْلُهُ: [مَعَ بَيَانِهَا] : أَيْ الْأَرْكَانِ؛ أَيْ التَّصْرِيحِ بِهَا. وَقَوْلُهُ: [وَبَيَانِ مَا تَعَلَّقَ بِكُلِّ رُكْنٍ] : أَيْ مِنْ جِهَةِ شُرُوطِهِ. قَوْلُهُ: [لَا وُقُوفَ فِيهَا بِعَرَفَةَ] : وَلِذَلِكَ كَانَ وَقْتُهَا السَّنَةُ كُلُّهَا مَا لَمْ يَكُنْ مُتَلَبِّسًا بِحَجٍّ كَمَا يَأْتِي. [شُرُوط صِحَّة الْحَجّ وَالْعُمْرَة] [تَنْبِيه مَا يَتَرَتَّب عَلَى الصَّبِيّ مِنْ هَدْي وفدية] قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرُهُ نَدْبًا] : أَيْ لَا وُجُوبًا لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ يَجُوزُ إدْخَالُهُ الْحَرَمَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ. وَغَيْرُ الْأَبِ يَشْمَلُ الْوَصِيَّ وَمُقَدَّمَ الْقَاضِي وَالْأُمَّ وَالْعَاصِبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَظَرٌ فِي الْمَالِ كَمَا نَقَلَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَمَعْنَى إحْرَامِهِ عَنْهُ نِيَّةُ إدْخَالِهِ فِي الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ مُتَلَبِّسًا بِالْإِحْرَامِ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [وَعَنْ مَجْنُونٍ مُطْبَقٍ] : وَهُوَ مَنْ لَا تُرْجَى إفَاقَتُهُ أَصْلًا.

(وَ) إذَا أَحْرَمَ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا (جُرِّدَا) أَيْ جَرَّدَهُمَا عَنْ الْمِخْيَطِ وُجُوبًا (قُرْبَ الْحَرَمِ) تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ " يُحْرِمُ " " وَجُرِّدَا "؛ فَلَا يُحْرِمُ عَنْهُمَا مِنْ الْمِيقَاتِ وَيُؤَخِّرُ التَّجْرِيدَ لِقُرْبِ الْحَرَمِ، كَمَا قِيلَ. فَالذَّاهِبُ مِنْ جِهَةِ رَابِغٍ يُؤَخِّرُ مَا ذُكِرَ لِقُرْبِ التَّنْعِيمِ؛ أَيْ مَسَاجِدِ عَائِشَةَ: وَلَا دَمَ بِتَعْدِيَتِهِمَا لِلْمِيقَاتِ. (وَانْتُظِرَ مَنْ) : أَيْ مَجْنُونٌ (تُرْجَى إفَاقَتُهُ) وُجُوبًا، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ إحْرَامُ وَلِيِّهِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الْفَوَاتَ، (فَإِنْ خِيفَ) عَلَيْهِ (الْفَوَاتُ) بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ - وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِعَادَتِهِ أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ عَارِفٍ - (فَكَالْمُطْبَقِ) يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ نَدْبًا. فَإِنْ أَفَاقَ فِي زَمَنٍ يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ أَحْرَمَ لِنَفْسِهِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَعَدِّي الْمِيقَاتِ لِعُذْرِهِ. (لَا مُغْمًى) : عَلَيْهِ (فَلَا يَصِحُّ إحْرَامٌ) مِنْ أَحَدٍ (عَنْهُ وَلَوْ خِيفَ الْفَوَاتُ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ عَدَمِ الطَّوْلِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ. (وَأَحْرَمَ) صَبِيٌّ (مُمَيِّزٌ بِإِذْنِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [قُرْبَ الْحَرَمِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَخْشَ عَلَيْهِمَا ضَرَرًا، وَإِلَّا فَالْفِدْيَةُ وَلَا يُجَرِّدُهُمَا. قَوْلُهُ: [كَمَا قِيلَ] : قَائِلُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَوَافَقَهُ الْبِسَاطِيُّ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ - قَالَهُ الْبُنَانِيُّ. قَوْلُهُ: [لِقُرْبِ التَّنْعِيمِ] : كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَمِ حَقِيقَتُهُ. وَلَكِنْ فِي الْأَصْلِ فَسَّرَ الْحَرَمَ بِمَكَّةَ نَفْسِهَا فَقَطْ. وَفِي الْمَجْمُوعِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَمِ مَكَّةُ وَكَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَا تَرَتَّبَ عَلَى الصَّبِيِّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ فَعَلَى وَلِيِّهِ مُطْلَقًا، خَشِيَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ أَمْ لَا، إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي إدْخَالِهِ فِي الْإِحْرَامِ، كَزِيَادَةِ نَفَقَةِ السَّفَرِ، وَجَزَاءِ صَيْدٍ صَادَهُ فِي الْحَرَمِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَيَاعَهُ بِعَدَمِ سَفَرِهِ مَعَهُ، فَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهُ فَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ فِي السَّفَرِ. وَجَزَاءُ صَيْدِ الْحَرَمِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَأَصْلِ النَّفَقَةِ الْمُسَاوِي لِنَفَقَةِ الْحَضَرِيِّ، فَإِنَّهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: [مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ] إلَخْ: ثُمَّ إنْ أَفَاقَ هُوَ فِي زَمَنٍ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ فِيهِ أَحْرَمَ وَأَدْرَكَهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَعَدِّي الْمِيقَاتِ لِعُذْرِهِ، كَالْمَجْنُونِ الَّذِي تُرْجَى إفَاقَتُهُ،

(كَعَبْدٍ) أَيْ رَقِيقٍ (وَامْرَأَةٍ) ذَاتِ زَوْجٍ، فَلَا تُحْرِمُ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا. (وَإِلَّا) - بِأَنْ أَحْرَمَ الْمُمَيِّزُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، أَوْ الرَّقِيقِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ الزَّوْجَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا - (فَلَهُ) : أَيْ لِمَنْ ذُكِرَ (التَّحْلِيلُ) لِمَنْ ذُكِرَ بِالنِّيَّةِ، وَالْحِلَاقِ أَوْ التَّقْصِيرِ إذَا لَمْ تُحْرِمْ الزَّوْجَةُ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا. (وَلَا قَضَاءَ) عَلَى الْمُمَيِّزِ إذَا بَلَغَ. (بِخِلَافِ الْعَبْدِ) إذَا عَتَقَ (وَالْمَرْأَةِ) إذَا تَأَيَّمَتْ فَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ إذَا حَلَّلَا، وَعَلَيْهِمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنْ لَمْ يُفِقْ مِنْ إغْمَائِهِ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِحْرَامِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ وَوُقُوفِهِمْ بِهِ فِي عَرَفَةَ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ الْفَوَاتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِحْرَامِ. قَوْلُهُ: [بِإِذْنِ زَوْجِهَا] إلَخْ: فَإِنْ أَذِنَ لِمَنْ ذُكِرَ وَأَرَادَ الْمَنْعَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْإِحْرَامِ، فَفِي الشَّامِلِ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ، وَلِأَبِي الْحَسَنِ لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لَا بَعْدَهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَمِثْلُ الْمُمَيِّزِ فِي كَوْنِ لَا يَحْرُمُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ: السَّفِيهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا عَلَيْهِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [فَلَهُ أَيْ لِمَنْ ذُكِرَ التَّحْلِيلُ] : أَيْ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إبْقَائِهِ أَبْقَاهُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ اسْتَوَتْ خُيِّرَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّحْلِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَ تَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَفِي ضِدِّهِ يَحْرُمُ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: " فَلَهُ التَّحْلِيلُ " لِلِاخْتِصَاصِ. وَمِثْلُ الصَّبِيِّ الْمُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ: السَّفِيهُ الْبَالِغُ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا حَلَّلَهُ. قَوْلُهُ: [بِالنِّيَّةِ] : أَيْ بِأَنْ يَنْوِيَ إخْرَاجَهُ مِنْ حُرُمَاتِ الْحَجِّ، وَتَصْيِيرَهُ حَلَالًا، ثُمَّ يَحْلِقُ لَهُ رَأْسَهُ وَلَا يَكْفِي فِي إحْلَالِهِ رَفْضُهُ نِيَّةَ الْحَجِّ بَلْ لَا بُدَّ مِمَّا ذُكِرَ. قَوْلُهُ [فَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ] : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَجْرُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ فَلِحَقِّ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ لِضَعْفِهِ. قَوْلُهُ: [وَعَلَيْهِمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا] : أَيْ وَيُقَدِّمَانِ الْقَضَاءَ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ قَدَّمَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ صَحَّتْ.

(وَأَمَرَهُ) الْوَلِيُّ (مَقْدُورَهُ) : أَيْ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الصَّبِيُّ مِنْ أَقْوَالِ الْحَجِّ وَأَفْعَالِهِ؛ فَيُلَقِّنُهُ التَّلْبِيَةَ إنْ قَبِلَهَا، (وَإِلَّا) يَقْدِرَ - بِأَنْ عَجَزَ عَنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ عَنْ الْجَمِيعِ؛ كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمُطْبَقِ - (نَابَ) الْوَلِيُّ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْعَاجِزِ (إنْ قَبِلَهَا) أَيْ قَبِلَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ النِّيَابَةَ، وَلَا يَكُونُ إلَّا فِعْلًا (كَرَمْيٍ) لِجِمَارٍ، (وَذَبْحٍ) لِهَدْيٍ أَوْ فِدْيَةٍ، وَمَشْيٍ فِي طَوَافٍ وَسَعْيٍ، (لَا) إنْ لَمْ يَقْبَلْ النِّيَابَةَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ) : أَيْ صَلَاةٍ وَغُسْلٍ، فَتَسْقُطُ حَيْثُ عَجَزَ. (وَأَحْضَرَهُمْ) : أَيْ أَحْضَرَ الْوَلِيُّ الرَّضِيعَ وَالْمُطْبَقَ وَالصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ (الْمَشَاهِدَ) الْمَطْلُوبَ حُضُورُهَا شَرْعًا؛ وَهِيَ عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَمِنًى. (وَإِنَّمَا يَقَعُ) الْحَجُّ (فَرْضًا، إذَا كَانَ) الْمُحْرِمُ بِهِ (وَقْتَ الْإِحْرَامِ حُرًّا مُكَلَّفًا) : أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا، (وَلَمْ يَنْوِ) الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ بِحَجِّهِ (نَفْلًا) الْوَاوُ لِلْحَالِ: أَيْ حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَنَا وَبِحَجِّهِ نَفْلًا، بِأَنْ نَوَى بِهِ الْفَرْضَ، أَوْ أَطْلَقَ فَيَنْصَرِفُ لِلْفَرْضِ. فَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا نَوَى عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوْ حُرًّا مُكَلَّفًا وَنَوَى بِهِ النَّفَلَ، لَمْ يَقَعْ فَرْضًا وَلَوْ عَتَقَ الرَّقِيقُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ إثْرَ ذَلِكَ وَلَا يُرْتَفَضُ إحْرَامُهُ وَلَا يُرْدَفُ عَلَيْهِ آخَرُ، وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ. (وَالِاسْتِطَاعَةُ) - الَّتِي هِيَ أَحَدُ شُرُوطِ الْوُجُوبِ - أَمْرَانِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَمَرَهُ] : أَيْ الْوَلِيُّ مَقْدُورَهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: [وَأَحْرَمَ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ بِإِذْنِهِ] . قَوْلُهُ: [فَتَسْقُطُ حَيْثُ عَجَزَ] : أَيْ وَلَا دَمَ. قَوْلُهُ: [وَأَحْضَرَهُمْ] : أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مَجْنُونًا نَوَى عَنْهُ وَلِيُّهُ] : أَيْ مُطْبَقًا. قَوْلُهُ: [لَمْ يَقَعْ فَرْضًا] : أَيْ وَإِنَّمَا يَقَعُ نَفْلًا وَلَوْ نَوَى بِهِ الْفَرْضَ، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ لَكِنْ لَوْ صَلَّوْهَا وَقَعَتْ مِنْهُمْ فَرْضًا. وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ وَقْتَ الْإِحْرَامِ حُرًّا مُكَلَّفًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ حُرِّيَّتُهُ أَوْ تَكْلِيفُهُ وَقْتَ الْإِحْرَامِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى النَّفْلِيَّةَ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُرْتَفَضُ إحْرَامَهُ] . . . إلَخْ أَيْ لَوْ رَفَضَ ذَلِكَ الْإِحْرَامَ الْحَاصِلَ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَأَحْرَمَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، كَانَ إحْرَامُهُ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ.

الْأَوَّلُ: (إمْكَانُ الْوُصُولِ) لِمَكَّةَ إمْكَانًا عَادِيًّا بِمَشْيٍ أَوْ رُكُوبٍ بِبَرٍّ أَوْ بَحْرٍ (بِلَا مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ) أَيْ عَظِيمَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْعَادَةِ، وَإِلَّا فَالْمَشَقَّةُ لَا بُدَّ مِنْهَا؛ إذَا السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ. (وَ) الثَّانِي: (أَمِنَ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ) : مِنْ مُحَارِبٍ وَغَاصِبٍ لَا سَارِقٍ (لَهُ بَالٌ) : بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ؛ فَقَدْ يَكُونُ الدِّينَارُ لَهُ بَالٌ بِالنِّسْبَةِ لِشَخْصٍ، وَلَا بَالَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لِآخَرَ (لَا إنْ قَلَّ) الْمَالُ الْمَأْخُوذُ، بِأَنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ فَلَا يَسْقُطُ الْحَجُّ بِخَوْفِ أَخْذِهِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ، وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَنْكُثَ ظَالِمٌ) : أَيْ يَرْجِعَ لِلْأَخْذِ ثَانِيًا بَعْدَ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ خِيفَ مِنْهُ ذَلِكَ سَقَطَ وُجُوبُهُ بِاتِّفَاقِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ قَلَّ الْمَجْمُوعُ. فَإِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَبَ الْحَجُّ (وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَ) بِلَا (رَاحِلَةٍ) يَرْكَبُهَا (لِذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ) : يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى زَادٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إمْكَانًا عَادِيًّا] : فَلَا يَجِبُ بِنَحْوِ طَيَرَانٍ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ إنْ وَقَعَ أَجْزَأَ. وَتَرَدَّدَ زَرُّوقٌ فِي الْوُجُوبِ بِذَلِكَ، وَمُقْتَضَى شَارِحِنَا: عَدَمُ الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَالْمَشَقَّةُ لَا بُدَّ مِنْهَا] . . . إلَخْ وَالْمَشَقَّةُ الْمُسْقِطَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ. وَفِي (ح) التَّشْنِيعِ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ فِي سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، بَلْ النَّظَرُ بِحَسَبِ الْحَالِ وَالزَّمَانِ فِي أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهِمْ. وَمَنْ عَدِمَ الِاسْتِطَاعَةَ: سُلْطَانٌ يَخْشَى مِنْ سَفَرِهِ الْعَدُوَّ أَوْ اخْتِلَالَ الرَّعِيَّةِ أَوْ ضَرَرًا عَظِيمًا يَلْحَقُهُ بِعَزْلِهِ مَثَلًا لَا مُجَرَّدُ الْعَزْلِ فِيمَا يَظْهَرُ - كَذَا قَالَ الْأَشْيَاخُ. قَوْلُهُ: [مِنْ مُحَارِبٍ وَغَاصِبٍ] : يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنْ أَخْذِ الدَّالِّ عَلَى الطَّرِيقِ أُجْرَةً مِنْ الْمُسَافِرِينَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِيهِ تَفْصِيلُ الظَّالِمِ، وَيَكُونُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْمُسَافِرِينَ دُونَ أَمْتِعَتِهِمْ، إذْ مَنْ مَعَهُ دَوَابُّ وَلَوْ كَثُرَتْ كَالْمُتَجَرِّدِ فِي انْتِفَاعِهِمَا بِهِ. وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ عَدَدِ رُءُوسٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْمَتْبُوعِينَ فَقَطْ، وَإِذَا جَرَى عُرْفٌ بِشَيْءٍ عُمِلَ بِهِ لِأَنَّهُ كَالشَّرْطِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (عب) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِلَا زَادٍ] : رَدَّ: ب (لَوْ) عَلَى سَحْنُونَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِمَّنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ مُصَاحَبَةِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ صَنْعَةٌ أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى الْمَشْيِ. قَوْلُهُ: [وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَشْيُ غَيْرَ مُعْتَادٍ لَهُ، وَاشْتَرَطَ

وَلَا مَرْكُوبٍ؛ بَلْ يَقُومُ مَقَامَ الزَّادِ الصَّنْعَةُ الْكَافِيَةُ، كَبَيْطَرَةٍ وَحِلَاقَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَخِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ، وَيَقُومُ مَقَامَ الرَّاحِلَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَشْيِ اجْتِمَاعًا أَمْ انْفِرَادًا. (وَلَوْ) كَانَ الْقَادِرُ عَلَى الْمَشْيِ (أَعْمَى) يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ أَوْ بِقَائِدٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا. (أَوْ) قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ (بِمَا) أَيْ بِثَمَنِ شَيْءٍ (يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ) : مِنْ مَاشِيَةٍ وَعَقَارٍ وَثِيَابٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُ لَهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ (أَوْ بِافْتِقَارِهِ) : أَيْ وَلَوْ مَعَ افْتِقَارِهِ أَيْ صَيْرُورَتِهِ فَقِيرًا بَعْدَ حَجِّهِ. (وَ) مَعَ (تَرْكِ وَلَدِهِ) وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (لِلصَّدَقَةِ) مِنْ النَّاسِ (إنْ لَمْ يَخْشَ) عَلَيْهِمْ (ضَيَاعًا) ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْهَلَاكِ، بِأَنْ كَانَ الشَّأْنُ عَدَمَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ عَدَمَ مَنْ يَحْفَظُهُمْ. (أَوْ) قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ (بِسُؤَالٍ) مِنْ النَّاسِ، لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَفَادَهُمَا بِقَوْلِهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ اعْتِيَادَهُ، لَا إنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَادٍ لَهُ وَيَزْرِي بِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ. الْحَجُّ وَمَا قِيلَ فِيهِ يُقَالُ فِي الصَّنْعَةِ. قَوْلُهُ: [يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ] : أَيْ وَكَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يُوَصِّلُهُ. قَوْلُهُ: [قَدَرَ عَلَيْهَا] : أَيْ وَجَدَهَا وَلَا تُجْحِفُ بِهِ وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَعْمَى إذَا اهْتَدَى أَوْ وَجَدَ قَائِدًا، إذَا كَانَ رَجُلًا لَا امْرَأَةً، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهَا وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ قَائِدٍ بَلْ يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ] : أَيْ وَلَوْ ثَمَنُ وَلَدِ زِنًا، قَالَ (ح) : ثَمَنُ وَلَدِ الزِّنَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَإِثْمُ وَلَدِ الزِّنَا عَلَى أَبَوَيْهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ بِافْتِقَارِهِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَوْلَادِهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا يُوَصِّلُهُ فَقَطْ، وَلَا يُرَاعَى مَا يَئُولُ أَمْرُهُ وَأَمْرُ أَوْلَادِهِ إلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ لِلَّهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى فَوْرِيَّةِ الْحَجِّ. وَأَمَّا عَلَى التَّرَاخِي فَلَا إشْكَالَ فِي تَبْدِئَةِ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ وَالْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ التَّكَسُّبُ وَجَمْعُ الْمَالِ لِأَجْلِ أَنْ يَحْصُلَ مَا يَحُجُّ بِهِ، وَلَا أَنْ يَجْمَعَ مَا فَضَلَ عَنْ كَسْبِهِ مَثَلًا كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَصِيرَ مُسْتَطِيعًا، بَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ وَالْمُعْتَبَرُ الِاسْتِطَاعَةُ الْحَالِيَّةُ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

(إنْ كَانَ عَادَتُهُ) السُّؤَالَ، (وَظَنَّ الْإِعْطَاءَ) وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ. (وَاعْتُبِرَ) فِي الِاسْتِطَاعَةِ زِيَادَةٌ عَلَى إمْكَانِ الْوُصُولِ (مَا يُرَدُّ بِهِ) مِنْ الْمَالِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إلَى وَطَنِهِ، أَوْ أَقْرَبِ مَكَان يَعِيشُ بِهِ إذَا لَمْ تُمْكِنْهُ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ وَإِلَّا فَلَا. (وَزِيدَ) عَلَى الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ (فِي) حَقِّ (الْمَرْأَةِ: زَوْجٌ) يُسَافِرُ مَعَهَا، (أَوْ مَحْرَمٌ) بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، (أَوْ رُفْقَةٍ أُمِنَتْ) وَلَوْ رِجَالًا فَقَطْ، أَوْ نِسَاءً فَقَطْ، كَانَ الْحَجُّ عَلَيْهَا فَرْضًا؛ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ، وَإِلَّا سَقَطَ بَلْ يُمْنَعُ عَلَيْهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إنْ كَانَ عَادَتُهُ السُّؤَالَ] : أَيْ فِي الْحَضَرِ، وَأَمَّا فَقِيرٌ غَيْرُ سَائِلٍ فِي الْحَضَرِ، وَقَادِرٌ عَلَى سُؤَالِ كِفَايَتِهِ فِي السَّفَرِ، فَلَا يَجِبُ. وَفِي إبَاحَتِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَا ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ: [وَزِيدَ عَلَى الْأَمْنِ] : حَاصِلُهُ: أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ - الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ عِبَارَةٌ عَنْ إمْكَانِ الْوُصُولِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ أَنْ تَجِدَ مَحْرَمًا مِنْ مَحَارِمِهَا يُسَافِرُ مَعَهَا، أَوْ زَوْجًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» ، وَأَطْلَقَ فِي الْمَحْرَمِ فَيَعُمُّ الَّذِي مِنْ النَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَالرَّضَاعِ. وَقَوْلُهُ: " لِامْرَأَةٍ " نَكِرَةٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ؛ فَيَعُمُّ الْمُتَجَالَّةَ وَالشَّابَّةَ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ هِيَ وَالْمَحْرَمُ مُتَرَافِقَيْنِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِ الْمَرْكَبِ وَالثَّانِي فِي آخِرِهِ بِحَيْثُ إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ أَمْكَنَهَا الْوُصُولُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ كَفَى عَلَى الظَّاهِرِ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ الْبُلُوغُ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَوُجُودُ الْكِفَايَةِ.

(وَلَا تَصِحُّ نِيَابَةٌ) مِنْ أَحَدٍ (عَنْ) شَخْصٍ (مُسْتَطِيعٍ فِي) حَجِّ (فَرْضٍ) : ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهَلْ عَبْدُ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ مُطْلَقًا نَظَرًا لِكَوْنِهِ لَا يَتَزَوَّجُهَا فَتُسَافِرُ مَعَهُ؟ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ أَوَّلًا مُطْلَقًا؟ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ، أَوْ إنْ كَانَ وَغْدًا فَمَحْرَمٌ تُسَافِرُ مَعَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَزَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ لِمَالِكٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَصَّارِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ فِي سَفَرِ الْفَرْضِ فَقَطْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ. تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: يُزَادُ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهَا لَا يَلْزَمُهَا الْمَشْيُ الْبَعِيدُ. وَيَخْتَلِفُ الْبُعْدُ بِأَحْوَالِ النِّسَاءِ، وَلَا تَرْكَبُ صَغِيرَ السُّفُنِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا الْمُبَالَغَةُ فِي السِّتْرِ عِنْدَ كَالنَّوْمِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَحَيْثُ وَجَدَتْ الِاسْتِطَاعَةَ بِشُرُوطِهَا، فَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ لَا إنْ سَاوَتْ الْعَطَبَ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ بِالْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: 27] وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَحْرَ، فَرَدَّ بِأَنَّ الِانْتِهَاءَ لِمَكَّةَ لَا يَكُونُ إلَّا بِرًّا لِبُعْدِ الْبَحْرِ مِنْهَا. وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ بِالْبَحْرِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَضِيعَ رُكْنُ صَلَاةٍ لِكَدَوْخَةٍ. وَأَمَّا عَدَمُ مَاءِ الْوُضُوءِ فَسَبَقَ جَوَازُ السَّفَرِ مَعَ التَّيَمُّمِ، نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ مَاءِ الشُّرْبِ حَيْثُ تَضُرُّ بِهِمْ قِلَّتُهُ، وَفِي الْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِ لَا يَحُجُّ إنْ لَزِمَ صَلَاتُهُ بِالنَّجَاسَةِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَدْ يُنَاقَشُ بِالْخِلَافِ فِيهَا. الثَّانِي: لَا يَجِبُ الْحَجُّ بِاسْتِطَاعَتِهِ بِالدَّيْنِ وَلَوْ مِنْ وَلَدِهِ إذَا لَمْ يَرْجُ الْوَفَاءَ، أَوْ بِعَطِيَّةٍ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا لِذَلِكَ، وَيَصِحُّ بِالْمَالِ الْحَرَامِ مَعَ الْعِصْيَانِ. فَائِدَةٌ: الْحَجُّ وَلَوْ تَطَوُّعًا أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ لِفَجْءِ الْعَدُوِّ، أَوْ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، أَوْ بِكَثْرَةِ الْخَوْفِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ وَلَوْ فَرْضًا وَالْأَفْضَلُ فِي سَفَرِ الْحَجِّ الرُّكُوبُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَتَبِ رَحْلٌ صَغِيرٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْكِبْرِ. قَوْلُهُ: [عَنْ شَخْصٍ مُسْتَطِيعٍ] إلَخْ: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ " مُسْتَطِيعٍ فِي فَرْضٍ "، بَلْ الِاسْتِنَابَةُ فَاسِدَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ مُسْتَطِيعًا أَوْ لَا، فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ إنْ كَانَ حَيًّا كَمَا سَيَأْتِي اعْتِمَادُهُ فِي الشَّارِحِ.

بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا؛ فَالْإِجَارَةُ فِيهِ فَاسِدَةٌ. لِأَنَّهُ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَالْفَرْضُ بَاقٍ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ. (وَإِلَّا) تَكُنْ فِي فَرْضٍ - بَلْ فِي نَفْلٍ أَوْ فِي عُمْرَةٍ كُرِهَتْ النِّيَابَةُ، وَصَحَّتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا ذُكِرَ، وَلِلْمُسْتَنِيبِ أَجْرُ الدُّعَاءِ وَالنَّفَقَةِ، وَحَمْلُ النَّائِبِ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ. هَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي الْمُخْتَصَرِ، وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ: وَقَالَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْحَيِّ لَا تَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ مُطْلَقًا إلَّا عَنْ مَيِّتٍ أَوْصَى بِهِ فَتَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَشُبِّهَ فِي الْكَرَاهَةِ قَوْلُهُ: (كَبَدْءٍ لِلْمُسْتَطِيعِ) : أَيْ كَمَا يُكْرَهُ لِلْمُسْتَطِيعِ الَّذِي عَلَيْهِ حَجَّةُ الْفَرْضِ أَنْ يَبْدَأَ (بِهِ) : أَيْ بِالْحَجِّ (عَنْ غَيْرِهِ) قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى التَّرَاخِي، وَإِلَّا مُنِعَ. وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِمَادِ بَعْضِهِمْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ أَوْصَى بِهِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ. (وَ) كَكَرَاهَةِ (إجَارَةِ نَفْسِهِ) : أَيْ الْإِنْسَانِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (فِي عَمَلٍ لِلَّهِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ] : أَيْ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَائِدَةٌ - مِنْ الْعِبَادَةِ مَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ بِإِجْمَاعٍ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُهَا إجْمَاعًا كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَرَدِّ الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ النِّيَابَةَ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ] : الْمُرَادُ بِهِ (ر) قَائِلًا الْمُعْتَمَدُ مَنْعُ النِّيَابَةِ عَنْ الْحَيِّ مُطْلَقًا صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا كَانَتْ النِّيَابَةُ فِي فَرْضٍ أَوْ فِي نَفْلٍ كَانَتْ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِمَادِ بَعْضِهِمْ] : الَّذِي هُوَ (ر) كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ] : أَيْ مُطْلَقًا كَانَتْ النِّيَابَةُ فِي فَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ حَيْثُ كَانَتْ عَنْ حَيٍّ. قَوْلُهُ: [وَكَكَرَاهَةِ إجَارَةِ نَفْسِهِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِ مَالِكٍ: لَأَنْ يُؤَاجِرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ اللَّبِنِ وَقَطْعِ الْحَطَبِ وَسَوْقِ الْإِبِلِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ بِأُجْرَةٍ.

[أركان الحج]

تَعَالَى؛ حَجًّا أَوْ غَيْرَهُ، كَقِرَاءَةٍ وَإِمَامَةٍ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ إلَّا تَعْلِيمَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. (وَنَفَذَتْ) إنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ، أَيْ صَحَّتْ. وَمَحِلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْأُجْرَةُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا كَرَاهَةَ. (وَأَرْكَانُهُ) أَيْ الْحَجِّ (أَرْبَعَةٌ) أَوَّلُهَا: (الْإِحْرَامُ) وَهُوَ نِيَّةٌ مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ؛ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّجَرُّدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ] : قَالَ الشَّيْخُ فِي تَقْرِيرَةِ: يُسْتَثْنَى مِنْهُ عِلْمُ الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَعْلِيمِهِ بِأُجْرَةٍ، لِأَنَّهُ صَنْعَةٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [إلَّا تَعْلِيمَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى] : أَيْ وَمِثْلُهُ الْأَذَانُ وَإِنْ مَعَ الصَّلَاةِ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُجْرَةُ مِنْ وَقْفٍ، وَلَا مِنْ بَيْتِ مَالٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَذَكَرَ الْأَشْيَاخُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ أَنَّ الْعِلْمَ لَوْ جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ لَأَدَّى لِضَيَاعِ الشَّرِيعَةِ مَعَ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الدِّينِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ سِوَى الْفَاتِحَةِ؛ فَلِذَلِكَ رُخِّصَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ فِيهِ دُونَ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ: [وَنَفَذَتْ إنْ آجَرَ نَفْسَهُ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، وَإِنَّمَا نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ النِّيَابَةِ، وَهُنَا كَلَامٌ طَوِيلٌ فِي خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اتِّكَالًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ وَالْوَصَايَا، وَلِكَوْنِ إجَارَةِ الْحَجِّ مَكْرُوهَةً فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَفَاسِدَةٌ فِي بَعْضِهَا، لَمْ يَعْتَنِ بِتَفْصِيلِهَا وَقَدْ أَجَابَ بِذَلِكَ هُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. [أَرْكَان الْحَجّ] [الرُّكْن الْأَوَّل الْإِحْرَام] قَوْلُهُ: [وَأَرْكَانُهُ أَيْ الْحَجِّ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ مَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ،

فَلَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِهَا. (وَوَقْتُهُ) الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا (لِلْحَجِّ) إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ: أَيْ ابْتِدَاءُ وَقْتِهِ لَهُ: (شَوَّالٌ) مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَيَمْتَدُّ (لِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ؛ فَمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ فَجْرِهِ بِلَحْظَةٍ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ الْإِفَاضَةُ وَالسَّعْيُ بَعْدَهَا لِأَنَّ الرُّكْنَ عِنْدَنَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، وَقَدْ حَصَلَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ وَهِيَ: الْإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. وَهَذِهِ الْأَرْكَانُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَفُوتُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِشَيْءٍ: وَهُوَ الْإِحْرَامُ. وَقِسْمٌ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَيُؤْمَرُ بِالتَّحَلُّلِ بِعُمْرَةٍ وَبِالْقَضَاءِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ وَهُوَ الْوُقُوفُ، وَقِسْمٌ لَا يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَلَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْإِحْرَامِ وَلَوْ وَصَلَ لِأَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ رَجَعَ لِمَكَّةَ لِيَفْعَلَ: وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ وَالثَّلَاثَةُ غَيْرُ السَّعْيِ مُتَّفَقٌ عَلَى رُكْنِيَّتِهَا، وَأَمَّا السَّعْيُ فَقِيلَ بِعَدَمِ رُكْنِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَزَادَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْأَرْكَانِ: الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيَ الْعَقَبَةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا غَيْرُ رُكْنَيْنِ، بَلْ الْأَوَّلُ مُسْتَحَبٌّ وَالثَّانِي وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلًا بِرُكْنِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ. وَاخْتُلِفَ فِي اثْنَيْنِ خَارِجِ الْمَذْهَبِ وَهُمَا: النُّزُولُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَالْحِلَاقِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ يُجْبَرَانِ بِالدَّمِ فَهِيَ تِسْعَةٌ بَيْنَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَخَارِجِهِ. قَالَ (ح) : يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ إذَا أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يَنْوِيَ الرُّكْنِيَّةَ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَلِيَكْثُرَ الثَّوَابُ - أَشَارَ لَهُ الشَّبِيبِيُّ (اهـ بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِهَا] : أَيْ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ فِي تَرْكِ التَّلْبِيَةِ وَالتَّجَرُّدِ حِينَ النِّيَّةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. قَوْلُهُ: [وَوَقْتُهُ الْمَأْذُونُ فِيهِ] : أَيْ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [فَمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ فَجْرِهِ بِلَحْظَةٍ] : أَيْ فَالْمُرَادُ أَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي ذَكَرَهُ ظَرْفٌ مُتَّسَعٌ لِلْإِحْرَامِ فِيهِ إلَى أَنْ يَبْقَى عَلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لَحْظَةٌ يُدْرِكُ بِهَا الْإِحْرَامَ فَيَصِيرُ مَضِيقًا.

[بيان الميقات المكاني للإحرام]

(وَكُرِهَ) الْإِحْرَامُ لَهُ (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ شَوَّالٍ، وَانْعَقَدَ. (كَمَكَانِهِ) أَيْ كَمَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ قَبْلَ مَكَانِهِ الْآتِي بَيَانُهُ. (وَ) وَقْتُ الْإِحْرَامِ (لِلْعُمْرَةِ أَبَدًا) أَيْ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ الْعَامِ (إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ) : فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ، إلَّا إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ مِنْ طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَرَمْيٍ لِجَمِيعِ الْجَمَرَاتِ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، وَبِقَدْرِ رَمْيِهَا مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ بَعْدَ الزَّوَالِ إنْ تَعَجَّلَ. فَقَوْلُهُ: (فَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ رَمْيِ) الْيَوْمِ (الرَّابِعِ) بِالْفِعْلِ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ أَوْ بِقَدْرِهِ إذَا تَعَجَّلَ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ قَدَّمَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ. (وَكُرِهَ) الْإِحْرَامُ بِهَا (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ رَمْيِهِ الْيَوْمَ الرَّابِعَ (لِلْغُرُوبِ) مِنْهُ، (فَإِنْ أَحْرَمَ) بِهَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ صَحَّ إحْرَامُهُ (وَأَخَّرَ) وُجُوبًا (طَوَافَهَا) وَسَعْيَهَا (بَعْدَهُ) : أَيْ الْغُرُوبِ، وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِفِعْلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَعَادَهُمَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ أَبَدًا. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لِلْإِحْرَامِ بِقَوْلِهِ: (وَمَكَانُهُ) : أَيْ الْإِحْرَامُ (لَهُ) : أَيْ لِلْحَجِّ غَيْرِ الْقِرَانِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي، يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَاجِّينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَانْعَقَدَ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ وَقْتُ كَمَالٍ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ قَبْلَ وَقْتِهَا، لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلصِّحَّةِ وَالْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: [كَمَكَانِهِ] : أَيْ وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ] : أَيْ وَمِثْلُهُ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ فَلَا تَنْعَقِدُ عُمْرَةٌ عَلَى حَجٍّ، وَلَا عَلَى عُمْرَةِ الْمُحْرِمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ فَلَوْ قَالَ إلَّا لِمُحْرِمٍ بِنُسْكٍ لَكَانَ أَوْلَى. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِفِعْلِهِ] : أَيْ إنْ فَعَلَ بِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ شَيْئًا مِنْ طَوَافٍ أَوْ سَعْيٍ - وَمِنْهُ الدُّخُولُ لِلْحَرَمِ بِسَبَبِهَا - فَيُعِيدُ جَمِيعَ مَا فَعَلَهُ. فَإِنْ تَحَلَّلَ مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ، وَوَطِئَ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ فَيُتِمُّهَا وُجُوبًا وَيَقْضِيهَا وَيُهْدِي وَيَفْتَدِي لِكَالْحَلْقِ. [بَيَان الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لِلْإِحْرَامِ] قَوْلُهُ: [غَيْرُ الْقِرَانِ] : شَمِلَ كَلَامُهُ الْمُفْرِدَ الَّذِي لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالْمُتَمَتِّعَ الَّذِي تَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرِدًا.

فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ (لِمَنْ بِمَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَمْ لَا، وَلَوْ أَقَامَ بِهَا إقَامَةً لَا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ (مَكَّةَ) أَيْ: الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ فِي أَيِّ مَكَان مِنْهَا، وَمِثْلُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ فِي الْحَرَمِ خَارِجَهَا. (وَنُدِبَ) إحْرَامُهُ (بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ أَيْ فِيهِ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ، وَيُلَبِّي وَهُوَ جَالِسٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مِنْ مُصَلَّاهُ وَلَا أَنْ يَتَقَدَّمَ جِهَةَ الْبَيْتِ. (وَ) نُدِبَ خُرُوجُ الْآفَاقِيِّ الْمُقِيمِ بِهَا (ذِي النَّفْسِ) : أَيْ الَّذِي مَعَهُ نَفْسٌ: أَيْ سَعَةُ زَمَنٍ يُمْكِنُ الْخُرُوجُ فِيهِ لِمِيقَاتِهِ، وَإِدْرَاكُ الْحَجِّ (لِمِيقَاتِهِ) لِيُحْرِمَ مِنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَ) مَكَانُهُ (لَهَا) : أَيْ لِلْعُمْرَةِ لِمَنْ بِمَكَّةَ (وَلِلْقِرَانِ) أَيْ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا (الْحِلُّ) لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إذْ هُوَ شَرْطٌ فِي كُلِّ إحْرَامٍ، (وَصَحَّ) الْإِحْرَامُ لَهَا وَلِلْقِرَانِ (بِالْحَرَمِ) وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءً، (وَخَرَجَ) وُجُوبًا لِلْحِلِّ لِلْجَمْعِ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، (وَإِلَّا) يَخْرُجْ لِلْحِلِّ - وَقَدْ طَافَ لَهَا وَسَعَى (أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ) لِفَسَادِهِمَا (بَعْدَهُ) ، أَيْ بَعْدَ الْخُرُوجِ لِلْحِلِّ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَلَقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، (وَافْتَدَى إنْ حَلَقَ قَبْلَهُ) : أَيْ الْخُرُوجِ لِأَنَّ حَلْقَهُ وَقَعَ حَالَ إحْرَامِهِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَبْلَ الْخُرُوجِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّمَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ قَبْلَ خُرُوجِهِ طَافَ وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ بَعْدَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ: " وَإِلَّا أَعَادَ " إلَخْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَمِثْلُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ فِي الْحَرَمِ خَارِجَهَا] : أَيْ كَأَهْلِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مِنْ مُصَلَّاهُ] : أَيْ ثُمَّ يُلَبِّي بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ خُرُوجُ الْآفَاقِيِّ] إلَخْ: أَيْ كَمِصْرِيٍّ مُجَاوِرٍ بِمَكَّةَ فَيُنْدَبُ لَهُ إنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَمَعَهُ سَعَةٌ مِنْ الزَّمَنِ؛ إذَا وَصَلَ لِمِيقَاتِهِ الْجُحْفَةِ وَرَجَعَ، يُدْرِكُ الْوُقُوفَ. وَيُشْتَرَطُ الْأَمْنُ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا يُنْدَبُ لَهُ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ رُجُوعُهُ لِمِيقَاتِهِ حَرَامًا. قَوْلُهُ: [فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ] : أَيْ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْمَنْدُوبِ لَا تُوجِبُ شَيْئًا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَمَكَانُهُ لَهَا] إلَخْ: وَالْجِعْرَانَةُ أَوْلَى ثُمَّ التَّنْعِيمُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمْرَةِ. وَأَمَّا الْقِرَانُ فَلَا يُطْلَبُ لَهُ مَكَانٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْحِلِّ بَلْ الْحِلُّ فِيهِ مُسْتَوٍ. قَوْلُهُ: [وَافْتَدَى إنْ حَلَقَ قَبْلَهُ] : فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ الْحِلَاقِ فَسَدَتْ وَلَزِمَهُ

ظَاهِرٌ فِي الْعُمْرَةِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَا يُعِيدُ بَعْدَ خُرُوجِهِ لِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ بَعْدَ الْوُقُوفِ يَنْدَرِجُ فِيهَا طَوَافُ وَسَعْيُ الْعُمْرَةِ. (وَ) مَكَانُهُ (لِغَيْرِهِ) : أَيْ لِغَيْرِ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ (لَهُمَا) أَيْ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: (ذُو الْحُلَيْفَةِ) تَصْغِيرُ حَلْفَةٍ - بِالنِّسْبَةِ (لِمَدَنِيٍّ) ، وَمَنْ وَرَاءَهُ مِمَّنْ يَأْتِي عَلَى الْمَدِينَةِ، (وَالْجُحْفَةِ لِكَالْمَصْرِيِّ) : كَأَهْلِ الْمَغْرِبِ وَالسُّودَانِ وَالرُّومِ ـــــــــــــــــــــــــــــQإتْمَامُهَا، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَا يُعِيدُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ طَافَ وَسَعَى، وَإِنْ كَانَ لَغْوًا كَمَا قَرَّرَهُ مُؤَلِّفُهُ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ خُرُوجِهِ أَيْ لِلْحِلِّ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لِلْحِلِّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْخُرُوجِ لِعَرَفَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِخُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ، غَايَةُ مَا هُنَاكَ خَالَفَ الْوَاجِبَ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ (شب) لَا دَمَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [ذُو الْحُلَيْفَةِ] إلَخْ: وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ تِلْكَ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْآفَاقِيِّ فِي قَوْلِهِ: عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنُ ... وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِيُّ وَالشَّامُ جُحْفَةٌ إنْ مَرَرْت بِهَا ... وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ فَاسْتَبِنْ وَذُو الْحُلَيْفَةِ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ عَلَى عَشْرِ أَوْ تِسْعِ مَرَاحِلَ مِنْهَا، وَمِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْ سِتَّةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَبِهَا بِئْرٌ يُسَمِّيهَا الْعَوَامُّ بِئْرَ عَلِيٍّ تَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتَلَ بِهَا الْجِنَّ، قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَهَذِهِ النِّسْبَةُ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ. وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْرِمُ مِنْ مَسْجِدِهَا. قَوْلُهُ: [مِمَّنْ يَأْتِي عَلَى الْمَدِينَةِ] : أَيْ كَأَهْلِ الشَّامِ الْآنَ فَإِنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِهَا ذَهَابًا وَإِيَابًا. قَوْلُهُ: [وَالْجُحْفَةُ لِكَالْمَصْرِيِّ] : هِيَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ: قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَصْلُهَا لِلْيَهُودِ عَلَى خَمْسِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَثَمَانٍ مِنْ الْمَدِينَةِ. قَالَ بَعْضٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا وَسَبَّبَ خَرَابَهَا،

وَالشَّامِ، (وَيَلَمْلَمُ لِلْيَمَنِ وَالْهِنْدِ، وَقَرْنٌ) - بِسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (لِنَجْدٍ، وَذَاتُ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - (لِلْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَنَحْوِهِمَا) كَفَارِسَ وَالْمَشْرِقِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ أَيْ لِأَهْلِ مَا ذُكِرَ. (وَ) مَكَانُهُ لَهُمَا (مَسْكَنٌ) مِنْ أَيِّ جِهَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِسَاكِنٍ، (دُونَهَا) : أَيْ دُونَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ؛ بِأَنْ كَانَ الْمَسْكَنُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ، وَكَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ أَوْ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQنُقِلَ حِمَى الْمَدِينَةِ إلَيْهَا بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَمِنْ حُكْمِ الْجُحْفَةِ رَابِغٌ الَّذِي يُحْرِمُونَ مِنْهُ الْآنَ عَلَى الرَّاجِحِ. قَوْلُهُ: [وَالشَّامُ] : أَيْ إنْ أَتَوْا عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [وَيَلَمْلَمُ لِلْيَمَنِ] : هِيَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مِيمٌ، وَيُقَالُ بِهَمْزَةٍ بَدَلِ الْيَاءِ وَبِرَاءَيْنِ بَدَلِ اللَّامَيْنِ: جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: إنْ أُرِيدَ بِهَا الْجَبَلَ فَمُنْصَرِفَةٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْبُقْعَةَ فَغَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، بِخِلَافِ قَرْنٍ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ الْبُقْعَةِ يَجُوزُ صَرْفُهُ لِأَجْلِ سُكُونِ وَسَطِهِ. قَوْلُهُ: [وَقَرْنٌ] إلَخْ: وَيُقَالُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَهِيَ تِلْقَاءَ مَكَّةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ قَالُوا وَهِيَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ لِمَكَّةَ. قَوْلُهُ: [وَذَاتُ عِرْقٍ] : هِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، يُقَالُ إنَّ بِنَاءَهَا تَحَوَّلَ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ، فَتُتَحَرَّى الْقَرْيَةُ الْقَدِيمَةُ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: مِنْ عَلَامَاتِهَا الْمَقَابِرُ الْقَدِيمَةُ. قَوْلُهُ: [وَكَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ] : أَيْ كَقُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ الْمُسَمَّى الْآنَ بِوَادِي فَاطِمَةَ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: فَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْ مَسْكَنِهِ دُونَهَا إلَى وَرَاءِ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ رَجَعَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَكَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ

الْحَرَمِ وَأَفْرَدَ. فَإِنْ قَرَنَ أَوْ اعْتَمَرَ خَرَجَ مِنْهُ إلَى الْحِلِّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ كُلَّ إحْرَامٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَالْمُفْرِدُ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ. (وَ) مَكَانُهُ لَهُمَا أَيْضًا (حَيْثُ حَاذَى) أَيْ قَابَلَ الْمَارُّ (وَاحِدًا مِنْهَا) ، أَيْ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ كَرَابِغٍ فَإِنَّهَا تُحَاذِي الْجُحْفَةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (أَوْ مَرَّ بِهِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ؛ (وَلَوْ) كَانَ الْمُحَاذِي (بِبَحْرٍ) كَالْمُسَافِرِ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ بِبَحْرِ السُّوَيْسِ؛ فَإِنَّهُ يُحَاذِي ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمَنْزِلِهِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ إحْرَامُهُ مِنْ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ الْمُحَاذِي بِبَحْرٍ] : قَيَّدَهُ سَنَدٌ بِالْقُلْزُمِ وَهُوَ بَحْرُ السُّوَيْسِ. أَمَّا عَيْذَابُ وَهُوَ بَحْرُ الْيَمَنِ وَالْهِنْدِ - فَلَا يُحْرِمُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْبَرِّ، لِأَنَّ الرِّيحَ تَرِدُ فِيهِ كَثِيرًا، وَرَجَحَ بِخِلَافِ بَحْرِ السُّوَيْسِ فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ إذَا رَدَّتْهُ الرِّيحُ، لِأَنَّ السَّيْرَ فِيهِ مَعَ السَّاحِلِ فَيُمْكِنُهُ إذَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ الرِّيحُ النُّزُولُ إلَى الْبَرِّ، فَلِذَا تَعَيَّنَ إحْرَامُهُ

الْجُحْفَةَ قَبْلَ وُصُولِهِ جُدَّةَ فَيُحْرِمُ فِي الْبَحْرِ حِينَ الْمُحَاذَاةِ، (إلَّا كَمِصْرِيٍّ) مِنْ كُلِّ مَنْ مِيقَاتُهُ الْجُحْفَةُ (يَمُرُّ) ابْتِدَاءً (بِالْحُلَيْفَةِ) مِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (فَيُنْدَبُ) لَهُ الْإِحْرَامُ (مِنْهَا) ، وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ يَمُرُّ عَلَى مِيقَاتِهِ الْجُحْفَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَلِذَا لَوْ أَرَادَ الْمِصْرِيُّ أَنْ يَمُرَّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَيْرِ طَرِيقِ الْجُحْفَةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَغَيْرِهِ. (وَإِنْ) كَانَ الْمِصْرِيُّ الَّذِي مَرَّ بِالْحُلَيْفَةِ (حَائِضًا) أَوْ نُفَسَاءَ وَظَنَّتْ الطُّهْرَ قَبْلَ الْوُصُولِ لِلْجُحْفَةِ، فَيُنْدَبُ لَهَا الْإِحْرَامُ مِنْ الْحُلَيْفَةِ، وَلَا تُؤَخِّرُ لِلْجُحْفَةِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى إحْرَامِهَا بِلَا صَلَاةٍ لِأَنَّ إقَامَتَهَا بِالْعِبَادَةِ أَيَّامًا قَبْلَ الْجُحْفَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ. (وَمَنْ مَرَّ) بِمِيقَاتٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، أَوْ حَاذَاهُ حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ قَاصِدٍ مَكَّةَ) أَيْ دُخُولَهَا، بِأَنْ قَصَدَ مَكَانًا دُونَهَا أَوْ فِي جِهَةٍ أُخْرَى، وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، (أَوْ) قَاصِدًا مَكَّةَ وَكَانَ (غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِهِ) أَيْ بِالْإِحْرَامِ - كَعَبْدٍ وَصَبِيٍّ، (أَوْ قَصَدَهَا) عَطْفٌ عَلَى مَرَّ، فَهُوَ فِي غَيْرِ الْمَارِّ (مُتَرَدِّدًا) : أَيْ مُقَدِّرًا التَّرَدُّدَ لِدُخُولِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يُحَاذِي فِيهِ الْمِيقَاتَ، قَالَ مُحَشِّي الْأَصْلِ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ النُّزُولُ إلَى الْبَرِّ، لَكِنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ بِمُفَارَقَةِ رَحْلِهِ، فَلِذَا قِيلَ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي حَاذَى فِيهِ الْمِيقَاتَ، بَلْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إحْرَامَهُ حَتَّى يَصِلَ لِلْبَرِّ فَتَأَمَّلْهُ (اهـ) . وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي إذَا خَرَجَ فِيهِ إلَى الْبَرِّ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسٍ وَلَا عَلَى مَالٍ. قَوْلُهُ: [إلَّا كَمِصْرِيٍّ] إلَخْ: قَالَ الْخَرَشِيُّ لَمَّا أَوْجَبَ الْجُمْهُورُ إحْرَامَ مَنْ مَرَّ بِغَيْرِ مِيقَاتِهِ مِنْهُ عُمُومًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» اسْتَثْنَى أَهْلُ الْمَذْهَبِ مَنْ مِيقَاتُهُ الْجُحْفَةِ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَا يَجِبُ إحْرَامُهُ مِنْهَا لِمُرُورِهِ عَلَى مِيقَاتِهِ. قَوْلُهُ: [أَيْ مُقَدِّرًا التَّرَدُّدَ] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّ (مُتَرَدِّدًا) حَالٌ مَنْوِيَّةٌ؛ عَلَى

كَالْمُتَرَدِّدِينَ لَهَا لِبَيْعِ الْفَوَاكِهِ وَالْحَطَبِ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ عَادَ لَهَا) أَيْ لِمَكَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا (مِنْ) مَكَان (قَرِيبٍ) دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، (فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ) ، أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إحْرَامٌ فِي الْأَرْبَعِ صُوَرٍ. (وَإِلَّا) - بِأَنْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ لِنُسُكٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَكَانَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِالْإِحْرَامِ وُجُوبًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُتَرَدِّدِينَ لِنَحْوِ بَيْعِ الْفَوَاكِهِ، أَوْ عَادَ لَهَا مِنْ بَعِيدٍ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (وَجَبَ) عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ. وَضَابِطُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَلَا يَدْخُلُهَا إلَّا بِإِحْرَامٍ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ وُجُوبًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَرَدِّدِينَ، أَوْ يَعُودُ لَهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا مِنْ مَكَان قَرِيبٍ لَمْ يَمْكُثْ فِيهِ كَثِيرًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ. (وَ) مَتَى تَعَدَّى الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ (رَجَعَ لَهُ) : أَيْ لِلْمِيقَاتِ وُجُوبًا لِيُحْرِمَ مِنْهُ (وَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ مَا لَمْ يُحْرِمْ) بَعْدَ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ. فَإِنْ أَحْرَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ وَعَلَيْهِ الدَّمُ لِتَعَدِّيهِ الْمِيقَاتَ حَلَالًا وَلَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ رُجُوعُهُ لَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَمَا يَأْتِي ـــــــــــــــــــــــــــــQحَدِّ قَوْله تَعَالَى {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] . قَوْلُهُ: [كَالْمُتَرَدَّدِينَ لَهَا] إلَخْ: كَانُوا مُخَاطَبِينَ بِالْحَجِّ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [مِنْ مَكَان قَرِيبٍ] : أَيْ لَمْ يَمْكُثْ فِيهِ كَثِيرًا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، وَسَوَاءٌ كَانَ مُخَاطَبًا أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [فِي الْأَرْبَعِ صُوَرٍ] : أَيْ إجْمَالًا وَإِلَّا فَهِيَ سَبْعٌ تَفْصِيلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " وَمَنْ مَرَّ غَيْرَ قَاصِدٍ مَكَّةَ " تَحْتَهُ صُورَتَانِ: وَهُمَا مُخَاطَبٌ، أَمْ لَا. وَقَوْلُهُ: " أَوْ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِهِ " صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ قَصَدَهَا مُتَرَدِّدًا ": صُورَتَانِ: مُخَاطَبٌ، أَمْ لَا، وَقَوْلُهُ: (أَوْ عَادَ لَهَا - مِنْ قَرِيبٍ) صُورَتَانِ أَيْضًا: مُخَاطَبٌ، أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [كَالْعَبْدِ] : تَشْبِيهٌ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَجَمِيعُ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا الْإِحْرَامُ لَا دَمَ عَلَيْهِ فِيهَا بِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ حَلَالًا وَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً مُسْتَطِيعًا عَلَى الرَّاجِحِ.

[نية الإحرام]

قَرِيبًا. (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) إذَا رَجَعَ لِلْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ إذَا لَمْ يُحْرِمْ بَعْدَ تَعَدِّيهِ، فَقَوْلُهُ: " وَلَا دَمَ " مُرْتَبِطٌ بِالْمَنْطُوقِ: أَيْ وَرَجَعَ الْمُتَعَدِّي لِلْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ مُدَّةَ كَوْنِهِ لَمْ يُحْرِمْ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ فَالدَّمُ، وَلَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ (إلَّا لِعُذْرٍ) مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ " وَرَجَعَ "، أَيْ وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَّا لِعُذْرٍ (كَخَوْفِ فَوَاتٍ) لِحَجِّهِ لَوْ رَجَعَ، أَوْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عَدَمِ قُدْرَةٍ عَلَى الرُّجُوعِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ (فَالدَّمُ) وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ الْمِيقَاتَ حَلَالًا، (كَرَاجِعٍ) لَهُ (بَعْدَ إحْرَامِهِ) عَلَيْهِ الدَّمُ، وَلَا يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ بَعْدَهُ فَأَوْلَى إذَا لَمْ يَرْجِعْ. فَمُتَعَدِّي الْمِيقَاتِ حَلَالًا إذَا لَمْ يَرْجِعْ لَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ؛ وَلَوْ فَسَدَ حَجُّهُ أَوْ كَانَ عَدَمُ الرُّجُوعِ لِعُذْرٍ. (إلَّا أَنْ يَفُوتَهُ) الْحَجُّ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ وُصُولٍ بِعَرَفَةَ، (فَتَحَلَّلَ) مِنْهُ (بِعُمْرَةٍ) بِأَنْ نَوَى التَّحَلُّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ بِنِيَّتِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلتَّعَدِّي، فَإِنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ بِالْعُمْرَةِ وَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ. (وَهُوَ) : أَيْ الْإِحْرَامُ (نِيَّةُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ) : أَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَأَصْلُ النُّسُكُ: الْعِبَادَةُ (أَوْ هُمَا) أَيْ نِيَّتُهُمَا مَعًا، فَإِنْ نَوَى الْحَجَّ فَمُفْرِدٌ، وَإِنْ نَوَى الْعُمْرَةَ فَمُعْتَمِرٌ. وَإِنْ نَوَاهُمَا فَقَارِنٌ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَمِيمَةِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَتَلْبِيَةٍ وَتَجَرُّدٍ عَلَى الْأَرْجَحِ. (أَوْ أَبْهَمَ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ: أَيْ عَيَّنَ نِيَّتَهُ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ فِيهِمَا أَوْ أَبْهَمَ فِي إحْرَامِهِ أَيْ نِيَّتَهُ، بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا - بِأَنْ نَوَى النُّسُكَ لِلَّهِ تَعَالَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ أَحْرَمَ فَالدَّمُ] : أَيْ وَلَوْ أَفْسَدَهُ لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ. قَوْلُهُ: [فَالدَّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ] : أَيْ وَيُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ. [نِيَّة الْإِحْرَام] قَوْلُهُ: [وَأَصِلُ النُّسُكُ الْعِبَادَةِ] : أَيْ مُطْلَقًا حَجًّا أَوْ غَيْرَهُ، ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَمِيمَةِ قَوْلٍ] إلَخْ: أَيْ افْتِقَارًا تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَيْهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ هُمَا، فَيَنْعَقِدُ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ بَعْدُ. (وَنُدِبَ) إنْ أَبْهَمَ (صَرْفُهُ) : أَيْ تَعَيُّنُهُ (لِحَجٍّ) فَيَكُونُ مُفْرِدًا. (وَالْقِيَاسُ) صَرْفُهُ (لِقِرَانٍ) : لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى النُّسُكَيْنِ كَالنَّاسِي. (وَإِنْ نَسِيَ) مَا عَيَّنَهُ؛ أَهُوَ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْهَمَا (فَقِرَانٌ) فَيُهْدِي لَهُ، (وَنَوَى الْحَجَّ) : أَيْ جَدَّدَ نِيَّتَهُ وُجُوبًا لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَوَاهُ أَوَّلًا فَهَذَا تَأْكِيدٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ نَوَى الْعُمْرَةَ فَقَدْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ قَارِنًا وَإِنْ كَانَ نَوَى الْقِرَانَ لَمْ يَضُرَّهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الْحَجِّ؛ فَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ قَارِنٌ أَيْ يَعْمَلُ عَمَلَهُ وَيُهْدِي لَهُ. (وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ) لَا مِنْ الْعُمْرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَوَى أَوَّلًا الْحَجَّ، وَالثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ حَجٍّ] إلَخْ: أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: " أَحْرَمْت لِلَّهِ، فَقَطْ. قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ بَعْدُ] : وَحِينَئِذٍ فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا إلَّا بَعْدَ التَّعْيِينِ. قَوْلُهُ: [أَيْ تَعْيِينَهُ لِحَجٍّ] : أَيْ إنْ وَقَعَ الصَّرْفُ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَقَدْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا صَرَفَهُ نَدْبًا لِعُمْرَةٍ، وَكُرِهَ لِحَجٍّ. فَإِنْ طَافَ صَرَفَهُ لِلْإِفْرَادِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ لَا. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ حَتَّى طَافَ، فَالصَّوَابُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا وَيَكُونَ هَذَا طَوَافَ الْقُدُومِ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَيْسَ رُكْنًا فِي الْحَجِّ، وَالطَّوَافُ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ، وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ تَعْيِينِهِمَا (اهـ بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَالْقِيَاسُ صَرْفُهُ لِقِرَانٍ] إلَخْ: أَيْ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ. قَوْلُهُ: [وَنَوَى الْحَجَّ] إلَخْ: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ مَنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ لَزِمَهُ عَمَلُ الْقِرَانِ؛ سَوَاءٌ نَوَى الْحَجَّ - أَيْ أَحْدَثَ نِيَّتَهُ - أَمْ لَا. وَبَرَاءَتُهُ مِنْ الْحَجِّ إنَّمَا تَكُونُ إذَا أَحْدَثَ نِيَّتَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ عُهْدَةِ الْحَجِّ، وَلَا مِنْ الْعُمْرَةِ إذْ لَيْسَ مُحَقَّقًا عِنْدَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ. وَمَحِلُّ نِيَّةِ الْحَجِّ إذَا حَصَلَ شَكُّهُ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ الْإِرْدَافُ؛ كَمَا لَوْ وَقَعَ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ. وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ فَلَا يَنْوِي الْحَجَّ، إذَا لَا يَصِحُّ إرْدَافُهُ عَلَى الْعُمْرَةِ حِينَئِذٍ، بَلْ يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَا هُوَ

(وَلَا يَضُرُّهُ) : أَيْ النَّاوِيَ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ (مُخَالَفَةُ لَفْظِهِ) لِنِيَّتِهِ - كَأَنْ نَوَى الْحَجَّ فَتَلَفَّظَ بِالْعُمْرَةِ إذْ الْعِبْرَةُ بِالْقَصْدِ لَا اللَّفْظِ، (وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) : أَيْ اللَّفْظِ بِأَنْ يَقْتَصِر عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ؛ (كَالصَّلَاةِ) لَا يَضُرُّهَا مُخَالَفَةُ اللَّفْظِ لِمَا نَوَاهُ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ. (وَلَا) يَضُرُّ (رَفْضُهُ) : أَيْ رَفْضُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ، وَإِنْ رَفَضَهُ - أَيْ أَلْغَاهُ - بِخِلَافِ رَفْضِ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ فَمُبْطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْ السَّعْيِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَانَ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (اهـ) . وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ حَتَّى يُتِمَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَنْسِيَّ حَجٌّ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَنْوِيَّ ابْتِدَاءُ عُمْرَةٍ - تَأَمَّلْ. قَوْلَهُ: [مُخَالَفَةُ لَفْظِهِ] : أَيْ وَلَوْ عَمْدًا فَلَيْسَ كَالصَّلَاةِ، وَلَا دَمَ لِهَذِهِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ. وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ: أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، لَكِنْ خَلِيلٌ فِي مَنْسَكِهِ الْأَوَّلِ أَقْيَسُ. قَوْلُهُ: [كَالصَّلَاةِ] : تَشْبِيهٌ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلَيْسَ بِتَامٍّ لِأَنَّ تَعَمُّدَ الْمُخَالَفَةِ فِي الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ لَهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَضُرُّ رَفْضُهُ] : أَيْ وَلَوْ حَصَلَ فِي أَثْنَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، فَإِذَا رَفَضَ إحْرَامَهُ فِي أَثْنَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِبَاقِي أَفْعَالِهِ الْمَطْلُوبَةِ كَالسَّعْيِ وَالطَّوَافِ ثُمَّ أَتَى بِهَا، فَصَحِيحَةٌ. بِخِلَافِ رَفْضِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ إذَا وَقَعَ فِي أَثْنَائِهِمَا، فَيُرْتَفَضُ كُلٌّ، وَيَكُونُ كَالتَّارِكِ لَهُ فَيُطْلَبُ بِغَيْرِهِ وَأَصْلُ الْإِحْرَامِ لَمْ يُرْتَفَضْ، وَنَصُّ عَبْدِ الْحَقِّ: فَإِذَا رَفَضَ إحْرَامَهُ ثُمَّ عَادَ لِلْمَوَاضِعِ الَّتِي يُخَاطَبُ بِهَا فَفَعَلَهَا لَمْ يَحْصُلْ لِرَفْضِهِ حُكْمٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي حِينِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ نَوَى الرَّفْضَ وَفَعَلَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ - كَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِ - فَإِنَّهُ يُعَدُّ كَالتَّارِكِ لِذَلِكَ - كَذَا فِي (بْن) . (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ: فِي جَوَازِ إحْرَامِ الشَّخْصِ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ وَعَدَمِهِ قَوْلَانِ: فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يُحْرِمْ لَزِمَهُ هُوَ الْإِحْرَامُ وَيَكُونُ مُطْلَقًا يُخَيَّرُ فِي صَرْفِهِ لِمَا شَاءَ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَوْ وَجَدَهُ مُحْرِمًا بِالْإِطْلَاقِ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ كَذَا فِي الْأَصْلِ.

[واجبات الإحرام]

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَاجِبَاتِ الْإِحْرَامِ وَسُنَنِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ فَقَالَ: (وَوَجَبَ) بِالْإِحْرَامِ (تَجَرُّدُ ذَكَرٍ مِنْ مُخَيَّطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّكَرُ مُكَلَّفًا أَمْ لَا. وَالْخِطَابُ يَتَعَلَّقُ بِوَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُخَيَّطُ بِخِيَاطَةٍ كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ أَمْ لَا كَنَسْجٍ أَوْ صِبَاغَةٍ، أَوْ بِنَفْسِهِ كَجِلْدٍ سُلِخَ بِلَا شَقٍّ. وَمَفْهُومُ " ذَكَرٍ " أَنَّ الْأُنْثَى لَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّجَرُّدُ وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا فِي نَحْوِ أَسَاوِرَ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مُفَصَّلَةٌ إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي فَصْلِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ - فِي بَابِ الْحَجِّ - غَيْرُ الْفَرْضِ؛ إذْ الْفَرْضُ هُنَا هُوَ الرُّكْنُ وَهُوَ: مَا لَا تَحْصُلُ حَقِيقَةُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إلَّا بِهِ، وَالْوَاجِبُ: مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ اخْتِيَارًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا يَفْسُدُ النُّسْكُ: بِتَرْكِهِ وَيَنْجَبِرُ بِالدَّمِ. (وَ) وَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى: (تَلْبِيَةٌ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQ [وَاجِبَات الْإِحْرَام] قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ بِالْإِحْرَامِ تَجَرُّدُ ذَكَرٍ] : ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا رَدًّا عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّ التَّجَرُّدَ مِمَّا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ كَالتَّلْبِيَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: [مُكَلَّفًا أَمْ لَا] : لَكِنْ مَحَلُّ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِتَجَرُّدِ الصَّغِيرِ إنْ كَانَ مُطِيقًا لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْمَرُ وَلِيُّهُ بِتَجْرِيدِهِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ كَرَضِيعٍ وَمُطِيقٍ وَجُرِّدَا قُرْبَ الْحَرَمِ. قَوْلُهُ: [وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ] إلَخْ: هَذَا اصْطِلَاحٌ لِلْفُقَهَاءِ مَخْصُوصٌ بِبَابِ الْحَجِّ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَالْوَاجِبُ وَالْفَرْضُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ. قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُكَلَّفِ] : أَيْ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَلَا يُطَالَبُ بِهَا وَلِيُّهُ إنْ عَجَزَ عَنْهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهَا الصَّبِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَمْرُهُ بِهَا، وَلَا يَكُونُ فِي تَرْكِهَا دَمٌ، مَعَ أَنَّ الْأَصِيلِيَّ. قَالَ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَأَمْرُهُ مَقْدُورُهُ " أَيْ وُجُوبًا، لِأَنَّهُ كَأَرْكَانِ النَّافِلَةِ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ الصَّبِيُّ التَّلْبِيَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ، فَلَا يَظْهَرُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُكَلَّفِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَمَّمَ هُنَا كَمَا عُمِّمَ فِي التَّجَرُّدِ.

(وَ) وَجَبَ (وَصْلُهَا بِهِ) : أَيْ بِالْإِحْرَامِ، فَمَنْ تَرَكَهَا رَأْسًا أَوْ فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَبَقِيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ كَشْفُ الرَّأْسِ لِلذَّكَرِ. (وَسُنَّ) لِلْإِحْرَامِ (غُسْلٌ مُتَّصِلٌ) بِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ كَالْجُمُعَةِ. فَإِنْ تَأَخَّرَ إحْرَامُهُ كَثِيرًا أَعَادَ، وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ بِشَدِّ رِحَالِهِ، وَإِصْلَاحِ حَالٍ. (وَ) سُنَّ (لُبْسُ إزَارٍ) بِوَسَطِهِ، (وَرِدَاءٍ) عَلَى كَتِفَيْهِ، (وَنَعْلَيْنِ) فِي رِجْلَيْهِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ، وَغَالِبِ أَهْلِ الْحِجَازِ أَيْ إنَّ السُّنَّةَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ التَّجَرُّدَ مِنْ الْمُخَيَّطِ وَاجِبٌ، فَلَوْ الْتَحَفَ بِرِدَاءٍ أَوْ كِسَاءٍ أَجْزَأَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ. (وَ) سُنَّ (رَكْعَتَانِ) بَعْدَ الْغُسْلِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ، (وَأَجْزَأَ) عَنْهُمَا (الْفَرْضُ) وَحَصَلَ بِهِ السُّنَّةُ، وَفَاتَهُ الْأَفْضَلُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ] : أَيْ وَأَمَّا اتِّصَالُهَا بِالْإِحْرَامِ حَقِيقَةً فَسُنَّةٌ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ عَطْفُ خَلِيلٍ لَهَا عَلَى السُّنَنِ. قَوْلُهُ: [مُتَّصِلٌ بِهِ] : وَاخْتُلِفَ هَلْ هَذَا الِاتِّصَالُ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ؟ فَإِذَا اغْتَسَلَ غَدْوَةَ وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ لِلظُّهْرِ لَمْ يُجْزِهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: الِاتِّصَالُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَلَوْ تَرَكَهُ أَتَى بِسُنَّةِ الْغُسْلِ وَفَاتَتْهُ سُنَّةُ الِاتِّصَالِ. قَوْلُهُ: [أَعَادَهُ] : أَيْ عَلَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ طَلَبِ الِاتِّصَالِ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَيُرِيدُ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ الْغُسْلُ بِالْمَدِينَةِ، وَيَأْتِي لَابِسًا لِثِيَابِهِ، فَإِذَا وَصَلَ لِذِي الْحُلَيْفَةِ تَجَرَّدَ وَأَحْرَمَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفَى ". قَوْلُهُ: [وَسُنَّ رَكْعَتَانِ] : أَيْ فَأَكْثَرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ رَكْعَتَانِ فَقَطْ، بَلْ بَيَانٌ لِأَقَلَّ مَا تَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ. ثُمَّ مَحَلُّ سُنِّيَّتِهِمَا إنْ كَانَ وَقْتَ جَوَازٍ وَإِلَّا انْتَظَرَهُ بِالْإِحْرَامِ مَا لَمْ يَكُنْ مُرَاهِقًا، وَإِلَّا أَحْرَمَ وَتَرَكَهُمَا، كَمَا أَنَّ الْمَعْذُورَ مِثْلَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ يَتْرُكُهُمَا. قَوْلُهُ: [وَحَصَلَ بِهِ السُّنَّةُ] : الْحَاصِلُ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِإِيقَاعِ الْإِحْرَامِ عَقِبَ

وَلَا دَمَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ، وَبِخِلَافِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ وَلَبِسَ مَا ذُكِرَ وَصَلَّى. (يُحْرِمُ الرَّاكِبُ) نَدْبًا (إذَا اسْتَوَى) عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ. (وَ) يُحْرِمُ (الْمَاشِي إذَا مَشَى) أَيْ شَرَعَ فِيهِ. (وَنُدِبَ) لِلْمُحْرِمِ (إزَالَةُ شَعَثِهِ) قَبْلَ الْغُسْلِ؛ بِأَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ؛ وَيَنْتِفَ شَعْرَ إبِطِهِ، وَيُرَجِّلَ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ يَحْلِقَهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِلَاقِ لِيَسْتَرِيحَ بِذَلِكَ مِنْ ضَرَرِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. (وَ) نُدِبَ (الِاقْتِصَارُ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) وَهِيَ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَلَاةٍ وَلَوْ فَرْضًا، لَكِنْ إنْ كَانَتْ نَفْلًا فَقَدْ أَتَى بِسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ فَرْضٍ فَقَدْ أَتَى بِسُنَّةٍ فَقَطْ. وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِالْفَرْضِ خُصُوصَ الْعَيْنِيِّ؟ أَوْ وَلَوْ جِنَازَةً وَهُوَ مَنْذُورُ النَّوَافِلِ، كَالْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ أَمْ لَا؟ وَبَقِيَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ الْإِشْعَارُ وَالتَّقْلِيدُ لِلْهَدْيِ إنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَكُونَانِ بَعْدَ الرُّكُوعِ. قَوْلُهُ: [وَصَلَّى] : أَيْ وَأَشْعَرَ وَقَلَّدَ إنْ كَانَ مَعَهُ مَا يُشْعَرُ أَوْ يُقَلَّدُ. قَوْلُهُ: [إذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ] : أَيْ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشْيِهَا وَإِحْرَامُ الرَّاكِبِ إذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إذَا مَشَى عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ، فَلَوْ أَحْرَمَ الرَّاكِبُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى دَابَّتِهِ، وَالْمَاشِي قَبْلَ مَشْيِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: [وَيُرَجِّلُ شَعْرَ رَأْسِهِ] إلَخْ: هَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ وَالْمَجْمُوعُ، فَإِنَّ الْخَرَشِيَّ قَالَ فِي حِلِّ قَوْلِ خَلِيلٍ " وَإِزَالَةُ شَعَثِهِ ": أَيْ مَا عَدَا الرَّأْسَ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ بَقَاءُ شَعَثِهِ فِي الْحَجِّ - ابْنُ بَشِيرٍ - وَيُلَبِّدُهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ لِيَلْتَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَقِلُّ دَوَابَّهُ (اهـ) . قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: قَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْعَسَلِ كَمَا فِي أَبِي دَاوُد، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَسَلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ صَمْغُ الْعُرْفُطِ بِالضَّمِّ: شَجَرُ الْعِضَاهِ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ لَبَّيْكَ] : مَعْنَاهُ إجَابَةٌ بَعْدَ إجَابَةٍ، أَيْ أَجَبْتُك الْآنَ كَمَا أَجَبْتُك

إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك. (وَ) نُدِبَ (تَجْدِيدُهَا لِتَغَيُّرِ حَالٍ) : كَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَرَحِيلٍ وَحَطٍّ وَيَقَظَةٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ (وَخَلْفِ صَلَاةٍ) وَلَوْ نَافِلَةً، (وَ) عِنْدَ (مُلَاقَاةِ رِفَاقٍ) أَوْ رُفْقَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQحِينَ أَذَّنَ إبْرَاهِيمُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَكَمَا أَجَبْتُك أَوَّلًا حِينَ خَاطَبْت الْأَرْوَاحَ بِ {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] كَذَا وَقِيلَ الْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَعْنَى لَبَّيْكَ إجَابَةٌ لَك بَعْدَ إجَابَةٍ فِي جَمِيعِ أَمْرِك وَكُلِّ خِطَابَاتِك. قَوْلُهُ: [إنَّ الْحَمْدَ] : يُرْوَى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إنَّ الْحَمْدَ لَك عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتْح جَعَلَ مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ. تَنْبِيهٌ: كَانَ عُمَرُ يَزِيدُ: " لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا مِنْك وَمَرْغُوبًا إلَيْك "، وَزَادَ ابْنُهُ: " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك "، وَهَذِهِ النِّيَّةُ تُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ لِقَوْلِ التَّهْذِيبِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُلَبِّيَ بِهَا مَنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ، وَرَآهُ سَخَافَةَ عَقْلٍ. وَأَمَّا إجَابَةُ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ بِالتَّلْبِيَةِ فَهِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ - كَذَا فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ (بْن) : وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ، وَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَ ابْنُ هَارُونَ: إنَّ الَّذِي كَرِهَهُ الْإِمَامُ إنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُ تَلْبِيَةِ الْحَجِّ فِي غَيْرِهِ، كَاِتِّخَاذِهَا وِرْدًا كَبَقِيَّةِ الْأَذْكَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَنْ نَادَاهُ: لَبَّيْكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، بَلْ هُوَ أَحْسَنُ أَدَبًا وَفِي الشِّفَاءِ عَنْ عَائِشَةَ: «مَا نَادَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا أَهْلِ مِلَّتِهِ إلَّا قَالَ: لَبَّيْكَ» ، وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَهُمْ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ رِفَاقٍ] : أَيْ فَتَكُونُ شِعَارَهُمْ تُغْنِي عَنْ التَّحِيَّةِ، وَلِذَلِكَ

(وَ) نُدِبَ (تَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ) فَلَا يُسِرُّهَا، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ جِدًّا حَتَّى يُعْقِرَهُ. (وَ) نُدِبَ تَوَسُّطٌ (فِيهَا) أَيْ فِي ذِكْرِهَا؛ فَلَا يَتْرُكُ حَتَّى تَفُوتَهُ الشَّعِيرَةُ وَلَا يُوَالِيَ حَتَّى يَلْحَقَهُ الضَّجَرُ. (فَإِنْ تُرِكَتْ) التَّلْبِيَةُ (أَوَّلَهُ) : أَيْ الْإِحْرَامِ (وَطَالَ) الزَّمَنُ طُولًا كَثِيرًا؛ كَأَنْ يُحْرِمَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيُلَبِّيَ وَسَطَهُ (فَدَمٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ وَصْلَهَا بِالْعُرْفِ وَاجِبٌ. وَقَوْلُهُ: (لِلطَّوَافِ) غَايَةٌ لِقَوْلِهِ: " وَتَجْدِيدٌ " إلَى آخِرِهِ: أَيْ يَنْدُبُ تَجْدِيدُهَا وَإِعَادَتُهَا إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَيَشْرَعَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، فَيَتْرُكَهَا (حَتَّى) : أَيْ إلَى أَنْ (يَطُوفَ) لِلْقُدُومِ، (وَيَسْعَى) بَعْدَهُ، وَقِيلَ: يَتْرُكَهَا بِدُخُولِهِ مَكَّةَ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، (فَيُعَاوِدَهَا) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ. (وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ: أَيْ فِيهِ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ (لِرَوَاحٍ) : أَيْ وُصُولِ (مُصَلَّى) أَيْ مَسْجِدِ (عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِهِ) أَيْ يَوْمِ عَرَفَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالُوا: يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُلَبِّي. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَوَسُّطٌ فِيهَا] إلَخْ: وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرِ الْعِيدِ وَكُلِّ مَنْدُوبٍ مُرَغَّبٍ فِيهِ مِنْ الْأَذْكَارِ، لِأَنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَرَكْت التَّلْبِيَةَ أَوَّلَهُ] : وَمِثْلُ التَّرْكِ وَالطَّوْلِ فِي الدَّمِ مَا لَوْ تَرَكَهَا رَأْسًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَفْهُومُ الظَّرْفِ أَنَّهُ إذَا تَرَكَهَا فِي أَثْنَائِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَالتُّونُسِيُّ وَصَاحِبُ التَّلْقِينِ وَابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ، قَالُوا أَقَلُّهَا مَرَّةٌ وَإِنْ قَالَهَا ثُمَّ تَرَكَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، قَالَ (ح) : وَشَهَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُوبَ الدَّمِ. وَنَصُّهُ: فَإِنْ لَبَّى حِينَ أَحْرَمَ وَتَرَكَ فَفِي لُزُومِ الدَّمِ ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يُعَوِّضْهَا بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنْ ابْتَدَأَ بِهَا وَلَمْ يُعِدْهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ؛ فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالًا ثَلَاثَةً. قَوْلُهُ: [فَيُعَاوِدُهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ] : أَيْ اسْتِحْبَابًا كَمَا قِيلَ، وَفِي الْمَجْمُوعِ: وَعَاوَدَهَا وُجُوبًا بَعْدَ سَعْيٍ، فَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا أَصْلًا فَدَمٌ عَلَى الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ. (اهـ) . وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ. قَوْلُهُ: [أَيْ مَسْجِدُ عَرَفَةَ] : بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ كَائِنٌ فِيهَا، وَيُقَالُ أَيْضًا عُرَنَةُ بِالنُّونِ مَكَانٌ غَيْرُ عَرَفَةَ، وَأُضِيفَ الْمَسْجِدُ لَهُ لِمُجَاوَرَتِهِ لَهَا لِأَنَّ حَائِطَهُ الْقِبْلِيَّ يَلْصَقُهَا.

فَغَايَةُ التَّلْبِيَةِ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدَيْنِ: الْوُصُولُ لِمَسْجِدِ عَرَفَهُ. وَكَوْنُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. فَإِنْ وَصَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ لَبَّى إلَى الزَّوَالِ، وَإِنْ زَالَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ الْوُصُولِ لَبَّى إلَى الْوُصُولِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ وَصَلَ عَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِهَا - كَمَا يَفْعَلُ غَالِبُ النَّاسِ الْآنَ - فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى التَّلْبِيَةِ حَتَّى يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ يَوْمَهَا، فَإِذَا صَلَّاهُمَا قَطَعَهَا وَتَوَجَّهَ لِلْوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ مُتَضَرِّعًا مُبْتَهِلًا بِالدُّعَاءِ، وَجِلًا خَائِفًا مِنْ اللَّهِ، رَاجِيًا مِنْهُ الْقَبُولَ، وَلَا يُلَبِّي كَمَا يَفْعَلُهُ غَالِبُ النَّاسِ الْآنَ. هَذَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ. وَلَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ؛ وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ. فَأَشَارَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَمُحْرِمُ مَكَّةَ) : أَيْ وَالْمُحْرِمُ مِنْهَا - لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مُقِيمًا بِهَا - وَلَا يَكُونُ إلَّا بِحَجٍّ مُفْرِدًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ - (يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ مَكَانَهُ) : أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ سَعْيَهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ إذْ لَا قُدُومَ عَلَيْهِ وَيَسْتَمِرُّ يُلَبِّي إلَى رَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَغَايَةُ التَّلْبِيَةِ مُقَيَّدَةٌ] إلَخْ: أَيْ فَمَتَى وُجِدَ الْقَيْدَانِ تَمَّتْ التَّلْبِيَةُ وَلَا يُعَاوِدُهَا أَصْلًا، هَذَا هُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ: أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ يُلَبِّي إلَى أَنْ يَصِلَ لِمَحِلِّ الْوُقُوفِ، وَلَا يَقْطَعُ إذَا وَصَلَ لِمُصَلَّى عَرَفَةَ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: لَوْ أَحْرَمَ مِنْ مُصَلَّى عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَى أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إذَا كَانَ إحْرَامُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ. فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُلَبِّي لِلزَّوَالِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهَا (اهـ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَتَكُونُ الْقُيُودُ ثَلَاثَةً. قَوْلُهُ: [إنْ وَصَلَ عَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِهَا] : أَيْ وَخَالَفَ الْمَشْرُوعَ مِنْ كَوْنِهِ يَخْرُجُ يَوْمَ الثَّامِنِ إلَى مِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ، فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ يَوْمَهَا لِعَرَفَةَ فَإِنَّ هَذَا مَتْرُوكٌ الْآنَ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُلَبِّي] إلَخْ: أَيْ فَيَنْهَى عَنْ التَّلْبِيَةِ حَيْثُ كَانَ مَالِكِيًّا، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى ذَلِكَ فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُ. قَوْلُهُ: [هَذَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ] : أَيْ مُفْرَدًا أَوْ قَارِنًا.

[أفضلية الإفراد بالحج فالقران فالتمتع]

(وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ) : مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ (وَفَائِتُ الْحَجِّ) : أَيْ الْمُعْتَمِرُ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ - بِأَنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِحَجٍّ فَفَاتَهُ بِحَصْرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ كُلٌّ مِنْهُمَا يُلَبِّي (لِلْحَرَمِ) ، وَلَا يَتَمَادَى لِلْبُيُوتِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِالْحَجِّ وَلَوْ قَارِنًا يُلَبِّي لِلْبُيُوتِ أَوْ لِلطَّوَافِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْمُعْتَمِرُ مِنْهُ لِلْحَرَمِ. (وَ) الْمُعْتَمِرُ (مِنْ) دُونِ الْمِيقَاتِ - (كَالْجِعْرَانَةِ) وَالتَّنْعِيمِ - يُلَبِّي (لِلْبُيُوتِ) لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ، فَالتَّلْبِيَةُ فِي الْعُمْرَةِ أَقَلُّ مِنْهَا فِي الْحَجِّ. (وَالْإِفْرَادُ) بِالْحَجِّ (أَفْضَلُ) مِنْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ هَدْيٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ مُفْرِدًا عَلَى الْأَصَحِّ. (فَالْقِرَانُ) يَلِي الْإِفْرَادَ فِي الْفَضْلِ، وَفَسَّرَهُ بِصُورَتَيْنِ أَشَارَ لِلْأُولَى بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) : أَيْ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا بِأَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ أَوْ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. (وَقَدَّمَهَا) : أَيْ الْعُمْرَةَ فِي النِّيَّةِ وَالْمُلَاحَظَةَ وُجُوبًا إنْ رَتَّبَ، وَنَدْبًا فِي اللَّفْظِ إنْ تَلَفَّظَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يَتَمَادَى لِلْبُيُوتِ] : أَيْ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَرَمِ: الْحَرَمُ الْعَامُّ لَا خُصُوصُ الْمَسْجِدِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ - كَمَا هُوَ تَقْرِيرُ مُؤَلَّفِهِ وَسِيَاقِهِ هُنَا. قَوْلُهُ: [أَقَلُّ مِنْهَا فِي الْحَجِّ] : أَيْ لِأَنَّهُ يَتْرُكُهَا فِي الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْحَرَمِ تَارَةً، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْبُيُوتِ تَارَةً، وَلَا يُعَاوِدُهَا بِخِلَافِهَا فِي الْحَجِّ الَّذِي لَمْ يَفُتْهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ لِلطَّوَافِ وَيُعَاوِدُهَا عَقِبَ السَّعْيِ. [أَفْضَلِيَّة الْإِفْرَاد بِالْحَجِّ فَالْقِرَان فَالتَّمَتُّع] قَوْلُهُ: [وَالْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَفْضَلُ] إلَخْ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَعَدَّهُ ابْنُ تُرْكِيٍّ فِي الْأُمُورِ الَّتِي فِي تَرْكِهَا دَمٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ (اهـ) . وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَفْضَلِيَّتُهُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ سَعَةٌ مِنْ الْوَقْتِ، خِلَافًا لِمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: أَنَّ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مُرَاهِقًا فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَأَمَّا مَنْ قَدِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ طُولِ زَمَانٍ فَالتَّمَتُّعُ أَوْلَى لَهُ وَخِلَافًا لِمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ، وَلِمَا قَالَهُ أَشْهَبُ وَأَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ، لِأَنَّ عِبَادَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةٍ. قَوْلُهُ: [فَالْقِرَانُ يَلِي الْإِفْرَادَ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ الْقِرَانُ يَسْقُطُ بِهِ طَلَبُ النُّسُكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَفْضُولِ مَا لَا يَكُونُ فِي الْفَاضِلِ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَ الْعُمْرَةَ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا، وَلَا يَصِحُّ إرْدَافُ عُمْرَةٍ عَلَى حَجٍّ لِقُوَّتِهِ فَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يُرْدِفُهُ) : أَيْ الْحَجَّ (عَلَيْهَا) : أَيْ الْعُمْرَةِ، بِأَنْ يَنْوِيَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا أَوْ (بِطَوَافِهَا) قَبْلَ تَمَامِهِ. وَمَحِلُّ صِحَّةِ إرْدَافِهِ: (إنْ صَحَّتْ) الْعُمْرَةُ لِوَقْتِ الْإِرْدَافِ، فَإِنْ فَسَدَتْ بِجِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ قَبْلَ الْإِرْدَافِ، لَمْ يَصِحَّ. وَوَجَبَ إتْمَامُهَا فَاسِدَةً، ثُمَّ يَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ دَمٌ. (وَكَمَّلَهُ) أَيْ الطَّوَافَ الَّذِي أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِيهِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ وُجُوبًا، (وَ) لَكِنْ (لَا يَسْعَى) لِهَذِهِ الْعُمْرَةِ (حِينَئِذٍ) : أَيْ حِينَ أَرْدَفَهُ عَلَيْهَا بِطَوَافِهَا، لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ وَاجِبٍ لِانْدِرَاجِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ؛ فَالطَّوَافُ الْفَرْضُ لَهُمَا هُوَ الْإِفَاضَةُ وَلَا قُدُومَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ، حَيْثُ جَدَّدَ نِيَّةَ الْحَجِّ فِيهَا. وَالسَّعْيُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ، وَحِينَئِذٍ فَيُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، وَانْدَرَجَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ لَهُمَا وَاحِدًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ] : أَيْ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ وَلَا عُمْرَةٌ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ: " وَلَغَا عُمْرَةً عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حُجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ ". قَوْلُهُ: [أَوْ بِطَوَافِهَا قَبْلَ تَمَامِهِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، خِلَافًا لِأَشْهَبَ الْقَائِلِ إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ فَاتَ الْإِرْدَافُ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَصِحَّ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ قَالَهُ سَنَدٌ. وَهُوَ بَاقٍ عَلَى عُمْرَتِهِ، وَلَا يَحْتَجُّ حَتَّى يَقْضِيَهَا، فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ تَمَامِهَا وَقَبْلَ قَضَائِهَا صَحَّ حَجُّهُ وَلَوْ فَسَدَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَمُتَمَتِّعٌ، وَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ، كَذَا فِي الْأُجْهُورِيِّ (اهـ) مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَالسَّعْيُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ] : أَيْ وُجُوبًا غَيْرَ شَرْطٍ كَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ تَقَدُّمُ طَوَافٍ، وَكَوْنُ الطَّوَافِ وَاجِبًا غَيْرَ شَرْطٍ. قَوْلُهُ: [فَيُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الْإِضَافَةِ] : أَيْ وُجُوبًا، فَإِنْ قَدَّمَهُ أَجْزَأَ وَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِ بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِ فَرْضِيَّتَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا لَزِمَهُ دَمٌ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [فَيَكُونُ الْعَمَلُ لَهُمَا وَاحِدًا] : خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِهِ عَلَى الْقَارِنِ

(وَكُرِهَ) الْإِرْدَافُ (بَعْدَهُ) : أَيْ الطَّوَافِ، وَصَحَّ قَبْلَ الرُّكُوعِ، بَلْ (وَلَوْ بِالرُّكُوعِ) أَيْ فِيهِ (لَا بَعْدَهُ) فَلَا يَصِحُّ لِتَمَامِ غَالِبِ أَرْكَانِهَا إذْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْهَا إلَّا السَّعْيُ. (فَالتَّمَتُّعُ) يَلِي الْقِرَانَ فِي الْفَضْلِ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ يَحِلَّ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ الْعُمْرَةِ (فِي أَشْهُرِهِ) : أَيْ الْحَجِّ، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ أَحْرَمَ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا، وَأَتَمَّهَا فِيهَا وَلَوْ بِبَعْضِ الرُّكْنِ الْأَخِيرِ مِنْهَا؛ كَمَنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي رَمَضَانَ، وَتَمَّمَ سَعْيَهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ لَيْلَةِ شَوَّالٍ (ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ) الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ، (وَإِنْ) كَانَ حَجُّهُ مُلْتَبِسًا (بِقِرَانٍ) فَحَقِيقَةُ التَّمَتُّعِ حَجُّ مُعْتَمِرٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِتَمَتُّعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ـــــــــــــــــــــــــــــQطَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ، بَلْ لَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ الْقَارِنَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ عِنْدَ إتْيَانِهِ بِالْأَفْعَالِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنَّهَا لَهُمَا، بَلْ لَوْ لَمْ يَسْتَشْعِرْ الْعُمْرَةَ أَجْزَأَ. قَوْلُهُ: [لَا بَعْدَهُ فَلَا يَصِحُّ] : أَيْ وَيَكُونُ لَاغِيًا وَأَمَّا بَعْدَ السَّعْيِ وَقَبْلَ الْحِلَاقِ فَحَجٌّ مُؤْتَنَفٌ بَعْدَ عُمْرَةٍ تَمَّتْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ الْقُدُومُ عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِلْزَامِ تَأْخِيرِ حَقِّ الْعُمْرَةِ لِلتَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ، وَيَلْزَمُهُ هَدْيٌ لِلتَّأْخِيرِ، فَلَوْ حَلَقَ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَقَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ أَفْعَالِهِ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ وَهَدْيٌ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْوَاجِبَ أَصَالَةُ تَرْكِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ حَتَّى يَحْلِقَ لِلْعُمْرَةِ، فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ الْوَاجِبَ وَأَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ حِلَاقِهَا وَبَعْدَ سَعْيِهَا صَحَّ وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ لِلْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ وَأَهْدَى لِتَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ قَبْلَ الْفَرَاغِ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ لِإِزَالَةِ الْأَذَى وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهَدْيٌ، لِعَدَمِ تَعْجِيلِ الْحَلْقِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ. قَوْلُهُ: [فَالتَّمَتُّعُ يَلِي الْقِرَانَ] : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بِإِسْقَاطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ. وَقِيلَ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ مِنْ عُمْرَتِهِ بِالنِّسَاءِ وَالطِّيبِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَأَحَلَّ مِنْهُ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّسْمِيَةِ لَا تَقْتَضِي التَّسْمِيَةَ، وَلَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَجَلَسَ حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِإِسْقَاطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَالتَّمَتُّعُ - وَإِنْ كَانَ يَلِي الْقِرَانَ فِي الْفَضْلِ - أَفْضَلُ مِنْ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ أَوْجُهَ الْإِحْرَامِ أَرْبَعَةٌ، إفْرَادٌ وَقِرَانٌ وَتَمَتُّعٌ وَإِطْلَاقٌ، وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ حَجُّهُ مُلْتَبِسًا بِقِرَانٍ] : أَيْ وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا قَارِنًا وَيَلْزَمُهُ

{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، وَقِيسَ الْقِرَانُ عَلَيْهِ. (وَشَرْطُ دَمِهِمَا) : أَيْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ (عَدَمُ إقَامَةٍ) لِلْمُتَمَتِّعِ أَوْ الْقَارِنِ (بِمَكَّةَ، أَوْ ذِي طُوًى) مُثَلَّثُ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ (وَقْتَ فِعْلِهِمَا) : أَيْ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا قَالَ تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] وَاسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى الْهَدْيِ؛ فَغَيْرُ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ (وَإِنْ) كَانَ أَصْلُهُ مِنْ مَكَّةَ وَ (انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا) . كَمَا أَنَّ مَنْ انْقَطَعَ بِمَكَّةَ أَيْ أَقَامَ بِهَا بِنِيَّةِ الدَّوَامِ بِهَا وَأَصْلُهُ مِنْ غَيْرِهَا، لَا دَمَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ نِيَّتُهُ الِانْتِقَالُ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ. (وَنُدِبَ) الْهَدْيُ (لِذِي أَهْلَيْنِ) : أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَأَهْلٌ بِغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَتْ إقَامَتُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQهَدْيَانِ لِتَمَتُّعِهِ وَقِرَانِهِ. قَوْلُهُ: [وَقِيسَ الْقِرَانُ عَلَيْهِ] : أَيْ فَأَوْجَبُوا فِيهِ الدَّمَ، بِجَامِعِ أَنَّ الْقَارِنَ وَالْمُتَمَتِّعَ أَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَشَرْطُ دَمِهِمَا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ شُرُوطًا فِي التَّسْمِيَةِ، بَلْ فِي لُزُومِ الدَّمِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّهَا شُرُوطٌ فِي التَّسْمِيَةِ وَالدَّمِ مَعًا، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ أَوْ قَارِنٌ وَلَمْ يَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ. قَوْلُهُ: [مَكَانٌ مَعْرُوفٌ] : أَيْ بَيْنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يَهْبِطُ مِنْهَا إلَى مَقْبَرَةِ مَكَّةَ الْمُسَمَّاةِ بِالْمُعَلَّا، وَالطَّرِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ جِهَةُ الذَّاهِبِ وَتُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ بَيْنَ الْحَجُونَيْنِ، وَسَيَأْتِي وَصْفُهَا فِي الشَّارِحِ، وَأَمَّا الَّتِي فِي الْقُرْآنِ فَبِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الَّتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعِ مُكَالَمَةِ مُوسَى بِطُورِ سَيْنَاءَ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِذِي طُوًى بِذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ كُلُّ مَكَان فِي حُكْمِ مَكَّةَ مِمَّا لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مِنْهَا حَتَّى يُجَاوِزَهَا. قَوْلُهُ: [أَيْ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا] : الْمُرَادُ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ فِيهِمَا، فَلَوْ قَدِمَ آفَاقِيٌّ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَنِيَّتُهُ السُّكْنَى بِمَكَّةَ أَوْ بِمَا فِي حُكْمِهَا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيُ التَّمَتُّعِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْهَدْيُ لِذِي أَهْلَيْنِ] : أَيْ هَدْيُ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ.

بِهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْأَرْجَحِ. (وَ) شَرْطُ دَمِهِمَا: (حَجٌّ مِنْ عَامِهِ) فِيهِمَا فَمَنْ أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ دُخُولِ شَوَّالٍ، ثُمَّ حَجّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. وَكَذَا إذَا فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِقِرَانِهِ. (وَ) شَرْطٌ (لِلتَّمَتُّعِ) زِيَادَةُ الشَّرْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ: (عَدَمُ عَوْدِهِ) : أَيْ رُجُوعِهِ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلُهُ) فِي الْبُعْدِ (وَلَوْ) كَانَ بَلَدُهُ أَوْ مِثْلُهُ (بِالْحِجَازِ) كَالْمَدِينَةِ مَثَلًا. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَلَى الْأَرْجَحِ] : أَيْ وَهُوَ قَوْلُ التُّونُسِيِّ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ دُخُولِ شَوَّالٍ ثُمَّ حَجَّ] : وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفَاتَهُ الْحَجُّ فِي عَامِهِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِهِ وَلَمْ يَحُجَّ إلَّا مِنْ قَابِلٍ، أَوْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَلَعَلَّ هَذَا الْمِثَالَ أُقْعَدُ مِنْ مِثَالِ الشَّارِحِ لِأَنَّ مِثَالَهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَصْلًا. قَوْلُهُ: [وَكَذَا إذَا تَمَتَّعَ فَاتَ الْقَارِنُ الْحَجَّ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ بَقِيَ الْقَارِنُ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ - هَكَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ بَلَدُهُ أَوْ مِثْلُهُ بِالْحِجَازِ] : تَبِعَ التَّتَّائِيُّ فِي رُجُوعِ الْمُبَالَغَةِ لِكُلٍّ مِنْ بَلَدِهِ وَمِثْلِهِ، وَمِثْلُهُ لِبَهْرَامَ وَاعْتَرَضَهُ (ح) : بِأَنَّ صَوَابَ الْمُبَالَغَةِ فِي الرُّجُوعِ لِمِثْلِ الْبَلَدِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ لِبَلَدِهِ فَلَا دَمَ اتِّفَاقًا كَانَتْ بِالْحِجَازِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْمَرْدُودَ عَلَيْهِ - الَّذِي هُوَ ابْنُ الْمَوَّازِ - قَالَ: إذَا عَادَ لِمِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْحِجَازِ فَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ. وَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِعَوْدِهِ لِبَلَدِهِ أَوْ لِمِثْلِهِ. وَخَرَجَ عَنْ أَرْضِ الْحِجَازِ بِالْكُلِّيَّةِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. وَمَحِلُّ اشْتِرَاطِ رُجُوعِهِ لِبَلْدَةِ أَوْ مِثْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَلَدُهُ بَعِيدًا جِدًّا كَالْمَغْرِبِيِّ فَيَكْفِي رُجُوعُهُ لِنَحْوِ مِصْرَ كَمَا قَرَّرَ مُؤَلِّفُهُ. (تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: زِيدَ شَرْطٌ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ التَّرَدُّدَيْنِ فِي خَلِيلٍ: وَهُوَ كَوْنُهُمَا عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ كَانَا عَنْ اثْنَيْنِ - كَأَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَحَجّ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ زَيْدٍ وَحَجَّ عَنْ بَكْرٍ - فَلَا دَمَ. وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا عَنْ وَاحِدٍ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَهُوَ الرَّاجِحُ. الثَّانِي: يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِحَيْثُ لَوْ طَرَأَ لَهُ مُسْقِطٌ كَمَوْتِ الشَّخْصِ سَقَطَ، وَيَتَحَتَّمُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لَوْ مَاتَ بَعْدَهَا حَيْثُ رَمَاهَا أَوْ فَاتَ وَقْتُ رَمْيِهَا.

[الركن الثاني من أركان الحج السعي بين الصفا والمروة]

مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَرَابِغٍ، وَاعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ لِبَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ لِمَكَّةَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. (وَ) شَرْطٌ لِلتَّمَتُّعِ أَيْضًا: (فِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا) : أَيْ أَنْ يَفْعَلَ وَلَوْ بَعْضَ رُكْنٍ مِنْ الْعُمْرَةِ (فِي وَقْتِهِ) : أَيْ الْحَجِّ بِدُخُولِ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ تَمَّ سَعْيُهُ مِنْهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ غَرَبَتْ قَبْلَ تَمَامِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا. الرُّكْنُ (الثَّانِي) مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ: (السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أَشْوَاطًا (سَبْعًا مِنْهُ) : أَيْ الصَّفَا (الْبَدْءُ مَرَّةً وَالْعَوْدُ) إلَيْهِ مِنْ الْمَرْوَةِ مَرَّةً (أُخْرَى) ، فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ. فَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الرُّكْن الثَّانِي مِنْ أَرْكَان الْحَجّ السَّعْي بَيْن الصفا وَالْمَرْوَة] قَوْلُهُ: [الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ: السَّعْيُ] : ذَكَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْوُقُوفِ لِقُرْبِهِ مِنْ الْبَيْتِ وَتَبَعِيَّتِهِ لِلطَّوَافِ الْأَفْضَلِ مِنْ الْوُقُوفِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْبَيْتِ الْمَقْصُودِ بِالْحَجِّ، وَحَدِيثُ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» ، إنَّمَا هُوَ لِفَوَاتِ الْحَجِّ بِفَوَاتِهِ، وَلَكِنْ يَبْعُدُ مَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ فِي رُكْنِيَّةِ السَّعْيِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ التَّطَوُّعُ بِتَكْرَارِهِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ - كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ [الْبَدْءُ] : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (مِنْهُ) وَقَوْلُهُ (مَرَّةً) حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي مُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ أَيْ الْبَدْءِ كَائِنٌ مِنْهُ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْبَدْءِ مَرَّةً، وَالصَّفَا مُذَكَّرٌ لِأَنَّ أَلِفَه ثَالِثَةٌ كَأَلِفِ فَتًى، وَأَلِفُ التَّأْنِيثِ لَا تَكُونُ ثَالِثَةً. قَوْلُهُ: [وَالْعَوْدُ إلَيْهِ] : (الْعَوْدُ) مُبْتَدَأٌ وَ (إلَيْهِ) خَبَرٌ، وَمَرَّةً حَالٌ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ وَ (أُخْرَى) صِفَةٌ لِ (مَرَّةً) . قَوْلُهُ: [فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا] : أَيْ كَمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَفِي الْحَدِيثِ:: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» ، وَقِيلَ لِعَائِشَةَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ قَوْله تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِهِ فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ

الْمَرْوَةِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ. (وَصِحَّتُهُ: بِتَقْدِيمِ طَوَافٍ صَحَّ) : أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ صَحِيحٌ، (مُطْلَقًا) : سَوَاءٌ كَانَ نَفْلًا أَوْ وَاجِبًا كَالْقُدُومِ، أَوْ رُكْنًا كَالْإِفَاضَةِ. فَإِنْ سَعَى مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ طَوَافٍ صَحِيحٍ عَلَيْهِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. (وَوَجَبَ) السَّعْيُ (بَعْدَ) طَوَافٍ (وَاجِبٍ) كَالْقُدُومِ وَالْإِفَاضَةِ. (وَ) وَجَبَ (تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُقُوفِ) : بِعَرَفَةَ بِأَنْ يُوقِعَهُ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ (إنْ وَجَبَ) عَلَيْهِ (طَوَافُ الْقُدُومِ) ، وَإِلَّا أَخَّرَهُ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَمَا سَيَقُولُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQكَذَلِكَ لَقِيلَ أَنْ لَا يَطُوفَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِتَحَرُّجِهِمْ مِنْهُمَا لَمَّا كَانَا مَحَلَّ الْأَصْنَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَصْرِيحٌ بِالْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا الْوُجُوبُ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: [وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ] : وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِهِ بَلْ يُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ بَيْنَ أَشْوَاطِهِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَخَّرَهُ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ] : أَيْ وَإِلَّا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ

وَإِنَّمَا يَجِبُ طَوَافُ الْقُدُومِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (بِأَنَّ أَحْرَمَ) بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (مِنْ الْحِلِّ) إذَا كَانَ دَارُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ، أَوْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، وَخَرَجَ لِلْحِلِّ لِقِرَانِهِ أَوْ لِمِيقَاتِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقُدُومُ. (وَلَمْ يُرَاهِقْ) بِكَسْرِ الْهَاءِ: أَيْ يُقَارِبْ الْوَقْتَ بِحَيْثُ يَخْشَى فَوَاتَ الْحَجِّ، إنْ اشْتَغَلَ بِالْقُدُومِ. وَبِفَتْحِهَا: أَيْ لَمْ يُزَاحِمْهُ الْوَقْتُ، فَإِنْ زَاحَمَهُ وَخَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ لَوْ اشْتَغَلَ بِهِ سَقَطَ الْقُدُومُ. بَلْ يَجِبُ تَرْكُهُ لِإِدْرَاكِ الْحَجِّ. وَمِثْلُ الْمُرَاهِقِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونُ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ عُذْرُهُمْ حَتَّى لَا يُمْكِنُهُمْ الْإِتْيَانُ بِالْقُدُومِ. (وَلَمْ يُرْدِفْ) الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بِحَرَمٍ. (وَإِلَّا) بِأَنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلَا قُدُومَ عَلَيْهِ؛ (فَ) يَجِبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ سَعْيِهِ (بَعْدَ الْإِفَاضَةِ) لِيَقَعَ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ. (فَإِنْ قَدَّمَهُ) عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ نَفْلٍ (أَعَادَهُ) وُجُوبًا بَعْدَهُ، (وَأَعَادَ لَهُ الْإِفَاضَةَ) إنْ لَمْ يَسْعَ بَعْدَهَا وَطَالَ الزَّمَنُ (مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا فَدَمٌ) يَلْزَمُهُ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِبَلَدِهِ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ رُكْنًا. (وَنُدِبَ لِدَاخِلِ مَكَّةَ نُزُولٌ بِطُوًى) : بَطْحَاءُ مُتَّسَعَةٌ يَكْتَنِفُهَا جِبَالٌ قُرْبَ مَكَّةَ فِي وَسَطِهَا بِئْرٌ. (وَ) نُدِبَ (غُسْلٌ بِهَا) : أَيْ فِيهَا (لِغَيْرِ حَائِضٍ) وَنُفَسَاءَ، لِأَنَّهُ لِلطَّوَافِ وَهِيَ لَا يُمْكِنُهَا الطَّوَافُ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقُدُومِ أَخَّرَهُ وُجُوبًا وَعَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَمَا سَيَقُولُ. قَوْلُهُ: [حَتَّى لَا يُمْكِنَهُمْ الْإِتْيَانُ بِالْقُدُومِ] : أَيْ مَعَ إدْرَاكِ الْوُقُوفِ. قَوْلُهُ: [وَطَالَ الزَّمَنُ] : مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ الزَّمَنُ قَرِيبًا بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالسَّعْيِ، وَلَا يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ لِأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ مُغْتَفَرٌ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ رُكْنًا] : أَيْ لِكَوْنِهِ أَتَى بِأَصْلِ الرُّكْنِ وَهُوَ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ وَاجِبٍ. وَإِنَّمَا فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ وَاجِبًا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ حَيْثُ بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ وَمَا دَامَ بِهَا لَا يُجْبِرُهُ الدَّمُ بَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ غُسْلٌ بِهَا] : أَيْ فَهُوَ نَفْسُهُ مَنْدُوبٌ. وَكَوْنُهُ بِهَذَا الْمَكَانِ مَنْدُوبٌ ثَانٍ.

(وَ) نُدِبَ (دُخُولُهُ) مَكَّةَ (نَهَارًا) . (وَ) نُدِبَ دُخُولُهُ (مِنْ كَدَاءٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ آخِرُهُ هَمْزَةٌ مَحْدُودًا اسْمٌ لِطَرِيقٍ بَيْن جَبَلَيْنِ فِيهَا صُعُودٌ يَهْبِطُ مِنْهَا عَلَى الْمَقْبَرَةِ الَّتِي بِهَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. (وَ) نُدِبَ (دُخُولُ الْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ. (وَ) نُدِبَ (خُرُوجُهُ) بَعْدَ انْقِضَاءِ نُسُكِهِ (مِنْ كُدًى) بِضَمِّ الْكَافِ مَقْصُورًا اسْمٌ لِطَرِيقٍ يَمُرُّونَ مِنْهَا عَلَى الشَّيْخِ مَحْمُودٍ. وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ (فَيَبْدَأُ بِالْقُدُومِ) أَيْ بِطَوَافِهِ (وَنَوَى وُجُوبَهُ) لِيَقَعَ وَاجِبًا. (فَإِنْ نَوَى) بِطَوَافِهِ (نَفْلًا أَعَادَهُ) بِنِيَّةِ الْوُجُوبِ. وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْإِعَادَةِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْوَاجِبِ مِنْ أَصْلِهِ كَمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَاجِبَةٌ وَصَلَّى نَفْلًا، فَالْوَاجِبُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، (وَأَعَادَ السَّعْيَ) الَّذِي سَعَاهُ بَعْدَ النَّفْلِ لِيَقَعَ بَعْدَ وَاجِبٍ (مَا لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [نَهَارًا] : فَإِنْ قَدِمَ بِهَا لَيْلًا بَاتَ بِذِي طُوًى. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ دُخُولُهُ مِنْ كَدَاءٍ] : أَيْ إلَّا لِزَحْمَةٍ. قَوْلُهُ؛ [اسْمٌ لِطَرِيقٍ] : وَيُعْرَفُ الْآنَ بِبَابِ الْمُعَلَّاةِ وَالدُّخُولُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مَنْدُوبٌ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ خِلَافًا لِخَلِيلٍ، فَإِنْ الْعِلَّةَ أَذَانُ إبْرَاهِيمَ بِالْحَجِّ فِيهِ وَهِيَ عَامَّةٌ - كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ [الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ] : وَفِي الْحَقِيقَةِ بَابُ السَّلَامِ الْمَعْرُوفُ الْآنَ مُوصِلٌ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ الْآنَ قَوْصَرَّةٌ بِوَسَطِ صَحْنِ الْحَرَمِ يَمُرُّ مِنْهَا الدَّاخِلُ مِنْ بَابِ السَّلَامِ الْقَاصِدُ لِلْكَعْبَةِ، فَلَوْ دَخَلَ شَخْصٌ مِنْ أَيِّ بَابٍ وَتَوَصَّلَ لِلْكَعْبَةِ مِنْ تِلْكَ الْقَوْصَرَّةِ فَقَدْ أَتَى بِالْمَنْدُوبِ. قَوْلُهُ: [مِنْ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ] إلَخْ: أَبْدَى بَعْضُهُمْ الْحِكْمَةَ فِي الدُّخُولِ مِنْ الْمَفْتُوحِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَضْمُومِ وَهِيَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ طَالِبًا الْفَتْحَ وَمُلْتَمِسًا الْعَطَايَا، فَإِذَا خَرَجَ يَضُمُّ مَا حَازَهُ وَيَكْتُمُ أَمْرَهُ وَلَا يَشِيعُ سِرُّهُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ نَوَى بِطَوَافِهِ نَفْلًا] : أَيْ بِأَنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ وُجُوبِهِ كَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْجَهَلَةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْوِ وُجُوبَهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ لُزُومَهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.

[واجبات الطواف]

يَخَفْ فَوْتًا) لَحِجِّهِ إنْ اشْتَغَلَ بِالْإِعَادَةِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ خَافَ الْفَوَاتَ تَرَكَ الْإِعَادَةَ لِطَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، وَ (أَعَادَهُ) : أَيْ السَّعْيَ (بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِفَوَاتِ الْقُدُومِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ بَعْدَهَا أَعَادَ لَهُ الْإِفَاضَةُ، وَأَعَادَهُ بَعْدَهَا مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ تَبَاعَدَ فَدَمٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قُدُومٌ إذَا قَدَّمَ سَعْيَهُ. (وَوَجَبَ لِلطَّوَافِ مُطْلَقًا) - وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا - (رَكْعَتَانِ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ (يَقْرَأُ فِيهِمَا) نَدْبًا (بِالْكَافِرُونَ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، (فَالْإِخْلَاصِ) فِي الثَّانِيَةِ. (وَنَدْبًا) أَيْ إيقَاعُهُمَا (بِالْمَقَامِ) أَيْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ. (وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ) بَعْدَ تَمَامِ طَوَافِهِ وَقَبْلَ رَكْعَتَيْهِ (بِالْمُلْتَزَمِ) : حَائِطِ الْبَيْتِ بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَبَابِ الْبَيْتِ: يَضَعُ صَدْرَهُ عَلَيْهِ، وَيَفْرِشُ ذِرَاعَيْهِ عَلَيْهِ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ وَيُسَمَّى الْحَطِيمُ أَيْضًا. (وَ) نُدِبَ (كَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ) لِأَنَّهُ بَرَكَةٌ (بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ) فَقَدْ وَرَدَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى نَوَى الْوُجُوبَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَلَكِنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ فَلَا إعَادَةَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَكَانَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ عَدَمَ لُزُومِهِ؛ أَوْ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ وَنَوَى بِهِ النَّفْلِيَّةَ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ. [وَاجِبَات الطَّوَاف] قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ لِلطَّوَافِ مُطْلَقًا] : أَيْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْآخَرُ أَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلطَّوَافِ. قَوْلُهُ: [يَقْرَأُ فِيهِمَا نَدْبًا بِالْكَافِرِينَ] إلَخْ: الْكَافِرُونَ مَجْرُورٌ بِالْحِكَايَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى التَّوْحِيدِ فِي مَقَامِ التَّجْرِيدِ. قَوْلُهُ: [الْمَقَامِ] : أَيْ خَلْفَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ فِعْلُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ الْمَقَامَ وَسَطُهُ، فَلَوْ صَلَّاهُمَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَجْزَأَ وَأَعَادَهُمَا مَا دَامَ عَلَى وُضُوءٍ. قَوْلُهُ: [وَيُسَمَّى الْحَطِيمُ أَيْضًا] : أَيْ لِأَنَّهُ يُحَطِّمُ الذُّنُوبَ وَمَا دُعِيَ فِيهِ عَلَى ظَالِمٍ إلَّا وَحُطِّمَ. وَقِيلَ الْمُلْتَزَمُ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْكَائِنِ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَزَمْزَمَ، فَعَلَى هَذَا يَكْفِي الدُّعَاءُ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْهُ.

«مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» أَيْ مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ عَافِيَةٍ أَوْ سَعَةِ رِزْقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَ) نُدِبَ (نَقْلُهُ) إلَى بَلَدِهِ وَأَهْلِهِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ. (وَشَرْطُ صِحَّةِ الطَّوَافِ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا: (الطَّهَارَتَانِ) : طَهَارَةُ الْحَدَثِ، وَطَهَارَةُ الْخَبَثِ كَالصَّلَاةِ (وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ) كَالصَّلَاةِ فِي حَقِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. (وَجَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) حَالَ طَوَافِهِ لَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا تُجَاهَ وَجْهِهِ أَوْ ظَهْرِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» : أَيْ فَيَحْصُلُ مَا قَصَدَهُ بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ نَقْلُهُ] : أَيْ وَخَاصِّيَّتُهُ بَاقِيَةٌ خِلَافًا لِمَنْ يَزْعُمُ زَوَالَ خَاصِّيَّتِهِ. قَوْلُهُ: [كَالصَّلَاةِ] : فَإِنْ شَكَّ فِي الْأَثْنَاءِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ. قَوْلُهُ: [فِي حَقِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى] : قَالَ بَعْضٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ طَوَافِ الْحُرَّةِ إذَا كَانَتْ بَادِيَةَ الْأَطْرَافِ، وَتُعِيدُ اسْتِحْبَابًا مَا دَامَتْ بِمَكَّةَ أَوْ حَيْثُ يُمْكِنُهَا الْإِعَادَةُ وَقِيلَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَجَعَلَ الْبَيْتَ مِنْ يَسَارِهِ] : الْمُرَادُ عَنْ يَسَارِهِ وَهُوَ مَاشٍ مُسْتَقِيمًا جِهَةَ إمَامِهِ، فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ إلَّا أَنَّهُ رَجَعَ الْقَهْقَرَى مِنْ الْأَسْوَدِ إلَى الْيَمَانِيِّ لَمْ يُجْزِهِ، قَالَ الْحَطَّابُ حِكْمَةُ جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ لِيَكُونَ قَلْبُهُ إلَى جِهَةِ الْبَيْتِ، وَوَجْهُهُ إلَى وَجْهِ الْبَيْتِ، إذْ بَابُ الْبَيْتِ هُوَ وَجْهُهُ، فَلَوْ جَعَلَ الطَّائِفُ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ لَأَعْرَضَ عَنْ بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ وَجْهُهُ، وَلَا يَلِيقُ بِالْأَدَبِ الْإِعْرَاضُ عَنْ وُجُوهِ الْأَمْثَالِ.

(وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ) : أَيْ بَدَنِ الطَّائِفِ (عَنْ الشَّاذَرْوَانِ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: بِنَاءٌ لَطِيفٌ مِنْ حَجَرٍ أَصْفَرَ يَمِيلُ إلَى الْبَيَاضِ مُلْصَقٌ بِحَائِطِ الْكَعْبَةِ مُحْدَوْدَبٌ طُولُهُ أَقَلُّ مِنْ ذِرَاعٍ فَوْقَهُ حَلَقٌ مِنْ نُحَاسٍ أَصْفَرَ دَائِرٌ بِالْبَيْتِ، يُرْبَطُ بِهَا أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ يَلْعَبُ بِهَا بَعْضُ جَهَلَةِ الْعَوَامّ كَأَنَّهُمْ يَعُدُّونَهَا فَيَفْسُدُ طَوَافُهُمْ. (وَ) خُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ أَيْضًا عَنْ (الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ: أَيْ حِجْرِ إسْمَاعِيلَ لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْبَيْتِ وَهُوَ الْآنَ مَحُوطٌ بِبِنَاءٍ مِنْ حَجَرٍ أَصْفَرَ يَمِيلُ إلَى الْبَيَاضِ عَلَى شَكْلِ الْقَوْسِ، تَحْتَ مِيزَابِ الرَّحْمَةِ مِنْ الرُّكْنِ الْعِرَاقِيِّ الَّذِي يَلِي بَابَ الْكَعْبَةِ إلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ طُولُهُ نَحْوُ ذِرَاعَيْنِ، لَيْسَ مُلْتَصِقًا بِالْكَعْبَةِ، بَلْ لَهُ بَابٌ مِنْ عِنْدِ الْعِرَاقِيّ، وَبَابٌ مِنْ عِنْدِ الشَّامِيِّ يَدْخُلُ الدَّاخِلُ مِنْ هَذَا وَيَخْرُجُ مِنْ الْآخَرِ، وَالْمَطَافُ خَارِجُ الْحِجْرِ مُبَلَّطٌ بِرُخَامٍ نَفِيسٍ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. وَإِذَا كَانَ خُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ شَرْطَ صِحَّةٍ (فَيَنْصِبُ الْمُقَبِّلُ) لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. قَوْلُهُ: [فَيَفْسُدُ طَوَافُهُمْ] : أَيْ لِدُخُولِ بَعْضِ الْبَدَنِ فِي هَوَاءِ الْبَيْتِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ، قَالَ الْحَطَّابُ: وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَثُرَ الِاضْطِرَابُ فِي الشَّاذَرْوَانِ، فَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي طَوَافِهِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ طَافَ وَبَعْضُ بَدَنِهِ فِي هَوَائِهِ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ كَمَا قَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ. قَوْلُهُ: [وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ أَيْضًا عَنْ الْحِجْرِ] : أَيْ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُعْتَدُّ بِالطَّوَافِ دَاخِلَ الْحِجْرِ، خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْبَيْتِ] : أَيْ وَلِذَلِكَ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: صَلِّي فِي الْحِجْرِ إنْ أَرَدْت دُخُولَ الْبَيْتِ فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْبَيْتِ،

(قَامَتَهُ) : بِأَنْ يَعْتَدِلَ بَعْدَ التَّقْبِيلِ قَائِمًا، ثُمَّ يَطُوفَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ مُطَأْطِئًا كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ فِي الْبَيْتِ فَلَا يَصِحُّ طَوَافُهُ. (وَ) شَرْطُ صِحَّةِ الطَّوَافِ: (كَوْنُهُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) مِنْ الْحَجَرِ لِلْحَجَرِ فَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ. وَكَوْنُهُ (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) فَلَا يُجْزِئُ خَارِجَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَكِنَّ قَوْمَك اسْتَقْصَرُوهُ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْبَيْتِ» . قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ زَادَ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَمَنْ سَهَا فِي طَوَافِهِ فَبَلَغَ ثَمَانِيَةً أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ لِلْأُسْبُوعِ الْكَامِلِ، وَيُلْغِي مَا زَادَ عَلَيْهِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ. وَهَكَذَا حُكْمُ الْعَامِدِ، فِي ذَلِكَ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي (عب) وَالْخَرَشِيِّ مِنْ بُطْلَانِ الطَّوَافِ بِزِيَادَةِ مِثْلِهِ سَهْوًا، وَبِمُطْلَقِ الزِّيَادَةِ عَمْدًا كَالصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، وَقِيَاسُهُمَا لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ مَرْدُودٌ بِوُجُودِ الْفَارِقِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا بِسَلَامٍ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَالزِّيَادَةُ بَعْدَ تَمَامِهِ لَغْوٌ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ شَارِحُنَا عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي الْأَقَلِّ وَسَكَتَ عَنْ الزِّيَادَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ خَارِجَهُ] : أَيْ وَلَا فَوْقَ سَطْحِهِ، وَأَمَّا بِالسَّقَائِفِ الْقَدِيمَةِ وَهِيَ مَحَلُّ الْقِبَابِ الْمَعْقُودَةِ الْآنَ وَوَرَاءَ زَمْزَمَ وَقُبَّةِ الشَّرَابِ فَيَجُوزُ لِلزَّحْمَةِ لَا لِكَحَرٍّ وَبَرْدٍ فَيُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، وَإِلَّا فَدَمٌ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ، فَلَوْ طَافَ فِي السَّقَائِفِ لِزَحْمَةٍ ثُمَّ زَالَتْ الزَّحْمَةُ فِي الْأَثْنَاءِ وَجَبَ كَمَالُهُ فِي الْمَحِلِّ الْمُعْتَادِ كَانَ الْبَاقِي قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. فَلَوْ كَمَّلَهُ فِي مَحَلِّ السَّقَائِفِ فَهَلْ يُطَالَبُ بِإِعَادَةِ مَا فَعَلَهُ بَعْدَ زَوَالِ الزَّحْمَةِ، أَوْ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الطَّوَافِ كُلِّهِ؟ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.

وَكَوْنُهُ مُتَوَالِيًا (بِلَا كَثِيرِ فَصْلٍ، وَإِلَّا) بِأَنْ فَصَلَ كَثِيرًا لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا (ابْتَدَأَهُ) مِنْ أَوَّلِهِ، وَبَطَلَ مَا فَعَلَهُ. (وَقَطَعَ) طَوَافَهُ وُجُوبًا وَلَوْ رُكْنًا (لِإِقَامَةِ) صَلَاةِ (فَرِيضَةٍ) لِرَاتِبٍ، إذَا لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا، أَوْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا وَهِيَ مِمَّا تُعَادُ. وَالْمُرَادُ بِالرَّاتِبِ: إمَامُ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِمَقَامِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَقْطَعُ لَهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الرَّاتِبِ، كَذَا قِيلَ. (وَ) إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ شَوْطٍ (نُدِبَ) لَهُ (كَمَالُ الشَّوْطِ) الَّذِي هُوَ فِيهِ، بِأَنْ يَنْتَهِيَ لِلْحَجَرِ لِيَبْنِيَ عَلَى طَوَافِهِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَوَّلِ الشَّوْطِ، فَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهُ ابْتَدَأَ فِي مَوْضِعِ خُرُوجِهِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ ذَلِكَ الشَّوْطَ؛ (وَبَنَى) عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ طَوَافِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَقَبْلَ تَنَفُّلِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْفَصْلَ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ لَا يُبْطِلُهُ، بِخِلَافِ النَّافِلَةِ وَالْجِنَازَةِ. وَكَذَا لَا يُبْطِلُهُ الْفَصْلُ لِعُذْرٍ كَرُعَافٍ؛ وَلِذَا شَبَّهَ فِي الْبِنَاءِ قَوْلَهُ: (كَأَنْ رَعَفَ) فَإِنَّهُ يَبْنِي بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الصَّلَاةِ؛ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَتَعَدَّى مَوْضِعًا قَرِيبًا لِأَبْعَدَ مِنْهُ، وَأَنْ لَا يَبْعُدَ الْمَكَانُ فِي نَفْسِهِ؛ وَأَنْ لَا يَطَأَ نَجَاسَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ سَقَائِفُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَدَّلَهَا بَعْضُ السَّلَاطِينِ مِنْ بَنِي عُثْمَانَ بِقِبَابٍ مَعْقُودَةٍ، وَأَمَّا السَّقَائِفُ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ خَلْفَ الْقِبَابِ فَالطَّوَافُ بِهَا بَاطِلٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمَسْجِد. قَوْلُهُ: [بِأَنْ فَصَلَ كَثِيرًا] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْفَصْلُ لِصَلَاةِ جِنَازَةٍ، بَلْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ مُبْطِلٌ لِلطَّوَافِ وَلَوْ قَلَّ الْفَصْلُ، لِأَنَّهَا فِعْلٌ آخَرُ غَيْرُ مَا هُوَ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ لَهَا اتِّفَاقًا. قَالَ فِي الْأَصْلِ: مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ، فَإِنْ تَعَيَّنَتْ وَجَبَ الْقَطْعُ إنْ خَشِيَ تَغَيُّرَهَا وَإِلَّا فَلَا يَقْطَعُ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَطْعِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَبْنِي كَالْفَرِيضَةِ كَذَا قَالُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (اهـ) . وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ لِنَفَقَةٍ نَسِيَهَا، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ بَنَى، وَإِلَّا ابْتَدَأَهُ. قَوْلُهُ: [كَذَا قِيلَ] : تَقَدَّمَ فِي الْجَمَاعَةِ الْخِلَافُ فِيهِ فَانْظُرْهُ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ النَّافِلَةِ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْفَصْلُ بِهَا وَلَوْ يَسِيرًا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أُخْرَى. وَتَقَدَّمَ التَّفْصِيلُ فِي الْجِنَازَةِ. قَوْلُهُ: [كَأَنْ رَعَفَ فَإِنَّهُ يَبْنِي] : أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ أَوْ سَقَطَتْ

[سنن الطواف]

(وَ) بَنَى (عَلَى الْأَقَلِّ إنْ شَكَّ) هَلْ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَرْبَعَةً مَثَلًا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا، إلَّا بَنَى عَلَى الْأَكْثَرِ. (وَوَجَبَ) لِلطَّوَافِ (ابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْحَجَرِ) : الْأَسْوَدِ. (وَ) وَجَبَ لَهُ (مَشْيٌ لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ (كَالسَّعْيِ) : أَيْ كَمَا يَجِبُ الْمَشْيُ لِلسَّعْيِ عَلَى الْقَادِرِ. (وَإِلَّا) يَمْشِ - بِأَنْ رَكِبَ أَوْ حُمِلَ - (فَدَمٌ) يَلْزَمُهُ (إنْ لَمْ يُعِدْهُ) وَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ. فَإِنْ أَعَادَهُ مَاشِيًا بَعْدَ رُجُوعِهِ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِإِعَادَتِهِ مَاشِيًا. وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ، وَلَا يَجْزِيهِ الدَّمُ وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ فِيمَا ذُكِرَ. وَمَفْهُومُ: " لِقَادِرٍ " أَنَّ الْعَاجِزَ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا إعَادَةَ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ الْمَشْيَ سُنَّةٌ فِيهِ مُسَامَحَةٌ. (وَسُنَّ) لِلطَّوَافِ (تَقْبِيلُ حَجَرٍ بِلَا صَوْتٍ) نَدْبًا (أَوَّلُهُ) أَيْ فِي أَوَّلِهِ قَبْلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ. فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي بَلْ يَبْطُلُ وَيَبْتَدِيهِ، خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّجَسِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُعِيدُ رَكْعَتَيْهِ إنْ كَانَ الْأَمْرُ قَرِيبًا وَلَمَّا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، فَإِنْ طَالَ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: [وَبَنَى عَلَى الْأَقَلِّ] إلَخْ: أَيْ وَيَعْمَلُ بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ وَلَوْ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ لِلطَّوَافِ ابْتِدَاؤُهُ] إلَخْ: فَإِنْ ابْتَدَأَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُعِدْهُ لَزِمَهُ دَمٌ. قَوْلُهُ: [فِيهِ مُسَامَحَةٌ] : أَيْ لِحُكْمِهِ بِالدَّمِ فِي تَرْكِهِ؛ وَالدَّمُ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ وَهَذَا هُوَ مَشْهُورٌ مَذْهَبًا، وَأَمَّا مَذْهَبُ الْغَيْرِ فَلَيْسَ الْمَشْيُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بِوَاجِبٍ. [سُنَن الطَّوَاف] قَوْلُهُ: [وَسُنَّ لِلطَّوَافِ تَقْبِيلٌ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي كُلِّ طَوَافٍ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا، وَهُوَ الَّذِي نَسَبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلتَّلْقِينِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ خَلِيلٍ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَكِنْ نَسَبَ الْبُنَانِيُّ لِلْمُدَوَّنَةِ تَخْصِيصَ السُّنِّيَّةِ بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ. قَوْلُهُ: [بِلَا صَوْتٍ] : وَفِي الصَّوْتِ قَوْلَانِ: بِالْكَرَاهَةِ، وَالْإِبَاحَةِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ. وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّجُودَ وَتَمْرِيغَ الْوَجْهِ عَلَيْهِ.

الشُّرُوعِ فِيهِ إذَا لَمْ تَكُنْ زَحْمَةً، (وَلِلزَّحْمَةِ لَمْسٌ بِيَدٍ) إنْ قَدَرَ، (ثُمَّ عُودٍ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ بِالْيَدِ. (وَوُضِعَا) : أَيْ الْيَدُ أَوْ الْعُودُ (عَلَى فِيهِ) بَعْدَ اللَّمْسِ بِأَحَدِهِمَا بِلَا صَوْتٍ، (وَكَبَّرَ) نَدْبًا (مَعَ كُلٍّ) مِنْ التَّقْبِيلِ وَوَضْعِ الْيَدِ أَوْ الْعُودِ عَلَى الْفَمِ. (وَإِلَّا) يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ (كَبَّرَ فَقَطْ) إذَا حَاذَاهُ، وَاسْتَمَرَّ فِي طَوَافِهِ. (وَ) سُنَّ (اسْتِلَامُ) الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ) أَوَّلَ شَوْطٍ بِأَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيْهِ، وَيَضَعَهَا عَلَى فِيهِ. (وَ) سُنَّ (رَمَلُ ذَكَرٍ) وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ فَهُوَ أَشْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ: " رَجُلٍ "، فَلَيْسَ مُرَادُهُ خُصُوصَ الْبَالِغِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " وَلَوْ مَرِيضًا وَصَبِيًّا حُمِلَا " أَيْ: فَيَرْمُلُ الْحَامِلُ لَهُمَا بِهِمَا. وَالرَّمَلُ: الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ دُونَ الْخَبَبِ (فِي) الْأَشْوَاطِ (الثَّلَاثَةِ الْأَوَّلِ) فَقَطْ. وَمَحِلُّ اسْتِنَانِ الرَّمَلِ فِيهَا: (إنْ أَحْرَمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (مِنْ الْمِيقَاتِ) ، بِأَنْ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِلَّا نُدِبَ كَمَا سَيَأْتِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَكَبَّرَ نَدْبًا مَعَ كُلٍّ] : أَيْ خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُكَبِّرُ إذَا تَعَذَّرَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ وَالْعَوْدُ فَهِمَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَاعْتَرَضَ بِهِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ التَّكْبِير، فِي كُلِّ مُرَتَّبَةٍ، وَالصَّوَابُ مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا. قَوْلُهُ: [كَبَّرَ فَقَطْ إذَا حَاذَاهُ] : أَيْ جَاءَ قُبَالَتَهُ وَلَا يُشِيرُ بِيَدِهِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى التَّكْبِيرِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بَيْنَ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ. وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَاسْتِلَامُ الْيَمَانِي فِي بَاقِي الْأَشْوَاطِ فَمَنْدُوبٌ كَمَا يَأْتِي. وَأَمَّا الشَّامِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ فَيُكْرَهُ اسْتِلَامُهُمَا فِي سَائِرِ الْأَشْوَاطِ. قَوْلُهُ: [وَسُنَّ رَمَلُ ذَكَرٍ] : أَيْ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا رَمَلَ عَلَيْهِنَّ، وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَالطَّائِفُ مِنْ الرِّجَالِ عَنْهُنَّ حُكْمُهُنَّ. قَوْلُهُ: [إنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ سُنَّةَ الرَّمَلِ إنَّمَا هِيَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَطَوَافِ الْقُدُومِ، وَهَذَا الرَّمَلُ مِمَّا زَالَ سَبَبُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ، فَإِنَّ سَبَبَهُ رَفْعُ التُّهْمَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمُوا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَكَانَ كُفَّارُ

[سنن السعي]

(إلَّا لِازْدِحَامٍ فَالطَّاقَةُ) ، وَلَا يُكَلَّفُ مَا فَوْقَهَا. (وَ) سُنَّ لِلطَّائِفِ (الدُّعَاءُ) بِمَا يُحِبُّ مِنْ طَلَبِ عَافِيَةٍ وَعِلْمٍ وَتَوْفِيقٍ وَسَعَةِ رِزْقٍ، (بِلَا حَدٍّ) مَحْدُودٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ بِمَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ. الْأَوْلَى أَنَّهُ يَدْعُو بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَحْوَ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] وَنَحْوَ: «اللَّهُمَّ إنِّي آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت، وَبِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ثُمَّ شَرَعَ فِي سُنَنِ السَّعْيِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: (وَ) سُنَّ (لِلسَّعْيِ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ قَبْلَ الْخُرُوجِ لَهُ، وَ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الرَّكْعَتَيْنِ) لِلطَّوَافِ. (وَ) سُنَّ (رُقِيُّ رَجُلٍ) : أَيْ صُعُودُهُ (عَلَيْهِمَا) : أَيْ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQمَكَّةَ يَظُنُّونَ فِيهِمْ الضَّعْفَ بِسَبَبِ حُمَّى الْمَدِينَةِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ قَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأُمِرُوا بِالرَّمَلِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَشْوَاطِ لِمَنْعِ تُهْمَةِ الضَّعْفِ. قَوْلُهُ: [بِلَا حَدٍّ مَحْدُودٍ فِي ذَلِكَ] : أَيْ وَالتَّحْدِيدُ رَآهُ مَالِكٌ مِنْ الْبِدَعِ. [سُنَن السَّعْي] قَوْلُهُ: [بَعْدَ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ] : وَنُدِبَ أَنْ يَمُرَّ بِزَمْزَمَ فَيَشْرَبَ مِنْهَا ثُمَّ يُقَبِّلَ الْحَجَرَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ يَخْرُجَ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا نَدْبًا. قَوْلُهُ: [وَسُنَّ رُقِيُّ رَجُلٍ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِمُطْلَقِ الرُّقِيِّ وَلَوْ عَلَى سُلَّمٍ وَاحِدٍ، وَالرُّقِيُّ عَلَى الْأَعْلَى مَنْدُوبٌ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمُرَادُ الرُّقِيُّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا

(كَامْرَأَةٍ) يُسَنُّ لَهَا الصُّعُودُ (إنْ خَلَا) الْمَوْضِعُ مِنْ الرِّجَالِ، وَإِلَّا وَقَفَتْ أَسْفَلَهُمَا (وَ) سُنَّ (إسْرَاعٌ بَيْنَ) الْعَمُودَيْنِ (الْأَخْضَرَيْنِ) الْمُلَاصِقَيْنِ لِجِدَارِ الْمَسْجِدِ (فَوْقَ الرَّمَلِ) وَدُونَ الْجَرْيِ، وَذَلِكَ فِي ذَهَابِهِ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ، وَكَذَا فِي عَوْدِهِ إلَى الصَّفَا أَيْضًا. (وَ) سُنَّ (الدُّعَاءُ بِهِمَا) : أَيْ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ رَقَى أَمْ لَا انْتَصَبَ قَائِمًا أَمْ جَلَسَ. (وَنُدِبَ لَهُ) : أَيْ لِلسَّعْيِ (شُرُوطُ الصَّلَاةِ) : مِنْ طَهَارَةٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَنُدِبَ وُقُوفٌ عَلَيْهِمَا، وَالْجُلُوسُ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى. (وَ) نُدِبَ (لِلطَّوَافِ: رَمَلٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لِمُحْرِمٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (مِنْ) دُونِ الْمَوَاقِيتِ (كَالتَّنْعِيمِ) وَالْجِعْرَانَةِ، (أَوْ بِالْإِفَاضَةِ) : أَيْ فِي طَوَافِهَا (لِمَنْ لَمْ يَطُفْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ رَقَى مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، فَقَدْ أَتَى بِبَعْضِ السُّنَّةِ كَذَا فِي (بْن اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَإِلَّا وَقَفْت أَسْفَلَهُمَا] : أَيْ وَلَا يَجُوزُ لَهَا مُزَاحَمَةُ الرِّجَالِ. قَوْلُهُ: [الْعَمُودَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ] : أَوَّلُهُمَا فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ تَحْتَ مَنَارَةِ بَابِ عَلِيٍّ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى الْمَرْوَةِ، وَالثَّانِي بَعْدَهُ قُبَالَةَ رِبَاطِ الْعَبَّاسِ، وَهُنَاكَ عَمُودَانِ آخَرَانِ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إلَى الْمَرْوَةِ فِي مُقَابَلَتِهِمَا. قَوْلُهُ: [وَكَذَا فِي عَوْدِهِ إلَى الصَّفَا] : أَيْ كَمَا ارْتَضَاهُ (بْن) وَأَيَّدَهُ بِالنُّقُولِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ سَنَدٍ وَالْمَوَّاقِ مِنْ أَنَّ الْإِسْرَاعَ خَاصٌّ بِالذَّهَابِ لِلْمَرْوَةِ، وَلَا يَكُونُ فِي حَالِ الْعَوْدِ لِلصَّفَا. قَوْلُهُ: [وَسُنَّ الدُّعَاءُ بِهِمَا] : أَيْ بِلَا حَدٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّوَافِ، بَلْ السُّنَّةُ الدُّعَاءُ لِمَنْ يَسْعَى مُطْلَقًا فِي حَالِ رُقِيِّهِ وَسَعْيِهِ. وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالرُّقِيِّ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ غَالِبِ الْعِبَارَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّفْرَاوِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [مِنْ طَهَارَةٍ] : أَيْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، فَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ تَذَكَّرَ حَدَثًا أَوْ أَصَابَهُ حَقْنٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِيَ. فَإِنْ أَتَمَّ سَعْيَهُ كَذَلِكَ أَجْزَأَهُ. فَاسْتَخَفَّ مَالِكٌ اشْتِغَالَهُ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ يَرَهُ مُخِلًّا بِالْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ فِي السَّعْيِ لِيَسَارَتِهِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ وُقُوفٌ عَلَيْهِمَا] : وَعَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ الْوُقُوفَ سُنَّةٌ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لِلطَّوَافِ رَمَلٌ] : تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ هُمَا مِنْ

الْقُدُومَ) لِعُذْرٍ أَوْ نِسْيَانٍ. (وَ) نُدِبَ (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (وَاسْتِلَامُ) الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ فِي غَيْرِ) الشَّوْطِ (الْأَوَّلِ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا فِي الْأَوَّلِ سُنَّةٌ. وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ قَوْلَ: (كَالْخُرُوجِ) مِنْ مَكَّةَ (لِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (بَعْدَ الزَّوَالِ) قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ (بِقَدْرِ مَا) أَيْ زَمَنٍ (يُدْرِكُ بِهَا) : أَيْ بِمِنًى (الظُّهْرَ) فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ قَصْرًا لِلسُّنَّةِ. (وَبَيَاتِهِ بِهَا) أَيْ بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ، فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ (وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ) لِلشَّمْسِ: فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ. (وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ) : وَادٍ دُونَ عَرَفَةَ يَلْصَقُهَا، مُنْتَهَاهَا الْعَلَمَانِ الْمَعْرُوفَانِ. وَهَذَا إذَا وَصَلَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَيَنْزِلُ بِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ قَصْرًا جَمْعَ تَقْدِيمٍ مَعَ الْإِمَامِ بِمَسْجِدِهَا ثُمَّ يَنْفِرُوا إلَى عَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ لِلْغُرُوبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَوَاقِيتِ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ الرَّمَلُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَذَكَرَ هُنَا الْمَوَاضِعَ الَّتِي يُنْدَبُ فِيهَا الرَّمَلُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا رَمَلَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [كَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ لِمِنًى] : أَيْ وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ خُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِهِ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ النَّاسَ فِيهَا بِالْمَنَاسِكِ الَّتِي تُفْعَلُ مِنْ وَقْتِهَا إلَى الْخُطْبَةِ الَّتِي بِعَرَفَةَ. قَوْلُهُ: [بِقَدْرِ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ] : أَيْ وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَيْ لِلْمُسَافِرِينَ، وَأَمَّا الْمُقِيمُونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَجَّ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الذَّهَابِ. قَوْلُهُ: [وَبَيَاتُهُ بِهَا] : أَيْ فَيُصَلِّي بِهَا حِينَئِذٍ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَصُبْحَ التَّاسِعِ وَهَذِهِ السُّنَّةُ مَتْرُوكَةٌ الْآنَ. قَوْلُهُ: [صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ] : أَيْ بَعْدَ الْخُطْبَتَيْنِ الْآتِيَتَيْنِ. قَوْلُهُ: [جَمْعَ تَقْدِيمٍ] : أَيْ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلٍّ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ بِغَيْرِ تَنَفُّلٍ بَيْنَهُمَا، وَمَنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ وَحْدَهُ فِي أَيِّ مَكَان بِعَرَفَةَ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ يَنْفِرُوا] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ غَيْرِ نُونٍ وَلَعَلَّهَا سَبْقُ قَلَمٍ.

[الركن الثالث من أركان الحج الحضور بعرفة ليلة النحر]

الرُّكْنُ (الثَّالِثُ) مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ: (الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ) : عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ، (وَلَوْ بِالْمُرُورِ) بِهَا (إنْ عَلِمَهُ) : أَيْ عَلِمَ أَنَّهُ عَرَفَةَ، (وَنَوَاهُ) : أَيْ نَوَى الْحُضُورَ الرُّكْنَ، وَهَذَانِ شَرْطَانِ فِي الْمَارِّ فَقَطْ (أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ) . وَيَكْفِي الْحُضُورُ (فِي أَيِّ جُزْءٍ) مِنْهُ؛ وَهُوَ جَبَلٌ مُتَّسِعٌ جِدًّا. وَالْحُضُورُ أَعَمُّ مِنْ الْوُقُوفِ، فَالْوُقُوفُ، لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَوْلُهُ: " لَيْلَةَ النَّحْرِ " هُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا، فَلَا يَكْفِي الْوُقُوفُ نَهَارًا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. (وَأَجْزَأَ) الْوُقُوفُ (بِعَاشِرٍ) : أَيْ يَوْمَ الْعَاشِرِ لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إنْ (أَخْطَئُوا) : أَيْ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، بِأَنْ لَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ لِعُذْرٍ مِنْ غَيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَأَتَمُّوا عِدَّةَ ذِي الْقَعْدَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَوَفَّقُوا يَوْمَ التَّاسِعِ فِي اعْتِقَادِهِمْ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعَاشِرِ بِنُقْصَانِ ذِي الْقَعْدَةِ فَيُجْزِئُهُمْ، بِخِلَافِ التَّعَمُّدِ وَبِخِلَافِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الرُّكْن الثَّالِث مِنْ أَرْكَان الْحَجّ الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ] قَوْلُهُ: [الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ] : وَلَا بُدَّ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا كَالسُّجُودِ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَقِفَ فِي الْهَوَاءِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَانِ شَرْطَانِ فِي الْمَارِّ فَقَطْ] : أَيْ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ اسْتِقْرَارٌ وَطُمَأْنِينَةٌ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَقَرَّ وَاطْمَأَنَّ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ وَلَا النِّيَّةُ. قَوْلُهُ: [أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ] : هُوَ فِي حَيِّزِ لَوْ، وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْعِلْمُ وَلَا النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ الطُّمَأْنِينَةِ. وَأَوْلَى مِنْ الْإِغْمَاءِ النَّوْمُ أَيْ وَحَصَلَ ذَلِكَ النَّوْمُ أَوْ الْإِغْمَاءُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَاسْتَمَرَّ حَتَّى نَزَلَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَالْإِجْزَاءُ بِاتِّفَاقٍ. قَالَ بَعْضٌ: وَانْظُرْ لَوْ شَرِبَ مُسْكِرًا حَتَّى غَابَ وَفَاتَ الْوُقُوفُ قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ فَهُوَ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ اخْتِيَارٌ فَلَا يُجْزِيهِ. قَوْلُهُ: [إنْ أَخْطَئُوا] : أَيْ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِالْفِعْلِ لَا إنْ تَبَيَّنَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَلَا يَجْزِيهِمْ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ التَّعَمُّدِ] إلَخْ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ أَخْطَئُوا فِي الْعَدَدِ بِأَنْ عَلِمُوا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ الشَّهْرِ، ثُمَّ نَسُوهُ فَوَقَفُوا فِي الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ لَا يَجْزِيهِمْ. وَأَمَّا مَنْ رَأَى

خَطَئِهِمْ بِثَامِنٍ أَوْ حَادِيَ عَشَرَ، أَوْ خَطَأِ بَعْضِهِمْ فَلَا يُجْزِئُ. (وَوَجَبَ) فِي الْوُقُوفِ الرُّكْنِ: (طُمَأْنِينَةُ) : أَيْ اسْتِقْرَارٌ بِقَدْرِ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ رَاكِبًا فَإِذَا نَفَرُوا قَبْلَ الْغُرُوبِ - كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ - وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ اسْتِقْرَارٌ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَإِلَّا فَدَمٌ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ (كَالْوُقُوفِ نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَالِ) : فَإِنَّهُ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَلَا يَكْفِي قَبْلَ الزَّوَالِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَالشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ الرُّكْنَ الْوُقُوفُ إمَّا نَهَارًا أَوْ لَيْلًا. (وَسُنَّ خُطْبَتَانِ) كَالْجُمُعَةِ (بَعْدَ الزَّوَالِ) بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ. وَيُقَالُ مَسْجِدُ نَمِرَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَقْصُورَتَهُ الْغَرْبِيَّةَ الَّتِي بِهَا الْمِحْرَابُ فِي نَمِرَةَ وَبَاقِيهِ فِي عَرَفَةَ، وَهُوَ مَسْجِدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ مَتِينُ الْبُنْيَانِ أَكْثَرُ الْحُجَّاجِ الْآنَ لَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَهْتَدِي إلَيْهِ حَتَّى طَلَبَةُ الْعِلْمِ، سِوَى أَهْلِ مَكَّةَ وَغَالِبُ أَهْلِ الرُّومِ؛ فَلَهُمْ اعْتِنَاءٌ بِإِقَامَةِ الشَّعَائِرِ. (يُعَلِّمُهُمْ) الْخَطِيبُ (بِهِمَا) : أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالشَّهَادَتَيْنِ (مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ) قَبْلَ الْأَذَانِ لِلظُّهْرِ، بِأَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، وَأَنْ يَقْصُرُوهُمَا لِلسُّنَّةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْهِلَالَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوُقُوفُ فِي وَقْتِهِ كَالصَّوْمِ. قَوْلُهُ: [اسْتِقْرَارٌ بَعْدَ الْغُرُوبِ] : أَيْ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ] : أَيْ بِأَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ طُمَأْنِينَةٌ بِعَرَفَةَ لَيْلًا. قَوْلُهُ: [وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَالشَّافِعِيِّ] إلَخْ: أَيْ فَمَنْ وَقَفَ نَهَارًا فَقَطْ كَفَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَقَفَ لَيْلًا فَقَطْ كَفَى عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَلَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ مَالِكٍ لِفَوَاتِ النَّهَارِ. قَوْلُهُ: [بَعْدَ الزَّوَالِ] : فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَهُ وَصَلَّى بَعْدَهُ أَوْ صَلَّى بِغَيْرِ خُطْبَةٍ أَجْزَأَهُ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ: [وَيُقَالُ مَسْجِدُ نَمِرَةَ أَيْضًا] : وَيُقَالُ مَسْجِدُ عُرَنَةَ بِالنُّونِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَأَنْ يَقْصُرُوهُمَا لِلسُّنَّةِ] : أَيْ فَإِنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ بِالْقَصْرِ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَسَافَةُ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ، فَلِذَلِكَ يُسَنُّ لِأَهْلِ مَكَّةَ الْقَصْرُ فِي

إلَّا أَهْلَ عَرَفَةَ فَيُتِمُّونَ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا يَنْفِرُونَ إلَى جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَاقِفِينَ أَوْ رَاكِبِينَ بِطَهَارَةٍ، مُسْتَقْبِلِينَ الْبَيْتَ وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بِعَرَفَةَ دَاعِينَ مُتَضَرِّعِينَ لِلْغُرُوبِ. ثُمَّ يُدْفَعُونَ بِدَفْعِ الْإِمَامِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، فَإِذَا وَصَلْتُمْ لِمُزْدَلِفَةَ فَاجْمَعُوا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ تَقْصُرُونَ الْعِشَاءَ إلَّا أَهْلَ مُزْدَلِفَةَ فَيُتِمُّونَ. وَتَلْتَقِطُونَ مِنْهَا الْجَمَرَاتِ تَبِيتُونَ بِهَا وَتُصَلُّونَ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ تَنْفِرُونَ إلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَتَقِفُونَ بِهِ إلَى قُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَسِيرُونَ لِمِنًى لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَتُسْرِعُونَ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ، فَإِذَا رَمَيْتُمْ الْجِمَارَ فَاحْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَاذْبَحُوا أَوْ انْحَرُوا هَدَايَاكُمْ وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ، ثُمَّ امْضُوا مِنْ يَوْمِكُمْ (إلَى) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى النِّسَاءُ وَالصَّيْدُ. (ثُمَّ أُذِّنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (وَأُقِيمَ) : أَيْ ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ (بَعْدَ الْفَرَاغِ) مِنْ خُطْبَتِهِ (وَهُوَ) : أَيْ الْإِمَامُ (جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ) . (وَ) سُنَّ (جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ) جَمْعَ تَقْدِيمٍ حَتَّى لِأَهْلِ عَرَفَةَ. (وَ) سُنَّ (قَصْرُهُمَا) إلَّا لِأَهْلِ عَرَفَةَ بِأَذَانٍ ثَانٍ وَإِقَامَةٍ لِلْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ تَنَفُّلٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَرَفَةَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ يَقْصُرُونَ فِي غَيْرِ وَطَنِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَهْلَ عَرَفَةَ فَيُتِمُّونَ] : وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ. قَوْلُهُ: [وَتَلْتَقِطُونَ مِنْهَا الْجَمَرَاتِ] : يَعْنِي حَصَيَاتِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَا كُلَّ الْجَمَرَاتِ، فَإِنَّ بَاقِيَهَا تُلْتَقَطُ مِنْ مِنًى كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [ثُمَّ تَبِيتُونَ بِهَا] : أَيْ نَدْبًا لِأَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي بَيَّنَهَا بَعْضُهَا وَاجِبٌ وَبَعْضُهَا سُنَّةٌ وَبَعْضُهَا مَنْدُوبٌ، وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا. قَوْلُهُ: [وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى النِّسَاءُ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ. وَمَا قَبْلَهُ تَحَلُّلٌ أَصْغَرُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [بِأَذَانٍ ثَانٍ] : أَيْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْجَلَّابِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَقِيلَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ الْمَوَّازِ.

بَيْنَهُمَا. وَمَنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ فِي رَحْلِهِ. وَهَذِهِ الشَّعَائِرُ وَالْخُطْبَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَرَّ مَقَامُهُ - بِفَضْلِ اللَّهِ - فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ كَمَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ يُقِيمُهَا أَهْلُ مَكَّةَ وَغَالِبُ الْأَعَاجِمِ مِنْ الْأَرْوَامِ وَالْبَرَابِرَةِ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا، وَلَوْ حَجَّ مِرَارًا كَثِيرَةً، حَتَّى أَمِيرُ الْحَجِّ الْمِصْرِيُّ أَوْ الشَّامِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ بِعَرَفَةَ مَسْجِدًا مِنْ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ شَأْنَ الْحَجِّ النُّزُولُ بِقُرْبِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ شَرْقِيَّ عَرَفَةَ وَمَسْجِدُهَا فِي جِهَتِهَا الْغَرْبِيَّةِ، وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ وَفِيهَا أَشْجَارٌ وَكَلَأٌ، فَقَلَّ أَنْ يَتَنَبَّهَ الْغَافِلُ لِرُؤْيَةِ الْمَسْجِدِ، إلَّا أَنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ لِكَوْنِ الْإِمَامِ حَنَفِيًّا. وَأَمْرُ الْحَرَمَيْنِ مَنُوطٌ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَهُوَ حَنَفِيٌّ. (وَنُدِبَ وُقُوفٌ) بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرَيْنِ (بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ) : مَكَانٌ مَعْلُومٌ شَرْقِيَّ عَرَفَةَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْعِظَامِ، وَهُنَاكَ قُبَّةٌ يُسَمِّيهَا الْعَوَامُّ قُبَّةُ أَبِينَا آدَمَ (مُتَوَضِّئًا) لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَشَاهِدِ وَلَيْسَ الْوُضُوءُ بِوَاجِبٍ لِلْمَشَقَّةِ. (وَ) نُدِبَ الْوُقُوفُ (مَعَ النَّاسِ) : لِأَنَّ فِي جَمْعِهِمْ مَزِيدَ الرَّحْمَةِ وَالْقَبُولِ (وَ) نُدِبَ (رُكُوبُهُ بِهِ) : أَيْ الْوُقُوفِ؛ أَيْ فِي حَالَةِ وُقُوفِهِ (فَقِيَامٌ) عَلَى قَدَمَيْهِ، (إلَّا لِتَعَبٍ) فَيَجْلِسُ. (وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ) بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَتَضَرُّعٌ) : أَيْ خُشُوعٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [جَمَعَ فِي رَحْلِهِ] : فَإِنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عَلَيْهِ دَمٌ حَكَاهُ فِي اللُّمَعِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْقَرَافِيُّ. قَوْلُهُ: [وَهُنَاكَ قُبَّةٌ] إلَخْ: قِيلَ هِيَ مَحَلُّ الْتِقَاءِ آدَمَ مَعَ حَوَّاءَ بَعْدَ هُبُوطِهِمَا مِنْ الْجَنَّةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ عَرَفَاتٌ لِتَعَارُفِهِمَا فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ رُكُوبُهُ بِهِ] : أَيْ لِوُقُوفِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَلِكَ، وَلِكَوْنِهِ أَعْوَنَ عَلَى مُوَاصَلَةِ الدُّعَاءِ وَأَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ، وَيُحْمَلُ النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ» ، عَلَى مَا إذَا حَصَلَ مَشَقَّةٌ أَوْ هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: [دُعَاءٌ بِمَا أَحَبَّ] : أَيْ بِأَيِّ دُعَاءٍ كَانَ وَيُنْدَبُ ابْتِدَاؤُهُ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ أَفْضَلُهُ دَعَوَاتُ الْقُرْآنِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنْ الدَّعَوَاتِ النَّبَوِيَّةِ وَالدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْعِرْفَانِ.

وَابْتِهَالٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ (لِلْغُرُوبِ) . فَيُدْفَعُونَ إلَى مُزْدَلِفَةَ. (وَسُنَّ جَمْعُ الْعِشَاءَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ) بِأَنْ تُؤَخَّرَ الْمَغْرِبُ لِبَعْدِ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَتُصَلَّى مَعَ الْعِشَاءِ فِيهَا، وَهَذَا إنْ وَقَفَ مَعَ النَّاسِ وَدُفِعَ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ. (وَ) سُنَّ (قَصْرٌ) لِلْعِشَاءِ لِجَمِيعِ الْحُجَّاجِ (إلَّا أَهْلَهَا) فَيُتِمُّونَهَا (كَمِنًى وَعَرَفَةَ) أَيْ كَأَهْلِهِمَا فِي مَحِلِّهِمَا فَيُتِمُّونَ وَيَقْصُرُ غَيْرُهُمْ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَحَلٍّ مِنْ مَكَّةَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ يُتِمُّ فِي مَحَلِّهِ وَيَقْصُرُ غَيْرُهُمْ. (وَإِنْ قُدِّمَتَا) : أَيْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ عَنْهَا أَيْ عَنْ الْمُزْدَلِفَةِ (أَعَادَهُمَا بِهَا) أَيْ الْمُزْدَلِفَةِ نَدْبًا (إلَّا الْمَعْذُورَ) أَيْ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ النَّاسِ لِعُذْرٍ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ (فَبَعْدَ الشَّفَقِ) يُصَلِّيهِمَا جَمْعًا (فِي أَيِّ مَحَلٍّ) كَانَ هُوَ فِيهِ. وَهَذَا (إنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ بِعَرَفَةَ) ، وَإِلَّا انْفَرَدَ بِوُقُوفِهِ عَنْهُمْ، (فَكُلٌّ) مِنْ الْفَرْضَيْنِ يُصَلِّيهِ (لِوَقْتِهِ) الْمَغْرِبُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَالْعِشَاءُ بَعْدَ الشَّفَقِ قَصْرًا. (وَوَجَبَ نُزُولُهُ بِهَا) : أَيْ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءَيْنِ، وَتَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْ أَكْلٍ فِيهَا أَوْ شُرْبٍ. فَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَدَمٌ. (وَنُدِبَ بَيَاتُهُ) بِهَا (وَارْتِحَالُهُ) مِنْهَا (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) فِيهَا (بِغَلَسٍ) . قَبْلَ أَنْ تَتَعَارَفَ الْوُجُوهُ. (وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) : مَحَلٍّ يَلِي مُزْدَلِفَةَ جِهَةَ مِنًى (مُسْتَقْبِلًا) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [جَمَعَ الْعِشَاءَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ] : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَخْذِهَا مِنْ الِازْدِلَافِ وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ تَقَرَّبُوا بِالْمُضِيِّ إلَيْهَا - قَالَهُ النَّوَوِيُّ. قَوْلُهُ: [يُتِمُّ فِي مَحِلِّهِ وَيَقْصُرُ غَيْرُهُمْ] : أَيْ وَأَمَّا الْجَمْعُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَهُوَ سُنَّةٌ لِلْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: [بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ] إلَخْ: أَيْ فَالْمَدَارُ عَلَى مُضِيِّ قَدْرِ مَا ذَكَرَهُ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ] : تَبِعَ فِي النَّدْبِ خَلِيلًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ سُنَّةٌ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَشَهَّرَهُ الْقَلْشَانِيُّ. بَلْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنَّ الْوُقُوفَ بِهِ فَرِيضَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [مَحَلٌّ يَلِي مُزْدَلِفَةَ] : أَيْ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ لِمِنًى

لِلْبَيْتِ جِهَةَ الْمَغْرِبِ: لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ كُلَّهَا شَرْقِيَّةُ مَكَّةَ بَيْنَ جِبَالٍ شَوَاهِقَ يَقِفُونَ بِهِ (لِلدُّعَاءِ) بِالْمَغْفِرَةِ وَغَيْرِهَا، (وَالثَّنَاءِ) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (لِلْإِسْفَارِ) . (وَ) نُدِبَ (إسْرَاعٌ) دُونَ الْجَرْيِ يُهَرْوِلُ الْمَاشِي وَيُحَرِّكُ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ (بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مُشَدَّدَةً: وَادٍ بَيْنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمِنًى بِقَدْرِ رَمْيَةِ الْحَجَرِ بِالْمِقْلَاعِ مِنْ قَوِيٍّ. (وَ) نُدِبَ (رَمْيُهُ الْعَقَبَةِ) : أَيْ جَمْرَتَهَا (حِينَ وُصُولِهِ) لَهَا عَلَى أَيِّ حَالَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يَلْتَقِطُهَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ، (وَإِنْ رَاكِبًا) وَلَا يَصْبِرُ لِلنُّزُولِ. (وَ) نُدِبَ (مَشْيُهُ) : أَيْ الرَّامِي (فِي غَيْرِهَا) : أَيْ غَيْرِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ. فَيَشْمَلُ الْعَقَبَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ. (وَحَلَّ بِهَا) أَيْ بِالْعَقَبَةِ أَيْ بِرَمْيِ جَمْرَتِهَا كُلُّ شَيْءٍ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ (غَيْرَ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ) لَهُ (الطِّيبُ) حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ. وَهَذَا هُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالَّذِي بَيْنَ جَبَلِ الْمُزْدَلِفَةَ وَالْجَبَلِ الْمُسَمَّى بِقُزَحٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَشْعَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّعَائِرِ أَيْ الطَّاعَاتِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ وَمَعْنَى الْحَرَامِ أَيْ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الصَّيْدُ وَغَيْرُهُ كَقَطْعِ الْأَشْجَارِ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ. قَوْلُهُ: [لِلْإِسْفَارِ] : أَيْ فَقَطْ، وَيُكْرَهُ الْوُقُوفُ لِلطُّلُوعِ. قَوْلُهُ: [بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ] : قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَسْرِ أَصْحَابِ الْفِيلِ فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ قَضِيَّةَ الْفِيلِ لَمْ يَكُنْ بِوَادِي مُحَسِّرٍ بَلْ كَانَتْ خَارِجَ الْحَرَمِ كَمَا أَفَادَهُ أَشْيَاخُنَا. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْظُرْ مَا حِكْمَةُ الْإِسْرَاعِ. قَوْلُهُ: [حِينَ وُصُولِهِ لَهَا] : هَذَا هُوَ مَصَبُّ النَّدْبِ، وَأَمَّا رَمْيُهَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ فَوَاجِبٌ. وَمَحِلُّ نَدْبِ رَمْيِهَا حِينَ الْوُصُولِ إذَا وَصَلَ لَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ وَصَلَ قَبْلَ الطُّلُوعِ انْتَظَرَ طُلُوعَ الْفَجْرِ وُجُوبًا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، لِأَنَّ وَقْتَ رَمْيِهَا يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيَمْتَدُّ إلَى الْغُرُوبِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [يَلْتَقِطُهَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ] : أَيْ كَمَا هُوَ النَّدْبُ، فَلَوْ الْتَقَطَهَا مِنْ مِنًى كَفَاهُ. قَوْلُهُ: [غَيْرُ نِسَاءٍ] : هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَيُقَالُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ غَيْرُ رِجَالٍ وَصَيْدٍ.

التَّحَلُّلُ الْأَصْغَرُ. (وَ) نُدِبَ (تَكْبِيرُهُ) بِأَنْ يَقُولَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ " (مَعَ) رَمْيِ (كُلِّ حَصَاةٍ) مِنْ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ بَاقِي الْأَيَّامِ. (وَ) نُدِبَ (تَتَابُعُهَا) : أَيْ الْحَصَيَاتِ بِالرَّمْيِ؛ فَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِمُشْغِلٍ مِنْ كَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَ) نُدِبَ (لَقْطُهَا) بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ إلَّا الْعَقَبَةَ فَمِنْ الْمُزْدَلِفَةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَكْسِرَ حَجَرًا كَبِيرًا، كَرَمْيٍ بِمَا رَمَى بِهِ. (وَ) نُدِبَ (ذَبْحٌ) لِهَدْيٍ (وَحَلْقٌ قَبْلَ الزَّوَالِ) إنْ أَمْكَنَ، وَهَذَا مَحَطُّ النَّدْبِ وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْهُمَا وَاجِبٌ. (وَ) نُدِبَ (تَأْخِيرُهُ) أَيْ الْحَلْقِ (عَنْ الذَّبْحِ وَالتَّقْصِيرِ) لِشَعْرِ الرَّأْسِ (مُجْزٍ) لِلذَّكَرِ عَنْ الْحَلْقِ. (وَهُوَ) : أَيْ التَّقْصِيرُ (لِلْمَرْأَةِ) : أَيْ سُنَّتُهَا؛ وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْحَلْقُ إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَأْخِيرُهُ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى مَطْلُوبِيَّةِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَهِيَ الرَّمْيُ، ثُمَّ النَّحْرُ، ثُمَّ الْحَلْقُ، ثُمَّ الْإِفَاضَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، إلَّا أَنَّ ابْنِ الْجَهْمِ مِنْ أَئِمَّتِنَا اسْتَثْنَى الْقَارِنَ فَقَالَ: لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ، لَاحِظْ عَمَلَ الْعُمْرَةِ، وَالْعُمْرَةُ يَتَأَخَّرُ فِيهَا الْحَلْقُ عَنْ الطَّوَافِ. وَمَطْلُوبِيَّةُ الْحَلْقِ وَلَوْ فِي حَقِّ مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ أَصْلًا فَيَجْرِي الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالشَّعْرِ فَتَنْتَقِلُ لِلْبَشَرَةِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ، وَمَنْ بِرَأْسِهِ وَجَعٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحِلَاقِ أَهْدَى. قَالَ بَعْضُهُمْ: فَإِنْ صَحَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ، وَالْحَلْقُ يُجْزِئُ وَلَوْ بِالنُّورَةِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ. قَوْلُهُ: [وَالتَّقْصِيرُ لِشَعْرِ الرَّأْسِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَبَّدَ شَعْرَهُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْحَلْقُ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ ضَفَّرَ أَوْ عَقَصَ أَوْ لَبَّدَ فَعَلَيْهِ الْحِلَاقُ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ بِعَدَمِ إمْكَانِ التَّقْصِيرِ، وَرَدَّهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَغْسِلَهُ ثُمَّ يُقَصِّرَ. وَإِنَّمَا عَلَّلَ عُلَمَاؤُنَا تَعَيُّنَ الْحَلْقِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ بِالسُّنَّةِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.

[الركن الرابع من أركان الحج طواف الإفاضة]

(تَأْخُذُ) الْمَرْأَةُ أَيْ تَقُصُّ (مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهَا نَحْوَ) أَيْ قَدْرَ (الْأُنْمُلَةِ) مِنْ الْأُصْبُع. (وَ) يَأْخُذُ (الرَّجُلُ) إنْ قَصَّرَ (مِنْ قُرْبٍ أَصْلَهُ) أَيْ الشَّعْرَ، (وَأَجْزَأَهُ الْأَخْذُ مِنْ الْأَطْرَافِ) لِجَمِيعِ الشَّعْرِ نَحْوَ الْأُنْمُلَةِ وَأَخْطَأَ (لَا) يُجْزِئُ (حَلْقُ الْبَعْضِ) مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ لِلذَّكَرِ، وَلَا تَقْصِيرُ الْبَعْضِ لِلْأُنْثَى وَهُوَ مُجْزٍ عِنْدَ غَيْرِنَا كَالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ. فَإِذَا رَمَى الْعَقَبَةَ وَنَحَرَ وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ نَزَلَ مِنْ مِنًى لِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ. وَلَا تُسَنُّ لَهُ صَلَاةُ الْعِيدِ بِمِنًى وَلَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لِأَنَّ الْحَاجَّ لَا عِيدَ عَلَيْهِ. وَمَا يَقَعُ الْآنَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ رَمْيِهِمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَعَلَى غَيْرِ مَذْهَبِنَا. (الرُّكْنُ الرَّابِعُ) مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ: (طَوَافُ الْإِفَاضَةِ) : سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ بِالْبَيْتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ. (وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ) مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ وَطِيبٍ، وَهَذَا هُوَ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ. فَيَجُوزُ لَهُ وَطْءُ حَلِيلَتِهِ بِمِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ (إنْ حَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَهَا (وَقَدَّمَ سَعْيَهُ) عَقِبَ الْقُدُومِ. فَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ عَقِبَهُ أَوْ كَانَ لَا قُدُومَ عَلَيْهِ فَلَا يَحِلُّ مَا بَقِيَ إلَّا بِالسَّعْيِ. فَإِنْ وَطِئَ أَوْ اصْطَادَ قَبْلَهُ: فَالدَّمُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْلِقْ فَالدَّمُ فِي الْوَطْءِ لَا الصَّيْدِ. (وَوَقْتُهُ) : أَيْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ (كَالْعَقَبَةِ) أَيْ رَمْيِ جَمْرَتِهَا، فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ. (وَوَجَبَ تَقْدِيمُ الرَّمْيِ) لِلْعَقَبَةِ (عَلَى الْحَلْقِ) ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْمِهَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الرُّكْن الرَّابِع مِنْ أَرْكَان الْحَجّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ] قَوْلُهُ: [عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ] : أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ وَالْآدَابِ. قَوْلُهُ: [إنْ حَلَقَ] : أَيْ وَكَانَ قَدْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ. أَوْ فَاتَ وَقْتُهَا. قَوْلُهُ: [فَالدَّمُ] : أَيْ هَدْيًا فِي الْوَطْءِ، وَجَزَاءً فِي الصَّيْدِ، وَقَوْلُنَا: " وَكَانَ قَدْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَوْ فَاتَ وَقْتُهَا ": احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ عَلَيْهِ هَدْيٌ.

تَحَلُّلٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ حَلْقٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ. (وَ) وَجَبَ تَقْدِيمُ الرَّمْيِ أَيْضًا عَلَى طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) ، فَإِنْ قَدَّمَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَيْهِ: فَدَمٌ، كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ تَقْدِيمِ النَّحْرِ أَوْ الْحَلْقِ عَلَى الْإِفَاضَةِ أَوْ الرَّمْيِ عَلَى النَّحْرِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ مَنْدُوبٌ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يُفْعَلُ يَوْمَ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ: الرَّمْيُ، فَالنَّحْرُ، فَالْحَلْقُ، فَالْإِفَاضَةُ. فَتَقْدِيمُ الرَّمْيِ عَلَى الْحَلْقِ وَعَلَى الْإِفَاضَةِ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَتَقْدِيمُ الرَّمْيِ عَلَى النَّحْرِ، وَتَقْدِيمُ النَّحْرِ عَلَى الْحَلْقِ وَتَقْدِيمُهُمَا عَلَى الْإِفَاضَةِ مَنْدُوبٌ، فَإِنْ نَحَرَ قَبْلَ الرَّمْيِ أَوْ أَفَاضَ قَبْلَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَ الْحَلْقِ أَوْ قَبْلَهُمَا مَعًا أَوْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْخَمْسَةِ وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ: «مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» . (وَنُدِبَ فِعْلُهُ) أَيْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (فِي ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ) لِيَكُونَ جَمِيعُ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِهِمَا. (وَ) نُدِبَ فِعْلُهُ (عَقِبَ حَلْقِهِ) بِلَا تَأْخِيرٍ إلَّا بِقَدْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ. (فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (وَقَبْلَ الْحَلْقِ: فَدَمٌ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مَا بَقِيَ إلَّا إذَا حَلَقَ وَسَعَى قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَهَا، (بِخِلَافِ الصَّيْدِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ لَهُ حَلْقٌ] : فَلَوْ حَلَقَ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَلَا يَجْزِيهِ ذَلِكَ الْحِلَاقُ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ] : أَيْ هَذِهِ الصُّوَرُ الْخَمْسُ يُحْمَلُ عَلَيْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» ، وَلَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ شَامِلًا لِتَقْدِيمِ الْحَلْقِ أَوْ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْهُمَا. قَوْلُهُ: [فِي ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ] : أَيْ وَهُمَا الْإِزَارُ وَالرِّدَاءُ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الصَّيْدِ] : أَيْ وَأَوْلَى الطِّيبُ وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرُهُمَا خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ

قَبْلَ الْحَلْقِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِخِفَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَطْءِ، وَهَذَا إنْ كَانَ سَعَى، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الدَّمُ فِي الصَّيْدِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ. (كَأَنْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ أَوْ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ) : تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ؛ فَفِي تَقْدِيمِ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ دَمٌ أَيْ هَدْيٌ، وَفِي تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ دَمٌ أَيْ فِدْيَةٌ، لِأَنَّهُ مِنْ إزَالَةِ الْأَذَى أَوْ التَّرَفُّهِ قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ، فَإِنْ قَدَّمَهُمَا مَعًا عَلَى الرَّمْيِ فَهَدْيٌ وَفِدْيَةٌ (وَأَعَادَ الْإِفَاضَةَ) - مَا دَامَ بِمَكَّةَ تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ، وَسَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ إنْ أَعَادَهُ قَبْلَ الْمَحْرَمِ. (لَا) دَمَ عَلَيْهِ (إنْ خَالَفَ) عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (فِي غَيْرٍ) : أَيْ الصُّورَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ؛ كَأَنْ قَدَّمَ النَّحْرَ عَلَى الرَّمْيِ أَوْ الْحَلْقِ عَلَى الذَّبْحِ أَوْ الْإِفَاضَةِ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَكَتَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ) وَلَوْ سَهْوًا (لِبَلَدِهِ) وَلَوْ قَرُبَتْ: فَدَمٌ. (أَوْ) تَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ (لِخُرُوجِ أَيَّامِ الرَّمْيِ) الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ: فَدَمٌ، إلَّا أَنَّ هَذَا حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ: بِ " قِيلَ " - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الدَّمَ فِي تَأْخِيرِهِ لِبَلَدِهِ - " عَنْ الْمُدَوَّنَةِ " وَذَكَرَ عَنْ التُّونُسِيِّ أَوْ بَعْدَ طُولٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ إنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ. (أَوْ تَأْخِيرِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ لِلْمُحْرِمِ) : فَدَمٌ لِفِعْلِ الرُّكْنِ فِي غَيْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْوَطْءِ، لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْحَجِّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الدَّمُ فِي الصَّيْدِ أَيْضًا] : مُرَادُهُ جَزَاءٌ، وَأَمَّا الطِّيبُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [لَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ خَالَفَ] إلَخْ: أَيْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَكَتَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ وَلَوْ سَهْوًا لِبَلَدِهِ] : نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْحِلَاقُ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبُّ إلَيَّ وَأَفْضَلُ، وَإِنْ حَلَقَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ حَلَقَ فِي الْحِلِّ فِي أَيَّامِ مِنًى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَّرَ الْحِلَاقَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ وَأَهْدَى - كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَرُبَتْ] : أَيْ كَمَا فِي سِيَاقِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِالْبُعْدِ. قَوْلُهُ: [لِفِعْلِ الرُّكْنِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ] : أَيْ الَّتِي هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ.

أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَا تَأْخِيرُ السَّعْيِ لَهُ. (أَوْ) تَأْخِيرُ (رَمْيِ حَصَاةٍ فَأَكْثَرَ) مِنْ الْجِمَارِ (اللَّيْلِ) لِخُرُوجِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَهُوَ النَّهَارُ، الْوَاجِبُ فِيهِ الرَّمْيُ وَدُخُولُ وَقْتِ الْقَضَاءِ وَهُوَ اللَّيْلُ، فَأَوْلَى إذَا أَخَّرَ لِيَوْمٍ بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ فِي تَأْخِيرِ حَصَاةٍ فَأَكْثَرَ. (وَفَاتَ) الرَّمْيُ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ جِمَارِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ، (بِالْغُرُوبِ مِنْ) الْيَوْمِ (الرَّابِعِ، فَقَضَاءُ كُلِّ) تَفْرِيعٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ أَيْ فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " أَوْ رَمْيِ حَصَاةٍ " إلَخْ. أَنَّ قَضَاءَ كُلٍّ مِنْ الْعَقَبَةِ وَغَيْرِهَا إنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ يَنْتَهِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى غُرُوبِ الرَّابِعِ. (وَاللَّيْلِ) عَقِبَ كُلِّ يَوْمٍ (قَضَاءً) لِمَا فَاتَهُ بِالنَّهَارِ يَجِبُ بِهِ الدَّمُ. (وَحُمِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مُطِيقٌ) لِلرَّمْيِ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ كَانَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَشْيِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَرَمْيٌ) بِنَفْسِهِ وُجُوبًا وَلَا يَسْتَنِيبُ وَلَا يَرْمِي الْحَصَاةَ فِي كَفِّ غَيْرِهِ لِيَرْمِيَ عَنْهُ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ. (وَاسْتَنَابَ الْعَاجِزُ) عَنْ الرَّمْيِ عَنْهُ؛ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِرَمْيِ النَّائِبِ. وَفَائِدَتُهَا سُقُوطُ الْإِثْمِ. وَرَمَى عَنْ صَغِيرٍ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ أَوْ مَجْنُونٍ وَلِيُّهُ، فَإِنْ أَخَّرَ لِوَقْتِ الْقَضَاءِ: فَالدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ. وَإِذَا اسْتَنَابَ الْعَاجِزُ (فَيَتَحَرَّى الرَّمْيَ) : أَيُّ وَقْتٍ رَمَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَاسْتَنَابَ الْعَاجِزُ] : حَاصِلُ الْفِقْهِ: أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الرَّمْيِ يُؤْمَرُ بِالِاسْتِنَابَةِ. فَإِذَا اسْتَنَابَ سَقَطَ عَنْهُ الْإِثْمُ، وَالدَّمُ لَازِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ تَأْخِيرُ النَّائِبِ عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَانَ الدَّمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَانَ عَلَى الْعَاجِزِ. قَوْلُهُ: [وَرَمَى عَنْ صَغِيرٍ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ وَالْمَجْنُونَ يَرْمِي عَنْهُمَا مَنْ أَحَجَّهُمَا، كَمَا أَنَّهُ يَطُوفُ عَنْهُمَا، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ. فَإِنْ لَمْ يَرْمِ عَنْهُمَا إلَى أَنْ دَخَلَ وَقْتُ الْقَضَاءِ فَالدَّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَمَى عَنْهُمَا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَلَا دَمَ أَصْلًا، بِخِلَافِ رَمْيِ النَّائِبِ عَنْ الْعَاجِزِ فَإِنَّ فِيهِ الدَّمَ، وَلَوْ رَمَى عَنْهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْعَاجِزُ، وَيَرْمِي عَنْ نَفْسِهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي يُحْسِنُ الرَّمْيَ فَإِنْ يَرْمِي عَنْ نَفْسِهِ. فَإِنْ لَمْ يَرْمِ حَتَّى فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَزِمَهُ الدَّمُ.

نَائِبُهُ عَنْهُ، (وَكَبَّرَ) لِكُلِّ حَصَاةٍ، وَأَعَادَ الرَّمْيَ بِنَفْسِهِ إنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ مِنْ الرَّابِعِ. (ثُمَّ) بَعْدَ إفَاضَتِهِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ (رَجَعَ) وُجُوبًا (لِلْمَبِيتِ بِمِنًى) ، أَيْ فِيهَا. وَنُدِبَ - الْفَوْرُ وَلَوْ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَلَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ - (فَوْقَ الْعَقَبَةِ) : لَا دُونَهَا فَلَا يُجْزِئُ. وَالْعَقَبَةُ: صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ هِيَ أَوَّلُ مِنًى بِالنِّسْبَةِ لِلْآتِي مِنْ مَكَّةَ، يَلِيهَا بِنَاءٌ لَطِيفٌ يُرْمَى عَلَيْهِ الْحَصَيَاتُ هُوَ الْمُسَمَّى بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. وَهِيَ آخِرُ مِنًى بِالنِّسْبَةِ لِلْآتِي مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَمِنًى: بَطْحَاءُ مُتَّسَعَةٌ يَنْزِلُ بِهَا الْحُجَّاجُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ، فَقَوْلُ " فَوْقَ الْعَقَبَةِ " أَيْ فِي الْبَطْحَاءِ الَّتِي مَبْدَؤُهَا الْعَقَبَةُ احْتِرَازًا عَنْ الْبَيَاتِ دُونَهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ، (ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِي إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ (أَوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ) الْيَوْمِ (الثَّانِي) مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ. (وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ) وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْغُرُوبِ لِلْفَجْرِ، (فَدَمٌ) يَلْزَمُهُ. (وَلَوْ غَرَبَتْ) الشَّمْسُ مِنْ الثَّانِي (وَهُوَ بِمِنًى لَزِمَهُ) الْمَبِيتُ بِهَا، (وَرَمْيُ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَعَادَ الرَّمْيَ بِنَفْسِهِ] : وَفَائِدَةُ الْإِعَادَةِ نَفْيُ الدَّمِ عَمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَثِمَ وَاسْتَمَرَّ الدَّمُ بَاقِيًا. قَوْلُهُ: [أَوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ] : أَيْ وَالتَّعْجِيلُ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لَا مُسْتَحَبٌّ وَلَا خِلَافُ الْأَوْلَى. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، لَكِنْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا هُوَ فَيُكْرَهُ لَهُ التَّعْجِيلُ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ] : الْمُرَادُ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَعَجِّلَ يَلْزَمُهُ الدَّمُ لِتَرْكِ جُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، وَالْمُتَعَجِّلُ لِتَرْكِهِ مِنْ اللَّيْلَتَيْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ جُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ أَيِّ لَيْلَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ لِلْمُتَعَجِّلِ وَغَيْرِهِ، إذْ الْمُتَعَجِّلُ لَا يَلْزَمُهُ بَيَاتُ الثَّالِثَةِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِوُجُوبِ بَيَاتِ الثَّالِثَةِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ قَصْدُ التَّعْجِيلِ وَعَدَمُهُ، فَإِنْ قَصَدَ التَّعْجِيلَ فَلَا يَلْزَمُهُ بَيَاتٌ وَلَا دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ يَلْزَمُهُ الْبَيَاتُ وَالدَّمُ، إنْ تَرَكَ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ التَّعْجِيلِ أَنْ يُجَاوِزَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، فَإِنْ

وَإِذَا رَجَعَ لِلْمَبِيتِ بِمِنًى - وَتَعَجَّلَ أَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ - (فَيَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ) بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ الْجَمَرَاتِ (الثَّلَاثَ) : الْأُوَلَ وَالْوُسْطَى وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) فَجَمِيعُهَا إحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ غَيْرَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ طُلُوعَ الشَّمْسِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَقَطْ. (يَبْدَأُ بِاَلَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى) وَهِيَ الْأُولَى، وَيُثَنِّي بِالْوُسْطَى (وَيَخْتِمُ بِالْعَقَبَةِ) : أَيْ يَرْمِي جَمْرَتَهَا. وَوَقْتُ أَدَاءِ الرَّمْيِ (مِنْ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ اللَّيْلَ قَضَاءٌ فَإِنْ قَدَّمَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يُجَاوِزْهَا إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِمِنًى وَرَمْيُ الثَّالِثِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ - نَقْلًا عَنْ كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ - مَا ذُكِرَ مِنْ شَرْطِ التَّعْجِيلِ، إنْ كَانَ الْمُتَعَجِّلُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ خُرُوجُهُ مِنْ مِنًى قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الثَّانِي، ثُمَّ إنَّ مَنْ تَعَجَّلَ وَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ هَلْ يُتِمُّ أَوْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالْإِتْمَامُ أَحْوَطُ. وَأَمَّا مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ الْحُجَّاجِ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النُّسُكِ كَالرُّعَاةِ إذَا رَمَوْا الْعَقَبَةَ وَتَوَجَّهُوا لِلرَّعْيِ، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْحُجَّاجِ (اهـ) . تَنْبِيهٌ: رَخَّصَ مَالِكٌ جَوَازًا لِرَاعِي الْإِبِلِ فَقَطْ بَعْدَ رَمْيِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى رَعْيِهِ، وَيَتْرُكَ الْمَبِيتَ لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ، وَيَأْتِي الْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ فَيَرْمِي فِيهِ لِلْيَوْمَيْنِ، الْيَوْمِ الثَّانِي الَّذِي فَاتَهُ وَهُوَ فِي رَعْيِهِ، وَالثَّالِثِ الَّذِي حَضَرَ فِيهِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ تَعَجَّلَ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ لِرَمْيِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ. وَكَذَا رَخَّصَ لِصَاحِبِ السِّقَايَةِ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ خَاصَّةً، فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ نَهَارًا لِلرَّمْيِ، ثُمَّ يَنْصَرِفَ، لِأَنَّ ذَا السِّقَايَةِ يَنْزِعُ الْمَاءَ مِنْ زَمْزَمَ لَيْلًا، وَيُفْرِغُهُ فِي الْحِيَاضِ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [فَجَمِيعُهَا إحْدَى وَعِشْرِينَ] : هَكَذَا مُسْوَدَّةُ الشَّارِحِ بِالْيَاءِ، وَلَعَلَّ الْمُنَاسِبَ عِشْرُونَ بِالْوَاوِ. وَجُمْلَةُ الْحَصَيَاتِ سَبْعُونَ لِغَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ وَتِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُتَعَجِّلِ. قَوْلُهُ: [يَبْدَأُ] : أَيْ وَهَذَا التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ شَرْطٌ فَهُوَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَقْتَ أَدَاءِ الرَّمْيِ] إلَخْ: أَيْ لِجَمِيعِ الْجِمَارِ غَيْرَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ

عَلَى الزَّوَالِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّةِ الرَّمْيِ بِقَوْلِهِ: (وَصِحَّتُهُ) أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الرَّمْيِ مُطْلَقًا: أَنْ يَكُونَ (بِحَجَرٍ) ، فَلَا يَصِحُّ بِطِينٍ وَلَا بِمَعْدِنٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ. وَأَنْ يَكُونَ الْحَصَى (كَحَصَى الْخَذْفِ) يَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: وَهُوَ رَمْيُ الْحَصَى بِالسِّبَابَتَيْنِ، بِأَنْ تَكُونَ الْحَصَاةُ قَدْرَ الْفُولَةِ أَوْ النَّوَاةِ، (وَلَا يُجْزِئُ صَغِيرٌ جِدًّا) كَالْحِمَّصَةِ، (وَكُرِهَ كَبِيرٌ) وَأَجْزَأَ. (وَرَمْيٌ) عَطْفٌ عَلَى حَجَرٍ: أَيْ وَصِحَّتُهُ بِرَمْيٍ؛ أَيْ دَفْعٍ بِالْيَدِ. فَلَا يُجْزِئُ الْوَضْعُ أَوْ الطَّرْحُ (عَلَى الْجَمْرَةِ) : وَهِيَ الْبِنَاءُ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الْحَصَى، ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّحْرِ، فَإِنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الشَّمْسِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ بِحَجَرٍ] : أَيْ كَوْنُ الرَّمْيِ بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا يُسَمَّى حَجَرًا سَوَاءٌ كَانَ زَلَطًا أَوْ رُخَامًا أَوْ صَوَّانًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ] : أَيْ بَلْ يُنْدَبُ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ رَمْيُ الْحَصَى بِالسِّبَابَتَيْنِ] : بَيَانٌ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَرْمِي بِهَا فِي الصِّغَرِ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ تَجْعَلُهَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ مِنْ الْيُسْرَى، ثُمَّ تَقْذِفُهَا بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى أَوْ تَجْعَلُهَا بَيْنَ سَبَّابَتَيْهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْهَيْئَةُ مَطْلُوبَةً فِي الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ أَخْذُهَا بِسَبَّابَتِهِ وَإِبْهَامِهِ مِنْ الْيَدِ الْيُمْنَى وَرَمْيُهَا. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ كَبِيرٌ] : أَيْ لِئَلَّا يُؤْذِيَ النَّاسَ. قَوْلُهُ: [أَيْ وَصِحَّتُهُ بِرَمْيٍ] : اعْتَرَضَ بِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِنَفْسِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الرَّمْيَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْإِيصَالُ لِلْجَمْرَةِ. وَالرَّمْيُ الَّذِي اُعْتُبِرَ شَرْطًا بِمَعْنَى الِانْدِفَاعِ، فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِيصَالِ لِلْجَمْرَةِ الِانْدِفَاعُ، فَلَا يُجْزِئُ وَضْعُ الْحَصَاةِ بِيَدِهِ عَلَى الْجَمْرَةِ، وَلَا طَرْحُهَا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ انْدِفَاعٍ، وَهَذَا الْجَوَابُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرَّمْيُ مُبَاشَرَةً لَا بِقَوْسٍ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِانْفِرَادِهَا، فَلَوْ رَمَى السَّبْعَةَ دُفْعَةً وَاحِدَةً حُسِبَتْ وَاحِدَةً. قَوْلُهُ: [وَهِيَ الْبِنَاءُ وَمَا حَوْلَهُ] : وَقِيلَ إنَّ الْجَمْرَةَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي حَوْلَ

وَهُوَ أَوْلَى، فَإِنْ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ فِي شِقٍّ مِنْ الْبِنَاءِ أَجْزَأَتْ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا إنْ جَاوَزَتْهَا وَوَقَعَتْ خَلْفَهَا بَعْدُ، (أَوْ وَقَعَتْ دُونَهَا) : أَيْ دُونَ الْجَمْرَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الرَّمْيِ، (وَلَمْ تَصِلْ) الْحَصَاةُ إلَيْهَا، فَإِنْ وَصَلَتْ أَجْزَأَتْ. (وَ) صِحَّتُهُ (بِتَرَتُّبِهِنَّ) : أَيْ الْجَمَرَاتِ بِأَنْ يَبْتَدِئَ بِالْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْعَقَبَةُ (لَا إنْ نَكَسَ) بِأَنْ قَدَّمَ الْعَقَبَةَ أَوْ الْوُسْطَى، (أَوْ تَرَكَ بَعْضًا) مِنْهَا حَصَاةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْجَمِيعِ أَوْ مِنْ بَعْضِهِنَّ (وَلَوْ سَهْوًا) لَمْ يُجْزِهِ. (فَلَوْ رَمَى كُلًّا) مِنْ الْجَمَرَاتِ (بِخَمْسٍ) مِنْ الْحَصَيَاتِ (اُعْتُدَّ بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ) مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَكَمَّلَهَا بِحَصَاتَيْنِ وَأَعَادَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ مِنْ أَصْلِهِمَا لِلتَّرْتِيبِ. (وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ) تَرَكَهَا مِنْهُنَّ تَحْقِيقًا أَوْ شَكَّ أَهِيَ مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنْ) الْجَمْرَةِ (الْأُولَى) بِنَاءً عَلَى الْيَقِينِ، (وَأَعَادَ مَا بَعْدَهَا) ـــــــــــــــــــــــــــــQالْبِنَاءِ فَقَطْ مَحَلُّ اجْتِمَاعِ الْحَصَى، وَعَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُ مَا وَقَفَ فِي الْبِنَاءِ، وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ وَصَلَتْ أَجْزَأْت] : هَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَنَدٍ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْأُولَى] : أَيْ وَهِيَ الْكُبْرَى. قَوْلُهُ: [ثُمَّ بِالْوُسْطَى] : أَيْ الَّتِي فِي السُّوقِ، وَيُرْمَيَانِ مِنْ أَعْلَى مِنْ جِهَةِ مِنًى كَمَا فِي التَّتَّائِيِّ. وَقَوْلُهُ: [ثُمَّ بِالْعَقَبَةِ] : أَيْ يَخْتِمُ بِهَا وَيَرْمِيهَا مِنْ أَسْفَلَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ تَأَخَّرَ يَوْمٌ لِآخَرَ فَفِي (ح) تَقْدِيمِ الْقَضَاءِ، وَلَوْ ضَاقَ كَيَسِيرِ الْفَوَائِتِ، وَظَاهِرُ اتِّحَادِ الدَّمِ قَالَ إلَّا أَنْ يَضِيقَ الْيَوْمُ الْآخَرُ: السَّنْهُورِيُّ - قِيَاسًا عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالْأَخِيرَةِ عِنْدَ الضِّيقِ - الْأُجْهُورِيُّ: إذَا ضَاقَ عَنْ كُلِّ الْقَضَاءِ أَتَى بِبَعْضِهِ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ بِمَا اسْتَطَعْتُمْ» اهـ. قَوْلُهُ: [اعْتَدَّ بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ] : أَيْ سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ شَرْطُ صِحَّةٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَأَمَّا تَتَابُعُ الرَّمْيَاتِ أَوْ الْجَمَرَاتِ فَمَنْدُوبٌ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ اُعْتُدَّ بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ لِعَدَمِ وُجُوبِ تَتَابُعِ الرَّمَيَاتِ، وَبَطَلَ مَا بَعْدَهَا لِاشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ،

مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وُجُوبًا لِلتَّرْتِيبِ. وَلَا هَدْيَ إنْ ذَكَرَ فِي يَوْمِهِ وَلَوْ نَكَسَ أَعَادَ الْمُنَكَّسَ، فَلَوْ رَمَى الْأُولَى ابْتِدَاءً فَالْعَقَبَةُ فَالْوُسْطَى، أَعَادَ الْعَقَبَةَ، لِأَنَّ رَمْيَهَا كَانَ بَاطِلًا لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ، وَلَا دَمَ إنْ تَذَكَّرَ فِي يَوْمِهِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّمْيَ لَا يَفُوتُ إلَّا بِغُرُوبِ الرَّابِعِ. (وَنُدِبَ رَمْيُ) جَمْرَةِ (الْعَقَبَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ) وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ (طُلُوعِ الشَّمْسِ) إلَى الزَّوَالِ، وَكُرِهَ تَأْخِيرُهُ لِلزَّوَالِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَحَطُّ النَّدْبِ قَوْلُهُ: " طُلُوعِ " إلَخْ. (وَ) نُدِبَ رَمْيُ (غَيْرِهَا) مِنْ بَاقِي الْأَيَّامِ (إثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ) صَلَاةِ (الظُّهْرِ) مُتَوَضِّئًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ دُخُولَ الزَّوَالِ شَرْطُ صِحَّةٍ لِلرَّمْيِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، فَمَحَطُّ النَّدْبِ التَّعْجِيلُ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ. (وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ) : أَيْ مُكْثُهُ وَلَوْ جَالِسًا (إثْرَ) الْجَمْرَتَيْنِ (الْأَوَّلِيَّيْنِ) أَيْ الْأُولَى وَالْوُسْطَى (لِلدُّعَاءِ) وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُسْتَقْبِلًا) لِلْبَيْتِ (قَدْرَ) ظَرْفٌ لِلْوُقُوفِ، أَيْ يَقِفُ زَمَنًا قَدْرَ (إسْرَاعِ) قِرَاءَةِ سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ حَصَاةً مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيُّهَا تَرَكَهَا أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ - وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيُّهَا - فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ بِسِتٍّ مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا مِنْهَا فَيُكْمِلُهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَرْمِي الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ كَمَّلَ الْأُولَى وَفَعَلَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي يَوْمِهِ، فَإِنْ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي يَوْمَيْنِ وَحَصَلَ الشَّكُّ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ الْجِمَارِ. وَهَلْ هِيَ مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَعْتَدُّ بِسِتٍّ مِنْ الْأُولَى فِي كِلَا الْيَوْمَيْنِ، وَيُكْمِلُ عَلَيْهَا وَيُعِيدُ مَا بَعْدَهَا، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَأْخِيرِ رَمْيِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِوَقْتِ الْقَضَاءِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: " مَوْضِعُ حَصَاةٍ "، بَلْ مِثْلُهُ مَوْضِعُ حَصَاتَيْنِ مَثَلًا وَهَكَذَا، كُلَّمَا زَادَ الشَّكُّ اعْتَدَّ بِغَيْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَهَذَا أَيْضًا مَبْنِيٌّ عَلَى نَدْبِ تَتَابُعِ الرَّمَيَاتِ وَالْجَمَرَاتِ. قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ عُذْرٍ] : أَيْ وَأَمَّا إذَا كَانَ لِمَرَضٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِي فِعْلِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ. قَوْلُهُ [فَمَحَطُّ النَّدْبِ التَّعْجِيلُ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ كَوْنَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ شَرْطَ صِحَّةٍ فِيهِ.

(وَ) نُدِبَ (تَيَاسُرُهُ فِي) الْجَمْرَةِ (الثَّانِيَةِ) أَيْ الْوُسْطَى؛ بِأَنْ يَقِفَ عَلَى يَسَارِهَا كَمَا فِي النَّقْلِ (مُتَقَدِّمًا عَلَيْهَا) جِهَةَ الْبَيْتِ، لَا أَنَّهُ يُحَاذِيهَا جِهَةَ يَسَارِهَا. (وَ) نُدِبَ حَالَ وُقُوفِهِ لِلدُّعَاءِ بِقَدْرِ رَمْيِ الْأُولَى، (جَعْلُ الْأُولَى خَلْفَهُ) وَأَمَّا جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا وَيَنْصَرِفُ، وَلَا يَقِفُ لِضِيقِ مَحِلِّهَا، وَإِذَا اسْتَقْبَلَهَا لِلرَّمْيِ كَانَتْ مَكَّةُ جِهَةَ يَسَارِهِ وَمِنًى جِهَةَ يَمِينِهِ. (وَ) نُدِبَ (نُزُولُ غَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ) بَعْدَ رَمْيِ جِمَارِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ (بِالْمُحَصَّبِ) : اسْمٌ لِبَطْحَاءَ خَارِجَ مَكَّةَ. (لِيُصَلِّيَ بِهِ) أَيْ فِيهِ (أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ) الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا الْمُتَعَجِّلُ فَلَا يُنْدَبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَيَاسُرُهُ] : أَيْ وُقُوفُهُ جِهَةَ يَسَارِهَا فَتَكُونُ هِيَ عَنْ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ جِهَةَ يَسَارِهَا أَنْ تَكُونَ هِيَ جِهَةَ يَمِينِهِ. قَوْلُهُ: [كَمَا فِي النَّقْلِ] : فَفِي عِبَارَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ: يَرْمِي الْوُسْطَى وَيَنْصَرِفُ مِنْهَا إلَى الشِّمَالِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، فَيَقِفُ أَمَامَهَا مِمَّا يَلِي يَسَارَهَا. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُحَاذِيَهَا] إلَخْ: أَيْ بَلْ تَكُونُ خَلْفَهُ كَالْجَمْرَةِ الْأُولَى غَيْرَ أَنَّهُ فِي يَسَارِهَا. قَوْلُهُ: [لِضِيقِ مَحِلِّهَا] : أَيْ فَلَوْ أَمَرْت النَّاسَ بِالْوُقُوفِ لَحَصَلَ مَزِيدُ الضَّرَرِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ نُزُولُ غَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُهُ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَإِلَّا فَلَا يُنْدَبُ التَّحْصِيبُ. وَمَحِلُّ نَدْبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِهِ إذَا وَصَلَهُ قَبْلَ ضِيقِ وَقْتِهَا، أَمَّا لَوْ ضَاقَ وَقْتُهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا لِلْمُحَصَّبِ. وَهَذَا التَّحْصِيبُ مَنْدُوبٌ فِي حَقِّ الرَّاجِعِ مِنْ مِنًى بِشَرْطِهِ، سَوَاءٌ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مَكِّيًّا، وَيَقْصُرُ الْمَكِّيُّ الصَّلَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْمَنَاسِكِ وَأَوْلَى الْآفَاقِيُّ. قَوْلُهُ: [اسْمٌ لِبَطْحَاءَ خَارِجَ مَكَّةَ] : أَيْ مُحَاذِيَةً لِلْمَقْبَرَةِ. قَوْلُهُ: [كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] إلَخْ: أَيْ شُكْرًا لِلَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحَصَّبَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَحَالَفَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُبَايِعُونَ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَا يُنَاكِحُونَهُمْ. وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ، وَلَا يُعْطُونَهُمْ إلَّا أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُمْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَوَضَعُوهَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَخَيَّبَهُمْ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، وَبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ كُلَّ الْمَقَاصِدِ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ.

لَهُ ذَلِكَ. (وَ) نُدِبَ (طَوَافُ الْوَدَاعِ لِخَارِجٍ) أَيْ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْحُجَّاجِ أَوْ غَيْرِهِمْ (لِكَمِيقَاتٍ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ، أَوْ لِمَا حَاذَاهُ، أَوْ لِلطَّائِفِ، وَأَوْلَى لِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَمْ لَا أَرَادَ الْعَوْدَ أَمْ لَا، (لَا) إنْ خَرَجَ (لِكَجِعْرَانَةَ) وَالتَّنْعِيمِ مِمَّا دُونَ الْمَوَاقِيتِ فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ، (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ لِمَا دُونَ الْمَوَاقِيتِ، خَرَجَ (لِتَوَطُّنٍ) بِهِ فَيُنْدَبُ لَهُ الْوَدَاعُ، (وَتَأَدَّى) طَوَافُ الْوَدَاعِ (بِالْإِفَاضَةِ، وَ) طَوَافُ (الْعُمْرَةِ) ، وَحَصَلَ لَهُ ثَوَابُهُ إنْ نَوَاهُ بِهِمَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ تُؤَدَّى بِالْفَرْضِ، وَيَحْصُلُ ثَوَابُهَا إنْ نَوَاهَا بِهِ. (وَبَطَلَ) الْوَدَاعُ أَيْ بَطَلَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ لَا الثَّوَابُ (بِإِقَامَتِهِ) بِمَكَّةَ (بَعْضَ يَوْمٍ) لَهُ بَالٌ فَيُعِيدُهُ، (لَا) يَبْطُلُ بِإِقَامَتِهِ (بِشُغْلٍ) أَيْ بِسَبَبِ شُغْلٍ (خَفَّ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَطْلُبُ بِإِعَادَتِهِ. (وَ) إذَا بَطَلَ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ (رَجَعَ لَهُ) أَيْ لِفِعْلِهِ (إنْ لَمْ يَخَفْ) بِالرُّجُوعِ (فَوَاتَ رُفْقَةٍ) وَلَا لِصًّا أَوْ سَارِقًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ طَوَافُ الْوَدَاعِ] : أَيْ لِغَيْرِ الْمُتَرَدِّدِ بِفَاكِهَةٍ وَنَحْوِهَا. وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ مَكَّةَ إذَا قَصَدَ التَّرَدُّدَ لَهَا فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَصَلَ الْمِيقَاتَ أَمْ لَا، وَإِنْ قَصَدَ مَسْكَنًا أَوْ الْإِقَامَةَ طَوِيلًا فَعَلَيْهِ الْوَدَاعُ مُطْلَقًا. وَإِنْ خَرَجَ لِاقْتِضَاءِ دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ أَهْلٍ نُظِرَ؛ فَإِنْ خَرَجَ لِنَحْوِ الْمَوَاقِيتِ طُلِبَ بِالْوَدَاعِ مُطْلَقًا، وَإِنْ خَرَجَ لِدُونِهَا كَالتَّنْعِيمِ فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ، هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِ الْحَطَّابِ. قَوْلُهُ: [وَتَأَدَّى طَوَافُ الْوَدَاعِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، بَلْ لِيَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنْ الْبَيْتِ الطَّوَافُ، وَلَا يَكُونُ السَّعْيُ بَعْدَهُ طُولًا حَيْثُ لَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ التَّوْدِيعِ. تَنْبِيهٌ: يُحْبَسُ الْكَرِيُّ وَالْوَلِيُّ - مِنْ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ - لِأَجْلِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ مَنَعَ الْمَرْأَةَ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ حَتَّى يَزُولَ الْمَانِعُ، وَتَطُوفُ بِشَرْطِ أَمْنِ الطَّرِيقِ حَالَ الرُّجُوعِ بَعْدَ طَوَافِهَا، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ - كَمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ - فُسِخَ الْكِرَاءُ اتِّفَاقًا، وَلَا يُحْبَسُ مِنْ ذُكِرَ مَعَهَا وَمَكَثَتْ بِمَكَّةَ وَحْدَهَا إنْ أَمْكَنَهَا، وَإِلَّا رَجَعَتْ لِبَلَدِهَا وَهِيَ عَلَى

(وَ) نُدِبَ (زِيَارَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQإحْرَامِهَا، ثُمَّ تَعُودُ فِي الْقَابِلِ لِلْإِفَاضَةِ وَالْأَسْهَلُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تَقْلِيدُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي صِحَّةِ طَوَافِهَا بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ] : قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّمْهُودِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُؤَلَّفُ فِي زِيَارَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَمِنْ خَصَائِصِهَا - أَيْ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ - وُجُوبُ زِيَارَتِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيُّ، وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ زِيَارَتُهَا، فَالرِّحْلَةُ إلَيْهَا مَأْمُورٌ بِهَا وَاجِبَةٌ أَيْ مُتَأَكِّدَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُسْتَطِيعِ لَهُ سَبِيلًا، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» ، وَلِابْنِ عَدِيٍّ وَالطَّبَرَانِيِّ: «مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» ، وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ زَارَنِي مَيِّتًا فَكَأَنَّمَا زَارَنِي حَيًّا، وَمَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي لَهُ سَعَةٌ ثُمَّ لَمْ يَزُرْنِي فَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ» ، وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ زَارَنِي فِي مَمَاتِي كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي، وَمَنْ زَارَنِي حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى قَبْرِي كُنْت لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا» أَوْ قَالَ " شَفِيعًا " (اهـ) . قَالَ بَعْضُهُمْ السَّلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عِنْدَهُ لِلْأَخْبَارِ الْكَثِيرَةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ؛ مِنْهَا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: " إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي " أَيْ مِنْ حَضْرَةِ الشُّهُودِ إلَى رَدِّ جَوَابِ الْمُسَلِّمِ، وَلِأَنَّ شِعَارَ اللِّقَاءِ التَّحِيَّةُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الزَّائِرَ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ وَيَخْتِمُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْأَفْضَلُ فِي الزِّيَارَةِ الْقُرْبُ مِنْ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ، بِحَيْثُ يَكُونُ النَّبِيُّ يَسْمَعُ قَوْلَهُ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ، وَيَلْزَمُ فِي تِلْكَ الْحَضْرَةِ الْأَدَبُ الظَّاهِرِيُّ وَالْبَاطِنِيُّ لِيَظْفَرَ بِالْمُنَى.

(وَ) نُدِبَ (الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ) بِالْبَيْتِ لَيْلًا وَنَهَارًا مَا اسْتَطَاعَ، (وَ) إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ الْوَدَاعِ أَوْ غَيْرِهِ (لَا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى) بِأَنْ يَرْجِعَ بِظَهْرِهِ وَوَجْهُهُ لِلْبَيْتِ، أَيْ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ لَا مِنْ السُّنَّةِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَرْكَانِ الْحَجِّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ فَقَالَ: (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ ثَلَاثَةٌ) ؛ بِإِسْقَاطِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: (إحْرَامٌ) مِنْهُ الْمَوَاقِيتُ أَوْ مِنْ الْحِلِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَمِمَّا يَتَأَكَّدُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ الْغُسْلُ وَالتَّطَيُّبُ وَتَجْدِيدُ التَّوْبَةِ، وَحِين يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ يَأْتِي الرَّوْضَةَ فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَأْتِي قُبَالَةَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَيَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْك يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا سَيِّدِي يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا سَيِّدِي يَا أَشْرَفَ رُسُلِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا إمَامَ الْمُتَّقِينَ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، أَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ بَلَّغَتْ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّيْت الْأَمَانَةَ، وَنَصَحْت الْأُمَّةَ، وَكَشَفْت الْغُمَّةَ، وَجَلَيْت الظُّلْمَةَ، وَنَطَقْت بِالْحِكْمَةِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك، وَعَلَى آلِكَ وَأَصْحَابِك أَجْمَعِينَ ". ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِهِ فِي جَمِيعِ مَطْلُوبَاتِهِ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ قُبَالَةَ قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ وَيَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْك يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا صِدِّيقَ رَسُولِ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّك جَاهَدْت فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، جَزَاك اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَيْرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْك وَأَرْضَاك، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَك وَمَثْوَاك، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ كُلِّ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ قُبَالَةَ قَبْرِ عُمَرَ وَيَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْك يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ الْفَارُوقَ، أَشْهَدُ أَنَّك جَاهَدْت فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، جَزَاك اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَيْرًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْك وَأَرْضَاك، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَك وَمَثْوَاك، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ كُلِّ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ ". ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ. ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الْبَقِيعِ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِهِ هَكَذَا، وَيَتَوَسَّلُ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ فَلْتَحْفَظْ تِلْكَ الْآدَابَ فَإِنَّ مَنْ فَعَلَهَا مَعَ الشَّوْقِ وَفَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ الْأَغْيَارِ بَلَغَ كُلَّ مَا يَتَمَنَّى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَفْقُودَةٌ لَهُ فِي غَيْرِهِ

(وَطَوَافٌ) بِالْبَيْتِ سَبْعًا. (وَسَعْيٌ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا (عَلَى مَا) : أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي (مَرَّ) بَيَانُهُ فِي الْحَجِّ، سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ. فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْحِلِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ كُلَّ إحْرَامٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَا يَصِحُّ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ لِلْحِلِّ. (ثُمَّ) بَعْدَ سَعْيِهِ (بِحَلْقِ) رَأْسِهِ وُجُوبًا عَلَى مَا مَرَّ أَيْضًا، فَقَدْ حَذَفَهُ مِنْ الْأَخِيرِ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ. (وَكُرِهَ) لِلْمُكَلَّفِ (تَكْرَارُهَا) أَيْ الْعُمْرَةِ (بِالْعَامِ) الْوَاحِدِ. وَإِنَّمَا يُطْلَبُ كَثْرَةُ الطَّوَافِ، وَأَوَّلُ الْعَامِ الْمُحَرَّمُ، فَإِنْ اعْتَمَرَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ الْمُحَرَّمِ لَمْ يُكْرَهْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَكُرِهَ لِلْمُكَلَّفِ تَكْرَارُهَا] : أَيْ وَمَا وَرَدَ عَنْ السَّلَفِ مِنْ تَكْرَارِهَا، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِهِ مَالِكٌ وَلَا مَفْهُومَ لِلْمُكَلَّفِ، بَلْ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا. تَتِمَّةٌ: لَوْ طَافَ حَامِلُ شَخْصٍ وَقَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ وَعَنْ مَحْمُولِهِ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ وَهِيَ لَا تَكُونُ عَنْ اثْنَيْنِ، وَأَجْزَأَ السَّعْيُ عَنْهُمَا لِخِفَّةِ أَمْرِ السَّعْيِ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ طَهَارَةٌ فَلَيْسَ كَالصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ يُجْزِئُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ عَنْ مَحْمُولَيْنِ لَهُ، حَيْثُ لَمْ يُدْخِلْ نَفْسَهُ مَعَهُمْ كَانَ الْمَحْمُولُ مَعْذُورًا أَمْ لَا. لَكِنْ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ الدَّمُ إنْ لَمْ يُعِدْهُ - كَذَا فِي الْأَصْلِ

[فصل في بيان محرمات الإحرام]

[فَصَلِّ فِي بَيَان محرمات الْإِحْرَام] [مَا يحرم لبسه] ِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (يَحْرُمُ عَلَى الْأُنْثَى) : حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ؛ وَيَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِوَلِيِّهَا. (بِالْإِحْرَامِ) : أَيْ بِسَبَبِ تَلَبُّسِهَا بِالْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ: (لُبْسُ مُحِيطٍ) بِضَمِّ اللَّامِ (بِكَفٍّ) لَا بَدَنٍ وَرِجْلٍ؛ كَقُفَّازٍ وَكِيسٍ تُدْخِلُهُ فِي كَفِّهَا، (أَوْ إصْبَعٍ) مِنْ أَصَابِعِ يَدِهَا (إلَّا الْخَاتَمَ) فَيُغْتَفَرُ لَهَا دُونَ الرَّجُلِ كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْخَلَتْ يَدَهَا فِي كُمِّهَا أَوْ قِنَاعِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَرْكَان الْعُمْرَة] [تَنْبِيه الطَّوَاف والسعي حَامِلًا شَخْصًا] فَصْلٌ لَمَّا فَرَغَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمَا انْضَافَ إلَى كُلِّ رُكْنٍ مَنْدُوبٍ وَمَسْنُونٍ. تَكَلَّمَ عَلَى مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَأَخَّرَهَا لِأَنَّهَا طَارِئَةٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بَعْدَ كَمَالِهَا. وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُفْسِدٌ وَغَيْرُ مُفْسِدٍ. وَمُتَعَلِّقُهُمَا: أَفْعَالُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَبَدَأَ بِغَيْرِ الْمُفْسِدِ، وَبِالْمَرْأَةِ، كَمَا صَنَعَ خَلِيلٌ عَكْسَ صَنِيعِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِيهِمَا. قِيلَ: وَلَعَلَّهُ إنَّمَا بَدَأَ بِالْمَرْأَةِ - وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الْبُدَاءَةُ بِالرَّجُلِ كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ - وَالسُّنَّةُ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهَا. قَوْلُهُ: [عَلَى الْأُنْثَى] : أَيْ وَالْخُنْثَى وَيُحْتَاطُ فِيهِ. قَوْلُهُ: [حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ] إلَخْ: قَالَ (عب) : وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ مُقْتَضَى الِاحْتِيَاطِ إلْحَاقُ الْخُنْثَى بِالرَّجُلِ لَا بِالْمَرْأَةِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ دُونَ الْعَكْسِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ احْتِمَالُ الْأُنُوثَةِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاطَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَحِينَئِذٍ فَالِاحْتِيَاطُ سَتْرُهُ كَالْمَرْأَةِ، وَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ. قَوْلُهُ: [أَيْ بِسَبَبِ تَلَبُّسِهَا] : أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَيَصِحُّ جَعْلُهَا لِلظَّرْفِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ أَنَّ مَبْدَأَ الْحُرْمَةِ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ، أَمَّا إفَادَةُ السَّبَبِيَّةِ ذَلِكَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إفَادَةُ الظَّرْفِيَّةِ ذَلِكَ فَلِأَنَّ الْمَعْنَى حَرُمَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ فَيُفِيدُ أَنَّ مَبْدَأَهَا مِنْ الْإِحْرَامِ.

(وَ) حَرُمَ عَلَيْهَا (سَتْرُ وَجْهِهَا) أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ بِخِمَارٍ أَوْ مِنْدِيلٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ، وَحُرْمَةُ سَتْرِ وَجْهِهَا. (إلَّا لِفِتْنَةٍ) : أَيْ تَعَلُّقِ قُلُوبِ الرِّجَالِ بِهَا، فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ إنْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا (بِلَا غَرْزٍ) لِلسَّاتِرِ بِإِبْرَةٍ وَنَحْوِهَا، (وَ) بِلَا (رَبْطٍ) لَهُ بِرَأْسِهَا كَالْبُرْقُعِ تَرْبِطُ أَطْرَافَهُ بِعُقْدَةٍ، بَلْ الْمَطْلُوبُ سَدْلُهُ عَلَى رَأْسِهَا وَوَجْهِهَا، أَوْ تَجْعَلُهُ كَاللِّثَامِ وَتُلْقِي طَرَفَيْهِ عَلَى رَأْسِهَا بِلَا غَرْزٍ وَلَا رَبْطٍ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَبِسَتْ مِخْيَطًا بِكَفِّهَا أَوْ بِأُصْبُعٍ غَيْرَ خَاتَمٍ أَوْ سَتَرَتْ وَجْهَهَا بِلَا عُذْرٍ، أَوْ لِعُذْرٍ وَلَكِنْ غَرَزَتْهُ بِنَحْوِ إبْرَةٍ أَوْ رَبَطَتْهُ (فَفِدْيَةٌ) تَلْزَمُهَا. (وَ) يَحْرُمُ (عَلَى الذَّكَرِ) : وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَيَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِوَلِيِّهِ: (مُحِيطٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْمُهْمَلَةِ (بِأَيِّ عُضْوٍ) مِنْ أَعْضَائِهِ؛ كَيَدٍ وَرِجْلٍ وَأُصْبُعٍ مُطْلَقًا، وَرَأْسٍ وَأَوْلَى جَمِيعُ الْبَدَنِ إذَا كَانَ مُحِيطًا بِنَسْجٍ أَوْ خِيَاطَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ مُحِيطًا (بِعُقَدٍ أَوْ زِرٍّ) كَأَنْ يَعْقِدَ طَرَفَيْ إزَارِهِ، أَوْ يَجْعَلَ أَزْرَارًا أَوْ يَرْبِطَهُ بِحِزَامٍ، (أَوْ خِلَالٍ) بِعُودٍ وَنَحْوِهِ (كَخَاتَمٍ) وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ بَعْضُهُ] : أَيْ عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ وَوَجْهُ الرَّجُلِ كَالْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ: [بَلْ يَجِبُ] إلَخْ: حَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهَا مَتَى أَرَادَتْ السَّتْرَ عَنْ أَعْيُنِ الرِّجَالِ جَازَ لَهَا ذَلِكَ مُطْلَقًا عَلِمَتْ أَوْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا أَمْ لَا، نَعَمْ إذَا عَلِمَتْ أَوْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا وَجَبَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، قَالَ (عب) : وَانْظُرْ إذَا خُشِيَ الْفِتْنَةُ مِنْ وَجْهِ الذَّكَرِ هَلْ يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الْإِحْرَامِ كَالْمَرْأَةِ أَمْ لَا، قَالَ الْبُنَانِيُّ: وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّنْظِيرِ لِمَا ذَكَرُوا فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْأَمْرَدَ لَا يَلْزَمُهُ سَتْرُ وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِقَصْدِ اللَّذَّةِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَتْرُ وَجْهِهِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، فَفِي الْإِحْرَامِ أَوْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (اهـ) . قَوْلُهُ: [فَفِدْيَةٌ تَلْزَمُهَا] : أَيْ إنْ فَعَلَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَحَصَلَ طُولٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ طُولٌ بِأَنْ أَزَالَتْهُ بِالْقُرْبِ فَلَا فِدْيَةَ، لِأَنَّ شَرْطَهَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ. قَوْلُهُ: أَوْ (صِيَاغَةٍ) : أَيْ كَالْأَسَاوِرِ وَالْخَاتَمِ.

بِأُصْبُعِ رِجْلٍ وَحِزَامٍ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَقَبَاءٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودًا وَقَدْ يُقْصَرُ: هُوَ الْفَرْجِيَّةُ مِنْ جُوخٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ بِكُمِّهِ) بَلْ أَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَيْهِ مُخْرِجًا يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِهِ وَهَذَا إنْ جَعَلَ أَعْلَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ عَلَى الْعَادَةِ، وَأَمَّا لَوْ نَكَسَهُ بِأَنْ جَعَلَ ذَيْلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ، أَوْ لَفَّ بِهِ وَسَطَهُ، كَالْمِئْزَرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَلْقَى قَمِيصًا عَلَى كَتِفَيْهِ أَوْ لَفَّ بِهِ وَسَطَهُ أَوْ تَلَفَّعَ بِبُرْدَةٍ مُرَقَّعَةٍ، أَوْ ذَاتِ فَلَقَتَيْنِ بِلَا رَبْطٍ، وَلَا غَرْزٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. (وَ) حَرُمَ عَلَى الذَّكَرِ (سَتْرُ وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ) : بِأَيِّ شَيْءٍ يُعَدُّ سَاتِرًا (وَإِنْ بِكَطِينٍ) كَعَجِينٍ وَصَمْغٍ، فَالْوَجْهُ وَالرَّأْسُ يُخَالِفَانِ غَيْرَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ سِتْرُهُمَا بِكُلِّ مَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سَاتِرًا وَغَيْرُهُمَا، وَغَيْرُهُمَا إنَّمَا يَحْرُمُ بِنَوْعٍ خَاصٍّ وَهُوَ الْمُحِيطُ. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ حُرْمَةِ الْمُحِيطِ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ وَثَانِيهِمَا بِوَاحِدٍ، فَقَالَ: (إلَّا الْخُفَّ وَنَحْوَهُ) مِمَّا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ كَالْجُرْمُوقِ وَالْجَوْرَبِ، فَإِنَّهُ مُحِيطٌ وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الذَّكَرِ لُبْسُهُ (لَفَقْدِ نَعْلٍ أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا) : إنْ زَادَ ثَمَنُهُ عَلَى قِيمَتِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِنْ بِأُصْبُعِ رِجْلٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْخَاتَمُ بِأُصْبُعِ يَدٍ، بَلْ وَإِنْ كَانَ بِأُصْبُعِ رِجْلٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ فَلَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِخِلَافِهِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، فَيَجُوزُ لَهَا الْخَوَاتِمُ وَالْأَسَاوِرُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ نَكَسَهُ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ الْفِدْيَةُ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: [بِأَيِّ شَيْءٍ يُعَدُّ سَاتِرًا] : إنْ أُرِيدَ السَّاتِرُ لُغَةً كَانَ قَوْلُهُ: " وَإِنْ بِكَطِينٍ " تَمْثِيلًا، وَإِنْ أُرِيدَ السَّاتِرُ عُرْفًا كَانَ تَشْبِيهًا، وَدَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ الدَّقِيقُ أَوْ الْجِيرُ يَجْعَلُهُ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ رَأْسِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ جِسْمٌ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ. قَوْلُهُ: [لِفَقْدِ نَعْلٍ] : فَلَوْ لَمْ يَفْقِدْهُ وَلَكِنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِضَرُورَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ كَشُقُوقٍ بِرِجْلَيْهِ فَقَطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَبِسَهُمَا فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَقَدْ يُقَالُ وُجُودُ النَّعْلِ حِينَئِذٍ

[ما يجوز ويتوهم فيه عدم الجواز]

عَادَةً أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى الْقَيْدِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلًا أَوْ وَجَدَهُ غَالِيًا غُلُوًّا فَاحِشًا جَازَ لَهُ لُبْسُ الْخُفِّ وَلَا فِدْيَةَ. وَأَشَارَ الْقَيْدَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: (إنْ قَطَعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبِ) كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاطِعُ لَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ مِنْ أَصْلِ صَنْعَتِهِ كَالْبَابُورْجِ بِلُغَةِ الْمَغَارِبَةِ، (وَإِلَّا الِاحْتِزَامَ) بِثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِعَمَلٍ) أَيْ لِأَجْلِهِ، فَلَا يَحْرُمُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَرَغَ عَمَلُهُ وَجَبَ نَزْعُهُ. (وَإِلَّا) : بِأَنْ لَبِسَ الْخُفَّ مَعَ وُجُودِ النَّعْلِ بِلَا غُلُوٍّ أَوْ احْتِزَامٍ لِغَيْرِ عَمَلٍ (فَفِدْيَةٌ) . ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ مِمَّا قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ فَقَالَ: (وَجَازَ) لِلْمُحْرِمِ (تَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ) كَحَائِطٍ وَسَقِيفَةٍ، (وَخِبَاءٍ) خَيْمَةٍ (وَشَجَرٍ وَمَحَارَةٍ) : أَيْ مَحْمَلٍ وَمِحَفَّةٍ وَلَوْ مَكَثَ فِيهَا - سَاتِرًا أَوْ نَازِلًا - لِأَنَّ مَا عَلَيْهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQكَعَدَمِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ إضَافَةِ الْغُلُوِّ إلَى النَّعْلِ عَدَمُ النَّظَرِ إلَى قِلَّةِ مَالِ الْمُشْتَرِي وَكَثْرَتِهِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ الْغُلُوُّ فِي حَدِّ ذَاتِهِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ الثُّلُثَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَفِي (بْن) عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ. قَوْلُهُ: [إنْ قَطَعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ] : قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ الْقَطْعِ لَوْ ثَنَى أَسْفَلَ الْكَعْبِ. قَوْلُهُ [بِثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ] : هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُحْرِمُ لَا يَحْتَزِمُ بِحَبْلٍ أَوْ خَيْطٍ إذَا لَمْ يُرِدْ الْعَمَلَ، فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى وَإِنْ أَرَادَ الْعَمَلَ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَحْتَزِمَ (اهـ) . فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ الِاحْتِزَامَ بِالثَّوْبِ فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِعِمَامَةٍ أَوْ حَبْلٍ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، وَلَوْ لِعَمَلٍ، وَقَيَّدَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ الِاحْتِزَامَ بِكَوْنِهِ بِلَا عُقَدٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ (ح) . وَحِينَئِذٍ فَنَفْيُ الْفِدْيَةِ عَنْ الِاحْتِزَامِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ لِعَمَلٍ وَأَنْ يَكُونَ بِلَا عُقَدٍ، وَمِثْلُ الِاحْتِزَامِ الِاسْتِثْفَارُ: وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ إزَارَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ مَلْوِيًّا كَمَا فِي الْقَامُوسِ. [مَا يَجُوز ويتوهم فِيهِ عدم الْجَوَاز] قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَكَثَ فِيهَا] إلَخْ: هَذَا التَّعْمِيمُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَمَا وَقَعَ فِي خَلِيلٍ

مِنْ السَّاتِرِ مُسَمَّرٌ أَوْ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا بِحِبَالٍ فَهِيَ كَالْخِبَاءِ. (وَ) جَازَ لَهُ (اتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ) اتِّقَاءُ (رِيحٍ) عَنْ وَجْهِهِ أَوْ رَأْسِهِ (بِيَدٍ بِلَا لُصُوقٍ) لِلْيَدِ عَلَى مَا ذُكِرَ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا، بِخِلَافِ لُصُوقِ الْيَدِ فَإِنَّهُ يُعَدُّ سَاتِرًا. (وَ) جَازَ اتِّقَاءُ (مَطَرٍ) أَوْ بَرْدٍ عَنْ رَأْسِهِ (بِمُرْتَفِعٍ) عَنْهُ بِلَا لُصُوقٍ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَوْلَى الْيَدُ. وَأَمَّا الدُّخُولُ فِي الْخَيْمَةِ وَنَحْوِهَا فَجَائِزٌ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَأَمَّا التَّظَلُّلُ الْمُرْتَفِعُ غَيْرُ الْيَدِ فَلَا يَجُوزُ كَثَوْبٍ يُرْفَعُ عَلَى عَصًا، وَلَوْ نَازِلًا عِنْدَ مَالِكٍ. وَفِي الْفِدْيَةِ قَوْلَانِ: بِالْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ. وَمِنْ ذَلِكَ: الْمِسْطَحُ يُجْعَلُ فِيهِ أَعْوَادٌ وَيُسْدَلُ عَلَيْهَا ثَوْبٌ، وَنَحْوُهُ لِلتَّظَلُّلِ. (وَ) جَازَ لِمُحْرِمٍ (حَمْلٌ) لِشَيْءٍ كَحَشِيشٍ وَقُفَّةٍ وَغِرَارَةٍ (عَلَى رَأْسٍ لِحَاجَةٍ) تَتَعَلَّقُ بِهِ، أَوْ بِدَوَابِّهِ كَالْعَلَفِ، (أَوْ فَقْرٍ) فَيَحْمِلُ شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِأُجْرَةٍ لِمَعَاشِهِ (بِلَا تَجْرٍ) وَإِلَّا مُنِعَ وَافْتَدَى. (وَ) جَازَ (شَدُّ مِنْطَقَةِ) بِوَسَطِهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ التَّفْصِيلِ فَهُوَ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ لُصُوقِ الْيَدِ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَفْتَدِي فِي الْيَدِ إذَا الْتَصَقَتْ وَفِي ابْنِ عَاشِرٍ يَجُوزُ الْإِنْقَاءُ بِالْيَدِ وَلَا فِدْيَةَ بِحَالٍ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ سَاتِرًا. قَوْلُهُ: [وَيُسْدَلُ عَلَيْهِ ثَوْبٌ] : أَيْ غَيْرُ مُسَمَّرٍ وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُسَمَّرًا أَوْ يُرْبَطُ عَلَى الدَّوَامِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [لِحَاجَةٍ] : أَيْ إذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْمِلُهُ لَهُ، أَوْ وَجَدَ بِأُجْرَةٍ يَحْتَاجُ لَهَا، أَمَّا لَوْ وَجَدَ مَنْ يَحْمِلُهُ مَجَّانًا أَوْ بِأُجْرَةٍ لَا يَحْتَاجُ لَهَا فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَفْتَدِي إنْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ لِغَيْرِهِ وَحَمَلَهَا لَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِلَا أُجْرَةٍ أَوْ بِأُجْرَةٍ عَلَى وَجْهِ التَّجْرِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمَعُّشِ افْتَدَى أَيْضًا. قَوْلُهُ: [وَجَازَ شَدُّ مِنْطَقَةٍ] : الْمُرَادُ بِالشَّدِّ إدْخَالُ سُيُورِهَا أَوْ خُيُوطِهَا فِي أَثْنَائِهَا أَوْ فِي الْكُلَّابِ أَوْ الْإِبْزِيمِ مَثَلًا، وَأَمَّا لَوْ عَقَدَهَا عَلَى جِلْدِهِ افْتَدَى كَمَا

وَالْمُرَادُ بِهَا حِزَامٌ يُجْعَلُ كَالْكِيسِ يُوضَعُ فِيهِ الدَّرَاهِمُ، يُسَمَّى بِالنُّوَارِ بِضَمِّ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ الْمُحِيطِ كَالْخُفِّ بِقُيُودِهِ وَالِاحْتِزَامِ لِعَمَلٍ، فَكَانَ الْأَوْلَى إدْرَاجَهُ فِي سِلْكِهَا. وَجَوَازُ شَدِّهَا بِوَسَطِهِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ (لِنَفَقَتِهِ) الَّتِي يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَدَوَابِّهِ لَا لِنَفَقَةِ غَيْرِهِ وَلَا لِتِجَارَةٍ. وَلِلثَّانِي بِقَوْلِهِ: وَكَانَ الشَّدُّ (عَلَى جِلْدِهِ) لَا عَلَى إزَارِهِ أَوْ ثَوْبِهِ. (وَ) جَازَ حِينَئِذٍ (إضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ لَهَا) : أَيْ لِنَفَقَتِهِ تَبَعًا (وَإِلَّا) بِأَنْ شَدَّهَا لَا لِنَفَقَتِهِ بَلْ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ فَارِغَةً أَوْ لَا عَلَى جِلْدِهِ بَلْ عَلَى إزَارِهِ (فَالْفِدْيَةُ) . (وَ) جَازَ لِلْمُحْرِمِ (إبْدَالُ ثَوْبِهِ) الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ بِثَوْبٍ آخَرَ وَلَوْ لِقَمْلٍ فِي الْأَوَّلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَوْ شَدَّهَا فَوْقَ الْإِزَارِ. قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِهَا حِزَامٌ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [إدْرَاجُهُ فِي سِلْكِهَا] : أَيْ عَدُّهُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَكِنْ أَفْرَدَ هُنَا تَبَعًا لِخَلِيلٍ. قَوْلُهُ: [لَا عَلَى إزَارِهِ أَوْ ثَوْبِهِ] : أَيْ فَيَفْتَدِي وَلَوْ لَمْ يَعْقِدْهُ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ حِينَئِذٍ إضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ] : ظَاهِرُهُ جَوَازُ إضَافَةِ نَفَقَةِ الْغَيْرِ لِنَفَقَتِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْإِضَافَةُ بِمُوَاطَأَةٍ وَهُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَظَاهِرُ الْجَلَّابِ وَاللَّخْمِيِّ وَالطِّرَازِ كَمَا فِي (ح) ، فَتَقْيِيدُ (عب) جَوَازَ الْإِضَافَةِ بِمَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ مُوَاطَأَةٍ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَجَابَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ عَنْ (عب) بِقَوْلِهِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُوَاطَأَةَ الْمَمْنُوعَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْحَامِلُ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى شَدِّ الْمِنْطَقَةِ نَفَقَةَ الْغَيْرِ، وَالْجَائِزَةُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْحَامِلُ عَلَى شَدِّهَا نَفَقَتَهُ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْغَيْرِ فَبِطَرِيقِ التَّبَعِ وَحِينَئِذٍ فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ. قَوْلُهُ: [إبْدَالُ ثَوْبِهِ] : أَيْ مَلْبُوسِهِ كَانَ إزَارًا أَوْ غَيْرَهُ.

(وَ) جَازَ لَهُ (بَيْعُهُ) وَلَوْ لِقَمْلٍ بِهِ. (وَ) جَازَ لَهُ (غَسْلُهُ لِنَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ) الطَّهُورِ (فَقَطْ) دُونَ صَابُونٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لَوْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ قَمْلَةٍ أَوْ بُرْغُوثَةٌ. (وَإِلَّا) بِأَنْ غَسَلَهُ - لَا لِنَجَاسَةٍ - أَوْ لِنَجَاسَةٍ وَلَكِنْ بِنَحْوِ صَابُونٍ - (فَلَا) يَجُوزُ، فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا أَخْرَجَ مَا فِيهِ (إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ عَدَمَ دَوَابِّهِ) فَلَا يَحْرُمُ غَسْلُهُ، بَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَلَوْ تَرَفُّهًا أَوْ لِوَسَخٍ. (وَ) جَازَ لَهُ (بَطُّ) : أَيْ فَجْرُ (جُرْحٍ) وَدُمَّلٍ لِإِخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنْ نَحْوِ قَيْحٍ. (وَ) جَازَ لَهُ (حَكُّ مَا خَفِيَ) مِنْ بَدَنِهِ كَرَأْسِهِ وَظَهْرِهِ (بِرِفْقٍ) خَوْفًا مِنْ قَتْلِ قَمْلَةٍ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ بَدَنِهِ فَيَجُوزُ حَكُّهُ مُطْلَقًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَمْلَةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ لِقَمْلٍ بِهِ] : بَالَغَ عَلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْإِبْدَالَ فِيهِ يُعْطِي حُكْمَ قَتْلِ الْقَمْلِ، فَأَفَادَك أَنَّ الْمَشْهُورَ جَوَازُ الْإِبْدَالِ وَلَوْ لِإِذَايَةِ الْقَمْلِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ لَهُ غَسْلُهُ لِنَجَاسَةٍ] إلَخْ: حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْغَسْلُ تَرَفُّهًا، أَوْ لِوَسَخٍ، أَوْ لِنَجَاسَةٍ. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ وُجُودُ الدَّوَابِّ أَوْ عَدَمُهُ أَوْ يَشُكُّ. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يُغْسَلَ بِالْمَاءِ فَقَطْ، أَوْ مَعَ غَيْرِهِ كَصَابُونٍ، فَهَذِهِ ثَمَانِ عَشْرَةَ صُورَةً؛ فَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُ الدَّوَابِّ جَازَ مُطْلَقًا كَانَ الْغَسْلُ تَرَفُّهًا أَوْ لِوَسَخٍ أَوْ لِنَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ فَقَطْ، أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْغَسْلُ لِنَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ فَقَطْ، وَتَحَقَّقَ وُجُودُ الْقَمْلِ أَوْ شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْغَسْلُ تَرَفُّهًا أَوْ لِوَسَخٍ وَتَحَقَّقَ وُجُودُ الْقَمْلِ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ الْغَسْلُ كَانَ بِالْمَاءِ فَقَطْ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، وَمِثْلُهَا إذَا كَانَ الْغَسْلُ لِنَجَاسَةٍ وَكَانَ بِالْمَاءِ مَعَ غَيْرِهِ مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْقَمْلِ أَوْ الشَّكِّ فِيهِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ لَهُ بَطُّ] إلَخْ: أَيْ إنْ احْتَاجَ لِذَلِكَ لِأَجْلِ إخْرَاجِ مَا فِيهِ بِعَصْرِهِ أَوْ بِوَضْعِ لَزْقَةٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْتَجْ لِبَطِّهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ قِيَاسًا عَلَى الْقَصْدِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [بِرِفْقٍ] : أَيْ وَأَمَّا بِشِدَّةٍ فَمَكْرُوهٌ.

(وَ) جَازَ (فَصْدٌ) لِحَاجَةٍ (إنْ لَمْ يَعْصِبْهُ) : بِكَسْرِ الصَّادِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، (وَإِلَّا) بِأَنْ عَصَبَهُ بِعِصَابَةٍ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ (افْتَدَى) ، وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ لِلضَّرُورَةِ. (كَعَصْبِ جُرْحِهِ) أَوْ دُمَّلِهِ (أَوْ رَأْسِهِ) فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، وَلَوْ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ جَازَ لِلضَّرُورَةِ. (أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ) عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (كَبُرَتْ) أَيْ إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، (كَدِرْهَمٍ) بَغْلِيٍّ فَأَعْلَى لَا إنْ صَغُرَتْ. (أَوْ لَفَّهَا) أَيْ الْخِرْقَةَ (عَلَى ذَكَرٍ) لِمَذْيٍ أَوْ بَوْلٍ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، بِخِلَافِ وَضْعِهَا عَلَيْهِ عِنْدَ النَّوْمِ بِلَا لَفٍّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَجَازَ فَصْدٌ لِحَاجَةٍ] : أَيْ وَلِغَيْرِهَا مَكْرُوهٌ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ لِلضَّرُورَةِ] : أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْفِدْيَةِ الْحُرْمَةُ كَمَا هُنَا، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْفِدْيَةُ كَمَنْ تَقَلَّدَ بِسَيْفٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مَا لَمْ تَكُنْ عِلَاقَتُهُ عَرِيضَةً أَوْ مُتَعَدِّدَةً وَإِلَّا افْتَدَى. قَوْلُهُ: [كَعَصْبِ جَرْحِهِ] : ظَاهِرُهُ لُزُومُ الْفِدْيَةِ بِالْعَصْبِ مُطْلَقًا؛ كَانَتْ الْخِرْقَةُ الَّتِي عَصَبَ بِهَا صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَجَعَلَ الْفِدْيَةَ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى. قَوْلُهُ: [أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ] : قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ: هَذَا خَاصٌّ بِجِرَاحِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، فَلَصْقُ الْخِرْقَةِ عَلَى الْجُرْحِ فِي غَيْرِهِمَا لَا شَيْءَ فِيهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَجْهَ وَالرَّأْسَ هُمَا اللَّذَانِ يَجِبُ كَشْفُهُمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ اُنْظُرْ (بْن) فَقَيَّدَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [كَبُرَتْ] إلَخْ: أَمَّا لَصْقُ الْخِرْقَةِ الصَّغِيرَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: [كَدِرْهَمٍ بَغْلِيٍّ] : يَعْنِي بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ تَعَدَّدَتْ الصَّغِيرَةُ بِمَوَاضِعَ بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ دِرْهَمًا، فَظَاهِرُ التَّوْضِيحِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [لِمَذْيٍ أَوْ بَوْلٍ] : أَيْ لِلتَّحَفُّظِ مِنْ إصَابَتِهِمَا، وَقَوْلُهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ ظَاهِرُهُ كَانَتْ الْخِرْقَةُ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً.

[بعض المكروهات]

(أَوْ قُطْنَةٍ) وَضَعَهَا (بِأُذُنِهِ) وَلَوْ أَصْغَرَ مِنْ دِرْهَمٍ لِأَنَّهَا لِنَفْعِ الْأُذُنِ نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الْكَبِيرَةِ. (أَوْ قِرْطَاسٍ) وَضَعَهُ (بِصُدْغِهِ) وَإِنْ لِضَرُورَةٍ فِيهِ الْفِدْيَةُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ بَعْضِ مَكْرُوهَاتٍ - وَلَا فِدْيَةَ فِيهَا فَقَالَ: (وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَةٍ) أَيْ رَبْطُ شَيْءٍ فِيهِ نَفَقَةٌ (بِعَضُدٍ أَوْ فَخِذٍ) وَتَقَدَّمَ جَوَازُهُ بِوَسَطِهِ عَلَى الْجِلْدِ. (وَ) كُرِهَ (كَبُّ) أَيْ وَضْعُ (وَجْهٍ عَلَى وِسَادَةٍ) وَنَحْوِهَا لَا وَضْعُ خَدِّهِ عَلَيْهَا. (وَ) كُرِهَ (شَمُّ طِيبٍ) مُذَكَّرٍ: وَهُوَ مَا خَفِيَ أَثَرُهُ، (كَرَيْحَانٍ) وَيَاسَمِينٍ وَوَرْدٍ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الرَّيَاحِينِ، لَا مُجَرَّدُ مَسِّهِ فَلَا يُكْرَهُ، وَلَا مُكْثٍ بِمَكَانٍ فِيهِ ذَلِكَ وَلَا اسْتِصْحَابَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ قِرْطَاسٍ وَضَعَهُ بِصُدْغِهِ] : يَعْنِي أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا جَعَلَ عَلَى صُدْغِهِ قِرْطَاسًا لِضَرُورَةٍ كَصُدَاعٍ أَوْ لِغَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَفْتَدِي، وَإِنْ كَانَ لَا إثْمَ مَعَ الضَّرُورَةِ، وَظَاهِرُهُ لُزُومُ الْفِدْيَةِ فِي لَصْقِ الْقِرْطَاسِ لِلصُّدْغِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا فَهُوَ كَقُطْنَةِ الْأُذُنِ، بِخِلَافِ الْخِرْقَةِ الَّتِي تُلْصَقُ عَلَى الْجُرْحِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِالْكَبِيرَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّخْصَ لَمَّا كَانَ يَنْتَفِعُ بِالْقِرْطَاسِ الصَّغِيرِ أَشْبَهَ الْكَبِيرَ، بِخِلَافِ الْخِرْقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِالصَّغِيرَةِ عَادَةً. [بَعْض الْمَكْرُوهَات] قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَةٍ] : أَيْ فَلَمْ يُوَسِّعْ مَالِكٌ إلَّا فِي شَدِّ النَّفَقَةِ فِي الْوَسَطِ تَحْتَ الْمِئْزَرِ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ فِي الشَّدِّ عَلَى الْعَضُدِ أَوْ الْفَخِذِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَادَةَ الْقَوْمِ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ كَبُّ] إلَخْ: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلشَّخْصِ الْمُحْرِمِ وَكَذَا غَيْرُهُ أَنْ يَنَامَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَيْسَتْ الْكَرَاهَةُ خَاصَّةً بِالْمُحْرِمِ كَمَا ذَكَرَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ لِقَوْلِ الْجُزُولِيِّ: النَّوْمُ عَلَى الْوَجْهِ نَوْمُ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ النَّارِ وَالشَّيَاطِينِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا خَفِيَ أَثَرُهُ] : أَيْ تَعَلُّقُهُ بِالْمَاسِّ لَهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ. قَوْلُهُ: [كَرَيْحَانٍ] إلَخْ: أَيْ وَمِثْلُهَا مَا يُعْصَرُ مِنْهَا فَلَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُؤَنَّثِ بَلْ تُكْرَهُ فَقَطْ كَأَصْلِهَا، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الطِّرَازِ. قَالَ (ح) : وَهُوَ الْجَارِي

(وَ) كُرِهَ (مُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ) مُؤَنَّثٌ. كَمِسْكٍ وَعِطْرٍ وَزَعْفَرَانٍ (وَ) كُرِهَ (اسْتِصْحَابُهُ) : أَيْ الْمُؤَنَّثِ فِي خُرْجِهِ أَوْ صُنْدُوقِهِ. (وَ) كُرِهَ: (شَمُّهُ بِلَا مَسٍّ) لَهُ وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا يَأْتِي، فَأَقْسَامُ كُلِّ أَرْبَعَةٍ عَلِمْت أَحْكَامَهَا. (وَ) كُرِهَ (حِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ إنْ لَمْ يُبِنْ) أَيْ يُزِلْ (شَعْرًا) وَإِلَّا حَرُمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْقَوَاعِدِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِيهِ الْفِدْيَةُ لِأَنَّ أَثَرَهُ يَقِرُّ فِي الْبَدَنِ، وَاعْتَمَدَهُ (ر) مُعْتَرِضًا عَلَى الْحَطَّابِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، إذْ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ صَرِيحٌ فِي كَرَاهَتِهِ فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ اعْتِرَاضَ (ر) عَلَى (ح) غَيْرُ صَوَابٍ (اهـ) . بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ شَمُّهُ بِلَا مَسٍّ] : هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَعَزَا الْبَاجِيُّ لِلْمَذْهَبِ الْمَنْعَ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: [فَأَقْسَامٌ كُلُّ أَرْبَعَةٍ عَلِمْت أَحْكَامَهَا] : حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُذَكَّرَ يُكْرَهُ فِي صُورَةٍ وَهِيَ الشَّمُّ، وَيَجُوزُ فِي ثَلَاثٍ وَهِيَ: الْمَسُّ، وَالِاسْتِصْحَابُ، وَالْمُكْثُ بِمَكَانٍ فِيهِ ذَلِكَ. وَلَكِنْ عَوَّلَ (بْن) عَلَى كَرَاهَةِ مَسِّهِ أَيْضًا، وَالْمُؤَنَّثُ يَحْرُمُ فِي صُورَةٍ وَهِيَ الْمَسُّ، وَيُكْرَهُ فِي الثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ، قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَيُقَيَّدُ الْمُذَكَّرُ بِغَيْرِ الْحِنَّاءِ، وَأَمَّا هِيَ فَاسْتِعْمَالُهَا حَرَامٌ، قَالَ فِي شَرْحِ التَّوْضِيحِ: وَالْمُذَكَّرُ قِسْمَانِ قِسْمٌ مَكْرُوهٌ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ كَالرَّيْحَانِ، وَقِسْمٌ مُحَرَّمٌ فِيهِ الْفِدْيَةُ وَهُوَ الْحِنَّاءُ (اهـ. بْن) . وَالْمُرَادُ بِاسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ الَّذِي يُوجِبُ الْفِدْيَةَ الطِّلَاءُ بِهَا كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا ثَمَرُ الْحِنَّاءِ الْمَعْرُوفِ فَهُوَ كَسَائِرِ الرَّيَاحِينِ بِلَا شَكٍّ. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ حِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ] إلَخْ: تَفْصِيلُ الشَّارِحِ أَحْسَنُ مِمَّا قَالَ (ح) وَنَصُّهُ أَنَّ الْحِجَامَةَ بِلَا عُذْرٍ تُكْرَهُ مُطْلَقًا خَشِيَ قَتْلَ الدَّوَابِّ أَمْ لَا، زَالَ بِسَبَبِهَا شَعْرٌ أَمْ لَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا لِعُذْرٍ فَتَجُوزُ مُطْلَقًا، وَهَذَا الْحُكْمُ ابْتِدَاءٌ، وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَتَجِبُ إنْ أَزَالَ شَعْرًا أَوْ قَتَلَ قَمْلًا كَثِيرًا. وَأَمَّا الْقَلِيلُ فَفِيهِ الْإِطْعَامُ، وَسَوَاءٌ احْتَجَمَ فِي ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَمْ لَا (اهـ.) وَلِذَلِكَ عَوَّلَ (بْن) عَلَى مَا قَالَهُ شَارِحُنَا وَاعْتَرَضَ عَلَى الْحَطَّابِ.

[ما يحرم من الطيب ونحوه]

لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَافْتَدَى مُطْلَقًا أَبَانَهُ لِعُذْرٍ أَمْ لَا. (وَ) كُرِهَ (غَمْسُ رَأْسٍ) فِي مَاءٍ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ (لِغَيْرِ غُسْلٍ طُلِبَ) وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ اسْتِنَانًا. (وَ) كُرِهَ (تَجْفِيفُهُ) أَيْ الرَّأْسِ (بِقُوَّةٍ) خَوْفَ قَتْلِ الدَّوَابِّ، لَا بِخِفَّةٍ فَيَجُوزُ. (وَ) كُرِهَ (نَظَرٌ بِمِرْآةٍ) أَيْ فِيهَا مَخَافَةُ أَنْ يَرَى شَعَثًا فَيُزِيلَهُ. وَعَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: " يَحْرُمُ عَلَى الْأُنْثَى " إلَخْ قَوْلَهُ: (وَحَرُمَ عَلَيْهِمَا) : أَيْ عَلَى الْأُنْثَى وَالذَّكَرِ بِالْإِحْرَامِ (دَهْنُ شَعْرٍ) لِرَأْسٍ أَوْ لِحْيَةٍ، (أَوْ) دَهْنُ (جَسَدٍ لِغَيْرِ عِلَّةٍ) وَإِلَّا جَازَ، لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، (وَإِنْ) كَانَ الِادِّهَانُ (بِغَيْرِ مُطَيَّبٍ) أَيْ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ فَأَوْلَى بِالْمُطَيَّبِ. (وَافْتَدَى فِي) ادِّهَانِهِ بِالدُّهْنِ (الْمُطَيَّبِ مُطْلَقًا) وَلَوْ لِعِلَّةٍ أَوْ بِبَطْنِ كَفٍّ أَوْ رِجْلٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِغَيْرِ عُذْرٍ] : أَيْ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ فَالتَّصْرِيحُ بِهِ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ. قَوْلُهُ: [كُرِهَ غَمْسُ رَأْسٍ] : أَيْ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ نَفْيُ الدَّوَابِّ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ، فَإِنْ فَعَلَ الْمَكْرُوهَ أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ كَمَا هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْإِطْعَامِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ وَاجِبٌ وَحَمَلَ كَرَاهَةَ غَمْسِ الرَّأْسِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَاسْتَظْهَرَهُ لِعَدَمِ ذِكْرِ الْإِطْعَامِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ كَالْحِجَامَةِ وَتَجْفِيفِ الرَّأْسِ بِشِدَّةِ، وَحَمَلَهَا سَنَدٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَجَعَلَ الْإِطْعَامَ مُسْتَحَبًّا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ غَسْلٍ طُلِبَ] : أَيْ وَأَمَّا لِلْغَسْلِ فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا شَيْءَ فِيهِ وَلَوْ قَتَلَ قَمْلًا، لِأَنَّ قَتْلَ الْقَمْلِ فِيهِ كَتَسَاقُطِ الشَّعْرِ وَالْجَمِيعُ مُغْتَفَرٌ. قَوْلُهُ: [مَخَافَةَ أَنْ يَرَى شَعَثًا] إلَخْ: أَيْ وَالْمَطْلُوبُ إبْقَاءُ الشَّعَثِ مَا دَامَ مُحْرِمًا. [مَا يحرم مِنْ الطَّيِّب وَنَحْوه] قَوْلُهُ: [دَهْنُ شَعْرٍ لِرَأْسٍ] إلَخْ: فَإِنْ كَانَ الرَّأْسُ أَصْلَعَ فَيَحْرُمُ أَيْضًا دَهْنُهُ لِدُخُولِهِ فِي الْجَسَدِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُبَالِغْ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ خَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [وَافْتَدَى فِي ادِّهَانِهِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ ثَمَانٍ تُؤْخَذُ أَحْكَامُهَا مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ بِإِيضَاحٍ، لِأَنَّك تَقُولُ الِادِّهَانُ إمَّا لِعِلَّةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا

(وَ) افْتَدَى (فِي) دَهْنِهِ لِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ أَوْ شَعْرِهِ بِدَهْنٍ (غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُطَيَّبِ (لِغَيْرِ عِلَّةٍ) ، أَيْ ضَرُورَةٍ وَلَوْ بِبَطْنِ كَفٍّ أَوْ رِجْلٍ (لَا لَهَا) أَيْ لِلْعِلَّةِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ (إنْ كَانَ) الِادِّهَانُ لِلْعِلَّةِ (بِبَطْنِ كَفٍّ أَوْ) بَطْنِ (رِجْلٍ) . (وَإِلَّا) يَكُنْ بِبَدَنِهِمَا، بِأَنْ ادَّهَنَ بِغَيْرِ الْمُطَيَّبِ فِيمَا عَدَا بَاطِنَ كَفِّهِ وَقَدَمِهِ (فَقَوْلَانِ) بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَعَدَمِهِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ غَيْرَ الْمُطَيَّبِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فِيهِ الْفِدْيَةُ حَتَّى فِي بَاطِنِ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ، وَلِلضَّرُورَةِ فَلَا فِدْيَةَ إنْ كَانَ بِبَطْنِهَا اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِجَسَدِهِ وَمِنْهُ ظُهُورُهُمَا فَقَوْلَانِ. (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (إبَانَةُ) : أَيْ إزَالَةُ (ظُفْرٍ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ) إبَانَةُ (شَعْرٍ) مِنْ سَائِرِ جَسَدِهِ بِحَلْقٍ أَوْ قَصٍّ أَوْ نَتْفٍ، (أَوْ) إبَانَةُ (وَسَخٍ) مِنْ سَائِرِ بَدَنِهِ. (إلَّا مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ، أَوْ) إلَّا (غَسْلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ) أَيْ الْوَسَخِ كَالْأُشْنَانِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQبِمُطَيَّبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا بِالْجَسَدِ أَوْ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ. قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ عَلَيْهِمَا إبَانَةُ] إلَخْ: فَإِنْ فَعَلَ فَسَيَأْتِي أَنَّ فِيهِ حَفْنَةً إنْ لَمْ يَكُنْ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ إنْ كَانَ الظُّفْرُ وَاحِدًا، أَوْ إنْ زَادَ عَلَيْهِ فَفِدْيَةٌ مُطْلَقًا وَهَذَا فِي ظُفْرِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا تَقْلِيمُ ظُفْرِ غَيْرِهِ فَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [أَوْ إبَانَةُ شَعْرٍ] إلَخْ: لَكِنْ إنْ كَانَ يَسِيرًا بِأَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ فَفِيهِ حَفْنَةٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِأَنْ زَادَ عَلَيْهَا فَفِدْيَةٌ. قَوْلُهُ: [أَوْ إبَانَةُ وَسَخٍ] إلَخْ: يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً إزَالَةُ الْوَسَخِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ شَعَثًا، فَإِنْ أَزَالَهُ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ إلَّا مَا كَانَ تَحْتَ الْأَظَافِرِ فَلَا تَحْرُمُ إزَالَتُهُ، بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مَنْعُ إزَالَةِ الْوَسَخِ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ وَلَوْ كَانَ بِهِ رَوَائِحُ كَرِيهَةٌ، كَاَلَّذِي بِهِ دَاءُ الصُّنَانِ فِي إبْطَيْهِ، وَانْظُرْ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [غَسْلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مُطَيَّبًا وَإِلَّا حَرُمَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ بِهِ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ.

(أَوْ) إلَّا (تَسَاقَطَ شَعْرٌ) مِنْ لِحْيَةٍ أَوْ رَأْسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (لِوُضُوءٍ) أَوْ غُسْلٍ. (أَوْ) لِأَجْلِ (رُكُوبٍ) لِدَابَّةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (مَسُّ طِيبٍ) مُؤَنَّثٍ: كَوَرْسٍ أَوْ دُهْنٍ مُطَيَّبٍ بِأَيِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، (وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ) : أَيْ الطِّيبِ فَذَهَابُ رِيحِهِ لَا يُسْقِطُ حُرْمَةَ مَسِّهِ، وَإِنْ سَقَطَتْ الْفِدْيَةُ. (أَوْ) كَانَ (فِي طَعَامٍ أَوْ) فِي (كُحْلٍ) أَوْ مَسَّهُ وَ (لَمْ يَعْلَقْ بِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ (إلَّا إذَا) طُبِخَ بِطَعَامٍ و (أَمَاتَهُ الطَّبْخُ) : أَيْ اسْتَهْلَكَهُ بِذَهَابِ عَيْنِهِ فِيهِ وَلَمْ يَبْقَ سِوَى رِيحِهِ أَوْ لَوْنِهِ كَزَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ، وَلَوْ صَبَغَ الْفَمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ] : أَيْ وَلَوْ مَنْدُوبَيْنِ بَلْ وَإِنْ كَانَا مُبَاحَيْنِ كَالتَّبَرُّدِ نَعَمْ لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمُبَاحِ قَتْلُ الْقَمْلِ بَلْ إنْ قَتَلَ فِيهِ قَمْلًا أَخْرَجَ مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: [كَوَرْسٍ] : دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ الزَّعْفَرَانُ وَالْمِسْكُ وَالْعِطْرُ وَالْعُودُ، بِاعْتِبَارِ دُخَانِهِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ حِينَ وَضْعِهِ عَلَى النَّارِ. قَوْلُهُ: [لَا يُسْقِطُ حُرْمَةَ مَسِّهِ] : أَيْ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَبَتَتْ لَهُ فِي حَالِ وُجُودِ رِيحِهِ، وَالْأَصْلُ اسْتِصْحَابُهَا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ سَقَطَتْ الْفِدْيَةُ] : إنَّمَا سَقَطَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِأَنَّهَا تَكُونُ فِيمَا يَتَرَفَّهُ بِهِ، وَعِنْدَ ذَهَابِ الرِّيحِ لَا تَرَفُّهَ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ فِي طَعَامٍ] : أَيْ فَفِيهِ الْحُرْمَةُ وَالْفِدْيَةُ وَمِثْلُ الطَّعَامِ الشَّرَابُ إنْ لَمْ يُمِتْهُ الطَّبْخُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [أَوْ فِي كُحْلٍ] : أَيْ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ مِنْ غَيْرِ حُرْمَةٍ إنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَإِلَّا فَفِيهِ الْحُرْمَةُ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [أَوْ مَسَّهُ وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ] : أَيْ فَفِيهِ الْحُرْمَةُ وَالْفِدْيَةُ. قَوْلُهُ: [إذَا طُبِخَ بِطَعَامٍ] إلَخْ: هَذَا التَّفْصِيلُ لِلْبِسَاطِيِّ وَاعْتَمَدَهُ (ح) وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ابْنُ بَشِيرٍ الْمَذْهَبُ نَفْيُ الْفِدْيَةِ فِي الْمَطْبُوخِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّإِ وَالْمُخْتَصَرِ الْجَوَازَ فِي الْمَطْبُوخِ وَأَبْقَاهُ الْأَبْهَرِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاعْتَمَدَهُ (ر) وَ (بْن) وَمُصَنِّفُنَا تَبِعَ شُرَّاحَ الْمُخْتَصَرِ.

[فدية الظفر والشعرة والقملة ونحوها]

(أَوْ كَانَ) الطِّيبُ (بِقَارُورَةٍ سُدَّتْ) سَدًّا مُحْكَمًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ إنْ حَمَلَهَا لِأَنَّهُ مِنْ الِاسْتِصْحَابِ لَا الْمَسِّ. (أَوْ أَصَابَهُ) الطِّيبُ (مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ) عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَثُرَ إلَّا أَنْ يَتَرَاخَى فِي نَزْعِهِ. (وَوَجَبَ نَزْعُهُ) وَلَوْ بِإِبْقَاءِ الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، أَوْ غَسْلِ بَدَنِهِ بِنَحْوِ صَابُونٍ (مُطْلَقًا) قَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (فَإِنْ تَرَاخَى) فِي نَزْعِهِ (فَالْفِدْيَةُ) . (أَوْ أَصَابَهُ مِنْ خَلُوقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ طِيبِ (الْكَعْبَةِ) الَّذِي يُلْقَى عَلَيْهَا، (وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ) وَلَا يَجِبُ لِلضَّرُورَةِ وَوَجَبَ نَزْعُ كَثِيرِهِ، فَإِنْ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ فَالْفِدْيَةُ وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ عَدَمَ الْفِدْيَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ نَزْعِهِ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ. (وَفِي) قَلْمِ (الظُّفْرِ الْوَاحِدِ) لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى بَلْ قَلَمَهُ تَرَفُّهًا أَوْ عَبَثًا حَفْنَةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ الطِّيبُ بِقَارُورَةٍ] : أَيْ وَكَذَا حَمْلُ فَأْرَةِ الْمِسْكِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَشْقُوقَةٍ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَائِلًا إنَّ: الْفَأْرَةَ نَفْسَهَا طِيبٌ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ الِاسْتِصْحَابِ] : أَيْ لِلْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَصَابَهُ الطِّيبُ مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا الطِّيبُ الْبَاقِي فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَزْعُهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَإِنْ لَمْ يَتَرَاخَ فِي نَزْعِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ لِلضَّرُورَةِ] : أَيْ لِأَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْكَعْبَةِ وَهِيَ لَا تَخْلُو مِنْ الطِّيبِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ نَهَى مَالِكٌ عَنْ تَخْلِيقِهَا أَيَّامَ الْحَجِّ، وَيُقَامُ الْعَطَّارُونَ نَدْبًا فِيهَا مِنْ الْمَسْعَى. قَوْلُهُ: [وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ نَزْعِهِ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالَ النَّصُّ فِي خَلُوقِ الْكَعْبَة التَّخْيِيرُ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَيُؤْمَرُ بِنَزْعِهِ اسْتِحْبَابًا (اهـ) . [فدية الظفر وَالشَّعْرَة وَالْقَمْلَة وَنَحْوهَا] قَوْلُهُ: [وَفِي قَلْمِ الظُّفْرِ الْوَاحِدِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ لِلظُّفْرِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: قَلْمُ الْمُنْكَسِرِ لَا شَيْءَ فِيهِ اتَّحَدَ أَوْ تَعَدَّدَ، قَلْمُهُ لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى حَفْنَةٌ إنْ اتَّحَدَ وَإِلَّا

مِنْ طَعَامٍ إلَّا إذَا انْكَسَرَ، فَأَزَالَ مِنْهُ مَا بِهِ الْأَلَمُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. (وَ) فِي إزَالَةِ (الشَّعْرَةِ وَالشَّعَرَاتِ لِعَشْرَةٍ) لِغَيْرِ إمَاطَةِ الْأَذَى حَفْنَةٌ. (وَ) فِي قَتْلِ (الْقَمْلَةِ وَالْقَمَلَاتِ كَذَلِكَ) أَيْ إلَى الْعَشَرَةِ، (وَ) فِي (طَرْحِهَا) أَيْ الْقَمَلَاتِ بِالْأَرْضِ بِلَا قَتْلٍ (لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى) : رَاجِعٌ لِلظُّفْرِ وَمَا بَعْدَهُ كَمَا قَدَّرْنَاهُ فِيمَا قَبْلَهُ (حَفْنَةٌ) مِنْ طَعَامٍ يُعْطِيهَا لِفَقِيرٍ. وَهَذَا مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ قَبْلَهُ، أَيْ قَوْلُهُ " وَفِي الظُّفْرِ " إلَخْ. (وَإِلَّا) بِأَنْ قَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ ظُفْرٍ مُطْلَقًا أَوْ قَلَّمَ وَاحِدًا فَقَطْ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، أَوْ أَزَالَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ شَعَرَاتٍ مُطْلَقًا، أَوْ قَتَلَ أَوْ طَرَحَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ قَمَلَاتٍ مُطْلَقًا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى أَوْ لَا (فَفِدْيَةٌ) تَلْزَمُهُ. (لَا طَرْحَ كَعَلَقَةٍ وَبُرْغُوثٍ) مِنْ كُلِّ مَا يَعِيشُ بِالْأَرْضِ كَدُودٍ وَنَمْلٍ وَبَعُوضٍ وَقُرَادٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إذَا لَمْ يَقْتُلْهُ؛ إلَّا إزَالَةَ الْقُرَادِ، وَالْحَلَمِ عَنْ بَعِيرِهِ فَفِيهِ الْحَفْنَةُ وَلَوْ كَثُرَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. (كَدُخُولِ حَمَّامٍ) لَا شَيْءَ فِيهِ وَلَوْ طَالَ مُكْثُهُ فِيهِ حَتَّى عَرِقَ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَفِدْيَةٌ، قَلْمُهُ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى فَفِدْيَةٌ مُطْلَقًا، وَالْمَوْضُوعُ ظُفْرُ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَلَّمَ ظُفْرَ غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَلْمِ ظُفْرِ الْحَلَالِ، فَإِنْ قَلَّمَ ظُفْرَ مُحْرِمٌ مِثْلُهُ فَإِنْ كَانَ بِرِضَا الْمَفْعُولِ بِهِ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا فَعَلَى الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ. قَوْلُهُ: [رَاجِعٌ لِلظُّفْرِ وَمَا بَعْدَهُ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَيْسَ فِي الْقَمْلَةِ وَالْقَمَلَاتِ إلَّا حَفْنَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ لِغَيْرِ إمَاطَةِ الْأَذَى أَوْ لِإِمَاطَتِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَا يُعْلَمُ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ (اهـ. بْن) ، وَمُرَادُهُ بِالْقَمَلَاتِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الِاثْنَيْ عَشَرَ، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْفِدْيَةِ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ فَمَا فَوْقَ مُطْلَقًا فَمُرَادُ شَارِحِنَا بِالزَّائِدِ عَنْ الْعَشَرَةِ بِأَنْ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ فَأَكْثَرَ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي الشَّعْرِ فَمُسَلَّمٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [إلَّا إزَالَةَ الْقُرَادِ وَالْحَلَمِ] إلَخْ: قَيَّدَهُ الْبِسَاطِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يَقْتُلْهُ وَإِلَّا فَالْفِدْيَةُ إنْ كَثُرَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْحَفْنَةُ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ] : أَيْ فَإِنَّهُ قَالَ: مَتَى دَخَلَ الْحَمَّامَ وَجَلَسَ فِيهِ حَتَّى عَرِقَ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ. وَلَكِنْ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى دَاخِلِهِ إذَا دَلَكَ وَأَزَالَ الْوَسَخَ.

[ضابط ما فيه الفدية]

(إلَّا أَنْ يُنَقِّيَ) أَيْ يُزِيلَ عَنْ جَسَدِهِ (الْوَسَخَ) بِدَلْكٍ وَنَحْوِهِ فَالْفِدْيَةُ. ثُمَّ بَيَّنَ ضَابِطَ مَا فِيهِ الْفِدْيَةُ فَقَالَ: (وَالْفِدْيَةُ) وَأَنْوَاعُهَا ثَلَاثَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ كَمَا يَأْتِي؛ بَيْنَهَا جَلَّ وَعَلَا بِقَوْلِهِ: {مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] كَائِنَةٌ وَمُنْحَصِرَةٌ (فِيمَا) : أَيْ فِي كُلِّ شَيْءٍ (يُتَرَفَّهُ) : أَيْ يُتَنَعَّمُ (بِهِ) . (أَوْ) فِيمَا (يُزَالُ بِهِ) عَنْ النَّفْسِ (أَذًى) : أَيْ ضَرُورَةً (مِمَّا حَرُمَ) عَلَى الْمُحْرِمِ (لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَحِنَّاءٍ وَكُحْلٍ) فَيَحْرُمَانِ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَقَدْ يَتَرَفَّهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ يُزَالُ بِهِمَا ضَرَرٌ، (وَ) كَجَمِيعِ (مَا مَرَّ) ذَكَرَهُ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ إلَى هُنَا مِنْ سَتْرِ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا بِمُحِيطٍ إلَخْ. (إلَّا فِي تَقْلِيدِ سَيْفٍ، أَوْ) مَسِّ (طِيبٍ) مُؤَنَّثٍ (ذَهَبَ رِيحُهُ) : فَلَا فِدْيَةَ فِيهِمَا، (وَإِنْ حَرُمَ) كُلٌّ مِنْهُمَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ رِيحُهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ الْأَصْلُ تَعَدُّدُ الْفِدْيَةِ بِتَعَدُّدِ مُوجِبِهَا إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِ: (وَاتَّحَدَتْ) الْفِدْيَةُ (إنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ سَبَبُهَا (بِفَوْرٍ) : كَأَنْ يَمَسَّ الطِّيبَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَهُ وَيُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِلَا تَرَاخٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [ضَابِط مَا فِيهِ الْفِدْيَة] قَوْلُهُ: [عَلَى التَّخْيِيرِ] : أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظْمِ الْأُجْهُورِيِّ فِي قَوْلِهِ: كَمَا خَيَّرُوا فِي الصَّوْمِ وَالصَّيْدِ وَالْأَذَى فَأَوْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِلتَّخْيِيرِ. قَوْلُهُ: [كَائِنَةٌ وَمُنْحَصِرَةٌ] : أَيْ مِنْ حَصْرِ الْمُسَبِّبِ فِي السَّبَبِ. قَوْلُهُ: [وَقَدْ يَتَرَفَّهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا] : أَيْ كَفِعْلِهِمَا لِلزِّينَةِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ يُزَالُ بِهِمَا ضَرَرٌ أَيْ كَالتَّدَاوِي بِكُلٍّ. [تعدد الْفِدْيَة بِتَعَدُّد مُوجِبهَا] قَوْلُهُ: [إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ] : أَيْ فَإِنَّ الْفِدْيَةَ فِيهَا تَتَّحِدُ وَإِنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا. قَوْلُهُ: [بِلَا تَرَاخٍ] : أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْفَوْرِ حَقِيقَتُهُ وَهَذَا مَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ التَّتَّائِيُّ مِنْ أَنَّ

فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْجَمِيعِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى إدَامَةِ التَّجَرُّدِ فَيَنْوِي الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ، ثُمَّ يَلْبَسُ قُمْصَانَهُ وَعِمَامَتَهُ وَسَرَاوِيلَهُ بِفَوْرٍ، فَإِنْ تَرَاخَى تَعَدَّدَتْ. وَأَشَارَ لِثَانِيهَا بِقَوْلِ: (أَوْ) تَرَاخَى مَا بَيْنَ الْمُوجِبَاتِ، لَكِنْ (نَوَى) عِنْدَ فِعْلِ الْأَوَّلِ (التَّكْرَارَ) : كَأَنْ يَنْوِيَ فِعْلَ كُلَّ مَا احْتَاجَ لَهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ، أَوْ مُتَعَدِّدًا مُعَيَّنًا فَفَعَلَ فِي الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِ: (أَوْ) لَمْ يَنْوِ التَّكْرَارَ، وَلَكِنْ (قَدَّمَ) فِي الْفِعْلِ (مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ؛ كَثَوْبٍ) قَدَّمَهُ فِي اللُّبْسِ (عَلَى سَرَاوِيلَ) ، أَوْ غِلَالَةٍ أَوْ حِزَامٍ فَتَتَّحِدُ؛ بِخِلَافِ الْعَكْسِ. وَهَذَا (مَا لَمْ يُخْرِجْ لِلْأَوَّلِ) كَفَّارَتَهُ (قَبْلَ) فِعْلِ (الثَّانِي) وَإِلَّا أَخْرَجَ لِلثَّانِي أَيْضًا. وَأَشَارَ لِلرَّابِعِ بِقَوْلِ: (أَوْ ظَنَّ) الَّذِي ارْتَكَبَ مُوجِبَاتٍ مُتَعَدِّدَةً (الْإِبَاحَةَ) ـــــــــــــــــــــــــــــQالْيَوْمَ فَوْرٌ وَأَنَّ التَّرَاخِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا أَقَلُّ. قَوْلُهُ: [فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ] : أَيْ لَوْ اخْتَلَفَ الْمُوجِبُ كَاللُّبْسِ مَعَ الطِّيبِ وَالتَّدَاوِي لِقُرُوحٍ مَثَلًا، وَنِيَّةُ التَّكْرَارِ تَصْدُقُ بِثَلَاثِ صُوَرٍ: أَنْ يَنْوِيَ فِعْلَ كُلِّ مَا أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ فَيَفْعَلُ الْجَمِيعَ أَوْ بَعْضًا مِنْهُ، أَوْ يَنْوِيَ فِعْلَ كُلِّ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْهَا، أَوْ يَنْوِيَ مُتَعَدِّدًا مُعَيَّنًا فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ] : أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْخَاصِّ الَّذِي أَخَّرَهُ زِيَادَةُ نَفْعٍ عَلَى الْعَامِّ كَمَا إذَا أَطَالَ السَّرَاوِيلَ طُولًا لَهُ بَالٌ يَحْصُلُ بِهِ انْتِفَاعٌ أَوْ دَفْعُ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَتَتَعَدَّدُ. قَوْلُهُ: [أَوْ غِلَالَةٍ] : وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّدِيرِيّ الْمَعْلُومُ قَالَ الشَّاعِرُ: لَا تَعْجَبُوا مِنْ بَلْيِ غِلَالَتِهِ ... قَدْ زَرَّرَ أَزْرَارَهُ عَلَى الْقَمَرِ قَوْلُهُ: [هَذَا مَا لَمْ يَخْرُجْ لِلْأَوَّلِ] إلَخْ: هَذَا التَّقْيِيدُ رَاجِحٌ لِمَا إذَا نَوَى لِلتَّكْرَارِ، وَتَرَاخَى مَا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ فِي الْأَصْلِ، وَقَيَّدَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ أَيْضًا وَلَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِتَقْدِيمِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، فَإِنَّ الْأَخَصَّ لَا شَيْءَ فِيهِ مُطْلَقًا فَالْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ.

لَهَا أَيْ ظَنَّ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهَا فَفَعَلَهَا، لَكِنْ لَا مُطْلَقًا - كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ - بَلْ (بِظَنِّ) : أَيْ بِسَبَبِ ظَنِّ (خُرُوجِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِحْرَامِ؛ كَمَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ أَوْ لِلْعُمْرَةِ بِلَا وُضُوءٍ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ بِالسَّعْيِ بَعْدَهُمَا فِي اعْتِقَادِهِ فِعْلَ مُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادَهُمَا وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ؛ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَكَذَا مَنْ رَفَضَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ أَوْ أَفْسَدَهُمَا بِوَطْءٍ فَظَنَّ خُرُوجَهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُ الْمُفْسَدِ أَوْ الْمَرْفُوضِ فَارْتَكَبَ مُوجِبَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ فَقَطْ. وَأَمَّا مُحْرِمٌ جَاهِلٌ ظَنَّ إبَاحَةَ أَشْيَاءَ تَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ فَفَعَلَهَا - إلَّا فِي فَوْرٍ - فَعَلَيْهِ لِكُلٍّ فِدْيَةٌ وَلَا يَنْفَعُهُ جَهْلُهُ. وَكَذَا مَنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَظَنَّ أَنَّ الْمُوجِبَاتِ تَتَدَاخَلُ وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا فِدْيَةٌ فَقَطْ لِمُوجِبَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَمْ يَنْفَعْهُ ظَنُّهُ. (وَشَرْطُهَا) : أَيْ الْكَفَّارَةِ - أَيْ شَرْطُ وُجُوبِهَا - (فِي اللُّبْسِ) لِثَوْبٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ] : أَيْ فَيَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ أَنَّ ظَنَّ الْإِبَاحَةِ نَافِعٌ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَفْرُوضٌ فِيمَا مَثَّلَ بِهِ شَارِحُنَا. قَوْلُهُ: [فِعْلَ مُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ] : أَيْ الْفِدْيَةِ أَيْ فِعْلِ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلٍّ مِنْهَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ بِنَفْسِهِ، كَلُبْسِ مُحِيطٍ وَدَهْنٍ بِمُطَيَّبٍ، وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ وَحَلْقِ شَعْرٍ كَثِيرٍ لَكِنْ اُعْتُرِضَ تَمْثِيلُهُ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنَّهُ فِي فَسَادِ الْإِفَاضَةِ يَرْجِعُ حَلَالًا يَفْعَلُ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْحَلَالُ إلَّا النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ، فَإِذَا فَعَلَ غَيْرَهُمَا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ اتَّحَدَ أَوْ تَعَدَّدَ. وَأُجِيبُ بِحَمْلِ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى مَا إذَا خَالَفَ الْوَاجِبَ وَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَكَانَ طَوَافُهُ بِغَيْرِ وُضُوءٍ مُعْتَقِدًا الطَّهَارَةَ، ثُمَّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ فَعَلَ أُمُورًا كُلٌّ مِنْهَا يُوجِبُ الْفِدْيَةِ. قَوْلُ: [فَارْتَكَبَ مُوجِبَاتِ] إلَخْ: أَيْ ظَانًّا إبَاحَةَ فِعْلِهَا، أَوْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ. وَأَمَّا الشَّكُّ فِي الْإِبَاحَةِ فَلَا يَنْفِي التَّعَدُّدَ، وَيَتَأَتَّى لَهُ الشَّكُّ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَتَأَتَّى لَهُ شَكٌّ فِي الْإِبَاحَةِ بَلْ يَعْتَقِدُهَا أَوْ يَظُنُّهَا.

[شرط وجوب الكفارة]

(الِانْتِفَاعُ) بِمَا لَبِسَهُ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ بِأَنْ يَلْبَسَهُ مُدَّةً هِيَ مَظِنَّةٌ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ (لَا إنْ نَزَعَهُ بِقُرْبٍ) فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ. وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبَسَهُ فِي صَلَاةٍ وَلَوْ رُبَاعِيَّةً إذَا لَمْ يُطَوِّلْ فِيهَا، وَإِلَّا فَالْفِدْيَةُ. وَأَمَّا غَيْرُ اللُّبْسِ كَالطِّيبِ فَالْفِدْيَةُ بِمُجَرَّدِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا مُنْتَفِعًا بِهِ. (وَهِيَ) أَيْ الْفِدْيَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ (شَاةٌ) مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ (فَأَعْلَى) لَحْمًا وَفَضْلًا مِنْ بَقَرٍ وَإِبِلٍ كَالْهَدَايَا، وَقِيلَ: الشَّاةُ أَفْضَلُ، فَالْبَقَرُ، فَالْإِبِلُ كَالضَّحَايَا، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا مِنْ السِّنِّ وَغَيْرِهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحِيَّةِ. وَالثَّانِي ذَكَرَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) : مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْمَحِلِّ الَّذِي أَخْرَجَهَا فِيهِ (لِكُلٍّ) أَيْ لِكُلِّ مِسْكِينٍ (مُدَّانِ) بِمُدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQ [شَرْط وُجُوب الْكَفَّارَة] قَوْلُهُ: [الِانْتِفَاعُ] : أَيْ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ الْعَامَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ عَادَةِ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ] إلَخْ: أَيْ مِنْ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا خَلِيلٌ، وَفِي (ح) عَنْ سَنَدٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: فَرَأَى مَرَّةً حُصُولَ الْمَنْفَعَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَظَرَ مَرَّةً إلَى التَّرَفُّهِ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالطُّولِ. قَالَ (ح) : وَهَذَا هُوَ التَّوْجِيهُ الظَّاهِرُ لَا مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ هَلْ تُعَدُّ طُولًا أَوْ لَا، وَتَبِعَهُ التَّتَّائِيُّ وَالْمَوَّاقُ وَغَيْرُهُمَا، إذْ لَيْسَتْ الصَّلَاةُ بِطُولٍ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الطُّولَ كَالْيَوْمِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَغَيْرِهِمَا، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ طَوَّلَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا، خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ شَارِحُنَا تَبَعًا لعب وَالْخَرَشِيِّ اُنْظُرْ (بْن) . [أَنْوَاع الْفِدْيَة] قَوْلُهُ: [وَهِيَ أَيْ الْفِدْيَةُ] إلَخْ: أَيْ الْوَاجِبَةُ لِإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَطَلَبِ الرَّفَاهِيَةِ. قَوْلُهُ: [فَأَعْلَى لَحْمًا وَفَضْلًا] : هَذَا هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَنَاسِكِهِ كَمَا فِي (ح) قَوْلُهُ: [وَقِيلَ الشَّاةُ أَفْضَلُ] إلَخْ: هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْخَرَشِيُّ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: [وَيُشْتَرَطُ فِيهَا مِنْ السِّنِّ] إلَخْ: أَيْ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا ذَبْحُهَا بِنِيَّةِ الْفِدْيَةِ فَلَا يَكْفِي إخْرَاجُهَا غَيْرَ مَذْبُوحَةٍ أَوْ مَذْبُوحَةً بِغَيْرِ نِيَّةِ الْفِدْيَةِ.

[لا تختص الفدية بأنواعها بزمان أو مكان]

فَالْجُمْلَةُ ثَلَاثَةُ آصُعَ. وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ صِيَامُ ثَلَاثِهِ أَيَّامٍ) مُطْلَقًا (وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى) أَيْ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ وَتَالِيَيْهِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ فِيهَا. (وَلَا تَخْتَصُّ) الْفِدْيَةُ بِأَنْوَاعِهَا الثَّلَاثَةِ (بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ) ، فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِبَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، بِخِلَافِ الْهَدْيِ فَإِنَّ مَحِلَّهُ مِنًى أَوْ مَكَّةَ عَلَى مَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (الْجِمَاعُ) وَالْإِنْزَالُ (وَمُقَدِّمَاتُهُ) وَلَوْ عَلِمَ السَّلَامَةَ مِنْ مَنِيٍّ وَمَذْيٍ. (وَأَفْسَدَ) الْجِمَاعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (مُطْلَقًا) أَنْزَلَ أَمْ لَا، عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، فِي آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، بَالِغًا أَمْ لَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَالْجُمْلَةُ ثَلَاثَةُ آصُعَ] : أَيْ وَكُلُّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَأَجْزَأَ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ حَيْثُ بَلَغَ الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ الْمُدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّانِ أَفْضَلَ، وَمِثْلُ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ الْغَدَاءَانِ وَالْعَشَاءَانِ. [لَا تَخْتَصّ الْفِدْيَة بِأَنْوَاعِهَا بِزَمَان أَوْ مَكَان] قَوْلُهُ: [فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ] : أَيْ فَيَجُوزُ الصَّوْمُ أَوْ الْإِطْعَامُ أَوْ الذَّبْحُ فِي أَيِّ مَكَان أَوْ زَمَانٍ شَاءَ فَلَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ كَأَيَّامِ مِنًى، وَلَا بِمَكَانٍ كَمَكَّةَ أَوْ مِنًى، بِخِلَافِ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِمَا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالذِّبْحِ بِكَسْرِ الذَّالِ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ الْهَدْيَ، بِأَنْ يُقَلِّدَهُ أَوْ يُشْعِرَهُ فِيمَا يُقَلَّدُ أَوْ يُشْعَرُ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ كَافٍ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَقْلِيدٌ وَلَا إشْعَارٌ، فَيَخْتَصُّ بِمِنًى إنْ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ، وَإِلَّا فَمَكَّةُ وَالْجَمْعُ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَتَرْتِيبُهُ بِأَنْ لَا يَنْتَقِلَ لِلصَّوْمِ أَوْ الْإِطْعَامِ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الذَّبْحِ، وَأَفْضَلِيَّةُ الْأَكْثَرِ لَحْمًا كَذَا فِي الْأَصْلِ. [مَا يحرم مِنْ الْجِمَاع وَمُقَدَّمَاته] قَوْلُهُ: [لَوْ عَلِمَ السَّلَامَةَ] : الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ كَرَاهَةَ الْمُقَدِّمَاتِ إذَا عَلِمْت السَّلَامَةَ كَالصَّوْمِ، لَكِنْ يُقَيَّدُ بِمَا إذَا قُلْت. قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : أَيْ حَيْثُ أَوْجَبَ الْغُسْلَ. فَخَرَجَ جِمَاعُ الصَّبِيِّ أَوْ الْبَالِغِ فِي غَيْرِ مُطِيقَةٍ أَوْ فِي هَوَى الْفَرْجِ، أَوْ مَعَ لَفٍّ مِنْ خِرْقَةٍ كَثِيفَةٍ عَلَى الذَّكَرِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ فَلَا فَسَادَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْأَصْلِ: بَالِغًا أَمْ لَا، تَبِعَ فِيهِ (عب)

(كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ) كَمَا يَأْتِي: أَيْ أَنَّ إنْزَالَ الْمَنِيِّ مُفْسِدٌ مُطْلَقًا (وَإِنْ) اسْتَدْعَاهُ (بِنَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ) مُسْتَدِيمَيْنِ لَا بِمُجَرَّدِهِمَا، بِخِلَافِ الْإِنْزَالِ بِغَيْرِهِمَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِدَامَةُ. وَمَحِلُّ إفْسَادِ الْجِمَاعِ أَوْ الْإِنْزَالِ (إنْ وَقَعَ) مَا ذُكِرَ بَعْدَ إحْرَامِهِ (قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) الصَّادِقِ ذَلِكَ بِيَوْمِ عَرَفَةَ وَلَيْلَتِهَا إلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ. (أَوْ) وَقَعَ (فِيهِ) : أَيْ فِي يَوْمِ النَّحْرِ (قَبْلَ رَمْيِ) جِمَارِ (عَقَبَةٍ، وَ) طَوَافِ (إفَاضَةٍ) . (أَوْ) وَقَعَ الْجِمَاعُ أَوْ الْإِنْزَالُ فِي إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ (قَبْلَ تَمَامِ سَعْيِ الْعُمْرَةِ) . (وَإِلَّا) بِأَنْ وَقَعَ مَا ذَكَرَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَهُمَا أَوْ بَعْدَ أَحَدِهِمَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ، أَوْ بَعْدَ تَمَامِ سَعْيِ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْحَلْقِ، (فَهَدْيٌ) يَلْزَمُهُ وَلَا فَسَادَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ، بَلْ لَا يُفْسِدُهُ إلَّا الْجِمَاعَ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ] : تَشْبِيهٌ فِي قَوْلِهِ: (وَأَفْسَدَ) : أَيْ كَمَا يَفْسُدُ الْحَجُّ بِالْجِمَاعِ، يَفْسُدُ بِاسْتِدْعَاءِ الْمَنِيِّ إلَخْ، كَانَ الِاسْتِدْعَاءُ الْمَذْكُورُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا لِلْإِحْرَامِ. قَوْلُهُ: [لَا بِمُجَرَّدِهِمَا] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَدْعَاهُ بِالْفِكْرِ أَوْ النَّظَرِ فَحَصَلَ وَلَمْ يَدُمْ الِاسْتِدْعَاءُ أَهْدَى وَلَا فَسَادَ، وَأَمَّا إنْ اسْتَدْعَاهُ بِغَيْرِهِمَا كَقُبْلَةٍ وَجَسٍّ وَمُلَاعَبَةٍ فَحَصَلَ فَالْفَسَادُ، وَإِنْ لَمْ يَدُمْ الِاسْتِدْعَاءُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [إنْ وَقَعَ مَا ذُكِرَ بَعْدَ إحْرَامِهِ] : أَيْ سَوَاءٌ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ لَا، بَلْ لَوْ وَقَعَ مَقْرُونًا بِالْإِحْرَامِ يَكُونُ فَاسِدًا، وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ. قَوْلُهُ: [وَقَبْلَ الْحَلْقِ فَهَدْيٌ يَلْزَمُهُ] : أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ الْهَدْيِ عُمْرَةٌ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى، إنْ وَقَعَ الْوَطْءُ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: وُقُوعُهُ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ - وَقَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِعُمْرَةٍ لِيَأْتِيَ بِطَوَافٍ لَا ثَلْمَ فِيهِ، وَلِذَا لَوْ وَقَعَ الْوَطْءُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَهَدْيٌ فَقَطْ، لِسَلَامَةِ طَوَافِهِ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [فَهَدْيٌ يَلْزَمُهُ وَلَا فَسَادَ] : أَيْ وَلَوْ قَصَدَ بِهِمَا اللَّذَّةَ.

[وجوب إتمام المفسد إن لم يفته الوقوف]

(كَإِنْزَالٍ بِمُجَرَّدِ نَظَرٍ أَوْ) بِمُجَرَّدِ (فِكْرٍ) مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ فَهَدْيٌ يَلْزَمُهُ وَلَا فَسَادَ. (وَإِمْذَاؤُهُ) بِلَا إنْزَالٍ (وَقُبْلَةٍ بِفَمٍ) وَإِنْ لَمْ يُمْذِ فَالْهَدْيُ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ قُبْلَةٍ بِخَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُلَامَسَةِ. (وَوَجَبَ) بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (إتْمَامُ الْمُفْسَدِ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَيَسْتَمِرُّ عَلَى أَفْعَالِهِ كَالصَّحِيحِ حَتَّى يُتِمَّهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ فِي قَابِلٍ، وَلَا يَتَحَلَّلُ فِي الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِيُدْرِكَ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ. وَهَذَا (إنْ لَمْ يَفُتْهُ الْوُقُوفُ) بِعَرَفَةَ إمَّا لِوُقُوعِ الْفَسَادِ بَعْدَهُ فِي عَرَفَةَ، أَوْ مُزْدَلِفَةَ، أَوْ مِنًى قَبْلَ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ، وَإِمَّا لِوُقُوعِهِ قَبْلَهُ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْوُقُوفِ. فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَانِعٌ - مِنْ سِجْنٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ صَدٍّ - حَتَّى فَاتَهُ الْوُقُوفُ، وَجَبَ عَلَيْهِ تَحَلُّلُهُ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ؛ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا) : بِأَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ (تَحَلَّلَ) مِنْ الْفَاسِدِ (بِعُمْرَةٍ) ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ لِلْعَامِ الْقَابِلِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّمَادِي عَلَى فَاسِدٍ مَعَ إمْكَانِ التَّخَلُّصِ مِنْهُ؛ وَقَوْلُهُمْ: " مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يُنْدَبُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِعُمْرَةٍ وَيَجُوزُ لَهُ الْبَقَاءُ لِقَابِلٍ " فِي غَيْرِ مَنْ فَسَدَ حَجُّهُ. (فَإِنَّهُ لَمْ يُتِمَّهُ) أَيْ الْمُفْسَدَ بِجِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ - سَوَاءٌ ظَنَّ إبَاحَةَ قَطْعِهِ لِفَسَادِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِمْذَائِهِ بِلَا إنْزَالٍ] : أَيْ فَلَيْسَ فِي الْمَذْيِ إلَّا الْهَدْيُ، سَوَاءٌ خَرَجَ ابْتِدَاءً أَوْ مَعَ اسْتِدَامَةٍ وَلَوْ بِقُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ. وَلَا فَسَادَ بِوَجْهٍ فِي الْمَذْيِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ (ح) خِلَافًا لِقَوْلِ بَهْرَامَ: إنَّ مَا يُوجِبُ الْهَدْيَ فِي الْحَجِّ لَا يُوجِبُ فِي الْعُمْرَةِ شَيْئًا لِأَنَّ أَمْرَهَا أَخَفُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ النَّقْلِ خِلَافَهُ. قَوْلُهُ: [وَقُبْلَةٌ بِفَمٍ] : أَيْ إنْ لَمْ تَكُنْ لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا. قَوْلُهُ: [فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ] : أَيْ مَا لَمْ يُمْذِ أَوْ تَكْثُرْ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. [وُجُوب إتْمَام الْمُفْسِد إِن لَمْ يفته الْوُقُوف] قَوْلُهُ: [بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ] : أَيْ خِلَافًا لِدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ. قَوْلُهُ: [إمَّا لِوُقُوعِ الْفَسَادِ] : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ تَنْوِيعٌ فِي عَدَمِ فَوَاتِ الْوُقُوفِ.

أَمْ لَا - (فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ) أَبَدًا مَا عَاشَ. (فَإِنْ أَحْرَمَ) : أَيْ جَدَّدَ إحْرَامًا بَعْدَ حُصُولِ الْفَسَادِ لِظَنِّهِ بُطْلَانَ مَا كَانَ فِيهِ وَاسْتَأْنَفَ غَيْرَهُ (فَلَغْوٌ) : أَيْ فَإِحْرَامُهُ الْمُجَدَّدُ عَدَمٌ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ حَتَّى يُتِمَّهُ فَاسِدًا وَلَوْ أَحْرَمَ فِي ثَانِي عَامٍ يَظُنُّ أَنَّهُ قَضَاءٌ عَنْ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ فِعْلُهُ فِي الْقَابِلِ إتْمَامًا لِلْفَاسِدِ وَلَا يَقَعُ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثِ عَامٍ. (وَ) وَجَبَ (قَضَاؤُهُ) : أَيْ الْمُفْسَدُ بَعْدَ إتْمَامِهِ. فَإِنْ كَانَ عُمْرَةً فَفِي أَيِّ وَقْتٍ، وَإِنْ كَانَ حَجًّا فَفِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُفْسَدُ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا. (وَ) وَجَبَ (فَوْرِيَّتُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ حَتَّى عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ التَّرَاخِي فِي الْحَجِّ. (وَ) وَجَبَ (قَضَاءُ الْقَضَاءِ) إذَا أُفْسِدَ أَيْضًا. وَلَوْ تَسَلْسَلَ فَيَأْتِي بِحَجَّتَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يَقَعُ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثِ عَامٍ] : أَيْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُتِمَّهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ أُخْرِجَ مِنْهُ بِفَسَادِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى، وَقُلْنَا إنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ مَا أَحْرَمَ بِهِ قَضَاءً، بَلْ مَا فَعَلَهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ تَتْمِيمًا لَهُ وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ الْقَضَاءُ إلَّا فِي سَنَةٍ ثَالِثَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّارِحُ: إنْ كَانَ الْفَاسِدُ حَجًّا أَوْ فِي مَرَّةٍ ثَالِثَةٍ إنْ كَانَ عُمْرَةً. وَاعْلَمْ أَنَّ حَجَّةَ الْقَضَاءِ تَنُوبُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إذَا كَانَ الْمُفْسَدُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ، وَذَكَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا وَقَضَاؤُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْحَجِّ الْفَائِتِ الَّذِي تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، فَقَضَاؤُهُ كَافٍ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَاعْتَمَدَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مَا قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ. قَوْلُهُ: [وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُفْسَدُ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا] : تَعْمِيمٌ فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ وَالْقَضَاءِ. قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ فَوْرِيَّتُهُ] إلَخْ: أَيْ بَعْدَ إتْمَامِ الْمُفْسَدِ إنْ كَانَ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ عَامَ الْفَسَادِ أَوْ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْفَاسِدِ إنْ لَمْ يُدْرِكْ الْوُقُوفَ عَامَهُ. قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ قَضَاءُ الْقَضَاءِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَضَاءً عَمَّا أَفْسَدَهُ، ثُمَّ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّتَيْنِ،

إحْدَاهُمَا قَضَاءٌ عَنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ قَضَاءٌ عَنْ الثَّانِيَةِ، وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ. (وَ) وَجَبَ (هَدْيٌ لَهُ) أَيْ الْفَسَادِ. (وَ) وَجَبَ (تَأْخِيرُهُ لِلْقَضَاءِ) وَلَا يُقَدِّمُهُ فِي عَامِ الْفَسَادِ. (وَأَجْزَأَ إنْ قَدَّمَ فِي عَامِ الْفَسَادِ وَاتَّحَدَ) هَدْيُ الْفَسَادِ (وَإِنْ تَكَرَّرَ مُوجِبُهُ) مِنْ الْجِمَاعِ أَوْ الِاسْتِمْنَاءِ (بِنِسَاءٍ) ، وَلَا يَكُونُ تَعَدُّدُ الْجِمَاعِ أَوْ النِّسَاءِ مُوجِبًا لَتُعَدِّدهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQإحْدَاهُمَا عَنْ الْأَصْلِ، وَالْأُخْرَى عَنْ الْقَضَاءِ الَّذِي أَفْسَدَهُ، لِأَنَّهُ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا، بِخِلَافِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ فِي الصَّوْمِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ أَنَّ الْحَجَّ كُلْفَتُهُ شَدِيدَةٌ فَشَدَّدَ فِيهِ بِقَضَاءِ الْقَضَاءِ، سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ فِيهِ، وَأَمَّا مَنْ أَفْسَدَ قَضَاءَ صَلَاةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَلْ لَهُ تَقْدِيمُ الْقَضَاءِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ وَكَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ] : أَيْ لِكُلِّ فَاسِدٍ هَدْيٌ، وَلَكِنْ يَجِبُ تَأْخِيرُ كُلٍّ لِلْقَضَاءِ وَأَجْزَأَ لَهُ إنْ قَدَّمَ عَامَ الْفَسَادِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَكُونُ تَعَدَّدَ الْجِمَاعُ] إلَخْ: أَيْ بِخِلَافِ الصَّيْدِ وَالْفِدْيَةِ فِي غَيْرِ مَسَائِلِ اتِّحَادِهَا، فَيَتَعَدَّدُ كُلٌّ بِتَعَدُّدِ مُوجِبِهِ. تَنْبِيهٌ: يَجِبُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ هَدَايَا إنْ أَفْسَدَ إحْرَامَهُ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ، وَأَوْلَى إنْ فَاتَهُ ثُمَّ أَفْسَدَهُ، وَعَلَى كُلٍّ قَضَاهُ قَارِنًا: هَدْيٌ لِلْفَسَادِ، وَهَدْيٌ لِلْفَوَاتِ، وَهَدْيٌ لِلْقِرَانِ الْقَضَاءِ. وَيَسْقُطُ هَدْيُ الْقِرَانِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ. مَسْأَلَةٌ: يَجِبُ عَلَيْهِ إحْجَاجُ مُكْرَهَتِهِ وَإِنْ طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى الْإِذْنِ لَهَا وَوَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَحُجَّ إنْ عُدِمَ، وَرَجَعَتْ عَلَيْهِ إنْ أَيْسَرَ بِالْأَقَلِّ مِنْ كِرَاءِ الْمِثْلِ، وَمِمَّا اكْتَرَتْ بِهِ إنْ اكْتَرَتْ، أَوْ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَمِنْ نَفَقَةِ مِثْلِهَا فِي السَّفَرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّرَفِ إنْ لَمْ تَكْتَرِ، وَفِي الْفِدْيَةِ بِالْأَقَلِّ مِنْ النُّسُكِ، وَكَيْلِ الطَّعَامِ أَوْ ثَمَنِهِ وَفِي الْهَدْيِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ ثَمَنِهِ إنْ اشْتَرَتْهُ، وَإِنْ صَامَتْ لَمْ تَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهَا مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ بِالْقَضَاءِ لِتَحَلُّلِهِ خَوْفًا مِنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ مَا مَضَى، وَلَا يُرَاعِي فِي الْقَضَاءِ زَمَنَ إحْرَامِهِ بِالْمُفْسَدِ، فَلِمَنْ أَحْرَمَ فِي الْمُفْسَدِ مِنْ شَوَّالٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْقَضَاءِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ،

[قضاء المفسد]

(وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ) قَضَاءً (عَنْ إفْرَادٍ) فَسَدَ، (وَعَكْسُهُ) ؛ وَهُوَ إفْرَادٌ عَنْ تَمَتُّعٍ: أَيْ عَنْ الْحَجِّ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي أَشْهُرِهِ عُمْرَةٌ (لَا قِرَانٌ) فَلَا يُجْزِئُ (عَنْ إفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ) . (وَلَا) يُجْزِئُ (عَكْسُهُ) وَهُوَ إفْرَادٌ وَتَمَتُّعٌ عَنْ قِرَانٍ. (وَحَرُمَ بِهِ) : أَيْ بِالْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْحَرَمِ (وَ) حَرُمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِخِلَافِ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، إنْ شَرَعَ فَإِنَّهُ يُرَاعَى فَمَنْ أَحْرَمَ بِالْمُفْسَدِ مِنْ الْجُحْفَةِ مَثَلًا تَعَيَّنَ إحْرَامُهُ بِالْقَضَاءِ مِنْهَا. بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَشْرَعْ بِأَنْ أَحْرَمَ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ فَلَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ فِي الْقَضَاءِ إلَّا مِنْهَا، فَإِنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ الْمَشْرُوعَ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ أَوْ لَا فَدَمٌ، وَلَوْ تَعَدَّاهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ بَعْدَ الْفَسَادِ بِمَكَّةَ إلَى قَابِلٍ، وَأَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ مِنْهَا، وَأَمَّا لَوْ تَعَدَّاهُ فِي عَامِ الْفَسَادِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . [قَضَاء الْمُفْسِد] [تَنْبِيه مَتَى يَجِب عَلَيْهِ ثَلَاثَة هَدَايَا وَنِيَّة قَضَاء التَّطَوُّع عَنْ وَاجِب] قَوْلُ: [وَعَكْسُهُ] : مِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ النَّوَادِرِ وَالْعُتْبِيَّةِ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ إفْرَادٌ عَنْ تَمَتُّعٍ] : أَيْ بِأَنْ يَقَعَ الْإِفْسَادُ فِي الْحَجِّ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ بَعْدَ أَنْ فَرَغَتْ الْعُمْرَةُ، فَإِذَا قَضَاهُ مُفْرِدًا فَإِنَّهُ يَجْزِيهِ، فَفِي الْحَقِيقَةِ أَجْزَأَ إفْرَادٌ عَنْ إفْرَادٍ، وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ هَدْيٌ لِلتَّمَتُّعِ يُعَجِّلُهُ وَهَدْيٌ لِلْفَسَادِ يُؤَخِّرُهُ عَامَ الْقَضَاءِ. قَوْلُهُ: [لَا قِرَانَ] إلَخْ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ سِتُّ صُوَرٍ: اثْنَتَانِ مُجْزِئَتَانِ، وَأَرْبَعٌ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ، وَأَصْلُ الصُّوَرِ تِسْعٌ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُمَا ثَلَاثَةً وَهِيَ قَضَاءُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ لِظُهُورِهِ. تَنْبِيهٌ: لَا يَنُوبُ قَضَاءُ التَّطَوُّعِ عَنْ وَاجِبٍ، بِخِلَافِ قَضَاءِ الْوَاجِبِ فَيُجْزِئُ عَنْهُ وِفَاقًا لِلشَّيْخِ سَالِمٍ، وَخِلَافًا لِتِلْمِيذِهِ الْأُجْهُورِيِّ، كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. [مَا يحرم بِالْإِحْرَامِ] [تَنْبِيه إيدَاع الْحَيَوَان عِنْد محرم] قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ بِهِ] إلَخْ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِي قَوْلِهِ وَ: " بِالْحَرَمِ " لِلظَّرْفِيَّةِ. فَائِدَةٌ: الْحَرَمُ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ مَبْدَؤُهَا مِنْ الْكَعْبَةِ مُنْتَهِيَةٌ لِلتَّنْعِيمِ، وَمِنْ جِهَةِ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ مِنْ الْمَقْطَعِ بِفَتْحِ الْمِيم مُخَفَّفًا وَضَمِّهَا مُثَقَّلًا مَكَانٌ فِي الطَّرِيقِ، وَمِنْ جِهَةِ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ وَيَنْتَهِي لِعَرَفَةَ، وَمِنْ جِهَةِ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةٌ

(بِالْحَرَمِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا (تَعَرُّضٌ لِحَيَوَانٍ بَرِّيٍّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ نِسْبَةً لِلْبَرِّ ضِدُّ الْبَحْرِ، وَيُبَاحُ الْبَحْرِيُّ، وَيَدْخُلُ فِي الْبَرِّيِّ: الضِّفْدَعُ وَالسُّلَحْفَاةُ الْبَرِّيَّانِ، وَالْجَرَادُ وَطَيْرُ الْمَاءِ لَا الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ. (وَ) تَعَرَّضَ (لِبَيْضِهِ) مَا دَامَ وَحْشِيًّا بَلْ (وَإِنْ تَأَنَّسَ) كَالْغَزَالِ وَالطُّيُورِ الَّتِي تَأْلَفُ الْبُيُوتَ وَالنَّاسَ، (أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ) كَالْخِنْزِيرِ وَالْقِرْدِ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ وَيَقُومُ عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ بَيْعِهِ. (وَزَالَ بِهِ) أَيْ بِالْإِحْرَامِ أَوْ بِالْحَرَمِ (مِلْكُهُ عَنْهُ) : أَيْ عَنْ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَيْضًا وَيَنْتَهِي إلَى مَوْضِعٍ يُسَمَّى بِشَعْبِ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَمِنْ جِهَةِ جُدَّةَ - بِضَمِّ الْجِيمِ - لِآخَرِ الْحُدَيْبِيَةِ عَشَرَةٌ مِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ إلَى مَكَان يُسَمَّى أَضَاةَ - عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ وَعَلَامَتُهُ وُقُوفُ سَيْلِ الْحِلِّ دُونَهُ إذَا جَرَى لِجِهَتِهِ، وَلَا يَدْخُلُهُ لِعُلُوِّهِ عَنْ الْحِلِّ (اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [تَعَرُّضٌ لِحَيَوَانٍ بَرِّيٍّ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَوَحِّشُ الْأَصْلِ فَلَا يَجُوزُ اصْطِيَادُهُ وَلَا التَّسَبُّبُ فِي اصْطِيَادِهِ وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ، وَلَمْ يَقُلْ: " وَجُزْئِهِ " كَمَا قَالَ خَلِيلٌ لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَرَضَ مُتَّصِلًا فَالتَّعَرُّضُ لَهُ تَعَرُّضٌ لِلْكُلِّ، وَإِنْ فَرَضَ مُنْفَصِلًا فَإِمَّا مَيْتَةٌ بِأَنْ كَانَ ذَكَّاهُ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ فِي حَرَمٍ، أَوْ كَانَ بِلَا ذَكَاةٍ فَهَذَا يَأْتِي، وَأَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مَيْتَةً بِأَنْ ذَكَّاهُ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ فَلَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ بِنَحْوِ الْأَكْلِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَيُبَاحُ الْبَحْرِيُّ] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96] . قَوْلُهُ: [وَيَدْخُلُ فِي الْبَرِّيِّ الضِّفْدَعُ] إلَخْ: أَيْ فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: [لَا الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ] : أَيْ لِأَنَّهُ - وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا بَرِّيًّا - لَكِنْ لَيْسَ مِمَّا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ لَا عَلَى الْمُحْرِمِ لَا فِي الْحَرَمِ، لِأَنَّ قَتْلَهُ جَائِزٌ بَلْ يُنْدَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ وَحْشِيَّ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ] : فِيهِ رَدٌّ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ إنَّمَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِلْمَأْكُولِ.

إنْ كَانَ يَمْلِكُهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَيُرْسِلُهُ) وُجُوبًا. وَمَحِلُّ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ وَوُجُوبِ إرْسَالِهِ: (إنْ كَانَ مَعَهُ) حِينَ الْإِحْرَامِ أَوْ دُخُولِهِ الْحَرَمَ؛ أَيْ مُصَاحِبًا لَهُ فِي قَفَصٍ أَوْ بِيَدِ غُلَامِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، (لَا) إنْ كَانَ حِينَ الْإِحْرَامِ (بِبَيْتِهِ) فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَا يُرْسِلُهُ (وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ بَيْتِهِ. وَقَوْلُهُ: (فَلَا يَسْتَجِدَّ مِلْكَهُ) : مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ: " فَيُرْسِلُهُ " إلَخْ، وَعَلَى قَوْلِهِ: " وَحَرُمَ بِهِ وَبِالْحَرَمِ تَعَرُّضٌ " إلَخْ أَيْ أَنَّهُ إذَا حَرُمَ تَعَرَّضَ الْمُحْرِمُ لِلْبَرِّيِّ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ مَا دَامَ مُحْرِمًا أَنْ يَسْتَجِدَّ مِلْكَ بَرِّيٍّ بِشِرَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إقَالَةٍ، وَإِذَا أَرْسَلَهُ حَيْثُ كَانَ مَعَهُ فَلَحِقَهُ إنْسَانٌ، وَلَوْ قَبْلَ لُحُوقِهِ بِالْوَحْشِ وَأَخَذَهُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِ عَلَيْهِ كَلَامٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ مِنْهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لِلْبَرِّيِّ. قَوْلَهُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَيُرْسِلُهُ وُجُوبًا] : جَعَلَهُ الشَّارِحُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْقَفَصِ أَنَّ الْقَفَصَ حَامِلٌ لَهُ وَيَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهِ وَالْبَيْتَ مُرْتَحِلٌ عَنْهُ وَغَيْرُ مُصَاحِبٍ لَهُ. قَوْلُهُ: [مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيُرْسِلُهُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْأَمْرِ بِإِرْسَالٍ وَمِنْ حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ عَدَمُ جَوَازِ تَجَدُّدِ الْمِلْكِ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَسْتَجِدَّ مِلْكُ بَرِّيٍّ بِشِرَاءٍ] : أَيْ وَأَمَّا دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ جَبْرًا كَالْمِيرَاثِ وَالْمَرْدُودِ بِعَيْبٍ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: (فَيُرْسِلُهُ إنْ كَانَ مَعَهُ) ، وَهَلْ إذَا جَدَّدَ مِلْكَهُ بِشِرَاءٍ يَكُونُ شِرَاؤُهُ صَحِيحًا حَيْثُ اشْتَرَاهُ مِنْ حَلَالٍ، وَيُؤْمَرُ بِإِرْسَالِهِ وَيَضْمَنُ ثَمَنَهُ لِلْبَائِعِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَلَوْ رَدَّهُ لِصَاحِبِهِ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ، أَوْ فَاسِدًا وَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ لِلْبَائِعِ، وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ قَوْلَانِ. تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ وَدِيعَةً مِنْ الْغَيْرِ. فَإِنْ قَبِلَهُ رَدَّهُ لِصَاحِبِهِ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَإِلَّا أَوْدَعَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ إنْ أَمْكَنَ، إلَّا أَرْسَلَهُ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ هَذَا إذَا قَبِلَ الْوَدِيعَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مُودَعًا عِنْدَهُ وَهُوَ حَلَالٌ وَطَرَأَ لَهُ الْإِحْرَامُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ لِرَبِّهِ إنْ وَجَدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَوْدَعَهُ عِنْدَ حَلَالٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ بَقِيَ بِيَدِهِ وَلَا يُرْسِلُهُ لِأَنَّهُ قَبِلَهُ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) .

(إلَّا الْفَأْرَةَ) بِالْهَمْزَةِ وَتَاؤُهُ لِلْوَحْدَةِ لَا التَّأْنِيثِ، وَيَلْحَقُ بِهَا ابْنُ عِرْسٍ وَكُلُّ مَا يَقْرِضُ الثِّيَابَ مِنْ الدَّوَابِّ (وَ) إلَّا (الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ) ، وَيَلْحَقُ بِهَا الزُّنْبُورُ أَيْ ذَكَرُ النَّحْلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا. (وَ) إلَّا (الْحِدَأَةَ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ، (وَالْغُرَابَ) فَلَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِمَا ذُكِرَ. (كَعَادِي سَبُعٍ) : مِنْ أَسَدٍ وَذِئْبٍ وَنِمْرٍ وَفَهْدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إلَّا الْفَأْرَةَ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْحَرَمِ، وَلِلْمُحْرِمِ إنْ قَتَلَ بِقَصْدِ دَفْعِ الْإِذَايَةِ، أَمَّا لَوْ قَتَلَ بِقَصْدِ الذَّكَاةِ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يُؤْكَلُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ: وَهُوَ بَيِّنٌ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهَا فَهِيَ صَيْدٌ يُؤَثِّرُ؛ فِيهَا الذَّكَاةُ وَيَطْهُرُ جِلْدُهَا، وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَكَاةِ الصَّيْدِ وَمِنْ قَتْلِهِ (اهـ) . وَاسْتَثْنَاهَا الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهَا. قَوْلُهُ: [بِالْهَمْزَةِ] : أَيْ وَقَدْ تُسَهَّلُ. قَوْلُهُ: [وَالْغُرَابَ] : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبْقَعِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: هَلْ لَفْظُ الْغُرَابِ عَامٌّ؟ يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ؛ فَالْأَبْقَعُ فَرْدٌ لَا يُخَصَّصُ أَوْ مُطْلَقٌ، فَالْأَبْقَعُ مُبَيِّنٌ لَهُ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَعَلَيْهِ غَالِبُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ (اهـ.) وَالْأَبْقَعُ: هُوَ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ. قَوْلُ: [وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي عُتَيْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك» ، فَعَدَا عَلَيْهِ السَّبُعُ فَقَتَلَهُ.

فَيَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُ (إنْ كَبِرَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ بِحَيْثُ بَلَغَ حَدَّ الْإِيذَاءِ، لَا إنْ صَغُرَ. (وَطَيْرٍ) غَيْرِ حِدَأَةٍ وَغُرَابٍ (خِيفَ مِنْهُ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلَا يَنْدَفِعُ (إلَّا بِقَتْلِهِ) . فَيَجُوزُ قَتْلُهُ. (وَوَزَغٍ) يَجُوزُ قَتْلُهُ (لِحِلٍّ بِحَرَمٍ) لَا لِمُحْرِمٍ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ. (وَلَا شَيْءَ فِي الْجَرَادِ) بِقَيْدَيْنِ: (إنْ عَمَّ) أَيْ كَثُرَ، (وَاجْتَهَدَ) الْمُحْرِمُ فِي التَّحَفُّظِ مِنْ قَتْلِهِ، فَأَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا لَا عَنْ قَصْدِ، (وَإِلَّا) - بِأَنْ لَمْ يَعُمَّ أَوْ عَمَّ وَلَمْ يَجْتَهِدْ فِي التَّحَفُّظِ مِنْهُ - (فَقِيمَتُهُ طَعَامًا بِالِاجْتِهَادِ) بِمَا يَقُولُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ، هَذَا (إنْ كَثُرَ) بِأَنْ زَادَ عَلَى عَشَرَةٍ، (وَفِي) قَتْلِ (الْوَاحِدَةِ لِعَشَرَةٍ حَفْنَةٌ) مِنْ الطَّعَامِ مِلْءُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ. (كَتَقْرِيدِ الْبَعِيرِ) فَفِيهِ حَفْنَةٌ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ. (وَفِي) قَتْلِ (الدُّودِ وَالنَّمْلِ وَنَحْوِهِمَا) - كَالذُّبَابِ وَالذَّرِّ (قَبْضَةٌ) مِنْ طَعَامٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إنْ كَبِرَ] : شَرْطٌ فِي كُلِّ عَادٍ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ صَغُرَ] : أَيْ فَيُكْرَهُ قَتْلُهُ وَلَا جَزَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ قَتْلُهُ] : أَيْ إذَا كَانَ لِدَفْعِ شَرِّهِ لَا بِقَصْدِ ذَكَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ وَفِيهِ الْجَزَاءُ. قَوْلُهُ: [لَا لِمُحْرِمٍ بِهِ] : أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ أَيْ يَحْرُمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا قَتَلَهَا أَطْعَمَ وُجُوبًا كَسَائِرِ الْهَوَامِّ، وَعَلَى الثَّانِي أَطْعَمَ اسْتِحْبَابًا. قَوْلُهُ: [فَقِيمَتُهُ طَعَامًا] إلَخْ: قَالَ الْبَاجِيُّ لَوْ شَاءَ الصِّيَامَ لَحُكِمَ عَلَيْهِ بِصَوْمِ يَوْمٍ كَذَا فِي (ر) (اهـ. بْن) . قَوْلُهُ: [قَبْضَةٌ] : بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَهِيَ دُونَ الْحَفْنَةِ كَمَا أَفَادَهُ (ر) كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

(وَالْجَزَاءُ) وَاجِبٌ (بِقَتْلِهِ) أَيْ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ (مُطْلَقًا) قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ نَاسِيًا كَوْنَهُ مُحْرِمًا أَوْ بِالْحَرَمِ، أَوْ لِمَجَاعَةٍ تُبِيحُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ، أَوْ لِجَهْلِ الْحُكْمِ أَوْ كَوْنَهُ صَيْدًا. (وَلَوْ) قَتَلَهُ (بِرَمْيٍ) بِحَجَرٍ أَوْ سَهْمٍ (مِنْ الْحَرَمِ) فَأَصَابَهُ فِي الْحِلِّ. (أَوْ) رَمْيٍ مِنْ الْحِلِّ (لَهُ) أَيْ لِلْحَرَمِ، (أَوْ) قَتَلَهُ بِسَبَبِ (مُرُورِ سَهْمٍ) مَثَلًا (بِالْحَرَمِ) : أَيْ فِيهِ؛ رَمَاهُ مَنْ بِالْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ بِالْحِلِّ. (أَوْ) مُرُورِ (كَلْبٍ) أَرْسَلَهُ حِلٌّ بِحِلٍّ عَلَى صَيْدٍ بِحِلٍّ (تَعَيَّنَ) الْحَرَمُ (طَرِيقَهُ) : أَيْ طَرِيقًا لِلْكَلْبِ فَقَتَلَهُ، فَالْجَزَاءُ. فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْحَرَمُ طَرِيقًا لِلْكَلْبِ، وَلَكِنَّ الْكَلْبَ عَدَلَ إلَى الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إذَا لَمْ يَظُنَّ الصَّائِدُ سُلُوكَ الْكَلْبِ فِيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْجَزَاءُ وَاجِبٌ بِقَتْلِهِ] : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا جَوَابًا لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ وَإِنْ تَعَرَّضَ لِلْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ مَاذَا يَلْزَمُهُ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ تَارَةً يَقْتُلُهُ وَتَارَةً لَا يَقْتُلُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ فَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ لِجَهْلِ الْحُكْمِ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ حَيْثُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ، وَلَا فِيمَا تَكَرَّرَ (اهـ.) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ الْجَزَاءِ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ لُزُومُ الْإِثْمِ، فَإِنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْمَجَاعَةِ، وَيَتَكَرَّرُ الْجَزَاءُ بِتَكَرُّرِ قَتْلِ الصَّيْدِ، فَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ أَوْ بَازَهُ فَقَتَلَ صَيُودًا كَثِيرَةً لَزِمَهُ جَزَاءُ الْجَمِيعِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُ: [بِسَبَبِ مُرُورِ سَهْمٍ] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَشْهَبُ يَقُولُ: يُؤْكَلُ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَعَبْدُ الْمَلِكِ يُوَافِقُ أَشْهَبَ عَلَى الْأَكْلِ وَعَدَمِ الْجَزَاءِ بِشَرْطِ الْبُعْدِ، وَالْمُرَادُ بِالْبُعْدِ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْحَرَمِ مَسَافَةٌ لَا يَقْطَعُهَا السَّهْمُ غَالِبًا فَتَخَلَّفَ الْغَالِبُ وَقَطَعَهَا. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْحَرَمُ طَرِيقًا] : أَيْ لِأَنَّ لِلْكَلْبِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا، فَعُدُولُهُ لِلْحَرَمِ مِنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ السَّهْمِ فَمِنْ الرَّامِي عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ الْقَيْدَ مَخْصُوصًا بِالْكَلْبِ وَهَذَا التَّقْيِيدُ لِخَلِيلٍ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَيْضًا.

(أَوْ) قَتَلَهُ بِسَبَبِ (إرْسَالِهِ) : أَيْ الْكَلْبِ (بِقُرْبِهِ) أَيْ الْحَرَمِ، (فَأَدْخَلَهُ) فِي الْحَرَمِ وَأَخْرَجَهُ مِنْهُ، (وَقَتَلَهُ خَارِجَهُ) فَالْجَزَاءُ. وَلَا يُؤْكَلُ فِي الْجَمِيعِ، فَلَوْ قَتَلَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ قَبْلَ إدْخَالِهِ فِيهِ فَلَا جَزَاءَ وَأَكَلَ، وَأَمَّا لَوْ أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ بِبُعْدٍ مِنْ الْحَرَمِ بِحَيْثُ يَظُنُّ أَخْذَهُ خَارِجَهُ فَأَدْخَلَهُ فِيهِ وَقَتَلَهُ فِيهِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ فَلَا جَزَاءَ، وَلَكِنَّهُ مَيْتَةٌ لَا يُؤْكَلُ. (أَوْ) بِسَبَبِ إرْسَالِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ (عَلَى كَسَبُعٍ) مِمَّا يَجُوزُ قَتْلُهُ فَأَخَذَ مَا لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ كَحِمَارِ وَحْشٍ فَالْجَزَاءُ. وَكَذَا إنْ أَرْسَلَهُ عَلَى سَبُعٍ فِي ظَنِّهِ، فَإِذَا هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ مَثَلًا. (أَوْ) قَتَلَهُ بِسَبَبِ (نَصْبِ شَرَكٍ) بِفَتْحَتَيْنِ (لَهُ) أَيْ لِلسَّبُعِ وَنَحْوِهِ؛ أَيْ نَصَبَهُ لِلسَّبُعِ فَوَقَعَ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ صَيْدُهُ فَالْجَزَاءُ. (وَبِتَعْرِيضِهِ) عَطَفَ عَلَى " بِقَتْلِهِ ": أَيْ وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ وَبِتَعْرِيضِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ قَتَلَهُ بِسَبَبِ إرْسَالِهِ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الِاصْطِيَادِ قُرْبَ الْحَرَمِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ مُبَاحٌ إذَا سَلِمَ مِنْ قَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، إمَّا مَنْعًا أَوْ كَرَاهَةً بِحَسَبِ فَهْمِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَالرَّاتِعِ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» ، قَالَ (ح) وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ. قَوْلُهُ: [فَالْجَزَاءُ وَلَا يُؤْكَلُ فِي الْجَمِيعِ] : رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ قَتَلَهُ بِرَمْيٍ بِحَجَرٍ إلَى هُنَا، وَمَا قَالَ شَارِحُنَا طَرِيقَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَوْلُ: [فَوَقَعَ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ صَيْدُهُ] : أَيْ فَفِيهِ الْجَزَاءُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ، وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا جَزَاءَ فِيهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ الْمَحِلُّ يُتَخَوَّفُ فِيهِ عَلَى الصَّيْدِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الشَّرَكِ وَدَّاهُ: أَيْ أَخْرَجَ جَزَاءَهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَبِتَعْرِيضِهِ] : أَيْ تَعْرِيضِ مَا يَحْرُمُ صَيْدُهُ.

(لِلتَّلَفِ) ، كَنَتْفِ رِيشِهِ وَجَرْحِهِ وَتَعْطِيلِهِ، (وَلَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ) : فَإِنْ تَحَقَّقَتْ أَيْ غَلَبَتْ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتُهُ وَلَوْ عَلَى نَقْصٍ فَلَا جَزَاءَ. (وَ) الْجَزَاءُ (بِقَتْلِ غُلَامٍ) لِصَيْدٍ (أُمِرَ) : أَيْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ (بِإِفْلَاتِهِ فَظَنَّ) الْغُلَامُ (الْقَتْلَ) : أَيْ ظَنَّ أَنَّهُ أُمِرَ بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ. وَالْجَزَاءُ عَلَى السَّيِّدِ وَلَوْ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي اصْطِيَادِهِ عَلَى أَرْجَحِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ بِالْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ أَمَرَهُ السَّيِّدُ بِالْقَتْلِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاءَانِ إنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ وَوَاحِدًا إنْ كَانَ الْمُحْرِمُ أَحَدَهُمَا. (وَ) الْجَزَاءُ (بِسَبَبِهِ) : أَيْ بِسَبَبِ الْإِتْلَافِ (كَحَفْرِ بِئْرٍ لَهُ) أَيْ لِلصَّيْدِ، فَوَقَعَ فِيهَا فَهَلَكَ، أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ بِالْأَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَصَبَ شَرَكًا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَنَتْفِ رِيشِهِ] : أَيْ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ، كَمَا أَنْ لَوْ نَتَفَ رِيشَهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ إلَّا بِهِ وَأَمْسَكَهُ عِنْدَهُ حَتَّى نَبَتَ بَدَلُهُ وَأَطْلَقَهُ فَلَا جَزَاءَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ عَلَى نَقْصٍ] : مُبَالَغَةٌ فِي الْمَفْهُومِ أَيْ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتُهُ وَلَوْ بِنَقْصٍ، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ الْقَائِلِ يَلْزَمُهُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، أَيْ وَهُوَ أَرْشُ النَّقْصِ كَمَا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ سَلِيمًا ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ، وَمَعِيبًا مُدَّيْنِ فَيَلْزَمُهُ مُدٌّ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. قَوْلُهُ: [أَيْ أَمَرَ سَيِّدُهُ] : أَيْ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ. قَوْلُهُ: [فَظَنَّ الْغُلَامُ الْقَتْلَ] : مَفْهُومُهُ لَوْ شَكَّ فِي أَمْرِهِ لَهُ بِالْقَتْلِ ثُمَّ قَتَلَهُ كَانَ الْجَزَاءُ عَلَى الْعَبْدِ وَحْدَهُ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [عَلَى أَرْجَحِ التَّأْوِيلَيْنِ] : هُوَ مُشْكِلٌ، وَلَكِنْ الْفِقْهُ مُسَلَّمٌ. قَوْلُهُ: [فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ أَيْضًا] : أَيْ وَلَا يَنْفَعُهُ خَطَؤُهُ، وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ يَصُومَ الْعَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ سَيِّدُهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَمَرَهُ بِهِ مِنْ مَالِهِ. وَكَذَا يُقَالُ فِي الْهَدْيِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُهْدِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ أَوْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ مِنْ مَالِهِ كَمَا قَالَ سَنَدٌ. قَوْلُهُ: [بِسَبَبِهِ] : عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " بِقَتْلِهِ " أَيْ وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ مُبَاشَرَةً أَوْ بِتَسَبُّبِهِ هَذَا إذَا كَانَ السَّبَبُ مَقْصُودًا، بَلْ وَلَوْ كَانَ اتِّفَاقِيًّا.

أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لِسَبُعٍ فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَفُهِمَ مِنْهُ هَذَا، بِالْأَوْلَى، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا أَعَمُّ، لِأَنَّ الْمُرَادَ السَّبَبُ بِأَيِّ وَجْهٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ (أَوْ طَرْدِهِ فَسَقَطَ) فَمَاتَ. (أَوْ فَزَعِهِ) مَصْدَرٌ مَجْرُورٌ بِالْكَافِ الْمُقَدَّرَةِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ (مِنْهُ) ، أَيْ مِنْ الْمُحْرِمِ فَسَقَطَ الصَّيْدُ (فَمَاتَ) قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا جَزَاءَ فِي هَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ، وَاسْتَظْهَرَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ. " وَالْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ ". (لَا) جَزَاءَ بِسَبَبِ (حَفْرِ بِئْرٍ لِكَمَاءٍ) أَيْ لِإِخْرَاجِ مَاءٍ وَنَحْوِهِ، فَتَرَدَّى فِيهِ صَيْدٌ فَمَاتَ. (أَوْ دَلَالَةٍ) مِنْ مُحْرِمٍ عَلَى صَيْدٍ بِحِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، فَلَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَقَدْ يُقَالُ هَذَا أَعَمُّ] : أَيْ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ لَأَنْ أَزِيدَ فَائِدَةً. قَوْلُهُ: [وَاسْتَظْهَرَ] : أَيْ لِأَنَّ ابْنَ يُونُسَ رَجَّحَهُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ. قَوْلُهُ: [حَفَرَ بِئْرًا لِكَمَاءٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْحَفْرُ فِي مَحَلٍّ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ أَمْ لَا، كَالطَّرِيقِ فَلَيْسَ مَا هُنَا كَالدِّيَاتِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ شَأْنُهُ لُزُومَ طَرِيقٍ مُعَيَّنٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمَدْلُولُ حَلَالًا أَوْ مُحْرِمًا.

[تعدد الجزاء بتعدد الصيد]

(أَوْ رَمْيٍ) مِنْ حَلَالٍ (لَهُ) أَيْ لِلصَّيْدِ وَهُوَ (عَلَى فَرْعٍ) أَيْ غُصْنٍ فِي الْحِلِّ (أَصْلُهُ) أَيْ أَصْلُ ذَلِكَ الْفَرْعِ (بِالْحَرَمِ) فَلَا جَزَاءَ، وَيُؤْكَلُ نَظَرًا لِمَحِلِّهِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ الْفَرْعُ فِي الْحَرَمِ وَأَصْلُهُ فِي الْحِلِّ لَكَانَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِلَا نِزَاعٍ. (أَوْ) رَمْيٍ مِنْ حَلَالٍ (بِحِلٍّ) أَيْ فِيهِ فَأَصَابَهُ فِيهِ، (فَتَحَامَلَ) الصَّيْدُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ وَدَخَلَ الْحَرَمَ (وَمَاتَ فِيهِ) فَلَا جَزَاءَ، وَيُؤْكَلُ نَظَرًا لِوَقْتِ الْإِصَابَةِ لَا لِوَقْتِ الْمَوْتِ، وَلَوْ لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلُهُ فِي الْحِلِّ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ. (وَتَعَدَّدَ) الْجَزَاءُ (بِتَعَدُّدِهِ) : أَيْ الصَّيْدِ وَلَوْ فِي رَمْيَةٍ وَاحِدَةٍ. (أَوْ) بِسَبَبِ (تَعَدُّدِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ) : أَيْ فِي قَتْلِهِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ. (وَلَوْ أَخْرَجَ) الْجَزَاءَ (لِشَكٍّ) فِي مَوْتِ صَيْدٍ جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ (فَتَبَيَّنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ، فَلَا جَزَاءَ عَلَى ذَلِكَ الْمُحْرِمِ الدَّالِ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ، وَكَذَا إذَا دَلَّ حِلٌّ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، أَوْ دَلَّ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَى ذَلِكَ الدَّالِ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ فَالْجُمْلَةُ سُبْعُ الْجَزَاءِ فِيهَا عَلَى الْمَدْلُولِ. قَوْلُهُ: [فَلَا جَزَاءَ وَيُؤْكَلُ نَظَرًا لِمَحِلِّهِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. قَوْلُهُ: [عِنْدَ اللَّخْمِيِّ] : وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ لِلتُّونِسِيِّ يَلْزَمُ الْجَزَاءُ وَلَا يُؤْكَلُ، وَالثَّانِي قَوْلُ أَصْبَغَ بِعَدَمِ الْجَزَاءِ وَلَا يُؤْكَلُ، وَالثَّالِثُ قَوْلُ أَشْهَبَ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ. [تعدد الْجَزَاء بِتَعَدُّدِ الصَّيْدِ] قَوْلُهُ: [أَوْ بِسَبَبِ تَعَدُّدِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ] : أَيْ حَيْثُ كَانُوا حِلًّا فِي الْحَرَمِ أَوْ مُحْرِمِينَ وَلَوْ بِغَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَكَ حِلٌّ لَيْسَ بِالْحَرَمِ مَعَ مُحْرِمٍ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ كَانَ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ فَقَطْ، قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَمَفْهُومُ الشُّرَكَاءِ أَنَّهُ لَوْ تَمَالَأَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَتْلِهِ فَقَتَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَجَزَاؤُهُ عَلَى قَاتِلِهِ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ لِشَكٍّ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا رَمَى صَيْدًا فَشَكَّ فِي مَوْتِهِ فَأَخْرَجَ جَزَاءَهُ فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ مَوْتَهُ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْرَاجُ ثَانِيًا، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ مَوْتَهُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَأَوْلَى التَّحَقُّقِ لَزِمَهُ إخْرَاجُ الْجَزَاءِ ثَانِيًا.

[وليس الدجاج والإوز ونحوهما بصيد]

مَوْتُهُ بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ (لَمْ يُجْزِهِ) ، وَعَلَيْهِ جَزَاءٌ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ إخْرَاجُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ. (وَلَيْسَ الدَّجَاجُ وَالْإِوَزُّ بِصَيْدٍ) : فَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ وَمَنْ فِي الْحَرَمِ ذَبْحُهَا وَأَكْلُهَا. (بِخِلَافِ الْحَمَامِ) : وَلَوْ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الْبُيُوتِ لِلْفِرَاخِ فَإِنَّهُ صَيْدٌ لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ مَا يَطِيرُ فِي الْخَلَاءِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُهُ فَإِنْ ذَبَحَهُ أَوْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ فَمَيْتَةٌ. (وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ) أَوْ مَنْ فِي الْحَرَمِ بِسَهْمِهِ أَوْ بِكَلْبِهِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، (أَوْ صِيدَ لَهُ) أَيْ صَادَهُ حَلَالٌ لِأَجْلِهِ، فَمَاتَ بِسَبَبِ اصْطِيَادِهِ، (أَوْ ذَبَحَهُ) الْمُحْرِمُ حَالَ إحْرَامِهِ وَإِنْ اصْطَادَهُ حَلَالٌ لِنَفْسِهِ أَوْ بَعْدَ أَنْ صَادَهُ هُوَ أَوْ صِيدَ لَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [وَلَيْسَ الدَّجَاج وَالْإِوَزّ وَنَحْوهمَا بِصَيْد] قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الدَّجَاجُ وَالْإِوَزُّ بِصَيْدٍ] : أَيْ إذَا كَانَ بَلَدِيًّا وَأَمَّا الْإِوَزُّ الْمُسَمَّى بِالْعِرَاقِيِّ فَهُوَ صَيْدٌ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الْبُيُوتِ لِلْفِرَاخِ] : أَيْ لِلطَّيَرَانِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَمَامِ الْبَيْتِيِّ. تَنْبِيهٌ: لَوْ أَمْسَكَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى إرْسَالِهِ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ أَوْ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ فَلَا جَزَاءَ عَلَى الْمُمْسِكِ، بَلْ عَلَى الْقَاتِلِ. وَأَمَّا لَوْ قَتَلَهُ حَلَالٌ بِالْحِلِّ فَجَزَاؤُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ الَّذِي أَمْسَكَهُ وَغَرِمَ الْحِلُّ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ طَعَامًا وَجَزَاءَهُ إنْ لَمْ يَصُمْ، فَإِنْ صَامَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْحَلَالِ بِشَيْءٍ. وَأَمَّا لَوْ أَمْسَكَهُ الْمُحْرِمُ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى قَتْلِهِ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، أَوْ فِي الْحَرَمِ فَهُمَا شَرِيكَانِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ. وَأَمَّا لَوْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ فَجَزَاؤُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ الَّذِي أَمْسَكَهُ، وَيَغْرَمُ لَهُ الْحَلَالُ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ. [تَنْبِيه أمسك الْمُحْرِم صَيْدًا وقتله محرم آخِر] قَوْلُهُ: [أَيْ صَادَهُ حَلَالٌ لِأَجْلِهِ] : كَانَ الْمُحْرِمُ الَّذِي صِيدَ لِأَجْلِهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، سَوَاءٌ أُرِيدَ بَيْعُهُ لَهُ أَوْ إهْدَاؤُهُ أَوْ تَضْيِيفُهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ حَالَ إحْرَامِهِ] : أَيْ سَوَاءٌ أَكَلَ الْمُحْرِمُ مِنْهُ شَيْئًا أَمْ لَا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ ذَبَحَ صَيْدَ الْمُحْرِمِ وَلَوْ بِلَا إذْنِهِ حَلَالٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ، وَلَا يُؤْكَلُ،

(أَوْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ أَوْ صَيْدِهِ) فَمَاتَ بِالِاصْطِيَادِ، أَوْ ذَبَحَهُ حَلَالٌ لِيُضَيِّفَهُ بِهِ، (أَوْ دَلَّ) الْمُحْرِمُ (عَلَيْهِ) حَلَالًا فَصَادَهُ فَمَاتَ بِذَلِكَ، (فَمَيْتَةٌ) لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَنَاوُلُهُ وَجِلْدُهُ نَجَسٌ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ. (كَبَيْضِهِ) مِنْ سَائِرِ الطُّيُورِ سِوَى الْإِوَزِّ وَالدَّجَاجِ مَيْتَةٌ إذَا كَسَرَهُ أَوْ شَوَاهُ مُحْرِمٌ، أَوْ أَمَرَ حَلَالًا بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَكْلُهُ، وَقِشْرُهُ نَجِسٌ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQخِلَافًا لِمَا فِي (عب) ، وَوَافَقَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُحْرِمِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ صَوَابٍ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَجْمُوعِ فِي حَاشِيَةِ (عب) . قَوْلُهُ: [أَوْ ذَبَحَهُ حَلَالٌ لِيُضَيِّفَهُ بِهِ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَلَالَ لَمْ يَصُدَّهُ وَإِلَّا كَانَ مُكَرَّرًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [أَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ] : أَيْ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [فَمَيْتَةٌ] : خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ إلَخْ، وَقَرَنَهُ بِالْفَاءِ لِمَا فِي الْمُبْتَدَأِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ. قَوْلُهُ: [لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَنَاوُلُهُ] : أَيْ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِحَلَالٍ وَلَا لِمُحْرِمٍ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ. قَوْلُ: [كَبَيْضِهِ] : أَيْ لِأَنَّ الْبَيْضَ بِمَنْزِلَةِ الْجَنِينِ أَيْ جَنِينِ الصَّيْدِ، لِكَوْنِهِ نَشَأَ عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ الْجَنِينُ نَاشِئًا عَنْ الْبَيْضِ نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ. قَوْلُهُ: [وَقِشْرُهُ نَجَسٌ] : أَيْ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَّلُوا الْبَيْضَ مَنْزِلَةَ الْجَنِينِ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمَيْتَةِ فَصَارَ حُكْمُ قِشْرِهِ النَّجَاسَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضِ الْمَذَرِ أَوْ مَا خَرَجَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَإِذَا عَلِمْت السَّبَبَ فِي نَجَاسَةِ الْبَيْضِ تَعْلَمُ أَنَّ بَحْثَ سَنَدٍ خِلَافُ الْمَذْهَبِ حَيْثُ قَالَ: أَمَّا مَنْعُ الْمُحْرِمِ مِنْ الْبَيْضِ فَبَيِّنٌ، وَأَمَّا مَنْعُ غَيْرِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْبَيْضَ لَا يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ حَتَّى يَكُونَ بِفِعْلِ الْمُحْرِمِ مَيْتَةً وَلَا يَزِيدُ فِعْلُ الْمُحْرِمِ فِيهِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ عَلَى فِعْلِ الْمَجُوسِيِّ، وَهُوَ إذَا شَوَى بَيْضًا أَوْ كَسَرَهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْمُسْلِمِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ مَشْرُوعَةٍ وَالْمُحْرِمُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا انْتَهَى.

[حكم الحيوان المصيد]

(وَجَازَ) لِلْمُحْرِمِ (أَكْلُ مَا) أَيْ صَيْدٍ (صَادَهُ حِلٌّ لِحِلٍّ) : لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا صَادَهُ لِمُحْرِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَشَبَّهَ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ قَوْلَهُ: (كَإِدْخَالِهِ) : أَيْ الصَّيْدِ (الْحَرَمَ وَذَبْحِهِ بِهِ إنْ كَانَ) الصَّائِدُ (مِنْ سَاكِنِيهِ) : أَيْ الْحَرَمِ؛ أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِسُكَّانِ الْحَرَمِ أَنْ يَخْرُجُوا لِلْحِلِّ فَيَصْطَادُوا وَيَدْخُلُوا بِالصَّيْدِ الْحَرَمَ فَيَذْبَحُوهُ بِهِ، وَهُوَ يَجُوزُ أَكْلُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ. بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ إذَا اصْطَادُوا بِالْحِلِّ صَيْدًا، وَدَخَلُوا بِهِ الْحَرَمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ إرْسَالُهُ، فَإِنْ ذَبَحُوهُ بِهِ فَمَيْتَةٌ. (وَحَرُمَ) عَلَى الْمُكَلَّفِ (بِهِ) : أَيْ بِالْحَرَمِ لِمُحْرِمٍ وَغَيْرِهِ (قَطْعُ) أَوْ قَلْعُ (مَا يَنْبُتُ) مِنْ الْأَرْضِ (بِنَفْسِهِ) : كَشَجَرِ الطَّرْفَاءِ وَالسَّلَمِ وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ. (إلَّا الْإِذْخِرَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [حُكْم الْحَيَوَان المصيد] قَوْلُهُ: [صَادَهُ حِلٌّ] : أَيْ فِي الْحِلِّ، وَأَمَّا مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ فِي الْحِلِّ أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَكْلُهُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ ذَبَحُوهُ بِهِ فَمَيْتَةٌ] : أَيْ وَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَكَذَا إنْ أَبْقَاهُ عِنْدَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ وَذَبَحَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ جَزَاؤُهُ، سَوَاءٌ كَانَ حِينَ دُخُولِهِ الْحَرَمَ بِالصَّيْدِ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا. أَمَّا الْمُحْرِمُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الْحَلَالُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ صَارَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَجْرِي فِي الْحَلَالِ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ مَعَ أَنَّ صَيْدَهُمْ جَائِزٌ، وَقَدْ يُقَالُ خُفِّفَ لِسُكَّانِهَا لِلضَّرُورَةِ. [مَا يحرم مِنْ قطع النَّبَات وَنَحْوه] قَوْلُهُ: [لِمُحْرِمٍ وَغَيْرِهِ] : أَيْ آفَاقِيًّا أَوْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَقَوْلُهُ قَطْعُ أَوْ قَلْعُ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ أَيْ وَلَوْ كَانَ قَطْعُهُ لِإِطْعَامِ الدَّوَابِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَخْضَرِ وَالْيَابِسِ. وَالْمُرَادُ إنَّ جِنْسَهُ يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ فَحُرْمَتُهُ وَلَوْ اسْتَنْبَتَ نَظَرًا لِجِنْسِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ جِنْسُهُ يَسْتَنْبِتُ جَازَ قَطْعُهُ، وَلَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ كَخَسٍّ وَحِنْطَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [كَشَجَرِ الطُّرَفَاءِ] : أَيْ وَكَذَا شَجَرُ الْغِيلَانِ: قَوْلُهُ: [نَبْتٌ مَعْرُوفٌ] : كَالْحَلْفَاءِ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ وَاحِدُهُ إذْخِرَةٌ وَجَمْعُهُ إذْخَرُ

[صيد حرم المدينة وشجرها]

(وَالسَّنَا) بِالْقَصْرِ (وَالسِّوَاكِ وَالْعَصَا وَمَا قُصِدَ السُّكْنَى بِمَوْضِعِهِ) لِلضَّرُورَةِ (أَوْ إصْلَاحِ الْحَوَائِطِ) أَيْ مَا قُطِعَ لِإِصْلَاحِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ. (وَلَا جَزَاءَ) فِيمَا حَرُمَ قَطْعُهُ. (كَصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ: فَإِنَّهُ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ إنْ قَتَلَهُ، وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ (وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحِرَارِ) الْأَرْبَعِ؛ جَمْعُ حِرَّةٍ بِكَسْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَذَاخِرُ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " إلَّا الْإِذْخِرَ وَالسَّنَا " إلَخْ أَيْ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ اسْتِثْنَاءُ الْإِذْخِرِ. وَالْمُلْحَقَاتُ بِهِ سِتَّةٌ: السَّنَا، وَالْهَشُّ أَيْ قَطْعُ وَرَقِ الشَّجَرِ بِالْمِحْجَنِ وَالْعَصَا، وَالسِّوَاكُ، وَقَطْعُ الشَّجَرِ لِلْبِنَاءِ، وَالسُّكْنَى بِمَوْضِعِهِ، وَقَطْعُهُ لِإِصْلَاحِ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ. وَالْمِحْجَنُ الْمَذْكُورُ: هُوَ الْعَصَا الْمُعْوَجَّةُ مِنْ الطَّرْفِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وِزَانُ: مِقْوَدٍ، وَالْجَمْعُ مَحَاجِنُ، بِأَنْ يَضَعَهُ عَلَى الْغُصْنِ وَيُحَرِّكَهُ لِيَقَعَ الْوَرَقُ؛ وَأَمَّا خَبْطُ الْعَصَا عَلَى الشَّجَرِ لِيَقَعَ وَرَقُهُ فَهُوَ حَرَامٌ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. [صَيْد حرم الْمَدِينَة وَشَجَرهَا] قَوْلُهُ: [وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حَرُمَ قَطْعُهُ] : أَيْ لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ أَوْ الْمُحْرِمِ. قَوْلُهُ: [كَصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ] : التَّشْبِيهُ فِي تَحْرِيمِ قَطْعِ شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ وَعَدَمِ الْجَزَاءِ فِيهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا جَزَاءَ فِيهِ إنْ قَتَلَهُ] : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَزَاءِ خِفَّةُ الْحُرْمَةِ فِيهِ، بَلْ الْمَدِينَةُ أَشَدُّ لِأَنَّ صَيْدَهَا كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ كَذَا قِيلَ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا صَادَ صَيْدًا فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ كَحَرَمِ مَكَّةَ سَوَاءٌ، وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الصَّيْدَ فِيهَا أَخَفُّ مِنْ الصَّيْدِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، فَلَمْ يَرَ عَلَى مَنْ صَادَ فِي حَرَمِهَا إلَّا الِاسْتِغْفَارَ وَالزَّجْرَ مِنْ الْإِمَامِ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ الَّذِي يُصَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ مِثْلُ مَا يُصَادُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، وَإِنِّي لَأَكْرَهُهُ، فَرُوجِعَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي. (انْتَهَى) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ عَدَمَ الْجَزَاءِ فِي صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ، فَقَوْلُ شَارِحِنَا: وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ تَبِعَ فِيهِ الْخَرَشِيَّ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحِرَارِ الْأَرْبَعِ] : فِيهِ شَيْءٌ إنَّمَا ذَكَرَ حِرَّتَيْنِ، وَالْجَوَابُ

[أنواع جزاء الصيد]

الْمُهْمَلَةِ: أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ نَخِرَةٍ كَأَنَّهَا أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ. (وَ) قَطْعُ (شَجَرِهَا) : فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ. وَالْحَرَمُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ (بَرِيدٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ) مِنْ جِهَاتِهَا مِنْ طَرَفِ آخِرِ الْبُيُوتِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسُوَرُهَا الْآنَ هُوَ طَرَفُهَا فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيَحْرُمُ قَطْعُ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ فِي الْبُيُوتِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ وَذَاتُ الْمَدِينَةِ خَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَحْرُمُ قَطْعُ الشَّجَرِ الَّذِي بِهَا. (وَالْجَزَاءُ) أَيْ جَزَاءُ الصَّيْدِ (أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ عَلَى التَّخْيِيرِ كَالْفِدْيَةِ) ، فَإِنَّهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ عَلَى التَّخْيِيرِ بِخِلَافِ الْهَدْيِ. (يَحْكُمُ بِهِ) : عَلَى مَنْ أَتْلَفَ الصَّيْدَ أَوْ تَسَبَّبَ فِي إتْلَافِهِ، (ذَوَا عَدْلٍ) ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ، وَلَا تَكْفِي الْفَتْوَى، وَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ فَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا غَيْرَهُ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ أَحَدَهُمَا، وَلَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ الْعَدَالَةِ فَلَا يَكْفِي حُكْمُ كَافِرٍ وَلَا رَقِيقٍ وَلَا فَاسِقٍ وَلَا مُرْتَكِبِ مَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ حِرَّةٍ طَرَفَانِ اعْتَبَرَ كُلَّ طَرَفٍ حِرَّةً. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ] : أَيْ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ وَمَا يُسْتَثْنَى هُنَاكَ يُسْتَثْنَى هُنَا. قَوْلُهُ: [وَالْحَرَمُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ] : أَيْ لِقَطْعِ الشَّجَرِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّيْدِ فَالْمَدِينَةُ دَاخِلَةٌ، فَكَمَا يَحْرُمُ صَيْدُ خَارِجِهَا يَحْرُمُ صَيْدُ دَاخِلِهَا. قَوْلُهُ: [بَرِيدٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ] : أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ، فَلِذَلِكَ اعْتَرَضُوهُ بِأَنَّ الْبَرِيدَ فِي الْبَرِيدِ وَاحِدٌ فَيَكُونُ الْحَرَمُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ رُبْعُ بَرِيدٍ لَا بَرِيدًا، وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ فِي بِمَعْنَى مَعَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} [الأعراف: 38] وَالْمَعْنَى بَرِيدٌ مُصَاحِبٌ لِبَرِيدٍ حَتَّى تُسْتَوْفَى جَمِيعُ جِهَاتِهَا. [أَنْوَاع جَزَاء الصَّيْد] قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ] : ظَاهِرُهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ فِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ: الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ، خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الصَّوْمِ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَانْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَا مُتَأَكِّدَيْ الْقَرَابَةِ؟ (اهـ.) قَوْلُهُ: [فَلَا يَكْفِي حُكْمُ كَافِرٍ] إلَخْ أَيْ وَلَا صَبِيٌّ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ تَسْتَلْزِمُ تِلْكَ الشُّرُوطَ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ فِيهِمَا الْعَدَالَةَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا (فَقِيهَيْنِ بِهِ) : أَيْ عَالِمَيْنِ بِالْحُكْمِ فِي الصَّيْدِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا وَلِيَ فِيهِ. فَلَا يَكْفِي جَاهِلٌ بِذَلِكَ. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: أَفَادَهُ بِقَوْلِ (مِثْلُهُ) : أَيْ مِثْلُ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ (مِنْ النَّعَمِ) : الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، أَيْ مِثْلُهُ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ أَوْ الْقَدْرِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ. (يُجْزِئُ أُضْحِيَّةٌ) : أَيْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِمَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ سِنًّا وَسَلَامَةً فَلَا يُجْزِئُ صَغِيرًا وَلَا مَعِيبًا، وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ صَغِيرًا أَوْ مَعِيبًا. (وَ) إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ مِنْ النَّعَمِ فَ (مَحِلُّهُ) الَّذِي يُذْبَحُ أَوْ يُنْحَرُ فِيهِ (مِنًى أَوْ مَكَّةَ) ، وَلَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهِمَا (لِأَنَّهُ هَدْيٌ) أَيْ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْهَدْيِ الْآتِي بَيَانُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] . وَأَشَارَ لِلنَّوْعِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (أَوْ قِيمَتُهُ) أَيْ الصَّيْدِ (طَعَامًا) بِأَنْ يُقَوَّمَ بِطَعَامٍ مِنْ غَالِبِ طَعَامِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ. وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَالْإِخْرَاجُ (يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحِلِّهِ) : أَيْ مَحَلِّ التَّلَفِ لَا يَوْمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] . قَوْلُهُ: [أَيْ عَالِمَيْنِ بِالْحُكْمِ فِي الصَّيْدِ] : أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. قَوْلُهُ: [فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ] أَيْ إنْ كَانَ يُمَاثِلُ الْأَنْعَامَ فِيهِمَا. وَقَوْلُهُ: [أَوْ الْقَدْرِ] : أَيْ إنْ تَعَذَّرَ مُمَاثَلَةُ الصُّورَةِ. قَوْلَةُ: [فَلَا يُجْزِئُ صَغِيرًا وَلَا مَعِيبًا] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِالنَّصْبِ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يُجْزِئُ، تَقْدِيرُهُ فَلَا يُجْزِئُ هُوَ أَيْ الْمِثْلُ مِنْ النَّعَمِ حَالَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ مَعِيبًا. قَوْلُهُ: [مِنًى] : أَيْ بِالشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ مَكَّةَ] : أَيْ إنْ لَمْ تُوجَدْ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ. قَوْلُهُ: [وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَالْإِخْرَاجُ يَوْمَ التَّلَفِ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الْجَزَاءَ

تَقْوِيمِ الْحُكْمَيْنِ، وَلَا يَوْمَ التَّعَدِّي، وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِمَحِلٍّ آخَرَ غَيْرِ مَحَلِّ التَّلَفِ، وَلَا يُقَوَّمُ بِدَرَاهِمَ. وَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا يُعْطَى (لِكُلِّ مِسْكِينٍ) مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ (مُدٌّ) بِمُدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا يُجْزِئُ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَلَا أَقَلُّ. وَمَحِلُّ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَالْإِخْرَاجِ بِمَحِلِّ التَّلَفِ (إنْ وَجَدَ) الْمُتْلِفُ (بِهِ) أَيْ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ (مِسْكِينًا، وَ) وَجَدَ (لَهُ) أَيْ لِلصَّيْدِ (قِيمَةً) فِيهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ مَسَاكِينُ يُعْطِي إلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّيْدِ فِيهِ قِيمَةٌ، (فَأَقْرَبُ مَكَان) لَهُ يُعْتَبَرُ مَا ذُكِرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي نَفْسِهِ. (وَلَا يُجْزِئُ) تَقْوِيمٌ أَوْ إطْعَامٌ (بِغَيْرِهِ) : أَيْ بِغَيْرِ مَحَلِّ التَّلَفِ إنْ أَمْكَنَ، أَوْ أَقْرَبُ مَكَان إلَيْهِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ فِيهِ. وَأَشَارَ لِلنَّوْعِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ) الطَّعَامِ (صِيَامًا) لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ (فِي أَيِّ مَكَان) شَاءَ مَكَّةَ أَوْ غَيْرَهَا، (وَ) فِي أَيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQهَدْيًا اخْتَصَّ بِالْحَرَمِ، وَإِنْ أَرَادَ الصِّيَامَ صَامَ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ طَعَامًا فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ التَّقْوِيمُ بِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ ذَلِكَ الطَّعَامِ لِفُقَرَاء ذَلِكَ الْمَحَلِّ. قَوْلُهُ: [لَا يَوْمَ تَقْوِيمِ الْحَكَمَيْنِ] : أَيْ أَنَّهُ قَدْ لَا يَتَأَخَّرُ، وَتَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَوْمَ التَّعَدِّي أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَقَدَّمُ عَلَى يَوْمِ التَّلَفِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُقَوَّمُ بِدَرَاهِمَ وَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا] : فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَ، وَأَمَّا لَوْ قَوَّمَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ عَرَضٍ وَأَخْرَجَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَيَرْجِعُ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَيَّنَ أَنَّهُ جَزَاءٌ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْزِئُ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَلَا أَقَلُّ] : فَلَوْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِنْ مُدٍّ فَلَهُ نَزْعُ الزَّائِدِ إنْ بَيَّنَ، وَوَجَدَهُ بَاقِيًا، وَفِي النَّاقِصِ يُكْمِلُهُ، فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَمْدَادٍ فَرَّقَهَا عَلَى عِشْرِينَ كَمَّلَ لِعَشَرَةٍ وَنَزَعَ مِنْ عَشَرَةٍ بِالْقُرْعَةِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَيَّنَ. قَوْلُهُ: [يُعْتَبَرُ مَا ذُكِرَ فِيهِ] : أَيْ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي بِقُرْبِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْزِئُ تَقْوِيمٌ] إلَخْ: أَيْ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ وَلَا الْإِطْعَامُ بِغَيْرِهِ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّقْوِيمِ بِغَيْرِهِ مَعَ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِيهِ.

(زَمَانٍ) شَاءَ. وَلَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِهِ فِي الْحَجِّ أَوْ بَعْدَ رُجُوعِهِ. (وَ) لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ مُدِّ (كَمَّلَ لِكَسْرِهِ) وُجُوبًا فِي الصَّوْمِ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ صَوْمُ بَعْضِ يَوْمٍ. وَنَدْبًا فِي الْإِطْعَامِ؛ (فَفِي) تَلَفِ (النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ) لِلْمُقَارَبَةِ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ فِي الْجُمْلَةِ. (وَ) فِي (الْفِيلِ) بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ (بِذَاتِ سَنَامَيْنِ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرَةٍ بَقَرَةٌ، وَفِي الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ شَاةٌ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَمَّلَ لِكَسْرِهِ] إلَخْ: فَإِذَا قِيلَ مَا قِيمَةُ هَذَا الظَّبْيِ: فَقِيلَ خَمْسَةُ أَمْدَادٍ وَنِصْفٌ فَإِنْ أَرَادَ الصَّوْمَ أَلْزَمَهُ الْحَكَمَانِ سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِطْعَامَ أَلْزَمَاهُ خَمْسَةَ أَمْدَادٍ وَنِصْفًا وَنُدِبَ لَهُ إكْمَالُ الْمُدِّ السَّادِسِ. قَوْلُهُ: [فَفِي تَلَفِ النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ] : أَيْ حَيْثُ أَرَادَ إخْرَاجَ الْمِثْلِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ، وَالصِّيَامُ وَفِي الْإِطْعَامِ، فَالْمُجْزِي فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ. وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَالنَّعَامَةُ] : بِفَتْحِ النُّونِ تَذَّكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَالنَّعَامُ اسْمُ جِنْسٍ مِثْلُ حَمَامٍ وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: " فَفِي النَّعَامَةِ " لِلسَّبَبِيَّةِ مُسَبَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ: " مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ ". وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الصَّيْدَ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلُ سَوَاءٌ كَانَ مُقَرَّرًا عَنْ الصَّحَابَةِ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ. وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ لِصِغَرِهِ فَقِيمَتُهُ طَعَامًا أَوْ عَدْلُهُ صِيَامًا عَلَى التَّخْيِيرِ. هَذَا حَاصِلُ مَا قَرَّرَ بِهِ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ، وَالشَّيْخُ سَالِمٌ: وَتَبِعَهُمَا شَارِحُنَا. وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ الْأَنْعَامِ مِثْلُهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَعَدْلُهُ طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ صَامَ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. قَالَ (ر) : وَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ خَطَأٌ فَاحِشٌ خَرَجَ بِهِ عَنْ أَقْوَالِ الْمَالِكِيَّةِ كُلِّهَا، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ شَيْخُهُ الْبَدْرُ. قَوْلُهُ: [وَفِي الْفِيلِ بَدَنَةٌ] إلَخْ: ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا نَصَّ فِي الْفِيلِ، وَقَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ: بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، وَقَالَ الْقَرَوِيُّونَ: الْقِيمَةُ طَعَامًا، وَقِيلَ وَزْنُهُ طَعَامًا لِغُلُوِّ عَظْمِهِ. وَكَيْفِيَّةُ وَزْنِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِي سَفِينَةٍ وَيُنْظَرُ إلَى حَيْثُ تَنْزِلُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يَخْرُج مِنْهَا وَيُمْلَأُ بِالطَّعَامِ حَتَّى تَنْزِلَ فِي الْمَاءِ ذَلِكَ الْقَدْرَ. قَوْلُهُ: [وَفِي الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ شَاةٌ] : يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا قَتَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ مِنْهُمَا، أَمَّا إذَا لَمْ يَنْجُ مِنْهُمَا إلَّا بِقَتْلِهِمَا فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ

(كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِ) أَيْ الْحَرَمِ فِيهِ شَاةٌ (بِلَا حُكْمٍ) ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ ضَحِيَّةٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ الِاجْتِهَادِ؛ لِمَا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْجَزَاءِ مِنْ الْبُعْدِ فِي التَّفَاوُتِ، وَشَدَّدُوا فِيهِمَا لِإِلْفِهِمَا لِلنَّاسِ كَثِيرًا، فَرُبَّمَا تَسَارَعَ النَّاسُ لِقَتْلِهِمَا. (وَ) الْحَمَامِ وَالْيَمَامِ (فِي الْحِلِّ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ) غَيْرِهِمَا كَالْعَصَافِيرِ وَالْكُرْكِيِّ وَالْإِوَزِّ الْعِرَاقِيِّ وَالْهُدْهُدِ وَلَوْ بِالْحَرَمِ (قِيمَتُهُ طَعَامًا) كُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ (كَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ) فِيهَا قِيمَتُهَا طَعَامًا إذْ لَيْسَ لَهَا مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ، (أَوْ عَدْلُهَا) : أَيْ عَدْلُ قِيمَتِهَا مِنْ الطَّعَامِ (صِيَامًا) لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ، وَكَمَّلَ الْمُنْكَسِرَ. وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ طَعَامًا وَالصَّوْمِ، إلَّا حَمَامَ وَيَمَامَ الْحَرَمِ يَتَعَيَّنُ فِيهِمَا الشَّاةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَصِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ. (وَالصَّغِيرُ وَالْمَرِيضُ وَالْأُنْثَى) مِنْ الصَّيْدِ (كَغَيْرِهَا) مِنْ الْكَبِيرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ. وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ عَدَتْ عَلَيْهِ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَوْ غَيْرُهَا فَقَتَلَهَا انْتَهَى (بْن) . قَوْلُهُ: [كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ] إلَخْ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الشَّاةَ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي. وَاعْلَمْ أَنَّ حَمَامَ الْحَرَمِ الْقَاطِنَ بِهِ، إذَا خَرَجَ لِلْحِلِّ وَصَادَهُ حَلَالٌ مِنْ الْحِلِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ اصْطِيَادُهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَفْرَاخٌ فِي الْحَرَمِ ابْنُ نَاجِي: إنْ كَانَ لَهُ أَفْرَاخٌ فَالصَّوَاب تَحْرِيمُ صَيْدِهِ لِتَعْذِيبِهِ فِرَاخَهُ حَتَّى يَمُوتُوا قَالَهُ (ح) . قَوْلُهُ: [قِيمَتُهُ طَعَامًا كُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصَّيْدَ إمَّا طَيْرٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَالطَّيْرُ إمَّا حَمَامُ الْحَرَمِ وَيَمَامُهُ وَإِمَّا غَيْرُهُمَا. فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ حَمَامَ الْحَرَمِ وَيَمَامَهُ تَعَيَّنَ فِيهِ شَاةٌ تُجْزِئُ، ضَحِيَّةٌ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ كَانَ الطَّيْرُ غَيْرَ مَا ذُكِرَ، خُيِّرَ بَيْنَ الْقِيمَةِ طَعَامًا وَعَدْلِهِ صِيَامًا، وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ غَيْرَ طَيْرٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ يَجْزِي ضَحِيَّةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ خُيِّرَ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ يَجْزِي ضَحِيَّةً خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ فَقَطْ. هَذَا حَاصِلُ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

وَالصَّحِيحِ وَالذَّكَرِ فِي الْجَزَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَإِذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ فَلَا بُدَّ مِنْ مِثْلٍ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وَلَا يَكْفِي فِي الْمَعِيبِ مَعِيبٌ. وَالصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ قَدْ تَخْتَلِفُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَلِذَا اُحْتِيجَ لِحُكْمِ الْعُدُولِ الْعَارِفِينَ، وَإِنْ وَرَدَ شَيْءٌ مِنْ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ الصَّيْدِ. (وَلَهُ) : أَيْ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ (الِانْتِقَالُ) إلَى غَيْرِهِ (بَعْدَ الْحُكْمِ، وَلَوْ الْتَزَمَهُ) : فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْمِثْلِ إلَى اخْتِيَارِ الْإِطْعَامِ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ مِثْلٍ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً] : فَالنَّعَامَةُ الصَّغِيرَةُ أَوْ الْمَعِيبَةُ أَوْ الْمَرِيضَةُ إذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ وَاخْتَارَ مِثْلَهَا مِنْ الْأَنْعَامِ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِبَدَنَةٍ كَبِيرَةٍ سَلِيمَةٍ صَحِيحَةٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِي غَيْرِهَا. فَإِنْ اخْتَارَ قِيمَتَهَا طَعَامًا فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ أَيْضًا، وَيُقْطَعُ النَّظَرُ عَمَّا فِيهَا مِنْ وَصْفِ الصِّغَرِ وَالْعَيْبِ وَالْمَرَضِ، بِخِلَافِ لَوْ قُوِّمَتْ لِرَبِّهَا فَتُقَوَّمُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَلِذَا اُحْتِيجَ لِحُكْمِ الْعُدُولِ الْعَارِفِينَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصَّيْدَ إنْ كَانَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ وَلَا عَنْ السَّلَفِ كَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجْتَهِدَانِ فِي الْوَاجِبِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ عَنْ الشَّارِعِ كَالنَّعَامَةِ وَالْفِيلِ. فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْأُولَى بَدَنَةٌ ذَاتُ سَنَامٍ، وَفِي الثَّانِي بَدَنَةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، فَالِاجْتِهَادُ فِي أَحْوَالِ ذَلِكَ الْمُقَرَّرِ مِنْ سِمَنٍ وَسِنٍّ وَهُزَالٍ بِأَنْ يَرَيَا أَنَّ هَذِهِ النَّعَامَةَ الْمَقْتُولَةَ بَدَنَةٌ سَمِينَةٌ أَوْ هَزِيلَةٌ مَثَلًا لِكَوْنِ النَّعَامَةِ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [الِانْتِقَالُ إلَى غَيْرِهِ] : أَيْ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَ مَا حَكَمَا عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ أَنَّهُمَا لَا يَحْكُمَانِ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُخَيِّرَاهُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ اخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَحَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهُ وَيَحْكُمَانِ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا إذَا انْتَقَلَ مِنْ الْمِثْلِ لِلْإِطْعَامِ أَوْ الصَّوْمِ. وَأَمَّا لَوْ انْتَقَلَ مِنْ الْإِطْعَامِ لِلصَّوْمِ فَلَا يَحْتَاجُ لِحُكْمٍ، لِأَنَّ صَوْمَهُ عِوَضٌ عَنْ الْإِطْعَامِ لَا عِوَضٌ عَنْ الصَّيْدِ أَوْ مِثْلُهُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ الْتَزَمَهُ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَمَحَلُّهُمَا إذَا عَلِمَ مَا حَكَمَا بِهِ

الصِّيَامِ وَعَكْسُهُ، وَقِيلَ: إنْ الْتَزَمَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ. (وَنُقِضَ) الْحُكْمُ وُجُوبًا (إنْ ظَهَرَ الْخَطَأُ) فِيهِ ظُهُورًا بَيِّنًا. (وَنُدِبَ كَوْنُهُمَا) : أَيْ الْعَدْلَيْنِ (بِمَجْلِسٍ) وَاحِدٍ لِمَزِيدِ التَّثَبُّتِ وَالضَّبْطِ، (وَفِي الْجَنِينِ) : كَمَا إذَا فَعَلَ شَيْئًا بِصَيْدٍ حَامِلٍ فَأَلْقَى جَنِينًا، (وَ) فِي (الْبَيْضِ) إذَا كَسَرَهُ أَوْ شَوَاهُ الْمُحْرِمُ أَيْ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ (عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ) ، فَإِذَا كَانَ جَزَاءُ الْأُمِّ عَشَرَةَ أَمْدَادٍ فَفِي جَنِينِهَا أَوْ بَيْضَتِهَا مُدٌّ، (وَلَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَالْتَزَمَهُ، لَا إنْ الْتَزَمَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَالِالْتِزَامُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ بِأَنْ يَقُولَ الْتَزَمْت ذَلِكَ لَا بِالْجَزْمِ الْقَلْبِيِّ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ: [ظُهُورًا بَيِّنًا] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْخَطَأُ غَيْرَ بَيِّنٍ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ؛ كَمَا لَوْ حَكَمَا فِي الضَّبُعِ بِعَنْزٍ ابْنِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُمَا، لِأَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ يَرَى ذَلِكَ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُنْقَضُ إذَا وَقَعَ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ. لَكِنْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ، سَوَاءٌ كَانَ وَاضِحًا أَوْ غَيْرَ وَاضِحٍ خِلَافًا لِلشَّارِحِ إذْ لَا بُدَّ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ كَوْنِهِ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ (ر) كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. تَنْبِيهٌ: إنْ اخْتَلَفَ الْحَكَمَانِ فِي قَدْرِ مَا حَكَمَا بِهِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ اُبْتُدِئَ الْحَكَمُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ غَيْرِ صَاحِبِهِ. قَوْلُهُ: [لِمَزِيدِ التَّثَبُّتِ وَالضَّبْطِ] : أَيْ لِأَنَّ كُلًّا يَطَّلِعُ عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ وَرَأْيِهِ. قَوْلُهُ: [إذَا كَسَرَهُ أَوْ شَوَاهُ الْمُحْرِمُ] : وَمِثْلُهُ مَنْ فِي الْحَرَمِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْبَيْضِ الْمَذَرِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ فَرْخٌ، وَلَا يَضُرُّ نُقْطَةُ دَمٍ، وَالظَّاهِرُ الرُّجُوعُ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَ بَيَاضُهُ وَصُفَارُهُ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ قَالُوا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ فَرْخٌ كَانَ فِيهِ عُشْرُ الدِّيَةِ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: [فَفِي جَنِينِهَا أَوْ بَيْضَتِهَا مُدٌّ] : أَيْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِدِيَتِهَا قِيمَتُهَا طَعَامًا أَوْ عَدْلُهُ صِيَامًا فِيمَا فِي جَزَائِهِ طَعَامٌ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ بَيْنَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ مِنْ الطَّعَامِ، وَبَيْنَ عَدْلِ ذَلِكَ مِنْ الصِّيَامِ، إلَّا بَيْضَ حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَجَنِينُهُمَا فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ صَامَ يَوْمًا كَذَا فِي (ح) نَقَلَهُ (بْن) . وَمَحَلُّ لُزُومِهِ لِلْجَنِينِ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ مَا لَمْ تَمُتْ أُمُّهُ مَعَهُ وَإِلَّا فَيَنْدَرِجُ فِي دِيَةِ أُمِّهِ.

[الهدي]

تَحَرَّكَ) الْجَنِينُ بَعْدَ سُقُوطِهِ وَلَمْ يَسْتَهِلَّ. (وَ) فِيهِ (دِيَتُهَا) أَيْ دِيَةُ أُمِّهِ كَامِلًا (إذَا اسْتَهَلَّ) صَارِخًا، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ أَيْضًا فَدِيَتَانِ. وَلَمَّا كَانَتْ دِمَاءُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ ثَلَاثَةً: الْفِدْيَةَ، وَجَزَاءَ الصَّيْدِ، وَالْهَدْيَ وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَشَارَ لِلثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَ) غَيْرُ (جَزَاءِ الصَّيْدِ: هَدْيٌ) مُرَتَّبٌ (وَهُوَ) : أَيْ الْهَدْيُ (مَا وَجَبَ لِتَمَتُّعٍ) قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] . (أَوْ لِقِرَانٍ) بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّمَتُّعِ (أَوْ) وَجَبَ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ) فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، كَتَرْكِ التَّلْبِيَةِ، أَوْ طَوَافِ الْقُدُومِ، أَوْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، أَوْ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَوْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا. أَوْ الْمَبِيتِ بِمِنًى أَيَّامَ النَّحْرِ، أَوْ الْحَلْقِ (أَوْ) مَا وَجَبَ (لِجِمَاعٍ) مُفْسِدٍ أَوْ غَيْرِ مُفْسِدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (أَوْ) وَجَبَ (لِنَحْوِهِ) كَمَذْيٍ وَقُبْلَةٍ بِفَمٍ، أَوْ وَجَبَ لِنَذْرٍ عَيَّنَهُ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ أَطْلَقَ أَوْ مَا كَانَ تَطَوُّعًا. وَ (نُدِبَ) فِيهِ مَا كَانَ كَثِيرَ اللَّحْمِ (إبِلٌ فَبَقَرٌ فَضَأْنٌ) فَمَعْزٌ، وَيُقَدَّمُ الذَّكَرُ مِنْ كُلٍّ عَلَى الْأُنْثَى وَالْأَسْمَنُ عَلَى غَيْرِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إذَا اسْتَهَلَّ] : الِاسْتِهْلَالُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ تَحَقُّقِ الْحَيَاةِ. [الْهَدْي] قَوْلُهُ: [هَدْيٌ مُرَتَّبٌ] : خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ (وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ) . وَمُرَتَّبٌ صِفَتُهُ. قَوْلُهُ: [بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّمَتُّعِ] : أَيْ وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ نَحْوِهِ، لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي التَّمَتُّعِ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَطْلَقَ مَا كَانَ تَطَوُّعًا] : أَيْ فَكُلُّهُ مُرَتَّبٌ لَا يَنْتَقِلُ لِلصَّوْمِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَنْعَامِ. قَوْلُهُ: [إبِلٌ فَبَقَرٌ] : أَيْ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَكْثَرُ هَدَايَاهُ الْإِبِلَ، نَحَرَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِائَةً بَاشَرَ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَنَحَرَ عَلِيٌّ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُبَاشَرَةَ النَّحْرِ بِيَدِهِ أَفْضَلُ، إلَّا لِلضَّرُورَةِ، فَيَسْتَنِيبُ

[شروط نحر الهدي بمنى]

(وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ بِهِ الْمَشَاعِرَ) : أَيْ عَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمِنًى. (وَوَجَبَ) الْهَدْيُ: أَيْ نَحْرُهُ (بِمِنًى) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ سِيقَ) الْهَدْيُ (بِحَجٍّ) : أَيْ فِي إحْرَامِهِ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُوجِبُهُ نَقْصًا بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ غَيْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، أَوْ كَانَ تَطَوُّعًا. (وَوَقَفَ بِهِ) هُوَ (أَوْ نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ كَهُوَ) : أَيْ كَوُقُوفِهِ هُوَ بِهِ فِي كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَكَانَ أَحْسَنَ بِأَنْ يَقُولَ: وَوَقَفَ بِهِ أَوْ نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ جُزْءًا إلَخْ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " أَوْ نَائِبُهُ " مِنْ وُقُوفِ التُّجَّارِ بِهِ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ لِلْبَيْعِ، فَلَا يَكْفِي إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ صَبِيحَةِ عَرَفَةَ، نَعَمْ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِهَا وَأَمَرَهُمْ بِالْوُقُوفِ بِهِ لَيْلًا بِهَا كَفَى، لِأَنَّهُمْ نَائِبُونَ حِينَئِذٍ عَنْهُ. (بِأَيَّامِ النَّحْرِ) وَهَذَا إشَارَةٌ لِلشَّرْطِ الثَّالِثِ، أَيْ وَكَانَ النَّحْرُ فِي أَيَّامِهِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ انْتَفَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ أَوْ بَعْضُهَا بِأَنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ أَوْ لَمْ يُسَقْ فِي حَجٍّ، بِأَنْ سِيقَ فِي عُمْرَةٍ أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ (فَمَكَّةُ) هِيَ مَحِلُّهُ لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ مَحِلَّهُ إمَّا مِنًى بِالشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ وَإِمَّا مَكَّةُ لَا غَيْرُ عِنْدَ فَقْدِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ نَدْبُ النَّحْرِ بِمِنًى عِنْدَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ كَمَا ذَكَرْنَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُسْلِمُ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْقُرَبِ عَكْسُ الضَّحَايَا، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الضَّأْنُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ وُقُوفُهُ بِهِ الْمَشَاعِرَ] : هَذَا فِيمَا يُنْحَرُ أَوْ يُذْبَحُ بِمِنًى، وَأَمَّا مَا يُنْحَرُ أَوْ يُذْبَحُ بِمَكَّةَ فَالشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَيَكْفِي وُقُوفُهُ بِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ كَمَا يَأْتِي. [شُرُوط نحر الْهَدْي بِمَنَى] قَوْلُهُ: [كَهُوَ] : الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: [فَمَكَّةُ] : أَيْ لَا مَا يَلِيهَا مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ. قَوْلُهُ: [وَالْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ] : وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ لَكِنْ غَيْرُ شَرْطٍ، لِأَنَّهُ إنْ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ مَعَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ صَحَّ مَعَ مُخَالَفَةِ الْوَاجِبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْأَفْضَلُ فِيمَا ذُبِحَ بِمِنًى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى. وَلَوْ ذُبِحَ فِي أَيِّ مَوْقِعٍ مِنْهَا كَفَى وَخَالَفَ الْأَفْضَلَ.

[شروط صحة الهدي وسننه]

ثُمَّ ذَكَرَ شُرُوطَ صِحَّةِ الْهَدْيِ بِقَوْلِهِ: (صِحَّتُهُ) : أَيْ وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: (بِالْجَمْعِ) فِيهِ (بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ) فَلَا يُجْزِئُ مَا اشْتَرَاهُ بِمِنًى أَيَّامَ النَّحْرِ وَذَبَحَهُ بِهَا، كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ، بِخِلَافِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ عَرَفَةَ لِأَنَّهَا مِنْ الْحِلِّ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ لِلْحِلِّ عَرَفَةَ أَوْ غَيْرَهَا سَوَاءٌ خَرَجَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ مُحْرِمًا أَمْ لَا، كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا. (وَنَحَرَهُ نَهَارًا) بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، (وَلَوْ قَبْلَ) نَحْرِ (الْإِمَامِ وَ) قَبْلَ طُلُوعِ (الشَّمْسِ) فَلَا يُجْزِئُ مَا نَحَرَ لَيْلًا. (وَ) الْمَسُوقُ (فِي الْعُمْرَةِ) كَانَ لِنَقْصٍ فِيهَا أَوْ فِي حَجٍّ أَوْ تَطَوُّعًا (بَعْدَ) تَمَامِ (سَعْيِهَا) فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحِلَّهُ مَكَّةَ لِعَدَمِ الْوُقُوفِ بِهِ بِعَرَفَةَ، (ثُمَّ حَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ فَلَا ضَرَرَ. (وَنُدِبَ) النَّحْرُ (بِالْمَرْوَةِ) . وَمَكَّةُ كُلُّهَا مَحَلٌّ لِلنَّحْرِ. (وَسِنُّهُ وَعَيْبُهُ كَالْأُضْحِيَّةِ) الْآتِي بَيَانُهَا فَلَا يُجْزِئُ مِنْ الْغَنَمِ مَا لَا يُوَفِّي سَنَةً، وَلَا مَعِيبٌ كَأَعْوَرَ. (وَالْمُعْتَبَرُ) فِي السِّنِّ وَالْعَيْبِ (وَقْتُ تَعْيِينِهِ) لِلْهَدْيِ بِالتَّقْلِيدِ فِيمَا يُقَلَّدُ، أَوْ التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِ بِكَوْنِهِ هَدْيًا فِي غَيْرِهِ كَالْغَنَمِ، فَلَا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ مَعِيبٌ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ السِّنَّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [شُرُوط صِحَّة الْهَدْي وَسُنَنه] قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ مَا اشْتَرَاهُ بِمِنًى] : أَيْ بِخِلَافِ الْفِدْيَةِ فَتُجْزِئُ مَا لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَرْطِهِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [عَرَفَةَ أَوْ غَيْرِهَا] : لَكِنْ إنْ كَانَ غَيْرَ عَرَفَةَ فَلَا يَذْبَحُ إلَّا بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ مَا نَحَرَ لَيْلًا] : أَيْ بِخِلَافِ الْفِدْيَةِ إنْ لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا. قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ] : أَيْ لِأَنَّهُمْ نَزَّلُوا سَعْيَهَا مَنْزِلَةَ الْوُقُوفِ فِي هَدْيِ الْحَجِّ فِي أَنْ لَا يَنْحَرَ إلَّا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [فَلَا ضَرَرَ] : أَيْ لِأَنَّ تَقْدِيمَ النَّحْرِ عَلَى الْحَلْقِ مَنْدُوبٌ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ النَّحْرُ بِالْمَرْوَةِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهَا: «هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ» أَيْ طُرُقِهَا " مَنْحَرٌ "، فَإِنْ نَحَرَ خَارِجًا عَنْ بُيُوتِهَا إلَّا أَنَّهُ مِنْ لَوَاحِقِهَا فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ مَعِيبٌ] : مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَ " الْمُعْتَبَرُ " إلَخْ.

وَلَوْ صَحَّ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ قَبْلَ نَحْرِهِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ بِأَنَّ قَلَّدَهُ أَوْ عَيَّنَهُ سَلِيمًا ثُمَّ تَعَيَّبَ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَيُجْزِئُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ تَطَوُّعٍ وَوَاجِبٍ. (وَسُنَّ تَقْلِيدُ إبِلٍ وَبَقَرٍ) : أَيْ جَعْلُ قِلَادَةٍ أَيْ حَبْلٌ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ بِعُنُقِهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهَا هَدْيٌ. (وَ) سُنَّ (إشْعَارُ) : أَيْ شَقُّ (إبِلٍ بِسَنَامِهَا) أَيْ فِيهِ بِسِكِّينٍ (مِنْ) الشِّقِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ صَحَّ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ قَبْلَ نَحْرِهِ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ هَدْيَ تَطَوُّعٍ أَوْ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا فَيُجْزِئُ إنْ صَحَّ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ قَبْلَ ذَبْحِهِ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: ثُمَّ يَجِبُ إنْفَاذُ مَا قَلَّدَ مَعِيبًا لِوُجُوبِهِ بِالتَّقْلِيدِ وَإِنْ لَمْ يُجْزِئْهُ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْعَكْسِ] : أَيْ فَمَحَلُّ إجْزَائِهِ إذَا كَانَ تَعَيُّبُهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ، فَإِنْ كَانَ بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ ضَمِنَ كَمَا فِي (ح) عَنْ الطِّرَازِ. وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَمْنَعْ التَّعْيِيبَ بُلُوغُ الْمَحَلِّ، فَلَوْ مَنَعَهُ كَعَطَبٍ أَوْ سَرِقَةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ، وَالنَّذْرُ الْمَضْمُونُ كَمَا يَأْتِي كَذَا فِي بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ تَنْبِيهٌ: أَرْشُ الْهَدْيِ الْمَرْجُوعُ بِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ أَمْ لَا؟ الْمُطَّلَعُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ الْمُفِيتِينَ لِرَدِّهِ وَثَمَنِهِ الْمَرْجُوعِ بِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ يُجْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ وُجُوبًا إنْ كَانَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ أَوْ مَنْذُورًا بِعَيْنِهِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُمَا لِعَدَمِ شَغْلِ ذِمَّتِهِ بِهِ، وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ أَوْ الْمَنْذُورُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَتَصَدَّقُ بِالْأَرْشِ وَالثَّمَنِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ هَدْيٍ، بَلْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي هَدْيٍ آخَرَ إنْ كَانَ الْعَيْبُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ لِوُجُوبِ الْبَدَلِ عَلَيْهِ لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْإِجْزَاءِ تَصَدَّقَ بِهِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ هَدْيًا كَالتَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَيْ شَقُّ إبِلٍ بِسَنَامِهَا] : هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ لَهَا سَنَامٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَا سَنَامَ لَهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُشَعَّرُ وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الْإِبِلَ يُسَنُّ إشْعَارُهَا مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَنَامٌ، فَإِنْ كَانَ لَهَا سَنَامَانِ سُنَّ إشْعَارُهَا فِي وَاحِدٍ فَقَطْ. وَأَمَّا الْبَقَرُ فَتَقْلِيدٌ وَلَا تُشَعَّرُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَتُشَعَّرُ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ لَهَا أَنَّ الْبَقَرَ لَا تُشَعَّرُ مُطْلَقًا، وَتَعَقَّبَهُ الرَّمَاصِيُّ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِإِشْعَارِهَا حَيْثُ كَانَ لَهَا سَنَامٌ؛ هَلْ تُجَلَّلُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ.

[من لزمه هدي ولم يجد]

(الْأَيْسَرِ) نَدْبًا، وَقِيلَ مِنْ الْأَيْمَنِ، وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ مِنْ جِهَةِ الرَّقَبَةِ لِلْمُؤَخَّرِ قَدْرَ أُنْمُلَتَيْنِ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ. وَ (نُدِبَ تَسْمِيَةٌ) عِنْدَ إشْعَارِهَا بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ. (وَ) نُدِبَ (نَعْلَانِ) : أَيْ تَعْلِيقُهُمَا (بِنَبَاتِ الْأَرْضِ) أَيْ بِحَبْلٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ كَحَلْفَاءَ، إلَّا مِنْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ خَشْيَةَ تَعَلُّقِهِ بِشَيْءٍ مِنْ شَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيُؤْذِيَهُ. (وَ) نُدِبَ (تَجْلِيلُهَا) : أَيْ الْإِبِلِ أَيْ وَضْعُ جِلَالٍ عَلَيْهَا بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جُلٍّ بِضَمِّهَا. (وَ) نُدِبَ (شَقُّهَا) : أَيْ الْجِلَالِ يَدْخُلُ السَّنَامُ فِيهَا فَيَظْهَرُ الْإِشْعَارُ، وَتُمْسِكُ بِالسَّنَامِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْأَرْضِ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ لَزِمَهُ الْهَدْيُ لِتَمَتُّعٍ أَوْ غَيْرِهِ هَدْيًا (فَصِيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) فِي الْحَجِّ، وَذَلِكَ (مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ) بِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ. (وَ) لَوْ فَاتَهُ صَوْمُهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَقِيلَ مِنْ الْأَيْمَنِ] : فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي أَوْلَوِيَّتِهِ أَيْ الْإِشْعَارِ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ، ثَالِثُهَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَيْسَرِ، رَابِعُهَا هُمَا سَوَاءٌ انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ تَقْدِيمُ التَّقْلِيدِ عَلَى الْإِشْعَارِ خَوْفًا مِنْ نِفَارِهَا لَوْ أُشْعِرَتْ أَوْ لَا، وَفِعْلُهُمَا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ أَوْلَى. وَفَائِدَةُ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إعْلَامُ الْمَسَاكِينِ أَنَّ هَذَا هَدْيٌ فَيَجْتَمِعُونَ لَهُ، وَقِيلَ لِئَلَّا يَضِيعَ فَيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيُرَدَّ. قَوْلُهُ: [أَيْ الْإِبِلِ] : أَيْ وَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَلَا يُوضَعُ عَلَيْهَا الْجِلَالُ اتِّفَاقًا فِي الْغَنَمِ، وَفِي الْبَقَرِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَنَامٌ. [مِنْ لَزِمَهُ هَدْي وَلَمْ يَجِد] قَوْلُهُ: [فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] : وَيُنْدَبُ فِيهِ التَّتَابُعُ كَمَا يُنْدَبُ فِي السَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [وَذَلِكَ مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ بِهِ] : أَيْ وَأَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ إحْرَامِهِ. قَوْلُهُ [وَلَوْ فَاتَهُ صَوْمُهَا] : أَيْ وَيُكْرَهُ لَهُ تَأْخِيرُهَا لِأَيَّامِ مِنًى فَتَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ، فَمَا وَقَعَ ل (عب) تَبَعًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّ صِيَامَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَاجِبٌ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا

قَبْلَ أَيَّامِ مِنًى (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) الثَّلَاثَةَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، إذْ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ، فَإِنْ صَامَ بَعْضَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ كَمَّلَهَا بَعْدَهُ أَيَّامَ مِنًى. (وَ) هَذَا (إنْ تَقَدَّمَ الْمُوجِبُ) لِلْهَدْيِ (عَلَى الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ كَتَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَتَعَدِّي مِيقَاتٍ وَتَرْكِ تَلْبِيَةٍ وَمَذْيٍ وَقُبْلَةٍ بِفَمٍ، (وَإِلَّا) يَتَقَدَّمُ الْمُوجِبُ، بِأَنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ نُزُولٍ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ جِمَاعٍ بَعْدَ رَمْيِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُمَا بَعْدَهُ (صَامَهَا مَتَى شَاءَ كَهَدْيِ الْعُمْرَةِ) ، إذَا لَمْ يَجِدْهُ صَامَ الثَّلَاثَةَ مَعَ السَّبْعَةِ مَتَى شَاءَ لِعَدَمِ وُقُوفٍ فِيهَا. (وَ) صِيَامُ (سَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى) فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] أَيْ مِنْ مِنًى بَعْدَ أَيَّامِهَا، سَوَاءٌ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إذَا رَجَعْتُمْ إلَى أَهْلِكُمْ، فَأَهْلُ مَكَّةَ يَصُومُونَهَا فِيهَا وَغَيْرُهُمْ بِبِلَادِهِمْ، وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُهَا لِلْآفَاقِيِّ حَتَّى يَرْجِعَ لِأَهْلِهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. (وَلَا تُجْزِئُ) السَّبْعَةُ (إنْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِلَا عُذْرٍ ضَعِيفٍ كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا إنْ تَقَدَّمَ الْمُوجِبُ] : أَيْ فَتَقَدُّمُ الْمُوجِبِ شَرْطٌ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ مِنْ إحْرَامِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَالثَّانِي كَوْنُهُ إذَا فَاتَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى. قَوْلُهُ: [صَامَهَا مَتَى شَاءَ] : أَيْ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ، فَلَوْ صَامَهَا أَيَّامَ مِنًى لَمْ يُجْزِئْهُ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَصِيَامُ سَبْعَةٍ] : أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ سَبْعَةً بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، أَيْ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ الْهَدْيِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَإِنْ لَمْ يَصِلْهَا بِالرُّجُوعِ. قَوْلُهُ: [لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ] : أَيْ الْوَاقِعِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] فَإِذَا أَخَّرَهَا لِبَلَدِهِ أَتَى بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا تُجْزِئُ السَّبْعَةُ إنْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ] : أَيْ وَلَا يُجْزِئُ أَيْضًا تَقْدِيمُهَا عَلَى رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجْتَزِئُ مِنْهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ لَا؟ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، قَالَ مَالِكٌ:

(كَصَوْمٍ) : أَيْ كَمَا لَا يُجْزِئُ صَوْمٌ عَنْ الْهَدْيِ إذَا (أَيْسَرَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ، (وَلَوْ) كَانَ إيسَارُهُ (بِسَلَفٍ) وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ إيَّاهُ (لِمَالٍ) لَهُ (بِبَلَدِهِ) ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا أَوْ وَجَدَ وَلَا مَالَ لَهُ بِبَلَدِهِ صَامَ. (وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لِلْهَدْيِ) إنْ أَيْسَرَ (قَبْلَ كَمَالِ) صَوْمِ الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) ، وَإِنْ وَجَبَ إتْمَامُهُ إنْ شَرَعَ فِيهِ، وَكَلَامُهُ صَادِقٌ بِمَا إذَا أَيْسَرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّالِثِ أَوْ الثَّانِي أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَا لَوْ أَيْسَرَ قَبْلَ إكْمَالِ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْمُدَوَّنَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُمْنَعُ الْأَكْلُ مِنْهُ وَمَا يَجُوزُ مِنْ دِمَاءِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ الثَّلَاثَةِ: الْهَدْيُ، وَالْفِدْيَةُ، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ. فَقَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ) : أَيْ يَحْرُمُ عَلَى رَبِّ الْهَدْيِ أَنْ يَأْكُلَ (مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَوْ نَسِيَ الثَّلَاثَةَ حَتَّى صَامَ السَّبْعَةَ، فَإِنْ وَجَدَ هَدْيًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُهْدِيَ وَإِلَّا صَامَ (اهـ.) فَهِمَ التُّونُسِيُّ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا عَلِمْت. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُكْتَفَى مِنْهَا بِثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا لَوْ صَامَ الْعَشَرَةَ قَبْلَ رُجُوعِهِ فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ مِنْهَا بِثَلَاثَةٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ جُزْءُ الْعَشَرَةِ فَتَنْدَرِجُ فِيهَا، وَقَسِيمَةُ السَّبْعَةِ فَلَا تَنْدَرِجُ فِيهَا كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [لِمَالٍ لَهُ بِبَلَدِهِ] : اللَّامُ بِمَعْنَى مَعَ مُتَعَلِّقٌ بِوَجَدَ، أَيْ وَإِنْ وَجَدَ مُسَلِّفًا مَعَ مَالٍ، وَقَوْلُهُ بِبَلَدِهِ إمَّا صِفَةٌ لِمَالٍ أَيْ مَالٍ كَائِنٍ بِبَلَدِهِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ وَيَصْبِرُ لِيَأْخُذَهُ بِبَلَدِهِ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ كَمَالِ صَوْمِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ] : أَيْ وَأَمَّا بَعْدَ كَمَالِ الثَّالِثِ فَلَا يُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ، لِأَنَّهَا قَسِيمَةُ السَّبْعَةِ فِي الْعَشَرَةِ فَكَانَتْ كَالنِّصْفِ، وَقَوْلُنَا: " لَا يُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ " لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ لَصَحَّ. وَلِذَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ (اهـ.) وَاعْلَمْ أَنَّ اتِّصَالَ الثَّلَاثَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَاتِّصَالَ السَّبْعَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَاتِّصَالَ السَّبْعَةِ بِالثَّلَاثَةِ مُسْتَحَبٌّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [الْهَدْيُ] : أَيْ الصَّادِقُ بِمَا سِيقَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا. قَوْلُهُ: [مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ] : أَيْ مِنْ هَدْيٍ مَنْذُورٍ لِلْمَسَاكِينِ بِعَيْنِهِ، سَوَاءٌ عَيَّنَ الْمَسَاكِينَ أَيْضًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّعْيِينُ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ أَوْ النِّيَّةِ فَقَطْ.

عُيِّنَ) لَهُمْ، فَلَا تَجُوزُ لَهُ مُشَارَكَتُهُمْ فِيهِ، (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ الْمَحِلَّ) : مِنًى بِشُرُوطِهِ أَوْ مَكَّةَ بِأَنْ عَطِبَ قَبْلَ الْمَحِلِّ فَنَحَرَهُ. (كَهَدْيِ تَطَوُّعٍ نَوَاهُ لَهُمْ) : أَيْ لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُهُ مِنْهُ بَلَغَ مَحِلَّهُ أَمْ لَا، (وَفِدْيَةٍ) لِتَرَفُّهٍ أَوْ إزَالَةِ أَذًى لَمْ يَنْوِ بِهَا الْهَدْيَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا مُطْلَقًا أَيْ ذُبِحَتْ بِمَكَّةَ، أَوْ غَيْرِهَا. (كَنَذْرٍ لَمْ يُعَيَّنْ) : بِأَنْ كَانَ مَضْمُونًا وَسَمَّاهُ لِلْمَسَاكِينِ، كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرُ بَدَنَةٍ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ نَوَاهُ لَهُمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِشُرُوطِهِ] : أَيْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ: إنْ سِيقَ بِحَجٍّ وَوَقْفٍ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ، كَهُوَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ مَكَّةَ] : أَيْ عِنْدَ فَقْدِ بَعْضِ الشُّرُوطِ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ عَطِبَ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَنَحَرَهُ] : أَمَّا عَدَمُ الْأَكْلِ مِنْهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْمَحَلَّ فَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِيهِمْ عَلَى إتْلَافِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّهُ قَدْ عَيَّنَهُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَجُوزُ مُشَارَكَتُهُمْ فِيهِ، وَمِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ إذَا ضَلَّ أَوْ سُرِقَ قَبْلَ الْمَحَلِّ لَا يَلْزَمُ رَبَّهُ بَدَلُهُ. فَلَا يَجُوزُ مُشَارَكَتُهُمْ فِيهِ، وَمِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ إذَا ضَلَّ أَوْ سُرِقَ قَبْلَ الْمَحَلِّ لَا يَلْزَمُ رَبَّهُ بَدَلُهُ. قَوْلُهُ: [كَهَدْيٍ أَوْ تَطَوُّعٍ نَوَاهُ لَهُمْ] : أَيْ سَوَاءٌ لَفَظَ مَعَ النِّيَّةِ أَوْ لَا عُيِّنَتْ الْمَسَاكِينُ أَوَّلًا. قَوْلُهُ: [وَفِدْيَةٍ لِتَرَفُّهٍ] إلَخْ: أَيْ فَهَذِهِ الثَّلَاثُ يَحْرُمُ الْأَكْلُ مِنْهَا مُطْلَقًا كَمَا عَلِمْت. أَمَّا حُرْمَةُ الْأَكْلِ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ فَقَدْ عَلِمْت وَجْهَهُ، وَأَمَّا حُرْمَةُ الْأَكْلِ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ الَّذِي جُعِلَ لِلْمَسَاكِينِ بِاللَّفْظِ أَوْ النِّيَّةِ فَلِإِلْحَاقِهِ بِنَذْرِ الْمَسَاكِينِ. وَأَمَّا الْفِدْيَةُ الَّتِي لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا فَحُرْمَةُ الْأَكْلِ مِنْهَا مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ التَّرَفُّهِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَكْلِ مِنْهَا وَالتَّرَفُّهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ. وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: " إذَا لَمْ يَنْوِ بِهَا الْهَدْيَ " عَمَّا إذَا نَوَى بِهَا الْهَدْيَ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا بَعْدَ الْمَحَلِّ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا إذَا عَطِبَتْ قَبْلَهُ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ لِلْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [ذُبِحَتْ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا] : أَيْ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ نَوَى بِهَا الْهَدْيَ) : فَإِذَا اخْتَارَ النُّسُكَ وَنَوَى بِهِ الْهَدْيَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهُ بِمِنًى بِشُرُوطِهِ، أَوْ مَكَّةَ، وَقَوْلُنَا فِيمَا تَقَدَّمَ: لَا " تَتَقَيَّدُ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ ": أَيْ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهَا الْهَدْيَ. فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَ الْكَافِ الثَّانِيَةِ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا (بَعْدَ) بُلُوغِ (الْمَحِلِّ) مِنًى أَوْ مَكَّةَ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا قَبْلَهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلُهَا لِكَوْنِهَا لَمْ تُجْزِهِ قَبْلَ مَحِلِّهَا. (وَهَدْيِ تَطَوُّعٍ) لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ إذَا (عَطِبَ قَبْلَهُ) فَقَطْ، أَيْ قَبْلَ الْمَحِلِّ بِأَنْ عَطِبَ فَنَحَرَهُ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي عَطَبِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ. وَمِثْلُهُ نَذْرٌ مُعَيَّنٌ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ مُطْلَقًا. الثَّانِي: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ بَعْدَ الْمَحِلِّ، الثَّالِثُ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلَهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ بَعْدَهُ. وَبَقِيَ رَابِعٌ يَأْكُلُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ (مُطْلَقًا) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا] : أَيْ يَبْعَثُهُ إلَى الْمَحَلِّ فَلَا تُهْمَةَ فِي أَكْلِهِ مِنْهَا وَلَا مَظْلَمَةَ لِلْمَسَاكِينِ. قَوْلُهُ: [الْأَوَّلُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ مُطْلَقًا] : وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ لِلْمَسَاكِينِ، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ لِلْمَسَاكِينِ، وَفِدْيَةٌ لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا. قَوْلُهُ: [الثَّانِي لَا يَأْكُلُ مِنْهُ بَعْدَ الْمَحَلِّ] : وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا نَذْرٌ لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يُعَيَّنْ، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةٌ جُعِلَتْ هَدْيًا. قَوْلُهُ: [الثَّالِثُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلَهُ] : وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا: هَدْيُ التَّطَوُّعِ الَّذِي لَمْ يُجْعَلْ لِلْمَسَاكِينِ، عُيِّنَ أَمْ لَا، وَنَذْرٌ مُعَيَّنٌ لَمْ يُجْعَلْ لِلْمَسَاكِينِ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ] : أَيْ الَّتِي احْتَوَتْ تَفْصِيلًا عَلَى تِسْعَةِ أَشْيَاءَ، أَيْ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ غَيْرِهَا وَيَتَزَوَّدَ وَيُطْعِمَ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَالْكَافِرَ وَالْمُسْلِمَ، سَوَاءٌ بَلَغَتْ الْمَحَلَّ أَوْ عَطِبَتْ قَبْلَهُ كَمَا يَأْتِي.

قَبْلَ الْمَحِلِّ وَبَعْدَهُ؛ وَهُوَ كُلُّ هَدْيٍ وَجَبَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، كَهَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَتَعَدِّي الْمِيقَاتِ، وَتَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْحَلْقِ، أَوْ مَبِيتٍ بِمِنًى أَوْ نُزُولٍ بِمُزْدَلِفَةَ، أَوْ وَجَبَ لِمَذْيٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ نَذْرٍ مَضْمُونٍ لِغَيْرِ الْمَسَاكِينِ. (وَلَهُ) حِينَئِذٍ (إطْعَامُ الْغَنِيِّ) مِنْهُ (وَالْقَرِيبِ) وَأَوْلَى ضِدُّهُمَا (وَرَسُولُهُ كَهُوَ) : أَيْ إنَّ رَسُولَ رَبِّ الْهَدْيِ بِالْهَدْيِ كَرَبِّهِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ. (وَالْخِطَامُ وَالْجِلَالُ كَاللَّحْمِ) فِي الْمَنْعِ وَالْجَوَازِ فَيَجْرِي فِيهِمَا مَا جَرَى فِي اللَّحْمِ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا جَازَ لَهُ تَنَاوُلُهُ كَالضَّحِيَّةِ. (فَإِنْ أَكَلَ رَبُّهُ) شَيْئًا (مِنْ مَمْنُوعٍ) أَكَلَهُ مِنْهُ، (أَوْ أَمَرَ) بِالْأَكْلِ إنْسَانًا (غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ) كَأَنْ يَأْمُرَ غَنِيًّا فِي نَذْرِ الْمَسَاكِينِ (ضَمِنَ) هَدْيًا (بَدَلَهُ، إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ) لَهُمْ كَهَذِهِ الْبَدَنَةِ، (فَقَدْرُ أَكْلِهِ) فَقَطْ عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ الْخِلَافِ، وَمُقَابِلُهُ يَضْمَنُ هَدْيًا كَامِلًا كَغَيْرِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ] : أَيْ فَمَا جَازَ لِرَبِّهِ يَجُوزُ لِرَسُولِهِ، وَمَا مُنِعَ مِنْهُ رَبُّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ الرَّسُولُ، هَذَا إذَا كَانَ الرَّسُولُ غَيْرَ فَقِيرٍ، أَمَّا لَوْ كَانَ فَقِيرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِرَبِّهِ الْأَكْلُ مِنْهُ كَمَا قَالَ سَنَدٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا مِثْلَ رَبِّهِ، (ر) هَذَا هُوَ النَّقْلُ. قَوْلُهُ: [فَيَجْرِي فِيهِمَا مَا جَرَى فِي اللَّحْمِ] : لَكِنَّهُ فِي الْخِطَامِ وَالْجِلَالِ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ فَقَطْ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَبِّهِ وَرَسُولِهِ فَتُدْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَكَلَ رَبُّهُ شَيْئًا] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ رَبَّ الْهَدْيِ الْمَمْنُوعَ مِنْ الْأَكْلِ مِنْهُ، إنْ أَكَلَ لَزِمَهُ هَدْيٌ كَامِلٌ إلَّا فِي نَذْرِ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ إذَا أَكَلَ مِنْهُ فَقَوْلَانِ فِي قَدْرِ اللَّازِمِ لَهُ. وَإِنْ أَمَرَ أَحَدًا بِالْأَكْلِ؛ فَإِنْ أَمَرَ غَنِيًّا لَزِمَهُ هَدْيٌ كَامِلٌ إلَّا فِي نَذْرِ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَدْرَ أَكْلِهِ فَقَطْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْجَارِيَانِ فِي أَكْلِهِ هُوَ. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَإِنْ أَمَرَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ أَوْ أَكَلَ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قَدْرَ مَا أَمَرَ بِهِ، أَوْ أَكَلَهُ فَقَطْ فِي جَمِيعِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ. هَذَا هُوَ الصَّوَابُ اُنْظُرْ (بْن) نَقَلَهُ مِحَشِّي الْأَصْل.

(وَلَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيٍ وَلَوْ تَطَوُّعًا) أَيْ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ. (وَأَجْزَأَ) الْهَدْيُ عَنْ رَبِّهِ (إنْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ) حَالَ كَوْنِ الْهَدْيِ (مُقَلَّدًا وَلَوْ نَوَاهُ) الذَّابِحُ (عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ) بِآنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ هَدْيُهُ، لَا إنْ لَمْ يَغْلَطْ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مُقَلَّدٍ (أَوْ سُرِقَ بَعْدَ نَحْرِهِ) فَيُجْزِئُ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَحِلَّهُ. (لَا) إنْ سُرِقَ (قَبْلَهُ) : أَيْ الذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ، (كَأَنْ ضَلَّ) وَلَمْ يَجِدْهُ فَلَا يُجْزِئُ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَدَلِهِ، (فَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نَحَرَهُ) أَيْضًا (إنْ قَلَّدَ) لِتَعَيُّنِهِ بِالتَّقْلِيدِ، (وَ) إنْ وَجَدَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ نَحْرِ بَدَلِهِ (نُحِرَا) مَعًا (إنْ قُلِّدَا) مَعًا لِتَعْيِينِ كُلٍّ بِهِ (وَإِلَّا) يُقَلَّدَا مَعًا، إنْ كَانَ الْمُقَلَّدُ أَحَدَهُمَا أَوْ لَا تَقْلِيدَ أَصْلًا، (تَعَيَّنَ) لِلنَّحْرِ (مَا قُلِّدَ) مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقْلِيدٌ تَخَيَّرَ فِي نَحْرِ أَيِّهِمَا شَاءَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَيْ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ] : وَلَوْ كَانَ الَّذِي شَرِكَهُ قَرِيبًا لَهُ وَسَكَنَ مَعَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ كَالضَّحِيَّةِ فِي هَذَا، وَمِثْلُ الْهَدْيِ الْفِدْيَةُ وَالْجَزَاءُ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ لَمْ يَغْلَطْ] : أَيْ بِأَنْ تَعَمَّدَ فَلَا يَجْزِيهِ عَنْ رَبِّهِ وَلَا عَنْ نَفْسِهِ وَلِرَبِّهِ أَخْذُ الْقِيمَةِ مِنْهُ بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ إذَا ذَبَحَهَا الْغَيْرُ عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا حَيْثُ وَكَّلَهُ رَبُّهَا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْغَلَطَ فِي الْهَدْيِ يُجْزِئُ عَنْ رَبِّهِ حَيْثُ كَانَ مُقَلِّدًا أَنَابَهُ أَمْ لَا، وَأَنَّ الضَّحِيَّةَ تُجْزِئُ فِي الْغَلَطِ وَالْعَمْدِ إنْ أَنَابَهُ وَإِلَّا فَلَا فِيهِمَا. تَتِمَّةٌ: يَجِبُ حَمْلُ الْوَلَدِ الْحَاصِلِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إلَى مَكَّةَ، وَيُنْدَبُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ أُمِّهِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا حُمِلَ عَلَيْهَا إنْ قَوِيَتْ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ تَرَكَهُ لِيَشْتَدَّ، ثُمَّ يَبْعَثُهُ إلَى مَحَلِّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَكَالتَّطَوُّعِ يَعْطَبُ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَيَنْحَرُهُ وَيُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ. وَيَحْرُمُ الشُّرْبُ مِنْ لَبَنِ الْهَدْيِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ إنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ فَصِيلِهَا، وَإِلَّا كُرِهَ. فَإِنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ ضَمِنَ مُوجِبَ فِعْلِهِ. وَيُكْرَهُ لَهُ رُكُوبُ الْهَدْيِ بِغَيْرِ عُذْرٍ (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) .

[فصل فوات الحج والمناسك للعذر والإحصار]

فَصْلُ فَوَاتِ الْحَجِّ وَالْمَنَاسِكِ لِلْعُذْرِ وَالْإِحْصَارِ (فَصْلٌ) : فِي بَيَانِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْبَيْتِ فَقَطْ، أَوْ مِنْهُ وَمِنْ عَرَفَةَ مَعًا. وَكَيْفَ مَا يَصْنَعُ. وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: (مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرَدًا أَوْ قَارِنًا لِعُذْرٍ مَنَعَهُ مِنْهُ - كَأَنْ يَفُوتَهُ الْوُقُوفُ (بِمَرَضٍ) : أَيْ بِسَبَبِهِ (وَنَحْوِهِ) ؛ كَعَدُوٍّ مَنَعَهُ أَوْ حَبْسٍ وَلَوْ بِحَقٍّ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ، (فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ) لِأَنَّ الْحَجَّ عَرَفَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصَلِّ فَوَات الْحَجّ وَالْمَنَاسِك لِلْعُذْرِ وَالْإِحْصَار] [مِنْ فَاتَهُ الْوُقُوف بعرفة لِمَرَض أَوْ نَحْوه] هَذَا الْفَصْلُ يَتَعَلَّقُ بِمَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَيُقَالُ لِلْمَمْنُوعِ مَحْصُورٌ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ كَمَا هُوَ سِيَاقُ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ - وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْبَيْتِ - فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّحَلُّلِ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَيُكْرَهُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الْإِحْرَامِ لِقَابِلٍ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا. وَأَمَّا إنْ لَمْ يُقَارِبْ مَكَّةَ كَانَ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ وَلَا كَرَاهَةَ. وَمَحَلُّ جَوَازِ التَّحَلُّلِ مَا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْحَجِّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ، فَإِنْ خَالَفَ وَتَحَلَّلَ بِالْعُمْرَةِ فَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْآتِيَةُ فِي الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [مُفْرِدًا] : مُرَادُهُ مَا قَابَلَ الْقَارِنَ فَيَشْمَلُ الْمُتَمَتِّعَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْحَجَّ عَرَفَةَ] : إشَارَةٌ لِحَدِيثٍ هَذَا لَفْظُهُ، وَلَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ، بَلْ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ الطَّوَافُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْحَجَّ لَهُ

(وَسَقَطَ عَنْهُ عَمَلُ مَا بَقِيَ) بَعْدَهُ (مِنْ الْمَنَاسِكِ) : كَالنُّزُولِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى. (وَنُدِبَ) لَهُ (أَنْ يَتَحَلَّلَ) مِنْ إحْرَامِهِ بِذَلِكَ الْحَجِّ (بِعُمْرَةٍ) . وَفَسَّرَ التَّحَلُّلَ بِالْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ بِنِيَّتِهَا) : أَيْ الْعُمْرَةَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ إحْرَامٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، بَلْ يَنْوِيَ التَّحَلُّلَ مِنْ إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ بِمَا ذَكَرَ. (ثُمَّ قَضَاهُ قَابِلًا، وَأَهْدَى) وُجُوبًا لِلْفَوَاتِ، وَلَا يَجْزِيهِ لِلْفَوَاتِ هَدْيُهُ السَّابِقُ الَّذِي سَاقَهُ فِي حَجَّةِ الْفَوَاتِ (وَخَرَجَ) الْمُتَحَلِّلُ بِعُمْرَةٍ (لِلْحِلِّ) لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ الْمُتَحَلِّلِ مِنْهُ بِالْعُمْرَةِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ، (إنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا) قَبْلَ الْفَوَاتِ لِحَجَّةٍ (بِحَرَمٍ أَوْ أَرْدَفَ) حَجَّهُ عَلَى إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ (فِيهِ) : أَيْ فِي الْحَرَمِ. (وَلَا يَكْفِي) عَنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَسَعْيِهَا الْمَطْلُوبَيْنِ لِلتَّحَلُّلِ (قُدُومُهُ) : أَيْ طَوَافُ قُدُومِهِ (وَسَعْيُهُ بَعْدَهُ) الْوَاقِعَانِ أَوَّلًا قَبْلَ الْفَوَاتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَالْمِزْيَةُ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ. قَوْلُهُ: [وَسَقَطَ عَنْهُ عَمَلُ مَا بَقِيَ] : أَيْ فَلَا يُؤْمَرُ بِهَا وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهَا. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ] إلَخْ: مَحَلُّ نَدْبِ تَحَلُّلِهِ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ مَا لَمْ يَفُتْهُ الْوُقُوفُ وَهُوَ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ مَكَّةَ جِدًّا، وَإِلَّا فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ كَالْمَحْصُورِ عَنْ الْبَيْتِ وَالْوُقُوفِ مَعًا بَعْدُ. وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [الَّذِي سَاقَهُ فِي حَجَّةِ الْفَوَاتِ] : أَيْ سَاقَهُ تَطَوُّعًا أَوْ لِنَقْصٍ حَصَلَ مِنْهُ فِيهَا، وَسَوَاءٌ بَعَثَهُ إلَى مَكَّةَ أَوْ أَبْقَاهُ حَتَّى أَخَذَهُ مَعَهُ لِأَنَّهُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَجَبَ لِغَيْرِ الْفَوَاتِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَوَاتِ، بَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ. قَوْلُهُ: [إنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أَوَّلًا مِنْ الْحِلِّ فَلَا يَحْتَاجُ لِلْخُرُوجِ ثَانِيًا إلَى الْحِلِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَكْفِي عَنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ] إلَخْ: قَالَ الْخَرَشِيُّ: لَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إحْرَامَهُ لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً مِنْ أَوَّلِهِ، بَلْ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ (ح) الْخِلَافَ فِي هَذَا فَقَالَ: قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَتَى عَرَفَةَ

(وَلَهُ) : أَيْ لِمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ (الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ) مُتَجَرِّدًا مُجْتَنَبًا لِلطِّيبِ وَالصَّيْدِ وَالنِّسَاءِ، (لِقَابِلٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ) وَيُهْدِيَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَمَّ بِوُقُوفِهِ فِي الْقَابِلِ مَعَ عَمَلِ مَا بَعْدَ الْوُقُوفِ مِنْ الْمَنَاسِكِ، وَمَحَلُّ جَوَازِ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ لِعَامٍ قَابِلٍ إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ أَوْ يُقَارِبْهَا. (وَكُرِهَ) لَهُ الْبَقَاءُ (إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا) ، بَلْ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ التَّحَلُّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ لِمَا فِي الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ مِنْ مَزِيدِ الْمَشَقَّةِ، وَالْخَطَرِ مَعَ إمْكَانِ الْخُلُوصِ مِنْهُ. (وَلَا تَحَلُّلَ) : أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ (إنْ) اسْتَمَرَّ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى (دَخَلَ وَقْتُهُ) ، أَيْ الْحَجِّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ بِدُخُولِ شَوَّالٍ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إتْمَامُهُ. (فَإِنْ) خَالَفَ وَ (تَحَلَّلَ) بِعُمْرَةٍ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ (فَثَالِثُهَا) ، أَيْ الْأَقْوَالِ: (يَمْضِي) تَحَلُّلُهُ. (فَإِنْ حَجَّ) أَيْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ بِالْعُمْرَةِ (فَمُتَمَتِّعٌ) : لِأَنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَعْدَ الْفَجْرِ فَلْيَرْجِعْ إلَى مَكَّةَ وَيَطُفْ وَيَسْعَ وَيَحْلِقْ وَيَنْوِ بِهَا عُمْرَةً، وَهَلْ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً مِنْ أَصْلِ الْإِحْرَامِ أَوْ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ؟ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (اهـ.) قَوْلُهُ: [أَوْ دَخَلَهَا] : مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ إنْ قَارَبَ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ دَفَعَ تَوَهُّمَ حُرْمَةِ الْبَقَاءِ عِنْدَ الدُّخُولِ. تَنْبِيهٌ: مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ - وَقُلْتُمْ يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ وَكَانَ مَعَهُ هَدْيٌ - فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَخَاف عَلَيْهِ الْعَطَبَ إذَا أَبْقَاهُ عِنْدَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى مَكَّةَ أَوْ لَا؛ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ حَبَسَهُ مَعَهُ حَتَّى يَأْتِيَ مَكَّةَ، وَهَذَا فِي الْمَرِيضِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ كَالْحَبْسِ بِحَقٍّ. وَأَمَّا الْمَمْنُوعُ ظُلْمًا فَمَتَى قَدَرَ عَلَى إرْسَالِهِ أَرْسَلَهُ كَأَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ الْعَطَبَ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهُ ذَبَحَهُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ. قَوْلُهُ: [بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إتْمَامَهُ] : أَيْ حَيْثُ تَمَكَّنَ مِنْ إتْمَامِهِ، قَارَبَ مَكَّةَ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [فَمُتَمَتِّعٌ] : أَيْ بِاعْتِبَارِ الْعُمْرَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الْإِحْلَالُ.

[الإحصار عن البيت بعد الوقوف بعرفه]

حَجَّ بَعْدَ عُمْرَتِهِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِلتَّمَتُّعِ وَأَوَّلُهَا يَمْضِي تَحَلُّلُهُ، وَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ انْتَقَلَ مِنْ حَجٍّ إلَى حَجٍّ إذْ عُمْرَتُهُ كَلَا عُمْرَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا أَوَّلًا وَثَانِيهَا لَا يَمْضِي وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ، وَمَا فَعَلَهُ مِنْ التَّحَلُّلِ لَغْوٌ لِأَنَّ إبْقَاءَهُ لِدُخُولِ وَقْتِهِ كَإِنْشَائِهِ فِيهِ. وَذَكَرَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ - وَهُوَ صَدُّهُ عَنْ الْبَيْتِ فَقَطْ - بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ (وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ) : بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ وَلَوْ بِحَقٍّ (فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَلَا يَحِلُّ بِالْإِفَاضَةِ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ) . وَذَكَرَ الثَّالِثَ وَهُوَ مَا إذَا حُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ حُصِرَ عَنْهُمَا بِعَدُوٍّ) صَدَّهُ عَنْهُمَا مَعًا، (أَوْ حَبْسٍ) لَا بِحَقٍّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَوَّلُهَا يَمْضِي تَحَلُّلُهُ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ الَّتِي آلَ إلَيْهَا الْأَمْرُ فِي التَّحَلُّلِ لَيْسَتْ كَإِنْشَاءِ عُمْرَةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَلَى الْحَجِّ، وَإِلَّا كَانَتْ لَاغِيَةً لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَغَا عُمْرَةٌ عَلَيْهِ " فَلِذَا قِيلَ: إنَّ تَحَلُّلَهُ بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ يَمْضِي. قَوْلُهُ: [وَثَانِيًا لَا يَمْضِي] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ الَّتِي آلَ إلَيْهَا الْأَمْرُ كَإِنْشَاءِ عُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إنْشَاءَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لَغْوٌ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِيهَا ثَلَاثًا إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهَا ثَلَاثًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ. [الْإِحْصَار عَنْ الْبَيْت بَعْد الْوُقُوف بعرفه] قَوْلُهُ: [وَهُوَ صَدُّهُ عَنْ الْبَيْتِ فَقَطْ] : ظَاهِرٌ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: " فَقَطْ "، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ، سَوَاءٌ حُصِرَ عَمَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ أَيْضًا أَمْ لَا، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ فَحَجُّهُ تَمَّ. وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ. وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ] : هَذَا إذَا كَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ عِنْدَ الْقُدُومِ، ثُمَّ حُصِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدَّمَ السَّعْيَ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ. [الْإِحْصَار عَنْ الْبَيْت وعن عَرَفَةَ] قَوْلُهُ: [أَوْ حَبْسٍ لَا بِحَقٍّ] إلَخْ: اعْتِبَارُ كَوْنِ الْحَبْسِ ظُلْمًا بِالنِّيَّةِ لِحَالِ الشَّخْصِ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْإِحْلَالَ وَالْإِحْرَامَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ

بَلْ (ظُلْمًا فَلَهُ التَّحَلُّلُ مَتَى شَاءَ) وَهُوَ الْأَفْضَلُ (بِالنِّيَّةِ، وَلَوْ دَخَلَ مَكَّةَ) أَوْ قَارَبَهَا. وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَلَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ فَيَحِلُّ بِعُمْرَةٍ أَوْ لِقَابِلٍ حَتَّى يَقِفَ وَيُتِمَّ حَجَّهُ. وَمِثْلُ مَنْ صُدَّ عَنْهُمَا مَعًا بِمَا ذَكَرَ مَنْ صُدَّ عَنْ الْوُقُوفِ فَقَطْ، بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ مَكَّةَ أَيْ فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. (وَنَحَرَ) عِنْدَ تَحَلُّلِهِ بِالنِّيَّةِ (هَدْيَهُ) الَّذِي كَانَ مَعَهُ، (وَحَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ بِشَرْطَيْنِ: أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمَانِعِ) حِينَ إرَادَةِ إحْرَامِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَظَاهِرُ الطِّرَازِ يُوَافِقُهُ كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ. وَذَكَرَ فِي الْحَاشِيَةِ: أَنَّ الرِّيحَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَى أَصْحَابِ السُّفُنِ لَا يَكُونُ كَحِصَارِ الْعَدُوِّ، بَلْ هُوَ مِثْلُ الْمَرَضِ لِأَنَّهُمْ يَقْتَدِرُونَ عَلَى الْخُرُوجِ فَيَمْشُونَ (اهـ.) وَقَدْ يُقَالُ كَلَامُهُ فِي الْحَاشِيَةِ ظَاهِرٌ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " ظُلْمًا " أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَبْسُهُ بِحَقٍّ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ، بَلْ يَدْفَعُ مَا عَلَيْهِ وَيُتِمُّ نُسُكَهُ، وَأَمَّا مَنْ يُحْبَسُ فِي تَغْرِيبِ الزِّنَا فَهُوَ كَالْمَرِيضِ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِعُمْرَةٍ حَيْثُ فَاتَهُ الْحَجُّ. قَوْلُهُ: [فَلَهُ التَّحَلُّلُ مَتَى شَاءَ] : أَيْ مِمَّا هُوَ مُحْرِمٌ بِهِ وَقَوْلُهُ: " بِالنِّيَّةِ " هُوَ الْمَشْهُورُ. خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِنَحْرِ الْهَدْيِ وَالْحَلْقِ، بَلْ الْحَلْقُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ الْهَدْيُ بِوَاجِبٍ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَمَا ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ التَّحَلُّلِ عَنْ الْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ مُطْلَقًا قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ لَا، دَخَلَهَا أَوْ لَا، هُوَ الصَّوَابُ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَرَشِيِّ: فَلَهُ الْبَقَاءُ لِقَابِلٍ إنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ، وَيُكْرَهُ لَهُ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا، فَغَيْرُ صَوَابٍ، لِأَنَّ مَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ إنَّمَا هُوَ فِي الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْبَيْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ] : أَيْ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا فَلَا يُكَلَّفُ بِمَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، غَايَةُ مَا هُنَاكَ يُخَيَّرُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمَانِعِ] : وَمِثْلُهُ مَا لَوْ عَلِمَ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ فَلَهُ

وَلِلثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَأَيِسَ) وَقْتَ حُصُولِهِ (مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوَاتِهِ) : أَيْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَزُولُ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَيَتَحَلَّلُ قَبْلَ الْوُقُوفِ. لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِحَيْثُ لَوْ سَارَ إلَى عَرَفَةَ مِنْ مَكَانِهِ لَمْ يُدْرِكْ الْوُقُوفَ، أَوْ زَالَ الْمَانِعُ، فَإِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ يَزُولُ قَبْلَهُ فَلَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَفُوتَ، فَإِنْ فَاتَ فَيَفْعَلُ عُمْرَةً كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَالِمًا بِالْمَانِعِ أَوْ حُبِسَ بِحَقٍّ أَوْ مُنِعَ لِمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ. (وَلَا دَمَ) عَلَى الْمَحْصُورِ بِمَا ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: عَلَيْهِ دَمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] . (وَعَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْمُتَحَلِّلِ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ أَوْ بِالنِّيَّةِ (حَجَّةُ الْفَرِيضَةِ) وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّحَلُّلِ الْمَذْكُورِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْ يَتَحَلَّلَ بِالنِّيَّةِ أَيْضًا كَمَا وَقَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ عَالَمٌ بِالْعَدُوِّ ظَانًّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ، فَلَمَّا مَنَعَهُ تَحَلَّلَ بِالنِّيَّةِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ. قَوْلُهُ: [لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الْأَشْيَاخِ] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ وَقْتَ إحْرَامِهِ كَانَ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِوَقْتٍ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ وُجِدَ مَانِعٌ أَمْ لَا، فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى الْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ فَاتَ فَيَفْعَلُ عُمْرَةً] : أَيْ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ عَنْ الْبَيْتِ. قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَالِمًا بِالْمَانِعِ] : تَشْبِيهٌ فِي كَوْنِهِ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ. قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196] إلَخْ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ

(كَأَنْ أُحْصِرَ عَنْ الْبَيْتِ) ، بِمَا ذُكِرَ بِالشَّرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَعْلَمَ بِالْمَانِعِ وَأَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، (فِي الْعُمْرَةِ) فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ مَتَى شَاءَ وَحَلَقَ وَنَحَرَ هَدْيَهُ إنْ كَانَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ سُنَّةُ الْعُمْرَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ، وَإِنَّمَا سَاقَهُ بَعْضُهُمْ تَطَوُّعًا فَأَمَرَ بِذَبْحِهِ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: [وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّحَلُّلِ الْمَذْكُورِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْحَصْرُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مِنْ حَبْسٍ ظُلْمًا بِخِلَافِ حَجَّةِ التَّطَوُّعِ، فَيَقْضِيهَا إذَا كَانَ لِمَرَضٍ أَوْ خَطَإِ عَدَدٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِعَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ أَوْ حَبْسٍ ظُلْمًا فَلَا يُطَالَبُ بِالْقَضَاءِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ مَتَى شَاءَ] : أَيْ كَمَا وَقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ. تَتِمَّةٌ: لَا يَلْزَمُ الْمَحْصُورَ طَرِيقٌ مَخُوفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ بِخِلَافِ الْمَأْمُونَةِ فَيَلْزَمُ سُلُوكُهَا، وَإِنْ بَعُدَتْ مَا لَمْ تَعْظُمْ مَشَقَّتُهَا. وَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ: هَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الْمَالِ لِتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ لَهُ كَافِرًا أَمْ لَا؟ اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازَ الدَّفْعِ لِأَنَّ ذِلَّةَ الرُّجُوعِ بِصَدِّهِ أَشَدُّ مِنْ إعْطَائِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَانِعُ مُسْلِمًا فَيَجُوزُ الدَّفْعُ لَهُ بِاتِّفَاقٍ، وَيَجِبُ إنْ قَلَّ وَلَا يَنْكُثْ، وَهَذَا مَا لَمْ يُمْكِنْ قِتَالُهُ وَإِلَّا جَازَ قِتَالُهُ مُطْلَقًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا بِاتِّفَاقٍ حَيْثُ كَانَ بِغَيْرِ الْحَرَمِ. وَإِنْ كَانَ بِالْحَرَمِ فَقَوْلَانِ: إنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالْقِتَالِ، وَإِلَّا قُوتِلَ قَطْعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[باب في بيان الأضحية وأحكامها]

بَابٌ فِي بَيَانِ الْأُضْحِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا وَذَكَرَهَا عَقِبَ الْحَجِّ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْهَدْيِ فِيهِ، وَهِيَ بِهِ أَشْبَهُ. (سُنَّ) وَتَأَكَّدَ عَيْنًا (لِحُرٍّ) لَا رَقِيقٍ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ. (غَيْرِ حَاجٍّ) ، لَا لِحَاجٍّ لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْهَدْيُ. (وَ) غَيْرِ (فَقِيرٍ) فَلَا تُسَنُّ عَلَى فَقِيرٍ لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابٌ فِي بَيَانِ الْأُضْحِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا] [سُنَن الْأُضْحِيَّة] بَابٌ لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الرُّبْعِ الْأَوَّلِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرُّبْعِ الثَّانِي. وَالْأُضْحِيَّةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ فِيهِمَا، وَيُقَالُ ضَحِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي فَلُغَاتُهَا ثَلَاثٌ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِذَبْحِهَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَوَقْتَ الضُّحَى. قَوْلُهُ: [وَذَكَرَهَا عَقِبَ الْحَجِّ] إلَخْ: جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ: لِمَاذَا خَالَفْت أَصْلَك؟ فَإِنَّهُ قَدَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَ. قَوْلُهُ: [سُنَّ وَتَأَكَّدَ عَيْنًا] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ. قَوْلُهُ: [عَيْنًا] : أَيْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِمَّنْ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الْآتِيَةَ. وَتَحْصُلُ تِلْكَ السُّنَّةُ بِفِعْلِهِ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِفِعْلِ الْغَيْرِ نِيَابَةً إنْ تَرَكَهُ مَعَهُ بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ، أَوْ نَوَى عَنْهُ اسْتِقْلَالًا كَمَا يَأْتِي لِأَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ نِيَابَةً مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ هُوَ لِقَبُولِهَا النِّيَابَةَ. قَوْلُهُ: [لَا رَقِيقٌ] : أَيْ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ فَهُوَ فَقِيرٌ حُكْمًا وَلَوْ بِيَدِهِ الْمَالُ. قَوْلُهُ: [لَا لِحَاجٍّ] : أَيْ فَلَا يُطَالَبُ بِضَحِيَّةٍ كَانَ بِمِنًى أَوْ غَيْرِهَا، وَغَيْرُ الْحَاجِّ الْمُسْتَوْفِي لِلشُّرُوطِ تُسَنُّ فِي حَقِّهِ كَانَ بِمِنًى أَوْ غَيْرِهَا، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ خَلِيلٌ. وَغَيْرُ الْحَاجِّ يَشْمَلُ الْمُعْتَمِرَ، وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَتَحَلَّلَ مِنْهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ. قَوْلُهُ: [فَلَا تُسَنُّ عَلَى فَقِيرٍ] إلَخْ: هُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " لَا تُجْحِفُ " قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِ الْمُضَحِّي. بِأَنْ لَا يَحْتَاجَ لِثَمَنِهَا فِي ضَرُورِيَّاتِهِ فِي عَامِهِ، فَإِنْ احْتَاجَ فَهُوَ فَقِيرٌ.

(وَلَوْ) كَانَ الْحُرُّ الْمَذْكُورُ (يَتِيمًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَالْمُخَاطَبُ بِفِعْلِهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ: (ضَحِيَّةٌ) نَائِبُ فَاعِلِ سُنَّ (مِنْ) ثَنِيِّ (غَنَمٍ) ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ (أَوْ بَقَرٍ أَوْ إبِلٍ) لَا غَيْرُ، وَشَمِلَ الْبَقَرُ الْجَوَامِيسَ وَالْإِبِلَ الْبُخْتَ. (دَخَلَ فِي) السَّنَةِ (الثَّانِيَةِ) : رَاجِعٌ لِلْغَنَمِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْزِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا دُخُولًا بَيِّنًا كَالشَّهْرِ بِخِلَافِ الضَّأْنِ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ دُخُولٍ، فَلَوْ وُلِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَجْزَأَ ضَحِيَّةً فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، (وَ) فِي السَّنَةِ (الرَّابِعَةِ) رَاجِعٌ لِلْبَقَرِ (وَ) فِي السَّنَةِ (السَّادِسَةِ) فِي الْإِبِلِ. وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا الَّذِي لَا تُجْزِئُ قَبْلَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْمُخَاطَبُ بِفِعْلِهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ] : أَيْ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا يُقْبَلُ فِي زَكَاةِ مَالِهِ قَوْلُهُ: [ضَحِيَّةٌ] . أَيْ ذَبْحُهَا إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ، وَسُنِّيَّةُ تِلْكَ الضَّحِيَّةِ عَنْ نَفْسِ الْحُرِّ الْمَذْكُورِ، وَعَنْ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّكَرُ، وَيَدْخُلَ بِالْأُنْثَى زَوْجُهَا، لَا عَنْ زَوْجَةٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ لِلنَّفَقَةِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ فِطْرِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ لِتَبَعِيَّتِهَا لَهَا، كَذَا فِي الْأَصْلِ، قَالَ مُحَشِّيهِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُخَاطَبُ بِهَا فَقِيرٌ قَدَرَ عَلَيْهَا فِي أَيَّامِهَا، وَكَذَا يُخَاطَبُ بِهَا عَمَّنْ وُلِدَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَا عَمَّنْ فِي الْبَطْنِ، وَكَذَا يُخَاطَبُ بِهَا مَنْ أَسْلَمَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِبَقَاءِ وَقْتِ الْخِطَابِ بِالتَّضْحِيَةِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْفِطْرِ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ (اهـ.) . قَوْلُهُ: [مِنْ ثَنِيِّ غَنَمٍ] إلَخْ: جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِضَحِيَّةٍ. قَوْلُهُ: [دَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ] : الْمُرَادُ بِالسَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا، لَا الْقِبْطِيَّةِ وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ: فَلَوْ وُلِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَجْزَأَ ضَحِيَّةٌ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسَّنَةِ الْقِبْطِيَّةِ لَكَانَتْ السَّنَةُ نَاقِصَةً حِينَئِذٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عِلْمِ الْفَلَكِ. قَوْلُهُ: [وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ] : أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدُّخُولُ بَيِّنًا فِي جَمِيعِ الْمَوَاشِي إلَّا فِي الْمَعْزِ.

[وقت الأضحية]

(مِنْ ذَبْحِ الْإِمَامِ) : أَيْ إمَامِ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْخَلِيفَةُ أَوْ نَائِبُهُ. (بَعْدَ صَلَاتِهِ وَالْخُطْبَةِ) فَلَا تَجْزِيهِ هُوَ إنْ قَدَّمَهَا عَلَى الْخُطْبَةِ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ بِفَرَاغِهِ مِنْهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ بِفَرَاغِهِ مِنْ ذَبْحِهِ بَعْدَمَا ذُكِرَ (لِآخِرِ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْهُ، وَلَا تُقْضَى بَعْدَهُ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَتُقْضَى لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ ذَبْحِ الْإِمَامِ إلَخْ قَوْلَهُ: (فَلَا تُجْزِئُ إنْ سَبَقَهُ) : أَيْ سَبَقَ ذَبْحَ الْإِمَامِ وَلَوْ أَتَمَّ بَعْدَهُ. وَكَذَا إنْ سَاوَاهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَوْ خَتَمَ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ لَا قَبْلَهُ قِيَاسًا عَلَى سَلَامِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، (إلَّا إذَا لَمْ يُبْرِزْهَا) الْإِمَامُ إلَى الْمُصَلِّي (وَتَحَرَّى) ذَبْحَهُ وَذَبَحَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ سَبَقَهُ، فَتُجْزِئُ لِعُذْرِهِ بِبَذْلِ وُسْعِهِ. (فَإِنْ تَوَانَى) الْإِمَامُ: أَيْ تَرَاخَى عَنْ الذَّبْحِ (بِلَا عُذْرٍ انْتَظَرَ قَدْرَهُ) : أَيْ قَدْرَ ذَبْحِهِ، وَكَذَا إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُضَحِّي وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَظِرْ قَدْرَهُ لَمْ يَجُزْ. (وَ) إنْ تَوَانَى (لَهُ) أَيْ لِعُذْرٍ (فَلِقُرْبِ الزَّوَالِ) بِحَيْثُ يَبْقَى لِلزَّوَالِ بِقَدْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ] قَوْلُهُ: [أَيْ إمَامِ صَلَاةِ الْعِيدِ] : هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْخَلِيفَةُ] : أَيْ وَهُوَ السُّلْطَانُ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ نَائِبُهُ] أَيْ كَالْبَاشَا فِي بَلَدٍ لَيْسَ بِهِ سُلْطَانٌ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ مَا لَمْ يُخْرِجْ إمَامُ الطَّاعَةِ أُضْحِيَّتَهُ لِلْمُصَلِّي وَإِلَّا اُعْتُبِرَ هُوَ قَوْلًا وَاحِدًا. قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ إنْ سَبَقَهُ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ تِسْعٌ وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْإِحْرَامِ، وَالسَّلَامُ الْمُجْزِئُ مِنْهَا صُورَتَانِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَحَيْثُ لَمْ تَجُزْ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ كَانَتْ شَاةَ لَحْمٍ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ غَيْرَ الْبَيْعِ. قَوْلُهُ: [فَتُجْزِئُ لِعُذْرِهِ] : مَفْهُومُهُ أَنَّ التَّحَرِّيَ لِذَبْحِ الْإِمَامِ مَعَ الْإِبْرَازِ لَا يَنْفَعُ لِتَفْرِيطِهِ بِسَبَبِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ: [انْتَظَرَ قَدْرَهُ] : فَإِنْ انْتَظَرَ قَدْرَ ذَبْحِهِ وَذَبَحَ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَوَانَى لَهُ] إلَخْ: أَيْ كَقِتَالِ عَدُوٍّ مَثَلًا، وَهَلْ مِنْ الْعُذْرِ طَلَبُ

[الأفضل في الأضحية]

الذَّبْحِ لِئَلَّا يَفُوتَ الْوَقْتُ الْأَفْضَلُ، لَكِنَّ الِانْتِظَارَ لِقُرْبِ الزَّوَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ مَنْدُوبٌ، وَالشَّرْطُ الِانْتِظَارُ بِقَدْرِ ذَبْحِهِ. (وَمَنْ لَا إمَامَ لَهُ) بِبَلَدِهِ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (تَحَرَّى) بِذَبْحِهِ (أَقْرَبَ إمَامٍ) لَهُ مِنْ الْبِلَادِ، بِقَدْرِ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ وَذَبْحِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ تَبَيَّنَ سَبْقَهُ. (وَالْأَفْضَلُ) فِي الضَّحَايَا: (الضَّأْنُ فَالْمَعْزُ فَالْبَقَرُ فَالْإِبِلُ) لِأَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا طَيِّبُ اللَّحْمِ بِخِلَافِ الْهَدَايَا، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا كَثْرَتُهُ. (وَ) الْأَفْضَلُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ (الذَّكَرُ) عَلَى أُنْثَاهُ. (وَالْفَحْلُ) عَلَى الْخَصِيِّ (إنْ لَمْ يَكُنْ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ) ، وَإِلَّا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْفَحْلِ. (وَ) الْأَفْضَلُ لِلْمُضَحِّي (الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْلٍ) مِنْهَا (وَإِهْدَاءٍ) لِنَحْوِ جَارٍ (وَصَدَقَةٍ) عَلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ (بِلَا حَدٍّ) فِي الثَّلَاثَةِ بِثُلُثٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَ) الْأَفْضَلُ مِنْ الْأَيَّامِ لِذَبْحِهَا (الْيَوْمُ الْأَوَّلُ) لِلْغُرُوبِ، وَأَفْضَلُهُ أَوَّلُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِمَامِ الْأُضْحِيَّةَ بِشِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ لَا؟ اُنْظُرْ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَالشَّرْطُ الِانْتِظَارُ بِقَدْرِ ذَبْحِهِ] : أَيْ شَرْطُ الصِّحَّةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّوَانِي لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَلَا تُنْدَبُ الزِّيَادَةُ فِي الِانْتِظَارِ لِقُرْبِ الزَّوَالِ إلَّا فِي الْعُذْرِ. قَوْلُهُ: [وَمَنْ لَا إمَامَ لَهُ بِبَلَدِهِ] : أَيْ وَلَا عَلَى كَفَرْسَخٍ، بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ خَارِجًا عَنْ كَفَرْسَخٍ، فَالتَّحَرِّي إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ الْخَارِجِ عَنْ كَفَرْسَخٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي دَاخِلٍ كَفَرْسَخٍ، فَإِنَّهُ كَإِمَامِ الْبَلَدِ فَلَا يَكْفِي التَّحَرِّي حَيْثُ أَبْرَزَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ. [الْأَفْضَل فِي الْأُضْحِيَّة] قَوْلُهُ: [وَالْأَفْضَلُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ الذَّكَرُ عَلَى أُنْثَاهُ] إلَخْ: يُشِيرُ إلَى الْمَرَاتِبِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ مَرْتَبَةً مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةٍ فِي مِثْلِهَا، وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ فَحْلُ الضَّأْنِ فَخَصِيُّهُ فَخُنْثَاهُ فَأُنْثَاهُ، ثُمَّ فَحْلُ الْمَعْزِ فَخَصِيُّهُ فَخُنْثَاهُ فَأُنْثَاهُ، ثُمَّ فَحْلُ الْبَقَرِ عَلَى الْأَظْهَرِ فَخَصِيُّهُ فَخُنْثَاهُ فَأُنْثَاهُ، ثُمَّ فَحْلُ الْإِبِلِ فَخَصِيُّهُ فَخُنْثَاهُ فَأُنْثَاهُ، فَأَعْلَاهَا فُحُولُ الضَّأْنِ وَأَدْنَاهَا إنَاثُ الْإِبِلِ. قَوْلُهُ: [وَالْأَفْضَلُ لِلْمُضَحِّي] : أَيْ أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِهَا وَإِنْ كَانَ أَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَحَدِيثُ: «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَحْمَزُهَا» لَيْسَ كُلِّيًّا.

[شروط صحة الأضحية]

لِلزَّوَالِ، (فَأَوَّلُ) الْيَوْمِ (الثَّانِي) لِلزَّوَالِ، (فَأَوَّلُ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) لِلزَّوَالِ، (فَآخِرُ الثَّانِي) ، فَمَنْ فَاتَهُ أَوَّلُ الثَّانِي نُدِبَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ لِأَوَّلِ الثَّالِثِ، وَقِيلَ: بَلْ آخِرُ الثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِ الثَّالِثِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّتِهَا بِقَوْلِهِ. (وَشَرْطُهُمَا) أَيْ شُرُوطُ صِحَّتِهَا أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ (النَّهَارُ) فَلَا تَصِحُّ بِلَيْلٍ، وَالنَّهَارُ (بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فِي غَيْرِ) الْيَوْمِ (الْأَوَّلِ) ، وَأَمَّا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ فَالشَّرْطُ لِلْإِمَامِ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَلِغَيْرِهِ ذَبْحُ إمَامِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الثَّانِي: (إسْلَامُ ذَابِحِهَا) فَلَا تَصِحُّ بِذَبْحِ كَافِرٍ أَنَابَهُ رَبُّهَا فِيهِ وَلَوْ كِتَابِيًّا وَإِنْ جَازَ أَكْلُهَا. (وَ) الثَّالِثُ (السَّلَامَةُ مِنْ الشِّرْكِ) أَيْ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا؛ فَإِنْ اشْتَرَكُوا فِيهَا بِالثَّمَنِ أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فَذَبَحُوهَا ضَحِيَّةً عَنْهُمْ لَمْ تُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي الْأَرْيَافِ أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةٌ - كَإِخْوَةٍ - شُرَكَاءَ فِي الْمَالِ، فَيُخْرِجُوا أُضْحِيَّةً عَنْ الْجَمِيعِ فَهَذِهِ لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إلَّا أَنْ يَفْصِلَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ تَرْكُ حَلْقِ الشَّعْرِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَتَرْكُ قَلْمِ الْأَظْفَارِ فِي التِّسْعَةِ الْأَيَّامِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِمَنْ يُرِيدُ الضَّحِيَّةَ وَلَوْ بِتَضْحِيَةِ الْغَيْرِ عَنْهُ، وَالضَّحِيَّةُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَتَالِيَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لِكَوْنِهَا سُنَّةً وَشَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ زَادَتْ الصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ أَضْعَافًا. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ بَلْ آخِرُ الثَّانِي أَفْضَلُ] : هَذَا ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ. [شُرُوط صِحَّة الْأُضْحِيَّة] قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ بِلَيْلٍ] : أَيْ لِأَنَّ الضَّحَايَا كَالْهَدَايَا فَلَا يُجْزِئُ مَا وَقَعَ مِنْهُمَا لَيْلًا. قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ بِذَبْحِ كَافِرٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ جَازَ أَكْلُهَا] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْكَافِرَ كِتَابِيٌّ وَإِلَّا فَالْمَجُوسِيُّ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ. قَوْلُهُ: [لَمْ تَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مِثْلُ مَا إذَا ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا.

وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ، وَيَغْرَمَ لَهُمْ مَا عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا وَيَذْبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ. (إلَّا) التَّشْرِيكَ (فِي الْأَجْرِ قَبْلَ الذَّبْحِ) لَا بَعْدَهُ، فَيَجُوزُ - (وَإِنْ) شَرَّكَ فِي الْأَجْرِ (أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ) مِنْ الْأَنْفَارِ - بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا لَهُ كَابْنِهِ وَأَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الزَّوْجَةُ، وَأَنْ يَكُونَ فِي نَفَقَتِهِ. وَأَنْ يَكُونَ سَاكِنًا مَعَهُ بِدَارٍ وَاحِدَةٍ؛ كَانَتْ النَّفَقَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ - كَالْأَخِ وَابْنِ الْعَمِّ - أَوْ وَاجِبَةً كَأَبٍ وَابْنٍ فَقِيرَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النُّقُولِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَيَغْرَمُ لَهُمْ مَا عَلَيْهِ] : وَمِثْلُهُ لَوْ أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ فِيهَا لَهُ قَبْلَ الذَّبْحِ. قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ] : أَيْ وَيَسْقُطُ طَلَبُهَا عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ مَنْ أَدْخَلَهُ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ مَعَهُ غَنِيًّا كَمَا يَأْتِي. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ عَمَّنْ أَشْرَكَهُمْ مَعَهُ إعْلَامُهُمْ بِالتَّشْرِيكِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ الْبَاجِيُّ وَعِنْدِي: أَنَّهُ يَصِحُّ لَهُ التَّشْرِيكُ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ بِذَلِكَ وَلِذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهَا صِغَارُ وَلَدِهِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ قَصْدُ الْقُرْبَةِ. قَوْلُهُ: [بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ] : فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فَلَا تُجْزِئُ عَنْ الْمُشْرِكِ بِالْكَسْرِ، وَلَا عَنْ الْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ، قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا لَهُ] : أَيْ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِ الْقَرَابَةِ، وَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَعِيدَ الْقَرَابَةِ عَلَى قَرِيبِهَا. قَوْلُهُ: [وَيُلْحِقُ بِهِ الزَّوْجَةَ] : قَالَ فِي الْبَيَانِ أَهْلُ بَيْتِ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُدْخِلَهُمْ مَعَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ أَزْوَاجُهُ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، كَانُوا مِمَّنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ أَوْ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ. قَوْلُهُ: [وَأَنْ يَكُونَ سَاكِنًا مَعَهُ] : هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ. وَخَالَفَ ابْنُ بَشِيرٍ فَجَعَلَ الْمُسَاكَنَةَ لَغْوًا - كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النُّقُولِ] : رَدٌّ بِذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ وَ (عب) وَالْخَرَشِيِّ حَيْثُ قَالُوا: لَا تُشْتَرَطُ السُّكْنَى إلَّا إنْ كَانَ الْإِنْفَاقُ تَبَرُّعًا فَإِنْ (بْن) قَالَ: اُنْظُرْ مِنْ أَيْنَ لَهُمْ هَذَا الْقَيْدُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ غَيْرَ مَا نَقَلَهُ الطِّخِّيخِيُّ مُسْتَدِلًّا بِكَلَامِ

وَإِلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إنْ قَرُبَ) الْمُشَرَّكُ بِالْفَتْحِ (لَهُ) : أَيْ لِرَبِّ الضَّحِيَّةِ الْمُشَرِّكُ بِالْكَسْرِ، (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ) وُجُوبًا: كَالْأَبِ وَالِابْنِ الْفَقِيرَيْنِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَى ذَلِكَ الْقَرِيبِ (تَبَرُّعًا) كَالْأَخِ (إنْ سَكَنَ مَعَهُ) بِدَارٍ وَاحِدَةٍ. وَحِينَئِذٍ (فَتَسْقُطُ) الضَّحِيَّةُ (عَنْ الْمُشَرَّكِ) بِالْفَتْحِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: هَذِهِ الشُّرُوطُ فِيمَا إذَا أَدْخَلَ غَيْرَهُ مَعَهُ، وَأَمَّا لَوْ ضَحَّى عَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يُدْخِلْ نَفْسَهُ مَعَهُمْ فَجَائِزٌ مُطْلَقًا حَصَلَتْ الشُّرُوطُ أَوْ بَعْضُهَا أَمْ لَا. (وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ: (السَّلَامَةُ) مِنْ الْعُيُوبِ الْبَيِّنَةِ؛ وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ عَوَرٍ) : فَلَا تُجْزِئُ عَوْرَاءُ وَلَوْ كَانَتْ صُورَةُ الْعَيْنِ قَائِمَةً. (وَفَقْدِ جُزْءٍ) : كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ وَلَوْ خِلْقَةً (غَيْرِ خُصْيَةٍ) بِضَمِّ الْعُجْمَةِ وَكَسْرِهَا وَهِيَ الْبَيْضَةُ، وَأَمَّا فَائِتُهَا أَيْ الْخَصِيُّ فَيَجْزِي إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا مِنْهُ مَرَضٌ بَيِّنٌ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ لِأَنَّ الْخِصَاءَ يَعُودُ عَلَى اللَّحْمِ بِسَمْنٍ وَمَنْفَعَةٍ. (وَبَكَمٍ وَبَخَرٍ وَصَمَمٍ) ، فَلَا تَجْزِي الْبَكْمَاءُ وَهِيَ فَاقِدَةُ الصَّوْتِ. وَلَا الْبَخْرَاءُ وَهِيَ مُنْتِنَةُ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَلَا الصَّمَّاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا سَمْعَ لَهَا. (وَصَمَعٍ وَعَجَفٍ وَبَتَرٍ) فَلَا تُجْزِي الصَّمْعَاءُ بِالْمَدِّ: وَهِيَ صَغِيرَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي فِي الْمَوَّاقِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَصْلًا. وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ السُّكْنَى مَعَهُ شَرْطٌ مُطْلَقًا (اهـ.) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [بِدَارٍ وَاحِدَةٍ] : أَيْ بِحَيْثُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ مَعَهُ بَابٌ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ جِهَاتُ تِلْكَ الدَّارِ. قَوْلُهُ: [وَحِينَئِذٍ فَتَسْقُطُ الضَّحِيَّةُ عَنْ الْمُشْرِكِ] : أَيْ فَتَسْقُطُ عَنْهُ سُنَّتُهَا إنْ كَانَ غَنِيًّا. قَوْلُهُ: [وَقَالَ اللَّخْمِيُّ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ. قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ عَوْرَاءُ] : وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُ إحْدَى عَيْنَيْهَا، وَكَذَا ذَهَابُ أَكْثَرِهِ، فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ لَا يَمْنَعُهَا النَّظَرَ أَجْزَأَتْ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا فَائِتُهَا أَيْ الْخَصِيُّ فَيُجْزِي] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ خِلْقَةً أَوْ بِقَطْعٍ.

الْأُذُنَيْنِ جِدًّا، وَلَا عَجْفَاءُ: وَهِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا لِهُزَالِهَا، وَلَا بَتْرَاءُ: وَهِيَ الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا. (وَكَسْرِ قَرْنٍ يُدْمِي) أَيْ لَمْ يَبْرَأْ، فَإِنْ بَرِئَ أَجْزَأَتْ. (وَيُبْسِ ضَرْعٍ) حَتَّى لَا يَنْزِلَ مِنْهَا لَبَنٌ، فَإِنْ أَرْضَعَتْ وَلَوْ بِالْبَعْضِ أَجْزَأَتْ. (وَذَهَابِ ثُلُثِ ذَنَبٍ) فَأَكْثَرَ لَا أَقَلَّ فَيُجْزِئُ. (وَبَيِّنِ مَرَضٍ، وَجَرَبٍ. وَبَشَمٍ) أَيْ تُخَمَةٍ (وَجُنُونٍ) ، وَهِيَ فَاقِدَةُ التَّمْيِيزِ، (وَعَرَجٍ) فَالْخَفِيفُ فِي الْجَمِيعِ لَا يَضُرُّ. (وَفَقْدِ أَكْثَرِ مِنْ سِنٍّ لِغَيْرِ إثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ) ، فَفَقْدُ السِّنِّ الْوَاحِدِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْأَكْثَرُ لِإِثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِمَا بِضَرْبٍ أَوْ مَرَضٍ فَمُضِرٌّ؛ (وَأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ أُذُنٍ كَشَقِّهَا) أَيْ الْأُذُنِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ، بِخِلَافِ فَقْدٍ أَوْ شَقِّ الثُّلُثِ فَلَا يَضُرُّ فِي الْأُذُنِ، بِخِلَافِ الذَّنَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالسَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ شَرْطُ صِحَّةٍ. (وَنُدِبَ سَلَامَتُهَا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ) الْإِجْزَاءَ: (كَمَرَضٍ خَفِيفٍ، وَكَسْرِ قَرْنٍ لَا يُدْمِي) بَلْ بَرِئَ. (وَ) نُدِبَ (غَيْرُ خَرْقَاءَ وَشَرْقَاءَ) وَغَيْرُ (مُقَابِلَةٍ وَمُدَابِرَةٍ) الْخَرْقَاءُ: هِيَ الَّتِي فِي أُذُنِهَا خَرْقٌ مُسْتَدِيرٌ، وَالشَّرْقَاءُ: مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، وَالْمُقَابِلَةُ: مَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ جِهَةِ وَجْهِهَا وَتُرِكَ مُعَلَّقًا، وَالْمُدَابِرَةُ: مَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ جِهَةِ خَلْفِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا ذَنَبَ لَهَا] : أَيْ خِلْقَةً أَوْ عُرُوضًا. قَوْلُهُ: [أَيْ لَمْ يَبْرَأْ] : تَفْسِيرٌ مُرَادٌ لِلْإِدْمَاءِ أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِدْمَاءِ حَقِيقَتَهُ، بَلْ عَدَمَ بُرْئِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَمٌ. قَوْلُهُ: [وَجُنُونٍ] : أَيْ إنْ كَانَ دَائِمًا لَا إنْ لَمْ يَدُمْ فَلَا يَضُرُّ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الذَّنَبِ] : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَطْعَ الذَّنَبِ يُشَوِّهُهَا زِيَادَةً عَلَى قَطْعِ الْأُذُنِ، لِأَنَّهُ عَصَبٌ وَلَحْمٌ بِخِلَافِ الْأُذُنِ فَهِيَ جِلْدٌ. قَوْلُهُ: [شَرْطُ صِحَّةٍ] : أَيْ الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ.

[مندوبات الأضحية ومكروهاتها]

وَتُرِكَ مُعَلَّقًا (وَ) نُدِبَ (سِمَنُهَا) أَيْ كَوْنُهَا سَمِينَةً (وَاسْتِحْسَانُهَا) أَيْ كَوْنُهَا حَسَنَةً فِي نَوْعِهَا. (وَ) نُدِبَ (إبْرَازُهَا لِلْمُصَلَّى) لِنَحْرِهَا، فِيهِ وَتَأَكَّدَ عَلَى الْإِمَامِ ذَلِكَ لِيُعْلِمَ النَّاسَ ذَبْحَهُ. وَكُرِهَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ عَدَمُ إبْرَازِهَا. (وَ) نُدِبَ لِلْمُضَحِّي - وَلَوْ امْرَأَةً (ذَبْحُهَا بِيَدِهِ) . (وَكُرِهَ) لَهُ (نِيَابَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) . (وَأَجْزَأَتْ) النِّيَابَةُ عَنْ رَبِّهَا. (وَإِنْ نَوَى) النَّائِبُ ذَبْحَهَا (عَنْ نَفْسِهِ) . وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ قَوْلُهُ: (كَذَبْحِ قَرِيبٍ) لِلْمُضَحِّي كَصَدِيقِهِ وَعَبْدِهِ (اعْتَادَهُ) أَيْ الذَّبْحَ لَهُ. (لَا) ذَبْحَ (أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَعْتَدْهُ) ، فَلَا يُجْزِي عَنْ الْمُضَحِّي وَعَلَيْهِ بَذْلُهَا (كَغَالِطٍ) اعْتَقَدَ أَنَّهَا لَهُ، فَإِذَا هِيَ لِغَيْرِهِ (فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَفِي) ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَنْدُوبَات الْأُضْحِيَّة وَمَكْرُوهَاتهَا] قَوْلُهُ: [وَتَأَكَّدَ عَلَى الْإِمَامِ ذَلِكَ] : أَيْ إنْ كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ] إلَخْ: أَيْ فَعَدَمُ إبْرَازِهَا فِي الْبَلَدِ الْكَبِيرِ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ آحَادِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءً يَنْدُبُ لِلْجَمِيعِ إبْرَازُ ضَحَايَاهُمْ لِأَجْلِ إظْهَارِ الشَّعِيرَةِ. قَوْلُهُ: [وَأَجْزَأَتْ النِّيَابَةُ عَنْ رَبِّهَا] إلَخْ: أَيْ إنْ كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْله وَإِنْ نَوَى النَّائِبُ ذَبْحَهَا إلَخْ أَيْ وَلَوْ مُتَعَمِّدًا بِخِلَافِ الْهَدْيِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [كَغَالِطٍ] : أَيْ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْمُتَعَمِّدُ. قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] : ثُمَّ إنْ أَخَذَ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا مِمَّنْ ذَبَحَهَا غَلَطًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلذَّابِحِ فِي اللَّحْمِ إلَّا الْأَكْلُ أَوْ الصَّدَقَةُ، لِأَنَّ ذَبْحَهُ عَلَى وَجْهِ الضَّحِيَّةِ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالِكُ اللَّحْمَ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْبَحْهُ عَلَى وَجْهِ التَّضْحِيَةِ بِهِ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ إذَا ذَكَّاهَا الْغَيْرُ غَلَطًا مَا لَمْ يَكُنْ رَبُّهَا نَاذِرًا لَهَا وَإِلَّا أَجْزَأَتْ عَنْ نَذْرِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً (اهـ) بَقِيَ مَا إذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ عَمْدًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ

إجْزَاءِ ذَبْحِ (أَجْنَبِيٍّ اعْتَادَ) الذَّبْحَ وَلَوْ مَرَّةً عَنْ غَيْرِهِ، فَذَبَحَ، فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ بِلَا نِيَابَةٍ مُعْتَمِدًا عَلَى عَادَتِهِ (قَوْلَانِ) : بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا قَرِيبٌ لَمْ يَعْتَدْهُ فَالْأَظْهَرُ مِنْ التَّرَدُّدِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. (وَ) كُرِهَ (قَوْلُهُ) أَيْ الْمُضَحِّي (عِنْدَ التَّسْمِيَةِ) لِلذَّبْحِ: (اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. (وَ) كُرِهَ لِلْمُضَحِّي (شُرْبُ لَبَنِهَا) لِأَنَّهُ نَوَاهَا لِلَّهِ. (وَ) كُرِهَ (جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَ الذَّبْحِ) . وَكُرِهَ (بَيْعُهُ) أَيْ الصُّوفِ إنْ جَزَّهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتِنَابَةٍ وَفِيهَا تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ رَبُّهَا نَذَرَهَا وَكَانَتْ مُعَيَّنَةً أَجْزَأَتْهُ وَسَقَطَ النَّذْرُ، وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً فَالنَّذْرُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ رَبُّهَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ نَذْرٌ فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ بِالْأَوْلَى مِنْ الْغَالِطِ. وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ إجْزَاءَهَا عَنْ الذَّابِحِ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا، وَالْفَرْقُ عَلَى هَذَا بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْغَائِطِ أَنَّ الْعَامِدَ دَاخِلٌ عَلَى ضَمَانِهَا فَكَأَنَّهُ مَلَكَهَا قَبْلَ الذَّبْحِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلُ أَهْل الْمَدِينَةِ] : جَوَابٌ عَنْ سُؤَالِ قَائِلٍ: كَيْف يُكْرَهُ ذَلِكَ وَالنَّبِيُّ قَالَهُ، فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَ. قَوْلُهُ: [شُرْبُ لَبَنِهَا] : أَيْ وَلَوْ نَوَاهُ حِينَ الْأَخْذِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ نَوَاهَا لِلَّهِ] : أَيْ وَالْإِنْسَانُ لَا يَعُودُ فِي قُرْبَتِهِ. قَوْلُهُ: [جَزَّ صُوفَهَا] : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْصِ جَمَالِهَا وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ جَزِّ الصُّوفِ إنْ لَمْ يَكُنْ الزَّمَانُ مُتَّسِعًا بِحَيْثُ يَنْبُتُ مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَلَمْ يَنْوِ الْجَزَّ حِينَ أَخَذَهَا وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.

[ما يمنع من بيع شيء من الأضحية أو البدل له]

(وَ) كُرِهَ (إطْعَامُ كَافِرٍ مِنْهَا) . (وَ) كُرِهَ (فِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ. (وَمُنِعَ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا) مِنْ جِلْدٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ لَحْمٍ، وَلَا يُعْطِي الْجَزَّارَ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا فِي نَظِيرِ جِزَارَتِهِ هَذَا إنْ أَجْزَأَتْهُ ضَحِيَّةٌ، بَلْ (وَإِنْ) لَمْ تُجِزْ كَأَنْ (سَبَقَ الْإِمَامَ) بِذَبْحِهَا، (أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَ الذَّبْحِ) قَبْلَ تَمَامِهِ، (أَوْ قَبْلَهُ أَوْ ذَبَحَ الْمَعِيبَ جَهْلًا) بِالْعَيْبِ أَوْ بِكَوْنِهِ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ لِلَّهِ تَعَالَى. (وَ) مُنِعَ (الْبَدَلُ) لَهَا أَوْ لِشَيْءٍ مِنْهَا (بَعْدَهُ) أَيْ الذَّبْحِ بِشَيْءٍ مُجَانِسٍ لِلْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَإِلَّا كَانَ بَيْعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ، (إلَّا لِمُتَصَدِّقٍ) عَلَيْهِ، (وَمَوْهُوبٍ) لَهُ فَيَجُوزُ لَهُمَا بَيْعُ مَا تَصَدَّقَ أَوْ وُهِبَ لَهُمَا، وَلَوْ عَلِمَ رَبُّهَا بِذَلِكَ. (وَ) إذَا وَقَعَ بَيْعٌ مِنْ رَبِّهَا أَوْ إبْدَالٌ (فُسِخَ) إنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا لَمْ يَفُتْ، (فَإِنْ فَاتَ) الْمَبِيعُ بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ (وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْعِوَضِ) إنْ كَانَ قَائِمًا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَكُرِهَ إطْعَامُ كَافِرٍ مِنْهَا] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُرْسِلْ لَهُ فِي بَيْتِهِ وَأَكَلَ فِي عِيَالِهِ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَفَصَلَ ابْنُ رُشْدٍ فَجَعَلَ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إنْ أَرْسَلَ لَهُ فِي بَيْتِهِ، وَأَمَّا فِي عِيَالِهِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَاسْتَظْهَرَ فِي الْأَصْلِ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا. قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ فِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَإِلَّا فَيَنْدُبُ لِلْوَارِثِ إنْفَاذُهَا، وَكَذَا يُكْرَهُ التَّغَالِي فِي ثَمَنِهَا زِيَادَةً عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الْمُبَاهَاةِ، وَتُكْرَهُ أَيْضًا الْعَتِيرَةُ - كَجَبِيرَةٍ - وَهِيَ: شَاةٌ كَانَتْ تُذْبَحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِرَجَبٍ، وَكَانَتْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالضَّحِيَّةِ. [مَا يَمْنَع مِنْ بَيْع شَيْء مِنْ الْأُضْحِيَّة أَوْ الْبَدَل لَهُ] قَوْلُهُ: [أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَ الذَّبْحِ] إلَخْ: أَيْ وَذَبَحَهَا بِالْفِعْلِ، وَإِلَّا فَلَوْ أَبْقَاهَا حَيَّةً جَازَ لَهُ فِيهَا الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالذَّبْحِ. قَوْلُهُ: [بَعْدَهُ] : أَيْ الذَّبْحِ أَيْ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَيْسَ الْإِبْدَالُ بِمَمْنُوعٍ مَا لَمْ تَكُنْ مَنْذُورَةً بِعَيْنِهَا.

(مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ لَا، (فَإِنْ فَاتَ) الْعِوَضُ أَيْضًا بِصَرْفٍ فِي لَوَازِمِهِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ بِضَيَاعِهِ أَوْ تَلَفِهِ (فَبِمِثْلِهِ) يَتَصَدَّقُ وُجُوبًا. (إلَّا أَنْ يَتَوَلَّاهُ) أَيْ الْبَيْعَ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُضَحِّي كَوَكِيلِهِ أَوْ صَدِيقِهِ أَوْ قَرِيبِهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ فِي بَيْعِهِ (وَصَرْفِهِ) الْغَيْرَ (فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ) مِنْ نَفَقَةِ عِيَالٍ أَوْ وَفَاءِ دَيْنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِأَنْ صَرَفَهُ فِي تَوْسِعَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهِ حِينَئِذٍ. وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ غَيْرُهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ لَوَجَبَ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهِ كَمَا لَوْ تَوَلَّاهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِ صَرْفٍ فِيمَا يَلْزَمُهُ أَوَّلًا، وَهُوَ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ. (كَأَرْشِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ ذَبْحِهَا؛ فَالْأَرْشُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْبَائِعِ فِي نَظِيرِهِ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ وَلَا يَتَمَلَّكُهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، كَالْعَوَرِ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِأَرْشِهِ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا لِعَدَمِ إجْزَائِهَا. وَ (إنَّمَا تَتَعَيَّنُ) ضَحِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا (بِالذَّبْحِ) لَا بِالنَّذْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرَهُ] إلَخْ: تَفْسِيرٌ لِلْإِطْلَاقِ فَتَحْتَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ فَاتَ الْعِوَضُ] : أَيْ كَمَا فَاتَ الْمَبِيعُ. قَوْلُهُ: [فَبِمِثْلِهِ يَتَصَدَّقُ] : أَيْ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا. قَوْلُهُ: [فَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهِ حِينَئِذٍ] : حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْعِوَضِ أَنَّ الصُّوَرَ سِتٌّ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ الْعِوَضِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا فِي خَمْسٍ وَهِيَ مَا إذَا تَوَلَّى الْبَيْعَ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، سَوَاءٌ صَرَفَ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّي أَمْ لَا، أَوْ تَوَلَّاهُ الْغَيْرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَصَرَفَهُ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ وَأَمَّا لَوْ تَوَلَّاهُ الْغَيْرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَصَرَفَهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُضَحِّي. قَوْلُهُ: [لَا بِالنَّذْرِ] : أَيْ لِقَوْلِ الْمُقَدِّمَاتِ: لَا تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ إلَّا بِالذَّبْحِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ (اهـ) . وَهَذَا فِي الْوُجُوبِ الَّذِي يُلْغِي طُرُوُّ الْعَيْبِ بَعْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَفَادَهُ الشَّارِحُ، فَإِنْ نَذَرَهَا ثُمَّ أَصَابَهَا عَيْبٌ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ كَمَا قَالَ عَبْدُ السَّلَامِ، لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُكَلَّفِ وَالْتِزَامَهُ لَا يَرْفَعُ مَا طَلَبَ

وَلَا بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالتَّمْيِيزِ لَهَا، فَإِنْ حَصَلَ لَهَا عَيْبٌ بَعْدَمَا ذُكِرَ لَمْ تَجُزْ ضَحِيَّةً وَلَمْ تُعَيَّنْ لِلذَّبْحِ، فَلَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَتَعَيَّبْ فَيَجِبُ ذَبْحُهَا بِنَذْرِهَا. وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ تَعَيَّنَتْ بَعْدَهُ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا ضَحِيَّةً. ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْهُ الشَّارِعُ فِعْلَهُ يَوْمَ الْأَضْحَى مِنْ ذَبْحِ شَاةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ. بِخِلَافِ طُرُوُّ الْعَيْبِ فِي الْهَدْيِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ ذَبْحُهُ وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا هَذَا هُوَ الْمُرَادُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَدَمَ وُجُوبِ الضَّحِيَّةِ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا بَلْ نَذْرُهَا يُوجِبُ ذَبْحَهَا وَيَمْنَعُ بَيْعَهَا وَبَدَلَهَا. قَوْلُهُ: [فَلَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ] : أَيْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِوَضٌ حَيْثُ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، غَايَةُ مَا هُنَاكَ يُطَالَبُ بِسُنَّةِ الضَّحِيَّةِ إنْ كَانَ غَنِيًّا. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ] : أَيْ فَيَكُونُ نَذْرُهَا كَتَعْيِينِ الْهَدْيِ بِالتَّقْلِيدِ. تَتِمَّةٌ: يَجُوزُ إبْدَالُ الضَّحِيَّةِ بِدُونِهَا وَبِمُسَاوِيهَا هَذَا إذَا كَانَ الْإِبْدَالُ اخْتِيَارِيًّا، بَلْ وَإِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا كَاخْتِلَاطٍ لَهَا مَعَ غَيْرِهَا. لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ لِصَاحِبِهِ إلَّا بِقُرْعَةٍ فَلَا يُكْرَهُ؛ لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ ذَبْحُ أُخْرَى أَفْضَلَ مِنْهَا. وَيُكْرَهُ لَهُ ذَبْحُهَا. فَإِنْ أَخَذَ الدُّونَ بِلَا قُرْعَةٍ وَذَبَحَهُ فَفِيهِ كَرَاهَتَانِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَخْذُ عِوَضِ الضَّحِيَّةِ إنْ اخْتَلَطَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ: لِأَنَّ هَذَا لَا يُقْصَدُ. بِهِ الْمُعَاوَضَةُ وَلِأَنَّهَا شَرِكَةٌ ضَرُورِيَّةٌ، فَأَشْبَهَتْ شَرِكَةَ الْوَرَثَةِ فِي لَحْمِ أُضْحِيَّةِ مُوَرِّثِهِمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ قَسْمُهَا عَلَى حَسَبِ الْمَوَارِيثِ، وَلَوْ ذُبِحَتْ لَكِنْ بَعْدَ الذَّبْحِ بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ بِالتَّرَاضِي، لِأَنَّهَا بَيْعٌ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا فِي دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ مَا لَمْ تُذْبَحْ.

[فصل في العقيقة وأحكامها]

فَصْلٌ: فِي الْعَقِيقَةِ وَأَحْكَامِهَا وَهِيَ مَا تُذْبَحُ مِنْ النَّعَمِ فِي سَابِعِ وِلَادَةِ الْمَوْلُودِ، وَبَدَأَ بِبَيَانِ حُكْمِهَا الْأَصْلِيِّ بِقَوْلِهِ: (الْعَقِيقَةُ مَنْدُوبَةٌ) عَلَى الْحُرِّ الْقَادِرِ. (وَهِيَ كَالضَّحِيَّةِ) فِي السِّنِّ وَفِيمَا يُجْزِئُ وَفِيمَا لَا يُجْزِي وَفِي كَوْنِهَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. تُذْبَحُ (فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ نَهَارًا) مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا تُجْزِي لَيْلًا. (وَأُلْغِيَ يَوْمُهَا) أَيْ الْوِلَادَةِ (إنْ وُلِدَ نَهَارًا) بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا يُعَدُّ مِنْ السَّبْعَةِ. فَإِنْ وُلِدَ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ حُسِبَ مِنْهَا (وَتَسْقُطُ بِغُرُوبِهِ) أَيْ السَّابِعِ كَمَا تَسْقُطُ الْأُضْحِيَّةُ بِغُرُوبِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ. (وَتَعَدَّدَتْ) الْعَقِيقَةُ (بِتَعَدُّدِهِ) : أَيْ الْمَوْلُودِ. فَلِكُلِّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى عَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصَلِّ فِي الْعَقِيقَة وَأَحْكَامهَا] [مَنْدُوبَات الْعَقِيقَة وَمَكْرُوهَاتهَا] قَوْلُهُ: [مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ] : جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْوَقْتَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مُسْتَحَبًّا وَهُوَ مِنْ الصَّحْوَةِ لِلزَّوَالِ، وَمَكْرُوهًا وَهُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمَمْنُوعًا وَهُوَ اللَّيْلُ فَلَا تُجْزِئُ إذَا ذُبِحَتْ فِيهِ. قَوْلُهُ: [وَتَسْقُطُ بِغُرُوبِهِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فِيهِ، وَقِيلَ: لَا تَفُوتُ بِفَوَاتِ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ، بَلْ تُفْعَلُ يَوْمَ الْأُسْبُوعِ الثَّانِي، فَإِنْ لَمْ تُفْعَلْ فَفِي الْأُسْبُوعِ الثَّالِثِ، وَلَا تُفْعَلُ بَعْدَهُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَسْقُطُ أَصْلًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا أَبُوهُ طُولِبَ بِهَا هُوَ بَعْدَ الْبُلُوغِ. قَوْلُهُ: [عَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ] : خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَعُقُّ عَنْ الْأُنْثَى بِوَاحِدَةٍ، وَعَنْ الذَّكَرِ بِاثْنَتَيْنِ، فَلَوْ وُلِدَ تَوْأَمَانِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ عَقَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدَةً.

[الختان والخفاض]

(وَنُدِبَ ذَبْحُهَا بَعْدَ) طُلُوعِ (الشَّمْسِ) . (وَ) نُدِبَ (حَلْقُ رَأْسِهِ) يَوْمَهَا. (وَ) نُدِبَ (التَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ) أَيْ الْمَوْلُودِ (ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً) . (وَ) نُدِبَ (تَسْمِيَةُ) أَيْ الْمَوْلُودِ (يَوْمَهَا) أَيْ الْعَقِيقَةِ وَخَيْرُ الْأَسْمَاءِ مَا عُبِّدَ أَوْ حُمِّدَ فَإِنْ، لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ سُمِّيَ فِي أَيِّ يَوْمٍ شَاءَ. (وَكُرِهَ خِتَانُهُ فِيهِ) : أَيْ فِي السَّابِعِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ. (وَ) كُرِهَ (لَطْخُهُ بِدَمِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. (وَ) كُرِهَ (عَمَلُهَا وَلِيمَةً) بِأَنْ يَجْمَعَ عَلَيْهَا النَّاسَ كَوَلِيمَةِ الْعُرْسِ، بَلْ يَتَصَدَّقَ مِنْهَا وَيُطْعِمَ مِنْهَا الْجَارَ فِي بَيْتِهِ، وَيُهْدِيَ مِنْهَا وَيَأْكُلَ كَالضَّحِيَّةِ. (وَجَازَ كَسْرُ عِظَامِهَا) خِلَافًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ. (وَ) جَازَ (تَلْطِيخُهُ) أَيْ الْمَوْلُودِ (بِخَلُوقٍ) أَيْ طِيبٍ بَدَلًا عَنْ الدَّمِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ. (وَالْخِتَانُ) لِلذَّكَرِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاجِبٌ. (وَالْخِفَاضُ فِي الْأُنْثَى مَنْدُوبٌ كَعَدَمِ النَّهْكِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ تَخْفِضُ الْإِنَاثَ: اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي» أَيْ لَا تَجُورِي فِي قَطْعِ اللَّحْمَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ حَلْقُ رَأْسِهِ] إلَخْ: أَيْ وَلِذَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فِي سَابِعِ الْمَوْلُودِ نَدْبًا يَفْعَلُ ... عَقِيقَةً وَحَلْقَ رَأْسِ أَوَّلُ وَوَزْنُهُ نَقْدًا تَصَدَّقَنْ بِهِ ... وَسَمِّهِ وَإِنْ يَمُتْ مِنْ قَبْلِهِ إنْ عَنْهُ قَدْ عَقَّ وَإِلَّا سُمِّي ... فِي أَيِّ يَوْمٍ شَاءَهُ الْمُسَمِّي وَكُلُّ ذَا فِي سَابِعٍ وَالْخَتْنُ فِي ... زَمَانِ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فَاعْرِفْ [الْخِتَان وَالْخِفَاض] قَوْلُهُ: [لِمَنْ تَخْفِضْ الْإِنَاثَ] : أَيْ وَهِيَ أُمُّ عَطِيَّةَ فَإِنَّهُ قَالَ لَهَا: «اخْفِضِي وَلَا تَنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أَيْ لَا تُبَالِغِي، وَأَسْرَى أَيْ أَشْرَفُ لِلَوْنِهِ، وَأَحْظَى أَيْ أَلَذُّ عِنْدَ الْجِمَاعِ، لِأَنَّ الْجِلْدَةَ تَشْتَدُّ مَعَ الذَّكَرِ عِنْدَ كَمَالِهَا فَتَقْوَى الشَّهْوَةُ لِذَلِكَ، قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْبِقَ إلَى جَوْفِ الْمَوْلُودِ الْحَلَاوَةُ

النَّاتِئَةِ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ فَوْقَ الْفَرْجِ، فَإِنَّهُ يُضْعِفُ بَرِيقَ الْوَجْهِ وَلَذَّةَ الْجِمَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَكَانَ يُتَوَصَّلُ لِحِلِّ أَكْلِهَا بِالذَّكَاةِ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا فَعَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ. تَتِمَّةٌ: إنْ بَلَغَ الشَّخْصُ قَبْلَ الْخِتَانِ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْخِتَانِ فَهَلْ يَتْرُكُهُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا التَّرْكُ، لِأَنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ يَسْقُطُ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ، فَالسُّنَّةُ أَحْرَى وَلَا يَجُوزُ لِلْبَالِغِ أَنْ يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ لِغَيْرِهِ لِأَجْلِ الْخِتَانِ، بَلْ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْفِعْلُ بِنَفْسِهِ سَقَطَتْ السُّنَّةُ، وَسُقُوطُهَا عَنْ الْأُنْثَى أَوْلَى بِذَلِكَ، فَإِنْ وُلِدَ مَخْتُونًا فَقِيلَ يَمُرُّ الْمُوسَى، فَإِنْ بَقِيَ مَا يُقْطَعُ قَطَعَ، وَقِيلَ قَدْ كَفَى الْمُؤْنَةَ وَاسْتَظْهَرَ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

[باب في بيان حقيقة الذكاة]

بَابٌ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الذَّكَاةِ وَأَنْوَاعِهَا وَشُرُوطِهَا وَمَنْ تَصِحُّ مِنْهُ وَمَنْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (الذَّكَاةُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ: " أَنْوَاعٌ " خَبَرُهُ اعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا بِبَيَانِ حَقِيقَتِهَا بِقَوْلِهِ: (وَهِيَ السَّبَبُ الْمُوَصِّلُ لِحِلِّ أَكْلِ الْحَيَوَانِ) الْبَرِّيِّ؛ إذْ الْبَحْرِيُّ لَا يَحْتَاجُ لَهَا كَمَا يَأْتِي (اخْتِيَارًا) أَيْ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ ضِدِّ الِاضْطِرَارِ. (أَنْوَاعٌ) أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ (ذَبْحٌ) فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالطُّيُورِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَاب فِي بَيَان حَقِيقَة الذَّكَاة] [الذَّبْح] بَابٌ هِيَ لُغَةً التَّمَامُ، يُقَالُ ذَكَّيْت الذَّبِيحَةَ إذَا أَتْمَمْت ذَبْحَهَا، وَالنَّارُ إذَا أَتْمَمْت إيقَادَهَا، وَرَجُلٌ ذَكِيٌّ تَامُّ الْفَهْمِ، وَشَرْعًا: هُوَ حَقِيقَتُهَا الَّتِي قَالَهَا الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [وَأَنْوَاعُهَا] : سَيَأْتِي أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ. قَوْلُهُ: [وَشُرُوطُهَا] : أَيْ السَّبْعَةُ الَّتِي سَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ: (مُمَيِّزٌ) إلَى قَوْلِهِ: (بِنِيَّةٍ) . قَوْلُهُ: [وَمَنْ تَصِحُّ مِنْهُ] : وَهُوَ مَنْ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ. وَقَوْلُهُ: [وَمَنْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ] : أَيْ وَهُوَ مَنْ اخْتَلَّ مِنْهُ الشُّرُوطُ أَوْ بَعْضُهَا. قَوْلُهُ: [الذَّكَاةُ مُبْتَدَأٌ] : أَرَادَ بِهَا الْجِنْسَ فَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: (أَنْوَاعٌ) . قَوْلُهُ: [وَهِيَ السَّبَبُ] : أَيْ الشَّرْعِيُّ لَا الْعَادِيُّ وَلَا الْعَقْلِيُّ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ تَعَبَّدَنَا بِهِ الشَّارِعُ، وَإِنْ لَمْ نَعْقِلْ لَهُ مَعْنًى. قَوْلُهُ: [الْبَرِّيُّ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالْجَرَادِ فَإِنَّهُ يُفْتَقَرُ فِي حِلِّ أَكْلِهِ لَهَا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [أَيْ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ] : أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ اخْتِيَارًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْأَكْلِ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ حَالَةِ الِاضْطِرَارِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ الْحِلُّ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ. قَوْلُهُ: [فِي الْبَقَرِ] : مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ الْجَامُوسَ، فَالْأَصْلُ فِيهَا الذَّبْحُ،

وَالْوُحُوشِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهَا مَا عَدَا الزَّرَافَةَ. (وَهُوَ) : أَيْ الذَّبْحُ أَيْ حَقِيقَتُهُ: (قَطْعُ مُمَيِّزٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ، خَرَجَ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ، فَلَا يَصِحُّ ذَبْحُهُ لِعَدَمِ الْقَصْدِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا. (مُسْلِمٍ أَوْ) كَافِرٍ (كِتَابِيٍّ) خَرَجَ الْكَافِرُ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ كَالْمَجُوسِيِّ وَالْمُشْرِكِ وَالدَّهْرِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، فَلَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُمْ، وَشَمِلَ الْكِتَابِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَالْيَهُودِيَّ، فَتَصِحُّ مِنْهُمْ بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ: (جَمِيعَ الْحُلْقُومِ) : وَهُوَ الْقَصَبَةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا النَّفَسُ بِفَتْحِ الْفَاءِ فَلَا يَكْفِي بَعْضُهُ وَلَا الْمُغَلْصِمَةُ. كَمَا يَأْتِي. (وَ) جَمِيعِ (الْوَدَجَيْنِ) وَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ يَتَّصِلُ بِهِمَا أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ، وَيَتَّصِلَانِ بِالدِّمَاغِ فَهُمَا مِنْ الْمَقَاتِلِ، فَلَوْ قُطِعَ أَحَدُهُمَا وَأُبْقِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيَجُوزُ فِيهَا النَّحْرُ بِكُرْهٍ وَلَوْ وَحْشِيَّةً، وَأَمَّا الْغَنَمُ وَالطُّيُورُ وَالْوُحُوشُ غَيْرَ الْبَقَرِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهَا الذَّبْحُ. قَوْلُهُ: [الْمَقْدُورُ عَلَيْهَا] : يُحْتَرَزُ عَنْ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهَا فَيَكْفِي فِيهَا الْعَقْرُ وَهُوَ أَحَدُ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ. قَوْلُهُ: [مَا عَدَا الزَّرَافَةَ] : أَيْ وَالْفِيلَ فَإِنَّهُمَا يُنْحَرَانِ كَالْإِبِلِ. قَوْلُهُ: [الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا] : أَيْ وَهُوَ قَصْدُ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ حِلَّهَا، وَهَذَا هُوَ النِّيَّةُ الْآتِيَةُ. قَوْلُهُ: [مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ كِتَابِيٌّ] : هُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " يُنَاكَحُ " كَمَا حَلَّ بِهِ شُرَّاحُهُ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ خَلِيلٍ. قَوْلُهُ: [بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ] : أَيْ وَهِيَ قَوْلُهُ أَنْ يُذْبَحَ مَا يَحِلُّ لَهُ بِشَرْعِنَا إلَخْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الْكِتَابِيِّ بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مَجُوسِيًّا وَتَهَوَّدَ، أَوْ يَهُودِيًّا بَدَّلَ وَغَيَّرَ كَالسَّامِرِيَّةِ فِرْقَةٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَلَا الصَّابِئِينَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُمْ نَصَارَى، لَكِنْ لِعِظَمِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلنَّصَارَى أُلْحِقُوا بِالْمَجُوسِ، كَذَا قَالَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: [كَمَا يَأْتِي] : رَاجِعٌ لِقَطْعِ بَعْضِ الْحُلْقُومِ وَالْمُغَلْصَمَةِ.

الْآخَرُ أَوْ بَعْضُهُ لَمْ تُؤْكَلْ. وَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْمَرِيءِ الْمُسَمَّى بِالْبُلْعُومِ وَهُوَ عِرْقٌ أَحْمَرُ تَحْتَ الْحُلْقُومِ مُتَّصِلٌ بِالْفَمِ وَرَأْسِ الْمَعِدَةِ يَجْرِي فِيهِ الطَّعَامُ إلَيْهَا، وَاشْتَرَطَهُ الشَّافِعِيُّ. (مِنْ الْمُقَدَّمِ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَطْعٍ؛ فَلَا يُجْزِئُ الْقَطْعُ مِنْ الْقَفَا، لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ بِهِ النُّخَاعُ الْمُتَّصِلُ بِالرَّقَبَةِ وَسِلْسِلَةِ الظَّهْرِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ، فَتَكُونُ مَيْتَةً. وَأَمَّا لَوْ ابْتَدَأَ مِنْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ وَمَالَ بِالسِّكِّينِ إلَى الصَّفْحَةِ الثَّانِيَةِ فَتُؤْكَلُ إذَا لَمْ يَنْخَعْهَا ابْتِدَاءً. فَإِذَا لَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ عَلَى قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ فَقَلَبَهَا وَأَدْخَلَهَا تَحْتَ الْأَوْدَاجِ وَالْحُلْقُومِ وَقَطَعَهَا، فَقَالَ سَحْنُونَ وَغَيْرُهُ: لَمْ تُؤْكَلْ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي ذَبْحِ الطُّيُورِ مِنْ الْجَهَلَةِ. (بِمُحَدِّدٍ) : مُتَعَلِّقٌ ب " قَطَعَ "، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُحَدِّدُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَزُجَاجٍ وَحَجَرٍ لَهُ حَدٌّ وَبُوصٌ؛ احْتِرَازًا مِنْ الدَّقِّ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ النَّهْشِ أَوْ الْقَطْعِ بِالْيَدِ فَلَا يَكْفِي. (بِلَا رَفْعٍ) لِلْآلَةِ (قَبْلَ التَّمَامِ) ، أَيْ تَمَامِ الذَّبْحِ. (بِنِيَّةِ) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ: أَيْ قَطْعٍ مُصَاحِبٍ لِنِيَّةٍ وَقَصْدٍ لِإِحْلَالِهَا؛ احْتِرَازًا عَمَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَبْقَى الْآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ لَمْ تُؤْكَلْ] : أَيْ بِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْمَرِيءِ] : بِوَزْنِ أَمِيرٍ. قَوْلُهُ: [وَاشْتَرَطَهُ الشَّافِعِيُّ] : فَيَجِبُ عَلَى الْمَالِكِيِّ إنْ بَاعَ الذَّبِيحَةَ الَّتِي لَمْ يَقْطَعْ فِيهَا الْمَرِيءَ لِشَافِعِيٍّ الْبَيَانُ وَكَذَا لَوْ ضَيَّفَهُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ الْقَطْعُ مِنْ الْقَفَا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ فِي ضَوْءٍ أَوْ ظَلَامٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَوْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا فِي ظَلَامٍ وَظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَ وَجْهَ الذَّبْحِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ لَمْ تُؤْكَلْ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ يَقْطَعُ بِهِ النُّخَاعَ] : هُوَ مُخٌّ أَبْيَضُ فِي فَقَارِ الْعُنُقِ وَالظَّهْرِ. قَوْلُهُ: [فَإِذَا لَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ] : لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مَعَ كَوْنِ السِّكِّينِ حَادَّةً لَمْ تُؤْكَلْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِمُخَالَفَةِ سُنَّةِ الذَّبْحِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مِنْ غَيْرِهِ] : أَيْ مَا عَدَّا السِّنَّ وَالْعَظْمَ وَسَيَأْتِي فِيهِمَا الْخِلَافُ. قَوْلُهُ: [وَقَصْدٌ لِإِحْلَالِهَا] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلنِّيَّةِ وَقَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْخَرَشِيَّ وَهُوَ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ مَعْنَاهَا قَصْدُ التَّذْكِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ تَحْلِيلَهَا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ وَذِكْرُهُ لِلْمُحْتَرِزَاتِ يُفِيدُ الْمُعْتَمَدَ،

لَوْ قَصَدَ مُجَرَّدَ مَوْتِهَا، أَوْ قَصَدَ ضَرْبَهَا فَأَصَابَ مَحَلَّ الذَّبْحِ، أَوْ كَانَ الْقَاطِعُ لِلْمَحَلِّ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَلَا تُؤْكَلُ، فَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ قَبْلَ التَّمَامِ وَطَالَ عُرْفًا ثُمَّ عَادَ وَتَمَّمَ الذَّبْحُ لَمْ تُؤْكَلْ إنْ كَانَ أَنْفَذَ بَعْضَ مَقَاتِلِهَا، بِأَنْ قَطَعَ وَدَجًا أَوْ بَعْضَ الْوَدَجَيْنِ. (وَلَا يَضُرُّ يَسِيرُ فَصْلٍ) ، أَيْ كَمَا لَوْ رَفَعَ يَدَهُ لِعَدَمِ حَدِّ السِّكِّينِ وَأَخَذَ غَيْرَهَا أَوْ سَنَّهَا وَلَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، (وَلَوْ رَفَعَهَا اخْتِيَارًا) : وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ طَالَ الْفَصْلُ ضَرَّ مُطْلَقًا رَفَعَ اخْتِيَارًا أَوْ اضْطِرَارًا وَإِنْ لَمْ يَطُلْ لَمْ يَضُرَّ مُطْلَقًا. وَالطُّولُ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ؛ وَهَذَا إذَا أَنْفَذَ بَعْضَ مَقَاتِلِهَا، وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ مُطْلَقًا فِي الْأَرْبَعِ صُوَرٍ، لِأَنَّ الثَّانِيَةَ حِينَئِذٍ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لَكِنْ تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ إنْ طَالَ، لَا إنْ لَمْ يَطُلْ وَقَطْعُ الْحُلْقُومِ لَيْسَ مِنْ الْمَقَاتِلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَسَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِذَلِكَ الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: [وَالطُّولُ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ] : أَيْ وَلَا يُحَدُّ بِثَلَثِمِائَةِ بَاعٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ - أَخْذًا مِنْ فَتْوَى ابْنِ قَدَّاحٍ - فِي ثَوْرٍ أَضْجَعَهُ الْجَزَّارُ وَجَرَحَهُ فَقَامَ هَارِبًا وَالْجَزَّارُ وَرَاءَهُ، ثُمَّ أَضْجَعَهُ ثَانِيًا وَكَمَّلَ ذَبْحَهُ فَأَفْتَى ابْنُ قَدَّاحٍ بِأَكْلِهِ، وَكَانَتْ مَسَافَةُ الْهُرُوبِ ثَلَثَمِائَةِ بَاعٍ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَصْلِ: هَذَا التَّحْدِيدُ لَا يُوَافِقُهُ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ، عَلَى أَنَّ فَتْوَى ابْنِ قَدَّاحٍ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى التَّحْدِيدِ بِمَسَافَةِ الْقُرْبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الذَّبِيحَةَ لَمْ تَكُنْ مَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تُؤْكَلُ مُطْلَقًا عَادَ عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ مُطْلَقًا فِي الْأَرْبَعِ صُوَرٍ] : ظَاهِرُ الشَّارِحِ أَنَّ الصُّوَرَ ثَمَانٍ؛ أَرْبَعٌ فِي مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ، وَأَرْبَعٌ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ. وَلَك أَنْ تَجْعَلَهَا سِتَّةَ عَشَرَ بِأَنْ تَقُولَ: إذَا عَادَ عَنْ قُرْبٍ أُكِلَتْ مُطْلَقًا؛ أَنَفَذَتْ الْمَقَاتِلُ أَمْ لَا، رُفِعَ اخْتِيَارًا أَوْ اضْطِرَارًا، كَانَ الْعَائِدُ الْأَوَّلَ أَوْ غَيْرَهُ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ. وَأَمَّا إنْ عَادَ عَنْ بُعْدٍ فَإِنْ لَمْ تَنْفُذْ الْمَقَاتِلُ أُكِلَتْ مُطْلَقًا رُفِعَ اخْتِيَارًا أَوْ اضْطِرَارًا كَانَ الْعَائِدُ الْأَوَّلَ أَوْ غَيْرَهُ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ إذَا نَفَذَتْ لَمْ تُؤْكَلْ مُطْلَقًا، رُفِعَ اخْتِيَارًا أَوْ اضْطِرَارًا، كَانَ الْعَائِدُ الْأَوَّلَ أَوْ غَيْرَهُ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ فَتُؤْكَلُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ وَلَا تُؤْكَلُ فِي أَرْبَعٍ. قَوْلُهُ: [لَكِنْ تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ إنْ طَالَ] : هَذَا إذَا كَانَ الْعَائِدُ لِلذَّبْحِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا لَوْ عَادَ لِلذَّبْحِ غَيْرُ الْأَوَّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ مُطْلَقًا طَالَ أَمْ لَا.

[من أنواع الذكاة النحر]

وَإِذَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ جَمِيعِ الْحُلْقُومِ (فَلَا تُجْزِئُ مُغَلْصِمَةٌ) : وَهِيَ مَا انْحَازَتْ الْجَوْزَةُ فِيهَا لِجِهَةِ الْبَدَنِ، لِأَنَّ الْقَطْعَ حِينَئِذٍ صَارَ فَوْقَ الْحُلْقُومِ؛ فَالشَّرْطُ أَنْ يُبْقِيَ الْجَوْزَةَ أَوْ بَعْضَهَا كَدَائِرَةِ حَلْقَةِ الْخَاتَمِ جِهَةَ الرَّأْسِ حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَطَعَ الْحُلْقُومَ. وَقَطْعُ الْحُلْقُومِ شَرْطٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا فَالْمُغَلْصِمَةُ لَا تُجْزِئُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا؛ خِلَافًا لِمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّهَا تُؤْكَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَصَارَ النَّاسُ يُقَلِّدُونَهُ إنْ نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النَّازِلَةُ وَهُوَ نَقْلٌ خَطَأٌ لَا أَصْلَ لَهُ. نَعَمْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُؤْكَلُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ قَطْعِ الْحُلْقُومِ عِنْدَهُمْ. (وَلَا) يُجْزِئُ (نِصْفُ الْحُلْقُومِ) : أَيْ قَطْعُهُ (عَلَى الْأَصَحِّ) مِنْ الْخِلَافِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ بَقِيَ قَدْرُ نِصْفِ الدَّائِرَةِ مِنْ الْجَوْزَةِ لِجِهَةِ الرَّأْسِ، بِأَنْ كَانَ الْمُنْحَازُ لِجِهَةِ الرَّأْسِ مِثْلَ الْقَوْسِ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ قَطَعَ جَمِيعَ الْوَدَجَيْنِ وَإِلَّا فَلَا يَكْفِي قَطْعًا. (وَ) النَّوْعُ الثَّانِي (نَحْرٌ) لِإِبِلٍ وَزَرَافَةٍ وَيَجُوزُ بِكُرْهٍ فِي بَقَرٍ كَمَا يَأْتِي. (وَهُوَ) أَيْ النَّحْرُ (طَعْنُهُ) : أَيْ لِلْمُمَيَّزِ الْمُسْلِمِ بِمُسِنٍّ (بِلَبَّةٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ: وَهِيَ النَّقْرَةُ الَّتِي فَوْقَ التَّرْقُوَةِ وَتَحْتَ الرَّقَبَةِ؛ فَلَا رَفْعَ قَبْلَ التَّمَامِ وَلَا يَضُرُّ يَسِيرُ فَصْلٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَنْ يُبْقِيَ الْجَوْزَةَ] : ظَاهِرُهُ أَنْ يَتَأَتَّى انْحِيَازُهَا كُلُّهَا لِجِهَةِ الرَّأْسِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَا يَتَأَتَّى انْحِيَازُهَا كُلُّهَا لِلرَّأْسِ. وَقَدْ يُقَالُ: كَلَامُ شَارِحِنَا فِي انْحِيَازِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَهُوَ مُتَأَتٍّ بِأَنْ يَجْعَلَ الْقَطْعَ مِنْ أَسْفَلِ الْعُنُقِ. قَوْلُهُ: [كَدَائِرَةِ حَلَقَةِ الْخَاتَمِ] : أَيْ وَلَوْ دُقَّتْ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَا يَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ] : أَيْ وَهُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونَ وَالرِّسَالَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْإِجْزَاءِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا يَكْفِي قَطْعًا] : أَيْ بِاتِّفَاقِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ. [مِنْ أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ النَّحْر] قَوْلُهُ: [لِإِبِلٍ وَزَرَافَةٍ] : أَيْ وَقِيلَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [أَيْ لِلْمُمَيِّزِ الْمُسْلِمِ] : أَيْ وَلِكِتَابِيٍّ بِشُرُوطِهِ. قَوْلُهُ: [فَوْقَ التَّرْقُوَةِ] : وَجَمْعُهَا تَرَاقٍ قَالَ الْجَلَالُ فِي تَفْسِيرِ عِظَامِ الْحَلْقِ.

[شرط ذبح الكتابي]

وَلَوْ رَفَعَ اخْتِيَارًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الذَّبْحِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ. (وَشَرْطُ) ذَبْحِ (الْكِتَابِيِّ: أَنْ يَذْبَحَ مَا يَحِلَّ لَهُ بِشَرْعِنَا) مِنْ غَنَمٍ وَبَقَرٍ وَغَيْرِهِمَا، (وَأَنْ لَا يُهِلَّ بِهِ) بِأَنْ يَجْعَلَهُ قُرْبَةً (لِغَيْرِ اللَّهِ) بِأَنْ يَذْكُرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ فَإِنْ أَهَلَّ بِهِ (لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) : بِأَنْ قَالَ: بِاسْمِ الْمَسِيحِ أَوْ الْعَذْرَاءِ لَمْ يُؤْكَلْ وَأَوْلَى لَوْ قَالَ بِاسْمِ الصَّنَمِ، (وَلَوْ اسْتَحَلَّ الْمَيْتَةَ) أَيْ أَكْلَهَا. (فَالشَّرْطُ) فِي جَوَازِ أَكْلِ ذَبِيحَتِهِ: (أَنْ لَا يَغِيبَ) حَالَ ذَبْحِهَا عَنَّا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِالذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ خَوْفًا مِنْ كَوْنِهِ قَتَلَهَا أَوْ نَخَعَهَا أَوْ سَمَّى عَلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ (لَا تَسْمِيَتُهُ) فَلَا تُشْتَرَطُ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ فَتُشْتَرَطُ كَمَا يَأْتِي، فَعَلِمَ أَنَّ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ بِشَرْعِنَا لَمْ يُؤْكَلْ إنْ ذَبَحَهُ أَوْ نَحَرَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَطْعُ] إلَخْ: أَيْ وَلَا يُؤْمَرُ بِذَلِكَ. [شَرْط ذبح الْكِتَابِيّ] قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَجْعَلَهُ قُرْبَةً لِغَيْرِ اللَّهِ] : أَيْ وَأَمَّا مَا ذَبَحُوهُ بِقَصْدِ أَكْلِهِمْ مِنْهُ وَلَوْ فِي أَعْيَادِهِمْ، وَلَكِنْ سَمَّى عَلَيْهِ اسْمَ عِيسَى أَوْ الصَّنَمِ تَبَرُّكًا فَهَذَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ كَمَا يَأْتِي. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ ذَبْحَ أَهْلِ الْكِتَابِ إنْ ذَبَحُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِقَصْدِ أَكْلِهِمْ وَلَوْ فِي أَعْيَادِهِمْ وَأَفْرَاحِهِمْ، فَيُؤْكَلُ مَعَ الْكَرَاهَةِ تَبَرَّكُوا فِيهِ بِاسْمِ عِيسَى أَوْ الصَّنَمِ - كَمَا يَتَبَرَّكُ أَحَدُنَا بِذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ - وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: مَا ذَبَحُوهُ لِعِيسَى وَصَلِيبٍ وَصَنَمٍ إنْ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ أُكِلَ، وَلَوْ قَدَّمُوا غَيْرَهُ لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَإِنْ قَصَدُوا إهْدَاءَ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ فَكَذَلِكَ يُؤْكَلُ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ لِوَلِيٍّ، وَإِنْ قَصَدُوا التَّقْرِيبَ وَالتَّبَرُّكَ بِالْأُلُوهِيَّةِ أَوْ تَحْلِيلِهَا بِذَلِكَ حَرُمَ أَكْلُهَا (اهـ.) قَوْلُهُ: [بِأَنْ قَالَ بِاسْمِ الْمَسِيحِ أَوْ الْعَذْرَاءِ لَمْ يُؤْكَلْ] : أَيْ حَيْثُ لَمْ يَجْمَعْ مَعَهُ ذِكْرَ اللَّهِ، وَإِلَّا أُكِلَ كَمَا عَلِمْت مِنْ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [أَنْ لَا يَغِيبَ حَالَ ذَبْحِهَا عَنَّا] : فَإِنْ غَابَ عَنَّا لَمْ تُؤْكَلْ وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسْتَحِلُّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهَا لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ، وَإِذَا اسْتَحَلَّ الْمَيْتَةَ فَكَيْفَ يَنْوِي الذَّكَاةَ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ نَوَاهَا فَكَيْفَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ، وَقَبِلَهُ ابْنُ نَاجِي وَابْنُ عَرَفَةَ اهـ.

وَهُوَ كُلُّ ذِي ظُفْرٍ إذَا ذَبَحَهُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَحَرَهُ. وَالْمُرَادُ بِذِي الظُّفْرِ: مَا لَهُ جِلْدَةٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَالْإِوَزِّ وَالْإِبِلِ، بِخِلَافِ الدَّجَاجِ وَنَحْوِهِ. (وَكُرِهَ) لَنَا (مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ بِشَرْعِهِ) إذَا ذَبَحَهُ بِأَنْ أَخْبَرَنَا بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي شَرْعِهِ الدَّجَاجُ مَثَلًا. (وَ) كُرِهَ لَنَا (شِرَاءُ ذِبْحِهِ) بِالْكَسْرِ: أَيْ مَذْبُوحِهِ أَيْ مَا ذَبَحَهُ لِنَفْسِهِ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ أَكْلُهُ عِنْدَنَا. (وَ) كُرِهَ (جِزَارَتُهُ) : أَيْ جَعْلُهُ جَزَّارًا فِي الْأَسْوَاقِ، أَوْ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَمِ نُصْحِهِ لَهُمْ. (كَبَيْعٍ) لِطَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَإِجَارَةٍ) لِدَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ بَيْتٍ (لِكَعَبْدِهِ) مِمَّا يَعْظُمُ بِهِ شَأْنُهُ، فَيُكْرَهُ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إعَانَتِهِمْ عَلَى الضَّلَالِ وَإِشْهَارِ أَدْيَانِهِمْ. (وَ) كُرِهَ لَنَا (شَحْمُ يَهُودِيٍّ) أَيْ أَكْلُهُ مِنْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ ذَبَحَهَا لِنَفْسِهِ، أَيْ الشَّحْمُ الْخَالِصُ لَا الْمُخْتَلِطُ بِالْعَظْمِ وَلَا مَا حَمَلَتْهُ ظُهُورُهُمَا وَلَا مَا حَمَلَتْهُ الْحَوَايَا أَيْ الْأَمْعَاءُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى ذَلِكَ فَهِيَ كَاللَّحْمِ، فَيَجُوزُ أَكْلُهَا وَيُكْرَهُ شِرَاؤُهَا كَاللَّحْمِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَالْإِوَزِّ وَالْإِبِل] : أَيْ وَكَذَا حِمَارُ الْوَحْشِ وَالنَّعَامُ وَكُلُّ مَا كَانَ لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْخُفِّ وَلَا مَفْتُوحِ الْأَصَابِعِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ كُلُّ ذِي ظُفْرٍ أَيْ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ وَحَافِرٍ، وَيُسَمَّى الْحَافِرُ ظُفْرًا مَجَازًا، وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ حُمْرُ الْوَحْشِ. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [الدَّجَاجُ مَثَلًا] : أَيْ وَكَالطَّرِيفَةِ وَهِيَ أَنْ تُوجَدَ الشَّاةُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَاسِدَةَ الرِّئَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِحُرْمَتِهَا عِنْدَهُمَا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إعَانَتِهِمْ عَلَى الضَّلَالِ] : أَيْ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَقْصِدَ الْمُسْلِمُ الْإِعَانَةَ وَالْإِشْهَارَ وَإِلَّا حُرِّمَ، بَلْ رُبَّمَا كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى ذَلِكَ] : أَيْ حَيْثُ قَالَ: {إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} [الأنعام: 146] الْآيَةُ.

[العقر]

(وَ) كُرِهَ (ذِبْحٌ) بِالْكَسْرِ: أَيْ مَذْبُوحٍ (لِعِيسَى) - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْ لِأَجْلِهِ (أَوْ) لِأَجْلِ (الصَّلِيبِ) : أَيْ لِلتَّقَرُّبِ بِهِ لَهُمَا كَمَا يَتَقَرَّبُ الْمُسْلِمُ بِذِبْحٍ لِنَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ لِقَصْدِ الثَّوَابِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ؛ وَإِنَّمَا يَضُرُّ تَسْمِيَةُ عِيسَى أَوْ الصَّلِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: وَلَوْ ذَكَرَ فِي هَذَا اسْمَ الصَّلِيبِ فَلَا يَضُرُّ، وَإِنَّمَا الْمُضِرُّ إخْرَاجُهُ قُرْبَةً لِذَاتٍ غَيْرِ اللَّهِ لِأَنَّهُ الَّذِي أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. (وَ) كُرِهَ (ذَكَاةُ خُنْثَى وَخَصِيٍّ) وَمَجْبُوبٍ (وَفَاسِقٍ) : لِنُفُورِ النَّفْسِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ غَالِبًا. بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْكِتَابِيِّ إنْ ذَبَحَ لِنَفْسِهِ مَا يَحِلُّ لَهُ بِشَرْعِنَا وَبِشَرْعِهِ، وَأَمَّا ذَبْحُهُ لِمُسْلِمٍ وَكَّلَهُ عَلَى ذَبْحِهِ فَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ وَعَدَمِهِ قَوْلَانِ، وَالرَّاجِحُ الْكَرَاهَةُ. (وَ) النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ: (عَقْرٌ: وَهُوَ جَرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ) لَا غَيْرِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَقِيلَ وَلَوْ ذَكَرَ] إلَخْ: قَائِلُهُ (بْن) . قَوْلُهُ: [وَفَاسِقٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ لِجَارِحَةٍ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ أَوْ بِالِاعْتِقَادِ كَبِدْعِيٍّ لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ ذَكَاتِهِمَا، قَالَ (ح) : هُوَ الْمَشْهُورُ. وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ كَرَاهَةُ ذَبْحِهِمَا، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ، فَهُمَا قَوْلَانِ. وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ الْأَغْلَفُ فَلَا تُكْرَهُ ذَكَاتُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ (ح) وَقِيلَ: تُكْرَهُ. قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ الْكَرَاهَةُ] : اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ جَارٍ فِي ذَبْحِ الْكِتَابِيِّ مَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ بِتَمَامِهِ أَوْ شَرِكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابِيِّ الذَّابِحِ. وَأَمَّا ذَبْحُ الْكِتَابِيِّ لِكِتَابِيٍّ آخَرَ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ ذَبَحَ مَا لَا يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا اُتُّفِقَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ذَبْحِهِ، وَإِنْ ذَبَحَ مَا يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا اُتُّفِقَ عَلَى صِحَّةِ ذَبْحِهِ وَجَازَ أَكْلُ الْمُسْلِمِ مِنْهُ، وَإِنْ ذَبَحَ مَا يَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ حَالِ الذَّابِحِ. [العقر] قَوْلُهُ: [جَرْحُ مُسْلِمٍ] إلَخْ: أَيْ إدْمَاؤُهُ وَلَوْ بِأُذُنٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ أَوْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ إدْمَاءٌ لَمْ يُؤْكَلْ وَلَوْ شَقَّ الْجِلْدَ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ الْجَارِحُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بَالِغًا أَوْ غَيْرَهُ. وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا مُمَيِّزًا حَالَ إرْسَالِ السَّهْمِ أَوْ الْحَيَوَانِ، وَحَالَ الْإِصَابَةِ فَلَوْ تَخَلَّفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَعْدَ الْإِرْسَالِ وَقَبْلَ

كَسَكْرَانَ وَمَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ حَيَوَانًا (وَحْشِيًّا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ إلَّا بِعُسْرٍ) خَرَجَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ بِسُهُولَةٍ، فَلَا يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ، قَالَ فِيهَا: مَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْخَنَهُ حَتَّى صَارَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ (اهـ) ، أَيْ لِأَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا مَقْدُورًا عَلَيْهِ. (لَا كَافِرٍ وَلَوْ كِتَابِيًّا) فَلَا يُؤْكِلُ صَيْدُهُ وَلَوْ سَمَّى اللَّهَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّيْدَ رُخْصَةٌ وَالْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَذَا مُحْتَرَزُ " مُسْلِمٍ ". وَذَكَرَ مُحْتَرَزَ " وَحْشِيًّا " بِقَوْلِهِ: (وَلَا إنْسِيًّا) مِنْ بَقَرٍ أَوْ إبِلٍ أَوْ أَوِزٍّ أَوْ دَجَاجٍ (شَرَدَ) فَلَمْ يَقْدِر عَلَيْهِ فَلَا يُؤْكَلُ بِالْعُقْرِ، (أَوْ تَرَدَّى) أَيْ سَقَطَ (بِحُفْرَةِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْجِنَايَةِ: مَعْصُومٌ مِنْ حِينِ الرَّمْيِ لِلْإِصَابَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِأَكْلِهِ لِأَنَّ مَا هُنَا أَخَفُّ، أَلَا تَرَى الْخِلَافَ هُنَا فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ أَشْهَبَ وَابْنَ وَهْبٍ لَا يَشْتَرِطَانِ الْإِسْلَامَ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ إلَّا بِعُسْرٍ] : أَيْ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ الْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْوَحْشُ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ تَأَنَّسَ ثُمَّ تَوَحَّشَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا] إلَخْ: أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَضْمَنُ هَذَا الَّذِي رَمَاهُ قِيمَتَهُ لِلْأَوَّلِ مَجْرُوحًا. قَوْلُهُ: [وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا] : أَيْ وَسِيَاقُ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4] خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَلَا إنْسِيًّا] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُسْتَأْنَسَةِ إذَا شَرَدَتْ وَتَوَحَّشَتْ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ حَبِيبٍ إنْ تَوَحَّشَ غَيْرُ الْبَقَرِ لَمْ يُؤْكَلْ بِالْعَقْرِ، وَإِنْ تَوَحَّشَ الْبَقَرُ جَازَ أَكْلُهُ بِالْعَقْرِ، لِأَنَّ الْبَقَرَ لَهَا أَصْلٌ فِي التَّوَحُّشِ تَرْجِعُ إلَيْهِ أَيْ لِشَبَهِهَا بِبَقَرِ الْوَحْشِ. قَوْلُهُ: [أَوْ إوَزٍّ أَوْ دَجَاجٍ] : أَيْ وَأَمَّا الْحَمَامُ الْبَيْتِيُّ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ الْحَجِّ أَنَّ الْحَمَامَ كُلَّهُ صَيْدٌ، وَحِينَئِذٍ إذَا تَوَحَّشَ أُكِلَ بِالْعَقْرِ بِخِلَافِ النِّعَمِ

فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ فَلَا يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ. (بِمُحَدَّدٍ) : مُتَعَلِّقٌ ب " جُرْحٍ "، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُحَدَّدُ سِلَاحًا أَوْ غَيْرَهُ - كَحَجَرٍ لَهُ سِنٌّ فَهُوَ - أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ: " بِسِلَاحٍ مُحَدَّدٍ ". وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْعَصَا وَالْحَجَرِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ، وَالْبُنْدُقُ: أَيْ الْبِرَامِ الَّذِي يَرْمِي بِالْقَوْسِ فَلَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا مَاتَ مِنْهُ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ. وَأَمَّا صَيْدُهُ بِالرَّصَاصِ فَيُؤْكَلُ بِهِ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ السِّلَاحِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ. (أَوْ حَيَوَانٍ) : عَطْفٌ عَلَى " مُحَدَّدٍ ": أَيْ جَرَحَهُ بِمُحَدَّدٍ أَوْ بِحَيَوَانٍ (عُلِّمَ) بِالْفِعْلِ كَيْفِيَّةَ الِاصْطِيَادِ، وَالْمَعْنَى: هُوَ الَّذِي إذَا أُرْسِلَ أَطَاعَ وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ وَلَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ عَادَةً كَالنَّمِرِ (مِنْ طَيْرٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ، وَلَوْ تَوَحَّشَتْ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِيهَا وَقَدْ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ فَلَا يُؤْكَلُ] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ أَكْلِ الْمُتَرَدِّي بِالْعَقْرِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُؤْكَلُ الْمُتَرَدِّي الْمَعْجُوزُ عَنْ ذَكَاتِهِ مُطْلَقًا بَقَرًا أَوْ غَيْرَهُ بِالْعَقْرِ صِيَانَةً لِلْأَمْوَالِ. قَوْلُهُ: [وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّيْدَ بِبُنْدُقِ الرَّصَاصِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ لِلْمُتَقَدِّمِينَ لِحُدُوثِ الرَّمْيِ بِهِ بِحُدُوثِ الْبَارُودِ فِي وَسَطِ الْمِائَةِ الثَّامِنَةِ؛ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ قِيَاسًا عَلَى بُنْدُقِ الطِّينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَوِيِّ وَابْنِ غَازِي وَسَيِّدِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَاسِيِّ، لِمَا فِيهِ مِنْ إنْهَارِ الدَّمِ وَالْإِجْهَازِ بِسُرْعَةِ الَّذِي شُرِعَتْ الذَّكَاةُ لِأَجْلِهِ، ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْعِصِيِّ وَبُنْدُقِ الطِّينِ إذَا لَمْ يُؤْخَذْ الصَّيْدُ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقْتَلِ، وَإِلَّا ذُكِّيَ وَأُكِلَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا إذَا أَخَذَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ فَلَا يُؤْكَلُ عِنْدَنَا وَلَوْ أُدْرِكَ حَيًّا ذُكِّيَ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا أُدْرِكَ حَيًّا وَلَوْ مَنْفُوذَ جَمِيعِ الْمَقَاتِلِ وَذُكِّيَ يُؤْكَلُ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي عَدَمِ أَكْلِ مَا مَاتَ بِبُنْدُقِ الطِّينِ، وَفِي أَكْلِ الَّذِي لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلُهُ حَيْثُ أُدْرِكَ حَيًّا وَذُكِّيَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا أُدْرِكَ حَيًّا مَنْفُوذَ الْمَقْتَلِ وَذُكِّيَ، فَعِنْدَهُمْ يُؤْكَلُ وَعِنْدَنَا لَا. قَوْلُهُ: [وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ هَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ

كَبَازٍ (أَوْ غَيْرِهِ) كَكَلْبٍ (فَمَاتَ) أَوْ نَفَذَ مَقْتَلُهُ (قَبْلَ إدْرَاكِهِ) حَيًّا فَيُبَاحُ أَكْلُهُ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ إذَا جَعَلْنَا مَوْتَهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ مِنْ الْمَوْضُوعِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ، وَإِلَّا كَانَتْ خَمْسَةً؛ إذْ لَوْ أُدْرِكَ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقْتَلِ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِالذَّبْحِ أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (إنْ أَرْسَلَهُ) الصَّائِدُ الْمُسْلِمُ (مِنْ يَدِهِ) بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ، (أَوْ) مِنْ (يَدِ غُلَامِهِ) وَكَفَتْ نِيَّةُ الْآمِرِ وَتَسْمِيَتُهُ، نَظَرًا إلَى أَنَّ يَدَ غُلَامِهِ كَيَدِهِ، وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِمَّا لَوْ كَانَ الْجَارِحُ سَائِبًا فَذَهَبَ لِلصَّيْدِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِإِغْرَاءِ رَبِّهِ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ. وَأَشَارَ لِلثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَشْتَغِلْ) الْجَارِحُ حَالَ إرْسَالِهِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ اصْطِيَادِهِ، فَإِنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ كَأَكْلِ جِيفَةٍ أَوْ صَيْدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْبَازِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بَلْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ اعْتِبَارِ الِانْزِجَارِ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، لِأَنَّ الْجَارِحَ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ إشْلَائِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ عِصْيَانَ الْمُعَلَّمِ مَرَّةً لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا كَمَا لَا يَكُونُ مُعَلَّمًا بِطَاعَتِهِ مَرَّةً، بَلْ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ. قَوْلُهُ: [الصَّائِدُ الْمُسْلِمُ] : أَيْ الْمُمَيِّزُ. قَوْلُهُ: [مِنْ يَدِهِ] : الْمُرَادُ بِالْيَدِ حَقِيقَتُهَا وَمِثْلُهَا إرْسَالُهَا مِنْ حِزَامِهِ أَوْ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ لَا الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ أَوْ الْمِلْكُ فَقَطْ، ثُمَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِرْسَالِ مِنْ يَدِهِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ كَانَ مَفْلُوتًا فَأَرْسَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا يُؤْكَلُ وَلَوْ أَرْسَلَهُ مِنْ غَيْرِ يَدِهِ وَمَا فِي حُكْمِهَا، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَاللَّخْمِيِّ مَا أَخَذَهُ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَيَّدَهُ (بْن) . قَوْلُهُ: [أَوْ مِنْ يَدِ غُلَامِهِ] : وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ مُسْلِمًا حِينَئِذٍ لِأَنَّ النَّاوِيَ وَالْمُسَمِّيَ هُوَ سَيِّدُهُ، فَالْإِرْسَالُ مِنْهُ حُكْمًا. قَوْلُهُ: [أَوْ بِإِغْرَاءِ رَبِّهِ] إلَخْ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ أَوَّلًا بِهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ] : لَا فَرْقَ بَيْنَ كَثِيرِ التَّشَاغُلِ وَقَلِيلِهِ، وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّ قَلِيلَ التَّشَاغُلِ لَا يَضُرُّ.

[الصيد بالحيوان وشرطه]

آخَرَ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ لَمْ يُؤْكَلْ. وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ: (وَأَدْمَاهُ) : أَيْ إنَّ شَرْطَ أَكْلِهِ بِصَيْدِ الْجَارِحِ أَنْ يُدْمِيَهُ الْجَارِحُ بِنَابِهِ أَوْ ظُفْرِهِ فِي عُضْوٍ (وَلَوْ بِأُذُنٍ) ، فَلَوْ صَدَمَهُ فَمَاتَ الصَّيْدُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَلَوْ شَقَّ جِلْدَهُ حَيْثُ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ دَمٌ. وَأَشَارَ لِلرَّابِعِ بِقَوْلِهِ: (وَعَلِمَهُ) الصَّائِدُ حِينَ إرْسَالِ الْجَارِحِ عَلَيْهِ (مِنْ الْمُبَاحِ) : كَالْغَزَالِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرِهِ، (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ نَوْعَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُبَاحِ؟ بِأَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ الْمُبَاحِ وَتَرَدَّدَ: هَلْ هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ أَوْ بَقَرٌ أَوْ ظَبْيٌ؟ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ. (وَإِنْ تَعَدَّدَ مِصْيَدُهُ) : أَيْ الْجَارِحِ (إنْ) أَرْسَلَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْوَحْشِ، وَ (نَوَى الْجَمِيعُ؛ وَإِلَّا) يَنْوِي الْجَمِيعَ بِأَنْ نَوَى وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ (فَمَا نَوَاهُ) يُؤْكَلُ بِقَتْلِ الْجَارِحِ لَهُ حَيْثُ أَدْمَاهُ (إنْ صَادَهُ) الْجَارِحُ أَيْ صَادَ الْمَنْوِيَّ (أَوَّلًا) قَبْلَ غَيْرِهِ، فَإِنْ صَادَ غَيْرَ الْمَنْوِيِّ قَبْلَ الْمَنْوِيِّ لَمْ يُؤْكَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِذَكَاةٍ، لِتَشَاغُلِهِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ الْمَنْوِيِّ فِي الْمَنْوِيِّ وَبِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي غَيْرِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ] : أَيْ حَيْثُ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُبَاحِ الَّتِي تُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ، فَإِنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ وَتَرَدَّدَ هَلْ هُوَ مِنْ نَعَمِ الْإِنْسِ أَوْ حِمَارُ وَحْشٍ مَثَلًا لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُبَاحُ بِالْعَقْرِ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ نُفُوذِ مَقْتَلِهِ أَنَّهُ حِمَارُ وَحْشٍ. [الصَّيْد بِالْحَيَوَانِ وَشَرْطه] قَوْلُهُ: [إنْ أَرْسَلَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْوَحْشِ] : أَيْ مُعَيَّنَةٍ وَالْقَوْلُ بِأَكْلِ الْجَمِيعِ إنْ تَعَدَّدَ مُصِيدُهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُؤْكَلُ إلَّا الْأَوَّلُ فَذَلِكَ رَدٌّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فَمَا نَرَاهُ يُؤْكَلُ] : قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي وَاحِدٍ وَلَا فِي الْجَمِيعِ لَمْ يُؤْكَلْ شَيْءٌ، وَقَالَ جَدُّ الْأُجْهُورِيِّ: يُؤْكَلُ جَمِيعُ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذَا أَيْضًا حَيْثُ كَانَتْ الصُّيُودُ مُعَيَّنَةً حِينَ الْإِرْسَالِ، فَلَوْ نَوَى وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا هُوَ إنْ عُرِفَ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا الْأَوَّلُ، وَلَوْ شَكَّ فِي أَوَّلِيَّتِهِ لَمْ يُؤْكَلْ شَيْءٌ كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (بْن) . قَوْلُهُ: [فَإِنْ صَادَ غَيْرَ الْمَنْوِيِّ] : أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا. قَوْلُهُ: [فِي الْمَنْوِيِّ] : فِي بِمَعْنَى عَنْ. قَوْلُهُ: [وَبِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي غَيْرِهِ] : أَيْ الَّذِي اشْتَغَلَ بِهِ عَنْ الْمَنْوِيِّ.

(لَا) يَحِلُّ أَكْلُهُ (إنْ تَرَدَّدَ) بِأَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ أَوْ تَوَهَّمَ (فِي حُرْمَتِهِ) كَخِنْزِيرٍ، فَإِذَا هُوَ حَلَالٌ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ. (أَوْ) تَرَدَّدَ (فِي الْمُبِيحِ) لِأَكْلِهِ (إنْ شَارَكَهُ) أَيْ الْجَارِحَ (غَيْرُهُ) فِي قَتْلِهِ (كَكَلْبِ كَافِرٍ) أَرْسَلَهُ رَبُّهُ الْكَافِرُ عَلَى الصَّيْدِ، فَشَارَكَ كَلْبَ الْمُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ الَّذِي قَتَلَهُ كَلْبُ الْمُسْلِمِ أَوْ الْكَافِرِ، وَكَذَا لَوْ رَمَى الْمُسْلِمُ سَهْمَهُ وَرَمَى الْكَافِرُ سَهْمَهُ فَأَصَابَاهُ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُؤْكَلُ لِلتَّرَدُّدِ فِي الْمُبِيحِ. (أَوْ) كَلْبٍ (غَيْرِ مُعَلَّمٍ) بِالْجَرِّ وَالْعَطْفِ عَلَى كَلْبِ كَافِرٍ، أَيْ أَوْ شَارَكَ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الْمُعَلَّمِ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فِي قَتْلِهِ فَلَا يُؤْكَلُ لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ، وَكَذَا لَوْ رَمَاهُ الْمُسْلِمُ الْمُمَيِّزُ فَسَقَطَ فِي مَاءٍ وَمَاتَ فَلَا يُؤْكَلُ لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ هَلْ مَاتَ مِنْ السَّهْمِ فَيُؤْكَلُ، أَوْ مِنْ الْمَاءِ فَلَا يُؤْكَلُ، أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ مِنْ السُّمِّ الْغَيْرِ الْمُبِيحِ لَا مِنْ السَّهْمِ الْمُبِيحِ. (أَوْ تَرَاخَى) الصَّائِدُ (فِي اتِّبَاعِهِ) : أَيْ الصَّيْدِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَلَا يُؤْكَلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ جَدَّ فِي طَلَبِهِ لَأَدْرَكَ ذَكَاتَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، (إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ) لَوْ جَدَّ (لَا يَلْحَقُهُ) حَيًّا. (أَوْ حَمَلَ الْآلَةَ) : أَيْ آلَةَ الذَّبْحِ كَالسِّكِّينِ (مَعَ غَيْرِهِ) كَغُلَامِهِ وَشَأْنُهُ أَنْ يَسْبِقَ الْغُلَامَ فَسَبَقَهُ، وَأَدْرَكَ الصَّيْدَ حَيًّا فَمَا جَاءَ حَامِلُ الْآلَةِ إلَّا وَقَدْ مَاتَ الصَّيْدُ فَلَا يُؤْكَلُ لِتَفْرِيطِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِأَنْ شَكَّ] إلَخْ: تَفْسِيرٌ لِلتَّرَدُّدِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّرَدُّدِ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ، بَلْ مَا طَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِالشَّكِّ وَالظَّنِّ وَالْوَهْمِ. قَوْلُهُ: [فَإِذَا هُوَ حَلَالٌ] : أَيْ كَغَزَالٍ. قَوْلُهُ: [كَكَلْبِ كَافِرٍ] : الْمُرَادُ كَلْبٌ أَرْسَلَهُ كَافِرٌ كَانَ رَبُّهُ أَمْ لَا فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ رَبُّهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي كَلْبِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَأْتِي لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ. قَوْلُهُ: [كَلْبَ] : بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ لِشَارَكَ، وَقَوْلُهُ: (الْمُعَلَّمَ) بِالْفَتْحِ نَعْتٌ. وَقَوْلُهُ: (كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ) : فَاعِلٌ. قَوْلُهُ: [وَشَأْنُهُ أَنْ يَسْبِقَ الْغُلَامَ] : مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ الْغُلَامُ هُوَ الَّذِي يَسْبِقُ، أَوْ الِاسْتِوَاءُ فَتَخَلَّفَ مَجِيءُ الْغُلَامِ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ.

(أَوْ) وَضَعَ الْآلَةَ (بِخُرْجِهِ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يَسْتَدْعِي طَوْلًا فِي إخْرَاجِهَا فَأَدْرَكَهُ حَيًّا فَمَا أَخْرَجَ الْآلَةَ مِنْ الْخُرْجِ إلَّا وَمَاتَ فَلَا يُؤْكَلُ لِلتَّفْرِيطِ بِوَضْعِهَا فِي الْخُرْجِ دُونَ مَسْكِهَا بِيَدِهِ، أَوْ جَعَلَهَا فِي حِزَامِهِ. (أَوْ بَاتَ) الصَّيْدُ عَنْ الصَّائِدِ فَوَجَدَهُ بِالْغَدِ مَيِّتًا؛ لَمْ يُؤْكَلْ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ كَالْهَوَامِّ، (أَوْ صَدَمَهُ) الْجَارِحُ فَمَاتَ بِلَا جُرْحٍ، (أَوْ عَضَّهُ) فَمَاتَ (بِلَا جُرْحٍ) فَلَا يُؤْكَلُ، لِمَا عَلِمْت أَنَّ شَرْطَ أَكْلِهِ إدْمَاؤُهُ وَلَوْ بِأُذُنٍ (أَوْ اضْطَرَبَ) الْجَارِحُ لِرُؤْيَتِهِ صَيْدًا (فَأَرْسَلَهُ) الصَّائِدُ (بِلَا رُؤْيَةٍ) مِنْهُ لَهُ فَصَادَ صَيْدًا؛ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اصْطَادَ غَيْرَ مَا اضْطَرَبَ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَوْ نَوَى الْمُضْطَرِبَ عَلَيْهِ وَغَيْرَهُ لَأُكِلَ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَالثَّانِي: لَا يُؤْكَلُ مُطْلَقًا إذْ شَرْطُ حِلِّ أَكْلِهِ الرُّؤْيَةُ وَهُوَ لَمْ يَرَ. (وَدُونَ نِصْفٍ) كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ جَنَاحٍ (أُبِينَ) - أَيْ انْفَصَلَ مِنْ الصَّيْدِ، أَيْ أَبَانَهُ الْجَارِحُ أَوْ السَّهْمُ وَلَوْ حُكْمًا كَمَا لَوْ تَعَلَّقَ بِيَسِيرِ جِلْدٍ - (مَيْتَةٌ) لَا يُؤْكَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَأَدْرَكَهُ حَيًّا] : أَيْ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَأَمَّا مَنْفُوذُ الْمَقَاتِلِ فَيُؤْكَلُ وَلَا يَضُرُّهُ التَّفْرِيطُ فِي حَمْلِ الْآلَةِ مَعَ الْغُلَامِ أَوْ وَضْعِهَا فِي الْخُرْجِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْآلَةُ مَعَهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَجِبْ ذَكَاتُهُ قَوْلُهُ: [فَوَجَدَهُ بِالْغَدِ مَيِّتًا] : لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ مُدَّةً مِنْ اللَّيْلِ فِيهَا طُولٌ بِحَيْثُ يَلْتَبِسُ الْحَالُ، وَلَا يَدْرِي هَلْ مَاتَ مِنْ الْجَارِحِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْهَوَامِّ الَّتِي تَظْهَرُ فِي اللَّيْلِ. وَمَفْهُومُ الْمَبِيتِ أَنَّهُ لَوْ رَمَاهُ نَهَارًا وَغَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ حَيْثُ لَمْ يَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ، وَلَوْ غَابَ عَلَيْهِ يَوْمًا كَامِلًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَنَّ اللَّيْلَ تَكْثُرُ فِيهِ الْهَوَامُّ دُونَ النَّهَارِ، فَإِذَا غَابَ لَيْلًا احْتَمَلَ مُشَارَكَةَ الْهَوَامِّ. قَوْلُهُ: [إذْ شَرْطُ حِلِّ أَكْلِهِ الرُّؤْيَةُ] : أَيْ رُؤْيَةُ الصَّيْدِ وَقْتَ الْإِرْسَالِ أَوْ كَوْنِ الْمَكَانِ مَحْصُورًا وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: [دُونَ نِصْفٍ] إلَخْ: الصَّوَابُ أَنَّ (دُونَ) هُنَا لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، فَإِنْ رُفِعَ كَانَ مُبْتَدَأً، وَإِنْ نُصِبَ كَانَ صِلَةً لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ. وَمَفْهُومُ الظَّرْفِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الْجَارِحُ الصَّيْدَ نِصْفَيْنِ مِنْ وَسَطِهِ أُكِلَ لِأَنَّ

وَأُكِلَ مَا سِوَاهُ (إلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِهِ) : أَيْ بِذَلِكَ الدُّونِ أَيْ بِإِبَانَتِهِ (إنْفَاذُ مَقْتَلٍ كَالرَّأْسِ) فَلَيْسَ بِمَيْتَةٍ فَيُؤْكَلُ كَالْبَاقِي. (وَمَتَى أُدْرِكَ) الصَّيْدُ (حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ، لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ) بِخِلَافِ مَا أُدْرِكَ مَنْفُوذُ مَقْتَلٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفِعْلَهُ كَذَلِكَ فِيهِ إنْفَاذُ مَقْتَلِهِ - كَذَا قَالُوا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَكْلُ مِنْ النِّصْفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نِصْفٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ إنْفَاذِ مَقْتَلٍ، فَالْمَدَارُ عَلَى إنْفَاذِ الْمَقْتَلِ فَلَوْ أَبَانَ الْجَارِحُ أَوْ السَّهْمُ ثُلُثًا ثُمَّ سُدُسًا فَهَلْ يُؤْكَلَانِ أَوْ الْأَخِيرُ أَوْ يُطْرَحَانِ؟ لَا نَصَّ. وَقَدْ يُقَالُ الَّذِي نَفَذَ بِهِ الْمَقْتَلُ يُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا، ثُمَّ إنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، أَمَّا الْجَرَادُ مَثَلًا إذَا قَطَعَ جَنَاحَهُ فَمَاتَ أُكِلَ الْجَمِيعُ لِأَنَّ هَذَا ذَكَاتُهُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [كَالرَّأْسِ] ؛ أَيْ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ وَنِصْفُ الرَّأْسِ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا أَدْرَكَ مَنْفُوذَ مَقْتَلٍ] : أَيْ فَتَنْدُبُ ذَكَاتُهُ فَقَطْ حَيْثُ وُجِدَ حَيًّا. تَنْبِيهٌ: يُقْضَى بِالصَّيْدِ لِلسَّابِقِ لَهُ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ أَوْ حَوْزِهِ لَهُ فِي دَارِهِ أَوْ كَسْرِ رِجْلِهِ، وَإِنْ رَآهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَقَ لِمُبَاحٍ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ تَدَافَعَ جَمَاعَةٌ عَلَيْهِ فَبَيْنَهُمْ، وَلَوْ دَفَعَ أَحَدُهُمْ الْآخَرَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ بِخِلَافِ الْمُسَابَقَةِ بِلَا تَدَافُعٍ، فَلَوْ جَاءَ غَيْرُ الْمُتَدَافِعَيْنِ حَالَ التَّدَافُعِ وَأَخَذَهُ اخْتَصَّ بِهِ، وَإِنْ شَرَدَ الصَّيْدُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ صَاحِبِهِ وَلَوْ مِنْ مُشْتَرٍ فَاصْطَادَهُ آخَرُ فَهُوَ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يُلْتَحَقْ بِالْوَحْشِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأَنَّسَ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتَوَحَّشْ عِنْدَ شُرُودِهِ وَإِلَّا لَكَانَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي شَرَدَ مِنْ يَدِهِ وَلِلصَّائِدِ لَهُ أُجْرَةُ تَحْصِيلِهِ فَقَطْ، وَاشْتَرَكَ طَارِدٌ لِلصَّيْدِ مِنْ ذِي شَبَكَةٍ أَوْ فَخٍّ بِحَسَبٍ فَعَلَيْهِمَا حَيْثُ تَوَقَّفَ وُقُوعُهُ عَلَى الطَّارِدِ وَالشَّبَكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الطَّارِدُ الشَّبَكَةَ وَعَجَزَ عَنْهُ فَوَقَعَ فِيهَا فَلِرَبِّهَا، وَإِنْ كَانَ مُحَقَّقًا أَخْذُهُ بِدُونِهَا فَلَهُ دُونَ رَبِّهَا كَمَنْ طَرَدَ صَيْدَ الدَّارِ فَأَدْخَلَهُ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا شَيْءَ لِرَبِّ الدَّارِ أَمْكَنَهُ أَخْذُهُ بِدُونِهَا أَمْ لَا إذْ لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِلصَّيْدِ إلَّا أَنْ يَطْرُدَهُ لِغَيْرِ الدَّارِ فَدَخَلَ فِي الدَّارِ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ فَلِمَالِكِ الدَّارِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَسْكُونَةً أَوْ خَالِيَةً، فَإِنْ كَانَ مُحَقَّقًا أَخْذُهُ بِغَيْرِهَا فَهُوَ لَهُ (اهـ بِالْمَعْنَى مِنْ الْأَصْلِ) .

[تنبيه ذكاة غير الراعي]

(وَضَمِنَ) الصَّيْدَ لِرَبِّهِ: أَيْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا شَخْصٌ (مَارٌّ) عَلَيْهِ حَيًّا (أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ) ذَكَاتَهُ حَتَّى مَاتَ. وَإِمْكَانُهَا بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِوُجُودِ آلَةٍ وَهُوَ مِمَّنْ تَصِحُّ ذَكَاتُهُ، بِأَنْ كَانَ مُمَيِّزًا وَلَوْ كِتَابِيًّا أَوْ صَبِيًّا لِتَقْوِيَتِهِ عَلَى رَبِّهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [تَنْبِيه ذكاة غَيْر الرَّاعِي] قَوْلُهُ: [وَضَمِنَ الصَّيْدَ] إلَخْ: أَيْ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ بِالشَّرْطِ الْآتِي، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ. وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ وَعَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ فَيَأْكُلُهُ رَبُّهُ، وَلَيْسَ بِمَيْتَةٍ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَا يَأْكُلُهُ رَبُّهُ وَهُوَ مَيْتَةٌ وَلَا يَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْ الْمَارِّ، وَلَوْ أَكَلَهُ رَبُّهُ غَفْلَةً عَنْ كَوْنِهِ مَيْتَةً أَوْ عَمْدًا أَوْ ضِيَافَةً لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَأَوَّلٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَ إنْسَانٌ مَا لَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ضِيَافَةً، لَا يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ. وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ مَشَايِخِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ عَدَمَ ضَمَانِ الْمَارِّ إذَا أَكَلَهُ رَبُّهُ، وَاعْتَمَدَ الْأَوَّلَ اللَّقَانِيُّ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ] : أَنَّثَ الْفِعْلَ وَجَعَلَ الْفَاعِلَ الذَّكَاةَ، وَضَمِيرَ الْمَارِّ مَفْعُولًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْإِسْنَادِ لِلْمَعْنَى وَلِلذَّاتِ فَالْإِسْنَادُ لِلْمَعْنَى أَوْلَى، فَيُقَالُ أَمْكَنَنِي السَّفَرُ دُونَ أَمْكَنْت السَّفَرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْأُشْمُونِيُّ. تَنْبِيهٌ: غَيْرُ الرَّاعِي إنْ ذَكَّى غَيْرَ الصَّيْدِ فَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ خَافَ مَوْتَهُ، بَلْ يَتْرُكُهُ وَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَرِينَةٍ فَيُصَدَّقُ، وَيَأْتِي تَصْدِيقُ الرَّاعِي فِي الْإِجَارَةِ - كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [بِوُجُودِ آلَةٍ] : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَعَهُ إلَّا السِّنَّ أَوْ الظُّفْرَ، وَأَمْكَنَهُ بِذَلِكَ وَتَرَكَ، ضَمِنَ اتِّفَاقًا وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّذْكِيَةِ بِهِمَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كِتَابِيًّا] : أَيْ فَالْكِتَابِيُّ كَالْمُسْلِمِ فِي وُجُوبِ ذَكَاةِ مَا ذَكَرَ، لِأَنَّهَا ذَكَاةٌ لَا عَقْرٌ وَلَا يَتَأَتَّى الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي ذَبْحِ الْكِتَابِيِّ لِلْمُسْلِمِ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ حِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ يَضْمَنُهُ بِتَفْوِيتِهِ عَلَى رَبِّهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ صَبِيًّا] : أَيْ لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ التَّرْكَ سَبَبًا فِي الضَّمَانِ، فَيَتَنَاوَلُ الْبَالِغَ وَغَيْرَهُ.

وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ قَوْلَهُ: (كَتَرْكِ تَخْلِيصِ) شَيْءٍ (مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) قَدَرَ عَلَى تَخْلِيصِهِ بِيَدِهِ أَوْ جَاهِهِ أَوْ مَالِهِ. وَيَغْرَمُ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ، وَفِي الْمَالِ الْقِيمَةَ أَوْ الْمِثْلَ، وَأَوْلَى فِي الضَّمَانِ: لَوْ تَسَبَّبَ فِي الْإِتْلَافِ؛ كَدَالٍّ سَارِقٍ أَوْ ظَالِمٍ، وَحَافِرِ حُفْرَةٍ، وَوَاضِعِ مَزْلَقٍ لِوُقُوعِ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَانْظُرْ تَفْصِيلَ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ وَشُرَّاحِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مُسْتَهْلَكٌ] : أَيْ مُتَوَقَّعٌ هَلَاكُهُ، وَلَوْ كَانَ التَّارِكُ لِلتَّخْلِيصِ صَبِيًّا لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ كَمَا عَلِمْت. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ تَخْلِيصُ الْمُسْتَهْلَكِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِدَفْعِ مَالٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى رَبِّهِ حَيْثُ تَوَقَّفَ الْخَلَاصُ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ فِي الدَّفْعِ وَهُوَ مِنْ إفْرَادِ قَوْلِ خَلِيلٍ الْآتِي. وَالْأَحْسَنُ فِي الْمُفْدِي مِنْ لِصٍّ أَخَذَهُ بِالْفِدَاءِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ مَنْ دَفَعَ غَرَامَةً عَنْ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ لِلدَّافِعِ الرُّجُوعُ بِمَا دَفَعَهُ عَنْهُ إنْ حَمَى بِتِلْكَ الْغَرَامَةِ مَالَ الْمَدْفُوعِ عَنْهُ أَوْ نَفْسَهُ - كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَيَغْرَمُ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ] : أَيْ إذَا تَرَكَ تَخْلِيصَ النَّفْسِ حَتَّى قُتِلَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا. وَلَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَوْ تَرَكَ التَّخْلِيصَ عَمْدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ فِي الْعَمْدِ وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ: أَنَّهُ خَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ تَعَمَّدَ شَهَادَةَ الزُّورِ حَتَّى قَتَلَ بِهَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَدْ قِيلَ: يُقْتَلُ الشَّاهِدُ. وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: يَضْمَنُ أَيْضًا مَنْ أَمْسَكَ وَثِيقَةً أَوْ قَطَعَهَا حَيْثُ كَانَ شَاهِدُهَا لَا يَشْهَدُ إلَّا بِهَا وَلَزِمَ عَلَى إمْسَاكِهَا ضَيَاعُ الْحَقِّ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سِجِلٌّ يَتَيَسَّرُ إخْرَاجُ نَظِيرِهَا مِنْهُ. وَإِلَّا فَيَضْمَنُ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ السِّجِلِّ فَقَطْ. وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ شَاهِدَيْ حَقٍّ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَضَاعَ الْحَقُّ فَفِي ضَمَانِهِ لِذَلِكَ الْحَقِّ تَرَدُّدٌ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِقَتْلِهِمَا ضَيَاعَ الْحَقِّ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ قَطْعًا، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَالْأَظْهَرُ مِنْ التَّرَدُّدِ ضَمَانُ الْمَالِ، وَمِثْلُ قَتْلِهِمَا قَتْلُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عِنْدَ ابْنِ مُحْرِزٍ. قَوْلُهُ: [وَانْظُرْ تَفْصِيلَ الْمَسْأَلَةِ] إلَخْ: مِنْ تَفَاصِيلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ لَك فِي أَثْنَاءِ الْحَلِّ وَمِنْهَا تَرْكُ مُوَاسَاةٍ بِخَيْطٍ أَوْ دَوَاءٍ لِجُرْحٍ، وَتَرْكُ زَائِدِ طَعَامٍ وَشَرَابٍ

[ما يموت به ما ليس له نفس سائلة]

(وَ) النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ: (مَا يَمُوتُ بِهِ) : أَيْ كُلُّ فِعْلٍ يَمُوتُ بِهِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، (نَحْوُ الْجَرَادِ) وَالدُّودِ وَخُشَاشِ الْأَرْضِ، إذَا عَجَّلَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَوْتَهُ بَلْ (وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ) مَوْتَهُ (كَقَطْعِ جَنَاحٍ) أَوْ رِجْلٍ (أَوْ إلْقَاءٍ بِمَاءٍ) حَارٍّ فَأَوْلَى قَطْعُ رَأْسٍ. وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ، وَتَسْمِيَةٍ كَمَا قَالَ: (وَوَجَبَ) وُجُوبَ شَرْطٍ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ: (نِيَّتُهَا) : أَيْ قَصْدُهَا وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ حِلَّ الْأَكْلِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نِيَّةٌ كَالْمَجْنُونِ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ، وَكَذَا مَنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ إزْهَاقَ رُوحِهَا وَمَوْتَهَا دُونَ الذَّكَاةِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، كَمَنْ ضَرَبَ الْحَيَوَانَ لِدَفْعِ شَرِّهِ مَثَلًا بِسَيْفٍ فَقَطَعَ حُلْقُومَهُ وَأَوْدَاجَهُ (وَ) وَجَبَ عِنْدَ التَّزْكِيَةِ (ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ) بِأَيِّ صِيغَةٍ مِنْ تَسْمِيَةٍ أَوْ تَهْلِيلٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمُضْطَرٍّ حَتَّى مَاتَ الْمَجْرُوحُ أَوْ الْمُضْطَرُّ، فَيَضْمَنُ دِيَةَ خَطَأٍ إنْ تَأَوَّلَ وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِرَاحِ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَمِنْهَا مَنْ طُلِبَ مِنْهُ عُمُدٌ أَوْ خَشَبٌ لِيُسَدَّ بِهِ كَجِدَارٍ، فَامْتَنَعَ حَتَّى وَقَعَ الْجِدَارُ فَيَضْمَنُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَائِلًا وَمَهْدُومًا وَيَقْضِي لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُوَاسَاةُ بِالثَّمَنِ أَيْ عَلَى الْمُوَاسِي إنْ وُجِدَ مَعَ الْمُضْطَرِّ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ، أَوْ تَيَسَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ شَيْءٌ. وَالْمُرَادُ بِالثَّمَنِ: مَا يَشْمَلُ الْأُجْرَةَ فِي الْعُمُدِ وَالْخَشَبِ، هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْأَصْلِ وَشُرَّاحِهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِتَفَاصِيلِهَا ذُكِرَتْ هُنَا اسْتِطْرَادًا لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ: وَضَمِنَ مَارٌّ إلَخْ. [مَا يموت بِهِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْس سَائِلَة] قَوْلُهُ: [وَالدُّودُ] : أَيْ غَيْرُ دُودِ نَحْوِ الْفَاكِهَةِ مِنْ كُلِّ مَا تَخَلَّقَ فِي الطَّعَامِ كَدُودِ الْمِشِّ وَسُوسِ نَحْوِ الْفُولِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي بَابِ الْمُبَاحِ. قَوْلُهُ: [بَلْ وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ مَوْتَهُ] : أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ الْمَوْتِ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَكَاةُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً بِمَا يَمُوتُ بِهِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» ؛ فَمُرَادُهُ بِحِلِّ الْمَيْتَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَرَادِ عَدَمُ ضَبْطِ ذَكَاتِهِ كَغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ اسْتِوَاءَهُ مَعَ السَّمَكِ. [النِّيَّة وَالتَّسْمِيَة فِي كُلّ أَنْوَاع الذَّكَاة] قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ وُجُوبَ شَرْطٍ] : أَيْ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي.

أَوْ تَسْبِيحٍ أَوْ تَكْبِيرٍ. لَكِنْ (لِمُسْلِمٍ) لَا كِتَابِيٍّ؛ فَلَا يَجِبُ عِنْدَ ذَبْحِهِ ذِكْرُ اللَّهِ بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يَذْكُرَ اسْمَ غَيْرِهِ مِمَّا يَعْتَقِدُ أُلُوهِيَّتَهُ. (إنْ ذَكَرَ) الْمُسْلِمُ عِنْدَ الذَّبْحِ لَا إنْ نَسِيَ فَتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ. (وَقَدَرَ) : لَا إنْ عَجَزَ كَالْأَخْرَسِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْقُيُودُ فِي ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَوَاجِبَةٌ مُطْلَقًا وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ بِدُونِ قَيْدِ ذِكْرٍ أَوْ قُدْرَةٍ. (وَالْأَفْضَلُ) فِي ذِكْرِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ الذَّابِحُ: (بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) . (وَهُمَا) أَيْ النِّيَّةُ وَذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ (فِي الصَّيْدِ) يَكُونَانِ (حَالَ الْإِرْسَالِ) لِلْكَلْبِ وَنَحْوِهِ أَوْ السَّهْمِ لَا حَالَ الْإِصَابَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُذْبَحُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَمَا يُنْحَرُ فَقَالَ: (وَ) وَجَبَ (نَحْرُ إبِلٍ وَزَرَافَةٍ) : وَهِيَ حَيَوَانٌ طَوِيلَةُ الْعُنُقِ كَالْإِبِلِ يَدَاهَا أَطْوَلُ مِنْ رِجْلَيْهَا، فَإِذَا ذُبِحَتْ لَمْ تُؤْكَلْ. (وَ) وَجَبَ (ذَبْحُ غَيْرِهِمَا) : مِنْ الْأَنْعَامِ وَالْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ، فَإِنْ نُحِرَتْ لَمْ تُؤْكَلْ. (إلَّا لِضَرُورَةٍ كَعَدَمِ آلَةٍ) صَالِحَةٍ لِلذَّبْحِ وَكَوُقُوعٍ فِي حُفْرَةٍ بِحَيْثُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا إنْ نَسِيَ] : أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيُفِيدُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] بِمَا إذَا تُرِكَتْ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا لَا نِسْيَانًا أَوْ عَجْزًا وَالْجَاهِلُ بِالْحُكْمِ كَالْعَامِدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَيْسَتْ التَّسْمِيَةُ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الذَّكَاةِ، وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] لَا تَأْكُلُوا الْمَيْتَةَ الَّتِي لَمْ يَقْصِدْ ذَكَاتَهَا لِأَنَّهَا فِسْقٌ وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] : كُلُوا مِمَّا قُصِدَتْ ذَكَاتُهُ فَكَنَّى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ التَّذْكِيَةِ بِذِكْرِ اسْمِهِ، فَالْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ فِي الذَّكَاةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ غَيْرُنَا بِسُنِّيَّتِهَا. قَوْلُهُ: [حَالَ الْإِرْسَالِ لِلْكَلْبِ] : مِنْ ذَلِكَ طَلْقُ بُنْدُقِ الرَّصَاصِ، فَالْعِبْرَةُ بِحَالِ رَفْعِ الزِّنَادِ.

[بيان ما يذبح من الحيوان وما ينحر]

لَا يُمْكِنُ مَا يَجِبُ (فَيَجُوزُ الْعَكْسُ) فِي الْأَمْرَيْنِ؛ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ ذَبْحُ الْإِبِلِ وَنَحْرُ غَيْرِهَا. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ. " وَذَبْحُ غَيْرِهَا " قَوْلُهُ: (إلَّا الْبَقَرَ فَالْأَفْضَلُ فِيهَا الذَّبْحُ) ، وَيَجُوزُ نَحْرُهَا. وَشَبَّهَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ قَوْلَهُ: (كَالْحَدِيدِ) فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ فِي الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ كَزُجَاجٍ مَسْنُونٍ وَحَجَرٍ كَذَلِكَ وَقَصَبٍ وَعَظْمٍ كَذَلِكَ. (وَسَنِّهِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ: أَيْ كَسَنِّ الْحَدِيدِ عِنْدَ الذَّبْحِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ أَيْ مَنْدُوبٌ لِلتَّسْهِيلِ عَلَى الْحَيَوَانِ. (وَقِيَامُ إبِلٍ) فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَبْرِيكِهَا حَالَ النَّحْرِ حَالَ كَوْنِهَا (مُقَيَّدَةً أَوْ مَعْقُولَةَ) الرِّجْلِ (الْيُسْرَى) مُسْتَقْبِلَةً يَقِفُ النَّاحِرُ بِجَنْبِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى غَيْرِ الْمَعْقُولَةِ مَاسِكًا مِشْفَرَهَا الْأَعْلَى بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَيَطْعَنُهَا فِي لَبَّتِهَا بِيَدِهِ الْيُمْنَى، مُسَمِّيًا هَكَذَا صِفَةُ النَّحْرِ. (وَضَجْعُ ذِبْحٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَذْبُوحٍ (بِرِفْقٍ) أَفْضَلُ مِنْ رَمْيِهِ بِقُوَّةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ. (وَتَوْجِيهُهُ) أَيْ الْمَذْبُوحِ أَوْ الْمَنْحُورِ (لِلْقِبْلَةِ) لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَاتِ. (وَإِيضَاحُ الْمَحَلِّ) أَيْ مَحَلُّ الذَّبْحِ مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ رِيشٍ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّفْقِ وَالسُّهُولَةِ. (وَكُرِهَ ذَبْحٌ بِدُونِ حُفْرَةٍ) : كَمَا يَقَعُ لِلْجَزَّارِينَ بِالْمَذَابِحِ السُّلْطَانِيَّةِ لِمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَيَان مَا يذبح مِنْ الْحَيَوَان وَمَا يَنْحَر] قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ ذَبْحُ الْإِبِلِ] : أَيْ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ وَهُوَ الْوَدَجَانِ وَالْحُلْقُومُ وَنَحْرُ غَيْرِهَا فِي مَحَلِّ النَّحْرِ وَهُوَ اللَّبَّةُ. قَوْلُهُ: [إلَّا الْبَقَرَ] : وَمِنْهُ الْجَامُوسُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الْبَقَرِ فِي جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ وَنَدْبِ الذَّبْحِ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ حِمَارِ الْوَحْشِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ الْوَحْشِيَّةِ. [مَنْدُوبَات الذَّبْح وَمَكْرُوهَاته] قَوْلُهُ: [كَزُجَاجٍ مَسْنُونٍ] : أَيْ مُحَدَّدٍ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ] : أَيْ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

فِيهِ مِنْ رُؤْيَةِ الذَّبَائِحِ بَعْضِهَا بَعْضًا وَهُوَ مِنْ تَعْذِيبِهَا لِأَنَّ لَهَا تَمْيِيزًا وَإِشْعَارًا وَلِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ لِأَكْثَرِهَا. (وَ) كُرِهَ (سَلْخٌ) لِجِلْدِهَا (أَوْ قَطْعٌ) لِعُضْوٍ مِنْهَا (قَبْلَ الْمَوْتِ) أَيْ قَبْلَ تَمَامِ خُرُوجِ رُوحِهَا، وَبَعْدَ تَمَامِ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ، وَأَمَّا قَبْلَ التَّمَامِ فَمَيْتَةٌ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا لِبَعْضِ الْفُقَرَاءِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ؛ يَقَعُ الْحَمَلُ فَيَشْرَعُ إنْسَانٌ فِي نَحْرِهِ فَيَأْتِي آخَرُ وَيَقْطَعُ مِنْهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ قَبْلَ تَمَامِ النَّحْرِ فَلَا يُؤْكَلُ مَا قَطَعَ. (وَ) كُرِهَ (تَعَمُّدُ إبَانَةِ الرَّأْسِ) ابْتِدَاءً بِأَنْ نَوَى أَنَّهُ يَقْطَعُ لِحُلْقُومٍ وَالْوَدَجَيْنِ، وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يُبَيِّنَ الرَّأْسَ مِنْ الْجُثَّةِ، وَتُؤْكَلُ إنْ أَبَانَهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إنْ قَصَدَهَا ابْتِدَاءً لَمْ تُؤْكَلْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا قَصَدَهُ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ، أَوْ لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» . قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ سَلْخٌ لِجِلْدِهَا أَوْ قَطْعٌ] : أَيْ وَكَذَا حَرْقٌ بِالنَّارِ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْمَوْتِ] : أَيْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّعْذِيبِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُتْرَكَ حَتَّى تَبْرُدَ إلَّا السَّمَكَ فَيَجُوزُ تَقْطِيعُهُ وَإِلْقَاؤُهُ فِي النَّارِ قَبْلَ مَوْتِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَحْتَاجُ لِذَكَاةٍ صَارَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الْإِلْقَاءِ، وَمَا مَعَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا وَقَعَ فِي غَيْرِهِ بَعْدَ تَمَامِ ذَكَاتِهِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) ، وَقَدْ يُقَالُ: عِلَّةُ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ مَوْجُودَةٌ فَلَا أَقَلَّ مِنْ الْكَرَاهَةِ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا] : حَاصِلُهُ إذَا تَعَمَّدَ إبَانَةَ الرَّأْسِ وَأَبَانَهَا فَهَلْ تُؤْكَلُ تِلْكَ الذَّبِيحَةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ لَا تُؤْكَلُ أَصْلًا؟ قَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَوَّلُهُمَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لِأَنَّ إبَانَةَ الرَّأْسِ بَعْدَ تَمَامِ الذَّكَاةِ بِمَثَابَةِ قَطْعِ عُضْوٍ بَعْدَ انْتِهَاءِ الذَّبْحِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ فَهَذَا مَكْرُوهٌ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِمَالِكٍ؛ وَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ هَلْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ خِلَافٌ أَوْ وِفَاقٌ؟ فَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ،

[بيان ما تعمل فيه الذكاة مما يتوهم خلافه]

يَقْصِدْ أَصْلًا وَإِنَّمَا غَلَبَتْهُ السِّكِّينُ حَتَّى قَطَعَتْ الرَّأْسَ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِمَّا يُتَوَهَّمُ خِلَافُهُ وَمَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ فَقَالَ: (وَأَكْلُ الْمُذَكِّي وَإِنْ أَيِسَ) قَبْلَ تَذْكِيَةٍ (مِنْ حَيَاتِهِ) لَا بِإِنْفَاذِ مَقْتَلِهِ، بَلْ (بِإِضْنَاءِ مَرَضٍ) أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ (أَوْ) بِسَبَبِ (انْتِفَاخٍ) لَهَا (بِعُشْبٍ) كَبِرْسِيمٍ (أَوْ) بِسَبَبِ (دَقِّ عُنُقٍ) أَوْ سُقُوطٍ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي قَرِيبًا إذَا لَمْ يَنْفُذْ بِذَلِكَ مَقْتَلٌ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ بَعْدَهُ. (بِقُوَّةِ حَرَكَةٍ) الْبَاءُ لِلْمَعِيَّةِ: أَيْ أَنَّ مَحَلَّ أَكْلِ مَا أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ بِالذَّكَاةِ أَنْ يَصْحَبَهَا قُوَّةُ حَرَكَةٍ عَقِبَ الذَّبْحِ كَمَدِّ رِجْلٍ وَضَمِّهَا لَا مُجَرَّدُ مَدٍّ أَوْ ضَمٍّ أَوْ ارْتِعَاشٍ أَوْ فَتْحِ عَيْنٍ أَوْ ضَمِّهَا، فَلَا يَكْفِي. وَقِيلَ: إنَّ مَدَّ الرِّجْلِ فَقَطْ أَوْ ضَمَّهَا فَقَطْ كَافٍ فِي حَلِّهَا لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى حَيَاتِهَا حَالَ الذَّبْحِ. (أَوْ شَخْبِ دَمٍ) مِنْهَا وَإِنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ. وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ سَيَلَانِهِ بِخِلَافِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوِفَاقِ. وَرَدَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِقَوْلِ مَالِكٍ فَحَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْإِبَانَةَ ابْتِدَاءً، بَلْ تَعَمَّدَهَا بَعْدَ الذَّكَاةِ. وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَهَا ابْتِدَاءً فَلَا تُؤْكَلُ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ: فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (وَتَعَمَّدَ إبَانَةَ الرَّأْسِ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا) هَذَا إشَارَةٌ إلَى الْقَوْلِ بِالْوِفَاقِ. [بَيَان مَا تعمل فِيهِ الذَّكَاة مِمَّا يتوهم خِلَافه] قَوْلُهُ: [وَإِنْ أَيِسَ قَبْلَ تَذْكِيَتِهِ مِنْ حَيَاتِهِ] : دَخَلَ فِيمَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ: مُحَقَّقُ الْحَيَاةِ وَمَرْجُوُّهَا وَمَشْكُوكُهَا، وَرَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ قَوْلَ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: لَا تَصِحُّ ذَكَاةَ الْمَيْئُوسِ مِنْ حَيَاتِهِ. قَوْلُهُ: [بِقُوَّةِ حَرَكَةٍ] : سَوَاءٌ كَانَ التَّحَرُّكُ مِنْ الْأَعَالِي أَوْ الْأَسَافِلِ سَالَ الدَّمُ أَوْ لَا كَانَ مَعَ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ مَرِيضَةً. قَوْلُهُ: [فَلَا يَكْفِي] : سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا سَيَلَانُ دَمٍ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ إنْ مَدَّ الرِّجْلَ] إلَخْ: مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَظْهَرُ. قَوْلُهُ: [أَوْ شَخْبِ دَمٍ] : أَيْ خُرُوجُهُ بِقُوَّةٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ سَيَلَانِهِ] : أَيْ سَيَلَانِهِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الشَّخْبِ وَعَنْ التَّحَرُّكِ الْقَوِيِّ.

غَيْرِ الْمَيْئُوسِ مِنْ حَيَاتِهَا وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، فَيَكْفِي فِيهَا سَيَلَانُهُ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (كَسَيْلِهِ) أَيْ الدَّمِ وَلَوْ بِلَا شَخْبٍ (فِي صَحِيحَةٍ) لَمْ يُضْنِهَا الْمَرَضُ وَلَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ مِمَّا مَرَّ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي حِلِّهَا مُجَرَّدُ السَّيَلَانِ. ثُمَّ قَيَّدَ جَوَازَ أَكْلِ الْمُذَكِّي الْمَيْئُوسِ مِنْ حَيَاتِهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَنْفُذْ) قَبْلَ الذَّبْحِ (مَقْتَلُهَا) : فَإِنْ نَفَذَ لَمْ تَعْمَلْ فِيهَا الذَّكَاةُ وَكَانَتْ مَيْتَةً كَمَا سَيُصَرِّحُ. وَنَفَاذُ الْمَقْتَلِ وَاحِدٌ مِنْ خَمْسَةِ أُمُورٍ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (بِقَطْعِ نُخَاعٍ) مُثَلَّثُ النُّونِ: الْمُخُّ الَّذِي فِي فَقَارِ الظَّهْرِ أَوْ الْعُنُقِ مَتَى قُطِعَ لَا يَعِيشُ، وَأَمَّا كَسْرُ الصُّلْبِ بِدُونِ قَطْعِ النُّخَاعِ فَلَيْسَ بِقَتْلٍ. (أَوْ) قَطْعِ (وَدَجٍ) وَأَوْلَى الِاثْنَيْنِ، وَأَمَّا شَقُّهُ بِلَا قَطْعٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ. (وَنَثْرِ دِمَاغٍ) وَهُوَ مَا تَحْوِيهِ الْجُمْجُمَةُ، وَأَمَّا شَرْخُ الرَّأْسِ أَوْ خَرْقُ خَرِيطَةِ الدِّمَاغِ بِلَا انْتِشَارٍ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ. (أَوْ) نَثْرُ (حُشْوَةٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: وَهِيَ مَا حَوَتْهُ الْبَطْنُ مِنْ قَلْبٍ وَكَبِدٍ وَطِحَالٍ وَكُلْوَةٍ وَأَمْعَاءٍ؛ أَيْ إزَالَةُ مَا ذُكِرَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ عَادَةً رَدُّهُ لِمَوْضِعِهِ. (وَثَقْبِ) أَيْ خَرْقِ (مُصْرَانٍ) وَأَوْلَى قَطْعُهُ وَأَمَّا ثَقْبُ الْكَرِشِ فَلَيْسَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي حِلِّهَا مُجَرَّدُ السَّيَلَانِ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ أَصْلًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّحَرُّكِ الْقَوِيِّ وَشَخْبِ الدَّمِ يَكْفِي فِي الضَّحِيَّةِ وَالْمَرِيضَةِ وَلَوْ كَانَ مَيْئُوسًا حَيَاتُهَا، وَالْحَالُ أَنَّهَا غَيْرُ مَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ، وَأَمَّا سَيَلَانُ الدَّمِ وَالتَّحَرُّكُ الْغَيْرُ الْقَوِيُّ فَلَا يَكْفِي اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا إلَّا فِي غَيْرِ الْمَيْئُوسِ مِنْهَا، وَلَا يَكْفِي فِي الْمَيْئُوسِ مِنْهَا. قَوْلُهُ: [الَّذِي فِي فَقَارِ الظَّهْرِ] : بِفَتْحِ الْفَاءِ جَمْعُ فَقَرَةٍ. قَوْلُهُ: [وَثَقْبٍ] : أَيْ خَرْقَ مُصْرَانٍ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَوَّاقِ مِنْ أَنَّ ثَقْبَ الْمُصْرَانِ وَشَقَّهُ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْتَئِمُ، وَإِنَّمَا الْمَقْتَلُ فِيهِ قَطْعُهُ وَانْتِشَارُهُ، وَمُصْرَانٌ بِضَمِّ الْمِيمِ: جَمْعُ مَصِيرٍ، كَرَغِيفٍ وَرُغْفَانٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ مَصَارِينُ كَسُلْطَانٍ وَسَلَاطِينَ،

بِمَقْتَلٍ، فَالْبَهِيمَةُ الْمُنْتَفِخَةُ إذَا ذُكِّيَتْ فَوُجِدَتْ مُتَقَوِّبَةَ الْكَرِشِ تُؤْكَلُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَنُفُوذُ الْمَقْتَلِ إمَّا (بِخَنْقٍ) : أَيْ بِسَبَبِهِ، (أَوْ) بِسَبَبِ (وَقْذٍ) : أَيْ ضَرْبٍ بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (أَوْ) بِسَبَبِ (تَرَدٍّ) أَيْ سُقُوطٍ (مِنْ) ذِي (عُلُوٍّ، أَوْ) بِسَبَبِ (نَطْحٍ) لَهَا مِنْ غَيْرِهَا، (أَوْ) بِسَبَبِ (أَكْلِ سَبُعٍ) لِبَعْضِهَا، (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ كُلِّ مَا يَنْفُذُ مَقْتَلًا لَهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ نَفَذَ مَقْتَلٌ مِنْهَا - فَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " إنْ لَمْ يَنْفُذْ " إلَخْ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (لَمْ تَعْمَلْ) أَيْ لَمْ تُفِدْ (فِيهَا ذَكَاةٌ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مَيْتَةً حُكْمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ كَغَيْرِهَا، فَالْعِبْرَةُ فِي حِلِّ أَكْلِهَا ذَبْحُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ، نَفَذَتْ مَقَاتِلُهَا أَوْ لَا. وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] إلَى قَوْلِهِ: {وَالْمُنْخَنِقَةُ} [المائدة: 3] إلَى قَوْلِهِ: {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] مَعْنَاهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَّا مَا أَدْرَكْتُمُوهُ بِالذَّكَاةِ مِنْهَا وَهِيَ حَيَّةٌ مُطْلَقًا، وَقَالَ مَالِكٌ: مَا لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلُهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مَيْتَةٌ حُكْمًا فَلَا تَعْمَلُ فِيهَا ذَكَاةٌ. (كَمُحَرَّمِ الْأَكْلِ) لَا تَعْمَلُ: أَيْ لَا تُفِيدُ فِيهِ ذَكَاةٌ وَهُوَ مَيْتَةٌ نَجَسٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مَا عَدَا الشَّعْرِ وَزَغَبِ الرِّيشِ، لِأَنَّهُ لَا تَحِلُّ فِيهِ الْحَيَاةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ طَيَّاتِهِ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْمُفْرَدِ. قَوْلُهُ: [إمَّا بِخَنْقٍ] إلَخْ: صَرَّحَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي فِي الْآيَةِ تَبَرُّكًا بِهَا وَلِتَبْيِينِ مَعَانِيهَا، وَلَمَّا كَانَ إنْفَاذُ الْمَقَاتِلِ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي فِي الْآيَةِ قَالَ: وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [مَعْنَاهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَّا مَا أَدْرَكْتُمُوهُ] إلَخْ: أَيْ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مُتَّصِلًا. قَوْلُهُ: [وَقَالَ مَالِكٌ: مَا لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلُهَا] : وَعَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أَيْ إلَّا مَا كَانَتْ ذَكَاتُكُمْ عَامِلَةً فِيهِ مِنْهَا حَيْثُ لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا وَالْمَعْنَى: لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ لَيْسَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ. قَوْلُهُ: [وَزَغَبَ الرِّيشِ] : يُفْرَضُ ذَلِكَ فِي طَيْرٍ نَتَجَ مِنْ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ.

[ذكاة الجنين]

وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ خِنْزِيرٍ) إجْمَاعًا، (وَحُمُرٍ أَهْلِيَّةٍ وَإِنْ بَعْدَ تَوَحُّشٍ) مِنْهَا بِأَنْ نَفَرَتْ وَلَحِقَتْ بِالْوَحْشِ نَظَرًا لِأَصْلِهَا، وَأَمَّا الْحُمُرُ الْوَحْشِيَّةُ أَصَالَةً فَتَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ لِأَنَّهَا صَيْدٌ (وَبَغْلٍ وَفَرَسٍ) لَا تَعْمَلُ فِيهِمَا ذَكَاةٌ. (وَذَكَاةُ الْجَنِينِ) الْحَيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَمَاتَ بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ هِيَ (ذَكَاةُ أُمِّهِ) : فَيُؤْكَلُ بِسَبَبِهَا. وَتُحِلُّهُ الطَّهَارَةُ بِشَرْطَيْنِ أَفَادَهُمَا بِقَوْلِهِ: (إنْ تَمَّ خَلْقُهُ) أَيْ اسْتَوَى وَلَوْ كَانَ نَاقِصَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ خِلْقَةً، (وَنَبَتَ شَعْرُهُ) أَيْ شَعْرُ جَسَدِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَكَامَلْ وَلَا يَكْفِي شَعْرُ رَأْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ. وَكَذَا الْبَيْضُ يَكُونُ طَاهِرًا يُؤْكَلُ إنْ أُخْرِجَ بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَتْ بِلَا ذَكَاةٍ. (فَإِنْ خَرَجَ) الْجَنِينُ بَعْدَ ذَبْحِ أُمِّهِ (حَيًّا) حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً (لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ إلَّا أَنْ يُبَادَرَ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ إلَّا أَنْ يُسَارِعَ إلَيْهِ بِالذَّكَاةِ، (فَيَفُوتَ) بِالْمَوْتِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ حَيَاتَهُ حِينَئِذٍ كَلَا حَيَاةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَبَغْلٍ وَفَرَسٍ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ وَحْشِيَّةً وَإِلَّا عَمِلَتْ فِيهَا اتِّفَاقًا، وَعَدَمُ عَمَلِ الذَّكَاةِ فِي الْبِغَالِ وَالْخَيْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْبِغَالِ وَالْخَيْلِ وَالْإِبَاحَةِ فِي الْخَيْلِ فَتَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ. [ذكاة الْجَنِين] قَوْلُهُ: [فَيُؤْكَلُ بِسَبَبِهَا] : وَاخْتُلِفَ فِي الْمَشِيمَةِ وِعَائِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قِيلَ: لَا تُؤْكَلُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: تُؤْكَلُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: تَبَعٌ لِلْوَلَدِ إنْ أُكِلَ أُكِلَتْ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: [وَنَبْتُ شَعْرِهِ] : عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَادَةً مِنْ خَلْقِهِ نَبَاتُ شَعْرِهِ أَوْ مُسَبَّبٍ عَلَى سَبَبٍ. قَوْلُهُ: [بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَكَامَلْ فَلَيْسَ كَالْجَنِينِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَتْ بِلَا ذَكَاةٍ] : أَيْ فَلَا يُؤْكَلُ بَيْضُهَا وَلَوْ كَانَ مُتَكَامِلًا. قَوْلُهُ: [حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً] : أَيْ مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا.

وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَيِّتًا بِذَكَاةِ أُمِّهِ. (وَذُكِّيَ) الْجَنِينُ (الْمُزْلَقُ) : أَيْ الْمُسْقَطُ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ (إنْ تَحَقَّقَتْ حَيَاتُهُ) بَعْدَ إسْقَاطِهِ وَقَبْلَ ذَبْحِهِ، (وَتَمَّ) خَلْقُهُ (بِشَعْرٍ) لِجَسَدِهِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ حَيَاتُهُ أَوْ تَحَقَّقَتْ وَلَكِنْ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ (أَوْ لَمْ يَنْبُتْ) شَعْرُهُ (لَمْ تَعْمَلْ) الذَّكَاةُ (فِيهِ) فَيَكُونُ مَيْتَةً نَجَسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَتْ الذَّكَاةُ سَبَبًا فِي إبَاحَةِ أَكْلِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ سَائِرَ الْمُبَاحَاتِ بَعْدَهَا قَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَنِينَ إذَا خَرَجَ حَيًّا بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ؛ إمَّا أَنْ تَكُونَ حَيَاتُهُ مَرْجُوًّا بَقَاؤُهَا، أَوْ مَشْكُوكًا فِي بَقَائِهَا، أَوْ مَيْئُوسًا مِنْ بَقَائِهَا. فَفِي الْأَوَّلَيْنِ: تَجِبُ ذَكَاتُهُ وَلَا يُؤْكَلُ إذَا مَاتَ بِدُونِهَا، وَفِي الثَّالِثِ: تَنْدُبُ ذَكَاتُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (إلَّا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتَ) خَاصٌّ بِالْمَيْئُوسِ مِنْهُ، فَتَعَجُّلُ مَوْتِهِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: [إنْ تَحَقَّقَتْ حَيَاتُهُ] : أَيْ أَوْ ظُنَّتْ لَا الْمَشْكُوكُ فِيهَا فَهِيَ كَالْعَدَمِ فَلَا يُؤْكَلُ وَلَوْ ذُكِّيَ. تَتِمَّةٌ: اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ وَعَدَمِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلِ: يَجُوزُ مُطْلَقًا اتَّصَلَا أَوْ انْفَصَلَا، الثَّانِي: يَجُوزُ إنْ انْفَصَلَا، الثَّالِثِ: يَجُوزُ بِالظُّفْرِ مُطْلَقًا لَا بِالسِّنِّ مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ يَعْنِي يُكْرَهُ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ، الرَّابِعِ: يُمْنَعُ بِهِمَا مُطْلَقًا فَلَا يُؤْكَلُ مَا ذُبِحَ بِهِمَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَمَحَلُّ تِلْكَ الْأَقْوَالِ إنْ وُجِدَتْ آلَةٌ غَيْرُ الْحَدِيدِ فَإِنْ وُجِدَ الْحَدِيدُ تَعَيَّنَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا جَازَ بِهِمَا جَزْمًا كَذَا قِيلَ. (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . خَاتِمَةٌ: يَحْرُمُ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ مِنْ طَيْرٍ أَوْ غَيْرِهِ بِنِيَّةِ حَبْسِهِ أَوْ الْفُرْجَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا بِنِيَّةِ الْقَنِيَّةِ أَوْ الذَّكَاةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَكُرِهَ لِلَهْوٍ، وَجَازَ لِتَوْسِعَةٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَنُدِبَ لِتَوْسِعَةٍ مُعْتَادَةٍ أَوْ سَدِّ خُلَّةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، وَوَجَبَ لِسَدِّ خُلَّةٍ وَاجِبَةٍ فَتَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ. وَأَمَّا صَيْدُ نَحْوِ الْخِنْزِيرِ؛ إذَا كَانَ بِنِيَّةِ قَتْلِهِ فَجَائِزٌ، وَأَمَّا بِنِيَّةِ حَبْسِهِ أَوْ الْفُرْجَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اصْطِيَادُ الْقِرْدِ أَوْ الدُّبِّ لِأَجْلِ التَّفَرُّجِ عَلَيْهِ وَالتَّمَعُّشِ بِهِ، لِإِمْكَانِ التَّمْعِيشِ بِغَيْرِهِ، وَيَحْرُمُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهِ نَعَمْ يَجُوزُ صَيْدُهُ لِلتَّذْكِيَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ أَكْلِهِ. (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) وَفِي (ح) اغْتِفَارِ اللَّعِبِ الْيَسِيرِ لِحَدِيثِ أَبِي عُمَيْرٍ - كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.

[باب المباح]

بَابُ الْمُبَاحِ (الْمُبَاحُ) : حَالَ الِاخْتِيَارِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا: (مَا عَمِلَتْ فِيهِ الذَّكَاةُ) : أَيْ كُلُّ مَا ذُكِّيَ بِمَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الطَّاهِرِ أَوَّلَ الْكِتَابِ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الطَّهَارَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ الْإِبَاحَةُ وَلَا الْعَكْسُ؛ فَإِنَّ الْجَرَادَ وَنَحْوَهُ مِيتَتُهُ طَاهِرَةٌ وَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا السُّمُّ وَالْمُخَدَّرُ وَكُلُّ طَاهِرٍ غَيْرُ مُبَاحٍ، وَقَدْ يُبَاحُ النَّجَسُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يَأْتِي. ثُمَّ بَيَّنَ مَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ نِعَمٍ) بَقَرٍ وَغَنَمٍ وَإِبِلٍ، (وَطَيْرٍ) بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ (وَلَوْ) كَانَ كُلٌّ مِنْ النِّعَمِ وَالطَّيْرِ (جَلَّالَةً) : أَيْ تَسْتَعْمِلُ النَّجَاسَاتِ، (وَ) لَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَاب الْمُبَاح] [تَعْرِيف الْمُبَاح وَبَيَان مَا تعمل فِيهِ الذَّكَاة] بَابٌ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْمُبَاحَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْمَكْرُوهَ مِنْهَا وَالْمُحَرَّمَ، وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: الْمُبَاحُ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا إلَخْ لِشَرَفِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ الْإِبَاحَةُ] إلَخْ: وَلِذَلِكَ كَانَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ يَجْتَمِعَانِ فِي الْخُبْزِ مَثَلًا، وَيَنْفَرِدُ الطَّاهِرُ فِي السُّمِّ وَالْجَرَادِ الْمَيْتَةِ، وَيَنْفَرِدُ الْمُبَاحُ فِي النَّجِسِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. قَوْلُهُ: [وَالْمُخَدِّرُ] : أَيْ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَالْأَفْيُونِ وَالْحَشِيشَةِ. قَوْلُهُ: [وَقَدْ يُبَاحُ النَّجِسُ] : أَيْ كَمَيْتَةِ مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَالْخَمْرِ لِلْغُصَّةِ. قَوْلُهُ: [بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ] : أَيْ إلَّا الْوَطْوَاطَ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [جَلَّالَةً] : الْجَلَّالَةُ لُغَةً: الْبَقَرَةُ الَّتِي تَتْبَعُ النَّجَاسَاتِ، ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ

(ذَا مِخْلَبٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ كَالْبَازِ وَالْعُقَابِ وَالرَّخَمِ، وَهُوَ لِلطَّائِرِ وَالسَّبُعِ كَالظُّفْرِ لِلْإِنْسَانِ (وَوَحْشٍ) عُطِفَ عَلَى " نِعَمٍ " أَيْ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ (كَحِمَارٍ) وَبَقَرٍ وَحْشِيَّيْنِ وَزَرَافَةٍ (وَغَزَالٍ) وَأَرْنَبٍ (وَيَرْبُوعٍ) : دُوَيْبَّةٌ قَدْرُ بِنْتِ عُرْسٍ وَأَكْبَرُ مِنْ الْفَأْرَةِ، (وَفَأْرٍ) بِالْهَمْزِ مَعْرُوفٌ (وَوَبْرٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ: فَوْقَ الْيَرْبُوعِ وَدُونَ السِّنَّوْرِ (وَقُنْفُذٍ) - بِضَمِّ الْقَافِ وَالْفَاءِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ: أَكْبَرُ مِنْ الْفَأْرِ كُلُّهُ شَوْكٌ إلَّا رَأْسَهُ وَبَطْنَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ (وَحَيَّةٍ أَمِنَ سُمَّهَا) وَإِلَّا لَمْ تُبَحْ، (وَجَرَادٍ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي كُلِّ حَيَوَانٍ يَسْتَعْمِلُ النَّجَاسَةَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ ذَا مِخْلَبٍ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا يُؤْكَلُ الْمَنْعُ قَالَهُ فِي الْإِكْمَالِ. قَوْلُهُ: [وَوَحْشٍ] : أَيْ إلَّا الْمُفْتَرِسَ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [كَحِمَارٍ] : وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْبَغْلَ وَالْفَرَسَ الْوَحْشِيَّيْنِ. قَوْلُهُ: [وَفَأْرٍ] : أَيْ مَا لَمْ يَصِلْ لِلنَّجَاسَةِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا، وَإِلَّا كُرِهَ أَكْلُهُ، فَإِنْ شَكَّ فِي وُصُولِهِ لَمْ يُكْرَهْ وَلَكِنْ فَضْلَتُهُ نَجِسَةٌ. قَوْلُهُ: [وَدُونَ السِّنَّوْرِ] : السِّنَّوْرُ هُوَ الْهِرُّ وَالْأُنْثَى سِنَّوْرَةٌ، وَالْوَبَرُ دَابَّةٌ مِنْ دَوَابِّ الْحِجَازِ، قَالَ الْخَرَشِيُّ: طَحْلَاءُ اللَّوْنِ حَسَنَةُ الْعَيْنَيْنِ شَدِيدَةُ الْحَيَاءِ لَا ذَنَبَ لَهَا تُوجَدُ فِي الْبُيُوتِ وَجَمْعُهَا وُبُرٌ بِضَمِّ الْوَاوِ وَالْبَاءِ وَوِبَارٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَطَحْلَاءُ اللَّوْنِ هُوَ لَوْنٌ بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالْغَبَرَةِ اهـ. قَوْلُهُ: [وَالْفَاءِ] : أَيْ وَتُفْتَحُ أَيْضًا وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى قُنْفُذَةٌ، وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ شَيْهَمٌ. قَوْلُهُ: [أَمِنَ سُمَّهَا] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمُسْتَعْمِلِهَا فَيَجُوزُ أَكْلُهَا بِسُمِّهَا لِمَنْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ لِمَرَضِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَنُ سُمُّهَا لِمَنْ يُؤْذِيهِ السُّمُّ بِذَكَاتِهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَهْلُ الطِّبِّ بِالْمَارَسْتَانِ، بِأَنْ تَكُونَ فِي حَلْقِهَا وَفِي قَدْرٍ خَاصٍّ مِنْ ذَنَبِهَا بِأَنْ يَتْرُكَ قَدْرَ أَرْبَعَةِ قَرَارِيطَ مِنْ ذَنَبِهَا وَرَأْسِهَا. وَلَا بُدَّ أَنْ تُطْرَحَ عَلَى ظَهْرِهَا، وَأَمَّا لَوْ طُرِحَتْ عَلَى بَطْنِهَا وَقَطَعَ مِنْ الْقَفَا فَلَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الذَّكَاةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُقَدَّمِ فَلَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ حِينَئِذٍ، وَإِنْ أَمِنَ سُمَّهَا. وَالسُّمُّ مُثَلَّثُ السِّينِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ

ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ قَوْلَهُ: (إلَّا الْمُفْتَرِسَ) مِنْ الْوَحْشِ، (وَ) إلَّا (الْوَطْوَاطَ) مِنْ الطَّيْرِ فَلَيْسَا مِنْ الْمُبَاحِ، بَلْ مِنْ الْمَكْرُوهِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ (وَخَشَاشِ أَرْضٍ) عُطِفَ عَلَى " نِعَمٍ "؛ فَالذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِيهِ بِمَا يَمُوتُ بِهِ قِيَاسًا عَلَى الْجَرَادِ بِجَامِعِ عَدَمِ النَّفْسِ السَّائِلَةِ فِي كُلٍّ، فَيَكُونُ مُبَاحَ الْأَكْلِ وَهُوَ بِتَثْلِيثِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ (كَعَقْرَبٍ وَخُنْفُسَاءَ) بِالْمَدِّ، (وَجُنْدُبٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ، (وَبَنَاتِ وَرْدَانٍ) قَرِيبَةٌ مِنْ الْجُنْدُبِ فِي الْخِلْقَةِ، (وَنَمْلٍ وَدُودٍ) وَسُوسٍ. (فَإِنْ مَاتَ) الدُّودُ وَنَحْوُهُ (بِطَعَامٍ) : لَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَمُيِّزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الطَّعَامِ (أُخْرِجَ) مِنْهُ وُجُوبًا وَلَا يُؤْكَلُ مَعَ الطَّعَامِ (لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ) وَلَا يَدْطَرِحُ الطَّعَامُ لِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ مِيتَتَهُ طَاهِرَةٌ (وَإِنْ لَمْ يَمُتْ) فِي الطَّعَامِ (جَازَ أَكْلُهُ) مَعَ الطَّعَامِ لَكِنْ (بِنِيَّتِهَا) : أَيْ الذَّكَاةِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِمَضْغِهِ ذَكَاتَهُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ، (وَإِنْ لَمْ يُمَيَّزْ) الدُّودُ وَنَحْوُهُ عَنْ الطَّعَامِ بِأَنْ اخْتَلَطَ فِيهِ وَتَهَرَّى (طُرِحَ) الطَّعَامُ لِعَدَمِ إبَاحَةِ نَحْوِ الدُّودِ الْمَيِّتِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَيُلْقَى لِكَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ دَابَّةٍ (إلَّا إذَا كَانَ) الدُّودُ وَنَحْوُهُ غَيْرَ الْمُتَمَيِّزِ (أَقَلَّ) مِنْ الطَّعَامِ، بِأَنْ كَانَ الثُّلُثَ فَدُونَ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَهُ لِيَسَارَتِهِ - كَذَا قِيلَ. (وَأَكْلِ دُودٍ) : أَيْ وَجَازَ كُلُّ مَا تَوَلَّدَ فِي (الْفَاكِهَةِ) وَالْحُبُوبِ وَالتَّمْرِ مِنْ الدُّودِ وَالسُّوسِ (مَعَهَا) أَيْ مَعَ الْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا (مُطْلَقًا) قَلَّ أَوْ كَثُرَ، مَاتَ فِيهَا أَوْ لَا مُيِّزَ أَوْ لَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجَمْعُهُ سِمَامٌ وَسُمُومٌ. قَوْلُهُ: [وَخُشَاشِ أَرْضٍ] : أُضِيفَ لَهَا لِأَنَّهُ يُخَشُّ أَيْ يَدْخُلُ فِيهَا وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا بِمُخْرِجٍ وَيُبَادِرُ بِرُجُوعِهِ إلَيْهَا. قَوْلُهُ: [جَازَ أَكْلُهُ] : أَيْ إنْ قَبِلَتْهُ طَبِيعَتُهُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لِلطَّاهِرِ الْمُبَاحِ مَا يَمْنَعُ أَكْلَهُ كَالْمَرِيضِ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِهِ نَوْعٌ مِنْ الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ. قَوْلُهُ: [مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ] : أَيْ وُجُوبًا مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ مَعَ فَاكِهَةٍ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا انْفَرَدَ عَنْهَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ

[المباح البحري]

(وَالْبَحْرِيُّ) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عَمِلَتْ فِيهِ الذَّكَاةُ: أَيْ وَالْمُبَاحُ الْبَحْرِيُّ مُطْلَقًا، (وَإِنْ مَيِّتًا أَوْ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا) أَوْ تِمْسَاحًا أَوْ سُلَحْفَاةً وَلَا يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ. (وَ) الْمُبَاحُ (مَا طَهُرَ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ) وَمَثَّلَ لِلطَّعَامِ الطَّاهِرِ بِقَوْلِهِ: (كَنَبَاتٍ) لَا يُغَيِّرُ عَقْلًا وَلَا يَضُرُّ بِجِسْمٍ فَيَشْمَلُ الْحُبُوبَ وَالْبُقُولَ وَغَيْرَهُمَا، وَيُخْرِجُ السَّيْكَرَانَ وَنَحْوَهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ. (وَلَبَنٍ) لِمُبَاحٍ خَرَجَ حَالَ الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الذَّكَاةِ وَإِلَّا فَنَجِسٌ يَدْخُلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَغَيْرِهِ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، وَانْظُرْ فِي ذَلِكَ. [الْمُبَاح الْبَحْرِيّ] قَوْلُهُ: [وَإِنْ مَيِّتًا] : رَدٌّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِيتَةَ الْبَحْرِ طَاهِرَةٌ وَلَوْ تَغَيَّرَتْ بِنُتُونَةٍ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ ضَرَرُهَا فَيَحْرُمُ أَكْلُهَا لِذَلِكَ لَا لِنَجَاسَتِهَا، وَكَذَا الْمُذَكَّى ذَكَاةً شَرْعِيَّةً طَاهِرٌ، وَلَوْ تَغَيَّرَ بِنُتُونَةٍ، وَيُؤْكَلُ مَا لَمْ يَخَفْ الضَّرَرَ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ نَقْلًا عَنْ الْأُجْهُورِيِّ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ ذَلِكَ الْمَيِّتُ رَاسِيًا فِي الْمَاءِ أَوْ طَافِيًا أَوْ فِي بَطْنِ حُوتٍ أَوْ طَيْرٍ، سَوَاءٌ ابْتَلَعَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا وَمَاتَ فِي بَطْنِهِ، وَيُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ وَسَوَاءٌ صَادَهُ مُسْلِمٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ. قَوْلُهُ: [أَوْ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا] : وَكَذَلِكَ الْآدَمِيُّ خِلَافًا لِلتَّتَّائِيِّ الْقَائِلِ بِمَنْعِ أَكْلِ الْآدَمِيِّ وَكَرَاهَةِ أَكْلِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقِيلَ بِتَحْرِيمِهِمَا. قَوْلُهُ: [أَوْ سُلَحْفَاةً] : وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالتُّرْسِ. [الْأَطْعِمَة وَالْأَشْرِبَة الطَّاهِرَة] قَوْلُهُ: [كَنَبَاتٍ لَا يُغَيِّرُ عَقْلًا] إلَخْ: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْقَهْوَةُ وَالدُّخَانُ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَتَجُوزُ الْقَهْوَةُ لِذَاتِهَا، وَفِي الدُّخَانِ خِلَافٌ فَالْوَرَعُ تَرْكُهُ خُصُوصًا الْآنَ فَقَدْ كَادَ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَنْ يُحَرِّمَهُ، وَإِنْ قَالَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ فِي رِسَالَتِهِ (غَايَةُ الْبَيَانِ لِحِلِّ شُرْبِ مَا لَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ مِنْ الدُّخَانِ) مَا نَصُّهُ: لَا يَسَعُ عَاقِلًا أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ حَرَامٌ لِذَاتِهِ إلَّا إذَا كَانَ جَاهِلًا بِكَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ مُكَابِرًا مُعَانِدًا (اهـ) . وَيَعْرِضُ لِكُلِّ حُكْمٍ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَمَا رَأَيْتُهُ فِي فَتْوَى مَشَايِخِ الْعَصْرِ. (اهـ. كَلَامُ الْمَجْمُوعِ) . قَوْلُهُ: [وَلَبَنٍ لِمُبَاحٍ] : أَيْ وَأَمَّا لَبَنُ الْآدَمِيِّ فَطَاهِرٌ مُبَاحٌ مُطْلَقًا خَرَجَ فِي الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَبَنُ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ مَكْرُوهٌ إنْ خَرَجَ فِي الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ

[ما سد الرمق للضرورة من المحرم]

فِي النَّجِسِ الْآتِي، (وَبَيْضٍ) كَذَلِكَ. وَمَثَّلَ لِلشَّرَابِ بِقَوْلِهِ: (وَعَصِيرٍ) لِعِنَبٍ (وَفُقَّاعٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْقَمْحِ وَالتَّمْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّرَابُ الْمُسَمَّى بِالْمَرِيسَةِ (وَسُوبْيَا) : شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْأُرْزِ أَوْ الْقَمْحِ يُضَافُ إلَيْهِ عَسَلٌ أَوْ سُكَّرٌ، (إلَّا مَا أَفْسَدَ الْعَقْلَ) مِمَّا ذُكِرَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ كَمَا يَأْتِي. وَمَا أَفْسَدَ الْعَقْلَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ يُسَمَّى مُسْكِرًا وَهُوَ نَجِسٌ، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَأَمَّا مَا أَفْسَدَ الْعَقْلَ مِنْ النَّبَاتِ: (كَحَشِيشَةٍ وَأَفْيُونٍ) وَسَيْكَرَانٍ وَدَاتُورَةٍ أَوْ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ كَبَعْضِ الْمَعَاجِينِ فَيُسَمَّى مُفْسِدًا وَمُخَدِّرًا وَمُرَقِّدًا؛ وَهُوَ طَاهِرٌ لَا يُحَدُّ مُسْتَعْمِلُهُ، بَلْ يُؤَدَّبُ وَلَا يَحْرُمُ الْقَلِيلُ مِنْهُ الَّذِي لَا أَثَرَ لَهُ. (أَوْ) إلَّا مَا أَفْسَدَ (الْبَدَنَ كَذَوَاتِ السَّمُومِ) فَيَحْرُمُ. (وَ) الْمُبَاحُ (مَا سَدَّ الرَّمَقَ) أَيْ حَفِظَ الْحَيَاةَ (مِنْ) كُلِّ (مُحَرَّمٍ) : مَيْتَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (لِلضَّرُورَةِ) ؛ وَهِيَ حِفْظُ النُّفُوسِ مِنْ الْهَلَاكِ أَوْ شِدَّةِ الضَّرَرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالذَّكَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الطَّاهِرِ. قَوْلُهُ: [وَبَيْضٍ كَذَلِكَ] : أَيْ يَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ اللَّبَنِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَوْ مِنْ حَشَرَاتٍ. قَوْلُهُ: [مِنْ الْقَمْحِ وَالتَّمْرِ] : وَقِيلَ مَا جُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَنَحْوُهُ. قَوْلُهُ: [يُسَمَّى مُسْكِرًا] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّخَذًا مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ الْمُسَمَّى بِالْخَمْرِ، بَلْ الْحُكْمُ وَاحِدٌ فِي الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَالَهَا الشَّارِحُ، وَهِيَ نَجَاسَتُهُ وَالْحَدُّ فِيهِ وَحُرْمَةُ تَعَاطِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، خِلَافًا لِمَنْ فَصَلَ بَيْنَ مَاءِ الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [فَيُسَمَّى مُفْسِدًا وَمُخَدِّرًا] : أَيْ كَالْحَشِيشَةِ فَإِنَّهَا تُغَيِّبُ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، وَقَوْلُهُ: وَمُرَقِّدًا أَيْ كَالْأَفْيُونِ وَمَا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَالْحَوَاسَّ مَعًا، وَأَمَّا السُّكْرُ فَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، وَتَقَدَّمَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي بَابِ الطَّاهِرِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَحْرُمُ الْقَلِيلُ مِنْهُ] : بَلْ يُكْرَهُ. [مَا سَدّ الرمق لِلضَّرُورَةِ مِنْ الْمُحْرِم] قَوْلُهُ: [أَيْ حَفِظَ الْحَيَاةَ] : فَالْمُرَادُ بِالرَّمَقِ الْحَيَاةُ وَسَدِّهَا حِفْظُهَا وَلَكِنْ

[المضطر]

إذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. (إلَّا الْآدَمِيَّ) فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّ مِيتَتَهُ سُمٌّ فَلَا تُزِيلُ الضَّرُورَةَ وَكَذَا الْخَمْرُ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ لِضَرُورَةِ عَطَشٍ لِأَنَّهُ مِمَّا يَزِيدُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَ) الْمُبَاحُ (خَمْرٌ تَعَيَّنَ لِغُصَّةٍ) أَيْ لِإِزَالَتِهَا لَا إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَا لِغَيْرِ غُصَّةٍ. (وَجَازَ) لِلْمُضْطَرِّ (الشِّبَعُ) مِنْ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الْأَصَحِّ (كَالتَّزَوُّدِ) : أَيْ كَمَا يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّدُ مِنْهَا (إلَى أَنْ يُسْتَغْنَى) عَنْهَا، فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا وَجَبَ طَرْحُهَا. (وَ) إذَا وَجَدَ مِنْ الْمُحَرَّمِ مَيْتَةً وَخِنْزِيرًا وَصَيْدًا صَادَهُ مُحْرِمٌ (قَدَّمَ الْمَيْتَةَ عَلَى خِنْزِيرٍ وَصَيْدٍ مُحَرِّمٍ) حَيٍّ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَأَوْلَى الِاصْطِيَادُ، (لَا) يُقَدَّمُ (عَلَى لَحْمِهِ) أَيْ لَحْمِ الصَّيْدِ إذَا وَجَدَهُ مَقْتُولًا أَوْ مَذْبُوحًا، بَلْ يُقَدَّمُ لَحْمُ الصَّيْدِ عَلَى الْمَيْتَةِ أَيْ أَنَّ الْمُضْطَرَّ إذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدَ الْمُحْرِمِ حَيًّا قَدَّمَ الْمَيْتَةَ عَلَى ذَبْحِ الصَّيْدِ، فَإِنْ وَجَدَهُ مَذْبُوحًا قَدَّمَهُ عَلَى الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَارِضَةٌ لِلْمُحْرِمِ، وَحُرْمَةَ الْمَيْتَةِ أَصْلِيَّةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَيْسَ الْمُرَادُ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنْ خُصُوصِ حِفْظِ الْحَيَاةِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ الشِّبَعُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ: [الْآدَمِيَّ] : أَيْ فَلَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَلَوْ مَاتَ الْمُضْطَرُّ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَبَعْضُهُمْ صَحَّحَ أَكْلَهُ لِلْمُضْطَرِّ إذَا كَانَ مَيِّتًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ شَرَفُهُ لَا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ صَيْرُورَتُهُ سُمًّا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُزِيلُ الضَّرُورَةَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [تَعَيَّنَ لِغُصَّةٍ] : أَيْ حَيْثُ خَشِيَ مِنْهَا الْهَلَاكَ وَيُصَدَّقُ الْمَأْمُونُ وَيَعْمَلُ بِالْقَرَائِنِ. [الْمُضْطَرّ] قَوْلُهُ: [عَلَى الْأَصَحِّ] : وَنَصُّ الْمُوَطَّإِ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا سَمِعْت فِي الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا (اهـ) . قَوْلُهُ: [عَارِضَةٌ لِلْمُحْرِمِ] : أَيْ خَاصَّةً بِهِ حَالَ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ فَحُرْمَتُهَا

(وَ) قَدَّمَ (الصَّيْدَ) لِلْمُحْرِمِ (عَلَى الْخِنْزِيرِ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ذَاتِيَّةٌ وَحُرْمَةَ صَيْدِ الْمُحْرِمِ عَرَضِيَّةٌ، (وَ) قَدَّمَ (مُخْتَلَفًا فِيهِ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (عَلَى مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ) كَالْخَيْلِ تُقَدَّمُ عَلَى الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ، (وَ) قَدَّمَ (طَعَامَ الْغَيْرِ) : أَيْ غَيْرَ الْمُضْطَرِّ (عَلَى مَا ذُكِرَ) مِنْ الْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَلَحْمِ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ بِغَصْبٍ، (إلَّا لِخَوْفٍ كَقَطْعٍ) لِيَدٍ وَكَذَا خَوْفُ الضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ فَأَوْلَى الْقَتْلُ، فَإِنْ خَافَ ذَلِكَ قَدَّمَ الْمَيْتَةَ أَوْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ. (وَقَاتَلَ) الْمُضْطَرُّ جَوَازًا (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ صَاحِبِهِ لَكِنْ (بَعْدَ الْإِنْذَارِ) بِأَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ قَاتَلَهُ فَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُهُ فَهَدَرٌ لِوُجُوبِ بَذْلِهِ لِلْمُضْطَرِّ، وَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ فَالْقِصَاصُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQدَائِمَةٌ. قَوْلُهُ: [كَالْخَيْلِ] : أَيْ فَإِنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ حِلُّ أَكْلِهَا، فَعَلَى مَذْهَبِهِ تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ فَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَفِي مَذْهَبِنَا قَوْلٌ بِالْإِبَاحَةِ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ لَنَا قَوْلٌ عَنْ مَالِكٍ بِكَرَاهَةِ أَكْلِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، فَتُقَدَّمُ إنْ كَانَتْ حَيَّةً وَتُذَكَّى عَلَى الْمَيْتَةِ. قَوْلُهُ: [كَقَطْعٍ لِيَدٍ] : أَيْ كَالسَّرِقَةِ مِنْ تَمْرِ الْجَرِينِ وَغَنَمِ الْمَرَاحِ وَكُلِّ مَا كَانَ فِي حِرْزِ صَاحِبِهِ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا خَوْفُ الضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ] : أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي سَرِقَتِهِ قَطْعٌ. إنْ قُلْت: الْمُضْطَرُّ إذَا ثَبَتَ اضْطِرَارُهُ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ وَلَا ضَرْبُهُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَيْتَةٌ فَكَيْفَ يَخَافُ الْقَطْعَ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الْقَطْعَ قَدْ يَكُونُ بِالتَّغْلِيبِ وَالظُّلْمِ وَتَقْدِيمِ طَعَامِ الْغَيْرِ بِشَرْطِهِ عَلَى الْمَيْتَةِ مَنْدُوبٌ، وَأَمَّا عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَيَتَعَيَّنُ مَا وَجَدَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ خَوْفِ الْقَطْعِ إنَّمَا هُوَ إذَا وَجَدَ الْمَيْتَةَ أَوْ الْخِنْزِيرَ أَوْ لَحْمَ الْمُحَرَّمِ، وَإِلَّا أَكَلَ وَلَوْ خَافَ الْقَطْعَ كَمَا فِي الْأُجْهُورِيِّ، لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مُقَدَّمٌ عَلَى خَوْفِ الْقَطْعِ وَالضَّرْبِ، وَحَيْثُ أَكَلَ الطَّعَامَ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَمَنٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَقَاتَلَ الْمُضْطَرُّ جَوَازًا] : بَلْ إذَا خَشِيَ الْهَلَاكَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ قَاتَلَ وُجُوبًا لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ وَاجِبٌ.

[المكروه من الطعام والشراب]

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَكْرُوهُ: الْوَطْوَاطُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْخُفَّاشُ جَنَاحُهُ مِنْ لَحْمٍ، (وَ) الْحَيَوَانُ (الْمُفْتَرِسُ؛ كَسَبُعٍ وَذِئْبٍ وَضَبُعٍ وَثَعْلَبٍ وَفَهْدٍ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، (وَنِمْرٍ وَنِمْسٍ وَقِرْدٍ وَدُبٍّ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، (وَهِرٍّ، وَإِنْ) كَانَ (وَحْشِيًّا) وَالْمُفْتَرِسُ مَا افْتَرَسَ الْآدَمِيَّ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا الْعَادِيُّ فَمَخْصُوصٌ بِالْآدَمِيِّ، (وَكَلْبٍ) إنْسِيٍّ: وَقِيلَ بِالْحُرْمَةِ فِي الْجَمِيعِ، وَرُدَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] إلَخْ، وَلَمْ يَرِدْ فِي السُّنَّةِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. (وَ) كُرِهَ (شَرَابُ خَلِيطَيْنِ) أَيْ شُرْبُ شَرَابٍ مَخْلُوطَيْنِ كَزَبِيبٍ وَتَمْرٍ أَوْ تِينٍ أَوْ مِشْمِشٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ خُلِطَا عِنْدَ الِانْتِبَاذِ أَوْ عِنْدَ الشُّرْبِ، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّوبْيَا وَالْفُقَّاعِ وَالْمَرِيسَةِ وَمِنْهُ مَا يُعْمَلُ لِلْمَرْضَى، وَمَا يُعْمَلُ فِي الْقَاهِرَةِ فِي رَمَضَانَ يُسَمُّونَهُ الْخُشَافُ؛ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ (إنْ أَمْكَنَ الْإِسْكَارُ) ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْمَكْرُوه مِنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب] قَوْلُهُ: [وَقِيلَ بِالْحُرْمَةِ فِي الْجَمِيعِ] : رَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ تَحْرِيمَ كُلِّ مَا يَعْدُو مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَالْأَسَدِ أَوْ النَّمِرِ وَالثَّعْلَبِ وَالْكَلْبِ، وَمَا لَا يَعْدُو يُكْرَهُ أَكْلُهُ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ الْأَوَّلُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ فِي الْكَلْبِ الْإِنْسِيِّ قَوْلَيْنِ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ، وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّحْرِيمَ قَالَ (ح) وَلَمْ أَرَ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ نَقَلَ إبَاحَةِ أَكْلِ الْكِلَابِ. قَوْلُهُ: [أَيْ شُرْبُ شَرَابِ مَخْلُوطَيْنِ] : إنَّمَا قَدَّرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ. قَوْلُهُ: [وَسَوَاءٌ خُلِطَا عِنْدَ الِانْتِبَاذِ أَوْ عِنْدَ الشُّرْبِ] : وَمَفْهُومُ الِانْتِبَاذِ أَنَّ التَّخْلِيلَ لَا كَرَاهَةَ فِي جَمْعِهِمَا فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: [وَالْمَرِيسَةِ] : أَيْ الْبُوظَةِ. قَوْلُهُ: [بَلْ إنْ أَمْكَنَ الْإِسْكَارُ] : هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ احْتِمَالُ الْإِسْكَارِ بِمُخَالَطَةِ الْآخَرِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ الْمُوَطَّإِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ هَذَا تَعَبُّدِيٌّ لَا لِعِلَّةٍ، وَعَلَيْهِ فَيُكْرَهُ شَرَابُ الْخَلِيطَيْنِ، سَوَاءٌ أَمْكَنَ إسْكَارُهُ أَمْ لَا، وَلَكِنْ اسْتَظْهَرَ فِي الْحَاشِيَةِ الْقَوْلَ وَلِذَلِكَ مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا وَإِنْ اسْتَصْوَبَ بْنُ الثَّانِيَ. تَنْبِيهٌ إذَا طَرَحَ الشَّيْءَ فِي نَبِيذِ نَفْسِهِ كَطَرْحِ الْعَسَلِ فِي نَبِيذِ نَفْسِهِ وَالتَّمْرِ فِي نَبِيذِ نَفْسِهِ كَانَ شُرْبُهُ جَائِزًا، كَمَا أَنَّ اللَّبَنَ الْمَخْلُوطَ بِالْعَسَلِ كَذَلِكَ.

[المحرم من الأطعمة والأشربة]

بِأَنْ طَالَ زَمَنُ النَّبْذِ كَالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَأَعْلَى، لَا إنْ قَرُبَ الزَّمَنُ فَمُبَاحٌ وَلَا إنْ دَخَلَهُ الْإِسْكَارُ وَلَوْ ظَنًّا فَحَرَامٌ نَجَسٌ. (وَ) كُرِهَ (نَبْذٌ) لِشَيْءٍ مِنْ الْفَوَاكِهِ وَلَوْ مُفْرَدًا كَزَبِيبٍ فَقَطْ (بِدُبَّاءٍ) : وَهُوَ الْقَرْعُ (وَحَنْتَمٍ) : وَهِيَ الْأَوَانِي الْمَطْلِيَّةُ بِالزُّجَاجِ الْأَخْضَرِ أَوْ الْأَصْفَرِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا دُهِنَ بِزُجَاجٍ مُلَوَّنٍ (وَمُقَيَّرٍ) : أَيْ مَطْلِيٌّ بِالْقَارِ أَيْ الزِّفْتِ (وَنَقِيرٍ) أَيْ مَنْقُورٍ: وَهُوَ مَا نُقِرَ مِنْ الْأَوَانِي مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ. وَإِنَّمَا كُرِهَ النَّبْذُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهَا تَعْجِيلُ الْإِسْكَارِ لِمَا نُبِذَ فِيهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَوَانِي. (وَالْمُحَرَّمُ) مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ: (مَا أَفْسَدَ الْعَقْلَ) مِنْ مَائِعٍ كَخَمْرٍ أَوْ جَامِدٍ كَحَشِيشَةٍ وَأَفْيُونٍ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ حِفْظَ الْعَقْلِ وَاجِبٌ، (أَوْ) أَفْسَدَ (الْبَدَنَ) كَالسُّمَيَّاتِ (وَالنَّجَسِ) كَدَمٍ وَبَوْلٍ وَغَائِطٍ وَمَيْتَةِ حَيَوَانٍ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ إلَّا مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَخِنْزِيرٌ وَحِمَارٌ) إنْسِيٌّ أَصَالَةً بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (وَحْشِيًّا دُجِّنَ) أَيْ تَأَنَّسَ وَلَا يَنْظُرُ حِينَئِذٍ لِأَصْلِهِ، فَإِنْ تَوَحَّشَ بَعْدَ ذَلِكَ أُكِلَ وَصَارَتْ فَضْلَتُهُ طَاهِرَةً (وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَمَيْتَةٌ) مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ (كَجَرَادٍ) وَخُشَاشِ أَرْضٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِيتَتُهُ طَاهِرَةً إذْ لَا يُبَاحُ إلَّا بِذَكَاةٍ كَمَا تَقَدَّمَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَكُرِهَ نَبْذٌ لِشَيْءٍ] إلَخْ: إنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ النَّبْذِ فِيهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. [الْمُحْرِم مِنْ الْأَطْعِمَة وَالْأَشْرِبَة] قَوْلُهُ: [إنْسِيٌّ أَصَالَةً] : أَيْ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَوْ تَوَحَّشَ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُنْظَرُ حِينَئِذٍ لِأَصْلِهِ] : أَيْ حَيْثُ تَأَنَّسَ الْوَحْشِيُّ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَاعْتَدَّ بِالْعَارِضِ احْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ. قَوْلُهُ: [وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ] : أَيْ إنْسِيَّيْنِ وَلَوْ تَوَحَّشَا فَمَا قِيلَ فِي الْحِمَارِ يُقَالُ فِيهِمَا. تَتِمَّةٌ يَحْرُمُ أَكْلُ ابْنِ عُرْسٍ لِعَمَى آكِلِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَيَحْرُمُ الطِّينُ وَالتُّرَابُ لِلضَّرَرِ وَقِيلَ يُكْرَهَانِ. وَيَحْرُمُ الْوَزَغُ لِلسُّمِّ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُ مُبَاحٍ وَلَدَهُ مُحَرَّمٌ كَشَاةٍ مِنْ أَتَانٍ وَلَا عَكْسُهُ كَأَتَانٍ مِنْ شَاةٍ. وَأَمَّا نَسْلُ ذَلِكَ الْمُبَاحِ الَّذِي وَلَدَهُ الْمُحَرَّمُ فَيُؤْكَلُ حَيْثُ كَانَ مُبَاحًا لِبُعْدِهِ كَمَا أَفَادَهُ الْمَجْمُوعُ وَالْحَاشِيَةُ.

[باب في حقيقة اليمين وأحكامه]

بَابٌ فِي حَقِيقَةِ الْيَمِينِ وَأَحْكَامِهِ الْيَمِينُ فِي الْعُرْفِ: الْحَلِفُ، وَهُوَ قِسْمَانِ الْيَمِينُ: الْأَوَّلُ: تَعْلِيقُ طَاعَةٍ أَوْ طَلَاقٍ عَلَى وَجْهِ قَصْدِ الِامْتِنَاعِ مِنْ فِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَاب فِي حَقِيقَة الْيَمِين وَأَحْكَامه] [تَعْرِيف الْيَمِين وَأَقْسَامه] بَابٌ لَمَّا كَانَتْ الْيَمِينُ تَشْتَمِلُ عَلَى بِرٍّ تَارَةً وَحِنْثٍ أُخْرَى نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَهَا عَقِبَ بَابِ الْمُبَاحِ وَالْمُحَرَّمِ، وَهُوَ بَابٌ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ لِكَثْرَةِ وَقَائِعِهِ وَتَشَعُّبِ فُرُوعِهِ. وَالْيَمِينُ وَالْحَلِفُ وَالْإِيلَاءُ وَالْقَسَمُ: أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ اقْتَطَعَ مَالَ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ، فَقِيلَ لَهُ وَلَوْ شَيْئًا قَلِيلًا؟ قَالَ وَلَوْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» . وَتُجْمَعُ عَلَى أَيْمَانٍ وَعَلَى أَيْمُنٍ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْيَمِينِ الَّذِي هُوَ الْعُضْوُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا وَضَعَ أَحَدُهُمْ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ صَاحِبِهِ، فَسُمِيَّ الْحَلِفُ يَمِينًا لِذَلِكَ، وَقِيلَ الْيَمِينُ: الْقُوَّةُ، وَيُسَمَّى الْعُضْوُ يَمِينًا لِوُفُورِ قُوَّتِهِ عَلَى الْيَسَارِ؛ وَلَمَّا كَانَ الْحَلِفُ يُقَوِّي الْخَبَرَ عَلَى الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ سُمِّيَ يَمِينًا. فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَكُونُ الِالْتِزَامَاتُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا دَاخِلَةً فِي الْيَمِينِ، وَعَلَى هَذَا مَشَى الْمُصَنِّفُ فَأَدْخَلَهَا وَصَدَّرَ بِهَا بِخِلَافِهَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِحَقِيقَةِ الْيَمِينِ تَعْرِيفُهُ. وَالْمُرَادُ بِأَحْكَامِهِ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَغَيْرِهَا، وَتَذْكِيرُ الْمُصَنِّفِ الضَّمَائِرِ الْعَائِدَةِ عَلَى الْيَمِينِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ وَهُوَ الْحَلِفُ وَإِلَّا فَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ كَمَا عَلِمْت فِي الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: [فِي الْعُرْفِ] : أَيْ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ قِسْمَانِ] : بَلْ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُتَنَوِّعٌ إلَى قِسْمَيْنِ، وَهَذَا هُوَ رَأْيُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَجْعَلَ الْتِزَامَ الطَّاعَةِ مِنْ قَبِيلِ النَّذْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدَ

أَوْ الْحَضِّ عَلَى فِعْلِهِ، نَحْوَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ إنْ لَمْ أَدْخُلْهَا فَطَالِقٌ؛ وَالْأَوَّلُ يَمِينُ بِرٍّ، وَالثَّانِي يَمِينُ حِنْثٍ. وَالثَّانِي قَسَمٌ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. وَأَشَارَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (تَعْلِيقُ مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ - وَلَوْ كِتَابِيًّا - فَلَا يُعْتَبَرُ تَعْلِيقُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ حَنِثَ شَيْءٌ وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ التَّعْلِيقِ. (مُكَلَّفٍ) لَا غَيْرِهِ: كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِتَعْلِيقِهِ. (قُرْبَةً) مَفْعُولُ تَعْلِيقِ الْمُضَافِ لِفَاعِلِهِ: أَيْ أَنْ يُعَلِّقَ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ قُرْبَةً كَصَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ مَشْيٍ لِمَكَّةَ أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ. (أَوْ) تَعْلِيقِ (حِلِّ عِصْمَةٍ) كَطَلَاقٍ حَقِيقَةً: كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ فَهِيَ طَالِقٌ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ التَّعْلِيقُ (حُكْمًا) نَحْوَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ فِي قُوَّةِ: إنْ دَخَلَهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَنَحْوَ: عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّقَرُّبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي النَّذْرِ، وَيُسَمَّى حِينَئِذٍ بِنَذْرِ اللَّجَاجِ. قَوْلُهُ: [نَحْوَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ] : مِثَالٌ لِقَصْدِ الِامْتِنَاعِ، وَقَوْلُهُ أَوْ إنْ لَمْ أَدْخُلْهَا مِثَالٌ لِلْحَضِّ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ. قَوْلُهُ: [يَمِينُ بِرٍّ] : أَيْ لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ الثَّانِي: يَمِينُ حِنْثٍ: أَيْ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ يَكُونُ حَانِثًا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [قَسَمٌ بِاَللَّهِ] : أَيْ بِاسْمٍ دَالٍّ عَلَى ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ كَانَ لَفْظَ الْجَلَالَةِ أَوْ غَيْرَهُ، وَقَوْلُهُ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَيْ غَيْرِ الْفِعْلِيَّةِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُعْتَبَرُ تَعْلِيقُهُ] : أَيْ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الِالْتِزَامَاتِ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِتَعْلِيقِهِ] : الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ الشَّامِلِ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكْرَهِ، وَنَفْيِ اللُّزُومِ كَمَنْ ذُكِرَ وَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوْ زَالَ الْإِكْرَاهُ قَبْلَ حُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ نَظِيرَ مَا قَالَهُ فِي الْكَافِرِ، لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ التَّكْلِيفُ كَالْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: [فَعَبْدِي حُرٌّ] : مِثَالٌ لِتَعْلِيقِ الْقُرْبَةِ، وَقَوْلُهُ: فَهِيَ طَالِقٌ مِثَالٌ لِتَعْلِيقِ حَلِّ الْعِصْمَةِ.

لَأَدْخُلَنَّ، فَإِنَّهُ فِي قُوَّةِ وَقَوْلِهِ إنْ لَمْ أَدْخُلْ فَهِيَ طَالِقٌ، فَالْأُولَى صِيغَةُ بِرٍّ، وَالثَّانِيَةُ صِيغَةُ حِنْثٍ بِالْقُوَّةِ لَا بِالتَّصْرِيحِ. (عَلَى) حُصُولِ (أَمْرٍ) : كَدُخُولِ دَارٍ أَوْ لُبْسِ ثَوْبٍ نَحْوَ إنْ دَخَلْت أَوْ لَبِسْت، (أَوْ) عَلَى (نَفْيِهِ) نَحْوَ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ، أَوْ: إنْ لَمْ أَلْبَسْ هَذَا الثَّوْبَ فَهِيَ طَالِقٌ، وَهَذِهِ صِيغَةُ حِنْثٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالدُّخُولِ أَوْ اللُّبْسِ، وَمَا قَبْلَهَا صِيغَةُ بِرٍّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ. أَيْ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ - غَيْرَ مَعْصِيَةٍ كَدُخُولِ الدَّارِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ (مَعْصِيَةً) كَشُرْبِ خَمْرٍ نَحْوَ: إنْ شَرِبْت الْخَمْرَ فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ فَعَبْدُهُ حُرٌّ، فَإِنْ شَرِبَهُ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ. فَعَلِمَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ وَهُوَ الْمَحْلُوفُ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً أَوْ حَلَّ عِصْمَةٍ، وَأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا أَوْ مُحَرَّمًا شَرْعًا أَوْ وَاجِبًا شَرْعًا أَوْ عَادَةً أَوْ عَقْلًا أَوْ مُسْتَحِيلًا، وَسَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ - حُكْمُ مَا إذَا عَلَّقَ عَلَى الْوَاجِبِ أَوْ الْمُسْتَحِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا حَنِثَ بِفَوَاتِ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ " إلَخْ. وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ " قُرْبَةً " إلَخْ: أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ جَائِزًا غَيْرَ حِلِّ الْعِصْمَةِ أَوْ عَلَّقَ مَعْصِيَةً ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِالْقُوَّةِ لَا بِالتَّصْرِيحِ] : رَاجِعٌ لِصِيغَةِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ. قَوْلُهُ: [وَهَذِهِ صِيغَةُ حِنْثٍ] : أَيْ الْجُمْلَةُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى مِثَالِ النَّفْيِ، وَالْمِثَالَانِ صَرِيحَانِ فِي الْحِنْثِ. قَوْلُهُ: [وَمَا قَبْلَهَا صِيغَةُ بِرٍّ] : أَيْ الْمِثَالَانِ اللَّذَانِ مَثَّلَ بِهِمَا لِحُصُولِ أَمْرٍ، وَهُمَا صَرِيحَانِ فِي الْبِرِّ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ] : أَيْ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. قَوْلُهُ: [لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً] : أَيْ كَتَعْلِيقِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْمَشْيِ لِمَكَّةَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [إثْبَاتًا] : أَيْ وَهُوَ صِيغَةُ الْبِرِّ، وَقَوْلُهُ: أَوْ نَفْيًا أَيْ الَّذِي هُوَ صِيغَةُ الْحِنْثِ، وَقَوْلُهُ جَائِزًا أَيْ كَالدُّخُولِ وَاللُّبْسِ فِي صِيغَتَيْ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مُحَرَّمًا شَرْعًا أَيْ كَشُرْبِ الْخَمْرِ.

عَلَى أَمْرٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ نَحْوَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَلَيَّ أَوْ فَيَلْزَمُنِي الْمَشْيُ فِي السُّوقِ، أَوْ إلَى بَلَدِ كَذَا أَوْ شُرْبُ الْخَمْرِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَعْصِيَةُ كَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: " قُرْبَةً " أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُتَعَيِّنَةٍ وَإِلَّا فَهِيَ لَازِمَةٌ أَصَالَةً كَصَلَاةِ الظُّهْرِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ تَطَوُّعٍ أَوْ فَرْضِ كِفَايَةٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَيَلْزَمُهُ إنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ. (قَصَدَ) الْمُعَلِّقُ بِتَعْلِيقِهِ الْمَذْكُورِ (الِامْتِنَاعَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ فِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ، فَنَحْوَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ يَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ، قَصْدُهُ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ دُخُولِهَا. (أَوْ الْحَثُّ) : أَيْ الْحَضُّ (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْأَمْرِ الْمَنْفِيِّ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، فَنَحْوَ: إنْ لَمْ أَدْخُلْهَا فَهِيَ طَالِقٌ، قَصْدُهُ بِذَلِكَ الدُّخُولُ، وَالْحَثُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ، فَقَوْلُهُ: " قَصَدَ " هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَالْمَعْنَى تَعْلِيقُهُ عَلَى وَجْهِ قَصْدِ الِامْتِنَاعِ فِي الْبِرِّ، وَطَلَبِ الْفِعْلِ فِي الْحَثِّ، وَخَرَجَ بِهِ النَّذْرُ نَحْوَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَدَقَةُ كَذَا؛ فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِينٍ لِعَدَمِ قَصْدِ امْتِنَاعٍ مِنْ شَيْءٍ وَلَا طَلَبٍ لِفِعْلِهِ. (أَوْ) قَصَدَ (تَحَقُّقَهُ) أَيْ تَحَقُّقَ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَيْ حُصُولَهُ نَحْوَ: عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، أَوْ عِتْقُ عَبْدِهِ لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ أَوْ إنَّهُ لَمْ يَقُمْ؛ فَلَيْسَ هُنَا قَصْدُ امْتِنَاعٍ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ إلَى بَلَدِ كَذَا] : مِثَالٌ لِلْجَائِزِ، وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْمَشْيَ لِلْبَلَدِ الَّذِي سَمَّاهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بِخِلَافِ لَوْ عَلَّقَ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ. قَوْلُهُ: [أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُتَعَيِّنَةٍ] : أَيْ وَأَمَّا الْتِزَامُ الْمُتَعَيَّنِ فَهُوَ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ وَحَقِيقَةُ الْيَمِينِ هُوَ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ، فَالْوَاجِبُ الشَّرْعِيُّ وَالْعَقْلِيُّ وَالْعَادِيُّ لَا يَتَأَتَّى تَجْدِيدُ تَحْصِيلِهِ لِحُصُولِهِ. قَوْلُهُ: [فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِينٍ] : أَيْ بِاتِّفَاقِ ابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [أَيْ حُصُولُهُ] : أَيْ ثُبُوتُ مَا نُسِبَ لِذَلِكَ الْأَمْرِ مِنْ نِسْبَةِ الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ جَائِزًا أَوْ مُحَرَّمًا شَرْعًا، أَوْ وَاجِبًا شَرْعًا أَوْ عَادَةً أَوْ عَقْلًا أَوْ مُسْتَحِيلًا، وَتَمْثِيلُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ قَامَ إلَخْ فَرْضُ مِثَالٍ وَالْمِثَالُ لَا يُخَصَّصُ.

شَيْءٍ وَلَا حَثٍّ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ تَحَقُّقُ قِيَامِهِ فِي الْأَوَّلِ وَتَحَقُّقُ عَدَمِهِ فِي الثَّانِي. ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ أَمْثِلَةَ مَا قَدَّمَهُ بِقَوْلِهِ: (كَ: إنْ فَعَلْت) كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، أَوْ: فَأَنْتَ يَا عَبْدِي حُرٌّ، أَوْ: فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهَذَا فِي صِيغَةِ الْبِرِّ لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَقَعَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ ضَمُّ التَّاءِ مِنْ فَعَلْت وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (أَوْ) نَحْوَ: (إنْ لَمْ أَفْعَلْ) أَنَا أَوْ: إنْ لَمْ تَفْعَلِي يَا هِنْدُ أَوْ: إنْ لَمْ تَفْعَلْ يَا زَيْدُ (كَذَا) - كَلُبْسِ ثَوْبٍ - (فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا) كَشَهْرٍ وَالصَّوْمُ قُرْبَةٌ، (أَوْ: فَأَنْتَ) يَا عَبْدِي (حُرٌّ) وَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ مِنْ الْقُرَبِ، (أَوْ: فَأَنْتِ) يَا زَوْجَتِي (طَالِقٌ) وَالطَّلَاقُ حَلُّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، وَهَذَا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْحِنْثُ وَلَا يَبَرُّ إلَّا بِفِعْلِ مَدْخُولِ النَّفْيِ. وَالتَّعْلِيقُ فِي الْقِسْمَيْنِ صَرِيحٌ. وَأَشَارَ لِمِثَالِ التَّعْلِيقِ الْحُكْمِيِّ بِقَوْلِهِ: (وَكَ: عَلَيَّ) الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ: عَلَيَّ صَدَقَةٌ بِدِينَارٍ أَوْ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ، لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ أَوْ لَتَدْخُلَنَّهَا أَنْتِ. (أَوْ: يَلْزَمُنِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا مُرَادُهُ تَحْقِيقُ قِيَامِهِ] : أَيْ تَقْوِيَتُهُ وَتَأْكِيدُهُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ الْيَمِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَكِّدَاتِ قَوْلُهُ: [ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ أَمْثِلَةِ مَا قَدَّمَهُ] : أَيْ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ. قَوْلُهُ: [وَيَجُوزُ ضَمُّ التَّاءِ] إلَخْ: فَالضَّمُّ لِلْمُتَكَلِّمِ وَالْفَتْحُ لِلْمُخَاطَبِ وَالْكَسْرُ لِلْمُخَاطَبَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْلِيقِ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ الْغَيْرِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. قَوْلُهُ: [وَهَذَا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ] : اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ نَحْوَ إنْ لَمْ أَفْعَلْ إلَخْ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْحِنْثُ] : أَيْ لِقِيَامِ سَبَبِ الْحِنْثِ بِهِ فَلِذَلِكَ يُؤْمَرُ بِالتَّخَلُّصِ مِنْهُ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فِي الْقِسْمَيْنِ] : أَيْ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ. قَوْلُهُ: [لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ] : أَيْ فِي حَلِفِهِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ لَتَدْخُلُنَّهَا بِنُونِ التَّوْكِيدِ إمَّا خِطَابٌ لِمُذَكَّرٍ أَوْ لِمُؤَنَّثٍ فِي حَلِفِهِ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، وَقَدَّرَ الشَّارِحُ هُنَا هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِي لَأَفْعَلَن أَوْ لَتَفْعَلَنَّ مُقَدَّرٌ هُنَا أَيْضًا.

الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ:) يَلْزَمُنِي (التَّصَدُّقُ بِدِينَارٍ أَوْ:) يَلْزَمُنِي (الطَّلَاقُ لَأَفْعَلَنَّ) كَذَا أَوْ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ مَثَلًا، (أَوْ لَتَفْعَلَنَّ) يَا زَيْدُ كَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ تَعْلِيقٌ ضِمْنِيٌّ فِي قُوَّةِ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا، أَوْ إنْ لَمْ تَفْعَلْ فَعَلَيَّ مَا ذُكِرَ، أَوْ فَيَلْزَمُنِي مَا ذُكِرَ، فَيَلْزَمُهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ فِي قُوَّةِ صِيغَةِ الْحِنْثِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا فِعْلُ الشَّيْءِ. وَسَكَتَ عَنْ التَّعْلِيقِ الضِّمْنِيِّ لِصِيغَةِ الْبِرِّ الْمَقْصُودِ مِنْهَا عَدَمُ فِعْلِ الشَّيْءِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ الْمُقَايَسَةِ، وَلِلْإِشَارَةِ إلَيْهِ بِمَا يَأْتِي فِي التَّعْلِيلِ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ: يَلْزَمُنِي أَوْ عَلَيَّ الطَّلَاقُ مَثَلًا لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَا تَفْعَلِي كَذَا بِإِدْخَالِ حُرُوفِ النَّفْيِ عَلَى الْفِعْلِ؛ فَإِنَّهُ فِي قُوَّةِ: إنْ فَعَلْته أَوْ إنْ فَعَلْتِيهِ فَالطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي، وَهُوَ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَقَعَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ. وَأَشَارَ لِلضِّمْنِيِّ الْمَقْصُودِ مِنْهُ تَحَقُّقُ الْحُصُولِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ:) عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَوْ يَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ أَوْ عِتْقُ عَبْدِي (لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ أَوْ: لَمْ يَقُمْ) ، أَوْ: لَزَيْدٌ فِي الدَّارِ، أَوْ: لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ. فَالْأَوَّلُ الْمُثْبَتُ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ قَامَ زَيْدٌ، أَوْ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ فَهِيَ طَالِقٌ، أَوْ: فَعَبْدِي حُرٌّ، وَهُوَ صِيغَةُ حِنْثٍ قَصَدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلِلْإِشَارَةِ إلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي فِي التَّعْلِيلِ] : أَيْ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ فِي قُوَّةِ إنْ لَمْ أَفْعَلْ أَوْ إنْ فَعَلْت، فَإِنَّ قَوْلَهُ أَوْ إنْ فَعَلْت تَعْلِيلٌ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ مِنْ التَّعْلِيلِ الضِّمْنِيِّ فِي الْبِرِّ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ يَلْزَمُنِي أَوْ عَلَيَّ الطَّلَاقُ] : كُلُّ مَنْ يَلْزَمُنِي وَعَلَى تَنَازُعٍ فِيهِ الطَّلَاقِ، وَهَذَا مِثَالٌ لِحَلِّ الْعِصْمَةِ، وَأَشَارَ لِمِثَالِ الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ فِي الْبِرِّ بِقَوْلِهِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [فَإِنَّ فِي قُوَّةِ إنْ فَعَلْته أَوْ فَعَلْتِيهِ] إلَخْ: أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ يَلْزَمُنِي أَوْ عَلَيَّ فِي قُوَّةِ التَّصْرِيحِ بِمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَمِثَالُ تَعْلِيقِ الْقُرْبَةِ الضِّمْنِيِّ فِي الْبِرِّ أَنْ تَقُولَ: يَلْزَمُنِي أَوْ: عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي مَثَلًا لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَوْ لَا تَفْعَلِي كَذَا بِإِدْخَالِ حَرْفِ النَّفْيِ عَلَى الْفِعْلِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ الشَّارِحُ، فَإِنَّهُ فِي قُوَّةِ: إنْ فَعَلْته أَوْ: فَعَلْتِيهِ فَالْعِتْقُ يَلْزَمُهُ. قَوْلُهُ: [فَالْأَوَّلُ] : أَيْ فَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَالْمَتْنُ الْمُثْبِتُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ) ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَلَزَيْدٌ فِي الدَّارِ.

بِهَا تَحَقُّقَ الْقِيَامِ، وَالْكَوْنَ فِي الدَّارِ، وَالثَّانِي: الْمَنْفِيُّ فِي الْمِثَالَيْنِ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: إنْ كَانَ زَيْدٌ قَامَ، أَوْ فِي الدَّارِ أَحَدٌ فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَهُوَ صِيغَةُ حِنْثٍ قَصَدَ بِهَا تَحَقُّقَ الْقِيَامِ، أَوْ عَدَمَ كَوْنِ أَحَدٍ فِي الدَّارِ. وَقَوْلُهُ: " فَإِنَّهُ فِي قُوَّةِ " قَوْلِهِ: " إنْ لَمْ أَفْعَلْ " أَوْ " فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت " تَعْلِيلٌ لِبَيَانِ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ ضِمْنِيٌّ وَهُوَ مَا بَالَغَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ آنِفًا، وَلَوْ حُكْمًا. لَكِنَّ قَوْلَهُ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ رَاجِعٌ لِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: " وَكَعَلَيَّ أَوْ يَلْزَمُنِي " إلَى قَوْلِهِ: " لَأَفْعَلَنَّ أَوْ لَتَفْعَلَنَّ "، وَفِي كَلَامِهِ هُنَا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أَوْ إنْ لَمْ تَفْعَلْ يَا زَيْدُ، فَقَوْلُنَا: " إنْ لَمْ أَفْعَلْ " نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ: " لَأَفْعَلَنَّ "، وَالْمُقَدَّرُ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ: لَتَفْعَلَنَّ، وَهُمَا صِيغَتَا حِنْثٍ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ إنْ فَعَلْت " تَعْلِيلٌ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ مِنْ التَّعْلِيقِ الضِّمْنِيِّ فِي الْبِرِّ كَمَا أَشَرْنَا لِذَلِكَ فِي الشَّرْحِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ " إلَخْ فَلَمْ يَذْكُرْ تَعْلِيلَهُ هُنَا، وَتَقَدَّمَ لَك بَيَانُهُ " وَهُوَ أَنَّ لَقَدْ قَامَ فِي قُوَّةِ صِيغَةِ حِنْثٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ فِي قُوَّةِ صِيغَةِ بِرٍّ ". وَهَذَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْيَمِينِ بِجَمِيعِ صُوَرِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَوْلُهُ: [وَالثَّانِي الْمَنْفِيُّ] : أَيْ الْمِثَالُ الْمَنْفِيُّ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَالْمَتْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: (أَوْ لَمْ يَقُمْ أَوْ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ) فَتَأَمَّلْ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَهُوَ صِيغَةُ حِنْثٍ إلَخْ الْوَاقِعُ بَعْدَ مِثَالِ النَّفْيِ سَبْقُ قَلَمٍ، بَلْ هِيَ صِيغَةُ بِرٍّ وَسَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ صِيغَةُ بِرٍّ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يَقُمْ فِي قُوَّةِ صِيغَةِ الْبِرِّ. قَوْلُهُ: [وَفِي كَلَامِهِ هُنَا حَذْفٌ] : أَيْ فِي التَّعْلِيلِ. قَوْلُهُ: [وَتَقَدَّمَ لَك بَيَانُهُ] : أَيْ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: [لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ] إلَخْ. قَوْلُهُ: [بِجَمِيعِ صُوَرِهِ] : وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ تُؤْخَذُ مِنْ الشَّرْحِ. حَاصِلُهَا: أَنْ تَقُولَ: الْمُعَلَّقُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْتِزَامَ قُرْبَةٍ أَوْ حَلَّ عِصْمَةٍ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ قَصْدَ امْتِنَاعٍ أَوْ حَثٍّ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ، وَبَقِيَ مَا إذَا قَصَدَ تَحَقُّقَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَتَحْتَهُ ثَمَانِيَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ أَنْ تَقُولَ الْمُعَلَّقُ: إمَّا الْتِزَامُ قُرْبَةٍ أَوْ حَلُّ عِصْمَةٍ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ الَّذِي قَصَدَ تَحَقُّقَهُ مُثْبَتًا أَوْ مَنْفِيًّا، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ. وَأَمَّا إذَا الْتَفَتَ إلَى الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَائِزٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ شَرْعًا أَوْ وَاجِبٌ شَرْعًا أَوْ عَادَةً أَوْ عَقْلًا أَوْ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً أَوْ عَقْلًا، فَتَكْثُرُ الصُّوَرُ

[يمين الحنث]

لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ. وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ " الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ " إلَخْ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ الْأَوَّلَ لَا تُفِيدُ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَلَا إنْشَاءٌ بِخِلَافِ الثَّانِي كَمَا يَأْتِي. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (أَوْ قَسَمٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَ " أَوْ " فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ التَّقْسِيمُ وَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهَا فِي الْحُدُودِ أَيْ: أَوْ حَلَفَ. (عَلَى أَمْرٍ كَذَلِكَ) : أَيْ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا بِقَصْدِ الِامْتِنَاعِ مِنْ الشَّيْءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQجِدًّا فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ] : أَيْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِتَعْرِيفِهِ وَضَابِطُهُ كَمَا تَعَرَّضَ مُصَنِّفُنَا، وَإِلَّا فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْبَابِ وَالنَّذْرِ وَالطَّلَاقِ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا فَجَزَى اللَّهُ الْجَمِيعَ خَيْرًا وَنَفَعَنَا بِهِمْ. [يَمِين الحنث] قَوْلُهُ: [لَا تُفِيدُ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَلَا إنْشَاءٌ] : أَمَّا عَدَمُ كَوْنِهِ إنْشَاءً فَلِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا وَالتَّعْلِيقُ غَيْرُ الْإِنْشَاءِ، وَأَمَّا عَدَمُ الْكَفَّارَةِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُكَفَّرُ، بَلْ إمَّا لُزُومُ الْمُعَلَّقِ أَوْ عَدَمُهُ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهَا فِي الْحُدُودِ] : وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ ذِكْرُ (أَوْ) الَّتِي لِلشَّكِّ. قَوْلُهُ: [عَلَى أَمْرٍ] : كَلَامُهُ صَادِقٌ بِالْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ وَالْعَادِيِّ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: (وَهِيَ الَّتِي تُكَفَّرُ) يُخْرِجُ الْوَاجِبَ الْعَقْلِيَّ وَالْعَادِيَّ، فَيَدْخُلُ الْمُمْكِنُ عَادَةً وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُمْتَنِعًا شَرْعًا نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ، أَوْ: لَا أَدْخُلُهَا أَوْ: لَأُصَلِّيَنَّ الصُّبْحَ، أَوْ: لَا أُصَلِّيهَا أَوْ: لَأَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ، أَوْ: لَا أَشْرَبُهَا، وَالْمُمْكِنُ عَقْلًا وَلَوْ امْتَنَعَ عَادَةً نَحْوَ: لَأَشْرَبَنَّ الْبَحْرَ، أَوْ: لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ. وَيَحْنَثُ فِي هَذَا بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا الْعَزْمُ عَلَى الضِّدِّ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْفِعْلِ، وَدَخَلَ الْمُمْتَنِعُ عَقْلًا نَحْوَ: لَأَجْمَعَنَّ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَلْأَقْتُلَن زَيْدًا الْمَيِّتَ بِمَعْنَى إزْهَاقِ رُوحِهِ، وَيَحْنَثُ فِي هَذَا أَيْضًا بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ لِمَا مَرَّ، فَالْمُمْتَنِعُ عَقْلًا أَوْ عَادَةً إنَّمَا يَأْتِي فِيهِ صِيغَةُ الْحِنْثِ كَمَا مَثَّلْنَا، وَأَمَّا صِيغَةُ الْبِرِّ نَحْوَ: لَا أَشْرَبُ الْبَحْرَ وَلَا أَجْمَعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، فَهُوَ عَلَى بِرٍّ دَائِمًا ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْفِعْلُ. وَخَرَجَ الْوَاجِبُ الْعَادِيُّ وَالْعَقْلِيُّ

الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ الْحَثِّ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ تَحَقُّقِ وُقُوعِ شَيْءٍ أَوْ عَدَمِهِ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا أَوْ لَا أَضْرِبُهُ أَوْ لَتَضْرِبَنَّهُ أَوْ لَا تَضْرِبُهُ أَنْتَ، وَنَحْوَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَحَيُّزِ الْجُرْمِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ الْجُرْمَ مُتَحَيِّزٌ فَهُوَ صَادِقٌ؛ وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ فَهِيَ غَمُوسٌ، وَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَانِ الْقِسْمَانِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الَّتِي تُكَفَّرُ كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [نَحْوَ وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَن زَيْدًا] : لَمْ يَأْتِ بِالْأَمْثِلَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ كَمَا هُوَ

قَامَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقُمْ. (بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِقِسْمٍ وَشَمِلَ الِاسْمُ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: (أَوْ) بِذِكْرِ (صِفَتِهِ) أَيْ كُلَّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، أَيْ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ أَوْ السَّلْبِيَّةِ لَا الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورَاتِ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQظَاهِرٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إثْبَاتًا بِقَصْدِ الْحَثِّ عَلَى الْفِعْلِ، أَوْ نَفْيًا بِقَصْدِ الِامْتِنَاعِ مِنْ الشَّيْءِ، أَوْ تَحَقَّقْ وُقُوعُ شَيْءٍ أَوْ عَدَمُهُ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَن أَوْ لَتَضْرِبَن زَيْدًا أَوْ لَا أَضْرِبُهُ أَوْ لَا تَضْرِبُهُ أَنْتَ وَنَحْوَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقُمْ. قَوْلُهُ: [كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ] : أَيْ لِأَنَّ اسْمَ فِي كَلَامِهِ مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ، وَأَرَادَ بِالِاسْمِ مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ سَوَاءٌ دَلَّ عَلَيْهَا وَحْدَهَا كَالْجَلَالَةِ، أَوْ مَعَ صِفَةٍ كَالْخَلْقِ وَالْقَادِرِ وَالرَّازِقِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّاسِ. وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ: وَاسْمُ اللَّهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْأَوَّلِ غَيْرَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلَيْسَ يَمِينًا لِأَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِهِ شَبَهَ الشَّفَاعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْهَاءِ. وَالْمَدُّ قَبْلَهَا طَبِيعِيًّا، وَفِي اشْتِرَاطِ الْعَرَبِيَّةِ خِلَافٌ كَذَا فِي (المج) . قَوْلُهُ: [أَيْ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ] : أَيْ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَبَاقِي صِفَاتِ الْمَعَانِي. قَوْلُهُ: [أَوْ السَّلْبِيَّةِ] : أَيْ كَالْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَبَاقِي صِفَاتِ السُّلُوبِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِمُخَالَفَتِهِ لِلْحَوَادِثِ لَا مُخَالَفَةِ الْحَوَادِثِ لَهُ عَلَى الظَّاهِرِ وَإِنْ تَلَازَمَا، وَيَشْمَلُ أَيْضًا الْمَعْنَوِيَّةَ وَهِيَ كَوْنُهُ قَادِرًا وَمُرِيدًا إلَى آخِرِهَا وَالنَّفْسِيَّةُ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَمْثِلَةِ بِخِلَافِ الِاسْمِ الدَّالِّ عَلَيْهَا كَالْوُجُودِ، وَيَدْخُلُ الصِّفَةُ الْجَامِعَةُ كَجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ كَمَا يَأْتِي، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَالْعِلْمِ الشَّرِيفِ - وَيُرِيدُ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ - فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: صَوْمُ الْعَامِ يَلْزَمُنِي، بِخِلَافِ: إنْ كَلَّمْته فَعَلَيَّ صَوْمُ الْعَامِ، فَإِنَّهُ الْتِزَامٌ وَهُوَ يَمِينٌ (اهـ) . قَوْلُهُ: [لَا الْفِعْلِيَّةِ] : أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ فَيَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ عِنْدَهُمْ، وَيُسَمُّونَهَا بِالتَّكْوِينِ.

(وَهِيَ الَّتِي تُكَفَّرُ) إذَا حَنِثَ أَوْ قَصَدَ الْحِنْثَ إذَا لَمْ تَكُنْ غَمُوسًا وَلَا لَغْوًا (كَ بِاَللَّهِ وَتَاللَّهِ) لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ، (وَهَا لِلَّهِ) بِإِقَامَةِ هَا التَّنْبِيهِ مَقَامَ حَرْفِ الْقَسَمِ. وَالْأَصْلُ فِي حُرُوفِ الْقَسَمِ الْوَاوُ لِدُخُولِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُقْسَمِ بِهِ بِخِلَافِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ فَإِنَّهَا خَاصَّةٌ بِاَللَّهِ، وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى الرَّحْمَنِ قَلِيلًا. وَكَذَا الْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ دُخُولُهَا عَلَى غَيْرِ اللَّهِ قَلِيلٌ وَنَحْوَ: (وَالرَّحْمَنِ وَأَيْمُنِ اللَّهِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إذَا حَنِثَ] : أَيْ فِيمَا إذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ بِرٍّ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ قَصَدَ الْحِنْثَ] : أَيْ فِيمَا إذَا كَانَتْ صِيغَةَ حِنْثٍ. قَوْلُهُ: [إذَا لَمْ تَكُنْ غَمُوسًا وَلَا لَغْوًا] : أَيْ وَأَمَّا الْغَمُوسُ وَاللَّغْوُ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِمَا، بَلْ يَأْتِي حُكْمُهُمَا. قَوْلُهُ: [كَ بِاَللَّهِ وَتَاللَّهِ] : وَأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ، وَقَالَ الْخَرَشِيُّ: وَمِثْلُهُ الِاسْمُ الْمُجَرَّدُ مِنْ حَرْفِ الْقَسَمِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: كَذَا فِي التَّلْقِينِ وَالْجَوَاهِرِ، لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ هَلْ هُوَ مَجْرُورٌ أَوْ مَنْصُوبٌ أَوْ مَرْفُوعٌ؟ أَمَّا الْجَرُّ وَالنَّصْبُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ فَظَاهِرَانِ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَلَحْنٌ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ. وَلَعَلَّ الْحُكْمَ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِذَا قَالَ الْحَالِفُ: اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ نَصْبًا أَوْ جَرًّا انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ إنْ نَوَى حَرْفَ الْقَسَمِ وَنَصَبَهُ بِحَذْفِهِ كَ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَن فَيَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَلَا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَمِينَ (اهـ) . قَوْلُهُ: [مَقَامَ حَرْفِ الْقَسَمِ] : وَالْمُرَادُ بِحَرْفِ الْقَسَمِ الَّتِي قَامَتْ مَقَامَهُ هُوَ الْوَاوُ، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي حُرُوفِ الْقَسَمِ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ] إلَخْ: فَقِلَّتُهَا فِي غَيْرِ اللَّهِ بِالنِّسْبَةِ لِاسْتِعْمَالِ الْقَسَمِ. قَوْلُهُ: [وَأَيْمُنِ اللَّهِ] : قَالَ الْأُشْمُونِيُّ: وَأَمَّا أَيْمُنُ الْمَخْصُوصُ بِالْقَسَمِ فَأَلِفُهُ بِالْوَصْلِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْقَطْعِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ جَمْعُ يَمِينٍ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ اسْمٌ مُفْرَدٌ مِنْ الْيَمِينِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ، فَلَمَّا حُذِفَتْ نُونُهُ فَقِيلَ: أَيْمُ اللَّهِ أَعَاضُوهُ الْهَمْزَةَ فِي أَوَّلِهِ وَلَمْ يَحْذِفُوهَا لَمَّا أَعَادُوا النُّونَ، لِأَنَّهَا بِصَدَدِ الْحَذْفِ كَمَا قُلْنَا فِي امْرِئٍ. وَفِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ لُغَةً جَمَعَهَا النَّاظِمُ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ بِقَوْلِهِ: هَمْزُ آيُمَّ أَيْمُنُ فَافْتَحْ وَاكْسِرَا وَأَمْ قُلْ ... أَوْ قُلْ م أَوْ مِنْ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شَكَلَا

أَيْ بَرَكَتِهِ، وَقَدْ تُحْذَفُ نُونُهُ فَيُقَالُ: وَأَيْمُ اللَّهِ (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) أَوْ الْبَيْتِ أَوْ الْعَالَمِينَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، (وَالْخَالِقِ وَالْعَزِيزِ) وَالرَّازِقِ مِنْ كُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ فِعْلٍ، فَأَوْلَى مَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ ذَاتٍ كَالْقَادِرِ، (وَحَقِّهِ) أَيْ اللَّهُ وَمَرْجِعُهُ لِلْعَظَمَةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ. فَإِنْ قَصَدَ الْحَالِفُ بِهِ الْحَقَّ الَّذِي عَلَى الْعِبَادِ مِنْ التَّكَالِيفِ وَالْعِبَادَةِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ شَرْعًا، (وَوُجُودِهِ) صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ، (وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ) وَكِبْرِيَائِهِ، وَيَرْجِعَانِ لِلْعَظَمَةِ الرَّاجِعَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، وَأَمَّا الْجَمَالُ فَمَرْجِعُهُ لِلتَّقْدِيسِ عَنْ النَّقَائِصِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ، (وَقِدَمِهِ وَبَقَائِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ) صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ، (وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ) مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي فَكَذَا بَقِيَّتُهَا، (وَالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ) لِأَنَّهُ كَلَامُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَيْمُنِ اخْتِمْ بِهِ وَاَللَّهِ كَلَا أَضِفْ ... إلَيْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نَقَلَا وَاعْلَمْ أَنَّ أَيْمُنَ اللَّهِ قَسَمٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ذُكِرَ مَعَهُ حَرْفُ الْقَسَمِ وَهُوَ الْوَاوُ أَوْ لَا، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا إذَا ذُكِرَ مَعَهُ حَرْفُ الْقَسَمِ، لِأَنَّ أَيْمُنَ اللَّهِ تُعُورِفَ فِي الْيَمِينِ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ: وَلَكِنْ اسْتَظْهَرَ (بْن) أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَأَيْمُنِ اللَّهِ فِي جَوَازِ إثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا فَتَكُونُ مُقَدَّرَةً. قَوْلُهُ: [أَيْ بَرَكَتِهِ] : أَرَادَ بِالْبَرَكَةِ الْمَعْنَى الْقَدِيمَ الْمُقْتَضِيَ لِتَعْظِيمِ الْمَوْصُوفِ كَأَوْصَافِهِ تَعَالَى الثُّبُوتِيَّةِ أَوْ السَّلْبِيَّةِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمَعْنَى الْحَادِثَ كَنُمُوِّ الرِّزْقِ وَاتِّسَاعِهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا. وَانْظُرْ: إذَا لَمْ يُرِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا؟ وَفِي كَلَامِ الْأَبِيِّ مَا يُفِيدُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى الْقَدِيمِ. قَوْلُهُ: [مِنْ كُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ فِعْلٍ] : أَيْ مِنْ كُلِّ اسْمٍ دَالٍّ عَلَى صِفَةِ الْفِعْلِ، بِخِلَافِ صِفَةِ الْفِعْلِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ. قَوْلُهُ: [وَالْأُلُوهِيَّةُ] : أَيْ اسْتِحْقَاقُهُ لَهَا أَيْ كَوْنُهُ لَهَا مَعْبُودًا بِحَقٍّ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: ثُمَّ لَا يَخْفَى الِاسْتِحْقَاقُ وَصْفَ اعْتِبَارِيٍّ أَزَلِيٍّ إلَّا أَنَّ مَرْجِعَهُ الصِّفَاتُ الْجَامِعَةُ فَهُوَ كَجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ قَصَدَ الْحَالِفُ] إلَخْ: وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى الْقَدِيمِ وَيَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ. قَوْلُهُ: [فَكَذَا بَقِيَّتُهَا] : أَيْ بَقِيَّةُ صِفَاتِ الْمَعَانِي وَمِثْلُهَا الْمَعْنَوِيَّةُ وَكَذَلِكَ بَاقِي السَّلْبِيَّةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ.

الْقَدِيمُ وَهُوَ صِفَةٌ مَعْنَى مَا لَمْ يُرِدْ بِالْمُصْحَفِ النُّقُوشَ وَالْوَرَقَ، (وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ) ، مَثَلًا، (وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ) مَثَلًا (وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ) لِأَنَّ الْكُلَّ يَرْجِعُ لِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ، (وَكَعِزَّةِ اللَّهِ) لَا أَفْعَلُ كَذَا (وَأَمَانَتِهِ وَعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ) لَأَفْعَلَنَّ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ) بِشَيْءٍ مِمَّا بَعْدَ الْكَافِ (الْمَخْلُوقَ) كَالْعِزَّةِ الَّتِي فِي الْمُلُوكِ وَنَحْوِهِمْ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: [سُبْحَانَ رَبِّك رَبِّ الْعِزَّةِ] وَالْأَمَانَةُ التَّكَالِيفُ أَيْ الْمُكَلَّفُ بِهَا كَالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ، وَكَذَا الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ بِأَنْ يُرِيدَ الَّذِي وَاثَقَنَا اللَّهُ بِهِ مِنْ التَّكَالِيفِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا حِينَئِذٍ يَمِينٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْلَقَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ لِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ كَالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ. (وَكَأَحْلِفُ) مَا فَعَلْت كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّ، (وَأُقْسِمُ وَأُشْهِدُ) بِضَمِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مَا لَمْ يُرِدْ بِالْمُصْحَفِ النُّقُوشَ] إلَخْ: أَيْ بِأَنْ أَرَادَ الْمَعْنَى الْقَدِيمَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ بِهِ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ يُسَمَّى قُرْآنًا. وَكَلَامُ اللَّهِ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَلِذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. قَوْلُهُ: [وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ] : أَيْ بَلْ أَيُّ كَلِمَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِثْلُهُ. قَوْلُهُ: [وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَقْصِدْ الْمَعْنَى الْحَادِثَ كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: [كَالْعِزَّةِ الَّتِي فِي الْمُلُوكِ] : أَيْ الْهَيْبَةِ وَالْمَنْعَةِ وَالْقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ فِي السَّلَاطِينِ وَالْجَبَابِرَةِ، أَوْ يُرَادُ بِالْعِزَّةِ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مُحِيطَةٌ بِالْعَرْشِ أَوْ بِجَبَلِ قَافٍ فَلَا يَنْعَقِدُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَمِينٌ. قَوْلُهُ: [التَّكَالِيفُ] : أَيْ الْمُشَارُ لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ} [الأحزاب: 72] الْآيَةَ فَإِنَّهُمْ فَسَرُّوا الْأَمَانَةَ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنْ أُرِيدَ الْإِلْزَامَاتِ نَحْوَ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ؛ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ لِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ فَيَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ، وَإِنْ أُرِيدَ نَفْسَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَوْ الشَّهْوَةِ كَمَا هُوَ أَحَدُ التَّفَاسِيرِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ. قَوْلُهُ: [بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ] : أَيْ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهَا الَّذِي هُوَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةُ.

الْهَمْزَةِ فِيهِمَا (إنْ نَوَى بِاَللَّهِ) وَأَوْلَى إنْ تَلَفَّظَ بِهِ فِي الثَّلَاثَةِ، (وَأَعْزِمُ إنْ قَالَ) أَيْ لَفَظَ (بِاَللَّهِ) بِأَنْ قَالَ: أَعْزِمُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَيَمِينٌ لَا إنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَوْ نَوَى بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَقْصِدُ وَأَهْتَمُّ، فَإِذَا قَالَ بِاَللَّهِ اقْتَضَى أَنَّ الْمَعْنَى أُقْسِمُ. (لَا) يَكُونُ لِيَمِينٍ (بِنَحْوِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ) مِنْ كُلِّ صِفَةِ فِعْلٍ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهَا أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَقْدُورِ وَلِذَا قَالَ الْأَشَاعِرَةُ: صِفَاتُ الْأَفْعَالِ حَادِثَةٌ، (وَلَا بِأُعَاهِدُ اللَّهَ) مَا فَعَلْت كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ مُعَاهَدَتَهُ تَعَالَى لَيْسَتْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، (أَوْ لَك عَلَيَّ عَهْدٌ أَوْ أُعْطِيَك عَهْدًا) لَأَفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، (أَوْ عَزَمْت عَلَيْك بِاَللَّهِ) لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، بِخِلَافِ عَزَمْت بِاَللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إنْ نَوَى بِاَللَّهِ] : الْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ التَّقْدِيرُ وَالْمُلَاحَظَةُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُلَاحِظْ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَقْصِدُ وَأَهْتَمُّ] : تَعْلِيلٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَعْزِمُ وَمَا قَبْلَهُ. حَاصِلُهُ: أَنَّ أَعْزِمَ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ أَقْصِدُ وَأَهْتَمُّ كَانَ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لِلْقَسَمِ فَاحْتَاجَ إلَى التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لِلْقَسَمِ كَانَتْ الْمُلَاحَظَةُ كَافِيَةً. قَوْلُهُ: [وَلِذَا قَالَ الْأَشَاعِرَةُ] إلَخْ: أَيْ مِنْ أَجْلِ تَجَدُّدِهَا قَالُوا: إنَّهَا حَادِثَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ مُتَجَدِّدٍ حَادِثٌ. خِلَافًا لِلْمَاتُرِيدِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: صِفَةُ الْفِعْلِ وَاحِدَةٌ وَهِيَ قَدِيمَةٌ يُسَمُّونَهَا التَّكْوِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَبْلُغُ الْوَاصِفُونَ صِفَتَهُ. قَوْلُهُ: [لَيْسَتْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ] : أَيْ بَلْ هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْعَبْدِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ عَزَمْت بِاَللَّهِ] إلَخْ: الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَزَمْت عَلَيْك بِاَللَّهِ التَّصْرِيحُ بِعَلَيْك وَعَدَمُهُ، فَالْإِتْيَانُ بِعَلَيْك صَيَّرَهُ غَيْرَ يَمِينٍ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْيَمِينِ قَوْلُ الشَّخْصِ يَعْلَمُ اللَّهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا يَلْزَمُهُ إثْمُ الْكَذِبِ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَقَوْلُ الْعَامَّةِ: مَنْ أَشْهَدَ اللَّهَ بَاطِلًا كَفَرَ لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيْهِ الْوَاقِعُ، وَأَوْلَى فِي عَدَمِ لُزُومِ الْيَمِينِ اللَّهُ رَاعٍ أَوْ حَفِيظٌ وَمَعَاذَ اللَّهَ، وَحَاشَى لِلَّهِ

[أقسام اليمين بالله منعقدة وغير منعقدة]

فَيَمِينٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا أَقْسَمْت عَلَيْك بِاَللَّهِ، (وَلَا بِنَحْوِ النَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ) مِنْ كُلِّ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَنْعَقِدُ بِهِ يَمِينٌ، وَفِي حُرْمَةِ الْحَلِفِ بِذَلِكَ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ. (وَإِنْ قَصَدَ) بِحَلِفِهِ (بِكَالْعُزَّى) مِنْ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (التَّعْظِيمَ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَعْبُودٌ (فَكُفْرٌ) وَارْتِدَادٌ عَنْ دَيْنِ الْإِسْلَامِ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ فَحَرَامٌ قَطْعًا بِلَا رِدَّةٍ. (وَمُنِعَ) الْحَلِفُ (بِنَحْوِ رَأْسِ السُّلْطَانِ أَوْ) رَأْسِ (فُلَانٍ) كَأَبِي وَعَمِّي، وَشَيْخِ الْعَرَبِ وَتُرْبَةِ مَنْ ذُكِرَ. (كَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ مُرْتَدٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا) فَيُمْنَعُ وَلَا يَرْتَدُّ إنْ فَعَلَهُ، (وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ) مُطْلَقًا فَعَلَهُ أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ ذَنْبًا. (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ) أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قِسْمَانِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنَّمَا تَرَكَ التَّمْثِيلَ بِهَا الْمُصَنِّفُ لِوُضُوحِهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا خَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا أَقْسَمْت عَلَيْك بِاَللَّهِ] : تَشْبِيهٌ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ بِهِ الْيَمِينُ مَعَ وُجُودِ لَفْظِ عَلَيْك لِلتَّصْرِيحِ بِفِعْلِ الْقَسَمِ. قَوْلُهُ: [قَوْلَانِ] : الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا الْكَرَاهَةُ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ فَحَرَامٌ قَطْعًا] : وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ السُّخْرِيَةَ. قَوْلُهُ: [وَمَنَعَ الْحَلِفَ] : إنَّمَا نَهَى عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْحَلِفُ فَتَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِحَسَبِ مَا يُحْدِثُونَ مِنْ الْفُجُورِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَرْتَدُّ إنْ فَعَلَهُ] : وَكَذَا إنْ غَرَّ بِهَذَا الْقَوْلِ يَهُودِيَّةً لِيَتَزَوَّجَهَا فَلَا يُعَدُّ مُرْتَدًّا، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ الْإِخْبَارَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَرِدَّةٌ وَلَوْ هَزْلًا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلَ كَذَا يَكُونُ دَاخِلًا عَلَى أَهْلِهِ زَانِيًا، فَمِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَاسْتَظْهَرَ الثَّلَاثَ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ] : أَيْ يَتُبْ إلَى اللَّهِ. [أَقْسَام الْيَمِين بِاللَّهِ مُنْعَقِدَة وَغَيْر مُنْعَقِدَة] قَوْلُهُ: [وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ] إلَخْ: أَيْ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِنٍ أَوْ غَيْرِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: مُنْعَقِدَةٌ وَغَيْرُهَا.

(مُنْعَقِدَةٌ) وَهِيَ مَا فِيهَا الْكَفَّارَةُ، (وَغَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ (وَهِيَ مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا) (وَهِيَ) : أَيْ غَيْرُ الْمُنْعَقِدَةِ قِسْمَانِ أَيْضًا: الْأَوَّلُ (الْغَمُوسُ) سُمِّيَتْ غَمُوسًا: لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ أَيْ سَبَبُ غَمْسِهِ فِيهَا وَلِذَا لَا تُفِيدُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ، بَلْ الْوَاجِبُ فِيهَا التَّوْبَةُ. وَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ حَلَفَ) بِاَللَّهِ عَلَى شَيْءٍ (مَعَ شَكٍّ) مِنْهُ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، (أَوْ) مَعَ (ظَنٍّ) فِيهِ، وَأَوْلَى إنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ. وَمَحَلُّ عَدَمِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا: (إنْ تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ) نَحْوَ: وَاَللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا أَوْ لَمْ يَفْعَلْ زَيْدٌ كَذَا أَوْ لَمْ يَقَعْ كَذَا، مَعَ شَكِّهِ أَوْ ظَنِّهِ فِي ذَلِكَ أَوْ تَعَمُّدِهِ الْكَذِبَ. فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمُسْتَقْبَلٍ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ كُفِّرَتْ، نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَآتِيَنَّكَ غَدًا أَوْ لَأَقْضِيَنَّك حَقَّك غَدًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ جَازِمٌ بِعَدَمِ ذَلِكَ أَوْ مُتَرَدِّدٌ. فَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُوفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِمَانِعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ الْحَلِفُ مَعَ حَزْمِهِ أَوْ تَرَدُّدِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا تُكَفَّرُ إنْ تَعَلَّقَتْ بِالْحَالِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بَلْ الْوَاجِبُ فِيهَا التَّوْبَةُ] : أَيْ وَلَوْ كُفِّرَتْ كَمَا إذَا تَعَلَّقَتْ بِغَيْرِ مَاضٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ مَعَ ظَنٍّ] : أَيْ غَيْرِ قَوِيٍّ وَإِلَّا كَانَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ. قَوْلُهُ: [كُفِّرَتْ] : أَيْ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تُسَمَّى غَمُوسًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَمُوسَ تُطْلَقُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، سَوَاءٌ وَجَبَتْ فِيهَا الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا، كَمَا أَنَّ اللَّغْوَ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، سَوَاءٌ وَجَبَتْ فِيهَا الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [وَهُوَ جَازِمٌ] إلَخْ: أَيْ عِنْدَ الْحَلِفِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ جَازِمًا بِالْإِتْيَانِ أَوْ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْحَلِفِ، ثُمَّ طَرَأَ خُلْفُ الْوَعْدِ فَلَا يُقَالُ لَهُ غَمُوسٌ، بَلْ مِنْ اللَّغْوِ كَمَا يَأْتِي، فَمِنْ الْغَمُوسِ الْحَلِفُ عَلَى حُصُولِ أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُحْتَمِلِ الْحُصُولِ وَعَدَمِهِ، إلَّا أَنْ يَصْحَبَهُ غَلَبَةُ ظَنٍّ فَيَكُونَ مِنْ اللَّغْوِ. قَوْلُهُ: [يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ] : أَيْ وَتَنْتَفِي عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ] إلَخْ: أَيْ فَإِثْمُ الْجَرَاءَةِ بَاقٍ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قَوْلُهُ: [إنْ تَعَلَّقَتْ بِالْحَالِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مُطَابَقَةَ حَلِفِهِ لِلْوَاقِعِ وَإِلَّا فَلَا كَفَّارَةَ، وَلَكِنْ إثْمُ الْجَرَاءَةِ لَا يُزِيلُهُ إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ عَفْوُ اللَّهِ.

نَحْوَ: وَاَللَّهِ إنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ أَوْ مَرِيضٌ أَوْ مَعْذُورٌ، أَيْ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ فِي ذَلِكَ أَوْ جَازِمٌ بِعَدَمِ ذَلِكَ. (وَ) الثَّانِي (اللَّغْوُ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ حَلَفَ عَلَى مَا) أَيْ عَلَى شَيْءٍ (يَعْتَقِدُهُ) : أَيْ يَعْتَقِدُ حُصُولَهُ أَوْ عَدَمَ حُصُولِهِ (فَظَهَرَ خِلَافُهُ) فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا لِعُذْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89] . وَمَحَلُّ عَدَمِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا: (إنْ تَعَلَّقَتْ بِغَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ) بِأَنْ تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ نَحْوَ: وَاَللَّهِ مَا زَيْدٌ فَعَلَ كَذَا، أَوْ لَقَدْ فَعَلَ كَذَا، مُعْتَقِدًا حُصُولَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ أَوْ بِحَالٍ نَحْوَ: إنَّهُ لَمُنْطَلِقٌ. فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمُسْتَقْبَلٍ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فِي غَدٍ - مَعَ الْجَزْمِ بِفِعْلِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ - كُفِّرَتْ. (فَلَا) أَيْ فَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا (كَفَّارَةَ فِي مَاضِيَةٍ) : أَيْ فِي يَمِينٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَاضٍ (مُطْلَقًا) غَمُوسًا أَوْ لَغْوًا أَوْ غَيْرَهُمَا لِأَنَّهَا إمَّا صَادِقَةٌ - وَظَاهِرٌ أَنَّهَا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا - وَإِمَّا غَمُوسٌ - وَلَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا الْغَمْسُ فِي جَهَنَّمَ أَوْ التَّوْبَةُ أَوْ عَفْوُ اللَّهِ - وَإِمَّا لَغْوٌ - وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا لِمَا مَرَّ. (عَكْسُ) الْيَمِينِ (الْمُسْتَقْبَلَةِ) : أَيْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمُسْتَقْبَلٍ فَإِنَّهَا تُكَفَّرُ مُطْلَقًا إذَا حَنِثَ غَمُوسًا أَوْ لَغْوًا، وَبَقِيَ التَّفْصِيلُ فِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَالٍ، فَإِنْ كَانَتْ غَمُوسًا كُفِّرَتْ وَإِلَّا فَلَا. وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي بَيْتٍ مُفْرَدٍ بِقَوْلِهِ: كَفِّرْ غَمُوسًا بِلَا مَاضٍ تَكُونُ كَذَا ... لَغْوًا بِمُسْتَقْبَلٍ لَا غَيْرُ فَامْتَثِلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِمَا مَرَّ] : أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا إنْ تَعَلَّقَتْ بِغَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ، وَعَدَمِ الْإِثْمِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. قَوْلُهُ: [بِلَا مَاضٍ] : مُتَعَلِّقٌ بِتَكَوُّنٍ وَهُوَ بِمَعْنَى تُوجَدُ، فَهِيَ تَامَّةٌ، وَقَوْلُهُ: (كَذَا) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَ (لَغْوٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَنُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِنَصْبِ لَغْوٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِكَفَّرَ مَحْذُوفًا، وَفِيهِ كُلْفَةٌ وَالْأَسْهَلُ الْأَوَّلُ، وَبِمُسْتَقْبَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ نَعْتٌ لِلَغْوٍ، وَقَوْلُهُ: لَا غَيْرُ لَا نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، وَغَيْرُ اسْمُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ، وَيَصِحُّ نَصْبُ غَيْرِ عَلَى تَقْدِيرِ نِيَّةِ اللَّفْظِ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي قَبْلُ وَبَعْدُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَوْلُهُ فَامْتَثِلَا الْأَلِفُ بَدَلٌ مِنْ نُونِ التَّوْكِيدِ الْخَفِيَّةِ.

(وَلَا يُفِيدُ) : أَيْ اللَّغْوُ (فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ) وَهُوَ التَّعْلِيقُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، فَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ مَشْيٍ لِمَكَّةَ: لَقَدْ فَعَلَ زَيْدٌ كَذَا، أَوْ: إنَّ هَذَا الشَّيْءَ لِفُلَانٍ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ، فَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَمْ يُفِدْهُ اعْتِقَادُهُ وَلَزِمَهُ مَا حَلَفَ بِهِ. (كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ) : فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ وَلَا يَنْفَعُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، فَمَنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، أَوْ فَعَلَيَّ الْمَشْيُ لِمَكَّةَ، أَوْ صَدَقَةٌ بِدِينَارٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَكَلَّمَهُ لَزِمَهُ مَا ذُكِرَ وَلَا يُفِيدُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ) بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يَشَاءَ) اللَّهُ (أَوْ) إلَّا أَنْ (يُرِيدَ) اللَّهُ (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَقْضِيَ) اللَّهُ. وَيُفِيدُ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِمُسْتَقْبَلٍ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ، وَمَعْنَى الْإِفَادَةِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ: ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ قَصَدَهُ) : أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ أَيْ حَلَّ الْيَمِينُ بِلَفْظٍ مِمَّا ذُكِرَ لَا إنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِلَا قَصْدٍ، وَلَا إنْ قَصَدَ بِهِ التَّبَرُّكَ فَلَا يُفِيدُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ] : أَيْ وَمِثْلُهَا النَّذْرُ الْمُبْهَمُ وَكُلُّ مَا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَمَحَلُّ عَدَمِ إفَادَتِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُقَيِّدْ فِي يَمِينِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: فِي ظَنِّي أَوْ اعْتِقَادِي وَإِلَّا نَفَعَهُ حَتَّى فِي الطَّلَاقِ. قَوْلُهُ: [وَلَزِمَهُ مَا حَلَفَ بِهِ] : أَيْ مَا لَمْ يُقَيِّدْ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَنْفَعُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ] : أَيْ غَيْرِ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ وَمَا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِفَادَةُ الْمَشِيئَةِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ. حَاصِلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْيَمِينُ غَمُوسًا، وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ الْإِثْمِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَتَسْمِيَةُ الْمَشِيئَةِ اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ شَرْطٌ لَا اسْتِثْنَاءٌ. قَوْلُهُ: [أَيْ حَلُّ الْيَمِينِ] : وَاخْتَلَفَ هَلْ مَعْنَى حَلِّهَا لِلْيَمِينِ جَعْلُهَا كَالْعَدَمِ أَوْ رَفْعُ الْكَفَّارَةِ؟ وَعَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ وَكَانَ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى فَيَحْنَثُ عَلَى الثَّانِي مَا لَمْ يَقْصِدْ لَمْ أَحْلِفْ يَمِينًا أَحْنَثُ فِيهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا أَوْ يَقْصِدُ لَمْ أَتَلَفَّظْ بِصِيغَةِ يَمِينٍ أَصْلًا فَيَحْنَثُ بِاتِّفَاقٍ، بَلْ يَكُونُ غَمُوسًا.

(وَاتَّصَلَ) الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنْ انْفَصَلَ لَمْ يُفِدْهُ وَلَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ (إلَّا لِعَارِضٍ) لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ كَسُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ أَوْ انْقِطَاعِ نَفَسٍ لَا لِتَذَكُّرٍ وَرَدِّ سَلَامٍ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يُفِيدُ. (وَنُطْقٍ بِهِ وَإِنْ) سِرًّا (بِحَرَكَةِ لِسَانٍ) لَا إنْ أَجْرَاهُ عَلَى قَلْبِهِ بِلَا نُطْقٍ فَلَا يُفِيدُهُ. وَأَشَارَ لِلشَّرْطِ الرَّابِعِ بِقَوْلِهِ: (وَحَلَفَ) : أَيْ وَكَانَ حَلِفُهُ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءَ (فِي غَيْرِ تَوَثُّقٍ بِحَقٍّ) ، فَإِنْ كَانَ فِي تَوَثُّقٍ بِحَقٍّ - كَمَا لَوْ شُرِطَ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ دَيْنٍ شُرُوطٌ - كَأَنْ لَا يَضْرِبَهَا فِي عِشْرَةٍ أَوْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالثَّمَنِ أَوْ الدَّيْنِ فِي وَقْتِ كَذَا وَطَلَبَ مِنْهُ يَمِينًا عَلَى ذَلِكَ فَحَلَفَ وَاسْتَثْنَى - لَمْ يُفِدْهُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ لَا الْحَالِفِ. (بِخِلَافِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (بِإِلَّا وَنَحْوِهَا) أَيْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا: وَهِيَ غَيْرُ وَسِوَى وَسَوَاءٌ وَلَيْسَ وَلَا يَكُونُ وَمَا عَدَا وَحَاشَا (فَيُفِيدُ فِي الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا آكُلُ سَمْنًا إلَّا فِي الشِّتَاءِ وَإِنْ أَكَلْته فَهُنَّ طَوَالِقُ أَوْ أَحْرَارٌ إلَّا فُلَانَةَ وَإنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إلَّا أَنْ يُكَلِّمَنِي ابْتِدَاءً، أَوْ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ مَا عَدَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِنْ سِرًّا] : أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُ نَفْسِهِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ] : أَيْ وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ وَهَذَا أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِحْلَافِ. وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَنْفَعُ بِشُرُوطِهِ، وَلَوْ بِتَذْكِيرِ غَيْرِهِ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا، يَقُولُ شَخْصٌ لِلْحَالِفِ: قُلْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَيُوصَلُ النُّطْقُ بِهَا عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَمَا عَدَا وَحَاشَا] : أَيْ وَمَا فِي مَعْنَى تِلْكَ الْأَدَوَاتِ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَايَةٍ قَوْلُهُ: [أَيْ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ] : أَيْ وَجَمِيعِ مُتَعَلِّقَاتِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ مُسْتَقْبَلَةٌ أَوْ مَاضِيَةٌ كَانَتْ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً أَوْ غَمُوسًا، كَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَشْرَبَ الْبَحْرَ ثُمَّ اسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ: إلَّا أَكْثَرَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ.

زَيْدًا، أَوْ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا عَلَى فُقَرَاءِ بَنِي فُلَانٍ غَيْرِ زَيْدٍ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ الْقَصْدِ، وَمَا بَعْدَهُ. وَشَبَّهَ فِي مُطْلَقِ الْإِفَادَةِ قَوْلَهُ: (كَعَزْلِ) أَيْ إخْرَاجٍ (الزَّوْجَةِ) فِي نِيَّتِهِ (أَوَّلًا) قَبْلَ تَمَامِ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى اسْتِثْنَاءٍ (فِي) يَمِينِهِ بِقَوْلِهِ: (الْحَلَالُ أَوْ: كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ) إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَفَعَلَهُ (فَلَا شَيْءَ) عَلَيْهِ (فِيهَا) : أَيْ فِي الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا عَنْ يَمِينِهِ فِي قَصْدِهِ ابْتِدَاءً، وَمَا قَصَدَ إلَّا غَيْرُهَا. (كَغَيْرِهَا) : أَيْ الزَّوْجَةِ؛ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَهُوَ حَلَالٌ لَهُ، لِأَنَّ مَنْ حَرَّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: " أَوَّلًا " عَمَّا طَرَأَتْ نِيَّةُ عَزْلِهَا بَعْدَ النُّطْقِ فَلَا يُفِيدُ إلَّا الِاسْتِثْنَاءُ بِالنُّطْقِ بِشُرُوطِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [غَيْرَ زَيْدٍ] : وَمِثْلُهُ سِوَى وَسَوَاءٌ وَلَيْسَ وَلَا يَكُونُ وَمَا عَدَا وَحَاشَا، وَمِثَالُ الشَّرْطِ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ فِي حَلِفِهِ: لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا إنْ لَمْ يَأْتِنِي مَثَلًا، وَمِثَالُ الصِّفَةِ: لَا أُكَلِّمُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّفَةِ مَا يَشْمَلُ الْحَالَ، وَمِثَالُ الْغَايَةِ: لَا أُكَلِّمُهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الْفُلَانِيُّ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى اسْتِثْنَاءٍ] : أَيْ إلَى النُّطْقِ بِهِ بَلْ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ وَلَوْ عِنْدَ الْقَاضِي كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا] : أَيْ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ إخْرَاجٌ لِمَا دَخَلَ فِي الْيَمِينِ أَوَّلًا، فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَالْعَامِّ الْمَخْصُوصِ - كَمَا قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ - أَنَّ الْأَوَّلَ عُمُومُهُ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا تَنَاوُلًا وَلَا حُكْمًا، بَلْ هُوَ كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَلِهَذَا كَانَ مَجَازًا قَطْعًا فَصُورَةُ الْمُحَاشَاةِ مِنْ ذَلِكَ، وَالثَّانِي عُمُومُهُ مُرَادٌ تَنَاوُلًا حُكْمًا لِقَرِينَةِ التَّخْصِيصِ بِأَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْقَوْمُ مِنْ قَوْلِك: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ حَتَّى زَيْدٍ، وَالْحُكْمُ بِالْقِيَامِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا عَدَا زَيْدًا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [كَغَيْرِهَا] : أَيْ وَلَوْ أَمَةً مَا لَمْ يَقْصِدْ بِالتَّحْرِيمِ عِتْقَهَا.

[اليمين المنعقدة]

الْمُتَقَدِّمَةِ، (وَهِيَ) - أَيْ مَسْأَلَةُ عَزْلِ الزَّوْجَةِ ابْتِدَاءً - (الْمُحَاشَاةُ) : أَيْ الْمُسَمَّاةُ بِمَسْأَلَةِ الْمُحَاشَاةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمُحَاشَاةِ الزَّوْجَةِ فِيهَا أَوَّلًا وَإِيقَاعُ الْيَمِينِ عَلَى مَا سِوَاهَا، وَيَصْدُقُ فِي دَعْوَاهُ حَتَّى فِي الْقَضَاءِ. (وَالْمُنْعَقِدَةُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: " فِيهَا الْكَفَّارَةُ ": أَيْ أَنَّ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ انْعَقَدَتْ (عَلَى بِرٍّ) : وَهِيَ مَا دَخَلَ فِيهَا حَرْفُ النَّفْيِ (كَ: لَا فَعَلْت) بِمَعْنَى: لَا أَفْعَلُ - لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَاضٍ - (أَوْ:) وَاَللَّهِ (لَا أَفْعَلُ) كَذَا، (أَوْ:) وَاَللَّهِ (إنْ فَعَلْت) كَذَا أَيْ مَا أَفْعَلُهُ؛ فَ " إنْ " نَافِيَةٌ بِمَعْنَى مَا، وَسُمِّيَتْ يَمِينُ بِرٍّ: لِأَنَّ الْحَالِفَ بِهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ حَتَّى يَحْنَثَ. (أَوْ) انْعَقَدَتْ عَلَى (حِنْثٍ) وَلَهَا صِيغَتَانِ مِثْلُهُمَا بِقَوْلِهِ: (كَ: لَأَفْعَلَنَّ) كَذَا (أَوْ) وَاَللَّهِ (إنْ لَمْ أَفْعَلْ) كَذَا مَا فَعَلْت كَذَا؛ نَحْوَ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ دَارَك مَا أَكَلْت لَك خُبْزًا. وَسُمِّيَتْ يَمِينُ حِنْثٍ: لِأَنَّ الْحَالِفَ بِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْمُحَاشَاةُ] : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُحَاشَاةَ خَاصَّةٌ بِمَسْأَلَةِ الْحَلَالِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَبِهِ قَالَ (ر) وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِمْ فِي أَنَّ النِّيَّةَ الْمُخَصَّصَةَ لَا تُقْبَلُ مَعَ الْمُرَافَعَةِ، وَقَالُوا فِي الْحَلَالِ عَلَيَّ الْحَرَامُ تُقْبَلُ الْمُحَاشَاةُ وَلَوْ فِي الْمُرَافَعَةِ. قَوْلُهُ: [وَيَصْدُقُ فِي دَعْوَاهُ] إلَخْ: وَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْعَزْلِ أَوْ لَا يَحْلِفُ وَيَصْدُقُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ الْعَزْلَ قَوْلَانِ قَوْلُهُ: [وَهِيَ مَا دَخَلَ فِيهِ حَرْفُ النَّفْيِ] : أَيْ وَلَمْ يُنْتَقَضْ وَإِلَّا كَانَتْ حِنْثًا. [الْيَمِين الْمُنْعَقِدَة] قَوْلُهُ: [حَتَّى يَحْنَثَ] : وَحِنْثُهُ فِيهَا بِالْفِعْلِ بِخِلَافِ صِيغَةِ الْحِنْثِ فَحِنْثُهُ فِيهَا بِالتَّرْكِ. قَوْلُهُ: [أَوْ وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الْجَوَابِ لَهَا وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إنْ نَافِيَةً وَلَا يُذْكَرُ لَهَا جَوَابٌ وَهُوَ الْأَوْلَى لِبُعْدِهِ عَنْ التَّكَلُّفِ نَحْوَ: وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ زَيْدًا، وَمَعْنَاهَا حِينَئِذٍ: لَا كَلَّمْته، لِأَنَّ إنْ نَافِيَةٌ وَلَمْ نَافِيَةٌ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَسَاوَتْ الصِّيغَةَ الَّتِي قَبْلَهَا وَالْفِعْلُ فِي الصِّيغَتَيْنِ مُسْتَقْبَلٌ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبِلَاتِ وَالْإِنْشَاءُ يَصْرِفُ الْمَاضِيَ لِلِاسْتِقْبَالِ. قَوْلُهُ: [نَحْوَ إنْ لَمْ أَدْخُلْ دَارَك مَا أَكَلْت لَك خُبْزًا] : هَذَا الْمِثَالُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ

عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ. (فِيهَا الْكَفَّارَةُ) بِالْحِنْثِ. وَشَبَّهَ فِي الْمُنْعَقِدَةِ أُمُورًا ثَلَاثَةً يَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِقَوْلِهِ: (كَالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يُسَمِّ لَهُ مَخْرَجًا: (كَ: عَلَيَّ نَذْرٌ) أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ (أَوْ: إنْ فَعَلْت كَذَا) ، أَوْ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ؛ فَأَمْثِلَتُهُ أَرْبَعَةٌ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ مَا سَمَّى لَهُ مَخْرَجًا نَحْو: عَلَيَّ نَذْرُ دِينَارٍ، لَزِمَهُ مَا سَمَّاهُ. (أَوْ الْيَمِينِ) : أَيْ وَكَالْيَمِينِ، أَيْ: فِي الْتِزَامِهِ وَنَذْرِهِ كَفَّارَةٌ، (وَالْكَفَّارَةُ) : أَيْ فِي الْتِزَامِهَا وَنَذْرِهَا كَفَّارَةٌ؛ وَمَثَّلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: (كَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ) أَوْ: فَلِلَّهِ عَلَيَّ (يَمِينٌ) ثُمَّ فَعَلَهُ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، (أَوْ) إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَوْ فَلِلَّهِ عَلَيَّ (كَفَّارَةٌ) ، ثُمَّ فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهَذَا تَعْلِيقٌ فِيهِمَا. وَمَثَّلَ لِمَا لَا تَعْلِيقَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) يَقُولَ: (لِلَّهِ عَلَيَّ) يَمِينٌ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ كَفَّارَةٌ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَوْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ: عَلَيَّ كَفَّارَةٌ بِقَصْدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ عَلَى بِرٍّ. قَوْلُهُ: [فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ] : هُوَ بِالْفِعْلِ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ وَالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ إنْ لَمْ يَضْرِبْ لِيَمِينِهِ أَجَلًا، فَإِنْ أَجَّلَ نَحْوَ: لَأَفْعَلَن كَذَا فِي هَذَا الشَّهْرِ، أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَهُوَ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ، وَلَا مَانِعَ مِنْ الْفِعْلِ، أَوْ هُنَاكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ أَوْ عَادِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [فَأَمْثِلَتُهُ أَرْبَعَةٌ] : أَيْ وَهِيَ إمَّا مُعَلَّقٌ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ أَوْ لَا، وَإِذَا نَظَرْت لِكَوْنِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فِعْلُهُ أَوْ فِعْلُ غَيْرِهِ تَكُونُ سِتَّةً، وَهَذِهِ الصُّوَرُ بِعَيْنِهَا تَجْرِي فِي الْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [وَالْيَمِينُ] إلَخْ: مَحَلُّ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ فِي إلْزَامِ الْيَمِينِ مَا لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ فِي الْيَمِينِ الطَّلَاقَ وَإِلَّا لَزِمَهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَمَا فِي بْنِ عَنْ الْوَنْشَرِيسِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِعُرْفِ الْبُلْدَانِ الَّذِينَ تَعَارَفُوهُ فِي الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَ عُرْفُهُمْ الْبَتَاتَ لَزِمَهُ الثَّلَاثُ، وَإِنْ كَانَ عُرْفُهُمْ اسْتِعْمَالَهُ فِي الطَّلَاقِ فَقَطْ حُمِلَ

[أنواع الكفارة]

الْإِنْشَاءِ لَا الْإِخْبَارِ، وَحَذَفَ لَفْظَ لِلَّهِ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. فَأَمْثِلَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَرْبَعَةٌ كَالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ. (وَهِيَ) أَيْ الْكَفَّارَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالرَّابِعُ عَلَى التَّرْتِيبِ، أَيْ لَا يَجْزِي إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْأَوَّلِ. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: (إطْعَامُ) أَيْ تَمْلِيكُ (عَشْرَةِ مَسَاكِينَ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ. (أَحْرَارٍ) فَلَا تَصِحُّ لِرَقِيقٍ. (مُسْلِمِينَ) ، فَلَا تَصِحُّ لِكَافِرٍ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْفَقِيرُ فِي نَفَقَتِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ، بَلْ تَصِحُّ لِلْهَاشِمِيِّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الرَّجْعِيِّ. وَعُرْفُ مِصْرَ إذَا قَالَ يَمِينَ سَفَهٍ كَانَ طَلَاقًا فَلَوْ جَمَعَ الْأَيْمَانَ كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَيْمَانٌ تَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ، وَفِي الْمَوَّاقِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَقَوْلٌ بِاتِّحَادِهَا كَتَكَرُّرِ صِيغَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَيْمَانٌ يَمِينًا وَاحِدَةً لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ الْجَمْعَ نَصٌّ، وَإِنْ أَرَادَ اثْنَتَيْنِ فَتَرَدَّدَ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّ الْجَمْعِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [لَا الْإِخْبَارُ] : أَيْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَسَائِلِ التَّعْلِيقِ، وَأَمَّا مَسَائِلُ التَّعْلِيقِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا دَعْوَى الْإِخْبَارِ. [أَنْوَاع الْكَفَّارَة] [أولامن كَفَّارَة الْيَمِين الْإِطْعَام] قَوْلُهُ: [الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ عَلَى التَّخْيِيرِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا أَفَادَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي نَظْمِهِ بِقَوْلِهِ: وَفِي حَلِفٍ بِاَللَّهِ خُيِّرَ وَرُتِّبْنَ إلَخْ أَيْ خُيِّرَ ابْتِدَاءً فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَرُتِّبَ انْتِهَاءً أَيْ فِي الرَّابِعِ الَّذِي هُوَ الصِّيَامُ فَلَا يَكْفِي إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ. قَوْلُهُ: [أَيْ تَمْلِيكُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ] : أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ مِنْ مَحَلِّ الْحِنْثِ، وَقَدْ نَظَرَ فِي ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ. قَوْلُهُ: [أَنْ لَا يَكُونَ الْفَقِيرُ فِي نَفَقَتِهِ] : أَيْ مِمَّنْ تَلْزَمُ الْمُخْرِجَ نَفَقَتُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ مِنْهَا لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ أَبَوَيْهِ الْفُقَرَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَدْفَعَ الزَّوْجَةُ مِنْهَا لِزَوْجِهَا وَأَوْلَادِهَا الْفُقَرَاءِ. قَوْلُهُ: [بَلْ تَصِحُّ لِلْهَاشِمِيِّ] : أَيْ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ أَوْسَاخًا، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ

(مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِ الْأَهْلِ) أَيْ غَالِبَهُ لَا مِنْ الْأَدْنَى وَلَا الْأَعْلَى وَإِنْ انْفَرَدَ هُوَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَخْرَجَ الْأَدْنَى لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ أَخْرَجَ الْأَعْلَى أَجْزَأَ. (لِكُلٍّ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ (مُدٌّ) بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَقَلَّ كَمَا يَأْتِي. (وَنُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ (زِيَادَةٌ) عَلَى الْمُدِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ (بِالِاجْتِهَادِ) أَيْ فَلَا يُحَدُّ نَدْبُ الزِّيَادَةِ بِحَدٍّ، وَقِيلَ: يُحَدُّ بِثُلُثِ مُدٍّ، وَقِيلَ: بِنِصْفِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّيْخِ عَلَيْهِ بِحَمْلِ " أَوْ " عَلَى التَّخْيِيرِ، وَالْكَلَامُ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّحْدِيدِ، كَأَنَّهُ قَالَ: زِيَادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ لَا تَحْدِيدَ عَلَيْك، فَيُصَدَّقُ بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ. (أَوْ) لِكُلٍّ (رِطْلَانِ خُبْزًا) مِنْ الْأَوْسَطِ بِالْبَغْدَادِيِّ؛ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنَّهَا أَوْسَاخُ الْأَمْوَالِ وَالْأَبْدَانِ هَكَذَا قِيلَ. قَوْلُهُ: [مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِ الْأَهْلِ] إلَخْ: فَمَا يُجْزِئُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ يُجْزِئُ هُنَا. قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَخْرَجَ الْأَدْنَى لَمْ يُجِزْهُ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ اقْتِيَاتُهُ لِفَقْرٍ مَعَ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إذَا اقْتَاتَهُ لِفَقْرٍ وَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: [مِنْ الْعَشَرَةِ مُدٌّ] : ظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ الْمُدِّ فِي أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُخْرَجَاتِ وَهِيَ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمُدَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا أُخْرِجَ مِنْ الْبِرِّ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ فَيُخْرِجُ وَسَطَ الشِّبَعِ مِنْهُ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ: أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هِيَ الْمَذْهَبُ. بَقِيَ لَوْ انْتَهَبَ الْعَشَرَةُ مَسَاكِينَ الْعَشَرَةَ الْأَمْدَادَ فَيُقَالُ: إنْ عَلِمَ مَا أَخَذَ كُلٌّ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ. قَوْلُهُ: [بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ] : أَيْ وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَلَا تَنْدُبُ لَهُمْ الزِّيَادَةُ قِيلَ لِقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ فِيهَا، وَقِيلَ لِقَنَاعَةِ أَهْلِهَا وَغَيْرِ الْمَدِينَةِ شَامِلٌ لِمَكَّةَ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ، لِأَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ الْمَدِينَةَ فِي الْقَنْعِ وَالْقِلَّةِ. قَوْلُهُ: [وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ] : أَيْ لِأَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْقَائِلُ بِالثُّلُثِ أَشْهَبُ وَبِالنِّصْفِ ابْنُ وَهْبٍ. قَوْلُهُ: [وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّيْخِ عَلَيْهِ] : أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الزِّيَادَةِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ حِكَايَةَ قَوْلِ أَشْهَبَ وَلَا ابْنِ وَهْبٍ.

[ثانيا من كفارة اليمين الكسوة]

رَطْلِ مِصْرَ بِيَسِيرٍ. (وَنُدِبَ) أَنْ يَكُونَا (بِإِدَامٍ) مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ لَحْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (وَأَجْزَأَ) عَنْ إخْرَاجِ الْعَشَرَةِ الْأَمْدَادِ (شِبَعُهُمْ) أَيْ الْعَشْرُ مَسَاكِينَ (مَرَّتَيْنِ كَغَدَاءٍ وَعَشَاءٍ) فِي يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ كَغَدَاءَيْنِ أَوْ عَشَاءَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ أَوْ مُتَفَرِّقَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْأَكْلِ أَوْ مُتَفَاوِتَيْنِ، وَالْمُرَادُ الشِّبَعُ الْوَسَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، (وَلَوْ) كَانُوا (أَطْفَالًا اسْتَغْنَوْا) بِالطَّعَامِ (عَنْ اللَّبَنِ) فَلَا يَكْفِي إشْبَاعُهُمْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْمُدِّ كَامِلًا أَوْ مِنْ الرَّطْلَيْنِ وَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ رَاجِعَةٌ لِمَا قِيلَ، وَأَجْزَأَ فَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهَا عَلَيْهِ. وَأَشَارَ لِلنَّوْعِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) أَيْ الْعَشَرَةِ مَسَاكِينَ (لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ) يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ إلَى كَعْبِهِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ لَا إزَارَ وَعِمَامَةَ (وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ سَابِغٌ وَخِمَارٌ) . (وَلَوْ) كَسَاهُمْ (مِنْ غَيْرِ وَسَطِ) كِسْوَةِ (أَهْلِهِ) أَيْ أَهْلِ مَحَلِّهِ، فَإِنَّهُ كَافٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا السَّتْرُ لَا الزِّينَةُ، وَيُعْطِي الصَّغِيرَ كِسْوَةَ كَبِيرٍ وَلَا يَكْفِي مَا يَسْتُرُهُ خَاصَّةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَأَشَارَ لِلنَّوْعِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ) مِنْ الْعُيُوبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مُتَسَاوِينَ فِي الْأُكُلِ] إلَخْ: وَاشْتِرَاطُ التُّونُسِيِّ تَقَارُبِهِمْ فِي الْأُكُلِ لَا تَسَاوِيهِمْ فِيهِ، خِلَافًا لِمَا فِي (عب) . قَوْلُهُ: [فَلَا يَكْفِي إشْبَاعُهُمْ مَرَّتَيْنِ] : أَيْ لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يُغَدِّيَ الصِّغَارَ وَيُعَشِّيَهُمْ، وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ يُعْطِي الرَّضِيعَ فِي الْكَفَّارَةِ إذَا كَانَ قَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ بِقَدْرِ مَا يُعْطِيَ الْكَبِيرَ (اهـ) وَالْقَوْلُ الثَّانِي مُقَابِلُ الْمُدَوَّنَةِ حَكَاهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُعْطِي مَا يَكْفِيهِ خَاصَّةً إنْ اسْتَغْنَى عَنْ الطَّعَامِ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَنْكَرَهُ. [ثَانِيًا مِنْ كَفَّارَة الْيَمِين الْكِسْوَة] قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَسَاهُمْ مِنْ غَيْرِ وَسَطِ] إلَخْ: أَيْ وَلِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تُضِفْ الْوَسَطَ إلَّا لِلطَّعَامِ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا السَّتْرُ] : أَيْ وَلَوْ عَتِيقًا لَا جِدًّا. قَوْلُهُ: [عَلَى الْمُعْتَمَدِ] : أَيْ فَلِذَلِكَ عَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ، وَمُقَابِلُ الْمُعْتَمَدِ يُعْطِي ثَوْبًا بِقَدْرِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ.

[رابعا من كفارة اليمين الصيام]

(كَالظِّهَارِ) فَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ أَعْمَى أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ أَبْكَمُ أَوْ أَصَمُّ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي هُنَاكَ. [رَابِعًا مِنْ كَفَّارَة الْيَمِين الصِّيَام] وَأَشَارَ لِلنَّوْعِ الرَّابِع - الَّذِي لَا يُجْزِئُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي عَلَى التَّخْيِيرِ وَلِذَا أَتَى فِيهِ بِ " ثُمَّ " الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ - بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ) إذَا عَجَزَ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ عَنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ لَزِمَهُ (صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) . وَنُدِبَ تَتَابُعُهَا. وَجَازَ تَفْرِيقُهَا. وَمَنْ وَجَدَ طَعَامًا قَبْلَ تَمَامِهَا رَجَعَ لِلْإِطْعَامِ، وَمَنْ وَجَدَ مُسَلِّفًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ فَلَيْسَ بِعَاجِزٍ. (وَلَا يُجْزِئُ) فِيهَا (تَلْفِيقٌ مِنْ نَوْعَيْنِ) كَإِطْعَامِ خَمْسَةٍ وَكِسْوَةِ خَمْسَةٍ، وَأَمَّا مِنْ صِنْفَيْ نَوْعٍ فَيُجْزِئُ؛ كَخَمْسَةِ أَمْدَادٍ لِخَمْسَةِ مَسَاكِينَ، وَرَطْلَيْنِ لِكُلٍّ مِنْ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ أَوْ يُشْبِعُهُمْ مَرَّتَيْنِ. (وَلَا) يُجْزِئُ (نَاقِصَةٌ) عَنْ الْمُدِّ لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كَانَتْ كَامِلَةً فِي نَفْسِهَا (كَعِشْرِينَ) مِسْكِينًا (لِكُلٍّ) مِنْهُمْ (نِصْفٌ) مِنْ الْأَمْدَادِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [ثَالِثًا مِنْ كَفَّارَة الْيَمِين الْعِتْق] قَوْلُهُ: [وَقْتَ الْإِخْرَاجِ] : أَيْ فَالْعِبْرَةُ بِالْعَجْزِ وَقْتَهُ لَا وَقْتَ الْيَمِينِ وَلَا وَقْتَ الْحِنْثِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ تَفْرِيقُهَا] : أَيْ أَجْزَأَ تَفْرِيقُهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ وَهَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْفَوْرِيَّةِ فِي أَصْلِ الْكَفَّارَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ. وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ فِي حَقِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَكَفَّارَتُهُ بِالصِّيَامِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ وَلَا يُجْزِئُهُ الْعِتْقُ بِوَجْهٍ. قَوْلُهُ: [وَمَنْ وَجَدَ طَعَامًا] : أَيْ أَوْ كِسْوَةً أَوْ عِتْقًا، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الرُّجُوعِ وَلَوْ كَانَ الِاسْتِغْنَاءُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْهَا. [مَالًا يُجْزِئ فِي كَفَّارَة الْيَمِين] قَوْلُهُ: [كَإِطْعَامِ خَمْسَةٍ] إلَخْ: أَيْ فَلَا تُجْزِئُ مِنْ حَيْثُ التَّلْفِيقُ وَإِنْ صَحَّ التَّكْمِيلُ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا يَأْتِي، وَمَحَلُّ هَذَا كُلِّهِ إذَا كَانَتْ كَفَّارَةً وَاحِدَةً. وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ مَثَلًا فَأَطْعَمَ عَشَرَةً، وَكَسَا عَشَرَةً، وَأَعْتَقَ رَقَبَةً، وَقَصَدَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا عَنْ وَاحِدَةٍ فَيُجْزِئُ، سَوَاءٌ عَيَّنَ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةً أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ. وَالْمُضِرُّ التَّشْرِيكُ بِأَنْ يَجْعَلَ الْعِتْقَ وَالْإِطْعَامَ وَالْكِسْوَةَ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مِنْ صِنْفَيْ نَوْعٍ فَيُجْزِئُ] : أَيْ فِي الطَّعَامِ خَاصَّةً، لِأَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ أَصْنَافٌ.

(وَلَا) يُجْزِئُ (تَكْرَارٌ) مِنْ أَمْدَادِ الطَّعَامِ أَوْ مِنْ الْكِسْوَةِ (كَخَمْسَةٍ لِكُلٍّ) مِنْهُمْ (مُدَّانِ) أَوْ كِسْوَتَانِ وَلَوْ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ غَيْرَ نَفْسِهِ أَمْسِ أَيْ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ بِالْفَقْرِ. (إلَّا أَنْ يُكْمِلَ) فِي التَّلْفِيقِ مِنْ نَوْعَيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَاغِيًا لِلْآخَرِ، وَفِي النَّاقِصَةِ لِعَشَرَةٍ مِنْ الْعِشْرِينَ لَاغِيًا لِمَا أَخَذَتْهُ الْعَشَرَةُ الْبَاقِيَةُ. وَفِي التَّكْرَارِ لِخَمْسَةٍ بِإِعْطَاءِ خَمْسَةٍ أُخْرَى تَارِكًا لِلْخَمْسَةِ الْأُولَى مَا زَادَ (وَلَهُ نَزْعُ مَا زَادَ) بَعْدَ التَّكْمِيلِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ؛ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأُخْرَى مَا مَعَهَا فِي التَّلْفِيقِ، وَمِنْ الْعَشَرَةِ الْبَاقِيَةِ مَا مَعَهَا فِي النَّقْصِ، وَمِنْ الْخَمْسَةِ الْأُولَى الْمُدُّ الزَّائِدُ بِشَرْطَيْنِ أَفَادَهُمَا بِقَوْلِهِ: (إنْ بَقِيَ) هَذَا الزَّائِدُ بِيَدِ الْفَقِيرِ (وَبَيَّنَ) لَهُ حِينَ الْإِعْطَاءِ أَنَّهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ بِأَنْ تَصَرَّفَ الْفَقِيرُ فِيهِ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَ بَاقِيًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ فَلَيْسَ لَهُ نَزْعُهُ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (بِالْقُرْعَةِ) خَاصٌّ بِمَسْأَلَةِ النَّقْصِ؛ إذْ النَّزْعُ مِنْ عَشَرَةٍ لَيْسَ بِالْأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّكْرَارِ فَمَحَلُّ النَّزْعِ فِيهَا مُتَعَيَّنٌ. وَمَسْأَلَةُ التَّلْفِيقِ الْأَمْرُ فِيهَا مَوْكُولٌ لِاخْتِيَارِهِ، فَإِذَا اخْتَارَ تَكْمِيلَ الْإِطْعَامِ كَانَ لَهُ نَزْعُ الْكِسْوَةِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ لَوْ لُفِّقَ بِهِ فَلَا رَدَّ فِيهِ بِحَالٍ، بَلْ إمَّا أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أُخْرَى - وَلَهُ نَزْعُ الْإِطْعَامِ مَثَلًا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يُجْزِئُ تَكْرَارٌ] : أَيْ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ غَيْرَ نَفْسِهِ أَمْسِ] : أَيْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا عِنْدَهُ سَدُّ الْخُلَّةِ لَا مَحَلِّهَا، فَمَتَى سَدَّ عَشَرَ خُلَّاتٍ وَلَوْ فِي وَاحِدٍ فَقَدْ أَتَى بِالْمَطْلُوبِ. قَوْلُهُ: [إنْ بَقِيَ هَذَا الزَّائِدُ] إلَخْ: اشْتِرَاطُ الْبَقَاءِ فِي النَّزْعِ، وَأَمَّا فِي التَّكْمِيلِ فَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْمَدْفُوعِ أَوَّلًا، وَاشْتَرَطَ الْبَيَانَ فِي النَّزْعِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا. قَوْلُهُ: [بَلْ إمَّا أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أُخْرَى] : أَيْ وَلَا يُجْزِئُهُ تَكْمِيلُ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَالتَّجَزُّؤُ، يُفْسِدُ كَوْنَهَا كَفَّارَةً، وَإِنْ كَانَ الْعِتْقُ لَازِمًا لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَلَهُ نَزْعُ الْإِطْعَامِ مَثَلًا] : أَيْ إنْ كَانَ مُلَفَّقًا مِنْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ، أَوْ

[ما تجب به كفارة اليمين وتكرارها]

بِالشَّرْطَيْنِ - أَوْ يُكْمِلَ الْإِطْعَامَ، وَلَا رَدَّ فِي الْعِتْقِ. (وَتَجِبُ) الْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ: أَيْ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ (بِالْحِنْثِ) وَهُوَ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَفِي الْحِنْثِ بِالتَّرْكِ. (وَتُجْزِئُ قَبْلَهُ) : أَيْ الْحِنْثِ إذَا قَصَدَهُ (إلَّا أَنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْحِنْثِ (فِي) صِيغَةِ (الْبِرِّ) نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَوْ: لَا أَفْعَلُهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ مَثَلًا، فَأُكْرِهَ عَلَى الْفِعْلِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ طَائِعًا بَعْدَ الْإِكْرَاهِ، بِخِلَافِ الْحِنْثِ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَمُنِعَ مِنْ فِعْلِهِ كُرْهًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ يَمِينَهُ وَقَعَتْ عَلَى حِنْثٍ فَأَوْلَى إنْ تَرَكَ طَائِعًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQيُقَالُ لَهُ نَزْعُ الْكِسْوَةِ إنْ كَانَ مُلَفَّقًا مِنْ الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ. [مَا تجب بِهِ كَفَّارَة الْيَمِين وَتَكْرَارهَا] قَوْلُهُ: [وَتُجْزِئُ قَبْلَهُ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَلِفُهُ بِالْيَمِينِ أَوْ بِالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ أَوْ بِالْكَفَّارَةِ كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ. قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَهَذَا فِي غَيْرِ يَمِينِ الْحِنْثِ الْمُؤَجَّلِ، أَمَّا هُوَ فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْحِنْثَ الْمُقَيَّدَ بِأَجَلٍ قَبْلَ ضِيقِ الْأَجَلِ يَكُونُ صَاحِبُهُ عَلَى بِرٍّ، فَإِذَا ضَاقَ تَعَيَّنَ لِلْحِنْثِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ. وَلِذَا حَاوَلَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ أَنْ قَالَ هَذَا مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ مِنْ عَدَمِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ، كَمَا فِي الْبَدْرِ الْقَرَافِيِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ، أَيْ عَلَى وَجْهِ الْأَحْبِيَةِ كَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ؛ لِأَنَّ الْأَحَبَّ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ، وَإِنْ أَجْزَأَ قَبْلَهُ، بِخِلَافِ الْمُنْعَقِدَةِ عَلَى الْحِنْثِ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ كَفَّرَ وَلَمْ يَفْعَلْ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَمَا قَالَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ يُوَافِقُ إطْلَاقَ شَارِحِنَا. قَوْلُهُ: [فِي صِيغَةِ الْبِرِّ] : أَيْ الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْبِرُّ مُقَيَّدًا كَأَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَبِرُّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِكْرَاهِ، بَلْ يَحْصُلُ حَتَّى بِفَوَاتِ الزَّمَنِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ. [فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ] . أَيْ بِقُيُودٍ سِتَّةٍ تُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ: أَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ، وَأَنْ لَا يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِإِكْرَاهِهِ لَهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْإِكْرَاهُ شَرْعِيًّا، وَأَنْ لَا يَفْعَلَ ثَانِيًا طَوْعًا بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْحَالِفُ عَلَى شَخْصٍ بِأَنَّهُ

(وَتَكَرَّرَتْ) الْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ (إنْ قَصَدَ) فِي صِيغَةِ الْبِرِّ (تَكْرَارَ الْحِنْثِ) كُلَّمَا فَعَلَ، نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا، وَقَصَدَ أَنَّهُ كُلَّمَا كَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ يَمِينٌ. (أَوْ كَرَّرَ الْيَمِينَ) نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ، أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا آكُلُ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ (وَنَوَى كَفَّارَاتٍ) : أَيْ نَوَى لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ فَتَتَكَرَّرُ لَا إنْ لَمْ يَنْوِ. (أَوْ اقْتَضَاهُ) أَيْ التَّكْرَارَ (الْعُرْفُ) بِأَنْ كَانَ تَكْرَارُ الْحِنْثِ يُسْتَفَادُ مِنْ حَالِ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ (كَ: لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً) ، فَإِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كُلَّمَا شَرِبَ لَهُ مَاءً حَنِثَ. وَمِثْلُهُ: لَا آكُلُ لَك خُبْزًا، وَلَا أُقْرِئُك سَلَامًا، وَلَا أَجْلِسُ مَعَك فِي مَجْلِسٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، (وَ) نَحْوَ: وَاَللَّهِ (لَا أَتْرُكُ الْوِتْرَ) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ كُلَّمَا تَرَكَهُ، لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي لَوْمَ نَفْسِهِ وَالتَّشْدِيدَ عَلَيْهَا، فَكُلَّمَا تَرَكَهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ. (أَوْ) حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَ (حَلَفَ أَنْ لَا يَحْنَثَ) ثُمَّ حَنِثَ، كَأَنْ: قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَاَللَّهِ لَا أَحْنَثُ، فَكَلَّمَهُ. فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ كَفَّارَةٌ لِيَمِينِهِ الْأَصْلِيِّ وَكَفَّارَةٌ لِلْحِنْثِ فِيهِ (أَوْ اشْتَمَلَ لَفْظُهُ عَلَى جَمْعٍ) لِلْكَفَّارَةِ أَوْ الْيَمِينِ، نَحْوَ: إنْ كَلَّمْته فَعَلَيَّ كَفَّارَاتٌ، أَوْ فَعَلَيَّ أَيْمَانٌ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَيْمَانٌ أَوْ كَفَّارَاتٌ، فَإِذَا كَلَّمَهُ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ. وَكَذَا فِي غَيْرِ التَّعْلِيقِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ، فَلَوْ سَمَّى شَيْئًا لَزِمَهُ نَحْوَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ عَشْرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يَفْعَلُ كَذَا هُوَ الْمُكْرِهُ لَهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ يَمِينُهُ لَا أَفْعَلُهُ طَائِعًا وَلَا مُكْرَهًا. وَإِلَّا حَنِثَ. قَوْلُهُ: [إنْ قَصَدَ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ تَكْرَارَ الْحِنْثِ] : أَيْ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي] إلَخْ: أَيْ إذَا كَانَ حَلِفُهُ بِسَبَبِ مَنٍّ أَوْ فَخْرٍ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَى طَعَامِهِ أَوْ شَرَابِهِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [وَكَذَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَيْمَانٌ] إلَخْ: أَيْ فِي جَوَابِ التَّعْلِيقِ أَيْضًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ فَصُوَرُ التَّعْلِيقِ أَرْبَعٌ وَتَجْرِي تِلْكَ الصُّوَرُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ وَكَذَا فِي غَيْرِ التَّعْلِيقِ.

كَفَّارَاتٍ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ، فِي الْأَوَّلِ أَوْ إنْ كَلَّمَهُ فِي الثَّانِي، (وَ) اشْتَمَلَتْ (أَدَاتُهُ) أَيْ دَلَّتْ وَضْعًا عَلَى جَمْعٍ (نَحْوَ: كُلَّمَا أَوْ مَهْمَا) كَمَا لَوْ قَالَ: كُلَّمَا كَلَّمْته فَعَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ كَفَّارَةٌ، وَمَهْمَا دَخَلْت الدَّارَ فَعَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ كَفَّارَةٌ، فَتَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ. (لَا مَتَى مَا) فَلَيْسَتْ مِنْ صِيَغِ التَّكْرَارِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِذَا قَالَ: مَتَى مَا كَلَّمْته فَعَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ كَفَّارَةٌ فَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ إلَّا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَأَمَّا مَتَى بِدُونِ مَا فَلَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ قَطْعًا كَإِنْ وَإِذَا. (وَلَا) إنْ قَالَ: (وَاَللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ) لَا أَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَهُ فَلَا تُكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا إذَا قَصَدَ تَكْرَارَهَا. (أَوْ) قَالَ: (وَالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ) لَا أَفْعَلُ كَذَا، (أَوْ) قَالَ: (وَالْفُرْقَانِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) لَا أَفْعَلُ كَذَا؛ (أَوْ) قَالَ: (وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ) لَا أَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (إذَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ) فِي الْجَمِيعِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ وَكُلُّ هَذَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ كَمَا عَلِمْت. (وَإِنْ عَلَّقَ قُرْبَةً) كَأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَلَيَّ عِتْقُ عَبْدٍ وَصَوْمُ عَامٍ وَصَدَقَةٌ بِدِينَارٍ، أَوْ نَوَى ذَلِكَ، (أَوْ) عَلَّقَ (طَلَاقًا) كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَيْسَتْ مِنْ صِيَغِ التَّكْرَارِ] : أَيْ بَلْ مِنْ صِيَغِ التَّعْلِيقِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّكْرَارَ فَتُعَدَّدُ عَلَى حَسَبِ مَا نَوَى. قَوْلُهُ: [فَلَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ قَطْعًا] : أَيْ بَلْ هِيَ وَمَا بَعْدَهَا أَدَوَاتُ تَعْلِيقٍ لَا غَيْرُ بِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ] : أَيْ وَلَوْ قَصَدَ بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ التَّأْسِيسَ لِتَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمُوجِبِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَيَتَعَدَّدُ بِالتَّكْرَارِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّأْكِيدَ احْتِيَاطًا فِي الْفُرُوجِ. قَوْلُهُ: [وَكُلُّ هَذَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ] : أَيْ وَمِثْلُهُ النَّذْرُ الْمُبْهَمُ وَالْكَفَّارَةُ، وَأَمَّا الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ فَيَتَكَرَّرُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّأْكِيدَ، أَمَّا الطَّلَاقُ فَلِلِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَلِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ عَلَّقَ قُرْبَةً] : أَيْ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْفِعْلِ،

دَخَلْت فَعَلَيَّ طَلَاقُ فُلَانَة وَفُلَانَة أَوْ جَمِيعِ زَوْجَاتِي، أَوْ بِالثَّلَاثِ أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ نَوَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (لَزِمَ مَا سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ) . وَفِي قَوْلِهِ: (أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ) تَلْزَمُنِي إنْ فَعَلْت كَذَا فَفَعَلَهُ يَلْزَمُهُ (بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ) عِصْمَتَهَا (وَعِتْقُهُ) أَيْ عِتْقُ مَنْ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ مِنْ الرَّقِيقِ، (وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِ مَالِهِ) مِنْ عَرَضٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ عَقَارٍ حِينَ يَمِينُهُ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَثُلُثُ مَا بَقِيَ، (وَمَشْيٌ بِحَجٍّ) لَا عُمْرَةٍ، (وَصَوْمُ عَامٍ وَكَفَّارَةٌ) لِيَمِينٍ، وَهَذَا (إنْ اُعْتِيدَ حَلِفٌ بِمَا ذُكِرَ) مِنْ الْبَتِّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَيْمَانَ تَجْرِي عَلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَمِينٌ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَلَى وَجْهِ الْمَحَبَّةِ كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ كَذَا فَلَا يُقَالُ لَهُ يَمِينٌ، بَلْ نَذْرٌ وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ. قَوْلُهُ: [لَزِمَ مَا سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ] : أَيْ فَالْعِبْرَةُ بِالتَّسْمِيَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ تَقْتَضِي التَّعَدُّدَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ تَقْتَضِي التَّعَدُّدَ عَمِلَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ يَقْتَضِي الِاتِّحَادَ. قَوْلُهُ: [يَلْزَمُهُ بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ] : أَيْ وَاحِدَةً أَوْ مُتَعَدِّدَةً. قَوْلُهُ: [أَيْ عِتْقُ مَنْ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ حَالَ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ - وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ - وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ حِينَ الْيَمِينِ لَزِمَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ هَكَذَا قَالَ (بْنُ) . قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَنْقُصَ] : أَيْ بِأَنْ يَصِيرَ مَا لَهُ وَقْتَ الْحِنْثِ نَاقِصًا عَنْ وَقْتِ الْحَلِفِ، فَاللَّازِمُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ مِنْ صَاحِبِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: [لَا عُمْرَةٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَيْمَانِ أَتَمُّهَا، وَلِذَلِكَ جَعَلَ عَلَيْهِ الْحَجَّ مَاشِيًا دُونَ الْعُمْرَةِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. وَذَكَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ حِينَ الْيَمِينِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا إنْ اُعْتِيدَ حَلِفٌ بِمَا ذَكَرَ] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِي ابْنِ نَاجِي عَلَى الرِّسَالَةِ: أَنَّ الطُّرْطُوشِيَّ قَالَ فِي الْأَيْمَانِ بِثَلَاثِ كَفَّارَاتٍ، وَكَذَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ

(وَإِلَّا) تَجْرِ عَادَةٌ بِالْحَلِفِ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ، بَلْ بِبَعْضِهِ (فَالْمُعْتَادُ) بَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْأَيْمَانِ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ الْحَالِفَ. وَالْمُعْتَادُ بَيْنَ أَهْلِ مِصْرَ الْآنَ أَنْ يَحْلِفُوا بِاَللَّهِ وَبِالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ وَالْمَشْيُ لِمَكَّةَ وَصَوْمُ الْعَامِ وَالصَّدَقَةُ بِالْمَالِ فَلَا يَكَادُ يَحْلِفُ بِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَحِينَئِذٍ فَاللَّازِمُ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَبَتُّ مَنْ فِي عِصْمَتِهِ فَقَطْ. (وَتَحْرِيمُ، الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ لَغْوٌ) لَا يَقْتَضِي شَيْئًا فَمَنْ قَالَ: كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ اللَّحْمُ أَوْ الْقَمْحُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت كَذَا فَفَعَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إلَّا فِي الزَّوْجَةِ إذَا قَالَ إنْ فَعَلْته فَزَوْجَتِي عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالسُّهَيْلِيُّ وَالْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَلْزَمُ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ، وَعَنْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَأَلْغَاهُ الشَّافِعِيَّةُ، فَلَوْ نَوَى طَلَاقًا فَخِلَافٌ عِنْدَهُمْ أَصْلُ الْمَذْهَبِ إلْغَاؤُهُ وَمِمَّا يَنْبَغِي تَجَنُّبُهُ قَوْلُهُمْ: يَلْزَمُنِي مَا يَلْزَمُنِي وَعَلَيَّ مَا عَلَيَّ لِأَنَّهُ صَالِحٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَلْزَمُنِي جَمِيعَ مَا صَحَّ إلْزَامُهُ لِي وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ الْآنَ عَدَمَ الْيَمِينِ مِنْ الْعَوَامّ لِأَنَّهُ شَاعَ عِنْدَهُمْ عَلَيَّ مَا عَلَيَّ مِنْ اللِّبَاسِ مَثَلًا وَيَلْزَمُنِي مَا يَلْزَمُنِي كَالصَّلَاةِ اهـ. تَنْبِيهٌ: مِثْلُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْيَمِينِ مَا عَدَا صَوْمِ الْعَامِ قَوْلُ الْحَالِفِ: عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، أَوْ أَشَقُّ أَوْ أَعْظَمُ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَنْ حَلَفَ وَلَمْ يَدْرِ بِمَا حَلَفَ أَكَانَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ مَشْيٍ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُطَلِّقَ نِسَاءَهُ أَلْبَتَّةَ، وَأَنْ يُعْتِقَ عَبِيدَهُ وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَأَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فِي حَجٍّ، وَأَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَحِينَئِذٍ فَاللَّازِمُ] إلَخْ: أَيْ حِينَ إذَا كَانَ عُرْفُ مِصْرَ هَكَذَا فَيُفْتِي بِلُزُومِ ذَلِكَ لِأَهْلِ مِصْرَ، وَكُلِّ مَنْ وَافَقَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعُرْفِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَقْصِدْ الْحَالِفُ الْأُمُورَ الَّتِي تُرَتَّبُ عَلَى أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ مَا قَصَدَ، فَإِنَّ النِّيَّةَ تُقَدَّمُ عَلَى الْعُرْفِ كَمَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا الْحَمْلُ عَلَى الْعُرْفِ عِنْدَ عَدَمِهَا فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ] : دَخَلَ فِي الْغَيْرِ: الْأَمَةُ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِتَحْرِيمِهَا عِتْقَهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَغْوًا، هَذَا مَذْهَبُنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ: إنَّ مَنْ حَرَّمَ الْحَلَالَ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. قَوْلُهُ: [إذَا قَالَ إنْ فَعَلْته] إلَخْ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَالْأَصْلُ كَمَا إذَا قَالَ فَتَدَبَّرْ.

[بيان ما يخصص اليمين أو يقيدها]

فَعَلَيَّ الْحَرَامُ فَيَلْزَمُهُ بَتُّ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَطَلْقَةٌ فِي غَيْرِهَا مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ، وَلَوْ قَالَ: كُلٌّ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنْ حَاشَى الزَّوْجَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا لَزِمَهُ فِيهَا ذِكْرٌ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ أَوْ يُقَيِّدُهَا وَهُوَ أَرْبَعَةٌ: النِّيَّةُ، وَالْبِسَاطُ، وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ، وَالْقَصْدُ الشَّرْعِيُّ. وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ) لَفْظَهُ الْعَامَّ فَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَى التَّخْصِيصِ. وَالْعَامُّ: لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ بِلَا حَصْرٍ، وَالتَّخْصِيصُ: قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُهُ بَتُّ الْمَدْخُولِ بِهَا] : هَذَا هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَالَ كُلٌّ عَلَيَّ حَرَامٌ] : بِالتَّنْوِينِ مَعَ حَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَعْنَاهُ لَوْ قَالَ كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ مُحَاشِيًا لِلزَّوْجَةِ فَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ فِي تِلْكَ الصِّيغَةِ. [بَيَان مَا يخصص الْيَمِين أَوْ يقيدها] [مِمَّا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ نِيَّةُ الْحَالِفِ] قَوْلُهُ: [ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ] إلَخْ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى حَدِّ الْيَمِينِ وَصِيَغِهَا وَالْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ مِنْهَا، وَأَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَتَكْرَارِهَا وَاتِّحَادِهَا، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ أَرْبَعَةٌ] : بَلْ خَمْسَةٌ وَالْخَامِسُ الْعُرْفُ الْفِعْلِيُّ عَلَى مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافًا لِلْقَرَافِيِّ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمَقْصِدُ اللُّغَوِيُّ فَلَا يُعَدُّ مِنْ الْمُخَصَّصَاتِ، بَلْ أَصْلُ الْحَمْلِ يَكُونُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَصِّصٌ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ. قَوْلُهُ: [وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ] إلَخْ: أَيْ إنْ كَانَ بِهَا تَخْصِيصٌ أَوْ تَقْيِيدٌ أَوْ بَيَانٌ، وَقَدْ تُفِيدُ التَّعْمِيمَ كَأَنْ يَحْلِفَ لَا آكُلُ لِفُلَانٍ طَعَامًا، وَيَنْوِيَ قَطْعَ كُلِّ مَا جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ لِمِنَّةٍ فَلَيْسَتْ دَائِمًا مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ] : أَيْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَفْرَادِ الصَّالِحِ لَهَا ذَلِكَ اللَّفْظُ دَفْعَةً. وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْمُطْلَقُ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَا يَصْلُحُ لَهُ دَفْعَةً، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، فَعُمُومُ الْعَامِّ شُمُولِيٌّ، وَعُمُومُ الْمُطْلَقِ بَدَلِيٌّ وَصَلَاحِيَةُ اللَّفْظِ لِتِلْكَ الْأَفْرَادِ مِنْ جِهَةِ انْدِرَاجِهَا فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ فَتَكُونُ دَلَالَةُ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ دَلَالَةَ كُلِّيٍّ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ، مَعْنَاهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى أَجْزَاءِ مَعْنَاهُ. قَوْلُهُ: [بِلَا حَصْرٍ] : أَيْ حَالَ كَوْنِ الْأَفْرَادِ الصَّالِحِ لَهَا ذَلِكَ اللَّفْظُ غَيْرَ مَحْصُورَةٍ.

أَفْرَادِهِ. وَالتَّعْمِيمُ يَكُونُ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ الْأَمْثِلَةِ، (وَقَيَّدَتْ) الْمُطْلَقَ، وَالْمُطْلَقُ: مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ كَاسْمِ الْجِنْسِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَالْعَامِّ وَتَقْيِيدُهُ كَالتَّخْصِيصِ، فَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَى التَّقْيِيدِ، (وَبَيَّنَتْ) الْمُجْمَلَ، وَالْمُجْمَلُ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ، وَبَيَانُهُ: إخْرَاجُهُ إلَى حَيِّزِ الِاتِّضَاحِ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَالَ: نَوَيْت بِهِ كَذَا عَمِلَ بِنِيَّتِهِ؛ فَإِذَا حَلَفَ لَا أَلْبَسُ الْجَوْنَ بِفَتْحِ الْجِيمِ: يُطْلَقُ عَلَى الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَقَالَ: أَرَدْت الْأَبْيَضَ كَانَ لَهُ لُبْسُ الْأَسْوَدِ. ثُمَّ لَا يَخْلُو الْحَالُ إمَّا أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُسَاوِيَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، أَيْ تَحْتَمِلُ إرَادَةَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَتَحْتَمِلُ إرَادَتَهَا عَلَى السَّوَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَكَانِ] إلَخْ: كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ عُمُومَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَحْوَالِ لَيْسَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَوْلُهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْعَامِّ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ بِلَا حَصْرٍ؛ تَعْرِيفُ الْعَامِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَانَ مَدْلُولُهُ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ حَالًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [بِلَا قَيْدٍ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِتَحَقُّقِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ أَوْ مُعَيَّنٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ: كَاسْمِ الْجِنْسِ، بِخِلَافِ النَّكِرَةِ فَإِنَّهُ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ، أَيْ بِقَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ وَاحِدٌ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ، فَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ فَهُوَ الْمُطْلَقُ، وَاسْمُ الْجِنْسِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ مَعَ قَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ سُمِّيَ نَكِرَةً كَمَا قَالَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَالْعَامِّ] : أَيْ مِنْ حَيْثُ الشُّمُولُ، لَكِنَّ شُمُولَهُ بَدَلِيٌّ أَيْ يَتَنَاوَلُ أَفْرَادَهُ كُلَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِيَّةِ لَا دَفْعَةً بِخِلَافِ الْعَامِّ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ] : أَيْ لَمْ يَتَعَيَّنْ السَّامِعُ مَدْلُولَهُ. قَوْلُهُ: [فَإِذَا حَلَفَ لَا أَلْبَسُ الْجَوْنَ] إلَخْ: هَذَا مِثَالٌ لِلْمُجْمَلِ، وَمَثَّلَ لَهُ فِي الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ: زَيْنَبُ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ اسْمُ كُلٍّ زَيْنَبُ، وَقَالَ: أَرَدْت بِنْتَ فُلَانٍ وَكُلٌّ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ لَا يَخْلُو الْحَالُ] : دُخُولٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي بَعْدُ. قَوْلُهُ: [مُسَاوِيَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ] : أَيْ شَأْنُهَا أَنْ تُقْصَدَ مِنْ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ

بِلَا تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إرَادَةُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ أَقْرَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ مِنْ إرَادَةِ النِّيَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِظَاهِرِهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إرَادَةُ النِّيَّةِ بَعِيدَةً عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ شَأْنُهَا عَدَمُ الْقَصْدِ. (فَإِنْ سَاوَتْ) نِيَّتُهُ (ظَاهِرَ لَفْظِهِ) بِأَنْ احْتَمَلَ إرَادَتَهَا وَعَدَمَ إرَادَتِهَا عَلَى السَّوَاءِ بِلَا تَرْجِيحٍ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ عَلَيْهَا (صَدَقَ مُطْلَقًا فِي) الْيَمِينِ (بِاَللَّهِ وَغَيْرِهَا) مِنْ التَّعَالِيقِ (فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ) ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْإِطْلَاقِ؛ (كَحَلِفِهِ لِزَوْجَتِهِ إنْ تَزَوَّجَ حَيَاتَهَا) : أَيْ فِي حَيَاتِهَا (فَهِيَ) : أَيْ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا (طَالِقٌ أَوْ عَبْدُهُ حُرٌّ أَوْ كُلُّ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ) أَيْ مَمْلُوكٌ لَهُ حُرٌّ، (أَوْ: فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ، فَتَزَوَّجَ بَعْدَ طَلَاقِهَا وَقَالَ: نَوَيْت حَيَاتَهَا فِي عِصْمَتِي) وَهِيَ الْآنَ لَيْسَتْ فِي عِصْمَتِي، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ بِمَا ذَكَرَ أَوْ بِاَللَّهِ لَا آكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمَ طَيْرٍ، وَقَالَ: أَرَدْت غَيْرَ الطَّيْرِ فَيُصَدَّقُ مُطْلَقًا لِمُسَاوَاةِ إرَادَةِ نِيَّتِهِ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ. (وَإِنْ لَمْ تُسَاوِ) ظَاهِرَ اللَّفْظِ - بِأَنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ الْعَامِّ أَوْ الْمُطْلَقِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُرَادُ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ الْمَنْوِيِّ بِعَيْنِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصٌ وَلَا تَقْيِيدٌ وَلَا بَيَانٌ. قَوْلُهُ: [بِلَا تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهِمَا] إلَخْ: أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْعُرْفِ، بِأَنْ يَكُونَ احْتِمَالُ لَفْظِ الْحَالِفِ لِمَا نَوَاهُ وَلِغَيْرِ مُسَاوِيَيْنِ عُرْفًا. قَوْلُهُ: [فَإِنْ سَاوَتْ نِيَّتُهُ] إلَخْ: أَيْ عُرْفًا كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [وَهُوَ تَفْسِيرُ الْإِطْلَاقِ] : أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ بِاَللَّهِ إلَى هُنَا. قَوْلُهُ: [إنْ تَزَوَّجَ حَيَاتَهَا] : هَذَا مِثَالٌ لِلْعَامِّ الَّذِي خُصِّصَ بِالنِّيَّةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ حَيَاتَهَا مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ كُلَّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ حَيَاتِهَا الشَّامِلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَوْنُهَا مَعَهُ فِي عِصْمَتِهِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ أَرَادَ بِحَيَاتِهَا كَوْنَهَا مَعَهُ فِي عِصْمَتِهِ كَانَ قَصْرًا لِلْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ لَهُ. قَوْلُهُ: [وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ] إلَخْ: لَكِنَّ التَّمْثِيلَ فِيهِ لِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّ لَفْظَ لَحْمٍ يَصْدُقُ بِأَيِّ نَوْعٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَقَصْرُهُ عَلَى غَيْرِ لَحْمِ الطَّيْرِ تَقْيِيدٌ لَهُ فَتَدَبَّرْ.

أَرْجَحَ - (فَإِنْ قَرُبَتْ) فِي نَفْسِهَا لِلْمُسَاوَاةِ - وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً بِالنِّسْبَةِ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ - (قُبِلَ) الْحَالِفُ: أَيْ قُبِلَتْ دَعْوَاهُ النِّيَّةَ مُطْلَقًا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَغَيْرِهِ. (إلَّا فِي) أَمْرَيْنِ: (الطَّلَاقِ، وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ) كَعَبْدِي زَيْدٌ (فِي الْقَضَاءِ) : أَيْ فِيمَا إذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَوْ أَقَرَّ، فَلَا يُقْبَلُ وَيَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ لِذَلِكَ الْعَبْدِ (كَلَحْمِ بَقَرٍ) أَيْ كَنِيَّتِهِ أَيْ دَعْوَى نِيَّتِهِ بِيَمِينِهِ لَحْمَ بَقَرٍ، (وَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي) حَلِفِهِ: (لَا آكُلُ لَحْمًا أَوْ:) لَا آكُلُ (سَمْنًا) فَأَكَلَ لَحْمَ الضَّأْنِ وَسَمْنَ الْبَقَرِ، فَإِذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي فَقَالَ: نَوَيْت لَا آكُلُ لَحْمَ بَقَرٍ وَأَنَا قَدْ أَكَلْت لَحْمَ ضَأْنٍ، أَوْ نَوَيْت لَا آكُلُ سَمْنَ ضَأْنٍ وَأَنَا قَدْ أَكَلْت سَمْنَ بَقَرٍ، فَلَا يُقْبَلُ. وَيُقْبَلُ فِي الْفَتْوَى مُطْلَقًا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَفِي غَيْرِهِمَا، لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْمُسَاوَاةِ، (وَكَشَهْرٍ) : أَيْ وَكُنْيَةِ (شَهْرٍ أَوْ) نِيَّةٍ: (فِي الْمَسْجِدِ فِي) يَمِينِهِ بِ (نَحْوِ) نِيَّةٍ: (لَا أُكَلِّمُهُ) أَوْ لَا أَدْخُلُ دَارِهِ ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: نَوَيْت لَا أُكَلِّمُهُ فِي شَهْرٍ أَوْ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَسَمْنُ ضَأْنٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا وَقَالَ: أَرَدْت سَمْنَ الضَّأْنِ كَانَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ مُخَصِّصَةً لِيَمِينِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ غَيْرِهِ سَوَاءٌ لَاحَظَ إخْرَاجَ غَيْرِ الضَّأْنِ أَوْ لَا، بِأَنْ يَنْوِيَ إبَاحَةَ مَا عَدَا سَمْنِ الضَّأْنِ أَوْ لَمْ يُلَاحِظْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِنِيَّةِ الضَّأْنِ إلَّا إخْرَاجُ غَيْرِهِ، وَهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَمَا قِيلَ فِي مِثَالِ السَّمْنِ يُقَالُ فِي مِثَالِ اللَّحْمِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّ نِيَّةَ سَمْنِ الضَّأْنِ لَا تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِقَوْلِهِ: لَا آكُلُ سَمْنًا إلَّا إذَا نَوَى إخْرَاجَ غَيْرِهِ أَوْ لَا، بِأَنْ نَوَى إبَاحَةَ مَا عَدَا سَمْنِ الضَّأْنِ. وَأَمَّا لَوْ نَوَى عَدَمَ أَكْلِ سَمْنِ الضَّأْنِ فَقَطْ فِي لَا آكُلُ سَمْنًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ إخْرَاجِ غَيْرِهِ أَوْ لَا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ السَّمْنِ، لِأَنَّ ذِكْرَ فَرْدِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ لَا يُخَصِّصُهُ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ لَهُ، وَلَكِنْ مَا لِابْنِ يُونُسَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا فِي (ر) وَ (بْنُ) ، وَهُوَ مُقْتَضَى شَارِحِنَا. قَوْلُهُ: [وَكَشَهْرٍ] إلَخْ: هُوَ مِثَالٌ أَيْضًا لِلْقَرِيبِ مِنْ الْمُسَاوَاةِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَكَتَوْكِيلِهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ حَتَّى عِنْدَ الْقَاضِي إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ. قَوْلُهُ: [وَقَالَ نَوَيْت لَا أُكَلِّمُهُ] إلَخْ: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ

الْمَسْجِدِ، (وَكَتَوْكِيلِهِ) فِي حَلِفِهِ: (لَا يَبِيعُهُ أَوْ) : لَا (يَضْرِبُهُ) ، فَبَاعَهُ لَهُ الْوَكِيلُ أَوْ ضَرَبَهُ، وَقَالَ: نَوَيْت أَنْ لَا أَبِيعَهُ بِنَفْسِي أَوْ لَا أَضْرِبَهُ بِنَفْسِي فَيُقْبَلُ فِي الْفَتْوَى لِقُرْبِ هَذِهِ النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ تُسَاوِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْقَضَاءِ فِي طَلَاقٍ وَلَا عِتْقٍ مُعَيَّنٍ. (وَإِنْ بَعُدَتْ) النِّيَّةُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ (لَمْ يُقْبَلْ مُطْلَقًا) لَا فِي الْفَتْوَى وَلَا الْقَضَاءِ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ (كَإِرَادَةِ) زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ (مَيِّتَةٍ فِي) حَلِفِهِ: إنْ دَخَلَتْ دَارَ زَيْدٍ مَثَلًا فَزَوْجَتُهُ (طَالِقٌ) أَوْ أَمَتُهُ (حُرَّةٌ) ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: نَوَيْت زَوْجَتِي أَوْ أَمَتِي الْمَيِّتَةَ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ لِبُعْدِ نِيَّتِهِ عَنْ الْمُسَاوَاةِ بُعْدًا بَيِّنًا لِظُهُورِ أَنَّ الطَّلَاقَ أَوْ الْحُرِّيَّةَ لَا يُقْصَدُ بِهِمَا الْمَيِّتُ. (أَوْ) إرَادَةُ (كَذِبٍ) فِي حَلِفِهِ أَنَّهَا (حَرَامٌ) ، فَلَمَّا وَقَعَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَالَ: أَرَدْت أَنَّ كَذِبَهَا حَرَامٌ لَا هِيَ نَفْسَهَا، فَلَا يُصَدَّقُ مُطْلَقًا. وَ (إنَّمَا تُعْتَبَرُ) النِّيَّةُ فِي التَّخْصِيصِ أَوْ التَّقْيِيدِ: أَيْ يُعْتَبَرُ تَخْصِيصُهَا أَوْ تَقْيِيدُهَا (إذَا لَمْ يَسْتَحْلِفْ) الْحَالِفُ فِي حَقٍّ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ اُسْتُحْلِفَ فِي حَقٍّ (فَالْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ الْمُحَلِّفِ) ، سَوَاءٌ كَانَ مَالِيًّا - كَدَيْنٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا أَدْخُلُ دَارِهِ فَلَمْ يُتْمِمْ مِثَالَهُ وَلَوْ تَمَّمَهُ لَقَالَ أَوْ دَخَلَ الدَّارَ بَعْدَ شَهْرٍ وَقَالَ: نَوَيْت لَا أَدْخُلُ مُدَّةَ شَهْرٍ فَتَدَبَّرْ. تَنْبِيهٌ: نُكْتَةُ تَعْدَادِ الْمِثَالِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُجْمَلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: كَلَحْمِ بَقَرٍ وَسَمْنِ ضَأْنٍ مِثَالٌ لِلْمُطْلَقِ، وَقَوْلُهُ: لَا أُكَلِّمُهُ مِثَالٌ لِلْعَامِّ، وَقَوْلُهُ: وَكَتَوْكِيلِهِ إلَخْ مِثَالٌ لِلْمُجْمَلِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [لَمْ يُقْبَلْ مُطْلَقًا] : إلَّا لِقَرِينَةٍ تُصَدِّقُ دَعْوَاهُ فِي إرَادَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ بَلْ بِهَا وَبِالْقَرِينَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصْدُقُ مُطْلَقًا] : أَيْ إلَّا لِقَرِينَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِمْ بِالْقَرِينَةِ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَيْهَا. وَلَوْ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ عِنْدَ الْقَاضِي. قَوْلُهُ: [فَالْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ الْمُحَلِّفِ] : أَيْ فَلَا يَنْفَعُ تَخْصِيصُهُ حِينَئِذٍ وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ، بَلْ حَلَفَ مُتَبَرِّعًا وَهَذَا أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ كَمَا فِي المج، فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ

[مما يخصص اليمين بساط النية]

وَسَرِقَةٍ - أَمْ لَا. فَمَنْ حَلَّفَهُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ: لَقَدْ وَفَّاهُ وَأَنَّهُ مَا سَرَقَ أَوْ مَا غَصَبَ فَحَلَفَ، وَقَالَ نَوَيْت مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْ عَرَضٍ وَاَلَّذِي عَلَيَّ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يُفِدْهُ وَلَزِمَهُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ وَبِغَيْرِهِ، أَوْ حَلَفَ مَا سَرَقْت وَقَالَ: نَوَيْت مِنْ الصُّنْدُوقِ وَسَرِقَتِي كَانَتْ مِنْ الْخِزَانَةِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يُفِدْهُ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَحَلَّفَتْهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ أَخْرَجَهَا فَاَلَّتِي يَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ أَوْ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، فَحَلَفَ ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَادَّعَى نِيَّةَ شَيْءٍ لَمْ تُفِدْهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِنِيَّةِ الْمُحَلِّفِ لِأَنَّهُ اعْتَاضَ هَذَا الْيَمِينَ مِنْ حَقِّهِ فَصَارَتْ الْعِبْرَةُ بِنِيَّتِهِ دُونَ الْحَالِفِ. (ثُمَّ) إذَا عُدِمَتْ النِّيَّةُ الصَّرِيحَةُ اُعْتُبِرَ (بِسَاطُ يَمِينِهِ) فِي التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ. (وَ) الْبِسَاطُ: (هُوَ) السَّبَبُ (الْحَامِلُ عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الْيَمِينِ إذْ ـــــــــــــــــــــــــــــQشَارِحِنَا بِأَنْ اُسْتُحْلِفَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا طَرِيقَتَانِ: الْأُولَى الَّتِي قَالَهَا شَارِحُنَا عَدَمُ قَبُولِ نِيَّتِهِ إذَا اسْتَحْلَفَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ مَتَى حَلَفَ وَإِنْ طَاعَ بِهَا وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا فِي الْمَجْمُوعِ وَحَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَالْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ اعْتَاضَ هَذَا الْيَمِينَ مِنْ حَقِّهِ] : أَيْ كَأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ عِوَضٌ عَنْ حَقِّهِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَحَلَّفَهُ فَالْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ، قَالَ الْخَرَشِيُّ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ اتِّفَاقًا، وَفِي غَيْرِهَا عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ سِتَّةٍ. قَوْلُهُ: [النِّيَّةُ الصَّرِيحَةُ] : تَقْيِيدُهُ بِالصَّرِيحَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْبِسَاطَ نِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: هُوَ نِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ. قَوْلُهُ: [فِي التَّخْصِيصِ] : لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهُ التَّعْمِيمُ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لِفُلَانٍ طَعَامًا، وَكَانَ السَّبَبُ الْحَامِلُ لَهُ دَفْعَ الْمَنِّ فَيَحْنَثُ بِكُلِّ مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي. [مِمَّا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ بِسَاط النِّيَّة] قَوْلُهُ: [هُوَ السَّبَبُ الْحَامِلُ عَلَيْهَا] : هَذَا تَعْرِيفٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي بِالْمَقَامِ وَقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ سَبَبًا كَمَا فِي بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ، كَذَا فِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْبِسَاطَ يَجْرِي فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ

هُوَ مَظِنَّتُهَا، فَلَيْسَ فِيهِ انْتِفَاءُ النِّيَّةِ بَلْ هُوَ مُتَضَمِّنٌ لَهَا. وَضَابِطُهُ صِحَّةُ تَقْيِيدِ يَمِينِهِ بِقَوْلِهِ؛ مَا دَامَ هَذَا الشَّيْءُ أَيْ الْحَامِلُ عَلَى الْيَمِينِ مَوْجُودًا (كَلَا) أَيْ كَحَلِفِهِ: لَا (أَشْتَرِي لَحْمًا أَوْ لَا أَبِيعُ فِي السُّوقِ لِزَحْمَةٍ) أَيْ لِأَجْلِ وُجُودِ زَحْمَةٍ، (أَوْ) وُجُودِ (ظَالِمٍ) حَمَلَهُ عَلَى الْحَلِفِ لِصِحَّةِ تَقْيِيدِ يَمِينِهِ بِقَوْلِهِ: مَا دَامَتْ هَذِهِ الزَّحْمَةُ أَوْ الظَّالِمُ مَوْجُودًا، وَكَمَا لَوْ كَانَ خَادِمُ الْمَسْجِدِ أَوْ الْحَمَّامِ يُؤْذِي إنْسَانًا كُلَّمَا دَخَلَهُ فَقَالَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذَا الْمَسْجِدَ أَوْ هَذَا الْحَمَّامَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: مَا دَامَ هَذَا الْخَادِمُ مَوْجُودًا، فَإِنْ زَالَ هَذَا الْخَادِمُ جَازَ لَهُ الدُّخُولُ وَإِلَّا حَنِثَ. وَكَمَا لَوْ كَانَ فِي طَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ ظَالِمٌ يُؤْذِي الْمَارِّينَ بِهَا فَقَالَ شَخْصٌ: وَاَللَّهِ لَا أَمُرُّ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، أَيْ مَا دَامَ هَذَا الظَّالِمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQسَوَاءِ كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ بِعِتْقٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجْرِي الْبِسَاطُ فِي جَمِيعِ الْحَلِفِ ... وَهُوَ الْمُثِيرُ لِلْيَمِينِ فَاعْرِفْ إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى وَزَالَ السَّبَبُ ... وَلَبْسَ ذَا لِحَالِفٍ يَنْتَسِبُ فَقَوْلُهُ: فِي النَّظْمِ: وَهُوَ الْمُثِيرُ أَيْ السَّبَبُ الْحَامِلُ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى أَيْ وَأَمَّا لَوْ نَوَى شَيْئًا فَالْعِبْرَةُ بِنِيَّتِهِ، وَقَوْلُهُ وَزَالَ السَّبَبُ، أَمَّا إنْ لَمْ يَزُلْ فَلَا يَنْفَعُهُ وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ ذَا لِحَالِفٍ يَنْتَسِبُ أَيْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي نَفْعِ الْبِسَاطِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْحَالِفِ مَدْخَلٌ فِي السَّبَبِ الْحَامِلِ عَلَى الْيَمِينِ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ مَعَ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ تَنَازَعَ مَعَهُ دَارًا مَثَلًا، ثُمَّ زَالَ النِّزَاعُ وَاصْطَلَحَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي السَّبَبِ، فَالْبِسَاطُ هُنَا غَيْرُ نَافِعٍ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِيمَا نُجِّزَ بِالْفِعْلِ، كَمَا لَوْ تَشَاجَرَتْ زَوْجَتُهُ مَعَ أَخِيهِ مَثَلًا فَطَلَّقَهَا ثُمَّ مَاتَ أَخُوهُ فَلَا يَرْتَفِعُ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الْبُلَيْدِيُّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ مَثَلًا فَوَجَدَهَا أَفْسَدَتْ شَيْئًا فِي اعْتِقَادِهِ فَنَجَّزَ طَلَاقَهَا، فَتَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَفْسُدْ فَلَيْسَ هُنَا بِسَاطٌ وَلْيَقِسْ. قَوْلُهُ: [بَلْ هُوَ مُتَضَمِّنٌ لَهَا] : أَيْ لِأَنَّهُ نِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ مَحْفُوفَةٌ بِالْقَرَائِنِ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَقْوَى مِنْ النِّيَّةِ الصَّرِيحَةِ.

[مما يخصص اليمين العرف القولي]

فِيهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ فَاسِقٌ بِمَكَانٍ فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْت هَذَا الْمَكَانَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِذَا زَالَ الْفَاسِقُ مِنْهُ وَدَخَلَتْ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: مَا دَامَ هَذَا الْفَاسِقُ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ سَبَّكَ إنْسَانٌ فَحَلَفَ: لَا أُكَلِّمُهُ. أَوْ تَشَاجَرَ مَعَ جَارِهِ فَحَلَفَ: لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ بِسَاطٌ. (فَعُرْفٌ قَوْلِيٌّ) : أَيْ ثُمَّ إذَا لَمْ يُوجَدْ بِسَاطٌ اُعْتُبِرَ تَخْصِيصٌ أَوْ تَقْيِيدُ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ: أَيْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقَوْلُ؛ أَيْ اللَّفْظُ فِي عُرْفِهِمْ فَالْمُرَادُ الْعُرْفُ الْخَاصُّ: كَمَا لَوْ كَانَ عُرْفُهُمْ اسْتِعْمَالَ الدَّابَّةِ فِي الْحِمَارِ، وَالْمَمْلُوكِ فِي الْأَبْيَضِ، وَالثَّوْبِ فِيمَا يَسْلُكُ فِي الْعُنُقِ، فَحَلَفَ حَالِفٌ: أَنْ لَا يَشْتَرِيَ دَابَّةً وَلَا مَمْلُوكًا وَلَا ثَوْبًا، وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَلَا يَحْنَثُ بِشِرَاءِ فَرَسٍ وَلَا زِنْجِيٍّ وَلَا عِمَامَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَيْسَ فِيهِ بِسَاطٌ] : أَيْ لِمَا عَلِمْت مِنْ شَرْحِ النَّظْمِ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْبِسَاطِ: مَنْ حَلَفَ لَيَشْتَرِيَن دَارَ فُلَانٍ فَلَمْ يَرْضَ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، فَأَقْوَى الْقَوْلَيْنِ عَدَمُ الْحِنْثِ كَمَا فِي (ح) وَكَذَا لَيَبِيعَن فَأَعْطَى دُونَ ثَمَنِ الْمِثْلِ (اهـ) . وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ سَمِعَ الطَّبِيبَ يَقُولُ: لَحْمُ الْبَقَرِ دَاءٌ فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَلَا يَحْنَثُ بِلَحْمِ الضَّأْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ لَهُ: أَنْتَ تُزَكِّي الشُّهُودَ لِأَجْلِ شَيْءٍ تَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ إنَّهُ لَا يُزَكِّي وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَلَا يَحْنَثُ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا إذَا حَلَفَ أَنَّ زَوْجَتَهُ لَا تُعْتِقُ أَمَتَهَا وَكَانَتْ أَعْتَقَتْهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ لَمْ يَحْلِفْ كَمَا فِي الْبَدْرِ. وَمِنْهَا مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ يَنْطِقُ بِمِثْلِ مَا تَنْطِقُ بِهِ زَوْجَتُهُ فَقَالَتْ أَنْتَ طَالِقٌ فَلَا يُحَاكِيهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ حَلَفَتْ زَوْجَةُ أَمِيرٍ أَنَّهَا لَا تَسْكُنُ بَعْدَ مَوْتِهِ دَارَ الْإِمَارَةِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ أَمِيرًا آخَرَ فَأَسْكَنَهَا بِهَا لَمْ تَحْنَثْ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهَا انْحِطَاطُ دَرَجَتِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا ثُمَّ وَجَدَ فِي حِجْرِ زَوْجَتِهِ شَيْئًا مَسْتُورًا فَقَالَتْ لَا أُرِيكَهُ حَتَّى تَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ لَتَأْكُلَن مِنْهُ، فَحَلَفَ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الَّذِي فِي حِجْرِهَا بَيْضًا وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَكْلُ مِنْهُ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) وَالْعَالِمُ بِالْقَوَاعِدِ يَقِيسُ. [مِمَّا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ العرف الْقَوْلِيّ] قَوْلُهُ: [فَعُرْفٌ قَوْلِيٌّ] : اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْفِعْلِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ، فَقَالَ

[مما يخصص اليمين العرف الشرعي]

(فَشَرْعِيٌّ) : أَيْ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ وَلَا عُرْفٌ قَوْلِيٌّ، فَالْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ إنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ. فَمَنْ حَلَفَ: لَا يُصَلِّي فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ لَا يَصُومُ أَوْ لَا يَتَوَضَّأُ أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ أَوْ لَا يَتَيَمَّمُ حَنِثَ بِالشَّرْعِيِّ مِنْ ذَلِكَ دُونَ اللُّغَوِيِّ. (وَإِلَّا) يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ (حَنِثَ) فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، وَهِيَ: لَأَفْعَلَنَّ، أَوْ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ، (بِفَوَاتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ) : أَيْ يَتَعَذَّرُ فِعْلُهُ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ وَلَأَطَأَنَّ الزَّوْجَةَ وَلَأَلْبَسَنَّ الثَّوْبَ، وَنَحْوَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ مَا ذُكِرَ فَعَلَيَّ كَذَا، فَتَعَذَّرَ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ كَحَيْضٍ) لِمَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ، (أَوْ) مَانِعٍ (عَادِيٍّ كَسَرِقَةٍ) لِثَوْبٍ حَلَفَ لَيَلْبِسَنَّهُ، أَوْ حَيَوَانٍ حَلَفَ لَأَذْبَحَنَّهُ، أَوْ طَعَامٍ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقَرَافِيُّ: لَا يُعْتَبَرُ تَخْصِيصُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِاعْتِبَارِهِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا وَكَانَ بَلَدُ الْحَالِفِ لَا يَأْكُلُونَ إلَّا خُبْزَ الشَّعِيرِ فَأَكْلُ الشَّعِيرِ عِنْدَهُمْ عُرْفٌ فِعْلِيٌّ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ خُبْزِ الْقَمْحِ عَلَى مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ. [مِمَّا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ العرف الشَّرْعِيّ] قَوْلُهُ: [فَشَرْعِيٌّ] : أَيْ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمَقْصِدِ اللُّغَوِيِّ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا فِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْ سَحْنُونَ، خِلَافًا لِخَلِيلٍ حَيْثُ قَدَّمَ اللُّغَوِيَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [دُونَ اللُّغَوِيِّ] : أَيْ فَلَا يَحْنَثُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا بِغُسْلِ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ مَثَلًا. [عِنْد فَقَدْ مَا يخصص الْيَمِين أَوْ يقيدها يحنث بِفَوَاتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ] قَوْلُهُ: [مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ] : أَيْ أَوْ الْخَمْسَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْفِعْلِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ اللُّغَوِيَّ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ وَضْعِ اللَّفْظِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ وَلَا تَعْمِيمٌ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَصْلٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَنْ الْمُخَصِّصَاتِ وَعَدَمِ الْقَرَائِنِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْفَوَاتُ لِغَيْرِ مَانِعٍ بِأَنْ تَرَكَهُ اخْتِيَارًا، بَلْ وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ إلَخْ، وَرَدَّ (لَوْ) فِي الشَّرْعِيِّ عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ، وَعَلَى سَحْنُونَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَطَأَن أَمَتَهُ فَبَاعَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لِفَلَسِهِ، وَفِي الْعَادِي عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَشْهَبَ مِنْ عَدَمِ الْحِنْثِ.

وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ. (لَا) يَحْنَثُ بِمَانِعٍ (عَقْلِيٍّ: كَمَوْتٍ) لِحَيَوَانٍ (فِي) حَلِفِهِ: (لَيَذْبَحَنَّهُ) ، وَخَرْقِ ثَوْبٍ فِي لَأَلْبَسَنَّهُ. وَمَحَلُّ عَدَمِ الْحِنْثِ فِي الْعَقْلِيِّ: (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ) بِأَنْ بَادَرَ فَحَصَلَ الْمَانِعُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ. فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْفِعْلُ وَفَرَّطَ حَتَّى حَصَلَ الْمَانِعُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ] : أَيْ وَلَا تَقْيِيدَ بِأَنْ أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ. وَلَمْ يُقَيِّدْ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ وَلَا بِعَدَمِهِ، وَأَوْلَى لَوْ قَالَ: لَأَفْعَلَنهُ قَدَرَتْ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ لَا، أَمَّا إنْ قَيَّدَ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ فَلَا حِنْثَ بِفَوَاتِهِ فِي الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ وَالْعَادِيِّ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [لَا يَحْنَثُ بِمَانِعٍ عَقْلِيٍّ] : مِنْ جُمْلَةِ أَمْثِلَتِهِ مَا إذَا حَلَفَ ضَيْفٌ عَلَى رَبِّ مَنْزِلٍ أَنَّهُ لَا يَذْبَحُ لَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَبَحَ لَهُ، أَوْ حَلَفَ الرَّجُلُ لَيَفْتَضَّنَّ زَوْجَتَهُ بِذَكَرِهِ مَثَلًا فَوَجَدَ عُذْرَتَهَا سَقَطَتْ، فَلَا حِنْثَ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ وَتَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ عَقْلًا كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْفِعْلُ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ إذَا فَاتَ بِمَانِعٍ عَقْلِيٍّ، إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ عَيَّنَ وَقْتًا لِفِعْلِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ وَقَّتَ وَفَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَحْنَثْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ فَرَّطَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَقِّتْ فَلَا حِنْثَ إنْ حَصَلَ الْمَانِعُ عَقِبَهُ، أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا تَفْرِيطٍ، فَإِنْ فَرَّطَ مَعَ التَّأْخِيرِ حَنِثَ وَقَدْ نَظَّمَ الْأُجْهُورِيُّ هَذَا الْمَبْحَثَ بِقَوْلِهِ: إذَا فَاتَ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ ... لِمَانِعٍ فَإِنْ كَانَ شَرْعِيًّا فَحِنْثُهُ مُطْلَقَا كَعَقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ إنْ يَتَأَخَّرَا ... وَفَرَّطَ حَتَّى فَاتَ دَامَ لَك الْبَقَا وَإِنْ أَقَّتَ أَوْ كَانَ مِنْهُ تَبَادُرٌ ... فَحِنْثُهُ بِالْعَادِيِّ لَا غَيْرُ مُطْلَقَا وَإِنْ كَانَ كُلٌّ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُمَا ... فَلَا حِنْثَ فِي حَالٍ فَخُذْهُ مُحَقَّقَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً، وَذَلِكَ أَنَّك تَقُولُ: يَحْنَثُ بِالْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، أَقَّتَ أَمْ لَا، فَرَّطَ أَمْ لَا، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ وَلَا حِنْثَ بِالْمَانِعِ الْعَقْلِيِّ إذَا تَقَدَّمَ أَقَّتَ أَمْ لَا فَرَّطَ أَمْ لَا فَهَذِهِ أَرْبَعٌ، وَأَمَّا إذَا تَأَخَّرَ فَلَا حِنْثَ فِي ثَلَاثٍ: وَهِيَ مَا إذَا أَقَّتَ فَرَّطَ أَمْ لَا، أَوْ لَمْ يُؤَقِّتْ وَلَمْ يُفَرِّطْ، فَإِذَا لَمْ يُؤَقِّتْ وَفَرَّطَ فَيَحْنَثُ؛ وَأَمَّا الْمَانِعُ الْعَادِيُّ فَلَا حِنْثَ بِالْمُتَقَدِّمِ فَرَّطَ أَمْ لَا أَقَّتَ

حَنِثَ. (وَ) حَنِثَ (بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ) : أَيْ تَرَكَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِأَنْ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ أَوْ الْوَطْءِ أَوْ اللُّبْسِ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ فِعْلُهُ وَيَلْزَمُهُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنْ طَلَاقٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الْفِعْلُ بَعْدَ الْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ؛ وَهَذَا فِي الْحِنْثِ الْمُطْلَقِ. وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ بِزَمَنٍ نَحْوَ: لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ فِي هَذَا الشَّهْرِ، أَوْ: إنْ لَمْ أَدْخُلْهَا فِي شَهْرِ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ فَلَا يَحْنَثُ بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ. (وَ) حَنِثَ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ نَحْوَ: لَا أَفْعَلُ كَذَا (بِالنِّسْيَانِ) أَيْ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا لِحَلِفِهِ، (وَالْخَطَأِ) كَمَا لَوْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَحْنَثُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَمْ لَا؛ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ، وَيَحْنَثُ بِالْمُتَأَخِّرِ أَقَّتَ أَمْ لَا فَرَّطَ أَمْ لَا، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا التَّقْسِيمِ مِنْ التَّسَامُحِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَنْعُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْيَمِينِ فَلَا يَتَأَتَّى تَفْرِيطٌ (اهـ) . قَوْلُهُ: [حَنِثَ] : ظَاهِرُهُ أَقَّتَ أَمْ لَا وَهُوَ وَجِيهٌ وَلَكِنْ تَقَدَّمَ عَنْ الْحَاشِيَةِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُؤَقِّتًا. قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ] : ظَاهِرُهُ تَحَتُّمُ الْحِنْثِ بِذَلِكَ وَهُوَ طَرِيقَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: غَايَةُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْحَالِفَ بِصِيغَةِ الْحِنْثِ الْمُطْلَقِ لَهُ تَحْنِيثُ نَفْسِهِ بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ وَيُكَفِّرُ وَلَا يَتَحَتَّمُ الْحِنْثُ إلَّا بِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِحَلِفِهِ وَيُبْطِلَ الْعَزْمَ كَمَا إذَا قَالَ: إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ فَعَلَيَّ كَذَا، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ الزَّوَاجِ فَلَهُ الرُّجُوعُ لِلزَّوَاجِ وَإِبْطَالُ عَزْمِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِمَّا حَلَفَ بِهِ، وَاخْتَارَ (ر) هَذِهِ الطَّرِيقَةَ نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ، لَكِنَّ بْنَ رَدَّ قَوْلَ (ر) كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَنْفَعُهُ فِعْلُهُ بَعْدُ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا اخْتَارَهُ (ر) كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [فَلَا يَحْنَثُ بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ] : أَيْ وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِعَدَمِ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إذَا فَاتَ الْأَجَلُ. قَوْلُهُ: [بِالنِّسْيَانِ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالسُّيُورِيِّ وَجَمْعٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ قَالُوا بِعَدَمِ الْحِنْثِ بِالنِّسْيَانِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ. قَوْلُهُ: [وَالْخَطَأُ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا غَيْرُهَا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْخَطَأِ

وَهَذَا (إنْ أَطْلَقَ) فِي يَمِينِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِعَمْدٍ وَلَا تَذْكَارٍ. فَإِنْ قَيَّدَ بِأَنْ قَالَ: لَا أَفْعَلُهُ مَا لَمْ أَنْسَ أَوْ عَامِدًا مُخْتَارًا أَوْ مُتَذَكِّرًا فَلَا حِنْثَ بِالنِّسْيَانِ أَوْ الْخَطَأِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا حِنْثَ فِي الْإِكْرَاهِ فِي الْبِرِّ. (وَ) حَنِثَ فِي الْبِرِّ (بِالْبَعْضِ) أَيْ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ، فَمَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ الرَّغِيفَ أَوْ هَذَا الطَّعَامَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ وَلَوْ لُقْمَةً حَنِثَ. وَأَمَّا صِيغَةُ الْحِنْثِ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَآكُلَن هَذَا الطَّعَامَ أَوْ الرَّغِيفَ، أَوْ إنْ لَمْ آكُلْهُ فَهِيَ طَالِقٌ، فَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (عَكْسُ الْبِرِّ) ـــــــــــــــــــــــــــــQأَيْضًا مَا إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْهُ دَرَاهِمَ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ ثَوْبًا: تَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَقِيلَ بِعَدَمِ الْحِنْثِ وَقِيلَ بِالْحِنْثِ إنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ قِيَاسًا عَلَى السَّرِقَةِ وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ، وَأَمَّا الْغَلَطُ اللِّسَانِيُّ فَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحِنْثِ بِهِ كَحَلِفِهِ: لَا أَذْكُرُ فُلَانًا فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِهِ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْغَلَطُ الْجَنَانِيُّ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ كَذَا فِي (بْنِ) . قَوْلُهُ: [فَلَا حِنْثَ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ] : أَيْ اتِّفَاقًا وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَا أَفْعَلُهُ عَمْدًا وَلَا نِسْيَانًا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ اتِّفَاقًا، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ فِي غَدٍ فَأَكَلَ فِيهِ نِسْيَانًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَصُومَن غَدًا فَأَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ أَكَلَ نَاسِيًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ كَمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى، لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الصَّوْمِ وَقَدْ وُجِدَ وَاَلَّذِي فَعَلَهُ نِسْيَانًا هُوَ الْأَكْلُ، وَهَذَا الْأَكْلُ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِصَوْمِهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ فِي التَّطَوُّعِ لَا يُبْطِلُهُ وَهَذَا الصَّوْمُ كَتَطَوُّعٍ بِحَسَبِ الْأَصْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ لَمْ يَحْنَثْ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَأَكَلَ بَعْضَهُ وَلَوْ لُقْمَةً حَنِثَ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَوْ قَيَّدَ بِالْكُلِّ (اهـ.) أَيْ بِأَنْ قَالَ: لَا آكُلُ كُلَّ الرَّغِيفِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ مُحَشِّيهِ: وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ إفَادَةَ كُلٍّ لِلْكُلِّيَّةِ مَحَلُّهُ مَا لَمْ تَقَعْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَغْرِقْ غَالِبًا بَلْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ نَفْيَ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الصَّادِقَةِ بِالْبَعْضِ كَقَوْلِهِ: مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ وَمَا هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ اسْتِغْرَاقُهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 23] فَتَأَمَّلْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: رُوعِيَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ الْوَجْهُ الْقَلِيلُ

أَيْ لَا يَبَرُّ بِالْبَعْضِ أَيْ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ،. (وَ) حَنِثَ (بِالسَّوِيقِ أَوْ اللَّبَنِ) أَيْ بِشُرْبِهِمَا (فِي) حَلِفِهِ: (لَا آكُلُ) طَعَامًا لِأَنَّ شُرْبَهُمَا أَكْلٌ شَرْعًا وَلُغَةً، وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ،. (وَ) حَنِثَ (بِلَحْمِ حُوتٍ أَوْ) لَحْمِ (طَيْرٍ أَوْ) أَكْلِ (شَحْمٍ فِي: لَحْمٍ) أَيْ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ لَحْمًا. (وَ) حَنِثَ (بِوُجُودِ أَكْثَرَ) مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ: (لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ هَذَا الْقَدْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (لِسَائِلٍ) سَأَلَهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَوْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ أَوْ يَهَبَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQحَيْثُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ، لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى وَجْهٍ فَتَأَمَّلْ (اهـ) وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْحِنْثِ بِالْبَعْضِ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِإِدْخَالِ طَوْقِهِ فِي عُنُقِهِ وَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِالْإِحْرَامِ، وَمَنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ حَنِثَ بِالْإِصْبَاحِ نَاوِيًا وَلَوْ أَفْسَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِمَا، بَلْ فِي (ح) إنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَنِثَ بِوَضْعِ رِجْلِهِ فِي الرِّكَابِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الدَّابَّةِ حَيْثُ اسْتَقَلَّ عَنْ الْأَرْضِ، وَإِنْ عَلَّقَ يَمِينَهُ عَلَى وَضْعِ مَا فِي الْبَطْنِ فَوَضَعَتْ وَاحِدًا وَبَقِيَ وَاحِدٌ حَنِثَ بِوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَؤُهَا حَنِثَ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ، وَقِيلَ بِالْإِنْزَالِ، وَلَا يَحْنَثُ بِبَعْضِ الْحَشَفَةِ لِتَعْوِيلِ. الشَّارِعِ فِي أَحْكَامِ الْوَطْءِ عَلَى مَغِيبِ الْحَشَفَةِ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ لَمْ يَحْنَثْ بِإِدْخَالِ رَأْسِهِ بِخِلَافِ رِجْلِهِ وَالْأَظْهَرُ إنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا اُنْظُرْ الْبَدْرَ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) قَوْلُهُ: [أَيْ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ] : أَيْ إذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ حِنْثٍ وَحَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ذِي أَجْزَاءٍ فَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؛ وَذَكَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالْأَكْلِ، فَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْأَكْلِ فَلَا يَبَرُّ الْحَالِفُ إلَّا بِأَكْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لُقَمٍ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَكْلِ فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِشِبَعٍ مِثْلُهُ. قَوْلُهُ: [أَيْ بِشُرْبِهِمَا] : أَيْ لَا بِشُرْبِ الْمَاءِ وَلَوْ مَاءَ زَمْزَمَ فَلَا يَحْنَثُ إذْ هُوَ لَيْسَ بِطَعَامٍ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ مَاءُ زَمْزَمَ طَعَامًا شَرْعًا وَالْعُرْفُ مُقَدَّمٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَحَلُّ حِنْثِهِ بِشُرْبِ اللَّبَنِ وَالسَّوِيقِ إنْ قَصَدَ التَّضْيِيقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ لَا يُدْخِلَ فِي بَطْنِهِ طَعَامًا إذْ هُمَا مِنْ الطَّعَامِ فَإِنْ قَصَدَ الْأَكْلَ دُونَ الشُّرْبِ فَلَا حِنْثَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ. قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِلَحْمِ حُوتٍ] إلَخْ: أَيْ لِصِدْقِ اللَّحْمِ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَالَ

كَذَا فَحَلَفَ: لَيْسَ مَعِي إلَّا عَشَرَةٌ لَا غَيْرُ، فَإِذَا مَعَهُ أَكْثَرُ. وَإِنَّمَا يَحْنَثُ (فِيمَا لَا لَغْوَ فِيهِ) مِنْ الْأَيْمَانِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ لَغْوٌ - وَهِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ - فَلَا حِنْثَ كَمَا تَقَدَّمَ. (لَا) بِوُجُودِ (أَقَلَّ) مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَا حِنْثَ لِظُهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ: لَيْسَ مَعِي مَا يَزِيدُ عَلَى مَا حَلَفْت عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مَعِي أَزْيَدَ لَأَعْطَيْتُك مَا سَأَلْت فَمَقْصُودُهُ بِالْيَمِينِ نَفْيُ الْأَكْثَرِ لَا الْأَقَلِّ. (وَ) حَنِثَ (بِدَوَامِ رُكُوبِهِ أَوْ) دَوَامِ (لُبْسِهِ فِي) حَلِفِهِ: (لَا أَرْكَبُ) هَذِهِ الدَّابَّةَ، (وَ) : لَا (أَلْبَسُ) هَذَا الثَّوْبَ؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ، (وَ) حَنِثَ (بِدَابَّةٍ) أَيْ بِرُكُوبِ دَابَّةِ (عَبْدِهِ) : أَيْ عَبْدِ زَيْدٍ مَثَلًا (فِي) حَلِفِهِ عَلَى رُكُوبِ (دَابَّتِهِ) أَيْ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ. وَالْمَوْضُوعُ - كَمَا تَقَدَّمَ - عَدَمُ النِّيَّةِ وَالْبِسَاطِ. (وَ) حَنِثَ (بِجَمْعِ الْأَسْوَاطِ) الْعَشَرَةِ مَثَلًا (فِي) حَلِفِهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQتَعَالَى: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 21] وَشُمُولُ اللَّحْمِ لِلشَّحْمِ ظَاهِرٌ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحِنْثِ بِلَحْمِ الْحُوتِ وَمَا بَعْدَهُ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ لَحْمًا عُرْفٌ مَضَى، وَأَمَّا عُرْفُ زَمَانِنَا خُصُوصًا بِمِصْرَ فَلَا يَحْنَثُ بِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا عُرْفًا وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. قَوْلُهُ: [فِي حَلِفِهِ لَا أَرْكَبُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَأَرْكَبَن أَوْ أَلْبَسَن بَرَّ بِدَوَامِ الرُّكُوبِ، وَاللُّبْسِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَظُنُّ الرُّكُوبَ وَاللُّبْسَ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ مُسَافِرًا مَسَافَةَ يَوْمَيْنِ وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَرْكَبَن الدَّابَّةَ وَالْحَالُ أَنَّهُ رَاكِبٌ لَهَا فَلَا يَبَرُّ إلَّا إذَا رَكِبَهَا بَاقِي الْمَسَافَةِ وَلَا يَضُرُّ نُزُولُهُ فِي مُقْتَضَيَاتِ النُّزُولِ وَكَذَا يُقَالُ فِي حَلِفِهِ لَأَلْبَسَن. قَوْلُهُ: [أَيْ بِرُكُوبِ دَابَّةِ عَبْدِهِ] : وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ نَظَرًا لِلُحُوقِ الْمِنَّةِ بِهَا كَلُحُوقِهَا بِدَابَّةِ سَيِّدِهِ، وَقَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: لَا يَحْنَثُ بِدَابَّةِ مُكَاتَبِهِ فَهُمَا قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُ (عَبْدِهِ) أَنْ لَا يَحْنَثَ بِدَابَّةِ وَلَدِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ

(لَأَضْرِبَنَّهُ كَذَا) أَيْ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ وَضَرَبَهُ بِالْعَشَرَةِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبَرُّ وَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الضَّرْبَ بِهَا مَجْمُوعَةً لَا يُؤْلِمُهُ كَالْمُفَرَّقَةِ. (وَ) حَنِثَ (بِفِرَارِ الْغَرِيمِ) مِنْهُ (فِي) حَلِفِهِ لِغَرِيمِهِ: (لَا فَارَقْتُك) أَيُّهَا الْغَرِيمُ (أَوْ لَا فَارَقْتنِي حَتَّى يَقْضِيَنِي حَقِّي) فَفَرَّ مِنْهُ، (وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) بِأَنْ انْفَلَتَ مِنْهُ كُرْهًا عَلَيْهِ (أَوْ) أَنَّ الْغَرِيمَ (أَحَالَهُ) : أَيْ أَحَالَ الْحَالِفَ عَلَى مَدِينٍ لَهُ فَرَضِيَ الْحَالِفُ بِالْحَوَالَةِ وَتَرَكَ سَبِيلَهُ فَيَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: إلَّا أَنْ تَقْضِيَنِي بِنَفْسِك، إلَّا لِنِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ. (وَ) حَنِثَ (بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ (مَيِّتًا) ، (أَوْ) دَخَلَ عَلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQاعْتِصَارُهَا. وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْحِنْثَ بِدَابَّةِ وَلَدِهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ اعْتِصَارُهَا لِتَحَقُّقِ الْمِنَّةِ بِهَا فَتَأَمَّلْ، لَكِنْ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ مَوْجُودٌ فِي دَابَّةِ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا. قَوْلُهُ: [وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبَرُّ] : أَيْ أَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ حِنْثٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْفِعْلِ لَا بِالتَّرْكِ، وَلَا يَحْتَسِبُ بِالضَّرْبَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ جَمِيعِهَا حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا إيلَامٌ كَالْمُنْفَرِدَةِ، وَإِلَّا حُسِبَتْ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدًا عَنْ الْآخَرِ فِيمَا عَدَا مَحَلِّ مَسْكَنِهِ، وَيَحْصُلُ بِكُلِّ إيلَامٍ مُنْفَرِدٍ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْتَسِبُ بِذَلِكَ فَلَوْ ضَرَبَهُ الْعَدَدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَمِائَةِ سَوْطٍ بِسَوْطٍ لَهُ رَأْسَانِ خَمْسِينَ ضَرْبَةً، فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ (اهـ.) . قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِفِرَارِ الْغَرِيمِ] : لَا يُقَالُ الْفِرَارُ إكْرَاهٌ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ صِيغَةُ بِرٍّ؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِرَارَ إكْرَاهٌ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ إكْرَاهٌ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ بِرٍّ، بَلْ صِيغَةُ حِنْثٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَأُلْزِمَنك - اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [أَوْ أَنَّ الْغَرِيمَ أَحَالَهُ] : أَيْ فَبِمُجَرَّدِ قَبُولِ الْحَوَالَةِ يَحْنَثُ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مُفَارَقَةٌ مِنْ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُفَارَقَةِ، وَلَوْ قَبَضَ الْحَقَّ بِحَضْرَةِ الْغَرِيمِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحِنْثِ بِالْحَوَالَةِ خِلَافُ عُرْفِ مِصْرَ الْآنَ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ. قَوْلُهُ: [فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَيِّتًا] : أَيْ قَبْلَ الدَّفْنِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتًا دُفِنَ فِيهِ فَلَا حِنْثَ.

(فِي بَيْتِ شَعْرٍ، أَوْ) دَخَلَ عَلَيْهِ فِي (سِجْنٍ بِحَقٍّ) كَأَنْ سُجِنَ لِدَيْنٍ أَوْ نَحْوِهِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَلَا إكْرَاهَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سُجِنَ ظُلْمًا فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ، وَلَا حِنْثَ فِي الْإِكْرَاهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فِي) حَلِفِهِ فِي الْجَمِيعِ: (لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتًا. لَا) يَحْنَثُ (بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ) عَلَى الْحَالِفِ وَلَوْ اسْتَمَرَّ الْحَالِفُ جَالِسًا (إنْ لَمْ يَنْوِ) الْحَالِفُ بِقَوْلِهِ: لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتًا (الْمُجَامَعَةَ) : أَيْ الِاجْتِمَاعَ مَعَهُ فِي مَكَان، وَإِلَّا حَنِثَ،. (وَ) حَنِثَ (بِتَكْفِينِهِ) أَيْ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ أَوْ تَغْسِيلِهِ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا يَنْفَعُهُ حَيَاتَهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْحَيَاةِ. (وَ) حَنِثَ (بِالْكِتَابِ) الَّذِي كَتَبَهُ أَوْ أَمَرَ بِكَتْبِهِ (إنْ وَصَلَ) لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَازِمًا حِينَ كِتَابَتِهِ أَوْ إمْلَائِهِ أَوْ الْأَمْرِ بِكِتَابَتِهِ أَمْ لَا، لَا إنْ لَمْ يَصِلْ وَلَوْ كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ حِينَ الْكِتَابَةِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي بَيْتِ شِعْرٍ] : الْعُرْفُ الْآنَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحِنْثِ فِيهِ إذْ لَا يُقَالُ لِلشِّعْرِ فِي الْعُرْفِ بَيْتٌ إلَّا إذَا كَانَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ اسْتَمَرَّ الْحَالِفُ جَالِسًا] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ حَيْثُ قَالَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَلَسَ وَتَرَاخَى حَنِثَ وَيَصِيرُ كَابْتِدَاءِ دُخُولِهِ هُوَ عَلَيْهِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَإِلَّا حَنِثَ] : أَيْ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ جُلُوسٌ. قَوْلُهُ: [بِتَكْفِينِهِ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ مِنْ عَدَمِ الْحِنْثِ بِإِدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ، وَأَوْلَى مِنْ الْإِدْرَاجِ فِي الْحِنْثِ شِرَاءُ الْكَفَنِ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مِنْ عِنْدِهِ، لِأَنَّهُ نَفْعٌ فِي الْجُمْلَةِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْحَيَاةِ] : أَيْ فَيَشْمَلُ بَاقِي مُؤَنِ التَّجْهِيزِ فَيَحْنَثُ بِهَا عَلَى مَا اخْتَارَ بْن خِلَافًا لعب حَيْثُ قَالَ: لَا يَحْنَثُ: بِبَاقِي مُؤَنِ التَّجْهِيزِ قَوْلُهُ: [إنْ وَصَلَ] : أَيْ وَكَانَ الْوُصُولُ بِأَمْرِ الْحَالِفِ، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَهُ الْحَالِفُ لِلرَّسُولِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَهَاهُ عَنْ إيصَالِهِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَعَصَاهُ وَأَوْصَلَهُ فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا بِإِيصَالِهِ وَلَا بِقِرَاءَتِهِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ..

الْكِتَابَةِ عَازِمًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ بِلَا مُشَافَهَةٍ بِخِلَافِ الْكَلَامِ. (أَوْ) بِإِرْسَالِ (رَسُولٍ) بِكَلَامٍ إنْ بَلَغَ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا أُكَلِّمُهُ وَقُبِلَتْ نِيَّتُهُ إنْ ادَّعَى) الْحَالِفُ (الْمُشَافَهَةَ) ، بِأَنْ قَالَ: أَنَا نَوَيْت أَنْ لَا أُكَلِّمَهُ مُشَافَهَةً وَوُصُولُ الْكِتَابِ وَإِبْلَاغُ الرَّسُولِ لَيْسَ فِيهِمَا مُشَافَهَةٌ، فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ مُطْلَقًا فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، (إلَّا فِي) وُصُولِ (الْكِتَابِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ) فِيمَا إذَا حَلَفَ: إنْ كَلَّمْته فَهِيَ طَالِقٌ، أَوْ: فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ، فَأَرْسَلَ لَهُ كِتَابًا وَوَصَلَهُ فَادَّعَى الْمُشَافَهَةَ: لَمْ يُقْبَلْ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِحَقِّ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ، وَلِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْأَوَّلِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ فِي الثَّانِي. (وَ) حَنِثَ فِي حَلِفِهِ: لَا كَلَّمَهُ، (بِالْإِشَارَةِ) لَهُ (وَبِكَلَامٍ لَمْ يَسْمَعْهُ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (لِنَوْمٍ أَوْ صَمَمٍ) أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَانِعٍ لَوْ فُرِضَ عَدَمُهُ لَسَمِعَهُ عَادَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَلَّمَهُ مِنْ بُعْدٍ لَا يُمْكِنُ سَمَاعُهُ مِنْهُ عَادَةً فَلَا يَحْنَثُ. (وَ) حَنِثَ (بِسَلَامٍ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ، أَوْ) كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الزَّوْجَةِ وَلَا عَلَى مُشَافَهَتِهَا بِخِلَافِ الْكَلَامِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الْمُخَاطَبِ وَمُشَافَهَتِهِ. قَوْلُهُ: [إنْ بَلَغَ] : أَيْ وَأَمَّا مُجَرَّدُ وُصُولِ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ تَبْلِيغٍ فَلَا يُوجِبُ الْحِنْثَ. قَوْلُهُ: [إلَّا فِي وُصُولِ الْكِتَابِ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالرَّسُولِ أَنَّ الْكِتَابَةَ يُقَالُ لَهَا كَلَامُ الْحَالِفِ لُغَةً بِخِلَافِ كَلَامِ الرَّسُولِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ لِلْحَالِفِ لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا فَلِذَلِكَ قُبِلَتْ نِيَّتُهُ فِيهِ حَتَّى فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [بِالْإِشَارَةِ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ سَمِيعًا أَوْ أَصَمَّ أَوْ أَخْرَسَ أَوْ نَائِمًا، لَكِنَّ الَّذِي فِي (ح) : أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ الْحِنْثِ بِهَا مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي حِنْثِهِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ ثَالِثُهَا فِي الَّتِي يَفْهَمُ بِهَا عَنْهُ؛ الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ أَصْبَغَ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّانِي لِسَمَاعِ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ رُشْدٍ مَعَ ظَاهِرِ إيلَائِهَا، وَالثَّالِثُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ (اهـ بْن. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لَمْ يَسْمَعْهُ] : أَيْ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَوْ سَمِعَهُ. قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِسَلَامٍ عَلَيْهِ] : أَيْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَمَا يَأْتِي. وَقَوْلُهُ: [مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ] : أَيْ جَازِمًا أَنَّهُ غَيْرُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ لَا يُقَالُ هَذَا

جَمَاعَةٍ) سَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ (إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ) : أَيْ يُخْرِجَهُ بِقَلْبِهِ مِنْهُمْ قَبْلَ نُطِقْهُ بِالسَّلَامِ، ثُمَّ يَقْصِدَ بِسَلَامِهِ عَلَيْهِمْ مَنْ سِوَاهُ فَلَا يَحْنَثُ (لَا) إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ (بِصَلَاةٍ) وَلَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ (أَوْ) وُصُولِ (كِتَابِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَهُ) أَيْ الْحَالِفِ (وَلَوْ قَرَأَهُ) الْحَالِفُ فَلَا يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ، (وَ) حَنِثَ (بِفَتْحٍ عَلَيْهِ) ، فِي قِرَاءَةٍ بِأَنْ وَقَفَ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرِهِ فَأَرْشَدَهُ لِلصَّوَابِ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ: قُلْ كَذَا،. (وَ) حَنِثَ (بِخُرُوجِهَا بِلَا عِلْمِهَا بِإِذْنِهِ) لَهَا فِي الْخُرُوجِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ اللَّغْوِ وَلَا يَحْنَثُ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ اللَّغْوُ، لِأَنَّنَا نَقُولُ: اللَّغْوُ الْحَلِفُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَيَظْهَرُ نَفْيُهُ، وَالِاعْتِقَادُ هُنَا لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ لَغْوًا بَلْ بِغَيْرِهِ بَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَطَأِ وَتَقَدَّمَ الْحِنْثُ بِهِ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ] حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِخْرَاجُ بِالنِّيَّةِ أَوْ بِاللَّفْظِ، فَإِنْ حَدَثَتْ الْمُحَاشَاةُ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَنْفَعُهُ إلَّا الْإِخْرَاجُ بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ هَكَذَا قِيلَ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْإِخْرَاجَ بِالنِّيَّةِ حَالَ السَّلَامِ يَنْفَعُ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِصَلَاةٍ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلَامًا عُرْفًا، بِخِلَافِ السَّلَامِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مَطْلُوبًا. قَوْلُهُ [فَلَا يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ] : أَيْ عَلَى مَا صَوَّبَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُمَا الْحِنْثُ وَعَدَمُهُ. قَوْلُهُ: [بِفَتْحٍ عَلَيْهِ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَوْ فِيهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْفَتْحُ وَاجِبًا بِأَنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إمَامًا وَفَتَحَ عَلَيْهِ فِي الْفَاتِحَةِ. إنْ قُلْت: إذَا لَمْ يَحْنَثْ بِسَلَامِ الرَّدِّ فِي الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ مَطْلُوبُ اسْتِنَانًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ إذَا وَجَبَ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ الْفَتْحَ فِي مَعْنَى الْمُكَالَمَةِ إذْ هُوَ فِي مَعْنَى: قُلْ كَذَا أَوْ اقْرَأْ كَذَا، بِخِلَافِ سَلَامِ الصَّلَاةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحِنْثِ بِالْفَتْحِ مُطْلَقًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ يَحْنَثُ بِالْفَتْحِ فِي السُّورَةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْفَتْحِ عَلَيْهِ بِالْفَاتِحَةِ وَالْفِقْهُ مُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْفَتْحَ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ كَلَامًا عُرْفًا كَمَا قَالُوا فِي سَلَامِهَا. قَوْلُهُ: [فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرِهِ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا.

(فِي) حَلِفِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ: (لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي) وَلَا يَنْفَعُهُ دَعْوَى أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهِ، لِأَنَّ حَلِفَهُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا بِسَبَبِ إذْنِي وَخُرُوجُهَا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ إذْنِهِ. (وَ) حَنِثَ (بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ) عَلَى مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا أَعَارَهُ) شَيْئًا (وَبِالْعَكْسِ) كَأَنْ حَلَفَ لَا وَهَبَهُ شَيْئًا أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَأَعَارَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَنْفَعُهُ بِشَيْءٍ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ. فَوَهَبَهُ أَوْ عَكْسَهُ الْحِنْثُ بِالْأَوْلَى. (وَنَوَى) : أَيْ قُبِلَتْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ إنْ ادَّعَى نِيَّةً حَتَّى فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَدَى حَاكِمٍ لِمُسَاوَاةِ نِيَّتِهِ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) حَنِثَ (بِالْبَقَاءِ) فِي الدَّارِ (وَلَوْ لَيْلًا) وَلَا يُبْرِئُهُ إلَّا الِارْتِحَالُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي حَلِفِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ] إلَخْ: صُورَتُهَا حَلَفَ رَجُلٌ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَذِنَ لَهَا وَخَرَجَتْ بَعْدَ إذْنِهِ لَكِنْ قَبْلَ عِلْمِهَا بِالْإِذْنِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهَا وَهُوَ حَاضِرٌ أَوْ فِي حَالِ سَفَرِهِ أَشْهَدَ عَلَى الْإِذْنِ أَوْ لَا، بَقِيَ لَوْ أَذِنَ لَهَا وَعَلِمَتْ بِالْإِذْنِ ثُمَّ رَجَعَ فِي إذْنِهِ فَخَرَجَتْ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْنَثُ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ. قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ] إلَخْ: حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصُّوَرَ سِتَّةٌ وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَا أَعَارَهُ فَوَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ وَبِالْعَكْسِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، أَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَتَصَدَّقَ وَبِالْعَكْسِ فَهَاتَانِ صُورَتَانِ. وَظَاهِرُ شَارِحِنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَتُقْبَلُ حَتَّى عِنْدَ الْقَاضِي فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْمَجْمُوعِ مِنْ التَّفْصِيلِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أَعَارَهُ فَتَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ أَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَتَصَدَّقَ، فَإِنْ يَنْوِيَ عِنْدَ الْمُفْتِي مُطْلَقًا وَعِنْدَ الْقَاضِي فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ أَوْ لَا يَهَبُ فَأَعَارَ أَوْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ فَوَهَبَ فَيَنْوِي مُطْلَقًا عِنْدَ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي، حَتَّى فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُبْرِئُهُ إلَّا الِارْتِحَالُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ أَشْهَبَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُكْمِلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقَوْلُ أَصْبَغَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَزِيدَ

(أَوْ بِإِبْقَاءِ شَيْءٍ) مِنْ مَتَاعِهِ فِيهَا، (إلَّا) مَا لَا بَالَ لَهُ عُرْفًا (كَمِسْمَارٍ) وَوَتَدٍ وَخِرْقَةٍ مِنْ كُلِّ مَا لَا تَلْتَفِتُ النَّفْسُ لَهُ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا سَكَنْت) هَذِهِ الدَّارَ، إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ إذَا ارْتَحَلَ بِاللَّيْلِ؛ وَلَا يَضُرُّهُ التَّعْزِيلُ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِكَثْرَةِ مَتَاعِهِ. وَلَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ وُجُودُ بَيْتٍ لَا يُنَاسِبُهُ أَوْ كَثِيرُ الْأُجْرَةِ بَلْ يَنْتَقِلُ وَلَوْ فِي بَيْتِ شَعْرٍ. ثُمَّ إذَا خَرَجَ لَا يَعُودُ وَإِلَّا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْعَوْدِ، بِخِلَافِ: لَأَنْتَقِلَن (لَا) يَحْنَثُ (بِخَزْنٍ) فِيهَا بَعْدَ الِانْتِقَالِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سُكْنَى فِي الْعُرْفِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْقَى فِيهَا شَيْئًا مَخْزُونًا حِينَ الِانْتِقَالِ، (وَلَا) يَحْنَثُ بِالْبَقَاءِ فِيهَا (فِي) حَلِفِهِ: (لَأَنْتَقِلَن) مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَيُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ إنْ كَانَ يَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ، وَمِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ يَمِينُهُ بِالْعِتْقِ حَتَّى يَنْتَقِلَ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ حِنْثٍ. (إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِزَمَنٍ) كَ: لَأَنْتَقِلَن فِي هَذَا الشَّهْرِ (فَبِمُضِيِّهِ) يَحْنَثُ إذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِمَا، وَفِي الْأُجْهُورِيِّ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، وَمَنْ رَاعَى الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَمْهَلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ فَيَنْتَقِلَ لِمَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِثْلُهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ بِإِبْقَاءِ شَيْءٍ] : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْبَقَاءِ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ حَنِثَ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ ظَالِمٍ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يَحْنَثُ بِبَقَائِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى الْبَقَاءِ وَيَمِينُهُ صِيغَةُ بِرٍّ وَلَا حِنْثَ فِيهَا بِالْإِكْرَاهِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ لَأَنْتَقِلَن] : أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ الْعَوْدُ فِي الدَّارِ بَعْدَ الِانْتِقَالِ بِشَرْطِهِ الْآتِي، وَمِثْلُ: لَأَنْتَقِلَن لَا بَقِيت أَوْ: لَا أَقَمْت، عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ: مِثْلُ: لَا سَكَنْت كَذَا فِي (بْن) فَعَلَى الْمُعْتَمَدِ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ نِصْفِ شَهْرٍ، إذَا حَلَفَ لَا بَقِيت فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ لَا أَقَمْت فِيهَا. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْقَى فِيهَا شَيْئًا] إلَخْ: أَيْ لَهُ بَالٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الرُّجُوعِ. قَوْلُهُ: [وَيُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ] : فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ وَرَافَعَتْهُ الزَّوْجَةُ ضَرَبَ لَهُ أَجَلَ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ. قَوْلُهُ: [فَبِمُضِيِّهِ يَحْنَثُ] : أَيْ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا إذَا ضَاقَ الْأَجَلُ.

لَمْ يَنْتَقِلْ فِيهِ، وَجَازَ لَهُ الْعَوْدُ بَعْدَ الِانْتِقَالِ لَكِنْ بَعْدَ مُدَّةٍ أَقَلُّهَا نِصْفُ شَهْرٍ، وَنُدِبَ لَهُ كَمَالِهِ وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ إذَا أَبْقَى مَا لَهُ بَالٌ لَا كَمِسْمَارٍ. (وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ (بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الدَّيْنِ) الَّذِي وَفَّاهُ لِغَرِيمِهِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَأَوْلَى اسْتِحْقَاقُ الْكُلِّ (أَوْ ظُهُورِ عَيْبِهِ) : أَيْ الدَّيْنِ (بَعْدَ) مُضِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَكِنْ بَعْدَ مُدَّةٍ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يُعَيِّنْ مُدَّةً أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَتُعْتَبَرُ. تَنْبِيهٌ: مَنْ حَلَفَ لَا سَاكَنَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَثَلًا كَفَى فِي بَرِّهِ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَا عَلَيْهَا، بِحَيْثُ يَزُولُ عَنْهُمَا اسْمُ الْمُسَاكَنَةِ عُرْفًا وَلَوْ بِضَرْبِ جِدَارٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ وَثِيقًا بَلْ يَكْفِي وَلَوْ جَرِيدًا وَيَحْنَثُ بِالزِّيَارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ قَصَدَ التَّنَحِّيَ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْحَامِلُ لَهُ أُمُورُ الْعِيَالِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ الزِّيَارَةَ أَوْ يَبِيتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، بَقِيَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ الْمُسَاكَنَةِ وَكَانَا بِحَارَةٍ أَوْ بِحَارَتَيْنِ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا بِحَارَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا سَاكَنَهُ أَوْ فِي هَذِهِ الْحَارَّةِ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا سَاكَنَهُ بِبَلْدَةٍ، أَوْ فِي هَذَا الْبَلَدِ، فَيَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ لِبَلَدٍ لَا يَلْزَمُ أَهْلَهَا السَّعْيُ لِجُمُعَةِ الْأُخْرَى، بِأَنْ يَنْتَقِلَ لِبَلَدٍ عَلَى كَفَرْسَخٍ. وَإِنْ حَلَفَ لَأُسَاكِنُهُ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا بِحَارَتَيْنِ لَزِمَهُ الِانْتِقَالُ لِبَلَدٍ آخَرَ عَلَى كَفَرْسَخٍ إنْ صَغُرَتْ الْبَلَدُ الَّتِي هُمَا بِهَا. وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا فَلَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ وَيَلْزَمُهُ الْمُبَاعَدَةُ عَنْهُ، وَعَدَمُ سُكْنَاهُ مَعَهُ فَإِنْ سَكَنَ مَعَهُ حَنِثَ كَذَا قِيلَ وَاَلَّذِي فِي (ح) عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ انْتِقَالُهُ لِقَرْيَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ. وَمَنْ حَلَفَ لَأُسَافِرَن فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ حَمْلًا عَلَى الْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ، وَلَزِمَهُ مُكْثٌ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِ خَارِجًا عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ نِصْفَ شَهْرٍ فَلَا يَرْجِعُ لِمَكَانٍ دُونَ الْمَسَافَةِ قَبْلَهُ وَيَنْدُبُ لَهُ كَمَالُ الشَّهْرِ. قَوْلُهُ: [بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الدَّيْنِ] إلَخْ: أَيْ وَقَامَ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَالِاسْتِحْقَاقُ مِثْلُ ظُهُورِ الْعَيْبِ إذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ صَاحِبُهُ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِاسْتِحْقَاقِ الْبَعْضِ وَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ الْبَاقِي يَفِي بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ فِي حَقِّهِ إلَّا بِالْكُلِّ، فَلَمَّا ذَهَبَ الْبَعْضُ انْتَقَضَ الرِّضَا، وَظَاهِرُهُ وَأَيْضًا الْحِنْثُ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحَقُّ أَخَذَ رَبُّ الْحَقِّ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمَقْضِيَّ بِهِ الدَّيْنُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ وَاخْتَارَ اتِّبَاعَ ذِمَّةِ الدَّافِعِ.

(الْأَجَلِ) الَّذِي حَلَفَ لِيَقْضِهِ فِيهِ أَيْ ظَهَرَ فِيهِ بَعْدَ الْأَجَلِ أَنَّ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا يُوجِبُ الرَّدَّ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ وَاجِدُهُ، (وَ) حَنِثَ (بِهِبَتِهِ) أَيْ الدَّيْنِ (لَهُ) : أَيْ لِلْمَدِينِ الْحَالِفِ فَقَبِلَ، (أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ) مَثَلًا (عَنْهُ) : أَيْ عَنْ الْحَالِفِ بِلَا إذْنِهِ، (وَإِنْ) دَفَعَ الْقَرِيبُ مَثَلًا (مِنْ مَالِهِ) أَيْ مَالِ الْحَالِفِ فَلَا يَبَرُّ، (أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ) لِلْحَالِفِ (بِالْقَضَاءِ) بَعْدَ أَنْ حَلَفَ فَيَحْنَثُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ (فِي) حَلِفِهِ لِرَبِّ الدَّيْنِ: (لَأَقْضِيَنك) حَقَّك (لِأَجَلِ كَذَا) : أَيْ فِي أَجَلِ كَذَا كَشَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا قَضَاهُ دَيْنَهُ فِيهِ اُسْتُحِقَّ الدَّيْنَ مِنْ يَدِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ لَهُ وَهَبَهُ رَبُّهُ لِلْمَدِينِ الْحَالِفِ وَقَبِلَ، فَبِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ يَحْنَثُ وَلَا يَنْفَعُهُ إقْبَاضُهُ لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ، أَوْ وَفَّاهُ عَنْهُ قَرِيبٌ لَهُ أَوْ صَدِيقٌ وَأَوْلَى أَجْنَبِيٌّ أَوْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَيْ ظَهَرَ فِيهِ بَعْدَ الْأَجَلِ] إلَخْ: فَعَلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْحِنْثَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: أَنْ يَقُومَ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قِيَامُهُ بَعْدَ الْأَجَلِ وَفِي مَسْأَلَةِ ظُهُورِ الْعَيْبِ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ هَذَانِ الْقَيْدَانِ، وَكَوْنُ الْعَيْبِ مُوجِبًا لِلرَّدِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلرَّدِّ أَوْ لَمْ يَقُمْ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ، بَلْ سَامَحَ أَوْ قَامَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَأَجَازَهُ أَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ. قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ] إلَخْ: وَلَمْ يُعَوِّلُوا هُنَا عَلَى الْبِسَاطِ وَإِلَّا فَمُقْتَضَاهُ لَا حِنْثَ حِينَئِذٍ، وَحَيْثُ قُلْتُمْ، بِدَفْعِهِ ثُمَّ أَخْذِهِ فَإِنْ أَبَى الْمَحْلُوفُ لَهُ مِنْ الْأَخْذِ، وَقَالَ: لَا حَقَّ لِي لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبْضِهِ، وَيَقَعُ الْحِنْثُ كَذَا قِيلَ وَلَكِنْ اسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ جَبْرَهُ عَلَى الْقَبُولِ إنْ أَبَى مِنْهُ لِأَجْلِ أَنْ يَبَرَّ الْحَالِفُ وَهُوَ وَجِيهٌ. تَنْبِيهٌ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَن فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَجُنَّ أَوْ أُسِرَ أَوْ حُبِسَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ، وَدَفَعَ الْحَاكِمُ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ الْحَاكِمِ فَيَبَرُّ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الْحَاكِمُ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ بَلْ بَعْدَهُ فَقَوْلَانِ بِالْحِنْثِ وَعَدَمِهِ. مَسْأَلَةٌ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَن فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَلَا يَبَرُّ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ مُتَّفِقٍ عَلَى فَسَادِهِ قَاصَصَهُ بِثَمَنِهِ مِنْ حَقِّهِ حَيْثُ فَاتَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَمْ تَفِ الْقِيمَةُ بِالدَّيْنِ، فَإِنْ وَفَتْ الْقِيمَةُ بِالثَّمَنِ حِينَئِذٍ أَوْ كَمَّلَ لَهُ عَلَيْهَا قَبْلَ الْأَجَلِ بَرَّ، وَكَذَا إنْ فَاتَ بَعْدَهُ وَوَفَتْ الْقِيمَةُ عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا لَوْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِي فَسَادِهِ لِمُضِيِّهِ بِالثَّمَنِ.

ثُمَّ يَأْخُذُهُ إنْ شَاءَ، نَعَمْ إنْ عَلِمَ الْحَالِفُ فِي مَسْأَلَةِ دَفْعِ الْقَرِيبِ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ، وَرَضِيَ بِدَفْعِهِ عَنْهُ بَرَّ، لِأَنَّ عِلْمَهُ وَرِضَاهُ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ دَفْعِهِ،. (وَ) حَنِثَ (بِعَدَمِ قَضَاءٍ، لِلدَّيْنِ فِي غَدٍ فِي) حَلِفِهِ: (لَأَقْضِيَنك) حَقَّك (غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَيْسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وَإِنَّمَا اعْتَقَدَ الْحَالِفُ أَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَلَطًا لِتَعَلُّقِ الْحِنْثِ بِالْغَدِ لَا بِتَسْمِيَتِهِ يَوْمَ جُمُعَةٍ. (وَلَهُ) : أَيْ لِلْحَالِفِ (لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ) مِنْ الشَّهْرِ يَقْضِي فِيهِ دَيْنَهُ، فَإِنْ أَخَّرَ عَنْ الْيَوْمِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ حَنِثَ (فِي) حَلِفِهِ: لَأَقْضِيَنك حَقَّك (فِي رَأْسِ الشَّهْرِ) الْفُلَانِيِّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِعَدَمِ قَضَاءٍ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا إنْ قَضَاهُ قَبْلَهُ فَلَا حِنْثَ لِأَنَّ قَصْدَهُ عَدَمُ الْمَطْلِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غَدٍ الْمَطْلَ، فَيَحْنَثُ بِالتَّعْجِيلِ وَهَذَا بِخِلَافِ حَلِفِهِ عَلَى أَكْلِهِ الطَّعَامَ، كَمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَن الطَّعَامَ الْفُلَانِيَّ غَدًا فَأَكَلَهُ قَبْلَهُ فَيَحْنَثُ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ الْيَوْمَ. مَسْأَلَةٌ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَدَفَعَ فِي نَظِيرِهِ عَرَضًا بَرَّ وَلَوْ بِغَبْنٍ، كَمَا لَوْ دَفَعَ عَرَضًا يُسَاوِي عَشَرَةً فِي مِائَةٍ. مَسْأَلَةٌ: أُخْرَى: لَوْ غَابَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ بَرَّ الْحَالِفُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِدَفْعٍ لِوَكِيلِ التَّقَاضِي أَوْ التَّفْوِيضِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلٌ لِلتَّقَاضِي أَوْ التَّفْوِيضِ فَالْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ فَوَكِيلُ ضَيْعَةٍ وَقِيلَ هُوَ مَعَ الْحَاكِمِ فِي رُتْبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِمَّا ذُكِرَ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُمْ عَلَى إحْضَارِ الْحَقِّ وَعَدَدِهِ وَوَزْنِهِ وَصِفَتِهِ وَأَنَّهُ اجْتَهَدَ فِي الطَّلَبِ فَلَمْ يَجِدْهُ، ثُمَّ يَتْرُكُ الْمَالَ عِنْدَ عَدْلٍ مِنْهُمْ أَوْ يُبْقِيهِ عِنْدَ نَفْسِهِ حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّهُ وَلَا يَبَرُّ بِلَا إشْهَادٍ، فَالدَّفْعُ لِأَحَدِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ مَانِعٌ مِنْ الْحِنْثِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا دَفَعَهُ لِوَكِيلِ التَّقَاضِي أَوْ التَّفْوِيضِ أَوْ الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ جَوْرُهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ] : أَيْ فَاللَّيْلَةُ مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّ لَيْلَةَ كُلِّ يَوْمٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [مِنْ الشَّهْرِ] : أَيْ الْمُسَمَّى فِي الْيَمِينِ كَرَمَضَانَ. فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَأَقْضِيَنك حَقَّك فِي رَأْسِ رَمَضَانَ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ أَوْ عِنْدَ انْسِلَاخِهِ، أَوْ إذَا انْسَلَخَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا فَاتَهُ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَقْضِ الْحَقَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتَى بِإِلَى، فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِ شَعْبَانَ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ بِسَاطٌ كَمَا تَقَدَّمَ.

(أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ أَوْ عِنْدَ انْسِلَاخِهِ أَوْ إذَا انْسَلَخَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ) بِجَرِّهِ بِاللَّامِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ مِثْلَ الْمَجْرُورِ بِ: " إلَى ". (وَ) لَوْ حَلَفَ لَهُ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ (إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِهِ) بِجَرِّهِ بِ: " إلَى " (فَشَعْبَانُ) فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ حَنِثَ. (وَ) حَنِثَ (بِجَعْلِ الثَّوْبِ) الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (قَبَاءً) بِالْمَدِّ: وَهُوَ الثَّوْبُ الْمُفْرَجُ (أَوْ عِمَامَةً أَوْ اتَّزَرَ بِهِ، أَوْ) ارْتَدَى بِهِ (عَلَى كَتِفِهِ فِي) حَلِفِهِ (لَا أَلْبَسُهُ) أَيْ الثَّوْبَ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى لُبْسًا عُرْفًا. (وَ) حَنِثَ (بِدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ) عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى بِتَوَسُّعٍ أَوْ عُلُوٍّ مَعَ بَقَائِهِ فِي مَكَانِهِ الْأَوَّلِ، (فِي) حَلِفِهِ: (لَا أَدْخُلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، (إنْ لَمْ يُكْرَهْ ضِيقُهُ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْيَمِينِ كَرَاهَةُ ضِيقِهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ إذَا وُسِّعَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ عِنْدَ انْسِلَاخِهِ] إلَخْ: الْمُرَادُ بِالِانْسِلَاخِ الِانْكِشَافُ وَالظُّهُورُ، فَلِذَلِكَ كَانَ بِمَعْنَى الِاسْتِهْلَالِ؛ لِأَنَّ الِانْسِلَاخَ يُفَسَّرُ تَارَةً بِالظُّهُورِ وَالِانْكِشَافِ كَمَا هُنَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ سَلَخْت الْجِلْدَ أَيْ كَشَفْته وَأَظْهَرْت بَاطِنَهُ، وَتَارَةً بِالْإِزَالَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس: 37] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس: 37] ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الْكَشْفَ لَقَالَ: فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَعَانِي. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَوْ نَوَى الْحَالِفُ الْمَعْنَى الثَّانِيَ أَوْ غَلَبَ الْعُرْفُ بِهِ فَالْعِبْرَةُ بِفَرَاغِ الشَّهْرِ الَّذِي سَمَّاهُ، لَا بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِجَعْلِ الثَّوْبِ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ فَجَعَلَهُ قَبَاءً أَوْ عِمَامَةً وَلَبِسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِثْلَ قَمِيصٍ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُلْبَسُ بِوَجْهٍ مِثْلَ شُقَّةٍ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُهَا ثُمَّ قَطَعَهَا وَلَبِسَهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهَا لِضِيقِهَا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى لُبْسًا عُرْفًا] : أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ كَتِفِهِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ لَفٍّ وَلَا إدَارَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ. قَوْلُهُ: [كَرَاهَةُ ضِيقِهِ] : أَيْ أَوْ نَحْوَهُ كَمُرُورِهِ عَلَى مَنْ لَا يُحِبُّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ.

[تنبيه في حلفه لا يدخل على فلان بيته]

(وَ) حَنِثَ (بِأَكْلِهِ مِنْ) طَعَامٍ (مَدْفُوعٍ لِوَلَدِهِ) الصَّغِيرِ، (أَوْ عَبْدِهِ فِي) حَلِفِهِ: (لَا آكُلُ لَهُ) أَيْ لِفُلَانٍ (طَعَامًا. إنْ كَانَتْ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَبِيهِ الْحَالِفِ، وَكَانَ الْمَدْفُوعُ لَهُ يَسِيرًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ لِلْوَلَدِ كَثِيرًا؛ إذْ لَيْسَ لِأَبِيهِ رَدُّ الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَيَحْنَثُ فِي الْعَبْدِ مُطْلَقًا. (وَ) حَنِثَ (بِ) قَوْلِهِ لَهَا: (اذْهَبِي إثْرَ) حَلِفِهِ: (لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَفْعَلِي) كَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَهَا: اذْهَبِي. كَلَامٌ مِنْهُ لَهَا قَبْلَ الْفِعْلِ. (وَ) حَنِثَ (بِالْإِقَالَةِ فِي) حَلِفِ الْبَائِعِ حِينَ طَلَبَ مِنْهُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَحُطَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ حَنِثَ بِقِيَامِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَيْتُ بِالْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ يُنْسَبُ لِسَاكِنِهِ، وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لَيَدْخُلَن عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ فَلَا يَبَرُّ بِاسْتِعْلَائِهِ عَلَى ظَهْرِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ، لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ وَالْبِرُّ يُحْتَاطُ فِيهِ. [تَنْبِيه فِي حلفه لَا يَدْخُل عَلَى فُلَان بَيْته] قَوْلُهُ: [إذْ لَيْسَ لِأَبِيهِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي رَدِّهِ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ وَلَدِي عَلَيَّ فَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَذَا الشَّيْءِ. قَوْلُهُ: [وَيَحْنَثُ فِي الْعَبْدِ مُطْلَقًا] : أَيْ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ فِي حُكْمِ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ وَنَفَقَةَ الْعَبْدِ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا عَلَى الْوَلَدِ الْحَالِفِ؛ فَلَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِمَّا دَفَعَ لَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ لَيْسَ مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا لِلْوَلَدِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ الْعِلَّةُ الْجَارِيَةُ فِي إعْطَاءِ الْيَسِيرِ لِلْوَلَدِ الْفَقِيرِ تُجْرَى فِي إعْطَاءِ الْيَسِيرِ لِلْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ، وَمِثْلُ الْوَالِدَيْنِ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ لِعَدَمِ وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِقَوْلِهِ لَهَا اذْهَبِي] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ كِنَانَةَ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. وَمِثْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا إذَا حَلَفَ لَا كَلَّمْتِينِي حَتَّى تَقُولِي: أُحِبُّك فَقَالَتْ لَهُ عَفَا اللَّهُ عَنْك إنِّي أُحِبُّك فَيَحْنَثُ بِقَوْلِهَا عَفَا اللَّهُ عَنْك لِأَنَّهُ كَلَامٌ صَدَرَ مِنْهَا قَبْلَ قَوْلِهَا أُحِبُّك، وَأَمَّا لَوْ قَالَ شَخْصٌ فِي يَمِينِهِ لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَبْدَأَنِي فَقَالَ لَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ: لَا أُبَالِي بِك فَلَا يُعَدُّ بُدَاءَةً لِلِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْبِرِّ. قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِالْإِقَالَةِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا حَلٌّ

عَنْهُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ (لَا أَتْرُكُ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا) فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: أَقِلْنِي مِنْ هَذِهِ السِّلْعَةِ، فَأَقَالَهُ فَيَحْنَثُ الْبَائِعُ. (إنْ لَمْ تَفِ) السِّلْعَةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ جَمِيعَ حَقِّهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَفِي بِالثَّمَنِ فَلَا حِنْثَ وَهُوَ كَذَلِكَ. (وَ) حَنِثَ الزَّوْجُ (بِتَرْكِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (عَالِمًا) بِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يَعْلَمْ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي) . لِأَنَّ مُجَرَّدَ عِلْمِهِ لَا يُعَدُّ إذْنًا فَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ فَالْعِبْرَةُ بِعِلْمِهَا. فَإِنْ عَلِمَتْ بِالْإِذْنِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا حَنِثَ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَ) حَنِثَ (بِالزِّيَادَةِ) مِنْهَا (عَلَى مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ) بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَذِنْت لَك فِي الْخُرُوجِ لِبَيْتِ أَبِيك، فَزَادَتْ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا إلَّا فِي شَيْءٍ خَاصٍّ لَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ حَصَلَ وَلَا دَخْلَ لِلزِّيَادَةِ فِي الْحِنْثِ وَلَا فِي عَدَمِهِ. (بِخِلَافِ) حَلِفِهِ (لَا يَأْذَنُ لَهَا إلَّا فِي كَذَا، فَأَذِنَ) لَهَا (فِيهِ فَزَادَتْ) عَلَيْهِ (بِلَا عِلْمٍ) مِنْهُ فَلَا يَحْنَثُ، فَإِنْ عَلِمَ بِزِيَادَتِهَا حَالَ الزِّيَادَةِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِهَا حَالَهَا إذْنٌ مِنْهُ بِهَا، وَهُوَ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا إلَّا فِي شَيْءٍ خَاصٍّ. . ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْمَبِيعِ فَلَا حِنْثَ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ حِينَ الْإِقَالَةِ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْبَيْعُ، لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ إنْ ثَبَتَ فِي حَقٍّ فَلَا أَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئًا وَحَيْثُ انْحَلَّ الْبَيْعُ فَلَا حَقَّ لِلْبَائِعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. قَوْلُهُ: [فَلَا حِنْثَ] : وَكَذَلِكَ لَوْ الْتَزَمَ لَهُ النَّقْصَ (قَوْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ) ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهَا لِيُرَتِّبَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ وَحَنِثَ بِالزِّيَادَةِ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا] : أَيْ عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا خَرَجَتْ ابْتِدَاءً لِمَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ ذَهَبَتْ لِغَيْرِ مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ ذَهَبَتْ لِمَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ اتِّفَاقًا سَلَّمَ بِالزِّيَادَةِ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [إذْنٌ مِنْهُ] : أَيْ احْتِيَاطًا فِي جَانِبِ الْحِنْثِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي فَخَرَجَتْ بِحُضُورِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهَا فَلَا يُعَدُّ عِلْمُهُ وَحُضُورُهُ إذْنًا لِلِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْبِرِّ، فَاحْتِيطَ فِي كُلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ.

[ما تحمل عليه السنين والأيام]

(وَ) حَنِثَ بَائِعٌ (بِالْبَيْعِ لِلْوَكِيلِ) : أَيْ لِوَكِيلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا بِعْت مِنْهُ) : أَيْ مِنْ زَيْدٍ (أَوْ لَهُ) سِلْعَةً أَوْ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ، فَوَكَّلَ زَيْدٌ وَكِيلًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ فَبَاعَهُ الْحَالِفُ سِلْعَةً فَيَحْنَثُ. (وَإِنْ قَالَ) الْبَائِعُ: (أَنَا حَلَفْت) أَنْ لَا أَبِيعَ لِزَيْدٍ وَأَخَافُ أَنْ تَشْتَرِيَ لَهُ فَتُوقِعَنِي فِي الْحِنْثِ، (فَقَالَ) لَهُ الْوَكِيلُ: لَا بَلْ (هُوَ لِي، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ) : أَيْ الشِّرَاءَ (لِلْمُوَكِّلِ) وَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ (وَلَزِمَ الْبَيْعُ) وَلَا كَلَامَ لِلْحَالِفِ اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يَقُولَ) الْحَالِفُ لِلْوَكِيلِ: (إنْ اشْتَرَيْت لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ (فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا) فَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ وَلَا يَحْنَثُ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لِلْمُوَكِّلِ. قَالَهُ التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ؛ لَكِنْ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَرَدَّ بِهِ ابْنُ نَاجِي عَلَيْهِمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ وَيَحْنَثُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَا تَحْمِل عَلَيْهِ السِّنِينَ وَالْأَيَّام] قَوْلُهُ: [بِالْبَيْعِ لِلْوَكِيلِ] : أَيْ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَوْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلُهُ. قَوْلُهُ: [فَتَبَيَّنَ] : أَيْ بِالْبَيِّنَةِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ قَالَ الْوَكِيلُ: اشْتَرَيْت لِنَفْسِي ثُمَّ بَعْدَ الشِّرَاءِ قَالَ: اشْتَرَيْته لِفُلَانٍ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ الْحَالِفُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْوَكِيلِ غَيْرَ مُصَدَّقٍ فِيمَا يَدَّعِيهِ كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ (وعب) وَمِثْلُهُ مَا إذَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ حَمَّامًا مَثَلًا فَقَالَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلْته وَلَمْ يَثْبُتْ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا تُصَدَّقُ وَلَا يَحْنَثُ. قَوْلُهُ: [لَكِنْ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ] إلَخْ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهَا أَيْضًا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ إنْ لَمْ تَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا فَلَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك كَانَ الْبَيْعُ مَاضِيًا وَالشَّرْطُ بَاطِلًا. خَاتِمَةٌ مَنْ يَحْلِفُ لَا أُكَلِّمُهُ سِنِينَ أَوْ شُهُورًا أَوْ أَيَّامًا حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَأَمَّا لَوْ أَتَى بِ " أَلْ " فَالْأَبَدُ حَمْلًا لِ " أَلْ "، عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ احْتِيَاطًا، وَمَنْ قَالَ: لَا هَجَرْته حُمِلَ عَلَى الْهَجْرِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعُرْفِيِّ وَهُوَ شَهْرٌ وَلَزِمَهُ فِي الْحِينِ سَنَةٌ عَرَّفَ أَوْ نَكَّرَ، وَهَلْ مِثْلُهُ الزَّمَانِيُّ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَفِي الْقَرْنِ مِائَةُ سَنَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِي عَصْرٍ وَدَهْرٍ: سَنَةٌ، وَإِنْ عَرَّفَ فَالْأَبَدُ، وَمَنْ حَلَفَ لَأَتَزَوَّجَن فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ فَاتَ بِالدُّخُولِ عَلَى مَنْ تُشْبِهُ نِسَاءَهُ، فَإِنْ قَصَدَ كَيْدَ زَوْجَتِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ تُشْبِهَهَا. وَمَنْ حَلَفَ لَا أَتَكَفَّلُ مَالًا حَنِثَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبِضَمَانِ الْوَجْهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَدَمَ الْغُرْمِ، وَكَذَا يَحْنَثُ بِالْوَجْهِ مَنْ حَلَفَ عَلَى ضَمَانِ الطَّلَبِ، وَيَحْنَثُ بِضَمَانِ الْمَالِ فِي حَلِفِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِ الْكَفَالَةِ، وَيَحْنَثُ بِضَمَانِهِ لِوَكِيلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ الْوَكَالَةَ، أَوْ كَانَ كَصَدِيقِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْحَالِفِ بِكَالصَّدَاقَةِ؟ قَوْلَانِ وَمَنْ حَلَفَ لَيَكْتُمَن فَأَخْبَرَ شَخْصًا أَسَرَّهُ بِهِ حَنِثَ بِقَوْلِهِ لِمُخْبِرٍ مَا ظَنَنْت غَيْرِي عَرَفَهُ أَوْ مَا ظَنَنْته قَالَهُ لِغَيْرِي. وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَطَأَن زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ فَوَطِئَهَا حَائِضًا أَوْ صَائِمًا أَوْ مُحْرِمَةً فَهَلْ يَبَرُّ بِذَلِكَ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ أَوْ لَا يَبَرُّ حَمْلًا لَهُ عَلَى مَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ؟ وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا - قَوْلَانِ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لَتَأْكُلَن قِطْعَةَ لَحْمٍ فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ عِنْدَ مُنَاوَلَتِهِ إيَّاهَا وَابْتَلَعَتْهَا فَشَقَّ جَوْفَهَا عَاجِلًا وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ فِي جَوْفِهَا مِنْهَا شَيْءٌ وَأَكَلَتْهَا الْمَرْأَةُ فَهَلْ يَبَرُّ بِذَلِكَ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَمِثْلُ خَطْفِ الْهِرَّةِ: لَوْ تَرَكَتْهَا الْمَرْأَةُ حَتَّى فَسَدَتْ ثُمَّ أَكَلَتْهُ (اهـ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ) .

[فصل في بيان النذر وأحكامه]

فَصْلٌ فِي بَيَانِ النَّذْرِ وَأَحْكَامِهِ (النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ (مُكَلَّفٍ) لَا صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ (قُرْبَةً) مَقْصُودًا بِهَا التَّقَرُّبُ بِلَا تَعْلِيقٍ نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدٍ أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ، بَلْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصَلِّ فِي بَيَان النَّذْر وَأَحْكَامه] [تَعْرِيف النَّذْر] فَصْلٌ: النَّذْرُ يُجْمَعُ عَلَى نُذُورٍ وَعَلَى نُذُرٍ بِضَمَّتَيْنِ يُقَالُ: نَذَرْت أُنْذِرُ بِفَتْحِ الذَّالِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً: الِالْتِزَامُ، وَاصْطِلَاحًا: هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ إلَخْ. وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: الشَّخْصُ الْمُلْتَزِمُ وَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: الْتِزَامُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، وَالشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ وَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: قُرْبَةً، وَالصِّيغَةُ وَأَفَادَهَا بِقَوْلِهِ: كَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ إلَخْ. قَوْلُهُ: [لَا كَافِرٍ] : أَيْ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَوْ أَسْلَمَ بِهِ لَكِنْ يُنْدَبُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: [لَا صَغِيرٍ] : وَلَكِنْ: يُنْدَبُ الْوَفَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَشَمَلَ الْمُكَلَّفُ الرَّقِيقَ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ مِمَّا أَنْذَرَهُ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ إنْ عَتَقَ. وَحَاصِلُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ فِي الرَّقِيقِ: أَنَّهُ إذَا نَذَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَسَدِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّيِّدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ تَعْجِيلِهِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فَلَهُ الْمَنْعُ وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ نَذَرَ مَالًا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ الْوَفَاءَ بِهِ مَا دَامَ رَقِيقًا، فَإِنْ عَتَقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ، فَإِنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ وَأَبْطَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمَا فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ مِنْهَا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَشَمَلَ الْمُكَلَّفُ أَيْضًا السَّفِيهَ فَيَلْزَمُهُ غَيْرُ الْمَالِ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلِلْوَلِيِّ إبْطَالُهُ لِأَنَّ رَدَّ فِعْلِ السَّفِيهِ إبْطَالٌ كَالسَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ. وَشَمَلَ أَيْضًا الزَّوْجَةَ وَالْمَرِيضَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَاهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَالٍ أَوْ مَالًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ كَانَ لِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ وَلِلْوَارِثِ رَدُّ مَا زَادَ. وَاخْتُلِفَ فِي رَدِّ الزَّوْجِ فَقِيلَ: رَدُّ إبْطَالٍ، وَقِيلَ رَدُّ إيقَافٍ، وَأَمَّا رَدُّ الْوَارِثِ فَهُوَ رَدُّ إيقَافٍ كَالْغَرِيمِ، وَرَدُّ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَابَ عَنْهُ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ:

(وَلَوْ بِالتَّعْلِيقِ) عَلَى مَعْصِيَةٍ (أَوْ غَضْبَانَ) فَأَوْلَى عَلَى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَغَيْرِ غَضْبَانَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمِينِ ذَاتِ التَّعْلِيقِ: أَنَّ النَّذْرَ يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ وَالْيَمِينَ يُقْصَدُ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَوْ الْحَثِّ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ النَّذْرِ. وَلِذَا يَصِحُّ فِي الْيَمِينِ إنْ تَقَدَّمَ قَسَمًا بِاَللَّهِ؛ فَتَقُولُ فِي الْبِرِّ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ الدَّارَ وَإِنْ دَخَلْتُهَا يَلْزَمُنِي كَذَا، وَالْمَقْصُودُ الِامْتِنَاعُ مِنْ دُخُولِهَا، وَتَقُولُ فِي الْحِنْثِ: وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْ يَلْزَمُنِي كَذَا، وَالْمَقْصُودُ طَلَبُ الدُّخُولِ، وَتَقُولُ فِي بَيَانِ تَحَقُّقِ الشَّيْءِ: وَاَللَّهِ لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَامَ يَلْزَمُنِي كَذَا، بِخِلَافِ قَوْلِك: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ كَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِتَقْدِيمِ يَمِينٍ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ أَوْ تَوْكِيدِ الْكَلَامِ فَتَأَمَّلْ. وَمَثَّلَ لِمَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ مَا لَا تَعْلِيقَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ) ضَحِيَّةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQأُبْطِلَ صَنِيعُ الْعَبْدِ وَالسَّفِيهِ ... بِرَدِّ مَوْلَاهُ وَمَنْ يَلِيهِ وَأُوقِفْنَ فِعْلُ الْغَرِيمِ وَاخْتُلِفَ ... فِي الزَّوْجِ وَالْقَاضِي كَمُبْدَلٍ عُرِفَ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ مُفَصَّلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: [بَلْ وَلَوْ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى مَعْصِيَةٍ] : أَيْ فَالْمَدَارُ عَلَى أَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ قُرْبَةٌ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ قُرْبَةً أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [أَوْ غَضْبَانَ] : وَمِنْهُ نَذْرُ اللَّجَاجِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ وَمُعَاقَبَتَهَا نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَهَذَا مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَلْزَمُهُ مَا لَزِمَهُ، فَالْحَلِفُ لَفْظِيٌّ خِلَافًا لِلَّيْثِ وَجَمَاعَةِ الْقَائِلِينَ إنَّ فِيهِ وَفِي اللَّجَاجِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَدَهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بِهَذَا الْقَوْلِ وَكَانَ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، فَحَنِثَ وَقَالَ لَهُ: إنِّي أَفْتَيْتُك بِقَوْلِ اللَّيْثِ، فَإِنْ عُدْت لَمْ أُفْتِك إلَّا بِقَوْلِ مَالِكٍ. قَوْلُهُ: [وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ] إلَخْ: هَذَا الْفَرْقُ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ يُؤَيِّدُ أَنَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ مِنْ الْيَمِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ عَدَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ فَمُبَالَغَتُهُ عَلَيْهِ هُنَا، وَإِدْخَالُهُ فِي النَّذْرِ تَكَلُّفٌ وَتَنَاقُضٌ لِاخْتِيَارِهِ أَوَّلًا طَرِيقَةَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَهُنَا طَرِيقَةَ غَيْرِهِ، فَتَدَبَّرْ، وَسَيَأْتِي لَهُ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ] : أَتَى بِكَافِ التَّمْثِيلِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ انْحِصَارِ

[المندوب والمكروه والمحرم من النذر]

أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ (أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ بِحَذْفِ " لِلَّهِ "، وَالْقَصْدُ الْإِنْشَاءُ لَا الْإِخْبَارُ. وَمَثَّلَ لِمَا بَعْدَ لَوْ وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ: إنْ حَجَجْت) فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ شَهْرِ كَذَا وَحَصَلَ الْحَجُّ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ طَاعَةٌ، (أَوْ) : إنْ (شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي) فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ لِلَّهِ، (أَوْ) إنْ (جَاءَنِي زَيْدٌ) فَعَلَيَّ الصَّوْمُ شَهْرُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْعَبْدِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ، (أَوْ) إنْ (قَتَلْتُهُ فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ شَهْرِ كَذَا فَحَصَلَ) الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الْمُعَلَّقُ، وَالْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فِي هَذَا مَعْصِيَةٌ يَرْغَبُ فِي حُصُولِهَا، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ فِيمَنْ لَا نَذْرَ كَمَا عَلِمْت. وَمَا صَدَرَ مِنْ الْغَضْبَانِ جَعَلَهُ الشَّيْخُ مِنْ النَّذْرِ وَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْيَمِينِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (وَنُدِبَ) النَّذْرُ (الْمُطْلَقُ) وَهُوَ مَا لَمْ يُعَلَّقْ عَلَى شَيْءٍ وَلَمْ يُكَرَّرْ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، وَسَوَاءٌ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ: عَلَيَّ كَذَا، تَلَفَّظَ بِنَذْرٍ فِيهِمَا أَوْ لَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQالصِّيغَةِ، بَلْ يَلْزَمُ بِكُلِّ لَفْظٍ فِيهِ الْتِزَامٌ مَنْدُوبٌ، وَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ [ضَحِيَّةٌ] رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الضَّحِيَّةَ لَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ، قَالَ (بْن) : الْحَقُّ أَنَّ الضَّحِيَّةَ تَجِبُ بِالنَّذْرِ فِي الشَّاةِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ مَعْنَى وُجُوبِهَا بِالنَّذْرِ فِي الْمُعَيَّنَةِ مَنْعُ الْبَيْعِ وَالْبَدَلِ فِيهَا بَعْدَهُ لَا أَنَّ الْوُجُوبَ بِاعْتِبَارِ الْعَيْبِ الطَّارِئِ بَعْدَ النَّذْرِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِيهَا، وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ الْمَنْفِيِّ وُجُوبَ تَعْيِينٍ يُؤَدِّي إلَى إلْغَاءِ الْعَيْبِ الطَّارِئِ انْتَهَى وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الضَّحِيَّةِ مُبَيَّنًا. قَوْلُهُ: [أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ] : وَمِثْلُهُ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ، قَالَ فِي الشَّامِلِ: إنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ لَزِمَهُ يَوْمٌ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَكَأَنَّهُ لِعِلْمِ كُلِّ أَحَدٍ بِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا يَصِحُّ يَوْمًا، فَكَأَنَّ هَذَا مُتَلَاعِبٌ فَشَدَّدَ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلَوْ نَذَرَ رَكْعَةً لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ، أَوْ صَدَقَةً فَأَقَلَّ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَسَبَقَ فِي الِاعْتِكَافِ وَلَزِمَ يَوْمٌ إنْ نَذَرَ لَيْلَةً لَا بَعْضَ يَوْمٍ، وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ وَأَطْلَقَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ شَرْعًا مُدًّا أَوْ بَدَلَهُ (اهـ) . [الْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه والمحرم مِنْ النَّذْر] قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ] : أَيْ نُدِبَ الْقُدُومُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ] : فِيهِ إشَارَةٌ لِقَوْلِ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: (وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ) .

[التزام الناذر ما أسماه وسقوط المعجوز عنه]

(وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ) كَنَذْرِ صَوْمِ كُلِّ خَمِيسٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الثِّقَلِ عَلَى النَّفْسِ، فَيَكُونُ إلَى غَيْرِ الطَّاعَةِ أَقْرَبُ. [الْتِزَام الناذر مَا أسماه وَسُقُوط الْمَعْجُوز عَنْهُ] (وَ) كُرِهَ (الْمُعَلَّقُ عَلَى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) نَحْوُ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ زَيْدٌ مِنْ سَفَرِهِ فَعَلَيَّ صَدَقَةُ كَذَا لِأَنَّهُ كَالْمُجَازَاةِ وَالْمُعَارَضَةِ لَا الْقُرْبَةِ الْمَحْضَةِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ طَاعَةً نَحْوُ: إنْ حَجَجْت فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَهُوَ ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَيْضًا لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ إنْ أَقْدَرَنِي اللَّهُ عَلَى الْحَجِّ لِأُجَازِيَنَّهُ بِكَذَا، وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْمُخَالِفِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلَّقَ الْقُرْبَةَ عَلَى مَعْصِيَةٍ (حَرُمَ) وَوَجَبَ تَرْكُهَا، (فَإِنْ فَعَلَهَا أَثِمَ) . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَكُرِهَ الْمُعَلَّقُ] : أَيْ عَلَى مَا لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ شَاسٍ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ، بِالْإِبَاحَةِ وَفِي (ح) عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ عَدَمُ إجْزَاءِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَ حُصُولِ بَعْضِهِ وَقَبْلَ تَمَامِهِ، فَلَيْسَ كَالْيَمِينِ يَحْصُلُ الْحِنْثُ فِيهَا بِالْبَعْضِ، كَمَا إذَا قَالَ: إنْ رُزِقْت ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ فَعَلَيَّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَرُزِقَ دِينَارَيْنِ فَصَامَ الثَّلَاثَةَ. وَفِي سَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ الْإِجْزَاءُ إنْ بَقِيَ يَسِيرٌ جِدًّا وَيَقُومُ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ اللُّزُومُ بِحَسَبِ مَا حَصَلَ فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ (اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ) . تَنْبِيهٌ: يَلْزَمُ النَّاذِرَ مَا الْتَزَمَهُ وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ إنْشَاءٌ وَلَا تَعْلِيقٌ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ. وَلَوْ قَالَ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ، مَا لَمْ يَرْجِعْ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي " لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَقَطْ، كَمَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ لَا لِلْمُعَلَّقِ وَلَا لَهُمَا أَوْ أُطْلِقَ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت بِضَمِّ التَّاءِ نَفَعَهُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَعْهُودٌ فِي الطَّلَاقِ كَثِيرًا بِخِلَافِ النَّذْرِ. وَقَاسَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ النَّذْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا لَوْ عَلَّقَ عَلَى مَشِيئَةِ فُلَانٍ فَالْعِبْرَةُ بِمَشِيئَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فِي النَّذْرِ وَالطَّلَاقِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ كَالْمُجَازَاةُ] إلَخْ: أَيْ فَلَمْ يَجْعَلْهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ شَيْئًا عَلَى نِعْمَةٍ حَصَلَتْ بِالْفِعْلِ كَمَا إذَا شَفَى اللَّهُ مَرِيضَهُ بِالْفِعْلِ فَنَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْمَذْمُومُ التَّعْلِيقُ عَلَى أَمْرٍ مُتَرَقَّبٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْمُخَالِفِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ ابْنُ رُشْدٍ.

(وَلَزِمَ مَا سَمَّاهُ) مِنْ الْقُرْبَةِ فِي الْمُعَلَّقِ وَغَيْرِهِ نَحْوُ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَدَقَةُ مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عِشْرِينَ بَدَنَةً أَوْ نِصْفُ مَالِي، (وَلَوْ) كَانَ الْمُسَمَّى (مُعَيَّنًا) كَحَائِطِي الْفُلَانِيِّ وَعَبْدِي فُلَانٍ وَهَذِهِ الْفَرَسِ (أَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ، كَصَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ) نَذَرَ فِعْلَهُمَا (بِثَغْرٍ) مِنْ الْإِسْلَامِ كَإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ وَالْأَوْلَى نَذْرُ الرِّبَاطِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الثَّغْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ، بَلْ يَفْعَلُهُ فِي مَحَلِّهِ. (وَ) إنْ نَذَرَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (سَقَطَ مَا عَجَزَ عَنْهُ) وَأَتَى بِمَقْدُورِهِ، (إلَّا الْبَدَنَةَ) : وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَتَاؤُهَا لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ إذَا نَذَرَهَا وَعَجَزَ عَنْهَا، (فَبَقَرَةٌ) تَلْزَمُهُ بَدَلُهَا، (ثُمَّ) إنْ عَجَزَ عَنْ الْبَقَرِ لَزِمَهُ (سَبْعُ شِيَاهٍ) بَدَلَ الْبَقَرَةِ كُلُّ شَاةٍ تُجْزِئُ تَضْحِيَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَزِمَ مَا سَمَّاهُ] إلَخْ: كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [أَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، مِنْ أَنَّهُ إذَا سَمَّى مُعَيَّنًا وَأَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثُلُثُ مَالِهِ. وَلِمَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ سَحْنُونَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا لَا يُجْحَفُ بِهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ صَلَاةٍ] : أَيْ يُمْكِنُ مَعَهَا الرِّبَاطُ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ النَّاذِرُ قَاطِنًا بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ وَيَأْتِي وَلَوْ رَاكِبًا وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ غَيْرِ الثَّغْرِ] : أَيْ وَغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَإِلَّا فَالْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ يَلْزَمُ لَهَا كُلُّ مَا نَذَرَهُ مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الرِّبَاطَ أَوْ الصَّوْمَ بِثَغْرٍ لَزِمَهُ، وَكَذَا إذَا نَذَرَ صَلَاةً يُمْكِنُ مَعَهَا الْحِرَاسَةُ. وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً فَقَطْ ثُمَّ يَعُودُ مِنْ غَيْرِ رِبَاطٍ فَلَا يَلْزَمُهُ إتْيَانُهُ، بَلْ يُصَلِّي بِمَوْضِعِهِ وَلِذَلِكَ لَوْ نَذَرَ بِالثُّغُورِ اعْتِكَافًا لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يُنَافِي الرِّبَاطَ، بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لَهَا سَوَاءٌ نَذَرَ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً أَوْ اعْتِكَافًا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [لَزِمَهُ سَبْعُ شِيَاهٍ] : فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْغَنَمِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَا صِيَامُ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ يَصِيرُ لِوُجُودٍ أَوْ بَدَلِهِ أَوْ بَدَلِ بَدَلِهِ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى دُونِ السَّبْعَةِ مِنْ الْغَنَمِ فَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُهُ ثُمَّ يُكْمِلُ مَتَى أَيْسَرَ،

(وَ) لَزِمَهُ (ثُلُثُ مَالِهِ) الْمَوْجُودِ (حِينَ النَّذْرِ) أَوْ الْيَمِينُ لَا مَا زَادَ بَعْدَهُ (إلَّا أَنْ يَنْقُصَ) ، الْمَوْجُودُ حِينَ النَّذْرِ (فَمَا بَقِيَ) يَلْزَمُهُ ثُلُثُهُ (بِمَالِي) : أَيْ بِقَوْلِهِ فِي نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ: مَالِي أَوْ كُلُّ مَالِي أَوْ جَمِيعُهُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَوْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ. (وَ) سَبِيلُ اللَّهِ (هُوَ الْجِهَادُ) يَشْتَرِي مِنْهُ خَيْلًا وَسِلَاحًا وَيُعْطَى مِنْهُ لِلْمُجَاهِدِينَ (وَالرِّبَاطُ) فِي الثُّغُورِ فَلَا يُعْطَى مِنْهُ غَيْرُ مُرَابِطٍ وَمُجَاهِدٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ (وَ) لَوْ حَمَلَ إلَيْهِمْ (أَنْفَقَ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الثُّلُثِ الْمُحَوَّلِ لِلْمُجَاهِدِينَ وَالْمُرَابِطِينَ (مِنْ غَيْرِهِ) مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ لَا مِنْهُ، (بِخِلَافِ ثُلُثِهِ) أَيْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ثُلُثُ مَالِي أَوْ رُبْعُهُ أَوْ نِصْفُهُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، (فَمِنْهُ) أُجْرَةُ حَمْلِهِ. (فَإِنْ قَالَ) فِي نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ: مَالِي أَوْ كُلُّ مَالِي (لِزَيْدٍ) أَوْ لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْخَرَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كُلِّهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: (بَدَنَةٌ) لَوْ نَذَرَ بَقَرَةً ثُمَّ عَجَزَ عَنْهَا هَلْ يَلْزَمُهُ سَبْعُ شِيَاهٍ كَمَا هُنَا؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ الْبَقَرَةَ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَهَا الشِّيَاهُ السَّبْعُ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ عِوَضًا عَنْ الْبَدَنَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ النَّذْرُ عَلَى الْبَقَرَةِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [الْمَوْجُودُ حِينَ النَّذْرِ] : أَيْ مِنْ عَيْنٍ وَعَدَدِ دَيْنٍ حَالٍّ وَقِيمَةِ مُؤَجَّلٍ مَرْجُوَّيْنِ وَقِيمَةِ عَرْضٍ وَكِتَابَةِ مُكَاتَبٍ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الْمَوْجُودُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِإِنْفَاقٍ أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ. قَوْلُهُ: [بِمَالِيِّ] إلَخْ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِ الْقُدُومِ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهِ خِلَافٌ، فَقِيلَ: يَجُوزُ، وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، لِقَوْلِ الْعُتْبِيَّةِ: مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ وَلَمْ يَبْقَ مَا يَكْفِيهِ رُدَّتْ صَدَقَتُهُ. وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُبْقِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا. قَوْلُهُ: [فَلَا يُعْطِي مِنْهُ لِغَيْرِ مُرَابِطٍ] : أَيْ مِنْ كُلِّ مَنْ فُقِدَتْ مِنْهُ شُرُوطُ الْجِهَادِ كَمُقْعَدٍ وَأَعْمَى وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَأَقْطَعَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [فَمِنْهُ أُجْرَةُ حَمْلِهِ] : أَيْ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثِ أُجْرَةُ حَمْلِهِ الَّتِي تُوصِلُهُ لِلْمُجَاهِدِينَ وَالْمُرَابِطِينَ.

[تنبيه نذر المشي لمكان ما ثم مشى وفرق الطريق والمعتقب]

كَخَدَمَةِ مَسْجِدٍ (فَالْجَمِيعُ) أَيْ جَمِيعُ مَالِهِ يَلْزَمُهُ حِينَ الْيَمِينِ، فَإِنْ نَقَصَ فَالْبَاقِي. (وَ) لَزِمَ (مَشْيٌ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ) إنْ نَذَرَهُ أَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، هَذَا إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ لَهُ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، بَلْ (وَلَوْ) نَذَرَهُ (لِصَلَاةٍ) فِيهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (كَمَكَّةَ) : تَشْبِيهٌ فِي لُزُومِ الْمَشْيِ، أَيْ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ أَوْ حَلَفَ بِهِ فَحَنِثَ، (أَوْ) إلَى (الْبَيْتِ) أَوْ نَذَرَ (أَوْ) حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى (جُزْئِهِ) أَيْ الْبَيْتِ: أَيْ الْمُتَّصِلِ بِهِ كَالرُّكْنِ وَالْحَجَرِ وَالْحَطِيمِ وَالشَّاذَرْوَانِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ (كَغَيْرِهِ) أَيْ كَمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إذَا سَمَّى غَيْرَ جُزْئِهِ كَزَمْزَمَ وَقُبَّةِ الشَّرَابِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَيْ جَمِيعُ مَالِهِ يَلْزَمُهُ] : أَيْ وَيُتْرَكُ لَهُ مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَكَرَّرَ نَاذِرُ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ الْحَالِفُ بِذَلِكَ إخْرَاجَ الثُّلُثِ لِكُلِّ يَمِينٍ فَيُخْرِجُ الثُّلُثَ لِلْيَمِينِ الْأُولَى، ثُمَّ ثُلُثَ الْبَاقِي وَهَكَذَا إنْ أَخْرَجَ الثُّلُثَ الْأَوَّلَ لِلْيَمِينِ الْأُولَى بَعْدَ لُزُومِهِ وَقَبْلَ إنْشَاءِ الثَّانِيَةِ، وَشَمَلَ اللُّزُومُ النَّذْرَ وَالْيَمِينَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّذْرَ يَلْزَمُ اللَّفْظَ وَالْيَمِينَ بِالْحِنْثِ فِيهَا، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُخْرِجْ الْأَوَّلَ حَتَّى أَنْشَأَ الثَّانِيَ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا فَتَحْتَ الْيَمِينِ صُورَتَانِ: مَا إذَا أَنْشَأَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْأُولَى أَوْ بَعْدَهَا، فَقَوْلَانِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ بِالتَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ، بِأَنْ يَكْفِيَ ثُلُثٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْأَيْمَانِ (اهـ) وَقَالَ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا: وَلَزِمَ بَعْثُ فَرَسٍ وَسِلَاحٍ نَذَرَهُمَا أَوْ حَلَفَ بِهِمَا وَحَنِثَ لِمَحَلِّ الْجِهَادِ إنْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَيْعٌ وَعِوَضٌ بِثَمَنِهِ مِثْلُهُ مِنْ خَيْلٍ أَوْ سِلَاحٍ فَإِنْ جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَيْسَ بِفَرَسٍ وَلَا سِلَاحٍ كَقَوْلِهِ: عَبْدِي أَوْ ثَوْبِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِيعَ وَدُفِعَ ثَمَنُهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ (اهـ) . [تَنْبِيه نَذْر الْمَشْي لِمَكَانِ مَا ثُمَّ مشى وفرق الطَّرِيق وَالْمُعْتَقَب] قَوْلُهُ: [بَلْ وَلَوْ نَذَرَهُ لِصَلَاةٍ] : رُدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ الْقَائِلِ: إنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنُّسُكِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَيَرْكَبُ إنْ شَاءَ، وَقَدْ اعْتَمَدَهُ ابْنُ يُونُسَ وَلَكِنْ اعْتَمَدَ الْأَشْيَاخُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [وَالْحَجَرِ] : أَيْ الْأَسْوَدِ وَأَمَّا الْحَجْرُ بِسُكُونِ الْجِيمِ فَقِيلَ كَالْأَجْزَاءِ الْمُنْفَصِلَةِ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَّا إنْ نَوَى نُسُكًا وَقِيلَ كَالْمُتَّصِلِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ قَاطِنًا بِهَا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ وَيَأْتِي بِعُمْرَةٍ مَاشِيًا فِي رُجُوعِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ خَرَجَ لِلْحِلِّ وَلَوْ رَاكِبًا وَمَشَى مِنْهُ.

وَالْمَقَامِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (إنْ نَوَى نُسُكًا) حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَإِذَا لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مَشَى (مِنْ حَيْثُ نَوَى) الْمَشْيَ مِنْهُ مِنْ بَرَكَةِ الْحَجِّ أَوْ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، (وَإِلَّا) يَنْوِ مَحَلًّا مَخْصُوصًا، (فَمِنْ) الْمَكَانِ (الْمُعْتَادِ) لِمَشْيِ الْحَالِفِينَ بِالْمَشْيِ (وَإِلَّا) يَكُنْ مَكَانًا مُعْتَادًا لِلْحَالِفِينَ (فَمِنْ حَيْثُ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ وَأَجْزَأَ) الْمَشْيُ (مِنْ مِثْلِهِ فِي الْمَسَافَةِ، وَجَازَ) لَهُ (رُكُوبٌ بِمَنْهَلٍ) أَيْ مَحَلِّ النُّزُولِ كَانَ بِهِ مَاءٌ أَوْ لَا، (وَ) رُكُوبٌ (لِحَاجَةٍ) وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَنْهَلِ كَأَنْ يَرْجِعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ أَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ (كَبَحْرٍ) ، أَيْ كَمَا يَجُوزُ لَهُ رُكُوبٌ فِي الطَّرِيقِ لِبَحْرٍ (اُعْتِيدَ) رُكُوبُهُ (لِلْحَالِفِينَ، أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ) أَيْ إلَى رُكُوبِهِ، وَيَسْتَمِرُّ مَاشِيًا (لِتَمَامِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ أَوْ) تَمَامِ (السَّعْيِ) إنْ كَانَ سَعْيُهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، (وَ) لَزِمَ (الرُّجُوعُ) فِي عَامٍ قَابِلٍ لِمَنْ رَكِبَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إنْ نَوَى نُسُكًا] إلَخْ: قَيَّدَ فِي الْغَيْرِ. قَوْلُهُ: (فَمِنْ الْمَكَانِ الْمُعْتَادِ لِمَشْيِ الْحَالِفِينَ) : أَيْ سَوَاءٌ اُعْتِيدَ لِغَيْرِهِمْ أَمْ لَا، وَأَمَّا الْمُعْتَادُ لِغَيْرِهِمْ فَقَطْ فَلَا يَمْشِي مِنْهُ. قَوْلُهُ: [مِنْ مِثْلِهِ فِي الْمَسَافَةِ] : أَيْ لَا فِي الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ. قَوْلُهُ: [رُكُوبٌ بِمَنْهَلٍ] : أَيْ يَرْكَبُ فِي حَوَائِجِهِ ثُمَّ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ يَرْجِعُ لِمَكَانِ نُزُولِهِ وَيَبْتَدِئُ الْمَشْيَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [اُعْتِيدَ رُكُوبُهُ لِلْحَالِفِينَ] : أَيْ سَوَاءٌ اُعْتِيدَ لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ اُعْتِيدَ لِغَيْرِ الْحَالِفِينَ فَلَا يَرْكَبُهُ، وَمِثْلُهُ طَرِيقُ قُرْبَى اُعْتِيدَتْ لِلْحَالِفِينَ سَوَاءٌ اُعْتِيدَتْ لِغَيْرِهِمْ أَمْ لَا، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَانْظُرْ إذَا مَشَى فِي الْقُرْبَى الَّتِي لَمْ تُعْتَدْ هَلْ يَأْتِي بِالْمَشْيِ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ يَنْظُرُ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا رَكِبَ وَيُفَصِّلُ فِيهِ تَفْصِيلَهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ اهـ. قَوْلُهُ: [لِتَمَامِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ] إلَخْ: أَيْ فَحِينَئِذٍ يَرْكَبُ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى، وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهَذَا إنْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ، وَأَمَّا إنْ أَخَّرَهَا عَنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ يَمْشِي فِي رَمْيِ الْجِمَارِ لِكَوْنِ الْمَشْيِ يَنْتَهِي بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ لَمْ يَحْصُلْ. قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ الرُّجُوعُ] إلَخْ: أَيْ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ تُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَنِّفِ: الْأَوَّلُ أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ أَوْ الْمَنَاسِكِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَبْعُدَ جِدًّا بِأَنْ

عَامِ الْمَشْيِ (إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ) طُولًا وَقِصَرًا وَصُعُوبَةً وَسُهُولَةً، (أَوْ) رَكِبَ (الْمَنَاسِكَ) مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ لِعَرَفَةَ وَرُجُوعِهِ مِنْهَا لِمِنًى وَلِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، لِأَنَّ الرُّكُوبَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَنَاسِكَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ. (لِنَحْوِ الْمِصْرِيِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " وَالرُّجُوعُ ": أَيْ يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِلْمِصْرِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ إذَا بُعِّضَ الْمَشْيُ وَرَكِبَ كَثِيرًا، أَوْ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ وَأَوْلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ. وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْقَلِيلِ أَوْ الْبَعِيدِ جِدًّا، وَإِذَا لَزِمَهُ الرُّجُوعُ (فَيَمْشِي مَا رَكِبَ) فِيهِ (إنْ عَلِمَهُ وَإِلَّا) يَعْلَمْهُ، (فَالْجَمِيعَ) أَيْ فَيَجِبُ مَشْيُ جَمِيعِ الْمَسَافَةِ (فِي مِثْلِ مَا عَيَّنَ أَوَّلًا) : أَيْ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ الَّذِي بَعَّضَ الْمَشْيَ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ عَيَّنَ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ بِاللَّفْظِ أَوْ النِّيَّةِ لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مِثْلِ مَا عَيَّنَهُ، (وَإِلَّا) يُعَيِّنْ أَوَّلًا شَيْئًا (فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ) فِي عَامِ الرُّجُوعِ، وَيَمْشِي فِي عُمْرَةٍ وَلَوْ كَانَ صَرَفَ مَشْيَهُ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ وَعَكْسُهُ. وَمَحَلُّ لُزُومِ الرُّجُوعِ لِمَنْ رَكِبَ كَثِيرًا (إنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ) عَلَى مَشْيِ جَمِيعِ الطَّرِيقِ (حِينَ خُرُوجِهِ) أَوَّلَ عَامٍ وَلَوْ فِي عَامَيْنِ (وَإِلَّا) يَظُنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَتْ الْمَسَافَةُ مُتَوَسِّطَةً أَوْ قَرِيبَةً جِدًّا، وَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ لِنَحْوِ الْمِصْرِيِّ، فَلَوْ بَعُدَ جِدًّا كَالْإِفْرِيقِيِّ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ فَقَطْ كَمَا يَأْتِي. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْعَامُ مُعَيَّنًا وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ هَدْيٌ فَقَطْ، الرَّابِعُ: أَنْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ خُرُوجِهِ أَوَّلَ عَامٍ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَطْرَأَ عَلَيْهِ الْعَجْزُ حِينَ يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ هَدْيٌ فَقَطْ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْقَلِيلِ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ لُزُومُ هَدْيٍ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [فِي مِثْلِ مَا عَيَّنَ أَوَّلًا] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْعَامَّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ كَمَا عَلِمْت مِنْ الشُّرُوطِ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ رُجُوعٌ، بَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ فِي تَبْعِيضِ الْمَشْيِ. قَوْلُهُ: [إنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ] إلَخْ: أَيْ وَأَوْلَى لَوْ جَزَمَ بِذَلِكَ فَهَاتَانِ صُورَتَانِ يُضْرَبَانِ فِي خَمْسَةٍ حَالَ الْيَمِينِ أَوْ النَّذْرِ، وَهِيَ مَا إذَا اعْتَقَدَ الْقُدْرَةَ أَوْ ظَنَّهَا أَوْ شَكَّهَا أَوْ تَوَهَّمَهَا أَوْ جَزَمَ بِعَدَمِهَا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ فِي عَامَيْنِ] : أَيْ لَا ثَلَاثَةِ فَأَكْثَرَ فَلَا رُجُوعَ، وَتَعَيَّنَ الْهَدْيُ، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ يَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ظَنِّ الْقُدْرَةِ عَلَى مَشْيِهِ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

خُرُوجِهِ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ بِأَنْ عَلِمَ بِعَجْزِ نَفْسِهِ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ (مَشَى مَقْدُورَهُ فَقَطْ) ، وَلَوْ مِيلًا وَرَكِبَ مَعْجُوزَهُ وَأَهْدَى. وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ يَمِينِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ أَوْ نَوَى أَنْ لَا يَمْشِيَ إلَّا مَقْدُورَهُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلَ عَامٍ وَيَمْشِي مَا اسْتَطَاعَ وَيَرْكَبُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَلَا هَدْيَ (لَا إنْ قَلَّ) الرُّكُوبُ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَفْهُومُ إنْ رَكِبَ كَثِيرًا، بَلْ عَلَيْهِ الْهَدْيُ فَقَطْ (أَوْ بَعُدَ) الْحَالِفُ (جِدًّا؛ كَأَفْرِيقِيٍّ) فَلَا رُجُوعَ إنْ رَكِبَ كَثِيرًا وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَهَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ: " لِنَحْوِ مِصْرِيٍّ "، (كَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى الْمَشْيِ أَصْلًا فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ. (وَ) لَزِمَ (هَدْيٌ فِي الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَمَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَكَالْمِصْرِيِّ إنْ رَكِبَ كَثِيرًا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِيَمْشِيَ مَا رَكِبَهُ إنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِأَنْ عَلِمَ بِعَجْزِ نَفْسِهِ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ شَكَّ] : أَيْ فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ تُضْرَبُ فِي حَالَتَيْنِ وَهُمَا مَا إذَا عَلِمَ الْقُدْرَةَ حِينَ الْيَمِينِ أَوْ ظَنَّهَا فَهَذِهِ سِتٌّ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي اثْنَيْنِ بِمَشْيِ مَقْدُورِهِ فَقَطْ إلَى آخِرِ مَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ يَمِينِهِ] إلَخْ: أَيْ وَأَوْلَى لَوْ اعْتَقَدَهُ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ مَضْرُوبَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ الْخُرُوجِ، وَهِيَ ظَنُّ الْعَجْزِ أَوْ اعْتِقَادُهُ أَوْ الشَّكُّ فِيهِ فَهَذِهِ تِسْعٌ يَمْشِي أَوَّلَ عَامِ مَقْدُورَهُ وَلَا رُجُوعَ وَلَا هَدْيَ، فَجُمْلَةُ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسَةِ الْخُرُوجِ فِي خَمْسَةِ الْحَلِفِ؛ الْعَشَرَةُ الْأُولَى يَرْجِعُ فِيهَا لِمَشْيِ مَا رَكِبَهُ وَيُهْدِي، وَالسِّتَّةُ الَّتِي بَعْدَهَا لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ هَدْيٌ وَالتِّسْعُ الْبَاقِيَةُ لَا رُجُوعَ وَلَا هَدْيَ. قَوْلُهُ: [أَوْ بَعُدَ الْحَالِفُ جِدًّا] : بَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ مِصْرِيٍّ وَأَفْرِيقِيٍّ. وَالْحُكْمُ: أَنَّهُ إنْ قَارَبَ الْمِصْرِيَّ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَإِنْ قَارَبَ الْأَفْرِيقِيَّ يُعْطَى حُكْمَهُ. قَوْلُهُ: [كَأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ] : أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ الْعَوْدِ. تَنْبِيهٌ: مَنْ مَشَى الطَّرِيقَ كُلَّهَا وَلَكِنْ فَرَّقَهَا تَفْرِيقًا غَيْرَ مُعْتَادٍ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ فَيُجْزِئُهُ وَيُهْدِي وَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَقْلًا عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَمْشِي عَقَبَةَ وَيَرْكَبُ أُخْرَى: هَلْ فِي عَامِ عَوْدِهِ يُؤْمَرُ بِمَشْيِ الْجَمِيعِ نَظَرًا لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الرَّاحَةِ بِالرُّكُوبِ الْمُعَادِلِ لِلْمَشْيِ. فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمْشِ أَصْلًا، أَوْ يَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فَقَطْ؟ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، قَوْلَانِ مَحَلُّهُمَا إذَا عَرَفَ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ وَإِلَّا

ظَنَّ الْقُدْرَةَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْجَمِيعِ مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ مَعْجُوزَهُ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ. وَإِنْ رَكِبَ قَلِيلًا فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ هَدْيٌ كَالْبَعِيدِ جِدًّا وَمَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَشْيِ أَصْلًا، (إلَّا فِيمَنْ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ أَوْ) رَكِبَ (الْإِفَاضَةَ) أَيْ فِي حَالِ نُزُولِهِ مِنْ مِنًى لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، (فَمَنْدُوبٌ) فِي حَقِّهِ الْهَدْيُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ الَّذِي رَكِبَ الْمَنَاسِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَاَلَّذِي رَكِبَ الْإِفَاضَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رُجُوعٌ. وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ قَوْلَهُ: (كَتَأْخِيرِهِ) : أَيْ كَمَا يُنْدَبُ تَأْخِيرُ الْهَدْيِ (لِرُجُوعِهِ) أَيْ أَنَّ مَنْ رَكِبَ كَثِيرًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِيَمْشِيَ مَا رَكِبَ، يُنْدَبُ لَهُ تَأْخِيرُ الْهَدْيِ لِعَامِ رُجُوعِهِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْجَابِرِ النُّسُكِيِّ وَالْمِثَالِيِّ، فَإِنْ قَدَّمَهُ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ أَجْزَأَهُ، (وَلَا يُفِيدُهُ) فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ عَنْهُ (مَشَى الْجَمِيعَ) : أَيْ جَمِيعَ الْمَسَافَةِ فِي عَامِ الرُّجُوعِ. (فَإِنْ أَفْسَدَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ مَا أَحْرَمَ بِهِ ابْتِدَاءً مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِوَطْءٍ أَوْ إنْزَالٍ (أَتَمَّهُ) فَاسِدًا كَمَا تَقَدَّمَ، (وَمَشَى) وُجُوبًا (فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ) الشَّرْعِيِّ كَالْجُحْفَةِ فَقَطْ، وَلَا يَمْشِي جَمِيعَ الْمَسَافَةِ وَلَا يَرْكَبُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِنْ مَشَى فِيهِ فِي عَامِ الْفَسَادِ، (وَإِنْ فَاتَهُ) الْحَجُّ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ وَقَدْ كَانَ نَذَرَ مَشْيًا مُطْلَقًا، أَوْ حَنِثَ بِهِ أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَكِنَّهُ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَشَى الْجَمِيعَ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْجَمِيعِ] إلَخْ: أَيْ فِي الصُّوَرِ السِّتِّ. قَوْلُهُ: [أَتَمَّهُ فَاسِدًا] : أَيْ وَلَوْ رَاكِبًا لِأَنَّ إتْمَامَهُ لَيْسَ مِنْ النَّذْرِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ لِإِتْمَامِ الْحَجِّ. قَوْلُهُ: [وَمَشَى وُجُوبًا فِي قَضَائِهِ الْمِيقَاتَ] إلَخْ: أَيْ إنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ عَامَ الْفَسَادِ: وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحْرَمَ فِي الْفَاسِدِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ مَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ لِتَسَلُّطِ الْفَسَادِ عَلَى مَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَ يُؤْمَرُ بِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَامَ الْقَضَاءِ لِلْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ هَكَذَا قِيلَ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِحْرَامِ وَالْمَشْيِ يُؤَخَّرُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ لِلَّهِ لِلْمِيقَاتِ، لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا، وَالْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً] : مَفْهُومُهُ لَوْ عَيَّنَ الْحَجَّ فِي نَذْرِهِ مَاشِيًا

فَفَاتَهُ (تَحَلَّلَ) مِنْهُ (بِعُمْرَةٍ) ، وَقَضَى فِي قَابِلٍ (وَرَكِبَ) الْمَسَافَةَ (فِي قَضَائِهِ) أَيْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ نَذْرَهُ قَدْ انْقَضَى وَهَذَا الْقَضَاءُ لِلْفَوَاتِ، (وَعَلَى الصَّرُورَةِ) وُجُوبًا وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ (إنْ أَطْلَقَ) فِي نَذْرِهِ الْمَشْيَ أَوْ فِي يَمِينِهِ، وَحَنِثَ بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ مَشْيَهُ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ (جَعَلَهُ) أَيْ جَعَلَ مَشْيَهُ (فِي عُمْرَةٍ) لِيَنْقَضِيَ بِهَا نَذْرَهُ، (ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لِيَنْقَضِيَ فَرْضُهُ وَيَكُونَ مُتَمَتِّعًا إنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَمَفْهُومُ: " إنْ أَطْلَقَ " أَنَّهُ إنْ قَيَّدَ فَإِنْ قَيَّدَ، بِعُمْرَةٍ مَشَى فِيهَا وَحَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مَنْ عَلَيْهِ كَالْمُطْلَقِ، وَإِنْ قَيَّدَ بِحَجٍّ صَرَفَهُ فِيهِ وَحَجَّ لِلضَّرُورَةِ، فِي قَابِلٍ، فَإِنْ نَوَى بِهِ نَذْرَهُ وَحَجَّةَ الْإِسْلَامِ مَعًا أَجْزَأَ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ، وَقِيلَ: لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُمَا التَّأْوِيلَانِ فِي كَلَامِهِ. وَأَمَّا الْمُطْلَقُ إذَا نَوَاهُمَا مَعًا أَجْزَأَ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ اتِّفَاقًا. (وَوَجَبَ) عَلَى النَّاذِرِ أَوْ الْحَانِثِ فِي يَمِينِهِ (تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ) بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي قَيَّدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفَاتَهُ فَإِنَّهُ يَرْكَبُ فِي قَضَائِهِ إلَّا فِي الْمَنَاسِكِ فَإِنَّهُ يَمْشِيهَا وَالْمُرَادُ بِالْمَنَاسِكِ مَا زَادَ عَلَى السَّعْيِ الْوَاقِعِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [تَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ] : أَيْ وَيَمْشِي لِتَمَامِ سَعْيِهَا لِيَخْلُصَ مِنْ نَذْرِ الْمَشْيِ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ وَجَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِيهَا ابْتِدَاءً، وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [أَيْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ] : اُخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْمَنَاسِكِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ. قَوْلُهُ: [وَعَلَى الصَّرُورَةِ وُجُوبًا] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ وَالْجَلَّابِ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي، وَمَفْهُومُ الصَّرُورَةِ أَنَّ غَيْرَهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَعَلَ مَشْيَهُ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ النَّذْرَ فِي عُمْرَةٍ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فِي حَجٍّ. قَوْلُهُ: [أَجْزَأَ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ اتِّفَاقًا] : إنَّمَا اُتُّفِقَ عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي الْمُطْلَقِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُقَيَّدِ مَعَ أَنَّ التَّشْرِيكَ مَوْجُودٌ حَالَ الْإِطْلَاقِ لِقُوَّةِ النَّذْرِ بِالتَّقْيِيدِ، فَشَابَهَ الْفَرْضَ الْأَصْلِيَّ فَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ لِعَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِالنِّيَّةِ. قَوْلُهُ: [مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ] إلَخْ: أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ

بِهِ (فِي) قَوْلِهِ: (أَنَا مُحْرِمٌ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، (أَوْ أُحْرِمُ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (إنْ قَيَّدَ) لَفْظًا أَوْ نِيَّةً (بِوَقْتٍ) كَرَجَبٍ، (أَوْ مَكَان) كَبِرْكَةِ الْحَجِّ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الصَّبْرُ لِلْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ أَوْ الْمَكَانِيِّ. وَحَاصِلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ أَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ أَوْ قَالَ: فَعَلَيَّ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَهَذَا لَا يُحْرِمُ إلَّا فِي الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ أَوْ الْمَكَانِيِّ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَإِنِّي مُحْرِمٌ أَوْ فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ أُحْرِمُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ أَوْ مِنْ بِرْكَةِ الْحَجِّ لَزِمَهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ فِي رَجَبٍ فِي الْأَوَّلِ، وَمِنْ بِرْكَةِ الْحَجِّ فِي الثَّانِي وَمِنْهُمَا إنْ قَيَّدَ بِهِمَا مَعًا: وَمَفْهُومُ: " قَيَّدَ "، إلَخْ أَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ فَلَمْ يُقَيِّدْ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان، فَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَوْ الَّذِي حَنِثَ فِيهِ عُمْرَةً كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ، أَوْ فَأَنَا أُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ، فَكَلَّمَهُ، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُحْرِمَ أَوْ أَنِّي مُحْرِمٌ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْجِيلُ مِنْ وَقْتِ النَّذْرِ أَوْ الْحِنْثِ فِي أَيِّ مَكَان كَانَ بِشَرْطِ أَنْ يَجِدَ رُفْقَةً يَسِيرُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا أَخَّرَ حَتَّى يَجِدَ رُفْقَةً. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (كَالْعُمْرَةِ) يَجِبُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بِهَا مِنْ وَقْتِ الْحِنْثِ ـــــــــــــــــــــــــــــQسَوَاءٌ وَجَدَ رُفْقَةً يَسِيرُ مَعَهُمْ أَمْ لَا، وَلَا يُؤَخَّرُ لِلْمِيقَاتِ وَلَا لِوُجُودِ رُفْقَةٍ لِأَنَّ الْقَيْدَ قَرِينَةٌ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ] : أَيْ بِالْمَشْيِ. قَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ فَعَلَيَّ الْإِحْرَامُ] إلَخْ: أَيْ فِي صِيغَةِ نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ. قَوْلُهُ: [لَا يُحْرِمُ إلَّا فِي الْمِيقَاتِ] إلَخْ: أَيْ وَيُكْرَهُ لَهُ التَّعْجِيلُ قَبْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [لَزِمَهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ وَاسْمَ الْفَاعِلِ يَحْتَمِلَانِ الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ فَحُمِلَا عَلَى الْحَالِ احْتِيَاطًا. قَوْلُهُ: [فَلَمْ يُقَيَّدْ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ أُتِيَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ أَوْ اسْمِ الْفَاعِلِ. قَوْلُهُ: [فِي أَيِّ مَكَان] : أَيْ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ الْعَامُ كُلُّهُ وَقْتٌ لَهَا فَلَا يَتَوَقَّفُ إحْرَامُهُ إلَّا عَلَى الرُّفْقَةِ الَّذِينَ يَسِيرُ مَعَهُمْ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَخَّرَ] : أَيْ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ ذَلِكَ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ.

[مالا يلزم من النذر المباح والمكروه]

أَوْ النَّذْرِ فِي مَكَانِهِ، (إنْ أَطْلَقَ وَوَجَدَ رُفْقَةً) ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَوْ الَّذِي حَنِثَ فِيهِ حَجًّا فَلَا يُعَجِّلُ الْإِحْرَامَ بِهِ مِنْ وَقْتِهِ، بَلْ يُؤَخِّرُهُ لِأَشْهُرِهِ ثُمَّ يُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ تَعْجِيلًا إنْ كَانَ يَصِلُ فِي عَامِهِ كَالْمِصْرِيِّ، وَإِلَّا فَفِي الْوَقْتِ الَّذِي إذَا خَرَجَ مِنْهُ وَصَلَ فِي عَامِهِ لِمَكَّةَ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لَا الْحَجِّ) فَلَا يُعَجِّلُهُ وَقْتَ النَّذْرِ أَوْ الْحِنْثِ إنْ أَطْلَقَ وَإِذَا لَمْ يُعَجِّلْهُ (فَلِأَشْهُرِهِ) أَيْ الْحَجِّ الَّتِي مَبْدَؤُهَا شَوَّالٌ فَلْيُعَجِّلْهُ أَوَّلَهَا فِي مَكَان، (إنْ كَانَ يَصِلُ) لِمَكَّةَ مِنْ عَامِهِ كَالْمِصْرِيِّ (وَإِلَّا) يَصِلْ بِأَنْ كَانَ بَعِيدًا (فَالْوَقْتُ) : أَيْ فَيُحْرِمُ مِنْ الْوَقْتِ (الَّذِي) إذَا خَرَجَ فِيهِ (يَصِلُ فِيهِ) مِنْ لِمَكَّةَ عَامَهُ، (وَأَخَّرَهُ) أَيْ الْإِحْرَامَ (فِي) نَذْرِ (الْمَشْيِ) أَوْ الْحِنْثِ بِهِ (لِلْمِيقَاتِ) الْمَكَانِيِّ وَالزَّمَانِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ صَدْرَ الْحَاصِلِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ النَّذْرِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَلْزَمُ) النَّذْرُ (بِمُبَاحٍ) نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ لَآكُلَن هَذَا الرَّغِيفَ أَوْ لَيَطَأَن زَوْجَتَهُ. (أَوْ مَكْرُوهٍ) : نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ، أَوْ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا لِأُصَلِّيَن رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ فَرْضِ الْعَصْرِ أَوْ الصُّبْحِ، أَوْ لَأَقْرَأَن فِي السِّرِّيَّةِ بِالْجَهْرِ أَوْ الْعَكْسُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ. وَنَذْرُ الْحَرَامِ حَرَامٌ قَطْعًا وَكَذَا الْمُبَاحُ وَالْمَكْرُوهُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ. يُكْرَهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ غَيْرُ لَازِمٍ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ. (وَلَا) يَلْزَمُ النَّذْرُ (بِمَا لِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا) أَوْ رُكْنِهَا، (أَوْ) نَذْرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [ثُمَّ يُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ تَعْجِيلًا] : أَيْ إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِأَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَوَجَدَ الرُّفْقَةَ هَكَذَا. يَنْبَغِي لِأَنَّهُ {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . قَوْلُهُ: [وَأَخَّرَهُ أَيْ الْإِحْرَامَ] إلَخْ: أَيْ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ قَدْ عُلِمَتْ مِنْ الشَّارِحِ. [مَالًا يَلْزَم مِنْ النَّذْر الْمُبَاح وَالْمَكْرُوه] قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْمُبَاحُ وَالْمَكْرُوهُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ] : أَيْ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرًا لِمَعَالِمِ الشَّرِيعَةِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُكْرَهُ] : وَبَقِيَ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ تَبَعِيَّتُهُ لِلْمَنْذُورِ حُرْمَةً وَكَرَاهَةً وَإِبَاحَةً. قَوْلُهُ: [وَلَا يَلْزَمُهُ النَّذْرُ بِمَالِيٍّ] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ أَرَادَ صَرْفَهُ فِي بِنَائِهَا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ لُزُومِ كَفَّارَةِ يَمِينٍ. وَإِنَّمَا كَانَ النَّذْرُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِيهِ لِأَنَّهَا لَا تُنْقَضُ فَتُبْنَى كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَأَمَّا إنْ

(هَدْيٍ) بِلَفْظِهِ أَوْ بَدَنَةٍ بِلَفْظِهَا (لِغَيْرِ مَكَّةَ) كَالْمَدِينَةِ وَقَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا ذَبْحُهُ بِمَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ لِغَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ. فَلَوْ نَذَرَ حَيَوَانًا بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ هَدْيٍ وَلَا بَدَنَةٍ لِنَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ فَلَا يَبْعَثُهُ وَلْيَذْبَحْهُ بِمَوْضِعِهِ. وَلَوْ نَذَرَ جِنْسَ مَا لَا يُهْدَى كَالدَّرَاهِمِ وَالثِّيَابِ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ بِذَلِكَ الْمَحِلِّ لَزِمَ بَعْثُهُ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ. (أَوْ) نَذْرِ (مَالِ فُلَانٍ) فَلَا يَلْزَمُ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ: إنْ مَلَكْتُهُ) ، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَرَادَ صَرْفَهُ فِي كِسْوَتِهَا وَطِيبِهَا لَزِمَهُ ثُلُثُ مَالِهِ لِلْحَجَبَةِ يَصْرِفُونَهُ فِيهَا إنْ احْتَاجَتْ، فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَيْثُ شَاءَ. وَأَمَّا لَوْ قَالَ: كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِلْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَنْ عَمَّمَ فِي الطَّلَاقِ وَهَذَا إذَا لَمْ يُقَيَّدْ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان، وَأَمَّا إذَا قُيِّدَ بِأَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ أَسْتَفِيدُهُ فِي مُدَّةِ كَذَا وَفِي بَلَدِ كَذَا فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ مَثَلًا، أَوْ صَدَقَةٍ عَلَى الْفُقَرَاء أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، فَقَوْلَانِ. قِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَا يَكْتَسِبُهُ أَوْ يَسْتَفِيدُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَوْ هَذَا الْبَلَدِ وَهُوَ الرَّاجِحُ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ الْقِيَاسُ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّهُ الصَّوَابُ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ يَمِينًا، فَإِنْ كَانَتْ نَذْرًا بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِكُلِّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ أَسْتَفِيدُهُ، فَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِزَمَنٍ أَوْ بَلَدٍ لَزِمَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ مَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدُ، وَهَذَا مَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَدْفُوعَ لَهُ، وَأَمَّا إنْ عَيَّنَهُ كَ لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ عَلَى فُلَانٍ بِكُلِّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ إنْ فَعَلْت فَكُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ لِفُلَانٍ لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا يَكْتَسِبُهُ عَيَّنَ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ لَا، كَانَتْ الصِّيغَةُ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهَا سَوْقُ الْهَدَايَا لِغَيْرِ مَكَّةَ ضَلَالٌ وَمُقَابِلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، جَوَازُ ذَلِكَ لِأَنَّ إطْعَامَ الْمَسَاكِينِ بِأَيِّ بَلَدٍ طَاعَةٌ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَبْعَثُهُ وَلْيَذْبَحْهُ بِمَوْضِعِهِ] : وَأَمَّا نَحْوُ الشَّمْعِ لِلْأَوْلِيَاءِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الِاسْتِصْبَاحُ لِمَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ بِهَا، وَلَا يَلْزَمُ نَذْرُ كِسْوَةِ الْقُبُورِ وَهُوَ

نَوَى ذَلِكَ لَزِمَهُ إذَا مَلَكَهُ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ (كَعَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ) لَمْ يَلْزَمْ بِهِ شَيْءٌ، (إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ) حَالَ قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ (مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) ، أَيْ قِصَّتُهُ مَعَ وَلَدِهِ، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِالْهَدْيِ: كَعَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ أَوْ ابْنِي أَوْ نَوَى الْهَدْيَ أَوْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (فَهَدْيٌ) يَلْزَمُهُ. (وَلَا) يَلْزَمُ نَذْرُ (الْحَفَاءِ أَوْ الْحَبْوِ) كَأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ حَافِيًا أَوْ حَبْوًا (بَلْ يَمْشِي) إلَيْهَا (مُنْتَعِلًا وَنُدِبَ) لَهُ (هَدْيٌ، وَلَغَا) بِالْفَتْحِ فِعْلٌ لَازِمٌ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ: أَيْ بَطَلَ قَوْلُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَسِيرُ أَوْ الذَّهَابُ أَوْ الرُّكُوبُ لِمَكَّةَ (إنْ لَمْ يَقْصِدْ) بِذَلِكَ (نُسُكًا) حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، (فَ) يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ وَ (يَرْكَبُ) جَوَازًا (وَ) لَغَا (مُطْلَقُ الْمَشْيِ) إنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِمَكَّةَ وَلَا الْبَيْتِ وَنَحْوِهِمَا لَفْظًا وَلَا نِيَّةً كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ مَشْيٌ، أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ مَشْيٌ (كَعَلَيَّ مَشْيٌ لِمَسْجِدٍ) سَمَّاهُ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ كَالْأَزْهَرِ، فَإِنَّهُ يُلْغَى وَلَا يَلْزَمُهُ مَشْيٌ لِصَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ (إلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا) بِأَنْ يَكُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَدُونٍ (فَقَوْلَانِ) بِلُزُومِ الْإِتْيَانِ إلَيْهِ لِصَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الْبِدَعِ وَضَيَاعِ الْمَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي خُصُوصًا لَطْخُ الْفِضَّةِ عَلَى الْأَبْوَابِ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَلَا يَضُرُّ قَصْدُ زِيَارَةِ وَلِيٍّ وَاسْتِصْحَابُ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ مَعَهُ لِيُذْبَحَ هُنَاكَ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى فُقَرَاءِ الْمَحَلِّ مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ وَلَا تَعْيِينٍ فِيمَا يَظْهَرُ (اهـ) . قَوْلُهُ: [أَيْ قِصَّتُهُ مَعَ وَلَدِهِ] : هَكَذَا قِيلَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ مَقَامُ الصَّلَاةِ وَهُوَ عِنْدَ الْحِجْرِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [فَهَدْيٌ يَلْزَمُهُ] : مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَحِلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَنْذُورُ نَحْرُهُ حُرًّا وَأَمَّا لَوْ كَانَ رَقِيقًا فَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَعَبْدُ الْغَيْرِ دَاخِلٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُمْلَكُ فَلَا عِوَضَ لَهُ بِخِلَافِ الْقِنِّ فَيَخْرُجُ عِوَضُهُ. قَوْلُهُ: [وَلَغَا] إلَخْ: إنَّمَا أَلْغَى لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِالْمَشْيِ. قَوْلُهُ: [وَلَغَا مُطْلَقُ الْمَشْيِ] : أَيْ لِأَنَّ الْمَشْيَ بِانْفِرَادِهِ لَا طَاعَةَ فِيهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَلْزَمَهُ أَشْهَبُ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ. قَوْلُهُ: [غَيْرَ الثَّلَاثَةِ] : أَيْ لِخَبَرِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ

وَعَدَمِ لُزُومِهِ (أَوْ لِلْمَدِينَةِ) فَيُلْغِي نَذْرَ الْمَشْيِ أَوْ الْإِتْيَانَ إلَيْهَا، (أَوْ) الْمَشْيُ أَوْ الْإِتْيَانُ إلَى (أَيْلَةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ. وَيُقَالُ: إيلِيَاءُ بِالْمَدِّ، وَقَدْ يُقْصَرُ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَيُلْغَى (إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا) أَوْ اعْتِكَافًا (بِمَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّيهِمَا) أَيْ الْمَسْجِدَيْنِ كَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ أَوْ سَمَّى الْمَسْجِدَ لَزِمَهُ الذَّهَابُ وَحِينَئِذٍ (فَيَرْكَبُ) وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْأَفْضَلِ) مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ أَمْكِنَتِهَا وَنَذَرَ الْإِتْيَانَ لِلْمَفْضُولِ فَلَا يَلْزَمُهُ. (وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ) مِنْ مَكَّةَ وَمَسْجِدُهَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، (فَمَكَّةُ) تَلِيهَا فِي الْفَضْلِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» . قَوْلُهُ: [أَيْ الْمَسْجِدَيْنِ] : أَيْ لَا الْبَلَدَيْنِ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْبَلَدَيْنِ أَوْ نِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدَيْنِ دُونَ الْمَسْجِدَيْنِ فَلَا تَلْزَمُ. قَوْلُهُ: [وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ] : لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» ، وَلِمَا وَرَدَ فِي دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ كَمَا أَخْرَجَتْنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِلَادِ إلَيْك» ؛ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَمَضَانُ بِالْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهَا مِنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْبُلْدَانِ، وَجُمُعَةٌ بِالْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ جُمُعَةٍ فِيمَا سِوَاهَا مِنْ الْبُلْدَانِ» (اهـ. مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ؛ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي غَيْرِ الْبُقْعَةِ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا هِيَ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ حَتَّى الْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَيَلِيهَا الْكَعْبَةُ، فَالْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْمَسْجِدَانِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْكَعْبَةِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَمَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ حُكْمُ مَسْجِدِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. خَاتِمَةٌ: عَدَمُ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ، قَالَ مَالِكٌ: الْقُفُولُ أَيْ الرُّجُوعُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَالْمُجَاوَرَةُ بِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ، فَلِذَلِكَ اخْتَارَ مَالِكٌ التَّوَطُّنَ بِهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى.

[باب في الجهاد وأحكامه]

بَابٌ فِي الْجِهَادِ وَأَحْكَامِهِ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (كُلَّ سَنَةٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابٌ فِي الْجِهَادِ وَأَحْكَامِهِ] بَابٌ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى النَّذْرِ وَكَانَ هُوَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ الْمُعَيَّنَةِ لِلْجِهَادِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " وَتَعَيَّنَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ وَبِفَجْءِ الْعَدُوِّ " أَعْقَبَهُ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ وَهُوَ لُغَةً: التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ. وَاصْطِلَاحًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قِتَالُ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حُضُورِهِ لَهُ أَوْ دُخُولِهِ أَرْضَهُ (اهـ) . وَاعْتَرَضَ قَوْلَهُ فِي التَّعْرِيفِ: لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَاتَلَ لِلْغَنِيمَةِ أَوْ لِإِظْهَارِ الشُّجَاعَةِ مَثَلًا لَا يُعَدُّ مُجَاهِدًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ حَيْثُ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُهَا حَيْثُ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: هَذَا بَعِيدٌ، وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيَّنُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا مِنْ شُرُوطِ مَنْ يُسْهَمُ لَهُ كَوْنُهُ مُقَاتِلًا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْجِهَادِ الْكَامِلِ، وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْجِهَادُ إلَّا لِلَّهِ لَا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ فَتَدَبَّرْ (اهـ. بِتَصَرُّفٍ) . وَاعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَانَ حَرَامًا، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ لِمَنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ مُطْلَقًا (اهـ. مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ) وَأَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] قَوْلُهُ: [لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ] : بَيَانٌ لِأَعْلَى الْمَقَاصِدِ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: [كُلَّ سَنَةٍ] : أَيْ بِأَنْ يُوَجِّهَ الْإِمَامُ كُلَّ سَنَةٍ طَائِفَةً، وَيَخْرُجَ بِنَفْسِهِ مَعَهَا أَوْ يُخْرِجَ بَدَلَهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ.

فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ سَنَةً (كَإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ) بِعَرَفَةَ وَالْبَيْتِ وَبَقِيَّةِ الْمُشَاهَدِ كُلَّ سَنَةٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِي. (عَلَى الْمُكَلَّفِ) مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضِ (الْحُرِّ) دُونَ الرَّقِيقِ (الذَّكَرِ) لَا الْأُنْثَى (الْقَادِرِ) لَا الْعَاجِزِ عَنْ ذَلِكَ بِفَقْدِ قُدْرَةٍ أَوْ مَالٍ. (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ) فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَيْ غَيْرُ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْهَا، وَهِيَ: فَنُّ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، لِأَنَّ فِي الْقِيَامِ بِهَا صَوْنًا لِلدِّينِ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ بِهَا: قِرَاءَتُهَا وَحِفْظُهَا وَتَدْوِينُهَا وَتَهْذِيبُهَا وَتَحْقِيقُهَا، وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوٍ وَمَعَانٍ وَبَيَانٍ، لَا عُرُوضٍ وَبَدِيعٍ، وَلَا هَيْئَةٍ وَمَنْطِقٍ. (وَالْفَتْوَى) وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ سَنَةً] : ظَاهِرُهُ مَعَ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ. وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِذْلَالِ الْكَفَرَةِ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ مَعَ الْخَوْفِ، وَنَافِلَةٌ مَعَ الْأَمْنِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَمَا عَلِمْت. وَيَكُونُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنْ اسْتَوَتْ الْجِهَاتُ فِي الضَّرَرِ خُيِّرَ الْإِمَامُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يُرْسِلُ إلَيْهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ كِفَايَةٌ لِجَمِيعِ الْجِهَاتِ وَإِلَّا وَجَبَ فِي الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: [كَإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ] : وَتَحْصُلُ إقَامَتُهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الشَّعِيرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظُوا فَرْضَ الْكِفَايَةِ، نَعَمْ ثَوَابُ الْفَرْضِ يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّتِهِ. قَوْلُهُ: [فَرْضُ كِفَايَةٍ] : أَيْ وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ فِي أَحْكَامِهِ ظَالِمٍ فِي رَعِيَّتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَادِرًا يَنْقُضُ الْعُهُودَ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [عَلَى الْمُكَلَّفِ] إلَخْ: يَشْمَلُ الْكَافِرَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. وَثَمَرَةُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّنَا لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ وَلَا نَسْتَعِينُ بِهِمْ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَى تَرْكِهِ عَذَابًا زَائِدًا عَلَى عَذَابِ الْكُفْرِ، كَمَا يُعَذَّبُونَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا هَيْئَةٍ وَمَنْطِقٍ] : أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَعَلُّمِ الْمَنْطِقِ لِتَوَقُّفِ الْعَقَائِدِ عَلَيْهِ، وَرَدَّ ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ عَقَائِدِ الدِّينِ إلَّا الْعَقِيدَةَ الَّتِي يُشَارِكُ فِيهَا الْعَوَامُّ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ بِصِفَةِ الْمُجَادَلَةِ، فَالْعَقَائِدُ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْنَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مَنْطِقٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَالدَّلِيلُ التَّفْصِيلِيُّ لَا يَنْحَصِرُ فِي التَّرَاكِيبِ الْمَنْطِقِيَّةِ لِأَنَّهَا اصْطِلَاحُ حَدَثٍ كَمَا هُوَ الْحَقُّ.

(وَالْقَضَاءِ) وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، (وَالْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى أَيْ الْخِلَافَةِ مِنْ عَالِمٍ عَدْلٍ فَطِنٍ ذِي هِمَّةٍ قُرَشِيٍّ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يُعْزَلُ إنْ زَالَ وَصْفُهُ مَا لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ، بِخِلَافِ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ وَخَانَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ. (وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) وَهُوَ مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ طَلَبًا جَازِمًا كَالصَّلَاةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) وَهُوَ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ جَزْمًا فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالشَّهَادَةُ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً فَرْضُ كِفَايَةٍ، (وَالْحِرَفِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِرْفَةٍ وَهِيَ الصَّنْعَةُ (الْمُهِمَّةِ) الَّتِي بِهَا صَلَاحُ النَّاسِ؛ كَالْقِيَانَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالنِّجَارَةِ، لَا كَقَصْرِ الثِّيَابِ وَالطَّرْزِ وَالنَّقْشِ. (وَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ) مِنْ غُسْلٍ وَكَفَنٍ وَمُوَارَاةٍ، فَرْضُ كِفَايَةٍ، (وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) فَرْضُ كِفَايَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ] : لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَالْقَضَاءِ. قَوْلُهُ: [وَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى] : سَيَأْتِي بَقِيَّةُ شُرُوطِهَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ. قَوْلُهُ: [وَأَهْلِ الذِّمَّةِ] : أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ مَا دَامُوا تَحْتَ ذِمَّتِنَا. قَوْلُهُ: [وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ] : أَيْ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي، وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى ارْتِكَابِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مَفْسَدَةً، وَأَنْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ. وَالْأَوَّلَانِ شَرْطَانِ لِلْجَوَازِ، وَيَحْرُمُ عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وَالثَّالِثُ شَرْطُ الْوُجُوبِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ عَدَمِ ظَنِّ الْإِفَادَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَمُرْتَكِبُهُ يَرَى تَحْرِيمَهُ، لَا إنْ كَانَ يَرَى حِلَّهُ أَوْ يُقَلِّدَ مَنْ يَقُولُ بِالْحِلِّ. قَوْلُهُ: [تَحَمُّلًا] : أَيْ إنْ اُحْتِيجَ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَأَدَاءً] : أَيْ إنْ كَثُرَ الْمُتَحَمِّلُونَ وَهَلْ تَتَعَيَّنُ بِالطَّلَبِ حِينَئِذٍ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَآيَةُ: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] . قَوْلُهُ: [كَالْقِيَانَةِ] : بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ: وَهِيَ الْحِدَادَةُ كَمَا هُوَ نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ.

[تعين الجهاد متى يفرض الجهاد على المسلمين]

(وَفَكِّ الْأَسِيرِ) مِنْ الْحَرْبِيِّينَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُفَكُّ مِنْهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَسَيَأْتِي رَدُّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ آخِرَ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَتَعَيَّنَ) الْجِهَادُ (بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ) لِشَخْصٍ وَلَوْ عَبْدًا وَامْرَأَةً. (وَ) تَعَيَّنَ أَيْضًا (بِفَجْءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ) . (وَ) تَعَيَّنَ (عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا) عَنْ دَفْعِ الْعَدُوِّ بِأَنْفُسِهِمْ، (وَإِنْ) كَانَ مَنْ فُجِئَ أَوْ مَنْ بِقُرْبِهِ (امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا) . وَتَعَيَّنَ أَيْضًا بِالنَّذْرِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ مَالَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وَالطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ أَنَّهُ يَفْدِي أَوَّلًا بِالْفَيْءِ ثُمَّ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَالِهِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ] : أَيْ وَلَا يَتْبَعُ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ وَمَحَلُّ بَذْلِ جَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ ضَرَرٌ بِذَلِكَ، وَإِلَّا ارْتَكَبَ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ. [تعين الْجِهَاد مَتَى يُفْرَض الْجِهَاد عَلَى الْمُسْلِمِينَ] قَوْلُهُ: [وَلَوْ عَبْدًا وَامْرَأَةً] : وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ: الصَّبِيُّ الْمُطِيقُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، وَيَخْرُجُونَ وَلَوْ مَنَعَهُمْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَرَبُّ الدَّيْنِ إنْ كَانَ مَدِينًا، وَالْمُرَادُ بِتَعَيُّنِهِ عَلَى الصَّبِيِّ: جَبْرُهُ عَلَيْهِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى مَا بِهِ مَصَالِحُهُ لَا عِقَابُهُ عَلَى تَرْكِهِ. قَوْلُهُ: [عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ] : مَحَلٌّ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ يَهْجُمُهُمْ وَإِلَّا فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: [امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا] : أَيْ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّنْ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ فِي الْجِهَادِ الْكِفَائِيِّ. قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ أَيْضًا بِالنَّذْرِ] : أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ السَّفَرِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلَوْ عِلْمًا فَلَا يَخْرُجُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا حَيْثُ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُهُ، وَإِلَّا خَرَجَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا إنْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ. وَلَهُمَا الْمَنْعُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ. وَأَمَّا الْجِهَادُ فَلَيْسَ لِلْكَافِرِينَ الْمَنْعُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ قَصْدِ تَوْهِينِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ وَنَحْوَهَا. وَلَيْسَ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَحِلُّ فِي سَفَرِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ أَنْ

[الدعوة أولا للإسلام]

(وَدَعُوا) أَوَّلًا وُجُوبًا (لِلْإِسْلَامِ) وَلَوْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يُبَادُونَا لِلْقِتَالِ، (وَإِلَّا) قُوتِلُوا بِلَا دَعْوَةٍ. فَإِنْ أَجَابُوا لِلْإِسْلَامِ وَأَسْلَمُوا تُرِكُوا بِمَحَلِّ أَمْنٍ، وَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْهُ (فَالْجِزْيَةُ) تُطْلَبُ مِنْهُمْ. فَإِنْ أَجَابُوا تُرِكُوا وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ (بِمَحَلِّ أَمْنٍ) : أَيْ مَأْمُونٍ بِحَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فِيهِ، إمَّا بِالرَّحِيلِ إلَى بِلَادِنَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُمْ نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَلَا نَخْشَى فِيهِ غَائِلَتَهُمْ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُجِيبُوا لِلْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَوْ أَجَابُوا وَلَكِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي هُمْ فِيهِ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَلَمْ يَرْتَحِلُوا إلَى بِلَادِنَا - (قُوتِلُوا وَقُتِلُوا) . (إلَّا الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ) فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ، (إلَّا إذَا قَاتَلَا قِتَالَ الرِّجَالِ) بِالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ لَا بِرَمْيِ حَجَرٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ قَتَلَا) أَحَدًا مِنْ الْجَيْشِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُمَا. (وَ) إلَّا (الزَّمِنَ) أَيْ الْعَاجِزَ (وَالْأَعْمَى وَالْمَعْتُوهَ) أَيْ ضَعِيفَ الْعَقْلِ وَأَوْلَى الْمَجْنُونُ. (وَ) الشَّيْخَ (الْفَانِيَ) أَيْ الْهَرِمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQيُسَافِرَ لِجِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الدَّيْنِ. [الدَّعْوَة أَوَّلًا لِلْإِسْلَامِ] قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: لَا يَدْعُو لِلْإِسْلَامِ أَوَّلًا إلَّا إذَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يُبَادِرُونَا لِلْقِتَالِ] : أَيْ وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا قَلَّ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ ذَلِكَ كَانَتْ إغَارَةُ سَرَايَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَوْلُهُ: [قُوتِلُوا] : أَيْ شُرِعَ فِي قِتَالِهِمْ وَقَوْلُهُ وَقُتِلُوا أَيْ جَازَ قَتْلُهُمْ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ. [القتال وَمنْ لَا يَجُوز قتله فِي الْجِهَاد] قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا قَاتَلَا قِتَالَ الرِّجَالِ] : اعْلَمْ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ ثَمَانِيَةَ أَحْوَالٍ: لِأَنَّهُمَا: إمَّا أَنْ يَقْتُلَا أَحَدًا أَوْ لَا. وَفِي كُلٍّ: إمَّا بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يُؤْسَرَا أَوْ لَا. فَإِنْ قَتَلَا أَحَدًا جَازَ قَتْلُهُمَا سَوَاءٌ قَاتَلَا بِسِلَاحٍ أَوْ لَا، أَسَرَا أَوْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلَا أَحَدًا فَإِنْ قَاتَلَا بِسِلَاحٍ جَازَ قَتْلُهُمَا أَيْضًا أَسَرَا أَوْ لَا، وَإِنْ قَاتَلَا بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَلَا يَقْتُلَا بَعْدَ الْأَسْرِ اتِّفَاقًا وَلَا فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ فَتَدَبَّرْ.

(وَ) إلَّا (الرَّاهِبَ الْمُنْعَزِلَ) عَنْ النَّاسِ (بِلَا رَأْيٍ) أَيْ تَدْبِيرٍ لِلْحُرُوبِ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ تَدْبِيرٌ وَرَأْيٌ لِلْحَرْبِيِّينَ جَازَ قَتْلُهُ، فَقَوْلُهُ بِلَا رَأْيٍ رَاجِعٌ لِلزَّمِنِ وَمَا بَعْدَهُ. (وَ) إذَا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ فَإِنْ تَعَدَّى أَحَدٌ عَلَى قَتْلِهِمْ (اسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ) لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ ذَنْبًا وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ وَلَا قِيمَةَ وَلَا كَفَّارَةَ. (وَ) إذَا لَمْ يَجُزْ قَتْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (تَرَكَ لَهُمْ الْكِفَايَةَ) أَيْ مَا يَكْفِيهِمْ (وَلَوْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ) وَقَدَّمَ مَالَهُمْ عَلَى مَالِ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ زِيَادَةٌ عَلَى كِفَايَتِهِمْ جَازَ أَخْذُهَا وَتُخَمَّسُ. (وَإِنْ حِيزُوا) فِي الْمَغْنَمِ لِأَنَّهُمْ - وَإِنْ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ يَجُوزُ أَسْرُهُمْ - إلَّا الرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمَا وَلَا أَسْرُهُمَا بِشَرْطِ الْعُزْلَةِ وَعَدَمِ الرَّأْيِ - (فَقِيمَتُهُمْ) عَلَى قَاتِلِهِمْ بَعْدَ الْحَوْزِ يَجْعَلُهَا الْإِمَامُ فِي الْغَنِيمَةِ. (وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ) الْمُنْعَزِلَانِ بِلَا رَأْيٍ (حُرَّانِ) لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمَا وَلَا أَسْرُهُمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [الْمُنْعَزِلَ عَنْ النَّاسِ] : يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ رُهْبَانِ الْكَنَائِسِ الْمُخَالِطِينَ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ. وَاقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ تِلْكَ السَّبْعَةِ يُفِيدُ قَتْلَ الْأُجَرَاءِ وَالْحَرَّاثِينَ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُقْتَلُونَ بَلْ يُؤْسَرُونَ، قَالَ (بْن) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ فِي حَالٍ، وَأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ بِنَظَرِ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ وَلَا قِيمَةَ] إلَخْ: أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّاهِبِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي (ر) . وَمَا فِي الْخَرَشِيِّ مِنْ أَنَّ الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ يَلْزَمُ دِيَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ فَهُوَ خِلَافُ النَّقْلِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [تَرَكَ لَهُمْ الْكِفَايَةَ] : هَذَا فِيمَنْ لَا يُقْتَلُ وَلَا يُؤْسَرُ، سَوَاءٌ كَانَ لَا يَجُوزُ أَسْرُهُ كَالرَّاهِبِ وَالرَّاهِبَةِ أَوْ يَجُوزُ أَسْرُهُ وَلَكِنْ تُرِكَ مِنْ غَيْرِ أَسْرٍ كَالْبَاقِي، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُمْ الْكِفَايَةَ فَقَطْ لَا كُلَّ مَا لَهُمْ هُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ يَتْرُكُ لَهُمْ أَمْوَالَهُمْ كُلَّهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [جَازَ أَخْذُهَا] : أَيْ عَلَى مَا شَهَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ.

[ما يحرم في الجهاد والأخذ من الغنيمة]

وَإِنْ كَانَ لَا دِيَةَ وَلَا قِيمَةَ عَلَى قَاتِلِهِمَا. (بِآلَةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " قُوتِلُوا ". وَالْمُرَادُ بِالْآلَةِ: جَمِيعُ أَنْوَاعِ السِّلَاحِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ كَمِقْلَاعٍ وَمَنْجَنِيقٍ، (وَقَطْعِ مَاءٍ) عَنْهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ لِيَغْرَقُوا، (وَبِنَارٍ) لِيُحْرَقُوا. لَكِنْ (إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا) وَإِلَّا لَمْ يُقَاتِلُوا بِهَا (وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ) وَإِلَّا لَمْ يُقَاتِلُوا بِهَا مَخَافَةَ حَرْقِ الْمُسْلِمِ (إلَّا) أَنْ يَكُونُوا (بِالْحِصْنِ مَعَ ذُرِّيَّةٍ وَنِسَاءٍ فَبِغَيْرِهِمَا) أَيْ فَيُقَاتِلُونَ بِغَيْرِ التَّغْرِيقِ بِالْمَاءِ وَالتَّحْرِيقِ بِالنَّارِ نَظَرًا لِحَقِّ الْغَانِمِينَ لِمَا لَهُمْ فِي الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِنْ حَقٍّ. (فَإِنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ) أَيْ الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ (تُرِكُوا) بِلَا قِتَالٍ؛ لِحَقِّ الْغَانِمِينَ (إلَّا لِشِدَّةِ خَوْفٍ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ مُطْلَقًا بِكُلِّ شَيْءٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ (وَ) إنْ تَتَرَّسُوا (بِمُسْلِمٍ) قُوتِلُوا (وَقَصَدَ غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ التُّرْسِ الْمُسْلِمُ بِالرَّمْيِ، وَلَا يَجُوزُ رَمْيُ التُّرْسِ وَلَوْ خِفْنَا عَلَى بَعْضِ الْمُغَازِينَ، (إلَّا لِخَوْفٍ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ) فَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ وَيُرْمَى عَلَى الْجَمِيعِ. (وَحَرُمَ فِرَارٌ) مِنْ الْعَدُوِّ (إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ) مِنْ عَدَدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ لَا دِيَةَ وَلَا قِيمَةَ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلْخَرَشِيِّ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَمْ يُقَاتِلُوا بِهَا] : مَا لَمْ يُخَفْ مِنْهُمْ وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ الْمُقَاتَلَةُ بِهَا. قَوْلُهُ: [مَخَافَةَ حَرْقِ الْمُسْلِمِ] : أَيْ وَلَوْ خِفْنَا مِنْهُمْ كَمَا لِابْنِ الْحَاجِبِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ (اهـ) وَلَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَعْظُمْ الضَّرَرُ فَيَرْتَكِبُ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ فِيمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ قُوتِلُوا] : أَيْ وَأَوْلَى إنْ تَتَرَّسُوا بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: [وَيُرْمَى عَلَى الْجَمِيعِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ حِينَئِذٍ رَمْيُ التُّرْسِ وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. [مَا يحرم فِي الْجِهَاد والأخذ مِنْ الْغَنِيمَة] قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ فِرَارٌ] : أَيْ فِي الْجِهَادِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ كِفَائِيًّا أَوْ عَيْنِيًّا؛ لِأَنَّ الْكِفَائِيَّ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ. قَوْلُهُ: [إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ] : أَيْ مَا لَمْ يَنْفَرِدْ الْكُفَّارُ بِالْمَدَدِ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ.

الْكُفَّارِ؛ فَلَا يَفِرُّ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ، وَلَا عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الأنفال: 66] الْآيَةُ (وَلَمْ يَبْلُغُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) ، فَإِنْ بَلَغُوهَا حَرُمَ الْفِرَارُ وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا. (إلَّا) شَخْصًا (مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ) : أَيْ أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْهَزِيمَةَ لِيَتْبَعَهُ الْكَافِرُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ، فَاللَّامُ فِي الْقِتَالِ لِلْعِلَّةِ (أَوْ) شَخْصًا (مُتَحَيِّزًا لِفِئَةٍ) أَيْ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَهَذَا (إنْ خَافَ) الْمُتَحَيِّزُ مِنْ الْعَدُوِّ خَوْفًا بَيِّنًا وَقَرُبَ الْمُنْحَازُ إلَيْهِ. وَ (حَرُمَ الْمُثْلَةُ) : أَيْ التَّمْثِيلُ بِالْكَافِرِ بِقَطْعِ أَنْفِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ تَمْثِيلٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا جَازَ. (وَ) حَرُمَ (حَمْلُ رَأْسٍ) مِنْ كَافِرٍ (لِبَلَدٍ) آخَرَ غَيْرِ الَّتِي وَقَعَ بِهِ الْقِتَالُ، (أَوْ) حَمَلَهُ إلَى (وَالٍ) أَيْ أَمِيرِ جَيْشٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنْ بَلَغُوهَا حَرُمَ الْفِرَارُ] : أَيْ مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، أَوْ يَنْفَرِدْ الْكُفَّارُ بِالْمَدَدِ. فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ الْكُفَّارُ بِالْمَدَدِ وَلَمْ تَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ وَفَرَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ كَانَ فِرَارُهُ مِنْ الْكَبَائِرِ يُغْفَرُ لَهُ بِالتَّوْبَةِ أَوْ عَفْوِ اللَّهِ، وَأَمَّا لَوْ فَرَّ بَعْدَ نَقْصِ الْعَدَدِ وَاحِدٌ فَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [مُتَحَيِّزًا لِفِئَةٍ] : مَحَلُّ جَوَازِ التَّحَيُّزِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُتَحَيِّزُ الْأَمِيرَ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ شَجَاعَةَ الْأَمِيرِ فِي الثَّبَاتِ. وَشَجَاعَةَ الْجُنْدِ فِي الْوَثَبَاتِ. قَوْلُهُ: [أَيْ التَّمْثِيلُ بِالْكَافِرِ] : أَيْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا جَازَ] : أَيْ التَّمْثِيلُ بِهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: [أَوْ حَمْلُهُ إلَى وَالٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدِ الْقِتَالِ، وَأَمَّا حَمْلُهَا فِي الْبَلَدِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُنْقَلَ إلَى وَالٍ فَجَائِزٌ، بِخِلَافِ الْبُغَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ حَمْلِ الرَّأْسِ لِبَلَدٍ ثَانٍ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، كَاطْمِئْنَانِ قُلُوبِ الْمُجَاهِدِينَ وَالْجَزْمِ بِعَيْنِ الْمَقْتُولِ مَثَلًا وَإِلَّا جَازَ. فَقَدْ حُمِلَ

(وَ) حَرُمَ (سَفَرٌ بِمُصْحَفٍ لِأَرْضِهِمْ) وَلَوْ فِي جَيْشِ أَمْنٍ، خَوْفَ إهَانَتِهِ بِسُقُوطِهِ وَاسْتِيلَاءِ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ. (كَامْرَأَةٍ) يَحْرُمُ السَّفَرُ بِهَا لِأَرْضِهِمْ (إلَّا فِي جَيْشِ أَمْنٍ) . (وَ) حَرُمَ (خِيَانَةُ أَسِيرٍ) عِنْدَهُمْ (ائْتُمِنَ طَائِعًا) أَيْ ائْتَمَنُوهُ فِي حَالِ طَوْعِهِ، (وَلَوْ) ائْتُمِنَ طَائِعًا (عَلَى نَفْسِهِ) بِأَنْ قَالُوا لَهُ: أَمَّنَّاك عَلَى مَالِنَا أَوْ عَلَى أَنْفُسِنَا أَوْ عَلَى نَفْسِك فَرَضِيَ بِذَلِكَ طَائِعًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْهَرَبُ وَلَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِمْ، وَلَا قَتْلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُؤَمِّنُوهُ أَوْ أَمَّنُوهُ كُرْهًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَحَلَّ لَهُ كُلُّ مَا أَخَذَهُ حَتَّى النِّسَاءُ، وَجَازَ وَطْؤُهَا إنْ خَرَجَ بِهَا مِنْ بِلَادِهِمْ. (وَ) حَرُمَ (الْغُلُولُ) بِالضَّمِّ: أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ حَوْزِهَا، وَلَوْ قَلَّ (وَأُدِّبَ) بِالِاجْتِهَادِ (إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ) لَا إنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقَسْمِ وَتَفَرَّقَ الْجَيْشُ. وَرَدَّ مَا أَخَذَ لِلْغَنِيمَةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِتَفْرِيقِ الْجَيْشِ رَدَّ خُمُسَهُ لِلْإِمَامِ وَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي عَنْهُمْ وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ مِنْ خَيْبَرَ لِلْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: [إلَّا فِي جَيْشِ أَمْنٍ] : الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ فَقَطْ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُنَبِّهُ عَنْ نَفْسِهَا عِنْدَ فَوَاتِهَا وَالْمُصْحَفُ قَدْ يَسْقُطُ وَلَا يُشْعَرُ بِهِ. قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ خِيَانَةُ أَسِيرٍ] : أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخِيَانَةُ فِيمَا أَمَّنَ عَلَيْهِ خَاصَّةً. وَسَوَاءٌ كَانَ الِائْتِمَانُ مُصَرَّحًا بِهِ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَمَّنَّاك عَلَى مَالِنَا أَوْ عَلَى كَذَا. أَوْ كَانَ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ كَمَا إذَا أَعْطَى الْأَسِيرَ شَيْئًا يَصْنَعُهُ. قَوْلُهُ: [ائْتُمِنَ طَائِعًا] : إنْ قُلْت: الْفَرْضُ أَنَّهُ أَسِيرٌ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُ طَوْعٌ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيمَنْ أُسِرَ ابْتِدَاءً، فَلَمَّا وَصَلَ لِبِلَادِهِمْ أَحَبُّوهُ وَأَطْلَقُوهُ وَعَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْحَبِيبِ الْمُؤْتَمَنِ. قَوْلُهُ: [جَازَ لَهُ ذَلِكَ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ] : فَإِنْ تَنَازَعَ الْأَسِيرُ وَمَنْ أَمَّنَهُ فَقَالَ الْأَسِيرُ: كُنْت مُكْرَهًا، وَقَالَ الْكَافِرُ: طَائِعًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَسِيرِ - قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ قَوْلُهُ: [لَا إنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقَسْمِ وَتَفَرَّقَ الْجَيْشُ] : أَيْ فَلَا يُؤَدَّبُ بِخِلَافِ

(وَحُدَّ زَانٍ) بِحَرْبِيَّةٍ أَوْ جَارِيَةٍ مِنْ جِوَارِي السَّبْيِ رَجْمًا أَوْ جَلْدًا، (أَوْ سَارِقٌ) لِنِصَابٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِقَطْعِ يَدِهِ (إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) وَلَمْ يَجْعَلُوا كَوْنَهُ مِنْ الْغَانِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الزَّانِيَ لَا يُحَدُّ وَأَنَّ السَّارِقَ لَا يُحَدُّ إلَّا إذَا سَرَقَ فَوْقَ مَنَابِهِ نِصَابًا. (وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ، أَيْ يَجُوزُ لِلْمُحْتَاجِ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْغُلُولِ، (نَعْلًا) يَنْتَعِلُ بِهِ (وَحِزَامًا) يَشُدُّ بِهِ ظَهْرَهُ (وَطَعَامًا) يَأْكُلُهُ (وَنَحْوَهَا) كَعَلَفٍ لِدَابَّتِهِ وَإِبْرَةٍ وَمِخْيَاطٍ وَخَيْطٍ وَقَصْعَةٍ وَدَلْوٍ (وَإِنْ نَعَمًا) يَذْبَحُهُ لِيَأْكُلَهُ، أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَتَاعًا وَيَرُدَّ جِلْدَهُ لِلْغَنِيمَةِ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ (كَثَوْبٍ) يَجُوزُ أَخْذُهُ إنْ احْتَاجَ لِلُبْسِهِ أَوْ لِيَتَغَطَّى بِهِ، (وَسِلَاحٍ) يُقَاتِلُ بِهِ إنْ احْتَاجَ، (وَدَابَّةٍ) يَرْكَبُهَا أَوْ يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَتَاعًا إنْ احْتَاجَ. وَمَحَلُّ جَوَازِ أَخْذِ الثَّوْبِ وَمَا بَعْدَهُ لِلْمُحْتَاجِ، (إنْ قَصَدَ الرَّدَّ) لَهَا بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ لَا إنْ قَصَدَ التَّمَلُّكَ فَلَا يَجُوزُ. (وَرَدَّ) وُجُوبًا (مَا فَضَلَ) عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ كُلِّ مَا أَخَذَهُ مِمَّا قَبْلَ الْكَافِ وَمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQمَجِيئِهِ بَعْدَ تَفَرُّقِ الْجَيْشِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ. وَمَنْ تَابَ بَعْدَ الْقَسْمِ وَافْتِرَاقِ الْجَيْشِ أُدِّبَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ قِيَاسًا عَلَى الشَّاهِدِ يَرْجِعُ بَعْدَ الْحُكْمِ لِأَنَّ افْتِرَاقَ الْجَيْشِ كَنُفُوذِ الْحُكْمِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْغُرْمِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ فِي الْجَيْشِ (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَحُدَّ زَانٍ بِحَرْبِيَّةٍ] : أَيْ فِي بِلَادِهِمْ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ جَارِيَةٍ] إلَخْ: أَيْ بَعْدَ حِيَازَةِ الْمَغْنَمِ فَصَارَ يُحَدُّ لِلزِّنَا مُطْلَقًا قَبْلَ حِيَازَةِ الْمَغْنَمِ أَوْ بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: [إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ] : قَيْدٌ فِي الثَّانِي فَقَطْ، وَأَمَّا السَّرِقَةُ قَبْلَ الْحِيَازَةِ فَلَا حَدَّ فِيهَا لِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ يَجُوزُ لَنَا تَنَاوُلُهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ. قَوْلُهُ: [أَنَّ الزَّانِيَ لَا يُحَدُّ] : أَيْ الزَّانِي بِأَمَةِ السَّبْيِ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْغَانِمِينَ نَظَرًا لِلشُّبْهَةِ، وَأَمَّا الزَّانِي بِالْحَرْبِيَّةِ فَيُحَدُّ بِاتِّفَاقٍ حَيْثُ زَنَى بِهَا فِي مَحَلٍّ يَعْجِزُ عَنْ تَمَلُّكِهَا فِيهِ.

[حكم التخريب والإتلاف لديار العدو وغير ذلك]

بَعْدَهَا (إنْ كَثُرَ) : بِأَنْ سَاوَى دِرْهَمًا فَأَعْلَى لَا إنْ كَانَ تَافِهًا، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) رَدُّهُ (تَصَدَّقَ بِهِ) كُلِّهِ عَنْ الْجَيْشِ وُجُوبًا بَعْدَ إخْرَاجِ خُمُسِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ (وَ) جَازَ (الْمُبَادَلَةُ فِيهِ) : أَيْ فِيمَا أَخَذَهُ الْمُحْتَاجُ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقَسْمِ، (وَإِنْ بِطَعَامٍ رِبَوِيٍّ) فَلِمَنْ أَخَذَ لَحْمًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ قَمْحًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ فَاسْتَغْنَى عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ مِمَّنْ أَخَذَ لِحَاجَتِهِ غَيْرَهُ بِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَلَوْ بِتَفَاضُلٍ فِي رِبَوِيٍّ مُتَّحِدِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أَخَذَ لِلْحَاجَةِ وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ، وَلِذَا لَا يَجُوزُ مُبَادَلَةٌ بَعْدَ الْقَسْمِ إلَّا إذَا خَلَا عَنْ الرِّبَا وَالْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ. (وَ) جَازَ (التَّخْرِيبُ) لِدِيَارِهِمْ بِالْهَدْمِ وَالْإِتْلَافِ (وَالْحَرْقِ وَقَطْعِ النَّخْلِ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّهُمَا مِنْ التَّخْرِيبِ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِتَوَهُّمِ مَنْعِهِمَا، (وَذَبْحُ حَيَوَانٍ) لَهُمْ (وَعَرْقَبَتُهُ وَإِتْلَافُ أَمْتِعَةٍ) مِنْ غَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ، (عَجَزَ عَنْ حَمْلِهَا) أَوْ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا (إنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بَعْدَ إخْرَاجِ خُمُسِهِ] إلَخْ: الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ وَلِابْنِ الْمَوَّازِ يَتَصَدَّقُ مِنْهُ حَتَّى يَبْقَى الْيَسِيرُ، فَإِذَا صَارَ الْبَاقِي يَسِيرًا جَازَ لِذَلِكَ الْآخِذِ أَكْلُهُ كَمَا لَوْ كَانَ الْبَاقِي يَسِيرًا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ أَرْجَحُهَا مَا قَالَهُ شَارِحُنَا. قَوْلُهُ: [وَجَازَ الْمُبَادَلَةُ فِيهِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ مِنْ كَرَاهَتِهَا ابْتِدَاءً، وَمُضِيِّهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَعَلَيْهِ مَشَى التَّتَّائِيُّ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِتَفَاضُلٍ فِي رِبَوِيٍّ] : قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ جَوَازُ اجْتِمَاعِ رِبَا الْفَضْلِ وَالنِّسَاءِ هُنَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَاوَضَةً حَقِيقِيَّةً، ثُمَّ إنَّ جَوَازَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْغُزَاةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ وَاحْتِيجَ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ رِبًا بَلْ يُمْنَعُ وَبِهَذَا قَيَّدَ الْجَوَازَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ. [حُكْم التَّخْرِيب وَالْإِتْلَاف لِدِيَارِ الْعَدُوّ وَغَيْر ذَلِكَ] قَوْلُهُ: [وَذَبْحُ حَيَوَانٍ] إلَخْ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ حَمْلِ مَالِ الْكُفَّارِ أَوْ عَنْ حَمْلِ بَعْضِ مَتَاعِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُتْلِفُونَهُ لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهِ الْعَدُوُّ، وَسَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ. وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَاخْتُلِفَ مَاذَا يَتْلَفُ بِهِ الْحَيَوَانُ فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ: تُعَرْقَبُ أَوْ تُذْبَحُ أَوْ يُجْهَزُ عَلَيْهَا، وَقَالَ الْمَدَنِيُّونَ

أَنْكَى) ذَلِكَ: أَيْ أَغَاظَ الْعَدُوَّ (أَوْ لَمْ تُرْجَ) لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَنْكَى وَلَمْ تُرْجَ نُدِبَ التَّخْرِيبُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَعِنْدَ غَيْرِهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنْ رُجِيَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ تُنْكَ حَرُمَ التَّخْرِيبُ وَتَعَيَّنَ الْإِبْقَاءُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْأَفْضَلُ الْإِبْقَاءُ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ. (وَ) جَازَ (وَطْءُ أَسِيرٍ) فِي أَيْدِيهِمْ (حَلِيلَتَهُ) مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ. وَمَحَلُّهُ (إنْ عَلِمَ) الْأَسِيرُ (سَلَامَتَهَا) مِنْ وَطْءِ الْحَرْبِيِّ. (وَ) جَازَ (الِاحْتِجَاجُ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ) نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} [آل عمران: 64] الْآيَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQيُجْهَزُ عَلَيْهَا وَكَرِهُوا أَنْ تُعَرْقَبَ أَوْ تُذْبَحَ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ دَرَجَ عَلَى قَوْلِ الْمِصْرِيِّينَ، وَأَنَّ (الْوَاوَ) فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى (أَوْ) إذْ لَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُ الذَّبْحِ وَالْعَرْقَبَةُ مَعًا، بَلْ أَحَدُهُمَا كَافٍ وَحَيْثُ تَلِفَ الْحَيَوَانُ بِالْمَوْتِ، وَكَانَ يَظُنُّ رُجُوعَهُمْ إلَيْهِ قَبْلَ فَسَادِهِ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ وَجَبَ التَّحْرِيقُ لِأَنَّ الْقَصْدَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ كَالْأَمْتِعَةِ الَّتِي عَجَزَ عَنْ حَمْلِهَا. قَوْلُهُ: [فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ] : حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صُورَتَيْنِ، وَيُنْدَبُ فِي صُورَةٍ، وَيَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ فِي صُورَةٍ. أَمَّا الْجَوَازُ. فَفِيمَا إذَا أَنْكَتْ وَرُجِيَتْ، وَعَكْسُهُ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ تُنْكَ وَلَمْ تُرْجَ؛ وَالنَّدْبُ فِيمَا إذَا أَنْكَتْ وَلَمْ تُرْجَ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِيهَا بِالْوُجُوبِ، وَاعْتَمَدُوهُ وَالْحُرْمَةُ أَوْ الْكَرَاهَةُ فِيمَا إذَا لَمْ تُنْكَ وَرُجِيَتْ. تَنْبِيهٌ: إتْلَافُ النَّحْلِ فِيهِ صُوَرٌ أَرْبَعٌ: إنْ قُصِدَ بِإِتْلَافِهَا أَخْذُ عَسَلِهَا كَانَ جَائِزًا اتِّفَاقًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ أَخْذُ عَسَلِهَا فَإِنْ قَلَّتْ كُرِهَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَثُرَتْ فَرِوَايَتَانِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهِيَةِ قَوْلُهُ: [وَجَازَ وَطْءُ أَسِيرٍ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ سَبْيَهُمْ لَا يَهْدِمُ نِكَاحَنَا وَلَا يُبْطِلُ مِلْكَنَا، وَأَرَادَ بِالْجَوَازِ عَدَمَ الْحُرْمَةِ وَإِلَّا فَهُوَ مَكْرُوهٌ خَوْفًا مِنْ بَقَاءِ ذُرِّيَّتِهِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ الِاحْتِجَاجُ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ] : أَيْ كَمَا أَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُ كَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ، وَمِثْلُ الْقُرْآنِ الْأَحَادِيثُ.

[حكم الأمان للكافر والمعاهدات الإسلامية]

(وَ) جَازَ (بَعْثُ كِتَابٍ) إلَيْهِمْ (فِيهِ كَالْآيَةِ) وَالْآيَتَيْنِ مِنْ الْقُرْآنِ إنْ أُمِنَ الِامْتِهَانُ وَالسَّبُّ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. (وَ) جَازَ (إقْدَامُ الرَّجُلِ) الْمُسْلِمِ (عَلَى كَثِيرٍ) مِنْ الْكُفَّارِ بِقَصْدِ نَشْرِ دِينِ اللَّهِ حَيْثُ عُلِمَ تَأْثِيرُهُ فِيهِمْ. (وَ) جَازَ (انْتِقَالٌ مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ لِآخَرَ) : أَيْ لِسَبَبِ مَوْتٍ آخَرَ، كَأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ ضَرْبٍ مَثَلًا لِلسُّقُوطِ فِي بِئْرٍ أَوْ بَحْرٍ، (وَوَجَبَ) الِانْتِقَالُ (إنْ رَجَا) بِهِ (حَيَاةً أَوْ طُولَهَا) وَلَوْ مَعَ ضِيقٍ. (وَ) جَازَ (لِلْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ (الْأَمَانُ) لِلْكَافِرِينَ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ الْأَمَانَ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عَلَى كَثِيرٍ] : مُرَادُهُ أَكْثَرُ مِنْ مِثْلَيْهِ، لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى مِثْلَيْهِ وَاجِبٌ وَالْفِرَارُ مِنْهُ كَبِيرَةٌ، وَالْجَوَازُ الْمَذْكُورُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَصْدُ نَصْرِ دِينِ اللَّهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ قَصْدُهُ إظْهَارَ شَجَاعَةٍ وَلَا طَمَعًا فِي غَنِيمَةٍ، ثَانِيهمَا: أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ نِكَايَتُهُ لَهُمْ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ مَاتَ يَكُونُ عَاصِيًا وَإِنْ كَانَ شَهِيدًا ظَاهِرًا. قَوْلُهُ: [مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ] : إنَّمَا عَبَّرَ بِالسَّبَبِ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ وَالتَّعَدُّدُ إنَّمَا هُوَ فِي أَسْبَابِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تَعَدَّدَتْ الْأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدُ فَيَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ بِطَرْحِ نَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ مَثَلًا هُرُوبًا مِنْ النَّارِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ عَلِمَ إنْ اسْتَمَرَّ فِي النَّارِ مَاتَ حَالًا، وَإِنْ رَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ مَاتَ حَالًا. قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ الِانْتِقَالُ إنْ رَجَا] : مُرَادُهُ بِالرَّجَاءِ مَا يَشْمَلُ الشَّكَّ. [حُكْم الأمان لِلْكَافِرِ وَالْمُعَاهَدَات الْإِسْلَامِيَّة] قَوْلُهُ: [الْأَمَانُ لِلْكَافِرِينَ] : عَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَمَانَ بِقَوْلِهِ: رَفْعُ اسْتِبَاحَةِ دَمِ

أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ (لِمَصْلَحَةٍ) اقْتَضَتْهُ تَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ (مُطْلَقًا) إقْلِيمًا أَوْ غَيْرَهُ لِخَاصٍّ أَوْ عَامٍّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَرْبِيِّ وَرِقِّهِ وَمَالِهِ حِينَ قِتَالِهِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ مُدَّةً مَا. فَقَوْلُهُ: رَفْعُ: مَصْدَرٌ مُنَاسِبٌ لِلْأَمَانِ، لِأَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ، وَقَوْلُهُ: اسْتِبَاحَةُ إلَخْ اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ رَفْعِ اسْتِبَاحَةِ دَمِ غَيْرِهِ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقَاتِلِ، وَقَوْلُهُ: وَرِقِّهِ أَخْرَجَ بِهِ الْمُعَاهَدَ، وَقَوْلُهُ: حِينَ قِتَالِهِ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ وَالِاسْتِئْمَانِ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [إقْلِيمًا] : أَيْ عَدَدًا غَيْرَ مَحْصُورٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ الْآتِي

(كَغَيْرِهِ) ، أَيْ الْإِمَامِ يَجُوزُ لَهُ الْأَمَانُ لِمَصْلَحَةٍ (إنْ كَانَ) غَيْرُ الْإِمَامِ (مُمَيِّزًا) : يَصِحُّ أَمَانُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ كَصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَكْرَانَ (طَائِعًا) لَا مُكْرَهًا، فَلَا يَصِحُّ تَأْمِينُهُ (مُسْلِمًا) : فَلَا يَمْضِي تَأْمِينُ كَافِرٍ ذِمِّيٍّ لِأَنَّ كُفْرَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى سُوءِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ، (وَلَوْ) كَانَ الْمُؤْمِنُ الْمُمَيِّزُ الْمُسْلِمُ (صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ) ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَمْضِي، وَقَبْلَ الصَّبِيِّ وَمَا بَعْدَهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ، وَلَكِنْ إنْ وَقَعَ مَضَى إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ. (وَأَمَّنَ) غَيْرُ الْإِمَامِ (دُونَ: إقْلِيمٍ) بِأَنْ أَمَّنَ عَدَدًا مَحْصُورًا وَكَانَ أَمَانُ غَيْرِ الْإِمَامِ (قَبْلَ الْفَتْحِ) أَيْ اسْتِيلَاءِ الْجَيْشِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَالظُّفْرِ بِهَا. (وَإِلَّا) بِأَنْ أَمَّنَ غَيْرُ الْإِمَامِ إقْلِيمًا أَيْ عَدَدًا غَيْرَ مَحْصُورٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ أَقَالِيمِ الدُّنْيَا أَوْ أَمَّنَ عَدَدًا مَحْصُورًا بَعْدَ فَتْحِ الْبَلَدِ، (نَظَرَ الْإِمَامُ) فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَبْقَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيَانُهَا. قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ غَيْرُ الْإِمَامِ مُمَيِّزًا] : حَاصِلُهُ: أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ تِسْعَةُ شُرُوطٍ وَهِيَ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالذُّكُورَةُ، وَالطَّوْعُ، وَلَمْ يَكُنْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ، وَأَمْنٌ دُونَ إقْلِيمٍ، وَكَانَ تَأْمِينُهُ قَبْلَ الْفَتْحِ إذَا أَعْطَى أَمَانًا؛ كَانَ كَأَمَانِ الْإِمَامِ اتِّفَاقًا. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، وَالْمَرْأَةُ وَالرَّقِيقُ، وَالْخَارِجُ عَنْ الْإِمَامِ إذَا أَمِنَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ دُونَ إقْلِيمٍ قَبْلَ الْفَتْحِ فَفِيهِ خِلَافٌ، فَقِيلَ: يَجُوزُ وَيَمْضِي، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَيُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ إنْ وَقَعَ إنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَلَا يَمْضِي اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ مَوْضُوعِ الْخِلَافِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا حُرًّا ذَكَرًا وَأَمِنَ دُونَ إقْلِيمٍ قَبْلَ الْفَتْحِ يَجُوزُ وَيَمْضِي بِاتِّفَاقٍ مَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَحَدُ أَقَالِيمِ الدُّنْيَا] : وَهِيَ سَبْعَةٌ: الْهِنْدُ، وَالْحِجَازُ، وَمِصْرُ، وَبَابِلُ، وَالرُّومُ، وَالتُّرْكُ مَعَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالصِّينِ. وَأَمَّا الْمَغْرِبُ، وَالشَّامُ، وَالْعِرَاقُ، فَمِنْ مِصْرَ بِدَلِيلِ اتِّحَادِ الدِّيَةِ، وَالْمِيقَاتِ وَالْيَمَنُ وَالْحَبَشَةُ مِنْ الْحِجَازِ.

(وَ) إذَا وَقَعَ الْأَمَانُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِشُرُوطِهِ (وَجَبَ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا (الْوَفَاءُ بِهِ) ، فَلَا يَجُوزُ أَسْرُهُمْ وَلَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِمْ إلَّا بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ وَلَا أَذِيَّتُهُمْ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ. (وَسَقَطَ بِهِ) : أَيْ بِالْأَمَانِ، (الْقَتْلُ وَإِنْ) وَقَعَ (مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْفَتْحِ) : فَأَوْلَى إنْ وَقَعَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَتْلِ مِنْ جِزْيَةٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ أَوْ فِدَاءٍ فَلَا يَسْقُطُ إنْ وَقَعَ الْأَمَانُ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ فَلَا يَسْقُطُ الْأَمَانُ بَعْدَهُ إلَّا الْقَتْلُ خَاصَّةً. فَلِذَا قَالَ: (فَيَنْظُرُ) الْإِمَامُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقَتْلِ مِنْ أَسْرٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ جِزْيَةٍ. ثُمَّ الْأَمَانُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ يَكُونُ (بِلَفْظٍ) دَالٍّ عَلَيْهِ نَحْوُ: أَمَّنَّاكَ (أَوْ إشَارَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَكُلُّ إقْلِيمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقَالِيمِ سَبْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي مِثْلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْسَبَ مِنْ ذَلِكَ جَبَلٌ وَلَا وَادٍ. وَالْبَحْرُ الْأَعْظَمُ مُحِيطٌ بِذَلِكَ وَيُحِيطُ بِهِ جَبَلُ قَافٍ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْفَتْحِ] : وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ، وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى مَا قَالَهُ سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ لِمُؤَمِّنِهِ قَتْلُهُ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ عَدَمُ صِحَّةِ أَمَانِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ مُؤَمِّنِهِ. فَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ بِالتَّأْمِينِ بَعْدَ الْفَتْحِ، إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُؤَمِّنِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَتْلُ اتِّفَاقًا - كَذَا فِي التَّوْضِيحِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا غَيْرُ الْقَتْلِ مِنْ جِزْيَةٍ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [مِنْ أَسْرٍ] : أَيْ اسْتِرْقَاقٌ وَيَكُونُونَ غَنِيمَةً. قَوْلُهُ: [أَوْ مَنٍّ] : أَيْ بِأَنْ يَتْرُكَ سَبِيلَهُ وَيَحْسِبَهُ مِنْ الْخُمُسِ. قَوْلُهُ: [أَوْ فِدَاءٍ] : أَيْ مِنْ الْخُمُسِ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ بِالْأُسَارَى الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَوْ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: [أَوْ ضَرْبِ جِزْيَةٍ] : أَيْ عَلَيْهِمْ، وَيُحْسَبُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْخُمُسِ أَيْضًا، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ فَلَيْسَ فِيهِمْ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْفِدَاءُ. قَوْلُهُ: [بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَيْهِ] : أَيْ عَرَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ.

مُفْهِمَةٍ) بِرَأْسٍ أَوْ يَدٍ. (وَلَوْ ظَنَّهُ) : أَيْ الْأَمَانَ (حَرْبِيٌّ) - وَالْحَالُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَمْ يُؤَمِّنْهُ وَإِنَّمَا خَاطَبَ غَيْرَهُ أَوْ خَاطَبَهُ بِكَلَامٍ لَمْ يَفْهَمْهُ - (فَظَنَّ) أَنَّهُ أَمَّنَّهُ (فَجَاءَ) إلَيْنَا مُعْتَمِدًا عَلَى ظَنِّهِ. (أَوْ نَهَى الْإِمَامُ النَّاسَ عَنْهُ) : أَيْ عَنْ الْأَمَانِ (فَعَصَوْا) وَأَمَّنُوا وَاحِدًا أَوْ طَائِفَةً. (أَوْ نَسَوْا) أَنَّ الْإِمَامَ نَهَى عَنْهُ فَأَمَّنُوا (أَوْ جَهِلُوا) نَهْيَهُ أَيْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَأَمَّنُوا، (أَوْ) أَمَّنَهُ ذِمِّيٌّ وَ (ظَنَّ) الْحَرْبِيُّ (إسْلَامَهُ) فَجَاءَ إلَيْنَا مُعْتَمِدًا عَلَى ذَلِكَ (أَمْضَى) الْأَمَانَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ: أَيْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ إنْ شَاءَ، (أَوْ رَدَّ) الْحَرْبِيَّ (لِمَأْمَنِهِ) ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلَا أَسْرُهُ وَلَا سَلْبُ مَالِهِ. (كَأَنْ) : أَيْ كَمَا يُرَدُّ لِمَأْمَنِهِ إنْ (أُخِذَ) حَالَ كَوْنِهِ (مُقْبِلًا) إلَيْنَا (بِأَرْضِهِمْ فَقَالَ: جِئْت لِأَطْلُبَ الْأَمَانَ) مِنْكُمْ، (أَوْ) أُخِذَ (بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَتَعَرَّضُونَ لِتَاجِرٍ) وَمَعَهُ تِجَارَةٌ، (أَوْ) أُخِذَ (بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ أَرْضِنَا وَأَرْضِهِمْ وَقَالَ مَا ذُكِرَ فَيُرَدُّ لِمَأْمَنِهِ. (إلَّا لِقَرِينَةِ كَذِبِ) فَلَا يُرَدُّ، وَيَرَى الْإِمَامُ فِيهِ مَا يَرَاهُ فِي الْأَسْرَى، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مُفْهِمَةٍ] : أَيْ يَفْهَمُ الْحَرْبِيُّ مِنْهَا الْأَمَانَ، وَإِنْ قَصَدَ الْمُسْلِمُ بِهَا ضِدَّهُ. وَيَثْبُتُ الْأَمَانُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ بِبَيِّنَةٍ لَا بِقَوْلِ الْمُؤَمِّنِ كُنْت أَمَّنْتُهُ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ فَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ. قَوْلُهُ: [أَوْ رَدَّ الْحَرْبِيَّ لِمَأْمَنِهِ] : أَوْ لِلتَّخْيِيرِ أَيْ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْضَائِهِ أَوْ رَدِّهِ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي كَانَ فِيهِ قَبْلَ التَّأْمِينِ، سَوَاءٌ كَانَ يَأْمَنُ فِيهِ أَوْ يَخَافُ فِيهِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ فِي حَالِ مُكْثِهِ عِنْدَنَا وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ، أَوَّلًا فِي حَالِ تَوَجُّهِهِ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي كَانَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَخَذَ بَيْنَهُمَا] : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ يَرِدُ فِي هَذِهِ لِمَأْمَنِهِ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا أُخِذَ بِحِدْثَانِ مَجِيئِهِ وَإِلَّا خُيِّرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِاتِّفَاقٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ. قَوْلُهُ: [إلَّا لِقَرِينَةٍ كَذِبٍ] : أَيْ كَوُجُودِ آلَةِ الْحَرْبِ مَعَهُ. تَنْبِيهٌ: إنْ رُدَّ الْمُؤَمَّنُ بِرِيحٍ قَبْلَ وُصُولِهِ لِمَأْمَنِهِ فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ السَّابِقِ حَتَّى يَصِلَ إلَى

[مال المستأمن]

كَمَا إذَا لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ. (وَإِنْ مَاتَ) الْمُؤَمَّنُ (عِنْدَنَا فَمَالُهُ لِوَارِثِهِ إنْ كَانَ مَعَهُ) وَارِثُهُ عِنْدَنَا - دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ أَمْ لَا (وَإِلَّا) يَكُنْ مَعَهُ وَارِثَةٌ (أُرْسِلَ) الْمَالُ (لَهُ) أَيْ لِوَارِثِهِ بِأَرْضِهِمْ (إنْ دَخَلَ) عِنْدَنَا (عَلَى التَّجْهِيزِ) : لِقَضَاءِ مَصَالِحِهِ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَا عَلَى الْإِقَامَةِ عِنْدَنَا، (وَلَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ) عِنْدَنَا (وَإِلَّا) بِأَنْ دَخَلَ عَلَى الْإِقَامَةِ أَوْ عَلَى التَّجْهِيزِ، وَلَكِنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَنَا (فَفَيْءٌ) مَحَلُّهُ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. (وَانْتُزِعَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ (مَا سُرِقَ) : أَيْ مَا سَرَقَهُ مِنَّا مُعَاهَدٌ زَمَنَ عَهْدِهِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، (ثُمَّ عِيدَ) أَيْ رَجَعَ (بِهِ) إلَيْنَا وَيُقْطَعُ إنْ كَانَ هُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَأْمَنِهِ، فَإِذَا قَامَ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إلْزَامُهُ الذَّهَابَ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَمَانِ، وَمِثْلُ الرَّدِّ بِالرِّيحِ رُجُوعُهُ قَبْلَ الْوُصُولِ، وَلَوْ اخْتِيَارًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ. وَأَمَّا إنْ رَجَعَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَأْمَنَهُ بِرِيحٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَقِيلَ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْزَلَهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَقِيلَ: هُوَ حِلٌّ، وَقِيلَ: إنْ رَدَّ غَلَبَةَ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ وَإِنْ رُدَّ اخْتِيَارًا فَهُوَ حِلٌّ. [مَال الْمُسْتَأْمَن] قَوْلُهُ: [وَإِنْ مَاتَ الْمُؤَمَّنُ عِنْدَنَا] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَحْوَالَ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُؤَمَّنَ: إمَّا أَنْ يَمُوتَ عِنْدَنَا، وَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ فِي بَلَدِهِ وَيَكُونَ لَهُ مَالٌ عِنْدَنَا نَحْوُ وَدِيعَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْسَرَ، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: [وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ لِوَارِثِهِ] إلَخْ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ الْأَحْوَالَ الْأَرْبَعَةَ، بَلْ بَيَّنَ حُكْمَ الْحَالَةِ الْأُولَى فَقَطْ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُهَا فَنَقُولُ: أَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ مَا إذَا مَاتَ فِي بَلَدِهِ وَكَانَ لَهُ عِنْدَنَا نَحْوُ وَدِيعَةٍ، فَإِنَّهَا تُرْسَلُ لِوَارِثِهِ، وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ أَسْرُهُ وَقَتْلُهُ، فَمَالُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ وَقَتَلَهُ حَيْثُ حَارَبَ فَأُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ، وَأَمَّا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مَا إذَا قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَسْرٍ، فَفِي مَالِهِ قَوْلَانِ، قِيلَ، يُرْسَلُ لِوَارِثِهِ، وَقِيلَ: فَيْءٌ. وَمَحَلُّهُمَا: إذَا دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ، أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ ذَلِكَ وَلَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ. فَإِنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ وَقُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ مَالُهُ وَلَوْ وَدِيعَةً فَيْئًا قَوْلًا وَاحِدًا.

السَّارِقَ، وَلَوْ شَرَطَ عِنْدَ الْأَمَانِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إنْ سَرَقَ، وَلَا يُوفِي لَهُ بِشَرْطِهِ، بِخِلَافِ مَا أَغَارُوا عَلَيْهِ وَسَلَبُوهُ مِنَّا مِنْ الْأَمْوَالِ أَوْ سَرَقُوهُ فِي غَيْرِ زَمَنِ عَهْدِهِمْ، فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُمْ إنْ دَخَلُوا بِهِ عِنْدَنَا بِأَمَانٍ إلَّا الْحُرَّ الْمُسْلِمَ، فَإِنَّهُ يُنْزَعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِالْقِيمَةِ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ عَدَمِ النَّزْعِ ضَعِيفٌ وَلِذَا قِيلَ: (وَ) اُنْتُزِعَ مِنْ الْمُعَاهَدِ (الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ) الَّذِينَ قَدِمَ بِهِمْ بَعْدَ أَسْرِهِمْ أَوْ سَرِقَتِهِمْ بِالْقِيمَةِ عَلَى فَرْضِ كَوْنِهِمْ أَرِقَّاءً، وَأَمَّا مَا سَرَقَهُ زَمَنَ عَهْدِهِ فَيُنْزَعُ مِنْهُ بِلَا قِيمَةٍ قَوْلًا وَاحِدًا. (وَمَلَكَ) حَرْبِيٌّ دَخَلَ عِنْدَنَا بِأَمَانٍ أَوْ لَا (بِإِسْلَامِهِ) جَمِيعَ مَا بِيَدِهِ مِنْ أَمْوَالِنَا وَغَيْرَهَا كَذِمِّيٍّ وَمَالِهِ (غَيْرَهُمَا) : أَيْ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَمَا سَرَقَهُ مِنَّا أَيَّامَ عَهْدِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُمْ إنْ دَخَلُوا بِهِ عِنْدَنَا بِأَمَانٍ] : أَيْ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهِ، غَايَةُ مَا فِيهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِ مَالِكِهِ اشْتِرَاؤُهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَشِرَاؤُهَا يُفَوِّتُهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَأَمَّا لَوْ قَدِمَ الْحَرْبِيُّ عِنْدَنَا قَهْرًا كَالدَّوْلَةِ الفرنساوية فَإِذَا نَهَبُوا أَمْتِعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَرَادُوا بَيْعَهَا فَلَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا، فَلَهُمْ أَخْذُهَا مِمَّنْ اشْتَرَاهَا بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ مَجَّانًا. وَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهَا بِقَصْدِ الْفِدَاءِ لِرَبِّهَا فَالْأَحْسَنُ أَخْذُهَا بِالْفِدَاءِ، لِأَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ لَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ بِأَخْذِ الْكُفَّارِ لَهَا بِالْقَهْرِ مَا دَامَتْ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ قَائِمَةً بِهَا. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا وَهَبَهُ الفرنساوية مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَمْلِكُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَلَا يَفُوتُ عَلَى مَالِكِهِ بِالْهِبَةِ. بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ بِلَادَنَا بِأَمَانٍ وَبِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَخَذَهَا مِنْهُمْ وَهُوَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إمَّا لِأَنَّ الْأَمَانَ يُحَقِّقُ مِلْكَهُ أَوْ لِأَنَّهُ بِالْعَهْدِ صَارَ لَهُ حُرْمَةٌ لَيْسَتْ لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. بِخِلَافِ مَا بَاعُوهُ أَوْ وَهَبُوهُ فِي دِيَارِهِمْ فَإِنَّ لِرَبِّهِ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَمَجَّانًا فِي الْهِبَةِ. قَوْلُهُ: [إلَّا الْحُرُّ الْمُسْلِمُ] : أَيْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. قَوْلُهُ: [وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ] إلَخْ: هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِابْنِ الْقَاسِمِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْهُمْ الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكُورِ فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ قَدْ عَلِمْتهَا.

[وقف الأرض غير الموات من أرض الزراعة والدور بمجرد الاستيلاء عليها]

فَلَا يَمْلِكُهُمَا وَيُنْزَعَانِ مِنْهُ (وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ غَيْرُ الْمَوَاتِ) : مِنْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ وَالدُّورِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَلَا يَحْتَاجُ وَقْفُهَا لِصِيغَةٍ مِنْ الْإِمَامِ، وَلَا لِتَطْيِيبِ أَنْفُسِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا يَمْلِكُهَا] إلَخْ: أَيْ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ حِينَئِذٍ، وَمِثْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الدَّيْنُ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ، الْوَدِيعَةُ وَمَا اسْتَأْجَرَهُ مِنَّا حَالَ كُفْرِهِ. تَنْبِيهٌ: يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: (غَيْرُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) : أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ وَالْمُكَاتَبُ. لَكِنَّهُ يَجِبُ فِدَاءُ أُمِّ الْوَلَدِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ لِشَبَهِهَا بِالْحُرَّةِ، وَاتَّبَعَتْ ذِمَّةَ سَيِّدِهَا إنْ أَعْسَرَ وَيَمْلِكُ مِنْ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ مَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ مِنْهُمَا، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ حَمَلَ بَعْضَهُ رُقَّ بَاقِيهِ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ فِي الْمُدَبَّرِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهُ وَرُقَّ بَعْضُهُ، بَلْ الْحَقُّ فِيهِ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِزَاعُهُ مِمَّنْ أَسْلَمَ، فَكَذَا وَارِثُهُ. بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ يَصِيرُ حُرًّا بِفَرَاغِ الْأَجَلِ. وَالْمُكَاتَبِ يُعْتَقُ إذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ لَهُ، وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لَهُ، وَلَا شَيْءَ لِسَيِّدِهِ وَالْوَلَاءُ فِي الْجَمِيعِ لِمَنْ عَقَدَ الْحُرِّيَّةَ. [وَقَفَ الْأَرْض غَيْرُ الْمَوَاتِ مِنْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ وَالدُّورِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا] قَوْلُهُ: [بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ] إلَخْ: قَالَ (ر) : لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ: إنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، إذْ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ فِيهَا - هَلْ يَقْسِمُهَا كَغَيْرِهَا

الْمُجَاهِدِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ، وَلَا يُؤْخَذُ لِلدُّورِ كِرَاءٌ، بِخِلَافِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ. وَفَائِدَةُ وَقْفِ الدُّورِ أَنَّهَا لَا تُبَاعُ وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، وَهَذَا مَا دَامَتْ بَاقِيَةً بِأَبْنِيَتِهَا الَّتِي فُتِحَتْ عَلَيْهَا، فَإِنْ تَهَدَّمَتْ وَجُدِّدَ فِيهَا بِنَاءٌ جَازَ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ يَتْرُكُهَا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى وَقْفِهَا تَرْكُهَا غَيْرَ مَقْسُومَةٍ لَا الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْحَبْسُ وَأَقَرَّهُ (بْن) ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ، فَإِنَّهَا تُتْرَكُ لِلْمَصَالِحِ وَلَا مَعْنَى لِلْوَقْفِ وَالتَّحْبِيسِ إلَّا ذَلِكَ. وَهَذَا الْوَقْفُ لَا يَحْتَاجُ لِصِيغَةٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ - كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُؤْخَذُ لِلدُّورِ كِرَاءٌ] : أَيْ هِيَ كَالْمَسَاجِدِ يُقْضَى فِيهَا لِلسَّابِقِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ لِلدُّورِ كِرَاءٌ وَيَكُونَ فِي الْمَصَالِحِ كَخَرَاجِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ

[قسم الغنائم والنظر في الأسرى ومصارف بيت المال وموارده]

وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ كَمَا هُوَ الْآنَ بِمِصْرَ وَمَكَّةَ وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا الْمَوَاتُ فَلَا كَلَامَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا، وَمَنْ أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ لَهُ مِلْكٌ. (كَ) أَرْضِ (مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) : مِنْ كُلِّ مَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. (وَخُمِّسَ غَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ الْأَرْضِ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ قَالَ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] الْآيَةُ. (فَخَرَاجُهَا) : أَيْ الْأَرْضِ، (وَالْخُمُسُ) الْمَذْكُورُ، (وَالْجِزْيَةُ وَعُشْرُ) تِجَارَةِ (أَهْلِ الذِّمَّةِ) ، وَكَذَا عُشْرُ الْحَرْبِيِّينَ إذَا دَخَلُوا عِنْدَنَا بِأَمَانٍ، (وَمَا) : أَيْ وَكُلُّ مَالٍ (جُهِلَتْ أَرْبَابُهُ) وَمَالُ الْمُرْتَدِّ إذَا قُتِلَ لِرِدَّتِهِ (وَتَرِكَةُ مَيِّتٍ لَا وَارِثَ لَهُ) ، مَا أَخَذَهُ الْإِمَامُ فِي نَظِيرِ مَعْدِنٍ أَوْ إقْطَاعٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا كَلَامَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا] : أَيْ وَلَوْ السُّلْطَانَ. [قَسَمَ الْغَنَائِم وَالنَّظَر فِي الْأَسْرَى ومصارف بَيْت الْمَال وَمَوَارِده] . قَوْلُهُ: [فَخَرَاجُهَا] : أَيْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، وَمِثْلُهَا: خَرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ وَلَا تُورَثُ أَرْضُ الْعَنْوَةِ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْفَلَّاحِينَ وَلَهُ وَرَثَةٌ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ الذُّكُورَ تَخْتَصُّ بِالْأَرْضِ دُونَ الْإِنَاثِ كَمَا فِي بَعْضِ قُرَى الصَّعِيدِ - فَإِنَّهُ يَجِبُ إجْرَاؤُهُمْ عَلَى عَادَاتِهِمْ عَلَى مَا يَظْهَرُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ وَالْعُرْفَ صَارَتْ كَإِذْنٍ مِنْ السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ. وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَمْنَعَ الْوَرَثَةَ مِنْ وَضْعِ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهَا وَيُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ فَتْحِ بَابٍ يُؤَدِّي إلَى الْهَرَجِ وَالْفَسَادِ، وَلِأَنَّ لِمُوَرِّثِهِمْ نَوْعَ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَيْضًا الْعَادَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ حُكْمِ السَّلَاطِينِ الْمُتَقَدِّمِينَ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ بِيَدِهِ شَيْءٌ فَهُوَ لِوَارِثِهِ أَوْ لِأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْمَصْلَحَةِ، نَعَمْ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَالْأَمْرُ لِلْمُلْتَزِمِ. وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ فَتَاوَى مَعْزُوَّةٍ لِبَعْضِ أَئِمَّتِنَا كَالشَّيْخِ الْخَرَشِيِّ وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي وَالشَّيْخِ يَحْيَى الشَّاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ، مِنْ أَنَّ أَرْضَ الزِّرَاعَةِ تُورَثُ، فَهِيَ فَتْوَى بَاطِلَةٌ لِمُنَافَاتِهَا مَا تَقَدَّمَ، وَغَالِبُهُمْ قَدْ شَرَحَ هَذَا الْمُخْتَصَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِرْثَ وَلَا بِالْإِشَارَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْفَتَاوَى مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِمْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا (اهـ. بِحُرُوفِهِ) . قَوْلُهُ: [وَالْجِزْيَةُ] : أَيْ عَنْوِيَّةً أَوْ صُلْحِيَّةً.

كُلُّ ذَلِكَ مَحَلُّهُ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يُصْرَفُ (لِآلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) بِقَدْرِ كِفَايَةِ سَنَةٍ أَوْ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَيُنَفَّلُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ لِمَنْعِهِمْ مِنْ؛ الزَّكَاةِ وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ غَيْرِنَا بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلَبِ. (وَلِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِهَادٍ) يُشْتَرَى خَيْلٌ وَسِلَاحٌ وَيُعْطَى لِلْعَسْكَرِ مَا يُنْفِقُونَهُ فِي سَفَرِهِمْ أَوْ رِبَاطِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ، (وَ) مِنْ (قَضَاءِ دَيْنِ مُعْسِرٍ وَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ) لَا مَالَ لَهُ، (وَإِعَانَةِ مُحْتَاجٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) وَهُمْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ لَا سِيَّمَا الْمُنْقَطِعِينَ لِقِرَاءَتِهِ وَتَدْوِينِهِ، وَلِلْإِفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَغَيْرِهِمْ) مِنْ كُلِّ مُحْتَاجٍ وَيَتِيمٍ وَأَرْمَلَ، وَتَزْوِيجِ أَعْزَبَ وَإِعَانَةِ حَاجٍّ، (وَ) مِنْ (مَسَاجِدَ وَقَنَاطِرَ وَنَحْوِهَا) كَحِصْنٍ، وَسُورٍ، وَسُفُنٍ، وَعَقْلِ جِرَاحٍ، وَعِمَارَةِ ثُغُورٍ. (وَالنَّظَرُ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (لِلْإِمَامِ) بِالْمَصْلَحَةِ وَالْمَعْرُوفِ. (وَلَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (النَّفَقَةُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (عَلَى) نَفْسِهِ وَ (عِيَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ) لَا بِالْإِسْرَافِ. (وَبُدِئَ) وُجُوبًا بِالْإِعْطَاءِ (بِمَنْ) : أَيْ الْمُسْتَحَقِّينَ مِنْ آلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ جُبِيَ (فِيهِمْ الْمَالُ) الْخَرَاجُ أَوْ الْجِزْيَةُ أَوْ الْخُمُسُ أَوْ غَيْرُهَا، فَيُعْطَوْنَ كِفَايَةَ سَنَةٍ إنْ أَمْكَنَ، ثُمَّ يُنْقَلُ الْبَاقِي لِغَيْرِهِمْ الْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كُلُّ ذَلِكَ] : أَيْ جَمِيعُ الْعَشَرَةِ التِّسْعَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَالْعَاشِرُ إخْرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ. وَلَا تُضَمُّ لَهَا الزَّكَاةُ بَلْ تُصْرَفُ لِلْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَلَوْ تَوَلَّاهَا السُّلْطَانُ. قَوْلُهُ: [وَعِنْدَ غَيْرِنَا] : أَيْ الشَّافِعِيِّ فَقَطْ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهُمْ فِرَقٌ خَمْسَةٌ: آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ الْحَارِثِ، وَآلُ الْعَبَّاسِ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَهَؤُلَاءِ أَقَلُّ أَفْرَادًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. قَوْلُهُ: [بِالْمَعْرُوفِ] : أَيْ وَلَوْ اُسْتُغْرِقَ الْجَمِيعُ كَمَا قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَبْدَأُ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ؟ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ. أَوْ لَا يُبْدَأُ بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ؟ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرُهَا] : أَيْ مِنْ بَاقِي الْعَشَرَةِ. قَوْلُهُ: [وَالْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ] : أَيْ يَنْقُلُ الْإِمَامُ مِمَّنْ فِيهِمْ الْمَالُ لِغَيْرِهِمْ الْأَكْثَرَ

(وَنَظَرَ) الْإِمَامُ أَيْ لَهُ النَّظَرُ بِالْمَصْلَحَةِ (فِي الْأَسْرَى) غَيْرِ النِّسَاءِ بِأَحَدِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ: (بِمَنٍّ) أَيْ عِتْقٍ. (أَوْ فِدَاءٍ) بِمَالٍ مِنْهُمْ. (أَوْ) ضَرْبِ (جِزْيَةٍ) (أَوْ قَتْلٍ) . (أَوْ اسْتِرْقَاقٍ) وَيُحْسَبُ غَيْرُ الِاسْتِرْقَاقِ مِنْ الْخُمُسِ. (وَنَفَّلَ) الْإِمَامُ (مِنْ الْخُمُسِ) أَيْ لَهُ ذَلِكَ (لِمَصْلَحَةٍ) كَكَوْنِ الْمُنَفَّلِ شُجَاعًا أَوْ ذَا تَدْبِيرٍ وَرَأْيٍ فِي الْحُرُوبِ، أَوْ خُصُوصِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ فِي غَيْرِهِ زِيَادَةً عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. (وَلَا يَجُوزُ) لِلْإِمَامِ (قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ) أَنْ يَقُولَ: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ لِأَنَّهُ يَصْرِفُ نِيَّتَهُمْ لِقِتَالِ الدُّنْيَا، وَلِذَا جَازَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، ـــــــــــــــــــــــــــــQإذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَحْوَجَ مِنْهُ قَوْلُهُ: [غَيْرَ النِّسَاءِ] أَيْ الصِّبْيَانِ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ الْمُقَاتِلِينَ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ فَلَيْسَ فِيهِمْ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ وَالْفِدَاءُ. قَوْلُهُ: [وَيُحْسَبُ غَيْرُ الِاسْتِرْقَاقِ مِنْ الْخُمُسِ] : أَيْ فَيَكُونُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ الِاسْتِرْقَاقِ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ أَخْمَاسًا لِلْمُجَاهِدِينَ وَبَيْتِ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [وَنَفَّلَ الْإِمَامُ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ النَّفَلَ مَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ لِمُسْتَحِقِّهَا لِمَصْلَحَةٍ، وَهُوَ جُزْئِيٌّ وَكُلِّيٌّ، فَالْأَوَّلُ مَا يُعْطِيهِ بِالْفِعْلِ كَأَنْ يَقُولَ خُذْ يَا فُلَانُ هَذَا الدِّينَارَ أَوْ الْبَعِيرَ مَثَلًا، وَالثَّانِي مَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ] : أَيْ يُكْرَهُ لَهُ أَوْ يَحْرُمُ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ عب اعْتِمَادُ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، لِأَنَّ الْقِتَالَ لِأَجْلِ الْغَنِيمَةِ لَيْسَ حَرَامًا، بَلْ خِلَافُ الْأَكْمَلِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ] : أَيْ مَا يُسْلَبُ مِنْ الْمَقْتُولِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْفِعْلِ الْمَاضِي الْمُسْتَقْبَلُ لِأَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، فَمَعْنَى مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مَنْ يَقْتُلُ قَتِيلًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ فَلَا تَجُوزُ فِيهِ، بَلْ هُوَ مَاضِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى مَنْ كَانَ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا.

(وَ) إنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ (مَضَى) وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، (إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ حَوْزِ الْمَغْنَمِ) بِأَنْ لَمْ يُبْطِلْهُ أَصْلًا أَوْ أَبْطَلَهُ بَعْدَ الْحَوْزِ فَإِنْ أَبْطَلَهُ قَبْلَ حَوْزِهِ بَطَلَ وَاعْتُبِرَ إبْطَالُهُ فِيمَا بَعْدَ الْإِبْطَالِ لَا فِيمَا قَبْلَهُ. (وَ) إذَا قُلْنَا بِمُضِيِّهِ أَوْ قَالَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ فَيَكُونُ (لِمُسْلِمٍ فَقَطْ) لَا ذِمِّيٍّ (سَلَبٌ) : وَهُوَ مَا يُسْلَبُ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْمَقْتُولِ (اُعْتِيدَ) مِنْ ثِيَابٍ وَفَرَسٍ يَرْكَبُهَا، وَمِنْطَقَةٍ وَسِلَاحٍ وَدِرْعٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، لَا سِوَارٍ وَصَلِيبٍ وَعَيْنٍ وَدَابَّةٍ غَيْرِ مَرْكُوبَةٍ، وَلَا مَمْسُوكَةٍ لَهُ لِلرُّكُوبِ، بَلْ جَنِيبٍ يُقَادُ أَمَامَهُ لِلِافْتِخَارِ، لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُعْتَادِ وَيَكُونُ لَهُ الْمُعْتَادُ. (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) مُنَادَاةَ الْإِمَامِ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ " (أَوْ تَعَدَّدَ) مَقْتُولُهُ فَلَهُ سَلَبُ الْجَمِيعِ (إنْ لَمْ يُعَيِّنْ) الْإِمَامُ (قَاتِلًا) . (وَإِلَّا) : بِأَنْ عَيَّنَ قَاتِلًا كَأَنْ قَالَ: إنْ قَتَلْت يَا فُلَانُ قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ فَقَتَلَ قَتْلَى (فَالْأَوَّلُ) مِنْهُمْ لَهُ سَلَبُهُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ. (وَلَمْ يَكُنْ) السَّلَبُ (لِكَامْرَأَةٍ) عَطْفٌ عَلَى اُعْتِيدَ، فَإِنْ كَانَ لِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا فِيمَا قَبْلَهُ] : أَيْ فَمَنْ كَانَ قَتَلَ قَتِيلًا قَبْلَ إبْطَالِ الْإِمَامِ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ. قَوْلُهُ: [لَا ذِمِّيٍّ] : أَيْ مَا لَمْ يَنْفُذْهُ لَهُ الْإِمَامُ وَإِلَّا فَيَمْضِي، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ. قَوْلُهُ: [اُعْتِيدَ] : أَيْ وُجُودُهُ مَعَ الْمَقْتُولِ، وَيَثْبُتُ كَوْنُهُ قَتِيلًا بِعَدْلَيْنِ إنْ شَرَطَ الْإِمَامُ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ. قَوْلُهُ: [فَالْأَوَّلُ مِنْهُمْ] : أَيْ إنْ عُلِمَ وَإِلَّا فَنِصْفُ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَتَلَهُمَا مَعًا، وَقِيلَ لَهُ الْأَقَلُّ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ وَالْأَكْثَرُ فِي الثَّانِي، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ قَوْلِهِ: إنْ قَتَلْت يَا فُلَانُ قَتِيلًا وَبَيْنَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مُشْكِلٌ، إذْ فِي كِلَيْهِمَا النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَهِيَ تَعُمُّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ الْفَاعِلَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا عَلَى اتِّسَاعِ الْعَطَاءِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَطَاءُ، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَإِنَّ الْعُمُومَ يُقَوِّي الْعُمُومَ - كَذَا قَرَّرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ.

أَوْ شَيْخٍ فَانٍ أَوْ لِرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إنْ قَاتَلَتْ) مُقَاتَلَةَ الرِّجَالِ بِالسِّلَاحِ، أَوْ قَتَلَتْ إنْسَانًا فَيَكُونُ لِقَاتِلِهَا سَلَبُهَا لِجَوَازِ قَتْلِهَا حِينَئِذٍ، وَكَذَا مَنْ ذُكِرَ مَعَهَا الدَّاخِلُ تَحْتَ الْكَافِ. (كَالْإِمَامِ) : لَهُ سَلَبٌ اُعْتِيدَ، وَلَمْ يَكُنْ لِكَامْرَأَةٍ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، (إنْ لَمْ يَقُلْ) : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا (مِنْكُمْ) ، وَإِلَّا فَلَا سَلَبَ لَهُ لِأَنَّهُ خَصَّ غَيْرَهُ (وَلَمْ يَخُصَّ نَفْسَهُ) ، بِأَنْ قَالَ: إنْ قَتَلْت أَنَا قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ فَلَا سَلَبَ لَهُ لِأَنَّهُ حَابَى نَفْسَهُ. (وَقَسَّمَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ) الْبَاقِيَةَ عَلَى الْجَيْشِ (لِذَكَرٍ) لَا أُنْثَى، (مُسْلِمٍ) لَا ذِمِّيٍّ، (حُرٍّ) لَا رَقِيقٍ، (عَاقِلٍ) لَا مَجْنُونٍ، (حَاضِرٍ) لِلْقِتَالِ لَا غَائِبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ غِيَابُهُ لِتَعَلُّقِهِ بِأَمْرِ الْجَيْشِ كَمَا يَأْتِي. (كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ) يُقْسَمُ لَهُمَا (إنْ قَاتَلَا) بِالْفِعْلِ، (أَوْ خَرَجَا) مَعَ الْجَيْشِ (بِنِيَّتِهِ) أَيْ الْقِتَالِ، وَإِلَّا فَلَا يُسْهَمُ لَهُمَا. (وَصَبِيٍّ) يُسْهَمُ لَهُ (إنْ أَطَاقَهُ) أَيْ الْقِتَالَ، (وَأُجِيزَ) أَيْ أَجَازَهُ الْإِمَامُ، (وَقَاتَلَ) بِالْفِعْلِ وَإِلَّا فَلَا. لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ - وَشَهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ مُطْلَقًا (لَا ضِدَّهُمْ) مِنْ أُنْثَى وَذِمِّيٍّ وَرَقِيقٍ إلَخْ فَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ، وَلَوْ قَاتَلُوا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا أُنْثَى] : أَيْ فَلَا يُسْهَمُ لَهَا، وَلَوْ قَاتَلَتْ إلَّا إذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ عَلَيْهَا بِفَجْءِ الْعَدُوِّ، وَإِلَّا أُسْهِمَ لَهَا كَمَا قَالَ الْجُزُولِيُّ وَمِثْلُهَا الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ. قَوْلُهُ: [حَاضِرٍ لِلْقِتَالِ] : أَيْ وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ بِالْفِعْلِ. قَوْلُهُ: [إنْ قَاتَلَا بِالْفِعْلِ] : وَقِيلَ يَكْفِي فِي الْإِسْهَامِ لَهُمَا شُهُودُ الْقِتَالِ، وَقِيلَ بِعَدَمِ الْإِسْهَامِ لِلْأَجِيرِ مُطْلَقًا وَلَوْ قَاتَلَ؛ فَفِي الْأَجِيرِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَفِي التَّاجِرِ قَوْلَانِ، حَيْثُ كَانَ خُرُوجُهُمَا بِقَصْدِ التِّجَارَةِ وَالْخِدْمَةِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ خُرُوجُهُمَا لِلْغَزْوِ ثُمَّ طَرَأَتْ التِّجَارَةُ وَالْخِدْمَةُ، فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُمَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ قَوْلًا وَاحِدًا. قَوْلُهُ: [أَوْ خَرَجَا مَعَ الْجَيْشِ بِنِيَّتِهِ] : ظَاهِرُهُ كَانَتْ نِيَّةُ الْغَزْوِ تَابِعَةً أَوْ مَتْبُوعَةً، وَاَلَّذِي فِي التَّوْضِيحِ اعْتِمَادُ تَوَقُّفِ الْإِسْهَامِ عَلَى كَوْنِهَا غَيْرَ تَابِعَةٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ وَلَوْ قَاتَلُوا] : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْجَمَاعَةِ الَّذِينَ شَمَلَهُمْ

(كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ) مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ فَرَسٍ لَا يُسْهَمُ لَهُ: (وَأَعْمَى وَأَعْرَجَ وَأَشَلَّ وَأَقْطَعَ) لَا يُسْهَمُ لَهُمْ (إلَّا لِتَدْبِيرٍ) وَرَأْيٍ مِنْهُمْ فِي الْحَرْبِ فَيُسْهَمُ لَهُمْ. (وَمُتَخَلِّفٍ) عَنْ الْجَيْشِ (لِحَاجَةٍ) لَا يُسْهَمُ لَهُ (إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ) الْحَاجَةُ (بِالْجَيْشِ) مِنْ كَزَادٍ وَمَاءٍ وَمَدَدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (بِخِلَافِ ضَالٍّ) عَنْ الْجَيْشِ فَيُسْهَمُ لَهُ (وَإِنْ) ضَلَّ (بِأَرْضِنَا) خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ. (وَمَرِيضٍ شَهِدَ) الْقِتَالَ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ بِالْفِعْلِ، فَإِنْ مَنَعَهُ مَرَضُهُ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَفْظُ الضِّدِّ وَالْمُبَالَغَةُ رَاجِعَةٌ لِغَيْرِ ضِدِّ الْحَاضِرِ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْقِتَالُ مَعَ الْغَيْبَةِ وَرُدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْإِسْهَامِ لَهُمْ حِينَئِذٍ، فَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ حَتَّى فِي الذِّمِّيِّ إذَا قَاتَلَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ. تَنْبِيهٌ: كَمَا لَا يُسْهَمُ لِتِلْكَ الْأَضْدَادِ لَا يُرْضَخُ لَهُمْ. وَالرَّضْخُ: مَالٌ مَوْكُولٌ تَقْدِيرُهُ لِلْإِمَامِ مَحَلُّهُ الْخُمُسُ كَالنَّفْلِ. قَوْلُهُ: [كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ] : أَيْ الْقِتَالِ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ وَلَا يُرْضَخُ لَهُ. قَوْلُهُ: [وَأَعْرَجَ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ أَيْ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا، فَيُسْهَمُ لَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ التَّتَّائِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِلْأَعْرَجِ مُطْلَقًا، وَلَوْ قَاتَلَ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَيَنْبَغِي جَرَيَانُ الْقَيْدِ فِي الْأَعْمَى أَيْضًا. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ الْحَاجَةُ بِالْجَيْشِ] : أَيْ أَوْ بِأَمِيرِهِ كَتَخَلُّفِهِ لِأَجْلِ تَمْرِيضِ ابْنِ الْأَمِيرِ مَثَلًا لِقَضِيَّةِ «عُثْمَانَ حِينَ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرُّجُوعِ لِتَجْهِيزِ زَوْجَتِهِ بِنْتِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَأَسْهَمَ لَهُ» . قَوْلُهُ: [وَإِنْ ضَلَّ بِأَرْضِنَا] : وَمِثْلُهُ مَنْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ لِبَلَدِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُمْ مَعَ أَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ وَصَلُوا وَغَنِمُوا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا: وَلَوْ ضَلَّ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى غَنِمُوا فَلَهُ سَهْمُهُ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ (اهـ.) قَوْلُهُ: [وَمَرِيضٍ شَهِدَ الْقِتَالَ] : أَيْ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضُهُ كَمَا هُوَ السِّيَاقُ سَوَاءٌ

حُضُورِ الْقِتَالِ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ. (كَفَرَسٍ رَهِيصٍ) يُسْهَمُ لَهُ، وَالرَّهْصُ، مَرَضٌ بِبَاطِنِ قَدَمِ الْفَرَسِ لِأَنَّهُ بِصِفَةِ الصَّحِيحِ. (وَ) يُسْهَمُ (لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ) وَلِرَاكِبِهِ بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ سَهْمٌ وَاحِدٌ، (وَإِنْ لَمْ يُسْهَمْ لِرَاكِبِهِ) لِفَقْدِ شُرُوطِهِ (كَعَبْدٍ) وَذِمِّيٍّ، (وَإِنْ) كَانَ الْقِتَالُ (بِسَفِينَةٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخَيْلِ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ الْخُرُوجَ مِنْ السَّفِينَةِ لَقُوتِلَ عَلَيْهَا. (أَوْ) كَانَ الْفَرَسُ (بِرْذَوْنًا) وَهُوَ الْعَظِيمُ الْخِلْقَةِ الْغَلِيظُ الْأَعْضَاءِ، (وَهَجِينًا) وَهُوَ مَا كَانَ أَبُوهُ عَرَبِيًّا وَأُمُّهُ نَبَطِيَّةً أَيْ رَدِيئَةً، وَعَكْسُ الْهَجِينِ - وَهُوَ مَا أُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ وَأَبُوهُ نَبَطِيٌّ - كَذَلِكَ سَهْمَانِ؛ وَيُسَمَّى مُقْرِفًا بِالْفَاءِ اسْمِ فَاعِلٍ مِنْ أَقْرَفَ، (وَصَغِيرًا يَقْدِرُ بِهَا) أَيْ بِالثَّلَاثَةِ (عَلَى الْكَرِّ) عَلَى الْعَدُوِّ (وَالْفَرِّ) مِنْهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَ الْمَرَضُ حَصَلَ بَعْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْغَنِيمَةِ أَوْ حَصَلَ لَهُ فِي ابْتِدَاءِ الْقِتَالِ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى هُزِمَ الْعَدُوُّ، فَفِي الْأُولَى يُسْهَمُ لَهُ اتِّفَاقًا، وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى الرَّاجِحِ. قَوْلُهُ: [كَفَرَسٍ رَهِيصٍ] : أَيْ وَمِثْلُهُ الْفَرَسُ الْمَرِيضُ إذَا رُجِيَ بُرْؤُهُ يُسْهَمُ لَهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ. وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ الْقِتَالَ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا مَنَعَهُ الْمَرَضُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ بِلَا خِلَافٍ. قَوْلُهُ: [وَهَجِينًا] : أَيْ مِنْ الْخَيْلِ لَا الْإِبِلِ إذْ لَا يُسْهَمُ لَهَا وَلَوْ قُوتِلَ عَلَيْهَا بِالْفِعْلِ. تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: إذَا كَانَ الْفَرَسُ مُحْبَسًا فَسَهْمَاهُ لِلْمُقَاتِلِ عَلَيْهِ لَا لِلْمُحْبِسِ، وَلَا فِي مَصَالِحِهِ كَعَلَفٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمَغْصُوبُ سَهْمَاهُ لِلْمُقَاتِلِ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِنْ آحَادِ الْمُجَاهِدِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَسَهْمَاهُ لِرَبِّهِ. الثَّانِي: لَا يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الْأَعْجَفِ وَهُوَ الْهَزِيلُ الَّذِي لَا نَفْعَ بِهِ، وَلَا الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَا الْبَغْلِ وَالْفَرَسِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ سَهْمَاهُ لِلْمُقَاتِلِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ حِصَّةِ الشَّرِيكِ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ.

(وَ) الْغَازِي (الْمُسْتَنَدُ لِلْجَيْشِ) وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ؛ بِأَنْ كَانَ فِي حَالِ انْفِرَادِهِ عَنْهُ سَائِرًا تَحْتَ ظِلِّهِ وَأَمَانِهِ وَلَا اسْتِقْلَالَ لَهُ بِنَفْسِهِ (كَالْجَيْشِ) فِيمَا غَنِمَهُ فِي انْفِرَادِهِ عَنْهُ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ. كَمَا أَنَّ مَا غَنِمَهُ الْجَيْشُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَنَدُ لَهُ إذَا كَانَ الْمُسْتَنَدُ مِمَّنْ يُقْسَمُ. فَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا اخْتَصَّ بِهِ الْجَيْشُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ تُكَافِئُ قُوَّةَ الْجَيْشِ أَوْ تَزِيدُ، فَيُقْسَمُ مَا غَنِمَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَيْشِ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يُخَمِّسُ الْجَيْشُ نَصِيبَهُ مِنْهُ. (وَإِلَّا) يَسْتَنِدْ الْمُنْعَزِلُ لِلْجَيْشِ بِأَنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، (فَلَهُ مَا غَنِمَهُ) وَلَا دَخْلَ لِلْجَيْشِ فِيهِ. (وَخَمَّسَ مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْدًا) عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّيْخِ (لَا ذِمِّيٌّ) فَلَا يُخَمَّسُ وَاخْتُصَّ بِجَمِيعِ مَا غَنِمَهُ. (وَالشَّأْنُ) الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ (الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ) لِأَنَّهُ أَسْرٌ لِلْغَانِمِينَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَيُقْسَمُ مَا غَنِمَهُ بَيْنَهُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ طَائِفَةً قَلِيلَةً. قَوْلُهُ: [وَلَوْ عَبْدًا] : رَدَّ بِ (لَوْ) عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُخَمَّسُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ إلَّا إذَا كَانَ حُرًّا. وَمَحَلُّ تَخْمِيسِ الْمُسْلِمِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ؛ وَإِلَّا فَلَا تَخْمِيسَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ [الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ] وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ لِبَلَدِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْغَانِمُونَ جَيْشًا وَأَمِنُوا مِنْ كَرِّ الْعَدُوِّ، فَإِنْ خَافُوا كَرَّ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ أَوْ كَانُوا سَرِيَّةً أَخَّرُوا

[الاسترداد من الغنيمة]

وَأَغْيَظُ لِلْكَافِرِينَ (وَأَخَذَ) شَخْصٌ (مُعَيَّنٌ) أَيْ مَعْرُوفٌ بِعَيْنِهِ حَاضِرٌ - (وَإِنْ) كَانَ (ذِمِّيًّا - مَا عُرِفَ لَهُ) فِي الْغَنِيمَةِ كَفَرَسٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَسْمِ (مَجَّانًا) لَا فِي نَظِيرِ شَيْءٍ (وَحُمِلَ لَهُ) إذَا كَانَ غَائِبًا (إنْ كَانَ) حَمْلُهُ (أَحْسَنَ) لَهُ وَإِلَّا بِيعَ لَهُ وَحُمِلَ لَهُ ثَمَنُهُ. (وَحَلَفَ) الْمُعَيَّنُ الَّذِي عُرِفَ لَهُ مَتَاعُهُ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا (أَنَّهُ) بَاقٍ (عَلَى مِلْكِهِ) لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَهُ وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْغَنِيمَةِ. (وَ) لَوْ قَسَمَ مَا عُرِفَ رَبُّهُ قَبْلَ الْقَسْمِ (لَا يَمْضِي قَسْمَهُ) فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ مَجَّانًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقَسْمَ حَتَّى يَعُودُوا لِمَحَلِّ الْأَمْنِ وَلِلْجَيْشِ. [الِاسْتِرْدَاد مِنْ الْغَنِيمَة] قَوْلُهُ: [وَإِلَّا بِيعَ لَهُ] : أَيْ لِأَجْلِ رَبِّهِ فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ لَا صِلَةَ بِيعَ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُبَاعُ لِمَالِكِهِ، وَلَوْ جُعِلَتْ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى كَانَ أَوْلَى لِإِفَادَةِ لُزُومِ الْبَيْعِ حَيْثُ حَصَلَ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ نَقْضُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا] : تَبِعَ الشَّارِحُ فِي هَذَا التَّعْمِيمِ (عب) التَّابِعُ لِلْبِسَاطِيِّ، قَالَ (بْن) : وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ النَّقْلُ أَنَّ الْغَائِبَ الَّذِي يُحْمَلُ لَهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّ حَمْلَهُ لَهُ إنَّمَا هُوَ بِرِضَا الْجَيْشِ، بِخِلَافِ الْحَاضِرِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ لِمُنَازَعَةِ الْجَيْشِ لَهُ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَسَمَ مَا عُرِفَ رَبُّهُ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا حِينَ الْقَسْمِ كَمَا فَرَضَهُ ابْنُ بَشِيرٍ أَوْ غَائِبًا كَمَا فَرَضَهُ ابْنُ يُونُسَ. قَوْلُهُ: [لَا يَمْضِي قَسْمُهُ] : أَيْ إلَّا لِتَأْوِيلٍ عَلَى الْأَحْسَنِ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ، قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَإِذَا قَسَمَ الْإِمَامُ مَا تَعَيَّنَ مَالِكُهُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ لَمْ يَمْضِ قَسْمُهُ جَهْلًا أَوْ عَمْدًا، وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَسَمَ ذَلِكَ الْمَتَاعَ، مُتَأَوِّلًا بِأَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْكَافِرَ يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْلِمِ فَيَمْضِي عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إلَّا بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ، فَلَا يُنْتَقَضُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (اهـ) . قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يَمْضِي مُطْلَقًا فَلَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ، قَالَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَافَقَ اخْتِلَافًا بَيْنَ النَّاسِ، وَقِيلَ:

(وَ) إنْ عُرِفَ مَا لِمُعَيَّنٍ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الْقَسْمِ، أَخَذَهُ رَبُّهُ مِمَّنْ وَقَعَ بِيَدِهِ (بِقِيمَتِهِ) إنْ قُسِمَتْ الْأَعْيَانُ (أَوْ ثَمَنِهِ) الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ إنْ بِيعَ وَقُسِمَتْ الْأَثْمَانُ، (وَ) أَخَذَهُ (بِالْأَوَّلِ) مِنْ الْأَثْمَانِ (إنْ تَعَدَّدَ) الْبَيْعُ. (فَإِنْ جُهِلَ) رَبُّهُ - وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ كَمُصْحَفٍ وَكِتَابِ فِقْهٍ أَوْ حَدِيثٍ - (قُسِمَ) ، وَلَا يُوقَفُ حَتَّى يَعْلَمَ رَبَّهُ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ. (وَعَلَى الْآخِذِ) لِشَيْءٍ مِنْ الْمَغَانِمِ فِي سَهْمِهِ - (إنْ عَلِمَ بِرَبِّهِ - تَرْكُ تَصَرُّفٍ) فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ إهْدَاءٍ أَوْ وَطْءٍ إنْ كَانَ جَارِيَةً (لِيُخَيِّرَهُ) : أَيْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يَمْضِي مُطْلَقًا وَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ بِلَا شَيْءٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ (اهـ) . فَلِذَلِكَ اخْتَارَ شَارِحُنَا هَذَا الْأَخِيرَ. قَوْلُهُ: [وَأَخَذَهُ بِالْأَوَّلِ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ عَلَى هَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّفِيعِ يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَثْمَانِ: أَنَّهُ هُنَا إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهِ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ سَلَّمَ صِحَّةَ مِلْكِ آخِذِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَسَقَطَ حَقُّهُ، وَالشَّفِيعُ إذَا سَلَّمَ لِلْأَوَّلِ صَارَا شَرِيكَيْنِ، وَكُلُّ شَرِيكٍ بَاعَ حَظَّهُ فَلِشَرِيكِهِ عَلَيْهِ الشُّفْعَةُ فَلِذَلِكَ يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ. قَوْلُهُ: [قُسِمَ] : أَيْ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ الْمَوَّازِ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ أَنَّهُ يُوقَفُ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، فَقَوْلُهُ: وَلَا يُوقَفُ رُدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ قِسْمَةِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ صَاحِبُهُ إذَا كَانَ غَيْرَ لُقَطَةٍ، وَأَمَّا اللُّقَطَةُ تُوجَدُ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا فَإِنَّهَا لَا تُقْسَمُ بَلْ تُوقَفُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ إنْ عُرِفَ رَبُّهَا حُمِلَتْ لَهُ إنْ كَانَ خَيْرًا وَلَوْ وُجِدَ فِي الْغَنِيمَةِ مُعْتَقٌ لِأَجَلٍ وَمُدَبَّرٌ وَمُكَاتَبٌ عُرِفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، بِيعَتْ خِدْمَةُ الْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ، وَخِدْمَةُ الْمُدَبَّرِ وَكِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ السَّيِّدُ فَلَهُ الْفِدَاءُ بِالثَّمَنِ، وَلَهُ التَّرْكُ فَيَصِيرُ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الْخِدْمَةِ وَفِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ رُقَّ لَهُ وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ إنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا لَوْ وَجَدَ أُمَّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ جُهِلَ رَبُّهَا فَلَا تُبَاعُ هِيَ وَلَا خِدْمَتُهَا إذْ لَيْسَ لِسَيِّدِهَا فِيهَا إلَّا الِاسْتِمَاعُ، وَيَسِيرُ الْخِدْمَةِ وَهُوَ لَغْوٌ فَيُنْجَزُ عِتْقُهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْعِتْقِ لِأَجَلٍ، وَمَا بَعْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَكَيْفِيَّتُهَا مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ السَّيِّدِ أَنْ تَقُولَ: أَشْهَدَنَا قَوْمٌ يُسَمُّونَهُمْ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ لِأَجَلٍ مَثَلًا، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ عَنْ اسْمِ سَيِّدِهِ أَوْ سَمَّوْهُ وَنَسَبْنَاهُ

لِيُخَيِّرَ رَبَّهُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِثَمَنِهِ أَوْ قِيمَتِهِ أَوْ بِتَرْكِهِ لَهُ، وَهَذَا فِيمَا عَلِمَ بَعْدَ الْقَسْمِ، وَأَمَّا مَا عَلِمَ بِهِ قَبْلَهُ فَلَا يَمْضِي وَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ مَجَّانًا كَمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ تَصَرَّفَ) بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ. وَإِنْ تَصَرَّفَ (بِكَاسْتِيلَادٍ) أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ عِتْقٍ لِأَجَلٍ - وَأَوْلَى بِعِتْقٍ نَاجِزٍ - (مَضَى) ، وَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ. (كَالْمُشْتَرِي مِنْ حَرْبِيٍّ) بِدَارِ الْحَرْبِ - وَقَدِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي وَعَرَفَ رَبَّهُ - فَعَلَيْهِ تَرْكُ التَّصَرُّفِ حَتَّى يُخْبِرَ رَبَّهُ بِذَلِكَ. فَإِنْ تَصَرَّفَ بِكَاسْتِيلَادٍ مَضَى، وَكَذَا إنْ تَصَرَّفَ بِبَيْعٍ فَإِنَّهُ يَمْضِي بِخِلَافِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَحَلُّ مُضِيِّ الِاسْتِيلَادِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَأْخُوذِ مِنْ الْغَنِيمَةِ (إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى أَنْ يُرَدَّ لَهُ) : أَيْ لِرَبِّهِ بِأَنْ أَخَذَهُ نَاوِيًا لِتَمَلُّكِهِ، أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ. فَإِنْ أَخَذَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ لِرَبِّهِ فَلَا يَمْضِي تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَلِرَبِّهِ رَدُّ عِتْقِهِ وَأَخْذُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ بِالْمُضِيِّ أَيْضًا. (وَلِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَخْذُ مَا وَهَبُوهُ) : الْحَرْبِيُّونَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ (بِدَارِهِمْ) فَقَدِمَ بِهِ عَرَفَهُ رَبُّهُ (مَجَّانًا) بِلَا عِوَضٍ، مَعْمُولُ " أَخَذَ " أَيْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَجَّانًا. (وَمَا عَاوَضُوا عَلَيْهِ) : بِأَنْ بَذَلُوهُ عَنَّا بِدَارِهِمْ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ رَبُّهُ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ، (بِالْعِوَضِ) أَيْ بِمِثْلِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ مُقَوَّمًا أَوْ مِثْلِيًّا، (إنْ لَمْ يُبَعْ) ـــــــــــــــــــــــــــــQاهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَهَذَا فِيمَا عُلِمَ بَعْدَ الْقَسْمِ] : أَيْ عُلِمَ أَنَّهُ مِلْكُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ الْقَسْمِ سَوَاءٌ كَانَ حِينَ الْقَسْمِ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا سِلْعَةُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، أَوْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهَا سِلْعَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَنْهُ إلَّا بَعْدَ الْقَسْمِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْغَنِيمَةِ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْمُقَاسِمِ قَدْ أُخِذَ مِنْ الْعَدُوِّ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَكَانَ أَقْوَى فِي رَدِّهِ لِرَبِّهِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إنَّمَا دَفَعَهُ الْحَرْبِيُّ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ طَوْعًا، وَلَوْ شَاءَ مَا دَفَعَهُ فَهُوَ أَقْوَى فِي إمْضَاءِ مَا فَعَلَ بِهِ. قَوْلُهُ: [بِدَارِهِمْ] : أَيْ وَكَذَا بِدَارِنَا قَبْلَ تَأْمِينِهِمْ، وَأَمَّا مَا بَاعُوهُ أَوْ وَهَبُوهُ بِدَارِنَا بَعْدَ تَأْمِينِهِمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَفُوتُ عَلَى رَبِّهِ. قَوْلُهُ: [مُقَوَّمًا أَوْ مِثْلِيًّا] : الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ (وح) أَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُ الْعَرْضِ

أَيْ إنْ لَمْ يَبِعْهُ آخِذُهُ مِنْهُمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. (وَإِلَّا) - بِأَنْ بَاعَهُ - (مَضَى) الْبَيْعُ وَلَيْسَ لِرَبِّهِ كَلَامٌ فِي أَخْذِهِ، (وَ) لَكِنْ (لِرَبِّهِ الثَّمَنُ) الَّذِي بِيعَ بِهِ فِيمَا إذَا وَهَبُوهُ مَجَّانًا (أَوْ الرِّبْحُ) فِي مَسْأَلَةِ الْمُعَارَضَةِ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِمِائَةٍ وَبَاعَهُ بِمِائَتَيْنِ أَخَذَ رَبُّهُ مِنْ الْبَائِعِ الْمِائَةَ الَّتِي رَبِحَهَا. وَمَا أَخَذَهُ لُصُوصُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ فَهُوَ لَهُمْ حَلَالٌ وَلَا يُخَمَّسُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَلِرَبِّهِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ إنْ عَرَفَهُ أَخْذُهُ مِنْهُمْ بِقِيمَتِهِ، وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ اللُّصُوصُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى رَبِّهِ. وَلَوْ فَدَاهُ إنْسَانٌ مِنْهُمْ بِمَالٍ، فَهَلْ يَأْخُذُهُ رَبُّهُ مِنْ الْفَادِي مَجَّانًا - وَيُقَالُ لَهُ: اتَّبِعْ اللِّصَّ - أَوْ بِمَا فَدَاهُ بِهِ؟ الْأَرْجَحُ الثَّانِي. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَمَا فُدِيَ) بِمَالٍ (مِنْ كَلِصٍّ) مِنْ كُلِّ ظَالِمٍ لَا قُدْرَةَ عَلَى التَّلْخِيص مِنْهُ إلَّا بِمَالٍ يُدْفَعُ لَهُ كَغَاصِبٍ وَسَارِقٍ، وَمَكَّاسٍ وَجُنْدٍ أَخَذَهُ رَبُّهُ مِنْ الْفَادِي (بِالْفِدَاءِ) الَّذِي بَذَلَهُ فِي تَخْلِيصِهِ مِنْ الظَّالِمِ بِشَرْطَيْنِ: أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ) الْفَادِي مِنْ الظَّالِمِ بِالْفِدَاءِ، (لِيَتَمَلَّكَهُ) وَإِلَّا أَخَذَهُ رَبُّهُ مِنْهُ مَجَّانًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي مَحَلِّهِ وَلَوْ كَانَ مُقَوَّمًا كَمَنْ اسْتَلَفَ عَرْضًا فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مِثْلُهُ فِي مَوْضِعِ السَّلَفِ، نَعَمْ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْمِثْلِ فِي مَحَلِّهِ اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ فِي الْعِوَضِ وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا. قَوْلُهُ: [فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ] : أَيْ مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ. قَوْلُهُ: [أَخَذَهُ مِنْهُمْ بِقِيمَتِهِ] : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا عُرِفَ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ، أَنَّ الْمَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْغَنِيمَةِ حَاصِلٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِخِلَافِ مَا هُنَا. قَوْلُهُ: [الْأَرْجَحُ الثَّانِي] : أَيْ مِنْ قَوْلَيْنِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قِيَاسًا عَلَى مَا فُدِيَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ رَبُّهُ مِمَّنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ مَعَ كَثْرَةِ اللُّصُوصِ لَسَدَّ هَذَا الْبَابَ مَعَ كَثْرَةِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ ابْنُ نَاجِي وَبِهِ كَانَ يُفْتِي شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ. قَوْلُهُ: [لِيَمْتَلِكَهُ] : هَذَا الْقَيْدُ لِابْنِ هَارُونَ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْأُجْرَةِ لِلْفَادِي إنْ كَانَ دَفْعُ الْفِدَاءِ مِنْ عِنْدِهِ لِأَنَّهُ سَلَفٌ وَإِجَارَةٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الدَّافِعُ لِلْفِدَاءِ غَيْرَهُ فَفِي جَوَازِ دَفْعِ الْأُجْرَةِ لَهُ نَظَرٌ كَذَا فِي (بْن) . وَانْظُرْ لَوْ تَنَازَعَ رَبُّ الشَّيْءِ وَالْفَادِي فِي نِيَّةِ التَّمَلُّكِ وَعَدَمِهَا، هَلْ الْقَوْلُ لِلْفَادِي بِيَمِينِهِ - لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ

وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُمْكِنْ خَلَاصُهُ) أَيْ تَخْلِيصُهُ مِنْ الظَّالِمِ (إلَّا بِهِ) أَيْ بِالْفِدَاءِ، فَإِنْ أَمْكَنَ خَلَاصُهُ مَجَّانًا أُخِذَ مِنْهُ مَجَّانًا، وَإِنْ أَمْكَنَ بِأَقَلَّ مِمَّا فَدَاهُ أَخَذَهُ رَبُّهُ بِالْأَقَلِّ (وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ) دُونَ سَيِّدِهِ (حُرٌّ إنْ فَرَّ إلَيْنَا أَوْ بَقِيَ) بِدَارِ الْحَرْبِ (حَتَّى غَنِمَ قَبْلَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ) . (وَإِلَّا) بِأَنْ فَرَّ إلَيْنَا بَعْدَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ أَوْ لَمْ يَفِرَّ وَأَسْلَمَ سَيِّدُهُ (فَرِقٌّ لَهُ) أَيْ لِسَيِّدِهِ. (وَهَدَمَ السَّبْيُ) مِنَّا لِزَوْجَيْنِ حَرْبِيَّيْنِ (نِكَاحَهُمْ) ، وَجَازَ لِمَنْ سَبَاهَا أَوْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَغْنَمِ وَطْؤُهَا. (وَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ) لِأَنَّهَا أَمَةٌ. (إلَّا أَنْ تُسْبَى وَتُسْلِمَ بَعْدَ إسْلَامِهِ) ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَّا مِنْهُ - إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ؟ وَلَوْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِ مَا فُدِيَ بِهِ فَهَلْ الْقَوْلُ لِلْفَادِي إنْ أَشْبَهَ؟ كَمَا إذْ تَنَازَعَا فِي أَصْلِ الْفِدَاءِ. قَوْلُهُ: [وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ] إلَخْ: الْحَاصِلُ: أَنَّ عَبْدَ الْحَرْبِيِّ إذَا فَرَّ إلَيْنَا قَبْلَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ كَانَ حُرًّا لِأَنَّهُ غَنِمَ نَفْسَهُ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِرَارُهُ قَبْلَ نُزُولِ الْجَيْشِ فِي بِلَادِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا وَلَاءَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ لَهُ إنْ أَسْلَمَ، وَكَذَا يَكُونُ حُرًّا إنْ أَسْلَمَ أَوْ بَقِيَ حَتَّى غَنِمَ قَبْلَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ. وَأَمَّا إذَا فَرَّ إلَيْنَا بَعْدَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ أَوْ مُصَاحِبًا لِإِسْلَامِهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِرِقِّهِ لِسَيِّدِهِ، إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ يُسْلِمُ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ أَوْ بَقِيَ حَتَّى غَنِمَ. قَوْلُهُ: [وَهَدَمَ السَّبْيُ] إلَخْ: بِالْمُعْجَمَةِ بِمَعْنَى قَطَعَ وَبِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى أَسْقَطَ، وَسَوَاءٌ سُبِيَا مَعًا أَوْ مُتَرَتِّبَيْنِ. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تُسْبَى وَتُسْلِمَ] : أَيْ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ أَيْ غَيْرَ مَسْبِيٍّ بِأَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا أَوْ دَخَلَ بِلَادَنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَأَمَّا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا بَعْدَ سَبْيِهِ ثُمَّ سُبِيَتْ وَأَسْلَمَتْ بَعْدَهُ فَيَنْهَدِمُ نِكَاحُهَا أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا إذَا سُبِيَا مَعًا أَوْ مُتَرَتِّبَيْنِ يَنْهَدِمُ نِكَاحُهُمَا سَوَاءٌ حَصَلَ إسْلَامٌ

الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلَيْنِ أَيْ أَنَّهَا إذَا سُبِيَتْ بَعْدَ إسْلَامِ زَوْجِهَا وَأَسْلَمَتْ لَمْ يَنْهَدِمْ نِكَاحُهُمَا، وَتَبْقَى أَمَةً مُسْلِمَةً تَحْتَ حُرٍّ مُسْلِمٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ أَحَدِهِمَا بَيْنَ سَبْيِهِمَا أَوْ حَصَلَ بَعْدَهُمَا، فَالْأَوَّلُ: كَمَا لَوْ سُبِيَ هُوَ وَأَسْلَمَ ثُمَّ سُبِيَتْ هِيَ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَأَسْلَمَتْ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَالثَّانِي: كَمَا لَوْ سُبِيَ أَوَّلًا وَبَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ ثُمَّ سُبِيَتْ وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَيَنْهَدِمُ النِّكَاحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قَوْلُهُ: [الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلَيْنِ] : أَيْ لَفْظُ بَعْدَ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ فَهُمَا طَالِبَانِ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ أَحَدَهُمَا. قَوْلُهُ: [وَتَبْقَى أَمَةً مُسْلِمَةً تَحْتَ حُرٍّ مُسْلِمٍ] : أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إقْرَارِهِ عَلَيْهَا مَا اُشْتُرِطَ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ مِنْ عَدَمِ الطُّولِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ، لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامُ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. خَاتِمَةٌ: الْحَرْبِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ وَفَرَّ إلَيْنَا أَوْ بَقِيَ حَتَّى غَزَا الْمُسْلِمُونَ بَلَدَهُ: وَلَدُهُ فَيْءٌ إنْ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ قَبْلَ إسْلَامِ أَبِيهِ وَمَالُهُ وَزَوْجَتُهُ الَّتِي أُسِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَأَقَرَّ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ حَيْضَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا أَوْلَادُ الْكِتَابِيَّةِ وَالْمُسْلِمَةِ إذَا سَبَاهُمَا حَرْبِيٌّ وَأَوْلَدَهُمَا ثُمَّ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ الْكِتَابِيَّةَ وَالْمُسْلِمَةَ: وَأَوْلَادُهُمَا الصِّغَارُ أَحْرَارٌ تَبَعًا لِأُمِّهِمْ. وَأَمَّا الْكِبَارُ فَرِقٌّ إنْ كَانُوا مِنْ كِتَابِيَّةٍ قَاتَلُونَا أَمْ لَا، وَهَلْ كِبَارُ أَوْلَادِ الْمُسْلِمَةِ كَأَوْلَادِ الْكِتَابِيَّةِ رِقٌّ مُطْلَقًا أَوْ إنْ قَاتَلُونَا؟ قَوْلَانِ. وَأَمَّا وَلَدُ الْأَمَةِ الَّتِي سَبَاهَا الْحَرْبِيُّونَ مِنَّا فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَهُوَ لِمَالِكِهَا صِغَارًا أَوْ كِبَارًا مِنْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ.

[فصل في الجزية وبعض أحكامها]

فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ وَبَعْضِ أَحْكَامِهَا (الْجِزْيَةُ مَالٌ يَضْرِبُهُ) : أَيْ يَجْعَلُهُ (الْإِمَامُ) (عَلَى كَافِرٍ) كِتَابِيٍّ أَوْ مُشْرِكٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَلَوْ قُرَشِيًّا. (ذَكَرٍ حُرٍّ) لَا أُنْثَى وَلَا رَقِيقٍ. (مُكَلَّفٍ) لَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ وَبَعْضِ أَحْكَامِهَا] [تَعْرِيف الْجِزْيَةَ] فَصْلٌ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ أَتْبَعَهُ بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ جِزْيَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ، وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْجِزْيَةِ لِأَنَّهَا الْأَمْرُ الثَّانِي الْمَانِعُ مِنْ الْقِتَالِ كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَدُعُوا لِلْإِسْلَامِ فَالْجِزْيَةِ. وَالْجِزْيَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ لُغَةً مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُجَازَاةِ لِأَنَّهَا جَزَاءٌ لِكَفِّنَا عَنْهُمْ وَتَمْكِينِهِمْ مِنْ سُكْنَى دَارِنَا، وَقِيلَ: مِنْ جَزَى يَجْزِي إذَا قَضَى قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي} [البقرة: 48] أَيْ لَا تَقْضِي، وَجَمْعُهَا الْجِزَى بِكَسْرِ الْجِيمِ مِثْلُ لِحْيَةٍ وَلِحًى. وَشُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَقِيلَ التَّاسِعَةُ مِنْ الْهِجْرَةِ. وَاصْطِلَاحًا: مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " مَالٌ " إلَخْ. قَوْلُهُ: [أَيْ يَجْعَلُهُ الْإِمَامُ] : فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، إلَّا أَنَّهُ إنْ وَقَعَ يُمْنَعُ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ، وَحِينَئِذٍ فَيُرَدُّ لِمَأْمَنِهِ حَتَّى يَعْقِدَهَا مَعَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ قُرَشِيًّا] : أَيْ فَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْهُ عَلَى الرَّاجِحِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ إجْمَاعًا، إمَّا لِمَكَانَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لِأَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، فَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ كَافِرٌ فَمُرْتَدٌّ، وَإِذَا ثَبَتَتْ الرِّدَّةُ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ بَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا. قَوْلُهُ: [لَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ] : فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، أُخِذَتْ مِنْهُمْ وَلَا يُنْتَظَرُ حَوْلٌ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ الْعِتْقِ أَوْ الْإِفَاقَةِ، وَمَحَلُّ أَخْذِهَا

(قَادِرٍ) عَلَى الْأَدَاءِ لَا فَقِيرٍ. (مُخَالِطٍ) لِأَهْلِ دِينِهِ وَلَوْ مُنْعَزِلًا بِكَنِيسَةٍ، لَا رَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ وَنَحْوِهِ فَلَا تُضْرَبُ عَلَيْهِ. (يَصِحُّ سِبَاؤُهُ) خَرَجَ الْمُرْتَدُّ وَالْمُعَاهَدُ زَمَنَ عَهْدِهِ. (لَمْ يُعْتِقْهُ مُسْلِمٌ) بِأَنْ لَمْ يُعْتِقْهُ أَحَدٌ أَبَدًا أَوْ أَعْتَقَهُ كَافِرٌ. فَإِنْ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ سَبْيِهِ، فَلَوْ أَعْتَقَهُ بِبِلَادِ الْحَرْبِ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ سَبْيِهِ فَالْعِبْرَةُ بِصِحَّةِ السَّبْيِ، فَلَوْ حُذِفَ قَوْلُهُ: [لَمْ يُعْتِقْهُ] إلَخْ مَا ضَرَّ. (لِاسْتِقْرَارِهِ) عِلَّةً لِقَوْلِهِ: يَضْرِبُهُ أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَقِرَّ (آمِنًا) عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ (بِغَيْرِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ) مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مِنْ الْحِجَازِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْهُمْ إنْ تَقَدَّمَ لِضَرْبِهَا عَلَى كِبَارِهِمْ الْأَحْرَارِ الذُّكُورِ الْعُقَلَاءِ حَوْلٌ فَأَكْثَرُ، وَتَقَدَّمَ لَهُ هُوَ عِنْدَنَا حَوْلٌ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ مَجْنُونًا. قَوْلُهُ: [قَادِرٍ عَلَى الْأَدَاءِ] : أَيْ وَلَوْ بَعْضًا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَيْدُ لَا يُلْتَفَتُ لَهُ إلَّا عِنْدَ الْأَخْذِ لَا عِنْدَ الضَّرْبِ، فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ مِنْ هُنَا وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَنَحْوُهُ] : أَيْ كَشَيْخٍ فَانٍ أَوْ زَمِنٍ أَوْ أَعْمَى. وَالْمُرَادُ بِالرَّاهِبِ: الَّذِي لَا رَأْيَ لَهُ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُتْرَكُ وَإِلَّا قُتِلَ وَلَا يَبْقَى؛ فَالرَّاهِبُ لَا تُضْرَبُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ مُطْلَقًا، بَلْ إمَّا أَنْ يُقْتَلَ إنْ كَانَ لَهُ رَأْيٌ مَعَهُمْ أَوْ يَبْقَى بِغَيْرِ جِزْيَةٍ. قَوْلُهُ: [يَصِحُّ سِبَاؤُهُ] : بِالْمَدِّ أَيْ أَسْرُهُ. قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ صِحَّةِ سَبْيِهِ] : هَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ مَتَى نُقِضَ الْعَهْدُ وَقَاتَلْنَا صَحَّ سِبَاؤُهُ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَوْ حُذِفَ قَوْلُهُ لَمْ يُعْتِقْهُ إلَخْ مَا ضَرَّ لَا يُسَلَّمُ، بَلْ الْحَقُّ مَعَ الْمَتْنِ، وَالْقَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَصِحُّ سِبَاؤُهُ تُضْرَبُ عَلَيْهِ بَلْ تَنْخَرِمُ الْقَاعِدَةُ فِي عَبْدِ الْمُسْلِمِ الْمَعْتُوقِ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ] إلَخْ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَزْرِ وَهُوَ الْقَطْعُ سُمِّيَتْ بِهِ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ مِنْ وَسَطِهَا إلَى أَجْنَابِهَا بَحْرُ الْقُلْزُمِ مِنْ نَاحِيَةِ الْغَرْبِ، وَبَحْرُ

[قدر الجزية على من فتحت بلاده عنوة]

وَالْيَمَنِ، فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُؤَمِّنَهُ عَلَى السُّكْنَى فِيهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» . (وَلَهُمْ الِاجْتِيَازُ) فِيهَا فِي سَفَرِهِمْ لِتِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا، (وَإِقَامَةُ الْأَيَّامِ) كَالثَّلَاثَةِ (لِمَصَالِحِهِمْ) إنْ دَخَلُوهَا لِمَصْلَحَةٍ كَبَيْعِ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ (عَلَى الْعَنْوِيِّ) ، مُتَعَلِّقٌ بِ (يَضْرِبُهُ) أَيْ يَجْعَلُ عَلَى الْعَنْوِيِّ: وَهُوَ مَنْ فُتِحَتْ بَلَدُهُ قَهْرًا (أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ) شَرْعِيَّةً إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَارِسٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّرْقِ، وَبَحْرُ الْهِنْدِ مِنْ الْجَنُوبِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ مَا بَيْنَ أَقْصَى عَدَنَ إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ طُولًا، وَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ عَرْضًا. قَوْلُهُ: [وَإِقَامَةُ الْأَيَّامِ كَالثَّلَاثَةِ] : أَيْ فَلَيْسَتْ الثَّلَاثَةُ قَيْدًا، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الْإِقَامَةِ لِلْمَصَالِحِ، وَالْمَمْنُوعُ الْإِقَامَةُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُمْ الْمُرُورَ وَلَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ. [قَدْرَ الْجِزْيَةَ عَلَى مِنْ فتحت بِلَاده عِنْوَة] قَوْلُهُ: [مُتَعَلِّقٌ بِيَضْرِبَهُ] : يَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى كَافِرٍ مُتَعَلِّقٌ بِيَضْرِبُهُ أَيْضًا، فَالْمُنَاسِبُ جَعْلُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وَأَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ إلَخْ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ: كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ: أَنْتَ ذَكَرْت الْمَالَ فَمَا مِقْدَارُهُ، فَقَالَ: عَلَى الْعَنْوِيِّ كَذَا إلَخْ، وَعَلَى الصُّلْحِيِّ مَا شَرَطَهُ: وَالْعَنَوِيُّ مَنْسُوبٌ لِلْعَنْوَةِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ الْقَهْرُ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمَالِ الْمَضْرُوبِ، قِيلَ: شَرْطٌ وَقِيلَ: رُكْنٌ، وَمُقْتَضَى الْمُصَنِّفِ الثَّانِي لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ الْجِزْيَةِ بِأَنَّهَا مَالٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَقَرَّهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ أَخْطَأَ، وَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَالرَّدِّ لِمَأْمَنِهِمْ فَعَقْدُ الذِّمَّةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْمَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهُ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ. قَوْلُهُ: [أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ شَرْعِيَّةً] : أَيْ وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ دَنَانِيرِ مِصْرَ، لِأَنَّ الدِّينَارَ

[قدر الجزية على من فتحت بلاده صلحا]

(أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ، (كُلَّ سَنَةٍ) مِنْ السِّنِينَ الْقَمَرِيَّةِ (تُؤْخَذُ) مِنْهُ (آخِرَهَا) لَا أَوَّلَهَا. (وَلَا يُزَادُ) أَيْ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، (وَالْفَقِيرُ) يُضْرَبُ عَلَيْهِ (بِوُسْعِهِ) : أَيْ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ إنْ كَانَ لَهُ طَاقَةٌ، وَإِلَّا سَقَطَتْ عَنْهُ. فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدُ لَمْ يُحَاسَبْ بِمَا مَضَى لِسُقُوطِهِ عَنْهُ. (وَ) يُضْرَبُ (عَلَى الصُّلْحِيِّ مَا شُرِطَ) عَلَيْهِ (مِمَّا رَضِيَ بِهِ الْإِمَامُ) قَلَّ أَوْ كَثُرَ. (وَإِنْ أَطْلَقَ) الصُّلْحِيَّ فِي صُلْحِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرًا مَعْلُومًا (فَكَالْعَنْوِيِّ) ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّرْعِيَّ إحْدَى وَعِشْرُونَ حَبَّةَ خَرُّوبٍ وَسُبْعُ حَبَّةٍ وَنِصْفُ سُبْعِ حَبَّةٍ، وَأَمَّا الدِّينَارُ الْمِصْرِيُّ فَثَمَانِي عَشْرَةَ حَبَّةً فَتَكُونُ الْأَرْبَعَةُ الدَّنَانِيرُ الشَّرْعِيَّةُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ مِصْرِيَّةً وَثُلُثَا دِينَارٍ وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ حَبَّةِ خَرُّوبٍ، لَكِنَّ الثَّمَانِ عَشْرَةَ خَرُّوبَةً الْآنَ لَمْ تُعْهَدْ إلَّا فِي الْبُنْدُقِيِّ وَالْفُنْدُقْلِيِّ، وَأَمَّا الْمُسَمَّى بِالْمَحْبُوبِ فَهُوَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ خَرُّوبَةً وَنِصْفٌ. قَوْلُهُ: [أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا] : أَيْ شَرْعِيَّةً وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ دَرَاهِمِ مِصْرَ، لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الشَّرْعِيَّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ خَرُّوبَةً وَثَمَانِيَةَ أَعْشَارِ خَرُّوبَةٍ وَنِصْفُ عُشْرِ خَرُّوبَةٍ، وَالْمِصْرِيُّ سِتَّ عَشْرَةَ خَرُّوبَةً، فَزِيَادَةُ الْأَرْبَعِينَ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ الشَّرْعِيَّةِ سِتُّ خَرُّوبَاتٍ. قَوْلُهُ: [مِنْ السِّنِينَ الْقَمَرِيَّةِ] : أَيْ لَا الشَّمْسِيَّةِ لِئَلَّا تَضِيعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَنَةٌ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. قَوْلُهُ: [لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ] : أَيْ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا "، وَمَا وَرَدَ مِنْ زِيَادَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ مَنَعَهُ مَالِكٌ لِكَثْرَةِ الظُّلْمِ الْآنَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ قَوْلُهُ: [وَالْفَقِيرُ يُضْرَبُ عَلَيْهِ بِوُسْعِهِ] : الْمُنَاسِبُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِوُسْعِهِ، وَأَمَّا الضَّرْبُ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِ كَامِلَةً كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِلْحَاشِيَةِ فَتُضْرَبُ كَامِلَةً فَإِنْ عَجَزَ خُفِّفَ عَنْهُ عِنْدَ الْأَخْذِ. [قَدْرَ الْجِزْيَةَ عَلَى مِنْ فتحت بِلَاده صلحا] قَوْلُهُ: [وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرًا مَعْلُومًا] : أَيْ بِأَنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الْجِزْيَةِ مُبْهَمَةً.

[سقوط الجزية بالإسلام]

أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. (مَعَ الْإِهَانَةِ وَالصَّغَارِ) أَيْ الْمَذَلَّةِ حِينَ أَخْذِهَا مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] وَلَا تُقْبَلُ مِنْ نَائِبٍ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ لِيَذُوقَ الْمَذَلَّةَ بِصَفْعِهِ عَلَى قَفَاهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ ذَلِكَ بِدُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ. [سُقُوط الْجِزْيَةَ بالإسلام] (وَسَقَطَتَا) : أَيْ الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ وَالصُّلْحِيَّةُ (بِالْإِسْلَامِ) وَبِالْمَوْتِ وَلَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِمَامَ تَارَةً يُصَالِحُ عَلَى الْجِزْيَةِ مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ قَدْرَهَا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَلْزَمُهُ قَبُولُ جِزْيَةِ الْعَنْوِيِّ إذَا بَذَلُوهَا، وَتَارَةً يَتَرَاضَى مَعَهُمْ عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ فَيَلْزَمُهُمْ مَا تَرَاضَوْا مَعَهُ عَلَيْهِ، وَتَارَةً لَا يَتَرَاضَوْنَ مَعَهُ عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ وَلَا عَلَى جِزْيَةٍ مُبْهَمَةٍ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اُخْتُلِفَ إذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ الْعَنْوِيَّةَ هَلْ يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُقَاتَلَتُهُمْ حِينَئِذٍ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ، وَيَجُوزُ لَهُ مُقَاتَلَتُهُمْ حَتَّى يَرْضَوْنَهُ، قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: لِابْنِ رُشْدٍ وَرَجَّحَهُ بْن، وَالثَّانِي: لِابْنِ حَبِيبٍ وَرَجَّحَهُ الْقَرَافِيُّ. قَوْلُهُ: [وَسَقَطَتَا] إلَخْ: وَفِي سُقُوطِهِمَا بِالتَّرَهُّبِ الطَّارِئِ وَعَدَمِ سُقُوطِهِمَا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَيْنِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ: وَمَنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِفِرَارِهِ بِهَا أُخِذَتْ مِنْهُ لِمَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ لِعُسْرٍ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ، وَلَا يُطَالَبُ بِهَا بَعْدَ غِنَاهُ. تَنْبِيهٌ: مِمَّا أَسْقَطَهُ مَالِكٌ عَنْهُمْ أَيْضًا أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي قَدَّرَهَا عَلَيْهِمْ الْفَارُوقُ مَعَ الْجِزْيَةِ، وَهِيَ عَلَى مَنْ بِالشَّامِ وَالْحِيرَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مُدْيَانِ مِنْ الْحِنْطَةِ - تَثْنِيَةُ مُدْيٍ - وَهُوَ مِكْيَالٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَنِصْفًا كَمَا فِي بْن نَقْلًا عَنْ النِّهَايَةِ، وَثَلَاثَةُ أَقْسَاطِ زَيْتٍ، وَالْقِسْطُ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ، وَعَلَى مَنْ بِمِصْرَ كُلَّ شَهْرٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إرْدَبُّ حِنْطَةٍ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَدْرِي كَمْ مِنْ الْوَدَكِ وَالْعَسَلِ وَالْكِسْوَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَعَ كِسْوَةٍ كَانَ يَكْسُوهَا عُمَرُ لِلنَّاسِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ وَإِضَافَةُ الْمُجْتَازِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثًا مِنْ الْأَيَّامِ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَهَا مَالِكٌ عَنْهُمْ لِلظُّلْمِ الْحَادِثِ عَلَيْهِمْ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

[أرض العنوي والصلحي]

مُتَجَمِّدَةً مِنْ سِنِينَ مَضَتْ، بِخِلَافِ خَرَاجِ الْأَرْضِ الْعَنْوِيَّةِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ عَلَى الزَّارِعِ وَلَوْ مُسْلِمًا كَمَا يَأْتِي فِيمَا بَعْدَهُ. (وَالْعَنَوِيُّ حُرٌّ) أَحْرَزَ بِضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ، وَعَلَى قَاتِلِهِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَلَهُ هِبَةُ مَالِهِ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ وَلَوْ بِجَمِيعِهِ. (وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ فَالْأَرْضُ) الْمَوْقُوفَةُ بِالْفَتْحِ (فَقَطْ) دُونَ مَالِهِ (لِلْمُسْلِمِينَ) لَا لِوَارِثَةٍ، يُعْطِيهَا السُّلْطَانُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَخَرَاجُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ. (كَمَالِهِ) يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ (إنْ) مَاتَ، وَ (لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ) فِي دِينِهِمْ وَإِلَّا فَلِوَارِثِهِ هَذَا حُكْمُ أَرْضِ الْعَنْوِيِّ. (وَأَرْضُ الصُّلْحِيِّ لَهُ مِلْكًا) كَمَالِهِ (وَلَوْ أَسْلَمَ، فَإِنْ مَاتَ) كَافِرًا (وَرِثُوهَا) عَلَى حُكْمِ دِينِهِمْ، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لَهُ (وَارِثٌ) عِنْدَهُمْ (فَلَهُمْ) وَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهَا. وَهَذَا (إنْ أُجْمِلَتْ جِزْيَتُهُمْ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ (وَعَلَى الرِّقَابِ) كَأَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، عَلَى مَا يَخُصُّ كُلَّ شَخْصٍ وَمَا يَخُصُّ كُلَّ فَدَّانٍ (كَبَقِيَّةِ مَا لَهُمْ) يَكُونُ لِوَارِثِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ تُرِكَ لَهُمْ يَفْعَلُونَ فِيهِ رَأْيَهُمْ، وَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهِ وَلَهُمْ الْوَصِيَّةُ وَلَوْ بِجَمِيعِ مَالِهِمْ. (وَإِلَّا) تُجْمَلْ عَلَيْهِمَا مَعًا بِأَنْ فُرِّقَتْ عَلَى الرِّقَابِ، كَكُلِّ رَقَبَةٍ كَذَا أُجْمِلَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَعَلَى قَاتِلِهِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ] : أَيْ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ ذَكَرًا كِتَابِيًّا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِجَمِيعِهِ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ فِي دِينِهِ وَإِلَّا فَوَصِيَّتُهُ فِي الثُّلُثِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي. [أَرْض العنوي وَالصُّلْحِيّ] قَوْلُهُ: [لِلْمُسْلِمِينَ] : أَيْ لِأَنَّهَا صَارَتْ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الْفَتْحِ، وَإِنَّمَا أُقِرَّتْ تَحْتَ يَدِهِ لِأَجْلِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا إعَانَةً عَلَى الْجِزْيَةِ. قَوْلُهُ: [لَا لِوَارِثِهِ] : أَيْ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلِوَارِثِهِ] : أَيْ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَالِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ أَوْ قَبْلَهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ. [إذَا لَمْ تجمل الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلهَا] قَوْلُهُ: [وَإِلَّا تُجْمَلْ عَلَيْهِمَا مَعًا] : تَحْتَهُ خَمْسُ صُوَرٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ الشَّارِحِ، فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ سِتٌّ بِالصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ إلَّا.

[إحداث الكنائس ورمها]

عَلَى الْأَرْضِ - أَوْ سُكِتَ عَنْهَا أَوْ فُصِّلَتْ عَلَيْهَا أَيْضًا كَكُلِّ فَدَّانٍ كَذَا، أَوْ فُرِّقَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَقَطْ سَوَاءٌ أُجْمِلَتْ عَلَى الرِّقَابِ أَوْ سُكِتَ، فَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ شَخْصٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ عِنْدَهُمْ (فَلِلْمُسْلِمِينَ) أَرْضُهُ وَمَالُهُ. (وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ حَصَلَ تَفْصِيلٌ وَمَاتَ بِلَا وَارِثٍ (فَوَصِيَّتُهُمْ) إنَّمَا تَنْفُذُ (فِي الثُّلُثِ) فَقَطْ، لِأَنَّ لَنَا فِي مَالِهِمْ حَقًّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْبَاقِيَ لَنَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُجْمِلَتْ أَوْ فُرِّقَتْ وَلَهُ وَارِثٌ فَلَا كَلَامَ لَنَا مَعَهُمْ. (وَلَيْسَ لِعَنْوِيٍّ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ) بِبَلَدِ الْعَنْوَةِ، (وَلَا رَمُّ مُنْهَدِمٍ إلَّا إنْ شَرَطَ) الْإِحْدَاثَ عِنْدَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ، أَيْ إنْ سَأَلَ مِنْ الْإِمَامِ (وَرَضِيَ الْإِمَامُ) بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَقْهُورٌ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ شَرْطٌ. وَهَذَا الَّذِي أَثْبَتْنَاهُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَقَرَّهُ أَبُو الْحَسَنِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا شَرَطَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى الرَّاجِحِ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُحْدِثُوا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ كَنَائِسَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَمْنٌ أَعْطَوْهُ، ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا الْكَنَائِسَ فِي بِلَادِ الْعَنْوَةِ لِأَنَّهَا فَيْءٌ لَا تُورَثُ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ (اهـ.) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلِلْمُسْلِمِينَ أَرْضُهُ وَمَالُهُ] : أَيْ فِي الصُّوَرِ الْخَمْسِ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ أُجْمِلَتْ] : أَيْ عَلَى الْأَرْضِ وَالرِّقَابِ. قَوْلُهُ: [وَلَهُ وَارِثٌ] : قَيَّدَ فِي قَوْلِهِ أَوْ فُرِّقَتْ. [إحْدَاث الْكَنَائِس ورمها] قَوْلُهُ: [بِبَلَدِ الْعَنْوَةِ] : أَيْ الَّتِي أُقِرَّ بِهِ ذَلِكَ الْعَنْوِيُّ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ مُسْلِمُونَ أَمْ لَا. وَمَفْهُومُ إحْدَاثِ أَنَّ الْقَدِيمَ يَبْقَى وَلَوْ بِلَا شَرْطٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَوْ أَكَلَ الْبَحْرُ كَنِيسَتَهُمْ فَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَنْقُلُوهَا أَوْ يُفَصَّلُ بَيْنَ كَوْنِهِمْ شَرَطُوا ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ نَقْلًا عَنْ كَبِيرٍ الْخَرَشِيِّ. قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ] : أَيْ وَهُوَ الْبِسَاطِيُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَنْوِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِي بَلَدِ الْعَنْوَةِ، سَوَاءٌ كَانَ أَهْلُهَا كُلُّهُمْ كُفَّارًا، أَوْ سَكَنَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ فِيهَا إلَّا بِاسْتِئْذَانٍ مِنْ الْإِمَامِ وَقْتَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، وَكَذَا رَمُّ الْمُنْهَدِمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

[ما يمنع منه الذمي وأحكامه]

(وَلِلصُّلْحِيِّ ذَلِكَ) : أَيْ الْإِحْدَاثُ وَالتَّرْمِيمُ فِي أَرْضِهِ مُطْلَقًا شَرَطَ أَوْ لَا (فِي غَيْرِ مَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ) كَالْقَاهِرَةِ، فَلَيْسَ لِعَنْوِيٍّ وَلَا صُلْحِيٍّ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ فِيهَا قَطْعًا، وَلَا تَرْمِيمُ مُنْهَدِمٍ فِيمَا أَحْدَثُوهُ بِهَا، بَلْ يَجِبُ هَدْمُهَا (إلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ) مِنْ الْإِحْدَاثِ فَلَا يُمْنَعُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَمُلُوكُ مِصْرَ لِضَعْفِ إيمَانِهِمْ قَدْ مَكَّنُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَالِمٌ عَلَى الْإِنْكَارِ إلَّا بِقَلْبِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ لَا بِيَدِهِ. وَزَادَ أُمَرَاءُ الزَّمَانِ أَنْ أَعَزُّوهُمْ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ رَفَعُوهُمْ، وَيَا لَيْتَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمْ كَمِعْشَارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَتَرَى الْمُسْلِمِينَ كَثِيرًا مَا يَقُولُونَ: لَيْتَ الْأُمَرَاءَ يَضْرِبُونَ عَلَيْنَا الْجِزْيَةَ كَالنَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَيَتْرُكُونَا بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا تَرَكُوهُمْ، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] . (وَمُنِعَ) ذِمِّيٌّ (رُكُوبَ خَيْلٍ وَبِغَالٍ، وَ) رُكُوبَ (سُرُوجٍ) أَيْ عَلَيْهَا (وَبَرَاذِعَ نَفِيسَةٍ) وَلَوْ عَلَى حَمِيرٍ، (وَ) مَشْيٍ فِي (جَادَّةٍ) أَيْ وَسَطِ (طَرِيقٍ) بَلْ يَمْشِي بِجَانِبِهَا (إلَّا لِخُلُوِّهَا) فَيَمْشِي وَسَطَهَا (وَأُلْزِمَ) قَهْرًا عَنْهُ (بِلُبْسٍ يُمَيِّزُهُ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ كَزُنَّارٍ وَطُرْطُورٍ وَبُرْنِيطَةٍ وَعِمَامَةٍ زَرْقَاءَ. (وَعُزِّرَ لِإِظْهَارِ السُّكْرِ) التَّعْزِيرَ اللَّائِقَ بِهِ، (وَ) عُزِّرَ لِإِظْهَارِ (مُعْتَقَدِهِ) أَيْ الَّذِي كَفَرَ بِهِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، (وَ) عَلَى (بَسْطِ) أَيْ إطْلَاقِ (لِسَانِهِ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. (وَأُرِيقَتْ الْخَمْرُ وَكُسِرَ النَّاقُوسُ) إنْ أَظْهَرَهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ مَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ] : أَيْ أَنْشَأَهُ الْمُسْلِمُونَ اسْتِقْلَالًا، فَإِنَّ الْقَاهِرَةَ أَنْشَأَهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ الْفَتْحِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ، وَمَا قِيلَ فِي الْقَاهِرَةِ يُقَالُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمُونَ. [مَا يَمْنَع مِنْهُ الذِّمِّيّ وَأَحْكَامه] قَوْلُهُ: [وَأُرِيقَتْ الْخَمْرُ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ أَوَانِيهَا، وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهَا تُكْسَرُ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمَوَّاقُ وَالْبَرْزَلِيُّ وَإِنَّمَا أُرِيقَتْ الْخَمْرُ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ لِأَنَّ النَّفْسَ تَشْتَهِيهَا، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ لَهُ إرَاقَتُهَا وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْحَاكِمِ، وَمِثْلُ إظْهَارِ الْخَمْرِ وَالنَّاقُوسِ حَمْلُهُمَا مِنْ بَلَدٍ لِآخَرَ، فَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُمَا وَأَتْلَفَهُمَا عَلَيْهِ مُسْلِمٌ ضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهَا لِتَعَدِّيهِ وَكَذَا يُكْسَرُ صَلِيبُهُ إنْ أَظْهَرهُ.

(وَانْتَقَضَ عَهْدُهُ) فَيَكُونُ هُوَ وَمَالُهُ فَيْئًا (بِقِتَالٍ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ) : أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ. (وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا أَمِنَ فِي نَظِيرِ دَفْعِهَا، (وَتَمَرُّدٍ عَلَى الْأَحْكَامِ) الشَّرْعِيَّةِ بِإِظْهَارِ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا. (وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ) لَا كَافِرَةٍ وَلَا رَقِيقٍ؛ أَيْ عَلَى أَنْ يَزْنِيَ بِهَا أَوْ زَنَى بِالْفِعْلِ وَإِلَّا لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ (وَغُرُورِهَا) أَيْ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَتَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا. (وَتَطَلُّعِهِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ يَكُونَ جَاسُوسًا يُطْلِعُ الْحَرْبِيِّينَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ كِتَابِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَوْرَاتِ الْمَحِلَّاتُ الْخَالِيَةُ عَنْ الْحَرَسِ وَالرِّبَاطِ. (وَسَبِّ نَبِيٍّ بِمَا لَمْ يَكْفُرْ بِهِ) : أَيْ بِمَا لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ لَا بِمَا أُقِرَّ بِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ] : أَيْ غَيْرِ مُخْتَصٍّ بِوَاحِدٍ. قَوْلُهُ: [وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ] : يُقَيَّدُ كَمَا قَالَ الْبَدْرُ بِمَنْعِهَا تَمَرُّدًا وَنَبْذًا لِلْعَهْدِ لَا لِمُجَرَّدِ بُخْلٍ فَيُجْبَرُ عَلَيْهَا وَلَا يُعَدُّ نَاقِضًا. قَوْلُهُ: [وَغَصْبِ حُرَّةٍ] : أَيْ وَأَمَّا زِنَاهُ بِهَا طَائِعَةً فَإِنَّمَا يُوجِبُ تَعْزِيرَهُ وَحُدَّتْ هِيَ. قَوْلُهُ: [لَا كَافِرَةٍ وَلَا رَقِيقٍ] : فَلَوْ زَنَى بِأَمَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ بِحُرَّةٍ كَافِرَةٍ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِعَهْدِهِ وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ. قَوْلُهُ: [وَتَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ تَزَوَّجَهَا مَعَ عِلْمِهَا بِكُفْرِهِ مِنْ غَيْرِ غُرُورِ فَلَا يَكُونُ نَقْضًا لِعَهْدِهِ وَيُعَزَّرُ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَكُونَ جَاسُوسًا] إلَخْ: فَفِي الْمَوَّاقِ عَنْ سَحْنُونَ إنْ وَجَدْنَا فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ ذِمِّيًّا كَاتِبًا لِأَهْلِ الشِّرْكِ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ لِيَكُونَ نَكَالًا لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: [وَسَبِّ نَبِيٍّ] : أَيْ مُجْمَعٍ عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَنْكَرَهَا الْيَهُودُ كَنُبُوَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ. وَأَمَّا سَبُّهُ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عِنْدَنَا كَالْخَضِرِ وَلُقْمَانَ فَلَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَهْدُهُ وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ. قَوْلُهُ: [أَيْ بِمَا لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ] : مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ نَصَارَى مِصْرَ كَمَا

نَحْوِ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، أَوْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، أَوْ مُحَمَّدٌ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْنَا وَإِنَّمَا أُرْسِلَ لِلْعَرَبِ، (كَلَيْسَ) : أَيْ كَقَوْلِهِ لَيْسَ (بِنَبِيٍّ) أَصْلًا (أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ أَوْ تَقَوَّلَهُ) مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ. (وَتَعَيَّنَ قَتْلُهُ فِي السَّبِّ) بِمَا لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يُسْلِمْ) ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا غَصْبُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَغُرُورُهَا فَيُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا فِي مَنْعِهِ الْجِزْيَةَ، وَمُقَاتَلَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. (وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الْحَرْبِ نَاقِضًا) لِلْعَهْدِ (وَأُخِذَ اُسْتُرِقَّ) ، وَرَأَى الْإِمَامُ فِيهِ رَأْيَهُ (إنْ لَمْ يُظْلَمْ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ لِظُلْمٍ لِحَقِّهِ وَإِلَّا رُدَّ لِجِزْيَتِهِ، وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى الظُّلْمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQحَكَاهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، مَا لَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْهُ الْكِلَابُ؟ فَأَرْسَلَ لِمَالِكٍ الِاسْتِفْتَاءَ فِيهِ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اُكْتُبْ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، فَقَالَ: إنَّهُ لَحَقِيقٌ بِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَكَتَبْتهَا وَنَفَذَتْ الصَّحِيفَةُ بِذَلِكَ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، قَالَ عِيَاضٌ: وَيَجُوزُ إحْرَاقُ السَّابِّ بِالنَّارِ حَيًّا وَمَيِّتًا. قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ قَتْلُهُ فِي السَّبِّ] : أَيْ وَيَجُوزُ حَرْقُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [فَيُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ عَلَى الْمُخْتَارِ] : وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ كَالسَّبِّ. تَتْمِيمٌ: لِلْإِمَامِ الْمُهَادَنَةُ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ بِالْمَصْلَحَةِ مُدَّةً بِاجْتِهَادِهِ، وَنُدِبَ أَنْ لَا تُجَاوِزَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطٌ فَاسِدٌ كَإِبْقَاءِ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمْ، أَوْ إخْلَاءِ قَرْيَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ، أَوْ دَفْعِ مَالٍ مَثَلًا لَهُمْ، أَوْ رَدِّ مُسْلِمَةٍ إلَّا لِخَوْفٍ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخُنْثَى لَيْسَ كَالْأُنْثَى هُنَا لِأَنَّ الشَّأْنَ عَدَمُ وَطْئِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. فَإِنْ عَقَدَ مَعَهُمْ صُلْحًا بِشَرْطٍ ثُمَّ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ، وَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ وَأَنْ يَرُدَّ رَهَائِنَ وَلَوْ أَسْلَمُوا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمْ بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا فِدَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَكُلِّ أَسِيرٍ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَسِيرُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ إنْ تَعَذَّرَ مَالُ الْمُسْلِمِينَ فَمَالُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَدَاهُ إنْسَانٌ مِنْ عِنْدِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً، وَهَلْ بِجَمِيعِ مَا دَفَعَ؟ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. أَوْ بِمَا

[أخذ العشر من الذميين والحربيين]

[أَخَذَ الْعَشْر مِنْ الذِّمِّيِّينَ وَالْحَرْبِيِّينَ] (وَأُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، (وَلَوْ) كَانُوا (أَرِقَّاءَ أَوْ صِبْيَةً عُشْرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يُمْكِنُ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ؟ وَهُوَ الْوَجِيهُ - خِلَافٌ. وَمَحَلُّ رُجُوعِ الْفَادِي عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُفْدَى مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إنْ عَرَفَهُ أَوْ كَانَ الْمَحْرَمُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ مَا لَمْ يَأْمُرْ الْمَحْرَمُ أَوْ الزَّوْجُ الْفَادِيَ بِالْفِدَاءِ أَوْ يَلْتَزِمُهُ، وَإِلَّا فَيُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ. وَيُفَضُّ الْفِدَاءُ عَلَى عَدَدِ الْمُفْدَيْنَ إنْ جَهِلَ الْكُفَّارُ قَدْرَ الْأُسَارَى مِنْ غِنًى وَفَقْرٍ وَشَرَفٍ وَوَضَاعَةٍ، فَإِنْ عَلِمُوا قَدْرَهُمْ فُضَّ عَلَى قَدْرِ مَا يُفْدَى بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ، وَلَوْ تَنَازَعَ الْأَسِيرُ وَالْفَادِي، فَالْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ فِي إنْكَارِ الْفِدَاءِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ قَدْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْأَسِيرُ بِيَدِ الْفَادِي. وَيَجُوزُ فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بِأُسَارَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ عِنْدَنَا وَلَوْ كَانُوا شُجْعَانًا إذَا لَمْ يَرْضَوْا إلَّا بِذَلِكَ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لَنَا مُتَرَقَّبٌ، وَخَلَاصُ الْأُسَارَى مُحَقَّقٌ، وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يُخْشَ مِنْهُمْ وَإِلَّا حَرُمَ. وَيَجُوزُ أَيْضًا بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْأَحْسَنِ، وَصِفَةُ مَا يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِدَفْعِ ذَلِكَ لِلْعَدُوِّ وَيُحَاسِبَهُمْ بِقِيمَةِ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَازَ شِرَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ. وَلَوْ فَدَى مُسْلِمٌ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ اشْتَرَاهُ. وَفِي جَوَازِ فِدَاءِ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ بِالْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ: إذَا لَمْ يُخْشَ مِنْ الْفِدَاءِ بِهِمَا الظَّفَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا مُنِعَ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [وَأُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ] إلَخْ: سَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ: وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا عَلَى الْمَجُوسِ فِي نَخِيلِهِمْ وَلَا كُرُومِهِمْ وَلَا زَرْعِهِمْ وَلَا عَلَى مَوَاشِيهِمْ صَدَقَةٌ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَطْهِيرًا لَهُمْ وَرَدًّا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَوُضِعَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ صَغَارًا لَهُمْ فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِبَلَدِهِمْ الَّذِي صَالَحُوا عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ سِوَى الْجِزْيَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْتَلِفُوا فِيهَا. فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ فِيمَا يُدِيرُونَ مِنْ التِّجَارَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ وَصَالَحُوا عَلَيْهَا عَلَى أَنْ يُقَرُّوا بِبِلَادِهِمْ، وَيُقَاتَلَ عَنْهُمْ عَدُوُّهُمْ. فَمَنْ خَرَجَ مِنْ بِلَادِهِ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهَا يَتَّجِرُ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ مَنْ تَجَرَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إلَى الشَّامِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إلَى الْعِرَاقِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ إلَى الْيَمَنِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْبِلَاد فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ وَلَا صَدَقَةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمَجُوسِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَلَا ثِمَارِهِمْ وَلَا زُرُوعِهِمْ مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ وَيَكُونُونَ

ثَمَنِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (مَا بَاعُوهُ) مِنْ الْعُرُوضِ وَالْأَطْعِمَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِذَا لَمْ يَبِيعُوا شَيْئًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ مَا جَلَبُوهُ كَالْحَرْبِيِّينَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَلَوْ لَمْ يَبِيعُوهُ (مِمَّا) أَيْ مِنْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ (قَدِمُوا بِهِ مِنْ أُفُقٍ) أَيْ قُطْرٍ وَإِقْلِيمٍ (إلَى) أُفُقٍ (آخَرَ) كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالرُّومِ وَالْمَغْرِبِ، فَإِذَا قَدِمَ مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ آخَرَ أُخِذَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، وَمَا دَامَ فِي إقْلِيمِهِ كَالْمِصْرِيِّ يَنْتَقِلُ بِتِجَارَتِهِ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة إلَى الْقَاهِرَةِ مَثَلًا، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا سَيُنَصُّ عَلَيْهِ. (وَ) أُخِذَ مِنْهُمْ (عُشْرُ عَرَضٍ) أَوْ حَيَوَانٍ (اشْتَرَوْهُ) فِي غَيْرِ إقْلِيمِهِمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِرَارًا إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِمْ كُلَّمَا اخْتَلَفُوا الْعُشْرُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا صَالَحُوا عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّا شُرِطَ لَهُمْ وَهَذَا الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. قَوْلُهُ: [عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] : أَيْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. قَوْلُهُ: [فَإِذَا لَمْ يَبِيعُوا شَيْئًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ] : أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي نَظِيرِ النَّفْعِ لَا فِي دُخُولِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُمْ مُكِّنُوا مِنْهَا بِالْجِزْيَةِ. قَوْلُهُ: [مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ آخَرَ] : مُرَادُهُ بِالْإِقْلِيمِ الْقُطْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا بِدَلِيلِ الْأَخْذِ مِمَّنْ أَخَذَ سِلَعًا مِنْ الشَّامِ، وَبَاعَهَا بِمِصْرَ أَوْ عَكْسُهُ، فَالْعِبْرَةُ بِهَا لَا بِالسَّلَاطِينِ إذْ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُ السُّلْطَانِ كَمَا قَالَهُ التَّتَّائِيُّ، وَقِيلَ يَجُوزُ عِنْدَ تَبَاعُدِ الْأَقْطَارِ. قَوْلُهُ: [وَأُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُ عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ] إلَخْ: اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْعَلَّامَةِ الْعَدَوِيِّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي الْحَسَنِ. الْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إنْ قَدِمُوا مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ آخَرَ بِعَرْضٍ وَبَاعُوهُ بِعَيْنٍ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُ الثَّمَنِ، وَإِنْ قَدِمُوا بِعَيْنٍ وَاشْتَرَوْا بِهِ عَرْضًا أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُ الْعَرْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لَا عُشْرُ قِيمَتِهِ. وَإِنْ قَدِمُوا بِعَرْضٍ وَاشْتَرَوْا بِهِ عَرْضًا آخَرَ فَعَلَيْهِمْ عُشْرُ قِيمَةِ مَا اشْتَرَوْا لَا عُشْرُ عَيْنِ مَا قَدِمُوا بِهِ. وَلَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِمْ الْأَخْذُ بِتَكَرُّرِ بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ مَا دَامُوا بِأُفُقٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ بَاعُوا بِأُفُقٍ كَالشَّامِ أَوْ الْعِرَاقِ، وَاشْتَرَوْا بِآخَرَ كَمِصْرِ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرٌ فِي الْأَوَّلِ وَعُشْرٌ فِي الثَّانِي. كَمَا أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ إنْ قَدِمُوا بَعْدَ ذَهَابِهِمْ لِبَلَدِهِمْ، وَلَوْ مِرَارًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ (اهـ) فَإِنَّ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مُخَالَفَةً لَا تَخْفَى.

(بِعَيْنٍ أَوْ عُرُوضٍ قَدِمُوا بِهَا) مِنْ بِلَادِهِمْ لَا بِثَمَنِ مَا بَاعُوهُ، لِأَنَّهُ قَدْ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُهُ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِمَّا اشْتَرَوْهُ بِالْبَاقِي شَيْءٌ. وَبَالَغَ عَلَى أَخْذِ عُشْرِ الثَّمَنِ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ اخْتَلَفُوا) أَيْ تَرَدَّدُوا إلَى غَيْرِ إقْلِيمِهِمْ (فِي السَّنَةِ مِرَارًا) لِفِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الِانْتِفَاعُ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْحَوْلِ إلَّا مَرَّةً كَالزَّكَاةِ، وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ شَيْءٌ كَالْمُسْلِمِ. وَفَرَّعَ عَلَى مَا قَدَّمَهُ قَوْلَهُ: (فَلَوْ اشْتَرَوْا) سِلَعًا (بِإِقْلِيمٍ) غَيْرِ إقْلِيمِهِمْ (وَبَاعُوا) مَا اشْتَرَوْهُ (بِآخَرَ) أَيْ بِإِقْلِيمٍ آخَرَ كَأَنْ يَشْتَرِيَ مِصْرِيٌّ سِلَعًا فِي الشَّامِ وَيَبِيعَهَا بِالرُّومِ (أُخِذَ مِنْهُمْ) الْعُشْرُ (عِنْدَ كُلٍّ) مِنْ الْإِقْلِيمَيْنِ فَأَكْثَرَ. لَكِنَّ الَّذِي اشْتَرَوْا فِيهِ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِيهِ عُشْرُ السِّلَعِ الْمُشْتَرَاةِ، وَاَلَّذِي بَاعُوا فِيهِ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِيهِ عُشْرُ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (إلَّا) إذَا بَاعُوا أَوْ اشْتَرَوْا (بِإِقْلِيمِهِمْ) وَلَوْ بِانْتِقَالِهِمْ مِنْ بَلَدٍ لِآخَرَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ وَلَوْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: " أُخِذَ عُشْرُ ثَمَنِ " إلَخْ قَوْلَهُ (إلَّا) إذَا جَلَبُوا (الطَّعَامَ بِالْحَرَمَيْنِ فَقَطْ) ، أَيْ إلَيْهِمَا وَالْمُرَادُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا مِنْ الْبِلَادِ، وَمُرَادُهُ بِالطَّعَامِ كُلُّ مَا يُقْتَاتُ بِهِ أَوْ يَجْرِي مَجْرَاهُ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الْحُبُوبِ وَالزُّيُوتِ وَالْأَدْهَانِ وَمَا أُلْحِقَ بِذَلِكَ كَمِلْحٍ وَبَصَلٍ وَتَابِلٍ، (فَنِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ) أَيْ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا خُفِّفَ عَنْهُمْ فِي الطَّعَامِ فِي الْبَلَدَيْنِ لِشِدَّةِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا لَهُ فَيَكْثُرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ] إلَخْ: إنَّمَا اسْتَثْنَى ذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الْقِبْطِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ الْعُشْرِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكْثُرَ الْحَمْلُ إلَى الْمَدِينَةِ ". قَوْلُهُ: [لِشِدَّةِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا] : وَقِيلَ لِفَضْلِهِمَا، وَفِي ابْنِ نَاجِي ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي صَاحِبَ الرِّسَالَةِ أَنَّ قُرَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَيْسَتْ كَهُمَا وَأَلْحَقَهَا ابْنُ الْجَلَّابِ بِهِمَا (اهـ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: [تَجْرِي فِي الْحَرْبِيِّينَ] : قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَهَلْ الْحَرْبِيُّونَ مِثْلُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْعِلَّةِ فَالْعِلَّةُ جَارِيَةٌ فِي الْجَمِيعِ، قَالَ الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي الْحَسَنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ.

جَلْبُهُ إلَيْهِمَا. وَهَذِهِ الْعِلَّةُ كَمَا تَجْرِي فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ تَجْرِي فِي الْحَرْبِيِّينَ إذَا دَخَلُوهُمَا بِأَمَانٍ. (وَأُخِذَ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ النَّازِلِينَ) عِنْدَنَا (بِأَمَانٍ عُشْرُ مَا قَدِمُوا بِهِ) لِلتِّجَارَةِ مِنْ عُرُوضٍ وَطَعَامٍ بَاعُوا أَوْ لَمْ يَبِيعُوا. وَاَلَّذِي لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ عَامِلُ أَوَّلِ قُطْرٍ دَخَلُوهُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إذَا انْتَقَلُوا لِآخَرَ مَا دَامُوا فِي بِلَادِنَا حَتَّى يَذْهَبُوا لِبِلَادِهِمْ وَيَنْقَلِبُوا إلَيْنَا مَرَّةً أُخْرَى، لِأَنَّ جَمِيعَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ. وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَعِلَّةُ الْأَخْذِ مِنْهُمْ الِانْتِفَاعُ وَهُمْ غَيْرُ مَمْنُوعِينَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَكُلَّمَا تَكَرَّرَ نَفْعُهُمْ تَكَرَّرَ الْأَخْذُ مِنْهُمْ، (إلَّا لِشَرْطٍ) فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا وَقَعَ الِاشْتِرَاطُ عَلَيْهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَوْ قَدِمُوا بِعَيْنٍ لِلتِّجَارَةِ أُخِذَ عُشْرُ قِيمَةِ مَا اشْتَرَوْهُ بِهَا، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِ خَمْرٍ إلَّا إذَا حَمَلُوهُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَيُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِهِ لَهُمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ مِنْهُ. (وَلَا يُعَادُ) الْأَخْذُ مِنْهُمْ (إنْ رَحَلُوا) مِنْ أُفُقٍ (لِأُفُقٍ آخَرَ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ جَمِيعَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَمَا دَامُوا فِيهَا لَمْ يَتَكَرَّرْ الْأَخْذُ مِنْهُمْ حَتَّى يَذْهَبُوا لِبِلَادِهِمْ، ثُمَّ يَرْجِعُوا بِأَمَانٍ آخَرَ وَلَوْ تَكَرَّرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَرَّةً فَقَطْ فِي الْعَامِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ] : أَيْ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ. قَوْلُهُ: [قَلَّ أَوْ كَثُرَ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ قَبْلَ نُزُولِهِمْ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ مَعَهُمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ وَإِنْ بِأَضْعَافٍ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النُّزُولِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ إلَّا الْعُشْرُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي الْحَسَنِ. قَوْلُهُ: [فَيُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِهِ لَهُمْ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَمُقَابِلُهُ لَا يُمَكَّنُونَ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَوْ لَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ. قَوْلُهُ: [وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ] إلَخْ: هَذَا فِي الْحَرْبِيِّينَ. وَمِثْلُهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.

[أخذ العشر من المسلمين]

(وَالْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَةِ الْأَخْذِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَ) عَلَى (كُفْرِ مُسْتَحِلِّهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَلَا يَرُدُّنَا عَلَيْنَا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ جَوَّزُوا لِلْعَشَّارِ أَخْذَ رُبْعِ الْعُشْرِ كُلَّ عَامٍ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّا نَقُولُ: كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الزَّكَاةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: يَجُوزُ رُبْعُ الْعُشْرِ لَا أَكْثَرُ فِي كُلِّ حَوْلٍ مَا لَمْ يَدَّعِ التَّاجِرُ أَنَّهُ دَفَعَهُ لِفَقِيرٍ أَوْ مِسْكِينٍ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ الْعَشَّارُ حَسِبَهُ رَبُّ الْمَالِ مِنْ الزَّكَاةِ. وَقَوْلُنَا: " وَالْإِجْمَاعُ " إلَخْ ظَاهِرٌ فِي أَخْذِ الْعُشْرِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْآنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَخَذَ الْعَشْر مِنْ الْمُسْلِمِينَ] قَوْلُهُ: [وَعَلَى كُفْرِ مُسْتَحِلِّهِ] : أَيْ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ جُمْلَةُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْمَكَّاسِ. مِنْهَا: «إذَا رَأَيْتُمْ مَكَّاسًا فَاقْتُلُوهُ» وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [حَسِبَهُ رَبُّ الْمَالِ إلَخْ] : أَيْ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِهِمْ.

[باب المسابقة]

بَابُ الْمُسَابَقَةِ (الْمُسَابَقَةُ) : مُفَاعَلَةٌ: مِنْ السَّبْقِ بِسُكُونِ الْبَاءِ مَصْدَرُ سَبَقَ إذَا تَقَدَّمَ، وَبِفَتْحِهَا: الْجُعْلُ الَّذِي يُجْعَلُ بَيْنَ أَهْلِ السِّبَاقِ. وَالْأَصْلُ فِيهَا الْمَنْعُ لِمَا فِيهَا مِنْ اللَّعِبِ وَالْقِمَارِ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَهِيَ الْمُغَالَبَةُ وَالتَّحَيُّلُ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلِحُصُولِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِشَخْصٍ لِأَنَّ السَّابِقَ هُوَ الَّذِي قَدْ يَأْخُذُ الْجُعْلَ. وَلَكِنْ أَجَازَهَا الشَّارِعُ لِلتَّدْرِيبِ عَلَى الْجِهَادِ وَمَنْعِ الصَّائِلِ، فَلَوْ كَانَتْ لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ لَمْ تَجُزْ. (جَائِزَةٌ بِجُعْلٍ) فِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: (فِي الْخَيْلِ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ. (وَ) فِي (الْإِبِلِ) كَذَلِكَ. (وَبَيْنَهُمَا) خَيْلٌ مِنْ جَانِبٍ وَإِبِلٌ مِنْ جَانِبٍ. (وَفِي السَّهْمِ) لِإِصَابَةِ الْغَرَضِ أَوْ بُعْدُ الرَّمْيَةِ وَبَيَّنَ شُرُوطَ جَوَازِهَا بِالْجُعْلِ بِقَوْلِهِ: (إنْ صَحَّ بَيْعُهُ) : أَيْ بَيْعُ الْجُعْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ الْمُسَابَقَةِ] [تَعْرِيف الْمُسَابَقَةِ] بَابٌ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى أَحْكَامِ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُسَابَقَةُ. قَوْلُهُ: [مِنْ السَّبْقِ] : أَيْ فَهِيَ لُغَةً مُشْتَقَّةٌ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَبِفَتْحِهَا الْجُعْلُ] : أَيْ الْمَالُ الَّذِي يُوضَعُ وَيُهَيَّأُ لِلسَّابِقِ لِيَأْخُذَهُ. قَوْلُهُ: [وَالْأَصْلُ فِيهَا الْمَنْعُ] : وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْمُسَابَقَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ ثَلَاثِ قَوَاعِدَ: الْقِمَارُ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَتَعْذِيبُ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَحُصُولُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ (اهـ) . قَوْلُهُ: [جَائِزَةٌ بِجُعْلٍ] : أَيْ وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى بِغَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ. قَوْلُهُ: [فِي الْخَيْلِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا غَيْرُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ

بِأَنْ كَانَ طَاهِرًا مَعْلُومًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ لَا بِنَجِسٍ وَلَا بِمَجْهُولٍ، وَلَا خَمْرٍ وَلَا خِنْزِيرٍ وَلَا بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ كَجِلْدِ أُضْحِيَّةٍ. (وَ) إنْ (عُيِّنَ الْمَبْدَأُ) فِي الْمُسَابَقَةِ بِالْحَيَوَانِ أَوْ بِالسَّهْمِ. (وَالْغَايَةُ) الَّتِي يُنْتَهَى إلَيْهَا. (وَالْمَرْكَبُ) أَيْ مَا يُرْكَبُ مِنْ خَيْلٍ أَوْ إبِلٍ كَهَذَا الْفَرَسِ وَهَذَا الْبَعِيرِ. (وَ) عُيِّنَ (الرَّامِي) فِي الرَّمْيِ كَزَيْدٍ أَوْ هَذَا الرَّجُلِ. (وَ) عُيِّنَ (عَدَدُ الْإِصَابَةِ) بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ. (وَ) عُيِّنَ (نَوْعُهَا) أَيْ الْإِصَابَةِ مِنْ خَزْقٍ بِخَاءٍ وَزَايٍ مُعْجَمَتَيْنِ: وَهُوَ ثَقْبُ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ السَّهْمُ فِيهِ، وَخَسْقٍ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَقَافٍ: وَهُوَ ثَقْبُهُ وَسُكُونُ السَّهْمِ فِيهِ، وَخَرْمٍ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ الرَّاءِ: وَهُوَ إصَابَةُ طَرَفِ الْغَرَضِ فَيَخْدِشُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَجُوزُ بِالْجُعْلِ، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَتَجُوزُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَلَا بِمَجْهُولٍ] : أَيْ كَاَلَّذِي فِي الْجَيْبِ أَوْ الصُّنْدُوقِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ أَوْ جِنْسُهُ، فَلَوْ وَقَعَتْ الْمُسَابَقَةُ بِمَمْنُوعٍ مِمَّا ذُكِرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ الْجَاعِلُ بِشَيْءٍ حَتَّى يُقَالَ عَلَيْهِ جَعْلُ الْمِثْلِ خِلَافًا لِلْبَدْرِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ عُيِّنَ الْمَبْدَأُ] : قَدَّرَ الشَّارِحُ إنْ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلَى صَحَّ وَهُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا كَانَ التَّعْيِينُ مِنْهُمَا بِتَصْرِيحٍ أَوْ بِعَادَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَبْدَأِ الْمَحَلُّ الَّذِي يُبْدَأُ مِنْهُ مِنْ رِمَاحَةٍ أَوْ رَمْيٍ بِالسَّهْمِ وَالْمُرَادُ بِالْغَايَةِ الْمَحَلُّ الَّذِي يُنْتَهَى إلَيْهِ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: [كَهَذَا الْفَرَسِ] : أَيْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ بِالْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، بِأَنْ يَقُولَ: أُسَابِقُك عَلَى فَرَسِي هَذِهِ أَوْ بَعِيرِي هَذَا، وَأَنْتَ عَلَى فَرَسِك هَذِهِ أَوْ بَعِيرِك هَذَا، أَوْ فَرَسِك وَفَرَسِي وَكَانَا مَعْهُودَيْنِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكْتَفِي بِالتَّعْيِينِ بِالْوَصْفِ كَأُسَابِقُك عَلَى فَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ صِفَتُهُ كَذَا، وَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: مِنْ شُرُوطِ السَّبْقِ مَعْرِفَةُ أَعْيَانِ السِّبَاقِ (اهـ) . وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يُقْطَعَ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، فَيُشْتَرَطُ جَهْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ سَبْقَ فَرَسِهِ. قَوْلُهُ: [وَعُيِّنَ الرَّامِي] : أَيْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ شَخْصِهِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو،

[المسابقة بالجعل]

(وَلَزِمَتْ) الْمُسَابَقَةُ (بِالْعَقْدِ) كَالْإِجَارَةِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا حَلُّهَا إلَّا بِرِضَاهُمَا مَعًا. (وَأَخْرَجَهُ) عَطْفٌ عَلَى صَحَّ: أَيْ إنْ صَحَّ بَيْعُهُ وَإِنْ أَخْرَجَهُ أَيْ الْجُعْلَ (مُتَبَرِّعٌ) بِهِ غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ، (لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ أَوْ أَخْرَجَهُ أَحَدُهُمَا) : أَيْ الْمُتَسَابِقَيْنِ (فَإِنْ سَبَقَهُ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَبَقَهُ (غَيْرُهُ أَخَذَهُ) ذَلِكَ الْغَيْرُ (وَإِلَّا) يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ، (فَلِمَنْ حَضَرَ) وَلَا يَرْجِعُ لِرَبِّهِ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ، بَلْ إنْ سَكَتَا صَحَّ الْعَقْدُ وَحُمِلَ عَلَى مَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ لَوْ اشْتَرَطَ مَخْرَجَهُ أَنَّهُ إنْ سَبَقَ عَادَ إلَيْهِ فَفَاسِدٌ. (لَا) تَصِحُّ (إنْ أَخْرَجَا) أَيْ أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا جُعْلًا (لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ) مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ مِنْ الْقِمَارِ الْمَحْضِ، وَهُوَ لِرَبِّهِ سَبَقَ أَوْ لَمْ يَسْبِقْ. وَبَالَغَ عَلَى الْمَنْعِ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ) وَقَعَ ذَلِكَ (بِمُحَلِّلٍ) : أَيْ مَعَ ثَالِثٍ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا إنْ (أَمْكَنَ سَبْقُهُ) لِقُوَّةِ فَرَسِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَبَقَ أَخَذَ الْجُعْلَيْنِ مَعًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا أَخَذَهُمَا مَعًا. وَعِلَّةُ الْمَنْعِ جَوَازُ رُجُوعِ الْجُعْلِ لِمُخْرِجِهِ. وَأَوْلَى فِي الْمَنْعِ إنْ قَطَعَ بِعَدَمِ سَبْقِ الْمُحَلِّلِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعَدَمِ. وَسُمِّيَ مُحَلِّلًا مَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مُسَابَقَةِ شَخْصَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَمْ يَجُزْ. [الْمُسَابَقَةِ بالجعل] قَوْلُهُ: [كَالْإِجَارَةِ] : أَيْ فِي غَيْرِ الْمُتَسَابِقَيْنِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنْ فِيهِ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَابَقَةِ مِنْ الْإِجَارَةِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ تَشْبِيهِ الْجُزْئِيِّ بِالْكُلِّيِّ. قَوْلُهُ: [غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ] : هَذِهِ جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ إخْرَاجُ أَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: [لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ مِنْهُمَا] : أَيْ لِيَأْخُذَ السَّابِقُ الْجُعْلَ الَّذِي أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ مَعَ بَقَاءِ جُعْلِهِ لَهُ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ الْقِمَارِ الْمَحْضِ] : أَيْ الْخَالِصِ الَّذِي لَا رُخْصَةَ فِيهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الرُّخْصَةِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ لِرَبِّهِ] : أَيْ وَجُعْلُ كُلٍّ لِرَبِّهِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِمُحَلِّلٍ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ مَعَ الْمُحَلِّلِ وَهُوَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ مَرَّةً. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُمَا مَعَ الْمُحَلِّلِ صَارَا كَاثْنَيْنِ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ.

[ما يجوز في المسابقة]

أَنَّهُ لَا تَحْلِيلَ بِهِ نَظَرًا لِمَنْ يَرَى الْجَوَازَ بِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ مُحَلِّلٌ حَقِيقَةً. (وَإِنْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ عَارِضٌ) فِي ذَهَابِهِ عَطَّلَ سَيْرَهُ، (أَوْ انْكَسَرَ) السَّهْمُ، (أَوْ) عَرَضَ (لِلْفَرَسِ ضَرْبٌ بِوَجْهٍ) مَثَلًا (فَعَاقَهُ، أَوْ) عَرَضَ لِصَاحِبِهِ (نَزْعُ سَوْطِهِ) مِنْ يَدِهِ فَقَلَّ جَرْيُ الْفَرَسِ أَوْ الْبَعِيرِ (لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا) لِعُذْرِهِ بِمَا ذُكِرَ. (بِخِلَافِ ضَيَاعِهِ) أَيْ السَّوْطِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِسَبَبِهِ مَسْبُوقًا لِتَفْرِيطِهِ، (أَوْ قَطْعِ لِجَامٍ أَوْ حَرْنِ الْفَرَسِ) فَإِنَّهُ يُعَدُّ مَسْبُوقًا. (وَجَازَتْ) الْمُسَابَقَةُ (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ الْجُعْلِ، بِأَنْ تَكُونَ مَجَّانًا (مُطْلَقًا) فِي الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا كَالْجَرْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَبِالسُّفُنِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ، وَالرَّمْيِ بِالْأَحْجَارِ وَالْجَرِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَدَرَّبُ بِهِ عَلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ (إنْ صَحَّ الْقَصْدُ) بِأَنْ وَافَقَ الشَّرْعَ. فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بِأَنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْفُسُوقِ لَمْ تَجُزْ، وَلَا سِيَّمَا إنْ حَصَلَ بِلَعِبِهِمْ الْإِيذَاءُ بِضَرْبٍ وَغَيْرِهِ. [مَا يَجُوز فِي المسابقة] (وَ) جَازَ (عِنْدَ الرَّمْيِ افْتِخَارٌ) : أَيْ ذِكْرُ الْمَفَاخِرِ بِالِانْتِسَابِ إلَى أَبٍ أَوْ قَبِيلَةٍ. (وَ) جَازَ (رَجَزٌ) أَيْ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ الشِّعْرِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِافْتِخَارِ (وَتَسْمِيَةُ نَفْسِهِ) كَأَنَا فُلَانٌ أَوْ أَبُو فُلَانٍ، (وَصِيَاحٌ) بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [نَظَرًا لِمَنْ يَرَى الْجَوَازَ بِهِ] : أَيْ وَهُوَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ كَمَا تَقَدَّمَ. [إذَا عَرَضَ لِلسَّهْمِ أَوْ الفارس عارض فِي ذَهَابه] قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ ضَيَاعِهِ] : أَيْ كَمَا لَوْ نَسِيَهُ قَبْلَ رُكُوبِهِ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ قَوْلُهُ: [لَمْ يَجُزْ] : أَيْ يَحْرُمُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقَدْ حَكَى الزَّنَاتِيُّ قَوْلَيْنِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ فِيمَنْ تَطَوَّعَ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ لِلْمُتَصَارِعَيْنِ أَوْ الْمُتَسَابِقَيْنِ عَلَى أَرْجُلِهِمَا أَوْ عَلَى حِمَارَيْهِمَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصُّ السُّنَّةِ. [المسابقة بِغَيْرِ الجعل] قَوْلُهُ: [وَجَازَ عِنْدَ الرَّمْيِ افْتِخَارٌ] : أَيْ بِالْقَوْلِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ أَوْ بِالْفِعْلِ كَمَا وَرَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَخْتَالُ فِي مَشَيْته بَيْنَ الصُّفُوفِ، فَقَالَ إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ» ، أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ.

[باب في النكاح وذكر مهمات مسائله وما يتعلق به]

(كَالْحَرْبِ) أَيْ كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَالِ الْحَرْبِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ (وَالْأَحَبُّ) مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ، وَنَحْوُ يَا دَائِمُ يَا وَاحِدُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] . وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَسَائِلِ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ] : أَيْ لِوُرُودِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَحَيْثُ قَالَ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» . [بَابٌ فِي النِّكَاحِ وَذِكْرُ مُهِمَّاتِ مَسَائِلِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] [حُكْم النِّكَاحُ وَتَعْرِيفه وَأَرْكَانُهُ] قَوْلُهُ: [انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النِّكَاحِ] : أَيْ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ لَوَازِمِهِ الْجَهْدُ وَالْمَشَقَّةُ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الْجِهَادِ لُغَةً، لِخَبَرِ: «إنَّ مِنْ الذُّنُوبِ ذُنُوبًا لَا يُكَفِّرُهَا صَلَاةٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا جِهَادٌ إلَّا السَّعْيُ عَلَى الْعِيَالِ» ، أَوْ كَمَا قَالَ، وَقَدْ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ هُنَا فَصْلَ الْخَصَائِصِ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِهَا قَدْ انْقَضَى بِوَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

بَابٌ فِي النِّكَاحِ وَذِكْرُ مُهِمَّاتِ مَسَائِلِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَظِهَارٍ وَلِعَانٍ وَنَفَقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ بَابٌ مُهِمٌّ يَنْبَغِي زِيَادَةُ الِاعْتِنَاءِ بِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبَابٌ: قَوْلُهُ: [وَغَيْرِ ذَلِكَ] : أَيْ كَالرَّجْعَةِ وَالْإِيلَاءِ وَالْعِدَّةِ وَالرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ.

وَالْأَصْلُ فِيهِ النَّدْبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْأَصْلُ فِيهِ النَّدْبُ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ

لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَاسُلِ وَبَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَكَفِّ النَّفْسِ عَنْ الزِّنَا الَّذِي هُوَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ وَلِذَا قَالَ: (نُدِبَ النِّكَاحُ) وَقَدْ يَجِبُ إنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا، وَقَدْ يَحْرُمُ إنْ لَمْ يَخْشَ الزِّنَا وَأَدَّى إلَى حَرَامٍ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ إضْرَارٍ أَوْ إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَاسُلِ] إلَخْ: بَيَانٌ لِحِكْمَتِهِ. قَوْلُهُ: [وَقَدْ يَجِبُ إنْ خَشِيَ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ أَدَّى إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ أَوْ أَذًى إلَى عَدَمِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا. وَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ - وُجُوبُ إعْلَامِهَا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْخَائِفَ مِنْ الزِّنَا مُكَلَّفٌ بِتَرْكِ الزِّنَا، لِأَنَّهُ فِي طَوْقِهِ كَمَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِتَرْكِ التَّزَوُّجِ الْحَرَامِ، فَلَا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا لِدَفْعِ مُحَرَّمٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إذَا خَافَ الزِّنَا وَجَبَ النِّكَاحُ، وَلَوْ أَدَّى الْإِنْفَاقَ مِنْ حَرَامٍ، وَقَدْ يُقَالُ إذَا اسْتَحْكَمَ الْأَمْرُ فَالْقَاعِدَةُ ارْتِكَابُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَجِدْ مَا يَسُدُّ رَمَقَهَا إلَّا بِالزِّنَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [أَوْ إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ] : أَيْ كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا لِاشْتِغَالِهِ بِتَحْصِيلِ نَفَقَتِهَا. وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّ الشَّخْصَ إمَّا رَاغِبٌ فِي النِّكَاحِ أَوْ لَا، وَالرَّاغِبُ إمَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ أَوْ لَا، فَالرَّاغِبُ إنْ خَشِيَ الْعَنَتَ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ إنْفَاقٍ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ، أَوْ مَعَ وُجُودِ مُقْتَضَى التَّحْرِيمِ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَخْشَ نُدِبَ لَهُ رَجَا النَّسْلَ أَمْ لَا، وَلَوْ قَطَعَهُ عَنْ عِبَادَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ. وَغَيْرُ الرَّاغِبِ إنْ خَافَ بِهِ قَطْعَهُ عَنْ عِبَادَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ كُرِهَ، رَجَا النَّسْلَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ وَرَجَا النَّسْلَ نُدِبَ، فَإِنْ لَمْ يَرْجُ أُبِيحَ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ قِسْمِ الْمَنْدُوبِ وَالْجَائِزِ وَالْمَكْرُوهِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبَ التَّحْرِيمِ، وَالْمَرْأَةُ مُسَاوِيَةٌ لِلرَّجُلِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ إلَّا فِي التَّسَرِّي.

(وَهُوَ) : أَيْ النِّكَاحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: (عَقْدٌ لِحِلِّ تَمَتُّعٍ) : أَيْ اسْتِمْتَاعٍ وَانْتِفَاعٍ وَتَلَذُّذٍ (بِأُنْثَى) وَطْئًا وَمُبَاشَرَةً وَتَقْبِيلًا وَضَمًّا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: " لِحِلِّ " إلَخْ: عِلَّةٌ بَاعِثَةٌ عَلَى الْعَقْدِ، وَخَرَجَ بِهِ سَائِرُ الْعُقُودِ مَا عَدَا الْمَحْدُودَ وَالشِّرَاءَ لِلْأَمَةِ وَإِنْ لِمُسْتَوْلِدِهَا؛ إذْ لَيْسَ الْأَصْلُ فِيهِ حِلُّ التَّمَتُّعِ بَلْ الِانْتِفَاعُ الْعَامُّ وَمِلْكُ الذَّاتِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ. وَوَصَفَ الْأُنْثَى بِقَوْلِهِ: (غَيْرِ مَحْرَمٍ) بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَحْرَمٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عَقْدٌ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ: اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا وَمَا هُوَ مَحَلُّ الْحَقِيقَةِ؟ قَالَ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَةً فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، وَفِي الشَّرْعِ عَلَى الْعَكْسِ إلَخْ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ هَلْ تَحْرُمُ عَلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ أَمْ لَا تَحْرُمُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ. إنْ قُلْت مُقْتَضَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْعَقْدِ حِلُّ الْمَبْتُوتَةِ بِمُجَرَّدِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ خُصِّصَتْ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» إلَخْ وَالْإِجْمَاعُ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [إذْ لَيْسَ الْأَصْلُ فِيهِ حِلَّ التَّمَتُّعِ] : أَيْ بِخُصُوصِهِ بَلْ الْأَصْلُ فِيهِ مِلْكُ الذَّاتِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَالتَّمَتُّعُ مِنْ تَوَابِعِ مِلْكِ الذَّاتِ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَلَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَّا الِانْتِفَاعَ لَا الذَّاتَ وَلَا الْمَنْفَعَةَ، فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ مِنْهَا الِانْتِفَاعُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [بِنَسَبٍ] إلَخْ: مُحَرَّمُ النَّسَبِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى:

(وَ) غَيْرِ (مَجُوسِيَّةٍ) إذْ لَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ وَلَوْ حُرَّةً. (وَ) غَيْرِ (أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ) مَمْلُوكَةٍ لَهُمْ أَمْ لَا، إذْ لَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى الْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَالْحَدُّ شَامِلٌ لَهَا. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: بِأُنْثَى خَالِيَةٍ مِنْ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ فَتَخْرُجُ الْمَحْرَمُ وَالْمَجُوسِيَّةُ وَالْأَمَةُ الْكِتَابِيَّةُ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْمُلَاعَنَةُ وَالْمَبْتُوتَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمُحْرِمَةُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ قَصَدَ بِمَا ذَكَرَهُ إخْرَاجَ مَنْ قَامَ بِهَا مَانِعٌ أَصْلِيٌّ، وَأَمَّا الْمُلَاعَنَةُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا فَمَانِعُهُنَّ عَرَضِيٌّ طَارِئٌ بَعْدَ الْحِلِّ، بِخِلَافِ " الْمَحْرَمِ " وَمَا بَعْدَهَا. وَسَيُذْكَرُ الْعَرَضِيُّ فِي الشُّرُوطِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] الْآيَةَ وَمُحَرَّمُ الرَّضَاعِ مِثْلُهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ، وَمَحْرَمُ الصِّهْرِ أُمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ وَبَنَاتُهَا وَزَوْجَاتُ الْأُصُولِ، وَزَوْجَاتُ الْفُرُوعِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: [إذْ لَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ] إلَخْ: وَلِذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ مَجُوسِيَّةٌ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا، وَلَا يُقَرُّ عَلَيْهَا بِحَالٍ مَا دَامَتْ مَجُوسِيَّةً كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [إذْ لَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى الْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ] : أَيْ وَلَوْ خَشِيَ الْعَنَتَ وَلَمْ يَجِدْ لِلْحَرَائِرِ طَوْلًا وَلَا يُقَرُّ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ، وَهِيَ تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ فَلَهُ نِكَاحُهَا بِالشَّرْطَيْنِ وَيُقَرُّ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطَانِ. قَوْلُهُ: [فَتَخْرُجُ الْمَحْرَمُ وَالْمَجُوسِيَّةُ] إلَخْ: أَيْ وَيَكُونُ الْحَدُّ جَامِعًا مَانِعًا. قَوْلُهُ: [فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَصَدَ بِمَا ذَكَرَهُ] إلَخْ: مُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْحَدَّ مَا كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ لَا بِالْعَرَضِيَّاتِ، إذْ لَا يُلْتَفَتُ لَهَا فِي الْحُدُودِ فَلِذَلِكَ اُلْتُفِتَ لِلْمَانِعِ الْأَصْلِيِّ

(بِصِيغَةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِعَقْدٍ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا. (لِقَادِرٍ) عَلَى مَا يَتَحَصَّلُ بِهِ النِّكَاحُ مِنْ صَدَاقٍ وَنَفَقَةٍ (مُحْتَاجٍ) لَهُ إمَّا لِكَسْرِ شَهْوَتِهِ أَوْ لِإِصْلَاحِ مَنْزِلِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ نَسْلًا (أَوْ رَاجٍ نَسْلًا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " نُدِبَ النِّكَاحُ " وَلَيْسَ مِنْ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا اعْتَرَضَ بِذِكْرِ الْحَدِّ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذِكْرِ التَّعْرِيفِ قَوْلَهُ: (فَرُكْنُهُ) مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَرْكَانِ: أَيْ إذَا عَلِمْت أَنَّهُ عَقْدٌ إلَخْ فَتَكُونُ أَرْكَانُهُ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ عَلَى حِلِّ شَيْءٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQفَقَطْ، لِأَنَّ الْحُدُودَ لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ صَحِيحَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ لِعَارِضٍ، فَلِذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا إخْرَاجُ الْعَرَضِيَّاتِ فَحَيْثُ كَانَ التَّعْرِيفُ جَامِعًا مَانِعًا مِنْ حَيْثُ الذَّاتِيَّاتِ كَفَى، وَلَا يُلْتَفَتُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ حَيْثُ الْعَرَضِيَّاتِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. قَوْلُهُ: [فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ] : أَيْ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَرْكَانِ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ ذَاتِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا] : أَيْ فِي قَوْلِهِ وَالصِّيغَةُ هِيَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْت إلَخْ. قَوْلُهُ: [لِقَادِرٍ] : أَيْ وَأَمَّا غَيْرُ الْقَادِرِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ بَلْ هُوَ حَرَامٌ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [مُحْتَاجٍ] إلَخْ: تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي الْحَاصِلِ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذِكْرِ التَّعْرِيفِ] : إنَّمَا فَرَّعَ الْأَرْكَانَ عَلَى التَّعْرِيفِ لِتَضَمُّنِهِ لَهَا فَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الشَّيْءِ مُجْمَلًا ثُمَّ مُفَصَّلًا فَيَكُونُ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ. قَوْلُهُ: [مُفْرَدٌ مُضَافٌ] إلَخْ: جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ وَهُوَ أَنَّ الرُّكْنَ مُبْتَدَأٌ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِمُتَعَدِّدٍ فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَحْصُلُ] إلَخْ: بَيَانٌ لِحَصْرِ الْأَرْكَانِ فِي الثَّلَاثَةِ. وَلِمَاهِيَّةِ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ هِيَ سَوَاءٌ كَانَ عَقْدَ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ مَثَلًا، فَالِاثْنَانِ فِي النِّكَاحِ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ الزَّوْجَةِ، وَفِي الْبَيْعِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، وَقَوْلُهُ عَلَى حِلِّ شَيْءٍ كِنَايَةٌ عَنْ

[شروط صحة النكاح]

الْأَوَّلُ: (وَلِيٌّ) يَحْصُلُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ كَزَوْجٍ أَوْ وَكِيلِهِ الْعَقْدُ. (وَ) الثَّانِي: (مَحَلٌّ) زَوْجٌ وَزَوْجَةٌ. (وَ) الثَّالِثُ: (صِيغَةٌ) بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ. وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَكُونُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَكَذَا الشُّهُودُ، فَلِذَا جَعَلَهُمَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَقَالَ: (وَصِحَّتُهُ) : أَيْ وَشُرُوطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ: أَنْ يَكُونَ (بِصَدَاقٍ) وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ حَالَ الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ، أَوْ تَقَرَّرَ صَدَاقُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. (وَ) صِحَّتُهُ أَيْضًا: (بِشَهَادَةِ) رَجُلَيْنِ (عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ) فَلَا يَصِحُّ بِلَا شَهَادَةٍ، أَوْ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، وَلَا بِعَدْلَيْنِ أَحَدُهُمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ زَوْجَةً أَمْ غَيْرَهَا. وَقَوْلُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِنَايَةٌ عَنْ الصِّيغَةِ الَّتِي بِهَا الْعَقْدُ وَهِيَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. قَوْلُهُ: [يَحْصُلُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ] : أَيْ فَالْعَقْدُ لَا يَتَحَصَّلُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا فِي النِّكَاحِ وَلِيُّ الزَّوْجَةِ وَالْآخَرُ الزَّوْجُ أَوْ وَكِيلُهُ. قَوْلُهُ: [وَالثَّانِي] : أَيْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ. فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُحَالُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ وَالْمُثَمَّنُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا بِالْعَقْدِ لَا يَحِلُّ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ لِلرَّجُلِ إلَّا بِهِ. قَوْلُهُ: [بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ] : الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ مُصَوَّرَةٌ بِإِيجَابٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَقَبُولٍ مِنْ الْآخَرِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي. [شُرُوطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ] قَوْلُهُ: [فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ] : أَيْ فَهُوَ مِنْ الْعَرَضِيَّاتِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ حَالَ الْعَقْدِ] إلَخْ: أَيْ فَالْمُضْمَرُ اشْتِرَاطُ عَدَمِهِ. قَوْلُهُ: [غَيْرُ الْوَلِيِّ] إلَخْ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ مَنْ يُبَاشِرُ الْعَقْدَ، بَلْ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ وَلَوْ تَوَلَّى الْعَقْدَ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، وَلَا تَصِحُّ شَهَادَةُ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ النَّفْسِ. قَوْلُهُ: [وَلَا بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ] : وَمِثْلُهُمَا مَسْتُورَا الْحَالِ فَإِنْ عُدِمَ الْعُدُولُ

الْوَلِيُّ، (وَإِنْ) حَصَلَتْ الشَّهَادَةُ بِهِمَا (بَعْدَ الْعَقْدِ) وَقَبْلَ الدُّخُولِ. وَبَعْضُهُمْ عَدَّهُمَا مِنْ الْأَرْكَانِ نَظَرًا إلَى التَّوَقُّفِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ صَحَّ الْعَقْدُ فِي نَفْسِهِ بِدُونِ ذِكْرِ صَدَاقٍ وَإِحْضَارِ شَاهِدَيْنِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الرِّسَالَةِ: وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَالشَّيْخُ - عَمَّتْ بَرَكَاتُهُ - جَعَلَ الصَّدَاقَ رُكْنًا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالثَّمَنِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّهَادَةَ مِنْ الْأَرْكَانِ أَيْ بَلْ هِيَ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ: " وَفُسِخَ إنْ دَخَلَا بِلَاهُ "، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ إذْ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْوَطْءِ مَجَازٌ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَإِذَا كَانَ الْإِشْهَادُ شَرْطَ صِحَّةٍ (فَيُفْسَخُ) النِّكَاحُ: أَيْ يَتَعَيَّنُ فَسْخُهُ بِطَلْقَةٍ - لِصِحَّتِهِ - بَائِنَةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيَكْفِي مَسْتُورَا الْحَالِ، وَقِيلَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ الشُّهُودِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ. قَوْلُهُ: [نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ نَظَرًا لِتَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَحَلُّ لَا غَيْرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّعْرِيفِ، وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَمَّا وُجِدَ الْعَقْدُ بِدُونِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ الْآتِي الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ، لِأَنَّ ذَاكَ مِنْ جِهَةِ شُرُوطِهِ. قَوْلُهُ: [إذْ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ] : أَيْ فَمَنْ نَظَرَ إلَى الْحَقِيقَةِ جَعَلَ الْأَرْكَانَ ثَلَاثَةً كَمَا عَلِمْت، وَمَنْ نَظَرَ إلَى تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى الشَّيْءِ عَدَّ الصَّدَاقَ رُكْنًا وَنَاقَشُوهُ بِأَنَّ مُقْتَضَى هَذَا النَّظَرِ عَدُّ الشُّهُودِ أَيْضًا وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ. قَوْلُهُ: [وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى] : أَيْ بَلْ فِي الِاصْطِلَاحِ وَالْعِبَارَةِ وَالْفِقْهِ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: [وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النِّكَاحَ] : أَيْ مِنْ تَصْدِيرِهِ فِي التَّعْرِيفِ بِقَوْلِهِ عَقْدٌ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ] : أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ. قَوْلُهُ: [لِصِحَّتِهِ] : أَيْ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ حَالَةَ الْعَقْدِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [بَائِنَةٌ] : بِالرَّفْعِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهِيَ بَائِنَةٌ لَا بِالْجَرِّ صِفَةٌ

لِأَنَّهُ جَبْرِيٌّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ (إنْ دَخَلَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (بِلَاهُ) : أَيْ بِلَا إشْهَادٍ. (وَحُدَّا) مَعًا حَدَّ الزِّنَا جَلْدًا أَوْ رَجْمًا (إنْ وَطِئَ) وَأَقَرَّا بِهِ أَوْ ثَبَتَ بِأَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، وَلَا يُعْذَرَانِ بِجَهْلٍ. (لَا إنْ فَشَا) النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُحَدَّانِ لِلشُّبْهَةِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ، وَفَشْوُهُ: أَيْ ظُهُورُهُ يَكُونُ (بِكَدُفٍّ) : أَيْ بِضَرْبِ الدُّفِّ أَيْ الطَّارِّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأَعْرَاسِ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ: الْوَلِيمَةَ وَالشَّاهِدَيْنِ الْفَاسِقَيْنِ فَلَا حَدَّ (وَلَوْ عَلِمَا) أَنَّ الْإِشْهَادَ وَاجِبٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَحُرْمَةُ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ. وَمِثْلُ الْفَشْوِ: الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ غَيْرُ الْوَلِيِّ فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فَشْوٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِطَلْقَةٍ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُولُ طَلَّقْتهَا عَلَيْك وَلَا يَقُولُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى إذَا قَالَ الْحَاكِمُ طَلَّقْتهَا عَلَيْك تَصِيرُ تِلْكَ الطَّلْقَةُ بَائِنَةً. وَإِنَّمَا كَانَ بِطَلَاقٍ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ جَبْرِيٌّ] : أَيْ وَلِذَلِكَ كَانَ كُلُّ طَلَاقٍ أَوْقَعَهُ الْحَاكِمُ يَكُونُ بَائِنًا إلَّا الْمُولِي وَالْمُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ. وَأَيْضًا لَا يَتَأَتَّى هُنَا أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الرَّجْعِيِّ تَقَدُّمُ وَطْءٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَحْصُلْ، وَلِذَلِكَ كَانَ الطَّلَاقُ هُنَا بَائِنًا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ أَمْ لَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ. فَالْأَوْلَى لِشَارِحِنَا أَنْ يُعَلَّلَ بِمَا ذُكِرَ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [وَحُدَّا مَعًا] إلَخْ: أَيْ وَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ مَحْضٌ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، فَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا. قَوْلُهُ: [إلَّا إنْ فَشَا] : جَعَلَ الشَّارِحُ فَاعِلَ الْفَشْوِ النِّكَاحَ وَهُوَ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. وَجَعَلَ عب الدُّخُولَ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: [وَالشَّاهِدَيْنِ الْفَاسِقَيْنِ] : وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى مَسْتُورَا الْحَالِ. قَوْلُهُ: [مِثْلُ الْفَشْوِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ] : أَيْ كَمَا نَقَلَهُ (ح) وَاعْتَمَدَهُ الْأُجْهُورِيُّ.

[الخطبة عند العقد ومندوبات النكاح]

وَرَدَّ بِ " لَوْ " قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْفَشْوُ مَعَ الْعِلْمِ لَا يُسْقِطُ الْحَدَّ. (وَنُدِبَ خُطْبَةٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كَلَامٌ مُسَجَّعٌ مَبْدُوءٌ بِالْحَمْدِ وَالشَّهَادَتَيْنِ مُشْتَمِلٌ عَلَى آيَةٍ فِيهَا أَمْرُ التَّقْوَى وَعَلَى ذِكْرِ الْمَقْصُودِ (بِخِطْبَةٍ) بِكَسْرِهَا: الْتِمَاسُ النِّكَاحِ؛ أَيْ عِنْدَ الْتِمَاسِ النِّكَاحِ. (وَ) خُطْبَةٌ عِنْدَ (عَقْدٍ) لَكِنْ الْبَادِيَ عِنْدَ الْخِطْبَةِ هُوَ الزَّوْجُ. وَيَقُولُ بَعْدَ الثَّنَاءِ وَالشَّهَادَتَيْنِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا قَدْ قَصَدْنَا الِانْضِمَامَ إلَيْكُمْ وَمُصَاهَرَتَكُمْ وَالدُّخُولَ فِي حَوْمَتِكُمْ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ. فَيَقُولُ الْوَلِيُّ بَعْدَ الثَّنَاءِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَبِلْنَاك وَرَضِينَا أَنْ تَكُونَ مِنَّا وَفِينَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَالْبَادِي عِنْدَ الْعَقْدِ الْوَلِيُّ بِأَنْ يَقُولَ بَعْدَ مَا ذُكِرَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَنْكَحْتُك بِنْتِي أَوْ مُجْبَرَتِي فُلَانَةَ أَوْ مُوَكِّلَتِي فُلَانَةَ عَلَى صَدَاقٍ قَدْرُهُ كَذَا، فَيَقُولُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ: قَدْ قَبِلْت نِكَاحَهَا لِنَفْسِي، وَيَقُولُ وَكِيلُهُ قَدْ قَبِلْت نِكَاحَهَا لِمُوَكِّلِي وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ. (وَ) نُدِبَ (تَقْلِيلُهَا) : أَيْ الْخُطْبَةِ فِي الْحَالَتَيْنِ إذْ الْكَثْرَةُ تُوجِبُ السَّآمَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَرَدَّ بِلَوْ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ] : أَيْ فَهُوَ ضَعِيفٌ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَدْرَأُ الْحَدَّ قَوْلُهُ: [بَعْدَ الثَّنَاءِ وَالشَّهَادَتَيْنِ] : أَيْ وَبَعْدَ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] . {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] . الْآيَةَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ. [الْخُطْبَة عِنْد الْعَقْد وَمَنْدُوبَات النِّكَاح] قَوْلُهُ: [وَالْبَادِي عِنْدَ الْعَقْدِ الْوَلِيُّ] : أَيْ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَلَوْ بَدَأَ الزَّوْجُ لَكَفَى، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالْخُطْبَةِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا بِالسُّكُوتِ قَدْرُهَا كَذَلِكَ فَجُمْلَةُ الْخُطَبِ أَرْبَعٌ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَقْلِيلُهَا] : قَالَ الْأُجْهُورِيُّ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ أَنَّ أَقَلَّهَا أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ زَوَّجْتُك بِنْتِي

(وَ) نُدِبَ (إعْلَانُهُ) أَيْ النِّكَاحِ أَيْ إظْهَارُهُ بَيْنَ النَّاسِ لِبُعْدِ تُهْمَةِ الزِّنَا. (وَ) نُدِبَ (تَفْوِيضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ) رَجَاءَ بَرَكَتِهِ، وَيَقُولُ أَنْكَحْتُك فُلَانَةَ بِنْتَ مُوَكِّلِي مَثَلًا. (وَ) نُدِبَ (تَهْنِئَةٌ) لِلزَّوْجَيْنِ، نَحْوُ: مُبَارَكَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَوْمٌ مُبَارَكٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ. (وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ لَهُمَا) بِالْبَرَكَةِ وَالسَّعَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ. (وَ) نُدِبَ (الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْعَقْدِ) لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ؛ إذْ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَا يَرَى صِحَّتَهُ إلَّا بِالشَّهَادَةِ حَالَ الْعَقْدِ. وَنَحْنُ نَرَى وُقُوعَهُ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الشَّهَادَةُ حَالَ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ، وَلَكِنْ لَا تَتَقَرَّرُ صِحَّتُهُ وَلَا تَتَرَتَّبُ ثَمَرَتُهُ مِنْ حِلِّ التَّمَتُّعِ إلَّا بِحُصُولِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَجَازَ أَنْ يُعْقَدَ فِيمَا بَيْنَهُمَا سِرًّا ثُمَّ يُخْبِرَا بِهِ عَدْلَيْنِ كَأَنْ يَقُولَا لَهُمَا: قَدْ حَصَلَ مِنَّا الْعَقْدُ فُلَانٌ عَلَى فُلَانَةَ أَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ يُخْبِرُ عَدْلَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَثَلًا بِكَذَا، وَيَقُولُ الزَّوْجُ أَوْ وَكِيلُهُ بَعْدَمَا مَرَّ مِنْ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَبِلْت نِكَاحَهَا لِنَفْسِي أَوْ لِمُوَكِّلِي بِالصَّدَاقِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ إعْلَانُهُ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْشُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْخِطْبَةِ فَيَنْبَغِي إخْفَاؤُهَا. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَفْوِيضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ] : أَيْ فَيُنْدَبُ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ وَمِثْلُهُ الزَّوْجُ تَفْوِيضُ الْعَقْدِ لِمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ الْعَقْدِ لِغَيْرِ فَاضِلٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَهْنِئَةٌ] : بِالْهَمْزِ أَيْ لِلْعَرُوسِ الشَّامِلِ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَيْ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ وَعِنْدَ الْبِنَاءِ. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْعَقْدِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ أَصْلَ الْإِشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ وَاجِبٌ، وَإِحْضَارُهُمَا عِنْدَ الْعَقْدِ مَنْدُوبٌ. فَإِنْ حَصَلَ عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ. وَإِنْ فُقِدَ وَقْتَ الْعَقْدِ وَوُجِدَ عِنْدَ الدُّخُولِ فَقَدْ حَصَلَ الْوَاجِبُ وَفَاتَ الْمَنْدُوبُ. وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إشْهَادٌ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْعَقْدِ وَلَكِنْ وُجِدَتْ الشُّهُودُ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالصِّحَّةُ قَطْعًا. وَيَأْثَمُ أَوْلِيَاءُ النِّكَاحِ لِعَدَمِ طَلَبِ الشُّهُودِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شُهُودٌ أَصْلًا فَالْفَسَادُ قَطْعًا كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ بِتَصَرُّفٍ.

وَالزَّوْجُ يُخْبِرُ عَدْلَيْنِ غَيْرَهُمَا، وَلَا يَكْفِي أَنْ يُخْبِرَ أَحَدُهُمَا عَدْلًا وَالثَّانِي يُخْبِرُ عَدْلًا غَيْرَهُ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدِ. (وَ) نُدِبَ (ذِكْرُ الصَّدَاقِ) : أَيْ تَسْمِيَتُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ اطْمِئْنَانِ النَّفْسِ، وَدَفْعِ تَوَهُّمِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. (وَ) نُدِبَ (حُلُولُهُ) كُلُّهُ بِلَا تَأْجِيلٍ لِبَعْضِهِ. (وَ) نُدِبَ (نَظَرُ وَجْهِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَكَفَّيْهَا) خَاصَّةً (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الْعَقْدِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ أَمْرِهَا (بِعِلْمٍ) مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلِيِّهَا، وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا. وَالنَّظَرُ يَكُونُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّلَذُّذِ بِهَا، وَإِلَّا مُنِعَ. كَمَا يُمْنَعُ مَا زَادَ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَكَّلَ امْرَأَةً فَيَجُوزُ لَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا امْرَأَةٌ. ثُمَّ جَعَلَ النَّظَرَ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ الْقَطَّانِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لَا مَنْدُوبٌ، فَالْأَحَقُّ ذِكْرُهُ فِي الْجَائِزَاتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ ذِكْرُ الصَّدَاقِ] : أَيْ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَمَحَلُّ نَدْبِهِ إنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ أَنْكَحْت وَزَوَّجْت لَا وَهَبْت، فَيَجِبُ ذِكْرُهُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ حُلُولُهُ كُلُّهُ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ كُلُّهُ وَتَأْجِيلُهُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا خِلَافُ الْأَوْلَى حَيْثُ أُجِّلَ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [قَبْلَهُ] : أَيْ حِينَ الْخُطْبَةِ. قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا] : أَيْ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ أَهْلُ الْفَسَادِ لِلنَّظَرِ لِلنِّسَاءِ. وَيَقُولُونَ نَحْنُ خُطَّابٌ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ الِاسْتِغْفَالِ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ سَأَلَهَا فِي النَّظَرِ تُجِيبُهُ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ، أَوْ إذَا سَأَلَ وَلِيَّهَا يُجِيبُهُ إنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، أَوْ جَهِلَ الْحَالَ، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ عَدَمَ الْإِجَابَةِ حَرُمَ النَّظَرُ إنْ خَشِيَ الْفِتْنَةَ وَإِلَّا كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ نَظَرُ وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا جَائِزًا لِأَنَّ نَظَرَهُمَا فِي مَعْرِضِ النِّكَاحِ مَظِنَّةُ قَصْدِ اللَّذَّةِ. قَوْلُهُ: [وَعَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ] : قَالَ بَعْضُهُمْ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى الْإِذْنِ الصَّادِقِ بِالْمَنْدُوبِ. تَنْبِيهٌ: مِثْلُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةُ يُنْدَبُ لَهَا نَظَرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِلْخَاطِبِ فِي نَظَرِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِأَنَّ الْوَجْهَ يَدُلُّ عَلَى الْجَمَالِ وَعَدَمِهِ، وَالْيَدَيْنِ تَدُلَّانِ عَلَى صَلَابَةِ الْبَدَنِ وَطَرَاوَتِهِ.

[ما يحل بعقد النكاح]

(وَ) نُدِبَ (نِكَاحُ بِكْرٍ) لِأَنَّهَا أَقْرَبُ لِحُسْنِ الْعِشْرَةِ. (وَحَلَّ لَهُمَا) : أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ النَّظَرُ لِسَائِرِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ (حَتَّى نَظَرَ الْفَرْجِ) مِنْ صَاحِبِهِ وَحَدِيثُ: «إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى فَرْجِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعَمَى» ، حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَصَرَّحَ بِوَضْعِهِ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَنْبَغِي النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ لِأَنَّهُ يُورِثُ ضَعْفَ الْبَصَرِ طِبًّا وَيُورِثُ قِلَّةَ الْحَيَاءِ فِي الْوَلَدِ. (كَالْمِلْكِ) لِلْأُنْثَى يَحِلُّ بِهِ حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ مِنْ كُلٍّ. (وَ) حَلَّ بِالنِّكَاحِ وَالْمِلْكِ لِلْأُنْثَى (تَمَتُّعٌ بِغَيْرِ) وَطْءِ (دُبُرٍ) ، وَأَمَّا الْإِيلَاجُ فِيهِ فَمَمْنُوعٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنُدِبَ نِكَاحُ بِكْرٍ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَسْخَنُ أَقْبَالًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنْ الْعَمَلِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَعْذَبُ أَفْوَاهًا. وَأَقَلُّ خِبًّا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» ، وَخِبًّا بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَبَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ: أَيْ خِدَاعًا. [مَا يَحِلّ بعقد النِّكَاح] قَوْلُهُ: [لَكِنْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ] : هُوَ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ. قَوْلُهُ: [كَالْمِلْكِ] : أَيْ التَّامُّ الْمُسْتَقِلُّ بِهِ دُونَ مَانِعٍ، بِخِلَافِ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ وَالْمُبَعَّضَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَحْرَمِ. وَالذَّكَرُ الْمَمْلُوكُ وَالْخُنْثَى وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُتَزَوِّجَةُ بِالْغَيْرِ. [مَا يَحِلّ بالنكاح] قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْإِيلَاجُ فِيهِ] : أَيْ وَأَمَّا التَّمَتُّعُ بِظَاهِرِهِ وَلَوْ بِوَضْعِ الذَّكَرِ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ قَائِلًا: وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّهُ كَسَائِرِ جَسَدِ الْمَرْأَةِ، وَجَمِيعُهُ مُبَاحٌ مَا عَدَا الْإِيلَاجَ فِي بَاطِنِهِ، وَاعْتَمَدَهُ ح وَاللَّقَانِيُّ خِلَافًا لِلتَّتَّائِيِّ وَالْبِسَاطِيِّ وَالْأَقْفَهْسِيِّ، حَيْثُ قَالُوا: لَا يَجُوزُ التَّمَتُّعُ بِالدُّبُرِ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا.

[خطبة الراكنة والمعتدة والموطوءة]

(وَحَرُمَ) (خِطْبَةُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ: أَيْ الْتِمَاسُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ (الرَّاكِنَةِ) هِيَ - إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا - رَشِيدَةً، أَوْ وَلِيَّهَا إنْ كَانَتْ بِخِلَافِهَا (لِغَيْرِ فَاسِقٍ) وَهُوَ الصَّالِحُ أَوْ الْمَسْتُورُ الْحَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَاطِبُ الثَّانِي صَالِحًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا. فَإِنْ رَكَنَتْ لِفَاسِقٍ لَمْ يَحْرُمْ إنْ كَانَ الثَّانِي صَالِحًا أَوْ مَجْهُولًا، إذْ لَا حُرْمَةَ لِلْفَاسِقِ، بَلْ فِي نِكَاحِهَا تَخْلِيصٌ لَهَا مِنْ فِسْقِهِ، وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ أَوْ عَقِيدَةٍ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَاسِقًا مِثْلَهُ حَرُمَ أَيْضًا، وَظَاهِرُهُ قَدَّرَ صَدَاقًا أَمْ لَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [خِطْبَة الرَّاكِنَة وَالْمُعْتَدَّة وَالْمَوْطُوءَة] قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ خِطْبَةُ] إلَخْ: حَاصِلُ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ صُوَرَهُ تِسْعٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي مِثْلِهَا يَحْرُمُ مِنْهَا سَبْعٌ وَيَجُوزُ اثْنَانِ، هَذَا مَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَلَك أَنْ تَجْعَلَهَا سِتَّةَ عَشَرَ بِزِيَادَةِ الذِّمِّيِّ حَيْثُ كَانَتْ الْمَخْطُوبَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَصِيرُ الْمَضْرُوبُ أَرْبَعَةً فِي مِثْلِهَا مَتَى كَانَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ صَالِحًا أَوْ مَجْهُولَ حَالٍ، أَوْ ذِمِّيًّا يَحْرُمُ مُطْلَقًا كَانَ الثَّانِي صَالِحًا أَوْ مَجْهُولَ حَالٍ أَوْ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَكَذَا إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَاسِقًا وَالثَّانِي فَاسِقًا فَالْحُرْمَةُ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالْجَوَازُ فِي ثَلَاثَةٍ. إنْ قُلْت إنَّ الذِّمِّيَّ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَاسِقِ، فَكَانَ مُقْتَضَاهُ لَا تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَيْهِ كَالْفَاسِقِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَهُ دِينٌ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَالْفَاسِقُ لَا يُقَرُّ عَلَى فِسْقِهِ فَكَانَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَسْوَأَ حَالًا مِنْهُ. قَوْلُهُ: [إنْ كَانَتْ بِخِلَافِهَا] : أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً أَوْ سَفِيهَةً، فَإِذَا رَدَّتْ الْمُجْبَرَةُ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا الْخَاطِبَ لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَتُهَا لِغَيْرِهِ، وَكَذَا إذَا رَدَّتْ غَيْرُ الْمُجْبَرَةِ خِطْبَةَ الْأَوَّلِ لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَةُ غَيْرِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رُكُونُ الْمُجْبَرَةِ مَعَ رَدِّ مُجْبِرِهَا وَلَا رَدُّهَا مَعَ رُكُونِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ رُكُونُ أُمِّهَا أَوْ وَلِيِّهَا غَيْرِ الْمُجْبِرِ مَعَ رَدِّهَا. وَلَا رَدُّ أُمِّهَا أَوْ وَلِيِّهَا غَيْرِ الْمُجْبِرِ مَعَ رِضَاهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ رَدَّ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا بَعْدَ الرُّكُونِ لِلْخَاطِبِ لَا يَحْرُمُ مَا لَمْ يَكُنْ الرَّدُّ لِأَجْلِ خِطْبَةِ الثَّانِي، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ الْخَاطِبَ الثَّانِيَ وَادَّعَتْ هِيَ أَوْ مُجْبِرُهَا أَنَّهَا كَانَتْ رَجَعَتْ عَنْ الرُّكُونِ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ خِطْبَةِ الثَّانِي وَادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّ الرُّجُوعَ بِسَبَبِ خِطْبَةِ الثَّانِي وَلَا قَرِينَةَ لِأَحَدِهِمَا، فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِهَا أَوْ بِقَوْلِ مُجْبِرِهَا، لِأَنَّ هَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا، وَلِأَنَّ دَعْوَاهُ تُوجِبُ الْفَسَادَ وَدَعْوَاهُمَا تُوجِبُ الصِّحَّةَ وَالْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ.

وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ إذْ الْعِبْرَةُ بِالرُّكُونِ وَالرِّضَا بِالْخَاطِبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بُدَّ فِي اعْتِبَارِ الرُّكُونِ مِنْ تَقْدِيرِ الصَّدَاقِ (كَالسَّوْمِ بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الرُّكُونِ لِمُشْتَرٍ أَوَّلٍ يَحْرُمُ أَيْضًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِهِ» . (وَفَسْخُ) عَقْدِ الثَّانِي (قَبْلَ الدُّخُولِ) بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، قِيلَ وُجُوبًا؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا رُفِعَتْ الْحَادِثَةُ لِحَاكِمٍ وَثَبَتَ عِنْدَهُ الْعَقْدُ بَعْدَ الرُّكُونِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فَسْخُهُ، وَقِيلَ: اسْتِحْبَابًا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. فَإِنْ بَنَى بِهَا لَمْ يُفْسَخْ وَلَوْ لَمْ يَطَأْ. (وَ) حَرُمَ (صَرِيحُ خِطْبَةِ) امْرَأَةٍ (مُعْتَدَّةٍ) عِدَّةَ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ مِنْ غَيْرِهِ لَا مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ] : أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُوَطَّإِ. قَوْلُهُ: [وَقَالَ بَعْضُهُمْ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ ابْنُ نَافِعٍ، وَفِي الْمَوَّاقِ مُقْتَضَى نَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ مَشْهُورٌ. قَوْلُهُ: [وَفُسِخَ عَقْدُ الثَّانِي] إلَخْ: هَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ وَحَاصِلُهَا الْفَسْخُ مُطْلَقًا بَنَى أَوْ لَا وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا وَالْفَسْخُ إنْ لَمْ يَبْنِ لَا إنْ بَنَى، وَشَهَرَ أَبُو عِمْرَانَ الْفَسْخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِحْبَابِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا] إلَخْ: فَعَلَيْهِ إنَّمَا يَكُونُ الْفَسْخُ عِنْدَ عَدَمِ مُسَامَحَةِ الْأَوَّلِ لَهُ؛ فَإِنْ سَامَحَهُ فَلَا فَسْخَ، وَمَحَلُّ الْفَسْخِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الثَّانِي، وَإِلَّا لَمْ يُفْسَخْ، كَالْحَنَفِيِّ؛ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ لِلْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ صَرِيحُ خِطْبَةِ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً. قَوْلُهُ: [أَوْ طَلَاقٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ رَجْعِيًّا.

[تأبد تحريم المعتدة]

عِدَّتِهَا مِنْهُ، فَيَجُوزُ إذْ لَمْ يَكُنْ بَتًّا. (وَ) حَرُمَ (مُوَاعَدَتُهَا) أَيْ الْمُعْتَدَّةِ أَيْ الْمُوَاعَدَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِأَنْ يَعِدَهَا بِالتَّزْوِيجِ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَهِيَ تَعِدُهُ. وَأَمَّا الْعِدَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَمَكْرُوهٌ كَمَا يَأْتِي. (كَوَلِيِّهَا) أَيْ يَحْرُمُ صَرِيحُ الْخِطْبَةِ لَهُ وَمُوَاعَدَتُهُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ أَيْ بِأَنْ كَانَ مُجْبَرًا، وَيُكْرَهُ مُوَاعَدَةُ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (كَمُسْتَبْرَأَةٍ) مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا أَوْ مِنْ غَلَطٍ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ مِنْ غَصْبٍ، بَلْ (وَإِنْ مِنْ زِنًا) وَلَوْ مِنْهُ لِأَنَّ مَاءَ الزَّانِي فَاسِدٌ، وَلِذَا لَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، أَيْ يَحْرُمُ صَرِيحُ خِطْبَتِهَا وَمُوَاعَدَتُهَا كَوَلِيِّهَا. ثُمَّ إنْ عَقَدَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةِ وَوَطِئَهَا أَوْ تَلَذَّذَ بِهَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ؛ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا) : أَيْ الْمُعْتَدَّةِ بِنَوْعَيْهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ] : أَيْ التَّصْرِيحُ لَهَا بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ بَلْ لَهُ تَزْوِيجُهَا قَوْلُهُ: [وَهِيَ تَعِدُهُ] : أَيْ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِوَعْدِ وَلِيِّهَا كَمَا يَأْتِي. [تأبد تَحْرِيم الْمُعْتَدَّةِ] . قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مَاءَ الزَّانِي فَاسِدٌ وَلِذَا لَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ] إلَخْ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَشْمَلُ الْغَصْبَ أَيْضًا وَلَا يَشْمَلُ الْمُسْتَبْرَأَةَ مِنْ شُبْهَةِ النِّكَاحِ أَوْ الْمِلْكِ، أَوْ شُبْهَتِهِ، فَيَقْتَضِي جَوَازَ الْخِطْبَةِ لِصَاحِبِ الْمَاءِ زَمَنَ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ فَاسِدٍ لِلُحُوقِ الْمَوْلُودِ بِهِ وَانْظُرْ فِي ذَلِكَ. قَوْلَهُ: [أَيْ الْمُعْتَدَّةِ بِنَوْعَيْهَا] : أَيْ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ، وَلَا يَتَأَبَّدُ فِي الطَّلَاقِ إلَّا إنْ كَانَ بَائِنًا، وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لِمُطَلِّقِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَكَأَنَّ الْعَاقِدَ إذَا وَطِئَ زَنَى بِزَوْجَةِ الْغَيْرِ وَلَا يَحْرُمُ بِالزِّنَى حَلَالٌ، وَهَلْ يُحَدُّ الْوَاطِئُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ زَانٍ أَوْ لَا؟ وَكَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْحَدِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَدُّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي الرَّجُلِ يُفْسِدُ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا مِنْهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجَ بِهَا بَعْدَ وَفَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ، فَقِيلَ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا، وَقِيلَ لَا يَتَأَبَّدُ، وَإِنَّمَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُ، فَإِذَا عَادَتْ لِزَوْجِهَا وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا جَازَ لِذَلِكَ الْمُفْسِدِ نِكَاحُهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَذَا فِي (بْن) .

أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةِ بِأَنْوَاعِهَا عَلَيْهِ (بِوَطْءِ نِكَاحٍ) : أَيْ بِسَبَبِ وَطْءٍ مُسْتَنِدٍ لِعَقْدٍ لَا بِمُجَرَّدِ أَحَدِهِمَا، (وَلَوْ) وَقَعَ الْوَطْءُ الْمُسْتَنِدُ لِنِكَاحٍ (بَعْدَهُمَا) : أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ (أَوْ مُقَدِّمَتُهُ) : أَيْ الْوَطْءِ؛ مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ حَيْثُ اسْتَنَدَتْ لِعَقْدٍ إنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ لَا بَعْدَهُمَا. (أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ) : أَيْ وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُ الْمُعْتَدَّةِ أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةِ بِوَطْءٍ حَصَلَ غَلَطًا بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ، بِأَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ. (فِيهِمَا) : أَيْ إنْ حَصَلَ كُلٌّ مِنْ مُقَدِّمَتِهِ أَوْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ، فَقَوْلُهُ " فِيهِمَا " رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ، وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَعُودُ عَلَى الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةُ بِأَنْوَاعِهَا] : أَيْ الْخَمْسَةِ وَهِيَ شُبْهَةُ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ وَالزِّنَا وَالْغَصْبِ. قَوْلُهُ: [بِوَطْءِ نِكَاحٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ هُنَا سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً مِنْ ضَرْبِ سِتَّةٍ فِي مِثْلِهَا، لِأَنَّ الْمَحْبُوسَةَ إمَّا فِي عِدَّةٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ مِنْ شُبْهَةٍ أَوْ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ، وَالطَّارِئُ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ السِّتَّةِ يَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ. فِي سِتَّةَ عَشْرَ صُورَةً: وَهِيَ مَا إذَا طَرَأَ نِكَاحٌ أَوْ شُبْهَتُهُ عَلَى السِّتَّةِ فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً، أَوْ طَرَأَ مِلْكٌ أَوْ شُبْهَتُهُ عَلَى نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ تُضَمُّ لَهَا، أَفَادَهَا كُلَّهَا بِقَوْلِهِ: وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْءٍ إلَى قَوْلِهِ: " إنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَوْ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ غَيْرِهِ "، وَأَمَّا طُرُوُّ زِنًا أَوْ غَصْبٍ عَلَى السِّتَّةِ أَوْ طُرُوُّ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ عَلَى مَالِكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ فَهَذِهِ عِشْرُونَ، لَا يَتَأَبَّدُ بِهَا التَّحْرِيمُ، وَهَذِهِ قَدْ أَفَادَهَا بِقَوْلِهِ أَوْ الزِّنَا أَوْ وَطْءٍ، مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فِي اسْتِبْرَاءٍ. قَوْلُهُ: [لَا بِمُجَرَّدِ أَحَدِهِمَا] : أَيْ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ فَقَطْ أَوْ الْوَطْءُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، أَمَّا إذَا كَانَ وَطْءَ زِنًا أَوْ غَصْبٍ فَلَا يَضُرُّ طُرُّوهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتِهِ إنْ طَرَأَ عَلَى مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ زِنًا، أَوْ غَصْبٍ وَأَمَّا وَطْءُ شُبْهَةِ النِّكَاحِ فَيَضُرُّ فِي الْجَمِيعِ وَمِثْلُهُ وَطْءُ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ إنْ طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ وَشُبْهَتِهِ فَقَدْ عَلِمْت الْإِجْمَالَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلَهُ: [يَعُودُ عَلَى الْعِدَّةِ] : أَيْ بِنَوْعَيْهَا وَقَوْلُهُ: وَالِاسْتِبْرَاءِ أَيْ بِأَنْوَاعِهِ.

(أَوْ بِوَطْءِ مِلْكٍ) بِأَنْ وَطِئَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ (أَوْ شُبْهَتِهِ) أَيْ شُبْهَةِ الْمِلْكِ، بِأَنْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ غَلَطًا يَظُنُّهَا أَمَتَهُ (فِيهَا) : أَيْ فِي عِدَّتِهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، بِخِلَافِ وَطْءِ مَالِكِهَا أَوْ غَيْرِهِ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ وَهِيَ مُسْتَبْرَأَةٌ، فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي. فَتَحَصَّلَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَى مُعْتَدَّةٍ أَوْ مُسْتَبْرَأَةٍ وَوَطِئَهَا وَإِنْ بَعْدَهُمَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا. وَأَمَّا مُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ فَقَطْ فَتُؤَبِّدُ التَّحْرِيمَ إنْ وَقَعَتْ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، لَا بَعْدَهُمَا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ عَقْدٌ فَلَا أَثَرَ لِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مُطْلَقًا بِشُبْهَةٍ أَوْ لَا. وَأَمَّا الْوَطْءُ فَيُؤَبِّدُ إنْ كَانَ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ أَوْ الْمِلْكِ، أَوْ شُبْهَتِهِ فِي الْعِدَّةِ فَقَطْ دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَهَذَا: (إنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَوْ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَيْ فِي عِدَّتِهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ] : تَسْمِيَةُ الْمَحْبُوسَةِ مِنْ شُبْهَةِ النِّكَاحِ مُعْتَدَّةٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ. قَوْلُهُ: [أَنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَى مُعْتَدَّةٍ] : أَيْ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ وَفَاةٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ مُسْتَبْرَأَةٌ صَادِقٌ بِأَنْوَاعِ الِاسْتِبْرَاءِ الْخَمْسَةِ، فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ أَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: " تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا "، فَهَذِهِ مَسَائِلُ طُرُوُّ النِّكَاحِ عَلَى السِّتَّةِ، وَإِنْ نَظَرْت لِقَوْلِهِ: " وَإِنْ بَعْدَهُمَا " كَانَتْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ] إلَخْ: أَيْ فَيَكُونُ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ فِي سِتِّ صُوَرٍ فَقَطْ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فَفِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَصُوَرُ الْمُقَدِّمَاتِ وَالسِّتِّ الَّتِي زَادَتْ بِالتَّعْمِيمِ خَارِجَةٌ عَنْ أَصْلِ السِّتِّ وَالثَّلَاثِينَ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْوَطْءُ فَيُؤَبَّدُ] إلَخْ: تَحْتَهُ سِتٌّ، وَقَوْلُهُ أَوْ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَيْ طُرُوُّ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ عَلَى نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ تَأَبَّدَ فِيهَا التَّحْرِيمُ تُضَمُّ لِمَا قَبْلَهَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي الْعِدَّةِ فَقَطْ أَيْ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، وَلَوْ حَذَفَ قَوْلَهُ فَقَطْ وَصَرَّحَ بِهِمَا مَا ضَرَّ، فَصَارَتْ صُوَرُ التَّأْبِيدِ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ شُبْهَةَ النِّكَاحِ مُلْحَقَةٌ بِالْعِدَّةِ.

وَلَوْ مِنْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ - أَوْ كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْهُ بِسَبَبِ زِنًا أَوْ غَصْبٍ أَوْ غَلَطٍ (فَلَا) يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ وَطِئَهَا مُسْتَنِدًا لِعَقْدٍ أَوْ شُبْهَةٍ. (كَالْعَقْدِ) مُجَرَّدًا عَنْ وَطْءٍ: لَا يُؤَبَّدُ تَحْرِيمُهَا. (أَوْ الزِّنَا) الْمَحْضِ وَهُوَ مَا لَمْ يَسْتَنِدْ لِعَقْدٍ وَلَا شُبْهَةٍ: لَا يُؤَبَّدُ. (أَوْ وَطْءٍ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فِي اسْتِبْرَاءٍ) : بِأَنْ وَطِئَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُسْتَبْرَأَةَ مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ بَائِعِهَا لَهُ أَوْ مِنْ غَصْبٍ أَوْ شُبْهَةِ مِلْكٍ أَوْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ: لَمْ يَتَأَبَّدْ التَّحْرِيمُ، بِخِلَافِ وَطْءِ مَالِكِهَا أَوْ غَيْرِهِ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ فَيَتَأَبَّدُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَأَبُّدَ التَّحْرِيمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَلَا الشَّافِعِيَّةُ، لِأَنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَوْ مِنْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ] : أَيْ فَلَا يُؤَبَّدُ التَّحْرِيمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَرَامًا، وَيُحَدُّ إنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إنْ كَانَ ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ كَمَا إذَا اسْتَنَدَ لِقَوْلِ مُفْتٍ يَعْتَقِدُ صِدْقَهُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَإِنْ كَانَ يَجِبُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا مَتَى اطَّلَعَ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ النِّكَاحِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِإِقْرَارِهِ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَدُّ مَعَ لُحُوقِ الْوَلَدِ. قَوْلُهُ: [أَوْ الزِّنَا الْمَحْضِ] : مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ الْغَصْبَ فَيَدْخُلُ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً، وَهُوَ طُرُوُّ زِنًا أَوْ غَصْبٍ عَلَى نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ وَطْءٍ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ] : تَحْتَهُ ثَمَانٍ وَهِيَ: أَنْ يُقَالَ طَرَأَ مِلْكٌ أَوْ شُبْهَتُهُ عَلَى اسْتِبْرَاءٍ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي اسْتِبْرَاءٍ بَيَانٌ لِلْمَطْرُوِّ عَلَيْهِ، وَمُرَادُهُ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ خُصُوصِ الْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ الزِّنَا أَوْ الْغَصْبِ لَا مِنْ شُبْهَةِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ عِدَّةِ النِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذِهِ هِيَ الْعِشْرُونَ الَّتِي لَا تَأْبِيدَ، وَيُزَادُ عَلَيْهَا الْعَقْدُ الْمُجَرَّدُ وَتَحْتَهُ سِتُّ صُوَرٍ فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ تُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ] : وَمِثْلُهُ شُبْهَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَقُلْ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَلَا الشَّافِعِيَّةُ] : أَيْ فَلَوْ رُفِعَتْ الْمَسْأَلَةُ لِشَافِعِيٍّ أَوْ حَنَفِيٍّ،

[ما يجوز في الخطبة]

خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عِنْدَهُمْ. (وَجَازَ التَّعْرِيضُ) لِلْمُعْتَدَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا} [البقرة: 235] كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: إنِّي الْيَوْمَ فِيك رَاغِبٌ أَوْ مُحِبٌّ أَوْ مُعْجَبٌ. أَوْ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَكُونُ خَيْرًا. وَهُوَ ضِدُّ التَّصْرِيحِ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ فِي كَلَامِهِ مَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَقْصُودِهِ، وَيُسَمَّى تَلْوِيحًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْكَلَامَ فِي مَعْنَاهُ وَلَوَّحَ بِهِ إلَى إرَادَةٍ لَازِمَةٍ. (وَ) جَازَ (الْإِهْدَاءُ فِيهَا) : أَيْ فِي الْعِدَّةِ كَالْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ وَغَيْرِهِمَا، لَا النَّفَقَةُ. فَلَوْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ. وَكَذَا لَوْ أَهْدَى أَوْ أَنْفَقَ لِمَخْطُوبَةٍ غَيْرِ مُعْتَدَّةٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ الرُّجُوعُ مِنْ جِهَتِهَا إلَّا لِعُرْفٍ أَوْ شَرْطٍ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الرُّجُوعُ مِنْ جِهَتِهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ لَمْ يَتِمَّ، وَاسْتُظْهِرَ. (وَ) جَازَ (ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ) : أَيْ الْعُيُوبِ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِيَحْذَرَ عَمَّنْ هِيَ فِيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحَكَمَ بِعَدَمِ تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ لَرُفِعَ الْخِلَافُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. [مَا يَجُوز فِي الْخُطْبَة] قَوْلُهُ: [وَجَازَ التَّعْرِيضُ] : هُوَ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ لِيُلَوِّحَ بِهِ لِغَيْرِهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ أَبَدًا وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهَا التَّعْبِيرُ عَنْ الْمَلْزُومِ بِاسْمِ اللَّازِمِ كَقَوْلِنَا فِي وَصْفِ شَخْصٍ بِالْكَرَمِ إنَّهُ كَثِيرُ الرَّمَادِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ ضِدُّ التَّصْرِيحِ] : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَتَفْسِيرِهِ. قَوْلُهُ: [لَا النَّفَقَةُ] : أَيْ فَلَا يَجُوزُ إجْرَاءُ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ بَلْ يَحْرُمُ. قَوْلُهُ: [وَاسْتُظْهِرَ] : أَيْ اسْتَظْهَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ الشَّمْسُ اللَّقَانِيُّ. قَوْلُهُ: [وَجَازَ ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ] : أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ اسْتَشَارَهُ الزَّوْجُ فِي التَّزَوُّجِ بِفُلَانَةَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ مَا يَعْلَمُهُ فِيهَا مِنْ الْعُيُوبِ لِيُحَذِّرَهُ مِنْهَا، وَيَجُوزُ لِمَنْ اسْتَشَارَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي التَّزَوُّجِ بِفُلَانٍ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا مَا يَعْلَمُهُ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ لِتَتَحَذَّرَ مِنْهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ ذِكْرِ الْمَسَاوِئِ لِلْمُسْتَشَارِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ حَالَ

(وَكُرِهَ عِدَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا) : أَيْ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي الْعِدَّةِ كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَتَزَوَّجُك بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ عَكْسُهُ، فَيَسْكُتُ الْمُخَاطَبُ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْمُوَاعَدَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَحَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ لَا يُجِيبُهُ بِشَيْءٍ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهَا. (وَ) كُرِهَ (تَزَوُّجُ) امْرَأَةٍ (زَانِيَةٍ) : أَيْ مَشْهُورَةٍ بِذَلِكَ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ. وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ. (وَ) كُرِهَ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ (مُصَرَّحٍ لَهَا بِالْخِطْبَةِ فِيهَا) : أَيْ فِي الْعِدَّةِ، أَيْ يُكْرَهُ لَهُ تَزَوُّجُهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ إنْ صَرَّحَ لَهَا بِالْخِطْبَةِ فِيهَا. (وَنُدِبَ فِرَاقُهَا) أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الزَّانِيَةِ وَالْمُصَرَّحِ لَهَا بِالْخِطْبَةِ إنْ وَقَعَ التَّزَوُّجُ بِهَا. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَرْكَانِ وَشُرُوطِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الصِّيغَةِ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فَيَتَفَرَّغُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا فَقَالَ: (وَالصِّيغَةُ) الَّتِي هِيَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْخَمْسَةِ هِيَ (اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى النِّكَاحِ، أَيْ عَلَى حُصُولِهِ وَتَحَقُّقِهِ إيجَابًا وَقَبُولًا. وَمَثَّلَ لِلْإِيجَابِ الصَّرِيحِ بِقَوْلِهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَسْئُولِ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ الْمُسْتَشَارُ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْجُزُولِيِّ، وَهُنَاكَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى تُوجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرَ الْمَسَاوِئِ مُطْلَقًا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ تِلْكَ الْمَسَاوِئَ غَيْرُهُ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا] : أَيْ هَذَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهَا بِالْبَيِّنَةِ، بَلْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ، وَأَمَّا مَنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا وَلَيْسَتْ مَشْهُورَةً بِذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي زَوَاجِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي اُشْتُهِرَتْ بِالزِّنَا إذَا لَمْ تُحَدَّ، أَمَّا إذَا حُدَّتْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي زَوَاجِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ، هَكَذَا قِيلَ وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] يُفِيدُ حُرْمَةَ نِكَاحِهَا لِأَنَّهُ يُقَالُ الْمُرَادُ لَا يَنْكِحُهَا فِي حَالِ زِنَاهَا، أَوْ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلَّائِقِ بِهَا أَوْ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ. قَوْلُهُ: [أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الزَّانِيَةِ] إلَخْ: أَيْ وَإِذْ فَارَقَ الزَّانِيَةَ الْمُبِيحَةَ فَرْجَهَا

[أركان النكاح وشروطها وما يتعلق بها]

(كَ: أَنْكَحْت وَزَوَّجْت) أَيْ كَقَوْلِ الْوَلِيِّ: أَنْكَحْتُكَ بِنْتِي فُلَانَةَ، أَوْ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي أَوْ مُوَكِّلَتِي فُلَانَةَ، وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا كَمَا يَأْتِي فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ وَإِلَّا لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ. وَالْمُضَارِعُ نَحْوُ: أُزَوِّجُكَ، إنْ قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى الْإِنْشَاءِ لَا الْوَعْدِ كَالْمَاضِي. وَمَثَّلَ لِلْقَبُولِ بِقَوْلِهِ: (وَكَ: - قَبِلْتُ) وَرَضِيتُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ. وَصَحَّ تَقْدِيمُ الْقَبُولِ مِنْ الزَّوْجِ كَأَنْ يَقُولَ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَيَقُولُ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ إيَّاهَا فَيَنْعَقِدُ. وَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ وَلَا الْكِتَابَةُ إلَّا لِضَرُورَةِ خَرَسٍ. (وَلَزِمَ) النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ بِلَا خِيَارٍ (وَلَوْ بِالْهَزْلِ) : ضِدُّ الْجِدِّ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالرَّجْعَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْغَيْرِ فَلَا صَدَاقَ لَهَا حَيْثُ تَزَوَّجَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ. [أَرْكَان النِّكَاح وَشُرُوطِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] [الرُّكْن الْأَوَّل الصِّيغَة] قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ] : أَيْ حَقِيقَةً بِأَنْ يَقُولَ: وَهَبْتهَا لَك بِصَدَاقٍ قَدْرُهُ كَذَا، أَوْ حُكْمًا كَأَنْ يَقُولَ: وَهَبْتهَا لَك تَفْوِيضًا. قَوْلُهُ: [وَالْمُضَارِعُ] إلَخْ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمُضَارِعُهُمَا كَمَاضِيهِمَا وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ قَائِلًا فِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْعُقُودُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي دُونَ الْمُضَارِعِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْوَعْدُ وَفِي الْمَاضِي اللُّزُومُ (اهـ) فَمِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْمُنَاقَشَةِ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ قَيَّدَ شَارِحُنَا الْمُضَارِعَ بِقَوْلِهِ: " إنْ قَامَتْ الْقَرِينَةُ " إلَخْ. قَوْلُهُ: [كَالْمَاضِي] : وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى صِيغَةُ الْأَمْرِ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْإِنْشَاءِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ] : تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْخُطْبَةُ أَوْ قَدْرُهَا. قَوْلُهُ: [كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ] إلَخْ: أَيْ فَقَدْ وَرَدَ: «ثَلَاثَةٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالرَّجْعَةُ " بَدَلُ الْعِتْقِ.

[الركن الثاني من أركان النكاح الولي]

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّانِي: وَهُوَ الْوَلِيُّ، مُقَسِّمًا لَهُ إلَى مُجْبِرٍ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: (وَالْوَلِيُّ) قِسْمَانِ: (مُجْبِرٌ وَغَيْرُهُ) . (فَالْمُجْبِرُ) أَحَدُ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: (الْمَالِكُ) لِأَمَةٍ أَوْ عَبْدٍ لَهُ جَبْرُهُ عَلَى النِّكَاحِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَالِكُ (أُنْثَى) ؛ فَلَهَا جَبْرُ أَمَتِهَا أَوْ عَبْدِهَا عَلَى النِّكَاحِ، وَلَكِنْ تُوَكِّلُ فِي الْعَقْدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: اُخْتُلِفَ فِي كُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، كَبِعْتُ أَوْ مَلَّكْت أَوْ أَحْلَلْت أَوْ أَعْطَيْت أَوْ مَنَحْت، وَهَلْ هِيَ كَوَهَبْتُ يَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ إنْ سَمَّى صَدَاقًا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ، أَوْ لَا يَنْعَقِدُ بِهَا وَلَوْ سَمَّى صَدَاقًا؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَكُلِّ لَفْظٍ لَا يَقْتَضِي الْبَقَاءَ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ اتِّفَاقًا كَالْحَبْسِ وَالْوَقْفِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى، فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ سَمَّى صَدَاقًا أَمْ لَا، وَهُوَ أَنْكَحْت وَزَوَّجْت. وَالثَّانِي: يَنْعَقِدُ إنْ سَمَّى صَدَاقًا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهُوَ وَهَبْت فَقَطْ. وَالثَّالِثُ: مَا فِيهِ الْخِلَافُ وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ. وَالرَّابِعُ: مَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ لَا يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ. الثَّانِي: يَلْزَمُ النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْآخَرُ، وَلَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ الْهَزْلِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْخِيَارُ إلَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَنَا فِي خُصُوصِ النِّكَاحِ إذَا اُشْتُرِطَ. [الرُّكْن الثَّانِي مِنْ أَرْكَان النِّكَاح الْوَلِيّ] [الْأَوَّل مِنْ الْوَلِيّ المجبر الْمَالِك لِأَمَةٍ أَوْ عَبْد] قَوْلُهُ: [الْأَوَّلُ الْمَالِكُ] : قَدَّمَهُ لِقُوَّةِ تَصَرُّفِهِ لِأَنَّهُ يُزَوِّجُ الْأَمَةَ مَعَ وُجُودِ أَبِيهَا وَلَهُ جَبْرُ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ وَالْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، لِأَنَّهُمَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ وَلَهُ أَنْ يُصْلِحَ مَالَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ. قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ تُوَكِّلُ فِي الْعَقْدِ] : أَيْ عَلَى الْأَمَةِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَلَهَا الْعَقْدُ بِنَفْسِهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَالِكِ الْمُجْبِرِ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالرُّشْدُ، فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُ فِي مَمْلُوكِهِ الْكَافِرِ، فَإِنْ كَانَ مَمْلُوكُهُ مُسْلِمًا فَلَا يُقَرُّ تَحْتَ يَدِهِ، بَلْ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَالِكُ عَبْدًا فَالْجَبْرُ لِمَالِكِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ الْمَالِكُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ مُكَاتَبًا فَإِنَّهُ يُجْبِرُ رَقِيقَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ

وُجُوبًا (إلَّا لِضَرَرٍ) يَلْحَقُ الْمَمْلُوكَ فِي النِّكَاحِ، كَالتَّزْوِيجِ مِنْ ذِي عَاهَةٍ فَلَا جَبْرَ لِلْمَالِكِ وَيُفْسَخُ وَلَوْ طَالَ. وَلِلْمَالِكِ الْجَبْرُ (وَلَوْ) كَانَ الْمَمْلُوكُ عَبْدًا (مُدَبَّرًا أَوْ مُعْتَقًا لِأَجَلٍ، مَا لَمْ يَمْرَضْ السَّيِّدُ) فِي الْمُدَبَّرِ (أَوْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ) فِي الْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ. وَأَمَّا الْأُنْثَى الْمُدَبَّرَةُ أَوْ الْمَعْتُوقَةُ لِأَجَلٍ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ عَدَمُ الْجَبْرِ مُطْلَقًا، (وَإِلَّا) - بِأَنْ مَرِضَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ أَوْ قَرُبَ أَجَلُ الْعِتْقِ كَالثَّلَاثَةِ الْأَشْهُرِ فَدُونَ - (فَلَا) جَبْرَ لِمَالِكِهِ. (كَمُكَاتَبٍ وَمُبَعَّضٍ) لَا جَبْرَ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَالْبَعْضُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ. (وَكُرِهَ) لِسَيِّدٍ (جَبْرُ أُمِّ وَلَدِهِ) بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا عَلَى النِّكَاحِ، فَإِنْ جَبَرَهَا صَحَّ (عَلَى الْأَصَحِّ) وَقِيلَ: لَا جَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ جَبَرَهَا لَمْ يَمْضِ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْأُنْثَى بِشَائِبَةٍ لَا تُجْبَرُ - عَلَى الْأَصَحِّ - إلَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَتُجْبَرُ عَلَى الْأَصَحِّ بِكُرْهٍ، وَأَنَّ الذَّكَرَ بِشَائِبَةٍ لَا يُجْبَرُ، إلَّا الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ إذَا لَمْ يَمْرَضْ السَّيِّدُ وَلَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ. (وَجَبْرُ الشُّرَكَاءِ) مَمْلُوكَهُمْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (إنْ اتَّفَقُوا) عَلَى تَزْوِيجِهِ، لَا إنْ خَالَفَ بَعْضُهُمْ، فَلَيْسَ لِلْآخَرِ جَبْرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ فَهُوَ كَالْمَرْأَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ سَفِيهًا فَالْجَبْرُ لِوَلِيِّهِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ جَبْرُ سَيِّدِهِمَا عَلَى التَّزْوِيجِ لَهُمَا، وَلَوْ حَصَلَ لَهُمَا الضَّرَرُ بِعَدَمِهِ، بَلْ وَلَوْ قَصَدَ إضْرَارَهُمَا بِعَدَمِهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِبَيْعٍ وَلَا تَزْوِيجٍ، لِأَنَّ الضَّرَرَ إنَّمَا يَجِبُ رَفْعُهُ إذَا كَانَ فِيهِ مِثْلُ حَقٍّ وَاجِبٍ، وَلَا حَقَّ لَهُمَا فِي النِّكَاحِ، وَمَا فِي التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ بِمَنْعِهِمَا الضَّرَرَ أُمِرَ بِالْبَيْعِ أَوْ التَّزْوِيجِ ضَعِيفٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ح. قَوْلُهُ: [فَإِنْ جَبَرَهَا لَمْ يَمْضِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ الْجَبْرِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ رِوَايَةُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لِلْآخَرِ جَبْرٌ] : أَيْ بَلْ إنَّ عَقْدَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ كَانَ لِلْآخَرِ الْإِجَازَةُ، وَالرَّدُّ إنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ حُرِّيَّةٍ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَبْعِيضٌ تَحَتَّمَ الرَّدُّ كَذَا فِي (ر) وَاَلَّذِي فِي (ح) أَنَّهُ يَتَحَتَّمُ الرَّدُّ مُطْلَقًا لَوْ فِيهَا بَعْضُ

[الثاني من الولي المجبر الأب]

الثَّانِي مِنْ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ: الْأَبُ. وَرُتْبَتُهُ بَعْدَ رُتْبَةِ السَّيِّدِ فَلَا كَلَامَ لِأَبٍ مَعَ وُجُودِ سَيِّدِ ابْنَتِهِ، وَلِذَا أَتَى بِالْفَاءِ الْمُشْعِرَةِ بِتَأَخُّرِ رُتْبَتِهِ فَقَالَ: (فَأَبٌ) : لَهُ الْجَبْرُ وَلَوْ بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ وَلَوْ لِأَقَلِّ حَالٍ مِنْهَا أَوْ لِقَبِيحِ مَنْظَرٍ لِثَلَاثَةٍ مِنْ بَنَاتِهِ. أَشَارَ لِلْأُولَى بِقَوْلِهِ: (لِبِكْرٍ) مَا دَامَتْ بِكْرًا (وَلَوْ عَانِسًا) بَلَغَتْ مِنْ الْعُمْرِ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ. (إلَّا إذَا رَشَّدَهَا) الْأَبُ: أَيْ جَعَلَهَا رَشِيدَةً أَوْ أَطْلَقَ الْحَجْرَ عَنْهَا لِمَا قَامَ ـــــــــــــــــــــــــــــQحُرِّيَّتِهِ وَاخْتَارَهُ بْن [الثَّانِي مِنْ الْوَلِيّ المجبر الْأَب] قَوْلُهُ: [فَأَبٌ] : أَيْ رَشِيدٌ وَإِلَّا فَالْكَلَامُ لِوَلِيِّهِ هَكَذَا فِي الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (عب) وَالْخَرَشِيِّ، وَلَكِنْ قَالَ بْن فِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ السَّفِيهَ ذَا الرَّأْيِ أَيْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ لَهُ جَبْرُ بِنْتِهِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصَ التَّمْيِيزِ، خُصَّ وَلِيُّهُ بِالنَّظَرِ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَلِي الْعَقْدَ هَلْ الْوَلِيُّ. أَوْ الْأَبُ، فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ شَارِحُنَا وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالرُّشْدِ اتِّكَالًا عَلَى مَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [بَلَغَتْ مِنْ الْعُمْرِ سِتِّينَ سَنَةً] : الْمُرَادُ أَنَّهَا طَالَتْ إقَامَتُهَا عِنْدَ أَبِيهَا وَعَرَفَتْ مَصَالِحَ نَفْسِهَا قَبْلَ الزَّوَاجِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَبْرِ الْبِكْرِ وَلَوْ عَانِسًا هُوَ الْمَشْهُورُ، خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ حَيْثُ قَالَ لِلْأَبِ جَبْرُ الْبِكْرِ مَا لَمْ تَكُنْ عَانِسًا، لِأَنَّهَا لَمَّا عَنَسَتْ صَارَتْ كَالثَّيِّبِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ الْعِلَّةُ فِي الْجَبْرِ الْبَكَارَةُ أَوْ الْجَهْلُ بِمَصَالِحِ النِّسَاءِ، فَالْمَشْهُورُ نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ وَابْنُ وَهْبٍ نَاظِرٌ لِلثَّانِيَّ. قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا رَشَّدَهَا الْأَبُ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا بَالِغَةٌ إذْ الصَّغِيرَةُ لَا تُرَشَّدُ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ جَبْرِ الْمُرَشَّدَةِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَهُ جَبْرُهَا، وَكَمَا لَا يَجْبُرُهَا الْأَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا حَجْرَ لَهُ عَلَيْهَا فِي الْمُعَامَلَةِ، وَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَ (عب) مِنْ بَقَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهَا فِي الْمُعَامَلَةِ غَيْرُ صَوَابٍ، إذْ التَّرْشِيدُ لَا يَتَبَعَّضُ فَلَا يَكُونُ فِي أَمْرٍ دُونَ آخَرَ كَذَا فِي بْن. وَمِثْلُ الْبِكْرِ الَّتِي رَشَّدَهَا الْأَبُ الْبِكْرُ الَّتِي رَشَّدَهَا الْوَصِيُّ، وَفِي بَقَاءِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ الرَّاجِحُ بَقَاؤُهَا كَمَا هُوَ، نَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِرِضَاهَا، وَأَمَّا لَوْ رَشَّدَ الْوَصِيُّ الثَّيِّبَ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَالْوِلَايَةُ لِأَقَارِبِهَا.

بِهَا مِنْ حُسْنِ التَّصَرُّفِ فَلَا جَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ. وَلَا بُدَّ أَنْ تَأْذَنَ بِالْقَوْلِ كَمَا يَأْتِي: (أَوْ أَقَامَتْ) بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجٌ (سَنَةً) فَأَكْثَرَ (بِبَيْتِ زَوْجِهَا) ، ثُمَّ تَأَيَّمَتْ وَهِيَ بِكْرٌ فَلَا جَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا تَنْزِيلًا لِإِقَامَتِهَا بِبَيْتِ الزَّوْجِ سَنَةً مَنْزِلَةَ الثُّيُوبَةِ. وَأَشَارَ لِلثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَثَيِّبٍ) عَطْفٌ عَلَى بِكْرٍ، (صَغُرَتْ) بِأَنْ لَمْ تَبْلُغْ فَتَأَيَّمَتْ بَعْدَ أَنْ أَزَالَ الزَّوْجُ بَكَارَتَهَا؛ فَلَهُ جَبْرُهَا لِصِغَرِهَا إذْ لَا عِبْرَةَ بِثُيُوبَتِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (أَوْ) كَبِرَتْ بِأَنْ بَلَغَتْ وَزَالَتْ بَكَارَتُهَا (بِزِنًا وَلَوْ تَكَرَّرَ) مِنْهَا الزِّنَا حَتَّى زَالَ جِلْبَابُ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهَا، (أَوْ وَلَدَتْ) مِنْهُ فَلَهُ جَبْرُهَا وَلَا حَقَّ لِوِلَادَتِهَا مِنْ الزِّنَا مَعَهُ. (أَوْ) زَالَتْ بَكَارَتُهَا (بِعَارِضٍ) كَوَثْبَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ أَوْ بِعُودٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ جَبْرُهَا وَلَوْ عَانِسًا (لَا) إنْ زَالَتْ (بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ) وَلَوْ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ فَلَيْسَ لَهُ جَبْرُهَا (إنْ دَرَأَ) أَيْ مَنَعَ (الْحَدَّ) لِشُبْهَةٍ، وَإِلَّا فَلَهُ جَبْرُهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهِيَ بِكْرٌ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا تَدَّعِي الْبَكَارَةَ وَأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَمَسَّهَا مَعَ ثُبُوتِ الْخَلْوَةِ بَيْنَهُمَا، وَسَوَاءٌ كَذَّبَهَا الزَّوْجُ أَوْ وَافَقَهَا، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا جُهِلَتْ الْخَلْوَةُ، وَأَمَّا لَوْ عُلِمَ عَدَمُ الْخَلْوَةِ بَيْنَهُمَا وَعَدَمُ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَإِجْبَارُ الْأَبِ بَاقٍ، وَلَوْ أَقَامَتْ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ. قَوْلُهُ: [فَلَهُ جَبْرُهَا لِصِغَرِهَا] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجْبُرُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ ثُيِّبَتْ وَتَأَيَّمَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ ثُمَّ بَلَغَتْ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَا تُجْبَرُ، وَهُوَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِسَحْنُونٍ مِنْ الْجَبْرِ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: [أَوْ بِزِنًا] : أَوْ حَرْفُ عَطْفٍ وَالْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ كَبِرَتْ، وَبِزِنًا مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَزَالَتْ بَكَارَتُهَا، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ صَغُرَتْ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهَا الزِّنَا] : أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنْهَا الزِّنَا وَإِلَّا فَلَا يَجْبُرُهَا. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَهُ جَبْرُهَا] : أَيْ لِأَنَّهُ زِنًا.

[الثالث من الولي المجبر وصي الأب]

وَأَشَارَ لِلثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) لِأَبٍ جَبْرُ (مَجْنُونَةٍ) بَالِغًا ثَيِّبًا لِعَدَمِ تَمْيِيزِهَا. وَلَا كَلَامَ لِوَلَدِهَا مَعَهُ إنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ رَشِيدٌ، (إلَّا مَنْ تُفِيقُ) مِنْ جُنُونِهَا أَحْيَانًا (فَتُنْتَظَرُ) إفَاقَتُهَا لِتُسْتَأْذَنَ وَلَا تُجْبَرَ. وَمَحَلُّ جَبْرِ الْأَبِ فِي الثَّلَاثَةِ إذْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَزْوِيجِهَا ضَرَرٌ عَادَةً، كَتَزْوِيجِهَا مِنْ خَصِيٍّ أَوْ ذِي عَاهَةٍ؛ كَجُنُونٍ وَبَرَصٍ وَجُذَامٍ مِمَّا يُرَدُّ الزَّوْجُ بِهِ شَرْعًا وَإِلَّا فَلَا جَبْرَ لَهُ. الثَّالِثُ مِنْ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ: وَصِيُّ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (فَوَصِيُّهُ) : أَيْ الْأَبِ، لَهُ الْجَبْرُ فِيمَا لِلْأَبِ فِيهِ جَبْرٌ. وَمَحَلُّهُ (إنْ عَيَّنَ لَهُ) الْأَبُ (الزَّوْجَ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْهَا مِنْ فُلَانٍ، فَلَهُ جَبْرُهَا عَلَيْهِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ إنْ بَذَلَ مَهْرَ الْمِثْلِ، بِخِلَافِ الْأَبِ لَهُ جَبْرُهَا مُطْلَقًا. (أَوْ أَمَرَهُ) الْأَبُ (بِهِ) : أَيْ بِالْجَبْرِ بِأَنْ قَالَ: اُجْبُرْهَا، وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَلَوْ ضِمْنًا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ أَوْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ شِئْت. (أَوْ) أَمَرَهُ (بِالنِّكَاحِ) وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الزَّوْجَ وَلَا الْإِجْبَارَ بِأَنْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْهَا أَوْ أَنْكِحْهَا أَوْ زَوِّجْهَا مِمَّنْ أَحْبَبْت أَوْ لِمَنْ تَرْضَاهُ؛ فَلَهُ الْجَبْرُ، وَمُقَابِلُهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. ثُمَّ شَبَّهَ فِي الْجَبْرِ قَوْلَهُ: (كَأَنْتَ وَصِيِّي عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى بِنْتِي أَوْ بَنَاتِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بَالِغًا ثَيِّبًا] : أَيْ وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ أَوْ الْبِكْرُ فَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ مَجْنُونَةً أَوْ عَاقِلَةً. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا جَبْرَ لَهُ] : أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْأَبِ لَهُ جَبْرُهَا مُطْلَقًا] : أَيْ وَلَوْ عَلَى دُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَا عَاهَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يُزَوِّجُ إلَّا بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ، لَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الرِّضَا بِدُونِهِ لِلْوَصِيِّ، قِيلَ لِأَنَّ مَا هُنَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ لِمَصْلَحَةِ عَدَمِ الْفِرَاقِ. [الثَّالِث مِنْ الْوَلِيّ المجبر وَصِيّ الْأَب] قَوْلُهُ: [كَأَنْتَ وَصِيِّي عَلَيْهَا] : حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَبَ إذَا قَالَ لِلْوَصِيِّ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى بُضْعِ بَنَاتِي، أَوْ عَلَى نِكَاحِ بَنَاتِي أَوْ عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ، أَوْ وَصِيِّي عَلَى بِنْتِي تُزَوِّجُهَا مِمَّنْ أَحْبَبْت، لَهُ الْجَبْرُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ النِّكَاحِ أَوْ

أَوْ عَلَى بَعْضِهَا أَوْ بَعْضِهِنَّ فَلَهُ الْجَبْرُ (عَلَى الْأَرْجَحِ) عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّقْلُ يُفِيدُ أَرْجَحِيَّةَ عَدَمِ الْجَبْرِ لِقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ: بِخِلَافِ وَصِيِّي فَقَطْ أَوْ وَصِيِّي عَلَى بُضْعِ بَنَاتِي أَوْ عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ فَلَا جَبْرَ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ الْجَبْرُ. (وَهُوَ) : أَيْ الْوَصِيُّ (فِي الثَّيِّبِ) الْبَالِغَةِ - إذَا أَمَرَهُ الْأَبُ بِتَزْوِيجِهَا، أَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى إنْكَاحِهَا - (كَأَبٍ) مَرْتَبَتُهُ بَعْدَ الِابْنِ. وَلَا جَبْرَ؛ فَإِنْ زَوَّجَهَا مَعَ وُجُودِ الِابْنِ جَازَ عَلَى الِابْنِ، وَإِنْ زَوَّجَهَا الْأَخُ بِرِضَاهَا جَازَ عَلَى الْوَصِيِّ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ. (ثُمَّ) بَعْدَ السَّيِّدِ وَالْأَبِ وَوَصِيِّهِ فِي الْبِكْرِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ (لَا جَبْرَ) لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أُنْثَى صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَبْرٌ (فَإِنَّمَا تُزَوَّجُ بَالِغٌ) لَا صَغِيرَةٌ (بِإِذْنِهَا) ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّزْوِيجِ أَوْ الْبُضْعِ فَالرَّاجِحُ عَدَمُ الْجَبْرِ، كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى بَنَاتِي أَوْ عَلَى بَعْضِ بَنَاتِي أَوْ عَلَى بِنْتِي فُلَانَةَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ وَصِيِّي فَقَطْ أَوْ عَلَى مَالِي أَوْ بَيْعِ تَرِكَتِي أَوْ قَبْضِ دَيْنِي، فَلَا جَبْرَ اتِّفَاقًا، فَلَوْ زَوَّجَ جَبْرًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَاسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ الْإِمْضَاءَ وَتَوَقَّفَ فِيهِ النَّفْرَاوِيُّ، وَأَمَّا إنْ زَوَّجَ بِلَا جَبْرٍ صَحَّ بِلَا خِلَافٍ، هَذَا هُوَ تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ فَلْيُحْفَظْ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي هَذَا الْمَقَامِ غَيْرُ وَاضِحٍ. وَقَوْلُهُ: [جَازَ عَلَى الِابْنِ] : أَيْ مَضَى بَعْدَ الْوُقُوعِ وَإِلَّا فَالِابْنُ مُقَدَّمٌ كَمَا أَنَّ الْوَصِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. تَنْبِيهٌ: اسْتَثْنَى الْعُلَمَاءُ مِنْ وُجُوبِ الْفَوْرِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَسْأَلَةً نَصَّ عَلَيْهَا أَصْبَغُ، وَهِيَ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ إنْ مِتّ فَقَدْ زَوَّجْت ابْنَتِي فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ، فَهَذَا يَصِحُّ طَالَ الْأَمْرُ أَوْ لَا، قَبِلَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ بِقُرْبِ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَ الطُّولِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَيَّدَ سَحْنُونَ الصِّحَّةَ بِمَا إذَا قَبِلَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ بِقُرْبِ مَوْتِ الْأَبِ، لِأَنَّ الْعُقُودَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ بِقُرْبِهَا وَلَا سِيَّمَا عَقْدُ النِّكَاحِ، فَإِنَّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ فِيهَا، وَإِنَّمَا اُسْتُثْنِيَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّهَا مِنْ وَصَايَا الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ إنْفَاذُهَا حَيْثُ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا أَمْ لَا فَتَدَبَّرْ.

وَرِضَاهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَالِغُ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا. وَسَيَأْتِي أَنَّ إذْنَ الْبِكْرِ صُمَاتُهَا، وَأَنَّ الثَّيِّبَ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا. وَمَصَبُّ الْحَصْرِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ: أَيْ لَا تُزَوَّجُ إلَّا بَالِغٌ، وَلَا تُزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ فَمَتَى فُقِدَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَسَدَ النِّكَاحُ وَفَسَدَ أَبَدًا عَلَى مَا شَهَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرَةِ، وَشَهَرَ الْمُتَيْطِيُّ فِيهَا أَنَّهُ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَطُلْ. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِ: " بَالِغٌ " قَوْلَهُ: (إلَّا) صَغِيرَةً (يَتِيمَةً) وَالتَّصْرِيحُ بِ " يَتِيمَةٍ " مِنْ التَّصْرِيحِ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُجْبَرَةِ مَتَى كَانَتْ صَغِيرَةً كَانَتْ يَتِيمَةً إذْ لَوْ كَانَ لَهَا أَبٌ لَكَانَ مُجْبِرًا لَهَا. فَمَحَطُّ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلُهُ: (خِيفَ عَلَيْهَا) إمَّا لِفَسَادِهَا فِي الدِّينِ بِأَنْ يَتَرَدَّدَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْفُسُوقِ، أَوْ تَتَرَدَّدُ هِيَ عَلَيْهِمْ، أَوْ تَكُونَ بِجِوَارِهِمْ حَتَّى تَتَطَبَّعَ بِطِبَاعِهِمْ وَتَمِيلَ إلَى الْهَوَى، وَإِمَّا لِضَيَاعِهَا فِي الدُّنْيَا لِفَقْرِهَا وَقِلَّةِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَوْ لِخَوْفِ ضَيَاعِ مَالِهَا. فَقَوْلُنَا " خِيفَ عَلَيْهَا " ظَاهِرٌ فِي شُمُولِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " خِيفَ فَسَادُهَا ". (وَبَلَغَتْ عَشْرًا) مِنْ السِّنِينَ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي سِنِّ مَنْ تُوطَأُ. (وَشُووِرَ الْقَاضِي) بِسُكُونِ الْوَاوِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ: مِنْ الْمُشَاوَرَةِ لِيَثْبُتَ عِنْدَهُ مَا ذُكِرَ، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ مِنْ زَوْجٍ وَعِدَّةٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَرِضَاهَا بِالزَّوْجِ وَأَنَّهُ كُفْؤُهَا فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْحَالِ وَأَنَّ الْمَهْرَ مَهْرُ مِثْلِهَا، (فَيَأْذَنُ لِوَلِيِّهَا) فِي الْعَقْدِ، وَلَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ. وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مُشَاوَرَةَ الْقَاضِي شَرْطُ صِحَّةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَثْبَتَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ وَتَبِعْنَاهُ فِيهِ، وَالْحَقُّ خِلَافُهُ إذْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي أَنَّ إذْنَ الْبِكْرِ صُمَاتُهَا] : أَيْ إلَّا مَا اسْتَثْنَى مِنْ الْأَبْكَارِ السِّتَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِنَّ بِالْقَوْلِ. قَوْلُهُ: [كَانَتْ يَتِيمَةً] : أَيْ وَلَا سَيِّدَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ. قَوْلُهُ: [إذْ لَوْ كَانَ لَهَا أَبٌ] أَيْ أَوْ سَيِّدٌ أَوْ وَصِيٌّ. قَوْلُهُ: [وَالْحَقُّ خِلَافُهُ] أَيْ كَمَا قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ الْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ

غَيْرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَعَلَيْهِ فَإِذَا زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا قَطْعًا، نَعَمْ تُسْتَحْسَنُ الْمُشَاوَرَةُ لِثُبُوتِ الْوَاجِبَاتِ وَرَفْعِ الْمُنَازَعَاتِ. وَالْحَقُّ أَنَّ إذْنَهَا صَمْتُهَا كَغَيْرِهَا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ تَأْذَنَ بِالْقَوْلِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فَسَادًا وَلَا ضَيْعَةً أَوْ لَمْ تَبْلُغْ عَشْرًا وَزُوِّجَتْ (فُسِخَ) نِكَاحُهَا. (إلَّا إذَا دَخَلَ) الزَّوْجُ بِهَا (وَطَالَ) الزَّمَنُ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالْبُلُوغِ فَلَا يُفْسَخُ. وَفَسَّرَ الطُّولَ (بِالسِّنِينَ) كَالثَّلَاثَةِ بَعْدَ دُخُولِهَا وَبُلُوغِهَا، (أَوْ) وِلَادَةِ (الْأَوْلَادِ) كَاثْنَيْنِ فِي بَطْنَيْنِ، وَشَهَرَ هَذَا الْمُتَيْطِيُّ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْمَشْهُورُ الْفَسْخُ أَبَدًا فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فِي التَّشْهِيرِ كَمَا أَشَرْنَا لِذَلِكَ فِي صَدْرِ الْعِبَارَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا ارْتَضَاهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى خِيفَةِ الْفَسَادِ مَتَى خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ فِي مَآلِهَا، أَوْ فِي حَالِهَا زُوِّجَتْ بَلَغَتْ عَشْرًا أَوْ لَا، رَضِيَتْ بِالنِّكَاحِ أَمْ لَا، فَيُجْبِرُهَا وَلِيُّهَا عَلَى التَّزْوِيجِ، وَوَجَبَ مُشَاوَرَةُ الْقَاضِي فِي تَزْوِيجِهَا، فَإِنْ زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَتِهِ صَحَّ النِّكَاحُ إنْ دَخَلَ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا الْفَسَادَ وَزُوِّجَتْ صَحَّ إنْ دَخَلَ وَطَالَ (اهـ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمَدَارُ عَلَى خُلُوِّهَا مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، أَمَّا رِضَاهُمَا بِالزَّوْجِ وَأَنَّهُ كُفْؤُهَا فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْحَالِ، وَأَنَّ الْمَهْرَ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَأَنَّ الْجِهَازَ الَّذِي جُهِّزَتْ بِهِ مُنَاسِبٌ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَاضٍ يُشَاوَرُ لِعَدَمِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ ظَالِمًا كَفَى جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: [بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ] : قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى خِلَافِ الْفَسَادِ وَالْخُلُوِّ مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ تَبْلُغْ عَشْرًا] : ظَاهِرُهُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَبْلُغْ عَشْرًا وَزُوِّجَتْ مَعَ خَوْفِ الْفَسَادِ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالطُّولِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ صَحِيحٌ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا تَقَدَّمَ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَلَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالطُّولِ إلَّا إذَا زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فَسَادٍ. قَوْلُهُ: [فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فِي التَّشْهِيرِ] : وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بَعْدَ

[الولي الغير المجبر في النكاح]

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَلِيِّ الْغَيْرِ الْمُجْبِرِ، وَمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ عِنْدَ وُجُودِ مُتَعَدِّدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فَقَالَ: (وَالْأَوْلَى) عِنْدَ وُجُودِ مُتَعَدِّدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (تَقْدِيمُ ابْنٍ) لِلْمَرْأَةِ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا بِرِضَاهَا، (فَابْنِهِ) عَلَى الْأَبِ، فَلَوْ عَقَدَ الْأَبُ مَعَ وُجُودِ الِابْنِ أَوْ ابْنِهِ جَازَ عَلَى الِابْنِ، وَلَا ضَرَرَ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ. (فَأَبٌ) لِلْمَرْأَةِ فَمَرْتَبَتُهُ بَعْدَ الِابْنِ وَابْنِهِ، (فَأَخٌ) لِلْأَبِ (فَابْنُهُ) وَإِنْ سَفَلَ، (فَجَدٌّ) لِأَبٍ فَمَرْتَبَتُهُ بَعْدَ الْأَخِ وَابْنِهِ، كَالْوَلَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ (فَعَمٌّ) لِأَبٍ (فَابْنُهُ، فَجَدُّ أَبٍ فَعَمُّهُ) : أَيْ عَمُّ الْأَبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَسْخِ أَصْلًا. [الْوَلِيِّ الْغَيْرِ الْمُجْبِرِ فِي النِّكَاح] قَوْلُهُ: [وَالْأَوْلَى عِنْدَ وُجُودِ مُتَعَدِّدٍ] إلَخْ: الرَّاجِحُ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيمَ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، وَقِيلَ مَنْدُوبٌ وَهُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [تَقْدِيمُ ابْنِ] : أَيْ وَلَوْ مِنْ زِنًا كَمَا إذَا ثُيِّبَتْ بِنِكَاحٍ ثُمَّ زَنَتْ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَأَمَّا إذَا ثُيِّبَتْ بِزِنًا وَأَتَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ فَإِنَّ الْأَبَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُجْبَرَةٌ لِلْأَبِ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا مَرَّ. قَوْلُهُ: [فَأَبٌ] : أَيْ شَرْعِيٌّ، وَأَمَّا أَبُو الزِّنَا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ. قَوْلُهُ: [فَأَخٌ لِلْأَبِ] : صَادِقٌ بِأَنْ يَكُونَ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ فَقَطْ وَخَرَجَ الْأَخُ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ. قَوْلُهُ: [فَابْنُهُ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَخِ وَابْنِهِ عَلَى الْجَدِّ هُنَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ وَابْنِهِ. قَوْلُهُ: [كَالْوَلَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ] : أَيْ وَالْغُسْلِ وَالْإِيصَاءِ وَالْعَقْلِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: بِغُسْلٍ وَإِيصَاءٍ وَلَاءٍ جِنَازَةٍ ... نِكَاحٍ أَخًا وَابْنًا عَلَى الْجَدِّ قَدِّمْ وَعَقْلٍ وَوَسِّطْهُ بِبَابِ حَضَانَةٍ ... وَسَوِّهِ مَعَ الْآبَاءِ فِي الْإِرْثِ وَالدَّمِ قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ] : أَيْ الْمَوَارِيثِ فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ الْأَخِ. قَوْلُهُ: [فَجَدُّ أَبٍ] : أَيْ وَهَكَذَا يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَى فَرْعِهِ، وَفَرْعُهُ عَلَى أَصْلِ أَصْلِهِ، وَقِيلَ إنَّ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمِّ.

(فَابْنُهُ) . (وَ) الْأَوْلَى (تَقْدِيمُ الشَّقِيقِ) مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى الَّذِي لِلْأَبِ، (وَ) الْأَوْلَى تَقْدِيمُ (الْأَفْضَلِ) عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الرُّتْبَةِ. (وَإِنْ تَنَازَعَ مُتَسَاوُونَ) فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَضْلِ كَإِخْوَةٍ كُلُّهُمْ عُلَمَاءُ (نَظَرَ الْحَاكِمُ) فِيمَنْ يُقَدِّمُهُ (إنْ كَانَ) حَاكِمٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ. (فَمَوْلَى أَعْلَى) وَهُوَ مَنْ أَعْتَقَ الْمَرْأَةَ؛ يَلِي مَرْتَبَةَ عَصَبَةِ النَّسَبِ (فَعُصْبَتُهُ، فَمَوْلَاهُ) وَهُوَ مَنْ أَعْتَقَ مُعْتِقَهَا وَإِنْ عَلَا. (فَمَوْلَى أَبِيهَا) كَذَلِكَ (فَمَوْلَى جَدِّهَا كَذَلِكَ) وَإِنْ عَلَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " فَمَوْلَاهُ " وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى الْأَسْفَلِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ بِالتَّعْصِيبِ. (فَكَافِلٌ) لَهَا غَيْرُ عَاصِبٍ: أَيْ قَائِمٍ بِتَرْبِيَتِهَا حَتَّى بَلَغَتْ عِنْدَهُ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ الشَّقِيقِ] : أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ، وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الشَّقِيقَ وَغَيْرَهُ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتَرِعَانِ عِنْدَ التَّنَازُعِ. قَوْلُهُ: [أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ] : وَقِيلَ يَعْقِدُونَ مَعًا. قَوْلُهُ: [فَعَصَبَتُهُ] : أَيْ الْمُتَعَصِّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَنْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَهَا، أَوْ أَعْتَقَ أَبَاهَا لِأَنَّ الْكُلَّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَوْلًى أَعْلَى، وَتَرْتِيبُ عُصْبَةِ كُلِّ الْمُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ كَتَرْتِيبِ عُصْبَتِهَا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ بِالتَّعْصِيبِ] أَيْ وَالْعَتِيقُ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا. قَوْلُهُ: [فَكَافِلٌ لَهَا] : حَاصِلُهُ أَنَّ الْبِنْتَ إذَا مَاتَ أَبُوهَا أَوْ غَابَ وَكَفَلَهَا رَجُلٌ - أَيْ قَامَ بِأُمُورِهَا حَتَّى بَلَغَتْ عِنْدَهُ - أَوْ خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِحَضَانَتِهَا شَرْعًا، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا وَيُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ، وَهَلْ ذَاكَ خَاصٌّ بِالدَّنِيئَةِ؟ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ، أَوْ حَتَّى فِي الشَّرِيفَةِ؟ خِلَافٌ. فَإِنْ زَوَّجَهَا أَوَّلًا ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ فَهَلْ تَعُودُ الْوِلَايَةُ لَهُ أَوْ لَا؟ ثَالِثُهَا: تَعُودُ إنْ كَانَ فَاضِلًا، رَابِعُهَا: تَعُودُ إنْ عَادَتْ الْمَرْأَةُ لِكَفَالَتِهِ، وَأَشْعَرَ إتْيَانُ الْمُصَنِّفِ بِالْوَصْفِ مُذَكَّرًا أَنَّ الْمَرْأَةَ الْكَافِلَةَ لَا وِلَايَةَ لَهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: لَهَا وِلَايَةٌ وَلَكِنَّهَا لَا تُبَاشِرُ الْعَقْدَ بَلْ تُوَكِّلُ كَالْمُعْتَقَةِ.

[النكاح بالولاية العامة]

بَلَغَتْ عَشْرًا بِشُرُوطِهَا (إنْ كَانَتْ) الْمَكْفُولَةُ (دَنِيئَةً) لَا شَرِيفَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَّا فَوَلِيُّهَا الْحَاكِمُ، (وَكَفَلَ مَا) : أَيْ زَمَنًا (يُشْفِقُ فِيهِ) : أَيْ تَحْصُلُ فِيهِ الشَّفَقَةُ وَالْحَنَانُ عَلَيْهَا عَادَةً، وَلَا يُحَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ وَلَا بِعَشَرَةٍ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهَا مِنْهُ بِالْفِعْلِ، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا. (فَالْحَاكِمُ) يَلِي مَنْ ذُكِرَ. (فَعَامَّةُ مُسْلِمٍ) : أَيْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ تَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا أَيُّ رَجُلٍ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْخَالُ وَالْجَدُّ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ وَالْأَخُ لِأُمٍّ، فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ بِإِذْنِهَا وَرِضَاهَا. (وَصَحَّ) النِّكَاحُ (بِالْعَامَّةِ) أَيْ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ (فِي) امْرَأَةٍ (دَنِيئَةٍ مَعَ وُجُودِ) وَلِيٍّ (خَاصٍّ) كَأَبٍ وَابْنٍ وَعَمٍّ، (لَمْ يَجْبُرْ) لِكَوْنِهَا بَالِغًا ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا لَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ لَهَا، وَلَا يُفْسَخُ بِحَالٍ طَالَ زَمَنُ الْعَقْدِ أَوْ لَا دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، لِكَوْنِهَا - لِدَنَاءَتِهَا وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهَا - لَا يَلْحَقُهَا بِذَلِكَ مَعَرَّةٌ. وَالدَّنِيئَةُ: هِيَ الْخَالِيَةُ مِنْ الْجَمَالِ وَالْمَالِ وَالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ؛ فَالْخَالِيَةُ مِنْ النَّسَبِ: بِنْتُ الزِّنَا أَوْ الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَعْتُوقَةُ مِنْ الْجَوَارِي، وَالْحَسَبُ: هُوَ الْأَخْلَاقُ الْكَرِيمَةُ كَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكَرَمِ وَنَحْوِهَا مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، فَالْغَنِيَّةُ ذَاتُ الْجَمَالِ لَيْسَتْ بِدَنِيئَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَسَبٌ وَلَا نَسَبٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [أَوْ بَلَغَتْ عَشْرًا بِشُرُوطِهَا] : قَدْ عَلِمْت الشُّرُوطَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي الْيَتِيمَةِ وَتَحْقِيقَهَا فَلَا حَاجَةَ لِلْإِعَادَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ] : أَيْ لَمْ يُوجَدْ لَهَا عَاصِبٌ وَلَا مَوْلًى أَعْلَى وَلَا كَافِلٌ وَلَا حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ قَوْلُهُ: [وَصَحَّ النِّكَاحُ] إلَخْ أَيْ وَأَمَّا الْجَوَازُ ابْتِدَاءً فَسَيَأْتِي أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَالْحَقُّ الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ. [النِّكَاح بِالْوِلَايَةِ العامة] قَوْلُهُ: [لَمْ يُجْبِرْ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا، وَيُفْسَخُ أَبَدًا وَلَوْ أَجَازَهُ الْمُجْبِرُ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَسَبٌ وَلَا نَسَبٌ] : أَيْ كَالْمَعْتُوقَةِ الْبَيْضَاءِ الْجَمِيلَةِ.

وَالنَّسِيبَةُ - وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً أَوْ قَبِيحَةً - لَيْسَتْ بِدَنِيئَةٍ بَلْ كُلُّ مَنْ اتَّصَفَتْ بِصِفَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ فَشَرِيفَةٌ، بَلْ وَبِصِفَةٍ فَقَطْ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. نَعَمْ الْوَقْفَةُ فِي قَوْمٍ فُقَرَاءَ شَأْنُهُمْ أَنْ يَكُونُوا خِدْمَةً لِلنَّاسِ وَلَا دِيَانَةَ عِنْدَهُمْ وَلَا صِيَانَةَ، فَهُمْ - وَإِنْ عُرِفَ نَسَبُهُمْ - إلَّا أَنَّهُمْ لِعَدَمِ دِيَانَتِهِمْ وَصِيَانَتِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مُسَخَّرِينَ تَحْتَ أَيْدِي النَّاسِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، وَالظَّاهِرُ دَنَاءَتُهُمْ. وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْجَوَازِ: هَلْ لَا يَجُوزُ لِمُطْلَقِ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِ الدَّنِيئَةِ مَعَ وُجُودِ كَأَبِيهَا؟ وَنَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَرَجَّحَ قَوْلَ الشَّيْخِ وَلَمْ يَجُزْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا، أَوْ يَجُوزُ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ فَتُّوحٍ وَغَيْرِهِمْ، وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ. ثُمَّ شَبَّهَ فِي الصِّحَّةِ قَوْلَهُ: (كَشَرِيفَةٍ) : أَيْ كَمَا يَصِحُّ نِكَاحُ شَرِيفَةٍ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ خَاصٍّ غَيْرِ مُجْبِرٍ، (إنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ بِهَا (وَطَالَ) طُولًا (كَالْمُتَقَدِّمِ) : أَيْ كَالطُّولِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا إذَا زُوِّجَتْ مَعَ فَقْدِ الشُّرُوطِ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالنَّسِيبَةُ] أَيْ ذَاتُ النَّسَبِ الْعَالِي وَهِيَ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ لَا ذَاتِ النَّسَبِ فَقَطْ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [بَلْ وَبِصِفَةٍ فَقَطْ] إلَخْ: الظَّاهِرُ أَنَّ الصِّفَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكْفِي بِدَلِيلِ اسْتِظْهَارِهِ الْآتِي. قَوْلُهُ: [فَهُمْ وَإِنْ عُرِفَ نَسَبُهُمْ] : أَيْ عُرِفَ أُصُولُهَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ زِنًا وَلَا مَجْهُولَةَ النَّسَبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّسَبِ عُلُوُّهُ لِأَنَّ النَّسَبَ يَرْجِعُ لِمَعْنَى الْحَسَبِ. قَوْلُهُ: [وَالظَّاهِرُ دَنَاءَتُهُمْ] : وَحَيْثُ كَانَ انْفِرَادُ النَّسَبِ لَا يَكْفِي فِي الشَّرَفِ فَأَوْلَى انْفِرَادُ غَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ. قَوْلُهُ: [كَشَرِيفَةٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ لِلشَّرِيفَةِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ غَيْرِ الْمُجْبِرِ، وَطَالَ الزَّمَانُ بَعْدَ الدُّخُولِ - وَالطُّولُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ - فَإِنَّهُ يَمْضِي اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا إنْ طَالَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ يَتَحَتَّمُ الْفَسْخُ أَوْ لَا يَتَحَتَّمُ، وَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَحَتُّمِ الْفَسْخِ هَلْ بِطَلَاقٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ أَوْ بِغَيْرِهِ خِلَافٌ، أَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ طُولٌ فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ اتِّفَاقًا حَصَلَ دُخُولٌ أَمْ لَا.

بَعْضِهَا، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ تَلِدُ فِيهِ الْأَوْلَادَ كَثَلَاثٍ سِنِينَ. (وَلَمْ يَجُزْ) لِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِ امْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ مَعَ وُجُودِ خَاصٍّ فَقَوْلُهُ: " وَلَمْ يَجُزْ " رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ. وَأَمَّا الدَّنِيئَةُ فَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْجَوَازُ، وَلِذَا لَمْ يُفْسَخْ بِحَالٍ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذِكْرُهُ هُنَا. (وَإِلَّا) بِأَنْ دَخَلَ وَلَمْ يُطِلْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ - طَالَ أَمْ لَا (فَلِلْأَقْرَبِ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ عِنْدَ وُجُودِ أَقْرَبُ وَأَبْعَدُ لِلْبَعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِيبِ (أَوْ الْحَاكِمِ - إنْ غَابَ) الْأَقْرَبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ - (الرَّدُّ) لِلنِّكَاحِ، وَلَهُ الْإِمْضَاءُ؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ. فَإِنْ أَجَازَهُ ثَبَتَ. وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الْفَسْخُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ، وَطَالَ الزَّمَنُ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي كَلَامِهِ. وَعَلَيْهِ فَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ إنْ طَالَ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ إنْ طَالَ، فَإِنْ قَرُبَ فِيهِمَا خُيِّرَ الْوَلِيُّ الْخَاصُّ فِي فَسْخِهِ وَإِمْضَائِهِ، فَالتَّخْيِيرُ فِي صُورَتَيْنِ. (وَ) صَحَّ النِّكَاحُ (بِأَبْعَدَ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَعَمٍّ وَابْنِهِ (مَعَ) وُجُودِ (أَقْرَبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَطَالَ الزَّمَنُ] : أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْهُ دُخُولٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ بِتَحَتُّمِ الْفَسْخِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْقَوْلُ الْفَسْخُ جَارٍ فِيمَا إذَا حَصَلَ طُولٌ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ حَصَلَ دُخُولٌ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [فَالتَّخْيِيرُ فِي صُورَتَيْنِ] : أَيْ اتِّفَاقًا وَتَحَتَّمَ الْفَسْخُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي صُورَةٍ وَوُجُوبُ الْإِمْضَاءِ فِي صُورَةٍ. قَوْلُهُ: [وَصَحَّ النِّكَاحُ] : أَيْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِنَدْبِ التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ شَرْطِيٍّ. وَقَوْلُهُ: [بِأَبْعَدَ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْأَبْعَدُ الْحَاكِمَ مَعَ وُجُودِ أَخَصِّ الْأَوْلِيَاءِ، فَإِذَا لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ بِحُضُورِ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهَا وَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، وَأَمَّا لَوْ وَكَّلَتْ أَجْنَبِيًّا غَيْرَ الْحَاكِمِ مَعَ حُضُورِ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهَا جَرَى فِيهَا قَوْلُهُ السَّابِقُ: " وَصَحَّ بِالْعَامَّةِ فِي دَنِيئَةٍ " إلَخْ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالْأَبْعَدِ: الْمُؤَخَّرُ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَبِالْأَقْرَبِ الْمُتَقَدِّمُ فِيهَا وَلَوْ كَانَتْ جِهَتُهُمَا مُتَّحِدَةً فَيَشْمَلُ

لَا يُجْبِرُ) كَأَبٍ وَابْنٍ فِي شَرِيفَةٍ وَغَيْرِهَا فَلَا يُفْسَخُ بِحَالٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْوَلِيُّ مُجْبِرًا - كَسَيِّدٍ وَكَأَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ فِي بِكْرٍ أَوْ صَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ - (فَلَا) يَصِحُّ النِّكَاحُ بِالْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِهِ فِي شَرِيفَةٍ لَا دَنِيئَةٍ. (وَفُسِخَ أَبَدًا) مَتَى اُطُّلِعَ عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ. وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي تُوَلِّي الْأَبْعَدِ الْعَقْدَ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ غَيْرِ مُجْبِرٍ، هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا؟ قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: " وَلَمْ يَجُزْ " وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " وَقُدِّمَ ابْنُ فَابْنُهُ " إلَخْ؛ مَعْنَاهُ: عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ الْغَيْرِ الشَّرْطِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَجُوزُ ابْتِدَاءً غَايَتُهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَرُجِّحَ. وَهُوَ الَّذِي دَرَجْنَا عَلَيْهِ بِقَوْلِنَا: " وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ ابْنٍ " إلَخْ. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ " قَوْلَهُ: (إلَّا أَنْ يُجِيزَ) : الْمُجْبِرُ (عَقْدَ مَنْ فَوَّضَ) الْمُجْبِرُ (لَهُ أُمُورَهُ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَابْنٍ وَأَخٍ وَجَدٍّ وَغَيْرِهِمْ وَثَبَتَ التَّفْوِيضُ لَهُ، (بِبَيِّنَةٍ) لَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَى وَلَا بِإِقْرَارٍ مِنْ الْمُجْبِرِ بَعْدَ الْعَقْدِ، (فَيُمْضِيَ) ذَلِكَ الْعَقْدَ وَلَا يُفْسَخُ (إنْ لَمْ يَبْعُدْ) بِأَنْ قَرُبَ مَا بَيْنَ الْعَقْدِ مِنْ الْمُفَوَّضِ لَهُ وَالْإِجَازَةُ مِنْ الْمُجْبِرِ (عَلَى الْأَوْجَهِ) مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُفَوَّضِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَالطُّولُ مِمَّا يَزِيدُ ضَعْفًا فَلَا يَمْضِي مَعَهُ وَيَمْضِي مَعَ الْقُرْبِ، وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: يَمْضِي مُطْلَقًا. (فَإِنْ فُقِدَ) الْمُجْبِرُ (أَوْ أُسِرَ، فَكَمَوْتِهِ) يُنْقَلُ الْحَقُّ لِلْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَزْوِيجَ الْأَخِ لِلْأَبِ مَعَ وُجُودِ الشَّقِيقِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقُرْبِ وَالْبَعْدِ فِي خُصُوصِ الْجِهَةِ. قَوْلُهُ: [وَفُسِخَ أَبَدًا] : أَيْ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ كَالْحَنَفِيِّ. قَوْلُهُ: [وَغَيْرُهُمْ] : أَيْ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَدْخُلُ سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ إذَا قَامُوا هَذَا الْمَقَامَ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ مُحْرِزٍ: وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ تَفْوِيضَ الْمُجْبِرِ فَلَا فَرْقَ. قَوْلُهُ: [وَثَبَتَ التَّفْوِيضُ لَهُ بِبَيِّنَةٍ] : أَيْ تَشْهَدُ عَلَى أَنَّ الْمُجْبِرَ نَصَّ لَهُ عَلَى التَّفْوِيضِ، بِأَنْ قَالَ لَهُ فَوَّضْت لَك جَمِيعَ أُمُورِي، أَوْ أَقَمْتُك مَقَامِي فِي جَمِيعِ أُمُورِي، أَوْ تَشْهَدُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ لَهُ.

[فقد وغيبة الولي المجبر]

دُونَ الْحَاكِمِ، أَيْ فَلَا كَلَامَ لِلْحَاكِمِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ. وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْمُتَيْطِيَّ، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ كَذِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ دُونَ غَيْرِهِ فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبَ. (وَإِنْ غَابَ) الْمُجْبِرُ (غَيْبَةً بَعِيدَةً - كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ مِصْرَ) - وَلَمْ يُرْجَ قُدُومُهُ، (فَالْحَاكِمُ) هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهَا - وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا - دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْطِنْ) : أَيْ لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الِاسْتِيطَانَ بِهَا (عَلَى الْأَصَحِّ) وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِيطَانِ. وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْحَاكِمِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ وَلِيُّ الْغَائِبِ وَهُوَ مُجْبِرٌ لَا كَلَامَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَقَدْ وغيبة الْوَلِيّ المجبر] قَوْلُهُ: [وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْمُتَيْطِيَّ] : قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: الْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَذَلِكَ لِتَنْزِيلِ الْأَسْرِ وَالْفَقْدِ مَنْزِلَةَ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ فَإِنَّ حَيَاتَهُ مَعْلُومَةٌ. قَوْلُهُ: [فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبَ] : أَيْ وَلِذَلِكَ صَوَّبَهُ بَعْضُ الْمُوَثِّقِينَ قَائِلًا: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْفَقْدِ وَالْأَسْرِ وَبُعْدِ الْغَيْبَةِ؟ قَوْلُهُ: [مِنْ مِصْرَ] : أَيْ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ بِهَا وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَدِينَةِ لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ بِهَا وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. قَوْلُهُ: [وَلَمْ يُرْجَ قُدُومُهُ] : أَيْ عَنْ قُرْبٍ. قَوْلُهُ: [فَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُهَا] : أَيْ إذَا كَانَتْ بَالِغًا أَوْ خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِيطَانِ] : أَيْ بِالْفِعْلِ لَا يَكْفِي مَظِنَّتُهُ. فَعَلَيْهِ مَنْ خَرَجَ لِتِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا وَنِيَّتُهُ الْعَوْدُ فَلَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ ابْنَتَهُ، وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ إلَّا إذَا خِيفَ فَسَادُهَا أَوْ قَصَدَ بِغَيْبَتِهِ الْإِضْرَارَ بِهَا، فَإِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ كَتَبَ لَهُ الْحَاكِمُ، إمَّا أَنْ تَحْضُرَ تُزَوِّجَهَا أَوْ تُوَكِّلَ وَكِيلًا يُزَوِّجُهَا وَإِلَّا زَوَّجْنَاهَا عَلَيْك، فَإِنْ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَلَا فَسْخَ كَمَا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ.

[إذن البكر والثيب والافتيات عليهما]

فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْقُدُومِ كَالتُّجَّارِ فَلَا يُزَوِّجُهَا حَاكِمٌ وَلَا غَيْرُهُ (كَغَيْبَةِ) الْوَلِيِّ (الْأَقْرَبِ) غَيْرِ الْمُجْبِرِ (الثَّلَاثَ) فَفَوْقَ، فَيُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ دُونَ الْأَبْعَدِ الْحَاضِرِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَقَلِّ مِنْ الثَّلَاثِ كَتَبَ لَهُ؛ إمَّا أَنْ يَحْضُرَ أَوْ يُوَكِّلَ، وَإِلَّا زَوَّجَ الْحَاكِمُ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ، فَإِنْ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ صَحَّ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُجْبَرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ غَابَ) الْمُجْبِرُ غَيْبَةً قَرِيبَةً (كَعَشْرٍ) أَوْ عِشْرِينَ يَوْمًا مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَسُلُوكِهَا (لَمْ يُزَوِّجْ) الْمُجْبَرَةَ (حَاكِمٌ أَوْ غَيْرُهُ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، لِإِمْكَانِ إيصَالِ الْخَبَرِ إلَيْهِ بِلَا كَبِيرِ مَشَقَّةٍ (وَفُسِخَ) أَبَدًا إنْ وَقَعَ. (إلَّا إذَا خِيفَتْ الطَّرِيقُ) بِأَنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ سُلُوكُهَا لِعَدَمِ الْأَمْنِ (وَخِيفَ عَلَيْهَا) ضَيَاعٌ أَوْ فَسَادٌ (فَكَالْبَعِيدَةِ) ، يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ دُونَ غَيْرِهِ وَإِلَّا فُسِخَ. [إِذْن الْبِكْر وَالثَّيِّب وَالِافْتِيَات عَلَيْهِمَا] (وَإِذْنُ الْبِكْرِ) الْغَيْرِ الْمُجْبَرَةِ (صَمْتُهَا) أَيْ إنَّ صَمْتَهَا إذَا سُئِلَتْ: هَلْ تَرْضَيْنَ بِأَنْ نُزَوِّجُك مِنْ فُلَانٍ عَلَى مَهْرٍ قَدْرُهُ كَذَا، عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى الْعَقْدَ فُلَانٌ؟ رِضًا مِنْهَا وَإِذْنٌ فِي ذَلِكَ فَلَا تُكَلَّفُ النُّطْقَ بِذَلِكَ. (وَنُدِبَ إعْلَامُهَا بِهِ) أَيْ بِأَنَّ سُكُوتَهَا رِضًا وَإِذْنٌ مِنْهَا، (فَلَا تُزَوَّجُ إنْ مَنَعَتْ) بِأَنْ قَالَتْ: لَا أَتَزَوَّجُ أَوْ لَا أَرْضَى أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، (أَوْ نَفَرَتْ) : ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [كَغَيْبَةِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ الْأَقْرَبَ غَيْرُ الْمُجْبِرِ إذَا غَابَ غَيْبَةً مَسَافَتُهَا مِنْ بَلَدِ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوُهَا، وَأَرَادَتْ التَّزْوِيجَ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُهَا لَا الْأَبْعَدَ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الْأَبْعَدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحَّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَبِأَبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ. قَوْلُهُ: [فَلَا تُكَلَّفُ النُّطْقَ بِذَلِكَ] : أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الرِّضَا بِالزَّوْجِ وَالْمَهْرِ وَالْوَلِيِّ وَظَاهِرُهُ كَانَتْ حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً. قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ إعْلَامُهَا بِهِ] : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ وَادَّعَتْ الْجَهْلَ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا، وَتَمَّ النِّكَاحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ الْأَقَلُّ تُقْبَلُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ إعْلَامِهَا بِهِ، وَقَالَ حَمْدِيسٌ: إنْ عُرِفَتْ بِالْبَلَهِ وَقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ قُبِلَتْ دَعْوَاهَا الْجَهْلَ وَإِلَّا فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا، فَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا تُزَوَّجُ إنْ مَنَعَتْ] إلَخْ: فَإِنْ زُوِّجَتْ فُسِخَ نِكَاحُهَا أَبَدًا وَلَوْ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالطُّولِ، وَلَوْ أَجَازَتْهُ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ الْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا.

لِأَنَّ النُّفُورَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا، (لَا إنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ) فَتَزْوِيجٌ لِأَنَّ بُكَاءَهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِفَقْدِ أَبِيهَا الَّذِي يَتَوَلَّى عَقْدَهَا. (وَالثَّيِّبُ) وَلَوْ سَفِيهَةً (تُعْرِبُ) عَمَّا فِي ضَمِيرِهَا مِنْ رِضًا أَوْ مَنْعٍ، وَلَا يَكْتَفِي مِنْهَا بِالصَّمْتِ. وَيُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ أَبْكَارٌ سِتَّةٌ لَا يَكْتَفِي مِنْهُنَّ بِالصَّمْتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ بِالْقَوْلِ كَالثَّيِّبِ أَشَارَ لَهُنَّ مُشَبِّهًا لَهُنَّ بِالثَّيِّبِ فَقَالَ: (كَبِكْرٍ رُشِّدَتْ) : أَيْ رَشَّدَهَا أَبُوهَا بِأَنْ أَطْلَقَ الْحَجْرَ عَنْهَا فِي التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ وَهِيَ بَالِغٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا جَبْرَ لِأَبِيهَا عَلَيْهَا، وَذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا. (أَوْ) بِكْرٍ (عُضِلَتْ) : أَيْ مُنِعَتْ أَيْ مَنَعَهَا وَلِيُّهَا مِنْ النِّكَاحِ، فَرَفَعَتْ أَمْرَهَا أَمَرَهَا لِلْحَاكِمِ فَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ. فَإِنْ أَمَرَ أَبَاهَا بِالْعَقْدِ، فَأَجَابَ وَزَوَّجَهَا لَمْ يَحْتَجَّ لِإِذْنٍ لِأَنَّهُ مُجْبِرٌ. (أَوْ) بِكْرٍ مُهْمَلَةٍ لَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ (زُوِّجَتْ بِعَرْضٍ) وَهِيَ مِنْ قَوْمٍ لَا يُزَوِّجُونَ بِالْعُرُوضِ، أَوْ يُزَوِّجُونَ بِعَرْضٍ مَعْلُومٍ فَزَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِغَيْرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِأَنْ تَقُولَ: رَضِيت بِهِ، وَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا إنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ تَقُمْ الْقَرَائِنُ عَلَى أَنَّ ضَحِكَهَا اسْتِهْزَاءٌ أَوْ بُكَاهَا امْتِنَاعٌ وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ رِضًا. قَوْلُهُ: [وَلَا يَكْتَفِي مِنْهَا بِالصَّمْتِ] : ظَاهِرُهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَكْفِي صَمْتُ الثَّيِّبِ فِي الْإِذْنِ لِلْوَلِيِّ حَضَرَتْ أَوْ غَابَتْ، فَهِيَ كَالْبِكْرِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ وَالصَّدَاقِ، فَفِي الْبِكْرِ يَكْفِي الصَّمْتُ، وَالثَّيِّبِ لَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ بَالِغٌ] : أَيْ لِأَنَّ الرُّشْدَ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: [زُوِّجَتْ بِعَرْضٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ كُلَّ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضَهُ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ تَقُولَ رَضِيت بِهِ] : أَيْ بِذَلِكَ الْمَهْرِ الْعَرْضِ، وَأَمَّا الزَّوْجُ فَيَكْفِي فِي الرِّضَا بِهِ صَمْتُهَا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.

(أَوْ) بِكْرٍ وَلَوْ مُجْبَرَةٍ زُوِّجَتْ (بِرِقٍّ) : أَيْ رَقِيقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْحُرَّةِ. (أَوْ) زُوِّجَتْ (لِذِي عَيْبٍ) كَجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَجُنُونٍ وَخِصَاءٍ فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِأَنْ تَقُولَ: رَضِيت بِهِ مَثَلًا. (أَوْ) بِكْرٍ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ (اُفْتِيتَ عَلَيْهَا) ، الِافْتِيَاتُ: التَّعَدِّي، أَيْ تَعَدَّى عَلَيْهَا وَلِيُّهَا غَيْرُ الْمُجْبِرِ، فَعَقَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا ثُمَّ أَنْهَى إلَيْهَا الْخَبَرَ، فَرَضِيَتْ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا بِالْقَوْلِ، فَهَذِهِ سِتَّةُ أَبْكَارٍ. وَأَمَّا الْيَتِيمَةُ الَّتِي بَلَغَتْ عَشْرًا وَخِيفَ عَلَيْهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِي صَمْتُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الِافْتِيَاتَ مُطْلَقًا يَصِحُّ إنْ وَقَعَ بِشُرُوطٍ بِقَوْلِهِ: (وَصَحَّ الِافْتِيَاتُ) عَلَى الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، بَلْ (وَلَوْ عَلَى الزَّوْجِ) بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ أَفَادَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ: (إنْ قَرُبَ الرِّضَا) مِنْ الْعَقْدِ كَأَنْ يَكُونَ بِالْمَسْجِدِ مَثَلًا، وَيُنْهِي إلَيْهَا الْخَبَرَ مِنْ وَقْتِهِ. وَالْيَوْمُ بُعْدٌ لَا يَصِحُّ مَعَهُ الرِّضَا، وَقِيلَ الْيَوْمَانِ قُرْبٌ وَقِيلَ الْبُعْدُ مَا فَوْقَ الثَّلَاثَةِ. وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ: وَكَانَ الرِّضَا (بِالْقَوْلِ) فَلَا يَكْفِي الصَّمْتُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبِكْرِ، وَكَذَا غَيْرُهَا بِالْأَوْلَى. وَالثَّالِثُ بِقَوْلِهِ: (بِلَا رَدٍّ) لِلنِّكَاحِ (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الرِّضَا مِمَّنْ اُفْتِيتَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَدَّ مَنْ اُفْتِيتَ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ رِضًا بَعْدَ ذَلِكَ. وَالرَّابِعُ بِقَوْلِهِ: (وَبِالْبَلَدِ) : أَيْ وَأَنْ يَكُونَ مَنْ اُفْتِيتَ عَلَيْهَا بِالْبَلَدِ حَالَ الِافْتِيَاتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [زُوِّجَتْ بِرِقٍّ] : أَيْ أَرَادَ وَلِيُّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا لِرَقِيقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا بِهِ بِالْقَوْلِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدَ أَبِيهَا وَالْمُزَوِّجَ لَهَا أَبُوهَا لِمَا فِي تَزْوِيجِهَا بِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَعَرَّةِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْحُرَّةِ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَبْيَضَ. قَوْلُهُ: [فَعَقَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا] : أَيْ وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ وَقْتَ الْخِطْبَةِ فَلَا بُدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ اسْتِئْذَانِهَا فِي الْعَقْدِ، لِأَنَّ الْخِطْبَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ فَلَا تُغْنِي عَنْ اسْتِئْذَانِهَا فِي الْعَقْدِ وَتَعْيِينِ الصَّدَاقِ. قَوْلُهُ: [وَبِالْبَلَدِ] : أَيْ وَلَوْ بَعُدَ طَرَفَاهُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَاحِدًا نَزَلَ بُعْدُ

[شروط صحة الولي]

وَالرِّضَا، فَإِنْ كَانَ بِآخَرَ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ قَرُبَتَا وَأَنْهَى الْخَبَرَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَالْخَامِسُ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُقِرَّ) الْوَلِيُّ (بِهِ) : أَيْ بِالِافْتِيَاتِ (حَالَ الْعَقْدِ) بِأَنْ سَكَتَ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَصِحَّ. وَأَفَادَ السَّادِسَ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَكُنْ) الِافْتِيَاتُ (عَلَيْهِمَا مَعًا) فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا مَعًا لَمْ يَصِحَّ، وَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْوَلِيِّ وَتَقْسِيمِهِ إلَى مُجْبِرٍ وَغَيْرِهِ، وَغَيْرِ الْمُجْبِرِ إلَى خَاصٍّ وَعَامٍّ، وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِهِ فَقَالَ: (وَشَرْطُهُ) أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الْوَلِيِّ الَّذِي يَتَوَلَّى الْعَقْدَ لِلزَّوْجَةِ سِتَّةٌ: (الذُّكُورَةُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ أُنْثَى وَلَوْ مَالِكَةً. (وَالْحُرِّيَّةُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ عَبْدٍ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ. (وَوَكَّلَتْ مَالِكَةٌ) لِأَمَةٍ، (وَوَصِيَّةٍ) عَلَى أُنْثَى، (وَمُعْتِقَةٍ) لِأَمَةٍ لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا عَاصِبُ نَسَبٍ مَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ عَنْهُنَّ مِنْ الذُّكُورَةِ الْمُسْتَوْفِيَةِ لِلشُّرُوطِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ أُنْثَى، (وَإِنْ) كَانَ وَكِيلُ كُلٍّ (أَجْنَبِيًّا) مِنْهَا فِي الثَّلَاثَةِ مَعَ حُضُورِ وَلِيِّهَا، (كَعَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ) عَلَى نِكَاحِ أُنْثَى فَإِنَّهُ يُوَكِّلُ مَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَهَا، وَلَوْ أَجْنَبِيًّا لِمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالطَّرَفَيْنِ مَنْزِلَةَ الْقُرْبِ، بِخِلَافِ الْبَلَدَيْنِ وَلَوْ تَقَارَبَا فَإِنَّ شَأْنَهُمَا بُعْدُ الْمَسَافَةِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. [شُرُوط صِحَّة الْوَلِيّ] قَوْلُهُ: [وَوَكَّلَتْ مَالِكَةً لِأَمَةٍ] : أَيْ وَلَوْ وُجِدَ مَعَهَا عَاصِبُ نَسَبٍ وَمِثْلُهَا الْوَصِيَّةُ. قَوْلُهُ: [لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا عَاصِبُ نَسَبٍ] : رَاجِعٌ لِخُصُوصِ الْمُعْتِقَةِ. قَوْلُهُ: [أَجْنَبِيًّا مِنْهَا فِي الثَّلَاثَةِ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوَكِّلَةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُوَكَّلِ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ الْمُعْتِقَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَجْنَبِيًّا] : أَيْ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ، وَمِثْلُ كَوْنِهِ مُوصٍ الْمُكَاتَبُ فِي أَمَتِهِ إذَا طَلَبَ فَضْلًا فِي مَهْرِهَا، بِأَنْ كَانَ يَزِيدُ عَلَى مَا يُجِيزُ عَيْبُ التَّزْوِيجِ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا فِي تَزْوِيجِهَا، وَيُوَكِّلُ حُرًّا مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ، وَإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ مَعَ عَدَمِ تَبْذِيرِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَزْوِيجِهَا فَضْلٌ فَالْأَمْرُ لِسَيِّدِهِ وَتَوْكِيلُهُ بِدُونِ إذْنِهِ بَاطِلٌ، فَلَوْ جَهِلَ الْأَمْرَ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ

عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ عَبْدٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُوَكِّلْ كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَتَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ (فُسِخَ أَبَدًا) قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ. (وَالْبُلُوغُ) عَطْفٌ عَلَى الذُّكُورَةِ فَهُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ صَبِيٍّ. (وَالْعَقْلُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ وَسَكَرَانٍ. (وَالْإِسْلَامُ فِي) الْمَرْأَةِ (الْمُسْلِمَةِ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا كَافِرٌ وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا، وَأَمَّا الْكَافِرَةُ الْكِتَابِيَّةُ يَتَزَوَّجُهَا مُسْلِمٌ فَيَجُوزُ لِأَبِيهَا الْكَافِرِ أَنْ يَعْقِدَ لَهَا عَلَيْهِ. (وَالْخُلُوُّ) أَيْ خُلُوُّ الْوَلِيِّ (مِنْ الْإِحْرَامِ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَالْمُحْرِمُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تُوَلِّي عَقْدِ النِّكَاحِ. وَبَقِيَ شَرْطٌ سَابِعٌ: وَهُوَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ إلَّا أَنَّ عَدَمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQطَلَبَ بِزَوَاجِهَا فَضْلًا أَمْ لَا؟ حَمَلَ عَلَى طَالِبِ الْفَضْلِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ] : أَيْ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ لَكِنْ لَا يَتَأَبَّدُ بِهِ التَّحْرِيمُ وَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا كَافِرٌ] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] . قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ لِأَبِيهَا الْكَافِرِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73] . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُمْنَعُ تَوْلِيَةُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمَةِ وَعَكْسُهُ، فَلَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ وَلِيًّا لِلْكَافِرَةِ إلَّا لِأَمَةٍ لَهُ كَافِرَةٍ فَيُزَوِّجُهَا لِكَافِرٍ فَقَطْ، أَوْ مَعْتُوقَتُهُ الْكَافِرَةُ إنْ أَعْتَقَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَيُزَوِّجُهَا، وَلَوْ لِمُسْلِمٍ حَيْثُ كَانَتْ كِتَابِيَّةً. قَوْلُهُ: [فَالْمُحْرِمُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَصِحُّ] إلَخْ: فَإِنْ عَقَدَ فُسِخَ أَبَدًا وَمِثْلُهُ إحْرَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.

الْإِكْرَاهِ، لَا يَخْتَصُّ بِوَلِيِّ عَقْدِ النِّكَاحِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ. (لَا الْعَدَالَةُ) : فَلَا تُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ إذْ فِسْقُهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْوِلَايَةِ، فَيَتَوَلَّى غَيْرُ الْعَدْلِ عَقْدَ نِكَاحِ ابْنَتِهِ أَوْ ابْنَةِ أَخِيهِ أَوْ مَعْتُوقَتِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهَا عَاصِبُ نَسَبٍ. (وَ) لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ (الرُّشْدُ، فَيُزَوِّجُ السَّفِيهُ ذُو الرَّأْيِ) احْتِرَازًا مِنْ الْمَعْتُوهِ (مُجْبَرَتَهُ) وَغَيْرَهَا بِإِذْنِهَا (بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) اسْتِحْبَابًا لَا شَرْطًا (وَإِلَّا) بِأَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مَثَلًا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ (نَظَرَ الْوَلِيُّ) نَدْبًا لِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَبْقَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ فَهُوَ مَاضٍ. (بِخِلَافِ) السَّفِيهِ (الْمَعْتُوهِ) أَيْ ضَعِيفِ الْعَقْلِ، فَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُ وَيُفْسَخُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمَجْنُونِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ السَّفَهَ لَا يَمْنَعُ الْوِلَايَةَ، وَالْعَتَهُ مَانِعٌ مِنْهَا، فَقَوْلُهُمْ: ذُو الرَّأْيِ، لَيْسَ فِي ذِكْرِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ غَيْرَ السَّفِيهِ فَتَقْيِيدُهُ بِذِي الرَّأْيِ لِإِخْرَاجِ الْمَعْتُوهِ لَا حَاجَةَ لَهُ. (وَ) يُزَوِّجُ (الْكَافِرُ) فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى السَّفِيهِ إلَّا أَنَّ التَّفْرِيعَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ الْعَطْفِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَالْإِسْلَامُ فِي الْمُسْلِمَةِ "، أَيْ إنَّ الْإِسْلَامَ إذَا كَانَ شَرْطًا فِي تَزْوِيجِ الْمُسْلِمَةِ فَقَطْ، فَالْكَافِرُ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الْكَافِرَةَ (لِمُسْلِمٍ) كَمَا أَشَرْنَا لَهُ سَابِقًا بِقَوْلِنَا: " وَأَمَّا الْكَافِرَةُ الْكِتَابِيَّةُ يَتَزَوَّجُهَا مُسْلِمٌ فَيَجُوزُ " إلَخْ. (وَإِنْ زَوَّجَ مُسْلِمٌ) ابْنَتَهُ (الْكَافِرَةَ) مَثَلًا أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا (لِكَافِرٍ، تُرِكَ) : أَيْ لَا نَتَعَرَّضُ لِفَسْخِهِ وَقَدْ ظَلَمَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَا يَخْتَصُّ بِوَلِيٍّ عَقَدَ النِّكَاحَ] : أَيْ وَلَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِهِ هَكَذَا أَجَابَ الشَّارِحُ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا عَدَا الْخُلُوَّ مِنْ الْإِحْرَامِ لَيْسَ خَاصًّا بِالنِّكَاحِ. قَوْلُهُ: [ذُو الرَّأْيِ] : أَيْ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ غَيْرُ السَّفِيهِ] : أَيْ وَلَيْسَ السَّفِيهُ أَعَمُّ كَمَا تُوهِمُ عِبَارَتُهُمْ، فَعَلَى كَلَامِ شَارِحِنَا السَّفِيهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَا رَأْيٍ، وَالْمَعْتُوهُ مُبَايِنٌ لَهُ فَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ السَّفِيهَ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ. قَوْلُهُ: [أَيْ لَا نَتَعَرَّضُ لِفَسْخِهِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا لَوْ

[الركن الثالث من أركان النكاح المحل وشروطه وأحكامه]

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا فَقَدَ الذُّكُورَةَ أَوْ الْحُرِّيَّةَ، كَالْمَالِكَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَالْعَبْدِ الْمُوصَى عَلَى أُنْثَى لَا بُدَّ أَنْ يُوَكِّلَ ذَكَرًا حُرًّا مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ، بَيَّنَ أَنَّهُ يَصِحُّ لِلزَّوْجِ إذَا وَكَّلَ مَنْ يَعْقِدُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ جَمِيعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَحُرٍّ وَرَقِيقٍ وَبَالِغٍ وَصَبِيٍّ وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ بِقَوْلِهِ: (وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ، وَقَوْلُهُ (الْجَمِيعَ) مَفْعُولُهُ، أَيْ جَمِيعَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ بِلَفْظِهَا، لَكِنَّهَا عَامَّةٌ فَتَشْمَلُ الْمُحْرِمَ وَالْمَعْتُوهَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ تَوْكِيلُهُمَا فَاسْتَثْنَاهُمَا بِقَوْلِهِ: (إلَّا الْمُحْرِمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (وَ) إلَّا (الْمَعْتُوهَ) : أَيْ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، فَأَوْلَى الْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ لِلزَّوْجِ تَوْكِيلُهُمَا لِمَانِعٍ الْإِحْرَامِ وَعَدَمِ الْعَقْلِ. (لَا) يَصِحُّ (تَوْكِيلُ وَلِيِّ امْرَأَةٍ) لِمَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا نِيَابَةً عَنْهُ (إلَّا مِثْلَهُ) فِي اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ. [الرُّكْن الثَّالِث مِنْ أَرْكَان النِّكَاح المحل وَشُرُوطه وَأَحْكَامه] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمَحَلُّ وَشُرُوطُهُ وَأَحْكَامُهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَحَلُّ) هُوَ (الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ) مَعًا. وَلَهُ شُرُوطٌ تَكُونُ فِيهِمَا مَعًا، وَشُرُوطٌ تَخُصُّ الزَّوْجَ، وَشُرُوطٌ تَخُصُّ الزَّوْجَةَ. أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَشَرْطُهُمَا) أَيْ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مَعًا أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ نِكَاحِهِمَا: (عَدَمُ الْإِكْرَاهِ) ، فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مُكْرَهٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَقَدَ لِكِتَابِيَّةٍ عَلَى مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ أَبَدًا. [التوكيل فِي النِّكَاح] قَوْلُهُ: [وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجٍ] : أَيْ وَيَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصِّحَّةِ لِأَجْلِ الْإِخْرَاجِ بِقَوْلِهِ: لَا تَوْكِيلُ وَلِيِّ امْرَأَةٍ. قَوْلُهُ: [وَشُرُوطُهُ] : جَمِيعُ تِلْكَ الشُّرُوطِ مِمَّا زَادَهُ عَلَى خَلِيلٍ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا مِنْ شُرَّاحِهِ إلَّا مُفَرَّقَةً فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا. قَوْلُهُ: [تَكُونُ فِيهِمَا مَعًا] : سَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِأَنَّهَا خَمْسَةً. قَوْلُهُ: [تَخُصُّ الزَّوْجَ] : سَيَأْتِي أَنَّهَا اثْنَانِ فَمُرَادُهُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ أَوْ الْمُرَادُ جِنْسُ الشُّرُوطِ. قَوْلُهُ: [تَخُصُّ الزَّوْجَةَ] : سَيَأْتِي أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مُكْرَهٍ] إلَخْ: أَيْ إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ

وَيُفْسَخُ أَبَدًا. (وَ) عَدَمُ (الْمَرَضِ) فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مَرِيضٍ أَوْ مَرِيضَةٍ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْفَسْخِ وَغَيْرِهِ. (وَ) عَدَمُ (الْمَحْرَمِيَّةِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَحْرَمِ. (وَ) عَدَمُ (الْإِشْكَالِ) فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ عَلَى أَنَّهُ زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ. (وَ) عَدَمُ (الْإِحْرَامِ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْ الزَّوْجِ الْمُحْرِمِ وَلَا مِنْ الزَّوْجَةِ الْمُحْرِمَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ الْوَلِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْرِمًا أَيْضًا وَحِينَئِذٍ (فَهُوَ) أَيْ الْإِحْرَامُ (مَانِعٌ) لِلنِّكَاحِ (مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ) : الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَوَلِيِّهَا، لِأَنَّ الشَّرْطَ عَدَمُهُ فِيهِمْ وَضِدُّ الشَّرْطِ مَانِعٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ يَكُونُ بِخَوْفِ مُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ بِمَلَإٍ، أَوْ خَوْفِ قَتْلِ وَلَدٍ أَوْ أَخْذِهِ مَالَهُ مِنْ كُلِّ مَا يُعَدُّ إكْرَاهًا فِي الطَّلَاقِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَيُفْسَخُ أَبَدًا] : أَيْ وَلَوْ أُجِيزَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَاسْتِبْرَاءٍ مِنْ الْمَاءِ الْفَاسِدِ إنْ حَصَلَ دُخُولٌ. قَوْلُهُ: [مِنْ الْفَسْخِ وَغَيْرِهِ] : أَيْ كَالصَّدَاقِ وَالْمِيرَاثِ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا، وَلَا مِيرَاثَ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَسْخِ، وَلِلْمَرِيضَةِ بِالدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ الْمُسَمَّى، وَعَلَى الْمَرِيضِ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْفَسْخِ الْأَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ وَالْمُسَمَّى، وَصَدَاقِ الْمِثْلِ وَلَهَا بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى مِنْ الثُّلُثِ مُبْتَدَأً. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَحْرَمِ] : أَيْ بِالْإِجْمَاعِ وَيُفْسَخُ أَبَدًا وَيُحَدَّانِ إنْ عَلِمَا وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ] : لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ زَوْجًا وَلَا زَوْجَةً وَلَا أَبًا وَلَا أُمًّا وَلَا جَدًّا وَلَا جَدَّةً. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ مِنْ الزَّوْجِ الْمُحْرِمِ] إلَخْ: أَيْ وَيُفْسَخُ أَبَدًا إلَّا فِيمَنْ قَدَّمَ سَعْيَهُ وَأَفَاضَ وَنَسِيَ الرَّكْعَتَيْنِ وَتَزَوَّجَ، فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ فُسِخَ وَإِنْ تَبَاعَدَ جَازَ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَالَ الْقُرْبُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَبْتَدِئَ طَوَافَهُ. قَوْلُهُ: [وَوَلِيُّهَا] : أَيْ الزَّوْجَةِ وَكَذَا وَلِيُّهُ أَيْضًا لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَرْكَانِ انْتَهَى

[شروط الزوج والزوجة]

ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ الزَّوْجُ مِنْ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (وَشَرْطُهُ) : أَيْ الزَّوْجِ (الْإِسْلَامُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ. (وَخُلُوٌّ) لَهُ (مِنْ أَرْبَعٍ) مِنْ الزَّوْجَاتِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ ذِي أَرْبَعٍ نِكَاحٌ. (وَشَرْطُهَا) : أَيْ الزَّوْجَةِ (الْخُلُوُّ) لَهَا (مِنْ زَوْجٍ) فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مُتَزَوِّجَةٍ. (وَ) خُلُوٍّ (مِنْ عِدَّةِ غَيْرِهِ) : فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، وَأَمَّا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ فَيَصِحُّ إذَا لَمْ تَكُنْ مَبْتُوتَةً. (وَ) أَنْ تَكُونَ (غَيْرَ مَجُوسِيَّةٍ) فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا: غَيْرُ الْكِتَابِيَّةِ. (وَ) غَيْرُ (أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ) : فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهَا لِسَيِّدِهَا الْكَافِرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَقْرِيرُ مُؤَلِّفِهِ قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ كَافِرَةً لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ أَنْكِحَتَهُمْ فَاسِدَةٌ، وَإِنَّمَا أُقِرُّوا عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ تَأْلِيفًا لَهُمْ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا إسْلَامُهَا، بَلْ مَتَى كَانَتْ حُرَّةً كِتَابِيَّةً صَحَّ نِكَاحُهَا لِلْمُسْلِمِ. [شُرُوط الزَّوْج وَالزَّوْجَة] قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ مِنْ ذِي أَرْبَعٍ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الْأَرْبَعِ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى غَيْرِهَا حَتَّى يَبِينَهَا، أَوْ تَخْرُجُ مِنْ الْعِدَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] الْآيَةَ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مُتَزَوِّجَةٍ] : أَيْ إلَّا فِي بَعْضِ مَسَائِلَ سَيَأْتِي بَيَانُهَا مِنْهَا: ذَاتُ الْوَلِيَّيْنِ، وَالْمَنْعِيُّ لَهَا زَوْجُهَا فِي الْمَفْقُودِ وَنَحْوِهَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ عَلَى مُتَزَوِّجَةٍ أَوْ مُطَلَّقَةٍ طَلَاقًا رَجْعِيًّا يُفْسَخُ وَلَا يَتَأَبَّدُ بِهِ التَّحْرِيمُ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ] إلَخْ: تَقَدَّمَتْ أَحْكَامُ ذَلِكَ مُفَصَّلَةً. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ] : أَيْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ] : أَيْ وَإِنَّمَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِالْمِلْكِ لَا غَيْرُ. قَوْله: [لِمَا يَلْزَمُ] إلَخْ: ظَاهِرٌ فِي الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا لِكَافِرٍ فَهُوَ مُعَرَّضٌ لِاسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ لِلْكَافِرِ.

[عضل الولي]

فَالشُّرُوطُ إحْدَى عَشْرَةَ: خَمْسَةٌ مِنْهَا عَامَّةٌ فِيهِمَا، وَيَخْتَصُّ الزَّوْجُ بِشَرْطَيْنِ، وَالزَّوْجَةُ بِأَرْبَعَةٍ. وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى كِتْمَانِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ مَبْتُوتَةً لِلزَّوْجِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ مَا يَحْرُمُ جَمْعُهَا مَعَهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ مُفَصَّلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ فَتَارَةً يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ، وَتَارَةً يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ. وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ تَارَةً يُفْسَخُ أَبَدًا وَتَارَةً يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَطْ، وَتَارَةً يُفْسَخُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَطُلْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَعَلَى الْوَلِيِّ) وُجُوبًا (الْإِجَابَةُ لِكُفْءٍ رَضِيَتْ بِهِ) الزَّوْجَةُ الْغَيْرُ الْمُجْبَرَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ] إلَخْ: الْأَوَّلُ مِنْهَا عَامٌّ فِيهِمَا، وَالثَّانِي خَاصٌّ بِالزَّوْجَةِ، وَالثَّالِثُ خَاصٌّ بِالزَّوْجِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الشُّرُوطِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، سِتَّةٌ عَامَّةٌ، وَثَلَاثَةٌ خَاصَّةٌ بِالزَّوْجِ، وَخَمْسَةٌ خَاصَّةٌ بِالزَّوْجَةِ. قَوْلُهُ: [أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى كِتْمَانِهِ] : أَيْ لِمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَفُسِخَ نِكَاحُ السِّرِّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَبَطَلَ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَأَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ مَا يَحْرُمُ جَمْعُهَا] إلَخْ: أَيْ كَالْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ كُلَّ اثْنَتَيْنِ لَوْ قُدِّرَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى حَرُمَ وَطْؤُهَا لَهَا يَحْرُمُ جَمِيعُهُمَا فِي عِصْمَةٍ. قَوْلُهُ: [مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ] : أَيْ كَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ وَالْمَحْرَمِ. قَوْلُهُ: [مُخْتَلِفًا فِيهِ] : أَيْ كَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَالْمَرِيضِ إنْ تَحَصَّلَ صِحَّةٌ. قَوْلُهُ: [يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَطْ] : وَهُوَ كُلُّ نِكَاحٍ فَسَدَ لِصَدَاقِهِ. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَطُلْ] : أَيْ وَهُوَ نِكَاحُ السِّرِّ. قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ] : أَيْ الشُّرُوطِ وَمُحْتَرِزَاتِهَا مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ. [عضل الْوَلِيّ] قَوْلُهُ: [رَضِيَتْ بِهِ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ طَلَبَتْهُ لِلتَّزَوُّجِ بِهِ أَوْ لَمْ تَطْلُبْهُ، بِأَنْ خَطَبَهَا وَرَضِيَتْ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهَا مُتَوَقِّفَةً عَلَى عَقْدِهِ، كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا لَهَا، وَمَفْهُومُ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ أَنَّ الْمُجْبَرَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ لِكُفْئِهَا لِأَنَّهُ يُجْبِرُهَا

(وَإِلَّا) بِأَنْ امْتَنَعَ مِنْ كُفْءٍ رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِهِ (كَانَ عَاضِلًا) بِمُجَرَّدِ الِامْتِنَاعِ، (فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ) إنْ رَفَعَتْ لَهُ بِتَزْوِيجِهَا، (ثُمَّ) - إنْ امْتَنَعَ - (زَوَّجَ) الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِمَنْ بَعْدَ الْعَاضِلِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ. (إلَّا) أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ (لِوَجْهٍ) صَحِيحٍ، فَلَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ وَلَا يَكُونُ الْوَلِيُّ عَاضِلًا. (وَلَا يَعْضُلُ أَبٌ) لِمُجْبَرَةٍ أَيْ لَا يَكُونُ عَاضِلًا (أَوْ وَصِيٌّ) لَهُ بِالْإِجْبَارِ (بِرَدٍّ) لِلْأَزْوَاجِ (مُتَكَرِّرٍ) : لِأَنَّ الْأَبَ الْمُجْبِرَ - وَكَذَا وَصِيُّهُ - أَدْرَى بِأَحْوَالِ الْمُجْبَرَةِ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا، (حَتَّى يَتَحَقَّقَ) ، الْعَضْلُ، فَيَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ حِينَئِذٍ بِتَزْوِيجِهَا، فَإِنْ أَجَابَ؛ وَإِلَّا زَوَّجَ الْحَاكِمُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ. (وَإِنْ وَكَّلَتْهُ) الْمَرْأَةُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَا (مِمَّنْ أَحَبَّ) الْوَكِيلُ، وَأَحَبَّ إنْسَانًا (عَيَّنَ) لَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ وُجُوبًا مَنْ أَحَبَّهُ لَهَا لِاخْتِلَافِ أَغْرَاضِ النِّسَاءِ فِي الرِّجَالِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ لِغَيْرِ كُفْءٍ إلَّا لِمَا فِيهِ ضَرَرٌ كَخَصِيٍّ، وَمَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا لَمْ تَكُنْ كِتَابِيَّةً وَتَدْعُو الْمُسْلِمَ، وَيَمْتَنِعُ وَلِيُّهَا الْكَافِرُ، وَإِلَّا فَلَا تُجَابُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ غَيْرُ كُفْءٍ لَهَا عِنْدَهُمْ، فَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى تَزْوِيجِهَا لَهُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنْ امْتَنَعَ زَوَّجَ الْحَاكِمُ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْوَلِيُّ غَيْرُ الْمُجْبِرِ مِنْ تَزْوِيجِهَا بِالْكُفْءِ الَّذِي رَضِيَتْ بِهِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُهُ عَنْ وَجْهِ امْتِنَاعِهِ، فَإِنْ أَبْدَى وَجْهًا وَرَآهُ صَوَابًا رَدَّهَا إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُبْدِ وَجْهًا صَحِيحًا أَمَرَهُ بِتَزْوِيجِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِلْأَبْعَدِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ: إنَّمَا يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ غَيْرِ الْعَاضِلِ، وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ فَيَنْتَقِلُ الْحَقُّ لَهُ، لِأَنَّ عَضْلَ الْأَقْرَبِ صَيَّرَهُ بِمَنْزِلِهِ الْعَدَمِ، فَيَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِلْأَبْعَدِ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ وَكِيلًا لَهُ إلَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ امْتِنَاعٌ كَمَا لَوْ كَانَ غَائِبًا مَثَلًا، إذَا عَلِمَتْ ذَلِكَ فَمَا قَالَهُ شَارِحُنَا تَابَعَ فِيهِ التَّوْضِيحَ، وَاسْتَصْوَبَهُ بْن وَاسْتَصْوَبَ فِي الْحَاشِيَةِ مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. قَوْلُهُ: [حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْعَضْلُ] : أَيْ وَلَوْ بِمَرَّةٍ. قَوْلُهُ: [عَيَّنَ لَهَا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا.

(وَإِلَّا) يُعَيِّنْ لَهَا وَزَوَّجَهَا مِمَّنْ أَحَبَّ (فَلَهَا الرَّدُّ) أَيْ رَدُّ النِّكَاحِ (وَلَوْ بَعُدَ) مَا بَيْنَ الْعَقْدِ وَاطِّلَاعِهَا عَلَيْهِ، (بِخِلَافِ الزَّوْجِ) يُوَكِّلُ مَنْ يُزَوِّجُهُ مِمَّنْ أَحَبَّ فَزَوَّجَهُ (فَيَلْزَمُهُ) وَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ. فَإِنْ طَلَّقَ لَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ. (وَلَهُ) : أَيْ لِلْوَلِيِّ - وَلَوْ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ - إذَا طَلَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَنْ لَهُ عَلَيْهَا الْوِلَايَةُ (تَزْوِيجُهَا مِنْ نَفْسِهِ إنْ عَيَّنَ) لَهَا أَنَّهُ الزَّوْجُ (وَرَضِيَتْ) بِهِ، وَإِذْنُهَا صَمْتُهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَهَا الرَّدُّ] : أَيْ وَالْإِجَازَةُ وَسَوَاءٌ زَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِيهَا لِابْنِ قَاسِمٍ إنْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ لَزِمَهَا وَمِنْ نَفْسِهِ خُيِّرَتْ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعُدَ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ رَاجِعَةٌ لِلرَّدِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ رَاجِعَةٌ لِلْإِجَازَةِ الَّتِي طَوَاهَا فَقَطْ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيهَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْبُعْدُ جِدًّا، وَقَدْ رَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ إنَّهُ يَتَحَتَّمُ الرَّدُّ فِي حَالَةِ الْبُعْدِ إنَّمَا كَانَ لَهَا الْإِجَازَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي حَالَةِ الْبُعْدِ، لِأَنَّهَا وَكَّلَتْ بِخِلَافِ الْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ تُوَكِّلْ اُشْتُرِطَ قُرْبُ رِضَاهَا وَإِجَازَتِهَا. تَنْبِيهٌ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا وَكَّلَتْهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَا مِمَّنْ أَحَبَّ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ مَا إذَا وَكَّلَتْهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَا مِمَّنْ أَحَبَّتْ، فَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنْهَا لَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا كَالْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا فَيَصِحُّ النِّكَاحُ إنْ قَرُبَ رِضَاهَا بِالْبَلَدِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ حَالَ الْعَقْدَ إلَى آخِرِ الشُّرُوطِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ كَالْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا لِاسْتِنَادِهَا لِمَحَبَّتِهَا لَهُ وَهِيَ خَفِيَّةٌ عَلَى الْوَكِيلِ مَعَ كَوْنِهَا لَمْ تُعَيِّنْهُ. قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُهُ وَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ لَائِقَةٍ بِهِ، وَلَكِنْ قَالَ فِي الْأَصْلِ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَلِيقُ بِهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَرِهَ النِّكَاحَ قَدَرَ عَلَى حَلِّهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِضَيَاعِ الْمَالِ انْتَهَى. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَلِيقُ بِهِ أَنَّهُ إنْ زَوَّجَهُ مَنْ لَا تَلِيقُ بِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَلْزَمُ. قَوْلُهُ: [إنْ عَيَّنَ لَهَا] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْوَكِيلَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ إلَّا بِإِذْنٍ خَاصٍّ، فَلَيْسَ لِمَنْ وُكِّلَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ إلَّا بِتَعْيِينٍ فَالنِّكَاحُ أَوْلَى.

[ذات الوليين في النكاح]

إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ (وَتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ) الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ وَلَهُ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِوَلِيٍّ غَيْرِهِ يَتَوَلَّى مَعَهُ الْعَقْدَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ وَلِيٍّ غَيْرِهِ مَعَهُ. وَأَشَارَ لِتَصْوِيرِ التَّزْوِيجِ لِنَفْسِهِ وَتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ بِقَوْلِهِ: (بِتَزَوَّجْتُكِ بِكَذَا) مِنْ الْمَهْرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى ذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ هَذَا الْمَبْحَثِ مَسْأَلَةُ ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَذِنَتْ) غَيْرُ الْمُجْبَرَةِ فِي تَزْوِيجِهَا (لِوَلِيَّيْنِ) مَعًا أَوْ مُرَتَّبِينَ بِأَنْ قَالَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِتَزَوَّجْتُكِ بِكَذَا] : أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ لِقَوْلِهِ: قَبِلْت نِكَاحَك لِنَفْسِي بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: تَزَوَّجْتُك مُتَضَمِّنٌ لِلْقَبُولِ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَبَهْرَامُ فِي كَبِيرِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ] إلَخْ: أَيْ يَحْضُرَانِ الْعَقْدَ أَوْ يُشْهِدُهُمَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ. تَنْبِيهٌ: إنْ أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الْعَقْدَ بَعْدَ التَّوْكِيلِ بِأَنْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا: لَمْ يَحْصُلْ مِنْك عَقْدٌ، وَقَالَ: بَلْ عَقَدْتُ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ إنْ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ، لِأَنَّهَا مُقَرِّرَةٌ بِالْإِذْنِ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَهَا، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ الزَّوْجُ صُدِّقَتْ، فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ إنْ شَاءَتْ، وَإِنْ تَنَازَعَ الْأَوْلِيَاءُ الْمُتَسَاوُونَ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ بِأَنْ يُرِيدَ كُلٌّ مِنْهُمْ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِ مَا يُرِيدُهُ الْآخَرُ، وَلَمْ تُعَيِّنْ الْمَرْأَةُ وَاحِدًا نَظَرَ الْحَاكِمُ فِيمَنْ يُزَوِّجُهَا لَهُ، وَاَلَّذِي يُبَاشِرُ الْعَقْدَ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ. [ذَات الْوَلِيَّيْنِ فِي النِّكَاح] قَوْلُهُ: [لِوَلِيَّيْنِ] : هَذَا فَرْضُ مِثَالٍ إذْ لَوْ أَذِنَتْ لِأَكْثَرَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ أَذِنَتْ لِوَلِيٍّ وَاحِدٍ فِي أَنْ يُزَوِّجَهَا فَعَقَدَ لَهَا عَلَى اثْنَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِ نِكَاحِ الثَّانِي، وَلَوْ دَخَلَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ شَامِلٌ لِمَا إذَا أَذِنَتْ لَهُمَا مَعًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ يُحْمَلُ هَذَا التَّفْصِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا عَيَّنَ لَهَا الثَّانِيَ كَانَتْ نَاسِيَةً لِلْأَوَّلِ، أَوْ اتَّحَدَ اسْمُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ اعْتَقَدَتْ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّ أَشْهَرَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ لَهَا الزَّوْجَ، وَإِلَّا فَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ عَيَّنَ كُلٌّ مِنْ الْوَلِيَّيْنِ الزَّوْجَ فَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا التَّفْصِيلُ، وَتَكُونُ لِلْأَوَّلِ مُطْلَقًا لِعِلْمِهَا بِالثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ كُلٌّ مِنْهُمَا الزَّوْجَ فَلَهَا الْبَقَاءُ عَلَى مَنْ

وَكَّلْتُك فِي أَنْ تُزَوِّجَنِي أَوْ قَالَتْ لَهُمَا مَعًا: وَكَّلْتُكُمَا فِي تَزْوِيجِي (فَعَقَدَا) لَهَا بِأَنْ عَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى رَجُلٍ مَعَ التَّرْتِيبِ، وَعَلِمَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا وَالثَّانِي أَخَذَا مِمَّا سَيَأْتِي (فَلِلْأَوَّلِ) مِنْهُمَا يَقْضِي لَهُ بِهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي الْإِذْنِ لَهُ دُونَ الثَّانِي فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ذَاتَ زَوْجٍ. وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لِلْأَوَّلِ (إنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ بِهَا الثَّانِي) حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ عَالِمٍ) بِعَقْدِ غَيْرِهِ عَلَيْهَا قَبْلَهُ، وَهَذَا صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ الثَّانِي تَلَذُّذٌ أَصْلًا أَوْ حَصَلَ مِنْهُ تَلَذُّذٌ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ ثَانٍ؛ تَكُونُ لِلْأَوَّلِ فِيهِمَا، وَيُفْسَخُ الثَّانِي بِلَا طَلَاقٍ. (وَإِلَّا؛ بِأَنْ تَلَذَّذَ الثَّانِي بِوَطْءٍ) أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ بِلَا عِلْمٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ ثَانٍ، (فَهِيَ لَهُ) : أَيْ لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لِلثَّانِي: (إنْ لَمْ يَكُنْ) عَقْدُهُ عَلَيْهَا، (فِي عِدَّةِ وَفَاةِ الْأَوَّلِ) بِأَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، (وَلَمْ يَتَلَذَّذْ بِهَا الْأَوَّلُ قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ تَلَذُّذِ الثَّانِي ـــــــــــــــــــــــــــــQاخْتَارَتْ الْبَقَاءَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَتَدَبَّرْهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَعْقِدَا لَهَا بِزَمَنَيْنِ وَيُعْلَمَ السَّابِقُ أَوْ يُجْهَلَ، أَوْ بِزَمَنٍ وَاحِدٍ، فَفِي الْأَوَّلِ تَكُونُ لِلْأَوَّلِ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَيُفْسَخُ نِكَاحُ الِاثْنَيْنِ مَعًا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ] : أَيْ لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ. قَوْلُهُ: [بِلَا طَلَاقٍ] : وَقَالَ الْقُورِيُّ: بِطَلَاقٍ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْقُورِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَيْهِ فَلَا حَدَّ بِدُخُولِهِ عَالِمًا بِالْأَوَّلِ كَمَا فِي الْمِعْيَارِ انْتَهَى. قَوْلُهُ: [تَلَذَّذَ] : الْمُرَادُ بِالتَّلَذُّذِ إرْخَاءُ السُّتُورِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ مُقَدِّمَاتٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ، خِلَافًا لِلشَّارِحِ التَّابِعِ لِلْخَرَشِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ لِلثَّانِي] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ طَلَّقَهَا، وَيَلْزَمُهُ مَا أَوْقَعَهُ مِنْ الطَّلَاقِ وَيُفْسَخُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ بِطَلَاقٍ، لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: لَا تَفُوتُ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَالٍ. قَوْلُهُ: [فِي عِدَّةِ وَفَاةِ الْأَوَّلِ] : بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ لَا لِلِاحْتِرَازِ، إذْ لَا تَكُونُ الْعِدَّةُ هُنَا إلَّا مِنْ وَفَاةٍ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْوَاقِعَ مِنْ الْأَوَّلِ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْأَوَّلِ بِهَا وَتَكُونُ لِلثَّانِي فَتَأَمَّلْ.

فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ كَانَتْ لِلْأَوَّلِ جَزْمًا فَتُرَدُّ لِعِدَّتِهَا مِنْهُ وَتَرِثُهُ، وَتَأْخُذُ الصَّدَاقَ. وَكَذَا إنْ ثَبَتَ تَلَذُّذُ الْأَوَّلِ بِهَا قَبْلَ تَلَذُّذِ الثَّانِي كَانَتْ لِلْأَوَّلِ بِلَا رَيْبٍ، سَوَاءٌ مَاتَ أَوْ كَانَ حَيًّا. فَتَحَصَّلَ أَنَّ شُرُوطَ كَوْنِهَا لِلثَّانِي ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهُ ثَانٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عَقْدُ الثَّانِي فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَأَنْ لَا يَسْبِقَهُ الْأَوَّلُ بِالتَّلَذُّذِ بِهَا، وَقَوْلُنَا: " عَقَدَ عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ " قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَا إنْ عَقَدَ عَلَيْهَا فِي حَيَاةِ الْأَوَّلِ وَدَخَلَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ فِي عِدَّتِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَلَوْ تَقَدَّمَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَظْهَرِ "، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُقَرُّ الثَّانِي عَلَى نِكَاحِهَا، ثُمَّ إنْ حَصَلَ الْعَقْدُ فِي الْعِدَّةِ وَتَلَذُّذُ الثَّانِي بِهَا فِيهَا، أَوْ حَصَلَ مِنْهُ وَطْءٌ وَلَوْ بَعْدَهَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ قَبْلَهَا وَتَلَذَّذَ بِهَا فِيهَا فَعَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا دُونَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. (وَفُسِخَ) نِكَاحُهُمَا مَعًا (بِلَا طَلَاقٍ إنْ عَقَدَا بِزَمَنٍ) وَاحِدٍ تَحْقِيقًا أَوْ شَكَّا دَخَلَا أَحَدُهُمَا أَوَّلًا، (كَنِكَاحِ الثَّانِي) تَشْبِيهٌ فِي الْفَسْخِ بِلَا طَلَاقٍ: أَيْ كَمَا يُفْسَخُ نِكَاحُ الثَّانِي بِلَا طَلَاقٍ، (بِبَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ (عَلَى إقْرَارِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ) بِهَا (أَنَّهُ ثَانٍ) : أَيْ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الثَّانِي أَنَّهُ قَبْلَ دُخُولِهِ عَلَيْهَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ ثَانٍ؛ فَإِنَّ نِكَاحَهُ يُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ وَتَكُونُ لِلْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ تَلَذَّذَ بِهَا عَالِمًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَتَرِثُهُ] إلَخْ: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ ضَرْبِ الْأَجَلِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَيَدْخُلُ بِهَا زَوْجُهَا فَيَنْكَشِفُ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ وَفَاةِ الْمَفْقُودِ وَدَخَلَ بِهَا فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ جَزَمُوا بِتَأْبِيدِ حُرْمَتِهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ فَتَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ وَفَاةِ الْأَوَّلِ فَتَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ نَظَرًا لِوُقُوعِ الْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ، لَا عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ زَوْجٍ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [كَنِكَاحِ الثَّانِي] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إنَّهَا لِلثَّانِي وَلَوْ مَعَ عِلْمِهِ بِالْأَوَّلِ فَقَضِيَّةُ

(لَا) إنْ أَقَرَّ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا عَالِمًا بِأَنَّهُ ثَانٍ، (فَبِطَلَاقٍ) : أَيْ فَيُفْسَخُ بِطَلَاقٍ (كَجَهْلِ الزَّمَنِ) مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِمَا فِي زَمَنَيْنِ وَجَهِلَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا فَيُفْسَخُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِطَلَاقٍ إنْ لَمْ يَدْخُلَا، أَوْ دَخَلَا مَعًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا فِي الدُّخُولِ أَيْضًا. فَإِنْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فَهِيَ لَهُ، كَمَا لَوْ دَخَلَا وَعُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ. وَلَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ الْأَحَقُّ بِهَا لِسَبْقِيَّةِ نِكَاحِهِ لِلْآخَرِ، تَسَاقَطَا لِتَعَارُضِهِمَا، وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلُ مِنْ الْأُخْرَى. (وَأَعْدَلِيَّةُ) بَيِّنَتَيْنِ (مُتَنَاقِضَتَيْنِ) مُلْغَاةٌ هُنَا أَيْ فِي النِّكَاحِ (وَإِنْ صَدَّقَتْهَا هِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ لِتَنْزِيلِ الزِّيَادَةِ مَنْزِلَةَ شَاهِدٍ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي النِّكَاحِ، بِخِلَافِ ـــــــــــــــــــــــــــــQذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ بِطَلَاقٍ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ أَقَرَّ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَتَحْتَهُ صُورَتَانِ: الْأُولَى أَنْ يُقِرَّ فَيَقُولَ عَقَدْت وَأَنَا عَالِمٌ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ دَخَلْت، الثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ دَخَلْت وَأَنَا عَالِمٌ بِالْأَوَّلِ، وَحُكْمُهَا وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: [فَيُفْسَخُ بِطَلَاقٍ] : أَيْ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ فِي دَعْوَاهُ الْعِلْمَ بِالْأَوَّلِ وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ كَامِلًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى كُلٌّ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي أَوْ الزَّوْجَةِ أَوْ الْوَلِيِّ بَعْدَ التَّلَذُّذِ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ بِأَنَّهُ ثَانٍ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، وَتَكُونُ لِلْأَوَّلِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الزَّوْجَةِ أَوْ الْوَلِيِّ فَلَا أَثَرَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ فَيُفْسَخُ نِكَاحُ كُلٍّ بِطَلَاقٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِاحْتِمَالِ كَذِبِ الثَّانِي، وَأَمَّا الثَّانِي فَعَمَلًا بِإِقْرَارِهِ. قَوْلُهُ: [مَعَ الْعِلْمِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مَعَ اتِّحَادِ زَمَنِهِمَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: " إنْ عَقَدَا بِزَمَنٍ " فَالْفَسْخُ لِلنِّكَاحَيْنِ بِلَا طَلَاقٍ. قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَدْخُلَا] إلَخْ: هَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الشَّيْخِ سَالِمٍ وَ (شب) وَ (ح) ، خِلَافًا لِ (عب) مِنْ فَسْخِ النِّكَاحَيْنِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ مِنْ الْأُخْرَى] : أَيْ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَالَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ الْآتِيَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ هُنَا. وَقَوْلُهُ: [وَإِنْ صَدَّقَتْهَا هِيَ] : رَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ قَوْلَ أَشْهَبَ مِنْ اعْتِبَارِهَا إذَا

[نكاح السر]

غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ وَالْوَلَاءِ. (وَفُسِخَ نِكَاحُ السِّرِّ) : أَيْ الِاسْتِكْتَامُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: نِكَاحُ السِّرِّ بَاطِلٌ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ مَا أُمِرَ الشُّهُودُ حِينَ الْعَقْدِ بِكَتْمِهِ (اهـ.) (إنْ لَمْ يَدْخُلْ) الزَّوْجُ. (وَبَطَلَ) صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ طَالَ أَمْ لَا، وَبِمَا إذَا دَخَلَ وَلَمْ يَطُلْ فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَدَّقَتْهَا الْمَرْأَةُ، وَإِنَّمَا أُلْغِيَتْ زِيَادَةُ الْعَدَالَةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَاهِدٍ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي النِّكَاحِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ لِتَنَاقُضِهِمَا وَعَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُرَجِّحِ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَيِّدُ مَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُرَجِّحَاتِ بِغَيْرِ النِّكَاحِ. تَنْبِيهٌ: إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَجُهِلَ الْأَحَقُّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَالْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا إرْثَ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الصَّدَاقِ مَا زَادَ عَلَى إرْثِهِ، عَلَى فَرْضِ لَوْ وَرِثَ، وَقِيلَ يَشْتَرِكَانِ فِي نَصِيبِ زَوْجٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى كُلٍّ الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَأَمَّا إنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ فَلَا إرْثَ وَلَا صَدَاقَ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ، وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ إنْ كَانَ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ لَا بِغَيْرِهِ فَتَسْتَبْرِئُ بِالدُّخُولِ حَصَلَ مَوْتٌ أَمْ لَا كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ. [نِكَاحُ السِّرِّ] قَوْلُهُ: [وَفُسِخَ نِكَاحُ السِّرِّ] إلَخْ: مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ خَوْفِ ظَالِمٍ أَوْ سَاحِرٍ وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فَسْخَ. قَوْلُهُ: [وَالْمَشْهُورُ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ فِي نِكَاحِ السِّرِّ طَرِيقَتَيْنِ: طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ تَقُولُ: اسْتِكْتَامُ غَيْرِ الشُّهُودِ نِكَاحُ سِرٍّ أَيْضًا، كَمَا لَوْ تَوَاصَى الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ عَلَى كَتْمِهِ وَلَمْ يُوصُوا الشُّهُودَ بِذَلِكَ وَرَجَّحَهَا الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ و (بْن) ، وَطَرِيقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَرَجَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِ (ح) : أَنَّ نِكَاحَ السِّرِّ مَا أُوصِيَ الشُّهُودُ عَلَى كَتْمِهِ، أُوصِيَ غَيْرُهُمْ أَيْضًا عَلَى كَتْمِهِ أَمْ لَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي الزَّوْجَ انْضَمَّ لَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ كَالزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [حِينَ الْعَقْدِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الْإِيصَاءُ بَعْدَهُ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ. قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَبَطَلَ] : أَيْ فَفِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ جَوَازَهُ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.

طَالَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يُفْسَخْ. وَالطُّولُ فِيهِ (بِالْعُرْفِ) لَا بِوِلَادَةٍ الْأَوْلَادِ كَمَا فِي الْيَتِيمَةِ، وَكَمَا فِي الشَّرِيفَةِ يُزَوِّجُهَا وَلِيٌّ عَامٌّ مَعَ وُجُودِ خَاصٍّ لَمْ يُجْبِرْ، وَالْعُرْفُ بِاشْتِهَارِهِ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ. (وَهُوَ مَا أَوْصَى الزَّوْجُ فِيهِ الشُّهُودَ بِكَتْمِهِ) وَأَوْلَى: إنْ تَوَافَقَ مَعَهُ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجَةُ، بَلْ نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ: إنْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى كَتْمِهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ فَهُوَ نِكَاحُ سِرٍّ، وَالْإِيصَاءُ بِالْكَتْمِ عَنْ جَمَاعَةٍ أَوْ عَنْ رَجُلٍ، بَلْ (وَإِنْ) أَوْصَى بِكَتْمِهِ (مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ أَيَّامًا) مُعَيَّنَةٍ كَثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الْيَوْمَانِ كَالْأَيَّامِ. (وَعُوقِبَا) أَيْ الزَّوْجَانِ إذَا تَوَاطَآ عَلَى الْكَتْمِ (وَالشُّهُودُ) يُعَاقَبَانِ مَا لَمْ يَجْهَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُعَاقَبُ الشَّاهِدَانِ إنْ جَهِلَا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يُعَاقَبُ عَامِدٌ فَعَلَهُ مِنْهُمْ (إنْ دَخَلَا) ، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [لَمْ يُفْسَخْ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ: يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَلَوْ طَالَ. قَوْلُهُ: [كَمَا فِي الْيَتِيمَةِ] إلَخْ: رَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ فَإِنَّ الْيَتِيمَةَ وَمَنْ مَعَهَا الطُّولُ فِيهِمَا بِوِلَادَةِ الْأَوْلَادِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [فَهُوَ نِكَاحُ سِرٍّ] : أَيْ فَعَلَى طَرِيقَةِ الْبَاجِيِّ يُفْسَخُ النِّكَاحُ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَيَطُلْ حَيْثُ تَوَافَقَ الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ عَلَى الْكَتْمِ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ الشُّهُودُ بِالْكَتْمِ. قَوْلُهُ: [مِنْ امْرَأَةٍ] : ظَاهِرُهُ امْرَأَةُ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرُهَا وَهُوَ مَا حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ تَخْصِيصُهُ بِامْرَأَةِ الزَّوْجِ. قَوْلُهُ: [وَقَالَ اللَّخْمِيُّ] إلَخْ: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ. قَوْلُهُ: [وَالشُّهُودَ] : الْأَرْجَحُ فِيهِ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ لِضَعْفِ الْعَطْفِ هُنَا، لِأَنَّ فِيهِ الْعَطْفَ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ. قَوْلُهُ: [لَا يُعَاقَبُ الشَّاهِدَانِ إنْ جَهِلَا] : أَيْ وَمِثْلُهُمَا الزَّوْجَانِ، وَمَحَلُّ مُعَاقَبَةِ الزَّوْجَيْنِ إنْ لَمْ يُعْذَرَا بِالْجَهْلِ إنْ كَانَا غَيْرَ مُجْبَرَيْنِ، أَمَّا إنْ كَانَا مُجْبَرَيْنِ فَاَلَّذِي يُعَاقَبُ وَلِيُّهُمَا إنْ لَمْ يُعْذَرَا بِالْجَهْلِ.

[أقسام النكاح الفاسد بالنسبة لفسخه]

ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ فَلَا عِقَابَ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ، وَعُلِمَ مِنْ هُنَا أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ عَدَمَ التَّوَاطُؤِ عَلَى كَتْمِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ بِالنِّسْبَةِ لِفَسْخِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَطُلْ؛ وَذَلِكَ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: مَسْأَلَةِ الصَّغِيرَةِ الْيَتِيمَةِ إذَا زُوِّجَتْ مَعَ فَقْدِ شُرُوطِهَا، وَمَسْأَلَةِ الشَّرِيفَةِ تُزَوَّجُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ خَاصٍّ غَيْرِ مُجْبِرٍ، وَمَسْأَلَةِ نِكَاحِ السِّرِّ لَكِنَّ الطُّولَ فِيهَا غَيْرُهُ فِيهَا وَتَقَدَّمَ. الْقَسَمُ الثَّانِي: مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ. الثَّالِثُ: مَا يُفْسَخُ أَبَدًا وَهُوَ الْأَصْلُ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرِينَ فَقَالَ: (وَ) فُسِخَ النِّكَاحُ (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ (فَقَطْ) لَا بَعْدَهُ إنْ تَزَوَّجَهَا (عَلَى) شَرْطِ (أَنْ لَا تَأْتِيَهُ) الزَّوْجَةُ، أَوْ أَنْ لَا يَأْتِيهَا هُوَ (إلَّا نَهَارًا) فَقَطْ، (أَوْ لَيْلًا) فَقَطْ، لِأَنَّهُ مِمَّا يُنَاقِضُ مُقْتَضَى النِّكَاحِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْخَلَلِ فِي الصَّدَاقِ، وَلِذَا كَانَ يَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ لِأَنَّ الصَّدَاقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الشَّرْطِ. (أَوْ) وَقَعَ النِّكَاحُ (بِخِيَارٍ) يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ (لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ أَوَّلهمَا مَعًا (أَوْ غَيْرٍ) أَجْنَبِيٍّ لِيَتَرَوَّى فِي ذَلِكَ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِالْمُسَمَّى إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَبِصَدَاقِ الْمِثْلِ (إلَّا خِيَارَ الْمَجْلِسِ) فَلَا يُفْسَخُ لِجَوَازِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهِ دُونَ الْبَيْعِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ] : أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي إنَّ الْمُعَاقَبَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَسْخٌ بِأَنْ طَالَ الزَّمَنُ. قَوْلُهُ: [وَعُلِمَ مِنْ هُنَا] : أَيْ فَلِذَلِكَ عَدَّهُ فِي الشُّرُوطِ فِيمَا تَقَدَّمَ. [أَقْسَام النِّكَاح الْفَاسِد بِالنِّسْبَةِ لفسخه] [الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّل وَالثَّانِي مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَطُلْ وَفُسِخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَطْ] قَوْلُهُ: [وَلِذَا كَانَ يَثْبُتُ بَعْدَهُ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُفْسَخُ وَلَوْ دَخَلَ. قَوْلُهُ: [بِصَدَاقِ الْمِثْلِ] : أَيْ لَا بِالْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لِعَقْدِهِ، وَقَوْلُهُمْ: فِي الْقَاعِدَةِ إنَّ مَا فَسَدَ لِعَقْدِهِ يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى مَحَلُّهُ مَا لَمْ يُؤْثِرْ خَلَلًا فِي الصَّدَاقِ كَمَا هُنَا، وَإِلَّا مَضَى بِصَدَاقِ الْمِثْلِ كَالْفَاسِدِ لِصَدَاقِهِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [إلَّا خِيَارَ الْمَجْلِسِ] إلَخْ: فَإِنَّهُ هُنَا جَائِزٌ إذَا اُشْتُرِطَ، وَإِنْ بَحَثَ

(أَوْ) وَقَعَ (عَلَى) شَرْطِ أَنَّهُ (إنْ لَمْ يَأْتِ بِالصَّدَاقِ لِكَذَا) أَيْ لِوَقْتِ كَذَا (فَلَا نِكَاحَ) بَيْنَنَا؛ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَطْ (إنْ جَاءَ بِهِ) فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فُسِخَ أَبَدًا. (وَوَجْهُ الشِّغَارِ) : فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ: مَا وَقَعَ عَلَى أَنْ: تُزَوِّجُنِي بِنْتَك مَثَلًا بِكَذَا عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك بِنْتِي بِكَذَا. (كَكُلِّ مَا) أَيْ نِكَاحٍ (فَسَدَ لِصَدَاقِهِ) : أَيْ لِخَلَلٍ فِيهِ، كَكَوْنِهِ لَا يُمْلَكُ شَرْعًا كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ. أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ. أَوْ مَجْهُولًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَقَطْ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا يَأْتِي. وَكُلُّ مَا (وَقَعَ عَلَى شَرْطٍ يُنَاقِضُ) الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ؛ (كَأَنْ) وَقَعَ عَلَى شَرْطِ أَنْ (لَا يَقْسِمُ) بَيْنَهَا وَبَيْنَ ضَرَّتِهَا فِي الْمَبِيتِ. (أَوْ) عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ فِي الْبَيْعِ يُفْسِدُهُ فَأَوْلَى النِّكَاحُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ فَتُسُومِحَ فِيهِ مَا لَمْ يُتَسَامَحْ فِي غَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: لَا إرْثَ فِي النِّكَاحِ بِخِيَارٍ إذَا حَصَلَ الْمَوْتُ قَبْلَ الدُّخُولِ، بِخِلَافِ الْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَرِثُهُ وَإِنْ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ، لِأَنَّ الْخِيَارَ لَهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَا مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَمَا هُنَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ. قَوْلُهُ: [إنْ جَاءَ بِهِ] : أَيْ وَأَمَّا إنْ وَهِبَته لَهُ وَقَبِلَهُ فَاسْتَظْهَرَ فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّهُ حُكْمُ مَا إذَا أَتَى بِهِ فِي التَّفْصِيلِ قَوْلُهُ: [يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ] : أَيْ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِيهِ. وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَاقِضُ لِلْمَقْصُودِ فِيهِ صَدَاقَ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ، لِأَنَّهُ تَارَةً يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْمَهْرِ. وَتَارَةً يَقْتَضِي النَّقْصَ، فَفِيهِ خَلَلٌ فِي الْمَهْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَاحْتُرِزَ بِالشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ لِلْمَقْصُودِ عَنْ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ فَلَا يُنَافِيهِ كَأَنْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا أَوْ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ مَكَانِ كَذَا أَوْ مِنْ بَلَدِهَا فَلَا يُفْسَخُ قَبْلَ وَلَا بَعْدَ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ مَا لَمْ يَكُنْ الْتَزَمَهَا لَهَا فِي يَمِينٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ. وَعَنْ الْجَائِزِ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَإِجْرَاءِ النَّفَقَةِ، فَإِنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ. قَوْلُهُ: [كَأَنْ وَقَعَ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَقْسِمَ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ

[القسم الثالث فسخ مطلقا قبل الدخول وبعده وإن طال]

شَرْطِ أَنْ (يُؤْثِرَ عَلَيْهَا) ضَرَّتَهَا بِأَنْ يَجْعَلَ لِضَرَّتِهَا جُمُعَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ تَسْتَقِلُّ بِهَا عَنْهَا. (أَوْ) شَرَطَتْ (أَنَّ نَفَقَةَ) زَوْجِهَا (الْمَحْجُورِ) لِصِغَرِهِ أَوْ لِرِقِّهِ؛ أَيْ شَرَطَتْ عِنْدَ تَزْوِيجِهَا بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَنَّ نَفَقَتَهَا تَكُونُ (عَلَى وَلِيِّهِ) أَبِيهِ أَوْ سَيِّدِهِ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ مُنَاقِضٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا، فَشَرْطُ خِلَافِهِ مُضِرٌّ. (أَوْ عَلَيْهَا) : أَيْ شَرَطَ الزَّوْجُ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ شَرْطٌ مُخِلٌّ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَبِيهَا أَوْ عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا مَتَى أَحَبَّتْ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْجَمِيعِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ. (وَأُلْغِيَ) الشَّرْطُ الْمُنَاقِضُ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وَأَشَارَ لِلْقِسْمِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (وَ) (فُسِخَ مُطْلَقًا) قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ (فِي غَيْرِ مَا مَرَّ) مِنْ الْقِسْمَيْنِ؛ كَمَا لَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ اخْتَلَّ رُكْنُ كَمَا لَوْ زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ، أَوْ لَمْ تَقَعْ الصِّيغَةُ بِقَوْلٍ بَلْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إشَارَةٍ، أَوْ بِقَوْلٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا، وَأَوْلَى إنْ لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَّا بِالِاشْتِرَاطِ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَأَمَّا إنْ حَصَلَ مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ الْعَقْدِ وَهِيَ فِي الْعِصْمَةِ فَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، فَلَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا فِي الْقِسْمَةِ، وَلَهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَوْلَادِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَأَبِيهَا وَمَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ لَا تَضُرُّ. قَوْلُهُ: [وَأُلْغِيَ الشَّرْطُ الْمُنَاقِضُ] : أَيْ لِأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ فَهُوَ لَاغٍ وَبَاطِلٌ. [الْقِسْمِ الثَّالِثِ فُسِخَ مُطْلَقًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ] قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْوَلِيِّ] : إلَخْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ اخْتِلَالِ بَعْضِ شُرُوطِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ اتِّفَاقَ الزَّوْجَيْنِ مَعَ الشُّهُودِ عَلَى الْكَتْمِ لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ فِيهِ أَبَدًا بَلْ إذَا لَمْ يَدْخُلْ وَيَطُلْ، وَقَدْ يُقَالُ اتَّكَلَ فِي هَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [بَلْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إشَارَةٍ] : أَيْ لِغَيْرِ الْأَخْرَسِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَكْفِي. قَوْلُهُ: [أَوْ بِقَوْلِ غَيْرٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا] : أَيْ بِصِيغَةٍ لَيْسَ فِيهَا زَوَّجْت وَلَا أَنْكَحْت وَلَا وَهَبْت مَقْرُونًا بِصَدَاقٍ، وَلَا مَا يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، كَمَا إذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ أَوْ الْحَبْسِ مَثَلًا:

[فسخ النكاح بالطلاق وغيره]

تَقَعْ أَصْلًا كَالْمُعَاطَاةِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ شُهُودٌ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ وَقَعَ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِفَاسِقَيْنِ. وَ (كَالنِّكَاحِ لِأَجْلٍ) : وَهُوَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ عُيِّنَ الْأَجَلُ أَمْ لَا، وَيُعَاقَبُ فِيهِ الزَّوْجَانِ وَلَا يُحَدَّانِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ، وَالْمُضِرُّ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا، وَأَمَّا لَوْ أَضْمَرَ الزَّوْجُ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَا دَامَ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ أَوْ مُدَّةَ سَنَةٍ ثُمَّ يُفَارِقُهَا فَلَا يَضُرُّ، وَلَوْ فَهِمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ. وَلَمَّا دَخَلَ فِي غَيْرِ مَا مَرَّ النِّكَاحُ فِي الْمَرَضِ وَكَانَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ اسْتَثْنَاهُ بِقَوْلِهِ: (إلَّا) النِّكَاحَ (بِمَرَضٍ) مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ (فَ) يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ، لَكِنْ (لِلصِّحَّةِ) ، فَإِنْ صَحَّ الْمَرِيضُ لَمْ يُفْسَخْ. ثُمَّ الْفَسْخُ تَارَةً يَكُونُ بِطَلَاقٍ وَتَارَةً بِغَيْرِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كُلٍّ أَحْكَامٌ أَشَارَ لِذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (طَلَاقٌ) ، فَإِنْ أَعَادَ الْعَقْدَ بَعْدَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [عُيِّنَ الْأَجَلُ أَمْ لَا] : فَمِثَالُ تَعْيِينِ الْأَجَلِ كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي بِنْتَك عَشْرَ سِنِينَ بِكَذَا، وَعَدَمُ تَعْيِينِهِ كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي بِنْتَك مُدَّةَ إقَامَتِي فِي هَذَا الْبَلَدِ فَإِذَا سَافَرَتْ فَارَقْتهَا. قَوْلُهُ: [وَيُعَاقَبُ فِيهِ الزَّوْجَانِ] إلَخْ: أَيْ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ. قَوْلُهُ: [وَيُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى مَنْعِهِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ وَفِيهِ الْمُسَمَّى إنْ دَخَلَا، لِأَنَّ فَسَادَهُ لِعَقْدِهِ، وَقِيلَ صَدَاقُ الْمِثْلِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَجَلِ أَثَّرَ خَلَلًا فِي الصَّدَاقِ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلَ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ أَضْمَرَ] إلَخْ: قَالَ بَعْضُهُمْ وَهِيَ فَائِدَةٌ تَنْفَعُ الْمُتَغَرِّبَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا أَجَّلَهُ بِأَجَلٍ لَا يَبْلُغُهُ عُمْرُهُمَا كَمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ يَنْفَسِخُ لِأَنَّهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَقِيلَ لَا كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلُ لِابْنِ عَرَفَةَ وَالثَّانِي لِأَبِي الْحَسَنِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ فَهِمَتْ] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ اقْتِصَارِ الْأُجْهُورِيِّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ أَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ تَفْهَمْهُ الْمَرْأَةُ وَلَا وَلِيُّهَا فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا. [فَسْخ النِّكَاح بِالطَّلَاقِ وَغَيْره] قَوْلُهُ: [طَلَاقٌ] : أَيْ بَائِنٌ سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ الْحَاكِمُ أَوْ الزَّوْجُ لَفَظَ فِيهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ لَا.

صَحِيحًا كَانَتْ مَعَهُ بِطَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ أَعَادَهُ صَحِيحًا قَبْلَهُ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَعَادَهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ غَيْرِهِ: (إنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ) بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ فِي مَذْهَبٍ انْقَرَضَ كَغَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَوْ أُجْمِعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً؛ كَالشِّغَارِ فَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِجَوَازِهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ بِصِحَّتِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ. وَمَا ذَكَرَهُ إشَارَةً إلَى قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ وَهِيَ: كُلُّ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ (كَشِغَارٍ) أَيْ صَرِيحِهِ يُفْسَخُ أَبَدًا بِطَلَاقٍ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، (وَإِنْكَاحِ) وَلِيٍّ فَقَدَ شَرْطًا مِمَّا تَقَدَّمَ (كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ) وَالْمُحْرِمِ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِ امْرَأَةٍ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ أَبَدًا بِطَلَاقٍ. وَأَشَارَ إلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ: أَنَّ كُلَّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَالتَّحْرِيمُ بِهِ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ كَالصَّحِيحِ، بِقَوْلِهِ: (وَالتَّحْرِيمُ بِهِ) : أَيْ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ (كَالصَّحِيحِ) أَيْ كَالتَّحْرِيمِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ يُحَرِّمُهَا عَلَى أُصُولِهِ وَفُصُولِهِ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِ أُصُولَهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ لَا فُصُولَهَا، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمَّهَاتِ لَا يُحَرِّمُ الْبَنَاتَ، فَإِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ الْبِنْتُ أَيْضًا، (وَفِيهِ) : أَيْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (الْإِرْثُ) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَسْخِ، وَهَذَا إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ ثَالِثَةٍ يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ: كُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِرْثِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [اسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ] : أَيْ فَالْعِصْمَةُ كَامِلَةٌ. قَوْلُهُ: [فَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ] : أَيْ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ كَالصَّحِيحِ فَيُعْطَى حُكْمُهُ. قَوْلُهُ: [لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ] : أَيْ فَإِنَّهُ قِيلَ بِصِحَّتِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ. قَوْلُهُ: [كَالْعَبْدِ] : اعْتَرَضَ التَّمْثِيلَ بِهِ بِقَوْلِ التَّوْضِيحِ لَا أَعْلَمُ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ كَوْنِ الْعَبْدِ وَلِيًّا وَقَالَ أَيْضًا فِي نَقْلِهِ عَنْ أَصْبَغَ: وَلَا مِيرَاثَ فِي النِّكَاحِ الَّذِي تَوَلَّى الْعَبْدُ عُقْدَتَهُ، وَإِنْ فُسِخَ بِطَلْقَةٍ لِضَعْفِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ (اهـ) . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِصِحَّةِ عَقْدِهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَوْلِيَةُ الْعَبْدِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَعَقْدُ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمَّهَاتِ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ مُتَّفَقًا عَلَى صِحَّتِهِ.

وَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ. وَاسْتَثْنَى مِنْ ثُبُوتِ الْإِرْثِ مَسْأَلَةَ الْمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ) ، فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا إرْثَ فِيهِ، سَوَاءٌ مَاتَ الْمَرِيضُ أَوْ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ عِلَّةَ فَسَادِهِ إدْخَالُ وَارِثٍ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. (بِخِلَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ) فَفَسْخُهُ بِلَا طَلَاقٍ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَلَا يَحْتَاجُ الْفَسْخُ فِيهِ لِحُكْمٍ لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ مِنْ أَصْلِهِ، بِخِلَافِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ حَيْثُ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ فَسْخِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ الْفَسْخُ فِيهِ لِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْفَسْخِ وَقَبْلَ رِضَا الزَّوْجِ بِفَسْخِهِ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ، لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى ذَات زَوْجٍ وَلَا إرْثَ فِيهِ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ فَسْخِهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ بِوَجْهٍ (كَالْخَامِسَةِ) : فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى فَسَادِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِيَّةِ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَوْلَى أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ وَأُمٍّ زَوْجَتُهُ وَمَبْتُوتَةُ قَبْلَ الزَّوْجِ. (وَالتَّحْرِيمُ فِيهِ) ، أَيْ فِي الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ عَلَى أُصُولِ زَوْجَتِهِ وَفُرُوعِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ] : أَيْ فَقَطْ خِلَافًا لِأَصْبَغَ فَإِنَّهُ جَعَلَ نِكَاحَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: [فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا عَقْدُهُ هُوَ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَتَكُونُ بِعِصْمَةٍ كَامِلَةٍ فَلِذَلِكَ كَانَ طَلَبُ الْفَسْخِ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ عَقْدِ الْغَيْرِ وَانْقِطَاعِ حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [وَلَا إرْثَ فِيهِ] : مِنْ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِيَّةِ] : أَيْ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ لِلرَّجُلِ تِسْعًا مُسْتَدِلِّينَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] الْآيَةَ جَاعِلِينَ الْوَاوَ عَلَى بَابِهَا. قَوْلُهُ: [لِخُرُوجِهِمْ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ] : أَيْ لِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى أَوْ. قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ] : أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ فُصُولُهُ مِنْ مَاءِ الزِّنَا فَلَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَى فَسَادِهِ، بَلْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِجَوَازِهِ.

[حكم صداق النكاح الفاسد]

وَتَحْرِيمُ زَوْجَتِهِ عَلَى أُصُولِهِ وَفُصُولِهِ (بِالتَّلَذُّذِ) بِهَا بِالْوَطْءِ، أَوْ مُقَدَّمَاتِهِ لَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ عَدَمٌ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى حُكْمِ صَدَاقِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا) : أَيْ وَكُلُّ نِكَاحٍ (فُسِخَ بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَلَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ فَسَادُهُ إلَّا لِعَقْدِهِ فَقَطْ أَوْ لِعَقْدِهِ وَصَدَاقِهِ مَعًا، (فَفِيهِ الْمُسَمَّى) مِنْ الصَّدَاقِ (إنْ كَانَ) ، ثَمَّ مُسَمًّى مَعْلُومٌ. (وَحَلَّ) : أَيْ كَانَ حَلَالًا. (وَإِلَّا) : بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى - أَوْ كَانَ وَلَكِنَّهُ كَانَ حَرَامًا لِذَاتِهِ كَخَمْرٍ - أَوْ لِوَصْفِهِ كَجَهْلِهِ أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَآبِقٍ - (فَصَدَاقُ الْمِثْلِ) . (وَلَا شَيْءَ) مِنْ الصَّدَاقِ (بِالْفَسْخِ قَبْلَهُ) ، أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ، سَوَاءٌ الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ (إلَّا فِي نِكَاحِ الدِّرْهَمَيْنِ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا قَلَّ مِنْ الصَّدَاقِ الشَّرْعِيِّ إذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ إتْمَامِهِ، فَفُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَفِيهِ نِصْفُهُمَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقِيلَ لَا شَيْءَ فِيهِ كَغَيْرِهِ. (أَوْ) إلَّا فِي (دَعْوَاهُ) : أَيْ الزَّوْجِ (الرَّضَاعَ) مَعَ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، (فَأَنْكَرَتْ) فَفُسِخَ لِإِقْرَارِهِ بِالرَّضَاعِ فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ الْمُسَمَّى لِاتِّهَامِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [حُكْمِ صَدَاقِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ] قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ] إلَخْ: كَانَ فَسَادُهُ لِعَقْدِهِ أَوْ لِصَدَاقِهِ أَوْ لَهُمَا فَلَيْسَ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ مِثْلُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا شَيْءَ فِيهِ] : مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي نَقَلَهُ الْجَلَّابُ، وَصَوَّبَ الْقَابِسِيُّ الْأَوَّلَ، وَابْنُ الْكَاتِبِ الثَّانِيَ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ لِقَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ إنَّهُ قَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ. قَوْلُهُ: [أَوْ إلَّا فِي دَعْوَاهُ] إلَخْ: وَمِثْلُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فُرْقَةُ الْمُلَاعَنَيْنِ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِقَوْلِهِمْ كُلُّ نِكَاحٍ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا نِكَاحَ الدِّرْهَمَيْنِ، وَفُرْقَةُ الْمُتَرَاضِعَيْنِ وَفُرْقَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ نِصْفُ الْمُسَمَّى فِي الْمُتَلَاعِنِينَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْمُتَرَاضِعَيْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ الرَّضَاعُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِهِمَا أَوْ ثَبَتَ الزِّنَا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ. قَوْلُهُ: [فَأَنْكَرَتْ] : أَيْ أَوْ أَقَرَّتْ وَكَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ.

عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ فِرَاقَهَا بِلَا شَيْءٍ. (وَطَلَاقُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (كَالْفَسْخِ) ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ وَقَعَ طَلَاقًا وَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ فَهُوَ مُجَرَّدُ فِرَاقٍ، وَلَا يَحْتَاجُ لِرَفْعٍ بَعْدَهُ فَإِنْ دَخَلَ فَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ الْفَسْخِ أَوْ الطَّلَاقِ وَلَهَا الْمُسَمَّى إنْ كَانَ وَإِلَّا فَصَدَاقُ الْمِثْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهَا إنْ طَلَّقَ قَبْلَهُ إلَّا نِكَاحَ الدِّرْهَمَيْنِ فَنِصْفُهُمَا. (وَتُعَاضُ) الْمَرْأَةُ (الْمُتَلَذَّذُ بِهَا) فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِلَا وَطْءٍ - بَلْ بِقِبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ تُعَاضُ بِشَيْءٍ فِي نَظِيرِ تَلَذُّذِهِ بِهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا صَدَاقَ لَهَا فِي الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَ مُخْتَلِفًا فِيهِ أَوْ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ. (وَلِوَلِيٍّ صَغِيرٍ) تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ (فَسْخُ عَقْدِهِ) إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ؛ (فَلَا مَهْرَ) لَهَا (وَلَا عِدَّةَ) عَلَيْهَا إنْ وَطِئَهَا وَلَوْ أَزَالَ بَكَارَتَهَا؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ كَالْعَدَمِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا فِي الْبَكَرِ أَرْشُ مَا شَانَهَا، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فَلَمْ يَقُلْ: وَيَنْبَغِي. وَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ غَايَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [بِالِاجْتِهَادِ] : أَيْ فَإِنَّهَا تُعْطَى شَيْئًا وُجُوبًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ أَوْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ عَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ اجْتِهَادُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي قَدْرِهِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ يَكْفِي وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَلِوَلِيٍّ صَغِيرٍ] إلَخْ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا لَمْ يَرُدُّ الْوَلِيُّ نِكَاحَ الصَّبِيِّ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي رَدِّهِ حَتَّى كَبِرَ وَخَرَجَ عَنْ وِلَايَتِهِ جَازَ النِّكَاحُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِلَ النَّظَرُ إلَيْهِ فَيُمْضِيَ أَوْ يَرُدَّ كَذَا فِي (بْن اهـ) . فَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ لَا لِلتَّخْيِيرِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ إنْ وَجَدَ الْمَصْلَحَةَ فِي إبْقَائِهِ تَعَيَّنَ وَإِنْ وَجَدَهَا فِي رَدِّهِ تَعَيَّنَ وَإِنْ اسْتَوَتْ خُيِّرَ. قَوْلُهُ: [وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا] إلَخْ: أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفَسْخِ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ. قَوْلُهُ: [وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ] : وَمِثْلُهُ فِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّغِيرِ لِأَنَّ تَسْلِيطَهَا لَهُ كَالْعَدَمِ، وَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى أَنَّهَا إنَّمَا سَلَّطَتْهُ فِي نَظِيرِ الْمَهْرِ وَلَمْ يَتِمَّ فَرَجَعَ لِلْأَرْشِ.

[رد السيد نكاح عبده]

(وَلِلسَّيِّدِ رَدُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ) الْقِنِّ أَوْ مَنْ فِيهِ شَائِبَةٌ كَمُكَاتَبٍ إذَا تَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ (بِطَلْقَةٍ فَقَطْ) لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ أَوْقَعَ أَكْثَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْعَبْدَ إلَّا وَاحِدَةٌ (وَهِيَ) طَلْقَةٌ (بَائِنَةٌ) لِمَا يَأْتِي أَنَّ الرَّجْعِيَّ إنَّمَا يَكُونُ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ حَلَّ وَطْؤُهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَهُ إمْضَاؤُهُ. وَمَحِلُّ تَخْيِيرِهِ بِالرَّدِّ وَالْإِمْضَاءِ (إنْ لَمْ يَبِعْهُ أَوْ يُعْتِقْهُ) ، فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَلَا كَلَامَ لَهُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِمُشْتَرِيهِ فَسْخُ نِكَاحِهِ وَكَذَا إنْ وَهَبَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: وَإِنْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ الصَّغِيرُ بِشُرُوطٍ - وَكَانَتْ تَلْزَمُ إنْ وَقَعَتْ مِنْ مُكَلَّفٍ - كَأَنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ تَسَرَّى فَهِيَ أَوْ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، وَالْتَزَمَ الْوَلِيُّ تِلْكَ الشُّرُوطَ أَوْ زَوَّجَ الْوَلَدُ نَفْسَهُ عَلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ، ثُمَّ بَلَغَ وَكَرِهَ بَعْدَ بُلُوغِهِ تِلْكَ الشُّرُوطَ وَطَلَبَتْهَا الْمَرْأَةُ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ جَبْرًا حَيْثُ لَمْ تَرْضَ بِإِسْقَاطِ الشُّرُوطِ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَالِمًا بِهَا، وَإِلَّا لَزِمَتْهُ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَإِلَّا سَقَطَتْ عَنْهُ، وَلَوْ دَخَلَ عَالِمًا لِأَنَّهَا مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الشُّرُوطُ. وَاخْتُلِفَ إذَا وَقَعَ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ - وَرُجِّحَ - أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؟ قَوْلَانِ عُمِلَ بِهِمَا وَإِنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَالشُّرُوطِ كَانَ كَبِيرًا وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا فَالْقَوْلُ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا بِيَمِينٍ وَيَلْزَمُهُ الشُّرُوطُ كَذَا فِي الْأَصْلِ. [رد السَّيِّد نِكَاح عَبْده] قَوْلُهُ: [وَلِلسَّيِّدِ] إلَخْ: اللَّامُ هُنَا لِلتَّخْيِيرِ أَيْ فَلَهُ الرَّدُّ وَلَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْإِجَازَةِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْمَصْلَحَةُ مَعَ عَبْدِهِ، بِخِلَافِ وَلِيِّ الصَّغِيرِ كَمَا يَأْتِي وَمَحَلُّ كَوْنِ السَّيِّدِ مُخَيَّرًا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُتَزَوِّجُ أُنْثَى وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْفَسْخُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَلَهُ إمْضَاؤُهُ] : أَيْ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ بَعْدَ عِلْمِهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ بَاعَهُ] : أَيْ عَالِمًا بِتَزْوِيجِهِ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ لِمُشْتَرِيهِ] إلَخْ: أَيْ بَلْ يُقَالُ لَهُ: إنْ كُنْت عَلِمْت بِالتَّزْوِيجِ قَبْلَ الشِّرَاءِ فَهُوَ عَيْبٌ دَخَلْت عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَكَ رَدُّ الْعَبْدِ لِبَائِعِهِ، وَلَك التَّمَسُّكُ بِهِ وَلَيْسَ لَك رَدُّ نِكَاحِهِ. وَلَوْ اخْتَلَفَتْ وَرَثَةُ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ وَعَدَمِهِ وَالْحَالُ

(وَلَهَا) أَيْ لِزَوْجَةِ الْعَبْدِ إنْ رَدَّ سَيِّدُهُ نِكَاحَهُ (رُبْعُ دِينَارٍ إنْ دَخَلَ بِهَا) وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَتَرُدُّ الزَّائِدَ إنْ قَبَضَتْهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، (وَأُتْبِعَ) الْعَبْدُ (بِمَا بَقِيَ) بَعْدَ رُبْعِ الدِّينَارِ فِي ذِمَّتِهِ تَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ عَتَقَ (إنْ غَرَّ) زَوْجَتَهُ حَالَ التَّزْوِيجِ بِأَنَّهُ حُرٌّ، لَا إنْ لَمْ يَغُرَّهَا فَلَا تَتْبَعُهُ بِشَيْءٍ وَمَحِلُّ إتْبَاعِهِ إنْ غَرَّهَا (مَا لَمْ يُبْطِلْهُ) عَنْهُ قَبْلَ عِتْقِهِ (سَيِّدٌ أَوْ حَاكِمٌ) إنْ غَابَ سَيِّدُهُ، فَإِنْ أَبْطَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ طَلَبٌ. (فَلَوْ امْتَنَعَ) السَّيِّدُ مِنْ إجَازَةِ نِكَاحِ عَبْدِهِ ابْتِدَاءً حِينَ سُئِلَ عَنْهَا وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ رَدٌّ وَلَا فَسْخٌ، وَإِنَّمَا قَالَا: لَا أُجِيزُ (فَلَهُ الْإِجَازَةُ) بَعْدَ ذَلِكَ (إنْ قَرُبَ) الْأَمْرُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ امْتِنَاعٌ فَلَهُ الْإِجَازَةُ، وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ (وَلَمْ يُرِدْ) بِامْتِنَاعِهِ (الْفَسْخَ) وَإِلَّا كَانَ فَسْخًا (أَوْ) لَمْ (يَشُكَّ) ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّ مُورِثَهُمْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِتَزْوِيجِهِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ وَقَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ لِمَنْ طَلَبَ الرَّدَّ وَمَحَلُّ عَدَمِ رَدِّ السَّيِّدِ الْأَوَّلِ لِنِكَاحِهِ إنْ بَاعَهُ مَا لَمْ يُرَدَّ لَهُ بِعَيْبِ التَّزْوِيجِ، وَإِلَّا فَلَهُ رَدُّ نِكَاحِهِ إنْ كَانَ بَاعَهُ غَيْرَ عَالِمٍ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا: مَا لَمْ يُرَدَّ لَهُ بِعَيْبِ التَّزْوِيجِ، أَنَّهُ لَوْ رُدَّ لَهُ بِعَيْبٍ آخَرَ بِأَنْ لَمْ يَطَّلِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبِ التَّزْوِيجِ وَرَدَّهُ بِغَيْرِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ رَدُّ نِكَاحِهِ أَيْضًا، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ التَّزْوِيجِ وَرَضِيَهُ وَرَدَّهُ بِغَيْرِهِ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْبَائِعَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِهِ فَكَأَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَهُ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ رَدُّ نِكَاحِهِ لِأَخْذِهِ أَرْشَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَالْآخَرُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِهِ وَلَهُ رَدُّ النِّكَاحِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ لَمْ يَغُرَّهَا] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ، إنَّهَا تَتْبَعُهُ بِبَاقِي الْمُسَمَّى مُطْلَقًا غَرَّ أَوْ لَا وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ طَلَبٌ] : أَيْ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ عَيْبٌ يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُهُ وَالْحَاكِمُ يَقُومُ مَقَامَهُ. قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ فَالثَّلَاثَةُ طُولٌ لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: [وَلَمْ يُرِدْ بِامْتِنَاعِهِ الْفَسْخَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسَائِلَ ثَلَاثٌ:

[رد نكاح السفيه]

السَّيِّدُ (فِي إرَادَتِهِ) بِالِامْتِنَاعِ هَلْ قَصَدَ بِهِ الْفَسْخَ أَوْ لَا، فَإِنْ شَكَّ حَمَلَ عَلَى الْفَسْخِ وَلَا إجَازَةَ لَهُ؛ فَيَشُكُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ، مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ. (وَلِوَلِيِّ سَفِيهٍ) تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ (رَدُّ نِكَاحِهِ كَذَلِكَ) أَيْ بِطَلْقَةٍ فَقَطْ بَائِنَةٍ كَالْعَبْدِ (إنْ لَمْ يَرْشُدْ) : أَيْ يَحْصُلْ لَهُ رُشْدٌ، فَإِنْ رَشَدَ فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ. (وَلَهَا) إنْ فَسَخَهُ وَلِيُّهُ (رُبْعُ دِينَارٍ إنْ دَخَلَ) السَّفِيهُ بِهَا، (وَلَا يُتْبَعُ) إنْ رَشَدَ (بِالْبَاقِي) . (وَتَعَيَّنَ) الْفَسْخُ (إنْ مَاتَ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ (فَلَا مَهْرَ) لَهَا (وَلَا إرْثَ) ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَتَعَيَّنَ الْفَسْخُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَلَا مَهْرَ وَلَا إرْثَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلِيِّ فَسْخُهُ إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا كَلَامَ لَهُ. (وَلِلْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ) لَهُ فِي التِّجَارَةِ (تَسَرٍّ وَإِنْ بِلَا إذْنٍ) مِنْ سَيِّدِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأُولَى: رَدُّهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ امْتِنَاعٍ، وَالثَّانِيَةُ: إجَازَتُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبْقِ امْتِنَاعٍ، وَالثَّالِثَةُ: إجَازَتُهُ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ إمَّا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبْقِ سُؤَالٍ أَوْ بَعْدَ سُؤَالٍ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ فِيهَا، وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ هِيَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: " فَلَوْ امْتَنَعَ فَلَهُ الْإِجَازَةُ إنْ قَرُبَ ". وَالْمَسْأَلَتَانِ الْأُولَيَانِ هُمَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ: " وَلِلسَّيِّدِ رَدُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ " إلَخْ. [رد نِكَاح السَّفِيه] قَوْلُهُ: [وَلِوَلِيِّ سَفِيهٍ] : اللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْمَصْلَحَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ] : أَيْ وَلَا يَنْتَقِلُ لَهُ إذَا رَشَدَ مَا كَانَ لِوَلِيِّهِ، بَلْ يَثْبُتُ النِّكَاحُ وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَقِيلَ يَنْتَقِلُ لَهُ مَا كَانَ لِوَلِيِّهِ. قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ الْفَسْخُ إنْ مَاتَ] : أَيْ وَأَمَّا إنْ مَاتَتْ فَمَا زَالَ النَّظَرُ لِلْوَلِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذْ قَدْ يَكُونُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الصَّدَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَقُولُ: إنَّ نَظَرَ الْوَلِيِّ يَفُوتُ بِالْمَوْتِ وَيَتَوَارَثَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّفِيهِ وَلِيٌّ فَفِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْحَجْرِ هَلْ تَصَرُّفُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ أَوْ الرَّدِّ؟ خِلَافٌ بَيْنَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ. [تسري الْمُكَاتَب وَالْمَأْذُون وَنَفَقَة زَوْجَة الْعَبْد] قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِلَا إذْنٍ] : بَالَغَ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ خَوْفَ عَجْزِهِ كَالتَّزْوِيجِ وَفِي الْمَأْذُونِ لِأَنَّهُ فِي مَالِهِ كَالْوَكِيلِ.

(وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الْعَبْدِ) غَيْرِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ - فَيَشْمَلُ الْمُدَبَّرَ وَالْمُعْتَقَ لِأَجَلٍ - إذَا تَزَوَّجَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ بِهَا أَوْ أَمْضَى نِكَاحَهُ تَكُونُ (مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ) ، وَالْخَرَاجُ: مَا يُقَاطِعُهُ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ؛ كَأَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى دِرْهَمٍ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ عَلَى دِينَارٍ كُلَّ شَهْرٍ، وَالْكَسْبُ: مَا يَنْشَأُ عَنْ عَمَلِهِ. فَإِنْ جَعَلَ عَلَيْهِ خَرَاجًا أَنْفَقَ عَلَى زَوْجَتِهِ مِمَّا فَاضَ لَهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ خَرَاجًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ مِمَّا أَذِنَ لَهُ فِيهِ سَيِّدُهُ. وَالْمُكَاتَبُ كَحُرٍّ، وَالْمَأْذُونُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ وَرِبْحِهِ الَّذِي بِيَدِهِ لَا مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَرِبْحِهِ. الْمُبَعَّضُ فِي يَوْمِهِ كَالْحُرِّ وَفِي يَوْمِ سَيِّدِهِ كَالْقِنِّ. (إلَّا لِعُرْفٍ) جَارٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ يُنْفِقُ مِنْ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ فَيَعْمَلُ بِهِ (كَالْمَهْرِ) فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ إلَّا لِعُرْفٍ، (وَلَا يَضْمَنُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ (سَيِّدُهُ بِإِذْنِ التَّزْوِيجِ) لِعَبْدِهِ وَإِنْ بَاشَرَ الْعَقْدَ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ لَهُ جَبْرُ الذَّكَرِ عَلَى النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الْعَبْدِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ فَعَلَى سَيِّدِ أُمِّهِمْ إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ إنْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّيِّدُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: [وَالْمُكَاتَبُ كَحُرٍّ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ. قَوْلُهُ: [وَالْمَأْذُونُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُوَافِقُ غَيْرَ الْمَأْذُونِ فِي أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ لَا تَكُونُ فِي غَلَّتِهِ، وَيُخَالِفُهُ، فِي أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ فِي الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ وَرِبْحِهِ، وَقَوْلُهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَعُودُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالسَّرِيَّةِ. قَوْلُهُ: [إلَّا لِعُرْفٍ] إلَخْ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ وَلَمْ يَجِدْ مِنْ أَيْنَ يُنْفِقُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ تَرْضَى بِالْمُقَامِ مَعَهُ بِلَا نَفَقَةٍ أَوْ يَتَطَوَّعُ بِهَا مُتَطَوِّعٌ، وَلَا يُبَاعُ الْعَبْدُ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَضْمَنُهُ] إلَخْ: أَيْ بَلْ هُمَا عَلَى الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمَا عَلَى السَّيِّدِ فَلَيْسَ السَّيِّدُ كَالْأَبِ، فَإِنَّ الْأَبَ إذَا جَبَرَ وَلَدَهُ عَلَى النِّكَاحِ كَانَ الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْوَلَدُ مُعْدِمًا حِينَ الْعَقْدِ، بَلْ كَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمُ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ جَبَرَا

[من له جبر الذكر على النكاح]

(وَجَبَرَ) أَبٌ وَوَصِيٌّ وَحَاكِمٌ لَا غَيْرُهُمْ ذَكَرًا (مَجْنُونًا) مُطْبَقًا فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ اُنْتُظِرَتْ إفَاقَتُهُ. (وَصَغِيرًا لِمَصْلَحَةٍ) اقْتَضَتْ تَزْوِيجَهُمَا بِأَنْ خِيفَ الزِّنَا عَلَى الْمَجْنُونِ أَوْ الضَّرَرُ، فَتَحْفَظُهُ الزَّوْجَةُ. وَمَصْلَحَةُ الصَّبِيِّ تَزْوِيجُهُ مِنْ غَنِيَّةٍ أَوْ شَرِيفَةٍ أَوْ ابْنَةِ عَمٍّ، أَوْ لِمَنْ تَحْفَظُ مَالَهُ وَلَا جَبْرَ لِلْحَاكِمِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْأَوَّلِينَ، إلَّا إذَا بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فَالْكَلَامُ لِلْحَاكِمِ. (وَالصَّدَاقُ عَلَى الْأَبِ) إذَا جَبَرَ ابْنَهُ الْمَجْنُونَ أَوْ الصَّغِيرَ، (وَإِنْ مَاتَ) الْأَبُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ ذِمَّتَهُ بِجَبْرِهِ لَهُمَا فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَهَذَا (إنْ أَعْدَمَا) ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يَلْزَمُهُمَا صَدَاقٌ إلَّا بِالشَّرْطِ. [مَنْ لَهُ جَبْرُ الذَّكَرِ عَلَى النِّكَاحِ] قَوْلُهُ: [لَا غَيْرُهُمْ] : أَيْ كَأَخٍ وَعَمٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بَاقِي الْأَوْلِيَاءِ، فَلَا يُجْبِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَغِيرًا وَلَا مَجْنُونًا عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُمْ جَبْرٌ فَقِيلَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ مُطْلَقًا وَلَوْ دَخَلَ وَطَالَ وَقِيلَ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَيَطُلْ وَإِلَّا ثَبَتَ. تَنْبِيهٌ: لِلْوَصِيِّ جَبْرُ الذَّكَرِ لِلْمَصْلَحَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَبْرُ الْأُنْثَى كَمَا إذَا قَالَ لَهُ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى وَلَدِي كَمَا فِي (ر) ، وَفِي (عب) تَبَعًا لِ (ح) تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ جَبْرُ الْأُنْثَى قَالَ بْن وَفِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: [ذَكَرًا مَجْنُونًا] : أَيْ وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا يَجْبُرُهَا إلَّا الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ عَلَى تَفْصِيلٍ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا يَجْبُرُهَا. قَوْلُهُ: [لِمَصْلَحَةٍ] إلَخْ: أَيْ لَا لِغَيْرِهَا فَلَا جَبْرَ وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا فِي الْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ، وَأَمَّا الْأَبُ فَمَحْمُولٌ عَلَيْهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَيْدُ الْمَصْلَحَةِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ الصَّدَاقُ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ وَإِلَّا فَلَا يُعْتَبَرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ. قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا بَلَغَ] : الْأَوْلَى إلَّا إذَا رَشَدَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَزِمَ ذِمَّتَهُ] : أَيْ وَلَا يُقَالُ إنَّهَا صَدَقَةٌ لَمْ تُقْبَضْ، بَلْ هِيَ مُعَاوَضَةٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَبَ إذَا جَبَرَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ أَوْ الْمَجْنُونَ فَالصَّدَاقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَا مُعْدِمَيْنِ حِينَ الْعَقْدِ، وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ وَلَوْ أَيْسَرَا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ الْأَبُ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ حِينَ الْعَقْدِ فَعَلَيْهِمَا، وَلَوْ أَعْدَمَا

بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَالٌ (حَالَ الْعَقْدِ) وَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، (وَلَوْ شَرَطَ) الْأَبُ (خِلَافَهُ) بِأَنْ قَالَ: وَلَا يَلْزَمُنِي صَدَاقٌ بَلْ الصَّدَاقُ عَلَى الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ؛ فَلَا يُعْمَلُ بِشَرْطِهِ، (وَإِلَّا) يَعْدَمَا حَالَ الْعَقْدِ - بِأَنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ بِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَإِنْ أَعْدَمَا بَعْدَهُ - (فَعَلَيْهِمَا) مَا أَيْسَرَا بِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لَا عَلَى الْأَبِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ وَلَا الْحَاكِمَ مُطْلَقًا (إلَّا لِشَرْطٍ) مِنْ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ عَلَى الْأَبِ أَوْ عَلَى الْوَصِيِّ أَوْ عَلَى الْحَاكِمِ، فَيُعْمَلُ بِهِ. وَسَكَتَ عَنْ السَّفِيهِ: هَلْ يَجْبُرُهُ مَنْ ذُكِرَ؟ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِي السَّفِيهِ خِلَافٌ، لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَ بِعَدَمِ جَبْرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ. (وَإِنْ) عَقَدَ أَبٌ لِابْنٍ رَشِيدٍ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ابْنِهِ، وَ (تَطَارَحَهُ) ابْنٌ (رَشِيدٌ وَأَبٌ) تَوَلَّى الْعَقْدَ؛ بِأَنْ قَالَ الِابْنُ لِأَبِيهِ: أَنْتَ الْتَزَمْت الصَّدَاقَ وَمَا رَضِيت إلَّا أَنَّهُ عَلَيْك، وَقَالَ الْأَبُ: بَلْ مَا قَصَدْت إلَّا أَنَّهُ عَلَى ابْنِي، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ (فُسِخَ وَلَا مَهْرَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (إنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَعْدَ الْعَقْدِ إلَّا الشَّرْطُ عَلَى الْأَبِ فَيُعْمَلُ بِهِ. قَوْلُهُ: [كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ وَلَا الْحَاكِمَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ وَالْوَصِيَّ صَدَاقُ الْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ، سَوَاءٌ كَانَا مُعْدِمَيْنِ أَوْ مُوسِرَيْنِ، لَكِنْ إنْ كَانَا مُعْدِمَيْنِ اُتُّبِعَا بِهِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَى الْوَصِيِّ، أَوْ الْحَاكِمِ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِ. قَوْلُهُ: [لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي التَّوْضِيحِ] إلَخْ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ يَجْرِي فِي الصَّدَاقِ مَا جَرَى فِي صَدَاقِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ. قَوْلُهُ: [وَتَطَارَحَهُ ابْنٌ رَشِيدٌ] إلَخْ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ تَطَارَحَهُ سَفِيهٌ وَأَبٌ فَفِيهِ تَفْصِيلُ وَهُوَ إنْ كَانَ الْوَلَدُ مَلِيًّا حِينَ الْعَقْدِ لَزِمَهُ الصَّدَاقُ وَإِلَّا فُسِخَ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ فِي حَالَةِ جَبْرِ الْأَبِ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فَأَوْلَى، فِي حَالَةِ عَدَمِ الْجَبْرِ، وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا حَالَةَ الْعَقْدِ، فَقَدْ مَرَّ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَى الْأَبِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَبْرِهِ، وَهَلْ كَذَلِكَ فِي حَالَةِ عَدَمِ الْجَبْرِ أَمْ لَا؟ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [فُسِخَ وَلَا مَهْرَ] : أَيْ وَلَا تَتَوَجَّهُ يَمِينٌ أَصْلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ

لَمْ يَلْتَزِمْهُ أَحَدُهُمَا) وَإِلَّا لَزِمَ مَنْ الْتَزَمَهُ وَلَا فَسْخَ، (وَ) إنْ تَطَارَحَاهُ (بَعْدَ الدُّخُولِ حَلَفَ الْأَبُ) أَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهِ الصَّدَاقَ إلَّا عَلَى ابْنِهِ، (وَبَرِئَ وَلَزِمَ الزَّوْجَ صَدَاقُ الْمِثْلِ) ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَدْرَ الْمُسَمَّى أَوْ أَكْثَرَ (وَحَلَفَ إنْ كَانَ) صَدَاقُ الْمِثْلِ (أَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى) لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ غُرْمَ الزَّائِدِ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ. (وَرَجَعَ لِأَبٍ) زَوَّجَ وَلَدَهُ وَضَمِنَ لَهُ الصَّدَاقَ، (وَ) رَجَعَ لِشَخْصٍ (ذِي قَدْرٍ) بَيْنَ النَّاسِ (زَوَّجَ غَيْرَهُ) وَالْتَزَمَ صَدَاقَهُ، (وَ) رَجَعَ لِأَبٍ (ضَامِنٍ لِابْنَتِهِ صَدَاقَهَا) : أَيْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِشَخْصٍ بِصَدَاقٍ وَالْتَزَمَ لِابْنَتِهِ الصَّدَاقَ (النِّصْفُ) فَاعِلُ " رَجَعَ " فِي الثَّلَاثِ: أَيْ رَجَعَ لِكُلٍّ نِصْفُ الصَّدَاقِ (بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ فِيهِ حَقٌّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَةِ إنَّمَا الْتَزَمَهُ عَلَى أَنَّهُ صَدَاقٌ وَلَمْ يَتِمَّ، فَيَرْجِعُ لَهُ، وَالنِّصْفُ الثَّانِي لِلزَّوْجَةِ. (وَ) رَجَعَ (جَمِيعُهُ) أَيْ الصَّدَاقُ لِمَنْ ذُكِرَ (بِالْفَسَادِ) : أَيْ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِفَسَادِهِ، فَإِنْ دَخَلَ فَلَهَا الْمُسَمَّى (وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ) : أَيْ لِلْأَبِ وَذِي الْقَدْرِ وَالضَّامِنِ لِابْنَتِهِ صَدَاقُهَا (عَلَى الزَّوْجِ) بِمَا اسْتَحَقَّتْهُ الزَّوْجَةُ مِنْ النِّصْفِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الْكُلِّ بَعْدَهُ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا الْتَزَمُوهُ لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ تَبَرُّعًا مِنْهُمْ لِلزَّوْجِ (إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ) الْوَاحِدُ مِنْهُمْ (بِالْحَمَالَةِ) كَ: عَلَيَّ حَمَالَةُ الصَّدَاقِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْحَمَالَةِ يُؤْذِنُ بِمُجَرَّدِ التَّحَمُّلِ دُونَ الْتِزَامِهِ فِي الذِّمَّةِ (مُطْلَقًا) كَانَ قَبْلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَسْخُ وَعَدَمُ الْمَهْرِ مُقَيَّدٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ بِحَلِفِهِمَا مَعًا، فَإِنْ نَكَلَا مَعًا لَزِمَهُمَا الصَّدَاقُ بِالسَّوِيَّةِ، وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَيُبْدَأُ فِي الْحَلِفِ بِالْأَبِ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ، وَقِيلَ يُقْرَعُ فِيمَنْ يَبْدَأُ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الْبَالِغَ الْمَالِكَ لِأَمْرِ نَفْسِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ صَامِتٌ، فَلَمَّا فَرَغَ الْأَبُ مِنْ النِّكَاحِ قَالَ الِابْنُ: مَا أَمَرْته وَلَا أَرْضَى صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ غَائِبًا فَأَنْكَرَ حِينَ بَلَغَهُ سَقَطَ النِّكَاحُ وَالصَّدَاقُ عَنْهُ، وَعَنْ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي هَذَا سَوَاءٌ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ الزَّوْجَ صَدَاقُ الْمِثْلِ] : إنَّمَا غَرِمَ صَدَاقَ الْمِثْلِ مَعَ أَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْمُسَمَّى أُلْغِيَ لِأَجْلِ الْمُطَارَحَةِ، وَصَارَ الْمُعْتَبَرُ قِيمَةُ مَا اسْتَوْفَاهُ الزَّوْجُ فَلَا يُقَالُ لِأَيِّ شَيْءٍ دُفِعَ لِلزَّوْجَةِ غَيْرُ مَا تَدَّعِيهِ.

[رجوع نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول أو رجوعه بالفسخ]

الْعَقْدِ أَوْ أَوْ بَعْدَهُ (أَوْ يَضْمَنُ) الْوَاحِدُ مِنْهُمْ (بَعْدَ الْعَقْدِ) فَيَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ لَا قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ، (إلَّا لِقَرِينَةٍ أَوْ عُرْفٍ) فَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُمَا كَالشَّرْطِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْكَفَاءَةِ الْمَطْلُوبَةِ فِي النِّكَاحِ فَقَالَ: (وَالْكَفَاءَةُ) وَهِيَ لُغَةً: الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُقَارَبَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُمَاثَلَةُ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ عَلَى الْمَذْهَبِ: الْحَالِ، وَالدِّينِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: النَّسَبَ، وَالْحَسَبَ احْتِرَازًا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [رُجُوع نصف الصَّدَاق بِالطَّلَاقِ قَبْل الدُّخُول أَوْ رُجُوعه بِالْفَسْخِ] قَوْلُهُ: [فَيَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الدَّافِعَ إمَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِلَفْظِ الْحَمَالَةِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الضَّمَانِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ فِيهِ، فَالتَّصْرِيحُ بِالْحَمَالَةِ يَرْجِعُ بِهِ مُطْلَقًا وَالتَّصْرِيحُ بِالضَّمَانِ إنْ كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ فِيهِ لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ رَجَعَ، وَأَمَّا الْحَمْلُ فَيَلْزَمُهُ مُطْلَقًا وَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَمِثْلُ الْحَمْلِ مَا إذَا قَالَ لَهُ: أَنَا أَدْفَعُ صَدَاقَك أَوْ أَدْفَعُ الصَّدَاقَ عَنْك، وَقَدْ نَظَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: انْفِ رُجُوعًا عِنْدَ حَمْلٍ مُطْلَقًا ... حَمَالَةً بِعَكْسِ ذَا مُحَقِّقًا لَفْظُ ضَمَانٍ عِنْدَ عَقْدٍ لَا ارْتِجَاعِ ... وَبَعْدَهُ حَمَالَةٌ بِلَا نِزَاعِ وَكُلُّ مَا اُلْتُزِمَ بَعْدَ عَقْدٍ ... فَشَرْطُهُ الْحَوْزُ فَافْهَمْ قَصْدِي (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: إنْ لَمْ يَدْفَعْ الصَّدَاقَ الْمُلْتَزِمَ لَهُ فَلَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ الدُّخُولِ وَالْوَطْءِ بَعْدَهُ حَتَّى تَأْخُذَ الْحَالَّ أَصَالَةً أَوْ بَعْدَ أَجَلِهِ، وَلِلزَّوْجِ التَّرْكُ بِأَنْ يُطَلِّقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ أَوْ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ الْمُتَحَمِّلُ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ رُجُوعٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا إذَا صَرَّحَ بِالْحَمَالَةِ مُطْلَقًا أَوْ كَانَ بِلَفْظِ الضَّمَانِ وَوَقَعَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ إنْ أَطْلَقَ غَرِمَ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ وَإِنْ دَخَلَ غَرِمَ الْجَمِيعَ. الثَّانِي: يَبْطُلُ الضَّمَانُ عَلَى وَجْهِ الْحَمْلِ إنْ تَحَمَّلَ فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ عَنْ وَارِثٍ، لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ أَوْ عَطِيَّةٌ فِي الْمَرَضِ لَا إنْ تَحَمَّلَ عَنْ زَوْجِ ابْنَةِ غَيْرِ وَارِثٍ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ لَهُ فَيَجُوزُ فِي الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُجِزْهُ الْوَارِثُ خُيِّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ يَتْرُكَ النِّكَاحَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) .

[الكفاءة المطلوبة في النكاح]

مِنْ الْمَوَالِي وَنَحْوِهِمْ، وَالْمَالَ احْتِرَازًا مِنْ الْفَقِيرِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهَا، وَلِذَا قَالَ: (الدِّينُ) : أَيْ التَّدَيُّنُ أَيْ كَوْنُهُ ذَا دِيَانَةٍ احْتِرَازًا مِنْ أَهْلِ الْفُسُوقِ كَالزُّنَاةِ وَالشِّرِّيبِينَ وَنَحْوِهِمْ. (وَالْحَالُ) : أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ، لَا بِمَعْنَى الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ. (كَالْحُرِّيَّةِ عَلَى الْأَوْجَهِ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَسَحْنُونٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَرَجَّحَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ لِخَبَرِ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ الْحُرَّةَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا أَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ، وَالْمُقَابِلُ لَهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ لَكِنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ بِنَصٍّ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْمُغِيرَةِ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّيْخِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ وَلَا يَذْكُرَ التَّأْوِيلَيْنِ فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَكَرَ التَّأْوِيلَيْنِ لِكَوْنِ الْمُقَابِلِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِلَّا فَهُوَ مَرْجُوحٌ فِي الْغَايَةِ، وَقَوْلُنَا: " عَلَى الْأَوْجَهِ " فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَابِلَ لَهُ وَجْهٌ. وَلَا وَجْهَ لَهُ وَغَايَةُ؛ مَا يُجَابُ: أَنَّ هَذِهِ صِيغَةٌ قُصِدَ بِهَا التَّرْجِيحُ لَا التَّفَاضُلُ. (وَلَهَا) : أَيْ لِلزَّوْجَةِ (وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا) : أَيْ الْكَفَاءَةِ وَالرِّضَا بِعَدَمِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْكَفَاءَةِ الْمَطْلُوبَةِ فِي النِّكَاحِ] قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْصَافَ الَّتِي اعْتَبَرُوهَا وِفَاقًا وَخِلَافًا سِتَّةٌ أَشَارَ لَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: نَسَبٌ وَدِينٌ صَنْعَةٌ حُرِّيَّةٌ ... فَقْدُ الْعُيُوبِ وَفِي الْيَسَارِ تَرَدُّدُ (اهـ) . فَإِنْ سَاوَاهَا الرَّجُلُ فِي تِلْكَ السِّتَّةِ فَلَا خِلَافَ فِي كَفَاءَتِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهَا وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الدِّينِ وَالْحَالِ وَالْحُرِّيَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَمَتَى سَاوَاهَا الرَّجُلُ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ كَانَ كُفْئًا. قَوْلُهُ: [لَا بِمَعْنَى الْحَسَبِ] إلَخْ: الْحَسَبُ مَا يُعَدُّ مِنْ مَفَاخِرِ الْآبَاءِ كَالْكَرَمِ وَالْعِلْمِ. قَوْلُهُ: [لِخَبَرِ بَرِيرَةَ] : وَهِيَ جَارِيَةُ عَائِشَةَ وَكَانَتْ مُتَزَوِّجَةً بِمُغِيثٍ وَكَانَ عَبْدًا. قَوْلُهُ: [حِينَ عَتَقَتْ] : أَيْ أَعْتَقَتْهَا عَائِشَةُ وَالْحَالُ أَنَّ زَوْجَهَا بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ.

وَالتَّزْوِيجُ بِفَاسِقٍ أَوْ مَعْيُوبٍ أَوْ عَبْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا مَعًا فَالْقَوْلُ لِمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا وَعَلَى الْحَاكِمِ مَنْعُ مَنْ رَضِيَ مِنْهُمَا. وَلَيْسَ لِلْأَبِ جَبْرُ الْبِكْرِ عَلَى فَاسِقٍ أَوْ ذِي عَيْبٍ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا الْفَاسِقُ أَوْ ذُو الْعَيْبِ أَوْ الْعَبْدُ فَلَهَا وَلِلْوَلِيِّ الرَّدُّ وَالْفَسْخُ. وَقِيلَ: إنَّ تَزْوِيجَ الْفَاسِقِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَيَتَعَيَّنُ فَسْخُهُ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: لَيْسَ الْعَبْدُ كُفْءً وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ. وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الْكَفَاءَةَ مَجْمُوعُ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ، (فَالْمَوْلَى) : أَيْ الْعَتِيقُ وَمَجْهُولُ النَّسَبِ، (وَغَيْرُ الشَّرِيفِ) وَهُوَ الدَّنِيءُ فِي نَفْسِهِ كالمسلماني أَوْ فِي حِرْفَتِهِ كَالزَّبَّالِ وَالْحَمَّارِ وَالْحَلَّاقِ، (وَالْأَقَلِّ جَاهًا) أَيْ قَدْرًا كَالْجَاهِلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَالِمِ أَوْ الْمَأْمُورِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَمِيرِ وَكَذَا الْفَقِيرُ (كُفْءٌ) لِلْحُرَّةِ أَصَالَةً الشَّرِيفَةِ ذَاتِ الْجَاهِ، الْغَنِيَّةِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّسَبِ وَالْحَسَبِ وَالْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَيْسَ لِلْأُمِّ كَلَامٌ) مَعَ الْأَبِ، هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَلَوْ فَرَّعَهُ بِالْفَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالتَّزْوِيجُ بِفَاسِقٍ] : أَيْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فِي الْكَفَاءَةِ، فَإِذَا أَسْقَطَا حَقَّهُمَا مِنْهَا وَزُوِّجَهَا فَاسِقٌ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ إنَّ تَزْوِيجَ الْفَاسِقِ غَيْرُ صَحِيحٍ] : حَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ظَاهِرَ مَا نَقَلَهُ (ح) وَغَيْرُهُ وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ مَنْعُ تَزْوِيجِهَا مِنْ الْفَاسِقِ ابْتِدَاءً، وَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِلْوَلِيِّ الرِّضَا بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْفَاسِقِ مَمْنُوعَةٌ وَهَجْرُهُ وَاجِبٌ شَرْعًا، فَكَيْفَ بِخُلْطَةِ النِّكَاحِ، فَإِذَا وَقَعَ وَتَزَوَّجَهَا فَفِي الْعَقْدِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: لُزُومُ فَسْخِهِ بِفَسَادِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ، الثَّانِي: أَنَّهُ صَحِيحٌ وَشَهَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، الثَّالِثُ لِأَصْبَغَ: إنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ، رَدَّهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ رَضِيَتْ بِهِ وَظَاهِرُ ابْنِ غَازِيٍّ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الرَّاجِحُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَاَلَّذِي قَرَّرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ الَّذِي شَهَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. قَوْلُهُ: [لَيْسَ الْعَبْدُ كُفْئًا وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ] : أَيْ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ بِهِ رَاضِيَةً عَالِمَةً هِيَ وَوَلِيُّهَا، وَإِلَّا فَلَا فَسْخَ. قَوْلُهُ: [لِلْحُرَّةِ أَصَالَةً] إلَخْ: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: فَالْمَوْلَى وَغَيْرُ الشَّرِيفِ إلَخْ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ تَأَمَّلْ.

[بيان من يحرم نكاحه أصالة]

لَكَانَ أَبَيْنَ (فِي تَزْوِيجِ الْأَبِ ابْنَتَهُ الْمُوسِرَةَ الْمَرْغُوبَ فِيهَا مِنْ فَقِيرٍ) لَا مَالَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَزْوِيجِ، (إلَّا لِضَرَرٍ بَيِّنٍ) : كَأَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ ذِي عَيْبٍ أَوْ فَاسِقٍ أَوْ عَبْدٍ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، فَلَيْسَ لَهُ جَبْرُهَا فَيَكُونُ لَهَا حِينَئِذٍ كَلَامٌ بِأَنْ تَرْفَعَ لِلْحَاكِمِ لِيَمْنَعَهُ مِنْ تَزْوِيجِهَا مِنْهُمْ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَرُوِيَ أَنَّ لَهَا كَلَامًا مُطْلَقًا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْمَالُ كَالْحَالِ وَالدِّينِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهُ أَصَالَةً فَقَالَ (وَحَرُمَ) عَلَى الشَّخْصِ إجْمَاعًا (الْأَصْلُ) : وَهُوَ كُلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ وَإِنْ عَلَا، (وَالْفَرْعُ، وَإِنْ) كَانَ (مِنْ زِنًا) ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [مِنْ فَقِيرٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ابْنَ أَخٍ لَهُ أَوْ غَيْرَهُ كَانَتْ الْأُمُّ مُطَلَّقَةً أَوْ فِي الْعِصْمَةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الرِّوَايَةِ ابْنَ الْأَخِ وَالْأُمُّ مُطَلَّقَةٌ لِأَنَّهُ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ مُخَرَّجٌ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. وَمِثْلُ الْفَقِيرِ مَنْ يُغَرِّبُهَا عَنْ أُمِّهَا مَسَافَةَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْأُمَّ لَا تَكَلُّمَ لَهَا إلَّا فِي الضَّرَرِ الْبَيِّنِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَأَصْلُ هَذَا قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: أَتَتْ امْرَأَةٌ مُطَلَّقَةٌ إلَى مَالِكٍ فَقَالَتْ: إنَّ لِي ابْنَةً فِي حِجْرِي مُوسِرَةً مَرْغُوبًا فِيهَا، فَأَرَادَ أَبُوهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ ابْنِ أَخٍ لَهُ فَقِيرٍ، أَفَتَرَى لِي فِي ذَلِكَ مُتَكَلَّمًا؟ قَالَ: نَعَمْ إنِّي لَأَرَى لَك مُتَكَلَّمًا (اهـ) . رُوِيَ قَوْلُهُ لَأَرَى لَك بِالْإِثْبَاتِ وَبِالنَّفْيِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ وَأَنَا أَرَاهُ مَاضِيًا أَيْ فَلَا تَكَلُّمَ لَهَا إلَّا لِضَرَرٍ بَيِّنٍ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَابِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَلْ هُوَ وِفَاقٌ أَوْ خِلَافٌ؟ فَقِيلَ وِفَاقٌ بِتَقْيِيدِ كَلَامِ الْإِمَامِ بِعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَى رِوَايَةِ النَّفْيِ أَوْ الضَّرَرِ عَلَى رِوَايَةِ الْإِثْبَاتِ، فَوَافَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقِيلَ خِلَافٌ بِحَمْلِ كَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى إطْلَاقِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِالْإِثْبَاتِ أَوْ النَّفْيِ كَانَ هُنَاكَ ضَرَرٌ أَمْ لَا، وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ وَعَدَمِهِ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . [بَيَانِ مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهُ أَصَالَةً] قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ مِنْ زِنًا] : رَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى ابْنِ الْمَاجِشُونِ حَيْثُ قَالَ: لَا تَحْرُمُ الْبِنْتُ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْ الْمَاءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْعَقْدِ وَمَا يُشْبِهُهُ مِنْ الشُّبْهَةِ عَلَى صَاحِبِ الْمَاءِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِنْتًا لَوَرِثَتْهُ وَوَرِثَهَا وَجَازَ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا وَإِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ،

(وَ) حَرُمَ (زَوْجُهُمَا) : أَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْك زَوْجَةُ أَبِيك وَزَوْجَةُ جَدِّك وَإِنْ عَلَا، وَزَوْجَةُ ابْنِك وَإِنْ سَفَلَ. وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ زَوْجُ أُمِّهَا أَوْ جَدَّتِهَا وَإِنْ عَلَتْ، وَزَوْجُ بِنْتِهَا وَإِنْ سَفَلَتْ. (وَ) حَرُمَ (فُصُولُ أَوَّلِ أَصْلٍ) وَهُمْ: الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، (وَأَوَّلُ فَصْلٍ) فَقَطْ (مِنْ كُلِّ أَصْلٍ) مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ، وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ، وَعَمِّ الْأَبِ أَوْ عَمَّتِهِ وَإِنْ عَلَا، وَخَالِ الْأُمِّ أَوْ خَالَتِهَا وَإِنْ عَلَتْ، دُونَ بَنِيهِمْ فَتَحِلُّ بِنْتُ الْعَمِّ أَوْ الْعَمَّةِ وَبِنْتُ الْخَالِ أَوْ الْخَالَةِ. (وَ) حَرُمَ (أُصُولُ زَوْجَتِهِ) : أُمُّهَا وَأُمُّ أُمِّهَا وَإِنْ عَلَتْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَلَذُّذٌ بِالزَّوْجَةِ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ، (وَفُصُولُهَا) : أَيْ فُصُولُ الزَّوْجَةِ كَبِنْتِهَا وَبِنْتِ بِنْتِهَا، وَهَكَذَا (إنْ تَلَذَّذَ بِهَا) : أَيْ بِزَوْجَتِهِ الَّتِي هِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَذَلِكَ كُلُّهُ مُنْتَفٍ عِنْدَنَا، وَمِثْلُ مَنْ خُلِقَتْ مِنْ مَاءِ الزِّنَا مَنْ شَرِبَتْ مِنْ لَبَنِ امْرَأَةٍ زَنَى بِهَا إنْسَانٌ فَتَحْرُمُ تِلْكَ الْبِنْتُ عَلَى ذَلِكَ الزَّانِي الَّذِي شَرِبَتْ مِنْ مَائِهِ وَهَذَا مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ. قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ زَوْجُهُمَا] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ تَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِأُمِّ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَابْنَةِ زَوْجَةِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا وَلَدَتْهَا أُمُّهَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ بِأَبِيهِ فَتَحِلُّ إجْمَاعًا، وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْهَا أُمُّهَا بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ بِأَبِيهِ وَفَارَقَتْ فَقِيلَ بِحِلِّهَا وَقِيلَ بِحُرْمَتِهَا وَقِيلَ يُكْرَهُ نِكَاحُهَا. قَوْلُهُ: [فَيَحْرُمُ عَلَيْك زَوْجَةُ أَبِيك] : أَيْ وَلَوْ مِنْ زِنَا وَكَذَا يُقَالُ فِي زَوْجَةِ الْجَدِّ وَالِابْنِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ] : أَيْ الصَّحِيحِ وَمِثْلُهُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَانَ الْعَقْدُ لِكَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، لِأَنَّ عَقْدَ الصَّغِيرِ مُحَرِّمٌ لِلْأُصُولِ بِخِلَافِ وَطْئِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ الْفُرُوعَ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَوْ كَانَ مُرَاهِقًا بِخِلَافِ الصَّبِيَّةِ فَإِنَّ بِالتَّلَذُّذِ بِهَا يُحَرِّمُ فُرُوعُهَا - كَمَا يَأْتِي. وَأَمَّا عَقْدُ الرَّقِيقِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إذَا رَدَّهُ السَّيِّدُ فَلَا يُحَرِّمُ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ مِنْ أَصْلِهِ بِالرَّدِّ، وَانْظُرْ هَلْ مِثْلُهُ عَقْدُ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ لِكَوْنِهِ غَيْرَ لَازِمٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَف فِيهِ لِأَنَّ الْفَاسِدَ الْمُخْتَلَفَ

الْأُمُّ؛ فَلَا يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ إلَّا الدُّخُولُ بِالْأُمَّهَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] الْمُرَادُ بِنْتُ الزَّوْجَةِ {مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23] وَالْمُرَادُ بِالدُّخُولِ: مُطْلَقُ التَّلَذُّذِ وَلَوْ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، (وَإِنْ) كَانَ التَّلَذُّذُ بِالْأُمِّ (بَعْدَ مَوْتِهَا، وَلَوْ) تَلَذَّذَ (بِنَظَرٍ لِغَيْرِ وَجْهٍ وَكَفَّيْنِ) كَشَعْرِهَا وَبَدَنِهَا وَسَاقَيْهَا، وَأَمَّا التَّلَذُّذُ بِالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ فَمُحَرِّمٌ مُطْلَقًا؛ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي النَّظَرِ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: النَّظَرُ لِلْوَجْهِ لَغْوٌ اتِّفَاقًا. وَلِغَيْرِهِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُحَرِّمُ، (كَالْمِلْكِ) تَشْبِيهٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ الْمُحَرِّمَ فِيهِ التَّلَذُّذُ لَا مُجَرَّدُ الْمِلْكِ، فَقَوْلُهُ: " كَالْمِلْكِ " أَيْ التَّلَذُّذُ بِهِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ أُصُولَهَا وَفُصُولَهَا، وَتَحْرُمُ هِيَ بِهِ عَلَى أُصُولِهِ وَفُصُولِهِ لَا إنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ بِهَا. وَمِثْلُ الْمِلْكِ شُبْهَتُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ لَازِمٌ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى حِلِّهِ، بِخِلَافِ نِكَاحِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالسَّفِيهِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى حِلِّهِ، وَقِيلَ إنَّهُ مُحَرِّمٌ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَقْدِ الْمُحَرَّمِ كَوْنُهُ لَازِمًا كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ، وَاَلَّذِي صَوَّبَهُ (بْن) هَذَا الْأَخِيرُ وَذَكَرَ أَنَّهُ نَصَّ فِي التَّهْذِيبِ عَلَى تَحْرِيمِ عَقْدِ الرَّقِيقِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَانْظُرْهُ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [مُطْلَقُ التَّلَذُّذِ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ وَلَمْ يَتَلَذَّذْ فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا أَنَّ اللِّوَاطَ بِابْنِ الزَّوْجَةِ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِابْنِ حَنْبَلٍ. قَوْلُهُ: [وَتُحَرَّمُ هِيَ بِهِ عَلَى أُصُولِهِ وَفُصُولِهِ] إلَخْ: فَلَوْ وَرِثَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَطِئَهَا أَمْ لَا فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تَحِلُّ، وَبِهِ الْعَمَلُ وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ فِي الْعُلْيَةِ، وَقَالَ: يُنْدَبُ التَّبَاعُدُ فِي الْوَخْشِ وَلَا تَحْرُمُ الْإِصَابَةُ، وَكَذَا إنْ بَاعَهَا الْأَبُ لِابْنِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ ثُمَّ غَابَ الْبَائِعُ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ فَلَا تَحِلُّ مُطْلَقًا، أَوْ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَلَوْ أَخْبَرَ الْبَائِعُ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِعَدَمِ الْإِصَابَةِ صُدِّقَ فَإِنْ بَاعَهَا الْأَبُ لِأَجْنَبِيٍّ وَالْأَجْنَبِيُّ بَاعَهَا لِلْوَلَدِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَبَ أَخْبَرَ الْأَجْنَبِيَّ بِعَدَمِ إصَابَتِهَا وَالْأَجْنَبِيُّ أَخْبَرَ الْوَلَدَ بِذَلِكَ فَهَلْ يُصَدَّقُ أَوْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَجْنَبِيَّ إنْ كَانَ شَأْنُهُ الصِّدْقَ فِي إخْبَارِهِ صُدِّقَ وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

وَلَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا فَتَلَذُّذُ الْبَالِغِ بِالصَّغِيرَةِ مُحَرِّمٌ. (وَلَا يُحَرِّمُ الزِّنَا عَلَى الْأَرْجَحِ) مِنْ الْخِلَافِ، فَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ جَازَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُصُولِهَا وَفُصُولِهَا وَجَازَتْ هِيَ لِأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَلَوْ زَنَى بِبِنْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِالْعَكْسِ. وَالْمُقَابِلُ يَقُولُ: إنَّهُ يُحَرِّمُ. (وَمِنْهُ) : أَيْ مِنْ الزِّنَا الَّذِي لَا يُحَرِّمُ نِكَاحًا (مُجْمَعٌ) عَلَى فَسَادِهِ (لَمْ يَدْرَأْ الْحَدَّ) كَنِكَاحِ مُعْتَدَّةٍ وَخَامِسَةٍ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُحَدَّ وَحَرَّمَ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ فَعَقْدُهُ مُحَرِّمٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَى فَسَادِهِ إنْ دَرَأَ الْحَدَّ حَرَّمَ وَطْؤُهُ وَالتَّلَذُّذُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْرَأْ الْحَدَّ فَهُوَ مِنْ الزِّنَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ نَشْرِهِ الْحُرْمَةَ. (بِخِلَافِ) شُبْهَةِ النِّكَاحِ أَوْ الْمِلْكِ مِثْلُ (مَنْ حَاوَلَ) : أَيْ قَصَدَ وَأَرَادَ (تَلَذُّذًا بِحَلِيلَتِهِ) مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ (فَالْتَذَّ بِابْنَتِهَا أَوْ أُمِّهَا) غَلَطًا فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الْحَلِيلَةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. (وَ) حَرُمَتْ (خَامِسَةٌ) لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَجَازَ لِلْعَبْدِ الْأَرْبَعَةُ كَالْحُرِّ، وَلَوْ جَمَعَ الْخَمْسَةَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَكَانَ عَقْدًا فَاسِدًا اتِّفَاقًا. (وَ) حَرُمَ (جَمْعُ اثْنَتَيْنِ) لَوْ قُدِّرَتْ (كُلٌّ) مِنْهُمَا (ذَكَرًا حَرُمَ) عَلَى الْأُخْرَى كَالْأُخْتَيْنِ وَالْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا وَالْخَالَةِ مَعَ بِنْتِ أُخْتِهَا، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّك لَوْ قَدَّرْت إحْدَى الْأُخْتَيْنِ ذَكَرًا لَحَرُمَ نِكَاحُهُ أُخْتَهُ، وَلَوْ قُدِّرَتْ الْعَمَّةُ ذَكَرًا لَحَرُمَ عَلَيْهِ بِنْتُ أَخِيهِ وَكَذَا الْعَكْسُ، وَلَوْ قُدِّرَتْ الْخَالَةُ ذَكَرًا لَكَانَ خَالًا، وَلَوْ قُدِّرَتْ بِنْتُ الْأُخْتِ ذَكَرًا لَحَرُمَ عَلَيْهِ خَالَتُهُ. فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ وَبِنْتُ زَوْجِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَالْمُقَابِلُ يَقُولُ] إلَخْ: أَيْ بِخِلَافِ اللِّوَاطِ بِابْنِ امْرَأَتِهِ فَلَا يُحَرِّمُهَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [فَالْتَذَّ بِابْنَتِهَا] إلَخْ: أَيْ لَا بِابْنِهَا فَالْغَلَطُ فِيهِ لَا يُحَرِّمُ قَوْلُهُ: [فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ وَبِنْتُ زَوْجِهَا] إلَخْ: وَلِذَلِكَ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَجَمَعَ مَرْأَةً وَأُمَّ الْبَعْلِ أَوْ بِنْتَه أَوْ رِقَّهَا ذُو حِلٍّ.

أَوْ أُمُّهُ، وَالْمَرْأَةُ وَأَمَتُهَا فَيَجُوزُ جَمْعُهُمَا، فَإِنَّك لَوْ قَدَّرْت الْمَالِكَةَ ذَكَرًا جَازَ لَهُ وَطْءُ أَمَتِهِ. (كَوَطْئِهِمَا) : أَيْ الثِّنْتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَوْ قَدَّرْت كُلًّا مِنْهُمَا ذَكَرًا حَرُمَ عَلَى الْأُخْرَى (بِالْمِلْكِ) ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِخِلَافِ جَمْعِهِمَا بِالْمِلْكِ بِلَا وَطْءٍ وَلَا تَلَذُّذٍ بِهِمَا فَلَا يَحْرُمُ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا وَتَرَكَ الْأُخْرَى لِلْخِدْمَةِ مَثَلًا لَمْ يَحْرُمْ. (وَفُسِخَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ) مِنْ مُحَرَّمَتَيْ الْجَمْعِ (بِلَا طَلَاقٍ) لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى فَسَادِهِ، (وَلَا مَهْرَ) لَهَا إذَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ لِفَسْخِهِ بِلَا طَلَاقٍ أَيْ لَيْسَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ (إنْ صَدَّقَتْهُ) أَيْ الزَّوْجَ عَلَى أَنَّهَا الثَّانِيَةُ لِإِقْرَارِهَا، بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا وَأَوْلَى إنْ شَهِدَتْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا الثَّانِيَةُ، (وَإِلَّا) تُصَدِّقْهُ بَلْ ادَّعَتْ أَنَّهَا الْأُولَى وَلَا بَيِّنَةَ (حَلَفَ) إنَّهَا الثَّانِيَةُ لِسُقُوطِ الْمَهْرِ عَنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ، وَيُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِطَلَاقٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا الْأُولَى، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَاسْتَحَقَّتْهُ، فَإِنْ دَخَلَ فَلَهَا الْمَهْرُ بِالدُّخُولِ صَدَّقَتْهُ أَوْ لَمْ تُصَدِّقْهُ. (وَإِنْ جَمَعَهُمَا بِعَقْدٍ) وَاحِدٍ (فُسِخَ) بِلَا طَلَاقٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَسْخِهِ. (وَتَأَبَّدَ) عَلَيْهِ (تَحْرِيمُ الْأُمِّ وَبِنْتِهَا إنْ دَخَلَ بِهِمَا) مَعًا لِاسْتِنَادِ التَّلَذُّذِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَإِنَّك لَوْ قَدَّرْت الْمَالِكَةَ ذَكَرًا] : أَيْ كَذَا لَوْ قَدَّرْنَا امْرَأَةَ الرَّجُلِ لَمْ يَحْرُمْ وَطْءُ أُمِّ زَوْجِهَا وَلِابْنَتِهِ بِنِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ، لِأَنَّهَا أُمُّ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ. قَوْلُهُ: [لِفَسْخِهِ بِلَا طَلَاقٍ] : الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّ كُلَّ مَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، سَوَاءٌ كَانَ الْفَسْخُ بِطَلَاقٍ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا تُصَدِّقْهُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تُصَدِّقْهُ بِأَنْ قَالَتْ: أَنَا الْأُولَى، أَوْ لَا عِلْمَ عِنْدِي فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فُسِخَ بِطَلَاقٍ وَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ، وَحَلَفَ هُوَ أَنَّهَا ثَانِيَةً لِأَجْلِ إسْقَاطِ النِّصْفِ الْوَاجِبِ لَهَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا الْأُولَى، وَأَنَّ نِكَاحَهَا صَحِيحٌ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ لَهَا النِّصْفَ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ إنْ قَالَتْ لَا عِلْمَ عِنْدِي، لِأَنَّهَا تُشْبِهُ دَعْوَى الِاتِّهَامِ، وَبَعْدَ يَمِينِهَا إنْ قَالَتْ أَنَا الْأُولَى فَإِنْ نَكَلَتْ فَلَا شَيْءَ لَهَا وَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ فُسِخَ النِّكَاحُ بِطَلَاقٍ أَيْضًا وَكَانَ لَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا بِالْبِنَاءِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا وَبَقِيَ عَلَى نِكَاحِ الْأُولَى بِدَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ.

[تنبيه في أرث من تزوج خمسا وصداقهن]

بِهِمَا لِنِكَاحٍ وَإِنْ أُجْمِعَ عَلَى فَسَادِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ دَرَأَ الْحَدَّ، فَإِنْ لَمْ يَدْرَأْهُ حَرَّمَ أَيْضًا إنْ قُلْنَا إنَّ الزِّنَا يُحَرِّمُ. (وَلَا إرْثَ) بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَسَادِهِ. (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا (حَلَّتَا) لِأَنَّ عَقْدَهُ عَدَمٌ (وَإِنْ دَخَلَ) بِوَاحِدَةٍ دُونَ الْأُخْرَى (حَرُمَتْ الْأُخْرَى) الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَيْ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا لِتَلَذُّذِهِ بِأُمِّهَا أَوْ بِنْتِهَا، وَأَمَّا الَّتِي دَخَلَ بِهَا فَتَحِلُّ لَهُ بَعْدَ فَسْخِ الْأَوَّلِ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ. (وَحَلَّتْ الثَّانِيَةُ مِنْ) كُلِّ مُحَرَّمَتَيْ الْجَمْعِ (كَأُخْتَيْنِ) إذَا كَانَ تَحْتَهُ إحْدَاهُمَا بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ وَتَلَذُّذٍ بِهَا، وَأَرَادَ وَطْءَ الثَّانِيَةِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ حَلَّتْ لَهُ (بِبَيْنُونَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ دَرَأَ الْحَدَّ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ يَعْتَقِدُ حِلَّ نِكَاحِ الْأُمِّ وَابْنَتِهَا، أَوْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْقَرَابَةِ مِنْ أَصْلِهَا. قَوْلُهُ: [لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَسَادِهِ] : أَيْ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَى فَسَادِهِ لَا يُوجِبُ الْمِيرَاثَ، وَلَوْ حَصَلَ الْمَوْتُ قَبْلَ الْفَسْخِ. [تَنْبِيه فِي أرث مِنْ تَزَوَّجَ خمسا وَصَدَاقهنَّ] قَوْلُهُ: [وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ جَمَعَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ وَدَخَلَ بِوَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا الْأُولَى ثَبَتَ عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ إنْ كَانَتْ الْبِنْتَ، وَفُسِخَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَتَأَبَّدَتْ وَإِنْ كَانَ الْمَدْخُولُ بِهَا الْأُمَّ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: إنَّهُمَا يَحْرُمَانِ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا، وَإِنْ دَخَلَ بِالثَّانِيَةِ وَكَانَتْ الْبِنْتَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ، وَكَانَ لَهَا صَدَاقُهَا، وَلَهُ تَزْوِيجُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُمَّ حَرُمَتَا أَبَدًا، أَمَّا الْأُمُّ فَلِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ، وَأَمَّا الْبِنْتُ فَلِأَنَّ الدُّخُولَ بِالْأُمَّهَاتِ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا كَمَا هُنَا وَلَا مِيرَاثَ، وَهَذَا كُلُّهُ إنْ تَرَتَّبَتَا وَعُلِمَتْ السَّابِقَةُ، وَأَمَّا إنْ تَرَتَّبَتَا وَلَمْ تُعْلَمْ السَّابِقَةُ وَمَاتَ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهِمَا، وَالْإِرْثُ بَيْنَهُمَا لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَجَهْلِ مُسْتَحِقِّهِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ صَدَاقِهَا الْمُسَمَّى لَهَا لِأَنَّ الْمَوْتَ كَمَّلَهُ فَكُلٌّ تَدَّعِيهِ وَالْوَارِثُ يُنَاكِرُهَا، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَمَا قِيلَ فِي الْأُمِّ وَابْنَتِهَا يُقَالُ فِي كُلِّ مُحَرَّمَتَيْ الْجَمْعِ مَا عَدَا تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ. تَنْبِيهٌ: مَنْ تَزَوَّجَ خَمْسًا فِي عُقُودٍ أَوْ أَرْبَعًا فِي عَقْدٍ وَأَفْرَدَ الْخَامِسَةَ وَلَمْ تَعْلَمْ

الْأُولَى) بِخُلْعٍ أَوْ بَتٍّ أَوْ بِانْقِضَاءِ عِدَّةِ رَجْعِيٍّ. (أَوْ زَوَالِ مِلْكِهَا بِعِتْقٍ وَإِنْ لِأَجَلٍ أَوْ كِتَابَةٍ) لَا تَدْبِيرٍ لِجَوَازِ وَطْئِهَا (أَوْ نِكَاحٍ) : أَيْ عَقْدٍ (لَزِمَ) وَلَا يَكُونُ إلَّا صَحِيحًا أَيْ بِتَزْوِيجِهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ وَلَوْ لَزِمَ بِالدُّخُولِ (أَوْ أَسْرٍ) لَهَا لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْيَأْسِ (أَوْ إبَاقِ إيَاسٍ) لَا يُرْجَى مِنْهُ عَوْدُهَا وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا فِي الْمَوْطُوءَةِ بِمِلْكٍ فَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ مَنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخَامِسَةُ فَالْإِرْثُ بَيْنَهُنَّ أَخْمَاسًا وَلِمَنْ مَسَّهَا مِنْهُنَّ صَدَاقُهَا، فَإِذَا دَخَلَ بِالْجَمِيعِ فَلَهُنَّ خَمْسَةُ أَصْدِقَةٍ أَوْ بِأَرْبَعٍ فَلِكُلٍّ صَدَاقُهَا، وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا نِصْفُ صَدَاقِهَا لِأَنَّهَا تَدَّعِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَامِسَةٍ، وَالْوَارِثُ يُكَذِّبُهَا فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَبِثَلَاثٍ فَلِكُلٍّ صَدَاقُهَا، وَلِلْبَاقِي صَدَاقٌ وَنِصْفٌ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ صَدَاقِهَا بِنِسْبَةِ قَسْمِ صَدَاقٍ وَنِصْفٍ عَلَيْهِمَا، وَبِاثْنَتَيْنِ فَلِلْبَاقِي صَدَاقَانِ وَنِصْفٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقٌ إلَّا سُدُسًا، وَبِوَاحِدَةٍ فَلِلْبَاقِي ثَلَاثَةُ أَصْدِقَةٍ وَنِصْفٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقٌ إلَّا ثُمُنًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ فَأَرْبَعَةُ أَصْدِقَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ صَدَاقٌ إلَّا خُمُسًا كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَوْ بِانْقِضَاءِ عِدَّةِ رَجْعِيٍّ] : أَيْ وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى فَرْجِهَا، فَإِنْ ادَّعَتْ احْتِبَاسَ الدَّمِ صُدِّقَتْ بِيَمِينٍ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ لِانْقِضَاءِ سَنَةٍ، فَإِنْ ادَّعَتْ بَعْدَهَا تَحَرُّكًا نَظَرَهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ صَدَّقْنَهَا تَرَبَّصَتْ لِأَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ تَرَبُّصٌ، وَهَلْ مَنْعُ الرَّجُلِ مِنْ نِكَاحِ كَالْأُخْتِ فِي مُدَّةِ عِدَّةِ تِلْكَ الْمُطَلَّقَةِ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ يُسَمَّى عِدَّةً أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَعْتَدُّ فِيهَا الرَّجُلُ. ثَانِيهَا: مَنْ تَحْتَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً، وَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً فَلَا بُدَّ مِنْ تَرَبُّصِهِ حَتَّى تَخْرُجَ الْأُولَى مِنْ الْعِدَّةِ إنْ كَانَ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا. ثَالِثُهَا: إذَا مَاتَ رَبِيبُهُ وَادَّعَى أَنَّ زَوْجَتَهُ حَامِلٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ زَوْجَتَهُ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ لِيَنْظُرَ هَلْ هِيَ حَامِلٌ فَيَرِثُ حَمْلُهَا أَوْ لَا؟ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ قَدْ يَجْتَنِبُهَا فِي غَيْرِ هَذَا كَالِاسْتِبْرَاءِ مِنْ فَاسِدٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّجَنُّبُ لِغَيْرِ مَعْنًى طَرَأَ عَلَى الْبُضْعِ.

وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلَا تَحِلُّ أُخْتُهَا إلَّا إذَا بَتَّهَا أَوْ عَلِمَ بِمَوْتِهَا. (أَوْ بَيْعٍ) لِمَنْ تَلَذَّذَ بِهَا، (وَلَوْ دَلَّسَ فِيهِ) فَتَحِلُّ أُخْتُهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَيْبِ الَّذِي كَتَمَهُ الْبَائِعُ أَوْ يَرْضَى بِهِ (لَا بِفَاسِدٍ) ، أَيْ لَا تَحِلُّ الثَّانِيَةُ بِبَيْعِ مَنْ تَلَذَّذَ بِهَا بَيْعًا فَاسِدًا (لَمْ يَفُتْ) : أَيْ قَبْلَ فَوَاتِهِ بِحَوَالَةِ سُوقٍ فَأَعْلَى، فَإِنْ فَاتَ وَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقِيمَةُ أَوْ الثَّمَنُ حَلَّتْ الثَّانِيَةُ، وَكَذَا إذَا زَوَّجَهَا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا نِكَاحًا فَاسِدًا وَلَمْ يَفُتْ بِالدُّخُولِ فَإِنْ فَاتَ حَلَّتْ. (وَلَا) تَحِلُّ الثَّانِيَةُ بِطُرُوِّ (حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) لِمَنْ تَلَذَّذَ بِهَا (وَ) لَا (اسْتِبْرَاءٍ مِنْ غَيْرِهِ) بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ زِنًا، (وَ) لَا (مُوَاضَعَةٍ وَ) لَا (خِيَارٍ) وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ بَائِعِهَا لِأَنَّ ضَمَانَهَا فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ وَالْخِيَارِ مِنْ الْبَائِعِ، (وَ) لَا (إحْرَامٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (وَ) لَا (هِبَةٍ لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ) مَجَّانًا كَوَلَدِهِ قَبْلَ حُصُولِ مُفَوِّتِ وَعِيدِهِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الِاعْتِصَارُ (بِشِرَاءٍ) كَيَتِيمِهِ الَّذِي تَحْتَ حَجْرِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [فَلَا تَحِلُّ أُخْتُهَا] : الْأُولَى كَأُخْتِهَا وَالْمَعْنَى فَلَا يَحِلُّ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ مَعَهَا بِأَسْرِهَا أَوْ إبَاقِهَا، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي حَالِ أَسْرِهَا طَلَاقًا بَائِنًا حَلَّ مَنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا، وَأَمَّا مَنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَمْ يَحِلَّ مَنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا إلَّا بِمُضِيِّ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ أَسْرِهَا لِاحْتِمَالِ حَمْلِهَا وَتَأَخُّرِهَا أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، وَثَلَاثُ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ طَلَاقِهَا لِاحْتِمَالِ رَبِيبَتِهَا وَحَيْضِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، هَذَا إذَا كَانَ يُحْتَمَلُ حَمْلُهَا مِنْهُ وَإِلَّا حَلَّتْ بِمُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ طَلَاقِهَا، كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ دَلَّسَ فِيهِ] : إنَّمَا بَالَغَ عَلَى ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ. قَوْلُهُ: [بِوَطْءِ شُبْهَةٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَبَسَهَا مِنْ عِدَّةِ نِكَاحٍ لَكَانَ النِّكَاحُ وَحْدَهُ مُحَرِّمًا وَالْعِدَّةُ مِنْ تَوَابِعِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَا مُوَاضَعَةٍ] إلَخْ: أَيْ وَلَا عُهْدَةِ ثَلَاثٍ. قَوْلُهُ: [فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ] إلَخْ: أَيْ وَالْعُهْدَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا هِبَةٍ لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا] إلَخْ: الْمُرَادُ بِالْهِبَةِ هُنَا هِبَةُ غَيْرِ الثَّوَابِ بِدَلِيلِ الِاعْتِصَارِ، لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْعٌ وَلَا اعْتِصَارَ فِيهِ. قَوْلُهُ: [كَوَلَدِهِ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.

[تنبيه دعوى المبتوتة الطارئة من بلد بعيد]

فَلَا تَحِلُّ الثَّانِيَةُ (كَصَدَقَةٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ فَلَا تَحِلُّ بِهَا الثَّانِيَةُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا لَمْ تُحَزْ الصَّدَقَةُ لِلصَّغِيرِ أَوْ لَمْ يَحُزْهَا الْكَبِيرُ. وَأَمَّا إنْ حِيزَتْ فَقَالَ الشَّيْخُ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: بِخِلَافِ صَدَقَةٍ عَلَيْهِ إنْ حِيزَتْ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي وَلَهُ انْتِزَاعُهَا بِالْبَيْعِ كَمَا فِي حَقِّ الْيَتِيمِ انْتَهَى، فَإِطْلَاقُنَا فِي الْمَتْنِ تَبَعًا لِمَا لِابْنِ فَرْحُونٍ. (وَإِنْ تَلَذَّذَ بِهِمَا) بِوَطْءٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ (وُقِفَ) عَنْهُمَا مَعًا وُجُوبًا (لِيُحَرِّمَ) وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ السَّابِقَةِ: (فَإِنْ أَبْقَى) لِنَفْسِهِ (الثَّانِيَةَ اسْتَبْرَأَهَا) بِحَيْضَةٍ مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الْإِيقَافِ، وَإِنْ أَبْقَى الْأُولَى فَلَا اسْتِبْرَاءَ إلَّا أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ وَطْءِ الثَّانِيَةِ أَوْ زَمَنِ الْإِيقَافِ. (وَإِنْ عَقَدَ) عَلَى امْرَأَةٍ (أَوْ تَلَذَّذَ) بِوَطْءٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ (بِمِلْكٍ) : أَيْ بِسَبَبِ مِلْكِهِ لَهَا (فَاشْتَرَى مَنْ) يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ التَّلَذُّذِ بِالْمِلْكِ بِالْأُولَى، (فَالْأُولَى) الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا أَوْ تَلَذَّذَ بِهَا هِيَ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ دُونَ الْمُشْتَرَاةِ، فَإِنْ قَرَبَ الْمُشْتَرَاةَ وُقِفَ لِيُحَرِّمَ. (وَ) حَرُمَتْ (الْمَبْتُوتَةُ) وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا فِي مَرَّاتٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَهُ انْتِزَاعُهَا بِالْبَيْعِ] : لَا يُقَالُ إنَّ شِرَاءَ الْوَلِيِّ مَالَ مَحْجُورِهِ لَا يَجُوزُ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ نَزْعُهَا بِالْبَيْعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ شِرَاءُ مَالِ الْمَحْجُورِ الَّذِي لَمْ يَهَبْهُ لَهُ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لَهُ فَيُكْرَهُ لَهُ شِرَاؤُهُ وَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مَنْعَ تَحْرِيمٍ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. تَنْبِيهٌ: مِمَّا يَحِلُّ كَالْأُخْتِ إخْدَامُ الْمَوْطُوءَةِ سِنِينَ كَثِيرَةً أَرْبَعَةً فَأَكْثَرَ، وَمِثْلُ الْكَثِيرَةِ حَيَاةُ الْمُخْدِمِ، وَإِنَّمَا حَلَّ وَطْءُ كَأُخْتِهَا بِالْإِخْدَامِ لِأَنَّ مَنْ أَخْدَمَ أَمَةً حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا قَلَّ زَمَنُ الْخِدْمَةِ أَوْ كَثُرَ، إلَّا أَنَّهُ لَا تَحِلُّ كَالْأُخْتِ إلَّا إذَا كَثُرَ زَمَنُ الْخِدْمَةِ لَا إنْ قَلَّ فَلَا يُوجِبُ حِلَّ كَأُخْتِهَا، لِأَنَّهُ كَالْإِحْرَامِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ الثَّانِيَةَ اسْتَبْرَأَهَا] : أَيْ لِفَسَادِ مَائِهِ الْحَاصِلِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَإِنْ لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ قَرَبَ الْمُشْتَرَاةَ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ وَطْءِ كَالْأُخْتَيْنِ. [تَنْبِيه دعوى الْمَبْتُوتَة الطَّارِئَة مِنْ بَلَد بعيد] قَوْلُهُ: [وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلِهَا فَأَحْنَثَتْهُ قَصْدًا

أَوْ مَرَّةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا. أَنْتِ طَالِقٌ بِالثَّلَاثِ، أَوْ نَوَى الثَّلَاثَ، أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ - أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالنِّسْبَةِ لِلْحُرِّ، أَوْ اثْنَتَيْنِ لِلْعَبْدِ (حَتَّى تَنْكِحَ) زَوْجًا (غَيْرَهُ) لَا بِوَطْءِ مَالِكِهَا بَعْدَ بَتِّهَا. (نِكَاحًا صَحِيحًا) لَا بِفَاسِدٍ كَمَا يَأْتِي. (لَازِمًا) لِلزَّوْجَيْنِ وَلَوْ بَعْدَ الْإِجَازَةِ مِنْ سَيِّدٍ أَوْ وَلِيٍّ لَا غَيْرَ لَازِمٍ، كَنِكَاحٍ مَحْجُورٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ وَلِيِّهِ إلَّا بِوَطْءٍ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَكَنِكَاحِ ذِي عَيْبٍ إلَّا بِوَطْءٍ بَعْدَ الرِّضَا. (وَيُولِجُ) الزَّوْجُ: أَيْ يُدْخِلُ، فَلَا تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَا بِالتَّلَذُّذِ بَعْدَهُ بِدُونِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَشْهَبَ فِي الْأَوَّلِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الثَّانِي. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ مَثَلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَدَخَلَتْهَا قَاصِدَةً حِنْثَهُ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، خِلَافًا لِأَشْهَبَ الْقَائِلِ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ مَقْصُودِهَا، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ: وَهَذَا الْقَوْلُ شَاذٌّ وَالْمَشْهُورُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مِثْلَهُ، وَقَوْلُنَا أَوْ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَنَا أَيْ كَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَالشِّغَارِ، وَإِنْكَاحِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَنْكِحَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهَا وَفَسَادِهَا، وَمَذْهَبُنَا فَسَادُهَا فَإِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ فِي هَذِهِ الْأَنْكِحَةِ ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ الْقَائِلِ إنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ نَظَرًا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ عَلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ، وَلَا يَتَزَوَّجُهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ فَلَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهُ نَظَرًا لِمَذْهَبِهِ مِنْ فَسَادِ النِّكَاحِ وَعَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ، فَيَكُونُ، هَذَا النِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا. قَوْلُهُ: [أَوْ مَرَّةً] : خِلَافًا لِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَوْ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ مَرَّةً وَاحِدَةً يَكُونُ رَجْعِيًّا وَيَنْسِبُهُ لِأَشْهَبَ قَالَ أَشْيَاخُنَا هِيَ نِسْبَةٌ بَاطِلَةٌ وَأَشْهَبُ بَرِيءٌ مِنْهَا. قَوْلُهُ: [بِالنِّسْبَةِ لِلْحُرِّ] : أَيْ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً، وَقَوْلُهُ، أَوْ اثْنَتَيْنِ لِلْعَبْدِ أَيْ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً. -

وَطْءٍ حَالَ كَوْنِهِ (بَالِغًا) لَا صَبِيًّا (حَشَفَتَهُ) كُلَّهَا بَعْدِ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَلُزُومِهِ (بِانْتِشَارٍ) أَيْ مَعَ انْتِصَابِ ذَكَرِهِ لَا بِدُونِهِ (فِي الْقُبُلِ) ، وَلَوْ بَعْدَ الْإِيلَاجِ لَا الدُّبُرِ وَلَا الْفَخِذَيْنِ وَلَا خَارِجَهُ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ. (بِلَا مَانِعٍ) شَرْعِيٍّ كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَإِحْرَامٍ وَصَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ. (وَلَا نَكِرَةَ فِيهِ) : أَيْ فِي الْإِيلَاجِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِأَنْ أَقَرَّا بِهِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمَا إقْرَارٌ وَلَا إنْكَارٌ، فَإِنْ أَنْكَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ تَحِلَّ. (مَعَ عِلْمِ خَلْوَةٍ) بَيْنَهُمَا (وَلَوْ بِامْرَأَتَيْنِ) لَا إنْ لَمْ تُعْلَمْ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ تَصَادُقِهِمَا عَلَيْهَا، (وَ) مَعَ عِلْمِ (زَوْجَةٍ فَقَطْ) بِالْوَطْءِ احْتِرَازًا مِنْ النَّائِمَةِ وَالْمُغْمَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [حَالَ كَوْنِهَا بَالِغًا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا عَبْدٌ وَلَوْ مِلْكًا لِلزَّوْجِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَكَانَ بَالِغًا وَأَوْلَجَ فِيهَا حَشَفَتَهُ فَقَدْ حَلَّتْ، فَلَوْ كَانَ مِلْكًا لِلزَّوْجِ وَوَهَبَهُ لَهَا بَعْدَ الْإِيلَاجِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَكَانَ لِمُطَلَّقِهَا الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ. قَوْلُهُ: [لَا صَبِيًّا] إلَخْ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَكْفِي، وَمِنْ هُنَا الْمُلَفَّقَةُ وَاحْتِيَاجُهَا لِقَاضِيَيْنِ بِعَقْدِ الشَّافِعِيِّ، وَيُطَلِّقُ مَالِكِيٌّ الْمُصْلِحَةَ لِرَفْعِ الْخِلَافِ وَإِلَّا فَالتَّلْفِيقُ كَافٍ بِدُونِهِمَا، لَكِنَّهَا لَا تُنَاسِبُ الِاحْتِيَاطَ فِي الْفُرُوجِ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَسَمِعْت مِنْ أَشْيَاخِنَا قَدِيمًا التَّشْنِيعُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُهَا. قَوْلُهُ: [وَصَوْمٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ يُحِلُّهَا، وَقِيلَ إنَّ مَحَلَّ الْمَنْعِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فِيمَا عَدَاهُمَا كَصِيَامِ التَّطَوُّعِ وَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّهُ يُحِلُّهَا اتِّفَاقًا وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ كَذَا فِي التَّوْضِيحِ نَقَلَهُ الْبُنَانِيّ، قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَوَجْهُ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ أَنَّ الصِّيَامَ يَفْسُدُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ فَبَقِيَّةُ الْوَطْءِ لَا مَنْعَ فِيهِ، بِخِلَافِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ لِلزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ حُرْمَةً (اهـ) . قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَنْكَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ بَعْدَ طُولٍ مَا لَمْ يَحْصُلْ تَصَادُقٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِنْكَارِ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِالْإِنْكَارِ كَمَا لَا عِبْرَةَ بِتَصَادُقِهِمَا بَعْدَ الْإِنْكَارِ.

عَلَيْهَا وَالْمَجْنُونَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الزَّوْجِ كَمَجْنُونٍ، (لَا) تَحِلُّ الْمَبْتُوتَةُ (بِفَاسِدٍ) أَيْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ (إنْ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَتَحِلُّ (بِوَطْءٍ ثَانٍ) بَعْدَ الْأَوَّلِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الثُّبُوتُ. وَمَثَّلَ لِلْفَاسِدِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِالدُّخُولِ بِقَوْلِهِ: (كَمُحَلِّلٍ) : وَهُوَ مِنْ تَزَوَّجَهَا بِقَصْدِ تَحْلِيلِهَا لِغَيْرِهِ إذَا نَوَى مُفَارَقَتَهَا بَعْدَ وَطْئِهَا، أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ، بَلْ (وَإِنْ نَوَى الْإِمْسَاكَ) : أَيْ إمْسَاكَهَا وَعَدَمَ فَرَاغِهَا عَلَى تَقْدِيرِ (إنْ أَعْجَبَتْهُ) ، فَلَا يَحِلُّهَا وَهُوَ نِكَاحٌ فَاسِدٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيُفْسَخُ أَبَدًا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الزَّوْجِ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: [فَتَحِلُّ بِوَطْءٍ ثَانٍ] : أَيْ وَفِي حِلِّهَا بِالْوَطْءِ الْأَوَّلِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الثُّبُوتُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّزْعَ وَطْءٌ، وَعَدَمُ حِلِّهَا بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَطْءٍ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ هُنَا تَرَدَّدَ الْأَشْيَاخُ. قَوْلُهُ: [فَلَا يُحِلُّهَا] : أَيْ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ يُحِلُّهَا عِنْدَهُمْ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ اُشْتُرِطَ التَّحْلِيلُ عَلَيْهِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ لَا يَضُرُّ إلَّا الشَّرْطُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، فَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ لَا يَضُرُّ. قَوْلُهُ: [وَيُفْسَخُ أَبَدًا] : أَيْ وَلَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وَقِيلَ مَهْرُ الْمِثْلِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى وَجْهِ التَّحْلِيلِ أَثَّرَ خَلَلًا فِي الصَّدَاقِ، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْقَوَاعِدِ كَمَا قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ. قَوْلُهُ: [بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ] : اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ أَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ لَكِنَّهُ أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَالْفَسْخُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَهُ فَالْفَسْخُ بِطَلَاقٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَابْنِ عَرَفَةَ، قَالَ الْبَاجِيُّ: عِنْدِي أَنَّهُ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، هَلْ بِطَلَاقٍ أَمْ لَا؟ وَهُوَ تَخْرِيجٌ ظَاهِرٌ كَذَا فِي (بْن) وَمَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ. تَنْبِيهٌ: تُقْبَلُ دَعْوَى الْمَبْتُوتَةِ الطَّارِئَةِ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ يَعْسُرُ عَلَيْهَا إثْبَاتُ دَعْوَاهَا التَّزَوُّجَ لِلْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهَا فِي الْإِثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ كَالْحَاضِرَةِ بِالْبَلَدِ الْمَأْمُونِ إنْ بَعُدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَعْوَاهَا التَّزَوُّجَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مَوْتُ الشُّهُودِ، وَانْدِرَاسِ الْعِلْمِ، وَفِي قَبُولِ قَوْلِ غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ مَعَ الْبُعْدِ قَوْلَانِ كَذَا فِي الْأَصْلِ.

[تنبيه تزوج العبد أبنة سيده]

وَلَا يَضُرُّ إلَّا نِيَّةُ الزَّوْجِ الْمُحَلِّلِ. (وَنِيَّتُهَا) : أَيْ الْمَرْأَةِ التَّحْلِيلَ لِلْأَوَّلِ - (كَالْمُطَلَّقِ) لَهَا - وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهَا تَتَزَوَّجُ بِزَيْدٍ لِيُحَلِّلَهَا - (لَغْوٌ) لَا أَثَرَ لَهَا؛ فَلَا تَضُرُّ فِي التَّحْلِيلِ إذَا لَمْ يَقْصِدْهَا الْمُحَلِّلُ. (وَ) حَرُمَ عَلَى الْمَالِكِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (مِلْكُهُ) : أَيْ تَزْوِيجُهُ فَلَا يَتَزَوَّجُ الذَّكَرُ أَمَتَهُ وَلَا الْأُنْثَى عَبْدَهَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ وَالْمِلْكَ لَا يَجْتَمِعَانِ لِتَنَافِي الْحُقُوقِ إذْ الْأَمَةُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ وَلَا فِي الْقِسْمَةِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَلَيْسَتْ نَفَقَتُهَا كَالزَّوْجَةِ وَلَا الْخِدْمَةُ كَالزَّوْجَةِ. (أَوْ مِلْكُ فَرْعِهِ) فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مَمْلُوكَ وَلَدِهِ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَى وَإِنْ سَفَلَ. (وَفُسِخَ) أَبَدًا إنْ وَقَعَ، (وَإِنْ طَرَأَ) مِلْكُهُ أَوْ مِلْكُ فَرْعِهِ بَعْدَ التَّزْوِيجِ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ إرْثٍ؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ أَوْ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [تَنْبِيه تَزَوَّجَ الْعَبْد أبنة سِيدَهْ] قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ عَلَى الْمَالِكِ] : لَمَّا كَانَ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ الرِّقُّ وَهُوَ قِسْمَانِ مَا يَمْنَعُ مُطْلَقًا وَمَا يَمْنَعُ مِنْ جِهَةٍ شَرَعَ فِي ذَلِكَ وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: [لِتَنَافِي الْحُقُوقِ] : أَيْ لِأَنَّهَا تُطَالِبُهُ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَهُوَ يُطَالِبُهَا بِحُقُوقِ الرِّقِّيَّةِ، فَيَصِيرُ عَائِلًا وَمَعُولًا وَآمِرًا وَمَأْمُورًا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ ذَكَرٍ] إلَخْ: أَيْ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي لِلْأَصْلِ فِي مَالِ فَرْعِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَصْلُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْعِ مَا يَشْمَلُ وَلَدَ الْبِنْتِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْأُجْهُورِيِّ وَالْقَلْشَانِيِّ وَزَرُّوقٍ، وَصَوَّبَهُ (بْن) خِلَافًا (لعب) مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى غَيْرِ وَلَدِ الْبِنْتِ، لِأَنَّهُ ابْنُ رَجُلٍ آخَرَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ وَنَحْوُهُ لِلتَّتَّائِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [أَوْ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا] : أَيْ وَلَوْ كَانَ طُرُوُّ مِلْكِهَا لِزَوْجِهَا بِدَفْعِ مَالٍ مِنْهَا لِسَيِّدِهِ فَيُعْتِقُهُ عَنْهَا، وَمِثْلُ دَفْعِ الْمَالِ مَا لَوْ سَأَلَتْهُ أَوْ رَغَّبَتْهُ فِي أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْهَا فَفَعَلَ، فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَأَلَتْهُ أَوْ رَغَّبَتْهُ فِي

أَوْ اشْتَرَاهَا أَوْ اشْتَرَاهُ فَرْعُ كُلٍّ - (بِلَا طَلَاقٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ (وَمِلْكُ أَبٍ) وَإِنْ عَلَا (أَمَةَ وَلَدِهِ) الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَى (بِتَلَذُّذِهِ) أَيْ الْأَبِ بِهَا بِوَطْءٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ (بِالْقِيمَةِ) يَوْمَ التَّلَذُّذِ، وَيُتْبَعُ بِهَا فِي ذِمَّتِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعِتْقِهِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ مَالٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ عَنْ نَفْسِهَا فَأَعْتَقَهُ وَلَوْ عَنْهَا فَلَا يَنْفَسِخُ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْفَسْخِ لَوْ اشْتَرَتْ أَمَةَ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَرَدَّ السَّيِّدُ ذَلِكَ أَوْ قَصَدَ سَيِّدُ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةُ الْحُرَّةُ أَوْ الْأَمَةُ الْمَمْلُوكَةُ لِسَيِّدِ الزَّوْجِ بِبَيْعِ زَوْجِهَا، لَهَا الْفَسْخُ لِنِكَاحِهِ، فَلَا يَنْفَسِخُ مُعَامَلَةً بِنَقِيضِ الْقَصْدِ، وَكَذَا لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ فَقَطْ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ السَّيِّدُ زَوْجَةً مَمْلُوكَةً لَهُ بِقَصْدِ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنْهُ وَلَمْ يَقْبَلْ الْهِبَةَ الْعَبْدُ، فَإِنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ مَعَ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [بِلَا طَلَاقٍ] : أَيْ وَهَلْ لَهُ بَعْدَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَطْؤُهَا بِالْمِلْكِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ وَطْئِهَا؟ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ مَا يَأْتِي أَنَّهَا هَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِالْحَمْلِ السَّابِقِ عَلَى الشِّرَاءِ أَوْ لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِبْرَاءِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَحِينَئِذٍ فَتَحْتَاجُ لِلِاسْتِبْرَاءِ. قَوْلُهُ: [وَمِلْكُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَبَ وَإِنْ عَلَا يَمْلِكُ جَارِيَةَ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا بِمُجَرَّدِ تَلَذُّذِهِ بِهَا بِجِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ لِشُبْهَةِ الْأَبِ فِي مَالِ الْوَلَدِ، لَكِنْ لَا مَجَّانًا بَلْ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ التَّلَذُّذِ وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَبْدًا كَانَتْ الْقِيمَةُ جِنَايَةً فِي رَقَبَتِهِ يُخَيَّرُ سَيِّدُهُ فِي إسْلَامِهِ لِوَلَدِهِ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ فِي إسْلَامِهِ لِوَلَدِهِ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ أَوْ فِدَائِهِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ لِوَلَدِهِ مِنْ عِنْدِهِ، وَإِذَا أَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ لِوَلَدِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ عَلَى الْأَبِ فِي وَطْئِهِ لِلشُّبْهَةِ فِي مَالِ الْوَلَدِ، وَحَيْثُ مَلَكَهَا الْأَبُ بِتَلَذُّذِهِ فَلَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ، إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ وَطْئِهِ الْفَاسِدِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ وَطْئِهِ الْفَاسِدِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَتَلَذَّذْ الِابْنُ بِهَا قَبْلَ الْأَبِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ وَطْؤُهَا مُطْلَقًا اسْتَبْرَأَهَا أَوْ لَا لِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِمَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ.

إنْ أَعْدَمَ وَتُبَاعُ عَلَيْهِ فِي عُدْمِهِ إنْ لَمْ تَحْمِلْ. (وَحَرُمَتْ عَلَيْهِمَا) مَعًا (إنْ وَطِئَاهَا) مَعًا بِأَنْ وَطِئَهَا الِابْنُ قَبْلَ وَطْءِ أَبِيهِ وَكَذَا أَوْ بَعْدَهُ، التَّلَذُّذُ بِدُونِ وَطْءٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ بِهَا الِابْنُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَقَطْ. (وَعَتَقَتْ) نَاجِزًا (عَلَى مَنْ أَوْلَدَهَا مِنْهُمَا) ، لِأَنَّ كُلَّ أُمِّ وَلَدٍ حَرُمَ وَطْؤُهَا نَجَزَ عِتْقُهَا. (وَ) حَرُمَ (أَمَةُ غَيْرِ أَصْلِهِ) : أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الذَّكَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لِآبَائِهِ وَلَا أُمَّهَاتِهِ بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ خَشْيَةَ رِقِّيَّةِ وَلَدِهِ لِمَالِكِ أُمِّهِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ أَمَةُ أَبِيهِ أَوْ أَمَةُ جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ لَمْ يَحْرُمْ، لَتَخَلُّقِ وَلَدِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَوْلُهُ: [وَتُبَاعُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِهِ إنْ لَمْ تَحْمِلْ] : أَيْ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَبَقِيَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَحَيْثُ جَازَ بَيْعُهَا إنْ لَمْ تَحْمِلْ فَلِلِابْنِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَا، فَإِنْ بَاعَهَا الْأَبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَزَادَ الثَّمَنُ عَلَى الْقِيمَةِ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لِلْأَبِ، وَإِنْ نَقَصَ الثَّمَنُ عَنْهَا كَانَ النَّقْصُ عَلَيْهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَارِيَةَ إذَا لَمْ تَحْمِلْ إنْ كَانَ الْأَبُ مَلِيًّا تَعَيَّنَ أَخْذُ الْقِيمَةِ مِنْهُ وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ أَخْذُهَا، وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا خُيِّرَ بَيْنَ أَخْذِهَا فِي الْقِيمَةِ وَتَبَيَّنَ اتِّبَاعُهُ بِهَا فَتُبَاعُ عَلَيْهِ فِيهَا، فَالزَّائِدُ لَهُ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. قَوْلُهُ: [وَحَرُمَتْ عَلَيْهِمَا مَعًا] : أَيْ حَيْثُ وَطِئَاهَا وَكَانَ الِابْنُ بَالِغًا وَإِلَّا فَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ لِأَنَّ وَطْءَ الصَّغِيرِ لَا يُحَرِّمُ، بِخِلَافِ عَقْدِ نِكَاحِهِ فَإِنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. قَوْلُهُ: [وَعَتَقَتْ نَاجِزًا عَلَى مَنْ أَوْلَدَهَا] إلَخْ: فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ كُلٍّ عَتَقَتْ عَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَإِنْ وَطِئَاهَا بِطُهْرٍ وَلَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ تُعَيِّنُ أُلْحِقَ بِهِمَا وَعَتَقَتْ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا. تَنْبِيهٌ: يُكْرَهُ لِلْعَبْدِ تَزَوُّجُ ابْنَةِ سَيِّدِهِ إذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَلَرُبَّمَا مَاتَ السَّيِّدُ فَتَرِثُهُ فَيُفْسَخُ النِّكَاحُ، كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ] : أَيْ وَهِيَ كَوْنُهُ حُرًّا وَيُولَدُ لَهُ وَلَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ وَوَجَدَ لِلْحَرَائِرِ طَوْلًا. قَوْلُهُ: [لَمْ يَحْرُمْ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ أَصْلُهُ الْمَالِكُ لَهَا حُرًّا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَقِيقًا

وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الذَّكَرِ تَزْوِيجُ أَمَةِ غَيْرِ أَصْلِهِ (إنْ كَانَ حُرًّا يُولَدُ لَهُ مِنْهَا) وَأَمَّا الْعَبْدُ فَيَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ مُطْلَقًا، كَانَتْ لِسَيِّدِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ أَمْ لَا، كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَمْ لَا، فَالْخِطَابُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا} [النساء: 25] إلَخْ لِلْأَحْرَارِ، وَمَفْهُومُ: " يُولَدُ لَهُ ": أَنَّ الْحُرَّ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ كَخَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ وَعَقِيمٍ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَمَّا كَانَ نَاقِصًا بِالرِّقِّ فَلَا عَارَ عَلَيْهِ فِي اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ رِقِّ نَفْسِهِ، فَجَازَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْحُرُّ لِحُرْمَتِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: " مِنْهَا "، احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا كَانَ لَا يُولَدُ لَهُ مِنْهَا لِعُقْمِهَا مَثَلًا فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ يُولَدُ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا. (إلَّا إذَا خَشِيَ) عَلَى نَفْسِهِ (الْعَنَتَ) أَيْ الزِّنَا فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا. (وَلَمْ يَجِدْ لِحُرَّةٍ وَلَا كِتَابِيَّةٍ طَوْلًا) أَيْ مَا يَنْكِحُهَا بِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا} [النساء: 25] وَالْأَوَّلُ هُوَ الثَّانِي فِي الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] ـــــــــــــــــــــــــــــQلَكَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ الْأَعْلَى. قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا خَشِيَ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ تَوَهُّمًا لِأَنَّ الْخَشْيَةَ تَصْدُقُ بِالْوَهْمِ، وَلَكِنْ قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّكُّ فَمَا فَوْقَهُ وَهُوَ الظَّنُّ وَالْجَزْمُ لِمَا يَلْزَمُهُ عَلَى تَزْوِيجِ الْأَمَةِ مِنْ رِقِّيَّةِ الْوَلَدِ فَلَا يَقْدُمُ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ الْوَهْمِيِّ. قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَجِدْ لِحُرَّةٍ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ أَصْبَغَ قَالَ: الطَّوْلُ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى نِكَاحِ الْأَحْرَارِ بِهِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ مِنْهُ، وَهُوَ خِلَافُ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى النَّفَقَةِ لَا تُعْتَبَرُ، وَالرَّاجِحُ كَلَامُ أَصْبَغَ وَيَتَبَادَرُ مِنْ شَارِحِنَا رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ. قَوْلُهُ: [مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ] : أَيْ أَوْ دَيْنٍ عَلَى مَلِيءٍ وَكِتَابَةٍ وَأُجْرَةِ خِدْمَةِ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْعَرْضِ دَارُ السُّكْنَى فَلَيْسَتْ طَوْلًا وَلَوْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ حَاجَتِهِ كَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَدَخَلَ فِي الْعَرْضِ دَابَّةُ الرُّكُوبِ وَكُتُبُ الْفِقْهِ الْمُحْتَاجِ لَهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ دَارِ السُّكْنَى أَنَّ الْحَاجَةَ لِدَارِ السُّكْنَى أَشَدُّ مِنْ الْحَاجَةِ لِلدَّابَّةِ وَالْكُتُبِ.

فَقَوْلُهُ: " وَلَمْ يَجِدْ " تَفْسِيرٌ لِ " مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ " وَقَوْلُهُ: " لِحُرَّةٍ " إلَخْ تَفْسِيرٌ لِلْمُحْصَنَاتِ، وَقَوْلُهُ: (وَهِيَ مُسْلِمَةٌ) تَفْسِيرٌ لِلْمُؤْمِنَاتِ احْتِرَازًا مِنْ الْكَافِرَةِ فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا. (وَخُيِّرَتْ) زَوْجَةٌ (حُرَّةٌ) لَا أَمَةٌ (مَعَ) زَوْجٍ (حُرٍّ) لَا عَبْدٍ (أَلْفَتْ) : أَيْ وَجَدَتْ الْحُرَّةُ مَعَ زَوْجِهَا الْحُرَّ زَوْجَةً (أَمَةً) تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْحُرَّةِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، وَلَمْ تَعْلَمْ بِهَا الْحُرَّةُ حِينَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا أَوْ عَلِمَتْ (بِوَاحِدَةٍ) مِنْ الْإِمَاءِ، (فَوَجَدَتْ) مَعَهُ (أَكْثَرَ، فِي نَفْسِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِخُيِّرَتْ: أَيْ تُخَيَّرُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا (بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ) ، فَإِنْ وَقَعَتْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ أَوْ تَرْضَى بِالْمَقَامِ مَعَهُ فَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدُ. (كَتَزْوِيجِ أَمَةٍ عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الْحُرَّةِ فَهِيَ عَكْسُ مَا قَبْلَهَا، أَوْ عَلَى أَمَةٍ رَضِيَتْ بِهَا الْحُرَّةُ أَوْ لَا فَلَهَا الْخِيَارُ الْمَذْكُورُ. (وَلَا تُبَوَّأُ أَمَةٌ) مَنْزِلًا: أَيْ لَيْسَ لَهَا وَلَا لِزَوْجِهَا إفْرَادُهَا عَنْ سَيِّدِهَا بِمَنْزِلٍ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ سَيِّدِهَا مِنْ الْخِدْمَةِ، أَوْ غَالِبِهَا، بَلْ يَأْتِيهَا زَوْجُهَا بِبَيْتِ سَيِّدِهَا لِقَضَاءِ وَطَرِهِ (بِلَا شَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ) ، وَإِلَّا فَيُقْضَى بِهِ وَلَا كَلَامَ لِسَيِّدِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: [تَفْسِيرٌ لِلْمُحْصَنَاتِ] : أَيْ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ؛ فَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْحُرِّيَّةُ، وَقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْعِفَّةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى التَّزَوُّجِ بِالشُّرُوطِ الَّذِي هُوَ الْإِحْصَانُ الْمُشْتَرَطُ فِي رَجْمِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا] : أَيْ لِأَنَّ الْأَمَةَ الْكَافِرَةَ لَا تُوطَأُ إلَّا بِالْمِلْكِ. تَنْبِيهٌ: لَوْ تَزَوَّجَ الْأَمَةَ بِشَرْطِهَا ثُمَّ زَالَ الْمُبِيحُ لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ، وَكَذَا إذَا طَلَّقَهَا وَوَجَدَ مَهْرَ الْحُرَّةِ فَلَهُ رَجْعَتُهَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، مِنْ أَنَّ تِلْكَ الشُّرُوطَ فِي الِابْتِدَاءِ فَقَطْ، وَقِيلَ إنَّهَا شُرُوطٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ، وَعَلَيْهِ إذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ بِشُرُوطِهَا ثُمَّ زَالَ الْمُبِيحُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَلَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ. قَوْلُهُ: [لَا عَبْدٍ] : أَيْ فَإِنَّ الْحُرَّةَ مَعَهُ لَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ الْأَمَةَ مِنْ نِسَاءِ الْعَبْدِ. قَوْلُهُ: [فَلَهَا الْخِيَارُ الْمَذْكُورُ] : فِي نَفْسِهَا وَإِنْ سَبَقَتْهَا الْحُرَّةُ خُيِّرَتْ فِي الْأَمَةِ.

[تنبيه جمع حرة وأمة في عقد واحد]

(وَلِلسَّيِّدِ السَّفَرُ) وَالْبَيْعُ لِمَنْ يُسَافِرُ (بِمَنْ لَمْ تُبَوَّأْ) ، وَإِنْ طَالَ السَّفَرُ، وَيُقَالُ لِزَوْجِهَا: سَافِرْ مَعَهَا إنْ شِئْت (إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ) ، كَمَا أَنَّ الْمُبَوَّأَةَ لَيْسَ لِسَيِّدِهَا سَفَرٌ بِهَا إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ فَيُعْمَلُ بِهِ. (وَ) لِلسَّيِّدِ (أَنْ يَضَعَ صَدَاقَهَا) عَنْ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ، (إلَّا رُبْعَ دِينَارٍ) فَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ لَا تَحِلُّ الْفُرُوجُ إلَّا بِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهُ إسْقَاطُ الْجَمِيعِ. (وَ) لَهُ (أَخْذُهُ) أَيْ صَدَاقِ أَمَتِهِ (لِنَفْسِهِ) وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، (وَإِنْ قَتَلَهَا) السَّيِّدُ؛ إذْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهَا لِذَلِكَ، (أَوْ بَاعَهَا) لِشَخْصٍ (بِمَكَانٍ بَعِيدٍ) يَشُقُّ عَلَى زَوْجِهَا الْوُصُولُ إلَيْهِ، فَلِسَيِّدِهَا صَدَاقُهَا (إلَّا) أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (لِظَالِمٍ) لَا يَتَمَكَّنُ زَوْجُهَا مَعَهُ مِنْ الْوُصُولِ لَهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ صَدَاقٌ وَرَدَّهُ السَّيِّدُ إنْ أَخَذَهُ. (وَسَقَطَ) الصَّدَاقُ عَنْ زَوْجِ الْأَمَةِ (بِبَيْعِهَا لَهُ) أَيْ لِزَوْجِهَا (قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَلَوْ) كَانَ الْبَيْعُ لَهُ (مِنْ حَاكِمٍ لِفَلَسٍ) قَامَ بِسَيِّدِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [تَنْبِيه جَمْعِ حرة وأمة فِي عَقْدِ وَاحِد] قَوْلُهُ: [وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَضَعَ صَدَاقَهَا] : أَيْ إنْ لَمْ يَمْنَعْهُ دَيْنُهَا الْمُحِيطُ بِالصَّدَاقِ بِأَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهَا فِي تَدَايُنِهِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ لَهُ الْوَضْعَ بِشَرْطَيْنِ الْأَوَّلُ لِحَقِّ اللَّهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ رُبْعِ دِينَارٍ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَمْنَعَهُ دَيْنَهَا الَّذِي أَذِنَ لَهَا فِي تَدَايُنِهِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ قَتَلَهَا السَّيِّدُ] : أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ قَتَلَهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِأَخْذِهِ صَدَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا بَنَى بِهَا أَمْ لَا، وَيَتَكَمَّلُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ بِالْقَتْلِ. قَوْلُهُ: [عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهَا لِذَلِكَ] : أَيْ لِأَجْلِ أَخْذِ صَدَاقِهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ قِيمَتَهَا أَكْثَرُ مِنْ صَدَاقِهَا. قَوْلُهُ: [وَسَقَطَ الصَّدَاقُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا بَاعَ الْأَمَةَ الْمُتَزَوِّجَةَ لِزَوْجِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يُسْقِطُ عَنْهُ صَدَاقَهَا، وَإِنْ قَبَضَهُ السَّيِّدُ رَدَّهُ بِمَعْنَى أَنَّ الزَّوْجَ يَحْسِبُهُ مِنْ الثَّمَنِ، فَلَوْ بَاعَهَا السُّلْطَانُ لِزَوْجِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ لِفَلَسِ السَّيِّدِ فَهَلْ كَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ الصَّدَاقُ؟ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَاخْتَارَهُ شَارِحُنَا أَوْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَهُوَ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.

[مسألة إخراج المني من الرحم]

(وَلِزَوْجِهَا) أَيْ الْأَمَةِ (الْعَزْلُ) عَنْهَا: بِأَنْ يُمْنِي خَارِجَ الْفَرْجِ (إنْ أَذِنَتْ هِيَ وَسَيِّدُهَا) لَهُ فِي الْعَزْلِ، أَيْ رَضِيَا بِهِ وَهَذَا (إنْ تَوَقَّعَ حَمْلَهَا؛ وَإِلَّا) يَتَوَقَّعْ حَمْلَهَا، لِصِغَرِهَا أَوْ إيَاسِهَا أَوْ عُقْمِهَا، (فَالْعِبْرَةُ بِإِذْنِهَا فَقَطْ) ، فَإِنْ أَذِنَتْ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. (كَالْحُرَّةِ) الْعِبْرَةُ بِإِذْنِهَا فَقَطْ دُونَ وَلِيِّهَا. (وَ) حَرُمَتْ (الْكَافِرَةُ) : أَيْ وَطْؤُهَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ. (إلَّا الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ) فَيَحِلُّ نِكَاحُهَا (بِكُرْهٍ) عِنْدَ الْإِمَامِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (وَتَأَكَّدَ) الْكُرْهُ أَيْ الْكَرَاهَةُ إنْ تَزَوَّجَهَا (بِدَارِ الْحَرْبِ) ، لِأَنَّ لَهَا قُوَّةً بِهَا لَمْ تَكُنْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَرُبَّمَا رَبَّتْ وَلَدَهُ عَلَى دِينِهَا وَلَمْ تُبَالِ بِاطِّلَاعِ أَبِيهِ عَلَى ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: لَوْ جَمَعَ حُرَّةً وَأَمَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ - وَالْحَالُ أَنَّهُ فَاقِدٌ شُرُوطَ زَوَاجِ الْأَمَةِ - بَطَلَ عَقْدُ الْأَمَةِ فَقَطْ دُونَ الْحُرَّةِ، وَلَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ الصَّفْقَةُ إذَا جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا بَطَلَتْ كُلُّهَا، لِأَنَّهُ فِي الْحَرَامِ بِكُلِّ حَالٍ وَالْأَمَةُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلِذَلِكَ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْخَمْسِ فِي عَقْدٍ أَوْ الْمَرْأَةِ وَمَحْرَمِهَا فَسَدَ الْجَمِيعُ فَتَدَبَّرْ. [مَسْأَلَة إخْرَاج المني مِنْ الرحم] قَوْلُهُ: [وَلِزَوْجِهَا أَيْ الْأَمَةِ الْعَزْلُ] : أَشْعَرَ كَلَامُهُ بِجَوَازِ عَزْلِ مَالِكِ الْأَمَةِ عَنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ. مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْمَنِيِّ الْمُتَكَوِّنُ فِي الرَّحِمِ وَلَوْ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَإِذَا نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ حَرُمَ إجْمَاعًا. [أَنْكِحَة غَيْر الْمُسْلِمِينَ] [صَدَاق الْكُفَّارِ الْفَاسِد] قَوْلُهُ: [إلَّا الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً، بَلْ وَلَوْ انْتَقَلَتْ الْيَهُودِيَّةُ لِلنَّصْرَانِيَّةِ وَبِالْعَكْسِ، وَأَمَّا لَوْ انْتَقَلَتْ الْيَهُودِيَّةُ أَوْ النَّصْرَانِيَّةُ لِلْمَجُوسِيَّةِ أَوْ الدَّهْرِيَّةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا، وَأَمَّا لَوْ انْتَقَلَتْ الْمَجُوسِيَّةُ لِلْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ فَاسْتَظْهَرَ الْبِسَاطِيُّ وَ (ح) حَلَّ نِكَاحٍ بَعْدَ الِانْتِقَالِ. قَوْلُهُ: [وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ] : أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَإِنَّمَا حَكَمَ مَالِكٌ بِالْكَرَاهَةِ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهَا تَتَغَذَّى بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَتُغَذِّي وَلَدَهَا بِهِ وَزَوْجُهَا يُقَبِّلُهَا وَيُضَاجِعُهَا، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ التَّغَذِّي، وَلَوْ تَضَرَّرَ بِرَائِحَتِهِ وَلَا مِنْ الذَّهَابِ لِلْكَنِيسَةِ، وَقَدْ تَمُوتُ وَهِيَ حَامِلٌ فَتُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ

(وَ) إلَّا (الْأَمَةُ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا (بِالْمُلْكِ فَقَطْ) ، لَا بِنِكَاحٍ فَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ، وَلَوْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا أَوْ كَانَ عَبْدًا وَلَوْ كَانَ مَالِكُهَا مُسْلِمًا. (وَقُرِّرَ) زَوْجُهَا الْكَافِرُ أَيْ قُرِّرَ نِكَاحُهُ (إنْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ، فَتَكُونُ حُرَّةً كِتَابِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ، (وَ) قُرِّرَ إنْ أَسْلَمَ (عَلَى الْأَمَةِ) الْكِتَابِيَّةِ (إنْ عَتَقَتْ) ، فَتَكُونُ حُرَّةً كِتَابِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ أَيْضًا (أَوْ أَسْلَمَتْ) مَعَهُ فَتَكُونُ أَمَةً مُسْلِمَةً تَحْتَ مُسْلِمٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ شُرُوطِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ. (كَمَجُوسِيَّةٍ) أَيْ كَمَا يُقَرَّرُ نِكَاحُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ (أَسْلَمَتْ) بَعْدَهُ (إنْ قَرُبَ إسْلَامُهَا) ، مِنْ إسْلَامِهِ (كَالشَّهْرِ) وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وُقِفَتْ وَعُرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَأَبَتْهُ ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهِيَ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا الْأَمَةَ مِنْهُمْ] : أَيْ الْمُخْتَصَّةَ بِالْكِتَابِيِّينَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا عَلَى دِينِهِمْ، فَإِنَّ نِسَاءَ غَيْرِهِمْ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيَجُوزُ وَطْءُ حَرَائِرِهِمْ بِالنِّكَاحِ وَإِمَائِهِمْ بِالْمِلْكِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ مَالِكُهَا مُسْلِمًا] : أَيْ لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِمِلْكِ الْكَافِرِ فَيُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ لِلْكَافِرِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ